######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_000383Vols
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: السيد علي الموسوي القزويني
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 1298
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: فقه الشيعة من القرن الثامن
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_000383Vols
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/383_ينابيع-الأحكام-في-معرفة-الحلال-والحرام-السيد-علي-الموسوي-القزويني-ج-1
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: السيد علي العلوي القزويني
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: رجب المرجب 1424
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# كتاب الطهارة قسم المياه PageV01P021
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة على خير خلقه
~~محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
# وبعد، فهذه أوراق سودتها روما لشكره على إفاضة الإنعام، وسميتها ب "
~~ينابيع الأحكام في معرفة الحلال من الحرام "، وأسأله أن يتخذها من فضله
~~ذخيرة لي في يوم القيام.
# ينبوع الماء ينقسم عندهم إلى مطلق ومضاف، ثم المطلق إلى جار وغيره، ثم
~~غير الجاري إلى غيث وغيره، ثم غير الغيث إلى بئر وغيرها، ثم غير البئر إلى
~~كثير وغيره، ثم غير الكثير إلى سؤر وغيره.
# و ظاهر أن غير السؤر إنما يلحقه البحث هنا باعتبار حكمه الوضعي المعبر
~~عنه بالطهارة والنجاسة، وإن كان المقصود بالأصالة من ذلك البحث التوصل إلى
~~الأحكام التكليفية المترتبة عليهما - حسبما قرر في محله - بخلاف السؤر الذي
~~يبحث فيه هنا عن حكم تكليفي، من كراهة شربه أو مطلق استعماله وعدمها، وإن
~~كان قد يلحقه البحث عن حكمه الوضعي أيضا استطرادا، كما في سؤر الكافر و
~~أخويه.
# وفي دخول المضاف في تقسيمات الأصحاب، أو ما عنون به باب الطهارة إن لم
~~يكن هناك تقسيم صريحا وجهان: من أن اللفظ لا يتناول بظاهره إلا المطلق،
~~فيكون PageV01P022
# البحث عن غيره واردا من باب الاستطراد لعدم كونه فردا منه، ومن أن المضاف
~~يلحقه أحكام مقصودة أصالة كغيره من الأقسام فيبعد كون البحث عنه استطرادا،
~~و لازمه كونه داخلا في المقسم، أو ما عنون به الباب، وإن توقفت صحته على
~~نحو تجوز في الإطلاق بإرادة عموم المجاز.
# ولكن الذي يساعد عليه الإنصاف: أن هذا المقام مما يختلف فيه الحال
~~باختلاف مشارب الأعلام، فمن تعرض منهم لذكره صريحا في أصل التقسيم أو
~~العنوان كما في نافع المحقق (1)، فلا محيص من الحكم عليه بالتجوز واعتبار
~~عموم المجاز، ومن أعرض منهم عن ذلك كما في شرايعه (2)، فليس الحكم عليه
~~بارتكاب التجوز مما ينبغي.
# و ما قررناه من الاستبعاد في منع الاستطراد لا يصلح بمجرده قرينة على
~~العدول عن ms001 الأصل والظاهر، خصوصا مع ملاحظة أن الاستطراد ليس بعادم النظير،
~~بل واقع في كافة المسائل والأبواب.
# PageV01P023
# ينبوع كون الماء من أظهر المفاهيم تناولا وأشيعها عند العرف تداولا مما
~~يغنينا عن التعرض لشرحه، بإيراد ما يتعلق به من الضوابط المعمولة في تشخيص
~~الموضوعات، لغوية أم عرفية.
# نعم، هو باعتبار وصف كونه مطلقا في مقابلة المضاف عبارة - على ما في كلام
~~غير واحد من الأصحاب - عن كل ما يستحق إطلاق اسم الماء عليه من غير إضافة،
~~على معنى كونه بحيث لو أطلق عليه الاسم بلا قيد ولا إضافة كان ذلك الإطلاق
~~باعتبار استناده إلى الوضع اللغوي أو العرفي في محله، الذي يكشف عنه عدم
~~اشتماله على الغرابة في لحاظ الاستعمال، ولا صحة سلب الاسم عنه في نظر
~~العرف، وإن فرض وقوعه في بعض الأحيان مقرونا بالقيد والإضافة، فخرج عنه ماء
~~الورد والعنب واللحم ونظراؤه، كما دخل فيه ماء البحر والكوز والملح
~~وأشباهه.
# ووضوح كون ذلك التفسير من مقولة التعريف اللفظي - المقصود منه تفسير
~~اللفظ لخفاء مسماه بأظهر ما يرادفه مما علم فيه بذلك المسمى، كالأسد
~~بالقياس إلى الليث مثلا، وعلى قياسه ما عليه طريقة نقلة متون اللغة في ذكر
~~معاني الألفاظ - مما يدفع حزازة اشتماله على لفظة " الكل " جنسا؛ نظرا إلى
~~أن الماهية لمكان البينونة بينها وبين الأفراد لا تعرف بما لا يدل إلا على
~~الأفراد، وعلى لفظة " الماء " فصلا بملاحظة أدائه إلى الدور، المستحيل معه
~~حصول المعرفة، فإن كل ذلك إنما يمنع عنه في التعاريف الحقيقية المعبر عنها
~~بالحدود والرسوم، التفاتا إلى أن المقصود فيها الكشف عن الماهية والتوصل من
~~معلوم تصوري تفصيلا إلى مجهوله، وهو مما لا يتأتى بما يباين الماهية
~~PageV01P024
# ولا بإعادة المعرف.
# وبعبارة اخرى: التعريف اللفظي إنما يقصد به بيان ما يطلق عليه اللفظ في
~~اصطلاح التخاطب ولو كان مجهولا باعتبار الماهية، وهو مما يتأتى بكل ما
~~يوجبه، بخلاف الحد والرسم المقصود بهما بيان أصل الماهية وتمييزها عما
~~عداها من الماهيات المردد فيها، فلا يتأتى بما يدل على ms002 الأفراد، ولا بلفظ
~~المعرف أو مرادفه، وإنما اقتصروا في المقام على مجرد التعريف اللفظي بينها،
~~على أن الفقيه لا يتعلق غرضه في التعاريف إلا بتحصيل ما هو من موضوع بحثه؛
~~لضابطة أن الأحكام تدور مدار الموضوعات [العرفية وذلك يحصل] (1) بالتعريف
~~اللفظي أيضا؛ لكون موضوعات الأحكام منوطة بصدق الاسم عرفا أو لغة، ولذا
~~تراهم يقتصرون في تحصيل الموضوعات اللغوية على مجرد ما ذكره أئمة اللغة،
~~فالماء الذي علق عليه من الأحكام الشرعية - تكليفية ووضعية - ما لا يعد ولا
~~يحصى ما يطلق عليه الاسم على جهة الاستحقاق، ويصدق عليه اللفظ عرفا على وجه
~~يأبى عن سلبه.
# فما علم فيه بذلك فلا إشكال في إجراء الأحكام عليه، كما أن ما علم فيه
~~بخلاف ذلك فلا إشكال في عدم إجراء الأحكام عليه، بل في إجراء أحكام المضاف
~~عليه.
# وأما ما اشتبه حاله فيرجع فيه إلى الاصول، مثل أنه لو كان ذلك الاشتباه
~~عن حالة سابقة معلومة من الإطلاق والإضافة، يلحق المشكوك فيه بأحد الأولين
~~استصحابا لما كان عليه سابقا، من غير فرق بين ما لو كان الشك ناشيا عن زوال
~~وصف، أو حدوثه مشابها بما هو من أوصاف الطرف المقابل، أو مشكوكا حاله.
# ولو لم يكن عن حالة سابقة، فبالنسبة إلى انفعال نفسه بمجرد الملاقاة أو
~~تطهره باتصال الكر أو الجاري ما دام الوصف باقيا يحكم بالعدم، مع تأمل في
~~الأول يأتي وجهه في مباحث المضاف، كما أنه بالنسبة إلى رفعه الحدث أو الخبث
~~عن غيره يحكم بالعدم؛ للأصل في كل منهما، مضافا إلى أن الشرط في مشروط
~~بالماء ولو من جهة نذر معلق عليه مما لا يحرز بالشك، فسبيله من هذه الجهة
~~سبيل المضاف، وإن لم يكن منه بحسب الواقع.
# PageV01P025
# نعم، عند الشك في إباحة استعماله في غير مشروط بالماء من شرب ونحوه، كما
~~لو دار بين الماء والمضافات النجسة كالخمر ونحوها، كان سبيله سبيل الماء،
~~وإن لم يكن ماء في الواقع، من غير فرق في كل ذلك بين ما لو كانت الشبهة ms003
~~مصداقية، أو ناشئة عن الشك في الاندراج.
# والفرق بينهما مع اشتراكهما في الشك في الصدق، أن الشبهة في الثاني تنشأ
~~عن الجهل بتفصيل المسمى، وفي الأول تنشأ عن أمر خارج وجودي أو عدمي غير
~~مناف للعلم بالمسمى تفصيلا.
# وإن شئت فقل: إن الشك في الأول نظير الشك في الصغرى بعد إحراز الكبرى،
~~وفي الثاني نظير الشك في الكبرى بعد إحراز الصغرى، والمراد بالكبرى المشكوك
~~فيها ما كان محموله شيئا معلوم الوصف مشكوكا في كونه ماء، كالمياه
~~الكبريتية والنفطية، وبالصغرى المشكوك فيها ما كان محموله شيئا مشتملا على
~~وصف وجودي أو عدمي شبيه بوصف المضاف، مع العلم بكونه ماء على فرض عدم
~~الوصف، كمايع فيه رائحة الجلاب، مشكوك في كونه جلابا في الواقع أو ماء قد
~~اكتسب الرائحة بالمجاورة ونحوها، أو مايع ليس فيه رائحة الجلاب، مشكوك في
~~كونه ماء أو جلابا زال رائحته لعارض.
# ومحصله: أن الشك في الصورتين هنا راجع إلى كون الوصف الموجود من الوجودي
~~أو العدمي أصليا، ليكون المايع جلابا في الصورة الاولى وماء في الصورة
~~الثانية، أو عرضيا ليكون ماء في الصورة الاولى و جلابا في الصورة الثانية.
~~PageV01P026
# ينبوع الماء بعنوانه الكلي المتحقق في ضمن جميع الأقسام المتقدمة حتى ما
~~كان منه مذابا من الثلج أو البرد أو كان ماء بحر، ما دام باقيا على خلقته
~~الأصلية - بعدم مصادفة ما يوجب فيه سلب الإطلاق، أو التنجس والانفعال -
~~طاهر في نفسه مطهر لغيره من حدث - وهو الحالة المانعة من الصلاة المتوقف
~~رفعها على النية، أو ما كان منشأ لتلك الحالة من الأسباب الآتي تفاصيلها،
~~فيراد برفعها رفع الأثر المتعقب لها المعبر عنه بالحالة المذكورة - وخبث -
~~وهو نفس النجاسة التي تفارق عن الحدث بما ذكر فيه من القيد الأخير - خلافا
~~في ماء البحر لسعيد بن المسيب (1) المانع من الوضوء به مع وجود الماء، وعبد
~~الله بن عمر القائل: " بأن التيمم أحب إلي منه " على ما حكي عنهما (2)؛ فإن
~~خلافهما - مع إمكان تأويله إلى ما لا ينافي ما ادعيناه ms004 من الكلية، بإرجاعه
~~إلى شبهة في الموضوع، حصلت لهما على حد ما فرضناه في مشكوك الحال المردد
~~بين كونه مطلقا أو مضافا - وإن كانت شبهة في مقابلة البديهة - مضافا إلى
~~عدم كون المحكي عن الثاني صريحا في المخالفة، لجواز ابتناء كلامه على
~~الاحتياط الغير اللازم، كما هو ظاهر التعبير ب " أحب "، وإن كان ذلك
~~الاحتياط في غير محله - محجوج عليه بما ستسمعه
# PageV01P027
# من الأدلة القاطعة، مضافا إلى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما
~~سئل عن الوضوء بماء البحر: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " (١).
# والدليل على الكلية المدعاة واضح، بعد ملاحظة الإجماع الضروري من العلماء
~~كافة، ونقله على حد الاستفاضة المدعى كونها قريبة من التواتر الذي منه ما
~~عن المعتبر (٢) والمنتهى (٣) وشرح الدروس للمحقق الخوانساري (٤)، ونقل كونه
~~من ضروريات الدين عن المفاتيح (٥)، ولعله كذلك، بل مما لا يمكن الاسترابة
~~فيه، والأخبار المتواترة معنا بل البالغة فوق التواتر بألف مرة الواردة في
~~تطهير النجاسات وتعليم الطهارات، الآمرة بها وبتفاصيلها المتكفلة لبيان
~~أجزائها وشروطها وموانعها وسائر ما اعتبر فيها.
# وقد شاع عندهم الاستدلال من الكتاب العزيز بقوله عز من قائل: (وينزل
~~عليكم من السماء ماء ليطهركم به) (٦) وقوله الآخر: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (7) ولا كلام لأحد
~~في دلالة الأول على المطهرية مطابقة والطهارة التزاما عرفيا بل عقليا؛ لا
~~لأن فاقد الشئ لا يعقل معطيا له، فإن حكم التطهير مبني على التسبيب الشرعي
~~[ولا يحكم العقل] (8) بامتناع أن يجعل الشارع شيئا غير طاهر سببا لتطهير
~~الغير، كما في الأرض التي تطهر باطن النعل على القول بعدم اشتراط الطهارة
~~فيها، ومثله ثلاثة أحجار الاستنجاء إن لم نقل باشتراط الطهارة فيها تعبدا،
~~بل لأن الماء إذا كان نجسا فيسري نجاسته إلى المحل فلا يزيد فيه إلا نجاسة
~~في نجاسة، ومعه لا يمكن التطهر.
# نعم، ربما نوقش فيه بل وفي الثاني أولا: بمنع العموم في لفظة " الماء "؛
~~لكونها نكرة في الإثبات.
# وثانيا: بعدم تناوله لمياه الأرض، فيكون الدليل أخص ms005 من المدعى.
# PageV01P028
# ويمكن المناقشة أيضا بعدم تناوله رفع الحدث؛ لأن كونه تطهيرا إنما ثبت
~~بالشرع، واللفظ الوارد في الخطاب إنما يحمل على ما يتداوله العرف و يساعد
~~عليه اللغة.
# ولكن دفعها بناء على القول بثبوت الحقيقة الشرعية فيه وفي لفظ " الطهارة
~~" أيضا هين، وعلى القول بعدم ثبوتها فيه بالخصوص - كما هو الأرجح - بأن
~~نقول: حمل اللفظ على المعنى العرفي اللغوي هنا لا يقدح في دخول رفع الحدث
~~في مفهوم التطهير؛ فإن النظافة في مفهوم " الطهارة " لغة وعرفا في نظر
~~العرف شئ وعند الشارع شئ آخر، ولعل بينهما عموما من وجه، فيكون الاختلاف
~~بينهما إختلافا في المصداق دون المسمى، نظير ما لو اختلف زيد وعمرو - بعد
~~اتفاقهما على أن لفظة " زيد " موضوعة لابن عمرو - في أن ابن عمرو هذا الرجل
~~أو ذاك الرجل، فإذا حملنا التطهير الوارد في الآية على التنظيف بالمعنى
~~الشامل لرفع الحدث والخبث معا، لم يكن منافيا لحمله على معناه العرفي
~~اللغوي جدا.
# وأجيب عن الأوليين: بأن ورود المطلق مورد الامتنان وإظهار الإنعام
~~والإحسان مما يفيد العموم، فيمنع عن كون لفظة " الماء " حينئذ نكرة، بل هو
~~اسم جنس منون، على حد ما في قول القائل: " في الدار رجل لا امرأة "، ومعه
~~كان الحكم معلقا على الماهية الجنسية، فيسري إلى الأفراد قاطبة.
# وأن مياه الأرض كلها من السماء، كما نطق به قوله تعالى: (وأنزلنا من
~~السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون) (١)، وقوله
~~تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من
~~السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه﴾ (٢)،
~~وقوله تعالى:
# ﴿هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه
~~شراب ومنه شجر - إلى قوله - ينبت لكم به الزرع﴾ (3).
# وجه الاستدلال بالآية الاولى: أنها تقضي بذلك صدرا وذيلا.
# أما الأول: فلكونه في معرض الامتنان، فلولا جميع مياه الأرض من السماء
~~لما تأتي ذلك الغرض؛ لإمكان التعيش من الماء بما هو من أصل الأرض. ms006
# وأما الثاني: فلظهور قوله: (وإنا على ذهاب به لقادرون) (4) في إرادة
~~التهديد على كفران النعمة، والعدول عن الطاعة إلى المعصية، فلولا إذهابه
~~بماء السماء موجبا لخلو
# PageV01P029
# الأرض عن الماء لما تأتي ذلك الغرض، هذا مضافا إلى ما عن القمي أنه روى
~~في تفسيره عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: " هي الأنهار و العيون و
~~الآبار " (1).
# وبالثانية والثالثة: أنهما واردان أيضا في معرض الامتنان، فلولا جميع ما
~~في الأرض من الينابيع وما يحصل به الشراب والشجر والزرع والنبات منزلا من
~~السماء من أصله - وإن كان نابعا فعلا من الأرض - لما أعطى الله سبحانه
~~بكلامه الغرض حقه، بل كان الامتنان في غير محله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
# وربما يتأمل في دلالة الآيتين، أو هما مع ما تقدم من الرواية في تفسير
~~الآية الاولى، كما أشار إليه في الرياض (2)، آمرا به بعدما أوردهما عقيب
~~الرواية المذكورة.
# ولعل وجهه قصور الجميع عن إفادة تمام المطلب؛ فإن أعظم مياه الأرض إنما
~~هو ماء البحر، ولا دلالة في شئ من ذلك على كونه من السماء.
# ويمكن دفعه: بأنه إنما يتجه لو لم يكن ماء البحر نابعا من الأرض، وإلا
~~فيرجع إلى عنوان " العيون " الوارد في الرواية والآية الاولى من الأخيرتين
~~- ولو من جهة أصله - ولعله الظاهر، أو بأن ماء البحر على ما يشاهد بالحس ما
~~يجتمع فيه من الأنهار العظيمة المخرجة إليه عن العيون والأمطار والثلوج،
~~فلا يكون خارجا عنها، أو بأن المطلب يتم بملاحظة عموم الامتنان أيضا، إذ لو
~~كان ماء البحر من نفس الأرض لما احتاج العباد إلى مياه السماء، فيكون
~~الامتنان واردا في غير محله. فتأمل (3).
# نعم، هاهنا مناقشة اخرى واردة على الثاني خاصة، وهي: أن لفظة " طهور " لا
~~تقضي إلا بوصف الطهارة، والعمدة في المقام إنما هو إثبات المطهرية، وأصل
~~هذه المناقشة عن أبي حنيفة (4)، فإنه منع عن دلالة الآية على كون الماء
~~مطهرا، ومستنده إما
# PageV01P030
# ما حكاه في الرياض (1) والحدائق (2) من عدم جواز كون " طهور " على بابه
~~من المبالغة في ms007 أمثاله؛ لأن المبالغة في " فعول " إنما هي بزيادة المعنى
~~المصدري وشدته فيه، ك " أكول " و " ضروب "، وكون الماء مطهرا لغيره أمر
~~خارج عن الطهارة - التي هي المعنى المصدري - فكيف يراد منه، بل هو حينئذ
~~بمعنى الطاهر.
# أو ما قرره الشيخ في التهذيب من: " أنه كيف يكون الطهور هو المطهر، واسم
~~الفاعل منه غير متعد، وكل فعول ورد في كلام العرب متعديا لم يكن متعديا إلا
~~وفاعله متعد، فإذا كان فاعله غير متعد ينبغي أن يحكم بأن فعوله غير متعد
~~أيضا، ألا ترى أن قولهم: " ضروب " إنما كان متعديا لأن الضارب منه متعد،
~~وإذا كان اسم الطاهر غير متعد يجب أن يكون الطهور أيضا غير متعد " (3).
# ولا يذهب عليك: أن هذا لا يرجع إلى الوجه الأول، لأن مبناه على منع دعوى
~~المبالغة في تلك اللفظة بخصوصها رأسا، بتوهم أنها مبنى الاستدلال على كون
~~الماء مطهرا، ومحصله يرجع إلى أن المبالغة إنما هي للدلالة على الزيادة في
~~أصل المعنى المصدري، وهذه الزيادة في خصوص تلك اللفظة إما أن تعتبر بالقياس
~~إلى معنى الطهارة، أو بالقياس إلى معنى التطهير، ولا سبيل إلى شئ منهما.
# وأما الأول: فلأن الطهارة في الماء لا تكون إلا على نمط واحد، فلا تقبل
~~الزيادة والتكرار.
# وأما الثاني: فلخروج معنى التطهير عما هو معنى مصدري لطهور، فلا يعقل منه
~~الدلالة على المبالغة بالقياس إليه، بخلاف الوجه الثاني الذي مرجعه إلى منع
~~كون المبالغة في تلك اللفظة بالقياس إلى المعنى المتعدي، وهو كما ترى لا
~~ينافي كونها للمبالغة بالقياس إلى المعنى اللازم.
# وملخصه: أن المبالغة بالقياس إلى ما عدا المعنى اللازم مبنية على كون "
~~طهور " متعديا وهو باطل؛ لمكان التلازم فيما بين الفاعل و الفعول لغة في
~~وصفي التعدية واللزوم، و " الطهور " إذا كان فاعله وهو " الطاهر " لازما -
~~كما هو المسلم المتفق عليه - فكيف يمكن التفكيك بينهما بجعل " فعوله "
~~متعديا، وهو كما ترى مما لا تعرض فيه
# PageV01P031
# لمنع المبالغة بالقياس إلى المعنى اللازم.
# فما ذكره الشيخ في دفع هذا الوجه ms008 من: أنه لا خلاف بين أهل النحو أن اسم "
~~فعول " موضوع للمبالغة وتكرر الصفة، ألا ترى أنهم يقولون: " فلان ضارب "،
~~ثم يقولون: " ضروب " إذا تكرر منه ذلك وكثر، وإذا كان كون الماء طاهرا ليس
~~مما يتكرر ويتزايد، فينبغي أن يعتبر في إطلاق " الطهور " عليه غير ذلك،
~~وليس بعد ذلك إلا أنه مطهر، ولو حملناه على ما حملنا عليه لفظة الفاعل لم
~~تكن فيه زيادة فائدة (1)، ليس مما يتوجه إليه بل هو بظاهره أجنبي منه.
# نعم، يتوجه إلى الوجه الأول الذي سمعته عن الرياض (2) والحدائق (3)،
~~وكلام الشيخ (رحمه الله) خلو عن الإشارة إليه.
# نعم، إنما يتوجه إليه ما قرره من العلاوة بقوله: " إن ما قاله السائل: إن
~~كل اسم للفاعل إذا لم يكن متعديا فالفعول منه غير متعد فغلط أيضا، لأنا
~~وجدنا كثيرا ما يعتبرون في أسماء المبالغة التعدية، وإن كان اسم الفاعل منه
~~غير متعد، ألا ترى إلى قول الشاعر:
# حتى شآها كليل موهنا عمل * باتت طرابا وبات الليل لم ينم (4) فعدى " كليل
~~" إلى " موهنا " لما كان موضوعا للمبالغة، وإن كان اسم الفاعل منه غير متعد
~~" (5) انتهى.
# ثم، إن بعد الغض عما ذكرناه، فالذي يقتضيه التدبر ويساعد عليه النظر،
~~ورود كل من الوجهين على خلاف التحقيق؛ لا لما قرره في المدارك (6) - كما عن
~~صاحب المعالم (7) أيضا - في دفع الوجه الأول، من أن ذلك إثبات للغة
~~بالاستدلال، وترجيح لها بالعقل، فإن ذلك أيضا وارد في غير محله؛ لما تنبه
~~عليه في الحدائق (8)، وأشار إليه
# PageV01P032
# في الرياض (1) أيضا، بل لابتنائهما على المغالطة والاشتباه من جهات اخر.
# أما الأول منهما: فلعدم كون الخصم بصدد إنكار ورود صيغة " فعول " لغة
~~للمبالغة، حتى يدفع كلامه بما ذكر من قضية عدم الخلاف بين أهل النحو في وضع
~~" الفعول " لغة للمبالغة وتكرر الصفة، بل غرضه إنكار كون " طهور " بالخصوص
~~مندرجا في " الفعول " بهذا المعنى، فحينئذ يتجه أن يقال: كما أنه لا خلاف
~~بين أهل النحو في وضع " فعول " للمبالغة وتكرر الصفة، فكذلك لا خلاف بينهم
~~في وضعه ms009 لمجرد الوصف قائما مقام الفاعل فيما كان من فعل يفعل بضم العين،
~~على قياس ما هو الحال في الصفات المشبهة، فأي شئ يستدعي لحوق " طهور "
~~بالأول دون الثاني؟ بل قضية ما أشرنا إليه من الضابط كونه من الفعول بمعنى
~~الفاعل، لا مما هو مبالغة في الفاعل.
# ومع الغض عن ذلك، فالعدول عن جعله للمبالغة في المعنى اللازم إلى جعله
~~لها في المعنى المتعدي مما لا داعي إليه، بعد ملاحظة أن " الطهارة "
~~باعتبار معناها اللغوي - وهو النظافة والنزاهة - مما يقبل الزيادة والشدة
~~والضعف، كما يشير إليه ما عن الزمخشري من " أن الطهور: البليغ في الطهارة "
~~(2)، وتنبه عليه صاحب المدارك أيضا فأشار إليه في دفع ما حكاه عن الشيخ من
~~الوجه الأول، وقال: " وابتنائه على ثبوت الحقيقة الشرعية للمطهر على وجه
~~يتناول الأمرين، فهو أولى مما ذكره الشيخ في التهذيب " - إلى قوله -: "
~~لتوجه المنع إلى ذلك، وعدم ثبوت الوضع بالاستدلال " (3).
# فإن قوله: " لتوجه المنع إلى ذلك "، مراد منه المنع عن عدم صلاحية " طهور
~~" بغير المعنى المتعدي للتكرر والتزايد.
# ووجهه: أن النظافة في الماء باعتبار الصفاء والكدورة، أو خلوصه عن
~~الأوساخ والأقذار وعدمه، أو عن الأرياح النتنة والألوان المكرهة وعدمه لها
~~مراتب، لأن كلا من ذلك قد يضعف وقد يتضاعف، وقد يقل وقد يتكثر على وجه ينشأ
~~منه صحة إطلاق " فعول " للمبالغة في ذلك عرفا كما نشاهده بطريق الحس
~~والعيان، وبذلك ينقدح أيضا
# PageV01P033
# فساد الأول [الذي] (1) تقدم تقريره.
# نعم، الطهارة بالمعنى الشرعي غير صالحة لهما، لعدم كونها متصورة إلا على
~~نمط واحد، وكأن مبنى كلام الخصم على توهم إرادته، وهو كما ترى مما لا ضرورة
~~في المقام دعت إلى اعتباره، إلا على تقدير ثبوت الحقيقة الشرعية في لفظ "
~~الطهارة "، أو ثبوت القرينة على اعتباره مجازا على التقدير الآخر، وكلاهما
~~ممنوعان.
# ومع الغض عن ذلك أيضا فاعتبار المبالغة بالنسبة إلى المعنى اللغوي مما لا
~~يكاد يعقل بعد فرض كون " طهور " أو " فعول " من المشتقات، لمكان كونه
~~مخالفا للقياس وقانون الاشتقاق، فإن المشتق في تعديته ms010 ولزومه تابع لمأخذ
~~اشتقاقه، والمفروض أنه لازم، وإلا كانت التعدية سارية في جميع التصاريف،
~~وهو باطل ومخالف لضرورة العرف واللغة.
# ودعوى أن كون الماء طاهرا مما لا يتكرر ولا يتزايد، فينبغي أن يعتبر
~~المبالغة في كونه مطهرا.
# يدفعها: أن هذا الاعتبار لابد وأن يثبت من الواضع، وهو ليس بثابت إن لم
~~نقل بثبوت خلافه، بملاحظة كون الوضع في المشتقات نوعيا - على ما قرر في
~~محله - فإن خصوص لفظ " طهور " ليس مما وضعه واضع اللغة، حتى يقال: بأنه إذا
~~وضعه للمبالغة بدليل مثبت له فلا محالة اعتبر المبالغة في كون الماء.
# مطهرا لعدم صلاحية ما عداه للتكرار والزيادة، بل الذي تصدى لوضعه الواضع
~~إنما هو صيغة " فعول " مجردة عن خصوصيات المواد التي منها مادة " طهر "، و
~~هذه الصيغة إنما تعتبر مفيدة لما وضعت له من المبالغة في كل مادة تكون
~~صالحة للزيادة والتكرار، وقد فرضتم خلافه في مادة " طهر "، ومعه لا محيص عن
~~اعتبار كون " طهور " من الفعول الموضوع للمعنى الوصفي، المعبر به عن الفاعل
~~- حسبما أشرنا إليه - على حد ما يقال في أفعل التفضيل: من أنه يصاغ عن مادة
~~قابلة للتفاضل، وأما ما ليس كذلك فالأفعل بالقياس إليه وصفي كما في أعمى
~~ونحوه.
# وما ذكرناه من أن الواضع لم يتصد لوضع " طهور " بخصوصه للمبالغة، لا
~~ينافي ما
# PageV01P034
# يأتي في كلام كثير من أهل اللغة من تفسير " الطهور " بالطاهر المطهر، أو
~~المطهر فقط؛ لعدم ابتناء كلامهم على دعوى كونه من جهة المبالغة، كيف ولا
~~إشارة في كلام [واحد منهم بذلك] (1) و إن سبق إلى بعض الأوهام كما ستعرفه،
~~بل أقصى ما يقضي به نصهم إنما هو كون ذلك من مقتضى الوضع الشخصي الثابت له
~~بإزاء المطهر، ولعله وضع عرفي محدث وارد على الوضع اللغوي النوعي، بل
~~الالتزام به في تصحيح كلامهم مما لا محيص عنه عند التحقيق، كما ستعرفه.
# ومن جميع ما قررناه ينقدح حينئذ فساد الوجه الثاني الذي ذكره الشيخ، فإن
~~ما ذكره مخالف لقانون الاشتقاق، المقتضي لسراية مأخذ الاشتقاق ms011 في المشتق،
~~المقتضية لكون المشتق تابعا لمأخذ اشتقاقه، حتى في التعدية واللزوم، ولزوم
~~الفاعل دليل محكم وشاهد عدل على لزوم المأخذ، وهو ملازم للزوم المشتق الآخر
~~وهو " فعول "، وإلا حصل التخلف، وهو كما ترى غير معقول.
# وأما ما استشهد به من كثرة اعتبار التعدية في أسماء المبالغة وإن فرض
~~الفاعل لازما، فليس مما يشهد له بكون " طهور " أيضا من هذا الباب، إن أراد
~~به اعتبارها مطلقا ولو على سبيل التجوز؛ ضرورة أن ثبوت التجوز في موضع
~~لقرينة دلت عليه لا يقضي بثبوته في سائر المواضع، ولا سيما في الموضوعات
~~النوعية التي أشخاصها ألفاظ مستقلة في حد أنفسها تباين بعضها بعضا، فلا
~~ينبغي مقايسة بعضها على بعض في وصفي الحقيقة والمجاز.
# وإن أراد به اعتبارها على سبيل الحقيقة، فهو يخالف قانون الاشتقاق، مضافا
~~إلى ما ثبت في المشتقات من الوضع النوعي، هذا مع ما في الاستشهاد بقول
~~الشاعر من الغفلة عن حقيقة الحال.
# أما أولا: فلتوجه المنع إلى كون " كليل " في الشعر المذكور متعديا، عاملا
~~على المفعولية في " الموهن "، الذي هو عبارة عن ساعات الليل، أو نحو من
~~نصفه، أو ما بعده بساعة، وإن توهمه سيبويه - على ما حكاه عنه الشارح الرضي
~~(2) - فيما ادعاه من أن:
# PageV01P035
# فاعلا إذا حول إلى " فعيل " أو " فعل " عمل، متمسكا بذلك الشعر، بل "
~~الموهن " - على ما يساعد عليه الذوق، ونص عليه غير سيبويه - نصب على
~~الظرفية متعلق ب " شأها " بمعنى ساقها، أو سبقها راجعا ضميره إلى " للاتن
~~" وهي حمير الوحش، وعلى فرض كونه معمولا ل " كليل " فهو نصب على الظرفية
~~أيضا، وهو على التقديرين لازم مراد منه العجز والتعب، اللذين اعتبرا وصفين
~~للبرق الذي هو السائق.
# غاية الأمر، استلزام ذلك مجازا في الإسناد، من باب الإسناد إلى السبب؛
~~نظرا إلى أنهما في الحقيقة وصفان للاتن، و إنما أسندا إلى " البرق " - الذي
~~اريد من الكليل - لكونه سببا لهما فيها، نظير إطلاق " القاتل " على سبب
~~القتل، وهذا كما ترى باب وسيع العرض يجري في فنون كثيرة، ولا سيما ms012 المقام
~~الذي لابد فيه من اعتباره بملاحظة الفقرات الاخر الواردة فيه من باب المجاز
~~في الإسناد، التي منها: إسناد السوق إلى " البرق " الذي لا يلائم إلا كونه
~~من باب التسبيب؛ لعدم كون السوق بالقياس إليه من الأفعال المباشرية، ضرورة
~~ابتناء المباشرة على الشعور والإرادة، وظاهر أن " البرق " ليس من ذوات
~~الشعور والإرادة.
# ومنها: إسناد البيتوتة إلى الليل، فإنها في الحقيقة وصف " للاتن " والليل
~~ظرف له، فإسنادها إليه من باب الإسناد إلى الظرف.
# ومنها: إسناد عدم النوم إليه، بناء على كون قوله: " لم ينم " عطفا على
~~قوله: " بات " بإسقاط العاطف للضرورة، والتقريب ما تقدم.
# هذا مضافا إلى أنه لولا إطلاق " الكليل " هنا من باب المجاز في الإسناد -
~~حسبما قررناه - لزم على تقدير كونه متعديا مجازان:
# أحدهما: ما يلزم منه فيه باعتبار المادة، من حيث إنه بالوضع الأصلي
~~اللغوي من المواد اللازمة.
# وثانيهما: ما يلزم منه في تعديته إلى " الموهن "، فإن الإعياء بمعنى
~~الإعجاز و الإتعاب مما يقع في الحقيقة على " الاتن "، و " الموهن " ظرف
~~لهما، فيكون الإسناد إليه من باب قولهم: " أتعبت يومك، وساهرت ليلتك "، ولا
~~ريب أن المجاز الواحد أولى من مجازين.
# وأما ثانيا: فلأن " الكليل " إذا كان متعديا فهو مبالغة في الفاعل بمعنى
~~الفعل، وقضية PageV01P036
# ذلك اعتبار التعدية في كل من " الفاعل " و " الفعيل "، وهو - مع أنه خلاف
~~ما استشهد له - مما لا يجري في " الطهور " إذا فرض كونه مبالغة في الطاهر،
~~إذ لم يقل أحد بكون " طاهر " بمعنى المطهر حتى في موضع الاستدلال.
# وأما ثالثا: فلأن غاية ما هنالك، ثبوت استعمال على الوجه المذكور، ولعله
~~في هذا الموضع وارد على سبيل المجاز، محافظة على القاعدة النحوية من " أن
~~المفعول به لا يعمل فيه إلا المتعدي " ولا يلزم من ذلك اعتبار التجوز في كل
~~" فعول " ورد مجردا عن القرينة، ونعم ما قال الشارح الرضي - [في نفي] (١)
~~كون " الكليل " متعديا من المكل من -: " أنه لا استدلال بالمحتمل ولا سيما
~~إذا كان بعيدا " (٢).
# وبالجملة: هذه الكلمات مما لا ينبغي التفوه بها ms013 في منع الدليل المحكم
~~المطابق للعرف واللغة، والقواعد المحكمة المتفق عليها.
# نعم، لو كان منع كلام الخصم وهدم استدلاله مما لابد منه، فليقل: بمنع
~~ابتناء الدلالة على كون الماء مطهرا على كون " طهور " في الآية مرادا منه
~~المبالغة، وسند هذا المنع وجوه جمعناها عن كلام الأصحاب، وإن كان بعضها
~~واضح الضعف:
# منها: ما حكاه صاحب المصباح المنير، في عبارة محكية عنه عن بعض العلماء،
~~أنه قال: " ويفهم من قوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (3) أنه طاهر في
~~نفسه مطهر لغيره، لأن قوله: " ماء " يفهم منه أنه طاهر، لأنه ذكره في معرض
~~الامتنان، ولا يكون ذلك إلا بما ينتفع به، فيكون طاهرا في نفسه، وقوله: "
~~طهورا " يفهم منه صفة زائدة على الطهارة، وهي الطهورية " (4).
# وقد يقال: بأن " الطهور " لو لم يرد منه المطهرية، بعد ما كانت الطهارة
~~مفهومة من الماء بملاحظة الامتنان، كان ذكره عبثا تعالى الله عن ذلك.
# وفيه: أن الامتنان وإن كان يقتضي كون الماء مما ينتفع به، إلا أن جهة
~~الانتفاع به لا تنحصر فيما يقتضي الطهارة الشرعية، بالمعنى المقابل
~~للنجاسة، بل له جهات اخر كثيرة
# PageV01P037
# غير متوقفة على الطهارة بهذا المعنى، كسقي الدواب والبساتين والمزارع
~~والأشجار واتخاذ الطين للأبنية والمساكن، ولو سلم فذكر الوصف بعده لا يقتضي
~~كونه لصفة زائدة، غاية الأمر كونه - على تقدير إرادة الصفة المفهومة أولا -
~~للتوضيح، وهو ليس مما يمنع عنه في الكلام، وإن كان الأصل الناشئ عن الغلبة
~~يقتضي خلافه، وهذا الأصل كما ترى مما لا ينبغي إجراؤه في المقام، بعد
~~ملاحظة دوران الأمر فيه بين الأخذ به أو الأخذ بأصالة الحقيقة بالنسبة إلى
~~مادة " طهور "، فإن العدول عن الحقيقة يستدعي قرينة معتبرة، والأصل المذكور
~~غير صالح لها.
# هذا إذا كان انفهام المطهرية مبنيا على التجوز، وإلا - فمع أنه في حيز
~~المنع - فأصالة الحقيقة كافية في إفادة الحكم المذكور عما ذكر من الوجه
~~الاعتباري.
# وأما ما عرفته من الزيادة، ففيه: أنه كلام فاسد قد هدمنا بنيانه في ms014 مباحث
~~المفاهيم من فن الاصول (1)، فلا يعبأ به، والعجب عن شيخنا في الجواهر (2)
~~أنه استوجه هذا الوجه.
# ومنها: ما حكاه أو احتمله في المدارك، من أن " الطهور " في العربية على
~~وجهين:
# صفة، كقولك: " ماء طهور " أي طاهر، واسم غير صفة، ومعناه: ما يتطهر به،
~~كالوضوء والوقود بفتح الواو فيهما لما يتوضؤ به ويوقد به، وإرادة المعنى
~~الثاني هناك أولى، لأن الآية مسوقة في معرض الإنعام، فحمل الوصف فيها على
~~الفرد الأكمل أولى وأنسب (3).
# وفيه: - مع رجوعه إلى إثبات الحكم الشرعي بالاستحسان ومجرد الاعتبار
~~العقليين، لحصول المقصود من الامتنان بمجرد الطهارة المقتضي للحمل على
~~المعنى الوصفي - أن الحمل على المعنى الاسمي لا يستقيم إلا مع ارتكاب ضرب
~~من التجوز، كما تنبه عليه غير واحد من الأصحاب، وهو تجريد اللفظ عما يدل
~~على الذات المأخوذة في مفهومه، إذ لولاه لما صح الوصف به، وهذا التجوز كما
~~ترى مما لا شاهد له في الكلام،
# PageV01P038
# وما ذكر من الأولوية الاعتبارية بمجرده لا يصلح لذلك بعد قيام احتمال
~~معنى غير موجب له، ومرجعه إلى أن الاحتمال ولو ساعد عليه الاعتبار لا يعارض
~~أصالة الحقيقة.
# وأما عدم جواز الوصف على المعنى الاسمي بدون التجرد، فقد يعلل: بكونه من
~~جهة جمود اللفظ بهذا المعنى، وهو أيضا ليس بسديد؛ فإن أسماء الآلة يعد
~~عندهم كأسماء المكان والزمان من المشتقات الاسمية، فكيف يلائمه الحكم على "
~~الطهور " بالجمود.
# فالأولى إرجاع ذلك إلى قاعدة التوقيف، نظرا إلى أن الأوضاع مجازية أو
~~حقيقية، شخصية أو نوعية، إفرادية أو تركيبية، لا تتلقى إلا من الواضع، ومن
~~الأوضاع النوعية التركيبية توصيف شئ بشئ في الكلام، وهذا مما لم يثبت في
~~خصوص أسماء الآلة، كما أنه لم يثبت في أسماء الزمان والمكان، والذي يفصح
~~عنه إنما هو الاستهجان العرفي فيما لو أخذ شئ من هذه وصفا بلا ارتكاب تجريد
~~كما لا يخفى.
# ثم العجب عن شيخ الحدائق (1) وسيد الرياض (2) أنهما تعرضا لذكر احتمال
~~إرادة المعنى المذكور، وظاهرهما الارتضاء به، بل ظاهر الثاني الاعتماد
~~عليه، مع ms015 أنه تنبه على ابتناء ذلك على التأويل المذكور.
# ومنها: ما يظهر عن المدارك (3) من ابتناء ذلك على ثبوت الحقيقة الشرعية
~~في لفظ " طهور " للمطهر - كما أشرنا إليه آنفا - وظاهره أنه لا خصوصية للفظ
~~" طهور " في تلك الدعوى، بل الحقيقة الشرعية لو كانت ثابتة فيه فإنما هو
~~لثبوتها في مبدأ اشتقاقه وهو الطهارة، كما أشار إليه قبل ذلك عند شرح "
~~الطهارة " لغة وشرعا، فقال - بعد ذكر معناها اللغوي -: " وقد استعملها
~~الشارع في معنى آخر مناسب للمعنى اللغوي، مناسبة السبب للمسبب، وصار حقيقة
~~عند الفقهاء، ولا يبعد كونه كذلك عند الشارع أيضا على تفصيل ذكرناه في محله
~~" (4).
# وهذه الدعوى في خصوص تلك اللفظة - بناء على القول بثبوت الحقيقة الشرعية
~~-
# PageV01P039
# وإن كانت خلافية، ولكنها في غاية الإشكال، وإن قلنا بها في غيرها؛ لعدم
~~جريان الضابط - الذي قررناه في محله (1) - لإثبات الحقيقة الشرعية نوعا في
~~خصوص هذه اللفظة؛ إذ لم يثبت من الشارع الاستعمال في معنى مغاير للمعنى
~~اللغوي ولو مجازا، بل لو استعمله في المعنى اللغوي لم يكن منافيا للمعنى
~~الشرعي، بل غاية ما حصل من الاختلاف بينهما هو الاختلاف في مصاديق هذا
~~المعنى؛ فإن " النظافة " عند أهل اللغة تصدق على شئ، وعند الشارع على شئ
~~آخر مغاير له كشف عنه الأدلة الخارجية، ولا ريب أن الاختلاف في المصداق لا
~~يوجب الاختلاف في أصل المسمى - كما أشرنا إليه سابقا - فحينئذ لو وجدنا "
~~الطهارة " مستعملة في كلام الشارع حملناها على " النظافة "، ثم نراجع
~~الأدلة الشرعية في استعلام ما يصدق عليه " النظافة " عند الشارع، كما أنه
~~لو وجدنا " المطهر " مستعملا في كلام الشارع حملناه على المنظف، فنراجع
~~الأدلة الشرعية لمعرفة ما يصدق عليه " التنظيف " في نظر الشارع، ومعه لا
~~داعي إلى التزام النقل الشرعي، كما هو لازم القول بثبوت الحقيقة الشرعية،
~~مع كونه في حد ذاته مخالفا للأصل.
# نعم، يمكن دعوى الحقيقة الشرعية في خصوص " طهور " بإزاء المطهر، لا لأجل
~~ضابطنا المقرر في محله، بل بملاحظة كثرة ما استعمله الشارع في هذا المعنى،
~~كما يكشف ms016 عنه روايات كثيرة.
# منها: قوله (صلى الله عليه وآله): " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " (2).
# ومنها: " أيما رجل من امتي أراد الصلاة فلم يجد ماء ووجد الأرض، لقد جعلت
~~له مسجدا وطهورا " (3).
# ومنها: قوله - وقد سئل عن الوضوء بماء البحر -: " هو الطهور ماؤه " (4).
# ومنها: ما عن الصادق (عليه السلام) " كان بنوا إسرائيل إذا أصابتهم قطرة
~~من بول، قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله عليكم بما بين السماء
~~والأرض، وجعل لكم الماء
# PageV01P040
# طهورا، فانظروا كيف تكونون " (١).
# ومنها: ما عن أمير المؤمنين، إذ قال - لابن الحنفية -: " يا محمد إيتني
~~بإناء من ماء أتوضأ للصلاة، فأتاه محمد بالماء، فأكفاه بيده اليسرى على يده
~~اليمنى، ثم قال: بسم الله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا
~~" (٢).
# ومنها: قوله تعالى: (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) (٣) بناء على ما قيل: من
~~أن المراد به المطهر، مستندا إلى ما نقل: أن الرجل من أهل الجنة تقسم له
~~شهوة مائة رجل من أهل الدنيا، فيأكل ما شاء، ثم يسقى شرابا طهورا، فيطهر
~~باطنه، ويصير ما أكله رشحا يخرج من جلده أطيب ريحا من المسك (٤).
# ويشكل ذلك أيضا: بأن مجرد كثرة الاستعمال في معنى مغاير للمعنى الأصلي لا
~~تكشف عن النقل وحدوث الوضع ما لم تبلغ الاستعمالات في الكثرة حدا يستغني
~~معها عن مراعاة القرينة، فكيف بها إذا وجدت مع القرينة كما في المقام،
~~لاقتران اللفظ في جميع الروايات المذكورة بالقرينة، كما لا يخفى على
~~المتدرب، ولا سيما مع ملاحظة تحقق تلك الكثرة في الطرف المقابل أيضا، كما
~~يظهر للمتتبع.
# فالحق أن إثبات الوضع الشرعي المخالف للأصل بمجرد الاستعمالات المذكورة
~~مما لا سبيل إليه.
# نعم، يمكن أن يستكشف ببعض تلك الاستعمالات عن إرادة هذا المعنى من اللفظ
~~الوارد في الآية، بأن يجعل ذلك قرينة كاشفة عن المراد كما في الروايتين
~~الأخيرتين؛ فإن قول الصادق (عليه السلام): " وقد وسع الله عليكم بما بين
~~السماء والأرض، وجعل الماء طهورا، " إظهار للشكر وقبول للامتنان الذي أخذه
~~الله تعالى على العباد بقوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (5)، أو حث وتحريص
~~على قبوله وإظهار الشكر على تلك النعمة
# PageV01P041
# العظمى، ومثله قول الأمير: " الحمد لله الذي جعل الماء طهورا، ولم يجعله
~~نجسا " (1)؛ فإنه أيضا يرشد إلى أنه خروج عن عهدة ما اقتضاه الامتنان
~~الوارد في الآية، فتأمل جيدا.
# ومنها: ما اعتمد عليه غير واحد من أصحابنا المتأخرين، من نقل أئمة اللغة
~~وتفسيرهم للطهور بالطاهر المطهر، أو المطهر وحده، كما عن الفاضل الفيومي في
~~كتاب المصباح المنير، أنه قال: " وطهور قيل: مبالغة وأنه بمعنى طاهر،
~~والأكثر أنه لوصف زايد، قال ابن فارس: قال ثعلب: والطهور هو الطاهر في نفسه
~~المطهر لغيره، وقال الأزهري أيضا: الطهور في اللغة هو الطاهر المطهر، وفعول
~~في كلام العرب لمعان، منها فعول لما يفعل به، مثل الطهور لما يتطهر به،
~~والوضوء لما يتوضؤ به، والفطور لما يفطر عليه، والغسول لما يغتسل به، أو
~~يغسل به الشئ، وقوله (عليه السلام): " هو الطهور ماؤه "، أي هو الطاهر
~~المطهر قاله ابن الأثير، قال: وما لم يكن مطهرا فليس بطهور، قال الزمخشري:
# " الطهور: البليغ في الطهارة " (2)، قال بعض العلماء: ويفهم من قوله
~~تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا)، أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره، لأن
~~قوله: " ماء "، يفهم منه أنه طاهر، لأنه ذكره في معرض الامتنان على العباد،
~~ولا يكون ذلك إلا فيما ينتفع به، فيكون طاهرا في نفسه، وقوله: " طهورا "،
~~يفهم منه صفة زائدة على الطهارة وهي الطهورية.
# وإنكار أبي حنيفة استعمال " الطهور " بمعنى الطاهر المطهر غيره، وأنه
~~لمعنى الطاهر فقط، وأن المبالغة في " فعول " إنما هي بزيادة المعنى المصدري
~~كالأكول لكثير الأكل لا يلتفت إليه، بعد مجيء النص من أكثر أهل اللغة،
~~والاحتجاج بقوله: " ريقهن طهور " مردود، بعدم اطراده، وأنه في البيت
~~للمبالغة في الوصف، أو واقع موقع " طاهر " لإقامة الوزن، لأن كل طاهر (3)
~~طهور ولا عكس، ولو كان " طهور " بمعنى " طاهر " مطلقا، لقيل:
# ثوب طهور، وخشب طهور، ونحو ذلك وهو ممتنع " إنتهى عبارة المصباح المنير
~~(4).
# PageV01P042
# وعن القاموس: ms018 " الطهور " المصدر واسم ما يتطهر به، والطاهر المطهر " (1)،
~~وعن الترمذي وهو من أئمة اللغة، أنه قال: " الطهور بالفتح من الأسماء
~~المتعدية وهو المطهر غيره " (2)، وفي الحدائق - عن بعض مشايخه -: " أن
~~الشافعية نقلت ذلك عن أهل اللغة (3)، وعنه أيضا: " أنه نقله عن الترمذي،
~~وعن المعتبر أنه نقله عن بعض أهل اللغة " (4).
# وعن المصابيح - للسيد مهدي - " أن المشهور بين المفسرين والفقهاء وأئمة
~~اللغة أنه بمعنى المطهر أو الطاهر المطهر " (5).
# قال الشيخ في التهذيب: " (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (6)، فأطلق على
~~ما وقع اسم " الماء " عليه بأنه " الطهور "، و " الطهور " هو المطهر في لغة
~~العرب، فيجب أن يعتبر كلما يقع عليه اسم " الماء " بأنه طاهر مطهر إلا ما
~~قام الدليل على تغير حكمه، وليس لأحد أن يقول: إن " الطهور " لا يفيد في
~~لغة العرب كونه مطهرا، لأن هذا خلاف على أهل اللغة، لأنهم لا يفرقون بين
~~قول القائل: هذا ماء طهور، وهذا ماء مطهر إلى آخر ما حكينا عنه آنفا " (7).
# ولا يذهب عليك أن غرض الشيخ من أهل اللغة هنا ليس هم النقلة للمتون،
~~الذين عرفت ذكر جملتهم، ليكون مقصوده فيما ادعاه الاستناد إلى قولهم، بل
~~مراده به أهل لسان العرب، بدليل قوله: " لأنهم لا يفرقون بين قول القائل:
~~هذا ماء طهور، وهذا ماء مطهر " فإن ظاهره عدم الفرق بين اللفظين بحسب
~~الاستعمال العرفي، وانفهام العرف عند الإطلاق، لأنه إنما يعلم بالاستعمال
~~دون النص اللغوي كما لا يخفى، فيكون قوله المذكور كقول غيره نصا في أمر
~~لغوي، فيكون بنفسه مثبتا للغة معتبرا في حق غيره.
# ولا ينافيه ما تقدم عنه في دفع كلام من أنكر ورود " طهور " لهذا المعنى،
~~استنادا إلى ما سبق ذكره من إناطة كونه لهذا المعنى بعلة فاسدة وهو كونه من
~~مقتضى الوضع المبالغي في " فعول "، لعدم استناده في أصل الدعوى إلى هذه
~~العلة، كما فهمه صاحب
# PageV01P043
# المدارك (1) والمعالم (2)، وأوردا عليه: بكونه إثباتا لللغة بالاستدلال،
~~بل مستنده في ذلك - كما فهمه صاحب الحدائق (3) وغيره - إنما هو العرف،
~~وطريقة أهل اللسان ms019 الذين عبر عنهم بأهل اللغة، وإنما ذكر ذلك حكمة لكونه
~~لهذا المعنى وعلة له بعد الوقوع، هدما لإنكار من أنكره، غاية الأمر خطؤه في
~~فهم ما ذكره من الحكمة، ولا ريب أن خطأه في ذلك لا يقضي بخطئه في فهم أصل
~~المعنى عن العرف، ونحن نأخذ بفهمه هذا ونطرح فهمه الآخر لعلمنا بفساده.
# وإلى ذلك ينظر ما ذكره ثاني الشهيدين في الروضة - عند شرح التعريف الذي
~~ذكره الشهيد الأول للطهارة شرعا، وهو: " استعمال طهور مشروط بالنية " -
~~فقال: " والطهور مبالغة في الطاهر، والمراد منه هنا الطاهر في نفسه المطهر
~~لغيره، جعل بحسب الاستعمال متعديا، وإن كان بحسب الوضع اللغوي لازما
~~كالأكول " (4)، فإن مراده بالإستعمال إنما هو الاستعمال العرفي، فيكون
~~كلامه في موضع دعوى تحقق النقل في تلك اللفظة عرفا عن المعنى اللازم اللغوي
~~المبالغي إلى المعنى المتعدي، فهو أيضا نص في اللغة، حكمه حكم نص من تقدم
~~من أئمة اللغة.
# ويوافقه في تلك الدعوى ما عن المعتبر (5) وكنز العرفان (6) من أن كلام
~~أبي حنيفة موافق لمقتضى القياس غير موافق لمقتضى الاستعمال، فإن ظاهرهما
~~إرادة الاستعمال الحقيقي، لأن الاستعمال المجازي في هذا المعنى ليس مما
~~ينكره أحد، حتى أبي حنيفة الذي ظاهر كلامه فيما أنكره إنما هو الجري على
~~مقتضى الأصل، كما هو مناط حمل اللفظ المجرد عن القرينة، ولا ريب أن
~~الاستعمال الحقيقي الذي ادعياه لا يكون إلا من جهة النقل العرفي،
~~لاعترافهما بكون القياس اللغوي على خلافه، فهو منهما أيضا بمنزلة النص
~~اللغوي، فيكون مسموعا.
# ثم لا يذهب عليك أن كلام هذين - ككلام ثاني الشهيدين - في دعوى النقل لا
~~يخالف كلام من تقدم من أئمة اللغة، فإن كلامهم وإن كان خاليا عن تلك
~~الدعوى،
# PageV01P044
# غير أنه لا محيص من تنزيله إليها، أو دعوى ابتنائه على تحقق النقل؛ لعدم
~~انطباق المعنى المذكور على ما هو مقتضى القياس اللغوي في " فعول " بحسب ما
~~ثبت فيه من الوضع النوعي بإزاء المعنى المبالغي، أو المعنى الوصفي المعبر
~~عنه بلفظ " فاعل "، والوجه ما تقدم، فلابد ms020 وأن يستند هذا المعنى بوضع آخر
~~لاحق بالوضع الأول النوعي، متعلق بلفظ " طهور " (1) بالخصوص، ولا نعني من
~~النقل إلا هذا.
# ويؤيده أيضا: أن ما يذكره أهل اللغة ليس مما يتلقونه عن الواضع الأول، بل
~~إنما يأخذونه عن عرف أهل زمانهم، بملاحظة الاستعمالات الدائرة فيما بينهم،
~~ومراجعة الأمارات الكاشفة عن أوضاعهم، فيكون ذلك الذي ذكروه للفظ " طهور "
~~معنى عرفيا مستفادا عن أهل اللسان، لا معنى أصليا مستفادا عن واضع أصل
~~اللغة، ولا ينافيه ما في تعبيرات بعضهم - فيما تقدم - بقولهم: " في اللغة
~~"، لأن اللغة لها إطلاقات وهي في كلامهم عبارة عن عرف أهل اللسان، أو
~~الألفاظ المتداولة فيما بينهم المستعملة في محاوراتهم، والنسبة بينها بهذا
~~المعنى وبينها بمعنى عرف الواضع، أو الألفاظ الموضوعة التي وصل وضعها منه
~~عموم من وجه، كما يظهر بأدنى تأمل.
# لا يقال: حمل كلامهم على هذا المعنى، والتزام ابتنائه على تحقق النقل،
~~ينفيه الأصل، وقضية ذلك كون " طهور " بهذا المعنى واصلا عن الواضع، ومعه لا
~~معنى لدعوى النقل في تلك اللفظة.
# لأن التزام النقل بملاحظة ما ذكرناه مما لا محيص عنه، وإن قلنا بأن
~~المتصدي لوضعها بإزاء هذا المعنى هو الواضع؛ لأن المفروض لحوق هذا الوضع
~~بالوضع الأولي المتعلق بالفعول نوعا، فيكون اللفظ مخرجة عن مقتضى الوضع
~~الأولي النوعي إلى المقتضى الوضع الثانوي، من غير فرق بين كونه صادرا عن
~~الواضع أو أهل العرف على
# PageV01P045
# سبيل التعيين أو التعين، وإن كان أصالة التأخر تقتضي كونه عن غير الواضع،
~~فالأصل المشار إليه ليس في محله، فبما قررناه نجمع بين القياس اللغوي
~~الجاري في تلك اللفظة، ونص أئمة اللغة الوارد على خلافه.
# وبذلك يضعف ما عن الزمخشري في الكشاف من أنه قال: " طهورا أي بليغا في
~~طهارته، وعن أحمد بن يحيى هو ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، فإن كان ما
~~قاله شرحا لبلاغته في الطهارة، كان سديدا، ويعضده قوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ (1)، وإلا
~~فليس " فعول " من التفعيل في ms021 شئ " (2)، وما عن صاحب المغرب من قوله: " وما
~~حكي عن ثعلب أن " الطهور " ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره " (3) إن كان
~~مراده بيان النهاية في الطهارة فصواب حسن، وإلا فليس فعول من التفعيل في
~~شئ، وقياس هذا على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية ك " منوع " و " قطوع "
~~ليس بسديد.
# و ما عن الطراز: " أن فعولا ليس من التفعيل في شئ، وقياسه على ما هو مشتق
~~عن الأفعال المتعدية كمنوع و قطوع غير سديد " (4)، إلا أن يكون المراد بذلك
~~بيان كونه بليغا في الطهارة فهو حسن صواب، إذا كانت الطهارة بنفسها غير
~~قابلة للزيادة، لترجع الزيادة إلى انضمام التطهير، لا أن اللازم قد جاء
~~متعديا.
# ووجه الضعف - فيما ذكره هؤلاء -: منع انحصار طريق الجمع بين القياس وما
~~ذكروه في معنى " الطهور " - من المعنى المتعدي - في كون ذلك لبيان البلاغة
~~في الطهارة، ومنع ابتنائه على القياس على ما اشتق عن الأفعال المتعدية
~~أيضا، بل هاهنا شق آخر وهو الابتناء على ما ذكرناه من الوضع الثانوي، فإنه
~~هو الذي لا محيص عن التزامه دون غيره من الاحتمالات السخيفة الغير
~~المستقيمة.
# كما يضعف أيضا ما قيل: من أن من ذكر أنه يراد بالطهور المطهر، أخذه من "
~~الطهور " بمعنى ما يتطهر به، لا أن المراد بالطهور المطهر وضعا، إذ لا ريب
~~في استفادة المطهرية منه على تقدير كونه اسما للآلة.
# PageV01P046
# ووجه الضعف: أنه ينافي كلماتهم المؤداة بطريق الحمل، الظاهر في كون ذلك
~~من مقتضى الوضع كما قرر في محله، كيف وهو ينافي تصريح كلام جملة منهم حيث
~~ذكر " الطهور " بمعنى ما يتطهر به مقابلا له بمعنى الطاهر المطهر، كما
~~عرفته عن القاموس (1) وعن الأزهري حيث قال: " الطهور في اللغة هو الطاهر
~~المطهر، وفعول في كلام العرب لمعان منها فعول لما يفعل به الخ " (2) فتأمل.
# والعجب عن شيخنا في الجواهر في تقويته هذا الكلام، بقوله: " وكيف كان فلا
~~يخلو القول بإنكار كون " الطهور " بمعنى المطهر وضعا من قوة، نعم هو يستفاد
~~من كونه اسما ms022 لما يتطهر به " (3).
# نعم، ربما يشكل تتميم الاستدلال بحمل الآية على هذا المعنى، من جهة كون
~~المقام بالنظر إلى ما قررناه من مسألة تعارض العرف واللغة كما لا يخفى، ولا
~~يضره احتمال كون الوضع الطاري أيضا من واضع اللغة، بعد ملاحظة أصالة
~~التأخر.
# لا يقال: الحمل على المعنى اللغوي - وهو ما يتطهر به - لا ينافي الحمل
~~على المعنى العرفي؛ لكونهما متلازمين، فلا تعارض بينهما في الحقيقة.
# لأن المعنى اللغوي غير منحصر في ذلك، بعد ملاحظة المعنى المبالغي والمعنى
~~الوصفي، فلا يتعين الحمل على ما لا ينافي المعنى العرفي على تقدير عدم
~~الحمل عليه، فما ذكرناه من الإشكال في محله، إلا أن يستفاد عن أهل اللغة
~~أنهم إنما ذكروا هذا المعنى باعتقاد ثبوته عن قديم الأيام، وأقله ثبوته في
~~زمن الشارع، وليس ببعيد لو ادعينا ذلك.
# ثم هذا المعنى على تقدير ثبوته هل المطهر أو الطاهر المطهر؟ وهذا وإن لم
~~يتعلق به فائدة، لرجوع كل إلى الآخر، غير أن الظاهر كونه موضع خلاف، وأقله
~~اختلاف كلمات أهل اللغة في ذلك، كما يظهر بالمراجعة إلى ما تقدم، ولكن لا
~~يبعد ترجيح الثاني بملاحظة الغلبة في المنقولات العرفية، فإن النقل على
~~الأول من باب النقل عن اللازم إلى الملزوم، وعلى الثاني من باب النقل عن
~~العام إلى الخاص، نظرا إلى أن
# PageV01P047
# " الطهور " بمعنى " طاهر " قد يكون مطهرا وقد يكون غير مطهر، فيكون
~~الطاهر المطهر فردا من الطاهر المطلق، فتأمل.
# ومنها: ما اعتمد عليه في الرياض بعد الاعتماد على نصوص أهل اللغة، فتمسك
~~في إثبات كون " طهور " لهذا المعنى ببعض الأخبار، قائلا: " وإنكار وروده في
~~كلام أهل اللغة بهذا المعنى - كما وقع لجماعة من متأخري الأصحاب - لا وجه
~~له، بعد ملاحظة ما ذكرنا، و خصوص صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: " كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم - إلى قوله - وجعل لكم
~~الماء طهورا "، الحديث (1)، مضافا إلى قولهم (عليهم السلام) - في تعليل
~~الأمر بالتيمم -: جعل الله التراب طهورا، كما جعل ms023 الماء طهورا " (2) (3).
# ولا يخفى ضعفه، فإن ورود لفظ في خطاب الشرع لا يصلح دليلا على المطلب
~~المتعلق باللغة، كيف وأن قضية عدم دلالة الاستعمال على الحقيقة عندهم
~~واضحة، ولا سيما في المتعدد المعنى، بل فيما ثبت له معنى حقيقي على التعيين
~~وشك في غيره، وإن أراد به الكشف عن المراد في الآية، فهو - مع أنه لا يظهر
~~عن سياق العبارة - ممنوع أيضا، لأن مجرد استعمال لفظ في معنى لقرينة بل
~~وكثرته أيضا لا يصلح قرينة على كونه مستعملا في هذا المعنى عند فقد
~~القرينة، إلا أن يرجع إلى ما استظهرناه وقررناه سابقا، فإنه ليس بذلك
~~البعيد، كما يشهد به الذوق السليم.
# ومنها: ما أفاده خالي العلامة دام ظله (4)، بعد ما اعتمد على النص
~~اللغوي، من أنه يظهر أيضا كون " الطهور " في الآية بمعنى الطاهر المطهر من
~~تتبع أغلب موارد استعمال هذا اللفظ في الكتاب والسنة، فإن المراد منه في
~~أغلب ما تكلم الشارع به إنما هو
# PageV01P048
# الطاهر المطهر، وإن كان مع قرينة تدل عليه، فيظن باعتبار تلك الغلبة أن
~~المراد منه في الآية أيضا هو هذا المعنى، وإن كان بلا قرينة، ثم عقبه
~~بقوله: " فتأمل ".
# ويشكل ذلك أيضا - بعد تسليم أصل الغلبة -: بأن المدار في الخروج عن
~~الظواهر عند العرف إنما هو على القرائن المعتبرة لديهم، ولم يظهر منهم أن
~~مجرد غلبة استعمال لفظ في معنى مع القرينة قرينة على إرادة هذا المعنى في
~~موضع التجرد عن القرينة، بل الظاهر خلافه كما هو المصرح به في كلام أهل
~~الاصول، فإن ظاهر اللفظ هو الحجة المحكمة نوعا ما لم يقم ظن معتبر بخلافه،
~~والظن الحاصل عن الغلبة المذكورة - على فرض تسليمه - ليس من الظنون
~~المعتبرة، كيف وأن مجرد الغلبة المتحققة في الكتاب والسنة غير كافية في
~~إفادة الظن، بل العبرة فيه بالغلبة المتحققة في قاطبة الاستعمالات الصادرة
~~من الشارع في كافة محاوراته، لا في خصوص الكتاب والسنة، وأي طريق إلى إحراز
~~تلك الغلبة.
# ثم لو سلمنا ثبوت هذه الغلبة، فإن أفادت ms024 الظن بحيث أوجب إجمال اللفظ في
~~نظر العرف وسقوطه عن الظهور - كما في المجاز المشهور على فرض تحققه - فهو
~~لا يوجب إلا التوقف، وإلا فلا يترتب عليه أثر أصلا في العدول عن الظاهر،
~~ولا سقوطه عن الظهور، وعلى التقديرين لا وجه للعدول إلى خلاف الظاهر وحمل
~~اللفظ عليه، كما هو المطلوب و لعل قوله مد ظله: " فتأمل " يشير إلى بعض ما
~~ذكر.
# ومنها: ما احتمله شيخنا في الجواهر (1)، من القول بأنه يراد المطهرية من
~~" الطهور " ولو مجازا، بقرينة قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء
~~ليطهركم به) (2)، وهو كما ترى أضعف الوجوه، فإن الكلام المنفصل عن اللفظ لا
~~يعد عندهم صارفة عن الظاهر، إلا إذا كان بظاهره معارضا لظاهر ذلك اللفظ،
~~وأي منافاة بين الآيتين إذا اريد بإحداهما إفادة حكم الطهارة المحضة،
~~وبالاخرى حكم المطهرية.
# فالذي يترجح في النظر القاصر - بملاحظة جميع ما قررناه من النقوض
~~والإبرامات - أن إثبات مطهرية الماء بآية " الطهور " مما لا سبيل إليه، إلا
~~على ما قررناه
# PageV01P049
# من جعل الخبرين المتقدمين قرينة كاشفة، بتقريب ما ذكر - إن تم - وأما ما
~~عداه من الامور المذكورة فليس شئ منها صالحا له.
# نعم نص أهل اللغة في نفسه دليل محكم، غير أن حاله في خصوص المقام كما
~~عرفت، إلا على ما أشرنا إليه أيضا من استظهار كونهم فيما نصوا به معتقدين
~~بثبوته عن قديم الأيام.
# وقد شاع الاستدلال على أصل المطلب بعد الفراغ عن الاستدلال بالكتاب
~~الاستدلال بجملة من الأخبار، فعلى كون الماء طاهرا، بما رواه المشايخ
~~الثلاث بأسانيدهم عن الصادق (عليه السلام) قال: " الماء كله طاهر ما لم
~~تعلم أنه قذر " (1)، وعلى كونه مطهرا، بما تقدم من رواية داود بن فرقد عن
~~الصادق (عليه السلام) قال: " كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة من بول "
~~إلى آخر ما تقدم ذكره (2)، وهذا كما ترى في محله.
# وربما يكثر الاستدلال بما في الكافي عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ms025 الماء يطهر ولا
~~يطهر " (3).
# وقد يعلل الفقرة الثانية: بأنه إنما لا يطهر لأنه إن غلب على النجاسة حتى
~~استهلكت فيه طهرها ولم ينجس حتى يحتاج إلى التطهير، وإن غلبت عليه النجاسة
~~حتى استهلك فيها صار في حكم تلك النجاسة، ولم يقبل التطهير إلا بالإستهلاك
~~في الماء الطاهر، وحينئذ لم يبق منه شئ، كذا عن الوافي (4).
# وفيه: ما فيه كما يظهر بأدنى تأمل.
# وأورد عليه: بأن قليل الماء إذا تنجس كان تطهيره بالكثير من الجاري
~~والراكد، فلم يصدق أنه لا يطهر.
# فدفع: بأن المراد يطهر غيره ولا يطهره غيره.
# وقد يوجه أيضا: بأنه يطهر كل شئ حتى نفسه، ولا يطهر من شئ إلا من نفسه،
~~فيعلل: بأن التعميم في الأول أولى، ثم يقال: وقد يخطر بالبال أنه يمكن أن
~~يستدل بهذا
# PageV01P050
# الخبر على عدم نجاسة البئر بالملاقاة، لأنه لو نجس لكان طهره بالنزح،
~~والقول بأن الطهر بالماء النابع بعد النزح بعيد كما لا يخفى.
# وفيه: أيضا ما لا يخفى.
# وقد أورد على التوجيه المذكور أيضا: بأنه على إطلاقه غير مستقيم،
~~لانتقاضه بالبئر، فإن تطهيرها بالنزح، والماء النجس يطهر باستحالته ملحا،
~~والماء القليل إذا كان نجسا وتمم كرا بمضاف لم يسلبه الإطلاق، فإنه في جميع
~~هذه الصور قد طهر الماء غيره.
# واجيب عن الأول: تارة: بأنا لا نسلم أن مطهر البئر حقيقة هو النزح، بل هو
~~في الحقيقة الماء النابع منها شيئا فشيئا، بعد إخراج الماء المنزوح.
# أقول: الذي يختلج بالبال أنه لا حاجة في دفع ما ذكر من الإشكال إلى هذا
~~التكلف، بل يسهل دفعه بأن يقال: إن إسناد التطهير إلى الماء عند التحقيق
~~مجاز، لأنه فعل يباشره المكلف، والماء آلة شرعية، فحاصل معناه الحقيقي الذي
~~يباشره المكلف ويخاطب به استعمال الماء على الكيفية المقررة في الشريعة،
~~ولا ريب أن استعمال الماء أعم من صبه على النهج المعهود الذي يسمى بالغسل،
~~أو تقليله الذي يعبر عنه بالنزح، فيصدق عليه أنه تطهير، ومن هنا يمكن توجيه
~~الرواية بقراءة الاولى مشددا بصيغة المجهول، ms026 والثانية كذلك بصيغة المعلوم -
~~على عكس ما فهمه الجماعة - ويكون المعنى: أن الماء يقع عليه التطهير، ولا
~~يصدر عنه التطهير، لأن التطهير فعل يصدر من المكلف بواسطته، لا أنه يصدر
~~منه.
# واخرى: بمنع نجاسة البئر بالملاقاة حينئذ، فأصل الاعتراض ساقط، كذا حققه
~~في الحدائق (1).
# وعن الثاني: بأن الماء قد عدم بالكلية، فلم يبق هناك ماء مطهر بغيره،
~~ومثله أيضا الماء النجس إذا شربه حيوان مأكول اللحم واستحال بولا، فإنه
~~يخرج عن الحقيقة الاولى إلى حقيقة اخرى.
# وعن الثالث: بأنه - بعد تسليم ذلك - لا يسمى في العرف تطهيرا لاضمحلال
# PageV01P051
# النجس حينئذ، فيصدق حينئذ أن الماء لا يطهر.
# وهذا أيضا ضعيف لأن المراد بالاضمحلال إن كان الانعدام الصرف أو استهلاك
~~الماء في جنب المضاف - فمع أنه ينافي الحس، ويمتنع الانعدام الصرف - أنه
~~خلاف ما فرضه المورد؛ لأنه قيد مورد النقض بماء لم يكن المضاف المتمم له
~~كرا موجبا لسلب الإطلاق عنه، ومعه لا معنى لفرض الانعدام أو الاستهلاك،
~~لصيرورة الجميع حينئذ مضافا صرفا، وإن كان المراد ما عدا ذلك فهو - مع
~~وجوده - إما طاهر في ضمن الجميع أو غير طاهر، والأول محقق للاعتراض،
~~والثاني خلاف فرض المعترض من كون التتميم بالمضاف مطهرا.
# وقد يناقش في أصل التمسك بالرواية من حيث إنها بنفسها معارضة لنفسها،
~~لمنافاة صدرها لذيلها، بملاحظة العموم المستفاد من حذف المتعلق فيها،
~~فمفادها صدرا وذيلا: " أن الماء يطهر كل شئ حتى نفسه، ولا يطهر بشئ حتى
~~بنفسه "، وهما عمومان من وجه تعارضا، فلابد من التصرف في أحدهما، بأن يقال:
~~الماء يطهر كل شئ إلا نفسه، أو أنه لا يطهر بشئ إلا بنفسه، ولا ريب أن
~~ارتكاب التخصيص في أحد العامين ليس بأولى من ارتكابه في الآخر، فيصير سبيل
~~الرواية سبيل ما يطرئه الإجمال، ومعه يسقط بها الاستدلال.
# وفيه: - بعد تسليم أن حذف المتعلق مما يفيد العموم - أنه إنما يفيده في
~~موضع يليق به وليس المقام منه، فإن الرواية بقرينة ما فيها من الجمع بين
~~السلب والإيجاب واردة مورد الإهمال، ومراد ms027 منها أداء المطلب على طريق
~~الإجمال، فقرينة المقام قائمة بعدم اعتبار العموم في كل من الجانبين،
~~وشاهدة باعتبار جزئية فيها إما في الإيجاب أو في السلب، فلا تعارض فيها بين
~~صدرها وذيلها، حيث لا ظهور لها بالنسبة إلى أحد العمومين.
# غاية الأمر أن ما اعتبر فيه الجزئية غير متعين، وهو غير قادح فيما هو
~~الغرض الأصلي هنا من الاستدلال بها، وهو إثبات مطهرية الماء في الجملة، لكن
~~بالنسبة إلى ما يقبل التطهير لا بالنسبة إلى أفراد الماء، حتى ينافي ما
~~تقدم من عنوان المسألة، حيث اعتبرناه على طريق الإيجاب الكلي بالنسبة إلى
~~المياه؛ ضرورة أن هذا الغرض يتأتى بكل من الاحتمالين إن أحرزنا العموم فيها
~~بالنسبة إلى الماء، ولو بقي عندك مناقشة في PageV01P052
# هذا العموم فهو كلام آخر لا مدخل له فيما ذكرته من المناقشة المقتضية
~~لرميها بالإجمال المسقط للاستدلال.
# فالحق أن يقال: إن الرواية بملاحظة ورودها مورد الإهمال، بإرادة المهملة
~~في إحدى قضيتيها التي هي في قوة الجزئية محتملة لوجوه كثيرة، تبلغ إلى ستة
~~عشر وجها، حاصلة بملاحظة الأربع الجارية في الصدر، من جهة احتمالي التخفيف
~~والتشديد، في احتمالي المعلوم والمجهول في نفس تلك الأربع الجارية في
~~الذيل.
# ولا ريب أن كلا من تلك الوجوه - مع ملاحظة ما ذكرناه من قرينة المقام -
~~مما يصح إرادته من دون أن ينشأ منه محذور، غاية ما في الباب أنها في بعض
~~تلك الوجوه تصير من أدلة مطهرية الماء، وفي بعضها الآخر تصير من أدلة
~~طهارته أو قبوله الطهارة بعد ما تنجس، والمفروض كون كل من الحكمين مطلوبا
~~في المسألة، فعلى أيهما دلت كانت دالة على ما هو المقصود، وإن كانت دلالتها
~~على الحكم الأول - على تقدير الحمل على الوجوه المناسبة له - دلالة على
~~تمام المقصود، ولو من جهة اعتبارها تارة من حيث المطابقة، واخرى من حيث
~~الالتزام، وعليك باستخراج تلك الوجوه مفصلة، واستفادة المعنى عن كل وجه على
~~حسب ما يقتضيه القواعد العرفية في مثل هذه الهيئة التركيبية.
# وإن شئت نشير إلى ms028 بعض تلك القواعد، لتكون بمراعاتها على بصيرة وتدبر، فلو
~~قيل لأحد: " احب مجيئك إياي، ولا احب مجيئك إياي "، فإنما يقال به وبنظائره
~~عرفا في كل موضع يكون موضوع القضية ذا حيثيتين، تعلق به الإيجاب بالنظر إلى
~~إحداهما والسلب بالنظر إلى الاخرى، على نحو يكون مفاد المثال المذكور فرضا:
~~" أني احب مجيئك لأني مشتاق إلى لقائك، أو لأن أتبرك بحضورك "، ونحو ذلك
~~مما يمكن فرضه، " ولا احب مجيئك لأنه تعب عليك، أو مانعك عما هو أهم لك "
~~ونحو ذلك، وعلى هذا القياس باعتبارات شتى ما لو قيل: " زيد يأكل ولا يأكل
~~"، " يشتغل ولا يشتغل "، " يعطي ولا يعطي "، وما أشبه ذلك إلى ما لا يعد
~~ولا يحصى، كما يظهر لمن تأمل في العرفيات.
# فحينئذ لو حملنا الصدر والذيل في الرواية على كونهما معلومين مشددين كان
~~الحكمان المختلفان من جهة اختلاف الحيثية في أصل الموضوع، وذلك الاختلاف
~~إما باعتبار اختلاف مواضع التطهير، فإن منها ما يقبله ومنها ما لا يقبله،
~~أو من جهة اختلاف PageV01P053
# كيفيات التطهير، فإن كل كيفية قررها الشارع تطهر، وكل كيفية يخالفها لا
~~تطهر، أو باعتبار اختلاف الخصوصيات العارضة للماء من الخارج، كالإباحة
~~والغصبية بالقياس إلى رفع الحدث، فإن المباح يرفعه والمغصوب لا يرفعه،
~~وهكذا إلى آخر ما فرض، هذا على احتمال التشديد فيهما ومثله تجري على احتمال
~~التخفيف فيهما.
# فحينئذ إما أن يرجع الطهر وعدمه إلى نفس الماء فلا حذف معه، أو إلى شئ
~~آخر بواسطته فيلزمه الحذف، ويكون المعنى: " الماء يطهر به الشئ ولا يطهر به
~~الشئ "، فعلى الاحتمالين يجري فيهما من القاعدة نظير ما فرضناه فلاحظ،
~~وافرض ما شئت هذا على قراءة المعلومين، وكذلك على قراءة المجهولين مع
~~التشديد أو التخفيف، وأما على الاختلاف في المعلومية والمجهولية فمفاد
~~القضية عرفا نظير ما تقدم الإشارة إليه عنهم في دفع الإيراد الأول على
~~الرواية.
# هذا مضافا إلى ما أشرنا إليه سابقا، بناء على هذا الاحتمال من كون ذلك
~~لبيان اختلاف النسبة في الحقيقية والمجازية، ولكنه مبني على فرض الأول ms029
~~مجهولا والثاني معلوما كما عرفت، فإن النسبة في الأول حقيقية وفي الثاني
~~مجازية واردة من باب الإسناد إلى السبب بتقريب ما تقدم، مع ما يحتمل في عكس
~~هذا الفرض من كون القضية في الثاني من باب السالبة المنتفية الموضوع، مرادا
~~بها بيان طهارة الماء بحسب الخلقة الأصلية، فليس ينجس حتى يطهر أو يحتاج
~~(1).
# وبالجملة: فلا إشكال في مفاد الرواية من حيث اشتمالها على النفي والإثبات
~~الواردين على موضوع واحد، فلا وجه لرميها بالإجمال من هذه الجهة، كما لا
~~وجه للحكم عليها بالمطروحية كما في رياض السيد (2).
# وأما الإشكال من جهة اخرى، كقصورها عن إفادة العموم في أفراد الماء - على
~~فرض توجهه - فهو شئ آخر غير ما ذكروه.
# ثم لا يذهب عليك أن ما عرفت من الأدلة على مطهرية الماء حتى - آية الطهور
~~إن تمت دلالتها - فإنما تنهض دليلا على نفس المطهرية ولو في جميع أفراد
~~الماء، وأما
# PageV01P054
# موضع التطهير وما يرتفع به من النجاسة وكيفيته وشروطه وآدابه فتبقى
~~مستفادة من الخارج؛ لكون تلك الأدلة ساكتة عن التعرض لها نفيا وإثباتا،
~~وورودها مورد حكم آخر، فلو شك حينئذ في شئ أنه هل يقبل التطهير بالماء
~~كالأدهان المتنجسة؟ أو في نجاسة أنها هل ترتفع بالماء وحده كولوغ الكلب؟ أو
~~في تطهير نجاسة أنه هل يعتبر فيه التعدد كالبول؟ أو يعتبر فيه النية أو
~~إباحة الماء أو المباشرة؟ كغسل الثوب للصلاة، فلا يمكن التمسك لاستعلامه
~~بالآية ولا غيرها عموما ولا إطلاقا، إذ لم يؤخذ شئ مما ذكر عنوانا فيها،
~~فلا يعقل معه بالنسبة إليه حينئذ عموم أو إطلاق، وإنما الذي عنون في صريح
~~تلك الأدلة هو حكم المطهرية القائمة بالماء، والعموم بالقياس إليه ثابت،
~~فحينئذ لو شك في فرد من أفراده بعد إحراز الفردية وصدق الاسم عليه أنه هل
~~يصلح لكونه مطهرا ورافعا للخبث أو الحدث - كالماء المستعمل في رفع الحدث من
~~وضوء أو غسل، أو في رفع الخبث كما في الاستنجاء على القول بعدم انفعاله،
~~كما هو المجمع عليه بشروطه الآتية - يحكم ms030 بصلوحه له، استنادا إلى عموم
~~الآية أو إطلاقها أو غيرها من الأدلة المتقدمة بلا إشكال فيه ولا شبهة
~~تعتريه.
# فتقرر عندنا بما أثبتناه من الحكمين قاعدتان كليتان يجدي الرجوع إليهما
~~في مواضع الشك و الشبهة، إحداهما: طهارة الماء بجميع أفراده عدا ما خرج
~~منها بالدليل، واخراهما: مطهريته كذلك إلا ما أخرجه الدليل، فليكن ذلك على
~~ذكر منك ليجديك في كل موضع وجدتنا نتمسك بالأصل على الطهارة أو المطهرية في
~~شئ، فإن مرادنا به إنما هو إحدى القاعدتين.
# * * * * * * * PageV01P055
# ينبوع ما عرفت من الحكمين الكليين إنما يلحقان الماء ما دام باقيا على
~~خلقته الأصلية وصفاته الأولية كما تقدم الإشارة إليه، والسر في هذا القيد
~~أنه قد يطرئه بعنوانه الكلي على النهج المتقدم من غير استثناء شئ ما يقابل
~~الحكمين لعارض التغير من جهة النجاسة، فيحكم بنجاسته حينئذ وعدم صلوحه
~~للمطهرية إلى أن يثبت لها مزيل شرعي، وكان ذلك أصل ثانوي ورد على الأصل
~~الأولي الدائر بين الحكمين، ولا تعارض بينهما لورود كل موضوعا غير موضوع
~~الآخر كما عرفت، وفائدتهما أنه لو شك في نجاسة فرد من المتغير يلحق بالثاني
~~لانتفاء موضوع الأول، كما أنه لو شك في فردية شئ للمتغير يلحق بالأول لعدم
~~كون موضوع الثاني محرزا، وكيف كان فتحقيق القول في هذا العنوان يستدعي رسم
~~مطالب:
# المطلب الأول:
# إذا تغير الماء مطلقا بسبب النجاسة في أحد أوصافه الثلاثة، أعني اللون
~~والطعم والرائحة، فقال الأصحاب - قولا واحدا في الجملة -: بأنه ينجس، و
~~عليه نقل الإجماعات فوق حد الكثرة، وفي الدلائل (1): " كونها فوق حد
~~الاستفاضة "، وفي الجواهر (2): " أنها كادت تكون متواترة "، وفي الحدائق
~~(3): " نفي الخلاف والإشكال عنه "، وفي [حاشية الإرشاد (4)]: " لا خلاف فيه
~~"، وفي الرياض (5): " بالإجماع
# PageV01P056
# والنصوص المستفيضة العامية والخاصية "، وفي المنتهى (1): " أنه قول كل من
~~يحفظ عنه العلم "، وعن المعتبر (2): " أنه مذهب أهل العلم كافة "، وعن
~~السيد في الناصريات (3):
# " إجماع الشيعة عليه "، وفي [حاشية الإرشاد]: " الأخبار في الأخيرين
~~متواترة وفي الأول مستفيضة "، ومما يؤيد الإجماع أن المسألة غير معنونة في
~~مختلف العلامة ms031 مع أنه موضوع لذكر خلافيات الشيعة.
# وبالجملة: لا يعرف فيه خلاف لا من العامة ولا من الخاصة، عدا ما يظهر من
~~سيد المدارك من التشكيك في الأول في مسألة عدم انفعال البئر بالملاقاة،
~~محتجا عليه بما يأتي من قول الرضا (عليه السلام): " ماء البئر واسع لا
~~يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه أو طعمه " (4)، فقال - في جملة أجوبته عن
~~الاعتراض على الحجة المذكورة بأن الحصر المستفاد منه متروك الظاهر، للقطع
~~بنجاسة الماء مطلقا بتغير لونه -: " وثانيا: بأنا لم نقف في روايات الأصحاب
~~على ما يدل على نجاسة الماء بتغير لونه، وإنما الموجود فيها نجاسته بتغير
~~ريحه أو طعمه كما في صحيحتي أبي خالد القماط (5)، وحريز بن عبد الله عن
~~الصادق (عليه السلام) (6)، وما تضمن ذلك عامي مرسل، فإن لم يثبت ما ذكرناه
~~من الملازمة أو الأولوية أمكن المناقشة في هذا الحكم " (7).
# وقوله: " ما تضمن ذلك عامي مرسل " يشير به إلى ما يأتي من النبوي المرسل
~~- المدعى انجباره بالعمل -: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير
~~لونه أو طعمه أو ريحه " (8)، ومراده بالملازمة والأولوية ما أشار إليهما
~~أولا: - في جملة الأجوبة عن الاعتراض المذكور -: " من أن تغير اللون مقتض
~~لتغير الطعم، ومع ثبوت الملازمة ينتفي المحذور، أو يقال: إنه إذا ثبت نجاسة
~~الماء بتغير طعمه أو ريحه وجب القطع
# PageV01P057
# بنجاسته بتغير لونه لأنه أظهر في الانفعال " (1).
# وتبعه بعده في تلك المقالة شيخنا البهائي في كلام محكي عنه في حبل
~~المتين، فقال: " وما تضمنه الحديث الثاني والثالث - يعني بهما الصحيحتين
~~اللتين أشار إليهما السيد من نجاسة الماء بتغير ريحه أو طعمه بالنجاسة -
~~مما لا خلاف فيه، ويدور على ألسنة الأصحاب أن تغير لونه أيضا كذلك؛ ولم
~~أظفر به في أخبارنا صريحا، وما ينقل من قوله (صلى الله عليه وآله): " خلق
~~الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (2)، فخبر
~~عامي مرسل ".
# ثم قال: " ولو قيل إن تغير اللون بذي طعم أو ريح لا ms032 ينفك عن التغير
~~بأحدهما لم يكن بعيدا، بل ربما يدعى أن انفعال الماء بلون النجاسة متأخر في
~~المرتبة عن انفعاله بريحها أو طعمها فاستغنى بذكرهما عن ذكره " (3).
# وتبعهما في ذلك كله المحقق الخوانساري في شرح الدروس، حيث قال: " واعلم
~~أن الروايات المتقدمة خالية عن التعرض لللون، سوى رواية العلاء بن الفضيل
~~(4)، فإنها بمفهومها تدل على نجاسته بتغير اللون، لكنها ضعيفة بمحمد بن
~~سنان، ونقلوا رواية عن الجمهور أيضا متضمنة لذكر اللون ولا يصلح أيضا
~~للتعويل، وذكر بعضهم أن تغير الريح والطعم أسرع من تغير اللون، إذ لا ينفك
~~تغير اللون عن تغيرهما، فلا ثمرة في التعرض له ووجهه غير ظاهر، وقد يستنبط
~~اعتبار اللون من قوله (عليه السلام) - في صحيحة حريز المتقدمة -: " فإذا
~~تغير الماء أو تغير الطعم " (5)، وفيه: أيضا إشكال، وقد يتمسك فيه بما قاله
~~ابن أبي عقيل: أنه قد تواتر عن الصادق وعن آبائه (عليهم السلام): أن الماء
~~طاهر لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (6)، والظاهر أن
~~انضمام هذه الامور بعضها مع بعض مع اعتضادها بالإجماع يكفي في الحكم " الخ
~~(7).
# PageV01P058
# ومحصل ما أفاده (رحمه الله) أنه وافق السيد والشيخ في القدح في سند
~~النبوية المرسلة، فأشار إليه بقوله: " ونقلوا رواية عن الجمهور أيضا متضمنة
~~لذكر اللون ولا يصلح أيضا للتعويل "، وخالفهما في استظهار الحكم مما ذكره
~~أخيرا، وحذى حذوه صاحب الحدائق وإن خالفه في الاستناد للحكم إلى جملة من
~~أخبار أصحابنا، فإنه بعد ما نقل كلام السيد المتقدم في القدح على سند
~~الرواية المتقدمة، قال: " والحق أنه كذلك، فإنا لم نقف عليه في شئ من كتب
~~أخبارنا بعد الفحص التام، وبذلك صرح أيضا جمع ممن تقدمنا " (1).
# وبالجملة: فهؤلاء الأجلاء متفقون على القدح في الرواية المذكورة وإن
~~اختلفوا في المذهب، فالأخيران وافقا المعظم في أصل الحكم، غير أن الأول
~~منهما قال به على سبيل الظن، والثاني على سبيل الجزم كما لا يخفى على من
~~لاحظ عبارته في الحدائق، وأما الأولان فظاهرهما إنكار أصل الحكم. ms033
# ويمكن أن يقال: بأن السيد لا يظهر منه المخالفة بناء على ما ادعاه من
~~الأولوية، وإن كان ما قرره من الملازمة يدعوه إلى المخالفة، وكيف كان فقد
~~تقرر بجميع ما ذكر أن هاهنا كلامين:
# أحدهما: دعوى الملازمة بين تغير اللون وغيره، وبعدها دعوى الأولوية
~~اللتين عرفتهما من السيد، ووافقه شيخنا البهائي على الاولى، وإليهما ينظر
~~ما في الحدائق من قوله: " ولعل السر في اشتمال أكثر الأخبار على التغير
~~الطعمي أو الريحي دون اللوني أن تغير الطعم والريح أسرع من تغير اللون، إذ
~~لا ينفك تغير اللون من تغيرهما، ولا ثمرة في التعرض له حينئذ " (2).
# وثانيهما: الطعن على سند النبوي المشار إليه، وينبغي النظر في صحة هذين
~~الكلامين وسقمهما.
# أما الملازمة: فغاية ما يمكن أن يقال في تقريرها - على وجه يكون عذرا
~~لخلو الأخبار أو أكثرها عن التعرض لذكر تغير اللون -: أن تغير اللون
~~بالقياس إلى أخويه بمنزلة الخاص في مقابلة العام، فبينه وبينهما عموم وخصوص
~~مطلق ولكن من حيث
# PageV01P059
# المورد لا المفهوم؛ فإن تغير اللون حيثما وجد فقد وجد معه تغير الطعم
~~والرائحة أيضا، فهو لا ينفك عنهما بخلافهما لانفكاكهما عنه، فلهما فردان،
~~أحدهما: ما اقترن منهما مع تغير اللون، وثانيهما: ما انفك منهما عن تغير
~~اللون.
# فإذا اريد بهما في الأخبار ما يعم القسمين كان تغير اللون مما استغنى عن
~~ذكره، كما أن ذكر العام مما يستغني به عن ذكر الخاص لتناوله الخاص وغيره.
# وفيه أولا: أنه ينافي فتاوي الأصحاب الظاهرة بل الصريحة في استقلال كل من
~~الثلاثة في السببية لتنجس الماء.
# وتوضيح ذلك: أن تغير الطعم والريح إذا صادفهما تغير اللون أيضا فإما أن
~~يستند السببية إلى المجموع على نحو الشركة، أو إلى تغير الطعم والريح فقط
~~وكان تغير اللون كالحجر في جنب الإنسان، أو إلى تغير اللون وحده وكان تغير
~~الطعم والريح كما ذكر، ولا سبيل إلى شئ منها.
# أما الأول: فلمنافاته أولا: صريح فتاوي الأصحاب في الدلالة على كون كل
~~سببا مستقلا.
# وثانيا: لما يراه مدعي ms034 الملازمة من كون تغير الطعم والريح مستقلين في
~~السببية، ولذا يقول بجواز انفكاكهما عن تغير اللون.
# وأما الثاني: فلمنافاته صريح الفتاوي.
# وأما الثالث: فلمنافاته صريح الفتاوي، وما يراه مدعي الملازمة.
# وثانيا: منع كون النسبة بينه وبينهما كما ذكر، بل الذي يقتضيه التدبر: أن
~~بين كل مع الآخر عموم من وجه، فإن النجاسات مختلفة في الاشتمال على الأوصاف
~~الثلاثة وحدانيا وثنائيا وثلاثيا، والصور المتصورة سبع، فإن منها ما هو ذو
~~اللون فقط، ومنها ما هو ذو الطعم فقط، ومنها ما هو ذو الرائحة فقط، ومنها
~~ما هو ذو اللون والطعم دون الرائحة، ومنها ما هو ذو اللون والرائحة دون
~~الطعم، ومنها ما هو ذو الطعم والرائحة دون اللون، ومنها ما هو ذو اللون
~~والطعم والرائحة، فكل يفترق عن صاحبه، وأكثر تلك الصفات تتلاحق البول
~~باختلاف أحواله على ما هو المشاهد، وأظهر أفراد افتراق ذي PageV01P060
# اللون عن ذي الطعم والرائحة إنما هو في الدم، إذ ليس فيه طعم ورائحة
~~فاحشين على وجه يستدعي استناد التغير إليهما، بل الغالب فيه التغير اللوني.
# فحينئذ إما أن يقال: بأنه كالمتغير في سائر الصفات غير الثلاثة من
~~الحرارة والبرودة ونحوهما فلا حكم له في إيراث النجاسة، أو أن الشارع قد
~~أهمل فيه حيث لم يتعرض لذكره فيما بين أقسام ما يوجب نجاسة الماء من
~~التغير، ولا يصغى إلى شئ من ذلك، مع منافاته لدعوى الملازمة.
# وأما ما قرره السيد من الأولوية فهو أهون من الملازمة المدعاة، إما لمنع
~~أصل الأولوية، أو لمنع اعتبارها لكونها ظنية، وذلك لأنه لو أراد بكون تغير
~~اللون أظهر في الانفعال كونه أظهر في نظر الحس.
# ففيه: أن الانفعال مما لا يدرك بالحس، إلا أن يراد به الانفعال الوصفي،
~~فيدفعه: أنه ليس بأظهر من انفعال الرائحة بل الطعم أيضا، ولو أراد به كونه
~~أظهر في نظر العقل، فمع أنه ممنوع لا عبرة به، لعدم جزم العقل به فيكون
~~ظنيا، وهو لا يوجب إلا أولوية ظنية وهو كما ترى، ولو أراد به كونه ms035 كذلك في
~~نظر الشرع فهو أوضح فسادا، بملاحظة أن الشرع ليس فيه ما يقضي بذلك أصلا.
# وأما الطعن في النبوي فقد اجيب عنه: بأن غير الصحيح قد تبلغ بالجبر مرتبة
~~الصحيح، وقد يقرر ذلك: بانجباره بالإجماع والشهرة والإجماعات المحكية، وأنت
~~إذا تأملت في عباراتهم لوجدتها مملوة من الإشارة إلى ذلك.
# ويشكل ذلك كله: بأن الشبهة إذا كانت في السند فالإجماع والشهرة لا يجديان
~~في جبران ضعفه إلا في موضع الاستناد، على معنى كون ما شك في سنده مستندا
~~للمجمعين أو المعظم، فإن استنادهم إليه يكشف عن سلامة سنده في الواقع، ولو
~~بأن يبلغهم من الخارج ما أفادهم الوثوق به، ولم يظهر منهم ما يقضي بذلك، بل
~~نرى كلام كثير منهم خاليا عن ذكر هذا الحديث والاستناد إليه.
# نعم غاية ما يترتب على هذه الامور أنها تكشف عن صدق المضمون ومطابقته
~~للواقع، وهو كما ترى ليس من تصحيح السند في شئ، ولا رفع الشبهة المذكورة.
~~PageV01P061
# نعم يمكن رفعها بطريق آخر، وهو التشبث في خصوصه بما ادعي من التواتر أو
~~الاستفاضة ولو في غير جهة إسناده إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، أو
~~الاتفاق على روايته، فعن ابن أبي عقيل - في جملة احتجاجاته على عدم انفعال
~~الماء الراكد بملاقاة النجاسة -: " أنه قد تواتر عن الصادق (عليه السلام)
~~عن آبائه (عليهم السلام): أن الماء طاهر لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه
~~أو رائحته " (1).
# وعن السرائر: " ومن قول الرسول (صلى الله عليه وآله) المتفق على روايته
~~أنه: " قال خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو
~~ريحه " (2)، وعن ابن فهد: " روي متواترا عنهم أنهم قالوا: " الماء طهور لا
~~ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (3) وعن الوافي: " وما استفاض
~~روايته عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " خلق الله الماء طهورا لا
~~ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (4)، وعن الشيخ: أنه رواه أيضا
~~(5)، وفي المنتهى (6) روى الجمهور عن ms036 النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "
~~خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (7)، وعن
~~الذخيرة: " أنه ما عمل الامة بمدلوله وقبلوه " (8).
# ولا ريب أن نقل التواتر إذا بلغ حد التواتر كنفس التواتر، فيفيد العلم
~~بصدور هذا اللفظ عن المعصوم (عليه السلام).
# ومع الغض عن ذلك فأقل مراتبه الظن بالصدور، والظاهر أنه كاف في أسانيد
~~الأخبار على ما قرر في محله، كيف وهو لا يقصر عن رواية عدلين أو عدل واحد
~~إذا كان عن ناقل واحد فضلا عن ناقلين متعددين، حيث إن كلا منهما يخبر عن
~~علم، غايته أنه في ناقل التواتر علم مع الواسطة.
# ثم مع التنزل عن ذلك أيضا نقول: بأن ثبوت المطلب غير منوط بثبوت اعتبار
~~سند هذا الحديث، إن كان العذر في عدم المصير إليه عدم ورود خبر في أخبار
~~أصحابنا، لتظافر الروايات عن أئمتنا في خصوص التغير اللوني، فإنها كثيرة
~~جدا إن لم نقل بتواترها.
# PageV01P062
# منها: ما عن دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " في الماء
~~الجاري يمر بالجيف والعذرة والدم يتوضأ منه ويشرب، وليس ينجسه شئ ما لم
~~يتغير أوصافه، طعمه ولونه وريحه " (1).
# ومنها: ما عن الكتاب المذكور (2) أيضا عن الصادق (عليه السلام) أنه قال:
~~" إذا مر الجنب في الماء وفيه الجيفة أو الميتة، فإن كان قد تغير لذلك طعمه
~~أو ريحه أو لونه فلا يشرب منه ولا يتوضأ ولا يتطهر "، رواه شيخنا في
~~الجواهر مرسلا (3).
# ومنها: ما عن الفقه الرضوي: " كل غدير فيه من الماء أكثر من كر لا ينجسه
~~ما يقع فيه من النجاسات، إلا أن يكون فيه الجيف فتغير لونه وطعمه ورائحته،
~~فإن غيرته لم تشرب منه ولم تتطهر " (4).
# ومنها: ما في مختلف العلامة في جملة احتجاجات ابن أبي عقيل على عدم
~~انفعال الماء بالملاقاة، رواه مرسلا قال: " وسئل الصادق (عليه السلام) عن
~~القربة والجرة (5) من الماء سقط فيهما فأرة أو جرذ أو غير ذلك فيموتون
~~فيها، فقال: " إذا غلب رائحته على طعم الماء ms037 أو لونه فأرقه، وإن لم يغلب
~~عليه فاشرب منه وتوضأ واطرح الميتة إذا أخرجتها رطبة " (6) وفي نسخة اخرى
~~طرية.
# ومنها: ما في الوسائل في الصحيح - على الصحيح - عن الثقة الجليل محمد ابن
~~الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات، عن محمد بن إسماعيل - يعني البرمكي -
~~عن علي بن الحكم عن شهاب بن عبد ربه قال: أتيت أبا عبد الله (عليه السلام)
~~أسأله فابتدأني، " فقال: إن شئت إسأل يا شهاب وإن شئت أخبرناك بما جئت له،
~~قلت: أخبرني، قال:
# جئت تسألني عن الغدير تكون في جانبه الجيفة أتوضأ منه أو لا؟ قال: " نعم
~~"، قال:
# توضأ من الجانب الآخر، إلا أن يغلب الماء الريح فينتن، وجئت تسأل عن
~~الماء الراكد، فإن لم تكن فيه تغير وريح غالبة قلت: فما التغير؟ قال:
~~الصفرة، فتوضأ منه (7)، وكلما
# PageV01P063
# غلب كثرة الماء فهو طاهر " (1).
# ومنها: ما في زيادات التهذيب عن العلاء بن فضيل قال: سألت أبا عبد الله
~~(عليه السلام) عن الحياض يبال فيها، " قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون
~~البول " (2).
# ومنها: ما في نوادر الكافي في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن
~~(عليه السلام) قال: سألته عن رجل رعف فامتخط، فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا
~~فأصاب إناءه، هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: " إن لم يكن شئ يستبين في الماء
~~فلا بأس، وإن كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه " (3) بناء على أن المراد
~~باستبانة الدم في الماء استبانة أثره، ولا يكون إلا باللون فتأمل.
# والظاهر أنه مما لا مدخل له في المقام بعد ملاحظة أن السؤال وقع عن كون
~~إصابة الدم الإناء صالحا للحكم بتنجس الماء وعدمه، فأجابه الإمام (عليه
~~السلام) بأن المعيار في ذلك تبين الدم في الإناء، أي الماء الذي فيه، بمعنى
~~العلم بوقوعه فيه ومجرد العلم بإصابته الإناء غير كاف لكونه أعم، فلعله لم
~~يتعد عن خارج الإناء إلى داخله، والذي يرشد إليه وقوع السؤال بعد ذلك عن
~~صورة العلم بوقوع الدم في الإناء، فقال: " وسألته عن ms038 رجل رعف وهو يتوضأ،
~~فقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا " (4)، ومن هنا ضعف ما
~~فهمه الشيخ عن تلك الرواية من عدم انفعال القليل بما لا يدركه الطرف من
~~الدم.
# وأما ما عدا ذلك فالكل صريح في الدلالة على المطلب، وما فيها من التكاثر
~~والتظافر إن لم يفد العلم بالصدق فلا أقل من إفادته الوثوق، مضافا إلى أن
~~فيها ما هو صحيح - على الصحيح - كما أشرنا إليه، ومنه رواية علاء بن الفضيل
~~(5) ورميها بالضعف - كما صنعه المحقق الخوانساري (6) على ما عرفت سابقا -
~~من جهة اشتمال سندها
# PageV01P064
# على محمد بن سنان مما لا وجه له؛ فإن هذا الرجل وإن كان ممن ضعفه النجاشي
~~(1) والفضل بن شاذان (2) وغيره (3)، غير أن الذي يظهر بملاحظة القرائن
~~الخارجية المقررة في محالها وثاقته، وكونه من الأجلاء الفضلاء، هذا مع ما
~~يأتي من روايات اخر مطلقة تشمل بإطلاقها تغير اللون أيضا.
# ثم إن بملاحظة أكثر ما ذكر يعرف الحكم في تغير الطعم والرائحة أيضا،
~~مضافا إلى روايات اخر كثيرة واردة في المقام.
# منها: ما في التهذيب و الاستبصار من الصحيح عن أبي خالد القماط، أنه سمع
~~أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: في الماء يمر به الرجل وهو نقيع وفيه
~~الميتة والجيفة - وفي بعض النسخ الميتة الجيفة - فقال أبو عبد الله (عليه
~~السلام): " إن كان الماء قد تغير ريحه وطعمه فلا تشرب ولا تتوضأ، وإن لم
~~يتغير ريحه وطعمه فاشرب وتوضأ [منه] (4) "، وفي بعض نسخ التهذيب: " ريحه أو
~~طعمه " (5).
# ومنها: ما فيهما أيضا من الصحيح عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام): قال كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب،
~~فإذا تغير الماء أو تغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب " (6)، ورواه في
~~الكافي أيضا مرسلا عن حماد عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) (7).
# PageV01P065
# والظاهر أن مراده بمن أخبره هو حريز بن عبد الله بقرينة ما سبق، فإنه هو
~~الذي روى عنه حماد بن عيسى ms039 على ما ذكر في الرجال (1)، فيكون الرواية على
~~طريق الكليني الحسن كالصحيح بإبراهيم بن هاشم، لأنه يروي عن علي بن إبراهيم
~~عن أبيه ومحمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن حماد عمن أخبره، ولو
~~أخذنا من هذا السند بمحمد بن إسماعيل كان صحيحا جدا، لو صح ما ذكرنا من أن
~~هذا الإرسال بمنزلة الإسناد. فتأمل.
# ومنها: ما فيهما أيضا من الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: كتبت
~~إلى رجل أسئلة أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) أتوضأ؟ فقال: " ماء
~~البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح منه حتى يذهب
~~الريح ويطيب الطعم، لأن له مادة " (2).
# ومنها: ما في الكافي من الحسن كالصحيح بإبراهيم بن هاشم عن زرارة، قال: "
~~إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شئ، تفسخ فيه أو لم يتفسخ، إلا أن
~~يجيء له ريح يغلب على ريح الماء " (3)، والظاهر أن المروي عنه هو أبو جعفر
~~(عليه السلام) لوقوع هذا الحديث في ذيل حديث رواه الشيخ في الاستبصار بطريق
~~ضعيف بعلي بن حديد، وقد رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " قلت
~~له راوية من ماء سقطت فأرة، - إلى أن قال -: وقال أبو جعفر: " إذا كان
~~الماء أكثر إلخ " (4).
# وأقوى ما يشهد بذلك أن هذا الحديث ما رواه في الكتاب المذكور بعينه عن
~~الكليني مسندا إلى أبي جعفر (عليه السلام)، وكان ما عندنا من النسخة فيه
~~غلط من قلم الناسخ.
# ومنها: ما في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان، قال: سأل رجل أبا
~~عبد الله (عليه السلام) وأنا جالس عن غدير أتوه وفيه جيفة؟ فقال: " إذا كان
~~الماء قاهرا ولم يوجد
# PageV01P066
# فيه الريح فتوضأ " (1).
# ومنها: ما في الاستبصار من الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال:
# سمعته يقول: " لا تغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا أن
~~أنتن، فإن انتن غسل الثوب وأعاد الصلاة ونزحت البئر " (2).
# ومنها: ms040 ما في التهذيب من الصحيح أو الحسن بالحسين بن الحسن بن أبان عن
~~سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يمر بالماء وفيه
~~دابة ميتة قد أنتنت؟
# قال: " إن كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضأ ولا يشرب " (3).
# ومنها: ما في الاستبصار في القوي أو الصحيح بياسين بن ضرير عن حريز بن
~~عبد الله عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الماء
~~النقيع تبول فيه الدواب؟ فقال: " إن تغير فلا تتوضأ منه، وإن لم تغيره
~~أبوالها فتوضأ منه، وكذلك الدم إذا سال في الماء وأشباهه " (4)، ومن قوله:
~~" وكذلك الدم " يمكن استفادة حكم اللون أيضا كما لا يخفى.
# ومنها: ما في الكافي في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن
~~الرضا (عليه السلام) قال: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير [به]
~~" (5)، ومثله ما في التهذيب (6).
# ومنها: ما في الاستبصار في الحسن عن محمد بن القاسم عن أبي الحسن (عليه
~~السلام) في البئر يكون بينها وبين الكنيف خمسة وأقل وأكثر يتوضأ منها؟ قال:
~~" ليس يكره من قرب ولا بعد يتوضأ منها ويغتسل ما لم يتغير [الماء] (7) " و
~~(8).
# PageV01P067
# ومنها: ما في مختلف العلامة مرسلا في جملة احتجاجات ابن أبي عقيل أيضا،
~~سئل عن الماء النقيع والغدير وأشباههما فيه الجيف والقذر وولوغ الكلب،
~~ويشرب منه الدواب وتبول فيه أيتوضأ منه؟ فقال لسائله: " إن كان ما فيه من
~~النجاسة غالبا على الماء فلا تتوضأ منه، وإن كان الماء غالبا على النجاسة
~~فتوضأ منه، واغتسل " (1).
# ويتضح طريق الاستدلال بالأخبار المذكورة بعد حمل مطلقاتها على مقيداتها،
~~وحمل ما ذكر فيه من الأوصاف واحدا أو اثنين على إرادة المثال، أو على أنه
~~الوصف الغالب مما يحصل فيه التغير فلا تنافي بينها أصلا، فالمسألة بحمد
~~الله سبحانه في غاية الوضوح.
# نعم، يبقى في المقام أمران ينبغي التنبيه عليهما:
# أحدهما: ما أشار إليه المحقق الخوانساري - في شرح الدروس - من: " أنه
~~يشكل أن يستنبط من تلك ms041 الروايات أن تغير الطعم وحده موجب للنجاسة؛ لأن في
~~بعض نسخ التهذيب في صحيحة أبي خالد المتقدمة " قد تغير ريحه أو طعمه، " وفي
~~النسخة المعتمدة " وطعمه " ويؤيدها آخر الحديث، والتعويل أيضا على الإجماع
~~" (2)، وهو كما ترى أضعف شئ يذكر في المقام.
# أما أولا: فلعدم انحصار روايات الباب في الصحيحة المذكورة، لما عرفت من
~~أن فيها ما اشتمل على كلمة " أو " بلا اختلاف في النسخ.
# وأما ثانيا: فلأن " الواو " كثيرا ما ترد مورد " أو " فلتحمل عليها كي
~~يرتفع الإشكال.
# فإن قيل: العكس أيضا ممكن.
# لقلنا: بأن العكس يأباه اختلاف الروايات في التضمن على الصفات المذكورة
~~وحدانية وثنائية وثلاثية، فإن كثيرا منها ما تضمن واحدا منها، وكل ذلك شاهد
~~عدل بأن كلا من الصفات مستقل بانفراده في السببية، فيكون ذلك قرينة على ما
~~ذكرناه من التجوز دون العكس.
# وثانيهما: أنه قد يوجد في الروايات ما يعارض روايات الباب في الدلالة على
~~كون التغير بالنجاسة مقتضيا لنجاسة الماء، كما في الكافي مرسلا عن رجل عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام)
# PageV01P068
# قال: قلت: يسيل علي من ماء المطر الذي فيه التغير وأرى فيه آثار القذر
~~فتقطر القطرات علي، وينتضح علي منه، والبيت يتوضأ على سطحه، فكيف على
~~ثيابنا؟ قال:
# " ما به (1) بأس، لا تغسله، كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (2).
# وهو أيضا كما ترى كلام ظاهري، فإن هذه الرواية - مع أنها مرسلة غير صالحة
~~للمعارضة للروايات الكثيرة القريبة من التواتر، بل المتواترة في الحقيقة،
~~التي منها ما هو الصحيح ومنها ما هو في حكمه من حيث الاعتبار - غير دالة
~~على ما ينافي مفاد روايات الباب، بل هي عند التحقيق واردة لإعطاء قاعدة
~~كلية مجمع عليها، مدلول عليها بالأخبار الكثيرة التي منها: ما استفاض عنهم
~~(عليهم السلام) " كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر " (3)، ومحصل مفاد الرواية
~~- على ما يرشد إليه سياق السؤال -: أن السائل لما وجد التغير في الماء
~~المفروض ومع ذلك وجد فيه القذر أيضا، ولكن لم يتبين عنده أن هذا التغير ms042
~~مستند إلى القذر المفروض، فسأل الإمام (عليه السلام) استعلاما، لأن وجود
~~القذر مع الماء المتغير هل يصلح أمارة على استناد التغير إليه أولا؟ فأجابه
~~الإمام (عليه السلام) بما يرجع إلى منع صلوحه لذلك، فنهاه عن غسل الثياب
~~تنبيها على أن مدار النجاسة في الشريعة على العلم، وأنت غير عالم بالاستناد
~~فغير عالم بالنجاسة، وقوله (عليه السلام): " كل شئ يراه المطر فقد طهر "
~~جواب عن سؤال آخر تعرض له السائل بقوله: " والبيت يتوضأ على سطحه "، وغرضه
~~بذلك - والله أعلم - أن النجاسة التي تتحقق مع التوضي على سطح البيت فيه هل
~~تؤثر في نجاسة ثيابنا بالقطرات الواقعة منه عليها بواسطة ماء المطر؟
# فأجاب عنه الإمام (عليه السلام) بالعدم تعليلا بما أفاده.
# المطلب الثاني:
# في نبذة من الفروع المتعلقة بالباب وهي امور:
# أحدها: كل واحد من الصفات الثلاث القائمة بالنجاسة قد يكون في اقتضاء
~~تغير
# PageV01P069
# صفة الماء علة تامة، وقد يكون جزء للعلة، بحيث لولا انضمام مغير خارجي
~~إليه من عمل شمس أو حرارة هواء أو تصرف غيرها مما يتكون في الماء من
~~الديدان ونحوها لا يكون صالحا للتأثير، بل يكون التأثير قائما بالمجموع
~~منها على الشركة من دون كفاية كل بانفراده في التأثير، ففي كونه كافيا في
~~توجه الحكم بنجاسة الماء مطلقا، أو عدمه كذلك، أو إناطة الأمر بما يساعد
~~عليه نظر العرف في صدق عنوان " التغيير " على وجه يسند إلى النجاسة (1) أو
~~وصفها وعدمه وجوه.
# من أن الحكم المخرج في الشرع على خلاف الأصل يجب فيه الاقتصار على القدر
~~المتيقن.
# ومن أن إسناد التغيير إلى النجاسة أو وصفها الوارد في روايات الباب ليس
~~على حقيقته، بل هو وارد من باب التسبيب، وظاهر أن هذا الإسناد كما أنه يصدق
~~عرفا فيما لو اعتبر إلى السبب التام كذلك يصدق فيما لو اعتبر إلى جزء السبب
~~كما يفصح عنه قولهم:
# " أنبت الربيع البقل "، المتفق على كونه من باب المجاز في الإسناد
~~بالقياس إلى السبب، والربيع ليس إلا أحد أجزاء العلة، فيكون ما ورد في ms043
~~الروايات شاملا لما يتحقق مع النجاسة في صورة ما لو كانت سببا تاما، وما
~~يتحقق معها في صورة ما لو كانت جزء للسبب.
# ومن أن اللفظ الوارد في خطاب الشرع ينزل على ما يساعد عليه العرف، فإن صح
~~عرفا في صورة جزئية النجاسة القول بأن هذا ما غيرته النجاسة يتبعه الحكم
~~بالنجاسة وإلا فلا.
# ولكن الإنصاف أن يقال: إن الحكم في وجوده وعدمه يتبع العنوان الوارد في
~~الأخبار، المعلق عليه ذلك الحكم، وأنت بملاحظة الأخبار المتقدمة تعرف أن ما
~~أخذ فيها عنوانا لذلك الحكم شيئان، هما عند التحقيق متلازمان وجودا وعدما.
# أحدهما: غلبة وصف النجاسة على وصف الماء، من ريح أو لون أو طعم.
# وثانيهما: تغيير النجاسة أو وصفها المذكور لوصف الماء.
# PageV01P070
# ولا ريب أن العنوان الأول غير متحقق مع الفرض، لوضوح عدم غلبة لوصف
~~النجاسة في فرض الجزئية على وصف الماء، وأما ثاني العنوانين فهو وإن كان في
~~نظر العقل مما لا مانع من إجرائه في مفروض الكلام غير أن العرف يأبى عنه؛
~~ضرورة أن التغيير الوارد في الأخبار بأي صيغة كانت لو عرضناه على العرف كان
~~ظاهرا في تمام السببية، بحيث لا يكاد الذهن ينصرف إلى صورة الجزئية، ولو
~~كان ذلك باعتبار تركيب الكلام المتضمن لهذا اللفظ، فلاحظ وتأمل كي يتضح لك
~~حقيقة الحال.
# وقضية ذلك اختصاص الحكم بالنجاسة بما لو كان النجاسة أو وصفها علة تامة
~~لتغير وصف الماء، فيلحق المفروض بالأصل الأولي المقتضي للطهارة، مضافا إلى
~~اصول اخر جارية في المقام هذا، ولكن الاحتياط مما لا ينبغي تركه خصوصا في
~~مشروط بالمائية.
# وثانيها: إذا تغير الماء بالنجاسة لا عن وصف النجاسة - على معنى تغيره في
~~وصف مغاير لوصف النجاسة جنسا أو نوعا، كتغير لونه بذي الطعم أو الرائحة، أو
~~طعمه بذي اللون أو الرائحة، أو رائحته بذي الطعم أو اللون - فهل يقتضي ذلك
~~نجاسة الماء كما يقتضيها لو حصل في الوصف الموافق أو لا؟
# والأول أولى، عملا بإطلاق الإجماعات وفتاوي الأصحاب، وإطلاق جملة كثيرة
~~من روايات ms044 الباب، وخصوص المرسلة الواردة في مختلف العلامة المتضمنة لقوله
~~(عليه السلام):
# " إذا غلب رائحته على طعم الماء أو لونه فأرقه " (1)، وصحيحة هشام بن عبد
~~ربه المشتملة على قوله: " فما التغير؟ قال: الصفرة " (2)، نظرا إلى أن ظاهر
~~السياق بقرينة ما سبق كون السؤال عن الجيفة التي تكون وصفها الغالب هو
~~الريح.
# مضافا إلى أن المعلوم من طريقة الشارع كون مناط الحكم هو التغير المستند
~~إلى النجاسة بأي نحو اتفق، ولا ينافي شيئا من ذلك ما في رواية العلاء بن
~~الفضيل من قوله:
# " لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول " (3)؛ لعدم ابتناء روايات الباب
~~على الضبط
# PageV01P071
# والحصر، كما يفصح عنه اختلافها زيادة ونقيصة في الاشتمال على الأوصاف
~~الثلاثة.
# فما عن المعتبر من قوله: " وكله ينجس باستيلاء النجاسة عليه، ونريد
~~باستيلاء النجاسة غلبة ريحها على ريح الماء وطعمها على طعمه ولونها على
~~لونه " (1)، ليس بسديد إن أراد به الاشتراط.
# والعجب عن شيخنا في الجواهر (2) أنه - بعد ما ذكر الاحتمالين في مفروض
~~المسألة - قوى الاحتمال الثاني استنادا إلى استصحاب الطهارة، مع الاقتصار
~~فيما خالف الأصل على القدر المتيقن، فإنه كما ترى اجتهاد في مقابلة النص،
~~واتكال بالأصل في موضع الدليل.
# فعلى ما قويناه لو وقع في الماء نجاسات متعددة مختلفة اللون فحصل له من
~~جهتها لون آخر غير موافق للون شئ منها كان نجسا، ولا يقدح فيه مخالفة لونه
~~لألوانها بحسب النوع.
# بل وبما عرفت من التحقيق تعرف أنه لو وقع فيه نجاسة لا وصف لها من حيث
~~الجهات الثلاث المعهودة، فامتزجت معه وأورثت فيه بمقتضى اختلاط مزاجيهما
~~تغيرا في إحدى من جهاته الثلاث كان نجسا، بل قضية بعض ما سبق - مضافا إلى
~~أن مورد أكثر روايات الباب إنما هو الميتة أو الجيفة - عدم الفرق بين ما لو
~~كان الوصف الغالب من النجاسة على وصف الماء من لوازم طبعها ومقتضيات
~~ماهيتها كحمرة الدم ونحوها، أو من الطوارئ اللاحقة بها بعد انقضاء مدة
~~مثلا، كنتن الجيفة التي أصلها الميتة، وهي ما لم ينقض عنها ms045 زمان اقتضى فيها
~~الفساد مما ليس لها وصف مغير.
# وثالثها: لو وقع في الماء ما يغيره وكان مرددا بين الطاهر والنجس لا يخرج
~~الماء عن طهارته الأصلية، للأصل السليم عن المعارض، مع استصحاب الطهارة،
~~كما أنه كذلك لو ظن بكونه نجسا، ما لم يقم على اعتبار هذا الظن دليل
~~بالخصوص، ولو وقع فيه من النجس ما يصلح للتغيير فاستعقب تغيرا في الماء مع
~~عدم العلم باستناده إليه كان باقيا على طهارته، كما أنه لو وقع فيه ما شك
~~في كونه صالحا للتغيير فتعقبه التغير مع
# PageV01P072
# احتمال استناده إلى غيره كان طاهرا.
# وكذلك لو وقع فيه طاهر ونجس وتعقبهما التغير مع الشك في استناده إلى
~~الطاهر أو النجس، نعم لو علم باستناده إلى أحدهما معينا يلحقه حكمه من
~~طهارة أو نجاسة، وأما لو علم باستناده إليهما معا على نحو الشركة فهو من
~~جزئيات الفرع الأول وقد تبين حاله.
# ولو تغير بعض الزايد على الكر فإن كان الباقي كرا اختص النجاسة بالمتغير،
~~بخلاف ما لو كان الباقي دون الكر فإنه ينجس الجميع، أما البعض المتغير
~~فللتغير، وأما الباقي فبالملاقاة، وأما لو شك في كرية الباقي كان محكوما
~~عليه بالطهارة للأصل والاستصحاب.
# وأما ما يسند إلى بعض الشافعية (1) - من القول بنجاسة الجميع وإن كثر
~~وتباعدت أقطاره، لأن المتغير نجس فينجس ما يلاقيه ثم ينجس ملاقي ملاقيه
~~وهكذا - فضعيف جدا؛ لأن ملاقي النجس إذا كان كثيرا لا ينجس بالملاقاة
~~إجماعا كما يأتي تحقيقه.
# ولو تغير الماء بالنجاسة في غير الصفات الثلاثة، من الحرارة والبرودة أو
~~الخفة والغلظة أو الصفاء والكدورة أو التأثير والخاصية لم ينجس قولا واحدا
~~فتوى وعملا؛ لاختصاص أدلة التنجيس بغير تلك الصفات من الصفات الثلاثة، ولا
~~ينافيه ما فيها من المطلقات بعد إعمال قاعدة حمل المطلق على المقيد، الذي
~~هو عبارة عن الحصر المستفاد من ملاحظة مجموع الروايات، حيث لم يقع فيها
~~إشارة إلى اعتبار التغير فيما عدا الأوصاف الثلاث بالخصوص.
# ولو تغير بالمجاورة ومرور رائحة النجاسة القريبة منه إليه من ms046 دون
~~ملاقاتها له لم ينجس أيضا، وفي الحدائق قولا واحدا (2)؛ لأن الرائحة ليست
~~بنجاسة فلا تؤثر تنجيسا، وهو كما ترى في غاية الجودة، وإن كان لا يخلو عن
~~ضرب من القصور في التأدية.
# فتوضيحه: أن الحكم في أكثر روايات الباب معلق على أعيان النجاسات من الدم
~~والبول والجيفة على فرض وقوعها في الماء وكونها بأعيانها فيه، ولا ريب أن
~~اللون في مفروض المسألة ليس بعين نجسة، كما أن العين فيها ليست بواقعة في
~~الماء، ومعه
# PageV01P073
# لا داعي إلى الحكم بالنجاسة في تلك الصورة.
# نعم، في جملة من الروايات ما يوهم في ابتداء النظر عدم الفرق بين ما لو
~~كان التغير عن عين النجاسة أو عن مجاورتها ومرور رائحتها، كالنبوي المتقدم
~~(1)، والأولى من روايتي دعائم الإسلام (2)، ورواية الشهاب (3) بما في
~~ذيلها، ورواية حريز (4)، وروايتي محمد بن إسماعيل (5) الواردتين في البئر،
~~ولكن ليس شئ منها بشئ.
# أما النبوي فللقدح في سنده أولا، ودلالته ثانيا.
# أما الأول: فلما عرفت من كونه عاميا مرسلا وإن ادعي كونه متواترا، ولا
~~جابر له في خصوص المقام لما عرفت من ذهاب الأصحاب إلى خلاف ما اقتضاه
~~إطلاقه أو عمومه، بل ولو فرضنا سنده صحيحا لسقط عن الاعتبار في خصوص هذا
~~الحكم، بملاحظة إعراض الأصحاب عنه من هذه الجهة وعدم الاعتناء به.
# وأما الثاني: فلمنع عموم أو إطلاق في الرواية بحيث يشمل المبحوث عنه
~~أيضا؛ فإن " شيئا " في قوله: " لا ينجسه شئ، " لايراد منه ما يصدق عليه
~~الشئ في الخارج كائنا ما كان، وإن كان عاما من جهة وقوعه في سياق النفي، بل
~~يراد به بملاحظة تركيب الكلام وتضمنه للفظ " ينجسه " جميع الأفراد مما كان
~~من سنخ المتنجس، كما أنه لو قال لأحد: " ما أكلت اليوم شيئا "، لا يتناول
~~ذلك العام ما ليس من أفراد المأكول أصلا، بل هو عام في خصوص أفراد المأكول،
~~فيكون حاصل تقدير الرواية: أنه لا ينجسه شئ من المنجسات، فيكون قوله: " إلا
~~ما غير لونه " الخ استثناء عن الشئ بهذا المعنى، وحاصله: إلا ms047 متنجس غير
~~لونه الخ.
# ولا ريب أنه بهذا المعنى لا يتناول نظائر المقام ولو فرضناه عاما، بناء
~~على القول بكون الموصولات من العمومات؛ إذ العام إنما يشمل أفراده بعد
~~الفراغ عن إحراز فرديتها له، وكون مرور الرائحة إلى الماء من النجاسة
~~وتغيره بالمجاورة منجسا له مما
# PageV01P074
# لم يكن محرزا؛ لعدم قيام دليل من الشرع على أنه أيضا يوجب نجاسة الماء
~~فيكون مشكوكا في فرديته، ومعه لا يعقل العموم بالقياس إليه.
# وأما رواية دعائم الإسلام فللقدح فيها أيضا سندا ودلالة.
# أما الأول: فقد اتضح، وأما الثاني: فلانصراف قوله: " وليس ينجسه شئ ما لم
~~يتغير أوصافه " إلى الامور المذكورة أولا من الجيف والعذرة والدم، فيكون
~~التغير ظاهرا فيما يستند إليها، وهو ظاهر فيما يستند إلى أعيانها.
# ودعوى: أن المورد لا يصلح مخصصا للوارد.
# يدفعها: أن الحمل المذكور ليس من باب التخصيص بل هو عند التحقيق أخذ بما
~~هو من مقتضى التخصص.
# وبيان ذلك: أن لفظ " شئ " حيثما طرأه العموم المصطلح ليس على حد غيره من
~~ألفاظ العموم التي لمدلولها أفراد مضبوطة معينة لا يتجاوزها الألفاظ إلا
~~بالتخصيص، بل هو في إفادته العموم وكمية ما يعمه يتبع المقام، ويأخذ من
~~الأفراد ما يناسبه ويساعد عليه سياق الكلام، فقوله: " ليس ينجسه شئ " إنما
~~ينصرف عرفا إلى ما سبقه من النجاسات المذكورة، فيكون عاما في أفرادها لا
~~مطلقا.
# وأما الثالث: فلظهور أن المراد بالماء الراكد بقرينة ما سبق الماء الراكد
~~الذي فيه الجيفة.
# لا يقال: لو صح ذلك لكان إضمار السؤال عن أحدهما مغنيا عنه في الآخر لكون
~~كل من الغدير والراكد من واد واحد.
# لأنا نقول: إنهما موضوعان متغايران وإن كان الثاني أعم من الأول، فإن
~~الغدير هو الماء الذي تغادره السيول أي تخلفه، والراكد هو الماء الساكن
~~الغير الجاري، فلعل السائل قد أضمر السؤال عن كليهما لتوهمه الفرق بينهما
~~في الحكم باعتبار خصوصية من الخصوصيات، لعلمه بأن مبنى الشرع على الجمع بين
~~المختلفات والتفريق بين المتفقات.
# وأما الرابع: فلأن المتبادر من قوله: " كلما ms048 غلب الماء على ريح الجيفة "
~~ما اعتبر غلبة وصفه على الجيفة الواقعة فيه الملاصقة له، لا مطلقا.
# وأما الخامس: فلأن المراد ب " الإفساد " الوارد في الروايتين إنما هو
~~الإفساد الشرعي المانع عن استعمال الماء في مشروط بالطهارة وهو التنجيس،
~~فيرجع مفاده إلى ما قررناه في PageV01P075
# النبوي، فلا يتناول عمومه للمجاورة ونحوها لمكان الشك في كونها من
~~المنجسات.
# ولو تغير الماء في أحد أوصافه الثلاثة المعروفة بالمتنجس دون عين النجس -
~~كالدبس النجس وما شابهه - ففي قبوله النجاسة به وعدمه وجهان، بل قولان على
~~ما قيل، فالمعظم إلى الثاني، وعن كشف اللثام: " أنه ظاهر الأكثر " (1)، وفي
~~الرياض: " أنه الأشهر " (2)، وعن شرح المفاتيح: " أنه مذهب جميع من عدا
~~الشيخ " (3)، وعن ظاهر الشيخ في المبسوط (4) الأول، فلا فرق في نجاسة الماء
~~بالتغير عنده بين ما لو كان التغير بعين النجس أو بالمتنجس، وربما يعزى إلى
~~ظاهر السيد في الجمل (5) أيضا بل عن المصابيح (6) أنه استظهره من المعتبر
~~(7) والتحرير (8)، وقد يستظهر الموافقة من السرائر (9) كما في الجواهر
~~(10)، بل في مناهل السيد (11): " أنه قد يستظهر من الكتب التي أطلقت التنجس
~~بالتغير مصرحة بأنه لا ينجس الجاري إلا أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه،
~~كالمقنعة (12)، وجمل العلم (13)، والجمل والعقود (14)، والغنية (15)،
~~والتبصرة (16)، والدروس (17)، والبيان (18)، والجعفرية (19)، ومجمع الفائدة
~~(20).
# وقد يدعى استفادته أيضا من الكتب التي صرحت بأنه لا ينجس إلا باستيلاء
~~النجاسة على أحد أوصافه، كالوسيلة (21)، والمراسم (22)، والنافع (23)،
~~والشرائع (24)،
# PageV01P076
# و حاشيته (1)، و من الكتب التي صرحت بأنه لا ينجس إلا بتغير لونه أو طعمه
~~أو ريحه بالنجاسة كالنهاية (2) والإرشاد (3) والقواعد (4) والسرائر (5)
~~ونهاية الإحكام (6) والجامع (7) واللمعة (8) والروضة (9)، لأن النجاسة يعم
~~المتنجس في كلمات الأصحاب.
# وأنت خبير: بأن كل هذه الاستظهارات وارد على خلاف التحقيق، فإن لفظ "
~~النجاسة " أو " النجس " ليس مما ورد في أخبار الباب، ولا أنه اخذ بهذا
~~العنوان الكلي عنوانا في أدلة المسألة، بل هو مفهوم كلي انتزعه الفقهاء عن
~~الموارد الخاصة الواردة في الروايات والأعيان المخصوصة من النجاسات المعلق
~~عليها الحكم في أخبار الباب، كالبول والدم ms049 والميتة والجيفة، بعد إسقاط
~~الخصوصية وإلغاء الفارق بينها وبين سائر أنواع النجاسات، ولا ريب أن ما
~~ينتزع عن شئ لا يراد منه عند الإطلاق إلا ما ينطبق على المنتزع عنه، وليس
~~المتنجس من جملته؛ ضرورة عدم وروده في الروايات بهذا اللفظ، ولا أن فيها
~~إشارة إليه، ولا أن شيئا من مصاديقه مذكور في أسئلتها ولا أجوبتها، حتى
~~يقال: بأن ما ذكر من المفهوم الكلي منتزع عما يعمه والموارد الخاصة من
~~أعيان النجاسة، ومعه كيف يجترأ على الفقهاء باستظهار كون مرادهم من النجاسة
~~في عناوينهم المطلقة ما يعم الأمرين.
# كيف ولو كانت قضية الاستظهار صادقة على النهج المذكور لزم كون القول
~~بنجاسة الماء إذا تغير بالمتنجس مذهبا للمشهور، وهو كما ترى ينافي خلو
~~كلامهم كافة عن التصريح بذكره عنوانا ومثالا، وكأن الحال في استظهار هذا
~~القول أيضا من الشيخ والسيد من هذا القبيل، بل هو كذلك عند التحقيق؛ لقصور
~~العبارة التي استظهر منها هذا القول عن إفادته والدلالة على اختياره، وهي -
~~على ما حكي عنه - قوله: " ولا طريق إلى تطهير المضاف إلا بأن يختلط بما زاد
~~على الكر من المياه الطاهرة المطلقة، ثم ينظر فيه فإن سلبه إطلاق اسم الماء
~~وغير أحد أوصافه، إما لونه أو طعمه أو رائحته فلا يجوز
# PageV01P077
# استعماله بحال، وإن لم يتغير أوصافه ولا سلبه إطلاق اسم الماء جاز
~~استعماله في جميع ما يجوز استعمال المياه المطلقة " (1).
# فإن مفاد هذه العبارة - كما ترى - أنه صرح فيما يحكم عليه بعدم جواز
~~الاستعمال باعتبار اجتماع الأمرين من سلب إطلاق الاسم والتغير، وفيما يحكم
~~عليه بجواز الاستعمال باعتبار انتفاء الأمرين معا، فيبقى ما انتفى عنه أحد
~~الأمرين واسطة بين القسمين، وهو كما يمكن لحوقه بالقسم الأول فكذلك يمكن
~~لحوقه بالقسم الثاني فيكون أعم، ومن البين أن العام لا يصلح دليلا على
~~الخاص.
# بل لنا أن نقول: بإمكان كون ما انتفى عنه التغير دون عدم سلب إطلاق الاسم
~~ملحقا بالقسم الأول في الجملة؛ لأنه مضاف حينئذ وهو مما لا يجوز استعماله ms050
~~في مشروط بالمائية، وما انتفى عنه سلب الإطلاق دون التغير ملحقا بالقسم
~~الثاني.
# هذا مع أن الظاهر كون عطف " التغير " على سلب إطلاق الاسم عطفا تفسيريا
~~مرادا به بيان ما يحقق سلب الإطلاق ويتحقق معه عدم صدق الاسم، بناءا على
~~كون المراد بتغير الماء حينئذ اكتسابه شيئا من أوصاف المضاف طعما أو لونا
~~أو رائحة، لا اكتسابه شيئا من صفات النجاسة الواقعة كما هو الظاهر الذي
~~يساعد عليه الاعتبار، ولا ينافيه الحكم عليه حينئذ بعدم جواز الاستعمال
~~بحال، لأنه إذا اكتسب شيئا من أوصاف المضاف انقلب مضافا فيلحقه النجاسة،
~~لأن المضاف كائنا ما كان ينفعل بملاقاة النجاسة والمتنجس معا إجماعا،
~~كانفعال الماء القليل الملاقي بهما، فحينئذ يكون عبارته أجنبية عما فهموه
~~بالمرة، ولا يعقل معه الاستظهار المذكور.
# فالإنصاف: أنه لم يظهر من أصحابنا من كان قائلا بنجاسة الماء المتغير
~~بالمتنجس صراحة ولا ظهورا، و من هنا يمكن استظهار الإجماع على عدم النجاسة،
~~كيف وأنه مقتضى الأصل والاستصحاب كما استند إليه المعظم، ولم يوجد في
~~روايات الباب ما ينافيهما صريحا ولا ظهورا ولا إشعارا.
# نعم، الروايات المطلقة في الحكم بالنجاسة لمجرد التغير - التي منها
~~النبوي (2) -
# PageV01P078
# ربما توهم ذلك، ولكنه يندفع بملاحظة مجموع روايات الباب من مطلقاتها
~~ومقيداتها؛ فإن الذي يظهر منها - والله أعلم - أن هذه المطلقات ليست
~~بإطلاقها كما توهم، بل هي منزلة على المقيدات وناظرة إليها ومنطبقة عليها
~~حرفا بحرف و قذا بقذ، وكأن الوجه في ورودها مطلقة تبين الأمر للمشافهين بها
~~من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) باعتبار
~~الخارج من قرينة حال أو مقال.
# ولو سلم عدم ظهور ذلك، فلا أقل من صيرورة الإطلاق الذي فيها بملاحظة ما
~~ذكرناه - مضافا إلى مصير المعظم إن لم نقل مصير الكل إلى خلافه - موهونا
~~ساقطا عن درجة الاعتبار والحجية، ومعه يبقى الأصلان المذكوران سليمين عن
~~المعارض.
# فتحقيق المقام - على ما يقتضيه القواعد المقررة والاصول المسلمة - أن
~~يقال: إن الوصف الحاصل في الماء عند دخول المتنجس فيه، إما أن ms051 يعلم كونه من
~~أوصاف نفس المتنجس كحلاوة الدبس، ورائحة ماء الورد، وحمرة ماء البقم (1)
~~مثلا، أو يعلم كونه من أوصاف النجاسة التي مع ذلك المتنجس كحمرة الدم إذا
~~كان المتنجس متنجسا من جهته، أو يعلم كونه من وصفيهما معا على معنى استناد
~~تغيره إليهما على جهة الشركة، أو لا يعلم شئ من ذلك.
# أما الأول: فالمتجه فيه عدم النجاسة لعين ما مر.
# وأما الثاني: فالمتجه فيه النجاسة لصدق كونه متغيرا بعين النجاسة فيشمله
~~الأدلة.
# وأما الثالث (2): فهو من جزئيات الفرع الأول الذي تقدم الكلام فيه.
# وأما الرابع: فهو كالأول، لسلامة الأصلين بالنسبة إليه عن المعارض.
# وهذا التفصيل يظهر عن غير واحد من متأخري أصحابنا، منهم ثاني الشهيدين في
~~الروضة، كما أشار إليه بقوله: " فإنه لا ينجس بذلك كما لو تغير طعمه بالدبس
~~[المتنجس] (3) من غير أن تؤثر نجاسته فيه " (4)، وإن كان إطلاق القيد يشمل
~~في كلامه ما
# PageV01P079
# لو كان تأثير النجاسة فيه على سبيل الجزئية، فإن قضية ذلك توجه الحكم فيه
~~بالنجاسة أيضا وإن كان ذلك خلاف التحقيق كما عرفت سابقا.
# وممن صرح بهذا التفصيل في الجملة السيد الطباطبائي في مصابيحه - على ما
~~حكي - قائلا: " بأنه لا يتوهم من إطلاق الأصحاب بعدم نجاسة الماء بتغيره
~~بالمتنجس، أنه لا ينجس بتغيره بالنجاسة بواسطة المتنجس أيضا، بناء على أن
~~التغير بالواسطة تغير بالمتنجس أيضا لا بالنجاسة، ومن ثم ترى الأصحاب مثلوا
~~له بالدبس المتنجس ونحوه مما يوجب التغير بصفته الأصلية دون العارضة بواسطة
~~النجاسة إلخ " (1)، وظاهر هذه العبارة بل صريحها أن هذا التفصيل مذهب
~~للأصحاب أيضا.
# المطلب الثالث:
# التغير قد يكون حسيا وقد يكون تقديريا، والمراد بالأول ما من شأنه أن
~~يكون مدركا بإحدى الحواس الظاهرة من البصر والذوق والشم، وبالثاني ما لا
~~يكون كذلك من جهة كون النجاسة الواقعة في الماء مسلوب الصفات الأصلية
~~موافقة له في صفاته بالعارض، ولكن كانت في المقدار بحيث لو كانت على صفاتها
~~الأصلية المخالفة لصفات الماء كانت موجبة لتغيره غالبة صفاتها على صفاته،
~~فهل المعتبر ms052 في التغير الموجب لتنجس الماء أن يكون حسيا، فلا يكفي فيه مجرد
~~التقدير ما لم يكن التغير مما يدركه الحس، أو لا؟ بل هو موجب للتنجس ولو
~~تقديريا، بحيث لو لم يكن محسوسا يجب تقدير الأوصاف في النجاسة، فلو كانت
~~مما يتغير بها الماء على تقدير وجودها نجس الماء وإلا فلا.
# اختلف فيه الأصحاب على قولين:
# أولهما: ما عليه الأكثر كما في الرياض (2)، وهو قول أكثر الأصحاب كما عن
~~الذخيرة (3)، وهو المشهور كما في الحدائق (4)، وهو لظاهر المعظم وثاني
~~الشهيدين
# PageV01P080
# وجماعة من المتأخرين كما عن المصابيح (1)، وهو ظاهر المذهب كما عن الذكرى
~~(2) والروض (3)، وهو صريح أكثر من تأخر عن العلامة (4) وظاهر من تقدمه (5)،
~~لتعبيرهم بالتغير الظاهر في الحسي كما في الجواهر (6).
# وثانيهما: ما صرح به العلامة في القواعد (7)، وعنه أيضا في نهاية الإحكام
~~(8)، والمختلف (9)، وعن ابنه فخر الإسلام في الإيضاح (10)، والمحقق الثاني
~~في جامع المقاصد (11)، وعن المصابيح (12): أنه حكاه عن ابن فهد في موجزه
~~(13)، وفي المناهل (14):
# " وقيل: نفى عنه البعد في حبل المتين " (15).
# حجة الأولين: الأصل والعمومات ودلالة النصوص والفتاوي على دوران الحكم
~~بالتنجس مدار التغيير بالأوصاف الثلاثة، الذي هو حقيقة في الحسي خاصة.
# أما أولا: فلأنه المتبادر منه عند الإطلاق.
# وأما ثانيا: فلصحة السلب عن التقديري.
# وأما ثالثا: فلتصريح جامع المقاصد (16) والروض (17) بأن التغير حقيقة في
~~الحسي، وهو لا يقصر عن إخبار أهل اللغة بوضع اللفظ بل هو أولى بالقبول، وأن
~~اعتبار التقدير في مسلوب الصفة يقتضي اعتباره في فاقدها وفي الواجد الضعيف
~~منها، والإجماع قائم على عدمه كما عن المصابيح (18).
# PageV01P081
# وللآخرين أيضا وجوه:
# منها: ما عن الإيضاح من أن هذا القول أحوط فيجب المصير إليه (1).
# وفيه أولا: أن الاحتياط لا يجدي نفعا في إثبات ما هو الغرض الأصلي في
~~المسألة من معرفة حكم الله الواقعي.
# وثانيا: منع وجوب الاحتياط، لسلامة الاصول وعمومات الطهارة عن المعارض؛
~~إذ المفروض أن أدلة التنجس بالتغير لا تشمل هذا الفرد، كما يظهر الاعتراف
~~به من أصحاب هذا القول، فلذا لا يتمسكون له إلا ms053 بوجوه لا ترجع إلى دلالة
~~تلك الأدلة، فلا معارض لعمومات الطهارة، والمفروض أنه لا إجمال فيها فيندرج
~~فيها المقام، ويبقى الاصول مؤيدة لها.
# نعم، إنما يتجه الاحتياط وجوبا لو كانت النجاسة الواقعة في الماء باعتبار
~~الكثرة بحيث أوجبت الشك في استهلاك الماء أو خروجه عن الإطلاق، من جهة أن
~~ذلك شك في الاندراج في عمومات الطهارة، غير أن صور المسألة لا تنحصر في
~~ذلك، ومن هنا قد يجاب عنه بمنع كونه أحوط في جميع الفروض بل هو كذلك غالبا،
~~وأنت خبير بأن دعوى الغلبة أيضا ليست في محلها.
# ومنها: ما عن العلامة: " بأن التغير الذي هو مناط النجاسة دائر مع
~~الأوصاف، فإذا فقدت وجب تقديرها " (2).
# وفيه: تسليم المقدمة الاولى ومنع الثانية، لكونها إعادة للمدعى فلا تصلح
~~دليلا.
# وقد يوجه: بأن غرضه دعوى استناد النجاسة إلى عين النجاسة وذاتها، فإنها
~~المؤثرة في تنجس العين دون الوصف، فلهذا لا يحكم به في صورة تغير الأوصاف
~~بالمجاورة، فالأوصاف الثابتة في النجاسة مما لا مدخل لها في التأثير، غير
~~أن الشارع تعالى أناط الحكم بتغير الوصف من جهة أنه كاشف وجودا و عدما عن
~~تحقق المؤثر الواقعي، فإذا علم عند فقد الوصف بتحقق المقدار الذي يكفي في
~~حصول الأثر على تقدير وجود الوصف كما هو قضية القول بالتقدير علم بتحقق
~~المؤثر التام، ومعه لا مناص من الحكم
# PageV01P082
# بحصول الأثر استحالة تخلف الأثر عن مؤثره التام، ولا يقدح فيه فقدان
~~الوصف حينئذ لأن فائدة اعتباره ليست إلا الكشف عن الواقع وقد حصل بدونه من
~~جهة التقدير.
# وفيه: منع عدم دخول تغير الوصف في المؤثر، بل ظاهر الأدلة إن لم نقل
~~صريحها كون التغير مؤثرا في الحكم داخلا في موضوعه، ومعه لا يعقل التفكيك
~~بينه وبين الحكم، سلمنا عدم ظهور ذلك ولكن ظهور خلافه من الأدلة في حيز
~~المنع، ومعه يبقى المقام مشكوكا في اندراجه تحت تلك الأدلة، فيبقى أدلة
~~الطهارة سليمة عما يزاحمها.
# ومنها: ما عن فخر المحققين في الإيضاح، من " أن وجه اختيار المصنف ms054 صيرورة
~~الماء مقهورا؛ لأنه كلما لم يصر مقهورا بالنجاسة لم يتغير بها على تقدير
~~المخالفة، وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: كلما تغير على تقدير المخالفة كان
~~مقهورا، ولا يلزم من عدم أمارة الشئ عدمه " (1).
# وفيه أولا: كذب الأصل المستلزم لكذب العكس - للضابطة المقررة في محله
~~المعتبرة في قاعدة عكس النقيض - إن اريد بمقهورية الماء مقهوريته بحسب
~~الذات، بكون النجاسة الواقعة فيه أكثر منه بحسب الكمية والمقدار، لضرورة
~~قضاء الوجدان المطابق للحس والعيان بأن النجاسة كثيرا ما تكون بحسب المقدار
~~أقل من الماء بمراتب شتى فتغيره لو وقعت فيه، ويكفيك في ذلك ملاحظة الدم
~~والجيفة فإن صاعا من الأول يغير صياعا من الماء، ولا سيما عند اشتداد لونه
~~وبلوغه في الشداد حد السواد، وأن دجاجة من الثاني إذا أنتنت تغير أكرارا من
~~الماء فضلا عن كر واحد أو أقل، وعن جيفة الشاة أو ما هو أكبر منها في
~~الجثة، ولا ندري من أن دعوى هذه الكلية القاطعة للضرورة من أي شئ نشأت لمثل
~~هذا الفاضل المشتهر بالمحقق، نعم لو اريد بالمقهورية ما هو بحسب الكيف أعني
~~الوصف فكلية الشرطية مسلمة، ولكن الشرط كذب وإلا كان خارجا عن الفرض فلا
~~نتيجة.
# وثانيا: أن المقهورية إن اريد بها ما يتحقق معها الاستهلاك فلا كلام لأحد
~~في التنجس هنا، بل هو في الحقيقة خارج عن مفروض المسألة، وإن اريد بها ما
~~دون ذلك
# PageV01P083
# على وجه يكون الإطلاق معه باقيا، فكونها مع فقد الوصف ملزومة للتنجس على
~~ما هو النتيجة المقصودة أول الكلام، إلا إذا ثبت أنها هو السبب التام،
~~وتغير الوصف حيثما يوجد إنما اعتبر كاشفا والكاشف قد يقوم مقامه غيره، وهو
~~في حيز المنع كيف ولم يثبت إلا خلافه كما تقدم الإشارة إليه، ونفصله أيضا
~~بعد ذلك.
# وقد يجاب عنه - أيضا - على هذا التقدير: بأن المدار لو كان على الغلبة
~~والمقهورية فكيف يصح تعليق الحكم على التغير الذي هو وصف مفارق لها، وجعلها
~~دائرة مداره، وأيضا ينبغي القول حينئذ بما إذا كشف عن ms055 الغلبة غير التغير من
~~الكثرة ونحوها، وأيضا لو كان المدار عليها لوجب القول بالتقدير في فاقد
~~الصفات، وفي الواجد الضعيف، وقد نقل الإجماع على خلافه، وبعض هذه الوجوه
~~غير خال عن المكابرة.
# ومنها: ما عن المحقق الثاني في شرح القواعد من " أنه يمكن الاحتجاج بأن
~~المضاف المسلوب الأوصاف لو وقع في الماء وجب اعتباره إما بقلة الأجزاء أو
~~كثرتها، أو تقديره مخالفا في الأوصاف على اختلاف القولين، وإذا وجب
~~الاعتبار في الجملة للمضاف فللنجاسة أولى، ولأن عدم وجوب التقدير يفضي إلى
~~جواز الاستعمال وإن زادت النجاسة على الماء أضعافا وهو كالمعلوم البطلان،
~~فوجب تقدير الأوصاف لأنها مناط التنجس وعدمه " (1).
# وفيه: بعد تسليم الحكم في المقيس عليه منع الأولوية في المقيس، لوضوح
~~الفرق بينهما بأن الحكم هنا معلق على أمر واقعي يستلزم المحسوسية، فإذا
~~انتفت المحسوسية كشف عن انتفاء ذلك الأمر الواقعي المعلق عليه الحكم، لوضوح
~~استلزام انتفاء اللازم انتفاء الملزوم فينتفي معه الحكم، وثمة معلق على أمر
~~واقعي لا يستلزم المحسوسية، فإذا لم يكن مدركا بالحس لفقده أوصافه احتمل
~~كونه متحققا في الواقع لاحتمال استهلاك الماء به، واحتمل عدم تحققه لاحتمال
~~استهلاكه بالماء، فوجب تقدير أوصافه استعلاما لحقيقة الحال.
# وأيضا المقصود بالتقدير هنا إحراز ما هو من مقولة المانع وهو التنجس، بعد
~~الفراغ عن إحراز المقتضي وهو صدق " المائية " وبقاء الإطلاق، وثمة إحراز
~~المقتضي باستعلام بقاء " المائية " وصدق الاسم، ولا ريب أن المقتضي مما لا
~~يحرز إلا بطريق
# PageV01P084
# رافع للشك، فلذا لا يمكن إحرازه بالأصل إلا في بعض الفروض النادرة، فلابد
~~من اعتبار التقدير استكشافا عن وجود المقتضي وبقائه أو ارتفاعه ليتوصل به
~~إلى ترتيب الأحكام المعلقة عليه وجودا وعدما، وهولا يقضي بوجوب التقدير
~~فيما لو شك في وجود المانع وتحققه مع الجزم ببقاء المقتضي؛ لأن المانع مما
~~ينفي احتماله بالأصل فيترتب على المقتضي الموجود أحكامه المعلقة عليه.
# وأما ما ذكره في العلاوة، فإن أراد به صورة الاستهلاك وعدم بقاء الإطلاق
~~فهو مما لا يقول فيه أحد بجواز الاستعمال في ms056 مشروط بالمائية ولا في مشروط
~~بالطهارة، وإن أراد به غير تلك الصورة حتى لا يكون زيادة النجاسة على الماء
~~أضعافا منافية لبقاء " المائية " وصدق الاسم عليه عرفا، فدعوى العلم
~~بالبطلان فيه غير واضح الوجه؛ لعدم كونه مما يساعد عليه العقل والشرع وإلا
~~ارتفع الإشكال، بل لا نرى ذلك إلا استبعادا صرفا هو مما لا يصلح للتعويل
~~عليه في استعلام أحكام الشرع، سيما بعد ملاحظة قيام الدلالة الشرعية على
~~الجواز، من أصل وعموم وإطلاق دليل كما سبق الكلام فيه.
# ومنها: ما احتج به في الحدائق من أنه " يمكن أن يقال: إن التغير حقيقة في
~~النفس الأمري لا فيما كان محسوسا ظاهرا، فقد يمنع عن ظهوره مانع، كما
~~اعترفوا به فيما سيأتي مما إذا خالفت النجاسة الجاري في الأوصاف لكن منع من
~~ظهورها مانع، فإنهم هناك قالوا بوجوب التقدير استنادا إلى أن التغير حصل
~~واقعا وإن منع من ظهوره مانع، والمناط التغير في الواقع لا الحسي، والفرق
~~بين الموضعين لا يخلو عن خفاء.
# ويؤيد ذلك أن الشارع إنما أناط النجاسة بالتغير في هذه الأوصاف لدلالته
~~على غلبة النجاسة وكثرتها واقعا، وإلا فالتغير لها من حيث هو لا مدخل له في
~~التنجس، فالتنجيس حقيقة هو غلبة النجاسة وزيادتها، وإن كان مظهره التغير
~~المذكور، وحينئذ فلو كانت هذه النجاسة المسلوبة الأوصاف بلغت في الكثرة إلى
~~حد يقطع بتغير الماء بها لو كانت ذات أوصاف، فقد حصل موجب التنجس حقيقة
~~الذي هو غلبة النجاسة وزيادتها على الماء " (1).
# PageV01P085
# وفيه: أن الأمر الواقعي النفس الأمري قد يستلزم المحسوسية لزوما مساويا،
~~خصوصا التغير الذي هو عبارة عن انتقال الشئ عن حالة إلى اخرى، فإذا انتفت
~~المحسوسية كشف عن انتفاء ما هو ملزوم لها، فالتغير حينئذ معدوم صرف لا أنه
~~موجود وقد منع عن ظهوره مانع، فقوله: " فقد يمنع عن ظهوره مانع "، ليس
~~بالقياس إلى مفروض المسألة في محله جدا، كما أن قوله: " كما اعترفوا به
~~فيما سيأتي مما إذا خالفت النجاسة الجاري في الأوصاف لكن منع من ظهورها ms057
~~مانع " ليس في محله إن أراد به مقايسة المقام عليه، كيف وأن أصل الحكم في
~~المقيس عليه غير مسلم إلا في بعض الفروض النادرة التي هي في الحقيقة خارجة
~~عن محل البحث - كما سيأتي الكلام فيه مفصلا - وعلى فرض تسليم ذلك فالفرق
~~بين المقامين واضح كما بين السماء والأرض، فإن عدم الظهور لوجود مانع غير
~~عدم الظهور لفقد المقتضي؛ إذ الأول ربما لا يكون منافيا لوجود أصل الموجود
~~بحسب الواقع بخلاف الثاني لاستناد عدم الظهور فيه إلى عدم الوجود، فالسالبة
~~فيه إنما هي بانتفاء الموضوع وفي الأول بمنع المانع الخارجي مع تحقق
~~الموضوع، فبطل بذلك قوله: " والمناط التغير في الواقع لا الحسي والفرق بين
~~الموضعين لا يخلو عن خفاء ".
# وأما ما ذكره في نتيجة الوجه الثاني بقوله: " فالمنجس حقيقة هو غلبة
~~النجاسة وزيادتها إلخ ".
# ففيه: أنا لا ندري أن هذا المناط من أي شئ حصل له ولمن تقدمه، فهل هو بما
~~أثبته الإجماع أو أعطاه النص أو أنه استفيد بالاستنباط؟ وظني أنه وهم نشأ
~~عن ورود التعبير في بعض روايات الباب بلفظ " الغلبة " مطلقة أو مضافة إلى
~~عين النجاسة دون وصفها، كما في رواية شهاب المتضمنة لقوله: " وكلما غلب
~~كثرة الماء فهو طاهر " (1)، ورواية أبي بصير المشتملة على قوله: " وإن لم
~~تغيره أبوالها فتوضأ منه " (2)، والرواية المرسلة المشتملة على قوله: " إن
~~كان ما فيه من النجاسة غالبا على الماء فلا توضأ
# PageV01P086
# منه، وإن كان الماء غالبا على النجاسة فتوضأ منه، واغتسل " (1).
# وأنت خبير بأن التعويل على مجرد ذلك ليس على ما ينبغي، مع إمكان حمله على
~~غلبة الوصف على حد حذف المضاف، بقرينة سائر الروايات المصرحة باعتبار
~~الغلبة أو التغير في الوصف، كما في رواية الفقه الرضوي: " إلا أن يكون فيه
~~الجيف فتغير لونه وطعمه ورائحته " (2)، ومرسلة مختلف العلامة: " إذا غلب
~~رائحته على طعم الماء أو لونه فأرقه " (3)، وصدر رواية الشهاب: " إلا أن
~~يغلب الماء الريح فينتن " (4)، ورواية العلاء بن الفضيل: " لا بأس إذا غلب
~~لون الماء لون البول " (5)، وهكذا ms058 إلى آخر الروايات المتقدمة مع أن
~~الاعتماد عليه كما ترى طرح لتلك النصوص أو الظواهر الكثيرة.
# فإن قلت: إنما يلزم ذلك لو كانت الروايات المذكورة منافية له وليس كذلك،
~~بعد ملاحظة كون اعتبار الأوصاف فيها واردا من باب الكاشفية دون المدخلية.
# قلنا: إنما ينافي ذلك الجمل الشرطية الواردة فيها الظاهرة في العلية
~~وارتباط الجزاء بالشرط ربطا مسببيا بسببه التام كما قرر في محله، وقضية ما
~~ذكر حمل هذه على إرادة مجرد الملازمة، كالتي بين المتلازمين المتساويين أو
~~المختلفين في العموم والخصوص وهو كما ترى مما لا وجه له ولا داعي إليه
~~أصلا، مع ما ذكرنا من احتمال اعتبار الإضمار فيما ذكر، ولا ينبغي لأحد أن
~~يعارض ذلك باحتمال التجوز في القضايا المذكورة.
# أما أولا: فلأنها أظهر في إفادة السببية بمراتب شتى من ظهور ما ذكر في
~~عدم الإضمار.
# وأما ثانيا: فلصيرورة هذا الظاهر موهونا بقلته في الغاية، وإعراض الأكثر
~~الأشهر عنه فلا يعبأ به جدا، ولا أنه صالح للمعارضة، مع أن ظاهر سياق مجموع
~~الروايات
# PageV01P087
# بملاحظة العرف يقضي بعدم اعتبار هذا الظاهر واعتبار ما يقضي بسببية
~~الأوصاف وإناطة الحكم بها من غير دخل فيه للغلبة أو الكثرة في الماء أو
~~النجاسة، مضافا إلى ما قيل: " إن اعتبار هذه الصفات لو كان لكشفها عن
~~الغلبة " - كما ادعاه المستدل - لزم اعتبار غيرها من الصفات أيضا، لأنها في
~~الكشف عن الغلبة مثلها، فعلم أن المدار على خصوصية الصفات المعتبرة فيثبت
~~الحكم بثبوتها.
# تنبيه:
# قال في المدارك - بعد ما وافقنا في المسألة السابقة -: " لو خالفت
~~النجاسة الجاري في الصفات لكن منع من ظهورها مانع، كما لو وقع في الماء
~~المتغير بطاهر أحمر دم مثلا فينبغي القطع بنجاسته لتحقق التغير حقيقة، غاية
~~الأمر أنه مستور عن الحس، ثم قال: وقد نبه على ذلك الشهيد (رحمه الله) في
~~البيان. إنتهى " (1).
# ومحكي عبارة البيان أنه قال: " إن الماء إذا كان مشتملا على ما يمنع من
~~ظهور التغير فحينئذ يكفي التقدير، لأن التغير هنا تحقيقي، غاية الأمر أنه ms059
~~مستور عن الحس " (2).
# وحكى نحوه عن المعالم (3)، وجامع المقاصد (4)، وعن المصابيح (5) أيضا،
~~سيما فيما لو كانتا الصفة الثابتة في الماء أصلية، كما في المياه الزاجية و
~~الكبريتية مدعيا فيها القطع بالتنجس، وفي الحدائق: " أنه ما قطع به متأخرو
~~الأصحاب من غير خلاف معروف في الباب " (6).
# ويظهر من إطلاق ثاني الشهيدين في الحكم بعدم اعتبار التقدير خلاف ذلك حيث
~~قال: " والمعتبر من التغير الحسي لا التقديري " (7)، بل هو خيرة الرياض (8)
~~حيث صرح بعدم الفرق في عدم اعتبار التقدير بين حصول المانع ظهور التغير
~~وعدمه، كما إذا توافق الماء والنجاسة في الصفات وعليه كافة من عاصرناهم،
~~وعن المحقق الخوانساري (9)
# PageV01P088
# الفرق في صورة مانعية صفات الماء عن ظهور التغير بين كونها أصلية كالمياه
~~الزاجية والكبريتية وبين كونها عارضية كالمصبوغ بطاهر، فيعتبر التقدير في
~~الثاني دون الأول، فانقدح بذلك أن المسألة ذات أقوال ثلاث.
# وتحقيق المقام: أن الماء إذا وافق النجاسة في الأوصاف لخلقة أو لعارض،
~~فإما أن يكونا متساويين فيها بحسب المرتبة - على معنى كونهما باعتبار الوصف
~~في درجة واحدة بأن لا يزيد الوصف في أحدهما عليه في الآخر - أو لا، وعليه
~~فإما أن يكون وصف النجاسة أشد وأعظم من وصف الماء أو بالعكس، والذي يساعد
~~عليه النظر أن شيئا من هذه الصور مما لا ينبغي الخلاف في حكمها من حيث
~~الطهارة والنجاسة، نظرا إلى أن المتجه في الاولى والثالثة الحكم بالطهارة
~~وفي الثانية الحكم بالنجاسة.
# أما في الصورة الاولى: فلأن التغير بحكم الحس والوجدان مما لا يتأتى فيما
~~بين شيئين على نحو يكون أحدهما مغيرا والآخر متغيرا إلا إذا كانا قابلين
~~للفعل والانفعال - أي التأثير والتأثر - ولا يعقل ذلك إلا إذا كان لأحدهما
~~مزية كاملة على صاحبه، على معنى اشتماله في حد ذاته أو لعارض على ما لا
~~يشتمل عليه صاحبه ليكون من جهته صالحا للفعل والتأثير فيه، ومعطيا إياه
~~شيئا مما اشتمل عليه؛ ضرورة أن فاقد الشئ لا يعقل معطيا لذلك الشئ.
# وإذا فرضنا الماء والنجس متساويين في مرتبة الوصف غير ms060 متفاوتين في
~~الزيادة والنقيصة باعتبار ذلك الوصف فدخل أحدهما في الآخر واختلط معه، فكيف
~~يعقل التأثير والتأثر فيما بينهما وتغير أحدهما عن صاحبه، مع أنه لو صح ذلك
~~فإما أن يكون من أحد الجانبين خاصة أو من كليهما - بأن يكون كل مؤثرا في
~~الآخر ومتأثرا - ولا سبيل إلى شئ منهما.
# أما الأول: فلأن ذلك التأثير إما أن يكون بإحداث زيادة في وصفه وإيراث
~~شدة له، أو بإيجاد ضعف وخفة في وصفه، والأول محال بالنظر إلى ما أشرنا إليه
~~من أن الفاقد لا يصلح معطيا، كما أن الثاني مما لا يعقل إلا في المتخالفين
~~من جهة الوصف كالأسود والأبيض مثلا، فيؤثر الأسود مثلا في الأبيض فيضعف به
~~بياض الأبيض والمقام ليس منه، مع أن فرض التأثير من أحدهما دون الآخر مع
~~فرض تساويهما من جميع الجهات PageV01P089
# تجويز للترجح بغير مرجح، نظرا إلى أنه لو صح الواحد المعين لذلك فصاحبه
~~أيضا صالح له، مع أن ذلك مما يدفع ضرورة الحس والوجدان ويقطع بديهة ما
~~يشاهد بالعيان.
# وإن شئت: فاستوضح ذلك بملاحظة اللبنين المتمازجين ومراعاة الأحمرين
~~المتخالطين، فهل تجد لنفسك طريقا إلى دعوى تحقق للفعل والانفعال فيما
~~بينهما أو أنهما باقيين بعد الاختلاط والامتزاج على ما كانا عليه قبلهما من
~~البياض والحمرة من دون طرو شدة في بياض أحدهما أو حمرته، ولا تطرق خفة
~~إليهما في الآخر، غاية الأمر أنهما لشدة الامتزاج في أحدهما صارا كالمتصل
~~الواحد، على نحو كان كل جزء من كل باقيا على وصفه الأولي القائم به قبل
~~الامتزاج.
# وأما الثاني: فلأن تأثير كل في الآخر فرع لقابلية المحل للتأثر وهو باطل،
~~لتشاغل كل قبل انعقاد جهة التأثير بما لو كان الآخر مؤثرا فيه لكان هو
~~أثره، مع أن حقيقة التأثير هنا ترجع إلى اكتساب الوصف بالمجاورة، ولا
~~اكتساب إلا في موضع الحاجة ولا حاجة إلا للفاقد، مع أن تأثير كل في الآخر
~~إما أن يكون بزيادة على ما فيه من الوصف أو بنقيصة عما كان فيه ولا سبيل
~~إليهما. ms061
# أما الأول: فلأن تلك الزيادة إما أن تأتي من الخارج والمفروض خلافه، أو
~~من قبل نفس المؤثر والمفروض أنه فاقد لها.
# وأما الثاني: فلأن النقص في الوصف مما لا يتأتى إلا باستيلاء الوصف
~~المخالف، ولا مخالفة بينهما في الوصف على ما هو المفروض.
# وبالجملة: حصول التغير في الصورة المفروضة بحسب الواقع على نحو يكون
~~مستورا عن الحس مما لا يمكن تعقله.
# وأما في الصورة الثانية: فلأن قضية أشدية وصف النجس بالقياس إلى وصف
~~الماء أن يتأثر به الماء لا محالة بحدوث زيادة ما في وصفه، إذ المفروض كون
~~النجس بحسب المقدار بحيث لولا المانع عن ظهور أثره لأثر وظهر الأثر، ولا
~~ريب أن الزيادة لا مانع من حصولها لقابلية المحل مع وجود المقتضي فوجب
~~حصولها وهي مع ذلك محسوسة، وإن تعذر امتيازها عن المزيد عليه، ولعل كلام
~~أهل القول بالتنجس ناظر إلى تلك الصورة، وإن كان مما لا يساعد عليه
~~إطلاقهم، ولا يلائمه التصريح بأن التغير وإن PageV01P090
# كان تحقيقيا غير أنه مستور عن الحس، فإن قضية الفرض كونه محسوسا أيضا،
~~نعم إنما يخفى على نظر الحس امتياز ما حصل عما كان، إلا أن يحمل كلامهم في
~~دعوى المستورية على إرادة هذا المعنى، فلو تم هذا كله خرج أصل النزاع
~~لفظيا، إذ لا نظن أن القائلين بعدم التنجس ينكرونه في تلك الصورة أيضا،
~~وكأنهم إنما ينكرونه في الصورة المتقدمة وإن كان لا يساعد عليه إطلاقهم
~~أيضا، لكن لنا في أصل الحكم هنا بالنجاسة تأملا يأتي الإشارة إليه وإلى
~~وجهه في ذيل المسألة.
# وأما في الصورة الثالثة: فلأن قضية الفرض أن يؤثر الماء في تطهير النجس،
~~لأن التغير إنما يحدث فيه بطرو الزيادة في وصفه لا في الماء.
# وبالجملة: نحن لا نعقل في تلك الصورة تغيرا، بل الذي نعقله أنه ضعف بذلك
~~من الماء تغيره السابق، لا أنه زيد على تغيره السابق تغيرا آخر، إلا أن
~~يكتفى به في الحكم بالتنجس، بدعوى: أن ما حصل من الضعف في وصف الماء نحو من ms062
~~التغير فيشمله إطلاق الأدلة وعمومها، وهو كما ترى خروج عن السداد، وعدول عن
~~قانون الاجتهاد، لكون الأدلة ظاهرة كالنص في اعتبار الأمر الوجودي في عنوان
~~" التغير " الذي انيط به الحكم، كما هو معلوم للناظر المنصف، من غير إشارة
~~فيها إلى اعتبار الأمر العدمي أيضا، كيف وأن زوال التغير في إيجابه التنجس
~~يعد من شرائط التطهير ومقدماته فيكون لضعفه أيضا مدخلية في ذلك، ومعه كيف
~~يعقل موجبا للتنجس في موضع قيام الطهارة فليتدبر.
# فنتيجة الكلام أن تقدير التغير مما لا حكم له في الشريعة في شئ من صور
~~المسألة، سواء كان في موضع موافقة النجس للماء في الصفات، أو في موضع
~~موافقة الماء للنجس - بالأصل أو بالعارض - في صفات النجس، ما لم يحدث بسبب
~~التداخل والامتزاج زيادة في تغيره السابق على ورود النجس عليه أو وروده على
~~النجس، ومعه يخرج الفرض عن قاعدة التقدير حسبما قرروها.
# وأما ما عرفته عن المشارق (1) من الفرق في صورة موافقة الماء للنجس في
~~الصفات بين ما لو كانت الصفات أصلية وما لو كانت عارضية فلا نعقل وجهه، إلا
~~أن
# PageV01P091
# يقال: بابتنائه على توهم كون المقتضي لتنجس الماء إنما هو قابلية النجاسة
~~للتأثير فيه من حيث تغيير صفاته لا فعلية التأثير خاصة، والقابلية إنما
~~تحصل لها في ماء يكون صفاته الأصلية مخالفة لصفاتها، حتى توجب تغيرها
~~وانقلابها إلى صفاتها، وقد حصلت هذه في فرض كون صفاته عارضية.
# ومحصله يرجع إلى أن مخالفة الصفات الأصلية للماء لصفات النجاسة شرط مقوم
~~للمؤثر، مأخوذ في ماهيته من حيث المؤثرية، والموافقة مانع عن التأثير فعلا
~~لا أن عدمها مأخوذ في قوام المؤثر، فمن هنا ينشأ الفرق بين الصورتين من حيث
~~إن المفقود في إحداهما إنما هو نفس المؤثر وفي الاخرى تأثيره الفعلي،
~~وفقدان الأول ملزوم لفقد المقتضي للتنجس و هو قابلية التأثير؛ ضرورة أن ما
~~لا يكون مؤثرا تاما لا يكون قابلا للتأثير، بخلاف فقدان الثاني فإنه لا
~~ينافي تحقق القابلية، والمفروض أنها المقتضية للتنجس دون ما زاد عليها.
# وفيه: ms063 أن هذا المعنى إن اريد استفادته عن أخبار الباب أو كلام الأصحاب
~~فلا شاهد عليه، وإلا فلا تعويل عليه.
# وأما حجة هذا القول - فعلى ما حكي - وجوه:
# أحدها: أن التأثير المقدر على النهج المذكور لا يكون إلا مع أثر للنجاسة
~~صالح للتغيير لو فرض، وهذا الأثر مما يجب إزالته في تطهير الماء لو فرض
~~تغيره حسا بنجاسة اخرى - كما يشهد به أخبار البئر - فهو مؤثر للتنجيس أيضا.
# وفيه: ما لا يخفى من التفكيك بين مقدمتي الدليل وعدم ارتباط إحداهما
~~بالاخرى، ومع ذلك نقول: إن الذي يجب إزالته في تطهير الماء على فرض تغيره
~~حسا بنجاسة اخرى إنما هو أثر النجاسة الفعلي الحاصل في الماء، المعبر عنه
~~بالتغير، فذلك يكشف عن أن المؤثر في تنجيسه أيضا أثرها الفعلي الحاصل فيه
~~حسا، دون ما هو صالح للحصول ولم يحصل فعلا، وإلا لفاتت الملازمة بين ما يجب
~~إزالته وما هو المؤثر في التنجيس، ومعه لا نتيجة للقياس، وكون تقدير
~~التأثير عند القائلين بالتقدير دائرا مدار أثر النجاسة صالح للتغيير لو فرض
~~لا يقضي بكون المؤثر في التنجيس هو الأثر الصالح للتغيير، إلا إذا ثبت
~~اعتبار التقدير في الشريعة كيف ولم يثبت، هذا مع ما يظهر PageV01P092
# من الأدلة أن المؤثر في التنجيس إنما هو حصول الأثر فعلا لا كونه صالحا
~~للحصول.
# ومع الغض عن جميع ذلك، فقد يتوجه المنع إلى الفرق بين ما لو كان المانع
~~عن حصول الأثر فعلا هو الصفات الأصلية للماء أو الصفات العارضية، فإن
~~الصفات الأصلية إنما هي أصلية من جهة أنها ليست من طواري الشخص، وإلا فهي
~~بالنظر إلى الماهية النوعية عارضية أيضا، فوجب اعتبار التقدير بالإضافة
~~إليها أيضا والفارق لا يصلح للفرق.
# وثانيها: أنه لو زالت الصفة أولا بالنجاسة ثم ورد عليه الطاهر المغير
~~لولا سبق النجاسة فلا إشكال في النجاسة فكذلك العكس، لأنا نعلم أن زوالها
~~بالطاهر أولا لا يوجب قوة للماء، لو لم يوجب ضعفا.
# وفيه: أنا لا ندري أن ذلك - مع أنه قياس - بأي جامع ms064 يتم وبأي طريق
~~يستقيم، وهو مع ذلك يقتضي ما يضاد المطلوب، إذ كما أن ورود الطاهر عليه في
~~المقيس عليه الذي من شأنه التغيير لولا سبق النجاسة لا يؤثر في زوال
~~النجاسة الحاصلة بزوال الصفة الأصلية بالنجاسة، فكذلك يجب أن لا يكون ورود
~~النجاسة التي من شأنها التغيير لولا سبق طاهر عليها مؤثرا في زوال الطهارة
~~الأصلية الثابتة للماء، بل هو أولى بعدم التأثير؛ لوضوح الفرق بين ما كان
~~أصليا وما كان عارضيا.
# ودعوى العلم بأن زوال الصفة بالطاهر أولا لا يوجب قوة للماء مسلمة، ولكنه
~~يوجب قيام ما يزاحم النجاسة الواردة في اقتضائها التنجس من جهة إناطة
~~تأثيرها فيه بإيراث وصفها في الماء، فبذلك يظهر الفرق بين المقيس والمقيس
~~عليه، فإن النجاسة في الثاني صادفت محلا فارغا عما يزاحمها في التأثير،
~~وورود الطاهر عقيبها ليس مما يترتب عليه أثر بعد ما أثرت النجاسة أثرها،
~~بخلاف الأول فإنها إنما صادفت محلا مشغولا بما يزاحمها في إيراث ما عليه
~~مدار تأثيرها في التنجس حسبما اقتضته الدلالة الشرعية.
# وثالثها: أنه لو القي في الماء طاهر ونجس بحيث استند تغيره إليهما معا،
~~وكان النجس بنفسه صالحا للتغيير فهذا الماء نجس قطعا، ولا وجه لذلك إلا
~~وقوع ما هو صالح لتغييره.
# وفيه أولا: بطلان دعوى القطع بالنجاسة في الصورة المفروضة، ومنع تأثير
~~النجاسة في التنجس ما لم تكن علة تامة للتغير كما سبق وجهه في الفرع الأول.
~~وثانيا: PageV01P093
# منع كون الموجب للنجاسة في الصورة المفروضة مجرد وقوع ما يصلح للتغيير،
~~بل هو مع التأثير فيه في الجملة ولو بعنوان الجزئية، ولا ريب أن هذا المعنى
~~ليس بموجود في مفروض المسألة وإلا ارتفع النزاع بالمرة.
# ورابعها: أنه لو فرض وقوع نجاسة مغيرة إلى صفة، ثم وقوع نجاسة مغيرة عنها
~~إلى اخرى فالماء نجس يقينا، ولا وجه لمنع كون التغير الثاني غير مندرج في
~~التغير المعتبر الواجب إزالته في التطهير، والمفروض أن النجاسة الثانية لم
~~تغير صفة الماء المذكور في النص والفتوى، ولذا لا يكفي إعادة ms065 الصفة لو فرض
~~إمكانها، فتعين اعتبار الصفة الذاتية للماء وتقدير وقوع النجاسة حال وجودها
~~إن وردت حال زوالها، وجعل توارد المغير بمنزلة توارد الناقض، فإذا توارد
~~طاهر ونجس أثر النجس أثره وهو المطلوب.
# وفيه: ما لا يخفى من الخلط بين المسألتين، واشتباه موضوع إحداهما بموضوع
~~الاخرى، فإن وجوب التطهير حكم آخر غير ما نحن بصدده، وموضوعه إنما هو وجود
~~أثر النجاسة في الماء من غير فرق بين كونه هو الرافع لصفة الماء أو رافعا
~~لرافع صفته، ولا بين كونه هو الموجب لتنجس الماء أو أن الموجب غيره، وهو
~~وارد عليه على سبيل التعاقب مصادف محلا غير قابل للتنجس ثانيا - بناءا على
~~أن النجس لا ينجس ثانيا - فلا يلزم من كون إزالة الصفة الثانية معتبرة في
~~التطهير كونها هي المغيرة لصفة الماء، ولا كونها هي المقتضية لتنجسه، بل
~~اعتبار إزالتها إنما هو من جهة أن عدمها مأخوذ في التطهير، ووجودها مانع عن
~~حصول أثره وهو الطهارة.
# وإن شئت: فلاحظ نظائر الفرض، فإنها كثيرة جدا.
# منها: ما لو أحدث المتطهر ونقض طهارته بحدث كالبول مثلا، ثم صير نفسه
~~سكران بشرب الخمر ونحوه، فإنه حينئذ لو أخذ بالوضوء وهو سكران لا ينفعه ذلك
~~ولو كرره بألف مرة، بل يعتبر في حصول الطهارة حينئذ زوال حالة السكر عنه
~~جزما، وليس ذلك إلا من جهة أن وجود السكر كما أنه رافع للطهارة فيما لو لم
~~يسبقه رافع آخر، فكذلك مانع عن حصولها.
# والوجه في ذلك: أن ما اعتبر كونه ناقضا للطهارة الحدثية بل الخبثية أيضا
~~ليس إلا من جهة أنه في حد ذاته معاند لها. PageV01P094
# ومن البين أن المعاند للشئ كما أنه يعانده في بقائه فيكون رافعا له،
~~فكذلك يعانده في حدوثه فيكون دافعا، فنواقض الوضوء بأجمعها قد يلحقها وصف
~~الرفع وقد يلحقها وصف الدفع، وكذلك الأسباب الموجبة لتنجس الماء وغيره من
~~الأشياء الطاهرة، فإنها قد تكون رافعة للطهارة وقد تكون دافعة عنها، وليس
~~ذلك إلا من جهة ما فيها من منافاتها الطهارة بقاء وحدوثا. ms066
# وقضية ذلك كون زوال صفة النجاسة عن الماء شرطا في تطهيره، سواء كانت
~~نجاسته مستندة إلى تلك الصفة الموجودة أو إلى غيرها مما هي واردة عليه
~~قائمة مقامه على وجه البدلية، ولا يتولد من تلك ما ينافي مدعانا من أن
~~المعتبر في تنجيس الماء إنما هو وجود أثر النجاسة فيه فعلا، ولا يكفي فيه
~~قابلية الوجود، كما لا يلزم منه كون كل أثر موجود فعلا لابد وأن يكون موجبا
~~للتنجس.
# وبالجملة: ما فرضه (رحمه الله) تعالى في إثبات مطلوبه لا ربط له بالمقام
~~أصلا، ولا أنه معارض لمفروض المسألة، ولا مقابل له ولا شبيه به.
# نعم، له مناسبة ما فيما لو قلنا بعدم التنجس إذا وقع في الماء طاهر مغير
~~له إلى صفة، ثم وقع نجس مغير له عن تلك الصفة إلى صفة اخرى وهو كما ترى مما
~~لا نقول فيه بعدم التنجس، ولا أنه قال به أحد ممن يحفظ عنه العلم، لتحقق ما
~~هو مناط التنجس فيه، وهو حصول أثر النجاسة في الماء فعلا وتغيره به من صفة
~~إلى اخرى، إذ لم يعتبر في التغير الموجب لتنجس الماء كونه حاصلا في صفاته
~~الأصلية، بل يكفي فيه لو كان حاصلا في الصفات العارضية أيضا، غير أن ذلك
~~مما لا مدخل له في محل البحث أصلا، بل ولو قلنا فيه بعدم التنجس لما كان
~~فيه بعد إذا ساعدنا عليه القواعد، كأن يقال:
# بأن الصفة المضافة إلى الماء التي تغيرها النجاسة في تعليق الحكم بالتنجس
~~عليه ظاهرة في الصفة الأصلية، كما يعترف به المستدل بعد ذلك في ثامن أدلته
~~فلا يشملها أدلة الباب، وغايته الشك في الشمول فيرجع معه إلى الاصول
~~المقتضية للطهارة وعدم النجاسة.
# وخامسها: أنه لو تغير الماء بطاهر أحمر، ثم بالدم ثم صفا الماء عن حمرة
~~الطاهر فظهر لون الدم، فإن الماء نجس قطعا، ولا وجه له إلا ما قلنا، لعدم
~~بقاء عين النجاسة حين ظهور صفتها، وعدم تجدد تأثيرها في الماء، فيلزم الحكم
~~بتنجيسها من حين وقوعها. PageV01P095
# وفيه: ms067 منع اعتبار قيام الأثر المؤثر في التنجس في تأثيره بعين النجاسة
~~حين التأثير، بل المعتبر حصوله فعلا مع استناده إلى عين النجاسة الواقعة في
~~الماء، سواء بقيت معه حين تأثيره في التنجس أم زالت.
# وإن شئت فقل: إن ما يستفاد من أدلة الباب هو أن المؤثر في نجاسة الماء
~~ليس هو عين النجاسة ولو عارية عن أثرها، ولا أثرها كيفما اتفق حتى
~~بالمجاورة، بل هو العين بشرط كونها مستتبعة لأثرها في الماء حسا، أو هو
~~الأثر بشرط استناده إلى وقوع العين فيه، وأما اشتراط بقائها حين تأثير ذلك
~~الأثر أثره فلم يقم عليه من الشرع دلالة، فينفي احتماله بإطلاق الأدلة
~~المعطية إياه كونه مؤثرا.
# وسادسها: أنه لو القي في الماء طاهر أحمر حتى استعد لأن يحمر بقليل من
~~الدم، فالقي فيه فتغير، فلا سبيل إلى الحكم بنجاسته كما هو ظاهر، فعلم أن
~~الملحوظ في نظر الشارع حال الماء قبل حدوث الطواري، فلا عبرة بتغيره بإعداد
~~الطوارئ و لا بعدمه لمنعها.
# وفيه: أن هذا الفرض داخل في جزئيات ما فرضناه في الفرع الأول، لأن مرجعه
~~إلى فرض كون الحمرة الناشئة من الدم جزء لعلة التنجس، غايته أنه هنا جزء
~~أخير منها، وقد تبين حكمه من حيث عدم إيجابه الحكم بنجاسة الماء معه، ولكنه
~~لا يكشف عما ذكر في متن الدليل، بل غايته الكشف عن كون العبرة في الموجب
~~لتنجس الماء في نظر الشارع بما لو كانت النجاسة علة تامة للتغير، ولا يكفي
~~فيه كونه جزءا للعلة، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون في نظره عبرة بعدم
~~الطواري، نظرا إلى أنه لولاه كانت الطواري مانعة عن تأثر الماء وانفعاله.
# وسابعها: أنه كما استفيد من مجموع أخبار الباب اعتبار الصفات الثلاث،
~~كذلك المحصل منها بعد الجمع بينها أن المعتبر في طهارة الماء غلبته على
~~النجاسة وقهره لصفاتها، بحيث لا يوجد شئ منها في الماء على وجه يصلح
~~لتغييره أصلا.
# وفيه: أولا منع استفادة هذا المعنى من الأخبار، بل الذي يستفاد منها بعد ms068
~~الجمع وإعمال القواعد - كما تقدم - هو كون العبرة في التنجيس بغلبة صفة
~~النجاسة على صفة الماء إذا كانت من الثلاث المذكورة.
# وثانيا: منع الملازمة بين المغير للماء أو ما هو صالح للتغيير وبين كونه
~~غالبا على PageV01P096
# الماء إن اريد به الغلبة بحسب الكم والمقدار.
# نعم، إن اريد به الغلبة بحسب الكيف فاستفادة اعتبارها من الأخبار مسلمة،
~~ولكنه ينافي ظاهر الدليل وما هو غرض المستدل، لرجوعه إلى مختارنا من كون
~~العبرة في التنجيس بوجود الصفة فعلا؛ إذ لا معنى للغلبة بدونه وشأنية
~~الغلبة ليست من الغلبة في شئ، فإن أحكام الشرع واردة على الموضوعات
~~المحققة، ولا ريب أن فرض التحقق لا يحقق الموضوع، ولا يجدي نفعا في ترتب
~~الحكم عليه ما لم يتحقق هو بنفسه في الخارج، فتدبر حتى لا يختلط عليك الأمر
~~فيما ذكرنا وما هو المقرر في محله من تعلق أحكام الشرع بالطبائع من حيث هي
~~دون أفرادها الموجودة في الخارج، إذ لا منافاة بين الكلامين كما يظهر
~~بالتأمل.
# وتوضيحه: أن حكم السببية للتنجيس إنما تعلق بماهية الغلبة ومفهومها مع
~~قطع النظر عن أفرادها الخارجية، وهي ظاهرة في الفعلية دون ما يعمها
~~والشأنية، فأفرادها الموجودة في الخارج التي يترتب عليها النجاسة فعلا،
~~إنما هي الصفات الحاصلة من النجاسة في الماء فعلا، ولا يندرج فيها ما هو
~~صالح للحصول ولم يحصل بعد، ففرض الحصول في حقه لا يصلح محققا للحصول، حتى
~~يندرج المفروض في أفراد ما هو موضوع الحكم.
# وثامنها: أنه كما لا يعتبر في النجاسة إلا صفاتها الأصلية المستندة إليها
~~لا صفاتها العارضية المستندة إلى غيرها وإن كانت هي الموجودة بالفعل، فلا
~~تكون معتبرة في صفات الماء أيضا، لدلالة الإضافة على اعتبار الحيثية في
~~الموضعين.
# وفيه: أن مفاد هذا الدليل شئ لا يرتبط بالمبحوث عنه أصلا، فإن أقصى ما
~~يدل عليه أن النجاسة لو غيرت من الماء صفاته العارضية المستندة إلى الخارج
~~لا تكون مؤثرة في انفعاله، لدلالة إضافة الصفة - المعتبر تغيرها - إلى
~~الماء على الصفة الأصلية، كما أن ms069 الظاهر من الصفة المضافة إلى النجاسة -
~~المعتبر كونها مغيرة - الصفة الأصلية، فلو استند التغيير إلى صفتها
~~العارضية كما لو القي شئ من الزعفران في البول الصافي، فالقي البول في
~~الماء فأثر فيه بإيراثه الصفرة فيه لا يكون موجبا للانفعال، وكل من ذلك كما
~~ترى مطلب آخر خارج عن المسألة، وقد تعرضنا لبعضه سابقا، ولعلنا نتعرض له
~~ولغيره تفصيلا فيما بعد ذلك عن قريب إن شاء الله، فبناء المسألة على اعتبار
~~الصفات الأصلية واستظهار PageV01P097
# ذلك عن أخبار الباب لا يجدي نفعا في مطلوبه، بعد ملاحظة ما استظهرناه
~~منها من كون العبرة في حكم نجاسة الماء بتأثره فعلا عن النجاسة المفقود في
~~موضع البحث.
# ولنختم المقام بإيراد فروع:
# الأول: بناء على وجوب التقدير، إن علم في الوصف المسلوب عن النجاسة
~~بحالته الخاصة التي سلب على تلك الحالة من الأشدية والأضعفية وما يتوسط
~~بينهما تعين تقديره على تلك الحالة، فيرتب عليه الحكم كائنا ما كان، وإلا
~~ففي وجوب اعتبار الأشد رعاية لجانب الاحتياط أو الأوسط أخذا بالغالب، أو
~~الأضعف ترجيحا لجانب الأصل المقتضي للطهارة وجوه:
# أولها: ما نسب إلى ظاهر العلامة والشهيد في نهاية الإحكام (1) والذكرى
~~(2).
# وثانيها: ما استظهره في الحدائق (3) وجامع المقاصد (4) على ما في عبارة
~~محكية عنه، وحكي عن بعض المتأخرين أيضا.
# وثالثها: ما حكي (5) احتماله عن بعض متأخري المتأخرين، ويظهر الفائدة في
~~قلة ما يقدر له الوصف من النجاسة وكثرته.
# ولا يبعد ترجيح الأخير عملا بالاصول - اجتهادية وفقاهية - السليمة عما
~~يصلح للمعارضة، نظرا إلى أن الاحتياط ليس في محله، وأن الغلبة لا عبرة بها
~~هنا لكونها ظنا في الموضوع الصرف.
# الثاني: عن المحقق الثاني: " وهل يعتبر أوصاف الماء وسطا؟ نظرا إلى شدة
~~اختلافها كالعذوبة والملوحة، والرقة والغلظة، والصفاء والكدورة فيه احتمال
~~ولا يبعد اعتبارها؛ لأن له أثرا بينا في قبول التغير وعدمه " (6).
# وعن المعالم - أنه بعد ما نقل ما ذكره المحقق المذكور - احتماله " حيث لا
~~يكون
# PageV01P098
# الماء على الوصف القوي، إذ لا معنى لتقديره حينئذ بما دونه " (1)، وعن
~~بعضهم (2) أنه ms070 استشكله بما إذا لم يكن خارجا عن أوصافه الأصلية، واستظهر في
~~الجواهر من الباقين عدمه، واختاره قائلا: " وهو أولى سيما إذا كان الماء
~~على صفة معلومة، إذ لا معنى لفرض عدمها لعدم المانع في اختلاف المياه في
~~الانفعال وإن كانت فردا نادرا ".
# ثم قال: " ولعله من ذلك ينقدح الفرق في الماء الموافق للنجاسة في الصفة
~~بين الصفة الأصلية والعارضية، فيقدر في الثانية دون الاولى. فتأمل " (3).
# الثالث: على المختار من عدم اعتبار التقدير إن بلغ النجاسة حدا استهلك
~~معه الماء فلا إشكال في النجاسة، وإن لم يستهلك فإن لم يسلبه معه إطلاق
~~الاسم فلا إشكال في الطهارة للأصل والاستصحاب، وإن سلبه معه الإطلاق ولم
~~يدخل تحت الاسم فعدم كونه مطهرا مما لا إشكال فيه؛ لانتفاء المائية حينئذ،
~~وفي كونه طاهرا وجه رجحه في الرياض (4) استنادا إلى الأصل السالم عن
~~المعارض، لتعارض الاستصحابين من الجانبين، وكأن مراده بالأصل أصالة الإباحة
~~المقتضية لجواز الاستعمال فيما لا يجوز فيه استعمال النجس من أكل أو شرب أو
~~نحوه، وبالاستصحابين استصحاب طهارة الماء واستصحاب نجاسة الخليط، وقد يقرر
~~الأصل بأصالة الطهارة والاستصحابين بأصالة عدم ذهاب الإطلاق مع أصالة عدم
~~ذهاب اسم الخليط، فإن كلا من الذهابين أمر حادث، والأصل يقتضي تأخر كل
~~منهما عن الآخر، فيبقى أصل الطهارة سليما، إلا إذا كان المغير للماء من
~~الأجسام التي علم بقاؤها بعد زوال الإطلاقية، فإن المتجه حينئذ الحكم
~~بالنجاسة.
# الرابع: هل المعتبر في صفات الماء التي يغيرها النجاسة الصفات الأصلية؟
~~فلو غيرت ما كان وصفا عارضا له حتى عاد إلى وصفه الأصلي أو وصف ثالث لم
~~ينجس؟
# أو لا عبرة بأصلية الصفات فينجس الماء بالتغير مطلقا؟ احتمالان: أقواهما
~~الأول؛ لظهور الإضافة الواردة في الأخبار في الاختصاص، بل ظهور ألفاظ
~~الصفات الواردة
# PageV01P099
# فيها في الصفات الأصلية، فإن الحكم معلق على لون الماء وطعمه ورائحته،
~~ولا شئ من الصفات العارضية بلون الماء ولا طعمه ولا رائحته، فلا يشمله
~~إطلاق الأدلة ولا عمومها، وأقله الشك في الشمول فيرجع إلى الاصول، ففي ms071 مقام
~~التطهير يحكم بعدم المطهرية لاستصحاب الحالة السابقة من حدث أو خبث، وفي
~~مقام الاستعمال في مشروط بالطهارة يحكم بها استصحابا لها، والأقوى عدم
~~الفرق فيه بين الحكم بكونه مطهرا أو طاهرا، للأصل المستفاد من العمومات
~~حسبما تقدم، فإن كلا من الأمرين يدوران على المائية والنجاسة إن كانت
~~مانعة، وحيث لم تكن يرتب عليه أحكام الماء مطلقة، لصدق الاسم وعدم قيام
~~المانع.
# الخامس: بما قررناه من الفرع يعلم الحال فيما لو لم يكن النجاسة باقية
~~على وصفها الأصلي، وكان التغيير القائم بها مستندا إلى وصفها العارضي، كما
~~لو القي فيها وهو بول صافي شئ من الزعفران، فإذا القيت في الماء أورثت فيه
~~لون الزعفران أو رائحته وهي باقية على اسم البول، فقضية الأصل المذكور
~~بقاؤه على كونه طاهرا و مطهرا، مع اعتضاده في الأول باستصحاب الحالة
~~السابقة.
# السادس: إذ قد عرفت أن المعتبر في تنجيس الماء تغير وصفه المستند إلى وصف
~~النجاسة الواقعة لا مطلقا، ففي كون المعتبر في تأثير وصف النجاسة فيه وجود
~~العين وبقاؤها حين تأثير الوصف وعدمه وجهان؛ لعدم ثبوت اشتراط وجود العين
~~حين تأثير الوصف بدلالة الشرع عليه، فالأصل يقتضي عدم الشرطية؛ ولأن احتمال
~~الاشتراط محقق لموضوع أصل الطهارة، وموجب للشك في اندراج المقام في أدلة
~~الباب ولازمه الرجوع إلى الاصول، نظرا إلى أنه لم يعلم من تلك الأدلة إطلاق
~~بحيث أوجب شمولها المقام وهذا أقرب، والله العالم.
# السابع: إذا كانت النجاسة في صورة موافقة الماء لها في الصفات أشد وصفا
~~من الماء، بحيث لو ألقيت فيه لأوجبت زيادة في وصفه الأولي العارضي، ففي كون
~~ذلك من التغير المقتضي لنجاسة الماء وعدمه وجهان، منشؤهما الشك في أن حدوث
~~الزيادة في الوصف العارضي للماء هل هو تغير له في وصفه الأصلي حتى يندرج في
~~أدلة المسألة، أو تغير في وصفه العارضي حتى يخرج عن تلك الأدلة بضابطة ما
~~قدمنا ذكره. PageV01P100
# الثامن: لو تغير الماء في أحد أوصافه بطاهر لم يخرج عن حكمه الأصلي من
~~الطهارة والمطهرية ما ms072 دام باقيا على إطلاق اسم المائية، دون ما إذا خرج عن
~~الإطلاق، فإنه حينئذ وإن كان طاهرا ما لم يصبه ما أوجب تنجسه، إلا أنه خرج
~~عن حكم المطهرية، وكل ذلك في مرتبة الوضوح بحيث لا يحتاج إلى الاحتجاج، وعن
~~المحقق في المعتبر تصريح بما ذكرناه في قوله - المحكي -: " لو مازج المطلق
~~طاهر فغير أحد أوصافه لم يخرج بالتغيير عن التطهير ما لم يسلبه إطلاق اسم
~~الماء، سواء كان مما لا ينفك عنه الماء كالتراب والطحلب والكبريت وورق
~~الشجر، أو مما ينفك كالدقيق والسويق، أو من المايعات كاللبن وماء الورد
~~والأدهان كالبرز والزيت، أو مما يجاوره ولا يشيع فيه كالعود والمسك؛ لأن
~~جواز التطهير منوط بالمائية وهي موجودة فيه؛ ولأن أسقية الصحابة الأدم وهي
~~لا تنفك عن الدباغ المغير للماء غالبا ولم يمنع منها؛ ولأن الماء لرطوبته
~~ولطافته ينفعل بالكيفيات الملائمة، فلو خرج بتغير أحد الأوصاف عن التطهير
~~لعسرت الطهارة؛ ولأنه لا يكاد ينفك عن التكيف برائحة الإناء " (1)، ويقرب
~~من ذلك ما ذكره غير واحد من الأصحاب، منهم الشهيد في الذكرى (2).
# وعلى قياس ما ذكرناه ما لو تغير الماء من قبل نفسه لطول مدة مكثه فإنه إن
~~بقي على إطلاق اسمه عليه كان طاهرا مطهرا، وإلا خرج عن المطهرية، وعن
~~المعتبر (3) أيضا التصريح به، مع تصريحه بكراهة استعماله إن وجد غيره،
~~مستندا في ذلك إلى رواية الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " في الماء
~~الآجن يتوضأ منه، إلا أن تجد [ماء] غيره " (4)؛ ولأنه يستخبث طبعا فكان
~~اجتنابه أنسب بحال المتطهر، وفي منتهى العلامة (5) ما يقرب من ذلك فتوى
~~وحجة، إلا أنه أضاف إلى الرواية المذكورة ما رواه الجمهور " أنه (عليه
~~السلام) توضأ من بئر بضاعة وكان ماؤها نقاعة الحناء " (6).
# * * * * * * *
# PageV01P101
# ينبوع ما عرفت من البحث في العنوانين المتقدمين بحث يلحق نوع الماء بما
~~هو هو من دون نظر إلى أقسامه الخاصة المندرجة تحته، فأحدهما: ما لحقه
~~باعتبار خلقته الأصلية من حيث إن خلقته هل هي على وصف الطهارة أو لا؟. ms073
# وثانيهما: ما لحقه باعتبار الطوارئ اللاحقة به من حيث قبوله من جهتها
~~النجاسة وعدمه، وقد عرفت ما هو التحقيق في كلا المقامين.
# ثم، إن هاهنا عناوين اخر مخصوصا كل واحد منها بقسم خاص من أقسامه المتقدم
~~إليها الإشارة في الجملة، ومن جملة تلك العناوين ما هو مخصوص بالكثير
~~الراكد في مقابلة القليل، والبحث في هذا العنوان يلحقه من جهات:
# الجهة الاولى: اختلف العلماء من الخاصة والعامة في تقدير الكثير الذي لا
~~يقبل الانفعال بمجرد ملاقاة النجاسة، ففي منتهى العلامة (1) عن الشافعي
~~وأحمد أنهما ذهبا إلى تقديره بالقلتين (2)، احتجاجا بقوله (صلى الله عليه
~~وآله): " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا " (3).
# وعن أبي حنيفة (4): " إن كان الماء يصل بعضه إلى بعض نجس بحصول النجاسة
~~فيه وإلا فلا، واختلف أصحابه في تفسير هذا الكلام، فعن أبي يوسف والطحاوي
~~تفسيره بحركة أحد الجانبين عند حركة الآخر وعدمها (5)، فالموضع الذي لم
~~يبلغ التحرك إليه لا ينجس.
# PageV01P102
# وعن بعضهم (1) تفسيره: بأن ما كان كل من طوله وعرضه عشرة أذرع في عمق بئر
~~لا ينجس، فإن كان أقل نجس بالملاقاة للنجاسة، وإن بلغ ألف قلة.
# وعن المتأخرين من أصحابه (2) القول بأن الاعتبار بحصول النجاسة علما أو
~~ظنا، والحركة اعتبرت للظن، فإن غلب ظن الخلاف حكم بالطهارة.
# وعن الشيخين (3) من أصحابنا والسيد المرتضى (4) وأتباعهم الذهاب إلى
~~التقدير بالكر، وعزاه إلى الحسن بن صالح بن حي عن محكي الطحاوي (5) و (6)،
~~ولعله لا خلاف في ذلك بين أصحابنا، فهو الحق لوضوح فساد غيره مما ذكر،
~~مضافا إلى قيام أدلة محكمة من الأخبار وغيرها على تقديره بالكر.
# ومن جملة ذلك ما احتج به العلامة في المنتهى قائلا: " لنا: ما رواه
~~الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ
~~" (7)، وفي رواية " لم يحمل خبثا " (8) ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ في
~~الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا كان
~~الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (9)، ولأن الأصل الطهارة ms074 خرج ما دون
# PageV01P103
# الكر بما نذكره فيبقى الباقي على الأصل، إلى أن يظهر مناف " (1) انتهى.
# وإن كان هذا الوجه الأخير لا يخلو عن مناقشة من جهة أنه بانفراده لا يصلح
~~دليلا على أن الكثير الذي لا ينفعل بالملاقاة هو الكر، إلا بضميمة الأخبار
~~الفارقة بين الكر وما دونه، ومعه يرجع الحجة إلى الوجه السابق، فلا يكون
~~دليلا على حدة كما لا يخفى.
# نعم، لو كان ما دل الأخبار على انفعاله بها مبينا، وقدرا معينا بنفس تلك
~~الأخبار فشك في حكم ما زاد عليه اتجه الرجوع إلى الأصل، ولكن المقام ليس
~~منه، لأن تعيين ما علم بانفعاله منوط بتعيين ما لا ينفعل، ولا يتأتى ذلك
~~إلا بالأخبار الفارقة، وكيف كان فتحديد الكثير بما ذكر قد ورد - مضافا إلى
~~ما تقدم - في أخبار كثيرة قريبة من حد التواتر.
# منها: ما رواه الشيخ في التهذيب في باب آداب الأحداث، وفي الاستبصار في
~~باب القدر الذي لا ينجسه شئ، في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) إنه سئل عن الماء تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل
~~منه الجنب؟ قال (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ ". (2)
~~ومنها: نظيره في الكافي في باب الماء الذي لا ينجسه شئ، عن محمد بن مسلم
~~قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الذي تبول فيه الدواب "
~~(3) الخ.
# ومنها: ما رواه الشيخ في التهذيب في زيادات باب المياه، في الصحيح عن
~~محمد بن مسلم عن أبي عبد الله، قال: قلت له: الغدير ماء مجتمع تبول فيه
~~الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب، قال (عليه السلام): " إذا كان
~~الماء قدر كر لا ينجسه شئ والكر ستمائة رطل " (4).
# ومنها: ما رواه في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا كان
~~الماء في الركي كرا لم ينجسه شئ، قلت: وكم الكر؟ قال: ثلاثة أشبار ونصف
~~عمقها في ثلاث أشبار ونصف عرضها " (5).
# PageV01P104
# وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة بالحسن بن ms075 صالح الثوري إلا أنها في حكم
~~الصحيح بوجود ابن محبوب في سندها، الذي هو من أصحاب الإجماع، ولي فيها بعد
~~تأمل يأتي وجهه في مسألة تحديد الكر.
# ومنها: ما رواه الشيخ في التهذيب في باب زيادات المياه، في الصحيح عن علي
~~بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الدجاجة
~~والحمامة وأشباهها تطأ العذرة، ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا
~~إلا أن يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء " (1).
# ومنها: ما رواه في التهذيب أيضا في باب آداب الأحداث، في الصحيح عن
~~إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبد الله عن الماء الذي لا ينجسه شئ؟ قال:
~~" كر " (2).
# وبالجملة: هذا الحكم بملاحظة تظافر الروايات الصحيحة عليه مع انضمام عمل
~~الأصحاب عليها من قطعيات الفقه التي لا يمكن الاسترابة فيها، نعم ربما يوجد
~~في أخبارنا ما يقضي منها بما يخالف ذلك ظاهرا، مثل ما في التهذيب في زيادات
~~باب المياه، في المرسل عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
~~" إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شئ، والقلتان جرتان " (3)، وما رواه في
~~الكافي - في الصحيح - عن زرارة قال: " إذا كان الماء أكثر من راوية لم
~~ينجسه شئ الخ " (4).
# ولكن الأمر في ذلك هين بعد ملاحظة سقوط هذا النوع من الأخبار عن درجة
~~الاعتبار، من جهة كونها معرضا عنها الأصحاب كلمة واحدة، مع ملاحظة ظهور
~~احتمال خروجها مخرج التقية كما هو واضح في خبر القلتين، لموافقته مذهب
~~الشافعي (5) وأحمد (6) من العامة كما عرفت، مضافا إلى إمكان تطرق التأويل
~~إليها بحمل القلتين أو الراوية أو غيرهما على ما يسع مقدار الكر كما صنعه
~~الشيخ في التهذيب (7)
# PageV01P105
# وتصدى لبيان تفصيله صاحب الحدائق (1)، فمن أراده فعليه بمراجعة كلامه.
# وكيف كان: فحكم المسألة واضح بحمد الله سبحانه، ولا يقتضي لأجل ذلك زيادة
~~كلام في تحقيقه.
# الجهة الثانية: لا فرق فيما تقدم من حكم عدم انفعال الكر بملاقاة النجاسة
~~بين شئ من أفراده حتى ما في الحياض ms076 والأواني كما عليه المعظم، وادعى عليه
~~الشهرة على حد الاستفاضة، بل الإجماع في بعض العبائر، بناء على شذوذ
~~المخالف وانقطاع خلافه، حيث لم ينسب الخلاف إلا إلى المفيد (2) والسلار (3)
~~لمصيرهما إلى الانفعال في الحياض والأواني وإن كان كرا.
# لنا: عموم ما تقدم من أخبار الكر المعتضد بالشهرة العظيمة القريبة من
~~الإجماع، والأصل المتقدم تحقيقه، مع عموم الروايات المتقدمة، القاضية بحصر
~~الانفعال في التغير، الصادق عليها قضية قولهم: " خرج ما خرج وبقى الباقي "،
~~الذي منه الكر بجميع أفراده.
# مضافا إلى خصوص ما في التهذيب والاستبصار والكافي عن صفوان الجمال قال:
# سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة
~~تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، وتشرب منها الحمير، ويغتسل منها الجنب،
~~أيتوضأ منها؟ فقال (عليه السلام) " وكم قدر الماء؟ قلت: إلى نصف الساق وإلى
~~الركبة، فقال (عليه السلام): توضأ منه " (4).
# وما تقدم من رواية العلاء بن الفضيل، قال: سألت أبا عبد الله (عليه
~~السلام) عن الحياض يبال فيها؟ قال: " لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول "
~~(5).
# وما في التهذيب والفقيه عن إسماعيل بن مسلم عن جعفر عن أبيه (عليه
~~السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) أتى الماء فأتاه أهل الماء فقالوا:
~~يا رسول الله إن حياضنا هذه تردها السباع والكلاب والبهائم، قال (صلى الله
~~عليه وآله): " لها ما أخذت بأفواهها ولكم سائر ذلك " (6).
# PageV01P106
# وما عن التهذيب عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " ولا
~~يشرب من سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه " (1).
# وليس للمخالف إلا ما حكي عنه من عموم النهي عن استعمال ماء الأواني مع
~~ملاقاته الكر، وكأن مراده به ما توهمه عن روايات كثيرة:
# منها: ما في الكافي عن شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد الله (عليه السلام) -
~~في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها - " أنه لا بأس إذا
~~لم يكن أصاب يده شئ " (2).
# ومنها: ما في التهذيب في الموثق عن سماعة ms077 عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " إذا أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس، إن لم يكن أصاب
~~يده شئ من المني " (3).
# ومنها: ما في التهذيب أيضا في الموثق عن عمار عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه الخل أو
~~[ماء] (4) كامخ أو زيتون؟
# قال: " إذا غسل فلا بأس "، وعن الإبريق يكون فيه خمر أيصلح أن يكون فيه
~~ماء؟ قال:
# " إذا غسل فلا بأس " (5).
# ومنها: ما عن قرب الإسناد والوسائل عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه
~~السلام) قال:
# سألته عن الشرب في الإناء يشرب منه الخمر قدحان عيدان أو باطيه، قال
~~(عليه السلام): " إذا غسله لا بأس " (6).
# ومنها: ما في التهذيب عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، قال: سألت أبا
~~الحسن عن الرجل يدخل يده في الإناء وهي قذرة، قال: " يكفئ الإناء " (7).
# ومنها: ما في الكافي في الموثق بسماعة بن مهران عن أبي بصير عنهم (عليهم
~~السلام) قال:
# " إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلا أن يكون أصابها
~~قذر بول أو
# PageV01P107
# جنابة، فإن أدخلت يدك في الإناء وفيها شئ من ذلك فأهرق ذلك الماء " (1).
~~ومنها: ما في التهذيب والاستبصار في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد
~~الله (عليه السلام) قال:
# سألته عن الكلب يشرب من الإناء؟ قال: " اغسل الإناء " الخ (2).
# ومنها: ما في التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر
~~(عليهما السلام) قال: سألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به، قال: "
~~يغسل سبع مرات " (3).
# ومنها: ما في الكافي في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه
~~السلام) قال:
# سألته عن رجل رعف وهو يتوضأ فقطر قطرة في إنائه هل يصلح للوضوء منه؟ قال:
~~" لا " (4).
# ومنها: ما في التهذيب والاستبصار عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما ms078 قذر لا يدري أيهما هو، وليس
~~يقدر على ماء غيره؟
# قال (عليه السلام): " يهريقهما ويتيمم إن شاء " (5).
# ومنها: ما في التهذيب عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في
~~حديث طويل قال: سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري
~~أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره؟ قال (عليه السلام): " يهريقهما جميعا
~~ويتيمم " (6).
# ومنها: ما في التهذيب عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " إذا ولغ الكلب في الماء أو شرب منه اهريق الماء وغسل الإناء ثلاث
~~مرات، مرة بالتراب ومرتين بالماء، ثم يجفف " (7).
# ومنها: ما عن قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه
~~السلام) قال:
# PageV01P108
# سألته عن حب ماء وقع فيه أوقية بول، هل يصلح شربه أو الوضوء؟ قال (عليه
~~السلام): " لا يصلح " (1).
# والجواب أولا: بأنه أخص من المدعى لعدم شمول النهي المستفاد من الروايات
~~ماء الحياض.
# وثانيا: بكونه منزلا على ما دون الكر بملاحظة الغلبة، فإن الغالب في
~~الإناء أنها لا تسع الكر.
# وثالثا: بأنه لا يصلح للمعارضة لعموم ما دل على عدم انفعال الكر
~~بالملاقاة، وإن كان النسبة بينهما عموم من وجه، لاعتضاد ذلك بعمل المعظم
~~وإعراضهم عن الطرف المقابل، سلمنا ولكن أقله أنه لا رجحان للطرف المقابل
~~أيضا، فيؤول الأمر إلى تساقط العامين بالنسبة إلى مورد الاجتماع فيرجع في
~~حكمه إلى الاصول، لبقائها سليمة عن المعارض.
# لا يقال: لا عموم في أخبار الكر بحيث يشمل الأواني؛ لأن الغالب فيها عدم
~~اتساعها الكر، فإن ذلك معارض بالمثل كما أشرنا إليه في ثاني الأجوبة.
# ثم اعلم: أنه ربما ينزل كلام المفيد والسلار على ما يوافق المذهب
~~المشهور، فيستظهر بذلك الإجماع على عدم الفرق حسبما ادعيناه، كما في
~~المدارك (2) والرياض (3) والمناهل (4) وغيره، وأول من فتح هذا الباب
~~العلامة في المنتهى، فقال:
# " والحق أن مرادهما بالكثرة هنا الكثرة العرفية بالنسبة إلى الأواني
~~والحياض التي تسقى منها الدواب، وهي غالبا تقصر عن الكر " (5).
# ثم تبعه ms079 بعده صاحب المدارك (6) وسلك هذا المسلك بعدهما صاحب الرياض (7)
~~وولده الشريف في المناهل (8)، وكتابه الآخر (9) الحاضر عندنا الآن، ونسبه
~~في الرياض (10) إلى الشيخ الذي هو تلميذ المفيد، وحكاه صاحب الحدائق عن بعض
~~مشايخه المحققين من متأخري المتأخرين فاستبعده قائلا: " بأنه لا يخفى بعد
~~ما استظهره (قدس سره) كما يظهر
# PageV01P109
# ذلك لمن لاحظ عبارة المقنعة، سيما و قد قرن الحياض والأواني في تلك
~~العبارة بالبئر، مع أن مذهبه فيها النجاسة وإن بلغت كرا " (1).
# والحق كما فهمه (رحمه الله)، ضرورة عدم كون الاستظهار المذكور في محله،
~~لكونه مما يأبى عنه العبارة المحكية عن المقنعة، الظاهرة كالصريح بل
~~الصريحة فيما أسند إليه من المخالفة.
# فإن شئت لاحظ قوله: " وإذا وقع في الماء الراكد شئ من النجاسات وكان كرا
~~وقدره ألف ومائتا رطل بالبغدادي، وما زاد على ذلك لم ينجس إلا أن يتغير به،
~~كما ذكرنا في المياه الجارية، هذا إذا كان الماء في غدير أو قليب، فأما إذا
~~كان في بئر أو حوض أو إناء فإنه يفسد بسائر ما يموت فيه من ذوات الأنفس
~~السائلة، وبجميع ما يلاقيه من النجاسات، ولا يجوز التطهر به حتى يطهر، وإن
~~كان الماء في الغدران والقلبان دون ألف رطل ومائتي رطل جرى مجرى مياه
~~الآبار والحياض التي يفسدها ما وقع فيها من النجاسات، ولم يجز الطهارة به "
~~(2) انتهى.
# والدليل على كون ذلك صريحا أو ظاهرا في غير ما فهمه الجماعة امور:
# منها: ما نبه عليه صاحب الحدائق كما عرفت.
# ومنها: ما استدركه بقوله: " هذا إذا كان الماء في غدير أو قليب، فأما إذا
~~كان في بئر أو حوض أو إناء إلخ "، فإنه استدراك عما فرضه أولا من موضوع
~~المسألة وهو الكر، وخصه بما كان في غدير أو قليب نظرا إلى أن الماء في
~~قوله: " هذا إذا كان الماء " بقرينة سبق الفرض في خصوص الكر أراد به ذلك
~~المفروض، وإلا لكانت الإشارة ودعوى الاختصاص كذبا، فيكون الضمير في قوله: "
~~فأما إذا كان في بئر إلخ " عائدا إلى ذلك ms080 الذي اريد منه الكر، وإلا لما
~~حصلت المطابقة بين الضمير والمرجع إلا بتأويله إلى نوع من الاستخدام، وهو
~~كما ترى.
# ومنها: قوله: " وإن كان الماء في الغدران والقلبان دون ألف رطل ومائتي
~~رطل " فإنه عطف على قوله: " وإذا وقع في الماء الراكد " باعتبار ما اخذ فيه
~~من قيد الكرية، فلولا الحكم في المعطوف عليه مخصوصا بالغدران والقلبان ولم
~~يكن الكر من الحياض
# PageV01P110
# والأواني خارجا عن موضوع هذا الحكم لما كان لإفراد الغدران والقلبان في
~~المعطوف بالذكر وجه، بل لم يكن للتنبيه على حكم البئر والحوض والإناء قبل
~~ذلك وجه لو كان مراده بها ما دون الكر خاصة، بل كان اللازم أن يسقط ما ذكره
~~أولا، ثم عمم الحكم في المعطوف على وجه يشمل الحوض والإناء والبئر أيضا.
# ومنها: قوله: " جرى مجرى مياه الآبار والحياض " فإن هذا التنظير لا يكون
~~مستحسنا إلا إذا غاير الفرع الأصل ذاتا، ولا ريب أن مجرد كون الماء في
~~الغدير والقليب مع كونه في البئر والحوض مع فرض كونهما معا ما دون الكر لا
~~يستدعي تلك المغايرة لكون الجميع حينئذ من واد واحد، فلا وجه لتنظير بعضه
~~على بعض، فلابد من أن يعتبر المغايرة بينهما بكون المراد من الأصل خصوص
~~الكر أو ما يعمه وما دونه ومن الفرع ما دونه خاصة، كما هو صريح الفرض
~~بالنسبة إليه، ولا ينافي شيئا من ذلك الوصف بالموصول في قوله: " والحياض
~~التي يفسدها ما وقع فيها " بعد ملاحظة إمكان كونه وصفا توضيحيا، كما هو
~~ظاهر المقام بملاحظة سياق الكلام.
# ومثله في الصراحة أو الظهور ما حكي عن مراسم السلار من قوله: " ولا ينجس
~~الغدران إذا بلغت الكر، وما لا يزول الحكم بنجاسته فهو ما في الأواني
~~والحياض، فإنه يجب إهراقه وإن كثر " (1) انتهى.
# فإن التعبير ب " ما لا يزول الحكم بنجاسته فهو إلخ "، تصريح بأن هذا
~~الحكم من لوازم الماهية بالنسبة إلى ما في الأواني والحياض التي لا تنفك
~~عنها أبدا، وقضية ذلك تعدي الحكم إلى ما يبلغ منه حد ms081 الكر أيضا، كما أوضحه
~~بقوله: " وإن كثر ".
# ودعوى: أن الكثرة هنا مراد بها العرفية الصادقة على ما دون الكر أيضا.
# يدفعها: ظهور السياق أولا، وكون إفراد ما في الأواني والحياض بالذكر لغوا
~~ثانيا، لجريان الحكم المذكور في كل ما يكون دون الكر جزما.
# وربما يظهر من عبارة الشيخ في النهاية موافقته لهما في الأواني خاصة، وهي
~~على ما في محكي الحدائق (2) قوله: " والماء الراكد على ثلاثة أقسام، مياه
~~الغدران والقلبان
# PageV01P111
# والمصانع (1) ومياه الأواني المحصورة ومياه الآبار، فأما مياه الغدران
~~والقلبان فإن كان مقدارها مقدار الكر فإنه لا ينجسها شئ، إلا ما غير لونها
~~أو طعمها أو ريحها، وإن كان مقدارها أقل من الكر فإنه ينجسها كل ما وقع
~~فيها من النجاسة، وأما مياه الأواني المحصورة فإن وقع فيها شئ من النجاسات
~~أفسدها، ولم يجز استعمالها ". انتهى ملخصا (2).
# وجه الدلالة في ذلك: أنه فصل في الحكم بالنجاسة وعدمها بالنسبة إلى
~~الغدران والقلبان بين ما كان منها قدر الكر وما دونه، وتنحى عن هذا المسلك
~~في خصوص الأواني فأطلق فيها الحكم بالنجاسة، وقضية ما عنه - من أن طريقته
~~في النهاية أنه لا يذكر فيها إلا متون الروايات من غير تفاوت، أو مع تفاوت
~~يسير لا يخل بالمعنى - كون هذه الجملة مضمون الرواية وإن كانت مرسلة.
# ولكن يضعفه: ما سبق في منع الاحتجاج بما تقدم من الروايات في تفصيل بيان
~~حجة المفيد والسلار، مع إمكان أن يقال: إن مراده بالأواني خصوص ما لا يسع
~~الكر. كما يفصح عنه الوصف، نظرا إلى أن الحصر مما لا معنى له ظاهرا إلا
~~الضيق - كما هو أحد معانيه المذكورة في كلام أهل اللغة - فيراد بالأواني
~~المحصورة الأواني الضيقة. فليتدبر.
# الجهة الثالثة: إذ قد عرفت أن فائدة ما اسسناه في أول عناوين الكتاب من
~~الأصل العام المستنبط عن عمومات طهارة الماء وطهوريته، تظهر فيما لو شك
~~فيهما من جهة الطواري بعد إحراز الإطلاق وصدق الاسم بالتفصيل الذي تقدم
~~بيانه، فهل يجوز إجراء هذا الأصل في مشكوك الكرية وعدمها ms082 من جهة الشك في
~~المصداق، كما لو وجد الماء في غدير ابتداء وكان مرددا بين الكر وما دونه،
~~أو في اندراج المشكوك فيه تحت موضوع الكر باعتبار الشبهة في شرطية شئ له،
~~أو للحكم المعلق عليه، كالوحدة والاجتماع وتساوي السطوح ونحوه مما اختلف في
~~اعتباره في الكر موضوعا أو حكما - على ما ستعرف تفصيله - أو لا؟ وجهان:
# أولهما: ما يظهر عن الرياض حيث قال - في الكتاب مستدلا على ما اختاره في
# PageV01P112
# المسألة الآتية من كفاية الاتصال مطلقا في عدم انفعال الكثير بالملاقاة،
~~وعدم اشتراطه بتساوي السطوح مطلقا -: " بأن ذلك إما بناء على اتحاد المائين
~~عرفا وإن تغايرا محلا فيشمله عموم ما دل على عدم انفعال الكر، أو بناء على
~~عدم العموم فيما دل على انفعال القليل، نظرا إلى اختصاص أكثره بصور مخصوصة
~~ليس المقام منها، وظهور بعض ما لم يكن كذلك في المجتمع وعدم ظهور غيره في
~~غيره بحيث يشمل المفروض، فيسلم حينئذ الأصل والعمومات المقتضية للطهارة
~~بحالها " (1).
# وذكر نظير ذلك عقيب ما ذكر عند دفع استدلال من ذهب في عدم انفعال الكر
~~إلى اشتراط المساواة " (2).
# ثم وافقه على ذلك جماعة ممن عاصرناهم وغيرهم ومنهم شيخنا في الجواهر،
~~فقال: " متى شك في شمول إطلاقات الكر لفرد من الأفراد وشك في شمول القليل
~~فلم يعلم دخوله في أي القاعدتين، فالظاهر أن الأصل يقضي بالطهارة وعدم
~~تنجسه بالملاقاة، نعم لا يرفع الخبث به بأن يوضع المتنجس فيه كما يوضع في
~~الجاري والكثير، وإن كان لا يحكم عليه بالنجاسة بمثل ذلك بل يحكم عليه
~~بالطهارة، فيؤخذ منه ماء ويرفع به الخبث على نحو ما يرفع بالقليل، ولا مانع
~~من رفع الحدث به لكونه ماء طاهرا، و كلما كان كذلك يجري عليه الحكم، وكان
~~السبب في ذلك أن احتمال الكرية فيه كافية في حفظ طهارته وعدم نجاسته
~~بملاقاة النجاسة " (3).
# وثانيهما: ما صار إليه شيخنا الآخر في شرحه للشرائع، قائلا - بعد ما أفاد
~~طريق المسألة حسبما نشير إليه إجمالا -: " بأنه لابد من الرجوع إلى أصالة ms083
~~الانفعال عند الشك في الكرية، سواء شك في مصداق الكر أو مفهومه، كما إذا
~~اختلف في مقدار الكر أو في اعتبار اجتماعه أو استواء سطوح أجزائه ولم يكن
~~هناك إطلاق في لفظ الكر ونحوه ليرجع إليه " (4).
# ثم عزاه بعد كلام طويل في إثبات تلك المقالة إلى جماعة من أصحابنا، حيث
~~قال:
# PageV01P113
# " ولأجل بعض ما ذكرنا أفتى جماعة كالفاضلين (1) والشهيد (2) بنجاسة الماء
~~المشكوك في كريته، نظرا إلى أصالة عدم الكرية الحاكمة على استصحاب طهارة
~~الماء " (3) الخ.
# وممن يظهر منه الموافقة له في تلك المقالة صاحب الحدائق (4) حيث إنه بعد
~~ما بنى في المسألة الآتية على التوقف، حكم في حكم موضوع المسألة بالاحتياط
~~المقتضي للتحرز عن مثل هذا الماء، بل هو صريح جماعة آخرين منهم صاحب
~~المعالم (5) وغيره.
# وتحقيق المقام: مبني على النظر في أن مفاد الأخبار الفارقة بين الكر وما
~~دونه بانفعال الثاني دون الأول، هل هو مانعية الكثرة الكرية عن الانفعال أو
~~شرطية القلة للانفعال؟
# فعلى الأول يترتب الحكم في موضع الشك بالانفعال، لضابطتهم المقررة من أن
~~المانع المشكوك في وجوده محكوم عليه بالعدم، فيتفرع عليه خلاف مقتضاه من
~~عدم الانفعال، وعلى الثاني يترتب الحكم في موضع الشك بعدم الانفعال، لمكان
~~أن الشرط المشكوك في تحققه يحكم عليه بالعدم، فيتفرع عليه الحكم بخلاف
~~المشروط به.
# أو على النظر في أن مفاد الأدلة المخرجة للقليل عن العمومات القاضية
~~بالطهارة وعدم الانفعال بشئ هل هو شرطية الكرية لعدم الانفعال؟ حتى يكون
~~المجموع من المخصص والمخصص نظير ما لو قيل: " أكرم العلماء إن كانوا عدولا
~~"، أو شرطية القلة للانفعال حتى يكون المجموع من المخصص والمخصص نظير ما لو
~~قيل: " أكرم العلماء إلا الفساق منهم "، حيث إن الفسق في ذلك شرط لعدم وجوب
~~الإكرام.
# والذي يساعد عليه النظر، ويقتضيه أدلة الباب عموما وخصوصا، أن الحق ما
~~فهم الأولون خلافا للآخرين، وأن أصل الطهارة مما لا مجال إلى رفع اليد عنه
~~ما دام محكما - كما سبق - وجاريا كما في المقام، والوجه في ذلك أن الظاهر ms084
~~المنساق من العمومات المحققة لذلك الأصل كون الطهارة وعدم قبول الانفعال
~~إنما هو من مقتضى الطبيعة المائية بحسب خلقتها الأصلية كما يفصح عنه
~~التعبير بالخلق في قوله (صلى الله عليه وآله): " خلق الله الماء
# PageV01P114
# طهورا لا ينجسه شئ، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (١)، وبالإنزال في
~~قوله تعالى:
# ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾
~~(2)، فيكون الماهية بما هي هي مقتضية للطهارة، وظاهر أن المقتضي ما دام لم
~~يصادف ما يزاحمه من الموانع أو الروافع كان على اقتضائه، والتغيير مع
~~ملاقاة النجاسة حيثما وجدا رافعان لذلك المقتضي، وحاجبان عن الاقتضاء، غاية
~~الأمر أن الأول معتبر لا بشرط شئ من الكرية ولا عدمها، والثاني معتبر بشرط
~~القلة.
# ومما يدل على رافعية التغير قوله (صلى الله عليه وآله): " خلق الله الماء
~~طهورا (3) الخ "، وكما أن مفاد التخصيص هنا بحكم ظاهر العرف كون التغير
~~رافعا، فكذلك مفاد أدلة انفعال القليل من المفاهيم والمناطيق الواردة في
~~مواضع خاصة أيضا كون الملاقاة دافعة للطهارة بشرط القلة، غاية الأمر أن
~~التخصيص في الأول قد حصل بمخصص متصل وفي الثاني بمخصص منفصل، فيكون مفاد
~~العمومات مع هذين المخصصين - بعد الجمع بينهما -: كل ماء طاهر لا ينجسه شئ
~~ولا يرفع طهارته إلا تغيره بالنجاسة مطلقا، أو ملاقاته لها بشرط القلة.
# وإنما فصل بينهما باعتبار الأول مطلقا والثاني مشروطا، لأن التغير يكشف
~~عن تضاعف النجاسة واستيلائها على الماء بحسب المعنى، فيضعف المقتضي ويخرج
~~عن اقتضائه، لعدم كون الطبيعة المائية علة تامة للطهارة حتى لا يجامعها
~~رافع، وقضية ذلك عدم الفرق فيه بين الكثرة والقلة، بخلاف مجرد الملاقاة
~~فإنه في التأثير لا يبلغ مرتبة التغير فلا يضعف به المقتضي إلا مع انتفاء
~~الكثرة، ولا أنه يخرج عن فعلية الاقتضاء إلا مع القلة.
# وأصرح من ذلك في الدلالة على المختار ما رواه المحمدون الثلاث بطرق
~~متكثرة من قولهم (عليهم السلام): " الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر " (4)،
~~فإن تعليق الحكم بالطهارة في كل ماء على غاية ms085 العلم بالقذارة صريح في أن ما
~~لم يعلم بقذارته كائنا ما كان محكوم عليه بالطهارة، فلو كان الانفعال هو
~~الأصل في موضع الشك لما كان لذلك وجه، بل كان
# PageV01P115
# يجب أن يعلق الحكم بالقذارة على غاية العلم بالطهارة، ويقال: الماء كله
~~قذر حتى يعلم أنه طاهر، كما هو مفاد القول بأن الكرية مانعة عن الانفعال
~~وأن القلة ليست شرطا في الانفعال، وأن المشكوك فيه المردد بين الكرية
~~والقلة يلحق بقاعدة الانفعال لا أصالة الطهارة وهو كما ترى، وقضية كل ذلك
~~كون التغير والملاقاة رافعين للطهارة المعلومة بالشرع مع اشتراط الثاني في
~~رافعيته بالقلة.
# والاحتجاج على أن الكرية في موضوع المسألة مانعة عن الانفعال، بأن
~~المستفاد من الصحيح المشهور " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) أن
~~الكرية علة لعدم التنجيس، ولا نعني بالمانع إلا ما يلزم من وجوده العدم.
# يدفعه: منع ذلك؛ بأن ذلك كما أنه محتمل لأن يكون من جهة أن الكرية مانعة
~~عن الانفعال، فكذلك محتمل لأن يكون الكر ملزوما لانتفاء شرط الانفعال،
~~فالكر لا ينفعل إما لأنه علة لعدم الانفعال، أو لأنه ملزوم لانتفاء شرط
~~الانفعال، فكيف يستفاد منه العلية على التعيين؟
# فإن قلت: قد تقرر في الاصول أن الجملة الشرطية ظاهرة في سببية المقدم
~~للتالي، فلا يمكن رفع اليد عن هذا الظهور بلا صارف.
# قلت: قد علمنا بملاحظة أدلة التغير أن الكرية ليست بعلة تامة بل هي جزء
~~للعلة، وهي مركبة عنها وعن عدم التغير، فكما أن استعمال أداة التعليق -
~~الظاهرة في العلية - في مجرد التلازم بين المقدم وانتفاء شرط نقيض التالي
~~مجاز وإخراج لها عن الظهور، فكذلك استعمالها في شرطية المقدم للتالي وكونه
~~جزءا للعلة أيضا مجاز وعدول عن الظاهر، فيبقى قوله (صلى الله عليه وآله): "
~~خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (2)
~~الظاهر في كون القلة شرطا للانفعال - كما يعترف به المدعي لكون الكرية
~~مانعة عن الانفعال - مرجحا للمجاز الأول، إن لم نقل بأنه في ms086 نفسه أرجح،
~~نظرا إلى أن التلازم أقرب إلى العلية وأشبه بها من حيث اقتضائه اللزوم في
~~الوجود والعدم معا من
# PageV01P116
# الشرطية التي لا يقتضي اللزوم إلا في جانب العدم.
# ودعوى: أن نفس قوله: " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " (1) دال على
~~عدم شرطية القلة، من جهة أنه يقضي بأن الخارج عن عمومات الطهارة إنما هو
~~القلة، وهي أمر عدمي لا يصلح لأن يكون شرطا، فإذا انتفى احتمال كونها شرطا
~~تعين كون الكرية مانعة.
# يدفعها: منع عدم كون الأمر العدمي صالحا للشرطية، كما يشهد به قولهم: "
~~بأن عدم المانع شرط "، كيف وأن ثبوت كون الامور العدمية معتبرة بعنوان
~~الشرطية في الشريعة في الكثرة ما لا يكاد ينكر، ألا ترى أنهم يقولون - عند
~~تعداد شرائط النية المعتبرة في العبادة -: أن استمرار النية شرط فيها،
~~ويفسرونه بعدم قصد المنافي وعدم التردد في أثناء العمل، والقول بأن الأمر
~~العدمي لا يصلح للتأثير في الوجود مخصوص بما كان عدميا صرفا غير متشبث
~~بالوجود، والقلة ليست منه لأنها عبارة عن عدم الكثرة فيما من شأنه الكثرة،
~~فيكون متشبثا بالوجود لاقترانه بشأنية الوجود، مع أن الشروط الشرعية كثيرا
~~ما تكون من باب المعرفات دون المؤثرات، فلعل المقام منها.
# وبالجملة: رفع اليد عن ظهور مثل " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ الخ
~~" (2) " والماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر " (3) وما أشبه ذلك المقتضي لكون
~~الماء بما هو هو مأخوذا عنوانا لحكم الطهارة، وأن ما خالفه من أفراده في
~~ذلك الحكم فإنما هو مخرج عنه بالتخصيص، ومن المقرر أن كل ما يشك في خروجه
~~له بالتخصيص مع إحراز دخوله في أصل العنوان - كما هو مفروض الكلام - يحكم
~~عليه بعدم الخروج لأصالة عدم التخصيص.
# فما يقال: من أن تلك العمومات ليست من قبيل ما كان عنوان العام مقتضيا
~~للحكم وعنوان المخصص مانعا، فليس بسديد جدا.
# ولا ينافيه " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " إذا كان المراد منه
~~بيان أقل مراتب ما هو ملزوم لانتفاء عنوان ms087 المخصص، فاعتبار الكر ليس من باب
~~أنه بالخصوص عنوان ينشأ منه الحكم، بحيث لو شك فيه في موضع كان ذلك شكا في
# PageV01P117
# المقتضي، مانعا عن الأخذ بالمقتضي، بل المقتضي في الحقيقة هو عنوان
~~المائية، فيوجد المقتضي حيثما وجد وينتفي حيثما انتفى، والكرية إنما اعتبرت
~~ميزانا لمعرفة أن الكر هو أقل مراتب ما يسلم من هذا العنوان العام عما
~~يزاحمه في فعلية الاقتضاء.
# ولو سلم فمقتضى الجمع بين منطوق هذه الرواية ومفهومها تنوع هذا العنوان
~~إلى نوعين وانكشاف عدم كونه بما هو هو عنوانا في الشريعة، بل العنوان الذي
~~يدور عليه الحكم إنما هو النوعان المذكوران، أحدهما: ما هو موضوع المنطوق
~~وهو الماء البالغ حد الكر، وثانيهما: ما هو موضوع المفهوم وهو الماء الغير
~~البالغ هذا الحد. وقضية ذلك:
# كون المشكوك في كريته كائنا ما كان مجملا مصداقيا مرددا بين كونه من
~~أفراد هذا النوع، أو ذاك النوع ومعه فكما لا يمكن إلحاقه بالنوع الأول فكذا
~~لا يمكن إلحاقه بالنوع الثاني.
# وقضية ذلك لزوم الرجوع إلى الاصول العملية من احتياط كما صار إليه صاحب
~~الحدائق - فيما عرفت (1) - بناء على مذهبه فيما لا نص فيه من كون المرجع
~~فيه هو الاحتياط، أو استصحاب للطهارة السابقة ونحوها، لا الحكم عليه مطلقا
~~بالانفعال إلا فيما لو كان مسبوقا بالقلة وشك في بلوغه حد الكر، فإن اللازم
~~حينئذ أن يترتب عليه أحكام ما دون الكر، عملا بالأصل الموضوعي الوارد على
~~الأصل الحكمي كما قرر في محله.
# وأنت خبير بأن موضوع المسألة لا ينحصر أفراده في مثل ذلك بل هو في
~~الحقيقة خارج عن هذا الموضوع؛ إذ لا أظن أحدا يقول في مثله بالطهارة عملا
~~بالأصل المستفاد من العمومات، ولا يكون ذلك من باب تخصيص العام بالأصل
~~العملي حتى يقال: بمنع ذلك عندهم، بل المخصص له في الحقيقة إنما هو أدلة
~~انفعال القليل، والعمل بالأصل المذكور تعميم في موضوع تلك الأدلة بدعوى: أن
~~القليل المحكوم عليه بالانفعال أعم من أن يكون كذلك بحسب الواقع أو بحسب ms088
~~الشرع، عملا بعموم أدلة الاستصحاب القاضية بأنه مما جعله الشارع طريقا
~~للمكلف إلى إحراز الواقع من موضوع أو حكم، وأقامه مقام العلم بالواقع
~~الحاكمة على سائر الأدلة المقتضية لاعتبار الواقع بطريق علمي، فليتدبر.
# PageV01P118
# فبجميع ما قررناه ينقدح أن ما تقدم عن الفاضلين (1) والشهيد (2) من
~~إفتائهما بنجاسة الماء المشكوك في كريته عملا بأصالة عدم الكرية على إطلاقه
~~ليس على ما ينبغي؛ إذ لا معنى لأصالة عدم الكرية فيما لم يكن مسبوق بالقلة،
~~بل أصالة الطهارة الأصلية في مثله هو الأصل المعول عليه، السالم عن
~~المعارض.
# فبالجملة: أصل الطهارة سواء أردنا منه الأصل الاجتهادي المستفاد من
~~عمومات الطهارة، أو الأصل العملي المعبر عنه بالاستصحاب، مما لا يمكن
~~الإغماض عنه في مواضع الشبهة والدوران وانسداد الطرق العلمية، لإجمال في
~~المصداق، أو الصدق، أو المفهوم بالنظر إلى عنوان الكرية وما يقابله.
# الجهة الرابعة: بعد ما عرفت أن مقدار الكر من الماء من حكمه أن لا ينفعل
~~بمجرد الملاقاة، فهل يعتبر فيه مساواة سطوحه أو يكفي مجرد اتصال بعضه بعضا
~~ولو مع الاختلاف في سطوحه؟ وعلى الثاني فهل يعتبر في كفاية الاتصال أن لا
~~يكون الاختلاف المفروض معه فاحشا بينا بحيث يخفى على الحس أو يصعب عليه
~~إدراكه، أو أن الاختلاف غير مضر ولو فاحشا بينا للحس؟
# وعلى الثاني فهل يعتبر فيه أن يكون بطريق الانحدار كما لو كان الماء في
~~أرض منحدرة، أو لا يضر الاختلاف ولو كان على طريق التسنيم، كما لو سال
~~الماء إلى الأرض في ميزاب ونحوه من الأراضي المرتفعة التي يجري منها الماء
~~إلى ما تحتها بطريق التسنيم كالجبل وما أشبهه؟ وعلى التقادير فهل معنى
~~كفاية مجرد الاتصال وعدم مضرية الاختلاف كون كل من الأعلى والأسفل متقوما
~~بالآخر فلا ينفعل شئ منهما إذا لاقته النجاسة، أو كون الأسفل متقوما
~~بالأعلى دون العكس، فينفعل الأعلى بالملاقاة إن كان أقل من الكر دون العكس؟
~~وجوه:
# قد وقع الخلاف بينهم في كثير منها، ولكن ينبغي النظر في معرفة تفصيل
~~أقوالهم وتشخيص موضع الخلاف ms089 عن موضع الوفاق في عبائرهم حسبما وقفنا عليه
~~نقلا وتحصيلا، ولكن الذي يظهر بالتتبع - وصرح به غير واحد - أن المسألة لم
~~تكن معنونة في كلام قدماء
# PageV01P119
# أصحابنا، وإنما حدث تدوينها ولو بنحو الإشارة من المتأخرين عن زمن
~~العلامة (رحمه الله) إلى هذه الأزمنة، كما أنه يظهر أيضا عدم الفرق
~~عندالمتأخرين - بناء على عدم اعتبار المساواة - بين اختلاف الانحدار
~~والتسنيم، بل عدم الفرق بين ما لو كان الاختلاف فاحشا وغيره.
# نعم، حصل الاختلاف بينهم في مقامين، أحدهما: أصل اشتراط المساواة وعدمه،
~~وثانيهما: الفرق - بناء على عدم الاشتراط - بين الأعلى والأسفل في تقوم كل
~~بالآخر وعدمه.
# أما المقام الأول: فمحصل خلافهم فيه يرجع إلى أقوال ثلاث:
# أحدها: القول بعدم الاشتراط، وقد صرح به الشهيد الثاني في كلام محكي له
~~عن الروض، قائلا: " وتحرير المقام أن النصوص الدالة على اعتبار الكثرة مثل
~~قوله (عليه السلام): " إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) وكلام أكثر
~~الأصحاب ليس فيه تقييد الكر المجتمع بكون سطوحه مستوية، بل هو أعم منه ومن
~~المختلف كيف اتفق "، ثم قال: - بعد كلام مطوي له - " والذي يظهر لي في
~~المسألة ودل عليه إطلاق النص، أن الماء متى كان قدر كر متصلا ثم عرضت له
~~النجاسة لم تؤثر فيه إلا مع التغير، سواء كان متساوي السطوح أو مختلفها "
~~(2) الخ.
# وتبعه في ذلك سبطه السيد في المدارك، قائلا - بعد ما أسند إلى اطلاق
~~كلامي المحقق والعلامة في المعتبر (3) والمنتهى (4) أنه يقتضي عدم الفرق
~~بين مساواة السطوح واختلافها، فيكون كل من الأعلى والأسفل متقويا بالآخر -:
~~" بأنه ينبغي القطع بذلك إذا كان جريان الماء في أرض منحدرة، لاندراجه تحت
~~عموم قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (5) فإنه
~~شامل لتساوي السطوح ومختلفها، وإنما يحصل التردد فيما إذا كان الأعلى
~~متسنما على الأسفل بميزاب ونحوه، لعدم صدق الوحدة عرفا ولا يبعد التقوي في
~~ذلك أيضا كما اختاره جدي (قدس سره) في فوائد القواعد عملا بالعموم " (6)
~~انتهى.
# فظهر منه أنه جزم بالحكم ms090 في الشق الأول ورجحه في الثاني بعد ما صار
~~مترددا،
# PageV01P120
# ووافقهما على ذلك في الرياض (1)، وحكي ذلك أيضا عن الأردبيلي في مجمع
~~الفائدة (2)، والمحقق الخراساني في الذخيرة (3)، والبهبهاني في حاشية
~~المدارك (4)، وشرح المفاتيح (5)، ويستفاد التصريح به من المحقق الخوانساري
~~في تضاعيف كلامه في شرح الدروس (6)، ونسبه في المدارك (7) إلى إطلاق ما صرح
~~به المحقق والعلامة في المعتبر (8) والمنتهى (9) من " أن الغدير إذا وصل
~~بينهما بساقية صارا كالماء الواحد، فلو وقع في أحدهما لم ينجس وإن نقص عن
~~الكر إذا بلغ المجموع منهما ومن الساقية كرا "، وحكاه عنهما أيضا في شرح
~~الدروس بعد ما قال - في أول عنوان المسألة -:
# " فالظاهر من كلام الأصحاب الاحتمال الثاني، يعني عدم اعتبار المساواة،
~~بل في بعض كلماتهم التصريح به "، ثم قال: " ولم نقف على نص ظاهر من كلام
~~الأصحاب في خلافه إلا ظاهر كلام بعض المتأخرين " (10).
# وثانيها: القول باعتبار المساواة في الكر، وخروجه عن الكثرة بالاختلاف
~~خصوصا إذا كان الاختلاف بالتسنيم ونحوه، وقضية ذلك عدم تقوم شئ من الأعلى
~~والأسفل في صورة الاختلاف بالآخر، فينجس كل منهما بوقوع النجاسة ولم نقف
~~على من صرح به إلا صاحب المعالم - في كلام محكي (11) له - قائلا: " بأن
~~الأخبار المتضمنة لحكم الكر - أشبارا و كمية - اعتبار الاجتماع في الماء،
~~وصدق الوحدة والكثرة عليه، وفي تحقق
# PageV01P121
# ذلك مع عدم المساواة في كثير من الصور نظر، والتمسك في عدم اعتبارها
~~بعموم ما دل على عدم انفعال مقدار الكر بملاقاة النجاسة مدخول، لأنه من باب
~~المفرد المحلى باللام وقد بين في المباحث الاصولية أن عمومه ليس من حيث
~~كونه موضوعا لذلك على حد صيغ العموم، وإنما هو باعتبار منافاة عدم إرادته
~~الحكمة، فيصان كلام الحكيم عنه.
# وظاهر أن منافاة الحكمة حيث ينتفي احتمال العهد، ولا ريب أن تقدم السؤال
~~عن بعض أنواع الماهية عهد ظاهر، وهو في محل النزاع واقع؛ إذ النص متضمن
~~للسؤال عن الماء المجتمع وحينئذ لا يبقى لإثبات الشمول لغير المعهود وجه "
~~(1).
# وقد يستظهر ذلك من كلام العلامة - كما ms091 أشار إليه في شرح الدروس - ويقال:
~~" إن كلام العلامة في بحث الحمام حيث اعتبر كرية المادة مطلقا مما يشعر به؛
~~لأنه لو لم يعتبر مساواة السطح لم يلزم كرية المادة وحدها، بل إنما يلزم أن
~~يكون المجموع من المادة والحوض الصغير والساقية بينهما كرا.
# لا يقال: ما ذكرتم أعم من المدعى؛ لأن اعتبار الكرية مطلقا في المادة يدل
~~على أن عند المساواة أيضا يلزم كرية المادة، فعلم أن الوجه غير ما ذكر.
# لأنا نقول: إطلاق الحكم إنما هو بناء على الغالب؛ إذ الغالب أن مادة
~~الحمام أعلى، ويؤيده أنه إنما يمثل في العلو بماء الحمام كما فعله المصنف
~~في الذكرى (2) " (3) انتهى.
# واجيب عنه: بأن اعتبار ذلك في مادة الحمام على فرض تسليمه لعله لخصوصية
~~فيه لا تتعداه إلى غيره مما هو من محل البحث، فلا وجه لجعل ذلك من العلامة
~~قرينة على أنه قائل به مطلقا، وأجاب عنه في شرح الدروس بوجوه:
# الأول: ما يرجع محصله إلى منع كون اعتبار الكرية في مادة الحمام لأجل حفظ
~~الحوض الصغير عن الانفعال بملاقاة النجاسة، بل إنما هو لأجل تطهيره بعد ما
~~طرأه الانفعال، نظرا إلى أن ماء الحمام حكمه حكم الجاري في تطهير القليل
~~المنفعل ولا يكون ذلك إلا إذا كان المادة وحدها كرا، إذ ما دون الكر لا
~~يصلح لأن يطهر الماء.
# الثاني: ما يرجع ملخصه إلى أن ذلك لعله لمراعاة ما هو الغالب في الحمام
~~من أن
# PageV01P122
# الماء يؤخذ فيه كثيرا من الحوض الصغير، فلو اكتفى بكرية المجموع مما فيه
~~وفي المادة والساقية لطرأه القلة بواسطة الأخذ منه فينفعل إذا لاقاه
~~النجاسة، فلابد فيه من عاصم يحفظه عن طرو القلة عليه صونا له عن الانفعال،
~~ولا يكون ذلك إلا مع اعتبار الكرية في المادة، فاعتبارها حينئذ ليس لأجل
~~اعتبار مساواة السطح في الكر كما هو محل النزاع، بل لأجل أنه مانع عن زوال
~~الكرية المعتبرة في المجموع.
# الثالث: ما يرجع مفاده إلى أن ذلك لعله من جهة أن العلامة قائل ms092 بمانعية
~~الاختلاف على نحو التسنيم، نظرا إلى أن الغالب في الحمامات انحدار مائها
~~بالميزاب ونحوه، لا من جهة أنه مانع عن الاختلاف مطلقا وكلامنا فيه لا في
~~الأول الخ (1).
# وهذه الأجوبة في حد نفسها وإن كانت جيدة، حاسمة لدعوى مصير العلامة إلى
~~تلك المقالة لمجرد ما اعتبره في المادة من الكرية، غير أنها في مقابلة ما
~~تقدم من العبارة واردة في غير محلها، من حيث إن هذا الرجل ليس جازما في
~~إسناد تلك المقالة إلى العلامة، ولا أنه مدع لدلالة كلام العلامة على ذلك
~~دلالة معتبرة في نظائره، بل غاية ما ادعاه الإشعار وهو دون الدلالة، وكأنه
~~أعرض عن دعوى الدلالة بملاحظة قيام ما ذكر من الاحتمالات، فارتفع النزاع عن
~~البين جدا.
# وثالثها: ما أبرزه في الحدائق من التوقف والعجز عن ترجيح أحد القولين
~~الأولين، قائلا: " بأن الحكم في المسألة لا يخلو عن إشكال، ينشأ من أن
~~المستفاد من أخبار الكر تقارب أجزاء الماء بعضها من بعض، كقوله (عليه
~~السلام) - في صحيحة إسماعيل بن جابر حين سأله عن الماء الذي لا ينجسه شئ -
~~فقال: ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " (2)، ونحوها من الأخبار الدالة على
~~التقدير بالمساحة، وصحيحة صفوان المتضمنة للسؤال عن الحياض التي بين مكة
~~والمدينة، حيث سئل (عليه السلام) وكم قدر الماء؟ قال: قلت إلى نصف الساق
~~وإلى الركبة وأقل، قال: " توضأ " (3) - إلى قوله - بعد ما ذكر جملة من
~~المؤيدات،
# PageV01P123
# وتكلم مع أهل القول بعدم اعتبار المساواة بالمناقشة في أدلتهم من
~~العمومات والأصل والاستصحاب -: " وينشأ من إطلاق الأخبار بأن بلوغ الماء
~~كرا عاصم له عن الانفعال بالملاقاة، والأخبار الدالة على التحديد بالمساحة
~~و إن أفهمت بحسب الظاهر اعتبار الاجتماع فيه، إلا أنه إن أخذ الاجتماع فيها
~~على الهيئة التي دلت عليه فلا قائل به إجماعا وإن أخذ الاجتماع الذي هو
~~عبارة عن تساوي السطوح فلا دلالة لها عليه صريحا " - إلى أن قال -:
# " فمجال التوقف في الحكم المذكور لما ذكرناه بين الظهور والاحتياط لا
~~يخفى " (1).
# وأما المقام الثاني: فمحصل ms093 خلافهم فيه يرجع إلى قولين:
# أحدهما: ما عليه الأكثر من أنه لا يتفاوت الحال في عدم قدح الاختلاف في
~~تقوي بعض الماء ببعض بين الأعلى والأسفل، وهو المستفاد من الجماعة المتقدمة
~~صراحة وظهورا.
# وثانيهما: ما هو صريح جامع المقاصد في شرح القواعد، حيث - إنه بعد ما نقل
~~عبارة المتن من أنه لو اتصل الواقف القليل بالجاري لم ينجس بالملاقاة -
~~قال: " يشترط في هذا الحكم علو الجاري، أو مساواة السطوح، أو فوران الجاري
~~من تحت القليل إذا كان الجاري أسفل، لانتفاء تقويه بدون ذلك " (2).
# وربما يعزى ذلك إلى صريح العلامة في التذكرة (3)، والشهيد في الدروس (4)،
~~والذكرى (5)، والبيان (6)، وقد يتوهم لأجل ذلك التدافع بين كلامي العلامة
~~بل الشهيد أيضا، حيث إنهما يصرحان في موضع بالحكم من دون تقييد بما يقضي
~~بعدم تقوي الأعلى بالأسفل، ثم يصرحان عقيب ذلك بقليل بما يخالف ذلك، وأنت
~~إذا تأملت في أكثر عبائرهم لوجدتها غير مخالفة لما عليه الأكثر لا صراحة
~~ولا ظهورا و إن أوهمت ذلك في بادي النظر، وإن شئت صدق هذه المقالة فلاحظ ما
~~ذكره الشهيد في الدروس بقوله:
# " ولو كان الجاري لا عن مادة ولاقته النجاسة لم ينجس ما فوقها مطلقا، ولا
~~ما تحتها إن كان جميعه كرا فصاعدا إلا مع التغير " (7)، فأطلق الحكم بعدم
~~نجاسة ما تحت موضع الملاقاة إذا بلغ المجموع كرا من غير اشتراط استواء
~~السطح.
# PageV01P124
# ثم قال - بعد ذلك بقليل -: " ولو اتصل الواقف بالجاري اتحدا مع مساواة
~~سطحهما، أو كون الجاري أعلى لا العكس، ويكفي في العلو فوران الجاري من تحت
~~الواقف " (1).
# فاعتبر في صدق الاتحاد مساواة السطحين أو علو الكثير، وممن صرح بتناقض
~~هذين الكلامين المحقق الخوانساري (2) عند شرح الكلام الأول، وعن صاحب
~~الذخيرة (3) أنه جعلهما من باب الاضطراب في الفتوى الذي نسبه إلى جماعة من
~~متأخري الأصحاب.
# وأنت إذا تأملت لوجدت أن ذلك ليس على ما ينبغي، لما أفاده خالنا العلامة
~~دام ظله (4) من إمكان حمل مسألة اتصاف الواقف بالجاري والحكم باتحادها مع
~~مساواة السطح أو علو ms094 الجاري دون العكس، على كون الواقف المتصل بالجاري
~~بمنزلة الجاري في جميع أحكامه التي منها تطهير ما ينفعل من الماء عند تحقق
~~أحد الشرطين المذكورين، لا في عدم الانفعال بالملاقاة خاصة كما هو موضع
~~البحث في مسألة الكر، بخلاف ما لم يتحقق فيه الشرط، فيمكن أن يقول فيه
~~حينئذ بعدم الانفعال بالملاقاة، بناء على أن الأعلى يتقوم بالأسفل كما أن
~~الأسفل يتقوم به، وإن لا يقول به فليست العبارة بصريحة في التناقض ولا
~~ظاهرة فيه.
# وكيف كان: فاعترض صاحب المدارك عليهم - في القول بعدم تقوي الأعلى
~~بالأسفل -: " بأنه يلزمهم أن ينجس كل ما كان تحت النجاسة من الماء المنحدر
~~إذا لم يكن فوقه كرا، وإن كان نهرا عظيما وهو معلوم البطلان " (5).
# وعن صاحب المعالم (6) دفع ذلك بإمكان التزام عدم انفعال ما بعد عن موضع
~~الملاقاة بمجردها لعدم الدليل عليه؛ إذ الأدلة على انفعال ما نقص عن الكر
~~بالملاقاة مختصة بالمجتمع والمتقارب، وليس مجرد الاتصال بالنجس موجبا
~~للانفعال في نظر الشارع وإلا لنجس الأعلى بنجاسة الأسفل لصدق الاتصال، وهو
~~منفي قطعا، وإذا لم يكن الانفعال بمجرده موجبا لسريان الانفعال، فلابد في
~~الحكم بنجاسة البعيد من دليل.
# نعم، جريان الماء النجس يقتضي نجاسة ما يصل إليه، فإذا استوعب الأجزاء
# PageV01P125
# المنحدرة نجسها وإن كثرت ولا بعد في ذلك، فإنها لعدم استواء سطحها بمنزلة
~~المنفصل، فكما أنه ينجس بملاقاة النجاسة له - وإن قلت وكان مجموعه في غاية
~~الكثرة - فكذا هذه.
# وأورد عليه المحقق الخوانساري: " بأنه بعد تسليم انفعال ما نقص عن الكر
~~بالملاقاة مع الاجتماع والتقارب، لا شك أنه يلزم نجاسة جميع ماء النهر
~~المذكور؛ لأن النجاسة ملاقية لبعضه، وذلك البعض ملاق للبعض الآخر القريب
~~منه، وهكذا فينجس الجميع، إذ الظاهر أن القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة
~~لا يفرقون بين النجاسة والمتنجس، وما ذكره من أن مجرد الاتصال بالنجس لو
~~كان موجبا للانفعال في نظر الشارع لنجس الأعلى بنجاسة الأسفل.
# ففيه: أنه مخصص عن العموم بالإجماع، فإلحاق ما عداه به مما لا دليل عليه
~~قياس ms095 لا نقول به، على أن الفارق أيضا موجود كما ذكره بعض من عدم تعقل سريان
~~النجاسة إلى الأعلى " (1).
# ثم إن المحقق الشيخ علي احتج على ما صار إليه: " بأن الأسفل والأعلى لو
~~اتحدا في الحكم، للزم تنجس كل أعلى متصل بأسفل مع القلة وهو معلوم البطلان،
~~وحيث لم يتنجس بنجاسته لم يطهر بطهره " (2) انتهى.
# ومراده بالأسفل في قوله: " كل أعلى متصل بأسفل " ما كان من الأسفل
~~متنجسا، وإلا لا يعقل تنجس الأعلى به وهو طاهر، وبالقلة في قوله: " مع
~~القلة " المجموع.
# وأجاب عنه في المدارك: بأن الحكم بعدم نجاسة الأعلى بوقوع النجاسة فيه مع
~~بلوغ المجموع منه ومن الأسفل الكر إنما كان لاندراجه تحت عموم الخبر، وليس
~~في هذا ما يستلزم نجاسة الأعلى بنجاسة الأسفل بوجه، مع أن الإجماع منعقد
~~على أن النجاسة لا تسري إلى الأعلى مطلقا (3).
# وقد يقرر: بأن القول بتقوي الأعلى بالأسفل، إما لكونهما ماء واحدا مندرجا
~~تحت
# PageV01P126
# عموم " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه " (1) أو لعدم دليل على تنجسه بناء
~~على عدم عموم في أدلة انفعال القليل كما ذكرنا، فإن كان الأول فإنما يلزم
~~ما ذكره لو ثبت أن كل ماء واحد قليل ينجس جميعا بنجاسة بعض منه وإن كان
~~أسفل من بعض آخر، ولم يثبت لما عرفت من عدم دليل عام على انفعال القليل،
~~وعلى تقدير وجوده نقول: إنه مخصص بغير صورة النزاع، للإجماع على عدم سراية
~~النجاسة عن الأسفل إلى الأعلى، وذلك الإجماع لا يستلزم خروج الأسفل والأعلى
~~عن الوحدة كما لا يخفى، وقس عليه الحال في نجاسة أسفل الكثير بالتغير وعدم
~~نجاسة ما فوقه، وإن كان الثاني فالأمر أظهر.
# فقد انقدح لك بجميع ما فصلناه في تحرير النزاع ومحله، من تكلف ذكر
~~العبارات وتعرض نقل النقوض والإبرامات، امور:
# الأول: اتفاقهم على اعتبار الاتصال فيما بين أجزاء الماء لو كانت متفرقة،
~~فلو انفصل بعضها عن بعض من دون توسط ما يوجب بينها الوصل - ولو بنحو
~~الساقية أو الثقبة - لم يكن من محل النزاع ms096 في شئ، ولا أن المجموع من الكر
~~المحكوم عليه بعدم الانفعال بالملاقاة.
# والثاني: كون العمدة فيما هو مناط موضع البحث صدق الوحدة عند اختلاف
~~السطوح وعدمه.
# والثالث: قضية ما تقدم عن صاحب المعالم كون الاجتماع فيما بين أجزاء الكر
~~مما له مدخلية في الحكم، فلا يكون مجرد تساوي السطوح عنده مع فرض عدم
~~الاجتماع - كما لو تواصلت المياه المتفرقة في نظر الحس بعضها مع بعض
~~المستوية السطوح - كافيا في انعقاد موضوع الحكم.
# والرابع: عدم كون الخلاف عن نصوص واردة في المسألة بخصوصها، بل مبناه على
~~الاستظهارات الناشئة عن أخبار الكر، فكل يستظهر مطلبه عنها بملاحظة شئ من
~~الجهات الموجودة فيها ولو في نظر الوهم، وبذلك يعلم أن الأمر في تحقيق
~~المسألة هين، لوضوح طريقه واتضاح مدركه، فلابد من النظر في مساق الأخبار
~~المذكورة ومفادها حسبما
# PageV01P127
# يساعد عليه العرف وفهم أهل اللسان، ويوافقه القواعد المحكمة المقررة في
~~مظانها.
# فنقول: يمكن الاستدلال لمشترطي المساواة بصحيحة محمد بن مسلم - المتقدمة
~~- المتضمنة لقول السائل: " قلت له: الغدير ماء مجتمع إلخ " (1) القاضية
~~باعتبار الاجتماع، الذي هو أخص من مساواة السطح.
# ورواية الكافي المتضمنة لقوله (عليه السلام) " إذا كان الماء في الركي "
~~(2) نظرا إلى أن الركية - وهي البئر - مما لا يعقل فيه الاختلاف.
# وصحيحة صفوان المشتملة على السؤال عن حياض ما بين مكة والمدينة (3)
~~وصحيحة إسماعيل بن جابر (4) وغيرها مما يتضمن تحديد الكر بالمساحة على وجه
~~لا يعقل معه عدم الاجتماع ويبعد عدم المساواة، فلولا هذه الامور معتبرة في
~~نظر الشارع لما وردت الروايات على هذا النمط.
# وأنت خبير بأنه ليس شئ من ذلك بشئ، بل كل من ذا أوهن من بيت العنكبوت،
~~على وجه لا يمكن التعويل عليها في إثبات مثل هذا الحكم، المخرج على خلاف
~~الأصل من جهات شتى:
# أما الأول من الوجوه فيدفعه: أن من المقرر في المباحث الاصولية أن خصوصية
~~المورد والسؤال لا تصلح مخصصة للوارد والجواب، بل العبرة بعموم اللفظ لا
~~خصوص المحل، وكما أن أفراد الغدير بالسؤال عنه لا يقضي ms097 باختصاص الحكم به
~~ولا ينافي شموله غيره كائنا ما كان - كما هو المجمع عليه هنا ويعترف به
~~الخصم جدا - فكذلك خصوصية الوصف الوارد معه في السؤال أيضا لا يقضي بذلك،
~~كيف وأن الفرع لا يزيد على الأصل.
# وإلحاقه بقاعدة مفهوم الوصف - لو قيل به - مدفوع بمنع حجية ذلك المفهوم
~~إلا في مواضع ليس المقام منها - كما قرر في محله - ومنع اعتباره هنا على
~~فرض الحجية، من
# PageV01P128
# حيث عدم وروده إلا في كلام السائل، والعبرة إنما هو بما ورد في كلام
~~المسؤول وهو خال عن القيد، ولا يلزم من عدم إرادته في الجواب خروجه عن
~~المطابقة للسؤال، لعدم انكشاف كون وروده في السؤال على وجه له مدخلية في
~~غرض السائل، لقوة احتمال - بل ظهور - كونه حكاية للواقعة حسبما وقعت في
~~الخارج، من دون التفات إلى مدخلية الخصوصية وعدمها، كما هو واقع وشائع في
~~جميع العرفيات وكافة الأجوبة والسؤالات.
# وأما الثاني: فقد تبين حاله بما ذكرنا، فإن خصوصية أصل الركية مما لا
~~مدخلية له في الحكم فضلا عن الوصف الموجود فيها في نظر الوهم، هذا مع توجه
~~المنع إلى ظهورها في الاجتماع أو المساواة، لوضوح أن المذكور في الخطاب
~~إنما هو الركي، وهو جمع " الركية " على ما عن الصحاح (1) و " الركية " هي
~~البئر على ما في المجمع (2) فيكون إطلاق الرواية قاضيا بأنه لو كان المجموع
~~من مياه آبار متعددة كرا - كما قد يتفق ذلك - كان كافيا في حكم عدم
~~الانفعال فيفوت به اعتبار الاجتماع.
# بل لك أن تقول: بمنع ظهوره في المساواة التي لا تتحقق في مفروض المسألة
~~غالبا إلا بعدم الجريان، وقد يتفق كثيرا جريان المجتمع من مياه الآبار عن
~~تحت الأرض كما في القنوات، ولا ريب أن الإطلاق يشمله فترتب عليه الحكم.
# وأما الثالث: فالكلام فيه أيضا نظير ما عرفت، فإنه سؤال عن محل الابتلاء،
~~أو عما عساه يبتلى به، من دون نظر إلى الخصوصيات القائمة به، فلا يوجب شئ
~~منها وهنا في عموم الجواب الوارد عليه الماهية المطلقة التي ms098 حيثما وجدت
~~أوجبت جريان الحكم المعلق عليها.
# وأما الرابع: فلأن المتبادر في نظائره بيان ضابط كلي يرجع إليه في مواضع
~~الشبهة، وهو بلوغ الماء المشكوك في حاله بعد الجمع بحسب المساحة هذا
~~المقدار، من دون مدخل لخصوصية الوضع والشكل في الحكم، كيف ولو صح المدخلية
~~لوجب الاقتصار على ما يخرج معه الحساب صحيحا مستقيما في جميع الأبعاد
~~الثلاث على حسبما هو صريح التحديد، من دون حاجة إلى الكسر وإضافة ما خرج في
~~بعضها عن حده
# PageV01P129
# المضروب إلى ما نقص منها عن هذا الحد، فيلزم أن لا يكون بما عدا المربع
~~من الأشكال المختلفة من المثلثات والدوائر والمستطيلات والهلاليات ونحوها
~~عبرة في ترتيب أحكام الكر، وهو في غاية البعد، بل يشبه بكونه خلاف الإجماع
~~بل خلاف الضرورة، مع أن الاختلاف على وجه الانحدار الذي يتحقق مع جريان
~~اليسير - خصوصا إذا لم يكن فاحشا - لا ينافي شيئا من تلك التحديدات.
# سلمنا ولكن جميع ما ذكر في تلك الوجوه يعارضه ظاهر روايات اخر واردة في
~~هذا الباب، كرواية محمد بن مسلم المتضمنة للسؤال عن الماء الذي تبول فيه
~~الدواب (1)، وصحيحة علي بن جعفر المشتملة على السؤال عن الدجاجة والحمامة
~~وأشباهها تطأ العذرة ثم تدخل الماء (2)، وصحيحة إسماعيل بن جابر المتضمنة
~~للسؤال عن الماء الذي لا ينجسه شئ (3)، فإن السؤال في كل ذلك ورد على وجه
~~عام وطابقه الجواب، مع اقترانه بترك الاستفصال من دون إشعار فيهما بشئ من
~~الأحوال والخصوصيات، فلولا الحكم عاما لجميع الصور لكان ترك التنبيه على ما
~~له مدخلية - لو كان في مقام التعليم والبيان - منافيا للحكمة، وهو كما ترى.
# فلو سلم عدم كون هذه بنفسها أظهر من الطرف المقابل كان غايته التساقط،
~~فتبقى الأخبار المطلقة الغير المسبوقة بالأسئلة كالنبوي المتقدم (4)،
~~وصحيحة معاوية بن عمار (5) المشتملين ابتداء على قولهم (عليهم السلام): "
~~إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " سليمة عن المعارض.
# وينبغي التعرض لوجه دلالة هذه على المطلوب ليتضح المقام كمال الوضوح.
~~فنقول:
# شبهة الخصم إما أن تنشأ عن ms099 توهم قصور لفظة " الماء " عن الدلالة على ما
~~يعم نظائر المقام، أو تنشأ عن توهم ذلك في لفظة " الكر "، أو عن توهم ذلك
~~في الهيئة التركيبية
# PageV01P130
# الكلامية المشتملة عليهما وعلى ما يسند إليهما من الفعلين، ولا سبيل إلى
~~شئ من ذلك.
# أما الأول: فلأن " الماء " من أسماء الأجناس الواقعة على القليل والكثير،
~~المشتركة فيها بين الأكثر والأقل، والكل و الأبعاض، كالتمر والحنطة ونحوها
~~مما يختلف أفرادها وتتمايز بالقلة والكثرة، فالكر من الماء ماء، وصاع منه -
~~بل مد وغرفة منه على فرض الانفصال - ماء، ولو وزع أرطالا مثلا وجعل كل رطل
~~في مكان، فإن لم يوصل بين كل وصاحبه بساقية كان كل واحد ماء والمجموع مياه،
~~وإلا كان المجموع ماء، ولو صب الماء من آنية على رأس منارة حتى يصل منتهاه
~~إلى وجه الأرض كان المجموع مما فيهما وما في أثناء النزول ماء ما دام
~~الاتصال باقيا، بخلاف ما لو انقطع الاتصال فكان ما في الآنية ماء، وما في
~~المنارة آخر، وما على وجه الأرض ثالثا.
# وقضية ذلك: سراية الحكم لو علق على الطبيعة من حيث هي إلى جميع تلك
~~المصاديق من غير أن يخرج شئ منها.
# وتوهم: كون ما فرض في مسألة المنارة من نادر تلك المصاديق، والإطلاق إنما
~~ينصرف إلى شائعها - كما هو مقرر في المسائل الاصولية - يدفعه: منع الاعتبار
~~بندرة الوجود، وغيرها غير موجود.
# وأما الثاني: فلأن " الكر " من الألفاظ الموضوعة لمقدار معين، ولو بحسب
~~الشرع أو على سبيل المجاز، فلا يقع على الأبعاض كالمن ونحوه، بل يقع على
~~المجموع من حيث هو، فلهيئته الاجتماعية دخل في الصدق، نعم يكفي في الصدق
~~عليها اتصال ما بينها إذا كانت متفرقة في محال متعددة، فالمقدار الوارد في
~~الروايات كر بأي شكل فرض، حتى ما يفرض منه في المنارة على الوجه المتقدم،
~~فيكون مفاد الروايات بعد الجمع بين مدلوله ومدلول الماء نظير ما لو قيل: ما
~~يقع عليه اسم الماء فهو مما لا ينجسه النجاسة بمجرد وقوعها فيه إذا كان مما ms100
~~يقع عليه اسم الكر. ولا ريب أن ذلك معنى عام لا يشذ منه شئ من أفراد الماء،
~~ولا شئ من مصاديق الكر، ومعه كيف يناقش في دلالة ذلك على عموم الحكم، ولم
~~يسبقه ما يصلح قرينة على العهد الصارف للعام إلى الخصوص، ومن أين يجيء
~~اعتبار الاجتماع أو مساواة السطوح أو نحو ذلك، PageV01P131
# فهل لك أن تقول: بأن ما عرى عنهما ليس بماء، أو أنه ليس من الكر حتى لا
~~يكون مشمولا للدليل، أو تقول: بأن ذلك شرط خارج عنهما بكليهما معتبر معهما
~~في الحكم على حد سائر الشروط الواردة في الشريعة، ولم يقم عليه من الشارع
~~دلالة ولا إشارة مع كون الحكم مما يعم به البلوى، بل هو أعم ابتلاء من سائر
~~الشرعيات.
# وتوهم: عدم انصراف الهيئة التركيبية إلى نظائر المقام، مع عدم اقترانها
~~بما يوجب ذلك، وظهور سياقها في ورودها لإعطاء قاعدة كلية مندرجة في قولهم
~~(عليهم السلام): " علينا أن نلقي إليكم الاصول وعليكم أن تفرعوا " (1) التي
~~لا تصلح لذلك إلا على تقدير كون موضوعها مأخوذا على وجه عام معبر عنه
~~بالماهية لا بشرط شئ، مما لا ينبغي الالتفات إليه.
# وكل ذلك مما يرفع الحاجة إلى التشبث بالاعتبارات أو الاستبعادات المخرجة
~~في المقام لتأييد هذا المذهب - التي قد عرفت بعضها - كما أنه مما يحسم مادة
~~الاستبعادات والاعتبارات الاخر المخرجة لتأييد خلاف المذهب بالكلية، كما
~~أنه مما لا يفترق فيه الحال بين أنواع الاختلاف، ولا بين أوضاع الماء من
~~علو أو دنو أو غيرهما، فإن قضية العموم تقوم كل بعض من أبعاض الكر بالآخر
~~كيفما اتفق.
# والقول: بأن الأسفل والأعلى لو اتحدا في الحكم للزم تنجيس كل أعلى طاهر
~~متصل بأسفل متنجس مع فرض قلة المجموع وهو باطل، فحيث إنه لا ينجس بنجاسته
~~فلا يطهر بطهارته، كما عرفته من المحقق الكركي (2).
# يدفعه: منع الملازمة، بعد ملاحظة قيام الدلالة على المقدم دون التالي، بل
~~قيامها على خلافه كما عرفته من الإجماع، مع أنا لا نقول: بأن العالي يطهر
~~بطهر السافل، ms101 إذ ليس بحثنا في مسألة التطهير، بل نقول: إنه لا ينفعل من جهة
~~وجوده كما في صورة العكس، وعدم كونهما متحدين في سائر الأحكام لا يقضي
~~بكونهما كذلك في مسألة التقوم والاعتصام، لوضوح بطلان دعوى الملازمة، كيف
~~ولولا ذلك اتجه قبول الانفعال وهو لكونه حكما مخالفا للأصل بل الاصول لابد
~~له من دلالة، وأنى لهم الدلالة عليه، مع
# PageV01P132
# الجزم بعدم اندراجه في أدلة انفعال القليل كما اعترفوا به.
# وبالجملة: لا إشكال في حكم المسألة أصلا في شئ من صورها، نعم لو شئت
~~الأخذ بالاحتياط في بعضها فلا بأس به خروجا عن شبهة الخلاف، لأنه حسن على
~~كل حال.
# ويقوي رجحان الاحتياط فيما لو بلغ الاختلاف حدا يضعف به صدق الوحدة، لضعف
~~الاتصال برقة الساقية أو دقة الثقبة كرأس الإبرة ونحوه، إلا أنه لا يبلغ
~~مرتبة الوجوب لعدم صلوحه معارضا للأصل الأصيل الذي تقدم الكلام في تحقيقه،
~~نعم، يتعين الانفعال لو بلغ ضعف الاتصال حدا لا يقال معه ماء، بل يقال
~~ماءان.
# ولنختم المقام بإيراد فروع:
# الأول: إذا وقعت في الكر نجاسة مايعة غير مغيرة جاز استعمال جميعه كما
~~صرح به العلامة في المنتهى (1)؛ لأنه من آثار الكرية ولوازمها؛ ولأنه لو
~~منع عن استعماله فإما في الجميع أو في البعض، والأول خلاف الإجماع، والثاني
~~ترجيح بلا مرجح.
# وقد يعزى إلى بعض الشافعية (2) المنع عن ذلك في المقدار من الماء الذي لا
~~ينفعل بالنجاسة.
# وأما لو وقعت فيه نجاسة متميزة فجاز استعمال الماء المجاور لها ولا يجب
~~التباعد، وفاقا للعلامة في الكتاب (3)، لأنه منوط بالمائية والطهارة وهما
~~حاصلان في الفرض.
# الثاني: لا فرق في عدم انفعال الكثير بالملاقاة الغير المغيرة بين أنواع
~~النجاسة، لعموم " لا ينجسه شئ " (4) خلافا لأحمد (5) في قوله بالانفعال
~~بوقوع بول الآدميين وعذرتهم الرطبة، استنادا إلى قوله (عليه السلام): " لا
~~يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا تجري ثم يغتسل منه " (6) وهو يتناول
~~القليل والكثير.
# PageV01P133
# وجوابه: أنه محمول على القلة جمعا بين الأدلة أو النهي ليس هنا للتحريم،
~~وعلى ms102 فرضه فلا ملازمة بينه وبين النجاسة إلا بضميمة الإجماع وهو هنا على
~~خلافه.
# والزم أيضا: بأنه لا يقول به في بول الكلب، فلأن لا يقول به في بول
~~الآدميين طريق الأولوية؛ لأن نجاسة بول الكلب أزيد من نجاسته.
# الثالث: لو اغترف من كر فيه نجاسة غير متميزة كان المجموع من المأخوذ
~~والباقي وآلة الاغتراف طاهرا، ولو كانت النجاسة متميزة فإن لم يخرج الباقي
~~عن الكرية كان الجميع أيضا طاهرا، وإلا كان المأخوذ مع باطن الآنية طاهرين،
~~والباقي مع ظاهر الآنية الملاصق للماء حين خروجها عنه نجسين.
# هذا على تقدير دخول الآنية بأجمعها في الماء على وجه لم يخرج ما فيها وما
~~في خارجها عن الاتصال، وإلا نجس الجميع، لخروج الماء بدخول جزء أول منه في
~~الإناء عن الكرية فينجس بتخلل الفصل بينه وبين ما فيها، ولو دخلت النجاسة
~~في الآنية في هذا الفرض فإن كان دخولها بأول جزء من الماء كان ما في الآنية
~~مع باطنها نجسين والباقي مع ظاهرها طاهرين، وإن كان دخولها أخيرا كان
~~الجميع نجسا إن اتفق سلب الاتصال فيما بين ما دخل فيها وما خرج عنها؛ لأن
~~الخارج بانقطاعه عن الداخل في أول المرتبة قد صار نجسا، لخروجه عن الكرية
~~ثم دخل منه ثانيا فيها جزء آخر وهو نجس، وإلا اختص النجاسة بما فيها مع
~~باطنها، وأما الباقي مع ظاهرها فهما باقيان على الطهارة.
# الرابع: لو دخل الكلب أو أحد أخويه في الكر، فهو طاهر ما دام الكلب داخلا
~~فيه، إن لم يتلف منه شيئا بشرب ونحوه، وإذا خرج عنه انقلب حكمه إلى النجاسة
~~من جهة الملاقاة مع القلة، كما أنه كذلك على تقدير الإتلاف ولو مع الدخول.
# الخامس: عن العلامة في المنتهى: " أنه لو جمد الكثير ثم أصابته نجاسة بعد
~~الجمود، فالأقرب عدم تنجسه بها ما لم تغيرها، محتجا بأن الجمود لم يخرجه عن
~~حقيقته بل هو مؤكد لثبوتها، فإن الآثار الصادرة عن الحقيقة كلما قويت كانت
~~أوكد في ثبوتها، والبرودة من معلولات طبيعة الماء ms103 وهي تقضي الجمود، وإذا لم
~~يكن ذلك مخرجا له عن الحقيقة كان داخلا في عموم قوله (عليه السلام): " إذا
~~كان الماء قدر كر لم ينجسه PageV01P134
# شئ " (1) (2) وهو كما ترى من أوهن الأشياء كما تنبه عليه صاحب الحدائق
~~(3)، لعدم ابتناء أحكام الشرع على أمثال هذه الدقائق، بل العبرة فيها بما
~~يساعد عليه العرف أو اللغة، ولا ريب أن عروض الجمود للماء يخرجه عن صدق اسم
~~المائية، ويسلب عنه الإطلاق فلا يتناوله الحكم المعلق عليه حينئذ.
# نعم لو قيل بهذا الكلام في مثل الدهن والدبس ونحوهما مما لا يخرج بالجمود
~~عن الصدق كان متجها، فيترتب عليه بعد الجمود الأحكام الثابتة له قبل
~~الجمود، غير أن المقام ليس منه جزما، فكان الأقوى بل المتعين تنجس موضع
~~الملاقاة في الجامد، كما عليه الشهيد في الدروس (4)، والمحقق الخوانساري في
~~شرحه (5)، واختاره في الحدائق (6)، وعزى استظهاره إلى بعض المحققين، وعليه
~~طهره كطهر سائر الجوامد، فيحصل تارة بإلقاء العين مع ما يكتنفها إن كانت
~~ذات عين، واخرى باتصاله بالجاري أو الكثير، أو وقوع المطر عليه مع زوال
~~العين في الجميع، وثالثة بصب الماء القليل عليه على حد ما يتطهر به سائر
~~الجوامد.
# السادس: الماء إذا كان كرا وتغير بعضه فالجميع نجس إن كانت سطوحه مستوية،
~~وإلا اختصت النجاسة بالأسفل إن لم يكن موضع التغير هو الأعلى، لإجماعهم على
~~عدم السراية إليه، وإن كان زائدا على الكر فتغير بعضه فإما أن يكون الباقي
~~مقدار الكر أو أزيد منه أو أنقص، وعلى التقادير فإما أن يستوعب النجاسة
~~عمود الماء - وهو خط ما بين حاشيته عرضا وطولا - أو لا، وعلى التقادير فإما
~~أن يكون سطوحه مستوية أو مختلفة.
# ومحصل أحكام تلك الصور: أن الجميع في صورة النقصان مع استواء السطوح نجس،
~~ومع اختلافها كانت النجاسة مختصة بالأسفل، من غير فرق فيهما بين استيعاب
~~العمود وعدمه، كما أن الجميع في غير صورة عدم النقصان مع عدم استيعاب
~~العمود طاهر، من غير فرق بين استواء السطوح وعدمه، وأما مع الاستيعاب فإن
~~كانت ms104 الكرية قائمة بمجموع الطرفين كان الجميع مع الاستواء والأسفل خاصة مع
~~الاختلاف نجسا،
# PageV01P135
# وإن كانت قائمة بأحدهما اختصت الطهارة به مع الاستواء، وأما مع الاختلاف
~~فإن كانت الكرية في الطرف الأسفل كان الجميع طاهرا، أما هو فبالكرية وأما
~~الأعلى فبعدم السراية، وإن كانت في الطرف الأعلى فهو الطاهر بجهتين دون
~~الأسفل.
# السابع: عن العلامة أنه حكم في القواعد (1) بالنجاسة في الماء الذي يشك
~~في كريته إذا وجد فيها نجاسة، وعن جامع المقاصد (2) أنه علله: " بأن
~~المقتضي للتنجيس موجود والمانع مشكوك فيه فينفى بالأصل "، وكأنه مبني على
~~توهم كون الكرية مانعة عن الانفعال كما سبق إلى بعض الأوهام، وقد تقدم منا
~~ما يهدم بنيان هذا البيان، فالأقرب في الصورة المفروضة الحكم بالطهارة عملا
~~بالاصول المحكمة، ومثله الكلام فيما لو وجد نجاسة في الكر وشك في وقوعها
~~عليه قبل بلوغ الكرية أو بعد بلوغها.
# الثامن: عن المحقق في المعتبر: " أنه لو تطهر من ماء ثم علم فيه نجاسة
~~وشك هل كانت قبل الوضوء أو بعده فالأصل الصحة، ولو علم أنها قبله ولم يعلم
~~هل كان كرا أو أقل أعاد لأن الأصل القلة " (3).
# وهو على إطلاقه غير وجيه، إذ كثيرا ما لا يكون الماء مسبوقا بالقلة، ومعه
~~لا معارض لأصل الطهارة حسبما اقتضته العمومات. فالمتجه حينئذ صحة الوضوء
~~وعدم لزوم إعادته، فإنها وإن كانت معلقة على طهارة الماء، غير أن الطهارة
~~منوطة بعدم العلم بالقذارة والمفروض منه، وإنما لا نقول به في صورة جريان
~~أصالة القلة، لإمكان القول بأنها علم شرعي بالقذارة وهو قائم مقام العلم،
~~فيدخل المفروض في غاية قوله (عليه السلام):
# " كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر " (4).
# الجهة الخامسة: في تحديد الكر الذي لا ينجس بالملاقاة، فاعلم: أن للأصحاب
~~في تحديد الكر طريقين:
# الطريق الأول: تحديده باعتبار الوزن، فهو بهذا الاعتبار ألف و مأتا رطل،
~~كما عن الأصحاب قديما وحديثا، وعليه نقل الإجماعات على حد الاستفاضة، كما
~~عن صريح الناصريات (5)،
# PageV01P136
# والغنية (1)، ومجمع الفائدة (2)، وظاهر الانتصار (3)، والمعتبر (4)، ونهج
~~الحق (5)، وعن الصدوق ms105 في محكي [شرح] المفاتيح: " أنه من دين الإمامية "
~~(6)، وفي الحدائق: " أنه لا خلاف فيه " (7)، وفي الجواهر: " إجماعا منقولا
~~بل محصلا " (8).
# والأصل في ذلك مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال:
# " الكر من الماء الذي لا ينجسه شئ الف ومائتا رطل "، الواردة في التهذيب
~~في باب آداب الأحداث (9)، والاستبصار في باب كمية الكر (10)، وفي الكافي في
~~باب الماء الذي لا ينجسه شئ (11).
# ولا يقدح ما فيها من الإرسال، أما أولا: فلاتفاقهم على أن مراسيل ابن أبي
~~عمير في حكم مسانيده، لأنه لا يرسل إلا عن ثقة.
# وأما ثانيا: فلانجباره في خصوص المقام بعمل الأصحاب وقبولهم إياها.
# ولا يعارضها ما في الصحيح - الوارد في التهذيب (12) والاستبصار (13) في
~~زيادات باب المياه - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: قلت له الغدير
~~ماء مجتمع تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب، قال: " إذا
~~كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ، والكر ستمائة رطل ".
# ولا المرفوعة - الواردة في التهذيب في باب الأحداث (14) - عن عبد الله بن
~~مغيرة رفعه إلى أبي عبد الله: " إن الكر ستمائة رطل ".
# PageV01P137
# ولا ما في التهذيب (1) والاستبصار (2) والكافي (3) الموصوف بالحسن عن
~~زرارة قال: " إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم
~~يتفسخ فيه، إلا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء ".
# ولا ما في الكتب المذكورة الموصوف بالحسن عن عبد الله بن مغيرة عن بعض
~~أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " الكر من الماء نحو حبي هذا،
~~وأشار إلى حب من تلك الحباب التي تكون بالمدينة " (4).
# ولا ما في التهذيب (5) والاستبصار (6) في زيادات باب المياه، عن عبد الله
~~بن مغيرة عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا كان
~~الماء قدر قلتين لم ينجسه شئ، والقلتان جرتان "، ورواه في الفقيه أيضا
~~مرسلا (7).
# أما الأولان: فلأنهما إما محمولان على الرطل المكي الذي هو ضعف الرطل
~~العراقي بقرينة ما سيجيء، أو ms106 ساقطان عن درجة الحجية لمصير الأصحاب إلى
~~خلافهما.
# وأما الأواخر: فلإمكان حمل الجميع على ما يسع الكر إذ لا بعد فيه كما
~~قيل، مضافا إلى ما في الأخيرة من قوة احتمال ورودها مورد التقية كما تقدم
~~إليه الإشارة، مع ما في الجميع بعد الإغماض عما ذكر من الموهونية المسقطة
~~عن الحجية بمصير الأصحاب إلى المخالفة، فهذا المقدار من المسألة بحمدالله
~~والمنة له مما لا إشكال فيه، ولا شبهة تعتريه.
# وإنما الإشكال في تعيين المراد بالرطل الوارد في الرواية المذكورة، فإن
~~للأصحاب فيه خلافا، منشؤه أن " الرطل " مما يقال بالاشتراك على ثلاث مقادير
~~مخصوصة، أحدها: بالعراقي، وثانيها: بالمدني، وثالثها: بالمكي، والأول من
~~الثاني ثلثاه، ومن الثالث نصفه، كما أن الثاني منه ثلاثة أرباعه.
# فالأول على ما فسره به المشهور مائة وثلاثون درهما، فيكون الثاني مائة
~~وخمسة
# PageV01P138
# وتسعين درهما، والثالث مائتين وستين درهما، وإنما قيدناه بالمشهور
~~إحترازا عما عن العلامة من تفسيره في نصاب الغلات من التحرير (1) والمنتهى
~~(2): " بأنه مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم "، فينقص من
~~الأول بواحد وثلاثة أسباع واحد وفي كلام غير واحد أنه سهو وغفلة.
# ومما يفصح عن ذلك ويشهد بصدق مقالة المشهور، ما في مكاتبة الهمداني (3)
~~عن أبي الحسن (عليه السلام): " إن الصاع ستة أرطال بالمدني وتسعة أرطال
~~بالعراقي، ووزنه ألف ومائة وسبعون وزنة " (4)؛ فإن هذا التقدير يقتضي كون
~~كل رطل من العراقي مائة وثلاثين وزنة، مضافا إلى اقتضائه كون العراقي ثلثين
~~من المدني؛ إذ لولا الرطل العراقي ناقصا من المدني بثلثه لما كان عدد أرطال
~~الصاع بالعراقي زائدا على عدد أرطاله بالمدني بثلثه، فيحصل الموازنة في
~~أرطال الصاع بالعراقي بين نقصان المادة وزيادة الهيئة، فيرجع التقدير إلى
~~أرطاله بالمدني، كما أنه لو حصلت الموازنة في أرطاله بالمدني بين نقصان
~~الهيئة وزيادة المادة رجع المقدر إلى أرطاله بالعراقي فليتدبر.
# وكيف كان: فخلافهم المذكور واقع فيما بين العراقي والمدني دون المكي الذي
~~قيل فيه بعدم ذهاب أحد إليه، ولهم في ذلك الخلاف قولان:
# أحدهما: ما نسب إلى ms107 المشهور من حمله على العراقي، وفي المختلف (5): قال
~~به الشيخ المفيد (6) وأبو جعفر (رحمهما الله) (7)، وهو اختيار ابن البراج
~~(8) وابن حمزة (9) وابن إدريس (10).
# وفي شرح الدروس (11): " عليه الشيخ في النهاية (12) والمبسوط (13)، وهذا
~~يقتضي كونه
# PageV01P139
# كونه على طبق الرواية وإن كانت مرسلة لانجبارها بالعمل ".
# وفي المناهل (1): " ذهب إليه الحلي في السرائر (2) والفاضلان في المعتبر
~~(3) والشرائع (4) والقواعد (5) والإرشاد (6) والمختلف (7)، والمحقق الثاني
~~في جامع المقاصد (8) والجعفرية (9)، والمقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة
~~(10)، وصاحب المدارك (11) والذخيرة " (12).
# وربما يعزى إلى محكي كشف الرموز (13) أن الشيخ ادعى عليه الإجماع.
# وثانيهما: ما عن المرتضى والصدوق في الناصريات (14) والانتصار (15)
~~والمصباح (16) والفقيه (17) من حمله على المدني، وفي المختلف (18): وأطلق
~~ابن الجنيد (19) وسلار " (20).
# وفي المناهل (21): وربما يظهر من الغنية (22) والذكرى (23) التوقف.
# احتج الأولون بوجوه:
# الأول: ما قرره العلامة في المختلف (24): من أن الأصل طهارة الماء، خرج
~~ما نقص عن الأرطال العراقية بالإجماع فيبقى الزائد على الأصل، وليس في النص
~~ما ينافيه فيجب العمل عليه عملا بالأصل السالم عن المعارض.
# وهذا الأصل لا يخلو عن إجمال لاحتماله الأصل الاجتهادي المستفاد من
~~عمومات
# PageV01P140
# الأدلة القائمة بطهارة الماء إلا ما علم منه بخروجه كما تقدم، والقاعدة
~~العامة المقتضية لكون كل شئ مخلوقا لأجل الانتفاع، واستصحاب الطهارة،
~~وأصالة البراءة عن الاجتناب عما يشك في نجاسته بالملاقاة مما يزيد على
~~الرطل العراقي، وإنما ذكرنا ذلك لورود الاحتجاج في كلامهم بكل من هذه
~~الوجوه المذكورة على الاستقلال كما تعرفه.
# الثاني: ما حكاه في المناهل (١): من قوله (صلى الله عليه وآله): " خلق
~~الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (٢) فإنه
~~يدل على عدم انفعال الماء بالملاقاة مطلقا ولو كان دون العراقي، لكنه خرج
~~عن هذا العموم بالدليل، ولا دليل على خروج العراقي، فالأصل بقاؤه على
~~العموم.
# الثالث: ما حكاه في الكتاب (٣) أيضا من أن قوله (عليه السلام): " كل ماء
~~طاهر حتى تعلم أنه قذر " (٤)، يدل على أن اللازم الحكم بطهارة الماء في
~~مقام الشك في طهارته ونجاسته، ومحل البحث منه.
# الرابع: ms108 ما حكاه في شرح الدروس (٥) من أن الأصل طهارة الماء، لأنه خلق
~~للانتفاع والانتفاع بالنجس لا يصح.
# الخامس: ما حكاه في المناهل (٦) أيضا من أن حد العراقي قبل ملاقاته النجس
~~كان طاهرا ومطهرا، فالأصل بقاؤهما حتى يثبت المزيل لهما، ولم يثبت بالنسبة
~~إليه.
# والسادس: ما تمسك به في المدارك (٧) و حكاه في الحدائق (٨) من أن الأقل
~~متيقن والزائد مشكوك فيه فيجب نفيه بالأصل، يعني أصل البراءة كما صرح به
~~عند التعرض لدفعه، كما سيأتي الإشارة إليه.
# والسابع: ما حكاه في المناهل (٩) أيضا من أن قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ (10) إلخ،
# PageV01P141
# يدل بمفهومه على أنه إذا وجد الماء لم يجب التيمم فيجب الطهارة المائية،
~~وهو عام يشمل المفروض، وخروج ما دون العراقي من العموم لا يمنع من التمسك
~~به بالنسبة إليه.
# والثامن: ما حكاه فيه أيضا (1) - واعتمد عليه غير واحد، منهم شيخنا في
~~الجواهر (2) - من شيوع إطلاق الرطل في كلامهم (عليهم السلام) وإرادة
~~العراقي منه عند الإطلاق، كما يشير إليه خبر الكلبي النسابة (3) أنه سأل
~~أبا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ؟ فقال: " حلال، فقال: إنا ننبذه
~~فنطرح فيه العكر، وما سوى ذلك، شه شه، تلك الحمرة المنتنة، قلت: جعلت فداك
~~فأي نبيذ تعني؟ فقال إن أهل المدينة شكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) تغير الماء وفساد طبائعهم فأمرهم أن ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه
~~أن ينبذ له، فيعمد إلى كف من تمر فيقذف في الشن (4)، فمنه شربه ومنه طهره.
# فقلت: وكم كان عدد التمر الذي في الكف؟ فقال: ما حمل الكف، قلت: واحدة أو
~~اثنتين؟ فقال ربما كانت واحدة وربما كانت اثنتين، فقلت: وكم كان يسع الشن
~~ماء؟
# فقال: ما بين الأربعين إلى الثمانين، إلى ما فوق ذلك فقلت: بأي الأرطال؟
~~فقال: أرطال مكيال العراق " (5).
# فإنه (عليه السلام) أطلق وأراد به العراقي قبل أن يسأله السائل، ولو لم
~~يسأله لاعتمد على ذلك الإطلاق.
# والتاسع: ما اعتمد عليه في المدارك (6). من أن ذلك هو ms109 المناسب لرواية
~~الأشبار الثلاثة، وقرره في المختلف - معتمدا عليه -: " بأن الأرطال
~~العراقية تناسب رواية
# PageV01P142
# الأشبار بخلاف المدنية فإنها تفضل عليها، ومن المستبعد تحديد مقدار الشئ
~~الواحد بأمرين متفاوتين " (1).
# والعاشر: ما تمسك به في المدارك أيضا واعتمد عليه في المختلف، فقال
~~الأول: " ولما في ذلك من الجمع بين هذه الرواية وبين صحيحة محمد بن مسلم عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: والكر ستمائة رطل (2) بحملها على أرطال
~~مكة، إذ لا يجوز حملها على غيرها من الأرطال العراقية أو المدنية؛ لأن ذلك
~~لم يعتبره أحد من الأصحاب كما ذكره الشيخ في التهذيب (3) " (4).
# وفي المختلف: " قال الشيخ (5) وهذا يرجح اعتبار العراقية ووجهه أن يكون
~~المراد به رطل مكة لأنه رطلان، ولا يمتنع أن يكونوا (عليهم السلام) أفتوا
~~السائل عن عادة بلده؛ لأنه لا يجوز أن يكون المراد به رطل أهل العراق، ولا
~~أرطال أهل المدينة؛ لأن ذلك لم يعتبره أحد من أصحابنا فهو متروك بالإجماع "
~~(6) انتهى.
# ومما يقرب مقالة الشيخ إلى الواقع شهادة حال الراوي، فإن محمد بن مسلم
~~على ما في نقد الرجال (7) عن رجال الشيخ طائفي، فكونه من أهل الطائف الذي
~~هو من أتباع مكة مما يقرب كون الإمام (عليه السلام) قد تكلم باصطلاحه، لما
~~عرفت من امتناع حمله على اصطلاح آخر.
# الحادي عشر: ما في المناهل: " من أن الظاهر أن الراوي لابن أبي عمير
~~تحديد الكر بألف ومائتا رطل عراقي، لأن الظاهر أنه من مشايخه، وهم من أهل
~~العراق فيجب أن يكون الرطل فيما رواه العراقي، لأن الحكيم لا يخاطب إلا بما
~~هو المصطلح عليه عند المخاطب " (8).
# قال شيخنا في الجواهر - مستدلا على ما اختاره من مذهب المشهور -: " لكون
~~المرسل ابن أبي عمير ومشايخه من أهل العراق، مع قوله فيها: " عن بعض
~~أصحابنا "
# PageV01P143
# وظاهر الإضافة كونه من أهل العراق، وعرف السائل في الكلام مع الحكيم
~~العالم بعرف المخاطب مقدم على عرف المتكلم والبلد، على أنه لم يعرف كونه
~~(عليه السلام) قال ذلك وهو في المدينة، قيل ولذلك اعتبر العراقي ms110 في الصاع "
~~- إلى أن قال -: " وربما يؤيده ما قيل إن الكر في الأصل كان مكيال أهل
~~العراق، و أنهم قدروا بالكر من جهة أن مخاطبهم كان من أهل العراق " (1)
~~انتهى.
# وقيل أيضا (2) - في جواب الاحتجاج الحاملين على المدني، بأنه (عليه
~~السلام) كان من أهل المدينة فالظاهر أنه (عليه السلام) أجاب بما هو المعهود
~~عنده -: " بأن المهم في نظر الحكيم هو رعاية ما يفهمه السائل، وذلك إنما
~~يحصل بمخاطبته بما يعهده من اصطلاحه، ولم يعلم أن السائل كان مدنيا، وغالب
~~الرواة عنه (عليه السلام) كانوا من أهل العراق، فلعل السائل كان منهم حملا
~~على الغالب ".
# قال في الحدائق - عقيب هذا الكلام -: قلت: " ويؤيد بأن المرسل وهو ابن
~~أبي عمير كان عراقيا " (3) وعن الآخرين الاحتجاج أولا بالإجماع، حكاه في
~~المناهل (4) عن السيد في الناصريات، قائلا: " وأما الكلام في تصحيح ما
~~ذكرناه من الكر وتعيينه بالأرطال فالحجة في صحته إجماع الإمامية وإجماعنا
~~حجة " (5).
# وفيه: ما لا يخفى بعد ملاحظة أن القول بما صار إليه منحصر فيه وفي
~~الصدوق.
# وثانيا: أن الصادق (عليه السلام) كان مدنيا فيجب حمل كلامه على المصطلح
~~عليه بين أهل المدينة، لأن كل قوم يحاورون بما هو المصطلح عليه بينهم،
~~وثالثا: الاحتياط.
# وأنت إذا تأملت في المسألة علمت بما في أكثر أدلة الأولين مع بعض أدلة
~~الآخرين، فإنها ليست إلا اجتهادات وردت على خلاف التحقيق واستنباطات خرجت
~~غير مطابقة لمقصود المقام، فإن الشبهة لفظية والغرض المهم تحصيل ما يوجب
~~الخروج عن تلك الشبهة، ويجدينا في رفع إجمال الاشتراك بالكشف عن حقيقة
~~المراد من اللفظ، وأي ربط في عمومات الطهارة والمطهرية وخلقة الماء لجهة
~~الانتفاع، والاصول
# PageV01P144
# العملية من الاحتياط والاستصحاب والبراءة بذلك.
# فإن أقصى ما يفيده العمومات أن عند عدم العلم بالنجاسة يجب البناء على
~~الطهارة، وهو غير العلم أو الظن بأن المراد بالرطل الوارد في الرواية
~~العراقي، الملازم لطهارة ما زاد عليه، كيف ومن المقرر في محله أن إجمال
~~المخصص ولو في الجملة يسري إلى العام، فيصير مجملا في القدر ms111 الذي كان
~~المخصص مجملا بالنسبة إليه، ولا ريب أن ما دل على انفعال ما دون الكر مع ما
~~دل على عدم انفعال الكر مجمل في القدر الذي اريد من الكر وهو يقضي بكون ما
~~دل على طهارة الماء بعمومه مجملا في هذا القدر، ومعه كيف يمكن أخذه بيانا
~~رافعا للإجمال عن الأول، كما أن أقصى ما يفيده الاصول التوصل بها إلى ما هو
~~حكم ظاهري مجعول للمكلف طريقا إلى عمله في مقام الجهل والشبهة، وكيف يلائم
~~ذلك للحكم الواقعي الذي لا ينعقد إلا مع تبين ما هو حقيقة المراد من
~~الخطاب.
# وبالجملة: الاصول في جميع مواردها مما لا يجدي نفعا في إحراز الواقع وهذا
~~هو المقصود بالبحث، إلا أن يقال: بأن هذه الوجوه إنما خرجت مستندة بعد
~~الفراغ عن رمي الخطاب بالإجمال واليأس عما يوجب فيه البيان، طلبا لطريق
~~العمل والحكم الظاهري المعمول به عند الجهل.
# فيرد عليه أولا: أنه لا وجه حينئذ للتمسك بعمومات الطهارة أصلا كما عرفت
~~وثانيا: أنه لا وجه لذكر تلك الوجوه في عنوان قولهم: " هل المراد بالرطل
~~العراقي أو المدني "؟
# فتحقيق المقام: أن الأقوى وإن كان ما صار إليه الأولون، غير أن دليله
~~الذي يمكن التعويل عليه وأخذه حجة فيما بين الرب و العبد منحصر في عاشر
~~الوجوه المتقدمة، فإن حمل " الرطل " الوارد في الرواية المتضمنة لتحديد
~~الكر بألف ومائتا رطل على العراقي من مقتضى الجمع بين تلك الرواية والرواية
~~المتضمنة لتحديده بستمائة رطل، وإنما يتأتى ذلك الجمع بعد ملاحظة الإجماع
~~على أن الكر لا ينقص عن الأرطال العراقية، وامتناع الكذب على الأئمة (عليهم
~~السلام)، ووجوب العمل على أدلة الحجية، وأصالة عدم التقية، وأصالة عدم
~~المعارضة فيما بين الأدلة، وأصالة عدم الإجمال والشبهة، وقاعدة أولوية
~~الجمع مهما أمكن ونحو ذلك. PageV01P145
# ولا ريب أن قضية الجمع بين هذه الاصول والقواعد أن يحمل رواية ستمائة على
~~ما يوازي نصفه تمام رواية الألف والمائتين، ولا يعقل ذلك إلا إذا حملت
~~الاولى على المكي والثانية على العراقي؛ إذ على ms112 هذا التقدير يكون الستة
~~مائة من الأرطال موازية للألف والمائتين منها، ولا بعد في هذا الجمع بل مما
~~لابد منه، إخراجا لخطاب الحكيم عن الإجمال، فيكون كل من الروايتين بيانا
~~بالقياس إلى الاخرى، وإن كانت كل واحدة مع قطع النظر عن صاحبها مجملة، وليس
~~ذلك من الجمع الذي يطالب فيه بدليل دعي إليه، معتبر في نظر العرف؛ إذ لا
~~يوجب خروجا عن ظاهر ولا طرحا لدليل في الحقيقة؛ لعدم ظهور في الروايتين
~~بدونه في شئ، وإنما يطرأهما الظهور بعد اعتبار الجمع، فهو مما يعطيهما
~~الظهور لا أنه يوجب فيهما طرح الظهور، ولا امتناع في مجملين إذا اجتمعا
~~ولوحظا معا كان كل منهما بيانا للآخر، بمعنى: أن بيان كل منهما يحصل
~~بملاحظتهما معا.
# ثم يبقى جملة من الوجوه المتقدمة مؤيدة لهذا الجمع، شاهدة به - لو تمت -
~~مع عدم الحاجة إليها، فاتضح بذلك حكم المسألة بحمد الله ولي النعمة.
# ولأصحابنا الأعلام رضوان الله عليهم نقوض وإبرامات في تصحيح أدلة الطرفين
~~وإفسادها، مذكورة في مظانها ومن يطلبها فليراجعها، ولا فائدة مهمة تدعونا -
~~بعد وضوح المسألة - إلى تحمل نقلها وجرحها وتعديلها، فهي بالإعراض عنها هنا
~~أحرى وأجدر.
# ولكن يبقى في المقام فائدة ينبغي الإشارة إليها لعموم النفع بها، وهي
~~بيان ما يبلغ إليه الكر بالأرطال العراقية من المنان، وغيرها من الأوزان
~~المتعارفة الآن في كثير من البلدان على حسب ما يقتضيه قواعد الحساب وغيرها.
# فنقول: إذ قد عرفت سابقا أن " الرطل " مائة وثلاثون درهما فاعلم: أن "
~~الدرهم " يطلق فيما يقابل المثقال الذي منه ما كان شرعيا ومنه ما كان
~~صيرفيا، والأول من الثاني ثلاثة أرباعه، كما أن الثاني من الأول مثله
~~وثلثه، فالدرهم من المثقال الشرعي نصف مثقال وخمسه، كما أن المثقال الشرعي
~~منه درهم وثلاثة أسباعه، والدرهم من المثقال الصيرفي نصفه وربع عشره.
# وإن شئت السهولة في معرفة هذه النسب، فافرض العشرين مثقالا صيرفيا، وخمسة
~~عشر مثقالا شرعيا، والعشرة والنصف درهما، فاعلم: أن كل عشرة دراهم على
~~PageV01P146
# هذا الحساب سبعة مثاقيل بالشرعي، وخمسة ms113 مثاقيل وربع مثقال بالصيرفي، وكل
~~مائة درهم سبعون مثقالا بالشرعي، واثنان وخمسون مثقالا ونصف مثقال
~~بالصيرفي، وكل ألف درهم سبعمائة مثقال بالشرعي و ستمائة مثقال وعشرون
~~مثقالا بالصيرفي، فالرطل على هذا الحساب إذا انحل إلى المثاقيل الشرعية كان
~~واحدا وتسعين مثقالا شرعيا، وإذا انحل إلى المثاقيل الصيرفية كان ثمانية
~~وستين مثقالا وربع مثقال.
# والكر حينئذ إذا انحل إلى المثاقيل الشرعية كان مائة ألف وتسعة آلاف
~~ومائتين مثقالا، وإذا انحل إلى المثاقيل الصيرفية كان واحدا وثمانين ألف
~~مثقال وستمائة مثقال، ثم " الصاع " بقرينة ما تقدم في المكاتبة تسعة أرطال
~~بالعراقي، فكل صاع ثمانمائة مثقال وتسعة عشر مثقالا بالشرعي، وستمائة مثقال
~~وأربعة عشر مثقالا وربع مثقال بالصيرفي، وذلك يعادل المن التبريزي المعهود
~~في بلاد العجم الموصوف ب " هشت عباسى " إلا خمسة وعشرين وثلاثة أرباع
~~مثقال بالصيرفي، لأن " المن " عبارة عن ستمائة وأربعين مثقالا بالصيرفي،
~~وقيل: الصاع العراقي حقتان بالعطاري، فالحقتان حينئذ ستمائة وأربعة عشر
~~مثقالا وربع مثقال بالصيرفي، فالكر حينئذ بعيار الصاع مائة وثلاثة وثلاثون
~~صاعا وثلث صاع، وبعيار المن مائة وثمانية وعشرون منا إلا عشرين مثقالا
~~بالصيرفي، وطريق العمل في استخراج ذلك أن تقسم مثاقيل الكر المتقدمة على
~~مثاقيل المن المذكورة فالخارج من القسمة هو المطلوب، وهو يوازي العدد
~~المذكور.
# الطريق الثاني: تحديده باعتبار المساحة، واضطربت كلمة الأصحاب فيه
~~اضطرابا شديدا، حتى حدث فيهم أقوال مختلفة.
# أحدها: ما كان كل من طوله وعرضه وعمقه ثلاثة أشبار ونصف شبر، بالغا
~~تكسيره اثنين و أربعين شبرا وسبعة أثمان شبر، و هو عن الحلي في السرائر
~~(1)، وابن زهرة في الغنية (2)، والفاضلين في الشرائع (3) والقواعد (4)
~~والإرشاد (5)، وعن محكي الأمالي (6) والهداية (7)
# PageV01P147
# للصدوق، والنهاية (1) والمبسوط (2)، والوسيلة (3)، والتحرير (4) والتذكرة
~~(5) والمنتهى (6) ونهاية الاحكام (7)، وفي اللمعة (8) ومحكي البيان (9)
~~والذكرى (10) والدروس (11)، والتنقيح (12) وجامع المقاصد (13) والمعالم
~~(14) والبداية.
# وفي محكي التنقيح (15) والمهذب (16) نسبته إلى المرتضى.
# وفي المنتهى (17) والروضة (18) والمدارك (19) والحدائق (20) والرياض (21)
~~وغيرها - كما عن التذكرة (22) والذكرى (23) والدروس (24) وجامع المقاصد
~~(25) ومجمع الفائدة (26) والذخيرة (27) والمهذب البارع (28) والمشارق (29)
~~وحبل المتين (30) والمعتصم (31) والبحار (32) - دعوى الشهرة عليه.
# وفي ms114 شرح الدروس (33) نسبته إلى الأكثر.
# وعن محكي الخلاف (34) نسبته إلى جميع القميين وأصحاب الحديث.
# وعن الغنية (35) دعوى الإجماع عليه، حتى أن شيخنا في الجواهر (36) أخذه
~~مستندا لنفسه مضافا إلى ما يأتي، كما استند إليه في المناهل، قائلا فيه: "
~~بأن الإجماع المنقول حجة ما لم يثبت المانع منه، ومجرد استفادة الشهرة على
~~خلافه من بعض
# PageV01P148
# الأصحاب لا يصلح له، خصوصا إذا قطعت أكثر الأصحاب بأن الشهرة موافقة له.
# ويؤيده مضافا إلى الشهرة مصير من لا يعتمد في الشرعيات إلا على اليقين
~~إليه " (1)، وإنما ذكر ذلك في دفع ما أورد على الإجماع المنقول بوهنه بمصير
~~الأكثر، كما يستفاد من كلام بعض الأصحاب إلى خلافه، وبهما يدفع بمثل ما
~~ذكره ما عن المعتبر (2) - في المناقشة في الإجماع المذكور -: " من أنه لا
~~[تصفح] (3) إلى من يدعي الإجماع هنا " فإنه يدعي الإجماع في محل الخلاف،
~~فيقال: وجود الخلاف لا ينافي تحقق الإجماع، لأن حجيته من باب الكشف عن قول
~~الحجة وذلك ممكن مع الخلاف، فلو ادعاه مدع وكان ثقة وجب قبوله، ولا يخفى ما
~~في هذه الكلمات، وتفصيله موكول إلى محله.
# وثانيها: ما حكاه في المختلف (4) عن الصدوق وجماعة القميين، ومال هو (5)
~~إليه حيث جعله أقوى، من أنه ما كان ثلاثة أشبار طولا في عرض في عمق فخالفوا
~~الأولين بإسقاط النصف عما حدوه به، وعليه يكون مبلغ تكسيره سبعة وعشرين
~~شبرا، ويظهر من ثاني الشهيدين (6) الميل إليه، ونسبه في المناهل (7) وغيره
~~إلى المقدس الأردبيلي (8) والمحقق في المعتبر (9)، وعن المجلسيين في
~~الحديقة (10) والبحار (11)، وعن شيخنا البهائي واستاد الكل في حبل المتين
~~(12) والمشارق (13)، وعن الشيخ علي في بعض حواشيه (14).
# وثالثها: ما نسبه في المختلف (15) إلى ابن الجنيد من أن حده قلتان،
~~ومبلغه وزنا ألفو مائتا رطل، وتكسيره بالذرع نحو مائة شبر، ثم قال: وهو قول
~~غريب، لأن اعتبار الأرطال يقارب قول القميين، فيكون مجموع أشباره تكسيرا في
~~قولهم: سبعة وعشرين شبرا.
# PageV01P149
# ورابعها: ما نسبه فيه (1) إلى القطب الدين الراوندي (2) من كون الكر عشرة
~~أشبار ونصفا طولا وعرضا ms115 وعمقا، والظاهر أنه لا مخالفة بينه وبين الأكثر في
~~المستند، فإن كلا يستند إلى ما يقضي من الروايات، باعتبار كون كل من
~~الأبعاد الثلاثة ثلاثة أشبار ونصف، إلا أن الخلاف في أن الأكثر يعتبرون
~~تكسير هذه المقادير بطريق الضرب فيكون مبلغه اثنان وأربعون شبرا وسبعة
~~أثمان شبر، وهو يعتبره بطريق الجمع فيكون مبلغه عشرة أشبار ونصفا، فعلى هذا
~~لا مخالفة بينه وبينهم في المعنى فتأمل.
# وخامسها: ما يظهر عن المدارك من أنه ما بلغ ذراعين في عمقه، وذراعا وشبرا
~~سعته، حيث قال: " وأوضح ما وقفت عليه في هذه المسألة من الأخبار سندا ومتنا
~~ما رواه الشيخ - في الصحيح - عن إسماعيل بن جابر، قال: قلت لأبي عبد الله
~~(عليه السلام) الماء الذي لا ينجسه شئ، قال: " ذراعان عمقه في ذراع وشبر
~~سعته " (3)، إذ معنى اعتبار الذراع والشبر في السعة اعتبارهما في كل من
~~البعدين، ويظهر من المصنف (رحمه الله) في المعتبر (4) الميل إلى العمل بهذه
~~الرواية وهو متجه " (5).
# ثم إن هاهنا أقوالا اخر شاذة متروكة:
# منها: ما هو منقول عن الشلمغاني (6) من أنه ما لا يتحرك جنباه بطرح حجر
~~فيوسطه.
# و منها: ما عن ابن طاووس (7) من الأخذ بكل ما روي.
# ومنها: [التوقف، وهو المحكي] عن ظاهر [المهذب] (8) وشرح ابن مفلح الصيمري
~~(9) [والذخيرة (10)] (11).
# والمعروف من مستند القول الأول نقلا وتحصيلا ما رواه الكليني عن محمد ابن
~~يحيى عن أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان عن أبي بصير قال:
# PageV01P150
# " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال:
~~إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف في مثله، ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في
~~الأرض، فذلك الكر من الماء " (1)، هكذا وجدناه في النسخة المصححة من الكافي
~~مع أكثر كتب أصحابنا الفقهاء، ولكن في المختلف (2) والمدارك (3) مكان " نصف
~~" " نصفا " بالنصب، ولعل المعنى يتفاوت بذلك في الجملة كما ستعرف.
# وقد يحكى (4) عن أبي بصير رواية اخرى مصرحة بذكر الأبعاد الثلاثة مروية
~~في المهذب عن أبي عبد الله ms116 (عليه السلام) قال: " إذا كان الماء ثلاثة أشبار
~~ونصفا في طوله ومثله ثلاثة أشبار ونصفا في عرضه ومثله ثلاثة أشبار ونصفا في
~~عمقه في الأرض، فذلك الكر من الماء " (5).
# وقد يستدل على هذا المذهب أيضا بما في الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن
~~محمد عن ابن محبوب عن الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شئ، قلت: وكم الكر؟ قال: ثلاثة
~~أشبار ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها " (6)، ونحوه ما في التهذيب
~~(7) والاستبصار (8) إلا في أنه أضاف في الثاني إلى البعدين البعد الآخر،
~~فقال - بعد قول الراوي: " وكم الكر؟ - قال:
# ثلاثة أشبار ونصف طولها، في ثلاث أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف
~~عرضها ".
# وقد يقال: بأن الظاهر أنه سهو من الشيخ أو من الناسخين وقال الشيخ - في
~~توجيه هذا الخبر، من حيث منافاته لما صار إليه من عدم قبول البئر للانفعال
~~مطلقا ما لم يتغير
# PageV01P151
# أحد أوصافه الثلاث -: " بأنه يحتمل وجهين:
# أحدهما: أن يكون المراد بالركي المصنع الذي لا يكون له مادة بالنبع دون
~~الآبار التي لها مادة، فإن ذلك هو الذي يراعى فيه الاعتبار بالكر على ما
~~بيناه.
# والثاني: أن يكون ذلك ورد مورد التقية؛ لأن من الفقهاء من سوى بين الآبار
~~والغدران في قلتها وكثرتها، فيجوز أن يكون الخبر ورد موافقا لهم، والذي
~~يبين ذلك أن الحسن بن صالح راوي هذا الحديث زيدي بتري متروك الحديث فيما
~~يختص به (1) انتهى ".
# وفي الوجه الأخير ما لا يخفى من البعد الواضح، إذ لو صح حكاية التقية
~~لوجب التقدير بالقلتين ونحوهما مما صار إليه العامة في تقدير الكثير، دون
~~الكر الذي يختص التقدير به بالخاصة خلافا للعامة، وعلى أي حال كان فاعترض
~~على الرواية الاولى بالطعن في سندها ودلالتها معا.
# أما الأول: فالذي أكثر في ذلك الطعن صاحب المدارك في قوله: " وهي ضعيفة
~~السند بأحمد بن محمد بن يحيى فإنه مجهول، وعثمان بن عيسى فإنه ms117 واقفي، وأبي
~~بصير وهو مشترك بين الثقة والضعيف، ثم قال: وقد اعترف بذلك المصنف (رحمه
~~الله) في المعتبر، فقال: وعثمان بن عيسى واقفي فروايته ساقطة " (2). انتهى.
# وذكر العلامة أيضا في المختلف (3) بمثل ما عرفت عن المعتبر.
# وأما الثاني: فلأنها خالية عن تحديد العمق، فلا يوافق مذهبهم في اعتبار
~~كل من الأبعاد الثلاث على النهج المتقدم.
# واجيب عن الأول تارة: بانجبار ضعفها بالشهرة والإجماع المنقول، وممن أشار
~~إلى ذلك في الجملة العلامة في المنتهى، فقال: " هذه الرواية عمل عليها أكثر
~~الأصحاب، إلا أن في طريقها عثمان بن عيسى وهو واقفي، لكن الشهرة يعضدها "
~~(4). واخرى: بأن الموجود في الكافي إنما هو أحمد بن محمد، والظاهر أنه ابن
~~عيسى، خصوصا مع رواية محمد بن يحيى العطار عنه، وروايته عن عثمان بن عيسى.
# نعم نقل عن التهذيب (5) أنه أثبت " يحيى "، والظاهر أنه من الناسخ أو أنه
~~تصحيف
# PageV01P152
# " عيسى "، ويؤيده أن العلامة (1) وغيره لم يطعنوا في الرواية إلا بعثمان
~~بن عيسى، وبعضهم بأبي بصير.
# وأما عثمان بن عيسى فعن الشيخ في العدة (2) أنه نقل الإجماع على العمل
~~بروايته، وعن الكشي (3): " ذكر بعضهم أنه ممن أجمعت الصحابة على تصحيح ما
~~يصح عنه "، وأيضا نقل أنه تاب ورجع من الوقف، على أن الظاهر أنه ثقة مع
~~وقفه فيكون الخبر موثقا، وهو حجة كما تبين في الاصول.
# وأما أبو بصير فالظاهر أنه ليث المرادي بقرينة رواية ابن مسكان عنه، فإن
~~الظاهر أن المراد منه عبد الله وهو يروي عن ليث، مضافا إلى أن عبد الله من
~~أصحاب الإجماع فلا يلتفت إلى ما بعده - على وجه - بعد تنقيح حال عثمان،
~~ولعله لمعلومية حال أبي بصير عند العلامة لم يطعن في سند الرواية في
~~المنتهى (4) إلا بعثمان بن عيسى، على أنه ذكر الاستاذ الأكبر في حاشيته على
~~المدارك (5) أن أبا بصير مشترك بين ثلاثة كلهم ثقات، وعلى كل حال فلا ينبغي
~~الطعن في سند الرواية.
# أقول: ينبغي القطع بأن أحمد بن محمد ليس إلا ابن عيسى، أبو جعفر شيخ
~~القميين ms118 ووجههم وفقيههم.
# أما أولا: فلما ذكر في ترجمته - كما عن المشتركات (6) - من أنه يروي عنه
~~جماعة منهم محمد بن يحيى العطار.
# وأما ثانيا: فلما عرفت من كونه شيخ القميين، فينبغي أن يكون محمد بن يحيى
~~راويا عنه لأنه قمي أيضا.
# وأما ثالثا: فلأن أحمد بن محمد الذي يروي عنه محمد بن يحيى يذكره الكليني
~~في السند مطلقا تارة وهو الأكثر، ومقيدا بابن عيسى اخرى، فليحمل المطلق على
~~المقيد.
# وأما رابعا: فلأن المطلق ينصرف إلى فرده الشائع، ولا ريب أن ابن عيسى
~~أشيع وأشهر من ابن يحيى.
# PageV01P153
# وأما خامسا: فلأن محمد بن يحيى يكثر الرواية عن أحمد بن محمد غاية
~~الإكثار، كما يظهر بالتتبع، ومن البعيد في الغاية أن يكون الذي يروي عنه
~~مجهولا غير مذكور في الرجال، كيف ولم يوجد ممن ذكر فيه بعنوان " أحمد بن
~~محمد بن يحيى " إلا رجلان يروي عنهما التلعكبري، أحدهما: أحمد بن محمد بن
~~يحيى العطار القمي، وثانيهما: أحمد بن محمد بن يحيى الفارسي المكنى بأبي
~~علي، ومن الممتنع أن يكون محمد بن يحيى راويا عنهما.
# أما الأول: فلأنه ابنه، وأما الثاني: فلأنه من أهل طبقة الأول، كما يشهد
~~به رواية التلعكبري عنهما، فيكون متأخرا عن الراوي.
# هذا مع ما عن التعليقة (1) من احتمال اتحاده مع الأول بملاحظة رواية
~~التلعكبري عنه مع ملاحظة الطبقة والكنية، وإن كان ذلك بعيدا في الغاية، لما
~~قيل (2) في ترجمة الأول من أن التلعكبري سمع منه سنة ست وخمسين وثلاثمائة،
~~وله منه إجازة، وفي ترجمة الثاني من أنه سمع منه سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة
~~وخرج إلى قزوين وليس له منه إجازة، ومن هنا ينبغي الجزم بابتناء ما في
~~تهذيب الشيخ من التقييد بابن يحيى من الغلطية أو التصحيف.
# ومما يرشد أيضا إلى صدق مقالتنا ما عن التعليقة (3) في ترجمة عثمان بن
~~عيسى من إكثار الأجلاء الثقات الرواية عنه، وعد منهم أحمد بن محمد بن عيسى،
~~ونحوه ما عن مشتركات (4).
# وأما عثمان بن عيسى فبعض ما تقدم فيه من الامور الرافعة ms119 للقدح من جهته
~~محل تأمل عندنا، فإن الظاهر أن دعوى الإجماع عن الشيخ في العدة (5) على
~~العمل برواياته سهو، إذ لم ينقل عن الشيخ إلا قوله: " إن الأصحاب يعملون
~~بأخباره "، وهو كما ترى لا يدل على ما ذكر - كما قرر في محله، نعم فيه نحو
~~إشعار ربما يمكن تأييد الأمارة الدالة على الوثاقة به، أو أخذ المجموع منه
~~ومن نظائره المذكورة في المقام أمارة عليها،
# PageV01P154
# ونحوه الكلام في دعوى رجوعه عن الوقف، إذ لم يوجد نقل ذلك في كلام أئمة
~~الرجال إلا ما في العبارة المحكية عن التعليقة (1) من إشارة إجمالية إلى
~~كونه اثنى عشريا، ولو صح ذلك لقضى بإنكار أصل الوقف لابقائه عليه، ولو سلم
~~فلا يجدينا نفعا في تصحيح الرواية المبحوث عنها هنا إلا بعد ثبوت أنه قد
~~رواها حال استقامته وأي طريق إلى ذلك.
# نعم، يمكن استفادة وثاقته - مع كونه واقفيا - مما ذكر فيه (2) من كونه
~~واحد الوكلاء المستبدين بمال موسى بن جعفر (عليه السلام)، فإنه يقضي بكونه
~~من الامناء والعدول عند الإمام (عليه السلام) لعدم صلاحية غيرهم لمرتبة
~~الوكالة.
# ولكن يوهنه: أن غاية ما يسلم من ذلك كونه كذلك في زمن حياة الإمام وأما
~~بعده فلا؛ لأن عروض الوقف له حينئذ مما يرفع العدالة بالمعنى الذي اعتمد
~~عليها الإمام، فلم يعلم منه أنه قد روى الرواية حال تلك العدالة موجودة أو
~~بعد زوالها، إلا أن يقال: بأن زوال العدالة بهذا المعنى لا ينافي وجودها
~~بالمعنى المعتبر في مذهبه، غاية الأمر كون الرواية من جهته موثقة ولا ضير
~~فيه بعد قيام الدلالة على الحجية.
# ومما يرشد إلى هذا المعنى ما تقدم الإشارة إليه عن محكي التعليقة (3) من
~~إكثار الأجلاء الثقات الرواية عنه، ويقوي ذلك بملاحظة ما في محكي التعليقة
~~أيضامن: " أنا لم نقف على أحد من فقهائنا السابقين تأمل في روايته في موضع
~~من المواضع، ويؤيده كونه كثير الرواية وسديدها ومقبولها وأن أهل الرجال
~~ربما ينقلون عنه ويعتدون بقوله " (4) الخ.
# وربما يمكن المناقشة في السند من جهة ms120 ابن مسكان لاشتراكه بين أربعة،
~~ليسوا ثقات بأجمعهم إلا اثنان منهم عبد الله بن مسكان وعمران بن مسكان،
~~وأما الآخران وهما محمد بن مسكان وحسين بن مسكان فقد صرح فيهما بالجهالة.
# ولكن يدفعه: ما قيل من أن الغالب في ابن مسكان " عبد الله " فلا يحمل على
~~غيره مع احتماله إلا بقرينة صالحة.
# وأما أبو بصير فهو على ما في نقد الرجال (5) كنية لأربعة، يحيى بن القاسم
~~وليث بن
# PageV01P155
# البختري وعبد الله بن محمد الأسدي ويوسف بن الحرث، إلا أن الإطلاق ينصرف
~~إلى أحد الأولين لكونه فيهما أشهر، فلا يقدح ما في الأخير من التصريح
~~بالضعف، ولا ما في سابقه من أنه لم يذكر بمدح ولا قدح، ورواية ابن مسكان
~~عنه مما يعين كونه الليث، لأنه من يروي عنه جماعة منهم ابن مسكان فيكون ثقة
~~جليلا، فلا يقدح اختلاف كلماتهم في يحيى بن القاسم، فيما بين ما يقضي بكونه
~~الثقة، وما يقضي بكونه غيره ممن يرمى تارة بالوقف، واخرى بفساد المذهب،
~~وثالثة بغيره من صفات الذم، فالسند حينئذ لا بأس به إن شاء الله.
# والجواب عن الثاني: أعني المناقشة في دلالة الرواية بمنع خلوها عن تحديد
~~العمق، بناء على ما في الكافي والوسائل كما في كلام أكثر الأصحاب المتصدين
~~لذكر تلك الرواية في كتبهم الفقهية من ورود " النصف " مرفوعا، عطفا على محل
~~" ثلاثة " على أنه خبر ل " لكان " والظرف نعت أوحال له كما هو الأصح، بل
~~الرواية حينئذ متكفلة لتحديد كل واحد من الأبعاد الثلاث، أما تحديد واحد من
~~العرض أو العمق (1) فلصريح قوله (عليه السلام):
# " إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف " (2) وأما تحديد البعد الآخر منهما
~~فلكونه مرادا من لفظة " مثله "، ضرورة أن المماثلة بينه وبين الثلاثة
~~والنصف مما لا يصدق إلا على تقدير المساواة في ذلك المقدار، ولا ينافيها
~~الظرفية ضرورة أن البعدين مما يصدق على كل واحد منهما إذا تساويا أنه كائن
~~في مثله، أو حاصل فيه لانتشار كل في الآخر ولزومه له.
# وأما تحديد العمق، فلقوله: " ثلاثة ms121 أشبار ونصف في عمقه " أي حاصلا وكائنا
~~فيه، على أن يكون عطفا على ما ذكر أولا، على حد الخبر بعد الخبر بإسقاط
~~العاطف، كما في " هذا حلو حامض " وإنما عبر هاهنا بالعمق دون المثل إذ لم
~~يبق - بعد ما اعتبر المماثلة بين البعدين الأولين، وعبر عنها بالمثل - في
~~مقابل البعد الآخر شئ آخر ليعتبر المماثلة بينهما أيضا ويعبر عنها بالمثل.
# وإنما عطف فيما بين الخبرين بإسقاط العاطف لكونهما من جهة التداخل
~~وانتشار كل في الآخر بمنزلة خبر واحد كما في المثال، ولا يصغى حينئذ إلى
~~احتمال كون هذا المذكور بدلا عن المثل، وليس في الكلام ما يساعد عليه -
~~والبدلية بنفسها على خلاف الأصل
# PageV01P156
# لأولوية الإفادة وظهور خلافها - حتى يكون ذلك منشأ للشبهة، وتوهم عدم
~~تمامية الدلالة.
# نعم إنما يقوي هذا الاحتمال بناء على كون " النصف " في الفقرة الاولى
~~منصوبا عطفا على لفظ " ثلاثة " كما في التهذيب والاستبصار وكلام بعض
~~الأصحاب كالمدارك ومختلف العلامة، نظرا إلى أن التفكيك بينه وبين ما ذكر في
~~الفقرة الثانية بإيراده غير منصوب ربما يدخل في الوهم كونه مجرورا عطفا على
~~ثلاثة، ولا يكونان كذلك إلا إذا اعتبر كونهما تابعين لمثله المجرور على
~~سبيل البدلية، وحينئذ يتوجه الإشكال من حيث قصور الرواية على هذا التوجيه
~~عن إفادة تحديد العمق.
# وفيه: مع - أن تقدير الجر ليس بلازم حينئذ، بل يجوز الرفع فيهما عطفين
~~على الفقرة الاولى، على طريقة العطف على المحل ليكونا خبرين أيضا، على حد
~~الخبر بعد الخبر بإسقاط العاطف - أن الظاهر كون ما في التهذيب والاستبصار
~~وغيرهما مبنيا على سهو الناسخ أو تصرف الشيخ وغيره، بجعل اللفظ المذكور
~~منصوبا بتوهم أن ما في الكافي وارد على خلاف القانون النحوي، نظرا إلى أن
~~الشيخ إنما أخذ الرواية فيهما عن الكافي بقرينة طريقه المشتمل على الكليني،
~~وأما غيره كالعلامة وصاحب المدارك فقد أخذها منه بعد تطرق التغيير المذكور،
~~أو من الكافي فتصرفا فيها مثل ما تصرف فيها الشيخ، وإلا فأصل الرواية في
~~الكافي قد وردت على ما ms122 حكيناه عنه، بشهادة ورود ما في كلام أكثر الأصحاب
~~موافقا له مع تصريحاتهم بأخذ الرواية عنه، مضافا إلى ما في الوسائل المروي
~~عن الكافي أيضا بقرينة الطريق المذكور فيه محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى
~~إلى آخر السند المتقدم.
# وبجميع ما ذكرناه في توجيه الاستدلال تبين لك امور:
# منها: عدم الحاجة إلى أن يجاب عن الإشكال (1) " بأن هذه الأخبار كلها
~~مشتركة في عدم عد الأبعاد الثلاثة بأجمعها، ولم نجد رادا لها من هذه الجهة،
~~بل ظاهر الأصحاب قديما وحديثا الاتفاق على قبولها، وتقدير البعد الثالث
~~فيها لدلالة سوق الكلام عليه، وكأن ذلك كان شائعا كثيرا في استعمالاتهم
~~وجاريا دائما في محاوراتهم " (2) إلخ.
# PageV01P157
# ومنها: اندفاع ما قيل (1) على الرواية - قبالا لما تقدم في تقرير
~~الاعتراض - من أن القول بعدم تحديد العمق في الخبر لا وجه له، بل لو كان
~~عدم تحديد فإنما هو في العرض.
# بيانه: أن قوله: " ثلاثة أشبار ونصف " الذي بدل من مثله إذا كان حال
~~العرض فيكون في عمقه كلاما منقطعا منها، فتأمل، إلا أن يكون المراد في عمقه
~~كذلك، وحينئذ يظهر تحديد العمق أيضا، فيكون التحديد للعرض دون العمق مما لا
~~وجه له، بل الظاهر أن ثلاثة أشبار ونصف بدل من مثله، وفي عمقه حال من مثله
~~أو بدله أو نعت لهما، وحينئذ يكون العمق محددا والعرض مسكوتا عنه.
# ومنها: اندفاع ما اعترض أيضا (2) على دلالة الرواية بأنه يجوز أن يكون
~~المراد من ثلاثة أشبار الأول تحديد قطر الماء الذي هو عبارة عن مجموع الطول
~~والعرض، والثاني تحديد عمقه، وحينئذ لم يكن اكتفاء في الكلام، ولم يتم
~~استدلالهم بهذا الخبر على مطلوبهم، إذ لم يبلغ تكسير هذا القدر إلى ما
~~اعتبروه.
# ومنها: اندفاع ما عن المحقق البهبهاني في حاشية المدارك (3) من أن في
~~دلالتها على المشهور نظرا من حيث عدم اشتمالها على الأبعاد الثلاثة، وليس
~~هو من قبيل قولهم: " ثلاثة في ثلاثة " لشيوع هذا الإطلاق وإرادة الضرب في
~~الأبعاد الثلاثة، لوجود الفارق وهو عدم ذكر شئ ms123 من الأبعاد بالخصوص في
~~المثال بخلاف الرواية حيث صرح فيها ببعد العمق، فيكون البعد الآخر هو القطر
~~ويكون ظاهرا في الدوري، ويؤيده أن الكر مكيال العراق والمعهود منه الدوري،
~~وكذا رواية ابن صالح الثوري (4) الواردة في الركي؛ إذ لا قائل بتفاوت
~~الكرية، فيكون الحاصل منهما كون الكر ثلاثة وثلاثين شبرا ونصفا وثمنا ونصف
~~ثمن، ولا قائل به بخصوصه.
# ومنها: عدم الافتقار إلى الاستدلال بالرواية المشار إليها حتى يحتاج في
~~تتميم دلالتها على المطلوب إلى تكلف أن يقال: إن المراد بالعرض السعة فيشمل
~~الطول أيضا.
# أو يقال: إن العرف شاهد في مثل هذا المقام أن الطول أيضا كذلك، للاكتفاء
~~في
# PageV01P158
# المحاورات كثيرا في أمثال هذه المواضع بذكر البعض وإرادة الجميع.
# أو يقال: إن تحديد العرض بهذا الحد مستلزم لكون الطول أيضا كذلك إذ لو
~~كان أقل منه لما كان طولا، ولو لزم زيادته على هذا الحد لكان الظاهر أن
~~يشعر به، مع أن الزيادة عليه منتف البتة لأن خلاف ابن الجنيد والشلمغاني لا
~~عبرة به.
# أو يعترض عليه: بأنه يمكن أن يكون المراد بالعرض القطر، بقرينة كون
~~السؤال عن البئر والبئر مستديرة، حتى يحتاج في التفصي عنه إلى أن يقال: بأن
~~ذلك مبني على ما لا يعرفه إلا الخواص من علماء الهيئة، من ضرب نصف القطر
~~وهو واحد وثلاثة أرباع في نصف الدائرة وهو خمسة وربع، لأن القطر ثلث
~~الدائرة فيكون مجموع الدائرة عشرة ونصف؛ إذ المفروض أن القطر ثلاثة ونصف
~~فيبلغ المرتفع حينئذ إلى ثلاثة وثلاثين شبرا ونصفا وثمنا ونصف ثمن تقريبا
~~لا تحقيقا على ما توهم، وليس كذلك بل التحقيق بلوغه اثنين وثلاثين وثمنا
~~وربع ثمن، ولا ريب أن تنزيل الرواية على مثل ذلك مما يتجه للأفهام
~~المستقيمة، وكيف يخاطب بذلك الحكيم من هو معلوم له أنه عن هذه المطالب
~~بمعزل.
# أو يعترض عليها بمثل ما تقدم عن الشيخ (1)، فيحتاج في دفعه إلى ما ذكره
~~الشيخ من حملها على التقية أو على المصنع الذي ليس له مادة (2).
# نعم، لابد ms124 في دفع معارضة ذلك لما تقدم من دليل المطلوب من الالتزام فيها
~~بالتأويل بمثل بعض ما ذكر، أو الحكم عليها بالإطراح لمخالفتها الإجماع وعدم
~~مصير أحد من الأصحاب إلى موجبها، بناء على انقطاع بعض ما تقدم من الأقوال
~~الشاذة، مع عدم انطباق شئ منها عليه كما لا يخفى.
# فنتيجة الكلام من البداية إلى هذا الختام: أن المنصور المقطوع به هو
~~القول المشهور بدلالة ما تقدم من الرواية، وأن القدح فيها سندا أو دلالة
~~ليس على ما ينبغي، بدلالة ما قدمناه في دفع المناقشة.
# نعم، يبقى الكلام المتمم لهذا المرام في دفع معارضة أدلة الأقوال الاخر
~~لتلك الرواية، فإن حجة الصدوق وغيره من موافقيه من القميين وغيرهم الرواية
~~الواردة في الكافي والتهذيب والاستبصار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه
~~السلام) عن الماء الذي لا ينجسه
# PageV01P159
# شئ؟ قال: " كر "، قلت: وما الكر؟ قال: " ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار "
~~(1) مع اختلاف في أسانيدها حيث إن الشيخ رواها أولا في التهذيب (2) عن شيخه
~~المفيد (رحمه الله) عن أحمد بن محمد عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن
~~محمد عن محمد بن خالد عن محمد بن سنان عن إسماعيل بن جابر، ثم رواها عقيب
~~ذلك بقليل (3) بطريق آخر فيه عبد الله بن سنان بدل محمد بن سنان، ومثله ما
~~في الاستبصار (4)، وقيل إن الأول صواب، وفي الكافي (5) رواها بطريق آخر
~~موصوف بالصحة، فيه البرقي عن ابن سنان من غير تعيين.
# ثم إن ما ذكروه في تلك الرواية أيضا من المناقشة فيها سندا - باعتبار ما
~~في الطرق المذكورة من الاضطراب والاختلاف في بعض رجاله حسبما عرفت - ودلالة
~~باعتبار عدم اشتمالها على تحديد جميع الأبعاد، ومن النقوض و الإبرامات في
~~دفع المناقشة المذكورة مما لا يخفى على المتتبع والناظر في كتب الأصحاب ولا
~~يهمنا التعرض لإيراد جميع ما ذكروه في هذا الباب، بعد البناء على عدم
~~الاستناد إلى تلك الرواية، بل المهم التعرض لنفي صلوحها للمعارضة للرواية
~~المتقدمة التي أخذناها حجة على المذهب المشهور ms125 الذي صرنا إليه، إذ بدونه لا
~~يتم الاحتجاج ولا ينقطع العذر.
# فنقول: إن توهم المعارضة فيما بين الروايتين إما أن يكون بين منطوقيهما،
~~بدعوى:
# أن الرواية بمنطوقها يدل على انحصار الكرية في ثلاثة أشبار ونصف،
~~والثانية تدل بمنطوقها على انحصارها في ثلاثة أشبار، فيرجع المعارضة إلى
~~المعارضة فيما بين الزائد والناقص.
# أو يكون بين مفهوم كل ومنطوق الاخرى، بدعوى: أن الاولى تدل بمفهومها على
~~نفي الكرية عن أقل من ثلاثة أشبار ونصف كائنا ما كان، والثانية تدل
~~بمفهومها على نفيها عما عدا ثلاثة أشبار كائنا ما كان، ولا سبيل إلى شئ
~~منهما، بل الرواية الاولى سليمة عن المعارض على كل تقدير، أو أن الرجحان في
~~جانبها على فرض تسليم المعارضة.
# أما على التقدير الأول فأولا: لأن الثانية يحتمل فيها مما يوجب الوهن في
~~دلالتها ما لا يحتمل في الاولى، من قوة احتمال سقوط لفظة " النصف " فيها عن
~~متن الحديث بخلاف الاولى، إذ ليس فيها إلا احتمال زيادة تلك اللفظة وهو إما
~~مقطوع بعدمه، أو أنه
# PageV01P160
# في غاية الضعف، فتندرج في عموم قوله (عليه السلام): " دع ما يريبك إلى ما
~~لا يريبك " (1) وعموم التعليل في رواية عمر بن حنظلة الواردة في علاج
~~المتعارضين بقوله: " فإن المجمع عليه لا ريب فيه " (2) بناء على أن الريب
~~المنفي هنا هو الريب الإضافي، وأن العبرة في باب التراجيح إنما هو بمطلق
~~الوثوق والاطمئنان، كما هو المحقق المقرر في محله.
# وثانيا: لأن الاولى أظهر في إفادة الحصر - من حيث ورود الخطاب فيها بصورة
~~الجملة الشرطية الظاهرة في السببية المنحصرة أو مطلق التلازم وجودا وعدما -
~~من الثانية من حيث ورود الخطاب فيها بصورة القضية الحملية، التي يكون الأصل
~~في حملها حمل المتعارفي الغير المفيد للحصر، إلا أن يقال: بأن ورودها مورد
~~التحديد والبيان شاهد حال بإرادة الحصر أيضا، إذ لولاه لما حصل الغرض فيكون
~~الحمل فيها من باب المواطاة، أو يقال: بكفاية الحمل المتعارفي أيضا في ثبوت
~~المطلوب، نظرا إلى أن النزاع في أن ثلاثة أشبار هل ms126 هو مما يصدق عليه عنوان
~~الكرية أو لا، وقضية الحمل المفروض هو الصدق، وهو المطلوب.
# وثالثا: لأن مرجع ما فرض من التعارض إلى تعارض المطلق والمقيد في موضع
~~العلم بوحدة الحكم، فتندرجان في قاعدتهم المقررة المحكمة من حمل المطلق على
~~المقيد، وقضية ذلك تعين العمل بالرواية الاولى.
# ورابعا: لأن الثانية تتوهن بمصير الأكثر بل المعظم إلى خلافها فتقوى به
~~الاولى وتضعف الثانية، فيسقط عن رتبة الحجية أو المعارضة.
# وأما على التقدير الثاني فأولا: لأن الرواية الاولى إنما تدل على المطلب
~~من جهة مفهوم الشرط، بخلاف الثانية إذ ليس فيها إلا تعليق الحكم بالعدد،
~~ومن المقرر في محله أن مفهوم الشرط حجة دون مفهوم العدد، فلا مفهوم للثانية
~~ليكون معارضا لمنطوق الاولى.
# وثانيا: لأن مفهوم الشرط أقوى من مفهوم العدد - لو قلنا به مطلقا أو في
~~خصوص المقام - بملاحظة قرينة المقام من ورود الخطاب مقام التحديد والبيان،
~~فيجب تقديمه.
# PageV01P161
# وثالثا: بمنع إرادة المفهوم من الثانية هنا لو قلنا بالمفهوم مطلقا
~~وسلمنا تساويه مع مفهوم الاولى، أو لابد من حمل مفهومها على نفي الكرية عن
~~الأقل من ثلاثة أشبار صونا لها عن مخالفة الإجماع؛ ضرورة أن ما زاد على ذلك
~~كر مع زيادة فكيف يعقل نفي الكرية عنه، ومعه ارتفع المعارضة بينهما كما لا
~~يخفى.
# إلا أن يقال بأن: المنفي في الثانية بالنسبة إلى جانب الزيادة إنما هو
~~الكر بشرط لا، لا مطلق الكر، ولا ريب أنه يصدق على ثلاثة أشبار ونصف على
~~تقدير تحقق الكرية بأقل منه: أنه ليس من الكر بشرط لا، أي الكر بشرط عدم
~~الزيادة.
# وفيه: مع أنه لا ينافي مفاد منطوق الاولى كما لا يخفى، أن الالتزام بذلك
~~التقييد مع عدم إشعار في الرواية به ليس بأولى من التزام عدم اعتبار
~~المفهوم هنا بالمرة، أو تخصيصه بجانب القلة مع صلاحية منطوق الاولى مع
~~انضمام الإجماع المشار إليه قرينة على هذا التصرف في الثانية.
# ورابعا: لأن مفهوم الاولى مما يعضده الشهرة ومصير المعظم إلى خلاف مفهوم
~~الثانية.
# ثم، ms127 إنه ربما يحتج على قول القميين بالأصل، وبالاحتياط، وبمقاربته
~~للأرطال ولأكثر من راوية والحب والقلتين، المذكورات في الروايات المتقدمة.
# ولا يخفى ما في جميع ذلك من الخروج عن السداد، والاعتماد في استنباط
~~الحكم الشرعي على ما لا ينبغي عليه الاعتماد، فإن الأصل والاحتياط - مع
~~أنهما معارضان بمثليهما، ضرورة أن الأصل بقاء الحدث والخبث فيما لو اريد
~~التطهير بما دون ثلاثة أشبار ونصف الملاقي للنجاسة، وأن الاحتياط واستصحاب
~~الاشتغال بمشروط بالمائية يقتضيان عدم الاكتفاء بذلك المفروض - يندفعان
~~بعدم صلوحهما لإحراز الحكم الواقعي ولا الحكم الظاهري بعد قيام الدليل
~~الاجتهادي السليم عن المعارض على خلافهما كما عرفت، وكما أنهما لا يصلحان
~~معارضين لدليل اجتهادي فكذلك لا يصلحان معاضدين له لو وافقهما.
# فلو اريد بهما تأييد ما تقدم من الرواية المقامة حجة على هذا القول،
~~يدفعه: توجه المنع إلى صلوح الأصل العملي معاضدا للدليل الاجتهادي كما قرر
~~في محله.
# ومحصل بيانه على وجه الإجمال: أنه كما يعتبر في المتعارضين تواردهما على
~~PageV01P162
# موضوع واحد، فلأجل ذلك لا يقع المعارضة بين الأصل والدليل لتعدد
~~موضوعيهما، فكذلك يعتبر في المتعاضدين كونهما واردين على موضوع واحد، ولا
~~ريب أن موضوع الأصل يغاير موضوع الدليل فكيف يعقل معه كونه معاضدا له.
# وبالجملة: فالدليل الاجتهادي الموافق للأصل إن صلح مخرجا للمورد عن موضوع
~~الأصل فلا يشمله حكم الأصل حتى يكون معاضدا لذلك الدليل، وإلا فالحكم منحصر
~~في حكم الأصل فلا شئ معه حينئذ يكون معتضدا به، هذا كله إذا اريد بالأصل ما
~~يرجع إلى استصحاب الطهارة، وأما لو اريد به قاعدة الطهارة المستفادة عن
~~عمومات الأدلة فهو وإن كان أصلا اجتهاديا غير أن حكمه حكم الأصل العملي من
~~حيث كونه دليلا تعليقيا، فيكون اعتباره منوطا بموضع عدم قيام الدلالة على
~~الخلاف، والمقام ليس منه لما عرفت من قيام الدلالة الشرعية السليمة عما
~~يعارضها.
# وأما البواقي فهي على فرض تسليم موجبها وما ادعي فيها مقربات لا تجدي
~~بنفسها نفعا في إثبات المطلب، ولا تقوية للدليل الموافق بعد رجحان الدليل
~~المخالف ms128 عليه لذاته، أو بعد عدم معارضة بينهما في الحقيقة، بناء على كثير
~~من الوجوه المتقدمة في تقديم دليلنا على المطلب، الذي مرجعه في الحقيقة إلى
~~الجمع بينهما.
# مضافا إلى عدم منافاة المذكورات للمذهب المشهور، بناء على ما قيل من
~~إمكان اختلافها في الصغر والكبر على وجه يكون بعض أفرادها موافقا لذلك
~~المذهب، وبعضها الآخر موافقا لمذهب القميين، والثالث مخالفا لهما معا.
# ومن هنا يعلم أن هذه الروايات موهونة بمنافاتها حكمة الشارع، فإنها
~~لاختلاف أفرادها غاية الاختلاف ليس بجائز في حكمة الحكيم أن يجعلها مناطا
~~لما يقصد بجعله إعطاء ضابط كلي لا ينبغي في مثله الاختلاف وعدم الانضباط،
~~ومعه كيف تصلح لإثبات المطلب أو تأييد ما خرج عن كونه دليلا.
# مضافا إلى ما في بعضها من قوة احتمال الخروج مخرج التقية، مع كون ظواهر
~~جميعها معرضا عنها الأصحاب، مع توجه المنع إلى دعوى كون التحديد بالأرطال
~~وزنا مقاربا للتحديد بثلاثة أشبار، بل إنما هو يقرب بناء على ما قيل -
~~وسيأتي بيانه - مما رجحه صاحب المدارك استنادا إلى صحيحة إسماعيل بن جابر
~~المتقدم بيانها، الآتي PageV01P163
# بعض الكلام فيها وعليها.
# وأما سائر الأقوال فقد عرفت أن منها: قول ابن الجنيد ولم نقف له على
~~مستند، كما اعترف به غير واحد من فحول أصحابنا، مع ما فيه من شذوذه
~~ومخالفته الشهرة العظيمة القريبة من الإجماع بل الإجماع في الحقيقة، حيث لا
~~موافق له منهم مع ما قيل فيه من أنه ما أبعد بين ما ذهب إليه باعتبار
~~المساحة وما ذهب إليه في الوزن من اعتبار بلوغه القلتين مع كون مبلغ تكسيره
~~ألفا ومائتي رطل، وقد تقدم عن العلامة في المختلف (1) ما يقرب من هذا
~~الكلام على هذا القول، وبالجملة فهو مما ينبغي الجزم بسقوطه، وعدم كونه مما
~~يعبأ به.
# ومنها: قول الراوندي ولم نقف له أيضا على مستند، نعم في جواهر شيخنا: "
~~أن مستنده دليل المشهور من رواية أبي بصير ونحوها، إلا أنه فهم منها أن "
~~في " ليست للظرفية بل بمعنى " مع " فتبلغ عشرة ms129 ونصفا " (2) وهو كما ترى،
~~فإن أراد ببلوغه إليه بلوغه بطريقة الضرب فإنما يبلغ إثنى عشر وربعا، وإن
~~أراد به بلوغه بطريقة الجمع فإنما يبلغ سبعة، وعلى التقديرين لا ينطبق
~~المذكور على هذا القول، بل الوجه في هذا القول ما أشرنا إليه سابقا - على
~~الظاهر - من ابتناء كلامه على أنه فهم مما حد الكر بثلاثة أشبار ونصف في كل
~~من أبعاده الثلاث من الأخبار أو فتاوى الأخيار إرادة اعتبار الجمع فيما بين
~~بعض هذه الحدود مع بعض آخر، خلافا للمشهور في فهم إرادة ضرب بعض في بعض،
~~ومثل هذا الاشتباه يتفق كثيرا للإنسان، كما رأيناه وسمعناه عن بعض أهل
~~عصرنا من تلامذتنا المترددين إلينا، حيث إنه فهم عما حدده المشهور طريق
~~الجمع، على وجه سبقت إليه من أجل ذلك شبهة أتعبتنا رفعها.
# ومما ينبه على صدق ما فهمناه ظاهر سياق كلام العلامة في المختلف حيث قال
~~- بعد الفراغ عن ذكر احتجاجات القولين الأولين في المسألة -: " تنبيه:
~~الظاهر أن الأشبار يراد ضرب الحساب فيها، فيكون حد الكر تكسيرا اثنين و
~~أربعين شبرا و سبعة أثمان شبر، وقال القطب ليس المراد ذلك بل يكون الكر
~~عشرة أشبار ونصفا طولا وعرضا وعمقا " (3) انتهى.
# وبالجملة: فالذي يظهر - والله أعلم - أن هذا اشتباه في فهم المراد
~~بالتحديد بثلاثة
# PageV01P164
# أشبار ونصف طولا، في ثلاثة أشبار ونصف عرضا، في ثلاثة أشبار ونصف عمقا،
~~فزعمه أنه لبيان ما يعتبر تكسيره بطريق الجمع، فلذا عبر عما يحصل بالتكسير
~~بعشرة أشبار ونصف.
# فهل هو حينئذ يخالف المشهور في المقدار الواقعي بالكلية أو يوافقه
~~بالكلية أو يخالفه في بعض الفروض ويوافقه في البعض الآخر؟ وجوه، من أن
~~المراد به بلوغ المجموع من الأعداد المذكورة ذهنا وخارجا هذا المبلغ، على
~~معنى كون ذلك مبلغا لنفس المعدود الموجود في متن الخارج، فيراد بالعشرة
~~والنصف المبلغ من الماء الموجود في الخارج الذي لو قسم على كل واحد من
~~الأبعاد على نحو السوية لاخذ منه كل واحد ثلاثة ونصفا.
# أو أن المراد به ما لو فرض ms130 كون كل من هذه المقادير الثلاث مفصولا عن
~~الآخر في نظر الحس لكان المجموع منها عشرة ونصفا، كما أنه لو اعتبرنا الجمع
~~بين ثلاثة أعداد متفاصلة في الخارج مقدار كل ثلاثة ونصف كان الحاصل عشرة
~~ونصفا حتى يكون ذلك مبلغا حقيقيا للأعداد على فرض انفصال كل عن الآخر دون
~~المعدود الذي هو الماء.
# أو أن المراد به بلوغ هذه المقادير حال اتصالها وتداخل بعضها في البعض
~~المبلغ المذكور، وإن لزم التكرار في جملة من الفروض ودخول طائفة منها في
~~الحساب مرات عديدة من جهة ما فيها من التداخل والاتصال، كما في الحد
~~المشترك بين كل بعدين بداية ونهاية، فإنه لو جمع حينئذ أحدهما مع الآخر
~~لدخل ذلك الحد المشترك في الحساب مرتين كما لا يخفى.
# فعلى الأول: يكون هذا المذهب مخالفا للمشهور كليا، ومن فروض مقدره حينئذ
~~ما لو كان طول الماء عشرة أشبار ونصفا، وكل من عرضه وعمقه شبرا واحدا.
# ومنها: ما لو كان طوله خمسة أشبار وربعا، وكل من عرضه وعمقه شبرين (1).
# ومنها: ما لو كان طوله واحدا و عشرين شبرا، وكل من عرضه وعمقه نصف شبر.
# ومنها: ما لو كان عرضه شبرين ونصفا وثمن شبر، وكل من طوله وعمقه أربعة
~~أشبار.
# ومنها: ما لو كان كل من طوله وعرضه أربعة أشبار، وعمقه شبرين ونصفا وثمن
~~شبر.
# ومنها: ما لو كان طوله تسعة أشبار، وعرضه شبرا، وعمقه نصف شبر.
# PageV01P165
# ومنها: ما لو كان الطول ثمانية أشبار، والعرض شبرا ونصفه، والعمق شبرا و
~~هكذا إلى آخر ما يمكن فرضه، و لا يذهب عليك أن اختلاف هذه الفروض ليس
~~اختلافا في مقدار الماء، بل هو اختلاف يحصل في أوضاعه وأشكاله على حسبما
~~يفرض.
# وعلى الثاني: يكون موافقا له كليا فلا اختلاف بينهما حينئذ في المعنى، بل
~~هو اختلاف في اللفظ والاعتبار.
# وعلى الثالث: قد يوافقه وقد يخالفه، وقد يقرب منه وقد يبعد منه، ومن هنا
~~قد يقال: إنه قد يكون كالمشهور كما إذا كان كل من أبعاده الثلاثة ثلاثة
~~ونصفا، ms131 وقد يقرب منه كما لو فرض طوله ثلاثة أشبار وعرضه ثلاثة وعمقه أربعة
~~ونصفا، فإن مساحته حينئذ أربعون شبرا ونصف، وقد يبعد منه جدا كما لو فرض
~~طوله ستة وعرضه أربعة وعمقه نصف شبر، فإن مساحته إثنا عشر شبرا، وأبعد منه
~~ما لو فرض طوله تسعة أشبار وعرضه شبرا واحدا وعمقه نصف شبر، فعلى كلامه
~~يكون مثل ذلك كرا وإن كان تبلغ مساحته على تقدير الضرب أربعة أشبار ونصف.
# وبجميع ما ذكر ينقدح أنه لم يتبين مخالفته للمشهور، فإن رجع دعواه إلى ما
~~يوافقه كليا كما يرشد إليه أنهم لم يذكروه مخالفا للمعظم، وإنما ذكره في
~~المختلف (1) وغيره في فروع التحديد بثلاثة أشبار ونصف وأن المعظم يعتبرون
~~في الأبعاد الضرب وهو لا يعتبره، لا أنه يعتبر عدمه وإلا فيرده ظاهر
~~الأخبار وصريح فتاوي الأخيار من اعتبار الضرب في تقدير الكر، مضافا إلى أنه
~~لو بنى على ما فهمه لكان منافيا لحكمة الحكيم، من حيث إنه أناط الكرية
~~العاصمة للماء عن الانفعال بما يختلف أفراده اختلافا شديدا، وما لا يستقر
~~على شئ ولا ينضبط في حد، فيكون التحديد الذي تعرض له الشارع واحتاج إليه
~~المحتاجون من المكلفين والسائلون عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)
~~بمنزلة عدمه وهو كما ترى نقض للغرض و تعمية للمكلف، وإرشاد له إلى ما يعسر
~~معرفته على التعيين، بل ما يتعذر تعيينه على وجه يرتفع به الحاجة.
# ومنها: ما عرفت عن صاحب المدارك (2) مع مستنده، وهو صحيحة إسماعيل ابن
~~جابر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الماء الذي لا ينجسه شئ؟ قال: "
~~ذراعان عمقه في
# PageV01P166
# ذراع وشبر سعته " (1).
# وقد يقال: إن تكسيره يبلغ إلى ستة وثلاثين شبرا، لأن المراد بالذراع
~~القدمان - كما يظهر من أخبار المواقيت (2) - والقدم شبر، وقد صرح هو بأن
~~المراد بالسعة كل من جهتي الطول والعرض، فيكون كل منهما ذراعا وشبرا فيضرب
~~الثلاثة في مثله يبلغ المرتفع تسعة، ثم يضرب في أربعة فيبلغ المقدار
~~المذكور، والخطب في ذلك بعد خروجه على خلاف الشهرة - لو ms132 خالف المشهور -
~~هين، لأنه يتوهن بذلك، وإن كان صحيحا بل في أعلى مرتبة الصحة، والعجب عنه
~~كيف استوجه العمل به، والمشهور منه استشكاله في العمل بالصحيح إذا خالف عمل
~~الأصحاب، مع أنه قابل للتأويل وإرجاعه إلى ما لا يخالف المشهور إلا يسيرا،
~~قال في المنتهى: " وتأولها الشيخ على احتمال بلوغ الأرطال، وهو حسن لأنه لم
~~يعتبر أحد من أصحابنا هذا المقدار " (3).
# وعن الفاضل الأسترآبادي - محمد أمين - في تعليقاته على شرح المدارك: " قد
~~اعتبرنا الكر وزنا ومساحة في المدينة المنورة فوجدنا رواية ألف ومائتا رطل
~~مع الحمل على العراقي قريبة غاية القرب من هذه الصحيحة " (4).
# نعم في الحدائق: " والظاهر أن اعتباره بناء على ما ذكره يرجع إلى سبع
~~وعشرين شبرا " (5) وقضية ذلك انطباق الصحيحة على ما تقدم من رواية استند
~~إليها القميون، وهو كما ترى استظهار في غير محله، وكأنه وهم نشأ عما سبق
~~الإشارة إليه في تحديد الكر وزنا من احتجاج بعضهم على حمل " الرطل " ثمة
~~على العراقي بأنه المناسب لرواية ثلاثة أشبار الصحيحة.
# وأنت خبير: بأن ذلك توهم فاسد، بل هذه الرواية إما توافق مذهب المشهور أو
~~تخالفه ومذهب القميين معا، كما أشار إليه المحقق الخوانساري بقوله: "
~~الذراع إن كان شبرين كما في بعض الأفراد فحينئذ لا ينطبق على شئ منهما، بل
~~هو أمر متوسط
# PageV01P167
# بينهما إذ تكسيره يبلغ ستة وثلاثين، وإن كان أزيد منهما كما في البعض
~~الآخر فيمكن أن ينطبق على المذهب المشهور، وإن لم ينطبق فيقاربه جدا، وعلى
~~أي حال يكون أقرب إلى المشهور منه إلى القول الثاني " (1) انتهى.
# ومما يؤيد كونه مخالفا للقولين أن صاحب المدارك (2) اعتمد عليه مع عدم
~~اختياره بشئ منهما، ولو صح ما توهم فيدفعها ما دفعها حسبما تقدم بيانه.
# ومنها: ما عرفت عن الشلمغاني (3)، ومستنده على ما ذكره بعضهم الرضوي، "
~~وكل غدير فيه الماء أكثر من كر لا ينجسه ما يقع فيه من النجاسات، والعلامة
~~في ذلك أن يؤخذ الحجر فيرمى به في وسط الماء، فإن بلغت أمواجه من الحجر
~~جنبي ms133 الغدير فهو دون الكر، وإن لم يبلغ فهو كر لا ينجسه شئ " (4)، وهو كما
~~ترى أضعف الأقوال ومستنده أضعف الأدلة، ويكفي في ذلك موافقته لمذهب أبي
~~حنيفة على ما تقدم بيانه في صدر باب الكثير، فيقوى فيه احتمال وروده مورد
~~التقية بعد سلامة السند عن المناقشة، ومع الغض عن ذلك فإعراض الأصحاب عن
~~العمل به مما يسقطه عن درجة الاعتبار.
# ومنها: ما عرفت عن ابن طاووس (5) من العمل بكل ما روى، ومستنده على ما
~~قيل اختلاف روايات الباب، وقيل: بأن مرجعه إلى العمل بقول القميين وجوبا مع
~~استحباب الزائد الذي عليه المشهور، وكأنه - لو صح - مبني على مصيره في
~~مسألة التخيير بين الأقل والأكثر إلى وجوب الأقل واستحباب الأكثر، كما هو
~~أحد الأقوال في المسألة.
# وربما يظهر من صاحب المدارك الميل إليه، كما نبه عليه عند حكاية هذا
~~القول بقوله: " وكأنه يحمل الزائد على الندب وهو في غاية القوة لكن بعد صحة
~~المستند " (6).
# وفيه: مع أن الحق في مسألة التخيير بين الأقل والأكثر وجوب الزائد
~~والناقص معا، أن التخيير إن اريد به ما يكون في المكلف به نظير ما هو الحال
~~في خصال الكفارة فهو فرع الدلالة، لأنه خلاف الأصل - على ما قرر في محله -
~~وهي منتفية على الفرض، وإن اريد به ما يكون في الإسناد على قياس ما هو
~~الحال في الأدلة المتعارضة فهو فرع
# PageV01P168
# التكافؤ وفقد المرجح وعدم إمكان العمل، وقد عرفت في تتميم دليل المشهور
~~المنع عن جميع ذلك، فإن أقل المراتب في ذلك قيام المرجح من جهات شتى من
~~الداخلية والخارجية وهو كاف في علاج التعارض.
# نعم، ينبغي أن يعلم أن هذا المذهب من المعظم مع مصيرهم في تحديد الكر إلى
~~ما تقدم، إنما يستقيم إذا لم يحصل بين الحدين تفاوت بحسب المقدار ولو
~~يسيرا، و إلا - كما هو توهمه غير واحد، حتى أن منهم من يدعي في ذلك دوام
~~كون الوزن أقل، كبعض مشايخنا (1) في شرح الشرائع - أشكل الأمر إشكالا لا
~~يندفع إلا بتكلف إناطة ms134 ذلك باختلاف المياه وزنا في الثقل والخفة، كما
~~ارتكبه بعضهم.
# ثم إن تحديد الكر بكل من الجهتين مبني على التحقيق، ولا يكفي فيه التقريب
~~كما قرر في الاصول، ونص عليه هنا غير واحد من الفحول، وليس الحال فيه بل في
~~جميع التحديدات الشرعية - كما في الموازين وغيرها - من المقادير التي
~~يتسامح فيها عرفا، فلو نقص الماء عن أحد الحدين ولو بيسير من مثقال بل أقل
~~وجزء من شبر ينفعل بالملاقاة، ولا يلحقه أحكام الكر جزما.
# ثم إن المعتبر في الأشبار إنما هو شبر مستوى الخلقة، فلا اعتداد بشبر من
~~قصر شبره عن الحد المذكور لصغر يده، ولا بشبر من زاد شبره على ذلك الحد
~~لكبر يده أو طول أصابعه، وكل ذلك قضية لانصراف المطلق في نظر العرف
~~والعادة، و لأنه لولا ذلك خرج الحد الشرعي عن الانضباط، وأفضى إلى الهرج
~~والمرج لغاية وضوح الاختلاف، وقد نص على ما ذكرناه أيضا غير واحد من
~~الفحول، وحكي التصريح به عن السرائر (2) والمنتهى (3) والقواعد (4)
~~والتحرير (5) وجامع المقاصد (6) والذكرى (7) والمسالك (8)، بل عن الذكرى
~~(9) أنه عزاه إلى الأكثر، وإلا فالعلم عند الله الأكبر.
# * * * * * * *
# PageV01P169
# ينبوع الماء إذا كان دون الكر فله أنواع، كالراكد والجاري والمطر والحمام
~~والبئر وستسمع البحث عن جميع هذه الأنواع، ولنقدم البحث عن الأول لكونه مما
~~يعلم به ما لا يعلم بتقديم البواقي كما لا يخفى، فالكلام فيه يقع في
~~مقامين:
# المقام الأول:
# في انفعال القليل من الراكد بملاقاة النجاسة في الجملة، والمعروف من مذهب
~~الأصحاب - المدعى عليه إجماع الفرقة تارة ومقيدا باستثناء من يأتي من
~~أصحابنا اخرى - أنه ينفعل بمجرد الملاقاة تغير أو لم يتغير، خلافا للعماني
~~- ابن أبي عقيل الحسن من قدماء أصحابنا (1) - لمصيره فيه إلى عدم الانفعال
~~إلا في صورة التغير كالكر، ثم وافقه على ذلك المحدث الكاشاني (2) و غيره من
~~جماعة من المتأخرين على ما حكي عنهم، و عن العامة في منتهى العلامة (3)
~~اختلافهم في ذلك، فعن أبي حنيفة (4) و سعيد بن جبير (5)
# PageV01P170
# وابن عمر (1) ومجاهد (2).
# وإسحاق (3) وأبو عبيدة ms135 (4) اختيارهم القول الأول، خلافا لحذيفة (5) وأبي
~~هريرة (6) وابن عباس (7)
# PageV01P171
# وسعيد بن المسيب (1) والحسن البصري (2) وعكرمة (3) وعطا (4) وطاووس (5)
~~وجابر بن زيد (6)
# PageV01P172
# وابن أبي ليلى (1) ومالك (2) والأوزاعي (3) والثوري (4) وابن المنذر (5)
~~فإن المروي عنهم المصير إلى القول الثاني وللشافعي (6) قولان وعن أحمد (7)
~~روايتان.
# ولا يذهب عليك أن الأصل في المسألة اجتهادا وفقاهة من وجوه شتى كاستصحاب
~~الطهار وأصلي البراءة والإباحة عن وجوب الاجتناب واستعمال هذا الماء مطلقا
~~في جانب القول الثاني فلذا قد يؤخذ حجة لأصحابه، وليس في جانب القول الأول
~~أصل يوافقه.
# نعم قد سبق إلى بعض الأوهام الضعيفة جريان أصل الشغل واستصحابه في مشروط
~~المائية في جانبه، ولكن يدفعه: أن الضابط الكلي في باب الاصول أنها تجري
~~حيث لم يكن أصل موضوعي في أحد طرفي الشك واستصحاب الطهارة أصل موضوعي لا
~~يجري معه الأصلان المشار إليهما، والسر في ذلك أنه حيثما يجري علم
# PageV01P173
# شرعي يحرز به الواقع تعبدا من الشارع يرتفع معه الشك في البراءة ارتفاعا
~~شرعيا.
# ومن هنا ينقدح أنه لو قرر هنا في بعض الفروض النادرة أصل آخر مخالف لكلا
~~القولين كقاعدة الشغل الجارية عندنا عند الشك في المكلف به ودوران الأمر
~~بين المتباينين، فيما لو فرض انحصار الماء في القليل الملاقي للنجاسة عند
~~الاشتغال بمشروط بالطهارة المرددة في الفرض بين المائية والترابية المقتضية
~~للجمع بينهما لم يكن في محله، لارتفاع ذلك الشك والتردد بواسطة الأصل
~~الموضوعي المذكور، وبالجملة: لو كان في المسألة أصل فهو مختص بالقول
~~الثاني.
# وتظهر فائدته في أمرين أحدهما: أن المطالب بالدليل في المسألة أصحاب
~~القول الأول، لمصيرهم إلى مخالفة الأصل دون أهل القول الثاني، فلو وجدتهم
~~حينئذ مستندين إلى دليل آخر فهو تفضل منهم.
# وثانيهما: كونه المرجع جدا عند فقدان الدليل، أو وجوده مجملا أو معارضا
~~بمثله، المساوي له من جميع الجهات، الموجب للعجز عن الترجيح.
# وأما ما يتراءى عن بعض العبائر من ظهور فائدته في مقام الترجيح، لأنه
~~يوجب اعتضاد الدليل المقتضي لما يوافقه وتأيده به، فهو كلام ظاهري منشؤه
~~عدم التأمل في ms136 مفاد الأصل، وموضوعه المغاير لموضوع الدليل، والغفلة عما
~~قدمنا الإشارة إليه من أن المعاضد كالمعارض يشترط فيه وحدة الموضوع فيما
~~بينه وبين ما يتعاضد به، وهي مما يمتنع فيما بين الاصول العملية والأدلة
~~الإجتهادية، وقضية ذلك امتناع كل من التعاضد والتعارض، كما أن الأخير مما
~~يعلمه كل أحد، فهو مع الأول من واد واحد لا يعقل الفرق بينهما أصلا.
# وبجميع ما قررناه يتبين: أن العمدة في المقام الواجب مراعاته إنما هو
~~النظر في أدلة القول الأول، فإن تمت دلالة وسندا وسلامة عن المعارض المساوي
~~أو بالاصول المعتبرة.
# فنقول: إن العمدة في أدلة الباب إنما هو الأخبار المروية عن أئمتنا
~~الأطهار الأطياب سلام الله عليهم أجمعين، وأما نقل الإجماعات وإن ادعى
~~استفاضتها واعتمد عليها غير واحد من الأصحاب، ولكن التعويل عليها عند
~~التحقيق لا يخلو عن إشكال، كما أن الاحتجاج بالضرورة الذي يوجد في بعض
~~العبارات غير خال عن الإشكال. PageV01P174
# أما الأول: فلأن هذا الإجماع لو فرضناه محققا لا يفيدنا في خصوص المقام
~~شيئا فضلا عن كونه منقولا، لعلمنا بأنه ليس إلا عن الأخبار الواردة في
~~المقام التي صارت من مزال بعض الأقدام، فلابد من النظر في تلك الأخبار
~~وكيفية دلالتها وصحة أسانيدها، وخلوها عن معارض أقوى، إستعلاما لصدق المجمع
~~عليه، لعدم ثبوت حجية أصل النقل من حيث هو تعبدا، ولا حجية أصل الاتفاق
~~كذلك، وإنما يصير حجة لو كشف عن الواقع كشفا علميا، أو عن وجود دليل غير
~~علمي للمجمعين، بحيث لو عثرنا به ووجدنا لعملنا به ولم نبعده، وهذا ليس منه
~~للعلم التفصيلي بالمستند الذي لم يتحقق عندنا حاله بعد، نعم لا مضائقة في
~~أخذها مؤيدة لتلك الأخبار في مقام ترجيحها على معارضاتها إذا حصل الوثوق
~~بالمنقول، لكشفه حينئذ عما يستقيم به الدلالة لو فرض فيها قصور، ويتقوم به
~~السند لو كان معه ضعف، أو حزازة اخرى مما يوجب الوهن في أسانيد الأخبار.
# وأما الثاني: فللقطع بأن انفعال ماء القليل بملاقاة النجاسة ليس حاله
~~كحال سائر الضروريات كوجوب الصلاة ms137 على وجه يعرفه كل أحد حتى الرساتيق
~~والبدويين من الامة أو الشيعة، كيف ولم يعهد عن أحد من هؤلاء أنهم يتحرزون
~~عن ماء قريب من الكر بمجرد ما لاقاه قطرة بول أو ولغة كلب أو نحوه، بل نرى
~~عملهم على خلافه كما لا يخفى على البصير.
# غاية ما في الباب أن تقول: إنه ينشأ عن قلة المبالاة والمسامحة في الدين،
~~غير أنه احتمال أو مع الرجحان، ولا ريب أنه لا يجامع الضرورة لمجامعته
~~احتمال كون منشائه الجهل وعدم الاطلاع بأصل الحكم، وإن اريد بالضرورة ما هي
~~بين الخواص وأهالي المعرفة بالمسائل والأحكام فمنعها أوضح، كما يرشد إليه
~~استنادهم عند السؤال عن وجه المسألة إلى فتوى المجتهد، ومن خواص الضرورة
~~كون الحكم معلوما لكل أحد بعلم ضروري لا يستند إلى قول المفتي كما لا يخفى،
~~بل إحالة الوجه إلى الفتوى مما يكشف بنفسه عن عدم العلم الضروري كما لا
~~يخفى.
# ثم إن هاهنا وجهين آخرين استند إليهما العلامة، مضافا إلى روايات المسألة
~~أحدهما: ما ذكره في المنتهى: " من أن النجاسة امتزجت بالماء وشاعت أجزاؤها
~~في PageV01P175
# أجزائه، ويجب الاحتراز عن أجزاء النجاسة، وقد تعذر إلا بالاحتراز عن
~~الماء المختلط أجزاؤه بأجزائها " (1)، وهو كما ترى من أوهن ما لا ينبغي
~~الاستناد إليه في أمثال المقام؛ فإنه - مع أن فيه نوع مصادرة لتوجه المنع
~~عن وجوب الاحتراز عن أجزاء النجاسة بعد شيوعها في الماء، بل هو أول المسألة
~~- منقوض بالكر وما فوقه إذا شاعت فيه أجزاء النجاسة، ولا سيما إذا فرضنا
~~القليل أقل منه بيسير كالمثقال بل المثاقيل، إذ لولا الحكم على فرض ثبوته
~~تعبديا صرفا فأي عاقل يدرك الفرق بين ألف ومائتي رطل وما نقص عنه بمثقال بل
~~مد بل رطل ونحو ذلك، حتى يدعي في الثاني وجوب الاحتراز عن مجموع هذا الماء
~~مقدمة للاحتراز عن أجزاء النجاسة الشائعة فيه دون الأول، هذا كله مع ما فيه
~~من عدم جريانه في جميع صور المسألة حتى ما لا يكون للنجاسة جزء كعضو الكافر
~~أو ms138 أخويه، أو شئ من أجزائها الساقطة من عظم ونحوه.
# وثانيهما: ما قرره في المختلف: من " أن القليل مظنة الانفعال غالبا،
~~فربما غيرت النجاسة أحد أوصافه ولا يظهر للحس، فوجب اجتنابه " (2).
# وفيه: مع أنه مبني على اعتبار التغير التقديري وقد تقدم المنع عنه، وعلى
~~وجوب الاحتياط في مواضع الشبهة سيما إذا قابله أصل موضوعي اجتهادا وفقاهة
~~حينما عرفت أنه منقوض أولا بالفرض المتقدم، وثانيا بعدم جريانه في النجاسات
~~الغير المغيرة لذواتها أو لقلة ونحوها، ولو قيل بأن ذلك تعبد من الشارع
~~فسقط اعتبار هذا الوجه ويطالب القائل بدليل ذلك، فلابد له من التشبث
~~بالأدلة السمعية، و قضية ذلك انحصار المستند حقيقة في الأخبار فلابد من
~~النظر فيها.
# فنقول: إنها حسبما احتج به أهل هذا القول كثيرة جدا، ومنقول فيها البلوغ
~~حد التواتر معنى، بل ربما يدعى بلوغها نحو مائتين رواية أو أزيد، غير أن
~~جملة منها صحاح، واخرى موثقات، وثالثة حسان، ورابعة ضعاف منجبرة بالشهرة
~~العظيمة القريبة من الإجماع، مع نقله المدعى فيه الاستفاضة.
# ثم إن جملة منها ما هو صريح أو ظاهر كالصريح في المطلوب، واخرى ما هو
~~ظاهر فيه منطوقا، وثالثة ما هو ظاهر فيه مفهوما، ونحن نراعي في ذكرها هذه
~~الأنواع الثلاث،
# PageV01P176
# فنذكرها بالترتيب المذكور غير مراع فيه مراتب الصحة وغيرها من الأنواع
~~الأربع الأولة.
# فأما النوع الأول: فروايات، منها: ما في التهذيب والاستبصار - الموصوف
~~بالصحة في كلام جماعة - عن الفضل أبي العباس قال: سألت أبا عبد الله (عليه
~~السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش
~~والسباع، فلم أترك شيئا إلا سألته عنه، فقال: " لا بأس به "، حتى انتهيت
~~إلى الكلب، فقال: " رجس نجس لا تتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله
~~بالتراب أول مرة ثم بالماء " (1).
# ومنها: ما فيهما أيضا عن معاوية بن شريح، قال: سأل عذافر أبا عبد الله
~~(عليه السلام) وأنا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار
~~والفرس والبغال والسباع يشرب أو يتوضأ منه؟ فقال: " نعم اشرب منه وتوضأ "،
~~قال: ms139 قلت له الكلب؟ قال: " لا "، قلت أليس هو بسبع؟ قال: " لا والله إنه
~~نجس، لا والله إ نه نجس " (2) وفيهما (3) أيضا مثله بطريق آخر إلى معاوية
~~بن ميسرة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفي الرجال (4) اتحاده مع معاوية
~~بن شريح.
# ومنها: ما عن التهذيب في كتاب الأطعمة والأشربة عن أبي بصير، قال: " دخلت
~~ام معبد العبدية على أبي عبد الله (عليه السلام) وأنا عنده، قالت: جعلت
~~فداك أنه يعتريني قراقر في بطني، إلى أن قالت: وقد وصف لي أطباء العراق
~~النبيذ بالسويق وقد وقفت وعرفت كراهتك له فأحببت أن أسألك عن ذلك، فقال:
~~وما يمنعك عن شربه؟ قالت: وقد قلدتك ديني فألقى الله حين ألقاه فاخبره أن
~~جعفر بن محمد أمرني ونهاني، فقال: " يا أبا محمد ألا تسمع إلى هذه المرأة
~~وهذه المسائل، لا والله لا آذن لك في قطرة فلا تذوقي منه قطرة، إلى أن قال:
~~ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما يبل منه الميل ينجس حبا من ماء
~~يقولها ثلاثا " (5).
# PageV01P177
# وجه الاستدلال بالخبر الأخير واضح لا حاجة معه إلى البيان، وأما الأولان
~~فلأنهما يقضيان بالصراحة أن السبعية ليست عنوانا يقتضي المنع عن الماء، بل
~~المقتضي له إنما هو النجاسة التي يمتاز بها الكلب عن غيره من سائر الأنواع
~~المذكورة في الخبرين، ولا ريب أن تعليق الحكم بالنجاسة ليس إلا من جهة أنها
~~تؤثر في النجاسة، ثم إن الحكم على الكلب بكونه رجسا نجسا وارد مورد التعليل
~~وإن كان مقدما في الخبر الأول على ما علل به كما يشهد به التأمل الصادق،
~~فيعم سائر النجاسات ومعه يتعدى إليها الحكم، فيندفع به جملة من الاعتراضات
~~الآتية، نعم هنا بعض آخر من الاعتراضات يعلم اندفاعه بما يأتي إن شاء الله.
# وأما النوع الثاني فروايات كثيرة منها: ما في زيادات التهذيب في الصحيح
~~عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن
~~الدجاجة والحمامة و أشباهها تطأ العذرة، ثم تدخل في الماء يتوضأ منه ms140
~~للصلاة؟ قال (عليه السلام): لا، إلا أن يكون الماء كثيرا قدر كر " (1).
# ومنها: ما فيه في باب آداب الأحداث في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر
~~البزنطي قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الإناء
~~وهي قذرة قال (عليه السلام):
# " يكفئ الماء " (2).
# ومنها: ما في الكافي في الموثق بسماعة بن مهران في باب " الرجل يدخل يده
~~في الإناء قبل أن يغسلها " عن أبي بصير عنهم (عليهم السلام) قال: " إذا
~~أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلا أن يكون أصابها قذر بول،
~~أو جنابة، فإن أدخلت يدك في الإناء وفيها شئ من ذلك فأهرق ذلك الماء " (3).
# ومنها: ما في باب آداب الأحداث من التهذيب في القوي عن أبي بصير عن أبي
~~عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل
~~إصبعه فيه؟ قال (عليه السلام): إذا كانت يده قذرة فأهرقه وإن كان لم يصبها
~~قذر فيغتسل منه هذا مما قال الله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج)
~~(4).
# PageV01P178
# ومنها: ما في باب الماء إذا ولغ فيه الكلب من التهذيب والاستبصار في
~~الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن الكلب
~~يشرب من الإناء قال:
# " اغسل الإناء " الحديث (1).
# ومنها: ما في باب تطهير الثياب من التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر عن
~~أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن خنزير شرب من إناء كيف
~~يصنع به؟ قال:
# " يغسل سبع مرات " (2).
# ولا يذهب عليك أن في هذا الخبر دلالة على المطلب زيادة على ما في سوابقه،
~~من حيث ظهوره في كون أصل التنجس مفروغا عنه معتقدا للسائل، وإنما وقع
~~السؤال عن كيفية تطهير الإناء، فقرره الإمام (عليه السلام) على ما اعتقده
~~وبين له الكيفية، والمفروض أن السائل هو علي بن جعفر، وهو من أهل الوثاقة
~~والفضل والفقاهة، كما يشهد بها تكثيره في الرواية عن أخيه، ومن البعيد
~~المقطوع ببطلانه أن ms141 يعتقد بما لم يكن أخذه من أخيه، أو ثبت له من ضرورة أو
~~غيرها من الطرق العلمية المتحققة له في عصره.
# ومنها: ما في نوادر كتاب الطهارة من الكافي - في الصحيح - عن علي بن جعفر
~~عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: وسألته عن رجل رعف وهو يتوضأ، فقطر
~~قطرة في إنائه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال: " لا " (3).
# ومنها: ما في باب المياه من التهذيب - في الصحيح - عن علي بن جعفر (عليه
~~السلام) إنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن النصراني يغتسل مع
~~المسلم في الحمام؟ قال (عليه السلام):
# " إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلا أن يغتسل وحده على
~~الحوض، فيغتسل ثم يغتسل " الحديث (4).
# ومنها: ما في باب آداب الأحداث من التهذيب - في الموثق - عن سماعة بن
~~مهران، قال: سألته عن رجل يمس الطست أو الركوة، ثم يدخل يده في الإناء قبل
~~أن
# PageV01P179
# يفرغ على كفيه؟ قال (عليه السلام): " يهريق من الماء ثلاث حفنات، فإن لم
~~يفعل فلا بأس، وإن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم
~~يكن أصاب يده شئ من المني، وإن كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن
~~يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله " (1).
# ومنها: ما في بابي المياه وتطهير المياه من التهذيب، وباب القليل يحصل
~~فيه النجاسة، وعن الكليني أيضا في الكافي - في الموثق - عن سماعة قال: سألت
~~أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما
~~قذر، لا يدري أيهما هو؟
# وليس يقدر على ماء غيره؟ قال: " يهريقهما ويتيمم إن شاء الله " (2).
# ومنها: ما في بابي تطهير المياه وأحكام التيمم، من الزيادات من التهذيب -
~~في الموثق - عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث
~~طويل، قال: سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر، لا يدري
~~أيهما هو؟ وليس يقدر على ماء غيره، قال (عليه السلام): " يهريقهما جميعا
~~ويتيمم " (3).
# وفي هذين الخبرين ms142 مضافا إلى موافقتهما للأخبار الاخر في جهة الدلالة،
~~دلالة اخرى تستفاد من ملاحظة سياق السؤال، بتقريب ما بيناه في خبر علي بن
~~جعفر المتقدم، كما يشهد به التأمل، بل فيهما دلالة من جهة ثالثة وهو أمره
~~(عليه السلام) بالتيمم، وظاهر أن ليس ذلك إلا من جهة نجاسة الماء بوقوع
~~القذر فيه، ثم اشتباه الطاهر بالنجس من باب الشبهة المحصورة التي يجب
~~الاجتناب عنها، كيف ولولا ذلك لما سوغ العدول من المائية إلى التيمم، لمكان
~~كونه طهارة اضطرارية، واحتمال كون ذلك لأجل التغير - كما جنح إليه بعض
~~المتأخرين - لا ينشأ منه أثر بعد مراعاة قاعدة ترك الاستفصال، فتأمل.
# ومنها: ما في الكافي في باب السؤر - في الموثق - عن عمار بن موسى عن أبي
~~عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عما يشرب منه الحمامة؟ قال: " كلما أكل
~~لحمه فتوضأ من سؤره واشرب، وعن ماء شرب منه باز أو صقر، أو عقاب؟ فقال: كل
~~شئ من الطير
# PageV01P180
# يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما
~~فلا تتوضأ منه ولا تشرب " (1).
# ومنها: ما في آخر باب تطهير الثياب من التهذيب - في الموثق - عن عمار
~~الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن الكوز أو الإناء يكون
~~قذرا فيه كيف يغسل؟ - إلى أن قال -: وعن ماء شربت منه الدجاجة؟ قال: " إن
~~كان في منقارها قذر لم تتوضأ منه ولم تشرب، وإن لم تعلم أن في منقارها قذرا
~~توضأ واشرب، وقال: كلما يؤكل لحمه فليتوضأ منه وليشربه، [وسأل] عن ماء يشرب
~~منه صقر أو باز أو عقاب؟
# قال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه: إلا أن ترى في منقاره دما فإن
~~رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه، ولا تشرب " الحديث (2).
# ومنها: ما في أواخر زيادات باب المياه من التهذيب، وسأل عمار بن موسى
~~الساباطي أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ
~~من ذلك الإناء مرارا وغسل منه ثيابه ms143 واغتسل منه، وقد كانت الفأرة منسلخة،
~~فقال: " إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه، ثم
~~فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه، ويغسل كلما أصابه ذلك
~~الماء، ويعيد الوضوء والصلاة، وإن كان إنما رآها بعد ما فرغ من ذلك وفعله
~~فلا يمس من الماء شيئا، وليس عليه شئ، لأنه لا يعلم متى سقطت فيه، ثم قال:
~~لعله أن يكون إنما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها " (3).
# ومنها: ما في الباب المذكور من التهذيب - في الموثق - عن سعيد الأعرج
~~قال:
# سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجرة تسع مائة رطل من ماء، يقع فيها
~~أوقية من دم أشرب منه وأتوضأ؟ قال (عليه السلام): " لا " (4).
# ومنها: ما في باب مياه التهذيب - في الموثق - عن أبي بصير عن أبي عبد
~~الله (عليه السلام) قال: " ليس بأس بفضل السنور أن تتوضأ منه ويشرب، ولا
~~يشرب سؤر الكلب إلا أن
# PageV01P181
# يكون حوضا كبيرا يستقي منه " (1).
# ومنها: ما عن علل الصدوق - في الموثق - عن عبد الله بن يعفور عن أبي عبد
~~الله (عليه السلام) - في حديث - قال: " وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام،
~~وفيها يجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت وهو
~~شرهم، فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، وأن الناصب لنا
~~أهل البيت أنجس منه " (2).
# ومنها: ما في باب دخول الحمام من زيادات التهذيب، عن حمزة بن أحمد عن أبي
~~الحسن الأول (عليه السلام) قال: سألته أو سأله غيري عن الحمام؟ قال: "
~~ادخله بمئزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام،
~~فإنه يسيل فيها ماء يغتسل به الجنب، وولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت،
~~وهو شرهم " (3).
# وفي دلالة هذا الخبر شئ لا يخفى على المتأمل.
# ومنها: ما في باب المياه من التهذيب عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال:
# " إذا ولغ الكلب في الإناء فصبه " (4).
# ومنها: المحكي عن فقه الرضا ms144 قال (عليه السلام): " إذا ولغ كلب في الماء
~~أو شرب منه اهريق الماء وغسل الإناء ثلاث مرات مرة بالتراب ومرتين بالماء
~~ثم يجفف " (5).
# ومنها: المحكي عن كتاب الأطعمة والأشربة من التهذيب عن عمر بن حنظلة،
~~قال:
# قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء
~~حتى يذهب عاديته و يذهب سكره؟ فقال (عليه السلام): " لا والله، ولا قطرة
~~قطرت في حب إلا اهريق ذلك الحب " (6).
# ومنها: ما عن الحميري في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن
~~جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن حب ماء وقع فيه أوقية بول، هل يصلح شربه
~~أو الوضوء؟ قال (عليه السلام): " لا يصلح " (7).
# PageV01P182
# ومنها: ما في باب النزح من التهذيب، عن علي بن حديد عن بعض أصحابنا، قال:
~~كنت مع أبي عبد الله في طريق مكة فصرنا إلى بئر فاستقى غلام أبي عبد الله
~~(عليه السلام) دلوا فخرج فيه فأرتان، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): "
~~أرقه: فاستقى آخر فخرج فيه فأرة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام):
# أرقه، فاستقى الثالث فلم يخرج فيه شئ، فقال: صبه في الإناء، فصبه في
~~الإناء " (1).
# ومنها: ما في باب المياه من التهذيب، عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد
~~الله (عليه السلام) عن سؤر اليهودي والنصراني؟ فقال: " لا " (2).
# ومنها: ما في الحدائق عن الشهيد في الذكرى، وعن غيره في غيره، عن العيص
~~بن القاسم قال: سألته عن رجل أصابته قطرة عن طست فيه وضوء؟ قال: " إن كان
~~من بول أو قذر فليغسل ما أصابه " (3).
# ومنها: ما في المناهل (4) عن الصدوق مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم): " إذا وقع وزغ في إناء فأهرق ذلك الماء، وإذا وقع فيه كلب أو شرب
~~منه أهرق الماء واغسل الإناء مرات " (5).
# ومنها: ما في الصحيح - في زيادات باب المياه من التهذيب - عن ابن أبي
~~عمير عن بعض أصحابه - قال: وما أحسبه إلا حفص بن البختري - قال: قيل لأبي
~~عبد الله (عليه ms145 السلام) العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: "
~~يباع ممن يستحل أكل الميتة " (6).
# وفي رواية اخرى صحيحة في الباب المذكور من الكتاب " أنه يدفن ولا يباع "
~~(7).
# هذا آخر ما وجدناه من مناطيق روايات المسألة وقد عرفت أنها بحسب المتن
~~على قسمين:
# منها: ما هو مشتمل على نفي صلاحية ما لاقاه النجاسة من الماء للتوضي
# PageV01P183
# والاغتسال به.
# ومنها: ما هو مشتمل على النهي عن التوضي والاغتسال، وعن الشرب أيضا
~~والأمر بالإراقة، وهو الغالب جدا.
# وأما وجه الاستدلال بالقسم الأول فواضح، من جهة أن نفي الصلاحية للتوضي
~~عن الماء الملاقي للنجاسة لا يعقل له وجه، إلا بأن يقال: إن الملاقاة قد
~~أوجبت فيه زوال وصف وجودي عليه مدار الصلاحية في نظر الشارع وليس ذلك إلا
~~الطهارة، ولا ريب أن زوالها ملزوم للنجاسة وهو المطلوب.
# ولك أن تقول: إنها أوجبت في الماء حدوث وصف وجودي عليه مدار عدم الصلاحية
~~شرعا، ولا يكون ذلك إلا النجاسة.
# واحتمال أن الوصف الزائل لعله وصف الإطلاق، كاحتمال أن الوصف الحادث لعله
~~التغير.
# يدفعه: القطع بأن القطرة من الدم الواقعة في الإناء، والأوقية من البول
~~الواقعة في الحب لا يوجبان شيئا من ذلك، أما الأول: فواضح، وأما الثاني:
~~فلأن الأوقية - بضم الأول وسكون الثاني وتشديد الياء المثناة - إما عبارة
~~عن أربعين درهما - على ما حكي عن الجوهري (1) - وهو يعادل واحدا وعشرين
~~مثقالا صيرفيا، أو عما اصطلح عليه الأطباء وهو وزن عشرة مثاقيل وخمسة أسباع
~~درهم، - على ما في محكي المغرب (2) - وأيا ما كان فهو لا يعادل عشرا من
~~أعشار الحب، كما لا يخفى، ومعه كيف يعقل كونه سالبا للإطلاق أو موجبا
~~للتغيير، ثم إنه لو سلم أنهما في بعض الفروض، يوجبان أحد الأمرين، فلا يقدح
~~في تمامية الاستدلال بعد ملاحظة ما في الجواب من ترك الاستفصال المفيد
~~للعموم في المقال.
# وأما وجه الاستدلال بالقسم الثاني: فلما تقرر في الاصول من أن الأوامر
~~والنواهي المتعلقة بالعبادات والمعاملات بقرينة المقام التي يكشف عنها
~~العرف وبناء العقلاء - نظير القرينة ms146 في الأمر الوارد عقيب الحظر - ليست على
~~حقائقها، بل هي إرشادية محضة، معراة عن الطلب الحقيقي، واردة لبيان الواقع،
~~وإرشاد المكلف إلى ما يصلحه وتمييزه له عما يفسده، فيراد بالنواهي إحراز
~~المانعية مثلا، كما يراد بالأوامر إحراز
# PageV01P184
# الشرطية أو الجزئية أو نحوهما، ولا يعقل في المقام مانع يكشف عنه النواهي
~~إلا النجاسة، وهذا بالنسبة إلى النواهي عن التوضي والاغتسال واضح وأما
~~بالنسبة إلى النواهي عن الشرب فكذلك، حملا على النظائر بقرينة وحدة السياق،
~~وكذلك الحال في الأمر بغسل الإناء فيما شرب منه الكلب، والأمر بالإراقة
~~ونحوها.
# مضافا إلى ما فيه من احتمال كونه واردا من باب الكناية، مرادا به في
~~الحقيقة النهي عن التوضي، أو الاغتسال أو مطلق الاستعمال نهيا اريد منه
~~الإرشاد حسبما بيناه، بل هذا المعنى مما لا اختصاص له بالمقام بل يجري في
~~جميع أبواب الطهارات والنجاسات والتنجسات، بل وأنت إذا لاحظت الأخبار
~~الواردة في إثبات حكم النجاسة لأنواع النجاسات وإثبات حكم المتنجس لما
~~يلاقيه النجاسة غير الماء من البدن والثياب والأواني وغيرها، لما وجدتها
~~دالة على ذلك إلا بواسطة ما فيها من الأوامر والنواهي، بل قلما يتفق فيها
~~ما يدل على الحكمين بلفظي " النجاسة " و " التنجس "، كما لا يخفى على
~~المتتبع.
# وإن شئت لاحظ الأخبار الواردة في نجاسة البول ونحوه، فترى أنه ليس فيها
~~إلا الأمر بالغسل عنه مرتين، أو الأمر بصب الماء عليه مرتين، وليس ذلك إلا
~~من جهة وروده مورد الإرشاد إلى النجاسة، والتنبيه عليها مجردا عن الطلب
~~الحقيقي، كيف ولو فرضناه مع الطلب كان غيريا وهو أيضا مجاز في قول، أو
~~تقييد في أشهر الأقوال، وما ذكرناه أيضا مجاز، غير أنه في خصوص المقام أرجح
~~من غيره بحكم العرف والتبادر ونحوه.
# بل لنا: أن نثبت الدلالة من غير ابتناء لها على ما ذكرناه من القاعدة في
~~الأوامر والنواهي المتعلقة بالعبادات أو المعاملات، بأن نقول: إنه قد استقر
~~بناء العرف في الطهارات والنجاسات على تعريف الطهارة بالأمر بالاستعمال أو
~~الشرب أو نحو ذلك، وتعريف ms147 النجاسة بالنهي عن الاستعمال، أو الشرب، أو الأمر
~~بالإراقة، أو الصب أو إبقائه على حاله، ألا ترى أنه لو كان هنا ماء معلوم
~~عندك كونه نجسا فأراد أن يأخذه من لا يعلمه على هذا الوصف للشرب أو سائر
~~الاستعمالات، فأنت تعرف له النجاسة المعلومة عندك بقولك: " دعه، أو صبه
~~أولا تشربه " أو نحو ذلك، وهو أيضا لا يفهم من ذلك إلا النجاسة، ولا ريب أن
~~ما ورد في الأخبار أيضا منزل ومنطبق على هذا المعنى العرفي وإن كان مجازيا،
~~فإن الحمل على المجاز بعد ظهور القرينة العرفية ووضوحها PageV01P185
# مما لا ضير فيه، بل كان واجبا جدا.
# ولا ندري أن من ينكر دلالة أوامر المقام و نواهيه على النجاسة، أو يأخذ
~~فيها بالتأويل - حسبما يأتي إليه الإشارة - كيف يصنع في إثبات نجاسة أنواع
~~النجاسات، وبتنجس ما يلاقيها من الثياب وغيرها، فإن عمم في إنكاره بحيث
~~يشمل المقامين فقد سد على نفسه باب إثبات الحكمين، وإن خصه بالمقام كان
~~مكابرة محضة، حيث إنه فرق بين أمرين لافرق بينهما في نظر العرف والشرع أصلا
~~ورأسا.
# ولو قيل: بأن الفارق هو الإجماع، يرد عليه: أن مثله موجود في المقام -
~~على ما حكاه جماعة - بناء على أن مخالفة العماني لمعلومية نسبه غير قادحة،
~~من غير فرق فيه بين طريقة قدماء أصحابنا أو متأخريهم.
# وبالجملة: إنكار ما ذكرناه من الدلالة خارج عن قانون الفقاهة، وفهم
~~الأحكام الشرعية من الأدلة اللفظية بطريق الاستنباط كما لا يخفى.
# وما يتوهم من أنه لو صحت الدلالة المدعاة لكانت شاملة للكر وما زاد عليه،
~~مع أنكم لا تقولون بها فيه جزما.
# مما يدفعه أولا: المنع عن العموم المذكور، كيف وأن غالب روايات الباب
~~واردة في الأواني المتخذة للشرب والتوضي والاغتسال، ولا ريب أن مجرى
~~العادات في أمثال هذه الأواني ما لا يسع كرا ولا نصفه ولا ربعه ولا ثمنه
~~ولا عشره.
# وثانيا: المنع عن عموم الحكم بعد ما فرضنا المورد بنفسه عاما، إذ كل مطلق
~~قابل للتقييد، ولا ريب أن الأخبار ms148 الفارقة بين الكر وغيره مقيدات، فتحمل
~~مطلقات المقام على تلك المقيدات.
# واحتمال ابتناء أخبار الباب على صورة التغير - كما سبق إلى بعض الأوهام -
~~مندفع.
# أولا: بمنع جريان أصل الاحتمال، للقطع بعدم كون النجاسات الواردة في
~~أسئلة الروايات موجبة للتغير عادة كقذارة اليد، ولا سيما إذا كانت من مني،
~~والدجاجة الواطئة للعذرة - وأشباهها - الداخلة في الماء، والدم الذي يكون
~~في منقار الطيور وما أشبه ذلك، وكذلك أوقية دم واقعة في جرة تسع مائة رطل
~~من ماء، وإن كان لاحتمال التغير بالقياس إليه نوع قوة خصوصا في بعض أفراد
~~الدم، كما لا يخفى. PageV01P186
# وثانيا: بأن احتمال التغير غير اختصاص الروايات به، والقادح في الاستدلال
~~هو الثاني والقائم في محل المقال هو الأول، و أقصى ما يترتب عليه بعد
~~التسليم بملاحظة قاعدة ترك الاستفصال إنما هو ثبوت عموم في موضوع الحكم،
~~وهو غير مناف للمقصود بعد اندراج محل البحث في هذا العام جزما، مع عدم مخرج
~~له قطعا.
# ومما يرد على الأخذ بهذا الاحتمال - بل على القول بخلاف ما هو ظاهر
~~الأخبار، مضافا إلى ما ذكر - أنه يوجب إبطال التحديد الوارد في الأخبار
~~الكثيرة المجمع على العمل به، وطرح تلك الأخبار مع كثرتها وهو كما ترى.
# أما بيان الملازمة: فلأن هذا التحديد لابد له من فائدة تكون فارقة بين
~~الكر وما دونه، وهذه الفائدة إما عبارة عن النجاسة بالتغير وعدمها فالكر لا
~~ينجس به بخلاف ما دونه، أو عن الانفعال بمجرد الملاقاة وعدمه.
# والأول: باطل بالإجماع وغيره مما تقدم في محله من الدلالة على أن التغير
~~مما يوجب نجاسة الماء ولو كرا أو أكرارا.
# والثاني: مما أبطله أهل هذا القول فلا يبقى إلا أن هذا التحديد قد ورد
~~لغوا، لا يعقل له فائدة اخرى سوى ما ذكرناه.
# ومما يدخل في عداد مناطيق أخبار الباب: ما رواه في باب آداب الأحداث من
~~التهذيب - في الصحيح - عن إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه
~~السلام) الماء الذي لا ينجسه شئ؟ قال: " ذراعان عمقه ms149 في ذراع وشبر سعته "
~~(1).
# وما رواه فيه في الباب المذكور - في الصحيح - عن إسماعيل بن جابر قال:
~~سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجسه شئ؟ قال: " كر "،
~~الحديث (2).
# وما رواه في زيادات التهذيب، وباب القليل الذي يحصل فيه النجاسة من
~~الاستبصار - في الصحيح - وفي الكافي أيضا في الباب المذكور، بطريق فيه سهل
~~بن زياد عن صفوان الجمال قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض
~~التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، وتشرب منها
~~الحمير، ويغتسل منها الجنب، أيتوضأ منها؟ فقال (عليه السلام): وكم قدر
~~الماء؟ قلت: إلى نصف الساق وإلى الركبة، فقال (عليه السلام):
# PageV01P187
# " توضأ منه " (1).
# وجه الدلالة في الأولين: أن السؤال الوارد فيهما يدل على أن السائل كان
~~معتقدا بأن الماء منه ما لا ينجسه شئ، ومنه ما ينجسه شئ، ومشتبها في تشخيص
~~الموضوع وتمييز الأول عن الثاني، وإنما سأل الإمام عما يرفع ذلك الاشتباه
~~فقرره الإمام عليه السلام على الاعتقاد المذكور و أجاب له بما رفع الاشتباه
~~فلولا الحكم كما اعتقده السائل لما كان لتقرير الإمام (عليه السلام) ولا
~~جوابه بما ذكر وجه، بل كان عليه الجواب بما يردعه عن هذا الاعتقاد كما لا
~~يخفى.
# وفي الأخير: أن الإمام (عليه السلام) قد استفصل عن مقدار الماء الذي في
~~الحياض، فلو لم يكن فرق بين قليل الماء وكثيره في الحكم لما كان لذلك
~~الاستفصال وجه، بل كان لغوا، وكان عليه الأمر بالتوضي مطلقا تنبيها للسائل
~~على أن الماء بإطلاقه لا ينجس بما ذكر من النجاسات.
# واحتمال كون نظره (عليه السلام) في ذلك الاستفصال إلى تشخيص ما يتحقق معه
~~التغير الموجب للنجاسة عما عداه.
# يدفعه: أن السؤال الوارد في ذلك يأبى عن ذلك؛ إذ لم يذكر فيه من النجاسات
~~ما يوجب التغير بل لم يذكر فيه نجاسة إلا ولوغ الكلب، وهو كما ترى ليس مما
~~يوجب التغير جدا، ومعه كيف يمكن تنزيل الاستفصال المذكور إلى مراعاة صورة
~~التغير.
# ويمكن تقرير ms150 الاستدلال بالخبرين الأولين من وجه آخر، وهو: أن مقتضى الجمع
~~بين ما ذكر في السؤال وجواب الإمام المطابق له، أن يقال: إن مفاد الرواية
~~أن الماء الذي لا ينجسه شئ بعنوانه الكلي ما كان كرا، أو ما كان عمقه
~~ذراعين وسعته ذراعا وشبرا، فينعكس هذه الكلية بطريقة عكس النقيض إلى أن ما
~~ليس بكر وما لا يكون عمقه ذراعين وسعته ذراعا وشبرا لا يكون بما لا ينجسه
~~شئ، ولما كان النفي في النفي مما يفيد الإثبات فكان مفاد العكس إثبات
~~النجاسة لما كان فاقدا للوصفين معا وهو المطلوب، غير أن الدلالة فيهما على
~~هذا التقرير تكون من باب المفهوم، فيدخلان في عداد أخبار النوع الثالث، ولا
~~ضير فيه بعد وضوح المطلب.
# PageV01P188
# وأما أخبار هذا النوع فكثيرة أيضا.
# منها: صحيحة محمد بن مسلم - الواردة في باب آداب الأحداث من التهذيب،
~~وباب مقدار الماء الذي لا ينجسه شئ من الاستبصار - عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) إنه سئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل منه
~~الجنب؟ قال (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1).
# ومثله الصحيح في الكافي - في باب الماء الذي لا ينجسه شئ - عن محمد بن
~~مسلم، إلا أنه قال فيه: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الذي
~~تبول فيه الدواب " إلى آخر المتن المذكور (2).
# ومنها: صحيحة معاوية بن عمار - الواردة في الكتب الثلاثة في الأبواب
~~المذكورة - قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " إذا كان الماء
~~قدر كر لم ينجسه شئ " (3).
# ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) - الواردة في
~~باب المياه من زيادات التهذيب - قال: قلت له الغدير ماء مجتمع تبول فيه
~~الدواب، وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب؟ قال (عليه السلام): " إذا كان
~~الماء قدر كر لم ينجسه شئ، والكر ستمائة رطل " (4).
# ومنها: الضعيف المنجبر بعمل الأصحاب المذكور - في الباب المتقدم من
~~الكافي - عن الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد الله (عليه السلام) ms151 قال: "
~~إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شئ، قلت: وكم الكر؟ قال: ثلاثة أشبار
~~ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها " (5).
# ومنها: الصحيحة المذكورة في باب المياه من زيادات التهذيب عن علي بن جعفر
~~عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية
~~أو مستنقع أيغتسل منه لجنابته، أو يتوضأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره؟
~~والماء لا يبلغ صاعا
# PageV01P189
# للجنابة، ولا مدا للوضوء، وهو متفرق فكيف يصنع وهو يتخوف أن يكون السباع
~~قد شربت منه؟ فقال (عليه السلام): " إذا كانت يده نظيفة فليأخذ كفا من
~~الماء بيد واحدة فلينضحه خلفه، وكفا أمامه، وكفا عن يمينه، وكفا عن شماله،
~~" الحديث (1).
# ومنها: موثقة شهاب بن عبد ربه - الواردة في الكافي في باب الرجل يدخل يده
~~في الإناء قبل أن يغسلها - عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل الجنب
~~يسهو فيغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها؟ قال: " إنه لا بأس إذا لم يكن
~~أصاب يده شئ " (2).
# ومنها: الحسن كالصحيح بإبراهيم بن هاشم - الوارد في حكم الجنابة من
~~التهذيب - عن زرارة قال: قلت له كيف يغتسل الجنب؟ فقال: " إن لم يكن أصاب
~~كفه مني غمسها في الماء ثم بدأ بفرجه فأنقاه، ثم صب على رأسه ثلاث أكف، ثم
~~صب على منكبه الأيمن مرتين، وعلى منكبه الأيسر مرتين، فما جرى عليه الماء
~~فقد أجزأه " (3).
# وهذا الخبر باعتبار سنده لا يخلو عن شئ لما فيه من الإضمار، وإن قيل فيه
~~بأن الظاهر أن المضمر أحد الصادقين [(عليهما السلام)].
# ومنها: موثقة سماعة - المذكورة في باب آداب الأحداث من التهذيب - عن أبي
~~عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا أصابت الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء
~~فلا بأس، إن لم يكن أصاب يده شئ من المني " (4).
# ومنها: موثقة عمار - الواردة في باب تطهير الثياب من التهذيب - عن أبي
~~عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح أن
~~يكون فيه الخل أو كامخ أو ms152 زيتون؟
# قال: " إذا غسل فلا بأس وعن الإبريق يكون فيه خمر أيصلح أن يكون فيه ماء
~~قال إذا غسل فلا بأس " (5).
# ومنها: المحكي عن كتاب الوسائل، وكتاب قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن
~~أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الشرب في الإناء يشرب منه الخمر
~~قدحان عيدان أو
# PageV01P190
# باطية؟ قال (عليه السلام): " إذا غسله فلا بأس " (1).
# ومنها: المحكي عن مصابيح السيد عن محمد بن الحسن الصفار في كتاب بصائر
~~الدرجات - في الصحيح - عن شهاب بن عبد ربه قال: أتيت أبا عبد الله (عليه
~~السلام) أسأله فابتدأني، فقال: " إن شئت أخبرتك بما جئت له، قلت: أخبرني
~~جعلت فداك، قال (عليه السلام):
# جئت تسأل عن الجنب يغرف الماء من الحب بالكوز، فيصيب يده الماء، قال: قلت
~~نعم، قال (عليه السلام): ليس به بأس، قال: وإن شئت سل وإن شئت أخبرتك، قلت:
~~أخبرني قال (عليه السلام):
# جئت تسأل عن الجنب يسهو فيغمز يده في الماء قبل أن يغسلها؟ قال: قلت وذلك
~~جعلت فداك، قال (عليه السلام): إذا لم يكن أصاب يده شئ فلا بأس " (2).
# ومنها: رواية علي بن يقطين - المذكورة في باب المياه من التهذيب - عن أبي
~~الحسن (عليه السلام) في الرجل يتوضأ بفضل الحائض؟ قال: " إذا كانت مأمونة
~~فلا بأس " (3).
# ومنها: ما في الباب المذكور من الكتاب عن عيص بن القاسم قال: سألت أبا
~~عبد الله (عليه السلام) عن سؤر الحائض؟ قال: " توضأ منه، وتوضأ من سؤر
~~الجنب إذا كانت مأمونة " (4).
# وجه الدلالة في هذا النوع من الأخبار: أن الحكم الوارد فيها أعني عدم
~~التنجيس كما في الأربعة الأولية، وتجويز الأخذ من الماء كما في الخامسة،
~~وتجويز غمس اليد في الماء كما في السادسة، وتجويز الوضوء من سؤر الجنب كما
~~في الثاني عشر، ونفي البأس كما في البواقي معلق على وصف الكرية في الأول،
~~ووصف النظافة في الثاني، وعدم إصابة المني الكف أو اليد والغسل والمأمونية،
~~ومن المقرر في محله أنه في الجمل الشرطية يفيد انتفاء الحكم عند انتفاء
~~الوصف ms153 المعلق عليه على ما هو مفاد حجية مفهوم الشرط، وهو في الأربعة الاول
~~عين المطلوب، وفي البواقي كاشف عنه، فإن نفي الجواز كإثبات البأس مما لا
~~معنى له إلا لكونه لأجل مانع، ولا يعقل ما يصلح المنع إلا النجاسة، أو أنه
~~المتبادر عرفا في نظائر المقام كما تقدم الإشارة إليه.
# فروايات هذا النوع كلها متفقة في وجه الدلالة، لكونها في الجميع من باب
~~مفهوم
# PageV01P191
# الشرط، وإن حصلت المفارقة بينها في كمية المدلول، حيث إن الأربع الاول
~~تفيد المطلب بتمامه، وعمومه بالقياس إلى الماء والنجاسة معا - بناء على ما
~~ستعرف تحقيقه - بخلاف البواقي فإنها لا تفيده إلا في موارد خاصة ورد ذكرها
~~في أسئلة تلك الأخبار، فإن الحكم المستفاد منها لا يتعدى تلك الموارد إلا
~~مع ضميمة خارجية كالإجماع المركب وعدم القول بالفصل، إذ ليس فيها ما يفيد
~~العموم وضعا أو عرفا بالقياس إلى الماء ولا إلى النجاسة، فبمجرد تلك
~~الأخبار لا يمكن القول بأن كل ماء في كل حال ينجس بملاقاة كل نجس كما لا
~~يخفى.
# هذا كله على حسبما استفدناه من كلام القوم في تقرير وجه الدلالة، غير أن
~~لنا مناقشة على ما ذكروه في خصوص الأربعة الاول، لعدم انطباق الدلالة
~~القائمة بها على قاعدة حجية مفهوم الشرط، لأن معنى الحجية على القول بها -
~~كما هو المحقق عندنا أيضا كون مفاد القضية بملاحظة أداة الشرط السببية
~~التامة القائمة بالمقدم بالقياس إلى التالي، التي تفسر بكون الشئ بحيث يلزم
~~من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، وقد قطعنا بملاحظة الخارج أن الكرية
~~بنفسها ليست سببا تاما لعدم التنجس، وإنما هو جزء للسبب، لأن السبب التام
~~هو المجموع منها ومن عدم التغير.
# هذا بناء على الإغماض عما يساعد عليه النظر، وإلا فلنا أن نمنع دعوى كون
~~هذا المجموع أيضا سببا، لأن المعهود في السبب كونه مؤثرا فيما هو مسبب منه،
~~ونحن نقطع بأنه لا تأثير لشئ من الكرية وعدم التغير في طهارة الماء، بل
~~الطهارة حيثما تكون قائمة من مقتضيات نفس الطبيعة ms154 المائية ولوازمها كنجاسة
~~الكلب ونحوها، كما نطق به قوله عز من قائل: ﴿و أنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (1)، وقوله (صلى
~~الله عليه وآله): " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ، إلا ما غير لونه أو
~~طعمه أو ريحه " (2).
# فإن قضية ذلك كون النجاسة بالنسبة إلى الماء من الطوارئ التي لا يلحقه
~~إلا بعد ارتفاع ما هو من مقتضياته وأوصافه المستندة إلى طبيعته، ولا ريب أن
~~الوصف الأصلي للشئ لا يعقل ارتفاعه عن ذلك الشئ إذا كان بنفسه مقتضيا له،
~~حتى يطرأ محله وصف وجودي
# PageV01P192
# آخر إلا من جهة قيام رافع لولاه لما كان مرتفعا، ومما جعله الشارع رافعا
~~لطهارة الماء أو كشف عن رافعيته إنما هو التغير بالنجاسة، فإذا فرض كون
~~وجوده رافعا لها فكيف يعقل كون عدمه مؤثرا في وجودها ومحدثا لها ولو بعنوان
~~الجزئية، وإلا لزم ارتفاع النقيضين أو ضدين لا ثالث لهما، إذ المفروض كون
~~كل من الطهارة والنجاسة مستندة إلى أمر خارج عن ذات الماء، فالذات بما هي
~~هي معراة عن كلا الوصفين، وإن لم يمكن فرض خلوها عن أحدهما باعتبار الزمان،
~~حيث إنها لا تخلو عن أحد وصفي التغير وعدمه، إلا أنه كما لا يمكن ارتفاع
~~النقيضين أو الضدين عن الشئ باعتبار الزمان - أي في زمان من الأزمنة -
~~فكذلك لا يمكن ارتفاعهما عنه باعتبار الذات - بمعنى خلوها بما هي هي عنهما
~~معا - ولذلك جعل وصف الماء باعتبار ذاته وخلقته الطهارة، كما يرشد إليه
~~أيضا تعليق عدم الطهارة على العلم بالقذارة، المستفاد من قولهم (عليهم
~~السلام): " الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر " (1) فلو لم يكن وصفه الأصلي
~~هو الطهارة ولا أن عدمها من جهة طرو ما يرفعها، لوجب تعليق عدم قذارته على
~~العلم بالطهارة كما لا يخفى.
# فإذا ثبت أن طهارة الماء من مقتضيات ذاته، وأنه لا يحكم عليها بالعدم إلا
~~من جهة طرو ما يوجب ارتفاعها، وأن عدم التغير ليس بمؤثر فيها، بل هو حيثما
~~وجد معها يكون من ms155 باب المقارنات الاتفاقية، وأن التغير هو الذي يؤثر في
~~عدمها ويوجب ارتفاعها، علم أن ملاقاة النجاسة في الماء القليل أيضا من
~~مقولة الروافع، ولكن بهذا الشرط - أي شرط القلة -، فالعلة في ارتفاع
~~الطهارة التي هي من مقتضيات ذات الماء حينئذ مركبة عن وصفي القلة
~~والملاقاة، فإذا كان وجود هذين الوصفين مؤثرا في ارتفاع الطهارة فلا يعقل
~~كون عدمهما مؤثرا في وجود الطهارة لعين ما تقدم.
# وقضية ذلك أن لا يكون وصف الكرية كوصف عدم التغير مؤثرا في الطهارة، بل
~~هو كأخيه حيثما وجد مع الطهارة كان من المقارنات الاتفاقية، وإنما اعتبره
~~الشارع مناطا للحكم لا من جهة أنه مؤثر - ولو بعنوان الشرطية - بل من جهة
~~أنه ميزان كلي هو ملزوم لانتفاء ما هو مؤثر في ارتفاع الطهارة، وشرط لطرو
~~النجاسة وهو القلة، وإلا فالمقتضي للطهارة كما عرفت هو نفس الذات لا بشرط
~~هذا الوصف، كيف ولو كان له
# PageV01P193
# مدخل في اقتضاء الطهارة ولو بعنوان الشرطية لزم انتفاء الطهارة في الماء
~~القليل الغير الملاقي للنجاسة أيضا، ضرورة أن المشروط عدم عند عدم شرطه،
~~وهو بديهي البطلان، وهذا أيضا من أقوى الشواهد على أن طهارة الماء مستندة
~~إلى ذاته من غير مدخل للكرية فيها، وإلا لزم تخلف الشرط عن المشروط وهو
~~محال.
# وقضية كل ما ذكر عدم إمكان تتميم الاستدلال على المطلب بقاعدة حجية مفهوم
~~الشرط، بل لابد وأن يقال - في تقريب الاستدلال -: بأن مقتضى ظاهر الجملة
~~الشرطية وإن كان سببية المقدم للتالي، ولكن الصارف في خصوص المقام صرفنا عن
~~هذا الظاهر ومنعنا عن الحكم على الكرية بالسببية التامة، فإما أن يحكم
~~عليها حينئذ بالشرطية - بالمعنى المصطلح عليه عند الاصولي - فيكون مفاد
~~القضية العلقة الشرطية على حد ما هو في قولك: " إن قبضت في المجلس صح الصرف
~~"، أو يحكم بكونها ملزومة للطهارة من جهة أنها ملزومة لانتفاء ما هو شرط
~~للنجاسة، فيكون مفاد القضية مطلق الملازمة، معراة عن التأثير والعلقة
~~السببية والشرطية فيما بين المقدم والتالي، على حد ما في قولك: " إن ms156 كنت
~~محدثا فصلاتك ليست بصحيحة ".
# وكل من هذين المعنيين وإن كان معنى مجازيا للقضية - حسبما تقرر في الاصول
~~- إلا أن المتعين منهما بعنوان القطع واليقين هو المعنى الثاني، بقرينة ما
~~قررناه من عدم إمكان فرض الكرية شرطا، ومعه يثبت المفهوم وهو الانتفاء مع
~~الانتفاء، وإن لم يكن من باب مفهوم الشرط في الاصطلاح، وهو كاف في تمامية
~~الإستدلال وثبوت المطلب جدا.
# ثم إنه أورد على روايات الباب بوجوه:
# منها: ما يرد على ما اشتمل منها على الأمر بالغسل أو الصب أو الإراقة
~~والنهي عن الشرب أو التوضي أو الاغتسال، من أن الاستدلال بأمثال ذلك إنما
~~تصح إذا كان الأمر والنهي حقيقة في الوجوب والتحريم وهو في حيز المنع، ولو
~~سلم فيشكل التعلق بهما في الحمل على الوجوب والتحريم، لشيوع استعمالهما في
~~كلام الأئمة في الندب والكراهة، بحيث صارا من المجازات الراجحة المساوي
~~احتمالها في اللفظ لاحتمال الحقيقة، كما صرح به صاحب المعالم (1) وتبعه
~~غيره.
# PageV01P194
# ومنها: ما يرد على ما علق فيه الحكم على نظافة اليد من باب مفهوم الشرط،
~~من أن طهارة اليد إنما جعلت شرطا لوجوب الاستعمال، لمكان الأمر الذي هو
~~حقيقة في الوجوب، واللازم منه انتفاء الوجوب بانتفائه لا انتفاء الجواز.
# ومنها: ما يريد على ما اشتمل من الروايات على نفي البأس معلقا على ما ذكر
~~فيها من الشروط، من أن نفي البأس نفي للحرمة والكراهة معا، فثبوته يقتضي
~~ثبوت أحدهما فلا يتعين ثبوت الحرمة، إذ العام لا يدل على الخاص.
# ومنها: ما يرد على ما يكون دلالته من باب المفهوم، من منع حجية المفهوم.
# ومنها: ما يرد على ما اشتمل منها على لفظة " النجاسة "، من منع كونها في
~~عرفهم بالمعنى المصطلح عليه الآن، لجواز كونها بمعنى الاستقذار والاستكراه،
~~وحينئذ لا تثبت نجاسة القليل بالمعنى المصطلح الذي هو المتنازع فيه، بل
~~إنما ثبت استقذارها، وغاية ما يلزم كراهة استعماله بعد ملاقاة النجاسة ولا
~~نزاع فيه، سلمنا كونها في عرفهم لهذا المعنى غير أنها يعارضها عمومات دالة
~~على عدم ms157 نجاسة الماء ما لم يتغير - كما سيأتي في حجة القول بعدم التنجيس -
~~ولا نسلم أن تخصيص العمومات بها أولى من حملها على المجاز، بل الرجحان مع
~~الثاني بملاحظة الأصل والاستصحاب والعمومات المتقدمة الدالة على طهارة
~~الماء ما لم يعلم أنه قذر.
# ومنها: ما ورد على ما اشتمل منها على عبارة " إذا كان الماء قدر كر لم
~~ينجسه شئ " من حيث إن مفهومه " إذا لم يكن الماء قدر كر ينجسه شئ "، وهو لا
~~يدل على الكلية المدعاة من انفعال كل ماء بكل نجاسة، نظرا إلى أن " شيئا "
~~في قضية المفهوم نكرة في سياق الإثبات، فلا يفيد العموم.
# والجواب عن الأول، أولا: بأن المحقق في محله المدلول عليه بالقاطع كون
~~الأمر حقيقة في الوجوب والنهي حقيقة في التحريم، وتفصيل ذلك في محله.
# وثانيا: بأن المطلب غير مبتن ثبوته على كون المراد بهما الوجوب والتحريم،
~~لما عرفت من قيام القرينة العرفية على إرادة الإرشاد، وهو وإن كان معنى
~~مجازيا، غير أن المصير إليه واجب مع القرينة، فلا يضر فيه عدم كونهما حقيقة
~~في الوجوب والتحريم، ولا كونهما من المجازات الراجحة في الندب والكراهة، لو
~~سلمنا أصل هذه الدعوى PageV01P195
# وأغمضنا عما أوردناه في دفعها وإبطالها في محله.
# وبالجملة: فكل من هاتين المناقشتين مما لا وقع له في خصوص المقام، بعد
~~ملاحظة ما قررناه في توجيه الاستدلال.
# وعن الثاني: بمنع كون المعلق على وصف الطهارة وجوب الاستعمال - بناء على
~~ما قررناه من عدم كون أمثال هذه الأوامر مرادا منها الوجوب - بل المراد
~~منها الإرشاد إلى الطهارة وتعريفها، وإن كان المستعمل فيه هو تجويز
~~الاستعمال، فيكون المعلق على الوصف المذكور هو الأمر بهذا المعنى، واللازم
~~من ذلك انتفاء الجواز عند انتفائه، ويكون ذلك إرشاد إلى النجاسة بالملاقاة
~~وتعريفها وهو المطلوب.
# وعن الثالث: بمنع إطلاق القول بكون نفي البأس مرادا منه نفي الحرمة
~~والكراهة، بل يختلف مفاده في استعمالات الشارع بحسب اختلاف الموارد حسبما
~~يشهد به الانسباق العرفي المقرون بقرينة المقام، فيراد به في موضع توهم
~~الحرمة ms158 نفي الحرمة، وفي موضع توهم الكراهة نفي الكراهة، وفي موضع توهم فساد
~~المعاملة نفي جهة الفساد، وفي موضع توهم بطلان العبادة نفي الجهة المقتضية
~~له، وفي موضع توهم النجاسة نفي النجاسة، وإنما يعلم ذلك الاختلاف بملاحظة
~~الأسئلة الواردة في الروايات، فإن كل سؤال يرد في موضع توهم شئ مما ذكر
~~ويرد الجواب على طبقه، فيراد من نفي البأس حينئذ نفي ما توهمه السائل ليكون
~~الجواب مطابقا للسؤال، ولا ريب أن الظاهر من الأسئلة الواردة في باب المياه
~~كونها في موضع توهم النجاسة، فيكون نفي البأس الوارد في أجوبتها مرادا به
~~نفي النجاسة، وقضية ذلك كون المراد بالبأس في جانب المفهوم إثبات النجاسة
~~وهو المطلوب.
# وعن الرابع: بالمنع عن دعوى عدم حجية المفهوم، بل المحقق الثابت في محله
~~هو الحجية، غير أنه قد عرفت في المقام عدم إمكان المصير إلى المعنى الحقيقي
~~لقيام صارف عنه، ولكنه لا يقدح في نهوض الدلالة من جهة اخرى على المطلوب
~~وإن كانت مجازية، وهي مع قيام القرينة القاضية بالتعيين مما يجب المصير
~~إليها، وقد تبين القرينة التي مفادها مطابق لمفاد المعنى الحقيقي بالقياس
~~إلى أصل المطلب.
# وعن الخامس: فعن وجهه الأول: بمنع ابتناء ثبوت المطلب على ثبوت الحقيقة
~~PageV01P196
# الشرعية في تلك اللفظة، بل نقول: بأن لفظ " النجاسة " كلفظ " الطهارة "
~~باق على معناه الأصلي اللغوي وهو القذارة قبالا للنظافة، غير أن المعلوم من
~~طريقة الشارع أن مصداق النجاسة بهذا المعنى في نظر الشارع غير ما هو
~~مصداقها في نظر العرف، فإنهم يروه صفة ظاهرية يعرض الماء وغيره من الألوان
~~المكروهة والأرياح النتنة و الطعوم المستقبحة، والشارع يراه صفة معنوية
~~تعرض الماء وغيره وتوجب المنع عن الاستعمال، فإذا علمنا من طريقة الشارع،
~~اعتبار هذا المعنى في مصداق النجاسة في سائر الموارد يجب علينا اعتباره في
~~كل موضع لم يقم قرينة على خلافه والمقام منه.
# هذا مضافا إلى أن احتمال الاستقذار والاستكراه العرفيين ليس مما ينبغي
~~تنزيل كلام الشارع إليه، من حيث إن بيان أمثال ذلك ليس من ms159 وظيفته، بل
~~اللائق بشأنه وبمنصب الإمامة إنما هو بيان النجاسة بالمعنى الشرعي.
# ودعوى: كون بيان غيره لأجل التنبيه على كراهة الاستعمال، يدفعها: منع
~~الكراهة بمجرد ملاقاة النجاسة من دون انفعال، لعدم قيام الدلالة عليه شرعا،
~~ومجرد الاحتمال غير كاف في نهوضها، ولا يعارض الدلالة المعتبرة القائمة
~~بإرادة المعنى الشرعي.
# وعن وجهه الثاني: بمنع المعارضة أولا، ومنع كون الرجحان في جانب المعارض
~~ثانيا، بل الرجحان في جانب روايات الباب لقوة دلالتها في أنفسها لما فيها
~~من الصراحة والظهور منطوقا ومفهوما، واعتضادها بالشهرة العظيمة القريبة من
~~الإجماع، ولا مرجح في جانب المعارض، لكون الأصل والاستصحاب غير صالحين
~~للترجيح، كما ذكرناه مرارا ولا منافاة لعموم ما دل على طهارة الماء حتى
~~يعلم أنه قذر، لدخول المقام في غاية هذا العام، بناء على أن العلم المأخوذ
~~فيه غاية أعم من الشرعي، والأخبار المقامة على النجاسة علم شرعي.
# فيبقى إعراض الأصحاب عن العمل بالأخبار المعارضة مع كثرتها على ما توهمه
~~الذاهب إليها موهنا فيها، كاشفا عن قصور فيها سندا أو دلالة أو هما معا،
~~وتمام الكلام في منع نهوضها دليلا على عدم الانفعال، يأتي عند ذكر الاحتجاج
~~بها.
# وعن السادس: بمنع كون قضية المفهوم كما ذكر، بل هو قضية معقولة لو عبر
~~عنها باللفظ لعبر بقولنا: " إذا لم يكن الماء قدر كر ينجسه كل شئ من
~~النجاسات " وتحقيق PageV01P197
# القول فيه مع الدليل عليه في الاصول، ومجمل ذلك: أن مفهوم المخالفة كائنا
~~ما كان يعتبر بينه وبين منطوقه الوحدة والمطابقة من جميع الجهات التي منها
~~الكم، إلا جهتي الإيجاب والسلب وموضوعيهما، وكما أن في منطوق قوله (عليه
~~السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) عموما من جهات أربع:
# الأول: في الماء، والثاني: في الشئ، وهذان عمومان أفراديان، والمعنى: كل
~~فرد من أفراد الماء، وكل فرد من أفراد الشئ المنجس، والثالث: في قدر الكر،
~~والرابع: في لم ينجسه، وهذان عمومان أحواليان، فالأول منهما في كيفيات
~~مقادير الكر ومحال وقوعه وأنحاء شكله، والثاني في كيفيات الملاقاة ms160 من
~~التساوي والاختلاف، تسنما أو انحدارا، وورود النجاسة على الماء أو ورود
~~الماء على النجاسة، وأمثال ذلك، مما يستفاد من النسبة، فكذلك يجب أن يعتبر
~~هذا العموم في جانب المفهوم أيضا من جميع الجهات المذكورة، ولا ينافي
~~العموم من الجهة الأخيرة في المفهوم كون عموم الشئ في جانب المنطوق وضعيا،
~~لكونه نكرة في سياق النفي، والوضع منتف عنه في جانب المفهوم، لأن انتفاء
~~الوضع لا يوجب انتفاء ما يقوم مقامه، كما في المجازات وغيرها، وقد قامت
~~القرينة العرفية بل العقلية القطعية على اعتبار العموم في جانب المفهوم
~~أيضا، غايته أنه عموم معنوي حيث لا معبر له في الكلام، ولعله صار منشأ
~~لمزال بعض الأقدام، وكأنه غفلة عن قضية السببية، أو الملازمة المطلقة التي
~~يستحيل معها تحقق المسبب بدون السبب، أو اللازم بدون الملزوم، وإلا لما كان
~~السبب سببا ولا الملزوم ملزوما وقد فرضنا خلاف ذلك.
# ومن أجل ما ذكر نحكم على من أنكر العموم في مفهوم يكون منطوقه عاما - ولو
~~من جهة الإطلاق والسكوت عن التقييد في معرض البيان - بأن مآله إلى إنكار
~~أصل الحجية، مع أنه يعد نفسه من أهل القول بها، ولا يخفى ما في هاتين
~~الدعويين من التهافت الواضح، وهذا ليس بعادم النظير، بعد ما كان مبناه على
~~الغفلة عن حقيقة الحال، والله العالم في جميع الأحوال.
# وبقي الكلام في حجة القول بعدم انفعال القليل بملاقاة النجاسة، وقد احتج
~~العلامة
# PageV01P198
# له في المختلف، بل حكى عن ابن أبي عقيل الاحتجاج بأنه: " قد تواتر عن
~~الصادق عن آبائه (عليهم السلام) " أن الماء طاهر لا ينجسه إلا ما غير لونه
~~أو طعمه أو رائحته "، ولأنه سئل (عليه السلام) عن الماء النقيع والغدير
~~وأشباههما، فيه الجيف والقذر، وولوغ الكلاب ويشرب منه الدواب وتبول فيه
~~أيتوضأ منه؟ فقال: لسائله: " إن كان ما فيه من النجاسة غالبا على الماء فلا
~~تتوضأ منه، وإن كان الماء غالبا على النجاسة فتوضأ منه واغتسل " (1).
# وروي عنه (عليه السلام) في طريق مكة أن بعض مواليه استقى ms161 له من بئر دلوا
~~من ماء فخرج فيه فأرتان، فقال: " أرقه "، فاستقى آخر فخرج فيه فأرة فقال: "
~~أرقه ثم استقى دلوا آخر فلم يخرج فيه شئ فقال له: صبه في الإناء فتوضأ
~~واغتسل منه وشرب " (2).
# وسئل الباقر (عليه السلام) عن القربة، والجرة من الماء سقط فيهما فأرة أو
~~جرذ أو غيره فيموتون فيها، فقال (عليه السلام): " إذا غلب رائحته على طعم
~~الماء أو لونه فأرقه، وإن لم يغلب عليه فاشرب منه وتوضأ واطرح الميتة إذا
~~أخرجتها طرية " (3).
# وذكر بعض علماء الشيعة: أنه كان بالمدينة رجل يدخل إلى أبي جعفر محمد ابن
~~علي (عليهما السلام)، وكان في طريقه ماء فيه العذرة والجيفة وكان يأمر
~~الغلام يحمل كوزا من ماء يغسل رجليه إذا خاضه فأبصرني يوما أبو جعفر (عليه
~~السلام) فقال: " إن هذا لا يصيب شيئا إلا طهره فلا تعد منه غسلا " (4).
# وهذه الأحاديث عامة في القليل والكثير، والأخبار الدالة على الكثير
~~مقيدة، ولا يجوز أن يكونا في وقت واحد للتنافي بينهما، بل أحدهما سابق،
~~فالمتأخر يكون ناسخا والمتأخر هنا مجهول، فلا يجوز العمل بأحد الخبرين دون
~~الآخر، ويبقى التعويل على الكتاب الدال على طهارة الماء مطلقا، وأيضا ليس
~~القول بنجاسة الماء الطاهر بمخالطته للنجاسة بأولى من القول بطهارة النجس
~~لملاقاته الماء الطاهر، مع أن الله تعالى جعل الماء مزيلا للنجاسة " (5).
# PageV01P199
# والجواب عن ذلك: بمنع الصغرى والكبرى معا.
# أما الأول: فلأن التنافي الذي بينهما على تقدير كونهما في وقت واحد، إن
~~اريد به ما يكون كذلك في الظاهر والواقع فالملازمة ممنوعة؛ ضرورة: أن العام
~~إنما يقتضي العموم معلقا على عدم ورود ما يكشف عن عدم اعتبار المتكلم
~~لعمومه وهو الخاص، ومعه لا اقتضاء فيه للعموم واقعا، فلا تنافي بينه وبين
~~الخاص المخالف له واقعا، كما يشهد به العرف والاعتبار من غير فرق في ذلك
~~بين ورودهما في وقت واحد أو في وقتين مع تأخر الخاص أو تقدمه - كما قرر في
~~محله - بل الواجب في الجميع حمل العام على الخاص، وجعل الخاص بيانا ms162 له
~~وقرينة كاشفة عما أراده المتكلم منه.
# وإن اريد به ما يكون كذلك في الظاهر فقط فهو غير قادح في الحمل بل شرطه
~~المحقق له، ولا يقتضي العدول منه إلى النسخ ليعتبر فيه العلم بالتاريخ
~~وتأخر الناسخ عن المنسوخ، كيف ولو صلح ذلك مانعا لجرى في احتمال النسخ
~~أيضا، ولكن بالنسبة إلى الأزمان من حيث إن الناسخ في الحقيقة بيان لانتهاء
~~الحكم، وقد اقتضى دليل الأصل بظاهر إطلاقه أو عمومه دوامه واستمراره، كما
~~هو من شرائط النسخ المقررة في محله.
# وأما الثاني: فلأن النسخ بعد انقطاع الوحي مما لا معنى له، ومع الغض عن
~~ذلك فانقطاع اليد عن التعويل على أحد الخبرين - لعدم إمكان معرفة الناسخ من
~~المنسوخ - موجب لانقطاع اليد عن عموم الكتاب أيضا، بناء على ما عليه بعض
~~المحققين من جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد، فإذا احتمل عمومات الأخبار
~~لكونها منسوخة بمقيد أخبار الكر كان ذلك الاحتمال قائما في الكتاب الدال
~~على طهارة الماء مطلقا، بل لا يعقل فيه البقاء على العموم مع كون ذلك الحكم
~~في الواقع منسوخا، وقضية ذلك عدم جواز التعويل على الكتاب أيضا، بل قضية
~~إناطة التوقف بالنسبة إلى النوعين من الأخبار بالجهل بالمتأخر أن لا يتوقف
~~في منسوخية الكتاب؛ لتأخر الخبر المقيد عنه لا محالة، ومعه يتعين عمومات
~~الأخبار؛ لكونها منسوخة حذرا عن تعدد النسخ كما لا يخفى، وقضية ذلك تعين
~~العمل على المقيد وهو المطلوب.
# وأما ما ذكره في العلاوة، ففيه: أن المصير إلى نجاسة الماء الطاهر
~~بمخالطته للنجاسة ليس لمجرد التشهي وهوى النفس، ليتوجه إليه منع كونه أولى
~~من المصير إلى طهارة PageV01P200
# النجس لملاقاة الماء الطاهر، بل هومن جهة دلالة الشرع عليه بأنحائها
~~المختلفة من الصراحة والظهور، منطوقا ومفهوما وسياقا ونحو ذلك، وعليه يكون
~~ذلك هو الباعث على الأولوية، وليس مثله موجودا في جانب العكس؛ لاعتراف
~~الخصم بأن كل ما فيه من الأخبار لا يكون إلا عمومات أو مطلقات، ولا ريب أن
~~الاولى قابلة للتخصيص والثانية للتقييد.
# وأما ما في العلاوة ms163 الاخرى: من أن الله تعالى جعل الماء مزيلا للنجاسة،
~~إن اريد به ما هو الحال في غسل الثياب وغيرها من المتنجسات القابلة
~~للتطهير، ففيه: أنه حكم خاص تعبدي أثبته الدليل في مورده الخاص به فلا يقاس
~~عليه غيره، ما لم يكن هناك مناط معلوم أو أولوية قطعية أو عرفية، وإن اريد
~~به ما يكون كذلك مطلقا حتى بالقياس إلى المتنازع فيه فهو أول المسألة كما
~~لا يخفى، فيكون التعويل عليه مصادرة بينة.
# وعن المحدث الكاشاني الذاهب إلى عدم انفعال القليل بملاقاة النجاسة
~~الاحتجاج بوجوه:
# أولها: ما رواه السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " الماء يطهر ولا يطهر " (1).
# حيث قال - في الوافي في شرح الحديث -: " إنما لا يطهر لأنه إن غلب على
~~النجاسة حتى استهلكت فيه طهرها ولم ينجس حتى يحتاج إلى التطهير، وإن غلبت
~~عليه النجاسة حتى استهلك فيها صار في حكم تلك النجاسة ولم يقبل التطهير إلا
~~بالاستهلاك في الماء الطاهر، وحينئذ لم يبق منه شئ " (2) انتهى.
# ومحصل الاحتجاج: أن النفي في السالبة إنما هو من جهة انتفاء الموضوع،
~~وذلك من جهة أن الماء إما يستهلك فلا ماء، أو يوجب الاستهلاك فلا ينجس،
~~فليس له حالة يكون فيها باقيا على صدق اسم المائية عليه وهو نجس، حتى يحتاج
~~إلى تطهير يصدق عليه أنه تطهير للماء، وهذا المعنى مما يستفاد من النفي
~~فيكون دليلا على أن الماء بما هو ماء لا ينجس.
# وفيه: مع تطرق القدح في السند كما لا يخفى، منع دلالته على ما ذكر، كيف
~~وأنه
# PageV01P201
# يفضي إلى إنكار تنجسه بالتغير أيضا، ودعوى: أن التغير مما لا يتأتى إلا
~~باستهلاك الماء في النجاسة، يدفعها: البداهة القاضية بأن الاستهلاك موضوع
~~آخر مغاير لموضوع التغير، فهو حال التغير ماء ونجس فيحتاج إلى التطهير،
~~فحمل الرواية على المعنى المذكور إخراج لها إلى الكذب، مع أنه قد سبق منا
~~(1) في معنى الرواية محامل كثيرة ظاهرة لا معنى معها لتكلف الحمل على ms164
~~المعنى المذكور، ولو سلم عدم ظهورها فلا يسلم ظهور هذا المعنى أيضا، ومعه
~~يكون الرواية سبيلها سبيل المجملات فيخرج به عن عداد ما يعتبر في
~~الاستدلالات.
# وثانيها: أنه لو كان معيار نجاسة الماء وطهارته نقصانه عن الكر وبلوغه
~~إليه، لما جاز إزالة الخبث بالقليل منه بوجه من الوجوه مع أنه جائز
~~بالاتفاق؛ وذلك لأن كل جزء من أجزاء الماء الوارد على المحل النجس إذا
~~لاقاه كان متنجسا بالملاقاة، خارجا عن الطهورية في أول آنات اللقاء، وما لم
~~يلاقه لم يعقل أن يكون مطهرا، والفرق بين وروده على النجاسة وورودها عليه -
~~مع أنه مخالف للنصوص - لا يجدي؛ إذ الكلام في ذلك الجزء الملاقي ولزوم
~~تنجسه، والقدر المستعلي لكونه دون مبلغ الكر لا يقوى على أن يعصمه بالاتصال
~~عن الانفعال، فلو كانت الملاقاة مناط التنجيس لزم تنجس القدر الملاقي لا
~~محالة فلا يحصل التطهير.
# وأما ما تكلفه بعضهم من ارتكاب القول بالانفعال هناك من بعد الانفصال عن
~~محل النجاسة فمن أبعد التكلفات، ومن ذا الذي يرتضي القول بنجاسة الملاقي
~~للنجاسة بعد مفارقته عنها وطهارته - بل طهوريته - حال ملاقاته لها برطوبة.
# وفيه: أن الأحكام التعبدية الثابتة في الشريعة من جهة الضرورة لا تدفع
~~بالاستبعادات العقلية، ولا تقابل بالاستغرابات الذوقية خصوصا مع ما اشتهر
~~فيما بينهم من أن مبنى شرعنا على الجمع بين المختلفات والتفريق بين
~~المتفقات، مع إمكان أن يقال: بمنع كون استناد الطهارة إلى نفس الماء وأنه
~~علة تامة له، بل التطهر حقيقة يحصل بإخراج أجزاء النجاسة عن المحل أو إخراج
~~أثرها عنه، ولا يتأتى ذلك إلا بواسطة الماء؛ حيث إنه إذا صب على المحل ما
~~يحيط منه عليه ويستولي على أجزاء النجاسة
# PageV01P202
# الواصلة إليه أوجب إخراجه عنه بالعصر، وما في معناه فيما لا يقبل العصر،
~~خروج أجزاء النجاسة عنه فيطهر، ولا ينافيه الحكم عليه بكونه مطهرا، لأنه هو
~~الموجب لتحقق ما هو مناط التطهير في الحقيقة.
# ومما يؤيد ذلك اعتبار العصر ونحوه في الغسل، وأنه لو كان المحل مما يمكن
~~فيه ms165 عزل أجزاء النجاسة عنه بغير توسط ماء كان طاهرا، كما لو كان عينا جامدة
~~والنجاسة عينية يمكن إلقاؤها مع ما يكتنفها من المحل.
# هذا مع ما اجيب عنه بالنقض بأحجار الاستنجاء، فإن الأصحاب اوجبوا فيها
~~الطهارة وحكموا بأن النجس منها لا يطهر، مع أنها تنجس حال الاستعمال بمجرد
~~الملاقاة، ولم يقل أحد بكون نجاسة هذه مانعة عن حصول طهارة المحل بها،
~~ونحوه الكلام في مسألة تطهير الأرض.
# وثالثها: أن اشتراط الكر مثار الوسواس، ولأجله شق الأمر على الناس، يعرفه
~~من يجربه ويتأمله، ومما لا شك فيه أن ذلك لو كان شرطا لكان أولى المواضع
~~بتعذر الطهارة مكة والمدينة المشرفتين؛ إذ لا يكثر فيها المياه الجارية ولا
~~الراكد الكثير، ومن أول عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى آخر عصر
~~الصحابة لم ينقل واقعة في الطهارات، ولا سؤال عن كيفية حفظ المياه عن
~~النجاسات، وكانت أواني مياههم تتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يتحرزون
~~من النجاسات، بل الكفار كما هو معلوم لمن تتبع.
# وفيه: أن هذا مما لا يفهم معناه، فإن اريد به أن إناطة حفظ الماء عن
~~الانفعال بالكرية مما يوجب الأمرين لما يكثر في المياه من الشك في الكرية،
~~ففيه: مع أنه منقوض بكافة الموازين الشرعية التي انيط بها الأحكام الكلية،
~~كإناطة حلية اللحوم وحرمتها بالتذكية والعدم، وإناطة حل الأموال وحرمتها
~~بالملكية والعدم، وإناطة الملكية بأسبابها المعهودة إلى غير ذلك مما لا
~~يحصى عددا، أن هذا الشك وما يترتب عليه من الأمرين بعد تسليم الملازمة
~~يرتفع بملاحظة الضوابط الكلية، والقواعد المقررة في الشريعة مرجعا للمكلف
~~في مظان الشك والشبهة من الاصول العملية والاجتهادية، فإن هذا الشك غير خال
~~عن كونه إبتدائيا أو مسبوقا بمعلومية الكرية أو معلومية القلة، ولا إشكال
~~في شئ من الصور.
# أما الاولى: فلتعين الرجوع حينئذ إلى الأصل العام المستفاد عن عمومات
~~الطهارة، PageV01P203
# وخصوص الخبر المستفيض " الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر " (1) كما
~~أسسناه وشيدناه، وبالغنا في إحكامه بتتميم الاحتجاج عليه، وعلى الأخيرتين:
~~يرجع إلى ms166 الاستصحاب الجاري فيهما، هذا كله لو اريد بالوسواس ما يحصل
~~للمعتدلين من المكلفين، وأما غيرهم فوسواسهم إنما ينشأ من قبل الشيطان فلا
~~يكون منشأ للأثر.
# وإن اريد به أن من الأناسي طوائف لا يتمكنون عن الكرية، ولا ما هو
~~بمنزلتها لعدم وجود المياه الجارية ولا الراكدة الكثيرة عندهم، فيشق عليهم
~~الأمر في حفظ المياه القليلة عن الانفعال، ومعه يشكل ويعسر عليهم الأمر في
~~سائر معايشهم.
# ففيه: بعد تسليم مثل هذا الفرض، إنا لا نعقل إشكالا ولا عسرا في حفظ
~~المياه حينئذ عن الانفعال، كما أنهم يحفظون المآكل والملابس وغيرها عنه،
~~ومعه لا مجال للوسواس أصلا، سيما بعد ملاحظة ما أوسع الله عليهم من إناطة
~~النجاسة بالعلم بها واكتفائه في طهارة كل شئ بمجرد عدم العلم بالقذارة، مع
~~أن لزوم محذور في بعض الفروض النادرة لا يقضي بنقض القاعدة الكلية، المنوطة
~~بمصالح عامة ملحوظة فيها حال الغالب أو الأغلب، وإلا فكم من هذا القبيل،
~~فيلزم حينئذ هدم جميع القواعد والضوابط الشرعية، مع أن ذلك لو صلح نقضا
~~لكان وروده على المستدل أوضح، وقضى بعدم اعتبار الكرية بالكلية، وستعرف عنه
~~فيما يأتي من تأويله لأخبار الكر أنه يعتبرها ميزانا لمعرفة التغير وعدمه
~~بالنجاسة المعتادة حيثما لم يكن ظاهرا عند الحس.
# وأنت خبير: بأن ذلك أكثر إثارة للوسواس، وأشد مدخلية في صعوبة الأمر على
~~الناس، لكثرة ما يتفق لهم من الشك في التغير عند عدم ظهوره للحس، فيكون
~~نتيجة كلامه إنكارا لما ثبت بضرورة من المذهب - بل الدين - نظرا إلى أن
~~اعتبار الكثرة في الماء في الجملة مما اتفق عليه الفريقان، غاية الأمر وقوع
~~الخلاف بينهما في تقدير تلك الكثرة، حيث إن الأصحاب رضوان الله عليهم
~~قدروها بالكرية أخذا برواياتهم المستفيضة، وغيرهم يقدرونها بطرق اخر مما
~~تقدم إليها الإشارة.
# وأما ما ذكره في تأييد هذا الكلام: " من أنه لم ينقل من أول عصر النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى آخر الصحابة واقعة في الطهارات، ولا سؤال عن
~~كيفية حفظ المياه من النجاسات ms167 "، فهو
# PageV01P204
# من أعجب ما يذكر في هذا المقام، كيف وكم من هذا القبيل فيما بين الأحكام
~~الثابتة في الشريعة، ولا سيما ما اختص منها بالفرقة المحقة، وأي ملازمة بين
~~ثبوت حكم كلي ثمة ونقل واقعة أو وقائع في مراعاة ذلك الحكم إلينا، فإن
~~أمثال هذه الوقائع كثيرا ما لا تنقل اقتناعا ببداهة الحكم فيها، كما أنها
~~قد لا تنقل لمعاندة المعاندين ومكايدة أعداء الدين، الذين كان هممهم مصروفة
~~في إخفاء الشريعة المطهرة، وهدم أساس القوانين النبوية، كما هو معلوم من
~~طريقتهم في مواضع متكثرة، مع أن العبرة بنقل أصل الحكم بعنوانه الكلي، وقد
~~نقل بلسان أئمتنا سلام الله عليهم الذي هو لسان النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم)، مع أن كل واقعة لو فرض نقلها لتطرق إليها التأويل، كما تطرق إلى نقل
~~أصل الحكم المتحقق بما تقدم من وجوه البيان.
# ورابعها: أن ما يدل على المشهور إنما يدل بالمفهوم، والمفهوم لا يعارض
~~المنطوق ولا الظاهر النص، مع أن أقصى ما يدل عليه هذا المفهوم تنجس ما دون
~~الكر بملاقاة شئ ما، لا كل نجاسة فيحمل على المستولية جمعا، فيكون المراد
~~ما لم يستول عليه شئ، أي لم يظهر فيه النجاسة، فيكون تحديدا للقدر الذي لا
~~يتغير بها في الأغلب، ثم عنه: " أنه حمل الأخبار المتضمنة للنهي عن الشرب
~~والوضوء مما لاقته النجاسة على التنزه والاستحباب ".
# ولا يخفى ما في كل هذه الكلمات، فإن دلالة المفهوم من الدلالات المعتبرة
~~في العرف والشرع، والمناقشة فيها بأن أقصاها اقتضاء التنجس بشئ ما لا كل
~~شئ، قد عرفت ما فيها سابقا مما بينا إجمالا، ودعوى: أن المفهوم لا يعارض
~~المنطوق واضحة الفساد، بعد ملاحظة أن المفهوم كثيرا ما يعارض المنطوق ويقدم
~~عليه، ولا سيما المقام الذي وقع فيه التعارض بين ظاهر العام والجملة
~~الشرطية، ومن المقرر في محله أن الجملة الشرطية أظهر في اعتبار المفهوم من
~~العام في إرادة العموم، فيخصص به العام جدا.
# هذا على فرض تسليم ما ادعى دلالته على عدم الانفعال ms168 عموما، وإلا فيتجه
~~المناقشة في أصل الدلالة بالنسبة إلى أكثرها، أو كونها على جهة العموم، فلا
~~منطوق لأكثر تلك الأخبار بحيث يكون منافيا لمفهوم أخبار الانفعال، مع توجه
~~المنع إلى دعوى انحصار تلك الأخبار في كون دلالتها مفهومية؛ لما عرفت من أن
~~أكثرها يدل PageV01P205
# على الانفعال منطوقا بعنوان الصراحة أو الظهور، والعذر في توجيه ما اشتمل
~~منها على الأوامر أو النواهي بحملهما على التنزه والاستحباب قد عرفت ما
~~فيه، من أنهما محمولان من جهة قرينة المقام على معنى آخر غير الوجوب
~~والتحريم والاستحباب والكراهة وهو الإرشاد، ومعه يثبت المطلب.
# هذا مع ما في دعوى كون أخبار المقابل دالة على عدم الانفعال من باب
~~المنطوق على الإطلاق من المنع الواضح، لما سيتضح من أن جملة من ذلك إنما
~~يدل على الحكم مفهوما، وقضية ذلك - مضافا إلى ما سبق - مقابلة مناطيق تلك
~~الأخبار لمناطيق أخبار الانفعال ومقابلة مفاهيمها لمفاهيمها، ولا ريب أن
~~أخبار الانفعال في مناطيقها ومفاهيمها معا مقدمة سندا ومتنا على ما يقابلها
~~منطوقا ومفهوما.
# أما تقدمها سندا: فبحكم أن الموهون منها بالضعف والإرسال يتقوى بالعمل،
~~فضلا عما هو المعتبر منها بالصحة والموثقية والحسن، كما أن المعتبر من
~~الطرف المقابل يتوهن بالإعراض، ويسقط به عن درجة الاعتبار، فكيف بما هو غير
~~معتبر منه في حد ذاته.
# وأما تقدمها متنا: فبحكم المرجحات الداخلية من جهة الدلالة وغيرها،
~~والخارجية باعتبار المضمون وجهة الصدور، وتوضيح ذلك يحتاج إلى ذكر تلك
~~الأخبار مفصلة والتكلم عليها دلالة وغيرها، فنقول: إنها تشتمل على طوائف:
# الطائفة الاولى: ما يدل بمنطوقه على المطلب في الماء والنجاسة بعنوانهما
~~الكلي كالنبوي المتقدم، المدعى تواتره " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ،
~~إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (1) والخبر المستفيض المروي في الكتب
~~الأربعة بطرق متعددة " الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر " (2) وصحيحة محمد
~~بن حمران وجميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) - الواردة في باب التيمم من
~~زيادات التهذيب - أنهما سألاه عن إمام قوم أصابته في سفر جنابة ms169 وليس معه من
~~الماء ما يكفيه في الغسل أيتوضأ ويصلي بهم؟
# قال: " لا ولكن يتيمم ويصلي، فإن الله تعالى جعل التراب طهورا، كما جعل
~~الماء
# PageV01P206
# طهورا " (1) و صحيحة داود بن فرقد - في باب استنجاء زيادات التهذيب -
~~المروية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كان بنوا إسرائيل إذا أصاب
~~أحدهم قطرة من البول - إلى قوله (عليه السلام) -:
# وجعل لكم الماء طهورا إلخ " (2).
# والجواب عن هذه الجملة تارة على الجملة، واخرى على التفصيل.
# أما الأول: فأي عاقل يرضى بالعمل على تلك الأخبار التي هي أعم عمومات ما
~~ورد في الماء، ورفع اليد عن أول أنواع ما تقدم من أخبار الانفعال الذي تضمن
~~نصوصا صريحة لا سبيل إلى إبداء احتمال الخلاف فيها، وإن اختص بموارد خاصة
~~من النجاسات كالكلب والنبيذ، وهل هذا إلا الخروج عن جادة الإنصاف، والتشبث
~~بذريعة الاعتساف، بل هو في الحقيقة يرجع إلى التعمد على مخالفة الحجة، على
~~ما هو دأب أهل الخلاف الملتزمين بإبداء القول على خلاف قول الحجة.
# وأما الثاني: فلمنع دلالة أخبار هذه الجملة على خلاف ما يقتضيه أخبار
~~الانفعال، أما في الخبرين الأخيرين فلوضوح كون الإطلاق فيهما مسوقا لبيان
~~حكم آخر وهو قيام وصف المطهرية بالماء بحسب خلقته الأصلية، وأما عدم قبوله
~~الانفعال لعارض فلا تعرض فيهما لبيانه أصلا، ولذا نقول: إنه لا تنافي
~~بينهما وبين أخبار التغير الموجب للانفعال، نعم لو ثبت أنهما يدلان على أن
~~الطبيعة المائية علة تامة للمطهرية اتجه القول بالدلالة على الحكم المذكور،
~~ولكنه يدفعه: منع الدلالة أولا، بل غاية ما فيه الدلالة على أنها مقتضية
~~لها فلا ينافيه مجامعة المانع الرافع لما هو مقتضاها، وكونها منقوضة ثانيا
~~بالتغير الموجب لزوال الوصف عنه المانع عن حصوله ما دام باقيا، فلو سلمنا
~~فيها الدلالة ظاهرا فكشف عن خلافها القاطع المثبت للتغير عنوانا مقتضيا
~~للتنجس المنافي للوصف المذكور.
# وأما في الثاني: فلعدم تعرض فيه أيضا لبيان حكم الانفعال وعدمه.
# وتوضيح ذلك: أن الطهارة في قوله: " كل ماء طاهر " إن اريد بها الحكم ms170
~~الواقعي الإلهي المجعول لطبيعة الماء، أو الثابت فيه بحسب الواقع فهو لا
~~يغيا بالعلم بالقذارة؛ لأنها من الأحكام التي لا يدخل فيها العلم والجهل،
~~بل هي ثابتة لموضوعها في نفس
# PageV01P207
# الأمر سواء علم بها أو بخلافها المكلف أو لم يعلم بهما، فتعليق خلافها
~~على العلم بالقذارة قرينة واضحة على عدم إرادة هذا المعنى جزما، ولو اريد
~~بها إعطاء حكم ظاهري فمن شأنه التعليق على العلم بالخلاف، وهو الظاهر من
~~الخبر فحينئذ يخرج عن إفادة عدم الانفعال رأسا، لكونه في صدد بيان حكم
~~لصورة الاشتباه، وإفادة أن النجاسة إنما يحكم بها مع العلم بها خاصة، فيكون
~~جاريا مجرى أدلة البراءة المعلقة على العلم بالتكليف، وهو مما لا دخل فيه
~~لعدم الانفعال بالعارض بحسب الواقع أصلا.
# فإن قلت: قضية ذلك دخول القليل الملاقي للنجاسة في موضوع هذا الحكم وهو
~~الاشتباه، ومعه يحكم عليه بالطهارة وهو المطلوب.
# قلت: مع أنه لا يلائم أصل المسألة المفروضة لمعرفة الحكم الواقعي، يدفعه:
~~أنه إنما يتجه مع عدم قيام ما يرفع الاشتباه في خصوص المورد، والأخبار
~~المقامة على الانفعال من النصوص والظواهر رافعة له، وواردة على هذا الخبر
~~باقتضائها الخروج عن الموضوع، فلا معارضة بينه وبينها على ما هو الحال في
~~سائر الأدلة المعلقة على الجهل والاشتباه في مقابلة الاجتهاديات الواردة
~~عليها.
# مع أنه لو سلمنا أن الخبر ورد في مقام إعطاء الحكم الواقعي، فمفاده لا
~~يزيد على كون الطبيعة المائية ملزومة للطهارة من باب المقتضي، وهو لا ينافي
~~مصادفة ما يوجب ارتفاعها كما يرشد إليه تعليق القذارة على العلم بها، ولولا
~~الماء بطبعه قابلا لعروض النجاسة لعرى ذلك عن الفائدة بالمرة، وبطل به
~~قاعدة التغير القائمة على حكم النجاسة.
# فنقول حينئذ: إن القذارة المستندة إلى العلم بها لابد لها من مورد
~~والقليل الملاقي للنجاسة منه بحكم الأخبار الواردة فيه، كما أن منه المتغير
~~بالنجاسة، ولا ينافيه كونها في الخبر معلقة على العلم، لأن الأخبار
~~المذكورة علم شرعي.
# لا يقال: إن العلم حقيقة في الواقعي، فلا يشمل ms171 ما ذكر لكونه معنى مجازيا
~~للعلم.
# لأن ذلك إنما في موضع عدم نهوض ما يصرفه عن ظاهره من القرائن، ولا ريب أن
~~أدلة حجية أخبار الآحاد صارفة له عن ذلك، وحاكمة على هذا الخبر بكشفها عن
~~كون المراد بالعلم ما يعم الشرعي، وإلا أشكل الحال بالقياس إلى التغير، حيث
~~إن أدلته ليست إلا الأخبار، ودعوى: أن أخبار التغير مفيدة للعلم الواقعي
~~لكثرتها والإجماع على PageV01P208
# العمل بها، يعارضها: أن أخبار القليل الملاقي أيضا كذلك لكثرتها، وصراحة
~~دلالة جملة منها، وقيام العمل بها مع شذوذ المخالف وضعف المعارض.
# وأما في الأول: فلأن النظر في الاستدلال إن كان إلى إطلاق الماء فهو قابل
~~للتقييد فيقيد بما دون القليل جمعا، وإن كان إلى عموم النكرة المنفية فهي
~~قابلة للتخصيص بمتصل ومنفصل، وكما أنها مخصصة بما معها من المتصل - وفاقا
~~من الخصم - فكذلك تخصص بالمنفصل جمعا بضرورة من العرف واللغة، ومعه لا يبقى
~~فيه دلالة أصلا.
# الطائفة الثانية: روايات وردت في موارد خاصة من الماء أو النجس أو هما
~~معا تدل بمنطوقها أو مفهومها على المطلب عموما، كحسنة محمد بن ميسر -
~~المروية في الكافي والتهذيب - قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل الجنب ينتهي
~~إلى الماء القليل في الطريق، ويريد أن يغتسل منه، وليس معه إناء يغترف به،
~~ويداه قذرتان؟ قال: " يضع يده ويتوضأ ويغتسل، هذا مما قال الله عزوجل: (ما
~~جعل عليكم في الدين من حرج) " ﴿١﴾ (2).
# وصحيحة أبي خالد القماط، أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول، في
~~الماء يمر به الرجل وهو نقيع فيه الميتة الجيفة، فقال أبو عبد الله (عليه
~~السلام): " إن كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه، وإن
~~لم يتغير ريحه وطعمه فاشرب وتوضأ " (3).
# ورواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، إنه سئل عن الماء النقيع
~~تبول فيه الدواب؟ فقال: " إن تغير الماء فلا تتوضأ منه، وإن لم تغيره
~~أبوالها فتوضأ منه، وكذلك الدم إذا سال ms172 في الماء وأشباهه " (4).
# وصحيحة حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كلما غلب الماء على
~~ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، فإذا تغير الماء أو تغير الطعم فلا توضأ
~~ولا تشرب " (5).
# وموثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن
~~الرجل يمر بالماء
# PageV01P209
# وفيه دابة ميتة قد أنتنت؟ قال: " إن كان النتن الغالب على الماء فلا
~~تتوضأ ولا تشرب " (1).
# وصحيحة شهاب بن عبد ربه، قال: أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) أسأله
~~فابتدأني فقال: " إن شئت يا شهاب فسل، وإن شئت أخبرتك، قال: قلت أخبرني،
~~قال: جئت تسألني عن الغدير يكون في جانبه الجيفة أتوضأ أو لا؟ قلت: نعم،
~~قال: فتوضأ من الجانب الآخر إلا أن يغلب الماء الريح فينتن، وجئت لتسأل عن
~~الماء الراكد من البئر، قال: فما لم يكن فيه تغير أو ريح، قلت: فما التغير؟
~~قال (عليه السلام): الصفرة، فتوضأ منه وكلما غلب كثرة الماء فهو طاهر "
~~(2).
# وصحيحة عبد الله بن سنان قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) - وأنا
~~جالس - عن غدير أتوه وفيه جيفة؟ فقال (عليه السلام): " إذا كان الماء قاهرا
~~ولا يوجد فيه الريح فتوضأ " (3).
# وصحيحة زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الحبل يكون من
~~شعر الخنزير، يستقى به الماء من البئر، أيتوضأ من ذلك الماء؟ قال: " لا بأس
~~" (4).
# وصحيحة هشام بن سالم إنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن السطح يبال
~~عليه: فيكف فيصيب الثوب؟ فقال: " لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه "
~~(5)، بناء على حجية العلة المنصوصة المقتضية لاطراد الحكم في جميع موارد
~~جريانها، واعتبار الأكثرية في موضع النص بالعلية.
# وموثقة سماعة قال: سألته عن الرجل يمر بالميتة في الماء؟ قال: " يتوضأ من
~~الناحية التي ليس فيها الميتة " (6).
# وموثقة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إنا نسافر فربما
~~بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية، فيكون فيه العذرة، ويبول فيه
~~الصبي، وتبول فيه الدابة وتروث؟ ms173 فقال: " إن عرض في قلبك شئ فقل هكذا - يعني
~~افرج الماء بيدك - ثم توضأ، فإن الدين ليس بمضيق، وإن الله تعالى يقول: (ما
~~جعل عليكم في الدين من
# PageV01P210
# حرج) " ﴿١﴾ (2).
# ورواية العلاء بن الفضيل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض
~~يبال فيها؟ قال:
# " لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول " (3).
# ورواية علي بن حمزة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الساكن
~~والاستنجاء منه؟
# قال: " توضأ من الجانب الأخر، ولا توضأ من جانب الجيفة " (4).
# ورواية عثمان بن زياد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أكون في
~~السفر فآتي الماء النقيع ويدي قذرة فأغمسها في الماء؟ قال: " لا بأس " (5).
# ورواية إسماعيل بن مسلم عن جعفر عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) أتى الماء فأتاه أهل الماء، فقالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) إن حياضنا هذه تردها السباع والكلاب والبهائم، قال (صلى الله عليه
~~وآله وسلم):
# " لها ما أخذت بأفواهها، ولكم سائر ذلك " (6).
# وما رواه الصدوق مرسلا عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن غدير فيه
~~جيفة؟ فقال (عليه السلام):
# " إن كان الماء قاهرا لها لا يوجد الريح منه فتوضأ منه واغتسل " (7).
# ورواية محمد بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لو أن
~~ميزابين سالا ميزاب ببول وميزاب بماء، فاختلطا ثم أصابك ما كان به بأس "
~~(8).
# ورواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت راوية من ماء سقطت فيها
~~فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة: قال: " إذا تفسخت فيها فلا تشرب من مائها ولا
~~تتوضأ وصبها، وإن كان غير متفسخ فاشرب منه وتوضأ واطرح الميتة إذا أخرجتها
~~طرية، وكذلك الجرة، وحب الماء، والقربة، وأشباه ذلك من أوعية الماء ".
# PageV01P211
# قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): " إذا كان الماء أكثر من راوية لم
~~ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ إلا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء "
~~(1).
# ورواية الأحول - المحكية عن الصدوق ms174 في العلل - قال: دخلت على أبي عبد
~~الله (عليه السلام) فقال: سل عما شئت فارتجت علي المسائل فقال لي: " سل عما
~~بدا لك، فقلت: جعلت فداك الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به؟
~~فقال: لا بأس، فسكت فقال:
# أو تدري ولم صار لا بأس به؟ فقلت: لا والله جعلت فداك، فقال: إن الماء
~~أكثر من القذر " (2).
# بناء على ما تقدم إليه الإشارة من حجية العلة المنصوصة المقتضية للعموم.
# والرواية المحكية عن كتاب دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~إنه قال: " إذا مر الجنب في الماء وفيه الجيفة أو الميتة، فإن كان قد تغير
~~لذلك طعمه أو ريحه أو لونه فلا يشرب منه، ولا يتوضأ ولا يتطهر منه " (3).
# ولا يخفى أن دفع هذه الأخبار هين بعد المراجعة إلى أخبار الانفعال،
~~لكونها عمومات قابلة للتخصيص أو غيره من أنواع التأويل، فلو قابلناها
~~بالنوع الأول من أخبار الانفعال فلا ينبغي التأمل في تعين تخصيصها بها،
~~لدلالتها الصريحة على الانفعال فيما دون الكر بالخصوص، حيث تضمنت فضل الكلب
~~كما في خبر الفضل بن أبي العباس، أو سؤره كما في خبر معاوية بن شريح،
~~الظاهرين بل الصريحين فيما دون الكر، أوحب من الماء كما في خبر أبي بصير،
~~نظرا إلى أن الحب لا يكون إلا أنه يسع ما دون الكر أو الغالب فيه هو ذلك،
~~ونظيره الكلام فيما لو قابلناها من أخبار النوع الثالث بما تضمن قوله " إذا
~~كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " كما في أربعة أو خمسة من أخبار هذا النوع.
# ودعوى: أن ذلك مفهوم وهو لا يصلح معارضا للمنطوق، قد عرفت ما فيه من
~~صلوحه لذلك، وتقدمه فيما بين الظواهر على ظاهر العام أو المطلق حيثما وردا
~~في كلامين منفصلين، مع اعتضاد المفهوم هنا بوجوه من الخارج كالشهرة العظيمة
~~القريبة من الإجماع، ونقل الإجماعات في حد الاستفاضة، التي منها: ما في
~~محكي الفاضل
# PageV01P212
# الهندي في شرح القواعد (1) عن الناصريات (2) والانتصار (3) والغنية (4)
~~والخلاف (5)، وقوة احتمال التقية فيما يقابله من ms175 المناطيق لموافقته مذهب
~~أكثر العامة كما عرفت في صدر المسألة، مع ما عرفت من أن جملة من الأخبار
~~المقابلة إنما تدل على مطلب الخصم مفهوما، كما في موثقة سماعة ورواية دعائم
~~الإسلام، فالمعارضة حينئذ وإن كانت بين المفهومين إلا أن الأول يقدم لكونه
~~خاصا فيخصص به الثاني لكونه عاما كما لا يخفى.
# وأما لو قابلناها بالنوع الأول والبواقي من مفاهيم النوع الثالث، فطريق
~~العلاج من وجوه:
# أحدها: أن يقال: إن أكثر أخبار هذين النوعين بين صريحة وظاهرة فيما دون
~~الكر، فيخصص بها ما يعمه والكر أيضا، ولا يتطرق إليها المناقشة المذكورة
~~وأما المناقشة في دلالة الأوامر والنواهي الواردة فيها قد عرفت ما فيها، مع
~~ما عرفت في طي الاستدلال بها من قيام الدلالة بها من غير هذه الجهة، مضافا
~~إلى ما عرفت في جملة منها من الأمر بالتيمم الذي لا يصح بإجماع الفرقة إلا
~~مع تعذر المائية عقلا أو شرعا، مع أن الأمر بناء على ابتناء تمامية الدلالة
~~على كونهما مرادا بهما الوجوب والتحريم - كما هو المشهور في وجه الاستدلال،
~~واعترف به الخصم أيضا - دائر بين المجاز والتخصيص، أو التقييد، ومن المقرر
~~في محله أولوية الأخيرين.
# وثانيها: أن يقال: إن النسبة بين الطرفين من الأخبار هو التباين، بناء
~~على الإغماض عما قررناه في الوجه السابق، فيرجح أخبار الانفعال، إما لأنها
~~أظهر دلالة - كما يساعد عليه الإنصاف - أو اعتضادها من المرجحات الخارجية
~~بما يكشف عن اعتبار دلالتها من الشهرة ونقل الإجماع وعدم تطرق احتمال
~~التقية أو ضعفه فيها، أو لأنها لما دلت بعمومها على انفعال الكر أيضا بمجرد
~~الملاقاة فتخصص بما دونه بالإجماع، ومنطوق " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه
~~شئ " الوارد في المستفيض من الأخبار، فيرجع التعارض إلى تعارض العام والخاص
~~المطلقين، وقضية ذلك نهوض تلك الأخبار مخصصة لأخبار الطرف المقابل، فيحمل
~~الحكم الوارد فيها على الكر ويخرج عنها ما دونه.
# PageV01P213
# وثالثها: أنه بعد فرض فقد المرجح والعجز عن الجمع يصير المسألة من باب
~~التعادل، وأقل مراتبه البناء على ms176 التساقط، أو التوقف والرجوع إلى الخارج من
~~أصل ونحوه، ولا ريب أن المرجع حينئذ النوع الأول من أخبار الانفعال، والقسم
~~الأول من مفاهيم أخبار النوع الثالث، لبقائها سليمة عن المعارض.
# وليس لأحد أن يقول: باختصاص بعض الأخبار الدالة على عدم الانفعال
~~بالقليل، كحسنة محمد بن ميسر المشتملة على الماء القليل، لمنع كونه مرادا
~~به ما هو موضوع المسألة، إذ لم يثبت فيه للشارع ولا للأئمة (عليهم السلام)
~~ولا أهل زمانهم اصطلاح بالقياس إليه في المعنى المعهود عند الفقهاء، فيحمل
~~على ما يساعده عليه العرف فيعم الكر وما زاد عليه، وعلى فرض تسليمه أمكن
~~دعوى ظهوره في الجاري، كما يومئ إليه تمسكهم في بحث الجاري بتلك الرواية
~~على عدم انفعال القليل منه بالملاقاة، فلو سلم عدم الظهور فأقل المراتب
~~كونه أعم من الجاري والراكد، قابلا للتخصيص بالجاري، فينتهض الأخبار
~~المقامة على الانفعال مخصصة لها، لظهور أكثرها في قليل الراكد، مع توجه
~~المنع إلى أصل الدلالة في جملة منها وإمكان القدح فيها، كما في صحيحة زرارة
~~الواردة في الحبل من شعر الخنزير، وصحيحة هشام الواردة في إصابة الثوب مما
~~يكف عن السطح الذي يبال عليه، وروايتي العلاء بن الفضيل وإسماعيل بن مسلم
~~الواردتين في الحياض.
# أما الاولى: فلمنع دلالتها على أن الماء الذي يتوضأ هو الذي يستقى بالحبل
~~المفروض، فتكون الرواية من أدلة عدم انفعال البئر بالملاقاة، وعلى فرضه
~~فيتجه المنع إلى كون الماء المستقى مما لاقاه ذلك الحبل، أو تقاطر منه فيه
~~شئ، ولعل السؤال ورد لاحتمال ذلك فأجاب المعصوم (عليه السلام) بما دله على
~~أن الاحتمال مما لا يوجب المنع، وعلى فرضه فورودها مورد التقية احتمال
~~ظاهر.
# وأما الأخيرتان فلظهورهما في الكرية، لأن الغالب في الحياض التي يتخذها
~~الناس كونها مما يسع الكر وما زاد، سيما في البلاد التي ليس عند أهلها مياه
~~جارية ولا غيرها، فإن ديدنهم في مثل ذلك اتخاذ الحياض لحفظ الكر، الذي يرجع
~~إليه في تطهير النجاسات ونحوه.
# وأما صحيحة هشام فأصل الحكم الوارد فيها مما ms177 لا إشكال فيه، بل هو في مورد
~~PageV01P214
# هو خارج عن المتنازع، لظهور السياق وكيفية السؤال في نزول المطر وهو مطهر
~~غير منفعل ولو قليلا، وأما التعليل الذي هو محل الاستدلال فالإنصاف إنا
~~لانفهم معناه، ونظيره الكلام في رواية الأحول الواردة في الاستنجاء، فإن
~~أصل الحكم فيها مما لا إشكال فيه، لكون ماء الاستنجاء من مستثنيات القاعدة،
~~وتعليله بأكثرية الماء من القذر غير مفهوم المعنى، ولعل المراد بها فيهما
~~الأكثرية المعنوية أي الزيادة في القوة العاصمة، أو أنها حكم مخصوص بالمورد
~~كما قيل به في المطر، وسيلحقك زيادة بيان وتوضيح لذلك في بحث الغسالة، عند
~~دفع الاحتجاج بتلك الرواية على طهارة الغسالة، وكيف كان فلو استفدنا منه
~~شيئا ظاهرا فنحن نقول به حيث عاضده العمل، وإلا لا ينفك عن الوهن المانع عن
~~العمل.
# الطائفة الثانية: روايات وردت في موارد خاصة بين ظاهرة في المطلب خصوصا،
~~وغير دالة عليه نفيا وإثباتا، وظاهرة في خلافه عند التحقيق في ثالثة.
# منها: صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن
~~الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك،
~~أيتوضأ منه أو يغتسل؟ قال (عليه السلام):
# " نعم إلا أن تجد غيره فتنزه عنه " (1).
# وفيه: أن التفصيل في التنزه وعدمه بين وجدان الغير وعدمه، وإن كان لا
~~يلائم الانفعال، ويقتضي كون الأمر بالتنزه استحبابيا مقتضيا لكراهة التوضي
~~ولكنه لا يلائم تشريك الجمل والدابة مطلقا بل السنور في التنزه أيضا، ولو
~~فرضناه مستحبا ملازما لكراهة خلافه فالرواية بعضها يعارض بعضا، فيضطرب معه
~~الدلالة واعتبارها، فتسقط عن صلاحية المعارضة لنصوص الانفعال وظواهره.
# وبالجملة: فلو أخذنا منها بحكم الجواز المعلق على عدم وجدان المقتضي
~~للطهارة، كانت معارضة بموثقة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال
~~فيها: " ولا يشرب سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه " (2).
# ومن هنا حملها الشيخ في التهذيب (3) على ما بلغ الكر جمعا، ولو أخذنا
~~منها
# PageV01P215
# بالأمر بالتنزه المعلق بوجدان الغير سواء ms178 كان إيجابيا أو ندبيا، كانت
~~معارضة بما ورد من الروايات في فضل السنور وسؤر الدواب والغنم دالا على عدم
~~المنع بل المرجوحية أيضا (1)، مع ما فيها من عدم صلوحها لمعارضة ما سبق من
~~الصحاح، وغيرها المعتضدة بالعمل وغيره، مع ما قيل فيها - كما عن المصابيح
~~(2) - من المناقشة في سندها من حيث اشتماله على محمد بن سنان الذي ضعفه
~~الأكثر، مع تصريح علماء الرجال بأن عبد الله بن مسكان لم يرو عن أبي عبد
~~الله (عليه السلام) إلا حديث " من أدرك المشعر فقد أدرك الحج " (3) فتكون
~~الرواية مرسلة، ولا جابر لها في إرسالها، فيكون عدم صلوحها للمعارضة أوضح.
# ومنها: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: كتبت إلى من يسأله عن الغدير
~~تجتمع فيه ماء السماء، ويستقى فيه من بئر، فيستنجي فيه الإنسان من بول، أو
~~يغتسل فيه الجنب، ما حده الذي لا يجوز؟ قال: " فكتب: لا تتوضأ من مثل هذا
~~إلا من ضرورة إليه " (4).
# وفيه: مع ما فيها من الإضمار الموجب لإجمال الضمير، لتردده بين كونه
~~للمسؤول أو المكتوب إليه السائل، مع تردد المسؤول بين الحجة وغيره، أنه
~~استدلال بما هو خارج عن المتنازع، لما يأتي من استثناء ماء الاستنجاء من
~~قاعدة الانفعال، فالسؤال إنما وقع عن جواز التطهير بمثله، وبما يغتسل فيه
~~الجنب والجواب مطابق له، ولا منافاة في المنع عن التطهير بما لا يكون نجسا
~~تعبدا من الشارع، مع إمكان حمل الضرورة على التقية، واحتماله احتمالا غير
~~خفي فلا ينافي التفصيل بينها وبين غيرها للانفعال لو قلنا به في ماء
~~الاستنجاء.
# ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: وسأله
~~عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة؟ قال (عليه
~~السلام): " لا، إلا أن يضطر إليه " (5).
# وفيه: أنه على القول بنجاسة أهل الكتاب كان حملها على التقية احتمالا
~~ظاهرا،
# PageV01P216
# كما يرشد إليه التفصيل بين الاضطرار وغيره، بناء على إرادة التقية منه
~~بقرينة أنه لولاه مع فرض عدم الانفعال لما كان لمنعه ms179 عن التوضي في صورة عدم
~~الاضطرار وجه، سواء كان تحريميا أو تنريهيا كما لا يخفى.
# وعلى القول بطهارتهم كانت الرواية من أدلته فكانت خارجة عن المتنازع.
# ومنها: صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن
~~الثوب يصيبه البول؟ قال (عليه السلام): " إغسله في المركن مرتين، فإن غسلته
~~في ماء جار فمرة واحدة " (1)، و " المركن " على ما عن الجوهري الإجانة التي
~~تغسل فيها الثياب.
# وفيه أولا: منع تعرض الرواية لبيان حكم الماء من حيث إنه ينفعل أو لا
~~ينفعل، وإنما هي مسوقة لبيان حكم البول من حيث الاكتفاء بغسل الثوب عنه مرة
~~واحدة إذا غسل في الجاري ولزوم التعدد إذا غسل في غيره، وذكر " المركن "
~~إنما هو من باب المثال فتكون حينئذ من أدلة القول بعدم اشتراط ورود الماء
~~في إزالة النجاسة كما عن جماعة، ولا ينافيه دلالتها التزاما - من باب
~~الإشارة - على عدم الانفعال، لجواز كونه حكما خاصا بالمورد أثبته الشارع
~~تعبدا، فتكون من أدلة القول بعدم نجاسة الغسالة كما عليه غير واحد.
# مع اتجاه المنع إلى الدلالة على ذلك رأسا، لجواز انفعاله وطهر المغسول
~~بالانفصال على ما وجهناه سابقا، مع ورود النقض بذلك في كافة أنواع إزالة
~~الخبث إذا كانت بالقليل، فلولا الحكم تعبديا - على القول بانفعال القليل
~~بالملاقاة - لشق الأمر على العباد في تطهير المتنجسات، مع إمكان القول بأن
~~أقصاها الدلالة على أن ملاقاة المتنجس لا توجب الانفعال، ولعل القائل
~~بانفعاله بالنجاسة لا يقول به في المتنجس، وعلى فرضه يكون الدليل أخص من
~~المدعى.
# وثانيا: أنها لا تقاوم ما قدمناه من النصوص والظواهر المعتبرة المعتضدة
~~بأنواع المرجحات.
# ومنها: الرواية المروية عن الفقيه عن الصادق (عليه السلام) عن جلود
~~الميتة، يجعل فيها اللبن والماء والسمن ما ترى فيه؟ فقال: " لا بأس بأن
~~تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو
# PageV01P217
# سمن، وتوضأ منه وتشرب، ولكن لا تشرب فيها " (1).
# وفيه: - بعد عدم مقاومتها لما تقدم - ما لا يخفى من أمارات الكذب
~~والتقية، فإنها مبنية على ms180 ما صارت إليه العامة من طهر جلود الميتة بالدباغ،
~~فتكون خارجة مخرج التقية، كما يشهد به السياق الجامع للماء واللبن والسمن،
~~مع أنه لا خلاف في انفعال غير الماء بالنجاسة.
# ومنها: رواية علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن
~~رجل رعف فامتخط، فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا، فأصاب إناءه هل يصلح له
~~الوضوء منه؟
# فقال (عليه السلام): " إن لم يكن شئ يستبين فلا بأس، وإن كان شيئا بينا
~~فلا يتوضأ منه " (2).
# وفيه: مع أن النهي في الشق الثاني مما يكشف عن الانفعال فتكون من أدلة
~~القول به في الجملة، منع الدلالة على المطلب لما قدمناه في بحث التغير من
~~أن أقصى ما فيه الدلالة على إصابة الدم الإناء وهو غير إصابته الماء، ولعل
~~السؤال وارد لاستعلام أن ذلك هل يصلح أمارة على إصابته الماء فيترتب عليها
~~الحكم عليه بالانفعال المانع عن الوضوء؟ فخرج الجواب مخرج التفصيل الموافق
~~لمفاد قولهم: " الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر " (3)، فالاستبانة وعدمها
~~كنايتان عن العلم بالإصابة وعدمه، ويعطيان إناطة الحكم بالنجاسة بالعلم دون
~~غيره.
# ومما يفصح عن ذلك ورود السؤال بعد ذلك عن صورة العلم بالإصابة بقوله:
# وسألته عن رجل رعف وهو يتوضأ، فقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟
~~قال:
# " لا "، وعلى فرض تسليم الدلالة ينهض دليلا على ما فصله الشيخ لا على عدم
~~الانفعال مطلقا، ومع الغض عن جميع ذلك فعدم مقاومته لما تقدم كما سبق.
# ومنها: مرسلة ابن أبي عمير عمن رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) في
~~عجين عجن وخبز، ثم علم أن الماء كانت فيه ميتة؟ قال: " لا بأس، أكلت النار
~~ما فيه " (4)؛ فإن السؤال بإطلاقه يتناول القليل الراكد أيضا، وإطلاق نفي
~~البأس يدل على عدم انفعاله، ولا ينافيه
# PageV01P218
# التعليل بقوله: " أكلت النار ما فيه " لعدم تحقق الاستحالة، وقد قام
~~الإجماع على أن النار (1) إنما تطهر ما أحالته دون غيره، فكان ذلك دفعا
~~للاستخباث والاستقذار.
# وفيه أولا: احتمال ابتناء الجواب على ms181 إبداء احتمال كون وقوع الميتة في
~~الماء الذي أخذ منه للعجين مسبوقا بالأخذ، وثانيا: صلوح إطلاقه للتقييد،
~~وثالثا: وروده في مقام ضرب من التقية، ورابعا: عدم صلوحه لمعارضة ما تقدم.
# ومنها: رواية علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن
~~الماء الساكن والاستنجاء منه؟ فقال (عليه السلام): " توضأ من الجانب الآخر،
~~ولا توضأ من جانب الجيفة " (2)، ورواها الصدوق أيضا مرسلة (3).
# وفيه: أن طريق الجواب يقضي بكون الماء المسؤول عنه بمحضر من الإمام و
~~مرئى منه، حيث إنه تعرض لذكر الجيفة وفصل بين جانبي الماء وهي غير مذكورة
~~في السؤال، وقضية ذلك أن لا يكون للماء المسؤول عنه إطلاق يصلح للاستناد
~~إليه؛ لقوة احتمال كونه كرا وما زاد، وقد علم به الإمام بالمشاهدة.
# ومع الغض عن هذا الاحتمال فليست الرواية إلا من باب حكايات الأحوال،
~~فترمى بالإجمال ويخرج عن صلاحية الاستدلال، ويجري هذا المجرى في جميع ما
~~ذكرناه موثقة سماعة قال: سألته عن الرجل يمر بالميتة في الماء؟ قال: "
~~يتوضأ من الناحية التي ليس فيها الميتة " (4)، وعلى الإطلاق فيهما فهو قابل
~~للتقييد بما تقدم.
# ومنها: رواية محمد بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لو أن
~~ميزابين سالا، ميزاب ببول وميزاب بماء، فاختلطا، ثم أصابك ما كان به بأس "
~~(5).
# وفيه: أن ظاهر الرواية ورودها في ماء المطر وهو خارج عن المتنازع، ولو
~~كان فيها إطلاق بالقياس إلى حال التقاطر وعدمها فليحمل عليها جمعا، مع ما
~~فيها من قصور السند وعدم صلاحية المعارضة لما سبق.
# PageV01P219
# ومنها: رواية زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن جلد الخنزير
~~يجعل دلوا يستقى به الماء؟ قال: " لا بأس " (1).
# وفيه: مع احتمال ورودها تقية احتمالا ظاهرا، إمكان حملها على ما ليس من
~~الاستعمالات [المشروطة] بالطهارة كسقي الدواب والبساتين والمزارع، أو
~~ورودها استعلاما لحكم البئر فتكون من أدلة عدم انفعالها، وهي موضوع آخر
~~خارج عن المتنازع، ومع الغض عن جميع ذلك فغير صالحة للمعارضة.
# ومنها: رواية أبي مريم الأنصاري، قال: ms182 " كنت مع أبي عبد الله (عليه
~~السلام) في حائط فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركي له، فخرج عليه قطعة
~~عذرة يابسة فأكفأ (2) رأسه وتوضأ بالباقي " (3).
# واجيب عنها أولا: بقصور السند، لجهالة " عبد الرحمن "، واشتراك " بشير "
~~بين مجاهيل، وثانيا: بقصورها دلالة لعدم ظهورها في وصول العذرة إلى الماء،
~~لعود الضمير إلى الدلو، ولا يمتنع استقرار العذرة عليه من دون أن تصل إلى
~~الماء، فأكفأ رأسه لسقوط العذرة وغسل محلها، كما يشعر به الحكم عليها
~~باليبوسة، إذ لو كانت في الماء لما بقيت يابسة، مع احتمال كون المراد
~~بالعذرة السرقين كما حكي احتماله عن المصابيح قائلا: " بأن ما ادعاه بعض
~~الفضلاء من اختصاصها لغة وعرفا بفضلة الإنسان استنادا إلى ما يظهر من كلام
~~الهروي، حيث قال: إن العذرة في أصل اللغة فناء الدار، وسميت عذرة الإنسان
~~بهذه لأنها كانت تلقى في الأفنية فكني عنها باسم الفناء، فيتوجه عليه: أن
~~المفهوم من الصحاح والقاموس أنها أعم منها، حيث فسر الخرء فيهما بالعذرة،
~~ولا ريب أنه أعم " (4).
# ويرشد إليه صحيحة ابن بزيع قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن
~~(عليه السلام) عن البئر يسقط فيها شئ من العذرة كالبعرة ونحوها "، الحديث
~~(5)، وصحيحة عبد الرحمن ابن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه
~~السلام) عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان،
# PageV01P220
# أو سنور أو كلب، الحديث (1).
# وقيل: بإمكان حملها على اشتباه الراوي، لجواز عدم كون ما رآه عذرة، وقد
~~توهم كونه عذرة هذا، مع ما فيها من عدم صلوحها للمعارضة للأخبار المتواترة
~~المانعة عن الوضوء بمثل ذلك.
# ومنها: رواية عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أغتسل في
~~مغتسل يبال فيه، ويغتسل من الجنابة، فيقع في الإناء ماء ينزو من الأرض؟
~~فقال: " لا بأس به " (2).
# وفيه: منع كون ما وقع في الإناء مرتفعا عن محل البول، إذ الرواية تضمنت
~~كونه ينزو من الأرض وهي أعم، فيكون السؤال واردا لاستعلام حال الاشتباه،
~~فأجاب له الإمام (عليه السلام) ms183 بما وافق أصل الطهارة الجاري في المياه
~~المشتبهة وكون الأرض من الشبهة المحصورة لا يوجب تنجس ملاقيها كما هو مقرر
~~في محله، هذا مع عدم صلوحها للمعارضة مع ضعفها ب " المعلى " سندا.
# ومنها: رواية الأحول قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أخرج من
~~الخلاء فأستنجي بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به؟ قال: " لا
~~بأس به " (3).
# وفيه: ما تقدم من خروج ماء الاستنجاء عن موضوع المسألة.
# ومنها: مرسلة أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الماضي
~~(عليه السلام) قال: سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب
~~الثوب؟ قال: " لا بأس " (4).
# وفيه: منع واضح، لعدم تعرض الرواية لذكر ملاقاة النجاسة، والغسالة أعم
~~منها فلا يبقى إلا الاحتمال وهو المنشأ للسؤال ومثله من مجرى الأصل والجواب
~~مطابق له جدا.
# ومنها: رواية أبي بكار بن أبي بكر، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)
~~الرجل يضع الكوز الذي يغرف به من الحب في مكان قذر، ثم يدخل الحب قال: "
~~يصب من الماء ثلاثة أكف، ثم يدلك الكوز " (5).
# PageV01P221
# وفيه: أنها أظهر في الدلالة على خلاف المطلب، نظرا إلى أن قوله (عليه
~~السلام): " يصب من الماء ثلاثة أكف، ثم يدلك الكوز " تعليم لكيفية تطهير
~~الكوز، فيريد به صب ثلاثة أكف على الكوز لغسله، والذي أمر به عبارة عن
~~غسله، والمراد بقول السائل: " ثم يدخل الكوز " إرادة الإدخال لا تحققه،
~~والقرينة عليه أنه لو كان فرض السؤال فيما بعد الإدخال لما كان للدلك الذي
~~أمر به فائدة أصلا، وشأن الحكيم أرفع من أن يأمر بما لا فائدة فيه أصلا،
~~وظني أن هذا المعنى الذي استظهرناه واضح لا سترة عليه، وقضية ذلك قلب
~~الاستدلال بالرواية، بأنه لولا الكوز المفروض موجبا لانفعال ماء الحب لما
~~أمر بغسله قبل الإدخال فيه.
# ومنها: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى، قال: وسألته عن جنب أصابت يده من
~~جنابته، فمسحه بخرقة أدخل يده في غسله قبل أن يغسلها هل يجزيه أن يغتسل من ms184
~~ذلك الماء؟ قال: " إن وجد ماء غيره فلا يجزيه أن يغتسل به، وإن لم يجد غيره
~~أجزأه " (1).
# وفيه: أنها لا تلائم القول بالانفعال في شقها الثاني، فكذلك لا تلائم
~~القول بالعدم، لأن لازمه جواز الاغتسال بالماء المفروض وكونه مجزيا عن
~~الفرض، غايته أنهم يقولون بكراهة استعماله، كما عليه مبنى حملهم النواهي
~~الواردة في المقام عن الاستعمال على الكراهة، ولا ريب أن الكراهة لا تؤثر
~~في عدم الإجزاء، وقد حكم به الإمام (عليه السلام) فالاستدلال بها ساقط من
~~الطرفين.
# إلا أن يرجع إلى ابتنائها على قاعدة اصولية - قررناها في محلها - من
~~امتناع اجتماع الكراهة مع الوجوب والندب، فكان المنع عن الاغتسال بالماء
~~المفروض - على تقدير وجدان ماء غيره - استنادا إلى أن الاغتسال به مما لا
~~أمر به لمكان الكراهة المانعة عنه، بخلاف التقدير الآخر المحكوم عليه
~~بالإجزاء، من حيث إن عدم وجدان ماء آخر يوجب الاضطرار إلى الماء المفروض
~~وهو يوجب ارتفاع الكراهة فيحصل الأمر، اعتبارا لوجود المقتضي وفقد المانع،
~~وعليه يمنع كون ما أصاب اليد من الجنابة عبارة عن المني، لجواز كونه شيئا
~~مشتبها به وبطاهر، أو كون الماء المفروض قليلا لجواز كونه عند السائل مرددا
~~بين الكثير والقليل، ولا ريب أن كلا من ذلك مما يقتضي الاحتياط ويوجب كراهة
~~الاستعمال من حيث كون الماء محتملا للنجاسة، فأعطى له
# PageV01P222
# الإمام (عليه السلام) قاعدة كلية متضمنة للتفصيل المذكور، المبتني على
~~الكراهة وزوالها، ومع ذلك كله فالرواية غير صالحة للمعارضة جزما.
# ومنها: رواية دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه سئل عن
~~الغدير، تبول فيه وتروث، ويغتسل فيه الجنب؟ فقال: " لا بأس، أن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) نزل بأصحابه في سفر لهم على غدير، وكانت دوابهم
~~تبول فيه وتروث، فيغتسلون فيه ويتوضؤون ويشربون " (1).
# وفيه: ما لا يخفى من عدم إشعارها بملاقاة النجاسة، لعدم التعين في مرجع
~~ضمير تبول ونحوه، بل الظاهر كونه مرادا به " الدواب "، كما يرشد إليه تأنيث
~~الضمير وذكر " الدواب " في كلام الإمام (عليه السلام) عند ms185 حكايته الواقعة
~~المفروضة، ولا ريب أن الدواب لا تتناول مثل الإنسان ونحوه مما ليس بطاهر
~~البول.
# ومنها: صحيحة شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: -
~~في الجنب يغتسل فيقطر الماء عن جسده في الإناء، وينضح الماء من الأرض فيصير
~~في الإناء - " أنه لا بأس بهذا كله " (2).
# وفيه: ما لا يخفى أيضا من عدم إشعاره بنجاسة الأرض ولا الجسد، ولا ينبغي
~~التمسك بالإطلاق لوروده مقام إفادة حكم آخر، وهو عدم مانعية ما تقاطر في
~~الإناء من قطرات غسالة الاغتسال عن صحة الغسل.
# ونظيره الكلام في صحيحة فضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
~~في الرجل الجنب يغتسل فينضح من الماء في الإناء؟ فقال: " لا بأس ما جعل
~~عليكم في الدين من حرج " (3).
# ومنها: رواية الوشاء عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه كره
~~سؤر ولد الزناء، وسؤر اليهودي والنصراني والمشرك، وكلما خالف الإسلام، وكان
~~أشد عنده سؤر الناصب " (4).
# وفيه: أن الكراهة في أخبار الأئمة - سلام الله عليهم - شائع استعمالها في
~~التحريم، فلا ينبغي حملها على المعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، غير أنه
~~ينبغي حملها على ما يعم المعنيين بقرينة السياق الجامع بين ولد الزناء
~~وغيره من الطوائف المذكورة، مضافا
# PageV01P223
# إلى أنه طريق جمع بينها وبين الأخبار الدالة على الانفعال صراحة وظهورا.
# فهذه هي الأخبار التي عثرنا عليها للقول بعدم الانفعال، ولا ريب أن
~~الاستناد إليها لهذا الحكم خروج عن قانون الفقاهة، بعد وجود أخبار اخر
~~متواترة دالة على الانفعال، فإن ذلك لا ينشأ إلا عن قصور البال.
# ثم عن الكاشاني كلمات اخر في تشييد مذهبه المخالف للنصوص المتواترة، وهي
~~لغاية سخافتها وإن كانت مما لا ينبغي الالتفات إليها، وتضييع الوقت بالتعرض
~~لنقلها وتزييفها، غير أن مزيد انكشاف شناعة ما صار إليه وما اعتمد عليه
~~يدعونا إلى التعرض لذلك.
# فنقول: إن من جملة ما حكي عنه: أنه أيد ما صار إليه من عدم انفعال القليل
~~بملاقاة النجاسة، بورود الأخبار المصرحة بطهارة ماء ms186 الاستنجاء.
# وفيه: أن حكم الانفعال إنما ثبت من باب القاعدة، ولا شئ منها إلا وهي
~~قابلة للتخصيص، وما ذكر مخصص لها، كما ثبت نظيره في المطر بالإجماع ونحوه،
~~والبئر والجاري على القول بعدم انفعال القليل فيهما، فلو صلح ما ذكر مؤيدا
~~لمذهبه الفاسد لكان هذه منه، فلا وجه للاقتصار عليه.
# مع ما قيل عليه: من أن تخصيص الحكم بماء الاستنجاء في الروايات يشعر
~~بالمغايرة لغيره من المياه الملاقية للنجاسات، فلأن يكون ذلك من مؤيدات
~~القول بالانفعال طريق الأولوية دون العكس.
# ومن جملة ما حكي عنه: أنه جمع بين الروايات التي تمسك بها لمصيره إلى عدم
~~الانفعال، والأخبار المصرحة باشتراط الكرية، بحملها على أنها مناط ومعيار
~~للقدر الذي لا يتغير من الماء بما يعتاد وروده من النجاسات.
# قائلا في الوافي: " وعلى هذا فنسبة مقدار من النجاسة إلى مقدار من الماء،
~~كنسبة مقدار أقل من تلك النجاسة إلى مقدار أقل من ذلك الماء، ومقدار أكثر
~~منها إلى مقدار أكثر منه، فكلما غلب الماء على النجاسة فهو مطهر لها
~~بالاستحالة، وكلما غلب النجاسة عليه بغلبة أحد أوصافها فهو منفعل منها خارج
~~عن الطهورية بها " (1).
# وعنه أيضا أنه بعد ما أورد صحيحة صفوان، المتضمنة للسؤال عن الحياض التي
# PageV01P224
# بين مكة والمدينة، قال: " ولما كانت الحياض بين الحرمين الشريفين معهودة
~~معروفة في ذلك الزمان، اقتصر (عليه السلام) على السؤال عن مقدار الماء في
~~عمقها، ولم يسأل عن الطول والعرض، وإنما سأل عن ذلك ليعلم نسبة الماء إلى
~~تلك النجاسات المذكورة، حتى يتبين انفعاله منها وعدمه، فإن نسبة مقدار من
~~النجاسة إلى مقدار من الماء في التأثير والتغيير كنسبة ضعفه إلى ضعفه مثلا
~~وعلى هذا القياس " (1).
# وعنه أيضا: أنه أيد هذا المعنى الذي أول الأخبار إليه باختلاف تلك
~~الأخبار، قائلا: " بأنه يؤيد ما قلناه - من أنه تخمين ومقايسة بين قدري
~~الماء والنجاسة - أنه لو كان أمرا مضبوطا وحدا محدودا لم يقع الاختلاف
~~الشديد في تقديره لا مساحة ولا وزنا، وقد وقع الاختلاف فيهما معا، والوجوب
~~لا ms187 يقبل الدرجات بخلاف الاستحباب، وقد اعترف جماعة منهم بمثل ذلك في ماء
~~البئر " (2) انتهى.
# وفيه: إن أراد بما أفاده من الحمل دعوى الملازمة بين الكرية وعدم قبول
~~التغيير فهو مما يشهد بكذبه الضرورة والعيان، فكم من كر بل كرور يقبل
~~التغير، فلذا ترى كلماتهم مشحونة في بحث التغير بالتصريح بعدم الفرق فيه
~~بين الكر وغيره، وإن أراد به دعوى الملازمة بينها وبين مقدار معين من
~~النجاسة الواقعة في الماء، ككون وقوعها فيه مما جرت العادة عليه.
# ففيه: مع أنه مما لم يستقر له عادة، بل لم يحصل له حد عادي، أنه يوجب
~~أولا ارتكاب التجوز في لفظ " ينجسه " الوارد في تلك الأخبار بحمله على "
~~يغيره "، والتقييد ثانيا بحمل " شئ " على ما يعتاد وقوعه من النجاسات، مع
~~لزوم تقييد آخر بحمله على ما كان صالحا للتغيير ليخرج عنه مباشرة الكافر
~~والكلب ونحوهما مما لا يوجب تغير أصلا، وأي دليل على هذه كلها.
# ولو سلم أن الداعي إلى ذلك إرادة الجمع بينها وبين ما دل بإطلاقه على عدم
~~الانفعال، فتطرق التأويل إليها ليس بأولى من تطرقه إلى تلك المطلقات بحملها
~~في اقتضاء عدم الانفعال على الكر، مع أنه لو اعتبر المفهوم مع هذا التأويل
~~كان مفاده أن ما دون الكر يلازم التغيير وهو خلاف الحس، وإلا لزم خلاف أصل
~~آخر وهو إلغاء المفهوم.
# PageV01P225
# وأما ما استنبطه من النسبة فالظاهر أن معناها: أن ما يعتاد وروده على
~~الماء من النجاسة إذا لم يكن مغيرا للكر، فبعض منه بنسبة مخصوصة إذا وقع في
~~بعض من الكر بتلك النسبة لم يكن مغيرا له أيضا، لوضوح اتحاد البعض للكل في
~~الحكم، فحينئذ لو أن ثلثا من الكر - مثلا - إذا وقع فيه بعض من النجاسة
~~المعتاد وقوعها في الماء، فلابد من استعلام الحال بأخذ النسبة بين ذلك
~~البعض وكله، فإن بلغ ثلثه لم يكن مغيرا لما هو واقع فيه، كما أنه لو قصر
~~عنه لم يكن مغيرا له، وإن تجاوز الثلث كان مغيرا له، ولو أن ربعا ms188 مما يعتاد
~~وقوعه وقع على بعض من الكر يجب مراعاة النسبة بينهما، فإن بلغ ربعه أيضا لم
~~يكن الواقع فيه مغيرا له، كما أنه كذلك لو قصر عنه، وأما لو زاد عليه كان
~~مغيرا له، وهكذا إلى آخر الفروض.
# وأنت خبير: بوضوح فساد ذلك، وعدم كونه مما ينساق عن تلك الأخبار، فإن هذا
~~مما لا ينضبط أبدا، ومراعاة تلك النسبة مما لا يبلغ إليه فهم كافة المكلفين
~~عدا الأوحدي من الخواص، ومع ذلك فالغالب وقوعه من النجاسات على المياه ما
~~يقع بغتة بلا معلومية مقداره، مع تعذر استعلامه بعد ذلك أيضا - كما لو كان
~~من المايعات - فكيف يسوغ على الشارع الحكيم أن ينوط حكمه الذي يعم به
~~البلوى في قاطبة الأعصار وكافة الأمصار على قاعدة لا يدركها إلا الأوحدي من
~~البعض، مع تعذر إعمالها في غالب موارد موضوعها، مع أنه لا يدري أن اعتبار
~~هذه النسبة والإرشاد إلى هذا التخمين والمقايسة لأي فائدة هو؟ بعد ما كان
~~أصل التغير أمرا حسيا غير محتاج إلى الكاشف.
# ومن هنا يتوجه إشكال آخر، من جهة لزومه حمل كلام الشارع على ما ليس بيانه
~~من شأنه، وهو إعطاء الضابط والميزان لما هو من مقولة الحسيات، وما اعتذر له
~~المحدث - في جملة من كلامه - " بأنه ربما يشتبه التغير مع أن الماء قد تغير
~~أوصافه الثلاثة بغير النجاسة فيحصل الاشتباه " (1).
# ففيه: مع قضائه بحمل الكلام على موارده النادرة، أن الاشتباه يرتفع بأصل
~~الطهارة الذي قرره الشارع، مضافا إلى خصوص قوله: " الماء كله طاهر حتى تعلم
~~أنه قذر " (2) الذي عرفت اختصاصه بمواضع الاشتباه.
# PageV01P226
# وأما ما ساق إليه التأويل المذكور، بل استشهد به لمختاره من صحيحة صفوان
~~بن [مهران] الجمال (1)، ففيه: أن سياق السؤال الوارد فيها يأبى عن ذلك، حيث
~~لم يذكر فيه من النجاسات ما يوجب تغير الماء عادة، كما لا يخفى على المتأمل
~~فيه.
# وأما ما أيد به مختاره من اختلاف الأخبار المقدرة للكر وزنا ومساحة.
# ففيه: أولا: عدم قيام ما يقضي بكون الاختلاف من جانب ms189 الشارع، فلعله
~~اختلاف نشأ من الرواة أو الجاعلين للأخبار الكاذبة، والتأييد إنما يحصل على
~~التقدير الأول دون الأخيرين.
# وثانيا: أنه كم من هذا القبيل في أخبار أئمتنا المعصومين، الواردة في
~~جميع أبواب الفقه، فلو كان ذلك منشأ للأثر وموجبا لتطرق التأويل إلى
~~الأخبار الظاهرة والنصوص المحكمة، لم ينضبط قاعدة من قواعد الفقه.
# وثالثا: أن ذلك لو صلح إشكالا لكان مشترك الورود، فيتوجه إلى ما صار إليه
~~بل بطريق أولى؛ لأن مرجع كلامنا إلى أن أخبار الكر واردة لإحراز موضوع لحكم
~~شرعي معلق عليه وهو الكرية التي ينوط بها عدم الانفعال بشئ، ومرجع كلامه
~~إلى أنها إنما وردت لإعطاء ضابط كلي وميزان مطرد لمعرفة موضوع حكم وهو
~~التغير المورث للانفعال، فإذا كان الأول مقتضيا لكون مفادها أمرا مضبوطا
~~وحدا محدودا، فكان الثاني أولى بالاقتضاء كما لا يخفى.
# ثم إنه بقي الكلام في مقامين، ينبغي سوق عنان النظر إليهما.
# أحدهما: النظر في معممات المسألة.
# وثانيهما: في مستثنياتها من محل وفاق أو خلاف، فاستمع لما يتلى عليك.
# أما الكلام في المقام الأول، فمن جهات:
# الجهة الاولى: يظهر من صاحب المدارك بعد ما صار إلى انفعال القليل
~~بالملاقاة، التشكيك في انفعاله بكل نجس قائلا فيه: " لكن لا يخفى أنه ليس
~~في شئ من تلك الروايات دلالة على انفعال القليل بوروده على النجاسة، بل ولا
~~على انفعاله بكل ما يرد عليه من النجاسات " (2) الخ.
# PageV01P227
# والعجب منه أنه ذكر ذلك مع تمسكه على ما صار إليه بصحيحتي محمد بن مسلم
~~(1)، ومعاوية بن عمار " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (2) وكأنه مبني
~~على منع العموم في المفهوم، كما صار إليه جماعة منهم الكاشاني فيما تقدم
~~عنه من جملة اعتراضاته على الأخبار الواردة بهذا المضمون، وقد أشرنا إجمالا
~~إلى ما يدفعه.
# ونقول هنا أيضا: أن المفهوم على ما يساعد عليه العرف وطريقة أهل اللسان،
~~يتبع المنطوق في عمومه وخصوصه، وما توهم: من منع العموم في المفهوم مع كون
~~المنطوق مشتملا على النكرة في سياق النفي، إنما ms190 يتجه لو فسر مفاد منطوق
~~قوله: " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " بأنه لا ينجس بجميع أفراد
~~النجس، ليكون محصله السلب الجزئي المستلزم لكون المفهوم إيجابا جزئيا، وهو
~~كما ترى بعيد عن هذه العبارة غاية البعد، بل لا يكاد ينساق منها عرفا، بل
~~معناه: أنه لا ينجس بشئ من أفراد النجس، فيكون مفهومه: أنه ينجس بكل فرد
~~منه، ومع الغض عن ذلك يكفينا في إثبات العموم عموم التعليل في قوله: " رجس
~~نجس " الوارد في الكلب (3) حسبما قررناه.
# مضافا إلى إطلاق " القذر " الوارد في كثير من أخبار الباب، مع كفاية
~~ملاحظة مجموع الروايات المتضمن كل واحد منها لنوع أو نوعين أو أنواع من
~~النجاسات، حتى أنه لا يشذ منها شئ ظاهرا، مع الإجماع المركب أيضا، كما في
~~كلام غير واحد من الفحول.
# مع أن المسائل الفرعية التي كلها ضوابط كلية وقواعد مطردة يقتبس أغلبها -
~~من الطهارات إلى الديات - من موارد جزئية من جزئيات موضوعاتها، من غير أن
~~يرد فيها لفظ عام شامل لجميع الجزئيات، وعليه طريقة الفقهاء قديما وحديثا،
~~ولذلك تراهم لا يزالون يستدلون على الأحكام الكلية بما ورد من الأخبار في
~~بعض الجزئيات، وكأن ذلك من جهة أنه علموا من طريقة الشارع أنه يعطي الضوابط
~~الكلية بخطابات جزئية وبيانات شخصية.
# مع إمكان دعوى تنقيح المناط في خصوص المقام - لو سلم عدم ورود جميع أنواع
~~النجاسات في الأخبار الواردة فيه - بتقريب: أن القطع يحصل بأن الانفعال
~~بالنسبة إلى الموارد الخاصة الواردة في تلك الأخبار، ليس مستند إلا إلى ما
~~في تلك الموارد من
# PageV01P228
# الوصف العنواني الذي يعبر عنه ب " النجاسة "، من غير مدخلية في ذلك لما
~~فيها من الخصوصية الراجعة إلى ذاتياتها أو عرضياتها من غير جهة هذا الوصف،
~~هذا.
# الجهة الثانية: ربما يحكى في المسألة عدم تنجيس المتنجس، الذي لازمه أن
~~لا ينفعل القليل به، ويظهر من المحقق الخوانساري الميل إليه (1)، وإن كان
~~جعل الانفعال أولى بعد ما نسبه إلى ظاهر كلام الأصحاب، ويظهر من شيخنا في
~~الجواهر ms191 (2) الفرق بين متنجس لا يفيد الماء طهره فالانفعال، ومتنجس يفيد
~~الماء طهره فعدم الانفعال، ويظهر ذلك أيضا من محكي المصابيح (3) فيما لو
~~ورد عليه الماء مفيدا طهره، ومنشؤه على ما صرح به في الجواهر (4) طهارة
~~الغسالة - على ما صار إليه - جمعا بين القاعدتين: انفعال القليل بالملاقاة،
~~وطهارة الغسالة.
# وصحة هذا التفصيل - على أحد الوجهين - وسقمه مبنيتان على النظر في حكم
~~الغسالة، والكلام مع المدعين لطهارتها وستعرفه في محله، وأما منع الانفعال
~~بالمتنجس مطلقا فلم نقف له على وجه، ولعله غفلة عن التدبر في روايات الباب،
~~أو مبني على توهم انحصار أدلة الانفعال في مفهوم قوله: " إذا كان الماء قدر
~~كر لا ينجسه شئ " (5) مع منع العموم فيه بحيث يشمل المتنجس أيضا، وكيف كان
~~فهو في غاية الضعف.
# أما أولا: فللمفهوم المشار إليه، فإنه عام بالقياس إلى جميع مصاديق " شئ
~~" ومنها المتنجس، غاية الأمر خروج ما كان منها طاهرا بالتخصيص أو التخصص،
~~بدعوى:
# عدم صلاحية الطاهر مشمولا للمنطوق، نظرا إلى كون بيان الحكم بالنسبة إليه
~~من باب توضيح الواضحات وهو سفه، فليس من شأن الحكيم بل ويقبح ذلك عليه،
~~وقضية ذلك خروجه عن المفهوم من أول الأمر من دون حاجة له إلى المخرج.
# ولكن فيه: أن المراد بالخروج في مواضع التخصيص ليس هو الخروج الحقيقي
~~لاستحالة البداء من الحكيم العالم، بل المراد به انكشاف خروجه بملاحظة
~~الخارج الذي يعبر عنه بالمخصص، ولا ريب أن ذلك الخارج الذي يوجب الانكشاف
~~كما أنه
# PageV01P229
# قد يكون لفظا فكذلك قد يكون عقلا قاطعا، وما قررناه في وجه استحالة شمول
~~المنطوق للطاهر ليس إلا عقلا قاطعا قام في المقام وكشف عن حقيقة المراد،
~~وإلا فاللفظ بما هو هو - أي مع قطع النظر عن ذلك - صالح للشمول جزما، فيكون
~~خروجه المذكور عن المنطوق من باب التخصيص، ويتبعه في ذلك المفهوم ويكون
~~مخصصا بخروج ما ذكر، ويبقى الباقي ومنه المتنجس؛ إذ لا استحالة في كونه
~~مرادا في المنطوق فيكون كذلك في المفهوم؛ إذ لا مخرج له من عقل ms192 ولا نقل.
# لا يقال: إن العام بالقياس إليه مجمل إذ لا ريب - على ما اعترفت به - في
~~ورود تخصيص عليه، والقدر المتيقن مما يشمله المخصص إنما هو الطاهر، كما أن
~~القدر المتيقن مما يشمله العام إنما هو نفس النجاسة، وأما المتنجس فيبقى
~~مترددا بين كونه مشمولا للعام أو المخصص، ومعه لا معنى للتمسك بالعموم
~~بالنسبة إليه.
# لأنا نقول: بمنع كون هذا النوع من التردد موجبا لإجمال العام، وإنما هو
~~في الشبهة المصداقية أو المفهومية بالقياس إلى مسمى موضوع المخصص، والمقام
~~ليس بشئ منهما، بل التردد المذكور فيه ابتدائي ينشأ من احتمال زيادة
~~التخصيص، فيرتفع بملاحظة ظهور اللفظ نوعا، وأصالة عدم الزيادة في التخصيص.
# ولو سلم عدم ارتفاعه فليس بقادح في جواز التمسك بالعام، لكون اعتبار
~~ظواهر الألفاظ ثابتا بالنوع، وكون قلة التخصيص أولى من كثرته - حيثما دار
~~الأمر بينهما - باب معروف متسالم عليه عندهم، فلا وجه للمناقشة في العموم.
# وأما ثانيا: فلأن قذارة اليد الواردة في أكثر روايات الباب الموجبة
~~للانفعال تشمل ما لو كانت متنجسة، وحملها على ما لو كانت العين باقية فيها
~~بعيد عن الانفعال (1) وينفيه ترك الاستفصال.
# ودعوى: ظهور " القذر " في العين، يدفعها: ما في صحيحة البزنطي " عن الرجل
~~يدخل يده في الإناء وهي قذرة " (2) وما في قوية أبي بصير " إذا كانت يده
~~قذرة فأهرقه " (3).
# PageV01P230
# وأما ثالثا: فلخصوص صحيحة علي بن جعفر المشتملة في ذيلها على قوله (عليه
~~السلام):
# " إذا كانت يده نظيفة فليأخذ كفا من الماء " (1) إلخ وموثقة عمار
~~المتضمنة لقوله: وعن الإبريق يكون فيه خمر، أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: "
~~إذا غسل فلا بأس " (2)، ورواية علي بن جعفر المتضمنة لقوله عن الشرب في
~~الإناء يشرب منه الخمر قدحان عيدان أو باطية؟ قال (عليه السلام): " إذا
~~غسله فلا بأس " (3)، وروايتي علي بن يقطين (4)، وعيص بن القاسم (5)
~~الواردتين في سؤر الحائض وفضلها الحاكمتين بأنه إذا كانت مأمونة فلا بأس،
~~أو توضأ منه إذا كانت مأمونة.
# الجهة الثالثة: عزي إلى المشهور عدم الفرق في النجاسة الموجبة للانفعال ms193
~~بين كثيرها وقليلها حتى ما لو كان منها مما لا يدركه الطرف مثل رؤوس الإبر
~~التي لا تحس ولا تدرك ولو كان دما، وعن الحلي (6) دعوى الإجماع عليه، وعليه
~~الشيخ على ما حكي عنه في سائر كتبه سوى المبسوط والاستبصار، وأما فيهما
~~فخالف المشهور وذهب إلى الفرق بين الكثير والقليل الذي لا يدركه الطرف فخص
~~الحكم بالأول دون الثاني، قائلا في المبسوط - على ما حكي -: " وحد القليل
~~ما نقص عن الكر، وذلك ينجس بكل نجاسة تحصل فيه، قليلة كانت النجاسة أو
~~كثيرة، تغيرت أوصافه أو لم يتغير، إلا ما لا يمكن التحرز منه مثل رؤوس
~~الإبر من الدم وغيره، فإنه معفو عنه لأنه لا يمكن التحرز منه " (7).
# وعنه أنه خص ذلك في الاستبصار بالدم (8)، كما أن العلامة حكاه عنه في
~~المختلف (9) مخصوصا به من غير تعرض لتعيين كتابه، ولعله أيضا وهم نشأ عن
~~كلامه في الاستبصار، ولأجل ذلك توهم جماعة على - ما حكي - كون أقواله ثلاثة
~~والإنصاف يقتضي خلافه، إذ لا إشعار في كلامه في الاستبصار باختصاص الحكم
# PageV01P231
# بالدم، كما لا يخفى على من يراجعه في ذيل باب القليل الذي تحصل فيه
~~النجاسة (١).
# وكيف كان ففي المختلف (٢) احتج الشيخ (رحمه الله) بوجهين:
# الأول: رواية علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) قال:
~~سألته عن رجل امتخط فصار الدم قطعا فأصاب إناءه، هل يصلح الوضوء منه؟ فقال:
~~" إن لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس، وإن كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه
~~" (٣).
# الثاني: أن وجوب التحرز عن ذلك مشقة عظيمة وضرر كثير فيسقط، لقوله تعالى:
# ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (4).
# وقد يقال: إن دلالة الرواية مبنية على إرادة السائل إصابة الماء من
~~الإناء تسمية باسم المحل، لأن إرادة خصوص الظرف لا يناسب السؤال.
# ولا يخفى بعده لكونه مجازا بلا قرينة واضحة، ولا يلائمه قوله (عليه
~~السلام): " في الماء " لكونه على التوجيه المذكور في موضع الإضمار، مع توجه
~~المنع إلى ابتناء ms194 دلالتها على ذلك، لجواز تقريرها بأن السؤال وإن كان لا
~~قضاء له بإصابة الدم للماء غير أن الجواب يشمل بعمومه ما هو المقصود
~~بالاستدلال في وجه، أو هو مختص بالمقصود في آخر.
# أما على ما في بعض النسخ من نصب " شئ "، فلعود الضمير في الفعل الناقص
~~إلى " الدم " بنفسه، أو بوصف كونه مصيبا للإناء، وكون الجملة المتعقبة له
~~صفة للشئ والظرف متعلقا بها، فيكون المعنى: إن لم يكن الدم أو ما أصاب
~~الإناء شيئا يستبين في الماء فلا بأس، وهذا كما ترى يعم ما لو لم يكن فيه
~~شئ أصلا، أو كان ولم يكن مستبينا فيه، بناء على رجوع النفي إلى كل من الوصف
~~والموصوف، فثبت به المطلوب أيضا.
# ولكن الحمل عليه لعله ليس على ما ينبغي؛ لعدم كون إفادة الحكم لصورة
~~انتفاء الدم بالمرة من شأن السائل ولا المسؤول، مضافا إلى أن النفي
~~والإثبات يرجعان في الكلام إلى القيد، وكما أن الإثبات في الفقرة الثانية
~~من الرواية يدور على القيد فكذلك
# PageV01P232
# في النفي، فيكون حاصل معنى الفقرة الاولى: إن كان ما أصاب الإناء شيئا
~~غير مستبين في الماء فلا بأس، وهذا عين المطلوب.
# وأما على ما في أكثر النسخ - على ما وجدناه في الكافي والتهذيب
~~والاستبصار - من رفع " شئ " فيكون " شئ " اسما للفعل الناقص، وخبره الجملة
~~المستعقبة للظرف الذي هو متعلق بها، أو الظرف والجملة صفة للشئ، فيكون
~~المعنى - بناء على رجوع النفي إلى الخبر أو إلى الصفة -: إن كان شئ غير
~~مستبين في الماء فلا بأس، أو إن كان شئ غير مستبين حاصلا في الماء، أي إن
~~حصل في الماء شئ غير مستبين فلا بأس، وهذا أيضا عين المطلوب.
# وبما قررناه يندفع ما أورد عليه غير واحد بأنه لا يدل على إصابة الدم
~~للماء التي هي محل الكلام، قال العلامة في المختلف: " والجواب أنه غير دال
~~على محل النزاع، لأنه ليس في الرواية دلالة على أن الدم أصاب الماء، ولا
~~يلزم من إصابته الإناء إصابته للماء، وإن كان ms195 يفهم منه ذلك لكن دلالة
~~المفهوم ضعيفة " (1).
# وقد يجاب عنه - كما في المختلف أيضا: بأنه معارض برواية علي بن جعفر - في
~~الصحيح - عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن رجل رعف وهو يتوضأ،
~~فيقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: " لا ". (2) وهو كما ترى
~~بمكان من الوهن، فإن الفرق بين القطرة وما لا يدركه الطرف المفسر في كلام
~~الشيخ برؤوس الإبر كما بين السماء والأرض، فهي معارضة بما ليس من محل
~~النزاع في شئ.
# ودون هذا الجواب ما قيل أيضا: من أن عدم استبانة الدم في الماء لا يقضي
~~بلوغ قطع الدم في الصغر إلى حد رؤوس الإبر، فإنه قد لا يستبين في الماء وهو
~~أعظم مما ذكر، ووجهه: أن ذلك مذكور في كلام الشيخ من باب المثال لا من باب
~~الانحصار، وإلا فمناط كلامه إنما هو عدم الاستبانة كائنا ما كان.
# PageV01P233
# وأدون من الجميع ما عن الذخيرة من: " أن مورد الرواية دم الأنف، فالتعميم
~~لا يخلو عن إشكال، وأشكل منه إلحاقه في المبسوط كل ما لا يستبين " (1)،
~~ووجهه: أن المناط عند القائلين بانفعال القليل بالملاقاة واحد، وهو مباشرة
~~وصف النجاسة التي هي حاصلة في الجميع، ولذا يدعي إجماعهم المركب على
~~التعميم في أصل المسألة.
# والأولى في هدم الاستدلال بالرواية منع دلالة ما فيها من الجواب المفصل
~~بين الاستبانة وعدمها، بل هي عند التحقيق تقضي بما ذهب إليه المشهور من
~~إطلاق القول بالانفعال، فإن " الاستبانة " لغة وعرفا ضد الخفاء، يقال: "
~~استبان الأمر "، أي اتضح وتبين وانكشف أي زال خفاؤه، وكما أن الشئ قد يخفى
~~على الحس فلا يرى أو لا يسمع، فكذلك يخفى على الذهن فلا يدرك، يقال: " خفي
~~الحق علي "، كما يقال: " خفي الهلال على بصري ".
# وقضية ذلك أن يكون التبين - على معنى زوال الخفاء - مقولا بالاشتراك على
~~التبين في الحس والتبين في الذهن معا، ولذا لو حصل لك العلم بفسق أحد تقول:
~~" قد خفي علي فسقه فتبين لي أنه فاسق "، ولا يصح أن تقول: " ما ms196 تبين لي
~~فسقه "، كما أنه إذا رأيت الهلال تقول: " قد خفي على بصري الهلال فتبين "،
~~ولا يصح أن تقول: " لم يتبين ".
# وقضية ذلك أن يكون الحكم المعلق على الاستبانة بهذا المعنى، معلقا عليها
~~بالمعنى الأعم الذي هو القدر المشترك بين النوعين، فيكون مفاد الرواية
~~حينئذ إناطة حكم النجاسة المانعة عن الوضوء بزوال خفاء مباشرة الدم للماء،
~~الذي يتحقق تارة عند البصر كما لو رأيناه فيه بعينه، واخرى عند الذهن كما
~~لو علمنا بوقوعه فيه وإن خفي على أبصارنا بعد الوقوع، فيكون المعنى - على
~~نسخة النصب -: إن كان الذي أصاب الإناء شيئا يخفى عليك كونه في الماء فلا
~~بأس، وإن كان شيئا لا يخفى عليك كونه في الماء فلا يتوضأ منه، ولا ريب أنه
~~إذا علمنا بوقوع قليل من الدم أو غيره ولو صغيرا بقدر رؤوس الإبر في الماء،
~~لصدق في حقنا قضية القول بعدم خفاء كونه في الماء، ولم يصدق لو قلنا: أنه
~~شئ خفي علينا كونه في الماء.
# PageV01P234
# وعلى نسخة الرفع: إن كان شئ من الدم أو غيره خفي كونه في الماء فلا بأس
~~به، وإن كان شيئا لا يخفى كونه في الماء فلا يتوضأ منه، ولا ريب أن الرواية
~~بكل من التقديرين واضحة الدلالة على أن إدراك مباشرة النجاسة بالحس أو
~~الذهن موجب لترتب النجاسة وأحكامها، وهو عين ما صار إليه المشهور، ولا
~~شهادة لها بما صار إليه الشيخ، ومحصل مفادها - على ما أشرنا إليه غير مرة -
~~إفادة النجاسة وأحكامها منوطة بالعلم بالمباشرة ولو بتوسط الحس، ويكون
~~موردها كما يرشد إليه السؤال المصرح بإصابة الدم للإناء صورة الاشتباه
~~والاحتمال ظنا أو وهما أو شكا، لصدق الخفاء المعلق عليه عدم المنع على
~~الجميع عرفا، ولا ريب أنها مما يحسن معها السؤال، بل السؤال عن مثلها مما
~~ينبعث عن التقوى وكمال الاعتناء بآثار الشرع وأحكامه، كما هو من دأب
~~المحتاطين وديدن المتقين، لا سيما الذين لهم حظ من العلم والفقاهة في مسائل
~~الدين.
# فما أورد على القول بمنع دلالة الرواية ms197 إلا على إصابة الإناء، من أن ذلك
~~غير لائق بعلو شأن السائل وهو علي بن جعفر؛ لكونه فقيها جليل القدر عظيم
~~الشأن من أهل العلم والمعرفة، فكيف يسأل عن حكم إصابة النجاسة للإناء دون
~~الماء، مع وضوحه وبداهة أن إصابة الإناء مما لا يعقل لها تأثير في المنع،
~~ليس على ما ينبغي.
# لا يقال: السؤال إنما ينبعث عن الجهل، ومن البعيد أن لا يكون علي بن جعفر
~~عالما بحكم صورة الاشتباه، وما قرر لها من الأصل الذي يرجع إليه معها، لأنه
~~لا يناسب ما فيه من الفقاهة وجلالة الشأن وعلو المرتبة، لمنع اقتضاء كل ذلك
~~ما ذكر من الاستبعاد، فإن البحر قد يشذ منه القطرة، مع أن الفقاهة إنما
~~تحصل تدرجا فلم لا يجوز كون الرواية صادرة في أول الأمر، أو أنه علم الأصل
~~بالاجتهاد ومع ذلك راعى السؤال أخذا بالأوثق، أو أن السؤال إنما ورد تنبيها
~~للغير على حكم المسألة ممن خفي عليه الأمر.
# وبما قررناه في دفع دلالة الرواية على ما صار إليه الشيخ، وقعنا في فراغ
~~عن القدح في سندها، والحكم عليه بالضعف من جهة الجهالة، فإن في طريقها محمد
~~ابن أحمد العلوي وهو مجهول حاله، غير منصوص في كلام علماء الرجال بمدح ولا
~~قدح، حتى يعارض بكون توثيقه مستفادا من تصحيح العلامة رواياته في المختلف
~~والمنتهى، PageV01P235
# سيما هذه الرواية التي صححها العلامة في المختلف (1) بخصوصها.
# وأما الوجه الثاني: مما احتج به الشيخ فمنعه واضح غاية الوضوح، وتفصيل
~~القول عليه منع الصغرى أولا: - سواء أراد بالمشقة العظيمة العسر والحرج
~~المنفيين في الشريعة، أو ما فوق ذلك - ومنع الكبرى ثانيا: فإن أقصى ما
~~يترتب على المشقة ارتفاع الحكم التكليفي كما هو نتيجة الدليل المصرح بها في
~~متن الاستدلال المعبر عنها بالعفو، ولا يلزم منه عدم انعقاد الحكم الوضعي
~~وهو النجاسة وتحقق الانفعال، كما أنه مما لا يلزم منه ارتفاع الحكم الوضعي،
~~كما ثبت نظيره في غير موضع من الشرعيات كقليل الدم في لباس المصلي أو بدنه،
~~ومثله دم ms198 القروح والجروح فيهما ونحو ذلك، ولا ريب أن المتنازع فيه هو
~~الثاني دون الأول كما لا يخفى، فثبت إذن أن الأقوى ما صار إليه المشهور
~~عملا بعموم الأخبار منطوقا ومفهوما، سيما عموم التعليل الوارد في الكلب.
# ومنع ذلك - كما عن جماعة ويظهر من المحقق السبزواري (2) أيضا - ليس
~~بوجيه، فإن المستفاد من ملاحظة مجموع الروايات - خصوصا ما ورد من التعليل
~~بالنجاسة - كون الحكم منوطا بنفس الوصف مع قطع النظر عن خصوصية موصوفه، ولا
~~ريب أنه يتحقق مع الكثير ومع القليل أيضا في أي مرتبة من مراتبه، والتشكيك
~~في مثل ذلك خروج عن جادة الاستقامة واجتهاد في مقابلة النص، وتبقى الرواية
~~المتقدمة بالمعنى الذي فسرناها به دليلا آخرا ومؤيدة للدليل، فاحفظ هذا
~~واغتنم.
# الجهة الرابعة: قد استفاض نقل الشهرة في عدم الفرق في انفعال الماء
~~القليل بملاقاة النجاسة بين ورودها عليه، أو وروده عليها، أو تواردهما، كما
~~لو سالا عن ميزابين ونحوهما فاختلطا، كما أنه اشتهر المخالفة في ذلك عن
~~السيد المرتضى في الناصريات لذهابه إلى الفرق بتخصيصه الانفعال بالماء الذي
~~يرد عليه النجاسة دون العكس، وهو محكي عن الشافعي من العامة، ولكن العبارة
~~المحكية عن السيد غير دالة على استقرار هذه المخالفة منه، لأنه عند حكاية
~~القول بعدم الفرق بين الورودين عن جده الناصر، قال في الناصريات:
# " قال الناصر: ولا فرق بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على
~~الماء.
# PageV01P236
# قال السيد: وهذه المسألة لا أعرف لها نصا لأصحابنا ولا قولا صريحا،
~~والشافعي يفرق بين ورود الماء عليها، وورودها عليه فيعتبر القلتين في ورود
~~النجاسة على الماء، ولا يعتبر في ورود الماء على النجاسة، وخالفه سائر
~~الفقهاء في هذه المسألة، والذي يقوى في نفسي عاجلا إلى أن يقع التأمل لذلك.
~~صحة ما ذهب إليه الشافعي؛ والوجه فيه: إنا لو حكمنا بنجاسة الماء القليل
~~الوارد على النجاسة لأدى ذلك إلى أن الثوب لا يطهر من النجاسة إلا بإيراد
~~كر من الماء عليه وذلك يشق، فدل على أن الماء الوارد على النجاسة، لا ms199 يعتبر
~~فيه القلة والكثرة كما يعتبر فيما يرد عليه النجاسة " (1).
# وهذا كما ترى مما لا يقضي بأنه أخذ ذلك مذهبا لنفسه على سبيل الإذعان،
~~ولا على استقراره عليه لو فرض إذعانه به حين إنشاء تلك العبارة، وعلى أي
~~حال فلم نقف من أصحابنا على من وافقه على ذلك عدا صاحب المدارك من
~~المتأخرين، في قوله - بعد ما رجح في مسألة الانفعال خلاف مذهب العماني -: "
~~لكن لا يخفى أنه ليس في شئ من تلك الروايات دلالة على انفعال القليل بوروده
~~على النجاسة، ولا على انفعاله بكل ما يرد عليه من النجاسات، ومن ثم ذهب
~~المرتضى (رحمه الله) في جواب المسائل الناصرية إلى عدم نجاسة القليل بوروده
~~على النجاسة وهو متجه " (2) انتهى.
# نعم، عن الحلي في السرائر أنه قال - بعد ما نقل العبارة المتقدمة عن
~~السيد - قال:
# " محمد بن إدريس وما قوي في نفس السيد هو الصحيح، المستمر على أصل المذهب
~~وفتاوي الأصحاب " (3) انتهى.
# وما أبعد بين كلامه (رحمه الله) وعبارة السيد المتقدمة حيث إن ظاهره
~~الإجماع على الفرق المذكور، ومن البعيد أن يكون مسألة إجماعية ولم يعرف
~~السيد فيها نصا و لا قولا صريحا لأصحابنا، وهو أقدم منه وأعرف بفتاوي من
~~سلف منهم واصول مذهبهم، ولعله أراد بما نقله ما تحقق متأخرا عن عصر السيد،
~~أو ما تحقق بين أهل عصره بالخصوص، وهو أيضا بمكان من المنع، حيث لم يوافقه
~~أحد على ذلك النقل، وربما يمكن القول بأنه وهم نشأ عن ملاحظة ما استقر عليه
~~المذهب واجتمعت عليه فتاوي الأصحاب، من أن الماء القليل الوارد
# PageV01P237
# على المتنجس يفيد طهارة المحل بزعم أنه مما لا يتأتى إلا على فرض طهارة
~~الماء.
# وربما يحمل كلام السيد فيما تقدم على أن يكون مراده بعدم نجاسة الوارد
~~عدم نجاسة العالي بالسافل، حتى يكون لما ذكره ابن إدريس من أن فتاوي
~~الأصحاب به وجه صحة فيرتفع الخلاف في البين، وهو كما ترى في وضوح من البعد،
~~وعن ظاهر الشهيد في الذكرى (1) أن كلامهما في الغسالة خاصة، ms200 فلا مخالفة
~~لهما في مسألة الورودين، ويقوى ذلك بملاحظة جملة من العبارات المحكية عنهما
~~الظاهرة في موافقة المشهور.
# فعن السيد - في مسألة التطهير بالمستعمل في رفع الحدث -: " أنه يجوز أن
~~يجمع الإنسان وضوءه عن الحدث أو غسله من الجنابة في إناء نظيف ويتوضأ به،
~~ويغتسل به مرة اخرى، بعد أن لا يكون في بدنه شئ من النجاسة، بناء على أن
~~اعتبار نظافة الإناء وخلو البدن عن النجاسة إنما هو لحفظ الماء الوارد
~~عليهما عن الانفعال كما هو الظاهر، لا لأن غسالة النجس لا تصلح مطهرة، وإن
~~كانت طاهرة " (2).
# وعن ابن إدريس في مواضع:
# منها: ما حكي عن أول السرائر، من قوله: " والماء المستعمل في تطهير
~~الأعضاء و البدن الذي لا نجاسة عليه إذا جمع في إناء نظيف كان طاهرا مطهرا،
~~سواء كان مستعملا في الطهارة الكبرى أو الصغرى على الصحيح من المذهب " (3)
~~والتقريب فيه أيضا نظير ما تقدم.
# ومنها: ما حكي أيضا في مسألة ماء الاستنجاء وماء الاغتسال من الجنابة، من
~~قوله: " متى انفصل ووقع على نجاسة ثم رجع إليه وجب إزالته " (4)، وهذا كما
~~ترى كالصريح في موافقة المشهور في غير الغسالة.
# ومنها: ما حكي أيضا من أنه ادعى الإجماع والأخبار على نجاسة غسالة
~~الحمام، بناء على أنها في الغالب من المياه الواردة على النجاسة (5).
# وقد يستظهر القول المبحوث عنه من الشيخين في المقنعة والمبسوط؛ لأن الأول
~~- بعد ما حكم بطهارة ما يرجع من ماء الوضوء إلى بدن المتوضي أو ثيابه -
~~قال:
# PageV01P238
# " وكذلك ما يقع على الأرض الطاهرة من الماء الذي يستنجى به ثم يرجع عليه
~~لا يضره ولا ينجس شيئا من ثيابه وبدنه، إلا أن يقع على نجاسة ظاهرة فيحملها
~~في رجوعه، فيجب غسل ما أصابه منه " (1).
# والثاني قال: " لو كان على جسد المغتسل نجاسة أزالها ثم اغتسل، فإن خالف
~~واغتسل أولا ارتفع حدث الجنابة، وعليه أن يزيل النجاسة إن كانت لم تزل
~~بالاغتسال " (2)، فإن حكمه بارتفاع حدث الجنابة مبنى على عدم انفعال الماء
~~الوارد على النجاسة التي تكون ms201 في الجسد، وإلا لم يكن لما ذكره وجه، بناء
~~على اشتراط الطهارة في ماء الغسل.
# واجيب عن الأول: باحتمال أن يكون مراد المفيد من حمل الماء النجاسة تنجسه
~~بها، كما في قوله (عليه السلام): " لم يحمل خبثا " (3)، لا حمله جزءا منها
~~حتى يكون إيجاب الغسل من جهة هذا الجزء لإصابته الثياب أو البدن، فلا ظهور
~~لما ذكره في ما توهم منه.
# وعن الثاني: بحمل كلامه على الاغتسال فيما لا ينفعل من الماء لا مطلقا.
# وكيف كان فلم نقف من أصحابنا على مصرح بالقول المذكور على نحو يشمل محل
~~النزاع، نعم عبارة المدارك - فيما تقدم (4) - ظاهرة في الميل إليه، ودونها
~~في الظهور كلام الحلي المتقدم (5)، وأما السيد فقد عرفت أن كلامه غير ظاهر
~~في اختياره مذهبا على جهة الاستقرار، وعلى أي حال فالحق هو المشهور المنصور
~~لوجوه.
# الأول: ظاهر الخبر المستفيض " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (6)
~~فإنه بعموم مفهومه التابع لعموم منطوقه يشمل المقام وغيره، من ورود النجاسة
~~على الماء أو تواردهما معا، والوجه في ذلك ما سبق الإشارة إليه من أن له
~~عموما من جهات أربع: باعتبار لفظي " الماء " و " الشئ " فيشملان كل ماء وكل
~~نجس، وباعتبار لفظ " الكر " بالنظر إلى الأحوال الطارئة له من الاجتماع
~~والتفرقة، مع الاتصال أو تساوي السطوح. واختلافهما، تسنما أو انحدارا،
~~وباعتبار نسبة التنجيس إلى الشئ المنفي في المنطوق المثبت في
# PageV01P239
# المفهوم، بالنظر إلى الأحوال اللاحقة بالمباشرة التي تستفاد من تلك
~~النسبة من كونها حاصلة بورود الشئ على الماء، أو بورود الماء على الشئ، أو
~~بورود كل على الآخر دفعة.
# ولا ريب أن إطلاق تلك النسبة يشمل جميع تلك الأحوال فيتبعه الحكم منطوقا
~~ومفهوما، لئلا يلزم الخطاب بما له ظاهر وإرادة خلافه، وما ادعي من القول
~~المذكور لا يصار إليه إلا مع دليل دافع لذلك الإطلاق وليس ثابتا لما ستعرف
~~من ضعف المستند.
# ومما قررناه تبين اندفاع ما اعترض عليه من منع شموله لمحل البحث، تعليلا
~~بأن الدلالة تنشأ عن عموم " الشئ ms202 " المأخوذ في المفهوم، وهو بمكان من المنع
~~لكونه نكرة في سياق الإثبات فلا يعم، كما تبين بطلان ما قيل في دفعه - بعد
~~تسليم المنع المذكور - من أن الدلالة تنشأ من لفظ " الماء " وهو عام.
# والوجه فيهما: أن العام إنما يشمل من الأفراد لما هو من سنخه بحسب
~~المفهوم العرفي أو اللغوي، ولو من جهة الإطلاق المقابل للتقييد، ولا ريب أن
~~كون كل فرد من أفراد النجاسة مما يوجب انفعال القليل لا يستلزم كونه كذلك
~~في جميع الأحوال اللاحقة بالمباشرة؛ إذ ليست الأحوال من سنخ أفراد النجاسة،
~~كما أن كون كل فرد من أفراد القليل مما ينفعل بالملاقاة لا يستلزم كونه
~~كذلك بالقياس إلى جميع أحوال المباشرة، فلابد من إحراز العموم من جهة اخرى
~~مما يرجع إلى المباشرة، نظرا إلى أنها التي تختلف بالأنواع المختلفة المعبر
~~عنها بالورودين والتوارد.
# الثاني: إطلاق جملة من الروايات المتقدمة كرواية أبي بصير الواردة في
~~النبيذ المتضمنة لقوله (عليه السلام): " ما يبل منه الميل ينجس حبا من ماء
~~" (1)، فإن ذكر " الحب " وارد من باب المثال، للقطع بعدم مدخلية الخصوصية
~~في الحكم، فهو في الحقيقة كناية عن الكثير الذي يباشره النبيذ كائنا ما
~~كان، وتحديده بما يبل منه الميل مبالغة في قوة ما فيه من التأثير، حتى أن
~~أقل قليل منه ينجس من الماء ما كان أكثر منه بمراتب، ولا ريب أن ذلك
~~بإطلاقه يتناول محل البحث أيضا.
# ورواية عمار بن موسى الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام): عن الرجل
~~يجد في إنائه فأرة، وقد توضأ من ذلك الإناء مرارا، وغسل منه ثيابه واغتسل
~~منه، وقد كانت الفأرة
# PageV01P240
# منسلخة؟ فقال: " إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل
~~ثيابه، ثم فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء، فعليه أن يغسل ثيابه، ويغسل كلما
~~أصابه ذلك الماء، ويعيد الوضوء و الصلاة الحديث " (1) فإن ترك الاستفصال في
~~موضع الاحتمال يفيد العموم في المقال، ولولا عدم الفرق بين الورودين لكان
~~اللازم تفصيلا آخر في اولى ms203 شقي التفصيل المذكور في الرواية، كما لا يخفى.
# ورواية عمر بن حنظلة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما ترى في قدح
~~من مسكر يصب عليه الماء حتى يذهب عاديته، ويذهب سكره؟، فقال (عليه السلام):
~~" لا والله، ولا قطرة قطرت في حب إلا اهريق ذلك الحب " (2) فإن السؤال ظاهر
~~بل صريح في ورود الماء والجواب صريح في عكسه، فلولا المراد إعطاء الحكم على
~~الوجه الأعم لفاتت المطابقة بينهما، بل لك أن تقول: لا حاجة إلى توسيط ذلك،
~~بناء على أن النفي المستفاد من قوله (عليه السلام): " لا "، راجع إلى فرض
~~السؤال ويبقى ما بعده مخصوصا بصورة العكس، تعميما للحكم بالقياس إلى
~~الصورتين معا وهو المطلوب.
# والثالث: جملة من الروايات أيضا صريحة أو ظاهرة كالصريحة في خصوص المسألة
~~المبحوث عنها، كموثقة عبد الله بن يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام، وفيها يجتمع غسالة اليهودي،
~~والنصراني، والمجوسي، والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم " (3)، فإن غسالة
~~الحمام تحصل غالبا بصب الماء على البدن لغسل أو تنظيف أو غير ذلك كما لا
~~يخفى.
# ومنه رواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الأول المتضمنة لقوله (عليه
~~السلام): " لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها
~~ماء يغتسل به الجنب، و ولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت "، الحديث (4)،
~~ولكنها إنما تنطبق عليها لو قلنا بظهورها في الانفعال، وإلا فأقصاها
~~الدلالة على أن الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر لا يرفع
# PageV01P241
# الحدث، ولا يستعمل ثانيا في التطهير عن الحدث، كما يرشد إليه الجمع بين
~~الناصب والجنب وولد الزناء مع عدم كونهما نجسين، وكون الجنب ممن عليه نجاسة
~~خارجية مجرد احتمال لا ينبغي تنزيل الرواية عليه.
# وموثقة عمار المتضمنة لقوله: وعن الإبريق يكون فيه خمر أيصلح أن يكون فيه
~~ماء؟ قال: " إذا غسل فلا بأس " (1)، وهي صريحة في ورود الماء دالة بمفهومها
~~على الانفعال في المتنازع نفسه.
# وفي معناها رواية الوسائل وقرب الإسناد، المتضمنة للسؤال ms204 عن الشرب في
~~الإناء يشرب منه الخمر قدحان عيدان أو باطية، المستعقب لقول الإمام (عليه
~~السلام): " إذا غسل فلا بأس " (2).
# والرابع: إطلاق الإجماعات المحكية في المسألة على حد الاستفاضة.
# منها: ما عن أمالي الصدوق: " من أنه من دين الإمامية الإقرار بأن الماء
~~كله طاهر حتى يعلم أنه قذر، ولا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة "
~~(3)، لا يقال: إنه لا يشمل جميع أنواع النجاسة؛ لأنه غير قادح فيما نحن
~~بصدده، مع إمكان إرجاعه إلى أكثر الأنواع نظرا إلى أن الغالب منها ما يرجع
~~إلى ذي النفس كما لا يخفى على المتأمل.
# ومنها: ما عن الغنية (4) من أنه إن كان الماء الراكد قليلا، ومياه الآبار
~~قليلا كان أو كثيرا تغير بالنجاسة أو لم يتغير فهو نجس بدليل إجماع
~~الطائفة.
# ومنها: ما في المختلف (5) من أنه اتفق علماؤنا إلا ابن أبي عقيل على أن
~~الماء القليل - وهو ما نقص عن الكر - ينجس بملاقاة النجاسة له تغير بها أو
~~لم يتغير.
# ومنها: ما عن السيوري (6) من أن تنجس القليل من الراكد مذهب كافة
~~العلماء، إلا ابن أبي عقيل منا ومالكا من الجمهور.
# ومنها: ما عن شرح المفاتيح للمحقق البهبهاني: " أجمع علماؤنا على انفعال
~~القليل
# PageV01P242
# بالملاقاة سوى ابن أبي عقيل، ولعله خارج غير مضر لكونه معلوم النسب إلخ "
~~(1).
# وأما ما تقدم في عبارة السيد من الاحتجاج، فجوابه - بعد قصوره عن إفادة
~~تمام المدعى كما أشار إليه في المصابيح - على ما حكي - قائلا: " بأن غاية
~~ما هناك قضاء الضرورة بطهارة الوارد على المحل المتنجس إذا استعقب طهر
~~المحل، فأما طهارة الوارد مطلقا ولو على النجس أو المتنجس فيما عدا الغسلة
~~المطهرة فلا " (2) - منع الملازمة، لما سبق الإشارة إلى تحقيقه من أنه لا
~~مانع عن إفادة هذا الماء ولو مع الانفصال طهارة المحل بعد الانفصال.
# فإن قلت: الفاقد للشئ لا يصلح لكونه معطيا له.
# قلت: أولا أنه منقوض بأحجار الاستنجاء، وثانيا: منع كون الماء بنفسه علة
~~مستقلة للطهارة، بل العلة هو المجموع من وروده طاهرا ms205 على المحل مع انفصاله
~~عنه بالعصر ونحوه، فالمطهر حقيقة ورود الطاهر مع انفصاله، ولا يقدح فيه
~~انفعاله بنفسه فيما بين الجزئين إذا دل عليه الشرع، فالالتزام به عند
~~التحقيق إنما هو من جهة الجمع بين القاعدتين: قاعدة انفعال القليل
~~بالملاقاة، وقاعدة طهر المتنجس بالقليل الوارد عليه، فإن كلا من القاعدتين
~~مما قام به الدليل، والمفروض أن الأسباب الشرعية ليست كالعلل العقلية حتى
~~تقاس بالعقول، بل هي امور تعبدية تتبع دليل التعبد بها، فإذا قام الدليل
~~عليه يجب الأخذ بها وإعمالها في موارد ذلك التعبد.
# وعن بعض المتأخرين أنه بعد ما وافق السيد في المذهب المذكور احتج بأن
~~أقصى ما دلت عليه الأدلة الدالة على انفعال القليل هو انفعال ما وردت عليه
~~النجاسة، فيتمسك فيما عدا ذلك بمقتضى الأصل، والعمومات السالمة على
~~المعارض.
# وأنت بعد ما أحطت خبرا بما قررناه في دليل المختار تعرف ضعف ذلك، وأضعف
~~منه ما عرفت عن الحلي (3) من دعوى استمرار الفرق بين الورودين على فتاوي
~~الأصحاب واصول المذهب، فإنه كما ترى ينافي إطلاق الإجماعات المتقدمة، وكيف
~~ذلك مع ما
# PageV01P243
# عرفت عن السيد (1) من إنكاره وجود نص من الأصحاب ولا قول صريح لهم في
~~ذلك.
# المقام الثاني:
# في مستثنيات قاعدة الانفعال مما هو محل وفاق وما هو محل خلاف، وقبل الخوض
~~فيها ينبغي الإشارة إلى دقيقة ينكشف بها بعض الفوائد والغفلات، وهي أنك قد
~~عرفت مما سبق - من أول المسألة إلى مقامنا هذا - أن قاعدة انفعال القليل
~~بالملاقاة مطلقا، يقابلها أقوال حدثت فيما بين العلماء.
# أحدها: قول العماني بعدم انفعاله مطلقا.
# وثانيها: قول السيد بعدم انفعاله إذا كان واردا على النجاسة.
# وثالثها: عدم نجاسة الغسالة الحاصلة من النجس.
# ورابعها: عدم سراية النجاسة من أسفل الماء إلى أعلاه ولو قليلا، وهذا قول
~~إجماعي في الجملة على ما حكي، ولا ريب أن كلا من هذه الأقوال ناظر إلى جهة
~~تطرأ القليل من غير الجهة الطارئة له بالنظر إلى قول آخر، فالقليل مما
~~يطرئه جهات متكثرة نشأت من كل جهة ms206 قول، غير أن هذه الجهات قد تجامعه في بعض
~~فروضه، وقد تفارق بعضها بعضا في البعض الآخر من الفروض، وتوضيح ذلك: أن
~~القليل الوارد على النجاسة عاليا كان أو غير عال له صور.
# منها: ما لو ورد على النجاسة واستعقب طهر المحل وانفصل عنه بعد وروده،
~~فذلك الماء المنفصل حينئذ مما يلحقه حكم الطهارة قبالا للحكم عليه بالنجاسة
~~من جهات، بحسب الأقوال الناشئة عن تلك الجهات، للزومه أن يقول بطهارته
~~العماني لما يراه من عدم انفعال القليل بملاقاة النجاسة في جميع أحواله،
~~وأصحاب القول بطهارة الغسالة لكونه من أفرادها، والسيد لكونه من أفراد
~~الماء الوارد على النجاسة.
# ومنها: ما لو ورد على النجاسة من غير أن يستعقب طهارة المحل، انفصل عنه
~~أو لم ينفصل مستعليا كان أو غيره، وهذا مما يتمشى فيه قولا العماني والسيد،
~~فما سبق إلى بعض الأوهام من أن القول بالفرق بين الورودين مبني على القول
~~بطهارة الغسالة،
# PageV01P244
# ليس على ما ينبغي.
# ومنها: ما لو ورد عليها مستعليا، وهذا مما يجري فيه قول العماني وقول
~~السيد والقول بعدم سراية النجاسة من الأسفل، فما سبق إلى بعض الأوهام من أن
~~طهارة المستعلي مبنية على الفرق بين الورودين غفلة، مبناها عدم مراعاة
~~حيثيات المسألة فإنها مما تختلف باختلافها العنوانات، واجتماع حيثية مع
~~حيثية اخرى في موضوع واحد لا يوجب وحدة المسألة بعد ما تعدد الموضوع
~~بتعددهما، ولذا ترى أن إحدى الحيثيتين تفارق الحيثية الاخرى، فينعقد بها
~~مسألة لا يدخل فيها مسألة اخرى، ويمتاز الحيثية الاخرى بانعقاد الإجماع على
~~الحكم معها، مع الخلاف فيه بالقياس إلى الحيثية الاولى.
# فكون الماء المفروض من حيث إنه مستعل غير منفعل بما ورد عليه من النجاسة،
~~مما لا مدخلية فيه، لكونه غير منفعل من حيث إنه وارد عليها، غاية الأمر
~~كونهما متصادقين في مورد واحد، وهو ليس من اتحاد المسألتين في شئ، ولذا ترى
~~أنه من حيث الورود قد يطرئه أحوال يجري على الجميع الحكم بعدم الانفعال عند
~~أهل القول بالفرق بين الورودين، وهي ms207 حالة اللقاء - أي حدوثه - وحالة بقائه
~~متصلا بها إلى مدة، وحالة انفصاله المستتبع لزوال وصف العلو عنه، فإن قضية
~~إطلاق القول بعدم انفعال الوارد ودليله أيضا لو تم تشمل جميع تلك الأحوال،
~~بخلاف القول بعدم نجاسة العالي، فإن ظاهره كونه كذلك ما دام وصف العلو
~~باقيا، وأما إذا زال عنه الوصف - سواء بقي على كونه ملاقيا لها أو انفصل
~~عنها جزء فجزء - فيندرج في عنوان الغير المستعلي الملاقي للنجاسة، وهو كما
~~ترى خروج عن الموضوع، ومعه لا يعقل لحوق الحكم به لكون القضية بالقياس إلى
~~الوصف الزائل من باب المشروطة.
# فمسألة عدم انفعال المستعلي مفروضة في العالي بوصف كونه عاليا، وأظهر
~~أفراده ما لو جعل الماء في انبوبة متصل رأسها بنجاسة بحيث أوجب اتصالها بها
~~اتصال الماء من الجانب التحتاني بها، وهذا مع نظائره مما يندرج تحت مفهوم
~~المستعلي مما يعد من مستثنيات قاعدة الانفعال، ويستفاد من غير واحد ثبوت
~~هذا الاستثناء، بل ظاهرهم فيما وجدناه من كلماتهم في الفروع التي منها ما
~~سبق الإشارة إليه في فروع الكر الاتفاق PageV01P245
# عليه، وفي كلام غير واحد منهم صاحب الحدائق (1) في فروع الكر التعليل له
~~بعدم تعقل سراية النجاسة من الأسفل إلى الأعلى، وحكى ذلك عن الشهيد في
~~الروض (2).
# ولا يخفى ما فيه، فإن الأحكام الشرعية التعبدية - ولا سيما أحكام الطهارة
~~والنجاسة - لا تقاس بالعقول، فقصور العقل عن إدراك السراية من الأسفل لا
~~يوجب الحكم عليها بالعدم، بعد ما كان مقتضى الأدلة النقلية من العمومات
~~والإطلاقات هو السراية؛ ضرورة جريان قاعدة الانفعال في المفروض أيضا، مع أن
~~السراية التي لا تعقل هنا إن اريد بها سراية عين النجاسة الحاصلة بتفرق
~~أجزائها في أجزاء الماء وامتزاجها معها.
# ففيه: أنه منقوض بالمتساوي السطوح من القليل الذي يقع فيه من النجاسات ما
~~لا تتفرق أجزاؤه مطلقا أو في الجملة، فقضية ما ذكر من الاستحالة أن لا يحكم
~~فيه بالانفعال، لأن مبناها على عدم سراية العين وهو حاصل في الفرض، فينبغي
~~من أجل ذلك أن يفصل ms208 في مسألة انفعال القليل بملاقاة النجاسة بين ما كان
~~النجاسة الواقعة فيه مما له أجزاء قابلة للتفرق والسراية فيحكم بالانفعال،
~~وبين غيره وهو كما ترى.
# وإن اريد بها سراية أثر النجاسة، فأي استحالة في سراية الأثر من الأسفل
~~إلى الأعلى، وأي شئ قضى لكم بها في غير مختلف السطوح، والنجاسة لا تباشره
~~إلا في جزء منه وهو لا يقضي بها هنا ولا يجري في المقام، وهل هو إلا تعبد
~~من الشارع، أو لأن الأثر يسري من جزء إلى جزء آخر بواسطة ما بينهما من
~~الاتصال، وأن الجزء الملاقي لعين النجاسة ينفعل بها ويوجب انفعال ما اتصل
~~به من الجزء الغير الملاقي لها وهكذا أتى آخر الأجزاء، بناء على أن انفعال
~~القليل لا يفرق فيه بين استناده إلى ملاقاة النجس وملاقاة المتنجس، بمعنى
~~أن ملاقاة المتنجس أيضا توجب انفعال الملاقي له كملاقاة النجس، وأي عقل
~~ينكر إمكان جريان الأول في مفروض المسألة، كما أنه أي عقل يقضي باستحالة
~~جريان الثاني فيه، مع أن الواسطة في الانفعال وهو مجرد الاتصال متحققة معه
~~جزما.
# فالحق أن الحكم تعبدي ومستنده الإجماع لمن حصل له ذلك، أو منقوله لمن
~~يراه حجة، وقد استفاض من علمائنا الأعلام نقله، ومنهم ثاني الشهيدين في
~~روضه (3) - على
# PageV01P246
# ما حكي - وتصدى لنقله صاحب الحدائق (1) أيضا في غير موضع يظهر للمتتبع،
~~والسيد صاحب المصابيح (2) في عبارة محكية منه، وصرح به صاحب المدارك (3) في
~~مسألة عدم اشتراط تساوي السطوح في عدم انفعال الكر، ردا على المحقق الثاني
~~في احتجاجه بما تقدم في بحث الكر على عدم تقوي الأعلى بالأسفل، وقد حكي (4)
~~ذلك عن صاحب المقابس (5) من تلامذة السيد المتقدم ذكره، وله في مصابيحه
~~عبارة عثرنا على حكايته ولا بأس بأن نذكرها لتضمنها تحقيقا وبسطا.
# فإنه قال: " لا ينجس المستعلي من السائل عن نبع وغيره، والمراد به ما فوق
~~الملاقي للنجاسة أو المتنجس بغير هذه الملاقاة، لما تقدم من عدم الفرق في
~~الملاقي بين الوارد والمورود عليه كما هو المشهور، والحكم بطهارة المستعلي ms209
~~بهذا المعنى مجمع عليه، وقد حكى جماعة من الأصحاب، منهم الشهيد في الروض
~~(6)، وسبطه في المدارك (7) الإجماع على عدم سراية النجاسة من الأسفل إلى
~~الأعلى، والمراد نفي السراية في السائل خاصة، فلو استقر نجس الأعلى إلا على
~~القول بالفرق بين الورودين، فالمستعلي على هذا القول طاهر مطلقا، سواء في
~~ذلك الملاقي للنجاسة وغيره، ولا فرق في طهارة المستعلي من السائل بين
~~النابع وغيره، وإن كان الحكم في الأول أظهر لثبوت العصمة فيه باعتبار
~~الجريان والاستعلاء معا، بخلاف الثاني فإن المانع من انفعاله هو الثاني
~~خاصة، وعلى قول العلامة باشتراط الكرية في الجاري فالمانع عن الانفعال هو
~~الاستعلاء مطلقا، وقد صرح غير واحد من الأصحاب في مسألة تغير الجاري
~~والكثير باختصاص المتغير بالتنجيس إذا اختلف سطوح الماء وكان المتغير هو
~~الأسفل، وهذا يقتضي طهارة المستعلي عن نبع وغيره.
# PageV01P247
# وقال العلامة (رحمه الله) في المنتهى: " لا فرق بين الأنهار الكبار
~~والصغار، نعم الأقرب اشتراط الكرية لانفعال الناقص عنها مطلقا، ولو كان
~~القليل يجري على أرض منحدرة كان ما فوق النجاسة طاهرا " (1)، وقال في
~~التذكرة: " لو كان الجاري أقل من الكر نجس بالملاقاة الملاقي وما تحته "
~~(2)، وقال الشهيد في الدروس: " ولو كان الجاري لا عن مادة ولاقته النجاسة
~~لم ينجس ما فوقها مطلقا " (3)، وقال في البيان: " ولو كان الجاري بلا مادة
~~نجس بالملاقاة إذا نقص عن الكر، ولا ينجس به ما فوق النجاسة " (4).
# وقال ابن فهد في الموجز: " ولو كان لا عن مادة كثيرا لم ينجس بالملاقاة
~~مطلقا، وقليلا ينفعل السافل خاصة " (5)، وقال المحقق الكركي في حواشي
~~الإرشاد: " أن الجاري هو النابع من الأرض دون ما جرى فإنه واقف، وإن لم
~~ينجس العالي منه بنجاسة السافل إذا اختلف السطوح " (6)، وهذه العبارات
~~صريحة في طهارة المستعلي من السائل من حيث هو كذلك، جاريا كان أو راكدا،
~~سواء قلنا بنجاسة الماء الوارد على النجاسة أو لم نقل " (7) انتهى.
# أقول: ما استظهره (رحمه الله) من عموم الحكم بالقياس إلى السائل عن مادة
~~والسائل لا عن مادة ms210 في محله، بل وإطلاق بعض هذه العبارات بل وصريح بعضها
~~يقضي بعدم الفرق في ذلك بين ما لو كان العالي بنفسه كرا أو عاليا في كر أو
~~في قليل.
# ويبقى الكلام مع السيد المتقدم (رحمه الله) في شئ، حيث إنه خص الحكم بما
~~إذا كان العالي سائلا، فإنه غير معلوم الوجه، ولعله اقتصار على القدر
~~المتيقن من معقد الإجماع المخرج عن القاعدة، أو مستفاد من كون المسألة في
~~فتاوي الأصحاب مفروضة في خصوص الجاري بالمعنى الأعم من النابع والسائل لا
~~عن نبع كما يرشد إليه الكلمات السابقة، أو من أن إجماعات المسألة قد نقلت
~~في الجاري بالمعنى الأخص، أو في مسألة اختلاف سطوح الكثير الذي لا يتأتى
~~فرضه إلا مع السيلان، وعلى كل تقدير فهو
# PageV01P248
# إغماض عن إطلاق العبارة في منقول الإجماع المتضمنة لقولهم: " النجاسة لا
~~تسري من الأسفل إلى الأعلى "، ولا ريب أنها تشمل الغير السائل أيضا، بل
~~أظهر أفراده ما تقدم الإشارة إليه من مسألة الانبوبة، ومن المصرح به في
~~كلام غير واحد من الأساطين أن منقول الإجماع عند العاملين به تعبدا باعتبار
~~العبارة الحاكية له من جملة الأدلة اللفظية، ولذا يسمونه بالسنة الإجمالية،
~~فيجري عليه جميع أحكام اللفظ من إطلاق وتقييد، وعموم وخصوص، وإجمال وبيان،
~~فإذا كان عبارة قولهم: " النجاسة لا تسري من الأسفل إلى الأعلى إجماعا "،
~~أو أنهم أجمعوا على عدم سراية النجاسة من الأسفل إلى الأعلى مطلقة شاملة
~~لعال غير سائل، فأي شئ يقضي بخروج ذلك عن الحكم المثبت بذلك وهو يوجب تقييد
~~تلك العبارة، ولا يصار إليه إلا بدليل.
# وقاعدة الاقتصار على مورد اليقين لا مجال إليها في الظواهر، لأن الظاهر
~~حيثما ثبت حجية سنده قائم مقام اليقين ومعه لا معنى للاقتصار، وخصوصية
~~المثال في فتاوي الأصحاب لا تقضي باختصاص إجماعهم المنقول بعبارة مطلقة
~~ظاهرة في العموم، كما أن خصوص المورد والسبب لا يوجب تخصيصا في العام ولا
~~تقييدا في المطلق، واعتبار كون كل ذلك قرينة كاشفة عن حقيقة مراد الناقلين
~~للإجماع من تلك ms211 العبارة، أو مراد المفتين في المسألة بتلك العبارة ليس على
~~ما ينبغي، لتوجه المنع الواضح إلى صلوح ذلك للقرينية، وإلا لكان ينبغي أن
~~يقال بمثله في غير محل المقال كعمومات اخر واردة في موارد خاصة، ومجرد
~~الاحتمال لا يعارض الظهور، ويقوى هذا الإشكال لو كان مستند الحكم أو مستند
~~الإجماع ما سبق الإشارة إلى ضعفه من عدم معقولية سراية النجاسة من الأسفل
~~إلى الأعلى، كما لا يخفى.
# نعم، يمكن الاعتذار له (قدس سره) بأن مستنده في حكم المسألة إجماع حصله
~~بنفسه، كما صرح به في صدر العبارة المتقدمة، وكان معقد ذلك الإجماع مجملا
~~في نظره بالقياس إلى بعض الأفراد، فاضطر إلى الاقتصار على مورد اليقين، حيث
~~إن الإجماع المحصل ليس من مقولة الألفاظ ليعتبر فيه إطلاق أو عموم أو نحو
~~ذلك، ولكنه بعيد عن المتتبع الناقد، ولعله عثر من الخارج على ما دله على ما
~~ادعاه فهو أبصر بحقيقة الحال، ولكن مجرد ذلك لا يوجب لغيره الغير العاثر
~~على ما عثر عليه رفع اليد عن ظهور منقول PageV01P249
# الإجماع إن قال بالتعبد به، ثم إن هاهنا فروعا ينبغي الإشارة إليها.
# أحدها: هل الحكم يثبت للعالي بجميع أجزائه حتى الجزء الملاصق للنجس أو
~~المتنجس، أو يختص بما عدا ذلك الجزء؟ وجهان: من أن العالي يشمل بإطلاقه
~~جميع الأجزاء حتى الجزء الملاصق، ومن أن الأسفل في مقابلة الأعلى المأخوذ
~~في عبارة الإجماع ظاهر في الماء وهو محكوم عليه بالنجاسة - كما يفصح عنه
~~التعبير بأن النجاسة لا تسري من الأسفل إلى الأعلى - وهو الأظهر، كما تنبه
~~عليه السيد المتقدم في قوله المتقدم، والمراد به ما فوق الملاقي للنجاسة أو
~~المتنجس بغير هذه الملاقاة، بناء على أن مراده بالملاقي للنجاسة أو المتنجس
~~هو الجزء الملاصق لهما من الأعلى، فإن المحكوم عليه بالطهارة هو ما فوق ذلك
~~الجزء.
# وأما هو فمحكوم عليه بالنجاسة مستدلا عليه بقوله: " لما تقدم من عدم
~~الفرق في الملاقي بين الوارد والمورود عليه " ولا يخفى ما في هذا التعليل
~~من الوهن الواضح، ms212 فإن مستند انفعال ذلك الجزء لو كان هو قضية عدم الفرق بين
~~الورودين لقضى بانفعال ما فوقه أيضا، لأن ما لا يفرق فيه بين الورودين أعم
~~من أن يكون واردا على النجس أو المتنجس، بناء على عدم الفرق في انفعال
~~القليل بين ملاقاة النجس أو المتنجس كما سبق تحقيقه - وعليه السيد كما
~~يستفاد من قوله: " أو المتنجس بغير هذه الملاقاة "، وإلا لم يكن فائدة في
~~ذكره - فإذا فرض أن الوارد على المتنجس ينجس بملاقاته يلزم نجاسة ما فوق
~~الجزء الملاقي أيضا، لوروده على المتنجس، ولا فرق في الملاقاة بين
~~الورودين، فلزم أن الحكم بالفرق بين الجزء الملاصق وما فوقه تعبدي أثبته
~~الإجماع، وعلى هذا فالمفروض من مستثنيات قاعدة انفعال القليل بالمتنجس
~~خاصة.
# ثم يبقى الإشكال في تحديد ذلك الجزء استعلاما للطاهر عن المتنجس، ولو قيل
~~بأنه أقل ما يصدق عليه الماء الملاصق للنجس أو المتنجس لم يكن بعيدا، جمعا
~~بين الوجهين المتقدمين، فلا يكفي مجرد النداوة والرطوبة الظاهرة لو أمكن
~~إدراكها منفصلة عما فوقها.
# وثانيها: ظاهر عباراتهم فتوى ونقلا للإجماع أن يكون المراد بالعلو
~~والاستعلاء الارتفاع بحسب المكان، لا مجرد الفوقية بأن يكون الماء واردا
~~على النجس أو المتنجس من مكان مرتفع موجب لارتفاع الماء المحكوم عليه
~~بالطهارة على الجزء PageV01P250
# الملاصق لهما في نظر الحس، وإلا لزمهم الحكم بالطهارة في غالب أفراد
~~القليل ومعظم أحواله، إذ الغالب من الملاقي ولو كان ساكنا وتساوى سطوحه
~~اختصاص الملاقاة بما تحته إذا كان هو الوارد على النجس، فيكون سائر الأجزاء
~~المتواصلة واقعة في طرف الفوق، فلو أن مجرد هذه الفوقية توجب العصمة لقضى
~~بما ذكرناه، وهو باطل جزما.
# وثالثها: قد عرفت في بحث الكر أن العلو قد يكون على جهة التسنيم وقد يكون
~~على جهة الانحدار، وتحتهما أفراد مختلفة في الظهور والخفاء، وأخفى أفراد
~~العالي ما لو كان من المنحدر ما توقف سيلان الماء على الأرض على ارتفاع خفي
~~لها بحيث يدق إدراكه على الحس، وعبارات الأصحاب وإن كانت مطلقة في الحكم
~~على ms213 الأعلى بعدم انفعاله بالأسفل، غير أن انصراف ذلك الإطلاق إلى المفروض
~~من المنحدر وما يشبهه محل إشكال، كما أن المتيقن من مورد الإجماع وصريح
~~فتاوي الأصحاب ما لو كان عاليا على جهة التسنيم، ودونه على وجه يعد من
~~مصاديق الظاهر صورة الانحدار الذي يكون ظاهرا في الأنظار، وما عداهما مما
~~فرض سابقا يبقى مشكوكا في حاله من حيث خروجه عن عموم قاعدة الانفعال وعدمه،
~~ولما كان دليل تلك القاعدة في عمومه ظاهر التناول لجميع أفراد المسألة التي
~~منها المشكوك فيه فليحكم عليه بعدم الخروج عنها، عملا بالظاهر السليم عما
~~يصلح للمعارضة، لعدم تبين التخصيص بالقياس إليه، غايته بقاء الاحتمال
~~فيرتفع بالأصل، وممن تنبه على ما قررناه شيخنا الاستاد مد ظله في شرحه على
~~الشرائع بقوله: " والمتيقن من الإجماع صورة التسنيم وما يشبهه من التصريح،
~~وللتأمل في غير ذلك مجال، والتمسك بالعموم أوضح، وفاقا لظاهر كشف الغطاء
~~(1) لصدق وحدة الماء، فيدخل في عموم " ينجسه "، ولذا لو كان الماء على هذه
~~الهيئة كرا لم ينفعل شئ منه بالملاقاة " (2) انتهى.
# وممن صرح بذلك أيضا الفاضل الكاظميني في شرحه للدروس - في عبارة محكية
~~منه - حيث إنه عند شرح قول المصنف: " ولو كان الجاري لا عن مادة " الخ،
~~قال: " بقي شئ، وهو أن إطلاق عدم النجاسة فيما فوقها غير جيد، إذ على تقدير
~~تساوي السطوح وخصوصا مع كون حركة الماء ضعيفة ينجس ما فوق النجاسة إذا
# PageV01P251
# نقص المجموع عن الكر " (1) انتهى.
# وأما ما قيل - في دفع ذلك -: من أن إطلاقات الأصحاب وإطلاق الإجماعات
~~المنقولة شاملة لمحل الفرض، وهي وإن كانت معارضة لإطلاقاتهم في الانفعال
~~القليل، وإطلاق ادعاء بعضهم عدم الفرق بين أفراد القليل في حكم الانفعال
~~بالملاقاة، إلا أن الترجيح معها لتأييدها بالاصول والعمومات، ولكن الاحتياط
~~مما لا ينبغي تركه.
# وأنت بالتأمل فيما قررناه تقدر على دفعه، مع ما في إبداء المعارضة بين
~~إطلاقات مسألتنا هذه وإطلاقات مسألة الانفعال ما لا يخفى من خروجه عن
~~السداد، فإن هذه الإطلاقات لو صحت وتمت دلالتها بحيث تشمل ms214 مفروض المسألة
~~كانت بأنفسها قاطعة لإطلاقات الانفعال، لرجوع النسبة فيما بينهما إلى
~~العموم والخصوص المطلقتين كما لا يخفى، ومعه لا يكون الحاجة ماسة إلى
~~التشبث بالمرجح الخارجي، مع ما في الترجيح بما ذكر مما لا يخفى، كما أشرنا
~~إليه مرارا.
# ولو سبق إلى الوهم شبهة أن النسبة بينهما عموم من وجه، بتقريب: أن هذه
~~الإطلاقات تشمل المستعلي من المضاف، فتفترق من جهته، وإطلاقات انفعال
~~القليل تشمل غير المستعلي من الماء فتفترق به، وتجتمعان في المستعلي من
~~قليل الماء، لدفعها: ما سنبينه في الفرع الآتي.
# فإن قلت: هذا لا يجدي نفعا في المقام لبقاء تلك النسبة من جهة اخرى، فإن
~~اطلاقات المستعلي تشمل ما لو كان المستعلي من الماء كرا وإطلاقات القليل
~~تشمل غير المستعلي منه، فيتعارضان في المستعلي من الماء إذا كان قليلا.
# قلت: يندفع ذلك بملاحظة أن أكثر إطلاقات الانفعال بملاقاة النجاسة تشمل
~~الكر وما دونه، فتكون إطلاقات المستعلي أخص منها مطلقا.
# ورابعها: في إلحاق المضاف بالماء في عدم نجاسة أعلاه بأسفله قولان،
~~أحدهما: ما اختاره أو مال إليه بعض أفاضل السادة في مناهله (2) من عدم
~~لحوقه به، ناسبا له إلى بعض فضلاء معاصريه، قائلا في عبارة محكية له: "
~~فإذن احتمال سراية النجاسة من الأسفل إلى الأعلى في المضاف في غاية القوة،
~~كما ذهب إليه بعض فضلاء
# PageV01P252
# المعاصرين "، ومستنده على ما في شرح الشرائع للاستاد (1) دعوى شمول إطلاق
~~فتاويهم ومعاقد إجماعاتهم على انفعال المضاف بالملاقاة لما إذا كان المضاف
~~عاليا.
# وأورد عليه الاستاذ: " بأن ظاهرهم تنجس المضاف مطلقا على نحو تنجس المطلق
~~القليل، بل الملاقاة في كلامهم غير معلوم الشمول لهذا الفرد، خصوصا عند من
~~لا يرى اتحاد العالي مع السافل " (2).
# وثانيهما: ما رجحه الشيخ الاستاذ في شرحه (3)، وفاقا لصريح السيدين في
~~المدارك، والمصابيح، والرسالة المنظومة (4)، قال في المدارك - في مسألة أن
~~المضاف متى لاقته نجاسة نجس، قليله وكثيره -: " ولا تسري النجاسة مع اختلاف
~~السطوح إلى الأعلى قطعا، تمسكا بمقتضى الأصل السالم عن المعارض " (5).
# وكان مراده (قدس سره) بالأصل ms215 القاعدة المجمع عليها من عدم سراية النجاسة
~~من الأسفل إلى الأعلى، خصوصا إذا استند لها إلى عدم المعقولية كما عرفته عن
~~ثاني الشهيدين في الروض (6)، وإلا أشكل الحال في الجمع بين دعوى القطع
~~والتمسك بالأصل الذي لا مجال له إلى إيراث القطع، وعن المصابيح أنه قال: "
~~وكما أن المستعلي من الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة لما تحته فكذا غيره من
~~المايعات، وقولهم: " النجاسة لا تسري من الأسفل إلى الأعلى " يتناول الماء
~~وغيره، فلو صب من قارورة ماء الورد مثلا على يد الكافر اختص ما في يده
~~بالتنجس، وكان ما في الإناء والخارج الغير الملاقي طاهرا إجماعا " (7).
# وعنه أيضا - في مسألة نفي الفرق بين الورودين: - " اعلم أن محل البحث هو
~~القدر المتصل بالنجاسة دون ما فوقه، فإنه طاهر إجماعا، لأن النجاسة لا تسري
~~من الأسفل إلى الأعلى قطعا، سواء في ذلك الماء وغيره " (8).
# وفي إطلاق هذا الكلام شئ يظهر وجهه بالتأمل فيما قررناه سابقا، من مفارقة
# PageV01P253
# مسألة الورودين كثيرا عن مسألة العالي والسافل، وكلامه يقتضي المصادقة
~~الدائمة وإلا لم يكن [وجه] (1) لتخصيص محل البحث من مسألة الورودين بما
~~يبدأ فيه الفرق بين القدر المتصل بالنجاسة وما فوقه، إلا أن يكون مراده
~~بالفوقية ما يتحقق مع تساوي السطوح أيضا، وقد عرفت القول فيه.
# وكيف كان فالوجه في المسألة هو هذا، خلافا لما عرفت عن المناهل، عملا
~~بإطلاق الإجماعات المنقولة، على أن النجاسة لا تسري من الأسفل إلى الأعلى،
~~فإنه يشمل المقام وسائر المايعات مما لا يندرج تحت المطلق ولا المضاف الذي
~~يطلق عليه الماء مجازا جزما، بحيث يكون الاسترابة فيه دفعا للضرورة، فعلى
~~ثبوت العمل به تم الدليل واستقرت الحجة، وليس للمخالف على ما عرفت إلا
~~إطلاقات الفتاوي، والإجماعات المنعقدة على انفعال المضاف مطلقا، ودفعه بعد
~~ملاحظة أن إطلاقاتهم فتوى ودعوى للإجماع في الفرق بين العالي وغيره أخص
~~مطلقا من تلك الإطلاقات هين.
# لا يقال: النسبة بينهما ترجع إلى عموم من وجه، لافتراق الاولى في الماء
~~المستعلي، وافتراق الثانية في المضاف الغير ms216 المستعلي، فيجتمعان في المضاف
~~المستعلي، ويلزمه الترجيح بالخارج.
# لأنا نقول: مع إمكان ترجيح الاولى بموافقتها الأصل، فيه منع واضح فإن ذلك
~~إنما يتجه إذا لوحظت الثانية منفردة عن إطلاقات انفعال الماء القليل، وأما
~~إذا لوحظتا معا وهما متوافقان في الحكم كان إطلاقات المستعلي أخص منهما
~~مطلقا فتخصصهما معا، ألا ترى أنه لو قال: " أكرم الرجال "، ثم قال: " أكرم
~~النسوان "، ثم قال ثالثا: " لا تكرم الفساق "، كان ذلك الأخير مخصصا
~~للأولين معا إذا لوحظا منضمين، وإن كان بينه وبين كل واحد منهما إذا لوحظ
~~منفردا عموما من وجه كما لا يخفى.
# ويستفاد من الشيخ الاستاذ في الشرح المشار إليه (2): دعوى الضرورة
~~والسيرة فيه وفي الماء، وكون مسألة عدم السراية مركوزة في أذهان المتشرعة،
~~وهو في الجملة ليس ببعيد خصوصا في الماء، ثم إنه دام ظله خص الحكم فيه وفي
~~المطلق بما إذا كان العالي سائلا، وأما مع وقوف العالي على السافل من دون
~~سيلان كما لو أدخل إبرة
# PageV01P254
# نجسة في قارورة من ماء الورد فنفي الإشكال فيه عن انفعال جميعه، نافيا
~~للخلاف عنه، وهو أيضا ليس ببعيد بالنظر إلى ما قررناه في الفرع الثاني، وإن
~~كنا رجحنا خلافه في أصل المسألة ردا على السيد المتقدم (قدس سره)، فإن
~~الظاهر أن ما ذكرناه ثمة من الفرض داخل في عنوان متساوي السطوح من الوارد
~~على النجاسة، فتأمل.
# ولكن الاحتياط مما لا ينبغي تركه على كل حال، كما أن الاحتياط مما لا
~~ينبغي ترك مراعاته فيما لا يكون الاختلاف بين الأعلى والأسفل على جهة
~~التسنيم، ولا سيما ما كان من السافل له حركة ضعيفة كما في بعض صور
~~الإنحدار، والله العالم، هذا تمام الكلام في أول ما استثني من قاعدة انفعال
~~القليل بالملاقاة.
# والثاني: مما استثنى منها وفاقا في الجملة ماء الاستنجاء، والمراد به ماء
~~يغسل به موضع النجو، يقال: استنجيت، أي غسلت موضع النجو، ومنه الاستنجاء
~~أعني إزالة ما يخرج من النجو، كذا في المجمع (1)، والنجو - على ما فيه أيضا
~~- الغائط، ومنه الحديث ms217 لم ير للنبي (صلى الله عليه وآله) نجو (2) أي غائط،
~~وما بمعنى الحدث ومنه أنجى أي أحدث، ولعله بهذا المعنى مخصوص بالغائط
~~والبول أو يشملهما أيضا، ومع الغض عنه فظاهر التفسير الأول اختصاصه
~~بالغائط، وعليه لا يتناول الاستنجاء إزالة البول وغسل موضعه، ولكن الذي
~~يظهر من الأخبار كونه للأعم، كما يشهد به صحيحة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد
~~الله (عليه السلام) أبول، وأتوضأ، وأنسى استنجائي، ثم أذكر بعد ما صليت
~~قال: " اغسل ذكرك، وأعد صلاتك، ولا تعد وضوءك " (3).
# ولا يبعد دعوى ثبوت الحقيقة الشرعية له في المعنى الأعم، كما يفصح عنه
~~صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " لا صلاة إلا بطهور، ويجزيك
~~من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله)، وأما البول فإنه لابد من غسله " (4)، فإنه لولا للأعم لما حاجة إلى
~~قوله (عليه السلام): " وأما البول الخ "، إذ احتمال التجوز مما لا يعتنى به
# PageV01P255
# عند أهل اللسان، فإنما أتى به (عليه السلام) على عدم إرادة الأعم صونا له
~~عن الوقوع في مخالفة الواقع لأجل فهمه الأعم كما هو دأب الحكيم فتأمل.
# وعلى فرض عدمه فهو في الأخبار حيثما تجرد عن قرينة مخصوصة محمول على
~~الأعم بقرينة فهم الأصحاب، كما في أخبار الباب على ما ستعرفه من أنهم في
~~ذهابهم إلى طهارة الاستنجاء، أو ثبوت العفو عنه يستندون إلى هذه الأخبار،
~~مع تصريحهم في عناوين المسألة بالتعميم بالنسبة إلى الحدثين، ونقلوا
~~إجماعاتهم على هذا المذكور صريحا في معاقدها كما سيأتي بيانها، بل ظاهر
~~تعليلاتهم فيما يأتي من مسألة التعميم بالنسبة إلى المخرجين يقتضي كونه
~~للأعم باعتبار الوضع، ولعله وضع شرعي كما أشرنا إليه، وكيف كان فالبحث في
~~ماء الاستنجاء مفروض عندهم في مسألتين:
# المسألة الاولى: في أصل جواز مباشرته، وعدم وجوب غسل الثوب والبدن عنه من
~~جهة الصلاة وغيرها.
# والمسألة الثانية: في أن هذا الجواز هل هو من جهة العفو، حتى لا ينافي
~~نجاسته على قياس ما هو الحال في بعض ms218 أفراد الدم وغيره، أو من جهة الطهارة
~~وعدم انفعاله بمباشرة النجاسة، ويظهر الفائدة في جواز استعماله في الشرب
~~ونحوه، واختصاص الجواز بحالة الصلاة لزوال مانعيتها بدليل العفو، كما في
~~قليل الدم، فتأمل.
# ولكن لما كان طريق الاستدلال على الحكمين واحدا على القول بعدم النجاسة،
~~فنحن نورد البحث عنهما في سياق واحد حذرا عن الإطالة بلا طائلة.
# ونقول: الحق خروج ماء الاستنجاء عن قاعدة انفعال القليل إذا جامع الشروط
~~الآتية، سواء كان عن غائط أو بول، والأصل في ذلك الروايات المستفيضة
~~المعتضدة بالمستفيضة من الإجماعات، مع الشهرة العظيمة.
# منها: صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه
~~السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به، أينجس ذلك ثوبه؟
~~فقال: " لا " (1).
# ومنها: الحسن كالصحيح بإبراهيم بن هاشم المروي في التهذيب والكافي عن
~~محمد بن النعمان الأحول قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أخرج من
~~الخلاء، فأستنجي
# PageV01P256
# بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به؟ فقال: " لا بأس به "
~~(1) وعن الصدوق رواه باسناده عن محمد بن نعمان وزاد في آخره " ليس عليك شئ
~~" (2).
# ومنها: ما في الوسائل عن الصدوق في العلل، من مرسلة يونس بن عبد الرحمن
~~عن رجل عن العيزار عن الأحول أنه قال لأبي عبد الله (عليه السلام) - في
~~حديث - الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به؟ فقال: " لا بأس "
~~فسكت، فقال: أو تدري ولم صار لا بأس به؟ فقلت: لا والله جعلت فداك، فقال: "
~~إن الماء أكثر من القذر " (3)، وتمام الحديث قد سبق في جملة الأخبار
~~المتمسك بها على عدم انفعال القليل، وضعفه بالإرسال وجهالة العيزار ينجبر
~~بموافقة الشهرة.
# ومنها: صحيحة محمد بن النعمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت
~~أستنجي، ثم يقع ثوبي فيه، وأنا جنب؟ فقال: " لا بأس به " (4) وكما يمكن أن
~~يكون اعتبار الجنابة كناية عن وجود المني مع الحدث في المخرج، فكان
~~الاستنجاء غسالة عنهما معا، فكذا يمكن كونه لتوهم تأثير القذارة المعنوية
~~الحاصلة ms219 بالجنابة في نجاسة الماء المستنجى به، وليس الأول أظهر من الثاني،
~~لعدم الملازمة عقلا ولا عادة بين الجنابة وتنجس موضع الاستنجاء بالمني،
~~فيكون ذلك مجملا فلا يرد أنه كما يدل على طهارة ماء الاستنجاء فكذلك يدل
~~على طهارة الغسالة من المني، فينبغي القول بهما معا لا بأحدهما فقط، فتأمل.
# وكيف كان فلا حاجة في تتميم الاستدلال إلى انضمام هذه الرواية، لما في
~~سوابقها من الكفاية، ولا ريب أنها على ما ادعيناه واضحة الدلالة، ولا يقدح
~~فيها كون السؤال مخصوصا بالثوب، لأن المنساق عرفا من أمثال هذه الأسئلة كون
~~الجواب واردا عليها على وجه عام يشمل الثوب وغيره، على معنى ورود الحكم فيه
~~بعنوان كلي، وإن كان السبب الباعث على السؤال خاصا، أو لأن الفرق بين وقوع
~~الثوب وغيره مما لا يعقل إلا على فرض كون المراد الدلالة على العفو عن هذا
~~النحو من المتنجس، كما في بعض
# PageV01P257
# أنواع الدم لا على عدم النجاسة؛ إذ لولاه كان الفرق بين المقامين في
~~التنجس بذلك المتنجس وعدمه غير معقول، كما لا يخفى على المتأمل، أو لأن
~~التعميم إنما يثبت بالإجماع على عدم الفرق كما نقله غير واحد.
# نعم، ربما يورد عليها بمعارضة رواية العيص بن القاسم، قال: سألته عن رجل
~~أصابه قطرة من طشت فيه وضوء، فقال: " إن كان من بول أو قذر فليغسل ما أصابه
~~" (1).
# فاجيب عنها: بأنها عامة وروايات الباب خاصة فيجب حملها عليها، مضافا إلى
~~ما في سندها من الكلام القادح حيث إنها لم توجد في الكتب الأربعة، ولم يظهر
~~حال سندها فلعلها لا تكون معولا عليها، كذا ذكره المحقق الخوانساري في شرح
~~الدروس (2).
# أقول: ينبغي أن نشرح المقام ليتضح به وجه المعارضة، وانطباق الجواب عليها
~~وعدمه، والعمدة في ذلك بيان معنى " الوضوء " الوارد في السؤال، قال في
~~المجمع:
# " الوضوء بالفتح اسم الماء الذي يتوضأ به " - إلى أن قال -: " وقد يطلق
~~الوضوء على الاستنجاء وغسل اليد وهو شائع فيهما، ومن الأول حديث اليهودي
~~والنصراني حيث قال فيه: وأنت تعلم أنه ms220 يبول ولا يتوضأ، أي لا يستنجي، ومن
~~الثاني حديثهما في المواكلة حيث قال: إذا أكل من طعامك وتوضأ فلا بأس،
~~والمراد به غسل اليد الخ " (3).
# وظاهره أن هذين الأخيرين تفسير للوضوء بالضم وهو مصدر، ولا يبعد أن يقال:
# إن الآلة من هذين المعنيين أيضا هو الوضوء بالفتح، بل لا محيص من حمله في
~~الرواية عليه، بناء على الحمل عليهما إذ المعنى المصدري لا يلائمه السؤال
~~كما لا يخفى.
# فانقدح بجميع ما ذكر أنه عبارة إما عن الماء الذي يتوضأ به، أو الماء
~~الذي يستنجى به، أو الماء الذي يغسل به اليد، ويمكن إرادة مطلق الغسالة
~~منه، ومقتضى عبارة المجمع - بناء على ما قرر في محله - كونه حقيقة في الأول
~~ومجازا في الأخيرين المصدر بيانهما بلفظة " قد "، ولا ينبغي أن يكون مبنى
~~المعارضة على المعنى الأول، لبعده عن السؤال ومنافاته للجواب المفصل بين
~~البول والقذر وغيرهما منطوقا ومفهوما، فلابد أن يكون مبناها على المعنى
~~الثاني وهو إرادة الاستنجاء، وأما الجواب
# PageV01P258
# عنها فمبناها على المعنى الثالث، أو المعنى الأخير الذي احتملناه، وعليه
~~كيف ينطبق الجواب على السؤال، وكيف يقال: بأن الرواية عامة ورواياتنا خاصة،
~~خصوصا إذا حمل " القذر " على إرادة الغائط منه دون مطلق النجاسة كما هو
~~الظاهر.
# فالتحقيق في الجواب أن يقال: إن لفظة " الوضوء " في متن الواقع إما حقيقة
~~في جميع المعاني الأربعة، أو حقيقة في الأولين ومجاز في الأخيرين، أو حقيقة
~~في الأول والأخيرين أو أحدهما ومجاز في الثاني، أو حقيقة في الأول خاصة
~~ومجاز في البواقي، ولا يتم الاستدلال بشئ من الاحتمالات، لأن الحمل على
~~المعنى الأول مما لا مجال إليه بقرينة ما قررناه، فهو متعذر على جميع
~~التقادير، بل قد عرفت أن مبناه على المعنى الثاني، وعليه يكون الدلالة على
~~صحة المعارضة متوقفة على ارتكاب أمرين كلاهما على خلاف الأصل.
# أحدهما: حمل الشرطية في الجواب على ما لا مفهوم لها، بأن يكون المراد
~~بالشرطية بيان تحقق الموضوع - دون التعليق على الشرط القاضي بانتفاء الحكم
~~في جانب المفهوم ms221 لانتفاء شرطه - حيث لا موضوع له في جانب المفهوم كما لا
~~يخفى، فيكون قوله (عليه السلام): " إن كان من بول أو قذر فليغسل ما أصابه "
~~على حد قولك: " إن رزقت ولدا فاختنه، وإن رزقت مالا فاحمد الله، وإن قدم
~~زيد من السفر فاستقبله "، وهو كما ترى مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة
~~المعينة.
# وثانيهما: اعتبار التقييد في لفظة " قذر " بحملها على خصوص الغائط، وهو
~~أيضا خلاف الظاهر لظهورها في مطلق النجاسة، ثم إنه لو قلنا بكون لفظة "
~~وضوء " حقيقة خاصة في المعنى الأول لزم مجاز آخر فيه بحمله على المعنى
~~الثاني، فيلزم من بناء الاستدلال عليه ارتكاب تقييد ومجازين، بخلاف ما لو
~~حمل " الوضوء " على أحد الأخيرين فإنه يستلزم مجازا واحدا، ولا ريب أنه
~~أولى ومتعين، ولو قلنا بكونه حقيقة فيهما أيضا أو في أحدهما قوى وجه ضعف
~~الحمل المذكور.
# نعم على الحمل عليهما يلزم تخصيص بإخراج ماء الاستنجاء عنه كما هو مبني
~~عليه الجواب، ولكن لا يوجب ذلك قدحا في الحمل عليهما لكونه خلاف أصل واحد
~~إن قلنا بالحقيقة فيهما أيضا، أو خلاف أصلين إن قلنا بالمجازية فيهما، وهو
~~على كل تقدير يترجح على حمله على المعنى الثاني، بل التخصيص إنما يلزم لو
~~حملناه على الثاني من الأخيرين خاصة كما لا يخفى، فلم لا يحمل على الأول
~~منهما ليكون خارجا PageV01P259
# عن المسألة بالمرة.
# ويؤيده الحكم على الوضوء بكونه في الطشت الذي هو إناء معروف، فإن الغالب
~~بين الناس إنما هو غسل اليد في الطشت من البول وغيره من قذر وغيره، وأما
~~الاستنجاء عليه ففي غاية الندرة.
# وإن قلنا بكون الوضوء حقيقة في الاستنجاء أيضا ومجازا في الأخيرين كانت
~~المسألة من دوران الأمر بين تقييد ومجاز، وتخصيص ومجاز، فإن لم نقل بترجيح
~~الثاني لكون التخصيص بنفسه أرجح فلا أقل من عدم ترجيح الأول، ولازمه خروج
~~الرواية مجملة لتكافؤ الاحتمالين، ومعه لا استدلال.
# وإن قلنا بكونه حقيقة في الجميع يكون المسألة من باب تعارض مجاز وتقييد
~~معا في مقابلة التخصيص، ms222 ولا ريب أن الثاني متعين، ترجيحا لما هو راجح بنفسه
~~وتقليلا لمخالفة الأصل، ولو حملناه على الأول من الأخيرين خاصة لم يلزم
~~مخالفة أصل أصلا كما لا يخفى، فلا سبيل إلى الحمل على المعنى الذي عليه
~~مبنى الاستدلال، ومعه يبطل أصل الاستدلال.
# هذا مع ما عرفت في الرواية من القدح في سندها، مضافا إلى أنها لو تمت
~~دلالتها واستقام سندها لم تكن صالحة لمعارضة ما سبق من روايات المسألة،
~~لكثرتها وصحة أسانيد أكثرها، واعتضادها بالعمل والشهرة العظيمة، والإجماعات
~~المنقولة.
# نعم، يبقى الكلام في شيئين:
# أحدهما: تعميم الدليل بحيث يشمل استنجاء البول أيضا، والأمر في ذلك هين
~~بعد وضوح المدرك؛ لشمول الأخبار كلا المقامين، إما بأنفسها بناء على ما
~~قررناه سابقا في شرح " الاستنجاء " مما يقتضي كون هذا اللفظ عاما، كما
~~يستفاد من جماعة من أساطين الأصحاب كما تعرفه بملاحظة عباراتهم الآتية
~~بعضها، أو من جهة الخارج حيث لم نقف على مشكك في ذلك، مع استنادهم في الحكم
~~إلى الأخبار المتقدمة، بل عباراتهم فيما نعلم مصرحة بالتعميم، وظاهرهم
~~الاتفاق على ذلك كما يشعر به عبارة المدارك: " استثنى الأصحاب من غسالة
~~النجاسة ماء الاستنجاء من الحدثين " (1)، ونسب
# PageV01P260
# إلى كثير من الأصحاب التصريح بالعموم وهو كذلك.
# ففي المنتهى: " الماء الذي يغسل به الدبر والقبل يدخل تحت هذا الحكم،
~~لعموم اسم الاستنجاء لهما " (1).
# وعن المعتبر: " ويستوي ما يغسل به القبل والدبر، لأنه يطلق على كل واحد
~~منهما لفظ الاستنجاء " (2).
# وعن الذكرى: " ولا فرق بين المخرجين للشمول " (3)، وعن الدروس (4)، وجامع
~~المقاصد (5): " ولا فرق بين المخرجين "، وعن مجمع الفائدة: " والظاهر عدم
~~الفرق بين المخرجين؛ لعموم الأدلة من الإجماع والأخبار " (6)، وعن المشارق:
~~" ولا فرق بين المخرجين لإطلاق اللفظ " (7)، وعن الذخيرة: " ومقتضى النص
~~وكلام الأصحاب عدم الفرق بين المخرجين " (8)، وفي الحدائق: " وإطلاق هذه
~~الأخبار يقتضي عدم الفرق بين المخرجين، لصدق الاستنجاء بالنسبة إلى كل
~~منهما، وبذلك صرح الأصحاب رضي الله عنهم أيضا " (9)، فإذن لا إشكال فيه.
# وثانيهما: أن خروج ماء الاستنجاء عن القاعدة هل هو لأجل كونه طاهرا، ms223 أو
~~لثبوت العفو عنه؟ وهذه المسألة وإن فرضت في كلام جماعة من الأساطين كالمحقق
~~الخوانساري (10)، وصاحب الحدائق (11)، وصاحب المناهل (12) خلافية ذات
~~قولين، أحدهما: القول بالطهارة حكاه صاحب المناهل في كتاب آخر منسوب إليه
~~(13) عن الجعفرية (14)، وجامع المقاصد (15)، والروض (16)، ومجمع الفائدة
~~(17)، والذخيرة (18)،
# PageV01P261
# والمشارق والرياض (1)، قائلا: و " حكي عن الخلاف (2)، والمبسوط (3)،
~~والمقنعة (4)، والجامع (5)، والسرائر (6) والشرائع (7)، والمنتهى " (8).
# ثم قال: " وبالجملة الظاهر مصير الأكثر إليه " انتهى.
# وعليه المحقق في الشرائع (9)، والمحقق الخوانساري (10)، وصاحب المدارك
~~(11)، وصاحب الحدائق (12).
# وثانيهما: القول بكونه معفوا عنه حكاه في المناهل (13) وكتابه الآخر
~~(14)، ولكنا لم نقف على قول صريح به عدا ما يظهر من الشهيد في محكي الذكرى
~~من الميل إليه حيث قال: " وفي المعتبر ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة
~~إنما هو بالعفو، ويظهر الفائدة في استعماله ولعله أقرب لتيقن البراءة بغيره
~~" (15).
# وقضية هذه العبارة كون العفو قولا للمحقق في المعتبر أيضا، وتبعه على نقل
~~هذه العبارة المحقق الشيخ علي في شرح القواعد - على ما حكي - قائلا فيه: "
~~واعلم أن قول المصنف: " بأنه طاهر " مقتضاه أنه كغيره من المياه الطاهرة في
~~ثبوت الطهارة، ونقل في المنتهى (16) على ذلك الإجماع، وقال في المعتبر
~~(17): ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة وإنما هو بالعفو، ويظهر الفائدة في
~~استعماله [ثانيا]، قال في الذكرى: ولعله أقرب، لتيقن البراءة بغيره " (18)
~~انتهى.
# وأصرح منهما في نسبة هذا القول إلى المعتبر كلام محكي عن ثاني الشهيدين
~~في الروض قائلا: " وفي المعتبر هو عفو، وقربه في الذكرى " (19) انتهى.
# وأنكر عليهم هذه النسبة إلى المعتبر في المدارك قائلا: " بأنه لم أقف على
~~ما نقلوه في الكتاب المذكور، بل كلامه فيه كالصريح في الطهارة، فإنه قال:
~~وأما طهارة ماء
# PageV01P262
# الاستنجاء فهو مذهب الشيخين، وقال علم الهدى في المصباح: لا بأس بما
~~ينتضح من ماء الاستنجاء على الثوب والبدن، وكلامه صريح في العفو وليس بصريح
~~في الطهارة، ويدل على الطهارة ما رواه الأحول، ونقل الروايتين المتقدمين "
~~(1)، يعني صحيحتي محمد بن النعمان.
# وتبعه في ذلك الإنكار ونقل العبارة المذكورة صاحب الحدائق أيضا، قال في
~~الحدائق: ms224 " فنسبة القول بالطهارة إلى المعتبر - كما فهمه في المدارك، وجمع
~~ممن تأخر عنه - كما ترى، وأعجب من ذلك نقل الشهيد في الذكرى - كما تقدم في
~~عبارته المنقولة - القول بالعفو عن المعتبر بتلك العبارة، وتبعه على ذلك
~~الشيخ علي في شرح القواعد، وشيخنا الشهيد الثاني في الروض " - إلى أن قال
~~-: " والظاهر أن أصل السهو من شيخنا الشهيد في الذكرى، وتبعه من تبعه من
~~غير ملاحظة لكتاب المعتبر، وعبارة المعتبر - كما مرت بك - خالية عما ذكروه
~~" (2).
# ومراده بالعبارة المشار إليها ما تقدم حكايته عن المدارك.
# وقال صاحب المعالم: " وأجمل المحقق كلامه في ذلك فهو محتمل للقولين،
~~وربما كان احتمال القول بالطهارة فيه أظهر، وقد كثر في كلام المتأخرين نسبة
~~القول بالعفو إليه ولا وجه له، والعجب أن الشهيد في الذكرى حكى عنه أنه
~~قال: ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة وإنما هو بالعفو، ثم قال الشهيد:
~~ولعله أقرب لتيقن البراءة بغيره (3)، وهذه الحكاية وهم ظاهر، فإن المحقق
~~حكى عن الشيخين صريحا القول بالطهارة، وإنما ذكر هذا الكلام عند نقله عبارة
~~علم الهدى " (4) انتهى.
# ومن الأصحاب - كالمحقق الخوانساري في شرح الدروس - من صحح هذه النسبة إلى
~~المعتبر، وعقبه بتوجيه العبارة المنقولة عن المعتبر في الذكرى وصححها على
~~ما وجهه، قائلا: " وإذ قد تقرر هذا، ظهر أن ما نسبه المصنف في الذكرى إلى
~~المعتبر - كما ذكرنا -، وتبعه المحقق الشيخ علي ره في شرح القواعد، والشهيد
~~الثاني في شرح الإرشاد صحيح، ومراد الذكرى من أن في المعتبر ليس في
~~الاستنجاء تصريح بالطهارة،
# PageV01P263
# أنه ليس في الروايات لا في كلام الأصحاب، وهو كذلك كما قررناه " (1)
~~انتهى.
# وفيه ما فيه من ابتنائه إلى وهم فاسد سبق إليه، وإلجائه إلى تصديق
~~الجماعة فيما نسبوه إلى المعتبر و سنزيفه إن شاء الله.
# فالإنصاف: أنه لم يتحقق عندنا ما شهد بصحة هذه النسبة، ولم يثبت أن العفو
~~ما يقول به في المعتبر، والعبارة المتكفلة لبيان هذه النسبة قد عرفت أنها
~~غير ثابتة عن المعتبر، وهذا الكتاب وإن لم يحضرنا الآن لننظر ms225 في صحة ما
~~نسبوه وسقمه على ما ذكروه الجماعة المتقدمة، لكن المظنون أن ما نقله الشهيد
~~في الذكرى تقطيع عن العبارة التي سمعت نقلها عن صاحب المدارك، مبني على
~~الاشتباه والإغماض عن دقة النظر، وإلا فهذه العبارة لا توافق شيئا من هذه
~~النسبة، وإن كانت هي أيضا مما اختلفت الأنظار في فهمها، وأنها هل تدل على
~~أن مذهب المحقق هو الطهارة - كما صرح به في المدارك (2)، وجعله أظهر
~~الاحتمالين في المعالم (3) - أو على أن مذهبه العفو كما استظهره المحقق
~~الخوانساري في شرح الدروس (4).
# ولأجله صدق الشهيد ومن تبعه فيما نسبوه إلى المعتبر حيث قال: " ثم كلامه
~~هل هو صريح في الطهارة أم العفو؟ " فالذي يتراءى ظاهرا من قوله: " ويدل على
~~الطهارة الخ " الأول، ولكن التأمل يشهد بالثاني فيكون مراده بالطهارة
~~العفو.
# بيانه: أنه أورد في الاستدلال رواية الأحول (5)، وظاهر أنه لا تفاوت
~~بينها وبين عبارة المرتضى في المعنى، فحيث صرح بأنه ليس في عبارته تصريح
~~بالطهارة فكيف يجوز أن يجعل الرواية دليلا عليها، وأما دليله الآخر من
~~رواية عبد الكريم (6) فهو أيضا ليس تصريح في الطهارة، لأن عدم تنجيسه الثوب
~~لا يستلزم طهارته، - إلى أن قال -:
# وإذ قد تقرر هذا، ظهر أن ما نسبه المصنف في الذكرى إلى آخر ما نقلناه عنه
~~سابقا " (7).
# وقوله: " وأما دليله الآخر من رواية عبد الكريم " الخ إنما ذكر ذلك لأنه
~~حينما نقل
# PageV01P264
# عن المعتبر ما نقله صاحب المدارك من العبارة المتقدمة نسب إلى المحقق في
~~تلك العبارة أنه في الاستدلال على الطهارة جمع بين رواية الأحول ورواية عبد
~~الكريم، وأنت خبير بفساد ما فهمه مع تعليله، إذ لا تنافي بين ما نسبه إلى
~~علم الهدى وجعله الرواية دليلا على الطهارة، وإن كانت العبارة الصادرة منه
~~موافقة لعبارة الرواية، فإنه لما كان بصدد ضبط ما ذهب إليه أصحابنا، وقالوا
~~به صراحة أو ظهورا، فنسب إلى الشيخين الذهاب إلى الطهارة، ومقتضى التعبير
~~بقوله: " فهو مذهب الشيخين " وقوع التصريح منهما بذلك، وكونه معلوما له من
~~صريح كلامهما، ms226 بخلاف كلام علم الهدى المتضمن لنفي البأس، فإنه ليس بصريح في
~~الطهارة لاحتمال أن يريد به نفي البأس عن المباشرة الغير المنافي للنجاسة،
~~فيحكم على كلامه بأنه ليس بصريح في الطهارة، بمعنى أنه لا يدل على دعوى
~~الطهارة دلالة صريحة، ومعنى كونه صريحا في العفو أن القدر المتيقن من مذهبه
~~على وجه يصح إسناده إليه المعلوم من هذا الكلام كونه قائلا بالعفو لا
~~محاله، لأنه لا ينفك عن القول بالطهارة، فهو سواء كان قائلا بالطهارة أو لا
~~قائل بالعفو على وجه ينبغي معه الجزم به.
# ولا ريب أن عدم دلالة هذه العبارة في كلام السيد على أن مذهبه المحقق هو
~~الطهارة على وجه الصراحة، لا ينافي دلالته عليها على وجه الظهور، فلا ينافي
~~كونها في الرواية دليلا لنا على الطهارة، نظرا إلى أن مبنى دليلية الأدلة
~~اللفظية على الصراحة تارة والظهور اخرى، فإذا ثبت أنها في الرواية تدل على
~~الطهارة على وجه الظهور - كما هو الحق على ما سنبينه - انتهضت الرواية
~~دليلا عليها، وصح إطلاق الدليل عليها من جهته في الاصطلاح، فهو مستظهر من
~~رواية الأحول الدلالة على الطهارة بتقريب ما سنقرره ثم يقوى هذا الظهور
~~بملاحظة رواية عبد الكريم، فلذا جمع بينهما في الاستدلال.
# ومما يؤيد هذا المعنى تعرضه لحكم ماء الاستنجاء في الشرائع والنافع مصرحا
~~بالطهارة في الأول (1)، وظاهرا فيه كلامه في الثاني (2)، حيث استثناه عما
~~يزال به الخبث الذي رجح فيه القول بالتنجيس الذي جعله أشهر القولين، نظرا
~~إلى أن الاستثناء عن
# PageV01P265
# الإثبات نفي، ونفي التنجيس في معنى إثبات الطهارة، ومن هنا تبين إصابة
~~صاحب المدارك فيما فهمه عن تلك العبارة، من أنه قائل بالطهارة قولا ظاهرا
~~كالصريح، وبطلان ما ذكره المحقق الخوانساري وغيره من أنه قائل بالعفو،
~~كبطلان قوله: " وبهذا ظهر اندفاع ما أورده صاحب المدارك على المصنف وتابعيه
~~من أن هذه النسبة إلى المعتبر غلط، بل كلامه فيه كالصريح في الطهارة " (1).
# وبطلان ما أورده صاحب الحدائق على صاحب المدارك بقوله: " وحينئذ فنسبة
~~القول بالطهارة إلى ms227 المعتبر كما فهمه في المدارك وجمع ممن تأخر عنه كما ترى
~~" (2).
# والعجب عنه في الحدائق حيث إنه اختل ذهنه في إدراك حقيقة المراد من عبارة
~~المعتبر فرماها بالإجمال وحكم عليها بالاضطراب قائلا: " وأما كلام المعتبر
~~في هذا الباب لا يخلو من إجمال بل اضطراب، ولهذا اختلفت في نقل مذهبه كلمة
~~من تأخر عنه من الأصحاب ".
# ثم أخذ بنقل عين العبارة فعقبها بقوله: " وأنت خبير بأن مقتضى قوله: "
~~ويدل على الطهارة الخ " بعد نقله القولين أولا هو اعتبار الطهارة التي هي
~~أحد ذينك القولين وقوله في الدليل الثاني: " ولأن في التفصي عنه عسرا فيسوغ
~~(3) العفو للعسر " ظاهر في اختيار العفو الذي هو القول الآخر أيضا، وأيضا
~~ففي حكمه على كلام المرتضى (رضي الله عنه) بالصراحة في القول بالعفو - مع
~~حكمه على رواية الأحول بالدلالة على الطهارة - نوع تدافع، فإن العبارة
~~فيهما واحدة، إذ نفي البأس إن كان صريحا في العفو ففي الموضعين، وإن كان في
~~الطهارة فكذلك، وحينئذ فنسبة القول بالطهارة إلى المعتبر " (4)، إلى آخر ما
~~نقلناه.
# وأنت خبير بما في هذه الكلمات السخيفة والاستخراجات الواهية، إذ قد عرفت
~~أنه لا اضطراب في عبارة المعتبر، ولا إجمال أصلا، بل هي صريحة الدلالة في
~~اختيار الطهارة، ولا تدافع بين الحكم على الرواية بالدلالة على الطهارة
~~وعلى كلام السيد بالصراحة في العفو، بعد ملاحظة ما قررناه من المعنى
~~الواضح.
# ولا ينافي قوله بالطهارة استنادا إلى الرواية استدلاله ثانيا بلزوم العسر
~~المسوغ عدمه العفو، إما لأن مراده بالعفو الطهارة توسعا، كما استدل عليها
~~به جماعة منهم ثاني
# PageV01P266
# الشهيدين فيما يأتي بيانه، أو لأن ذلك تأييد الأول من حيث موافقته له في
~~لازم مفاده وهو العفو الذي لا ينفك عن الطهارة ظاهرا، أو أن الغرض بالتمسك
~~به إثبات بعض المطلب وإن كان من جهة الملزوم لا إثبات تمامه، أو إثبات ما
~~هو مفاده ليصار إليه لو خرج الوجه الأول مردودا أو غير واضح الدلالة على
~~الطهارة، حيث إن المصير إليه بعد قصور دليل الطهارة عن ms228 الدلالة مما لا محيص
~~عنه.
# وبالجملة: فنسبة القول بالعفو إلى المعتبر مستفادا من عبارته المتقدمة
~~ليس على ما ينبغي، وإن تصدى لها جماعة من الأساطين، إذ الصارم قد ينبو
~~والجواد قد يكبو، بل الحق الذي لا محيص عنه هو القول بصراحة المعتبر في
~~اختيار الطهارة، فليس من أصحابنا من صرح بالعفو، وصار إليه على سبيل الجزم
~~والإذعان، ولا الاطمئنان.
# نعم، للعلامة في المنتهى كلام ربما يدخل في الوهم مصيره إلى العفو دون
~~الطهارة، ومن هنا يظهر عن المحقق الخوانساري في شرح الدروس نسبته إليه في
~~الكتاب المذكور بنقل عبارته، فإنه قال فيه: " عفي عن ماء الاستنجاء إذا سقط
~~منه شئ على ثوبه أو بدنه، سواء رجع على الأرض الطاهرة أو لا، وصرح الشيخان
~~بطهارته " (1) ومراده بقوله: " سواء رجع على الأرض الطاهرة أو لا " بقرينة
~~ما نذكره بعد ذلك أنه سواء سقط على الأرض الطاهرة فرجع منها إلى الثوب أو
~~البدن، أو سقط عليهما إبتداء.
# وأنت خبير بأن ذلك أيضا وهم صرف منشؤه عدم المراجعة إلى فقرات كلامه
~~المتأخرة عن تلك العبارة، بل الذي يقتضيه التدبر وصحيح النظر أنه أيضا قائل
~~فيه بالطهارة، وأن تعبيره بالعفو مسامحة أو كناية عنها، وأن مراده بما نسبه
~~إلى الشيخين الإتيان بموافق له في تلك المقالة، لا إبداء المخالفة بينه
~~وبينهما، والذي يفصح عن ذلك امور عديدة، كل واحد منها قرينة واضحة على ما
~~ادعيناه، وشاهد عدل بما نسبناه إليه، وجعلنا العفو المصرح به في كلامه
~~عبارة عن الطهارة.
# فمن جملة هذه الامور، قوله - بعد العبارة المذكورة بلا فاصلة -: " أما لو
~~سقط وعلى الأرض نجاسة ثم رجع على الثوب أو البدن فهو نجس، سواء تغير أو لا
~~" (2) فإن ذلك مع ضميمة ما سبق تفصيل لحكم ماء الاستنجاء بين ما لو رجع على
~~الثوب والبدن بعد
# PageV01P267
# سقوطه على الأرض النجسة وبين ما لم يكن كذلك، ولما كان الأول محكوما عليه
~~بالنجاسة، فلابد وأن يكون الثاني - بقرينة المقابلة - محكوما عليه بالطهارة
~~ليختلف القسمان المتقابلان في الحكم، وإنما ms229 حكم بالنجاسة في الأول أخذا
~~بالقدر المتيقن مما خرج بالدليل عن قاعدة انفعال القليل الملاقي للنجاسة،
~~أو لأن الظاهر من ماء الاستنجاء المحكوم عليه بالطهارة في الروايات ما لم
~~يباشر نجاسة اخرى غير نجاسة الحدثين والمفروض ليس منه، ولذا جعلوا عدم
~~ملاقاته نجاسة اخرى خارجة عن حقيقة الحدث المستنجى منه - كالدم مثلا - من
~~جملة الشروط على ما سيأتي بيانه.
# ومنها: قوله - عقيب ما ذكر ثانيا -: " وكذا لو تغير أحد أوصافه من
~~الاستنجاء " (١) فإنه تشبيه للمتغير من ماء الاستنجاء بالاستنجاء بالقسم
~~المحكوم عليه بالنجاسة، فيكون هو أيضا محكوما عليه بها، وهو مما حكم عليه
~~بالعفو بمنزلة الاستثناء، فيكون المراد بالعفو المحكوم به هنا الطهارة،
~~ليتغاير المستثنى مع المستثنى منه في الحكم.
# ومنها: قوله - بعد ما فرغ من الاستدلال على العفو، الذي حكم به في
~~الاستنجاء بروايتي الأحول ورواية عبد الكريم: - " وهكذا حكم الماء الذي
~~يتوضأ به أو يغتسل به من الجنابة، أما عندنا فظاهر وأما عند الشيخ فلما
~~رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في
~~الرجل الجنب يغتسل، فينتضح من الأرض في إنائه؟ فقال:
# " لا بأس ﴿ما جعل عليكم في الدين من
~~حرج﴾ (2) وفي الصحيح عن الفضيل أيضا " (3) الخ.
# فإنه تشبيه للماء المستعمل في الوضوء والغسل بماء الاستنجاء، ومن المعلوم
~~لزوم مشاركة المشبه للمشبه به في الحكم، ولولا المراد بالعفو المحكوم به
~~على ماء الاستنجاء الطهارة خرج هذا التشبيه باطلا، لأن مذهبه في المستعمل
~~في دفع الحدثين الأصغر والأكبر إنما هو كونه طاهرا ومطهرا - كما حققه سابقا
~~- خلافا للشيخ الذي يراه طاهرا فقط، كما أشار إليه بقوله: " أما عندنا
~~فظاهر " فإن ذلك إحالة لوجه المسألة إلى ما حققه سابقا في مسألتي الماء
~~المستعمل في رفع الحدث الأصغر والمستعمل في رفع الحدث الأكبر، فإنه حكم في
~~الاولى بأنه طاهر مطهر إجماعا (4)، ثم ساق الكلام إلى نقل مذاهب العامة في
~~ذلك، وفي الثانية - بعد ما أسند إلى الشيخين وابن بابويه ms230 في
# PageV01P268
# قولهم: " بأنه طاهر غير مطهر "، وإلى العامة مذاهبهم في الأول - قال: "
~~والذي أذهب إليه أنه طاهر مطهر " (1)، ثم أخذ بتفصيل المسألة والاستدلال
~~عليها بالنسبة إلى الحكمين.
# ومنها: ما ذكره بعد الفراغ عن المسألة في مسألة الآنية من قوله: " الماء
~~الذي تغسل به الآنية لا يلحقه هذا الحكم " ثم أسند إلى الشيخ في الخلاف
~~خلاف ذلك، ثم أخذ بالاستدلال على ما صار إليه بقوله:
# " لنا: أنه ماء قليل لاقى نجاسة فينفعل بها، ولا يتعدى إليه الرخصة التي
~~في الاستنجاء، لأنه استعمال الماء الذي قام المانع على المنع منه، مع عدم
~~قيام الموجب " (2) إلخ.
# فإن الحكم عليه بالنجاسة، بعد الحكم عليه بعدم لحوق حكم ماء الاستنجاء،
~~ظاهر في أن الحكم الذي نفى لحوقه بماء الغسالة عبارة عن عدم الانفعال،
~~بدليل أنه بعد ما نفى ذلك الحكم عنه استدل عليه بما يقتضي ثبوت نقيضه،
~~فلابد وأن يكون الحكم المنفي هنا الثابت لماء الاستنجاء هو عدم الانفعال،
~~لأن نقيضه الثابت هنا هو الانفعال فتأمل.
# فالإنصاف: أنه لم يوجد بين أصحابنا قول محقق بالعفو قبالا للطهارة، سوى
~~ما عرفت عن الشهيد في الذكرى من احتمال الأقربية، فكان الحكم بالطهارة على
~~الإطلاق من إجماعيات الأصحاب، ولا ينافيه الحكم عليه بعدم المطهرية عن
~~الحدث مطلقا، المدعى عليه الإجماع في المعتبر (3) والمنتهى (4) - على ما
~~حكي عنهما فيما يأتي - لأن ذلك حكم خاص ثبت له بالخارج، كثبوته في أشياء
~~اخر.
# ومن هنا ترى أنه قد استفاضت الإجماعات المنقولة على الطهارة التي تصدى
~~بنقلها صاحب المناهل في الكتاب الآخر (5) المنسوب إليه، حيث إنه عند ذكر
~~الأدلة على الطهارة قال: الثاني: دعوى جماعة الإجماع على الطهارة.
# قال في الروض: " واعلم أن المستعمل في إزالة الخبث نجس، إلا ماء
~~الاستنجاء من الحدثين فإنه طاهر إجماعا، كما نقله المصنف في المنتهى " (6).
# وقال في الجعفرية: " ماء الاستنجاء من الحدثين طاهر إجماعا " (7).
# PageV01P269
# وقال في جامع المقاصد: " استثنى الأصحاب من غسالة النجاسة ماء الاستنجاء
~~من الحدثين، فاتفقوا على عدم تنجسه، وحكم الصادق (عليه السلام) - بعدم ms231
~~نجاسة الثوب الملاقي له - يدل على ذلك ".
# ثم قال: " واعلم أن قول المصنف: " فإنه طاهر " مقتضاه أنه كغيره من
~~المياه الطاهرة في ثبوت الطهارة له، ونقل في المنتهى (1) على ذلك الإجماع "
~~(2).
# وقيل: إن ماء الاستنجاء طاهر إجماعا، حكاه ابن إدريس (3) في باب تطهير
~~الثياب " (4).
# انتهى واحتمال كون الطهارة في عبارة هؤلاء الأساطين مرادا بها معنى العفو
~~كما ترى.
# وعلى أي حال كان فنحن نفرض المسألة خلافية، ونتكلم فيها دفعا لمقالة من
~~لو توهم أن الحكم الثابت هنا إنما هو العفو دون الطهارة، وينبغي قبل الخوض
~~في الاحتجاج أن نشير إلى مقدمة يتضح بها معنى العنوان، ويتحرر ما هو محل
~~النزاع.
# وهي: أن المراد بطهارة ماء الاستنجاء - عند أهل القول بها - ما يقابل
~~النجاسة، التي هي عبارة عن الحالة المانعة عن المباشرة، والباعثة على وجوب
~~الغسل، وعدم جواز الاستعمال في التطهير عن الحدث والخبث، و في شربه
~~وتناوله، ولازمه أن يحكم عليه بجميع الآثار الشرعية المترتبة على خلاف
~~النجاسة، من الامور المذكورة وغيرها عدا ما خرج منها بالدليل، كاستعماله في
~~إزالة الحدث المدعى على عدم جوازه الإجماع فيما يأتي بيانه.
# وأما العفو المقابل لها، فقرينة المقابلة تقتضي كون المراد به ما يلازم
~~النجاسة مع سلب بعض أحكامها، أعني الحكم بنجاسته مع الرخصة في مباشرته.
# ولكن الظاهر من الشهيد في عبارته المتقدمة من الذكرى كون المراد به سلب
~~الطهورية وإن كان أكثر الأدلة المقامة على القول بالطهارة - لاقتضائها
~~الطهارة بالمعنى المقابل للمعنى الأول من العفو - يأبى عن ذلك، حيث قال: "
~~وتظهر الفائدة في استعماله، ولعله الأقرب، لتيقن البراءة بغيره " (5).
# PageV01P270
# ووجه الظهور: أن قوله: " لتيقن البراءة بغيره " دليل استدل به على ما
~~احتمل كونه أقرب وهو العفو، ولما كان الدليل لابد من انطباقه على المدعى،
~~فذلك يكشف عن أن المشكوك فيه - الذي يبحث عنه - إنما هو كون ماء الاستنجاء
~~طهورا - أي رافعا للحدث - وعدمه، فحكم عليه بالعدم لأن اليقين بالبراءة لا
~~يحصل باستعماله بل يحصل باستعمال غيره، وإلا فلو كان المبحوث عنه هو ms232 العفو
~~- بمعنى النجاسة مع الرخصة في المباشرة - لم يلزم من تيقن البراءة بغيره
~~كونه في الواقع نجسا مع الرخصة في مباشرته.
# ولا يمكن أن يقرر هذا الدليل بالقياس إلى الصلاة بثوب باشره هذا الماء،
~~لأنه لو تم لقضى بالنجاسة المطلقة، الملزومة لعدم الرخصة في مباشرته، وهو
~~خلاف المدعى.
# ومن هنا ترى أن غير واحد من أصحابنا استظهر منه ذلك، كصاحب المدارك وتبعه
~~صاحب الحدائق، فقال في الأول: " اعلم أن إطلاق العفو عن ماء الاستنجاء
~~يقتضي جواز مباشرته مطلقا، وعدم وجوب إزالته عن الثوب والبدن للصلاة
~~وغيرها، وهذا معنى الطاهر، فلا يستقيم ما نقله المحقق الشيخ علي في حواشي
~~الكتاب عن المعتبر أنه اختار كونه نجسا معفوا عنه، بل ولا جعل القول بالعفو
~~عنه مقابلا للقول بطهارته.
# والظاهر أن مرادهم بالعفو هنا عدم الطهورية كما يفهم من كلام شيخنا
~~الشهيد (رحمه الله) في الذكرى، حيث قال - بعد نقل القول بالطهارة والعفو -:
~~" وتظهر الفائدة في استعماله، وقد نقل المصنف في المعتبر، والعلامة في
~~المنتهى الإجماع على عدم جواز رفع الحدث بما تزال به النجاسة مطلقا، فتنحصر
~~فائدة الخلاف في جواز إزالة النجاسة به ثانيا والأصح الجواز تمسكا بالعموم،
~~وصدق الامتثال باستعماله " (1).
# وقال في الثاني - بعد نقله القولين -: " وربما أشعر ذلك بكون العفو عبارة
~~عن الحكم بنجاسته مع الرخصة في مباشرته، والذي يظهر من كلام الذكرى - وتبعه
~~عليه جماعة ممن تأخر عنه - كون العفو هنا إنما هو بمعنى سلب الطهورية، حيث
~~قال - بعد نقل القولين -: " وتظهر الفائدة في استعماله " وحينئذ فيصير محط
~~الخلاف في جواز رفع الحدث أو الخبث به وعدمه، وكذا تناوله وعدمه، إلا أنهم
~~نقلوا الإجماع أيضا على عدم جواز الرفع بما تزال به النجاسة مطلقا، كما
~~سيأتي في تالي هذه المسألة، وحينئذ
# PageV01P271
# فينحصر الخلاف في الأخيرين، والظاهر - كما هو المشهور - الجواز تمسكا
~~بأصالة الطهارة عموما وخصوصا، وصدق الماء المطلق عليه، فيجوز شربه وإزالة
~~الخبث به " (1) انتهى.
# وملخص الفرق بين المعنيين للعفو: أن هناك مطلبين لابد وأن يكون أحدهما
~~مرادا للقائل ms233 بالطهارة.
# أحدهما: الحكم بطهارته و استثنائه من عموم انفعال القليل بالملاقاة.
# وثانيهما: أنه ما يثبت له أحكام الطهارة بأسرها، فإن كان مدعى القائل
~~بالطهارة هو المعنى الأول، فيقابله العفو بمعنى أنه نجس ومرخص في مباشرته،
~~وإن كان مدعاه المعنى الثاني فيقابله العفو بمعنى أنه طاهر يخص حكمه بما
~~دون التناول ورفع الحدث والخبث.
# ولا ريب أن المتبادر من لفظ " العفو "، الشايع جريانه في لسان القوم هو
~~المعنى الأول، فأما بالمعنى الثاني فغير معهود في كلامهم، فلا ينبغي صرف
~~إطلاقه في كلام من لم يعلم مذهبه إلى إرادة هذا المعنى، وثبوت كون مراد
~~الشهيد منه هذا المعنى - لقضاء دليله به - لا يقضي بكونه في كلام من عداه
~~مرادا به هذا المعنى، كيف وأن أكثر الأدلة المقامة على القول بالطهارة -
~~على ما ستعرفها - إنما تقضي بما يقابل المعنى الأول من العفو، فعرف منه أنه
~~هو المتنازع فيه.
# والعجب عن صاحب المدارك كيف غفل عن ذلك في قوله: " والظاهر أن مرادهم
~~بالعفو هنا عدم الطهورية " مع فساد منشأ هذا الاستظهار، وهو الذي ذكره أولا
~~في الاعتراض على المحقق الشيخ علي، وعلى من يجعل العفو مقابلا للقول
~~بالطهارة، لوضوح وهن كل منهما، فإن الطاهر لا ينحصر أحكامه فيما ذكره، بل
~~له أحكام اخر من جواز تناوله، وعدم انفعال ما يلاقيه برطوبة، وجواز غسل ما
~~يباشره من الثوب والبدن بقصد التطهير الشرعي - على معنى إباحته شرعا بعدم
~~دخوله في البدعة المحرمة، نظرا إلى أنه لو كان [نجسا] (2) لكان غسله بعد
~~العنوان بدعة وتشريعا - إلى غير ذلك من الأحكام.
# فثبوت بعض أحكام الطاهر لهذا الماء - الذي يلتزم به القائل بالعفو - لا
~~يستلزم كونه طاهرا في مقابلة النجس، لجواز كونه نجسا قد رفع عنه بعض أحكام
~~النجاسة فلا منافاة، وبهذا الاعتبار يصح مقابلة القول بالعفو - بالمعنى
~~الملازم للنجاسة - للقول بالطهارة.
# PageV01P272
# ولا يسلم أن العفو في كلام كل قائل به وارد على إطلاقه، ومراد به رفع
~~جميع أحكام النجاسة لئلا يصح المقابلة، ويوجب ذلك العدول عن المعنى الظاهر ms234
~~المعهود إلى معنى آخر غير معهود، كيف وأن عباراتهم تنادي بأعلى صوتها أن
~~القول بالعفو يلزمه عدم تجويز الاستعمال من تناول ونحوه، وهو كما ترى من
~~لوازم النجاسة وأحكامها، إذ لا يعقل في المقام باعث عليه ولا داع إليه سوى
~~قيام هذا الوصف به، بل ظاهرهم الإجماع على أنه لا مانع سواه فتأمل.
# وعلى أي حال فالحاسم لمادة هذا الإشكال، الذي ربما يحصل في تشخيص محل
~~المقال، أن يجعل البحث بالنسبة إلى مسألة العفو هنا من جهتين: باعتبار ما
~~عرفت له من المعنيين، ثم ينظر في كل جهة إلى مقتضى ما هو الموجود من
~~دليلها. فتحقيق الكلام في تحرير عنوان المسألتين: أن مرجع البحث في الطهارة
~~والعفو بالمعنى الأول إلى أن مفاد الدليل الوارد في ماء الاستنجاء، هل هو
~~سلب جميع أحكام النجاسة عن هذا الماء أو سلب بعضها مع إبقاء البعض الآخر؟
~~كما أن مرجعه على العفو بالمعنى الثاني إلى أن مفاد الدليل الوارد فيه هل
~~إثبات جميع أحكام الطهارة لهذا الماء أو إثبات بعضها مع إلغاء البعض الآخر.
# ولا ريب أن النزاع على الوجه الأول يرجع إلى أصل الاستثناء عن عموم دليل
~~انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة، فالقائل بالطهارة لابد وأن يدعي وقوع
~~هذا الاستثناء، والقائل بالعفو لابد وأن ينكر ذلك، بدعوى: أن مفاد الدليل
~~الوارد فيه كائنا ما كان إنما هو سلب بعض أحكام النجاسة عن هذا الماء لا
~~إخراجه عن حكم النجاسة بالمرة، كما أنه على الوجه الثاني يرجع إلى تحقيق
~~معنى الطهارة الثابتة هنا بالدليل الوارد، بعد الاتفاق على وقوع أصل
~~الاستثناء، وخروج هذا الفرد من القليل عن عموم الانفعال.
# فالكلام في باب الاستنجاء بالنسبة إلى كل من الوجهين وقع في مقامين
~~أحدهما وفاقي، والآخر خلافي.
# أما الأول على الوجه الأول فهو أنه قد ثبت لماء الاستنجاء عما بين
~~مشاركاته حكم يمتاز به عما عداه من المياه القليلة الملاقية للنجاسة جزما.
# وأما الثاني على هذا الوجه: فهو أن هذا الحكم الثابت فيه هل هو خروجه ms235 عن
~~PageV01P273
# حكم الانفعال بالمرة وكونه محكوما عليه بالطهارة أو هو زوال بعض أحكام
~~النجاسة مع بقاء أصل الوصف الملازم لبقاء البعض الآخر من أحكامها.
# وأما الأول على الوجه الثاني: فهو أنه قد خرج ذلك عن حكم الانفعال
~~بالمرة، وحكم عليه خاصة بالطهارة في الشريعة.
# وأما الثاني على هذا الوجه: فهو أنه هل يثبت له جميع أحكام الطهارة أو
~~يثبت بعضها وينتفي البعض الآخر، ومن البين أن الخلاف إن كان في الجهة
~~الاولى صح لمدعي الطهارة أن يتمسك بما تقدم من الأخبار الواردة في
~~الاستنجاء، ولمدع العفو حينئذ أن يناقش في دلالة تلك الأخبار، ولا يسوغ
~~للأول الرجوع إلى القواعد الخارجة المقتضية للطهارة من الأصل والاستصحاب
~~والعمومات كما لا يخفى، وإن كان في الجهة الثانية فلا معنى في دعوى الطهارة
~~للرجوع إلى تلك الأخبار، لأنها إنما قضت بخروج الموضوع عن حكم الانفعال،
~~ولا تعرض فيها أصلا لبيان أن هذا الموضوع المحكوم عليه بكونه طاهرا يثبت له
~~جميع أحكام الطهارة أو بعضها، بل لابد له من الرجوع إلى الخارج، ولأجل
~~اختلاط هاتين الجهتين اختلط الأمر كثيرا ما على بعض الفحول، فيتمسك تارة
~~بما يناسب الجهة الاولى، واخرى بما يناسب الجهة الثانية فلاحظ وتأمل، وإذا
~~تقرر هذا كله فلا مناص من إيراد الكلام في الجهتين معا.
# أما الجهة الاولى: فالحق فيها أن ماء الاستنجاء وإن كان من أفراد القليل
~~الملاقي للنجاسة، ولكنه لا ينجس بتلك الملاقاة، فهو طاهر لا أنه نجس معفو
~~عنه، خلافا لمن يتوهمه كذلك إن كان؛ إذ ليس له مستند فيما نعلم سوى ما حكي
~~من العمومات الدالة على أن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة، وهذا إنما
~~يتجه لولا الدليل الوارد الموجب للتخصيص في تلك العمومات.
# واحتج موافقونا في الاختيار بوجوه:
# منها: ما عن الذخيرة (1) والمشارق (2) ومجمع الفائدة (3) من أصالة
~~الطهارة، واستصحابها، وقد يضاف إليهما العمومات القاضية بأن الأصل في الماء
~~الطهارة.
# PageV01P274
# وفيه: ما لا يخفى من أن الأصل والاستصحاب مما لا مدخل لهما في تعريف
~~الحكم الواقعي، ومع ذلك ms236 فقد انقطعا بعموم قاعدة انفعال القليل، ومعه لا
~~معنى للاستناد إليهما، ولعله مبني على القول بمنع العموم في تلك القاعدة،
~~وقد ظهر لك ضعفه في محله، وأما العمومات فالأمر فيها أوهن، لأن الاستناد
~~إليها إنما يصح لو كان الغرض معرفة حكم ذلك بنوعه وخلقته الأصلية ولا كلام
~~لنا فيه، بل الغرض الأصلي هنا معرفة حكمه من حيث قبوله الانفعال وعدمه
~~بالعارض، ولا تعرض في تلك العمومات لذلك نفيا ولا إثباتا، وعلى فرض تعرضها
~~للنفي فهي منقطعة بما يحكم عليها من الدليل الشرعي، إذ المفروض أن العارض
~~وهو ملاقاة النجاسة متحقق، وعموم الدليل على كون هذا النحو من العارض مما
~~يوجب الانفعال قائم، فلا محيص من تخصيصها بذلك، والمناقشة في عموم ذلك
~~الدليل قد تبين دفعها. وبجميع ما ذكر يتبين ضعف ما في شرح الدروس
~~للخوانساري (1) من الاحتجاج بما يقرب مما تقدم من أن الأصل في الأشياء
~~الطهارة والإباحة، وقد عرفت أن أدلة نجاسة القليل لا عموم لها بحيث يشمل ما
~~نحن فيه، وإنما كان التعدي عن الموارد المخصوصة التي وردت فيها الروايات
~~إلى بعض الصور لأجل الشهرة وعدم القول بالفصل وكلاهما مفقودان فيما نحن فيه
~~فيبنى على الأصل فيثبت جواز الطهارة والتناول.
# ومنها: ما احتج به جماعة من لزوم العسر والمشقة لولا البناء على الطهارة.
# وفيه أولا: منع الصغرى، حيث لا نجد عسرا في التحرز عن هذا الماء أصلا،
~~خصوصا إذا كان الاستنجاء من البول، إذ لو اريد به ما يلزم حالة الاستنجاء
~~من حيث إنها معرض للرشاش، فلدفعه طرق واضحة لا تكاد تخفى على أحد، ولو اريد
~~به ما يلزم من جهة غلبة الابتلاء بماء الاستنجاء بالمباشرة ونحوها فمنعه
~~أوضح، إذ لا نعقل ابتلاء به يكون غالبيا أو كثيرا إلا حالة التشاغل بأصل
~~الاستنجاء، وهو كما ترى لا يقتضي عسرا في التحرز عنه إذا تحقق معه الغسل
~~على النهج المقرر في الشرع، المستتبع لطهارة المحل واليد المباشرة له وزوال
~~الغسالة على النحو المتعارف.
# وثانيا: منع الكبرى، إذ لو اريد ms237 بالعسر ما ينشأ من الوسواس فلا عبرة به
~~في الشريعة لفساد مبناه، ولو اريد به ما ينشأ من الاحتياط - الذي هو حسن
~~على كل حال PageV01P275
# - فهو غير معلوم الشمول للأدلة النافية له فهو غير منفي حينئذ، ولو اريد
~~به ما ينشأ من التكليف الإلزامي الإلهي فيرتفع بالعفو عنه والرخصة في
~~مباشرته، وهو مما لا ينكره الخصم، والمفروض عدم حصول البلوى باستعماله في
~~التطهير ليلزم العسر، بل العذر على تقدير نجاسته لتوقف التطهير على
~~الطهارة، ومجرد المباشرة بالثوب والبدن لا يقتضي أزيد من العفو والرخصة،
~~وإلى ذلك أشار المحقق الخوانساري في دفع الاحتجاج، قائلا: " بأن الحرج على
~~تقدير تسليمه يرتفع بالعفو، ولا يتوقف على طهارته، إذ لا حرج في عدم جواز
~~استعماله في رفع الخبث والتناول " (1) وتبعه على ذلك غير واحد من الأصحاب.
# ومنها: ما تكرر الاحتجاج به في كلام الأصحاب من الأخبار المتقدم بيانها،
~~وهي الحجة التي لا محيص عنها في المسألة، لوضوح دلالتها ولا سيما الأول
~~منها، وهو خبر عبد الكريم على الطهارة.
# والمناقشة في ذلك بما يظهر من شرح الدروس: " بأن نفي البأس الوارد في
~~أكثر تلك الأخبار أعم من الطهارة والعفو، فلا قضاء له بالطهارة " (2) -
~~وتبعه في تلك الدعوى صاحب الحدائق (3) - وكذا الحال في رواية عبد الكريم،
~~فإن عدم تنجيسه الثوب لا يستلزم طهارته، إذ كونه معفوا عنه مطلقا أيضا
~~يستلزم ذلك.
# والجواب: أما عن المناقشة في خبر عبد الكريم، فبأن الاستلزام إن اريد به
~~العقلي فانتفاؤه مسلم، ولكن اعتباره في الشرعيات بل ودلالة الألفاظ ليس
~~بلازم، وإن اريد به غيره شرعيا أو عرفيا فهو موجود بكلا قسميه.
# أما الأول: فلأن المعلوم من طريقة الشارع المركوز في أذهان المتشرعة أن
~~ملاقاة النجس إذا قارنت شرائط التأثير توجب النجاسة في الملاقي أيضا، إلا
~~في مواضع مخصوصة خرجت بالدليل، وإنكاره مكابرة لا يلتفت إليها.
# وأما الثاني: فلأن المنساق من قوله: " لا ينجس " جوابا لمن قال: " هل
~~ينجس ذلك بذلك الشئ " في العرف والعادة إنما هو انتفاء النجاسة من الشئ ms238
~~الثاني، وإن كان
# PageV01P276
# المصرح بنفيه في عبارة الجواب إنما هو نجاسة الشئ الأول، نظرا إلى أن نفي
~~اللازم يقضي بنفي الملزوم، بناء على أن الملازمة بينهما عند تحقق اللقاء مع
~~اجتماع شرائط التأثير مركوزة في أذهان المتشرعة فعدم تنجيسه الثوب إنما هو
~~لعدم كونه بنفسه نجسا.
# فإن قلت: قضية ذلك حمل السلب في قضية الجواب على كونه باعتبار انتفاء
~~الموضوع، وهو خلاف الأصل.
# قلت: إنما يلزم ذلك لو فرض كون النجاسة مأخوذة في موضوع قضية السؤال وليس
~~كذلك، بل الموضوع هو ذات ماء الاستنجاء معراة عن وصف النجاسة، وهذا الموضوع
~~باق في قضية الجواب، وليس السلب الوارد فيه من جهة انتفائه، بل من جهة
~~انتفاء أمر خارج عنه غير لازم له.
# فإن قلت: لولا وصف النجاسة مأخوذا في قضية السؤال فلأي فائدة وقع السؤال؟
# فإن كل عاقل يعلم بأن الشئ لا ينجس بواسطة ملاقاة الطاهر.
# قلت: فائدة السؤال استعلام ما احتمله السائل من قيام وصف النجاسة بماء
~~الاستنجاء، كغيره من المياه القليلة الملاقية للنجاسة الموجب لسرايته إلى
~~ما يلاقيه، فأورد السؤال عن اللازم انتقالا إلى ما هو مرامه من الملزوم.
# مع أنه لولا دلالته على عدم النجاسة لما كان دالا على العفو أيضا،
~~بالمعنى المعروف الذي فرضنا البحث من جهته، لأن القائلين به معترفون بأنه
~~نجس، ويوجب النجاسة في مباشره ولكنهم يدعون العفو عنه، على معنى أن هذه
~~النجاسة الحاصلة في الثوب أو البدن من جهة أنها حاصلة عن ماء الاستنجاء لا
~~تقدح في صحة الصلاة أو الطواف أو غير ذلك من مشروط بطهارة الثوب والبدن، بل
~~هي من جهة ما فيها من الخصوصية ملغاة في نظر الشارع تسهيلا للأمر على
~~المكلف، وصونا له عن الوقوع في العسر والمشقة، وقد دلت الرواية على انتفاء
~~النجاسة من الثوب رأسا، لا أنها موجودة ولكنها معفو عنها، وبذلك بطل ما
~~ذكره في التعليل من قوله: " إذ كونه معفوا عنه مطلقا أيضا يستلزم ذلك " إن
~~أراد بقوله: " يستلزم ذلك " استلزامه عدم تنجس الثوب، فإنه ms239 مخالف لما عليه
~~أهل القول بالعفو، فلا يمكن حمله على إرادة العفو، ومعه يتعين حمله على
~~إرادة الطهارة؛ للإجماع على انتفاء الواسطة، كما لا يخفى على الفطن العارف.
~~PageV01P277
# وأما عن المناقشة في الروايات المشتملة على نفي البأس، فلأن الظاهر من
~~سياق السؤال وملاحظة الأسئلة الواردة في نظائر المقام، كون السؤال ناشئا عن
~~الجهل بحكم هذا الماء، وواردا في موضع توهم نجاسته، وإن كان المذكور في متن
~~السؤال وقوع الثوب فيه، فلو كان المراد بنفي البأس نفيه عن مباشرته - على
~~نحو يكون مفاده العفو - لم يطابق الجواب للسؤال، ولم يوجب رفع الجهالة عن
~~السائل فيما جهل به.
# مع أن كلمة " لا " نافية للجنس، والبأس ظاهر في الماهية الصادقة على جميع
~~ما يصدق عليه في العرف أنه بأس، والعفو بالمعنى المبحوث عنه مراد به انتفاء
~~البأس عن مجرد مباشرته حال الصلاة ونحوها، فلو حمل النفي في الرواية على
~~إرادة هذا المعنى فقط كان منافيا لإطلاقه المفيد للعموم؛ لكونه تقييدا بلا
~~دليل، خصوصا إذا ضم إليه قوله (عليه السلام): " ولا شئ عليك " كما في رواية
~~الصدوق.
# وبالجملة: إما أن يقال: " بأن هذا الماء طاهر " أو يقال: " بأنه نجس
~~وينجس ما يلاقيه، ولكن عفى عن مباشرته "، أو يقال: " بأنه نجس ولا ينجس ما
~~يلاقيه "، أو يقال:
# " بأنه نجس وينجس ما يلاقيه، ولا يجوز مباشرته في حال "، والأخيران
~~منفيان بالإجماع، مضافا إلى كون الأخير منهما منفيا بنص الرواية، فتعين
~~الأول؛ لكون الثاني تخصيصا في العام أو تقييدا في المطلق، ولا يصار إليهما
~~إلا بدليل ولا دليل.
# فإن قضية الحمل المذكور أن لا يجوز تناول المعتصر من هذا الماء الذي باشر
~~الثوب لو فرض عصره على نحو يحصل منه ما يمكن تناوله، وأن لا يجوز استعماله
~~في إزالة الخبث لو اعتصر منه ما يكفي في الإزالة، وأن ينجس ما يلاقيه في
~~الثوب الملاقي له، وأن ينفعل القليل الذي يقع فيه ما لاقاه من الثوب - بناء
~~على ما سبق تحقيقه من عدم الفرق في انفعال القليل بالملاقاة ms240 بين النجس
~~والمتنجس - ولا ريب أن كل ذلك بأس يبقى خارجا عن النفي، وهو مناف لإطلاق
~~النفي أو عمومه، ولو حمل النفي على نفي جميع ذلك رجع مفاده إلى إثبات
~~الطهارة، إذ لا يعني بالطهارة إلا ما انتفى معه جميع آثار النجاسة وأحكامها
~~وهو المطلوب.
# وإلى هذا أشار المحقق الشيخ علي - في كلام محكي له - فقال: " قلت: اللازم
~~أحد الأمرين: إما عدم إطلاق العفو عنه، أو القول بطهارته؛ لأنه إن جاز
~~مباشرته من كل PageV01P278
# الوجوه لزم الثاني؛ لأنه إذا باشره بيده ثم باشر به ماء قليلا - ولم يمنع
~~من الوضوء به - كان طاهرا لا محالة، وإلا وجب المنع من مباشرة نحو ماء
~~الوضوء به إذا كان قليلا، فلا يكون العفو مطلقا، وهو خلاف ما ظهر من الخبر
~~وكلام الأصحاب " (1).
# كما أنه إلى ذلك - مضافا إلى ما قررناه في وجه الاستدلال بخبر عبد الكريم
~~- ينظر ما قيل من أن كونه معفوا عنه مطلقا مع نجاسته يستلزم نجاسة ما
~~يلاقيه، غايته أنه يكون أيضا معفوا عنه، فحيث حكم بعدم تنجيسه الثوب ظهر
~~أنه ليس بنجس.
# وكذا الكلام في رواية الأحول، بأن يقال: نجاسة الماء تستلزم وجوب إزالته
~~عن الثوب والبدن، ووجود البأس فيه، فحيث نفي البأس عنه يثبت طهارته، فإن
~~الظاهر أن إفراد استلزام نجاسته نجاسة ما يلاقيه ووجوب إزالته عن الثوب
~~والبدن بالذكر إنما هو من باب المثال، إذ كل أحد ممن له أدنى معرفة بتفاصيل
~~الشرع يعلم أن النجاسة كما يقتضي الامور المذكورة، فكذا تقتضي امورا اخر
~~مما أشرنا إليها سابقا ومما لم نشر، كاقتضائها المنع عن رفع الحدث وإزالة
~~الخبث بذلك الماء، خصوصا إذا اعتبرناه معتصرا عن الثوب الملاقي له، فحيث
~~نفي نجاسة الثوب به ونفي البأس عنه على الإطلاق يدل على طهارته، لأن نفي
~~اللوازم يستدعي نفي الملزوم.
# فما ذكره الخوانساري في شرحه للدروس في دفع ما قيل - من " أن الاستلزام
~~ممنوع، وغاية ما يتمسك به في اقتضاء النجاسة هذه الامور الإجماع، وهو فيما
~~نحن فيه مفقود " (2) - ليس ms241 على ما ينبغي، فإن غاية ما فقد فيه الإجماع من
~~اللوازم إنما هو وجوب إزالة هذا الماء عن الثوب والبدن، كما هو مفاد القول
~~بالعفو، وأما سائر اللوازم فلا خلاف عندهم في وجودها على تقدير ثبوت العفو،
~~والمفروض أن الروايتين دلتا بعمومهما على انتفاء اللوازم بأسرها، ومعه لا
~~مناص عن القول بالطهارة، فالكلام المذكور عن المحقق من الامور العجيبة.
# وأعجب منه ما ذكره عقيب الكلام المذكور، من: " أنه ولو فرض تحقق عمومات
~~دالة على ذلك، نقول: الروايات في بحث القليل تدل على نجاسة هذا الماء أيضا
~~عند من يقول بعمومها كالمحقق وأضرابه، والنجاسة كما تقتضي الأشياء التي
~~ذكرتم، كذلك
# PageV01P279
# تقتضي أشياء اخر من عدم جواز رفع الحدث ورفع الخبث والتناول؛ للاتفاق على
~~عدم الفرق بين هذه الامور وبين تلك، وهذان الخبران إنما دلا على ارتفاع بعض
~~أحكامها مما ذكر، وأما البعض الآخر من عدم جواز استعماله في رفع الحدث
~~والخبث وتناوله، فينبغي أن يكون على حاله حتى يثبت ارتفاعه بدليل آخر، ونفي
~~البأس غير ظاهر في الجميع، بل ظاهره عدم النجاسة أو العفو " (1).
# فإن قوله: " لا بأس " إذا كانت نكرة منفية وكانت النكرة المنفية مفيدة
~~للعموم خصوصا مع ملاحظة حذف المتعلق المفيد للعموم أيضا، وإذا كان نفي
~~نجاسة الثوب مستلزما لنفي جميع لوازم النجاسة عن الماء الذي هو في الثوب،
~~فأي شئ يدعو إلى دعوى أن هذان الخبران إنما دلا على ارتفاع بعض أحكامها،
~~وبأي قاعدة يقال: إن نفي البأس ظاهر في عدم النجاسة أو العفو، مع أن العام
~~لا يردد بين العموم والخصوص إلا على بعض المذاهب الفاسدة في صيغ العموم -
~~المذكورة في فن الاصول - وكيف يعقل إبداء المعارضة بين عمومات القليل
~~المقتضية لانفعاله بالملاقاة وبين هذين الخبرين، وهما خاصان وكل خاص مقدم
~~على العام وحاكم عليه، وهل الكلام المذكور التزام بالتخصيص في المخصص أيضا
~~بعد التزامه في المخصص بلا دليل يقضي بذلك.
# نعم، غاية ما يلتزم به من التخصيص في المخصص - بالكسر - إنما هو بالنسبة
~~إلى رفع الحدث، ms242 لنقل الإجماع على عدم جوازه بذلك الماء مع إمكان المناقشة
~~فيه، وأما سائر أحكام الطهارة فباقية تحت عموم نفي البأس وغيره.
# لا يقال: التزام ما ذكر من التخصيص يكفي الخصم في إثبات النجاسة مع
~~العفو؛ لأن النجاسة هي الباعثة على ذلك الحكم الثابت بالإجماع، لمنع انحصار
~~الباعث على هذا الحكم في النجاسة، ألا يرى أن المضاف أيضا مما لا يرفع به
~~الحدث، وكذا الماء المغصوب، والماء المستتبع استعماله في ذلك للضرر على
~~النفس المحترمة ونحوها، ولعل الباعث على ذلك في ماء الاستنجاء زوال وصف
~~ينوط به قوته الرافعة غير الطهارة، أو حدوث وصف يمنع عن تأثيره في الرفع
~~غير النجاسة، وقد علم به الشارع الحكيم ونبه عليه، ومما يفصح عن ذلك استناد
~~المفتين بذلك في الكتب الفقهية إلى
# PageV01P280
# الإجماع - أو نقله - لا إلى النجاسة.
# وأعجب من الجميع ما ذكره في دفع ما أورده على نفسه - عقيب الكلام المتقدم
~~- بقوله: " فإن قلت: لو لم يرتفع هذه الأحكام أيضا يلزم التخصيص ".
# فقال: " قلت: هذا معارض بلزوم التخصيص في عمومات القليل، والترجيح لها
~~كما لا يخفى " (1)، فإن الخاص في مقابلة العام بمنزلة النص - وإن كان بنفسه
~~من جملة الظواهر - فيقدم عليه.
# ومحصله يرجع إلى أنه أظهر والأظهر يقدم على الظاهر، مع أن التخصيص الذي
~~يحترز عنه في عمومات القليل إن اريد به أصل التخصيص فهو وفاقي الحصول بيننا
~~وبينه، فكيف يعقل نفيه بترجيح تخصيص الخبرين عليه، وإن اريد به كثرة
~~التخصيص فالمقام ليس منها، لأن المخرج عن تلك العمومات ليس إلا فرد واحد
~~وهو ماء الاستنجاء وليس في مقابله شئ يكون الأمر فيما بينه وبينه دائرا بين
~~الأقل والأكثر حتى يرجح إخراج الأقل على إخراج الأكثر، وما يرى من القلة
~~والكثرة اللتين يدور الأمر بينهما فهو مفروض بالنسبة إلى لوازم النجاسة
~~التي كانت تثبت في ذلك الماء لولا المخرج له عن عمومات النجاسة، فلا يعقل
~~في مثل ذلك أن يقال: إنه قد ورد على تلك العمومات تخصيص ولكنه مردد بين
~~كونه في الأقل ms243 أو الأكثر، والأصل عدم الزيادة في التخصيص فيرجح تخصيص
~~الأقل.
# وإن شئت توضيح ذلك فقس المقام على ما لو ورد خطاب عام بوجوب كل صلاة، ثم
~~قام خطاب آخر خاص بعدم وجوب صلاة الوتيرة مثلا، والمفروض أن المنفي هنا شئ
~~مركب مفهومه بين الاستدعاء والمنع، وقضية نفيه انتفاء كل من جزئيه، فلا
~~يمكن أن يقال: حينئذ بمنع ذلك لاستلزامه تخصيص الأكثر والمتيقن مما خرج عن
~~العام إنما هو أحد جزئي وجوب هذا الفرد، وهو المنع عن الترك مثلا، فيحكم
~~بأنه الخارج تقليلا للتخصيص وذلك واضح.
# واحتج في المناهل (2) - مضافا إلى النصوص وغيرها - بالإجماعات المنقولة
~~المتقدم إليها الإشارة.
# PageV01P281
# ثم إن قضية إطلاق نصوص الباب وفتاوي الأصحاب عدم الفرق بين المتعدي
~~وغيره، ما لم يتفاحش على وجه لا يصدق معه على إزالته اسم الاستنجاء عرفا،
~~كما صرح به غير واحد من الأصحاب.
# قال الشيخ علي في حواشي الشرائع: " ولا فرق بين نجاسة المخرجين، ولا بين
~~المتعدي وغيره " (1).
# وفي الدروس: " ولا فرق بين المخرجين، ولا بين المتعدي وغيره " (2).
# قال الخوانساري في شرحه: " وقد قيل: إلا أن يتفاحش بحيث يخرج به عن مسمى
~~الاستنجاء، ولا بأس به " (3).
# وعن الذكرى: " ولا فرق بين المتعدي وغيره للعموم " (4).
# وعن جامع المقاصد: " لا فرق بين المتعدي وغيره، إلا أن يتفاحش " (5).
# وعن الروض: " لا فرق بين المتعدي وغيره، إلا أن يتفاحش على وجه لا يصدق
~~على إزالته اسم الاستنجاء " (6).
# وعن الذخيرة: " ومقتضى النص وكلام الأصحاب عدم الفرق بين المتعدي وغيره،
~~إلا أن يتفاحش على وجه لا يصدق على إزالته اسم الاستنجاء به " (7).
# ووجه التقييد بعدم التفاحش: أن الأحكام تدور مع عناوينها وجودا وعدما،
~~وقضية ذلك انقلابها بانقلاب العناوين، والظاهر أن تعدي الحدث من المخرج إلى
~~أن يتفاحش على الوجه المذكور مما يوجب انقلاب العنوان، فإن حكم الطهارة قد
~~علق في النص على عنوان الاستنجاء، وإزالة المتعدي على الوجه المذكور ليست
~~من هذا العنوان في شئ، ولكنه مبني على كون الاستنجاء عبارة عن إزالة الحدث
~~المعهود عن المخرج خاصة وما ms244 يلحق به من الحواشي القريبة منه، ولعله كذلك بل
~~هو الظاهر من نص اللغوي وكلام الأصحاب، ولذا تراهم لا يسمون إزالة الحدثين
~~عن الثوب أو موضع آخر من البدن استنجاء، ولا يلحقه حكم ماء الاستنجاء،
~~فللخصوصية مدخلية في صدق
# PageV01P282
# الاسم، ومع انتفائها ينتفي الصدق فينقلب العنوان.
# وفي كلام غير واحد أيضا التصريح بعدم الفرق بين الطبيعي وغيره، كما عن
~~الذخيرة (1)، وفي كلام المحقق الشيخ علي (2) تقييده بالاعتياد تمسكا
~~بالإطلاق، وعن بعضهم المناقشة في ذلك بمنع انصراف إطلاق عبائر الأصحاب
~~ونصوص الباب إلى غسالة غير الطبيعي - وإن صار معتادا - لندرته، وإفادة ترك
~~الاستفصال في الأخبار العموم بحيث يشمل ذلك محل تأمل، اللهم إلا أن يمنع من
~~الدليل على نجاسته، والأحوط الاجتناب عنه.
# والتحقيق أن يقال: إن قضية عدم الانصراف إلى غير الطبيعي لندرته وإن كانت
~~كما ادعيت، والتمسك بالإطلاق وإن كان ليس في محله، وترك الاستفصال في مثله
~~لا يفيد العموم، غير أنه يمكن القول بأن الحكم - على ما يستفاد من طريقة
~~الشارع وبناء الأصحاب في نظائر المقام - طهارة ونجاسة تابع للعنوان،
~~والخصوصيات بأسرها ملغاة في نظر الشارع، فيوجد الحكم حيثما وجد العنوان
~~وينتفي بانتفائه، كما يفصح عن ذلك بناؤهم في انفعال القليل على عموم الحكم
~~لمجرد روايات خاصة، مع ما فيها من الخصوصيات والإضافات ما لا تحصى عددا،
~~فقصور لفظ الرواية عن شموله لبعض الأفراد غير قادح، فلذا نقول بعدم الفرق
~~في طهارة ماء الاستنجاء بين كون الحدث المستنجى منه من المكلف نفسه أو من
~~غيره، فلو سقط من استنجاء غيره شئ على ثوبه أو بدنه لم يكن به بأس، مع أن
~~النص غير ظاهر التناول جزما، فيجري الحكم في الماء الذي يطهر به مخرج
~~المريض أو الطفل أو المجنون أو نحو ذلك.
# نعم، لا يلحق به غسل مخرج غير هؤلاء من سائر أنواع الحيوان، لعدم تحقق
~~العنوان بالنسبة إليه، فالعمدة في المقام إحراز أن المفروض مما يصدق عليه
~~العنوان وإن كان مما ندر وقوعه، بناء على أن الاستنجاء بحسب ms245 المفهوم ليس
~~إلا إزالة الحدثين عن المخرج كائنا ما كان، وأما خصوص كون المخرج هو الموضع
~~المعهود الذي جرى عليه الطبيعة الانسانية فمما لا مدخل له في ذلك لغة ولا
~~عرفا، أو أن عنوان الحكم على ما
# PageV01P283
# يستفاد عن طريقة الشارع هو الإزالة عن المخرج كائنا ما كان، وإن لم يندرج
~~تحت مفهوم الاستنجاء، واختصاصه بالذكر في النصوص من جهة أنه محل ابتلاء
~~السائل دون غيره، وعلى أي حال فالمسألة غير خالية عن الإشكال، وللاحتياط
~~فيها مجال.
# نعم، لا ينبغي التأمل في إطلاق النصوص وكلام الأصحاب القاضي بعدم الفرق
~~في الطهارة بين الغسلة الاولى والثانية فيما يعتبر فيه التعدد، كما نص عليه
~~السيد في المناهل (1) وغيره، وهو المحكي عن الكشف (2) أيضا، ناسبا له إلى
~~نص السرائر (3)، فما عن الشيخ في الخلاف (4) من تخصصه بالغسلة الثانية ليس
~~على ما ينبغي، والاعتذار له: " بأنه لعله لبعد الطهارة والعفو مع اختلاطه،
~~أو للجمع بين هذه النصوص ومضمرة العيص " (5) غير مسموع.
# ثم إنهم رضوان الله عليهم ذكروا لما صاروا إليه من طهارة ماء الاستنجاء
~~أو العفو عنه شروطا، بعضها محل وفاق عندهم والبعض الآخر محل خلاف.
# أولها: عدم تغيره بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة، نص عليه في الشرائع
~~(6)، والرياض (7) أيضا غير أنه عبر عنه بعدم العلم بتغيره، وربما يحمل عليه
~~كلام الأصحاب في هذا الشرط وغيره من الشروط الآتية، فيعتبر العلم في جميع
~~ذلك كما صرح به المحقق البهبهاني في حواشيه على المدارك، حيث إنه عند شرح
~~قول المصنف: " وشرط المصنف وغيره الخ "، قال: " وليس المراد بالشرطية
~~معناها المعروف، لأن الشك في الشرط يوجب الشك في المشروط، فيلزم ندرة تحقق
~~الغسالة الطاهرة، بل المراد أنه إن علم التغيير أو غيره مما ذكر ينجس، ولا
~~يجوز حمل الأخبار وكلام الأخيار على الفروض النادرة، سيما فيما نحن فيه ".
~~انتهى (8).
# وكيف كان فاعتبار هذا الشرط وفاقي عندهم ظاهرا، حيث لم نقف فيه على
~~مخالف، بل ربما يتمسك على اعتباره بالإجماع كما في المناهل (9)، نعم يظهر
~~من
# PageV01P284
# الخوانساري ms246 في شرح الدروس (1) التشكيك في ذلك لولا مستنده الإجماع، حيث
~~إنه بعد ما ذكر الشرط المذكور قال: " والظاهر أنه إجماعي وإلا لأمكن
~~المناقشة، إذ الروايات الدالة على نجاسة المتغير عامة وهذه الروايات خاصة
~~".
# واعترض عليه في المناهل: " بمنع ذلك بل بينهما عموم من وجه، فإن أخبار
~~ماء الاستنجاء من حيث موردها خاصة، ومن حيث شمولها لحالتي التغير وعدمه
~~عامة، وما دل من الأخبار على نجاسة الماء بالتغير بالنجاسة من حيث اختصاص
~~مورده بالتغير خاص، ومن حيث شمولها لماء الاستنجاء وغيره عام، فإذن ينبغي
~~الرجوع إلى وجوه الترجيح، ومن الظاهر أنها مع الأخبار الدالة على نجاسة
~~الماء بالتغير بالنجاسة، فلا يجوز العدول عنها " (2) الخ.
# ولعل نظره في دعوى كون الترجيح مع تلك الأخبار، إلى العمل والفتوى ونقل
~~الإجماع وغيره من المرجحات الخارجة، وإلا فمع الغض عن ذلك فالمرجح الداخلي
~~من حيث الدلالة في جانب أخبار المقام، لكونها أقل أفرادا من الأخبار الدالة
~~على نجاسة المتغير، فتكون أظهر منها دلالة فيكون حكمها حكم الخاص، ولعله
~~الذي أراده الخوانساري من حكمه على تلك الأخبار بكونها خاصة.
# فالتحقيق: في إثبات هذا الشرط - على نحو ينطبق على القواعد، ولا يبتني
~~على ثبوت الإجماع عليه، بحيث لولا ثبوته كان الحكم بالاشتراط في موضع
~~التأمل أن يقال: بمنع الإطلاق في روايات المقام بحيث يشمل صورة التغير وإن
~~فرضناها خاصة بالقياس إلى أخبار التغير، لا لما ذكره في المناهل من ندرة
~~التغير في ماء الاستنجاء، بل لأن التغير حيثية اخرى مبين حكمها في الخارج،
~~والملحوظ في المقام إنما هو حيثية الاستنجاء من حيث هو مع قطع النظر عن
~~الحيثيات الاخر، ومن البين اختلاف العنوانات باختلاف الحيثيات.
# وما توهم من الإطلاق وإن كان إطلاقا في الأحوال غير أنه إنما يجدي في
~~تعميم الحكم بالقياس إلى ما شمله من الأحوال، إذا لم يكن الحالة حيثية
~~ممتازة عن غيرها بحكم مبين لها في الخارج؛ ضرورة أن عدم اعتبار الإطلاق معه
~~لا يكون منافيا
# PageV01P285
# للحكمة ولا موجبا لمحذور، ولذا تراهم في مثل ms247 قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (1) لا
~~يجوزون أكل موضع عض الكلب ولو مع عدم التطهير، مع أن الاطلاق الأحوالي قائم
~~فيه جزما.
# فإذا كانت الحيثية المذكورة خارجة عن مفاد الأخبار، وكانت هي بنفسها
~~مقتضية للمنع لم يتعد إليها حكم الطهارة، لا لأنه تقييد في ماء الاستنجاء،
~~أو تخصيص في الأخبار الواردة فيه حتى يطالب بدليله، أو يرجع التعارض فيما
~~بينها وبين أخبار التغير إلى تعارض الخاص مع العام، أو تعارض العامين من
~~وجه، بل لأنه أخذ بالمنع الثابت لحيثية التغير، وهو عنوان آخر لا مدخل له
~~لعنوان الاستنجاء، مجامع له من باب المقارنات، فعند التحقيق لا معارضة
~~بينهما لاختلاف موضوعيهما، والعمل في الحقيقة بالدليلين معا، لا أنه أخذ
~~بأحدهما وطرح للآخر؛ لعدم تنافيهما، فنحكم بكل من الحيثين المجامعتين
~~بحكمها الخاص له.
# ونقول: إن حيثية " الاستنجاء " مقتضية للطهارة، وحيثية " التغير " مقتضية
~~للنجاسة، غير أن هاتين الحيثيتين لاجتماعهما في مورد واحد شخصي مما لا يمكن
~~ترتيب الآثار على حكمهما معا في مقام العمل، فلابد من رفع اليد عن أحدهما
~~ترتيبا للآثار على الآخر، لإمكانه حينئذ على قياس ما هو الحال في الواجبين
~~المتزاحمين، حيث يرفع اليد عن أحدهما لعدم إمكان امتثالهما معا، من دون أن
~~يقضي بتخصيص دليله كما قرر في محله، غاية الفرق بينهما أن البناء فيهما على
~~التخيير لإمكان الامتثال كذلك، ولئلا يلزم الترجيح بلا مرجح، بخلاف المقام
~~حيث إن المتعين فيه إنما هو العمل على حيثية " التغير " لتقدم الجهة
~~المانعة في جميع الموارد على جهة الإذن، على ما قررناه في محله.
# ولك أن تسلك هنا مسلكا آخر، بأن تقول: إن الأخبار الواردة عن أهل العصمة
~~فيما يرتبط بالمقام أو ما هو من أفراده، الحاكمة بعضها بالطهارة وبعضها
~~بالنجاسة، التي يلاحظ النسبة بينها وبين أخبار المقام، على ثلاثة أصناف:
# أحدها: ما هو معنون بعنوان التغير.
# وثانيها: ما هو معنون بعنوان الكرية.
# PageV01P286
# وثالثها: ما هو معنون بعنوان الملاقاة للنجاسة.
# ومفاد كل واحد منها بعد الجمع ms248 بين مناطيقها ومفاهيمها ينحل إلى قضيتين:
~~موجبة وسالبة.
# فمن الأول: الماء المتغير بالنجاسة نجس، والماء الغير المتغير بالنجاسة
~~ليس بنجس.
# ومن الثاني: الكر من الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة، وما دون الكر منه
~~ينجس بملاقاة النجاسة.
# ومن الثالث: الماء الملاقي للنجاسة ينجس بالملاقاة، والغير الملاقي لها
~~لا ينجس.
# وإذا أردنا ملاحظة النسبة بين كل واحد من تلك القضايا الستة مع الاخرى
~~يرتقي صور المسألة إلى خمسة عشر، كما يظهر بأدنى تأمل. إلا أنه لا يتحقق
~~معارضة في البين إلا في أربع منها:
# أحدها: قولنا: الماء المتغير بالنجاسة ينجس بالتغير، والكر من الماء لا
~~ينجس بالملاقاة.
# وثانيها: الماء الغير المتغير بالنجاسة لا ينجس بالملاقاة، وما دون الكر
~~من الماء ينجس بالملاقاة.
# وثالثها: الماء الغير المتغير بالنجاسة لا ينجس بالملاقاة، والماء
~~الملاقي للنجاسة ينجس بالملاقاة.
# ورابعها: الكر من الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة، والماء الملاقي للنجاسة
~~ينجس بالملاقاة.
# والنسبة في الصورتين الاوليين عموم من وجه، وفي الأخيرتين عموم وخصوص
~~مطلق، كما لا يخفى على المتأمل.
# وقاعدتهم في تعارض العامين من وجه، وفي تعارض الخاص والعام وإن كانت
~~تقتضي الرجوع إلى وجوه الترجيح في الاوليين، وتقديم الخاص على العام في
~~الأخيرتين، إلا إنا نراهم أنهم في الاولى من الاوليين يحكمون عموم التغير
~~على عموم الكر من غير تأمل ولا خلاف، وفي الثانية منهما يحكمون عموم ما دون
~~الكر على عموم عدم التغير، وفي الاولى من الأخيرتين يقدمون العام على
~~الخاص، فلا يفرقون في نجاسة ما دون الكر بين صورتي التغير وعدمها، وليس ذلك
~~إلا من جهة أنهم عثروا PageV01P287
# من الأدلة الشرعية والقرائن المعتبرة ما دعاهم إلى ذلك، وإلا فلا ريب أن
~~تقديم العام على الخاص - كما يصنعونه في الصورة الثالثة - على خلاف
~~القاعدة.
# نعم مشوا على طبق القاعدة في الصورة الرابعة، حيث قدموا خصوص الكر على
~~عموم الملاقاة، فمن بنائهم في هذا المقام يظهر الإجماع على تحكيم أدلة
~~التغير على أدلة سائر العنوانات، ولو فرضت في بعضها جهة خصوصية بالقياس إلى
~~عنوان التغير، ms249 وإجماعهم ذلك يكشف جزما عن وجود دليل محكم وقرينة معتبرة،
~~وإن لم نعلم بهما عينا، وقضية ذلك خروج صورة التغير عن أدلة ماء الاستنجاء،
~~كما هي خارجة عن أدلة الكر.
# ولك أن تقول: إن النسبة بين أدلة الاستنجاء وأدلة التغير وإن كانت في
~~ابتداء النظر عموم من وجه - كما فهمه صاحب المناهل - غير أنها منقلبة إلى
~~ما لا معارضة معه، بعد تحكم أدلة التغير على أدلة الكر، ثم تحكيم أدلة الكر
~~على أدلة الماء الملاقي للنجاسة، ثم تحكيم أدلة الاستنجاء على أدلة القليل
~~الملاقي للنجاسة، فإن صورة التغير حينئذ خارجة عن عنوان الكر، فهو في قوله:
~~" إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " (1) مقيد بعدم التغير، فيكون مفهومه
~~أيضا مقيدا به، إذ المفهوم تابع للمنطوق في جميع ما اعتبر فيه، فالحكم بعدم
~~انفعال القليل إنما ورد عليه وهو مقيد بعدم التغير، والمفروض أن ماء
~~الاستنجاء مخرج منه، فيكون مشاركا له في قيده، لوجوب دخول المستثنى في
~~الاستثناء المتصل في جملة أفراد المستثنى منه، ومعه أيضا لا يتناول حكم
~~الطهارة في الاستثناء لصورة التغير، فيبقى تلك الصورة - إذا تحققت في ضمنه
~~- في الحكم عليها بالنجاسة سليمة عن المعارض، فتأمل جيدا (2).
# وبالجملة: اعتبار عدم التغير في طهارة ماء الاستنجاء - كما صنعه الجماعة،
~~وأطبقوا عليه، وادعى عليه الإجماع - في محله.
# PageV01P288
# وثانيها: أن لا يقع ماء الاستنجاء على نجاسة خارجة عن حقيقة الحدث
~~المستنجى منه كالدم المستصحب له، أو عن محله وإن لم يخرج عن الحقيقة كالحدث
~~الملقى على الأرض، من غائط أو بول أو غيرهما من النجاسات، فلو سقط ماء
~~الاستنجاء وعلى الأرض نجاسة ثم رجع إلى الثوب أو البدن فهو نجس، سواء تغير
~~به أو لا، وسواء كانت النجاسة هو البول أو الغائط المستنجى منهما أو
~~غيرهما.
# وقد أشار إلى ذلك في الشرائع (1)، وقد تقدم التصريح به - في الجملة - عن
~~المنتهى (2) وحكي ذلك عن القواعد (3)، والدروس (4)، وجامع المقاصد (5)،
~~والجعفرية (6)، والمقاصد العلية (7)، والروضة (8)، والروض (9)، ومجمع
~~الفائدة (10)، والكشف (11)، وصرح به في الرياض (12) أيضا، ms250 ونفى عنه الخلاف.
# والوجه في ذلك يظهر بالتأمل فيما تقدم، فإن وقوعه على ما فرض من النجاسة
~~مما يوجب انقلاب العنوان، ويتبعه انقلاب الحكم أيضا، وإلى ذلك أشار في مجمع
~~الفائدة - على ما حكي - بقوله: " نعم اشتراط عدم وقوعه على نجاسة خارجة غير
~~بعيد، لأن الظاهر من الدليل هو الطهارة من حيث النجاسة التي في المحل ما
~~دام كذلك " (13).
# وثالثها: ما اعتبره جماعة من أن لا يخالط الحدثان لنجاسة اخرى كالدم
~~والمني، عزى إلى جامع المقاصد (14)، ومحكي الذخيرة (15) عن جماعة، واستشكل
~~فيه صاحب المدارك قائلا: " بأن اشتراطه أحوط، وإن كان للتوقف فيه مجال
~~لإطلاق النص " (16)، ووافقه على ذلك الخوانساري في شرح الدروس قائلا: " بأن
~~اشتراطه محل كلام لإطلاق اللفظ، مع أن الغالب عدم انفكاك الغائط عن شئ آخر
~~من الدم، أو الأجزاء
# PageV01P289
# الغير المنهضمة من الغذاء، أو الدود، على أن في صحيحة محمد بن النعمان -
~~المنقولة أيضا - إشعارا بالعفو عنه، وإن كان على الذكر مني، كما لا يخفى "
~~انتهى (1).
# وأنت خبير بما فيه من الخلط والاشتباه، والحق التفصيل في ذلك، فإن كانت
~~النجاسة المخالطة بنفسها عنوانا مستقلا في النجاسة، ثابتا حكمها من الخارج
~~كالدم والمني إذا خرجا مخلوطين مع الحدث المستنجى منه، فلا مناص فيه من
~~المنع والحكم بالنجاسة، لمكان تداخل العنوانين واجتماع الحيثين، فيقدم جهة
~~المنع على جهة الإذن لما تقدم الإشارة إليه، ولا ينبغي التمسك بالإطلاق
~~حينئذ لعين ما مر، ودعوى وقوع الإشعار بخلافه في الصحيحة المذكورة غير
~~مسموعة، بملاحظة ما تقدم في صدر المسألة.
# وإن لم تكن كذلك، بل كانت نجاسته مكتسبة عن الحدث المستنجى منه، فالأقرب
~~فيه ما صار إليه الجماعة من الحكم بالطهارة، لمكان الإطلاق السليم عن
~~المعارض، وإن كان أحواليا.
# ورابعها: ما حكى اشتراطه عن جامع المقاصد (2)، والروض (3)، من عدم انفصال
~~أجزاء من النجاسة متميزة مع الماء، محتجين عليه: بأن أجزاء النجاسة -
~~كالنجاسة الخارجة - تنجس الماء بعد مفارقة المحل، ولا يخفى ما فيه من
~~المصادرة.
# واستشكل فيه في المدارك (4) أيضا قائلا بما سبق.
# ولو ms251 استدل على القول الأول بما سبق عن مجمع الفائدة (5) من أن الظاهر من
~~الدليل هو الطهارة من حيث النجاسة التي في المحل ما دام كذلك لكان أسد،
~~ومحصله: انقلاب العنوان معه، فإن المفروض بعد مفارقة المحل داخل في عنوان
~~القليل الملاقي للنجاسة في غير محل الاستنجاء، فيلحقه حكمه، ويقوي ذلك لو
~~بقي على هذه الحالة بعد الانفصال مدة ثم باشره الثوب أو البدن، فاتضح أن
~~الاشتراط المذكور في محله.
# وخامسها: ما عزى إلى الكشف (6) ومحكي بعض، من اشتراط عدم سبق اليد على
~~الماء في ملاقاة المحل، فلو سبقته ينجس، ولو سبقها أو كانا متقارنين كان
~~طاهرا أو معفوا عنه، ويظهر من شرح (7) الدروس الاحتجاج عليه: " بأن نجاسة
~~اليد إنما تكون
# PageV01P290
# مستثناة بسبب جعلها آلة للغسل، فلو اتفقت لغرض آخر كانت في معنى النجاسة
~~الخارجية "، وفيه: مصادرة أو خروج عن الفرض كما لا يخفى.
# وعن صريح جامع المقاصد (1)، والرياض (2) والذخيرة (3)، والمشارق (4)،
~~وظاهر الشرائع (5)، والمنتهى (6)، والدروس (7)، والجعفرية (8)، والمقاصد
~~العلية (9)، والروضة (10)، والروض، أن ذلك ليس بشرط، وحكى الاحتجاج عليه: "
~~بأن التنجس على كل حال؛ إذ لا أثر للتقدم والتأخر في ذلك " (11)، وإطلاق
~~هذا الكلام ليس على ما ينبغي، كما أن إطلاق القول الأول كذلك.
# بل الذي يقتضيه التدبر، التفصيل بين ما لو كان سبق اليد منبعثا عن العزم
~~على الغسل وقارنه الفعل فلا يكون قادحا، وبين ما لو لم تكن لأجل هذا الغرض،
~~فاتفق حدوث العزم على الغسل بعد ما تنجست، فيكون نجاستها موجبة لنجاسة
~~الماء.
# أما الأول: بملاحظة ما سبق، وأما الثاني: فلأن أعمال اليد من لوازم
~~الاستنجاء ومقدماته، فالحكم عليه بالطهارة يقضي بعدم قادحية النجاسة
~~الحاصلة فيها بمباشرة النجاسة الحدثية إن لم نقل بقضائه بعدم قبولها
~~النجاسة في هذه الحالة، فهذا المعنى مما يستفاد من النص بالدلالة
~~الالتزامية.
# ثم إذا لوحظ ما فيه من الإطلاق السليم عن المعارض بالنسبة إليه يتم
~~المطلوب، من عدم الفرق بين السبق والمسبوقية والمقارنة.
# وسادسها: ما عن الشهيد في الذكرى (12)، من اشتراطه عدم زيادة وزن الماء ms252
~~على ما قبل الاستنجاء، فلو زاد وزنه بعد الاستنجاء كان نجسا، ولو لم يزد
~~كان طاهرا، وفي شرح الدروس: " أنه مما اعتبره العلامة في النهاية (13) في
~~مطلق الغسالة " (14)، وعن
# PageV01P291
# الآخرين عدم اشتراطه صريحا أو ظهورا، وهو صريح المدارك (1)، وشرح الدروس
~~(2)، وغيرهما وهو الأقرب، لإطلاق النص والفتوى، مضافا إلى أنه لو استفيد
~~ذلك من نصوص الباب فواضح المنع جدا، ولو استفيد من أخبار التغير بدعوى:
~~دخول المفروض في عنوان " التغير " الموجب للنجاسة.
# ففيه: مع أن الشرط الأول يغني عن إفراده بالذكر، ما تقدم تحقيقه في بحث "
~~التغير " من أنه إذا حصل في غير الأوصاف الثلاث المعهودة لم يوجب نجاسته
~~للنصوص وإجماع الأصحاب، ولو اريد استفادته من خبر العلل (3) المذيل بقوله:
~~" إن الماء أكثر من القذر " كما احتمله بعضهم، مستندا له من حيث إنه يعطي
~~أن نفي البأس عنه إنما هو لأكثرية الماء واضمحلال النجاسة فيه، وحينئذ فلو
~~زاد لدل على وجود شئ من النجاسة فيه وعدم اضمحلالها.
# ففيه أولا: أن مستند الاشتراط إن كان ذلك فقد علم اعتباره في الشرط
~~الرابع؛ ضرورة أن المفروض - لو سلم الملازمة بين زيادة الوزن وزيادة شئ من
~~أجزاء النجاسة غير مضمحل فيه - من أفراده فلا يكون شرطا آخر يدل عليه.
# وثانيا: أن ذلك أدل على خلاف مدعاهم؛ لقضائه بأن الماء فيه شئ من القذر
~~ولكنه أكثر منه، ولا ريب أن ذلك يقضي بزيادة وزنه لا محالة على ما كان عليه
~~قبل الاستنجاء؛ ضرورة إنه كان قبله ماء خالصا خاليا عن القذر الذي فيه
~~بعده، واضمحلاله فيه لا يوجب عدم زيادته؛ لأنه ليس عبارة عن الانعدام
~~الصرف، بل هو عبارة عن انتشار أجزائه فيه بحيث لا يدركه الحس، على نحو كان
~~المجموع في نظر الحس ماء، فهو سواء اضمحل أو لم يضمحل موجود فيه جزما، وهو
~~لا ينفك عن زيادة الوزن به جزما.
# تنبيه: المعتبر في الشرائط المذكورة عدم العلم بوجود نقيضها، كما سبق عن
~~المحقق البهبهاني (4) التنبيه على ذلك، فلو شك أو ظن بوجود شئ ms253 من نقيض تلك
# PageV01P292
# الشرائط لم يخرجه عن حكم الطهارة، والأصل في ذلك الخبر المستفيض " الماء
~~كله طاهر حتى يعلم أنه قذر " (1) بناء على ما قررناه من أنه وارد لبيان
~~الحكم لصورة الاشتباه، مضافا إلى الأصل المتقدم تأسيسه في غير موضع، غير أن
~~الاحتياط مما لا ينبغي تركه، وممن صرح بما ذكرناه السيد في المناهل قائلا:
~~" بأنه إذا شك في تحقق الشرط فالأصل طهارة الماء مطلقا، وإن حصل الظن
~~بفقده، ولكن مراعاة الاحتياط أولى " (2).
# واما الجهة الثانية: ففيها مسائل ثلاث.
# الاولى والثانية: في أن ماء الاستنجاء بعد ما ثبت كونه طاهرا و جامع
~~الشرائط المتقدمة، فهل يكون طهورا - بالمعنى الأعم من إزالة الخبث به، ولو
~~استنجاءا آخر، ورفع الحدث به صغيرا كان أو كبيرا، - كما كان كذلك قبل
~~الاستنجاء أولا؟ فيه خلاف على أقوال:
# أحدها: أنه ليس بطهور مطلقا، وهو لظاهر الشرائع (3)، والدروس (4)،
~~والمنتهى (5)، وصريح الذكرى (6)، حيث إن الأول فرق بين ماء الاستنجاء
~~والمستعمل في الوضوء والمستعمل في الحدث الأكبر، فحكم على الأول بكونه
~~طاهرا فقط من غير تعرض لطهوريته، وعلى الثاني بكونه طاهرا مطهرا، وعلى
~~الثالث بكونه طاهرا وتردد في طهوريته.
# وصنع نظيره الثاني، غير أنه قدم المستعمل في الوضوء فحكم بكونه طهورا، ثم
~~أورد المستعمل في الحدث الأكبر فحكم بطهارته، ناقلا في طهوريته قولين مع
~~جعله الكراهية أقربهما، ثم تعرض لذكر الاستنجاء فحكم عليه بالطهارة فقط.
# والثالث حكم على ماء الاستنجاء بكونه معفوا عنه بمعنى الطهارة - على ما
~~استظهرناه سابقا - من غير تعرض لحكم طهوريته، مع أنه في المستعمل في رفع
~~الحدث الأصغر حكم عليه قبل ذلك بكونه طاهرا مطهرا مدعيا عليه الإجماع، وفي
~~رفع الحدث الأكبر نقل الخلاف في طهوريته، واختار هو كونه طاهرا مطهرا. وأن
~~الرابع قال - حسبما تقدم -: " وفي المعتبر: ليس في الاستنجاء تصريح
~~بالطهارة إنما هو
# PageV01P293
# بالعفو، وتظهر الفائدة في استعماله ولعله أقرب لتيقن الطهارة بغيره "
~~(1)، فإن تعليله عام يجري في كل من النوعين.
# وثانيهما: أنه طهور مطلقا، وهو الذي اختاره في المناهل (2)، ناسبا في ms254
~~مسألة رفع الحدث الجواز إلى صريح الكشف (3)، وظاهر مجمع الفائدة (4)، وهذا
~~يقتضي أنهما يقولان بالجواز في مسألة الخبث أيضا بل بطريق أولى كما لا
~~يخفى.
# وثالثهما: الفرق بين المسألتين، فالجواز في إزالة الخبث وعدمه في رفع
~~الحدث، ويستفاد ذلك من المدارك (5) والحدائق (6) - فيما تقدم عنهما من
~~عبارتهما - ويستفاد أيضا من الرياض (7) وشرح الدروس (8).
# والعجب عن السيد في المناهل (9) حيث جعل المسألة ذات قولين، مدعيا
~~للاتفاق على الجواز في إزالة الخبث، حاكيا للخلاف على قولين في رفع الحدث،
~~ولم نقف للأولين على مستند سوى ما أشار إليه الشهيد في الذكرى (10) من تيقن
~~الطهارة بغيره.
# وحكى عن الآخرين الاستدلال بالأصل والعمومات والاستصحاب، فإن الأصل بقاء
~~الطهورية خرج عنه ما خرج وبقي الباقي.
# وعن الباقين الاستدلال على الجواز في رفع الخبث بما تقدم من الأصل
~~والعمومات واستصحاب الطهورية، مضافا إلى ما في شرح الدروس (11) من التمسك "
~~بأن الأوامر إنما وردت بالغسل بالماء، وهذا يصدق عليه الماء فيحصل الامتثال
~~" وإلى ما في المدارك (12) والحدائق (13) " من صدق الامتثال باستعماله "،
~~ومثله ما عن
# PageV01P294
# الذخيرة (1) من قوله: " ولحصول الامتثال في رفع النجاسات به ".
# وعلى عدمه بما عزى (2) إلى المعتبر (3) والمنتهى (4) من دعوى الإجماع على
~~عدم جواز رفع الحدث بما تزال به النجاسة مطلقا.
# فقد تبين بجميع ما ذكر: أن القول بالمنع مطلقا أو في الجملة، لا حجة عليه
~~سوى قاعدة الشغل، والاطلاق والإجماع المنقول في المنتهى والمعتبر، وأنت إذا
~~تأملت علمت أن شيئا منهما ليس بشئ.
# أما الأول: فلأن التمسك بتلك القاعدة مع وجود ما يرفع موضوعها - على ما
~~ستعرف - مما لا معنى له.
# وأما الثاني: فلتوجه المنع إلى شمول هذا الإجماع لمثل المقام، بل
~~التحقيق: أنه لا مجال إلى دعوى الاطلاق في إجماع المنتهى، فإنه في كلام
~~العلامة معلل بما لا يجري في المقام أصلا، فإنه بعد ما أورد الكلام في
~~الماء المنفصل عن غسالة النجاسة بجميع صوره، حتى ما لو انفصل غير متغير من
~~الغسلة التي طهرت المحل حاكما في الجميع بالنجاسة، - مع نقله في ms255 الأخير
~~اختلاف القولين عن الشيخ في المبسوط (5)، فقال:
# بنجاسته مطلقا، والخلاف (6)، فقال: بنجاسة الغسلة الاولى وطهارة الغسلة
~~الثانية، - قال:
# " رفع الحدث بمثل هذا الماء أو بغيره مما يزيل النجاسة لا يجوز إجماعا،
~~أما على قولنا فظاهر، وأما على قول الشيخ فلما رواه عبد الله بن سنان عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " الماء الذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به
~~من الجنابة لا يتوضأ منه (7) ". (8) فقوله: " أما عندنا فظاهر " إشارة إلى
~~ما اختاره فيما تقدم من نجاسة ما ينفصل من غسالة النجاسة، تمسكا بأنه ماء
~~قليل لاقى نجاسة، فينجس.
# PageV01P295
# فظهر أن مستند الإجماع أحد الأمرين: من النجاسة والرواية، والمقام ليس
~~مندرجا في شئ منهما كما لا يخفى.
# وأما إجماع المعتبر فلعله أيضا من هذا القبيل، ولم يحضرنا الكتاب حتى
~~نلاحظ في مفاد كلامه وسياقه، ثم لو سلم الإطلاق في هذين الإجماعين أو في
~~أحدهما فهو قابل للتقييد، فإنه باعتبار العبارة الناقلة عام، وبعض ما ستعرف
~~من أدلة القول بالطهورية في ماء الاستنجاء خاص فيخصص به العام، فالقول بسلب
~~الطهورية على إطلاقه ضعيف جدا، إذا كان مستنده ما ذكر ونظراءه، وأما القول
~~بالطهورية مطلقا فالظاهر أن التمسك عليه بالأصل والعمومات متجه، إذا اريد
~~بالأصل القاعدة الشرعية المستفادة من أدلة طهورية الماء كتابا وسنة.
# لا يقال: إنه مع العمومات قد انقطعا بأدلة انفعال القليل بالملاقاة، إن
~~اريد بالعمومات قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (1) وما أشبه ذلك
~~كتابا وسنة لتوجه المنع إلى دعوى الانقطاع، فإن المفروض خروج ماء الاستنجاء
~~عن تحت القليل الذي ينفعل بملاقاة النجاسة، ومعنى خروجه عنه انكشاف كونه
~~مرادا من العمومات الأولية، أو انكشاف عدم تعرض أدلة الانفعال لإخراجه
~~عنها، وهذا القدر كاف في صحة التمسك بها؛ لأن مبناها على الظهور النوعي وهو
~~حاصل هنا.
# نعم، إنما يتجه هذه المناقشة بالقياس إلى تمسكهم بالأصل، بمعنى استصحاب
~~الطهورية الثابتة لهذا الماء قبل الاستنجاء، لارتفاع موضوعه بورود أدلة
~~الانفعال الشاملة له، ومعه لا يعقل ms256 الاستصحاب، كيف ولو صح التمسك به لإثبات
~~الطهورية له مع ورود تلك الأدلة المقتضية لخلافها لصح التمسك به لإثبات
~~الطهارة له أيضا؛ لكونها كالطهورية ثابتة له قبل الاستنجاء، ومعه يرتفع
~~الحاجة إلى التمسك بالأخبار الواردة فيه، واللازم باطل بالضرورة، وإبداء
~~الفرق بين الحكمين بدعوى: صحة ذلك في أحدهما دون الآخر، تحكم صرف.
# فإن قلت: التمسك به لإثبات الطهورية لهذا الماء إنما هو بعد ملاحظة
~~الأخبار الواردة المخرجة له عن تحت أدلة الانفعال، ولا ضير فيه لكشف تلك
~~الأخبار عن عدم
# PageV01P296
# تعرض الأدلة المذكورة لرفع موضوع الأصل بالنسبة إليه، على قياس ما ذكرته
~~في صحة التمسك بالعمومات الأولية.
# قلت: هذه الأخبار لو صلحت عندهم كاشفة عن هذا المعنى، لكانت بأنفسها
~~رافعة لموضوع الأصل أيضا؛ إذ لا فرق في ارتفاع موضوع الأصل بين ورود الدليل
~~على خلافه ووروده على طبقه؛ لأنه كائنا ما كان في مقابلة الأصل علم، ومن
~~البين عدم اجتماع العلم مع الشك في قضية شخصية.
# ومن هنا فالتمسك به مما لا وجه له على كل حال، إن كان المراد جعله دليلا
~~للحكم على الإطلاق كما هو ظاهر الجماعة.
# ومما ذكرنا يتجه أن يقال: بصحة التمسك بأخبار الاستنجاء لإثبات حكم
~~الطهورية أيضا، كما أشار إلى التمسك بها في المناهل (1)، وقد تقدم منا
~~الإشارة إلى وجهه عند التمسك بها على إثبات حكم الطهارة له في الجهة
~~الاولى.
# وتوضيح ذلك: أن إثبات هذا الحكم لماء الاستنجاء بالأخبار الواردة فيه ليس
~~من جهة وروده فيها بلفظ " الطهارة " على نحو الصراحة، بل من جهة ما تضمنته
~~من نفي البأس، بتقريب: أن النكرة المنفية لكونها مفيدة للعموم، فنفي البأس
~~عن هذا الماء في موضع توهم النجاسة ظاهر في نفي جميع لوازم النجاسة التي
~~منها المنع عن استعماله في مقام إزالة الخبث، أو في مقام رفع الحدث، أو في
~~مقام الشرب ونحوه من سائر أنحاء الانتفاعات.
# ضرورة أنه كما أن المنع عن مباشرته حال الصلاة وغيرها بأس، فكذلك المنع
~~عن شربه والتطهير به بأس، وكما أن ms257 النفي يتوجه إلى الأول فكذلك يتوجه إلى
~~الباقي؛ لكون أفراد العام متساوية الأقدام بالنسبة إليه، ودعوى: عدم كون ما
~~ذكر من أفراد البأس ومصاديقه، تحكم فلا تسمع، كما أن منع العموم في النفي
~~الوارد على النكرة مطلقا، أو في خصوص المقام غير مسموعة، ومن هنا يتضح
~~الحكم في المسألة الثالثة أيضا.
# نعم، يشكل الحال بالقياس إلى مسألة التطهير من جهة اخرى، وهي أن أقصى ما
~~يستفاد من نفي البأس بالقياس إليه إنما هو نفي الحكم التكليفي، وهو المنع
~~عن
# PageV01P297
# استعمال هذا الماء في مقام التطهير وتحريمه، لأنه بأس على المكلف وشدة في
~~حقه وموجب لتوجه العذاب إليه، وهو ليس من مسألة أصل التطهير الذي هو
~~المبحوث عنه؛ إذ ليس المراد به مجرد استعمال الماء معنونا بهذا العنوان
~~ليكون نفي تحريمه مجديا في حال المكلف، بل المراد به استعمال بهذا العنوان
~~مستتبع لترتب الأثر عليه، من زوال الخبث وارتفاع الحدث، وهو ليس بلازم من
~~نفي التحريم؛ لأنه حكم وضعي لا ملازمة بينه هنا وبين نفي التحريم، ومن هنا
~~نبهناك سابقا على أن أهل القول بالطهارة - قبالا للقول بالعفو - إن كان
~~كلامهم في الجهة الثانية التي فرضناها للعفو بالمعنى الثاني المتقدم، ليس
~~لهم التمسك في إثبات الطهارة المقابلة للعفو بهذا المعنى بالأخبار الواردة
~~في ماء الاستنجاء؛ إذ لا تعرض فيها لبيان أن الثابت لهذا الماء هل هو جميع
~~أحكام الطهارة ولوازمها أو بعضها؟ على أن مرادنا بتلك الأحكام ما يعم
~~الوضعية والتكليفية.
# ويمكن دفعه: بأنه لولا كفاية هذا الماء في إفادة التطهير الشرعي، لكان
~~على المكلف تحمل الكلفة في تحصيل ماء آخر مكانه لترتب هذه الفائدة، ولو
~~فرضناه متيسرا مثله بل حاضرا في المجلس؛ ضرورة اقتضاء التعيين من الكلفة
~~والضيق المعنوي ما لا يقتضيه التخيير، وهو أيضا نحو من البأس، والمفروض أنه
~~منفي بجميع أنحائه.
# نعم، ربما يخدش في ذلك ما تقدم في روايات القول بعدم انفعال القليل من
~~رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: كتبت إلى من يسأله عن الغدير، ms258 تجتمع
~~فيه ماء السماء، ويستقي فيه من بئر، فيستنجي فيه الإنسان من بول، أو يغتسل
~~فيه الجنب، ما حده الذي لا يجوز؟ قال: " فكتب لا تتوضأ من مثل هذا إلا من
~~ضرورة إليه " (1)، فإن التوضؤ إما أن يكون مرادا به معناه الظاهر أو
~~الاستنجاء، نظرا إلى إطلاقه في الأخبار على هذا المعنى، فعلى الأول تدل
~~الرواية على عدم جواز رفع الحدث بماء الاستنجاء، وعلى الثاني تدل على عدم
~~جواز إزالة الخبث به.
# ولكن الأمر في دفعه هين من حيث إنها - مع كونها مضمرة، قادحة في السند من
~~وجهين، كما تقدم إليهما الإشارة - مما لم يظهر من الأصحاب عامل بها، مستند
~~إليها في المقام بالخصوص ولا سيما مع ما تقتضيه من التفصيل في المنع بين
~~الضرورة وعدمها،
# PageV01P298
# فإنه مما لم يقل به أحد ظاهرا، إلا أن يحمل النهي الوارد فيها على
~~التنزيه الذي مفاده الكراهة التي ترتفع في موضع الضرورة، فحينئذ تخرج عن
~~معارضة ما ذكرناه بالمرة؛ إذ الظاهر أن القائلين بجواز التطهير بماء
~~الاستنجاء يعترفون بالكراهية، ولا يبعد القول بها حينئذ عملا بتلك الرواية
~~من باب المسامحة في أدلة السنن.
# ومن هنا اتجه أن يقال: بجواز التطهير بماء الاستنجاء خبثا وحدثا على
~~كراهية - بالمعنى المقرر في الاصول بالقياس إلى الكراهة المضافة إلى
~~العبادات - ودليله الأخبار المتقدمة.
# مضافا إلى الأصل، والعمومات، والقاعدة المستفادة من الأدلة، والأخبار
~~الجزئية الواردة في أبواب الطهارات القاضية بأن الماء المطلق الطاهر مما
~~يجوز التطهير به مطلقا ما لم ينهض مانع شرعي عنه، والمقام منه؛ إذ لم يثبت
~~من الشرع كون الحيثية الاستنجائية من موجبات المنع عن ذلك.
# وإلى القاعدة المقررة في الاصول من كون الأمر مقتضيا للإجزاء، فإن
~~المأمور به ليس إلا استعمال الماء الظاهر في الإطلاق، الخالي عن النجاسة من
~~جهة الدليل الخارج، وهذا منه، فقد اوتي بالمأمور به على وجهه؛ إذ لم يثبت
~~كون الخلو عن حيثية الاستنجاء وجها من وجوهه، فيجب الإجزاء.
# المسألة الثالثة: لا إشكال بملاحظة ما ظهر من تضاعيف كلماتنا السابقة ms259 في
~~جواز شرب ماء الاستنجاء ومطلق استعماله، كاستعمال سائر المياه الطاهرة، ما
~~لم يصادفه عنوان آخر مقتضي للمنع كالخباثة ونحوها، ومعه يدخل في عموم تحريم
~~" الخبائث " وكونه دائم المطابقة لهذا العنوان المقتضي لدوام المنع عنه، لو
~~سلمناه لا ينافي جواز استعماله من الحيثية المبحوث عنها، وإن لم يتحقق
~~للجواز بهذه الحيثية مصداق.
# والثالث مما ادعي استثناؤه عن قاعدة انفعال القليل: ماء الغسالة.
# والمراد به هنا الماء المستعمل في إزالة الأخباث غير الاستنجاء، ولا
~~إشكال بل لا خلاف في انفعاله مع التغير بما استعمل في إزالته من النجاسة،
~~واستفاض نقل الإجماع عليه ونفي الخلاف عنه في كلامهم، ومع الغض عن ذلك فوجه
~~المسألة واضح بملاحظة ما تقدم في شرائط ماء الاستنجاء، وأما مع عدم التغير
~~به فاختلف فيه PageV01P299
# الأصحاب على أقوال (1).
# أحدها: القول بأنه نجس مطلقا، من غير فرق فيه بين كونه منفصلا عن الغسلة
~~التي تستتبع طهر المحل، أو كونه منفصلا عما لا يستتبعه، ولا بين الثياب
~~والأواني، ولا بين كون نجاسة الآنية حاصلة من ولوغ الكلب وغيره، ذهب إليه
~~العلامة في المنتهى (2) مصرحا بالجهة الاولى من عدم الفروق، أما الجهات
~~الاخر فتستفاد من إطلاق قوله بالنجاسة، وعزى إليه ذلك في القواعد (3)
~~والتحرير (4) والمختلف (5) والتذكرة (6) وقد استفاض من حكاية هذا القول
~~أيضا عن المحقق في المعتبر (7)، وصرح به في الشرائع (8)، والنافع (9)،
~~جاعلا له في الثاني أشهر القولين وأظهرهما، وفي شرح الشرائع (10) للاستاذ
~~نسبته إلى أكثر من تأخر عن الفاضلين، بعد ما نسبه إليهما يعني العلامة
~~والمحقق.
# وفي الحدائق: " الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين " (11)، وفي حاشية
~~الشرائع للشيخ علي: " هذا هو المشهور بين أصحابنا " (12).
# قال الاستاذ في الشرح: " وحكي عن [المصباح] (13) وظاهر المقنع (14)، وفي
~~الذكرى (15) عن ابن بابويه، وكثير من الأصحاب عدم جواز استعمال الغسالة،
~~وظاهر إطلاقه النجاسة " (16) انتهى.
# وقال ابن بابويه في الفقيه: " فأما الماء الذي يغسل به الثوب، أو يغتسل
~~به من الجنابة، أو تزال به النجاسة، فلا تتوضأ به " (17)، ويمكن استفادة
~~هذا القول من عبارته
# PageV01P300
# هذه أيضا، لكن ms260 في المدارك: " والتسوية بينه وبين رافع الأكبر تشعر
~~بطهارته " (1).
# وفيه: ما لا يخفى، فإن الجمع بين شيئين في الفتوى لا يقتضي إلا اشتراكهما
~~في الحكم، وأقصى ما يقتضيه التسوية المذكورة إنما هو ذلك، دون الجهة التي
~~ينشأ منها الحكم؛ لجواز اختلافها، فلعلها في المزيل للنجاسة وجود المانع -
~~وهو النجاسة - وفي رافع الحدث الأكبر فقد المقتضي وارتفاعه بالاستعمال
~~المفروض - هو الطهورية -، كما هو المصرح به في كلام جملة منهم على ما سيأتي
~~في محله، ومعه فأي إشعار فيها بالطهارة.
# وفي شرح الاستاذ أيضا: " عن التحرير والمعتبر في باب غسل المس الإجماع
~~على نجاسة المستعمل في الغسل، إذا كان على البدن نجاسة " (2). وهو ظاهر
~~الشيخ في المبسوط قائلا - فيما حكي عنه -: " والماء الذي يزال به النجاسة
~~نجس؛ لأنه ماء قليل خالط نجاسة، ومن الناس من قال: ليس بنجس إذا لم يغلب
~~على أحد أوصافه، بدلالة أن ما يبقى في الثوب جزء منه وهو طاهر بالإجماع،
~~فما انفصل عنه فهو مثله، وهذا أقوى والأول أحوط " (3)، فإن حكمه عليه أولا
~~بالنجاسة يدل على أنه اختياره، ولا ينافيه جعله القول الآخر أقوى، ولا جعله
~~القول الأول أحوط، إذ ليس مراده بالأحوطية الاحتياط الاستحبابي، ولا
~~بالأقوائية القوة بالنظر إلى الواقع، بل مراده بالأول الأحوطية بالنظر إلى
~~الواقع المقتضية لوجوب المصير إليه، وبالثاني الأقوائية من حيث الاعتبار
~~فإن الوجه الذي تمسك به القائل بالطهارة مما يساعد عليه الاعتبار الذي لا
~~ينبغي التعويل عليه في الامور التعبدية، وستعرف عن بعضهم الاعتراف بنظيره
~~فيما يأتي من دليل القول بالتفصيل بين الغسلتين.
# وفي نسبته القول المذكور إلى بعض الناس إشعار بأنه ليس مختاره، بل ربما
~~يشعر بأنه قول لا قائل به من الامامية، كما تنبه عليه غير واحد.
# ومما يفصح عن اختياره القول بالنجاسة مطلقا، كلامه الآخر المنقول عنه في
~~المبسوط، حيث إنه في الماء المستعمل - بعد ما حكم عليه بأنه طاهر مطهر من
~~الخبث لا من الحدث - قال: " هذا إذا كان أبدانها خالية عن نجاسة، فإن كان
~~عليها شئ ms261 من
# PageV01P301
# نجاسة فإنه ينجس الماء ولا يجوز استعماله بحال " (1).
# وكلامه الآخر أيضا في مسألة تطهير الثياب قائلا: " وإذا ترك تحت الثوب
~~النجس إجانة، وصب عليه الماء وجرى الماء في الإجانة، لا يجوز استعماله لأنه
~~نجس " (2).
# فما في الحدائق (3) - تبعا لشرح الدروس (4) - من أنه في الظاهر قوى القول
~~بالطهارة مطلقا، ليس على ما ينبغي.
# نعم، عنه في الخلاف (5)، وأول المبسوط (6)، أنه جزم بطهارة ماء الغسلتين
~~من الولوغ، ولكن الأمر فيه سهل لجواز رجوعه عنه إلى ما ذكر كما جزم به
~~الاستاذ في الشرح (7) المشار إليه.
# ثم إن الغسالة في كلام هؤلاء القائلين بالنجاسة محتملة لكون حكمها حكم
~~المحل قبل الغسل، فيعتبر فيها العدد فيما يجب فيه التعدد، ولكون حكمها حكم
~~المحل بعد الغسلة، فيجب الغسل عنها في الغسلة الغير المستتبعة للطهر دون
~~الغسلة المستتبعة له، ولكون حكمها حكم المحل قبل الغسلة المستتبعة للطهر
~~مطلقا، فيجب الغسل عنها مرة واحدة ولو من الغسلة الاولى، ولم يظهر من
~~كلامهم ما يقضي بإرادة المعنى الأول دون أحد الأخيرين، فما في الحدائق (8)
~~من تفسيره القول بالنجاسة مطلقا بأن حكمها حكم المحل قبل الغسل، لعله ليس
~~في محله. كما أنه كذلك ما حكاه في شرح الدروس (9) عن بعض الأصحاب من حصره
~~القول المذكور في الاحتمال الثاني، وقد أصاب هو في جعله إياه محتملا للوجوه
~~الثلاثة، وأما تحقيق الكلام في ذلك فسنورده إن شاء الله.
# وهذا القول هو الراجح في النظر، وأقوى بالنظر إلى الواقع وأقرب إلى جادة
~~الاستنباط.
# لنا عليه: وجود المقتضي وفقد المانع، وكلما كان كذلك يجب المصير إليه،
~~أما الكبرى: فواضحة، وأما الصغرى: فلعموم الأدلة الواردة في انفعال القليل،
~~مع ما ورد عليها مما خصصها، الدالة على أن ملاقاة النجاسة بشرط القلة سبب
~~للانفعال ما لم يصادفها مانع عن التأثير، من علو أو استعمال في الاستنجاء،
~~أو جريان عن النبع - بناء
# PageV01P302
# على عدم انفعال القليل من الجاري - والمفروض تحقق السبب بهذا المعنى في
~~محل البحث وعدم مصادفة مانع له، وما احتمل كونه مانعا من ms262 حيثية كونه
~~مستعملا في إزالة الخبث لم ينهض على مانعيته من الشرع شئ، كما نهض على
~~مانعية العلو وغيره مما ذكر، فمن يدعي الطهارة لابد له من إقامة ما يحرز به
~~المانعية و أنى له بذلك، وستعرف ضعف ما احتج به على ذلك.
# وإلى ما قررناه ينظر ما احتج به العلامة في المنتهى، فعلى نجاسة ما انفصل
~~قبل طهر المحل: " بأنه ماء يسير لاقى نجاسة لم يطهرها، فكان نجسا كالمتغير،
~~وكما لو وردت النجاسة عليه، وكالباقي في المحل فإنه نجس، وهو جزء من الماء
~~الذي غسلت به النجاسة، و لأنه قد كان نجسا في المحل، فلا يخرجه العصر إلى
~~التطهير، لعدم صلاحيته له " (1). وعلى نجاسة ما انفصل في الغسلة المطهرة
~~للمحل: " بأنه ماء قليل لاقى نجاسة فينجس بها، كما لو وردت عليه " (2)، وإن
~~كان في أكثر تنظيراته للشق الأول نظر واضح.
# واعترض عليه في المدارك (3) - وتبعه في شرح الدروس (4) - بمنع كلية كبراه
~~- كما بيناه سابقا - وهذا إشارة إلى ما سبق منه في ذيل مسألة انفعال القليل
~~من قوله: " واعلم أنه ليس في شئ من تلك الروايات دلالة على انفعال القليل
~~بوروده على النجاسة، بل ولا على انفعاله بكلما يرد عليه من النجاسات " (5)
~~الخ.
# والجواب عن الأول: ما أسلفناه في دفع القول بالفرق بين الورودين، وعن
~~الثاني:
# بما أسلفناه أيضا في إثبات العموم بالقياس إلى كافة النجاسات، مضافا إلى
~~عدم ابتناء المطلب على ثبوت العموم بالقياس إلى أنواع النجاسة، ولا العموم
~~بالقياس إلى أفراد الماء، بل يثبت ذلك في النوع الذي يقول المعترض بكونه
~~سببا للانفعال؛ لابتنائه على إحراز العموم بالنسبة إلى كيفيات الملاقاة
~~المستفادة سببا للتنجيس من الأخبار الواردة في المسألة، وهو محرز جزما
~~بملاحظة ما في أكثر تلك الأخبار من الإطلاق الشامل لكون الملاقاة منبعثة عن
~~إرادة التطهير حاصلة في الغسلة الاولى أو الثانية أو غيرها مما ثبت وجوبه
~~شرعا أو لم تكن منبعثة عنه، استتبعت طهارة المحل أولا، ويكفيك شاهدا
# PageV01P303
# بذلك مفهوم قولهم: " إذا كان الماء قدر كر ms263 لم ينجسه شئ " (1).
# والمناقشة فيه أولا: بمنع العموم في المفهوم لمكان صيرورة " الشئ " نكرة
~~في سياق الإثبات، وثانيا: بأن ارتفاع السلب الكلي في المنطوق أعم من
~~الإيجاب الكلي في المفهوم، كما في قولك: " إذا خفت من الله فلا تخف من أحد
~~"، و " إن جاءك زيد فلا تكرمه ".
# يدفعها: - مع ما فيها مما ذكرناه مرارا - كفاية ما في الملاقاة المستفادة
~~من الرواية منطوقا ومفهوما من الإطلاق الشامل لمحل البحث؛ لعدم ورود ما
~~ينافيه بالقياس إليه، وإنما ورد عليها ما أخرجها عن هذا الإطلاق بالقياس
~~إلى مواضع ليس المقام منها، فلا مجال إلى رفع اليد عنه بالنسبة إليه لمجرد
~~الاحتمال؛ إذ الاحتمال لا يعارض الحجة، والظاهر الناشئ من الإطلاق هو
~~الحجة.
# وتوضيح ذلك: إنا لا ندعي كون ملاقاة النجاسة علة تامة للانفعال؛ كيف وهو
~~منتقض بالكر، والقليل من الجاري، والعالي من الراكد، والمستعمل في
~~الاستنجاء، وغيره مما يعد من مستثنيات قاعدة انفعال القليل، بل غرضنا أن
~~المستفاد من أدلة انفعال القليل بالملاقاة - مع ملاحظة أدلة الكر، والأدلة
~~الواردة في الجاري والمستعلي، والمستعمل في الاستنجاء - كون ملاقاة النجاسة
~~سببا للانفعال، بالمعنى المصطلح عليه عند الاصولي الذي يجامع فقد الشرط -
~~إذا كان من شروط التأثير لا انعقاد الماهية - ووجود المانع - إذا كان راجعا
~~إلى التأثير أيضا دون أصل الماهية - وله في تأثيره شرط أثبته الأدلة وهو
~~القلة، بناء على ما مر تحقيقه في أوائل الكتاب من أن الكرية إنما اعتبرت
~~لكونها ملزومة لانتفاء شرط الانفعال كاشفة عنه، لا لكونها سببا لعدم
~~الانفعال؛ كيف وأن المسبب لا يتخلف عن سببه، وقد ترى تخلفه في الماء
~~المتغير بالنجاسة وإن كان كرا.
# ولا يرد مثله علينا في دعوى الملازمة؛ لأن الانفعال له عندنا علتان:
~~إحداهما:
# بسيطة وهو التغير، بناء على ما قررناه لك عند الجمع بين أدلة التغير،
~~والأدلة المخرجة لماء الاستنجاء، وأخراهما: مركبة وهي الملاقاة مع القلة
~~وغيرها مما اعتبر عدمه من الموانع، فالكرية إذا اجتمعت مع عدم التغير فقد
~~جامعت فقد ما هو شرط للانفعال، ms264 وإذا اجتمعت مع التغير فقد صادفت ما هو علة
~~تامة للانفعال، ولا حكم لها حينئذ، ومعه
# PageV01P304
# لا يمكن حمل التعليق على إفادة السببية التامة، - على ما هو مناط القول
~~بحجية مفهوم الشرط عند أهل التحقيق - فإما أن يحمل بعد ذلك على إفادة
~~العلقة الشرطية فيما بين المقدم والتالي، فتكون أحد شروط عدم الانفعال، أو
~~على إفادة مطلق الملازمة فيما بينهما من غير علقة سبب ولا شرط، فتكون
~~ملزومة لانتفاء شرط الانفعال كاشفة عنه، ولا سبيل إلى الأول؛ لأن ما يتوقف
~~عليه الشئ لا ينفك عنه ذلك الشئ، وإلا لم يكن شرطا، وقد رأينا إنفكاكه في
~~المستثنيات، إلا أن يقال: بأنه شرط على سبيل البدلية، ولكنه خلاف ما يظهر
~~من التعبير من الرواية، فلابد من حمله على الثاني، فيكون القلة على ذلك
~~شرطا للانفعال، ولا ينافيه التخلف في المستثنيات؛ لأن الشرط ما لا يلزم من
~~وجوده الوجود لكثرة مقابلته لوجود موانع أو فقد شروط، والمفروض أن ما أثبته
~~الأدلة سببا للانفعال بشرط القلة له موانع قد أثبتها الأدلة المخصصة لأدلة
~~الانفعال، كالجريان عن نبع، وعلو الملاقي ونحوه مما سبق الإشارة إليه.
# فإذا ثبت أن الملاقاة سبب وشرطها القلة وله موانع، فهو متحقق في المقام
~~بهذا الشرط مع فقد الموانع المذكورة، فيجب تأثيرها؛ ضرورة أن الأثر لا
~~يتخلف عن مقتضيه الموجود المصادف لفقد الموانع، ولو كان ذلك بحسب ظاهر
~~اللفظ عن إطلاق أو عموم، ودعوى: كون حيثية رفع الخبث، أو الاستعمال من جهته
~~في غير جهة الاستنجاء من جملة الموانع تقتضي تقييد الملاقاة في حكم الشرع
~~عليها بالسببية بلا دليل؛ إذ المفروض كون الأدلة المقامة على تلك الدعوى
~~على ما يأتي ذكرها مدخولة بأسرها.
# ومن المشايخ العظام (1) من أجاب عن المناقشة المذكورة بوجوه، ثالثها ما
~~يرجع في حاصل المعنى إلى ما حققناه.
# وأولها: ما يرجع محصلة إلى ما هو التحقيق في دليل حجية مفهوم الشرط، من
~~إفادة التعليق على الشرط في متفاهم العرف كونه سببا تاما للجزاء على جهة
~~الانحصار، ومعه لا ms265 يعقل إنكار العموم في مفهوم الرواية، إلا على القول
~~بإنكار حجية مفهوم الشرط.
# وبيان ذلك: أن الشرط إذا فرضناه سببا تاما للجزاء على جهة الانحصار،
~~فمعناه: أن الجزاء لابد من وجوده في جميع موارد وجود الشرط، وانتفائه في
~~جميع موارد انتفائه،
# PageV01P305
# وإلا فلو لم يوجد في بعض موارد وجوده، أو لم ينتف في بعض موارد انتفائه
~~لم يكن الشرط على الأول سببا، ولا على الثاني سببا منحصرا فيه، كما إليه
~~يرجع كلام السيد المرتضى المنكر لحجية مفهوم الشرط، تعويلا على مجرد احتمال
~~تعدد الأسباب، وكلاهما خلاف الفرض مما يظهر من قضية التعليق.
# نعم، لا ضير في القول بوجود الجزاء مع انتفاء الشرط - في بعض الموارد -
~~إذا علمنا بتعدد أسبابه من الخارج، كما علمناه في المثالين المتقدم إليهما
~~الإشارة، حيث نعلم أن لعدم الخوف من آحاد الناس أسبابا كثيرة، منها: الخوف
~~من الله، ولعدم إكرام كثير من آحاد الناس أسبابا كثيرة، منها: مجيء زيد،
~~غير أنه خارج عن القول بحجية المفهوم، وارد على خلاف ما يظهر من اللفظ
~~عرفا، من جهة القرينة الخارجة، ومع انتفائها فالمتبع هو الظاهر.
# وقضية ذلك كون المفهوم من السلب الكلي الإيجاب الكلي، ومن الإيجاب الكلي
~~السلب الكلي، ومعه لا مجال إلى إنكار عموم المفهوم في قضية قوله (عليه
~~السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1)، وكون مفهومه الإيجاب
~~الكلي القاضي بانفعال القليل بكل نجاسة " (2) انتهى محصلا.
# ولعله مد ظله إنما أورد هذا الجواب في مقام الجدل، لما فيه من الكفاية في
~~دفع كلام الخصم، لكونه دفعا لاعتراضه من الجهة التي سبقت إليه في توجيه هذا
~~الاعتراض وليس جوابا تحقيقيا، وإلا فلا إشكال في أن إثبات العموم بالمعنى
~~المذكور مما لا تحسم مادة الإشكال بالقياس إلى ما هو من محل البحث؛ إذ بعد
~~تسليم أن كل نجس ينجس الماء القليل من غير استثناء شئ من أفراد النجس، ولا
~~استثناء شئ من أفراد الماء، فالإشكال بالنسبة إلى أحوال الملاقاة على حاله،
~~لجواز أن يقول أحد: بأنه ms266 لم يظهر من هذه القضية الكلية أن ملاقاة كل نجس
~~سبب للانفعال في جميع أحوالها؛ إذ لا ملازمة بين العمومين، كما في قول
~~القائل: " أحب كل عالم " حيث إنه لا يدل على أنه محبه في جميع أحواله.
# PageV01P306
# والحاسم لمادة الإشكال إنما هو العموم من الجهة المذكورة أيضا لا مجردة
~~من جهة الأفراد ولا يلزم من كون الشرط علة منحصرة للجزاء إلا ثبوت العموم
~~من جهة الأفراد ويبقى إثبات العموم الآخر محتاجا إلى دليل آخر، ولذا تراه -
~~مد ظله - عدل في ثالث الأجوبة عن ذلك إلى ما قررناه سابقا.
# وثاني ما أفاده مد ظله في الجواب، قوله: " لو سلمنا عدم دلالة المفهوم
~~بمقتضى نفس التركيب على العموم، لكن القرينة هنا عليه موجودة؛ لأن المراد "
~~بالشئ " في المنطوق ليس كل شئ من أشياء العالم، بل المراد ما من شأنه تنجيس
~~ملاقيه من النجاسات المقتضية للتنجيس فإذا فرض كل فرد منها مقتضيا للتنجيس،
~~وكانت الكرية مانعة، لزم عند انتفاء الكرية المانعة ثبوت الحكم المنفي لكل
~~فرد من " الشئ " باقتضائه السليم من منع المانع، وأول المثالين من هذا
~~القبيل، فإن المنفي مع ثبوت الخوف من الله هو الخوف من كل من يوجد فيه
~~مقتضى الخوف منه، فمع عدم الخوف من الله يثبت الخوف من كل واحد من هذه
~~المخوفات باقتضاء نفسه، ومن هذا القبيل قولك: " إذا توكلت على الله فلا
~~يضرك ضار " (1) انتهى.
# وظني أن ذلك منه مد ظله وقع في غير محله، فإن قوله: " فإذا فرض كل فرد
~~منها مقتضيا للتنجيس الخ " هذا هو محل الكلام؛ إذ الخصم لا يسلم أن كل فرد
~~من النجاسات مقتض لتنجيس الماء، فلابد في تتميم الدليل من تحقيق هذا الفرض
~~وإثبات عنوان الشأنية لكل نجس، فلو اريد إثباته بالخارج كان خروجا عن
~~الاستدلال بالرواية كما لا يخفى، ولو اريد إثباته بنفس الرواية اتجه إليه
~~المنع المتقدم في تقرير الاعتراض، ولو أرسل ذلك بعدم إقامة دليل على إثباته
~~كان إبقاء لشبهة المعترض على حالها، من أن ما يثبت ms267 في جانب المفهوم ليس إلا
~~قضية مهملة هي في قوة الجزئية، وأن رفع السلب الكلي أعم من الإيجاب الكلي.
# هذا مضافا إلى أن بناءه مد ظله في توجيه الرواية - على ما حققه في غير
~~هذا الموضع - على كونها مسوقة لبيان مانعية الكر عن الانفعال، وعليه فرع
~~أصالة الانفعال التي بنى عليها الأمر في كل ماء مشكوك حاله من حيث الانفعال
~~وعدمه، وقد مر منعه بغير مرة.
# PageV01P307
# هذا مضافا إلى أنه لو بنى في توجيه الرواية على كونها لبيان المانعية
~~أشكل إثبات نجاسة ماء الغسالة، بل أشكل الاستدلال بها على انفعال القليل
~~على الإطلاق؛ لأن أقصى ما يستفاد منها حينئذ أن الكرية حيثما وجدت كانت
~~مستلزمة لعدم الانفعال؛ لأن المانع ما يلزم من وجوده العدم، وأما أن عدمها
~~يستلزم الانفعال فلا؛ إذ المانع ما لا يلزم من عدمه الوجود، فالجمع بين هذا
~~التوجيه والاستدلال بها في كلا المقامين عجيب.
# وبما قررنا في توجيه الاستدلال، وما أثبتناه من نجاسة ماء الغسالة، ظهر
~~وجه المنع الوارد في رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " الماء الذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به من الجنابة، لا يتوضأ منه "
~~(1) فإن هذا المنع الجامع للنوعين معا إما من جهة وجود المانع في كليهما
~~وهو النجاسة، أو من جهة فقد المقتضي عن كليهما وهو انسلاخ الطهورية عنهما
~~بالاستعمال، أو من جهة وجود المانع في الأول وفقد المقتضي في الثاني، أو
~~بالعكس.
# والأول مع الأخير منفيان كل بالإجماع على طهارة ما يستعمل في الغسل، وبقي
~~المتوسطان محتملين معا، غير أن الأول منهما أيضا منفي بما دل على نجاسة ماء
~~الغسالة، فإنه بمنزلة البيان لتلك الرواية فتعين ثانيهما.
# ومن هنا يعلم أنه لا يمكن الاستدلال بتلك الرواية على النجاسة بجعلها
~~دليلا مستقلا عليها، فالاستدلال بها - كما حكي (2) عن المعتبر (3)،
~~والمنتهى (4)، ضعيف جدا، ونظيره في الضعف ما قيل: من أنها تشعر بطهارة ماء
~~الغسالة، حيث جمع فيها بينه وبين المستعمل في الغسل الذي هو طاهر ms268 إجماعا،
~~فإن اتحاد شيئين في الحكم لا يقضي باتحاد الجهة وعلة ذلك الحكم، كما لا
~~يخفى.
# ثم يبقى في المقام شئ وهو أن في الشرح المشار إليه للاستاذ (5) نسبته
~~الاستدلال بها إلى العلامة في المنتهى ولعله اشتباه؛ لأن العلامة في
~~المنتهى لم يورد هذه الرواية في تلك المسألة، ولا أنه تمسك بها على مطلوبه،
~~وإنما أورده بعد الفراغ عن تلك المسألة
# PageV01P308
# في مسألة عدم جواز استعمال ماء الغسالة في رفع الحدث، وأسند التمسك بها
~~إلى الشيخ فقال: " رفع الحدث بمثل هذا الماء أو بغيره مما يزيل النجاسة لا
~~يجوز إجماعا، أما على قولنا فظاهر، وأما على قول الشيخ فلما رواه عبد الله
~~بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) الحديث " (1).
# وبالجملة: فالاستدلال بتلك الرواية من أي أحد كان ليس في محله، وكان
~~القدح فيها دلالة بعد القدح في سندها في محله جدا.
# نعم، يصح الاستدلال على هذا المطلب بما رواه عيص بن القاسم - وأورده
~~الشيخ خاصة في الخلاف (2)، واستند إليه العلامة من غير قدح فيها سندا و
~~دلالة قال: سألته عن رجل أصابه قطرة من طشت فيه وضوء؟ فقال: " إن كان من
~~بول أو قذر فيغسل ما أصابه " (3)، ودلالته على المطلب بملاحظة ما فيها من
~~الإطلاق الشامل لما انفصل عن الغسلة مطلقا، بل ظهورها في هذا المعنى بناء
~~على ما تقدم منا (4) في بحث الاستنجاء من توجيهها عند شرح لفظة " الوضوء "
~~واضحة لا إشكال فيه، وما عن الشهيد في الذكرى (5) من تكلف حملها على صورة
~~التغير مما لا يلتفت إليه، لكونه قطعا للظاهر بلا داع إليه.
# وأضعف منه ما في شرح الدروس (6)، من منع دلالة الجملة الخبرية على
~~الوجوب، فإن المحقق في محله الدلالة، مع عدم ابتناء ثبوت المطلب على ثبوت
~~تلك الدلالة، بل يكفي فيه كونه إخبارا في مقام الإرشاد وبيان الواقع كما لا
~~يخفى، وأضعف من الجميع ما عن الأمين الأسترآبادي (7) من حملها على كون
~~الاستنجاء في الطشت إنما وقع بعد التغوط أو البول فيه، مدعيا أن ms269 ذلك مقتضى
~~العادة.
# فإن الرواية ليست مسوقة لبيان حكم الاستنجاء جدا - كما بيناه آنفا - لعدم
~~جريان العادة بالاستنجاء على الطشت وإن وقع نادرا لضرورة، وأما رفع الأخباث
~~عليه ولا سيما في الفروش وغيرها من الثياب الغير المنقولة كاللحاف ونحوه
~~شائع معتاد جزما، وعلى فرض صحة ما ذكر فالعادة المدعاة ممنوعة، كما أشار
~~إليه في الحدائق (8).
# PageV01P309
# نعم، ربما يناقش في الرواية بما هو جيد في ظاهر الحال، وهو القدح في
~~سندها تارة: من جهة أنها غير موجودة في كتب الأخبار الموجودة الآن، واخرى:
~~من جهة ما فيها من الإضمار.
# ولكن الخطب في ذلك هين، لوضوح اندفاع الأول: بأن رواية الشيخ لها في
~~خلافه لا تقصر عن روايته في تهذيبه واستبصاره، بل الأول أولى بالتعويل عليه
~~في نظر الاعتبار، لأنه إنما ذكرها مستندا إليها في الفتوى بخلاف الثاني،
~~لكثرة ما فيه من ذكره لمجرد الضبط من دون استناده إليه.
# وأما ما فيها من الإرسال لحذفه الوسائط فغير قادح أيضا، لظهور أنه إنما
~~وجدها في كتاب العيص مع ملاحظة ما ذكره في الفهرست (1) من: " أن له كتابا
~~"، وهو بنفسه على ما صرح به النجاشي (2) والعلامة في الخلاصة (3): " ثقة
~~عين يروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) وأبي الحسن "، وطريق الشيخ إليه
~~على ما صرح به غير واحد حسن وهو كذلك، لأنه قال في الفهرست (4) على ما في
~~منتهى المقال (5): " له كتاب، أخبرنا ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن محمد
~~بن الحسن الصفار والحسن بن متيل، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير
~~وصفوان، عن العيص ".
# وليس فيه إلا إبراهيم بن هاشم وابن أبي جيد، وهو علي بن أحمد بن أبي جيد،
~~والأول حاله معلوم من حيث أن السند من جهته يعد عندهم حسنا، وربما يطلق
~~عليه الحسن كالصحيح، والثاني من ذكر الشيخ في ترجمته في الفهرست: " أنه كان
~~إماميا مستقيم الطريقة، وصنف كتبا كثيرة سديدة " (6).
# وعن التعليقة: " قال المحقق البحراني: إكثار الشيخ الرواية عنه في الرجال
~~وكتابي
# PageV01P310
# الحديث يدل على ثقته ms270 وعدالته وفضله، كما ذكره بعض المعاصرين يعني خالي
~~(1) والمحقق الداماد " (2).
# وبالجملة: فالرواية من هذه الجهة مما لا ينبغي الاسترابة فيه، وكأن
~~إسقاطه الوسائط مبني على قاعدته المعروفة في كتابي الحديث، من أنه إذا ترك
~~بعض أسناد الحديث فإنما يبدأ في أول السند باسم الرجل الذي أخذ الحديث من
~~كتابه، وأما ما فيه من الإضمار، فهو وإن اشتهر في الألسن كونه مما يوجب
~~القدح في الحديث، غير أن التأمل يقضي بخلافه، كما صرح به جماعة منهم صاحب
~~الحدائق قائلا: " بأن الإضمار في أخبارنا فقد حقق غير واحد من أصحابنا رضي
~~الله عنهم أنه غير قادح في الاعتماد على الخبر، فإن الظاهر أن منشأ ذلك هو
~~أن أصحاب الاصول لما كان من عادتهم أن يقول أحدهم - في أول الكلام -: "
~~سألت فلانا " ويسمي الإمام الذي روى عنه، ثم يقول: " وسألته " أو نحو ذلك
~~حتى ينتهي الأخبار التي رواها، كما يشهد به ملاحظة بعض الاصول الموجودة
~~الآن ككتاب علي بن [أبي فضال] (3)، وكتاب قرب الأسناد وغيرهما، وكان ما
~~رواه عن ذلك الإمام أحكاما كثيرة مختلفة بعضها يتعلق بالطهارة، وبعض
~~بالصلاة، وبعض بالنكاح وهكذا، والمشايخ الثلاثة رضي الله عنهم لما بوبوا
~~الأخبار ورتبوها اقتطعوا كل حكم من تلك الأحكام، ووضعوه في بابه بصورة ما
~~هو مذكور في الأصل المنتزع منه، فوقع الاشتباه على الناظر بظن كون المسؤول
~~عنه غير الإمام، وجعل هذا من جملة ما يطعن به في الاعتماد على الخبر " (4)
~~انتهى.
# وهذا في غاية الجودة كما نشاهد في الناس، فإن العادة مستقرة بأن من لو
~~وقع بينه وبين غيره وقائع أو مسائل، فأراد حكاية تلك الوقائع أو المسائل
~~لغيره فيصرح باسم صاحبه أولا، ثم يحكي عنه كل مسألة مسألة مضمرا اسمه.
# وإن شئت لاحظ المستفتي في حكاية فتاوي مجتهده التي سأله عنها في مجلس
# PageV01P311
# واحد، وهي مسائل متفرقة كل بعض منها متعلقة بباب، والعادة أيضا جارية بأن
~~الناقلين لتلك الوقائع أو المسائل عمن يروون عنه، إذا أرادوا نقل كل واقعة
~~أو مسألة في بابها ms271 اللائق بها، فلا يزالون يرتكبون التقطيع بين تلك الوقائع
~~أو المسائل المسموعتين، وينقلون كل واقعة ومسألة في بابهما اللائق بهما
~~بصورة ما كانت مسموعة لهم من التصريح بالاسم، أو إضماره أو نحو ذلك، هذا
~~فإنه تحقيق عام نفعه.
# ومما استدل على المطلب الإجماع المنقول، اعتمد عليه شيخنا في الشرح
~~المشار إليه (1).
# والذي وصل إلينا منه ثلاث إجماعات، أحدها ما في المنتهى، قائلا: " متى
~~كان على جسد الجنب أو المغتسل من حيض وشبهه نجاسة عينية، فالمستعمل إذا قل
~~عن الكر نجس إجماعا، بل الحكم بالطهارة إنما يكون مع الخلو عن النجاسة
~~العينية " (2)، وثانيها مع ثالثها - ما تقدم الإشارة إليهما - عن التحرير
~~(3) والمعتبر (4)، وعليهما اعتمد الاستاد (5)، حاكما عليهما بكونهما
~~معتضدين بالشهرة المحققة.
# واستدل أيضا: بإيجاب تعدد الغسل وإهراق الغسلة الاولى بالكلية من الظروف،
~~و وجوب العصر فيما يجب فيه العصر، وعدم جواز تطهير ما لا يخرج عنه الماء
~~بالماء القليل، بل بالماء الكثير.
# وضعف الكل واضح للمتأمل، لجواز كون إيجاب التعدد من جهة أن النجاسة لا
~~تزول عن المحل بالمرة إلا معه، وقد علم به الشارع الحكيم فأوجب التعدد،
~~وكون اعتبار الإهراق في الآنية والعصر في الثوب من جهة أن المطهر حقيقة هو
~~الصب مع الإهراق أو العصر، دون نفس الماء وإنما هو شرط، ولا ينافيه إسناد
~~المطهرية إليه، لأنه آلة فيتوسع في الاستعمال، ولعله السر في اعتبار الكثرة
~~فيما لا يخرج عنه الماء، فإن المطهر لما كان مركبا من الصب والعصر وهو غير
~~ممكن في المفروض، فأقام الشارع مقامه الغسل بالكثير، لعلمه بأنه أيضا نظير
~~الأول في إفادة التطهير.
# ومن هنا يندفع ما نقض به الجواب عن اعتبار الإهراق في الأواني، بأن ذلك
~~تعبد من الشارع، أو أنه من جهة توقف تحقق مفهوم " الغسل " على إخراج
~~الغسالة، من أنه
# PageV01P312
# فلم لا يجب إذا فرضنا الغسلة بإجراء ماء معتصم عليه كالكثير والجاري
~~والمطر؟ فعلم أن الإهراق ليس إلا لنجاسة الغسالة، فإذا غسل بالمعتصم لم
~~ينفعل بملاقاة المحل.
# ثم بقي في المقام تفريعا ms272 على المختار أمران:
# أحدهما: مقتضى القاعدة أن تكون البلة الباقية على المحل بعد انفصال
~~الغسالة عنه بالعصر أو الإفراغ نجسا، لأنه جزء من النجس، بل قضية ذلك أن لا
~~يطهر المحل بالماء القليل أبدا، لكن ظاهر المنتهى (1)، والمحكي عن المعتبر
~~(2)، المسند إلى ظاهر المشهور في الحدائق المدعى فيه " أنه قطع به جمع من
~~الأصحاب " (3) كونها طاهرة مطلقا.
# قال في المنتهى - بعد ما حكى عن الشافعي القائل بطهارة الغسالة،
~~الاستدلال بأنه جزء من المتصل، والمتصل طاهر، فكذا المنفصل -: " والجواب عن
~~الأول: الفرق، وهو لزوم المشقة في تنجس المتصل دونه " (4) فإن الجواب
~~بإبداء الفارق دون منع الحكم في المقيس عليه ينبئ عن اختياره الطهارة، كما
~~يدل عليه أيضا التعبير بلفظة " التنجس " في قوله: " لزوم المشقة في تنجس
~~المتصل دونه ".
# وأصرح منه كلام المعتبر - فإنه بعد ما حكى عن الشيخ الاحتجاج على طهارة
~~الغسالة في إناء الولوغ، بأنه لو كان المنفصل نجسا لما طهر الإناء، لأنه
~~كان يلزم نجاسة البلة الباقية بعد المنفصل، ثم نجس الماء الثاني بنجاسة
~~البلة، وكذا ما بعده - قال: " والجواب أن ثبوت الطهارة بعد الثانية ثابت
~~بالإجماع، فلا يقدح ما ذكره، ولأنه معفو عنه رفعا للحرج " (5) ولا منافاة
~~بين الحكم بالطهارة أولا، والحكم بالعفو ثانيا - كما سبق إلى بعض الأوهام -
~~لجواز كون العفو هنا مرادا به رفع النجاسة نفسها لا رفع حكمها فقط، ولو
~~اريد به ذلك - كما هو المعهود من معنى هذه اللفظة - لما كان قادحا أيضا،
~~لجواز ابتنائه على التنزل والمماشاة، وكيف كان فالعفو بهذا المعنى أحد
~~الوجوه المحتملة في المقام، ولم ينقل اختياره صريحا عن أحد من أصحابنا.
# نعم عن الأردبيلي (6) ذكره احتمالا، وهو محتمل القول الذي حكاه الشهيد في
~~حاشية الألفية (7) عن بعض الأصحاب، أعني القول بنجاسة الغسالة مطلقا - ولو
~~بعد
# PageV01P313
# طهارة المحل - على ما سنقرر وجهه.
# والوجه الآخر من وجوه المقام النجاسة مطلقا، في مقابلة الطهارة مطلقا
~~والعفو، وهذا مما لم يذهب إليه أحد.
# نعم، هاهنا وجه رابع، وهو كونه طاهرا ما دام في ms273 المحل فإذا انفصل نجس،
~~وهو محكي في الحدائق وغيره عن صريح العلامة في القواعد، قال في الحدائق: "
~~والظاهر أنه مبني على ما اختاره من عدم نجاسة القليل الذي تزال به النجاسة
~~إلا بعد الانفصال عن المحل، قال في الكتاب المذكور: " والمتخلف في الثوب
~~بعد عصره طاهر، فإن انفصل فهو نجس " (1) انتهى.
# فعنده أنه إذا عصر الثوب من الغسل المعتبر في تطهيره حكم بطهارته قطعا،
~~والمتخلف عنه على حكم الطهارة، فلو بالغ أحد في عصره فانفصل منه شئ كان
~~نجسا؛ لأن أثر ملاقاته للمحل النجس عنده إنما يظهر بعد الانفصال ". (2)
~~انتهى.
# والذي يترجح في النظر القاصر، أنها تتبع المحل فتكون طاهرة مطلقا، وذلك
~~لإجماع المسلمين المعلوم من عملهم في كافة الأعصار والأمصار، حيث إنهم
~~يغسلون أبدانهم وأثوابهم وأوانيهم، ويجرون عليها بعد ذلك وعلى ما فيها من
~~البلل الباقية جميع أحكام الطهارة ولا يتأملون فيها، فيباشرون بها حال
~~البلة وحال عدمها في مآكلهم ومشاربهم وتطهيراتهم من الأخباث والأحداث، فإذا
~~غسلوا شيئا من الأبدان يدخلونه في المآكل والمشارب ومياه الوضوء والغسل، أو
~~شيئا من الثياب لا يتحرزون عن ملاقاته لشئ من ذلك، أو شيئا من الأواني
~~يجعلون عليه المأكل والمشرب والوضوء والغسول بلا تأمل في شئ من ذلك، فلولا
~~المحل مع ما فيه من البلل طاهرين لما ساغ لهم شئ من ذلك، لإجماعهم الضروري
~~على اشتراط الطهارة في جميع ما ذكر، وأخبارهم متواترة عليه معنى.
# فنقول: بملاحظة ذلك مع ما ذكر من الإجماع الأول أن ما ليس بطاهر لا يجوز
~~استعماله في المأكل والمشرب والوضوء والغسول، فينعكس ذلك بطريقة عكس النقيض
~~إلى أن: كل ما جاز استعماله في الامور المذكورة فهو طاهر، والعفو المدعى في
# PageV01P314
# هذا المقام إن اريد به سلب أحكام النجاسة في خصوص المباشرة حال الصلاة
~~ونحوها، فكيف يجامعه المباشرة في الامور المذكورة، ولو اريد به سلب أحكام
~~النجاسة مطلقة ولو في الموارد المذكورة فهو عين معنى الطهارة ومعه ارتفع
~~النزاع بالمرة.
# هذا مضافا إلى أن نجاسة البلة الباقية في المحل ms274 عرضية، حاصلة عن نجاسة
~~المحل، فإذا أفاد الغسل - الذي هو عبارة عن مجموع الصب مع العصر أو الإفراغ
~~- طهارة المحل وزوال النجاسة الأصلية عنه، فلأن يكون مفيدا لطهارة البلة
~~الباقية فيه وزوال نجاستها العرضية الحاصلة من النجاسة الأصلية طريق
~~الأولوية.
# دعوى: أنه يزيل النجاسة الأصلية ولا يزيل النجاسة العرضية الحاصلة منها
~~كما ترى، مع أنه عند التحقيق مما لا يكاد يعقل، حيث إن العرضية معلولة من
~~الأصلية، ولا بقاء للمعلول بدون العلة.
# واحتمال كون الأصل علة محدثة، فلا ضير في انعدامه، لجواز تخلف العلة
~~المبقية عنه.
# يدفعه: أن هذا الفرض إنما يستقيم إذا كان علة الحدوث عين النجاسة
~~الموجودة في المحل، لا الأثر الحاصل منها فيه، فإذا فرض زوال العين عن
~~المحل لا يلزم منه زوال المعلول، لجواز استناده في البقاء إلى الأثر الحاصل
~~منها في المحل، فنحن نفرض في محل الكلام كون علة الحدوث وهو الأثر الحاصل
~~في المحل بعد زوال العين، فحينئذ إما أن يقال: بزوال هذه العلة عن المحل
~~بالغسل الشرعي، أو يقال: بعدم زوالها، والثاني باطل بالضرورة من الشرع
~~القائم على أن الغسل الشرعي يوجب طهارة المحل، والأول مستتبع للمحذور، ولا
~~يعقل مع زوال كل من العين والأثر عن المحل علة اخرى يستند إليها بقاء نجاسة
~~البلة.
# ولو قيل: بأن العلة المبقية هو كون ما بقي في المحل بلة، فحينئذ نقول:
~~إذا زالت البلة بطرو اليبوسة على المحل، إما أن يكون شئ من أثر تلك النجاسة
~~باقيا في المحل أو لا؟ و لا سبيل إلى شئ منهما، أما الأول: فلاستلزامه
~~المحذور، وأما الثاني: فلقضائه بكون اليبوسة في غير ما حصل من الشمس في
~~مواضع مخصوصة - يأتي ذكرها في محلها - من جملة المطهرات، وهو مما لا أثر له
~~في الشرع ولا دليل عليه أصلا، بل الأدلة قائمة بخلافه، مع أن القول ببقاء
~~النجاسة في البلة مما يفضي إلى عدم قبول PageV01P315
# المحل للطهارة أصلا؛ لأنها ما دامت باقية لازمة للمحل ولا تنفك عنها، وهي
~~على الفرض ملزومة للنجاسة، ms275 فكانت النجاسة لازمة للمحل، وهو كما ترى خلاف ما
~~يظهر من الأدلة، والقول بطهارة المحل مع نجاسة البلة الباقية فيه كما ترى
~~تناقض في المقالة، كما أن القول بعدم تأثر المحل من تلك النجاسة مجازفة
~~صرفة.
# ومن هنا يعلم أن الحكم بنجاسة البلة مما يفضي إلى تجويز السفه على الشارع
~~الحكيم في إيجابه الغسل والتطهير، إذ المفروض عدم انفكاك النجاسة العرضية
~~عن المحل، فلأي فائدة أوجب على المكلف تكلف الغسل، واعتبار العفو هنا مع
~~أنه مما لا محصل له يشبه بكونه أكلا بالقفاء؛ لأن هذا العفو كما كان يمكن
~~اعتباره بالنسبة إلى النجاسة العرضية، فكذلك كان يمكن بالنسبة إلى الأصل
~~أيضا، فلم لم يعتبر فيه مع أنه أسهل وأقرب إلى السمحة السهلة؟ مع أن القول
~~بنجاسة البلة مع العفو عنها مما يخالف مفاد الأدلة من الأخبار المتواترة
~~جدا، الآمرة بالغسل في أنحاء النجاسات وتطهير أنواع المتنجسات، والواردة في
~~تعليم كيفية ذلك وطريقه في المواضع التي يختلف باختلافها الكيفية؛ لأن مصب
~~الجميع والمنساق منها عرفا وشرعا إنما هو حصول الطهارة بذلك، وأن الغرض من
~~اعتباره تحصيلها، ولا ريب أن الطهارة في المحل مع نجاسة البلة الباقية فيه
~~غير ممكنة.
# ومما يدل على ذلك أيضا خصوص موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال:
# سئل عن الكوز أو الإناء يكون قذرا، كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال: " ثلاث
~~مرات، يصب فيه ماء فيحرك فيه، ثم يفرغ ذلك الماء منه، ثم يصب ماء آخر فيحرك
~~فيه، ثم يفرغ ذلك الماء منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه،
~~وقد طهر " (1).
# فإن نجاسة البلة الباقية ينفيها قوله (عليه السلام): " وقد طهر "، لما
~~عرفت من أن نجاسة البلة تستلزم نجاسة المحل لا محالة، واحتمال كون المراد
~~بالطهارة هنا العفو كما ترى.
# ثم إذا فرضنا البلة طاهرة ما دامت في المحل، فأي شئ يوجب انقلاب حكمها
~~إلى النجاسة لو فرض انفصالها بالمبالغة في العصر؟ وأي دليل من الشرع يقضي
~~بذلك؟
# مع ms276 أن الطهارة هو الأصل في الأشياء ولا سيما المياه - حسبما قررناه
~~وأسسناه سابقا -
# PageV01P316
# وكون ذلك متفرعا على القول بنجاسة ماء الغسالة بعد الانفصال خاصة كما
~~يأتي عن العلامة مما لا يصلح عذرا لفساد هذا القول من رأسه، كما يأتي
~~بيانه.
# وأما مقدار ما يبقى من البلة في حكم الطهارة، فهو من فروع كيفية الغسل
~~ويأتي التعرض له في مباحث التطهير، إن شاء الله تعالى.
# وثانيهما: قد عرفت سابقا أن القول بنجاسة ماء الغسالة مطلقا في كلام أهل
~~القول بها محتمل لأن يكون حكمه كالمحل قبل الغسل، ولأن يكون كالمحل قبل
~~الغسلة المطهرة كما صرح به في شرح الدروس (1)، والوجه في ذلك عدم تصريحهم
~~باختيار شئ من ذلك، بل ولا إشعار في كلامهم باختيار أحد هذه الوجوه، لكون
~~الحكم بالنجاسة واردا في كلامهم على الإطلاق كما صرح به في الحدائق (2)،
~~فما في هذا الكتاب عن جملة من المتأخرين ومتأخريهم بالنسبة إلى هذا القول -
~~أي القول بالنجاسة مطلقا - من أن حكم الغسالة كالمحل قبل الغسل (3) ليس على
~~ما ينبغي، إن كان الغرض بيان كونه مذهب القائلين بهذا القول، والعجب عن
~~صاحب هذا الكتاب أنه حيثما عنون هذا القول عنونه بعبارة مصرحة بكون حكمها
~~كالمحل قبل الغسل، فيعتبر التعدد فيما تلاقيه متى كان التعدد معتبرا في
~~المحل، ثم بالغ في إنكار هذا العنوان عند ذكر الفروع، قائلا - في دفع القول
~~المشار إليه، المنقول عن جملة من المتأخرين ومتأخريهم -: " بأني لم أجد له
~~أثرا في كلام القائلين بهذا القول، كالمحقق والعلامة، بل يحتمل أن مرادهم
~~أنها في حكم المحل قبل الغسلة، إذ غاية ما يدل عليه كلامهم هو النجاسة،
~~وأما أنه يجب فيما تلاقيه العدد المعتبر في المحل فلا " الخ (4).
# ثم لا يخفى ما في اقتصاره على الاحتمال المذكور، إذ قد عرفت جريان احتمال
~~ثالث في كلامهم.
# وكيف كان: فتحقيق المسألة مبني على النظر في أن الأصل في تطهير النجاسات
~~هل هو التعدد، أو الاكتفاء بالمرة؟ وله محل آخر يأتي إن شاء الله، ولكن ms277
~~الذي يقوى في نظري القاصر إلى أن يقع التأمل التام فيه في محله الآتي، هو
~~الاكتفاء بالمرة، وفاقا
# PageV01P317
# للحدائق (1)، ومحكي المعالم (2)، مع نقله فيه عن بعض مشايخه المعاصرين؛
~~لأن اعتبار التعدد تكليف بأمر زائد، على ما ثبت من الشرع يقينا، والأصل
~~ينفيه، ولا يعارضه الاستصحاب وأصل الشغل هنا وإن كانا جاريين، لما قرر في
~~محله.
# هذا حكم الغسالة بعد الانفصال وأما حكمها قبله فكذلك، فلو لاقاها شئ وهي
~~في المحل - وحاصله ملاقاة المحل قبل إخراج الغسالة عنه - لم يجب غسله
~~متعددا، كما لو لاقاها بعد مفارقة المحل، هذا تمام الكلام في أول الأقوال.
# وأما ثانيها: فالقول بالنجاسة، لكن حكمه حكم المحل قبل الغسلة، فيجب غسل
~~ما أصابه ماء الغسلة الاولى مرتين، والثانية مرة فيما يجب فيه المرتان
~~وهكذا، ذهب إليه الشهيد في الدروس (3) - كما نقل عنه في الذكرى (4) -
~~وعبارته في الدروس - على ما في محكي الخوانساري في شرحه (5) - هكذا: " وفي
~~إزالة النجاسة نجس في الاولى على قول، ومطلقا على قول، وكرافع الأكبر على
~~قول، وطاهر إذا ورد على النجاسة على قول، والأولى أن ماء الغسلة كمغسولها
~~قبلها ".
# وعن الأردبيلي في شرح الإرشاد (6) الميل إليه، واختلفت كلمتهم في اتحاد
~~هذا القول مع سابقه ومغايرته له، فعن الشهيد الثاني (7) وغيره التصريح
~~بالمغايرة، ويستفاد من صاحب الحدائق اتحادهما، حيث قال: " بل ظاهر الشهيد
~~في الذكرى أن القول المنسوب إليه هو بعينه القول الأول، وأن القول بالنجاسة
~~مطلقا عبارة عن كون حكم الغسالة حكم المحل قبل الغسلة الخ " (8).
# ولكن العبارة المتقدمة منه في الدروس تنادي بفهم المغايرة بين مذهبه
~~والقول الأول، حيث جعل مختاره مقابلا للأقوال الاخر، التي منها القول
~~بالنجاسة مطلقا، ولا ريب أنه لا يعقل بينهما مغايرة مع اشتراكهما في أصل
~~الحكم بالنجاسة، إلا أنه فهم من الجماعة أنهم يجعلون الغسالة كالمحل قبل
~~الغسل، وإن كان فهمه بهذا المعنى موضع مناقشة قدمناها، وكان مستند الشهيد
~~الثاني في فهم المغايرة أيضا هو العبارة المذكورة، واستشهد
# PageV01P318
# في الحدائق على ما فهمه من الاتحاد بقوله: ms278 " فإنه - يعنى الشهيد في
~~الذكرى - نقل أولا القول بالطهارة عن المبسوط، ثم نقل مذهب الشيخ في
~~الخلاف، ثم نقل مذهب المحقق والعلامة وهو القول بالنجاسة مطلقا، ونقل أدلته
~~وطعن فيها ثم قال: " ولم يبق سوى الاحتياط، ولا ريب فيها، فعلى هذا ماء
~~الغسلة كمغسولها قبلها، وعلى الأول كمغسولها بعدها أو كمغسولها بعد الغسل
~~"، ومثله كلام الشيخ علي في شرح القواعد (1) انتهى.
# وجه الاستشهاد: ما أفاده بعد ذلك: " من أن التفريع في عبارة الذكرى إنما
~~جرى على مقتضى الأقوال المتقدمة، فإن قوله: " فعلى هذا " أي فعلى القول
~~بالنجاسة، وهو المنقول عن المحقق والعلامة، وقوله: " وعلى الأول " إشارة
~~إلى مذهبي المبسوط والخلاف، وإن كان على سبيل اللف والنشر المشوش، وعلى
~~تقدير ما ذكر من المغايرة يلزم عدم التفريع على مذهب المحقق والعلامة " (2)
~~انتهى.
# والإنصاف: أن هذه العبارة ليست بصريحة ولا ظاهرة في كون ما اختاره عين ما
~~اختاره المحقق والعلامة.
# نعم غاية ما فيها الدلالة على مشاركته في أصل القول بالنجاسة، وأما أنه
~~يوافقهما في حكم الغسالة من حيث ملاقيها فلا، والتفريع المذكور فيه لا يشعر
~~بذلك، بل هو تفريع على أصل القول من حيث إنه اختاره، وتحقيق للمسألة لنفسه
~~لا عليه من حيث إنه مختارهما، ولا ينافيه عدم التفريع عليه من هذه الحيثية،
~~لجواز كون الحكم المذكور على مذهبهما مشتبها عنده، بمعنى أنه لم يكن يدري
~~أنهما ما يقولان في أصل الغسالة وملاقيها، بعد البناء فيها على النجاسة،
~~فليتأمل.
# وكيف كان: فقد ذكر في هذا الكتاب في وجه الفرق بين الغسلتين باعتبار
~~التعدد في الاولى دون الثانية - فيما يجب غسله مرتين مثلا -: " أن المحل
~~المغسول تضعف نجاسته بعد كل غسلة وإن لم يطهر، ولهذا يكفيه من العدد بعدها
~~ما لا يكفي قبلها، فيكون حكم ماء الغسلة كذلك، لأن نجاسته مسببة عنه فلا
~~يزيد حكمه عليه، لأن الفرع لا يزيد عن الأصل ".
# ثم نقل عن والده أنه قال - بعد ما نقل هذا الكلام -: " أقول: هذا التفصيل
~~بالفرق
# PageV01P319
# بين المنفصل من الغسلتين وإن ms279 كان لا يفهم من الأخبار، ولكنه قريب من
~~الاعتبار "، ثم قال:
# " وهو كذلك، إلا أنه بمجرده لا يمكن الاعتماد عليه في تأسيس حكم شرعي "
~~(1) انتهى.
# أقول: لا يخفى عليك أنه لا مخالفة بيننا وبين الشهيد في أصل المذهب، وما
~~صار إليه من الفرق بين الغسلتين كلام له راجع إلى ما يتفرع على هذا القول،
~~و وجهه ضعيف جدا، وبعد الغض عنه فالمتبع هو ما يقتضيه الأدلة الشرعية، وحيث
~~إن من الظاهر البديهي أن دليل الأصل في دلالته على اعتبار التعدد في الغسل
~~عنه كالبول مثلا لا يتناول ما ينفصل من الغسلة عنه؛ لعدم دخوله في مسمى
~~البول ولا الدم ولا غيرهما من النجاسات، ليس في البين مناط يكون منقحا من
~~نص الشارع، أو تنبيهه عليه بضرب من الدلالة المعتبرة، فلا جرم يكون اعتبار
~~التعدد بالنسبة إلى الغسلة الاولى قولا بلا دليل في ظاهر الحال، كما أن
~~الاقتصار على المرة في الغسلة الثانية استنادا إلى ما ذكر أخذ بموجب
~~الاستحسان الصرف وليس من مذهبنا، فلا يبقى ما يصلح لأن يكون مرجعا إلا
~~الأصل المشار إليه، وقد عرفت أن مقتضاه الاكتفاء بالمرة حتى يثبت اعتبار
~~الزائد بالدليل، فلابد من اتباع الأصل.
# وأما ثالثها: فالقول بالنجاسة إن كان من الغسلة الاولى والطهارة إن كان
~~من الغسلة الثانية، وحاصله يرجع إلى أن الغسالة كالمحل بعد الغسلة، ولازمه
~~التفصيل المذكور فيما يعتبر فيه الغسل مرتين، وإطلاق هذا القول بالقياس إلى
~~أنواع المحل المتنجس من الثوب والبدن والإناء ولو في ولوغ الكلب محكي - كما
~~في الشرح المتقدم للاستاد (2) - عن العلامة الطباطبائي، وكل من قال بأن
~~الغسالة كالمحل بعدها، ونسب ذلك أيضا إلى الشيخ في الخلاف (3)، ولكن
~~المنقول منه أنه خصصه بالمستعمل في تطهير الثوب، وأما المستعمل في الآنية
~~فلا ينجس عنده مطلقا، سواء كان من الاولى أو غيرها، فله تفصيل حينئذ أولا
~~بين الثوب والآنية، ثم في الثوب بين الغسلة الاولى وغيرها، بل ظاهر عبارته
~~المنقولة عنه في الآنية يقتضي اختصاص ذلك بالولوغ، حيث إنه في ms280 موضع من
~~الخلاف قال: " إذا أصاب من الماء الذي يغسل به الإناء من ولوغ الكلب ثوب
~~الإنسان أو جسده
# PageV01P320
# لا يجب غسله، سواء كان من الدفعة الاولى أو الثانية أو الثالثة " (1)،
~~ولعل عموم هذا الحكم في الآنية بالقياس إلى جميع النجاسات - كما اشتهر في
~~الألسنة - مستفاد من دليله الآتي على هذا الحكم، فإنه عام الجريان وإن كان
~~مورده قاصرا عن إفادة العموم.
# وكيف كان فعنه (2) الاحتجاج على نجاسة الغسلة الاولى في الثوب بأنه: "
~~ماء قليل معلوم حصول النجاسة فيه، فيجب أن يحكم بنجاسته، وبما تقدم من
~~رواية العيص " (3).
# وأنت خبير بما فيه من التحكم، فإن قاعدة انفعال القليل بملاقاة النجاسة
~~إن كانت عامة في نظره بحيث كانت متناولة لماء الغسالة، لكانت جارية في كل
~~من الغسلتين؛ ضرورة: أن المحل بعد الغسلة الاولى لم يطهر بعد، فالماء
~~المستعمل في الغسلة الثانية أيضا مما يصدق عليه أنه ماء معلوم حصول النجاسة
~~فيه، وإن لم تكن عامة على نحو تشمل ماء الغسالة فلا وجه للقول بالنجاسة في
~~الغسلة الاولى أيضا، بل لازمه القول بالطهارة في كلتا الغسلتين، عملا
~~بالأصل السليم عن المعارض، ودعوى: شمولها للغسلة الاولى منه دون الثانية
~~كما ترى.
# إلا أن يقال: بخروج تلك الغسلة عن القاعدة بالدليل، فيدفعه: ما سيأتي في
~~تزييف ذلك، إذ ليس ذلك إلا أصل الطهارة، وهو عام لا يعارض الخاص، أو أصل
~~عملي لا يعارض الدليل، أو الأخبار المتقدمة في الاستنجاء الحاكمة بطهارة
~~الماء المستنجى به، فهي لعمومها الشامل للغسلتين معا تقضي بتخصيص القاعدة
~~في الغسلة الاولى أيضا، فما وجه الفرق بينهما؟
# مضافا إلى أنها لا تشمل المقام بدلالة لفظية، لاختصاصها بماء الاستنجاء
~~المخرج عن مطلق المستعمل في رفع الأخباث، ولا بدلالة شرعية؛ إذ ليس في
~~المقام مناط منقح، وكذا الكلام في احتجاجه بالرواية المشار إليها، فإنها
~~أيضا عامة - فإن سلمت عنده سندا ودلالة - فهي مقتضية للنجاسة مطلقا، وإلا
~~فلا وجه للاستناد إليها أصلا، إلا أن يدعي التخصيص فيها أيضا، فيبقى الكلام
~~معه في المخصص، وليس ms281 له ما يصلح لذلك، نعم يبقى فيها شئ ستسمعه مع دفعه.
# PageV01P321
# وقد يجاب عن دليله الأول - كما في شرح الدروس -: " بأن أدلة نجاسة القليل
~~لا عموم لها، وإنما يكون مناط التعميم في بعض الصور بعدم القول بالفصل،
~~والشهرة بين الأصحاب وهما مفقودان فيما نحن فيه، والأولى أن يقال: إن غاية
~~ما يدل عليه أدلة نجاسة القليل نجاسته بورود النجاسة عليه وأما العكس فلا،
~~فحينئذ لو اشترطنا في التطهير الورود - كما هو رأي الشيخ - لا نسلم جريان
~~تلك الأدلة في الغسالة، وهو ظاهر " (1) انتهى، وفيه: ما فيه.
# وعنه (2) الاحتجاج على طهارة الغسلة الثانية: بما تقدم من الأصل، وأخبار
~~الاستنجاء، وبأن المحل بعدها طاهر مع بقاء مائها فيه، والماء الواحد لا
~~يختلف أجزاؤه في الطهارة والنجاسة.
# والجواب عن الأولين: قد ظهر بما مر، وعن الأخير، بأنه إنما يتجه في
~~الأجزاء ما دامت عنوان الجزئية باقية، ولا ريب أن الانفصال الذي يتحقق فيما
~~بين المنفصل عن المحل والمتخلف فيه رافع لهذا العنوان، ومعه لا مانع في
~~اختلافهما في الحكم، فحينئذ نقول: إن الماء المستعمل في الغسل نجس بجميع
~~أجزائه ما دام في المحل، وإذا انفصل بقي المنفصل على نجاسته وطهر الباقي
~~تبعا للمحل، بحكم أن الغسل الذي جعله الشارع مطهرا - وهو عبارة عن الصب
~~والعصر - يوجب الطهر فيهما معا، ولا مانع منه إذا دل عليه الدليل، ولو سلم
~~عدم قيام الدلالة على ذلك فيكفينا الاحتمال في هدم ما ذكر من الاستدلال،
~~لأنه عقلي فيبطل بمجرد الاحتمال.
# وقد يستدل على الطهارة في الغسلة الثانية المزيلة لنجاسة المحل، احتمالا
~~عن قبل العلامة الطباطبائي كما في شرح المشار إليه للاستاد (3): " بأن
~~ملاقاة الماء للمحل سبب في طهارته، والظاهر من أدلة انفعال القليل انفعاله
~~بما يكون نجسا حين الملاقاة، لا ما يكون الملاقاة سببا لزوال نجاسته، لمكان
~~أنه لا يدخل في أذهان العرف صيرورة الماء الملاقي للمحل النجس بمنزلة نفس
~~النجس مع طهارة المحل الملاقي له " (4).
# PageV01P322
# وقياسه على إزالة الأوساخ الحسية التي يكتسب فيها كل جزء من ms282 الماء جزءا
~~من الوسخ بالحس، بدعوى: أن النجاسة تنتقل من المحل إلى الماء، كالقذارة
~~الخارجية التي تستهلك في الماء ويتوزع على أجزائه، قياس مع الفارق لأن ذلك
~~مما يساعد عليه أذهان العرف في القذارة الخارجية دون النجاسة، لأنهم بعد
~~اطلاعهم على أن كل جزء من الماء يكتسب قذارة كقذارة المحل بعينها، مع
~~ملاحظة أن الماء يوجب زوال النجاسة عن المحل الملاقي له، يتحاشون عن انفعال
~~الماء بذلك المحل.
# وصيرورة كل قطرة منه كالرطوبة النجسة التي في المحل الحاصلة من البول أو
~~الدم مثلا، مع كونها في موضع اريد إزالتها بذلك الماء وهو أيضا يفيد
~~إزالتها؛ لأن ذلك لا يجامع طهارة المحل التي هي غير ممكن الاجتماع مع نجاسة
~~الماء الذي فيه، كما يفهم ذلك منهم لو قيل لهم: أن هذا الماء المنصب على
~~المحل لإزالة ما به من رطوبة الوسخ الفلاني يصير كل جزء صغير منه متصفا
~~بوسخ تلك الرطوبة.
# والحاصل كيفية تنجيس الشئ أمر لم يدل عليه جامع شامل للمقام، والمستفاد
~~من تتبع المقامات الخاصة لا يشمل الملاقاة المزيلة، والمفروض أنه إذا عرض
~~على العرف صيرورة كل جزء صغير من الماء بمنزلة عين الأثر الموجود في الثوب
~~من الوسخ أنكروا طهارته به، وإذا عرض عليهم طهارته به أنكروا صيرورته كذلك،
~~فإذا فرض قطعهم بالثاني لم يفهموا من أدلة الانفعال شمولها لهذا النحو من
~~الملاقاة المزيلة، فلم يبق إلا عموم معاقد الإجماعات في نجاسة الماء القليل
~~الملاقي للنجس، أو مطلق الجسم الرطب الملاقي له لكن من المعلوم عدم إرادة
~~القائلين بطهارة الغسالة هذا العموم من كلامهم في دعوى الإجماع.
# وأما القائلون بنجاستها فلو جاز الاكتفاء بهم كفى قولهم بنجاسة الغسالة
~~في دعوى الإجماع عليها.
# وأما رواية العيص المتقدمة فالاستدلال بها في المقام مبني على كفاية
~~الغسلة الواحدة - في مطلق القذارات، وإلا أمكن حمل الرواية على الغالب من
~~اجتماع الغسالتين، بل يمكن حملها - بناء على الاكتفاء في التطهير بالغسلة
~~الواحدة كالإجماعات على ما هو الغالب من اجتماع الأجزاء المنفصلة عن المحل ms283
~~قبل زوال PageV01P323
# العين، فإن المنفصل عن المحل كذلك ليس منفصلا عن الغسلة المطهرة، فحكمه
~~كالمنفصل من الغسلة الاولى، بل هو أشد منه، بل لا ينبغي أن يكون محلا
~~للنزاع، لأن النزاع في المنفصل عن الغسل المؤثر في التطهير الشرعي الواجب
~~كونه بالماء المطلق الطاهر، والمنفصل قبل زوال العين إنما انفصل عن غسلة
~~غير معتبرة في نظر الشارع؛ لعدم إفادتها إلا زوال العين الذي يحصل بالماء
~~المضاف والنجس والمسح بجسم طاهر أو نجس، ولذا احتاج الثوب بعده إلى غسلتين،
~~لكن يكفي في الاولى منهما استمرار الصب عن الأول آنا ما بعد زوال العين "
~~(1) الخ.
# وحاصله يرجع إلى منع العموم في أدلة انفعال القليل بملاقاة النجاسة بحيث
~~تشمل ماء الغسالة، حتى ما انفصل منه عن الغسلة المستتبعة لطهارة المحل،
~~وسند هذا المنع إما دعوى قصور تلك الأدلة عن إفادة حكم الانفعال لنظائر
~~المقام بأنفسها، فلا عموم في مفهوم قوله: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه
~~شئ " (2) لا من جهة " الماء " بحيث يشمل كل ماء، ولا من جهة الشئ النجس
~~بحيث يشمل كل نجاسة، ولا من جهة الملاقاة المستفادة من الرواية منطوقا
~~ومفهوما، ولا في الأخبار الخاصة الواردة في موارد جزئية بالنسبة إلى الماء
~~وإلى النجس، إذ ليس المستعمل في إزالة النجاسة بشئ منها، ولا في الإجماعات
~~المنقولة ولا الرواية الخاصة المذكورة، أو دعوى: خروج محل البحث عن عموم
~~تلك الأدلة بملاحظة الخارج، ولو نحو قرينة حال أو مقام يلتفت إليها العرف
~~ويلاحظها، مثل ما ثبت لهم بضرورة من شرعهم أن الماء القليل إذا استعمل في
~~الثوب النجس ونحوه لإزالة ما فيه من النجاسة يوجب زوالها، ويصيره طاهرا،
~~ولا سبيل إلى شئ من ذلك.
# أما الأول: فلأن مفاد القضية في جانب مفهوم الرواية يرجع إلى أن يقال: إن
~~الماء المتصف بالقلة كائنا ما كان من حكمه أن ينفعل بأي نجس لاقاه كيفما
~~اتفق.
# أما الأول: فلورود لفظة " الماء " فيها مطلقة فيكون الحكم المعلق عليها
~~معلقا على الطبيعة السارية في جميع مصاديقها، التي ms284 منها ما يعد لإزالة
~~الأخباث به، فمن يدعي
# PageV01P324
# الاختصاص بغير هذا الماء مطلقا أو في الجملة يطالب بدليل ذلك.
# وأما الثاني: فبحكم السببية التامة المستفادة من التعليق، المقتضية لوجود
~~الجزاء في جميع موارد وجود الشرط، وانتفائه في كلما انتفى فيه الشرط - على
~~ما فهمه غير واحد - وأما على ما قررناه سابقا من عدم إمكان الحمل على كون
~~الكرية سببا تاما فإما أن يكون حينئذ شرطا لعدم الانفعال، أو ملازما له
~~بكونه ملزوما لما هو شرط له فكذلك أيضا، لأن المشروط يعدم عند عدم شرطه،
~~كما أن اللازم يعدم مع انعدام ملزومه.
# ولا ينافي احتمال الشرطية ولا احتمال الملازمة ثبوت المشروط أو ثبوت
~~اللازم في بعض صور انتفاء الشرط أو انتفاء الملزوم، أو ثبوت نقيض اللازم في
~~بعض صور وجود الملزوم، كما في المستعلي، وماء الاستنجاء، وماء الجاري في
~~الأولين، والمتغير بالنجاسة في الأخير؛ لأن الشرطية والملازمة ليستا
~~بعقليتين لئلا يمكن فيهما التقييد ولا التخصيص، بل هما شرعيتان ثابتتان
~~بالأدلة اللفظية فتكونان قابلتين للتخصيص كدليلهما، فيقال على احتمال
~~الشرطية أن الكرية شرط لعدم الانفعال إلا في العالي وغيره مما ذكر، وعلى
~~احتمال الملازمة وجودا وعدما أن الكرية تلازم عدم الانفعال إلا في صورة
~~التغير، وأن انتفاء الكرية يلازم الانفعال إلا في صورة العلو والاستنجاء
~~والجريان.
# فأقصى ما ثبت بالدليل إنما هو تقييد كل من الشرطية والملازمة بالقياس إلى
~~الموارد المذكورة، وأما أنه لا ينفعل أيضا في صورة إزالة النجاسة مع القلة
~~مطلقا، أو في الغسلة المطهرة خاصة فهو تقييد آخر في مفاد الشرطية وفي
~~الملازمة الثانية، ويحتاج إلى الدليل فمن يدعيه مطالب بالدليل.
# وأما الثالث: فلأن الملاقاة المفهومة من الرواية منطوقا ومفهوما لها
~~أحوال، منها كونها مستتبعة لزوال النجاسة عن المحل، وهي مطلقة بالنسبة إلى
~~أحوالها، فدعوى:
# أنها لا تؤثر في الانفعال حال استتباعها لطهارة المحل تقييد لها بما عدا
~~تلك الحالة، فلا تسمع إلا بدليل.
# وأما الثاني: فلأن أقصى ما يتصور كونه مخرجا لمحل البحث عن عموم الأدلة،
~~إنما هو ms285 شبهة عدم إمكان كون المزيل للنجاسة متأثرا بتلك النجاسة وإلا لا
~~يزيلها بل يؤكدها ولا يفيد المحل إلا تنجسا، وهو خلاف ما قطع بالشرع من
~~صلاحية الماء القليل PageV01P325
# لإزالة النجاسة، فلا جرم يقال: إن ملاقاة النجاسة سبب للانفعال إلا فيما
~~كان مزيلا للنجاسة عن محل، فإنه لا ينفعل بتلك النجاسة.
# وظني أن هذه الشبهة إنما تنشأ عن توهم كون نفس الملاقاة في الغسلة
~~المطهرة سببا لزوال النجاسة عن المحل - كما تقدم التصريح به في أول
~~الاستدلال - فإذا فرض أنها سبب لزوال النجاسة فكيف يمكن فرض كونها سببا
~~لانفعال الملاقي، إلا على تجويز التناقض أو الجمع بين النقيضين، ولذا نسب
~~إلى العرف: " أنه إذا عرض عليهم صيرورة كل جزء صغير من الماء بمنزلة عين
~~الأثر الموجود في الثوب من الوسخ أنكروا طهارته به، وإذا عرض عليهم طهارته
~~به أنكروا صيرورته كذلك " الخ.
# وأنت خبير بأنه توهم فاسد، فإن نفس الملاقاة لا تصلح سببا للتطهير وإلا
~~لما اعتبر فيه العصر ولا الإفراغ، بل السبب حقيقة هو الغسل، وهو شئ لا
~~يتأتى إلا مع الملاقاة، لا أنه نفس الملاقاة، فلم لا يجوز صيرورة الماء
~~بملاقاته المحل النجس نجسا، ثم إذا تحقق معه الغسل المعتبر في نظر الشارع
~~باستكمال آدابه وشرائطه وأجزائه أفاد المحل الطهارة وزوال النجاسة، مع بقاء
~~الماء المنفصل على ما كان عليه من النجاسة، فإن النجاسة فيه قد حصلت
~~بالملاقاة، وطهارة المحل قد حصلت بالغسل المتقوم بتلك الملاقاة، لا بنفس
~~الملاقاة، ولا تنافي بينهما أصلا من جهة العقل، وأما من جهة الشرع فهو تابع
~~لدليل الحكمين والمفروض قيامه على كليهما، أما الأول: فلعموم أدلة انفعال
~~القليل بملاقاة النجاسة، وأما الثاني: فلقضاء الشرع بأن الغسل بالماء
~~القليل مما يوجب زوال النجاسة عن الثوب وغيره مما هو قابل له.
# نعم بملاحظة هذا البيان يتجه أن يقال - في توجيه التخصيص في أدلة
~~الانفعال -:
# إن ما قام عليه الدليل إنما هو كون الغسل بالماء القليل الطاهر سببا
~~لزوال النجاسة عن المحل لا مطلقا، فحينئذ يحصل ms286 عندنا بملاحظة أدلة انفعال
~~القليل قضيتان كليتان:
# أحدهما: أن الغسل بالماء القليل الطاهر سبب لزوال النجاسة.
# والاخرى: أن كل ماء قليل ينفعل بملاقاة النجاسة.
# ولا يمكن العمل بالقضية الاولى مع إبقاء الثانية على عمومها، لأن مقتضى
~~هذا العموم صيرورة الماء الملاقي لمحل النجس نجسا، ومقتضى صيرورته نجسا عدم
~~تأثيره في PageV01P326
# زوال النجاسة عن المحل، لاختصاص دليل كونه مؤثرا في ذلك بصورة كونه
~~طاهرا، فلا محالة إما أن يرفع اليد عن تلك القضية ويقال: إن الماء القليل
~~مما لا يصلح كونه مؤثرا في زوال النجاسة، أو عن عموم القضية الثانية
~~بتخصيصها بما عدا هذا الماء، ولما كان القضية الاولى أخص منها في الثانية
~~لاختصاصها بما يزيل النجاسة وشمول الثانية له ولغيره، فلا محيص من تخصيص
~~الثانية بها؛ إذ لولاه لزم أن لا يكون لأدلة هذه القضية مورد.
# ولكن يدفعه: منع هذه الدعوى، بل بين القضيتين عند التحقيق عموم وخصوص من
~~وجه، فإن الاولى في اقتضاء الطهارة تشمل ما قبل الملاقاة وما بعدها،
~~والثانية تشمل هذا الماء وغيره، فيتعارضان في هذا الماء بالقياس إلى حال
~~الملاقاة؛ حيث إن الاولى تقتضي فيه الطهارة، والثانية تقتضي نجاسته، فلابد
~~من الترجيح ومع فقد المرجح يجب التوقف والرجوع إلى الاصول، فعلى فرض التوقف
~~وإن كان الأصل - حسبما قررناه سابقا - يقتضي الطهارة، غير أنه لا داعي إلى
~~التوقف لوجود المرجح في جانب القضية الاولى، فإن ما فيها من العموم عموم
~~أحوالي وما في الثانية عموم أفرادي، ومن المعلوم بضرورة العرف واللغة أن
~~الدلالة على العموم في الأحوال أضعف منها على العموم في الأفراد، لاستناد
~~الأول إلى أمر خارج من اللفظ بخلاف الثاني، وإن كان من جهة الإطلاق، فإذا
~~أوجب رفع اليد عن أحدهما تعين الأول لضعفه، فيخصص قولنا: " الماء القليل
~~الطاهر سبب لزوال النجاسة " بما لم يكن نجسا بغير جهة نجاسة المحل، وبعبارة
~~اخرى: بما كان طاهرا قبل ملاقاته المحل.
# لا يقال: كون هذا التصرف من باب التخصيص الراجح على تخصيص القضية الثانية
~~ممنوع، بل هو عند ms287 التحقيق تجوز في لفظة " الطاهر " المأخوذة في القضية، فإن
~~المشتق حقيقة في حال التلبس، والمراد بها - على ما قرر في محله - اعتبار
~~وجود المبدأ حين اعتبار المتكلم للنسبة فيما بين المشتق وغيره من أطراف
~~الكلام، فقولنا: " الغسل بالماء الطاهر سبب لزوال النجاسة " يقتضي اعتبار
~~طهارة الماء حال الغسل لأنه معناه الحقيقي، وحمله على إرادة الطهارة قبل
~~الملاقاة يستدعي كونه مرادا منه الماضي، لعود حاصل معنى العبارة إلى أن
~~يقال: الغسل بما كان من الماء القليل طاهرا سبب لزوال النجاسة، فعاد الأمر
~~إلى تعارض المجاز والتخصيص، ومن المقرر في محله أولوية PageV01P327
# التخصيص، كما أن من المقرر في محله أيضا مجازية المشتق في الماضي.
# لأنا نقول: هذه اللفظة ليست بواردة في الخطاب، ولا أن القضية المذكورة
~~موجودة بتلك العبارة في كلام الشارع، وإنما هي قاعدة تستفاد عن مجموع
~~الروايات الواردة في الغسل عن النجاسات الآمرة به، مع ضميمة الإجماعات
~~المتضمنة لاشتراط ذلك بطهارة الماء وعدم حصوله بغير الطاهر، فإن الأخبار
~~الآمرة بالغسل بالماء قد وردت مطلقة، إذ لا تصريح فيها باشتراط الطهارة،
~~ولكن الإجماعات المنقولة قد أوجبت فيها التقييد، فحصل من ملاحظة المجموع
~~القضية المقيدة، وكذلك القضية الثانية أيضا مستفادة من الروايات الواردة في
~~انفعال ماء القليل، فالمعارضة بينهما في الحقيقة حاصلة فيما بين أدلة القيد
~~المعتبر في القضية الاولى وأدلة القضية الثانية، والنسبة بينهما كما ذكرنا،
~~لعموم الأول في الأحوال وعموم الثاني في الأفراد، فيرجح تخصيص الأول لما
~~تقدم، وقضية ذلك كون المشتق في القضية الاولى مرادا منه الماضي ولا ضير فيه
~~أصلا.
# هذا كله إذا أردنا استفادة الاشتراط بالطهارة من الإجماعات المنقولة التي
~~هي نحو من الأدلة اللفظية، وأما إذا أردنا استفادته من الإجماع المحصل، أو
~~من نفس الأخبار الواردة في الغسل بالماء، بدعوى: أنها وإن وردت مطلقة
~~بالقياس إلى الطهارة والنجاسة في الماء، غير أن المنساق منها بالدلالة
~~الالتزامية العرفية - نظرا إلى أن أذهان المتشرعة لا تساعد على حصول الغسل
~~بالماء النجس، وإنما تساعد عليه بالماء الطاهر - اشتراطه بطهارة ms288 الماء، فلا
~~حاجة إلى تكلف الترجيح، بل ولا تتحقق المعارضة في البين بالنسبة المذكورة،
~~إذ أقصى ما يحصل عليه الإجماع بملاحظة اختلافهم في طهارة ماء الغسالة
~~ونجاسته - إن كان قول محقق بالطهارة فيما بينهم مطلقا أو في الغسلة المطهرة
~~- وغاية ما ينساق من الأخبار إنما هو اعتبار أن لا يكون الماء المعد للغسل
~~نجسا قبل الغسل وبغير نجاسة المحل، وأما اعتبار طهارته حين الغسل فلا.
# وقضية ذلك تطرق التصرف إلى الأخبار الآمرة بالغسل بالماء من باب التقييد،
~~من دون أن يتحقق هنا معارض بالقياس إلى أدلة انفعال القليل بالملاقاة في
~~دلالتها على انفعال هذا الماء حين استعماله.
# هذا كله في دفع المناقشة في أدلة انفعال القليل إذا كان النظر فيها إلى
~~الأخبار PageV01P328
# الواردة فيه، وأما المناقشة فيها إذا كان النظر فيها إلى الإجماعات،
~~فيدفعها: أنها إنما تتجه لو اريد استفادة الحكم من الإجماع المحصل الذي
~~يحصل من ملاحظة فتاوي الأصحاب، بعبارة " أن الماء القليل ينفعل بملاقاة
~~النجاسة "، فإنه مع ملاحظة اختلافهم في نجاسة ماء الغسالة ونجاسته مما لا
~~يعقل حصوله على إطلاق هذا العنوان، حتى بالنسبة إلى ما يستعمل في إزالة
~~النجاسة، فحينئذ لو اريد الاستناد إلى معقد هذا الإجماع على إثبات نجاسة
~~ماء الغسالة، لكان مرجعه إلى الاستناد إلى فتوى من يرى ماء الغسالة نجسا،
~~وهو كما ترى ليس من الاستناد إلى الإجماع في شئ.
# وأما لو اريد استفادته من الإجماعات المنقولة المتضمنة للعبارة المذكورة
~~فلا، فإن الحجة حينئذ على القول بحجية الإجماع المنقول - لكونه بمنزلة
~~السنة - إنما هي تلك العبارة من حيث إنها معقد للإجماع، لا من حيث إنها
~~صادرة من ناقل الإجماع، كما أن الاستناد إلى الخبر - لو فرض وروده هنا بتلك
~~العبارة - إنما هو استناد إلى العبارة من حيث إنها كلام الحجة الثابت بنقل
~~الواحد، لا من حيث إنها صادرة من الراوي، فإنها من هذه الحيثية ليست إلا
~~حكاية، والحجة ليست هي الحكاية بل المحكي بتلك الحكاية.
# فالعبارة المذكورة من حيث إنها صادرة من ناقل الإجماع ms289 عليها مثلها من حيث
~~إنها صادرة من راوي السنة، فكما أن العبرة هنا بالمروي من حيث إنه كلام
~~الحجة، فكذلك العبرة في نقل الإجماع بالمنقول من حيث معقد للإجماع، بل من
~~حيث إنه كلام الحجة أيضا، والمفروض أنه عبارة عامة تشمل بعمومها لنفسها محل
~~البحث أيضا.
# ولا ينافيه كون الناقل بنقله لا يريد منه العموم نظرا إلى اعتقاده بطهارة
~~ماء الغسالة، إذ لا عبرة بإرادة الناقل كما أن في الروايات لا عبرة بإرادة
~~الراوي، بل العبرة بإرادة الحجة، فيفرض العبارة المذكورة كالمسموعة بنفسها
~~عن الحجة، ولم يثبت أنه أراد منها ما ينافي العموم، فيؤخذ بما هو مفاد أصل
~~العبارة ويلغى ما عداه.
# ولكن يشكل ذلك: بأن فهم الراوي في نقل الأخبار حيثما علم به متبع، فلو أن
~~هذه العبارة صدرت من الحجة وفهم الراوي منها الخصوص كان متبعا، كما أنه
~~كذلك لو علم أنه فهم منها العموم، وكذلك ناقل الإجماع، فإن إرادته الخصوص
~~إنما هو من جهة فهمه إياه من العبارة المجمع عليها. PageV01P329
# ويمكن الذب عنه: بأن لزوم اتباع فهم الراوي إنما هو فيما لم يعلم باستناد
~~فهمه إلى مذهبه الحاصل له بالاجتهاد من جهة الخارج، بل فيما إذا كان فهمه
~~ناشئا عن مقتضى متفاهم العرف الكاشف عن مراد المتكلم، وأما إذا نشأ هذا
~~الفهم عن مذهبه الغير الحاصل عن هذا الكلام فلا عبرة به، فإن المتبع حقيقة
~~هو مدلول الكلام بحسب ما اقتضاه التفاهم العرفي، الكاشف عما اعتبره المتكلم
~~في ضميره وما ينشأ من مذهبه الحاصل من الاجتهاد ليس منه ولا أنه كاشف عما
~~اعتبره المتكلم، لجواز خطئه في الاجتهاد، واستناده في الاجتهاد إلى ما لا
~~اعتداد به من الأدلة.
# ومن هنا يقال: إن مذهب الراوي لا يصلح مخصصا للعام، ولا ريب أن فهم ناقل
~~الإجماع وإرادته الخصوص من هذا الباب، فالمتبع في مثل ذلك ما اقتضاه نفس
~~العبارة المجمع عليها دون مذهب الناقل، على أن فهم ذلك للخصوص معارض بما
~~فهم الناقل الآخر، فإن من الناقلين للإجماع من ms290 يقول بعموم العبارة، ويرى
~~ماء الغسالة نجسا، وقضية ذلك إلغاء فهميهما والأخذ بموجب نفس العبارة.
# وأما المناقشة المذكورة بالنسبة إلى رواية العيص، فيدفعها: ما في الرواية
~~من الجمع في الجواب بين البول والقذر، وإيجاب الغسل في كل منهما، إذ ليس كل
~~قذر يعتبر فيه التعدد، ولا أن البول فيه عين تحتاج إلى الزوال - سيما بعد
~~جفافه في المحل - فلا وقع لدعوى إمكان حملها على الغالب من اجتماع
~~الغسالتين، ولا لدعوى حملها على ما هو الغالب - على تقدير الاكتفاء بالغسلة
~~الواحدة - من اجتماع الأجزاء المنفصلة عن المحل قبل زوال العين.
# مع إمكان أن يقال: باستفادة مناط عام من الرواية جار في جميع الغسلات
~~الواردة على المحل قبل زوال النجاسة عنه، وهو أن إيجاب غسل ما أصابه الوضوء
~~إنما هو لمباشرته النجاسة، ويقوى ذلك الاحتمال على ما في نسخة تلك الرواية
~~- المنقولة في شرح الدروس - من قوله (عليه السلام): " إن كان الوضوء من بول
~~أو قذر فيغسل ما أصابه، وإن كان من وضوء الصلاة فلا يضره " (1) فإن التفصيل
~~بين الوضوئين يشعر بأن مناط الفرق بينهما إنما هو مباشرة النجاسة وعدم
~~مباشرتها، هذا تمام الكلام في الاحتجاج عن الشيخ أو غيره ممن
# PageV01P330
# يوافقه على طهارة الغسالة من الغسلة المطهرة في الثوب خاصة، أو مطلق
~~المتنجسات.
# وعنه - الاحتجاج على الطهارة مطلقا في الآنية -: بأن الحكم بالنجاسة
~~يحتاج إلى دليل وليس في الشرع ما يدل عليه، و بأنه لو حكم بالنجاسة لما طهر
~~الإناء أبدا، لأنه كلما غسل فما يبقى فيه من النداوة يكون نجسا، فإذا طرح
~~فيه ماء آخر نجس أيضا، وذلك يؤدي إلى أن لا يطهر أبدا.
# ولا يخفى ما في الأول من التدافع بينه وبين ما أقامه دليلا على نجاسة
~~الغسلة الاولى في الثوب، ومع الغض عن ذلك فيرده ما لم نقصر في تقريبه
~~وتتميمه من الدليل المقتضي للنجاسة، ولا حاجة إلى الإعادة والتكرار، كما
~~تبين اندفاع وجهه الثاني أيضا بما عرفته بما لا مزيد [عليه] (1) من عدم
~~المنافاة بين حصول الطهر ms291 المسبب عن الغسل وانفعال الماء الذي يستعمل في ذلك
~~بسبب الملاقاة، فإذا دل الدليل عليهما معا يجب القول بهما كذلك إلى أن يقوم
~~الدليل بخلافه، وسيلحقك زيادة توضيح في ذلك عند دفع حجج القول بالطهارة
~~مطلقا، مضافا إلى ما مر.
# وأما رابعها: فالقول بالطهارة مطلقا، ويلزمه أن يكون حكمها حكم المحل بعد
~~الغسل، من غير فرق في ذلك بين الغسلة الاولى والثانية، ولا بين الثوب
~~والآنية، ولا بين الورودين، بل مقتضى مقابلة هذا القول في كلام الشهيد في
~~الدروس (2) حسبما تقدم ذكره للقول بالفرق بين الورودين، أن لا يفرق بين
~~ورود الماء على المتنجس وعكسه.
# ومن هنا يتجه أن يقال: بعدم وجود قائل به فيما بين أصحابنا، وقد تقدم في
~~عبارة الشيخ في المبسوط (3) إشعار بذلك، فما في المدارك (4) من اختصاص
~~القول بالطهارة بصورة ورود الماء مما لم يعرف وجهه، كما أن ما في الحدائق
~~عن والده - في دفع ما ادعاه في المدارك - من أنه: " لا يخفى ما فيه، لأن من
~~جملة القائلين بطهارة الغسالة من قال بعدم نجاسة القليل مطلقا بالملاقاة،
~~ومن المعلوم أنه لا يظهر للشرط وجه " (5) مما لا وجه له، فإن القول في
~~المسألة إنما يؤخذ من المتنازعين فيها، والعماني مع من وافقه خارج عن أصل
~~هذا النزاع، لابتنائه على القول بنجاسة القليل بالملاقاة ولو في الجملة.
# PageV01P331
# وأضعف منه ما عن كشف الالتباس - عند نقل هذا القول - " من أن عليه فتوى
~~شيوخ المذهب، كالسيد والشيخ وابني إدريس وحمزة وأبي عقيل " (1).
# فإن السيد له قول آخر في مقابلة هذا القول، والشيخ غير خبير بإطلاق هذا
~~القول، وإن حكم عليه بالقوة فيما سبق من عبارة المبسوط (2)، بناء على
~~التوجيه المتقدم في منع توهم اختياره، وابن إدريس له كلام محكي عن السرائر
~~يأبى عن ذلك، حيث قال:
# " وإن أصابه من الماء الذي يغسل به الاناء، فإن كان من الغسلة الاولى يجب
~~غسله، وإن كان من الغسلة الثانية أو الثالثة لا يجب غسله، وقال بعض
~~أصحابنا: لا يجب غسله سواء كان ms292 من الغسلة الاولى والثانية، وما اخترناه هو
~~المذهب الخ " (3). فإن هذا الكلام صريح في موافقته أهل القول بالفرق بين
~~الغسلتين.
# نعم، كلامه هذا مذيل بما ينافي ظاهره اختياره هذا المذهب، فإنه بعد ما
~~ذكر هذا الكلام أخذ بنقل عبارة السيد المتقدمة في مسألة الفرق بين الورودين
~~في انفعال القليل، ثم قال - بعد نقل هذه العبارة -: " قال محمد بن إدريس:
~~وما قوى في نفس السيد صحيح، مستمر على أصل المذهب، وفتاوي الأصحاب به " (4)
~~انتهى.
# فإن ذلك يقضي باختياره القول الآتي في الفرق بين الورودين، في مسألة
~~الغسالة الذي جعله الشهيد وغيره قولا آخر مقابلا للأقوال الاخر.
# ولكن يمكن دفع المنافاة بأنه إنما تصدى بنقل عبارة السيد في مسألة انفعال
~~القليل تنبيها على موافقته للسيد في تلك المسألة، ليكون نتيجته التنبيه على
~~أنه في مسألة الغسالة أيضا يعتبر - مع ما تقدم - ورود الماء على المحل،
~~فلازم الجمع بين صدر كلامه وذيله أنه يقول بنجاسة الغسالة في الغسلة
~~الاولى، وطهارتها في الغسلة الثانية بشرط ورود الماء على المحل، وأما مع
~~العكس فلازمه القول بالنجاسة مطلقا، وكيف كان فهو ليس قائلا في الغسالة
~~بالطهارة مطلقا.
# وأما ابن حمزة، فالمنقول عنه في الذكرى (5)، من أنه والبصروي سويا بينه
~~وبين
# PageV01P332
# رافع الأكبر، لا يساعد على أنه اختار الطهارة، لما تقدم الإشارة إليه من
~~أن التسوية بينهما لا تقتضي إلا المشاركة في أصل الحكم دون جهته، فلعله في
~~الأول من جهة وجود المانع وفي الثاني من جهة فقد المقتضي، ونظير هذا
~~التعبير شائع في كلام الفقهاء وأخبار الأئمة - سلام الله عليهم - كما لا
~~يخفى على المتتبع.
# ومن هنا ظهر ضعف ما في الحدائق (1) من استظهار اختياره عن ابن بابويه في
~~الفقيه، حيث ساوى بينه وبين رافع الحدث الأكبر، وهو طاهر إجماعا، كما سبق
~~الإشارة إليه أيضا.
# نعم، عن ابن حمزة كلام آخر ربما يومئ إلى اختياره، فإنه - على ما في
~~المحكي عنه في الوسيلة - جعل الماء أولا عشرة أقسام، وعد منها المستعمل،
~~ومنها الماء النجس، ثم قال: ms293 " إن المستعمل ثلاثة أقسام: المستعمل في
~~الوضوء، والمستعمل في غسل الجنابة والحيض ونحوهما، والمستعمل في إزالة
~~النجاسة، وقال: إن الأول يجوز استعماله ثانيا في رفع الحدث وإزالة الخبث،
~~والأخيران لا يجوز ذلك فيهما إلا أن يبلغا كرا فصاعدا بالماء الطاهر " (2).
# ثم ذكر في حكم الماء النجس: " أنه لا يجوز استعماله بحال إلا حال الضرورة
~~للشرب " (3) فإن قرينة المقابلة بين المستعمل والماء النجس تقضي بأن
~~المستعمل بأقسامه الثلاث ليس بنجس، وإلا لم يكن لذكره مع الماء النجس
~~متقابلين وجه.
# ولكن هذه الدلالة ربما تتوهن بما اعتبره في تجويز استعمال الأخيرين في
~~رفع الحدث وإزالة الخبث من بلوغهما كرا بالماء الطاهر، فإن ذلك يرجع إلى
~~القول بطهارة القليل النجس بإتمامه كرا - كما عليه جماعة - وقضية ذلك
~~اختياره القول بالنجاسة، حتى في المستعمل في رفع الحدث الأكبر، وإن ادعى
~~الإجماع على خلافه في كلام جماعة.
# ومما يؤيد أنه يقول فيه أيضا بالنجاسة، ما نسب إليه من أنه حكم في الماء
~~القليل بنجاسته بارتماس الجنب فيه، بعد ما حكم بنجاسته بوقوع النجاسة فيه،
~~ولا ينافيه دعوى الإجماع على خلافه، لأن ذلك ليس بعادم النظير في المسائل
~~الفقهية.
# PageV01P333
# ومن هذا القبيل أنه قال بعدم جواز إزالة الخبث بذلك الماء، مع دعوى
~~العلامة وولده - على ما حكي عنهما - على الجواز.
# فالحق: أن كلامه في تلك المسألة متشابه، ويناقض بعضه بعضا، فلا يظهر منه
~~اختياره القول بالطهارة هنا، إن لم نقل بظهوره في اختيار النجاسة كما عرفت،
~~ولا ينافيه ما ذكر من قرينة المقابلة، فلعل الداعي إلى جعلهما متقابلين كون
~~النجاسة في الماء النجس جزءا للعنوان، إذ مع فرض ارتفاعها بعلاج كإتمامه
~~كرا مثلا يخرج عن كونه الماء النجس، بخلاف المستعمل في إزالة الخبث، فإن
~~النجاسة فيه ليس جزءا للعنوان، فلذا فرض فيه ارتفاع الحكم المذكور من عدم
~~جواز استعماله ثانيا ببلوغه كرا.
# وغرضه بذلك الفرض التنبيه على أن المانع عن الاستعمال فيه ليس هو حيثية
~~كونه مستعملا في إزالة الخبث، وهو معنون في مقابلة الماء النجس ms294 من هذه
~~الحيثية، بل المانع هو النجاسة، فإذا ارتفع بالعلاج جاز فيه الاستعمال مع
~~بقائه على عنوان المقتضي لجعله مقابلا وعده قسما برأسه، بخلاف الماء النجس
~~المقابل له، فإنه إذا ارتفع عنه النجاسة بالعلاج خرج عن عنوانه بالمرة،
~~فإنه بعد الطهارة لا يكون ماء نجسا.
# وأما التشريك بينه وبين رافع الحدث الأكبر في المنع عن الاستعمال - بعد
~~بنائه فيه أيضا على النجاسة - لا حكم له في اقتضاء اختياره الطهارة في رافع
~~الخبث، وكذلك على فرض عدم بنائه فيه على النجاسة وفاقا للمعظم، لما سبق من
~~أن التشريك في الحكم لا يقتضي التشريك في جهة الحكم.
# ومن جميع ما ذكر يظهر ضعف ما عن اللوامع (1) أيضا من نسبة القول بالطهارة
~~مطلقا إلى المرتضى وجل الطبقة الاولى، كما يظهر عدم دلالة ما عن جامع
~~المقاصد من:
# " أن الأشهر بين المتقدمين أنه غير رافع كالمستعمل في الكبرى " (2) على
~~دعواه الشهرة على الطهارة.
# فنتيجة الكلام أنه لم يثبت في أصحابنا قول صريح ولا ظاهر فيه.
# نعم، ربما يحكى عن الأمين الإسترآبادي كلام هو صريح في الميل إلى الطهارة
# PageV01P334
# مطلقا (1)، وحكي عن ظاهر الشهيد في الذكرى أيضا - كما في المدارك (2) -
~~واختاره بعض مشايخنا قدس سره (3) مع اشتراطه ورود الماء، فهو في الحقيقة
~~اختار القول الآتي في المسألة وهو خامس الأقوال.
# وكيف كان فالقول الرابع هو القول بالطهارة مطلقا من غير فرق حتى بين
~~الورودين، وأما أدلة هذا القول.
# فمنها: ما أشار إليه في المدارك (4) من الأصل السالم عما يصلح للمعارضة،
~~نظرا إلى أن الروايات المتضمنة لنجاسة القليل بالملاقاة لا تتناول ذلك
~~صريحا ولا ظاهرا، وتخرج الروايات الدالة على طهارة ماء الاستنجاء شاهدا،
~~وبملاحظة جميع ما مر يظهر ضعف ذلك بل كونه في غاية الضعف.
# ومنها: أنه لو انفعل لم يطهر المحل، والتالي باطل إجماعا فكذا المقدم،
~~وهذا الوجه وان لم يصرح بالاستدلال به في هذا المقام، وإنما صرح به في كلام
~~السيد في مسألة انفعال القليل بالقياس إلى الفرق بين الورودين، ولكن يمكن
~~إجراؤه في ms295 المقام لعموم مفاده، بل جريانه ثمة مبني على نهوضه دليلا هنا،
~~كما لا يخفى.
# ولكن لقائل أن يقول: إنه لو تم لم يكن قاضيا بالطهارة إلا في الغسلة
~~الثانية المزيلة لنجاسة المحل، لمنع بطلان التالي إذا قرر لإثبات الطهارة
~~في الغسلة الاولى أيضا، فيكون أخص من المدعى، ولذا عدل عنه الاستاذ مد ظله
~~في شرح الشرائع (5)، فقرره على وجه يعم الغسلتين، وهو أنه لو كان نجسا لم
~~يؤثر في التطهير.
# والجواب: بمطالبة دليل الملازمة، وهو لا يخلو إما قاعدة " اشتراط طهارة
~~الماء في إزالة النجاسة "، أو قاعدة " أن المتنجس لا يطهر " وهي أخص من
~~الاولى، أو قاعدة " تنجس ملاقي النجس "، ولا سبيل إلى شئ منها، سواء استند
~~فيها إلى الإجماعات المنقولة، أو إلى الإجماع المحصل، أو إلى تتبع الأخبار
~~الجزئية الواردة في الموارد الخاصة من أبواب الطهارات.
# PageV01P335
# وأما على الاوليين بجميع تقاديرهما الثلاث فلما مر فيهما من الكلام
~~مستوفى في دفع حجج القول السابق بالفرق بين الغسلتين، فراجع.
# ومرجعه إلى منع انعقاد هاتين القاعدتين على تقدير، ومنع منافاتهما
~~للانفعال على آخر، إذ لو اريد بالطهارة المشترطة طهارة الماء قبل ملاقاته
~~للمحل وحين ملاقاته له، وبالتنجس المانع عن التطهير تنجس الماء أعم مما حصل
~~من نجاسة المحل وما حصل من غيرها سابقا أو لاحقا، فانعقاد أصل القاعدة
~~ممنوع، وسند المنع ما تقدم، فيبقى عموم قاعدة الانفعال سليما عن المعارض.
# وإن عورض بمنع العموم في تلك القاعدة أيضا رجع البحث إلى الدليل السابق،
~~وقد استوفينا فيه الكلام أيضا فيما سبق.
# ولو اريد بهما الطهارة والتنجس في الجملة، ولو بالنسبة إلى ما قبل
~~الملاقاة، أو حينها إذا حصل التنجس من نجاسة خارجة عن نجاسة المحل، فأصل
~~القاعدة مسلم ولا إشكال فيها أصلا، ولكنها لا تنافي عموم قاعدة الانفعال،
~~ولو قيل بمنع عموم تلك القاعدة أيضا ليلزم منه صحة المراجعة إلى الأصل
~~والأخذ بموجبه عاد الكلام السابق.
# ومن هنا يتضح أن ما في كلام بعض مشايخنا العظام (قدس سره) - بعد ذكر
~~القاعدتين وإبداء المعارضة ms296 بينهما، - من: " أن دعوى: أنه لم يعلم كونها -
~~يعني قاعدة أن المتنجس لا يطهر - شاملة لمثل المقام ليست بأولى من دعوى:
~~أنه لم يعلم شمول القاعدة الاولى - يعني قاعدة الانفعال - له " (1) ليس في
~~محله.
# والعجب أنه أقعد القاعدة المذكورة رجما بالغيب، وأظهر من نفسه تسليم
~~قاعدة الانفعال، لكن لا إذا استند فيها إلى عموم المفهوم لأنه غير مسلم في
~~نظره، بل إذا استند فيها إلى ما قيل: من أن المتتبع لكثير من الأخبار -
~~مضافا إلى حكاية الإجماعات هناك على النجاسة - يستفيد قاعدة وهي: " أن
~~الماء القليل ينفعل بالملاقاة "، فتوهم المعارضة بينهما ثم تحرى في تحصيل
~~المرجحات للقاعدة الاولى، فلم يأت إلا بامور واهية لا يكاد يخفى وهنها على
~~الخبير المنصف، وسنشير إليها مع ما يوهنها.
# وأما على الأخيرة: فلأنها تعضدنا ولا تنافينا كما لا يخفى، ومع ذلك نقول
~~ما المراد
# PageV01P336
# بتنجس ملاقي النجس أو المتنجس؟ فإن اريد أن الماء إذا فرض انفعاله بنجاسة
~~المحل كان المحل ملاقيا للمتنجس فيتنجس به، لا أنه يطهر به.
# ففيه: أنه لا ينافي طهره بعد تحقق ما هو سبب له شرعا، وهو الغسل الذي لا
~~يتأتى إلا بإخراج ذلك الماء المتنجس عنه بالعصر العرفي أو الإفراغ، على ما
~~يستفاد من الأدلة من أنه هو المطهر حقيقة، والماء شرط مقوم له، كما أن
~~طهارته بالمعنى المتقدم شرط له.
# وإن اريد به أن طهره به إنما يكون بما إذا تطهر حال الملاقاة، فإذا فرض
~~أن الماء يتنجس به فلا يتأتى فيه ذلك فلا يطهر.
# وفيه: أن اعتبار ذلك في التطهير مما لم يقل به أحد، ولا أنه مما قام عليه
~~دليل بل الدليل على خلافه، كيف ولو صح ذلك لقضى بعدم اعتبار التعدد في
~~التطهير عن بعض النجاسات، بل وبعدم اعتبار العصر في الثياب، ولا الإفراغ في
~~الأواني، وكل ذا كما ترى، مع أن الفريقين من أهل القول بالطهارة وأصحاب
~~القول بالنجاسة متسالمان على أنه لا تطهر ما لم يستكمل الغسل بآدابه
~~وشرائطه.
# وقد يعترض أيضا: بأن ms297 قاعدة نجاسة الملاقي للنجس مما لا ريب في شمولها لكل
~~من الماء والمحل، إذ اللازم من نجاسة الماء بالمحل نجاسة المحل بالماء
~~لحصول الملاقاة من الطرفين، فالتزام عدم نجاسة الماء - وإلا لنجس المحل ولم
~~يطهره - ليس بأولى من التزام عدم نجاسة المحل به، بل الأول أبعد، لأن ما
~~تأثر من الشئ لا يؤثر فيه ذلك الأثر، نعم لا يبعد أن يؤثر فيه خلافه بنقل
~~ما فيه إلى نفسه.
# ويمكن دفعه: بأن المتأثر عن الشئ لا يمكن كونه علة محدثة لذلك الأثر في
~~ذلك الشئ، فلم لا يجوز أن يكون علة مبقية لذلك الأثر فيه؟ إذ ليس معنى
~~تأثره عنه أنه ينتقل إليه ذلك الأثر عنه بالمرة، بل الذي ينبغي أن يحمل
~~عليه هذه القاعدة في تتميم الاستدلال إنما هو إرادة البقاء على التنجس
~~السابق، على فرض تنجس الماء به، فإن ملاقي المتنجس إما أن يحدث فيه التنجس
~~من جهته إذا كانت الملاقاة مسبوقة بالطهارة، أو أن يستمر فيه التنجس من
~~جهته إذا كانت الملاقاة مسبوقة بالنجاسة، فإن أصحاب القول بطهارة الغسالة
~~وكذلك أهل القول بنجاستها لا يدعون أن المحل يطهر قبل انفصالها عنه، بل
~~الظاهر أنه خلاف الإجماع، بل يشبه بأن لا يكون متعقلا على PageV01P337
# القول بالنجاسة، بعد فرض استيلاء الماء المتنجس عليه ونفوذه في جميع
~~أجزائه وأعماقه، ودعوى: كون ذلك مركوزا في أذهان العرف حيث إنه يفهمون من
~~أدلة غسل النجاسة بالماء انتقالها عن المحل إليه مع طهر المحل غير مسموعة،
~~وعلى فرض صحة هذه النسبة فلا عبرة بما عند العرف جزما إذا خالف حكم العقل.
# نعم، يمكن القول بأن النجاسة حينئذ وإن كانت تنتسب إلى المحل أيضا ولكنه
~~بالواسطة، فإنها قبل ملاقاة الماء للمحل كانت قائمة به منتسبة إليه أولا
~~وبالذات، وإذا لاقاه الماء انتقلت النجاسة إليه وصارت قائمة به منتسبة إليه
~~أولا وبالذات وإلى المحل ثانيا وبالعرض، بواسطة استيلاء ذلك الماء عليه
~~ونفوذه في جميع أجزائه وأعماقه، فمعنى طهره قبل الانفصال أن النجاسة لا
~~تنتسب إليه أصالة، ms298 لا أنه طاهر مطلقا، ولكنه مبني على ثبوت أنها تنتقل عنه
~~إلى الماء الملاقي له بالمرة، وهو في حيز المنع، ولا يكفي فيه مجرد
~~الاحتمال، ومع قيام احتمال الخلاف كان عروض النجاسة للماء والانتقال إليه
~~مشكوكا فيه مع تيقن ثبوته للمحل قبل الملاقاة، فيخرج الأصل الجاري من
~~الجانبين - أعني أصالة بقاء النجاسة في المحل كما كانت وأصالة عدم عروضها
~~للماء - مرجحا لالتزام عدم نجاسة الماء، وإلا لنجس المحل ولم يطهره.
# ولكن يرد عليه حينئذ: أن طهارة الماء حينئذ ليس من جهة أنها لولاها لما
~~طهر المحل، إذ لا منافاة بين نجاسته وطهارة الماء بتحقق سببها الشرعي وهو
~~الغسل، بل من جهة الأصل، ومع ذلك فيقع الكلام في صحة الاستناد إلى هذا
~~الأصل وجريانه، ولعله في محل المنع، إذ لا مجال له بعد تحكيم قاعدة: " أن
~~الملاقي للنجس يتنجس " المقتضية لتنجس الماء.
# فمن هنا تبين أن هذه القاعدة لنا لا علينا، فيبقى دعوى الملازمة في أصل
~~الحجة - على تقدير الاستناد فيها إلى تلك القاعدة - بلا دليل، لأنا معاشر
~~القول بنجاسة هذا الماء لا ندعي أن المحل لابد وأن يطهر حين ملاقاة الماء،
~~وأن طهره بعد الانفصال منوط بطهره حين الاتصال، بل ولا يقول به أحد، بل
~~ندعي عدم المنافاة بين نجاسة الماء - بل ونجاسة المحل ما دام الماء متصلا
~~به - وصيرورته طاهر بعد الانفصال، لأن لكل سببا، وسبب تنجس الماء المستلزم
~~لتنجس المحل باتصاله به هو الملاقاة - بناء PageV01P338
# على عموم قاعدة الانفعال - وسبب طهارة المحل بعد الانفصال هو تحقق الغسل
~~واستكماله بالانفصال، فيجب إعمال السببين لإمكانه وعدم مانع عنه.
# ثم إنك قد عرفت أن بعض مشايخنا العظام (قدس سره) (1) بعد ما توهم
~~المعارضة بين قاعدة انفعال القليل وقاعدة أن المتنجس لا يطهر، بالغ في
~~ترجيح تلك القاعدة على قاعدة الانفعال، وذكر في ذلك امورا كثيرة، ليس شئ
~~منها بشئ.
# منها: ما أشار إليه (2) في صدر البحث، من أن الحكم بنجاسة الغسالة مطلقا
~~فيه من العسر والحرج ما لا يخفى.
# وفيه: أن ms299 هذا كلام لا يساعدنا الوجدان على تعقله، فإنا نجد المتشرعة
~~متحرزين في جميع الأعصار والأمصار عن الغسالة بجميع لوازمها العادية من دون
~~أثر للعسر والحرج فيه، ومع ذلك فهذا العسر إن كان بالنسبة إلى البلة
~~الباقية في المحل فالتزام الحكم بطهارتها لئلا يلزم العسر والحرج ليس بأبعد
~~من التزام طهارة الغسالة رأسا لئلا يلزم العسر والحرج، مع أن في الأول جمعا
~~بين القاعدتين: قاعدة الانفعال وقاعدة طهارة المتنجس بالغسل المستلزمة
~~لطهارة البلة الباقية، بخلاف الثاني لاستلزامه طرح القاعدة الاولى، وإن كان
~~بالنسبة إلى اليد الغاسلة وغيرها من آلات الغسل فهي مما لابد من تنجسها على
~~كل حال، لملاقاتها المتنجس أو النجس برطوبة، وإلا لزم طرح قاعدة اخرى وهي:
~~" أن ملاقي النجس أو المتنجس برطوبة يتنجس "، ومع ذلك أي عسر من جهته بعد
~~جريان طريق التطهير وهو الغسل بالقياس إليها أيضا؟ مع قوة احتمال جريان
~~قاعدة التبعية هنا، بل يمكن عليه دعوى السيرة وعمل المتشرعة.
# وهنا احتمالات اخر لتقريب دعوى لزوم العسر والحرج لا ينبغي الإطناب
~~بذكرها، لخلوه عن الجدوى، مع أن أقصى ما يترتب على العسر والحرج المنفيين
~~في الشريعة إنما هو رفع التكليف، وهو وجوب التحرز لا رفع النجاسة، فلا
~~ملازمة أيضا.
# ومنها: عدم وجود أثر لها - أي لنجاسة الغسالة هنا - فيما وصل إلينا من
~~الأخبار بالخصوص مع عموم البلوى والابتلاء بها، واشتمالها على كثير من
~~فروعها الدقيقة مثل القطرات ويد المباشر ونحوهما، ولذلك قال في الذكرى: "
~~والعجب خلو كلام أكثر
# PageV01P339
# القدماء عن الغسالة مع عموم البلوى بها " (1).
# وفيه: أن مطالبة الأثر في نجاسة الغسالة مع قيام قاعدة انفعال القليل كما
~~ترى، فإنها على الفرض قاعدة كلية تكفي في معرفة جزئياتها ما لم تخرج عنها،
~~وقد قررها الشارع ومعها لا معنى لمطالبة الدليل في خصوص كل مورد من
~~مواردها، ومن هنا اتجه عليه إيراد آخر بالقلب، فإنه لو كانت الغسالة طاهرة
~~مع اقتضاء قاعدة الانفعال نجاستها لوجب ورود نص فيها، كما ورد في طهارة
~~الاستنجاء ونحوه، فخلو ما وصل ms300 إلينا من الأخبار عن مثل هذا النص دليل محكم
~~على العدم، مع المنع عن خلوه عن أثر النجاسة، فإن رواية العيص (2) -
~~المتقدمة - كافية في ذلك، والمناقشة فيها سندا أو دلالة مندفعة بما مر، ثم
~~تخرج رواية عبد الله بن سنان (3) - المتقدمة - أيضا شاهدة.
# ومنها: تأيد هذه القاعدة بأصل البراءة، وأصل الإباحة، وأصل الطهارة
~~واستصحابها.
# وفيه: أن قاعدة الانفعال أيضا متأيدة بالإجماعات المنقولة - حسبما تقدم
~~إليها الإشارة - والشهرة محققة ومحكية، وعدم قائل بالطهارة صريحا من
~~علمائنا السلف أو ندرة، والتأييد بهذه الامور لا يقصر عن التأييد بالاصول
~~بل أولى، كما لا يخفى.
# ومنها: نسبة ابن إدريس ما قاله المرتضى - في كلامه المتقدم - إلى
~~الاستمرار على أصل المذهب، وفتاوي الأصحاب به.
# وفيه: مع ما عرفت في بحث الورودين من المناقشة في تلك الدعوى - حيث لا
~~موافق له فيها، بل التتبع في كلمات الفقهاء وملاحظة سيرة الناس يقضي
~~ببطلانها - أنها معارضة بدعوى الإجماعات المتقدمة، والعجب أنه يغمض عن هذه
~~الإجماعات ويتشبث بما فيه عندهم ألف كلام.
# ومنها: أن هذه لم يعثر على تخلفها بالنسبة إلى المياه أبدا، بخلاف الاخرى
~~فإنها قد تخلفت في بعض وهو محل وفاق، كالإستنجاء وماء المطر والجاري، وآخر
~~محل خلاف كالحمام ونحوه.
# وفيه أولا: أنه لو اكتفى في دعوى تخلف قاعدة الانفعال بما هو محل خلاف
~~فمثله
# PageV01P340
# موجود في القاعدة الاخرى بالنسبة إلى المياه، كما في مسألة تتميم القليل
~~النجس كرا بنجس، على ما نسب إلى ظاهر جماعة يدعون الطهارة، واستنادها إلى
~~اجتماعهما.
# وثانيا: أن موضوع القضية في قاعدة: " أن المتنجس لا يطهر " إن اعتبر جنس
~~المتنجس من دون تقييده بالماء، فتخلفها بالنسبة إلى حجر الاستنجاء الذي هو
~~محل وفاق، وإلى الأرض التي تطهر باطن القدم وغيره الذي هو محل خلاف، يكفي
~~في إبداء المعارضة.
# وإن اعتبر مقيدا بالماء، فمع أنه لا داعي إليه - حيث لا قيد له في كلامهم
~~فينبغي أن تلاحظ مطلقة - نحن نقول بموجب القاعدة إن اريد بالتنجس ما يحصل
~~من غير نجاسة المحل، وإلا فأصل ms301 القاعدة غير مسلمة، مع أن التخلف الخلافي لو
~~صلح موهنا للقاعدة لكان محل البحث منه، على أنه لا يسلم وجود التخلف
~~الوفاقي في الطرف المقابل، لأنه في كل من الموارد المذكورة موضع خلاف كما
~~لا يخفى على المتأمل.
# ومنها: أن قاعدة: " المتنجس ينجس " القاضية بتنجس القليل به في المقام
~~استنباطية، ولم يعلم شمولها لمثل [المقام] (1) مع تخلفها عندهم هنا، فإن
~~الماء عندهم ينجس ولا ينجس الثوب مثلا به، فإن كان لم يعلم شمول قاعدة: "
~~أن المتنجس ينجس " للمقام حتى ينجس الماء للثوب، فكذلك لم يعلم شمولها له
~~حتى ينجس الثوب الماء.
# وفيه: إنا لا نقول بأن الماء بعد تنجسه بالثوب ينجس الثوب، ولا أن الثوب
~~طاهر ما دام هو فيه، بل نقول: إنه باق على تنجسه حتى يستكمل المطهر والسبب
~~الشرعي للتطهر وهو الغسل، فإنا نقول بموجب قاعدة: " أن المتنجس ينجس " فيما
~~إذا كان الملاقي له قابلا للتنجس وتجدده بعدم قيام المانع عنه، وإنما لا
~~نقول في الثوب بتنجسه بالماء المشمس لأنه باق بعد على نجاسته، فهو ليس
~~قابلا للتنجس حتى نقول فيه بموجب القاعدة.
# ومنها: عسر التحرز في كثير من المقامات بالنسبة إلى جريانها إلى غير محل
~~النجاسة، وبالنسبة إلى مقدار التقاطر ومقدار التخلف ونحو ذلك، والقول بأن
~~المدار في ذلك على العرف، لا أثر له في الأدلة الشرعية، ولو تأمل الناظر في
~~عمل القائلين بالنجاسة وكيفية عدم تحرزهم عنها، لقطع بأن عملهم يخالف ما
~~يفتون به " الخ (2).
# PageV01P341
# وفيه: أن مبنى عمل القائلين بالنجاسة في الموارد المذكورة إنما هو على
~~المصاديق العرفية، ومع كونه ميزانا في المقام ارتفع الإشكال بحذافيره،
~~ودعوى: أن اعتبار العرف مما لا أثر له، من أبعد الأشياء التي تذكر في
~~المقام، كيف وأن مسميات الموضوعات مما لا يعرف إلا بمراجعة العرف، ونظيره
~~في المسائل الفرعية فوق حد الإحصاء، ألا ترى أنه في مسألة الخليطين بالنسبة
~~إلى غسل الميت يقتصر فيهما على المسمى العرفي، وفي مسألة السجود على الأرض
~~مثلا يعتبر ما يصدق عليه الاسم عرفا، ms302 وكذلك الكلام في الطهورين وغيرهما.
# وبالجملة: المتتبع في الشرعيات يقطع بأن المناط في موضوعات الأحكام إذا
~~كانت لغوية إنما هو الصدق العرفي، فكذا المقام ومعه لا عسر ولا حرج، و على
~~فرض تسليمهما بالقياس إلى بعض ما ذكر، فهما إنما يسقطان التكليف دون الوضع،
~~فلا يجب التحرز لا أنه لا نجاسة.
# ومنها: جملة من الروايات الجزئية التي أخذها بعضهم دليلا من جانب
~~القائلين بالطهارة، وستسمعها مع ما يدفعها.
# وقد يجاب عن أصل الحجة: بإبداء المعارضة بمثلها، فيقال: بأنه لو كانت
~~الغسالة طاهرة لجاز التطهر بها من الحدث، لأن التفكيك بينهما يوجب التقييد
~~في إطلاق ما دل على جواز رفع الحدث بالماء الطاهر، خرج ماء الاستنجاء عنه
~~كما خرج أحجار الاستنجاء عن الحجة المذكورة.
# وحاصل المعارضة: أن هذا الماء قد جمع بين ما هو لازم للطهارة - إلا ما
~~خرج - وهو تطهير، وما هو للنجاسة - إلا ما خرج - وهو عدم جواز رفع الحدث به
~~ثانيا، فأدلة الملازمتين متعارضة، وأقصى ما يلزم من هذه المعارضة التوقف،
~~أو الحكم بالتساقط، فيبقى عمومات انفعال القليل سليمة عن المعارض.
# إلا أن يقال - بعد تسليم عموم أدلة الملازمة الاولى، أعني ما دل على
~~الملازمة بين طهارة الماء والتطهير به -: كما أنها معارضة بأدلة الملازمة
~~الثانية - أعني الإطلاقات المذكورة القاضية بالملازمة فيما بين عدم جواز
~~رفع الحدث بالماء ونجاسته - كذلك معارضة بأدلة انفعال القليل، والتعارض بين
~~الكل إنما هو بالعموم من وجه، فيجب PageV01P342
# التوقف والرجوع إلى أصالة عدم الانفعال.
# لكن يمكن الذب عنه: بأن ارتكاب التقييد في دليل واحد وهو دليل الملازمة
~~الاولى - خصوصا مثل هذا الإطلاق الذي لا نسلمه إلا من باب التنزل والمماشاة
~~- أولى من ارتكابه في الأدلة المتعددة، وهي أدلة الملازمة الثانية مع أدلة
~~انفعال القليل، فلا داعي إلى التوقف والرجوع إلى الأصل، لأنهما بعد العجز
~~عن الترجيح على حسب مقتضى القواعد العرفية المعمولة في الأدلة اللفظية، ولا
~~عجز هنا.
# ومنها: طائفة من الأخبار التي أوردها شيخنا الاستاذ دام ظله (1) بزعم
~~إمكان الاستدلال بها على ms303 الطهارة، بل أخذها بعض آخر من مشايخنا في الجواهر
~~(2) مؤيدة لما اعتمد عليه من قاعدة " أن المتنجس لا يطهر "، بل جعلها في
~~الحدائق (3) دالة على الطهارة، ولذا توقف في المسألة بدعوى: معارضة تلك
~~الأخبار لروايات اخر دالة على النجاسة، وهي روايات:
# منها: رواية الأحول المتقدمة في بحث الاستنجاء النافية للبأس عنه،
~~المعللة بأكثرية الماء في مقابلة القذر، بقوله (عليه السلام): " أو تدري لم
~~صار لا بأس به؟ قلت: لا والله، قال: لأن الماء أكثر من القذر " (4) فإن
~~العلة بعمومها تشمل المقام.
# وقد يقرر: بأن ليس المراد بالأكثرية مجرد الكم، بل المراد استهلاك القذر
~~في الماء الذي يورده عليه، فدل على أن كل ماء ورد على قذر فاستهلكه بحيث لم
~~يظهر فيه أوصافه كان طاهرا.
# وأجاب عنه الاستاذ (5) بما يرجع محصله: إلى أن تعرض الإمام (عليه السلام)
~~بعد نفيه البأس عن الماء المفروض في السؤال للتعليل بالعلة المذكورة، يدل
~~على أن الحكم الوارد في الرواية إنما ورد على خلاف القاعدة، لأنه تعرض لذلك
~~بعد أن سكت، فكأنه فهم من حال السائل في زمان سكوته أنه استبعد ذلك الحكم،
~~لما ركز في ذهنه من أن مقتضى
# PageV01P343
# القاعدة خلاف ذلك، فقال: " أو تدري لم صار لا بأس به " دفعا للاستبعاد،
~~مريدا به أن هذا الحكم ما جعل على خلاف القاعدة المركوزة في ذهنك، والذي
~~يشعر بذلك أنه عبر عن جعل هذا الحكم بلفظ " صار " الذي يدل على الانتقال،
~~ومعناه أن هذا الحكم خارج عن مقتضى [القاعدة]، والعلة في خروجه أن الماء
~~أكثر من القذر، ومعه لا يمكن التمسك بعموم تلك العلة، لأن الحكم الخارج على
~~خلاف القاعدة هنا طهارة ماء الاستنجاء، فحينئذ إما أن يريد الإمام (عليه
~~السلام) بقوله: " أو تدري لم صار لا بأس به " بيان أن طهارة ماء الاستنجاء
~~من حيث كونه ماء قليلا ملاقيا للنجاسة خارجة عن مقتضى القاعدة، أو يريد به
~~بيان أن طهارة ماء الاستنجاء من حيث كونه غسالة خارجة عن مقتضى القاعدة، أو
~~يريد به بيان أن ms304 طهارة ماء الاستنجاء من حيث كونه ماء استنجاء خارجة عن
~~القاعدة.
# فان كان الأول: يدل على عدم انفعال القليل بالملاقاة، كما توهم مستدلا
~~بتلك الرواية.
# وإن كان الثاني: يدل على طهارة الغسالة كائنة ما كانت.
# وإن كان الثالث: يدل على طهارة ماء الاستنجاء خاصة.
# ولكن لا سبيل إلى الأول إذ لا قاعدة في مقابلة عدم انفعال القليل، ليكون
~~ذلك على خلافها مخرجا عنها، بل هو على تقدير ثبوته حكم موافق للقاعدة، لأن
~~القاعدة الأولوية في الماء الطهارة بخلاف الأخيرين، إذ يمكن فرض قاعدة في
~~مقابلتهما بكون الحكم فيهما مخالفا لها، إذ على أولها يكون الحكم المذكور
~~مخالفا لقاعدة انفعال القليل بالملاقاة، وعلى ثانيهما يكون مخالفا لقاعدة
~~نجاسة الغسالة، والاستدلال بالرواية على طهارة مطلق الغسالة لا يتم إلا على
~~تقدير تعين أول الاحتمالين في كونه مرادا، ولا معين له في الكلام.
# والتشبث بالعموم مما لا معنى له، لأنه لو كان لقضى بعدم انفعال القليل
~~مطلقا، وقد فرضنا عدم إمكان إرادته، والمفروض أن المستدل أيضا لا يقول به،
~~بل هو ممن يقول بالانفعال، فصارت العلة الواردة في الرواية مجملة، ومعه سقط
~~بها الاستدلال جدا.
# أقول: إنه مد ظله وإن أجاد فيما أفاد، وأتى في منع الدلالة بما لم يأته
~~إلا ذو القوة القدسية، وصاحب الملكة القوية المستقيمة، إلا أن فيه بعد
~~إشكالا لم يتعرض هو لدفعه، PageV01P344
# مع إمكان المناقشة فيه: بأن العلة إذا كانت بنفسها عامة، فغاية ما يلزم
~~مما ذكر في نفي إرادة المعنى إنما هو ورود تخصيص عليها، ومن المقرر أن
~~العام المخصص حجة في الباقي بعد التخصيص، أي ظاهر في تمام الباقي لا أنه
~~مردد بينه وبين البعض منه، فإنه لو حملناها على إرادة المعنى الثاني
~~لحملناها على تمام الباقي بعد التخصيص، ولو حملناها على إرادة المعنى
~~الثالث لحملناها على البعض منه، وحيث إن البعض الآخر لا يعلم له مخرج فيجب
~~الحمل على الجميع، ومعه يتم الاستدلال فيها.
# وأما الإشكال المشار إليه فهو أن اللازم من الحمل على أحد ms305 المعنيين
~~الأخيرين دون الأول أن تكون الرواية فارقة بين أقسام القليل الملاقي
~~للنجاسة، مفصلة فيها بالحكم على البعض بالطهارة دون البعض الآخر، والعلة
~~المأخوذة لذلك الحكم هي أكثرية الماء، وهذه العلة كما أنها تجري بالقياس
~~إلى الاستنجاء، كذلك تجري بالقياس إلى مطلق الغسالة، وكما أنها تجري في
~~الغسالة كذلك تجري في مطلق القليل، ومن القبيح عقلا المستقبح عرفا تعليل
~~الفرق بين شيئين أو أشياء بعلة مشتركة بين الجميع، فإن علة الحكم المخصوص
~~بشئ لابد وأن يكون من خصائص ذلك الشئ وإلا لما اختص الحكم به، لئلا يلزم
~~تخلف المعلول عن العلة.
# فالأولى أن يقال في الجواب - بعد البناء على كون التعليل في معرض بيان
~~كون الحكم المذكور على خلاف مقتضى القاعدة، حسبما ذكر -: إن المراد بأكثرية
~~الماء بالقياس إلى القذر ليس هو الأكثرية الحسية، ليلزم أحد المحذورات مما
~~ذكر في نفي احتمال المعنى الأول، وما أشرنا إليه من الإشكال بالقياس إلى
~~المعنى الأخيرين - ولو فسرت بما يوجب الاستهلاك - بل المراد بها الأكثرية
~~المعنوية، التي يرادفها القوة العاصمة، فيكون معنى التعليل: أن هذا الماء
~~فيه قوة تعصمه عن الانفعال بذلك القذر، وليس في القذر في مقابلته قوة تزاحم
~~ما في الماء وتترجح عليه فتوجب انفعاله، وهذه القوة مما لا يدري أنها هل هي
~~الحيثية الاستنجائية اللاحقة بالماء، أو الحيثية المطهرية عن الخبث العارضة
~~له، أو مجرد كونه ماء، فتكون العلة مجملة والقدر المتيقن منها الحيثية
~~الاولى، لأنها حاصلة على جميع التقادير في ماء الاستنجاء المسؤول عنه، فلا
~~يظهر من الرواية حكم الماء القليل مطلقا، ولا حكم مطلق الغسالة، فسقط
~~الاستدلال PageV01P345
# بها على عدم انفعال القليل بالملاقاة، ولا طهارة الغسالة على الإطلاق،
~~وإلى هذا المعنى - من دعوى إجمال العلة - أشرنا في بحث انفعال القليل.
# ومنها: ما ورد في بول الصبي من الروايات الآمرة بصب الماء عليه (1).
# وأجاب عنه الاستاذ دام ظله: " بأنها لا تدل على طهارة غسالته المنفصلة،
~~ونحن لا نقول أيضا بنجاسة ما لا يلزم انفصاله عن المحل " (2) وهو أيضا في ms306
~~غاية الجودة كما لا يخفى.
# ومنها: ما ورد في غسالة الحمام التي لا تنفك عادة عن الماء المستعمل في
~~إزالة النجاسة، كمرسلة أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن
~~الماضي (عليه السلام) قال:
# " سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس تصيب الثوب؟ قال: لا بأس
~~به " (3).
# وفيه: أن غسالة الحمام بنفسها عنوان آخر، ولهم فيه كلام آخر يأتي إيراده،
~~ولعل البناء فيها على الطهارة، فلا مدخل لها في محل البحث، على أن الكلام
~~في غسالة الحمام - على ما يأتي بيانه - فيما لم يعلم بملاقاة النجاسة ولا
~~بعدم ملاقاته.
# ودعوى: أن الغالب فيها إزالة الخبث بها، فيحمل الرواية على الغالب.
# يدفعها: المعارضة بأن الغالب فيها أيضا ملاقاة نجس العين من أصناف
~~الكفار، من المجوسي والنصراني واليهودي، وغيرها من أنواع النجاسات كالبول
~~والمني، الحاصل ملاقاتهما من غير جهة الإزالة ليكون من محل البحث، فلو بنى
~~على حملها على الغالب لكان ذلك من جملة المحمول عليه، ولازمه عدم انفعال
~~القليل رأسا، ولا يقول به المستدل، ومع قيام الأدلة على الانفعال فلابد من
~~حمل الرواية على ما لا ينافيها، وهو مورد النادر. ودعوى: أن النادر ما لم
~~يلاق نجس العين ليست بأولى من دعوى: أن النادر ما لم يستعمل في إزالة
~~الخبث، أو ما لم يلاق نجس العين ولم يستعمل في إزالة الخبث.
# ومنها: رواية الذنوب (4) الواردة في أمر النبي (صلى الله عليه وآله)
~~بتطهير المسجد من بول الأعرابي
# PageV01P346
# بصب ذنوب من الماء عليه، وعن الخلاف في وجه الاستدلال: " أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) لا يأمر بطهارة المسجد بما يزيده تنجيسا " (1) فيلزم أن
~~يكون الماء باقيا على طهارته.
# وفيه: ما عن المعتبر عن الخلاف من أنه بعد حكايتها قال: " إنها عندنا
~~ضعيفة الطريق، لأنها رواية أبي هريرة، ومنافية للاصول، لأنا بينا أن الماء
~~المنفصل عن محل النجاسة نجس، تغير أم لم يتغير، لأنه ماء قليل لاقى نجسا "
~~(2).
# ومنها: صحيحة محمد بن مسلم (3) المروية في المركن، الآمرة بغسل الثوب فيه ms307
~~مرتين، وفي الماء الجاري مرة واحدة، وقيل في وجه الدلالة: أن نجاسة الغسالة
~~توجب نجاسة المركن فلا يطهر الثوب بالغسلة الثانية، خصوصا مع عدم إحاطتها
~~بجميع ما تنجس منه بالأولى.
# وفيه أولا: عدم دلالتها على ملاقاة الثوب للمركن بوروده على الماء الذي
~~هو في المركن، أو بورود الماء عليه وهو في المركن، لجواز أن يكون المراد
~~غسله بالقليل الذي يصب عليه من الآنية ونحوها، على وجه ينفصل منه الغسالة
~~إلى المركن وتدخل فيه، وقضية ذلك طهارة الثوب بالغسلتين، مع سكوت الرواية
~~عما في المركن من الغسالة.
# وثانيا: منع دلالتها على ملاقاة الثوب للمركن وهو باق على نجاسته الحاصلة
~~بالغسلة الاولى، بجواز لزوم غسله بعد الاولى ثم إيقاع الغسلة الثانية فيه
~~أيضا، ولا ينافيه عدم تعرض الرواية لبيان ذلك، لجواز أن الراوي كان عالما
~~به، وإنما وردت الرواية لبيان حكم اعتبار التعدد في الغسل عن البول إذا كان
~~بالقليل.
# PageV01P347
# وثالثا: منع منافاة نجاسة المركن بالغسلة الاولى لطهر الثوب بالغسلة
~~الثانية، إذا وقعت عليه مستكملة بإخراج الغسالة عنه بعد رفعه عن المركن،
~~والنجاسة الحاصلة فيه بالغسلة الاولى لا تزيد على نجاسة البلة الباقية في
~~الثوب عن الاولى، ولا على نجاسة اليد المباشرة له في الغسل، وكما أنهما لا
~~تؤثران في تنجس الثوب ثانيا، ولا تنافيان طهره باستعمال الغسل الشرعي،
~~فكذلك نجاسة المركن، لأن الجميع من واد واحد، ودعوى، كون ما فيه قادحا دون
~~ما في البلة واليد تحكم، ومن هنا ترى أن العلامة (1) أفتى بموجب تلك
~~الرواية، وحكم بأن الثوب يخرج طاهرا والمركن وما فيه يكون نجسا، مع احتمال
~~طهر المركن بالتبعية إذا أفرغ منه الغسالة كاليد المباشرة.
# ومنها: رواية إبراهيم بن عبد الحميد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)
~~عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الآخر، وعن الفرو وما فيه من الحشو؟
~~قال: " اغسل ما أصاب منه، ومس الجانب الآخر، فإن أصبت شيئا منه فاغسله،
~~وإلا فانضحه " (2). وتقريب الدلالة فيها - على ما أشار إليه في الحدائق: "
~~أنه لو تنجس الماء ms308 الوارد بالملاقاة لكان النضح سببا لزيادة المحذور، فكيف
~~يؤمر به " (3).
# وفيه: مع أنه لو تم لقضى بعدم انفعال الماء في صورة وروده على النجاسة،
~~وإن لم يكن في مقام الغسل والإزالة ليدخل في عنوان " الغسالة "، ضرورة، أن
~~النضح ليس بغسل، والمستدل ممن لا يقول به أنه خارج عن المتنازع فيه، إذ
~~النضح إنما يكلف به في موضع عدم إصابة شئ من البول، فلم يعلم ملاقاته
~~للنجاسة، وعدم العلم بالملاقاة كاف في الحكم بعدم النجاسة، فالنضح حينئذ
~~إما تعبد صرف يكلف به في موضع الاحتمال، أو أن الأمر به في الرواية مبالغة
~~في الحكم بعدم النجاسة مع عدم العلم بها بعد التحري والفحص.
# وحاصله: إفادة أن احتمال النجاسة في عدم اقتضاء الغسل أو وجوب الاجتناب
~~بحيث يجوز معه مباشرة المحل وملاقاته بالرطوبة، وإن شئت فانضح موضع
~~الاحتمال،
# PageV01P348
# وعلى هذا المعنى يحمل صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام)
~~قال: سألته عن الصلاة في البيع، والكنائس، وبيوت المجوس، فقال: " رش وصل "
~~(1) والتعبير عن نفي آثار معلومة عن شئ مفروض بنظائر هذه العبارة، كثير
~~شائع في العرفيات كما لا يخفى.
# فما في الحدائق - الاستدلال بتلك الرواية أيضا بالتقريب المتقدم - من: "
~~أنه لو تنجس الماء الوارد بالملاقاة لكان الرش سببا لزيادة المحذور " (2)
~~مما لاوجه له أصلا.
# والعجب منه أنه استند إلى تلك الروايات بزعم دلالتها على الطهارة فارقا
~~بينها وبين الطهورية، فحكم بعدمها عملا بالأصل الذي لا يخرج عنه هنا (3)،
~~ثم توقف في آخر كلامه، قائلا: " وبالجملة عندي محل توقف والاحتياط فيها
~~لازم " (4) نظرا منه إلى جملة اخرى من الروايات الدالة على النجاسة، كما
~~تقدم في مبحث نجاسة الماء القليل بالملاقاة من الأخبار الدالة على إهراق
~~ماء الركوة والتور ونحوهما، مما وضع فيها إصبع أو يد فيهما قذر، فإن إطلاق
~~تلك الأخبار شامل لما لو كان بقصد الغسل أم لا، بل [ولو لم يكن بقصد الغسل،
~~فإنه يجب الحكم بالطهارة متى زالت العين و لم يتغير الماء] (5) بمجرد ذلك
~~الوضع، ونحوها في ms309 الدلالة ما ورد من إيجاب تعدد الغسل فيما ورد فيه، وعدم
~~تطهير ما لا يخرج عنه الماء إلا بالكثير، فإنه لا وجه لهذه الأشياء على
~~تقدير القول بطهارة الغسالة، وما اجيب عن ذلك من كون ذلك تعبدا بعيد جدا "
~~(6) انتهى.
# وكل ذلك كما ترى خروج عن طريق الاجتهاد، وعدول عن جادة الاستنباط.
# ثم إنه بعد ما استظهر من الأخبار المتقدمة الدلالة على الطهارة، وضم
~~إليها الحكم بعدم الطهورية، أسند إلى الأمين الإسترآبادي الميل إلى هذا
~~القول، ناقلا كلامه بأنه - بعد الكلام في المسألة - قال: " ملاحظة الروايات
~~الواردة في أبواب متفرقة تفيد ظاهرا لطهارة غسالة الأخباث وسلب طهوريتها
~~بمعنى رفع الحدث، ولم أقف على دلالة سلب طهوريتها بمعنى إزالة الخبث،
~~والأصل المستصحب بمعنى الحالة السابقة،
# PageV01P349
# وأصالة الطهورية بمعنى القاعدة الكلية، والبراءة الأصلية بمعنى الحالة
~~الراجحة، والعمومات تقتضي إجراء حكم الطهورية بهذا المعنى إلى ظهور مخرج،
~~والله أعلم " (1).
# وأما خامسها: فالقول بالطهارة إذا ورد الماء على المحل، ولازمه النجاسة
~~إذا انعكس الأمر، وأما أن المحل هل يطهر حينئذ أو لا يطهر؟ فمبني على مسألة
~~كيفية التطهير المفروضة في اشتراط ورود الماء على المحل المغسول وعدمه، ومن
~~هنا يظهر أن هذا القول ينحل إلى قولين، وكيف كان فهذا مما عده الشهيد في
~~عبارته المتقدمة من الدروس (2) قولا برأسه، مقابلا للأقوال الاخر في
~~المسألة.
# ولمناقش أن يناقش فيه بدعوى: أنه ليس من أقوال تلك المسألة مقابلا للقول
~~بالطهارة، بل هو جمع بين القول بالطهارة هنا والقول باشتراط الورود في
~~المسألة المشار إليها.
# وبيان ذلك: أن الفقهاء عندهم نزاعان، أحدهما: ما في مسألة الغسالة، من
~~أنها هل هي طاهرة أو لا؟ والآخر: ما في مسألة الغسل عن الأخباث، من أنه هل
~~يشترط فيه ورود الماء على المغسول أو لا؟ فإذا اتفق أحد قال بالطهارة في
~~الاولى واشتراط الورود في الثانية، كان قائلا بطهارة الغسالة إذا ورد الماء
~~على المحل، ومعه فلا ينبغي عد ذلك قولا برأسه مقابلا للقول بالطهارة هنا.
# بل ربما يمكن أن يقال: ms310 بأن هذا لا يدخل في أقوال تلك المسألة أصلا، بل هو
~~جمع بين القول بعدم انفعال الماء القليل في صورة وروده على النجاسة مع
~~القول باشتراط الورود في مسألة الغسل، وهذا هو الظاهر من كلام السيد (3)
~~فيما تقدم، وقد عرفت آنفا موافقة الحلي (4) له، وتبعهما صاحب المدارك (5)،
~~ويستفاد اختياره من تضاعيف كلام بعض من عاصرناه من مشايخنا العظام (6).
# واحتج في المدارك على الطهارة: " بالأصل السالم عما يصلح للمعارضة، فإن
~~الروايات
# PageV01P350
# المتضمنة لنجاسة القليل بالملاقاة لا تتناول ذلك صريحا ولا ظاهرا، وتخرج
~~الروايات الدالة على طهارة ماء الاستنجاء شاهدا " (1) وعلى اعتبار الورود "
~~بأن أقصى ما يستفاد من الروايات انفعال القليل بورود النجاسة عليه، فيكون
~~غيره باقيا على حكم الأصل " (2).
# ومحصل الوجهين يرجع إلى الاستدلال على النجاسة في صورة ورودها على الماء
~~بروايات انفعال القليل بالملاقاة، وعلى الطهارة في صورة العكس، بالأصل بعد
~~المنع عن تناول تلك الروايات لهذه الصورة، فالعمدة في ذلك الدليل حينئذ
~~دعوى: عدم تناول أدلة انفعال القليل لصورة ورود الماء، وقد بينا بطلان تلك
~~الدعوى بما لا مزيد وفي غير موضع، فلا حاجة إلى إعادة الكلام.
# وعن السيد الاحتجاج: " بأنا لو حكمنا بنجاسة الماء القليل الوارد على
~~النجاسة، لأدى ذلك إلى أن الثوب لا يطهر من النجاسة إلا بإيراد كر من الماء
~~عليه، والتالي باطل بالمشقة المنتفية بالأصل فالمقدم مثله، وبيان الشرطية:
~~أن الملاقي للثوب ماء قليل فلو نجس حال الملاقاة لم يطهر الثوب، لأن النجس
~~لا يطهر غيره " (3).
# ولا يخفى أن دعوى تلك الملازمة إنما تستقيم إذا كان في مسألة تطهير الثوب
~~قائلا باعتبار ورود الماء، وإلا لكان الدليل على فرض تماميته قاضيا بعدم
~~انفعال القليل مطلقا كما عليه العماني، وهو لا يقول به ظاهرا، وحيث إن هذه
~~الملازمة مستندة إلى قاعدة أن النجس لا يطهر، فمنعها عندنا سهل، بعد ما
~~استوفينا الكلام في منع القاعدة المذكورة على إطلاقها، ففيما تقدم مفصلا
~~كفاية - في الجواب عن هذا الدليل - عن إطالة الكلام هنا.
# وأجاب عنه العلامة في المختلف ms311 بالمنع من الملازمة أيضا، قائلا: " بأنا
~~نحكم بتطهير الثوب والنجاسة في الماء بعد انفصاله عن المحل " (4) والفرق
~~بينه وبين مقالتنا أنا نحكم بالنجاسة حال الاتصال وبعد الانفصال معا ولا
~~منافاة، وهو لا يحكم بالنجاسة إلا بعد الانفصال وزوال الملاقاة التي هي
~~السبب في انفعاله.
# PageV01P351
# ومن هنا اعترض عليه في المدارك: " بأن ضعفه ظاهر: لأن ذلك يقتضي انفكاك
~~المعلول عن علته التامة، ووجوده بدونها، وهو معلوم البطلان " (1) فإنه متجه
~~قطعا، ولا يمكن التفصي عنه، ومراده بالعلة هي الملاقاة حسبما اقتضته الأدلة
~~وكلام الأعلام، فما في حاشية هذا الكلام للمحقق البهبهاني من: " أنه لا
~~يخفى أنه لم يظهر أن العلة ما هي؟
# حتى يعترض عليه بذلك " (2) ليس على ما ينبغي.
# وأما الكلام في اعتبار الورود وعدمه، فهو مما لا يتعلق بالمقام، ويأتي
~~البحث عنه في محله.
# وأما سادسها: فالقول بالنجاسة مطلقا وإن كان بعد طهارة المحل، بمعنى: أن
~~الماء المنفصل عن كل غسلة نجس، وإن ترامت الغسلات إلى ما لا نهاية له، وعن
~~الشهيد في حاشية الألفية: " أنه حكاه عن بعض الأصحاب " (3).
# وفي الحدائق: " عن الشيخ المفلح الصيمري - في شرح كتاب موجز الشيخ ابن
~~فهد - أنه نقل عن مصنفه أنه نقل في كتاب المهذب والمقتصر هذا القول عن
~~المحقق والعلامة، وابنه فخر الدين، ثم نسبه في ذلك إلى الغلط الفاحش والسهو
~~الواضح " (4) انتهى.
# ولعله إلى ابن فهد يشير ما في المدارك - بعد نقله هذا القول -: " من أنه
~~ربما نسب إلى المصنف والعلامة " - ثم رده بقوله: " وهو خطأ، فإن المسألة في
~~كلامهما مفروضة فيما يزال به النجاسة، وهو لا يصدق على الماء المنفصل بعد
~~الحكم بالطهارة " (5).
# وعن الروض - أنه بعد ما نقل القول المذكور، نقل: " أنه قائله " يعني ابن
~~فهد (6).
# وكيف كان: هذا القول - مع أنه غريب مقطوع بفساده، لمخالفته الاصول
~~المحكمة، والقواعد المتقنة وغيرها من الأدلة الشرعية، فالمحكي من حجته أيضا
~~قاصر عن إفادته، وهو: أنه ماء قليل لاقى نجاسة.
# وبيانه: أن طهارة المحل بالقليل على خلاف الأصل - المقرر من نجاسة القليل ms312
# PageV01P352
# بالملاقاة - فيقتصر فيه على موضع الحاجة وهو المحل دون الماء، ولا خفاء
~~ما فيه من الفساد، لو كان دليلا على النجاسة في جميع الغسلات حتى بعد طهارة
~~المحل، لوضوح امتناع صغراه بعد فرض الطهارة في المحل، فإن كبراه - على ما
~~هو المصرح به في العبارة - كلية انفعال القليل بملاقاة النجاسة، ولا تتم هي
~~دليلا إلا بعد انضمام الصغرى إليها، وهي: أن هذا الماء - أي المنفصل عن
~~المحل - بعد طهره ملاق للنجس، وهو كما ترى بعد فرض الطهارة مما يبطله دليل
~~الخلف.
# نعم، يمكن بعيدا توجيهه: بكونه مبنيا على نجاسة البلة الباقية في المحل
~~بعد طهارة المحل - على القول بنجاسة الغسالة - كما هو أحد الاحتمالات
~~المتقدمة فيه، فإنها باقية على النجاسة وإن طهر المحل، فحينئذ فكلما غسل
~~هذا المحل كان الماء الملاقي له ملاقيا لتلك البلة فيكون ملاقيا للنجس، وهو
~~صغرى الدليل فيضم إليها الكبرى الكلية ويحصل المطلوب، لكن فيه: ما عرفت
~~آنفا من أن نجاسة البلة الباقية بعد طهارة المحل مما لم يقل به أحد، ولا
~~حكي القول به، وإنما هو مجرد احتمال يذكر في المقام، مع ما عرفت من فساده
~~في نفسه، وعدم تعقل مجامعة نجاستها لطهارة المحل، مضافا إلى الوجوه الاخر
~~القاضية بطهارتها.
# وبالجملة: فهذا القول بظاهره في غاية السخافة ونهاية الغرابة.
# ومن هنا قد يوجه كلام هذا القائل - كما في شرح الشرائع للاستاذ مد ظله -
~~بأنه:
# " إذا فرض تحقق الغسلة المطهرة، ولكن لم ينفصل الماء عن المحل، فالمحل
~~طاهر والماء الموجود فيه نجس، فإذا غسل مرة اخرى لاقى ماؤه الماء الباقي من
~~الغسل المطهر - والمفروض أنه نجس، وإن طهر المحل - فينفعل به الماء الثاني
~~" (1) إلى أن قال -: " وحينئذ فإذا فرض نجاسة غير المنفصل، فكلما لاقاه
~~الماء نجس به، وإن ترامى إلى غير النهاية " (2)، ثم قال: " وهذا قول حسن
~~جدا، بل هو الذي ينبغي أن يقول به كل من يقول بنجاسة الغسالة، لأن النجاسة
~~لا تختص بما بعد الانفصال، - كما يظهر من العلامة في المختلف (3) - حتى
~~يورد عليه ms313 - كما في الذكرى (4) - بلزوم تأخر المعلول
# PageV01P353
# وهو النجاسة عن العلة وهي الملاقاة " (1) انتهى.
# وهذا توجيه وجيه، وإن كان خلاف ظاهر الحكاية بل صريحها، وما ذكرناه أوجه،
~~وإن كان فاسدا في نفسه.
# ثم إن لنا في حكمه - مد ظله - بطهارة المحل مع نجاسة ما لم ينفصل عنه من
~~الماء إشكالا، قد تقدم بيانه.
# فأولا: لأنه كيف يعقل الطهارة فيه مع نجاسة ما نفذ في جميع أعماقه، إلا
~~أن يراد بالطهارة زوال نجاسته الأصلية، وهذا الموجود نجاسة في الماء عرضية،
~~تنسب إلى المحل تبعا وعرضا.
# وثانيا: لأن المطهر الشرعي - وهو الغسل - بعد لم يتحقق قبل انفصال الماء
~~المنصب عنه، فكيف يحكم عليه بالطهارة قبل الانفصال، إن اريد به ما قبل
~~العصر والإفراغ، إلا أن يبنى على القول بعدم دخولهما في مفهوم الغسل، ولا
~~كونهما معتبرين معه بالدليل الخارج.
# ثم بقي في المقام امور ينبغي التنبيه عليها:
# الأول قال في المنتهى: " إذا غسل الثوب من البول في إجانة، بأن يصب عليه
~~الماء فسد الماء وخرج من الثانية طاهرا، اتحدت الآنية أو تعددت، وقال أبو
~~يوسف: إذا غسل في ثلاث إجانات خرج من الثالثة طاهرا، وماء الإجانة الرابعة
~~فما فوقها طاهر " (2) الخ، ثم أخذ في الاحتجاج على طهارة الثوب قائلا: "
~~ويدل عليه وجهان:
# الأول: أنه قد حصل الامتثال بغسله مرتين، وإلا لم يدل الأمر على الإجزاء.
# الثاني: ما رواه الشيخ (3) - في الصحيح - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد
~~الله (عليه السلام) قال: سألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله في المركن
~~مرتين، فإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة " (4).
# PageV01P354
# أقول: غسل الثوب في الإجانة له ثلاث صور:
# إحداها: أن يؤخذ الثوب على اليد والاجانة تحتها، ليطرح فيها ما ينفصل عن
~~الثوب من الغسالة وقطرات الماء الملاقي له حال الغسل، وهذا مما لا إشكال
~~لأحد في أنه يفيد الثوب طهارة، إذ لا فرق بينه وبين الغسل في غير الإجانة،
~~إلا أن المنفصل فيه يطرح في الإجانة وفي غيره في الأرض، وهو مما لا يعقل ms314
~~كونه فارقا بينهما في الحكم، بل هذه الصورة خارجة عن فرض المنتهى، كما لا
~~يخفى على المتأمل.
# وثانيتها: أن يصب الماء في الإجانة، ثم وضع عليه الثوب ليغسل به فيها،
~~وهو أيضا خارج عن فرض المنتهى، ويتبين حكمه.
# وثالثها: ما هو مفروض المنتهى من انعكاس الصورة الثانية، وحينئذ يشكل
~~الحال في تنزيله الرواية عليها، مع أنها بإطلاقها تشمل الصورتين معا، بل
~~الصور الثلاث جميعا، وإن كان بعيدا بالقياس إلى الصورة الاولى، وكأنه مبني
~~على الأخذ بالغالب. فتأمل.
# وعن الذخيرة: " أنه قد يستشكل حكمه بطهارة الثوب مع نجاسة الماء المجتمع
~~تحته في الإجانة، سيما على مذهبه المتقدم من عدم نجاسة الغسالة إلا بعد
~~الانفصال عن المحل المغسول، ومن المعلوم أن الماء بعد انفصاله عن الثوب
~~المغسول يلاقيه في الاناء، واللازم مما ذكر تنجسه به " (1).
# وعنه (2) - كما في الحدائق -: " أنه وقد يتكلف في دفع الإيراد المذكور
~~بأن المراد من الانفصال خروج الغسالة عن الثوب أو الإناء المغسول فيه،
~~تنزيلا للاتصال الحاصل باعتبار الإناء منزلة ما يكون في نفس المغسول،
~~للحديث " (3).
# ثم عنه الاعتراض عليه: " بأنه لا يخفى بأن بناء هذا الخبر على طهارة
~~الغسالة أولى من ارتكاب هذا التكلف، فإن ذلك إنما يصح إذا ثبت دليل واضح
~~على نجاسة الغسالة، وقد عرفت انتفاؤه " (4) مع أن ظاهر الرواية يدل على
~~الطهارة.
# واستجوده شيخنا في الجواهر، قائلا: " بأنه في غاية الجودة " (5) ودفعه في
~~الحدائق " أولا: بأن هذا التكلف إنما ارتكب لدفع المنافاة بين كلامي
~~العلامة (رحمه الله) من حكمه
# PageV01P355
# بنجاسة الغسالة بعد الانفصال، وحكمه بطهارة الثوب في الصورة المفروضة،
~~فنزل الإناء في الصورة المفروضة منزلة الثوب لتندفع المنافاة بين كلاميه،
~~وأما الكلام في نجاسة الغسالة وطهارتها فهو كلام آخر.
# وثانيا: أن دعوى دلالة الرواية على طهارة الغسالة مع تضمنها وجوب التعدد
~~في الغسل محل إشكال، إلا أن يدعي حمل التعدد على محض التعبد " (1) الخ.
# أقول: الإنصاف أن الرواية لا دلالة فيها على طهارة ولا على نجاسة، كما أن
~~التعويل على الإشكال المتقدم خلاف الإنصاف، ms315 فإن الرواية مع سكوتها عن حكم
~~الغسالة طهارة ونجاسة قد تضمنت طهارة الثوب بغسله على النحو المذكور، فلابد
~~من الالتزام بها لعدم معارض لها، مع ثبوت العمل بها في الجملة، وأما حكم
~~الغسالة فلابد فيه من مراجعة القاعدة، فمن انعقدت القاعدة عنده في الطهارة
~~فيبنى عليها هنا أيضا، ومن انعقدت عنده في النجاسة فيبنى عليها هنا أيضا.
# وإذ قد عرفت أن المحقق عندنا نجاسة الغسالة فنقول بها هنا أيضا، من غير
~~أن ينشأ منه إشكال، وما ذكر في تقرير الإشكال ليس إلا استبعادا محضا، وهو
~~مما لا ينبغي التعويل عليه بعد ورود الشرع بخلافه.
# مع أن المطهر للثوب حقيقة بالماء، وهو إنما يتحقق بعد إخراج الماء المنصب
~~عليه في الاجانة - بعد رفعه عنها - باليد المعصر الذي هو المخرج، واتصاله
~~بما في الإجانة قبل الرفع عنها ليس بأشد من اتصاله بما فيه نفسه، وقد ثبت
~~أنه غير قادح وإن كان نجسا.
# مع أن اتصاله بالإجانة مع ما فيه من الأجزاء المنفصلة عنه من الماء ليس
~~إلا كاتصاله باليد مع ما فيها من البلة المتنجسة، وقد تقرر أن أمثال هذه
~~الاتصالات لا تقدح في طهارة الثوب بعروض المطهر الشرعي له، من حيث إن ما
~~معها من النجاسات لم تحصل من خارج، والقدر المحقق من كونه قادحا إنما هو ما
~~لو حصل النجاسة فيه بالخارج.
# ومن هنا نقدر على أن نقول: إنه لو القي الثوب من يد الغاسل في غير صورة
~~غسله في الإجانة على الأرض التي وقع عليها من قطراته المنفصلة قبل إخراج
~~الغسالة لم يكن قادحا، بل برفعه عنها على هذه الحالة فيستكمل غسله بما بقي
~~منه، لكن في هذا الفرع بعد شئ
# PageV01P356
# في النفس، وطريق الاحتياط هنا مما لا ينبغي تركه، وهو إنما يحصل باستكمال
~~ما بقي من غسله عن أصل النجاسة، ثم غسله مرة اخرى لما طرأه من ملاقاة ما
~~لاقاه في وجه الأرض.
# ويبقى الكلام مع العلامة فيما اعتبره في مفروض المسألة من صب الماء على
~~الثوب في ms316 الإجانة الذي يرجع محصله إلى اعتبار ورود الماء على المغسول، فإن
~~كان النظر في ذلك إلى ما يقتضيه القاعدة الشرعية فهو موكول إلى محله، وإن
~~كان النظر في استفادته من الرواية المذكورة فهو موضع إشكال، لمنافاته ما
~~فيها من الإطلاق، ولو ادعى فيها الانصراف العرفي فهو أشكل، لعدم قيام ما
~~يقتضيه من غلبة إطلاق ونحوها، ومجرد غلبة الوجود لا يوجبه على التحقيق، مع
~~توجه المنع إلى أصل الغلبة، أو كونها معتدا بها.
# وبالجملة: دعوى الانصراف مما لا يلتفت إليها، إلا على فرض كون لفظ "
~~الغسل " مجازا فيما لو ورد المغسول على الماء، أو على فرض كون المنساق منه
~~في نظر أهل المخاطبة بملاحظة غلبة إطلاق أو غلبة وجود - إن اعتبرناها - هو
~~الماهية بوصف وجودها في ضمن ما لو ورد الماء على المغسول، أو على فرض قصور
~~اللفظ عن إفادته الماهية المطلقة، باعتبار كونه في موضع لا يجري فيه مقدمة:
~~أنه لولاها مرادة لزم الإغراء بالجهل، التي هي العمدة في إحراز الإطلاق في
~~المطلقات.
# والفرق بينهما أن الأول يرجع إلى دعوى الظهور العرفي في صورة ورود الماء،
~~والثاني يرجع إلى دعوى عدم الظهور فيما يتناول صورة العكس، ومنشأ الدعويين:
~~هو الغلبة، والسر في الفرق بينهما اختلاف الغلبة في الشدة والضعف، ولا ريب
~~أن الوجوه باطل جزما، وثانيها في غاية الضعف، كما أن ثالثها في محل من
~~البعد.
# ومن هنا يتبين صحة الاستدلال بالوجه الأول - الذي سمعته عن العلامة - من
~~قاعدة الإجزاء، حتى على عكس ما فرضه (رحمه الله)، فإن مبناها على إحراز
~~المأمور به على وجهه والإتيان به كذلك وقد حصل، إذ لا يفهم من قوله (عليه
~~السلام): " اغسل ثوبك عن البول مرتين " إلا إيجاد ماهية الغسل على ما هو
~~المتعارف مرتين، واحتمال مدخلية ورود الماء أو كون الغسل في غير الإجانة
~~وغيرها من الإناء منفي بالإطلاق، نعم لو كان هناك دليل من الخارج أوجب خروج
~~ذلك من الإطلاق فهو كلام آخر، وله مقام آخر، ولذا أوكلنا تحقيقه إلى محله
~~ومقامه، ms317 فانتظر له. PageV01P357
# الثاني حكم غسالة الحمام، فإنها مما انفرد ذكره في كلام الأصحاب، والتعرض
~~له بالخصوص في هذا الباب، والمراد بها على ما يستفاد من كلماتهم بل هو صريح
~~بعضهم - كالحدائق (1) - ما يجتمع في البئر من ماء الحمام المستعمل في غسلات
~~الناس وصباتهم، ويظهر مما حكي عن الأردبيلي (2) من استدلاله على الطهارة -
~~بما يأتي ذكره من صحيحة محمد بن مسلم، وموثقة زرارة - كونها أعم منه ومما
~~هو في سطوح الحمام من المياه التي ينحدر منها إلى البئر، وليس ببعيد، إذ
~~ليس المجتمع في البئر إلا المياه المنحدرة إليها، من السطح الجارية إليها
~~من خطوطه المتخذة في السطح لأجل تلك الفائدة، ومعه يبعد الفرق في الحكم بين
~~المجتمع وما هو في السطح وخطوطه، ويمكن القول: بأن المقصود بالعنوان هو
~~الأول، والثاني ملحق به في الحكم لاتحادهما في المناط.
# وعلى أي تقدير فلهم فيها عبارات مختلفة، بعضها مصرحة بالطهارة، آخر
~~بالنجاسة، وثالث غير واضح المؤدى من حيث الحكم بالطهارة أو النجاسة، ومع
~~ذلك فلم يرد فيها بالمعنى الأول إلا عدة روايات غير معتبرة الأسانيد
~~متعارضة الدلالات، والتي وقفنا عليها أربع روايات، مضافا إلى ما سنذكرها من
~~الروايات الاخر.
# منها: المرسلة الواردة في الكافي عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن
~~أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال:
~~سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب؟ قال: " لا بأس "
~~(3).
# ومنها: ما فيه أيضا من المرسلة بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن محمد بن
~~القاسم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا تغتسل
~~من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمام، فإن فيها غسالة ولد الزنا، ولا
~~يطهر إلى سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب وهو شرهما، أن الله لم يخلق خلقا
~~شرا من الكلب، وأن الناصب أهون على الله
# PageV01P358
# من الكلب " (1).
# ومنها: المرسلة في التهذيب، محمد بن علي بن محبوب، عن عدة من أصحابنا، عن
~~محمد بن عبد الحميد، ms318 عن حمزة بن أحمد، عن أبي الحسن الأول (عليه السلام)
~~قال: سألته - أو سأله غيري - عن الحمام؟ قال: " ادخله بمئزر، وغض بصرك، ولا
~~تغتسل من البئر التي تجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به
~~الجنب، وولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم " (2).
# ومنها: ما عن علل الصدوق - الموصوف في الحدائق (3) وغيره بالموثقية - عن
~~عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: "
~~وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام، وفيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني
~~والمجوسي، والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم " (4).
# ولا يخفى أن المرسلة الاولى تعارض البواقي، غير أن العلاج سهل، من حيث إن
~~ما عداها أخص منها مطلقا من وجهين، وهي أعم لهذين الوجهين:
# أحدهما: تعرض ما عداها لبيان ملاقاة النجاسة وهي غسالة الكافر، دونها.
# وثانيهما: اختصاص المنع فيما عداها بالأغسال، وشمول الرخصة المستفادة
~~منها بملاحظة نفي البأس للاغتسال وغيره من أنواع الاستعمال، نظرا إلى أن
~~نفي البأس عما أصاب الثوب يقضي بطهارته، ويستلزم عدم البأس باستعمال الماء
~~الملاقي له - وهو في الثوب - بجميع أنواعه التي منها التطهر به مطلقا،
~~فطريق الجمع بينهما يتأتى من وجهين:
# الأول: التخصيص فيها بحملها على ما خلا عن النجاسة، وقضية ذلك نجاسة
~~غسالة الحمام مع اتفاق ملاقاة النجاسة دون غيره، فيكون حكمها على قاعدة
~~الغسالة المطلقة، حسبما تقدم.
# والثاني: التخصيص فيها أيضا بحمل الرخصة فيها على ما عدا الاغتسال، من
~~أنواع
# PageV01P359
# الاستعمال بل مطلق التطهير، بناء على ما أفتى به غير واحد من الأصحاب -
~~كما ستعرف - وحينئذ يشكل الحال في دلالة الروايات على النجاسة، لأن ثبوت
~~الرخصة فيما عدا الاغتسال أو مطلق التطهير مما لا يجامع النجاسة، نظرا إلى
~~أنها مما يقتضي المنع مطلقا، وقضية ذلك خروج حكم غسالة الحمام على خلاف
~~قاعدة مطلق الغسالة، كما أفتى به بعض الأصحاب على ما ستعرفه.
# ولا ينافيه تعرض ما عدا المرسلة الاولى لبيان ملاقاة النجاسة - نظرا إلى
~~أن تعليل المنع بالوصف المناسب يقضي بأنه علة الحكم ms319 دون الذات، لأنه لو كان
~~ذات الغسالة كوصف ملاقاة النجاسة صالحة للتعليل بها، لما كان للعدول عنه
~~إلى التعليل بالوصف العرضي وجه، ليقدم الذاتي على العرضي في ذلك - كما قرر
~~في محله - وإلا كان سفها.
# فإذا ثبت أن علة المنع هي الملاقاة للنجاسة، تبين أنه من جهة أنها أثرت
~~في نجاسة أصل الغسالة؛ إذ لا ملازمة عقلا بين ملاقاة النجاسة ونجاسة
~~الملاقي، بل الملازمة الثابتة بينهما بعد اللتيا والتي شرعية، وإجراؤها هنا
~~استدلال بما هو خارج عن تلك الروايات.
# مع أن مرجعه - عند التحقيق - إلى إجراء حكم العام في الخاص وهو كما ترى،
~~وإلا فأصل الروايات لو خليت وطبعها لا قضاء فيها بالملازمة أصلا.
# وما ذكرناه في تقريب المنافاة - من اقتضاء التعليل بالوصف المناسب للحكم
~~لذلك - ممنوع، لأن أقصى ما يسلم من مناسبة الوصف كون الملاقاة للنجاسة
~~مناسبة لأصل المنع، لا أنها مناسبة لنجاسة الملاقي، والمنع مستند إليها لا
~~إلى أصل الملاقاة، وإلا لقضت الروايات بأن علة المنع هي النجاسة الحاصلة
~~بالملاقاة لا نفس الملاقاة، وإنما هي علة للعلة وهو كما ترى خلاف ما يظهر
~~منها.
# ولا مانع من أن يكون ذلك الماء النجس إذا دخل في نوع الغسالة الغير
~~المتنجسة وامتزج معها مقتضيا لهذا المنع في نظر الشارع، مع بقاء أصل
~~الممتزج على أصل الطهارة، غاية الأمر أن طهارته توجب زوال النجاسة عما دخل
~~فيه وامتزج معه بالاستهلاك أو مطلق الممازجة.
# فعلة المنع في الحقيقة اشتمال غسالة الحمام على غسالة الكافر، من حيث
~~إنها غسالة الكافر، لا من حيث نجاستها ليستبعد بقاء المعلول مع زوال العلة
~~بالامتزاج، إذ PageV01P360
# المفروض أنه لا تصريح في الروايات بالنجاسة، ولا بأنها هي المقتضية
~~للمنع، لجواز أن يكون في غسالة الكافر باعتبار المعنى صفة اخرى غير النجاسة
~~هي المقتضية لذلك المنع.
# ومما يشعر بذلك ما في ذيل رواية ابن جمهور من " أن الناصب أهون على الله
~~من الكلب " فإنه يومئ إلى أن الحكمة الداعية إلى المنع المذكور إنما هي
~~الإهانة على الكافر لما فيه ms320 من خبث الباطن، ولا ينافي ذلك ما في تلك
~~الرواية من الطعن على ولد الزنا من " أنه لا يطهر إلى سبعة آباء " لأن ذلك
~~أيضا من جهة ما فيه من الخبث الباطني، لا أن الطهارة هنا مراد بها ما يقابل
~~النجاسة بالمعنى الشرعي؛ فإن النجاسة بهذا المعنى مما لا سبيل إلى التزامه
~~في ولد الزنا - كما تنبه عليه بعض الأصحاب كصاحب الحدائق - قائلا: " بأنه
~~لم يقل بنجاسة ابن الزنا على هذا الوجه قائل من الأصحاب، ولا دليل عليه من
~~سنة أو كتاب " (1).
# نعم في بعض نسخ تلك الرواية الواصلة إلينا - كما قدمنا ذكرها في جملة
~~أخبار انفعال القليل - مكان قوله (عليه السلام): " أن الله لم يخلق خلقا
~~شرا من الكلب الخ "، قوله: " أن الله لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، وأن
~~الناصب لنا أهل البيت أنجس منه " ومثله ما في ذيل رواية العلل على ما
~~وجدناه في الوسائل، لكن بعد وقوع الاختلاف في النسخ لا يتعين علية وصف
~~النجاسة دون وصف آخر، وغرضنا منع الدلالة ويكفي فيه مجرد إبداء الاحتمال،
~~لابتناء الاستدلال على دعوى: الملازمة بين المنع والنجاسة، أو دعوى:
# المنافاة بينه وبين زوال النجاسة، والاحتمال يرفعهما.
# إلا أن يقال: بأن الغرض دعوى الملازمة أو المنافاة العرفيتين، والاحتمال
~~لا يقدح فيهما، لأن مبناهما حينئذ على الظهور العرفي وهو حاصل في المقام،
~~لأن المنساق من الروايات عرفا كون العلة الداعية إلى المنع هي النجاسة في
~~غسالة الكافر، بل انفعال ما يمتزج هي معها من الغسالات الاخر بملاقاتها
~~إياها.
# وبعد كل هذه اللتيا والتي، فالإنصاف يقتضي عدم جواز الاستناد إلى تلك
~~الروايات في هذا المقام لإثبات الحكم الشرعي، من طهارة أو نجاسة، لعدم
~~سلامة أسانيد أكثرها من الضعف والإرسال معا، أو أحدهما، فإن المرسلة الاولى
~~مع ضعفها بالإرسال،
# PageV01P361
# مقدوحة بما في أبي يحيى الواسطي من الاشتباه، لوقوعه - كما قيل - على
~~إسماعيل بن زياد، وهو من أصحاب الكاظم (عليه السلام) ولم نقف فيه على مدح
~~ولا قدح، حيث لم نجده معنونا بخصوصه في ms321 كتب الرجال، وعلى زكريا بن يحيى وهو
~~من أصحاب الرضا (عليه السلام) وحاله كالأول، نعم في الخلاصة: " زكريا بن
~~يحيى الواسطي ثقة روى عن أبي عبد الله " (1) والظاهر اتحادهما، ولكن قد
~~يبعده النسبة إلى الإمامين (عليهما السلام)، إلا أن يقال:
# بلقائه إياهما، إلا أن السند يأبى كونه هو لرواية " أحمد ابن محمد "،
~~فإنه بدليل رواية محمد بن يحيى الظاهر في العطار - بدليل رواية الكليني عنه
~~- هو ابن عيسى المعروف الثقة الجليل، ولم يعهد روايته عن زكريا، لما قيل:
~~من أنه يروي عنه إبراهيم بن محمد بن إسماعيل، نعم هو يروي عن سهل ابن زياد،
~~وهو ثالث من يقع عليهم أبو يحيى الواسطي، ولكن السند يأبى أيضا عن كونه
~~سهيلا، لما قيل: من أنه من أصحاب العسكري (عليه السلام) والمذكور في السند
~~إنما هو أبو الحسن الماضي (عليه السلام)، وكونه ملاقيا له (عليه السلام)
~~أيضا يستلزم ملاقاته خمسة وهو بعيد في الغاية، مع أن سهل بن زياد - على فرض
~~احتمال السند له ممن لم يذكر بتوثيق.
# نعم عن النجاشي: " أنه شيخنا المتكلم " (2) ولكنه لا يدل على وثاقته، مع
~~ما قيل فيه: " من أنه لم يكن بكل الثبت " (3)، وما عن ابن الغضائري: " من
~~أن حديثه نعرفه تارة وننكره اخرى ويجوز أن يخرج شاهدا " (4) إلا أن يقال:
~~إن رواية أحمد عنه يعد عندهم من أمارات الوثاقة، ومعه ليس علينا أن ننظر في
~~أنه أي رجل، ومن أصحاب أي إمام، وكيف كان فالسند لا يخلو عن اضطراب صالح
~~للقدح فيه.
# والمرسلة الثانية مع ما فيها من الإرسال أيضا ضعيفة جدا بابن جمهور، ضعفه
~~العلامة في المنتهى (5)، والمحقق في المعتبر (6)، - على ما حكي عنه في
~~الحدائق (7)، - ومثله الكلام في المرسلة الثالثة، فإنها أيضا مضافا إلى
~~الإرسال ضعيفة بجهالة حمزة بن أحمد، كما اعترف به العلامة في المنتهى (8)،
~~وغيره في الرجال فلا يبقى في المقام إلا
# PageV01P362
# موثقة العلل، والكلام في صحة الاستناد إليها وعدمها يتبين بعد تبين
~~عبارات الأعلام، وتعين ما هو محل كلامهم في هذا ms322 المقام.
# فنقول: قد اختلفت عباراتهم في ذلك، فالعلامة في المنتهى حكم بالطهارة،
~~قائلا - بعد نقل الخلاف في المسألة -: " والأقوى عندي أنه على أصل الطهارة
~~" (1) وإطلاق ذلك يقتضي عدم الفرق عنده بين صور العلم بملاقاة النجاسة، أو
~~الشك فيها، أو العلم بعدمها.
# ومما يرشد إليه أنه تمسك على ذلك بمرسلة أبي يحيى الواسطي المتقدمة (2) -
~~وهي عامة - وبصحيحة حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "
~~كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب (3) "، وبما روي - في
~~الحسن - عن الكليني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " في الماء الآجن
~~يتوضأ منه إلا أن تجد غيره " (4). وهما أيضا عامان، وحينئذ فغسالة الحمام
~~عنده مخرجة عن قاعدة نجاسة الغسالة، بل قاعدة انفعال القليل بالملاقاة.
# إلا أن يقال: بأن قوله بالنجاسة فيهما يقيد كلامه هنا، فيخصصه بصورة عدم
~~العلم بملاقاة النجاسة، كما أن أدلة القاعدتين تخصص هذه الأخبار بالصورة
~~المذكورة، وهو مشكل، لأن قوله بالنجاسة فيهما عام وكلامه هنا خاص، وكيف
~~يقيد الخاص بالعام، مع أن قاعدة الحمل مما لا يجري في فتاوي الفقهاء كما
~~قرر في محله، والنسبة بين أدلة الانفعال وهذه الأخبار عموم من وجه، لاختصاص
~~الاولى بصورة الملاقاة وعمومها بالقياس إلى غسالة الحمام وغيرها، واختصاص
~~المرسلة من تلك الأخبار بغسالة الحمام وعمومها بالقياس إلى صورة الملاقاة
~~وغيرها، وكيف يخصص أحد العامين من وجه بالآخر بلا شاهد خارجي.
# نعم، يجري هذا الكلام بالقياس إلى الحسنة في الآجن، من حيث إنها أعم من
~~الغسالة وصورة الملاقاة أيضا، ولكن دليله غير منحصر فيها، وبالجملة كلامه
~~(رحمه الله) هنا غير
# PageV01P363
# خال عن الاضطراب، مع ما في استدلاله على ما اختاره بصحيحة حريز من الفساد
~~الواضح، لأن هذه الرواية وإن كانت عامة غير أنها بملاحظة أدلة انفعال
~~القليل - التي يقول بموجبها - محمولة عنده على صورة الكر، ومعه كيف يتمسك
~~بها هنا.
# إلا أن يقال: بأن محل النزاع هنا أعم من القليل والكثير، وليس ببعيد.
# وكيف كان: فالقول بالطهارة منسوب معه إلى ms323 جملة من المتأخرين ومتأخريهم،
~~وعد منهم الشيخ علي في جامع المقاصد (1)، غير أن صريح كلامه المنقول عنه -
~~يقتضي اختصاصه بصورة الشك، لأنه قال: " والذي يقتضيه النظر أنه مع الشك في
~~النجاسة تكون على حكمها الثابت لها قبل الاستعمال، وإن كان اجتنابها أحوط "
~~(2)، وعن صاحب المعالم (3) وقبله والده في الروض (4) الميل إليه، وعن
~~العلامة في الإرشاد (5) أنه قال: بالنجاسة، وفي الحدائق: " ربما تبعه فيه
~~بعض من تأخر عنه " (6).
# وعن الصدوق قال: " لا يجوز التطهير بغسالة الحمام، لأنه يجتمع فيه غسالة
~~اليهودي والمجوسي [والنصراني] والمبغض لآل محمد وهو شرهم " (7)، والظاهر أن
~~ذلك فتوى بموجب موثقة العلل، وعن أبيه قريب من هذا الكلام في رسالته إليه،
~~وعن نهاية الشيخ: " غسالة الحمام لا يجوز استعمالها على حال " (8) وعن ابن
~~إدريس أنه جرى عليه قائلا: " غسالة الحمام لا يجوز استعمالها على حال وهذا
~~إجماع، وقد وردت به عن الأئمة (عليهم السلام) آثار معتمدة، قد اجتمع
~~الأصحاب عليها، لا أجد من خالف فيها " (9) وعن المحقق في المعتبر الاعتراض
~~عليه قائلا - بعد نقل كلامه -: " وهو خلاف الرواية وخلاف ما ذكره ابن
~~بابويه، ولم نقف على رواية بهذا الحكم سوى تلك الرواية ورواية مرسلة ذكرها
~~الكليني قال: بعض أصحابنا عن ابن جمهور، وهذه مرسلة وابن جمهور ضعيف جدا،
~~ذكر ذلك النجاشي في كتاب الرجال، فأين الإجماع وأين الأخبار المعتمدة؟ ونحن
~~نطالبه بما ادعاه، وأفرط في دعواه " (10) انتهى.
# والظاهر أن مراده بالرواية المشار إليها التي حكم على كلام ابن إدريس
~~بكونه على
# PageV01P364
# خلافها مرسلة أبي يحيى الواسطي، وكيف كان فعنه في المعتبر القول: " بأنه
~~لا يغتسل بغسالة الحمام، إلا أن يعلم خلوها من النجاسة " (1)، وبه صرح في
~~النافع (2) بعين تلك العبارة وعن العلامة في القواعد (3) نحوه.
# وقضية الاستثناء في كلاميهما أنهما يقولان بالنجاسة في غير صورة العلم
~~بالخلو عنها، حتى مع الشك في الخلو وعدمه، كما أن مقتضى ما عرفت عن الشيخ
~~والحلي أنهما يقولان بالنجاسة مطلقا حتى مع العلم بالخلو ولكن يبطله: أن
~~الحكم بالنجاسة بلا علة داعية ms324 إليه - وهي الملاقاة - مما لا يحوم حوله
~~الجاهل، فضلا عن الفقيه الكامل، فلابد من تنزيل إطلاق كلاميهما على غير
~~صورة العلم بالخلو عن الملاقاة، فيرجع قولاهما إلى قولي المعتبر والقواعد.
# وأما ما عرفت عن المحقق فلا يخلو عن إجمال، من حيث إنه خص المنع
~~بالتطهير، فلو أن الجهة هي النجاسة لم يتفاوت الحال بينه وبين سائر أنواع
~~الاستعمال، إلا أن يحمل على إرادة المثال لنكتة تأدية المطلب بلفظ الرواية
~~تيمنا.
# نعم، يبقى الكلام في تعليله، فلو أراد بما ذكره القضية الدائمة، بدعوى:
~~دوام اتفاق اجتماع غسالة اليهودي وغيره في غسالة الحمام، فهو مما يكذبه
~~الضرورة، ولو أراد به القضية الغالبة، بدعوى: غلبة ذلك فيها بحكم العادة،
~~فهو أيضا بالنسبة إلى هذا الصنف غير مسلم في غالب الحمامات، ولا سيما
~~أعصارنا هذه، وبالنسبة إلى نوع النجاسة غير بعيد، غير أن الكلام حينئذ يبقى
~~في مستند الحكم، وسيتضح منع وجوده، كما يتضح عدم دلالة رواية العلل عليه،
~~وعلى أي تقدير فلو كان مراده القضية الاولى كان قوله مغايرا لقول الشيخ
~~والحلي والمعتبر والقواعد، لاختصاصه بصورة العلم بالملاقاة، غاية الأمر
~~يحصل بينه وبينهم خلاف في الصغرى، ولو كان مراده الثانية رجع قوله إلى
~~قولهم.
# فتلخص من جميع ما ذكر: أن صورة العلم بالخلو عن ملاقاة النجاسة خارجة عن
~~معقد هذه المسألة، وأما الصورتان الباقيتان فكون إحداهما وهي صورة العلم
~~بملاقاة النجاسة من معقد هذه المسألة محل شبهة، حيث قد عرفت أنه لا مصرح
~~بالنسبة إليها بالطهارة عدا ما كان يوهمه ظاهر عبارة العلامة في المنتهى،
~~وقد عرفت ما فيه من
# PageV01P365
# الاضطراب والاختلال وعدم استقامة دليله.
# فبقيت صورة الشك، وفيها قولان: أحدهما: الطهارة وهو للعلامة وغيره ممن
~~عرفتهم، ويظهر من الأردبيلي (1) أيضا.
# [وثانيهما] النجاسة: وهو للصدوق والشيخ والحلي والمحقق والعلامة أيضا،
~~ولا ريب أن القول بالنجاسة هنا مخالف لقاعدتهم المشهورة المتسالم عليها، من
~~أن مدار الحكم بالنجاسة على العلم بتحقق السبب، ولا يكفي فيه مجرد الشك
~~والاحتمال بل الظن أيضا، فمرجعه إلى التعويل على ms325 الظن المستند إلى الغلبة
~~ولو نوعا، كما أن مرجع القول بالطهارة إلى عدم العبرة بذلك الظن.
# فالعمدة في المقام النظر في هذا المطلب، وليس فيه من الأدلة الخاصة إلا
~~ما عرفت من الروايات، مضافة إلى صحيحة محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد
~~الله (عليه السلام) الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره، أغتسل من مائه؟ قال: "
~~نعم، لا بأس أن يغتسل منه الجنب، ولقد اغتسلت فيه، ثم جئت فغسلت رجلي، وما
~~غسلتهما إلا مما لزق بهما من التراب " (2).
# وصحيحته الاخرى، قال: رأيت أبا جعفر (عليه السلام) جائيا من الحمام وبينه
~~وبين داره قذر، فقال: " لولا ما بيني وبين داري ما غسلت رجلي ولا تجنبت ماء
~~الحمام " (3).
# ورواية زرارة الموصوفة بالموثقة، قال: " رأيت الباقر (عليه السلام) يخرج
~~من الحمام فيمضي كما هو، لا يغسل رجليه حتى يصلي " (4).
# حكى الاستدلال بها وبسابقتها عن الأردبيلي (5) ولا بأس به، بناء على ما
~~أشرنا إليه آنفا من أن غسالة الحمام ما يجتمع في البئر من سطوحه الجاري من
~~خطوطها المياه إليها، وفعل المعصوم حجة كقوله إذا كشف عن حكم بعينه، فلولا
~~سطح الحمام مع ما فيه من المياه محكوما عليه بالطهارة - مع قيام الشك في
~~نجاسته بحكم العادة - لما ترك المعصوم التجنب عنه جزما، ولا ضير في تركه
~~الاحتياط الراجح، لمكان كونه بذلك الفعل في مقام التعليم والارشاد، ويخرج
~~رواية أبي يحيى الواسطي شاهدة، لعدم
# PageV01P366
# صلوحها دليلا مستقلا بالإرسال الذي لا جابر له، وإن عمل بها العلامة في
~~المنتهى (1).
# وأما الروايات الباقية فليس فيها أيضا ما يصلح للاستناد إليه بحكم الضعف
~~والارسال إلا موثقة العلل، والظاهر أنها مستند الصدوق (2) فيما عرفت عنه،
~~وهي عند التحقيق لا تعارض ما ذكر أصلا، لعدم وضوح دلالتها على نجاسة ولا
~~على طهارة، فإن قوله (عليه السلام): " وفيها يجتمع غسالة اليهودي والنصراني
~~" إما أن يكون قيدا للموضوع، ليكون مفاد الرواية: المنع عن غسالة الحمام
~~حال كونها يجتمع فيها غسالة هؤلاء، الموجبة لتنجسها، وحاصله اعتبار العلم
~~بملاقاة النجاسة، فلا تتناول صورة الشك. ms326
# أو يكون علة للحكم، فيكون المنع على الإطلاق لتلك العلة الموجبة للنجاسة
~~في مطلق الغسالة، مع تعين حمل القضية على الغلبة دون الدوام، صونا لها عن
~~الكذب، فتكون شاملة لصورة الشك أيضا، غير أنه لا يتعين الحمل على هذا
~~المعنى بعد قيام احتمال آخر مساو له، مع إمكان دعوى الظهور فيه كما لا
~~يخفى.
# هذا مضافا إلى قوة احتمال كون المقصود على الاحتمال الثاني تعليل الحكم
~~بما يكون من مقولة الحكمة - وهي علة التشريع - دون العلة الحقيقية، فيكون
~~محصل المعنى: أن غسالة الحمام لكونها معرضا لأن يجتمع فيها غسالة هؤلاء
~~وأهلا له، فمن حكمها أن لا يغتسل بها، وحينئذ كما ترى خرج عن الدلالة على
~~النجاسة بالمرة.
# مضافا إلى احتمال النهي الوارد فيها لكونه تنزيهيا احتمالا قويا، بقرينة
~~ما سنذكر من رواية علي بن جعفر، وإلى ما سبق آنفا من الكلام في دلالة هذه
~~الرواية ونظائرها من جهات اخر.
# فالإنصاف: أنه لا دلالة ثابتة معتبرة على نجاسة غسالة الحمام في غير صورة
~~العلم بملاقاة النجاسة، مع عدم سبق الكرية، فمقتضى الاصول - مضافة إلى
~~الصحيحتين وغيرهما - الحكم عليها بالطهارة، ولو مع الظن بتحقق السبب، ظنا
~~مستندا إلى العادة والغلبة.
# وأما صورة العلم بتحقق السبب مع عدم سبق الكرية، فعلى مقتضى القاعدة
~~المتقدمة في القليل الملاقي للنجس، كما أن صورة التغير بالنجاسة مع سبق
~~الكرية على قاعدة التغير الموجب للنجاسة، ولا مانع عن شئ من ذلك في المقام،
~~إلا ما عساه يقال: من
# PageV01P367
# معارضة قاعدة الانفعال للصحيحتين المتقدمتين وغيرهما، مما يقضي بإطلاقه
~~على عدم النجاسة حتى مع الملاقاة والقلة، والنسبة بينهما عموم من وجه، غير
~~أن الخطب فيه سهل، لوجود المرجح في جانب القاعدة، مع عدم ظهور مخالف فيه
~~ظاهرا كما عرفت.
# هذا كله في حكمها بالقياس إلى الطهارة، وأما حكمها من حيث الطهورية فمحل
~~إشكال، من حيث إن الموثقة المذكورة تضمنت المنع عن الاغتسال، وهو شامل لكلا
~~تقديري الدلالة على الطهارة وعدمها.
# ويدفعه: أيضا ابتناء ثبوت المنع عن الطهورية - كالطهارة - على ms327 جعل ما سبق
~~علة للحكم لا قيدا لموضوعه، وإلا خرج عن دلالته عليه في صورة الشك، لكن
~~الأحوط الاجتناب عنه في مقام الطهورية، كما أن الأحوط الجمع بين استعماله
~~في رفع الحدث وبين التيمم مع الانحصار.
# نعم، الظاهر أن كراهة التطهير بها في رفع الحدث مع الاختيار مما لا ينبغي
~~إنكاره، لما في الوسائل عن الكافي، عن علي بن جعفر، عن أبي الحسن الرضا
~~(عليه السلام): " من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه، فأصابه الجذام فلا
~~يلومن إلا نفسه، فقلت - لأبي الحسن (عليه السلام) -: أن أهل المدينة
~~يقولون: إن فيه شفاء من العين، فقال: كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام،
~~والزاني، والناصب الذي هو شرهما وكل من خلق الله، ثم يكون فيه شفاء من
~~العين؟ " الحديث. (1) فإنها وإن كانت ظاهرة في غير محل البحث، غير أن الحكم
~~يتعدى إليه بالأولوية، ولا يقدح ما في سندها من الضعف والجهالة في صحة
~~الاستناد إليها هنا، تسامحا في أدلة السنن، وهذه الرواية لو كانت جامعة
~~لشرائط الحجية من حيث السند، لكانت صالحة لصرف الروايات المتقدمة المانعة
~~عن الاغتسال بغسالة الحمام عن ظواهرها، بحمل نواهيها على الكراهة والتنزيه،
~~ولذا احتملناها سابقا فيها، والله العالم بحقائق أحكامه.
# الثالث في الماء المستعمل في رفع الحدث الأصغر، وهذا أحد أقسام المستعمل،
~~الذي ينقسم عندهم إلى ما يكون مستعملا في إزالة حدث، أو خبث، أو مطلقا،
~~والأول إما في
# PageV01P368
# حدث أصغر أو أكبر، والثاني إما في الاستنجاء أو غيره، والثالث هو غسالة
~~الحمام.
# فالمستعمل في الحدث الأصغر ما حكي فيه عن العامة في منتهى العلامة (1)
~~اختلافا عظيما وأقوالا متشتة، القول: بأنه طاهر مطهر - كما عليه أصحابنا -
~~وهو لأكثرهم، و بأنه: طاهر غير مطهر، وهو لمحمد بن [الحسين] (2)، وحكي عن
~~الشافعي في الجديد، وعن المالك أيضا، وغيره.
# و بأنه: نجس نجاسة مغلظة، كالدم والبول والخمر، حتى إنه إذا أصاب الثوب
~~أكثر من درهم منع أداء الصلاة، وهو لأبي حنيفة، و بأنه: نجس نجاسة ضعيفة،
~~حتى إنه إذا أصاب ms328 الثوب أكثر من درهم لم يمنع الصلاة، وهي لأبي يوسف.
# و بأنه: إن كان المتوضئ محدثا، فهو كما قال محمد، وإن كان غير محدث فهو
~~طاهر وطهور، وهو لزفر، وقيل: إنه قول للشافعي، وعنه أيضا أنه توقف فيه.
# وعن أبي حنيفة الاحتجاج على ما اختاره، ومثله أبو يوسف " بأن هذا الفعل
~~يسمى طهارة، وذلك يستدعي نجاسة المحل، فشارك الذي ازيلت به النجاسة " (3).
~~وكأنه اشتباه في القياس، وإلا فالحكم بالقياس إلى أنفسهم لعله في محله، فإن
~~المستعمل في وضوئهم بملاحظة تلك النسبة لا يقصر بحسب الحقيقة عن المستعمل
~~في إزالة البول، وهذا القياس هو اللائق بالمقام، لكمال المناسبة بين المقيس
~~والمقيس عليه دون ما ذكر، لكمال وضوح الفرق بينهما على هذا البيان، إذ
~~إطلاق الطهارة لا يقتضي مقابلة النجاسة على التعيين، بل مقابلة أحد الأمرين
~~منها ومن الحدث، وهما في الشريعة موضوعان متغايران لا يدخل أحدهما في مسمى
~~الآخر ولا في حكمه، ولذا لا يسمى المحدث نجسا، ولا أن ملاقاة المحدث توجب
~~نجاسة الملاقي، والتفكيك بين أنحاء الملاقاة غير معقول في النجاسات، فلو أن
~~ملاقاة الماء له حال التوضي تؤثر نجاسة الماء فملاقاته له في سائر الأحوال
~~أولى بذلك، والتسمية بالطهارة في الأول دون الثاني لا تصلح فارقة بينهما في
~~الحكم بعد ما كان سبب الحكم هو الاستعمال والملاقاة.
# فالحق: أنه طاهر في نفسه مطهر عن الحدث والخبث بلا خلاف يعرف بين
~~أصحابنا، وعليه نقل الإجماعات في حد الاستفاضة، منها: ما في المنتهى (4)،
~~وما عن المعتبر (5).
# PageV01P369
# لنا: على الطهارة - مضافا إلى ما ذكر من القواعد - أن عروض النجاسة له -
~~بعد قيام الدليل عموما وخصوصا على أن الماء من حكمه بحسب خلقته الأصلية
~~الطهارة، وعلى انحصار سبب عروض النجاسة في التغير مطلقا، والملاقاة للنجاسة
~~مع القلة - مما لا يعقل بلا تحقق سببه، والمفروض منه.
# وعلى المطهرية من القواعد القاعدة المستفادة من الأدلة الشرعية عموما
~~وخصوصا، القاضية بأن ما جامع وصفي الإطلاق والطهارة مطهر عن الخبث والحدث
~~صغيرا وكبيرا ما لم يصادفه مانع ms329 كالمغصوبية ونحوها وهذا منه، لعدم قيام
~~الدلالة الشرعية من كتاب ولا سنة ولا غيرهما على مانعية عروض الاستعمال
~~ورفع الحدث الأصغر له، من غير فرق في ذلك بين المستعمل في المرة الاولى،
~~والمستعمل في المرة الثانية المستحبة، أو في المضمضة، والاستنشاق، أو
~~التجديد، خلافا في الثاني والثالث والرابع للشافعية (١)، المنسوب إليهم أن
~~لهم فيها وجهين:
# أحدهما: ذلك لأنه لم يؤده فرضا، والثاني: المنع لأنه مستعمل في الطهارة،
~~فإن فساد المدرك يقضي بفساد المذهب، وتأديته فرضا أو ندبا مما لا حكم له في
~~الشريعة، كما أن الماء لم يحدد له في الشرع فعل فضلا عن انحصاره في فعلين.
# فما عن الشافعية - أيضا - في إزالة الخبث بماء الوضوء من الوجهين، "
~~أحدهما:
# جواز ذلك، لأن للماء فعلين رفع الحدث وإزالة الخبث، فإذا رفع الحدث بقي
~~تطهير الخبث.
# والثاني: المنع وهو المشهور عندهم، لأنه مايع لا يزيل الحدث فلا يرفع
~~الخبث كسائر المايعات، وليس للماء فعلان بل فعل واحد، وهو رفع أحدهما، إما
~~الحدث أو الخبث لا بعينه، فأيهما حصل زالت طهوريته " (٢) متضح البطلان
~~لابتناء كل ذلك على قياس أو استحسان، ولا نقول بشئ منهما.
# مضافا إلى أن القول بأن الماء له فعلان، إن اريد به المرة فهو دعوى
~~يبطلها ظواهر النصوص كتابا وسنة، القاضية بأن له وصف الطهورية بحسب
~~الماهية، فإن إطلاق قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (3) يقضي بأن
~~الثابت له إنما هو ماهية وصف الطهورية، وصرف ذلك إلى إثبات فرد من هذا
~~الوصف له يحتاج إلى دلالة معتبرة من
# PageV01P370
# الخارج ترفع هذا الإطلاق وليست بموجودة، وإن اريد به الماهية بمعنى أنه
~~ما قام به هذا الوصف بحسب الماهية فهي لا ترتفع بالمرة، لأن الثابت بالأدلة
~~حينئذ أن ماهية هذا الوصف في ثبوتها له تتبع الماهية المائية، وهي لا تزول
~~بعروض الاستعمال جزما، فكذلك ما يتبعها لوجود المقتضي وفقد المانع.
# هذا مضافا إلى أن الأوامر الواردة في دفع الحدث وإزالة الخبث لم ترد إلا
~~مطلقة، والأمر ms330 مما يفيد الإجزاء، فلو استعمل المستعمل ثانيا في رفع حدث أو
~~إزالة خبث كان إتيانا بالمأمور به على وجهه فيجب إجزاؤه.
# وفي حكمه من حيث الطهارة والمطهرية المستعمل في تعبد غير حدثي ولا خبثي،
~~كغسل اليد من نوم الليل أو للتغذي متقدما ومتأخرا، فإنه أيضا طاهر و مطهر
~~للقاعدة الشرعية.
# فما عن أحمد - من العامة - في الحكم الثاني من الروايتين، أحدهما: المنع،
~~" لأنه مستعمل في طهارة تعبد أشبه المستعمل في رفع الحدث " ليس بشئ، لبطلان
~~الأصل عندنا - كما في المنتهى (1) - مع بطلان الصغرى أيضا، لعدم دخول
~~المفروض في مسمى الطهارة شرعا.
# وقد شاع الاحتجاج على الحكمين معا، بما في التهذيب عن عبد الله بن سنان،
~~عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: لا بأس أن يتوضأ بالماء المستعمل،
~~وقال: الماء الذي يغسل به الثوب ويغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن
~~يتوضأ به، وأشباهه، وأما الماء الذي يتوضأ به الرجل، فيغسل به يده ووجهه في
~~شئ نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره، ويتوضأ به " (2).
# وما فيه أيضا عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: " كان النبي (صلى
~~الله عليه وآله) إذا توضأ اخذ ما يسقط من وضوئه، فيتوضؤون به " (3) وهو في
~~محله لولا قصور سندها بأحمد بن هلال العبرتائي، المحكوم عليه بالضعف تارة،
~~وبالغلو اخرى، إلى غير ذلك مما قيل فيه وورد في ذمه، ويمكن التعويل على
~~روايته الثانية لما عن الغضائري (4) من أنه توقف في
# PageV01P371
# حديثه، إلا فيما يرويه عن الحسن بن محبوب من كتاب المشيخة، ومحمد بن أبي
~~عمير من نوادره، وقيل: وقد سمع هذين الكتابين جل أصحاب الحديث، واعتمدوه
~~فيهما.
# وقيل فيه: لعل قبول الغضائري والجماعة لما يرويه من الكتابين لتواترهما
~~عندهم وشهرتهما، وحينئذ فلا يضر ضعف الطريق إليهما، ويحتمل أن يكون قد
~~صنفهما في حال استقامته، وهذه الرواية قد رواها عن الحسن بن محبوب، ولو ثبت
~~عمل الأصحاب كلا أو جلا بهما على نحو الاستناد ارتفع الإشكال.
# وأضاف إليهما في المنتهى (1) صحيحة حريز عن أبي ms331 عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب " (2)، وذكر أن
~~الاستدلال بها من وجهين:
# أحدهما: عموم جواز الاستعمال، سواء استعمل في الوضوء أم لا.
# الثاني: أنه إذا لاقى النجاسة العينية كان حكمه جواز الاستعمال ما دام
~~وصف الماء باقيا، فالأولى إنه إذا رفع به الحدث مع عدم ملاقاة النجاسة جاز
~~استعماله، وليس في محله لضعف ما ذكره من الوجهين.
# أما الأول: فلمنع ما ادعاه من العموم، إذ ليست الرواية إلا في معرض بيان
~~أن غلبة الماء على ريح الجيفة توجب عصمته عن الانفعال بها، فجاز التوضي به
~~لأجل ذلك، فكانت ساكتة عن الجهات الاخر التي منها المبحوث عنه.
# ولذا لا يقول أحد بجواز استعماله ثانيا بعد ما استعمل في إزالة الخبث،
~~استنادا إلى تلك الرواية، مع جريان ما قرره من العموم فيه أيضا.
# وأما الثاني: فلمنع الأولوية بعد البناء على حمل الرواية على الكر، دفعا
~~للمنافاة بينها وبين روايات الانفعال بالملاقاة، فإن الكرية إذا كانت عاصمة
~~له عن ظهور أثر النجاسة فيه فالأولى كونها عاصمة له عن ظهور أثر الحدث فيه،
~~وأما مع القلة كما - هو محل البحث - فلا عاصم له عن الانفعال، ومعه كيف
~~يقاس عليه غيره في نقيض هذا الحكم ويدعي عليه الأولوية.
# نعم، يمكن الاستناد إلى الأولوية بالقياس إلى رافع الحدث الأكبر لو قيل
~~فيه
# PageV01P372
# بالطهارة - كما ادعى عليه الإجماع - والمطهرية - كما عليه جماعة من فحول
~~الأصحاب - فإذن يكون ذلك دليلا آخر مضافا إلى ما قررناه من القاعدة.
# وعن المفيد في المقنعة (1) القول باستحباب التنزه منه، بل عنه (2) ذلك
~~أيضا في ماء الأغسال المستحبة، بل الغسل المستحب كغسل اليد للأكل، ومستنده
~~غير واضح.
# نعم، ربما يعزى إلى شيخنا البهائي في الحبل المتين الاستدلال بما في
~~الكافي عن محمد بن علي بن جعفر عن الرضا (عليه السلام) قال: " من اغتسل فيه
~~فأصابه الجذام، فلا يلومن إلا نفسه " (3) قائلا - بعد إيراد الخبر -: "
~~وإطلاق الغسل في هذا يشمل الغسل الواجب والمندوب وفي كلام ms332 المفيد في
~~المقنعة تصريح بأفضلية اجتناب الغسل والوضوء بما استعمل في طهارة مندوبة،
~~ولعل مستنده هذا الحديث، وأكثرهم لم يتنبهوا له " (4) انتهى.
# أقول: وكان ما نقله (رحمه الله) خبر آخر عثر عليه مخصوص بما استعمل في
~~الوضوء، وإلا فلو كان إشارة إلى الخبر المتقدم في ذيل مسألة غسالة الحمام
~~فالاستناد إليه في هذا المقام ليس من شأن العامي فضلا عنه ومن هو دونه،
~~لاختصاص هذا الخبر على ما هو صريح صدره وذيله بالماء الذي يغتسل فيه.
# ومن هنا أورد عليه في الحدائق: " بأن عجز الرواية المذكورة يدل على أن
~~مورد الخبر المشار إليه إنما هو ماء الحمام "، إلى أن قال: " وهذا أحد
~~العيوب المترتبة على تقطيع الحديث، وفصل بعضها عن بعض، فإن بذلك ربما تخفى
~~القرائن المفيدة للحكم كما هنا " (5) إنتهى، كما أنه كذلك لو كان إشارة إلى
~~ما عن الكافي، عن محمد بن علي بن جعفر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)
~~قال: " من أخذ من الحمام خرقة فحك بها جسده فأصابه البرص، فلا يلومن إلا
~~نفسه، ومن اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه، فأصابه الجذام فلا يلومن إلا
~~نفسه " (6) نعم لو قيل بجريان قاعدة التسامح وأدلة السنن في مثل فتوى فقيه
~~واحد كان استحباب الاجتناب متجها من غير إشكال، كما لا يخفى.
# PageV01P373
# والرابع في الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر، وقد اختلفت كلمة جماعة
~~من المتأخرين في تفسيره على ما هو محل نزاعهم الآتي، ففي المدارك: "
~~والمراد بالمستعمل: الماء القليل المنفصل عن أعضاء الطهارة " (1) وإنما عبر
~~بالطهارة ليشمل المستعمل في الوضوء أيضا، واعتبار القلة لأن الكثير إذا
~~حصلت الطهارة به لا يدخل في مسمى المستعمل عندهم، وليس من محل كلامهم على
~~ما يظهر من تتبع تضاعيف عباراتهم، واعتبار الانفصال يقضي بأنه ما لم ينفصل
~~عن العضو لا يسمى مستعملا، وستعرف أن ذلك ليس بمحل وفاق بينهم.
# وعن العلامة في النهاية: " أنه الذي جمع من المتقاطر من الأعضاء " (2)
~~وذلك تقضي بأن النزاع فيما يحصل به الغسل الترتيبي دون ms333 الارتماسي، وستعرف
~~إن شاء الله أنه غير مختص به.
# وعن صاحب المعالم: " أنه يفهم من كلامه أن النزاع في الماء المنفصل عن
~~جميع البدن أو أكثره " (3).
# وفي شرح الدروس: " أنه القدر المعتد به الذي يكون زائدا على القطرة
~~والرشحة، إما بأن ينفصل مرة عن البدن أو لا، بل اجتمع مما انفصل عنه مرارا
~~" (4). وإنما اعتبر القدر المعتد به ليعم ما ينفصل عن جميع البدن أو أكثره،
~~أو ما دون الأكثر مما زاد على القطرة والرشحة، وقد نبه بذلك على أمرين:
# أحدهما: خروج القطرة ونحوها عن موضع النزاع، كما صرح به أيضا فيما تقدم
~~على تلك العبارة.
# وثانيهما: دفع كلام صاحب المعالم فيما عرفت منه، الظاهر في الاقتصار على
~~القسمين الأولين، القاضي بخروج القسم الثالث عن النزاع.
# واحتج على الأمر الأول بكلام الصدوق المشعر بذلك، فإنه - مع منعه التطهير
~~بغسالة الجنب - قال: " وإن اغتسل الجنب فنزا الماء من الأرض فوقع في
~~الإناء، أو سال
# PageV01P374
# من بدنه في الماء، فلا بأس " (1) قائلا: " بأن هذا يشعر بما ذكرنا، ولا
~~يخفى أنه لو كان النزاع فيه - يعني في مثل القطرة أيضا - يكون الروايات
~~المتقدمة آنفا - يعني ما أقامه من الأخبار دليلا على طهارة هذا الماء،
~~وسيأتي بيانها - من روايتي الفضل، ورواية شهاب، ورواية سماعة، ورواية عمر
~~بن يزيد، دالة على ما اخترناه من جواز رفع الحدث (2) الخ ".
# وأنت خبير بما فيه من اعتماده في تشخيص محل النزاع على مجرد الإشعار، إن
~~أراد به ما دون الدلالة المعتبرة، وإلا فأصل الإشعار ممنوع، إذ لا منافاة
~~بين اعتقاد الصدوق بكون مثل القطرة من محل النزاع وبين ما ذكره في الفرع
~~المتقدم، لجواز ابتناء ذلك الفرع على حصول الاستهلاك، وخروج القطرة الواقعة
~~في الإناء عن عنوان المستعمل بذلك الاستهلاك، مع كونها في حد ذاتها من محل
~~النزاع.
# وإنما يظهر الفائدة فيما لو كانت القطرة ممتازة غير مستهلكة في شئ،
~~فحينئذ لو أخذت من محلها وجعلت جزءا من ماء الغسل، بأن يغسل بها جزء من
~~أعضاء الطهارة، كان ms334 منع المانعين عن التطهير بغسالة الجنب مثلا شاملا له،
~~على تقدير دخولها في محل النزاع.
# ومن هنا ينقدح ضعف ما ذكره بالنسبة إلى الروايات من دلالتها على مختاره،
~~فإن الدلالة على جواز التطهير فرع المنافاة بين القول بعدم جوازه ومفاد تلك
~~الروايات، وقد بينا انتفاء المنافاة.
# وبذلك أيضا يظهر وهن ما احتج به ثانيا - على ما زعمه من خروج مثل القطرة
~~عن محل النزاع: " من أن الشيخ (رحمه الله) مع كونه من المانعين روى أكثر
~~هذه الروايات في التهذيب، ولم يتعرض لرد أو تأويل وإيراد معارض، فهذا أيضا
~~يشعر بعدم الخلاف فيه " (3) فإن تجشم هذه الامور إنما هو بعد المنافاة،
~~وهذه الروايات قد وردت في مورد خرج عن مسمى المستعمل بالاستهلاك، وإنما
~~يقول الشيخ بالمنع في المستعمل ما دام هذا الوصف لا مطلقا، فالموضوع متعدد
~~ومعه لا يعقل التنافي ليوجب تجشم أحد الامور المذكورة.
# ثم، إنه احتج على الأمر الثاني: " بأنه لا دليل على ذلك، إذ عباراتهم
~~مطلقة في
# PageV01P375
# المنع عن الماء الذي اغتسل به، غايته أنه يفهم من بعض كلماتهم - كما
~~نقلنا - عدم المنع من القطرة والرشحة، وهذا لا يستلزم كون النزاع فيما
~~ذكره، بل الظاهر ما ذكرناه " (1).
# وفيه: ما فيه مما مر، ومن أنه قائل لنفسه.
# ثم إنه بعد ما ذكر هذا الكلام، ذكر: " أن ما ذكره العلامة في النهاية من
~~التفسير المتقدم يؤيده ما ذكرناه " (2) وهو أيضا كما ترى فإن كلام العلامة
~~ظاهر في اعتبار أمرين، أحدهما: الانفصال عن جميع البدن، لمكان تعبيره
~~بالأعضاء الظاهر في العموم، وثانيهما: اعتبار الجمع بين ما انفصل عن كل
~~واحد من الأعضاء، وبذلك يفارق ما عرفت عن المدارك عنه، فإنه ظاهر في اعتبار
~~القطرة أيضا، لأن كل واحد من القطرات المنفصلة عن الأعضاء ماء قليل منفصل
~~عن عضو الطهارة.
# فتلخص بما ذكر: أن التفاسير الأربع المذكورة بينها شئ هو ما به اشتراكها،
~~وشئ آخر هو ما به امتيازها.
# أما الأول: فأمران، أحدهما: الدلالة على اعتبار الانفصال عن العضو،
~~وثانيهما:
# الدلالة على ms335 خروج فضل الماء الذي يتطهر به عن المتنازع فيه، وهو كذلك وإن
~~كان الأول منظورا فيه، لما أشرنا إليه وستعرف تفصيله.
# وأما الثاني: فلأن ما في المدارك ظاهر في كون القطرة بانفرادها أيضا من
~~محل النزاع بخلاف الثلاث الباقية، غير أنها أيضا تمتاز بأن ما في النهاية
~~ظاهر في اعتبار الانفصال عن جميع البدن بخلاف الباقيين، فإن ما عن صاحب
~~المعالم ظاهر في اعتبار أحد الأمرين من الانفصال عن جميع البدن والانفصال
~~من أكثره، وما في شرح الدروس ظاهر بل صريح في اعتبار أحد الامور الثلاث من
~~الانفصال عن جميع البدن أو أكثره أو ما دون الأكثر مما زاد على القطرة.
# فما في المدارك أعم من الجميع لظهوره في اعتبار أحد الامور الأربع، التي
~~منها القطرة المنفصلة، وهو الأظهر بملاحظة بعض أدلة الطرفين، فإن المجوزين
~~للتطهير بذلك يستدلون بأنه ماء مطلق ولم يسلبه الاستعمال إطلاق الاسم، فيجب
~~أن يكون مجزيا في التطهير المعلق على الماء المطلق، وهو كما ترى متناول
~~للقطرة أيضا، إذا
# PageV01P376
# حصل بها غسل جزء من العضو، والمانعون يستدلون بأن استعمال هذا الماء في
~~التطهير مما لا يحصل معه تيقن البراءة، فيجب أن لا يكون مجزيا، وهو أيضا
~~شامل للقطرة التي يحصل بها غسل الجزء من العضو.
# وكيف كان فالكلام في هذا الماء تارة في طهارته، واخرى في طهوريته.
# أما الأول: فهو مفروغ عنه بين أصحابنا، إذ لا خلاف لأحد في الطهارة، ونقل
~~عليه الإجماع في حد الاستفاضة، نعم أسند الاختلاف فيه إلى العامة في
~~المنتهى (1) على حذو اختلافهم في ماء الوضوء، ويكفينا في إثبات الطهارة -
~~مضافا إلى ما أشرنا إليه - ما قدمناه من القاعدة، فإن سبب الانفعال هو
~~الملاقاة للنجاسة وهو غير متحقق هنا، وكون مجرد الاستعمال رافعا للطهارة
~~الأصلية مما لم يقم عليه دلالة معتبرة، وإلى ذلك أشار العلامة في المنتهى
~~بقوله: " ولأن التنجيس حكم شرعي، فيتوقف ثبوته على الشرع، وليس في الشرع
~~دلالة عليه " (2)، وأضاف إليه وجها آخر وهو: " أن القول بالتنجيس مع القول
~~بطهارة ms336 المستعمل في الوضوء مما لا يجتمعان إجماعا، والثاني ثابت إجماعا،
~~فينتفي الأول، وإلا لزم خرق الإجماع " (3).
# ويدل عليه أيضا روايات مستفيضة قريبة من التواتر، بل متواترة هي بين صحاح
~~وموثقات وغيرهما.
# منها: ما في التهذيب - في صفة الوضوء - عن الفضيل قال: سئل أبو عبد الله
~~(عليه السلام) عن الجنب يغتسل فينتضح الماء من الأرض في الإناء؟ فقال: " لا
~~بأس، هذا مما قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) " (4) (5).
# ومنها: ما في الكافي - في باب اختلاط ماء المطر بالبول - عن شهاب بن عبد
~~ربه عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: " في الجنب يغتسل فيقطر الماء
~~عن جسده في الإناء، وينتضح الماء من الأرض، فيصير في الإناء، أنه لا بأس
~~بهذا كله " (6).
# ومنها: ما في التهذيب - في الباب المذكور - عن عمار بن موسى الساباطي،
~~قال:
# PageV01P377
# سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغتسل من الجنابة، وثوبه قريب
~~منه، فيصيب الثوب من الماء الذي يغتسل منه؟ قال: " نعم، لا بأس به " (1).
# ومنها: ما فيه في الباب المذكور عن بريد بن معاوية، قال: قلت لأبي عبد
~~الله (عليه السلام):
# اغتسل من الجنابة، فيقع الماء على الصفاء، فينزو، فيقع على الثوب؟ فقال:
~~" لا بأس به " (2).
# ومنها: ما تقدم في غسالة الحمام، من مرسلة أبي يحيى الواسطي، عن بعض
~~أصحابنا، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سئل عن مجتمع الماء في
~~الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب؟ قال: " لا بأس " (3).
# ومنها: ما سبق ذكره في بحث القليل، في جملة الأخبار المستدل بها على عدم
~~الانفعال، من رواية عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)
~~أغتسل في مغتسل يبال فيه، ويغتسل من الجنابة، فيقع في الإناء ماء ينزو من
~~الأرض؟ فقال: " لا بأس به " (4).
# ومنها: ما في التهذيب في باب حكم الجنابة، عن سماعة عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال:
# إذا أصاب الرجل جنابة، فأراد الغسل فليفرغ على كفيه، فليغسلهما دون
~~المرفق، ثم يدخل يده في ms337 إنائه، ثم يغسل فرجه، إلى أن قال -: " فما انتضح من
~~مائه في إنائه بعد ما صنع ما وصفت فلا بأس " (5).
# وهذه الأخبار هي التي توهم منها المحقق الخوانساري الدلالة على عدم المنع
~~عن التطهير بماء الغسل، على فرض كون القطرة أيضا من محل النزاع، وقد عرفت
~~منع هذه الدلالة، فإنها غير دالة على حكم التطهير إثباتا ونفيا كما لا
~~يخفى.
# وأما الثاني: ففيه خلاف بين أصحابنا على قولين، بل أقوال إن صح عد التوقف
~~قولا في المسألة.
# أحدهما: جواز التطهير به وهو الأقوى، وفاقا للمنتهى (6) والمختلف (7)،
~~والدروس (8)، والمدارك (9) والحدائق (10)، والرياض (11)، والمحكي عن
# PageV01P378
# الغنية (1)، والقواعد (2)، والإرشاد (3)، والذكرى (4)، والتنقيح (5)
~~والروض (6)، والجعفرية (7)، وجامع المقاصد (8)، ومجمع الفائدة (9)، ونسب
~~إلى محكي جمل العلم (10)، والناصريات (11)، والمراسم (12)، والسرائر (13)،
~~وبعض مصنفات المحقق (14) والتذكرة (15)، ونهاية الإحكام (16)، والبيان (17)
~~و شرح القواعد للسيد عميد الدين (18) والمعالم (19) والذخيرة (20)، والحبل
~~المتين (21)، وفي الحدائق: " أنه المشهور بين المتأخرين " (22)، وفي
~~المدارك: " ذهب إليه المرتضى، وابن إدريس وأكثر المتأخرين " (23).
# وثانيهما: المنع عن التطهير به، وهو المحكي عن الصدوقين (24)، والشيخين
~~(25)، وابني حمزة (26) والبراج (27)، وعن الشيخ في الخلاف (28) نسبته إلى
~~أكثر الأصحاب، ويظهر من المحقق في كتبه الثلاث المعتبر (29) والشرائع (30)
~~والنافع (31) التوقف، بل صرح بالتردد في الشرائع (32)، وإن جعل المنع أحوط.
# و ربما يستشم من الشيخ أنه قائل بجواز الاستعمال في حال الضرورة، حيث إنه
# PageV01P379
# في كتابيه التهذيب (1) والاستبصار (2) - بعد ما أورد فيهما الرواية
~~الآتية عن علي بن جعفر المؤذنة بالجواز - أخذ بحملها على الضرورة المستفادة
~~من سياقها أيضا - على ما قيل - ولكن كون ذلك مذهبا له محل إشكال، حيث إن
~~التأويل لدفع التنافي لا يستلزم اختياره مذهبا - كما تنبه عليه في الحدائق
~~(3) - ونظيره كثير الوقوع في كلامه في الكتابين كما لا يخفى على المتتبع.
# وبالجملة: فحجة القول الأول - من المحصل، والمحكي، والمزيف، والصحيح -
~~وجوه:
# أولها: الإجماع المحكي عن الناصريات (4)، المعتضدة بالشهرة المتأخرة،
~~المحكية في كلام جماعة، وهو لمن يراه حجة بالخصوص في محله، إن لم يكن
~~موهونا بمصير جماعة من أعاظم القدماء إلى خلافه.
# وثانيها: أصالة بقاء ms338 المطهرية الثابتة قبل الاستعمال، ولا يعارضها أصالة
~~بقاء الحدث الثاني على ما قرر في محله، كما أنه بالاستعمال لا يخرج عن
~~موضوعه الأول، وهو أيضا في محله إن لم يكن في مقابله ما يرفع موضوعه.
# وثالثها: أصالة بقاء الأمر بالغسل الثابت قبل انحصار الماء في المفروض،
~~وهو فاسد لرجوعه بالقياس إلى إثبات المطهرية لهذا الماء إلى الأصل المثبت،
~~ضرورة أن المطهرية له ليست من الأحكام الثابتة للمستصحب في الحالة السابقة
~~حتى يحكم ببقائها في الحالة اللاحقة، لكونها مشكوكا فيها في كلتا الحالتين
~~كما لا يخفى، وبذلك يستغني عن تجشم معارضة ذلك بأصالة بقاء الحدث.
# ورابعها: إطلاق الأمر بالغسل، لصدق امتثاله باستعمال الماء المفروض،
~~وحاصله:
# أن استعمال هذا الماء في رفع الحدث ونحوه غسل، وكل غسل موجب لامتثال
~~الأمر به ومقتض للإجزاء، أما الصغرى: فواضحة، وأما الكبرى: فلإطلاق الأوامر
~~الواردة بالغسل كتابا وسنة، والمناقشة فيه: بخروج الماء المفروض بسبب
~~الاستعمال عن كونه مطهرا، مصادرة لا يعبأ بها.
# PageV01P380
# نعم، قد يناقش بمنع اعتبار هذا الإطلاق، لانصرافه إلى الغالب، وهو
~~الاغتسال بالماء الذي لم يستعمل في الحدث الأكبر.
# ويمكن دفعه: بأن الانصراف المدعى إن اريد به ما هو بالقياس إلى لفظ "
~~الماء " فهو في حيز المنع، لأن الغلبة والندرة إنما تلاحظان فيما بين
~~الأفراد الأولية للمطلق، الممتازة بعضها عن بعض بمشخصاتها التي عليها مدار
~~وجوداتها وبها ينوط فرديتها له، والماء المستعمل في الحدث الأكبر بوصف أنه
~~مستعمل فيه ليس منها، لعدم كون هذا الوصف من مشخصاته بالمعنى المذكور،
~~وإنما هو من طوارئه العارضة له بعد وجوده وتشخصه بمشخصاته، فهو لا يدخل في
~~عداد الأفراد التي يلاحظ بينها - لمجرد الفردية - غلبة وندرة، فيحمل المطلق
~~على ما هو الغالب منها دون النادر، بل " الماء " ينبغي أن يلاحظ بالنسبة
~~إليه مطلقا، لكونه مجامعا لكل واحد من أفراده الحقيقية، المتمايزة بحسب
~~المشخصات الخارجية.
# ولو قيل: بأن قضية هذا البيان كون حيثية الاستعمال في الحدث الأكبر من
~~الأحوال الطارئة للماء، فلابد وأن يراد بالإطلاق المستدل به في الدليل ms339
~~المذكور ما يلاحظ بالقياس إلى الأحوال، حتى يثبت جواز استعمال الماء حال
~~كونه مستعملا في الحدث الأكبر أولا، أو أنها من الصفات الطارئة له الزائدة
~~على مشخصاته، فلابد من إحراز الإطلاق بالنسبة إلى الصفات ليندرج فيه محل
~~البحث، فحينئذ يتوجه دعوى الانصراف إلى غير تلك الحالة، أو غير هذه الصفة.
# لدفعه: منع الانصراف الناشئ عن غلبة حصول غير تلك الحالة أو الصفة، إذ لا
~~ندرة في عروض وصف الاستعمال في الحدث الأكبر للماء بحسب الخارج بالقياس إلى
~~سائر الأحوال والصفات العارضتين له، كما لا يخفى.
# ومن هنا يتجه منع الانصراف ودعوى الغلبة لو قرر الإطلاق بالقياس إلى
~~الأفراد وجعل هذا الماء من جملتها، ضرورة أنه لا ندرة في هذا الفرد أصلا في
~~الوجود الخارجي بالنسبة إلى كثير من الأفراد الاخر كما لا يخفى، بل الظاهر
~~أن من يدعي الانصراف هنا لا يدعيه من هذه الجهة.
# وإن اريد به ما هو بالقياس إلى لفظي " الغسل " و " الاغتسال "، فيخدشه:
~~منع PageV01P381
# جريان قاعدة الانصراف في المشتقات، لما قرر فيها من كونها مأخوذة من
~~المبادئ المجردة عن اللام والتنوين، الموضوعة للماهيات لا بشرط شئ، فيجب أن
~~تعتبر المشتقات أيضا على هذا الوجه.
# لكن يدفعه: أن كون اشتقاقها باعتبار الوضع اللغوي من هذا الباب لا ينافي
~~طرو الانصراف لها في لحاظ العرف والإطلاق، لما طرأ أفراد مباديها من
~~الاختلاف في الغلبة والندرة.
# فالإنصاف: أن الانصراف من الجهة المذكورة مما لا مجال إلى إنكاره، إذ
~~المتبادر من قول القائل: " غسلت واغتسلت، واغتسل "، ونحوه إنما هو ما يحصل
~~بغير المستعمل في الحدث الأكبر، وهو الفرد الشائع المتعارف الغالب في
~~الوجود.
# فما قيل في دفع الانصراف - بهذا المعنى -: من أنه في غاية الضعف لصدق "
~~الماء " على المفروض من جهة عدم صحة السلب، وصحة التقسيم، والتقييد به
~~وبغيره، وحسن الاستفهام، وصدق الامتثال بالإتيان به إذا أمر بالإتيان
~~بالماء، وتبادر القدر المشترك بينه وبين غيره من إطلاق الماء، وأن المخرج
~~عن الإطلاق لا يكون إلا وصف الاستعمال، وهو غير صالح ms340 له وإلا كان كل ماء
~~مستعمل في طهارة من الحدث أو الخبث أو في غير طهارة ماء مضافا، والبديهة
~~تشهد بخلافه - ليس في محله، لابتنائه أولا: على الغفلة عن فهم المقصود
~~بالانصراف هنا، وثانيا: على الاشتباه في فهم معنى مطلق الانصراف، فإنه
~~حيثما ادعى مما لا ينبغي مقابلته بشئ من الوجوه المذكورة، كما لا يخفى
~~والمفروض أنه ثابت بالقياس إلى لفظي " الغسل " و " الاغتسال " وما اشتق
~~منهما.
# فالأولى أن يجاب عنه: بأن التبادر العرفي عند الإطلاق وإن كان مسلما، غير
~~أن الذي يظهر بملاحظة النظائر أن هذا التبادر نوعا ملغى في نظر الشارع،
~~بمعنى أنه لم يرتب عليه حكما ولم يعتبره على وجه يكشف عن المراد، بل الذي
~~اعتبره في تعليق الأحكام على هذين اللفظين وما يشتق منهما إنما هو نفس
~~الماهية الصادقة على الغالب والنادر، كما يفصح عنه الإجماع على جواز
~~استعمال المستعمل في الوضوء في رفع الحدث ثانيا، وعلى جواز استعمال محل
~~البحث في إزالة الخبث كما يأتي التنبيه عليه، وعلى جواز استعمال المياه
~~الكبريتية والنفطية مطلقا وما أشبه ذلك، مع أن الكل مشارك للمقام في الندرة
~~وعدم الانصراف عند الإطلاق، وستسمع نظير هذا التحقيق عن السيد PageV01P382
# المرتضى في بحث المضاف، وإن كان ذلك منه في غير محله.
# وخامسها: عموم ما دل على أن الماء مطهر، كقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (1) و نحوه، و
~~الأولى أن يقال في تقريبه: بأن العمومات الواردة في طهورية الماء كتابا
~~وسنة، مضافة إلى الأدلة الحاكمة عليها المخصصة لها في موارد مخصوصة، قد قضت
~~بأن الماهية المائية من حيث هي مقتضية للطهورية ما لم يصادفها ما يمنعها عن
~~الاقتضاء، ويرفع الطهورية عنها من العوارض الخارجية، وكون عروض الاستعمال
~~في الحدث الأكبر من جملة الروافع، مما لم يقم عليه من الشرع دلالة معتبرة،
~~وما اقيم فيه من الدلالة ليست بمعتبرة كما سنبينه، فالمقتضي للطهورية عند
~~استعمال الماء المفروض موجود، والمانع مفقود، فيجب القول بها.
# وما عساه يناقش ms341 في ذلك: بأن أقصى ما يلزم من ذلك أن الماهية المائية
~~متصفة بالطهورية، وأما أنها بمعنى رفع الحدث أو الخبث أو هما معا فلا،
~~فتكون مجملة. سلمنا أنها بمعنى رفع الحدث أو مطلقا، ولكنه أعم من دفعه مرة
~~أو مرارا، فلا دلالة فيها على الثاني.
# يندفع: بأنها من حيث هي من الجهة الاولى وإن كانت مجملة، غير أن الأدلة
~~الخارجية قد بينها وكشفت عن كونها بالمعنيين معا، فالماهية المائية بموجب
~~تلك الأدلة رافعة للحدث في موارده، ومزيلة للخبث في محاله، وأما كون ذلك
~~حاصلا منه مرارا - على ما هو من محل النزاع - فيثبت بمقتضى ما بيناه من كون
~~الوصفين تابعين لأصل الماهية مع فرض بقاء الماهية في مفروض المسألة، إذ
~~الكلام فيما لو بقي الإطلاق، فإذا كانت الماهية باقية فهي بنفسها مقتضية
~~للتكرار، ولا حاجة معه إلى دلالة اخرى.
# وبذلك يستغنى عما قيل في الذب عن نظير تلك المناقشة، من أن صيغة " فعول "
~~للتكرار، فإذا قيل: " فلان ضروب "، كان معناه: أنه يكثر منه الضرب، كما حكي
~~الإشارة إليه أيضا عن الشهيدين في مقام الاحتجاج على الجواز، بتقريب: أن
~~الطهور يتكرر منه الطهارة، مع أنه في أصله فاسد لابتنائه على كون طهور في
~~الآية وغيرها للمبالغة.
# وقد تقدم في مفتتح الكتاب منعه كما أن بما بينا من تقريب الاستدلال -
~~مضافا إلى ما قررناه في دفع المناقشة المشار إليها - يندفع ما قيل في
~~المناقشة في عموم الآية
# PageV01P383
# ونظائرها، من أن أقصى ما يستفاد من ذلك كون " الماء " مطهرا، وأما أنه من
~~الحدث أو الخبث فلا، لاشتراك الطهارة لفظا بين رفع الحدث وإزالة الخبث، كما
~~صرح به العلامة في المنتهى (١)، ولو سلم الاشتراك المعنوي بينهما فهو لا
~~يجدي نفعا في رفع الإشكال، لكون المشترك المعنوي إذا وقع خبرا أو ما هو
~~بحكمه مجملا، كما في قولك: " زيد إنسان " فإن أقصى ما يدل عليه ذلك إنما هو
~~كون زيد فردا من الإنسان، وأما أنه أسود أو أبيض أو أنه عالم أو جاهل فلا
~~دلالة ms342 له على شئ من ذلك، مع كون الإنسان مشتركا بين الكل معنى، والمقام
~~أيضا من هذا الباب، فإن قوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (٢) إنما يدل على
~~أن الماء من أفراد الطهور، وهو وإن كان مشتركا بين رفع الحدث وإزالة الخبث،
~~معنى على الفرض، ولكن توصيف الماء به لا يدل على أنه موصوف بأحدهما معينا
~~أو بكليهما، فيكون مجملا، فإن " طهور " على ما سبق في أوائل الكتاب - إنما
~~هو بمعنى المطهر المستلزم للطهارة، المأخوذ عنها بالمعنى اللغوي الذي فصله
~~الشرع بالخلوص عن الحدث والخبث، فالمطهر على ما فصله الشرع هو الرافع للحدث
~~المزيل للخبث فلا اشتراك فيه لفظا كما لا إجمال على الاشتراك معنى.
# وسادسها: ما قدمنا الإشارة إليه في بحث ماء الوضوء، من القاعدة المستفادة
~~عن مجموع الأدلة الجزئية الواردة في أبواب الطهارات وتطهير النجاسات،
~~الحاكمة بأن الماء إذا جامع وصفي الإطلاق والطهارة فهو مطهر عن الحدث ومزيل
~~للخبث والمفروض منه، فيجب كونه كذلك، ودعوى: أن الطهورية قد حصلت منه
~~بالفرض فلا يصلح لها ثانيا، تقييد في موضوع القاعدة فلا يصار إليه إلا
~~بدليل، وأي دليل عليه في المقام.
# وسابعها: قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء
~~فتيمموا﴾ (3) الآية، فإنه يدل على المنع من التيمم مع وجود الماء،
~~فالماء المفروض مع وجوده يوجب أن لا يصدق هنا قضية عدم وجدان الماء فلم يجز
~~التيمم، ومعه وجب استعماله للإجماع على عدم سقوط الطهارة حينئذ.
# والأولى أن يقرر: بأن الآية بمفهومها دلت على عدم وجوب التيمم مع وجدان
~~الماء، وإذا انضم إليه الإجماع المذكور مع الإجماع على أن التيمم حيثما لم
~~يجب لم يجز، ثبت وجوب استعمال الماء المفروض.
# PageV01P384
# وما عساه يورد عليه: بأن أقصى ما دلت عليه الآية إنما هو جواز التيمم مع
~~عدم وجدان الماء، وعدم جوازه مع وجدانه، وأما أن هذا الماء أي ماء، وأي نوع
~~منه فليست الآية بصدد تفصيله، على معنى أنها ساكتة عن بيان الموضوع وتعيينه ms343
~~بالتعميم والتخصيص.
# يدفعه: أن الإهمال ينافيه ما هو مفاد الشرطية من السببية الثانية، ومرجع
~~الايراد إلى منع العموم في المفهوم، وقد سبق تفصيل إبطاله في غير موضع مما
~~تعلق بمفهوم قولهم (عليهم السلام) " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه " (1)
~~وقضية ذلك: كون وجدان الماء كائنا ما كان مانعا عن التيمم، من غير فرق في
~~ذلك بين حمل عدم الوجدان على معناه الظاهر المرادف لعدم التمكن العقلي، أو
~~ما يعمه وعدم التمكن الشرعي الغير المنافي للتمكن العقلي، ليشمل صور وجود
~~الماء المغصوب ونحوه.
# فما يقال: من أن المراد بعدم وجدان الماء عدم التمكن من استعماله لا فقده
~~بالمرة، وعدم التمكن كما يكون لعدم القدرة الذاتية، كذا يكون لنهي الشارع
~~عن استعماله لا فقده بالمرة، فهذا الماء يحتمل أن يكون منهيا عن استعماله
~~شرعا فيكون غير متمكن من استعماله، كما يحتمل أن يكون مرخصا فيه فيكون
~~متمكنا عن استعماله، فلم يعلم بتعلق حكم المنطوق به ولا المفهوم. مما لا
~~وقع له، فإن مجرد احتمال المنع الشرعي - مع كونه منفيا بالأصل - لا يوجب
~~رفع التمكن شرعا، ومعه فالماء المفروض مندرج في المفهوم جزما.
# والقول باندراجه في المنطوق المعلق على عدم التمكن، لأن ما لم يقم من
~~الشرع دليل على جواز استعماله في الطهارة فالأصل عدمه، فيكون الآية على هذا
~~التقدير دليلا على المنع، واضح المنع، بأن جواز الاستعمال - بحكم مفهوم
~~الآية المستند إلى انفهام السببية التامة معلق على القدرة الذاتية مع عدم
~~منع الشارع عن الاستعمال وهما حاصلان في المقام، أما الأول: فواضح، وأما
~~الثاني: فلعدم قيام المنع المنفي احتماله بالأصل.
# نعم، ربما يشكل ذلك بأن ذلك لا يقتضي إلا جواز استعماله حال الضرورة،
~~ولعله ليس من محل النزاع بالنظر إلى ما يأتي ذكره، فلا يمكن تتميمه بعدم
~~القول بالفصل بالنسبة إلى حالتي الاختيار والضرورة، إلا أن يقال في تقريره:
~~بأن كل ماء جاز استعماله في
# PageV01P385
# موضع مظنة التيمم، جاز استعماله في غير موضع مظنته بالإجماع المركب،
~~ويبقى الكلام حينئذ في إثبات ms344 هذا الإجماع ليثبت به الملازمة المذكورة، وهو
~~محل تأمل.
# وثامنها: ما احتج به العلامة في المختلف: " من أنه لو لم يجز إزالة الحدث
~~به لم يجز إزالة النجاسة به، والثاني باطل، أما أولا: فلأن الخصم قد سلم
~~إزالة النجاسة به، وأما ثانيا: فلأنه ماء طاهر، فجاز إزالة النجاسة به
~~للأمر بالغسل على الإطلاق.
# وأما بيان الشرطية: فلأن النجاسة العينية نجاسة حقيقية، والحدث نجاسة
~~حكمية، ورافع أقوى النجاستين يجب أن يكون رافعا لأضعفهما " (1) وهو واضح
~~الضعف، لوضوح منع الملازمة، ببطلان دعوى الأقوائية في النجاسة العينية
~~والأضعفية في خلافها، بل القضية عند التحقق منعكسة، ولذا يغتفر الأول في
~~الصلاة في كثير من صورها بخلاف الثاني، إذ لا يغتفر أصلا إلا إذا قارن
~~ارتفاع التكليف عن الصلاة بالمرة، وكذلك يتسامح في الأول بما لا يتسامح في
~~الثاني، ولذا ترى أن زوال الأول يحصل بالماء المغصوب، وبمباشرة الغير،
~~وبإجبار الغير عليه بخلاف الثاني، مع أن اختلاف حكميهما كما وكيفا من أقوى
~~الشواهد بانتفاء الملازمة فيما بينهما شرعا.
# وتاسعها: ما احتج به في المختلف أيضا، من " أن زوال الطهورية عن هذا
~~الماء مع ثبوتها في المستعمل في الصغرى مما لا يجتمعان، والثاني ثابت
~~بالإجماع فينتفي الأول، والدليل على التنافي: أن رفع الحدث مع طهارة المحل
~~إما أن يقتضي زوال الطهورية عن هذا الماء أو لا يقتضي، وأيا ما كان يلزم
~~عدم الاجتماع، أما على التقدير الأول: فلاقتضائه زوال الطهورية عن المستعمل
~~في الصغرى، وأما على التقدير الثاني:
# فلعدم صلاحية عليته لإزالة الطهورية عن محل النزاع، ولا مقتضي للإزالة
~~سواه، فيكون الإزالة منتفية عملا بأصالة طهورية الماء، السالمة عن معارضة
~~العلية " (2) وهذا كما ترى أضعف من سابقه، فإن دعوى عدم اجتماع الحكمين مع
~~تعدد موضوعيهما كما ترى، إذ ملاحظة رفع الحدث بعنوان كلي في بيان عدم
~~الاجتماع مما لا معنى له، بعد ملاحظة أنه في الصغرى موضوع، وفي الكبرى
~~موضوع آخر مغاير للأول، وإنما يختلف الموضوعان باختلاف الإضافة المختلفة
~~بحسب اختلاف المضاف إليه، فإن الحدث
# PageV01P386
# الأصغر ms345 مع الحدث الأكبر أمران متغايران، دل على تغايرهما الشرع بما رتب
~~على كل أحكاما غير الأحكام المترتبة على الآخر، كما يفصح عن ذلك حرمة دخول
~~المسجدين، واللبث في سائر المساجد، وقراءة سور العزائم، وكراهة الأكل
~~والشرب والنوم بلا وضوء ولا تيمم مع الثاني، وانتفاء هذه الأحكام بأسرها مع
~~الأول، واعتبار الموالاة والترتيب بين أجزاء العضو في الأول دون الثاني،
~~ومن البين: أن اختلاف اللوازم مما يكشف عن اختلاف الملزومات.
# فحينئذ يتجه أن يقال - في هدم الاستدلال - إن رفع الحدث في بيان ما ادعي
~~من عدم إمكان الاجتماع إن اريد به رفع الأصغر، فهو لا يقتضي زوال الطهورية
~~عما استعمل فيه، ولا يدخل فيه رفع الأكبر لما بيناه من المغايرة بينهما،
~~وإن اريد به رفع الأكبر، فلو قيل فيه: بأنه يقتضي زوال الطهورية، فهو مما
~~لا رادع له إلا القياس الباطل، وتتميمه بأصالة عدم زوال الطهورية مما يرفع
~~الحاجة إلى تحمل المشقة في نظم هذا الوجه العليل بطوله، وإن اريد به المعنى
~~الأعم فمرجعه إلى الخلط بين المسألتين، فلا يصغى إليه جدا.
# وعاشرها: عدة من الروايات التي منها: ما في التهذيب - من الصحيح - عن علي
~~بن جعفر، عن أبي الحسن الأول عن الرجل يصيب الماء في ساقية، أو مستنقع،
~~أيغتسل منه للجنابة، أو يتوضأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره؟ والماء لا
~~يبلغ صاعا للجنابة، ولا مدا للوضوء، وهو متفرق فكيف يصنع؟ وهو يتخوف أن
~~تكون السباع قد شربت منه؟ فقال: " إن كانت يده نظيفة فليأخذ كفا من الماء
~~بيد واحدة، فلينضحه خلفه، وكفا أمامه، وكفا عن يمينه، وكفا عن شماله، فإن
~~خشي أن لا يكفيه، غسل رأسه ثلاث مرات، ثم مسح جلده بيده، فإن ذلك يجزيه،
~~وإن كان الوضوء غسل وجهه ومسح يده على ذراعيه، ورأسه، ورجليه، وإن كان
~~الماء متفرقا فقدر أن يجمعه، وإلا اغتسل من هذا و هذا، وإن كان في مكان
~~واحد، وهو قليل، لا يكفيه لغسله، فلا عليه أن يغتسل، ويرجع الماء فيه، فإن
~~ذلك ms346 يجزيه " (1).
# واعلم أن صحة الاستدلال بتلك الرواية وسقمه يستدعي معرفتهما النظر في فهم
# PageV01P387
# الفقرات التي تضمنتها، فإنها غير خالية عن وصمة الشبهة والإجمال في بادي
~~الرأي، ومن جملة تلك الفقرات ما تضمنته أولا من الأمر بنضح الجوانب الأربع
~~بأربعة أكف من الماء، وبه ورد روايات اخر مثل رواية ابن مسكان قال: حدثني،
~~صاحب لي ثقة، أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينتهي إلى الماء
~~القليل في الطريق، فيريد أن يغتسل، وليس معه إناء، والماء في وهدة، فإن هو
~~اغتسل رجع غسله في الماء، كيف يصنع؟ قال:
# " ينضح بكف بين يديه، وكفا من خلفه، وكفا عن يمينه، وكفا عن شماله، ثم
~~يغتسل " (1).
# وعن المحقق أنه رواه في المعتبر (2) نقلا من كتاب الجامع لأحمد بن محمد
~~بن أبي نصر [عن عبد الكريم]، عن محمد بن ميسر، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام).
# وعن ابن إدريس (3) أنه نقله في آخر السرائر من كتاب نوادر البزنطي، عن
~~عبد الكريم، عن محمد بن ميسر.
# وفي الكافي عن الكاهلي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "
~~إذا أتيت ماء وفيه قلة، فانضح عن يمينك وعن يسارك وبين يديك وتوضأ " (4).
# واختلفوا في محل النضح، وفي الحكمة الداعية إليه، وفي المسائل (5) عن
~~المحقق أنه في المعتبر (6) حكى في تفسير نضح الأكف قولين:
# أحدهما: أن المراد منه رش الأرض، ليجتمع أجزاؤها، فيمتنع سرعة انحدار ما
~~ينفصل من بدنه إلى الماء.
# والثاني: أن المراد به بل جسده قبل الاغتسال، ليتعجل قبل أن ينحدر ما
~~ينفصل منه ويعود إلى الماء، وحكاهما العلامة أيضا في المنتهى (7)، وصاحب
~~المدارك في حاشية الاستبصار (8) غير أنه عدل عنهما باستظهار احتمال ثالث،
~~قائلا: " والذي يظهر أن المراد به نضح الأرض، لكن لا لهذه الفائدة، بل
~~لإلقاء الخبث المتوهم الحاصل في وجه الماء، كما يدل عليه قوله (عليه
~~السلام) في رواية الكاهلي " إذ أتيت ماء وفيه قلة فانضح عن
# PageV01P388
# يمينك، وعن يسارك، وبين يديك وتوضأ " (1)، وفي رواية أبي بصير: " إن عرضك
~~في قلبك ms347 شئ فافعل هكذا، يعني افرج الماء بيديك ثم توضأ " (2) وتمام الحديث
~~قد تقدم في بحث انفعال القليل.
# وعن بعضهم القول: بأن محل النضح هو الأرض، والحكمة فيه عدم رجوع ماء
~~الغسل، لكن لا من جهة كونه غسالة بل من جهة النجاسة الوهمية التي في الأرض
~~فالنضح إنما هو لإزالة النجاسة الوهمية منها.
# وعن الآخر القول: بأن الحكمة إنما هي رفع ما يستقذر منه الطبع من
~~الكثافات، بأن يؤخذ من وجه الماء أربع أكف وينضح على الأرض، نسبه في
~~الحدائق (3) إلى صاحب المدارك في حاشية الاستبصار، ولكن عبارته المتقدمة
~~يأباه كما لا يخفى. وعن بعضهم أيضا أن المراد بمحل النضح البدن، لكن الحكمة
~~فيه ترطيب البدن قبل الغسل لئلا ينفصل عنه ماء الغسل كثيرا، فلا يفي بغسله
~~لقلة الماء، وعن الآخر: أن المراد نضح البدن لحكمة إزالة توهم ورود
~~الغسالة، إما بحمل ما يرد على الماء على وروده مما نضح على البدن قبل الغسل
~~الذي ليس من الغسالة، وإما أنه مع الاكتفاء بالمسح بعد النضح لا يرجع إلى
~~الماء شئ.
# وعن صاحب المنتقى: " أن عجز الخبر - يعني صحيحة علي بن جعفر المتقدمة -
~~صريح في نفي البأس، فحكم النضح للاستحباب " (4)، وغرضه بذلك أن النضح سواء
~~اريد به نضح الأرض أو البدن، ليس لحكمة ما قيل من عدم انحدار ما ينفصل من
~~البدن إلى الماء، وهذا مبني على توهم دلالة الرواية على عدم المنع عن
~~استعمال المستعمل، كما أن القول المنقولين في المعتبر وغيره مبنيان على
~~القول بالمنع.
# أقول: أما القول بأن المراد نضح البدن بجميع محتملاته بالنسبة إلى
~~الحكمة، فمما ينبغي القطع ببطلانه، لدلالة صريح رواية الكاهلي، وظاهر صحيحة
~~علي بن جعفر بذلك.
# أما الأول: فلمكان قوله (عليه السلام) - بعد الأمر بالنضح -: " وتوضأ "
~~ضرورة: أن الجوانب
# PageV01P389
# الأربع حينئذ مما لا يتصور بالنسبة إلى الوضوء، واحتمال كون التوضي مرادا
~~به هنا الاغتسال، كما ترى مما لا يصغى إليه.
# وأما الثاني: فلأن قوله (عليه السلام): " فإن خشي أن لا يكفيه " وإن كان
~~بالقياس إلى ms348 ما قبله مجملا، من حيث احتمال كونه أمرا بالعدول عن نضح الأكف
~~في موضع خشية عدم كفاية الباقي من الماء إلى الغسل والمسح اللذين أمر بهما،
~~فيكون تنبيها على سقوط النضح حينئذ، واحتمال كونه أمرا بالكيفية المذكورة
~~في موضوع الخشية بعد الفراغ عن نضح الأكف، ويكون حاصل المعنى: أنه إذا صنع
~~النضح كما فصل فصادف خشية عدم كفاية الباقي فليفعل في طهارته هكذا.
# ومنشأ الاحتمالين أن الخشية إذا قسناه إلى نضح الأكف قبلا وبعدا لابد له
~~من متعلق مقدر، فإما أن يكون المعنى: إن خشي قبل أن ينضح أن لا يكفيه ليفعل
~~هكذا، وإما أن يكون أنه إن خشي بعد ما فرغ عن النضح أن لا يكفيه ليفعل
~~هكذا، فعلى الأول يكون النضح المأمور به معلقا، وعلى الثاني يكون مطلقا،
~~وعلى التقديرين فهو بالقياس إلى ما بعده مفصل، لتضمنه تعليم كيفية الغسل
~~والوضوء في محل خشية عدم كفاية الباقي من النضح، مع حصول النضح أو عدم
~~حصوله.
# وأيا ما كان فالوضوء بقرينة التفصيل اللاحق مندرج في الحكم السابق، سواء
~~اعتبرناه معلقا أو مطلقا، وقد عرفت أن نضح البدن في جهاته الأربع بالنسبة
~~إلى الوضوء ومريد التوضي، مما لا معنى له.
# فالإنصاف: أن المراد بالنضح الوارد في الروايات إنما هو نضح الأرض،
~~بدلالة ما قررناه، لكن الكلام يبقى في الحكمة الباعثة عليه، والذي يترجح في
~~النظر القاصر أنه لأجل إزالة أثر أقدام السباع التي منها الكلب والخنزير،
~~المتوهم انطباعه على جوانب الساقية أو النقيع من الأرض، المحتمل بقاؤه بعد
~~ذهابهن عن الماء، لئلا ينكشف فساد الماء بعد استعماله في الغسل أو الوضوء،
~~لمكان كونه قليلا قابلا للانفعال بمباشرة نجس العين، فإن الإنسان ربما
~~يستعمل الماء فيهما، فيتبين له بعده من آثار أقدامهن في حوالي الماء
~~وجوانبه الأربع ما تكون ملزوما للعلم العادي بمباشرتهن الماء، فيفسد عليه
~~الطهارة، ويشق عليه الأمر في تطهير ثيابه وأعضاء طهارته مع قلة الماء
~~وإعوازه. PageV01P390
# ومما يرشد إلى إرادة هذا المعنى قول السائل وهو يتخوف أن تكون ms349 السباع قد
~~شربت منه، فإن السؤال مفروض في موضع احتمال تردد السباع المستلزم لمباشرة
~~الماء الموجبة لانفعاله، والجواب خارج على طبقه، ومراد به التنبيه على عدم
~~الاعتناء بهذا الاحتمال، وعدم وجوب مراعاة المباشرة المحتملة بالنظر في
~~تحصيل الأمارات الدالة عليها، التي منها آثار أقدامهن، ويبقى بعد ذلك
~~احتمال ظهور الفساد بعد الاستعمال بتبين المباشرة بحكم العادة المستندة إلى
~~تبين أثر الأقدام، فيتخلص من ذلك بالنضح على الجوانب الأربع الموجب لزوال
~~الأثر لو كان موجودا في الواقع.
# ولا ينافي هذا المعنى ما في رواية ابن مسكان من قول السائل: " فإن هو
~~اغتسل رجع غسله في الماء " المتعقب للجواب الآمر بالنضح على النهج المتقدم،
~~وإن أوهم في بادي الرأي كونه لحفظ الماء عن ورود الغسل عليه ورجوعه فيه،
~~ومنه نشأ توهم الجماعة ظاهرا، لكون (1) المورد محتملا لتردد السباع وإن لم
~~يذكره السائل، وقد علم به الإمام (عليه السلام) فأجاب بموجب ما اقتضاه هذا
~~الاحتمال، لجواز اعتقاده بأن ما فرضه السائل غافلا عن هذا الاحتمال مما لا
~~حكم له، ولا يترتب عليه أثر، ولا ينشأ منه محذور بالقياس إلى عدم تعرضه
~~لبيان ما هو واقع الأمر فيما عرضه السائل على نحو الصراحة، لأن عدم التصريح
~~ببيان حال ما لا حكم له شرعا ليس بمناف للحكمة، وإنما المنافي لها عدم
~~التعرض لبيان حكم ما له حكم في الشرع، والمقام ليس منه، مع إفادته إرشاد
~~السائل إلى خلو مورد السؤال عن جهة المنع بعد استعمال النضح، وإن لم تكن
~~تلك الجهة المنبه على ارتفاعها بذلك العمل ما توهمه السائل، والقرينة على
~~ذلك كله ما قررناه في توجيه صحيحة علي بن جعفر، فإن الظاهر أن هذه الروايات
~~كلها واردة في سياق واحد لحكمة واحدة، وقضية ذلك كله كون الأمر بالنضح
~~الوارد إرشاديا مرادفا للاستحباب، مرادا به إرشاد السائل إلى طريق
~~الاحتياط، والأخذ بالأوثق الذي هو حسن في كل حال.
# وأما الوجوه الاخر التي ذكروها في المقام فليس شئ منها بشئ.
# أما الأول منها: فلعدم كون رش ms350 الأرض ملزوما عقليا ولا عاديا لإمساك
~~الغسالة
# PageV01P391
# عن انحدارها ولا بطؤ انحدارها إلى الماء، بل له مزيد مدخل في استعداد
~~الأرض، لإفادتها إياها سرعة الانحدار إليه، كما تنبه عليه ابن إدريس (1)
~~فيما حكي عنه.
# وأما الثاني - الذي أفاده صاحب المدارك (2) - فيأباه اعتبار كون النضح
~~على الجهات الأربع، ضرورة أن ذلك حكمة تتأتى بأي نحو اتفق النضح، مع أن
~~النجاسة المتوهمة إن كان لها حقيقة فلا ترتفع بذلك بالضرورة، وإن لم يكن
~~لها حقيقة أصلا - أي في شئ من المواد - فلا يترتب عليه فائدة، وعلى
~~التقديرين فلا مورد للاحتياط الذي كان الأمر بالنضح إرشادا إليه، نظرا إلى
~~الحكمة المذكورة، ضرورة أن طريق الاحتياط لابد وأن يكون ملزوما للتحرز عن
~~المفسدة المحتملة، ولذا تراه موجبا لتيقن البراءة في موارد جريانه.
# وبهذا كله يتبين فساد الثالث - المحكي عن بعضهم - من أنه لأجل النجاسة
~~الوهمية التي في الأرض، فإن هذا الوهم إن كان له حقيقة فالرش لا يجدي نفعا
~~في زوال المقتضي، بل ربما يوجب تضاعفه كما لا يخفى، وإلا كان لغوا.
# وأما الرابع: فهو أوضح فسادا من الجميع، أما أولا: فلأن بيان طريق رفع
~~هذا الاستقذار ليس من وظيفة الشارع لكونه من الامور البينة، وأما ثانيا:
~~فلأنه لا يقتضي اعتبار الكيفية المذكورة في الروايات، بل يتأتى بالنضح
~~كيفما اتفق.
# فإن قلت: ما ذكرته في إبطال الوجه الثاني والثالث مما يرد على ما
~~استظهرته من الحكمة، لأن احتمال مباشرة السباع للماء إن كان له واقع،
~~فإزالة أثر أقدامهن برش الأرض، مما لا يجدي حينئذ في ارتفاع هذه الجهة التي
~~هي المانعة عن الاستعمال.
# قلت: النجاسة في تأثيرها في المنع معلقة على العلم بها أو بتحقق سببها،
~~ورش الأرض لإزالة أثر أقدام السباع حيلة اعتبرها الشارع طريقا إلى عدم
~~اتفاق حصول العلم بتحقق سبب النجاسة، إذ بدونه ربما يحصل العلم به ولو
~~بملاحظة العادة، وأما معه فينعدم ما هو طريق العلم، وبذلك أمكن أخذ تلك
~~الروايات من أدلة اعتبار العلم في النجاسات، بخلاف الوجهين المذكورين، ms351 فإن
~~هذا الكلام مما لا يجري فيهما جزما، لاشتراك صورتي الرش وعدمه في عدم العلم
~~بالنجاسة كما لا يخفى، فمناط سقوط أحكام النجاسة حاصل على كلا التقديرين،
~~فإما أن يقال حينئذ: بأن النضح معتبر بلا
# PageV01P392
# فائدة، أو يقال: بأن العبرة في النجاسة بتحقق أسبابها في متن الواقع لا
~~العلم به، فالنضح معتبر لإزالة ذلك الأمر الواقعي لا لسد طريق العلم به،
~~وأيا ما كان فهو باطل جزما.
# ومن هنا ينقدح وجه آخر لإبطال هذين الوجهين، من حيث ابتنائهما على كون
~~النجاسة من الموانع الواقعية دون العلمية وهو فاسد بالأدلة القطعية، وقد
~~أشرنا إليه في غير موضع مما سبق، ولعلنا نتعرض لتفصيل تحقيقه في موضع يليق
~~به.
# ومن جملة فقرات الصحيحة المتقدمة، أنها دلت على اعتبار غسل الرأس ومسح
~~الجلد في الغسل، وغسل الوجه مع مسح الذراعين في الوضوء، وقد استشكل في ذلك
~~بعض أصحابنا كصاحب الحدائق قائلا: " بأن هذا الخبر قد اشتمل على جملة من
~~الأحكام المخالفة لما عليه علمائنا الأعلام " (1) ثم ذكر من جملة ذلك
~~الحكمين المذكورين.
# ويمكن الذب عنه: بأن المسح هنا استعارة لأقل ما يقنع به من الماء
~~واستعماله في صورة خشية عدم الكفاية، وبعبارة اخرى: المراد به هنا الاكتفاء
~~بأقل ما يحصل به الواجب من أفراد الغسل، لا المسح الحقيقي المقابل للغسل،
~~والقرينة عليه ما ادعاه من عمل علمائنا الأعلام إن رجع إلى الإجماع، لأنه
~~يصلح قرينة على التجوز، كما يصلح قرينة على التخصيص وغيره، بل ولو رجع إلى
~~نقل الكاشف لكان كافيا في ذلك، لأن عملهم يكشف عن وقوفهم على دليل معتبر هو
~~من تلك الرواية بمنزلة قرينة التجوز، ومخالفة الإجماع أو عمل العلماء إنما
~~تصير موجبة لوهن الخبر إذا لم يتطرق إليه التأويل بشئ من وجوهه، التي منها
~~التجوز.
# ومن جملة فقراتها ما هو محل الاستدلال بها على جواز استعمال غسالة الغسل
~~في الطهارة، من قوله (عليه السلام): " وإن كان في مكان واحد وهو قليل، لا
~~يكفيه لغسله، فلا عليه أن يغتسل، ويرجع الماء ms352 فيه، فإن ذلك يجزيه " فإنه
~~صريح في نفي البأس عما رجع مما انفصل عن البدن في الماء، فلولا استعمال ذلك
~~جاز في الطهارة لما كان لذلك وجه.
# واعترض عليه تارة: باختصاص دلالتها على الجواز في حال الضرورة والمدعى
~~أعم منها، ولا يمكن تتميمه بالإجماع المركب، إذ لم يعلم اتفاقهم على عدم
~~الفصل، بل ربما يمكن تنزيل إطلاق المانعين إلى ما عدا الضرورة، كما يومئ
~~إليه كلام الشيخ في كتابي
# PageV01P393
# الحديث، حيث يحمل الرواية على صورة الضرورة كما سبق الإشارة إليه، بل ليس
~~ذلك لمجرد التأويل رفعا للتنافي بين الروايات حتى يقال: بأنه لا يستلزم
~~الاختيار، إنما هو أخذ بما هو ظاهر الرواية ومفادها، فيكون اختيارا للمذهب،
~~لا أنه مجرد وجه جمع ذكره في المقام، فلا إجماع على عدم الفرق، إن لم نقل
~~بأن النزاع إنما هو في غير حال الضرورة.
# والقول بأن النهي المستفاد منها بالقياس إلى حالة الاختيار إنما اعتبر
~~هنا تنزيها، كما صرح به العلامة في المختلف (1)، مما لا يلتفت إليه، بعد
~~ظهور الرواية في المنع التحريمي، ومن هنا أمكن جعلها من أدلة القول بالمنع،
~~عملا بمفهوم الشرط في قوله (عليه السلام): " فإن كان في مكان واحد وهو قليل
~~لا يكفيه لغسله، فلا عليه أن يغتسل، ويرجع الماء فيه ".
# واخرى: بأن نفي البأس في الصورة المفروضة لعله من جهة حصول الاستهلاك
~~وصيرورة المائين واحد، المستلزمة لعدم صدق عنوان التطهير بالمستعمل، فتكون
~~الرواية دالة على الجواز فيما هو خارج عن محل النزاع.
# وفي أول الاعتراضين: أنه إن اريد به قصور الرواية عن الدلالة على الجواز
~~بالنسبة إلى حال الاختيار، ولكن بملاحظة ما في كلام السائل من قوله: " إذا
~~كان لا يجد غيره " لا بملاحظة ما في الجواب من فرض وحدة المكان وقلة الماء
~~معها وعدم كفايته لغسله، فله وجه، نظرا إلى أن الجواب ينصرف إلى مفروض
~~السؤال، وليس فيه لفظ عام ولا مطلق صالح لأن يتناول مورد السؤال وغيره، فهو
~~بالنسبة إلى حالة الاختيار ساكت نفيا وإثباتا.
# وإن اريد ms353 به الدلالة على المنع في حالة الاختيار أيضا، ولكن بملاحظة ما
~~في الجواب من قوله: " وإن كان في مكان واحد وهو قليل، لا يكفيه " فهو في
~~حيز المنع، إذ لا مدرك لهذه الدلالة إلا قاعدة المفهوم، وهو إما يعتبر من
~~الشرطية، أو من التقييد بوصف وحدة المكان، أو من التقييد بالقلة مع عدم
~~الكفاية، ولا سبيل إلى شئ من ذلك.
# أما الأول: فلأن مثل هذا الشرط إنما يعتبر لبيان موضوع الحكم، لا للتعليق
~~المنحل إلى إفادة لزوم الوجود للوجود والانتفاء للانتفاء، فلا مفهوم له، إذ
~~لا معنى لقولنا: " إن لم يكن في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله فعليه
~~بأس أن يغتسل ويرجع الماء فيه "
# PageV01P394
# كما لا يخفى، بل لو كان هناك مفهوم فهو مفهوم موافقة، لمكان أولوية عدم
~~البأس مع الفرض المذكور، وعلى كل تقدير فلا يدخل فيه حالة الاختيار إلا إذا
~~اعتبر المفهوم بالنسبة إلى القيود المذكورة أيضا، وهو كما ترى خروج عن
~~الاستناد إلى مفهوم الشرط.
# وأما الأخيران: فلما تقرر عندنا من عدم حجية مفهوم الوصف، ولا يلزم بذلك
~~خروج القيود المذكورة لغوا لظهور كون النكتة في اعتبارها هنا سبق السؤال
~~عما يستلزمها، كما لا يخفى على المتأمل.
# وفي ثاني الاعتراضين: منع تحقق الاستهلاك مع فرض القلة، على نحو لا يكون
~~كافيا في الغسل.
# نعم، يتجه أن يقال: إن المائين بعد صيرورتهما واحدا لا يصدق عليه
~~المستعمل ولا غير المستعمل، بل هو مركب منهما، والمركب خارج عن كل منهما
~~فيكون خارجا عن المتنازع فيه من هذه الجهة.
# فتلخص من جميع ما ذكرنا: أن الرواية لا تعرض فيها لحالة الاختيار، وأما
~~في حالة الضرورة فتدل على الجواز في المركب من المستعمل وغيره، وأما
~~المستعمل الصرف فيبقى حكمه غير مستفاد من الرواية نفيا وإثباتا، ومن هنا
~~يعلم أن ما في كلام غير واحد كصاحب الحدائق (1)، وصاحب المناهل (2)،
~~كالعلامة في المختلف (3)، والشيخ في كتابي الحديث (4) - (5)، وغيرهما من
~~التزام دلالتها على الجواز مطلقا في حالة الضرورة ليس في محله.
# ثم ms354 إنه لو سلمنا دلالتها على المنع في حال الاختيار - كما توهم - فلا
~~يثبت مطلوب المانعين على الإطلاق، بل غايته الدلالة على المنع عن استعمال
~~المستعمل في طهارة في نفس تلك الطهارة لا في طهارة اخرى، كما لو غسل عضو من
~~أعضاء الوضوء أو الغسل بما انفصل عن العضو الآخر، وهذه المسألة غير مذكورة
~~في كلامهم، ولا أن عناوين المسألة المبحوث عنها شاملة لها، لكونها بين
~~صريحة وظاهرة في إرادة
# PageV01P395
# التعدد، بأن تستعمل ما انفصل عن غسل في طهارة اخرى وضوءا وغسلا آخر.
# فالحق: أن الرواية لو كانت متعرضة لحالة الاختيار أيضا كانت وجها في
~~التفصيل في استعمال المستعمل بين استعماله في الطهارة التي هو منفصل عنها
~~واستعماله في طهارة اخرى، وإن لم نقف على قائل به من أصحابنا.
# ثم خرجت الأخبار الآمرة بالتيمم في جنب ليس عنده من الماء إلا ما يكفيه
~~من الوضوء شاهدة به أو مؤيدة له، وعلى أي تقدير فالاستدلال بتلك الرواية
~~على الجواز مطلقا ليس على ما ينبغي.
# ومن الروايات المستدل بها على هذا المطلب، صحيحة محمد بن إسماعيل بن
~~بزيع، قال: كتبت إليه أسأله عن الغدير، يجتمع فيه ماء السماء، ويستقى فيه
~~من بئر، ويستنجي فيه الإنسان من بول، ويغتسل فيه الجنب ما حده الذي لا
~~يجوز؟ فكتب: " لا توضأ من مثل هذا إلا من ضرورة " (1).
# وفيه: أن سياق الرواية حيث جمع فيه بين الاغتسال والاستنجاء والاستقاء من
~~البئر وماء السماء، وإن كان يقضي بالكراهة والضرورة رافعة لها، غير أن
~~الاستدلال بها على حكم محل البحث مشكل، لجواز كون الماء المسؤول كرا وما
~~زاد، إلا أن يقال:
# بأن الجواب بملاحظة ترك الاستفصال يعم الكر وما دونه، ولكن يشكل الحال
~~أيضا بملاحظة ظهور السؤال في فرض الاجتماع بين الامور المذكورة فيه، فحينئذ
~~يسقط الدلالة على الكراهة، ضرورة كون بعض هذه الامور مع دخوله في المجموع
~~كافيا في توجه المنع إذا لم يثبت فيه الرخصة من جهة الخارج كالاغتسال، وكون
~~ما عدا ذلك موجبا للكراهة مثلا إذا ms355 انفرد لا ينافي كون ذلك موجبا للمنع إذا
~~اجتمع مع موجب الكراهة.
# ويمكن دفعه: بأن جعل الرواية شاملة لصورة الكر وما زاد مما يرفع ظهور
~~المنع، بل واحتماله بملاحظة الإجماع على أن الاغتسال في الكر لا يورث منع
~~الاغتسال ولا مطلق الاستعمال ثانيا.
# ومنها: صحيحة صفوان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض التي
~~بين مكة إلى المدينة، تردها السباع وتلغ فيها الكلاب، ويشرب منها الخنزير،
~~ويغتسل فيها الجنب
# PageV01P396
# ويتوضأ منها؟ فقال: وكم قدر الماء؟ قلت إلى نصف الساق وإلى الركبة، فقال:
~~" توضأ منه " (١) والاستدلال بها كما ترى في غاية الوهن، وإلا لدلت على عدم
~~انفعال القليل بملاقاة النجاسة أيضا وهو كما ترى مما لا يرضى به المستدل
~~لكونها محمولة عنده على بلوغ الكرية ولذا تعد من أخبار الكر وتذكر ثمة.
# و منها: صحيحة الفضيل قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الجنب
~~يغتسل فينتضح الماء من الأرض في الإناء؟ فقال: لا بأس، وهذا مما قال الله
~~تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) ﴿٢﴾ (3) و قد تبين آنفا ضعف الاستدلال بها، وأضعف منه
~~الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
~~الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره أغتسل من مائه قال " نعم: لا بأس أن يغتسل
~~منه الجنب " (4).
# حجة المانعين وجوه:
# الأول: أن السلف قد استمرت عادتهم بعدم جمع الماء المفروض، وليس ذلك إلا
~~لكونه غير رافع للحدث الأكبر، وهو كما ترى أوهن من بيوت العنكبوت، لما عن
~~الذكرى من " أن السر في ذلك ندور الحاجة إليه " (5) مع أن عادتهم كما
~~استمرت بعدم جمعه لرفع الحدث الأكبر، فكذلك استمرت بعدم جمعه لإزالة الخبث
~~به ولاستعمال آخر، مع جواز كل ذلك عندكم.
# والثاني: ما عن الشيخ (رحمه الله): من أن الإنسان مكلف بالطهارة
~~بالمتيقن، طهارة المقطوع على استباحة الصلاة باستعماله، والمستعمل في غسل
~~الجنابة ليس كذلك، لأنه مشكوك فيه فلا يخرج عن العمل باستعماله، ولا معنى
~~لعدم الإجزاء ms356 إلا ذلك (6).
# وأجاب عنه العلامة في المنتهى: " بأن الشك إما أن يقع في كونه طاهرا وهو
~~باطل عند الشيخ، أو في كونه مطهرا وهو أيضا باطل، فإنه حكم تابع لطهارة
~~الماء وإطلاقه وقد حصلا، فأي شك هاهنا " (7) وهو في غاية الجودة.
# PageV01P397
# والثالث: عدة أخبار:
# منها: ما هو العمدة منها من رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال: " لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل، وقال: الماء الذي
~~يغسل به الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابة، لا يجوز أن يتوضأ منه
~~وأشباهه، وأما الذي يتوضأ به الرجل، فيغسل به وجهه، ويده، في شئ نظيف، فلا
~~بأس أن يأخذ غيره ويتوضأ به " (1) وهذه مما لا ينبغي القدح في دلالتها، نعم
~~القدح في سندها - على ما في كلام أساطين علمائنا - كما سبق في بحث غسالة
~~الوضوء، فإنه ضعيف بأحمد بن هلال إلا في وجه غير ثابت الاعتبار عند كثير
~~منهم، متقدم عن الغضائري (2)، وعلى ثبوت اعتباره ليس مما يجدي نفعا في صحة
~~التعويل عليها، لكونها موهونة بمصير المعظم إلى خلافها.
# وأما المناقشة في دلالتها تارة: بكونها محمولة على الغالب، وهو مصاحبة
~~الجنب للنجاسة.
# وأخرى: بأن لفظة " لا يجوز " مما لا يمكن حملها على الحرمة، لاستلزامه
~~التخصيص في قوله: " بالماء المستعمل " وتخصيص آخر في قوله: " الماء الذي
~~يغسل به الثوب " فلابد من حملها على الكراهة، ترجيحا للمجاز على تخصيصين،
~~ورجحان التخصيص على المجاز إنما يسلم مع الاتحاد لا غير، وأنت خبير بما في
~~كل من الوجهين من الوهن.
# أما الأول: فلأن غلبة مصاحبة النجاسة للجنب بما هو هو وإن كانت مسلمة،
~~غير أن اللفظ المفرد لابد و أن يعتبر ظهوره في التركيب الكلامي، فإن الهيئة
~~التركيبية الكلامية ربما توجب انسلاخ ظهور المفردات، وقوله: " أو يغتسل به
~~الرجل " ظاهر بملاحظة " باء " الاستعانة في الغسل الترتيبي، إذ لولاه لكان
~~الأنسب التعبير بقوله، " يغتسل فيه الرجل " كما لا يخفى، ولا ريب أن الغالب
~~في الاغتسال ترتيبا بل الدائم وقوعه إنما هو خلو ms357 البدن عن النجاسة، ولو من
~~جهة إزالتها قبل الغسل، فلا يبقى في لفظ " الرجل " باعتبار وصفه المقدر
~~ظهور فيما ذكر من مصاحبة النجاسة.
# PageV01P398
# وأما الثاني: فلمنع التعارض بين الأمرين، فإن القرينة على تخصيص قوله: "
~~بالماء المستعمل " موجودة في الكلام، وهي التفصيل الذي ذكره بعد ذلك، فإنه
~~من الأول بمنزلة البيان، فيكشف عن عدم كونه في لحاظ المتكلم على إطلاقه، أي
~~يكشف عن كونه مقيدا بما كان من الوضوء، ومثله يقال في التخصيص الثاني، فإن
~~كلمة الاستعانة قرينة مرشدة - بالتقريب المتقدم - إلى كون المراد من الماء
~~الذي يغسل به الثوب ما يرد على المحل، ولا يكون إلا قليلا، ومعه يبقى ظهور
~~نفي الجواز في المنع المتؤكد سليما عن المعارض.
# ومنها: رواية حمزة بن أحمد - المتقدمة في بحث غسالة الحمام - عن أبي
~~الحسن الأول، المشتملة على قوله: " ولا تغتسل من البئر التي يجتمع منها ماء
~~الحمام، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، وولد الزنا، والناصب لنا أهل
~~البيت وهو شرهم " (1).
# والقدح فيها سندا ودلالة قد مضى ثمة.
# ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن ماء
~~الحمام؟
# فقال: " ادخله بإزار، ولا تغتسل من ماء آخر، إلا أن يكون فيه جنب، أو
~~يكثر أهله فلا يدري فيه جنب أم لا " (2).
# وفيه: أن مبنى الاستدلال بذلك، إما على جعل النهي للتحريم كما هو ظاهر
~~الصيغة المجردة.
# ففيه أولا: أنه متعذر هنا، ضرورة أن الاغتسال بماء آخر مع وجود ماء
~~الحمام ليس بمحرم في نفسه.
# وثانيا: أنه غير مجد في ثبوت المنع عن الاغتسال في ماء الحمام، لأن
~~الاستثناء من التحريم لا يقتضي إلا نفي التحريم، وهو أعم من الوجوب.
# أو (3) على جعله من باب النهي الواقع عقيب ظن الوجوب أو توهمه، ليكون
~~الاستثناء منه مفيدا للوجوب، لضابطة أن الاستثناء من النفي إثبات.
# PageV01P399
# ففيه أولا: أنه مما لا يلائمه قوله (عليه السلام): " أو يكثر أهله " الخ،
~~ضرورة أن الشك في تحقق جهة المنع، لا يوجب المنع بل ولا يقول به ms358 أهل القول
~~بالمنع، وعليه دعوى الإجماع في كلام غير واحد، مضافا إلى ظهور ذلك في كون
~~الماء كثيرا في حد الكر بل الأكرار، ولا يقول أحد بالمنع عن الاغتسال فيه،
~~ليجب الاغتسال في غيره.
# وثانيا: أنه معارض باحتمال كون النهي هنا لمجرد الإرشاد وبيان الواقع،
~~والتنبيه على عدم الداعي إلى الاغتسال بغير ماء الحمام مع وجوده، فيكون
~~تقدير قوله (عليه السلام):
# " ولا تغتسل من ماء آخر " في حاصل المعنى: أنه لا داعي إلى الاغتسال من
~~ماء آخر، ومفاد الاستثناء منه يرجع إلى إثبات الداعي إليه، وهو أعم من
~~إثبات المفسدة المقتضية لمنع الاغتسال بماء الحمام، أو الجهة المقتضية
~~لمرجوحيته، وهذا كما ترى احتمال ظاهر، والمعنى المذكور معنى شائع في العرف،
~~يجري في شئ له طريقان:
# أحدهما: أكثر مؤنة من الآخر، وأزيد مسافة أو مشقة منه، مثلا فأنت إذا
~~أردت إرشاده إلى اختيار غيره، وتنبيهه على أنه مما لا داعي إلى اختياره،
~~قلت: " افعل كذا وكذا، ولا تسلك من الطريق الفلاني " أي لا داعي إلى سلوكه،
~~وهو مع ظهوره في نفسه بعد تعذر الحقيقة مؤيد باستثناء صورة الشك أيضا، مع
~~ظهورها في كثرة الماء كما عرفت، ولو سلم عدم ظهوره فلا أقل من عدم ظهور
~~خلافه، وعلى أي تقدير فلا دلالة للرواية على المنع أصلا.
# ولنختم المقام بذكر امور:
# أحدها: أن معقد البحث في هذه المسألة الماء الذي استعمله المحدث خاليا
~~بدنه عن نجاسة عينية أو أثرها، فلو كان فيه شئ منهما كان الماء ملاقيا له،
~~فخرج عن هذا العنوان ودخل في عنوان غسالة النجس، أو مطلق القليل الملاقي
~~للنجاسة، ومن حكمه أنه نجس - على ما تقدم - غير مطهر أيضا.
# وقد تنبه عليه صاحب الحدائق (1) ونبه عليه في المنتهى، قائلا: " متى كان
~~على جسد المجنب أو المغتسل من حيض وشبهه نجاسة عينية، فالمستعمل إذا قل عن
~~الكر نجس إجماعا، بل الحكم بالطهارة إنما يكون مع الخلو من النجاسة
~~العينية، (2) " انتهى.
# PageV01P400
# وفي تعرض جماعة من الأصحاب لحمل الأخبار التي استند إليها المانعون ms359 عن
~~التطهير بذلك الماء على صورة وجود النجاسة على الجسد إشارة إلى ذلك أيضا،
~~إذ لولاه خارجا عن محل النزاع لما كان لذلك الحمل فائدة في منع الاستدلال
~~بها، كما لا يخفى.
# وثانيها: إطلاق عناوينهم المعبرة عن موضوع المسألة بالمستعمل في رفع
~~الحدث الأكبر، يقضي بأن النزاع فيما يعم الجنابة والحيض والاستحاضة ونحوها،
~~بل هو صريح جملة عبايرهم، كما في المختلف قائلا: " الماء المستعمل في
~~الطهارة الكبرى كغسل الجنابة، والحيض، والاستحاضة، والنفاس، مع خلو البدن
~~من النجاسة طاهر إجماعا، وهل هو مطهر أم لا؟ منع الشيخ، والمفيد، وابنا
~~بابويه عن ذلك، وقال السيد المرتضى، وابن إدريس أنه مطهر وهو الحق " (1).
# وقريب منه ما عرفت في صدر الأمر الأول من عبارة المنتهى (2) ومن هنا صح
~~لصاحب المعالم - على ما حكي عنه - حمل عبارته الاخرى فيما بعد العبارة
~~المشار إليها من قوله: " المستعمل في غسل الجنابة يجوز إزالة النجاسة به
~~إجماعا منا " (3). على إرادة التمثيل دون الحصر (4).
# ولا ينافيه اختصاص الأخبار من الطرفين بالجنابة، لجواز كون العموم
~~مستفادا لهم من جهة تنقيح مناط، أو إجماع مركب أو نحو ذلك، ولذا ترى أن
~~سائر أدلة الفريقين قد وردت على جهة العموم، حتى ما عرفت عن الشيخ من الوجه
~~الثاني المتضمن لقوله: " الإنسان مكلف بالطهارة بالمتيقن طهارة، المقطوع
~~على استباحة الصلاة باستعماله، والمستعمل في غسل الجنابة ليس كذلك " (5)
~~لأن استباحة الصلاة باستعمال الماء أعم من أن يكون استعمال الماء علة تامة
~~لها كما في غسل الجنابة، أو جزء علة كما في سائر الأغسال.
# ولا ينافي ذلك إفراده الجنابة بالذكر بعد احتمال إرادة التمثيل احتمالا
~~ظاهرا، كما لا ينافي كل ذلك عبارة الصدوق: " فإن اغتسل الرجل في وهدة وخشي
~~أن يرجع ما ينصب عنه إلى الماء الذي يغتسل منه، أخذ كفا وصبه أمامه، وكفا
~~عن يمينه، وكفا عن يساره، وكفا عن خلفه، واغتسل منه " (5) ولا عبارة أبيه
~~في رسالته إليه: " وإن اغتسلت
# PageV01P401
# من ماء في وهدة وخشيت أن يرجع ما ينصب عنك إلى المكان الذي ms360 تغتسل فيه،
~~أخذت كفا وصببته عن يمينك، وكفا عن يسارك وكفا خلفك وكفا أمامك واغتسلت "
~~(1) ولا عبارة الشيخ في النهاية: " متى حصل الانسان عند غدير أو قليب ولم
~~يكن معه ما يغترف به الماء للوضوء، فليدخل يده فيه، ويأخذ منه ما يحتاج
~~إليه، وليس عليه شئ، وإن أراد الغسل للجنابة وخاف أن نزل إليها فساد الماء،
~~فليرش عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه، ثم ليأخذ كفا من الماء فليغتسل به "
~~(2) فإن كل ذلك تأدية بما يوافق متون الروايات في الجملة لما فيه من
~~الأغراض والحكم.
# فما في الحدائق: " من أن أمثال هذه الامور صريحة في التخصيص بالجنابة "
~~(3)، ليس مما ينبغي الالتفات إليه، بل التعبير عن عنوان المسألة بما يرفع
~~الحدث تصريح بخروج المستعمل في الأغسال المندوبة عن المتنازع فيه، وعن
~~الشيخ في الخلاف:
# " نفي الخلاف عنه " (4) ويظهر ذلك عن منتهى العلامة قائلا: " المستعمل في
~~الأغسال المندوبة، أو في غسل الثوب، أو الآنية الطاهرين ليس بمستعمل، لأن
~~الاستعمال لم يسلبه الاطلاق، فيجب بقاؤه على التطهير للآية (5).
# وقالت الحنفية: كل مستعمل في غسل بني آدم على وجه القربة فهو مستعمل، وما
~~لا فلا، فلو غسل يده للطعام أو من الطعام صار مستعملا، بخلاف ما لو غسل
~~لإزالة الوسخ ولإزالة العجين من يده " (6) الخ وبالجملة: تخصيص الخلاف
~~إليهم يقضي بنفيه عما بين أصحابنا.
# وثالثها: قال العلامة في المنتهى: " المستعمل في غسل الجنابة يجوز إزالة
~~النجاسة به إجماعا منا، لإطلاقه، والمنع من رفع الحدث به عند بعض الأصحاب
~~لا يوجب المنع من إزالة النجاسة، لأنهم إنما قالوه ثم لعلة لم توجد في
~~إزالة الخبث، فإن صحت تلك العلة ظهر الفرق وبطل الإلحاق، وإلا حكموا
~~بالتساوي في البابين كما قلناه " (7) انتهى.
# ولعل نظره في العلة التي لا توجد في إزالة الخبث إلى الأخبار المخصوصة في
# PageV01P402
# المنع - على تقدير صحتها سندا ودلالة - برفع الحدث، وإلا فبعض أدلتهم يعم
~~البابين كما لا يخفى على المتأمل.
# وكيف كان: فالخلاف في إزالة الخبث بذلك الماء غير متحقق بين أصحابنا، ولا ms361
~~حكاه عنهم صريحا أحد منا، نعم في عبارة الشهيد المحكية عن الذكرى ما يوهم
~~ذلك، حيث قال: " جوز الشيخ والمحقق إزالة النجاسة به، لطهارته، وبقاء قوة
~~إزالته الخبث، وإن ذهب قوة رفعه الحدث، وقيل: لا، لأن قوته استوفيت فالتحق
~~بالمضاف " (1) انتهى.
# وربما يوجه ذلك، - كما عن صاحب المعالم (2) - باحتمال أن يكون المنقول
~~عنه بعض المخالفين، كما يشعر به التعليل الواهي، وكيف كان فما ادعاه
~~العلامة من الإجماع لا يخلو عن وصمة الشبهة، وإن كان يؤيده ظهور العناوين،
~~ولكن الحكم في حد ذاته كما ذكره، بلا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه بالنظر إلى
~~ما قدمناه من الأدلة، ولك أن تستند إلى الأولوية بالقياس إلى رفع الحدث
~~صغيرا وكبيرا كما لا يخفى.
# ورابعها: الأقرب على المختار من طهورية المستعمل في رفع الحدث، كراهية
~~استعماله في رفع الحدث ثانيا، وفاقا للشهيد في الدروس (3)، والخوانساري في
~~شرحه (4) عملا بما تقدم من رواية عبد الله بن سنان (5)، وإن ضعف سندها بناء
~~على التسامح، وخصوص الرواية المروية عن الكافي (6)، التي قدمنا ذكرها في
~~ذيل غسالة الوضوء، والظاهر أنه لا يخالف فيه أحد.
# وخامسها: يظهر من العلامة في المنتهى عدم اشتراط الانفصال عند المانعين
~~من أصحابنا في صدق الاستعمال، ولكن عبارته في هذا المقام غير خالية عن
~~التهافت، فإنه قال: " لو اغتسل من الجنابة، وبقيت في العضو لمعة لم يصبها
~~الماء، فصرف البلل الذي على العضو إلى تلك اللمعة جائز، أما على ما اخترناه
~~نحن فظاهر، وأما على قول الحنفية فكذلك، لأنه إنما يكون مستعملا بانفصاله
~~عن البدن، وفي اشتراط استقراره في
# PageV01P403
# المكان خلاف عندهم.
# وأما في الوضوء، فقالوا: لا يجوز صرف البلل الذي في اليمنى إلى اللمعة
~~التي في اليسرى، لأن البدن في الجنابة كالعضو الواحد فافترقا، وليس للشيخ
~~فيه نص، والذي ينبغي أن يقال على مذهبه عدم الجواز في الجنابة، فإنه لم
~~يشترط في المستعمل الانفصال " (1) إنتهى.
# وكأنه أخذ بإطلاق كلامه في المنع، كما نبه عليه بقوله: " ليس له فيه نص "
~~وإلا فقضية عدم النص ms362 جريان احتمال الأمرين معافي كلامه لا تعين أحدهما، غير
~~أنه لا يخفى ما فيه، مع ما ذكره من التعليل بناء على قول الحنفية من
~~التهافت، فإنه لو صلح علة لاشتراط الانفصال على مذهب الحنفية لجرى على مذهب
~~الشيخ أيضا، إذ ليس في كلام الشيخ إلا الاستعمال، والمفروض أنه عنوان متوقف
~~صدقه بمقتضى تلك العلة على الانفصال.
# وكيف كان فعن جمع ممن تأخر إنكار النسبة المذكورة إلى الشيخ، لعدم تصريحه
~~بها في كتبه المشهورة، مع استلزام ذلك عدم الاجتزاء بإجراء الماء في الغسل
~~من محل إلى آخر بعد تحقق مسماه، وهو بمحل من البعد بل البطلان، كما لا يخفى
~~على من لاحظ الأخبار الواردة في كيفية الغسل من الجنابة، وقد يعلل البطلان
~~بلزوم تعذر الغسل لولا الاجتزاء، وهو في الجملة في محله كما ستعرفه.
# والأولى أن يقال - في تحرير المقام -: إن المستعمل في طهارة، قد يكون
~~مستعملا في عضو من الطهارة، أو جزء من العضو فاريد استعماله في عضو آخر
~~منها، أو جزء آخر من العضو، وقد يكون مستعملا فيه أو في طهارة كاملة، فاريد
~~استعماله في طهارة اخرى، وهذا هو القدر المتيقن من مراد المانع عن
~~الاستعمال الثاني.
# وأما الأول: فقد يكون منفصلا عن العضو أو الجزء المغسولين، بأن يؤخذ بعد
~~انفصاله ويغسل العضو أو الجزء الآخر، وقد لا يكون منفصلا عنه، وعلى الثاني
~~فقد يكون مستقرا على العضو أو الجزء اللذين هو فيهما، فاريد إمراره فيهما
~~إلى العضو أو الجزء الباقي، وقد لا يكون مستقرا بل هو سائل، فاريد إمراره
~~حال السيلان إلى ما لا يسيل عليه عادة، وهذا هو القدر الذي يمكن دعوى القطع
~~بخروجه عن المتنازع
# PageV01P404
# بملاحظة سيرة المتشرعة، مع تعسر الغسل ترتيبا بل تعذره، لولا جوازه
~~والاجتزاء به، وأما الصورتان الباقيتان فكونهما من محل النزاع موضع شبهة،
~~والظاهر أن الأخيرة منهما مفروضة في مسألة اللمعة.
# وعلى المختار فهل يجوز استعماله فيهما أو لا؟ والظاهر أن الجواز في مسألة
~~اللمعة مما لا إشكال فيه، وبه روايات مخصوصة، ms363 تأتي في باب الغسل إن شاء
~~الله، دالة على جواز مسح اللمعة بالبلة الباقية في الأعضاء، وادعى عليه
~~ظهور الإجماع في شرح الدروس (1).
# وإنما الإشكال في الصورة الاخرى، ويظهر الفائدة بالنسبة إليها فيما لو
~~قصر الماء المعد للغسل عن تمام الغسل، بأن لا يكون كافيا إلا عن غسل بعض
~~الأعضاء، فهل يجوز الاكتفاء به في تمام الغسل، بأن يغسل به العضو المذكور
~~ويؤخذ بعد انفصاله عنه في إناء، ثم يغسل به العضو الآخر إلى أن يستكمل
~~الغسل به، أو لا؟
# والحق أن الجواز هنا مشكل، من أن بعض القواعد المتقدمة في الاستدلال على
~~الجواز في أصل المسألة - كقاعدة: إن الماهية المائية مقتضية للطهارة
~~والطهورية معا ما لم يزاحمها خارج - يقتضي الجواز، من حيث إن الماهية غير
~~زالة عن المفروض جدا، والعارض مما لم يعلم كونه مزاحما رافعا لما اقتضته
~~الماهية.
# ومن أنه مما لا ذاهب إليه من الأصحاب، بل ظاهرهم في غير هذا الموضع عدم
~~الاكتفاء به، حيث إنه في مسألة ما لو وجد المحدث من الماء ما لا يكفيه
~~لطهارته حكموا بوجوب التيمم عليه، مصرحين بعدم الفرق فيه بين الجنب والمحدث
~~بالأصغر، وعزاه في المنتهى (2) إلى مذهب علمائنا، مؤذنا بالإجماع عليه، فلم
~~يذكروا فيه إلا احتمال الوضوء مع التيمم إذا كان جنبا، أو استعماله في بعض
~~الأعضاء ثم التيمم للباقي، ناسبين لهما إلى العامة، ولهم في هذا المقام
~~روايات مصرحة بالتيمم دون الوضوء في الجنب خاصة، من غير تعرض لبيان ما
~~ذكرناه في مفروض المسألة، فلو أنه أمر مقرر في الشريعة ثابت من الشارع لما
~~كان للعدول عن الأمر به إلى الأمر بالتيمم في الأخبار وجه، كما لا يخفى.
# PageV01P405
# فتلخص من ذلك أن الأقرب حينئذ هو عدم الاكتفاء بالماء المفروض في الصورة
~~المفروضة، تحكيما لتلك الأخبار المؤيدة بعمل الأخيار على القاعدة المشار
~~إليها، ويؤيده ما قررناه في ذيل الكلام على رواية علي بن جعفر، المتقدمة في
~~جملة الأخبار المستدل بها على طهورية المستعمل، ولكن على التقدير المتقدم
~~إليه الإشارة. ms364
# فصار محصل مختارنا مع ضميمة ما قررناه الآن: أن المستعمل في الحدث الأكبر
~~لا يزول عنه الطهورية، إلا ما لو استعمل في بعض أعضاء الطهارة فاريد
~~استعماله في العضو الآخر من تلك الطهارة، فإنه غير جائز لدليله الخاص الذي
~~لولاه لكان الجواز ظاهر الثبوت.
# وسادسها: إذا اجتمعت المياه المستعملة حتى بلغت كرا وما زاد، لم يزل
~~المنع على القول به، وفاقا لمحكي المعتبر (1)، وخلافا للمبسوط (2)،
~~والمنتهى (3)، وعن الخلاف: أنه تردد فيه (4).
# لنا: ما احتج به المعتبر: " بأن ثبوت المنع معلوم شرعا، فيتوقف ارتفاعه
~~على وجود الدلالة، وهي مفقودة " (5).
# واحتج العلامة: " بأن بلوغ الكرية موجب لعدم انفعال الماء عن الملاقي،
~~وما ذلك إلا لقوته، فكيف يبقى انفعاله عن ارتفاع الحدث الذي لو كان نجاسة
~~لكانت تقديرية " (6).
# وفيه: أن بلوغ الكرية إن اريد به سبق الكرية على الملاقاة فالمقدمة
~~الاولى مسلمة، ولكن المقام ليس منها، وإن اريد به لحوق الكرية بها فالمقدمة
~~الاولى ممنوعة، فضلا عن المقدمة الثانية.
# وعن الشيخ في الخلاف (7) في منشأ التردد: " أنه ثبت فيه المنع قبل أن
~~يبلغ كرا، فيحتاج في جواز استعماله بعد البلوغ إلى دليل، ومن دلالة الآيات
~~والأخبار على طهارة الماء، خرج عنه الناقص عن الكر بدليل، فيبقى ما عداه،
~~وقولهم:: " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (8).
# PageV01P406
# ويرد على أول الوجهين: أن المجتمع هو الناقص الذي بلغ كرا بالاجتماع،
~~فإذا سلم خروجه عن الآيات والأخبار حال النقصان، فأي دليل قضى بدخوله فيهما
~~بعد الاجتماع؟
# هذا مع ما فيه من التعبير بالطهارة التي ليست من المتنازع فيه، إلا أن
~~يراد بها الطهورية.
# وعلى ثاني الوجهين: القدح فيه سندا ودلالة، أما الأول: فلما صرح به غير
~~واحد من أنه غير معلوم الإسناد، وأما الثاني: فلظهوره في أن بلوغ الكرية
~~مانع عن حدوث الخبثية فيه، أو ملزوم له، وهو ليس من كونه سببا أو ملزوما
~~لزوالها عنه بعد الحدوث في شئ. ولقد أجاد صاحب المعالم - فيما حكى عنه - من
~~قوله: " والعجب أن الشيخ (رحمه الله) احتج في ms365 الخلاف (1) على عدم زوال
~~النجاسة في المجتمع من الطاهر والنجس؛ بأنه: ماء محكوم بنجاسته، فمن ادعى
~~زوال حكم النجاسة عنه بالاجتماع فعليه الدليل، و ليس هناك دليل، فيبقى على
~~الأصل، ولو صح الحديث الذي جعله في موضع النزاع منشأ لاحتمال زوال المانع،
~~لكان دليلا على زوال النجاسة هناك، وليس بين الحكمين في الخلاف إلا أوراق
~~يسيرة. " (2) انتهى.
# وسابعها: قال في المنتهى: " لو اغتسل وجوبا من جنابة مشكوك فيها، كالواجد
~~في ثوبه المختص، أو المتيقن لها وللغسل الشاك في السابق، أو من حيض مشكوك
~~فيه كالناسية للوقت والعدد، هل يكون ماؤه مستعملا؟ فيه إشكال، فإن لقائل أن
~~يقول: إنه غير مستعمل، لأنه ماء طاهر في الأصل لم يعلم إزالة الجنابة به،
~~فلا يلحقه حكم المستعمل ويمكن أن يقال: إنه مستعمل، لأنه قد اغتسل به من
~~الجنابة وإن لم تكن معلومة، إلا أن الاغتسال معلوم فيلحقه حكمه، و لأنه ما
~~أزال مانعا من الصلاة، فانتقل المنع إليه كالمتيقن " (3).
# أقول: والأولى إناطة الأمر بأن الرافع للطهورية هل هو طرو الاستعمال في
~~الجنابة ولو شرعية، أو كونه رافعا للحدث الذي هو أمر واقعي؟ فإن كان الأول
~~فلا إشكال في
# PageV01P407
# صيرورته مستعملا، وإن كان الثاني فلا إشكال في الحكم عليه بعدم صيرورته
~~مستعملا، للأصل الذي ينشأ عن الشك في وجود الرافع، والذي يظهر من الأخبار
~~المقامة على المنع - على فرض تمامية دلالتها - وكلام العلماء الأخيار هو
~~الثاني، كما لا يخفى على المتأمل.
# وثامنها: قد أشرنا سابقا إلى أن الحكم في كلام أهل القول بالمنع مختص
~~بالقليل، لخروج الكثير عن المتنازع فيه، وصرح به غير واحد، نعم عن المفيد
~~(1) القول بكراهة الارتماس في الماء الكثير الراكد، ووجهه في شرح الدروس
~~بقوله: " والظاهر أن وجهه صيرورته مستعملا يكره الطهارة به " (2) ويظهر من
~~الحدائق (3) احتمال كون الكراهة مرادا بها المنع، لأنها في كلام المتقدمين
~~- كما هو في الأخبار - للأعم من المعنى المصطلح.
# وعن شيخنا البهائي في حواشي الحبل المتين (4) ما يقضي بتوهمه عموم
~~النزاع، مستدلا بما في المختلف ms366 من الاستدلال على عدم المنع بصحيحة صفوان،
~~الواردة في الحياض بين مكة والمدينة، وصحيحة محمد بن إسماعيل المتقدمة في
~~عداد أدلة القول المختار، وهو كما ترى، فإن الاستدلال بالإطلاق في بعض
~~الأفراد المتنازع في حكمه، لا يقضي بكون البعض الآخر من أفراده أيضا من
~~المتنازع فيه.
# وأما كراهة الاغتسال فلا يعرف له وجه، مع منافاتها مع احتمال المنع لسيرة
~~المتشرعة، وعمل الفرقة المحقة.
# وصحيحة محمد بن إسماعيل (5) المفصلة في الرخصة وبين الضرورة، وغيرها التي
~~قدمنا فيها احتمال كون النهي للكراهة، - بل استظهرناه - لا تكفي في إثبات
~~الكراهة، لعدم تبين كون هذه الكراهة هل هي من جهة الاغتسال، أو من جهة
~~الاستنجاء، أو غير ذلك؟ والمفروض أن السؤال وقع عن هذه الأشياء مجتمعة لا
~~منفردة، ومن الظاهر كفاية كون بعض من هذه الأشياء مقتضيا للكراهة في الحكم
~~بها مطلقا حال الاجتماع،
# PageV01P408
# والعمدة في هذا السؤال بيان الحكم لا تعيين محله، لأن السؤال ورد عن
~~المجتمع فخرج الجواب على طبقه، فإن قيام الجهة المانعة بالجزء كاف في المنع
~~عن الكل.
# فالإنصاف: أن الرواية بالقياس إلى مفردات المسؤول عنه مجملة لا يصح
~~الاستناد إليها في شئ منها بالخصوص. على إطلاقه وفي جميع أحواله، فكراهة
~~الاغتسال من الكر المغتسل فيه مشكل، مع أنه لم يظهر به قول من أصحابنا، وما
~~عرفت عن المفيد غير ثابت، وحكمه بكراهة الارتماس في الكثير الراكد غير دال
~~عليه، فإن الارتماس في الراكد أعم من الاغتسال، كما أن الراكد أخص من
~~الكثير؛ ولعله لخصوصية لا مدخلية فيها للاغتسال، ثم إن كون ذلك لأجل حفظ
~~الماء عن كونه مستعملا يكره الطهارة به من أي جهة والاستظهار المتقدم عن
~~شرح الدروس ممنوع، ولعل الاغتسال بنفسه مكروه في الراكد، والله العالم
~~بحقائق أحكامه.
# * * * * * * * PageV01P409
# ينبوع الماء الجاري مما أفرده الأصحاب بعنوان مستقل، لما في قليله عند
~~أهل القول بانفعال القليل بالملاقاة من الخلاف في انفعاله، وإلا فهو على
~~القول المشهور من عدم انفعاله كان ينبغي أن يذكر في عداد المستثنيات عن
~~قاعدة انفعال ms367 القليل، ونحن أيضا أفردناه بالعنوان، ولكن عقيب الفراغ عن
~~المستثنيات اقتفاء لإثرهم، مع مراعاة المناسبة المذكورة على قدر الإمكان.
# وكيف كان: فاختلفت كلمتهم في تفسير الجاري هنا؛ ففي المجمع - نقلا عن
~~المصباح -: " الماء الجاري هو المتدافع في انحدار واستواء " (1) وفي مفتاح
~~المعاني - الذي هو منتخب من الصحاح والقاموس وغيرهما - " جرى الماء سال "
~~(2).
# وعن بعض متأخري المتأخرين الاكتفاء بمطلق السيلان ولولا عن مادة، استنادا
~~إلى صدق " الجاري " على المياه الجارية عن ذوبان الثلج، خصوصا إذا لم ينقطع
~~في السنة.
# وفي حاشية الشرائع - للشيخ علي - والمراد بالجاري: " ما كان نابعا من
~~الأرض " (3).
# وعنه في حاشية الإرشاد والمراد به: " النابع من الأرض دون ما أجري " (4)،
~~فإنه واقف وإن لم يتنجس العالي منه بنجاسة السافل إذا اختلف السطوح وعنه في
~~جامع المقاصد المراد به: " النابع، لأن الجاري لا عن نبع من أقسام الراكد "
~~(5).
# وعن المسالك: " المراد بالجاري النابع غير البئر سواء جرى أم لا، وإطلاق
~~الجريان
# PageV01P410
# عليه مطلقا تغليب أو حقيقة عرفية " (1).
# وفي الروضة: " وهو النابع من الأرض مطلقا غير البئر، على المشهور " (2).
# وعن الذخيرة: " والمراد به النابع غير البئر، سواء جرى على وجه الأرض
~~أولا، والجاري لا عن مادة لا يسمى جاريا عرفا " (3).
# وفي المدارك: " المراد بالجاري النابع، لأن الجاري لاعن مادة من أقسام
~~الراكد اتفاقا " (4).
# وفي الحدائق: " المراد بالجاري هو النابع، وإن لم يتعد محله " (5).
# وفي الرياض: " وهو النابع عن عين بقوة أو مطلقا ولو بالرشح، على إشكال في
~~الأخير " (6).
# وفي الوسائل: " هو النابع غير البئر، بقوة أو مطلقا ولو بالرشح، على
~~إشكال في الأخير " (7).
# وقيل: هو هنا السائل على الأرض بالنبع من تحتها، وإلا فهو الواقف، لأن
~~الجاري لا عن نبع من أقسام الراكد اتفاقا أو البئر.
# وفي شرح الاستاذ للشرائع: " وهو السائل عن مادة لا النابع مطلقا، ولا
~~السائل كذلك " (8).
# أقول: والذي يظهر - والله أعلم - أن لفظ " الجاري " في وصف الماء به، ليس
~~حاله إلا كلفظ " المحقون " و " الواقف " و " الراكد " و " الكر " و "
~~القليل "، فلا وضع فيه لغة وعرفا ms368 لما يقابل المحقون وماء البئر وغيرهما من
~~الأقسام المتداولة في لسان الفقهاء، الممتازة بعضها عن بعض بحسب الأحكام
~~المثبتة من الأدلة الشرعية، بل هو لغة وعرفا بالمعنى الأعم من المتشرعة
~~وغيرهم - وصف عام يلحق الماء باعتبار ما يعرضه من وصف السيلان، ولا ينافيه
~~تبادر ما يقابل المحقون وغيره من الأقسام المشار إليها عند المتشرعة
~~بالخصوص، لأنه تبادر إطلاقي ينشأ من انسهم بطريقة الفقهاء في إجراء
~~الأحكام، والتفرقة بين ما ذكر من الأقسام، بناء على أن ما عرفت عن الفقهاء
~~من التفاسير
# PageV01P411
# المذكورة بيان لموضوع - حكم متفق عليه أو مختلف فيه - استفادوه كلا أم
~~جلا من الأدلة الشرعية، لا أنه تفسير لمفهوم اللفظ لغة ولا عرفا ولا شرعا
~~حتى يلزم منه ثبوت الحقيقة الشرعية فيه، وإلا فمفهوم قولنا: " ماء جار "
~~لغة وعرفا ليس إلا الماء السائل، ووصف الجاري صفة تقييدية يحترز بها عما
~~ليس بسائل فعلا، لا أنه صفة توضيحية.
# نعم هو حيثما يؤخذ اللفظ المذكور موضوعا للحكم المشار إليه أو في المسألة
~~المختلف فيها يكون صفة توضيحية، لكن من جهة الفرض والاعتبار، لا من جهة
~~دخولها مع الموصوف في مفهوم اللفظ لغة أو عرفا.
# وبالجملة: مفهوم اللفظ لغة أو عرفا شئ، وموضوع الحكم الشرعي شئ آخر، غاية
~~الأمر أنهما قد يتطابقان وقد يتفارقان، وغرضهم من التفاسير المذكورة
~~الإشارة إلى الثاني فقط، والأول يفارقه في غير النابع، فإنه إذا سال ماء
~~جار لغة وعرفا وإن لم يكن من موضوع الحكم الشرعي أو المسألة المذكورين في
~~شئ، والذي يشهد بما ذكرناه من تغاير الأمرين وجوه:
# الأول: خلو كلام أئمة اللغة - فيما نعلم - عن تفسيره بما هو موضوع للحكم
~~الشرعي، واشتمال جملة من كلامهم على تفسيره بما يعم هذا المعنى كما عرفت عن
~~مفتاح المعاني، ولا ينافيه ما عرفته عن المصباح، لأن تفسيره بالمتدافع إما
~~تفسير له بما يرادف السائل أو بما يلزمه، نظرا إلى أن السيلان يستلزم كون
~~بعض الأجزاء دافعا للبعض الآخر، وموجبا لانتقاله عن مكان إلى آخر.
# والثاني: ما عرفت ms369 في التفاسير المذكورة من التعبير في أكثرها بقولهم: "
~~والمراد بالجاري "، " أو المراد به هنا "، فإن ذلك كالتصريح بأن هذا
~~التفسير بيان لما هو المراد من اللفظ في خصوص المقام، ويزيده بيانا ما في
~~كلام بعضهم من إخراج الجاري لا عن نبع عما هو المراد هنا بطريق الاستدلال،
~~ولا ينافيه ما في بعض تلك التفاسير من بيان المعنى بطريق الحمل دون التعبير
~~بلفظة " المراد "، لأن ذلك أيضا بقرينة ما في أكثرها ينزل إلى بيان المراد
~~بالخصوص، لا بيان مفهوم اللفظ بما هو هو، كما يفصح عن ذلك ما عرفت عن ثاني
~~الشهيدين في كتابيه المسالك (1) والروضة (2)، حيث إنه في
# PageV01P412
# الأول عبر باللفظ المذكور، وفي الثاني ذكر المعنى بطريق الحمل.
# وأقوى مما ذكر ما في الدروس من قوله: " ثالثها: الجاري نابعا " (1) بعد
~~ما جعل أقسام الماء باعتبار مخالطة النجس له أربعة، وفي شرح العبارة
~~المذكورة للمحقق الخوانساري: " احترز به عما إذا كان جاريا من غير نبع، فإن
~~حكمه حكم الواقف اتفاقا نعم القليل منه إذا كان منحدرا لا ينجس ما فوقه "
~~(2)، انتهى فإن ظاهر هذه العبارات كلها أن وقوع لفظ " الجاري " على الماء
~~ليس بحسب الوضع اللغوي، ولا العرفي العام، ولا أنه حصل فيه للفقهاء اصطلاح
~~خاص، وإلا لم يكن لما فيها من التقييدات والتصريح بالاحترازات وجه.
# والثالث: ما عن المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة من قوله: " و أما حقيقة
~~الجاري، فقيل: إنه النابع غير البئر، فكأنه اصطلاح، ويفهم مما نقل عن
~~الدروس اشتراط دوام النبع، وكذا ابن فهد وليس هنا حقيقة شرعية بل ولا
~~عرفية، ومعلوم عدم إرادة اللغوية، ويمكن استخراج المعنى المتقدم. أما غير
~~البئر فلانفرادها بالأحكام، و أما النابع مطلقا فلعدم القوة في غير النابع،
~~وللإجماع أيضا على اعتبار الكرية في غير النابع بين القائلين بالتنجيس،
~~ولوجود معنى الجري في النابع " (3) انتهى. وحينئذ فما في عبارة المسالك من
~~قوله - بعد تفسيره المتقدم - " وإطلاق الجريان عليه مطلقا تغليب أو حقيقة
~~عرفية " (4) لابد وأن يحمل على إرادة التغليب في لسان الفقهاء، ms370 حيث يعتبرون
~~المعنى المذكور موضوعا في المسألة المتنازع فيها، وإرادة الحقيقة العرفية
~~الخاصة كما فهمه الأردبيلي.
# وعليه فما ربما يورد عليه من مخالفة ذلك للعرف واللغة، والاستدلال في رده
~~بأن الجاري، لا يصدق إلا مع تحقق الجريان ليس على ما ينبغي، فإن اعتبار
~~الجريان فعلا في صدق الجاري لغة أو عرفا لا ينافي عدم كونه معتبرا فيما هو
~~موضوع في المسألة الفقهية، بعد تبين أن العبرة فيه بالنبع فقط دون الجريان
~~فعلا، غاية الأمر كون وقوع اللفظ عليه مجازا من باب التغليب لتحقق الجريان
~~في أكثر أفراد هذا الموضوع، أو
# PageV01P413
# اصطلاحا خاصا، ولا مشاحة فيه.
# وربما يقال: بأن قولهم - في تطهير الجاري -: أنه يطهر بكثرة الماء الجاري
~~عليه متدافعا حتى يزول التغير، وما في بعض الأخبار عن الماء الجاري يمر
~~بالجيف والعذرة والدم أيتوضأ منه؟ يشير إلى كون الجاري ما تحقق فيه
~~الجريان.
# وفيه: ما لا يخفى على المتأمل.
# نعم، من يدعي كفاية النبع مطلقا في موضوع المسألة عند الفقهاء، وعدم
~~اعتبار الجريان الفعلي فيه، ينبغي أن يطالب بدليل ذلك.
# فإذا ثبت أن مرجع التفاسير المتقدمة إلى تحقيق موضوع المسألة. فلابد من
~~النظر في تحقيقه في كلماتهم، وأدلتهم المقامة على امتياز الجاري عن سائر
~~الأقسام بحسب الحكم في الجملة.
# فنقول: لا إشكال ولا خلاف ظاهرا في أن النابع السائل على وجه الأرض من
~~موضوع المسألة، كما أنه لا إشكال ولا خلاف في أن ما ليس بنابع ولا سائل ليس
~~من موضوع المسألة في شئ، وإنما الكلام في اعتبار هذين الوصفين معا في هذا
~~الموضوع، على وجه لولا أحدهما لم يكن المورد منه، والظاهر أنه لا إشكال ولا
~~خلاف أيضا في اعتبار الوصف الأول - أعني النبع - المفسر في كلام أهل اللغة
~~بخروج الماء من العين، ولذا ترى تفاسيرهم المتقدمة متوافقة على اعتباره، مع
~~استتباع بعضها بدعوى الاتفاق على دخول غير النابع في أقسام الراكد، و إن
~~حصل له وصف الجريان.
# ومما يرشد إلى ذلك أيضا فرضهم مسألة اختلاف السطوح بالتسنيم أو ms371 الانحدار
~~- الذي لا يتأتى إلا مع الجريان - في الكر الذي هو من الراكد.
# نعم، العمدة في المقام اعتبار الوصف الثاني وهو الجريان.
# ويظهر الفائدة في العيون الصغار الغير السائلة، التي ينبع منها الماء إلى
~~مرتبة فيقف عليها حتى يؤخذ منه شئ، فإذا أخذ ينبع ثانيا إلى أن يصل المرتبة
~~أيضا وهكذا، وقد اختلفت كلمة المتأخرين في ذلك ففي صريح المسالك (1)
~~والذخيرة (2) والحدائق (3) - على ما تقدم - عدم اعتباره، وصرح به
~~الخوانساري في شرح الدروس أيضا قائلا:
# PageV01P414
# " واعلم، أنه لا يشترط فيه الجريان، بل يكفي مجرد النبع " (1)، ويمكن
~~استفادته أيضا عن جملة من التفاسير المتقدم ذكرها لما فيها من إطلاق النبع،
~~وعن ظاهر المحقق اعتباره، حيث حكم بعدم تطهير القليل بالنبع من تحته،
~~تعليلا: " بأن النابع ينجس بالملاقاة " (2)، وعن كاشف اللثام - للفاضل
~~الهندي - أنه جعله أوضح الاحتمالين (3) وهو المحكي عن المقنعة (4)،
~~والتهذيب (5)، حيث حكما بانفعال القليل من الغدير النابع وتطهيره بالنزح،
~~وهو صريح بعض من قاربناه عصرا، قائلا، " بأنه يلحق بالبئر العيون الصغار
~~الغير السائلة، وغير الصادق عليها اسم البئر، وفاقا للمقنعة والتهذيب
~~والفاضل الهندي في شرح القواعد، لعدم صدق الجريان في مائها شرعا ولغة
~~وعرفا، فلا يشمله عبارات الأصحاب ولا ما ورد من الأخبار " (6).
# وعن المحقق البهبهاني: " أن النابع الراكد عند الفقهاء في حكم البئر "
~~(7).
# ويستفاد عن المحقق المذكور - في عبارة محكية عن شرحه للمفاتيح اعتباره في
~~صدق الاسم دون الحكم، بمعنى دخول العيون المشار إليها في حكم الجاري،
~~وخروجها عنه اسما، حيث قال: " المعتبر في الجاري والبئر هو الصدق العرفي -
~~أي العرف العام - فمجرد الجريان اللغوي لا ينفع في الجاري، حتى يكون
~~الجريان عن مادة سواء كانت نبعا أو نزأ حاصلين عن حفر الآبار وخرق أسافلها،
~~ودخل الماء من بئر إلى بئر إلى أن جرى على الأرض وهذا هو المسمى بالقناة،
~~أو كان البئر واحدة وثقب أسفلها حتى يجري ماؤها على الأرض، أو امتلأت ماء
~~إلى أن جرى على الأرض، ففي جميع هذه الصور يكون الماء جاريا، وإن أطلق عليه ms372
~~ماء البئر أيضا، إلا أنه ليس إطلاقا حقيقيا باصطلاح العرف العام، ومن
~~الجاري العيون التي يجري منها الماء، و أما التي لا يجري أصلا وإن كان عن
~~مادة نبعا أو نزأ فحكمها حكم الجاري في عدم الانفعال ما لم يتغير، للأصل،
~~والعمومات، وقوله (عليه السلام) في البئر: " لأن له مادة " وغير ذلك " (8)
~~انتهى.
# PageV01P415
# وأنت بعد ما أحطت خبرا بما قررناه آنفا، من أن مبنى إطلاق الجاري على
~~النابع السائل ليس على الوضع اللغوي جزما، و لا العرفي و الشرعي، حيث لا
~~شاهد بهما أصلا، بل إنما هو لأجل كونه أحد أفراد مفهومه اللغوي، تعرف أن
~~بعض الكلمات المذكورة ليس في محله، فالاستناد في نفي دخول ما فرض من العيون
~~في اسم الجاري إلى عدم صدق الجريان ونحوه عليها ليس مما ينبغي، والاعتراف
~~بكونها في حكمه مما يشهد بما تقدم من أن غرضهم في المقام ضبط موضوع الحكم
~~لا شرح مفهوم اللفظ، فلابد وأن يكون الجاري مرادا به حينئذ معنى يشمل الغير
~~السائل أيضا، ومعه لا معنى لنفي دخوله في المسمى هنا، استنادا إلى ما يرجع
~~إلى إحراز المسمى اللغوي أو العرفي.
# والعمدة في معرفة دخوله في موضوع الحكم ملاحظة الأدلة المقامة على ذلك
~~الحكم، ولا يبعد أن يقال: بعموم أكثر الأدلة المقامة على عدم انفعاله على
~~فرض سلامتها دلالة، خصوصا ما يأتي من رواية البئر المعللة بوجود المادة،
~~على تقدير رجوع التعليل إلى حكم عدم الإفساد لا الطهر بالنزح كما هو
~~الأظهر، فإنها على هذا التقدير تفيد قاعدة عامة جارية في كل ذي مادة
~~والمقام منه، نظرا إلى أن عدم السيلان على وجه الأرض ينشأ عن تحتية المادة
~~لا عن فقدها أو ضعفها كما قد يتوهم، ولو فرض شك في شمول ذلك الحكم له
~~بملاحظة ما تقدم من الخلاف الواقع فيه، ولم يظهر من الأدلة شئ، كان المتعين
~~إدخاله في عمومات انفعال القليل، المفيدة قاعدة عامة تجري في المقام جزما
~~لو خلي و طبعها حسبما تقدم في محله.
# وهذا ضابط ms373 كلي في المسألة يجب الرجوع إليه في كل ما يشك دخوله في الجاري
~~الذي هو موضوع المسألة، لأجل خلاف، أو ضعف نبع، أو يشك في وجود النبع ونحوه
~~حين الملاقاة.
# ومن جملة ذلك ما يتعدى محله خارجا من الأرض بطريق الرشح، وهو العرق يقال:
~~" رشح جبينه إذا عرق " ولعله إلى إخراج مثل ذلك ينظر ما اعتبره الشهيد في
~~الدروس (1) من دوام النبع في الجاري، نظرا إلى أن الماء في صورة الرشح يخرج
~~شيئا فشيئا، والمعتبر في عدم الانفعال اتصال الملاقي للنجاسة بالمادة حين
~~تحقق الملاقاة،
# PageV01P416
# ولا ريب أن الاتصال مما لا يعلم به مع الخروج رشحا، وإنما اعتبرنا العلم
~~هنا مع أن الحكم بالطهارة يكفي فيه عدم العلم بتحقق سبب النجاسة، والمقام
~~منه، لأن المقتضي للنجاسة هنا موجود وهو عموم القاعدة، فلابد في الخروج
~~عنها من مخرج علمي ولو شرعا.
# لكن يرد على الشهيد في اعتباره الشرط المذكور - بناء على هذا التوجيه -:
~~أن ذلك إنما يستقيم لو كان الحكم بعدم انفعال الجاري معلقا عند الأصحاب
~~بوجود المادة، وهو غير ظاهر من أكثرهم، بل أكثر أدلتهم خلو عن اعتباره.
# نعم لو استند في ذلك إلى الرواية المشار إليها، المعللة بوجود المادة كان
~~الاشتراط متجها. لكن يشكل ذلك: بأن الاستناد إليها غير معلوم من جميعهم إلا
~~أن يقال: بأنها مستند الحكم عنده، فاعتبر الشرط المذكور جريا على مقتضى
~~دليله، فلا إيراد عليه بعد تسليم هذا الدليل منه، ونقل اعتبار ذلك أيضا عن
~~ابن فهد في موجزه (1) وعن التنقيح:
# " أنه استحسن ذلك الشرط " (2).
# وذكر في معناه وجوه:
# منها: ما ذكرناه، وهو أظهرها، وفاقا للمحكي عن بعض محشي الروضة، والمحقق
~~الثاني (3) وصاحب المعالم (4) حيث استحسنه.
# وأما ما أورد عليه: بأنه غير مفيد، إذ مجرد عدم ظهور المادة لا يكفي في
~~الحكم بالانفعال، بل التحقيق في صورة الشك في وجود المادة الحكم بعدم
~~الانفعال للأصل، بل وكذلك مع ظن العدم للاستصحاب، وإن انحصر الدليل على عدم
~~اشتراط الكرية في الخبر المشار إليه، وهو كما ترى ms374 وكأنه غفلة عما قررناه من
~~وجود المقتضي للانفعال، لولا الدليل المخرج.
# ومنها: ما عن روض الجنان (5) التصريح به من، أن المراد بدوام النبع عدم
~~الانقطاع في أثناء الزمان، ككثير من المياه التي تخرج زمن الشتاء وتجف في
~~الصيف.
# PageV01P417
# ففيه: ما لا يخفى، فإن الحكم إذا كان معلقا بوصف النبع فهو ما لم يتحقق
~~الانقطاع موجود، فينبغي أن يتحقق معه الحكم، ولا يعقل مدخلية لانقطاعه في
~~بعض الأزمنة في ذلك، ولذا يقال: بأن القول بالانفعال مع انتفاء الشرط
~~بالمعنى المذكور يوجب تخصيص عموم الأدلة بمجرد التشهي، ومن هنا صح القول
~~بأن ذلك مما لا ينبغي نسبته إلى مثل الشهيد، بل من هو دونه بمراتب.
# وربما يورد عليه: بأن الدوام بالمعنى المذكور إن اريد به ما يعم الزمان
~~كله، فلا ريب في بطلانه إذ لا سبيل إلى العلم به، وإن خص ببعضه فهو مجرد
~~تحكم، وفيه نظر.
# ومنها: أن يكون المراد به ما يحترز به عن بعض العيون أو الآبار التي لها
~~نبع ولا يجري ماؤها على الأرض، مع عدم دخولها في اسم البئر، وإنما يعلم
~~النبع بأخذ شئ من الماء، فإنه حينئذ يأخذ بالنبع إلى أن يبلغ الحد الأول،
~~وهذا أضعف من سابقه، فإن الحكم بعدم الانفعال إن كان مستفادا من الأصل أو
~~الروايات غير رواية البئر المعللة بما سبق فلا ريب أنهما ساكتان عن اعتبار
~~أصل النبع فضلا عن دوامه، و إن كان مستفادا عن الرواية المشار إليها
~~فأقصاها الدلالة على اعتبار وجود المادة والاتصال بها، وعدم تعدي الماء لا
~~يقدح في شئ منهما، كما لا يخفى.
# وفي الحدائق عن بعض الفقهاء المحدثين من متأخري المتأخرين: أن النابع على
~~وجوه:
# أحدها: أن ينبع الماء حتى يبلغ حدا معينا، ثم يقف ولا ينبع ثانيا إلا بعد
~~إخراج بعض الماء.
# وثانيها: أن لا ينبع ثانيا إلا بعد حفر جديد، كما هو المشاهد في بعض
~~الأراضي.
# وثالثها: أن ينبع الماء ولا يقف على حد كما في العيون الجارية، قال: "
~~وشمول الأخبار المستفاد منها ms375 حكم الجاري للوجه الثاني غير واضح، فيبقى تحت
~~ما يدل على اعتبار الكرية، وكأن مراد شيخنا الشهيد (رحمه الله) ما ذكرناه "
~~(1) انتهى.
# ويرد عليه: أن وقوف نبعه ثانيا على حفر جديد لا يخرج النابع أولا عن كونه
~~نابعا، والحكم معلق عليه، إلا أن يقال: إن النبع إنما يناط به الحكم في
~~موضع اتصال
# PageV01P418
# النابع بالمادة لا مطلقا، ولا ريب أن افتقار النبع ثانيا إلى الحفر
~~الجديد مما يكشف عن انقطاع ما نبع أولا عن المادة.
# ويبقى من المواضع المشكوك فيها " الثمد " بالفتح والسكون، بل هو مما لا
~~ينبغي الشك في عدم اندراجه تحت الجاري اسما وحكما، سواء فسرناه بما عن
~~منقول الأساس - عن الأصمعي - من أنه: " ماء المطر الذي يبقى محقونا تحت
~~الرمل، فإذا انكشف عنه الأرض " (1) وحاصله: ما يختفي تحت الرمل من ماء
~~المطر، أو بما في مفتاح المعاني (2) والقاموس (3) والمجمع (4) من: " أنه
~~الماء القليل لا مادة له " أو " ما يبقى في الأرض الجلد " وهي الأرض الصلبة
~~المستوية المتن، نعم إن فسرناه بما يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف - كما هو
~~أحد الثلاث المذكورة في الكتب المشار إليها - كان مما تقدم بيان كونه مرادا
~~للشهيد فيما اعتبره من الشرط المتقدم، وقد ظهر بملاحظة ما ذكر أن القدر
~~المتيقن مما هو مراد المشهور إنما هو السائل عن نبع، وهذا أو ما هو أعم منه
~~هو الذي اختلف الأصحاب في انفعال قليله، واشتراط الكرية في عدم انفعاله
~~وعدمه على قولين:
# الأول: ما هو المشهور جدا محققا ومحكيا من أنه لا يشترط فيه الكرية، فلا
~~ينفعل قليله بالنجاسة إلا إذا تغير، وعزى إلى صريح المبسوط (5)، والغنية
~~(6)، وشرح الجمل (7)، للقاضي، والدروس (8)، والذكرى (9)، وحاشية الشرائع
~~(10)، والإرشاد (11)، والجعفرية (12)، والكفاية (13)، والمصابيح (13) (15)،
~~وظاهر إطلاق المقنعة (15)،
# PageV01P419
# والخلاف (1)، والجمل والعقود (2)، والنهاية (3)، والمراسم (4)، والوسيلة
~~(5) والسرائر (6)، والإشارة (7)، والنافع (8)، والشرائع (9)، والمعتبر
~~(10)، والتبصرة (11)، والإرشاد (12)، والجامع (13)، واللمعة (14)، والبيان
~~(15)، ومحكي أبي الصلاح (16)، والسيوري (17)، وابن فهد (18)، والمحقق
~~الكركي (19)، و ولده (20)، والشيخ البهائي (21)، والمجمع (22)، والمدارك
~~(23)، والمعالم (24)، بل عن المعتبر، " ولا ينجس الجاري بالملاقاة، وهو
~~مذهب فقهائنا أجمع، ms376 إلى أن قال بعد ذلك:
# " ولا الكثير الراكد " (25)، فعلم أنه لا فرق بين قليل الجاري وكثيره،
~~وعن شرح الجمل لابن البراج: نقل الإجماع على عدم نجاسة الجاري، مع التصريح
~~فيه بعدم الفرق بين القليل والكثير (26)، ونحوه عن الغنية (27)، وعن ظاهر
~~الخلاف (28) نقله، ومثله عن حواشي التحرير (29) للمحقق الثاني، ومثله عن
~~مصابيح العلامة الطباطبائي (30)، وعن الذكرى: " إني لم أقف فيه على مخالف
~~ممن سلف " (31)، أي ممن تقدم على العلامة، وعن جامع المقاصد: أنه نسب رأي
~~العلامة إلى مخالفة مذهب الأصحاب (32).
# والثاني: ما عن العلامة في صريح نهاية الإحكام (33)، وظاهر القواعد (34)
~~من اشتراط الكرية وانفعال قليله، وعن ثاني الشهيدين في المسالك (35) إنه
~~اختاره صريحا،
# PageV01P420
# ويظهر منه الميل إليه في الروضة (1)؛ قيل: وكذلك أيضا في روض الجنان (2)،
~~وعن ولده صاحب المعالم: " أنه ذهب إليه في جملة من كتبه، إلا أن الذي استقر
~~عليه رأيه بعد ذلك هو المذهب المشهور " (3) وعنه في الروض (4) عن جماعة من
~~المتأخرين.
# احتج الأولون بوجوه:
# أحدها: الأصل، تمسك به غير واحد من الأساطين.
# ويرد عليه: أنه إن اريد به القاعدة الكلية المستفادة عن عمومات الأدلة
~~كتابا وسنة، فهي وإن كانت مسلمة، غير أنها لا ربط لها بالمقام، لأن الكلام
~~في قبول الجاري للانفعال بالعارض وعدمه، والقاعدة إنما تقتضي طهارته في
~~أصله وخلقته الأصلية، فهي في الحقيقة ساكتة عما نحن بصدده نفيا وإثباتا.
# ومنه يعلم ضعف ما في كلام جملة منهم من الاحتجاج بالعمومات، وأضعف منه ما
~~في كلام بعضهم من الاحتجاج بالخبر المستفيض " كل ماء طاهر حتى يعلم أنه قذر
~~" (5) فإنه على ما قررناه سابقا عام في مورده وهو الشبهة في الموضوع،
~~والمقام ليس منه، على أن العلم بالقذارة أعم من الشرعي، وهو قائم في
~~المقام، بناء على عموم قاعدة انفعال القليل كما هو التحقيق؛ فلابد في
~~الخروج عنه من مخصص والعام لا يصلح له، بل هو مما ينبغي تخصيصه بالقاعدة،
~~ومن هنا ظهر جواب آخر عن العمومات والأصل بالمعنى المفروض، لو قلنا فيهما
~~بالدلالة على عدم قبول الانفعال ms377 بالعارض عموما.
# وإن اريد به قاعدة الطهارة أيضا ولكن بالمعنى الذي قرره صاحب المدارك.
~~(6) من أن الأشياء كلها على الطهارة إلا ما نص الشارع على نجاسته لأنها
~~مخلوقة لمنافع العباد، ولا يتم النفع إلا بطهارتها. ففيه:
# أولا: منع منافاته أيضا لما نحن بصدده، إذ غاية ما فيه كون خلقة الأشياء
~~على الطهارة، وهو لا ينافي عروض النجاسة من جهة الطوارئ.
# PageV01P421
# وثانيا: منع بقائه على عمومه، بعد ملاحظة خصوص ما ورد في قليل الماء
~~المتناول للجاري أيضا.
# وثالثا: منع ذلك الأصل رأسا، بمنع الملازمة و منع بطلان اللازم أما
~~الأول: فلأن منافع العباد ملحوظة في الخلقة من باب الحكمة، فلا يجب فيها
~~الاطراد. وأما الثاني:
# فلعدم انحصار جهة الانتفاع في مشروط بالطهارة، كما هو الحال في خلقة
~~الأعيان النجسة.
# وإن اريد به استصحاب الحالة السابقة، فهو إنما يستقيم لولا القاطع
~~والرافع لموضوعه، وفي دليل الخصم - على ما سيجيء من عموم قاعدة الانفعال
~~ولو استندت إلى المفهوم - كفاية في ذلك؛ فلابد في دفعه من قاطع آخر حاكم
~~عليه، والأصل لا يصلح له، وبذلك يظهر عدم صحة الاستناد إليه لو اريد به
~~أصالة البراءة، كما اعتمد عليها المحقق البهبهاني في حاشية المدارك،
~~تعليلا: " بأن النجاسة تكليف بالتجنب " (1).
# وثانيها: ما حكى الاحتجاج به عن المحقق (2)، والعلامة (3)، من أن النجاسة
~~لا تستقر مع الجريان.
# وفيه أولا: منقوض بالجاري لا عن نبع.
# وثانيا: أن عدم استقرار النجاسة إن اريد به عدم استقرار عينها، فاعتبار
~~استقرارها مع إمكان استقرار أثرها في الأجزاء المتواصلة من جهة السراية من
~~جزء إلى جزء - ولو لاحقا - ممنوع، ما لم يدخل الأجزاء اللاحقة في عنوان
~~المستعلي، وإن اريد به عدم استقرار أثرها فهو أول الدعوى.
# وثالثها: عدة روايات عامة منها: النبوي - المتكرر ذكره سابقا -: " خلق
~~الله الماء طهورا لا ينجسه شئ، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (4).
# ومنها: صحيحة حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كلما غلب الماء
~~على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، فإن تغير الماء ms378 وتغير الطعم، فلا
~~تتوضأ ولا تشرب " (5).
# PageV01P422
# ومنها: حسنة محمد بن ميسر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل
~~الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، ويريد أن يغتسل منه، وليس معه
~~إناء يغترف به، ويداه قذرتان؟
# قال: يضع يده ويتوضأ، ويغتسل، هذا مما قال الله عزوجل: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (1) (2). وجه
~~الاستدلال بها: أن الأولين يدلان بظاهرهما على انحصار سبب عروض النجاسة في
~~التغير، كما أن الأخير يدل بإطلاقه على عدم انفعال الماء القليل بقذارة
~~اليد، سواء حملنا القلة على المعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، أو على ما
~~يعم الكثير المصطلح، غاية الأمر أنه خرج منها القليل الراكد بالدليل و بقي
~~الباقي، ومنه محل البحث.
# وفيه: أن الدليل الذي أوجب خروج الراكد توجب خروج الجاري، ودعوى:
# الاختصاص، لا وجه لها بعد ملاحظة عموم المفهوم في روايات انفعال القليل.
# ورابعها: خصوص صحيحة إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) " قال: ماء
~~البئر واسع لا يفسده شئ، إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح
~~ويطيب طعمه، لأن له مادة " (3)، بتقريب: أنه جعل العلة في عدم فساده بدون
~~التغير وطهارته بزواله وجود المادة، والعلة المنصوصة حجة.
# و اعترض عليه تارة: بما عن المحقق الخراساني (4)، - وتبعه على ذلك صاحب
~~الحدائق - من أن التحقيق في العلة المنصوصة، أن الحكم يتعدى إلى كل موضع
~~يوجد فيه العلة، إذا شهدت الحال والقرائن على أن خصوص متعلقها الأول لا
~~مدخل له في الحكم لا مطلقا، وإثبات الشهادة المذكورة هاهنا لا يخلو عن
~~إشكال.
# واخرى: بمنع وجود المادة في الجاري مطلقا، إذ المادة كما هو الظاهر لابد
~~أن يكون كرا مجتمعا، ووجود مثلها في كل جار غير معلوم، إذ يجوز أن يكون
~~نبعه بطريق الرشح من عروق الأرض، سلمنا عدم اعتبار الاجتماع، لكن وجود الكر
~~أيضا متصلا غير معلوم، لجواز أن يحصل في بعض العيون الماء بقدر ما يخرج
~~تدريجا في الأرض، إما بانقلاب الهواء كما ms379 هو رأي الحكماء، أو بإيجاد الله
~~تعالى إياه من غير مادة، أو بذوبان
# PageV01P423
# الثلج ونفوذه شيئا فشيئا، والبعض الذي يبعد فيه هذه الاحتمالات لا ينفك
~~عن الكثرة.
# والأول: واضح الدفع بعد ملاحظة بناء العرف، فإن الأصل العرفي في
~~التعليلات الواردة في الكلام عدم مدخلية الخصوصية في انعقاد الحكم، نظرا
~~إلى ظهور كلمة " أن " وما يؤدي مؤداها في نظائر المقام في كون ما بعدها مما
~~اعتبره المتكلم وسطا لما أفاده من الحكم، فيكون في قوة كبرى كلية، فلا يضر
~~فيها حينئذ خصوصية المتعلق الأول، لرجوعه موضوعا في صغرى القياس، والصغرى
~~لابد فيها من خصوصية موضوعها، فالمراد بشهادة الحال المعتبرة في المقام إن
~~كان هذا المعنى فهي قائمة في المقام جدا، وإن كان ما زاد عليه فغير معتبرة
~~جزما.
# وأما الثاني فيدفعه: أن كلام القوم ومحط الاستدلال بالرواية مفروضان فيما
~~علم بوجود المادة فعلا، وإطلاق ورودها في كلام الإمام (عليه السلام) يأبى
~~عن اعتبار الكرية والاجتماع معها، ودعوى الظهور في ذلك مما لا شاهد عليه،
~~والقضية إنما اعتبرت فرضية، فعدم انفكاك الكرية عما علم فيه بوجود المادة -
~~مع بطلان دعواه في نفسه - غير قادح في انعقاد الحكم الذي يرد على المفهوم
~~دون المصداق، ففرض الترشح أو انقلاب الماء من الهواء، وكون حصوله من إيجاد
~~الله سبحانه، غير قادح فيما هو من موضوع الحكم، لكون كل ذلك من الصور
~~المشكوكة التي يرجع فيها إلى الأصل الأولي - كما عليه غير واحد هنا - أو
~~قاعدة انفعال القليل، كما هو من مقتضى التحقيق والنظير في خصوص المقام أيضا
~~- بناء على ما تقدم الإشارة إليه - فدفع الاستدلال بالرواية بأمثال هذه
~~الامور، ليس على ما ينبغي.
# نعم، إن كان ولابد من ذلك فليعترض عليه: بمنع رجوع التعليل إلى الحكم
~~الأول، وهو عدم فساد ماء البئر بشئ، ودعوى: ظهوره في ذلك ممنوعة جدا، وإن
~~كان المقصود أصالة من الحديث بيان سعة ماء البئر وعدم فساده بغير التغير،
~~بل ظاهره كونه راجعا إلى الحكم بزوال التغير بالنزح، وقد تنبه عليه ms380 احتمالا
~~شيخنا البهائي (رحمه الله) - فيما حكي عنه - قائلا في الحبل المتين - عند
~~بيان الاستدلال -: " وفيه نظر، لاحتمال أن يكون قوله (عليه السلام): " لأن
~~له مادة " تعليلا لترتب ذهاب الريح وطيب الطعم على النزح، كما يقال: لازم
~~غريمك حتى يعطيك حقك، لأنه يكره ملازمتك " (1).
# PageV01P424
# والمناقشة فيه: بأن تعليل زوال التغير بوجود المادة مع خفائه وانتفاء
~~الحاجة إليه - لكون التغير من الامور المحسوسة الظاهرة - ليس من الوظائف
~~الشرعية المطلوب بيانها من كلام الأئمة، فلا يحمل الحديث عليه - كما عن
~~السيد الطباطبائي في مصابيحه (1) - وقريب منه ما في الحدائق (2) وغيره.
# يدفعها: أن ذلك مما لا غرابة فيه، بل هو بنفسه احتمال ظاهر لا خفاء فيه،
~~بعد ملاحظة أن الإمام (عليه السلام) حين ما ادعى الملازمة بين النزح وزوال
~~التغير استفاد من الراوي إستبعادا في تلك الملازمة، فأتى بالعلة المذكورة
~~رفعا لذلك وتحقيقا لتلك الملازمة، أو دفعا لما عساه يتأمل بعد ذلك فيها،
~~ولا ريب أن ذلك مما لا ينافي وظيفة الإمامة بعد ما حصل له المقتضي، وإنما
~~لا يحمل كلام الأئمة على نظائر هذه الامور إذا لم يقم عليه مقتض، كما أن
~~المقام كان من مظان الاستبعاد والتأمل المذكورين، بملاحظة طرو عدم الالتفات
~~إلى تجدد الماء من المادة عقيب نزح المتغير منه شيئا فشيئا، فينشأ منه
~~مقايسة ذلك على ماء الحوض أو البئر الغير النابع، أو الغدير أو غيره
~~المتغير بالنجاسة أو غيرها، حيث إنه لا يخرج عن كونه متغيرا بالنزح
~~بالضرورة والعيان، بل هو كلما نزح كان الباقي منه على تغيره إلى أن لا يبقى
~~منه شئ، كما لا يخفى، والتعليل ورد لبيان أن ماء البئر ليس من هذا الباب،
~~بل النزح فيه يوجب زوال التغير من جهة وجود المادة، الموجبة لتجدد جزء من
~~الماء الغير المتغير مكان ما نزح من المتغير، وهكذا إلى ما لا يبقى معه من
~~المتغير شئ، أو يستهلك في جنب المتجدد إن بقي منه شئ، فالمراد بذهاب الريح
~~وطيب الطعم حقيقة إنما هو فراغ البئر عن ms381 المتغير لا زوال مجرد الوصف مع
~~بقاء العين، فإنه غير معقول مع تحقق النزح.
# وقد يوجه الاستدلال على نحو يستلزم المطلوب، فيقال: إن قوله: " لأن له
~~مادة " علة لأصل الحكم، وهو عدم فساد الماء بدون التغير، أو له ولطهره
~~بزواله المفهوم من قوله: " فينزح حتى يذهب الريح "، أو للأخير خاصة على
~~بعد، وعلى التقادير فالحكم المعلل بالمادة يطرد بوجودها في غير مورد
~~التعليل، لأن العلة المنصوصة حجة كما
# PageV01P425
# تقرر في محله - فيجري في الجاري لوجودها فيه، ومقتضى التعليل على الأولين
~~نفس المدعى، وهو عدم انفعال الجاري بدون التغير، وعلى الثالث ما يستلزمه،
~~لأن زوال النجاسة بواسطة المادة يستلزم العصمة عن الانفعال بها، لكون الدفع
~~أهون من الرفع، وهذا محكى عن مصابيح السيد الطباطبائي (1)، وفي كلام جماعة
~~ما يقرب من ذلك.
# والجواب عنه: منع اقتضاء مجرد زوال التغير بالنزح - المعلل بوجود المادة
~~- حصول الطهر، لجواز كون المطهر هو مع شئ آخر من إلقاء كر ونحوه، وقد علم
~~به الراوي من الخارج فلم يبينه الإمام (عليه السلام)، وإنما بين له طريق
~~إزالة التغير، فتأمل. مع إمكان أن يقال: بورود التعليل مورد الغالب في
~~الآبار من بلوغ مائها كرا بل كرورا، كما يومئ إليه قوله (عليه السلام):
# " ماء البئر واسع " بناء على أنه كناية عن كثرة الماء، أو مراد به اتساعه
~~بحسب المقدار، والطهر المستفاد منها لعله من جهة أن الكر يطهر بمجرد زوال
~~تغيره كما هو أحد القولين في المسألة، فحينئذ لو استلزم ذلك عصمته عن
~~الانفعال بها من غير تغير فإنما يستلزمه لكونه كرا لا لكونه ذا مادة،
~~والمادة إنما اعتبرت على الاحتمال الأخير معدة لزوال التغير الذي هو
~~المطهر، أو سببا لتحقق نزح المتغير مع اشتمال المحل على الماء بعد تفريغ
~~المتغير عنه، مع إمكان أن يكون وجود المادة إنما اعتبر جزءا لسبب التطهير،
~~المركب منه ومن النزح المزيل للتغير، أو المجموع منه ومن زوال التغير، ولا
~~يلزم منه كونه علة تامة للعصمة عن الانفعال كما لا يخفى، فدعوى: كون ms382 الدفع
~~أهون من الرفع - مع كونها رأسا محل تأمل - مما لا يجدي نفعا هنا، لكون
~~الرافع شيئا لا يوجد في صورة الدفع.
# نعم، لو وجه الاستدلال بما قد يقال أيضا: من أن التعليل إن رجع إلى الحكم
~~الأول فيدل على عدم انفعال كل ذي مادة بما عدا التغير، وإن رجع إلى الحكم
~~الثاني فيدل على أن كل ذي مادة متغيرة يرتفع نجاسته بزوال تغيره بتجدد
~~الماء عليه من المادة بل مطلق الزوال، وهذا مما لا يجتمع مع انفعال قليله
~~بالملاقاة، كان أوجه مما ذكر.
# ولكن يدفعه أيضا: منع المنافاة بين الحكمين، بجواز قبول قليله الانفعال
~~وكون ما ذكر طريقا إلى تطهيره، كما عليه مبنى القول بانفعال ماء البئر،
~~غاية الأمر أن النزح على تقدير عدم التغير لا يعلق بزوال التغير، بل له
~~حينئذ حد مقرر في الشريعة، والمفروض أن
# PageV01P426
# أحكام الشرع لا تقاس بالعقول القاصرة، وإلا كان اللازم عدم طهر المتنجس
~~بالغسل بناء على نجاسة الغسالة كما هو التحقيق، إلا أن يقال: إن طهر
~~المتغير بمجرد زوال التغير، أو به مع ضميمة النزح، أو بهما مع ضميمة وجود
~~المادة، لا يجتمع مع قبول الغير المتغير منه المتجدد من المادة للانفعال
~~بمجرد الملاقاة، بعد ملاحظة أن الملاقاة الموجبة للانفعال أعم من ملاقاة
~~النجاسة وملاقاة المتنجس، فإن المتجدد من المادة حين زوال التغير ملاق
~~للماء وهو متنجس، والمفروض أنه ليس له قوة عاصمة عن الانفعال، فإما أن
~~يقال: بطهر الجميع بالزوال، أو يقال: بعدم طهر شئ منها، أو يقال: بطهر
~~المتغير دون غيره، والثاني بموجب الرواية، وكذلك الثالث لاستحالة اختلاف
~~الماء الواحد في سطح واحد في وصفي الطهارة والنجاسة، فتعين الأول. فإذا كان
~~المتجدد عن المادة محلا لحدوث الطهر فيه بزوال تغير غيره، فلأن يكون محلا
~~لبقاء طهره عند انتفاء التغير رأسا، وقضية ذلك: عدم انفعاله رأسا حتى
~~بملاقاته المتغير، وليس ذلك إلا من جهة أن له قوة عاصمة وليست إلا المادة،
~~ولا يخفى أن الاستدلال بهذا الوجه تمام لولا رجوعه إلى ms383 استنباط العلة،
~~فليتأمل.
# وخامسها: الروايات النافية للبأس عن البول في الماء الجاري، كرواية سماعة
~~قال:
# " سألته عن الماء الجاري يبال فيه؟ قال: لا بأس به " (1)، ورواية ابن
~~بكير عن أبي عبد الله قال: " لا بأس بالبول في الماء الجاري " (2) ورواية
~~الفضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا بأس بأن يبول الرجل في
~~الماء الجاري، وكره أن يبول في الماء الراكد " (3) ورواية عنبسة بن مصعب،
~~قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبول في الماء الجاري؟
~~قال: لا بأس به إذا كان الماء جاريا " (4).
# ورد الاستدلال بها: بأنها واردة في حكم البول في الماء، لا في حكم الماء
~~بعد البول، فلا يستفاد منها إلا حكم تكليفي وهو جواز البول في الجاري، وهو
~~ليس مما نحن فيه ولا مستلزما له، حيث لا منافاة بين إباحة ذلك الفعل
~~وانفعال الماء به.
# وقد يفصل فيها بجعل الرواية الاولى من أدلة المقام، لظهورها في السؤال عن
~~الماء
# PageV01P427
# لا البول، دون الباقية لظهورها في السؤال عن البول في الماء دون الماء
~~نفسه.
# أقول: الإنصاف ورود هذه الروايات في سياق واحد، وإن قدم في بعضها البول و
~~في البعض الآخر الماء، والذي يظهر - والله أعلم - أن الغرض بالسؤال فيها
~~استعلام الحكم التكليفي حتى فيما قدم فيه ذكر الماء، ولو سلم عدم الظهور
~~فيها بالخصوص، فلا نسلم ظهورها في خلاف ما ذكر، لأن ظهور البواقي فيما ذكر
~~يوجب فيها عدم ظهور في خلافه، كما أن تقديم ذكر الماء فيها يوجب عدم ظهورها
~~فيما ذكر، فهو في الحقيقة مجمل من جهة العارض.
# وربما يحكي الاستدلال فيما هو من قبيل هذه الروايات بصحيحة محمد بن مسلم
~~المتقدمة في بحث الغسالة - الواردة في الثوب الذي يصيبه البول، المشتملة
~~على قوله (عليه السلام):
# " وإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة " (1) وهو أضعف من سابقه، لابتنائه
~~على عدم نجاسة الغسالة، أو المنافاة بين طهر المحل ونجاسة ما يغسل به.
# وسادسها: ما ورد في الروايات من تشبيه ماء الحمام بالجاري، ms384 كصحيحة داود
~~بن سرحان " قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في ماء الحمام؟
~~قال: هو بمنزلة ماء الجاري " (2) ومرسلة الكافي عن ابن جمهور، عن محمد بن
~~القاسم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: أخبرني
~~عن ماء الحمام، يغتسل منه الجنب، والصبي واليهودي والنصراني، والمجوسي؟
~~فقال: إن ماء الحمام كماء النهر، يطهر بعضه بعضا " (3) بتقريب: أنه لو كان
~~الجاري يشترط فيه الكرية لم يكن للتشبيه به وجه من جهة الطهارة.
# والأولى أن يقال - في تقريب الاستدلال -: إن التشبيه وما هو بمنزلته مما
~~يقتضي في نظر العرف والعادة - بل العقل - أيضا أمرين:
# أحدهما: امتياز المشبه به - الذي هو الجاري هنا - عما عداه في وصف أو حكم
~~ملحوظ للمتكلم منبعث منه التشبيه.
# وثانيهما: مشاركة المشبه - الذي هو هنا ماء الحمام - له في ذلك الوصف أو
~~الحكم المقصود إفادتها من التشبيه، وامتياز الجاري عما عداه من المياه إما
~~في طهارته
# PageV01P428
# الأصلية، وهو باطل لعدم اختصاص ذلك به، أو في اشتراطه بالكرية في عدم
~~انفعاله وهو أيضا باطل للعلة المذكورة، أو في قبوله الانفعال بالتغير وهو
~~أيضا باطل لعين ما ذكر، أو في طهر متغيره بمجرد زوال تغيره، أو في عدم قبول
~~قليله الانفعال، والأول خلاف ما يظهر من السياق جدا، فتعين الأخير وهو
~~المطلوب.
# وأما ما يقال في دفعها: من أنها بناء على اشتراط بلوغ المادة المعتبرة في
~~ماء الحمام، - ولو بضميمتها في الحياض - كرا أدل على خلاف المطلب، لقضاء
~~التنزيل بتساوي الأمرين في الحكم، ففيه: أن ذلك إنما يتجه على تقدير
~~استفادة الاشتراط المذكور من تلك الرواية، وهو مبني على تنزيل التنزيل
~~الوارد فيها إلى الثاني من الاحتمالات المذكورة وقد عرفت بطلانه.
# وأما إذا ثبت الاشتراط من جهة الخارج فتشبيهه بالجاري لا يقتضي تعدي ذلك
~~الحكم منه إليه، لأن التشبيه إنما يقتضي تعدي الحكم من المشبه به إلى
~~المشبه لا العكس، فلابد من كونه مسوقا لبيان مشاركته للجاري في حكم آخر،
~~ولعله تقوي ما ms385 في حياضه بما اعتبر معه من المادة كتقوي الجاري بما له من
~~المادة، ثم بملاحظة إطلاق اللفظ في المشبه به يلزم المطلوب أيضا.
# وقد يتكلف - بناء على اعتبار الكرية في ماء الحمام - بحمله على تنزيله
~~منزلة الجاري في تجدد الماء النظيف منه تدريجا، فيرتفع به القذارة المتوهمة
~~من ملاقاة بعضه للنجاسة، نظرا إلى أن الماء الراكد ولو كان كرا مورد لتوهم
~~استقرار القذارة المتوهمة من الملاقاة فيه، فهذا التنزيل لدفع ما في النفس
~~من الاستقذار الناشئ من ملاقاة النجاسات، فليس الكلام مسوقا لبيان حكم
~~الجاري من حيث اعتبار الكثرة فيه وعدمه، وهو كما ترى خروج عن ظاهر السياق
~~سؤالا وجوابا، وتكلف يلتزم به بلا داع إليه، وما ذكرناه أوجه، بل هو الظاهر
~~بناء على قضية الاشتراط، ومع الغض عنه فالرواية ظاهرة في بيان عدم اعتبار
~~الكرية في ماء الحمام، وقضية ذلك كون الجاري أيضا من حكمه عدم اعتبار
~~الكرية.
# و يمكن تقرير الاستدلال بها على المطلب بوجه آخر أمتن مما ذكرناه، و هو:
~~أن السؤال و إن لم يصرح فيه بالحكم المسؤول عنه المطلوب استعلامه، غير أن
~~أخذ ماء الحمام عنوانا في السؤال دليل على أن مقصود السائل استعلام حكمه من
~~حيث الطهارة PageV01P429
# و الطهورية، لاستقرار العادة في الأسئلة حيثما ذكر فيها العناوين مطلقة
~~من غير تصريح بالحكم المسؤول عنه معها، بكون المقصود استعلام أحكامها
~~الظاهرة التي أخذت هي في أصل الشرع عناوين لها بالأصالة، ومن المعلوم أن
~~الحكم الذي يؤخذ " الماء " عنوانا له بالأصالة بحسب الشرع إنما هو الطهورية
~~بالمعنى الشامل للطهارة و المطهرية، فمقصود السائل في تلك الرواية استعلام
~~حكم ماء الحمام من حيث الطهارة أو المطهرية، لكن لا بالنظر إلى خلقته
~~الأصلية، لأن ماء الحمام بحسب الخلقة ليس حاله إلا كحال ساير المياه، وقد
~~ثبت طهوريتها كتابا و سنة على الإطلاق، فالغرض حينئذ استعلام بقاء طهوريته
~~والعدم من جهة الطوارئ، فتنزيله في الجواب منزلة الجاري كناية عن بقائه على
~~وصف الطهورية طهارة أو مطهرية وعدم ارتفاعها بسبب ms386 الطوارئ، ولا يستقيم ذلك
~~إلا أن يكون الجاري أيضا حكمه كذلك كما لا يخفى.
# وهذا مع ملاحظة الإطلاق الشامل للكرية و ما دونها عين المطلوب، سواء كان
~~الغرض استعلام طهارته أو مطهريته.
# فإن قلت: لو كان الغرض استعلام مطهريته لا يستلزم المطلوب، لجواز كون
~~شبهة السائل زوال الطهورية عن الماء المستعمل في رفع الأحداث، ومع قيام هذا
~~الاحتمال يسقط بها الاستدلال، لاستلزامه فيها الإجمال.
# قلت: سياق السؤال في كونه سؤالا عن الطوارئ السالبة للطهارة أظهر منه في
~~كونه سؤالا عن الطوارئ السالبة للطهورية لامن جهة الطهارة، مع أن الجواب لو
~~دل على بقاء الطهورية - مع أن ماء الحمام محل لورود النجاسات عليه غالبا -
~~لاستلزام بقاء الطهارة، ولا يقدح فيه عدم التعرض لحكم الطهارة أصلا و
~~بالذات، بعد الجزم بثبوت الملازمة الشرعية بين الطهارة و الطهورية كما لا
~~يخفى.
# غاية الأمر كون هذه الاستفادة من باب الدلالة بالإشارة ولا بأس به بعد
~~ملاحظة أنها أيضا من الدلالات المعتبرة.
# وأما المرسلة: فلو لا الضعف في سندها بالإرسال وابن جمهور، أمكن الاستناد
~~إليها بحمل " يطهر بعضه بعضا " على إرادة أنه يعصم بعضه الغير الملاقي
~~للنجاسة البعض الآخر الملاقي لها كما هو الظاهر، بقرينة أن تطهير البعض
~~للبعض بالمعنى الحقيقي - بناء على عدم الانفعال PageV01P430
# بمجرد الملاقاة - لا يتأتى فرضه إلا في صورة التغير الذي يزول بتجدد
~~الماء عليه من المادة، وليس في النجاسات الواردة في سؤال الرواية ما يوجب
~~التغير عادة كما لا يخفى، وبناء على الانفعال بمجرد الملاقاة لا يمكن
~~التطهير بلا مطهر خارجي، من إلقاء كر ونحوه.
# وأما ما قيل - في توجيه الاستدلال -: من أن المراد به الرفع قضية للمعنى
~~الحقيقي، ويعلم منه الدفع وهو الحكم المطلوب من السؤال بالفحوى، ففيه:
~~مالايخفى من البعد والغرابة.
# وربما يعترض عليها: بأنها على خلاف المطلب أدل، حيث إن ظاهرها اعتصام ماء
~~النهر بعضه ببعض لا بالمادة، فتدل على اعتبار كثرته في اعتصامه، وهو أيضا
~~كما ترى، فإن الأبعاض المتواصلة التي يعتصم كل بعض منها بآخر ms387 منتهية إلى
~~المادة، وقضية ذلك كون الاعتصام الذي يتحقق فيما بينها مستندا بالأخرة إلى
~~المادة.
# وأضعف منه الاعتراض أيضا: بأن المماثلة مما يقتضي المساواة من الطرفين،
~~ومن المعلوم أن رفع النجاسة المتحققة في ماء الحمام لا يكون إلا بالمادة
~~البالغة كرا، فمقتضى المماثلة اعتبار ذلك في الجاري إذا تنجس بعضه، وهذا
~~عين مذهب العلامة (1) في الجاري، فإن (2) المماثلة إنما تقتضي المساواة في
~~الحكم المسوق لبيانه الكلام لا في موضوعه، والمادة البالغة كرا - بناء على
~~تسليم اعتبار الكرية فيها في الصورة المفروضة - مأخوذة وملحوظة موضوعا لحكم
~~الرفع، المنساق لبيانه الرواية، هذا مضافا إلى ما عرفت من ورود الرواية
~~لبيان حكم الدفع لا الرفع الذي يوجب توهم الاعتراض المذكور.
# وأضعف من الجميع المناقشة في اختصاص لفظ " النهر " بالنابع، ثم في شموله
~~لما دون الكر، فإن لفظ " النهر " وإن لم يختص بالنابع، إلا أن الظاهر
~~المتبادر منه ومن لفظ " الجاري " الوارد في الروايات المتقدمة والآتية إنما
~~هو النابع وإن كان إطلاقيا، وهو شئ يجده الذوق بملاحظة المقام.
# نعم، يمكن الاعتراض عليها: بأن الدلالة المذكورة إنما تثبت على جهة
~~العموم بالقياس إلى الكر وما دونه، ومفهوم قوله (عليه السلام): " إذا كان
~~الماء قدر كر لم ينجسه شئ "
# PageV01P431
# عام بالقياس إلى الجاري والحمام وغيرهما، فيتعارضان في قليل الجاري
~~والحمام، والجمع وإن كان يحصل بتخصيص كل منهما، غير أن تخصيص الرواية بصورة
~~الكرية أولى من تخصيص المفهوم بغير الجاري، لكون المخرج بالأول أقل منه
~~بالثاني بمراتب شتى.
# وفيه أيضا: أن المخرج عن كل من العامين - بناء على ارتكاب التخصيص في
~~أحدهما - إنما هو ما دون الكر من الجاري، وهو شئ واحد لا يطرأه وصفا القلة
~~والكثرة بالإعتبارين، بل لنا أن نقول: بأولوية تخصيص المفهوم، لكون عمومات
~~الجاري من جهة أنها أقل أفرادا من المفهوم أظهر في العموم من المفهوم، كما
~~لا يخفى.
# وسابعها: عموم روايات وردت في خصوص الجاري، نافية لتنجيسه بشئ ما عدا
~~التغير، كالمرسل المروي عن نوادر الراوندي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
~~" الماء ms388 الجاري لا ينجسه شئ " (1) وحديث دعائم الإسلام: " في الماء الجاري
~~يمر بالجيف والعذرة والدم يتوضأ منه ويشرب، وليس ينجسه شئ ما لم يتغير
~~أوصافه، طعمه ولونه وريحه " (2) والمحكي عن الفقه الرضوي: " واعلموا رحمكم
~~الله: أن كل ماء جار لا ينجسه شئ " (3).
# واعترض عليها: بكونها معارضة بإطلاقات أدلة إناطة الاعتصام بالكثرة،
~~والتقييد في إطلاقات الجاري إخراج للفرد النادر، لأن ما لا يبلغ مع ما في
~~المادة - بل بنفسه - كرا قليل، بخلاف تقييد الماء بغير الجاري في أدلة
~~إناطة الاعتصام، فإنه إخراج للفرد المتعارف، وبالتأمل فيما ذكرناه تقدر على
~~دفع ذلك، نظرا إلى أن المخرج ليس إلا قليل الجاري، سواء اعتبر إخراجه عن
~~إطلاقات الجاري أو إطلاقات الاعتصام.
# وأما ما يقال في دفعه: من أن الخارج من أدلة إناطة الاعتصام بالكثرة في
~~مثل قوله (عليه السلام):
# بعد السؤال عن الماء الذي لا ينجسه شئ: " أنه الكر من الماء " وقوله: "
~~إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " ونحو ذلك، هو مطلق الجاري، فيكون
~~المقسم في هذه الأدلة هو الماء الراكد، وهذا أبعد من تقييد الجاري بما يبلغ
~~كرا فضعفه أوضح من أن يوضح، ضرورة: أن التنافي لا يتأتى إلا بعد اختلاف
~~الدليلين في مفاديهما، ومن البين أنه لا تنافي بين منطوق
# PageV01P432
# الخبرين، وإنما التنافي بين مفهوم الثاني - بل الأول إن كان له مفهوم -
~~ولا ريب أن المفهوم مخصوص بالقليل، وأما المنطوق الشامل للجاري والراكد
~~وغيرهما فهو موافق لإطلاقات الجاري في الدلالة على عدم الانفعال كما هو
~~واضح وبالجملة: الاولى من التخصيصين إنما هو تخصيص المفهوم، تقديما للأظهر
~~على الظاهر من جهتين، كما لا يخفى على المتأمل.
# نعم، إنما يخدش في تلك الروايات عدم ثبوت اعتبار أسانيدها، والشهرة وإن
~~كانت محققة لا تصلح جابرة، لعدم وضوح كونها مستندة إليها، على معنى كون
~~مستند المشهور في ذهابهم إلى عدم اشتراط الكرية في الجاري هو تلك الروايات
~~وهو غير واضح، فالقدح في السند لا رافع له، ومجرد موافقة المضمون لها لا
~~يوجب الوثوق بصدقه ما ms389 لم تكن الشهرة موجبة للوثوق بمفادها، وبالجملة: لولا
~~هذه المناقشة في السند كان في تلك الروايات كفاية في إثبات الحكم المبحوث
~~عنه.
# وثامنها: الإجماعات المنقولة - المتقدم إليها الإشارة - المعتضدة بالشهرة
~~العظيمة، محققة ومحكية، ويشكل التعويل عليها في المقام على جهة الاستقلال،
~~لعدم ثبوت حجية منقول الإجماع عندنا بالخصوص، وكونه حجة من باب الكشف عن
~~وجود دليل معتبر ليس المقام من موارده، إذ المراد بالكشف حصول الاطمئنان
~~وسكون النفس وخروجها عن التزلزل، وهي قاصرة عن الكشف بهذا المعنى، لما نرى
~~في كلام كثير من المتأخرين - كما عرفت - من التعويل على ما ليس بصالح له من
~~الوجوه المتقدمة، والتعويل عليها وإن لم يعلم من المجمعين أو كثير من
~~الناقلين للإجماع غير أن تعويل المتأخرين عليها مانع عن حصول الوثوق بما
~~ذكر، وإن وجد في كلام بعضهم التعويل على ما له دلالة على المطلب، سليمة عما
~~يصلح للمعارضة، كصحيحة داود بن سرحان (1) ورواية ابن أبي يعفور (2) - على
~~فرض انجبار سندها - والروايات الاخر المتقدمة على فرض اعتبار أسانيدها أو
~~انجبارها.
# وتاسعها: ما اعتمد عليه المحقق البهبهاني - مضافا إلى أصالة البراءة
~~المتقدم ذكرها وقوله: " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر " (3) - " من طريقة
~~المسلمين في عملهم في الأعصار والأمصار واتفاق فتاوي فقائهم " (4).
# PageV01P433
# والأصل والرواية قد عرفت ما فيهما، وطريقة المسلمين وإن كانت جارية في
~~الجملة، غير أنه غير واضح الوجه، لقوة احتمال استنادها إلى فتاوي فقهائهم
~~فقد تبين من البداية إلى تلك النهاية: أن المعتمد من الأدلة المذكورة صحيحة
~~داود بن سرحان، ودونها - بعد سلامة السند - رواية ابن أبي يعفور، المعتضدة
~~بالشهرة العظيمة والإجماعات المنقولة، وما ذكر من طريقة المتشرعة، فإن كل
~~ذا مما لا ضير في أخذها مؤيدة، فصار المحصل: أن المختار ما ذهب إليه
~~المشهور - المنصور - بشرط أن يكون سائلا على وجه الأرض عن نبع، اقتصارا على
~~القدر المتيقن من معقد الإجماعات وعمل المسلمين، المتبادر من الصحيحة ولو
~~بحسب الغلبة والقرائن الخارجة، المعلومة بالتتبع ونحوها.
# وأما غيره من السائل لا عن نبع، أو ms390 السائل عن رشح، أو النابع أو الراشح
~~بلا سيلان، فيبقى على حكم القاعدة.
# وعن العلامة الاحتجاج على ما صار إليه - من اشتراط الكرية في الجاري -
~~بعموم الأدلة الدالة على اعتبار الكرية، كقوله (عليه السلام) في صحيحتي
~~معاوية بن عمار، ومحمد بن مسلم: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1).
# أقول: هذا حق لا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه، لولا حكومة ما تقدم على
~~الأدلة المذكورة، لو اريد بها مفهوم الروايتين مع الروايات الاخر الواردة
~~بهذا المضمون، وإلا فإطلاق دعوى العموم في محل منع، لكون ما عدا تلك
~~الروايات المشار إليها بين ظاهرة وصريحة في الراكد، كما لا يخفى على الناظر
~~الناقد.
# وأجاب عنه في المدارك - ووافقه عليه غيره كما عن مصابيح العلامة
~~الطباطبائي (2) -:
# " بمنع العموم، لفقد اللفظ الدال عليه، سلمنا العموم لكن نقول: عمومان
~~تعارضا من وجه، فيجب الجمع بينهما بتقييد أحدهما بالآخر، والترجيح في جانب
~~الطهارة بالأصل، والإجماع، وقوة دلالة المنطوق على المفهوم " (3).
# وفيه: ما لا يخفى من التعسف، فإن المفهوم - إذا كان الاستدلال به - تابع
~~للمنطوق، فلفظة " الماء " في المنطوق شاملة للجاري جزما، لبطلان خلافه
~~بالضرورة، ولعدم ما
# PageV01P434
# يوجبه من ندرة ونحوها، ضرورة عدم ندرة الكر من الجاري، بل هو عند التحقيق
~~أغلب وأكثر يحسب الأفراد من الراكد كما لا يخفى، فمع فرض شمول المنطوق
~~لكثير الجاري فلابد وأن يشمل المفهوم لقليله أيضا وإن فرضناه نادرا بالقياس
~~إلى قليل الراكد، وإلا لزم كون القضية في جانب المنطوق مستعملة في معنيين:
# أحدهما: التعليق على ما يوجب انتفاؤه الانتفاء بالقياس إلى الراكد.
# والآخر: بيان تحقق موضوع الحكم وهو الكرية بالقياس إلى الجاري كما في
~~قولك:
# " إن رزقت ولدا فاختنه " وهو كما ترى، ومجرد ندرة القليل من الجاري لا
~~يوجب عدم دخوله في موضوع المفهوم، بعد ملاحظة اقتضاء موضوع المنطوق مقابلا
~~في جانب المفهوم، وأما ما ذكره من المرجحات فكلها منظور فيه عدا الأخير
~~منها، ونضيف إليه ما قدمنا الإشارة إليه من كون تخصيص عمومات الجاري لقلة
~~أفرادها تخصيص في ms391 الأظهر، فيرجح عليه تخصيص المفهوم لكونه تخصيص الظاهر،
~~تقديما للأظهر عليه.
# ثم الظاهر أن مراده (رحمه الله) بأحد العامين اللذين فرض النسبة بينهما
~~عموما من وجه، صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (1)، الدالة على عدم فساد كل
~~ذي مادة بمادته ومنه الجاري، الذي يدخل قليله في عموم المفهوم، وإلا فلا
~~تعارض لو اعتبر ذلك العام الخبر المستفيض " كل ماء طاهر حتى يعلم أنه قذر "
~~(2) فضلا عن كونه من باب العموم من وجه، لدخول القليل حينئذ فيما أخذ غاية
~~في ذلك الخبر، إن قلنا بتناوله لمشتبه الحكم، كما أن المفهوم أخص لو فرض
~~الطرف المقابل صحيحة حريز (3)، وصحيحة أبي خالد القماط (4)، وحسنة محمد بن
~~ميسر (5)، لعموم تلك الروايات القليل والكثير، فتخصص بالمفهوم، ولم يقع
~~الاستدلال منه (رحمه الله) إلا بها وبصحيحة محمد بن إسماعيل. (6) * * * * *
~~* *
# PageV01P435
# " ينبوع " اتفقت كلمتهم على إلحاق ماء الحمام بالجاري، بقولهم: " يلحق به
~~" وما يؤدي مؤداه، وكأنه جرى على مقتضى ما ورد في النصوص من تنزيله منزلة
~~الجاري أو تشبيهه به، وقضية ذلك كونه فرعا له في كل ما يلحق به من الأحكام،
~~أو أن في خصوص ما عقدوا له الباب المتقدم من عدم اشتراط الكرية فيه، فحينئذ
~~يشكل الحال بالنظر إلى خلافهم الآتي - في الفرع - من اشتراط كرية المادة
~~كما عليه المشهور، أو كرية المجموع منها ومما في الحياض مطلقا، أو مع تساوي
~~سطحهما أو انحدار المادة، وليس شئ من ذلك مذكورا في الأصل ولا في النصوص
~~القاضية بالفرعية، واستفادته من الخارج يوجب إلحاقه بالراكد البالغ مجموعه
~~كرا، أو المتصل بما يبلغ كرا لا بالجاري، بل يوجب ذلك كونه في الحقيقة من
~~أفراد الراكد الذي يعتبر في عدم انفعاله الكرية، وإن اختلفت سطوحه كما عليه
~~الأكثر، ومعه لا معنى لإفراده بالذكر فضلا عن إلحاقه بالجاري.
# ثم إنه أي فرق بين المقام مع فرض الاتصال بالمادة المأخوذ في موضوع الحكم
~~وبين الغديرين الموصل بينهما بساقية، المعدود في كلام جمع من المتأخرين من
~~أقسام الراكد، المكتفى فيه عندهم بكرية مجموع ms392 ما فيهما وفي الساقية، وأي شئ
~~أوجب إفراد المقام عن المفروض، ودعا فيه إلى اعتبار الكرية في المادة، ونفي
~~كفاية بلوغ المجموع كرا خصوصا إذا كان مستند اعتبار الكرية في المادة أو في
~~المجموع أدلة انفعال القليل واشتراط الكرية في عدم الانفعال، فإن اتحاد
~~طريق المسألتين يقضي بكونهما من واد واحد، فكيف يفرق بينهما بجعل إحداهما
~~فرعا لباب، وإفراد الاخرى بباب على حدة. PageV01P436
# ويمكن الذب عنه: بأن الاعتبار وقانون التأدية والإيجاز وإن كان يقتضي
~~ذلك، ولكن ماء الحمام لما اخذ عنوانا في طائفة من الأخبار فذلك دعاهم إلى
~~إفراده بعنوان خاص مع مراعاة إعمال القواعد فيه، بزعم جريانها من غير
~~معارضة لها في تلك الأخبار، فاعتبروا فيه كرية المادة أو المجموع كل بحسب
~~ما اقتضاه نظره واجتهاده في إجراء القواعد، جمعا بينها وبين ما اقتضته
~~الأخبار المشار إليها من تخصيصه بالعنوان.
# وعلى أي حال كان فينبغي أولا سوق عنان القلم إلى بيان المراد من ماء
~~الحمام المبحوث عنه هنا، وقد أطبق كلمتهم - فيما نعلم - على تفسيره: بما في
~~الحياض الصغار التي لا تبلغ الكر، ثم صريح غير واحد مع ظاهر آخرين يقضي
~~باختصاص البحث عنه بصورة اتصاله بالمادة، والمراد بها - على ما في كلام
~~بعضهم - الحوض الكبير الذي يجري منه الماء إلى الحياض الصغار، كما أن
~~المراد بالحياض الصغار - على ما يستفاد من تتبع كلماتهم - الحياض المتخذة
~~في جنب الحوض الكبير ليرد عليها الواردون لأخذ الماء والغسل، بل الاغتسال
~~أيضا على ما هو المعهود من طريقة أهل السنة، حيث لا يغتسلون في الحوض
~~الكبير المسمى بالخزانة. وكأن دليلهم على هذه التقييدات كلها كونه المنساق
~~من جملة من الروايات الواردة في ماء الحمام، كرواية بكر بن حبيب: " ماء
~~الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة " (1) والمحكي عن الفقه الرضوي: " ماء
~~الحمام سبيله سبيل الجاري إذا كانت له مادة " (2) فإن كلمة الاختصاص في
~~الظرف تقضي بأن المراد به ما يكون للمادة جهة اختصاص به، بحيث لا يوجد ذلك
~~الاختصاص في غيره ms393 مما هو في الحمام، ولا يكون ذلك إلا الحياض الموصوفة بما
~~ذكر التي تستمد الماء من المادة.
# واعتبار كونها لا تسع الكر، أما أولا: فلأن الغرض من الشرطية إفادة ما
~~يعتصم به الماء المذكور، والكر بنفسه معتصم، فيعود اعتبار وجود المادة
~~لغوا.
# وأما ثانيا: فلأن روايات ماء الحمام مسوقة لبيان أنه أخف حكما من سائر
~~المياه كما لا يخفى على المتأمل، والتسوية فيه بين كثيره وقليله توجب كون
~~الحكم فيه
# PageV01P437
# أغلظ، وهو كما ترى.
# واشتراط اتصاله بها، فلأنه المتبادر عرفا من عبارة قوله (عليه السلام): "
~~إذا كانت له مادة "، و لأنه لولا اتصالها به كان وجودها بمنزلة عدمها،
~~فإنها إنما اعتبرت عاصمة، ولا يعقل العصمة لها إلا مع الاتصال.
# فما يقال: من أن ذكر الحياض الصغار في تفسير ماء الحمام لعله مبني على
~~المثال، أو لأنه محل الثمرة غالبا، وإلا فلو كان في الحوض الكثير ما ينقص
~~عن الكر لحقه الحكم، ليس على ما ينبغي إن اريد به الحوض الكبير المعد مادة.
# ومنه يظهر ضعف ما قيل من إمكان أن يقال: إن الماء المنبسط في أرض الحمام
~~المتصل بالحوض الصغير أو الكبير المتصلين بالمادة حكمه حكم ما في الحياض،
~~إن اريد به إدراج ذلك في الروايتين، وإن اريد استفادة حكمه من باب تنقيح
~~المناط فلا بأس به.
# وأضعف منه - الذي ينبغي القطع بفساده - ما قيل: من قوة احتمال تمشي الحكم
~~إلى حياض المسلخ، بل الماء الذي في البئر إذا اتصل الماء النازل من المادة
~~بالحوض، واتصل ماء الحوض بالماء المنبسط على أرض الحمام، واتصل ذلك بماء
~~البئر، إلا أن يكون ذلك من باب تنقيح المناط أيضا لا من جهة شمول النصوص،
~~وتفسير المادة بالحوض الكبير لأجل أن ماء الحمام لا مادة له سواه.
# ثم من الواضح أن المراد بالحمام وحياضه في الأخبار وكلام العلماء الأخيار
~~ما يقع عليه الاسم عرفا، ولو كان في الآن الحاضر على الهيئة المغايرة
~~للهيئة الموجودة في الآن السابق، كما هو الأصل المتفق عليه في جميع ms394 موضوعات
~~الأحكام الثابتة عن الزمن القديم.
# فما في الحدائق من الاستشكال في تمامية الاستدلال بالأخبار: " بأن ذلك
~~إنما يتم بعد معرفة الحيضان التي كانت في زمانهم على أي كيفية كانت؟ إذ
~~الظاهر أن الأسئلة كانت عن ماء الحمام المعهود عندهم، سيما أن أصل الإضافة
~~للعهد " (1) مما لا يلتفت إليه، لمنع كون المعهودية عندهم مخصصة لعموم
~~الجواب بعد فرض تحقق التسمية مطلقا، والاختلاف في الكيفية لا يوجب الاختلاف
~~في التسمية، فلا يوجب الاختلاف في الحكم، وإلا لتغيرت أكثر الأحكام الثابتة
~~ثمة.
# PageV01P438
# فالقول: بأن الهيئة المركبة إذا انتفى شئ منها لا تجري عليها الأحكام،
~~لانتفاء المركب بانتفاء أحد أجزائه، ولأن أحكام الحمام مخالفة للأصل،
~~فيقتصر فيها على المتيقن، بل لو شك في كون الموجود الآن كالسابق أو لا؟ لم
~~تجر عليه الأحكام أيضا وإن اطلق عليه الاسم الآن، مع عدم جريان أصالة عدم
~~التغير هنا، إذ هي إنما تجري حيث يكون المعنى قديما ورأينا اللفظ الأول
~~مستعملا فيه الآن، وشككنا فيه بالنسبة إلى الزمن السابق فنحكم بذلك لأصالة
~~عدم التغير، لا فيما إذا شككنا في كون هذا المعنى موجودا سابقا أو لا؟ وفرق
~~واضح بين المقامين.
# وأصالة عدم الاشتراك لا يثبت بها وجود المعنى، إذ غاية ما يمكن إثباته
~~بها نفي الاشتراك بعد فرض وجود المعنى، أما أنها تثبت أن هذا الموضوع موجود
~~في السابق فلا، متضح الفساد (1) ضرورة أن اختلاف الهيئة لا يوجب عدم جريان
~~الأحكام ما لم يكن موجبا لاختلاف الماهية وانتفاء الماهية الاولى، ونحن
~~نقطع ببقاء الماهية الاولى في الحمامات المستحدثة، وإن حصل فيها الاختلاف
~~كثيرا، والأحكام الثابتة ثمة تجري عليها مع القطع بالتغير فكيف مع الشك
~~فيه، ومعه لم يكن الحاجة ماسة إلى التشبث بالأصل حتى ينظر في جريانه وعدمه.
# ووقوع اللفظ عليها مع اختلافها في الهيئات من باب وقوع المشترك المعنوي
~~على أفراده المختلفة، فلا حاجة إلى أصالة عدم الاشتراك، وليس للحمام حكم
~~مغاير للقواعد حتى يقتصر فيه على المتيقن، لكون عدم الانفعال مستند إلى
~~الاتصال بالمادة ms395 البالغة بنفسها أو مع ما في الحياض والساقية كرا، وهو من
~~مقتضي القواعد المقررة.
# نعم، على القول بعدم اشتراط الكرية رأسا - كما هو أضعف الأقوال - ربما
~~يتجه ذلك، غير أنه يندفع بملاحظة ما قررناه، نظرا إلى ورود النص الخاص مع
~~عدم داع إلى الاختصاص، فلا ضير معه في الخروج عن الأصل، بل هو واجب حينئذ
~~كما مر في مستثنيات قاعدة الانفعال، هذا إذا اريد بالأصل ما يقتضيه تلك
~~القاعدة، وأما إذا اريد به ما يقتضيه الأصل الأولي في المياه من الطهارة،
~~ليكون ذلك دفعا لمقالة مشترطي الكرية بأحد المعنيين، فيكفي في الخروج عنه
~~عموم تلك القاعدة وعلى أي حال كان فما في الحياض الصغار
# PageV01P439
# إذا لاقته النجاسة حال اتصاله بالمادة لا ينفعل به ما لم يتغير أحد
~~أوصافه، والأصل فيه بعد الإجماع - محصلا في الجملة ومنقولا - صحيحة داود بن
~~سرحان المروية في التهذيب، قال: قلت لأبي عبد الله ما تقول في ماء الحمام؟
~~قال: " هو بمنزلة الجاري " (1).
# وما نقل عن قرب الأسناد عن إسماعيل بن جابر، عن أبي الحسن الأول (عليه
~~السلام) قال:
# إبتدأني فقال: " ماء الحمام لا ينجسه شئ " (2) وخبر أبي الحسن الهاشمي -
~~المروي في التهذيب - قال: سئل عن الرجال يقومون على الحوض في الحمام، لا
~~أعرف اليهودي من النصراني، ولا الجنب من غير الجنب؟ قال: " يغتسل منه، ولا
~~يغتسل من ماء آخر فإنه طهور "، وعن الرجل يدخل الحمام وهو جنب فيمس الماء
~~بيديه من غير أن يغسلهما؟ قال: " لا بأس "، وقال: أدخل الحمام فأغتسل،
~~فيصيب جسدي بعد الغسل جنبا، أو غير جنب؟ فقال: " لا بأس " (3).
# وخبر حنان - الوارد في الكافي - قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله (عليه
~~السلام) إني أدخل الحمام في السحر، وفيه الجنب وغير ذلك، فأقوم، فأغتسل
~~فينتضح علي بعد ما أفرغ من مائهم؟ قال: أليس هو جار؟ قلت: بلى، قال: " لا
~~بأس " (4)، والاستدلال به مبني على كون الجاري في قضية الاستفهام استعارة،
~~مرادا به كونه بمنزلة الجاري، والتشبيه به على حد ما هو في ms396 " الطواف بالبيت
~~صلاة " كما هو الظاهر، بملاحظة أن المعهود في ماء الحمام كونه حارا فلا
~~يكون جاريا بالمعنى المعهود.
# وخبر بكر بن حبيب عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " ماء الحمام لا بأس به
~~إذا كانت له مادة " (5)، و خبر ابن أبي يعفور المتقدم المتضمن لقوله (عليه
~~السلام): " ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (6)، بناء على أن
~~المراد بالتطهير العصمة كما تقدم، بعد فرض انجبار السند بالعمل.
# PageV01P440
# والمحكي عن فقه الرضا قال (عليه السلام): " وماء الحمام سبيله الماء
~~الجاري إذا كانت له مادة " (1)، وجه الاستدلال بها واضح بعد حمل مطلقها على
~~مقيدها، وقضية ذلك عدم انفعال ماء الحمام - أي ما في حياضه الصغار الغير
~~البالغ كرا - بمجرد الملاقاة عند اتصاله بالمادة.
# وربما يقال: بأن في تنزيله منزلة الجاري في خبر ابن سرحان، وتشبيهه بماء
~~النهر في خبر ابن أبي يعفور، إشعارا باعتبار المادة، لأن لكل من الجاري
~~والنهر مادة فلا حاجة فيهما إلى إعمال قاعدة الحمل.
# وفيه: أن التشبيه لا يقتضي المشاركة في مناط الحكم، بل غايته المشاركة في
~~أصل الحكم وإن تغاير في المشبه والمشبه به، ألا ترى أنه لو قيل: " زيد
~~كالأسد " لا يقتضي إلا المشاركة في الشجاعة، نعم يمكن الاستناد في اعتبار
~~ذلك في المطلقات إلى الغلبة كما توهم، إذ الغالب في الحمامات وجود المادة
~~وأما ضعف أسانيد جملة منها فمجبور بالعمل في الجملة، فلا يعبأ بما في
~~المدارك (2) من القدح في سند رواية بكر بن حبيب لجهالة بكر.
# مضافا إلى أن من رجال السند صفوان بن يحيى، فلا ضير في ضعف من قبله، وقد
~~يوصف السند بالحسن، ولعل وجهه ما استظهره بعض مشايخنا (3) من احتمال كون
~~بكر بن حبيب هنا هو بكر بن محمد بن حبيب، وقد ذكر في ترجمته ما تدل على
~~حسنه، وربما نقل (4) عن الكشي توثيقه وإن أنكره بعضهم، ولكن الاستظهار غير
~~واضح الوجه، وقد يؤيد السند - مضافا إلى ما ذكرنا في صفوان - بما عن الشيخ
~~في العدة من أنه قال في ms397 حقه: " أنه لا يروي إلا عن ثقة " (5).
# وفيه: أن صفوان يرويه هنا عن ابن حبيب بواسطة منصور بن حازم، فأقصى ما
~~يقتضيه ما ذكر هنا وثاقة الواسطة - مع عدم الحاجة في ثبوت وثاقته إلى ذلك
~~لكونه بنفسه ثقة جليلا - لا وثاقة ابن حبيب، إلا أن يقال بذلك فيه أيضا من
~~جهة رواية منصور عنه، نظرا إلى ما قيل فيه: " من أنه ثقة عين صدوق، من أجلة
~~أصحابنا
# PageV01P441
# وفقهائهم، له كتب منها: اصول الشرائع " (1). فجلالة شأنه وفضله وعلو
~~رتبته يأبى عن روايته عمن لا يوثق به، أو روايته ما لا ينبغي الوثوق عليه،
~~فأقله كون الرواية مما يوثق به ويعتمد عليه وإن لم يكن الراوي بنفسه على
~~تلك المثابة، لجواز احتفاف الرواية بقرينة الخارج، وبالجملة: فأصل الحكم في
~~الجملة مما لا إشكال فيه ولا كلام، فلا ينبغي إطالة الكلام في إقعاده
~~وتتميم الدليل عليه، بل اللائق بالبحث جهات اخر متعلقة بموضوع المسألة، وقد
~~تكلم فيها الأصحاب واختلفت أقوالهم فيها.
# الجهة الاولى: أنهم اختلفوا في اشتراط الكرية في المادة على قولين:
# أحدهما: كونها شرطا وعزاه غير واحد إلى الأكثر، وربما يعزى إلى العلامة
~~في التحرير (2) اعتبار زيادة المادة على الكرية، ولكنه غير واضح الوجه،
~~فلذا حمله ثاني الشهيدين (3) والمحقق الثاني (4) - على ما حكي عنهما - على
~~اعتبار ذلك في تطهير الحوض الصغير على فرض تنجسه.
# وربما يتأمل في نسبته اعتبار الكرية أيضا إلى الأكثر، بل عن كشف اللثام
~~(5) أنه نقل عن الجامع (6) - وحده - موافقة العلامة على الاشتراط، حاملا
~~لتلك النسبة على كون المراد من الأكثر أكثر من تأخر عن المحقق، المصرح بعدم
~~الاشتراط لإطلاق النصوص والفتاوى، قائلا: " بأن ظاهره أن الفتاوي مطلقة ".
# وثانيهما: عدم كونها شرطا صرح به المحقق في محكي المعتبر قائلا: " ولا
~~اعتبار بكثرة المادة وقلتها، لكن لو تحققت نجاستها لم تطهر بالجريان " (7)
~~وهو ظاهر إطلاق كلامه في كتابيه الشرائع (8) والنافع (9)، وعزى إلى جملة
~~ممن تأخر عنه، بل عن الشيخ جعفر في - محكي بعض تلامذته - دعوى الإجماع عليه
~~من القائلين باشتراط ms398 الكرية،
# PageV01P442
# حاملا لإطلاق كلامهم في اشتراط الكرية في المادة على التطهير بعد تنجس ما
~~في الحياض، ولإطلاق كلامهم أيضا في كفاية مجموع ما في المادة والحوض
~~والمجرى على عدم قبول النجاسة بالملاقاة، فالفريقان اتفقا على لزوم كرية
~~المادة للتطهير، والاكتفاء بكرية المجموع لدفع الانفعال مع اختياره إياه.
# وللشيخ علي في حاشية الشرائع تفصيل في المسألة، حيث قال: " وينبغي تنقيح
~~المبحث بأن المادة إما أن يكون سطوحها مساويا لسطوح الحوض، أو أعلى، أو
~~أخفض، فإن كان مساويا وهما معا طاهران كفى لدفع النجاسة وعدم الانفعال عنها
~~بالملاقاة كون المائين معا كرا، وإن كان سطوح الماء أعلى اعتبر في زمان
~~اتصال مائها بماء الحوض وتسلطه عليه بلوغها الكرية، وهذا إنما يكون إذا
~~كانت في الأصل أزيد من كر، وإن كانت سطوحها أخفض اعتبر مع هذا فوران المادة
~~من تحت الحوض بقوة ودفع، بحيث تظهر عامليتها فيه، فلو كان اتصالها به إنما
~~هو اتصال مماسة أو يجري إليه ترشحا لم يعتد بها " (1).
# حجة القول الأول: أنه عند عدم بلوغ المادة كرا يصدق عليه أنه ماء قليل
~~لاقى نجاسة، فيشمله ما دل على انفعال القليل.
# وقد يؤيد ذلك أو يستدل عليه بانصراف نصوص الحمام إلى ما هو الغالب فيه من
~~كون مائها كرا بل أزيد، مع أن في رواية ابن أبي يعفور " ماء الحمام كماء
~~النهر يطهر بعضه بعضا " (2) إشارة بل دلالة على أن العاصم له هي الكثرة لا
~~مجرد المادة.
# واجيب عن الأول: بمنع ما ادعي من الصدق مع بلوغ المجموع كرا.
# ويشكل ذلك: بأنه لا يجدي نفعا في عدم الانفعال إلا مع صدق الوحدة على
~~المجموع، والمراد به صدق قضية قولنا: " هذا الماء كر " ليشمله منطوق قوله
~~(عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " (3) وهو في حيز المنع
~~جدا، ضرورة عدم وقوع اسم الإشارة بصيغة المفرد على ما في الحوض مع ما في
~~المادة ولو حال اتصالها به،
# PageV01P443
# فلا يقال عليهما عرفا: " إن هذا ماء " بل لو قيل ذلك ms399 مع انكشاف المراد
~~كان مستهجنا، بخلاف ما لو قيل: " هذان أو هذا وهذا ". ولا ريب أن كلا منهما
~~دليل التعدد، ومعه لا يندرج المجموع في منطوق " إذا كان الماء قدر كر لم
~~ينجسه شئ ". إلا أن يقال: بأن العبرة في المقام صدق عنوان المائية على
~~المجموع مع وقوع اسم الكر على ما صدق عليه ذلك العنوان، لا بوقوع اسم
~~الإشارة عليه بصيغة المفرد، وعدم وقوع لفظة " هذا " على المجموع من جهة
~~أنها بحسب الوضع أو الاستعمال مخصوص بما هو ملزوم للوحدة والفردية، وهو
~~الجزئي الخارجي من المشار إليه، بخلاف لفظة " الماء " لكونها بحسب الوضع
~~للجنس المعرى عن وصفي الوحدة والكثرة، فتصدق اللفظ من جهته على الواحد
~~والاثنين وما زاد، فيتبعه لفظ " الكر " في صدقه على ما صدق هو عليه.
# ولكن الإنصاف: أن الحكم إنما يتبع الظهور والصدق إذا كان الظهور من مقتضى
~~الهيئة التركيبية المأخوذة في الخطاب، ولا ريب أنها قد تكون ظاهرة في خلاف
~~ما اقتضته مفرداتها باعتبار أوضاعها الأفرادية فلفظ " الماء " وإن فرضناه
~~صادقا بنفسه على ما عدا الواحد أيضا، لكن الهيئة التركيبية في قوله " إذا
~~كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " تنصرف عرفا إلى صورة الاتحاد.
# فالأولى أن يقال في الجواب: إن قولكم: يصدق عليه أنه " ماء قليل لاقى
~~نجاسة " إما أن يراد منه صدقه على المجموع، أو على المادة وحدها، أو على ما
~~في الحوض وحده، ولا سبيل إلى الأول، لأن مبنى صدق كونه ماء قليلا على عدم
~~اعتبار الوحدة في صدق قضية المفهوم من الرواية، وإذا جاز ذلك هنا جاز في
~~المنطوق أيضا على تقدير بلوغ المجموع كرا، فلا ملازمة بين قصور المادة عن
~~الكر وصدق القليل الملاقي للنجاسة على المجموع على التقدير المذكور.
# ولا إلى الثاني، لمنع صدق الملاقاة للنجاسة على المادة ولو بالمعنى الأعم
~~المتنجس، ضرورة كونها حال الاتصال ملاقية لما في الحوض، وهو إن لم يكن
~~طاهرا بملاحظة النص الغير الفارق بين كرية المادة وعدمها، فلا أقل من كونه
~~مشكوك الحال ms400 بملاحظة الشك في اعتبار كرية المادة وعدمها، ومعه لا يحكم عليه
~~بالنجاسة جزما، فكيف يقال: بأن المادة حينئذ ملاقية للنجاسة أو المتنجس،
~~وإنما هي ملاقية لما يحكم PageV01P444
# عليه في ظاهر الشرع بالطهارة.
# ولا إلى الثالث، لأن اعتبار الكرية فيها إما مع البناء على صدق الوحدة
~~على المجموع منها ومما في الحوض، أو مع البناء على عدمه.
# فعلى الأول: يرجع قضية الاشتراط إلى اعتبار الزيادة على الكر لدفع
~~الانفعال في الماء الواحد، وهو مما لا قائل به، ولم ينهض عليه دليل، ولا
~~اقتضاه أدلة الكر أيضا، نعم ربما يحكى في الأخبار ما يوهمه كما في الرضوي -
~~المحكي - " وكل غدير فيه من الماء أكثر من كر لم ينجسه شئ " (1) ولكنه ليس
~~بظاهره إتفاقا على تقدير ثبوت العمل به، بل محمول على إرادة معنى " كر فما
~~زاد " أو " كر فصاعدا " كما في كثير من العبارات، ويراد به إناطة العاصمية
~~بالكرية زاد عليها أو لا.
# وعلى الثاني: يرجع الكلام إلى إناطة اعتصام الماء القليل عن الانفعال
~~باتصاله بالكر وإن لم يكن جزءا منه، كاعتصامه باتصاله بالجاري، وهو وإن لم
~~يكن منافيا للتشبيه والتنزيل الواردين في جملة من الأخبار المتقدمة، ولا
~~ظهور تلك الأخبار في امتياز ماء الحمام عن سائر المياه، واشتماله على مزية
~~لا توجد فيها، حيث إن اعتصامه عن الانفعال يحصل بمجرد الاتصال وإن لم يكن
~~بنفسه كرا ولا جزء من الكر، بخلاف غيره، فإن المعتبر في اعتصامه بلوغه كرا،
~~ولا يكفي فيه مجرد الاتصال إلا مع صدق قضية الاتحاد.
# ولكن الاستناد في استفادة ذلك الحكم إلى قاعدة انفعال القليل أو قاعدة
~~اعتبار الكرية باطل جدا، لأن هاتين القاعدتين لا تقضيان إلا الاعتصام في
~~نفس الكر لا فيما يتصل به وهو ليس منه، كما أنه لو اريد استفادته عن أخبار
~~الباب كان أوضح فسادا من الأول، لأن هذه الأخبار إن لم تكن نافية لاعتبار
~~الكرية بالمرة - كما سبق إلى بعض الأوهام، نظرا إلى إطلاقها - فلا أقل من
~~عدم كونها مثبتة لاعتبارها.
# وبالجملة: هذا ms401 القول مما لم يعرف له مستند صحيح، وما جعل مستندا له فاسد
~~الوضع في كل محتملاته.
# وأما دعوى: الانصراف إلى الغالب، فقد يجاب عنها: " بمنع حصول الغلبة إلى
~~حد بحيث يكون الأقل من كر - ولو قليلا - من الأفراد النادرة بحيث لا يشمله
~~اللفظ، ولو
# PageV01P445
# سلم الندرة فهي ندرة وجود لا ندرة إطلاق، ولذلك ترى صدق ماء الحمام على
~~مثله من غير استنكار كما هو ظاهر " (1).
# ولا يخفى ما في الأول من كونه مكابرة، ودفعا للضرورة، وما في الثاني من
~~عدم منافاة الصدق في لحاظ العقل عدم شمول الإطلاق له في لحاظ المحاورة
~~المبتنية على اعتبار الظواهر والأخذ بها.
# والأولى في الجواب أن يقال: إن الانصراف الناشئ من الغلبة وإن كان يؤخذ
~~به لدخوله في عداد الظواهر النوعية، غير أن الظواهر - أولية أو ثانوية -
~~إنما يعول عليها ما لم يصادفها ما يوهنها، بكشفه عن عدم اعتماد المتكلم في
~~إفادة مطلبه عليها، وقد قام في تلك الأخبار ما يوجب ذلك، لما في جملة منها
~~من التصريح باعتبار وجود المادة، فإن الغلبة موجودة بالنسبة إليها أيضا، بل
~~لم يعهد حمام لم يكن له مادة، بخلاف كرية تلك المادة فإنها قد يتخلفها،
~~فكانت غلبة المادة أولى بالاعتماد عليها في إفادة المطلب، فالتصريح
~~باعتبارها مما يقضي بعدم اعتناء المعصوم (عليه السلام) في خصوص المورد
~~بالغلبة، وعدم اتكاله إليها في الإفادة، وبذلك يضعف تأثير الغلبة المدعاة
~~في الكشف عن حقيقة المراد.
# وقد يجاب عن أصل الحجة - بعد تسليم نهوضها دليلا على اعتبار الكرية في
~~المادة:
# " بأن بين ما دل على انفعال القليل وبين ما نحن فيه تعارض العموم من وجه،
~~والترجيح مع أخبار الحمام لكثرتها، وتعاضدها، وعدم وجود المعارض فيها،
~~وكونها منطوقة وتلك أكثرها مفاهيم، وبعضها قضايا في موارد خاصة مع معارضتها
~~بكثير من الأخبار.
# مضافا إلى أن أخبار الحمام معتضدة بأصالة البراءة، لأن النجاسة تكليف
~~بالاجتناب، وباستصحاب الطهارة، وبأصل الطهارة المستفادة من العمومات على
~~وجه، وما دل على عدم انفعال الماء إلا بما تغير ريحه ms402 أو طعمه أو لونه "
~~(2). ولا يخفى ما في هذا الترجيح وما ذكر من المرجحات، لعدم كون شئ منها
~~بشئ عند أهل الدقة والنظر. وقد يعارض: " بأن التقييد في أخبار الحمام أقوى،
~~لكون الإطلاق فيها أضعف " (3) ولعله من جهة ملاحظة الانصراف بالغلبة
~~المدعاة سابقا.
# PageV01P446
# وفيه: أن الغلبة إن كانت مما يعتد بها هنا فلا كرامة لفرض التعارض حينئذ
~~ليوجب مراجعة الترجيح، فإنه فرع الدلالة وهي نافية لها، وإلا فلا وجه لدعوى
~~ضعف الإطلاق، مع أنه يعارضه كون التقييد المذكور تقييدا فيما هو أقل أفرادا
~~من أخبار الانفعال فيكون تقييدا في الأظهر، ولا ريب أن تقييد الظاهر أولى،
~~فإن الإنصاف أن أخبار الحمام أظهر في الشمول لصورتي الكرية وعدمها من أخبار
~~الانفعال في الدلالة على عموم الحكم للحمام أيضا، بل هو فيما بين أفراد
~~الماء القليل من نادر الأفراد، ومن هنا اتجه المعارضة من جهة اخرى بالنظر
~~إلى دعوى الندرة في خلاف الكرية في ماء الحمام الموجبة لضعف الإطلاق فيها.
# وقد يمنع التعارض أيضا، بناء على اختصاص أدلة الانفعال بصورة ورود
~~النجاسة على الماء، فلا يشمل مثل المقام.
# واجيب: بأن الكلام في انفعال الماء الموجود في الحوض الصغير بورود
~~النجاسة عليه، لا فيما يرد عليه.
# أقول: وكأن المنع مبني على توهم كون الكرية إنما تعتبر في المادة لتطهير
~~ماء الحوض عند تنجسه، فاعتبرت الكرية فيها - على القول به - صونا لها عن
~~الانفعال بملاقاة المتنجس، فجوابه حينئذ ما تحقق في محله من عدم الفرق في
~~الانفعال بين الورودين.
# وقد يعترض على القول باشتراط الكرية في المادة: " بأنه ينافي ما هو
~~كالصريح من الأخبار من أن ماء الحمام له خصوصية على غيره من المياه، إذ على
~~تقدير الاشتراط يكون حاله كغيره من المياه، كما اعترف به الشهيد في الذكرى
~~" (1) (2).
# ويدفعه: ما أشرنا إليه آنفا، من أن الخصوصية لعلها اعتصامه بما هو ليس
~~جزء منه، وحاصله عدم اعتبار الكرية فيه لمجرد اتصاله بما ليس منه.
# والأولى في دفع القول: منع شمول دليله المدعى - حسبما قررناه ms403 - وهو مما
~~لا إشكال فيه، ضرورة أنه بمجرد اتصاله بالمادة لا يصدق عليه: أنه ماء وهو
~~بقدر الكر فلا ينجسه شئ فلا يتناوله منطوق قولهم (عليهم السلام): " إذا كان
~~الماء قدر كر لم ينجسه شئ "
# PageV01P447
# فلابد في إخراجه عن المفهوم من وسط، ولا يصلح له إلا ما دل على أن كون
~~الماء متصلا بالكر ككونه بنفسه كرا في مرحلة الاعتصام عن الانفعال
~~بالملاقاة.
# ولا ريب أن أخبار الكر بأجمعها قاصرة عن إفادة ذلك، كما أن أخبار انفعال
~~القليل لا تقضي بشئ من ذلك كما لا يخفى على المنصف، فلا محيص في إنهاض هذا
~~الوسط من مراجعة أخبار الحمام، وقد عرفت أنها خالية عن الدلالة على اعتبار
~~الكرية في المادة، إذ قد تبين أن غلبة الكرية وندرة خلافها لا عبرة بهما
~~هنا، مع أن الغلبة لو صلحت منشأ للأثر هنا لقضت باعتبار الزيادة على الكر
~~بل اعتبار الكرور، لما هو الغالب في مواد الحمامات من وجود كرور من الماء
~~فيها كما لا يخفى على المتأمل وهو كما ترى، فإذا بنى على كون تلك الغلبة
~~ملغاة في نظر الإمام (عليه السلام)، فلم لا يبنى على كون غلبة الكرية أيضا
~~ملغاة في نظره، مع ما فيه من استبعاد واضح لو قيل بالفرق بين ما لو بقيت
~~المادة بقدر الكر وما لو نقصت مثقالا أو عشرة مثاقيل أو عشرين مثقالا،
~~بدعوى: كون الأول من الغالب فيعتصم به ما في الحوض، والثاني من النادر فلا
~~يصلح للعاصمية كما هو لازم القول بالإشتراط، بل هو شئ يعد من المضحكات.
# فالإنصاف: أن اشتراط الكرية في المادة مما لا دليل عليه من العقل والنقل،
~~فالقول به خال عن الوجه جدا.
# وأما القول بعدم اشتراطها فمستنده - على ما عرفت عن المحقق سابقا - إطلاق
~~نصوص الباب وفتاوي الأصحاب، ولا يخدشه إلا ما ذكره صاحب المدارك: " من عدم
~~صلوحها لمعارضة ما دل على انفعال القليل بالملاقاة، إذ الغالب في مادة
~~الحمام بلوغ الكرية فينزل عليه الإطلاق، والمعتمد اعتبار الكرية لما سيجيء ms404
~~من الأدلة الدالة على انفعال القليل بالملاقاة، ولأن المادة الناقصة عن
~~الكر كالعدم " (1) وأنت بملاحظة ما قررناه بما لا مزيد عليه تقدر على دفع
~~ما ادعاه من تنزيل الإطلاق، ونهوض أدلة انفعال القليل على الاشتراط، ومن
~~العجب أنه ينادي بأعلى صوته في مواضع عديدة - مما سبق ولحق - بنفي العموم
~~عن تلك الأدلة ويتمسك بها هنا، وهو لا يتم إلا مع إحراز العموم.
# وأما ما ذكره من الوجه الأخير من كون المادة الناقصة عن الكر كالعدم، فهو
# PageV01P448
# مصادرة واضحة لا يعبأ بها.
# الجهة الثانية: عن ثاني الشهيدين في المدارك (1) وغيره أنه اكتفى بكون
~~المجموع من المادة وما في الحوض كرا مع تواصلهما مطلقا، لعموم قوله (عليه
~~السلام) " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (2) ووافقه على ذلك جمع كثير
~~ممن تأخر عنه ممن عاصرناهم وغيرهم، وحكي عن شرح المفاتيح (3) اختياره، وعن
~~الذخيرة (4) عن بعض المتأخرين: " أنه ذكر أن بلوغ المجموع قدر الكر كاف
~~مطلقا إجماعا " وأن إطلاق الأصحاب اشتراط كرية المادة مبني على الغالب من
~~كثرة أخذ الماء من الحوض، وكأن المراد به أن الكرية إنما اعتبرت في المادة
~~لئلا يخرج المجموع عن الكرية بكثرة أخذ الماء من الحوض.
# وعن الأردبيلي في المجمع: " أنه مع اختلاف السطوح لا يكفي بلوغ المجموع
~~كرا، وأما مع استواء السطوح فيكتفى به " (5) وعن جامع المقاصد اختياره أيضا
~~مع نوع اختلاف قائلا: " واشتراط الكرية في المادة إنما هو مع عدم استواء
~~السطوح، بأن تكون المادة أعلى أو أسفل، لكن مع اشتراط القاهرية بفوران
~~ونحوه في هذا القسم، أما مع استواء السطوح فيكفي بلوغ المجموع كرا،
~~كالغديرين إذا وصل بينهما بساقية، بل أولى لعموم البلوى هنا " (6) وقد سبق
~~هذا التفصيل عن حاشية الشرائع أيضا في الجهة الاولى.
# وفي الرياض وغيره عن بعض المتأخرين الاكتفاء بكرية المجموع مع التساوي،
~~أو الانحدار مع الاختلاف وإلا فيشترط الكرية في المادة، قائلا: " وربما نسب
~~إلى العلامة جمعا بين كلماته في كتبه " (7)، ويظهر هذا الجمع أيضا عن صاحب
~~المدارك، فإنه بعد ms405 ما حكى عن أكثر المتأخرين (8) اشتراط الكرية في المادة،
~~وعن المحقق في المعتبر (9) وغيره (10) في مسألة الغديرين إذا أوصل بينهما
~~بساقية، أنهما كانا كالماء الواحد مع بلوغ
# PageV01P449
# المجموع منهما ومن الساقية كرا، قائلا: " وهو بإطلاقه يقتضي عدم الفرق
~~بين ما سطوحه مستوية أو مختلفة " ثم حكى عن العلامة " أنه صرح في التذكرة
~~(1) بالاكتفاء ببلوغ المجموع الكر مع عدم تساوي السطوح بالنسبة إلى السافل،
~~قال معترضا: فيكون حكم الحمام أغلظ من غيره، والحال يقتضي العكس، كما صرحوا
~~به، والجمع بين الكلامين وإن كان ممكنا بحمل مسألة الغديرين على استواء
~~السطوح، أو كون الساقية في أرض منحدرة، لا نازلة من ميزاب ونحوه، إلا أن
~~فيه تقييدا للنص وكلام الأصحاب من غير دليل " (2).
# وبما بيناه سابقا - مضافا إلى ما سيأتي - تعرف أنه لا تنافي بين الكلامين
~~في المسألتين ليحتاج إلى الحمل والجمع، بل أمكن أن يكون العلامة قائلا
~~باشتراط الكرية في مادة الحمام مع اكتفائه بكرية المجموع في مسألة
~~الغديرين، أو بشرط عدم الاختلاف بطريق النزول والتسنيم.
# وربما يحكى في المسألة قول بعدم اعتبار الكرية أصلا لا في المادة ولا في
~~المجموع مطلقا ولو مع الاختلاف بالتسنيم، صار إليه بعض مشايخنا في جواهره
~~(3)، وقد يحكى عن صريح المحقق في المعتبر (4)، وظاهره في الشرائع (5)،
~~والنافع (6)، وهو اشتباه صرف، فإنه على ما تقدم في الجهة الاولى من عبارته
~~مصرح بنفي اعتبارها عن المادة، وأما اعتبارها بالنسبة إلى المجموع فكلامه
~~محتمل، لإطلاقه.
# فهذه أقوال أربع، مبنى الأول منها كما عرفت على إعمال أدلة انفعال القليل
~~بالملاقاة، لزعم أنه لا تنافي بينها وبين أدلة ماء الحمام، إما لكونها
~~ساكتة عن اعتبار الكرية وعدمها، أو لانصرافها إلى ما هو الغالب فيه من بلوغ
~~المجموع كرا، أو لأن الترجيح على تقدير التنافي في جانب أدلة الانفعال لضعف
~~الإطلاق في جانب أدلة الحمام، كما أن مبنى القول الأخير على إعمال أدلة ماء
~~الحمام، إما لعدم تناول أدلة الانفعال له، أو لكون الترجيح في جانب أدلة
~~الحمام لكونها أظهر من جهة ms406 قلة أفرادها، أو لظهورها في أن ماء الحمام له
~~مزية يمتاز بها عما عداه من أفراد الماء القليل.
# PageV01P450
# وأما القولان المتوسطان فمبناهما على مراعاة صدق الوحدة وعدمه، بزعم أنها
~~لا تصدق إلا مع تساوي السطوح، أو معه ومع انحدار المادة فيكتفي بكرية
~~المجموع، وفي غيرهما لابد من كرية المادة، ويشكل التعلق له بالأدلة الفارقة
~~بين الكثير والقليل لعدم اقتضائها توقف الاعتصام عن الانفعال على الاتصال
~~بالكر، إذ غايتها الدلالة على اعتصام نفس الكر لا ما يتصل به وهو ليس منه،
~~كما يشكل التعلق له بأدلة الحمام، إذ مبنى الاستدلال بها إن كان على
~~إطلاقها فهي تقتضي نفي اعتبار الكرية رأسا فضلا عن اعتبارها في المادة، وإن
~~كان على ما توهم من انصرافها إلى كرية المادة بملاحظة الغلبة، فهي تقتضي
~~حينئذ - على فرض صحته - اعتبارها مع تساوي السطوح واختلافها مطلقا، لا في
~~خصوص اختلافها مطلقا، أو في صورة التسنيم خاصة، فكيف يخصص ذلك بصورة
~~الاختلاف مطلقا، أو مع التسنيم خاصة والمفروض أنه على هذا التقدير لا تنافي
~~بينها في صورة التساوي وبين أدلة إناطة الاعتصام بالكر حتى يقال: إنه نشأ
~~من ترجيح تلك الأدلة عليها، بل الذي يقتضيه أدلة الكر من كرية المجموع ما
~~يقتضيه أدلة الباب أيضا بناء على قاعدتهم المذكورة، إذ كما أن الغالب في
~~الحمام بلوغ المادة كرا فكذلك الغالب فيه بلوغ المجموع كرا، بل الغلبة في
~~ذلك أقوى وأظهر كما لا يخفى.
# وبالجملة: هذان القولان مما لا نعرف له وجها يعتمد عليه، فهما بالإعراض
~~عنهما أولى وأجدر، بل اللائق بالبحث إنما هو القول الأول والأخير، وقد عرفت
~~أن مبنى الأول على تحكيم أدلة انفعال القليل على أدلة الحمام.
# ويرد عليه: أن هذا لا يجدي في حصول مطلوبهم إلا إذا اندرج المقام على
~~تقدير كرية المجموع في منطوق " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " وهو في
~~غاية الإشكال، بل في حيز المنع، لا لأن الكر يشترط في عدم انفعاله تساوي
~~السطوح، بل لعدم جريان ما ذكرناه ms407 من الضابط في معنى تلك القضية في مباحث
~~الكر، من كون مفاد أدلته أن كل ماء يقع عليه اسم الكر عرفا فهو مما لا
~~ينجسه شئ، ولا ريب أن ماء الحوض الصغير في الحمام لا يقع عليه اسم الكر -
~~ولو حال اتصاله بالمادة - مع كون المجموع كرا، بل مع كون المادة وحدها كرا،
~~ووقوعه على المجموع مبني على الاعتبار، لا أنه له في الواقع ونفس الأمر.
~~PageV01P451
# وتوضيح ذلك: أن موضوعات الأحكام - التي منها الكر - امور واقعية لا ينفع
~~فيها مجرد الاعتبار، فموضوع الحكم بعدم الانفعال لابد وأن يكون متصفا
~~بالكرية في متن الواقع لا في نظر الاعتبار فقط، وإنما يتأتى ذلك إذا كان
~~للماء هيئة توجب كون كل من أطرافه جزءا مما حصل منها، وهذا المعنى غير حاصل
~~في المقام بحسب الواقع، وصحة وقوع الاسم على المجموع اعتبار صرف متضمن
~~لاشتراط حصول تلك الهيئة بحسب الواقع، وكأن غفلة من اكتفى بكرية المجموع
~~نشأت عن الغفلة عن كون ذلك اعتبار صرفا، أو متضمنا للتعليق على ما لا تحقق
~~له في الواقع، ولا ريب أن مجرد الاعتبار لا يصير الشئ واقعا.
# ومن هنا اتضح عدم المنافاة بين ما قررناه هنا وما اخترناه في بحث الكر من
~~عدم اشتراط تساوي السطوح، لتحقق المعنى المذكور ثمة في جميع صور المسألة
~~والفارق هو العرف، كما اتضح سر ما عرفت عن العلامة من فرقه بين الغديرين
~~وما نحن فيه، فإذا فرض عدم اندراج المقام على تقدير كرية المجموع في
~~المنطوق فلابد وأن يندرج في المفهوم، وقضية ذلك عدم الفرق في انفعال ماء
~~الحمام - وهو ما في الحوض الصغير - بين بلوغ المجموع كرا وعدمه، وهو مع أنه
~~خلاف المطلوب ترك للعمل على أخبار الحمام بالمرة، وهو كما ترى.
# فإن قلت: العمل بها يحصل في صورة كرية المجموع.
# قلت: معنى حصول العمل بها حينئذ كونها مخرجة له عن المفهوم المقتضي
~~للانفعال، واعتبار كونها مخرجة إما مع تسليم كونها مطلقة، أو مع كونها
~~منصرفة إلى الغالب، ولا ينطبق شئ ms408 منهما على مقصودكم، أما الأول: فلأن
~~الإطلاق على فرض تسليمه يقتضي إلغاء الكرية رأسا، وأما الثاني: فمع ما فيه
~~من منع اعتبار الغلبة هنا كما سبق مشروحا أن التعويل عليه في اعتبار الكرية
~~خروج عن الاستدلال بأخبار انفعال ما دون الكر، مضافا إلى أنه لو صح لقضى
~~باعتبار الكرية في المادة أيضا لا في المجموع فقط.
# فالحق أن العمل في المقام إنما هو بأخبار الحمام لا غير، وأن مقتضى ما
~~فيها من الإطلاق إلغاء الكرية بالمرة عن المادة وعن المجموع معا، والمراد
~~بالإطلاق ما في غير الخبرين المتضمنين لتنزيل ماء الحمام منزلة الجاري
~~وتشبيهه بماء النهر، إذ لا إطلاق فيهما لكونهما واردين لمجرد بيان حكم
~~الاعتصام وعدم الانفعال كالجاري وماء PageV01P452
# النهر، من غير تعرض فيهما للتشبيه في عدم اعتبار الكرية كما في المشبه
~~به، فلا يستفاد منهما إلا قضية مهملة بخلاف ما عداهما، فإن الإطلاق فيه مما
~~لا إشكال فيه خصوصا في خبر قرب الأسناد " ماء الحمام لا ينجسه شئ " (1)
~~وخبر بكر بن حبيب: " ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة ". (2) ودعوى:
~~كون الإطلاق منزلا على الغالب قد عرفت ما فيها بما لا مزيد عليه، فماء
~~الحمام حينئذ مخرج عن قاعدة انفعال القليل بالدليل، فثبت أن الأقوى في
~~النظر القاصر هو القول الأخير الذي صار إليه بعض مشايخنا، قائلا - بعد ما
~~أطنب الكلام في تقريب هذا القول -: " فصار حاصل البحث أن ما في الحياض حاله
~~كحال الماء الخارج من عين الجاري، والحوض الكبير الذي يأتي منه الماء
~~بمنزلة العين التي ينبع منها الماء القليل، فلا يقبل ما في الحياض النجاسة
~~سواء كان ما في الحوض الكبير كرا أو لا، وسواء كان المجموع مقدار كر أولا،
~~لكن بشرط اتصالها بالمادة وتجدد الخروج منها " (3) انتهى. ولكن الاحتياط في
~~كرية المجموع، وأحوط منه اعتبار كرية المادة أيضا.
# الجهة الثالثة: لهم خلاف آخر في تطهير ماء الحمام، بعد تنجسه بسبب
~~الانقطاع عن المادة حين ملاقاة النجاسة، وفيه مسائل:
# المسألة الاولى: في اشتراط ms409 كرية المادة في رفع النجاسة عن ماء الحوض
~~الصغير وعدمه، والذي صرح به غير واحد هو الاشتراط نافين عنه الاشكال، بل
~~نقل عليه الإجماعات، التي منها ما ستعرف عن الفاضل الهندي (4)، وفي الرياض
~~(5) نفي الخلاف عنه، وإن كان بضابطته المعروفة عنه عبارة عن عدم عثوره على
~~الخلاف حيثما يعبر به، لا أنه عثر على الإجماع، ولعله من جهة تردده في مذهب
~~المحقق، حيث إنه قد ينسب إليه المصير إلى عدم اعتبار الكرية في الدفع
~~والرفع معا، لإطلاق قوله - فيما تقدم عن المعتبر -: " ولا اعتبار بكثرة
~~المادة وقلتها " (6) وقد يعزى إليه اختيار الاعتبار في الرفع خاصة، لمكان
# PageV01P453
# قوله - في ذيل العبارة المذكورة -: " لكن لو تحققت نجاستها لم تطهر
~~بالجريان ".
# وفي دلالة ذلك على ما ذكر نظر واضح، كما تنبه عليه غير واحد من الأجلة،
~~لجواز كونه مرادا به عدم كفاية مجرد اتصال المادة في التطهير واشتراط
~~الامتزاج فيه، كما هو أحد القولين في المسألة الآتية، بل لا يبعد أن يقال:
~~بكونه المنساق من نظائر تلك العبارة كما لا يخفى.
# فالإنصاف: أن كلام المحقق بالنسبة إلى مسألة التطهير متشابه، فلا يعلم
~~مذهبه في تلك المسألة بنفس تلك العبارة، فإن علم من الخارج شئ يقضي
~~باختياره الكرية يعلم له الموافقة وإلا فلا، وقد يستفاد اختياره إياها بما
~~يرجع في الحقيقة إلى استبعاد صرف، كما عن الفاضل الهندي حيث قال: " بأن
~~المحقق إنما يسوي بين الكر والأقل من الباقي منها إلا ما جرى في الحوض، ولا
~~يقول بأن الباقي إذا نقص عن الكر فانقطع الجريان ثم تنجس ما في الحوض يطهر
~~بالإجراء ثانيا، للاتفاق على أنه لا يطهر الماء النجس إلا الكر أو الماء
~~الجاري " (1) انتهى.
# وبالجملة: لم يعهد من الأصحاب هنا مخالف في اعتبار الكرية، عدا ما يوهمه
~~إطلاق عبارات المحقق في المعتبر (2) والشرائع (3) والنافع (4).
# نعم في الحدائق (5) عن بعض الأخباريين (6) المفصل في مسألة انفعال القليل
~~بين الورودين الميل إلى عدم اعتبار الكرية في الرفع، اكتفاء بجريان الماء
~~الطاهر عليه بقوة بحيث يستهلك ms410 الماء فيه، استنادا إلى ظواهر جملة من
~~الأخبار، ولكن المسألة لو كانت إجماعية فهذا الخلاف غير قادح فيه جزما، حتى
~~مع صحة مستنده فكيف به مع فساد المستند كما سيتبين، وعلى أي حال كان فحجة
~~القول باعتبار الكرية وجوه:
# أحدها: ظهور الإجماع.
# وثانيها: الإجماعات المحكية التي منها ما تقدم، ومنها ما عن الخوانساري
~~(7) من
# PageV01P454
# الإجماع ظاهرا على أن المادة البالغة كرا لها قابلية لتطهير ما في الحوض
~~بمجرد جريانه إليه من دون القاء كر عليه دفعة، ولكن في نهوض ذلك على اشتراط
~~الكرية نظر واضح، لا يخفى وجهه على المتأمل.
# وثالثها: استصحاب النجاسة إلى أن يتحقق رافع يقيني، وليس إلا كرية
~~المادة.
# ورابعها: ما عن جامع المقاصد: " واعلم أن اشتراط الكرية في المادة هو أصح
~~القولين للأصحاب، لانفعال ما دون الكر بالملاقاة، فلا يرفع النجاسة عن غيره
~~" (1).
# وهذان أيضا كما ترى لا ينهضان دليلا على الاشتراط، بل غاية ما فيهما
~~الدلالة على أن ما دون الكر لا يصلح مطهرا، وأما أن المطهر هو الكر أو أن
~~الكر صالح له فلابد في إثبات ذلك من إنهاض دليل آخر، فالحق أن ماء الحمام
~~لم يثبت له من حيث الرفع والتطهير خصوصية، لعدم تعرض في الأخبار الواردة
~~فيه لبيان هذا الحكم فضلا عن كيفيته كما ستعرف، فلابد في استعلام حكم
~~المسألة من المراجعة إلى ما يطهر به الماء القليل، والنظر في دليل اعتبار
~~كونه كرا وغيره من الإجماع وغيره، ولتحقيق ذلك موضع آخر يأتي في أبواب
~~كيفية تطهير المياه.
# وأما القول بعدم الكرية إن كان ثابتا في المسألة، وكان قائله ممن يعتنى
~~به - فلا مستند له إلا إطلاق أخبار الباب المتقدمة، وهو ظاهر الفساد لكون
~~تلك الأخباربين صريحة وظاهرة سياقا ومتنا في التعرض لبيان حكم الدفع من غير
~~تعرض لبيان حكم الرفع، نعم في ثلاث روايات منها ما ربما يوهم ذلك كقوله
~~(عليه السلام): " ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري " (2) وقوله (عليه
~~السلام): " ماء الحمام كماء النهر، يطهر بعضه بعضا " (3) وقوله (عليه
~~السلام): " ماء ms411 الحمام سبيله سبيل الماء الجاري إذا كانت له مادة " (4)
~~بناء على أن المنزلة والتشبيه يفيدان العموم.
# وفيه: مع أن في عموم المنزلة والتشبيه كلاما، والقول بانصرافهما إلى
~~الخواص الظاهرة لا يخلو عن قوة، والظاهر من خواص المشبه به إنما هو الدفع،
~~أن هذه الامور إنما تفيد الظهور في العموم إذا لم يقم في الكلام المشتمل
~~عليها ما يصرفها عن ظهورها والمقام ليس منه.
# PageV01P455
# أما في الخبر الأول: فلأن سياق السؤال الوارد فيه بقوله: " ما تقول في
~~ماء الحمام؟ " ظاهر في السؤال عن حكم الدفع وقبوله الانفعال وعدمه، كما لا
~~يخفى على المنصف، فيصرف إليه الجواب.
# وأما في الخبر الثاني: فلما قررناه في توجيهه في بحث الجاري من أن المراد
~~بقوله:
# " يطهر بعضه بعضا " يعصم بعضه بعضا عن الانفعال ويوجب اعتصامه، بقرينة ما
~~تقدم من عدم كون شئ مما ذكر في سؤاله من النجاسات ما يوجب تغير الماء عادة،
~~فلاحظ وتأمل.
# وأما في الخبر الثالث: فلأن قوله (عليه السلام): " إذا كانت له مادة "
~~قيد احترازي أتى به المعصوم لدفع ما لعله يتوهمه المخاطب من عدم الاحتياج
~~إلى المادة في الحكم الذي أعطاه عليه السلام، والذي هو محل لأن يطرأه هذا
~~التوهم إنما هو مقام الدفع دون مقام الرفع، لأن كل عاقل متشرع يعلم أن
~~النجاسة بعد ما طرأت الماء لا ترتفع من قبل نفسها، بل تحتاج إلى رافع شرعي
~~ومطهر خارجي، ومحصله يرجع إلى دوران الشرط بين كونه قيدا احترازيا أو
~~توضيحيا، ومن المقرر أن الأصل - بمعنى الظاهر - هو الأول، وقضية ذلك كون
~~الخبر واردا لبيان الدفع دون الرفع.
# المسألة الثانية: في تطهير ماء الحمام بمجرد اتصاله بالمادة أو اشتراطه
~~بالامتزاج وغلبة المادة عليه، قولان من الاقتصار فيما خالف الأصل - وهو
~~استصحاب النجاسة أو أصالة عدم الطهارة - على المتفق عليه، وأن الصادق (عليه
~~السلام) حكم بأنه بمنزلة الجاري، ولو تنجس الجاري لم يطهر إلا باستيلاء
~~الماء عليه، بحيث يزيل انفعاله، ومن امتياز الطاهر من النجس مع عدم
~~الامتزاج، وذلك يقتضي اختصاص ms412 كل بحكمه.
# ومن أن اتصال القليل بالكثير قبل النجاسة كاف في دفع النجاسة وإن لم
~~يمتزج به فكذا بعدها، لأن عدم قبول النجاسة في الأول إنما هو بصيرورة
~~المائين ماء واحدا بالاتصال.
# وأن الامتزاج إن اريد به امتزاج كل جزء من الماء النجس بجزء من الطاهر لم
~~يمكن الحكم بالطهارة أصلا، لعدم العلم بذلك، وإن اكتفى بامتزاج البعض لم
~~يكن المطهر للبعض الآخر هو الامتزاج بل مجرد الاتصال، فيلزم إما القول بعدم
~~الطهارة أصلا، أو القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال.
# و أنه عن المنتهى: " أن الاتفاق واقع على أن تطهير ما نقص عن الكر بإلقاء
~~كر عليه، PageV01P456
# ولاشك أن المداخلة ممتنعة، فالمعتبر إذن الاتصال الموجود هنا " (1)، وأن
~~الأجزاء الملاقية للطاهر يجب الحكم بطهارتها عملا بعموم ما دل على طهورية
~~الماء، فتطهر الأجزاء التي يليها لذلك، وكذا الكلام في بقية الأجزاء، كما
~~حكاه في المدارك عن المحقق والشهيد الثانيين، قائلا: " بأن هذا اعتبار حسن
~~نبه عليه المحقق الشيخ علي في بعض فوائده، وجدي في روض الجنان " (2)، وفي
~~أكثر ما ذكر عن الطرفين نظر، وإذ قد عرفت أن الحمام لم يثبت له خصوصية
~~بالنسبة إلى مقام الرفع، لكون الأخبار الواردة فيه ساكتة عن ذلك المقام،
~~فكيفية تطهير هذا الماء كتطهير سائر المياه القليلة، فتحقيق حاله بالقياس
~~إلى اشتراط الامتزاج وعدمه، موكول إلى محله، وسيلحقك البحث عن ذلك إن شاء
~~الله.
# المسألة الثالثة: بناء على القول باشتراط الامتزاج واشتراط كرية المادة
~~في التطهير، فهل يكتفى بكون المادة مقدار الكر من غير زيادة عليه، أو يشترط
~~زيادتها بمقدار ما يحصل به الممازجة والغلبة؟ وكذا بناء على القول بكفاية
~~الاتصال يجري الكلام في اشتراط الزيادة بمقدار ما ينحدر من الماء عن المادة
~~المتصلة بالحوض، قولان، اختار أولهما في المدارك (3)، وعن العلامة في
~~المنتهى (4)، التصريح في مسألة الغديرين.
# وحكى ثانيهما عن ثاني الشهيدين تعليلا: " بأنه لو كانت كرا فقط لكان ورود
~~شئ منها على الحياض موجبا لخروجها عن الكرية، إذ المعتبر كرية المادة بعد
~~الملاقاة فتقبل الانفعال ms413 حينئذ " (5) وعن صريح التحرير (6) أيضا اختياره،
~~كما عن جامع المقاصد (7) اختياره أيضا استنادا بما ذكر عن الشهيد، ولا يخفى
~~ما فيه من الاعتبار الصرف، والحكم تابع للإجماع، فإن ثبت إجماع فكيف ولم
~~يثبت، وإلا كان كسائر المياه القليلة التي تطهر بالكر.
# واستدل على القول الأول بقوله (عليه السلام): " ماء الحمام كماء النهر،
~~يطهر بعضه بعضا " (8)
# PageV01P457
# ويؤيده " هو بمنزلة الجاري " (1) و " ماء الحمام سبيله سبيل الجاري "
~~(2).
# وفيه: ضعف واضح تقدم وجهه.
# وقد يقال: بابتناء القولين على قولهم في اعتبار الدفعة في القاء الكر
~~وعدمه، فالأول مبنى على الثاني، كما أن الثاني مبنى على الأول، وهو أيضا
~~مشكل.
# ثم إن جماعة من الأصحاب تنبهوا على فروع في المقام، لا بأس بإيرادها.
# أحدها: أنه هل يشترط في مادة الحمام العلم بعدم نجاستها أو يكفي عدم
~~العلم بالنجاسة؟ احتمالان صرح بثانيهما العلامة في المنتهى (3)، وتبعه غير
~~واحد، وأما الأول فلم نقف على قائل به، كما أن احتمال كفاية المادة مطلقة
~~ولو مع العلم بالنجاسة مما لا قائل به، بل ظاهرهم الاتفاق على بطلانه، بل
~~المستفاد من أخبار الباب بحكم الالتزام العرفي إنما هو طهارة المادة، كما
~~أن المستفاد من الأخبار الآمرة بالغسل عن النجاسات إنما هو اشتراط طهارة
~~الماء الذي يغسل به، كما هو مجمع عليه عندهم أيضا - على ما سبق بيانه في
~~بحث الغسالة - ومع هذا فالفرع المذكور مفروض لاستعلام أن الطهارة المعتبرة
~~في المادة هل هي عبارة عن الطهارة العلمية أو الشرعية التي تتأتى مع عدم
~~العلم بالنجاسة في الجملة، كما سيتبين عقيب ذلك. واحتج العلامة (4) - على
~~ما صرح به - بالعموم، والتعذر، والحرج، واستجوده المحقق الخوانساري في شرح
~~الدروس. (5) وقد يفصل: فيحكم بكفاية عدم العلم بالنجاسة إذا لم تكن المادة
~~مسبوقة بالعلم بها، وإلا فلا إشكال في عدم الكفاية في صورة تطهير ما في
~~الحوض بها، لاستصحابي النجاستين في المادة وفي الحوض، وكذلك في مقام الدفع
~~لمكان النجاسة المستصحبة فلا تفيد تقويا بالقياس إلى غيرها، وقضية ذلك
~~انفعال ذلك الغير بالملاقاة، بل ms414 بمجرد اتصاله بها على إشكال فيه، ينشأ عن
~~ملاحظة استصحاب الطهارة فيه.
# وثانيها: بناء على اعتبار كرية المادة أو المجموع، لو شك في الكرية فعزى
~~الخوانساري إلى ظاهر كلامهم أنه يبني على الأصل. وهو عدم بلوغ الكرية،
~~فضعفه قائلا: " والظاهر البناء على طهارتها، وعدم الحكم بنجاستها بملاقاة
~~النجاسة، للروايات
# PageV01P458
# الدالة على " أن كل ماء طاهر حتى يعلم أنه قذر " ولاستصحاب الطهارة " -
~~إلى أن قال: - " وكذا طهارة الحوض الصغير، نعم، إذا تغير الحوض الصغير فلا
~~يمكن الحكم بتطهيره بإجراء تلك المادة إليه، وكذا لا يمكن تطهير شئ نجس لا
~~فيها ولا في الحوض الصغير، وكذا الحال في جميع المياه المشكوك الكرية ".
~~(1) ووافقه على هذا التفصيل صاحب الرياض قائلا: " وينبغي القطع بالطهارة لو
~~طرأ الشك بعد تيقن الكرية فيها، لاستصحابي بقاء الطهارة والمادة على
~~الكرية، وعمومي الأصلين البراءة، و " كل ماء طاهر حتى يعلم أنه قذر " (2).
# ولو طرأ الشك بعد تيقن نقصها من الكر بكثرة مجيء الماء إليها فلا يبعد
~~ذلك، لتعارضهما من الجانبين فيبقى الأصلان سالمين عن المعارض.
# ومنه يظهر الحكم فيما لو طرأ مع فقد اليقين، وأما لو انفعل ما في الحوض
~~ثم اتصل بالمادة المزبورة المشكوك كريتها فالأقرب البقاء على النجاسة،
~~لاستصحابها السليم عن المعارض، وإن احتمل الطهارة أيضا في الجملة، بمعنى
~~عدم تنجيسه ما يلاقيه بإمكان وجود المعارض من جانب الملاقي الطاهر لمثله،
~~إلا أن الظاهر كون الاستصحاب الأول مجمعا عليه. " (3) انتهى، واستجوده بعض
~~تلامذته (4) أيضا.
# وثالثها: قال المحقق الخوانساري: و " اعلم انهم اكتفوا في الكرية بشهادة
~~العدلين بها واختلف في الواحد، فقد قطع المحقق الشيخ علي بالاكتفاء به،
~~بناء على أنه إخبار لا شهادة، واستقرب لو كان له يد على الحمام كالمالك
~~والمستأجر والوكيل، ونقل عن فخر المحققين قبول قول ذي اليد على الحمام
~~مطلقا، سواء كان عدلا أو لا وفي غير شهادة العدلين إشكال قوي لعدم نص عليه
~~وفيها أيضا بعض الإشكال ". (5) ورابعها: قد عرفت في ذيل كلام السيد في
~~الرياض الحكم بنجاسة ما يلاقي ماء ms415 الحوض النجس المتصل بالمادة المشكوكة في
~~كريتها، مع احتماله طهارة الملاقي خاصة لإمكان معارضة استصحاب الطهارة فيه
~~لاستصحاب النجاسة في الماء، مع دعواه على العمل باستصحاب النجاسة المقتضية
~~لنجاسة الملاقي، وقد يجعل الاحتمالان المذكوران
# PageV01P459
# قولين في ذلك الفرع، ولكن يرجح احتمال النجاسة تعليلا بكون استصحاب نجاسة
~~الماء من استصحاب طهارة الملاقي مزيلا له فيقدم عليه على ما هو مقرر في
~~محله، ويجعل السر في الإجماع المدعى على العمل باستصحاب النجاسة هو ذلك،
~~هذا.
# وتحقيق الكلام: في جميع الفروع المذكورة مبني على النظر في تأسيس أصل كلي
~~يجري في غالب أبواب الطهارات وغيرها، وهو أن الطهارة في الماء حيثما علق
~~عليها الأحكام، هل العبرة فيها بالعلم بها أو لا؟ وعلى الثاني فهل يعتبر
~~فيها أمارة من الأمارات الشرعية التعبدية أو لا؟ ثم النجاسة على فرض عدم
~~اعتبار علم ولا أمارة في نقيضها يلزمها أن يعتبر فيها العلم أو الأمارة؟
~~فهل يتعين فيها العلم خاصة، ولا يحكم بها بدونه ولو مع قيام الأمارة عليها؟
~~أو يكفي في ثبوتها الأمارة أيضا، و أنها تقوم مقام العلم؟ وعليه فهل يتعين
~~في ذلك أمارة دون اخرى؟ أو يجري فيها عامة الأمارات الجارية في غير المقام،
~~ثم إذا كفت الأمارة في ثبوت نجاسة شئ فهل تفيد تلك النجاسة تنجيسا لملاقيه
~~أو لا؟
# غير أنه ينبغي أن يعلم أن هذا البحث إنما يثمر ويجري في معرفة حكم
~~الجزئيات، المعلوم حكم كلياتها بأصل الشرع من طهارة أو نجاسة، الصالحة
~~لاندراجها تحت كل من الكليين المعلوم حكمهما الكلي الإلهي، التي قد يعبر
~~عنها بالموضوعات الصرفة، وإلا فكل من الطهارة والنجاسة من حيث إنه حكم كلي
~~إلهي يتبع في ثبوته لموضوعاته الكلية - التي قد يعبر عنها بالموضوعات
~~المستنبطة - لدليله، من حيث إنه توقيفي فلابد فيه من دليل علمي أو ظني حيث
~~يعتبر.
# فالكلام في اعتبار العلم فيه من هذه الجهة، أو كفاية مطلق الظن، أو
~~اعتبار الأمارة مطلقة، أو غيرها، هو الكلام في حجية الظن ودليلية الطرق
~~المعهودة، وهذا كما ms416 ترى شئ لا يتعلق به غرض الفقيه أصلا وإنما هو بحث له
~~محل آخر، بل الذي يتعلق به الغرض هنا إنما هو استعلام كون الطهارة والنجاسة
~~المعلومتين للموضوعات المستنبطة منوطتين في موضوعاتها الخارجية بالعلم
~~خاصة، أو تكفي فيهما الظن مطلقا، أو أن الطهارة منوطة بعدم العلم بالنجاسة
~~بخلاف النجاسة، فإنها منوطة بالعلم بها، على معنى العلم بتحقق سببها الموجب
~~لها، أو ما هو قائم مقامه على فرض ثبوته، ثم إنه لا فرق في هذا البحث بين
~~المياه وغيرها مما اعتبر فيها الطهارة، من المآكل والمشارب والثياب
~~PageV01P460
# والأواني ونحوها، وكيف كان فينبغي في المقام الكلام في مطالب:
# المطلب الأول: لا إشكال كما لا خلاف في أن الطهارة المعتبرة في الماء بل
~~كل مشروط بالطهارة غير منوطة بالعلم به، بل الذي ينوط به في ترتيب الأحكام
~~الشرعية إنما هو النجاسة، قال الشيخ في لباس المصلي من زيادات التهذيب -
~~عقيب رواية عبد الله بن سنان الآتية، الآمرة بغسل الثوب للصلاة الذي اعير
~~لمن يعلم أنه يأكل الجري ويشرب الخمر -: " هذا الخبر محمول على الاستحباب،
~~لأن الأصل في الأشياء كلها الطهارة، ولا يجب غسل شئ من الثياب إلا بعد
~~العلم بأن فيها نجاسة، وقد روى هذا الراوي بعينه خلاف هذا الخبر " (1) يعني
~~به روايته الاخرى الآتية المصرحة في الثوب الذي اعير للذمي بعدم وجوب غسله.
# وقال صاحب المدارك: " إن ما عدا نجس العين يجب الحكم بطهارته، تمسكا
~~بمقتضى الأصل والعمومات إلى أن يحصل اليقين بملاقاته لشئ من الأعيان النجسة
~~بإحدى الطرق المفيدة له، ولا عبرة بالظن ما لم يستند إلى حجة شرعية،
~~لانتفاء الدليل على اعتباره، وعموم النهي عن اتباعه "، إلى آخر كلامه (قدس
~~سره) (2).
# والأصل فيما ذكرناه من الحكمين بعد الإجماع القولي المقطوع به من تتبع
~~كلمات الأصحاب، والعملي المعلوم من طريقة الفقهاء وسيرة كافة المتشرعة في
~~عامة الأعصار وقاطبة الأمصار، الأخبار المعتبرة التي فيها الصحاح وغيرها
~~المستفيضة القريبة من التواتر، بل المتواترة باعتبار المعنى جدا بل البالغة
~~فوق التواتر.
# منها: الخبر المستفيض ms417 المروي في كتب المشايخ الثلاث بطرق متكررة، المتفق
~~على العمل به، المتلقى بالقبول لدى الكل: " الماء كله طاهر حتى تعلم أنه
~~قذر " (3).
# ومنها: موثقة عمار المروية في التهذيب والوسائل عنه عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) في حديث، قال: " كل شئ نظيف حتى يعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد
~~قذر، وما لم تعلم فليس عليك شئ " (4) وقد مر في مباحث الماء القليل الكلام
~~في تطبيق الاولى على
# PageV01P461
# الموضوعات الخارجية وعلى قياسها الثانية.
# ومنها: خبر غياث عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) قال: " ما
~~ابالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم " (1) تمسك به في المدارك (2) على ما
~~تقدم عنه من دعوى الأصل الكلي.
# ومنها: خبر عمار بن موسى الساباطي، أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام)
~~عن الرجل يجد في إنائه فأرة، وقد توضأ من ذلك الإناء مرارا، أو غسل منه
~~ثيابه أو اغتسل منه، وقد كانت الفأرة متسلخة؟ فقال: " إن كان رآها في
~~الإناء قبل أن يغتسل، أو يتوضأ، أو يغسل ثيابه، ثم فعل ذلك بعد ما رآها في
~~الإناء فعليه أن يغسل ثيابه، ويغسل كلما أصابه ذلك الماء، ويعيد الوضوء
~~والصلاة، وإن كان إنما رآها بعد ما فرغ من ذلك وفعله فلا يمس من الماء
~~شيئا، وليس عليه شئ، لأنه لا يعلم متى سقطت فيه، ثم قال: لعله أن تكون سقطت
~~فيه تلك الساعة التي رآها، " (3) وهذا كما ترى يقضي بعدم اعتبار الظن
~~بالنجاسة بجميع مراتبه، حتى ما يكون منه قويا متآخما بالعلم، ضرورة أن
~~انفساخ الفأرة كما هو مفروض السؤال مما يحصل معه ظن قوي قريب من العلم
~~بسقوطها في الإناء قبل جميع تلك الاستعمالات، إن لم نقل بإيراثه العلم
~~بذلك، واحتمال كونها ساقطة في الساعة الذي أبدأه الإمام (عليه السلام) في
~~غاية البعد والغرابة.
# ومنها: صحيحة علي بن جعفر المتقدمة في مباحث الماء القليل، بالتوجيه
~~المتقدم ثمة، القائلة في دم الرعاف بأنه: " ان لم يكن شئ يستبين في الماء
~~فلا بأس، وإن كان شيئا ms418 بينا فلا تتوضأ منه " (4).
# ومنها: مرسلة محمد بن إسماعيل المروية في الكافي عن بعض أصحابنا عن أبي
~~الحسن (عليه السلام) " في طين المطر، أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة
~~أيام، إلا أن تعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر، فإن أصابه بعد ثلاثة أيام
~~فاغسله، فإن كان الطريق نظيفا لم تغسله " (5).
# PageV01P462
# ومنها: الحسن كالصحيح بإبراهيم بن هاشم، المروى في الكافي عن الحلبي، عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه شئ فليغسل
~~الذي أصابه، فإن ظن أنه أصابه شئ ولم يستيقن ولم ير مكانه. فلينضحه بالماء،
~~وإن استيقن أنه قد أصابه شئ ولم ير مكانه فليغسل ثوبه كله، فإنه أحسن " (1)
~~بناء على أن النضح المعلق على ظن الإصابة وعدم تيقنها هو الرش، فلا يكون
~~مجزيا عن الغسل لو كان الظن كافيا في تنجس المحل، وهو محمول عندهم
~~بالاستحباب، وأمكن كونه تعبدا على حد سائر التعبديات التي منها غسل موضع
~~النجاسة.
# ومنها: خبر علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته
~~عن الرجل يكون له الثوب قد أصابه الجنابة فلم يغسله، هل يصلح النوم فيه؟
~~قال: " يكره " (2)، وسألته عن الرجل يعرق في الثوب، يعلم أن فيه جنابة، كيف
~~يصنع؟ هل يصلح له أن يصلي قبل أن يغسل؟ قال: " إذا علم أنه إذا عرق أصاب
~~جسده من ذلك الجنابة التي في الثوب، فليغسل ما أصاب جسده من ذلك، وإن علم
~~أنه قد أصاب جسده ولم يعرف مكانه، فليغسل جسده كله، " (3) فإنه بمفهومه دال
~~على عدم وجوب غسل الجسد مع عدم العلم بإصابة الجسد، كما أنه بمنطوقه دال
~~على وجوبه مع العلم بالإصابة تفصيلا أو إجمالا.
# منها: خبر موسى بن القاسم عن علي بن محمد (عليهما السلام) قال: سألته عن
~~الفأرة والدجاجة والحمامة وأشباهها، تطأ العذرة، ثم تطأ الثوب أيغسل؟ قال:
~~" إن كان استبان من أثره شئ فاغسله، وإلا فلا بأس " (4) ومثله مروي (5) عن
~~علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه ms419 السلام)، ودلالتهما واضحة بعد
~~ملاحظة ما أشرنا إليه في رواية دم الرعاف المتقدمة.
# منها: خبر عبد الله بن الحجاج، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن
~~رجل يبول بالليل، فيحسب أن البول أصابه فلا يستيقن، فهل يجزيه أن يصب على
~~ذكره إذا بال، ولا يتنشف؟ قال: " يغسل ما استبان أنه قد أصابه، وينضح ما
~~يشك فيه من جسده وثيابه،
# PageV01P463
# ويتنشف قبل أن يتوضأ " (1) قال في الوسائل: " المراد بالتنشف الاستبراء،
~~وبالوضوء الاستنجاء "، وجه الاستدلال ما تقدم في حسنة الحلبي.
# ومنها: صحيحة زرارة قال: " قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره، أو شئ من
~~المني إلى أن قال: فإن ظننت أنه أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت، فلم أر شيئا ثم
~~صليت فرأيت فيه؟ قال: تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: لم ذلك؟ قال: لأنك كنت
~~على يقين من طهارتك ثم شككت، وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا،
~~قلت: فهل علي إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه؟ قال: لا، ولكنك تريد أن
~~تذهب الشك الذي وقع في نفسك " (2).
# ومنها: الحسن بإبراهيم بن هاشم أيضا، عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا
~~عبد الله (عليه السلام) عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال: " إن كان علم
~~إنه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلي، ثم صلى فيه ولم يغسله، فعليه أن يعيد ما
~~صلى، وإن كان لم يعلم فليس عليه إعادة، وإن كان يرى أنه أصابه شئ فينظر فلم
~~ير شيئا، أجزأه أن ينضحه بالماء " (3).
# ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام)
~~وأنا حاضر، أني اعير الذمي ثوبي، وأنا أعلم أنه يشرب الخمر، ويأكل الخنزير،
~~فيرده علي فأغسله قبل أن اصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " صل
~~فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه وهو طاهر، ولم تستيقن أنه نجسه،
~~فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه " (4).
# ومنها: رواية السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن ms420 أمير المؤمنين
~~(عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في طريق مطروحة، كثير لحمها وخبزها وجبنها
~~وبيضها وفيها سكين، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " يقوم ما فيها، ثم
~~يؤكل، لأنه يفسد وليس له بقاء، فإذا جاء طالبها غرموا له الثمن "، قيل: يا
~~أمير المؤمنين لا يدري سفرة مسلم هي أم مجوس؟ فقال: " هم في سعة حتى تعلموا
~~" (5).
# PageV01P464
# ومنها: رواية سماعة بن مهران، أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن
~~تقليد السيف في الصلاة، وفيه الغري (1) والكيمخت؟ فقال: " لا، ما لم تعلم
~~أنه ميتة " (2).
# ومنها: رواية علي بن أبي حمزة، إن رجلا سأل أبا عبد الله (عليه السلام) -
~~وأنا عنده - عن الرجل يتقلد السيف ويصلي فيه؟ قال: " نعم "، فقال الرجل: إن
~~فيه الكيمخت؟ قال: " و ما الكيمخت "؟ قال: جلود دواب، منه ما يكون ذكيا
~~ومنه ما يكون ميتة، فقال: " ما علمت أنه ميت فلا تصل فيه " (3).
# ومنها: خبر ابن مسكان عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)
~~عن الخفاف التي تباع في السوق؟ فقال: " اشتر وصل فيها حتى تعلم أنه ميت
~~بعينه " (4).
# ومنها: صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألته عن الرجل يأتي السوق
~~فيشتري جبة فرا، لا يدري أذكية هي أم غير ذكية، أيصلي فيها؟ قال: " نعم،
~~ليس عليكم المسألة، أن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: إن الخوارج ضيقوا
~~على أنفسهم بجهالتهم، أن الدين أوسع من ذلك " (5).
# ومنها: صحيحته الاخرى عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الخفاف يأتي
~~السوق فيشتري الخف، لا يدري أذكي هو أم لا؟ ما تقول في الصلاة فيه، وهو لا
~~يدري أيصلي فيه؟ قال: " نعم، أنا أشتري الخف من السوق، ويصنع لي واصلي،
~~وليس عليكم المسألة " (6).
# ومنها: ما في التهذيب عن إسماعيل بن عيسى، قال: سألت أبا الحسن (عليه
~~السلام) عن جلود الفرا يشتريها الرجل من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا
~~كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: " عليكم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين
~~يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون ms421 فيه فلا تسألوا عنه " (7).
# PageV01P465
# ومنها: ما عن قرب الأسناد - لعبد الله بن جعفر - عن حماد بن عيسى، قال:
~~سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " كان أبي (عليه السلام) يبعث
~~بالدراهم إلى السوق، فيشتري بها جبنا، فيسمي ويأكل ولا يسأل عنه " (1).
# ومنها: ما في الكافي - في الصحيح - عن الحلبي، قال: قلت لأبي عبد الله
~~(عليه السلام):
# الخفاف عندنا في السوق نشتريها، فما ترى في الصلاة فيها؟ فقال: " صل فيها
~~حتى يقال لك أنها ميتة بعينه " (2).
# ومنها: ما فيه أيضا عن الحسن بن الجهم، قال: قلت لأبي الحسن (عليه
~~السلام): أعترض السوق فأشتري خفا، لا أدري أذكي هو أم لا؟ قال: " صل فيه "،
~~قلت: فالنعل، قال:
# " مثل ذلك " قلت: إني أضيق من هذا، قال " أترغب عما كان أبو الحسن (عليه
~~السلام) يفعله " (3).
# ومنها: ما - في الصحيح - في التهذيب عن معاوية بن عمار، قال: سألت أبا
~~عبد الله (عليه السلام) عن الثياب السابرية يعملها المجوس، وهم أخباث وهم
~~يشربون الخمر، ونساؤهم على تلك الحال، ألبسها ولا أغسلها واصلي فيها؟ قال:
~~" نعم " قال معاوية:
# فقطعت له قميصا وخطته وفتلت له إزارا ورداء من السابري، ثم بعثت بها إليه
~~في يوم جمعة حين ارتفع النهار، فكأنه عرف ما اريد فخرج بها إلى الجمعة (4).
# ومنها: ما في التهذيب من خبر المعلى بن خنيس، قال سمعت أبا عبد الله
~~(عليه السلام) يقول:
# " لا بأس بالصلاة في الثياب التي تعملها المجوس والنصارى واليهود " (5)
~~بناء على أن المراد نفي البأس عن الصلاة فيها بلا غسل، وإلا فلم يكن أحد
~~يشك في عدم البأس مع الغسل.
# ومنها: ما في التهذيب - في الصحيح - عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله
~~(عليه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي؟ فقال: " يرش بالماء " (6) بناء
~~على ما تقدم من أن الرش ليس غسلا ليتبع النجاسة الثابتة.
# ومنها: رواية أبي علي البزاز عن أبيه، قال: سألت جعفر بن محمد (عليهما
~~السلام) عن الثوب
# PageV01P466
# يعمله أهل الكتاب، اصلي فيه قبل أن يغسل؟ قال: " لا بأس، وأن ms422 يغسل أحب
~~إلي " (1).
# ومنها: خبر أبي جميلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن ثوب
~~المجوسي، ألبسه واصلي فيه؟ قال: " نعم "، قال: قلت: يشربون الخمر؟ قال: "
~~نعم نحن نشتري الثياب السابرية فنلبسها ولا نغسلها " (2).
# ومنها: ما في الوسائل عن أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج،
~~عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، أنه كتب إلى صاحب الزمان (عليه
~~السلام) عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة، ولا يغتسلون من الجنابة، وينسجون
~~لنا ثيابنا، فهل يجوز الصلاة فيها من قبل أن تغتسل؟ فكتب إليه في الجواب: "
~~لا بأس بالصلاة فيها " (3).
# ومنها: ما في الاستبصار عن سماعة، قال: سألته عن أكل الجبن، وتقليد السيف
~~وفيه الكيمخت والفراء؟ فقال: " لا بأس به ما لم يعلم أنه ميتة " (4) إلى
~~غير ذلك من الروايات الجزئية التي يطلع عليها المتتبع في أبواب متفرقة.
# ولا ريب أن المستفاد من مجموع تلك الأخبار الدالة بعضها عموما والبعض
~~الآخر خصوصا امور:
# أحدها: أن ثبوت الطهارة في مواردها وترتب أحكامها على تلك الموارد لا
~~يتوقف على العلم بها.
# وثانيها: أنها كما لا تتوقف على العلم، فكذلك لا تتوقف على قيام أمارة
~~تعبدية بها، من استصحاب، أو بينة، أو إخبار عدل، أو ذي يد ونحوها، فإن ذلك
~~يستفاد عن إطلاق الخبر الأول والثاني وجملة كثيرة من البواقي، وأقوى ما يدل
~~على ذلك الخبر الثالث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله (عليه
~~السلام): " ما ابالي أبول أصابني أو ماء "، ضرورة أن ما يتردد بين الماء
~~والبول لا يعلم له بالخصوص حالة سابقة، ليكون الحكم بالطهارة مستندا إليها
~~استصحابا لها، وطهارة المحل وإن كانت بعد إصابة ذلك إياه قابلة للاستصحاب،
~~غير أن
# PageV01P467
# المنساق من الرواية كون الحكم بالطهارة لاحقا هنا بالمايع المتردد بين
~~الأمرين لا بالمحل، وإن استلزم طهارة الأول طهارة المحل أيضا.
# ولا ينافيه ما في صحيحة زرارة (1) من استناد الإمام (عليه السلام) إلى
~~الاستصحاب، ولا ما يظهر من صحيحة عبد الله بن سنان (2) من كون الاستناد ms423 إلى
~~الحالة السابقة، فلا داعي إلى حمل المطلقات على هذا المقيد، لما قرر في
~~محله من أن العام والخاص لا يحمل أحدهما على الآخر، فلا يقال: إن المراد ب
~~" كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر " أو " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر " ما
~~علم له حالة سابقة تصلح للاستناد إليها، مع أن قاعدة حمل المطلق على المقيد
~~فيما بين المثبتين - للتنافي - لا تجري إلا في موضع التكليف الإلزامي
~~والمقام ليس منه، مع أن أصل الحمل لا يمكن بالنسبة إلى الخبر الثالث كما
~~عرفت.
# وثالثها: عدم وجوب الفحص والنظر تحصيلا للعلم بالنجاسة، أو إحرازا لأمارة
~~قامت بها على فرض كونها معتبرة في ثبوتها، والذي يدل عليه صراحة من الأخبار
~~صحيحة زرارة المتضمنة لقوله (عليه السلام): " لا "، عقيب قول السائل، " فهل
~~علي إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه؟ " (3).
# نعم، قوله (عليه السلام): " ولكنك تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك "
~~يدل على استحبابه، وهو مما لا إشكال فيه لاستقلال العقل بحسن الاحتياط،
~~ونحو الصحيحة المذكورة في الصراحة على عدم وجوب الفحص الأخبار الاخر
~~النافية للمسألة، وقد يدعي الإجماع على عدم وجوبه في العمل بالأصل في
~~الموضوعات الخارجية، كما سمعناه عن بعض مشايخنا العظام (4) - شكر الله
~~مساعيهم - مشافهة عند قراءتنا عليه، والظاهر أنه في محله في الجملة، وإن
~~اقتضى بعض القواعد وجوبه على ما قررناه في بعض تحقيقاتنا الاصولية (5)، لكن
~~النصوص في خصوص المقام كما عرفت حاكمة عليها.
# PageV01P468
# ورابعها: أن النجاسة لا تثبت إلا بالعلم، وأن الظن لا يكفي فيها، ولا ريب
~~أن لفظي " العلم " و " الظن " الواردين فيها ظاهران في المتعارف من
~~معنييهما، فمن يكتفي فيها بالظن أو الأمارة الشرعية - عامة أو خاصة - يطالب
~~بدليل ذلك، ليكون حاكما على روايات الباب، بكشفه عن كون الحصر المستفاد
~~منها إضافيا، أو أن العلم واليقين المعلق عليهما حكم النجاسة اريد منهما ما
~~يعم الظن وغيرها من الأمارات، وأنى له بإثبات ذلك.
# نعم، يمكن استفادة كفاية إخبار ذي اليد واعتباره ms424 فيها من الأخبار
~~المشتملة على السؤال عن وجوب المسألة والسؤال، فإن هذه الأسئلة قاضية بأن
~~كون قول ذي اليد مجديا في ثبوت النجاسة كان مفروغا عنه فيما بينهم، وإنما
~~الشبهة كانت في وجوب تحصيله، وجواب المسؤول بنفي وجوب المسألة أيضا ربما
~~يكون تقريرا لهم على معتقدهم.
# إلا أن يقال: بأن نفي المسألة بنفسه ردع لهم، لجواز ابتنائه على كون
~~المراد بيان أن ما يترتب على المسألة من الإخبار بالمسؤول عنه لا يجدي نفعا
~~في ثبوت النجاسة حتى يكون المسألة واجبة، ولكنه خلاف ما يظهر من سياق
~~الروايات، ومن سياق أصل القضية، مع أن في بعضها ما يكون ظاهرا بنفسه في
~~لزوم القبول على تقدير تحققه، كما في خبر إسماعيل بن عيسى المتضمن لقوله
~~(عليه السلام): " عليكم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك " (1)
~~الخ إذ أقل مراتب معنى " عليكم " الرجحان المطلق، وإلا فهو ظاهر في
~~الإيجاب، فلولا الإخبار بالمسؤول عنه مجديا في لزوم القبول لما كان لرجحان
~~السؤال عنه وجه، فضلا عن وجوبه.
# وقد يقرر - كما في شرح الدروس -: " بأن ظاهره أن قول المشركين يقبل في
~~أموالهم أنها ذكية وإلا فلا فائدة للسؤال عنهم، فإذا قبل قول المشركين
~~فقبول قول المسلمين بطريق أولى، " (2) ولا يخفى ضعفه - كما تنبه عليه في
~~الحدائق - إذ ليس المراد بالسؤال المأمور به بقرينة السؤال هو السؤال عن
~~المشرك، بل المراد به السؤال من
# PageV01P469
# المسلم البايع الغير العارف الذي فرضه السائل، ولا ينافيه التفصيل كما
~~ذكره في الكتاب المشار إليه قائلا: " بأن الأظهر في معنى الخبر أنه لما سأل
~~السائل عن حكم الاشتراء من السوق المذكورة إذا كان البايع مسلما، وأنه هل
~~سأل عن ذكاته أم لا؟ أجاب (عليه السلام) بالتفصيل بأنه إن كان في تلك السوق
~~من يبيع من المشركين فعليكم السؤال من ذلك المسلم، إذ لعله أخذه من
~~المشركين، وإذا رأيتم المسلم يصلي فيه فلا تسألوا، لأن صلاته فيه دليل على
~~طهارته عنده، ويفهم من الخبر بمفهوم الشرط أنه مع عدم من يبيع ms425 من المشركين
~~فليس عليكم السؤال " (1) إنتهى.
# ولكن يبقى الإشكال في هذا الخبر بالنسبة إلى دلالته على وجوب السؤال على
~~فرض بيع المشركين في تلك السوق، وهو ينافي إطلاق سائر الأخبار المشار إليها
~~النافية لوجوب الفحص والسؤال، ولعله لضعف سنده - كما أشار إليه المحقق
~~الخوانساري - لا يصلح تقييدا لتلك الأخبار لما فيها من الصحاح، وبذلك يضعف
~~التمسك به على أصل المطلب وهو لزوم قبول قول ذي اليد.
# نعم، يمكن التمسك عليه - مضافا إلى ما مر - بصحيحة الحلبي المتقدمة
~~المشتملة على قوله (عليه السلام): " صل فيها حتى يقال لك أنها ميتة بعينه "
~~(2) فإنها بمفهومها يدل على عدم جواز الصلاة بعد تحقق القول المذكور، ولا
~~نعني من لزوم القبول إلا هذا، ولكنها بإطلاقها تدل على لزوم القبول مع هذا
~~القول سواء كان القائل مالكا أو غيره، عادلا أو غيره، واحدا أو متعددا،
~~فيشمل البينة وأخبار العادل بل الفاسق أيضا ولكن الظاهر أنه لا قائل بهذا
~~الإطلاق.
# مضافا إلى أنه ينافي ظواهر الأخبار الاخر المشار إليها، لظهورها في مسألة
~~المالك فيقيد بها هذا الإطلاق وبالجملة: فالظاهر أن المسألة مما لا إشكال
~~فيه، ولم يظهر من الأصحاب مخالف فيها، وربما يستظهر الاتفاق عليه كما أشار
~~إليه صاحب الحدائق قائلا: " وظاهر كلام الأصحاب - قدس الله أرواحهم -
~~الاتفاق على قبول قول
# PageV01P470
# المالك في طهارة ثوبه وإنائه ونجاستهما " (1).
# وقال العلامة (رحمه الله) في موضع من المنتهى: " لو أخبر العدل بنجاسة
~~إنائه فالوجه القبول، ولو أخبر الفاسق بنجاسة إنائه فالأقرب القبول أيضا "
~~(2) فما في كلام المحقق الخوانساري في شرح الدروس من المناقشة في ذلك بأن:
~~" قبول قول المالك عدلا كان أو فاسقا فلم أظفر له على حجة " (3) مما يقضي
~~بالعجب، ومع ذلك ليس مما يلتفت إليه.
# وعن جماعة (4) أنهم قيدوا قبول قول إخبار الواحد بنجاسة إنائه بما إذا
~~وقع الإخبار قبل الاستعمال، فلو كان الإخبار بعده لم يقبل بالنظر إلى نجاسة
~~المستعمل له، فإن ذلك في الحقيقة إخبار بنجاسة العين فلا يكفي فيه الواحد
~~وإن كان عدلا، ولأن الماء ms426 يخرج بالاستعمال عن ملكه إذ هو في معنى الإتلاف
~~أو نفسه. وهذا بمكان من القوة وإن كان ما ذكر في التعليل عليلا، والوجه في
~~ذلك أن هذا الإخبار لا يفيد علما، ولا يستفاد من الروايات المشار إليها
~~أزيد من قبول إخبار ذي اليد، لو تحقق حال وجود المورد وبقائه في يده، فيبقى
~~الأصل الكلي المستفاد عن الروايات سليما عن المعارض، فصار نتيجة الكلام: أن
~~النجاسة تثبت بالعلم أو بإخبار ذي اليد بها، فثبوت الطهارة بهما - مع أنه
~~لا حاجة له إلى شئ منهما - بطريق أولى.
# وخامسها: إن الظن بالنجاسة لا عبرة به ولو كان قويا، و أنه لا فرق فيه
~~بين ما لو استند إلى العادة والغلبة وغيرها، وهذا يستفاد عن إطلاق جملة
~~كثيرة من الروايات، مضافا إلى ظهور جملة اخرى فيه بالخصوص، كما يشهد به
~~التأمل في صحيحة عبد الله بن سنان (5) الواردة في إعارة الثوب للذمي، فإن
~~مباشرة الذمي له مما يوجب بحسب العادة الظن الغالب بالملاقاة المنجسة، وعلى
~~قياسها الأخبار الاخر الواردة في ثياب المجوس ونحوها، لكن في رواية طين
~~المطر ما ربما يوهم اعتبار الظن الحاصل من الغلبة حيث يقول (عليه السلام):
~~" فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله " (6)، فإن الغالب عند مضي هذا المقدار
~~من الزمان تحقق سبب النجاسة.
# PageV01P471
# غير أنه يمكن دفعه بظهور كون ذلك تقدير الماء يوجب العلم بتحقق السبب،
~~بقرينة قوله (عليه السلام) - عقيب تلك -: " فإن كان الطريق نظيفا لم تغسله
~~" فإن ذلك يوجب تقييد الحد المذكور بعدم نظافة الطريق، أي عدم خلوه عن
~~النجاسة العينية، ولا ريب أن مضي هذا المقدار من الزمان مع عدم نظافة
~~الطريق مما يورث العلم العادي بتحقق السبب، سيما إذا كثر فيه المستطرقون.
# نعم، هنا روايات اخر تعارض بظاهرها - بل صراحة بعضها - الروايات المتقدمة
~~في مفادها.
# منها: خبر عبد الله بن الحجاج، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إني
~~أدخل سوق المسلمين - أعني هذا الخلق الذين يدعون الإسلام - فاشتري منهم
~~الفراء للتجارة فأقول لصاحبها: أليس هي ms427 ذكية؟ فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن
~~أبيعها على أنها ذكية؟ فقال:
# لا، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول: قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنها
~~ذكية، قلت: وما أفسد ذلك، قال: " استحلال أهل العراق الميتة، وأن دباغ
~~الجلد الميتة ذكاته، ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) " (1) وجه الدلالة: أنه (عليه السلام) علل في المنع
~~المذكور بقضية استحلال أهل العراق الميتة، وهي كما ترى قضية غالبية، فلولا
~~الغلبة معتبرة في نظر الشارع لما صلحت جهة للمنع.
# ومنها: رواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة
~~في الفراء؟ فقال:
# كان علي بن الحسين صلوات الله عليهما رجلا صردا (2) لا تدفئه فراء
~~الحجاز، لأن دباغها بالقرظ (3)، وكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلهم
~~بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه، وألقى القميص الذي يليه، فكان يسأل
~~عن ذلك؟ فيقول: إن أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة ويزعمون أن دباغه
~~ذكاته " (4).
# ومنها: حسنة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يكره الصلاة في
~~الفراء إلا ما صنع
# PageV01P472
# في أرض الحجاز أو ما علمت منه ذكاة " (1).
# ومنها: صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) - في حديث - قال:
~~سألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس، ولا يدري لمن كان هل يصلح الصلاة
~~فيه؟ قال:
# " إن كان اشتراه من مسلم فليصل فيه، وإن اشتراه من نصراني فلا يصلي فيه
~~حتى يغسله " (2) وعن الحميري أنه رواه أيضا في قرب الإسناد (3) عن عبد الله
~~بن الحسن، عن جده، عن علي بن جعفر.
# وحكى عن ابن إدريس أنه رواه في آخر السرائر نقلا من كتاب الجامع لأحمد بن
~~محمد ابن أبي نصر، قال: سألته وذكر مثله، إلا أنه قال في آخره: " فلا يلبسه
~~ولا يصلي فيه " (4).
# ومنها: رواية عبد الله بن سنان قال: سئل أبي عبد الله (عليه السلام) عن
~~الرجل يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجري ويشرب الخمر، فيرده أيصلي فيه ms428 قبل
~~أن يغسله؟ قال: لا يصلي فيه حتى يغسله " (5).
# ومنها: صحيحة إسحاق بن عمار عن العبد الصالح (عليه السلام) أنه قال: " لا
~~بأس بالصلاة في فرو اليماني، وفيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإن كان فيها
~~غير أهل الإسلام؟
# قال: إذا كان الغالب عليهما المسلمين فلا بأس " (6).
# والجواب: أما عن أول الأخبار: بمنع المعارضة، لما تقدم، إذ اعتبار الغلبة
~~هنا ليس من جهة أن النجاسة تثبت بها في ظاهر الشرع، بل لمراعاة ما يرجع إلى
~~البيع صونا له عن الغرر، أو احتياطا عن إيقاع البيع في غير محله، نظرا إلى
~~أنه لا يصح في الأعيان النجسة التي منها الميتة وأجزائها، كيف ولولا ذلك -
~~بناء على ثبوت النجاسة بالغلبة - كان الواجب المنع عن البيع رأسا، بل
~~وإفساد اشتراء السائل أيضا كما لا يخفى، فهذه الرواية عند التحقيق توافق
~~روايات الباب، وفيها دلالة أيضا على اعتبار قول المالك.
# وكذا الجواب عن الخبر الثاني: فإن فعل المعصوم وإن كان حجة، إلا أنه هنا
~~مجمل،
# PageV01P473
# إذ جهة إلقائه (عليه السلام) الفرو عند حضور الصلاة ملتبسة، حيث لم يظهر
~~كونه لأجل النجاسة التي لا يستند ثبوتها هنا إلا إلى الغلبة، لجواز كونه
~~احتياطا منه فإنه حسن خصوصا في حقهم (عليهم السلام)، بل هذا هو المتعين
~~بملاحظة أنه لو كان عنده (عليه السلام) مما ثبت فيه النجاسة والميتة لم يكن
~~يباشره أصلا ولا يلبسه رأسا، إما لأن الميتة مما لا ينتفع بها أصلا، أو أن
~~شأنه (عليه السلام) يأبى عن مباشرة النجاسات عن علم وعمد على فرض إباحة
~~الانتفاع بالميتة.
# وكذا عن الخبر الثالث: لقوة احتمال كون المراد بالكراهة معناها المصطلح
~~عليها لا الحرمة، وإن قيل بشيوع استعمال الكراهة في الروايات في الحرمة
~~وكراهة الصلاة فيما ظن بنجاسته واستحباب التجنب عنه مما لا إشكال فيه، كما
~~يومئ إليه أيضا استثناء ما صنع في أرض الحجاز، فإنه ما لا يظن معه بالنجاسة
~~والميتة، وحاصله يرجع إلى أن اعتبار الظن الحاصل بالغلبة أو غيرها لإحراز
~~موضوع الكراهة لا ms429 الحرمة.
# وعلى هذا القياس يجاب عن البواقي. فالنهي والأمر الواردين فيها يحملان
~~على الكراهة والاستحباب، كما أن الغلبة التي اعتبرها الإمام في الأخير منها
~~يحمل على كونه من جهة إحراز ما يرتفع معه الكراهة، ومع الغض عن جميع ذلك
~~فهذه الأخبار غير صالحة لمعارضة ما سبق لقلتها، وعدم عامل بها ظاهرا، أو
~~شذوذ العامل على فرض ثبوته، مع ما عرفت من كون ما سبق بالغ حد التواتر بل
~~متجاوز عنه، فلا يلتفت إلى غيره، أو يلزم التأويل فيه تقديما للسند على
~~الدلالة كما قرر في محله، وهو الطريقة المستمرة بين الأعلام.
# المطلب الثاني: قد عرفت أن مفاد الأخبار المذكورة اعتبار العلم في
~~النجاسة وعدم كفاية الظن فيها و أنه لا يقوم مقام العلم، وهو المحكي عن ابن
~~البراج (1) من قدماء أصحابنا، بل لم نعثر في ذلك على نقل مخالفة عدا ما عن
~~الحلبي (2) من أن الظن بها مطلقا يقوم مقام العلم، وقد يسند إلى العلامة في
~~التذكرة (3) التفصيل بين ما كان عن سبب كإخبار العدل فهو كاليقين وما لم
~~يكن كذلك فلا يكتفى به، وقد يقال: إنه في جملة من كتبه يكتفي به إذا كان من
~~شهادة العدلين دون غيره والأولى إيراد كلمات العلامة (رحمه الله) في المطلب
~~الآتي إذ لا مخالفة له في هذا المقام، حيث إنه لا يكتفى بمطلق الظن.
# PageV01P474
# وعن الحلبي الاحتجاج على ما صار إليه بأن: " الشرعيات كلها ظنية، وأن
~~العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل " (1)، وقد يحتج له أيضا: " بأن
~~الاشتغال بالطهارة بالماء الطاهر والصلاة بالثوب الطاهر ثابت يقينا، وهو
~~مما يقتضي اليقين بالبراءة جزما، ولا يحصل اليقين إلا بالطاهر الواقعي
~~لمكان وضع الألفاظ للمعاني الواقعية، وقضية ذلك تعين الاجتناب عما ظن
~~بنجاسته، لأن مقدمة الواجب المطلق مما لابد منها ". (2) والجواب عن الأول:
~~بمنع ابتناء الشرعيات مطلقة على الظن، لو اريد بها ما يعم الموضوعات
~~الخارجية كما هو المتنازع فيه وبدونه لا يجدي، ولو سلم فهو لم يثبت إلا من
~~باب القاعدة القابلة للتخصيص، والروايات ms430 المتقدمة تنهض مخصصة لها، هذا
~~مضافا إلى ما في حسنة الحلبي المتقدمة (3) من الظن المأمور معه بالنضح الذي
~~لا يكفي في رفع النجاسة، ومثله ما في رواية زرارة المنهى معه عن إعادة
~~الصلاة، فإن " الظن " إن لم يكن ظاهرا في معناه المعهود فلا أقل من كونه
~~شاملا له، ومثله الشك الوارد في رواية ابن الحجاج (4) بقرينة تقدم الحسبان
~~في كلام السائل، مع شيوع إطلاق هذا اللفظ في الروايات على مطلق الاحتمال،
~~وعلى هذا القياس لفظ " الرأي " الوارد في رواية عبد الله بن سنان (5)
~~المحكوم معه بالنضح، مضافا إلى سائر الروايات الشاملة بإطلاقها لصورة الظن
~~أو الظاهرة فيها، ولا ريب أن ما ذكر في الاحتجاج لا يصلح معارضا لشئ من
~~ذلك.
# وعن الثاني: بأن العقل مما لا مدخل له في التعبديات، والعبرة في الراجحية
~~والمرجوحية بالقياس إليها إنما هو بما اعتبره الشارع، ولا اعتداد فيها
~~بالترجيح العقلي، فحيث إن الشارع حكم بالطهارة، ما لم يحصل العلم بنقيضها
~~كشف عن كون الراجح في نظره مع عدم العلم هو الطهارة، فنحن أنما نأخذ بها لا
~~بعنوان أنه مرجوح في نظر العقل لئلا يكون جائزا، بل بعنوان أنه راجح في نظر
~~الشارع، بل المتجه حينئذ المنع عن قضاء العقل بالمرجوحية بعد ما لاحظ ترجيح
~~الشارع للطهارة.
# وبالجملة: المرجوحية لو اريد بها ما هو بحسب اعتقاد المكلف فنمنع حكم
~~العقل
# PageV01P475
# بعدم جواز الأخذ به، ولو اريد ما هو بحسب الشرع فنمنع أصل المرجوحية بعد
~~نهوض الأدلة القطعية برجحانه.
# وعن الثالث: بمنع عدم تيقن الامتثال بالطهارة المفروضة بعد تنصيص الشارع
~~بالاجتزاء به، ولا ينافيه كون الألفاظ للمعاني الواقعية، فإن الواقع قد
~~يحرز بما نص الشارع بكونه محرزا له، والأخبار المذكورة مع الإجماعات
~~المقطوعة كافية في ذلك، غاية الأمر نهوض تلك الأدلة حاكمة على الأدلة
~~المثبتة لاشتراط الطهارة في امتثال التكاليف إلى الواقع، بكشفها عن كون
~~الطهارة المأخوذة شرطا عبارة عما لم يعلم معه بالنجاسة، والحاصل: التشبث
~~بأمثال هذه الامور اجتهاد في مقابله النص، وهل هو من ms431 باب الرد على قول
~~السيد لو قال لعبده: " ائت بالشئ الفلاني فإني أجتزي به ".؟
# ومن المحققين من أجاب عنه - كالخوانساري -: " بأنا لم نجد في الآيات ولا
~~في الروايات - على ما يحضرنا الآن - ما يكون قائلا بأن تطهروا بالماء
~~الطاهر، وصلوا في الثوب الطاهر مثلا، بالمعنى المراد في الاحتجاج، وقوله
~~تعالى: ﴿فثيابك فطهر﴾ (1)
~~فظاهره مخصوص بالرسول (صلى الله عليه وآله) وإثبات عمومه مشكل، مع إمكان
~~المناقشة في ظهور كون الطهارة بالمعنى المراد بناء على عدم ثبوت الحقيقة
~~الشرعية، بل الأوامر فيها إنما هو بالطهارة بالماء مطلقا، وكذا الأوامر
~~بالصلاة أيضا مطلقة من دون تخصيص بالثياب الطاهرة، وغاية ما يدل فيها على
~~التقييد هو مثل ما وقع أن الماء إذا تغير مثلا فلا تتوضأ منه، أو أنه إذا
~~وقع قذر في الماء فلا تتوضأ أو أنه إذا وصل الثوب البول مثلا أو خصوص شئ
~~آخر من النجاسات إلى الثوب أو البدن فاغسله، أو اغسل البول مثلا عن الثوب
~~أو البدن، أو مثل أن الشئ الفلاني إذا كان طاهرا فلا بأس بالصلاة فيه،
~~الدال بمفهومه على أنه إذا لم يكن طاهرا فيتحقق البأس فيه وهكذا " (2)
~~انتهى.
# فهذا كما ترى بمكان من الضعف لا يكاد يخفى على ذي بصيرة، بل هو في
~~الحقيقة أوضح ضعفا من أصل الاحتجاج، فالتفوه به لا يليق بالمحققين.
# المطلب الثالث: اختلفوا في قيام الأخبار بالنجاسة مقام العلم بها إذا كان
~~المخبر عدلا وعدمه على أقوال، فعن العلامة في التذكرة (3) إن استند الظن
~~إلى سبب شرعي
# PageV01P476
# كقول العدل فهو كالمتيقن وإلا فلا، وقال في المنتهى: " لو أخبر عدل
~~بنجاسة الإناء لم يجب القبول أما لو شهد عدلان فالأولى القبول " (1) وصرح
~~في المختلف (2) بذلك مع شهادة الشاهدين، ونسب اختياره إلى ابن إدريس (3)
~~أيضا، وعن المحقق في المعتبر (4) أنه جزم بعدم القبول في العدل الواحد وجعل
~~القبول في العدلين أظهر، وعن المعالم:
# " أن ما فصله في المنتهى هو المشهور بين المتأخرين " (5)، وعنه أيضا أنه
~~نقل عن بعضهم ms432 أنه قيد القبول في خبر العدلين بذكر السبب، قائلا: " لاختلاف
~~العلماء في المقتضي للتنجيس " (6) وفي المختلف عن ابن البراج: " عدم وجوب
~~القبول والحكم بالطهارة استنادا إلى أن الطهارة معلومة بالأصل، وشهادة
~~الشاهدين تثمر الظن، فلا يترك لأجله المعلوم " (7).
# وأجاب عنه في المختلف: " بأن الحكم بشهادة الشاهدين معلوم، ولهذا لو كان
~~الماء مبيعا لرده المشتري، وإنما يحصل ذلك بعد الحكم بالشهادة " (8) واحتج
~~هو على ما اختاره من قبول شهادة الشاهدين: " بأن الحكم بشهادتهما معلوم في
~~الشرع فيجب العمل بها هنا " (9) ولا يخفى ما فيه، إذ لو أراد بما ذكره من
~~معلومية الحكم بشهادة الشاهدين ما هو كذلك على الإطلاق حتى في خصوص المقام،
~~فهو في حيز المنع، لعدم قيام ما يقضي من الشرع بذلك عموما، وما ورد هو فيه
~~من الموارد لا يتناول المقام جزما، ولو أراد بكونه كذلك في الجملة فهو غير
~~مجد.
# وأما الاستشهاد: بأن المشتري إذا ادعى عيب النجاسة في المبيع وشهد عدلان
~~به لوجب القبول.
# ففيه أولا: أن القبول في مقام الحكم للحاكم غير القبول على الإطلاق، ومحل
~~البحث من الثاني.
# وثانيا: أن الفسخ وإن كان يتوقف على ثبوت العيب، و هو يستند إلى القضاء
~~بموجب الشهادة، لكن عنوان العيب لا ينحصر في النجاسة وتحققها، بل الاتهام
~~بالنجاسة وكون الشئ معرضا للاحتياط الراجح الذي لا يكاد يتركه المتقون مما
# PageV01P477
# يصلح كونه عيبا في نظر العرف.
# والإنصاف: أن مجرد هذه الاستظهارات لا يصلح حاكما على الأخبار المتقدمة
~~الدالة على إناطة النجاسة بالعلم بها، بل لابد في ذلك من وجود نص معتبر
~~صريح الدلالة، ولم نقف إلى الآن بعد ما تتبعنا بقدر الوسع على ما يقضي بذلك
~~من الأدلة الشرعية، وإن قال السيد في مناهله: " و سمعت من الوالد دام ظله
~~العالي وجود رواية دالة على حجية شهادة العدلين مطلقا " (1).
# نعم يمكن الاستناد في ذلك إلى ما في الاستبصار عن علي بن إبراهيم، عن
~~محمد بن عيسى، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ms433
~~سألته عن البينة إذا اقيمت على الحق، أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة من
~~غير مسألة إذا لم يعرفهم؟
# قال: فقال: " خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا بها بظاهر الحال،
~~الولايات، والمناكح والمواريث، والذبائح، والشهادات، فإذا كان ظاهره ظاهرا
~~مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه ". (2) ويمكن أن يكون المراد من
~~الرواية التي حكى وجودها السيد عن أبيه (قدس سرهما) هو هذه الرواية، و فيه:
~~أنها لو خلي و طبعها وإن كانت عامة، غير أن سياقها سؤالا وجوابا يقضي بعدم
~~كون المعصوم (عليه السلام) بصدد بيان هذا الحكم العام، وإنما هو في مقام
~~إعطاء حكم آخر، و هو أن الشهادات التي يجب الأخذ بها في مواردها إنما يؤخذ
~~بها بلا تفتيش عن البواطن، كما تنبه عليه الشيخ في الاستبصار قائلا - في
~~تفسيرها: " أنه لا يجب على الحاكم التفتيش عن بواطن الناس، وإنما يجوز له
~~أن يقبل شهادتهم إذا كانوا على ظاهر الإسلام والأمانة، وأن لا يعرفهم بما
~~يقدح فيهم ويوجب تفتيشهم " (3)، انتهى كلامه أعلى الله مقامه.
# فقضية كونها مما يجب قبولها بظاهر الحال بالنسبة إلى جميع المقامات، أو
~~بالنسبة إلى موارد مخصوصة غير متضحة الدلالة، فالتشبت بمثل ذلك في إخراج
~~الأخبار الكثيرة
# PageV01P478
# المتواترة عن ظواهرها في غاية الإشكال، وأشكل منه مخالفة من تقدم من
~~الأساطين، بل الشهرة على فرض تحققها كما حكيت، فالاحتياط في مثله مما لا
~~ينبغي تركه جدا.
# نعم وجوب قبول قول المالك في نجاسة إنائه، أو كل ما يتعلق به، مما لا
~~ينبغي التأمل فيه كما عرفت، آخذا بموجب جملة من الروايات المتقدمة، مضافة
~~إلى ما حكاه في الحدائق (1) عن الحميري في قرب الأسناد عن عبد الله بن بكير
~~قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو
~~لا يصلي فيه قال: " لا يعلمه " قلت: فإن أعلمه، قال: " يعيد " (2) وفي
~~معناه أخبار اخر.
# المطلب الرابع: لا أعرف خلافا في قيام الاستصحاب بالقياس إلى النجاسة
~~مقام العلم بها، فتحرز به النجاسة ms434 حيثما كان جاريا، كما تحرز بالعلم وبغيره
~~مما يقوم مقامه، بل هو المعلوم ضرورة من سيرة العلماء، ويدل عليه عموم
~~الأخبار المستفيضة الواردة في باب الاستصحاب المشتملة على أن اليقين لا
~~ينقض بالشك، بناء على أن المراد بعدم نقض اليقين عدم نقض المتيقن، أي رفع
~~اليد عما كان متيقنا إلى أن يحصل اليقين بارتفاعه، وهذه الأخبار وإن كان
~~أعم من أخبار الباب المتقدمة موردا و مفهوما، بل أعم من جميع الأدلة، غير
~~أنها كأدلة العسر والحرج في مواردها واردة بحكم فهم العرف على سائر الأدلة،
~~وحاكمة عليها في اقتضاء كون الواقع مما يحرز بالعلم، أو أن العلم داخل في
~~موضوع الحكم، فتكون مفادها أن الاستصحاب حيثما يكون جاريا يقوم مقام العلم
~~في كل ما هو شأنه، فإن كان العلم في موارد اعتباره معتبرا من باب الطريقية
~~إلى الواقع فيقوم مقامه الاستصحاب، ومرجعه بعد الجمع بين مفادي الأدلة
~~الحاكمة والمحكوم عليها إلى أن الواقع ما يحرز بأحد الأمرين: من العلم، أو
~~الحالة المتعقبة له مما لم يبلغ رتبة العلم بالخلاف.
# وإن كان العلم في موارد اعتباره معتبرا من باب الموضوعية - على معنى كون
~~العلم داخلا في موضوع الحكم جزءا منه - فيقوم مقامه الاستصحاب، ومرجعه -
~~بعد الجمع - إلى أن موضوع الحكم أحد الأمرين: من العلم، أو الحالة المتعقبة
~~له الغير البالغة حد
# PageV01P479
# العلم بخلاف المعلوم الأول، وإنما يستفاد هذا التعميم من إطلاق قوله
~~(عليه السلام): " لا ينقض اليقين أبدا بالشك " (1) بناء على ما تقدم من أن
~~المراد منع رفع اليد عما كان متيقنا، وهو كما ترى يشمل ما لو كان اليقين
~~المعتبر معه لمجرد الطريقية، أو من جهة الموضوعية.
# ومن جملة ما اعتبر فيه العلم واليقين شرعا من باب الموضوعية إنما هو
~~النجاسة المنوطة بالعلم بتحقق سببها، على حسب ما هو موجب الأخبار المتقدمة،
~~فإن المتأمل فيها وفي مفادها يعرف أن الشارع جعل العلم بالنسبة إلى حكم
~~النجاسة جزءا للموضوع، على معنى أن النجاسة وأحكامها لا تثبت إلا فيما علم
~~بتحقق سبب ms435 النجاسة فيه.
# ومما يستفاد منه ذلك صراحة صحيحة زرارة (2) المتقدمة المشتملة بقوله
~~(عليه السلام):
# " تغسله ولا تعيد الصلاة " بعد قول السائل: " فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت
~~فرأيته فيه " فإن موضوع النجاسة لو كان هو الواقع من غير مدخلية للعلم فيه
~~إلا من باب الطريقية، كان اللازم إبطال الصلاة والحكم بإعادتها، ضرورة
~~وقوعها في مفروض السؤال مع النجاسة الواقعية، ومن أحكام النجاسة بطلان
~~الصلاة الواقعة معها وفي معناها الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الواردة
~~في اشتمال المصلي على النجاسة، المفصلة بين سبق العلم بها على الصلاة
~~وعدمه، فموضوع النجاسة ما علم فيه بتحقق السبب، أو ما قارنه الحالة
~~المتعقبة للعلم بتحققه إلى أن تصل حد العلم بالخلاف.
# ومن هنا يعرف أن العلم بعد ما كان داخلا في موضوع النجاسة لا يمكن دخوله
~~في موضوع الطهارة، وإلا لزم ارتفاع النقيضين، أو ضدين لا ثالث لهما في صورة
~~عدم العلم بشئ منهما كما لا يخفى، ولذا وردت الأخبار المتواترة حسبما عرفت
~~بين صريحة وظاهرة في الحكم بالطهارة ما لم يعلم النجاسة، فموضوع الطهارة
~~حينئذ ما لم يعلم فيه بتحقق سبب النجاسة.
# و لا ريب أن هذا الموضوع مما لا يجتمع في الوجود الخارجي مع ما هو موضوع
~~النجاسة، وهو ما علم فيه بتحقق سبب النجاسة، لاشتمال كل على قيد معاند لما
~~قيد به الآخر، فحيثما انتفى العلم وما يقوم مقامه حصل موضوع الطهارة،
~~وحيثما حصل العلم أوما يقوم مقامه انتفى موضوع الطهارة و وجد موضوع
~~النجاسة.
# PageV01P480
# وقضية ذلك أن لا يعارض العلم ولا ما يقوم مقامه في اقتضاء النجاسة شئ من
~~الأمارات، حتى الاستصحاب في مقابلة استصحاب النجاسة، واليد في مقابلة
~~البينة القائمة بها - إن قلنا بالبينة فيها - وبالعكس، فإن استصحاب الطهارة
~~في موارده قائم مقام العلم بها، والعلم بالقياس إلى الطهارة لا يعتبر إلا
~~طريقا إليها، وكما أن ثبوت أصل الحكم تابع لبقاء موضوعه، ولا يعقل له
~~البقاء مع ارتفاع الموضوع، فكذلك الذي يكون طريقا إليه فإنه يصلح طريقا
~~إليه ما دام ms436 موضوعه باقيا، وحيث بنينا على أن موضوع الطهارة [هو] (1) ما لم
~~يعلم فيه بتحقق سبب النجاسة، وأن العلم المأخوذ في ذلك أعم من العلم
~~الحقيقي وما يقوم مقامه، وأن مما يقوم مقامه إنما هو الحالة المتعقبة له
~~إلى أن يبلغ حد العلم بخلاف المعلوم السابق، يتبين أن استصحاب الطهارة في
~~موضع جريان استصحاب النجاسة سواء كانا في محل واحد أو في محلين مما لا معنى
~~له أصلا، ضرورة أن استصحاب النجاسة لقيامه مقام العلم رافع لموضوع الطهارة
~~- وهو ما لم يعلم فيه بتحقق سبب النجاسة - ومعه لا يعقل كون استصحاب
~~الطهارة طريقا إليها، ضرورة أنه مع فرض استصحاب النجاسة، يصدق على المورد
~~أنه ما علم فيه بتحقق سبب النجاسة، ولا يصدق معه ما هو موضوع الطهارة، لما
~~عرفت من المنافاة بينهما وعدم إمكان اجتماعهما في محل واحد.
# فما يوجد في كلام العلماء الأعلام في مواضع استصحاب النجاسة من معارضته
~~باستصحاب الطهارة في غاية الضعف، وإنما المعارضة بين الاستصحابين أو مطلق
~~الأمارتين يتأتى فيما لم يكن شئ من المتعارضين داخلا في موضوع الحكم، على
~~معنى كونهما في غير موضع التعارض من مواردهما معتبرين لمجرد الطريقية.
# فتحصل من ذلك أصل كلي وهو: أن الامارات القائمة بالنجاسة لا يعارضها
~~الأمارات القائمة بالطهارة ما لم يكن دليل اعتبارها حاكما على دليل اعتبار
~~أمارة النجاسة، كما في قول ذي اليد والبينة - إن قلنا بها - الواردين على
~~استصحاب النجاسة، فحينئذ لو قام البينة على نجاسة شئ فلا يعارضها إخبار ذي
~~اليد بالطهارة لانتفاء موضوعه، كما أنه لو أخبر ذو اليد بنجاسة شئ لا
~~يعارضه البينة لو قامت بالطهارة لعين ما ذكر.
# PageV01P481
# ولو أن شريكين في إناء أخبر أحدهما بنجاسته والآخر بطهارته، قبل الأول
~~لاستلزامه انتفاء موضوع الطهارة، فيكون الثاني قد صادف غير موضوع الطهارة،
~~فلا محل لقبوله.
# ومن هنا يعلم حقيقة الحال فيما لو تعارضت البينتان في إناء واحد، فشهدت
~~إحداهما بعروض النجاسة له في وقت معين، وشهدت الاخرى بعدم عروضها له في ذلك
~~الوقت، فإن ms437 للأصحاب في ذلك على ما ضبطه بعضهم (1) أقوال أربع:
# أحدها: ما عن العلامة في التذكرة (2) والقواعد (3) من إلحاقه حينئذ
~~بالمشتبه بالنجس الذي يجب الاجتناب عنه كالإنائين المشتبهين، وعن فخر
~~المحققين في شرح القواعد (4) أنه جعله أولى، وعن ثاني الشهيدين (5) في بعض
~~فوائده أنه قواه.
# وثانيها: ترجيح بينة الطهارة لاعتضادها بالأصل، حكاه فخر المحققين (6)
~~على ما نقل عنه عن بعض الأصحاب.
# وثالثها: الحكم بتساقط البينتين والرجوع إلى الأصل، وعن الشهيد أنه ذكره
~~في البيان (7) وقواه، وعن فخر المحققين (8) أنه نسبه مع الذي قبله إلى
~~الشيخ.
# ورابعها: العمل ببينة النجاسة لأنها ناقلة عن حكم الأصل، وبينة الطهارة
~~مقررة، والناقل أولى من المقرر، ولموافقتها الاحتياط، و لأنها في معنى
~~الإثبات والطهارة في معنى النفي، وهو منسوب إلى ابن إدريس (9) وعن صاحب
~~المعالم (10) أنه مال إليه بعض المتأخرين، ولا ريب أن هذا القول هو المتعين
~~لا للوجوه المذكورة، بل لما قررناه من الضابطة، ولا يلزم منه تكذيب بينة
~~الطهارة ولا طرحها، لورودها في غير موضوع الطهارة فلا محل لها حتى يعمل
~~بها، بعد ملاحظة دخول المفروض في عنوان ما علم فيه النجاسة علما شرعيا.
# كما يعلم من هنا أيضا حكم ما لو تعارضا (11) البينتان في إنائين، بأن
~~يشهد إحداهما بأن النجس هو هذا بعينه، والاخرى بأنه الآخر بعينه، فإنه على
~~القاعدة
# PageV01P482
# المتقدمة يدخل في عنوان المشتبه، كما عن المحقق والعلامة في المعتبر (1)
~~والتحرير (2) والشهيد في الذكرى (3) والشيخ علي وثاني الشهيدين في شرح
~~القواعد (4) وبعض فوائده (5) فإن البينتين متفقتان في نجاسة القدر المشترك
~~المردد، فيكون كالمعلوم بالإجمال الذي يوجب التحرز عن الجميع من باب
~~المقدمة.
# فلا وجه لما يسند إلى الشيخ في الخلاف (6) من سقوط الشهادتين وبقاء الماء
~~على أصل الطهارة، ولا لما اختاره العلامة في المختلف (7) من التفصيل بين ما
~~أمكن العمل بشهادتهما معا فيجب، وما لو تنافيا فيطرح الجميع ويحكم بأصل
~~الطهارة.
# ويظهر ذلك عن محكي الشيخ في المبسوط قائلا: " لو قلنا: إن أمكن الجمع
~~بينهما قبلتا ونجسا، كان قويا " (8) قال العلامة في ms438 المنتهى - بعد ما نقل
~~العبارة المذكورة عن المبسوط ولم يتعرض لما لا يمكن فيه الجمع -: " والوجه
~~فيه وجوب الاحتراز عنهما والحكم بنجاسة أحدهما لا بعينه، والقول بسقوط
~~شهادتهما فيما يتعذر الجمع فيه لا يخلو من قوة وهو قول الحنابلة " (9)
~~انتهى.
# ثم نحن لا نعقل هذا التفصيل في الصورة المفروضة، ولعله مفروض فيما لو
~~قامت الشهادتان في الإنائين مع تعرض كل لنفي ما أثبته الاخرى، أو سكوتها عن
~~النفي والاقتصار على مجرد الإثبات، فيكون مرادهم مما لا يمكن الجمع بينهما
~~هو الفرض الأول، حيث إن الأخذ بكل من الشهادتين في عقدها الإيجابي يوجب طرح
~~الاخرى في العقد السلبي، والوجه عندنا وجوب الاجتناب عن كل من الإنائين في
~~كل من الفرضين، أما الأول: فلما عرفت من دخوله في عنوان المشتبه، نظرا إلى
~~اتفاقهما في أن هنا نجسا واختلافهما في التعيين، فيصدقان بالقياس إلى نجاسة
~~القدر المشترك المردد من دون أن يلزم منه طرح إحداهما في الشهادة بالطهارة،
~~لأن العمل بموجب النجاسة في كليهما
# PageV01P483
# ينشأ عن لزوم إدراك ما يحكم عليه بالنجاسة شرعا، المتوقف على التحرز عن
~~الجميع.
# وأما الثاني: فلكون كل أمارة على نجاسة محلها بلا معارض فيجب الأخذ بهما
~~معا.
# وعن ابن إدريس - في المختلف -: " أنه فصل بين ما أمكن الجمع بينهما
~~وغيره، فحكم بنجاسة الإنائين في الأول واضطرب في الثاني، فأدخله تارة تحت
~~عموم وجوب القرعة لكل أمر مشكل، وأخرجه اخرى عنه مستبعدا لاستعمال القرعة
~~في الأواني والثياب، ولا أولوية للعمل بإحدى الشهادتين دون الاخرى، فيطرح
~~الجميع لأنه ماء طاهر في الأصل فحصل الشك في النجاسة فيبني على اليقين؛ ثم
~~أفتى بعد ذلك كله بنجاسة الإنائين معا، وقبول الشهود الأربع لأن ظاهر الشرع
~~يقتضي صحة شهادتهم، لأن كل شاهدين قد شهدا بإثبات ما نفاه الآخر " (1) ولا
~~يخفى ما في أكثر هذه الكلمات من الاضطراب، وعدم موافقة قانون الاجتهاد،
~~والأقرب ما ذكرناه بما وجهناه.
# المطلب الخامس: معنى قيام الأمارة كائنة ما كانت مقام العلم كونها كالعلم
~~بها في ترتب جميع أحكام ms439 النجاسة، التي منها تنجس الملاقي ووجوب تطهيره، ولا
~~يفترق الحال في ذلك بين استصحاب وغيره، ولا معنى لاستصحاب طهارة الملاقي
~~حينئذ، لما عرفت من أن ترتب الحكم على الأمارة فرع على بقاء موضوعها، و
~~ورودها محلا فارغا عن أمارة رافعة لموضوعها.
# وبجميع ما تقرر في ضمن المطالب المذكورة يعرف أحكام الفروع المتقدم إليها
~~الإشارة، فإن مادة الحمام لا يشترط فيها العلم بعدم النجاسة، بل يكفي في
~~ترتب أحكام الحمام عليها عدم العلم بتحقق سبب النجاسة فيها ما لم تكن
~~مسبوقة بالعلم بها، وإلا فالاستصحاب يقوم مقام العلم بها فيترتب عليه أحكام
~~النجاسة أيضا بأجمعها، فلا تفيد حينئذ تطهيرا لماء الحوض الصغير، ولا تعصمه
~~أيضا عن الانفعال بالغير، بل ربما توجب بمجرد اتصالها به تنجسه شرعا ولو لم
~~يصادفه ملاقاة الغير.
# والمادة أو المجموع منها ومما في الحوض المشكوك في كريتهما يبقى على
~~الطهارة، فلا يلحقه النجاسة ما لم يعلم بنقصه عن الكر - على القول باشتراط
~~الكرية - من
# PageV01P484
# غير فرق بين سبق العلم بالكرية ولا سبقه بعدمها، ولا انتفاء العلم رأسا،
~~لدخول كل في موضوع الطهارة، وهو الذي لا يعلم فيه بتحقق سبب النجاسة.
# واستصحاب عدم الكرية في بعض تلك الصور لا يجدي نفعا في تحقق موضوع
~~النجاسة، لأن عدم الكرية ليس سببا للنجاسة، وإنما هو شرط لها، وإحراز الشرط
~~بالاستصحاب حال فرض تحقق الملاقاة لا يقتضي بإحراز المشروط إلا من باب
~~الاصول المثبتة، لعدم كون هذه النجاسة على فرض طريانها من الأحكام الثابتة
~~للمستصحب في حال اليقين.
# إلا أن يقال: بأن لا عبرة بفعلية طرو هذه النجاسة في الزمن السابق، ولا
~~ريب أنه ثمة كان صالحا لأن يطرأه النجاسة وهو من أحكامه السابقة، فيستصحب
~~تلك الصلاحية، على معنى كما أنه كان قابلا للانفعال في الزمن السابق فيكون
~~كذلك الآن للاستصحاب، لكن صلاحية قبول الانفعال غير قبوله فعلا، والمطلوب
~~إثبات الثاني، ولعل إثبات الأول غير كاف فيه، فتأمل وتحصن بالاحتياط جدا.
# والكلام في قبول شهادة العدلين بالكرية في الحمام كما مضى ms440 من عدم خلوه عن
~~الإشكال، مع موافقته للاحتياط الذي هو حسن على كل حال، وأما قبول قول ذي
~~اليد في إخباره بها مالكا أو وكيلا أو مستأجرا فليس بمحل للإشكال.
# فلو اتصل ماء الحوض بعد تنجسه بالمادة المشكوك في كريتها - بناء على
~~اعتبار الكرية فيها - كان استصحاب النجاسة خاليا عن الإشكال أيضا، ولا
~~يعارضه استصحاب الكرية في بعض الصور المتقدمة، لما مر من كونه استصحابا في
~~موضع انتفاء موضوع الطهارة، ومن هنا يعلم حكم الملاقي لذلك الماء المستصحب
~~نجاسته، فإنه أيضا ينجس بحكم الشرع، ولا حكم لاستصحاب طهارته بعد ما أحطت
~~خبرا بما قررناه.
# * * * * * * * * PageV01P485
# ينبوع ومما يلحق عندهم بالجاري - بعد إلحاق ماء الحمام به - ماء المطر
~~حال تقاطره من السماء، فلا ينفعل قليله بملاقاة النجاسة ما لم يتغير أحد
~~أوصافه الثلاثة، والظاهر أنه في الجملة مما لا خلاف فيه، حتى ممن اشترط
~~الكرية في الجاري كالعلامة كما هو المصرح به في كلام جماعة، وإن شئت لاحظ
~~عبارة المنتهى قائلا: " ماء الغيث حال نزوله يلحق بالجاري " (1) مذيلا له
~~في آخر المسألة بقوله: " أما إذا استقر على الأرض وانقطع التقاطر، ثم لاقته
~~نجاسة اعتبر فيه ما يعتبر في الواقف، لانتفاء العلة التي هي الجريان " (2)
~~ومراده بالجريان الذي أخذه علة نزوله من السماء، كما يأتي منه التصريح به
~~في دفع احتجاج الشيخ على ما صار إليه من اشتراط الجريان من الميزاب.
# وقريب من هذه العبارة ما عنه في نهاية الإحكام: " ولا يشترط فيه الجريان
~~من الميزاب، بل التقاطر من السماء كاف، ولو انقطع التقاطر فلاقته النجاسة
~~كان كالواقف " (3) وعنه في التذكرة التصريح بعدم اشتراط الكرية مع التقاطر،
~~واشتراطها مع انقطاعه قائلا:
# " لو انقطع تقاطر المطر وفيه نجاسة عينية اعتبرت الكرية، ولا تعتبر حال
~~التقاطر، ولو استحالت عينها قبل انقطاعه ثم انقطع كان طاهرا، وإن قصر عن
~~الكر " (4).
# وأنت خبير بأن ما عرفت منه من التشبيه مع انضمام هذا التصريح إليه، لا
~~ينافي ما يراه في الجاري من اشتراط الكرية، لما ذكرناه مرارا في ms441 المباحث
~~السابقة من أن التشبيه لا يقتضي إلا المشاركة في الحكم دون علته، والذي
~~يعتبره في الجاري من
# PageV01P486
# الكرية علة للحكم اللاحق به، ولا يعتبر في العلة التعدية إلى المشبه بعد
~~ما قلنا بتعدي أصل الحكم، لجواز اختلافه مع المشبه به في العلة.
# فما عن الكركي في جامع المقاصد بعد نقل كلام العلامة في القواعد - أعني
~~قوله: " وماء المطر حال تقاطره كالجاري " إلى آخره - من الاعتراض عليه
~~بقوله: " وعلى ما اختاره المصنف من اشتراط الكرية في الجاري يلزمه اشتراطها
~~هاهنا.
# وقوله: " كالجاري " مع قوله: " فإن لاقته نجاسة بعد انقطاع تقاطره،
~~فكالواقف " إنما يظهر - لاختلاف التشبيه - فيه معنى على مقالة الأصحاب، أما
~~على مقالته فالكل سواء " (1).
# فلعله غفلة عن ملاحظة ما عرفت عنه من التصريح، مع ما قررناه في توجيه
~~التشبيه.
# وكأنه إلى هذا التوجيه ينظر ما عن الفاضل الجواد في شرحه للدروس من قوله:
# " واعلم أن تشبيه ماء المطر بالنابع على مذهب المصنف جيد، إذ لا يشترط في
~~النابع الكرية لعدم الانفعال، فيتم تشبيه ماء المطر به، وأما من اشترطها في
~~النابع فلا معنى لتشبيهه، إلا أن يراد أنه كالجاري حال كريته " (2) انتهى.
# وبذلك يظهر أنه لا حاجة في الجمع بين كلمات العلامة إلى تكلف توجيهات
~~اخر، كما ارتكبه بعضهم بعد الإيراد عليه بنحو ما عرفت عن جامع المقاصد على
~~ما حكاه الخوانساري في شرحه للدروس قائلا - بعد ما نقل عبارة العلامة -: "
~~وأورد عليه أن الفرق بين الجاري والواقف إنما يظهر عند عدم اشتراط الكرية
~~في الجاري كما هو رأي غيره، وأما على رأيه فلا فرق، إلا أن يفرق بينهما
~~باعتبار أنه لا يعتبر في الكر من الجاري مساواة السطوح، وأيضا يقول فيه
~~بتقوي الأعلى بالأسفل، وكذا يحكم في حال النجاسة بطهره بالتدافع والتكاثر
~~وإن لم يكن الماء الطاهر الدافع قدر كر، كما مر سابقا من احتمال أن يكون
~~مختاره رحمه الله هذه الامور في الجاري بخلاف الواقف، ولا يذهب عليك أن
~~الظاهر من كلامه رحمه الله اشتراط الكرية في ms442 ماء المطر " (3) انتهى.
# ولا يخفى ما في الجزء الآخر من الغفلة عما عرفت عنه من التصريح بعدم
~~اشتراط الكرية فيه، إلا أن يكون كلامه في الفرق مأخوذا من كتاب لم يذكر فيه
~~ذلك التصريح.
# وكيف كان فأصحابنا بعد اتفاقهم ظاهرا على عدم اشتراط الكرية في ماء المطر
# PageV01P487
# بالقياس إلى مقام الدفع، اختلفوا في اشتراط بعض من الامور الاخر وعدمه،
~~فالمشهور بينهم اشتراط التقاطر من السماء فقط، من غير اشتراط الكثرة ولا
~~الجريان من ميزاب أو غيره، وعليه دعوى الشهرة في كلام غير واحد، وفي بعض
~~العبارات (1): " عليه الفاضلان والشهيدان والمحققان وغيرهم من الأساطين "،
~~وقد عرفت التصريح به عن العلامة في جملة من كتبه (2) وعن الشهيد في الدروس
~~(3)، وعن مجمع الفوائد (4) أنه صرح بعدم اشتراط الكثرة والجريان، وعزى إلى
~~ظاهر المعتبر (5)، وشرح الموجز (6)، وصريح شرح المفاتيح (7)، وجامع المقاصد
~~(8)، واختاره في الرياض (9)، وغيره ممن تأخر عنه.
# لكن ظاهر هؤلاء كما هو صريح بعضهم اعتبار الصدق العرفي مع التقاطر، لا
~~كفاية مسمى المطر مطلقا ولو بقطرة ونحوها، نعم ربما يحكى عن بعض المتأخرين
~~القول بطهارة الماء النازل من السماء مطلقا ولو كان قطرة واحدة، وهو في
~~غاية البعد عن الأدلة، خلافا للشيخ في التهذيب (10)، ومحكي المبسوط (11) -
~~كما في المنتهى (12) - بل الاستبصار (13) - كما في المدارك - لمصيره إلى
~~اشتراط الجريان من الميزاب، قائلا: " أن ماء المطر إذا جرى من الميزاب
~~فحكمه حكم الماء الجاري، لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه "
~~(14) لكن قضية احتجاجه على ذلك بصحيحة علي بن جعفر الآتية اكتفاؤه بمطلق
~~الجريان ولو عن غير ميزاب، لذكر الجريان فيها مطلقا، فيكون الميزاب واردا
~~في كلامه من باب المثال.
# وربما يحكى ذلك عن ابن فهد في الموجز وعن صاحب الجامع (15) أيضا، ولكن
# PageV01P488
# العبارة المنقولة عن الموجز قاصرة عن تأديته، ولعلها ظاهرة في موافقة
~~المشهور، حيث قال: " وكذا ماء الغيث نازلا ولو من ميزاب " (1) فإن اعتبار
~~النزول هو القول المشهور بعينه، ولا ينافيه تعميمه بالقياس إلى الميزاب،
~~لأن تحقق النزول بالقياس ms443 إلى ما لا يصيبه السماء قد يكون بالميزاب الحاجز
~~بينه وبين السماء، أو أن النزول المعتبر في حفظ الماء عن الانفعال أعم من
~~كونه من السماء بلا واسطة أو منها بواسطة الميزاب، أو أن حالة النزول من
~~السماء مقتضية لاعتصام الماء عن قبول الانفعال ولو بالقياس إلى ما ينزل منه
~~من الميزاب، وحاصله عدم اختصاص الحكم مع هذه الحالة بما له مبدأ النزول
~~عنها فعلا، بل يتعدى إلى ما انقضى عنه ذلك المبدأ لكن ما دامت الحالة
~~باقية.
# ويمكن إجراء ما يقرب من هذا التوجيه في كلام الشيخ أيضا وإن كان خلاف
~~الظاهر، ولعله لذا عبر العلامة في المنتهى عند حكاية مذهبه بقوله: " ويلوح
~~من كلام الشيخ في التهذيب (2) والمبسوط (3) اشتراط الجريان من الميزاب "
~~(4) وعلى هذا فلم يتحقق منه المخالفة وإن اشتهر في الألسنة، وعن الفاضل
~~الجواد (5) أنه اعتبر أن يكون لماء المطر قوة بحيث يصلح للجريان، وإن لم
~~يكن جاريا بالفعل، وعزى إلى جملة ممن تأخر عنه الميل إليه. فأقوال المسألة
~~- بضميمة ما عرفته عن الروض - (6) أربع، وقد يحكى عن العلامة الطباطبائي في
~~المصابيح (7) تسديس الأقوال.
# أحدها: كفاية النزول من السماء مطلقا، ولو بنحو قطرة واحدة، وهو المحكى
~~عن الروض (8).
# وثانيها: اشتراط قوة يصح معها إطلاق اسم الغيث والمطر عرفا، وإن قل أو لم
~~يجر وهو المشهور.
# ثالثها: اعتبار الكثرة والجريان ولو قوة، وهو اختيار الفاضل الأردبيلي
~~(9).
# PageV01P489
# ورابعها: اعتبار مسمى الجريان فعلا وإن لم يكن من ميزاب ونحوه، وهو خيرة
~~كشف اللثام (1)، ونفي عنه البعد في المدارك (2).
# وخامسها: اشتراط الجريان فعلا من الميزاب خاصة وهو لظاهر الشيخ (3).
# وسادسها: وأحق الأقوال ظاهرا هو المذهب المشهور، ولم نقف على ذكر مستند
~~إلا له ولمختار الشيخ ولمشترطي الكثرة.
# وينبغي أولا استقصاء جميع ما ورد في الباب من الأخبار المروية في كتب
~~الأصحاب، ثم النظر في دلالتها، واستعلام ما يتحصل من مجموعها، وهي من
~~الصحاح وغيرها عدة روايات.
# منها: ما في التهذيب - في الصحيح - عن علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن ms444
~~جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يمر في ماء المطر، وقد صب فيه خمر، فأصاب
~~ثوبه، هل يصلي فيه قبل أن يغسله؟ فقال: " لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه،
~~فلا بأس " (4).
# ومنها: ما في الوسائل عن التهذيب عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله
~~(عليه السلام) عن الكنيف يكون خارجا، فتمطر السماء فتقطر علي القطرة؟ قال:
~~" ليس به بأس " (5).
# ومنها: ما فيه عن الكافي عن الكاهلي، عن رجل، عن أبي عبد الله قال: قلت:
~~أمر في الطريق فيسيل علي الميزاب في أوقات أعلم أن الناس يتوضؤون؟ قال: "
~~ليس به بأس لا يسأل عنه "، قلت: ويسيل علي من ماء المطر أرى فيه التغير،
~~وأرى فيه آثار القذر، فيقطر القطرات علي وينتضح علي منه، والبيت يتوضؤ على
~~سطحه، فيكف (6) على ثيابنا؟ قال: " لابذا بأس، كل شئ رآه ماء المطر فقد طهر
~~" (7).
# ومنها: ما فيه عن الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم، عن ابن
~~أبي
# PageV01P490
# عمير عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام): " في ميزابين
~~سالا، أحدهما بول والآخر ماء المطر، فاختلطا، فأصاب ثوب رجل، لم يضره ذلك "
~~(1).
# ومنها: ما في الفقيه بإسناده الصحيح عن هشام بن سالم، أنه سأل أبا عبد
~~الله (عليه السلام) عن السطح يبال عليه، فيصيبه السماء، فيكف فيصيب الثوب؟
~~فقال: " لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه " (2).
# ومنها: الصحيح الوارد في الفقيه بإسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى
~~(عليه السلام) قال: " سألته عن البيت يبال على ظهره، ويغتسل من الجنابة، ثم
~~يصيبه المطر، أيؤخذ من مائه فيتوضاء به للصلاة؟ فقال: إذا جرى فلا بأس
~~[به].
# قال: وسألته عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر، فأصاب ثوبه، هل
~~يصلي فيه قبل أن يغسله؟ فقال: " لا يغسل ثوبه ولا رجله، ويصلي فيه ولا بأس
~~[به] " (3).
# لا يخفى أن هذا الجزء هو الذي حكيناه أولا عن التهذيب أيضا، وفي الوسائل
~~رواه الحميري في قرب الأسناد عن عبد الله ms445 الحسن، عن جده على بن جعفر مثله،
~~وزاد وسألته عن الكنيف فوق البيت، فيصيبه المطر، فيكف فيصيب الثياب، أيصلي
~~فيها قبل أن تغسل؟ قال: " إذا جرى من ماء المطر فلا بأس " (4).
# ومنها: ما نقله في الحدائق عن علي بن جعفر، قال: وروى في كتاب المسائل
~~أيضا عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن المطر يجري في المكان فيه
~~العذرة، فيصيب الثوب، أيصلي فيه قبل أن يغسل؟ قال: " إذا جرى به المطر فلا
~~بأس " (5).
# ومنها: ما في الكافي عن محمد بن إسماعيل، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن
~~(عليه السلام):
# PageV01P491
# " في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام، إلا أن يعلم أنه
~~قد نجسه شئ بعد المطر، فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله، وإن كان الطريق
~~نظيفا لم تغسله " (1).
# ولا يذهب عليك أن عموم قاعدة انفعال القليل بملاقاة النجاسة - حسبما
~~قررناه في المباحث السابقة - يقتضي عدم الفرق في الانفعال بين ماء المطر
~~وغيره، خلافا لبعض من ذهب إلى عدم انفعال ماء المطر استنادا إلى عدم العموم
~~في تلك القاعدة كالمحقق الخوانساري (2)، فالقول بعدم الانفعال هنا حال
~~التقاطر مطلقا - كما عليه المشهور - أو بشرط الجريان مطلقا، أو مقيدا
~~بالميزاب، أو الكثرة الصالحة لأن ينشأ منها الجريان لا يصار إليه إلا
~~بدليل.
# فعلى المشهور لابد من دليلين أحدهما ما يقضي بأصل الحكم الصالح مخصصا
~~للقاعدة، والآخر ما يقضي بصحة اشتراط التقاطر وعلى المذهبين الآخرين يزيد
~~عليهما لزوم دليل ثالث يدل على اعتبار الجريان أو الكثرة، لا بمعنى لزوم
~~إقامة أدلة منفصلة على هذه المطالب، بل بمعنى لزوم إقامة ما يحتويها جميعا،
~~اتحد أو تعدد، وحينئذ فلو استدل المشهور على ما صاروا إليه بالصحيحة الاولى
~~المشتملة على قول السائل: " عن الرجل يمر في ماء المطر، وقد صب فيه خمر "
~~كان كافيا لهم في ثبوت مطلوبهم بكلا جزئيه، أما الجزء الأول:
# فواضح، وأما الجزء الثاني: فلعدم تناول الصحيحة في الإخراج عن القاعدة
~~إلا حال التقاطر، فيجب عدم التعدي إلى غيرها، إقتصارا ms446 فيما خالف الأصل على
~~مورد الدليل، وإنما يتضح هذا البيان بالقياس إلى صغرى القياس على تقدير كون
~~الإضافة في قوله: " في ماء المطر " بيانية إذ المرور في المطر ظاهر -
~~كالصريح - فيه حال النزول والتقاطر، والمفروض عدم اشتمال الجواب على عام أو
~~مطلق ليتجه القول بعدم صلاحية المورد لتخصيصه.
# وأما على احتمال كونها لامية، فربما يدخل في الوهم شمول الجواب بملاحظة
~~ترك الاستفصال حال التقاطر وغيرها، إلا أنه لا يجدي نفعا في استفادة
~~التعميم من الرواية
# PageV01P492
# بمجردها بعد قيام احتمال كون الإضافة بيانية، فأنه لقوته لو لم يكافؤا
~~لاحتمال الآخر حتى يكون الإضافة لترددها بين المعنيين مجملة، فلا أقل من
~~كونه مزاحما لدلالة الرواية على العموم المبني على الاحتمال الآخر، وموجبا
~~لضعف تلك الدلالة، ومعه لا محيص من الأخذ بالقدر المتيقن من مدلولها،
~~المشترك بين الاحتمالين، كما أنه كذلك على تقدير إجمال الإضافة، نعم ترك
~~الاستفصال بالقياس إلى اعتبار الجريان أو الكثرة وعدمه في محله.
# فالمناقشة فيها تارة: بأن فيها إشعارا بحصول الجريان، فلا دلالة فيها على
~~تمام المدعى.
# واخرى: بأن دلالتها موقوفة على نجاسة الخمر، وهي ممنوعة.
# يدفعها: منع الإشعار لو اريد به الظهور، بل ومنعه أيضا مطلقا، ولو سلم
~~فاعتباره ممنوع وأن المحقق نجاسة الخمر كما يأتي في محله، ولو سلم فالرواية
~~بنفسها تنهض دليلا عليها، كما تنبه عليه في مجمع الفائدة (1) - على ما حكي
~~عنه - فإن سياق السؤال مما يشهد بتعرض السؤال عن نجاسة الماء، وهو فرع على
~~اعتقاد السائل بنجاسة الخمر، واحتمال كونه في صدد السؤال عن نجاسة الخمر
~~مما يبعده سياق السؤال، ولا يلائمه جلالة شأن السائل، كما أن احتمال كون
~~شبهته في نجاسة الماء ناشئة عن الشبهة في نجاسة الخمر مما لا يلائمه جلالة
~~شأنه، وعلو رتبته في الفقه والمعرفة.
# لكن يبقى الكلام في صحة الاستناد إلى مثل هذا الاعتقاد، لجواز كونه
~~مستحصلا له بطريق الاجتهاد، ولو عول على التقرير المتوهم في المقام لم يكن
~~في محله، لعدم احتواء المقام جميع مقدماته لجواز الاكتفاء في ms447 الردع بما
~~ذكره (عليه السلام) في الجواب، إلا أن يدعى قيام الظهور العرفي - بملاحظة
~~السياق - في كون نجاسة الخمر مفروغا عنها فيما بين السائل والمسؤول.
# ومما يوافق الصحيحة المذكورة في الدلالة على ما يوافق المذهب المشهور،
~~والسكوت عن اعتبار الجريان والكثرة الرواية الثانية، غير أنه يشكل الحال في
~~التمسك بها وحدها، لما في سندها من القصور بجهالة عمرو بن الوليد، أو عمر
~~بن الوليد على اختلاف النسخ، لعدم كونه مذكورا في الرجال فيما نعلم بشئ من
~~العنوانين.
# PageV01P493
# نعم، يصح الاستناد عليه أيضا بالرواية الرابعة كما استند إليها في
~~المنتهى (1)، سواء اعتبرناها صحيحة كما في الكتاب أو حسنة، ولا يقدح فيه
~~اختصاص المورد بصورة الجريان بعد ملاحظة ما تقدم في الصحيحة الاولى من
~~العموم في تلك الجهة، نظرا إلى أن المورد بمجرده لا ينهض دليلا على اختصاص
~~الحكم، و لا أنه صالح لتقييد الصحيحة، لعدم المنافاة بينهما في المقام
~~ونظائره، وهي أيضا في عدم تناولها لغير حالة النزول كالصحيحة المذكورة،
~~لمكان انصراف سيلان ماء المطر من الميزاب إليه في حال النزول، كما لا يخفى.
# ويمكن لهم الاستناد بالرواية الثالثة لولا قصورها بالإرسال، وربما يدعى
~~انجبارها بالشهرة وليس بثابت، إذ العبرة في الانجبار بالشهرة بكونها
~~استنادية ليوجب الوثوق بصدور الرواية، وغاية ما هنالك انكشاف صدق مضمونها،
~~وهو ليس من انكشاف صدق نفسها في شئ، وعلى هذا القياس الحال في الثامنة
~~الواردة في طين المطر، بل هي مما لو حصل له جابر تدل على أحكام كثيرة.
# منها: كون ماء المطر مطهرا للأرض، نظرا إلى إطلاق قوله (عليه السلام): "
~~طين المطر لا بأس به " الشامل لما كان نجسا قبل المطر وغيره.
# ومنها: كونه عاصما لغيره عن الانفعال، لمكان قوله (عليه السلام): " إلا
~~أن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر " فإن التقييد ببعدية المطر يقضي بأنه لا
~~ينجسه شئ حال المطر، وعلى فرض تنجيسه فيقضي بالمطهرية أيضا، بل يقضي بها لو
~~نجسه قبل المطر أيضا.
# ومنها: عدم انفعاله بنفسه لو ورد عليه وهو نجس، ms448 ضرورة أن الطين ما يحصل
~~بامتزاج الماء في الأجزاء الترابية، فلو فرض كون تلك الأجزاء نجسة قبل ورود
~~الماء عليها مع كونه قابلا للانفعال بملاقاته إياها، فهو بعد امتزاجه باق
~~على وصف النجاسة، ومعه كيف يصح نفي البأس عن الممتزج فيه بإطلاقه، بل كونه
~~مطهرا له على بعض الفروض يستلزم طهارته، ولا يستقيم ذلك إلا على تقدير عدم
~~قبوله الانفعال، إذ الضرورة قاضية بأن الامتزاج لا يفيده طهارة، ودعوى: أن
~~المطهرية لا يستلزم الطهارة، مما لا ينبغي الالتفات إليه.
# نعم، لو استند على المشهور بالصحيحة الخامسة كان بلا إشكال أيضا،
~~لسلامتها عما يقدح فيها سندا ودلالة، لكن يبقى الكلام في معنى " الأكثرية "
~~التي علل بها الحكم،
# PageV01P494
# فأنه ربما يوهم اعتبار الكثرة بالمعنى المتقدم سابقا، ولذا حكي الاحتجاج
~~بتلك الرواية عن أهل القول بذلك.
# ولكن يدفعه: منع نهوض ذلك دليلا على هذا الحكم، لجواز كون المراد "
~~بالأكثرية " الأكثرية الإضافية بالقياس إلى البول، مرادا بها بيان أنه لا
~~داعي إلى ثبوت البأس في هذا الماء الذي أصاب الثوب إلا كونه مستهلكا في جنب
~~البول، وهو مفروض الانتفاء بقرينة كون الماء أكثر من البول بحسب المقدار،
~~وكلما كان كذلك فهو موجب لاستهلاك البول، والأكثرية بهذا المعنى كما ترى
~~أعم من الكثرة النفسية حسبما اعتبره القائل، والعام لا يدل على الخاص، وكيف
~~كان فهذه الرواية لا تصلح مستندة لهذا القول، بل دلالتها على المذهب
~~المشهور أنسب وأوضح.
# ومن هنا اتضح ضعف هذا القول، وعدم جواز المصير إليه، حيث أنه مما لا
~~مستند له.
# نعم، المعضل دفع القول باشتراط الجريان فعلا لقوة دليله ظاهرا، فإن الشيخ
~~في زيادات باب المياه من التهذيب (1) احتج عليه بالصحيحة السادسة، المشتملة
~~على قوله (عليه السلام): " إذا جرى فلا بأس ".
# ويمكن دفعه: بأنه يستقيم على تقدير عود الضمير في الشرط إلى " مائه "
~~المذكور في كلام السائل، نظرا إلى ظهور الجريان المسند إلى الماء في سيلانه
~~على الأرض ونحوها، كظهور الماء مضافا إلى المطر فيه بعد النزول من السماء
~~كما هو ms449 واضح، ولعله موضع منع لقوة احتمال عوده إلى المطر المذكور في كلام
~~السائل أيضا سابقا على مائه.
# ولا ريب أن المطر ظاهر في ماء السماء حال نزوله خاصة، كما أن الجريان
~~المسند إليه ظاهر في وروده على الأرض، فيكون الشرطية مرادا بها نفي البأس
~~عن ظهر البيت المتنجس بالبول الذي ورد عليه المطر، كما أنه لا ريب أن إطلاق
~~نفي البأس عن المحل النجس بورود المطر عليه يستلزم طهره وبقاء الماء الذي
~~فيه على طهارته الأصلية، وهو المطلوب من عدم قبول ماء المطر للانفعال، ولا
~~يلزم على هذا التقدير عدم مطابقة الجواب للسؤال، حيث إن الغرض الأصلي من
~~السؤال استعلام حال التوضي بالماء المفروض، بملاحظة أن شبهة السائل في جواز
~~التوضي - على ما يرشد إليه ابتداء
# PageV01P495
# السؤال - إنما نشأت عن شبهة طهر المحل الذي ورد عليه المطر بعد المطرو
~~طهارة الماء الملاقي له، وقد علم بذلك الإمام (عليه السلام) فأجابه بما
~~يرفع شبهته التي هي المنشأ، ولعل هذا المعنى هو الظاهر المنساق من الرواية
~~بملاحظة ما ذكر، وكأنه إليه يرجع ما في منتهى العلامة (1) وتبعه الجماعة في
~~دفع احتجاج الشيخ بالرواية من حمل الجريان الوارد فيها على النزول من
~~السماء، ويوافقها على هذا المعنى الرواية السابعة المتضمنة لقوله (عليه
~~السلام): " إذا جرى به المطر فلا بأس " لوضوح عود الضمير المجرور إلى
~~المكان المذكور في السؤال، الذي يجري فيه المطر، مع ملاحظة ما أشرنا إليه
~~من ظهور الجريان حيثما يسند إلى " المطر " دون " ماء المطر " في النزول
~~والورود، ولا ضير في موافقة الشرط المأخوذ في الشرطية الواردة في الجواب
~~لما هو مفروض في السؤال، ولا يكون نظائره أجنبية عن تأدية العبارة، لأن
~~تعليق نفي البأس عليه إعطاء للحكم في موضوعه الذي فرضه السائل، وهذا نظير
~~ما لو قيل للطبيب مثلا: " أكلت اليوم الهندباء "، فيقول: " إذا أكلت
~~الهندباء أو إن أكلت الهندباء فنعم ما فعلت ".
# غاية ما في الباب لزوم عدم اعتبار المفهوم في مثله، ولا ضير في ذلك بعد
~~قيام القرينة ms450 عليه، لما قرر في محله من أن التعليق بالشرط إذا ورد لبيان
~~موضوع الحكم - كما في قولك: " إن أصبت ماء فاشربه " - فلا مفهوم له، أو أن
~~المفهوم إنما يعتبر في الشرطية إذا لم يكن المسكوت عنه معلوما حكمه قبل
~~الخطاب، والظاهر أن مورد الرواية أقرب إلى هذه القاعدة، ضرورة أن ثبوت
~~البأس في المكان المفروض في السؤال بلا جريان المطر به - على معنى وروده
~~عليه - مما كان معلوما للسائل، وإنما تعرض للسؤال استعلاما لارتفاع ذلك
~~البأس بالمطر وعدمه.
# ولا يخفى أن هذه الرواية أقوى دلالة على المعنى المذكور من الصحيحة، غير
~~أنها غير صالحة إلا لتأييد هذا المعنى في الصحيحة، لمكان ما فيها من
~~الإرسال بعدم معلومية سندها، والغرض من التأييد بتلك الرواية استظهار كون
~~إطلاق الجريان على نزول المطر من السماء صحيحا في عرفهم، وإن كان مطلقه
~~ينصرف إلى السيلان من الأرض، ففرق بين الجريان المطلق ومطلق الجريان، وعلى
~~قياس هذا المعنى ما في العلاوة التي عرفتها عن الوسائل عن
# PageV01P496
# الحميري في قرب الأسناد من قوله (عليه السلام): " إذا جرى من ماء المطر
~~فلا بأس " فأنه أيضا تعليق على شرط مذكور في السؤال، غير أنه يقضي بكون
~~كلمة " من " زائدة كما لا يخفى.
# ويمكن إضمار فاعل قوله (عليه السلام): " جرى " مع عوده إلى ما يكف بعد
~~إصابة المطر للكنيف فيصيب الثياب، مرادا به اعتبار كون الذي يكف في موضوع
~~حكم نفي البأس شيئا من ماء المطر لا مما هو في الكنيف، أو اعتبار كون الوكف
~~الذي لا بأس به لابد وأن ينشأ من المطر، لا من قبل الكنيف نفسه، ولا من قبل
~~أمر خارج عنه غير المطر، بناء على أن كلمة " من " نشوية.
# واجيب عن احتجاج الشيخ بالصحيحة المتقدمة بوجوه اخر:
# منها: ما عن المعتبر (1) من أنه لا يدل على الاشتراط، لأنه لو لم يكن
~~طاهرا لما طهر بالجريان، ولا يخفى ضعفه.
# ومنها: ما في شرح الدروس للخوانساري (2) من أن دلالة المفهوم إنما تعتبر
~~فيما لا فائدة فيه سوى ms451 الاشتراط، وليس الأمر هاهنا كذلك، لجواز أن يقال: إن
~~السؤال لما كان متضمنا للجريان، فأجاب على وفقه تحقيقا وتثبيتا لنفي البأس
~~في هذه الحالة، وهو أيضا ضعيف لفساد مدركه.
# ومنها: ما أشار إليه في الكتاب (3) أيضا وتبعه قوم، من أن البأس أعم من
~~الحرمة والكراهة، فيجوز أن يكون التوضي به قبل الجريان مكروها، وهو لا
~~يستلزم النجاسة، وهو أضعف من سابقيه.
# ومنها: ما في الكتاب المذكور: " من أنه لا يدل على نجاسة ماء المطر
~~بالملاقاة إذا لم يكن جاريا، لجواز أن يكون البأس حين عدم الجريان، بناء
~~على عدم تطهيره للأرض بدون الجريان، ولما لم يطهر الأرض والغالب اختلاط
~~أجزائها بماء المطر فلذلك يتحقق البأس، فلم تظهر دلالته على الانفعال
~~بالملاقاة " (4) ولعله بعيد من حيث استلزامه عدم مطابقة الجواب للسؤال،
~~لظهور السياق في أن الغرض الأصلي معرفة حكم الماء والثوب، وإن خصت الصلاة
~~بعنوان الاستفهام، والنكتة في ذلك أن أثر نجاسة الماء
# PageV01P497
# والثوب وطهارتهما إنما يظهر في الصلاة وغيرها مما هو مشروط بالطهارة،
~~فأجود الأجوبة ما نقلناه عن منتهى العلامة (رحمه الله) (1) بناء على
~~التوجيه الذي قررناه.
# ثم لو أغمضنا و قلنا بظهور الجريان مطلقا فيما فهمه الشيخ، يتوهن هذا
~~الظهور بملاحظة مخالفته للشهرة القريبة من الإجماع، فإن الشهرة بمجردها وإن
~~لم تصلح قرينة على صرف الظاهر عن الظهور، غير أنها ربما تكون موهنة له،
~~فيشكل معه الأخذ به، فيبقى الروايات الاخر في المقام بالقياس إلى قضائها
~~بعدم اشتراط الجريان سليمة عما يصلح لمعارضتها، ويؤيدها أصالة عدم
~~الاشتراط، فظهر بجميع ما تقرر أن الأقوى هو القول المشهور.
# وربما يستدل عليه - مضافا إلى ما مر - بالأصل، والقاعدة، وعموم ما دل على
~~طهارة الماء ما لم يتغير، وضعفه بعد ملاحظة عموم قاعدة الانفعال ظاهر،
~~وربما يستدل أيضا كما في المنتهى (2) بأنه يشق الاحتراز عن ماء الغيث،
~~فلولا التخفيف بعدم انفعاله مطلقا لزم العسر والحرج، وصغرى ذلك الدليل وإن
~~كانت مسلمة في الجملة ولكن كبراه لا يخلو عن مناقشة تظهر بأدنى تأمل،
~~ولنختم ms452 المقام بذكر امور مهمة.
# أولها: معنى اعتصام ماء المطر عن الانفعال حال التقاطر عدم قبول ما حصل
~~في الأرض منه للانفعال بتقاطر ما بقي منه عليه، وإلا فالمتقاطر حال تقاطره
~~مما لا يعقل فيه ملاقاة النجاسة عادة حتى يلحقه حكم الاعتصام وعدمه، وملخص
~~المعنى المذكور: أن ماء المطر المنقضي عنه مبدأ التقاطر لا ينفعل بورود ما
~~تلبس بذلك المبدأ عليه.
# وهل يلحق به غيره من المياه القليلة المتوقف عدم قبولها الانفعال على
~~وجود عاصم، من مياه الحياض والغدران والقلتان والأواني ونحوها، على معنى
~~اعتصامها بالمتقاطر من ماء المطر أولا؟ والمسألة موضع توقف لخلو نصوص الباب
~~عن التعرض لهذا المطلب، فانحصر طريقه في الإجماع فإن أمكن تحصيله فهو، وإلا
~~فلا مجال إلى رفع اليد عن قاعدة الانفعال، خلافا للخوانساري في شرح الدروس،
~~قائلا: " بأن الظاهر التقوي، لعدم عموم انفعال القليل، مع أن الظاهر أنه
~~المشهور بين الأصحاب، ولو كان جاريا إليه من ميزاب ونحوه. فالتقوي ظاهر "
~~(3) انتهى.
# لكن في الحدائق: " لا ريب في ذلك على المشهور من جعل ماء المطر كالجاري
# PageV01P498
# مطلقا، وأما على اعتبار الجريان أو الكثرة فيناط بحصول أحدهما " (1)
~~انتهى.
# وعن الذخيرة بناء المسألة على الوفاق، والخلاف في المسألة السابقة، حيث
~~قال:
# " فإن كان بطريق الجريان، فلا ريب في أنه يفيده تقويا فيصير كالجاري،
~~وإلا فيبنى على الخلاف في اشتراط الجريان وعدمه " (2).
# وقد يستدل على التقوي مطلقا باستصحاب الطهارة، بناءا على أنه لا دليل
~~يوجب رفع اليد عنه، واتضح ضعفه.
# وبالأولوية، بتقريب: أن ماء المطر مطهر للماء النجس ورافع عنه النجاسة،
~~فكونه عاصما له عن قبول النجاسة، - لمكان كون الدفع أهون من الرفع [طريق
~~الأولوية] (3)، وهو أوهن من بيت العنكبوت لعدم صلاحية الاعتبارات العقلية
~~وسطا للأحكام التعبدية، ألا ترى أن الماء القليل يفيد تطهير النجس ولا يفيد
~~تقويا أصلا.
# نعم، لو بنى على أن ماء المطر مما يطهر غيره من المياه النجسة، أمكن
~~المصير إلى طهارة القليل الملاقي للنجاسة لا لأنه يفيد تقويا، بل لأن هذا
~~الماء ينفعل بالملاقاة ms453 آنا ما ولو حال التقاطر ثم يزول انفعاله بلحوق تقاطر
~~آخر، أخذا بموجب أنه يطهر غيره، إذ لا يفترق الحال في ذلك بين طرو النجاسة
~~للغير حال التقاطر أو قبله، ولكن ثبوت الطهارة له بتلك القاعدة لا يجدي
~~نفعا في طهارة ما لو فرض تحقق ملاقاة النجاسة له في آخر أزمنة التقاطر، على
~~معنى انقطاع التقاطر في ثاني زمان الملاقاة كما لا يخفى.
# نعم، على ثبوت قاعدة التقوي يحكم عليه بالطهارة جزما، وأما لو تحققت
~~الملاقاة حال الانقطاع - على معنى عروضها مقارنة له - فلا يحكم عليه
~~بالطهارة على القاعدتين معا.
# وثانيها: لا إشكال في كون ماء المطر حال التقاطر مطهرا للأرض التي أصابها
~~نجاسة قبل نزولها بل حال النزول أيضا، على تقدير تحقق الاستيعاب لموضع
~~النجاسة، وزوال عينها لو كانت عينية، بل لو قلنا بالعمل بمرسلة الكاهلي
~~المتقدمة كان مطهرا عن كل متنجس حتى الأواني والثياب، لعموم قوله (عليه
~~السلام): " كل شئ يراه المطر فقد طهر " وقد يعزى ذلك إلى المشهور، بل قضية
~~الشرطية المقتضية للسببية التامة حصول الطهر بمجرد الإصابة من دون اعتبار
~~ما يعتبر في غسل الأواني والثياب إذا حصل بغير المطر من عصر وإزالة غسالة،
# PageV01P499
# لكن لما لم يثبت عندنا جابر لإرسال تلك الرواية كان الواجب علينا الآن
~~الاقتصار على مورد الدليل، وليس إلا الأرض، والذي يدل عليه جملة من الأخبار
~~المتقدمة.
# منها: الصحيحة الاولى الواردة في المرور في ماء مطر، صب فيه خمر فأصاب
~~الثوب، المحكوم على الصلاة فيه قبل الغسل بعدم البأس، مع التصريح بعدم وجوب
~~غسل الثوب والرجل.
# بتقريب: أن الخمر ما دامت عينها باقية في الأرض توجب نجاستها جزما، وإن
~~لم تتميز أجزاؤها عن الماء في نظر الحس، فلولا طهرها بسبب المطر لم يكن
~~للحكم بعدم البأس وعدم وجوب الغسل معنى، ضرورة العلم العادي بأن ما أصاب
~~الثوب من الماء كان مستصحبا للأجزاء الأرضية لا محالة، وهي باقية على ما
~~كانت عليها من النجاسة، فتكون كافية في المنع عن الصلاة ووجوب غسل الثوب ms454 بل
~~الرجل أيضا، ضرورة اشتمالها بواسطة الماء على الأجزاء الأرضية لا محالة،
~~والمناقشة فيها بابتناء المطلب على نجاسة الخمر وهي ممنوعة، قد عرفت دفعها.
# ومنها: الصحيحة الخامسة الواردة في السطح يبال عليه فيصيبه السماء، فيكف
~~فيصيب الثوب، الحاكمة بعدم البأس، بتقريب ما مر.
# ومنها: الصحيحة السادسة بهذا التقريب، والكلام في قضية اشتراط الجريان
~~فيها كما مر، ويدل عليه أيضا إطلاق المرسلة الثامنة، النافية للبأس عن طين
~~المطر، غير أنك قد عرفت الإشكال في جواز الاستناد إليها، لما فيها من
~~الإرسال الذي لا نعلم بجابر له.
# وثالثها: ماء المطر كما أنه مطهر للأرض كذلك يطهر الماء المتنجس، وقد
~~يدعى الإجماع عليه إذا كان واردا عليه بطريق الجريان من الميزاب، والشهرة
~~إذا كان بطريق الجريان مطلقا أو الكثرة.
# وعن الذخيرة (1) نفي الريب في تطهيره بمطلق الجريان وهذا الحكم على تقدير
~~صحة الاستناد إلى مرسلة الكاهلي واضح وعمومها يقتضي عدم اعتبار الجريان من
~~الميزاب وغيره، ولا الكثرة ولا الامتزاج ولا استيعاب المطر لسطح الماء، لا
~~بمعنى كفاية ورود قطرة واحدة عليه - كما حكي القول به عن بعض الفضلاء (2) -
~~ولو كان الماء
# PageV01P500
# حوضا كبيرا، فإن ذلك غير معلوم الاندراج تحت المرسلة، بل بمعنى كفاية ما
~~يسمى في العرف والعادة مطرا، بأن يقع عليه المطر على النحو المتعارف، وإن
~~فرض بقاء بعض من سطحه بحيث لم يقع عليه مطر.
# لا يقال: المقتضي لطهارة الماء بمجرد الاتصال - على القول به - هو كون
~~الماء مطهرا للجزء الذي يليه، وبعد الحكم بطهارته يتصل بالجزء الثاني وهو
~~متقو بالكر الذي منه طهره فيطهر الجزء الثاني وهكذا، وهذا مما لا يتم في
~~مفروض المقام بعد عدم تحقق ملاقاة المطر لبعض سطوح الماء، لعدم تحقق اتصال
~~المطهر بالقياس إلى هذا الجزء، لأن الاجتهاد في مقابلة النص مما لا معنى
~~له.
# ومناط الطهارة في مدلول النص إنما هو رؤية المطر، وهذه قضية تصدق مع ورود
~~ما يصدق عليه اسم المطر عرفا على الماء، وإن بقي من أجزاء السطح ما لم
~~يتحقق فيه ms455 ملاقاة المطر، فأنه حينئذ غير قادح في صدق رؤية المطر لهذا
~~الماء، لكن الإشكال في صحة الاستناد إلى المرسلة كما عرفت.
# فالأولى حينئذ الاستناد إلى الصحيحة الرابعة، الواردة في ميزابين سالا
~~أحدهما بول والآخر ماء المطر فاختلطا فأصاب ثوب رجل لم يضره ذلك، فإنها
~~منصرفة إلى حال التقاطر، لأنه الغالب في سيلان ماء المطر من الميزاب، دالة
~~على كون المطر مطهر للخمر (1) ولو بعد الاستهلاك، نظرا إلى أنه ليس عبارة
~~عن الانعدام بالمرة، فأجزاؤها المنتشرة موجودة مع الماء، وإصابته تستلزم
~~إصابة شئ من تلك الأجزاء وهي من الأعيان النجسة، فلولا طهرها بالماء لم يكن
~~لقوله (عليه السلام): " لم يضره ذلك " وجه، فإذا كان ماء المطر مطهرا عن
~~النجاسة الذاتية فكونه مطهرا عن النجاسة العرضية بطريق أولى أولوية قطعية.
# نعم، ينبغي الاقتصار في ذلك على صورة الامتزاج جمودا بما هو مفروض في
~~مورد الرواية من الاختلاط، ويمكن استفادة تطهير الماء بطريق الأولوية عن
~~الصحيحة الاولى وغيرها من المعتبرة المتقدمة بالتقريب المتقدم.
# PageV01P501
# ينبوع ومن الموضوعات المخصوصة بالعنوان في كتب الأصحاب البئر، لاختصاصها
~~بمزيد الأبحاث، وامتيازها بأحكام مختلفة ناشئة عن اختلاف مواردها والأسباب
~~المقتضية لها، وينبغي قبل الخوض في البحث عن تلك الأحكام صرف النظر في
~~معرفة البئر موضوعا، وهي كما ترى من المفاهيم العرفية التي لا يكاد يخفى
~~أمرها على المتأمل، ويقطع بعدم تغير العرف فيها، واتحاده فيها مع اللغة أو
~~العرف القديم المتناول لعرف نفس الشارع، ولذلك أن القاموس (1) والمجمع (2)
~~جعلاها معروفة، فكل ما يسمى في العرف بئرا - تسمية حقيقية - فقد لحقه أحكام
~~البئر، وإن شك في التسمية لشبهة في المصداق أو الصدق فإن دخل في مسمى
~~الجاري لحقه حكمه، وإلا فيعتبر في انفعاله وعدم انفعاله ما هو معتبر في
~~الواقف من الكرية وعدمها.
# وربما يعرف البئر كما عن الشهيد في شرح الإرشاد: " بأنها مجمع ماء نابع
~~من الأرض لا يتعداها غالبا، و لا يخرج عن مسماها عرفا، " (3) و عن
~~الأردبيلي: " أنه مجمع ماء تحت الأرض، ذي نبع بحيث يصعب الوصول ms456 إليه غالبا
~~عرفا، وعلى حسب العادة " (4).
# وعن المحقق الشيخ علي الاعتراض عليه: " بأن القيد الأخير موجب لإجمال
~~التعريف، لأن العرف الواقع لا يظهر أي عرف هو؟ أعرف زمانه (صلى الله عليه
~~وآله) أم عرف غيره؟
# وعلى الثاني، فيراد العرف العام، أو الأعم منه ومن الخاص؟
# مع أنه يشكل إرادة عرف غيره (صلى الله عليه وآله) وإلا لزم تغير الحكم
~~بتغيير التسمية فيثبت في العين حكم البئر لو سميت باسمه، وبطلانه ظاهر.
# PageV01P502
# والذي يقتضيه النظر: أن ما ثبت إطلاق البئر عليه في زمنه (صلى الله عليه
~~وآله) أو زمن أحد الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، كالتي في العراق
~~والحجاز، فثبوت الأحكام له واضح، وما وقع فيه الشك فالأصل عدم تعلق أحكام
~~البئر به، وإن كان العمل بالاحتياط أولى " (1).
# وفيه: أن موضوعات الأحكام بحكم الاشتراك في التكاليف لابد وأن تكون مشترك
~~الثبوت فيما بين زماننا وما بعده وقبله، وزمان النبي (صلى الله عليه وآله)
~~والأئمة (عليهم السلام)، فما ثبت اختصاصه بأهل أحد الزمانين لم يعقل ثبوت
~~حكمه لأهل الزمان الآخر، إن ثبت له حكم خاص أو عام.
# وقد يحصل الاشتباه في مسمى اللفظ الوارد في الخطاب بالقياس إلى زمانه
~~(صلى الله عليه وآله) أو زمان أحد الأئمة (عليهم السلام)، فلابد في الوصول
~~إليه من وسط وليس ذلك الوسط عندهم إلا العرف، المردد بين كونه عرف
~~المتشرعة، أو عرف أهل اللغة، أو العرف الحاضر المعبر عنه بالعرف العام، كل
~~في مورده.
# ومعلوم أن البئر ليست من الموضوعات المحدثة التي لم تكن ثابتة في زمانه
~~(صلى الله عليه وآله) ولا من الموضوعات المنقطعة عن زمان غيره، بل هي ثابتة
~~في جميع الأزمنة، فإذا طرأ اشتباه في مسماها الذي أخذه الشارع موضوعا في
~~خطابه لابد في استعلامه من مراجعة العرف بأحد من الأقسام المذكورة، لعدم
~~إمكان الوصول إلى عرف زمانه بدون ذلك، والمفروض أنها ليست مما ثبت فيه تصرف
~~من الشارع ليرجع فيه إلى عرف المتشرعة، ولا أنها مما ثبت فيها من أهل اللغة
~~نص خاص ms457 ليرجع إلى عرفهم، فيعين الرجوع فيها إلى العرف الحاضر، لا بوصف أنه
~~عرف غير زمانه (صلى الله عليه وآله)، بل بعنوان أنه مرآت وطريق إلى عرف
~~زمانه (صلى الله عليه وآله).
# فليس المراد بالعرف المأخوذ في الحد عرف زمانه بالخصوص، ليرد عليه: أنه
~~الوصول إليه غير ممكن فيكون التعريف به تعريفا بالمجهول.
# ولا أن المراد به غير عرف زمانه بوصف أنه كذلك، ليرد عليه: أن العبرة في
~~موضوعات الأحكام بما ثبت في عرفه (صلى الله عليه وآله) دون غيره.
# بل المراد به العرف العام لا بشئ من القيدين، نظرا إلى أن القيود
~~المأخوذة في
# PageV01P503
# الحدود إنما تؤخذ باعتبار مفاهيمها لا باعتبار مصاديقها، حيث إنها ترد
~~للماهيات بالماهيات، فالترديد فيه بين أن المراد به عرف زمانه (صلى الله
~~عليه وآله)، أو عرف غيره في غاية السخافة، لكون مرجعه إلى اعتبار هذا القيد
~~في الحد باعتبار المصداق.
# غاية الأمر، أن العرف العام باعتبار مفهومه الكلي المتحقق تارة في ضمن
~~عرف زمانه، واخرى في ضمن عرف زمان أئمة اللغة، وثالثة في ضمن عرف زماننا،
~~إن ثبت في الخارج تحققه في ضمن عرف زمانه (صلى الله عليه وآله) كان موضوعا
~~للحكم بالاستقلال، فيتعدي الحكم إلى الأزمنة المتأخرة إلى زماننا هذا على
~~تقدير ثبوت المسمى، وإن تغير العرف وانقلبت التسمية.
# وإن ثبت تحققه في ضمن عرف أهل اللغة، كان مرآتا لموضوع الحكم الثابت في
~~زمانه (صلى الله عليه وآله)، وموضوعا له بالاستقلال في زمان أهل اللغة،
~~وموجبا لتعديه إلى زماننا على تقدير بقاء المسمى وتغير العرف والتسمية.
# وإن ثبت تحققه في ضمن العرف الحاضر كان مرآتا لموضوع الحكم الثابت في
~~الأزمنة المتقدمة إلى زمانه (صلى الله عليه وآله)، وموضوعا له بالاستقلال
~~في هذا الزمان، فلا يلزم في شئ من الصور إشكال، ولا تغير الحكم بتغير
~~التسمية ولا ثبوت حكم البئر للعين لو سميت باسمه، لأن هذه التسمية - على
~~فرض تحققها - إن فرض كونها على وجه المجاز فعدم ثبوت حكم البئر لمسماها
~~واضح، وكذلك لو فرض ms458 كونها على وجه الحقيقة ولكن بالوضع الجديد، وأما لو فرض
~~كونها على وجه الحقيقة مع العلم بثبوتها في زمانه (صلى الله عليه وآله)، أو
~~مع احتمال ثبوتها أيضا، فأي إشكال في ثبوت أحكام البئر للمسمى بها بعد
~~تسليم كون العرف الحاضر مرآتا إلى عرف زمانه (صلى الله عليه وآله).
# ومنع تلك المتقدمة لعله سد لباب الاستنباط، وخرق للإجماع، وهدم لبناء
~~العرف في حكمهم بتشابه الأزمان في التسمية ما لم يثبت لهم خلافه.
# فدعوى: أن ما ثبت إطلاق " البئر " عليه في زمنه (صلى الله عليه وآله) أو
~~زمن أحد الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، - كالتي في العراق والحجاز -
~~فثبوت الأحكام له واضح، وما وقع فيه الشك فالأصل عدم تعلق أحكام البئر به،
~~مما لا وجه له أصلا.
# نعم، لو علم بعدم الإطلاق في العرف الحاضر، أو شك في الإطلاق والعدم، أو
~~علم بالإطلاق وشك في وصفه، أو علم بالوصف وأنه على وجه المجاز أو على وجه
~~PageV01P504
# الحقيقة بوضع متأخر مع عدم تبين حال زمانه (صلى الله عليه وآله)، فلا
~~تعلق لأحكام البئر حينئذ، ولعله من أحد هذه الأقسام الآبار الغير النابعة،
~~كما في بلاد الشام على ما حكي - والجارية تحت الأرض كما في المشهد الغروى
~~على ساكنه السلام، ولذا صرح صاحب المدارك (1) فيهما بعدم تعلق أحكام البئر.
# ومن هذا الباب بعض العيون النابعة التي يخرج منها الماء إلى حد معين لا
~~يتعداه إلى وجه الأرض على وجه يجري فيها، وبعض الآبار التي يكثر ماؤها حتى
~~يجري على وجه الأرض، فإنها وإن سميت " بئرا " غير أنه لا يجري عليها أحكام
~~البئر، كما هو المصرح به في كلام بعضهم.
# وكان قيد " النبع " في الحد لإخراج الآبار الغير النابعة، وقيد " عدم
~~التعدي " - أي عدم بروزه على وجه الأرض - لإخراج العيون الجارية، وقيد "
~~الغالب " لإدخال ما ذكرناه من بعض الآبار، إن كان النظر في اعتبار الغلبة
~~والندرة إلى الأفراد، وإن كان النظر فيهما إلى الأزمان والأحيان فلابد من
~~فرض الكلام في بئر يتعدى ماؤها إلى وجه ms459 الأرض في بعض الفصول، فإنها من
~~أفراد الماهية وإن لم يجر عليها أحكام البئر حال جريانها، وقيد " عدم
~~الخروج عن المسمى عرفا " لإخراج بعض العيون حسبما فرضناه.
# ومما ربما يشك في حكمه، الآبار المتثاقبة التي تدخل الماء من بعضها إلى
~~بعض بثقبات تحتها، من دون أن يجري على وجه الأرض، بل يدخل في صورة الشك بئر
~~يكون ماؤها متصلا بالكر أو الجاري، لكن هذا الشك ليس من جهة الشك في
~~التسمية، بل من جهة الشك في شمول الأدلة لمثل هذا الفرد، كما أن عدم جريان
~~أحكام البئر لما تعدى ماؤها إلى وجه الأرض من جهة الشك في شمول الأدلة.
# ولا يجدي في إثبات الشمول التعليل الوارد في رواية ابن بزيع " بأن له
~~مادة " (2)، إما لظهور كونه لبيان الملازمة بين النزح وزوال التغير - حسبما
~~قررناه في بحث الجاري أو لكونه مجملا بتردده بين كونه لبيان تلك الملازمة
~~أو الملازمة بين ماء البئر وعدم إفساد شئ إياه، مع أنه لو قلنا بنجاسة ماء
~~البئر بالملاقاة لا يجدينا هذا التعليل رأسا، وإن قلنا برجوعه إلى الملازمة
~~الثانية، لكون أصل الرواية متروكة الظاهر عند أهل القول بالنجاسة.
# PageV01P505
# وعلى أي حال كان فماء البئر - بالمعنى الذي يكشف عنه العرف - إن تغير أحد
~~أوصافه بالنجاسة الواقعة فيها نجس قولا واحدا نصا وفتوى، وعليه الإجماعات
~~المنقولة مستفيضة، ومع ذا كله فهو من مقتضى كون التغير علة تامة للنجاسة -
~~حسبما قررناه في المباحث السابقة - وأما مع عدم تغير أحد أوصافه بالنجاسة
~~الواقعة فيها ففي تنجسه والعدم خلاف على أقوال:
# أحدها: ما حكي عليه الشهرة بين قدماء أصحابنا من أنه ينجس بمجرد ملاقاة
~~النجاسة ولو كان كثيرا، كما عن الصدوقين (1)، والشيخين (2)، بل المشايخ
~~الثلاث وأتباعهم، والحلي (3)، وابن سعيد (4)، والمحقق في المصريات (5)
~~والشهيدين (6) أيضا، وعن الأمالي: " أنه من دين الإمامية " (7)، وعن
~~الانتصار (8) والغنية (9) والسرائر (10) ومصريات (11) المحقق نفي الخلاف
~~عنه، و ربما نسب ذلك إلى الشيخ في التهذيبين غير أنا لم نقف من كلامه فيهما
~~على ما يدل على ذلك صراحة ms460 وظهورا.
# وعن كاشف الرموز: " أن عليه فتوى الفقهاء من زمن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) إلى يومنا هذا " (12) وعن غاية المراد: " أن عليه عمل الإمامية في
~~سائر الأعصار والأمصار " (13) وعن الروضة: " كاد يكون إجماعا " (14) و في
~~المنتهى: " و ذهب الجمهور إلى التنجيس
# PageV01P506
# أيضا " (1)، يعني بهم العامة.
# وثانيها: ما يظهر عن الشيخ أيضا، ولكن في التهذيبين (2) من أنه لا ينجس
~~ما لم يتغير، وإن أوجب فيه النزح المقدر حسبما يأتي بيانه، و هو محكي عن
~~جماعة من الأصحاب أيضا كالحسن بن أبي عقيل (3)، والشيخ، وشيخه الحسين بن
~~عبد الله الغضائري، والعلامة (4)، وشيخه مفيد الدين بن جهم (5)، و ولده فخر
~~المحققين (6) على ما في المدارك (7)، بل فيه: " إليه ذهب عامة المتأخرين "
~~(8)، وعزى إلى صاحب التنقيح (9)، والموجز (10)، وجامع المقاصد (11) والمحقق
~~الميسي (12)، وثاني الشهيدين في رسالة منفردة (13) له في تلك المسألة
~~وجمهور المتأخرين.
# وثالثها: الفرق بين قليله فينجس و كثيره فلا ينجس، وفي المدارك (14) ذهب
~~إليه الشيخ أبو الحسن محمد بن محمد البصروي من المتقدمين، و عن المنتقى: "
~~أنه حكاه عن جماعة " (15) و في المدارك (16) أيضا: " و هو لازم للعلامة
~~لأنه يعتبر الكرية في مطلق الجاري، والبئر من أنواعه، و تنظر فيما ادعاه من
~~الملازمة جماعة، و هو في محله لتوجه المنع إلى كون البئر من أنواع الجاري "
~~(17).
# و عن الذكرى عن الجعفي: " أنه يعتبر فيه ذراعين في الأبعاد الثلاثة حتى
~~لا ينجس " (18).
# PageV01P507
# وأوسط الأقوال أوسطها واحتج أهل القول به بوجوه، بين صحيحة وسقيمة.
# أولها: الاستصحاب، أشار إليه العلامة في المختلف قائلا: " و لأنه ماء
~~محكوم بطهارته قبل ورود النجاسة عليه، فيتم بعده عملا بالاستصحاب السالم عن
~~معارضة الانفعال بالتغير " (1) و هو مما لا يعقل له وجه، إذ لو اريد به
~~أخذه دليلا إقناعيا فهو بالقياس إلى الكثير من ماء البئر مما لا حاجة إلى
~~أخذه وسطا، بل لا معنى له لكفاية الأصل الاجتهادي وعمومات الكر في ذلك، بل
~~لا موضوع له مع وجودهما، و بالقياس إلى ما دون الكر منه مما لا ينفع ms461 في
~~مقابلة عموم انفعال القليل، بل لا يعقل معه أيضا، ومنع العموم في كلا
~~المقامين فيه ما لا يخفى، بل هو مما لا يرضى به المستدل كما يظهر بالتتبع
~~في كلماته.
# وإن اريد أخذه دليلا إلزاميا فهو لا يجدي نفعا في إلزام الخصم ما دام
~~باقيا على مستنده ولا حاجة إليه بعد إلزامه بمنع مستنده، وإنهاضه طريقا إلى
~~حكم المسألة بعد البناء على تساقط مستنده بمعارضة مستند أهل القول
~~بالطهارة، يدفعه: ما ذكرناه أولا.
# وثانيها: العمومات الدالة على أن مطلق الماء طهور، وتخصيصها بالماء
~~القليل حال ملاقاة النجاسة لا يخرجه عن كونها حجة، تمسك به العلامة في
~~المنتهى (2)، وكأن المراد به إثبات المطلب في الجملة ولو في ضمن الكر،
~~قبالا للإيجاب الكلي الذي يدعيه الخصم، وإلا فالعمومات لا تنهض دليلا على
~~عموم المطلب بعد خروج الماء القليل عنها، لأن المقام منه إذا كان قليلا.
# وثالثها: ما تمسك به في المنتهى أيضا من أنها: " لو نجست لما طهرت،
~~والتالي باطل اتفاقا، و لأنه حرج فالمقدم مثله.
# بيان الشرطية: أنه لا طريق إليه إلا النزح، وإلا لزم إحداث الثالث، وليس
~~بصالح لذلك.
# أما أولا: فلأنه لم يعهد في الشرع تطهير شئ بإعدام بعضه.
# وأما ثانيا: فلأنه غالبا يسقط من الدلو الأخير إلى البئر، فيلزم تنجيسها،
~~ولا ينفك المكلف من النزح وذلك ضرر عظيم.
# PageV01P508
# وأما ثالثا: فلأن الأخبار اضطربت في تقدير النزح، فتارة دلت على التنصيص
~~في التقديرات المختلفة، وتارة دلت على الإطلاق، و ذلك مما لا يمكن أن يجعله
~~الشارع طريقا إلى التطهير " (1).
# و فيه: ما لا يخفى من منع الملازمة، وضعف الوجوه المقامة عليها.
# أما الأول: فلمنع كون المطهر هو الإعدام، بل المطهر في الحقيقة هو الماء
~~المتجدد من المادة، والنزح اعتبر طريقا إلى تجدده، و لو سلم فأي مانع عن
~~كون إعدام البعض مطهرا إذا دل عليه الشرع، فإن الأحكام ولا سيما أحكام
~~البئر كلها تعبدية متلقاة من الشارع، فلا ينبغي قياسها بالعقول القاصرة.
# وأما الثاني: فلمنع كون سقوط القطرة ms462 من الدلو إلى البئر قادحا في طهرها
~~بالنزح المقدر له شرعا، لجواز كون تلك القطر مسلوب الأثر في نظر الشارع،
~~صونا للمكلف عن الحرج.
# ومنه ينقدح ضعف ما قد يقرر هذا الدليل بأنها لو نجست لما طهرت، للزوم
~~تنجسها بعود الدلو والرشا إليها، والساقط من الدلو خصوصا الأخير، واللازم
~~باطل وليس القول بالطهارة بعد النزح بأولى عن القول بعدم النجاسة
~~بالملاقاة.
# وفيه: أيضا ضعف واضح فإن الأولوية بعد ما قضى الشرع بهما مما لا يمكن رفع
~~اليد عنها.
# وأما الثالث: فلأن اختلاف الأخبار بالإطلاق والتقييد، أو الإجمال والبيان
~~مما لا يعد من الاضطراب المخل، وإلا فكم من هذا القبيل، و ظاهر أن كيفيات
~~الخطاب تختلف بحسب اختلاف المقامات و أحوال المخاطبين، ومقتضيات الإطلاق
~~والتقييد، أو الإجمال والبيان، فإن الخطاب ربما يرد مطلقا ويحال تقييده إلى
~~المقيدات الخارجية، وقد يرد مجملا إذا لم يكن في موضع الحاجة فيؤخر بيانه
~~إلى وقتها، وقد يرد مقيدا أو مبينا حيث كان وقت الحاجة حاضرا.
# ورابعها: أنها لو نجست لزم الحرج الشديد، خصوصا في البلاد التي ينحصر
~~ماؤهم
# PageV01P509
# في البئر، وعن كاشف الغطاء ما يرجع محصله: إلى " أن من لاحظ ذلك لم يحتج
~~إلى النظر في الأخبار، عامها وخاصها " (1) ولعل المقصود بيان لزوم هذا
~~المحذور على تقدير النجاسة، مع سائر لوازمها التي منها وجوب النزح بأعدادها
~~المقدرة، وعلى هذا فالإلزام عليه في محله، والمحذور وارد، وإلا فإن كان
~~المراد بيان لزومه لمجرد النجاسة الداعية إلى التجنب، فلزومه بعد جعل النزح
~~طريقا إلى تطهيره في محل المنع، كما لا يخفى.
# وخامسها: ما اعتمد عليه بعضهم من أنه يلزم على التنجيس الحكم بنجاسة الكر
~~المصاحب للنجاسة إذا القي في البئر مع نجاسة البئر، والأدلة تبطله، والحكم
~~بنجاسة البئر دون الكر مع فرض عدم تميز أحدهما عن الآخر، غير معقول.
# وفيه: ما لا يخفى من توجه المنع إلى بطلان التالي، فإن الأدلة المبطلة له
~~إن اريد بها الأدلة القاضية بكون الكرية عاصمة عن الانفعال، فجريانها في
~~الفرض المذكور ms463 ليس بأقوى من جريانها في الكر بل الكرور التي هي في نفس
~~البئر، على أن بناء القول بالنجاسة على تخصيص تلك الأدلة، فلا يفترق الحال
~~في ذلك بين كون الكر الحاصل فيه أصليا أو عارضيا بوقوعه عليها من الخارج،
~~وظهور الإضافة في " ماء البئر " في الماء النابع فيها لا يقدح في ذلك، بعد
~~البناء على كون دليله عاما، كما يرشد إلى الاعتراف به دعوى الملازمة.
# وإن اريد بها ما عدا تلك الأدلة فنطالبه ببيانه حتى ننظر في حاله، كيف
~~ولا دليل هنا سوى الاستبعاد الغير الصالح للتعويل عليه في استنباط الحكم
~~الشرعي.
# وبذلك يظهر ضعف ما استدل به أيضا: من أنه يبعد كثيرا الحكم بنجاستها مع
~~نبعها واتصالها بالمياه الكثيرة، بل بالبحر لو فرض، مع اشتمال الخارج على
~~الكرور أيضا، و لو اخرج من مائها خارجها مقدار الكر لم ينجس بالملاقاة، فإن
~~الحكم عند القائل به من لوازم الخصوصية البئرية، ولا يقدح فيها النبع
~~والاتصال بالكثير، ويمكن منع الملازمة في تلك الصورة بالقياس إلى مسألة
~~الاتصال بالكثير، لجواز كونه قائلا بالتقوي في تلك الصورة، لكنه يطالب
~~بدليل التقوي، فأنه لابد وأن يكون عاما بحيث يشمل المفروض.
# PageV01P510
# وسادسها: ما أشار إليه في المنتهى من: " أنه بجريانه من منابعه أشبه
~~الماء الجاري، فيتساويان حكما " (1) وهو أوضح فسادا من جميع ما مر، مع أن
~~قضية ذلك مع ملاحظة قوله باشتراط الكرية في الجاري كونه قائلا هنا بالفرق،
~~ولعله من هنا قد يستظهر منه في الكتاب المشار إليها المصير إلى هذا القول،
~~وكيف كان فالملازمة ممنوعة، إذ لا مستند لها سوى القياس وهو ليس من مذهبه.
# وسابعها: الأخبار الخاصة وهي العمدة في المقام.
# منها: الصحيح المروي في الكافي، والتهذيب، والاستبصار، عن محمد بن
~~إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال: " ماء البئر واسع لا يفسده
~~شئ، إلا أن يتغير ريحه، أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح، ويطيب طعمه، لأن له
~~مادة " (2) قال الشيخ في التهذيبين: " المعنى في هذا الخبر أنه لا يفسده شئ ms464
~~إفسادا لا يجوز الانتفاع بشئ منه إلا بعد نزح جميعه، إلا ما غيره، فأما ما
~~لم يتغير فإنه ينزح منه مقدار وينتفع بالباقي " (3) وغرضه بهذا الكلام جعل
~~الرواية بحيث لم تكن منافية لوجوب النزح بدون التغير الذي يقول به تعبدا،
~~وإن كان لا يقول بنجاسة الماء.
# ويرد عليه: منع كون الإفساد مع التغير إفسادا لا يجوز معه الانتفاع بشئ
~~منه إلا بعد نزح جميعه.
# أما أولا: فلأن المنع عن الانتفاع مع التغير يدور مع التغير وجودا وعدما،
~~وإعدام التغير لا يستدعي نزح الجميع.
# وأما ثانيا: فلمنع انحصار الانتفاع في مشروط بالطهارة، لحصوله بسقي
~~الدواب والبساتين ونحوها، و مع ذلك فالمنع المتوقف رفعه على زوال التغير
~~المتوقف على النزح - على تقدير التغير - ثابت مع عدم التغير أيضا، على ما
~~يراه من وجوب النزح الذي لا يتحقق في كثير من صوره إلا في ضمن نزح الجميع،
~~فما معنى الاستثناء الوارد في الرواية؟ والتأويل المذكور بعد الجمع بينه
~~وبين قضية وجوب النزح موجب لاتحاد
# PageV01P511
# المستثنى مع المستثنى منه في الحكم فلغى الاستثناء، وهو كما ترى.
# فالإنصاف: أنها كما تدل على عدم النجاسة مع عدم التغير دلالة واضحة،
~~فكذلك تدل على عدم وجوب النزح أيضا، حيث أنه خصه بصورة التغير، كما تنبه
~~عليه صاحب المدارك في حاشية الاستبصار عند اعتراضه على الشيخ في التأويل
~~المذكور حيث قال: " وما ذكره الشيخ من معنى الخبر بعيد جدا، ومع ذلك فيتوجه
~~عليه: أن عدم جواز الانتفاع بشئ من ماء البئر يتحقق مع التغير في كثير من
~~النجاسات عند القائلين بالتنجيس، كما أنه قد يجوز الانتفاع بالباقي إذا زال
~~التغير بنزح البعض، فإطلاق القول بعدم جواز الانتفاع بشئ منه مع التغير
~~وجوازه مطلقا بدونه غير مستقيم، و هذه الرواية كما تدل على عدم انفعال
~~البئر بالملاقاة كذا تدل على عدم وجوب النزح بدون التغير، لأنه (عليه
~~السلام) اكتفى في تطهيره مع التغير بنزح ما يذهب الريح و يطيب الطعم، ولو
~~وجب نزح المقادير المعينة لم يكن ذلك كافيا، ms465 إذ لا يحصل به استيفاء المقدر،
~~و يشهد لذلك الاختلاف الكثير الواقع في قدر النزح كما ستطلع عليه، فأنه
~~قرينة الاستحباب " (1) انتهى.
# والوجه في دلالة الخبر على عدم الانفعال مع عدم التغير، أن المراد
~~بالإفساد الذي حصره (عليه السلام) في صورة التغير إنما هو التنجيس، بقرينة
~~الوصف بالسعة واستثناء صورة التغير، فأنه موجب للتنجيس فيكون المنتفي عن
~~المستثنى منه مع عدم التغير هو التنجيس أيضا، كما ذكره في أول الحاشية
~~المذكورة.
# وأما " السعة " فيمكن أن يراد بها السعة الحسية، و هي التي تفرض بحسب
~~المساحة طولا وعرضا وعمقا، فيكون في الخبر حينئذ إشعار باعتبار الكرية -
~~كما هو أحد أقوال المسألة - كما يمكن أن يراد بها السعة المعنوية، و هي
~~القوة العاصمة له عن الانفعال بدون التغير - أي القوة الغير القابلة
~~للانفعال بدونه - و هو الأظهر بقرينة وصفها بعدم الإفساد، فإن هذا الوصف
~~إما تفسير للسعة فلا يصلح إلا إذا اريد بها السعة المعنوية، لأنه وصف معنوي
~~ومن الواجب إتحاد المفسر والمفسر، أو تقييد لها فلا يصلح وصفا للكرية، لأن
~~الكر مع عدم التغير لا ينقسم إلى ما يقبل منه الفساد وما لا يقبله، بل الذي
~~ينقسم إليها الماء لا بشرط الكرية ولا بشرط عدمها، فلابد وأن يعتبر
# PageV01P512
# الموصوف أمرا معنويا والوصف تفسيريا ولا محذور، فتمت بذلك دلالة الخبر
~~على تمام مدعى القائلين بعدم الانفعال.
# وأما الاعتراض عليه تارة: بما عن المعتبر (1) من أنه مكاتبة يضعف دلالته،
~~ومن أن الفساد يحمل على فساد يوجب التعطيل، ومن أنه معارض برواية محمد بن
~~إسماعيل الآتية.
# واخرى: بأن دلالته بالعموم، ويخرج عنه بالأدلة الخاصة كما يخرج عن
~~العمومات وعن الأصل بها، و بأنه متروك الظاهر لثبوت التنجيس باللون أيضا.
# فيدفعه: منع كون هذا الخبر مكاتبة، بل المكاتبة هو الخبر الآتي الذي تمسك
~~به أهل القول بالنجاسة، ولذا قال في هذا الخبر: " قال " من دون إشعار فيه
~~بالكتابة سؤالا وجوابا، نعم المكاتبة بهذا المضمون رواها في التهذيب بطريق
~~آخر عن المفيد، عن ابن قولويه، عن ms466 أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن
~~محمد، عن محمد ابن إسماعيل بن بزيع، قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا
~~الحسن الرضا (عليه السلام) فقال: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ " الحديث
~~(2). وأن التقييد بما ذكر تأويل لا يصار إليه بلا ضرورة دعت إليه.
# والمعارضة تندفع بما يأتي من الوجوه الدافعة لاحتجاج القول بالنجاسة.
# ومنع قيام أدلة خاصة تصلح رافعة للدلالة العامة إن اريد بها العموم
~~بالقياس إلى ملاقاة نجس لا يغيره وملاقاة غير النجس، مع منع العموم من تلك
~~الجهة لظهور " شئ " بقرينة استثناء صورة التغير فيما يكون نجسا.
# وإن اريد بها العموم بالقياس إلى الكرية وعدمها، فيدفعه: أن الأدلة
~~الخاصة إن اريد بها الأخبار الواردة في البئر الدالة على التنجيس، ففيه:
~~بعد تسليم دلالتها عليه، منع كونها أخص من هذا الخبر، بل النسبة بينها
~~وبينه هو التباين، و معه يجب الرجوع إلى المرجحات، والترجيح في جانبه كما
~~يأتي بيانه.
# وإن اريد بها أدلة انفعال القليل، ليكون مفاد الاعتراض لزوم اعتبار
~~الكرية في البئر أيضا.
# ففيه: أن أدلة الانفعال منها ما لا يتناول البئر، لاختصاصها بموارد
~~مخصوصة ليس البئر منها، و منها ما يتناول بعمومه البئر كمفهوم " إذا كان
~~الماء قدر كر لا ينجسه شئ "
# PageV01P513
# ففيه: منع أخصية المفهوم، بل النسبة بينه وبين الخبر عموم من وجه، لأن
~~الخبر أعم من الكر وعدمه، والمفهوم أعم من ماء البئر وغيره، فيجب التخصيص
~~في أحدهما، وهو في المفهوم أولى منه في الخبر، لكون دلالته منطوقية
~~والمنطوق أقوى من المفهوم، ولا سيما المنطوق المؤدى بعبارة الحصر الذي هو
~~من أظهر الظواهر، ولا ريب أن الأظهر لا يترك بالظاهر.
# وأن (1) ترك ظهور الكلام في بعض فقراته كالمستثنى مثلا لدليل لا يقضي
~~بضعف ظهوره بالقياس إلى الفقرة الاخرى وهي المستثنى منه هنا.
# وحاصله: أن التقييد في المستثنى بزيادة شئ عليه لا يقضي بتقييد المستثنى
~~منه لغير جهة تلك الزيادة، ولا رفع اليد عن ظهوره بغير جهة التقييد كما لا
~~يخفى. ms467
# ومنها: الصحيح المروي في التهذيب عن على بن جعفر عن موسى بن جعفر (عليهما
~~السلام) قال: سألته عن بئر ماء وقع فيها زنبيل (2) من عذرة رطبة. أو يابسة،
~~أو زنبيل من سرقين، أيصلح الوضوء منها؟ قال: " لا بأس " (3).
# وعن الشهيد في غاية المراد: " أن المراد من العذرة والسرقين النجس، لأن
~~الفقيه لا يسأل عن ملاقاة الطاهر " (4).
# وقريب منه ما في المدارك قائلا - في دفع الاعتراض على الخبر بأن العذرة
~~والسرقين أعم من النجس فلا يدل عليه، لعدم دلالة العام على الخاص -: " بأن
~~العذرة لغة وعرفا فضلة الإنسان، والسرقين وإن كان أعم منه إلا أن المراد
~~منه هنا النجس، لأن الفقيه لا يسأل عن الطاهر " (5) أقول: هذا الكلام
~~بالقياس إلى السرقين لعله غير وجيه، لظهور " السرقين " عرفا ولغة في روث
~~الدواب، ولا جهة فيه للعموم، ولا ينافي السؤال عنه لفقاهة السائل لجواز
~~ابتنائه على توهم النجاسة في روث الدواب.
# ولقد أجاد المحقق البهبهاني في حاشية المدارك قائلا بما يرجع محصله إلى
~~دعوى: " كون المتعارف في السرقين مثل الحمار والبغل و الخيل و الأنعام،
~~وسيجئ في
# PageV01P514
# بحث النجاسات ما يدفع هذا الاستبعاد، حيث قال: جمع بنجاسة بول الدواب
~~واحتمل السائل نجاسة سرقينهم أيضا، فسأل عن صلاحية الوضوء، وكونه فقيها
~~بحيث لم يكن له إشكال أصلا في صلاحية الوضوء غير ثابت، مع أنه إنما حصل لهم
~~ولنا الفقه من سؤالهم عن المعصوم (عليه السلام).
# فالأولى أن يقال: إن الدلالة من جهة العذرة وهي كافية، أو يقال: ترك
~~الاستفصال يفيد العموم، لكن هذا فرع عدم كونه أظهر في " ما ذكر " (1)
~~انتهى.
# وبالجملة: الاستدلال بالخبر غير مبنى على ثبوت نجاسة السرقين عندنا، لما
~~في نجاسة العذرة كفاية في ذلك، وبذلك يندفع الاعتراض المشار إليه.
# وربما اعترض عليه: بأن وصول الزنبيل إلى الماء - كما هو المذكور في
~~السؤال - لا يستلزم وصول العذرة والسرقين إليه.
# ويدفعه: أن الاستلزام يثبت بحكم العادة، كما صرح به جماعة.
# واعترض عليه أيضا: بإمكان أن يراد نفي البأس بعد نزح المقدر، وحكي ms468 ذلك عن
~~الشيخ أيضا قائلا: " بأن المراد لا بأس بعد نزح ثلاثين دلوا " (2) وعنه (3)
~~احتمال آخر وهو: أن يراد بالبئر المصنع دون المعين، لأن هنا رواية اخرى "
~~إذا كان فيها كثرة " والكثرة قرينة المصنع.
# وأنت خبير بأن كل ذلك بعيد عن الصواب، وخروج عن قانون الاجتهاد، حيث لا
~~داعي إلى ارتكاب هذه الامور، وظهر أن هذا الخبر أيضا تام الدلالة على تمام
~~المطلب.
# ومنها: صحيحة معاوية بن عمار المروية في التهذيبين عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال:
# سمعته يقول: " لا يغسل الثوب، و لا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا أن
~~ينتن، فإن أنتن غسل الثوب، وأعاد الصلاة، ونزحت البئر " (4) وعن المحقق في
~~المعتبر المناقشة في سند هذا الخبر: " بأن حمادا في طريقه مشترك بين الثقة
~~والضعيف "، وفي دلالته:
# " بأن لفظ " البئر " يقع على النابعة والغدير، فيجوز أن يكون السؤال عن
~~بئر ماؤها
# PageV01P515
# محقون " (1) ودفعهما في المدارك: " بالقطع بأن حمادا هذا هو ابن عيسى
~~الثقة الصدوق، لرواية الحسين بن سعيد عنه، وروايته عن ابن عمار وهذا السند
~~متكرر في كتب الأحاديث مع التصريح بأنه ابن عيسى على وجه لا يحصل شك في أنه
~~المراد من الإطلاق كما يظهر للمتتبع، وأن البئر حقيقة في النابعة، ولهذا
~~حملت الأحكام كلها عليها واللفظ إنما يحمل على حقيقته لا على مجازه " (2)
~~أقول: ولقد أجاد رحمه الله تعالى فيما أفاد.
# ومنها: الصحيحة الاخرى عن معاوية بن عمار المروية في التهذيبين في طريق
~~فيه سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد عن أبي طالب عبد الله بن الصلت عن
~~عبد الله بن المغيرة عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) "
~~في الفأرة تقع في البئر فيتوضأ الرجل منها ويصلي، وهولا يعلم أيعيد الصلاة
~~ويغسل ثوبه؟ فقال: لا يعيد الصلاة ولا يغسل ثوبه " (3) وعن المحقق الشيخ
~~محمد في شرح الاستبصار القدح في سند الرواية قائلا:
# " وفي الفهرست الراوي عن ابن الصلت هو أحمد بن أبي عبد الله لا ابن عيسى،
~~وفي ms469 أحمد ابن أبي عبد الله نوع كلام " (4) ومراده بأحمد ابن أبي عبد الله،
~~أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و وجه الكلام فيه ما قيل في طعنه من أنه أكثر
~~الرواية عن الضعفاء واعتمد المراسيل، ولأجل ذا كان أحمد بن محمد ابن عيسى
~~أبعده عن قم، ثم أعاده إليها واعتذر إليه.
# لكن فيما نقله عن الفهرست نظر، لأن أحمد بن محمد بن عيسى أيضا يروي عن
~~ابن الصلت كما نقل عن كتاب المشتركات (5) فهما معا يرويان عن ابن الصلت،
~~كما أن سعد بن عبد الله يروي عنهما معا، غير أن ذلك لا يجدي في تعيين كون
~~أحمد هنا هو ابن عيسى، لما عرفت من اشتراكهما في الوصف، ولعله غير قادح في
~~صحة الرواية وإن لم يتعين هذا الراوي، لأنهما معا ثقتان، ولذا قيل في ترجمة
~~ابن أبي عبد الله: " أنه كان ثقة في نفسه " (6) وعن ابن الغضائري: " طعن
~~عليه القميون وليس الطعن فيه إنما الطعن فيمن يروي عنه، فإنه كان لا يبالي
~~عمن أخذ على طريقة أهل الأخبار " (7) وحينئذ فهذا السند صحيح جدا، لكون ابن
~~الصلت الذي يروي عنه في هذا السند من الثقات، فلا
# PageV01P516
# وجه للقدح في الرواية من حيث السند كما لا وجه للقدح فيها من حيث
~~الدلالة، باحتمال وقوع الفأرة بعد الوضوء مع أنه لا دلالة فيها على موتها
~~فيها، فإن الاحتمال المذكور يأباه لفظة " الفاء " في قوله: " فيتوضأ الرجل
~~منها " عقيب قوله: " في الفأرة تقع في البئر " وبذلك يندفع احتمال عدم
~~موتها فيها، فإن مقتضى ظهور ترتيب " الفاء " تبين وقوعها قبل الوضوء
~~والصلاة، ولا ريب أن العادة تأبى عن بقائها حية في الماء في هذا المقدار من
~~الزمان.
# وفي معنى هذا الخبر موثقة أبان بن عثمان (1)، ورواية (2) جعفر بن بشير عن
~~أبي عيينة عن أبي عبد الله (عليه السلام) - ففي الاولى - قال: سئل عن
~~الفأرة تقع في البئر، لا يعلم بها إلا بعد ما يتوضأ منها، أيعاد الصلاة؟
~~فقال: " لا " (3).
# وفي الثانية قال: سئل أبو عبد ms470 الله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في
~~البئر، فلا يعلم بها أحد إلا بعد ما يتوضأ منها، أيعيد وضوءه وصلاته، ويغسل
~~ما أصابه؟ فقال: " لا " (4).
# ومنها: موثقة زيد بن محمد بن يونس أبي اسامة الشحام، لأبان بن عثمان عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا وقع في البئر الطير والدجاجة
~~والفأرة فانزح منها سبع دلاء "، قلنا:
# فما تقول: في صلاتنا: ووضوئنا: وما أصاب ثيابنا؟ فقال: " لا بأس به "
~~(5)، والمناقشة فيها باحتمال عدم تحقق الموت ليست على ما ينبغي، لكونها
~~دفعا للظاهر.
# ومنها: صحيحة محمد بن مسلم المروية في التهذيب عن أحدهما (عليهما السلام)
~~في البئر يقع فيها الميتة، قال: " إذا كان له ريح نزح منها عشرون دلوا "،
~~وقال: " إذا دخل الجنب البئر نزح منها سبع دلاء " (6)، ودلالتها بالمفهوم
~~بناءا على ما قيل من أن النزح لزوال الريح غالبا بالعشرين، فيدل على نفي
~~النزح على تقدير عدم الريح، ولكنه إنما يستقيم على تقدير تذكير الضمير
~~لعوده إلى " الماء " حينئذ - كما في النسخة الحاضرة عندنا - وأما
# PageV01P517
# على تقدير تأنيث الضمير - كما في نسخ اخرى نقلها غير واحد من أصحابنا -
~~فيحتمل عوده إلى البئر، أو إلى الميتة، فلا دلالة فيها إذن على أن النزح
~~إنما هو لأجل التغير الذي يزول غالبا بالعشرين.
# ولكنه لا يقدح في دلالته على أنه ليس لأجل النجاسة، بقرينة اعتبار نزح
~~سبع دلاء لدخول الجنب، لأن الجنب بوصف دخوله في البئر لا يستلزم بدنه
~~مباشرة النجاسة والاشتمال عليها كما لا يخفى، فالرواية بعمومها الشامل
~~لصورة عدم اشتماله عليها تدل على النزح، وهو لا يجامع نجاسة الماء.
# وبذلك يتوهن ما أورد عليها: من أنها لا تدل على أنه إذا لم يكن لها ريح
~~لم ينزح شئ، فإن دلالتها على النزح - على تسليم وجوبه - أعم من النجاسة
~~فضلا عن توجه المنع إلى وجوبه.
# ومنها: موثقة يعقوب بن عثيم بأبان بن عثمان، قال: قلت لأبي عبد الله
~~(عليه السلام) سام أبرص وجدناه قد تفسخ في البئر؟ قال: إنما عليك أن تنزح ms471
~~منها سبع أدل (1)، قلت:
# فثيابنا التي قد صلينا فيها نغسلها ونعيد الصلاة؟ قال: " لا " (2).
# وروي في التهذيب عقيب ذلك مرسلا عن جابر بن يزيد الجعفي، أنه سأل أبا
~~جعفر (عليه السلام) عن السام أبرص في البئر (3) فقال: " ليس بشئ حرك الماء
~~بالدلو " (4).
# ولو قيل: بمنع نهوض ذلك دليلا على عدم النجاسة، لتوجه المنع إلى كون "
~~سام أبرص " (5) من ذوات الأنفس، لعارضناه: - بعد التسليم - بمنع نهوض النزح
~~الوارد في الأخبار دليلا على النجاسة لوروده بعينه في " سام أبرص " كما في
~~الموثقة.
# ومنها: موثقة عبد الكريم بن عمرو الواقفي الثقة، عن أبي بصير، قال: قلت
~~لأبي عبد الله (عليه السلام) بئر يستقى منها، وتوضئ به، وغسل منه الثياب، و
~~عجن به، ثم علم أنه كان
# PageV01P518
# فيها ميت؟ قال: " لا بأس، ولا يغسل الثوب، و لا تعاد منه الصلاة " (1)
~~ومنها: صحيحة زرارة الواردة في زيادات التهذيب، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير، يستقى به الماء من
~~البئر، أيتوضأ من ذلك الماء؟ قال: " لا بأس " (2).
# ولكن دلالته على المطلب مبنية على كون المراد " بالماء " المسؤول عن
~~التوضي به هو ما في البئر، بناء على أنه لا ينفك عن ملاقاته الحبل عادة،
~~ولا عن ملاقاة ما في الدلوله ثم سقوط القطرات منه إليها، ولعله الأظهر.
# وهاهنا روايات اخر ضعيفة الأسانيد بإرسال ونحوه دالة على المطلب، كرواية
~~زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلوا
~~يستقى به الماء؟ قال: " لا بأس " (3) (4). وظاهر السياق وإن كان يقتضي كونه
~~واردا لبيان حكم أصل الاستعمال تكليفا، لكونه استعمالا لنجس العين وانتفاعا
~~به، إلا أن قضية منصب الإمامة ورجحان الدعاء إلى الخير أو وجوبه، أن تنبه
~~(عليه السلام) على الانفعال لو كان ملاقاة النجاسة موجبة لانفعاله، لئلا
~~يستعمل من مائه بلا تطهير.
# ومرسلة علي بن حديد، عن بعض أصحابنا، قال: " كنت مع أبي عبد الله (عليه
~~السلام) في طريق مكة فصرنا إلى بئر، فاستقى غلام أبي عبد ms472 الله (عليه
~~السلام) دلوا فخرج فيه فأرتان، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أرقه،
~~فاستقى آخر، فخرج فيه فأرة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أرقه، قال
~~فاستقى الثالث فلم يخرج فيه شئ، فقال: صبه في الإناء، فصبه في الإناء "
~~(5).
# وأورد عليه الشيخ في التهذيب: بأن علي بن حديد رواه عن بعض أصحابنا ولم
~~يسنده، وهذا مما يضعف الحديث، ويحتمل مع تسليمه أن يكون أراد بالبئر المصنع
~~الذي فيه من الماء ما يزيد مقداره على الكر، فلا يجب نزح شئ منه، ثم لم يقل
~~أنه توضأ منه بل قال: " صبه في الإناء " وليس في قوله: " صبه في الإناء "
~~دلالة على جواز استعماله في الوضوء، ويجوز أن يكون إنما أمره بالصب في
~~الإناء للشرب، وهذا يجوز
# PageV01P519
# عندنا عند الضرورة " (1).
# ولا يخفى ما في الوجهين الأخيرين من التكلف، وإنما دعاه إليه مصيره إلى
~~وجوب النزح، مع ما في وجهه الأخيرين من إمكان المنع، لما عن المحقق في
~~المعتبر من أنه ذكره وزاده في آخره: " فصبه فتوضأ منه، وشرب " (2).
# وما أرسله الصدوق: " أنه كان في المدينة بئر وسط مزبلة، وكانت الريح تهب
~~وتلقي فيها العذرة، وكان النبى (صلى الله عليه وآله) يتوضأ منها " (3).
# ورواية محمد بن القاسم عن أبي الحسن (عليه السلام): في البئر يكون بينها
~~وبين الكنيف خمس أذرع، أو أقل، أو أكثر، يتوضأ منها؟ قال: " ليس يكره من
~~قرب ولا بعد، يتوضأ منها ويغتسل ما لم يتغير الماء " (4).
# ومن الروايات المعتبرة في هذا الباب موثقة عمار، قال سئل أبو عبد الله
~~(عليه السلام) عن البئر تقع فيها زنبيل عذرة يابسة أو رطبة، قال: " لا بأس،
~~إذا كان فيها ماء كثير " (5).
# قيل فيوجه دلالتها: أن الكثرة العرفية غير معتبرة في الماء إجماعا إلا
~~للتحفظ عن التغير، ولم يثبت الحقيقة الشرعية في لفظ " كثير " ليكون الرواية
~~دليلا على اعتبار الكرية في البئر.
# وبالجملة: هذه جملة روايات أكثرها معتبرة الأسانيد، واضحة الدلالات،
~~عثرنا عليها في الباب تدل بإطلاقها على عدم انفعال ماء البئر بمجرد ms473
~~الملاقاة، كرا كان أو دونه، فهي بالقياس إلى الكر على طبق الأصل الثابت
~~فيه، وبالقياس إلى ما دونه تنهض حاكمة على أدلة انفعال القليل، إما لأنه لا
~~تعارض بينهما لعدم تناول أكثر تلك الأدلة لماء البئر، أو لكون التأويل فيها
~~أولى، إن كان النظر فيها إلى ما يعارض بعمومه أخبار الباب معارضة العامين
~~من وجه.
# فظهر إذن أن الأقوى في المسألة ما صار إليه معظم المتأخرين، من عدم
~~الانفعال مطلقا.
# ومما يمكن أن يؤخذ دليلا على هذا المطلب - مضافا إلى ما سيأتي الإشارة
~~إليه -
# PageV01P520
# أن النوع الواحد من النجاسة لا يعقل أن يختلف أفراده في اقتضاء بعضها من
~~المطهر ما يزيد على ما اقتضاه الآخر بمراتب شتى، ولو فرضناها متساوية في
~~الوصف والمقدار، ولازم قولهم بالانفعال هو الاختلاف، نظرا إلى ما سيأتي في
~~ذيل مسائل النزح من أن " الدلو " الوارد في الروايات محمولة عندهم على ما
~~جرت العادة باستعماله في شخص البئر، ولا ريب أنه يختلف في الصغر والكبر،
~~وقد اعتبر في النزح عن بول الرجل مثلا أربعون دلوا بما هو متعارف على البئر
~~التي وقع فيها البول، والمطهر إما الماء المتجدد، أو نفس النزح، وعلى
~~التقديرين يلزم الاختلاف لو فرضنا آبارا متعددة وقع في كل منها من أفراد
~~بول الرجل ما هو بوصف واحد، ومقدار واحد.
# أما على الأول: فلأنه قد يبلغ مجموع أربعين دلوا إلى الكر وما فوقه، وقد
~~يبلغ إلى نصف الكر، وقد يبلغ إلى ثلثه، وقد يبلغ إلى ربعه وهكذا، ومنشأ ذلك
~~الاختلاف إنما هو اختلاف دلاء هذه الآبار في الكبر والصغر، فرجع حكم النزح
~~حينئذ إلى أن يقول الشارع: ماء هذه البئر لا يطهر إلا بكر من الماء، وماء
~~هذه الاخرى يطهر بنصف الكر، ولا يطهر بما دونه، وماء هذه الثالثة يطهر ثلثه
~~و لا يطهر بما دونه مع أن النجاسة الواقعة في الكل هو البول على مقدار واحد
~~في وصف واحد، ومثل هذا الحكم حزازة لا ينبغي نسبتها إلى جاهل، فضلا عن
~~الحكيم العادل. ms474
# وأما على الثاني: فواضح، أو يتضح بملاحظة ما ذكرناه على الأول.
# وأما القول بالانفعال مطلقا: فليس عليه إلا وجوه واضحة الدفع، غير واضحة
~~الدلالة في أكثرها.
# منها: أنه يقبل النجاسة بالانفعال فيقبلها بالملاقاة، حكاه العلامة في
~~المختلف (1) فأجاب عنه أولا: " بأنه قياس لا نقول به، وثانيا: بإبداء
~~الفارق بين حالتي الانفعال وعدمه، فإن الماء حالة الانفعال مقهور بالنجاسة،
~~فيبقى الحكم وهو الامتناع من استعماله ثابتا وفي حالة عدم الانفعال كان
~~الماء قاهرا فيبقى حكم الماء وهو استعماله ثابتا، ومع قيام الفرق بطل
~~القياس، وثالثا: أن المشترك غير صالح للعلية، لوجوده في
# PageV01P521
# الواقف الكثير، مع تخلف الحكم عنه " (١).
# ومنها: ما حكاه في المختلف (٢) أيضا من: أن التيمم سائغ عند الملاقاة
~~للنجاسة وليس بسائغ عند وجود الماء الطاهر، فالملاقاة للنجاسة توجب
~~التنجيس، أما الأول:
# فلما رواه عبد الله بن أبي يعفور - في الصحيح - عن الصادق (عليه السلام)
~~قال: " إذا أتيت البئر وأنت جنب، فلم تجد دلوا ولا شيئا تغرف به فتيمم
~~بالصعيد الطيب، فإن رب الماء رب الصعيد ولا تقع في البئر، ولا تفسد على
~~القوم ماءهم " (٣).
# وأما الثاني: فللإجماع ولقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (4).
# وقد يقرر الاستدلال من الصحيحة المذكورة: بالأمر بالتيمم، المتوقف على
~~تنجيس البئر بالاغتسال فيها، وبالنهي عن الوقوع والإفساد المترتب عليه،
~~الذي يراد به النجاسة، كما سبق بيانه في صحيحة محمد بن بزيع في جملة أدلة
~~القول بالطهارة.
# والأولى أن يقال في تقريره: أن الملاقاة للنجاسة لو لم تكن سببا لنجاسة
~~البئر لما ساغ التيمم عند انحصار سبب الاغتسال فيها، والتالي باطل للصحيحة
~~المذكورة والمقدم مثله.
# والجواب: منع انحصار سبب الاغتسال في مورد الرواية في ملاقاة النجاسة
~~للبئر، كيف وهو موقوف على فرض اشتمال بدن الجنب المفروض فيها على النجاسة،
~~وهو ليس بلازم عقلي ولا غالبي له، فإطلاق النهي عن الوقوع في البئر يشمل
~~صورتي الاشتمال وعدمه، فيكون أعم، والعام لا يدل على الخاص، و هو التنجيس.
# و لو سلم أن الاشتمال ms475 عليها كان متحققا في خصوص المورد وقد علم به الإمام
~~(عليه السلام)، فنمنع الملازمة بينه وبين تنجيس البئر، كيف وهو مبني على
~~كون الإفساد المنهي عنه مرادا به التنجيس، وهو في حيز المنع.
# أما أولا: فلأن الإفساد أعم من التنجيس، والعام لا يدل على الخاص، فلعل
~~المراد به هنا كون الاغتسال في البئر مستتبعا للاستقذار وتنفر الطباع عن
~~مائها بعده، أو لإثارة الوحل وانكداره باستلزامه لامتزاج الأجزاء الوحلية
~~به، أو لصيرورته مستعملا في الحدث الأكبر، وهو مما يراه القوم رافعا
~~لطهوريته.
# فلا يقاس ذلك على الإفساد الوارد في صحيحة ابن بزيع المحمول على التنجيس،
# PageV01P522
# لأن ذلك الحمل ثمة إنما هو بقرينة ما تقدم من وصف الواسعية، واستثناء
~~التغير الموجب للتنجيس لا محالة، المقتضي لكون الحكم المنفي في المستثنى
~~منه هو التنجيس أو ما يعمه، لئلا يلزم عدم ارتباط الاستثناء بسابقة، للزومه
~~كون المنفي في المستثنى منه شيئا والمثبت في المستثنى شيئا آخر.
# وأما ثانيا: فلأنه لو كان علة المنع التنجيس، لكان التعليل باللغوية
~~وزيادة محذور النجاسة في البدن، وعدم تأتي الغرض - وهو زوال الحدث - أولى
~~من التعليل بفساد الماء على القوم، الذي علاجه سهل لزواله بالنزح المتعدد،
~~إذ المفروض أن الماء ينجس بمجرد الملاقاة فلا يفيد رفعا للحدث، ومع ذلك
~~يفيد نجاسة البدن كله لملاقاته الماء النجس، واحتمال طهره بالانفصال عن
~~الماء وبقاء الماء نجسا مبنى على عدم اشتراط ورود الماء على المحل النجس في
~~تطهيره مطلقا، حتى في البدن إذا غسل فيما ينفعل، ولعله ممنوع كما يأتي في
~~محله.
# وأما ثالثا: فعلى تسليم كون المراد به التنجيس، فكونه هو التنجيس الواقعي
~~الذي يراه الشارع تنجيسا في حيز المنع، لجواز كون المراد به ما هو التنجيس
~~بحسب اعتقاد القوم ومذهبهم الفاسد، نظرا إلى أن المراد بهم الفرقة الغير
~~المحقة القائلين بالتنجيس، حيث قد عرفت كونه مذهبا للجمهور - على ما حكاه
~~العلامة (1) ووافقه آخرون - فلعل الراوي كان محشورا معهم، وكانت البئر
~~متعلقة بهم، وهم يزعمون الملاقاة للنجاسة سببا للتنجيس.
# ومما يومئ ms476 إلى إرادة هذا المعنى تعبيره عليه السلام بعدم افساده على
~~القوم مائهم، فلو كان ذلك سببا للتنجيس في متن الواقع لكان الأولى التعبير
~~بما يخص الراوي، أو بما يعمه أيضا، بأن يقول: " لا تفسد الماء على نفسك "،
~~أو " لا تفسده مطلقا "، أو مع " قيد على أنفسكم " وما يؤدي مؤداه، فتأمل.
# ومنها: جملة من الأخبار كصحيحة محمد بن إسماعيل المروية في التهذيبين،
~~والكافي، قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام)
~~عن البئر يكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم، أو يسقط
~~فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها
~~للصلاة؟ فوقع (عليه السلام) في كتابي بخطه:
# PageV01P523
# " ينزح منها دلاء " (1) ولو كانت طاهرة لما حسن تقريره على السؤال.
# وصحيحة علي بن يقطين المروية في التهذيبين، عن أبي الحسن موسى بن جعفر
~~(عليه السلام) قال: سألته عن البئر يقع فيها الحمامة، والدجاجة، والفأرة،
~~أو الكلب أو الهرة، فقال: " يجزيك أن تنزح منها دلاء، فإن ذلك يطهرها إن
~~شاء الله " (2)، ولو كانت طاهرة لكان تعليل التطهير بالنزح تعليلا لحكم
~~سابق بعلة لاحقة، وهو محال.
# وموثقة عمار - الواردة في التهذيب - عن أبي عبد الله (عليه السلام) في -
~~حديث طويل - قال:
# وسئل عن بئر يقع فيها كلب، أو فأرة، أو خنزير؟ قال: " ينزف كلها، فإن غلب
~~عليه الماء فلينزف يوما إلى الليل، ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين
~~اثنين، فينزفون يوما إلى الليل وقد طهرت " (3).
# وحسنة زرارة، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير بإبراهيم بن هاشم - الموجودة في
~~التهذيبين، وفي الكافي اختلاف يسير في بعض ألفاظها - قالوا: قلنا له: بئر
~~نتوضأ منها يجري البول قريبا منها، أينجسها؟ قالوا: فقال: " إن كانت البئر
~~في أعلى الوادي (4) والوادي يجري فيه البول من تحتها، فكان بينهما قدر
~~ثلاثة أذرع، أو أربعة أذرع لم ينجس ذلك شئ، وإن كانت البئر في أسفل الوادي
~~ويمر الماء عليها، وكان بين البئر وبينه سبعة أذرع لم ينجسها، وما كان أقل ms477
~~من ذلك لم يتوضأ منه ".
# قال زرارة: فقلت له: فإن كان مجرى بلزقها (5) وكان لا يلبث (6) على الأرض
~~فقال:
# " ما لم يكن له قرار فليس به بأس، وإن استقر منه قليل فإنه لا يثقب الأرض
~~ولا قعر له حتى يبلغ إليه، وليس على البئر منه بأس، فتوضأ منه، إنما ذلك
~~إذا استنقع كله " (7).
# PageV01P524
# وفي نسخة اخرى محكية عقيب قوله (عليه السلام): " أو أربعة أذرع " قوله: "
~~لم ينجس شئ من ذلك، وإن كان أقل من ذلك نجسها، قال: وإن كانت البئر في أسفل
~~الوادي، ويمر الماء عليها، وكان بينه وبين البئر تسعة أذرع لم ينجس، وما
~~كان أقل من ذلك فلا تتوضأ منه، فقلت له: فإن كان مجرى البول يلصقها... "
~~الحديث (1).
# والجواب عن الأول: منع كون السائل معتقدا بالنجاسة حتى يلاحظ فيه التقرير
~~وعدمه، وإن عبر في سؤاله بلفظ " التطهير " الموهم لذلك، لجواز كون عدم
~~النجاسة معهودا فيما بينه وبين المسؤول، معلوما له منه (عليه السلام)، وأن
~~النزح إنما يجب تعبدا، أو أنه مستحب مع جهله بوظيفة الواجب التعبدي، أو
~~الاستحباب في مفروض السؤال، فسأل عنه بعبارة: " ما الذي يطهرها؟ " تورية
~~وتحفظا عن عثور المخالف على ما هو عليه من المذهب، فأجابه الإمام (عليه
~~السلام) على وفق غرضه من السؤال، لعلمه (عليه السلام) به بما أفاده التخيير
~~في مراتب الجمع المناسب للاستحباب.
# ويقوى هذا الاحتمال بملاحظة أن السائل كان يعد من وزراء الخليفة، فدواعي
~~التقية بالنسبة إليه كانت متحققة من جهات عديدة، مع ملاحظة أن المسألة فيما
~~بينه وبين المسؤول حصلت بطريق المكاتبة، ومن الواضح أن المراسلة وإن ارسلت
~~في خفية مما يظفر عليه الأعداء المستور عنهم كثيرا، خصوصا في حق من يكثر
~~عنده تردد المخالفين، و هو يعاشرهم ليلا ونهارا، ولا معنى لأصالة عدم
~~التقية مع قيام هذه الدواعي وقوة احتماله.
# ولو سلم أنه كان معتقدا بالنجاسة، ولم يكن في سؤاله مظهرا للتقية مريدا
~~به التورية، ولكن الجواب الصادر عن الإمام (عليه السلام) إما ردع له عما
~~اعتقده، أو إمساك ms478 عن الردع صريحا مع التنبيه على خطئه في اعتقاده ومخالفته
~~للواقع، وذلك لأن صيغة الجمع في قوله (عليه السلام): " ينزح دلاء " إما
~~يراد بها الماهية المطلقة التي مفادها التخيير بين مصاديقها المترتبة التي
~~منها أقل مراتب الجمع، أو مراد بها الإهمال الغير الملحوظ معه شئ من
~~الإطلاق والتقييد، أو مراد بها المرتبة المعينة من مراتب الجمع مع عدم
~~إفادته التعيين للسائل أصلا، أو تأخير بيانه إلى زمان آخر، أو إحالته في
~~معرفة التعيين
# PageV01P525
# إلى ما تقرر منه في الخارج.
# ولا سبيل إلى الأخير بشئ من محتملاته، إذ مبنى الفرض على أن السائل بعد
~~اعتقاده بأصل النجاسة، وأن زواله يفتقر إلى مطهر لا محالة، تصدى للسؤال عن
~~تعيين المطهر، كما هو ظاهر قوله: " ما الذي يطهرها "؟ فهو على تقدير إصابة
~~اعتقاده للواقع كان في مقام الحاجة إلى البيان، ولو كانت حاجته مجرد العلم
~~بحكم المسألة فلا يناسبه الإجمال، ولا تأخير البيان إلى غير زمن السؤال،
~~ولا إحالته إلى ما هو مقرر في الخارج، لأن ذلك يوجب خروج السؤال منه لغوا،
~~حيث أنه قبل السؤال كان عالما - على فرض علمه بالنجاسة بحسب الواقع - بأن
~~هناك مطهرا معينا في الواقع مقررا في الخارج، ولو كان مجرد ذلك كافيا له في
~~استحصال التعيين لما تعرض للسؤال.
# واحتمال اقتران الجواب بالبيان أيضا، أو بما يرشده إلى البيان الثابت في
~~الخارج وقد اختفى ذلك علينا، يدفعه: الأصل، فتعين حينئذ أحد الوجهين
~~الأولين.
# ولا ريب أن الجواب على أولهما يفيد ردعا للسائل عن اعتقاده، لأن التخيير
~~المطلق لا يلائم العدد المعين الذي يعتبره أهل القول بالنجاسة، فيرجع مفاده
~~إلى أن مورد السؤال لم يقرر له في الشريعة مطهر معين، لا لأنه يحتاج إلى
~~مطهر معين ولم يبين مطهره، فإن ذلك محال على الإمام (عليه السلام) لكونه من
~~أنحاء الجهل بالحكم الشرعي، بل لأنه لا يفتقر إلى مطهر فكيف يستحصل تعيينه.
# غاية الأمر أن هناك نزحا ثابتا بعنوان الوجوب، أو الاستحباب، وأنت مخير
~~فيه بين الزائد والناقص، ولا ms479 يعقل التخيير بينهما بالقياس إلى المطهر الذي
~~هو من قبيل الوضعيات - لو سلمنا إمكانه في التكليفيات - لأن الوضعيات -
~~التي تكون من مقولة المقام - أسباب واقعية لا تتغير باعتبار العلم والجهل،
~~والقصد والإرادة، فلا يطرأها الاختلاف بالوجوه والاعتبارات، فالناقص إن كان
~~صالحا للتطهير فبمجرد حصوله يترتب عليه الأثر، ويبقى اعتبار الزيادة في
~~الفرد الزائد لغوا، وقصد اختيار الزائد لا يعطيها التأثير والمدخلية في
~~الأثر.
# بخلاف التكليفيات فإنها لقبولها التغير والاختلاف بالوجوه والاعتبارات،
~~التي منها قصد المكلف ونيته، ومنها اشتمال الناقص بوصف أنه ناقص على مصلحة
~~مشتركة بينه PageV01P526
# وبين الزائد بوصف أنه زائد، أمكن اعتبار التخيير فيها بينهما بدعوى: كون
~~مناط الفردية في كل منهما هو القصد والنية - كما عليه بعضهم - أو وصفي
~~الزيادة والنقصان من حيث إنهما متقابلان تقابل الملكة والعدم، وقد لاحظهما
~~الشارع ووجدهما مشتملتين معا على خصوصية معتبرة في أفراد المخير فيه
~~المتشاركتين في المصلحة الداعية إلى إيجاب التخيير، كما فصلناه في
~~تحقيقاتنا الاصولية.
# هذا شئ يتكلف على تقدير وجوب النزح، وإلا فعلى تقدير استحبابه - كما هو
~~الأظهر - فلا حاجة إلى شئ من التكلف، لأن مراتب الاستحباب مما يقبل
~~الاختلاف في زيادة الرجحان ونقصانه إلى أن يبلغ مرتبة رجحان الوجوب، ومع
~~بلوغه له يسقط حكم التخيير فيما بين المراتب الباقية المندرجة تحت الرجحان
~~الملزم، وإن أمكن اختلافها في القوة والضعف لو فرضنا المزية في ذي المزية
~~بنفسها كافية في الإيجاب والإلزام، فإن ذلك مما يقضي بإيجاب التعيين، ولا
~~يقبل التخيير بينه وبين الفاقد لتلك المزية وتمام الكلام في محله.
# كما أنه على ثانيهما (1) إمساك عن بيان الواقع مع التنبيه الإجمالي على
~~أن السؤال الكاشف عن الاعتقاد ليس على ما ينبغي، وهو كما ترى مما لا يستقيم
~~إلا إذا لم يكن المقام مقتضيا لبيان الواقع، فلولا السؤال على خلاف الواقع
~~لم يعقل مانع عن بيان تفصيله، لموافقته ما عليه العامة الذين يكون التقية
~~في مواردها من جهتهم، وأصالة عدم الخوف والتقية - على فرض جريانها في
~~المقام، مع ملاحظة ما ذكر ms480 سابقا من وجود دواعيها - يعارضها أصالة عدم
~~اقتران الخطاب بما يفيد بيان التعيين، لأن ذلك لا يجدي نفعا إلا على تقدير
~~فرض السائل سائلا عن تعيين المطهر، وكون الجواب متضمنا لما يحصل به الغرض.
# فالأولى حمل الجواب على هذا الوجه الثاني، بدعوى: أن الإمام (عليه
~~السلام) أهمل في جوابه - لداعي الخوف - عن الردع القائم في خصوص مورد هذا
~~السؤال، مؤخرا له إلى مقام يقتضيه بتجرده عن دواعي الخوف، فردعه بما صح عنه
~~من الرواية المتقدمة التي هي أول روايات الطهارة في وقت آخر، إذ المفروض أن
~~هذه الرواية مع ما استدل بها
# PageV01P527
# على النجاسة صحتا معا عن ابن بزيع، فليحمل كلام الإمام (عليه السلام) في
~~إحداهما على الإهمال الناشئ عن الخوف لوجود دواعيه حين صدوره، وفي اخراهما
~~على بيان الواقع المفيد للردع، لعراء مقام صدوره عن تلك الدواعي، ومع الغض
~~عن جميع ذلك فنقول: إن هاتين الروايتين مع صحتهما معا، واتحاد الطريق فيهما
~~متعارضتان جزما، فلابد إما من الجمع بينهما بإرجاع إحداهما إلى الاخرى
~~باعتبار الدلالة، أو جهة الصدور، أو مراجعة الترجيح فيما بينهما، أو
~~إرجاعهما إلى باب التعادل المقتضي للتخيير فيما بينهما، وعلى كل تقدير كان
~~المتعين العمل بالرواية القاضية بالطهارة.
# أما على التقدير الأول: فلأن بناء العمل على رواية النجاسة بجعلها حاكمة
~~على رواية الطهارة يستلزم فساد الاستثناء الواقع فيها، لابتناء صحة هذا
~~الاستثناء على اعتبار المستثنى منه ملاقاة النجاسة أعم من المغيرة وغير
~~المغيرة، فلو أخرجت الملاقاة المغيرة بالاستثناء والملاقاة الغير المغيرة
~~برواية النجاسة لزم كذب المستثنى منه.
# ولا يرد نظير ذلك في عموم أدلة التغير المتقدمة التي منها: النبوي " خلق
~~الله الماء طهورا لا ينجسه شئ، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (1). بعد
~~الجمع في تخصيصها بين الاستثناء الوارد فيها وأدلة انفعال القليل، لأن مرجع
~~هذين التخصيصين إلى تخصيص " شئ " بما عدا النجاسة المغيرة باستثناء
~~المذكور، وتقييد " الماء " بالكر بموجب أدلة انفعال القليل، ولا يلزم من
~~ذلك محذور من حيث كون لفظة " الماء " أعم ms481 من الكر، ولفظة " شئ " أعم من
~~النجاسة المغيرة والنجاسة الغير المغيرة، وبعد ارتكاب التقييد مع التخصيص
~~المذكورين يبقى تحت اللفظين الكر وما زاد عليه مع النجاسة الغير المغيرة،
~~فصدق بذلك المستثنى منه جزما، ولا يتأتى نظير هذا الفرض في المقام، لأن
~~مبنى الاستدلال برواية النجاسة على دعوى: نجاسة ماء البئر - وإن كان كرا -
~~بملاقاة النجاسة ولو لم يكن مغيرة، فلا يبقى تحت المستثنى منه شئ.
# ولو قدرنا المستثنى عاما بالقياس إلى ملاقاة النجاسة وعدم ملاقاتها لزم
~~فساد آخر، وهو كون السلب الوارد فيه من باب السالبة المنتفية الموضوع، ولو
~~قدرناه عاما بالقياس إلى ملاقاة النجاسة وملاقاة ما عدا النجاسة لزم فساد
~~ثالث، وهو حمل
# PageV01P528
# المستثنى منه بعد الاستثناء والتخصيص على ملاقاة غير النجاسة، فيرجع
~~مفاده إلى أن ملاقاة غير النجاسة لا يوجب فساد الماء، وهو كما ترى من باب
~~توضيح الواضحات، وهو كما ترى مما لا ينبغي حمل كلام الحكيم عليه.
# فلابد من تطرق التصرف إلى رواية النجاسة، إما بحملها على التقية، أو بحمل
~~" التطهير " الوارد فيها مع ضميمة التقرير على رفع الاستقذار وتنفر الطبع،
~~وليس شئ من ذلك بعيدا في مقابلة المحاذير المذكورة، مع وجود ما يقربهما
~~معا، أما الأول: فلما مر من قيام دواعي التقية، وأما الثاني: فلورود لفظ "
~~التطهير " في الروايات على هذا المعنى.
# وأما على التقدير الثاني: فلوضوح أن الترجيح في جانب رواية الطهارة
~~لموافقتها الأصل، والعمومات القرآنية القاضية بطهارة الماء بحسب الخلقة
~~الأصلية، ومخالفتها لمذهب العامة، وكونها بعضا من مجموع الأخبار المتقدمة
~~التي أكثرها معتبرة فيما بين صحاح وموثقات، فإن المعارضة في الحقيقة فيما
~~بين مجموع تلك الأخبار والأخبار المذكورة للقول بالنجاسة، ولا ريب أن
~~الكثرة من المرجحات، وليس في جانب تلك الأخبار إلا الإجماعات المنقولة
~~والشهرة العظيمة، وهي موهونة بقوة المخالف، والعلم باستنادها إلى أدلة
~~ضعيفة غير واضحة الدلالة، الغير السليمة عن قصور جهة صدورها، ولا ينبغي
~~اعتبار الكثرة فيها بضم أوامر النزح الواردة في أنواع النجاسات - حسبما
~~يأتي تفصيلها - لأن ذلك فرع سلامة ms482 تلك الأوامر عما يزاحمها مما يقتضي حملها
~~على الاستحباب، وستعرف قيام ذلك في المقام من وجوه عديدة.
# وأما على التقدير الثالث (1): فلأن المقام - مع أنه ليس من جزئيات
~~التعادل، لما عرفت من وجوه المرجح من جهات عديدة - قابل لاختيار كل من
~~المتعارضين، فلم لا يختار أخبار الطهارة، مع أن العمل بها عمل بالأصل،
~~وعمومات الطهارة، والأدلة النافية للعسر والحرج، وعمومات السمحة السهلة.
# وبجميع ما قررناه في الوجه الأخير من البداية إلى تلك النهاية ينقدح
~~الجواب عن الأخبار الاخر، فإن طريق الاستدلال بها واحد، وإن كان بعضها أظهر
~~في الدلالة على الانفعال من البعض الآخر فيكون طريق الجواب أيضا واحد، وإن
~~كان لا يجري بالنسبة
# PageV01P529
# إليها الوجهان الأولان مما ذكرناه بالقياس إلى الصحيحة الاولى، كما لا
~~يخفى على المتأمل.
# ومحصل الجواب: أن ترك العمل بأخبار الطهارة عملا بأخبار النجاسة خلاف
~~الإنصاف، وخلاف طريقة الاجتهاد وقواعد الاستنباط، وقوانين فهم الألفاظ،
~~وليس لهذا القول بعد ذلك مما يصلح الاستناد إليه إلا الإجماعات المنقولة
~~المعتضدة بالشهرة العظيمة، والأخبار المتضمنة للنزح كما حكي الاستدلال بهما
~~أيضا.
# والجواب عن الاولى: قد تبين بما ذكر من قيام ما يوهنها، فلا يمكن التعويل
~~عليها، وعن الثانية: بمنع دلالتها على الوجوب أولا، لقيام ما يزاحمها في
~~تلك الدلالة مما يصرفها إلى الاستحباب أولا (1)، ومنع الملازمة بين وجوب
~~النزح والنجاسة، بعد قيام قوة احتمال التعبد - كما عليه جماعة - ولا سيما
~~مع ملاحظة كون الحمل عليه طريق جمع بينها وبين أخبار الطهارة، مع كثرتها
~~واعتبارها سندا وقوتها دلالة، مضافا إلى ورود النزح في أشياء طاهرة كما
~~ستعرف.
# وأما القول بالفرق بين الكر وما دونه: فحكي الاحتجاج له بوجوه:
# أحدها: رواية الحسن بن صالح الثوري المروية في التهذيبين عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال: " إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شئ " (2).
# وثانيها: ما عن الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام): " وكل بئر عمق مائها
~~ثلاثة أشبار ونصف في مثلها، فسبيلها سبيل الماء الجاري، إلا أن يتغير لونها
~~أو ريحها ms483 " (3).
# وثالثها: موثقة عمار - المتقدمة - قال: سئل عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) عن البئر يقع فيها زنبيل من عذرة يابسة أو رطبة، فقال: " لا بأس
~~إذا كان فيها ماء كثير " (4).
# ورابعها: عموم ما دل من الأخبار على اشتراط الكرية في عدم الانفعال.
# وأجاب الشيخ (5) عن الأول بوجهين:
# أحدهما: أن يكون المراد بالركي المصنع الذي لا يكون له مادة بالنبع، دون
~~الآبار
# PageV01P530
# التي لها مادة، فإن ذلك هو الذي يراعى فيه الاعتبار بالكر.
# والثاني: أن يكون ذلك ورد مورد التقية، لأن من الفقهاء من سوى بين الآبار
~~والغدران في قلتها وكثرتها، فيجوز أن يكون الخبر ورد موافقا لهم، والذي
~~يبين ذلك أن الحسن بن صالح - راوي هذا الحديث - زيدي بتري، متروك الحديث
~~فيما يختص به.
# والجواب عن الثاني: بما تقدم الإشارة إليه من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية
~~في لفظة " كثير " فلابد من حملها على الكثرة العرفية، وهي غير معتبرة في
~~عدم انفعال الماء إجماعا، فيجب كونها معتبرة للتحفظ عن التغير، ولو سلم فهي
~~محتملة للتقية كما عرفت في كلام الشيخ، ومع هذا كله فهي معرض عنها الأصحاب
~~بأجمعهم وكان القول بموجبها خرق للإجماع.
# وعن الثالث: بعدم اعتبار السند، وعلى فرض الاعتبار يتوهن بما عرفت.
# وعن الرابع: بأن عمومات الكر تخصص بما عدا البئر، تحكيما لعمومات البئر
~~عليها، وإن كان بينهما عموم من وجه حسبما عرفت سابقا مع وجه التحكيم، دون
~~العكس.
# وقد يقرر الاحتجاج بذلك على وجه لا يتوجه إليه ما ذكر من التحكيم، وهو
~~عموم أدلة انفعال القليل، و لا يعارضها عموم أدلة طهارة ماء البئر لانصراف
~~ما فيها من الإطلاق إلى ما يبلغ الكر، بملاحظة أنه الغالب في الآبار، ولذا
~~ترى أنهم (عليهم السلام) أمروا أحيانا بنزح مائة دلو وسبعين دلوا، والكر،
~~من غير تقييد بكون الماء كثيرا تعويلا على الغالب.
# ودعوى: أن العمومات مخصصة بما دل على طهارة البئر عند التغير، بنزحها حتى
~~يزول التغير، فلولا اعتصام الماء لا نفعل ما يخرج منها بملاقاة المتغير،
~~مدفوعة: باحتمال كون ms484 النزح مطهرا تعبديا على خلاف القاعدة.
# واجيب عنه: بأنه لولا إعراض الأصحاب عن هذا القول أمكن المصير إليه، لقوة
~~مستنده.
# وأما قول الجعفي: فلم نقف على مستنده.
# ثم على المختار فهل النزح الوارد في الأخبار المستفيضة واجب أولا؟ فيه
~~خلاف، فعن المشهور القول باستحبابه، وصرح الشيخ في التهذيبين (1) بوجوبه،
~~وهو صريح
# PageV01P531
# العلامة في المنتهى (1) ويشكل ذلك من حيث إنه في الكتاب المذكور صرح بكون
~~النزح الوارد عن الأئمة (عليهم السلام) تعبدا، مع تصريحه عند الفراغ عن بحث
~~المنزوحات: " بأنه لا يجب النية في النزح، ويجوز أن يتولى النزح البالغ
~~وغيره، والمسلم وغيره مع عدم المباشرة، للمقتضي وهو النزح السالم عن معارضة
~~اشتراط النية " (2).
# وهو كما ترى خلاف المعنى المصطلح عليه في الواجب التعبدي. ولكن يدفعه: أن
~~إطلاق التعبد هنا ليس باعتبار المعنى المصطلح عليه، بل معناه: أنه شئ
~~يلتزمه المكلف ويثبت عليه ويستقر في ذمته لأجل ما فيه من وصف العبودية، كما
~~صرح به الفاضل عند الاستدلال على ما ادعاه من عدم وجوب النية بقوله: " لعدم
~~الدال (3) على الوجوب، ولأنه ليس في نفسه عبادة مطلوبة، بل معنى وجوب النزح
~~عدم جواز الاستعمال إلا به، لأنه مستقر في الذمة فجرى مجرى إزالة النجاسات
~~". (4) وقضية هذه العبارة كون النزح المعتبر على حد الواجبات التوصلية،
~~التي لا يتوقف الخروج عنها على المباشرة النفسية ولا نية القربة، بل قضية
~~العبارة أن إطلاق الوجوب هنا أيضا ليس على معناه المصطلح عليه، وهو الطلب
~~الحتمي الذي يستتبع مخالفته استحقاق الذم والعقوبة، بمعنى أنه ليس هناك طلب
~~حتمي متعلق بالنزح نفسه ليكون بنفسه مطلوبا لذاته أو للغير، بل معنى وجوبه
~~أنه يحرم استعمال الماء بدونه، فهو مما يتوقف عليه إباحة الاستعمال وارتفاع
~~الحرمة، فيكون شرطا للإباحة، وهو المراد بكونه مستقرا في الذمة، على معنى
~~أن من أراد استعمال الماء على وجه مباح وهو لا يتأتى إلا بعد النزح، فذمته
~~مشغولة بالنزح.
# فمعنى كونه جاريا مجرى إزالة النجاسات، أنه نظيرها في اشتغال الذمة
~~المتوقف رفعه على حصول المشتغل ms485 به في الخارج كيفما اتفق، لا أنه نظيرها في
~~جميع الجهات، وإلا فهي مع ما ذكر واجبة بالمعنى المصطلح عليه وإن كان
~~وجوبها للغير، وهو الأمر النفسي مشروط بالطهارة.
# فتبين من جميع ذلك: أن الوجوب المدعى هنا ليس هو الوجوب النفسي التعبدي،
~~ولا الوجوب النفسي التوصلي كدفن الميت ومواراته، ولا الوجوب التوصلي الغيري
# PageV01P532
# كإزالة النجاسة عن الثوب والبدن، لأن كل ذلك يتضمن الطلب الحتمي وهو منتف
~~في المقام، وهذا المعنى من الوجوب قد يسمى عندهم بالوجوب الشرطي قبالا
~~للنفسي والغيري، وإن كان إطلاق الوجوب عليه باعتبار المعنى المصطلح عليه
~~مجازا، ولا يخفى أن الوجوب بهذا المعنى يصح إطلاقه على كل ما هو شرط لإباحة
~~شئ محرم، كاستئذان المالك مثلا عند إرادة التصرف في ملكه، فأنه محرم بدون
~~الإذن.
# وعلى هذا المعنى يحمل قولهم: يجب الوضوء للنافلة، ولمس كتابة القرآن،
~~ويجب الغسل لدخول المساجد، وقراءة العزائم ونحو ذلك، وممن صرح بثبوت هذا
~~الإطلاق وثبوت التسمية المذكورة عندهم صاحب المدارك في أول الكتاب عند شرح
~~قول المحقق: " فالواجب من الوضوء ما كان لصلاة واجبة ". بقوله: " إنما قيد
~~الصلاة بالواجبة، لعدم وجوب الوضوء للنافلة، وإن كان شرطا فيها، إذ لا
~~يتصور وجوب الشرط لمشروط غير واجب، ولأنه يجوز تركه لا إلى بدل، ولا شئ من
~~الواجب كذلك.
# وقد توهم بعض من لا تحقيق له وجوب الوضوء للنافلة، لتوجه الذم إلى تاركه
~~إذا أتى بالنافلة في تلك الحال، وهو خطأ، فإن الذم إنما يتوجه إلى الفعل
~~المذكور لا الترك، وأحدهما غير الآخر.
# نعم، قد يطلق على هذا النوع من الندب اسم الواجب تجوزا، لمشابهة الواجب
~~في أنه لابد منه بالنسبة إلى المشروط، وإن كان في حد ذاته مندوبا، ويعبر
~~عنه بالوجوب الشرطي إشارة إلى علاقة التجوز " (1) انتهى.
# وعلى هذا فاستعمال الماء قبل النزح يستتبع استحقاق العقوبة بالنسبة إلى
~~فعل المحرم لا بالنسبة إلى ترك الواجب، و لا يخل ذلك في صحة ما استعمل فيه
~~ذلك الماء كالطهارة لمشروط بها ما لم يندرج في مسألة ms486 اجتماع الأمر والنهي
~~المستحيل عندنا، و لا أنه يفيد تحريما في فعل متوقف على استعمال الماء فيه
~~مشروط بطهارة ذلك الماء كما في المأكول، نعم يفيد تحريما في استعمال
~~المشروب لا بعنوان أنه شرب للماء، بل بعنوان أنه استعمال لما لا يجوز
~~استعماله بدون الشرط المذكور، كما أن أكل مال الغير حرام لا بعنوان أنه
~~أكل، بل بعنوان أنه إتلاف لمال الغير بدون إذن منه.
# PageV01P533
# ويستفاد هذا المعنى مع جميع ما ذكر من معنى الوجوب هنا وغيره من الشيخ في
~~التهذيب، حيث إنه بعد ما نقل عبارة شيخه المفيد (قدس سره) في المقنعة وهو
~~قوله: " وبقي أن ندل على وجوب تطهير مياه الآبار، و أن من استعملها قبل
~~تطهيره يجب عليه إعادة ما استعمله فيه إن وضوءا فوضوءا، وإن غسلا فغسلا وإن
~~كان غسل الثياب فكذلك ".
# قال: " قال محمد بن الحسن: عندي أن هذا إذا كان قد غير ما وقع فيه من
~~النجاسة أحد أوصاف الماء، إما ريحه أو طعمه أو لونه، فأما إذا لم يتغير
~~شيئا من ذلك فلا يجب إعادة شئ من ذلك، وإن كان لا يجوز استعماله إلا بعد
~~تطهيره " (1).
# أقول: و يشكل ذلك بأنه إذا كان أصل الاستعمال حراما فكيف يعقل صحة الوضوء
~~أو الغسل معه وإن لم يكن الماء نجسا، فإن اجتماع الأمر والنهي غير جائز
~~عقلا ولو كان الأمر غيريا، - كما قرر في محله - و كان قوله بالصحة مبني على
~~تجويزه الاجتماع بينهما مطلقا، أو إذا كان الأمر غيريا، و كيف كان فمراد
~~أهل القول بوجوب النزح تعبدا كونه شرطا لإباحة استعمال الماء، و هو لا
~~يستلزم نجاسته جزما. وحينئذ فلا وقع لما اورد (2) عليهم: " من أنهم إن
~~أرادوا به الوجوب الشرطي لما يشترط فيه الطهارة من الشرب، والاستعمال في
~~المأكول، والطهارة به من الحدث والخبث، بمعنى عدم جواز هذه الامور قبل
~~النزح، فليس النجاسة إلا ما منع استعماله في هذه الامور، فإذا تحقق المنع
~~عن هذه الامور تحققت النجاسة، ويلزمها نجاسة الملاقي له، ms487 فلا يرد أن الثمرة
~~تظهر في عدم تنجس ملاقيه. فتأمل.
# و إن أرادوا الوجوب النفسي ففي غاية البعد عن ظاهر الروايات " فإن (3)
~~النجاسة وصف وجودي هو منشأ للمنع عن الامور المذكورة لا أنها نفس المنع
~~عنها، و لا ريب أن منشأ المنع أعم من النجاسة، و لذا ترى المنع عنها ثابتا
~~في الماء المغصوب أيضا، ولا يقال: بأنه نجاسة، فالثمرة المذكورة في محلها،
~~و لعل الأمر بالتأمل في كلامه إشارة إلى المعنى الذي قررناه.
# فالأولى أن يقال في ردهم: بأن قولكم بوجوب النزح بالمعنى المذكور نشأ عن
# PageV01P534
# توهم كونه طريق جمع بين الروايات القاضية بطهارة ماء البئر الملاقي
~~للنجاسة والأخبار الآمرة بالنزح، فالقول بالطهارة مع وجوب النزح تعبدا جمع
~~بينهما في العمل.
# ويرد عليه: أن بناء هذا الجمع - مع كون الوجوب عبارة عن المعنى المتقدم -
~~على حمل الأوامر والجمل الخبرية الواردتين في أخبار النزح على كونها
~~للإرشاد إلى الواقع، المفيد لشرطية النزح لجواز الاستعمال، المستلزمة
~~لحرمته بدونه.
# ويعارضه إمكان حملها على الاستحباب الغير المستلزم لحرمة الاستعمال
~~بدونه.
# واختيار الأول دون الثاني لابد له من شاهد خارجي، وأي شئ في المقام ينهض
~~شاهدا بذلك، مع ما فيه من استلزامه حرمة الاستعمال التي هي مخالفة للأصل،
~~إذ المفروض أنها لم تثبت بدليل منفصل عن تلك الأخبار، وإنما تثبت بعد حمل
~~أوامرها مع جملها الخبرية على بيان الشرطية من باب الدلالة الالتزامية.
# مع إمكان ترجيح الثاني عليه بشهادة نفس الأخبار القاضية بالطهارة،
~~بملاحظة ما في أكثرها من إطلاق نفي البأس، و لا ريب أن وجوب النزح بالمعنى
~~المصطلح عليه - إن ثبت به قول - و حرمة الاستعمال بدونه - كما يقول به
~~الجماعة - بأس.
# مع ما يلزم على هذا القول من تجويز المعصوم (عليه السلام) لاجتماع الأمر
~~والنهي في الأخبار النافية للبأس عن استعمال الماء المفروض قبل النزح - كما
~~هو مورد تلك الأخبار - لو صح الوضوء والغسل بهذا الماء قبله كما هو مقالتهم
~~المتقدمة، إذ مبنى ذلك على جعل إطلاق نفي البأس الوارد فيها شاملا ms488 لصورتي
~~العلم بملاقاة النجاسة والجهل بها إلى ما بعد الاستعمال، وإن اختص موردها
~~بصورة الجهل كما لا يخفى، نظرا إلى أن خصوصية مورد السؤال لا تصلح مخصصة
~~لعموم الجواب أو إطلاقه، فيرجع مفاد قولهم: " لا بأس بالماء المفروض، أو
~~باستعماله المفروض " إلى أنه لا بأس به سواء كان في صورة العلم أو الجهل، و
~~لا ريب أن نفي البأس عنه في صورة العلم مع قصد صحة العمل تصريح بجواز
~~اجتماع الأمر والنهي، وهو على خلاف مقتضي العقل القاطع.
# إلا أن يقال: بمنع تناول الجواب لصورة العلم أيضا، بل إطلاقه ينزل إلى
~~مورد السؤال كما هو الأظهر، بل لا إطلاق في جملة منها لصراحتها في صورة
~~الجهل حين الاستعمال كما لا يخفى، فنفي البأس عن الاستعمال المذكور في صورة
~~الجهل المتضمن PageV01P535
# لتصحيح العمل لا ينافي حرمته في صورة التذكر، المستلزمة لبطلان العمل،
~~حذرا عن اجتماع الأمر والنهي، فصحة العمل في صورة التذكر لا تستفاد من تلك
~~الأخبار، فهي ساكتة عن إفادة استحباب النزح كما هي ساكتة عن إفادة حرمة
~~الاستعمال قبله، فحينئذ لابد في تعيين أحد المعنيين من ملاحظة روايات النزح
~~وتحصيل الشاهد منها.
# ولكن يدفعه: منع إطلاق هذا التنزيل، بل جملة من تلك الأخبار صريحة في
~~صورة العلم، كصحيحة علي بن جعفر (1)، وصحيحة زرارة (2)، ومرسلة علي بن حديد
~~(3)، وجملة اخرى مطلقة بالقياس إلى صورتي العلم والجهل، كصحيحة معاوية بن
~~عمار المشتملة على قوله (عليه السلام): " لا يغسل الثوب، و لا تعاد الصلاة
~~مما وقع في البئر، إلا أن ينتن " (4)، وموثقة زيد بن أبي اسامة الشحام (5)،
~~ولا ريب أنه لا داعي فيها إلى التنزيل المذكور، فإذا كانت هي بصراحتها أو
~~إطلاقها شاملة لصورة العلم بالملاقاة مع تضمنها لصحة الوضوء ونحوه، فكما لا
~~يمكن القول في مواردها بالنجاسة، فكذلك لا يمكن القول بحرمة الاستعمال حذرا
~~عن اجتماع الأمر والنهي.
# واحتمال كون روايات النزح مخصصة لها بما بعد النزح، يدفعه: مع أنه موجب
~~لحمل كلام المعصوم (عليه السلام) على ما لا حاجة له ms489 إلى البيان، من حيث إن
~~الصحة وعدم البأس مما يعلمه كل أحد حتى على تقدير النجاسة التي ترتفع
~~بالنزح، أن أخبار النزح بناء على صلوحها للتخصيص لا تنافي كون اعتبار النزح
~~لأجل التطهير وإزالة النجاسة، وليست بظاهرة الدلالة على أنه لأجل حرمة
~~الاستعمال قبله.
# ثم بعد البناء على الطهارة بأدلة اخرى خارجة عنها، فكما أنها محتملة
~~لإفادة شرطية النزح المستلزمة لحرمة الاستعمال بدونه، فكذلك محتملة
~~لاستحبابه، فلا تنافي بينها وبين أخبار الطهارة القاضية بصحة العمل بدون
~~النزح، و معه لا تصلح مخصصة، و حيث إن هذا الاحتمال قائم فيها مع الاحتمال
~~الأول فلم يثبت فيها عنوان المخصصية،
# PageV01P536
# لأنه مبني على الاحتمال الأول والمفروض كونه مشغولا بالمعارض المساوي، إن
~~لم نقل بكونه أقوى.
# هذا مع أن هذه الأخبار متعارضة بنفسها، لتضمنها باختلافها تقديرات متعددة
~~لنجاسة واحدة، بحيث لا يمكن الأخذ بكل من هذه التقديرات بعنوان أنه شرط،
~~نظرا إلى أنه أمر واقعي والواقع لا يقبل الاختلاف، مع ما في أكثرها من
~~القصور في أسانيدها، فلا تنهض دليلا على إثبات الحكم المخالف للأصل، فلابد
~~من حملها على الاستحباب، لأنه الذي يتسامح في أدلته، و هو الذي لا يقبل
~~الاختلاف بحسب مراتبه كما لا يخفى.
# ثم إن النزح إن اعتبر مطهرا للبئر - على القول بالنجاسة، أو في صورة
~~التغير - ففي سقوطه بقيام غيره مقامه مما هو مطهر لغيرها، من إلقاء الكر،
~~أو إجراء الماء الجاري عليها، أو وقوع المطر عليها، نوع كلام بين الأصحاب
~~يأتي التعرض له عند البحث عن المنزوحات، و أما على المختار من استحباب
~~النزح، و على القول بوجوبه تعبدا، فمقتضي القاعدة عدم سقوطه بالغير ما دام
~~صدق اسم البئر باقيا.
# ولعله إلى ذلك يرجع ما فصله بعضهم من أن النزح لو كان للنجاسة فالظاهر
~~حينئذ سقوطه، وإن كان للتعبد فإن حصل الامتزاج بالجاري أو الكثير فالظاهر
~~أيضا السقوط، لأن النزح إنما تعلق به في حال البقاء على حقيقته، و عند
~~الاستهلاك يصير في حكم المعدوم، وإن حصل الاتصال فالظاهر ms490 عدم السقوط لعدم
~~خروجه عن حقيقته.
# * * * * * * * PageV01P537
# ينبوع كل ماء حكم بنجاسته شرعا من جهة التغير، أو الملاقاة للنجاسة، أو
~~قيام أمارة عليها - حيث تعتبر - لم يجز استعماله في الطهارة حدثا وخبثا، و
~~في مشروط بالطهارة غير الطهارة أكلا وشربا، شرعا إلا عند الضرورة، و يتوقف
~~الجواز على تطهيره بما هو مطهر له شرعا، وحيث إن العنوان مشتمل على أحكام
~~فلابد من إيراد البحث في مقاصد:
# المقصد الأول: في عدم جواز استعماله في الطهارة ولو كانت عن خبث مطلقا،
~~والظاهر أن هذا الحكم إجماعي في الجملة، و فتاوي الفقهاء متظافرة عليه، قال
~~العلامة في المنتهى: " لا يجوز استعمال الماء النجس في رفع الحدث، و لا في
~~إزالة النجاسة " (1) قال المحقق في الشرائع: " وإذا حكم بنجاسة الماء لم
~~يجز استعماله في الطهارة مطلقا، ولا في الأكل والشرب إلا عند الضرورة " (2)
~~و في النافع: " كل ماء حكم بنجاسته لم يجز استعماله، ولو اضطر معه إلى
~~الطهارة يتيمم " (3) قال الشهيد في الدروس: " و يحرم استعمال الماء النجس،
~~والمشتبه به في الطهارة " إلى قوله: " و يجوز شربه للضرورة " (4)، ومفهومه
~~عدم جواز الشرب لغير الضرورة.
# وفي المدارك: " الإجماع عليه ناقلا حكايته عن النهاية (5) أيضا، مع
~~التصريح بعدم الفرق بين حالتي الاختيار والاضطرار " (6)، كما تشير إليه قيد
~~الإطلاق في عبارة الشرائع، وصرح بالإجماع أيضا في الرياض (7) وفي الحدائق
~~(8) نفى الخلاف، و في شرح الدروس للخوانساري: " كأنه إجماعي " (9)، و حكي
~~إطلاق المنع في الطهارة
# PageV01P538
# واختصاصه بالاختيار في الشرب، كما في المناهل (1) عن النهاية (2)،
~~والسرائر (3)، والمعتبر (4)، والقواعد (5)، والتحرير (6)، والذكرى (7)،
~~والجعفرية (8)، ومجمع الفائدة (9).
# واستدل عليه: بأن الطهارة تقرب إلى الله تعالى، وهو لا يحصل بالنجاسة،
~~ولا يخفى ما فيه من المصادرة، فإن عدم حصول القرب بتلك الطهارة مبني على
~~ثبوت المنع الشرعي عن استعمال هذا الماء فيها، وهو لا يثبت بهذا الوجه.
# وفي المنتهى (10) الاستدلال عليه بالنسبة إلى إزالة النجاسة: " بأن الماء
~~منفعل بها، فكيف يعدمها عن غيره " وبالنسبة إلى رفع الحدث بصحيحتي حريز،
~~والفضل المتقدمتين في أخبار انفعال القليل، ms491 ففي اولاهما قال (عليه السلام):
~~" فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه، و لا تشرب " (11). و في
~~الثانية فقال: " رجس نجس، لا تتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب
~~أول مرة، ثم بالماء " (12).
# ويدل عليه أكثر ما تقدم من روايات الباب المذكور، وأصل الحكم واضح لا
~~حاجة له إلى الاستدلال، لتظافر الأخبار المفيدة للقطع باشتراط الطهارة في
~~ماء الوضوء والغسل، مع قضاء العقل القاطع بعدم صلوح النجس لرفع النجاسة، بل
~~هو لا يفيد إلا تأكد نجاسة المحل، وقضية ذلك عدم كون استعماله فيها مجزيا،
~~فعدم الإجزاء مما لا إشكال فيه، بل الإشكال في أنه هل يحرم بحيث يترتب عليه
~~الإثم واستحقاق العقوبة؟
# ومنشؤه أن فتاوي الأصحاب تضمنت في عناوين المسألة للتعبير عن الحكم بلفظ
~~" الحرمة " و " عدم الجواز " فاختلفت الآراء الناظرة فيها في المعنى المراد
~~من اللفظين، لاحتمالهما إرادة مجرد البطلان وعدم الإجزاء، أو المعنى
~~المتعارف المستتبع للإثم، ففي المدارك: " المراد بعدم الجواز هنا معناه
~~المتعارف و هو التحريم، بقرينة قوله: " ولا في
# PageV01P539
# الأكل والشرب "، فإن استعماله فيهما محرم قطعا " (1)، وعزى ذلك إلى
~~المحقق الثاني في شرح القواعد (2)، وثاني الشهيدين في الروضة (3)، وعنه في
~~المسالك: " أنه حرام مع اعتقاد شرعيته أما بدونه فلا " (4).
# وعن العلامة في النهاية إرادة المعنى الأول، قائلا - بعد الحكم بالتحريم
~~-: " إنا لا نعني بالتحريم حصول الإثم بذلك، بل نعني عدم الاعتداد به في
~~رفع الحدث " (5)، واحتمله صاحب المدارك أخيرا في عبارة الشرائع، واحتج على
~~الاحتمال الأول: " بأن استعمال المكلف النجس فيما يعده طهارة في نظر
~~الشارع، أو إزالة للنجاسة يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه، فيكون حراما لا
~~محالة " (6) وحكي مثل هذا الاحتجاج عن المحقق الثاني، قائلا: " بأن استعمال
~~المكلف الماء النجس في الطهارة وإزالة النجاسة، إدخال لما ليس من الشرع
~~فيه، فيكون حراما لا محالة " (7).
# فظهر من جميع ما ذكر أن القائلين بإرادة الحرمة الشرعية مرادهم بها
~~الحرمة التشريعية و الظاهر أن العلامة في النهاية لا ينكر الحرمة بهذا
~~المعنى، بل الذي نفاه ms492 إنما هو الحرمة الذاتية، كما أن ظاهر الآخرين أنهم لا
~~ينكرون الحرمة بمعنى عدم الإجزاء، كيف والحرمة التشريعية مما لا يعقل
~~الالتزام بها إلا مع الاعتراف بعدم الإجزاء في نظر الشارع، لأنه الذي يحقق
~~موضوع التشريع ويثبته مع علم المكلف به، وأما الحرمة الذاتية فلم نقف على
~~قائل بها بعنوان الجزم واليقين.
# نعم، يستفاد عن المحقق الخوانساري في شرح الدروس توهم احتمالها، حيث أنه
~~بعد ما تنظر في احتجاج المحقق الثاني المتقدم بقوله: " فيه نظر، إذ كونه من
~~قبيل الإدخال الذي يكون حراما ممنوع لابد له من دليل ".
# قال: " ويمكن الاستدلال على الحرمة بالمعنى المتعارف في استعمال الماء
~~النجس في الطهارة، بما ورد كثيرا في أكثر الروايات من النهي عن التوضي
~~والغسل بالمياه النجسة، مثل ما ورد في الماء المتغير بالنجاسة وغيره، بحيث
~~يفضي إحصاؤه إلى تطويل
# PageV01P540
# زائد " (1)، و لا ريب أن هذه النواهي على تقدير بقائها على ظواهر لا تقضي
~~إلا بالحرمة الذاتية، لأن الحرمة التشريعية لا تنعقد إلا بعد ما كان
~~موضوعها - و هو كون موردها خارجا عن الشرع - محرزا، و لا يعلم به إلا من
~~تلك النواهي على تقدير كونها لبيان الواقع، وإرشاد المكلف إلى مانعية
~~النجاسة عن الصحة، وكون المأتي به المتضمن لها خارجا عن المأمور به.
# ومن البين أن الحمل عليه لا يجامع الحمل على المعنى المتعارف، وإن كان
~~الحمل على هذا المعنى يستلزم انعقاد موضوع التشريع، بناء على أن النهي مما
~~يقتضى الفساد، لكن حكم التشريع لا يتأتى من هذا المعنى وإلا لزم الدور، لأن
~~انعقاده متأخر عن انعقاد موضوعه، وهو متأخر عن انعقاد المعنى المتعارف، فلو
~~كان ذلك المعنى هو حكم التشريع بعينه لزم تقدم الشئ على نفسه وأنه محال،
~~فلا يبقى إلا أن الحرمة المستفادة منها هو الحرمة الذاتية.
# ولكن يضعف هذا الاستدلال، واستفادة هذا المعنى من تلك النواهي، بملاحظة
~~ما قررناه في بحث انفعال القليل من ظهورها بملاحظة المقام في إثبات شرطية
~~الطهارة و مانعية النجاسة، على حد سائر النواهي المتعلقة ms493 بالعبادات
~~والمعاملات على ما قررناه في محله، و صرح به هنا غير واحد من الأعاظم،
~~ومحصل مفادها يرجع إلى دفع توهم الاجتزاء في الطهارة بالماء النجس، الناشئ
~~عن توهم إطلاق الأوامر الواردة بالطهارات من الوضوء والغسل ونحوه، و معه
~~فلا يستفاد منها إلا البطلان وعدم الإجزاء.
# وأما الحرمة إن اريد بها الذاتية فلا دليل عليها ولا قائل بها أيضا، وإن
~~اريد بها التشريعية فالحق - وفاقا للجماعة - ثبوتها بدليل العقل، الذي
~~يستدعي بيانه التعرض لبيان تفصيل موضوعها، فنقول: إن المكلف إذا أتى بما
~~ليس من الشرع - أي ما ليس من المأمور به المشروع له - فإما أن يأتي به
~~باعتقاد أنه ليس من الشرع، أو يأتي به باعتقاد أنه من الشرع، أو يأتي به مع
~~الشك في أنه من الشرع أم ليس من الشرع، و على الأخير فإما أن يأتي به لرجاء
~~كونه من الشرع، أو يأتي به على أنه منه - أي يقصد أنه منه - كما أنه على
~~الأول إما أن يأتي به بقصد أنه من الشرع ولغرض الامتثال بما
# PageV01P541
# أمر به، أو يأتي به لغرض آخر من تعليم أو تعلم أو تعود أو نحوه.
# فإن أتى به على أنه من الشرع - أي لغرض الامتثال - مع اعتقاد أنه منه،
~~الحاصل من الاجتهاد أو التعويل على ما أفاد له ذلك الاعتقاد من الطرق الغير
~~الاجتهادية، فلا شبهة في خروجه عن موضوع التشريع، ولا قبح فيه ذاتا ولا
~~عرضا إن لم نقل بأن فيه حسنا، بل ربما يقبح تركه في نظر العقل من جهة
~~التجري.
# وما عرفته عن ثاني الشهيدين (1) من اعتباره اعتقاد الشرعية في موضوع
~~الحرمة التشريعية لابد من تنزيله إلى غير تلك الصورة بحمل الاعتقاد المذكور
~~على قصد الشرعية - أي قصد امتثال المشروع بما ليس بمشروع مع اعتقاد
~~المشروعية - ضرورة أن اعتقاد الشرعية على معناه الظاهر إن اعتبر مع اعتقاد
~~عدم المشروعية أو الشك فيها فهو فرض محال، وإن اعتبر لا مع اعتقاده ولا
~~الشك فيه فأي شئ يقضي بحرمته، و بأي ms494 وجه يدخل في التشريع المحرم، خصوصا إذا
~~كان اعتقاد الشرعية حاصلا له بالاجتهاد، مع ملاحظة قولهم: " بأن المخطئ
~~معذور ولا إثم عليه، بل له أجر واحد ".
# وإن أتى به لرجاء المشروعية مع الشك فيها، فهو أيضا خارج عن عنوان
~~التشريع جزما، بل العقل فيه مستقل بحسنه، وهذا هو معنى ما يقال: من أن
~~الحرمة التشريعية لا تمنع عن الاحتياط.
# وإن أتى به لغرض آخر معتقدا عدم مشروعيته فهو أيضا ليس من التشريع
~~المحرم.
# وإن أتى به على أنه مشروع مع اعتقاد عدم المشروعية فهو التشريع المحرم
~~الذي يستقل العقل بقبحه، ودونه في القبح ما لو أتى به على أنه مشروع مع
~~الشك في المشروعية، فإن الإتيان بغير المشروع أو ما يشك في مشروعيته بقصد
~~الامتثال مما يعد في نظر العقلاء استهزاء، و ينبغي تنزيل إطلاق ما تقدم من
~~الاحتجاج عن المدارك (2) و شرح القواعد (3) بل كل من فسر التشريع: " بإدخال
~~ما ليس من الدين في الدين " إلى هاتين الصورتين.
# ومما فصلناه تبين أن ما عرفت عن الخوانساري (4) من إطلاق منع كون الطهارة
~~بالماء النجس من الإدخال المحرم ليس في محله.
# PageV01P542
# ثم قضية إطلاق ما تقدم من الأخبار المشار إليها وفتاوي الفقهاء و تخصيصهم
~~الأكل والشرب باستثناء حال الضرورة، عدم الفرق في عدم جواز استعمال الماء
~~النجس في الطهارة بين حالتي الاختيار والاضطرار، بل هو المصرح به في كلام
~~غير واحد، مصرحين بانتقال التكليف مع الاضطرار إلى التيمم، بل لم نقف في
~~ذلك على مشكك ولا مصرح بالجواز مع الاضطرار، عدا الخوانساري في نفيه البعد
~~عنه، قائلا: " و بالجملة لا شك في أن الاحتياط في عدم التطهر به في أكثر
~~الصور، نعم في بعض الصور النادرة كما إذا لم يكن إلا الماء النجس ويعلم
~~المكلف أن بعد التطهر به يمكن أن يصل إلى ماء طاهر، ولكن لا يتيسر له إلا
~~تطهير أعضائه التي لاقاها الماء النجس لا الطهارة، لا يبعد أن يكون
~~الاحتياط في الطهارة بالماء النجس، ثم يطهر الأعضاء، ثم ms495 التيمم، خصوصا إذا
~~كان نجاسة الماء بما يختلف فيه لا بالمتفق عليه " (1).
# وهو كما ترى مما يخالف الاصول والقواعد والنصوص، و لا يشهد له شئ من
~~العقل والنقل، نعم ربما يؤيده ما تقدم في جملة الأخبار المستدل بها على عدم
~~انفعال القليل بالملاقاة، من صحيحة علي بن جعفر قال: وسأله عن اليهودي
~~والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة؟ قال (عليه السلام): " لا،
~~إلا أن يضطر إليه (2)، وصحيحة ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه - إلى أن قال - أيتوضأ منه أو
~~يغتسل؟ قال (عليه السلام): " نعم، إلا أن تجد غيره " (3) وصحيحة ابن بزيع
~~قال:
# كتبت إلى من يسأله عن الغدير، يجتمع فيه ماء السماء، ويستقى فيه من بئر،
~~فيستنجي فيه الإنسان من بول، أو يغتسل فيه الجنب، ما حده الذي لا يجوز؟ قال
~~فكتب: " لا تتوضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه " (4)، ودلالة هذه الروايات
~~على ما توهمه من الجواز واضحة، لكن لا على التفصيل الذي ذكره، ولولا مخالفة
~~الإجماع وإعراض الأصحاب عنها لما كان المصير إليها بعيدا، فهي حينئذ مطروحة
~~أو مؤولة، لقوة احتمال أن يراد بالضرورة والاضطراب موجب التقية كما تقدم
~~بيانه في الباب المشار إليه، مع انطباق
# PageV01P543
# الأخيرة على محل البحث بناء على ما سبق من طهارة ماء الاستنجاء وعدم
~~اشتمال السؤال على ملاقاة النجاسة صريحا، وكيف كان فالقول المذكور في غاية
~~الضعف.
# المقصد الثاني: في عدم جواز استعماله في الشرب وغيره مما يتوقف على الماء
~~من أنواع المآكل، ما لم تدع إليه ضرورة مبيحة لعامة المحذورات عدا ما خرج،
~~والظاهر أن هذين الحكمين أيضا إجماعي، وما تقدم من الفتاوى مصرحة بهما،
~~والأخبار المستفيضة المتقدمة في الباب المشار إليه - مضافة إلى غيرها -
~~ناطقة بأولهما، كما أن الظاهر أن الحرمة الذاتيه هنا مما لا إشكال فيه، لكن
~~ظاهر الفتاوى مع النصوص المشار إليها اختصاص المنع بالشرب وما يلحق به دون
~~سائر الانتفاعات من سقي الدواب والأشجار والبساتين ms496 والمزارع والأبنية،
~~باستعماله في الطين والجص وعجن الحناء وغيره من الأصباغ.
# نعم عن الشيخ في المبسوط (١) عدم جواز استعماله بحال.
# وتحقيق القول في ذلك يستدعي النظر في كون الأصل في المتنجسات جواز
~~الانتفاع بها مطلقا إلا ما خرج بالدليل، أو عدم جوازه إلا ما ثبت بالدليل؟
# وظاهر أن المراد بالأصل المطلوب هنا هو الأصل الثانوي، وإلا فمقتضى الأصل
~~الأولي المستفاد من عموم ﴿وخلق لكم ما في
~~الأرض جميعا﴾ (2) الجواز مطلقا، ضرورة اندراج المتنجس قبل طرو النجاسة
~~له تحت ذلك العام، وطرو النجاسة أوجب الشك في كون الطارئ مانعا وعدمه،
~~فالمقتضي للجواز موجود والشك في مانعية الطارئ، وقضية ذلك كون الأصل هو
~~الجواز مطلقا، لكن الكلام في انقلاب هذا الأصل إلى أصل ثانوي مستفاد من
~~عموم الدليل وعدمه.
# وقد وقع الخلاف في ذلك بين أصحابنا رضوان الله عليهم فعن القدماء ومشهور
~~المتأخرين كالشيخين في المقنعة (3) والنهاية (4) والخلاف (5) والمبسوط (6)
~~والسلار (5)
# PageV01P544
# والحلي (1)، وابن الزهرة في الغنية (2)، والعلامة (3) والشهيد (4) في
~~قواعديهما، والفاضل المقداد في التنقيح، (5) انقلاب الأصل.
# بل عن الأخير دعوى الإجماع عليه قائلا - في الاستدلال على عدم جواز بيع
~~الأعيان النجسة -: " بأنها مما لا يجوز الانتفاع بها، وكل ما لا يجوز
~~الانتفاع بها لا يجوز بيعها "، فقال: " أما الصغرى: فبالإجماع المعتضد
~~بفتاوي الأصحاب من القدماء وأكثر المتأخرين " (6)، وعن فخر الإسلام في شرح
~~الإرشاد (7) أيضا عليه الإجماع، ونحوه محكي عن الشيخ في المبسوط (8)، وعن
~~المحقق الأردبيلي (9) المصير إلى الثاني، وقبله المحقق في المعتبر قائلا: "
~~الماء النجس لا يجوز استعماله في رفع حدث ولا إزالة خبث مطلقا، ولا في
~~الأكل والشرب إلا عند الضرورة، وأطلق الشيخ (رحمه الله) المنع من استعماله
~~إلا عند الضرورة.
# لنا: أن مقتضى الدليل جواز الاستعمال، ترك العمل به فيما ذكرنا بالاتفاق
~~والنقل وبقي الباقي على الأصل " (10) انتهى.
# ونسب اختياره إلى الشيخ جعفر (11) من متأخري متأخرينا، بل هو ظاهر كل من
~~اقتصر في المنع على ذكر الشرب فقط أو مع الأكل كما عرفت.
# ومن مشايخنا ms497 (12) من وافق الأولين، ومنهم (13) من اختار الثاني وهو
~~الأقوى، إذ ليس للأول إلا وجوه واضحة الدفع والعمدة منها أمران:
# أحدهما: الإجماعات المشار إليها المعتضدة بفتوى الشيخ في النهاية،
~~المنزلة منزلة
# PageV01P545
# الرواية المرسلة، لما قيل عنه من أنه لا يذكر فيها إلا متون الروايات من
~~دون اختلاف، أو مع اختلاف يسير غير مخل بالمعنى.
# وثانيهما: الرواية المنقولة عن تحف العقول (1) مرسلة؛ وعن الوسائل (2)
~~مسندة بسند غير نقي، وهي رواية طويلة وموضع الحاجة منها قوله (عليه
~~السلام):
# " وأما وجوه الحرام من البيع والشراء فكل أمر يكون فيه الفساد مما هو
~~منهي عنه من جهة أكله أو شربه أو كسبه أو نكاحه أو ملكه أو إمساكه أو هبته
~~أو عاريته، أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد نظير البيع بالربا أو البيع
~~للميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش، أو
~~الطير أو جلودها أو الخمر أو شئ من وجوه النجس، فهذا كله حرام ومحرم، لأن
~~ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلب فيه، فجميع تقلبه
~~في ذلك حرام ".
# وفيه: مع القدح في سند الرواية المشتمل على الحسن بن علي بن أبي حمزة،
~~وأبيه علي بن أبي حمزة المجروحين في كلام أهل الرجال (3) مع عدم العلم
~~بجابر له، منع الدلالة على وجه يتناول محل البحث، من حيث إن لفظة " وجوه
~~النجس " الواقعة فيها عبارة عن الذوات المأخوذة عنوانا لحكم النجاسة التي
~~هي بأنفسها مقتضية لها، بعد تسليم أن لفظة " النجس " بانفرادها تشمل
~~المتنجس أيضا، ولا ريب أن محل البحث ليس من هذا القبيل لكون النجاسة في
~~المتنجسات - ولا سيما المياه - عرضية.
# وأما الإجماعات المنقولة فعلى فرض تناولها لمحل الكلام، فموهونة بمصير
~~المتأخرين كلا أم جلا إلى عدم انقلاب الأصل الأولي، كما يظهر للمتتبع في
~~كلماتهم في باب المكاسب؛ وأما باقي الوجوه المستدل بها على انقلاب الأصل مع
~~أجوبتها فتطلب من الباب المذكور، فإذن كان الأصل الأولي المشار إليه
~~المعتضد بأصلي البراءة والإباحة على حاله. ms498
# المقصد الثالث: في كيفية تطهير المياه المتوقف عليها إباحة الاستعمال.
# واعلم أنه كما أن عروض النجاسة لما يكون طاهرا بحسب ذاته وأصله على
# PageV01P546
# خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا بدلالة الشرع عليه، فكذلك زوال تلك
~~النجاسة العارضة بعد العلم بعروضها على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا
~~بدلالة الشرع عليه، وقضية ذلك وجوب البناء على النجاسة فيما لو شك في
~~طهارته بعد تيقن النجاسة، من غير فرق فيه بين كون الشك من جهة حصول الرافع
~~المعلوم كونه رافعا، أو في رافعية الحاصل لأمر راجع إليه نفسه في شبهة
~~موضوعية أو حكمية لعدم تعينه بحسب الشرع، أو للشك في مدخلية شئ فيه؛ أو
~~لأمر راجع إلى المحل.
# وقد تبين فيما سبق أن الأصل في اقتضاء ترتب جميع أحكام النجاسة على المحل
~~كالعلم، على معنى أنه يقوم مقامه ما لم يحصل ما يرفعه، فالماء المحكوم عليه
~~بالنجاسة إذا شك في زوال نجاسته، لا كلام فيه إذا كان الشك ناشئا عن حصول
~~المزيل، أو عن الشبهة الموضوعية في الحاصل، كما لو ثبت شرعا أن الكر من
~~الماء رافع لنجاسة القليل المتنجس، ومطهر له، فالقي عليه مقدار كر متردد
~~بين كونه ماء أو مضافا، فإن المرجع في مثل ذلك هو الأصل بلا إشكال.
# وإنما الغرض المهم في المقام، استعلام حال الشك إذا كان في رافعية الحاصل
~~لشبهة حكمية راجعة إلى المحل، كما لو شككنا في كونه قابلا للطهارة كالثياب،
~~أو غير قابل لها كالأدهان المتنجسة، أو إلى الرافع بعد إحراز القابلية
~~للمحل، إما من حيث تعيين أصله المردد بين كونه ماء أو غيره، كزوال التغير
~~مثلا في الكر المتغير بالنجاسة، أو من حيث مدخلية ما يشك في مدخليته فيه،
~~كالدفعة والامتزاج وغيره مما ستعرفه من موارد الخلاف، فلابد في الخروج عن
~~ذلك الشك من الدلالة الشرعية نصا أو إجماعا، غير أن النصوص - كتابا وسنة -
~~خالية عن تلك الدلالة كما اعترف به غير واحد.
# هذا إذا أردنا من الدلالة من جهة النص ما يكون دلالة ms499 صريحة مستقلة، وإلا
~~أمكن إثبات الدلالة التزاما تبعيا، بملاحظة النصوص الواردة في البئر
~~المتغير ماؤها بالنجاسة، الدالة على طهرها بالنزح المزيل للتغير، بناء على
~~ما نستظهر منها كون المطهر في الحقيقة هو الماء المتجدد من المادة لا
~~النزح، ولا مجرد زوال التغير أو هو مع الزوال، فإن ذلك مع ملاحظة ما دل من
~~الأخبار، على عدم انفعال البئر بمجرد الملاقاة، مما يمكن أخذه دليلا على
~~الملازمة المجمع عليها التي ستعرف الكلام في إثباتها هذا. PageV01P547
# وأما عمومات طهورية الماء - كتابا وسنة - فلا قضاء لشئ منها بشئ مما ذكر،
~~لكونها ساكتة عن التعرض لكيفية التطهير ومحله، وما يقبله من المتنجسات، ولا
~~ينافيه ورودها كلا أم بعضا مورد الامتنان، لحصول الامتنان بمجرد كون الماء
~~بنوعه قابلا لتطهير الغير، ولا يقتضي أزيد من ذلك، ولو سلم اقتضاؤه الزيادة
~~وهو كون هذا الحكم ثابتا لجميع أفراد النوع، فلا يقتضي حكما بالقياس إلى
~~موارده من حيث القابلية للتطهر، كما أنه لا يقتضي حكما بالقياس إلى كيفية
~~التطهير من جهة ما يعتبر فيه وما لا يعتبر من الشرائط والموانع.
# فما ستسمعه عن غير واحد من التمسك بإطلاق تلك الأدلة أو عمومها - في بعض
~~تفاصيل محل البحث وفروعه الآتيتين - ليس على ما ينبغي، إذ التمسك بالإطلاق
~~عند عدم القيد المفيد للاشتراط، فرع ثبوت إطلاق في اللفظ يساعد عليه متفاهم
~~العرف، وهو مع عدم تعرض الدليل للكيفية الراجعة إلى الشرائط نفيا وإثباتا
~~غير معقول، نعم قيام الدلالة من جهة الإجماع الكاشف عن رأي الحجة ثابت في
~~المقام جزما، فإنهم مجمعون على أن الماء المتنجس بجميع أقسامه قابل
~~للتطهير، وعلى أن مطهره لا يكون إلا ماء طاهرا في الجملة، لكن هذا الإجماع
~~الثاني قد طرأه إجمال في معقده من جهة الشبهة في مدخلية بعض في حصول
~~التطهير مما تقدم إليه الإشارة، ومن هنا وقع الخلاف بينهم في اعتبار هذه
~~الامور نفيا وإثباتا، غير أنه على تقدير عدم قيام الدلالة على الخروج عن
~~هذه الشبهة لا يورث ذلك إشكالا لا يحصل ms500 التفصي عنه، لتعين مراجعة الأصل
~~حينئذ.
# نعم، ربما يقع الإشكال في أن هذا المرجع هل هو الأصل المقتضي للنجاسة،
~~وهو استصحاب الحالة السابقة، أو الأصل المقتضي للطهارة وهو أصالة عدم
~~الشرطية؟ فإن فيه أيضا خلافا تعرفه - مع تحقيقات منا - عند ذكر حجج النافين
~~لشرطية لامتزاج، ولما كان موضوع المسألة الذي هو معقد للإجماع المذكور مما
~~يختلف أحكامه باعتبار اختلاف أنواعه، فلابد من إيراد البحث عنه في مراحل:
# المرحلة الاولى: في تطهير الماء القليل المتنجس متغيرا أو غيره، وقد
~~ذكروا فيه أنه يطهر بإلقاء كر عليه دفعة كما في الشرائع (1)، هذا إذا لم
~~يكن متغيرا أو كان وزال تغيره
# PageV01P548
# بالواحد، وإلا فكر آخر، وهكذا إلى أن يزول التغير فيطهر، فاعتبار الزيادة
~~إنما هو حيث لم يزل التغير بدونها لا لتوقف الطهر عليها.
# نعم، الكرية معتبرة في الطهر مع التغير ومع عدمه عند أهل القول بانفعال
~~القليل بالملاقاة بلا خلاف، ووجهه واضح من حيث إن ما دونه ينفعل بمجرد
~~الملاقاة، من غير فرق فيه عندهم بين ملاقاة النجس أو المتنجس، فكيف يصلح
~~مطهرا للغير، وقد يدعى عليه الوفاق على الإطلاق، غير أنه يشكل ذلك على مذهب
~~العماني ومن تبعه، بل عن فخر الإسلام في شرح الإرشاد (1) ما ينافي إطلاق
~~هذه الدعوى، حيث أنه بعد حكاية هذا المذهب قال - في عبارة محكية عنه -: "
~~ويتفرع عليه أنه لو تغير بعض أقل من الكر ثم زال التغير من قبل نفسه طهر
~~عند العماني ومن وافقه ".
# وقضية هذا التفريع أنه لا يعتبر الكرية في الرفع كما أنه لا يعتبرها في
~~الدفع، فلو تغير مادون الكر على هذا فالقي عليه طاهر أقل من الكر موجب
~~لزوال تغيره، لزم انقلابه طاهرا.
# ولعل وجه التفريع المذكور أن كل معلول يدور وجودا وعدما مع علته، فيرتفع
~~بارتفاع العلة، وحيث أنه لا تأثير لمجرد الملاقاة عند أهل هذا المذهب
~~فانحصر علة النجاسة عندهم في التغير، فإذا زال بغير الكر وجب زوال النجاسة
~~أيضا، وقضية ذلك حينئذ طهره أيضا بزوال التغير بنفسه ms501 من غير حاجة إلى إلقاء
~~الماء الطاهر ولو قليلا، وهو كما ترى في غاية البعد، ولم يعهد القول بذلك
~~عن أهل هذا القول.
# نعم، لغيرهم في مسألة الكر المتغير إذا زال تغيره بنفسه أو بعلاج كلام
~~يأتي
# PageV01P549
# التعرض له، وستعرف أن المشهور في تلك المسألة عدم كفاية ذلك، بل لم يسند
~~المخالفة إلا إلى يحيى بن سعيد، وجعله بعضهم لازما لقول كل من يقول بطهارة
~~القليل المتنجس بإتمامه كرا، مع ما فيه من المناقشة ومنع الملازمة كما
~~ستعرفه.
# فالذي يظهر - والله أعلم - أنه لا قائل هنا بكفاية زوال التغير مطلقا أو
~~مع تلبسه بإلقاء الماء القليل، والتفريع المذكور لعله اجتهاد من قائله من
~~دون وقوع التصريح به في كلام الجماعة، فيرده حينئذ منع الملازمة بين مقامي
~~الدفع والرفع، وقضية العلية على نحو ما ذكرناه أمر نظري عقلي، وكون العلة
~~المبقية غير العلة المحدثة على فرض افتقار الباقي في بقائه إلى العلة
~~احتمال قائم في المقام، ومعه لا دافع لاستصحاب النجاسة كما لا رافع للنجاسة
~~المستصحبة.
# ويمكن أن يكون التفريع المذكور مبنيا على توهم امتناع كون الماء الواحد
~~بعضه طاهرا لمكان عدم انفعال الجزء الغير المتغير وبعضه الآخر نجسا وهو
~~الجزء المتغير، ويرده: إن كان ذلك لمجرد العقل.
# أولا: النقض بحالة التغير، فأنه لا يخرج الماء الواحد عن الوحدة.
# وثانيا: أن جعل الجزء المتنجس تابعا للجزء الطاهر في صيرورته طاهرا بمجرد
~~زوال التغير فرارا عن المحذور، ليس بأولى من جعل الجزء الطاهر تابعا للجزء
~~المتنجس بمجرد عروض التغير في صيرورته متنجسا، والاستصحاب كما أنه يجري
~~بالقياس إلى الجزء الطاهر كذلك يجري بالقياس إلى الجزء المتنجس، وشمول
~~دلالة الشرع على عدم قبول القليل الانفعال بمجرد الملاقاة بعد تسليمها لتلك
~~الصورة غير معلوم، لو قيل بأن شمول دليل علية التغير للانفعال لما بعد زوال
~~التغير غير معلوم.
# وثالثا: منع امتناع تبعض الماء في وصفي الطهارة والنجاسة عقلا، إذ لا
~~مانع منه من جهة العقل والشرع، وعدم امتياز الجزئين في نظر الحس لا يقضي ms502
~~بعدم امتيازهما في علم الله سبحانه، غاية الأمر أن الطهارة والنجاسة وصفان
~~لا يجتمعان في محل واحد، لكن مجرد صدق الوحدة على المائين في نظر العرف لا
~~يستلزم وحدة محل الوصفين في متن الواقع وإن فرضناهما مختلطين بالامتزاج،
~~نظرا إلى أنه لا يخرج الأجزاء المتواصلة عما هي عليها ذاتا ووصفا سيما بناء
~~على عدم تداخل الأجسام، وإن أوجب PageV01P550
# فيها طريان مفارقة البعض عن بعض كما لا يخفى.
# والقول: بأنه يلزم حينئذ عدم جواز استعمال الطاهر الموجود هنا فيما يشترط
~~فيه الطهارة، لاشتمال كل جزء منه بعد الامتزاج على جزء من المتنجس وهذا في
~~معنى نجاسة الكل، إذ لا يجوز على الفرض شربه ولا التوضي ولا تطهير الثوب
~~والبدن به.
# يدفعه: أن ذلك من جهة قيام مانع عرضي لا من جهة فقد المقتضي كما في
~~الشبهة المحصورة، فلا ملازمة بين منع الاستعمال من جهة الاشتباه وبين كونه
~~لأجل النجاسة في الجميع لا غير.
# وأما ما يتوهم: في تلك الصورة أو نظيرها - كما في الكر الملقى على
~~المتنجس، بناء على عدم تأثيره في طهره ولا تأثره عنه بقبول النجاسة لمكان
~~كر غير متغير - من أنه لو ارتمس فيه مرتمس ارتفعت جنابته باشتمال الماء
~~الطاهر عليه، وإن كان يتنجس بدنه من حين الخروج.
# ففيه: ما لا يخفى من الغرابة والبعد عن قواعد الشرع؛ فإن الجنابة لا
~~ترتفع إلا بطهارة الماء المستعمل فيها بجميع أجزائه، والعلم باشتمال البدن
~~في الصورة المفروضة على الماء الطاهر ليس من العلم بطهارة الماء المشتمل
~~عليه بجميع أجزائه، ومعه فأي شئ ينهض رافعا للحدث المتيقن ودافعا
~~لاستصحابه؟ وكيف كان فمذهب العماني وموافقيه في تلك المسألة غير معلوم.
# ومن هنا يعلم القدح في إطلاق دعوى الإجماع على اشتراط الكرية في المطهر،
~~والإجماع على كون الكر مطهرا ليس من الإجماع على أن الطهر لا يحصل إلا
~~بالكر.
# نعم، على المختار من انفعال القليل بالملاقاة لا إشكال في اعتبار الكرية،
~~وكأن إطلاق نقل الإجماعات منزل على هذا التقدير.
# ثم: لا يذهب عليك ms503 إنا وإن منعنا بطلان تبعض الماء الواحد في الطهارة
~~والنجاسة من جهة العقل، ولكنه لا نمنعه من جهة الإجماع، مضافا إلى ما أشرنا
~~إليه من قيام الدلالة التبعية عليه فيما دل من النصوص على طهر البئر
~~المتغير بالنزح إلى أن يزول التغير، بناء على ما تقدم الإشارة إليه مع ما
~~سيأتي من تفصيل ذلك، غير أن العمدة هو الإجماع وهو قائم جزما، كيف وهو قضية
~~إجماعهم على أن الكر أو غيره مما سيأتي PageV01P551
# مطهر عن القليل المتنجس، وستعرف في مسألة الامتزاج عن كاشف اللثام (1)
~~دعوى الإجماع عليه بالخصوص، فعندهم - على ما يظهر للمتأمل - ملازمتان
~~قطعيتان أثبتهما النصوص والإجماع، وملازمة ثالثة أثبتها الإجماع خاصة أو هو
~~مع ما أشرنا إليه من الدلالة التبعية في نصوص زوال التغير.
# أما الاوليان: فإحداهما أن الماء الملقى على المتنجس إذا كان ذا قوة
~~عاصمة كالكرية مثلا لم ينفعل بملاقاته.
# واخراهما: أنه إذا عرا عن تلك القوة ينفعل بتلك الملاقاة.
# وأما الثالثة: فهي أن بقاء الماء الملقى على وصف الطهارة - كما هو مقتضي
~~الملازمة الاولى - ملازم لزوال النجاسة عن الماء المتنجس وإلا لزم تبعض
~~الماء الواحد في الطهارة والنجاسة وهو منفي بالإجماع، ومرجع هذه الملازمة
~~إلى اعتبار التبعية فيما بين المائين بعد حصول التلاقي بينهما، فلابد على
~~طريقة الانفصال الحقيقي إما وأن يتبع الماء الطاهر لما القي عليه في وصف
~~النجاسة، أو يتبع الماء المتنجس لما القي عليه في وصف الطهارة، فحينئذ لو
~~القي على الماء المتنجس مقدار كر من الماء الطاهر فلا يخلو إما أن نقول:
~~بنجاسة الملقي كالملقى عليه أو بالعكس؛ أو ببقاء كل على حكمه الأول، والأول
~~منفي بحكم الملازمة الاولى، كما أن الثالث منفي بحكم الملازمة الثالثة،
~~فتعين الثاني إذ لا احتمال سواه.
# كما أنه لو القي عليه ما دون كر من الماء فإما أن يقال بطهارتهما معا، أو
~~بنجاستهما كذلك، أو ببقاء كل على حكمه، والأول منفي بحكم الملازمة الثانية،
~~كما أن الأخير منفي بحكم الملازمة الثالثة، فتعين الثاني إذ لا ms504 احتمال
~~سواه.
# ولعله إلى هذا المعنى يرجع ما في كلامهم من الاحتجاج على حكم المطهرية
~~كما في المنتهى قائلا: " والواقف إنما يطهر بإلقاء كر عليه دفعة من المطلق
~~بحيث يزول تغيره، وإن لم يزل فبإلقاء كر آخر عليه وهكذا، لأن الطاري غير
~~قابل للنجاسة لكثرته، والمتغير مستهلك فيه فيطهر " (2) بناء على أن مراده
~~بالاستهلاك زوال امتياز التغير عن الكر بما يتحقق بينهما من الوحدة، وذكر
~~نظير هذا الاستدلال في الجاري المتغير أيضا
# PageV01P552
# المحكوم عليه بأنه إنما يطهر بإكثار الماء المتدافع حتى يزول التغير،
~~وأما تطهير القليل الذي أورده بعدهما وإن لم يستدل فيه بمثل ما ذكر غير أنه
~~جار فيه أيضا، وكأنه تركه هنا اكتفاء بما سبق.
# ولكن ينبغي أن يعلم أن الملازمة الأخيرة موضوعها الماء الواحد، فلابد في
~~الاستدلال بها من إحراز الوحدة أولا، وكأن اختلافهم الآتي في الشروط الآتية
~~من الدفعة والممازجة ونحوها ناش عن طلب إحراز الوحدة، فمن يراها كلا أم
~~بعضا شرطا يرى أن الوحدة لاتصدق إلا معها، ومن لا يعتبرها يراها صادقة
~~بدونها، وعليه لا يكون شئ من تلك الشروط أمرا تعبديا صرفا، وبذلك ربما
~~يرتفع الحاجة في إثبات اعتبار شئ منها أو نفي اعتباره إلى التمسك بالأصل،
~~من استصحاب أو أصالة عدم الشرطية - على الخلاف المتقدم إليه الإشارة - لكون
~~الحكم حينئذ منوطا بالوحدة وصدقها وهو أمر عرفي لا يرجع فيه إلى الشرع.
# كما علم بذلك وجه الاختلاف الذي وقع بين العلامة والمحقق في المنتهى
~~والمعتبر في غديرين أحدهما أقل من الكر فلاقته نجاسة ثم وصل بالآخر البالغ
~~كرا، حيث إن العلامة قال في الكتاب: " لو وصل بين الغديرين بساقية اتحدا،
~~واعتبر الكرية فيهما مع الساقية جميعا، أما لو كان أحدهما أقل من كر ولاقته
~~نجاسة فوصل بغدير بالغ كرا، قال بعض الأصحاب: الأولى بقاؤه على النجاسة،
~~لأنه ممتاز عن الطاهر، مع أنه لو مازجه وقهره لنجسه، وعندي فيه نظر فإن
~~الاتفاق واقع على أن تطهير ما نقص عن الكر بإلقاء كر عليه، ولا شك ms505 أن
~~المداخلة ممتنعة، فالمعتبر إذن الاتصال الموجود هنا " (1).
# والظاهر أن مراده ببعض الأصحاب هو المحقق، لما حكي عنه في المعتبر من
~~قوله: " الغديران الطاهران إذا وصل بينهما بساقية صارا كالماء الواحد، فلو
~~وقع في أحدهما نجاسة لم ينجس، ولو نقص كل واحد منهما عن الكر إذا كان
~~مجموعهما مع الساقية كرا فصاعدا، الثالث: لو نقص الغدير عن كر فنجس فوصل
~~بغدير فيه كر ففي طهارته تردد، والأشبه بقاؤه على النجاسة لأنه ممتاز عن
~~الطاهر، والنجس لو غلب على الطاهر نجسه مع ممازجته فكيف مع مبائنته " (2).
# PageV01P553
# وإن شئت صدق مقالتنا في دعوى رجوع ذلك إلى الخلاف في صدق الوحدة و عدمه؛
~~فانظر في كلاميهما تجدهما مشتملين نفيا وإثباتا على إناطة الحكم بصدق
~~الوحدة وعدم صدقه، لتصريح العلامة بصدقها في المسألة الاولى بقوله: " اتحدا
~~" فيكون المسألة الثانية أيضا على قياسها، وتصريح المحقق بعدم صدقها بعنوان
~~الحقيقة لقوله: " صارا كالماء الواحد " فإن التأدية بأداة التشبيه تقتضي
~~كون المائين مع عدم اتحادهما حقيقة في حكم الماء الواحد البالغ كرا في عدم
~~انفعاله بمجرد الملاقاة، وعلى قياسها المسألة الثانية فإن الوحدة الحقيقية
~~إذا لم تكن متحققة بمجرد الوصل بساقية لم يكن مجرد الوصل كافيا في التطهير،
~~على خلاف الحكم في المسألة الاولى وهو الكفاية في عدم الانفعال.
# وجه الفرق بين المسألتين: أن الأحكام تدور مدار عناوينها المأخوذة في
~~الأدلة، والماء الواحد من حيث أنه ماء واحد لم يؤخذ عنوانا في حكم عدم
~~الانفعال بملاقاة النجاسة، بل المأخوذ عنوانا في هذا الحكم - حسبما قررناه
~~في بحث الكر - إنما هو عنوان الكرية وما فوقها، وصدق هذا العنوان لا يتوقف
~~على وحدة الماء حقيقة بل يكفي فيه مجرد الاتصال بين المائين كما لا يخفى
~~على المتأمل؛ بخلاف حكم التطهير فأنه معلق على عنوان الوحدة الذي لا يتأتى
~~بمجرد الاتصال المفروض.
# وبما وجهناه في الفرق بين المسألتين يندفع المنافاة المتوهمة بين
~~الكلامين، فظهر أن النزاع بينهما راجع إلى الصغرى، فالعلامة يرى مجرد هذا
~~الاتصال كافيا في صدق عنوان الوحدة، ms506 والمحقق لا يراه كافيا لتصريحه بأنه
~~ممتاز عن الطاهر، بل يراه متوقفا على حصول الممازجة كما فهمه العلامة من
~~كلامه ورده بأن المداخلة ممتنعة، واستظهره منه أيضا جماعة، ويرشد إليه أيضا
~~قوله - في الوجه الثاني مما استدل به -:
# " والنجس لو غلب على الطاهر نجسه مع ممازجته، فكيف مع مبائنته " يعني
~~فكيف يطهر مع مفارقته عن الطاهر البالغ كرا.
# وحاصله: أن نجاسة الكر معلقة على غلبة النجس عليه وتغيره بسببه، وهي لا
~~تتأتى إلا مع الممازجة، ضرورة أن النجس لو كان مفارقا عن الكر لم يصدق عليه
~~أنه غلبه، كما أن طهر النجس معلق على صيرورته مع الكر ماء واحدا، ولا يتأتى
~~ذلك إلا مع الممازجة. PageV01P554
# وبعبارة اخرى: أن الكر في كل من تأثره عن النجس وتأثيره فيه موقوف على
~~الممازجة، أما الأول: فلأن تأثره منه يتوقف على غلبته عليه، ولا يتأتى
~~الغلبة إلا مع الممازجة.
# وأما الثاني: فلأن تأثيره فيه يتوقف على الوحدة، ولا يتأتى الوحدة إلا مع
~~الممازجة.
# ويوافقه على دعوى كون العبرة في مقام التطهير بالوحدة الرافعة للتمييز
~~بين المائين الغير المتحققة بمجرد الوصل بينهما عبارة الشهيد المحكية عن
~~الذكرى قائلا:
# " ويطهر القليل بمطهر الكثير ممازجا، فلو وصل بكر مماسة لم يطهر للتمييز
~~المقتضي لاختصاص كل بحكمه، ولو كان الملاقاة بعد الاتصال ولو بساقية لم
~~ينجس القليل مع مساواة السطحين أو علو الكثير كماء الحمام، ولو نبع الكثير
~~من تحته - كالفوارة - فامتزج طهره لصيرورتهما ماء واحدا، أما لو كان ترشحا
~~لم يطهر لعدم الكثرة الفعلية " (1).
# ومراده بالكثرة الفعلية الكرية الفعلية التي هي مناط التطهير؛ ولا ريب
~~أنها غير متحققة مع الرشح.
# ويرد عليه مع المحقق بالنظر إلى إطلاق كلاميهما: أن ما ذكرتماه إنما
~~يستقيم على فرض تسليمه فيما لو كان الوصل بين الغديرين بساقية، خصوصا إذا
~~كانت الساقية خفية، وإلا فلو كان هنا حوضان أحدهما كر دون الآخر مفصول
~~بينهما بفاصل يساويها في الأبعاد الثلاث وكان ما دون الكر نجسا، ثم رفع
~~الفاصل بحيث صارا حوضا واحدا فأنه ms507 لا شبهة حينئذ في صدق الوحدة صدقا
~~حقيقيا، إذا كان المراد بها الوحدة العرفية كما هو الظاهر المصرح به في
~~جملة من العباير، وظني أن هذا الفرض لا يندرج في معقد كلاميهما كما يفصح
~~عنه التصريح بالساقية في كلام المحقق المتضمن لقضية الوصل بين المائين.
# نعم، يتوجه الإشكال إلى إطلاق كلام العلامة في دعوى الاتحاد، فإن حصوله
~~لو اريد به اتحاد المائين في جميع صور المسألة حتى ما لو كان الوصل بينهما
~~بساقية خفية في غاية الإشكال، والاكتفاء بنحو هذا الاتصال في نهاية
~~الصعوبة.
# ومما يومئ إلى أن محط كلامهم هنا اعتبار الوحدة عبارة الشيخ في المبسوط
~~التي حكاها العلامة في المنتهى موردا عليه في بعض محتملاته قائلا: " وقال
~~الشيخ في
# PageV01P555
# المبسوط: " لا فرق بين أن يكون الطاري نابعا من تحته أو يجري إليه أو
~~يغلب "، فإن أراد بالنابع ما يكون نبعا من الأرض، ففيه إشكال من حيث إنه
~~ينجس بالملاقاة فلا يكون مطهرا، وإن أراد به ما يوصل إليه من تحته فهو حق "
~~(1).
# فإن الشيخ يرى الوحدة صادقة في جميع التقادير، والعلامة يراها متوقفة على
~~كون النبع وصلا للكثير إليه من تحته، ووجه استشكاله على هذا التقدير لو كان
~~المراد بالنابع ما ينبع من الأرض إما لأن الجاري مطلقا ليس عنده من ذوات
~~القوة العاصمة فيكون إشارة إلى الملازمة الثانية مما تقدم، أو أن العبرة في
~~التطهير بحصول الكثير في الماء فعلا ولا يتأتى ذلك إلا بالوصل إليه دفعة،
~~ولا يكفي فيه مجرد النبع كيفما اتفق، لأنه عبارة عن خروج الماء جزء فجزء
~~فهو ما لم ينبع لم يحصل في المتنجس وبالنبع خرج عن كونه جزءا من المطهر،
~~لأنه يوجب اتحاده مع المتنجس؛ ومثل هذا الاتحاد لا يجدي لأن العبرة فيه
~~باتحاد المطهر معه، والجزء المنفصل عنه المتحد مع المتنجس ليس بمطهر بنفسه،
~~لعدم كونه ذا القوة العاصمة فينجس بالملاقاة؛ وعلى هذا يكون ذلك أيضا إشارة
~~إلى الملازمة الثانية؛ وموافقا لما عرفته عن الشهيد فيما يخرج إليه بالرشح.
# وإلى ms508 هذا ينظر ما عن المعتبر: " من أن هذا أشبه بالمذهب، لأن النابع ينجس
~~بملاقاة النجاسة، وإن أراد بالنابع ما يوصل إليه من تحته لا أن يكون من
~~الأرض فهو صواب " (2).
# وقد أشار بقوله: " هذا أشبه " إلى ما عن الخلاف (3) في رد الشافعي القائل
~~بكفاية النبع، من أن الطهارة بالنبع حكم مختص بالبئر، ومن هنا يمكن أن
~~يقال: إن مراد الشيخ بالنبع في العبارة المتقدمة عن المبسوط هو ثاني ما
~~ذكره العلامة في توجيهها، ومعه لا يتوجه إليه ما ذكره من الترديد.
# ومن جميع ما ذكر تعرف أن اشتراط الدفعة في كلامهم كما هو الأظهر - على ما
~~سيأتي - إنما هو لإحراز عنوان الوحدة، إذ بدونها لا يتأتى الوحدة فيما بين
~~المطهر والمتنجس، بل إنما تتأتي فيما بينه وبين جزء من المطهر، وهو ليس بذي
~~القوة العاصمة فينفعل بحكم الملازمة الثانية، فورود الكر بل الأكرار عليه
~~تدريجا لا يكفي في التطهير، سواء تخلل الفصل بين الدفعات المتدرجة أو لا،
~~وستعرف تفصيل القول فيه وفي سائر الشروط.
# PageV01P556
# ومما بيناه - من مناط التطهير - تعرف عدم اشتراطه بعلو المطهر ولا
~~مساواته في السطح، لعدم توقف صدق الوحدة على شئ من الوصفين، ضرورة أنها
~~تحصل بعد الملاقاة والاتصال سواء نزل إليه من عال، أو ورد عليه من مساو، أو
~~اتصل به من تحت بشرط كون الاتصال حاصلا بينه وبين تمام الكر، كما لو كان
~~هناك فيما بينهما حاجز فرفع، فلو جرى إليه من فوارة ونحوها لا يكفي في
~~الطهر لفقده ما هو مناط التطهير وهو الوحدة الحاصلة بالنسبة إلى تمام
~~المطهر لا جزئه.
# فما قد يفصل في المقام - من أنه إن كان من فوارة بحيث يكون مستعليا على
~~الماء النجس حصل التطهر به، إن كان استعلاؤه بحيث لا يمس الماء النجس إلا
~~بعد نزوله، وإن كان لا من فوارة بل إنما ينبع ملاقيا للماء النجس فبناء على
~~الاكتفاء بالاتصال في التطهير بمثله، أو على تسليم الملازمة في أنه ليس لنا
~~ماء واحد بعضه طاهر وبعضه نجس ms509 مع القول بعدم اشتراط الكرية في الجاري، اتجه
~~القول بالطهارة أيضا، وإلا أمكن المناقشة فيه لاستصحاب النجاسة - ليس على
~~ما ينبغي.
# بل الإنصاف عدم حصول الطهر في كل من الصورتين لانتفاء الدفعة التي عليها
~~مدار الوحدة، وهو صريح المحكي عن العلامة في نهاية الإحكام من أنه: " لو
~~نبع من تحت فإن كان على التدريج لم يطهره وإلا طهره " (1).
# وكيف كان: فاشتراط الاستعلاء أو المساواة في المطهر خال عن الوجه، بل لم
~~نقف عليه بقائل تحصيلا ولا نقلا، بل العبارات المتقدمة عن فحول فقهائنا
~~كالشيخ والعلامة مصرحة في عدم الاشتراط.
# نعم ربما يستشم - كما في الروضة - (2) عن تعبيرهم ب " إلقاء كر دفعة "
~~بناؤهم على شرطية العلو أيضا، ودونه في الإشعار بذلك ما في الروضة أيضا من
~~أن المشهور اشتراط طهر القليل بالكر بوقوعه عليه دفعة (3).
# وما عن تذكرة العلامة من: " أنا نشترط في المطهر وقوع كر دفعة، قائلا -
~~في رد الشافعي -: بأنه لو نبع الماء من تحته لما يطهر، وإن أزال التغير
~~خلافا للشافعي، لأنا نشترط في المطهر وقوعه كرا دفعة " (4).
# PageV01P557
# وعن الشيخ في الخلاف (1) من أنه يشترط في تطهير الكر الورود، وأنت بعد
~~التأمل في ما تقدم من عباراتهم المصرحة بعدم الفرق أو الظاهرة فيه تعرف أن
~~هذا الاستظهار ليس في محله، كيف والمقصود من هذه العبارات إفادة اعتبار
~~القيد من الكرية والدفعة دون المقيد، كما يرشد إليه ورود بعضها في رد
~~الشافعي القائل بكفاية النبع، ومعه فلو بني على الأخذ بمثل هذا الظهور -
~~بعد الغض عما ينافيه مما ذكر - لاتجه اعتبار امور اخر غير الاستعلاء التي
~~منها قصد التطهير، لكون الإلقاء من الأفعال الاختيارية المنوطة بالقصد
~~والنية، وهو كما ترى.
# ولذا قد يقال - في توجيه التعبير بالإلقاء والوقوع والورود -: من أنه
~~إنما وقع من جهة أن الغالب في تطهير المياه القليلة الباقية في الحياض
~~المنفعلة بالملاقاة كون المطهر ماء خارجيا.
# وقد يوجه أيضا: بأن مراد من وقعت منه مثل هذه العبارات إنما هو في مقابلة
~~الشيخ القائل بكفاية التطهير ms510 بالنبع من تحت.
# وفيه: إن اريد بالنبع ما يكون من الأرض على حد ما في الجاري فقد عرفت من
~~عبارة الخلاف المتقدمة (2) أن الشيخ أيضا لا يقول بالاكتفاء به، وإن اريد
~~به وصل الكثير إليه من قعره فقد تبين أنه لا يخالفه غيره كالمحقق والعلامة
~~في الاكتفاء به.
# ويشهد بما ذكرناه من عدم اعتبارهم ظهور الألفاظ المذكورة هنا - مضافا إلى
~~ما تقدم - إطلاق الاتفاق الذي ادعاه العلامة في المنتهى في مسألة الغديرين
~~الموصول بينهما بساقية عند دفع كلام المحقق المصرح بعدم كفاية مجرد الاتصال
~~في التطهير.
# نعم، ربما يظهر عن عبارة الشيخ في الخلاف المعبرة باشتراط الورود توقف
~~الطهر على ورود المطهر، فلو عكس بإيراد المتنجس على الكر الطاهر لم يؤثر في
~~الطهر، وقضية إطلاق الآخرين عدم الفرق وهو الأقرب أخذا بالملازمة الثالثة
~~المتقدم ذكرها، المنوطة بصدق الوحدة الحاصلة في صورة العكس أيضا، بل حصولها
~~فيه أظهر وأبين كما لا يخفى، إلا أن يكون ذلك في نظره شرطا تعبديا كالكرية،
~~غير أنه يحتاج إلى دليل.
# ويظهر الثمرة فيما لو ألقي الماء النجس في الكثير فيطهر على ما ذكرناه،
~~من غير فرق
# PageV01P558
# بين كونه من فوق أو من تحت، كما لو كان في إناء ثم كسر الإناء في قعر
~~الحوض البالغ كرا.
# وإذا تمهد جميع ما بيناه فتنقيح المسألة يستدعي رسم امور:
# أحدها: النظر في اعتبار الدفعة وعدمه، فأنه مما اختلفت فيه عبائر الأصحاب
~~فصريح أكثر العبائر المتقدمة اعتبارها؛ وفي الحدائق: " بل الظاهر أنه
~~المشهور بين المتأخرين " (1) وفي الروضة التصريح بالشهرة (2)، وعن ظاهر
~~آخرين بل صريح بعضهم عدم اعتبارها.
# وربما يشتبه المراد بالدفعة هنا فيذكر فيه وجوه، وذلك لأن الكرية إما أن
~~تكون محرزة فيما يلقى قبل الإلقاء أو لا، بل يلقى عليه من الماء القليل
~~مرات إلى أن يبلغ المجموع الملقى كرا.
# وعلى الأول: فإما أن يلقى بعضا فبعضا على وجه يحصل الانقطاع فيما بين
~~الأبعاض الملقاة من حين الإلقاء - كأن يلقى ثلثه فقطع، ثم يلقى الثلث
~~الثاني فقطع، ثم ms511 يلقى الثلث الأخير - أو لا، بل يلقى المجموع بلا انقطاع
~~فيما بين الأبعاض، وعليه فإما أن يتحقق وقوع المجموع عليه في آنات متعددة
~~على نحو التدريج كما لو أجرى الكر عليه بساقية ضيقة، أو يتحقق وقوعه في آن
~~واحد عرفي - كما هو المصرح به في كلام جماعة - أو حقيقي كما هو المنفي في
~~كلامهم.
# ولا ينبغي أن يكون المراد بها هنا ما يقابل المعنى الأول، ولا ما يقابل
~~المعنى الثاني، لأن اعتبارها بكل من المعنيين ليس أمرا وراء اعتبار الكرية،
~~فلا معنى للخلاف فيه حينئذ لو كان الخلاف محققا، مع أن اعتبار الكرية تغني
~~عن اعتبارها، لظهور اعتبار الكرية في كون المحرز للإلقاء والمعد له كرا في
~~الواقع واقعا على المتنجس بوصف الكرية.
# فتعين أن يكون المراد ما يقابل المعنى الثالث، وهو المعنى الرابع بعينه
~~كما صرح به غير واحد، منهم صاحب المدارك قائلا فيه: " المراد بالدفعة هنا
~~وقوع جميع أجزاء الكر على الماء النجس في آن عرفي " (3) وقريب منه ما في
~~الحدائق (4).
# ويدل على إرادته أيضا التقييد بالعرفي في بعض كلماتهم، بل ما تقدم عن
~~العلامة في النهاية والتذكرة أيضا في رد الشافعي القائل بكفاية النبع من
~~تحته شاهد بذلك.
# PageV01P559
# واختلف في وجه اعتبار الدفعة بهذا المعنى، فقد يقال: بأنه يحتمل أن يكون
~~ذلك لأجل تحصيل الامتزاج، فإن الوقوع دفعة يوجب ذلك غالبا بل دائما، وعن
~~حاشية الروضة لجمال المحققين: " إن في صورة إلقاء الكر دفعة يتحقق
~~الممازجة، وإنما الخلاف في اشتراط الممازجة فيما يلق دفعة " (1).
# وأن يكون اعتبارها مختصا بصورة الإلقاء دون الاتصال الذي يحصل فيما بين
~~الغديرين المتواصلين، تحرزا عن اختلاف سطوح المطهر فينفعل السافل منه
~~بالملاقاة ولا يتقوي الجزء العالي منه.
# وأن يكون ذلك لاستصحاب النجاسة ولزوم الاحتياط في إزالتها بعد ذهاب جماعة
~~إلى الدفعة، وعن حاشية الروضة (2) - المشار إليها - الاعتماد عليه.
# وأن يكون الوجه فيه ما ذكره في جامع المقاصد: " من ورود النص بالدفعة
~~وتصريح الأصحاب بها " (3).
# بل قد يقال: بأن ذلك هو غاية ما ms512 يمكن الاستناد فيه إليه، وأما ما في
~~المدارك من المناقشة فيه: " بأنا لم نعثر عليه في كتب الحديث، ولا نقله
~~ناقل في كتب الاستدلال " (4) فغير قادح في الاعتبار، إذ عدم الوجدان لا
~~يقضي بعدم الوجود، ونسبته إلى تصريح الأصحاب مع ما في الحدائق (5) من نسبته
~~إلى المشهور بين المتأخرين جابران لهذا المرسل، مع أن استصحاب النجاسة محكم
~~ولا بيان لكيفية التطهير.
# هذا كله: مع التأييد بأن مع التدريج ينجس كل جزء يصل إلى الماء النجس
~~لعدم تقوي السافل بالعالي.
# وأنت خبير بما في هذه الوجوه من الوهن الواضح.
# أما الوجه الأول: فلأن النسبة بين الدفعة والممازجة - على ما يشهد به
~~التأمل الصادق - عموم من وجه يجتمعان في مادة ويفترقان في أخريين، ولذا ترى
~~أن العلامة
# PageV01P560
# في المنتهى مع أنه صرح باعتبار الدفعة (1) أنكر على بعض الأصحاب - وهو
~~المحقق على ما هو ظاهر ما تقدم - اعتبار الممازجة، مصرحا في الغديرين
~~المتواصلين بكفاية الاتصال الموجود هنا (2).
# فما عرفت عن جمال المحققين من أن في صورة إلقاء الكر دفعة يتحقق الممازجة
~~في حيز المنع؛ لعدم الملازمة بينهما كما لو وضع على الماء المتنجس كر محرز
~~في إناء على وجه يتحقق معه المماسة بين سطحيهما بدون مداخلة، وعلى فرض
~~تسليم استلزامه المداخلة لا محالة فهي ليست من الممازجة المقصودة هنا، بل
~~هي مداخلة في الجملة فتكون أعم أيضا.
# وأما الوجه الثاني: فلأنه تقييد في إطلاق كلامهم من وجهين؛ فالتقييد
~~الأول ينافي إطلاق اشتراطهم الدفعة كالمحقق والعلامة في المعتبر (3)
~~والمنتهى (4)، كما أن التقييد الثاني ينافي إطلاقهم في عدم انفعال الكر
~~بالملاقاة، المقتضي لعدم الفرق بين استواء السطوح واختلافها، المستلزم لأن
~~يكون كل من الأعلى والأسفل متقويا بالآخر كما في الكتابين أيضا.
# والظاهر أن مرادهم بالدفعة ما يعم إلقاء تمام الكر عليه في آن واحد عرفي،
~~ووصله إليه إذا كان في غدير يمكن وصله إليه، ومنه مسألة الغديرين
~~المتواصلين، لأن مناط نظرهم - على ما عرفت من الملازمة الثالثة - حصول
~~عنوان الوحدة فيما بين المائين من حين ms513 اللقاء ولا يتأتى ذلك إلا بأحد
~~الوجهين، هذا مضافا إلى ما ستعرف في الاعتراض على ما يأتي عن صاحب المدارك
~~والمعالم.
# وأما الوجه الثالث: فلأن الاستصحاب - مع أن المقصود من اعتبار الدفعة
~~إحراز شرط لا حاجة له عند التحقيق إليها وهو الوحدة بين المائين - ليس في
~~محله.
# وأما الوجه الرابع: فلأن النص المدعى وروده مما لا أثر له أصلا، وإلا
~~كانت العادة قاضية بنقله إلينا وضبطه في الكتب لعموم البلوى به ومن هنا
~~أنكره في المدارك (5)، ولو سلم فهو مرسل لا جابر له، إذ ما تقدم مما ادعي
~~كونه جابرا لا يصلح جابرا كما هو
# PageV01P561
# واضح، مع إمكان كون مراد من ادعاه به غير معناه المصطلح عليه على أن يكون
~~عطف تصريح الأصحاب عليه تفسيرا له.
# فتحقيق المقام أن يقال: إن الدفعة إن اريد بها ما يكون شرطا تعبديا
~~فالمتجه منع اعتبارها، لانتفاء الدلالة عليه شرعا.
# وإن اريد بها ما يكون مقدمة لإحراز الوحدة بين المائين - الكر والمتنجس -
~~الرافعة للتمييز بينهما، فاعتبارها مما لا محيص عنه، بناء على ما تقدم من
~~الملازمة المتوقفة عليها.
# ولكن ينبغي أن يراد بالدفعة حينئذ ما يعم الإلقاء في آن واحد، وإيجاد
~~الاتصال بين الكر والمتنجس في موضع عدم إمكان الإلقاء، كما لو كانا في
~~حوضين أو غديرين فوصل بينهما على وجه صارا حوضا أو غديرا واحدا، وذلك مما
~~لا يقتضي ممازجة ولا مداخلة، ولا يكفي فيه إجراء الكر إليه على وجه يدخل
~~فيه جزء فجزء وإن لم يحصل الانقطاع في الأثناء، إذ لا يتحقق معه الوحدة
~~بينه وبين تمام الكر؛ والوحدة الحاصلة بينه وبين أجزاء الكر ليست من الوحدة
~~بينه وبين الكر، وذلك يوجب انفعال كل جزء منه يدخل فيه ويتحد معه، لا لأن
~~الكر يشترط في عدم انفعاله مساواة السطوح، بل لأن الجزء المفروض بمجرد
~~اتحاده مع الماء المتنجس يخرج عن كونه جزء من الكر ويدخل في عنوان الجزئية
~~للماء المتنجس، والمفروض أنه بنفسه غير معتصم فينفعل لا محالة، بل لو دخل
~~فيه ms514 كرور كثيرة بهذا الوجه انفعل المجموع بانفعال أجزائها المجتمعة فيه
~~المتحدة معه، كما لو القي عليه مياه قليلة بدفعات متكررة.
# ولعله إلى ما ذكرنا من كفاية الاتصال الحاصل في بعض الصور ينظر ما نسب
~~إلى الشهيد في الذكرى؛ وإن كان لا يوافق ما تقدم عنه فيه (1) أيضا سابقا من
~~الاكتفاء بإلقاء كر عليه متصل مع عدم اشتراط الدفعة.
# ولكن الإنصاف: أن ظاهر مراده بالاتصال هنا اتصال أجزاء الكر الملقى بعضها
~~ببعض، احترازا عما القي بدفعات متكررة على وجه يتحقق الانفصال فيما بينها؛
~~والاتصال بهذا المعنى أحد المعاني المتقدمة للدفعة، فالقول بأنه لم يشترط
~~الدفعة بإطلاقه في غير محله.
# ومن هنا ظهر أنه لا وقع لما عن المحقق الشيخ علي من الاعتراض عليه: " بأن
~~فيه
# PageV01P562
# تسامحا لأن وصول أول جزء منه إلى النجس يقتضي نقصانه عن الكر، فلا يطهر
~~حينئذ ولورود النص بالدفعة، وتصريح الأصحاب بها " (1).
# فإن وجه الاعتراض إن كان أنه أهمل الدفعة بالمرة ولم يعتبرها، ففيه: أن
~~الاتصال الذي صرح به أحد معاني الدفعة.
# وإن كان أنه لم يعتبر الزيادة على الكر في مقام التطهير لئلا يخرج عند
~~الاتصال عن الكرية.
# ففيه: منع خروجه عنها باتصال أول جزء منه بالماء المتنجس، لأن مجرد
~~اتصاله به بواسطة هذا الجزء يوجب تحقق الوحدة فيما بينهما التي هي مناط حكم
~~التطهير وموضوع الملازمة المتقدمة المجمع عليها، فإن في آن الاتصال يحصل
~~الوحدة ويقارنها طهره عند ذلك بلا تراخي زمان.
# ولا ينافيه كون الوحدة شرطا مأخوذا في موضوع الملازمة فلابد من تقدمها
~~على الطهر، ضرورة تقدم الشرط على مشروطه فكيف يقارنها الطهر في آن واحد،
~~لأن أقصى ما يقتضيه عنوان الشرطية - كما هو الحال في سائر المقدمات - إنما
~~هو التقدم بحسب الذات وهو حاصل في المقام، ولا ينافيه المقارنة بحسب
~~الزمان، فلا [وجه] (2) للاعتراض المذكور في شئ من الاحتمالين.
# إلا أن يقال: بأن المقصود منه هو الاحتمال الأول، لكن وجهها: أن الاتصال
~~بمعنى الدفعة بالمعنى المذكور ليست من الدفعة التي هي المقصودة في ms515 المقام
~~اللازم اعتبارها، لشموله ما لو دخل فيه الكر الواحد على سبيل التدريج
~~والمفروض أنه غير كاف على التحقيق، فحينئذ كانت الاعتراض بنفسه متجها غير
~~أن صدر العبارة تأبى عن إرادة هذا المعنى؛ وإنما هو ظاهر في دعوى اعتبار
~~الزيادة على الكر، إلا أن يقال أيضا: إن العبارة صدرا وذيلا تتضمن دعوى
~~اعتبار أمرين:
# أحدهما: الزيادة على الكر، وقد أشار إليه بصدر العبارة.
# وثانيهما: الدفعة بالمعنى المبحوث عنه، فأشار إليه بدعوى ورود النص
~~والتصريح.
# لكن يرد عليه في اعتبار الأمر الأول: أن مجرد وصول الجزء إلى النجس لو
~~كان
# PageV01P563
# مقتضيا للنقصان لما كانت الزيادة مجدية في رفع المحذور، لأن ذلك الاقتضاء
~~لا يستقيم إلا مع سبق الجزء على الكل في الوصول إليه، فلو فرض الإلقاء على
~~نحو يستلزم سبق بعض الأجزاء على بعض في الوصول فهذا المعنى يتحقق بالنسبة
~~إلى ما يلحق الجزء الأول، فأنه أيضا سابق بالقياس إلى لاحقه وهكذا إلى أن
~~ينتهي إلى النقصان بل إلى آخر الأجزاء، فيلزم أن لا يطهر أبدا ولو بإلقاء
~~كرور على هذا الوجه، وهذا كما ترى.
# مع أن اعتبارهم الدفعة وتقييدهم إياها بالعرفية في معنى اعتبار عدم سبق
~~بعض أجزاء الكر على بعض آخر في الملاقاة إذا اريد بالسبق وجودا وعدما ما
~~يكون عرفيا، فإن عدم السبق العرفي متحقق مع الدفعة العرفية جزما، وإذا اريد
~~به ما يكون عقليا فلا يتحقق الشرط أبدا فيلزم محذور عدم حصول الطهر أبدا.
# ومما يرشد إلى ما ذكرناه آنفا - من أن الاتصال بالمعنى الذي اكتفينا به
~~بالنسبة إلى الغديرين أو الحوضين المتواصلين داخل في الدفعة المشترطة ما في
~~منتهى العلامة من تقييد العنوان بالدفعة (1)، مع ما عرفت منه من التصريح
~~بكفاية الاتصال الموجود في الغديرين المتواصلين (2)، ولا ينبغي أن يكون
~~مراده بالدفعة هنا مجرد الاتصال بين أجزاء الكر احترازا عما يلقى متفرقة
~~الأجزاء كما فهمه ثاني الشهيدين - فيما حكي عنه في شرح الدروس - (3) لأن
~~ذلك مناف لما سمعت عنه في دفع كلام الشيخ في المبسوط (4) وما ms516 حكي عنه في
~~التذكرة (5) فراجع وتأمل.
# ثم إن لصاحب المعالم (رحمه الله) تفصيلا في المقام، محكيا عنه في كلام
~~غير واحد من الأعلام، قائلا في معالمه: " والتحقيق في ذلك أنه لا يخلو إما
~~أن يعتبر في عدم انفعال مقدار الكر استواء سطحه أو لا، وعلى الثاني إما أن
~~يشترط في التطهير حصول الامتزاج أو لا، وعلى تقدير عدم الاشتراط إما أن
~~يكون حصول النجاسة عن مجرد الملاقاة أو مع التغير، فهاهنا صور أربع:
# الاولى: أن يعتبر في عدم انفعال الكر استواء السطح، والمتجه حينئذ اشتراط
~~الدفعة في الإلقاء، لأن وقوعه تدريجا يقتضي خروجه عن المساواة فينفعل
~~الأجزاء التي
# PageV01P564
# يصيبها الماء النجس، وينقص الطاهر عن الكر فلا يصلح لإفادة الطهارة، ولا
~~فرق في ذلك بين المتغير وغيره لاشتراك الكل في التأثير في القليل، والمفروض
~~صيرورة الأجزاء بعدم المساواة في معنى القليل.
# الثانية: أن يهمل اعتبار المساواة ولكن يشترط الامتزاج، والوجه حينئذ عدم
~~اعتبار الدفعة بل ما يحصل به ممازجة الطاهر بالنجس واستهلاكه، حتى لو فرض
~~حصول ذلك قبل إلقاء تمام الكر لم يحتج إلى الباقي، ولم يفرق هنا أيضا بين
~~المتغير وغيره، لكن يعتبر في المتغير مع الممازجة زوال تغيره، فيجب أن يلقى
~~عليه من مقدار الكر ما يحصل به الأمران.
# ولو قدر قوة المتغير بحيث يلزم منه تغير شئ من أجزاء الكر حال وقوعها
~~عليه وجب مراعاة ما يؤمن معه ذلك الأمر بتكثر الأجزاء أو بإلقاء الجميع
~~دفعة.
# الثالثة: أن لا يشترط الممازجة ولا يعتبر المساواة ويكون نجاسة الماء
~~بمجرد الملاقاة، والمتجه حينئذ الاكتفاء بمجرد الاتصال، فإذا حصل بأقل
~~مسماه كفى ولم يحتج إلى الزيادة منه.
# الرابعة: الصورة بحالها ولكن كان النجاسة للتغير، والمعتبر حينئذ اندفاع
~~التغير كما في صورة اشتراط الامتزاج، وحينئذ لو فرض تأثير المتغير في بعض
~~الأجزاء يتعين الدفعة وما جرى مجراها كما ذكر، وحيث قد تقدم منا الميل إلى
~~اعتبار المساواة فاعتبار الدفعة متعين " (1) انتهى.
# ولا يخفى ما في هذا التفصيل من الخروج عن السداد، والعدول ms517 في جميع صوره
~~عن جادة الصواب.
# أما الصورة الاولى: فيرد على ما حققه فيها أولا: منع ابتناء اعتبار
~~الدفعة هنا على اشتراط مساواة السطوح في عدم انفعال الكر، فإن القول
~~باشتراط المساواة إنما نشأ عن توهم توقف اعتصام الكر عن الانفعال على صدق
~~عنوان الوحدة على ما يصدق عليه عنوان الكرية، ولا يتأتى ذلك إلا مع مساواة
~~السطوح.
# وكما أن اعتصام الكر عن الانفعال يتوقف على صدق الوحدة عليه - على هذا
# PageV01P565
# القول - فكذلك طهر الماء النجس بإلقاء الكر يتوقف على صدق عنوان الوحدة
~~على المجموع منه ومن الكر الملقى عليه ولا يتأتى ذلك إلا مع الدفعة، إذ
~~الوحدة الحاصلة مع التدريج حاصلة بينه وبين أبعاض الكر لا بينه وبين الكر،
~~ولازمه انفعال الأبعاض بمجرد الملاقاة، سواء قلنا باشتراط المساواة في
~~الاعتصام عن الانفعال في غير الصورة المفروضة أو لم نقل، فلا معنى لتفريع
~~اشتراط الدفعة على أحد القولين دون الآخر.
# ثم على القول باشتراط المساواة فالمقتضي لانفعال الأجزاء ليس هو صيرورتها
~~من جهة عدم المساواة في معنى القليل، بل خروجها بمجرد الدخول في الماء
~~المتنجس عن جزئية الكر واتحادها مع النجس؛ بناء على الملازمة الثانية
~~المتقدمة.
# ومما ذكر جميعا انقدح ضعف ما ذكره في الصورة الثانية من اعتبار ما يحصل
~~به الممازجة دون الدفعة - بناء على الإهمال في اعتبار المساواة - فإن ذلك
~~غير كاف جزما؛ هذا مضافا إلى بطلان ما ذكره من عدم الاحتياج إلى القاء تمام
~~الكر لو فرض استهلاك الماء النجس بالطاهر قبل إلقاء التمام، فإن الحكم معلق
~~على عنوان الكرية مع تحقق الوحدة بين المائين كما عرفت؛ وكيف يجتمع هذا
~~العنوان قبل إلقاء التمام.
# مع أن الاستهلاك لو اريد به مجرد زوال الامتياز في نظر الحس فهو معتبر
~~بالقياس إلى نفس الكر لا مجرد ما حصل منه الممازجة بينه وبين النجس، ولو
~~اريد به مقهورية النجس في جنب الطاهر الممازج معه فهو كثيرا ما - بل دائما
~~- يحصل بين ما لو كان الطاهر الملقى قريبا من الكر، بل ms518 كثيرا غير بالغ حد
~~الكرية وكان النجس بالقياس إليه أقل قليل، فبناء على عدم الحاجة إلى إلقاء
~~تمام الكر على تقدير حصول الاستهلاك يلزم حصول الطهر في تلك الصورة أيضا،
~~لأن وجود ما لا يحتاج إلى إلقائه بمنزلة عدمه؛ فأين اعتبار الكرية المجمع
~~على اعتبارها؟.
# إلا أن يقال: إن اعتبار التمام إنما هو لحفظ المطهر عن الانفعال، لكنه لا
~~يجدي في دفع محذور عدم اعتبار الكرية في مسألة التطهير.
# وانقدح: بما ذكر أيضا عدم كون ما ذكره في حكم الصورة الثالثة على ما
~~ينبغي؛ فإن مسمى الاتصال غير كاف جزما حيث لم يرد فيه نص لفظي؛ ولا أن
~~الاتصال مأخوذ عنوانا في الأدلة اللفظية حتى يكتفى بمسماه بناء على
~~الإطلاق، وإنما الحكم مستفاد من الإجماع PageV01P566
# معلق على وصفي الكرية والوحدة - حسبما قررناه - فلابد حينئذ من الاتصال
~~بقدر ما يجمع معه الوصفان؛ على معنى أن يصدق الوحدة عرفا على الماء النجس
~~مع الكر الملقى عليه وغيره، ولو مع القول بعدم اشتراط الممازجة ولا
~~المساواة في عدم انفعال الكر.
# ومنه يظهر الضعف في حكم الصورة الرابعة، فإن مجرد الزوال غير كاف في
~~الطهر لو فرض حصوله بما دون الكر أو ببعضه، لما تبين سابقا من أن الكرية
~~إنما اعتبرت لا لزوال التغير، واعتبار زوال التغير المصرح به في كلامهم ليس
~~من جهة أنه بنفسه مقتض للطهر كما قيل به في الكر أو الجاري المتغير؛ بل من
~~جهة أن وجوده وبقاءه مانع عن حصول الطهر بالكر؛ وإذ قد عرفت أن الكر بشرط
~~اتحاده مع النجس مناط للحكم فلابد من اعتبار الدفعة أو الاتصال الرافعين
~~للتمييز بين الماءين، سواء زال التغير بدون ذلك أو لا، وسواء أهملنا اعتبار
~~الممازجة والمساواة أو لا.
# فصار محصل المقام: أن الدفعة بالمعنى الشامل للاتصال الرافع للتمييز مما
~~لا محيص عنه في كل التقادير؛ ومن هنا وردت الفتاوى في اعتبار الدفعة مطلقة،
~~ولا يقدح في اعتبارها من جهة الإجماع على الملازمة الثالثة عدم ورود
~~اعتبارها في كلام بعضهم، أو ms519 تصريحه بعدم الاعتبار، لأن ذلك مخالفة - على
~~فرض تحققها واستقرارها - ترجع إلى أمر صغروي وهو أن الوحدة ربما تحصل بدون
~~الدفعة، فإنا أيضا نوافق على هذه الدعوى على تقدير صدق الفرض وصحته؛ ضرورة
~~أن الدفعة إنما نعتبرها توصلا إلى إحراز الوحدة لا تعبدا.
# وثانيها: النظر في اعتبار الامتزاج وعدمه، فإنه أيضا مما اختلفت فيه كلمة
~~الأصحاب، وقد عرفت عن العلامة في المنتهى (1) التصريح بكفاية الاتصال في
~~مسألة الغديرين عند دفع كلام المحقق، وعزى إليه أيضا في التحرير (2)
~~والنهاية (3)، وهو محكي عن المحقق والشهيد الثانيين (4)، وهو ظاهر المحقق
~~في الشرائع (5) حيث أطلق إلقاء
# PageV01P567
# الكر دفعة خلافا لجماعة، قيل: ونسب إلى الأشهر.
# وعن بعضهم: أن القول بالامتزاج لم يعرف ممن قبل المحقق في المعتبر (1)،
~~وربما عزى إلى الشيخ في الخلاف مستشهدا بأنه في الاستدلال على طهر الكثير
~~المتغير - بأن يرد عليه من الكثير ما يزيل تغيره - قال: " إن البالغ الوارد
~~لو وقع فيه عين النجاسة لم ينجس؛ والماء المتنجس ليس بأكثر من عين النجاسة
~~" (2)، ثم ذكر في القليل النجس:
# " أنه لا يطهر إلا بورود كر عليه لما ذكرنا من الدليل " (3) انتهى.
# قيل في وجه الاستشهاد بذلك: ولا ريب أن تمسكه بأولوية المتنجس بالطهارة
~~من عين النجاسة لا يصح إلا مع امتزاجه بالكر واستهلاكه؛ إذ مع الامتياز لا
~~يطهر عين النجاسة حتى يقاس عليه المتنجس.
# ولا يخفى ما فيه من الاشتباه الواضح، فإن الأولوية المشار إليها هنا
~~مدعاة في عدم انفعال الكثير الملقى على المتنجس لتطهيره، لا في طهر المتنجس
~~وزوال نجاسته، وأحدهما ليس بعين الآخر.
# وتوضيح ذلك - بناء على ما تقدم إليه الإشارة من الملازمة المجمع عليها -
~~أن الكثير إذا القي على المتنجس فلا محالة إما أن يتأثر هو من المتنجس
~~فينجس، أو يتأثر المتنجس منه فيطهر، والأول مما لا سبيل إليه، لأن الكثير
~~من حكمه أن لا ينجس بمجرد ملاقاة عين النجاسة فكيف بالمتنجس وهو أهون من
~~العين، فإنه أولى بعدم التأثير لعرضية نجاسته، فتعين الثاني لبطلان الواسطة
~~بالإجماع على الملازمة، ms520 وهذا المعنى على ما هو صريح العبارة مما لا ربط له
~~بما ذكر ولا فيه إشعار باعتبار الممازجة.
# وقد يستظهر القول بالامتزاج من كل من ذكر في الجاري المتغير أنه يطهر
~~بتدافع الماء من المادة وتكاثره حتى يزول التغير، كما في المقنعة (4)
~~والمبسوط (5) والسرائر (6) والوسيلة؛ (7) فإن اعتبار زوال التغير بالتدافع
~~والتكاثر لا يكون إلا لاعتبار الامتزاج، إذ لو
# PageV01P568
# كفى الاتصال كان الطهر بمجرد زوال التغير كما في اللمعة (1) والجعفرية
~~(2).
# وهذا أيضا بمكان من الوهن، فإن إفراد الجاري المتغير بهذا التعبير وجعل
~~اعتبار الوصفين مغيى بغاية زوال التغير - على فرض استلزامهما الامتزاج -
~~يأبى عن كون ذلك لتوقف الطهر عليه، مع ملاحظة أن توقف زوال التغير في
~~الغالب عليهما أمر حسي لا يقبل الإنكار.
# وظني أن هذا التعبير في الجاري المتغير نظير تعبيرهم في القليل المتغير
~~بأنه يطهر بإلقاء كر عليه فما زاد كما في الشرائع (3) وغيره؛ مع إجماعهم
~~على أن الزيادة على الكرية لا تعتبر إلا حيث يتوقف عليها زوال التغير.
# وقال في المنتهى: " والواقف إنما يطهر بإلقاء كر عليه دفعة من المطلق
~~بحيث يزول تغيره، وإن لم يزل فبإلقاء كر آخر عليه وهكذا " (4) وقال أيضا
~~بعد ذلك بقليل: " الماء القليل وإن لم يتغير بالنجاسة فطريق تطهيره بإلقاء
~~كر عليه أيضا دفعة، فإن زال تغيره فقد طهر إجماعا، وإن لم يزل وجب إلقاء كر
~~آخر وهكذا إلى أن يزول التغير " (5).
# فاعتبار التدافع والتكاثر في كلامهم ليس إلا من حيث توقف زوال التغير
~~عليهما، ولذا أن العلامة في المنتهى صدر منه العبارة المذكورة بعينها مع أن
~~ظاهره فيه بل صريحه في بعض مواضع منه كفاية مجرد الاتصال وعدم اعتبار
~~الامتزاج، فما عن جامع المقاصد (6) أيضا من جعله التعبير بتلك العبارة
~~مبنيا على اعتبار الامتزاج، ليس على ما ينبغي.
# فالإنصاف: أن هذا القول صريحا لم يثبت إلا من المحقق والعلامة والشهيد في
~~المعتبر و التذكرة والذكرى، فعن المعتبر في مسألة الغديرين المتواصلين ما
~~تقدم من قوله: " لو نقص الغدير عن كر فوصل بغدير ms521 آخر فيه كر ففي طهارته
~~تردد؛ والأشبه بقاؤه على النجاسة لأنه ممتاز عن الطاهر، والنجس لو غلب
~~الطاهر ينجسه مع ممازجته فكيف مع مبائنته " (7).
# وربما يستظهر ذلك من كلامه الآخر فيه، قائلا - في الاستدلال على طهارة
~~القليل النجس بورود كر من الماء عليه -: " بأن الوارد لا يقبل النجاسة
~~والنجس مستهلك " (8) فأنه كالصريح في اعتبار الامتزاج.
# PageV01P569
# وضعفه واضح بعد ملاحظة ما ذكرناه في المسألة المتقدمة من ظهور كون
~~الاستهلاك بالنسبة إلى النجس مرادا به فوات التمييز بينه وبين الكر، وهذا
~~كما ترى يحصل بغير الامتزاج أيضا، كيف لا مع أن الاستهلاك بالمعنى الذي
~~يحصل من المداخلة والامتزاج في كثير من صور المسألة متساوي إلى الطاهر
~~والنجس، كما لو كان النجس أقل من الكر الطاهر بيسير، فالقول بتحقق
~~الاستهلاك في مثل ذلك بالنسبة إلى النجس ليس بأولى من القول بتحققه بالنسبة
~~إلى الكر الطاهر؛ فلولا أن المناط حينئذ انتفاء التمايز بينهما الموجب
~~لجريان الملازمة المجمع عليها - المتقدم إليها الإشارة - لأتجه الحكم
~~بنجاسة الطاهر لمكان الاستهلاك الموجب للنجاسة عندهم، فتأمل.
# وقال العلامة في التذكرة - على ما حكي عنه -: " لو وصل بين الغديرين
~~بساقية اتحدا إن اعتدل الماء، وإلا ففي حق السافل، فلو نقص الأعلى عن الكر
~~انفعل بالملاقاة؛ فلو كان أحدهما نجسا فالأقرب بقاؤه على حكمه مع الاتصال،
~~وانتقاله إلى الطهارة مع الممازجة، لأن النجس لو غلب على الطاهر نجسه مع
~~الممازجة فمع التمييز يبقى على النجاسة " (1).
# وعن الذكرى: " ويطهر القليل بمطهر الكثير ممازجا، فلو وصل بكر مماسة لم
~~يطهر، للتمييز المقتضي لاختصاص كل بحكمه (2) الخ ".
# وربما يستظهر ذلك عن كلامه الآخر قائلا - عقيب ما ذكر -: " لو نبع الكثير
~~من تحته - كالفوارة - فامتزج طهره، لصيرورتهما ماء واحدا، أما لو كان رشحا
~~لم يطهر لعدم الكثرة الفعلية " (3) نظرا إلى أن مراده من الكثرة الفعلية ما
~~يحصل به الامتزاج لا بلوغ الكر، إذ لا يعتبر عنده الكرية في النابع، ولو
~~فرض النابع في كلامه بئرا أو كونه قائلا بانفعال مطلق النابع القليل كان
~~اللازم تعليل ms522 الحكم بنجاسة النابع بالملاقاة كما في المعتبر (4) والمنتهى
~~(5).
# وأنت خبير أيضا بما فيه من الخروج عن استقامة السليقة، فإنه فرض النبع في
~~الكثير إذا تحقق من تحت النجس كالفوارة، فليس مراده به النابع المصطلح عليه
~~في الجاري حتى يقال: بأنه لا يقول بانفعال قليله، ومن المعلوم أن مطهر
~~القليل اتحاده مع
# PageV01P570
# الكر الفعلي، بأن يتحد مع نفس الكر دون ما يرشح منه شيئا فشيئا، فمراده
~~بعدم الكثرة الفعلية - كما تقدم الإشارة إليه أيضا - الكرية الفعلية فيما
~~يحصل الاتحاد بينه وبين المتنجس التي هي مناط التطهير.
# و كيف كان فالعبارات المذكورة من هؤلاء الأساطين صريحة في اعتبار
~~الممازجة، غير أنه لا يتحقق بمجرد ذلك إجماع ولا شهرة في الاعتبار، فلا
~~ندري أن دعوى الشهرة أو الأشهرية من أين حصلت؟ مع أنها معارضة بعباراتهم
~~الاخر التي هي بين صريحة وظاهرة في عدم الاعتبار كما عرفته عن العلامة في
~~كتبه المتقدم إليها الإشارة؛ (1) وعن ظاهر الشرائع وهو المحكي عن اللمعة،
~~فيحتمل حينئذ رجوعهم عما بنوا عليه الأمر أولا من اعتبار الممازجة، مع أن
~~التعليلات الواردة في عباراتهم المتقدمة تقضي بأنه ليس بشرط تعبدي، وإنما
~~هو معتبر لإحراز الوحدة بين الماءين ورفع التمييز الذي يوجب لأن يلحق كل
~~واحد حكمه السابق.
# وإذا كان مناط الحكم هو هذا، فنحن نقول: إنه قد يتأتى مع عدم الممازجة
~~أيضا، فقضية ذلك إناطة الحكم بالوحدة الرافعة للتمييز، وجعل الممازجة
~~وغيرها كالدفعة - على ما بنينا عليه - مقدمة لها، فيقال باعتبار كل في موضع
~~التوقف عليه لا مطلقا.
# وقد ينقل في المقام قول ثالث، وهو التفصيل بين الجاري وماء الحمام وبين
~~غيرهما، فيشترط الامتزاج في الأولين، ونسب إلى ظاهر المنتهى والنهاية
~~والتحرير والموجز وشرحه (2) من حيث إنهم حكموا بالطهارة بتواصل الغديرين
~~(3)، وعبروا في الجاري بأنه يطهر بالتدافع والتكاثر (4)، واعتبروا في طهارة
~~ماء الحمام استيلاء الماء من المادة عليه إما مطلقا - كما في كتب العلامة -
~~أو مع عدم تساوي سطح الطاهر والنجس كما في الأخيرين (5).
# وبما ذكرناه في توجيه ما ذكروه ms523 في الجاري يظهر ضعف هذا الاستظهار بالنسبة
~~إلى الجاري من العبارة المذكورة؛ وأما بالنسبة إلى ماء الحمام فقد قيل في
~~رده: " بظهور
# PageV01P571
# عدم قائل بكون ماء الحمام أغلظ حكما من غيره "، هذا مع ما عن الموجز
~~وشرحه (1) من أن صريحهما عدم الفرق بين ماء الحمام وغيره من الحياض الصغار.
# وقد يحكى (2) هذا الفصل بعكس ما ذكر من أن الامتزاج يختص بغير الجاري
~~وماء الحمام تعويلا على صحيحة ابن بزيع - المتقدمة - (3) المعللة بوجود
~~المادة، ومرسلة الكاهلي المتقدمة: " كل شئ يراه المطر فقد طهر " (4)، وقوله
~~(عليه السلام) " ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (5)، ومستنده على
~~فرض ثبوته ضعيف كما ستعرفه.
# وأما القول بالاعتبار مطلقا فلا مستند له إلا وجهان:
# أحدهما: ما يستفاد من بعض تعليلاتهم - كما عرفت - من توقف صدق عنوان
~~الوحدة وزوال امتياز المائين على الممازجة.
# وجوابه: ما سمعت مرارا من منع التوقف.
# لكن ربما يشكل ذلك لو كان الحكم المجمع عليه منوطا بزوال الامتياز،
~~بدعوى:
# أن المانع عن الطهر هو الامتياز كما سمعته في عبارتي المعتبر (6) والذكرى
~~(7) لإمكان الفرق بين الوحدة وعدم الامتياز بنحو ما يفرق به بين العام
~~والخاص المطلقين، لإمكان فرض الوحدة مفارقة عن عدم الامتياز كما في وصل
~~الغديرين أحدهما إلى الآخر على وجه يفرض بينهما في الذهن - بل الخارج أيضا
~~- حد فاصل، كما لو علم موضع تلاقيهما من خارج حيزيهما، فالمجموع بملاحظة ما
~~حصل بينهما من الاتصال الحسي ماء واحد، وكل واحد بملاحظة الحد الفاصل أو
~~الموضع المعلم ماء ممتاز عن صاحبه، وحينئذ فلم يثبت كون معقد الإجماع هو
~~الوحدة فقط، ومع مانعية الامتياز لا محيص عن اعتبار الامتزاج إحرازا لرفع
~~المانع.
# PageV01P572
# ويدفعه: أن ظاهرهم كون اعتبار الامتياز وجودا وعدما، والتعليل به في صورة
~~الحكم بعدم الطهر وارد في كلامهم أيضا لتوهم كونه مساوقا لعدم الوحدة، وكون
~~زواله مساوقا للوحدة وإلا فالحكم منوط بالوحدة، ألا ترى أن الشهيد في أول
~~كلامه في العبارة المتقدمة منه في الذكرى علل الحكم بعدم الطهر لمجرد الوصل
~~بالتمييز، المقتضي ms524 لاختصاص كل بحكمه؛ ثم قال: " ولو نبع الكثير من تحته -
~~كالفوارة - فامتزج طهره لصيرورتهما ماء واحدا " (1) وهذا كالصريح في أن
~~اعتبار الامتزاج وإن كان لإحراز عدم التمييز بين المائين غير أن عدم
~~التمييز مساوق للوحدة التي هي مناط الحكم، وإلا لزم كون تعليله بصيرورتهما
~~ماء واحدا تعليلا للحكم المعلق على الخاص بالعام كما لا يخفى وهو قبيح.
# وقد عرفت في المسألة السابقة عن المحقق أن تعليله بقوله: " لأنه ممتاز عن
~~الطاهر " (2) إنما هو في موضع حكم فيه على الماء بكونه كالماء الواحد،
~~المقتضي بظاهر التشبيه انتفاء الوحدة الحقيقية؛ فغرضه من اعتبار الممازجة
~~التي لا تتأتى مع الامتياز إنما هو إحراز كون المائين ماء واحدا بعنوان
~~الحقيقة، لعدم كفاية مجرد كونهما كالماء الواحد هنا كما كان كافيا في حكم
~~عدم الانفعال المنوط بصدق عنوان الكرية دون صدق عنوان الوحدة الحقيقية، كما
~~تقدم شرحه مفصلا.
# نعم في عبارة العلامة - المتقدمة عن التذكرة - (3) ما ربما يوهم كون
~~الحكم بعدم الطهارة مع عدم الممازجة واردا فيما يعم صورتي صدق الوحدة
~~وعدمه؛ بناء على أن قوله: " فلو كان أحدهما نجسا فالأقرب بقاؤه على حكمه مع
~~الاتصال؛ وانتقاله إلى الطهارة مع الممازجة " ابتداء كلام في مسألة
~~الغديرين الموصول بينهما بساقية شامل لكلتا صورتي اعتدال الماء ومساواة
~~سطحه، المقتضي لاتحاد المائين، وعدمهما المقتضي لعدم الاتحاد وارد على خلاف
~~حكم التقوي والاعتصام عن الانفعال الذي فصل فيه بين صورتي الاعتدال المقتضي
~~لكون كل من الغديرين متقويا بالآخر فلا يطرأهما الانفعال، وعدمه المقتضي
~~لاختصاص التقوي بالأسفل دون الأعلى الذي يلزم منه انفعال الأعلى بملاقاته
~~النجاسة لو نقص عن الكر، فإطلاق الحكم ببقاء النجس على حاله عند عدم
~~الممازجة من غير تفصيل الشامل للصورتين معا مما ينفي كون العبرة في مسألة
~~التطهير
# PageV01P573
# بمجرد الوحدة، ويقضي بإناطة الحكم بالممازجة التي هي أخص من الوحدة.
# ولكن يدفعه أيضا: ظهور كون قوله هذا، كقوله المتقدم عليه: " فلو نقص
~~الأعلى عن الكر انفعل بالملاقاة " (1) من فروع صورة عدم اعتدال الماء
~~واختلاف سطوحه فيكون كل ms525 من الحكمين في نظره مستندا إلى عدم الاتحاد الذي لا
~~يتأتى في تلك الصورة بمجرد الاتصال.
# وبالجملة: نحن لا نفهم من كلماتهم إلا إناطة الحكم بالوحدة التي قد تتأتى
~~بدون الممازجة، وإن كان بعض عباراتهم يقضي بتوهم توقفها عليها فيعود النزاع
~~صغرويا، لكن فيه بعد شئ يتبين وجهه عن قريب.
# وثانيهما: ما هو العمدة المعول عليه في كلام غير واحد - خصوصا فحول
~~مشايخنا المعاصرين - من أصالة النجاسة وعدم الدليل على الطهارة إلا
~~بالممازجة، لضعف ما تمسكوا به على الطهارة بدونها، وهذا كما ترى تتضمن ثلاث
~~مقدمات.
# إحداها: أن أصالة النجاسة تقتضي ثبوتها إلى أن يثبت ما يرفعها.
# وثانيتها: أن الدليل قائم على الطهارة مع الممازجة.
# وثالثتها: أن أدلة القول بالطهارة مع عدم الممازجة ضعيفة، وهذه المقدمة
~~مسلمة في الجملة لا شبهة فيها لما ستعرفه.
# أما المقدمة الاولى فستعرف أيضا حالها من صحة أو سقم.
# وأما المقدمة الثانية فيستند عليها بوجوه:
# منها: الإجماع على أن الكر الممتزج بالنجس مطهر له كما ادعي؛ وهو كما ترى
~~لا يقضي بأزيد من حصول الطهر به، وإلا فالمجمع عليه المتوقف عليه الطهر
~~حقيقة هو الكر المتحد مع المتنجس، فيكون فرض الامتزاج معه مع عدم مدخليته
~~في الحكم كالحجر الموضوع في جنب الإنسان، إلا على توهم توقف الاتحاد عليه
~~لكن لا مطلقا بل بالمعنى الذي سنقرره.
# ومنها: أن الكر إذا فرض عدم قبوله الانفعال بالملاقاة وامتزج مع المتنجس
~~فإن طهره فهو المطلوب وإلا فإن تنجس به لزم خلاف الفرض؛ وإن اختص بالطهارة
~~لزم
# PageV01P574
# تعدد حكم المائين الممتزج أحدهما بالآخر، بل يلزم عدم جواز استعمال الكر
~~فيما يشترط فيه الطهارة، لاشتمال كل جزء منه على جزء من المتنجس وهذا في
~~الحقيقة في معنى انفعاله، إذ لا يجوز شربه ولا التوضؤ منه ولا تطهير الثوب
~~به، وقد تبين في صدر المسألة ضعف ذلك بجميع فقراته، إلا إذا استند في دعوى
~~عدم جواز تعدد حكم المائين الممتزج أحدهما بالآخر إلى الإجماع، ليرجع إلى
~~ما تقدم من الملازمة الثالثة، لكن ms526 يبقى المناقشة في كون الامتزاج مأخوذا في
~~موضوع تلك الملازمة على جهة الاستقلال.
# ومنها: فحوى ما دل على طهارة نجس العين بالاستهلاك، كرواية العلاء بن
~~الفضيل - المتقدمة في باب الكر - عن الحياض يبال فيها، قال: " لا بأس إذا
~~غلب لون الماء لون البول " (1) فإن وقوع النجاسة العينية يستلزم تغير ما
~~اكتنفتها من أجزاء الماء فينجس، وقد حكم الشارع بنفي البأس عن ذلك وليس إلا
~~لامتزاجه بباقي أجزاء الكر، فدل على حصول الطهارة بالامتزاج.
# وفيه: منع دلالة الرواية على تحقق الممازجة والاستهلاك، ولو سلم فكونهما
~~مؤثرين في الحكم في موضع المنع؛ ولو سلم فلعله حكم مختص بعين النجاسة حيث
~~إنها لا تنتقل إلى الطهارة إلا بانقلاب الماهية وتبدل العنوان الغير
~~المعقولين في المقام، الغير الحاصلين في غير صورة الاستهلاك الذي هو فوق
~~الامتزاج.
# ولو سلم الدلالة على الامتزاج بالمعنى المتنازع فيه على جهة الاعتبار،
~~فلعله لكونه مقدمة لزوال التغير عن الأجزاء المكتنفة من الماء بالنجس
~~المغير لها حسبما فرضه المستدل؛ والحاصل كون اعتباره على فرض الدلالة عليه
~~لأجل مدخليته في الطهر دون زوال التغير المقتضي للنجاسة موضع منع.
# ومنها: أنه حيث يكون طاهرا ووصل دخل تحت قوله (عليه السلام): " إذا كان
~~الماء قدر كر " بخلاف ما إذا كان نجسا لاشتراط كون ذلك الماء طاهرا وإلا لم
~~يكن وجه لقوله: " لم ينجسه شئ ".
# نعم على رواية " لم يحمل خبثا " ربما يكون داخلا لكن لا نقول بمقتضاها،
~~كما سيظهر في مسألة إتمام القليل المتنجس كرا.
# PageV01P575
# وهذا بظاهره كما ترى لا ينتج شيئا إلا أن يوجه: بأن الماء النجس إذا وصل
~~بكر لا يمكن إثبات طهره بمجرد ذلك الوصل تعويلا على الرواية، لتوقف صدق
~~قضية " لم ينجسه شئ " على كون الطهارة محرزة قبل الوصل والملاقاة، فلا يمكن
~~إحرازها بعد الملاقاة بتلك القضية، فلا بد من اعتبار أمر زائد على الكرية
~~ليفيد طهارته وليس ذلك إلا الامتزاج.
# وفيه: أن مستند القول بالطهارة بمجرد الوصل ليس هو الرواية ليصح دفعه بما
~~ذكر، ثم أنه أي دليل ms527 على تأثير الامتزاج بما هو امتزاج في الطهارة ليفيد
~~اعتباره زائدا على وصف الكرية؟
# فإن قلت: الإجماع قائم بأن الماء المتنجس الممتزج بالكر ينتقل حكمه إلى
~~الطهارة.
# قلت: قصارى ما يقتضيه الإجماع المذكور أن الامتزاج لا ينافي الطهارة، وهو
~~ليس من دعوى كونه مؤثرا في شئ.
# فإن قلت: إنما يشهد بكونه مؤثرا وقوع اعتباره في كلام جماعة من المجمعين.
# قلت: مع أنه معارض بعدم وقوعه في كلام الآخرين، بل التصريح بعدم التأثير
~~في كلام غير واحد منهم، قد عرفت الوجه في اعتباره وأنه ليس اعتبارا
~~للامتزاج بعنوان أنه امتزاج بل بعنوان أنه محصل للوحدة.
# ومنها: أن المعروف من الماء المطهر - حيث يطهر - أن المطهر يتخلل في
~~أجزائه ويجري عليه حيث يكون جسما قابلا لذلك، وإلا فلا معنى للقول بطهارة
~~الطرف البعيد المتناهي في البعد بمجرد ملاقاته لأول أجزاء الطرف الآخر،
~~والقول بأن الأجزاء الملاقية طهرت بالملاقاة وهي طهرت غيرها للملاقاة
~~والامتزاج، وهكذا خيال حكمي لا يصلح لأن يكون مستندا للحكم الشرعي من غير
~~دليل، على أنه مبني على السراية وهي مخالفة للأصل من وجه.
# وفيه: أن الجزء الأول من الدليل لا يرجع إلى محصل إلا القياس الباطل، إذ
~~المداخلة والتخلل والجريان قد ثبت اعتبارها في التطهير بالقياس إلى غير
~~موضع النزاع كالثوب ونحوه؛ ولو اريد به الإلحاق بمورد الغالب فهو ظني لا
~~يعبأ به، والجزء الثاني منه استبعاد صرف لا يصلح مستندا في المقام بعد ما
~~قام من الشرع ما يقضي به، والمتبع هو الإجماع القائم في المقام وقد تبين
~~مفاده ومعقده. PageV01P576
# وأما القول بعدم الاعتبار مطلقا، فمستنده وجوه:
# منها: الأصل الذي حكي التمسك به عن بعض الأفاضل، والظاهر أن المراد به
~~أصالة عدم الشرطية.
# واجيب عنه: بأن الأصل يقتضي النجاسة، وكأن المراد به استصحاب النجاسة.
# ووجهه: أن تطهير الماء بعد تيقن النجاسة حكم ورد من الشارع على خلاف
~~الأصل، ومن البين أن كل حكم مخالف للأصل يجب الاقتصار فيه على القدر
~~اليقيني الرافع منه لموضوع الأصل، وقضية ذلك القول ms528 بمدخلية كل ما يشك في
~~مدخليته معه، ومنه الامتزاج في خصوص المقام تحصيلا للرافع اليقيني للنجاسة.
# ولكن يشكل ذلك أولا: بأن التمسك باستصحاب النجاسة هنا إنما يستقيم لو كان
~~النزاع في أمر تعبدي وقد عرفت منعه بما لا مزيد عليه، لرجوع الكلام إلى
~~تحقق موضوع الطهارة وهو الوحدة بدون الممازجة وعدمه، ونحن في علم بتحققها
~~بدونها ومعه لا يعقل الاستصحاب.
# ويمكن دفعه: بأن هذا إنما يتجه إذا اريد بالوحدة في موضوع الطهارة ما
~~يكون كذلك في نظر الحس، ولم لا يجوز أن يراد به ما هو كذلك في نظر العرف؟
# وبعبارة اخرى: ما يصدق عليه الماء الواحد حال الاتصال عند العالم بالحال
~~والجاهل بها، ومجرد الاتصال غير كاف في ذلك، لأن أقصى ما فيه صدق الوحدة
~~عند الجاهل؛ وأما العالم فلعلمه بسبق الانفصال وطرو الاتصال لا يحسبه من
~~الماء الواحد إلا بعد المداخلة وتحقق الممازجة وهو المراد بالوحدة العرفية،
~~لأنها عبارة عما لا يختلف العرف في وصفه بالوحدة، وإليه يشير تعليلاتهم
~~المتقدمة بالامتياز، فالوحدة بهذا المعنى إن لم يتيقن دخولها في معقد
~~الإجماع فلا أقل من احتمال دخولها فيه، فيكون المقام من مورد الاستصحاب.
# وثانيا: أن التمسك بالاصول إنما يصح إذا لم يكن في المقام أصل موضوعي
~~رافع لموضوعها؛ ولا ريب أن الشبهة راجعة إلى موضوع حكم المطهرية التي
~~أثبتها الشارع، والاستصحاب لا يتعرض لذلك الموضوع نفيا وإثباتا وإلا كان
~~أصلا مثبتا؛ وقد دل الإجماع على قيام المطهرية بالكر الملقى المتصل مع
~~الماء المتنجس، وحصل الشك في مدخلية PageV01P577
# الممازجة في ذلك الموضوع وعدمها، وأصالة عدم الشرطية تتعرض له وتوجب عدم
~~المدخلية، فإذا ثبت به المطهر الرافع للنجاسة ثبوتا شرعيا وصادف الماء
~~المتنجس فقد أوجب ارتفاع الشك في الطهارة ارتفاعا شرعيا ومعه لا وجه
~~للاستصحاب أيضا.
# وتوضيح المقام: أن الأصل المقتضي للنجاسة مما لا معنى له إلا استصحاب
~~النجاسة المستند إلى عموم قوله (عليه السلام): " لا ينقض اليقين إلا بيقين
~~مثله " (1) المقتضي لوجوب إجراء حكم النجاسة هنا إلى أن تتحقق رافع ms529 يقيني،
~~وهذا الأصل مما لا إشكال في كبراه؛ ولكن الكلام في صغراه حيث إن أصالة عدم
~~الشرطية - فيما لا يبينه إلا الشرع ولم يبينه في مفروض المقام بعد ما بين
~~أصل الرافع في الجملة، وهو الكر الملقى دفعة محصلة للوحدة بينه وبين ما
~~يلقى عليه - أصل يقيني أو ظني بالظن الخاص القائم مقام اليقين، ناف لاحتمال
~~شرطية الامتزاج مقتض لكون ما ذكر هو الرافع اليقيني، أو القائم مقام الرافع
~~اليقيني المأخوذ غاية لحكم الاستصحاب المقتضي للنجاسة، وقضية ذلك كون
~~المقام مندرجا تحت تلك الغاية - نظير ما لو ورد نص خاص بعدم شرطية الامتزاج
~~قطعي أو ظني معتبر -، لا أنه مندرج في المغيى ومعه لا معنى للاستصحاب بعد
~~فرض كونه مغيى بغاية حاصلة [حتى] (2).
# وبالجملة: أصالة عدم الشرطية مما لا مدفع له إلا منع صغراه، بأن يقال:
~~أصل معلق على عدم وصول البيان واستصحاب النجاسة - حسبما فرضه الخصم - كاف
~~في وصوله هنا، أو منع كبراه بأن يقال: إن هذا الأصل مما لا مدرك له بالنسبة
~~إلى القضايا الوضعية التي منها المقام، إذ غاية ما قام عليه الدليل من
~~الشرع قطعا أو ظنا خاصا إنما هو أصل البراءة الغير الجارية إلا في القضايا
~~التكليفية، نظرا إلى أن الأدلة المقامة عليها منها ما هو مقيد بالعلم الذي
~~هو موضوع للتكليف، دون الوضع الذي هو أمر واقعي لا يدخل فيه العلم شطرا ولا
~~شرطا إلا في موضوع قام على جزئيته الدليل، كما في النجاسة فيما يحكم عليه
~~بالنجاسة بناء على ما تقدم تحقيقه من أن أحكام النجاسة مرتبة في نظر الشارع
~~على العلم بها الذي يقوم مقامه الاستصحاب.
# PageV01P578
# ومنها ما هو ناف للمؤاخذة والعقاب عند عدم البيان اللذين لا يعقلان إلا
~~في التكاليف.
# ومنها ما هو ناف للحكم حتى يرد فيه أمر أو نهي، فلا يجري أيضا إلا في
~~التكاليف.
# والأول: مما لا سبيل إليه جزما، لأن الاستصحاب لا يقتضي إلا ترتب أحكام
~~النجاسة على المورد وإلا كان أصلا مثبتا، فهو إنما يرفع صغرى ms530 الأصل المقتضي
~~للطهارة، وهو أن شرطية الامتزاج في التطهير مما لم يبينه الشارع إذا اقتضى
~~شرطية الامتزاج؛ والمفروض أنه غير صالح له فيبقى الصغرى المذكورة صادقة؛
~~وإذا انضم إليها الكبرى المذكورة كان مفاديهما نفي الشرطية فيرتفع به صغرى
~~الاستصحاب، هذا مع أن جعل الاستصحاب رافعا لصغرى أصالة عدم الشرطية يؤدي
~~إلى الدور المستحيل، لأن جريان الاستصحاب هنا موقوف على ثبوت صغراه وهو
~~تيقن النجاسة مع عدم تيقن ما يرفعها، وهو موقوف على عدم جريان كبرى أصالة
~~عدم الشرطية (1)، وهو موقوف على انتفاء صغراها، إذ المفروض في منع الصغرى
~~كون الكبرى مسلمة وإلا رجع الكلام إلى المنع الثاني وهو خلاف الفرض، فلو
~~توقف انتفاء هذه الصغرى على جريان الاستصحاب لزم توقف جريان الاستصحاب على
~~نفسه.
# ولا يرد نظير ذلك في صورة العكس، لأن جريان أصالة عدم الشرطية وإن كان
~~موقوفا على عدم جريان استصحاب النجاسة لكن عدم جريان استصحاب النجاسة أعم
~~من أن يكون من جهة عدم صغراه المتوقف على جريان أصالة عدم الشرطية، أو من
~~جهة عدم ثبوت كبراه هنا بالخصوص؛ ولما كان الأول باطلا لاستلزامه الدور
~~المستحيل فتعين الثاني؛ وهو لا يستتبع محذورا لأن غاية ما يترتب عليه خروج
~~كبرى الاستصحاب عن الكلية لا بطلانها رأسا.
# وقضية ذلك لزوم تخصيص في دليل الاستصحاب، بأن يكون مفاده لزوم العمل بكل
~~استصحاب إلا ما عارضه أصالة عدم الشرطية، وهو بعد ما قام عليه الدليل - ولو
~~من جهة العقل - مما لا ضير فيه.
# PageV01P579
# ولا يمكن جريان نظير ذلك في أصالة عدم الشرطية بأن يقال في منع الدور: إن
~~عدم ثبوت صغرى الاستصحاب وإن كان موقوفا على عدم جريان أصالة عدم الشرطية،
~~لكنه أعم من أن يكون من جهة عدم ثبوت صغراها المتوقف على جريان الاستصحاب؛
~~أو من جهة عدم ثبوت كبراها هنا بالخصوص؛ ولما كان الأول باطلا لاستلزامه
~~الدور المستحيل فتعين الثاني، لأنه لو بنى في ذلك على منع الكبرى لزم
~~بطلانها رأسا فيلزم بقاء أصالة عدم الشرطية والدليل عليها بلا مورد ms531 كما لا
~~يخفى على المتأمل؛ وهو كما ترى.
# ومما ذكر يتبين وجه تقدم الاستصحاب على أصل البراءة حيثما يتقدم عليه،
~~ووجه تقدم أصل البراءة على الاستصحاب حيثما يقدم عليه، فإن الأول من جهة
~~كون الاستصحاب واردا على أصل البراءة رافعا لموضوعه كما هو واضح بخلاف
~~الثاني؛ فإن تقدمه على الاستصحاب إنما هو من جهة حكومة دليله على دليل
~~الاستصحاب وتعرضه له بالتخصيص ولا يعقل كونه من باب الورود؛ لأن فرض وروده
~~على الاستصحاب يقضي بكونه متعرضا لصغرى الاستصحاب مع كون كبراه سليما عن
~~المعارض؛ والمفروض أنه أيضا لعموم دليله وسلامة كبراه عن المعارض متعرض
~~لصغرى أصل البراءة لئلا يلزم بقاء دليله في مظان الشك في الشرطية بلا مورد؛
~~فيلزم الدور في الجانبين كما يظهر بالتأمل فيما سبق.
# نعم، فرض الورود بالنسبة إلى الاستصحاب إنما يصح فيما لو عارضه استصحاب
~~آخر وكان شكه سببيا كما في استصحاب طهارة الماء المشكوك في كريته عند
~~ملاقاته النجاسة؛ فإن تقديم استصحاب القلة وعدم الكرية على استصحاب الطهارة
~~لا يمكن كونه من باب الحكومة؛ لأنه ليس مدلولا لدليل يعارض دليل استصحاب
~~الطهارة حتى يفرض ذلك الدليل مخصصا لدليل استصحاب الطهارة، لكونهما مدلولي
~~دليل واحد، والمفروض أن دخول بعض أفراد العام تحته عند التنافي بينه وبين
~~البعض الآخر لا يعقل كونه مخصصا له مخرجا لذلك الفرد المنافي عن تحته
~~لامتناع الترجيح بغير مرجح؛ ضرورة كون أفراد العام المندرجة فيه متساوية
~~الإقدام بالنسبة إليه؛ فلابد في تقديمه من اعتبار مقدمة اخرى بأن يقال: إن
~~الشك في الكرية لما كان علة للشك في النجاسة والعلة متقدمة بالذات على
~~معلولها فهو حين طروه المتقدم بالذات على الشك PageV01P580
# في النجاسة كان مقتضيا للاستصحاب قبل الالتفات إلى معارض له، فيكون
~~الاستصحاب المتقوم به علما شرعيا بالنجاسة ومعه لا يبقى لاستصحاب الطهارة
~~موضوع؛ فمعنى تقديم استصحاب عدم الكرية أنه لا استصحاب هنا يكون معارضا له؛
~~لا أن هنا استصحابا محققا وهو مقدم عليه، فإنه غير معقول لما عرفت من قضية
~~لزوم الترجيح ms532 بغير مرجح.
# وقد يتفق في تعارض الاستصحابين ما لا يمكن فيه اعتبار الحكومة ولا
~~الورود؛ كما لو كان شكاهما في مرتبة واحدة من غير سببية أحدهما للآخر؛ كما
~~في الكر الوارد على الماء المتنجس تدريجا المقارن للشك في تنجسه مع الشك في
~~طهر الماء المسببتين عن الشك في اشتراط الدفعة في التطهير؛ ومنه المقام
~~بملاحظة الشك في شرطية الامتزاج، فإن استصحاب نجاسة المتنجس يعارضه استصحاب
~~طهارة الكر ففي مثل ذلك لا يمكن العمل بأحد الاستصحابين تعيينا، لأن
~~التعيين لابد وأن يكون إما من باب الحكومة أو الورود؛ ولا سبيل إلى الأول
~~لعدم إمكانه ولا إلى الثاني لفقد المرجح المذكور من كون الشك في أحدهما علة
~~للآخر، فإما أن يقال حينئذ بالتخيير، أو طرحهما معا، والظاهر أن الثاني
~~أيضا مما لا سبيل إليه وإن قال به بعض الأصحاب لأنه يوجب التخصيص في أدلة
~~الاستصحاب بلا مخصص، لأن العمل بها في أحد الاستصحابين ممكن، وعدم العمل
~~بالآخر بعد التخيير ليس من باب التخصيص، بل من جهة اقتضاء بناء العمل على
~~صاحبه نظير أمر الأبوين في مكان التنافي.
# ولو سلم كونه من باب التخصيص فلا بأس به بالنسبة إلى أحدهما، لأن المانع
~~عن العمل قائم في هذا المقدار فالمخصص حينئذ هو العقل؛ هذا كله وإن كان
~~كلاما خارجا عن المقام لكن أوردناه هنا لكثرة فوائده، فلنعد إلى ما نحن فيه
~~فنقول: قد عرفت أن منع صغرى أصالة عدم الشرطية مما لا سبيل إليه.
# وأما منع الكبرى فقد يسبق إلى الوهم عدم إمكانه أيضا لما ورد في بعض
~~أخبار البراءة ما يعم غير موارد التكليف أيضا، كقوله: " كل شئ مطلق حتى يرد
~~فيه نص " فإن (1) النص أعم من خطاب التكليف، وخطاب الوضع.
# لكن الإنصاف: أن هذا الخبر على تقدير ثبوته وصحته وارد في سياق نفي
~~التكليف
# PageV01P581
# ولوازمه؛ خصوصا إذا كان قوله: " مطلق " مرادا به " مرخص فيه "، فإنه لا
~~يفيد حينئذ إلا الإباحة بالمعنى التكليفي؛ وهو ليس من محل البحث في شئ؛ ولا
~~يمكن إرجاع ms533 المقام إلى ما يتعلق بالتكليف بملاحظة العبادة المشروطة
~~بالطهارة؛ نظرا إلى أن شرطية الامتزاج في الواقع تستلزم عدم صحة الصلاة
~~بالوضوء أو الغسل الحاصلين بذلك الماء الذي لم يحصل في تطهيره الامتزاج؛
~~وهو في حكم الترك فيترتب استحقاق العقوبة عليه وهو منفي بالأصل، لأن أدلة
~~الأصل مسوقة في سياق أصل التكليف لا ما يكون التكليف من لوازمه البعيدة،
~~وإلا أمكن التوصل به إلى نفي كل حكم وضعي وهو خلاف الطريقة المستمرة عند
~~العلماء، فاستصحاب النجاسة حينئذ لا مدفع له، ولكن بملاحظة ما ذكرناه من
~~قيام احتمال كون الوحدة المأخوذة في الملازمة المجمع عليها هي الوحدة
~~العرفية الغير الحاصلة إلا بالممازجة.
# ومنها: أن اتصال القليل بالكثير قبل ورود النجاسة كاف في دفعها فكذا ما
~~بعده، لأن عدم قبول النجاسة في الأول إنما هو لصيرورة المائين ماء واحدا
~~بالاتصال.
# وفيه: ما لا يخفى من فساد الوضع، لأن دعوى الملازمة بين الوحدة الحاصلة
~~بالاتصال وزوال النجاسة إن كانت لمجرد ثبوت الملازمة بينها وبين عدم قبول
~~الانفعال كما هو صريح الاستدلال، ففيه: أنه قياس، ومع الفارق، لوضوح الفرق
~~بين مقامي الدفع والرفع، وإن كانت لأمر خارج كالإجماع ونحوه فبطل توسيط
~~مسألة الدفع حينئذ، ومع ذلك فكفاية الوحدة الحاصلة لمجرد الاتصال في مورد
~~الإجماع أول الدعوى، لأنها وحدة حسية ولعل المأخوذ في مورد الإجماع هو
~~الوحدة العرفية التي لا يتفاوت فيها العالم والجاهل، وقد عرفت أنها لا
~~تتأتى إلا بالمداخلة، وأقل مراتب هذا الاحتمال تحقق موضوع الاستصحاب وهو
~~كاف في لزوم اعتبار الممازجة تحصيلا للرافع اليقيني.
# ومنها: ما عرفت عن منتهى العلامة (1) من أن الاتفاق واقع على أن تطهير ما
~~نقص عن الكر بإلقاء كر عليه، ولا شك أن المداخلة ممتنعة فالمعتبر إذن
~~الاتصال الموجود هنا.
# وفيه: أن المداخلة المحكوم عليها بالامتناع إن اريد بها دخول الأجزاء
~~بعضها في بعض حتى الأجزاء الصغار من أحد المائين فيها من الماء الآخر دخولا
~~حقيقيا
# PageV01P582
# فالامتناع مسلم؛ ولكن اعتباره عند أهل القول بالممانعة ممنوع؛ وإن اريد
~~بها انتشار ms534 أجزاء أحد المائين في أجزاء الماء الآخر على وجه يوجب تعذر
~~امتياز البعض عن بعض على قياس ما هو الحال في سائر المركبات المزجية
~~فامتناعها ممنوع؛ كيف وجواز ذلك من ضروريات العقل خصوصا في الماء الذي هو
~~سريع النفوذ.
# ومنها: أن الأجزاء الملاقية للطاهر يجب الحكم بطهارتها عملا بعموم ما دل
~~على طهورية الماء، فتطهر الأجزاء التي يليها كذلك وكذا الكلام في بقية
~~الأجزاء، وفي المدارك: " وهذا اعتبار حسن نبه عليه المحقق الشيخ على في بعض
~~فوائده، وجدي في روض الجنان " (1).
# وفيه: ما لا يخفى من المصادرة المحضة، لتوجه المنع إلى طهر الأجزاء
~~الملاقية بمجرد الاتصال، لجواز كونه مشروطا بالممازجة والانتشار ولا نافي
~~له؛ بناء على أن عموم المطهرية قاصر عن إفادة كيفية التطهير كما تقدم إليها
~~الإشارة، فالاستصحاب سليم عن المعارض.
# ومنها: أن الامتزاج إن اريد به امتزاج كل جزء من الماء النجس لجزء من
~~الماء الطاهر لم يمكن الحكم بالطهارة أصلا لعدم العلم بذلك، وإن اكتفى
~~بامتزاج البعض لم يكن الطهر للبعض الآخر هو الامتزاج بل مجرد الاتصال،
~~فيلزم إما القول بعدم طهارته أصلا، أو القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال.
# وفيه: أن المراد بالامتزاج انتشار يتعذر معه الامتياز وهو معلوم الحصول
~~ضرورة.
# وقد يقرر هذا الوجه بما فيه بسط وتطويل، فيقال: " لو اعتبر الممازجة فإما
~~أن يراد امتزاج الكل بالكل، أو البعض بالبعض.
# أما الأول ففيه أولا: أنه غير ممكن.
# وثانيا: أنه غير ممكن الاطلاع عليه، فالأصل بقاء النجاسة.
# وثالثا: أن جماعة من معتبري الامتزاج كالعلامة والشهيد وغير هم حكموا
~~بطهارة حياض الصغار المتصلة باستيلاء الماء من المادة عليها، وبغمس كوز
~~الماء النجس في الكثير ولو بعد مضي زمان، وطهارة القليل بماء المطر، بل
~~ادعى السيوري (2) والشهيد الثاني (3)
# PageV01P583
# الإجماع على الثالث، مع أن الامتزاج الكلي لا يحصل في شئ.
# ورابعا: أن الامتزاج ليس كاشفا عن الطهارة حين الملاقاة قطعا بل يتوقف
~~عليه، والمفروض أن الماء المعتصم يخرج عن كونه كرا أو جاريا أو ماء غيث قبل
~~تمام الامتزاج الكلي. ms535
# وخامسا: أنه إذا القي النجس الكثير في المطهر القليل بحيث يستهلك فيه؛
~~فإما أن يحكم بالنجاسة وهو خلاف الأصل والإجماع؛ أو بالطهارة وهو المطلوب؛
~~وكذلك عكسه إذا سيق المطهر عن مجاري متعددة بل دفعة، وغاية ما يمكن أن
~~يقال: إنه يطهر أجزاءه المخالطة له وهكذا بالتدريج.
# وفيه: مع استلزامه المنع عن استعمال الماء قبله بلا دليل؛ واختلاف الماء
~~الواحد في السطح الواحد، أنه إنما يتم إذا اجتمع الاجزاء المختلطة بحيث لا
~~يتوسط بين الكر منها النجس وعلم ذلك والمعلوم مع الاستهلاك خلافه.
# وأما الثاني: فإن اريد بالبعض مسماه فهو المطلوب؛ أو القدر المعين فلابد
~~من أن يبين، أو الأكثر بالأكثر تقريبا فلا دليل عليه، مع أن الفرق بين الا
~~بعاض غير معقول، مضافا إلى ورود كثير مما ذكر في الأول هنا " (1) انتهى.
# وفيه: أن الامتزاج إذا اريد به انتشار الأجزاء في الأجزاء على وجه يزول
~~معه الامتياز بينهما في نظر العالم بالحال فلا استحالة فيه، ولا أن الاطلاع
~~عليه محال بل هو ممكن ضرورة من الحس والوجدان، وظهور كلام العلامة في
~~المسألتين المشار إليهما في عدم اعتبار الامتزاج الكلي ليس بأقوى من صريح
~~كلامه في جملة من كتبه في نفي اعتباره؛ والمفروض أن القائل باعتبار
~~الامتزاج لا يعتني بمثل هذه المخالفة وإن ثبتت منه بنحو الصراحة، مع أنه لو
~~كان مستنده في دعوى الاعتبار هو الأصل تكون هذه المخالفة محققة لموضوع ذلك
~~الأصل، فالاستشهاد بها حينئذ لا يجدي نفعا في إلزامه؛ والامتزاج عند هذا
~~القائل يعتبر ناقلا لا كاشفا وعند خصمه لا يترتب عليه أثر، فهو على كلا
~~المذهبين غير مناف لبقاء الماء المعتصم كائنا ما كان على طهارته وطهر
~~المتنجس، وبعد ما كان الحكمان متفقا عليهما عند الفريقين فبأي شئ يلزم أحد
# PageV01P584
# الفريقين على بطلان مذهبه، لأن الذي يقول به من جهة الامتزاج خاصة لا
~~ينافيه الامتزاج عند الفريق الآخر القائل بعدم كونه مؤثرا.
# فلو قيل: إن الإشكال يتوجه على تقدير عدم حصول الطهر بمجرد الاتصال،
~~وتوقفه على حصول ms536 الامتزاج بالمعنى المفروض، فحصوله متأخر عن الامتزاج وهو
~~يستلزم محالا، لأن الماء المعتصم بمجرد الامتزاج الجزئي المتقدم على
~~الامتزاج الكلي طبعا يخرج عن كونه معتصما بل عن كونه جزء من المعتصم، على
~~معنى أنه لا يبقى فيه عنوان الكرية ولا الجريان ولا المطرية بصيرورته كلا
~~أم بعضا جزء من المتنجس، فهو حينئذ إذا لم يكن بنفسه معتصما عن الانفعال
~~فكيف يعقل بالنسبة إلى غيره كونه رافعا للانفعال.
# ففيه: أن هذه الشبهة وإن كانت في محلها غير أنها تندفع بملاحظة أن أصل
~~حكم التطهير هنا ثابت بالإجماع، لجواز كون الإجماع حاصلا فيه على هذا
~~النمط، ولا اجتهاد بعد الإجماع لكون أحكام الشرع منوطة بالتعبد.
# وفرض إلقاء النجس الكثير لو اريد به الكثير العرفي المتجاوز عن الكرية في
~~المطهر القليل لو اريد بقلته ما يكون عرفيا مجامعا للكرية على وجه يستهلك
~~معه المطهر لا ينافي مناط الطهر هنا بل يؤكده، لأن الغرض الأصلي من
~~الامتزاج إنما هو رفع الامتياز بين المائين وهو حاصل في هذا الفرض جزما.
# وأما عكس هذا الفرض وهو سوق المطهر القليل من مجاري متعددة إلى الكثير
~~النجس؛ فالمتجه فيه عدم حصول الطهر لا من جهة اختلال جهة الامتزاج بل من
~~جهة اختلال الدفعة التي قد عرفت كونها شرطا كما لا يخفى؛ بل قضية بعض ما
~~سبق في بحث الدفعة انتقال المطهر إلى النجاسة، ولو سلم بقاؤه على الطهارة
~~فلا استحالة في اختلاف الماء الواحد في السطح الواحد من حيث الحكم في غير
~~مورد الامتزاج؛ فإن المانع عن ذلك ليس هو العقل كما تقدم شرحه؛ ولا الشرع
~~إذا اعتبرناه غير الإجماع، وأما إذا اعتبرناه الإجماع فهو غير ثابت في جميع
~~فروض المسألة.
# وبذلك يظهر الجواب أيضا عما استدل به أيضا من أن الاتصال يقتضي الاتحاد
~~والماء الواحد لا يختلف حكمه؛ فإن الاتحاد إن اريد به اتحاد السطح فقط مع
~~إمكان التمييز بينهما فالكبرى ممنوعة، وإن اريد به الاتحاد الرافع للامتياز
~~وهو الاتحاد في PageV01P585
# الإشارة فالصغرى ممنوعة، بل بملاحظة ذلك ms537 - مضافا إلى بعض ما سبق - يظهر
~~الجواب عن الوجه الآخر مما استدل به من أن الاتصال يوجب اختلاط بعض أجزاء
~~الكر ببعض أجزاء المتنجس؛ فإما أن يرتفع النجاسة عن النجس أو يتنجس جزء
~~الكر، والثاني مخالف لأدلة عدم انفعال الكر فتعين الأول، فإذا طهر الجزء
~~طهر الجميع لعين ما ذكر، لجواز الواسطة بين ارتفاع النجاسة عن النجس وتنجس
~~جزء الكر وهو بقاء كل على حكمه إلى أن يتحقق الامتزاج المعتبر، غاية ما
~~يلزم اختلاف السطح الواحد في الحكم ولا دليل على بطلانه مطلقا.
# ثم على فرض تسليم زوال النجاسة عن الجزء المختلط فالتعدي منه إلى الأجزاء
~~الباقية لا وجه له بعد الفرق بينهما بتحقق الشرط في الأول دون الثاني.
# ومنها: الروايات الواردة في مطهرية الماء بقول مطلق أو في الجملة، كقوله:
~~" الماء يطهر ولا يطهر " (1) بناء على أن المعنى: " يطهر حتى نفسه ولا يطهر
~~بغير نفسه "، بقرينة ما ذكر من جهة حذف المتعلق دفعا للتناقض، " وماء
~~الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (2) ولا يضر غلبة المزج في النهر
~~المشبه به، لظهور أن التشبيه في أصل الحكم لا في كيفيته، " وكل شئ يراه
~~المطر فقد طهر (3) " كما في مرسلة الكاهلي، فإنه يصدق على ماء المطر الواقع
~~على سطح الحوض أنه رأى الحوض فطهر.
# وما حكاه العلامة عن بعض علماء الشيعة: من أنه كان بالمدينة رجل يدخل إلى
~~أبي جعفر (عليه السلام) وكان في طريقه ماء فيه العذرة والجيفة، وكان يأمر
~~الغلام يحمل كوزا من ماء يغسل رجليه إذا خاضه، فأبصر بي يوما أبو جعفر
~~(عليه السلام) فقال: إن هذا لا يصيب شيئا إلا طهره " (4).
# وما في صحيحة ابن بزيع " ماء البئر واسع لا يفسده شئ، إلا ما غير طعمه أو
~~ريحه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب الطعم، لأن له مادة " (5) بناء على
~~اختصاص
# PageV01P586
# التعليل بالفقرة الأخيرة، أو شموله لها ولما قبلها، وعلى كل تقدير فيدل
~~على كفاية زوال التغير في طهارة ما ينجس بالتغير وله مادة من غير اعتبار
~~امتزاجه بشئ ms538 من المادة أو ماء معتصم آخر، فإذا اكتفى بالاتصال في المتغير
~~ذي المادة اكتفى في غيره من المياه النجسة بغير التغير باتصاله بماء معتصم.
# وقد تقدم منا في صدر الباب ما يدفع به أكثر هذه الروايات، ونقول هنا: إن
~~الرواية الاولى مع أنها غير معتبرة السند بالسكوني غير واضحة الدلالة،
~~لمكان ما فيها من الإجمال المتقدم بيانه مشروحا، وكون حذف المتعلق مفيدا
~~للعموم - على فرض تسليمه - مشترك الاعتبار بالنسبة إلى الفقرتين، ودفع
~~التناقض الذي يلزم على تقدير اعتبار العموم فيهما بتخصيص أحدهما بالآخر
~~متساوي النسبة إليهما معا، فلا معين لإبقاء الاولى على العموم وتقييد
~~الثانية، مع قوة احتمال أن يكون الفعلان على فرض التشديد معلومين، أو
~~مجهولين مرادا بهما قضيتان مهملتان متصادقتان على الماء، لما فيه من اجتماع
~~حيثيتين باعتبار نفسه أو باعتبار الفاعل أو باعتبار القابل، فهو بملاحظة
~~إحدى الحيثيتين يطهر أو يقبل الطهر، وبملاحظة الحيثية الاخرى لا يطهر أو لا
~~يقبل الطهارة، كما إذا قلت: " إني احب الشئ الفلاني ولا أحبه " ومن المعلوم
~~أن مثل هذه القضية لا يفيدنا إلا الإجمال، ومعه كيف يصلح محلا للاستدلال.
# ورواية النهر مع ضعف سندها - كما تقدم في بحث الجاري والحمام - ممنوعة
~~الدلالة على حكم التطهير، لما تقدم من القرينة على إرادة تقوي البعض بالبعض
~~لا تطهره به، ولو سلم الدلالة على التطهير فهي أيضا دلالة إجمالية مقصودة
~~منها إعطاء أصل الحكم لا كيفيته.
# والمرسلة مع أنه لم يثبت لإرسالها جابر وإن كانت دلالتها واضحة لمكان
~~الإطلاق في الرؤية، يقيدها رواية الميزابين (1) - المتقدمة في بحث المطر -
~~المتضمنة لاعتبار الاختلاط كما لا يخفى على المتأمل، ومع الغض عن ذلك
~~فالتعدي عن حكم المطر إلى غيره مما لا قاضي به؛ والكلام إنما هو في التطهير
~~بالكثير ولعل بينهما فرقا في نظر الشارع.
# PageV01P587
# وببعض ما ذكر يظهر الجواب عن المرسلة الاخرى مع ما فيها من ظهور قوله
~~(عليه السلام):
# " هذا لا يصيب شيئا إلا طهره " (1) في كونه تأكيدا لطهورية المشار إليه،
~~مرادا به أن هذا ms539 الماء من شأنه أن يطهر الأشياء المتنجسة لا أن من شأنه أن
~~ينجس الأشياء الطاهرة، ردعا للمخاطب عن معتقده الذي كشف عنه فعله، فلم
~~يعتبر فيها أيضا عموم أو إطلاق يصلح للاستناد إليه.
# والظاهر أن الصحيحة أدل على خلاف مطلب المستدل؛ بناء على ظهور رجوع
~~التعليل إلى الفقرة الأخيرة كما تقدم في باب البئر وغيره، نظرا إلى ما تقدم
~~منا في بعض المباحث المتقدمة من أن اعتبار النزح هنا ليس من جهة أنه بنفسه
~~مطهر، بل إنما هو لمجرد رفع مانعية التغير وإلا فالمطهر في الحقيقة هو
~~الماء المتجدد من المادة، ضرورة أن ماء البئر كلما ينزح يتجدد من المادة ما
~~يقوم مقام المنزوح حتى يزول التغير، فالطهر مستند إلى هذا الماء المتجدد
~~وهو لازم الممازجة مع الماء المتنجس عادة بسبب النزح الذي يوجب مباشرة
~~الدلو وغيره من الآلات المقتضية بحكم العادة تحرك الماء وتقلب أجزائه من
~~مكان إلى آخر كما لا يخفى.
# وهذا كما ترى ملزوم للممازجة لا محالة، ولو سلم فالتعدي من البئر إلى
~~غيرها لابد له من وسط وهو مفقود، بناء على اختصاص العلة بزوال التغير كما
~~هو الظاهر؛ ولعل ذلك حكم مختص بالبئر كسائر أحكامها المختصة بها التي منها
~~المنزوحات المقدرة فيها وجوبا أو استحبابا فليتدبر، ولنختم المقام بذكر
~~فوائد:
# الاولى: أنه قد ظهر من تضاعيف كلماتنا أن المعتبر من الامتزاج ما يرتفع
~~به امتياز المائين على وجه لا يقع عليهما عند المطلع بالحال إلا إشارة
~~واحدة، سواء حصل ذلك باختلاط كل الأجزاء بكل الأجزاء أو بغيره، لأن المقتضي
~~للامتزاج هو الامتياز فلابد وأن يكون العبرة بارتفاعه المتحقق تارة
~~بالامتزاج الكلي وأخرى بالامتزاج الجزئي، خلافا لكاشف اللثام - المحكي عنه
~~- الاكتفاء بامتزاج البعض مطلقا مدعيا عليه الإجماع، قائلا:
# " بأنه مع الاتصال لابد من اختلاط شئ من الأجزاء، فإما أن ينجس الطاهر،
~~أو يطهر النجس، أو يبقيان على ما كانا عليه، والأول والثالث خلاف ما اجمع
~~عليه فتعين الثاني.
# PageV01P588
# وإذا تطهر ما اختلط من الأجزاء طهر الباقي، إذ ms540 ليس لنا ماء واحد في سطح
~~واحد يختلف أجزاؤه طهارة ونجاسة بلا تغير؛ وأيضا لا خلاف في طهر الزائد على
~~الكر أضعافا كثيرة بإلقاء كر عليه وإن استهلكه.
# وربما كانت نسبة ما يقع فيه الاختلاط منه ومن أجزاء النجس إلى مجموع
~~أجزائه كنسبة ما يقع فيه الاختلاط بين القليل والكثير عند أول الاتصال،
~~فإما أن يقال هنا: أنه يطهر الأجزاء المختلطة، ثم هي تطهر ما جاورها وهكذا
~~إلى أن يطهر الجميع، فكذا فيما فيه المسألة.
# وإما أن لا يحكم بالطهارة إلا إذا اختلط الكر الطاهر بجميع أجزاء النجس
~~ويحكم ببقائه على الطهارة، وبقاء الأجزاء الغير المختلطة من النجس على
~~النجاسة إلى تمام الاختلاط، وقد عرفت أنه ليس لنا ماء واحد في سطح واحد
~~يختلف أجزاؤه من غير تغير، وأيضا فالماء جسم لطيف سيال تسري فيه الطهارة
~~سريعا كما تسري فيه النجاسة، ولا دليل على الفرق بينهما " (1) إنتهى.
# وضعفه ظاهر بعد الإحاطة بجميع ما تقدم مع أنه لو كان هذا التحقيق منه
~~بناء على القول باشتراط الامتزاج لغى معه الاشتراط، لأن الاختلاط الجزئي
~~كيفما اتفق لازم عقلي للاتصال كما لا يخفى على المتأمل.
# الثانية: قد يستظهر من كلمات أهل القول باعتبار الامتزاج زيادة عليه
~~القول باعتبار الاستهلاك أيضا على الوجه المعتبر في تطهير المضاف وعدم
~~كفاية مطلق الامتزاج؛ وهو كما ترى إفراط كما أن ما سبق عن كاشف اللثام من
~~القول بكفاية الاختلاط الجزئي الحاصل عند أول الاتصال تفريط؛ ولم نقف في
~~كلمات من تقدم على ما يقضي بهذا الظهور، بل من تأمل في العبارات المتقدمة
~~ونظر فيها حق النظر يجدها بين صريحة وظاهرة في عدم اعتباره؛ وما تقدم في
~~عبارة كاشف اللثام من نفي الخلاف في طهر الزائد على الكر أضعافا كثيرة
~~بإلقاء كر عليه وإن استهلكه مما يشهد بكذب دعوى اعتباره عندهم، كيف وهو
~~مستحيل الفرض فيما لو كان الماء النجس أقل من الكر الملقى عليه بقليل، فضلا
~~عن كونه أكرارا كثيرة والملقى عليه كرا واحدا.
# PageV01P589
# نعم، ربما يوهم ms541 اعتباره وقوع لفظ " الاستهلاك " في بعض استدلالاتهم
~~المتقدمة على طهر القليل بإلقاء كر عليه؛ ومثله ما في الاستدلال على طهر
~~الجاري المتغير بزوال التغير من جهة تدافع الماء من المادة وتكاثره كما
~~عرفته عن المنتهى (1)، لكن كلماتهم الاخر في طي تفاصيل المسألة قرائن تنهض
~~شاهدة بعدم إرادة الاستهلاك بالمعنى المذكور، بل بإرادة الامتزاج الرافع
~~للامتياز الخارجي بين المائين، وحينئذ فيلزم حصول الطهر ولو فرض الكر
~~الملقى مستهلكا في جنب النجس كما في مفروض كاشف اللثام، وهو الحق الذي لا
~~محيص عنه بالنظر إلى استدلالهم بما تقدم من الملازمة المجمع عليها التي لا
~~يقطع بها إلا مع الامتزاج المذكور، فحينئذ يكفي في طهر كرور متكاثرة كر
~~واحد إذا امتزج معها على الوجه المذكور.
# الثالثة: لافرق في اعتبار الامتزاج في تطهير القليل المتنجس بين أنواعه،
~~حتى ماء الحمام الذي هو عبارة عما في حياضه الصغار إذا تنجس بسبب انقطاعه
~~عن المادة، فإن مستند الاعتبار في غيره الذي هو استصحاب النجاسة إلى أن
~~يتحقق مزيل يقيني كما ترى جار في ماء الحمام أيضا، نظرا إلى أنه بملاحظة
~~الخلاف المتقدم في بابه من مواضع الشبهة، وطهره بإلقاء الكر عليه دفعة مع
~~تحقق الممازجة أيضا مما لا إشكال فيه.
# وأما طهره بإجراء المادة عليه فالظاهر أنه مما لا خلاف فيه عندهم، بل
~~عليه الإجماع في كلام المحقق الخوانساري المتقدم في بابه؛ (2)، نعم ربما
~~يتوهم الخلاف في اعتبار كرية المادة عند الرفع وعدمه وإن لم يوجد عليه قول
~~محقق كما مر ثمة، وعلى أي حال فقضية الأصل المشار إليه اعتبارها فهو أيضا
~~مما لا إشكال فيه.
# نعم، يحصل الإشكال بالنظر إلى اشتراط الدفعة - المتقدم في تحقيقه الكلام
~~- التي لا تكاد تتحقق في مادة الحمام لورود الماء منها إلى الحياض تدريجا،
~~ولو فرضناهما متساويي السطح فاتصل أحدهما بالآخر أشكل الحال من جهة حصول
~~الوحدة المعتبرة في تطهير القليل حسبما تقدم؛ فإن حصل الإجماع على إلغاء
~~هذين الأمرين في خصوص
# PageV01P590
# الحمام وإلا أشكل الحال غاية الإشكال وقوي معه ms542 احتمال تعين إلقاء الكر في
~~تطهيره، وعلى أي حال فالاحتياط في مثله المعتضد بالاستصحاب مما لا ينبغي
~~تركه جدا.
# الرابعة: كما أن القليل المتنجس يطهر بإلقاء كر عليه فكذا يطهر بالجاري
~~ونزول الغيث، أما الأول فقد نص عليه غير واحد منهم الشهيد في الدروس (1)
~~وغيره، بل الظاهر أنه مما لا خلاف فيه في الجملة كما في شرح الدروس
~~للخوانساري (2).
# نعم، على القول باشتراط الكرية في عدم انفعال الجاري يعتبر الكرية؛ وأما
~~على المختار فالكرية ليست بمعتبرة هنا كما أن الظاهر عدم اعتبار الدفعة
~~هنا، بل لا معنى له بعد ملاحظة أن وصف الجريان لا يجامعه الدفعة بالمعنى
~~المتقدم؛ وأما الامتزاج فقد صرح غير واحد بأن الكلام فيه هنا كالكلام في
~~إلقاء الكر، وقضية ذلك كونه معتبرا هنا عند معتبريه ثمة، وهذا هو مقتضى
~~الأصل المتقدم ذكره، ولا فرق في الطهر به بين الورودين ولا بين علو المطهر
~~وغيره، فلو اتصل به الجاري من تحته فامتزجا طهر، والدلالة على ذلك كله ما
~~سبق مفصلا في إلقاء الكر.
# وأما ما عن العلامة في القواعد (3) والتحرير (4) من أنه لا يطهر بالنبع
~~من تحته، فلعله لا ينافي ما ذكرناه، لجواز أن يكون مراده بالنبع خروج
~~الكثير المنخفض عن القليل إليه بطريق النبع، كما مرت الإشارة إليه في نظير
~~ذلك عنه في المنتهى (5) في رد الشيخ في المبسوط.
# وقد يذكر في توجيهه وجهان آخران كما في شرح الدروس (6).
# أحدهما: ابتناؤه على اشتراط العلو في الطهر، وهو ليس على ما ينبغي كما
~~يظهر وجهه بملاحظة ما أشرنا إليه عنه في المنتهى.
# وثانيهما: ابتناؤه على ما هو مختاره من نجاسة الجاري بالملاقاة إذا كان
~~قليلا، وما ذكرناه أوجه، وأما الثاني فقد سبق شرحه مفصلا في باب المطر.
# وثالثها (7): في تطهير القليل بإتمامه كرا، وهذا مما اختلف فيه الأصحاب
~~رضوان الله
# PageV01P591
# عليهم، فعن الشيخ في الخلاف (1) وابن الجنيد (2) وأكثر المتأخرين عدم
~~طهره به مطلقا سواء كان بطاهر أو نجس؛ وفي بعض العباير: " أنه المشهور "،
~~وعن المرتضى في المسائل ms543 الرسية (3)، والشيخ في ظاهر المبسوط (4)، والسلار
~~(5)، ويحيى بن سعيد (6)، وابني إدريس (7) وحمزة (8)، والمحقق الشيخ علي (9)
~~القول بالطهارة، وهؤلاء - على ما نقل - بين مطلق ومصرح بعدم الفرق بين
~~الطاهر والنجس كما عن ابن إدريس (10)، وعن المبسوط نسبته إلى بعض أصحابنا،
~~ومقيد له بالطاهر كما عن بعضهم على ما في محكي المبسوط (11) والذكرى (12).
# والأقوى الأول، لأنه ماء حكم الشارع بنجاسته فيقف زواله على دلالة من
~~الشارع وهي منتفية، كيف وأن المتمم إن كان طاهرا فقد تنجس بالملاقاة بحكم
~~عليتها المستفادة من مفهوم " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (13) ومعه
~~لا يعقل الطهارة في المجموع بمجرد الإتمام؛ وإن كان نجسا فأولى بعدم
~~التأثير في التطهير.
# ويؤيده عموم النهي عن استعمال غسالة الحمام التي لا تنفك عادة عن الطاهر
~~إذا بلغ المجموع كرا.
# فإن قلت: كما أن ملاقاة هذا النجس علة لانفعال الملاقي بحكم المفهوم
~~فكذلك علة لكرية المجموع وهي مانعة عن الانفعال؛ فيجب القول بعدمه في
~~الملاقي عملا بمنطوق الرواية، ثم يحكم بطهارة المجموع عملا بالإجماع على
~~عدم اختلاف الماء الواحد في السطح الواحد في وصفي الطهارة والنجاسة ولو بعد
~~اعتبار الممازجة بينهما.
# قلت: مع أن المستفاد من المنطوق أن الكرية مانعة عن الانفعال إذا صادفت
~~طهارة
# PageV01P592
# المجموع فلا يندرج فيه المقام؛ ومعه يبقى المفهوم سليما عن المعارضة، أن
~~الملاقاة لكونها علة للكرية مقدمة ذاتا على الكرية فهي بمجرد تحققها تؤثر
~~في انفعال الملاقي قضاء لاستحالة تخلف المعلول عن العلة، غاية الأمر أن هذا
~~المعلول يقارن المعلول الآخر وهو الكرية في الوجود الخارجي، وقضية ذلك
~~مصادفة هذا المعلول محلا غير قابل لأن يؤثر في عدم انفعاله وإلا لزم اجتماع
~~النقيضين.
# فإن قلت: إنما يلزم المحذور لو ترتب الأثران على الملاقاة والكرية
~~متقارنين وهو ليس بلازم، لجواز أن يترتب الأثر على الكرية بعد ما ترتب على
~~الملاقاة أثرها، غاية ما هنالك لزوم الالتزام بأن هنا حدوثا للانفعال
~~وزوالا له جمعا بين المفهوم والمنطوق.
# قلت: ذلك خروج عن الفرض حيث إن الاعتراض - قبالا ms544 لما ادعيناه من اقتضاء
~~الملاقاة انفعال الملاقي - دعوى مانعية الكرية عن حدوث الانفعال، وما ذكر
~~في التفصي عن المحذور التزام بكون الكرية رافعة للانفعال الحادث؛ والفرق
~~بين المعنيين بين كما بين السماء والأرض؛ مع أن مفاد المنطوق كون الكرية
~~مانعة عن حدوث الانفعال لا أنها رافعة للانفعال الحادث فلا منطوق بالقياس
~~إلى ما ذكر، فيعود الكلام إلى بقائه تحت المفهوم.
# ودعوى دخوله فيه أولا وخروجه ثانيا بطرو الكرية مما لا شاهد بها.
# وفي كلام غير واحد الاحتجاج على المختار بالاستصحاب وهو لا يخلو عن نوع
~~مناقشة؛ إذ لو اريد بالنجاسة المستصحبة نجاسة الجميع فهو كذب، لمكان كون
~~الحالة السابقة في المتمم الطهارة.
# ولو اريد بها ما يختص بالبعض المتنجس فهي معارضة بطهارة المتمم؛ ولو اريد
~~العمل بالاستصحابين معا ولو بعد الممازجة، فهو باطل بحكم الملازمة المجمع
~~عليها المقتضية لعدم اختلاف الماء الواحد في الحكم.
# إلا أن يقال: بأن المراد بها النجاسة المختصة مع الحكم بنجاسة الجميع
~~بحكم تلك الملازمة، أو بحكم ما دل على انفعال القليل بملاقاة المتنجس الذي
~~حكم عليه بالنجاسة شرعا، على ما سبق تحقيقه في ذيل مسألة أن النجاسة منوطة
~~في نظر الشارع بالعلم بها ولو شرعا. PageV01P593
# ولكن يتوجه إليه: أن المقام ليس من موارد الاستصحاب لمكان العلم ببقاء
~~النجاسة، إلا أن يكون التمسك به مبنيا على المماشاة مع الخصم.
# وكيف كان فاحتج أهل القول بالطهارة بوجوه:
# منها: ما عن المرتضى (1) من أن البلوغ قدر الكر يوجب استهلاكه للنجاسة
~~فليستوي وقوعها قبل البلوغ وبعده.
# وجوابه: أن معنى كون بلوغ قدر الكر موجبا لاستهلاك النجاسة أن الماء معه
~~لا يتأثر عما يقع فيه من النجاسة العينية الغير المغيرة وما في حكمها في
~~التأثير كالمتنجس، كما أن معنى كون الماء البالغ قدر الكر مستهلكا للنجاسة
~~عدم قبوله أثر النجاسة الواقعة فيه وعدم بروز أثر تلك النجاسة فيه وعروضه
~~له، بحيث كان وجودها فيه بمنزلة عدمها، فلو اريد بالمقدمة الاولى من الدليل
~~هذا المعنى فهو حق متين لا سترة عليه، ms545 لكنه لا يقتضي الاستواء بين وقوعها
~~قبل البلوغ ووقوعها بعد البلوغ، ضرورة الفرق بينهما كما بين السماء والأرض،
~~إذ ليس الكلام في أنه هل يتأثر أو لا يتأثر؟ بل في أنه هل يزول عنه الأثر
~~أو لا يزول؟ ومن البين أن أحدهما ليس بعين الآخر ولا ملازمة بينهما عقلا
~~ولا شرعا، فيكون التعدي عن أحدهما إلى الآخر قياسا ومع الفارق، ضرورة أن
~~الماء في رفعه الأثر الحاصل ربما يحتاج إلى ما لا يحتاج إليه في دفعه الأثر
~~الغير الحاصل كما هو معلوم من الشرع.
# ولو اريد بها ما زاد على هذا المعنى بدعوى: أن الكرية في الماء صفة لا
~~تجامعها صفة النجاسة سابقة ولاحقة، وبعبارة اخرى: أن الشرع قد كشف عن كون
~~الكرية مضادة للنجاسة ولا معنى له إلا كونها في مقام الرفع رافعة وفي مقام
~~الدفع دافعة؛ فهو أول الدعوى لمنع قيام الدلالة من الشرع على هذا المعنى،
~~بل القدر المسلم قيام الدلالة على أن سبق الكرية يوجب في الماء قوة تعصمه
~~عن حصول أثر النجاسة وحدوثه فيه.
# ومنها: ما عنه (2) أيضا من أن الإجماع واقع على طهارة الماء الكثير إذا
~~وجدت فيه نجاسة ولم يعلم هل كان وقوعها قبل بلوغ الكرية أو بعده، وما ذاك
~~إلا لتساوي الحالين، إذ لو اختص الحكم ببعدية الوقوع لم يكن للحكم بالطهارة
~~وجه، لأنه كما
# PageV01P594
# يمكن تأخره عن البلوغ كذا يمكن تقدمه عليه.
# وجوابه أولا: أنه أدل على خلاف المقصود من الاستدلال، ضرورة أنه لولا
~~الفرق بين وقوعها قبل بلوغ الكرية ووقوعها بعده لغى أخذ الشك قيدا في موضوع
~~الحكم المجمع عليه، والمفروض أنه لا إجماع مع عدم اعتبار هذا الشك، فظهر أن
~~للشك المذكور مدخلية في الحكم وبطل به دعوى تساوي الحالين مطلقا.
# وثانيا: أن ذلك من جهة استصحاب الطهارة الأصلية في الماء، حيث إن بلوغ
~~الكرية مع وقوع النجاسة بكليهما أمران حادثان لا يجري فيهما الأصل، فيبقى
~~أصالة الطهارة سليمة.
# وثالثا: أن ذلك لما سبق تحقيقه من أن أحكام النجاسة ms546 في نظر الشارع معلقة
~~على العلم بتحقق أسباب النجاسة ولو شرعا، وأن مشكوك النجاسة عندنا محكوم
~~عليه عنده بالطهارة، ولا ريب أن المقام مما لا مدخل له في ذلك، فبالجملة
~~فرق بين المقامين والفارق هو الإجماع في أحدهما دون الآخر، مضافا إلى
~~الأصلين المتقدم إليهما الإشارة.
# وقد يجاب عنه - بعد ما قرر بأنه: لو لم يحكم بالطهارة بذلك لم يحكم
~~بطهارة الماء الذي وجد فيه نجاسة لم يعلم وقوعها قبل الكرية أو بعدها -: "
~~بأن الالتزام به ليس من المنكرات فلا يحكم عليه بالطهارة ولا النجاسة، فهو
~~لا ينجس الطاهر ولا يطهر النجس، فيكون حاله حال المشكوك في كريته إذا لاقته
~~النجاسة في وجه قوي، لأنه كما أن الكرية شرط وقد شك فيها فكذلك الطهارة شرط
~~وقد شك فيها " (1).
# وفيه: أن ذلك لا يلائم الإجماع المدعى على الحكم بالطهارة، وكأنه غفلة عن
~~كون مستند بطلان التالي هو الإجماع كما يرشد إليه تجريد التقرير المذكور عن
~~ذكره، وقد وقع التصريح بالاستناد إليه في كلام جماعة على وجه يظهر منهم
~~الاعتراف به، وحكي الاعتراف به أيضا عن الفاضلين (2) والشهيد (3).
# هذا مع ما في مقايسة المقام على المشكوك في كريته من الفساد الواضح، لمنع
~~أصل الحكم في المقيس عليه، ضرورة أن المشكوك في كريته إما أن يعلم له حالة
~~سابقة من
# PageV01P595
# قلة أو كرية أو لا؟ فعلى الأول يكون المتبع هو الأصل الذي يقتضيه الحالة
~~السابقة، فالمتجه حينئذ الحكم بالنجاسة لاستصحاب القلة أو الحكم بالطهارة
~~لاستصحاب الكرية.
# وعلى الثاني: يكون المتبع قاعدة الطهارة بعد الحكم على الأصلين بالتساقط،
~~بل لا أصل في البين حينئذ لانتفاء الحالة السابقة التي هي من أركان
~~الاستصحاب، فيبقى قاعدة الطهارة المستفادة عن عموم " الماء كله طاهر حتى
~~تعلم أنه قذر " (١) سليمة.
# وأما التعليل بشرطية الكرية وشرطية الطهارة المشكوك فيهما فمما لا يرجع
~~إلى محصل، لأن الكرية شرط في عدم نجاسة الماء بوقوع النجاسة فيه، والطهارة
~~شرط في تطهير النجس، لكن الشرط إذا كان مطابقا للأصل أمكن إحرازه بالأصل،
~~فلم ms547 لا يحكم بأصالة الطهارة إن سلمت عن معارضة أصالة عدم الكرية وتقدمها
~~عليها حتى يترتب عليه تطهير النجس؟ ومع عدم السلامة فأصالة عدم الكرية يقضي
~~بالنجاسة فيترتب عليها تنجس الطاهر، ففسد التعليل كما فسد أصل الحكم.
# ومنها: ما عن ابن إدريس (٢) الاحتجاج بالإجماع قائلا: " بأن إجماع
~~أصحابنا على هذه المسألة إلا من عرف اسمه ونسبه "، وبقوله (عليه السلام): "
~~إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (٣) مدعيا إجماع المؤالف والمخالف على
~~هذه الرواية، فإنها عامة لصورتي تأخر الخبث وتقدمه.
# بل عن القاموس (٤) ونهاية ابن الأثير (٥) أن معنى " لم يحمل خبثا ": لم
~~يظهر فيه خبث، وحينئذ يكون دلالته من باب الخصوص لا العموم، لأن عدم ظهور
~~الخبث فيه يستلزم معناه أنه كان سابقا على البلوغ وبعده لم يظهر حكمه فيه.
# وبالعمومات الدالة على طهارة الماء وجواز استعماله كقوله سبحانه: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم
~~به﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا
~~فاطهروا﴾ (7)؛ وقوله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر: " إذا وجدت الماء
~~فامسسه جسدك " (8)، وقوله: " أما أنا فلا أزيد على أن أحثوا
# PageV01P596
# على رأسي ثلاث حثيات فإذن أني قد طهرت " (1)، وضعف الجميع واضح.
# أما الأخير: فلأن عموم الآية لا تعرض فيه لما بعد النجاسة، بل أقصى ما
~~فيها الدلالة على حكم الماء بحسب الخلقة الأصلية وهو لا ينافي طرو النجاسة
~~فضلا عن استمرارها بعد الطرو.
# وأما البواقي: فلأنها قضايا مهملة سيقت لإعطاء أصل حكم التطهير، من غير
~~نظر فيها إلى تشخيص موضوعه عموما ولا خصوصا.
# وأما الأول: فلمنافاته مخالفة المعظم فلا اعتداد بنقله بعد الاسترابة في
~~منقوله.
# وأما الأوسط: فمع ما فيه من قدح السند - على ما يظهر وجهه - يرد عليه منع
~~دلالته على ما يرامه المستدل كما هو واضح لمن له أدنى خبرة بمعاني الألفاظ
~~ومقتضى تراكيب الكلام؛ إذ أقصى ما فيها من الدلالة أن الماء ببلوغ الكرية
~~لا يتحمل صفة الخبثية، على معنى أنه لا يحدث له تحمل تلك ms548 الصفة، لا أنه
~~بسببه يضع حمله من تلك الصفة على تقدير تحمله لها قبل البلوغ، وهذان معنيان
~~متغايران، والأول منهما يقتضي خلو الماء عنها قبل البلوغ؛ ومحل البحث مندرج
~~في الثاني فلا يندرج في الرواية، فيكون مفادها مطابقا لمفاد " إذا كان
~~الماء قدر كر لم ينجسه شئ ".
# ولا ينافيه ما عرفت نقله عن القاموس والنهاية، لأن عدم ظهور الخبث معناه
~~عدم بروزه في ظرف الخارج لا زوال الخبث البارز في الخارج عنه.
# وللمحقق - على ما نقل عنه في المعتبر - كلام طويل في دفع هذه الأدلة ولا
~~سيما الرواية، حيث إنه بعد ما نقل الأدلة قال: " فالجواب: دفع الخبر فإنا
~~لم نروه مسندا، والذي
# PageV01P597
# رواه مرسلا المرتضى (رضي الله عنه) والشيخ أبو جعفر وآحاد ممن جاء بعده؛
~~والخبر المرسل لا يعمل به وكتب الحديث عن الأئمة (عليهم السلام) خالية عنه
~~أصلا، وأما المخالفون فلم أعرف به عاملا سوى ما يحكى عن ابن حي وهو زيدي
~~منقطع المذهب، وما رأيت أعجب ممن يدعي إجماع المخالف والمؤالف فيما لا يوجد
~~إلا نادرا، فإذن الرواية ساقطة.
# وأما أصحابنا فرووا عن الأئمة (عليهم السلام) " إذا كان الماء قدر كر لم
~~ينجسه شئ " وهذا صريح في أن بلوغه كرا هو المانع لتأثره بالنجاسة، ولا يلزم
~~من كونه لا ينجسه شئ بعد البلوغ رفع ما كان ثابتا فيه ومنجسا قبله، والشيخ
~~(رحمه الله) قال بقولهم (عليهم السلام)، ونحن قد طالعنا كتب الأخبار
~~المنسوبة إليهم فلم نر هذا اللفظ، وإنما رأينا ما ذكرناه وهو قول الصادق
~~(عليه السلام) " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " ولعل غلط من غلط في
~~هذه المسألة لتوهمه أن معنى اللفظين واحد.
# وأما الآيات والخبر البواقي فالاستدلال بها ضعيف لا يفتقر إلى جواب، لأنا
~~لا ننازع في استعمال الطاهر المطلق، بل بحثنا في هذا النجس إذا بلغ بطاهر،
~~فإن ثبت طهارته تناولته الأحاديث الآمرة بالاغتسال أو غيره، وإن لم يثبت
~~طهارته فالإجماع على المنع منه فلا تعلق له إذن فيما ذكره، وهل ms549 يستجيز أن
~~يقول محصل: أن يقول النبي (صلى الله عليه وآله):
# " أحثوا على رأسي ثلاث حثيات مما يجتمع من غسالة البول والدم وملغة الكلب
~~"؟.
# واحتج لذلك أيضا بالإجماع وهو أضعف من الأول؛ لأنا لم نقف على هذا في شئ
~~من كتب الأصحاب ولو وجد كان نادرا، بل ذكره المرتضى (رحمه الله) في المسائل
~~منفردة وبعده اثنان أو ثلاثة ممن تابعه، ودعوى مثل هذا إجماعا غلط، إذ لسنا
~~بدعوى المائة نعلم بدخول الإمام (عليه السلام) فيهم فكيف بفتوى الثلاثة
~~والأربعة " (1) انتهى.
# المرحلة الثانية: (2) في تطهير الكر والجاري المتغيرين، ففيها مسألتان.
# المسألة الاولى: في تطهير الكر.
# فانه يطهر بإلقاء كر عليه فما زاد حتى يزول التغير، سواء عم التغير جميع
~~الكر أو اختص ببعضه مع كون الباقي أقل من كر، ولو زال التغير بكر واحد ولو
~~بعد مكث ومضي مدة اكتفى به ولم يحتج إلى الزائد، بشرط أن لا يتغير الكر
~~الملقى كلا أم بعضا
# PageV01P598
# وإلا احتيج إلى إلقاء كر آخر، والبحث في اعتبار الدفعة والممازجة كما
~~سبق، فالمتجه على المختار اعتبارهما هنا أيضا.
# ولو اختص التغير ببعض الكر وكان الباقي أيضا كرا ولم يقطع التغير عمود
~~الغير المتغير كفى ذلك الباقي في طهر صاحبه، بشرط تموج بعضه في بعض تحقيقا
~~للممازجة المعتبرة، وعلى القول بعدم اعتبارها كفى الاتصال الموجود هنا، لكن
~~يشترط على كلا التقديرين زوال التغير.
# وأما الدليل على الطهر في جميع الصور المذكورة هو الدليل المتقدم في
~~تطهير القليل من الملازمة المجمع عليه.
# ويطهر الكثير أيضا بالجاري وبماء المطر على النحو المتقدم إليه الإشارة،
~~وينوط الحكم فيهما أيضا بزوال التغير، فهذا كله مما لا إشكال فيه.
# نعم، الإشكال في طهره بزوال التغير من قبل نفسه، أو بعلاج من تصفيق
~~الرياح أو وقوع أجسام طاهرة فيه ونحوه، كما نقل القول به عن يحيى بن سعيد
~~من أصحابنا في الجامع (1)، وعن العلامة في النهاية (2) أنه تردد في حصول
~~الطهارة بزوال التغير من قبل نفسه خاصة؛ وأما الباقون فعلى أنه لا يطهر ms550 به
~~مطلقا، وقد يجعل ذلك أشهر القولين.
# وفي المنتهى: " المشهور أنه لا يطهر به " (3)، ولم يعرف من أصحابنا عدا
~~من ذكر قائل بالطهر به.
# نعم، في المنتهى نقل تفصيلا عن الشافعي وأحمد من العامة وهو: " أنه إن
~~زال التغير لطول المكث عاد طهورا، وإن زال لطرح المسك والزعفران فلا،
~~لأنهما ساتران لا مزيلان "، ثم قال: " وفي التراب قولان مبنيان على أنه
~~مزيل أو ساتر ".
# ثم قال: " ولو زال التغير بأخذ بعضه لم يطهر وإن كان كرا، وكذا لو زال
~~التغير بإلقاء أقل من الكر على الأقوى، خلافا لبعض علمائنا وللشافعي " (4).
# لكن في المدارك جعل القول الأول - الذي ذهب إليه القاضي - مبنيا على ما
~~ذهب إليه من أن الماء النجس يطهر بالإتمام، ومن هنا صرح بأنه في الحقيقة
~~لازم لكل من قال بذلك (5).
# PageV01P599
# وفي الحدائق: " صرح جمع من الأصحاب بأن القول بطهارة المتغير بزوال
~~التغير لازم لكل من قال بالطهارة بالإتمام " (1)، ونقل دعوى هذه الملازمة
~~عن المحقق في المعتبر (2) أيضا.
# ولعلها مبنية على توهم رجوع القول بالطهارة بالإتمام إلى دعوى منافاة
~~عنوان الكرية لوصف النجاسة، وهو مما لا ينافيه أكثر أدلة هذا القول، بل
~~بعضها - إن تم - متناول للمقام كالرواية المتقدمة مع عمومات الطهارة
~~والمطهرية، ولا ينافيه كون التغير عند أصحاب هذا القول مقتضيا للنجاسة حتى
~~مع عنوان الكرية، لأن أقصى ما يلزم من ذلك التزامهم بتقييد العنوان بغير
~~صورة التغير أو تخصيص تلك الصورة عن العام.
# ولا يقدح فيه القول بالطهارة بعد زوال التغير، لأن ذلك تخصيص في بعض
~~الأحوال وهو لا يقضي بتخصيص الفرد في جميع الأحوال، فالمخرج عن العموم هو
~~حالة التغير دون الفرد المتغير حتى لا يمكن دخوله فيه بعد الخروج، وقضية
~~ذلك شمول حكم العام له بعد ارتفاع الحالة المذكورة نظرا إلى وجود المقتضي
~~وارتفاع المانع.
# ولكن يضعف دعوى الملازمة بمصير بعض أهل القول بالطهارة في مسألة الإتمام
~~إلى عدمها في مسألة زوال التغير كالحلي (3) - على ما حكي - وذهاب بعض
~~القائلين بعدم الطهارة ثمة إليها هنا، ms551 مستدلا: بأن الأصل في الماء الطهارة،
~~والحكم بالنجاسة للتغير، فإذا زالت العلة انتفى المعلول كما حكاه في
~~المدارك (4)، وكيف كان فعمدة ما احتج به للقول بالطهارة هو الوجه المذكور.
# واجيب عنه: بأن المعلول هو حدوث النجاسة لا بقاؤها، وقد تقرر في الاصول
~~أن
# PageV01P600
# البقاء لا يحتاج إلى دليل في نفسه، إذ الأصل أن ما ثبت دام إلى وجود قاطع
~~وذلك معنى الاستصحاب، لكن ربما يتوجه إليه مناقشة من حيث التعليل المذكور
~~يظهر وجهها بالتأمل.
# وقد يستدل له بوجوه اخر:
# منها: الرواية المتقدمة في المسألة السابقة (1) إما بناء على ما قررناه
~~من أن الخارج من ذلك حالة التغير فيدخل ما بعدها في العموم، أو لأنه إذا
~~فرض الماء المتغير نصفين زال تغيرهما فاجتمعا دخل تحت عموم الرواية، وإذا
~~ثبت فيه ثبت في غيره بالإجماع.
# وفيه: أن الاستناد إلى تلك الرواية إنما يصح لو كانت متعرضة لحكم الزوال
~~عقيب الحدوث خصوصا أو عموما وقد مر منعه في المسألة السابقة، فإن العبارة
~~قاصرة جدا عن التعرض للحكم المذكور نفيا وإثباتا، وظاهرة في إعطاء حكم
~~الدفع الذي ليس المقام عنه، ومع الغض عن ذلك فالتمسك بالإجماع بناء على
~~التقرير الثاني ضعيف جدا، إذ لا محمل له إلا مركب الإجماع وهو مع وجود
~~القول بالفصل كما ترى؛ وقد عرفت أن الحلي العامل بالرواية فيما هو من قبيل
~~المسألة الثانية أنكر الطهارة هنا.
# وقد يجاب عنه (2) أيضا: بأن الرواية مخصوصة بالنص والإجماع بالخبث الذي
~~لا يكون مغيرا للماء، فإذا ثبت النجاسة بالتغير كانت مستصحبة، وبالتأمل
~~فيما قررناه في تحقيق دعوى الملازمة بين القولين تقدر على تزييف ذلك بأحسن
~~وجه.
# ومنها: قاعدة الطهارة بناء على عدم جريان استصحاب النجاسة، لأن موضوع
~~النجاسة هو المتلبس بالتغير، أو المردد بين ما حدث فيه التغير في زمان وما
~~تلبس به، وعلى التقديرين فلا يعلم بقاء الموضوع الذي هو شرط في جريان
~~الاستصحاب.
# وفيه: منع كون موضوع النجاسة شئ مما ذكر، بل الموضوع هو الماء الملاقي
~~للنجاسة المغيرة، بناء على أن ms552 الموجب للنجاسة هو الملاقاة المغيرة دون
~~الملاقاة مطلقة ولا التغير منفردا وهو باق جزما، وسيلحقك زيادة توضيح في
~~ذلك.
# ومنها: الأخبار الظاهرة في اعتبار فعلية التغير في النجاسة مثل قوله
~~(عليه السلام): " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ [من الماء] واشرب "
~~(3) وقوله (عليه السلام): " لا بأس إذا
# PageV01P601
# غلب لون الماء لون البول " (1)، وقوله (عليه السلام): " إذا كان النتن
~~الغالب على الماء فلا توضأ ولا تشرب " (2) ونحو ذلك.
# وفيه: أن اعتبار فعلية التغير في النجاسة مما لا ينكره أحد، لكنها تلاحظ
~~تارة بالقياس إلى حدوث التغير فيراد بها حدوثه فعلا، واخرى بالقياس إلى
~~بقاء التغير فيراد بها بقاؤها فعلا، والمطلب إنما يثبت لو كان المستفاد من
~~الأخبار اعتبار الفعلية في كل من جهتي الحدوث والبقاء، على معنى استفادة
~~استناد النجاسة حدوثا وبقاء إلى التغير حدوثا وبقاء، فحدوثها إلى حدوثه
~~وبقاؤها إلى بقائه، وقضية ذلك انتفائها عند انتفاء إحدى جهتي التغير، فلا
~~حدوث مع عدم حدوثه ولا بقاء لها مع عدم بقائه، وهذا كما ترى موضع منع كل
~~المنع، لوضوح أن أقصى ما يستفاد منها اعتبار الفعلية في جهة الحدوث فقط،
~~وأما جهة البقاء فهي إما دالة على عدم اعتبار الفعلية فيها أو ساكتة عن
~~التعرض لها نفيا وإثباتا، فعلى كل من التقديرين يجب استصحاب النجاسة بعد
~~زوال التغير إلى أن يقوم رافع يقيني، وإن كان الاستصحاب على التقدير الأول
~~يراد به معنى وعلى التقدير الثاني معنى آخر وسيأتي بيان المعنيين مع الفرق
~~بينهما.
# ومما يفصح عما ذكرناه من أن المستفاد من الأخبار اعتبار الفعلية في جهة
~~الحدوث فقط ورود التعبير في الأخبار عن اعتبار التغير في النجاسة بصيغة
~~الفعل ماضيا ومستقبلا التي هي باعتبار الوضع اللغوي ظاهرة في الحدوث،
~~وسيلحقك زيادة بيان في ذلك.
# ومنها: الأمر بالنزح في البئر المتغير حتى يزول التغير الوارد في صحيحة
~~محمد بن بزيع (3) بناء على أن كلمة " حتى " للتعليل أو للانتهاء، مع
~~استظهار كون ما بعدها علة غائية نظير ما في قولك: " تفكر في ms553 العبارة حتى -
~~أو إلى - أن تفهمها ".
# وفيه أولا: منع كون كلمة " حتى " تعليلية لظهورها في الانتهاء، ولو سلم
~~فليس ذهاب الريح وطيب الطعم علة للطهر وإنما هو علة للنزح الذي اعتبره
~~الشارع لرفع المانع عن الطهر المقارن للطهر الحاصل بتجدد الماء من المادة،
~~فالمطهر هو الماء المتجدد دون زوال التغير، لكون وجود التغير مانعا عن حصول
~~الطهر.
# PageV01P602
# وثانيا: منع دخولها على العلة الغائية على تقدير كونها انتهائية، لما
~~تبين من أن الغاية المقصودة من النزح طهر البئر بتجدد الماء من المادة،
~~وذهاب الريح مع طيب الطعم مقصود بالتبع دفعا للمانع.
# ولو سلم كونه مقصودا بالأصالة فإنما يقصد إحرازا لرفع المانع لا لأن
~~المقصود إحراز المقتضي للطهارة ولا يكون إلا زوال التغير.
# ولو سلم أن إحراز المقتضي أيضا مقصود بالأصالة فالمقتضي ليس إلا الماء
~~المتجدد من المادة المقارن تجدده لزوال التغير فكلاهما مقصودان بالأصالة،
~~إلا أن تجدد الماء مقصود لإحراز المقتضي وزوال التغير مقصود لإحراز رفع
~~المانع.
# ولو سلم أن عدم المانع له مدخلية في ترتب الأثر فغايته كونه جزءا للعلة
~~لا أنه علة تامة، فالجزء الآخر هو تجدد الماء.
# ولو سلم عدم الدلالة على مدخلية تجدد الماء فلا نسلم الدلالة على نفي
~~المدخلية أيضا، ولازم ذلك قيام الاحتمال المتساوي ومعه يكون المقام من
~~مجاري الاستصحاب الذي لا قاطع له سوى تجدد الماء، فكون زوال التغير علة
~~غائية لا يستلزم كونه هو المطهر، فالاستدلال بالصحيحة على طهر الماء بمجرد
~~زوال التغير غير متجه، سواء جعل كلمة " حتى " تعليلية، أو انتهائية داخلة
~~على العلة الغائية أو لا.
# حجة القول المشهور امور:
# أحدها: ما اعتمد عليه المحقق الخوانساري فأنه قال - معرضا عن الوجوه
~~الثلاث الآتية -: " والأولى أن يتمسك بالروايات الدالة على النجاسة
~~بالتغير، لأن فيها النهي عن الوضوء والشرب من هذا الماء، والنهي للدوام
~~والتكرار خرج ما بعد التطهير بالإلقاء ونحوه مما فيه إجماع أو دليل آخر
~~بالدليل فيبقى الباقي " (1)، وهذا كما ترى بمكان من الوهن، ضرورة أن النهي
~~هنا تابع للنجاسة لكونه ms554 ناشئا منها فدوامه موقوف على بقائها بعد زوال
~~التغير، فالتمسك بدوامه على بقائها لا يخلو عن نوع مصادرة، ولك أن تقول:
# بكونه مؤديا إلى الدور كما يعرف بأدنى تأمل، ومن هنا يعلم أن دعوى دوام
~~النهي هنا إن لم تكن عن علم ببقاء النجاسة لابد لها من وسط، فمع وجوده لغى
~~توسيط دوام
# PageV01P603
# النهي وبدونه بقي المطلب موقوفا، فالاستدلال بالأخبار إن كان ولابد منه
~~فلابد وأن يقرر بطريق آخر سنشير إليه.
# وثانيها: ما اعتمد عليه العلامة في المنتهى (1) من " أن النجاسة حكم
~~شرعي، فيتوقف زواله على حكم آخر " وهذا أيضا لا يخلو عن نوع ضعف؛ إذ كل من
~~المقدمتين مسلمة لا إشكال فيها غير أن الحكم بزوال النجاسة يكفي فيه زوال
~~علة الحدوث، ومع قيام شبهة العلية في التغير المقطوع زواله لا يمكن العلم
~~بعدم زوال العلة، فالعمدة في المقام نفي العلية عن التغير لا الاقتصار على
~~ما لا يجدي شيئا من ثبوت المطلوب ودفع كلام الخصم.
# وثالثها: ما اعتمد عليه في الكتاب المذكور أيضا من أن " النجاسة تثبت
~~بوارد، فلا تزول إلا بوارد، بخلاف نجاسة الخمر، فإنها تثبت بغير وارد فتطهر
~~بغير وارد " (2)، وهذا أضعف من سابقه.
# ورابعها: ما اعتمد عليه غير واحد من فحول أصحابنا منهم العلامة في الكتاب
~~المذكور (3) من أنه كان نجسا قبل الزوال فيستصحب الحكم بعده أيضا، وهذا هو
~~الذي لا محيص عنه في المقام، ومحصله يرجع إلى التمسك بالاستصحاب وإن
~~اختلفوا في المعنى المراد به هنا، حيث إن ظاهر الأكثرين وصريح بعضهم أن
~~المراد به معناه المعهود الذي يعد عندهم من أدلة الأحكام الظاهرية واختلف
~~في حجيته، خلافا لصريح بعضهم في عده هنا من العمل بعموم الدليل وإطلاقه كما
~~نقله صاحب الحدائق عن بعض من استدل بالوجه المذكور، حيث أنه بعد ما فرغ عن
~~تقرير الاستدلال قال: " وليس الاستصحاب هنا من قبيل الاستصحاب المتنازع
~~فيه، بل مرجعه إلى العمل بعموم الدليل " (4).
# والظاهر أن الاستصحاب بهذا المعنى هو الذي يعبر عنه في العمل بالأدلة
~~اللفظية ms555 بأصالة العموم، أو الإطلاق، وأصالة عدم التخصيص، أو عدم التقييد،
~~ومن المصرح به في كلامهم أن الاستصحاب عندهم يطلق على هذا المعنى.
# قال في مقدمات الحدائق: " واعلم أنهم صرحوا بأن الاستصحاب يقع على أقسام
~~أربعة:
# أحدها: نفي الحكم الشرعي وبراءة الذمة منه إلى أن يظهر دليله وهو المعبر
~~عنه بالبراءة الأصلية.
# PageV01P604
# وثانيها: استصحاب حكم العموم إلى أن يقوم المخصص وحكم النسخ إلى أن يرد
~~الناسخ.
# وثالثها: استصحاب إطلاق النص إلى أن يثبت القيد.
# ورابعها: استصحاب حكم شرعي في موضع طرأت فيه حالة لم يعلم شمول الحكم
~~لها، بمعنى أنه يثبت في وقت ثم يجيء وقت آخر لا يقوم دليل على انتفاء ذلك
~~الحكم فيه فيحكم ببقائه على ما كان استصحابا لتلك الحالة الاولى.
# إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا خلاف ولا إشكال في حجيته بالمعنى الثاني
~~والثالث، لأن مرجعهما إلى الاستدلال بعموم النص وإطلاقه وإنما الإشكال
~~والخلاف في معنى البراءة الأصلية وقد تقدم وفي المعنى الرابع " (1) انتهى.
# وقال في الكتاب المذكور بعد الفراغ عن نقل الاستدلال بالاستصحاب مع
~~العبارة المصرحة " بأن ليس الاستصحاب هنا من قبيل الاستصحاب المتنازع فيه "
~~في شرح هذا الكلام وتوضيحه: " وتحقيق القول في الاستصحاب وجملة أقسامه قد
~~تقدم في المقدمة الثالثة.
# فظاهر كلام المستدل هنا أن الاستصحاب المذكور من قبيل القسم الثالث
~~المذكور هناك الذي هو عبارة عن إطلاق النص، دون القسم الرابع الذي هو محل
~~للنزاع ". - إلى أن قال -: " وتحقيق القول في ذلك أن يقال: إذا تعلق حكم
~~بذات لأجل صفة - كالماء المتغير بالنجاسة، والماء المسخن بالشمس، والحائض
~~أي ذات دم الحيض - فهل يحكم بمجرد زوال التغير وزوال السخونة وانقطاع الدم
~~بخلاف الأحكام السابقة، أو يحكم بإجراء الأحكام السابقة إلى ظهور نص جديد؟
~~فيه إشكال ينشأ من أن الحكم في هذه النصوص الواردة في هذه الأفراد المعدودة
~~ونحوها محتمل القصر على زمان وجود الوصف، بناء على أن التعليق على الوصف
~~مشعر بالعلية، وأن المحكوم عليه هو العنوان لا الفرد وقد انتفى، وبانتفائه
~~ينتفي الحكم، ومحتمل ms556 للإطلاق بناء على أن المحكوم عليه إنما هو الفرد لا
~~العنوان، والعنوان إنما جعل آلة لملاحظة الفرد، فمورد الحكم حقيقة هو
~~الفرد.
# فعلى الاحتمال الأول يكون من القسم الرابع، وإن تغير الماء بالنجاسة نظير
~~فقد PageV01P605
# الماء في مسألة المتيمم الداخل في الصلاة ثم يجد الماء، فكما أن وجود
~~الماء هناك حالة [اخرى] مغايرة للأولى؛ فتعلق النص بالاولى لا يوجب
~~استصحابه في الثانية لمكان المخالفة فكذا هنا زوال الوصف حالة ثانية مغايرة
~~للأولى لا يتناولها النص المتعلق بالاولى.
# وعلى الاحتمال الثاني يكون من قبيل القسم الثالث " (1) انتهى.
# ومحصل كلامه رفع مقامه: أن كون الاستصحاب هنا مرادا به المعنى المعروف
~~المتنازع فيه أو المعنى الآخر المعبر عنه بإطلاق الدليل مبني على كون حكم
~~النجاسة بالتغير متعلقا بالعنوان دون الفرد، أو بالفرد دون العنوان، لكن
~~فيه فساد المبنى في وجه وفساد الابتناء في وجه آخر؛ وذلك لأن العنوان
~~والفرد إن اريد بهما معناهما الظاهر المتعارف وهو المفهوم الكلي في الأول
~~والفرد الخارجي المنطبق عليه في الثاني.
# ففيه: فساد المبنى، لأن الفرد لا يتخلف عن عنوان ولا يخالفه وإلا لا يكون
~~فردا له، فكل ما اعتبر في العنوان من القيود والصفات لابد من اعتباره في
~~الفرد المطابق له إحرازا لقضية الانطباق، فإذا فرض أن منشأ فقد الإطلاق في
~~دليل الحكم كون موضوعه مأخوذا فيه وصف مشعر بالعلية فلا يفترق الحال فيه
~~بين القول بتعلقه بأصل العنوان مع قطع النظر عن أفراده الموجودة في الخارج
~~وبين القول بتعلقه بالفرد المنطبق عليه، لقيام الموجب في كل منهما، فلا
~~يحصل في دليل الحكم على التقدير الثاني إطلاق أيضا بالقياس إلى حالتي وجود
~~الوصف وزواله ليتمسك به عند طرو حالة الزوال، وإلا لزم كون الفرد المنطبق
~~على العنوان أعم من العنوان وهو محال.
# هذا مع أن المحقق أن الأحكام كائنة ما كانت إنما تتعلق بالعناوين دون
~~الأفراد المنطبقة عليها، والفرد لا مدخل له في متعلق الحكم إلا باعتبار
~~الوجود الخارجي من حيث إن وجوده في الخارج يتضمن وجود ms557 العنوان، ومن هنا
~~يظهر فساد ما لو قرر الاستصحاب بالمعنى المعروف - فرارا عن شبهة ارتفاع
~~الموضوع المتقدم إلى رفعها الإشارة - بأن: هذا الماء الموجود في الخارج
~~المشار إليه بالإشارة الحسية كان نجسا قبل زوال التغير فيحكم عليه بالنجاسة
~~أيضا بعده استصحابا للحالة السابقة في موضوع
# PageV01P606
# نقطع ببقائه وهو هذا الماء، فإن ذلك من أبده المفاسد.
# ضرورة أن الحكم الشرعي الأصلي لم يكن متعلقا بهذا الفرد من حيث أنه هذا
~~الفرد، ولا باعتبار عنوان صادق عليه حين زوال التغير، بل باعتبار عنوان
~~التغير الذي لم يكن باقيا فيه جزما ومعه لا يعقل الاستصحاب، فعلى القول
~~بمدخلية الوصف في موضوع الحكم لا يمكن له البقاء بعد زوال ذلك الوصف.
# وإن اريد بهما الذات الموصوفة والذات المجردة عن الوصف، بمعنى تعلق الحكم
~~على الأول بالماء بوصف أنه متغير على أن يكون وصف التغير جزء للموضوع؛
~~وتعلقه على الثاني بالذات المعراة عن ذلك الوصف وبالماهية لا بشرط هذا
~~الوصف، ولا ينافي ورود اعتباره في الأدلة معه لأنه معتبر معه من باب
~~المرآتية لا الموضوعية على معنى كونه علامة لمعرفة موضوع الحكم وهو الذي
~~يطرأه ذلك الوصف، فإذا عرفناه بذلك الوصف نحكم عليه بهذا الحكم إلى أن يظهر
~~له رافع سواء بقي فيه الوصف أم لا.
# ففيه: فساد الابتناء لعدم انحصار وجه المسألة في الاحتمالين المذكورين،
~~بل هاهنا احتمال ثالث يجري معه الشبهة والإشكال، وهو أن الوصف ليس بداخل في
~~الموضوع ولا أنه معتبر لمجرد العلامية، وإنما هو علة للحكم مؤثر في حدوثه
~~كما هو الحق الذي لا محيص عنه.
# وتوضيح ذلك - كما أشرنا إليه سابقا -: أن موضوع النجاسة هنا هو الماء
~~الملاقي للنجاسة المغيرة، على أن يكون كل من الملاقاة والتغير جزء للعلة
~~والمجموع منهما علة تامة لا جزء للموضوع، فلا يكفي مجرد الملاقاة ولا
~~التغير بدون الملاقاة كما سبق تحقيقه في مسألة أن التغير الحاصل بمجاورة
~~النجاسة لا يوجب نجاسة الماء؛ والوجه في عدم كون التغير جزء للموضوع ورود
~~اعتباره في أخبار الباب ms558 بعبارة القضية الشرطية المفيدة للسببية كما لا يخفى
~~على المتتبع، وقد حصلت هاهنا شبهتان:
# إحداهما: ما نشأ منها الخلاف في أن زوال التغير بنفسه هل يوجب زوال
~~النجاسة عن الماء أو لا؟
# واخراهما: ما نشأ منها الخلاف بين القائلين بعدم طهر الماء بمجرد زوال
~~التغير في أن ثبوت النجاسة في الحالة الثانية هل هو من مقتضى الخطاب الأول
~~أو من مقتضى PageV01P607
# الاستصحاب بالمعنى المعروف؟
# ومرجع الشبهة الاولى إلى أن المستفاد من أدلة التغير هل هو علية حدوث
~~التغير فقط أو علية حدوثه وبقائه معا، كما أن مرجع الشبهة الثانية إلى أن
~~الأدلة الدالة على علية حدوث التغير فقط هل هي بالقياس إلى ما بعد التغير
~~دالة على ثبوت الحكم أيضا إلى أن يقوم له رافع يقيني فيكون المقام من مجاري
~~استصحاب حكم الإطلاق المتفق على حجيته، أو ساكتة عنه نفيا وإثباتا، فيكون
~~المقام من مجاري الاستصحاب بالمعنى المعروف المختلف في حجيته؟
# ونحن قد تخلصنا عن الشبهة الاولى بدعوى ظهور الأخبار الواردة في الباب في
~~علية الحدوث فقط من غير تعرض فيها لجهة البقاء، وإن شئت لاحظ ما في النبوي
~~من قوله: " إلا ما غير لونه " (1) أي أحدث فيه تغير اللون، وما في خبري
~~دعائم الإسلام من قوله: " ما لم يتغير أوصافه " (2) كما في أولهما، أي ما
~~لم يحدث فيه تغير الأوصاف.
# وقوله: " فإن كان قد تغير لذلك طعمه " (3) كما في ثانيهما، أي حدث فيه
~~تغير الطعم.
# وما في المروي عن الفقه الرضوي من قوله: " إلا أن يكون فيه الجيف فتغير
~~لونه " (4) أي حدث به تغير اللون.
# وما في المرسل المروي في المختلف من قوله: " إذا غلبت رائحته على طعم
~~الماء أو لونه فأرقه، وإن لم يغلب عليه فاشرب منه " (5) أي حدث فيه غلبة
~~الرائحة ولم يحدث الغلبة، وما في خبر بصائر الدرجات من قوله: " إلا أن يغلب
~~الماء الريح فينتن " (6) أي يحدث غلبة الريح على الماء فيحدث من جهة النتن
~~في الماء.
# وعلى هذا القياس ما في خبر العلاء من ms559 قوله: " لا بأس إذا غلب لون الماء
~~لون البول " (7)، وخبر أبي خالد القماط من قوله: " إن كان الماء قد تغير
~~ريحه " (8)، وخبر
# PageV01P608
# حريز من قوله: " فإذا تغير الماء أو تغير الطعم " (1)، وخبر محمد بن
~~إسماعيل بن بزيع من قوله: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه
~~" (2)، وخبر زرارة من قوله: " إلا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء "
~~(3)، وخبر عبد الله بن سنان من قوله: " إذا كان الماء قاهرا ولم يوجد فيه
~~الريح فتوضأ " (4)، وخبر معاوية بن عمار من قوله: " لا تعاد الصلاة مما وقع
~~في البئر إلا أن ينتن، فإن أنتن غسل الثوب " (5)، وخبر أبي بصير من قوله
~~(عليه السلام): " إن تغير [الماء] فلا تتوضأ منه وإن لم تغيره أبوالها
~~فتوضأ منه " (6)، والخبر الآخر لمحمد بن إسماعيل من قوله: " لا يفسده شئ
~~إلا أن يتغير " (7)، وخبر محمد بن القاسم من قوله: " ما لم يتغير " (8)،
~~وهذه كما ترى كلها ظاهرة في علية الحدوث من غير دلالة فيها على إناطة بقاء
~~النجاسة على بقاء التغير على وجه يكون مفادها نفي الحكم مع انتفاء التغير
~~مطلقا.
# نعم، في جملة من أخبار الباب ما يوهم ذلك كما في ذيل خبر البصائر المتقدم
~~ذكره من قوله (عليه السلام): " وجئت تسأل عن الماء الراكد فإن لم تكن فيه
~~تغير وريح غالبة فتوضأ منه " (9)، وخبر سماعة من قوله (عليه السلام): " إن
~~كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضأ ولا يشرب " (10)، والمرسل الآخر في
~~مختلف العلامة من قوله: " إن كان ما فيه من النجاسة غالبا على الماء فلا
~~تتوضأ منه، وإن كان الماء غالبا على النجاسة فتوضأ منه واغتسل " (11)،
~~بملاحظة أن لفظة " كان " من أفعال الناقصة لتقرير الصفة، فتدل على أن
~~العبرة في النجاسة وعدمها بثبوت التغير والغلبة وعدمهما.
# ولا ينبغي لأحد توهم عدم الفرق بين التركيبين في المعنى لأنه من ضروريات
~~الوجدان، كما يفصح عنه ملاحظة قولنا: " إن قام زيد فأكرمه "، وقولنا: " إن
~~كان زيد
# PageV01P609
# قائما فأكرمه "؛ لظهور الثاني في اعتبار فعلية ms560 التلبس حدوثا وبقاء بخلاف
~~الأول.
# ولكن يمكن رفعه بأن الثبوت في جانب المنطوق وإن كان أعم من التلبس
~~المسبوق بالوجود وهو العدم الابتدائي، وأما عدم التلبس المسبوق بالوجود
~~الذي هو من قبيل محل البحث فخارج عن مدلول اللفظ منطوقا ومفهوما، فلا دلالة
~~في هذه الجملة من الأخبار أيضا على زوال النجاسة بمجرد زوال التغير.
# وأما الشبهة الثانية: فإنما نتفصى عنها بالتزام دخول محل البحث في مناطيق
~~المتقدم إليها الإشارة، فتكون النجاسة في الماء المتغير بعد زوال تغيره
~~ثابتة بإطلاق الدليل إلا في وجه ضعيف نشير إليه، ضرورة أن الأخبار الدالة
~~على علية حدوث التغير مطلقة بالقياس إلى حالتي بقاء التغير وزواله، وكما أن
~~قولك: " إن قام زيد فأكرمه " يدل في متفاهم العرف على وجوب الإكرام بمجرد
~~حدوث التلبس بالقيام وبقاء ذلك الواجب على الذمة إلى أن يحصل أداؤه في
~~الخارج ولو بعد زوال التلبس، ولا ينافي ذلك مفهوم الشرطية وهو عدم وجوب
~~الإكرام عند انتفاء التلبس رأسا، فكذلك أخبار الباب في دلالتها على علية
~~حدوث التغير للنجاسة، فإنها أيضا بإطلاقها تنفي شرطية البقاء وتدل على بقاء
~~النجاسة إلى أن يحصل رافعها ولو بعد زوال التغير، فمن أنكر ذلك فقد كابر
~~وجدانه.
# نعم، يشكل الحال بالقياس إلى جملة من تلك الأخبار المتقدم إليها الإشارة
~~أيضا، لما عرفت فيها من أن عدم التلبس المسبوق بالتلبس غير داخل فيها
~~منطوقا ولا مفهوما، وليس ذلك إلا من جهة أنه لا إطلاق فيها منطوقا بالقياس
~~إلى حالتي بقاء التلبس وزواله، لكن قد عرفت أنها باعتبار المفهوم ظاهرة في
~~نفي النجاسة عند انتفاء التغير رأسا من غير تعرض فيها مفهوما لحكم زوال
~~التغير، فإن تم ذلك الظهور سهل الذب عن هذا الإشكال، ضرورة أن هذا الظهور
~~لاختصاصه بانتفاء التغير رأسا مما يحرز به بالقياس إلى زوال التغير بعد
~~حدوثه موضوع الاستصحاب بالمعنى المعروف، ولما كان الاستصحاب بهذا المعنى
~~مما لا يعارض الدليل فيكون إطلاق المنطوق في الأخبار الاخر واردا عليه
~~رافعا لموضوعه.
# وعليه يكون مدرك النجاسة ms561 هو الاستصحاب بالمعنى الثالث مما تقدم وهو العمل
~~بإطلاق النص؛ وإلا وقع التعارض بين مفهوم هذه الجملة من الأخبار ومنطوق
~~الأخبار PageV01P610
# الاخر على طريق تعارض العامين من وجه؛ حيث إن المنطوق بإطلاقه يقضي
~~بنجاسة ما حدث فيه التغير سواء بقي على حاله أو لم يبق، والمفهوم بإطلاقه
~~يقضي بطهارة ما انتفى عنه التغير سواء حدث فيه أولا أو لم يحدث أصلا، فلابد
~~حينئذ إما من الترجيح بتقديم العمل بالمنطوق أخذا بالكثرة وقوة الدلالة
~~ونحوها، فيكون العمل أيضا بالاستصحاب بالمعنى الثالث، أو القول بالتساقط،
~~فيندرج المقام حينئذ في موضوع الاستصحاب بالمعنى المعروف؛ وعليه يتعين
~~العمل بهذا المعنى من الاستصحاب.
# فنتيجة الكلام: أن النظر في أخبار التغير يقضي بنجاسة المتغير الذي زال
~~تغيره إما للاستصحاب بمعنى العمل بإطلاق النص كما في وجه قوي؛ أو للاستصحاب
~~بالمعنى المعروف كما في وجه ضعيف.
# وبالتأمل في جميع ما قررناه ينقدح أن جريان الاستصحاب بهذا المعنى لا
~~يتوقف على القول بعدم حجية مفهوم الوصف.
# فما يقال - في دفع مقالة من فسر الاستصحاب هنا بالعمل بعموم الدليل - من:
~~أن الظاهر من الأدلة أن القضية دائمة عرفية ما دام الوصف، يعني كل ماء
~~متغير نجس ما دام متغيرا فلا تفيد العموم المذكور، فانحصر الدليل حينئذ في
~~الاستصحاب الممنوع عنده؛ وتقريره حينئذ: أن القضية المذكورة وإن كانت دائمة
~~ما دام الوصف في صورة الإثبات إلا أنها لا تدل على نفي الحكم عند نفيه كما
~~هو المحقق في مفهوم الوصف، فيبقى الحكم في ثاني الحال مشكوكا فيه فيتمسك
~~لثبوته بالاستصحاب حتى يحصل الرافع اليقيني.
# ففيه أولا: أن القضية بالعبارة المذكورة غير موجودة في شئ من أخبار
~~الباب، وإنما هي شئ يجري في لسان الفقهاء انتزعوه عن الأخبار فلا يصلح
~~ميزانا لحكم الشرع الذي يختلف باختلاف مؤدى العبارات الصادرة من الشارع،
~~والموجود في خطاباته هنا إنما هو إعطاء الحكم بعبارة القضية الشرطية كما
~~عرفت، ومفهوم الشرط حجة مضافا إلى ذكر المفهوم في كثير من الأخبار صريحا
~~كما لا يخفى.
# وثانيا: أن ms562 ثبوت المفهوم هنا فيما له مفهوم لا ينافي جريان الاستصحاب
~~بهذا المعنى، لما عرفت من أن أقصى ما فيه الدلالة على نفي الحكم على تقدير
~~انتفاء PageV01P611
# حدوث التغير، وأما انتفاء بقائه بعد الحدوث فالمفهوم أيضا ساكت عن حكمه
~~إلا في وجه ضعيف تقدم الإشارة إليه.
# والظاهر أن طهره بإلقاء كر عليه، أو إجراء جار آخر إليه، أو نزول الغيث
~~عليه، مع مراعاة سائر الشروط المتقدمة - التي منها زوال التغير في الجميع،
~~والدفعة في الأول والممازجة فيه وفي الباقيين أيضا -، مما لا إشكال فيه ولا
~~شبهة تعتريه، لأن مناط الطهر بهذه الامور على التفصيل المتقدم واحد يجري في
~~الجميع، وليس في عدم تعرض الفقهاء إلا لبيان ما سيأتي من العنوان دلالة على
~~خلاف ما ذكرناه لأن إثبات الشئ لا ينفي ما عداه، ووجه الاقتصار عليه التعرض
~~لذكر ما لا يجري في غير الجاري.
# ومن هنا ترى جماعة من فحول الأصحاب أنهم بالنسبة إلى العنوان الآتي فرعوا
~~على القول باشتراط الكرية في عدم انفعال الجاري أن من لوازمه أن لا يطهر
~~ذلك الماء إلا بمطهر خارجي وإن كان عينا عظيما ما لم يكن الخارج من المنبع
~~في كل نبع كرا فما زاد.
# وكيف كان فقد ذكروا أنه " يطهر بكثرة الماء الطاهر عليه - متدافعا حتى
~~يزول التغير " كما في الشرائع (1) " أو إنما يطهر بإكثار الماء المتدافع
~~حتى يزول التغير " كما في المنتهى (2)؛ " أو طهره بتدافعه حتى يزول التغير
~~" كما في الدروس (3)؛ والتصريح " بتدافع الماء من المادة وتكاثره " محكي
~~أيضا عن المبسوط (4) والسرائر (5) والوسيلة (6) والمعتبر (7) والتذكرة (8)،
~~وكونه مع زوال التغير في الجملة مطهرا مما لا خلاف فيه أيضا.
# المسألة الثانية: في تطهير الجاري.
# نعم ربما يتوهم الإشكال في أمرين:
# أحدهما: طهره بمجرد زوال التغير، وقد صرح غير واحد من أصحابنا المتأخرين
# PageV01P612
# - تبعا لصاحب المدارك - (1) أن اعتبار التدافع حتى يزول التغير إنما هو
~~على رأي من يعتبر الممازجة كالمحقق وغيره؛ وأما من يكتفي بالاتصال فالظاهر
~~على رأيه كفاية زوال التغير وإن لم يحصل التدافع.
# وهو ms563 كما ترى فإن العلامة في المنتهى (2) - على ما عرفت - ممن يكتفي
~~بالاتصال وهو مصرح هنا بالتدافع كما عرفت.
# وقال في موضع آخر قبل ذلك: " لو كان الحوض الصغير من الحمام إذا نجس لم
~~يطهر بإجراء المادة إليه ما لم يغلب عليه بحيث يستولي عليه، لأن الصادق
~~(عليه السلام) حكم بأنه بمنزلة الجاري، ولو نجس الجاري لم يطهر إلا
~~باستيلاء الماء عليه بحيث يزيل انفعاله " (3).
# ومن هنا علم أنه ليس لأحد أن يحمل ورود التدافع في كلامه وكلام غيره ممن
~~تقدم على إرادة كونه أسهل أسباب زوال التغير وأغلبها في الجاري؛ على معنى
~~أن ذكره ليس من جهة أنه معتبر في التطهير؛ بل من جهة أنه مقدمة لإحراز زوال
~~التغير الذي هو مانع عن الطهر، بل الظاهر أنه لا خلاف في اعتبار التدافع
~~إلا ما يوهمه عبارة اللمعة (4) كما عن الجعفرية أيضا من: " أنه يطهر بزوال
~~التغير " (5).
# ويمكن الذب عنه: بدعوى ابتناء الاكتفاء بمجرد زوال التغير في مثل هذه
~~العبارة على فرض كون اعتبار التدافع مفروغا عنه ومما لابد منه، والسر في
~~عدم التصريح به - مع أن الطهر بناء على اشتراطه بالتدافع لا يتأتى إلا بعد
~~إحراز مقتضيه وفقد مانعه - أن العمدة في المقام المحتاج إلى التنبيه عليه
~~والتصريح به إنما هو اعتبار زوال التغير الذي هو مانع إحرازا لفقد المانع،
~~وأما المقتضي فهو دائم الوجود، إذ الجاري لا يكون إلا بتدافع أجزائه من
~~المادة بعضها بعضا كما لا يخفى، فكلما يحرز زوال التغير فالتدافع من المادة
~~موجود معه مقارن له.
# ومن هنا ظهر: أن التعرض لهذا البحث - كما في كلام جمع كثير من متأخري
~~المتأخرين - ليس فيه كثير فائدة؛ وعلى فرض جواز الانفكاك بينهما فليس في
~~عدم اكتفاء العلامة ونحوه بالاتصال بالمادة هنا منافاة لاكتفائه بالاتصال
~~في الغديرين
# PageV01P613
# المتواصلين، لوضوح الفرق بين المقامين بصيرورة المائين في الغديرين عنده
~~ماء واحدا بالاتصال في نظر العرف دون ما يتصل من الجاري بالمادة، لأنها ما
~~لم يبرز منها شئ في الخارج لا تعد ms564 في نظر العرف من الماء المتحد مع ما برز
~~في الخارج، والحاصل: أن الوحدة التي هي مناط التطهير في المياه الحاصلة في
~~نظره بمجرد الاتصال غير محرزة هنا، ومن هنا ظهر بطلان توهم التلازم بين
~~الاكتفاء بالاتصال وعدم اشتراط التدافع رأسا.
# وأما ما قيل في وجه التفرقة بين المسألتين: من أن الاتصال الذي يكتفى به
~~في التطهير هو الحاصل بطريق العلو أو المساواة وليس بمتحقق هنا، لأن المادة
~~باعتبار خروجها من الأرض لا تكون إلا أسفل منه.
# ففيه: مع أنه لا يتم إلا في بعض الصور، بل الغالب في مواد المياه الجارية
~~ارتفاعها بالقياس إلى ما يجري منها على الأرض، أنه لا يلائم ما عرفت عن
~~العلامة القائل بكفاية الاتصال، وغيره من التصريح في مسألة تطهير القليل
~~بما يقضي بعدم الفرق بين الأحوال الثلاث، فراجع وتبصر.
# وثانيهما: اعتبار الكرية وعدمه في المطهر هنا، فإن إطلاق أكثر العباير
~~يقضي بعدم اعتبارها، وهو صريح كل من وقفنا على كلامه من متأخري المتأخرين،
~~بل هو لازم ما يراه المعظم من عدم انفعال قليل الجاري بمجرد الملاقاة، وليس
~~في تعبير المحقق في الشرائع (1) ب " كثرة الماء الطاهر " - على ما تقدم -
~~منافاة لذلك كما سبق إلى بعض الأوهام، إذ ليس المراد بالكثرة هنا ما يقابل
~~القلة بالمعنى المصطلح عليه، بل المراد بها كثرة التدافع، فهي في المعنى
~~قيد للتدافع وإن قدمت عليه لفظا، فهذا التعبير نظير تعبيرهم في تطهير
~~الكثير المتغير بإلقاء كر فما زاد أو فصاعدا عليه حتى يزول التغير، فكما أن
~~الزيادة هنا أمر زائد على الكرية معتبر معها حيث يتوقف عليها زوال التغير
~~لا مطلقا، فكذلك الكثرة في المقام أمر زائد على أصل التدافع، فاعتبارها
~~إنما هو حيث يتوقف عليها زوال التغير، وإلا فالمطهر هو خروج الماء الجديد
~~من المادة ولو في آن واحد بشرط تحقق زوال التغير في هذا الآن مع مراعاة شرط
~~الممازجة أيضا حسبما تقدم.
# نعم، ربما يستشكل في ذلك بالنظر إلى مذهب العلامة لقوله في عدم انفعال
~~الجاري ms565
# PageV01P614
# باشتراط الكرية (1)، ومن هنا نشأ توهم المدافعة بين مذهبه هذا واحتجاجه
~~في المنتهى - على ما تقدم - عنه من القضية بأن: " الحكم تابع للوصف فيزول
~~بزواله، ولأن الطارئ لا يقبل النجاسة لجريانه والمتغير مستهلك " (2)، وهو
~~في محله ظاهرا وإن نقل عن كاشف اللثام ما يدفعه في زعمه من " أن ذلك مبني
~~على اعتبار الدفعة في إلقاء الكر المطهر، وقد عرفت أن معناها الاتصال وهو
~~متحقق في النابع، وأما منبع الأنهار الكبار الذي ينبع الكر أو أزيد منه
~~دفعة فلا إشكال فيه.
# نعم ينبغي التربص في العيون [الصغار] وفيما لا ينبع الكر فصاعدا [متصلا]،
~~إذ ربما ينقطع في البين فينكشف عدم اتصال الكر " (3) إلى آخره، فإن ذلك -
~~مع ما فيه من الحزازات التي يظهر بعد التأمل - توجيه لما ذكر بما لا يرضى
~~به صاحبه، كيف وقد عرفت عن العلامة التصريح بما يقضي بعدم كفاية مجرد
~~الاتصال هنا.
# وعلى أي حال كان فدليل طهر الماء بما عرفت من التدافع المزيل للتغير
~~المحصل للممازجة هو ما تقدم من الملازمة المجمع عليها.
# وقد يستدل عليه بمرسلة الكاهلي: " ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا
~~" (4) وقد سمعت منع ذلك غير مرة، وبصحيحة محمد بن بزيع " ماء البئر واسع لا
~~يفسده شئ إلا ما غير طعمه أو ريحه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب الطعم، لأن
~~له مادة " (5) بناء على حجية العلة المنصوصة القاضية هنا بتعدي الحكم إلى
~~كل ذي مادة، وإنما يستقيم ذلك لو لم يكن العلة راجعة إلى زوال التغير
~~المقصود بها بيان الملازمة بينه وبين النزح وقد تقدم منعه.
# المرحلة الثالثة: (6) في تطهير البئر، وهو على المختار من عدم انفعاله
~~بمجرد الملاقاة مما لا يحتاج إليه إلا في صورة التغير، فطهرها حينئذ بنزحها
~~إلى أن يزول
# PageV01P615
# التغير بتجدد الماء من المادة، فيعتبر فيه النزح ثم تجدد الماء ثم زوال
~~التغير، فلا يكفي الأول بدون الأخيرين، ولا الأوسط بدون الطرفين، ولا
~~الأخير بدون الأولين، خلافا لما حكي من القول بكفاية زوال التغير بالنزح
~~وإن لم يتجدد ms566 الماء تعويلا على إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع
~~" فينزح حتى يذهب اللون ويطيب الطعم " (1)، والمحكي الآخر من القول بعدم
~~اعتبار النزح وكفاية زوال التغير لاتصاله بماء المادة، بناء على أن علة
~~النزح في الصحيحة زوال تغيره فهو المقصود دونه، وذكره في الصحيحة لكونه
~~مقدمة له في الغالب.
# لنا: الصحيحة المذكورة المذيلة بقوله: " لأن له مادة " (2) بناء على
~~رجوعه علة للملازمة بين النزح وزوال التغير كما هو الظاهر، لا لأن المطهر
~~هو زوال التغير مستقلا، بل لأنه الماء المتجدد أو هو وزوال التغير معا.
# ولا ينافيه عدم التصريح به في العبارة، لأن تعليل زوال التغير بوجود
~~المادة نظرا إلى انتفاء الملازمة بينهما لا يظهر له أثر بدون التجدد فهو
~~مذكور بحكم تلك الملازمة، ويمكن اعتبار كونه مذكورا بحكم ملازمة النزح
~~لزوال التغير مع ملاحظة أن النزح بنفسه لا يؤثر في الزوال وإن بلغ إلى
~~إخراج الكل.
# وقد يستند في ذلك إلى الغلبة نظرا إلى أن الغالب في زوال التغير بالنزح
~~تحققه بالتجدد لا مطلقا.
# وبكل من هذه التقادير يندفع أول القولين المذكورين ومستنده، وأما ثانيهما
~~فضعفه مع مستنده يظهر بملاحظة ظهور كلمة " حتى " في الانتهاء.
# نعم، ربما يشكل إثبات الدلالة على مدخلية تجدد الماء في حصول الطهر وإن
~~سلمنا الدلالة على اعتبار وجوده، لجواز كون اعتباره من جهة أنه مقدمة
~~دائمية أو غالبية لزوال التغير بالنزح.
# ولكن يمكن دفعه: بأنه كما لا يدل على المدخلية على نحو يوجب الاطمئنان
~~فكذلك لا يدل على المقدمية بهذا العنوان، فيبقى احتمال المدخلية مقتضيا
~~لجريان الاستصحاب وفيه الكفاية حتى بالقياس إلى اعتبار النزح وإن فرضنا عدم
~~ورود النص
# PageV01P616
# به؛ وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في بحث زوال التغير بنفسه عن الكر
~~المتغير.
# وفي معنى الصحيحة المذكورة صحيحة أبي اسامة الشحام الواردة في التهذيبين
~~عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الفأرة والسنور والدجاجة والكلب والطير؟
~~قال: " فإذا لم يتفسخ أو يتغير طعم الماء فيكفيك خمس دلاء، وإن تغير الماء
~~فخذ منه ms567 حتى يذهب الريح " (1)، وموثقة سماعة الواردة فيهما عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام): عن الفأرة تقع في البئر أو الطير؟ قال:
# " إن أدرك قبل أن ينتن نزحت منها سبع دلاء - إلى أن قال -: وإن أنتن حتى
~~توجد ريح النتن في الماء نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء " (2).
# وصحيحة أبي بصير - المروية في الكافي - قال: سألت أبا عبد الله (عليه
~~السلام) عما يقع في الآبار؟، فقال: " أما الفأرة وأشباهها فتنزع منها سبع
~~دلاء إلا أن يتغير الماء فينزح حتى تطيب " (3).
# ورواية زرارة - المروية في التهذيبين وإن كانت غير نقية السند - قال: قلت
~~لأبي عبد الله (عليه السلام) بئر قطر فيها قطرة دم أو خمر؟ قال: " الدم
~~والخمر والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد، ينزح منه عشرون دلوا، فإن
~~غلبت الريح نزحت حتى تطيب " (4).
# وأما ما يتوهم من منافاة صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: سمعته يقول: " لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في
~~البئر إلا أن ينتن، فإن أنتن غسل الثوب، وأعاد الصلاة، ونزحت البئر " (5)
~~لتلك الأخبار حتى عن الشيخ الاستناد إليها على نزح الجميع.
# ففيه: منع واضح، ضرورة أن قوله: " نزحت البئر " قضية كما تحتمل تقييدها
~~بالجميع كذا تحتمل التقييد بالبعض الذي يزول معه التغير، ولا ريب أن الأول
~~ليس بأولى من الثاني، فهي في الحقيقة قضية مجملة تبينها الأخبار المذكورة
~~ومعه لا يعقل التعارض.
# نعم، في بعض الروايات كرواية منهال بن عمرو المروية في التهذيب، وصحيحة
# PageV01P617
# أبي خديجة المروية في الاستبصار ما ينافيها.
# ففي أولاهما: قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): العقرب تخرج من
~~البئر ميتة؟ قال:
# " استق عشرة دلاء " قال: فقلت: فغيرها من الجيف؟ فقال: " الجيف كلها سواء
~~إلا جيفة قد أجيفت [فإن كانت جيفة قد أجيفت] فاستق منها مائة دلو، فإن غلب
~~عليها الريح بعد مائة دلو فانزحها كلها " (1).
# وفي ثانيتهما: قال: سئل عن الفأرة تقع في البئر؟ قال: " إذا ماتت ولم
~~تنتن فأربعين دلوا، وإذا انتفخت ms568 فيه ونتنت نزح الماء كله " (2).
# لكن يدفعهما: مع عدم صلوح الاولى بجهالة المنهال لمعارضة ما سبق، أنهما
~~محمولان على ما لو توقف زوال التغير على نزح الجميع، كما يومئ إليه ما في
~~الرواية الاولى من قوله (عليه السلام): " فإن غلب عليها الريح بعد مائة دلو
~~" فإن التقييد ببعديته بالقياس إلى المقدر المذكور تقضي بأنه في الفرض تغير
~~لا يزول بنزح ما عدا الجميع، مع إمكان حملهما على الاستحباب كيف وأنا في
~~الرواية الثانية نحمل نزح الأربعين المقدر لغير صورة النتن بقرينة ما سبق
~~على الاستحباب فكيف بنزح الجميع المقدر لصورة النتن، مع احتمال كون المراد
~~بالبئر الواقع فيهما المصنع الذي لا مادة له ولا يزول تغيره إذا توقف على
~~النزح إلا بنزح الجميع.
# ومع الغض عن جميع ذلك فما تقدم من الأخبار تترجح عليهما لكثرتها وقوة
~~دلالتها لسلامتها عما يوهنها من الاحتمالات المذكورة الجارية فيهما دونها.
# هذا كله على القول المختار من عدم انفعال البئر بمجرد الملاقاة.
# وأما على القول بالانفعال فاختلفت أقوالهم وتشتت آرائهم في تطهير
~~المتغير، وهي على ما حكاه غير واحد تبلغ ثمانية:
# أحدها: ما عن أبي الصلاح (3)، والشهيد في البيان، (4) وظاهر المفيد (5)
~~من أنه ينزح حتى يزول التغير، وإطلاق هذا القول كما ترى يشمل ما لو كان
~~للنجاسة المغيرة مقدر
# PageV01P618
# وغيره، قصر المقدر عما يزول به التغير أو ساواه أو زاد عليه؛ ومستنده
~~إطلاق ما تقدم من الأخبار المستدل بها على المختار.
# ويشكل ذلك في صورة زوال التغير قبل استيفاء المقدر فيما له مقدر، فإن
~~الاكتفاء به مطلقا ترك للعمل بأخبار المقدرات.
# وكونه من باب تخصيص تلك الأخبار بغير صورة التغير، يدفعه: المعارضة
~~بإمكان ذلك في الأخبار المذكورة بحملها على غير ما له مقدر نظرا إلى أن
~~النسبة بين النوعين عموم من وجه، ولا ريب أن مورد الاجتماع وهو التغير
~~الحاصل بذي التقدير قابل لأن يخرج عن كل منهما، فإخراجه عن أحدهما ليس
~~بأولى من إخراجه عن الآخر.
# وما عساه أن يتوهم من أن تخصيص أخبار ms569 المقدرات بإخراج مورد الاجتماع عنها
~~مطلقا عمل بما في سوى صحيحة ابن بزيع من أخبار زوال التغير من الانتقال عن
~~إيجاب نزح المقدر إلى إيجاب نزح المزيل للتغير المفروض عروضه، نظرا إلى
~~قضاء ذلك بكون إيجاب نزح المقدر مشروطا بعدم التغير، وأما معه فالمتبع
~~إزالة التغير مطلقا، ثم هذا التفصيل المقتضي للاشتراط المذكور ينهض قرينة
~~على تقييد الأخبار المطلقة من المقدرات الغير المشتملة على التفصيل
~~المذكور.
# يدفعه: منع ابتناء هذا التفصيل على إرادة الاشتراط، وإنما هو لبيان عدم
~~كفاية نزح المقدر الوارد تقديره في الأخبار المفصلة في تحقق موضوع زوال
~~التغير، ضرورة عدم زواله بالخمس والسبع بل العشرين أيضا في الغالب،
~~والاكتفاء بنزح ذلك مع بقاء التغير مما لا معنى له، لا أنه يفيد تقييد
~~اعتبار نزح المقدر بغير صورة التغير كما هو مفاد التوهم المذكور.
# مع أن هذا كله مبني على تعارض هذين النوعين من الأخبار الذي هو ضروري
~~المنع في المقام، لمكان كونهما مثبتين متوافقين في المدلول فيمكن العمل
~~بهما معا في كل من مادتي الافتراق والاجتماع، كما في قولك: " أكرم العلماء
~~" " وأكرم الشعراء "، فلا سقوط في شئ من العامين في شئ من الأحوال الثلاث
~~الجارية في كل منهما من النقصان والمساواة والزيادة التي يشملها العموم
~~الإطلاقي، غاية الأمر أن ذلك يقضي بلزوم نزح الأكثر مما يحصل به زوال
~~التغير واستيفاء المقدر عملا بهما معا في جميع PageV01P619
# الأحوال الثلاث المذكورة لمورد الاجتماع في كل من الجانبين، ضرورة أن
~~الأخذ بالأكثر في كل من الجانبين أخذ بأقل الجانب الآخر لاندراج الأقل تحت
~~الأكثر، بناء على أنه في مفاد أخبار المقدرات ليس مأخوذا بشرط عدم الزيادة،
~~فمورد في كل من العامين باق على إطلاقه، فلا داعي إلى التخصيص لا بالنظر
~~إلى أحد العامين ولا بالنظر إلى مورد اجتماعهما، هذا.
# لكن الإنصاف: أن دعوى تناول أخبار المقدرات لصورة التغير على وجه يكون
~~مفادها إعطاء حكم المقدر وكفايته مع التغير وعدمه في غاية الإشكال، بل هو
~~عند التأمل الصادق في حيز المنع، ms570 بل الحكم في المقدرات يختص بغير حالة
~~التغير.
# أما أولا: فلأن كثيرا مما ورد له تقدير بالخصوص من النجاسات ليس صالحا
~~لتغيير الماء كبول الفطيم وقطرة خمر أو بول وما أشبه ذلك، فكيف يكون حكمه
~~لما يعم حالة التغير.
# وأما ثانيا: فلأن من تتبع آثار تلك الديار وأنصف ملاحظا لمساق ما ورد في
~~حكم المقدرات من الأخبار يجد جازما أن مفروض الأسئلة ومصب الأجوبة المنطبقة
~~عليها إنما هو حيثية وقوع النجاسات التي ورد فيها المقدرات وملاقاتها البئر
~~من غير نظر للسائل ولا المسؤول إلى حيثية التغير؛ بل يعلم أن مورد كل من
~~السؤال والجواب إنما هو مجرد الوقوع والملاقاة لا هما أعم من التأثير في
~~التغير وعدمه.
# وأما ثالثا: فلأن ما عرفته في جملة من أخبار اعتبار إزالة التغير من
~~استفصال المسؤول بين حالة التغير وحالة عدمها وتخصيصه المقدر بحالة العدم
~~قرينة واضحة على أن الأجوبة الوارد في الأخبار المطلقة للمقدرات ليست على
~~إطلاقها بحيث تشمل في الدلالة على كفاية المقدر كلتا حالتي التغير وغيرها،
~~بل إنما هي مخصوصة بما عدا حالة التغير، ولا ينافيه التنبيه مع ذلك على عدم
~~كفاية مثل الخمس والسبع والعشرين من المقدرات في تحقق الزوال عند قيام
~~مقتضي اعتباره.
# وأما رابعا: فلأن التقدير في المقدرات المطلقة لو كان مطلقا شاملا إطلاقه
~~في الدلالة على كفاية المقدر في التطهير حالة التغير أيضا لقضى به ولو حصل
~~استيفاء المقدر قبل زوال وهو ضروري البطلان، لا لما يقال: من أنه نظير ما
~~إذا استوفى المقدر أو بعضه قبل إخراج عين النجاسة لأن بقاء التغير دليل
~~بقاء العين، حتى يتوجه إليه المنع PageV01P620
# على حد الضرورة، بل لأن زوال المعلول مع بقاء العلة غير معقول، وقد ثبت
~~عن الأدلة أن التغير حدوثا وبقاء علة للنجاسة ومعه كيف يمكن اعتبار العموم
~~أو الإطلاق في المقدرات المطلقة، وقضية ذلك اختصاص اعتبارها بغير حالة
~~التغير.
# فإن قلت: غاية ما يلزم من ذلك تقييد المطلقات بما إذا لم يكن المقدر أقل
~~من مزيل التغير، ms571 فالمتجه حينئذ اعتبار أكثر الأمرين من المقدر ومزيل التغير
~~عملا بنوعي أخبار الباب.
# قلت: أخبار المقدرات بناء على إطلاقها قابلة لأن يتصرف فيها بأحد
~~الوجهين، تخصيصها بغير حالة التغير مطلقا، أو تقييدها بما إذا لم يكن
~~المقدر أقل من مزيل التغير، غير أن هذا التصرف الثاني مما يأباه كثير من
~~المقدرات الواردة لعدم كونها صالحة لإزالة التغير بالذات لمكان كونها أقل
~~من مزيله كالثلاث والخمس والسبع والعشرة والعشرين غالبا وما أشبه، فلابد في
~~مثله من تطرق أول التصرفين، وقضية ذلك كون التطرق إلى البواقي هو هذا
~~التصرف لمكان ورود أخبار الباب بأجمعها في متفاهم العرف على نمط واحد،
~~واعتبار أحد التصرفين في جملة والتصرف الآخر في جملة اخرى كما ترى بعيد عن
~~العرف والوجدان، ويزيد ذلك البعد في جملة مشتملة على مقدرين في نوعين من
~~النجاسات أحدهما لا يصلح مزيلا للتغير والآخر صالح له في الجملة، ومن هذه
~~الجملة رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن
~~سقط في البئر دابة صغيرة، أو نزل فيها جنب، نزح منها سبع دلاء، وإن مات
~~فيها ثور أو صب فيها خمر نزح الماء كله " (1).
# ورواية عمرو بن سعيد قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عما يقع في البئر
~~ما بين الفأرة والسنور إلى الشاة؟ فقال: " كل ذلك يقول سبع دلاء، حتى بلغت
~~الحمار والجمل، قال:
# كر من ماء " (2)، ونظير ذلك كثير فيما بين روايات الباب.
# ولا ريب أن الالتزام بالتخصيص صدرا والتقييد ذيلا في أمثال ذلك في غاية
~~الغرابة، بل المتعين في متفاهم العرف اعتبار التخصيص مطلقا لعدم جريان
~~التقييد فيهما معا.
# ومما يؤيد عدم تناول أخبار المقدرات لحالة التغير كون التقدير الوارد
~~فيها بأعداد
# PageV01P621
# معينة لا يمكن أن يناط بها زوال التغير في المتغير لعدم انضباطه وتعينه
~~في عدد معين، وبالجملة فالذي يقتضيه التدبر اختصاص روايات التقدير بغير
~~حالة التغير، فيبقى الروايات المتضمنة لحالة التغير في الدلالة على اعتبار
~~إزالته سليمة عما يزاحمها من غير فرق في ms572 ذلك بين كون النجاسة المغيرة مما
~~لم تقدر وغيره، أما الأول: فلما في جملة من تلك الأخبار من الاستفصال وأما
~~الثاني: فلإطلاق صحيحة ابن بزيع.
# فتحصل من جميع ما قررناه: أن الأقوى مما بين أقوال المسألة - بناء على
~~القول بنجاسة البئر بالملاقاة - إنما هو القول المذكور، وهو اعتبار زوال
~~التغير في تطهير البئر مطلقا عند التغير.
# وثانيها: ما عن الصدوقين (1) والمرتضى (2) والشيخ (3) وعليه المحقق في
~~الشرائع من أنه ينزح الجميع ومع التعذر فالتراوح، وعد الشيخ من أهل هذا
~~القول بناء على القول بالنجاسة بمجرد الملاقاة ليس في محله، لما مر من أنه
~~قائل بوجوب النزح تعبدا لا للنجاسة.
# نعم، يصح ذلك ممن لا يخصص الاختلاف في تطهير المتغير بأهل القول بالنجاسة
~~كالعلامة في المختلف.
# وكيف كان فمستند هذا القول بالنسبة إلى نزح الجميع ما تقدم من الروايات
~~القاضية به، المعارضة لما مر من أخبار اعتبار نزح المزيل للتغير، وقد يعلل
~~بكون النجاسة الحاصلة بالتغير غير منصوص المقدر بناء على ظهور أخبار
~~المقدرات في الاختصاص بغير صورة التغير، وبالنسبة إلى التراوح مع التعذر
~~موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث طويل - قال:
~~وسئل عن البئر وقع فيه كلب أو فأرة أو خنزير؟ [قال:] " تنزف كلها، ثم فإن
~~غلب عليه الماء فلينزف يوما إلى الليل، ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين
~~اثنين، فينزفون يوما إلى الليل وقد طهرت " (4).
# وفي كلام الشيخ في التهذيبين - بعد قوله (عليه السلام): " تنزف كلها " -
~~يعني: إذا تغير لونه أو طعمه بدلالة ما تقدم من أربعين دلوا في هذه
~~الأشياء، وقد يعلل بأنه قائم مقام نزح
# PageV01P622
# الجميع فيما يكون واجبا مع تعذره.
# وقد يستدل على الحكمين معا بأنه: ماء محكوم بنجاسته فيجب إخراجه أجمع،
~~ومع التعذر التراوح كما في غيره من النجاسات المقتضية لنزح الجميع.
# والجواب عن الجميع: بأن ترك العمل بما تقدم من الأخبار الدالة على كفاية
~~زوال التغير في التطهير مع كونها أظهر دلالة وأكثر عددا والمصير إلى هذا
~~القول عملا بالوجوه ms573 المذكورة - مع تبين ضعف بعضها - خلاف الإنصاف؛ وحمل
~~الأخبار المشار إليها على الاستحباب أو على صورة توقف الزوال طريق الجمع،
~~فوجوب نزح الجميع لإزالة التغير غير ثابت ليقوم مقامه التراوح عند التعذر.
# والاستدلال بالموثقة لإيجاب التراوح ليس في محله، لعدم اعتبار كونه في
~~الرواية للتغير، وتنزيلها إليه تأويل يلتزم به لمجرد الجمع فلا يصلح مستندا
~~لإيجاب الجميع، ودعوى كون النجاسة الحاصلة بالتغير غير منصوص المقدر مع
~~ورود الأخبار المتقدمة المعتبرة الواضحة الدلالة في غاية الغرابة، والوجه
~~الأخير القائم على الحكمين معا لا يرجع إلا إلى المصادرة فلا يلتفت إليه،
~~ولو اريد الاستناد فيه إلى الاستصحاب فيرده:
# ورود الدليل على كفاية زوال التغير كما عرفت.
# وثالثها: ما عزى إلى الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2) وعن كاشف الرموز:
~~(3) أنه نقله عن المقنعة من أنه ينزح الجميع ومع تعذره فإلى زوال التغير،
~~ومستنده على ما قيل الجمع بين النوعين المتقدمين من أخبار التغير، بحمل ما
~~دل منها على نزح الجميع على صورة الإمكان وما دل منها على اعتبار زوال
~~التغير على صورة تعذر نزح الجميع.
# وفيه: أن حمل النوع الثاني على صورة تعذر نزح الجميع ليس بأولى من حمل
~~النوع الأول على صورة توقف زوال التغير على نزح الجميع، بل الأولى هو هذا
~~لكونه في الحقيقة تصرفا في خبر واحد وهو صحيحة أبي خديجة، لما عرفت من أن
~~الدال على نزح الجميع خبران أحدهما لقصور سنده - وهو رواية منهال - غير
~~صالح لمعارضة ما سبق من المعتبرة بخلاف الأول فإنه تصرف في عدة أخبار
~~معتبرة.
# PageV01P623
# ورابعها: ما عزى إلى ابن الزهرة (1) وتبعه الشهيد في الذكرى (2) من أنه
~~ينزح الأكثر مما يحصل به زوال التغير واستيفاء المقدر، ومستنده الجمع بين
~~أخبار التقدير وأخبار زوال التغير، وكأن المراد بهذا الجمع ليس معناه
~~المصطلح عليه المستلزم لطرح ظاهر أو ظاهرين بل العمل بالدليلين معا من غير
~~طرح وإسقاط، بناء على ما قدمنا توجيهه من أن الأخذ بأكثر كل من الجانبين
~~عمل بأقل الجانب الآخر من حيث أنه مندرج ms574 فيه.
# وعلى هذا فلا وقع لما يعترض عليه بما في الحدائق من: " أنه لا منافاة بين
~~ما دل على نزح مقدار مخصوص مع عدم التغير وما دل على نزح ما يزول به التغير
~~وإن اتحدت النجاسة ليحتاج إلى الجمع بين أخبارهما، لتغاير السببين الموجب
~~لتغاير الحكمين " (3).
# فإن مراعاة اتحاد السبب إنما تعتبر في قاعدة الحمل لا الجمع بالمعنى
~~المذكور.
# ثم على فرض شمول أخبار التقدير لجميع أحوال زوال التغير حتى ما لو كان
~~المزيل أقل من المقدر أو بالعكس فلازمه دلالة دليل الأقل على كفايته في
~~التطهير، ودلالة دليل الأكثر على خلاف ذلك وهو عين التعارض، فكيف ينفي
~~المنافاة عما بينهما، ولولا ما قدمنا ذكره من منع تناول أخبار التقدير
~~لحالة التغير كان ذلك القول جيدا متعينا للقبول جدا، وإن كان قد أهمل
~~قائلوه في حكم ما لم يكن للنجاسة المغيرة تقدير، فمن هنا كان القول الآتي
~~أجود منه لتعرضه لبيان حكم ما لا تقدير له من اعتبار إزالة التغير، ويمكن
~~إرجاع ما ذكر إلى هذا القول فلا يكون حينئذ قولا على حدة.
# وخامسها: ما نسب إلى صاحب المعالم (4) وظاهر جملة من تأخر من أنه ينزح
~~أكثر الأمرين مما يزول معه التغير أو يستوفى به المقدر إن كان للنجاسة
~~المغيرة تقدير، وإلا اكتفى بزوال التغير؛ واستظهره الخوانساري (5)، وصاحب
~~الحدائق (6)، وهذا هو الحق الذي لم يكن محيص عن اختياره لولا ما تقدم،
~~وعليه اتضح ضعفه مع حجته وهو الجمع بين النصوص الدالة على الاكتفاء بزوال
~~التغير والنصوص الموجبة لاستيفاء المقدر في الحكم الأول، وعموم النصوص
~~الأولة في الحكم الثاني حيث لا معارض لها فيما لا مقدر له.
# PageV01P624
# وسادسها: ما عن ابن إدريس (1)، والمحقق الشيخ علي (2)، من نزح أكثر
~~الأمرين من المقدر ومزيل التغير إن كان للنجاسة المغيرة مقدر وإلا فالجميع،
~~فإن تعذر فالتراوح، وعن ثاني الشهيدين في الروض (3) أنه اختاره.
# وحجته على الأول ما تقدم من قضية [الجمع] (4) وعلى الثاني والثالث توهم
~~كونه مما لا نص فيه، ومذهبهم أن ما لا ms575 نص فيه يجب فيه نزح الجميع، وبدلية
~~التراوح مع تعذره ففي صورة التغير بتلك النجاسة بالطريق الأولى، ويظهر
~~الجواب عن الكل بملاحظة ما سبق.
# وسابعها: ما صرح به الشهيد في الدروس (5) من وجوب نزح الجميع، فإن غلب
~~الماء اعتبر أكثر الأمرين من مزيل التغير والمقدر، واستظهره الخوانساري (6)
~~من المعتبر، ثم احتمل في كلامه كون مراده في صورة تعذر الجميع وجوب نزح ما
~~يزيل المتغير ثم استيفاء المقدر، ثم قال: " وهذا القول أيضا غير صريح فيما
~~إذا تعذر نزح الجميع ولم يكن له مقدر، لكن الظاهر الاكتفاء بزوال التغير "
~~(7) انتهى.
# وحجته: ظاهرا الجمع بين ما دل على وجوب نزح الجميع مع ما دل على التقدير،
~~وما دل على اعتبار زوال التغير، وبملاحظة ما سبق في تقريب القول الأول
~~وتزييف الأقوال الاخر يظهر الجواب عنه فلاحظ وتأمل.
# وثامنها: ما نسبه الخوانساري (8) إلى بعض الأصحاب، وقواه بعض مشايخنا -
~~دام ظله - (9) من نزح ما يزيل التغير أولا ثم المقدر بعده إن كان لتلك
~~النجاسة مقدر، وإلا فالجميع، وإن تعذر فالتراوح.
# وحجته: أن وقوع النجاسة التي لها مقدر موجب لنزحه بمجرده، فإذا انضم إليه
~~التغير الموجب لنزح ما يزول به التغير صارا سببين، ولا منافاة بينهما فيعمل
~~كل منهما عمله، وتقديم مزيل التغير لكون الجمع بين الأمرين لا يتم إلا به،
~~وأما ما لا مقدر له
# PageV01P625
# فلوجوب نزح الجميع فيما لا نص فيه وبدلية التراوح مع تعذره.
# وجوابه: منع سببية مجرد الوقوع إذا صادفه التغير، لما عرفت من عدم تناول
~~النصوص الدالة على سببيته إلا حال التغير، فانحصر السبب في التغير الذي
~~يكتفى فيه بزواله عملا بالنصوص الواردة فيه.
# وتوهم جريان الاستصحاب المقتضي لاستيفاء المقدر، يدفعه أولا: أنه لو صح
~~لقضى بوجوب نزح الجميع أو بدله.
# وثانيا: أن اعتبار ما زاد على زوال التغير مما ينفيه وروده غاية في
~~النصوص الواردة فيه، فإن ورودها مورد التعليم يقضي باعتبار المفهوم فيها،
~~كيف ولو وجب نزح المقدر بعد إزالة التغير لوجب التنبيه عليه والمفروض
~~خلافه، وبالجملة ظاهر ms576 نصوص زوال التغير - كما يظهر لمن تأمل فيها جيدا -
~~أنه لا يعتبر شئ بعد زوال التغير ومعه لا معنى للاستصحاب.
# وأما الجواب عن تقدير نزح الجميع أو بدله فيظهر مما مر، هذا كله فيما لو
~~توقف زوال التغير على النزح، وأما لو زال من قبل نفسه أو بعلاج فمقتضى ما
~~حققناه في بحث تطهير الكر المتغير وغيره عدم طهرها به كما صرح به غير واحد
~~من أصحابنا، بل في كلام جماعة نفي الإشكال عنه.
# نعم، الإشكال يقع فيما يطهره حينئذ، وينبغي النظر فيه تارة على القول
~~المختار من عدم انفعال البئر بمجرد الملاقاة، واخرى على القول الآخر.
# أما الجهة الاولى: فالظاهر أنه لا فرق في طريق التطهير حينئذ بينها وبين
~~سائر المياه المتنجسة، فيجري فيها جميع ما تقدم من الطرق المطهرة من إلقاء
~~الكر، وإجراء الجاري، وإنزال الغيث عليها.
# وضابطه اعتبار وجود الماء المعتصم فيها منضما إلى مائها مراعيا للشرائط
~~المتقدمة في تطهير القليل، إحرازا لموضوع الملازمة المتقدمة المجمع عليها،
~~ومن جملة ذلك ظاهرا تجدد الماء من المادة، بناء على ما تقرر عندنا من عدم
~~انفعال مائها كائنا ما كان في غير صورة التغير، فإذا تجدد الماء من المادة
~~واتحد مع الباقي صار موضوعا لتلك الملازمة، ضرورة أن المتجدد غير قابل
~~للنجاسة حينئذ بمجرد ملاقاة PageV01P626
# الباقي المتنجس، فلو بقي ذلك على نجاسته بعد حصول الاتحاد بينه وبين
~~المعتصم لزم تبعض الماء الواحد في الطهارة والنجاسة وهو منفي بحكم الملازمة
~~المذكورة.
# ومن هنا إتجه أن يقال: بكفاية مسمى النزح على نحو يستتبع تجدد شئ من ماء
~~المادة وامتزاجه مع الباقي لو توقف تجدده على النزح.
# ومما يمكن أن يستدل به على هذا المطلب نفس الروايات الدالة على طهرها
~~بالنزح المزيل لتغيرها، نظرا إلى أن الطهر لا يحصل إلا بالدلو الأخير
~~المستتبع للزوال، لقيام المقتضي لبقاء النجاسة قبله حتى بالقياس إلى ما
~~تجدد بالدلاء السابقة لو فرض تغيره بممازجة المتغير، ومن البين أن الطهر
~~حينئذ لا يستند إلا إلى الجزء الأخير المتجدد ms577 بنزح ذلك الدلو، وليس ذلك إلا
~~لما ذكرنا من كفاية المسمى.
# ولأجل ذلك أمكن الاستدلال بتلك الروايات على الملازمة المشار إليها كما
~~أشرنا إليه أيضا في بعض ما سبق، وعليه يمكن الاحتجاج بنفس تلك الروايات على
~~المختار من عدم انفعال ماء البئر بمجرد ملاقاة النجس أو المتنجس ولو قليلا.
# وما تقدم في ذيل البحث عن تلك المسألة من المناقشة فيه باحتمال كون النزح
~~مطهرا تعبديا في البئر.
# يدفعه: ورود النزح في الروايات مقيدا بزوال التغير الذي لا يتأتى إلا
~~بمقارنة النزح تجدد الماء، فالماء المتجدد مع عدم انفعاله بملاقاة المتنجس
~~له مدخل في التطهير من باب العلية التامة أو جزء العلة ولو بحكم الاستصحاب.
# وبملاحظة وجود الاستصحاب في مثل مسألتنا لا يبعد القول بكون الأحوط
~~اعتبار التقدير هنا، وهو اعتبار نزح المقدار الذي كان يزول معه التغير على
~~فرض ثبوته وعدم سبق زواله بنفسه أو بعلاج.
# وأما إذا تعذر العلم بذلك المقدار - كما يتفق في بعض الصور - فالأحوط
~~اعتبار نزح الجميع، لأن العلم بنزح المقدار المذكور لا يحصل إلا بذلك.
# وأما الجهة الثانية: فالظاهر عدم الفرق بينها وبين الجهة الاولى بملاحظة
~~ما تقدم ترجيحه من أن تطهير البئر في صورة التغير - على القول بانفعالها في
~~غير صورة التغير - إنما هو بالنزح المزيل للتغير أيضا، عملا بالنصوص
~~المتقدمة التي لا يعارضها نصوص PageV01P627
# المقدرات، فيجري في تلك الجهة حينئذ جميع ما تقدم في الجهة الاولى.
# فالأقرب حينئذ كفاية نزح المسمى المستتبع للتجدد من المادة، والأحوط نزح
~~المقدار الذي كان يزول معه التغير إن أمكن العلم به وإلا اعتبر نزح الجميع،
~~لكن المنقول في ذلك عن الأصحاب قولان:
# أحدهما: ما عن العلامة في التذكرة (1) من إطلاق القول بنزح الجميع، وعن
~~ولده فخر المحققين (2) أنه صححه، وعن الذكرى (3) أنه قواه، وعن بعض
~~المتأخرين (4) أيضا موافقتهم على ذلك.
# وثانيهما: ما عن ثاني الشهيدين (5)، وصاحب المعالم (6) وظاهر البيان (7)
~~من الاكتفاء بمزيل التغير على تقديره.
# وعن الأولين الاحتجاج بأنه: ماء محكوم بنجاسته وقد تعذر ضابط تطهره،
~~فيتوقف ms578 الحكم بالطهارة على نزح الجميع.
# واجيب عنه: بمنع إطلاق دعوى التعذر، فإنه يمكن في كثير من الصور أن يعلم
~~المقدار الذي يزول معه التغير تقريبا، نعم لو فرض عدم العلم في بعض الصور
~~توقف الحكم بالطهارة حينئذ على نزح الجميع، إذ لا سبيل إلى العلم بنزح
~~القدر المطهر إلا به.
# واحتج على القول الثاني بأنه: إذا اكتفى بنزح ذلك المقدر من الماء
~~للتطهير مع وجود التغير فلئن يكتفى به مع ذهابه طريق الأولوية، والأقرب هو
~~ما ذكرنا وإن كان الأحوط هو التفصيل كما عرفت، هذا.
# وهل يطهر البئر حينئذ على هذا القول بسائر المطهرات الجارية في سائر
~~المياه أو لا تطهر إلا بالنزح؟
# والظاهر أن فيه خلافا وإن لم يصرح به هنا بالخصوص، بناء على كونه من
~~أفراد
# PageV01P628
# العنوان الذي حكي الخلاف فيه على القول بالنجاسة المتوقف رفعها على نزح
~~المقدرات الواردة في الشريعة من قيام سائر الطرق المطهرة للماء مقام نزح
~~المقدر هنا وعدمه.
# فعن جماعة أنهم صرحوا بعدم انحصار طريق تطهير البئر حيث حكم بنجاسته في
~~النزح، بل هو طريق يختص به، وهو يشارك غيره من المياه في الطهارة بوصول
~~الجاري إليه أو وقوع الغيث عليه أو إلقاء الكر على ما مر تفصيله، وهو ظاهر
~~العلامة في المنتهى قائلا: " لو سبق إليها نهر من الماء الجاري وصارت متصلة
~~فالأولى على التخريج الحكم بالطهارة، لأن المتصل بالجاري كأحد أجزائه فخرج
~~عنه حكم البئر " (1)، ويوافقه عبارته المنقولة عن القواعد قائلا: " لو
~~اتصلت بالنهر الجاري طهرت " (2)، بل قد يقال: كما أنها تشارك غيرها في
~~المطهر فكذلك قد يشاركها غيرها في التطهير بالنزح كالغدير النابع على ما هو
~~ظاهر صحيحة ابن بزيع الشاملة لكل ذي مادة، وأفتى به الشيخان أيضا.
# وعن ظاهر المعتبر انحصار طريق تطهيرها في النزح حيث قال: " إذا أجرى
~~إليها الماء المتصل بالجاري لم تطهر، لأن الحكم متعلق بالنزح ولم يحصل "
~~(3)، ووافقه عليه المحقق الخوانساري محتجا عليه: " بأن التطهير أمر شرعي
~~لابد له من دليل ولا دليل ظاهرا على ms579 ما عدا النزح فيستصحب حكم النجاسة "
~~(4).
# وذهب الشهيد في الدروس بعد ما وافق الأولين في القول بالمشاركة في البيان
~~- قائلا: " وينجس ماء البئر بالتغير ويطهر بمطهر غيره وبالنزح " - (5)، "
~~والأصح نجاسته بالملاقاة أيضا وطهره بما مر وينزح كذا وكذا " (6) فذكر
~~المقدرات إلى تفصيل في المسألة، قائلا: " ولو اتصلت بالجاري طهرت، وكذا
~~بالكثير مع الامتزاج، وأما لو تسنما عليها من أعلى فالأولى عدم التطهير،
~~لعدم الاتحاد في المسمى " (7).
# ويوافقه عبارته في الذكرى قائلا - على ما حكي -: " وامتزاجه بالجاري
~~مطهر، لأنه أقوى من جريان النزح باعتبار دخول ما ينافي اسمه، وكذا لو اتصل
~~بالكثير، أما لو وردا من فوق عليها فالأقوى أنه لا يكفي، لعدم الاتحاد في
~~المسمى " (8).
# PageV01P629
# وله في بحث الواقف القليل من الدروس كلام ربما يتوهم كونه مدافعا للعبارة
~~المذكورة، حيث قال: " ولو اتصل الواقف بالجاري اتحدا مع مساواة سطحيهما، أو
~~كون الجاري أعلى لا العكس " (1).
# ويمكن دفع توهم المدافعة بإبداء الفرق بين المقامين، حيث إن المعتبر في
~~محل البحث - وهو مقام الرفع عن ماء البئر - صيرورة المائين واحدا بأن يخرج
~~المجموع عن مسمى البئر ليزول عنه الحكم المخصوص بها وهو النزح، ولا ريب أنه
~~لا يكفي فيه مجرد الجريان من فوق ما دام مسمى البئر باقيا، والمقصود في
~~المقام الآخر - وهو الدفع عن الواقف القليل - مجرد الاتصال بالمعتصم، لقيام
~~الدلالة على كفايته في اتحادهما في الحكم، كما هو مذهب من يقول في الكر
~~الغير المتساوي السطوح بتقوي الأسفل بالأعلى دون العكس، فالمثبت هنا إنما
~~هو الاتحاد في الحكم والمنفي في الأول هو الاتحاد في الاسم، ولذا صدر
~~العبارة مقيدة بالمسمى.
# وأنت إذا تأملت في عبارة العلامة - المتقدمة - (2) لم تجدها مخالفة لتلك
~~العبارة، ويرجع إليهما ظاهرا كلام المعتبر (3) في المنع عن الكفاية، إذ لا
~~يظن أنه يقول به حتى في صورة خروج العنوان عن مسمى البئر كما لا يخفى.
# فينبغي القطع حينئذ بعدم الخلاف في الكفاية في تلك الصورة، ومنشأ احتجاج
~~المعتبر على عدم الكفاية بما مر هو الحصر المستفاد من ms580 نصوص المنزوحات التي
~~أصرحها دلالة عليه صحيحة ابن بزيع - المتقدمة - (4) في أدلة القول
~~بالنجاسة، المشتملة على قوله (عليه السلام): " ينزح دلاء " في جواب قول
~~السائل: " ما الذي يطهرها "؟
# واجيب عنه: بظهور ورودها مورد الغالب من تعذر التطهير بغير النزح أو
~~تعسره، ولي في المسألة تأمل.
# وقد يعترض - على القول بتطهيرها بإلقاء الكر عليها -: بأن اللازم من
~~القول بذلك الالتزام أيضا بصيرورة ماء البئر معتصما لا ينفعل بما يقع فيه،
~~لأن دليل التطهير بإلقاء
# PageV01P630
# الكر عدم قبول الكر للانفعال، واتحاد ماء البئر معه بالامتزاج أو مجرد
~~الاتصال على الخلاف المتقدم، وقضية ذلك عدم قبوله النجاسة الخارجية بعد
~~ذلك، فيكفي في اعتصام البئر دائما إلقاء الكر عليه.
# ودفع بإمكان أن يقال: أنه إن استهلك به الكر في البئر بعد وقوعه دخل في
~~حكم البئر فيشمله أدلة البئر ويخرج عن مورد أدلة الكر، وحصول التطهر به
~~إنما هو بأول وقوع المطهر، وامتزاج البئر مع شئ منه معتصم به ولا استهلاك
~~في ذلك الآن، وإنما المستهلك هو الواقع بعد انقضاء حالة الوقوع، فلا منافاة
~~بين كونه رافعا وكونه غير دافع، بل وغير معتصم لاختلاف زمانيهما، وإن
~~استهلك البئر بالكر الملقى لقلتها جدا كان لها حكم الكر لعدم صدق البئر
~~عليها حينئذ، وإن شك رجع إلى أصالة عدم استهلاك البئر، أو إلى أصالة عدم
~~الانفعال على اختلاف الأنظار في ذلك.
# ولا يخفى ما في التعويل على أول هذين الأصلين، لكونه في الحقيقة ترجيحا
~~للحادث بالأصل ومعه كان أصالة عدم الانفعال واستصحاب الطهارة السابقة
~~سليمتين عن المعارض.
# ثم يبقى الكلام على القول بالنجاسة في تطهير البئر عن النجاسة الغير
~~المغيرة بطريق النزح، وله حسبما يستفاد من النصوص المختلفة المتعارضة بعد
~~الجمع بينها مقدرات اعتبرها الشارع على حسب اختلاف أنواع النجاسات، وتفصيل
~~البحث في ذلك يقع في طي مسائل:
# المسألة الاولى: ما يوجب نزح الجميع، وهو على ما ضبطه غير واحد من
~~الأصحاب وأفتوا به امور، وهو موت البعير، والثور، ووقوع الخمر وكل مسكر،
~~والفقاع، والمني، وأحد ms581 الدماء الثلاث، وفي حكم موت البعير وأخيه وقوعهما
~~ميتين كما تنبه عليه بعض مشايخنا (1)، للقطع باستناد الحكم إلى نجاستهما لا
~~تحقق موتهما في البئر.
# ولا ينافيه اشتمال بعض العناوين بالموت الظاهر فيما يتحقق فيها، بعد
~~ملاحظة التنزيل على الغالب.
# و " البعير " على ما نقل عن الجوهري (2) وغيره من أئمة اللغة كالنهاية
~~الأثيرية (3)
# PageV01P631
# والمصباح المنير (1) ومختصر الصحاح: (2) " أنه من الإبل بمنزلة الإنسان
~~من الناس "، ومقتضاه أنه يشمل الذكر والانثى، كما هو المصرح به في كلام غير
~~واحد من الأصحاب كمنتهى العلامة (3) وغيره - على ما حكي - كالحلي (4)،
~~والمقداد (5)، والمحقق الأول (6)، والثاني الشيخ علي (7)، والفاضل الهندي
~~(8)، وثاني الشهيدين (9)، وغيرهم، بل عن الفاضل دعوى اتفاق أهل اللغة عليه
~~(10)، لكن يستفاد منه الميل - في كلام محكي عنه - إلى أن ذلك إنما هو بحسب
~~أصل اللغة وإلا ففي العرف شاع استعماله في الذكر خاصة، كما إليه يرجع ما
~~حكاه عن الشافعي من القول في الوصية بأنه لو قال: " أعطوه بعيرا " لم يكن
~~لهم أن يعطوه ناقة، فحمل " البعير " على الجمل، لأن الوصية مبنية على عرف
~~الناس لاعلى محتملات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواص (11).
# وعليه أمكن الجمع بين ما عرفت عن الأئمة وما عن الغزالي في البسيط من: "
~~أن المذهب أنه لا تدخل فيه الناقة " (12)، لكنه لا يجدي نفعا في صحة حمل
~~الخطاب الشرعي على المطلق على فرض صدق دعوى الانصراف العرفي إلى الذكر،
~~لظهور عدم كون نظيره من الامور الحادثة بعد زمن الخطاب، وعليه اتجه القول
~~بأولوية إلحاق الناقة بما لا نص فيه.
# ثم في شمول " البعير " كالإنسان للكبير والصغير كلام لهم تبعا لما عن أهل
~~اللغة من الاختلاف في ذلك، فعن النهاية الأثيرية (13) كما عن ظاهر فقه
~~اللغة (14) - للثعالبي - التعميم، وعليه القطع في المنتهى (15)، كما عن
~~المعتبر (16)، والذكرى (17)، ووصايا التذكرة (18 (، والقواعد (19).
# PageV01P632
# وعن القاموس: " الجمل ": الباذل أو الجذع (1)، وعن العين (2): أنه
~~الباذل.
# وعن الصحاح (3) والمحيط (4) وتهذيب اللغة (5) أنه يقال: لما أجذع.
# وأما " الثور " فهو الذكر من البقر كما في المجمع (6)، ولا ينبغي الريبة
~~في ms582 اختصاصه بالأهلي، فاحتمال تناوله للوحشي في غاية الغرابة، وقد يحتمل
~~لحوق الوحشي بالأهلي بملاحظة العطف في الرواية الآتية عليه بلفظة و " نحوه
~~".
# وكون الحكم في البعير ما ذكر هو المصرح به في المنتهى (7) والشرائع (8)
~~والدروس (9) وغيره (10)، المنفي عنه الخلاف في كلام جماعة (11)، بل عن
~~الغنية (12) والسرائر (13) الإجماع عليه، وأما لحوق الثور به فقد جعله
~~جماعة مشهورا وغيرهم وصفه بالأشهر.
# والحجة فيهما صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا سقط
~~في البئر شئ صغير فمات فيها فانزح منها دلاء، وإن وقع فيها جنب فانزح منها
~~سبع دلاء، وإن مات فيها بعير أو صب فيها خمر فلينزح الماء كله " (14).
# وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) [قال]: " إن سقط
~~في البئر دابة صغيرة، أو نزل فيها جنب نزح منها سبع دلاء، وإن مات فيها
~~ثور، أو صب فيها خمر، نزح الماء كله " (15).
# وأما ما في خبر عمرو بن سعيد بن هلال، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)
~~عما يقع في البئر ما بين الفأرة والسنور إلى الشاة؟ فقال: " كل ذلك نقول
~~سبع دلاء "، قال: حتى بلغت الحمار والجمل؟ قال: " كر من ماء " (16) فغير
~~صالح لمعارضة ما ذكره لقصوره سندا بما في منتهى العلامة (17) من أن عمرو
~~هذا فطحي، والأصحاب لم يعملوا بهذه الرواية.
# PageV01P633
# أو بما في حواشي الاستبصار (1) - للسيد صاحب المدارك - من أن عمرو بن
~~سعيد بن هلال لم ينص عليه علمائنا بمدح ولا قدح.
# وتصدى الشيخ في الإستبصار لدفع التنافي بتخصيصه التقدير المذكور بالحمار
~~قائلا: " بأنه لا يمتنع أن يكون (عليه السلام) أجاب بما يختص حكم الحمار،
~~وعول في حكم الجمل على ما سمع منه من وجوب نزح الماء كله " (2)، وهذا
~~التأويل كما ترى لا يلائم ما في المدارك (3) عن الشيخين (4)، وأتباعهما
~~(5)، من أنهم أوجبوا في البقرة كرا، بناء على أن تاءها للوحدة والمجرد عنها
~~اسم جنس يقع على الذكر والانثى كما في المجمع (6)، وكأنه وجد عن الشيخ في
~~كتابه الآخر، وعلى أي نحو ms583 كان فهو ضعيف وإن أرادوا بالبقرة خصوص الانثى كما
~~يظهر عن صاحب المدارك (7)، ومثله في الضعف ما عن ابن إدريس (8) من أنه
~~اكتفى في الثور بكر.
# وكما أن الخبرين المتقدمين يدلان على حكم ما تقدم فكذلك يدلان على حكم
~~وقوع الخمر على ما استدل عليه بهما الجماعة، مصرحين بعدم الفرق بين قليله
~~وكثيره، وجعله الشيخ مؤيدا لصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله في البئر
~~يبول فيها الصبي، أو يصب فيها بول أو خمر؟ فقال: " ينزح " (9).
# وفيه نظر واعترض في تعميم الحكم بالقياس إلى القليل بمنع تناول الخبرين
~~له، لأن التعبير بالصب يفهم منه الكثرة، ومن هنا ذهب ابن بابويه القمي -
~~على ما حكي
# PageV01P634
# عنه - (1) في المقنع (2) إلى التفصيل بين القطرة فخصها بعشرين دلوا،
~~محتجا بما رواه زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بئر قطر فيها دم
~~أو خمر؟ قال: " الدم والخمر والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد، ينزح منه
~~عشرون دلوا، وإن غلبت الريح نزحت حتى تطيب " (3).
# وقد ورد لها التقدير بثلاثين أيضا كما في خبر كردويه، قال: سألت أبا
~~الحسن (عليه السلام) عن البئر يقع فيها قطرة دم، أو نبيذ مسكر، أو بول، أو
~~خمر؟ قال: " ينزح منها ثلاثون دلوا " (4) وأجاب في المختلف عن الاعتراض: "
~~بمنع دلالة الأنصاب على الكثير، بل مفهومه الوقوع لذي الأجزاء على الاتصال
~~سواء قل أو كثر، والخمر الوارد في الحديث نكرة لا يدل على قلة ولا كثرة ".
# وعن الخبرين: " بالمنع من صحة سنديهما، لأن في طريقيهما من لا يحضرني
~~الآن حاله " (5) وعلى فرض الصحة فإعراض المعظم عنهما يخرجهما عن الاعتبار.
# وأما سائر المسكرات فإلحاقها بالخمر محكي عن المفيد (6)، والشيخ (7)،
~~والمرتضى، وقد يدعي فيه الشهرة العظيمة، بل عن الغنية (8)، والسرائر (9)
~~الإجماع عليه، وقيدها جماعة بالمايع بالأصالة احترازا عن الجامد كالحشيشة
~~للاتفاق على عدم نجاسته، كما في كلام المحقق الخوانساري (10) لكنهم لم
~~يذكروا هنا في أصل الحكم حديثا، بل اعترف بعدم الظفر عليه غير واحد منهم
~~العلامة في المنتهى (11).
# نعم المصرح ms584 به في جملة كلماتهم كما في المنتهى (12)، وغيره، وعن المعتبر
~~(13)، وغيره أن ذلك من جهة إطلاق الخمر على كل مسكر في كثير من الأخبار،
~~كرواية عطاء
# PageV01P635
# ابن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): كل مسكر خمر " (1)، ورواية علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (عليه
~~السلام): " إن الله لم يحرم الخمر لاسمها، ولكن حرمها لعاقبتها، فما كان
~~عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر " (2).
# ويعترض عليه تارة: بأنه لو بنى على هذا العموم لزم عدم الفرق بين الجامد
~~والمايع، ولو بنى على ظهور التنزيل في حرمة التناول خاصة خرج ما عدا الخمر،
~~لاختصاص ما فيه من الأمر بنزح الكل بالخمر.
# واخرى: بما في المدارك (3) من أن الإطلاق أعم من الحقيقة، والمجاز خير من
~~الاشتراك.
# ويمكن دفع الأول: باختيار الشق الأول مع القول بموجب العموم المذكور لولا
~~ما يوجب الخروج عنه بالقياس إلى الجامد من الدلالة على عدم نجاسته، وقد
~~عرفت نقل الاتفاق عليه، وكل عام قابل للتخصيص.
# ودفع الثاني: بأن التمسك بالإطلاق ليس لغرض إثبات الوضع والحقيقة حتى
~~يقابل بما ذكر، مع ما فيه من عدم جريانه بالنسبة إلى احتمال الاشتراك
~~المعنوي كما قرر في محله، وإنما المقصود به إثبات الإطلاق على نحو
~~الاستعارة والتشبيه ليحرز به ما هو مناط قاعدتهم المعروفة من أن التشبيه
~~يفيد المشاركة في الأحكام مطلقة أو الظاهرة منها خاصة، نعم يشكل ذلك بمنع
~~كون وجوب نزح الجميع من الأحكام الظاهرة، والمحقق عدم اقتضاء التشبيه إلا
~~المشاركة فيها خاصة، ومن هنا اتجه أن يقال: إنه لو قيل بنزح الجميع فيما لا
~~نص فيه عم الحكم لغير الخمر أيضا وإلا فللتأمل فيه مجال واسع.
# ومما ذكر تبين الحال في الفقاع الذي حكى عن الشيخ (4) إلحاقه بالخمر، وعن
~~أبي الصلاح (5) أنه تبعه، وكذلك ابن إدريس (6) وغيره (7)، بل عنه (8) كابن
~~زهرة (9) دعوى الإجماع عليه، فإن ذلك أيضا مما لا مستند له في الأخبار عدا
~~ورود إطلاق الخمر عليه
# PageV01P636
# في كثير منها، كرواية هشام ms585 بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
~~سألته عن الفقاع؟ فقال:
# " لا تشربه فإنه خمر مجهول " (1).
# وعن الرضا (عليه السلام): " وهو حرام وهو خمر " (2) وعن أبي الحسن الأخير
~~(عليه السلام) قال: " هي خمر استصغرها الناس " (3) والظاهر أن هذا هو مستند
~~الحكم كما في كلام جماعة، واعترض عليه أيضا في المدارك (4) بنحو ما مر، وقد
~~تقدم الجواب عنه مع المناقشة في أصل الاستدلال من وجه آخر، بل النظر في
~~سياق الأخبار وملاحظة صدرها وذيلها يعطي عدم ورودها إلا لإفادة حكم
~~التحريم، وإن بنينا في أصل مسألة التشبيه على التعميم، فالإشكال في الفقاع
~~هو الإشكال المتقدم.
# وأما موضوع الفقاع فعن القاموس: " الفقاع كرمان، هذا الذي يشرب، وإنما
~~سمي بذلك لما يرتفع في رأسه من الزبد " (5).
# وفي المجمع: " شئ يشرب يتخذ من ماء الشعير فقط وليس بمسكر ولكن ورد النهي
~~عنه " (6).
# وعن المرتضى في الانتصار: " أن الفقاع هو الشراب المتخذ من الشعير " (7).
# وفي حاشية الشيخ علي للشرائع: " أن المراد به ما يتخذ من الشعير ويسمى
~~بالغبيراء " (8).
# وعن الشهيد في الذكرى إلحاق العصير العنبي به بعد ما غلى واشتد (9)،
~~واستبعده في الروضة (10)، ومنعه في المدارك (11) عملا بالأصل السالم عن
~~المعارض، وعن حاشية المدارك للمحقق البهبهاني: " أن ما نقل في المسكر
~~والفقاع وارد في العصير أيضا، بل
# PageV01P637
# وأشد، يظهر ذلك من الأخبار الواردة في علة حرمة الخمر، لاحظ الكافي وغيره
~~" (1).
# وقد يجعل من تلك الأخبار المشار إليها ما ورد من " أن الخمر من خمسة:
~~العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، البتع من العسل، والمزر من الشعير،
~~والنبيذ من التمر " (2)، وفيه تأمل.
# وأما " المني " ففسره جماعة بمني ذي النفس السائلة إنسانا كان أو غيره،
~~وقيل باختصاصه بمني الإنسان وأن غيره ملحق بما لا نص فيه.
# واعترضه: بأن كلا النوعين كذلك (3)؛ والوجه في ذلك ما اعترف به غير واحد
~~كما في المنتهى (4)، وعن المعتبر (5)، وشرح النهاية لأبي علي (6) من: أنهم
~~لم يقفوا فيه على نص، ولا ورد فيه مقدر شرعي، وإن كان مما قال به ms586 الشيخ
~~وتبعه جماعة.
# وعن المحقق الشيخ علي: " أنه اشتهر القول بذلك بين الأصحاب " (7)، بل عن
~~الغنية (8) والسرائر (9) الإجماع عليه، وفي المنتهى (10) - كما عن المعتبر
~~- (11) أنه: " يمكن القول بأنه ماء محكوم بنجاسته، وتقدير بعض المنزوحات
~~ترجيح من غير مرجح فيجب الجميع ".
# وعلى قياسه الكلام في الدماء الثلاثة، فإن القول بوجوب نزح الجميع فيها
~~منقول عن الشيخ (12) وتبعه السلار (13)، وابن البراج (14)، وابن إدريس
~~(15)، وابن الزهرة (16)، بل عنهما دعوى الإجماع عليه، واعترف غير هؤلاء
~~بعدم ورود حديث في ذلك، ولذا عزي إلى المفيد (17) إطلاق القول في الدم بنزح
~~عشرة لكثيره وخمسة لقليله، ومثله ابن بابويه وأبوه (18) في عدم التفصيل وإن
~~خالفاه في التقدير.
# PageV01P638
# وعن المعتبر أنه كسائر الدماء قائلا - في وجه قول الشيخ بعد الاعتراف
~~بعدم عثوره على نص في ذلك -: " ولعل الشيخ نظر إلى اختصاص دم الحيض بوجوب
~~إزالة قليله وكثيره من الثوب، فغلظ حكمه في البئر وألحق به الدمين الآخرين،
~~لكن هذا التعليل ضعيف، فالأصل أن حكمه حكم بقية الدماء عملا بالأحاديث
~~المطلقة " (1) انتهى.
# وتنظر فيما ادعاه من إطلاق الأحاديث بعد ما استوجه التسوية بينه وبين
~~بقية الدماء، واستحسن ما ذكره من ضعف التعلق بالتوجيه المذكور، ولعل وجه
~~النظر في دعوى الإطلاق ما قيل فيه من دعوى الانصراف، المقتضي للحوق المقام
~~بما لا نص فيه، لكنه عند التأمل في حيز المنع، والظاهر أن الإطلاق ثابت.
# وقد يحكى عن ابن البراج (2) قول بوجوب نزح الجميع لعرق الجنب حراما، وعرق
~~الإبل الجلالة، والفيل، وآخر عن أبي الصلاح (3) بوجوبه لروث وبول ما لا
~~يؤكل لحمه مطلقا، كما نسبه العلامة في المختلف (4) أو في غير بول الصبي
~~والرجل كما نسبه في الذكرى (5) على ما حكي.
# وأورد على الجميع بعدم ورود الدليل عليه.
# وقد يوجه: بأن هذا القائل لعله يقول بوجوب نزح الجميع فيما لا نص فيه،
~~فاعترض بأن لا وجه حينئذ لإفراد هذه الامور بالذكر، وكأنه لذا عد الشهيد في
~~الدروس (6) من جملة ما يجب فيه نزح الجميع نجاسة لا نص فيها بناء له على ms587
~~الأحوط، ونحوه محكي عن الشيخ في المبسوط قائلا: " بأن الاحتياط يقتضي نزح
~~جميع الماء " (7) ويظهر منه الميل إلى اختيار أربعين الذي هو أحد أقوال
~~المسألة، لقوله - عقيب الكلام المذكور بلا فصل -: " وإن قلنا: بجواز أربعين
~~دلوا منها، لقولهم (عليهم السلام): " ينزح منها أربعون دلوا إن صارت مبخرة
~~" (8)، وفي بعض النسخ المحكية عنه " وإن صارت منجرة " (9).
# PageV01P639
# ولا نعقل معنى هذه الرواية ولا وجه الاستدلال بها، مع ما فيها من ضعف
~~السند بالإرسال، ولذا أورد عليه: بعد موجود ذلك في كتب الأخبار مع عدم
~~معلومية حال سنده بل وقصور دلالته، لمكان عدم كون متعلق نزح أربعين مذكورا
~~والدلالة موقوفة عليه.
# ولا يخفى عليك أن هذا كاف في القدح وإن قلنا بما قيل في دفع الأولين من
~~أن الشيخ ثقة ثبت فلا يضر إرساله، لأنه لا يرسل إلا من الثقات، والقول بأن
~~الظاهر من احتجاجه دلالة صدره على محل النزاع في دفع الأخير مما لا ينبغي
~~الإصغاء إليه، بعد ملاحظة أن الخطاء غير مأمون على المجتهد ولا عبرة
~~باجتهاد الغير.
# نعم، هنا رواية اخرى ذكرها العلامة في المختلف (1) عن كتابه المسمى
~~بمدارك الأحكام، وهو ما رواه الحسين بن سعيد، عن محمد بن أبي عمير، عن
~~كردويه قال:
# سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن بئر يدخلها ماء المطر فيه البول،
~~والعذرة، وأبوال الدواب وأرواثها، وخرء الكلاب؟ قال: " ينزح منها ثلاثون
~~دلوا وإن كانت مبخرة " (2) ولكنه كما ترى لا يرتبط بمحل البحث أولا،
~~وبالقول المذكور ثانيا، وكيف كان فلهم في مسألة ما لا نص فيه أقوال ثلاث:
# أحدها: القول بوجوب نزح الجميع، المحكي عن ابن إدريس (3)، وابن زهرة (4)،
~~وعن الغنية (5) الإجماع عليه.
# وثانيها: القول بوجوب نزح أربعين، المنسوب إلى بعض الأصحاب (6)، الظاهر
~~من الشيخ (7) فيما عرفت، وعزي إلى العلامة أيضا في بعض كتبه (8)، وإلى
~~الشهيد في شرح الإرشاد (9).
# وثالثها: القول بوجوب نزح ثلاثين، المحكي عن السيد جمال الدين بن طاووس
~~في البشرى (10)، وعن الشهيد (11) نفي البأس عنه أيضا.
# PageV01P640
# واحتج للقول الأول - كما في المنتهى - (1): بأنه ms588 ماء محكوم بنجاسته،
~~فلابد من النزح والتخصيص ببعض المقادير ترجيح من غير مرجح، فوجب نزح
~~الجميع.
# ومرجعه إما إلى الاحتياط كما تقدم عن الشيخ (2)، بدعوى: أن مع نزح الجميع
~~يحصل القطع بجواز الاستعمال ومع نزح البعض لا يحصل اليقين بالجواز.
# أو إلى الاستصحاب كما في كلام جماعة وهو الظاهر، ويمكن كونه وجها آخر
~~غيرهما كما هو الأظهر، وعلى أي حال فهذا القول هو الأقرب بناء على القول
~~بالنجاسة، للاستصحاب السليم عن المعارض، ولا مجال لأصل البراءة هنا لأنه لا
~~يفيد حكم الطهارة عند الشك في النجاسة، وكذا الحال لو قلنا بوجوب النزح
~~وجوبا شرطيا لرجوع الشك حينئذ إلى ارتفاع المنع عن الاستعمال بغير نزح
~~الجميع، وواضح أن الأصل عدمه.
# نعم، على تقدير كون وجوبه في قول من لم يقل بالنجاسة تعبديا صرفا كان
~~المتجه الاكتفاء بالأقل وهو نزح ثلاثين، لو قلنا بانحصار أقوال المسألة في
~~الثلاثة انحصارا نافيا للقول الرابع، كما هو الأصل المقرر في كل أكثر وأقل
~~يدور الأمر بينهما في التعبديات الصرفة.
# نعم، يشكل الحال هنا على القول المختار من استحباب النزح من حيث أنه في
~~جميع موارده يتبع النص ولو ضعيفا، ولا نص هنا بالقياس إلى شئ من أقوال
~~المسألة، ولو قيل باستحباب نزح الجميع احتياطا خروجا عن شبهة النجاسة أو
~~الوجوب تعبدا لم يكن بعيدا كما لا يخفى.
# واحتج للقول بالأربعين: بما تقدم عن الشيخ (3) وقد عرفت عدم نهوضه دليلا
~~عليه في سنده ولا دلالته، قال في المدارك - بعد القدح فيما ذكر بنحو ما مر
~~مفصلا -: " نعم يمكن الاستدلال عليه بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع
~~المتقدمة في أدلة الطهارة، فإنها صريحة في الاكتفاء في طهارة البئر مع
~~تغيره بنزح ما يزيل التغير خاصة وعدم وجوب نزح الماء كله، ومتى انتفى وجوب
~~نزح الجميع مع التغير انتفى مع عدمه بطريق أولى، فيثبت الأربعون لعدم الجزم
~~بحصول الطهارة بالثلاثين " (4) انتهى.
# PageV01P641
# وهو كما ترى لا يفيد إلا نفي وجوب نزح الجميع على تقدير تسليم أصل
~~الدلالة، وأما تعيين ms589 أربعين فلا، إلا إذا ثبت الإجماع على نفي القول الرابع
~~الزائد على الأقوال المذكورة، وهو بمحل من المنع.
# واحتج للقول الثالث: برواية كردويه المتقدمة (1)، ورد: بقصور السند أولا،
~~وقصور الدلالة ثانيا، بوضوح اختصاصها بأشياء مخصوصة من دون أن يكون فيها
~~دلالة على الحكم عموما، فالحكم الوارد فيها في الحقيقة من جملة المقدرات
~~الخاصة لا أنه حاكم لما لا تقدير له عموما.
# ثم في المسألة وجه آخر احتمله المحقق في المعتبر قائلا - على ما حكي عنه
~~-:
# " ويمكن أن يقال فيه وجه [ثالث] وهو: أن كلما لم يقدر له منزوح لا يجب
~~فيه نزح، عملا برواية معاوية المتضمنة لقول أبي عبد الله (عليه السلام) "
~~لا يغسل الثوب ولا يعاد الصلاة مما يقع في البئر إلا أن ينتن "، ورواية ابن
~~بزيع " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه أو طعمه " وهذا يدل
~~بالعموم فيخرج منه ما دلت عليه النصوص بمنطوقها أو فحواها، ويبقى الباقي
~~داخلا تحت هذا العموم " (2) انتهى.
# وهو كما ترى إنما يتجه على القول بوجوب النزح لمجرد التعبد كما اعترف به
~~هو في ذيل تلك العبارة، وإلا فالمتجه تعين نزح الجميع عملا بالأصل المتقدم.
# ثم أنه عن الشيخين (3) وأتباعهما (4) فيما تعذر استيعاب ماء البئر فيما
~~يجب نزح الجميع الحكم بالاكتفاء بالتراوح، وهو أن ينزح أربعة، كل اثنين
~~دفعة يوما إلى الليل، فإن " التراوح " تفاعل من الراحة، لأن كل اثنين
~~يريحان صاحبيهما، وكون ذلك كافيا مما جعله في شرح الدروس (5) مشهورا بين
~~الأصحاب، بل في منتهى العلامة: " ولم أعرف مخالفا من القائلين بالنجاسة "
~~(6)، وعن المحقق في المعتبر تعليل الحكم - مضافا إلى ما سيأتي -: " بأنه
~~إذا وجب نزح الماء كله وتعذر فالتعطيل غير جائز، والاقتصار على نزح
# PageV01P642
# البعض تحكم، والنزح يوما يتحقق معه زوال ما كان في البئر فيكون العمل به
~~لازما " (1).
# وضعفه واضح بعد ملاحظة كون بعض مقدماته ممنوعة وبعضها الآخر مصادرة،
~~والعمدة في المستند موثقة عمار المروية في التهذيب عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) - في حديث طويل ms590 - قال: وسئل عن بئر يقع فيها كلب، أو فأرة، أو
~~خنزير؟ قال: " ينزف كلها، فإن غلب عليه الماء فلينزف يوما إلى الليل، ثم
~~يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين، فينزفون يوما إلى الليل وقد طهرت "
~~(2).
# وفي معناه ما روي عن فقه الرضا (عليه السلام) من قوله (عليه السلام): "
~~فإن تغير الماء وجب أن ينزح الماء كله، فإن كان كثيرا وصعب نزحه فالواجب
~~عليه أن يكتري عليه أربعة رجال يستقون منها على التراوح من الغدوة إلى
~~الليل " (3).
# واعترض على الأول تارة: بقصور سنده من حيث إن جماعة من رجاله فطحية فلا
~~تعويل عليه.
# فاجيب عنه: بأن جماعة من رواته وإن كانت فطحية غير أنها ثقات، فيعمل بما
~~رووه مع سلامته عن المعارض واعتضاده بعمل الأصحاب؛ وما عن الشيخ في العدة
~~(4) من دعوى إجماع الإمامية على العمل برواية عمار مع تأيده بالرضوي
~~المذكور، واخرى: بتهافت متنه من حيث تضمنه إيجاب نزح الجميع لما لا قائل به
~~فيه.
# فدفع: بأن نزح الجميع هنا إما محمول على الاستحباب، أو على صورة التغير
~~كما صرح به الشيخ في التهذيب؛ (5) وأيا ما كان فليس مما لا قائل به، ويثبت
~~به بدلية التراوح عن نزح الجميع وهو المطلوب.
# و قد يستند - على تقدير الحمل على التغير - للتعدي إلى غيره إلى
~~الأولوية، فإنه إذا أجزأ التراوح في صورة التغير عن نزح الجميع عند العجز
~~عنه، أجزأ عنه في المقام بطريق أولى.
# PageV01P643
# وفيه: منع استفادة البدلية المطلقة على تقدير الحمل على الاستحباب كما هو
~~الظاهر، فإن بدلية مستحب عن مستحب لا يقضي ببدلية مثل ذلك المستحب عن واجب،
~~سيما إذا اعتبرناه للتطهير لا لمجرد التعبد، وحمله على التعبد تأويل لا
~~شاهد له يصلح التعويل عليه، وعلى صحة التعويل عليه هنا فهو في أشياء مخصوصة
~~ليس معها ما يدل بعموم الحكم، وسقوط الخصوصية ولو سلم فأقصى ما يسلم فيه من
~~العموم إنما هو بالنسبة إلى أفراد التغير لا مطلقا، والأولوية المدعاة
~~ممنوعة، كيف والتغير أقوى سببي النجاسة.
# وثالثة: بأن ظاهره ms591 يدل على وجوب التراوح يوما بعد وجوب نزحه يوما، وحاصله
~~الدلالة على وجوب نزحه يومين، لمكان قوله (عليه السلام): " ثم يقام عليها
~~قوم يتراوحون " بعد قوله (عليه السلام): " فلينزف يوما إلى الليل " وهو مما
~~لا قائل به.
# فدفع تارة: بمنع كون كلمة " ثم " هنا للترتيب، لجواز كونها لغيره، كما
~~ورد كثيرا ومنه قوله تعالى: ﴿كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون﴾ (1).
# واخرى: بالإجماع على عدم وجوب ما عدا التراوح، فهو قرينة ظاهرة على عدم
~~إرادة الترتيب.
# وثالثة: باحتمال سقوط لفظ " قال " بعد كلمة " ثم " على أن يكونا من كلام
~~الراوي، كما يرشد إليه ما في سابقه في التهذيب (2) من قوله: " ثم قال: فإن
~~غلب " الظاهر في كونه للشيخ، لمكان قوله - بعد قال -: " أعني أبا عبد الله
~~"، هذا مضافا إلى ما عن بعض النسخ من قوله: " ثم قال: يقام " كما نقل، مع
~~قوة احتمال زيادة تلك اللفظة كما عن المعتبر (3) من عدم ذكره إياها.
# ورابعة: بأن المراد بالنزف يوما نزح الجميع في يوم، ثم إذا لم ينزف في
~~يوم تراوح عليها أربعة.
# وخامسة: باحتمال الفتح في " ثم " على أن تكون للإشارة، فيكون معنى: ثم
~~يقام في تلك الحال وذلك الوقت يقام عليها قوم، ويكون قوله: " يقام " بيانا
~~لكيفية النزف.
# ولا يخفى ما في الكل من التكلف؛ وفي المقام فروع ينبغي الإشارة إليها.
# PageV01P644
# منها: أن الذي يقتضيه عبارة المقنعة (1) المحكية في التهذيب كون حكم
~~التراوح معلقا على صعوبة نزح الجميع وتعسره، لقوله: " وإن مات فيها بعير
~~نزح جميع ما فيها، فإن صعب ذلك لغزارة الماء وكثرته تراوح على نزحه أربعة
~~رجال " (2) إلى آخره.
# إلا أن مقتضى صريح الجماعة كونه معلقا على التعذر، والخبر المتقدم (3)
~~الذي هو مستند الحكم يعضد الأول، لوقوع التعبير فيه بالغلبة التي هي أعم من
~~موجب التعذر، بل يوافقه صريح الرضوي (5) إن قلنا بالعمل به، ولعل كلام
~~الجماعة مبني على خارج بلغهم من إجماع وغيره، وإلا فلا يساعدهم الدليل
~~النقلي كما عرفت.
# ويمكن ابتناؤه على مراعاة ms592 الاحتياط الذي هو حسن على كل حال، وإن كان
~~كلامهم فيما نعلم خلوا عن التعليل به، بل عن التعرض لذكر هذا الفرع.
# وكيف كان فالمعتبر في التعذر أو التعسر الموجبين للاكتفاء بالتراوح كونه
~~ناشئا عن كثرة الماء وغزارته المانعة عن نزح جميعه، كما هو المصرح به في
~~كلماتهم، المنصوص عليه في الخبرين المتقدمين، فلا يجتزأ به لو كان العذر أو
~~العسر لمانع خارجي، اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد النص.
# ومنها: أن مقتضى القاعدة المشار إليها وقوع النزح في النهار القائم
~~المتصل طويلا كان أو قصيرا لإطلاق النص، فلا يكفي مقداره من الليل ولا
~~الملفق من الليل والنهار كائنا ما كان، ولا نصف النهار لو فرض فيه وقوع ما
~~يقع في النهار التام من العمل، كما أنه لا يجب تحري أطول الأيام، بل هو في
~~كثير من الصور منفي بالضرر.
# لكن الكلام في تحديد النهار هنا من حيث احتمال كون العبرة فيه بما بين
~~طلوع الشمس وغيبوبتها، كما هو في ظاهر العرف المنصرف إليه الإطلاق في
~~النذور والإجارات وغيرها من العقود، أو بما هو معتبر في يوم الصوم كما
~~يساعد عليه الاحتياط وخرج به في كلام جماعة من الأصحاب.
# وعلى أي حال فيجب تهيئة الأسباب قبل الوقت، بل أخذ شئ من الطرفين للعمل
~~شروعا وختما مقدمة للعلم، وربما يقال بوجوب التهيؤ قبل الوقت حتى بالقياس
~~إلى
# PageV01P645
# إرسال الدلو إلى البئر، وهو بعيد بل منفي ببطلان الترجيح من غير مرجح،
~~حيث إن ذلك لا يعقل إلا في الدلو الأول الذي يشرع به.
# ومنها: أن قضية القاعدة المشار إليها بملاحظة مفهوم " القوم " الظاهر في
~~الرجال إن لم نقل باختصاصه بهم - كما يقتضيه المحكي عن الصحاح (١) والنهاية
~~الأثيرية (٢)، وقوله عز من قائل: ﴿لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء﴾ (3) وقول
~~زهير: " أقوم آل حصن أم نساء "، مضافا إلى ورود التصريح بهم بالخصوص في
~~الرضوي على تقدير العمل به - عدم الاجتزاء بالنسوان ولا الصبيان ولا
~~الخناثي، وإن ms593 نهض كل واحد من هؤلاء بعمل الرجال، وهو المصرح به في كلام غير
~~واحد عدا العلامة في المنتهى (4)، حيث استشكل في عدم إجزاء هؤلاء لو ساوت
~~قوتهم قوة الرجال، بل عن بعض الأصحاب - كما في المدارك - (5) الاجتزاء بهم،
~~واستحسنه في الكتاب على تقدير عدم قصور نزحهم عن نزح الرجال، وهذا جيد على
~~القول بكون النزح للتطهير، للقطع بعدم مدخلية الرجولية في ذلك.
# وأما على القول به تعبدا فالإشكال قوي في غاية القوة، ولعله الداعي إلى
~~ما عرفته من العلامة من حيث إنه في المسألة قائل بطهارة البئر ووجوب النزح
~~تعبدا كما تبين آنفا.
# ومنها: أن قضية إطلاق " القوم " في الخبر الأول، وإطلاق قوله (عليه
~~السلام): " يتراوحون اثنين اثنين " عدم انحصار العدد المعتبر هنا في
~~الأربعة، وكفاية الزائد عليه ما لم يؤد الكثرة إلى صرف الوقت بالبطوء
~~ونحوه، ولا ينافيه ما في الرضوي من تخصيص الأربعة بالذكر - على تقدير العمل
~~به - بعد ملاحظة أن العدد لا مفهوم له، فتأمل.
# نعم، قضية ما ذكر من اعتبار التراوح بين اثنين اثنين في النزح عدم كفاية
~~ما دون الأربعة اقتصارا على مورد النص، كما صرح به غير واحد، وإن كان
~~العلامة في المنتهى (6) قد استقرب إجزاء نزح الاثنين إن امتد نزحهما إلى
~~الليل وعلم مساواته لتراوح الأربعة، وهذا قوي على تقدير اعتبار النزح
~~للتطهير كما عرفت.
# وقد يقال: باعتبار قيام الآخرين للنزح في أول زمان تعب الأولين وكلهما
~~تحصيلا
# PageV01P646
# لصدق الإراحة، وليس ببعيد سيما على التعبد.
# ومنها: قال في الروضة: " ويجوز لهم الصلاة جماعة، لا جميعا بدونها، ولا
~~الأكل كذلك " (1) وفي المدارك: " قيل [إنه] يستثنى لهم الأكل جميعا،
~~والصلاة جماعة " (2)، ثم نفى عنه البأس تعليلا بقضاء العرف بذلك.
# وأورد عليه: بأن مسألة التراوح حكم شرعي فلا دخل لمعرفة العرف فيه، وظاهر
~~الخبر امتداد النزح إلى الليل، والغالب فيه التعبد، ولذا لا يكفي فيه الليل
~~ولا الملفق " (3).
# وفيه: أن مقصود المتمسك بالعرف أنه يفهم من خطاب التراوح عرفا الترخيص في
~~الاجتماع للأكل والصلاة، فلا ينافيه ms594 كون مسألة التراوح حكما شرعيا، ولا
~~ظهور الخبر في الامتداد إلى الليل، لأن معنى الامتداد حينئذ عدم التقاعد عن
~~الاشتغال جميعا في غير ما ساعد العرف على الترخيص فيه، وعدم منافاته
~~للامتداد.
# نعم، عن بعض المحققين الاستشكال في الاجتماع لغير صلاة الجمعة، إذ دليل
~~الجماعة أعم من دليل التراوح من وجه والأصل بقاء نجاسة البئر، كيف ولو
~~اعتبر هذا العموم لدخل سائر المستحبات كقضاء حاجة المؤمن وتشييع الجنازة،
~~ودعوى استثناء الصلاة من اللفظ عرفا أو عادة محل تأمل.
# وربما يتأمل أيضا في طهارة البئر لو ترك النزح لصلاة الجمعة أيضا، لإمكان
~~تطهيرها في غير يومها.
# وقد يعترض على دعوى استثناء الجماعة للصلاة بأن اللازم عليهم استثناء
~~زمان مقدمات الجماعة كالسعي والانصراف إلى المسجد ونحوه، وبالجملة هذه
~~الأحكام كلها على خلاف الاحتياط؛ وبناء العرف في خصوص المقام غير معلوم وإن
~~ادعي ثبوته على الترخيص في الاجتماع.
# ومنها: أن المشهور المدعى عليه الشهرة كون العبرة في كيفية تراوح القوم
~~اثنين اثنين اشتغال كل اثنين معا بالنزح، بأن يستقيا بدلو واحد ويتجاذبا
~~إياه إلى أن يتعبا فيقعدان وقام الآخران مشتغلين متجاذبين كذلك، وعن ثاني
~~الشهيدين في روض الجنان: " أن
# PageV01P647
# أحد المتراوحين يكون فوق البئر يمتح الدلو والآخر فيها يملؤه " (1)،
~~والأولى كونهما معا فوق البئر كما في المدارك (2) لأنه المتعارف، وعن
~~المولى التقي المجلسي (قدس سره) (3) أنه احتاط في ذلك بدخول واحد في البئر
~~ووقوف اثنين في الفوق للنزح خروجا عن الشبهة.
# المسألة الثانية: ما يوجب نزح كر من ماء البئر، وهو على ما ضبطه الشهيد
~~في الدروس (4) وأفتى فيه بالحكم المذكور، الدابة، والبغل، والحمار،
~~والبقرة، ونقل عنه مثله في الذكرى (5) والبيان (6) ومثله في اللمعة (7)
~~أيضا ولكن بإسقاط " البغل " تبعا في ذلك لشرائع (8) المحقق، وقرينة
~~المقابلة تعطي كون المراد ب " الدابة " في كلامهما " الفرس " خاصة، دون ما
~~يدب على الأرض، ولا ما يركب على إطلاقهما.
# قال في الروضة: " هذا هو المشهور والمنصوص منها، مع ضعف طريقة " الحمار
~~والبغل "، وغايته أن ينجبر ضعفه بعمل الأصحاب، ms595 فيبقى إلحاق الدابة والبقرة
~~بما لا نص فيه أولى " (9).
# قال العلامة في المنتهى - بعد ذكر الامور المذكورة بزيادة " أشباهها " -:
~~" أما الحمار، فقد ذهب إليه أكثر أصحابنا " - إلى أن قال -: " وأما البقرة
~~والفرس، فقد قال الشيخ والسيد المرتضى والمفيد بمساواتهما للحمار في الكر "
~~(10).
# وعن السرائر (11) أنه ذكر الخيل، والبغال، والحمير أهلية كانت أو غير
~~أهلية، والبقرة وحشية أو غير وحشية، أو ما ماثلها في مقدار الجثة.
# وعن الوسيلة (12)، والإصباح (13): الحمار والبقرة وما أشبههما.
# وعن المهذب (14): الخيل، والبغال، والحمير، وما أشبههما في الجسم.
# وعن الغنية (15) دعوى الإجماع على الخيل وشبهها، وعن المعتبر المناقشة في
~~هذا التعميم، قائلا - بعد ما نسب إلحاق الفرس والبقر بالحمار إلى الثلاثة -
~~(16): " ونحن نطالبهم بدليل ذلك، فإن احتجوا برواية عمرو بن سعيد، قلنا: هي
~~مقصورة على الجمل
# PageV01P648
# والحمار والبغل، فمن أين يلزم في البقرة والفرس، فإن قالوا: هي مثلها في
~~العظم، طالبنا هم بدليل التخطي إلى المماثل من أين عرفوه، لابد له من دليل،
~~ولو ساغ البناء على المماثلة في العظم لكانت البقرة كالثور، ولكان الجاموس
~~كالجمل، وربما كانت الفرس في عظم الجمل، فلا تعلق إذا بهذا وشبهه، ومن
~~المقلدة من لو طالبته بدليل ذلك لادعى الإجماع بوجوده في كتب الثلاثة، وهو
~~غلط وجهالة إن لم يكن تجاهلا، فالأوجه أن يجعل الفرس والبقرة في قسم ما لم
~~يتناوله نص على الخصوص " (1) انتهى.
# والظاهر أن مراده بالمقلد المدعي للإجماع هو ابن الزهرة (2)، ومراده
~~برواية عمرو بن سعيد ما تقدم إليه الإشارة في المسألة الاولى، قال: سألت
~~أبا جعفر عما يقع في البئر ما بين الفأرة والسنور إلى الشاة؟ فقال: " كل
~~ذلك نقول سبع دلاء " قال: حتى بلغت الحمار والجمل، قال: " كر من ماء " (3).
# والظاهر أن مستند الحكم هنا هو هذه الرواية ولو بالنسبة إلى بعض
~~المذكورات، وقد تقدم عن العلامة (4)، وصاحب المعالم (5)، القدح في سندها،
~~فإن العلامة رمى عمرو بن سعيد بالفطحية كما عنه أيضا في المختلف (6)، وعن
~~المحقق في المعتبر (7) وعن الشهيد في الذكرى (8).
# وقد يستفاد توثيقه عن ms596 بعض الأخبار (9)، بل وثاقته وجلالة شانه عن كلام
~~بعض العلماء الأخيار كالكليني، حيث وصف في الروضة (10) الحديث الذي هو في
~~سنده
# PageV01P649
# بالصحة، وبالجملة فهو إما صحيح أو موثق أو منجبر بعمل الأصحاب، ولا يقدح
~~في اعتباره اشتماله على الجمل الذي لم يقل بذلك الحكم فيه أحد، لأن ذلك
~~يوجب الوهن فيه في هذا المقدار، أو أنه لا جابر له بالقياس إلى هذا
~~المقدار.
# وإلى بعض ما ذكرناه يشير عبارة المنتهى القائلة: " بأنها ضعيفة من حيث
~~السند، ومن حيث التسوية بين الحمار والجمل، إلا أن أصحابنا عملوا فيها
~~بالحمار والتسوية سقطت باعتبار حصول المعارض، فلا يلزم نفي الحكم عما فقد
~~عنه المعارض ". (1) وأما دلالته من حيث الصراحة فترى أنها مقصورة على "
~~الحمار " على ما هو في النسخ الموجودة الآن بأيدينا، أو هو و " البغل " على
~~ما صرح به ثاني الشهيدين (2) والمحقق (3) فيما تقدم، وعن المعتبر (4) أنه
~~نقل الرواية بزيادة " البغل " ونحوه محكي عن المهذب (5)، بل عن شرح الفاضل
~~الهندي (6) وجود " البغل " فيها في موضع من التهذيب (7)، ونحوه عن كشف
~~الالتباس (8) والمقتصر (9) والروض (10) والذكرى (11)، وعن المحقق البهبهاني
~~- بعد نقل الرواية -: " وفي نسخة من التهذيب حتى بلغت الحمار والبغل
~~والجمل، وظاهرها أن الراوي كان يسأل عن [حكم] موت حيوان بترتيب الجثة من
~~الصغر إلى الكبر، فقوله: " حتى بلغت الحمار والجمل " في قوة أن يقال: إلى
~~أن بلغت جثة الحمار، ثم بعدها إلى أن بلغت جثة الجمل، ومعلوم أن جثة البقر
~~جثة الحمار، وأما جثة الدابة فهي الجثة المتوسطة بين جثة الحمار وجثة
~~الجمل، هذا على النسخة المشهورة، وأما على النسخة الغير المشهورة فغير خفي
~~أن جثتها جثة البغل " (12) انتهى.
# والمقصود من هذا التحقيق جعل الرواية متضمنة لجميع الامور المذكورة حتى
~~الدابة والبقرة وليس ببعيد، بل الظاهر من سوق الرواية أن ذكر " الحمار "
~~على النسخة المشهورة وارد من باب المثال، وإلا فغرض السائل سؤاله عن حكم "
~~الحمار " وما يشبهه أو يقرب منه في الجثة، كما تنبه عليه بعض مشايخنا
~~قائلا: " ويظهر من سوق
# PageV01P650
# الرواية ms597 عموم حكم الحمار لما ماثلها في الجثة، حيث جعل الحيوانات أصنافا
~~بحسب الجثة فيشمل البقرة " (1).
# وإلى ذلك نزل ما تقدم من عبارات القدماء قائلا: " بأن الظاهر أن الكل
~~فهموا من رواية الحمار وغيرها ما ذكرنا من إرادة المثال " (2).
# ولا يخفى على الفطن العارف أن ذلك في غاية الجودة، وأجود مما رامه
~~العلامة في المنتهى (3) من الاستناد في تعميم الحكم إلى ما رواه الشيخ - في
~~الصحيح - عن الفضلاء الثلاثة زرارة، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية
~~العجلي، عن أبي عبد الله وأبي جعفر (عليهما السلام) في البئر يقع فيها
~~الدابة والفأرة والكلب والطير فيموت؟، قال: " يخرج ثم ينزح من البئر دلاء،
~~ثم اشرب وتوضأ " (4).
# فقال في وجهه: " قال صاحب الصحاح: " الدابة " اسم لكل ما يدب على الأرض،
~~و " الدابة " اسم لكل ما يركب، فنقول: لا يمكن حمله على المعنى الأول وإلا
~~لعم، وهو باطل لما يأتي، فيجب حمله على الثاني.
# فنقول: الألف واللام في " الدابة " ليست للعهد، لعدم سبق معهود يرجع
~~إليه، فإما أن يكون للعموم كما ذهب إليه الجبائيان، أو لتعريف الماهية على
~~المذهب الحق، وعلى التقديرين يلزم العموم في كل مركوب.
# أما الأول: فظاهر، وأما الثاني: فلأن تعليق الحكم على الماهية يستدعي
~~ثبوته في جميع صور وجودها وإلا لم يكن علة، هذا خلف، وإذا ثبت العموم دخل
~~فيه الحمار، والفرس، والبغل، والإبل، والبقر [نادرا] غير أن الإبل والثور
~~خرجا بما دل بمنطوقه على نزح الجميع، فيكون الحكم ثابتا في الباقي.
# فإن قلت: يلزم التسوية بين ما عدده الإمامان (عليهما السلام).
# قلت: خرج ما استثنى بدليل منفصل، فيبقى الباقي لعدم المعارض، وأيضا:
~~التسوية حاصلة من حيث الحكم بوجوب نزح الدلاء، وإن افترقت بالكثرة والقلة،
~~وذلك شئ
# PageV01P651
# لم يتعرضا (عليهما السلام) له، إلا أن لقائل أن يقول: إن ما ذكرتموه لا
~~يدل على بلوغ الكرية، ويمكن التمحل بأن يحمل " الدلاء " على ما يبلغ الكر
~~جمعا بين المطلق والمقيد خصوصا مع الإتيان بصيغة جمع الكثرة.
# لا يقال: إن حمل الجمع على الكثرة ms598 استحال إرادة القلة منه، وإلا لزم
~~الجمع بين إرادتي الحقيقة والمجاز، وإن حمل على القلة فكذلك.
# لأنا نقول: لا نسلم استحالة التالي، سلمناه لكن إن حمل على إرادة معناه
~~المجازي وهو مطلق الجمع لم يلزم ما ذكرتم، على أن لنا في كون الصيغ
~~المذكورة حقائق أو مجازات في القلة والكثرة نظرا " (1)، إلى آخر ما ذكره،
~~ولا يخفى ما في هذا التقريب من وجوه النظر.
# أما أولا: فلأن لزوم الحمل على المعنى الثاني إنما هو لقرينة المقابلة
~~فيما بين الدابة والفأرة والكلب والطير لا العموم الموهوم، وإلا سهل علاجه
~~بتطرق التخصيص، كما يعالج ذلك على الحمل على المعنى الثاني أيضا بالقياس
~~إلى الثور، والحمل بالتخصيص حسبما اعترف به (قدس سره).
# وتوهم كون الداعي إلى الفرق لزوم تخصيص الأكثر على التخصيص الأول دون
~~الثاني، يدفعه: أن إخراج غير موضوع الحكم هنا ليس من باب التخصيص المصطلح،
~~حيث لا عام في المقام، بل هو من باب تقييد المطلق وهو جائز كائنا ما كان.
# وأما ثانيا: فلأن الحمل عليه يقضي بعدم تناول الحكم للبقرة، لعدم كونها
~~بحسب العادة من جنس المركوب، والركوب عليها عند بعض الطوائف النادرة - على
~~فرض تسليمه - غير مجد، بعد ملاحظة أن المطلق لا ينصرف إلى الأفراد النادرة،
~~ويرد ذلك بعينه بالنسبة إلى الحمار والبقر الوحشيين مطلقا كما لا يخفى، مع
~~أن ظاهر الجماعة بل صريح بعضهم عدم الفرق في الحكم المذكور بين الوحشي من
~~الأنواع المذكورة وغيره.
# وأما ثالثا: فلأن جعل اللام للعهد الذهني أيضا ممكن، مع عموم الحكم لجميع
~~الأنواع المذكورة كما لا يخفى، ولا يبعد أخذ ورود السؤال بعنوان الوقوع
~~قرينة على ذلك، بملاحظة أن الوقوع من عوارض الشخص دون الجنس والماهية.
# وأما رابعا: فلأن ذلك بعد اللتيا والتي لا يجدي نفعا في ثبوت التحديد
~~بالكرية،
# PageV01P652
# والتمحل له بالجمع بين المطلق والمقيد غير مفهوم المعنى، حيث لم يرد
~~التقدير بالكرية للدابة، إلا أن يراد به ما ورد في الرواية السابقة بالقياس
~~إلى الحمار أو هو والبغل، وفيه:
# أن ms599 ما ورد في هاتين الروايتين أشبه بكونه من باب المجمل والمبين، مع ما
~~في التشبث بتلك القاعدة من إخراج الرواية أجنبية عن المطلوب، حيث إن "
~~الدابة " في تلك الرواية أيضا مطلقة، فيحمل على مقيد الرواية السابقة وهو "
~~الحمار "، بناء على أن المقيد عبارة عما دل لا على شايع في جنسه، إلا أن
~~يتفصى بعدم المنافاة بينهما من هذه الجهة الذي هو الداعي إلى الجمع وحمل
~~أحدهما على الآخر، بخلاف ما بين التحديد بالدلاء والتحديد بالكرية، المفيد
~~أولهما الاجتزاء بما دون الكر كما لا يخفى، ثم حمل الجمع على الكثرة لا
~~يقضي بتعين الكرية، لأن الكثرة لها مراتب منها الكرية، ومنها ما فوقها،
~~ومنها ما دونها في الجملة، وكون اعتبار الزائد عليها هنا منفيا بالإجماع -
~~على فرض تسليمه - لا يقضي بنفي اعتبار ما دونها إذا اندرج في مفهوم الكثرة
~~عرفا، إلا أن يتشبث لنفي كفاية الأقل أيضا بالإجماع، فيتضح حينئذ منعه مع
~~عدم جدواه في تتميم الاستدلال بالرواية كما هو مقصود المقام، لكون المطلب
~~إنما ثبت حينئذ بالإجماع على نفي طرفي الكر.
# المسألة الثالثة: فيما ينزح له سبعون دلوا بما اعتاده البئر، ومع
~~الاختلاف فالأغلب كما هو صريح الروضة (1) وغيرها، وهو على ما اتفقت عليه
~~كلمة أهل القول بالتنجيس وغيرهم ممن يوجب النزح ولو تعبدا موت الإنسان.
# وفي المنتهى: " وهو مذهب القائلين بالتنجيس " (2)، وفي المختلف: " ذهب
~~إليه أصحابنا " (3) وعن الغنية (4) وظاهر المعتبر (5) دعوى الإجماع عليه،
~~ومستنده على ما في كلام غير واحد موثقة عمار الساباطي المروية في التهذيب،
~~قال سئل أبو عبد الله عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر؟ قال: " تنزح
~~منها دلاء، هذا إذا كان ذكيا فهو هكذا، وما سوى ذلك مما يقع في بئر الماء
~~فيموت فيه فأكثره الإنسان ينزح منها سبعون دلوا، وأقله العصفور ينزح دلوا
~~واحدا، وما سوى ذلك فيما بين هذين " (6).
# PageV01P653
# وقدح فيها العلامة في المنتهى بكون رواتها فطحية (١)، غير أنه واضح الدفع
~~بالعمل والوثاقة كما هو صريح المحكي عن المعتبر (٢)، وقضية إطلاق " الإنسان ms600
~~" عدم الفرق فيه بين الكبير والصغير، ولا السمين والمهزول، ولا الذكر
~~والانثى، كما هو المصرح به في كلام غير واحد، مع دعوى الاتفاق عليه في بعض
~~العباير، وفي شموله للكافر كشموله للمسلم قضية للإطلاق خلاف، فالأكثر على
~~الشمول، وغيرهم كابن إدريس - في المحكي عنه - على منعه، لقوله في الكافر
~~بوجوب نزح الجميع، محتجا: " بأن الكافر نجس، فعند ملاقاته حيا يجب نزح
~~البئر أجمع، والموت لا يطهر فلا يزول وجوب نزح الماء " (٣)، ثم دفع التمسك
~~بإطلاق " الإنسان " بمعارضته للجنب إذا ارتمس في البئر المحمول على المسلم،
~~مع أنه بإطلاقه يعم الكافر.
# وأجاب عنه في المنتهى: " بمنع وجوب نزح الجميع في مباشرة الكافر حيا،
~~لابتنائه على وجوب نزح الجميع فيما لا مقدر له بالخصوص في النصوص، وهو في
~~حيز المنع، وما ذكر من القياس ضعيف حيث أنه لا جامع بين المقامين، إلا من
~~حيث إن لفظ " الإنسان " مطلق، كما أن لفظ " الجنب " مطلق، وهذا لا يوجب أن
~~لو قيد أحد المطلقين بوصف وجب أن يقيد به المطلق الآخر، كيف ولو صح ذلك
~~لاطرد في كل اسم جنس حلي باللام، فوجب أن يقال: إن لفظ " البيع " في ﴿أحل الله البيع﴾ (4) ولفظ "
~~الزاني " و " الزانية " وكذا " السارق " و " السارقة " ونحوهما ليس للعموم،
~~لأن لفظ " الجنب " ليس للعموم، ولا ريب في فساد ذلك، على أنا نقول: إن وجد
~~بالقياس إلى الجنب مخصص امتنع القياس، وإلا كان التقييد فيه أيضا ممنوعا،
~~مع أن دعوى عدم النص هنا غير مسلمة، كيف وأن النص كما يدل بمنطوقه فكذلك قد
~~يدل بمفهومه الذي هو ثابت هنا، حيث إن " الإنسان " مطلق يتناول المسلم
~~والكافر، فيجري مجرى النطق بهما معا، فإذا وجب في موته سبعون لم يجب في
~~مباشرته أكثر، لأن الموت يتضمن المباشرة فيعلم نفي ما زاد من مفهوم النص،
~~سلمنا، لكن نمنع بقاء نجاسة الكفر بعد الموت، وإنما يحصل له نجاسة بالموت
~~مغايرة لنجاسة حالة الحياة.
# PageV01P654
# وتوضيحه: أن النجاسة حكم شرعي يتبع مورد النص، ms601 والكافر إنما لحقه حكم
~~التنجيس باعتبار كفره وجحوده الحق، وقد انتفى ذلك بموته فينتفي الحكم
~~التابع له، ويلحقه حكم آخر شرعي بالموت، والحكمان متغايران "، انتهى ملخصا
~~(١)، وعن المعتبر (٢) أيضا الاعتراض على الحلي بما يقرب من ذلك.
# وأنت خبير بما في جميع ذلك من المكابرة ودفع ضرورة الوجدان، القاضي بكون
~~المتجه هو ما ذكره الحلي (٣)، ووافقه الإسكافي - على ما حكي -، لوجوب عدم
~~كون المطلق في إفادة الإطلاق واردا مورد حكم آخر، ولذا لا يقولون بحلية أكل
~~الصيد كيفما اتفق ولو قبل تطهير موضع عض الكلب، تمسكا بقوله: ﴿كلوا مما أمسكن عليكم﴾ (4) وليس
~~ذلك إلا من جهة أن ملاقاة الكلب برطوبة كعدم وقوع الذبح الشرعي جهة مقتضية
~~للمنع، على نحو يكون كل منهما سببا مستقلا له، وكان المطلق مسوقا لرفع ما
~~يقتضيه الجهة الثانية من المنع ساكتا عن الجهة الاولى نفيا وإثباتا، فيطهر
~~حينئذ ثم يؤكل عملا بالدليلين الغير المتعارضين، المقتضي أحدهما اشتراط
~~إباحة أكل ما لاقته النجاسة بتطهيره، والآخر حلية الصيد مع عدم وقوع الذبح
~~الشرعي عليه، كيف فإما أن يقال: بورود الآية لرفع مقتضي الجهة الاولى، أو
~~لرفع مقتضي الجهة الثانية، أو لرفع مقتضي الجهتين.
# والأول يأباه التعبير بعنوان " الإمساك "، كما أن الأخير يأباه متفاهم
~~العرف، فتعين الأوسط، لأنه الذي يساعد عليه العرف، ولا ريب أن المقام ليس
~~إلا من هذا الباب، فإن موت الإنسان في البئر أو وقوعه ميتا بنفسه جهة
~~مقتضية للنزح ونجاسة الكفر أيضا جهة اخرى مقتضية له، وإلا لزم الفرق في
~~النجاسات بينها وبين غيرها وهو منفي باتفاق الأقوال.
# فقوله (عليه السلام): " وما سوى ذلك مما يقع في بئر الماء، فيموت فيه
~~فأكثره الإنسان ينزح منها سبعون دلوا " إما أن يكون لبيان ما اقتضته كلتا
~~الجهتين فلا يساعد عليه متفاهم العرف، أو لبيان ما اقتضته الجهة الثانية
~~فينافيه صريح قوله: " فيموت " وظاهر السياق صدرا وذيلا، فتعين كونه لبيان
~~ما اقتضته الجهة الاولى وهو الذي يساعد عليه العرف،
# PageV01P655
# كيف ولولا ذلك لزم ms602 استعمال لفظ " الإنسان " في أكثر من معنى لكون إحدى
~~الجهتين مستلزمة لإرادة المطلق، والاخرى مستلزمة لإرادة المقيد، ولا يكفي
~~فيه إرادة المطلق فقط لعدم كون الجهة الثانية من لوازم مطلق الماهية
~~واحتمال كفاية سبعين عن الجهتين معا فلا يضر فيه إرادة المطلق مبني على
~~تداخل السببين، وهو منفي بما قرر في محله من أصالة عدم التداخل.
# فالحاصل: أن الكافر من حيث نجاسة كفره في حكم المسكوت عنه، ومعه لا يعقل
~~الحكم بكفاية السبعين الوارد لنجاسة الموت عن نجاسة الكفر أيضا، فيجب
~~المراجعة من حيث النجاسة المسكوت عنها إلى ما يقتضيه دليلها خصوصا أو
~~عموما، ولما لم يرد لها دليل خاص فالواجب مراجعة الدليل العام الجاري في
~~غير المنصوص عموما.
# فإن قلت: تخصيص الكافر عن حكم الموت المنصوص على مقدره ليس بأولى من
~~تخصيصه عن حكم الكفر الغير المنصوص على مقدره.
# قلت: ما ذكرناه ليس من باب التخصيص بل هو عمل بالدليلين، بناء على عدم
~~التداخل إن قلنا في غير المنصوص بوجوب ثلاثين أو أربعين، نعم لو قلنا فيه
~~بوجوب نزح الجميع كان الكافر خارجا عن حكم الموت المقدر بسبعين، لكن لا
~~بعنوان التخصيص بل من جهة انتفاء موضوع هذا المقدر، نظرا إلى أن الماء إذا
~~وجب نزح جميعه، فلا يبقى لنزح سبعين محل حتى يمتثل الأمر به إلا في موضع
~~التراوح، فيجب الجمع أيضا بين مقدر الموت والتراوح قضية لعدم التداخل.
# ومن هنا اندفع ما يقال في الاعتراض على القول بأن النص وإن كان شاملا
~~للكافر إلا أنه أوجب نزح سبعين لأجل موته، فهو ساكت عما يجب نزحه للكفر،
~~من: " أن الجهتين في الكافر متلازمتان فلا معنى للسكوت عن إحداهما، فهو
~~نظير ما إذا حكم الشارع بصحة الصلاة في ثوب عليه عذرة الكلب ناسيا، فإنه لا
~~يمكن القول بأن الحكم بالصحة من جهة نجاسة الثوب بالعذرة لا من جهة استصحاب
~~فضلة ما لا يؤكل لحمه أو العكس، لأن الجهتين متلازمتان يقبح السكوت عن
~~إحداهما في مقام البيان " (1) انتهى.
# فإن الجهتين ms603 المتلازمتين إنما تشاركتا في اقتضاء أمر واحد بحكم العقل،
~~إذا لم
# PageV01P656
# يمكن تفارقهما باقتضاء أمرين مختلفين كالصحة وعدمها في المثال المفروض،
~~فيفارقه المقام لكون مقتضي الجهتين فيه أمرين وجوديين يمكن اجتماعهما
~~مختلفين بالزيادة والنقصان، فبطلت المقايسة بوضوح الفرق.
# ومن جميع ما قررناه تبين إصابة ما ذكره صاحب المعالم - على ما حكي عنه -
~~في الاعتراض على المحقق - الموافق للعلامة فيما تقدم - من الاعتراض على ابن
~~إدريس من " أن الحيثية معتبرة في جميع موجبات النزح، فمعنى وجوب نزح
~~السبعين لموت " الإنسان " أن نجاسة موته يقتضي ذلك، فالعموم الواقع فيه
~~إنما يدل على تساوي المسلم والكافر في الاكتفاء لنجاسة موتهما بنزح
~~السبعين، فإذا انضم إلى ذلك جهة اخرى للنجاسة كالكفر ونحوه لم يكن للفظ
~~دلالة على الكفاية، ألا ترى أنه لو كان بدن المسلم متنجسا بشئ من النجاسات
~~وكانت العين غير موجودة لم يكف نزح المقدر عن الأمرين، ولو تم ما ذكروه
~~لاقتضى الاكتفاء وهم لا يقولون به.
# وبالجملة، فالكفر أمر عرضي للإنسان كملاقاة النجاسة، ولكل منهما تأثير في
~~بدنه بالتنجيس، لكن الأول يشمل جميع بدنه، والثاني يختص بما يلاقيه، فكما
~~أن العموم غير متناول لنجاسة الملاقاة، لا يتناول نجاسة الكفر.
# وبهذا يظهر أن معارضة الحلي في محلها، إذ حاصلها أن الحيثية متبادرة من
~~اللفظ، ولذلك فرقوا بين المسلم والكافر في مسألة الجنب، فينبغي مثل ذلك
~~هاهنا أيضا ".
# - إلى أن قال -: " وقوله: " هذا ليس بنقض على مسألتنا بل نقض على استعمال
~~اللام في الاستغراق " واه جدا، لأن اللازم من عدم عموم لفظ " الجنب "
~~لنجاسة الكفر عدم تناول الزاني والسارق ونحوهما لغير حيثية الزنا والسرقة
~~بحيث يكون الحد المذكور لكل واحد منهما كافيا عنه وعن غيره " (1)، انتهى
~~كلامه رفع مقامه.
# وإنما نقلناه بطوله لاشتماله على دفع أكثر ما سمعته عن العلامة كما لا
~~يخفى على المتأمل، ويمكن أن يستشهد على ما ادعاه من اعتبار الحيثية في جميع
~~موجبات النزح بصدر رواية المقام المتضمن لقوله (عليه السلام): " هذا إذا
~~كان ذكيا، وما سوى ذلك مما ms604 يقع في بئر الماء فيموت فيه " عقيب ما أعطاه من
~~الحكم بنزح دلاء لوقوع الطير المذبوح بدمه،
# PageV01P657
# نظرا إلى أنه كان محلا لتوهم الإطلاق بالقياس إلى أحوال وقوع الطير بالدم
~~التي فيها وقوعه ميتا بغير التذكية، أو تحقق موته في الماء لغير الذبح
~~الواقع عليه في مفروض السائل، بأن يستند موته إلى الماء دون الذبح، فإنه
~~(عليه السلام) لما التفت إلى هذا المعنى فردع عنه بقوله (عليه السلام): "
~~هذا إذا كان ذكيا " فتعرض لحيثية الموت بما أفاده بعد ذلك إلى آخر الرواية.
# وقضية هذا الالتفات أنه لو فرض تحقق موت الطير المفروض في الماء مستندا
~~إليه لم يكن مطلق الدلاء كافيا في نزحه، وهو عين ما عرفته عن صاحب المعالم
~~وفهمه الحلي، ولازم ما ذكره الجماعة وعرفته عن المحقق والعلامة كون ذلك
~~كافيا، فانظر كي تعرف المحق عن غيره.
# ثم إن العلامة في المختلف صرح بعدم الفرق في الكافر بين وقوعه ميتا،
~~ووقوعه حيا ثم موته في البئر، فاكتفى في الجميع بنزح السبعين، قائلا - بعد
~~نقل قول الحلي واحتجاجه -: " والحق تفريعا على القول بالتنجيس أن نقول: إن
~~وقع ميتا نزح له سبعون للعموم، وتمنع من زيادة نجاسته، فإن نجاسته حيا إنما
~~هو بسبب اعتقاده، وهو منفي بعد الموت، وإن وقع حيا ومات في البئر فكذلك،
~~لأنه لو باشرها حيا نزح له ثلاثون لحديث كردويه " (1) انتهى.
# ومحصله في كلا الشقين يرجع إلى التمسك بالعموم، والظاهر ابتناؤه في الشق
~~الثاني على القول بالتداخل، وإلا لم يكن للاكتفاء بالسبعين مع إيجاب
~~الثلاثين لمباشرته حيا - بناء على مصيره إليه فيما لا نص فيه - معنى، وعلى
~~أي حال كان فوهنه واضح بعد ملاحظة ما تقدم.
# وعن المحقق (2) والشهيد الثانيين (3) الفرق بين وقوعه ميتا فيكتفى بنزح
~~السبعين للعموم، وموته في البئر بعد وقوعه حيا فينزح الجميع إن قلنا به
~~فيما لا نص فيه، وإلا فثلاثون أو أربعون على الخلاف، فلو كان المعهود عنهما
~~موافقة العلامة في القول بزوال نجاسة الكفر بالموت لكان ذلك وجها ظاهرا في ms605
~~هذا الفرق، غير أن المحكي عن الشهيد في شرح الإرشاد (4) دفع كلام العلامة
~~في دعوى زوال نجاسة الكفر، فحينئذ
# PageV01P658
# يشكل الحال في الفرق.
# وإن كان قد يوجه: (1) " بأن نظر المفصل إلى أن المستفاد من النص أن
~~السبعين لأجل نجاسة الموت مطلقا لا خصوص موت المسلم، ولا فرق بين المسلم،
~~والكافر في النجاسة الحاصلة بالموت، وأما إيجاب نزح الجميع لموت الكافر
~~فليس للفرق بين موته وموت المسلم، بل لخصوص نجاسة الكفر حال الحياة " (2)،
~~وعليه يبنى ما تعرفه من الاعتراض عليهما.
# وفيه: أن نجاسة الكفر إذا كانت مؤثرة في اقتضاء نزح الجميع ولو من جهة
~~البناء على حكم ما لا نص فيه، فما الذي [ألغاها] (3) في صورة ما لو وقع
~~ميتا إلا على ما يراه العلامة من زوالها بعد الموت، ولا أظن أن الموجه لحدة
~~نظره يرضى بذلك، وعليه فما اعترض عليهما الخوانساري في شرح الدروس: " من أن
~~الرواية صريحة في الوقوع حيا ثم الموت بعده، فإن عمل على عمومها مع عدم
~~اعتبار الحيثية لزم الاكتفاء بالسبعين في الموضعين، وإن لم يعمل على عمومها
~~أو يعتبر الحيثية المقتضية لقصر السبعين على نجاسة الموت فقط يجب أن لا
~~يكتفي به على التقديرين، إذ كما أن في الصورة الثانية يجتمع جهتان للنجاسة
~~بالقياس إلى الكفر والموت، فكذا في الصورة الاولى " (4) كان متجها ثم
~~الظاهر في المسلم عدم الفرق في اعتبار السبعين بين وقوعه ميتا أو وقوعه حيا
~~وموته في البئر، لظهور النص في إناطة الحكم بالموت كائنا ما كان، ولا
~~ينافيه ورود فرض الرواية في الوقوع حيا، بعد ملاحظة كونه آخذا بما غلب
~~وقوعه فليتأمل، والاحتياط طريق لا ينبغي الإغماض عنه.
# المسألة الرابعة: فيما ينزح له خمسون دلوا، وهو على ما في كلام غير واحد
~~من الأصحاب أمران:
# أحدهما: العذرة، وظاهرهم كصريح بعضهم أن المراد بالعذرة هنا فضلة
~~الإنسان، مع
# PageV01P659
# أنهم في غير هذا الموضع اختلفوا في اختصاصها بها، وقد تقدم عن صاحب
~~المدارك (1) التصريح بأنها لغة وعرفا فضلة الإنسان، وعن المعتبر (2)
~~التصريح بأن ms606 العذرة والخرء مترادفان يعمان فضلة كل حيوان، وهو ظاهر المحكي
~~عن الحلي (3) حيث أضافها هنا إلى ابن آدم، بناء على أن القيد ظاهر في
~~التخصيص.
# وقد ورد في بعض الأخبار إطلاقها على ما يعم فضلة غير الإنسان أيضا، كخبر
~~عبد الرحمن " عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب " (4)،
~~ورواية ابن بزيع - المتقدمة - " في البئر يقع فيها شئ من العذرة كالبعرة
~~ونحوها " (5)، ومقتضى قاعدتهم في استعمال اللفظ في معنيين خاص وعام كونه
~~حقيقة في العام إلا إذا غلب الاستعمال في الخاص، فيكون حقيقة فيه خاصة؛
~~والظاهر ثبوت تلك الغلبة هنا.
# لكن يشكل ذلك بأن مقتضى قاعدتهم الاخرى في تعارض قول نقلة اللغة كون
~~اللفظ حقيقة في العام إذا كان الاختلاف بينهما في العموم والخصوص المطلقين،
~~وقد عرفت وجود هذا الخلاف بين قولي المعتبر والمدارك، ومثله موجود في كلام
~~أئمة اللغة، فإن المحكي عن جماعة منهم كون العذرة: خرء الإنسان، وظاهر
~~المصباح المنير والمجمع كونها للعام، حيث فسرا بمطلق الخرء، قال الأول: "
~~العذرة: وزان كلمة الخرء ولا يعرف تخفيفها وتطلق العذرة على فناء الدار،
~~لأنهم كانوا يلقون الخرء فيه، فهو مجاز من باب تسمية الظرف باسم المظروف "
~~(6).
# وقال الثاني: " العذرة وزان كلمة الخرء، وقد تكرر ذكرها في الحديث، وسمي
~~فناء الدار (7) عذرة لمكان إلقاء العذرة هناك " (8)، ولعل الخلاف نشأ عن
~~ملاحظة المطلق من غير نظر إلى انصرافه، وعن الأخذ بموجب الانصراف توهما،
~~ويمكن حمل التفسيرين على المسامحة في التعبير، كما يوهمه عبارة اخرى في
~~المجمع في عنوان الخرء، قائلة:
# " وقد تكرر ذكر الخرء كخرء الطير والكلاب ونحو ذلك، والمراد ما خرج منها
~~كالعذرة
# PageV01P660
# من الإنسان " (1).
# وفي المصباح ما يوهم اختصاص الخرء أيضا بالإنسان، لأنه إذا أخذ بشرح تلك
~~المادة قال: " خرئ بالهمزة يخرأ من باب تعب، إذا تغوط واسم الخارج خرؤ "
~~(2)، وإذا أخذ بشرح مادة التغوط قال: " الغائط اسم للمكان المطمئن الواسع
~~من الأرض، ثم أطلق الغائط على الخارج المتقذر من الإنسان كراهية تسميته
~~باسمه الخاص، لأنهم ms607 كانوا يقضون حوائجهم في الأمكنة المطمئنة فهو من باب
~~مجاز المجاورة، ثم توسعوا فيه حتى اشتقوا منه وقالوا: تغوط الإنسان انتهى "
~~(3).
# وكيف كان فالعذرة إما اسم خاص أو اسم عام منصرف إلى مسمى خاص، وعلى كل
~~تقدير فيبقى فضلات سائر الحيوانات النجسة داخلة في عنوان ما لا نص فيه.
# ثم الحكم المذكور للعذرة مشهور، ونقل الشهرة عليه في حد الاستفاضة، بل
~~عليه نقل الإجماع عن ابن الزهرة (4)، وعن الصدوق (5) والمحقق في المعتبر
~~(6) والنافع (7) الحكم بالأربعين إلى الخمسين، وعن الأول في الأول عدم
~~الوقوف على شاهد للأول، ولعله لتوهم كون الترديد في الرواية المذكورة
~~مستندة له من الإمام (عليه السلام)، وهي رواية أبي بصير المروية في
~~التهذيبين، ورواية علي بن أبي حمزة المروية في الكافي قال: سألت أبي عبد
~~الله (عليه السلام) عن العذرة تقع في البئر؟ قال: " ينزح منها عشرة دلاء،
~~فإن ذابت فأربعون أو خمسون دلوا " (8) غير أن نظر المشهور في الاستناد إلى
~~احتمال كونه من الراوي، الموجب للشك المحرز لموضوع الاستصحاب، وقصور سندها
~~باشتراك أبي بصير وضعف علي بن أبي حمزة منجبر بالعمل، مع أنه يرد على
~~المحقق عدم انطباق قوله على الرواية لو حمل الترديد على كونه من الإمام
~~(عليه السلام)، لقضائه بالتخيير بين المقدرين مع كون الزيادة للاستحباب
~~والأفضلية كما عليه جماعة، وللوجوب كما عليه البعض مع قوته عندنا، والقول
~~المتقدم يستدعي الاكتفاء بما بين المقدرين أيضا وهو ليس من مقتضى النص في
~~شئ، إلا أن يوجه بحمل " إلى " في كلامه على بيان البدلية، على حد
# PageV01P661
# ما هو في كلامهم في حد الواجب المخير: " ما جاز تركه إلى بدل "، وفي حد
~~الواجب المطلق: " ما لا يجوز تركه لا إلى بدل "، وعلى أي حال فالأخذ
~~بالمشهور أخذ بالأحوط فلا ينبغي تركه.
# ثم صريح الرواية اشتراط هذا التقدير للعذرة بذوبانها، كما أن قضية ما
~~فيها من الإطلاق عدم الفرق بين وقوعها رطبة أو يابسة فذابت في الماء، وأما
~~الذوبان ففي كلام غير واحد الانتشار وتفرق الأجزاء.
# وفي المجمع: ms608 " ذابت العذرة في الماء أي تفرقت أجزاؤها وشاعت فيه " (1).
# وفي المصباح المنير: " أن الذائب خلاف الجامد " (2) وذكر هذا الشرط وارد
~~في كلام جماعة كالشرائع (3)، والنافع (4)، وعن المعتبر (5)، والتذكرة (6)،
~~والذكرى (7)، والهداية (8)، ومصباح السيد (9). ونقله في المختلف (10) عن
~~الشيخين (11) والتقي (12) والديلمي (13) والقاضي (14) والعجلي (15). وفي
~~اللمعة (16) كما عن البيان (17) ونهاية الشيخ (18) ومبسوطه (19) والوسيلة
~~(20) والمراسم (21) والإصباح (22) والنهاية (23).
# وفي المنتهى (24) اعتبار كونها رطبة، وفي الدروس (25) كما عن الإرشاد
~~(26) والتحرير (27) اعتبار أحد الأمرين الذوبان أو الرطوبة، وعن الموجز
~~(28) الاقتصار على التقطع، ولعله يرادف الذوبان بالمعنى المتقدم.
# PageV01P662
# وأما اعتبار الرطوبة أو أحد الأمرين منها ومن الذوبان فلعله على خلاف
~~النص، وتوجيهه بلزوم الذوبان للعذرة الرطبة عادة مما يؤدي إلى عراء اعتبار
~~الرطوبة مع الذوبان، والعطف بينهما بكلمة " أو " يمنع عن اعتبار كونه
~~للتفسير، وكيف كان فلا دليل على الاكتفاء بمجرد الرطوبة ما لم يصادفها
~~الذوبان، وعليه فلو وقعت العذرة رطبة من دون أن تذوب فأخرجت لزمها نزح عشرة
~~عملا بإطلاق النص.
# والظاهر من إطلاق العذرة أيضا عدم الفرق بين الكبير والصغير، ولا بين
~~الذكر والانثى، ولا بين العاقل والمجنون، ولا بين المسلم والكافر، إلا أن
~~يدعى الانصراف، فيكون عذرة الكافر حينئذ مندرجة في غير المنصوص، كما جزم به
~~بعض مشايخنا (1) وأما مقدارها فالظاهر أنه لا حد له، بل يكفي مسماه عرفا ما
~~لم يدخل من جهة القلة فيما لا يتناوله الإطلاق كحبة من خردل، غير أنه لا
~~يجدي في سقوط المقدر المذكور حيث أنه لا تقدير لقليلها كذلك، وإلحاقه بما
~~لا نص فيه يبطله الأولوية إن قلنا فيه بنزح الجميع، نعم على القولين
~~الآخرين لا يبعد اعتبار مقدريهما.
# والأحوط اعتبار مقدر الكثير وهو الخمسون، أو هو والأربعون تخييرا، ولم
~~نقف من الأصحاب على كلام في هذا الفرع سوى ما نسب إلى المحقق البهبهاني في
~~شرحه للمفاتيح قائلا: " ولا حد لمقدار العذرة، بل يكفي مسماه عرفا بأن يكون
~~فردا متبادرا لقوله (عليه السلام): " فإن ذابت "، فلا يكفي كونها قدر حبة
~~من خردل وأقل منه، وعلى القول بالانفعال لعله ms609 يكفي لانفعال البئر به
~~واحتياجها إلى مطهر شرعي، وهو منحصر في النزح عند القائل به، فبنزح الخمسين
~~يحصل الطهارة البتة بخلاف ما هو أقل منه " (2).
# ثم إن لهم في اعتبار ذوبان الجميع أو كفاية ذوبان البعض كلاما، فقيل
~~بالأول لأن الرواية أسندت الذوبان إلى العذرة الواقعة في البئر، وهو إنما
~~يحصل بذوبان الجميع، وقيل بالثاني لعدم اعتبار القلة والكثرة، فلو سقط
~~مقدار البعض الذائب منفردا وذاب كان كافيا في التأثير، فانضمام الغير إليه
~~لا يمنعه عن التأثير، وهذا أوجه كما أن الأخذ بموجبه أحوط.
# PageV01P663
# وثانيهما: كثير الدم الذي مثلوه بدم ذبح الشاة، وفي عبارة محكية عن
~~السرائر (1) تحديد أقل الكثير بدم الشاة، وتحديد قليل الدم بما نقص عن دم
~~الشاة، وعن القطب الراوندي (2) ملاحظة الكثرة والقلة بالإضافة إلى ماء
~~البئر كثرة وقلة، فتختلفان باختلافهما فيه، خلافا للمشهور المحكي عنهم
~~ملاحظة الكثرة بالإضافة إلى نفس الدم، وقد تقيد الكثرة بالعرفية.
# وفي الجميع نظر لخلوها عن المستند، وعدم ورود الحكم في النصوص منوطا
~~بلفظي " الكثير " و " القليل " حتى ينظر في مفهوميهما، والقول بأن المراد
~~من الكثير ما ظهر من مورد الرواية في مقابل القليل وهما بالنسبة إلى الدم
~~نفسه، واضح الدفع، بأن:
# مورد الرواية على ما فهموا منه الكثير ليس إلا ذبح الشاة، وعلى ما فهموا
~~منه القليل ليس إلا ذبح الدجاجة، أو دم رعاف، على ما في رواية علي بن جعفر
~~الآتية (3).
# وفيه أولا: عدم قضاء الرواية بالخمسين تعيينا ولا تخييرا، حتى يقال
~~بإناطته بالكثرة المفهومة من مورد الرواية.
# وثانيا: عدم قضائها بوقوع دم الشاة المذبوحة بأجمعه في البئر، حتى يجعل
~~ذلك ميزانا لمعرفة مناط الحكم، بل المتأمل في مورد السؤال يعطي وقوع البعض
~~المطلق أو القليل منه فيها، كما أن ذلك هو المفهوم من سؤال الدجاجة، ثم أنه
~~على تقدير انفهام الكثرة عن مورد تلك الرواية فهي كثرة إضافية بالقياس إلى
~~مقابلة دم الدجاجة، وذلك لا يوجب أصلا كليا مطردا في جميع أنواع الدم
~~الكثير حتى ما كان منه دم ms610 إنسان أو ثور أو بعير أو نحو ذلك، فالتعدي حينئذ
~~مما لا مسوغ له إلا القياس المبني على استنباط ظني بل وهمي، وهو كما ترى.
# فما عن السرائر من أنه: " ينزح لسائر الدماء النجسة من سائر دماء
~~الحيوانات سواء كان مأكول اللحم أو غيره، نجس العين أو غيره، ما عدا دم
~~الحيض والاستحاضة والنفاس إذا كان الدم كثيرا، وحد أقل الكثير دم شاة خمسون
~~دلوا، وللقليل منه وحده ما نقص عن دم شاة عشرة دلاء بغير خلاف، إلى آخره "
~~(4)، مما لم يعرف له مستند، ولو
# PageV01P664
# كان مبناه على ما ذكر فليس إلا قياسات في قياس، وكيف كان فالحكم المذكور
~~لكثير الدم موصوف في كلامهم بكونه مشهورا.
# وعن جماعة كشرح الفاضل على القواعد (1)، والكفاية (2)، والذكرى (3)،
~~والرياض (4)، والمجمع (5) نقل الشهرة عليه، وعن الغنية (6) الإجماع عليه،
~~وفي العبارة المتقدمة من (7) السرائر نفي الخلاف عنه، وحكاه في المنتهى (8)
~~وغيره عن الشيخ في النهاية (9) والمبسوط (10)، لكن أضاف إليه العشرة
~~للقليل.
# وفي المسألة مع ذلك أقوال اخر:
# منها: ما عن المفيد في المقنعة (11) من أن لكثير الدم عشر دلاء ولقليله
~~خمس دلاء.
# ومنها: ما عن الصدوق (12) من وجوب ثلاثين إلى أربعين في الكثير ودلاء
~~يسيرة في القليل، وعن المعتبر (13) أنه مال إليه، وعن الشهيد في الذكرى
~~(14) أنه حسنه، وعن الفاضل الهندي أنه قربه، قائلا: " بأنه لا يخلو عن قرب
~~" (15).
# لأن المروي صحيحا عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) في رجل ذبح شاة
~~فاضطربت فوقعت في البئر، وأوداجها تشخب دما؟ قال: " ينزح منها ما بين
~~ثلاثين إلى أربعين " (16) وطرح هذا الصحيح لأجل الشهرة والإجماع المدعى في
~~الغنية، وعدم الخلاف المدعى في السرائر، مع مخالفة المشايخ الأربعة من
~~القدماء والفاضلين والشهيدين من المتأخرين في غير محله، نعم العمل بالمشهور
~~أحوط " (17).
# ومنها: ما عن المرتضى في المصباح (18) من أن الدم فيه ما بين الدلو
~~الواحدة إلى عشرين، وأما روايات الباب فعدة أخبار لا بأس بإيرادها جميعا.
# PageV01P665
# منها: الصحيحة المشار إليها في كلام الفاضل، وهي على ما في ms611 الاستبصار عن
~~علي بن جعفر، قال: سألته عن رجل ذبح شاة فاضطربت فوقعت في بئر ماء وأوداجها
~~تشخب دما هل يتوضأ من تلك البئر؟ قال: " ينزح منها ما بين الثلاثين إلى
~~الأربعين دلوا ويتوضأ ولا بأس به ".
# قال: وسألته عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقعت في بئر هل يصلح أن يتوضأ
~~منها؟ قال: " ينزح منها دلاء يسيرة ثم يتوضأ منها ".
# وسألته عن رجل يستقي من بئر فرعف فيها هل يتوضأ منها؟ قال: " ينزح منها
~~دلاء يسيرة " (1).
# ومنها: ما تقدم في المسألة الاولى من رواية كردويه، قال: سألت أبا الحسن
~~(عليه السلام) عن البئر يقع فيها قطرة دم، أو نبيذ مسكر، أو بول، أو خمر؟
~~قال: " ينزح منها ثلاثون دلوا " (2).
# ومنها: ما تقدم أيضا في المسألة المذكورة من رواية زرارة قال: قلت: لأبي
~~عبد الله (عليه السلام) بئر قطر فيها قطرة دم أو خمر؟ قال: " الدم والخمر
~~والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد ينزح منه عشرون دلوا " (3) إلى آخره.
# ومنها: ما تقدم في المسألة الثالثة من رواية عمار المتضمنة لقوله: سئل
~~أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر؟ فقال: "
~~ينزح منها دلاء، هذا إذا كان ذكيا " (4) إلى آخره.
# ومنها: ما تقدم في أدلة القائلين بنجاسة البئر بالملاقاة من رواية ابن
~~إسماعيل ابن بزيع، قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه
~~السلام) عن البئر تكون في المنزل للوضوء، فيقطر فيها قطرات من بول أو دم،
~~أو يسقط فيها شئ من العذرة كالبعرة ونحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء
~~منها للصلاة؟ فوقع (عليه السلام) بخطه في كتابي: " ينزح دلاء منها " (5).
# PageV01P666
# وأنت خبير بأن هذه الروايات لا ينطبق شئ منها على شئ من الأقوال المتقدمة
~~حتى قول الصدوق أيضا، لأن قضية ذلك القول دخول الثلاثين في التحديد القاضي
~~بجواز الاكتفاء به، وما يمكن توهم انطباقه عليه من الروايات إنما هو صحيحة
~~علي بن جعفر - على ما فهمه الفاضل - (1) وهي كما ترى ms612 ظاهرة في الخروج، وكون
~~العبرة بما بين الثلاثين والأربعين من الأعداد، وأقصى ما يتكلف في ذلك
~~إدراج الطرف الثاني وهو الأربعون في الحد، بناء على أن التقييد بالغاية
~~ظاهر في دخول الغاية في المغيى، وأما الطرف الأول فلا مقتضي لاندراجه بحسب
~~الدلالة اللفظية، وادعاء فهم العرف للدخول غير مسموع؛ والمفروض أنه لا
~~أولوية في البين أيضا لتوجب ظن الدخول، وكون مستند دخوله الإجماع ينفيه
~~الخلاف الفاحش المتقدم ومخالفة المشهور.
# وأما ما قيل في الاحتجاج للمفيد بمكاتبة ابن بزيع الحاكمة بنزح دلاء، من
~~أن أكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع عشرة فيجب أن يؤخذ به ويصير إليه، إذ لا
~~دليل على ما دونه، على ما حكي عن الشيخ (2) من هذا التقرير للاحتجاج.
# ففيه: ما لا يخفى، أما أولا: فلعدم انطباق مورد الرواية على القول
~~المذكور، مع عدم تبين وجه الحكم في تعين الخمس لقليل الدم، نظرا إلى أن
~~السؤال مفروض في القطرات المنبئة عن القلة، وتعين العشرة في ذلك القول
~~مفروض في الكثير.
# وأما ثانيا: فلمنع الاختلاف في مفاد صيغ الجمع في نظر العرف على ما قرر
~~في محله، وما عليه النحاة من الفرق بين جموع القلة وجموع الكثرة بكون أقل
~~الأول ثلاثة وأكثره عشرة وهي أقل الثاني اصطلاح لا شاهد عليه، بل العرف
~~شاهد بخلافه، فلا يعدل عنه في خطابات الشرع، ومقتضاه الاقتصار على الثلاثة
~~في الجميع عملا بالإطلاق القاضي بكفاية أقل المراتب.
# وأما ثالثا: فلمنع كون لفظة " الدلاء " من جموع القلة على ما هو مضبوط
~~عندهم، ومع كونه من جموع الكثرة فقضية البناء على الفرق المذكور كون العشرة
~~أقل عدد يضاف إلى هذا الجمع لا أكثره.
# وأما رابعا: فلمنع تعين الحمل على الأكثر بعد تسليم المقدمتين، بل
~~القاعدة تقتضي
# PageV01P667
# الاكتفاء بالأقل كما عرفت، ومن هنا لو ذهب الوهم إلى اعتبار ذلك مستندا
~~لقول الشيخ بالعشرة في القليل - كما تقدم عنه في النهاية (1) والمبسوط -
~~(2) وهو الذي نسب إلى المشهور أيضا في بعض المسائل الآتية بدعوى: أن هذا
~~العدد أقل ما ms613 يضاف إلى جمع الكثرة، لاتجه المنع إليه بابتنائه على الفرق
~~المتقدم منعه.
# وبالجملة: أقوال المسألة لا يخلو عن اضطراب وتشويش، حيث لا مستند لشئ
~~منها يكون واضح الدلالة على المطلق حتى المشهور، وإن حكي عليه الإجماع
~~والشهرة، لأنهما ما لم يوجبا أو لم يقترنهما ما يوجب الاطمئنان لا عبرة
~~بهما، ومع ذلك فهو الأحوط لكونه أجمع الأقوال بعدم خروج شئ منها عنه.
# ويمكن تأييده بما عرفت من مصير الشيخ في النهاية إليه، بناء على أنه
~~بمنزلة الرواية المرسلة لما اعترف به من أنه لا يفتي فيها إلا بمتون
~~الروايات (3)، فالمصير إليه حينئذ أولى عملا بالاحتياط.
# ثم إن إطلاق الأصحاب يقضي بشمول الحكم لدم نجس العين، بل هو صريح ما تقدم
~~عن ابن إدريس (4)، غير أن التأمل في ظاهر الروايات ولو من جهة الانصراف مما
~~يعطي خلافه، فالأولى على القول بوجوب نزح الجميع في غير المنصوص إلحاقه به،
~~وإلا فإلحاقه بغيره من الدماء مع البناء فيها على المشهور أولى وأحوط، وعلى
~~قياسه الدماء الثلاث التي قد عرفت عن الحلي (5) التصريح باستثنائها من
~~عنوان المسألة، والله العالم.
# المسألة الخامسة: فيما ينزح له أربعون دلوا، وقد اختلفت كلمة الأصحاب في
~~ضبط ذلك وحصره عددا، ففي شرائع المحقق: " أنه لموت الثعلب، والأرنب،
~~والخنزير، والسنور، والكلب، وشبهه، وبول الرجل " (6).
# وفي المنتهى (7) عزاه في الجميع مع زيادة " الشاة " إلى الشيخين، ثم نسب
~~إلى السيد أنه وافقهما في الكلب وبول الرجل، وإلى ابن بابويه أنه وافقهم في
~~البول.
# ووافقهم في الجميع إلا زيادة لفظة " شبهه " الشهيد في الدروس (8) واللمعة
~~(9)، وعن
# PageV01P668
# السرائر (1) زيادة الشاة، والغزال، وابن آوى، وابن عرس، على ما عرفت عن
~~الشرائع ثم قال: " وما أشبه ذلك في مقدار الجسم على التقريب " (2).
# وعن الغنية (3) الإجماع على المذكورات وأشباهها، وفي الروضة (4) - كما عن
~~شرح المفاتيح - (5) جعل الحكم مشهورا، وعن الذكرى (6) أن الحكم في الكلب
~~والسنور مشهور، وعن الكفاية (7) شهرته في الكلب والسنور، قال الصدوق في
~~الفقيه: " فإن وقع فيها كلب نزح منها ثلاثون دلوا إلى أربعين دلوا، ms614 فإن وقع
~~فيها سنور نزح منها سبع دلاء " - إلى أن قال -: " وإن بال فيها رجل استقى
~~منها أربعون " - إلى أن قال -:
# " وإن وقعت شاة وما أشبهها في بئر ينزح منها تسعة دلاء إلى عشرة دلاء "
~~(8).
# وعنه في المقنع: " إن وقع فيها كلب أو سنور فانزح ثلاثين دلوا إلى
~~أربعين، وقد روى سبع دلاء " (9).
# ومستند المشهور في غير بول الرجل - على ما في كلام غير واحد - روايتان،
~~إحداهما: موثقة سماعة - المروية في التهذيبين - قال: سألت أبا عبد الله
~~(عليه السلام) عن الفأرة تقع في البئر أو الطير؟ قال: " إن أدرك قبل أن
~~ينتن نزحت منها سبع دلاء، وإن كانت سنورا أو أكبر منه نزحت منها ثلاثين
~~دلوا أو أربعين دلوا " (10).
# اخراهما: رواية القاسم عن علي المروية فيهما أيضا، قال: سألت أبا عبد
~~الله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في البئر؟ قال: " سبع دلاء " قال: وسألته
~~عن الطير والدجاجة تقع في البئر؟
# قال: " سبع دلاء، والسنور عشرون، أو ثلاثون، أو أربعون دلوا، والكلب
~~وشبهه " (11).
# ولا يذهب عليك أن هذه الرواية كسابقتها إنما تقتضي الأربعين على جهة
~~التخيير، وهو ينافي التعيين الذي صار إليه الجماعة، ولكن ظاهرهم أنهم إنما
~~صاروا إليه من
# PageV01P669
# جهة الاستصحاب كما هو صريح البعض، أو لمراعاة الاحتياط خروجا عن شبهة
~~الخلاف، وعملا بجميع ما ورد في هذا الباب من الأخبار، وإن شئت فانظر إلى
~~كلام الشيخ في التهذيب في وجه الاحتجاج بالروايتين، قائلا: " وليس لأحد أن
~~يقول: كيف عملتم على أربعين دلوا في السنور والكلب وشبههما، وفي الدجاجة
~~والطير على سبع دلاء، وفي هذين الخبرين ليس القطع إلى أربعين دلوا، بل إنما
~~يتضمن على جهة التخيير، وهلا عملتم بغير هذين الخبرين مما يتضمن نقصان ما
~~ذهبتم إليه؟ لأنا إذا عملنا على ما ذكرناه من نزح أربعين دلوا مما وقع فيه
~~الكلب وشبهه، و [نزح] سبع دلاء مما وقع فيه الدجاج وشبهه، فلا خلاف بين
~~أصحابنا في جواز استعمال ما بقي من الماء، ويكون أيضا الأخبار تتضمن الأقل
~~من ذلك ms615 داخلة في جملته، وإذا عملنا على غير ذلك نكون دافعين لهذين الخبرين
~~جملة وصايرين إلى المختلف فيه، فلأجل هذا عملنا على نهاية ما وردت به
~~الأخبار " (1).
# واعتذر بمثل ذلك في الاستبصار (2)، وأضاف فيه التعليل: بأن العمل
~~بالخبرين مما يوجب العلم بزوال النجاسة، ولا يحصل مع العمل على غيرهما،
~~وعلى هذا فيظهر ثمرة الاستدلال بالخبرين في نفي اعتبار ما زاد على أربعين،
~~لأنه أقصى ما ورد به النص، وحينئذ فلا إشكال ظاهرا.
# نعم، يبقى الكلام في جواز الاعتماد على الرواية الثانية باعتبار سنده
~~الذي هو بنفسه ضعيف بواسطة القاسم بن محمد، وعلي بن أبي حمزة، ولذا وصفه في
~~المنتهى (3) بالضعف تعليلا بكون الرجلين واقفيين، ولكن الخطب في ذلك بعد
~~ملاحظة انجباره بالشهرة وبعمل من لا يعتمد على أخبار الآحاد كالحلي (4)، مع
~~ما ستعرفه في علي، مما يوجب الاطمئنان به، مع أن تعويل الشيخ عليه من
~~أمارات الاعتبار عندهم.
# ومما بيناه من ظاهر دلالة الخبرين ظهر وجه الاختلاف بينهم وبين الصدوق،
~~فإن ظاهره أنه أخذ بظاهر التخيير من دون التفات إلى احتياط وغيره، مع ظهور
~~كون مستنده الموثقة أو ما هو نظيرها في الاقتصار على ما يشمل الكلب
~~والسنور، لكنه مع
# PageV01P670
# إشكال في دعوى الانحصار لا ينطبق إلا على فتواه في المقنع (1)، وأما
~~فتواه في " الشاة " - على ما عرفته عن الفقيه - (2) فقيل: إن مستنده رواية
~~إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه، أن عليا (عليه السلام) كان يقول: " الدجاجة
~~ومثلها يموت في البئر نزح منها دلوان [أ] وثلاثة، فإذا كانت شاة وما أشبهها
~~فتسعة أو عشرة " (3).
# و هذه الرواية مع روايات اخر قد خرجت على خلاف المذهب المشهور، ولأجل ذا
~~سقطت عن الاعتبار، سيما الروايات الاخر التي لا عامل بها أصلا، وهي التي
~~بين ما دل على وجوب نزح الجميع كرواية عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال سئل عن بئر يقع فيها كلب، أو فأرة، أو خنزير؟ قال: " تنزف كلها " (4)،
~~وحملها الشيخ (5) على صورة التغير.
# وما دل على نزح دلاء ms616 كرواية الفضل البقباق، قال: قال: أبو عبد الله (عليه
~~السلام) في البئر يقع فيها الفأرة، أو الدابة، أو الكلب، أو الطير، فيموت،
~~قال: " يخرج ثم ينزح من البئر دلاء ثم يشرب منه ويتوضأ " (6).
# ورواية علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته
~~عن البئر يقع فيها الحمامة، والدجاجة، أو الفأرة، أو الكلب، أو الهرة؟
~~فقال: " يجزيك أن تنزح منها دلاء، فإن ذلك يطهره إن شاء الله تعالى " (7).
# وفي معناهما روايات اخر، وحملهما الشيخ على إرادة بيان الحكم لبعض
~~المذكورات كالفأرة والطير، أو أن الدلاء جمع كثرة وهو ما زاد على عشرة فلا
~~يمتنع أن يكون المراد به أربعين.
# وما دل على كفاية السبع كرواية عمرو بن سعيد بن هلال، قال: سألت أبا جعفر
~~(عليه السلام) عما يقع في البئر ما بين الفأرة والسنور إلى الشاة؟ فقال: "
~~كل ذلك نقول سبع دلاء " (8) إلى آخره، وما دل على كفاية الخمس كرواية أبي
~~اسامة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الفأرة، والسنور، والدجاجة،
~~والكلب، والطير، قال: " فإذا لم يتفسخ، أو يتغير طعم الماء، فيكفيك خمس
# PageV01P671
# دلاء " (1) وحملها الشيخ على نظير ما سبق من إرادة بيان الحكم لبعض
~~المذكورات.
# ولا يخفى أن اختلاف هذه الروايات وغيرها من روايات البول قرينة واضحة على
~~المختار من عدم نجاسة البئر وعدم وجوب نزحها، لأن الاستحباب هو الذي لا
~~ينافيه هذا الاختلاف، لاختلاف مراتب الفضل والرجحان.
# وأما الحكم في بول الرجل فقد أسنده في المدارك (2) إلى الخمسة وأتباعهم،
~~وعن الغنية (3) والسرائر (4) الإجماع عليه، ومستنده الرواية المروية - في
~~التهذيبين - عن علي ابن أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته
~~عن بول الصبي الفطيم يقع في البئر؟ فقال:
# " دلوا واحدة "، قلت: بول الرجل؟ قال: " ينزح منها أربعون " (5).
# والرواية واضحة الدلالة على المطلوب، غير أنه قد يستشكل بالنظر إلى سندها
~~من جهة علي بن أبي حمزة المجروح عندهم، المرمي بالوقف، لكن الخطب فيه أيضا
~~سهل بعد ملاحظة الانجبار بالشهرة كما صرح به ms617 جماعة منهم المحقق - على ما
~~حكي - قائلا: " إنها مجبورة بعمل الأصحاب " (6).
# وعن المنتهى: " أن علي بن حمزة لا يعول على روايته، غير أن الأصحاب
~~قبلوها وبذلك يطرح ما يعارضها من الأخبار " (7).
# وفي حاشية المدارك - للمحقق البهبهاني -: " أن الشيخ ادعى إجماع الإمامية
~~على العمل برواية علي بن أبي حمزة، مضافا إلى أن هذه الرواية منجبرة
~~بالشهرة " (8).
# PageV01P672
# وعن المحقق في المعتبر أنه دفعه - مضافا إلى دعوى الإنجبار - " بأن كونه
~~واقفيا غير قادح في اعتبار روايته، لأن تغيره إنما كان بعد موت الكاظم
~~(عليه السلام) فلا يقدح فيما قبله " (1).
# واستضعفه في المدارك بأن: " العبرة في عدالة الراوي بوقت الأداء لا
~~التحمل، ومن المعلوم انتفاء تحقق ذلك " (2).
# وعن صاحب المعالم نظير ذلك مع وجه آخر، قائلا: " بأن قوله: " ابن أبي
~~حمزة إنما تغير في زمن موسى، (عليه السلام) " عجيب، إذ ليس الاعتبار في
~~عدالة الراوي بحال التحمل بل بحال الرواية، وكيف يعلم بمجرد إسنادها إلى
~~الصادق (عليه السلام) أن روايته لها وقعت قبل تغيره؟ وما هذا إلا محض
~~التوهم.
# مع أن الجزم بإرادة ابن أبي حمزة البطائني الذي هو واقفي لا وجه له،
~~لاشتراك الاسم بينه وبين ابن أبي حمزة الثمالي، وأي قرينة واضحة على
~~التمييز " (3).
# أقول: لا حاجة إلى قرينة التميز لكون الثمالي بنفسه ثقة مصرحا بتوثيقه في
~~كلام غير واحد، فلا وجه لما ذكره إن أراد به القدح من جهة الاشتراك.
# وفي حاشية المدارك - للمحقق المتقدم ذكره - التعرض لتوجيه كلام المحقق
~~دفعا للاعتراض المذكور قائلا: " ولعل غرض المحقق أن الأصحاب يعملون بروايته
~~مع أن عادتهم عدم الاتفاق على العمل برواية من أنكر الحق عنادا، وأكل أموال
~~الكاظم (عليه السلام) ظلما وعدوانا، فالظاهر أنهم إنما أخذوا الرواية عنه
~~قبل أن يصدر منه ما صدر " (4).
# وقد يوجه أيضا: " بأنه لعله لأن الظاهر أن من تحمل الحديث عن الإمام
~~(عليه السلام) يبادر إلى نقله وروايته لغيره وثبته في كتابه، والظاهر أن من
~~سمعه إنما سمعه منه قبل موت الكاظم (عليه السلام)، ويبعد أن يكون قد ms618 ترك
~~الرواية من زمان الصادق (عليه السلام) إلى زمان الرضا غير مروية ولا مثبتة
~~في الكتاب " (5).
# وفي المسألة قولان آخران.
# أحدهما: ما يستفاد من العلامة في المنتهى قائلا: " والأقرب عندي في العمل
~~الأخذ
# PageV01P673
# برواية محمد بن بزيع لسلامة سندها، ويحمل " الدلاء " في البول على رواية
~~كردويه، فإنها لا بأس بها " (1).
# ومراده من رواية محمد بن بزيع الصحيحة - المتقدمة مرارا - المتضمنة لقوله
~~(عليه السلام):
# " ينزح منها دلاء " (2) وبرواية كردويه ما تقدم من قوله سألت أبا الحسن
~~(عليه السلام) عن البئر يقع فيها قطرة دم، أو نبيذ مسكر، أو بول، أو خمر؟
~~قال: " ينزح منها ثلاثون دلوا " (3).
# ولعل الحمل الذي اعتبره بين الروايتين مبني على توهم عطف البول في رواية
~~كردويه على المضاف في " قطرة دم " دون المضاف إليه، وإلا لم يكن لحمل "
~~دلاء " الصحيحة على ثلاثين دلوا [وجها] (4) لاختصاصه بالقطرة، ومع ذلك فأصل
~~القول شاذ لا عبرة به.
# وثانيهما: ما استظهره صاحب المدارك (5) من نزح دلاء للقطرات من البول
~~مطلقا، لصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (6)، ونزح
~~الجميع لإنصبابه فيها مطلقا، لصحيحة معاوية بن عمار عن الصادق (عليه
~~السلام) في البئر يبول فيها الصبي، أو يصب فيها بول، أو خمر؟ فقال: " ينزح
~~الماء كله " (7).
# ويظهر الميل إليه من صاحب المعالم أيضا، قائلا - في كلام محكي له -: "
~~المتجه العمل بصحيحة معاوية بن عمار في الكثير، لدلالة الإنصباب عليه،
~~وبصحيحة محمد بن إسماعيل في القليل، لظهور القطرات فيه، إلا أن يتحقق إجماع
~~على خلافه، لا مجرد عدم ظهور القائل به كما يقال " (8).
# وهذا أيضا كسابقه في الشذوذ المسقط للاعتبار.
# (فروع) أحدها: إذا عرفت أن مورد النص والفتوى هو الرجل، وهو ظاهر في
~~الذكر البالغ، تعلم أن الحكم لا يتناول المرأة، فحصل الفرق إذن بينهما، وهو
~~المحكي عن
# PageV01P674
# الأكثر المصرح به في كلام جماعة.
# لكن المروي عن السرائر (1) عدم الفرق تعليلا: بأن الأخبار متواترة من
~~الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) على أنه ينزح لبول الإنسان أربعون دلوا،
~~وظاهره الشمول للمرأة فضلا ms619 عن الصغير، قيل: وهو المحكي عن التحرير (2)، بل
~~وعن الغنية (3)، والإصباح (4) والإشارة (5).
# قيل: وفي شرح المفاتيح (6) وغيره نقل الإجماع عن ابن زهرة عليه، قال في
~~المنتهى: " لا فرق بين بول المرأة والرجل، إن عملنا برواية محمد بن بزيع أو
~~رواية كردويه، وإن عملنا برواية علي بن أبي حمزة حصل الفرق، وابن إدريس لم
~~يفرق بينهما من مآخذ اخر، قال: لأنها إنسان، والحكم معلق عليه معرفا باللام
~~الدال على العموم، ومقدماته كلها فاسدة. نعم لا فرق في المرأة بين الصغيرة
~~والكبيرة في وجوب الأربعين " (7).
# وعن المعالم: " وعلى ما ذكرناه - من العمل بروايتي معاوية بن عمار، ومحمد
~~ابن إسماعيل - لا فرق بينهما، لإطلاق البول في الروايتين " (8).
# وعن المعتبر الاعتراض على ما ذكره ابن إدريس، قائلا: " نحن نسلم أنها
~~إنسان، ونطالبه أين وجد الأربعين معلقة على بول الإنسان، ولا ريب أنه وهم "
~~(9)، واستحسنه المحقق الخوانساري (10) تعليلا بعدم وقوفه في الروايات على
~~ما يدل عليه.
# ثم القائلون بالفرق اختلفوا في مقدر المرأة، فعن جماعة منهم إلحاقه بما
~~لا نص فيه، وعن المعتبر أنه أوجب ثلاثين دلوا، سواء كان من صغيرة أو كبيرة
~~لرواية كردويه، وحكم باستحباب نزح الجميع لرواية معاوية بن عمار، وتنظر
~~المحقق الخوانساري في القولين بكليهما.
# " أما الأول: فلورود النص فيه متعددا، كصحيحتي معاوية بن عمار، وابن بزيع
# PageV01P675
# وروايتي كردويه، إلا أن يقال: صحيحة معاوية لم يعمل بها الأصحاب في حكم
~~البول فلا عبرة بها، وقد يقال: إن عدم عمل الأصحاب بها إنما هو في بول
~~الرجل لوجود مخصص في الخارج، وذلك لا يستلزم عدم العمل بها في بول المرأة،
~~إلا أن يقال: إذا ثبت عدم العمل بها في بول الرجل فالتخصيص ليس بأولى من
~~المجاز، فليحمل على الاستحباب؛ وكذا الحال في صحيحة ابن بزيع، وأما روايتا
~~كردويه فإحداهما خارجة عن البحث لاختصاصها بالمخالط بماء المطر، وأما
~~الاخرى فغير نقية السند، فالعمل بها مشكل، مع أن الأصحاب لم يعملوا
~~بمضمونها، وأيضا أنها مختصة ظاهرا بقطرة البول فلا نص فيما عداها.
# وأما الثاني: ms620 فلأن رواية كردويه لا تصلح للاعتماد عليها مع ظهورها في
~~القطرة، والذي يقتضيه النظر أن يكتفى في القليل منه بدلاء لصحيحة ابن بزيع،
~~مع تأيدها بالأصل، وأما في الكثير فلا يبعد الاكتفاء بالثلاثين، لأنه القدر
~~المتيقن ولا دليل على الزائد، والأولى الأربعون، والأحوط الجميع " (1)،
~~انتهى ملخصا. وهذا كما ترى قول آخر اختاره وهو فرق في بول المرأة بعد الفرق
~~بينه وبين بول الرجل بين قليله وكثيره، فعلم أن المسألة ذات أقوال، وحيث
~~إنا لا نقول بالنجاسة ولا بوجوب النزح فلا جدوى للتعرض لجرح هذه الأقوال
~~وتعديلها.
# وثانيها: عن ظاهر الأكثر عدم لحوق الخنثى بالرجل، وعن بعضهم استقرب
~~إلحاقه بما لا نص فيه، وعن المسالك: " والأجود في بول الخنثى وجوب أكثر
~~الأمرين من الأربعين وما يجب لما لا نص فيه " (2).
# وفي الروضة - بعد إلحاقه بما لا نص فيه -: " ولو قيل فيما لا نص فيه بنزح
~~ثلاثين أو أربعين وجب في بول الخنثى أكثر الأمرين منه ومن بول الرجل مع
~~احتمال الاجتزاء بالأقل " (3) إنتهى.
# وفي حكم الخنثى الممسوح وهو الذي ليس له ما للرجال ولا للنساء.
# وثالثها: قضية إطلاق الرجل في مورد النص عدم الفرق فيه بين المسلم وغيره،
~~كما
# PageV01P676
# في الروضة (1)، وعن المسالك (2)، والمهذب (3)، وشرح الفاضل (4)، بل عن
~~السرائر (5)، والتحرير (6)، ونهاية الإحكام (7)، أيضا.
# وفي المنتهى التصريح به (8)، وعن المعالم (9)، وشرح المفاتيح (10)،
~~والذخيرة (11)، " أنه ظاهر الأصحاب ".
# وفي شرح الدروس للخوانساري: " أن المتقدمين حتى ابن إدريس القائل بالفرق
~~بين موت المسلم والكافر لم يفرقوا بينهما في البول، لتناول العموم لهما،
~~واحتمل بعض المتأخرين الفرق لأن لنجاسة الكفر تأثيرا، ولهذا لو وقع في
~~البئر ماء متنجس بملاقاة بدن الكافر لوجب له النزح، فكيف يكتفي للبول مع
~~ملاقاته لبدنه بأربعين، والحكم إنما هو منوط بنجاسة البول لا بنجاسة الكفر،
~~وقال: وهذا وارد في سائر فضلاته كعذرته وبوله، ومثله دم نجس العين " (12)
~~انتهى.
# وأنت خبير بوهن هذا الكلام وفساد ذلك الاستنباط، فإن أقصى ما ثبت بالدليل
~~من نجاسة الكافر إنما هو نجاسة ظواهر بدنه لا بواطنه، ms621 ولا سيما عروقه
~~ومجاري فضلاته، والبول وما أشبهه إنما يخرج من الباطن من دون لصوقه لظاهر
~~البدن كما لا يخفى، ولو فرض الكلام فيما لو لاصق ظاهر البدن اتفاقا - فمع
~~أنه خارج عن مفروض المسألة - يتجه المنع إلى اقتضاء ذلك تأثيرا من حيث
~~ابتنائه على قبول النجس أو المتنجس للنجاسة ثانيا، وهو موضع منع، خصوصا في
~~النجس بالأصل كالبول والدم وغيرهما من الفضلات، وقياس ما نحن فيه على الماء
~~المتنجس بملاقاة بدن الكافر باطل لوضوح الفرق بين المقامين.
# ومن هنا يظهر الفرق بين مسألتنا هذه وما تقدم من مسألة الموت الذي صرنا
~~فيه
# PageV01P677
# إلى الفرق بينهما فيما لو وقع الكافر حيا في البئر ثم اتفق موته فيها.
# ومحصل الفرق: أن ماء البئر يلاقيه نجاسة الكفر سابقة على الموت وهي داخلة
~~في غير المنصوص ولا يشملها حكم الموت، كما سبق تفصيل القول في تحقيقه،
~~بخلاف المقام الذي لم يطرأ الموضوع نجاسة اخرى غير النجاسة البولية.
# فاندفع بذلك ما عن صاحب المعالم قائلا: " والتحقيق: أن الحيثية معتبرة في
~~الجميع كما أشرنا إليه في مسألة موت الإنسان، واللازم من ذلك عدم الاكتفاء
~~بالمقدر لحيثيته عند مصاحبة اخرى لها، لما سيأتي من عدم تداخل المنزوحات
~~عند تعدد أسبابها.
# ولا ريب أن ملاقاة النجاسة لنجاسة اخرى على وجه مؤثر يوجب لها قوة
~~واعتبارا زائدا على حقيقتها، والدليل الدال على نزح مقدار مخصوص لها غير
~~متناول لما سواها، فكيف يكون كافيا عن الجميع بتقدير الاجتماع " (1) انتهى.
# ومحصل الاندفاع: منع اجتماع الحيثيتين من النجاسة أو نجاستين مؤثرتين،
~~حيث لا مقتضي لأحدهما كما عرفت.
# المسألة السادسة: فيما ينزح له ثلاثون دلوا، وهو على ما في كلام غير واحد
~~ماء المطر المخالط للبول، والعذرة، وخرء الكلب.
# وأصل الحكم مشهور، ونقل الشهرة عليه إلى حد الاستفاضة في كلامهم مذكور،
~~ومستنده الرواية المروية - في التهذيبين وغيرهما - عن ابن أبي عمير عن
~~كردويه، قال:
# سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن بئر يدخلها ماء المطر فيه البول،
~~والعذرة، وأبوال الدواب وأرواثها، وخرء الكلاب؟ ms622 قال: " ينزح منها ثلاثون
~~دلوا، وإن كانت مبخرة " (2) وضعف الرواية بكردويه لجهالته غير قادح، بعد
~~ملاحظة قضية الانجبار بالشهرة ورواية ابن أبي عمير عنه.
# وأما ما عن مبسوط الشيخ من أنه: " متى وقع في البئر ماء خالطه شئ من
~~النجاسات مثل ماء المطر والبالوعة وغير ذلك، نزح منها أربعون دلوا للخبر "
~~(3) فاسد مخالف للنص والفتوى، والخبر المشار إليه مما لم يعرف له أثر.
# PageV01P678
# ومثله في الشذوذ ما عن الفقيه (1) بدل " ماء المطر " " ماء الطريق "، إلا
~~أن ينزل إلى إرادة ماء المطر لأنه الغالب، وكيف فالتعدي عن مورد النص غير
~~سايغ، وإلحاق غير المنصوص هنا كالمطر المخالط بغير ما ذكر من النجاسات،
~~والماء المخالط لها ولغيرها بغير المنصوص المخصوص بحكم آخر متعين، إن لم
~~يفهم من دليل مقدر كل نجاسة منفردة شموله لها مختلطة.
# ولعله إلى ذلك ينظر ما عن السرائر من " أن ما في المبسوط غير واضح ولا
~~محكي، بل تعتبر النجاسة المخالطة للماء [الواقع في ماء البئر]، فإن كانت
~~منصوصة [عليها] أخرج المنصوص [عليها]، وإن كانت غير منصوصة دخلت في قسم غير
~~المنصوص، والصحيح من المذهب والأقوال المقصودة (2) بالإجماع والنظر
~~والاعتبار والاحتياط نزح جميع ماء البئر، ومع التعذر التراوح " (3) انتهى.
# وقضية ما عرفت عدم التعدي عن حكم النص إلى ما لو انضم إلى المذكورات
~~غيرها، أو وقع الغير بدل بعضها، ولما كان النص ظاهرا في اعتبار وقوع جميع
~~المذكورات فقد يشكل الحال لو فقد بعضها، لكن في كلام غير واحد - كما عن
~~الشيخ علي في شرحه للقواعد (4)، وشرح الدروس (5)، وغيرهما - الاقتصار على
~~حكم الجميع بالطريق الأولى.
# وللتأمل في أمثال هذه الأولوية مجال واسع ما لم تكن عرفية، والأقرب
~~ملاحظة حال النص الوارد في مقدر النجاسة المختلطة إذا وقعت منفردة، فإن
~~تناولها مختلطة وإلا فالإلحاق بغير المنصوص، من غير فرق في جميع ما ذكر بين
~~كون مقدر البعض المختلط مساويا للثلاثين أو زائدا عليه أو ناقصا منه.
# وقد يقال في الأخير: بالاقتصار على المقدر الأقل من ثلاثين إن كان، ويدعى ms623
~~عليه الأولوية أيضا بالإضافة إلى حالة الانفراد وإن كان الأحوط اعتبار
~~الثلاثين، وفي
# PageV01P679
# الروضة أطلق القول بأن الحكم معلق على الجميع فيجب لغيره مقدره أو الجميع
~~إن لم يكن له مقدر، الأقرب بالاحتياط هو ما ذكرنا.
# ثم إن هاهنا إشكالا معروفا أورده بعضهم على أصل المسألة، وهو: أن ترك
~~الاستفصال عن النجاسات المذكورة يقتضي [تساوي] جميع محتملاتها في الحكم،
~~فيستوي حال العذرة رطبة ويابسة، وحال البول إذا كان بول رجل أو غيره، وقد
~~حكموا بنزح خمسين للعذرة الرطبة، وأربعين لبول الرجل مع انفراد كل منهما،
~~فكيف تجتزئ بالثلاثين مع انضمام أحدهما إلى الآخر، وانضمام غيرهما إليهما،
~~وهو مقتض لزيادة النجاسة وتضاعفها.
# واجيب عنه تارة: بإمكان تنزيل الرواية على ماء المطر المخالط لهذه
~~النجاسات مع استهلاك أعيانها.
# ورد: بأنه على تقدير الاستهلاك لا يبقى فرق بين ماء المطر وغيره وقد
~~فرقوا.
# واخرى: بجواز استناد الحكم إلى التخفيف المستند إلى مصاحبة ماء المطر كما
~~عن المسالك (1).
# وثالثة: بأن الاستبعاد غير مسموع في مقابلة النص، خصوصا مع ملاحظة ابتناء
~~أحكام البئر - بل الأحكام الشرعية مطلقا - على جمع المتبائنات وتفريق
~~المتماثلات (2).
# ورابعة: بأن هذا الكلام إنما يتوجه إذا كان دليل الحكم ناهضا بإثباته
~~وليس الأمر كذلك هاهنا، نظرا إلى أن راوي هذا الحديث أعني " كردويه " مجهول
~~الحال، إذ لم يتعرض له الأصحاب في كتب الرجال، وبما تقدم ذكره تقدر على دفع
~~ذلك.
# المسألة السابعة: فيما ينزح له عشرة دلاء وهو أمران:
# أحدهما: العذرة الجامدة، والمراد بها ما يقابل الذائبة المنزوح لها خمسون
~~دلوا على ما تقدم الكلام فيها مشروحا، وحيث إن الذوبان كان عبارة عن تفرق
~~الأجزاء وشيوعها في الماء فالجمود كان عبارة عما لم تتفرق أجزاؤه، بأن تخرج
~~قبل شيوعها ولو بعد صيرورتها متبتلة أو رطبة، والحكم المذكور لها هو
~~المشهور المحكي عليه الشهرة في حد الاستفاضة، المنفي عنه الخلاف كما عن
~~السرائر (3)، بل المنقول عليه الإجماع عن
# PageV01P680
# الغنية (1)، المنصوص عليه فيما تقدم في العذرة الذائبة من رواية أبي بصير
~~(2) المنجبر ضعفها بالعمل، ms624 وباقي الأحكام والفروع الجارية فيها كما تقدم
~~ثمة، فراجع واستعلم.
# وثانيهما: الدم القليل، المقابل لكثيره المتقدم ذكره والبحث عنه مفصلا
~~مقرونا بما يستعلم منه حال القليل أيضا.
# ومجمل القول فيه على وجه الإعادة: أن الحكم المذكور له مشهور منقول عليه
~~الشهرة كما عن جماعة، بل الإجماع كما عن الغنية (3)، وحددوه: بدم الدجاجة
~~والرعاف اليسير، وقد تقدم بعض الكلام فيه مع المناقشة في التحديد بما ذكر
~~على وجه يكون ضابطا كليا.
# وأما تعيين العدد المذكور فمما لا نص فيه أصلا، والعمدة من مستنده ما
~~تقدم من صحيحة علي بن جعفر (4) في رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقعت في بئر،
~~القائلة:
# " بأنه ينزح منها دلاء يسيرة "، وفي رجل يرعف فيها الآمرة بنزح دلاء
~~يسيرة أيضا.
# وهذه كغيرها مما استفاض في باب الدم من الروايات المتقدم إلى جملة منها
~~الإشارة غير قاضية بالعدد المذكور، فإن " الدلاء " تشمل ما زاد عليها وما
~~نقص منها، ولا يعطيها التقييد باليسيرة في جملة منها ظهورا في ذلك.
# فما قد يوجه به من أن " الدلاء " وإن كان جمع كثرة إلا أن تقييده هنا
~~بلفظ " اليسيرة " الذي يؤدي مؤدى القلة قرينة على إرادة القلة منه هنا ليس
~~بسديد، وما قد عرفته عن الشيخ (5) في تقريب الاستدلال بها من " أن أكثر عدد
~~يضاف إلى هذا الجمع عشرة فيجب أن يؤخذ به، إذ لا دليل على ما دونه "، فقد
~~سمعت المناقشة فيه من جهات عديدة فراجع وتأمل، ألا ترى أن المعتبر اعترض
~~عليه: " بأنا لا نسلم أنه إذا جرد عن الإضافة كانت حاله كذا، فإنه لا يعلم
~~من قوله: " عندي دراهم " أنه لم يخبر عن زيادة عن عشرة، فإن دعوى ذلك باطلة
~~" (6).
# وأما ما ذكره المنتهى في دفعه: " بأن الإضافة هنا وإن جردت لفظا، لكنها
~~مقدرة،
# PageV01P681
# وإلا للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة "، - إلى أن قال -: " فلابد من
~~إضمار عدد تضاف إليه تقديرا، فتحمل على " العشرة " التي هي أقل ما يصلح
~~إضافته لهذا الجمع أخذا بالقدر المتيقن، وحوالة على أصالة براءة ms625 الذمة "
~~(1) فمما لا محصل له، من أن تأخير البيان فرع إرادة التعيين الذي لم ينهض
~~عليه إلى الآن قرينة من عقل أو نقل، فيبقى ظهور التخيير على ما هو شأن كل
~~جمع منكر علق عليه الحكم سليما عما يعارضه أو يصلح معارضته، وعلى تقدير
~~وجوب التقدير فيكون أقل ما يصلح إضافة إلى الجمع " عشرة " في حيز المنع، بل
~~أقله على ما أطبق العرف واللغة عليه " ثلاثة "، فليحمل عليه لأصالة البراءة
~~من الزائد، كما اعترف به غير واحد منهم صاحب المدارك (2).
# وبالجملة: لولا الحكم مشهورا لكان سلب تعيين هذا العدد هنا مما لا إشكال
~~فيه، ولا شبهة تعتريه، لكن مخالفة المشهور أيضا مما لا تخلو عن إشكال، وإذن
~~كان الاحتياط في طرفه، فالمصير إليه حينئذ إحتياطا مما لا بأس به.
# المسألة الثامنة: فيما ينزح له سبع دلاء، وهو امور:
# أحدها: موت الطير، المفسر بالحمامة والنعامة وما بينهما في محكي المسالك
~~(3)، وجماعة، ومثله عن كتب العلامة (4)، والموجز (5)، وشرحه (6).
# وعن الذكرى: " أن الصادق فسره بذلك " (7) وعن جماعة الحمامة والدجاجة وما
~~أشبههما (8).
# PageV01P682
# وفي المنتهى: " قال ابن إدريس: (1) والسبع يجب للنعامة والحمامة وما
~~بينهما " (2).
# ثم في المدارك: " أن القول بوجوب السبع في موت الطير للثلاثة وأتباعهم "
~~(3).
# وفي شرح الدروس للخوانساري: " هذا هو المعروف بين الأصحاب " (4). وعن
~~الذخيرة: " أنه مذهب الأصحاب " (5).
# وعن غير واحد؛ هو المشهور، وعن الغنية الإجماع عليه (6)، ومستنده روايات
~~فيها صحيح، وفيها غير صحيح، موثق وغيره.
# ومنها: صحيحة أبي اسامة عن أبي عبد الله قال: " إذا وقع في البئر الطير،
~~والدجاجة، والفأرة، فانزح منها سبع دلاء " (7).
# ومنها: موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة تقع
~~في البئر، أو الطير؟
# قال: " إن أدرك قبل أن ينتن نزحت منها سبع دلاء " (8).
# ومنها: رواية علي بن أبي حمزة - المتقدمة - قال: سألت أبا عبد الله (عليه
~~السلام) عن الفأرة تقع في البئر؟ قال: " سبع دلاء ". قال: وسألته عن الطير،
~~والدجاجة، تقع في البئر؟ قال:
# " سبع دلاء (9) إلى آخره ".
# ثم في المقام أخبار اخر ms626 تعارضها بظاهرهما بين دالة على نزح دلاء، ودالة
~~على دلوين وثلاث، ودالة على الخمس، وقد تقدم ذكرها في بحث السنور، لكن
~~الخطب فيها سهل لعدم عامل بها من الأصحاب، عدا رواية الخمس مع كونها صحيحة
~~التي استظهر العمل بها في المدارك ناسبا اختياره إلى المعتبر أيضا، حيث
~~قال: " والأظهر الاكتفاء بالخمس
# PageV01P683
# كما اختاره في المعتبر (1)، لصحيحة أبي اسامة المتقدمة، وعليه يحمل إطلاق
~~لفظ " الدلاء " في صحيحتي زرارة وعلي بن يقطين " (2) انتهى.
# والخطب في ذلك أيضا سهل لقصور عمل واحد أو اثنين عن دفع ما عرضها من
~~الوهن بسبب إعراض الأكثر.
# وثانيها: وقوع الكلب المستتبع لخروجه حيا، فإن وجوب السبع فيه مما ذهب
~~إليه أكثر الأصحاب كما في شرح الدروس (3)، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (4)
~~كما في المنتهى (5)، وعلى المشهور كما عن الذكرى (6)، خلافا لابن إدريس
~~الذاهب فيه إلى نزح أربعين كما في موته (7)، ولصاحب المدارك (8) الذي يظهر
~~منه الميل إلى الاكتفاء بمسمى الدلاء حملا للسبع والخمس الواردين في
~~الأخبار على الاستحباب.
# ومستند المشهور صحيحة عبد الله بن المغيرة - كما في نسخة الاستبصار -
~~وأبي مريم - كما عن نسخة التهذيب - قال: حدثنا جعفر، قال: كان أبو جعفر
~~(عليه السلام): " يقول إذا مات الكلب في البئر نزحت "، وقال [أبو] جعفر: "
~~إذا وقع فيها ثم أخرج منها حيا نزح منها سبع دلاء " (9).
# ولما كان صدرها ينافي ما تقدم في موته من نزح أربعين لظهوره في نزح
~~الجميع فتصدى الشيخ في الاستبصار (10) وغيره بحمله على صورة التغير، مع
~~جواز ابتنائه على الاستحباب كما احتمله بعضهم، كما يحمل على أحدهما ما في
~~خبر عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن بئر يقع فيها
~~كلب، أو فأرة، أو خنزير؟ قال: " تنزف كلها " (11)
# PageV01P684
# بعد تنزيل الإطلاق إلى صورة الموت، ولكن الحمل الأول مبني على القول بنزح
~~الجميع في صورة التغير وقد عرفت أن التحقيق خلافه، فعلى المختار يتعين
~~الحمل على الاستحباب خاصة لو قلنا بتناول إطلاقه لصورة الوقوع والخروج حيا،
~~فعليه لا معارض للصحيحة. ms627
# نعم، في صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)
~~قال: سألته عن البئر يقع فيها الحمامة، والدجاجة، أو الفأرة، أو الكلب، أو
~~الهرة؟ فقال: " يجزيك أن تنزح منها دلاء " (1) الخ.
# وفي صحيحة أبي اسامة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الفأرة والسنور
~~والدجاجة والكلب والطير، قال: " فإذا لم يتفسخ أو يتغير طعم الماء فيكفيك
~~خمس دلاء " (2) إلى آخره، وإطلاقهما يشمل محل البحث أيضا، لكن العلاج سهل
~~بحمل " الدلاء " في الأول على السبع حملا للمطلق على المقيد إن كان المقام
~~من مجاريها، وإلا فرميه كالثاني على الشذوذ من جهة إعراض الأصحاب عنه أولى،
~~كما ضعفه غير واحد، وعن ابن إدريس أنه طرح الصحيحة قائلا: " بأنها ليست بشئ
~~يعتمد عليه والواجب العدول عن الرواية الضعيفة، ونزح أربعين دلوا " (3) ثم
~~اعترض على نفسه: " بأنك إذا لم تعمل بالرواية، فلم لم تقل بنزح الجميع،
~~لأنه مما لا نص فيه؟
# فاعتذر بأنه: إذا كان حال موته يجب له أربعون ففي الحياة بطريق أولى، لأن
~~الموت يزيد النجس نجاسة " (4). وربما يعتذر له: (5) بأن تضعيفه الرواية مع
~~كونها صحيحة مبني على أصله المعروف من منع العمل بأخبار الآحاد، وهو الوجه
~~في وصفه المقام بما لا نص فيه، لأن ما فيه نص غير معتبر بمنزلة ما لا نص
~~فيه، وعليه فما اعترض عليه العلامة من قوله: " والجواب: المنع من عدم النص
~~وقد ذكرنا حديث
# PageV01P685
# أبي مريم " (1) ليس على ما ينبغي، وكأن الأولوية التي ادعاها في الحي
~~بالقياس إلى الميت مبناها على مفهوم الموافقة من الخطاب الوارد في الميت،
~~فلا يرد عليه: " أن هذه أحكام شرعية تتبع الاسم، فلابد وأن تستفاد من النص،
~~ولذا يجب في الفأرة مع تفسخها وتقطع أجزائها وانفصالها بالكلية نزح سبع
~~دلاء، مع وجوب نزح الجميع في البعرة منها لعدم ورود النص هنا وثبوته هناك "
~~(2)، فإن مفهوم النص غير خارج عن النص.
# إلا أن يقال: بمنع كون الحكم في الأصل مستفادا من النص بخصوصه، كما يعلم
~~ذلك بمراجعة كلام ms628 الشيخ المتقدم في بحث الأربعين للكلب (3)، المصرح بكون
~~الأخذ به معينا من باب الاحتياط.
# لكن يمكن دفعه - بعد الإغماض عن احتمال كون ابن إدريس قد بلغه في ذلك
~~الحكم نص خاص -: بأن غاية ما هنالك كون تعين الأربعين متجها من باب الحكم
~~الظاهري، فيجري الأولوية أيضا بدعوى: أن الحي من الكلب أولى من ميته بذلك
~~الحكم الظاهري، نعم إن كان ولابد من منع دليله فيمنع من الأولوية المدعاة،
~~لابتنائها على كون النجس قابلا للتنجس ثانيا وهو لا يسلم إلا بدليله، وهو
~~غير واضح.
# ومنه: يظهر الجواب لو قرر الاستدلال: بأن الكلب ميتا أنجس منه حيا، مضافا
~~إلى جواز أن يكون له حال الحياة صفة يقتضي زيادة في نجاسته وقد زالت عنه
~~بالموت، وكون الموت منجسا للحيوان إنما تسلم فيما لم يسبقه النجاسة، ولو
~~سلم كونه هنا مؤثرا لا محالة فلعله من باب أنه قد ارتفعت منه النجاسة
~~الثابتة حال الحياة وتجددت نجاسة اخرى بسبب الموت على حد نجاسة سائر
~~الأموات، مع كون النجاسة المتجددة أخف من الزائلة، واستصحاب الحالة السابقة
~~مع تبدل العنوان غير معقول، إذ لا ريب أن الميت ليس بكلب حقيقة، واحتمال أن
~~يقال: إن هذا العين الخارجي قد كان نجسا وهو باق، فيبقى نجاسته بحكم
~~الاستصحاب.
# يدفعه: أن الأحكام الشرعية لا تتبع الأعيان الخارجية، وإنما تتبع
~~عناوينها الكلية، والعنوان غير باق هنا جزما، مع أن ثبوت الأولوية إن كان
~~من باب مفهوم الموافقة
# PageV01P686
# - حسبما وجهناها به - فهي أمر عرفي لا يمكن إحرازه بالاستصحاب، لعدم كون
~~اعتمادهم بمثل هذه الأولوية في فهم الخطاب معلوما من بنائهم، وإن لم يكن من
~~هذا الباب فلا محصل لها إلا الظن العقلي بها، فيشكل التعويل عليها حينئذ،
~~ومما يكشف عن كونها من الأولوية الظنية ما تقدم الإشارة إليه - على فرض
~~كونه كذلك في الواقع - من أن ذلك من باب إجراء ما ثبت في الأصل من الحكم
~~الظاهري في الفرع، فلا يرجع في الحقيقة إلا إلى القياس الباطل في مذهبنا.
# وثالثها: بول الصبي ms629 الذي لم يبلغ كما في الشرائع (1)، هذا باعتبار
~~المنتهى وأما باعتبار المبدء فالظاهر أنه الذي يتغذي بالطعام، كما يقتضيه
~~قرينة المقابلة بينه وبين الصبي الذي لم يتغذ بالطعام، وأطلق الصبي في
~~المنتهى (2) لكن في مقابلة الصبي الرضيع، وقيده في الدروس (3) بغير الرضيع،
~~وعنه في الذكرى تفسير الصبي بأنه: " الذي لم يتغذ باللبن أو اغتذى به مع
~~غلبة غيره " (4)، وعن المعتبر تفسير الرضيع: " بمن لم يأكل " (5) وقضية ذلك
~~كون المعتبر في الصبي هنا هو الأكل مطلقا، والاكتفاء به مطلقا محكي عن
~~المشهور تارة، وعن الأكثر أخرى؛ وعن جماعة ثالثة، وعن صريح المختلف (6)،
~~وشرح الفاضل (7)، وظاهر المقنعة (8)، والنهاية (9) رابعة، وعن المسالك -
~~تبعا لجامع المقاصد (10) في تفسير محل البحث -: " أنه الفطيم " " والمراد
~~به من زاد سنه على الحولين " (11)، مع تفسيرهما الرضيع بمن كان في الحولين،
~~وعن ابن إدريس (12) تفسير الرضيع هنا بمن كان له دون الحولين، سواء أكل أو
~~لا، وسواء فطم أو لا.
# ولا مستند لشئ من هذه التفاسير، مع ما فيها من الاختلاف الفاحش، ولم يرد
~~في نصوص الباب إلا لفظا " الصبي " و " الفطيم "، و " الصبي " على ما في
~~المصباح المنير:
# الصغير (13).
# PageV01P687
# ومثله في المجمع (1)، وعن الصحاح: الغلام (2)، وعن القاموس: من لم يفطم
~~بعد.
# وأما " الفطيم " ففي المصباح: فطمت المرضع الرضيع فطما من باب ضرب، فصلته
~~عن الرضاع فهي (فاطمة)، والصغير (فطيم) (3).
# وفي المجمع: " الفطيم ك " كريم "، هو الذي انتهت مدة رضاعه، يقال: فطمت
~~الرضيع من باب ضرب، فصلته عن الرضاع " (4).
# وكيف كان فإيجاب السبع للصبي المقيد بأحد ما ذكر هو المشهور كما عن
~~جماعة، وعن المحقق البهبهاني في شرح المفاتيح: " أن الأصحاب أفتوا بالسبع "
~~(5)، وعن الغنية (6)، والسرائر (7) الإجماع عليه، وفي شرح الدروس: " هذا
~~مختار الشيخين (8) وجماعة، والصدوق في المقنع (9) والفقيه (10) أوجب ثلاثة
~~دلاء، واختاره المرتضى (رحمه الله) " (11) (12) انتهى.
# ومخالفة الصدوق والسيد محكية في كلام جماعة (13)، ومستند المشهور رواية
~~منصور بن حازم المروية - عن التهذيب في باب تطهير المياه - عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال:
# " ينزح منها سبع دلاء إذا ms630 بال فيها الصبي، أو وقعت فيها فأرة، أو نحوها "
~~(14).
# ولعل القول المذكور مع ما يأتي من القول بنزح دلو واحد للصبي الرضيع
~~الغير المغتذي بالطعام جمع بين هذه الرواية وما تقدم في بحث بول الرجل من
~~رواية علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن بول
~~الصبي الفطيم يقع في البئر؟ فقال:
# " دلو واحد " (15) على ما أخذ مستندا لهذا القول بناء على حمل " الفطيم "
~~على المشارف للفطام كما قيل، ولولا ذلك لبطل التقييد بما عرفت، لتناول
~~إطلاق " الصبي " لغير مورد القيد أيضا، ولذا صار السلار (16) - على ما حكي
~~عنه - إلى إطلاق القول بوجوب السبع
# PageV01P688
# في بول الصبي عملا بالرواية.
# وأما ما سمعت عن الصدوق والسيد فعن المعتبر: " لم نعثر له على نص " (1)،
~~وقد يقال: مستنده ما روى في الفقه الرضوي: " من أن بول الصبي إذا أكل
~~الطعام استقى منها له ثلاث أدلؤ، وإن كان رضيعا استقى منها دلوا واحدا "
~~(2).
# وهاهنا قول آخر حكاه بعضهم عن ابن حمزة (3) من أنه أوجب السبع في بول
~~الصبي وأطلق، ثم أوجب الثلاث في بوله إذا أكل الطعام ثلاثة أيام، ثم أوجب
~~واحدة في بوله إذا لم يطعم، ولعله جمع بين روايات المقادير الثلاث كما قيل،
~~وإن كان فيه بعض الخصوصيات الخارجة عن الروايات كلها، كتعين ثلاثة أيام لما
~~وجب له الثلاث، وهاهنا رواية اخرى تقدم ذكرها في بحث الخمر دالة على وجوب
~~نزح الجميع، وهي صحيحة معاوية بن عمار في البئر يبول فيها الصبي، ويجد فيها
~~البول أو الخمر؟ قال:
# " ينزح الماء كله " (4) وهي - مع سقوط اعتبارها بالنسبة إلى هذا الجزء
~~بإعراض الأصحاب عنه وإن كانت صحيحة لذاتها - مؤولة إلى صورة التغير، وإن
~~كان بعيدا بملاحظة مساوقاته كما لا يخفى.
# ثم إطلاق الأخبار وعلمائنا الأخيار يتناول ولد الكافر عدا الشهيد المحكي
~~عنه في البيان (5) التقييد بابن المسلم، ولعله أخذ بقضية الانصراف ولا يخلو
~~عن وجه، وإن كان الأقرب الأول، نعم لا يلحق به الصبية من جهة عدم النص كما ms631
~~عن بعض المحققين.
# ورابعها: موت الفأرة، لكن في الشرائع (6)، والدروس (7)، وغيرهما (8)
~~تقييدها بالتفسخ أو الانتفاخ، والذي ورد في الأخبار من حيث الوصف " التفسخ
~~" كما في بعضها، و " الانسلاخ " في البعض الآخر، ولم نقف على ما ذكر فيه "
~~الانتفاخ "، فلذا أورد في المدارك على معتبريه: " بأنه لا وجه لإلحاق
~~الانتفاخ بالتفسخ، لعدم الدليل
# PageV01P689
# عليه " (1). وفيه عن المصنف " أنه حكى عن بعض المتأخرين أنه جعل حد
~~التفسخ الانتفاخ " (2).
# ولا يخفى بعده من العرف واللغة وتصريح غير واحد من الأصحاب حيث فسروا "
~~التفسخ " بتفرق الأجزاء.
# نعم عن الدلائل (3) وظاهر الكفاية (4) دعوى الشهرة فيهما معا، بل عن
~~الغنية الإجماع عليهما معا (5)، وعن المسالك (6)، والروضة (7)، التصريح
~~بالشهرة في الثاني خاصة، لكن يعارض الجميع ما عن شرح المفاتيح (8)، وكشف
~~الالتباس (9)، من الشهرة في الأول، بل عن كشف الرموز نفي الخلاف عنه (10).
# وكيف كان فمستند هذا القول روايات منها ما هي مطلقة، ومنها ما هي مقيدة،
~~ومنها ما هي مجملة أو مطلقة أيضا، ولكن أعم من المطلقة الاولى.
# فمن المطلقات موثقة سماعة - المتقدمة - قال: سألت أبا عبد الله (عليه
~~السلام) عن الفأرة تقع في البئر، أو الطير؟ قال: " إن أدرك قبل أن ينتن
~~نزحت منها سبع دلاء " إلى آخره (11).
# ومنها: رواية علي بن أبي حمزة - المتقدمة أيضا قال: سألت أبا عبد الله
~~(عليه السلام) عن الفأرة تقع في البئر؟ قال: " سبع دلاء " (12).
# ومن المقيدات؛ رواية أبي عيينة - المروية في التهذيب - قال: سئل أبو عبد
~~الله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في البئر؟ فقال: " إذا أخرجت فلا بأس،
~~وإن تفسخت فسبع دلاء " (13).
# PageV01P690
# ومنها: رواية أبي سعيد المكاري - المروية في التهذيبين - عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال:
# " إذا وقعت الفأرة في البئر فتسلخت فانزح منها سبع دلاء " (1)، ولا بأس
~~بما فيهما من الضعف بعد ملاحظة قضية الانجبار بالشهرة، وبذلك تنهضان لتقييد
~~الروايتين المطلقتين وما في معناهما، وإن كان فيهما ما هو موثق، ولا ضير في
~~اختلاف القيدين الواردين فيهما من حيث إن " الانسلاخ " يغاير " التفسخ "،
~~لابتناء العمل بهما ms632 معا على كفاية أحد الأمرين في انعقاد الحكم، فليحمل
~~الإطلاق في غيرهما على ما يتحقق معه أحد الأمرين، وممن صرح بكفاية أحد
~~الأمرين المحقق في النافع (2) - على ما حكي عنه - وإن لم نجده فيه.
# وأما الصنف الثالث من الروايات، فمنها: صحيحة الفضلاء الثلاث زرارة،
~~ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي عن أبي عبد الله (عليه السلام) وأبي
~~جعفر (عليهما السلام) في البئر يقع فيها الدابة، والفأرة، والكلب، والطير
~~فيموت؟ قال: " يخرج، ثم ينزح من البئر دلاء، ثم اشرب [منه] وتوضأ " (3)،
~~وصحيحة أبي العباس الفضل البقباق، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):
# في البئر يقع فيها الفأرة أو الدابة، أو الكلب، أو الطير فيموت؟، قال: "
~~يخرج ثم ينزح من البئر دلاء، ثم يشرب منه ويتوضأ " (4).
# وهاتان الروايتان وما في معناهما قابلة لأن تحمل على ما تقدم لإجمالهما
~~أو إطلاقهما، ولك أن تحملهما على صحيحة معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد
~~الله (عليه السلام) عن الفأرة والوزغة تقع في البئر؟ قال: " ينزح منها ثلاث
~~دلاء " (5) تقليلا للتقييد بناء على حمل الصحيحة على ما يتحقق معه أحد
~~الأمرين، لا بحيث رجع مفاده إلى اعتبار الفأرة بشرط لا، فإن ذلك أيضا نوع
~~من التقييد، بل بمعنى حملها على الماهية المطلقة خرج عنها بعض أفرادها
~~بالدليل، فيقال: إن هذه الماهية من حكمها أن ينزح لها ثلاث
# PageV01P691
# دلاء إلا الفرد المتفسخ أو المتسلخ منها لوجوب السبع له، غير أن اللازم
~~من ذلك التفصيل في الفأرة بين المتفسخ أو المتسلخ وغيرهما، كما ذهب إليه
~~الشيخ وصرح في الاستبصار وغيره (1)، حيث جمع بين الصحيحة المذكورة وموثقة
~~سماعة، ورواية ابن أبي حمزة المتقدمتين بحملهما على صورة التفسخ، واستشهد
~~له برواية أبي سعيد المكاري المتقدمة، والظاهر أنه لا ضير فيه لوجود عامل
~~حينئذ بالصحيحة المذكورة وإن لم يعرف عن المشهور ما عدا حكم المقيد.
# وبما ذكرنا من وجود عامل بالصحيحة يظهر العذر في عدم الحمل على سائر
~~الروايات الواردة في الباب المتضمنة للخمس أو غيرها، لعدم وجود ms633 عامل بها
~~صريحا، وبذلك يعلم أن أمثال هذه الروايات لا تنهض معارضة لما تقدم، وهي
~~رواية أبي اسامة المتضمنة لقوله (عليه السلام): " فيكفيك خمس دلاء " (2)
~~ورواية عمار الساباطي المذيلة لقوله (عليه السلام):
# " تنزف كلها " (3).
# وفي المسألة قولان آخران، أحدهما: ما عن المقنع: " وإن وقع فأرة فانزح
~~منها دلوا واحدا، وأكثر ما روي في الفأرة إذا تفسخت سبع دلاء " (4) ومثله
~~عن الفقيه، ومستندهما على الدلو الواحد مع عدم التفسخ غير واضح كما اعترف
~~به غير واحد، وربما احتمل كونه إلحاقا بالعصفور ولا يخفى ضعفه.
# وثانيهما: ما يظهر عن صاحب المدارك (5) من العمل بالسبع مع التفسخ،
~~والخمس بدونه، استنادا إلى صحيحة أبي اسامة القائلة بأنه: " إذا لم يتفسخ
~~أو يتغير طعم الماء فيكفيك خمس دلاء " بعد ما استقرب الاكتفاء بالثلاث
~~مطلقا ولا موافق له في ذلك.
# وفي لحوق الجرذ بالفأرة في الحكم وجهان، من اندراجه فيها اسما كما يشهد
~~به كلام جماعة من أئمة اللغة، ففي المصباح المنير: " قال ابن الأنباري
~~والأزهري هو الذكر من الفأر، وقال بعضهم هو الضخم من الفيران، ويكون في
~~الفلوات ولا يألف البيوت " (6)، وعن الصحاح (7) والقاموس (8): الجرذ ضرب من
~~الفأر.
# PageV01P692
# وفي المجمع: " هو الذكر من الفيران ويكون في الفلوات، وهو أعظم من
~~اليربوع أكدر في ذنبه سواد، وعن الجاحظ الفرق بين الجرذ والفأر كالفرق بين
~~الجواميس والبقر والبخاتي والعراب " (1)، ومن التأمل في انصراف الإطلاق إلى
~~ما يتناوله، وهذا هو الأحوط، فيلحق بغير المنصوص.
# وخامسها: اغتسال الجنب في البئر مطلقا، كما في الشرائع (2)، والنافع (3)،
~~والمنتهى (4)، والدروس (5)، كما عن المعتبر (6)، والقواعد (7)، والإرشاد
~~(8)، والبيان (9)، واللمعة (10)، وقيل:
# بل جميع كتب العلامة، وفي صريح الخوانساري في شرحه للدروس (11)، كما عن
~~شرح المفاتيح للعلامة البهبهاني (12)، وظاهر الكفاية: " أنه المشهور "
~~(13).
# أو ارتماسه فيها كما عن نهاية الشيخ (14)، ومقنعة المفيد (15)، بل كتب
~~الشيخين (16)، والسلار (17)، وبني حمزة (18)، والبراج (19)، وسعيد (20)،
~~وإدريس (21)، وغيرهم بل عن ابن إدريس الإجماع عليه (22).
# وهل مرادهم به ما يحصل بعنوان الاغتسال؟ أو مطلق الارتماس ولو لغير
~~الاغتسال؟
# وجهان: أظهرهما الأول، وإن لم يصرحوا ms634 به لظهور كلامهم - ولا سيما
~~استدلالهم برواية أبي بصير المشتملة على الاغتسال - فيه، وتنقيح المسألة
~~يستدعي تقديم نقل ما ورد في هذا الباب من السنة وهي عدة روايات:
# منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " وإن وقع فيها
~~جنب فانزح منها سبع دلاء " (23).
# PageV01P693
# ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: " إذا دخل
~~الجنب البئر نزح منها سبع دلاء " (1).
# ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن
~~سقط في البئر دابة صغيرة، أو نزل فيها جنب، فانزح منها سبع دلاء " (2).
# ومنها: رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب
~~يدخل في البئر فيغتسل منها؟ قال: " ينزح منها سبع دلاء " (3).
# ومنها: صحيحة ابن أبي يعفور، وعنبسة بن مصعب، - المتقدمة في بحث انفعال
~~البئر -: " إذا أتيت البئر وأنت جنب ولم تجدد لوا ولا شيئا تغرف به، فتيمم
~~بالصعيد، فإن رب الماء ورب الصعيد واحد، ولا تقع في البئر، فتفسد على القوم
~~ماءهم " (4).
# والداعي إلى ذكر هذا الأخير هنا بعض الأغراض المتعلقة بالباب وإن لم يكن
~~متضمنا للتقدير بالسبع.
# فاعلم أنه لا كلام لهم في النزح بالسبع هنا، حيث لا منكر له ولا قائل
~~بالزيادة عليه، كما أنه لا خلاف لهم في أن الجنابة لها مدخلية في ذلك
~~الحكم.
# نعم، لهم كلام من جهات اخر.
# الجهة الاولى: في أن المقتضي للنزح هل هو وقوع الجنب في البئر وإن لم
~~يغتسل، المعبر عنه بمطلق مباشرته جنبا؟ أو اغتساله منها ولو ترتيبا، أو
~~ارتماسه ولو لغير الغسل؟ كما يقتضيه إطلاق حكاية القول به، احتمالات بل
~~أقوال:
# أولها: منسوب إلى صريح المحكي عن جماعة، كما هو صريح صاحب المدارك (5)
~~وظاهر الخوانساري (6).
# وثانيها: ما صار إليه جماعة، ولعله المشهور بين المتأخرين، وقد عرفت نقل
~~الشهرة عليه.
# وثالثها: ما عرفته عن جماعة من المتقدمين.
# PageV01P694
# حجة القول الأول: إطلاق الصحاح من الأخبار المذكورة عدا الأخير الذي هو
~~ساكت عن أصل الحكم، وعدم صلوح غيرها ms635 مستندا للحكم وإن تضمن التعليق
~~بالاغتسال فيوجه.
# حجة القول الثاني، وجوه:
# الأول: تعليق الحكم على الاغتسال في رواية أبي بصير فيحمل عليها غيرها
~~حملا للمطلق على المقيد.
# وأورد عليه تارة: بضعف سند الرواية بعبد الله بن بحر، واشتراك أبي بصير
~~كما في المدارك (1).
# ويرده: أنه مع انجباره بالشهرة غير قادح، إلا أن يمنع الشهرة أو استناد
~~المشهور إلى تلك الرواية.
# واخرى: بعدم خروج الرواية منافية للأخبار المطلقة من حيث إن التقييد
~~الوارد فيها إنما هو من كلام السائل، وجوابه (عليه السلام) عن ذلك المقيد
~~لا يقتضي نفي الحكم عما عداه.
# وثالثة: بمنع المنافاة أيضا المقتضية لوجوب الحمل، لجواز وجوب السبع لكل
~~من الوقوع والاغتسال معا.
# وتوضيحه: أنه ليس المقيد هنا نظير قولك: " أعتق رقبة مؤمنة " في مقابلة
~~قولك:
# " أعتق رقبة " ليكون مفاد الأول بحسب المنطوق الوجوب التعييني المنافي
~~للوجوب التخييري المستفاد من الثاني.
# والمفروض عدم حجية مفهوم القيد ليكون مفاده انتفاء الحكم عند انتفاء
~~القيد المعلق عليه المنافي لمنطوق المطلق، وقضية الجمع بين المطلق والمقيد
~~في العمل مع إمكانه كفاية كل من الأمرين في انعقاد الحكم، أو القول بأن
~~المقتضي للحكم إنما هو مطلق المباشرة، والتعليق على الاغتسال لكونه من
~~أفرادها أو مستلزما لها، وهذا في غاية الجودة.
# وممن أغرب في هذا المقام المحقق الخوانساري في شرح الدروس حيث تعرض لهذا
~~الإيراد، ثم اعترض على نفسه بقوله:
# " فإن قلت: ليس المراد أنه مما يجب فيه حمل المطلق على المقيد حتى يشترط
~~المنافاة، بل أن التقييد بالاغتسال قرينة على أن المراد في الروايات الاخر
~~من الوقوع
# PageV01P695
# والنزول والدخول الاغتسال، مع أن له ظهورا في الجملة أيضا بحسب العرف،
~~سيما مع تأييده بالأصل ".
# فدفعه بقوله: " قلت: هذا لا يصلح قرينة أيضا، لأن التقييد بالاغتسال ليس
~~في كلامه (عليه السلام) بل السائل إنما سأل عن الاغتسال وأجاب (عليه
~~السلام) بنزح السبع، فيجوز أن يكون أمره (عليه السلام) بالنزح فيه لأنه من
~~أحد أفراد الوقوع وهو ظاهر، مع أن الرواية غير نقي السند، وما ms636 ذكرته من
~~ظهور الدلالة بحسب العرف ممنوع، والتأييد بالأصل لا وجه له بعد ورود
~~الروايات الصحيحة بخلافه " (1) انتهى.
# وفيه: أن منع التنافي على مدعي الحمل في معنى منع صلاحية التقييد قرينة
~~على كون المراد بالأفعال المذكورة خصوص الاغتسال، فلا يسوغ إبداء هذا
~~الاحتمال لمن يسلم المنع المذكور، ضرورة أن قرينة المجاز عبارة عما يعاند
~~ظهوره لظهور اللفظ في معناه الحقيقي بحسب إرادة المتكلم مع كونه أقوى من
~~ظهور اللفظ في نظر العرف والعادة، ولا نعني من التنافي في مسألة وجوب حمل
~~المطلق على المقيد إلا ما يكون من هذا الباب، فلا فرق بين الاحتمالين في
~~اشتراط المنافاة، غاية الأمر حصول الفرق بينهما بلزوم التجوز في الألفاظ
~~المذكورة على الاحتمال الثاني، لابتنائه على فرض كون المستعمل فيه الاغتسال
~~بقيد الخصوصية الذي هو فرد من كل واحد من تلك الأفعال، بخلافه على احتمال
~~الحمل الذي هو أول الاحتمالين، بناء على ما تقرر في محله من أنه لرجوعه إلى
~~إطلاق الكلي على الفرد - من حيث انطباقه لا من حيث الخصوصية - لا يستلزم
~~تجوزا في اللفظ.
# والثاني: أنه لولا الحمل على الاغتسال لم يكن للنزح وجه، إذ المفروض خلو
~~بدنه عن النجاسة العينية من مني أو غيره، أما غير المني فواضح، وأما هو
~~فلأن المني مما يجب له نزح الجميع فلا معنى لإيجاب السبع منه، وقضية ذلك
~~عدم كونه لأجل النجاسة، فتعين أن يكون لزوال الطهورية الحاصلة من الاغتسال،
~~فظهر الاشتراط به وهو المطلوب.
# وفيه أولا: منع انحصار سبب النزح في عروض النجاسة أو زوال الطهورية،
~~لجواز كونه للتعبد المحض، أو لرفع القذارة الوهمية التي تتنفر عنها الطباع
~~ونحو ذلك.
# PageV01P696
# وثانيا: منع اقتضاء مباشرة البدن للمني عدم لحوق الحكم بنزح السبع به،
~~والقول بنزح الجميع في المني ليس إلا من جهة دخوله في عنوان ما لا نص فيه،
~~والروايات المذكورة على تقدير استفادة كون ذلك الحكم لأجل مباشرة البدن
~~للمني بملاحظة الحمل على الغالب - على ما قيل من أن الغالب عدم انفكاك بدن
~~الجنب ms637 عن نجاسة المني - تصلح نصا بالقياس إليه، فتخرج به عن العنوان
~~المذكور، ومعه لا مانع لإيجاب السبع له.
# وقد يجاب أيضا: بمنع انحصار الأسباب المقتضية للتنجيس في الامور المعهودة
~~في مظانها، لجواز كون بدن الجنب أيضا مما اعتبره الشارع منجسا للماء كسائر
~~الأسباب المنجسة له.
# وفيه: من البعد ما لا يخفى، بل ينبغي القطع الضروري بفساده، كيف ولو صح
~~ذلك لاطرد الحكم بالتنجيس، فكان القليل من الراكد أولى بالتنجس من جهته،
~~ووجب تنجس ما يلاقيه برطوبة من الأجسام الطاهرة لأن هذا هو معنى النجس،
~~وكونه نجسا بالقياس إلى شئ دون آخر مما لم يعهد له نظير في الشريعة.
# والثالث: أن الأخبار وإن كان أكثرها مطلقة لكن إطلاقها ينصرف إلى صورة
~~الاغتسال، بل لو ادعي انصرافها بحكم غلبة الوجود إلى الارتماس لم يكن
~~بعيدا، كما هو ظاهر لفظ " الوقوع " في رواية الحلبي، وهذا لو تم لكان في
~~غاية المتانة، وبه يدفع ما تقدم من احتجاج أهل القول الأول بإطلاق تلك
~~الأخبار، ويرتفع الحاجة إلى أن يقال في اشتراط الاغتسال بأن العمل بإطلاق
~~الأخبار ليس مشتهرا بين الأصحاب، ويورث ذلك شبهة عظيمة في تعيين معناها
~~فيندرج المقام في ما يكتفى فيه بالقدر المتيقن أو المظنون.
# لكن دعوى الانصراف غير خالية عن الإشكال، لعدم إمكان العلم به إلا بعد
~~العثور بمنشئه وهو الغلبة وجودا أو إطلاقا ولا سبيل لنا إلى ذلك، كيف لا
~~ولم يعهد عندنا فيما نعلم دخول الجنب أو نزوله في البئر فضلا عن كون الغالب
~~فيه الاغتسال، فإحراز الغلبة إن كان ولابد منه لا يتأتى حينئذ إلا بملاحظة
~~حال زمن الصدور أو بلد الخطاب، وهو أيضا كما ترى غير متيسر.
# نعم، لو كان مورد الروايات الاغتسال في البئر أو بماء البئر ونحو ذلك
~~لكان ثبوت الانصراف إلى الارتماس كما ادعاه المستدل في آخر كلامه بلا
~~إشكال؛ لا من جهة PageV01P697
# غلبة الوجود حتى يتوجه ما أشرنا إليه من عدم العلم بالوجود؛ بل لأن ذلك
~~من مقتضى الهيئة التركيبية العارضة لخصوص هذه ms638 المفردات بحسب العرف كما يشهد
~~به الوجدان السليم، لكن مفروض المقام ليس من هذا الباب.
# فإن قلت: المركب قد يتبادر منه بنفس معناه التركيبي معنى مفرد كما في
~~قولك:
# " دخلت الحمام " و " اشتريت الثوب " ونحوه المتبادر منه التنظيف واللبس،
~~فلم لا يجوز أن يكون القضية الواردة في الأخبار المطلقة من هذا الباب؟
# قلت: فهم المعنى الخارج عن أجزاء القضية لابد له من مقتض، وهو إما غلبة
~~وجود أو إطلاق قد عرفت عدم ثبوتها هنا، أو لزوم عرفي كما في المثال المذكور
~~ونظائره، حيث إن المعنى الخارج المتبادر الذي هو التنظيف أو اللبس إنما
~~يتبادر من جهة كونه في العرف والعادة غاية، وبملاحظة أن وضع الحمام للتنظيف
~~ووضع الثوب للبس، وهذا المعنى فيما نحن فيه أيضا منتف، لعدم كون وضع البئر
~~لاغتسال الجنب فيها حتى يكون الاغتسال متبادرا من قضية قوله (عليه السلام):
~~" فإن وقع فيها جنب " أو " إذا دخل الجنب البئر " ونحوه نظير تبادر الغايات
~~من القضايا العرفية.
# نعم، ربما يمكن استفادة ذلك من هذه التراكيب بملاحظة خارج آخر، وهو ما في
~~صحيحة ابن أبي يعفور من قوله (عليه السلام): " ولا تقع في البئر " الظاهر
~~أو الصريح في الاغتسال أو كونه للاغتسال، فإن ظاهر هذا الكلام بقرينة كونه
~~في سياق الاغتسال يدل على كونه بالنسبة إلى هذا المعنى اصطلاحا معهودا
~~لديهم، وحينئذ يترتب عليه الانصراف إلى الارتماس.
# وبذلك يظهر صدق مقالة قدماء الأصحاب في اعتبار الارتماس، ويتعين كون
~~مرادهم به ما يحصل معه الاغتسال، وإن كان قد يناقش في ذلك بأن هذا الظهور -
~~لو سلم - لا ينافي ظهور رواية أبي بصير في الترتيب، فيجمع بينهما على تقدير
~~اعتبار السند والدلالة بكون كل من الفردين سببا للحكم، لا بحمل المطلق على
~~المقيد كما توهم، وهذا الظهور كما ترى مما لا يعرف له مستند إلا باعتبار
~~لفظة " من " المذكورة فيها على خلاف لفظة " في " الظاهرة في الارتماس.
# ويزيفه: أن لفظة " من " هنا ابتدائية نشوية نظير ما في قولك: " فهمت منه
~~" و " علمت ms639 PageV01P698
# منه " و " أردت من اللفظ كذا وكذا " فيكون للأعم من الترتيب ومقابله.
# الجهة الثانية: في أن النزح الواجب على تقدير كونه للاغتسال ارتماسا هل
~~هو لنجاسة ماء البئر بسببه، أو لزوال الطهورية عنه (1)، أو أنه تعبد صرف؟
~~وجوه بل أقوال.
# اختار أولها العلامة في المختلف (2)، بناء على مذهب الشيخين (3) من سلب
~~الطهورية عن الماء المستعمل في الحدث الأكبر، وهو المحكي عن صريح المعتبر
~~(4) تارة وظاهره اخرى (5).
# وثانيها: محكي عن كتب ثاني الشهيدين (6)، ويلوح الثالث عن كلام جماعة كما
~~في المدارك (7)، وهذا هو الأقوى والموافق للاصول القويمة السليمة عما يصلح
~~معارضا ولا رافعا لها، بل الأول من الأقوال مما ينبغي القطع ببطلانه لما
~~تقدم من أن حدوث النجاسة بغير سبب يقتضي التنجيس غير معقول.
# والقول بكون الروايات محمولة على الغالب من عدم انفكاك بدنه عن النجاسة.
# يدفعه: منع هذه الغلبة في الجنب الواقع أو الداخل أو النازل في البئر،
~~ومع تسليمها مطلقا فليس عليها مدار القول بالنجاسة، ضرورة منافاتها لما حكي
~~عن الشهيد من أن ظاهره أن علة النزح هي النجاسة لكن بشرط الاغتسال، فإن
~~استناد النجاسة إلى النجاسة الخارجية العارضة للبدن بحكم الغلبة يقتضي عدم
~~الفرق بين تحقق الاغتسال وعدمه بعروض النجاسة للماء بمطلق المباشرة فيلغو
~~الاشتراط.
# كما أن القول بأن ما ذكر استبعاد مدفوع بالنص، يدفعه: أن الاستبعاد لا
~~يرتفع
# PageV01P699
# بمجرد النص بل يتوقف على دلالته الواضحة المعتبرة، ولا سبيل لأحد إلى
~~إحراز تلك الدلالة في نصوص المقام، كيف لا وقصارى ما فيها إنما هو الدلالة
~~على وجوب النزح بعد تسليمها وهي أعم، والعام لا يصلح دليلا على الخاص، وما
~~تقدم منا من دعوى نهوض الدلالة عرفا في الأوامر الواردة في باب المياه
~~وغيرها من سائر التطهيرات وكذلك نواهيها على كونها لأجل النجاسة لا التعبد
~~الصرف إنما نقول به فيما لم يصادف الأمر ما يوجب وهنه في تلك الدلالة، ومن
~~الموهنات القائمة في المقام عدم معهودية مقتض للنجاسة في الشريعة يختلف فيه
~~الأشياء، ولا سيما المياه القابلتين للتنجس.
# وكون ms640 ذلك الاختلاف إنما نشأ عن قصور ماء البئر في القوة العاصمة عن
~~الانفعال فلذا ينفعل كره بملاقاة مطلق النجاسة.
# يفسده: أن ماء البئر ليس بأضعف من المضاف وهم لا يقولون بانفعاله بمباشرة
~~الجنب ولو بقصد الاغتسال.
# وكون ذلك مستندا إلى الفرق في أن المضاف لا يرفع الحدث - مع أنه باطل بأن
~~التحقيق كما سيأتي أن الحدث لا يرتفع بهذا الاغتسال أيضا - ينفيه: أن رفع
~~الحدث حيثية في الماء تكشف عن زيادة القوة فكيف تصلح أمارة لما هو ملزوم
~~للقصور والضعف؟
# مع أن المقتضي لهذا الحكم إن كان هو رفع نوع الحدث فهو منقوض بالأحداث
~~الاخر من الحيض والاستحاضة والنفاس، وإن كان هو رفع حدث الجنابة خاصة فيؤول
~~الكلام إلى دعوى: أن من المنجسات الثابتة في الشريعة رفع حدث الجنابة، وهذا
~~كما ترى حكم كلي قاطع للاصول المحكمة شرعية وعقلية فكيف يمكن إثباته بمثل
~~هذه الدلالات الضعيفة، مع أن في ثبوتها ألف كلام وفيه مخالفة للشهرة أيضا.
# وبجميع ما ذكر يندفع ما قيل في تقريب القول بالنجاسة من استظهاره من ظاهر
~~لفظ " الإفساد " الوارد في صحيحة ابن أبي يعفور، بدعوى: " أن ظاهره عدم
~~ترتب أثر عليه فلا يطهر من الحدث ولا الخبث؛ بل ظاهره عدم الصلاح فيه رأسا
~~فلا يصلح للشرب أيضا، وهذه الامور من لوازم النجاسة " (1) انتهى.
# مع ما فيه من منع ظهور تلك اللفظة في هذا النحو من عموم الحكم، بل قصارى
~~ما
# PageV01P700
# فيه الدلالة على قضية مهملة مرددة بين امور قد تقدم الإشارة إلى جملة
~~منها في مسألة انفعال البئر وعدمه، وأظهر تلك الامور كون المراد بالفساد
~~هنا زوال الطهورية عن الماء في زعم من ليس منا كما يومئ إليه التعبير بلفظة
~~" القوم " الظاهرة أو المحتملة احتمالا مساويا لكون المراد بهم العامة
~~القائلة بسلب الطهورية في الماء المستعمل.
# وبذلك - مضافا إلى ما حققناه في الماء المستعمل - يظهر منع القول بكون
~~علة النزح هنا زوال الطهورية عن ذلك الماء، فإن ذلك أيضا يفتقر إلى دلالة
~~قوية فكيف يثبت بالدلالات ms641 المدخولة.
# وما اخترناه من التعبد الصرف إنما هو أخذ بالقدر المتيقن المتفق عليه من
~~تلك الدلالات، فإن الوجهين الأولين أيضا مبنيان على التعبد، غير أنهما
~~لاشتمالهما على اعتبار أمر زائد وجودي أو ارتفاعي منفيان بمخالفة الاصول
~~وقصور الدلالة الواردة على خلافها الغير الصالحة لقطعها.
# ومن المقالات المخرجة على خلاف الأصل والاعتبار ما حكي عن بعض القائلين
~~بنجاسة البئر من القول بأنه: " إن اغتسل مرتمسا طهر بدنه من الحدث ونجس
~~بالخبث، وإن اغتسل مرتبا أجزأه غسل ما غسله قبل وصول الماء إلى البئر إن
~~كان خارجا عن الماء وإلا فما قارن به النية خاصة ".
# وهو كما ترى، مع ما عن الشهيد (1) الموافق له في القول بالنجاسة من
~~الاعتراض عليه في صورة الترتيب من أن الحكم معلق على الاغتسال ولا يتحقق
~~إلا بالإكمال.
# الجهة الثالثة: اختلفوا في ارتفاع الحدث عن هذا المغتسل وعدمه، فقيل:
~~بالأول لتحقق الامتثال وعدم استلزام الأمر بالنزح النهي عن الاستعمال،
~~وقيل: بالثاني وحكي اختياره عن المحقق الشيخ علي (2) محتجا عليه بأن خبر
~~عبد الله بن أبي يعفور صريح في النهي عن الوقوع في البئر، وذلك مقتض لفساد
~~الغسل.
# وعن الشهيد الثاني أنه أجاب: " بمنع أن النهي عن العبادة، بل عن الوقوع
~~في الماء وإفساده، وهو إنما يتحقق بعد الحكم بطهر الجنب لا بمجرد دخوله في
~~البئر، فلا يضر هذا النهي لتأخره وعدم كونه عن نفس العبادة " (3).
# PageV01P701
# وتنظر فيه سبطه في المدارك: " بأنه (رحمه الله) قد حقق فيما سبق أن
~~المراد بالوقوع الغسل، حملا للمطلق على المقيد، فيكون النهي متوجها إليه
~~خاصة، والفساد وإن كان مترتبا على الغسل ومتأخرا عنه عند القائل به إلا أن
~~المفسد له في الحقيقة هو الغسل، وليس بعده فعل يمكن توجه النهي إليه، وإنما
~~الموجود أثر ذلك الفعل " انتهى (1).
# والذي يساعد عليه النظر فساد ذلك الغسل وإن لم نحمل " الوقوع " عليه، إن
~~كان المراد بالإفساد المنهي عنه سلب الطهورية عن الماء - وكان المورد نظير
~~مورد الرواية في كون البئر مما تعلق به ملك الغير ms642 على جهة الاختصاص أو
~~الاشتراك - فأنه بهذا المعنى - مع الشرط المذكور - من آثار الغسل
~~ومعلولاته، ومن المحقق في محله أن مقدمة الحرام محرمة سيما إذا كانت علة
~~تامة له.
# ولا يجدي في رفع المحذور عدم مقارنة الغسل لنية الإفساد إن أمكن الانفكاك
~~بينهما في حق العالم بالحكم، لأن قصد العلة في حكم العقل كاف في قصد
~~المعلول.
# نعم، على تقدير كون المراد بالإفساد معنى آخر من نشر التراب في الماء
~~وجعله كدرا ونحو ذلك أمكن منع العلية، نظرا إلى أنه حينئذ ليس من آثار
~~حيثية الغسل، وإنما هو من آثار الوقوع وإن لم يقارنه الغسل، ولكنه لا يجدي
~~نفعا إلا إذا لم يتحد الكونان بحسب الوقوع الخارجي.
# وربما أمكن منعه بدعوى: أن الإفساد حينئذ وإن كان مترتبا على الوقوع لكنه
~~من حيثية الغسل بمنزلة الجنس وهي بمنزلة الفصل، ولا ريب أن الجنس والفصل
~~متحدان في الوجود الخارجي، فليس للفصل وجود سوى وجود الجنس، فالنهي متعلق
~~بإيجاد هو بعينه إيجاد للغسل، ومعه لا يمكن تعلق الأمر به، ضرورة استحالة
~~اجتماع الأمر والنهي.
# ويمكن دفعه: بمنع اتحاد الكونين، ومنع كون الغسل فصلا للوقوع، بدعوى: أن
~~الإفساد يترتب على الوقوع سواء وجد معه الغسل أو لا، فهو أمر زائد على كل
~~من اللازم والملزوم، وما هذا شأنه لا يكون لازما لشئ منهما ولا ملزوما له،
~~فلا يسري إليه النهي لا أصالة ولا تبعا.
# وفيه: منع نفي كون الغسل ملزوما للوقوع، كيف وهو من مقدماته إن لم يقارن
~~نيته
# PageV01P702
# لأول الوقوع وإلا فيتحدا في الوجود الخارجي، ومن البين أن المقدمة من
~~لوازم ذيها، فإذا كانت منهيا عنها لكونها علة للإفساد المنهي خرجت عن كونها
~~مقدورة من جهة الشرع، لأن المنع الشرعي كالمنع العقلي، ومن المحقق عند
~~العقل أن الواجب المطلق بالقياس إلى القدرة على مقدماته الوجودية مشروط
~~كالقدرة على نفسه، فهو فاقد للأمر عند انتفاء القدرة عنه أو عن إحدى
~~مقدماته، ومعه لا يعقل فيه الصحة المقصودة في العبادات.
# لكن هذا إنما يتم في ms643 المقدمة المنحصرة كما في مورد الرواية، وأما في
~~غيرها كما لو تمكن عن الغسل بطريق آخر غير الوقوع في البئر فلا يلزم من عدم
~~مقدورية إحدى مقدماته انتفاء الأمر عنه رأسا، وقضية ذلك وقوعه صحيحا وبوصف
~~كونه مأمورا به، وإن كانت مقدمته قد حصلت بوصف كونها منهيا عنها، غاية ما
~~هنا لك عدم تعلق الوجوب المقدمي - على القول به كما هو الحق - بتلك
~~المقدمة، ومن البين أن عدم وجوب فرد من المقدمة لمانع لا يقضي بعدم وجوب
~~ذيها.
# ثم كل ذلك إنما يتوجه إذا كان الإفساد بهذا المعنى مما تعلق به النهي،
~~كما لو تحقق الوقوع والغسل في حق الغير الذي يعلم من حاله أن هذا الذي
~~يترتب عليهما إفساد في نظره، وإلا فأصل الوقوع والإفساد ليسا بمنهي عنهما
~~فلا مانع حينئذ من الصحة.
# وبذلك يعلم أن البئر في مورد الرواية كانت ملكا للغير أو مما تعلق به ملك
~~الغير أيضا، ككونها من مشتركات المسلمين كافة ولو بعنوان الوقف دون الملك
~~المطلق، أو من مشتركات قوم منهم من غير فرق بين حمل " الإفساد " على إرادة
~~سلب الطهورية أو غيره مما أشرنا إليه، وإن كان يجب الحمل على الثاني بقرينة
~~خارجية غير ما تقدم الإشارة إليه، وهي: أنه لولا ذلك لزم من وجود الشئ
~~عدمه، وأنه محال.
# وبيان الملازمة: أن كون ماء البئر مستعملا في رفع الحدث وصف لا ينعقد في
~~الخارج إلا إذا وقع الغسل صحيحا، وصحة الغسل مع فرض كونه علة للإفساد بهذا
~~المعنى المنهي عنه غير معقولة كما تقدم، فإذا لم يقع على وصف الصحة لم
~~ينعقد الوصف المذكور في الخارج؛ وقضية استحالة ذلك خروج النهي لغوا يجب
~~تنزيه كلام الحكيم عنه، ولا يتأتى ذلك إلا بحمل " الإفساد " على غير المعنى
~~المذكور، وإذا اعتبر مع ذلك عدم كون البئر مما تعلق به حق الغير خرج محل
~~البحث عن مورد الرواية PageV01P703
# بالمرة، إذ ليس الكلام فيما لو تحقق الغسل في ملك الغير أو ما تعلق به
~~حقه؛ ولا ريب ms644 أن إفساد المالك وفي حكمه المأذون ماء بئره بأي معنى اريد منه
~~ليس بمنهي عنه، وإذا انضم إليه حيثية كونه في ملك الغير أو ما تعلق به حق
~~الغير مع عدم الإذن فيه لا مالكيا ولا شرعيا فعدم الصحة إنما هو من حيثية
~~اخرى وهي التصرف العدواني في ملك الغير، لا لحيثية كونه للإفساد وسلب
~~الطهورية.
# وكيف كان فالحق: أن الغسل صحيح، إذ لا موجب لتوهم فساده إلا وجوب النزح
~~على فرضه، وهو غير مستلزم له عقلا ولا شرعا وهذا مما لا تعلق له بمورد
~~الرواية حتى يصح التعلق بها في إبداء القول بالفساد، وإنما هي محمولة على
~~مورد لم يكن محل البحث منه جزما.
# ومن هنا اتضح زيادة على ما مر في الجهة الثانية أن علة وجوب النزح الوارد
~~في الأخبار المطلقة ليست سلب الطهورية عن الماء، إذ لا دليل عليه لمن توهم
~~ذلك إلا الرواية المذكورة وقد عرفت أنها مما لا تعلق له بمحل البحث وبمسألة
~~وجوب النزح أصلا، ونحن إنما ذكرناها هنا من جهة دفع بعض الكلمات المتعلقة
~~بها الصادرة عنهم هنا لا من جهة أن لها مدخلية بموضع البحث هذا، وتدبر.
# الجهة الرابعة: عن جماعة من الأصحاب أنهم اشترطوا خلو بدن الجنب عن نجاسة
~~عينية ليتم الاكتفاء بالسبع، إذ لو كان عليه نجاسة لوجب مقدرها إن كان وإلا
~~فعلى ما اختلف فيه من حكم ما لا نص فيه؛ وعن العلامة في المنتهى (1) التوقف
~~في الاشتراط، وإن كانت هذه النسبة لا تخلو عن نظر، لعدم دلالة كلامه على
~~أنه متوقف في أصل المسألة، وإن كان لا يخلو عن المناقشة من جهة اخرى حيث
~~توهم اختصاص النجاسة العينية المشترط خلوها بالمني كما لا يخفى على
~~المتأمل.
# وعلى أي حال كان فالحق ما صار إليه الجماعة من قضية الاشتراط، نظرا إلى
~~أن الأحكام تابعة لموضوعاتها وهي مما تختلف باعتبار الحيثيات؛ والظاهر أن
~~الأخبار الواردة في المقام معلقة على حيثية الجنابة فلا تدخل فيها الحيثيات
~~الاخر، ولا يعقل
# PageV01P704
# في الخطاب ms645 الوارد لبيان حكم حيثية مخصوصة إطلاق بالقياس إلى غيرها من
~~الحيثيات المستقلة بأحكام اخر، وقد تقدم تقريب هذا الاستدلال في بحث موت
~~الإنسان.
# ومن هنا يعلم اختصاص الحكم باغتسال غير الكافر، وأما هو فاغتساله يندرج
~~في عنوان ما لا نص فيه إن لم يثبت في الشريعة لنجاسة الكفر بالنسبة إلى
~~منزوحات البئر حكم بالخصوص، وإلا فالواجب إجراء حكمه، وأما الذكر والانثى
~~فالظاهر من الإطلاق عدم الفرق بينهما كما هو كذلك بالقياس إلى المخالف
~~والمؤمن، والله أعلم.
# المسألة التاسعة: فيما ينزح له خمس، وهو مقصور في فتاويهم على ذرق
~~الدجاج، لكن عن مقنعة (1) المفيد وجماعة آخرين تقييده بالجلال، بل في
~~الحاشية الميسية على الشرائع (2) أن المشهور اختصاص النزح بالجلال منه، وعن
~~التذكرة (3): " أن الأكثر قيده بذلك "، وعن نهاية الشيخ (4) وجماعة غير
~~الأولين عدم تقييده بذلك، بل عن الروضة (5) والروض (6): " أنه المشهور ".
# ولم نعرف دليل هذا الحكم في شئ من القولين بل في كلام غير واحد الاعتراف
~~بعدم الوقوف على دليل عليه، وإن شئت لاحظ العلامة في المنتهى قائلا: " ولم
~~أقف على حديث يدل على شئ منهما " (7).
# وعن معتبر المحقق: " وفي القولين إشكال أما الإطلاق فضعيف، لأن ما ليس
~~بجلال ذرقه طاهر، وكل رجيع طاهر لا يؤثر في البئر تنجيسا، أما الجلال فذرقه
~~نجس لكن تقدير نزحه بالخمس في موضع المنع ونطالب قائله بالدليل " (8).
# وفي المدارك: " ولم أقف على نص يقتضي النزح لذلك " (9).
# لكن في حاشية هذه العبارة للعلامة البهبهاني: " الظاهر أن المفيد (رحمه
~~الله) ومثله ممن حكم بهذا الحكم كان لهم نص " (10) انتهى.
# ويمكن تأييد القول الآخر بأن فتوى الشيخ في النهاية بمنزلة الرواية
~~المرسلة، بناء
# PageV01P705
# على ما حكي عن صريح كلامه فيها من أنه لا يفتي فيها إلا بمتون الروايات
~~من دون تغيير أو مع تغيير يسير، وإذا ثبتت الشهرة المدعاة على هذا القول
~~كانت جابرة لإرسالها، فهذا القول متعين لكن على تقدير صحة الحكايتين.
# وأما ما عرفت عن المعتبر من المناقشة فيه، فيدفعه أولا: ما في المدارك
~~(1) من تقييد ms646 هذا القول بالبناء على القول بنجاسة الذرق، فإن كان القول
~~بالنزح هنا مما لابد من دفعه فلابد من بناء دفعه على منع ما هو مبني عليه
~~كما منعه في الكتاب المذكور.
# وثانيا: بأن مرسلة النهاية على تقدير صحة الحكايتين كما أنها تصلح مستندة
~~للنزح تصلح مستندة لنجاسة الذرق، فتأمل.
# وثالثا: بأن الحكم بالنزح قد يكون لمحض التعبد كما هو الحال في اغتسال
~~الجنب على ما تقدم، ولا سيما على مذهب الشيخ القائل بالوجوب التعبدي في
~~سائر النجاسات، فعلى فرض ثبوت المرسلة واعتبارها اتضح مستند الحكم وإن قلنا
~~بمنع الملازمة بين إيجاب النزح ونجاسة الموجب كما أشرنا إلى إمكانه في
~~الأمر بالتأمل.
# واحتمل بعضهم الاستناد إلى الإجماع، كما نقل ادعاؤه في الروض (2) على عدم
~~وجوب الزائد على الخمس، مع ضميمة أن الأقل غير مبرء للذمة بعنوان اليقين.
# ونوقش فيه بمخالفة أبي الصلاح، فإنه قال: " بأن خرء ما لا يؤكل لحمه يوجب
~~نزح الماء " (3).
# وفيه: ظهور كلام أبي الصلاح فيما لا يؤكل لحمه بأصل الشرع لا من جهة
~~العارض، هذا مع ما قيل في دفعها من أن المخالفة من معلوم النسب غير مضرة في
~~انعقاد الإجماع على رأي القدماء ومن وافقهم.
# ومما بيناه يتبين ضعف ما يوهمه كلام بعضهم من لحوق ذرق الدجاج الجلال
~~بمورد كلام أبي الصلاح الذي لا مدخل له بالمقام.
# وأضعف منه ما في المدارك من قوله: " واستقرب المصنف في المعتبر دخوله في
~~قسم العذرة " (4)، فاعترض عليه بقوله: " وفيه بعد " (5).
# PageV01P706
# ووجه ضعفه: أنه ذكر ذلك في خرء ما لا يؤكل لحمه الظاهر فيما يكون كذلك
~~أصالة المتفق على نجاسته، لأنه على ما في عبارة محكية له عن المعتبر قال -
~~بعد ما ناقش في قولي المسألة بما تقدم -: " وقال أبو الصلاح: خرء ما لا
~~يؤكل لحمه يوجب نزح الماء، ويقرب عندي أن يكون داخلا في قسم العذرة ينزح له
~~عشرون، فإن ذاب فأربعون أو خمسون، ويحتمل أن ينزح له ثلاثون لخبر المنجبرة
~~" (1) انتهى.
# وقد عرفت أن ما لا يؤكل لحمه ms647 في عبارة أبي الصلاح ظاهر فيما هو كذلك بأصل
~~الشرع فكذلك ما ذكره المحقق، بناء على أنه إنما نقل كلام أبي الصلاح هنا من
~~جهة المناسبة لا من جهة تفريع المسألة على عنوان ما لا يؤكل لحمه، كيف لا
~~وذكره له من جهة التفريع يناقض ما ذكره أولا في دفع القولين في المسألة.
# إلا أن يقال: بأنه يناقض دفعه القول بالحكم فيما ليس بجلال دون دفعه
~~القول به في الجلال، لأنه دفع له في تقدير النزح بالخمس لا في دعوى النجاسة
~~التي لا مجال لها في ذرق غير الجلال.
# فيرد عليه حينئذ أولا: ما تقدم من منع تعلق المسألة بمورد كلام أبي
~~الصلاح.
# وثانيا: ما أورده غير واحد من أن العذرة لغة فضلة الإنسان خاصة، ونزح
~~الثلاثين المستند إلى خبر المنجبرة وهو رواية كردويه المتضمنة لوقوع ماء
~~المطر المخالط بالبول وخرء الكلاب وغيرهما مختص بالأشياء المذكورة مع
~~مخالطة ماء المطر، فالتعدي عنها مما لا مسوغ له.
# والمراد بالجلال - على ما في المدارك - (2) المتغذي بعذرة الإنسان محضا
~~إلى أن يسمى في العرف جلالا.
# المسألة العاشرة: فيما ينزح له ثلاث، وهو الفأرة إذا لم يتفسخ ولم تنتفخ،
~~أفتى به الشيخان (3)، وأبو الصلاح (4)، وسلار (5)، وابن البراج (6)، وابن
~~إدريس (7)، على ما حكاه
# PageV01P707
# في المختلف (1)، خلافا لعلي بن بابويه المحكي عنه في المختلف (2) أيضا
~~الاكتفاء بنزح دلو واحد، وعن المرتضى على ما في المختلف (3) أيضا أنه قال:
~~ينزح لها سبعة دلاء؛ وقد روي ثلاثة ولم يفصل.
# واحتج الشيخ - على ما حكي عنه - وهو ظاهره بل صريحه في التهذيبين بما
~~رواه فيهما من صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)
~~عن الفأرة والوزغة تقع في البئر؟ قال: " ينزح منها ثلاث دلاء " (4).
# وفي معناها صحيحة عبد الله بن سنان (5) المروية فيهما، وتوهم إطلاق
~~الوقوع الشامل لصورتي الموت والخروج حيا، يدفعه: انصرافه إلى الموت عرفا
~~كما فهمه الشيخ وغيره من الجماعة.
# وأما الروايات القاضية بنزح السبع فيها على الإطلاق فهي محمولة على صورة
~~وجود ms648 الوصفين بقرينة ما تقدم في المسألة الثانية من الروايات المقيدة كما
~~صنعه الشيخ في الكتابين (6)، حيث جمع بذلك بين الروايات المختلفة، فلذا صار
~~في الفأرة إلى التفصيل في نزحها بالسبع والثلاث بين صورتي وجود الوصف
~~وانتفائه كما تقدم بيانه.
# وبما ذكر يظهر الجواب عن احتجاج المرتضى بالروايات المطلقة في السبع، فإن
~~من وظيفة المطلق أن يحمل على المقيد حيث يتعارضان.
# وأما قول علي بن بابويه فلم يعرف حجته كما اعترف به في المختلف (7)، وقد
~~يلحق بها هنا امور:
# منها: الحية، حكاه في المختلف (8) عن الشيخ (9).
# وأبي الصلاح (10)، وسلار (11)، وابني البراج (12)، وإدريس (13).
# PageV01P708
# وعن جماعة دعوى الشهرة فيه (1)، وعن السرائر: نفي الخلاف عنه (2).
# وعن الغنية: الإجماع عليه (3)، واختلفت الحكاية عن ابن بابويه ففي
~~المختلف ينزح منها سبع دلاء، حكاه عنه في مسألة العقرب أيضا قائلا: " وقال
~~علي بن بابويه في رسالته: إذا وقعت فيها حية، أو عقرب، أو خنافس، أو بنات
~~وردان، فاستق منها للحية سبع دلاء، وليس عليك فيما سواها شئ " (4).
# وعن المحقق في المعتبر (5) أنه نقل عبارة الرسالة المذكورة بحيث كان فيها
~~دلو واحد في موضع السبع.
# وعن صاحب المعالم: " وفيما عندنا من نسخة الرسالة القديمة التي عليها
~~آثار الصحة " دلاء " بدون السبع " (6).
# وعنه أيضا - عقيب الكلام المذكور المنقول بالمعنى -: " وعلى ما فيها ربما
~~لا يبقى في المسألة خلاف، لأن لفظ " الدلاء " لا يبعد حمله عند الإطلاق على
~~الثلاث لما مر تقديره " (7) انتهى.
# واعترف غير واحد بعدم ورود نص فيها بالخصوص.
# وعن المعتبر: " ويمكن الاستدلال بما رواه الحلبي في الصحيح عن أبي عبد
~~الله (عليه السلام):
# " قال إذا سقط في البئر حيوان صغير فمات فيها فانزح منها دلاء " (8)
~~فينزل على الثلاث لأنه أقل محتملاته (9).
# وفي المختلف: " احتج الأكثرون برواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) فيما يقع في بئر الماء فيموت فيه فأكبره الإنسان ينزح منها
~~سبعون دلوا، وأصغره العصفور ينزح منها دلو واحد (10).
# وللحية يجب فيها أكثر من العصفور وإلا لم يختص القلة بالعصفور، وإنما
~~أوجبنا نزح ms649 ثلاث لمساواتها الفأرة في قدر الجسم تقريبا.
# PageV01P709
# وبما رواه إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه
~~السلام) كان يقول:
# " الدجاجة ومثلها يموت في البئر ينزح منها دلوان وثلاثة " (1) ولا ريب أن
~~الحية لا تزيد على قدر الدجاجة في الجسم " (2).
# واعترض على الاحتجاج بتلك الأخبار بأن الأحاديث الواردة في أن ما لا نفس
~~له إذا وقع في البئر لا بأس به - كما في بعض - ولا يفسد الماء - كما في آخر
~~- مخرجة للحية عن عموم تلك الأخبار، ومن الأحاديث المذكورة ما حكاه في
~~المختلف (3) من رواية عمار الساباطي في حديث طويل عن الصادق (عليه السلام):
~~وقد سئل عن الخنفساء، والذباب، والجراد، والنمل، وما أشبه ذلك يموت في
~~البئر والزيت وشبهه قال: " كل ذلك ما ليس له دم فلا بأس " (4).
# ومنها: ما حكاه أيضا في الصحيح عن ابن مسكان عن الصادق (عليه السلام)
~~قال: " وكل شئ سقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس وأشباه ذلك فلا
~~بأس " (5).
# وهذا الاعتراض إنما يتجه لو ثبت صغرى القياس وهو مذهب المشهور على ما في
~~محكي شارح المفاتيح (6) من أنها ليس لها نفس.
# وعن الفاضل في شرح القواعد أنه تشكك فيه ثم قال: " ويمكن اختلاف أنواعها
~~" (7) انتهى.
# لكن صرح جماعة من فحول أصحابنا بأن لها نفسا، ومن المصرحين المحقق - في
~~عبارة محكية له - في المعتبر قائلا: " والذي أراه وجوب النزح في الحية، لأن
~~لها نفسا سائلة وميتتها نجسة " (8).
# ومنهم العلامة في المنتهى قائلا: " والأولى عندي تعلق الحكم، وهو نزح
~~الثلاث بالحية دون غيرها، لوجود النفس السائلة لها دون غيرها وميتتها نجس "
~~(9).
# ومنهم من عاصرناه من فحول مجتهدينا المعاصرين (قدس سره) على ما وجدناه في
~~كلام له
# PageV01P710
# في الكتاب المعمول في أجوبته عن الأسئلة المعروضة عليه (1)، ونقل عنه (2)
~~أيضا أنه أخبر التصريح عن بعض الأعلام أنه امتحنها بالذبح فرأى أن لها نفسا
~~سائلة، ومن البين أن الاحتجاج بالأخبار المتقدمة مبني على هذا المذهب ومعه
~~لا وقع للاعتراض المذكور أصلا.
# وعن علي ms650 بن بابويه أنه احتج على إيجاب سبع بأنها في قدر الفأرة أو أكبر،
~~وقد بينا أن في الفأرة سبع دلاء فلا يزيد الحية عليها للبراءة ولا ينقص
~~عنها للأولوية (3).
# وضعفه واضح، لمنع الأولوية وعدم تأثير للبراءة بعد ملاحظة استصحاب
~~النجاسة، وأما الاكتفاء بالدلو الواحد - على ما في المعتبر - (4) فلم نعرف
~~له دليل، وأما على ما حكاه المعالم فاحتمل بعضهم الاستدلال عليه بصحيحة
~~الحلبي المتقدمة، بل بصحيحة الفضلاء، ورواية الفضل المتقدمتين في بحث
~~الفأرة من المسألة الثامنة.
# ومنها: الوزغة، أفتى بالثلاث فيها على ما في المختلف (5) الشيخان (6)،
~~وابن البراج (7)، وابن حمزة (8)، والصدوق (9)، ودليله على ما تقدم في
~~الفأرة من صحيحتي ابن عمار، وابن سنان، واضح.
# لكن يشكل الحال في ذلك بعدم كون الوزغة - على ما صرحوا به - من ذوات
~~النفس ليوجب موتها نجاسة البئر، ولذا صار ابن إدريس - على ما عزى إليه -
~~إلى منع وجوب النزح فيها، محتجا: بأنها لا نفس لها سائلة (10)، إلا على ما
~~ذكره العلامة في المختلف في تقريب هذا القول من أنه: " يجوز أن يكون الأمر
~~بالنزح من حيث الطب بحصول الضرر في الماء بالسم لا من حيث النجاسة، ولا شك
~~أن السلامة من الضرر أمر مطلوب للشارع، فلا استبعاد في إيجاب النزح لهذا
~~الغرض " (11).
# PageV01P711
# فإن تم ذلك اندفع به قول ابن إدريس أيضا واحتجاجه، وإلا لسرى الإشكال إلى
~~الفأرة التي عطف عليها الوزغة في الرواية، وقضية ذلك استحباب النزح فيهما
~~معا كما أفتى به المحقق في الوزغة خاصة على ما حكي عنه في المعتبر (1).
# وفي المسألة قول ثالث أو رابع محكي عن سلار (2) وأبو الصلاح الحلبي (3)
~~وهو الاكتفاء بالدلو الواحد، احتجاجا بما في التهذيب والفقيه عن يعقوب بن
~~ميثم أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال له: بئر ماء في مائها ريح
~~يخرج منها قطع جلود، فقال: " ليس بشئ، لأن الوزغ ربما طرح جلده، إنما يكفيك
~~من ذلك دلو واحد " (4).
# وفي معناها ما عن الكافي (5) في باب البئر.
# ولا يخفى ما في هذا الاحتجاج من ms651 الوهن بعدم دلالة الروايتين على نفي
~~الزائد لو وقع فيها الوزغ بنفسه، وإنما هما تدلان على الاكتفاء بالواحد في
~~جلده، وهو ليس من موضوع المسألة في شئ.
# ومنها: العقرب، حكي القول به عن الشيخ في النهاية (6)، والمبسوط (7)،
~~وتبعه ابن البراج (8)، وأبو الصلاح (9)، ولم يتعرض لها ابن حمزة، وسلار،
~~والشيخ المفيد، وقد تقدم عن علي بن بابويه (10) ما يدل على عدم وجوب شئ
~~فيها، وهو اختيار ابن إدريس (11).
# حجة الشيخ - على ما في المختلف - (12) ما رواه هارون بن حمزة الغنوي عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الفأرة والعقرب وأشباه ذلك يقع
~~في الماء فيخرج حيا هل يشرب من ذلك الماء أو يتوضأ به؟ قال: " يسكب ثلاث
~~مرات، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة، ثم يشرب منه ويتوضأ منه غير الوزغ، فأنه
~~لا ينتفع ما يقع فيه " (13).
# وجه الاستدلال: أن العقرب ينزح لها مع خروجها حية ثلاث دلاء فمع الموت
~~أولى، مضافا إلى أن المقتضي للنزح في الوزغة وهو السم موجود في العقرب.
# PageV01P712
# وهذا من جهة ابتنائه على القياس الفاسد ضعيف جدا، والعمدة هي الرواية،
~~وفيها:
# أن الأولوية المدعاة إنما تنهض على تقدير دلالة الرواية على الوجوب
~~ولعلها في حيز المنع، كما يرشد إليه العطف على الفأرة المخرجة حية المجمع
~~على عدم وجوب النزح فيها، كيف وهو إما من جهة النجاسة فهي منتفية مع
~~الحياة، أو من جهة شبهة السمية التي انتفاؤها أوضح، ومع ذلك فهي على فرض
~~الدلالة معارضة بعموم ما تقدم في غير ذي النفس، وخصوص صحيحة ابن مسكان
~~المتقدمة عن الصادق (عليه السلام) قال: " وكل شئ سقط في البئر ليس له دم
~~مثل العقارب والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس " (1) وهي صحيحة، وعمل بها
~~العلامة (2) وغيره فتكون أرجح، وعليه يجمع بينها وبين ما تقدم بحمله على
~~الاستحباب كما صنعه العلامة في المختلف (3)، وبذلك يظهر الوجه في رواية
~~منهال بن عمرو عن الصادق (عليه السلام) قلت له: العقرب يخرج من البئر ميتة؟
~~قال: " استق عشرة دلاء " (4) وقد حملها الشيخ على ms652 الاستحباب (5)، كما في
~~المختلف (6).
# وعن المانعين عن وجوب النزح الاحتجاج: بأنه حيوان لا نفس له سائلة فلا
~~يجب بموته شئ كالذباب والخنافس، وبالروايات المتقدم إليها الإشارة في غير
~~ذوات النفس، وهو في غاية الجودة.
# المسألة الحادية عشر: فيما ينزح له دلو واحد، وهو أمران:
# أحدهما: العصفور وما أشبهه، نسب القول به في المنتهى (7) إلى الشيخين (8)
~~وأتباعهما (9)، وفي كلام غير واحد نسبته إلى المشهور.
# بل في شرح الدروس (10) - كما عن المعالم - (11) لم يعرف فيه خلاف.
# PageV01P713
# وعن الغنية: الإجماع عليه وعلى مماثله في الجسم من الطير (1).
# نعم ربما يستظهر الخلاف من الصدوقين، فعن الفقيه: " وأكثر ما يقع في
~~البئر الإنسان " - إلى أن قال -: " وأصغر ما يقع في البئر الصعوة فينزح
~~منها دلو واحد، وفيما بين الإنسان على قدر ما يقع منها " وعن أبيه: أنه كذا
~~قال في الرسالة (2).
# ووجه المخالفة: أن الصعوة ليس بمطلق العصفور بل عصفور صغير، كما نص عليه
~~في القاموس (3).
# وقد يوجه كلامهما على وجه يرتفع معه المخالفة وهو إما بإطلاق الخاص على
~~العام، أو بأنه لم يثبت كون الصعوة أخص فيكونان مترادفين.
# وكيف كان فمستند المشهور رواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وذكر الحديث - إلى أن قال -:
~~" وأقل ما يقع في البئر عصفور ينزح منها دلو واحد "، وعمار وإن كان فطحيا
~~لكن الرواية موثقة، ومع ذلك فهي معتضدة بعمل المشهور بل الكل.
# قال العلامة في المنتهى: " لكن الأصحاب قبلوا روايته وشهدوا له بالوثاقة
~~" (4).
# وبذلك تنهض الرواية مخصصة للمعتبرة الاخر من الصحاح وغيرها القاضية بعضها
~~بالدلاء في الطير، والاخر بالسبع، وثالث بالخمس، ورابع بالثلاث.
# فما في المدارك (5) من الميل إلى الخمس أو الثلاث في الطير مطلقا لصحيحتي
~~الفضلاء، وعلي بن يقطين عن الباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام)، كما عن
~~المعالم (6) من نفي البعد عن العمل بصحيحة الحلبي المتقدمة في موت الحية
~~لصغير الحيوان الشامل للعصفور، ليس مما يلتفت إليه، وقد يمنع (7) شمول
~~الحيوان للطير وهو بعيد.
# وعن بعض الأصحاب ms653 تفسير " العصفور " بما دون الحمامة، وقيل: وهو الظاهر من
~~تفسيرهم " الطير " بالحمامة ونحوها مما فوقها، وهو كما ترى لا يلائم
~~تفسيرهم
# PageV01P714
# ل " شبهه " بما يضاهيه في الجسم والمقدار.
# ومع ذلك فيدفعه: ما في الرواية من التصريح بما يوجب خروج الحمامة وما
~~دونه إلى العصفور عن هذا الحكم، فإن فيها: " وما سوى ذلك مما يقع في بئر
~~الماء فيموت فيه فأكثره الإنسان ينزح منها سبعون دلوا، وأقله العصفور ينزح
~~منها دلو واحد، وما سوى ذلك فيما بين هذين " (1).
# فإن المراد بأكثره إما الأكثرية في الجثة والمقدار كما يؤيده ما في بعض
~~نسخ الرواية من التعبير بأكبره، أو أكثرية المنزوح كما يناسبه التعبير عما
~~يقابله بالأقل في كلتا النسختين، وعلى التقديرين فمرجع اسم الإشارة الثانية
~~إما أحد الأمرين من " الإنسان " و " العصفور " كما هو الظاهر، أو خصوص "
~~العصفور "، وعلى التقديرين فالحكم عليه بكونه فيما بين هذين، مع ظهور
~~المثنى في التقديرين المذكورين في الرواية من السبعين والواحد، مخرج لما
~~عدا الحمامة مما فوقها إلى الإنسان وما تحتها إلى العصفور عن هذين الحكمين.
# وقضية ذلك عدم بلوغ مقدره في الكثرة إلى السبعين ولا في القلة إلى
~~الواحد، وهو أمر مجمل يستفصل من الروايات، ومع ذلك فكيف يفسر به " العصفور
~~" حيث أنه ليس بمعناه الموضوع له على ما يشهد به العرف ونص عليه أئمة
~~اللغة، ولا أن في المقام قرينة قاضية بإرادة ذلك في الرواية، والعجب عن
~~المحقق الميسي في حاشية الشرائع (2) حيث أنه فسر " شبهه " أولا بما يشبهه
~~في حجمه، ثم قال: " وهو ما دون الحمامة "، ولا ريب أن بين الحمامة والعصفور
~~وسائط كثيرة.
# وبملاحظة ما ذكرناه يشكل التعدي عن العصفور إلى ما يشبهه في الجثة
~~والمقدار أيضا كما اعترف به جماعة، ومنعوه تعليلا بأن النص مخصوص بالعصفور،
~~فإن ذلك إنما يصح لو جعلنا المراد بالأكثر الأكثرية في الجثة والمقدار
~~المستلزمة لكون المراد بالأقل الأقلية فيهما أيضا، نظرا إلى أن الرواية في
~~صدد التعرض لحصر أصناف الحيوانات في الثلاثة، فلو لم يكن المراد ms654 بالعصفور
~~ما يعم المتساويات في الجثة والمقدار بطل الحصر المقصود، فتأمل.
# PageV01P715
# ولكن قد عرفت أن هذا الاحتمال يعارضه الاحتمال الآخر الذي لا يقتضي كون
~~المراد بالعصفور المعنى الأعم كما يظهر بأدنى تأمل، نظرا إلى أن الحصر
~~المقصود حينئذ إنما هو في المنزوحات المقدرة، فجعلها المعصوم (عليه السلام)
~~في الكثرة والقلة وما يتوسطهما على أقسام ثلاث وهي السبعون والواحد وما
~~بينهما، وقضية ذلك خروج الرواية من هذه الجهة مجملة، إلا أن يجعل فهم
~~المشهور قرينة على التعيين وهو مشكل.
# وأما ما يقال - في تقريب التعدي -: من أنه لما ثبت تفسير " الطير "
~~بالحمامة فما فوقها كما تقدم في بحثه، وكان له سبع ولا واسطة بين السبع
~~والواحد من العدد فيما بين الحمامة والعصفور تعين إلحاق ما دونها به.
# ففيه أولا: ثبوت الواسطة بنص الرواية بالتقريب الذي قررناه.
# وثانيا: أن عدم ورود الواسطة في النصوص يقضي بكون ما عدا العصفور مما دون
~~الحمامة ملحقا بما لا نص فيه كما هو الحال في سائر النجاسات الغير المنصوصة
~~لا بالعصفور.
# وكيف كان فالحكم معلق على العصفور خاصة، وعلى تقدير التعدي يتعدى إلى كل
~~ما يشابهه في الجثة بحسب الخلقة الأصلية لا باعتبار صغر السن من غير فرق في
~~ذلك بين المأكول وغيره.
# فما عن نظام الدين الصهرشتي شارح النهاية (1) من إجراء هذا الحكم في صغير
~~الطير (2) كالفرخ مما لا ينبغي الالتفات إليه، وأضعف منه ما عن الراوندي
~~(3) من تخصيصه الحكم بمأكول اللحم احترازا عن الخفاش، تعليلا بأنه مسخ أو
~~أنه نجس، فإنه مع أنه مما لا دليل عليه مردود أولا: بمنع كونه مسخا،
~~وثانيا: نمنع نجاسته، وثالثا:
# بكونه أخص من المدعى.
# وثانيهما: بول الصبي الذي لم يتغذ بالطعام، نسب إلى الشيخين (4) وكثير من
~~الأصحاب، وادعي عليه الشهرة، وعن أبي الصلاح وابن زهرة المصير إلى نزح ثلاث
~~دلاء (5)، وعن
# PageV01P716
# الثاني دعوى الإجماع عليه، وهو عجيب مع مخالفة المشهور ومع ذلك فمستند
~~قوله غير واضح؛ ولو احتج له بصحيحة ابن بزيع المتقدمة (1) الحاكمة بنزح
~~دلاء لقطرات البول، ms655 لدفعه: إما الانصراف إلى ما عدا بول الرضيع، أو لكون
~~قطرات البول أعم من وجه من بوله فلا يتناول ما زاد على القطرات، ويقضي
~~بالثلاث في غير بوله والقول به ضعيف كما تقدم.
# وكيف كان فمستند المشهور - على ما حكي الاحتجاج به عن الشيخ - رواية علي
~~بن أبي حمزة المتقدمة الواردة في بول الصبي الفطيم، يقع في البئر فقال: "
~~دلو واحد " (2) وهذا مبني على حمل " الفطيم " على المشارف للفطام، نظرا إلى
~~تحديد " الصبي " هنا في كلامهم بمن يغتذي باللبن محضا، أو بحيث يغلب على
~~الطعام، فيغاير " الفطيم " المتقدم تفسيره في بول الصبي المتغذي بالطعام،
~~وهو كما ترى. مجاز يحتاج إلى القرينة، ولعل المشهور عثروا بها كما يومئ
~~إليه كلام عن المهذب البارع (3) من أن الرضيع هو المعبر عنه في الروايات
~~بالفطيم.
# وكيف كان فالقول المذكور مستندا إلى هذه الرواية غير خال عن الإشكال،
~~والأحوط بل الأولى إطلاق القول في بول الصبي بالسبع، وفاقا للسلار على ما
~~حكي عنه فيما تقدم، مستندا إلى إطلاق رواية منصور بن حازم المتقدمة في بحث
~~بول الصبي.
# نعم، إنما يتجه القول بالواحد هنا على تقدير صحة الاستناد إلى ما روي عن
~~الفقه الرضوي المتقدم ذكره في البحث المذكور، لكنه لم يثبت عندنا إلى الآن
~~ما يقضي بصحة ذلك، وعليه فالاحتياط بناء على القول بالتنجيس أو الوجوب
~~تعبدا مما لا ينبغي تركه.
# ولنختم المقام بإيراد مباحث نذكر هنا من باب التفريع:
# المبحث الأول: فيما يتعلق بالدلو المعتبر في النزح؛ الوارد في الروايات،
~~وما يلحق به وما لا يلحق وفيه مسائل:
# الاولى: في أن " الدلو " المعتبر في الروايات آلة للنزح ليس مما ثبت له
~~معنى شرعي، ولا أنه مما له في عرف زمان الشارع معنى خاص به، ولا أنه مما
~~اختلف فيه عرف الراوي والمروي عنه وبلد السؤال، أو مما اختلف فيه
~~الاصطلاحات كالمن
# PageV01P717
# والرطل ونحوهما، ولا أنه مما اختلف فيه العرف واللغة؛ بل هو لغة وعرفا
~~لفظ مقول بالاشتراك المعنوي على الصغار والكبار مع اختلاف آحادهما ms656 والمتوسط
~~بينهما، لكن إطلاقه لا ينصرف إلى الصغير والكبير الخارجين عن حد التعارف
~~والاعتدال، كما لو كان منه في الصغر ما يسع مدا أو أقل إلى مثقال ومثقالين
~~مثلا، وفي الكبر ما يسع كرا أو كرورا أو نصف كر أو ثلثه وربعه مثلا، فإنهما
~~على فرض دخولهما في مسمى اللفظ عرفا أو لغة خارجان عن إطلاق اللفظ جدا،
~~ومقتضي القاعدة المحكمة في مثل ذلك أن يحمل الخطاب على ما يصدق عليه الاسم
~~عرفا وينصرف إليه اللفظ استعمالا، كبيرا كان أو صغيرا أو متوسطا بينهما ما
~~لم يخرجا عن حد الاعتدال، إذ المفروض عدم ورود نص في تقديره كما وردت
~~النصوص في تقدير النزح واعتبار العدد، وورود النصوص المقدرة للعدد بالنسبة
~~إلى الدلو مطلقة من غير استفصال (1) فيها عن الصغر والكبر ولا تفصيل بين
~~الصغير والكبير، ولعله إلى ما ذكرناه يرجع ما في كلام الفقهاء من العبارات
~~المختلفة في هذا المقام.
# فعن مبسوط الشيخ: " أنه دلو العادة التي يستقي بها دون الدلاء الكبار
~~لأنه لم يقيد في الخبر " (2).
# وعن السرائر: " أنه دلو العادة - دون الشاذة - التي يستقي بها، ودون
~~الصغار والكبار الخارجة عن المعتاد والغالب لأنه لم يقيد في الخبر " (3).
# وعن الغنية والكافي: " أنه دلو البئر المألوف " (4).
# وعن الوسيلة: " الدلو دلو العادة " (5)، ونحوه عن المنتهى والتحرير (6)،
~~وفي الشرائع:
# " ما جرت العادة باستعمالها " (7)، وعن المعتبر: " هي المعتادة صغيرة
~~كانت أو كبيرة، لأنه ليس في الشرع لها وضع فيجب أن تتقيد بالعرف " (8).
# وعن التذكرة: " الحوالة في الدلو على المعتاد لعدم التقدير الشرعي " (9)
~~وعن كتب
# PageV01P718
# الشهيد: " أنها المعتادة " (1).
# إذ ليس المراد بالعادة في تلك العبارات ما يوجب تقييد المفهوم العرفي حتى
~~يطالب بدليله، بل الغلبة وكثرة التداول الموجبين لانصراف اللفظ إلى ما ليس
~~بخارج عن حد الاعتدال لقلة وجوده وعدم كونه مما اعتيد استعماله في الآبار
~~وإن فرض استعماله في بعض الأحيان كما يشهد به مقابلة الشواذ أو الكبار أو
~~الصغار والكبار، نظرا إلى ظهور أن المراد بهما ما هو الخارج في الصغر
~~والكبر ms657 عن حد الاعتدال المتعارفي لا مطلق مسمى الصغير والكبير، اللذين من
~~جهة أنهما أمران إضافيان لا واسطة بينهما بحيث لا يكون صغيرا ولا كبيرا، بل
~~كلما فرض من دلو معتاد فهو صغير بالإضافة إلى دلو وكبير بالإضافة إلى آخر.
# فما في المدارك من أنه: " ينبغي أن يكون المرجع في الدلو إلى العرف
~~العام، ولا عبرة بما جرت العادة باستعماله في تلك البئر إذا كان مخالفا له
~~" (2)، وقريب منه ما في شرح الدروس - كما عن المعالم (3) أيضا إن اريد به
~~المعنى الذي ذكرناه فمرحبا بالوفاق، وإن اريد به ما يعم ذلك فوارد على خلاف
~~التحقيق، والظاهر أنهم يريدون المعنى الأول وعليه لا يخالف كلامهم للعبارات
~~المتقدمة.
# وأما ما يظهر من بعضهم من توهم المخالفة فهو إما مبني على فهم المعنى
~~الثاني من كلامهم، أو على ما قد يستظهر من العبارات المذكورة من إرادة ما
~~هو المعتاد على تلك البئر، بل هو محكي عن صريح المحقق والشهيد الثانيين
~~(4).
# ثم يقال: " بأن أظهر تلك العبارات فيه عبارة السرائر (5)، حيث احترز ب "
~~العادة " عن الشاذة التي يستقى بها، فإن المراد بها - بقرينة عطف الصغار
~~والكبار عليها - ما شذ إلا الاستقاء بها وإن كانت متوسطة في الصغر والكبر "
~~(6) انتهى.
# والأول وإن كان محتملا لكن الثاني مقطوع بفساده، بل العبارات ظاهرة فيما
~~ذكرناه، وأظهرها فيه عبارة المعتبر المذيلة بقوله: " فيجب أن يتقيد بالعرف
~~"، بل هو
# PageV01P719
# بضميمة تفسيره " الدلو " بالمعتادة مع تعميمه إياها من حيث الصغر والكبر
~~صريح في ذلك كما يظهر بأدنى التفات.
# نعم، ربما يوهم خلاف ذلك عبارة الغنية والكافي لمكان احتمال كون " اللام
~~" في البئر للعهد، غير أنه مدفوع أيضا بظهوره في الجنس على ما هو وضعها
~~الأصلي.
# ودعوى أظهرية عبارة السرائر في ذلك بتقريب ما ذكر، يدفعها: أن المراد
~~بالشاذة بقرينة استثناء الصغار والكبار ما يشذ اتخاذ الدلو منها من جلود
~~السباع ونحوها بعد تذكيتها، لكونها من الأفراد الغير المتداولة في العرف
~~والعادة، وعليه يكون المراد بالصغار والكبار ما هو الخارج في الصغر ms658 والكبر
~~عن حد الاعتدال مما يتخذ من الجلود المتعارف اتخاذ الدلو منها، لا ما يشذ
~~استعماله في تلك البئر ولو كان مما يتخذ من الجلود المتعارفة مما لا يكون
~~صغيرا ولا كبيرا خارجا عن الاعتدال، وإلا بطل إطلاق استثناء الصغار
~~والكبار، لكونه منافيا لجعل العبرة بالمعتاد على تلك البئر لو فرض كون
~~معتادها دلوا كبيرا أو صغيرا، فإن هذا كله مضافا إلى أن اعتبار المعتاد على
~~تلك البئر خاصة دعوى لا شاهد عليها، بل تقييد لإطلاق " الدلو " في الأخبار
~~بلا موجب له من شاهد خارجي.
# فإن قلت: الشاهد له التبادر العرفي ولو كان إطلاقيا، ألا ترى أنه إذا أمر
~~السيد عبده بنزح دلاء من بئر معين لكان المنساق منه نزحه بما يعتاد من
~~الدلاء على تلك البئر.
# قلت: نمنع ذلك التبادر من إطلاق اللفظ، وإنما المتبادر أولا الماهية
~~الشاملة للمعتاد عليها ولغيره، ولما كان الأخذ بالماهية لا يتأتى إلا بأخذ
~~مصداق لها فحصل الالتفات إلى تعيين المصداق للأخذ به مقدمة، [فيلتفت] (1)
~~الذهن إلى ذلك المعين المعتاد على تلك البئر، ولذا لو فرض أن العبد عدل عن
~~استعمال هذا المعتاد واستعار دلوا آخر مما يعتاد على غير تلك البئر كان
~~ممتثلا لأمر السيد جزما، وإن كان قد يعد فعله هذا سفها إذا كان صدر منه بلا
~~حكمة دعت إليه كما لا يخفى.
# فإن قلت: القدر المتيقن المتفق على حصول الامتثال به إنما هو المعتاد على
~~تلك البئر خاصة.
# قلت: هذا يرجع إلى مراعاة الاحتياط الذي نمنع وجوبه بعد نهوض إطلاق اللفظ
# PageV01P720
# الوارد في الأخبار، واستحبابه المسلم بحكم العقل والنقل لا ينافي
~~الاكتفاء بغير المعتاد مما هو متداول في العرف.
# فإن قلت: لا إشكال كما لا خلاف لأحد في أن الظاهر المنساق من الأخبار
~~إنما هو المتعارف في زمن الصدور، فلم لا تعتبره وتكتفي بالمفهوم العرفي
~~العام؟.
# قلت: هذا الظهور إنما هومن جهة اختصاص الخطاب بأهل زمن الصدور بل خصوص
~~المخاطب، لكن قد عرفت سابقا أنه لا مخالفة في لفظ " الدلو " بين ms659 عرف ذلك
~~الزمان وعرف سائر الأزمنة إلى زماننا هذا، ولا بين العرف العام واللغة،
~~فإذا اكتفينا بالعرف العام الثابت في هذا الزمان فقد أخذنا بما كان متعارفا
~~نوعه في زمن الصدور جزما.
# ومما ذكرنا ظهر أن الاحتمالات الجارية في المقام وفي عبارات الأصحاب من
~~كون العبرة بالمعتاد في زمن الصدور خاصة، أو بالمعتاد في جميع الأزمنة، أو
~~بالمعتاد في زماننا هذا في جميع البلدان، أو بالمعتاد في بلد البئر المبتلى
~~بها، كلها يرجع إلى معنى واحد، وهو كون العبرة بالمفهوم العرفي العام
~~المنصرف عند الإطلاق إلى الأفراد الغالبة، وهي التي صارت معتادة في جميع
~~الأزمنة وكافة البلدان الدائرة بين صغير وكبير غير الخارجين عن الاعتدال
~~والمتوسط بينهما، فالمكلف بحكم إطلاق الأخبار وفتاوي العلماء الأخيار مخير
~~بين الجميع، وإن لم يكن معتادا استعماله على شخص البئر أو نوعها.
# نعم، الاحتياط الاستحبابي في اعتبار المعتاد لو كان أكبر من غيره، كما
~~أنه في غيره لو كان أكبر منه.
# فما يستفاد من بعضهم وتبعه غير واحد من متأخري المتأخرين بعد اعتبار ما
~~جرت العادة على شخص البئر أو على نوعها من أنه إن تساوت الدلاء فيه في جميع
~~الأزمان فلا إشكال، وإن اختلفت فالغالب، وإن تساوت فالتخيير، ولو لم يكن
~~لها دلو في البلد ولا لأمثالها فدلو أقرب البلدان إليها فالأقرب إن اتفقت،
~~ومع الاختلاف ما تقدم من اعتبار الغالب إن كان وإلا فالتخيير، تكلف غير
~~واضح الوجه.
# وينفيه: إطلاق الأخبار، مع الجزم بأن أصحاب الأئمة ما كانوا يلتزمون بمثل
~~هذا التكلف، فلذا لم يقع إليه في النصوص وكلام الأصحاب إشارة. PageV01P721
# وعن بعض المتقدمين: (1) أن المراد بالدلو الهجرية (2) ووزنها ثلاثون
~~رطلا، وقيل:
# أربعون، وهو ضعيف جدا لعراه عن مستند معتبر، وإن كان قد يقال: إن مستنده
~~ما نقل عن الفقه الرضوي من أنه: " إذا سقط في البئر فأرة أو طائر أو سنور
~~وما أشبه ذلك فمات فيها ولم يتفسخ نزح منها سبعة أدلو من دلاء هجر، والدلو
~~أربعون رطلا " (3)، فإن العذر في عدم ms660 الاعتداد بذلك ما تقدم الإشارة إليه،
~~كما عليه بناء المعظم على ما اعتذر لهم بعضهم في عدم اعتدادهم هنا بما
~~عرفت.
# المسألة الثانية: عن العلامة في أكثر كتبه (4)، وتبعه الشهيد في الذكرى
~~(5)، وصاحب المعالم (6) وغيره - على ما حكي - القول بأنه لو نزح البئر
~~بإناء عظيم يسع العدد ومقدار الدلاء المقدرة دفعة أو دفعات كان مجزيا، وعن
~~المحقق في المعتبر (7)، والعلامة في التحرير (8)، والمنتهى (9)، والشهيد في
~~الدروس (10) والبيان (11)، والشهيد الثاني (12) أيضا القول بخلافه، حجة
~~الأولين وجهان:
# أحدهما: أن الغرض من اعتبار النزح - وهو إخراج المقدار - يحصل بذلك أيضا
~~فيكون مجزيا.
# وفيه: إن ذلك إنما يصح فيما لو كان المقدر الشرعي مقدرا وزنيا كالكر
~~المقدر نزحه في بعض النجاسات، وفي حكمه النزح المزيل للتغير على المختار من
~~حصول الطهر بإزالة التغير ونزح الجميع فيما اعتبر له ذلك، فإن الغرض في هذه
~~الصور يحصل بكل ما أمكن معه النزح كما نص عليه غير واحد ونفوا عنه الإشكال
~~بل الخلاف أيضا، ولا ريب أن مفروض المسألة ليس من هذا الباب، بل المقدر
~~الشرعي هنا عددي، وأداء المقدر الوزني من دون مراعاة العدد المخصوص لا يقوم
~~مقام العدد وإن بلغ في الكثرة ما
# PageV01P722
# بلغ؛ ولعل الشارع الحكيم من جهة علمه بأن أثر هذه النجاسة لا يزول إلا
~~بتحقق هذا العدد في الخارج واعتبره على قياس ما هو الحال في التطهير عن
~~النجاسات الحاصلة في الثوب ونحوه المعتبر في غسلها التعدد مرتين أو ثلاث أو
~~سبع مرات، وكما أن ذلك لا يطهر بغسله مرة بمد أو أكثر من الماء الذي لو فرض
~~غسله به مع اعتبار العدد كان كافيا في طهره فكذلك المقام، لا نقول بأنه
~~مثله حتى يكون راجعا إلى القياس، بل المراد أن كونه كذلك محتمل فينعقد معه
~~موضوع الاستصحاب وهذا أصل لا رافع له هنا.
# نعم، ربما يقوى هذا التوهم على القول بوجوب النزح تعبدا، نظرا إلى أن
~~وجوبه حينئذ توصلي ومن حكمه أن يحصل في الخارج بأي نحو اتفق، ولذا لا يعتبر ms661
~~فيه نية القربة كما يأتي إليه الإشارة.
# ولكن يدفعه: أن المأخوذ في مفهوم الواجب التوصلي حصول المأمور به في
~~الخارج كيفما اتفق إذا اتي به على نحو ما امر به، والمفروض خلافه، إذ الأمر
~~قد تعلق بالعدد والمقدار الغير العددي ليس منه، كيف ولو صح ذلك لكان الواجب
~~على الشارع التعرض لتعيين المقدار، وكان عليه التفصيل في الدلاء باعتبار ما
~~يكون منها كافيا عدده المعين في خروج المقدار المعين.
# ومن هنا قد يؤيد القول بعدم الإجزاء بأنهم (عليهم السلام) أمروا بنزح
~~العدد من غير تفصيل بين الدلو الصغير والكبير مع أن الغالب التفاوت بين
~~الدلاء بكثير.
# وأما ما قد يؤيد به القول بالإجزاء من أمنه من انصباب الماء النجس عن
~~الدلو في البئر إلا نادرا، فليس بشئ بعد ثبوت العفو عن ذلك قليله وكثير
~~[ه]، ومجرد احتمال كون الأمر بالعدد واردا مورد الغالب لا يوجب اليقين
~~بالبراءة الذي يستدعيه اليقين بالاشتغال، ولذا احتج المانعون عن الاجتزاء
~~بأن الحكمة قد تعلقت بالعدد ولا يعلم حصولها بغيره، واحتجوا أيضا بعدم
~~الإتيان بالمأمور على وجهه.
# وثانيهما: أن الأمر بالنزح وارد على الماء، والدلاء مقدار، فيكون القدر
~~هو المراد، وتقييده بالعدد لانضباطه وظهوره بخلاف غيره.
# وجوابه: يظهر بملاحظة ما ذكرناه جوابا عن الأول، ومحصله: يرجع إلى منع
~~المقدمة الثالثة والرابعة معا، فإن كلا من ذلك أول المسألة وعين المدعى،
~~فلابد له من دليل آخر. PageV01P723
# وبالجملة: التعدي عن مورد النص إلى ما هو خارج عنه مما لا وجه له سواء
~~على القول بالتنجيس وغيره.
# نعم، على القول بالتنجيس لا يبعد القول بكفاية نزح العدد بإناء آخر من
~~سطل أو آنية فخار أو نحوهما مما يسع ما يسعه الدلو المعتاد، بدعوى: القطع
~~الوجداني بعدم مدخلية خصوصية إناء دون إناء آخر في التطهير إذا تساويا في
~~السعة، ولا ينافيه اختصاص ما ورد في النصوص بالدلو بعد ملاحظة كونه الآلة
~~الغالبة في النزح، فلا ينافي ثبوت الحكم في غير الغالب أيضا.
# الثالثة: إذا غار ماء البئر قبل النزح ms662 ثم عاد فعلى القول بالوجوب تعبدا
~~لا إشكال في سقوط الأمر بالنزح ما دام غايرا، ضرورة ارتفاع الأمر بانتفاء
~~موضوعه، وعوده بالعود غير معلوم فالأصل عدمه، وعلى قياسه الكلام بناء على
~~المختار من استحباب النزح، وأما على القول بالنجاسة ففي منتهى العلامة: "
~~أن الأصل فيه الطهارة " (1)، وهو محكي عن جملة من الأصحاب كما عن القواعد
~~(2)، والدروس (3)، وظاهر المعالم (4)، وقيل: بل عن كثير من الأصحاب (5) [و]
~~احتجوا بوجهين:
# الأول: أن المقتضي للطهارة ذهاب الماء وهو كما يحصل بالنزح يحصل بالغور،
~~ولا يعلم كون الغاير هو العائد، والأصل فيه الطهارة.
# والثاني: أن النزح لم يتعلق بالبئر، بل بمائها المحكوم بنجاسته، ولا يعلم
~~بوجوده والحال هذه، فلا يجب نزحه.
# واجيب (6) عن الأول: بمنع كون المقتضي للطهارة ذهاب [الماء]، لجواز كونه
~~النزح، باعتبار أنه يوجب جريان الماء فيطهر به أرض البئر وماؤها، ولا ريب
~~أن هذا المعنى مفقود في الغور فلم يطهر أرض البئر، فكلما ينبع منها الماء
~~يصير نجسا لملاقاته النجاسة على القول بانفعال البئر بها.
# PageV01P724
# وعن الثاني: بأن المفروض أن ماء كانت نجسة (1)، ولم يعلم لها مزيل
~~فيستصحب نجاستها، وبه ينجس كلما ينبع من الماء.
# ولا يخفى ضعف الجوابين، وإن كان منع كون المقتضي للطهارة ذهاب الماء في
~~محله، فإن نجاسة أرض البئر لا قاضي بها إلا الاستصحاب، وكون النجاسة
~~المستصحبة منجسة غير مسلمة لمكان كونها ظاهرية.
# ومع الغض عن ذلك، فكما يحتمل تنجس الماء المتجدد بأرض البئر كذلك يحتمل
~~تطهر الأرض بذلك الماء فيحكم على الماء بالطهارة شرعا، مع توجه المنع إلى
~~انفعاله على فرض كون النجاسة في الأرض يقينية لعدم الدليل عليه.
# وتوهم شمول أدلة انفعال البئر له في محل المنع، لعدم كون النابع حال نبعه
~~مما يصدق عليه ماء البئر، بل لا يبعد صدق الجاري عليه حينئذ، كما يرشد إليه
~~ما تقدم في بعض ما يتعلق من الكلام بصحيحة ابن بزيع من استظهار كون المطهر
~~لماء البئر في الحقيقة هو الماء المتجدد والنزح مقدمة لتجدده، وهو لا يلائم
~~كونه ms663 مشمولا لأدلة الانفعال، مع أنه لا حاجة لنا إلى إثبات هذه الدعوى بعد
~~قيام منع كونه حال النبع من ماء البئر، فأنه يوجب اندراجه تحت الأصل العام
~~المقتضي لطهارة كل ماء مشكوك في حاله، وطهارته شرعا يستلزم تطهر الأرض
~~أيضا، وعلى فرض عدم الاستلزام فبقاؤها على النجاسة مع الحكم على الماء
~~بالطهارة الموجبة لعدم وجوب النزح غير قادح - ولو بعد دخول الماء - في صدق
~~ماء البئر، لمكان كون النجاسة المفروضة استصحابية فلا تندرج في أدلة
~~الانفعال، لمكان ظهورها في عين النجاسة لا فيما هو بحكمها، فالقول بأنها
~~توجب نجاسة الماء المتجدد في غاية الضعف. وأضعف منه ما قيل بالنجاسة فيما
~~لو طهرت أرض البئر بعد الغور بالشمس أو بالمطر، تعليلا: بأن غور الماء
~~النجس قد أوجب تنجس عمق الأرض فينجس الماء بوصوله إليه، إلا إذا طهر
# PageV01P725
# القدر من العمق الذي علم بوصول الماء الغاير إليه.
# ثم أنه إذا أجريت البئر المتنجس ماؤها عن تحتها فعن بعض القائلين
~~بالطهارة في الغور أنه نفاها هنا، وليس بوجه لعدم الدليل على النجاسة حينئذ
~~لخروج الماء المتنجس عن مكانه بالجريان؛ وتنجس المتجدد الجاري عن مكانه غير
~~معلوم فيحكم عليه بالطهارة بتقريب ما تقدم، والاستصحاب مع عدم بقاء الموضوع
~~الأولي غير معلوم، وكون أرض البئر حال وجود الماء المتنجس متنجسة غير ضائر
~~في طهارة الماء هنا بل طهارة نفسها كما تقدم.
# ومن هنا اعترض صاحب المعالم على القول المذكور: " بأن التوجيه المذكور في
~~مسألة الغور جاء هنا أيضا، ويزيد ذلك عليها بحصول الجزم بأن الآتي غير
~~الذاهب، فإن الجريان يذهب الموجود جزما، وما يأتي بعده ماء جديد، مضافا إلى
~~أن الحكم بالنزح [معلق] بالبئر والإجراء يخرجها عن الاسم " (1) انتهى؛ وفي
~~حكم الغور ما لو ثقبت البئر من التحت إلى أن خرج ماؤها أجمع من الثقبة، فما
~~لو نبع عليها من الماء ثانيا محكوم عليه بالطهارة ولا نزح للأصل.
# المبحث الثاني: فيما يتعلق بالنزح وآلاته، والنازح وما يجب فيه وما لا
~~يجب، وهو يتضمن مسائل:
# الاولى: ms664 أطلق غير واحد القول بوجوب إخراج النجاسة قبل النزح، وقد يدعى
~~عليه الإجماع، وفي المنتهى ما يوهم اختصاص الإجماع بأصحاب القول بالتنجيس،
~~حيث قال: " النزح إنما يجب بعد إخراج النجاسة، وهو متفق عليه بين القائلين
~~بالتنجيس، فأنه قبل الإخراج لا فائدة فيه وإن كثر " (2) انتهى.
# وقد يحتمل الإجماع على القول بعدم التنجيس أيضا، كما في حاشية المدارك
~~للمحقق البهبهاني قائلا: " يجب إخراج النجاسة قبل الشروع في النزح، والظاهر
~~أنه اتفاق بين القائلين بالتنجيس، بل لعله عند القائلين بعدمه أيضا كذلك "
~~(3) انتهى.
# فإن تم الإجماع على القولين معا، وإلا أمكن المناقشة بدعوى: اقتضاء
~~القواعد
# PageV01P726
# اختصاص الحكم بالقول بالتنجيس دون غيره.
# أما الأول: فلأن المستفاد من الروايات الآمرة بالنزح - على تقدير دلالتها
~~على التنجيس - كون سبب النزح وقوع النجس من حيث استلزامه نجاسة ماء البئر،
~~فسبب النزح في الحقيقة هو نجاسة الماء وهي مترتبة على وجود النجس فيه، سواء
~~كان ذلك الوجود حدوثيا أو استمراريا، فإنه ما دام موجودا في الماء كان
~~مقتضيا لتنجسه، فالنزح الحاصل مع وجوده لا يجدي نفعا وإن بلغ في الكثرة ما
~~بلغ، حتى فيما لو كان الواجب نزح الجميع، فإن نزح الجميع حينئذ مع مقارنته
~~لوجود النجاسة إلى الدلو الأخير لا يفيد تطهرا ولو بالقياس إلى أرض البئر،
~~بل هو حينئذ نظير مسألة الغور، فلو تجدد الماء بعد ذلك فعلى القول بأنه
~~ينجس لملاقاته الأرض النجسة لم يزل التنجيس وإن كان ذلك عندنا خلاف
~~التحقيق.
# وأما الثاني: فلأن المستفاد من الروايات حينئذ كون أوامر النزح معلقة على
~~وقوع النجس على معنى حدوث ملاقاته الماء، استمرت الملاقاة إلى أن يلحقها
~~النزح أو زالت، فإنها سبب لماهية النزح في ضمن عدد معين، فإذا استكمل العدد
~~صدق عرفا حصول الماهية المقيدة به في الخارج، ومن المقرر أن الأمر مقتض
~~للاجزاء ومع سقوطه فلا نزح بعده وإن كان النجس موجودا، وإلا لزم وجوب
~~الامتثال عقيب الامتثال وهو مع عدم تكرار الأمر غير معقول.
# لا يقال: ومن المقرر في مسائل الاصول تكرر ms665 الأمر المشروط بتكرر شرطه، فلا
~~معنى لالتزام سقوط الأمر مع وجود النجس الذي هو في معنى التكرر، لأن ذلك
~~غفلة عما قررناه أولا من أن سبب النزح على ما هو ظاهر الأدلة حدوث
~~الملاقاة، ولا ريب أن الاستمرار ليس منه.
# ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده: " إن دخل زيد في الدار فأضفه "، لا
~~يستفاد منه عرفا إلا سببية حدوث الدخول للضيافة، فلذا لو دخل وبقي فيها
~~مستمرا فأضافه العبد مرة امتثل، ولا يعاقب على ترك الضيافة ثانيا من جهة
~~استمرار وجوده فيها، وإنما يعاقب عليه لو خرج بعد الدخول فدخل ثانيا على
~~وجه صدق معه تكرر الدخول، فالاستمرار لا ينزل في نظر العرف منزلة التكرار
~~جزما. PageV01P727
# نعم، على تقدير كون الوجوب هنا مرادا به الشرطي بالمعنى المتقدم أمكن
~~القول بتوقف الامتثال على إخراج النجاسة، لأن النزح حينئذ مقدمة لارتفاع
~~المنع عن الاستعمال، وهو بالنزح قبل الإخراج غير معلوم الارتفاع فيستصحب.
# هذا كله إذا أردنا الأخذ بموجب القواعد الخارجة عن النصوص، وإلا ففي بعض
~~النصوص ورد الأمر بالإخراج صريحا، كما في صحيحتي الفضلاء (1) والفضل (2)،
~~وإن لم نقف على من التفت أو استند إليه، ففيهما معا قال: " يخرج ثم ينزح "
~~إلى آخره، وهذا كما ترى يتناول جميع المذاهب.
# نعم، على القول بوجوب النزح تعبدا أمكن القول بكون وجوب الإخراج نفسيا
~~للأصل، لا أنه غيري حتى يلتزم بكونه شرطا لصحة النزح لكنه بعيد عن السياق،
~~والعجب عن الأصحاب في عدم التفاتهم إلى ذلك. فليتدبر.
# وفي حكم عين النجس الموجودة المانعة عن تأثير النزح إلى أن يخرج - على
~~القول بالتنجيس أو مطلقا على القول المتقدم - الشعر المنتشر في الماء إذا
~~كان من نجس العين، فيستعلم خروجه ولو بالنزح ثم ينزح المقدر، والظاهر قيام
~~الظن مقام العلم في موضع تعذره.
# قال الشهيد في الدروس: " ولو تمعط (3) الشعر فيها كفى غلبة الظن بخروجه
~~وإن كان شعرا [نجسا]، ولو استمر خروجه استوعب فإن تعذر واستمر عطلت حتى يظن
~~خروجه أو استحالته " (4).
# وعنه في الذكرى: " [لو تمعط ms666 الشعر في الماء] نزح الماء حتى يظن خروجه،
~~[إن كان شعر نجس العين] فإن استمر الخروج استوعب، فإن تعذر لم يكف التراوح
~~ما دام الشعر، لقيام النجاسة، والنزح بعد خروجها أو استهلاكها، وكذا لو
~~تفتت اللحم.
# وأما شعر طاهر العين فأمكن الإلحاق بمجاورته النجس مع رطوبته وعدمه
~~لطهارته في أصله " (5).
# PageV01P728
# الثانية: قال في الدروس: " ويعفى عن المتساقط من الدلو وعن جوانبها
~~وحماتها " (1) وفي شرحه للخوانساري تقييد المتساقط بكونه بالقدر المعتاد
~~قائلا: " وهذا الحكم مما لا خفاء فيه، وكاد أن يكون من الضروريات، إذ لو لم
~~يكن ذلك لما أمكن تطهير البئر بالنزح في المعتاد " (2).
# وفي حاشية المدارك للمحقق المتقدم ذكره: " والمتساقط من الدلو الأخير
~~معفو عنه، للمشقة العظيمة، ولأن الطهارة معلقة على النزح وقد حصل، ولكن
~~الظاهر أن المعفو عنه هو المتساقط العادي، فلو خرج عن العادة مثل أن يكون
~~في الدلو خرق ومزق بما يزيد على العادة لم يكن معفوا عنه، بل لم يكن الدلو
~~محسوبا من العدد، وكذا لو تحرك الدلو بما هو زائد على المعتاد فانصب منه
~~كثير، على أن في مطلق الخرق والتمزق إشكالا، لأن المتبادر من الدلو هو
~~الصحيح السالم.
# نعم، ما يخرج من مسامات (3) الدلو ومخارق الإبر لا يضر إذا كان الدلو من
~~الدلاء المتعارفة " (4) انتهى.
# والظاهر أن مرادهم بالعفو هنا - كما هو المصرح به في الشرح المتقدم - أن
~~المتساقط وإن كان متنجسا لكنه لا يوجب انفعال ما في البئر بتجدد أثر على
~~الأثر الأول كما في غير الدلو الأخير، أو تجدده الرافع للطهارة الحاصلة
~~بالنزح كما فيه.
# ويشكل ذلك على القول بالتنجيس بأن المحقق عندهم في تنجس ماء البئر عدم
~~الفرق بين النجس والمتنجس، ولابين كثير كل منهما وقليله، فكيف يلائم الحكم
~~المذكور لمقالتهم هذا، وكيف يعقل ذلك إذا كانت الماهية الصادقة على القليل
~~والكثير في حكم الشرع مقتضية للتنجيس، ولزوم العسر الشديد لا يقضي إلا بنفي
~~التكليف وهو ليس من المدعى في شئ، إلا بإرجاعه إلى تخصيص الأدلة القاضية
~~عندهم بالانفعال وهي ms667 الأوامر الواردة بالنزح.
# وفيه: أن التزام التخصيص في جميع هذه الأوامر ليس بأولى من التزام التجوز
~~بإرادة الاستحباب.
# PageV01P729
# ولو سلم أن التخصيص بنوعه أرجح من المجاز لا يلزم منه الأرجحية في جميع
~~الأشخاص حتى ما كان منها موهونا بمصادفة خارج كما في المقام، لما تقدم من
~~اختلاف الروايات في تقديرات النجاسات حتى ما كان منها نوعا واحدا، واختلاف
~~أفراد نوع واحد من النجاسات في مقدار النزح كثرة وقلة، مع انتفاء ذلك
~~الاختلاف في غير ماء البئر مما يتنجس بملاقاة النجاسة.
# سلمنا لكن يمكن التفصي عنهما معا وإن استلزم القول بوجوب النزح تعبدا،
~~نظرا إلى أن النجاسة في مفاد تلك الأوامر ليست من مقتضي الوضع اللغوي ولا
~~العرفي الثابت على خلاف اللغة، وإنما هو لازم عرفي أو شرعي علم أو ظن به في
~~غير المقام بملاحظة طريقته في الأوامر الواردة في المياه وغيرها مما يغسل
~~ويتطهر من الأواني والثياب وغيرها، فغايته أنه ظهور خارجي ثبت في الأوامر
~~بالعرض، وجعل الضرورة وغيرها بالقياس إلى حكم المتساقط قرينة على الخروج عن
~~هذا الظاهر من جهة التخصيص ليس بأولى من جعلها كاشفة عن عدم اعتبار ذلك
~~الظاهر رأسا في خصوص المقام.
# وعلى أي حال كان فالعفو عن المتساقط بالقيد المتقدم بناء على التنجيس
~~ثابت لا شبهة فيه، وبعض ما تقدم في عبارة الحاشية موضع [منع]؛ وما ادعاه من
~~تبادر الصحة حتى بالنسبة إلى خرق ومزق وثقبة لا يسلم عنها الدلاء غالبا غير
~~مسلم، والعبرة بما هو الغالب والمعتاد.
# ثم إن العفو عن المتساقط كما هو ثابت بالقياس إلى ماء البئر فكذلك ثابت
~~بالقياس إلى جوانب البئر وجوانبها وطينتها فيما لو فرض السقوط عليها، كما
~~يتفق في نزح الجميع.
# وممن صرح بذلك العلامة في المنتهى، قائلا: " لا تنجس جوانب البئر بما
~~يصبها من المنزوح، للمشقة المنفية " (1). وتنزيل ما تقدم عن الدروس (2) إلى
~~هذا المعنى، كما احتمله الشارح فخدشه: " بأن هذا الحكم وإن لم يستبعد في
~~الجدران، لكن لا معنى له في الحماة " (3) وهي الطينة، في ms668 غاية البعد من هذه
~~العبارة، وإنما هي ظاهرة في العفو بالمعنى المراد بالنسبة إلى المتساقط،
~~وهو أن الجدران والطينة وإن كانت نجسة بملاقاة
# PageV01P730
# الماء المتنجس، غير أن نجاستها لا تؤثر في ماء البئر حال النجاسة ولا حال
~~صيرورته طاهرا بالنزح، وليت شعري لم لم يحكم بطهارتهما تبعا لطهارة الماء
~~بعد كمال النزح؟
# كما ذكروه في المباشر، والدلو، والرشاء كما يأتي في المسألة الآتية، فإنه
~~أقرب بظاهر الشرع، ولعله المراد من العبارة، وإن كانت غير ظاهرة فيه كما
~~فهمه الشارح المتقدم، قائلا:
# " بأن المراد بالعفو أنه بعد تمام النزح يصير طاهرا " (1) وكيف كان
~~فالأقرب هو الطهارة.
# الثالثة: جعل في شرح الدروس (2) المتساقط الخارج عن المعتاد أعم من أن
~~ينصب جميع الدلو المنزوح في الماء وعدمه، وانصباب الدلو بأجمعه عندهم مسألة
~~يستفاد منهم الخلاف فيها على قولين، بل أقوال ثلاث:
# الأول: ما صرح به في الذكرى - على ما حكي - من أنه: " لو انصب بأسره أعيد
~~مثله - في الأصح - وإن كان الأخير، للأصل " (3)، وهو الذي يظهر من إطلاق
~~المحقق المتقدم في حاشية المدارك بل صريحه من " أنه لا يوجب إلا نزح عوضه "
~~(4)، ثم حكى الفرق عن منتهى العلامة (5) بإدخال ما يكون من الدلو الأخير
~~فيما لا نص فيه، فقال:
# " وفي الفرق تأمل " (6).
# والثاني: ما يستفاد من الشرح المتقدم من الميل إلى دخوله في غير المنصوص
~~في كل من الدلو الأخير وغيرها، حيث أخذ بالمناقشة فيما فصله العلامة بنفي
~~الفرق، تعليلا: " بأن وجه إدخال الدلو الأخير فيما لا نص فيه - على الظاهر
~~- أنه ماء نجس لاقى البئر فانفعل عنه كغيره من أنواع النجاسات، ولم يرد له
~~مقدر، فيكون من أفراد غير المنصوص، وهو جار فيما عداه.
# وتوهم الفرق بأن البئر طاهرة في صورة انصباب الدلو الأخير ونجسة في
~~غيرها.
# يدفعه: أن ثبوت الانفعال بنوع من أسبابه لا يمنع من تأثير سبب آخر، ألا
~~ترى أن أهل القول بالتداخل أوجبوا نزح الأكثر، وإن كان الموجب له متأخرا في
~~الوقوع عن موجب الأقل " (7).
# PageV01P731
# والثالث: ما فصله ms669 العلامة قائلا في المنتهى: " لو وجب نزح عدد معين، فنزح
~~الدلو الأول ثم صب فيها، فالذي أقوله تفريعا على القول بالتنجيس: أنه لا
~~يجب نزح ما زاد على العدد عملا بالأصل، ولأنه لم تزد النجاسة بالنزح
~~والإلقاء، وكذا إذا القي الدلو الأوسط، أما لو القي الدلو الأخير بعد
~~انفصاله عنها، فالوجه دخوله تحت النجاسة التي لم يرد فيها نص، وكذا لو رمى
~~الدلو الأول في بئر طاهرة الحق بغير المنصوص " (1).
# انتهى، وهذا القول بظاهر القواعد لا يخلو عن قوة، ففيما عدا الدلو الأخير
~~- ولا سيما الدلو الأول وما يقرب منه - لا دليل على وجوب الزيادة على ما في
~~الذمة أولا من تمام العدد، كما في الدلو الأول أو ما بقي منه كما في غيره،
~~ودخوله في غير المنصوص إن اريد به في الاسم فقط فهو مسلم، لكنه غير مجد في
~~التزام أمر زائد.
# وإن اريد به في الحكم أيضا، فهو إنما يسلم إذا اقتضى انفعالا آخر في
~~الماء غير ما هو حاصل قبل انصبابه، وهو - مع كون نجاسته أثرا من الأثر
~~الثابت أولا - في حيز المنع، فيدفع احتماله بالأصل، وكونه مشمولا لعموم
~~أدلة الانفعال ممنوع، لظهور الأدلة في ملاقاة نجس أو متنجس محلا طاهرا، ولا
~~ريب أن هذه الصغرى منتفية هنا.
# نعم، هذا الكلام متجه في الدلو الأخير بعد انفصاله عن المحل الموجب
~~لطهارته، فإنه بعد الانصباب داخل في الصغرى المذكورة، فيترتب عليها الكبرى
~~وهي انفعال المحل ثانيا، ولما لم يرد بالنسبة إليه نص بالخصوص فيلحقه حكم
~~غير المنصوص.
# لكن المتعين في نزحه هنا في بادئ النظر ما صار إليه صاحب المعالم (2) -
~~على ما حكي عنه - من الاكتفاء بنزح أقل الأمرين من مقدر النجاسة المقتضية
~~للنزح ومنزوح غير المنصوص حسبما يترجح فيه، ولما ثبت أن الأرجح عندنا في
~~ذلك نزح الجميع فالمتعين حينئذ نزح المقدر، للقطع بأن نجاسته فرع من هذا
~~الأصل، وأنها أضعف منها بمراتب، فلا يزيد حكمها على حكم الأصل.
# وإلى ذلك يرجع الأولوية التي ادعاها في المعالم ms670 (3) لصورة الاكتفاء
~~بالمقدر، والمناقشة فيها بمنع الأولية - كما في كلام الخوانساري شارح
~~الدروس - (4) لا يلتفت إليها.
# PageV01P732
# الرابعة: قال في الدروس: " وبطهرها يطهر المباشر والرشاء " (1) والظاهر
~~أن مراده من المباشر ما يعم بدنه وثيابه، لكن بشرط كون النجاسة الحاصلة
~~فيهما مستندة إلى ما يلزمه النزح من مباشرة الماء المتنجس، وهذا الحكم لم
~~يرد لبيانه نص بالخصوص غير أنه يستفاد من غير واحد كونه اتفاقيا، ويجوز
~~للفقيه أن يستند فيه إلى ظهورات يستظهرها من الروايات بدلالاتها الغير
~~المقصودة، مثل سكوتها عن إيجاب غسل هذه الأشياء بعد كمال النزح، وخلوها عما
~~يدل على بقائها على نجاسة، مع أنها لا ينفك عنها النزح، واستحباب الزائد
~~على المقدر في بعض المنزوحات من دون إشارة إلى تبديل الدلو والرشاء ولا
~~تطهيرهما وتطهير المباشرة، مع أنه لو بقي أحد هذه الأشياء على نجاسة لسرت
~~إلى ماء البئر لضرورة الملاقاة عادة.
# وأقوى ما يستظهر منه ذلك الحكم صحيحة الفضلاء وصحيحة الفضل المتقدمتان في
~~الأبواب السابقة، القائلة اولاهما بأنه: " يخرج، ثم ينزح من البئر دلاء، ثم
~~اشرب منه وتوضأ " (2).
# وثانيتهما: بأنه " يخرج، ثم ينزح من البئر دلاء، ثم يشرب ويتوضأ " (3)
~~فلو أن الدلو وغيره لا يطهر بطهر الماء لكان عليه أن يقول بعد قوله (عليه
~~السلام): " ثم ينزح "، " ثم يغسل الدلو، والرشاء، ويد المباشر، ثم يشرب
~~ويتوضأ " وإلى بعض ما ذكرناه هنا أشار المحقق في محكي المعتبر قائلا: "
~~بأنه لو كان نجسا لم يسكت عنه الشرع، ولأن الاستحباب في النزح (4) يدل على
~~عدم نجاستها، وإلا لوجب نجاسة ماء البئر عند الزيادة عليه (5) قبل غسلها،
~~والمعلوم من عادة الشرع خلافه " (6).
# الخامسة: وجوب النزح على القولين توصلي ولو من جهة الأصل فيه، ولازمه أن
~~لا يعتبر فيه نية ولا قصد القربة ولا مباشرة نفسية، فلو انعقد في الخارج
~~على العدد المقدر لا بنية، أو بنية جهة اخرى، أو بنية نزح المقدر لكن رياء،
~~كان كافيا في سقوط
# PageV01P733
# الأمر، كما أنه كذلك لو حصل من غير المكلف بالغا أو غيره، مسلما أو ms671 غيره
~~بشرط عدم المباشرة المنجسة، بل يكفي نزح المقدر لو حصل من غير إنسان كالثور
~~ونحوه، وقد صرح بأكثر ما ذكرناه غير واحد من أصحابنا، منهم العلامة في
~~المنتهى (1).
# المبحث الثالث: فيما يتعلق بما ينزح له من النجاسات الموجبة له، وفيه:
~~مسائل ثلاث:
# الاولى: قال المحقق في شرائعه: " حكم صغير الحيوان في النزح حكم كبيره في
~~النزح " (2) ولعله أخذ بما يوجب اليقين بالبراءة، وإلا فلمنع انصراف أدلة
~~العناوين الموجبة للنزح إلى ما عدا الكبير - ولا سيما ما كان من الصغير في
~~أوائل تولده - مجال واسع، وعليه دخول الصغير في غير المنصوص لا يخلو عن
~~قوة، غير أنه لو قيل في غير المنصوص بما يزيد على مقدر هذا النوع من
~~الحيوان فالقطع حاصل بأن منزوح صغيره لا يزيد على منزوح كبيره، ولو قيل بما
~~يقصر عنه فالاكتفاء به له غير بعيد، وإن كان الاحتياط في الأخذ بمقدر
~~النوع، ويعضده استصحاب النجاسة.
# الثانية: قال في المنتهى: " لو وقع جزء الحيوان في البئر، كيده ورجله،
~~يلحق بحكمه، عملا بالاحتياط الدال على المساواة، وأصالة البراءة الدالة على
~~عدم الزيادة " (3) وهو الظاهر من شرائع المحقق حيث قال: " إلا أن يكون بعضا
~~من جملة لها مقدر فلا يزيد حكم أبعاضها عن جملتها " (4).
# وعن المحقق الشيخ علي (5) احتمال إلحاقه بغير المنصوص لعدم تناول اسم
~~الجملة له، وعن صاحب المعالم التفصيل قائلا: " بأنه إن كان مقدر الكل أقل
~~من منزوح غير المنصوص اكتفى به للجزء، لأن الاجتزاء به في الكل يقتضي
~~الاجتزاء به في الجزء بالطريق الأولى، وإن كان المقدر زائدا فالمتجه عدم
~~وجوب نزح الزائد " (6) انتهى.
# وهذا هو الأقرب وإن كان الأحوط المتأيد بالاستصحاب على القول بالنجاسة
~~اعتبار مقدر الكل مطلقا.
# نعم، على القول بوجوب النزح تعبدا رجع الشك إلى ثبوت التكليف بالزائد
~~والأصل ينفيه، ولا يعارض هنا باستصحاب الأمر ولا اشتغال الذمة، مع إمكان
~~المنع
# PageV01P734
# عن أصل الاشتغال على هذا القول بالنسبة إلى غير المنصوص.
# وهذا المنع قوي متجه، وعليه يختص ما تقدم من حكم غير ms672 المنصوص واخترنا فيه
~~لزوم نزح الجميع بالقول بالانفعال، لأن الاشتغال على هذا القول تابع لعروض
~~النجاسة للبئر وهو قدر مشترك بين المنصوص وغيره، وإن كان إتمامه في غاية
~~الإشكال إلا من جهة الإجماع على عدم الفرق، ولعله ثابت. فتأمل.
# هذا كله إذا اتحد الجزء أو تعدد وعلم بكونه من حيوان واحد، وأما مع
~~الاشتباه في كونه من واحد أو اثنين ففي المدارك: " الأقرب عدم التضاعف،
~~لأصالة عدم التعدد " (1) وهو واضح الضعف، لأن التعدد بالنسبة إلى الجزئين
~~محرز فلا يعقل نفيه بالأصل، وبالنسبة إلى الكل محتمل ككون الاتحاد محتملا
~~فلا يقين بشئ منهما لاحقا ولا سابقا.
# وعن الشهيد: " أن الأجود التضاعف " (2) وكأن مستنده الاستصحاب، لكن بناء
~~على عدم التداخل ولو من جهة الاستصحاب.
# وعن صاحب المعالم: " الوجه عندي نزح أقل الأمرين من مقدر الكل من كل
~~منهما ومن منزوح غير المنصوص " (3)، وهذا جيد وإن كان الاحتياط واستصحاب
~~النجاسة يقتضي اعتبار مقدر الكل بل القول بالتضاعف.
# ولو اشتبه الجزء بين حيوانين مقدر أحدهما أكثر من الآخر، فمقتضي
~~الاستصحاب اعتبار مقدر الأكثر، ومنه يعلم الحال في الجزئين المشتبهين بين
~~حيوانين مختلفين في المقدر.
# الثالثة: قال في الدروس: " ولو تضاعف المنجس تضاعف النزح، تخالف أو تماثل
~~في الاسم أو في المقدر " (4) وعزاه الخوانساري في الشرح (5) إلى جماعة من
~~المتأخرين، منهم المحقق والشهيد الثانيين (6)، وهو محكي عن المعالم أيضا
~~(7)، وهذا هو الذي يعبر عنه بعدم التداخل مطلقا، وعن العلامة في جملة من
~~كتبه كالقواعد (8)، والمنتهى (9) المصير إلى تداخل النجاسات مطلقا، متخالفة
~~كانت كالإنسان والكلب، أو متماثلة في
# PageV01P735
# الاسم كانسانين، أو في المقدر كالكلب والسنور.
# قال في المنتهى: " إذا تكثرت النجاسة، فإن كانت من نوع واحد فالأقرب سقوط
~~التكرير في النزح، لأن الحكم معلق على الاسم المتناول للقليل والكثير لغة؛
~~أما إذا تغايرت فالأشبه عندي التداخل.
# لنا: أنه بفعل الأكثر يمتثل الأمرين فيحصل الإجزاء، وقد بينا أن النية
~~غير معتبرة، فلا يقال: إنه يجب عليه النزحان، لكل نجاسة مقدار مغاير " (1)
~~انتهى.
# وتبعه في ذلك شارح الدروس ms673 (2)، وعن المحقق في المعتبر القول بعدم التداخل
~~إذا كانت الأجناس مختلفة كالطير والإنسان، وإن تماثلت في المقدر، لأن الأصل
~~في الأسباب أن تعمل عملها ولا يتداخل مسبباتها، وتردد إذا كانت متساوية،
~~لأن النجاسة من الجنس الواحد لا تتزايد، إذ النجاسة الكلبية موجودة في كل
~~جزء، فلا يتحقق زيادة توجب زيادة النزح، وأن كثرة الواقع تؤثر كثرة في
~~مقدار النجاسة فتؤثر شياعا في الماء زائدا، ولهذا اختلف النزح بتعاظم
~~الواقع.
# وربما يحكى عن ابن إدريس (3) التصريح بالفرق من دون تردد.
# حجة القول الأول: ما تقدم في أول شقي المعتبر، وقد يقرر: بأن مقتضي دليل
~~كل نوع سببية وقوعه لاشتغال الذمة بنزح المقدر، فتعدد السبب يقضي بتعدد
~~الاشتغال، وهو يقضي بتعدد الامتثال.
# وهذا القول هو الأقوى على ما قررناه في كتبنا الاصولية، والحجة المذكورة
~~مما لا دافع لها، من غير فرق في ذلك بين القول بالتنجيس والقول بوجوب النزح
~~تعبدا، وإن كان على الثاني أظهر.
# فإن قلت: نمنع استفادة السببية عن أدلة أنواع النجاسة، لجواز كونها
~~معرفات كما في سائر العلل الشرعية للأحكام، فلا مانع من تعددها على معلول
~~واحد.
# قلت: مع أنه لا يجري على القول بالتنجيس، لضرورة كون وقوع كل نوع سببا
~~لنجاسة البئر، إن اريد به كونه مجرد احتمال فهو مما لا يصغى إليه في إخراج
~~الخطاب عن ظاهره، ولا يقدح في وجوب الأخذ بالظاهر، حيث إن الاستدلال ليس
~~بعقلي صرف.
# PageV01P736
# وإن اريد به كونه مع ذلك ظاهرا، فمنعه أوضح مما مر، لوضوح ظهور الخطاب في
~~السببية ولو من جهة دلالته التنبيهية، كما هو الحال في محل المقال.
# مع أن الظاهر أن فرض المعرفية غير مجد في حسم مادة الإشكال، حيث لافرق
~~بين العلة والمعرف إلا في أن الاولى واسطة في الثبوت والثاني واسطة في
~~الإثبات، على معنى كونه علة للعلم بالثبوت، فالمعرف ما كان علة تامة لوجود
~~شئ في الذهن، وكما أنه يستحيل استناد وجود شئ في الخارج إلى أكثر من علة
~~تامة واحدة، فكذلك يستحيل استناد وجوده ms674 الذهني إلى أكثر من علة تامة، وجواز
~~اجتماع أكثر من دليل واحد في مسألة واحدة لا يقضي بكون العلم الحاصل فيها
~~معلولا لكل واحد، بل العلة حينئذ إما المجموع أو أحدها الغير المعين، مع
~~انتفاء سبق البعض البالغ في العلية أو كونه بالقياس إلى غيره أقوى في
~~التأثير.
# فحينئذ ينبغي أن يقال - في نظائر المقام مع فرض الاجتماع -: بأن وقوع كل
~~معرف سبب للعلم بوجود معرفه الواقعي وإن لم نعرفه بعينه، سواء كان نفس
~~الحكم الشرعي أو ما هو علة له في الواقع، حتى أنه إذا اجتمع هناك معرفان
~~نقول: بتحقق معلومين وهكذا، بل هذا مما لابد منه على قياس ما هو الحال على
~~فرض العلية الواقعية، نظرا إلى أن كل واسطة في الثبوت واسطة في الإثبات
~~أيضا، فبتعدد العلة يتعدد المعلوم الذي هو المعلول الواقعي.
# ولا ريب أن المعلوم بعنوان كونه معلولا لا يتعدد إلا إذا أثر كل علة
~~بوجودها في وجود معلولها، وهو ملزوم للعلم بالوجود، وهكذا يقال في المعرف
~~وإن لم يكن المعلوم المتعدد معلولا له.
# وبالجملة تعدد المعرف بظاهر الخطاب بتعدد التعريف، وهو لا يعقل إلا مع
~~تعدد المعرف، والقول بكون الكل للتعريف إلى معرف واحد خلاف ظاهر الخطاب
~~القاضي بكون كل معرفا تاما.
# وبالتأمل فيما ذكرناه يندفع ما يقال - في تأييد الحمل على التعريف من -:
~~أنه إذا كان ظاهر الدليل اتحاد المسبب - ولو نوعا - كما هو المفروض، فلا
~~حاجة إلى ارتكاب تعدده الشخصي بتعدد الأشخاص، بل ينبغي حمل السبب على
~~المعرف. PageV01P737
# ويشهد له أنه لا يفهم عرفا فرق بين ورود الأسباب المتعددة لحكم شخصي، مثل
~~قوله: " إن زنى زيد فاقتلوه، وإن ارتد فاقتلوه "، وبين ورودها لحكم واحد
~~بالنوع قابل للتعدد الشخصي، مثل قوله: " إن قدم زيد من السفر فأضفه، وإن
~~زارك في بيتك فأضفه ".
# ووجه الاندفاع: أن الاتحاد والتعدد الملحوظين في المقام إنما يعتبران في
~~إيجاد النوع، بل في إيجاب إيجاده لا في نفسه، فكون المسبب واحدا بالنوع لا
~~ينافي تعدد إيجاداته إذا قضت به ms675 السببية المستفادة عن دليل كل نوع، ولا أنه
~~يوجب اعتبار التعدد الشخصي في مورد الدليل، ليكون ارتكابا لخلاف ظاهر فيه،
~~إذ الشخصية الملحوظة هنا من لوازم الامتثال بالنوع، لا من مقاصد دليل ذلك
~~النوع ولا من محتملاته المخرجة له عن ظاهره، فإذا كان ظاهر الدليل سببية كل
~~نوع أو كل وقوع لإيجاد نوع المسبب وهو النزح، فقضية تعدد الأنواع أو تعدد
~~الوقوعات تعدد الإيجادات بتعدد إيجابات إيجاده على حد الأوامر الواردة
~~بإيجاد طبيعة واحدة في غير مورد التأكيد، فالحاجة ماسة إلى اعتبار التعدد
~~لكن في الامتثال بنوع المسبب لا في أشخاصه.
# وأما التفرقة بين المثالين بكون الأول من باب ورود الأسباب المتعددة لحكم
~~شخصي، والثاني من باب ورودها لحكم واحد بالنوع، فضعفها واضح، بعد ملاحظة أن
~~مجرد إضافة " القتل " إلى " زيد " لا توجب كونه واحدا بالشخص، لما اعتبر في
~~الشخصية من انضمام خصوصيات اخر من جهة الفاعل وزمان الفعل ومكانه ونحوه،
~~[و] كلها ملغاة في المثال، فقتل " زيد " كضيافته أمر كلي، غير أن الأول غير
~~قابل لتعدد اشخاصه في ظرف الخارج لا في وعاء الذهن، والثاني قابل له.
# ولعل ذلك الفرق أوجب توهم كون الأول واحدا بالشخص والثاني واحدا بالنوع.
# وأنت خبير بأن ما هو من لوازم الوجود لا يؤخذ فيما هو من مقاصد الخطاب،
~~وعدم قابلية التعدد في الخارج لا ينافي إمكان فرض التعدد.
# ومن هنا نقول - في مثال القتل أيضا: إن توارد الأسباب المتعددة عليه يقضي
~~بتعدد الأمر به على نحو التكاليف المتعددة، ولا ينافيه عدم بقاء التكليف
~~بعد حصول امتثال واحد منها، لأن ذلك من جهة سقوط الباقي بارتفاع موضوعه لا
~~من جهة أن الثابت بالدليل فيه تكليف واحد، أو من جهة كفاية امتثال واحد عن
~~اشتغالات عديدة. PageV01P738
# ومن هنا يندفع اعتراضان آخران أوردا على التقرير المتقدم في الاحتجاج:
# أحدهما: منع قضاء تعدد المسبب بتعدد الواجب، فإن المسبب اللازم تعدده
~~بتعدد أسبابه إنما هو الوجوب، ولا ريب أن تعدد الوجوب لا يقتضي تعدد
~~الواجب، بل من الجائز ms676 اجتماع إيجابات متعددة في واجب واحد للتأكيد أو لجهات
~~اخر.
# وثانيهما: ما يرجع إلى منع اقتضاء تعدد الواجب تعدد الامتثال، بل يكفي
~~فعل واحد عن فعلين، لصدق الامتثال مع الواحد أيضا على قياس ما هو الحال في
~~الأغسال وغيرها من الأحداث المقتضية للوضوء أو الغسل.
# وجه اندفاع الأول: أن الوجوب إن اريد به التكليف الفعلي المتوقف فعليته
~~على العلم بتحقق سببه الذي منه صدور الخطاب الكاشف عن انقداح الطلب
~~النفساني صدورا، المتوقف تعلقه على العلم بتحقق جهة صدوره، فلا ريب أن
~~تعدده يقضي بتعدد الواجب، كيف لا وكل عرض لابد له من معروض، ومقايسة ذلك
~~على مقام التأكيد غير سديدة، ضرورة أن الحادث في التأكيد ليس إيجابات
~~حقيقية متعددة، بل إيجاب واحد مبين بعبارات متعددة، وحمل المقام على نظير
~~ذلك خروج عن الظاهر بلا داع إليه.
# ووجه اندفاع الثاني: أن معنى تعدد الواجب تعدد الاشتغال بأفعال متعددة أو
~~فعل واحد بالنوع، ولا ريب أن تعدد الأفعال مما يستدعي في حكم العقل تعدد
~~الامتثال ما لم يقم دليل على كفاية الواحد، ومع قيامه خرج المورد عن
~~المبحث.
# فمنه يتبين فساد التمثيل بالأغسال وغيرها، فإن الاكتفاء بالواقع هناك
~~اتباع للدليل الغير الموجود هنا، ولو سلم عدم قضاء العقل بلزوم التعدد في
~~الامتثال عند تعدد الاشتغال فلا أقل من الشك في اعتباره، وهو محرز للأصل
~~المقتضي لبقاء الاشتغال بغير ما امتثل به، ولا رافع له في جانب اللفظ ولو
~~من جهة الإطلاق كما لا يخفى.
# ومما يعترض في المقام: إن القاعدة وإن اقتضت عدم التداخل، إلا أن من
~~المعلوم في خصوص المقام أن النزح لإزالة النجاسة الحاصلة من ملاقاة ما وقع
~~فيه، والنجاسة وإن تعددت أفرادها - كما يكشف عن ذلك اختلاف كيفية إزالتها -
~~إلا أن الثابت من ذلك كفاية مزيل أحد الأفراد لإزالة الفرد الآخر المساوي
~~له في الكيفية، فيكفي مزيل واحد للنجاسة الحاصلة من وقوع شاة وكلب، لأن
~~الفرض اتحاد نجاستهما لاتحاد مزيلهما، PageV01P739
# وكفاية مزيل الأشد لإزالة الأضعف، فيتداخل الأقل مقدارا في ms677 الأكثر.
# وفيه: منع ثبوت هذا المعنى من أدلة المقام، فالكفاية المدعاة من كل من
~~القسمين مبنية على أحد الأمرين، من أصالة التداخل في مسببات الأسباب، أو
~~قيام القرينة عليه في خصوص المقام، والكل محل منع، بل الأصل المستفاد من
~~الأدلة يقتضي خلافه ولا مخرج عنه هنا.
# فإن قلت: لا ريب أن السبب المقتضي للنزح على القول بانفعال البئر
~~بالملاقاة إنما هو النجاسة العارضة للماء بسبب وقوع ما يقع فيها من أنواع
~~النجاسات لا نفس الوقوع، فلا عبرة بتعدد الوقوع ولا الواقع، بل المعتبر في
~~عدم التداخل هنا - على ما يقتضيه الإنصاف - إحراز أحد الأمرين، من تعدد
~~الحدوث لصفة النجاسة على حسب تعدد ما يقع فيها، بأن يحدث بوقوع كل واقع من
~~صفة النجاسة فرد ممتاز ولو في علم الله سبحانه مقتض لمقدره المعلوم له من
~~الشرع، زاد على مقدر الفرد الآخر أو ساواه أو قصر عنه، أو بلوغ الصفة
~~الحادثة بكثرة الواقع وتلاحقه في القوة وتأكد التأثير حدا لا ترتفع معه إلا
~~بنزح مجموع المقدرين أو المقدرات المساوية أو المتخالفة، بدعوى: أن الصفة
~~الحادثة مرتبة بالغة من مراتب النجاسة، بناء على أنها تتأكد وتتضاعف، وأن
~~مجموع المقدرين أو المقدرات كأنه في نظر الشارع مقدر لتلك المرتبة، وكل من
~~هذين الأمرين وإن كان ممكنا في نظر العقل لكن ليس في حكمه ولا في النصوص
~~الواردة في الشرع ما يقتضي أحدهما.
# غاية الأمر قيام احتمال في ذلك وهو لا يعارض الأصل الجاري في المقام، فإن
~~الأصل عدم حدوث ما زاد على فرد واحد، كما أن الأصل عدم بلوغ الصفة الحادثة
~~إلى ما ذكر من المرتبة.
# ولا ينبغي معارضة ذلك الأصل باستصحاب النجاسة، كما تمسك به بعضهم على عدم
~~التداخل، لعدم كون ذلك الاستصحاب في مجراه، إما لانتفاء الحالة السابقة إن
~~قرر بالقياس إلى ما لم ينزح مقدره، أو لتيقن ارتفاع الأثر إن قرر بالقياس
~~إلى ما ينزح مقدره.
# ولا يقاس ذلك الاستصحاب على استصحاب القدر المشترك المتيقن المردد بين
~~الأقل والأكثر، لوضوح ms678 الفرق بينهما بكون القدر المشترك المتيقن من أول
~~الأمر مرددا، فهو في الحقيقة كسائر مواقع الاستصحاب أمر واحد طرءه حالة
~~يقين سابقة وحالة PageV01P740
# شك لاحقة كما يظهر بأدنى تأمل، بخلاف المقام لمكان اليقين بحدوث أثر أحد
~~الواقعين بعينه كما في المتعاقبين، أو لا بعينه كما في المتقارنين، والشك
~~في حدوث أثر الآخر من أول الأمر، فاليقين والشك هنا واردان على موضوعين
~~ممتازين في حالة واحدة، لا على موضوع واحد في حالتين، كما لا يخفى.
# قلت: كما أن صفة النجاسة الحاصلة في الماء سبب للنزح، كذلك وقوع النجاسة
~~الخارجية في البئر سبب لحدوث تلك الصفة، ولما كانت السببية المستفادة من
~~أدلة كل نوع السببية التامة - على معنى كون وقوع كل نوع سببا تاما لانفعال
~~ماء البئر إلى ما يتوقف ارتفاعه على نزح المقدر - فلا جرم يتعدد الأثر
~~الحاصل في الماء، سواء فرضت أثر كل فردا مستقلا من النجاسة، أو مجموع
~~الآثار فردا بالغا في القوة إلى ما لا يرتفع إلا بنزح مقدرات المجموع، وإن
~~كانت تلك الاستفادة حاصلة من إطلاق الأدلة، فإن منع تمامية السبب لا مستند
~~له إلا قيام احتمال مدخلية وجود شرط أو فقد مانع، وكل ذلك مما ينفيه إطلاق
~~أدلة السببية، ومعه لا مجرى للأصل المذكور هنا.
# ولا ينبغي نقض المقام بإطلاق أدلة انفعال القليل من الراكد بكل نجاسة،
~~وأدلة تطهير الأواني والثياب وغيرها عن النجاسات الملاقية لها، نظرا إلى أن
~~الكلام حرفا بحرف جار في الجميع، ولا قائل بعدم التداخل في شئ من
~~المسألتين، بل التداخل في ثانيتهما محكي عليه الاتفاق في كلام بعض، لمكان
~~الفرق بين المقامين، فإن الشرع في كل من المسألتين أسقط اعتبار إطلاق
~~الأدلة الموجودة فيهما، حيث دل من جهة الضرورة وغيرها على كفاية غسل واحد
~~عن الجميع عند الاجتماع، والقول فيهما - عند التحقيق - القول في مسألتي
~~الأغسال ورفع الأحداث الصغيرة، وإلا فلولا ذلك لكان التمسك بإطلاق الأدلة
~~في الجميع متجها، وكان مقتضاه السببية التامة المقتضية في كل سبب وظيفته
~~وإن تعددت.
# ويمكن ms679 الفرق بين المسألتين وغيرهما من النظاير وبين المقام بعد فرض
~~اشتراك الجميع في بقاء إطلاق الأدلة على حاله، وكون مقتضاه في الجميع تعدد
~~الآثار الحادثة في المحل من جهة تعدد المؤثرات، بناء على دلالة الإطلاق على
~~كون كل مؤثرا تاما ولكن الشرع في غير المقام من جهة الضرورة اكتفى بمزيل
~~واحد عن الجميع، ولا يجوز مقايسة المقام عليه لبطلانه رأسا، ولإمكان الفارق
~~بمدخلية خصوصية في البئر قاضية PageV01P741
# بعدم الاكتفاء، بل تحقق الفارق كما يفصح عنه الاختلاف في كيفية التطهير
~~هنا إختلافا فاحشا شديدا مع انتفاء نظيره في المسألتين، ولولا ذلك من جهة
~~مدخلية الخصوصية لبطل الفرق المذكور جدا.
# لا يقال: الإطلاق المدعى هنا لعله في حيز المنع، بل لا نرى في أدلة
~~المقام إطلاقا صالحا لتناول سائر الأحوال، إن لم نقل بظهورها حال الانفراد
~~كما هو كذلك في أكثرها، كما لا يخفى على من يلاحظها سياقا وسؤالا وجوابا.
# لأنا نقول: إن المعتبر في نهوض الإطلاق دليلا عدم اعتبار التقييد لا ثبوت
~~اعتبار الإطلاق، وإلا لانسد باب التمسك بالمطلقات؛ ولا ريب في عدم ثبوت
~~التقييد ولا عدم قيام ما يقضي باعتبار الانفراد، وظهوره المدعى وإن كان
~~مسلما في الجملة لكنه غير كاشف عن الاعتبار، لكونه ناشئا عن اتفاق الانفراد
~~في الغالب؛ فالموجب للظهور هو غلبة اتفاق الانفراد، ومثل هذه الغلبة غير
~~معتبرة جدا في شئ من المحاورة، وهل هي إلا نظير غلبة الصفاء في الماء الذي
~~رتب عليه الشارع أحكاما كثيرة؟
# وبالجملة: لا عبرة بالغلبة الناشئة عن مجرد العادة، لكون موردها من البدو
~~إلى الختم من اتفاقيات الامور لا من مقاصدها، بل المعتبر منها في إفادة
~~انصراف اللفظ وظهوره المعتبر في خلاف الإطلاق إنما هو الغلبة في إطلاق
~~اللفظ، بأن يغلب استعماله لبعض الأفراد المساوي للبعض الآخر في الوجود أو
~~الأقل منه وجودا.
# ومن هنا يندفع ما عساك تقول في منع نهوض الإطلاق على بعض الوجوه: من
~~إبداء احتمال مدخلية طهر المحل وعدم سبق النجاسة إليه، فيكون ثاني السببين
~~مصادفا للمحل ms680 وهو غير قابل للتأثير؛ والإطلاق المتوهم موهون جدا بقوة
~~احتمال الغناء عن التصريح بالاشتراط والتعرض للذكر بوجوده في موارد السؤال
~~وعدم الحاجة إلى التنبيه عليه، كما يقتضيه سياق الأسئلة وغيرها، فإن ذلك في
~~جميع النصوص ظاهر في ورود النجاسة أو فرض ورودها على محل طاهر، فإن ذلك ليس
~~إلا من جهة الغلبة العادية المستندة إلى مجرد الاتفاق، ولا يصلح مثلها
~~صارفة عن الإطلاق.
# نعم، هنا مناقشة اخرى قوية لم نقف على من سبقنا إليها كجملة مما تقدم،
~~وهي أن تحكيم هذا الإطلاق على الأصل المتقدم ذكره يعارضه قضاء نفس تلك
~~الأدلة بكون PageV01P742
# مقدر كل نوع مطهرا تاما وموجبا مستقلا لطهر الماء، فحينئذ لو وقع فيها
~~فردان من نوع، أو نوعان متساويان، أو مختلفان في المقدر، فنزح مقدر أحد
~~الفردين أو أحد النوعين ساوى مقدر الباقي أو زاد عليه أو نقص عنه، فإما أن
~~يقال: بحصول الطهر في الماء، أو يقال: بتوقفه على نزح مقدر الباقي.
# والأول اعتراف بالتداخل وعدم تضاعف النزح، والثاني إخراج للسببية
~~المستفادة عن الإطلاق عن كونها تامة.
# بل الإنصاف: أن استفادة السببية التامة عن تلك الأدلة بالقياس إلى المنجس
~~ليست بأظهر من استفادتها بالقياس إلى المطهر، إن لم نقل بأنها في الدلالة
~~على أن كل مقدر سبب تام للطهر أظهر، فقضية التنافي بين القضيتين طرح
~~إحداهما والأخذ بالاخرى بمرجح خارجي، ولا يبعد كون الرجحان في جانب القضية
~~الثانية، لتأيدها أولا:
# بالأصل المتقدم، وثانيا: بملاحظة النظاير التي تقدم إلى بعضها الإشارة؛
~~وثالثا: بقضاء الاعتبار بأن أثر النجاسة ليس من الامور القابلة للتعدد.
# واحتمال التأكد بكثرة الوارد ليس مما يساعد عليه النظر، حيث لا مقتضي له
~~سوى قيام الدليل على تأكد أثر بعض النجاسات بالقياس إلى أثر نجاسة اخرى،
~~كالخمر بالقياس إلى الدم، كما يفصح الاختلاف في المقدر بالكثرة والقلة؛ وهو
~~كما ترى قياس ومع الفارق، لجواز كون تأكد الأثر في المقيس عليه من مقتضيات
~~ذات المؤثر وطبعه، فكيف يقاس عليه غيره في اقتضاء التأكد بواسطة أمر عرضي
~~وهو ms681 انضمام مؤثر إلى مثله.
# ولكن يمكن دفعها: بمنع اقتضاء الأدلة كون كل مقدر سببا تاما للطهر، بل
~~القدر المسلم اقتضاؤها كونه سببا تاما لزوال الأثر الناشئ عن النوع المعلق
~~على وقوعه ذلك المقدر، ولا ريب أنه بحكم السببية التامة في مزيله حاصل،
~~غايته كونه مقارنا لطهر المحل إن قلنا بكونه أمرا وجوديا، وقد يقارن أثر
~~النجاسة الباقية المتوقف زواله على نزح مقدرها أيضا، فعدم حصول الطهر فعلا
~~لمانع بعد نزح أحد المقدرين لا ينافي كون ذلك النزح سببا تاما كما لا يخفى.
# وأما ما ذكر من الوجوه في تأييد القضية الثانية، فليس شئ منها بشئ يصلح
~~للتعويل عليه في نظاير المقام. PageV01P743
# وبالتأمل في جميع ما ذكر ظهر ضعف حجة القول بالتداخل مطلقا أو في الجملة،
~~وبقي في المقام امور ينبغي الإشارة إليها من باب التفريع.
# أحدها: قضية الدليل المذكور عدم الفرق في المنجس بين النوعين المختلفين
~~في الاسم والحكم معا، أو في الاسم فقط، واقعين في البئر على سبيل التعاقب
~~أو الدفعة، وبين فردين من نوع واحد، خلافا لمن توهم الفرق محتجا في الأخير:
~~بأن الحكم معلق في الأخير على الاسم المتناول للقليل والكثير لغة وعرفا.
# واجيب عنه: بأن ظاهر الأدلة في الأكثر تعلق الحكم بالفرد من الجنس، نعم
~~قد يتم ذلك في مثل البول والعذرة وأشباهها، لشمول اللفظ للقليل منهما
~~والكثير، أما في مثل البعير والحمار فلا، لعدم شمول اللفظ أزيد من واحد.
# ولا يخفى وهنه على الخبير البصير، فإن الأحكام تتبع الطبايع باعتبار
~~وجوداتها، على معنى أن المصحح لتعلق الحكم بها وجوداتها الخارجية ولو بحسب
~~الإمكان لئلا يلزم السفه، مضافا إلى التكليف بغير المقدور.
# نعم، قد ترد الطبيعة في الخطاب مقرونة بما هو من لوازم الوجود الخارجي، ك
~~" الوقوع " الوارد في أسئلة نصوص الباب وأجوبتها كما هو الأكثر، فيظن أن
~~ذلك الوجود له مدخلية في موضوع الحكم فيترتب عليه حينئذ دعوى تعلقه بالفرد،
~~وهذا كما ترى، فإن أقصى ما يلزم من ذلك توارد السؤال والجواب على الفرد من ms682
~~حيث انطباقه على الطبيعة المطلقة لا من حيث الفردية.
# فتحصل من ذلك دفع الاحتجاج بأنه إن اريد بما ذكر كون ذلك هو الأصل في
~~المسألة الاصولية فقد دفعناه في محله، وإن اريد به كونه كذلك في خصوص
~~المقام بملاحظة ما ذكر من القرينة فقد تبين منعه.
# فالحق أن الحكم معلق على الطبيعة من غير نظر إلى الأفراد، وقد دل الدليل
~~على أنها في ضمن أي فرد تحققت مؤثر تام لما يقتضي نزح المقدر، ومقتضي
~~المؤثرية التامة تعدد أثرها بوقوعاتها المتعددة على سبيل التدريج.
# فما في بعض العبائر من دعوى القطع بعدم الفرق في الحكم بين مقدار من
~~البول وقع دفعة أو وقع كل جزء منه دفعة؛ وأنا نفهم من أدلة وقوع هذه
~~الطبايع أن السبب وجودها PageV01P744
# في البئر ولو برجوعات متعددة، واضح الضعف؛ بعد ملاحظة ما بيناه من قاعدة
~~السببية.
# وأضعف منه ما في كلام بعض المشايخ من: " أن الدليل لما دل على أن العذرة
~~ينزح لها خمسون دلوا وكانت ماهية صادقة على القليل والكثير، واشتغل الذمة
~~بالنزح بالوقوع الأول وجاء الوقوع الثاني انقلب الفرد الأول إلى الثاني،
~~فصارت مصداقا واحدا للماهية، وهكذا كلما يزداد فيدخل تحت قوله (عليه
~~السلام): " العذرة المذابة ينزح لها خمسون " وليس هذا إلا كتعدد النوع
~~الواحد من الحدث الأصغر أو الأكبر، كالبول مرات والجنابة مرات " (1) انتهى.
# ولعله (قدس سره) فرض الكلام فيما يقع مستمرا على وجه يكون أجزاؤها
~~الواقعة متواصلة أو متفاصلة بفصل غير معتد به، وإلا فلا يرجع إلى محصل، فإن
~~الواقع بالوقوع الأول قد وقع بوصف أنه مؤثر تام فلابد له من أثر لا محالة،
~~ثم إذا جاء الوقوع الثاني فإما أن ينعقد به مع قطع النظر عن الأول المؤثر
~~التام أو لا، وعلى الأول فما معنى الانقلاب؟
# وأي شئ أوجب وحدة المصداق؟ مع أنه عند التحقيق غير معقول بملاحظة أن
~~الواقع أولا قد انعدم بعد وقوعه بالاستهلاك، والواقع ثانيا حين وقوعه
~~موجود، وكيف ينعقد المعدوم مع الموجود مصداقا واحدا لماهية.
# ثم أي ms683 فائدة في ذلك الانقلاب ووحدة المصداق إلا قيام الأثر بهما معا، وهو
~~خلاف فرض كونهما مؤثرين تامين؛ مع أنه غير معقول أيضا، إذ الأثر قد استكمل
~~بالأول فتوجه الثاني أيضا إليه توارد للعلتين التامتين على معلول واحد.
# إلا أن يقال: بكون ترتب الأثر على الأول معلقا على لحوق الثاني وهو خلاف
~~ما فرضناه أولا كما لا يخفى.
# وعلى الثاني فعدم التأثير إما لقصور في الواقع، بدعوى: أنه فاقد للماهية
~~التي علق عليها التأثير، أو فاقد للخصوصية الثابتة في الواقع الأول. أو
~~لقصور في المحل، بدعوى: أنه لا يتأثر إلا إذا كان فارغا عن أثر مؤثر آخر.
# ولا سبيل إلى شئ منها، لقيام الضرورة بوجود الماهية، كيف لا وأن الكلام
~~على هذا الفرض دون غيره، وضرورة عدم مدخلية الخصوصية المتعينة في صلاحية
~~التأثير
# PageV01P745
# ولا فعليته، سيما مع أن الكلام على تقدير تعلق الحكم بالطبيعة وظهور
~~إطلاق الأدلة - على ما بيناه - في عدم مدخلية ما عدا الماهية، فسبق أثر إلى
~~المحل لا يصلح مانعا عن التأثير وإلا لزم تقييد الأدلة بلا شاهد عليه.
# ونعم ما قيل (1) - في دفع بعض ما ذكر - من: أن صدق " أن العذرة ينزح لها
~~خمسون " على الكل إنما يوجب حدوث سبب متأخر عن الكل، لا انقلاب ما حدث
~~بالأول إلى كونه مسببا عن المصداق الواحد الصادق على الكل.
# ثم تشبيه المقام بمسألة الحدث الأصغر والأكبر، قد عرفت ما فيه بغير مرة.
# نعم، ربما يشكل الحال في اعتبار تعدد الأثر على حسب تعدد الفرد الواقع في
~~صورة وقوع الفردين على سبيل الدفعة، إذ الماهية حينئذ ليست إلا واحدة صادقة
~~على الجميع، ولم يتحقق لها وقوع إلا مرة واحدة، فكيف يتعدد أثرها.
# وقد يفصل: (2) بأن موضوع الحكم بالمقدر إن كان هو الفرد الواحد فوقوع
~~المتعدد دفعة في حكم المتعاقبين، واحتمال خروج ذلك عن مورد النص ضعيف، وإن
~~كان هو الطبيعة الكلية الصادقة على القليل والكثير فلا يحصل التعدد فيها
~~إلا بالتعاقب مع الفصل الموجب لصدق التعدد.
# أقول: ويمكن اعتبار التعدد ms684 أيضا على الوجه الثاني، إذ لا عبرة بتعدد
~~الوقوع حتى يقال: بانتفائه هنا، ولا أن النظر في هذا الوجه إلى تعدد الواقع
~~حتى يقال: برجوعه إلى الوجه الأول، بل المعتبر تعدد التأثير وإن كان قائما
~~بماهية واحدة، كما هو كذلك في الفردين المتعاقبين، وكما أن الماهية يجوز
~~اتصافها بوصفين متضادين فصاعدا، ووجودها في مكانين متغايرين فصاعدا، فكذلك
~~يجوز اتصافها بتأثيرين فصاعدا، كل تأثير في ضمن خصوصية لا بشرط انضمام
~~الخصوصية، بل لأن من دأبها أن تؤثر حال الوجود، نظرا إلى أن التأثير الفعلي
~~من لوازم وجودها الخارجي ولا وجود لها إلا مع انضمام الخصوصية، ولا يعقل
~~فرق من هذه الجهة بعد إلغاء الخصوصية بين وجودها في ضمن فردين متقارنين
~~ووجودها في ضمن فردين متعاقبين، فإن المؤثر في الكل هو
# PageV01P746
# الماهية، وكما يتعدد تأثيرها مع التعاقب فينبغي أن يتعدد التأثير مع
~~التقارن، ومجرد تقارن الفردين وتعاقبهما مع إحراز بعض ما سبق لا يصلح في
~~حكم العقل فارقا بينهما في الحكم، كيف لا ولا ريب أنها في ضمن كل من
~~الفردين المتقارنين كانت مؤثرة تامة على تقدير الانفراد وعدم اتفاق
~~الانضمام بينهما حتى أنها من جهتها منفردين كانت مقتضية لأثرين، فأي شئ
~~أسقطها عن هذا الحكم؟ وهل هو إلا إنكار السببية التامة بالقياس إليها؟ أو
~~رجوعا عن القول بأن الأدلة قضت بكونها سببا تاما للتنجيس كائنة ما كانت؛
~~والمفروض تحققها في ضمن كل من الفردين فيجب بحكم السببية المطلقة أن تؤثر
~~أثرين.
# وثانيها: عن أهل القول بعدم التداخل أنه استثنوا من ذلك ما إذا تبدل
~~موضوع حكم بسبب تعاقب الفردين من ماهية فصاعدا بموضوع حكم آخر، كما لو وقع
~~دمان قليلان فصاعدا إلى أن بلغ المجموع حد الدم الكثير الذي هو موضوع لنزح
~~خمسين، كما أن القليل موضوع لنزح عشرة فاكتفوا منه بمنزوح الموضوع الثاني
~~وهو خمسون في المثال.
# وعن الشهيد (رحمه الله) (1) استثناء آخر لما إذا كان التكثر داخلا تحت
~~الاسم كزيادة كثرة الدم، فلا زيادة في القدر حينئذ لشمول الاسم. ms685
# والأول لا يخلو عن مناقشة، فإن القليل والكثير ليسا بعنوانين واردين في
~~النصوص ليتمسك في الموارد المشتبهة بإطلاق لفظيهما، وإنما هما معنيان
~~استفاد وهما من النصوص الواردة في رمي الشاة والدجاجة كما مر، فيضعف
~~تناولهما لمثل هذه الكثرة الانتزاعية جدا.
# بل لو كان الموجود في النصوص هو لفظ " الكثرة " - كالموجود في الفتاوي -
~~لكان شموله لمثل المقام في غاية الإشكال، إذ " الكثرة " هنا في مقابل "
~~القلة " فتكون ظاهرة فيما كان وصفا حقيقيا في فرد، لا ما كان منتزعا عن
~~أفراد، مع أنك قد عرفت أن التأثير قائم بذات المؤثر حال الوجود، فالمقتضي
~~لنزح خمسين إنما هو الكثير الخارجي لا مفهومه الذهني الصرف ولا خارج له
~~هنا، لأن الفرد الأول عند وجوده كان منفردا عن الثاني ثم انعدم باستهلاكه
~~في الماء عند وجود الثاني.
# PageV01P747
# نعم، إذا اعتبر العقل بينهما حالة انضمام حصل عنده عنوان " الكثرة " وليس
~~ذلك إلا مفهوما ذهنيا، مع أن الفرد الأول بحكم أدلة السببية قد أثر بحدوثه
~~في نزح العشرة جزما، فإذا حدث الفرد الثاني لكان ينبغي أن يؤثر في نزح عشرة
~~اخرى لا في انقلاب الحكم الأول إلى حكم آخر، لا لأن الأصل عدم حدوث ذلك
~~الحكم، حتى يعارض بأصالة عدم حدوث العشرة الثانية نظرا إلى أن الشك في
~~تعيين الحادث لا في نفس الحدوث، بل لأن الانقلاب يقتضي زوال الحكم الأول
~~وحدوث حكم آخر والأصل في الحادث القلة، ولا ريب أن الزوال محل شك ولا معارض
~~للأصل النافي له.
# مع أنه كما يصدق على مجموع هذه الدماء عنوان " الكثرة " فيندرج بذلك في
~~أدلة دم الكثير، فكذلك يصدق على كل واحد عنوان " القلة " فيندرج بذلك في
~~أدلة القليل، ولا يمكن الجمع بين الدليلين بمراعاة المنزوحين الحاصلة بنزح
~~الخمسين تارة اعتبارا للمجموع، ونزح العشرة مكررا تارة اخرى اعتبارا لكل
~~واحد، لأن العبرة في تعدد السبب المقتضي لتعدد المسبب بالتعدد الحقيقي
~~الخارجي، والمغايرة بين المجموع وكل واحد اعتباري عقلي، فيجب إعمال أحد
~~الدليلين بإعمال الترجيح بينهما، ولعل الرجحان مع دليل ms686 العشرة لكون القلة
~~في كل واحد حقيقية والكثرة في المجموع اعتبارية.
# وملخصه دعوى: أن أدلة القليل أظهر شمولا للمقام من أدلة الكثير فيجب
~~العمل بها.
# وقد يتكلف في المقام بلزوم مراعاة أكثر الأمرين من منزوح القليل المتكرر
~~و منزوح الكثير جمعا بين الدليلين، بدعوى: " أن الموجود في الخارج على سبيل
~~البدل إما أسباب متعددة للعشرة، وإما سبب واحد للخمسين، ولا وجه لإلغاء
~~تأثير مصداق السبب المقتضي للأكثر، ولا لإلغاء تأثير المقتضي للأقل، لكنه
~~يتداخل في الأكثر لعدم إمكان الجمع بين مقتضاهما للحكم بالسبعين فيما لو
~~وقع دمان قليلان.
# وإنما اعتبرنا التداخل في جانب الأقل إذ بعد البناء على تداخل مقتضي
~~المصداقين لا معنى لتداخل الأكثر في الأقل إلا إسقاط الزائد مع وجود سببه،
~~وهو طرح لإطلاق دليله من غير تقييد، بخلاف تداخل الأقل في الأكثر فأنه لا
~~يوجب إسقاطا، فلو فرضنا أن التعدد يقتضي أزيد من الخمسين كما إذا وقع
~~القليل سبع مرات فصار بالثامن كثيرا، فأنه وإن صدق على المجموع " وقوع الدم
~~الكثير "، إلا أنه يصدق أيضا " وقع فيه سبع PageV01P748
# مرات بل ثمانية دماء قليلة " فلا معنى حينئذ لإلغاء ما يوجبه كل مرة،
~~وليس في ذلك إلغاء لمقتضي مصداق الدم الكثير " (1).
# وفيه: أن الجمع بعد فقد المرجح واليأس عن الترجيح، وقد عرفت وجود المرجح،
~~فالأقوى إذن الاكتفاء بمنزوح القليل متكررا حسب تكرر الدم، زاد المجموع على
~~منزوح الكثير أو ساواه أو نقص عنه، وإن كان الاحتياط مع مراعاة جانب
~~الكثير، وأحوط منه الأخذ بالأكثر كائنا ما كان.
# وثالثها: قضية إطلاقهم في عدم التداخل مع إطلاق قولهم فيما تقدم بلحوق
~~الجزء بالكل تضاعف النجاسة فيما لو وقع فيه جزءان من حيوان، لكن عن الشهيد
~~(2) أنه مع اختياره القولين المذكورين اكتفى بنزح مقدر الكل، بناء على صدق
~~الاسم فيما لو اتفق وقوع أجزاء الحيوان كلها دفعة أو تدريجا، وقد يقال:
~~بأنه مستثنى من قاعدة عدم التداخل، وكأن القائل بدخول الجزء فيما لا نص فيه
~~أيضا قائل بالاكتفاء.
# واعترض عليه الخوانساري في ms687 شرح الدروس بأن: " ذلك يستلزم نقصان النزح
~~بسبب زيادة النجاسة، وذلك لأنه إذا وقع جزءان من الحيوان دفعتين بحيث لم
~~يتم كله فعلى القول بالإلحاق وعدم التداخل يجب نزح مقدر ذلك الحيوان مرتين،
~~وعلى القول بإدخاله فيما لا نص فيه يجب نزح ما يجب فيه مرتين، وإذا وقع
~~حينئذ الجزء الآخر الذي يتم به الحيوان يجب نزح مقدره " مرة "، فيلزم
~~المحذور على الأول مطلقا وعلى الثاني إذا كان هذا المقدر أقل من مرتي منزوح
~~مالا نص فيه ".
# ثم دفعه (رحمه الله): " بأن الاستبعاد في الامور الشرعية مما لا مجال له
~~خصوصا في أحكام البئر " (3).
# وأنت خبير بعدم ابتناء الاعتراض على الاستبعاد الصرف، بل الاعتراض متجه
~~من جهة أن في الحكم المذكور مخالفة للأصل، لابتنائه على انقلاب الحكم الأول
~~الناشئ من قاعدة عدم التداخل المبتنية على قاعدة السببية، ولا معنى له إلا
~~زوال حكم وحدوث حكم آخر، ولا دليل لهم عليه يرفع حكم الأصل.
# PageV01P749
# وتحقق صدق اسم الكل لا يصلح رافعا لحكم حادث قبله، وإنما هو موجب لحدوث
~~حكم غير حادث لولا المانع، وهو هنا غير معقول لما عرفت من كون المغايرة بين
~~الكل والأبعاض اعتبارية، ومعه لا يتعدد مقتضاهما.
# إلا أن يدفع: بأن الحكم بلحوق الجزء بالكل كان مبنيا على الاحتياط، بناء
~~على عدم صدق اسم الكل على الجزء، وتضاعف النزح على تقدير تعدد الجزء الغير
~~البالغ حد الكل أيضا كان مبنيا على ذلك، فالاستصحاب المذكور النافي لاحتمال
~~زوال الحكم الأول استصحاب في حكم الاحتياط، فهو حكم ظاهري في حكم ظاهري،
~~وصدق الاسم حيثما تحقق إنما يعطي الحكم الواقعي ولو بملاحظة دليل اجتهادي،
~~ومن البين ارتفاع الحكم الظاهري بانكشاف الحكم الواقعي وحدوثه.
# لكن إنما يستقيم ذلك بعد تسليم قضية الصدق، وإلا فللمناقشة فيه مجال
~~واسع، لوضوح مدخلية تواصل الأعضاء في صدق اسم الحيوان بعنوان الحقيقة أو
~~المجاز القريب.
# والأولى في كل من الجزء والجزئين فصاعدا وتمام الأجزاء اعتبار ما تقدم عن
~~صاحب المعالم (1) من الاكتفاء بأقل الأمرين من مقدر الكل ms688 ومقدر غير
~~المنصوص، ودليله الأولوية.
# إلا أن يقال: بمنع الأولوية، بل ثبوتها مع تمام الأجزاء أو ما يقرب منه
~~من الأجزاء الناقصة في الإلحاق بغير المنصوص المقتضي عند التعدد المفروض
~~تعدد نزح ما يجب لغير المنصوص، للقطع بأن النجاسة الملاقية للماء حينئذ
~~أكثر وأزيد من الملاقية فيما لو وقع الحيوان كاملا متواصلة الأعضاء، هذا
~~ومع ذلك فالمسألة ليست بخالية عن الإشكال.
# ومما ذكرناه جميعا بان الحكم فيما لو وقع جزءان من إنسانين مثلا، فعلى
~~القول بإلحاق الجزء بالكل يجب نزح مقدر الإنسان مرتين، وعلى القول بإدخاله
~~فيما لا نص فيه يجب منزوح ما لا نص فيه مرتين، وعلى قول صاحب المعالم يجب
~~نزح أقل الأمرين من المقدر للكل من كل منهما ومن منزوح غير المنصوص، كذا
~~قيل.
# ورابعها: عن الشهيد في الذكرى (2) أنه ألحق الحيوان الحامل وذا الرجيع
~~النجس بغيرهما، إما لانضمام المخرج المانع من الدخول في الماء، أو لإطلاق
~~الأدلة في تقدير
# PageV01P750
# النزح، إلا إذا انفتح المخرج بحيث تحقق معه ملاقاة الماء لما في الباطن.
# وعن صاحب المعالم (1) أنه استوجهه إلا في ثاني التعليلين، فإن الاعتماد
~~عليه في الحيوان الحامل مشكل، من حيث إن الإطلاق إنما يجدي فيما يغلب لزومه
~~لذي المقدر كالرجيع الكائن في الجوف، وليس الحمل منه كما لا يخفى، وإنما
~~الاعتماد على التعليل الأول واستحسنه في هذا الكلام الخوانساري (2).
# والظاهر ابتناء هذا الكلام على قاعدتهم في انصراف المطلق إلى الغالب،
~~التي مآلها إلى مانعية الندرة عن شمول الإطلاق، وإن كان مؤدى العبارة يعطي
~~شرطية الغلبة للشمول، وعلى أي تقدير فلا وجه له بعد ملاحظة ما سبق بيانه من
~~أن العبرة في انصراف المطلق ليست بالغلبة العادية.
# وخامسها: عن صاحب المعالم أنه بعد ذكر المسألة قال: " إذا تقرر هذا،
~~فاعلم أن الحكم على تقدير سعة ماء البئر لنزح المقادير المتعددة واضح.
# وأما مع قصوره عنها فالظاهر الاكتفاء بنزح الجميع، لأنه به يتحقق إخراج
~~الماء المنفعل، والحكم بالنزح إنما تعلق به، وهذا آت فيما لو زاد المقدر
~~الواحد ms689 عن الجميع أيضا.
# وحينئذ فلو كان كل واحد من المتعدد موجبا لنزح الجميع حصل التداخل واكتفى
~~بنزحه مرة، ولو كان الماء - والحال هذه - غالبا وقلنا بقيام التراوح مقام
~~نزح الجميع حينئذ، ففي الاكتفاء بتراوح اليوم للكل نظر.
# من حيث إنه قائم مقام نزح الجميع وبدل منه، وقد فرض الاكتفاء في المبدل
~~بالمرة فكذا البدل.
# ومن أن الاكتفاء في المبدل بالمرة إنما هو لزوال متعلق الحكم بالنزح أعني
~~الماء المنفعل، وذلك مفقود في البدل، ولا يلزم من ثبوت البدلية المساواة من
~~كل وجه.
# ويمكن ترجيح الوجه الأول بأن ظاهر أدلة المنزوحات كون نزح الجميع أبعد
~~غايات النزح عند ملاقاة النجاسات، وقيام التراوح مقامه حينئذ يقتضي نفي
~~الزيادة عليه " (3) انتهى.
# PageV01P751
# ولا يخفى ضعف الوجه الأول مع ما ذكره في ترجيحه، فإن التراوح يقوم مقام
~~نزح الجميع في كونه أبعد الغايات إذا لم يتعدد ما يوجب نزح الجميع، وأما
~~معه فسقوط الحكم مع حصول نزح الجميع مرة إنما هو لعدم قابلية المحل للتعدد
~~لا لحصول ما هو أبعد الغايات عن الكل، وحينئذ فلا موجب لسقوط التعدد عن
~~التراوح المفروض بدلا، لانتفاء موجب السقوط وهو تعذر التعدد.
# فقضية البدلية تعدد البدل مع تعدد المبدل واتحاده مع اتحاده، وإن شئت نظر
~~المقام بمسألة قتل زيد إذا تعدد أسبابه كقتل النفس مرتين مثلا، وقلنا:
~~ببدلية الدية عن القصاص إذا رضي بها أولياء الدم، فحينئذ لو اختير المبدل
~~فلا إشكال في الاكتفاء بالمرة، وإن قلنا بعدم التداخل لعدم قابلية المحل
~~للتعدد، وأما مع اختيار البدل فلا أظن قائلا يقول بالاكتفاء فيه بدية
~~واحدة.
# وأما ما قيل: من أن الواجب أولا نزح الجميع للكل فإن لم يمكن قام مقام
~~الجميع التراوح، وكما أنه إذا نزح الجميع في صورة الإمكان أجزأ لعدم بقاء
~~ما يتعلق به النزح، كذلك إذا نزح الماء بطريق التراوح، فإن ماء التراوح على
~~هذا يكون عبارة عن مجموع ماء البئر، فلم يبق للنزح حينئذ متعلق حتى يمكن
~~تعدد البدل، لأن الماء الباقي بعد التراوح يكون ms690 في حكم النابع بعد نزح
~~الجميع، وكما أنه لا يتعلق النزح بالنابع فكذلك لا يتعلق بما هو مثله.
# فضعفه واضح جدا، ضرورة أن التراوح بدل عن نزح الجميع في تعلق الحكم به لا
~~أنه بدل عنه في ارتفاع الحكم عنه، ولا ريب أن الحكم قد تعلق بنزح يتعدد
~~بتعدد أسبابه من أول الأمر، غايته أنه إذا حصل في الخارج مرة ارتفع الحكم
~~عن الباقي لعدم بقاء متعلقه، لا أن الباقي لم يتعلق به الحكم من أول الأمر،
~~ولذلك لا يوجب ذلك تخصيصا في دليل سببية ما يقتضي من النجاسات نزح الجميع
~~ثانية وثالثة وهكذا، فإن زوال الحكم المتعلق بانتفاء متعلقه غير عدم تعلق
~~الحكم من أول الأمر بما هو صالح له، والتخصيص يلزم على الأول دون الثاني،
~~فإذا فرض أن الحكم يتعدد تعلقه بنزح الجميع عند تعدد أسبابه وفرض تعذر ذلك
~~من جهة غلبة الماء واستيلائه، فلا جرم يتعدد الحكم المتعلق ببدله بعد ثبوت
~~البدلية؛ والمفروض أن انتفاء المتعلق بالقياس إليه PageV01P752
# غير معقول ما دام نزح الجميع غير ممكن، فلا مقتضي حينئذ لسقوط الحكم عن
~~الباقي بعد حصول التراوح مرة، ولو فرض أن الماء الباقي بعد تراوح اليوم
~~يقصر عن تراوح يوم آخر فهو فرض انكشاف خطأ في ظن تعذر نزح الجميع أولا،
~~فينكشف به عدم انتقال الحكم من المبدل إلى بدله من أول الأمر، فيجب الإقدام
~~على نزح الباقي لينعقد به نزح الجميع المأمور به الأولي.
# ولو سلم أن الحكم أولا بمقتضي حجية الظن كان متعلقا بالبدل، فانكشاف
~~القصور بالقياس إلى البدل الآخر يكشف عن كون الحكم بالقياس إليه قائما بنفس
~~المبدل لا منتقلا منه إلى البدل. PageV01P753
# ينبوع لا ينجس البئر بالبالوعة، قربت منها أم بعدت ما لم يعلم بتغيرها
~~بما فيها إذا كان نجاسة عينية، على المختار من عدم انفعالها بمجرد الملاقاة
~~أو بملاقاة ما فيها لها، وإن لم يكن نجاسة عينية على القول الآخر، ولا يكفي
~~فيهما الظن المطلق بتحقق السبب، والكلام في كل هذه المطالب وأدلتها ms691 قد
~~تقدم، ويدل على المختار أو يؤيده رواية محمد بن القاسم عن أبي الحسن (عليه
~~السلام) في البئر يكون بينها وبين الكنيف خمسة أذرع وأقل وأكثر يتوضأ منها؟
~~قال: " ليس يكره من قرب ولا بعد، يتوضأ منها ويغتسل ما لم يتغير الماء "
~~(1).
# وعلى القول الآخر يؤول الرواية إلى أن التغير إنما اعتبر هنا أمارة
~~غالبية على الملاقاة، لا لقصر الحكم على التغير ليخرج عنه الملاقاة
~~المطلقة.
# والبالوعة: ثقب في وسط الدار كما في المجمع (2)، وعن الصحاح أيضا (3)، أو
~~بئر يحفر ضيق الرأس يجري فيها ماء المطر ونحوه كما عن القاموس (4)، أو مجمع
~~ماء النزح كما في الروضة (5)، أو مرمى مطلق النجاسات كما عن الروض (6)، أو
~~ما يرمى فيه ماء النزح أو غيره من النجاسات كما في المدارك (7)، وهو
~~الأجود.
# وعلى أي معنى فحكموا بأنه تستحب التباعد بينها وبين البئر واتفقوا عليه،
~~وإن اختلفوا في تحديد ما ينبغي بينهما من البعد، فعن المشهور - مع استفاضة
~~حكاية الشهرة فيه - أنه بخمسة أذرع مع صلابة الأرض أو فوقية البئر، وبسبعة
~~أذرع مع انتفاء الأمرين.
# PageV01P754
# ومقتضى ذلك استحباب الخمس في أربع صور من الست التي هي مرتفع الاثنين
~~اللذين هما صلابة الأرض ورخاوتها في الثلاث التي هي فوقية البئر ومساواتها
~~وتحتيتها، واستحباب السبع في صورتين منها وهما صورة المساواة وتحتية البئر
~~مع رخاوة الأرض.
# ومعنى فوقية البئر أن يكون قرارها أعلى من قرار البالوعة، بأن يكون
~~البالوعة أعمق منها كما في المدارك (1)، وفي كلام شارح الدروس: " أن العبرة
~~في الفوقية على ما ذكره الأصحاب بقراريهما، لا بوجه الأرض " (2)، وفي عبارة
~~الشيخ علي في حاشية الشرائع: " المراد بالفوقية كون قرار البئر أعلى،
~~ويتحقق علو أحدهما بكونها أكثر عمقا وبالجهة " (3)، وقضية ذلك - كما في
~~المدارك - (4) كون القرار عبارة عن قعريهما من الأرض.
# وقد يقال في تفسيره: إنه وجه الماء لا قعره، والأول أظهر؛ وصرحوا أيضا
~~بأن المراد بالذراع ما هو المعتبر في تحديد المسافة، وفسرها في المدارك (5)
~~بالذراع الهاشمية (6)، وليس على ما ينبغي؛ بل المعتبر في ms692 المسافة ذراع اليد
~~المحدودة بست قبضات معتدلة، وكل قبضة أربع أصابع معتدلة، والإصبع عرض ست
~~شعيرات معتدلة، والشعيرة ست شعرات من ذنب البرذون.
# ومقابل المشهور مذهب ابن جنيد الإسكافي، وهو على ما في مختلف العلامة
~~أنه:
# " إن كانت الأرض رخوة والبئر تحت البالوعة فليكن بينهما اثنى عشر ذراعا،
~~وإن كانت صلبة أو كانت البئر فوق البالوعة فليكن بينهما سبع أذرع " (7).
# وهذه العبارة كما ترى لا توافق عبارته المحكية عنه في مختصره؛ وهي: " لا
~~استحب الطهارة من بئر يكون بئر للنجاسة التي يستقر فيها النجاسة من أعلاها
~~في مجرى الوادي، إلا إذا كان بينهما في الأرض الرخوة اثنى عشر ذراعا، وفي
~~الأرض الصلبة سبع أذرع، فإن كان تحتها والنظيفة أعلاها فلا بأس، وإن كانت
~~محاذيتها في سمت القبلة فإذا كان بينهما سبع أذرع فلا بأس " (8).
# PageV01P755
# ووجه المخالفة: أنها يقضي باعتبار اثنى عشر بشرط فوقية البالوعة ورخاوة
~~الأرض، والسبع بشرط فوقية البالوعة وصلابة الأرض، أو بشرط تحاذيهما من جهة
~~القبلة، بأن يكون إحداهما في جهة الشرق واخراهما في جهة الغرب؛ وعدم اعتبار
~~شئ من التقديرين وغيرهما مع انتفاء الامور كلها، بأن يكون البالوعة تحت
~~البئر في رخوة أو صلبة، فإن إطلاق نفي البأس هنا يقضي بعدم اعتبار تقدير في
~~ذلك.
# وهاهنا مذاهب اخر محكية:
# منها: ما حكي عن ظاهر الصدوق من جعله المدار على الصلابة والرخاوة، وهذه
~~عبارته في الفقيه: " والبئر إذا كان إلى جانبها كنيف، فإن كانت الأرض صلبة
~~فينبغي أن يكون بينهما خمسة أذرع، وإن كانت رخوة فسبعة أذرع " (1).
# ومنها: ما عن السرائر (2) من أنه يستحب أن يكون بين البئر التي يستقى
~~منها وبين البالوعة سبعة أذرع، إذا كانت البئر تحت البالوعة وكانت الأرض
~~سهلة، وخمسة أذرع إذا كانت فوقها والأرض أيضا سهلة، وإن كانت الأرض صلبة
~~فخمس.
# ومرجع ذلك إلى ما حكي من عبارة التلخيص من أنه: " يستحب تباعد البئر عن
~~البالوعة بسبع أذرع مع الرخاوة والتحتية، وإلا فخمس " (3).
# ومنها: ما حكي عن الإرشاد من " أنه يستحب تباعد البئر ms693 عن البالوعة بسبع
~~أذرع إن كانت الأرض رخوة أو كانت البالوعة فوقها، وإلا فخمس " (4)، وعن بعض
~~النسخ " الواو " بدل " أو " وحينئذ يرجع إلى عبارة التلخيص، والسرائر.
# ومستند المشهور الجمع بين رواية الحسن بن رباط ومرسلة قدامة بن أبي زياد
~~الجماز، المرويتين في الكتب الثلاث الكافي والتهذيبين.
# فأولاهما: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن البالوعة يكون
~~فوق البئر؟ قال: " إذا كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع، وإن كانت فوق البئر
~~فسبعة أذرع من كل ناحية (5)
# PageV01P756
# وذلك كثير " (1).
# وثانيتهما: عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته كم
~~أدنى ما يكون بين بئر الماء والبالوعة؟ فقال: " إن كان سهلا فسبعة أذرع،
~~وإن كان جبلا فخمسة أذرع، ثم قال: يجري الماء إلى القبلة إلى يمين القبلة،
~~ويجري عن يمين القبلة إلى يسار القبلة، ويجري عن يسار القبلة إلى يمين
~~القبلة، ولا يجري من القبلة إلى دبر القبلة " (2).
# وجه الاستدلال بهما: أن الحكم بالخمس في الاولى معلق على أسفلية البالوعة
~~وفي الثانية على جبلية الأرض وهي صلابتها، كما أن الحكم بالسبع في الاولى
~~معلق على فوقية البالوعة وفي الثانية على سهلية الأرض وهي رخاوتها، فالاولى
~~مطلقة من حيث الأرض ومقيدة من حيث الوضع، كما أن الثانية مطلقة من حيث
~~الوضع ومقيدة من حيث الأرض، فيتعارضان فيما لو كانت البالوعة فوقا في أرض
~~صلبة وما لو كانت البالوعة أسفل في أرض سهلة، ضرورة أن مطلق الاولى في
~~الصورة الاولى يقتضي السبع، ومقيد الثانية يقتضي فيها الخمس، كما أن مقيد
~~الاولى في الصورة الثانية يقتضي الخمس ومطلق الثانية يقتضي فيها السبع،
~~فيطرح مطلق كل في جانب السبع بمقيد الاخرى في جانب الخمس جمعا بينهما.
# وقضية ذلك دخول الصورتين المذكورتين في حكم الخمس، لرجوع قوله (عليه
~~السلام): " وإن كانت فوق البئر فسبعة أذرع " في الرواية الاولى بعد التقييد
~~إلى أن يقول: " وإن كانت فوق البئر فسبعة أذرع إلا أن تكونا في أرض صلبة
~~فيكفي حينئذ الخمس " فيدخل الاولى من الصورتين في ms694 حكم الخمس، ورجوع قوله
~~(عليه السلام): " إن كان سهلا فسبعة أذرع " في الرواية الثانية بعد التقييد
~~إلى أن يقول: " إن كان سهلا فسبعة أذرع إلا مع أسفلية البالوعة
# PageV01P757
# فيكفي حينئذ الخمس " فيدخل الثانية من الصورتين في حكم الخمس أيضا،
~~فالداخل في حكم الخمس أربع صور من الست المذكورة، والباقي تحت السبع
~~صورتان.
# وأنت خبير بأنه يمكن انعكاس الفرض أيضا بحيث كان الداخل في حكم السبع
~~أربع صور والباقي تحت الخمس صورتين، وإنما يتأتى ذلك بطريق آخر للجمع، وهو
~~طرح مطلق كل في جانب الخمس بمقيد الاخرى في جانب السبع، وقضية ذلك دخول
~~الصورتين المذكورتين موردا للتعارض في حكم السبع، فيبقى تحت الخمس ما لو
~~كانت البالوعة في الأرض الصلبة أسفل من البئر أو مساوية لها.
# وإلى ذلك ينظر عبارة الإرشاد المتقدمة على النسخة التي فيها " أو "، وكان
~~منشؤها اختيار هذا الطريق من الجمع على خلاف ما اختاره المشهور، ومن هنا
~~ترى شارح الدروس اعترض على مختار المشهور بأن: " طريق الجمع لا ينحصر فيما
~~ذكر، إذ كما يقيد الحكم بالسبعة في الموضعين، يمكن أن يقيد الحكم بالخمسة
~~فيهما، لكن الأولى متابعة المشهور مع التأييد بالأصل " (1) انتهى.
# وإن كان صاحب الحدائق تصدى بدفعه قائلا: " لا يخفى أن الغرض من التحديد
~~في هذه الأخبار والشروط المذكورة فيها إنما هو منع تعدي ماء البالوعة إلى
~~البئر، فمع السهولة فيما عدا صورة علو قرار البئر لما كان مظنة التعدي كان
~~اعتبار البعد بالسبعة أليق، ومع الصلابة وكذا مع علو قرار البئر في السهلة
~~لما كان مظنة عدم التعدي حسن الاقتصار على الخمسة، فلا يحتاج إلى قيد آخر "
~~(2).
# وعن الشهيد الثاني في الروض المناقشة في مستند المشهور، بقوله: "
~~والرواية التي هي مستند الحكم ليس فيها ما يدل على حكم التساوي فهو مسكوت
~~عنه " (3) انتهى.
# ولعله إلى دفع هذه المناقشة ينظر ما قد يتكلف في بيان وجه جمع المشهور،
~~ويقال: " وجمع المشهور بينهما بتقييد حكم السبع في الروايتين مع إرادة عدم
~~فوقية البئر من الفقرة الثانية من ms695 الرواية الاولى، لأن المتبادر من مثله
~~نقيض الشرطية الاولى لا ضدها " (4) انتهى.
# PageV01P758
# فإن عدم فوقية البئر المراد من تلك الفقرة أعم من فوقية البالوعة
~~ومساواتها، فعلم من الرواية حينئذ حكم التساوي أيضا.
# وأنت خبير بعدم الحاجة إلى ارتكاب هذا التكلف وعدم ورود المناقشة
~~المذكورة، فإنها إنما تتوجه إذا انحصر مستند المشهور في الرواية الاولى،
~~وقد عرفت أنه المجموع منها ومن الرواية الثانية بعد اعتبار الجمع بينهما
~~وتقييد مطلق كل بمقيد الاخرى، ولا ريب أن حكم التساوي وإن كان مسكوتا عنه
~~بالقياس إلى الرواية الاولى، غير أنه منطوق به في الرواية الثانية بحكم
~~الإطلاق من حيث الوضع، الشامل لصور ثلاث، منها صورة التساوي، والمفروض أنه
~~لم يخرج من هذا الإطلاق بعد اعتبار التقييد بالقياس إليه إلا صورة فوقية
~~البئر، فتبقي الصورتان الأخيرتان مندرجتين في حكم السبع.
# ومن هنا يعلم عدم خروج صورة التساوي المحكوم عليها بالخمس مع صلابة
~~الأرض، لأنها مندرجة في الفقرة الثانية من الرواية الثانية أخذا بموجب
~~الإطلاق الذي لم يطرأه التقييد أصلا.
# وقد يقال: " بأن المستفاد من مجموع الروايتين أن السبعة لها سببان: وهما
~~السهولة وفوقية البالوعة، والخمسة أيضا لها سببان: الجبلية وأسفلية
~~البالوعة، ويحصل التعارض عند تعارض السببين، كما إذا كانت الأرض سهلة
~~والبالوعة أسفل، فلابد من مرجح خارجي، وكذا إذا كانت الأرض جبلية والبالوعة
~~فوق البئر، ولعله بالنسبة إلينا يكفي الشهرة في الترجيح، فيحكم كل منهما
~~على الآخر بمعونتها، وبالنسبة إليهم لا نعلم المرجح ولعله دليل خارجي "
~~انتهى.
# وهذا الكلام نقله بعض مشايخنا (1) عن بعض مشايخه المعاصرين (2) أنه ذكره
~~بعد ما زيف جمع المشهور بعدم جريانه على القواعد، ومبناه على العمل
~~بالروايتين معا من دون تصرف فيهما، وهو كما ترى غير معقول مع فرض التعارض،
~~فكيف يستفاد السببية لكل من الامور الأربع حتى يفرض صورة التعارض بين
~~السببين.
# ثم على فرض هذا التعارض فكيف يصح الشهرة مرجحة فيه، وهي على فرض صلوحها
~~للمرجحية إنما يرجع إليها في تعارض الدليلين، والكلام المذكور مبني على
# PageV01P759
# عدم الالتفات إلى ms696 تعارض الدليلين، لأنه أخذ بالمدلولين بعد الفراغ عن
~~تمامية الدليلين.
# فظهر أن ما صنعه المشهور هو الموافق للقواعد، وعليه كان المستفاد من
~~الروايتين بعد الجمع والتقييد - مع ملاحظة أن الغرض الأصلي من التقدير
~~والتحديد الواردين فيهما إنما هو حفظ ماء البالوعة عن النفوذ والتعدي إلى
~~البئر -، أن عدم التعدي مشروط بأحد الامور الثلاث من صلابة الأرض في البعد
~~المحدود بالخمس، وأسفلية البالوعة في ذلك البعد أيضا، وكون البعد بينهما
~~سبعة أذرع مع انتفاء الأمرين الأولين.
# وبذلك - مضافا إلى ما مر - يظهر الدليل على جمع المشهور، وكونه أولى من
~~الجمع الذي كان يقتضيه الإرشاد على إحدى النسختين.
# وبقي الكلام في مستند سائر الأقوال ما عدا قولي المشهور والإرشاد.
# أما قول الصدوق: فلعله مبني على الأخذ بالرواية الثانية بعد البناء على
~~التخيير، أو من جهة ترجيحها على الرواية الاولى بمرجح داخلي أو خارجي، أو
~~على العمل بهما معا، بتوهم أنهما من باب العام والخاص المتوافقي الظاهر،
~~نظرا إلى أن الفقرة الاولى من الرواية الاولى مقيسا إلى الفقرة الثانية من
~~الثانية، والفقرة الثانية من الاولى مقيسا إلى الفقرة الاولى من الثانية
~~خاص في مقابل العام موافق ظاهراهما فلا تعارض بينهما، ومعه يجب العمل
~~عليهما معا بحمل الخاص على بيان إحدى فردي العام.
# أما عموم فقرتي الرواية الثانية فلأنهما يتضمنان من جهة الوضع صورا ثلاث،
~~وأما خصوص فقرتي الرواية الاولى فلاختصاص كل منهما من جهة الوضع بإحدى
~~الثلاث، وأما موافقة الظاهرين في الحكم فلاتحاد اولى الاولى مع ثانية
~~الثانية في التقدير بالخمس، واتحاد ثانية الاولى مع اولى الثانية في
~~التقدير بالسبع.
# وأنت خبير بما في كل من هذه الوجوه من الفساد الواضح:
# أما فساد الأولين: فلأن اعتبار التخيير أو الترجيح بين الدليلين
~~المتعارضين إنما هو مبني على عدم إمكان الجمع بينهما بأحد من وجوه التصرف،
~~من تخصيص أو تقييد فيهما معا أو في أحدهما حسبما يقتضيه القواعد والقرائن
~~العرفية، وقد عرفت أن الجمع بنحو التقييد في الروايتين معا مع قيام القرينة
~~على تعيينه ممكن، ms697 ومعه لا يعقل التخيير ولا الترجيح. PageV01P760
# وأما فساد الثالث: فلما عرفت من أن كلا من الروايتين بالقياس إلى الاخرى
~~خاص من جهة وعام من جهة اخرى، ومعه لا يمكن العمل عليهما بعد مقابلة الفقرة
~~الاولى من كل للفقرة الثانية من الاخرى لتخالفهما في الحكم.
# وهاهنا وجه رابع يمكن كونه مناط قول الصدوق، وهو ابتناؤه على طرح الرواية
~~الاولى أولا وبالذات والإعراض عنها ابتداء، لما بلغه من الخارج وكشف له عن
~~عدم سلامة سندها، فهو أعلم بما منعه.
# لكنا نقول: بأن شيئا من الروايتين لا يخلو سندها عن شئ - ولا سيما
~~الثانية - من جهة ما فيها من الإرسال؛ لكن عمل المشهور بهما جابر لضعفهما،
~~هذا مع ما تقرر عندهم من جواز المسامحة في أدلة السنة كما صرح به هنا بعض
~~الأجلة.
# وأما قول السرائر: فقد يقال: بأن مستنده الجمع بين الروايتين بتقييد حكم
~~السبع في إحداهما به في الاخرى، مع بقاء الفقرة الثانية من الاولى على
~~ظاهرها من إرادة خصوص فوقية البالوعة دون عدم فوقية البئر، الشامل بعمومه
~~لصورة التساوي.
# وهو كما ترى جمع لا يجامع القواعد، كيف وهو فرع التعارض، ولا تعارض بين
~~الروايتين بالقياس إلى حكم السبع لتوافق الحكمين، غاية الأمر أن مقتضاهما -
~~لكون كل أعم من الآخر من وجه بحسب المفهوم - اجتماع السببين للسبع في صورة
~~سهولة الأرض مع فوقية البالوعة.
# ولو فرض مستند هذا القول كونه جمعا بين الروايتين بتقييد كل من فقرتي
~~الاولى بالفقرة الاولى من الثانية مع بقاء فقرتها الثانية على ظاهرها.
# لدفعه: أن الفقرة الاولى من الثانية لا تعارض الفقرة الثانية من الاولى
~~لما ذكر، فلا وجه لاعتبار التقييد هنا، مضافا إلى أن الفقرة الثانية من
~~الثانية لا يلائم الفقرة الثانية من الاولى، فلابد من تقييد في إحداهما
~~بالاخرى.
# وأما قول التلخيص وإحدى نسختي الإرشاد: فقد عرفت أن مرجعهما إلى قول
~~السرائر إلا بنحو من الاعتبار الذي قد يتكلف، وهو أن يراد بتحتية البئر مع
~~رخاوة الأرض نقيض الفوقية، وهو عدم فوقية البئر الشامل ms698 لصورتي التساوي مع
~~الرخاوة أيضا، بناء على أن المراد بها في عبارة السرائر معناه الظاهر،
~~وعليه يكون مستند هذا PageV01P761
# القول الجمع بين الروايتين حسبما فهمه المشهور.
# لكنك خبير بأن هذا الفرق بين القولين تحكم بحت، فهما معا إما يوافقان
~~المشهور أو يخالفانه، بناء على أنهما يهملان صورة التساوي مع رخاوة الأرض
~~المحكوم عليها في كلام المشهور باعتبار السبع.
# وأما قول الإسكافي: فمستنده - على ما حكاه العلامة في المختلف (1) بعد ما
~~حكى مذهبه المتقدم - رواية محمد بن سليمان الديلمي عن أبيه فقال [لي]: سألت
~~أبا عبد الله (عليه السلام): " عن البئر يكون إلى جنبها الكنيف؟ فقال: إن
~~مجرى العيون كلها مع (2) مهب الشمال، فإذا كانت [البئر] النظيفة فوق الشمال
~~والكنيف أسفل منها لم يضرها إذا كان بينهما أذرع، وإن كان الكنيف فوق
~~النظيفة فلا أقل من إثنى [عشر] ذراعا، وإن كانت تجاهها بحذاء القبلة وهما
~~مستويان في مهب الشمال فسبعة أذرع... " (3).
# بل الاستناد إلى تلك الرواية صريح عبارته المتقدمة المذيلة بقوله: "
~~تسليما لما رواه ابن يحيى عن سليمان عن أبي عبد الله " عقيب ما تقدم من
~~العبارة.
# وأورد عليه: بأن الرواية لا تنطبق على كلامه بشئ من النقلين المتقدمين،
~~أما على ما نقله العلامة وغيره فلأنهم نقلوا عنه التباعد بسبعة أذرع في
~~صورة فوقية البئر، مع أنه ليس في الرواية لذلك أثر.
# وأما على ما نقلوه من العبارة المتقدمة، فلأنهم نقلوا عنه التفصيل في
~~صورة علو البالوعة بالرخاوة والصلابة، والرواية كما ترى لا تفصيل فيها بشئ
~~من ذلك.
# وقد يعتذر له بما يدفع معه هذا الإشكال عن العبارة المنقولة عنه لو كان
~~سديدا، فيقال: " ولعله (قدس سره) فهم من إطلاق الأرض الرخوة، لأنها الغالب،
~~وتحديده البعد في الصلبة بسبع لرواية الحسن بن رباط - المتقدمة - في اعتبار
~~السبع مع فوقية البالوعة، بناء على أن المراد بالفوقية أعم من العلو من حيث
~~الجهة، وحملها على الصلبة لكونها الفرد المتيقن من الإطلاق كالرخوة في هذه
~~الرواية، فيطرح ظاهر كل بنص الآخر " (4) انتهى.
# PageV01P762
# ولا يخفى ms699 بعده وخروجه عن السداد، ومع [هذا] فأصل هذا القول لشذوذه وندرة
~~القائل به ليس مما يلتفت إليه ليصرف النظر في تصحيح مستنده، ويزيد على ضعف
~~القول رأسا ضعف هذه الرواية بمحمد بن سليمان الديلمي، قال في المدارك: "
~~فقد قيل:
# إن سليمان كان غاليا كذابا، وقال القتيبي: إنه كان من الغلاة الكبار،
~~وقال النجاشي: أن ابنه محمدا ضعيف جدا لا يعول عليه في شئ " (1).
# ثم عن جماعة من المتأخرين القائلين بالمشهور أنهم ألحقوا بالفوقية الحسية
~~الفوقية بالجهة، فحكموا بالاكتفاء بالخمس مع استواء القرارين ورخاوة الأرض
~~إذا كانت البئر في جهة الشمال، بناء على أن جهة الشمال أعلى وأن مجاري
~~العيون كما يدل عليه رواية سليمان المتقدمة المتضمنة لقوله (عليه السلام):
~~" مجرى العيون كلها مع مهب الشمال "، وفي ذيل رواية قدامة أيضا إشارة إلى
~~هذا المعنى حيث قال: " يجري الماء إلى القبلة " - إلى قوله -: " ولا يجري
~~من القبلة إلى دبر القبلة "، فإن المراد بالقبلة قبلة أهل العراق بقرينة أن
~~الرواة منهم، وهي كناية عن جهة الجنوب، وإنما عبر عنها بها لمعروفيتها عند
~~عامة الناس من العراقيين، فالمراد بدبر القبلة العراق وما يحاذيها، لوقوعها
~~في جهة الشمال، فيمين القبلة ويسارها إشارة إلى الغرب والشرق.
# وحاصل معنى الرواية: أن الماء بالأخرة يميل إلى جهة القبلة وهي الجنوب،
~~وإن مال أولا إلى يمين القبلة، وعن يمين القبلة إلى يسار القبلة، وعن يسار
~~القبلة إلى يمين القبلة، بخلاف دبر القبلة فإن الماء لا يميل إليه بالطبع
~~أصلا.
# والسر في ذلك، ما قيل: من أن كل شئ يميل إلى مركزه، ومركز الماء البحر،
~~وهو في طرف الجنوب، فهو بالطبع (2) مايل إلى الجنوب ليصل إلى البحر، وما قد
~~يشاهد من خلاف ذلك فليس من جهة الطبع، بل هو لأجل العارض. وكيف كان: فمستند
~~الإلحاق
# PageV01P763
# على ما في المدارك وغيره (1) رواية سليمان المتقدمة، وأورد عليه في
~~الكتاب: " بأنها غير دالة عليه ".
# أقول: وكأن المقصود بالاستناد إليها إثبات العلو لجهة الشمال بالقياس إلى
~~الجنوب، ليترتب عليه الإلحاق، بناء على ما ms700 استفادوه من النصوص من أن الغرض
~~من التحديد الوارد فيها حفظ الماء عن نفوذ البالوعة إليه كما تقدم الإشارة
~~إليه، وحينئذ فلا إشكال في أن البئر إذا كانت واقعة في جهة الشمال فلا تميل
~~إليها البالوعة وإن تساوى قراراهما، بخلاف ما لو كانت واقعة في جهة الجنوب،
~~فإن البالوعة حينئذ يميل إليها بالطبع.
# ثم إن صور المسألة على ما ذكره الجماعة أربع وعشرون، حاصلة من ضرب الجهات
~~الأربع وهي الجنوب والشمال والمشرق والمغرب في الستة المتقدمة، الحاصلة من
~~ضرب الاثنين المتصورين من جهة الأرض في الثلاث المتصورة من حيث الوضع.
# ومحصل العمل: أن البعد فيما بين البئر والبالوعة إما أن يكون مما بين
~~الجنوب والشمال، أو مما بين المشرق والمغرب، وكل من هذين صورتان، وعلى
~~التقادير الأربع فالأرض إما صلبة أو رخوة، فهذه ثمان صور، وعلى التقادير
~~إما أن يستوي القراران حسا، أو يكون البئر أعلى، أو البالوعة، فالمرتفع
~~أربع وعشرون صورة، وإن لم يكن لبعضها تأثير في اختلاف الحكم.
# وقد ذكروا: أن في سبع عشر منها يكون التباعد بخمس أذرع، وفي سبع منها
~~بسبع أذرع، وهذه السبع بعض من الثمان المخرجة لصورتي استواء القرارين، أو
~~علو قرار البالوعة في الأرض الرخوة، بناء على أن كل صورة من الصور الست
~~المتقدمة يتحصل لها بملاحظة الجهة أربع صور، فإذا اخرج من تلك الثمان صورة
~~ما لو استوى القراران وكان البئر أعلى جهة من البالوعة بكونها في جهة
~~الشمال والبالوعة [تحتها] وأدخلت في صور الحكم بالخمس، يبقى تحت حكم السبع
~~سبع صور يعلم تفاصيلها بالتأمل.
# لكن في كلام شارح [الدروس] بعد ذكر الصور ما لفظه: " وفي صورة يقع
~~التعارض بين الفوقيتين يجعلونها بمنزلة التساوي " (2)، ومراده بالفوقيتين
~~فوقية البئر قرارا وفوقية البالوعة جهة، أو بالعكس، والمراد من كونها
~~بمنزلة التساوي الحكم عليها بالسبع، وحينئذ
# PageV01P764
# لا يتم العددان المذكوران حسبما ضبطوهما، ولذا اعترض عليهم المحقق المشار
~~إليه عقيب الكلام المذكور بكثير قائلا: " وفي كلام جمع من الأصحاب هاهنا
~~تأمل ظاهر، إذ ذكروا أن التباعد ms701 بسبع في سبع، وبخمس في الباقي، والاعتبار
~~يقتضي أن يكون التباعد بسبع في ثمان أو ست، لأن فوقية القرار إما أن تعارض
~~فوقية الجهة وتصير بمنزلة التساوي أو لا، فعلى الأول الأول، وعلى الثاني
~~الثاني، وأما اعتبار الجهة في البئر دون البالوعة فتحكم " (1).
# وهذا الاعتراض كما ترى متجه.
# ووجهه واضح بالتأمل، وإن كان صاحب الحدائق تصدى لدفعه قائلا: " بأن ما
~~نقله [عنهم] من جعلهم صورة التعارض بمنزلة التساوي مما لم أقف عليه فيما
~~حضرني من كلامهم، بل صرح غير واحد منهم أن الفوقية بالجهة إنما تعتبر في
~~الرخاوة مع تساوى القرارين ومقتضى ذلك اختصاص اعتبارها بالبئر دون
~~البالوعة، ولهذا صرح في الروض (2) - في صورة كون البئر في جهة الجنوب مع
~~رخاوة الأرض وعلو قرار البئر - بأنه: " يستحب التباعد بخمس أذرع نظرا إلى
~~علو قرار البئر "، وبمقتضى ما ذكره من تعارض الفوقيتين مطلقا ينبغي أن يكون
~~بسبع " (3) انتهى.
# وهذا الكلام عند التحقيق غير صالح لدفع الاعتراض، كيف والتحكم المذكور في
~~كلام المعترض باق على حاله، والاستشهاد بكلام الروض لا يجدي نفعا، إذ
~~الاعتراض على هذا الكلام ونظايره، ووجه التحكم: أن علو الجهة إما أن يصلح
~~مؤثرا في اقتضاء خلاف ما يلزم مع انتفائه أو لا، فعلى الأول ينبغي أن يلاحظ
~~في كل من البئر والبالوعة ويرتب عليه أثره، وعلى الثاني ينبغي أن لا يلاحظ
~~في شئ منهما، والفرق بينهما في الاعتبار والعدم ليس إلا تحكما بحتا، كما أن
~~ما عساه أن يدعي من أنه صالح للتأثير في البئر دون البالوعة ليس إلا مكابرة
~~محضة، بل ليس إلا من الخرافات، فالاعتراض بظاهر الحال في محله.
# ثم إن في تحديد البعد بين البئر والبالوعة روايات اخر لم يعمل بها
~~الأصحاب، مثل ما حكاه في الحدائق (4) عن الحميري في قرب الأسناد عن محمد بن
~~خالد الطيالسي
# PageV01P765
# عن العلاء عن الصادق (عليه السلام) " قال: سألته عن البئر يتوضأ منها
~~القوم، وإلى جانبها بالوعة؟
# قال: إن كان بينهما عشرة أذرع وكانت البئر التي يستقون منها تلي ms702 الوادي،
~~فلا بأس " (1).
# وما رواه في الكافي عن الفضلاء الثلاث زرارة، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير،
~~قالوا:
# قلنا له: بئر يتوضأ منها، يجري البول قريبا منها أينجسها؟ قال فقال: " إن
~~كانت البئر في أعلى الوادي، والوادي يجري فيه البول من تحتها، فكان بينهما
~~قدر ثلاثة أذرع، أو أربعة أذرع، لم ينجس ذلك شئ، [وإن كان أقل من ذلك
~~نجسها] (2).
# قال: وإن كانت البئر في أسفل الوادي، ويمر الماء عليها، وكان بين البئر
~~وبينه سبعة أذرع لم ينجسها، وما كان أقل من ذلك لم يتوضأ منه ".
# قال زرارة: فقلت له: فإن كان مجرى البول يلزقها وكان لا يثبت على الأرض؟
~~فقال:
# " ما لم يكن له قرار فليس به بأس؛ وإن استقر منه قليل فإنه لا يثقب
~~الأرض، ولا قعر له حتى بلغ البئر، وليس على البئر منه بأس، فيتوضأ منه،
~~إنما ذلك إذا استنقع كله " (3).
# وهذه الرواية مذكورة في التهذيبين أيضا باختلاف يسير في بعض ألفاظها.
# ويبقى الكلام في وجه استفادة ما أطبقوا عليه من استحباب التباعد بين
~~البئر والبالوعة بأحد الأبعاد المتقدمة على الخلاف، مع ظهور النصوص
~~الموجودة في هذا الباب في الوجوب، فهو إما من جهة الإجماع الناهض قرينة على
~~صرف النصوص عن ظاهرها، ولا ينافيه الاختلاف مع التمسك بتلك النصوص، لأن ذلك
~~اختلاف في مقدار المستحب واستعلام له.
# أو من جهة اختلاف النصوص الواردة في التحديد، نظرا إلى أنه يصلح قرينة
~~على إرادة الاستحباب الذي يختلف مراتبه، كما ذكروا نظيره في مواضع، منها:
~~ما تقدم في روايات النزح من تصريحهم بكون اختلافها الشديد في التقادير
~~قرينة على استحباب النزح، أو من جهة تنزيل النصوص إلى الاستحباب الذي
~~يتسامح في دليله، نظرا إلى ما فيها من الضعف المانع عن صلوحها دليلا على
~~الوجوب.
# PageV01P766
# أو من جهة قيام قرينة عليه في نفس تلك النصوص، كما تقدم من رواية محمد بن
~~القاسم عن أبي الحسن (عليه السلام) في البئر يكون بينها وبين الكنيف خمسة
~~وأقل وأكثر يتوضأ منها؟ قال: " ليس يكره ms703 من قرب ولا بعد، يتوضأ منها ويغتسل
~~ما لم يتغير الماء " (1)، وممن صرح بالوجه الأخير الشيخ في الاستبصار
~~قائلا: " هذا الخبر يدل على أن الأخبار المتقدمة كلها محمولة على الاستحباب
~~دون الحظر والإيجاب " (2).
# * * * * * * *
# PageV01P767
# ينبوع المضاف كل ما افتقر صدق اسم " الماء " عليه إلى تقييد، كما في
~~منتهى العلامة (1)، أو ما لا يتناوله إطلاق " الماء " كما في الدروس (2)،
~~أو ما لا يتناوله الاسم بإطلاقه كما في نافع المحقق (3).
# أو كل ما اعتصر من جسم أو مزج به مزجا يسلبه إطلاق الاسم كما في شرائعه
~~(4).
# أو ما لا ينصرف إليه لفظ " الماء " على الإطلاق عرفا بل يحتاج في صدقه
~~إلى القيد كما في الحدائق (5).
# أو كل مايع يصح إطلاق اسم " الماء " عليه لعلاقة المشابهة الصورية كما في
~~كلام بعض مشايخنا العظام (6).
# ولا يخفى على البصير أن هذه التعاريف وغيرها مما هو مذكور في كلام
~~الأصحاب كلها لفظية يراد بها كشف المسمى بأشهر اسميه، على حد ما هو قانون
~~أهل اللغة في بيان مسميات الألفاظ، فلا ضير في عدم كون بعضها مطردا بدخول
~~الدم المعتصر من جسم، أو منعكسا بخروج المصعد من الأنوار أو الأوراق كماء
~~الورد والهندباء ونحوهما، فالمناقشة في ذلك بالقياس إلى تعريف الشرائع بعد
~~وضوح الأمر ليست في محله.
# ثم إن المضاف منه ما يحصل بالتصعيد كمائي الورد والهندباء، وما يحصل
~~بالعصر كمائي الحصرم والرمان، وما يحصل بمزج الماء بغيره على وجه زال عنه
~~عنوان المائية في نظر العرف كماء الزعفران ونحوه، وأما الممزوج بغيره لا
~~على هذا الوجه فليس
# PageV01P768
# بمضاف وإن تغير وصفه لونا كالممتزج بالتراب، أو طعما كالممتزج بالملح وإن
~~اضيف إليهما، والعبرة فيهما بالصدق العرفي وعدمه، ولو اشتبه العرف أو اشتبه
~~الأمر على العرف بتردد الموضوع بين المطلق والمضاف يرجع في إحراز أحد
~~العنوانين أو الأحكام المترتبة عليهما إلى الاصول والقواعد المقررة، وذلك
~~يتأتى في صور:
# منها: ما لو وجد مايع وتردد ابتداء بين المطلق والمضاف من غير تبين حالته
~~السابقة، وفي مثله لا أصل يحرز به ms704 العنوان، وأما الأحكام فبالنسبة إلى
~~انفعاله بملاقاة النجاسة فالأصل هو الانفعال إذا كان قليلا، لأنه إن كان في
~~الواقع مطلقا فحكمه هذا وإن كان مضافا فأولى بذلك.
# وإذا كان كثيرا فقد يتوهم فيه الطهارة لأصالة عدم الانفعال، وليس كما
~~توهم، لما هو المعلوم من ضرورة المتشرعة وتتبع الأخبار الجزئية الواردة في
~~الأبواب المتفرقة من أن النجس معد لتنجيس ما يلاقيه كائنا ما كان عدا ما
~~كان منه مخرجا بالدليل من المواضع المخصوصة التي ليس المقام منها، فإن ذلك
~~أصل كلي مستفاد من الشرع وارد على الأصل المذكور ونظايره، ومن علامات هذا
~~الأصل أن المركوز في قاطبة الأذهان من عالم أو عامي مطالبة من [يدعي] (1)
~~عدم التنجيس في مواضع ملاقاة الطاهر مع النجس مع تحقق شرائط السراية التي
~~منها الرطوبة.
# ولو قيل: هذا الأصل يكذبه ما استقر في الأذهان من مطالبة من يدعي انفعال
~~الماء القليل الراكد بالملاقاة، فلو أن الأصل ثابت لكان كافيا في الدلالة.
# لدفعه: أن ذلك إنما هو من جهة مخالفة هذه الدعوى لأصل ثانوي ثابت في
~~الماء خاصة، من أنه بحسب الخلقة الأصلية طاهر، وأن الطبيعة المائية مقتضية
~~للطهارة غير قابلة للنجاسة عدا ما خرج منه بالدليل وهو القليل الراكد عند
~~من يقول بانفعاله، فإن الماء بمقتضى هذا الأصل من جملة المخرجات عن الأصل
~~المذكور.
# مع إمكان أن يقال: إن الداعي إلى ذلك وإلى تجشم الاستدلال على الانفعال
~~بأدلة خاصة، حدوث القول بعدم الانفعال استنادا إلى أدلة خاصة لو تمت دليلا
~~لما كان الأصل
# PageV01P769
# صالحا للمعارضة لها، فالغرض من تجشم الاستدلال دفع هذا القول ورد أدلته،
~~فليتأمل.
# وقد يستظهر هذا الأصل عن قوله عز من قائل: ﴿والرجز فاهجر﴾ (1)، أو يؤيد باستدلال الغنية (2)
~~على نجاسة القليل بالملاقاة بتلك الآية.
# ولا يخفى وهنه - بعد تسليم كون الآية محمولة على المعنى المبحوث عنه -
~~فإن أقصى ما يستفاد منها وجوب الاجتناب عن " الرجز " الذي هو النجس أو
~~المتنجس أيضا، وليس ذلك إلا كبرى كلية، فإن اريد ms705 بصغرى تلك الكبرى كون
~~ملاقي النجس رجزا فهو أول المسألة، بل لا يكاد يستقيم ذلك إلا بإثبات وصف
~~الرجزية من الخارج، وهو ليس استدلالا بالآية، ولو اريد بها نفس النجس الذي
~~لاقاه الطاهر فالكبرى بالقياس إليه مسلمة، لكنه لا يجدي نفعا في ثبوت دعوى
~~سراية ما فيه من النجاسة إلى ملاقيه، كما لا يخفى.
# وأما حكمه بالنسبة إلى إفادته التطهير عن حدث أو خبث، فمبني على المباحث
~~الآتية، فإن ثبت فيها أن المضاف صالح لذلك مطلقا أو في الجملة يلزمه كون
~~المقام صالحا له كذلك، لأنه إما مطلق أو مضاف والكل صالح له.
# ومنها: ما لو امتزج المطلق بمضاف خاص على وجه يعلم معه بعدم صدق الاسمين
~~عليه، فتحقق عنوان المضاف على الوجه الكلي مما لا ريب فيه بنفس الفرض، مع
~~ملاحظة انتفاء الواسطة بحسب الشرع فيما بين المطلق والمضاف، وعدم اندراج
~~المفروض في اسم نوع خاص منه لا يوجب خروجه عن عنوانه الكلي، مع عدم اندراجه
~~في اسم المطلق أيضا، فهو مضاف لا اسم له بالخصوص.
# وقضية ذلك عدم ترتب أحكام الماء عليه كائنة ما كانت، لأن الخروج عن الاسم
~~كاف في العدم، ولا يمكن استصحاب تلك الأحكام لتيقن ثبوتها قبل هذه الحالة
~~في هذا الموضوع الخارجي.
# أما أولا: لتبدل المشار إليه السابق بالامتزاج وإن اعتبرنا الشخص، فإن
~~الموجود بعد الامتزاج ليس بعين ما كان قبل الامتزاج ليترتب عليه الأحكام
~~السابقة.
# PageV01P770
# وأما ثانيا: لكون الأحكام تابعة للعنوان الذي هو ليس بباق بالفرض،
~~وعروضها لهذا الموضوع الموجود في الخارج لم يكن من جهة أنه هو هذا الموجود
~~في الخارج، بل من جهة انطباقه على عنوان غير باق هنا.
# ولا يفرق فيما ذكرناه من عدم ترتب أحكام الماء على ذلك، بين ما لو تحقق
~~استهلاك أحدهما بالآخر في الواقع وبين ما لو لم يتحقق استهلاك واقعي.
# فما توهم من احتمال ترتب آثار المطلق على أجزاء المطلق الموجودة فيه،
~~وترتب آثار المضاف على أجزاء المضاف الموجودة فيه - بناء على عدم الاستهلاك
~~- فيصح ms706 ارتماس الجنب لانغماره بالأجزاء المائية الموجودة فيه بالفرض مقطوع
~~بفساده، لكون تلك الأحكام منوطة بما هو داخل في اسم " الماء " عرفا لا بما
~~يعم هذه الأجزاء، مع أن العلم بمباشرة تلك الأجزاء المتفرقة لجميع أجزاء
~~البشرة من أي شئ حصل؟ بعد فرض كون كل من الأجزاء المائية والأجزاء المضافية
~~بالقياس إلى مباشرة كل جزء من كل عضو - ولو على البدل - متساوي النسبة،
~~ولعل الرطوبة الموجودة في جزء غير معين من العضو من أثر الأجزاء المضافية
~~خاصة، على معنى أن هذا الجزء لم يباشره جزء مائي أصلا.
# ومنها: ما لو امتزج المطلق بمضاف أو مايع غير مضاف كالدبس، أو جامد غير
~~مضاف على وجه شك معه في سلب الإطلاق عنه، فالظاهر بقاء الإطلاق بمقتضى
~~الأصل الجاري هنا.
# والقول بأن المفروض من باب الشك في اندراج هذا الجزئي الحقيقي تحت
~~العنوان، وهذا لم يكن متيقنا في الآن السابق، وما كان مندرجا في السابق تحت
~~العنوان كان جزئيا حقيقيا آخر متشخصا بمشخصات اخر.
# واضح الدفع، بأن الأحكام ليست مترتبة على الجزئي الحقيقي ليكون التبدل
~~مضرا في استصحاب بقائه، وإنما هي مترتبة على العنوان الذي هو مشكوك في
~~بقائه بعد تيقن ثبوته في الآن السابق، ولا ريب أن مجرد تبدل الشخص لا
~~يستلزم تبدل العنوان ما لم يعلم بكون المتبدل إليه من أشخاص عنوان آخر غير
~~العنوان المتيقن، والمقام ليس منه، لجواز كون هذا الشخص من أشخاص العنوان
~~الأول، وإن غاير الشخص الأول بتغاير مشخصاته الحادثة، كيف لا ومعنى الشك في
~~بقاء العنوان الأول هو هذا، فالقطع بتبدل PageV01P771
# الشخص لا ينافي الشك في بقاء العنوان وهو المستصحب المتيقن الثبوت
~~المشكوك البقاء، فالاستصحاب في محله.
# وإذا تمهد هذا، فاعلم أنه لا إشكال ولا كلام في طهارة المضاف بنفسه إذا
~~كان أصله طاهر، أو لم يطرأه ما يقتضي تنجسه، ونقل الإجماعات عليه ونفي
~~الخلاف فيه في حد الاستفاضة، مضافا إلى أن الطهارة هي الأصل في الأشياء
~~والنجاسة طارئة فيحتاج إلى سبب، فهذا الحكم ليس بمقصود المقام، ms707 بل المقصود
~~البحث عن امور اخر يلحقها من جهة قبوله الانفعال وعدمه، وصلوحه رافعا للحدث
~~وعدمه، مزيلا للخبث وعدمه، وقبوله التطهير على فرض الانفعال وطريق تطهيره،
~~وغير ذلك مما يتلى عقيب ذلك، فينبغي إيراد الكلام في مباحث:
# المبحث الأول: المشهور القريب من الإجماع أن المضاف مطلقا لا يرفع حدثا
~~مطلقا اختيارا ولا اضطرارا، بل هو إجماع من أصحابنا حقيقة كما يفصح عنه نقل
~~الإجماعات في كلام غير واحد، بناء على أن مخالفة معلوم النسب لا تقدح في
~~انعقاد الإجماع، أو أنها منقرضة بتأخر الإجماع، والمخالف من أصحابنا الصدوق
~~على ما حكي عنه في الفقيه قائلا: " ولا بأس بالوضوء والغسل من الجنابة
~~والاستياك بماء الورد " (١)، وعن الشيخ في الخلاف (٢) أنه حكى عن قوم من
~~أصحاب الحديث منا أنهم أجازوا الوضوء بماء الورد، وعن ظاهر ابن أبي عقيل
~~العماني (٣) أنه جوز الوضوء حال الضرورة فيقدم على التيمم.
# والمعتمد: الأول، لأصالة بقاء الحدث، والمنع عن الدخول في الصلاة إلى أن
~~يتحقق رافع يقيني ومبيح شرعي، مضافا إلى جملة مما احتج به الأكثر وهو امور:
# منها: قوله عز من قائل: ﴿فلم تجدوا ماء
~~فتيمموا﴾ (4) حيث أوجب التيمم عند فقد الماء، ولا ريب أن الماء بإطلاقه
~~لا يتناول المضاف، فعلم منه سقوط الواسطة، إذ اللفظ يحمل على حقيقته، فلو
~~كان الوضوء سائغا بغير الماء لم يجب التيمم عند فقده.
# ومنها: ما اعتمد عليه العلامة في المختلف (5) من قوله تعالى: (وينزل
~~عليكم من
# PageV01P772
# السماء ماء ليطهركم به) (1) بتقريب: أنه خص التطهير بالماء بقرينة وروده
~~مورد الامتنان، فلو وقع بغيره لكان الامتنان بالأعم أولى، ولم تكن للتخصيص
~~فائدة، وقضية ذلك كله أن لا يقع بغيره، ولا يخفى وهنه.
# أما أولا: فلأن الامتنان معلق على حيثية الإنزال من السماء لأجل فائدة
~~التطهير لا على مجرد جعل تلك الفائدة في الماء، ولا ريب أن هذه الحيثية
~~المحققة للامتنان مختصة بالماء.
# وحاصل معنى الآية: " أن إنزال الماء من السماء إنما هو لأجل تطهيركم به ms708 "
~~ولا ريب أن هذا المعنى لا ينافي حصول التطهير بغير الماء أيضا، وإلا يرد
~~النقض بالصعيد الذي يحصل به التطهير أيضا.
# وأما ثانيا: فلأن المضاف أيضا بجميع أقسامه أصله من الماء كما يظهر بأدنى
~~التفات، فحصول التطهير به لا ينافي قصد الامتنان بكون الماء منزلا لحصول
~~التطهير به، لرجوعه بالأخرة إليه من جهة استناده إليه بحسب أصله.
# واعترض أيضا: بأنه يجوز أن يخص أحد الشيئين الممتن بهما بالذكر، لكونه
~~أبلغ وأكثر وجودا وأعم نفعا.
# ومنها: رواية أبي بصير المروية في التهذيبين عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) عن الرجل يكون معه اللبن، أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: " لا إنما هو
~~الماء والصعيد " (2) بتقريب: أن كلمة " إنما " للحصر، فتفيد انتفاء التطهر
~~بغير الماء والصعيد.
# وعن الصدوق الاحتجاج بما رواه في التهذيب عن محمد بن عيسى عن يونس عن أبي
~~الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضأ به
~~للصلاة؟ قال: " لا بأس بذلك " (3).
# ويضعف: باشتمال سنده على سهل بن زياد وهو عامي، ومحمد بن عيسى عن يونس،
~~وقد نقل الصدوق عن شيخه محمد بن الوليد أنه لا يعتمد على حديث محمد بن
# PageV01P773
# عيسى عن يونس، وحكم الشيخ في كتابي الأخبار (1) بشذوذ هذه الرواية، وأن
~~العصابة أجمعت على ترك العمل بظاهرها قائلا: " بأنه خبر شاذ شديد الشذوذ،
~~وإن تكرر في الكتب والاصول، فإنما أصله يونس عن أبي الحسن ولم يروه غيره،
~~وقد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره، وما هذا [يكون] حكمه لا يعمل به.
# ولو سلم لاحتمل أن يكون أراد به الوضوء الذي هو التحسين، وقد بينا فيما
~~تقدم أنه يسمى وضوء ".
# ثم قال: " وليس لأحد أن يقول: إن في الخبر أنه سأله عن ماء الورد يتوضأ
~~به للصلاة؟ فإن ذلك لا ينافي ما قلناه، لأنه يجوز أن يستعمل للتحسين ومع
~~هذا يقصد به الدخول في الصلاة من حيث أنه متى استعمل الرائحة الطيبة لدخوله
~~في الصلاة ولمناجاة ربه كان أفضل من أن يقصد به التلذذ حسب دون وجه ms709 الله،
~~وفي هذا إسقاط ما ظنه السامع.
# ويحتمل أن يكون أراد بقوله: " ماء الورد " الذي وقع فيه الورد، لأن ذلك
~~يسمى " ماء ورد " وإن لم يكن معتصرا منه، لأن كل شئ جاور غيره فأنه يكسب
~~اسم الإضافة إليه " (2) انتهى.
# وفي حاشية المدارك: " وربما وجه بأن المراد ماء الورد " (3) بكسر الراء.
# وبجميع ما ذكر يظهر ضعف قول العماني أيضا، ولم يذكر له مستند فيما حضرنا
~~من كتب الأصحاب.
# وظاهر النقل عنه أنه يجوز التطهير بكل مضاف من غير اختصاص له بماء الورد
~~ولا موافق له وللصدوق فيما ادعياه.
# نعم، ربما يحكى عن المحدث الكاشاني في المفاتيح والوافي ما يوهم ميله إلى
~~موافقة الصدوق، حيث قال في الأول: " ويحتمل قويا الجواز لصدق الماء على ماء
~~الورد، لأن الإضافة ليست إلا لمجرد اللفظ كماء السماء، دون المعنى كماء
~~الزعفران والحناء والخليط بغيره، مع تأيد الخبر بعمل الصدوق وضمانه صحة ما
~~رواه في الفقيه
# PageV01P774
# وعدم المعارض النافع " (1).
# وقال في الثاني - بعد نقل خبر يونس المتقدم -: " وأفتى بمضمونه في
~~الفقيه، ونسبه في التهذيبين إلى الشذوذ، ثم حمله على التحسين والتطيب
~~للصلاة دون رفع الحدث مستدلا بما في الخبر الآتي إنما هو الماء والصعيد.
# أقول: هذا الاستدلال غير صحيح، إذ لا منافاة بين الحديثين، فإن ماء الورد
~~ماء مستخرج من الورد " (2) انتهى.
# ومرجعه إلى إنكار الإضافة المخرجة عن الإطلاق، فماء الورد ماء وإن اضيف
~~إلى الورد كماء البئر ونحوه، فما لم يكن الإضافة مؤثرة في سلب الإطلاق لم
~~يكن منافاة بين الخبر وما دل على انحصار الطهور في الماء والصعيد.
# وهذا الكلام كما ترى يرجع إلى إنكار الصغرى، فلا مخالفة بينه وبين
~~المشهور في منع التطهر بغير الماء، وإنما خالفهم في خصوص المقام في دعوى
~~كون المتخذ من الورد ماء وإن أطلق مضافا إلى الورد.
# فدفع كلامه حينئذ إنما هو بدفع هذه الدعوى، لا بإقامة الدليل على أن
~~المضاف لا يرفع الحدث، كما قد يوجد في بعض العبائر.
# المبحث الثاني: المشهور أن المضاف كما لا يرفع ms710 الحدث لا يرفع الخبث أيضا،
~~وعن الروض (3) الإجماع عليه، خلافا للمفيد في المسائل الخلافية (4)،
~~والمرتضى في شرح الرسالة قائلا فيه: " يجوز عندنا إزالة النجاسة بالمايع
~~الطاهر غير الماء " (5) ونقل عنه أيضا في المسائل الناصرية (6) جواز ذلك
~~بكل مايع، وعن المعتبر (7) أنه أضاف ذلك إلى مذهبنا، وعن ابن أبي عقيل (8)
~~أيضا القول بجواز ذلك حال الضرورة خاصة، والمعتمد الأول للأصل المتقدم، حجة
~~المشهور امور:
# منها: ورود الأمر بغسل الثوب والبدن بالماء في أخبار كثيرة، وهو حقيقة في
# PageV01P775
# المطلق فيجب حمله عليه، ولا ينافي ذلك إطلاق الأمر بالغسل في بعضها أيضا،
~~لأن المقيد يحكم على المطلق كما هو مقرر في الاصول.
# واعترض عليه تارة: بأن الأوامر المذكورة مخصوصة بنجاسات معينة والمدعى
~~عام.
# فأجاب عنه المحقق - بما حكي عنه في بعض مسائله -: " من أنه لا قائل هنا
~~بالفرق " (1) واخرى بما عن الذخيرة: من أنه كما يمكن الجمع بحمل المطلق على
~~المقيد، كذا يمكن بالحمل على الاستحباب، أو على ما هو الغالب من أنه لا
~~يستعمل في الإزالة غير الماء (2).
# والجواب عن الأول: مقرر في الاصول.
# وعن الثاني: بأن الغلبة المدعاة إن اريد بها ما هو في جانب المطلق، على
~~معنى أن الأمر بمطلق الغسل ينصرف إليه بالماء لأنه الغالب، فهو تأييد لقول
~~المشهور، ودفع لما ورد على تمسكهم بالأوامر المقيدة من وجود الأوامر
~~بالمطلق أيضا، ورفع للحاجة إلى تجشم حمل المطلق على المقيد دفعا للمعارضة
~~بينهما، إذ مبنى هذا الكلام على منع المعارضة بينهما من طريق آخر غير قاعدة
~~الحمل.
# فإن اريد بها ما هو في جانب القيد الوارد في المقيد، على معنى كون قيد "
~~الماء " واردا مورد الغالب فلا يكون مفهومه حجة.
# ففيه: منع ابتناء قاعدة الحمل على أن يكون للقيد الوارد في الكلام مفهوم
~~كما هو مقرر في الاصول، وإنما هو مبتن على التنافي بين إطلاق المطلق وتقييد
~~المقيد، وهو حيثما حصل كان من مقتضيات منطوق المقيد وإن لم يكن له مفهوم،
~~حيث إن إطلاق المطلق يقتضي تخيير الوجوب، والتقييد يقتضي ms711 تعيينه رأسا وهما
~~متنافيان، ومن هنا كان الحمل مما يقول به من لا يقول بالمفهوم رأسا.
# ويمكن المناقشة في هذا الحمل بأن: من شرائطه المقررة في محله اتحاد موجب
~~الخطابين، بأن يكون علة الحكمين متحدة، وهذا الشرط ليس بمحرز في المقام،
~~حيث إن علة الحكم في المقيد النجاسة البولية ونحوها، وهي في المطلق سائر
~~النجاسات، ولعله إلى هذا البيان يرجع ما تقدم في الاعتراض الأول. فجوابه:
~~حينئذ ما عرفت عن
# PageV01P776
# المعتبر (1)، ومرجعه على هذا البيان إلى منع انحصار الشرط في اتحاد ذات
~~الموجب، بل هو أحد الأمرين من اتحاد الذات واتحاد الأثر وإن تعددت الذات،
~~ويعلم ذلك عند تعدد ذات الموجب بقيام دليل من الخارج، على أن هذه الموجبات
~~متحدة في الاقتضاء والأثر، والمقام من هذا الباب، والدليل الخارج هو عدم
~~القول بالفرق بين أنواع النجاسات في اقتضاء الغسل بما يوجب زوالها، إن ماء
~~ففي الجميع وإن أعم منه ففي الجميع.
# نعم، إن كان المقام ولابد من المناقشة فيه، فالأولى أن يقال: إن من شروط
~~قاعدة الحمل كون المطلق والمقيد تكليفيين إلزاميين، دون وضعيين، أو
~~تكليفيين غير إلزاميين، ولعله منتف في المقام، لما هو المقرر من أن الأوامر
~~والنواهي الواردتين في نظايره يراد بها الإرشاد دون الطلب والإلزام، فهي
~~إرشاد ورد بصورة الطلب، فتكون مساقها مساق القضايا الوضعية، وهي في الحقيقة
~~قضايا إخبارية، ومعه لا تنافي بين مطلقاتها ومقيداتها ليوجب الاضطرار إلى
~~الحمل.
# فالأولى في طريق الاستدلال منع إطلاق الغسل بالقياس إلى ما يحصل منه
~~بالمضاف، بدعوى: كونه باعتبار اللغة والعرف حقيقة فيما يحصل بالماء، كما هو
~~مذكور في كلام جماعة من الأصحاب، فحينئذ لا تنافي بين المطلقات والمقيدات،
~~بل المقيدات على ذلك معتبرة بالقياس إلى المطلقات من باب القرائن المؤكدة،
~~بل لا تقييد حينئذ ولا إطلاق، بل الكل مجتمعة على مدلول واحد، غاية الأمر
~~أن الدلالة في البعض من باب النصوصية وفي الباقي من باب الظهور لابتنائها
~~فيه على إعمال أصالة الحقيقة كما لا يخفى.
# ولعله إلى هذا المعنى ms712 يشير ما ورد في بعض المعتبرة كقوله: " ولا يجزي في
~~البول غير الماء " (2) وقوله: " كيف يطهر من غير ماء " (3) بناء على كون
~~المراد أن الحكم معلق على الغسل وهو لا يتأتى بغير الماء، وقوله: " كيف
~~يطهر من غير ماء "؟ مبالغة في إنكار تأتيه بغير الماء، وليس ذلك إلا من جهة
~~كمال البعد بين الغسل المعلق عليه الحكم وما يحصل بغير الماء.
# PageV01P777
# ويؤيده ما عن الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) عن رجل أجنب في
~~ثوب وليس معه غيره؟ قال: " يصلي فيه إلى حين وجدان الماء " (١).
# فإن قضية الجمع بين الجواب والسؤال أن الرجل كان في حالة الاضطرار لمجرد
~~انحصار ثوبه في ثوب الجنابة وعدم وجدانه الماء، فلو أن الغسل أو إزالة
~~الخبث يتأتى بغير طريق استعمال الماء لم يكن هناك حالة اضطرار، وليس في
~~الرواية تعرض لعدم وجدانه غير الماء من أنواع المضاف، ولا أقل من الريق، مع
~~ما قيل من أن أهل الحجاز كان في بيوتهم الخل وماء الورد وأمثالهما، أو كان
~~هذه الأشياء موجودة في بلادهم مكة والمدينة ونحوهما، فكيف يفرض في حقهم عدم
~~التمكن عن المضاف.
# ومنها: قوله تعالى ﴿وأنزلنا من
~~السماء ماء طهورا﴾ (2) وقوله (عليه السلام) في حديث " كان بنو إسرائيل
~~إذا أصاب أحدهم قطرة البول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله عليكم
~~بأوسع ما بين السماء والأرض، وجعل لكم الماء طهورا " (3) فإن قصر الحكم في
~~مقام الامتنان يدل على انحصار المطهر فيه، وهذا موهون بما ذكرنا في المسألة
~~السابقة فلاحظ بعين الدقة.
# ومنها: أن ملاقاة المايع للنجاسة يقتضي نجاسته، والنجس لا يزال به
~~النجاسة، وهو كما ترى لا يتم على القول بطهارة الغسالة، وعلى قول المرتضى
~~(4) بالفرق بين الورودين، بل على قول الآخرين بنجاسة الغسالة أيضا، كيف وهو
~~منقوض على هذا القول باستعمال المطلق القليل في إزالة النجاسة، فأنه ينجس
~~بالملاقاة ومع هذا يفيد طهارة المحل.
# وأما ما قيل في دفعه - كما عن المعتبر -: " من أن مقتضى الدليل ms713 التسوية
~~بينهما، لكن ترك العمل به في المطلق للإجماع ولضرورة الحاجة إلى الإزالة،
~~والضرورة تندفع بالمطلق، ولا يسوى غيره لما في ذلك من تكثير المخالفة
~~للدليل " (5).
# ففيه: ما لا يخفى من الغفلة عن حقيقة المقصود بالنقض، فإنه عند التحقيق
~~حل ورد بصورة النقض.
# PageV01P778
# وملخصه: منع ما استحاله المستدل من إفادة المتنجس طهر متنجس غيره، وسنده
~~عدم المنافاة بين نجاسة المطهر المكتسبة عن المتنجس الذي يطهره وبين طهارة
~~ذلك المتنجس بهذا المطهر، كما كشف عنه الشرع في القليل المطلق المستعمل في
~~إزالة النجاسة، ومعه انهدم بنيان الاستدلال الذي مبناه على الاستحالة
~~العقلية، وإن لم يوجب بنفسه ثبوت مدعى الخصم، نظرا إلى أن الاحتمال مبطل
~~لمثل هذا الاستدلال.
# ومنها: أنها طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز إلا بالماء كطهارة الحدث،
~~بل اشتراط الماء هنا أولى، لأن اشتراطه في النجاسة الحكمية يعطي أولوية
~~اشتراطه في النجاسات الحقيقية.
# وضعفه واضح، وإن قال العلامة في توجيهه: بأنه استدلال بالاقتضاء، فإن
~~التنصيص على الأضعف يقتضي أولوية ثبوت الحكم في الأقوى، كما في دلالة تحريم
~~التأفيف على تحريم الضرب، لمنع كونه أقوى بعد ملاحظة أنه يعتبر في النجاسة
~~الحكمية ما لا يعتبر في الحقيقية كالنية وغيرها من الشرائط المقررة في
~~محالها.
# ومنها: أن منع الشرع في استصحاب الثوب النجس مثلا في الصلاة ثابت قبل
~~غسله بالماء، فيثبت بعد غسله بغير الماء أيضا بحكم الاستصحاب، وهذا أمتن
~~وإليه يرجع ما اعتمدنا عليه من الأصل، وإن اعترض شارح الدروس: " بأن
~~الاستصحاب إنما يكون حجة إذا كان دليل الحكم غير مقيد بوقت دون وقت وليس
~~المقام كذلك، إذ العمدة في إثبات المنع المذكور بطريق العموم الإجماع، وهو
~~في منع استصحاب النجس قبل الغسل مطلقا، لا قبل الغسل بالماء " (1) فإن هذا
~~التشكيك مدفوع بما قرر في الاصول.
# وعن المرتضى الاحتجاج بوجوه:
# الأول: الإجماع، وضعفه بعد ملاحظة مصير المعظم إلى المخالفة واضح، وأما
~~نسبة ذلك إلى مذهبنا فعن المحقق أنه وجهه: " بأن مذهبنا العمل بالبراءة
~~الأصلية ما لم يثبت الناقل، وهنا لم ms714 يثبت " (2) قيل: ولولا هذا التوجيه
~~لظننا موافقة بعض من تقدم عليهما
# PageV01P779
# لهما في هذه المسألة (١).
# الثاني: قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾
~~(2)، بتقريب: أنه تعالى أمر بتطهير الثوب من دون استفصال بين الماء وغيره،
~~وعنه - على ما في المختلف - (3) أنه اعترض على نفسه بالمنع من تناول
~~الطهارة للغسل بغير الماء.
# فأجاب: بأن تطهير الثوب ليس بأكثر من إزالة النجاسة منه، وقد زالت بغسله
~~بغير الماء مشاهدة، لأن الثوب لا يلحقه عبادة.
# وأجاب عنه في المختلف: " بأن المراد - على ما ورد في التفسير - لا تلبسها
~~على معصية ولا على غدر، فإن الغادر [و] الفاجر يسمى دنس الثياب.
# سلمنا: أن المراد الطهارة المتعارفة شرعا، لكن لا دلالة فيه على أن
~~الطهارة بأي شئ تحصل، بل دلالتها على [ما قلناه: من] أن الطهارة إنما تحصل
~~بالماء أولى، إذ مع الغسل بالماء يحصل الامتثال قطعا، وليس كذلك لو غسل
~~بغيره.
# وقوله: " النجاسة قد زالت حسا "، قلنا: لا يلزم من زوالها في الحس زوالها
~~شرعا، فإن الثوب لو يبس بلله بالماء النجس، أو بالبول لم يطهر وإن زالت
~~النجاسة عنه، مع أنه أجاب حين سئل " عن معنى نجس العين ونجس الحكم " بأن:
~~الأعيان ليست بنجسة لأنها عبارة عن جواهر مركبة وهي متماثلة، فلو نجس بعضها
~~نجس سائرها، وانتفى الفرق بين الخنزير وغيره، وقد علم خلافه، وإنما التنجيس
~~حكم شرعي.
# ولا يقال: نجس العين إلا على وجه المجاز دون الحقيقة، وإذا كانت النجاسة
~~حكما شرعيا لم يزل عن المحل إلا بحكم شرعي، فحكمه (رحمه الله) بزوالها عن
~~المحل لزوالها حسا ممنوع " (4) انتهى.
# ولا يخفى لطف هذا الجواب خصوصا بعض وجوهه، وهو منع دلالة الآية على أن
~~الطهارة بأي شئ تحصل، فإن ذلك في كمال المتانة.
# ووافقه على هذا الجواب المحقق - فيما حكي عنه - (5) من " منع دلالتها
~~على،
# PageV01P780
# موضع النزاع، لأنها دالة على وجوب التطهير والبحث ليس فيه، بل في كيفية
~~الإزالة " (1) وملخصه على ما رامه (رحمه الله): أن مرجع الاستدلال بالآية
~~إلى ms715 التمسك بإطلاقها المتناول لما يحصل بالماء وما يحصل بغيره، لمكان عدم
~~الاستفصال، وهو باطل لأن الآية ليست في صدد بيان كيفية التطهير وطريقه
~~ليكون الإطلاق من هذه الجهة مناطا للحكم، وإنما هي في صدد تشريع أصل
~~التطهير مع السكوت عن كيفيته، ومعه لا معنى للتمسك بالإطلاق من هذه الجهة،
~~على ما هو الشرط المقرر في التمسك بالمطلقات من عدم ورودها مورد بيان حكم
~~آخر.
# والثالث: إطلاق الأمر بالغسل من النجاسة في عدة أخبار من غير تقييد
~~بالماء، وقد اعترض على نفسه أيضا: " بأن إطلاق الأمر بالغسل ينصرف إلى ما
~~يغسل به في العادة، ولم يقض العادة بالغسل بغير الماء.
# فأجاب: بمنع اختصاص الغسل بما يسمى الغاسل به غاسلا عادة، إذ لو كان كذلك
~~لوجب المنع من غسل الثوب بماء الكبريت والنفط وغيرهما مما لم يجر العادة
~~بالغسل به، ولما جاز ذلك وإن لم يكن معتادا إجماعا علمنا عدم الاشتراط
~~بالعادة، وأن المراد بالغسل ما يتناوله اسمه حقيقة من غير اعتبار العادة "
~~(2) إنتهى.
# وجوابه بناء على ما قدمناه في تتميم الاستدلال على المذهب المشهور واضح،
~~ومرجعه إلى منع إطلاق الغسل بالقياس إلى ما يحصل بغير الماء، فإن اللفظ لا
~~يعقل فيه إطلاق بالقياس إلى معنييه الحقيقي والمجازي.
# وحكي هذا الجواب عن جماعة من الأصحاب منهم العلامة في المنتهى (3)،
~~والشهيد في الذكرى (4)، وإن كانوا في دعوى الحقيقة بين مطلق ومقيد لها
~~بالشرعية، وعن المطلقين الاحتجاج بسبقه إلى الذهن عند الإطلاق، كما يسبق
~~عند إطلاق الأمر بالسقي فيما لو قال السيد: " اسقني " حيث لا يتبادر منه
~~إلا السقي بالماء، ولذا لو أتاه المأمور بمضاف كان معاقبا، وليس ذلك إلا من
~~جهة كون الماء مأخوذا في مفهوم السقي.
# وأما على طريقة من يقول بأن الغسل باعتبار مفهومه اللغوي وإن كان للأعم
~~ولكنه
# PageV01P781
# لا ينصرف عند الإطلاق إلا إلى أحد فرديه لكونه الغالب، فيجاب عن النقض
~~تارة:
# بالفرق بين الانصرافين، واخرى: بأن شمول المطلق أو حكمه لبعض الأفراد
~~النادرة لدليل لا يوجب التعدي إلى غيره ms716 منها.
# والرابع: أن الغرض من الطهارة إزالة عين النجاسة كما يشهد به ما رواه
~~الفقيه في باب ما ينجس الثوب والجسد في الصحيح عن حكم بن حكيم الصيرفي،
~~قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أبول فلا أصيب الماء، وقد أصاب يدي
~~شئ من البول، فأمسحه بالحائط والتراب، ثم يعرق يدي فأمس وجهي أو بعض جسدي،
~~أو يصيب ثوبي؟ قال: " لا بأس به " (1).
# وما رواه التهذيب في زيادات باب تطهير الثياب عن غياث بن إبراهيم عن أبي
~~عبد الله (عليه السلام) عن أبيه عن علي (عليه السلام) " قال: لا بأس بأن
~~يغسل الدم بالبصاق " (2).
# واجيب عنه - كما عن المعتبر - (3) بما يرجع محصله إلى أن: زوال النجاسة
~~بالتراب مما لا يقول به الخصم، وخبر غياث متروك لكون غياث بتريا ضعيف
~~الرواية فلا يعمل على ما ينفرد به، أو محمول على جواز الاستعانة في غسله
~~بالبصاق، فإن جواز الغسل به لا يقتضي طهر المحل به منفردا، والبحث فيه.
# وكما في الرياض بأن: " دعوى التبعية مصادرة محضة (4)، والخبر مع ضعفه
~~وعدم صراحته لا يقاوم ما قدمناه، وهو مع ذلك من طريق الآحاد والسيد لا يعمل
~~به، وبه يجاب عن الحسن (5)، مع معارضته بما تقدم من أنه " لا يجزي في البول
~~غير الماء " مع عدم وضوح الدلالة، لاحتمال رجوع نفي البأس إلى نجاسة
~~الممسوس لا إلى طهارة الماس بذلك، [وذلك] بناء على عدم العلم بملاقاة المحل
~~النجس له وإن حصل الظن به، بناء على عدم اعتباره في أمثاله، وفي الموثق: "
~~إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك
# PageV01P782
# بريقك، فإن وجدت شيئا فقل هذا من ذاك " (1) (2) إنتهى.
# ثم عن المحدث الكاشاني في المفاتيح أنه قال: " يشترط في الإزالة إطلاق
~~الماء على المشهور خلافا للسيد والمفيد فجوزا بالمضاف، بل جوزا تطهير
~~الأجسام الصيقلية بالمسح بحيث يزول العين لزوال العلة، ولا يخلو من قوة، إذ
~~غاية ما يستفاد من الشرع وجوب اجتناب أعيان النجاسات، أما وجوب غسلها
~~بالماء من كل جسم فلا، فكل ما علم زوال النجاسة عنه قطعا ms717 حكم بتطهيره إلا
~~ما أخرج بدليل، حيث اقتضى فيه اشتراط الماء كالثوب والبدن، ومن هنا يظهر
~~طهارة البواطن كلها بزوال العين مضافا إلى نفي الحرج، ويدل عليه الموثق،
~~وكذا أعضاء الحيوان المتنجسة غير الآدمي كما يستفاد [من الصحاح] " (3)
~~انتهى.
# وظاهر هذا الكلام بل صريحه موافقة السيد فيما نسب إليه من تطهير الأجسام
~~الصيقلية بالمسح على الوجه الذي ذكره، بل ظاهره موافقته في رفع الحدث
~~بالمضاف لكن في غير الثوب والجسد، ولا يخفى ما فيه من مخالفته لما علم من
~~الشرع ضرورة، ونطقت به الأخبار البالغة فوق الكثرة المتفرقة في أبواب
~~النجاسات والمطهرات، ولباس المصلي وغيره، وبالجملة المعلوم من الشرع خلاف
~~ما ذكره جدا.
# ونعم ما قيل - في رده من معارضة الكلية المدعاة في كلامه -: بأن كل متنجس
~~يجب تطهيره بالماء إلا ما خرج بالدليل، ولا ريب أن هذه الكلية أكثر أفرادا
~~وأشمل أشخاصا من الكلية التي ادعاها، بحيث لم يخرج سوا ما ذكره من الفردين،
~~وهما طهارة البواطن وطهارة أعضاء الحيوان بالغيبة.
# وهل يصح من عالم كامل أو جاهل عاقل أن يدعي قاعدة كلية وضابطة مطردة يكون
~~خارجها أكثر بمراتب شئ من داخلها، بحيث لم يعلم لها داخل إلا فردان أو
~~ثلاثة أفراد، وليس ذلك إلا من سوء الحدس وقصور الملكة ".
# المبحث الثالث: المعروف من مذهب الأصحاب المنقول فيه الإجماع في كلام غير
~~واحد أن المضاف ينفعل بملاقاة النجاسة وإن كثر وبلغ في الكثرة ما بلغ
~~مطلقا، أو بشرط ورودها، بناء على ما هو لازم كلام المفيد والسيد من تجويز
~~رفع الحدث به، إلا
# PageV01P783
# على المشهور المنصور من الجمع بين الانفعال والرفع على الوجه الذي سبق
~~بيانه في محله، وهو الحق الذي لا محيص عنه.
# والحجة فيه بعد الإجماع الضروري فتوى وعملا، بعض الأخبار الواردة في
~~مواضع مخصوصة من المضافات - بل مطلق المايعات وإن كانت من قبيل الأدهان، مع
~~ضميمة الإجماع على عدم الفصل - مثل ما رواه التهذيب في باب الأطعمة
~~والأشربة عن زكريا ابن آدم قال: سألت أبا الحسن ms718 (عليه السلام) عن قطرة خمر،
~~أو نبيذ مسكر، قطرت في قدر فيه لحم [كثير] ومرق كثير؟ قال: " يهراق المرق،
~~أو يطعمه أهل الذمة [أ] والكلاب، واللحم اغسله وكله " (1).
# وما رواه أيضا في الباب المذكور عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت، وإذا في القدر
~~فأرة؟ قال: " يهراق مرقها، ويغسل اللحم، ويؤكل " (2).
# وما رواه أيضا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إذا وقعت
~~الفأرة في السمن فماتت، فإن كان جامدا فألقها وما يليها، وكل ما بقي، وإن
~~كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به، والزيت مثل ذلك " (3).
# فما في شرح [الدروس] من المناقشة في الخبر الأخير من: " أنه ليس مما نحن
~~فيه، إذ المضاف في اصطلاحهم لا يشمل الدهن والزيت " (4)، ليس على ما ينبغي
~~القاعدة المستفادة من الشرع بملاحظة بناء المتشرعة والأخبار المتفرقة في
~~الأبواب الفقهية، من أن كل مايع - بل كل جامد رطب - قابل للانفعال بملاقاة
~~النجاسة، وأن كل نجس معد لتنجيس ملاقيه برطوبة، عدا ما خرج بالدليل.
# ولنذكر نبذة من الأخبار التي يستفاد منها تلك الكلية وهي كثيرة جدا.
# منها: ما رواه في الوسائل عن علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر
~~(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون له الثوب قد أصابه الجنابة، فلم
~~يغسله هل
# PageV01P784
# يصلح النوم فيه؟ قال: " يكره ".
# قال: وسألته عن الرجل يعرق في الثوب يعلم أن فيه جنابة كيف يصنع؟ هل يصلح
~~له أن يصلي قبل أن يغسل؟ قال: " إذا علم أنه إذا عرق أصاب جسده من ذلك
~~الجنابة التي في الثوب فليغسل ما أصاب جسده من ذلك، وإن علم أنه قد أصاب
~~جسده ولم يعرف مكانه فليغسل جسده كله " (1).
# ومنها: ما رواه أيضا عن الخصال عن علي بن إبراهيم في حديث الأربعمائة،
~~قال:
# " تنزهوا عن قرب الكلاب، فمن أصاب الكلب وهو رطب فليغسله، وإن كان جافا
~~فلينضح ثوبه بالماء " (2).
# وفي معناه ما رواه أيضا عن الشيخ عن حريز عن ms719 الفضل أبي العباس قال: قال
~~أبو عبد الله (عليه السلام): " إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وإن
~~مسه جافا فاصبب عليه الماء "، قلت: لم صار بهذه المنزلة؟ قال: " لأن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) أمر بغسلها " (3).
# ومنها: ما رواه أيضا عن الكافي عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه
~~السلام): عن آنية أهل الذمة والمجوس؟ فقال: " لا تأكلوا من آنيتهم، ولا من
~~طعامهم الذي يطبخون، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر " (4) وفي هذا
~~دلالة على ما هو من محل البحث بالخصوص كما لا يخفى.
# وفي معناه ما رواه أيضا عنه عن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال: " سألت أبا
~~عبد الله (عليه السلام) عن قوم مسلمين يأكلون وحضرهم رجل مجوسي، أيدعونه
~~إلى طعامهم؟
# فقال: " أما أنا فلا اؤاكل المجوسي " الحديث (5).
# ومنها: الأخبار الآمرة لمن صافح الكافر بغسل يده (6)، والناهية عن
~~مؤاكلته (7)، والدالة على نجاسة سؤره (8)، الشاملة بعمومها لما هو من أفراد
~~المبحث، وهي كثيرة كما
# PageV01P785
# لا يخفى على المتتبع.
# ومنها: ما رواه أيضا عن الشيخ عن العيص بن القاسم قال: " سألت أبا عبد
~~الله (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء، فمسح ذكره بحجر، وقد
~~عرق ذكره وفخذه؟ قال:
# " يغسل ذكره وفخذيه " (1).
# ومنها: ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: سئل عن الشمس هل تطهر الأرض؟ قال: " إذا كان الموضع قذرا من
~~البول أو غير ذلك فأصابته الشمس، ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة،
~~وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطبا فلا يجوز الصلاة عليه
~~حتى ييبس، وإن كان رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك
~~الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع، وإن كان غير الشمس أصابه حتى يبس
~~فانه لا يجوز ذلك " (2).
# ومنها: ما في الكافي عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
~~سألته عن الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح ms720 أن يكون فيه الخل أو كامخ أو زيتون؟
~~قال: " إذا غسل فلا بأس " الحديث، وفيه أيضا دلالة على ما هو من أفراد
~~المسألة كما لا يخفى.
# ومنها: الأخبار الكثيرة المتقدمة في بحث القليل.
# وبالجملة: المستفاد من تلك الأخبار وغيرها بعنوان القطع أن الرطوبة حيثما
~~توسطت فيما بين نجس أو متنجس وطاهر أثرت في تنجس ذلك الطاهر بملاقاته النجس
~~أو المتنجس، فهذا أصل كلي لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه، ولا يفرق فيه بين
~~النجس والمتنجس، كما يعلم بملاحظة بعض الأخبار المذكورة.
# فما عن بعض المتأخرين (3) من التشكيك في تنجس الشئ بملاقاة المتنجس الذي
~~ليس معه نجاسة عينية، بل تقويته العدم استظهارا له من بعض الأخبار، مما لا
~~ينبغي الالتفات إليه للقطع بفساده.
# فما عن المحدث الكاشاني في جملة كلام له في الوافي ونحوه في المفاتيح
~~قائلا:
# PageV01P786
# " لا يخفى على من فك رقبته عن ربقة التقليد أن هذه الأخبار وما يجري
~~مجراها صريحة في عدم تعدي النجاسة من المتنجس إلى شئ قبل تطهيره وإن كان
~~رطبا إذا ازيل عنه عين النجاسة بالتمسح ونحوه، وإنما المنجس للشئ عين
~~النجاسة لا غير، على أنا لا نحتاج إلى دليل في ذلك، فإن عدم الدليل على
~~وجوب الغسل دليل على عدم الوجوب، إذ لا تكليف إلا بعد البيان " (١) مقطوع
~~بفساده.
# و قد يستدل على هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾ (2)، ويؤيد ذلك بفهم الغنية (3) حيث
~~استدل به على انفعال القليل بملاقاة النجاسة، وقد تقدم منا ما يخدشه في صدر
~~الباب.
# وقد يستدل أيضا (4) بما دل على وجوب الاجتناب عن النجاسات، بتوهم: أنه
~~يستفاد منه وجوب الاجتناب عما يلاقيها، ويجعل من أجل هذه الاستفادة عد
~~الإمام (عليه السلام) من ارتكب الطعام الملاقي للميتة مخالفة للشارع في
~~تحريمه لها، كما نطق به خبر جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أتاه رجل
~~فقال له: وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت، فما ترى في أكله؟ قال: فقال
~~له أبو جعفر (عليه ms721 السلام): " لا تأكله "، فقال له الرجل: الفأرة أهون علي
~~من أن أترك طعامي من أجلها، قال: فقال له أبو جعفر (عليه السلام): " إنك لم
~~تستخف بالفأرة، وإنما استخففت بدينك، أن الله حرم الميتة من كل شئ " (5).
# فإن أكل الطعام المذكور لا يكون استخفافا لحكم الشارع بحرمة الميتة، يعني
~~نجاستها إلا من جهة ما هو المركوز في الأذهان من استلزام نجاسة الشئ لنجاسة
~~ما يلاقيه.
# وفيه: نوع تأمل، والعمدة أصل القاعدة وهي ثابتة جدا لوضوح مدركها
~~للمتتبع، ويستفاد من كلام الفقهاء أيضا تسالمهم عليها، وإليها يرجع استدلال
~~المعتبر - على ما حكي عنه - على نجاسة المضاف وإن كثر بالملاقاة: " بأن
~~المايع قابل للنجاسة، والنجاسة موجبة لنجاسة ما لاقته، فيظهر حكمها عند
~~الملاقاة، ثم تسري النجاسة بممازجة المايع بعضه بعضا " (6).
# PageV01P787
# واستحسنه في المدارك (1)، فما في كلام شارح الدروس من المناقشة فيه: "
~~بعدم دليل عام يدل على نجاسة جميع المايعات بملاقاة النجاسة أو المتنجس بأي
~~نحو كان " (2) ليس على ما ينبغي بعد استفادة عموم القاعدة من الأخبار
~~الجزئية الواردة في موارد مخصوصة.
# ثم لا يذهب عليك أن الحكم المستفاد من تلك القاعدة بالقياس إلى محل البحث
~~مخصوص بما عدا الأجزاء العالية فيما اختلفت سطوحه، بناء على أصالة عدم
~~سراية النجاسة من السافل إلى العالي على الوجه الذي قدمناه مفصلا في
~~مستثنيات انفعال القليل، من غير فرق فيه بين المطلق والمضاف كما تقدم ذكره،
~~وفاقا لبعض مشايخنا المحققين (3)، وممن صرح به هنا بالخصوص صاحب المدارك
~~مدعيا فيه القطع، حيث إنه بعد ما استحسن الدليل المتقدم على الانفعال قال:
~~" ولا تسري النجاسة مع اختلاف السطوح إلى الأعلى قطعا، تمسكا بمقتضى الأصل
~~السالم من المعارض " (4) انتهى.
# ولا ريب أن دعوى القطع لا تقصر عن دعوى الإجماع، وإن كان الجمع بينهما
~~وبين التمسك بالأصل لها مما لا يكاد يمكن، غير أنه (قدس سره) أعلم بحقيقة
~~ما ادعاه، وقد تقدم في البحث المذكور عن الشهيد في روض الجنان (5) وعن غيره
~~دعوى عدم معقولية السراية، فإنها وإن كانت لا تخلو ms722 عن إشكال كما تقدم وجهه،
~~لكنه في قوة نقل الإجماع الكاشف عن عدم وجدانهم الخلاف في المسألة، الكاشف
~~عن عدم وجوده.
# وقد يوجه: بأن مرادهم عدم تعقل المتشرعة له وعدم دخوله في أذهانهم لا عدم
~~المعقولية المصطلح عليه عند أهل المعقول، فإن عدم السراية إلى الأعلى في
~~مطلق المايعات من الامور المركوزة في أذهان المتشرعة، الكاشفة عن بناء
~~الشارع عليه واعتقاده به.
# وبالجملة: لم نقف على مخالف في ذلك عدا السيد الجليل في مناهله (6) -
~~فيما
# PageV01P788
# حكي عنه - (1) من إنكار ذلك في خصوص المضاف، تمسكا بشمول إطلاق فتاويهم
~~ومعاقد إجماعاتهم على انفعال المضاف بالملاقاة لما إذا كان المضاف عاليا.
# وفيه: ما لا يخفى، فإن إطلاق الفتاوى يقيد بما ذكر، على قياس ما هو الحال
~~في انفعال القليل من المطلق، وإلا فالفتاوى ونقل الإجماعات وأخبار الأئمة
~~(عليهم السلام) في ذلك أيضا مطلقة تشمل بإطلاقها لما إذا كان المطلق عاليا،
~~ومع ذلك فلا كلام لأحد بالنسبة إليه في عدم سراية النجاسة إلى الأعلى
~~بالشروط المتقدمة، هذا كله ولكن الاحتياط مما يحسن مراعاته هنا جدا.
# المبحث الرابع: لا خلاف بين الأصحاب في طهر المضاف المتنجس بصيرورته
~~مطلقا بسبب اختلاطه بما زاد على الكثير من المياه المطلقة، بل بكل ماء
~~معتصم وإن كان جاريا أو ماء مطر، بناء على أن ذكر " الكثير " في عباراتهم
~~إنما ورد من باب المثال، أو من جهة غلبة استعماله في التطهير، لا من باب
~~قصر الحكم عليه.
# والدليل على ذلك: ما تقدم في تطهير المطلق المتنجس من الإجماع على
~~الملازمة التي يعبر عنها بامتناع اختلاف ماء واحد في سطح واحد في الحكم،
~~بكون بعضه محكوما عليه بالطهارة والبعض الآخر محكوما عليه بالنجاسة، على ما
~~هو المفروض من أنهما باختلاطهما وامتزاجهما صارا ماء واحدا ووقع عليهما
~~إشارة واحدة، مع انضمام ما دل على عدم انفعال الماء المعتصم بملاقاة
~~النجاسة.
# فحينئذ يقال: إن هذا الماء لابد أن يكون له حكم واحد من طهارة الجميع أو
~~نجاسة الجميع بحكم الملازمة المجمع عليها، ولا ms723 سبيل إلى الحكم بنجاسة
~~الجميع بحكم أدلة عدم انفعال المعتصم بما لاقاه من نجس أو متنجس، فتعين
~~طهارة الجميع إذ لا واسطة بعد (2).
# وإلى هذه الحجة أشار العلامة في المنتهى قائلا: " والطريق إلى تطهيره
~~حينئذ إلقاء كر فما زاد عليه من الماء المطلق، لأن بلوغ الكرية سبب لعدم
~~الانفعال عن الملاقي، وقد مازجه المضاف فاستهلكه، فلم يكون مؤثرا في تنجيسه
~~لوجود السبب، ولا يمكن الإشارة إلى عين نجسة فوجب الجزم بطهارة الجميع "
~~(3).
# PageV01P789
# وقد يستدل بوجهين آخرين:
# أحدهما: الأدلة الدالة على عدم انفعال الكثير بوقوع الأبوال النجسة والدم
~~والعذرة ونحوها، إذ من المعلوم أن هذه النجاسات توجب إضافة أجزاء من الماء
~~مجاورة لها ولو يسيرة، بل اختلاطها بالماء يوجب صيرورة أنفسها مضافة في أول
~~الاختلاط، فحكم الشارع بطهارة الجميع لا يكون إلا بالاستهلاك.
# وفيه: تأمل واضح، من حيث إن حكم الشارع بطهارة الجميع مما لا يستفاد من
~~تلك الأدلة ولا دلالة فيها عليه بشئ، بل غايتها الدلالة على بقاء الماء بعد
~~وقوع هذه الأشياء على طهارته الأصلية وعدم زوال الطهارة، وهو كما ترى يجامع
~~بقاء ما وقع فيه من هذه الأشياء على حكمها الأصلي من النجاسة ولو في علم
~~الله سبحا نه على فرض الاستهلاك، بناء على أنه ليس عبارة عن الانعدام
~~بالمرة، بل عن تلاشي الأجزاء وشيوعها في أجزاء الماء على وجه امتنع على
~~الحس إدراكها، فلا قاضي إذا بطهر هذه الأجزاء وزوال صفة النجاسة عنها، ولو
~~انضم إلى تلك الأدلة مقدمة امتناع اختلاف الماء الواحد في الحكم رجع الدليل
~~إلى الوجه الأول، فلا تغاير بينهما ليكون دليلا ثانيا كما هو مقصود
~~المستدل.
# وثانيهما: أن المضاف المتنجس يصير ماء مطلقا، فيطهر بامتزاجه بالكثير
~~إجماعا، كما تقدم في تطهير القليل.
# و فيه: أن صيرورته ماء مطلقا لم تكن جزما إلا بالامتزاج، وعبارة الدليل
~~تستدعي اعتبار امتزاج آخر غير هذا الامتزاج الموجب للإطلاق، على وجه يتحقق
~~هنا امتزاجان، أحدهما ما هو موجب للإطلاق، والآخر ما هو موجب للطهر، ليكون
~~طهره من باب ms724 طهر الماء القليل ومندرجا في دليله.
# فإن أريد بما ذكر ما هو ظاهر العبارة، ففيه أولا: أن ثاني الامتزاجين بعد
~~تحقق الامتزاج الأول محال، إذ الامتزاج وصف يحصل في الشيئين، مسبوق
~~بالامتياز بينهما، رافع لذلك الامتزاج (1)، والمفروض أن الكثير مع المضاف
~~المتنجس بالامتزاج الأول صارا ماء واحدا، فلا امتياز بينهما بعد ليلحقه
~~امتزاج رافع له.
# PageV01P790
# وثانيا: أن اعتبار الامتزاج الثاني على فرض تحققه يشبه بكونه خلاف
~~الإجماع، لتطابق عباراتهم بعد البناء على اشتراط الامتزاج في التطهير على
~~كفاية الامتزاج الأول الموجب للإطلاق.
# وإن اريد به خلاف ظاهر العبارة، وهو الاكتفاء بالامتزاج الأول كما هو
~~مقتضى كلام الأصحاب.
# ففيه: أن دعوى الطهر بذلك لا تتم إلا بعد إحراز المقدمة المذكورة في
~~الوجه الأول المجمع عليها، ومعه يرجع الكلام أيضا إلى الوجه الأول، فلم
~~يتحقق هنا دليل آخر كما لا يخفى.
# ودعوى: كون ذلك تطهيرا للماء بعينه، فيكون مشمولا لدليله من حيث إنه
~~دليله، مما يكذبه الوجدان، بل هو تطهير من باب تطهير المطلق لجريان دليله
~~فيه، لا تطهير المطلق بعينه، والفرق بين المعنيين واضح للمتأمل، وكيف كان
~~فلا خلاف عندهم في كون ما ذكر مطهرا للمضاف المتنجس، لكنهم اختلفوا في جهات
~~اخر.
# إحداها: اعتبار الزيادة على الكر في مطهر المضاف وعدمه، والقائل
~~بالاعتبار الشيخ في المبسوط على ما هو ظاهر عبارته المحكية: " ولا طريق إلى
~~تطهيرها بحال إلا أن يختلط بما زاد على الكر من المياه الطاهرة المطلقة "
~~(1) كما في كلام شارح الدروس (2).
# أو " والمضاف إذا وقعت فيه نجاسة نجس قليلا كان أو كثيرا على ما قدمناه
~~ولا يطهر إلا بأن يختلط بما زاد على الكثير (3) من المطلق " على ما في
~~مختلف العلامة (4).
# أو " أنه - يعني المضاف - لا يطهر إلا بأن يختلط بما زاد عن الكر الطاهر
~~المطلق " على ما في كلام بعض مشايخنا العظام (5).
# وكيف كان فظاهر هذه العبارات المحكية عن الشيخ اشتراط الزيادة على الكر،
~~واتفق الآخرون على خلافه، وإن احتمل موافقة المعتبر (6) له حيث إنه تصدى
~~لنقل قوله ms725 ولم يتعرض لرده.
# PageV01P791
# وممن صرح بمخالفته العلامة في المختلف، حيث إنه بعد ما نقل كلامه المشتمل
~~على فقرة اخرى تأتي بيانها قال: " والحق عندي خلاف ما قاله الشيخ (رحمه
~~الله) في موضعين، أحدهما: أنا لا نشترط امتزاجه بما زاد على الكر، بل لو
~~مزج بالكر وبقي الإطلاق جاز استعماله " (5) انتهى.
# وربما يحمل كلام الشيخ إلى كونه واردا على جهة التساهل لا على جهة
~~الاشتراط.
# أقول: ويمكن تنزيل عبارته إلى إرادة ما يراد بقولهم: " يطهر بإلقاء كر
~~فما زاد " كما سبق نظيره في عبارة المنتهى، وعلى تقدير كون المراد ظاهر
~~العبارة على وجه ينشأ منه الخلاف في المسألة فلاوجه له يعتد به، إلا ما
~~قيل: من أن قدر الكر لا ينفك غالبا عن تغير أحد أوصاف جزء ما منه، ومعه
~~ينتقض عن الكرية فينجس البتة، فلابد من الزيادة عليه.
# وفيه أولا: النقض بكثير من أفراد الزائد على الكر أيضا كما لا يخفى، إلا
~~أن يكون المراد بالزيادة زيادة ما يبقى بعد تغيره من كر غير متغير.
# وثانيا: كونه في الحقيقة اجتهادا في مقابلة النص، لأن اعتبار الزيادة
~~بالوجه المذكور هنا يستدعي اعتبارها في مسألة عدم انفعال الكثير بملاقاة
~~النجاسات التي منها البول المغير والدم والعذرة، إذ الفرق بين المسألتين
~~تحكم بحت، والالتزام بالاعتبار فيهما تقييد للأدلة القاضية بعدم الانفعال.
# إلا أن يقال: بأن التزام التقييد مما لا محيص عنه، عملا بموجب ما دل
~~بعمومه على نجاسة الماء بالتغير قليلا أو كثيرا أو جزء كثير، بناء على ما
~~قدمنا تحقيقه من الإجماع على تحكيم أدلة التغير على أدلة الكثير، وإن كان
~~بينهما عموم من وجه.
# وعليه نحن نفرق بين المسألتين باعتبار الزيادة بالقدر المذكور ثمة دون
~~المقام، والفارق ما قدمنا في بحث التغير من أنه إنما يوجب التنجس إذا حصل
~~من عين النجاسة دون المتنجس منها، والتغير المفروض في المقام مستند إلى
~~المضاف وهو ليس بعين النجس.
# ثم يرد على الشيخ - مع هذا -: أن هذا الشرط على فرض اعتباره ليس أمرا
~~وراء ms726 ما يعتبره في مطهر المضاف من بقائه على إطلاقه وعدم تغير أوصافه من
~~الطعم واللون والرائحة على ما سيجيء من الخلاف فيه، بناء على ما اشتهر في
~~كلامهم من أن الشيخ يعتبر هنا امورا ثلاث: الزيادة على الكرية، وبقاء
~~الإطلاق، وعدم التغير، إلا أن يحكم PageV01P792
# بخطئهم في تلك النسبة، بدعوى: أن الشيخ قائل باعتبار أمرين يعبر عن
~~أحدهما بعبارتين متلازمتين، وقضية ذلك أن يكون للشيخ موافق في اعتبار
~~الزيادة وإن لم يصرح بها في عبائرهم، نظرا إلى ما سيأتي في الجهة الثانية
~~من مصير جماعة إلى اعتبار عدم التغير.
# وثانيتها: اعتبار بقاء المطهر بعد الاختلاط على إطلاقه، وعدم سلبه المضاف
~~الإطلاق وعدمه، وأول من علم منه القول بالاعتبار الشيخ حيث أنه بعد العبارة
~~المتقدمة عنه في المختلف قال: " ثم ينظر فإن سلبه إطلاق اسم الماء لم يجز
~~استعماله بحال، وإن لم يسلبه إطلاق اسم الماء وغير أحد أوصافه إما لونه أو
~~طعمه أو رائحته لم يجز استعماله بحال " (1) ثم تبعه بعده المحقق في المعتبر
~~(2)، والعلامة في التحرير (3)، والنهاية (4)، والتذكرة (5) - على ما حكي -
~~وهو ظاهره في المختلف (6)، حيث إنه في رد قول الشيخ لم يتعرض إلا لنفي
~~اعتبار الزيادة على الكرية واعتبار عدم التغير في الأوصاف الثلاث، وحكي
~~اختيار هذا القول عن المحقق والشهيد الثانيين (7)، وعليه الشهيد في الدروس
~~(8)، ومحكي الذكرى (9)، وعبارته في الدروس: " ويطهر بصيرورته مطلقا، وقيل:
~~باختلاطه بالكثير وإن بقي الاسم " (10).
# والعبارة المحكية عن المعتبر ما قال: " لو كان المايع الواقع في الماء
~~نجسا، فإن غلب أحد أوصاف المطلق كان نجسا، ولو لم يغلب أحد أوصافه وكان
~~الماء كرا فإن استهلكه الماء صار بحكم المطلق وجاز استعمالها أجمع، ولو
~~كانت النجاسة جامدة جاز استعمال الماء حتى ينقص عن الكر، ثم ينجس الماء بما
~~فيه من عين النجاسة " (11).
# وهذه العبارة وإن لم يصرح فيها باشتراط بقاء الإطلاق ولكن اشتراط عدم
~~التغير يقضي باشتراط بقاء الإطلاق بطريق أولى كما لا يخفى، مضافا إلى مفهوم
~~قوله: " فإن
# PageV01P793
# استهلكه الماء ".
# والعبارة المحكية عن ms727 التحرير ما قال: " ويطهر بإلقاء كر عليه فما زاد
~~عليه دفعة بشرط أن لا يسلبه الإطلاق ولا يغير أحد أوصافه " (1).
# وأما النهاية والتذكرة فلم نقف على عبارتهما (2).
# والمخالف في المسألة العلامة في المنتهى والقواعد (3)، لمصيره فيهما إلى
~~تطهيره باختلاطه بالكثير وإن تغير أحد أوصاف المطلق، بل وإن سلب عنها
~~الإطلاق، لكن في الصورة الثانية يزول عنه حكم الطهورية لا الطهارة، ويصير
~~في حكم المضاف فينجس بملاقاة النجاسة، وعبارته المؤدية في المنتهى لهذا
~~المعنى قوله: " لو سلبه المضاف إطلاق الاسم، فالأقوى حصول الطهارة وارتفاع
~~الطهورية " (4) ولم نقف على عبارة القواعد (5).
# ثم لا يذهب عليك أن قول الشيخ باشتراط بقاء الكثير على إطلاقه مع اختلاطه
~~بالمضاف المتنجس يستلزم اشتراط زوال الإضافة عن المضاف، ضرورة أن البقاء
~~على الإطلاق مع امتزاج المضاف على وجه صارا واحدا لا يتأتى إلا مع زوال
~~الإضافة عنه.
# فما في كلام شارح الدروس من قوله: " واعلم: أنه لم يفهم من كلام المبسوط
~~أنه إذا لم يتغير أحد أوصاف المطلق لكن بقي المضاف ممتازا، ولم يسلب عنه
~~الإضافة زالت أوصافه أو لا، فما حكمه " (6).
# ليس على ما ينبغي بل الاستلزام المذكور ثابت على القول باشتراط بقاء
~~الإطلاق وعدم اشتراط عدم التغير بغير ما ذكر.
# PageV01P794
# فلا وجه لقوله أيضا: " وكذا لم يعلم على القول الثالث أن حكمه مع
~~الامتياز وعدم سلب الإضافة ماذا؟ " (1).
# فإن حكم ذلك يعلم من اعتبارهم الاختلاط في التطهير كما لا يخفى، ومراده
~~بالقول الثالث حسبما ذكره هو ما ذكرناه.
# حجة القول باشتراط بقاء الإطلاق - على ما قرر -: أن المضاف يتوقف طهره
~~على شيوعه في المطلق بحيث يستهلك، وهذا لا يتم بدون بقاء المطلق على
~~إطلاقه، وإذا لم يحصل الطهارة للمضاف وصار المطلق بخروجه عن الاسم قابلا
~~للانفعال فلا جرم ينجس الجميع.
# ومقتضى هذه الحجة أن هذا الشرط من فروع اشتراط الاختلاط والامتزاج، بمعنى
~~شيوع الأجزاء في الأجزاء على وجه زالت الامتياز بينهما، وهو كما ترى، فإن
~~ظاهرهم التسالم في اشتراط الاختلاط بهذا المعنى، والذي يختلفون فيه ms728 أمر
~~زائد عليه.
# ولو سلم اختلافهم في اشتراط الاختلاط أيضا كما يومئ إليه تعبير العلامة
~~في المنتهى بقوله: " والطريق في تطهيره إلقاء كر فما زاد عليه " (2) وتعبير
~~الشيخ بأنه: " لا يطهر إلا بأن يختلط بما زاد على الكثير " (3) فهو أمر آخر
~~لا ربط له بمسألة بقاء المطلق على إطلاقه، إذ قد يحصل الشيوع بينهما على
~~الوجه المذكور مع خروج المطلق عن إطلاقه، وإن خرج المضاف أيضا عن اسمه
~~الأول، كما لو كان الخليط خلا حادا في غاية الحدة، أو ماء ممزوجا بالدبس،
~~وكان بعد الامتزاج حلوا في غاية الحلاوة، وذلك واضح، ويتضح غاية الاتضاح
~~فيما لو كان الخليط كثيرا في غاية الكثرة، فعبارة الحجة حينئذ إما مسامحة
~~في التعبير أو اشتباه عن سوء الفهم.
# والمنقول من حجة المنتهى والقواعد: أن بلوغ الكرية سبب لعدم الانفعال من
~~دون التغير بالنجاسة، فلا يؤثر المضاف في تنجسه باستهلاكه إياه، لقيام
~~السبب المانع، وليس
# PageV01P795
# ثمة عين نجسة مشار إليها يقتضي التنجيس.
# ولا يخفى ما فيه أيضا من الاشتباه الواضح، لأن عبارة المنتهى خالية عن
~~الاحتجاج على نفي شرطية البقاء على الإطلاق، وإنما هي فتوى بلا دليل، وما
~~ذكر من الحجة شئ قرره العلامة على ما ادعاه من حصول المطهر بإلقاء كر فما
~~زاد، وليس كلامه في تقريره صريحا ولا ظاهرا في فرض استهلاك المطلق في جنب
~~المضاف، بل سوق الدليل يقتضي انعكاس الفرض كما لا يخفى على من يراجع كلامه
~~وتأمل في عبارته المتقدمة.
# وكيف كان، فاجيب عن التقرير المذكور: بأن بلوغ الكرية وصف للماء المطلق،
~~فإنما يكون سببا لعدم الانفعال مع وجود موصوفه، ومع صيرورته مستهلكا يخرج
~~عن الاسم، فيزول الوصف الذي هو السبب لعدم الانفعال، فينفعل حينئذ ولو
~~بالمتنجس.
# واعترض عليه بوجهين:
# أحدهما: أن غاية ما ذكر في الجواب أن الماء المطلق بعد صيرورته مضافا
~~ينجس بملاقاة النجاسة وهو ليس بتمام، لأن الشأن حينئذ في إثبات نجس أو
~~متنجس ينجسه ولا سبيل إليه، إذ المضاف الذي كان نجسا قبل الاختلاط لم يعلم ms729
~~بقاؤه على النجاسة حينئذ، نظرا إلى أن نجاسته السابقة كانت ثابتة بالإجماع
~~ولا إجماع فيما نحن فيه، لمكان الخلاف - على الفرض - في طهارته.
# نعم، لو ثبت حجية الاستصحاب فيما نحن فيه أيضا، وسلم شمول روايات عدم
~~جواز نقض اليقين بالشك له، لكان الأمر كما ذكر، فإن نجاسته المستصحبة حينئذ
~~يبقى إلى صيرورة المطلق مضافا، وحينئذ ينجس به.
# وفيه: أن الاستصحاب المذكور حجة على ما قرر في محله، لكن الإشكال يقع في
~~إفادة النجاسة المستصحبة تنجس الغير، فإن دليل تنجس الملاقي للنجس أو
~~المتنجس لا يشمله، لظهوره في النجس أو المتنجس اليقينيين كما يظهر بأدنى
~~تأمل، وأقصى ما يقتضيه النجاسة المستصحبة إنما هو وجوب الاجتناب عن
~~معروضها، وهو لا يقضي بنجاسة ما يلاقي ذلك المعروض، إلا على القول بأن وجوب
~~الاجتناب عن الشئ يستلزم وجوب الاجتناب عما يلاقيه، وهو عندنا محل تأمل كما
~~سبق الإشارة إليه في المبحث الثالث، إلا أن يتم ذلك الاستلزام في خصوص
~~المقام بضميمة إجماع الأعلام PageV01P796
# على امتناع اختلاف الماء الواحد في الحكم، بدعوى: عدم اختصاص هذه القاعدة
~~بالماء بل تجري في مطلق المايع، ولعلها كذلك.
# وثانيهما: أن كلام الأصحاب ليس مفروضا في صورة استهلاك المطلق، بل
~~المعتبر عندهم استهلاك المضاف في الكثير المطلق، وحينئذ لو فرض أن استهلاك
~~المضاف في الماء المطلق وحدوث إضافته صار دفعة واحدة حقيقية، أمكن أن يقال:
~~إن المضاف لم يلاق نجسا، بل الكثير بتلاشيه فيه صار مضافا، والمفروض حدوث
~~الطهارة بنفس التلاشي لأن الكثير لا ينفعل، فالاختلاط سبب للتطهير والإضافة
~~معا، ولو شك في طهارة المضاف حينئذ شك في نجاسة الكر والأصل عدمهما،
~~فيتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة.
# ودفع: بأن الامتزاج الدفعي الحقيقي مما لا يوجد في الخارج، وبدونه لا
~~مناص عن التزام النجاسة بما ذكر، بل ينبغي الحكم بالانفعال مع الدفعة إذا
~~القي الكر على المضاف على ما فرضه في المنتهى، لأن محله يبقى على النجاسة
~~فينجس المضاف بملاقاته.
# أقول: ويمكن دفع ذلك بأن طهارة المحل حينئذ تابعة لطهارة الحال، ms730 فإذا فرض
~~أن طهارة المضاف مع إضافة المطلق قد حصلتا في آن واحد، فيلزم طهارة المحل
~~أيضا تبعا.
# ولا يلزم منه كون مطهره المضاف، ليرد عليه: أن المضاف لا يصلح مطهرا، لأن
~~المؤثر في طهارة الحال حين الامتزاج هو المطلق، وهو لو صلح مؤثرا فيها في
~~تلك الحين لكان صالحا له بالقياس إلى المحل أيضا والفرق تحكم.
# إلا أن يقال: بأن المقتضي لتأثيره في طهارة الحال إنما هو امتناع اختلاف
~~الما يعين في الحكم المجمع عليه عند الأصحاب، وهذا غير جار بالقياس إلى
~~المحل.
# وفيه: كما أن هذا الإجماع ثابت بالقياس إلى الحال كذلك ثابت بالقياس إلى
~~المحل أيضا، إذ لا يعقل شرعا كون مايع كائن في محل طاهرا ومحله نجسا،
~~فطهارته حين ما هو طاهر تستلزم طهارة محله، وبعد حدوث الطهارة فيه لا يعود
~~نجاسته الزائلة.
# وتحقيق المقام: أن حكم المسألة لابد وأن يستفاد من الملازمة المجمع عليها
~~النافية لاختلاف المتخالطين في الحكم، فإن حكم ببقاء المضاف على نجاسته
~~فيتبعه المطلق، وإن حكم ببقاء المطلق بعد الإضافة على طهارته فيتبعه
~~المضاف، لكن الحكم PageV01P797
# ببقاء المطلق على الطهارة لابد وأن يستند إلى أدلة عدم انفعال الكثير
~~بملاقاة النجاسة، وشمول تلك الأدلة لمثل المقام محل تأمل، بل مقطوع بعدمه
~~عند التحقيق، وذلك لأنها لا تثمر في المقام إلا بعد إحراز الملازمة
~~المذكورة، وقد تبين في مباحث تطهير المطلق المتنجس أن تلك الملازمة منوطة
~~بصدق الوحدة الحقيقية على المتخالطين، ولا ريب أنها لا تتأتى إلا بعد
~~الامتزاج الكلي بينهما، وكما أن الامتزاج بحصوله هنا علة لتحقق الوحدة
~~فكذلك علة لحدوث الإضافة في المطلق على وجه كلي، فالوحدة حين حدوثها مقارنة
~~لوصف الإضافة في الجميع، فالجميع ماء مضاف حين هو واحد، فلا يقع مع ذلك
~~مشمولا لأدلة عدم انفعال الكثير، لكون تلك الأدلة واردة في الماء، والمفروض
~~حين ما هو واحد ليس بماء، بل هو عند حدوث وصفي الوحدة والإضافة مضاف ملاق
~~للمضاف المتنجس، ومعه يجب القطع بنجاسة الجميع.
# أما نجاسة المضاف الأول: ms731 فلعدم تحقق رافع لنجاسته قطعا.
# وأما نجاسة المضاف الثاني: فلملاقاته المتنجس.
# ومما بينا تبين: أنه لا محل للاستصحاب هنا لا في جانب المضاف الأول ولا
~~في جانب المضاف الثاني، أما الأول: فلانتفاء الشك اللاحق، وأما الثاني:
~~فلانقلاب الموضوع كما لا يخفى، بناء على أن الموضوع هو العنوان الغير
~~الباقي لا مصداقه الباقي.
# فالحق إذا قول الشيخ وتابعيه، من غير فرق في ذلك بين ما لو القي المضاف
~~في المطلق أو انعكس الأمر، وإن قيل: بأن موضع النزاع هو الأول دون الثاني،
~~كما عن جماعة من أصحابنا كجامع المقاصد (1)، وكاشف اللثام (2)، والمعالم
~~(3)، قائلين بأن صورة العكس يجب فيها الحكم بعدم الطهارة جزما، لأن مكان
~~المضاف - أي محله - متنجس به، وهو ما لم يصر مطلقا لا يطهره، وملاقاته له
~~مستمرة فيرده على النجاسة لو فرضنا طهارته، وقد سبق منا ما يصحح هذا الكلام
~~ويزيفه.
# وثالثها: اعتبار عدم تغير أحد أوصاف المطلق باختلاطه مع المضاف المتنجس
~~وعدمه، والمصرح بالاعتبار هو الشيخ (4) على ما عرفت في عبارته المتقدمة،
~~وبعده
# PageV01P798
# المحقق في المعتبر (1)، والعلامة في التحرير (2)، كما يظهر بملاحظة
~~عبارتيهما المتقدمتين، والمخالف العلامة في صريح المنتهى (3)، والمختلف
~~(4)، ومحكي النهاية (5)، والتذكرة (6)، والقواعد (7)، والشهيد في ظاهر
~~الدروس (8) بناء على إطلاق كلامه، ومحكي الذكرى (9)، والمحقق والشهيد
~~الثانيان (10) في المحكي عنهما.
# وهاهنا شئ ينبغي أن ينبه عليه وهو أنه ربما وقع الاختلاف فيما حكي عن
~~الشيخ بحسب العبارة اختلافا مؤديا إلى اختلاف المعنى في وجه، وذلك أنه قد
~~عرفت عبارة المختلف في نقل القول عن الشيخ بقوله: " قال الشيخ (رحمه الله):
~~المضاف إذا وقعت فيه نجاسة نجس، قليلا كان أو كثيرا على ما قدمناه، ولا
~~يطهر إلا بأن يختلط بما زاد على الكثير من المطلق، ثم ينظر فإن سلبه إطلاق
~~اسم الماء لم يجز استعماله بحال، وإن لم يسلبه إطلاق اسم الماء وغير أحد
~~أوصافه إما لونه أو طعمه أو رائحته لم يجز استعماله بحال " (11) انتهى.
# وعبارته على ما حكاه بعض مشايخنا (12) عن المبسوط: " أنه لا يطهر إلا بأن ms732
~~يختلط بما زاد عن الكر الطاهر المطلق، ثم نظر فيه، فإن سلبه أو غير أحد
~~أوصافه لم يجز استعماله وإن لم يغيره ولم يسلبه جاز استعماله فيما يستعمل
~~فيه المياه الطاهرة " (13) انتهى.
# وعن بعض نسخ المبسوط عطف غير " بالواو " لا ب " أو " وحينئذ يوافق
~~العبارة ما نقله شارح الدروس عن المبسوط من: " أنه ولا طريق إلى تطهيرها
~~بحال إلا أن يختلط بما زاد على الكر من المياه الطاهرة المطلقة، ثم ينظر
~~فيه، فإن سلبه إطلاق اسم الماء وغير أحد أوصافه، إما لونه أو طعمه أو
~~رائحته، فلا يجوز أيضا استعماله بحال، وإن لم يغير أحد أوصافه ولا سلبه اسم
~~الماء جاز استعماله في جميع ما يجوز استعمال المياه الطاهرة " (14) انتهى.
# PageV01P799
# وجه الاختلاف: أن العبارة الاولى مع الثانية على نسخة العطف " أو " تقتضي
~~كون المانع عن الاستعمال أحد الأمرين: من سلبه الإطلاق، وحدوث التغير، وإذا
~~اجتمعا فأولى بالمنع، والجواز يتوقف حينئذ على ارتفاع الأمرين معا.
# بخلاف العبارة الثالثة مع الثانية على نسخة العطف " بالواو " فإنها تقتضي
~~كون المانع مجموع الأمرين، وأما أحدهما منفردا عن الآخر فيمكن أن لا يكون
~~مانعا وإن لم يصرح بحكمه في العبارة.
# وكيف كان فمستند القول بعدم الاعتبار ما سبق ذكره عن المختلف (1)،
~~ومحصله:
# أن مقتضى دليل نجاسة الماء بالتغير أنه ينجس إذا تغير بعين النجاسة لا
~~إذا تغير بالمتنجس بها، وهذا حق لا مدفع له على ما قررناه في محله.
# وحجة قول الشيخ ومتابعيه: أن المضاف بعد تنجسه صار في حكم النجاسة، فكما
~~ينجس الماء بالتغيير بها ينجس بالتغير به أيضا.
# وضعفه واضح، إذ لو اريد بما ادعى من القضية الكلية، يدفعه: عدم نهوض دليل
~~عليها.
# ولو اريد بها كونها كذلك في الجملة، فهو حق لكنه غير مجد في ثبوت المطلب
~~كما لا يخفى.
# والأولى بناء القولين هنا على ما تقدم من الخلاف في اقتضاء التغير
~~بالمتنجس نجاسة الماء وعدمه.
# وقد يقال: بأنه يمكن أن يحتج عليه باستصحاب النجاسة إلى أن يثبت المزيل،
~~وهو غير ثابت ms733 هنا.
# فعورض: " بأنه كما يحكم باستصحاب النجاسة في المضاف يحكم باستصحاب
~~الطهارة أيضا في المطلق، بل فيه أولى لوجود أدلة اخر فيه سوى الأصل مقتضية
~~للطهارة، من الروايات الدالة على طهارته ما لم يتغير بعين النجاسة، ومقتضى
~~الاستصحابين حينئذ الحكم ببقاء كل على وصفه السابق، وإذا أدخل اليد مثلا في
~~هذا الماء فإن علم بملاقاة الأجزاء المضافة أيضا يحكم بنجاسة اليد، وإلا
~~بني على أصل الطهارة.
# لكن يدفعه: إمكان الاستدلال على طهارة الجميع بظهور تحقق الإجماع على أن
# PageV01P800
# هذا الماء له حكم واحد، ولا اختلاف لأجزائه في الحكم، ولا ترجيح ليغلب
~~أحد الاستصحابين على الآخر، فيحكم بتساقطهما، ويبنى الحكم على أصالة
~~الطهارة في جميع الأشياء سيما الماء، وأصالة حل التناول، وحصول الامتثال
~~باستعماله في الأوامر الواردة بالتطهير بالماء " (1) انتهى محصلا.
# ثم إن الكلام في سائر شرائط المطهر هنا من الدفعة والممازجة وغيرها نفيا
~~وإثباتا، نظيره فيما سبق من مباحث تطهير المتنجس من المطلق حرفا بحرف،
~~فكلما اعتبرناه من الشروط ثمة لابد من اعتباره هنا بعين ما قدمنا ذكره ثمة،
~~فراجع وتأمل.
# المبحث الخامس: إذا اختلط المضاف بالمطلق فلا إشكال في أن الأحكام تتبع
~~في ترتبها إطلاق الاسم عرفا، بل لا خلاف فيه إذا اختلفا في الأوصاف، وأما
~~إذا اتفقا ولو بزوال الوصف عن أحدهما كماء الورد المنقطع الرائحة فاختلفت
~~كلمة الأصحاب في جواز التطهر به وعدمه، ومجموع القول فيه ما تكفله كلام
~~العلامة في المختلف قائلا:
# " قال الشيخ (رحمه الله): إذا اختلط المطلق بالمضاف كماء الورد المنقطع
~~الرائحة حكم للأكثر، فإن تساويا ينبغي القول بجواز استعماله لأن الأصل
~~الإباحة، وإن قلنا يستعمل [ذلك] ويتيمم كان أحوط.
# قال ابن البراج: والأقوى عندي أنه لا يجوز استعماله في رفع الحدث، ولا
~~إزالة النجاسة، ويجوز في غير ذلك.
# ثم نقل مباحثة جرت بينه وبين الشيخ (رحمه الله)، وخلاصتها تمسك الشيخ
~~(رحمه الله) بالأصل الدال على الإباحة وتمسكه هو بالاحتياط.
# والحق عندي: خلاف القولين معا، وأن جواز التطهير به تابع لإطلاق الاسم،
~~فإن كانت ms734 الممازجة أخرجته عن الإطلاق لم يجز الطهارة به وإلا جاز، ولا
~~اعتبر في ذلك المساواة والتفاضل، فلو كان ماء الورد أكثر وبقى إطلاق [اسم]
~~الماء أجزأت الطهارة به، لأنه امتثل المأمور به وهو الطهارة بالماء المطلق،
~~وطريق معرفة ذلك أن يقدر ماء الورد باقيا على أوصافه ثم تعتبر ممازجته
~~حينئذ فيحمل عليه منقطع الرائحة " (2) انتهى.
# وعنه في النهاية أنه علل الحكم بالتقدير: " بأن الإخراج عن الاسم سالب
~~للطهورية،
# PageV01P801
# وهذا الممازج لا يخرج عن الاسم بسبب الموافقة في الأوصاف، فيعتبر بغيره
~~(1) كما يفعل في حكومات الجرائح " (2) وإليه يرجع ما عن المحقق الثاني في
~~بعض فوائده من أنه بعد ما اختار التقدير وجهه: " بأن الحكم لما كان دائرا
~~مع بقاء اسم الماء مطلقا، وهو إنما يعلم بالأوصاف، وجب تقدير بقائها قطعا
~~كما يقدر الحر عبدا في الحكومة " (3).
# ولا يخفى أن التأمل في هذه الكلمات وما ذكر من التعليلات يعطي أنهم
~~متسالمون في أن العبرة في ترتيب الأحكام على المتخالطين إنما هي بإطلاق
~~الاسم عرفا، فما يطلق عليه اسم الماء عرفا يرتب عليه أحكام الماء التي منها
~~الطهورية، وما يطلق عليه اسم المضاف خصوصا أو عموما يرتب عليه أحكام المضاف
~~التي منها عدم الطهورية، وأن ما اشتبه الحال فيه يرجع لاستعلام حكمه إلى
~~الاصول، وظاهر كلام الشيخ أن الأكثرية في أحد المتخالطين ميزان لبقاء الاسم
~~مطلقا كان أو مضافا، ومعنى قوله:
# " حكم للأكثر " حكم على ما حصل بالاختلاط بالاسم الذي هو للأكثر، أي
~~لأكثرهما.
# وأما مع التساوي فالميزان المميز لأحد العنوانين مفقود، ومعه يدخل
~~الموضوع في عنوان المشتبه الذي يرجع فيه إلى الاصول، وهذا المقدر على ما
~~يستفاد من الحكاية متفق عليه بينه وبين ابن البراج، واختلافهما راجع إلى
~~تعيين الأصل الذي يرجع إليه في مشتبه الحال، فرجح الشيخ كونه أصل الإباحة
~~القاضية بجواز الاستعمال، ثم جعل الجمع بين الاستعمال والتيمم أحوط، وخالفه
~~ابن البراج فرجح الأصل كونه الاحتياط القاضي بالاجتناب وترك الاستعمال.
# ومخالفة العلامة لهما ترجع إلى منع كون المفروض من صور ms735 الاشتباه الذي
~~يرجع فيه إلى الاصول، بناء على أن الاشتباه المسوغ لذلك ما لم يكن إلى دفعه
~~طريق والمقام ليس منه، لأن تقدير المخالفة في الأوصاف بين المتخالطين ثم
~~حمل المفروض على ما يقتضيه اعتبار التقدير، من كونه من موارد إطلاق اسم
~~المطلق أو من موارد إطلاق اسم المضاف طرق إلى رفع الاشتباه، واستعلام الحال
~~في الواقع من إطلاق أحد الاسمين عرفا، فإن الاشتباه مانع للعرف عن الإطلاق
~~وموجب للتوقف ما دام هو موجودا،
# PageV01P802
# وتقدير المخالفة بالمعنى المذكور رافع للمانع، فخلافه أعلى الله مقاماته
~~إنما هو في صغرى العمل بالاصول لا في كبراه.
# ومما بيناه ظهر أن ما ذكره شارح الدروس في رد كلام العلامة من " أن ما
~~اختاره العلامة من التقدير أمر لا مستند له أصلا لا شرعا ولا عقلا، وهل هو
~~إلا مثل ما يقال - فيما إذا جاور مضاف مطلقا ولم يخالطه -: أنه يقدر بأنه
~~لو خالطه هل يخرجه عن الإطلاق أم لا؟ كيف وبناء الأحكام على الأسماء، فإذا
~~أمر بالماء وفرض أنه يصدق على شئ بالفعل أنه ماء فلا شك أنه يجوز الطهارة
~~به إلى آخره " (1) أجنبي عن هذا المقام بالمرة، فإن العلامة أو غيره لا
~~ينكر كون بناء الأحكام على الأسماء، بل الداعي إلى اعتباره التقدير إنما هو
~~هذه المقدمة، لأنه يرى استعلام الاسم متوقفا على التقدير المذكور، وأن
~~بدونه لم يتبين الاسم ليرتب عليه الحكم.
# وتنظير مورد كلامه بما ذكره من المثال ليس على ما ينبغي، بل هو بالقياس
~~إلى العلامة وأحزابه سوء أدب جزما، كيف ولا اشتباه فيما ذكره ومعه لا داعي
~~إلى اعتبار التقدير وإلا يؤدي إلى السفه، بخلاف المقام الذي هو مورد كلام
~~العلامة، فأنه مقام الاشتباه والصدق العرفي لأحد الاسمين بدون الطريق
~~المذكور وما يجري مجراه مجهول، لا علينا فقط بل على العرف أيضا، فإن
~~الاشتباه حاصل لأهل العرف، فإنهم يتوقفون في إطلاق أحد الاسمين حتى يرتفع
~~الاشتباه.
# فما ذكر من أنه إذا أمر بالماء وفرض أنه يصدق بالفعل على شئ ms736 أنه ماء فلا
~~شك أنه يجوز الطهارة به حق، لكن المقام ليس منه، إذ لا صدق للاسم بالفعل ما
~~دام الاشتباه باقيا، هذا إذا كان العبرة بصدقه عند العالمين بالحال
~~والمطلعين على الاختلاط المفروض في محل المقال، وأما إذا كان النظر إلى
~~صدقه عند الجاهلين الغير المطلعين على حقيقة الحال فالصدق عندهم ما دام
~~الجهل وإن كان مسلما لكنه لا عبرة به أصلا، وإلا فهذا الصدق حاصل عندهم في
~~المضاف الخالص المسلوب عنه الصفات كماء الورد المنقطع الرائحة، فأنه بحيث
~~لو رآه كل من لا يعلم بأصله يحكم عليه بأنه ماء، ويرتب عليه أحكام الماء،
~~فيجب متابعته والأخذ بقضية الصدق عنده، وأنه باطل
# PageV01P803
# بديهة، وليس الاكتفاء بالصدق عند الجاهلين بالحال مع تحقق علمنا بالحال
~~إلا كالاكتفاء بصدق اسم الماء على ما نعلم كونه خمرا عند من يجهله، فيجوز
~~شربه واستعماله في كل مشروط بالمطلق الطاهر وهذا كما ترى.
# ونظير المقام ما لو كان هناك ماء نعلم بأن له حالة سابقة وهي النجاسة
~~ووجده من لا يعلم له بهذه الحالة، فأنه حينئذ بمقتضى الأصل المقرر للجاهل
~~الابتدائي يبني على الطهارة ويرتب عليه أحكامها، وليس لنا ذلك اتباعا له بل
~~تكليفنا البناء على النجاسة عملا بالاستصحاب.
# وبالجملة: ما ذكره (رحمه الله) من الاعتراض في غاية الضعف والسقوط،
~~ولنرجع إلى تحقيق المسألة.
# فنقول: إن ملاحظة ما نقل من كلماتهم تعطي كون الكلام في حالة الضرورة
~~والاضطرار إلى استعمال هذا الشئ الحاصل بالاختلاط، وإلا لم يكن للحكم على
~~كون الجمع بين الاستعمال والتيمم أحوط معنى كما لا يخفى.
# ومن هنا يتبين أنه ليس شئ من الأصلين المتمسك بهما في كلامي الشيخ وابن
~~البراج في محله، أما ما تمسك به الشيخ فليس المقام من مواضع اشتباه التكليف
~~المحتمل للحرمة حتى يرجع فيه إلى أصل الإباحة، بل الاشتباه إنما هو باعتبار
~~الوضع وهو صحة هذا الاستعمال وترتب الآثار الشرعية عليه من زوال نجاسة أو
~~ارتفاع حدث، وأصل الإباحة لا ينفع في ذلك شيئا، بل المقام في ms737 موارد
~~الاستصحاب القاضي هنا ببقاء كل من النجاسة والحدث، والحرمة التشريعية التي
~~تتأتى في استعمال المضاف مع العلم بإضافته في التطهيرات لا تتأتى هنا أيضا،
~~لأنه لا يستعمله على أنه مضاف وإنما يستعمله لرجاء كونه مطلقا.
# وأما ما تمسك به ابن البراج فلأن الاحتياط المذكور يعارضه الاحتياط
~~المقتضي للاستعمال، وذلك لأن المقام لكونه مقام ضرورة بالنسبة إلى استعمال
~~ذلك فالأمر دائر بين التكليف بالمائية والتكليف بالترابية، لأن الأول مشروط
~~بوجدان الماء والثاني مشروط بفقدانه، ولا ريب أن الشك في الشرط يستلزم الشك
~~في المشروط، فكما أن الاقتصار على استعمال هذا الشئ خلاف الاحتياط لاحتمال
~~كونه في الواقع مضافا، PageV01P804
# فكذلك العدول إلى التيمم أيضا خلاف الاحتياط، لجواز كون ذلك مطلقا في
~~الواقع، ومقتضى العمل على الاحتياطين الجمع بين الأمرين حسبما ذكره الشيخ
~~أخيرا، لا الاجتناب عن استعمال ذلك رأسا.
# ثم يبقى الكلام بعد ما أمكن الاحتياط بالجمع فيما ذكره العلامة من اعتبار
~~التقدير استعلاما للحال ورفعا للاشتباه الذي هو مناط الاحتياط بناء على
~~إمكانه، وجواز ذلك كما ترى مما لا إشكال فيه ولا خلاف، بل الكلام - لو كان
~~- فإنما هو في وجوبه، ولما كان المقام مما أمكن فيه الامتثال العلمي وكان
~~دائرا بين الامتثال التفصيلي - وهو ما اوتي بشئ على أنه بعينه المأمور به -
~~والامتثال الإجمالي - وهو ما اوتي بأشياء على أن المأمور به فيها مردد
~~بينها، بأن يكون الإتيان بكل واحد على أنه أحد الامور المردد فيها المأمور
~~به - فالكلام يرجع إلى أن المعتبر في مورد إمكان الامتثال العلمي هل هو
~~الامتثال التفصيلي، ولا يجوز العدول إلى الامتثال الإجمالي إلا مع تعذر
~~الامتثال التفصيلي أو لا؟ بل يجوز الاكتفاء بالامتثال الإجمالي أيضا، على
~~معنى ثبوت التخيير بين الامتثالين من أول الأمر.
# والمسألة اصولية وفيها وجهان بل قولان وتحقيقها موكول إلى محله، ومجمل
~~القول فيها - حسبما يساعد عليه النظر القاصر - أن الامتثال التفصيلي متعين
~~ما دام ممكنا، عملا بأصل الشغل السليم هنا عن المعارض، بناء على ما هو
~~الراجح من كون ms738 الامتثال اللازم في الأوامر من قبيل الأغراض لا من قيود
~~المأمور به حتى يدفع احتمال مدخلية التفصيل وكونه معتبرا مع المأمور به
~~بإطلاق الأمر.
# وعليه كان الأقوى في المقام ما ذهب إليه العلامة ومن وافقه كالشهيد (رحمه
~~الله) في الدروس (1)، والمحقق الثاني في بعض فوائده (2) من اعتبار التقدير
~~ووجوبه، إذ به يحصل الامتثال العلمي التفصيلي، وما يحصل من الامتثال
~~بالاحتياط المقتضي للجمع وإن كان علميا لكنه إجمالي ينفي جواز الاكتفاء به
~~بأصل الشغل. فما في كلام جماعة من أن هذا القول مما لا دليل عليه من عقل
~~ولا شرع كلام خال عن التحصيل.
# ثم عن العلامة أنه اعتبر تقدير الوصف في كثير من كتبه ولم يتعرض لبيان
~~الوصف
# PageV01P805
# المقدر، من حيث إنه يختلف بالشدة والضعف والتوسط بينهما، فهل المعتبر
~~تقدير الأشد أو الأضعف أو الوسط؟ لكن عن المحقق الثاني (1) أنه حكى عنه (2)
~~أنه قال في بعض كتبه: " يجب التقدير على وجه تكون المخالفة وسطا، ولا يقدر
~~الأوصاف التي كانت قبل ذلك " واستوجهه.
# وعن الشهيد في الذكرى الموافقة له في ذلك قائلا: " فحينئذ يعتبر الوسط في
~~المخالفة، فلا يعتبر في الطعم حدة الخل، ولا في الرائحة ذكاء المسك، وينبغي
~~اعتبار صفات الماء من العذوبة والرقة والصفاء وأضدادها " (3) انتهى.
# وعن المحقق المذكور تعليل ما استوجهه: " بأنه بعد زوال تلك الأوصاف صارت
~~هي وغيرها على حد سواء، فيجب رعاية الوسط، لأنه الأغلب، أو للتبادر عند
~~الإطلاق.
# قال: " وإنما قلنا إن الزائل هنا لا ينظر إليه بعد الزوال، لأنه لو كان
~~المضاف في غاية المخالفة في أوصافه فنقصت مخالفته لم يعتبر ذلك القدر
~~الناقص، فكذا لو زالت أصلا ورأسا " (4) انتهى.
# واعترض عليه: " بأن النظر إلى كلامه الأخير يقتضي كون المقدر هو أقل ما
~~يتحقق به الوصف لا الوسط.
# وتحقيقه: أن نقصان المخالفة كما فرضه لو انتهى إلى حد لم يبق معه إلا أقل
~~ما يصدق به المسمى لم يؤثر ذلك النقصان، ولا اعتبر مع الوصف الباقي أمر
~~آخر، فكذا مع زوال الوصف من أصله، ms739 واعتبار الأغلبية والتبادر هنا مما لا
~~وجه له " (5) انتهى.
# وأنت خبير بما في كل من التعليل والاعتذار وتحقيق المعتبر (6)، أما
~~الأول: فلأن التسوية بين الوصف الزائل وغيره أول الكلام.
# وأما الثاني: فرجوعه إلى القياس مع توجه المنع إلى الحكم في المقيس عليه
~~أيضا.
# وأما الثالث: فلما يتضح بعد ذلك.
# وتحقيق المقام: إنك قد عرفت أن الداعي إلى اعتبار التقدير إنما هو
~~استعلام كون
# PageV01P806
# هذا الشئ مما سلب عنه الإطلاق لئلا يجوز استعماله في التطهير، أو سلب عنه
~~الإضافة ليجوز استعماله في التطهير، ومن المعلوم أن معنى سلب الإطلاق وسلب
~~الإضافة المحتملين هنا بحسب الواقع انقلاب ماهية أحد المختلطين بالآخر، لا
~~مجرد تغير وصف أحدهما بوصف الآخر، أو بقائه على وصفه الأصلي.
# فالمضاف إذا كان على الوصف الأضعف فربما لا يوجب لضعف وصفه تغير وصف
~~المطلق مع احتمال سلب الإطلاق في الواقع، كما أنه إذا كان على الوصف الأشد
~~فربما يوجب بشدة وصفه تغير وصف المطلق مع احتمال بقاء الإطلاق السالب
~~لإضافة المضاف بحسب الواقع، وإنما يعلم هذا الاختلاف فيما بين الظاهر
~~والواقع في كل من القسمين بفرض مضاف آخر متوسط الوصف متساوي المقدار
~~للمفروض، مختلطا بمثل ما اختلط به الأول من الماء في المقدار، فإن خالف
~~الأول في التأثير والاقتضاء كشف عن كون ما اقتضاه الأول من البقاء على
~~الوصف الأصلي أو الخروج عنه مستند إلى الوصف القائم به من جهة ضعفه أو
~~شدته، لا إلى ذاته الموجبة عند التأثير لانقلاب الماهية، لاستحالة الاختلاف
~~بينهما في الاقتضاء والتأثير، مع اتحاد الذات فيهما ومساواتهما فيما يرجع
~~إلى الذات.
# مثلا لو فرضنا ثلاثة أمداد من ماء الورد أحدهما شديد الرائحة والآخر
~~متوسطها والثالث ضعيفها، فامتزج كل واحد بمد من ماء مثلا، فإن تغير وصفه
~~على الأولين دون الأخير كشف ذلك عن سلب الإطلاق في الواقع في كل من الثلاث؛
~~وأن بقاء الأخير على وصفه الأصلي إنما هو لضعف ممزوجه في الوصف لا في
~~الاقتضاء المستند إلى ذاته في ذلك الفرض؛ وإن تغير ms740 وصفه على الأول دون
~~الأخير كشف ذلك عن بقاء الإطلاق الواقعي في جميع الثلاث؛ وأن خروج الأول عن
~~وصفه الأصلي إنما هو لأجل شدة ممزوجه في الوصف لا في الاقتضاء المستند إلى
~~ذاته في هذا الفرض.
# ونتيجة هذا الاختلاف أن الوصف إذا كان ضعيفا فله تأثير في عدم تغير الوصف
~~وإن انقلبت معه الماهية، وإذا كان شديدا فله تأثير في تغير الوصف وإن لم
~~تنقلب معه الماهية، وعليه فلا عبرة بالأوصاف الضعيفة ولا الأوصاف الشديدة،
~~بل المعتبر هو الأوصاف المتوسطة، لأن الوصف المتوسط على البيان المذكور
~~لابد وأن يغاير PageV01P807
# القسمين، ولا يعقل المغايرة إلا بأن لا يكون بنفسه مؤثرا لا في التغير
~~ولا في عدمه مخالفا لما أثرته الماهية.
# وحينئذ لو امتزج ذو الوصف المتوسط بالمطلق وصادف امتزاجه لتغير المطلق
~~كشف ذلك عن انقلاب الماهية وسلب إطلاقه بحسب الواقع، وكونه مستندا إلى ذات
~~ذي الوصف لا إلى وصفه.
# وقضية ذلك لزوم تقدير الوصف المتوسط في محل البحث لا الوصف الزائل، ضعيفا
~~كان أو شديدا، إذ معه يحصل التغير السالب للإطلاق المصادف لانقلاب الماهية.
# فظهر من جميع ذلك أن الأقوى ما صار إليه الجماعة، وأن القول بلزوم تقدير
~~أقل ما يتحقق به مسمى الوصف كالقول بأن تقدير الوصف المتوسط لا دليل عليه
~~ضعيف، كيف وهذا من مقتضى الاحتياط وأصل الشغل الذي قررناه دليلا على وجوب
~~التقدير خروجا عن شبهة بقاء الإطلاق المانع عن التيمم أو زواله المسوغ له،
~~بل مقتضى هذا الاحتياط العدول إلى تقدير الوصف المتوسط فيما له وصف محقق
~~شديد أو ضعيف، وإن لم نقف على القول به من الأصحاب كما لا يخفى، والله
~~العالم.
# المبحث السادس: لو كان مع المكلف من المطلق ما لا يكفيه للطهارة وأمكن
~~إتمامه بمضاف على وجه لا يسلبه الإطلاق، فعن الشيخ عدم وجوب ذلك (1)،
~~وخالفه العلامة فرجح وجوبه (2)، وتبعه المحقق الثاني (3)، وبعض من لا تحصيل
~~له.
# قال في المختلف: " لو كان معه رطلان من المطلق ويفتقر في طهارته إلى
~~ثلاثة أرطال مثلا ومعه ms741 ماء الورد إذا مزجه بالمطلق لم يسلبه الإطلاق، قال
~~الشيخ (رحمه الله): ينبغي أن يجوز استعماله وليس واجبا، بل يكون فرضه
~~التيمم، لأنه ليس معه من الماء ما يكفيه لطهارته.
# وهذا القول عندي ضعيف لاستلزامه التنافي بين الحكمين، فإن جواز الاستعمال
~~يستلزم وجوب المزج، لأن الاستعمال إنما يجوز بالمطلق، فإن كان هذا الاسم
~~صادقا عليه بعد المزج وجب المزج، لأن الطهارة بالمطلق واجبة مع المكنة، ولا
~~يتم إلا بالمزج، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن كذب الإطلاق عليه
~~لم يجز استعماله
# PageV01P808
# في الطهارة ويكون خلاف الفرض، فظهر في الحكمين.
# والحق عندي: وجوب المزج إن بقي الإطلاق، والمنع من الاستعمال إن لم يبق "
~~(١).
# انتهى.
# وأنت بعد التأمل في سوق ما نقله عن الشيخ تعرف عدم التنافي بين ما ذكره
~~من الحكمين، فإن استعمال المضاف المحكوم عليه بجوازه المتعقب للحكم بعدم
~~وجوبه ليس مرادا به الاستعمال في الطهارة، حتى يرد عليه ما ذكر، بل المراد
~~به استعماله في المزج فإنه جائز وليس بواجب، لا أن استعماله منفردا في
~~الطهارة جائز، ولا أن استعماله مركبا مع المطلق بلا سلبه الإطلاق ليس
~~بواجب، فإن كلا من ذلك باطل جدا، فلا تنافي بين الحكمين أصلا.
# وأما ما رجحه من وجوب المزج، فأجاب عنه ابنه فخر المحققين في الشرح - على
~~ما حكي عنه -: " بأن الطهارة واجب مشروط بوجود الماء والتمكن منه، فلا يجب
~~إيجاده لأن شرط الواجب المشروط غير واجب " (٢).
# ورده شارح الدروس: " بصدق الوجدان فيما نحن فيه، وليس وجدانه هنا بأبعد
~~من الوجدان فيما إذا أمكن حفر بئر مثلا، والظاهر أنه لا نزاع أنه إذا أمكن
~~حفر بئر مثلا لتحصيل الماء لوجب، فلم لم يحكم بالوجوب هنا والتفرقة خلاف ما
~~يحكم به الوجدان " (٣).
# وعن المحقق الثاني أنه رده في جامع المقاصد بأنه: " إن أراد بإيجاد الماء
~~ما لا يدخل تحت قدرة المكلف، فاشتراط الأمر بالطهارة به حق ولا يضرنا، وإن
~~أراد به الأعم فليس بجيد، إذ لا دليل يدل على ذلك، والإيجاد ms742 المتنازع فيه
~~معلوم كونه مقدورا للمكلف، والأمر بالطهارة خال عن الاشتراط، فلا يجوز
~~تقييده إلا بدليل " (٤) انتهى.
# ولعل نظره في منع اشتراط الأمر بالطهارة إلى مثل قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا
~~وجوهكم﴾ (5)، وقوله (عليه السلام): " إذا دخل الوقت وجبت الصلاة
~~والطهور " (6).
# ولا يخفى ضعف كل من الردين، أما ما رده شارح الدروس: فلمنع صدق الوجدان
# PageV01P809
# فيما نحن فيه، فإن العبرة إنما هو بصدق وجدان الماء لا ما يؤول إلى
~~الماء، فإن الماء اسم لما تلبس بمبدأ المائية فعلا، والمفروض ليس من هذا
~~الباب، بل هو آئل إلى المتلبس بالمبدأ على تقدير لحوق المزج، وبذلك يظهر
~~التفرقة بينه وبين حفر البئر إخراجا للماء، لأنه طلب للمتلبس بالمبدأ
~~بالفعل.
# وإلى ذلك ينظر ما عن بعض المحققين من أن صدق الوجدان على ما نحن فيه عرفا
~~غير مسلم، وجعله كحفر البئر على تقدير تسليم صدق الوجدان عنده قياس مع
~~الفارق، فإن الماء هنا موجود بالفعل والحفر للتوصل إليه بخلاف ما نحن فيه،
~~فأنه معدوم الحقيقة والمزج إيجاد لها كنفس الاستطاعة المعدومة.
# وأما ما رده المحقق الثاني: فلأن الآية والرواية وغيرهما وإن كانت مطلقة
~~ولكن قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء
~~فتيمموا﴾ (1) مقيد، ضرورة أن تقيد الأمر بالتيمم بعدم وجدان الماء يقضي
~~بتقييد الأمر بالوضوء بوجدانه، فيقيد بها ما ذكر من المطلقات جدا.
# فلو قيل: تقييد الآية للإطلاق متوقف على حمل " الوجدان " على حقيقته مع
~~بقاء الآية على إطلاقها، ولا ريب أنه ليس بممكن، لأنا نرى تحقق وجدان الماء
~~بالفعل مع حرمة الوضوء لمانع شرعي كخوف الضرر من استعماله ونحوه، ونرى عدم
~~تحققه كالفاقد له المتمكن عن حفر البئر ونحوه لتحصيله مع وجوب الوضوء به،
~~فلابد حينئذ من التجوز في الآية، وهو إما بالتقييد لمنطوقها ومفهومها لوجوب
~~استثناء ما عرفت من الصور، فيرد ما ذكرت حينئذ من كون التقييد بالوجدان
~~موجبا لتقييد تلك الإطلاقات، ومقتضاه عدم وجوب المزج.
# أو بحمل الوجدان على التمكن ms743 والاقتدار مجازا، فلا يرد بذلك حينئذ عدم
~~وجوب المزج لمكان التقييد بالقدرة وهي متحققة في المقام، فالوضوء حينئذ
~~واجب لتحقق شرط وجوبه، وهو يستلزم وجوب المزج لأن ما لا يتم الواجب إلا به
~~واجب.
# نعم، لو لم يتمكن المكلف من المزج المذكور سقط عنه الوضوء بحكم الآية،
~~لأنه يكون من باب الواجب المشروط المنتفي شرطه، ولكن لما كان المفروض تحقق
~~القدرة التي هي شرط التكليف بالفرض بقيت تلك الإطلاقات الدالة على الوجوب
~~على
# PageV01P810
# إطلاقها، وتكون هذه المقدمة أعني المزج المحصل للماء بالنظر إلى الوضوء
~~الواجب مقدمة وجودية يجب تحصيلها، والمجاز وإن كان مرجوحا بالقياس إلى نوع
~~التقييد، إلا أنه لوحدته وتعدد التقييد منطوقا ومفهوما - مع تفسير المقدس
~~الأردبيلي في آيات أحكامه (1) ل " تجدوا " في الآية ب " تتمكنوا " من دون
~~نقل خلاف فيه، المشعر بالاتفاق عليه، مع تصريح بعض الفقهاء أيضا بذلك،
~~وشهرة الحكم المذكور على الظاهر - وجب المصير إليه، فالقول بوجوب المزج إذا
~~أرجح، مع أنه أحوط.
# لقلنا: مع أنه لا حاجة إلى استثناء بعض المذكورات حتى يلزم بذلك تقييد،
~~لما عرفت من صدق قضية وجدان الماء عند التمكن بالحفر ونحوه من مقدمات
~~التحصيل، لا تعارض بين التقييد والمجاز المذكورين ليوجب ذلك إلى مراجعة
~~الترجيح، بل مفاد الآية ما يستلزم تقييد المطلقات ولو حملنا " الوجدان "
~~على التمكن، فلا يلزم وجوب المزج على التقديرين وكونه مقدمة وجودية، أما
~~على تقدير حمل " الوجدان " على حقيقته المستلزم للتقييد فلما ذكرناه، وأما
~~على تقدير حمله على التمكن والاقتدار فلأن التمكن ليس بحاصل بالقياس إلى
~~الماء بالمعنى المذكور، وإنما هو تمكن بالقياس إلى ما يؤول إلى الماء بعين
~~ما ذكر، فلا يختلف الحال بسبب اختلاف التفسير، فتفسير المحقق الأردبيلي
~~(رحمه الله) مع كونه متعينا لا ينفع شيئا في إثبات دعوى إطلاق وجوب الوضوء
~~المقتضي لوجوب المزج، إلا على تقدير حمل " الماء " أيضا على معناه المجازي
~~بعلاقة الأول، وهو كما ترى مجاز آخر غير ما يلزم منه بحمل " الوجدان " على
~~التمكن، فما في كلام جماعة من ms744 بناء المسألة على احتمالي كون " الوجدان "
~~مرادا به معناه الحقيقي أو التمكن مجازا ليس بشئ.
# فالراجح في النظر - على ما بيناه - ما صار إليه الشيخ عملا بقاعدة عدم
~~وجوب إيجاد مقدمة الوجوب، وإن كان الإيجاد ممكنا بحسب أصله وذاته، كاستطاعة
~~الحج الغير الموجودة مع التمكن عن إيجادها بالسعي في تحصيل المال أو قبول
~~ما يبذله باذل.
# PageV01P811
# ينبوع ومما خصه الأصحاب بالعنوان من أفراد المياه، الماء الطاهر المباح
~~المطلق إذا اشتبه بغيره من النجس، أو المغصوب، أو المضاف، فإن كل واحد من
~~ذلك مما لحقه البحث عندهم، وكثر التشاجر في فروع بعضها لديهم، وبسط الكلام
~~فيها يستدعي رسم مقامات:
# المقام الأول: في الماء المشتبه بالنجس، المعنون في كلام بعضهم بالإنائين
~~أحدهما طاهر والآخر نجس فاشتبها، وظاهر أن تخصيص الإناء بالذكر مثال، أو
~~اقتفاء في التعبير لعبارة النص على ما سيظهر في الموثقتين الآتيتين، كما أن
~~ذكر هذا العدد بالخصوص مبني على المثال، أو اكتفاء بأقل مراتب التعدد،
~~وظاهرهم كصريح غير واحد منهم عدم اختصاص الحكم بما كان الاشتباه ابتدائيا،
~~كما لو وقعت النجاسة في الطاهرين أو أكثر على ما لا يعلم أيهما هو وإن اختص
~~به مورد النص، بل يجري فيما لو كان الاشتباه طارويا أيضا، كما لو كان
~~الطاهر مع النجس ممتازين ففات امتيازهما.
# وفي حكم الاشتباه الابتدائي الحاصل بين الطاهرين ما يحصل بين النجسين لو
~~زالت النجاسة عن أحدهما من غير علم بأنه أي منهما، كما أنه في حكم النجس
~~بالذات النجس بالعرض وهو المتنجس، فإن جميع هذه الصور من واد واحد وإن اختص
~~عنوان الأصحاب كالنص الموجود في الباب ببعضها، مع ما بينها من التفاوت في
~~قوة احتمال عدم وجوب الاجتناب عن الجميع وضعفه حسبما يأتي الإشارة إليه.
# وكذلك التفاوت في قوة احتمال الوجوب وضعفه، بل الظاهر بناء على عموم
~~القاعدة المستفاد عن عموم جملة من أدلتهم الآتية - كما هو الحق الذي لا
~~محيص عنه - عدم الفرق في الحكم بين ما لو كانت أطراف الشبهة من أفراد ماهية ms745
~~واحدة مشتركة بينها PageV01P812
# كالإنائين والثوبين ونحوهما، وما لو كانت من أفراد ماهيتين فصاعدا،
~~كالثوب والإناء أو الثوب والبدن إذا علم بإصابة نجاسة للأمر المردد بينهما،
~~فإن قضية حجية العلم الإجمالي وجوب الاجتناب عن كليهما معا في الصلاة
~~ونحوها من مشروط بالطهارة.
# نعم، ينبغي تخصيص الحكم بما كانت الشبهة محصورة، أخذا بموجب تصريحاتهم
~~وأدلتهم المقتضية لعدم وجوب الاجتناب عن الشبهة الغير المحصورة حسبما قرر
~~في الاصول.
# وكيف كان، فقال المحقق (قدس سره) في الشرائع: " ولو اشتبه الإناء النجس
~~بالطاهر وجب الامتناع عنهما " (1) وصرح بما يقرب من ذلك في النافع (2)،
~~وقريب منهما ما في الدروس (3)، ومنتهى العلامة ومختلفه (4)، وحكى الجزم به
~~في المنتهى (5) عن الشيخ في النهاية، وابن بابويه في كتابه، والمفيد في
~~المقنعة.
# كما حكى الموافقة في ذلك في المناهل (6) عن الفقيه (7)، والنهاية (8)،
~~والناصريات (9)، والغنية (10)، والمعتبر (11)، والسرائر (12)، والتحرير
~~(13)، والقواعد (14)، ونهاية الإحكام (15)، والإيضاح (16)، والذكرى (17)،
~~وجامع المقاصد (18)، والجعفرية (19)، ومجمع الفائدة (20).
# واستفاض نقل الإجماع عليه، وحكى نقله أيضا عن الشيخ في الخلاف (21)،
~~والمحقق في المعتبر (22)، والعلامة في المختلف (23) والتحرير (24) ونهاية
~~الإحكام (25)،
# PageV01P813
# وصاحب الذخيرة (1)، وعن ظاهر جماعة كالتنقيح (2)، والسرائر (3)، والمنتهى
~~(4)، بل لم نقف على حكاية خلاف في المسألة عن أصحابنا، بل عن العامة أيضا
~~عدا ما عن الشافعي على ما في حاشية المدارك للمحقق البهبهاني قائلا: " ونقل
~~الإجماع في هذه المسألة غير واحد من الفقهاء، منهم الفاضلان (5)، بل ما
~~نقلوا خلافا إلا عن الشافعي، فإنه قال: " يجتهد المكلف في تحصيل الأمارات
~~المرجحات ومع العجز يتخير " (6)، فالظاهر أنها وفاقية بين المسلمين جميعا "
~~(7) انتهى.
# والعجب عن صاحب المدارك (8) في جعله مذهب الأصحاب، مشعرا بدعوى الإجماع،
~~مع ميله إلى جواز الارتكاب إذا لم يحصل المباشرة بجميع ما وقع فيه
~~الاشتباه، إلا أن يكون ذلك من جهة القدح في هذا الإجماع بتضعيف مستنده
~~حسبما يأتي في كلامه.
# والحق ما صاروا إليه، واستقرت عليه فتاواهم، وانعقد عليه إجماعهم من وجوب
~~الامتناع عن الجميع، ومستنده من النقل الموثقان المتقدمان في أخبار انفعال
~~القليل.
# أحدهما: ما عن سماعة قال: سألت أبا عبد ms746 الله (عليه السلام) عن رجل معه
~~إناءان، فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء
~~غيره؟ قال: " يهريقهما [جميعا] ويتيمم إن شاء الله " (9).
# وثانيهما: ما عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل
~~عن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو؟ وليس
~~يقدر على ماء غيره؟ قال (عليه السلام):
# " يهريقهما جميعا ويتيمم " (10).
# والخبران المتقدمان في مسألة إناطة أحكام النجاسة بالعلم بتحقق السبب،
# PageV01P814
# أحدهما: الحسن كالصحيح بإبراهيم بن هاشم المروي في الكافي عن الحلبي عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: " وإن استيقن أنه قد أصابه شئ
~~ولم ير مكانه فليغسل ثوبه كله " (1).
# وثانيهما: خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) - في حديث
~~- قال:
# " وإن علم أنه قد أصاب جسده ولم يعرف مكانه فليغسل جسده كله " (2).
# وجه الاستدلال بهما: أنه لو كان الاشتباه صالحا لرفع النجاسة أو أحكامها
~~لم يكن للأمر بغسل الثوب كله ولا للأمر بغسل الجسد كله وجه، نعم لا ينهض
~~ذلك حجة على من جوز الارتكاب في غير ما يحصل معه مباشرة الجميع.
# والأخبار الآمرة في الثوبين المشتبهين بالصلاة فيهما معا، التي منها حسنة
~~صفوان بن يحيى عن الصادق (عليه السلام) أنه كتب إليه يسأله عن رجل كان معه
~~ثوبان، فأصاب أحدهما بول، ولم يدر أيهما هو؟ وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس
~~عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: " يصلي فيهما " (3).
# وعن الصدوق في الفقيه: أنه بعد نقل الرواية قال: " يعني على الانفراد "
~~(4) والتقريب في الاستدلال بها نظير ما مر، مع قيامه حجة على من جوز
~~الارتكاب بغير ما يحصل معه مباشرة الجميع، وفيها دلالة على المطلوب من وجه
~~آخر وهو: كون وجوب الغسل في تلك الصورة مع وجود الماء معتقدا للسائل مفروغا
~~عنه لديه، كما يفصح عنه قوله: " وليس عنده ماء " فسئل عما أشكل عليه الأمر
~~وهو الصلاة في تلك الحالة، بقوله: " كيف يصنع "؟ فأجابه الإمام (عليه
~~السلام) ms747 بما ينطبق على سؤاله.
# والمقصود من إيراد هذه الأخبار التنبيه على أن الناظر فيها وفي غيرها مما
~~نقف عليها بالتتبع يجد أن الشارع في جميع أنواع المشتبه كان بناؤه على
~~إيجاب الاجتناب، وترتيب آثار النجس على جميع أطراف الشبهة.
# PageV01P815
# والمناقشة في الأولين بما في المدارك (1) من ضعف السند بجماعة من الفطحية
~~مما لا يلتفت إليها، بعد ملاحظة انجبارهما بعمل الأصحاب كافة، وكونهما مما
~~تلقوه بالقبول كما في صريح غير واحد من الفحول، مع ملاحظة موافقة مضمونهما
~~لحكم العقل ومقتضى القواعد والاصول حسبما يأتي بيانها، مع أن الموثق بنفسه
~~مما يفيد الاطمئنان الذي عليه مناط الحجية في الأخبار حسبما قرر في الاصول.
# كما لا يلتفت أيضا إلى المناقشة فيها بمعارضة أصالة الطهارة، وأصالة
~~الحلية في الأشياء، والأخبار الدالة على " أن كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك
~~حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه " التي منها: صحيحة عبد الله بن سنان قال:
~~قال أبو عبد الله (عليه السلام) " كل شئ يكون فيه حرام وحلال، فهو لك حلال
~~[أبدا] حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه " (2).
# ومنها: رواية سليمان (3) قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن؟
~~فقال: " سألتني عن طعام يعجبني "، ثم أعطى الغلام درهما فقال: " يا غلام
~~ابتع لنا جبنا "، ثم دعى بالغداء فتغدى وتغدينا معه، فأتى الجبن فأكل
~~وأكلنا، فلما فرغنا قلت: ما تقول في الجبن؟
# فقال: " تراني آكله "، قلت: بلى ولكني احب أن أسمعه منك، فقال: " سأخبرك
~~من الجبن وغيره، كلما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام
~~بعينه [فتدعه] " (4) فإن الأصلين ثابتان في غير نظائر المقام مما لا علم
~~معه بتحقق السبب أصلا، كما يفصح عنه التقييد بغاية العلم في مستند الأصل
~~الأول، وهو الخبر المستفيض المتقدم ذكره مرارا " الماء كله طاهر حتى تعلم
~~أنه قذر " (5) و " كل شئ نظيف حتى يعلم أنه قذر " (6) فإن العلم الذي هو
~~منتهى الحكم بالطهارة حاصل في المقام، ودعوى: عدم شمول العلم لما اشتبه
~~معلومه غير مسموعة.
# والأخبار المذكورة مع أنها ms748 غير صالحة لمعارضة ما سبق، ظاهرة بحكم العرف
~~في
# PageV01P816
# غير ما حصل فيه العلم ولو على نحو ما هو المفروض في المقام، على معنى كون
~~المراد بقوله:
# " كل شئ يكون فيه حرام وحلال " أن كل شئ صالح لأن يوجد فيه فرد حرام وفرد
~~حلال ومحتمل لهما معا فهو لك حلال، كما يفصح عنه صريح صحيحة ضريس قال: سألت
~~أبا جعفر (عليه السلام) عن السمن والجبن نجده في أرض المشركين بالروم
~~أنأكله؟ فقال: " أما ما علمت أنه قد خلطه الحرام فلا تأكل، وأما ما لم تعلم
~~فكله حتى تعلم أنه حرام " (1).
# وظهور الموثقة الذي هو كالصريح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كل
~~شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب
~~فيكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، ومملوك عندك وهو حر قد باع نفسه، أو خدع
~~فبيع قهرا، أو امرأة تحتك وهي أختك، أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى
~~يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة " (2).
# ولا ينافيه لفظ " بعينه " لكون المراد به العلم بوجود شخص الحرام في محل
~~الابتلاء، وهو مفروض الحصول في المقام، مع قوة احتمال ورودها - بعد تسليم
~~شمولها لصورة العلم المبحوث عنه - في الشبهة الغير المحصورة التي أجمعوا
~~فيها على عدم وجوب الاجتناب، وقضت به الأدلة النافية للعسر والحرج الموجبين
~~هنا لاختلال نظم العالم، مضافة إلى قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق في أكثر
~~صور تلك الشبهة، بل هو الظاهر منها بعد تسليم المقدمة المذكورة، كما يفصح
~~عنه ما حكاه في المجالس عن أبي الجارود قال: سألت الباقر (عليه السلام) عن
~~الجبن؟ فقلت: أخبرني عمن رأى أنه يجعل فيه الميتة، فقال:
# " أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرض، فما علمت منه
~~ميتة فلا تأكله، وما لم تعلم فاشتر وبع وكل، والله أني لأعترض السوق فأشتري
~~بها اللحم والتمر والجبن، والله ما أظن كلهم مأمون هذه البرية وهذه السودان
~~" (3).
# ثم على فرض تسليم ms749 عموم هذه الأخبار لصورتي العلم وعدمه، وكلا قسمي
~~الشبهة، فهي لعمومها قابلة للتخصيص، وأخبار الباب أخص منها مطلقا فتنهض
# PageV01P817
# مخصصة لها، وعلى فرض منع هذه القضية فهذه الأخبار موهونة بعدم أخذ
~~الأصحاب بعمومها فيما يتعلق بالمقام.
# ومن العقل والاصول العامة وجوه بين سليم وسقيم.
# منها: ما نقرره على وجه يكون سليما عما يقدح فيه، من: أن النجاسة في موضع
~~العلم بتحقق سببها ما يوجب وجود تكاليف كثيرة مترتبة على العلم المذكور، من
~~حرمة مباشرتها في الأكل والشرب، ووجوب إزالتها في مشروط بها من الصلاة
~~والوضوء ونحوهما، ووجوب الصلاة ونحوها بما سلم عنها من ثوب أو بدن أو ماء
~~أو نحوه، ولا ريب أن التكليف اليقيني بحكم العقل المرشد المكلف إلى ما يدفع
~~معه استحقاق العقوبة ومخالفة الإطاعة يستدعي الفراغ اليقيني والامتثال
~~العلمي بالمعنى الأعم، مما هو قائم مقام العلم في نظر الشارع، والفارغ
~~اليقيني بعنوان أنه يقيني كالامتثال العلمي بوصف أنه علمي لا يتأتى إلا
~~بإجراء لوازم النجاسة في الجميع، من التحرز عن الجميع في مقام الأكل
~~والشرب، وعدم تطهير الثوب أو البدن، وكذلك الاغتسال والتوضي به، وعدم
~~الدخول في الصلاة ونحوها مع مباشرته كلا أم بعضا في بدن أو ثوب، ولو كان
~~ذلك من جهة كون الثوب بنفسه من أطراف الشبهة، فيكون الكل واجبا من باب
~~المقدمة الثابت وجوبها هنا كوجوب ذيها بحكم العقل على جهة الإنشاء بنفسه،
~~لا إدراك المنشأ لغيره.
# والمناقشة في هذا الدليل إنما هي بمنع مقدماته، كمنع العلم بتحقق السبب
~~رأسا، أو منع تأثير هذا القسم في ثبوت النجاسة، أو منع كفايته في اقتضاء
~~النجاسة الثابتة به لأحكامها ولوازمها، بدعوى: أن الاشتباه المقارن لهذا
~~العلم مانع عن حدوث تلك الأحكام ورافع لما حدث منها قبل طروه كالعذر العقلي
~~أو الشرعي، أو أن الشارع جعله أمارة لرفع أحكام النجاسة عن النجس المعلوم
~~بالإجمال، أو منع شمول الأدلة المرتبة لتلك الأحكام للمعلوم بالإجمال، أو
~~منع استدعاء الشغل اليقيني العلم بالفراغ بالموافقة، بل غاية ما يستدعيه
~~إنما هو ms750 منع المخالفة القطعية وهي لا تحصل بارتكاب ما لا يقطع معه بمباشرة
~~النجس الواقعي.
# وأنت خبير بأنها بجميع الوجوه المقررة دعوى ممنوعة على مدعيها.
# أما الوجه الأول من المنع: فلأن المفروض حصول العلم بوجود السبب، وكونه
~~إجماليا باعتبار عدم تعين متعلقه في ظاهر الحال لا يقضي بانتفائه رأسا.
~~PageV01P818
# وأما الوجه الثاني: فلأن ثبوت صفة النجاسة في الشئ لا ينوط يعلم أصلا،
~~حتى يقال: بأن العلم الإجمالي غير مؤثر فيه، بناء على أنها من الامور
~~الواقعية التابعة لموضوعاتها التي كشف عنها الشرع ورتب عليها أحكاما، فثبت
~~حين ثبوت الموضوع، وتنتفي بانتفائه، من غير مدخلية للعلم فيها وجودا وعدما،
~~والقول: بأنها ليست إلا الأحكام المرتبة التي لابد فيها من العلم ضعيف جدا،
~~وعلى فرض صحته فالمناط موجود قطعا.
# وأما الوجه الثالث: فلأن جريان أحكام النجاسة تابع للأدلة المعلقة لها
~~على العلم بتحقق سبب النجاسة، ولا ريب أنه لا تقييد في تلك الأدلة كما يظهر
~~بملاحظة ما تقدم من الأخبار المستفيضة القريبة من التواتر في مسألة إناطة
~~أحكام النجاسة بالعلم، أو ما يقوم مقامه، ودعوى انصراف العلم الوارد فيها
~~إلى غير المقام مكابرة يكشف عنها بناء العرف في عدم الفرق في الأخذ بآثار
~~العلم بين المعلوم تحقق سببه تفصيلا أو إجمالا.
# هذا بناء على ما تقرر في المسألة المشار إليها من نهوض الأخبار المذكورة
~~فيها مقيدة لأدلة الواقع، وإلا فخطاب قوله: " اجتنب عن النجس " مثلا وما
~~يؤدي مؤداه ظاهر في وجوب الاجتناب عن النجس الواقعي من غير مدخلية للعلم
~~إلا طريقا للتوصل إلى امتثال الأمر بالاجتناب ونحوه بحكم العقل، الذي لا
~~فرق فيه بين المعلوم نجاسته تفصيلا أو إجمالا.
# فمنع شمول أدلة الواقع، أو الأدلة المقيدة لتلك الأدلة بصورة العلم لمثل
~~المقام مكابرة، يدفعها: فهم العرف، وعدم قيام صارف من قبله، ولا من قبل
~~العقل ولا الشرع.
# أما الأول: فلأن أهل العرف هم الذين يقيمون بذم من يخالف معلوم بالإجمال.
# وأما الثاني: فلأن العقل لا يأبى عن معاقبة المخالف بل يجوزها، ولا يرضى ms751
~~من العالم بالإجمال بخلاف الامتثال الذي هو متمكن عنه بالفرض.
# وأما الثالث: فلأنه ليس في خطابات الشرع إلا ما يقضي بمنع المخالفة كما
~~عرفته من الأخبار الآمرة بالاجتناب، أو بما هو من لوازم الاجتناب.
# وتوهم المعارضة لذلك بما تقدم من الأصلين، وعمومات الأخبار المعمولة في
~~أصل البراءة، قد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه. PageV01P819
# وبذلك كله يندفع القول بكون الاشتباه المقارن للعلم المفروض مانعا عن
~~ترتب أحكام المعلوم ورافعا لما حدث منها، سواء اريد به المانعية والرافعية
~~الثابتتان بحكم العقل أو خطاب الشرع، فإن قضية كل منهما كون العلم المصادف
~~لهذا الاشتباه مقتضيا تاما لترتب الأحكام جميعا، ومعه لا يعقل المانعية ولا
~~الرافعية.
# وأما الوجه الأخير: فلأن مرجع ما ذكر إلى دعوى كفاية الموافقة الاحتمالية
~~في موضع التمكن عن الموافقة القطعية، وهي مما ينكره العقل السليم والوجدان
~~المستقيم، والذي يكشف عن ذلك صحة معاقبة من اقتنع في امتثال الأمر المتوجه
~~إليه باحتمال الموافقة فصادف عمله مخالفة (1) الواقع، من غير فرق في ذلك
~~بين الأفعال والتروك، فإن معنى كفاية الاحتمال كونه قائما مقام العلم مبرءا
~~للذمة، ومعه لا يحسن العقاب على اتفاق المخالفة، لأن الاحتمال من شأنه ذلك.
# وبجميع ما ذكر تبين أن وجوب الامتناع عن جميع أطراف الشبهة المتفق عليه
~~لدى الأصحاب ليس إلا وجوبا مقدميا ثابتا بحكم العقل، مضافا إلى خطاب الشرع
~~به أصالة كما تقدم، ومن لوازم الوجوب المقدمي أن لا يترتب على مخالفة عقاب
~~ما لم تفض إلى مخالفة الواقع، وما تقدم من خطاب الشرع لا يستفاد منه في
~~خصوص المقام أزيد من ذلك، فهو في الحقيقة تقرير لحكم العقل، هذا بناء على
~~الإغماض عما هو الأصل المقرر عندنا في الخطابات الواردة في نظاير المقام،
~~وإلا فهي بملاحظة الانسياق العرفي ظاهرة في الإرشاد إلى أمر واقعي من
~~النجاسة أو أحكامها كما في المقام.
# ومنها: ما احتج به العلامة في المختلف - على ما نقله في المدارك - (2) من
~~" أن اجتناب النجس واجب قطعا، وهو لا يتم إلا باجتنابهما ms752 معا، وما لا يتم
~~الواجب إلا به فهو واجب " (3).
# ويمكن إرجاعه بضرب من التأويل إلى ما قررناه، بأن يكون المراد من
~~الاجتناب الواجب المتوقف على اجتنابهما معا اجتنابه على وجه القطع به، حتى
~~يكون الواجب قائما به على هذا الوجه لا الاجتناب الواقعي، ويكون الواجب في
~~الحقيقة هو القطع بالاجتناب لا نفس الاجتناب، أو يكون قوله: " قطعا " قيدا
~~للمحمول لا للإسناد، حتى
# PageV01P820
# يكون وصف الوجوب راجعا إلى القطع، ولولا ذلك لضعف: بأن المتوقف على
~~اجتنابهما معا ليس هو اجتناب النجس الواقعي بنفسه لاتفاق حصوله تارة
~~بالاجتناب عن أحدهما واخرى باجتنابهما بل المتوقف عليه حينئذ العلم باجتناب
~~النجس الواقعي.
# وكيف كان فعن صاحب المدارك - وفاقا لشيخه الأردبيلي - (1) الاعتراض عليه:
# " بأن اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه إلا مع تحققه بعينه لا مع الشك فيه،
~~واستبعاد سقوط حكم هذه النجاسة شرعا إذا لم يحصل المباشرة بجميع ما وقع فيه
~~الاشتباه غير ملتفت إليه، وقد ثبت نظيره في حكم واجدي المني في الثوب
~~المشترك، واعترف به الأصحاب في غير المحصور أيضا، والفرق بينه وبين المحصور
~~غير واضح عند التأمل " (2).
# وأنت خبير بما فيه، فإن تقييد أدلة أحكام النجاسة بصورة العلم بتحقق
~~السبب وإن كان مسلما ثابتا بالأدلة المتقدم إليها الإشارة، لكن دعوى كون
~~المعتبر في ذلك تحققه بعينه لا ترجع إلى محصل، إلا تقييد الأدلة المقيدة
~~بما يخرج معه علم يكون معلومه مجملا، وهي كما ترى دعوى لا شاهد لها من عقل
~~ولا نقل، بل الشواهد العرفية والعقلية والنقلية متطابقة في خلاف تلك الدعوى
~~كما تقدم بيانه، فمنع سقوط حكم هذه النجاسة ليس من جهة الاستبعاد الصرف، مع
~~ما في جعل ذلك استبعادا غير ملتفت إليه، وتقييده بما لم يحصل المباشرة
~~بجميع ما وقع فيه الاشتباه من التدافع الواضح، ضرورة أن سقوط حكم هذه
~~النجاسة في الواقع أو الظاهر يقتضي جواز المباشرة بجميع ما وقع فيه
~~الاشتباه، كما أن منع مباشرة الجميع اعتراف بعدم سقوط حكم النجاسة ولزوم
~~الاجتناب عن الجميع الذي حكم به ms753 العقل ووافقه الشرع ليس من أحكام هذه
~~النجاسة من حيث هي حتى يرتفع الاستبعاد عن سقوطه بل هو من أحكام العلم بعدم
~~مباشرة النجاسة.
# وأعجب مما ذكر مقايسة المقام على مسألة واجدي المني في الثوب المشترك،
~~فإن وضوح الفرق بين المقامين كما بين السماء والأرض، فإن المكلف في محل
~~البحث عالم بتوجه طلب الشارع إليه لعلمه بتحقق سبب النجاسة بالقياس إليه
~~نفسه، فينعقد معلومه بذلك تكليفا فعليا في حقه فيجب عليه امتثاله على وجه
~~القطع به، بخلاف المقيس عليه الذي لا علم فيه لأحد من المشتركين في الثوب
~~بتوجه الخطاب إليه، من
# PageV01P821
# جهة عدم علمه بتحقق السبب منه، بل لو فرض استمرار العذر لهما معا يقبح
~~على الشارع الحكيم توجيه الخطاب إليهما بطلب الاغتسال عنهما معا أو عمن
~~تحقق منه السبب بحسب الواقع، ضرورة عدم جواز أمر الآمر مع العلم بانتفاء
~~شرطه؛ وهو علم المأمور بتحقق جهة صدور الطلب المتوقف على علمه بتحقق السبب
~~منه بعينه، ولا يجدي فيه علم الآمر بواقع الأمر، لأن العبرة في صحة الأمر
~~بعلم المأمور لا بعلم الآمر.
# وأضعف من الجميع الاستشهاد بما اعترف به الأصحاب من حكم الشبهة الغير
~~المحصورة، فإن هذا الاعتراف منهم إنما نشأ عن وجوه غير جارية في المقام
~~الذي هو من أفراد الشبهة المحصورة، وإلا فلولا قيام تلك الوجوه ثمة لمكان
~~الحكم الذي اعترفوا به على خلاف القاعدة، فالفرق بين المقامين واضح
~~للمتأمل.
# ومنها: ما احتج به في المنتهى (1) تبعا للخلاف - (2) على ما في شرح
~~الدروس - (3) من أن الصلاة بالماء النجس حرام، فالإقدام على ما لا يؤمن معه
~~أن يكون نجسا إقدام على ما لا يؤمن معه فعل الحرام، فيكون حراما.
# ولا يخفى ضعفه، فإن حرمة الصلاة بالماء النجس إن اريد بها الحرمة الذاتية
~~فالمتجه منعه، لعدم قيام دليل عليه من الشرع بالخصوص، وإن اريد بها الحرمة
~~التشريعية فالمتجه منع كلية المقدمة الثانية، لأنه لا يأتي بالماء المذكور
~~إلا لرجاء إصابة الماء الطاهر، فلا يعلم اندراجه في موضوع التشريع ليكون ms754
~~حراما.
# ومنها: ما عن المعتبر (4) من أن يقين الطهارة في كل منهما معارض بيقين
~~النجاسة ولا رجحان، فيتحقق المنع.
# وعن المعالم الإيراد عليه: " بأن يقين الطهارة في كل واحد بانفراده إنما
~~يعارضه الشك في النجاسة لا اليقين " (5).
# واستجوده شارح الدروس، وأضاف إليه: " أنه لو تم المعارضة من دون رجحان
~~فما الوجه في المصير إلى المنع، لم لا يصار إلى أصلي البراءة والطهارة "
~~(6).
# والظاهر أن المراد بيقين الطهارة في الحجة اليقين الفعلي بالطهارة
~~المرددة ظاهرا،
# PageV01P822
# المتساوي نسبتها من جهة الاشتباه إليهما معا، وهذا وإن كان مما يقتضي
~~جواز الاستعمال، غير أنه يعارض اليقين الفعلي بالنجاسة المرددة المتساوي
~~نسبتها إلى كل واحد، المقتضي لمنع الاستعمال.
# وقوله: " ولا رجحان " أي لا مزية لأحد اليقينين لتوجب الأخذ به في حد
~~ذاته، لعدم تعين مورده، فلابد من مراجعة الخارج، ومقتضاه المنع عن الجميع،
~~إما لحكم العقل بوجوب الإطاعة التي لا يحصل العلم بها إلا بذلك، أو لبناء
~~العرف على تقديم أدلة المنع على أدلة الجواز وفهمه حكومة الاولى على
~~الثانية.
# وبالجملة مرجع هذه الحجة - بناء على الظاهر - إلى ما قررناه وحققناه،
~~وعليه يضعف ما ذكر في الإيراد عليه، ولا سيما الوجه الثاني، فإن كلا من
~~أصلي البراءة والطهارة مما يصار إليه في غير موضع العلم بالخلاف، وكأن مبنى
~~الوجه الأول على توهم إرادة اليقين السابق من يقين الطهارة، فيقال في دفعه:
~~إنه لا مقابل له في كل واحد منفردا إلا احتمال النجاسة، وهو لا يصلح معارضا
~~لليقين بالطهارة السابق على طرو الاشتباه، بل هو مما يحقق الاستصحاب ومحله،
~~أو يوجب مراجعة أصل الطهارة الجاري في كل مشكوك في نجاسته.
# وأنت خبير بما فيه من أنه لا يجري في أكثر الصور المتقدمة، ولا سيما صورة
~~تأخر الشبهة عن اليقين بنجاستهما معا عند إصابة المزيل لأحدهما المشتبه،
~~فينعكس فرض الاستصحاب حينئذ، مع أن اليقين بالنجاسة ولو كانت مرددة المفروض
~~وجوده في المقام صالح لنقض اليقين السابق بالطهارة، ضرورة أنه يقين نقضناه
~~بيقين مثله، مع أن مقتضى القاعدة ms755 المتقدمة المأخوذة من حكم العقل عدم الفرق
~~بين الصور المشار إليها، التي منها ما لو كان المشتبهان مسبوقين بالطهارة
~~كما في مورد الرواية، أو بالنجاسة، أو غير معلوم الحالة السابقة.
# ولعله لأجل ما أشرنا إليه من توهم جريان الاستصحاب أو أصل الطهارة قد
~~يقال:
# " ويحتمل ضعيفا الفرق بين الصور بالحكم بجواز ارتكاب أحدهما في الاولى
~~دون الأخيرتين، أو في الاولى والأخيرة دون الثانية " (1)، بل ومقتضى
~~القاعدة جريان الحكم في الشيئين
# PageV01P823
# المختلفين في الماهية المعلوم بإصابة النجاسة لأحدهما لا بعينه كما نبهنا
~~عليه سابقا.
# وأما ما في المدارك من أنه " يستفاد من قواعد الأصحاب أنه لو تعلق الشك
~~بوقوع النجاسة في الماء وخارجه لم ينجس الماء بذلك، ولم يمنع من [استعماله]
~~" (1)، آخذا له مؤيدا لما تقدم منه من إنكار لزوم الاجتناب عن الجميع فغير
~~واضح الوجه، إذا كان كل من المشتبهين مما يحوج إلى استعماله المكلف في
~~مشروط بالطهارة، بحيث لو فرض علم تفصيلي له بمورد النجاسة لكان مخاطبا
~~بالاجتناب عنه خطابا فعليا كثوب بدنه، وماء إناءه الذي يريد استعماله أو
~~شربه، والأرض التي يريد التيمم بها، أو ماء يريد شربه، وأرض يريد التيمم
~~بها (2) وما أشبه ذلك.
# وليس في كلام الأصحاب ولا في أخبار الأئمة الأطياب عليهم صلوات الله رب
~~الأرباب ما يقضي بما ادعاه تصريحا ولا تلويحا.
# نعم، في رواية علي بن جعفر المتقدمة في مواضع متكثرة من الأبواب المتقدمة
~~ما ربما يوهم ذلك حيث يقول: " عن رجل رعف فامتخط فصار الدم قطعا صغارا،
~~فأصاب إناءه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال: إن لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا
~~بأس، وإن كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه " (3).
# وقد تقدم منا ما يدفع ذلك، فإن الرواية صريحة في إصابة الإناء ولا مدخل
~~له بصورة الاشتباه، والسؤال واقع عن صلاحية إصابة الإناء أمارة على إصابة
~~الماء أيضا ليوجب الامتناع عنه في الوضوء، فالمورد ليس إلا من باب الشك
~~الصرف في إصابة الماء، وهذا من مجاري أصالة الطهارة، ولذا أناط الإمام
~~(عليه ms756 السلام) الامتناع عنه باستبانة الدم في الماء.
# ويمكن تنزيل كلامه إلى ما لا يستلزم توجه التكليف الفعلي بالاجتناب على
~~تقدير العلم التفصيلي بموقع النجاسة، بحمل " الخارج " الذي هو أحد طرفي
~~الشبهة على ما لا يقع موضع ابتلاء للمكلف، بحيث لو فرض توجه التكليف إليه
~~لعد عبثا، لكنه يخرج حينئذ عن كونه مؤيدا لمطلوبه.
# وبالجملة هاهنا صورتان، إحداهما: ما لو كان كل من أطراف المشتبه من مواضع
~~ابتلاء
# PageV01P824
# المكلف، على وجه صح توجه التكليف إليه فعلا على تقدير عدم الاشتباه، مع
~~كون التكليف الفعلي مسببا عما حصل الاشتباه في مورده.
# واخراهما: ما لم يكن بعض الأطراف من مواضع ابتلاء المكلف، أو كان لكن كان
~~الحكم بالاجتناب عن بعض معين ثابتا على كلا تقديري إصابة هذه النجاسة
~~المرددة وعدمها، كما لو أصاب قطرة بول أو دم وتردد بين إصابته الماء أو
~~الثوب، وإصابته الأرض النجسة أو العذرة الموجودة فيها أو البالوعة ونحوها.
# ولا ريب أن محل الكلام ومورد حكم العقل هو الصورة الثانية، إذ مع
~~الابتلاء تنجز التكليف الفعلي ويقوم العلم الإجمالي بتحقق سببه مقام العلم
~~التفصيلي حسبما ذكرنا.
# وأما الصورة الثانية فالارتكاب فيها لمحل الابتلاء من أطراف الشبهة جائز
~~قطعا، والعلم الإجمالي بتحقق النجاسة المرددة بينه وبين غير محل الابتلاء
~~لا يؤثر في تنجز التكليف أصلا، فأصالة الطهارة فيه سليمة عن المعارض قطعا.
# ومنه ما لو وقع النجاسة على ما يتردد بين ثوبه وثوب شخص آخر الذي لا يمس
~~له الابتلاء بذلك، ومنه ما لو ترددت النجاسة الواقعة بين وقوعها في إنائه
~~الذي يريد التطهر به أو استعماله في أكل أو شرب أو في الماء الكثير أو
~~الجاري الموجود عنده، فإن أمثال هذه الفروض من باب الشك الصرف في التكليف،
~~بالقياس إلى ما لو علم بتحقق السبب فيه تفصيلا لكان مكلفا بالاجتناب عنه
~~فعلا.
# ثم إن هاهنا فروعا ينبغي التعرض لبيانها لما فيها من عموم النفع.
# أحدها: إذا اتفق ملاقاة طاهر للمشتبه، فهناك صور.
# الاولى: ما يتولد معه العلم التفصيلي بالنجاسة، ms757 كما لو اتفق ملاقاته لكلا
~~طرفي الشبهة.
# الثانية: ما يتولد معه العلم الإجمالي، كما لو اتفق ملاقاة طاهر لأحد
~~طرفي الشبهة وآخر لطرفها الآخر.
# الثالثة: ما يتولد معه مجرد الاحتمال.
# ولا إشكال في الصورة الاولى لدخول المفروض في النجس المعلوم بالتفصيل،
~~ولا في الصورة الثانية لدخول المفروضين في الشبهة المحصورة فيلحقهما حكمها،
~~وأما PageV01P825
# الصورة الثالثة ففيها إشكال نشأ من جهة خلاف بين الأصحاب، فقيل: بأنه لا
~~يلحقه حكم المشتبه ولا يجب اجتنابه، صرح به في المدارك (1)، وحكى القطع به
~~عن المحقق الشيخ علي في حاشية الشرائع (2)، والميل إليه عن جده (قدس سره)
~~في روض الجنان (3)، لأن احتمال ملاقاة النجس لا يرفع الطهارة المتيقنة، وقد
~~روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: " ليس ينبغي لك أن
~~تنقض اليقين بالشك أبدا " (4) ولأنه لم يعلم ملاقاته لنجس، وإنما علم
~~ملاقاته لما يجب الاجتناب عنه مقدمة، فهو باق على أصالة الطهارة، ولا يجري
~~فيه دليل وجوب الاجتناب عن النجاسة الواقعية بعد حكم الشارع بأنه طاهر غير
~~نجس.
# وقيل: بأنه يلحقه حكم المشتبه الذي منه وجوب غسله، صرح به العلامة في
~~المنتهى قائلا: " بأنه لو استعمل أحدهما وصلى به، لم تصح صلاته ووجب غسل ما
~~أصابه المشتبه بماء متيقن الطهارة كالنجس " (5).
# ثم حكى عن الحنابلة وجها بعدم وجوب غسله، لأن المحل طاهر بيقين، فلا يزول
~~بشك النجاسة.
# فأجاب عنه: " بأنه لافرق هنا بين يقين النجاسة وشكها في المنع بخلاف غيره
~~" (6).
# واجيب عنه: " بأن اليقين بالنجاسة موجب لليقين بنجاسة ما أصابه، وأما
~~الشك فيها فلا يوجب اليقين بنجاسة ما أصابه، فيبقى على أصالة الطهارة، وعدم
~~الفرق بين اليقين والشك هنا شرعا إنما هو في وجوب الاجتناب لا في تنجيس
~~الملاقي " (7).
# والوجه في ذلك: أن الساري من حكم النجس الواقعي إلى كل من المشتبهين إنما
~~هو الحكم التكليفي أعني وجوب الاجتناب، لأن الاجتناب عن كل واحد مقدمة
~~علمية للواجب، وأما الحكم الوضعي وهي نفس النجاسة فلا يعقل سرايتها إليهما،
~~بل هي قائمة بما ms758 هو نجس واقعا. ويظهر من صاحب الحدائق موافقة العلامة، حيث
~~يقول: " بأن مقتضى القاعدة المستفادة من استقراء الأخبار الواردة في أفراد
~~الشبهة المحصورة أن
# PageV01P826
# الشارع أعطى المشتبه بالنجس والحرام حكمهما، ألا ترى أن ملاقاة النجاسة
~~بعض أجزاء الثوب مع الاشتباه بباقي أجزاءه موجب لغسله كملا " (1).
# ورد: بمنع عموم هذه الدعوى إن اريد بها جميع الأحكام، وعدم جدواه إن اريد
~~في الجملة.
# وبمثل ذلك اعترض صاحب المعالم على ما ذكر في الاحتجاج على مذهب العلامة،
~~من أن المفروض كون الاشتباه موجبا للإلحاق بالنجس في الأحكام، فملاقيه إما
~~نجس أو مشتبه بالنجس، وكلاهما موجب للاجتناب، قائلا: " وفساده ظاهر، فإن
~~إيجاب الاشتباه للإلحاق بالنجس إن كان في جميع الأحكام فهو عين المتنازع؛
~~وإن كان في الجملة فغير مجد، وكون مطلق الاشتباه موجبا للاجتناب في حيز
~~المنع، وإنما الموجب لذلك على ما هو المفروض اشتباه خاص " انتهى (2).
# وتحقيق المقام: أنه لا يمكن مقايسة ملاقي المشتبه كائنا ما كان على نفس
~~المشتبه في شئ من أحكامه حتى الحكم التكليفي المعبر عنه هنا بوجوب
~~الاجتناب، لأن أصالة الطهارة أصل قرره الشارع - حسبما تقدم بيانه مفصلا -
~~لإحراز الطهارة في كل ماء - بل كل شئ - مشكوك في نجاسته، باعتبار الشك في
~~عروض وصف النجاسة بتحقق سببه وعدمه، ولا ريب أن المقام من مجاريه، السليمة
~~عما يمنع جريانه، ومعناه القاعدة المقتضية لإجراء جميع أحكام الطهارة
~~وآثارها، وعدم الاعتناء باحتمال طرو النجاسة - ولو ظنا - ما لم يستند إلى
~~دليل شرعي.
# وقضية ذلك كونه في مجاريه علما شرعيا بالطهارة في ترتيب أحكامها، كالدخول
~~في الصلاة وغيرها من مشروط بالطهارة، متلبسا بمورده باستعمال وغيره من
~~أنواع الملاقاة، وتناوله أكلا أو شربا أو نحو ذلك من أنواع التصرفات المنوط
~~جوازها بالطهارة، فلا يعارضه أصل الشغل الجاري في الصلاة ونظايرها، ولا
~~استصحاب الأمر المقتضيين للعلم بالبراءة المتوقف على ترك مباشرة المورد،
~~لأن العلم المأخوذ في مقتضاهما بملاحظة الأدلة الشرعية القطعية، التي
~~عمدتها السيرة والإجماع الضروري والأخبار المتفرقة في الأبواب الفقهية
~~البالغة فوق حد التواتر، ms759 معنى أعم من الشرعي
# PageV01P827
# الذي هو موجود في المقام.
# ولا يجري نظيره في نفس المشتبه لعدم كونه من مجاريه المأخوذ فيها الشك في
~~عروض الوصف، ضرورة أن أحد فردي المشتبه متيقن طهارته والفرد الآخر متيقن
~~نجاسته، ولا شك في شئ منهما، غاية الأمر حصول الاشتباه بين موردي الطهارة
~~والنجاسة المتيقنتين، ومعه لا يعقل جريان الأصل المعلق على الشك في عروض
~~الوصف، ولا ينفع في ذلك فرض الكلام في أحدهما المعين الذي هو مشكوك في
~~طهارته ونجاسته، لأن هذا الشك شك في تعيين ما عرض له الوصف لا أنه شك في
~~عروض الوصف، ومثله لم يعلم كونه مشمولا لأدلة الأصل إن لم ندع العلم
~~بالعدم.
# ولو سلم عموم الأدلة، فهذا الأصل كما يمكن فرض جريانه في هذا المعين
~~فكذلك يمكن جريانه في المعين الآخر، وإعماله فيه دون صاحبه ترجيح بلا مرجح،
~~وإعمالهما معا طرح لأدلة النجس الواقعي المحرز لأحكامه جميعا فيما هو النجس
~~الواقعي من الفردين، واعتبار التخيير بينهما مما لم يقم عليه دليل من العقل
~~ولا النقل، فيبقى حكم العقل بلزوم اجتناب الجميع مقدمة للعلم بالامتثال
~~سليما عما يرفعه.
# ولا يمكن استفادة التخيير من نفس أدلة الأصل، كما هو في سائر موارد
~~التخيير المعلق على الاضطرار، ولذا كان التخيير الثابت فيها راجعا إلى حكم
~~العقل الذي هو هنا بعد حكمه بلزوم تحصيل المقدمة العلمية غير معقول.
# ومما ذكر جميعا يندفع ما توهم في المقام من أن الموجب لسقوط أصالة
~~الطهارة في المشتبه الملاقى - بالفتح - وهي معارضتها بأصالة طهارة المشتبه
~~الآخر موجود بعينه في الثالث الملاقي - بالكسر -، فيسقط أصالة طهارته أيضا،
~~فيجب الاجتناب عنه مقدمة للواجب الواقعي.
# هذا مع أن المعارضة بين الأصلين بالنسبة إلى المقام إنما تتأتى فيما كان
~~الأخذ بأحد الأصلين منافيا للعلم بحصول امتثال الأمر بالاجتناب عن النجس
~~الواقعي، كما في الأصل الجاري في كل من المشتبهين، ولا ريب أن ما يجري في
~~الملاقي بالكسر ليس بهذه المثابة، لعدم دخول مورده في أطراف العلم الإجمالي
~~المحرز للتكليف الفعلي. ms760
# فإن قلت: مقتضى الخطاب بالاجتناب عن النجس الواقعي وجوب ترتيب جميع
~~PageV01P828
# آثار النجس على المشتبه، التي منها الاجتناب عن ملاقيه، كما أن منها
~~الامتناع عن تناوله أكلا وشربا، ولا يعلم امتثال هذا الخطاب إلا بالامتناع
~~عن ملاقي المشتبه أيضا، فيكون ذلك أيضا مقدمة علمية للامتثال.
# قلت: آثار النجس الواقعي على قسمين:
# أحدهما: ما ليس له في ترتبه موضوع سوا نفس النجس المعلوم وجوده هنا فيما
~~بين المشتبهين، كحرمة تناوله أكلا وشربا، وعدم إجزاء استعماله في مشروط
~~بالطهارة.
# وثانيهما: ما له في ترتبه موضوع أثبته الشارع، لا يترتب ذلك الحكم إلا
~~بعد كون ذلك الموضوع محرزا، كوجوب الاجتناب عن ملاقي النجس، فأنه حكم تابع
~~لموضوعه وهو الملاقاة، وهو في المقام غير محرز، لعدم تبين كون الملاقى -
~~بالفتح - هو النجس الواقعي، ومجرد الاحتمال غير كاف في ذلك، فحينئذ لم يعلم
~~كون الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - المفروض هنا من آثار النجس المشتبه،
~~كما علم ذلك في الملاقي لكلا المشتبهين.
# وبجميع ما ذكر ينقدح أنه لو فقد المشتبه الملاقي لم يكن المشتبه الآخر مع
~~الملاقى من باب الشبهة المحصورة كما قد يتوهم.
# نعم، لو اتفق اشتباه الملاقى بالمشتبه الملاقي أو صاحبه استقرت الشبهة
~~بين الجميع، لدخول الملاقى في دائرة العلم الإجمالي.
# وثانيها: لو انصب أحد الإنائين بعد ملاقاة النجاسة وقبل العلم بها، فإذا
~~علم بها حصل الاشتباه في محل الملاقاة هل هو الإناء المنصب أو الباقي؟ لم
~~يجب الاجتناب عن الباقي لا أصالة ولا مقدمة.
# أما الأول: فلعدم تبين كون الملاقاة بالنسبة إليه.
# وأما الثاني: فلعدم تنجز التكليف بذي المقدمة، أما قبل الانصباب فلعدم
~~العلم بتحقق السبب، وأما بعده فلعدم العلم ببقاء الموضوع.
# ومن هذا الباب ما لو انصب أحد الإنائين بعد الاشتباه الطاري لمحل
~~الملاقاة المعلومة، ضرورة أن ارتفاع موضوع الحكم من مسقطاته، وبقاؤه مع هذا
~~الفرض غير معلوم، ومعه لا يعلم ببقاء التكليف. ولا يمكن إبقاء الموضوع بحكم
~~الاستصحاب، لأن PageV01P829
# الانصباب قد حدث بيقين والشك في المنصب، ولا يعقل تعيينه بالأصل، ولا ms761
~~يمكن أيضا استصحاب وجوب الاجتناب كما توهم، إذ لو اريد به الوجوب الأصلي
~~المعلق على النجس الواقعي فبقاء موضوعه غير محرز، ولو اريد الوجوب المقدمي
~~فهو - مع أنه تابع لوجوب ذي المقدمة ووجوده - حكم قد ثبت من العقل الذي هو
~~موجود مع الفرض، فينبغي المراجعة إليه نفسه لا استصحاب حكمه، ولا نجده بعد
~~المراجعة إلا ساكتا، كيف وحكمه كان مبنيا على عدم اقتناعه باحتمال الامتثال
~~في موضع تيقن الاشتغال، وهو في الفرض غير متيقن.
# فما يقال هنا: من أنه يجب الامتناع عن الآخر الباقي لبقاء حكم العقل
~~الثابت قبل الانصباب، ولا معنى لارتفاعه بتعذر الامتناع عن المنصب، شئ لا
~~نعقله، فحينئذ لو اشتبه طاهر آخر بذلك المشتبه الباقي لا يوجب اندراجهما في
~~عنوان الشبهة، فما في منتهى العلامة من أنه " لو كان أحدهما متيقن الطهارة
~~والآخر مشكوك النجاسة، كما لو انقلب أحد المشتبهين ثم اشتبه الباقي بمتيقن
~~الطهارة، [وكذا لو اشتبه الباقي بمتيقن النجاسة] وجب الاجتناب " (1) ليس
~~بسديد.
# نعم، قوله: " وكذا لو اشتبه الباقي بمتيقن النجاسة وجب الاجتناب " سديد.
# هذا كله إذا كان النظر إلى إثبات الحكم من جهة القاعدة، وأما بناء على
~~الاقتصار على النص فيمكن استفادة الإلحاق منه في مورده بناء على عدم التعدي
~~عنه إلى غيره، نظرا إلى أنه لو كان انصباب أحدهما وسيلة إلى رفع التكليف
~~بالاجتناب المسوغ لاستعمال الباقي في طهارة وغيرها لكان على المعصوم (عليه
~~السلام) الإرشاد إليه بالأمر باهراق أحد الإنائين دون الجميع، فالأحوط إذن
~~الاجتناب عن الباقي وطاهر مشتبه به أيضا، ولا يترك هذا الاحتياط البتة.
# وثالثها: إذا تمكن المكلف عن ماء آخر غير المشتبهين لصلاته حدثا أو خبثا
~~تعين بلا إشكال ولا خلاف، ولا يسوغ معه العدول عن المائية إلى التيمم، وإذا
~~لم يتمكن عن ماء آخر فإن لم يمكن له الصلاة بالطهارة المتيقنة عن الحدث
~~فالظاهر أنه لا إشكال أيضا عندهم في تعين العدول إلى التيمم، وإن أمكن له
~~الصلاة بالطهارة المتيقنة كما لو
# PageV01P830
# تطهر بأحدهما وصلى، ثم تطهر بالآخر ms762 وصلى بعد ما غسل من أعضائه ما لاقاه
~~الأول، فالمصرح به في كلام جمع المنع عنه أيضا، بل في الحدائق: " الظاهر
~~أنه لا خلاف في الحكم المذكور " (1)، والمنقول عن المعتبر في تعليله: " أنه
~~ماء محكوم بالمنع منه، فيجري استعماله مجرى النجس " (2)، وعن بعضهم: " أنه
~~يصدق عليه بعد الطهارة الاولى أنه متيقن الحدث شاك في الطهارة، ومن هذا
~~[شأنه] لا يسوغ له الدخول في الصلاة نصا وإجماعا، والوضوء الثاني يجوز أن
~~يكون بالنجس، فيكون قد صلى بنجاسة " (3).
# وعلله في المدارك: " بأن هذين المائين قد صارا محكوما بنجاستهما شرعا،
~~واستعمال النجس في الطهارة مما لا يمكن التقرب به، لأنه بدعة "، ثم قال: "
~~وفيه ما فيه " (4) ولعله لمنع المقدمة الاولى، حيث إن هذين المائين إنما
~~حكم بالاجتناب عنهما لا بنجاستهما معا، ولا ملازمة بين وجوب الاجتناب عن شئ
~~ونجاسته، والمانع عن قصد التقرب إنما هو النجاسة المتيقنة، وهي مع الصلاة
~~بكل واحد بعد استعماله منفردا ثم غسل ما لاقاه الأول غير حاصلة، ومقارنة
~~رجاء إدراك الصلاة مع الطهارة الحدثية رافعة لعنوان البدعة، واحتمال فوات
~~الطهارة الخبثية عند كل صلاة لا يعارض اليقين بوقوع إحداهما مع الطهارة لا
~~محالة.
# نعم، إنما يترتب الأثر على هذا الاحتمال فيما لم يتخلل صلاة بين
~~الوضوئين، بأن توضأ بأحدهما ثم توضأ بالآخر بعد ما غسل به العضو الملاقي
~~للأول ثم صلى، فإن الغسل وإن كان يمنع عن يقين وجود النجاسة في العضو حين
~~الوضوء الثاني والصلاة به، غير أنه يوجب اليقين بطرو النجاسة للعضو المردد
~~بين كونه بالوضوء الأول أو غيره لا محالة، مع عدم اليقين بزوالها بمجرد ذلك
~~الغسل لجواز كونه باعثا على طروها، ولا ريب أن المقام حينئذ من مواضع
~~الاستصحاب، والنجاسة المستصحبة كالنجاسة المتيقنة في اقتضاء المنع، وليس
~~كذلك الحال في الفرض المتقدم لاستلزامه وقوع إحدى الصلاتين بالطهارة
~~المتيقنة.
# PageV01P831
# نعم، قضية ما نبهنا عليه من تقرير الاستصحاب تحقق المنع في هذا الفرض
~~أيضا عن الصلاة الثانية ولو بمعونة أصالة تأخر الحادث، بملاحظة أن استعمال
~~الماء ms763 الثاني في غسل العضو والوضوء بعده مع استلزامه حصول اليقين بطرو
~~النجاسة للعضو لا محالة مردد بين كونه مقتضيا لطروها أو رافعا للطاري، فلا
~~يمكن الحكم عليه بأحد العنوانين معينا، لكن أصالة تأخر الحادث يقتضي مقارنة
~~طروها له، ولا يمكن الاستناد إلى أصل الطهارة بالقياس إلى العضو لانقطاعه
~~باليقين المذكور، فالإقدام على الصلاة ثانيا حينئذ إلقاء للنجاسة المستصحبة
~~ونقض لليقين بها بمجرد الشك، فهذه الصلاة محكوم بفسادها جدا، وإن لم نقل
~~بحرمة فعلها من جهة تحقق عنوان البدعة فيها، أو حرمة مخالفة الاستصحاب، أو
~~حرمة الصلاة بالنجاسة - ولو مستصحبة - حرمة ذاتية.
# ومن هنا لا يبعد طرد نظير هذا الكلام إلى الصلاة الاولى أيضا، بملاحظة
~~أنه حين الإقدام عليها شاك في شرط الصحة من طهارة حدثية وخبثية معا، ومعلوم
~~أن الشك في الشرط يستلزم الشك في المشروط، والشك في الصحة كاف في الحكم
~~بالفساد، إذ لابد في الإقدام عليها على وجه الصحة من كون شروط الصحة محرزة
~~ولا محرز لهذين الشرطين.
# ولو سلم أن الطهارة الخبثية مما يحرز بالأصل فلا يتم ذلك في الطهارة
~~الحدثية، بل الأصل بالنسبة إليها يقتضي الخلاف كما لا يخفى، فالمانع عن
~~الاقدام على هذه الصلاة هو استصحاب الحدث، كما أن المانع عن الصلاة الثانية
~~هو استصحاب الخبث.
# ومع قيام هذين المانعين فكيف يكتفي بهاتين الصلاتين في إحراز الصحة
~~وامتثال الأمر بالصلاة، ولعله إلى ما قررناه ينظر الثاني من الوجوه
~~المتقدمة في سند المنع، فتبين أنه أوجه من الوجهين الآخرين.
# فما يقال: من أن الأقوى وجوب الجمع بين الوضوءين مع التيمم على تقدير
~~إمكان غسل العضو الملاقي لأول المائين ثم الصلاة عقيب كل وضوء غير واضح
~~الوجه، فإن الوضوءين لاقتران كل منهما بما يقتضي بطلان الصلاة معه يكون
~~وجودهما بمنزلة عدمهما، فهما مع التيمم كالحجر الموضوع جنب الإنسان.
# إلا أن يقال: بأن المكلف قبل الإقدام على إيجاد الوضوءين يعلم أن أحدهما
~~يقع PageV01P832
# بماء طاهر على محل طاهر، فيعلم أن إحدى الصلاتين تقع جامعة لشرطي الطهارة
~~الحدثية والخبثية ms764 معا، وإن كان لا يعلم به عند إيجاد كل بعينه، فهو من أول
~~الأمر قاصد لإيجادهما بداعي إدراك المأمور به الواقعي وهو الصلاة الجامعة
~~للشرطين، كما في الصلاة إلى الجهات الأربع عند اشتباه القبلة بشرط أن لا
~~يقصد عند إيجاد كل كونه بعينه المأمور به الواقعي، ولا كونه بعينه مقدمة
~~علمية، بل يأتي بكل على أنه بعض من العدد المندرج فيه المأمور به الواقعي،
~~فالاشتباه لا ينافي قصد التقرب والنية التي هي الداعي في الحقيقة، وانضمام
~~التيمم حينئذ إلى الوضوءين إنما هو للخروج عن شبهة الحرمة الذاتية في
~~التطهر بالماء النجس الموجبة لسقوط الأمر بالمائية، لعدم إمكانها بعد فرض
~~وجوب الاجتناب عن الجميع مقدمة علمية للاجتناب الواجب، الثابت وجوبه
~~بالقياس إلى ما هو نجس في الواقع، كما هو الحال بالقياس إلى مقام الاستعمال
~~في الأكل والشرب، فيكون الوجه في وجوب الجمع حينئذ هو الاحتياط الذي هو
~~واجب في نظائر المقام.
# لكن يشكل ذلك: بأن الالتزام بذلك الاحتياط رعاية لتحصيل الطهارة الحدثية
~~على وجه اليقين ترك للاحتياط بالقياس إلى رعاية الطهارة الخبثية، لما عرفت
~~من أن الغسل المتخلل بين الوضوءين مورث لطرو النجاسة اليقينية، ومحرز
~~لموضوع استصحاب تلك النجاسة المتيقنة إلى أن يقارن الوضوء والصلاة الثانيين
~~للنجاسة المستصحبة في العضو، ومعه لا يعقل كونهما بعضا من العدد المندرج
~~فيه المأمور به الواقعي.
# فالأقوى إذن الاكتفاء بصلاة واحدة مع الوضوء بإحدى المائين مع انضمام
~~التيمم إليه، هذا كله على حسب القواعد مع قطع النظر عن النص، ولعله عليه
~~يبتني كلام الأصحاب في الاستدلال على المنع من الاستعمال رأسا بالوجوه
~~المتقدمة وإلا فالنص المتقدم ذكره في الإناءين صريح في المنع من الاستعمال
~~مطلقا والأمر بالتيمم، فالأخذ بمقتضى النص يستدعي تعين التيمم، وكون
~~التكليف في الصلاة معه فقط.
# إلا أن يقال: بأنه حكم ثبت في محل خاص ولا عموم في النص ليشمل ساير أفراد
~~الشبهة الحاصلة في المائين.
# وأما ما في كلام بعض مشايخنا (1) من احتمال تنزيله على صورة عدم التمكن
~~من
# PageV01P833
# إزالة النجاسة ms765 المتيقنة عن بدنه، فإن تكرار الصلاة مع كل وضوء وإن كان
~~ممكنا، إلا أنه قد لا يمكن إزالة النجاسة للصلاة الآتية ولسائر استعمالاته
~~المتوقفة على طهارة يده ووجهه، مع كون المقام من مواضع ترك الاستفصال
~~المفيد للعموم في المقال، ليس على ما ينبغي، إذ لم يعلم بقاطع ولا موهن له
~~في المقام.
# فتقرر بجميع ما ذكر: أن الأقوى الاقتصار على التيمم في مورد النص خاصة،
~~والجمع بينه وبين استعمال أحد المائين في غيره عملا بالاحتياط.
# ورابعها: ما تقدم من الكلام إنما هو في استعمال أحد المائين أو كليهما
~~للطهارة عن الحدث، وأما بالقياس إلى الطهارة عن الخبث ففي جوازه بأحدهما،
~~أو بهما معا، أو عدم جوازه مطلقا وجوه، نسب أوسطهما إلى جماعة منهم العلامة
~~الطباطبائي (رحمه الله) القائل في منظومته " وإن تواردا على رفع الحدث * لم
~~يرتفع، وليس هكذا الخبث " (1).
# وهذا هو الأقوى عملا بالطهارة المتيقنة المشكوك في استناد حصولها إلى
~~الغسل بالماء الأول أو الغسل بالماء الثاني لكن بعد انضمام أصالة التأخر،
~~لأنها أمر حادث يشك في بدو زمان حدوثه، فأصل العدم يقتضي حدوثه بالغسل
~~الأول، وليس في المقام أصل يقتضي النجاسة، إذ لو اريد بها النجاسة السابقة
~~على الغسلين فالأصل بالنسبة إليهما منقطع بالقطع بأن أحد الغسلين قد أثر
~~طهارة لا محالة، ولو اريد بها ما يستند طروها إلى ملاقاة النجس الواقعي من
~~هذين المائين المقطوع بتحققها.
# ففيه: أن هذه الملاقاة هنا غير معلوم التأثير، لأن المنجس إنما يفيد
~~تنجيسا إذا ورد محلا فارغا عن النجاسة ومن الجائز مصادفة الغسل بالماء
~~النجس نجاسة المحل، بأن يكون هو أول الغسلين، ولا أثر له في إفادة التنجيس،
~~ومصادفته طهارة المحل بأن يكون هو ثاني الغسلين، فيكون موجبا لنجاسة المحل
~~ثانيا، وقضية ذلك كون النجاسة الثانية مشكوكا في حدوثها رأسا، فلا يعقل
~~بالنسبة إليها أصل.
# ولو سلم أن المتنجس قابل للتنجيس ثانيا، فأقله معارضة الأصل المقتضي
~~لتأخر تلك النجاسة للأصل المتقدم المقتضي لتأخر الطهارة الحاصلة من الغسل
~~بطاهر
# PageV01P834
# المائين، فيتساقطان، فيرجع ms766 إلى أصالة الطهارة في الأشياء، ولا معارض لها
~~بعد تساقط الأصلين وانقطاع الأصل بالنسبة إلى النجاسة السابقة.
# فبجميع ما ذكر يندفع ما يقال - في وجه الاحتمال الثالث مما تقدم - من: أن
~~المرجع بعد تساقط الأصلين عموم ما دل على وجوب غسل الثوب من النجاسة
~~المرددة مثلا إذا فرضناها بولا، دل قوله (عليه السلام): " اغسل ثوبك من
~~أبوال ما لا يؤكل لحمه " (1) على وجوب الغسل عقيب كل بول، والأمر بالغسل
~~وإن لم يعلم بقاؤه، إلا أن الاحتياط اللازم عند الشك في سقوط الأمر يقتضي
~~وجوب الغسل، فإن وجوب الاحتياط يدفعه الأصل المشار إليه، واستحبابه غير
~~مفيد.
# نعم، مقتضى الاحتياط واستصحاب النجاسة السابقة لزوم الغسل بكل من المائين
~~وعدم الاقتصار على أحدهما.
# فما يقال - في وجه الاحتمال الأول مما تقدم -: من أن إطلاقات الغسل
~~بالماء يقتضي ذلك، غاية الأمر أنه خرج منها ما علم نجاسته وبها يدفع
~~استصحاب نجاسة المحل، واضح الضعف، فإن المنساق من الإطلاقات كون الغسل
~~حاصلا بالماء الطاهر، فالمفروض غير معلوم الاندراج فيها.
# ولو سلم الشمول لكن دليل اشتراط الطهارة في الغاسل المسلم عند المستدل -
~~كما يفصح عنه قوله: " خرج منها ما علم نجاسته " - قيدها بصورة الطهارة،
~~والشرط غير معلوم الحصول فيحصل به موضوع استصحاب النجاسة في المحل، وهو
~~محرز لموضوع تلك الإطلاقات وهو النجاسة، ضرورة أن النجاسة التي يجب الغسل
~~عنها أعم من النجاسة المستصحبة، ومع ذلك فكيف يندفع بها الاستصحاب المذكور.
# نعم، يندفع بحصول ما علم كونه رافعا بحسب الشرع وهو غير معلوم الحصول كما
~~عرفت.
# ثم لو انصب أحد المائين ففي وجوب الغسل بالآخر عند انحصار الماء فيه
~~وعدمه وجهان، من أن النجاسة المستصحبة كالنجاسة المتيقنة في اقتضاء المنع
~~ووجوب الغسل ونحو ذلك من سائر أحكام النجاسة، والغسل المذكور لا يوجب
~~ارتفاع شئ
# PageV01P835
# من تلك الأحكام، بل غاية ما يوجبه إنما هو نقل النجاسة المتيقنة إلى
~~النجاسة المستصحبة، فالأحكام بعد باقية، فلم يترتب عليه فائدة، فلا وجه
~~لإيجابه.
# ومن أن النجاسة الغير المعلومة أهون في نظر ms767 الشارع من معلومتها، فلذا
~~القي أحكام النجاسة الواقعية بمجرد انتفاء العلم بها، والأول اولى للأصل
~~وإن كان أحوط.
# وخامسها: اختلفوا في وجوب إراقة المائين الواردة في النص المتقدم في
~~الإنائين، فعن الشيخين (1) والصدوقين (2) الوجوب لظاهر الأمر الوارد في
~~النص، وعن ابن إدريس (3) ومن تأخر عنه الثاني، وعليه العلامة في المختلف
~~(4) وغيره، وعن بعض الأصحاب (5) أن علة الأمر بالإراقة ليصح التيمم، لأنه
~~مشروط بعدم الماء.
# وقد يعد ذلك قولا على حدة في مقابلة الأول، حملا له على وجوبها تعبدا
~~وذلك على وجوبها مقدمة للتيمم.
# ورده غير واحد - كما في المختلف (6)، وعن المعتبر (7)، أيضا -: " بأن
~~وجود الماء الممنوع من استعماله لا يمنع التيمم كما في المغصوب ".
# وحاصله: أن شرط التيمم عدم التمكن من استعمال الماء لا مجرد عدمه، ومنع
~~الشارع عن استعمال هذا الماء رافع لتمكن الاستعمال، فالشرط حاصل، ومعه لا
~~حاجة إلى إراقة الماء.
# وهذا كما ترى مبني على حرمة الاستعمال ذاتا حتى في رفع الحدث، وهو محل
~~إشكال.
# والأولى في دفع هذا القول أن يقال: إن التيمم مع وجود هذا الماء إما أن
~~يكون سائغا أو لا، فعلى الأول لا مقتضي للإراقة، وعلى الثاني يتعين المائية
~~بذلك الماء، وذلك يكشف عن عدم المنع من استعماله في الطهارة، ضرورة امتناع
~~التكليف بالمتناقضين كامتناع عدم ثبوت التكليف بشئ من البدلين.
# وبذلك يظهر ضعف ما ذكر في توجيه الأمر الوارد في النص، نعم إنما يتجه ذلك
# PageV01P836
# فيمن يشك في حصول شرط التيمم والحال هذه، فيلتزم بإراقة الماء إحرازا
~~للشرط المشكوك فيه، وهو مستحيل على المعصوم (عليه السلام).
# فالأقوى إذن عدم وجوب الإراقة للأصل، ولا ينافيه الأمر الوارد لظهور كونه
~~كناية عن النجاسة والمبالغة فيها، كما في كثير من الأخبار بالقياس إلى غير
~~المقام، المتقدمة في بحث انفعال القليل، وإطلاق مثل هذا اللفظ في موضوع
~~إرادة المبالغة في عدم ترتب الفائدة المطلوبة من الشئ شايع في العرف
~~والعادة.
# ويؤيده: أنه لو كان مكان المائين عين النجس لم يجب إراقته بالضرورة.
# المقام الثاني: في الماء ms768 المشتبه بالمغصوب، والكلام فيه أيضا كسابقه في
~~وجوب الاجتناب عن الجميع، وعدم جواز ارتكاب شئ كلا ولا بعضا، والدليل عليه
~~أيضا ما تقدم على جهة التفصيل، وما عن بعض أفاضل متأخري المتأخرين من
~~استشكاله في ذلك استنادا إلى قوله (عليه السلام): " كل شئ فيه حلال وحرام
~~فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " (1)، ليس بشئ.
# والمعروف عن علماء الاصول في تلك المسألة ونظايرها التي منها المسألة
~~المتقدمة المندرج جميعها في عنوان " الشبهة المحصورة " أقوال، قد استقصينا
~~الكلام في جرحها وتعديلها في المسألة الاصولية، فلو ارتكب كليهما أو أحدهما
~~فعل حراما، لكن لو توضأ أو اغتسل بهما ففي صحته أقوال.
# أحدها: الصحة، لأن أحدهما ماء مباح، ولا شك أنه قد وقع الطهارة، فيستلزم
~~أن تكون صحيحة، وكون كل منهما حراما منهيا عنه لا يوجب الفساد، بعد منع
~~دلالة النهي على فساد العبادة، حكى التصريح به عن بعض محققي متأخري
~~المتأخرين.
# وثانيها: عدم الصحة، صرح به غير واحد من متأخري أصحابنا، وقواه العلامة
~~في المنتهى (2) تعلقا بنهي العبادة المقتضي للفساد، ويقين الاشتغال المقتضي
~~ليقين البراءة الغير الحاصل هنا، لعدم حصول الجزم بالتقرب، بل التقرب بما
~~يحتمل كونه حراما احتمالا مساويا ربما يعد قبيحا، بل هو الظاهر، فلا يقع
~~الامتثال.
# وثالثها: الفرق بين صورتي انحصار الماء فيهما فلا يصح، وعدمه فيصح، لأن
# PageV01P837
# الانحصار يوجب ارتفاع الأمر بالمائية وعدم تعلقه رأسا، لامتناع الأمر
~~باستعمال ما نهي عن استعماله، بخلاف صورة عدم الانحصار فإن الأمر بالمائية
~~متوجه جزما، ومباح الماء موجود بين المشتبهين، فالمكلف قبل اشتغاله
~~باستعمال هذا وذاك قاصد باستعمالهما لإدراك الطهارة بالمباح الموجود فرضا،
~~وبذلك يتحقق قصد التقرب وإن لم يستتبع حصوله بفعله المنهي عنه ولو مقدمة،
~~فإن شرط الصحة قصد التقرب لا حصوله، بل الشرط في الحقيقة قصد الامتثال
~~الموجب للتقرب، فالتعبير عنه به تعبير باللازم.
# فلو سلم حينئذ أنه مع تفطنه بأنه يفعل المحرم جازم بعدم حصول التقرب،
~~ومعه يستحيل منه القصد، نقول: إن استحالة قصد التقرب لا تستلزم استحالة قصد ms769
~~الامتثال.
# وفيه: منع إمكان حصول قصد الامتثال، بل عدم إمكان قصد التقرب لعدم إمكان
~~قصد الامتثال، ضرورة أن الامتثال بمعنى موافقة الأمر فرع الأمر، وإيجاد
~~الطهارة بهذين المائين بعد فرض كونه محرما فكيف يعقل كونه موردا للأمر،
~~والمفروض أنه ليس إلا أمرا واحدا، والأمر الواحد لا يصلح موردا للأمر
~~والنهي، وكونه موردا لأحدهما دون الآخر خلاف الفرض أو مثبت للمطلوب من
~~انتفاء الأمر، فلا جرم يتقيد المأمور به بغير هذين المائين وإن كان بينه
~~وبين استعمالهما المنهي عنه عموم من وجه، لضابطة ما تقرر في الاصول من
~~امتناع اجتماع الأمر والنهي وإن كان أحدهما مقدميا الموجب للتصرف في الأمر،
~~ومجرد كون أحد المائين مباحا ذاتيا مع فرض الحرمة العرضية المانعة عن تعلق
~~الأمر غير مجد كما لا يخفى، فالأقوى إذن عدم الصحة.
# نعم، لو استعملهما أو استعمل أحدهما في رفع الخبث كان مجزيا، لا لحصول
~~الامتثال، بل لسقوط الأمر بحصول الغرض في الخارج.
# والمقام الثالث: في الماء المشتبه بالمضاف، المصرح به في كلام الأصحاب
~~وجوب التطهير بكل منهما، وهو كذلك لوجود الماء جزما والتمكن قطعا، فيثبت
~~الأمر بالمائية لوجود المقتضي وفقد المانع، ولا يحصل يقين الامتثال إلا
~~بالجمع، فيجب تحقيقا لمقتضي يقين الاشتغال.
# والمناقشة فيه: بأنه لابد من الجزم كما في النية، ولا جزم هنا عند شئ من
~~الطهارتين، قد عرفت ما فيها من أن الجزم هنا حاصل قبل التشاغل، فأنه جازم
~~بأن PageV01P838
# أحد المشتبهين ماء وهو باستعمالهما معا يدرك استعمال الماء المأمور به،
~~فينوي من حينه امتثال الأمر وأداء المأمور به، فيأتي بهذا وذاك بداعي هذه
~~النية، مع مقارنتها من حينها لنية كون الجمع بينهما مقدمة للعلم، من غير أن
~~ينوي في كل بخصوصه عنوان المقدمية، ولا عنوان كونه مأمورا به على جهة
~~الاستقلال، غاية الأمر أنه ينوي عند إيجاد كل إيجاد الوضوء أو الغسل
~~بشرايطهما وآدابهما المقررة في الشريعة.
# وأما ما يقال في دفعها: من منع اشتراط مثل هذا الجزم في النية، ولو سلم
~~فهو في صورة تيسر ms770 الجزم أو الظن، وأما مع عدم التيسر فلا، فإن اريد به منع
~~اعتبار الجزم في الخصوصيتين بدعوى: كفاية الجزم الإجمالي في تيسر نية
~~التقرب فهو راجع إلى ما ذكرناه، وإن اريد به منع اعتبار الجزم رأسا فهو
~~واضح الضعف، كيف وهو - عند التحقيق - راجع إلى إنكار اعتبار نية التقرب في
~~صحة العبادة، ضرورة أنها غير ممكن الحصول مع عدم الجزم ولا الظن المعتبر
~~بوجود المأمور به مع المأتي به لا تفصيلا ولا إجمالا.
# وما يقال: من أن احتمال المطلوبية ولو مرجوحا يكفي في تأتي قصد التقرب،
~~فإنما يسلم إذا جامع هذا الاحتمال للجزم الإجمالي بوجود المأمور به الواقعي
~~مع المأتي به، بأن يكون الاحتمال بالقياس إلى الخصوصية والجزم في الأمر
~~المردد بينها وبين خصوصية اخرى، كما في اشتباه القبلة ونحوها، ولا يوجب ذلك
~~الترديد في النية، لأنه إنما يلزم إذا كان التردد بين أن يفعل وأن لا يفعل،
~~لا إذا تردد المأمور به اليقيني بين هذا وذاك.
# ثم إن هذا الحكم عند عدم التمكن عن ماء آخر غير مشتبه واضح، وأما مع
~~التمكن عنه فالمحكي عن ثاني الشهيدين في شرحه للإرشاد (1) عدم الصحة،
~~للقدرة على الجزم التام في النية فلا تصح بدونه، ومرجعه إلى عدم الاكتفاء
~~بالامتثال الإجمالي مع التمكن عن الامتثال التفصيلي، ولا يخلو عن قوة كما
~~تقدم الإشارة إليه في مباحث النزح.
# وهاهنا مسألة اخرى وهي: أنه لو انقلب أحد المشتبهين بحيث تعذر استعماله،
~~فالمنقول في المدارك عن الأصحاب " أنهم قطعوا على وجوب الوضوء بالباقي مع
~~التيمم، مقدما للأول على الثاني " (2) انتهى.
# PageV01P839
# ونقل القطع عن الأصحاب كما ترى لا تقصر عن نقل إجماعهم على المسألة، غير
~~أنه على كل تقدير يشكل التوفيق بينه وبين المحكي عن جده في روض الجنان (1)
~~من الاستناد لأصل الحكم إلى القواعد العملية من أصل الشغل والاستصحاب،
~~القاضي بعدم كونه بالخصوص مأخوذا من المعصوم، ونظير هذه القواعد مما لا
~~سبيل له إلى إعطاء القطع إلا أن يفرض بالقياس إلى الحكم الفعلي الظاهري.
# وكيف كان ms771 فالعبارة المنقولة عن روض الجنان ما هذه صورته: " ولو فرض
~~انقلاب أحدهما قبل الطهارة وجب الطهارة بالآخر ثم التيمم، لما تقدم من أن
~~الجمع مقدمة الواجب المطلق، ولأن الحكم بوجوب الاستعمال تابع لوجود المطلق،
~~وقد كان وجوده مقطوعا به فيستصحب إلى أن يثبت العدم، ويحتمل ضعيفا عدم
~~الوجوب فيتيمم خاصة، لأن التكليف بالطهارة مع تحقق وجود المطلق وهو منتف،
~~ولأصالة البراءة من وجوب الطهارتين.
# وجوابهما: يعلم مما ذكرناه، فإن الاستصحاب كاف في الحكم بوجود المطلق،
~~وأصالة البراءة منتفية بوجوب تحصيل مقدمة الواجب المطلق وهي لا تتم إلا
~~بفعلهما معا.
# فإن قيل: ما ذكرتم من الدليل يقتضي عدم وجوب التيمم، فإن استصحاب وجود
~~المطلق - إن تم - لا يتم معه وجوب التيمم، إذ هو مع الاشتباه لا مع تحقق
~~الوجود.
# قلنا: الاستصحاب المدعى إنما هو استصحاب وجوب الطهارة بناء على أصالة عدم
~~فقد المطلق، وذلك لا يرفع أصل الاشتباه، لأن الاستصحاب لا يفيد ما في نفس
~~الأمر، فالجمع بين الطهارتين يحصل اليقين " (2) انتهى.
# وكأن مراده بالواجب المطلق الذي يجعل الجمع مقدمة له يقين البراءة الذي
~~يستدعيه يقين الشغل بالصلاة مع الطهارة المرددة بين المائية والترابية،
~~الواجب بحكم العقل، المتوقف على الجمع بين الطهارتين، وعليه فهذا هو الوجه
~~الذي لا محيص عنه، فيكون القول بوجوب الجمع - كما نقل القطع به عن الأصحاب
~~- مما لابد من المصير إليه.
# وأما التمسك باستصحاب وجود المطلق ففي غاية الوهن، ضرورة أنه لا يجدي إلا
~~مع الحكم من جهته بكون هذا الموجود هو الماء المطلق، وهو محال بعد ملاحظة
~~أن
# PageV01P840
# استصحاب وجود المضاف أيضا يقتضي الحكم عليه بكونه مضافا، ومع الغض عن ذلك
~~فوجود الماء - على ما تقرر في الشريعة - مع إمكان استعماله مانع عن
~~[الترابية] (1) ورافع للتكليف بها، ومعه فلا مقتضي للجمع.
# والاعتذار له: " بأن المدعى هنا استصحاب وجوب الطهارة بناء على أصالة عدم
~~فقد المطلق، وذلك لا يرفع أصل الاشتباه، لأن الاستصحاب لا يفيد ما في نفس
~~الأمر "، غير نافع في دفع الإشكال، بعد ملاحظة أن ms772 وجوب الطهارة المائية -
~~ولو ثبت بنحو الاستصحاب - لا يجامع التكليف بالترابية، ولا يعتبر في وجود
~~المطلق كونه معلوما بالعلم الحقيقي، بعد ملاحظة كون الاستصحاب - على فرض
~~جريانه واستكماله شرائط الحجية - علما شرعيا قائما مقام العلم الحقيقي، ولا
~~يعتبر فيه إفادة نفس الأمر و إلا انسد باب التعويل عليه، وخرج عن كونه أصلا
~~تعبديا غير ناظر إلى ما في الواقع ونفس الأمر.
# وأما ما عن بعض الأصحاب - كما في المدارك -: " من أن الماء الذي يجب
~~استعماله في الطهارة إن كان هو ما علم كونه ماء مطلقا فالمتجه الاجتزاء
~~بالتيمم وعدم وجوب الوضوء به كما هو الظاهر، وإن كان [هو] ما لا يعلم كونه
~~مضافا اكتفي بالوضوء، فالجمع بين الطهارتين غير واضح " (2).
# فيدفعه: أن الواجب استعماله في الطهارة ليس هذا بعينه ولا ذاك بخصوصه، بل
~~ما هو ماء مطلق بحسب الواقع ونفس الأمر، لكن الواقع لكونه مما لا مرآة له
~~إلا العلم، ولا طريق إلى إدراكه إلا من جهة الاعتقاد بالمعنى الشامل
~~للشرعي، فلابد في حكم العقل من إحرازه بطريق علمي ولو شرعا، وحيثما فقد
~~الطريق بكلا قسميه مع عدم قيام ما يرفع الخطاب بالواقع سوا الاشتباه الغير
~~الصالح للرفع إلا مع فرض كون المنصب المتعذر استعماله هو المطلق، إتجه
~~الاحتياط في حكم العقل مقدمة ليقين الشغل بالطهارة أو بالصلاة معها، حسبما
~~تقدم بيانه بما لا مزيد عليه.
# نعم، يبقى الإشكال فيما تقدم في كلام الأصحاب من اعتبار تقديم المائية
~~على الترابية فأنه غير واضح الوجه، كما حكى التنبه عليه عن المفصل المتقدم
~~ذكره، حيث
# PageV01P841
# أنه بعد العبارة المتقدمة عنه قال: " ومع ذلك فوجوب التيمم إنما هو
~~لاحتمال كون المنقلب هو المطلق، فلا يكون الوضوء بالآخر مجزيا، وهذا لا
~~يتفاوت الحال فيه بين تقديم التيمم وتأخيره كما هو واضح " (1) انتهى.
# ويمكن الاعتذار عنه بأن التيمم بدل اضطراري للمائية، ورتبته في الحكم
~~الشرعي متأخرة عنها، فينبغي أن يتأخر عنها أيضا في الوضع العملي، غير أنه
~~لا يفيد لزوم الاعتبار، فالإشكال من هذه الجهة ms773 على حاله، وإن كان مقتضى
~~الاحتياط الذي عليه مبنى الجمع هو ذلك خروجا عن شبهة مخالفة الواقع.
# * * * * * * *
# PageV01P842
# ينبوع ومما خصه الأصحاب بالعنوان بحث الأسئار، المتخذه لديهم قسما للمطلق
~~بجميع أقسامه، والمضاف بجميع فروضه التي يلحقها البحث هنا طهارة ونجاسة
~~وحرمة وكراهة، ونحن أيضا أفردناها بالذكر تأسيا لهم وتبعا لممشاهم، وإلا
~~فيشكل الحال كل الإشكال بأن منظور هذا الباب إن كان بيان حكم الماء من حيث
~~أنه ينفعل أو لا ينفعل بملاقاة ما يباشره من حيوان نجس العين أو طاهرها،
~~فقد تبين ذلك في المباحث المتقدمة المتكفلة لبيان ما ينفعل من الماء وما لا
~~ينفعل قليلا أو كثيرا، ولبيان ما كان يتعلق بالمضاف من الانفعال ونحوه.
# وإن كان بيان حكم ذي السؤر من أنواع الحيوانات من طهارة عينية أو نجاسة
~~عينية موجبة لانفعال السؤر مع قلته أو إضافته، فهو مما يتبين في مباحث
~~النجاسات ولا ربط له بهذا المقام.
# وإن كان بيان ما يتعرض لتحقيقه في ضمن بعض مباحث هذا الباب من كون زوال
~~عين النجاسة عن الحيوان أو غيبته بعد مباشرتها مطهرا له، فهو شئ ينبغي
~~إيراده في مباحث المطهرات.
# وإن كان بيان الأحكام التكليفية الراجعة إليه من حرمة استعماله أو كراهته
~~أو إباحته أكلا أو شربا أو تطهيرا، فالأنسب إيراده في باب الأطعمة
~~والأشربة.
# إلا أن يقال: إن استعماله في مقام التطهير لم يتبين حكمه من الحرمة
~~والكراهة في الأبواب الاخر، فهو المقصود بالبيان هنا، وإن بين معه أحكام
~~اخر من الطهارة والنجاسة وغيرها تبعا، لمراعاة شدة مناسبة إيراده في أبواب
~~المياه، على حد ما روعي ذلك في مباحث الماء المستعمل في الحدث كبيرا أو
~~صغيرا وإن كان له محل مناسب أيضا في PageV01P843
# أبواب الطهارات، غير أن ذلك أنسب لكون موضوع القضية الذي هو العمدة من
~~أجزائها هو الماء، وهو المأخوذ عنوانا في جملة من الأخبار حسبما يأتي ذكرها
~~مفصلة.
# وكيف كان فقد اختلفت كلمة أئمة اللغة في تفسير " السؤر " بحسب اللغة
~~اختلافا دائرا بين أقوال، مرجعها إلى ما ms774 تكفلها العبارة المنقولة عن كاشف
~~اللثام من: " أنه في اللغة: البقية من كل شئ، أو ما يبقيه المتناول من
~~الطعام والشراب، أو من الماء خاصة " (1).
# ومثله ما في الرياض بزيادة " مع القلة " عقيب قوله: " من الماء خاصة "
~~مفرعا عليه: " أنه لا يقال لما يبقى في النهر أو البئر أو الحياض الكبار
~~إذا شرب منها " (2)، وكأنه غفلة عما ورد في بعض الروايات من أنه " لا يشرب
~~سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه " (3)، أو مبني على جعله من
~~باب الاستعمال الأعم، أو على جعل الاستثناء من باب الانقطاع.
# وعلى أي حال فأول الوجوه: قول نقل التصريح به عن القاموس بقوله: "
~~البقية، والفضلة " وفي معناه ما في المجمع عن الأزهري مع دعوى الاتفاق عليه
~~قائلا: " اتفق أهل اللغة أن سائر الشئ باقية قليلا كان أو كثيرا.
# وثانيها: مما لم نقف تحصيلا ولا نقلا على صريح من كلامهم، نعم عن المغرب
~~وغيره - على ما في المجمع - أنه: " بقية الماء التي يبقيها الشارب في
~~الإناء أو في الحوض، ثم استعير لبقية الطعام " (4) ولكنه لا يلائم الوجه
~~المذكور إلا بحمله على إرادة ما يعم المعنى الحقيقي والمجازي على ما هو
~~مقتضى العبارة المذكورة، أو على إرادة ما يعم المعنى اللغوي الثابت بالوضع
~~الأولي والعرفي الثابت بالوضع الثانوي، بناء على حمل الاستعارة في العبارة
~~المذكورة على ما استتبع النقل العرفي.
# وثالثها: ما نسب إلى المعالم أنه نقله عن الجوهري بعبارة: " البقية بعد
~~الشرب " (5) غير أن في شرح الدروس (6) ما يقضي بإنكار وجدانه في الصحاح،
~~فلعله لم يجده بهذه
# PageV01P844
# العبارة كما تنبه عليه في الحدائق (1)، وإلا فهو منقول عنه بعبارة قوله:
~~" يقال: إذا شرب فأسار، أي أبقى شيئا من الشراب في قعر الإناء " (2) وعن
~~المعتبر: " السؤر: لغة بقية المشروب " (3) وفي الحدائق - عن المجمع -: أنه
~~نقل عن الأزهري " أن السؤر هو ما يبقى بعد الشرب " (4) وهو كما ترى لا
~~يوافق ما قدمنا نقله عنه عن الأزهري، وليس في النسخة الحاضرة عندنا سواه.
# نعم فيها (5) عن النهاية: ms775 " سائر مهموز، ومعناه الباقي، لأنه اسم فاعل من
~~السؤر، وهو ما يبقى بعد الشراب، وهذا مما يغلط فيه الناس فيضعونه موضع
~~الجميع " (6) فإن ذلك يمكن أن يرجع إلى القول المذكور المنسوب إلى المجمع
~~نقله عن الأزهري، بناء على كون الذيل بيانا للصدر، ويحتمل رجوعه إلى أحد
~~القولين الأولين بناء على كون الخصوصية المأخوذة في الذيل واردة من باب
~~المثال.
# وربما يوجد في كلام بعض أهل اللغة ما يبائن جميع الأقوال المذكورة
~~كالفيومي في المصباح المنير، قائلا: " إن السؤر من الفأرة وغيرها كالريق من
~~الإنسان " (7).
# ولم يتعرض لذكره كثير من الأصحاب، إما لتبين ضعفه عندهم، أو لعدم ارتباطه
~~بمقام البحث.
# وقد يوجه ذلك: بأنه إما معنى آخر وأنه في الأصل لذلك، أو أن تسمية بقية
~~المشروب سؤرا لما يمازجه من الريق بسبب الشرب، ولا يخفى بعده.
# وكيف كان فمقتضى القول الأول عدم الفرق في البقية بين كونها من مأكول أو
~~مشروب، مطلق أو مضاف، قليل أو كثير، في آنية أو غيرها، أو من غيرهما من
~~جامد أو مايع، كما أن مقتضى القول الثاني اختصاصها بالمشروب مع عدم الفرق
~~فيه بين المطلق والمضاف، والقليل والكثير في الإناء أو غيره.
# وأما القول الثالث فمقتضاه - على ما في الصحاح (8) والمعتبر - (9) عدم
~~الفرق فيه
# PageV01P845
# بين كون المشروب من ماء أو مضاف، فيخالفه نقل الكاشف (1) حينئذ من هذه
~~الجهة، وكأنه مبني على توهم انصراف الشرب إلى ما يستلزم الماء، كما أن
~~اعتبار القلة - على ما سمعته عن الرياض - (2) لعله لأجل توهم الانصراف،
~~وإلا فقد عرفت عن الأزهري تصريحا بالتعميم بالقياس إلى القليل والكثير.
# نعم، ربما يتبادر إلى الذهن بملاحظة الاستعمالات كون الباقي أقل من
~~الذاهب وإن كان كثيرا في نفسه، غير أنه أيضا عند التحقيق تبادر بدوي لا
~~عبرة به، لعدم إباء الاستعمالات إطلاقه على الأكثر كما يظهر بأدنى تأمل.
# فمن هنا يعلم أن ما تقدم من تفريع الرياض المتضمن لنفي قول السؤر على ما
~~يبقى في النهر أو البئر أو الحياض الكبار إذا شرب منها، ms776 ليس على ما ينبغي.
# نعم، اشتراط القلة في المعنى المبحوث عنه هنا الوارد في كلام الأصحاب
~~الموجود في أخبار الباب كما حكي التصريح به عن جماعة، ليس ببعيد تعويلا على
~~ظهور الفتاوي والأخبار في القلة، غير أن تفسيرها حينئذ بما دون الكرية -
~~كما في جواهر بعض مشايخنا - (3) لعله غير مستقيم، وكأنه توهم عن كون بعض
~~الأحكام الجارية على السؤر ما لا يجري إلا إذا كان الماء قليلا بهذا
~~المعنى، كالنجاسة إذا كان ذو السؤر من نجس العين، وإلا فلقائل أن يقول: بأن
~~كلام الأصحاب مع روايات الباب لا يتناول في غير حكم النجاسة إلا ما كانت
~~القلة فاحشة، فلا يشمل البحث لكثير من أفراد ما دون الكر.
# وربما وقع النزاع عندهم في اختصاص البحث بالماء أو عمومه لمطلق المايع،
~~فعن جملة التصريح بالأول، وعن ابن إدريس (4) التصريح بالثاني، فلعل وجه
~~الأول ورود الروايات المشتملة على السؤر وما يرادفه في خصوص الماء كما يظهر
~~بأدنى تأمل، ووجه الثاني عدم الفرق في بعض أحكامه كالطهارة والنجاسة بين
~~سائر المايعات، بل ربما يستفاد من بعض الروايات ما يعم المايع مطلقا بل
~~الجامد أيضا، كما في المروي عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم
~~السلام) " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن أكل سؤر الفأر " (5)،
~~وصحيح زرارة عنه أيضا أن في كتاب علي (عليه السلام) " أن الهر سبع [و] لا
~~بأس بسؤره، وإني لأستحيي من
# PageV01P846
# الله أن أدع طعاما لأن الهر أكل منه " (1).
# وكما تستفاد منها عموم الحكم بالقياس إلى كل مأكول ومشروب، كذلك يستفاد
~~منها خصوصه بالقياس إلى كون المباشرة حاصلة بالفم، وكأنه من هنا نشأ مخالفة
~~صاحب المدارك للشهيد وغيره فيما سيجيء من الاعتراض عليه.
# لكن المستفاد من خبر العيص عن القاسم (2) عن سؤر الحائض قال: " توضأ منه،
~~وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة، وتغسل يدها قبل أن تدخلها الإناء، وقد
~~كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو وعائشة يغتسلان في إناء واحد " (3)
~~عموم الحكم لمطلق المباشرة كما ms777 فهمه جماعة، وهو الذي حكى التصريح به عن
~~السرائر (4) والذكرى (5)، والمهذب للقاضي (6)، والروض (7)، والمسالك (8)،
~~وغيرها.
# وعن المقنعة: " أن أسئار الكفار هو ما فضل في الأواني مما شربوا منه، أو
~~توضؤوا به، أو مسوه بأيديهم وأجسادهم " (9).
# وفي معناه ما عن بعضهم: " من أن السؤر عبارة عما شرب منه الحيوان أو
~~باشره بجسمه من المياه وسائر المايعات ".
# وبجميع ما ذكر - مضافا إلى ما يأتي - يعلم أنه لا فرق في المباشر بين
~~الآدمي وغيره من سائر أنواع الحيوان، كما صرح به غير واحد.
# وإن شئت فلاحظ المنتهى حيث إنه بعد العنوان أخذ بتقسيم السؤر باعتبار
~~انقسام ذيه قائلا: " الحيوان على وجهين: آدمي وغير آدمي، فالآدمي إن كان
~~مسلما أو بحكمه فسؤره طاهر، عدا الناصب والغلاة، فإن سؤرهم نجس.
# وغير الآدمي مأكول اللحم وغيره، فالأول سؤره طاهر، فإن كان لحمه مكروها
~~كان سؤره كذلك، كالفرس والحمار والبغل، وغير المأكول إما أن يكون نجس العين
# PageV01P847
# كالكلب والخنزير أو لا، والأول سؤره نجس، والثاني سؤره طاهر " - ثم قال
~~-: " هذا على القول المشهور لأصحابنا " (1) انتهى.
# ولقد أجاد الشهيد (رحمه الله) (2) وغيره (3) - على ما نقل - حيث أخذوا
~~بمجامع الفتاوى والجهات المستفادة من الأخبار وكلام العلماء الأخيار،
~~فقالوا في تعريفه الاصطلاحي:
# " أنه ماء قليل باشره جسم حيوان " (4).
# لكن يبقى المناقشة فيه من حيث كون جنسه الماء، وقد عرفت أن المستفاد من
~~الأخبار وغيرها ما يعم غير الماء أيضا.
# وأجود منه ما تقدم نقله عن بعضهم، وفي معناه ما نقله في المجمع من: " أنه
~~ما باشره جسم حيوان " (5) بناء على أن المراد بالتعريف هنا ما هو كذلك بحسب
~~الاصطلاح، فما في المدارك (6) من الاعتراض على ما سمعت عن الشهيد وغيره
~~بأنه غير جيد، بعد ما ذكر أن الأظهر في تعريفه في هذا الباب: " أنه ماء
~~قليل لاقاه فم حيوان "، ليس في محله، لما عرفت من أن المستفاد من بعض
~~الروايات ما يعم مباشرة الفم وغيره، هذا مع وضوح فساد ما ذكره في تعليله من
~~الوجهين.
# أحدهما: أنه مخالف لما نص ms778 عليه أهل اللغة، ودل عليه العرف العام بل الخاص
~~أيضا، كما يظهر لمن تتبع الأخبار وكلام الأصحاب.
# وجه الضعف: ما عرفت من أن كلا من الأخبار وكلام الأصحاب شاهد بخلاف ما
~~ذكره.
# وثانيهما: أن الوجه الذي جعل لأجله السؤر قسيما للمطلق مع كونه قسما منه
~~بحسب الحقيقة وقوع الخلاف في نجاسة بعضه من طاهر العين وكراهة بعض آخر،
~~وليس في كلام القائلين بذلك دلالة على اعتبار مطلق المباشرة، بل كلامهم
~~ودليلهم كالصريح في أن مرادهم بالسؤر المعنى الذي ذكرناه خاصة.
# وجه الضعف: صراحة كلامهم في خلاف ما ذكره، مع أن منشأ جعله قسيما
# PageV01P848
# للمطلق إن كان وقوع الخلاف في الطهارة والنجاسة فالأنسب له جعل البحث في
~~مطلق المباشرة، لأن ملاقاة الحيوان إذا قضت بنجاسة ملاقيه فلا يعقل اختصاصه
~~بعضو منه دون عضو، إن اريد بالنجاسة الصفة المقتضية لأحكامها دون نفس
~~الأحكام المقررة لها، لجواز كون ذلك تعبدا من الشارع، مختصا ببعض الفروض،
~~حسبما استفيد من دليل التعبد إن كان، وستعرف خلافه.
# وربما يحكى التعريف المتقدم عن الشهيد وجملة ممن تأخر عنه - كما في
~~الحدائق - (1) على وجه تضمن اعتبار طهارة الحيوان، فيقال: " أنه ماء قليل
~~باشره جسم حيوان طاهر " وهو كما ترى لا يوافق شيئا مما تقدم، وعلى فرض ورود
~~الإشتراط في كلام بعضهم، يدفعه: بعض ما تقدم مما يقضي بكون العنوان ملحوظا
~~على الوجه الأعم كما في عبارة المنتهى (2)، مضافا إلى ما في أكثر كتبهم من
~~التعرض لسؤر الكلب والخنزير وغيرهما مما يحكم عليه بنجاسة العين، كبعض فرق
~~الإسلام من الخوارج والغلاة.
# ثم إن المعنى المذكور على ما في كلام غير واحد من تقييده بالاصطلاح، أو
~~التنبيه على كونه مرادا من اللفظ في خصوص المقام، اصطلاح من المصنفين مأخوذ
~~من الأخبار المتفرقة، وفتاوى الفرقة المتفقهة من باب الأخذ بالقدر الجامع،
~~حسبما أشرنا إليه، وقد يحتمل كونه معنى شرعيا تعويلا على تعريف جمع له: "
~~بأنه " شرعا ماء قليل باشره جسم حيوان ".
# وفيه: منع واضح، لإمكان أن يراد به ما عند المتشرعة، ms779 أو ما عند حفظة
~~الشريعة، كيف ولم يثبت في كلام الشارع أصل الاستعمال على الوجه الأعم ولا
~~أخبار الأئمة (عليهم السلام)، ولو فرض وجوده أيضا فهو ليس إلا استعمالا غير
~~صالح للاستناد إليه في إثبات الوضع الشرعي، على ما هو مقرر في محله.
# ثم تمام البحث في أحكام هذا المعنى العام يقع في طي مسائل:
# المسألة الاولى: لا خلاف عند أصحابنا في نجاسة سؤر ما حكم بنجاسته شرعا
~~آدميا كان كالكافر والخوارج وهم أهل النهروان ومن دان بمقالتهم، والغلاة
~~وهم
# PageV01P849
# القائلون بإلهية علي (عليه السلام) أو أحد من الأئمة، والنواصب وهم
~~المبغضون لأهل البيت (عليهم السلام) كما في المدارك (1)، أو المعلنون
~~لعداوتهم (عليهم السلام) كما في حاشية الشرائع للشيخ علي، أو غير آدمي
~~كالكلب والخنزير، بل إجماعاتهم المنقولة على ذلك مستفيضة، ومصنفاتهم من نفي
~~الخلاف والإشكال مشحونة، ولو وجد خلاف في سؤر بعض ما حكم بنجاسته في الجملة
~~من أفراد موضوع تلك القاعدة فهو راجع إلى الصغرى، وهي نجاسة ذي السؤر أو
~~طهارته من آدمي كاليهود والنصارى والمجسمة والمجبرة وولد الزنا وكل مخالف
~~للحق، أو غير آدمي كالمسوخ من القرد والذئب والثعلب والأرنب، فإن المنقول
~~عن المفيد (2) في أحد قوليه طهارة اليهود والنصارى، وهو مذهب ابن الجنيد
~~(3) في مطلق أهل الكتاب، والباقون على النجاسة، وعن الشيخ في المبسوط (4)
~~نجاسة المجسمة والمجبرة، ووافقه جماعة (5) على نجاسة المجسمة، وعن المرتضى
~~(6) وابن إدريس (7) القول بكفر ولد الزنا، وعن جماعة كفر المخالفين، بل هو
~~المشهور بين المتقدمين كما في الحدائق (8)، وعن الشيخ (9) نجاسة المسوخ،
~~والكلام في جميع هذه الأقسام موكول إلى محله فيأتي إن شاء الله.
# المسألة الثانية: المشهور المدعى عليه الإجماع أن كلما حكم عليه بالطهارة
~~شرعا من الحيوانات فسؤره طاهر، على عكس القاعدة المتقدمة، وعزى ذلك إلى
~~عامة من تأخر، بل عن الغنية (10) والخلاف (11) الإجماع عليه، وهو صريح
~~السرائر - في عبارة محكية له - في باب الأطعمة والأشربة قائلا: " فأما ما
~~حرم شرعا فجملته إن الحيوان ضربان: طاهر ونجس، فالنجس الكلب والخنزير، وما ms780
~~عداهما كله طاهر في حال حياته، بدلالة إجماع أصحابنا، المنعقد على أنهم
~~أجازوا شرب سؤرها في حال الوضوء منه، ولم يجوزوا في الكلب والخنزير " (12).
# PageV01P850
# وعليه العلامة في جملة من كتبه (1)، وعزاه في الحدائق (2) إلى جمهور
~~المتأخرين، بل لا يوجد خلاف في المسألة إلا ما عن نهاية العلامة (3) من
~~استثناء سؤر آكل الجيف من الطير، وما عن المرتضى (4) وابن الجنيد (5) من
~~استثناء الجلال، وما عن الشيخ في التهذيبين من المنع من الوضوء والشرب من
~~سؤر غير مأكول اللحم عدا السنور والطير كما في التهذيب (6)، أو غير الفأرة
~~والطيور من البازي والصقر والعقاب وغيرها كما في الاستبصار (7)، معللا له
~~فيه بمشقة الاحتراز عنها.
# وعنه أيضا في المبسوط (8) المنع من سؤر ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الغير
~~الآدمي والطيور إلا ما لا يمكن التحرز عنه، كالهرة والفأرة، وربما نقل ذلك
~~عن المهذب (9) أيضا.
# وعن ابن إدريس أنه حكم بنجاسة سؤر ما أمكن التحرز عنه مما لا يؤكل لحمه
~~من حيوان الحضر غير الطيور، قائلا بأنه: " لا بأس بأسآر الفأر والحيات
~~وجميع حشرات الأرض " (10).
# ولا يخفى ما في هذا القول من السقوط لضعفه، ومخالفته الاصول المحكمة
~~المجمع عليها، والقواعد المتقنة السليمة عما يصلح لمعارضتها، وخصوصا ما
~~تقدم من الإجماع الذي ادعاه في الأطعمة والأشربة الحاصر للنجاسة المانعة عن
~~الاستعمال في سؤر الكلب والخنزير، ولعله هنا وقع منه خطأ فالتفت إليه في
~~الباب المذكور فعدل عنه مدعيا على خلافه الإجماع، كيف لا ونجاسة السؤر تتبع
~~نجاسة ذيه، ولا يظن أنه قائل بنجاسة ما عدا الكلب والخنزير من أنواع
~~الحيوانات والطيور - لكونه في غير ما وقع الخلاف في نجاسته مما تقدم
~~الإشارة إليه - على خلاف الطريقة المستمرة بين المسلمين المعلومة
# PageV01P851
# من صاحب الشريعة، ولو ادعاه هو أو غيره لم يكن له عليه دلالة من كتاب ولا
~~سنة.
# نعم، في مرسلة وشاء عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه كان
~~يكره سؤر كل شئ لا يؤكل لحمه " (1) ما يوهم ذلك، غير أنها - مع ما ms781 فيها من
~~الضعف بالإرسال، وعدم فهم الأصحاب منها إلا الكراهة المصطلحة التي هي في
~~الجملة مسلمة، وتوجه القدح إلى متنها من حيث إن الكراهة المأخوذة فيها لفظ
~~الراوي دون الإمام (عليه السلام) - من أخبار الآحاد التي لا عمل بها عنده،
~~مع معارضتها بأقوى منها سندا وأظهر دلالة وأصح متنا وهي صحيحة البقباق (2)،
~~المعتضدة بالشهرة العظيمة القريبة من الإجماع، مضافا إلى دعواه حسبما تقدم،
~~قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقرة، والإبل
~~والحمار والخيل، والبغال والوحش والسباع، فلم أترك شيئا إلا سألته عنه؟،
~~فقال: " لا بأس [به] حتى انتهيت إلى الكلب "؟ فقال: " رجس نجس، لا تتوضأ
~~بفضله، إلى آخره " (3).
# وفي معناها حسنة معاوية بن شريح قال: سأل عذافر أبا عبد الله (عليه
~~السلام) وأنا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة، والبعير والحمار والفرس،
~~والبغل والسباع، يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال: " نعم اشرب منه وتوضأ ".
~~قال: قلت له: الكلب؟ قال: لا. " قلت:
# أليس هو سبع؟ قال: " لا والله أنه نجس، لا والله أنه نجس " (4).
# وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) - في حديث -
~~قال: سألته عن العظاية (5) والحية، والوزغ، يقع في الماء فلا يموت، أيتوضأ
~~منه للصلاة؟ قال: " لا بأس به " (6).
# مع أنها لو صلحت مستندة لهذا الحكم المخالف للاصول فهي دالة عليه على جهة
~~العموم فما وجه تخصيصه بما خص به، ولو فرضنا، أنه قال بنجاسة السؤر مع
~~الاعتراف بطهارة ذيه فهو أشد ضعفا، بل هو عند التحقيق مما لا يكاد يعقل،
~~سيما مع ملاحظة
# PageV01P852
# استصحاب الطهارة وأصلها المستفاد من عمومات الآيات والروايات مع فقد ما
~~يوجب الخروج عنهما.
# إلا أن يراد بالنجاسة ما هو من أحكامها التي منها منع الشرب والوضوء لا
~~نفس الصفة المقتضية لتلك الأحكام، حتى يقال: بأنها عرضية لابد لها من منشأ
~~وليس إلا نجاسة ذي السؤر وقد فرض خلافه، فيرده: الأصلان المذكوران السليمان
~~عما يصلح للمعارضة، والمرسلة المتقدم إليها الإشارة قد تبين حالها.
# واحتمال كون ذلك ms782 كاغتسال الجنب في البئر المحكوم عليه كونه سببا للنزح
~~ولا سبب له إلا النجاسة وإن فرض خلو بدنه عنها، مردود من جهات شتى، من منع
~~الحكم في المقيس عليه، لابتناء أحكام البئر على الندب والاستحباب بناء على
~~التحقيق.
# ولو سلم الحتم فهو ليس إلا تعبدا صرفا كما عليه جماعة، فلا فرق فيه بين
~~وقوع النجس أو الطاهر، لكون الحكم حينئذ منوطا بمجرد التعبد لا لعروض صفة
~~النجاسة لماء البئر.
# ولو سلم كون بدن الجنب مع فرض طهارته موجبا لنجاسة الماء فهي نجاسة حكمية
~~لا حقيقية، ومع ذلك لا يلزم من ثبوتها ثمة ثبوتها هنا إلا قياسا وهو باطل.
# وبجميع ما ذكر تبين ضعف ما عرفته عن الشيخ في كتبه (1)، وعن المهذب (2)
~~أيضا، سواء أراد بالمنع ما هو كذلك تعبدا، أو ملزومه من النجاسة كما هو
~~الأظهر، بملاحظة ما في كلامه في الاستبصار (3) من جعله الجواز فيما استثناه
~~من باب العفو، لأجل كون التحرز عن ذلك مما يشق على الإنسان.
# هذا مع ضعف مستنده الذي هو موثقة عمار الساباطي (4) عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال:
# سئل عن ماء يشرب منه الحمام؟ فقال: " كل ما اكل لحمه يتوضأ من سؤره ويشرب
~~"، وعن ماء يشرب منه باز، أو صقر، أو عقاب؟ فقال: " كل شئ من الطير يتوضأ
~~مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره شيئا فلا
~~تتوضأ منه ولا تشرب " (5).
# PageV01P853
# وجه الدلالة - على ما بينه في التهذيب -: أن قوله: " كلما يؤكل لحمه
~~يتوضأ بسؤره ويشرب " يدل على أن مالا يؤكل لحمه لا يجوز التوضؤ به والشرب
~~منه، لأنه إذا اشترط في استباحة سؤره أن يؤكل لحمه دل على أن ما عداه
~~بخلافه، ويجري هذا المجرى قول النبي (صلى الله عليه وآله): " في سائمة
~~الغنم زكاة " في أنه يدل على أن المعلوفة ليس فيها زكاة (1).
# قال في الاستبصار - بعد إيراد الرواية -: " وهذا خبر عام في جواز استعمال
~~سؤر كل ما يؤكل لحمه من سائر الحيوان، وأن ما ms783 لا يؤكل لحمه لا يجوز استعمال
~~سؤره - إلى أن قال -: وما يتضمن هذا الخبر من جواز سؤر طيور لا يؤكل لحمها
~~مثل البازي والصقر إذا عرا منقارهما من الدم مخصوص من بين ما لا يؤكل لحمه
~~في جواز استعمال سؤره، وكذلك ما رواه إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) أن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: " لا بأس بسؤر الفأرة إذا
~~شربت من الإناء أن تشرب منه وتتوضأ منه ".
# الوجه فيه: أن نخصه من بين ما لا يؤكل لحمه من حيث لا يمكن التحرز من
~~الفأرة ويشق ذلك على الإنسان، فعفي لأجل ذلك عن سؤره " (2) انتهى.
# وجه الضعف - على ما بينه -: ابتناؤه على ثبوت مفهوم الوصف، ومن المقرر في
~~محله المنع من ذلك، ولو سلم ثبوته في أصل المسألة فقد يمنع ثبوته هنا
~~بالخصوص، كما يرشد إليه فرض السؤال ثانيا عما شرب منه باز أو صقر أو عقاب،
~~فأنه كاشف عن عدم انفهام الانتفاء عن المسكوت عنه وإلا لم يحتج إلى السؤال.
# ولو سلم أنه فهم الانتفاء في الجملة - أي على سبيل القضية الجزئية لا
~~القضية الكلية - فلا يجدي في ثبوت الدلالة على تمام المدعى، إذ الجزئية
~~صادقة في ضمن بعض ما لا يؤكل لحمه من الكلب والخنزير وغيره من نجس العين.
# وملخص هذا الكلام: أن الاستدلال لا يتم إلا بإثبات مقدمتين.
# إحداهما: ثبوت اعتبار المفهوم هنا، واخراهما: ثبوت كونه معتبرا على سبيل
~~الكلية، على معنى ثبوت الحكم المفهومي لجميع أفراد ما لا يؤكل لحمه.
# ولا ريب أن سؤال الراوي عقيب استماع المنطوق مع جواب الإمام (عليه
~~السلام) في مورد السؤال الذي هو بعض أفراد المسكوت عنه على طبق المنطوق
~~يكشفان عن عدم
# PageV01P854
# اعتبار المفهوم هنا رأسا، أو عن كونه معتبرا هنا على سبيل الجزئية
~~الصادقة في بعض أفراد المسكوت عنه كالكلب والخنزير، وأيا ما كان فالاستدلال
~~ساقط جزما.
# ومع الغض عن ذلك أيضا فدلالة المفهوم لا تقاوم دلالة المنطوق، وقد تقدم
~~من المناطيق ما يقضي بخلاف ms784 ذلك المفهوم، كما أن السند الموثق لا يقاوم
~~السند الصحيح، ولاسيما إذا اعتضد الصحيح بما تقدم ذكره من الشهرة العظيمة
~~التي كادت تكون إجماعا.
# وكيف كان فالعمل على الصحيح وفاقا للمعظم، لكون مفاده هو الصحيح، مع ما
~~فيه من العمل على الاصول والقواعد.
# المسألة الثالثة: لا فرق فيما حققناه من طهارة سؤر الحيوان الطاهر العين
~~لطهارة ذيه بين كون الحيوان مأكول اللحم أو غيره، ولا بين كونه آكل الجيف
~~أو غيره، سواء اريد من آكل الجيف ما من شأنه ذلك كما في صريح المدارك (1)،
~~أو ما برز منه الأكل في الخارج كما نقل التصريح به في الحدائق (2) عن
~~المنتهى (3).
# لنا على ذلك: مضافا إلى الاصول والقواعد المتقدم إليهما الإشارة، الموثقة
~~المتقدمة في عبارة الاستبصار السائلة عن ماء يشرب منه باز أو صقر أو عقاب،
~~المصرحة: " بأن كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه " إلى آخره، مضافة إلى
~~الصحيحة والحسنة المتقدمتين (4) المبيحتين لسؤر السباع، التي لا تكاد تنفك
~~عن أكل الجيف في الغالب، وإطلاق هذه الأحاديث كما ترى يشمل كلتا صورتي بروز
~~المبدأ في الخارج وعدمه، ومن هنا يمكن أن يؤخذ الأخبار الواردة في طهارة
~~سؤر الهرة - بل في فضله التي يأتي إليها الإشارة - دليلا على هذا المطلب،
~~بل المستفاد منها دلالة اخرى عليه من حيث تضمنها إعطاء قاعدة كلية في
~~السباع كما سيظهر وجهه.
# فما عرفته عن النهاية (5) من استثناء سؤر آكل الجيف إما لمنعه عنه كما في
~~بعض العباير الناقلة، أو لحكمه عليه بالنجاسة كما في الحدائق (6)، ومثله ما
~~عن كشف اللثام
# PageV01P855
# من " أن كلام القاضي (1) يعطي نجاسة السؤرين " (2) - يعني: هذا السؤر مع
~~سؤر الجلال -، مما لا يصغى إليه، لمخالفته الاصول المعتبرة والأخبار
~~المصرحة من جهات عديدة، كيف ولا مستند لشئ من المنع ولا الحكم بالنجاسة إلا
~~ما نقل من الاستدلال عليه بالمفهوم المتقدم في موثقة عمار المتضمنة لقوله
~~(عليه السلام): " كل ما أكل لحمه يتوضأ من سؤره ويشرب منه " (3) وقد تبين
~~ما فيه من وجوه المنع.
# وقد ms785 يجاب عنه: بعدم شموله لجميع أفراد المقام، لأن آكل الجيف قد يكون
~~مأكول اللحم فلا يجري فيه المفهوم، ضرورة امتناع وقوع شئ واحد موردا
~~للمنطوق والمفهوم معا، ولعله مبني على حمل آكل الجيف على ثاني المعنيين
~~المتقدم إليهما الإشارة، وإلا فعلى أولهما كان في غير محله، إذ لم يعهد إلى
~~الآن من أفراد ما يؤكل لحمه ما من شأنه أكل الجيف كما لا يخفى.
# وأما ما يجاب عنه أيضا: من أن الحكم معلق على عدم مأكولية اللحم ولا مدخل
~~لأكل الجيف فيه، فمما لا يرجع إلى محصل، إذ لو اريد به منع جريان الحكم
~~فيما يؤكل لحمه إذا أكل الجيف بالعرض فمرجعه إلى الجواب السابق، ولو اريد
~~به منع جريانه في غير مأكول اللحم إذا أكل الجيف فغير مفيد، لأن الحيثيتين
~~مجتمعتان، بل الحيثية الاولى لا تكاد تنفك عن الثانية، فالمنع ثابت على أي
~~تقدير.
# والعجب عن الحدائق (4) وتبعه غيره حيث جمع بين الجوابين، إلا أن يرجع
~~الثاني إلى منع انطباق الدليل على موضوع البحث وإن كان قد يجامع مورده.
# المسألة الرابعة: بالنظر في بعض ما تقدم يعلم الحكم في سؤر الجلال أيضا،
~~وهو على ما في كلام غير واحد المتغذي بعذرة الإنسان محضا إلى أن ينبت عليه
~~لحمه ويشتد عظمه، وزاد في المدارك قوله: " بحيث يسمى في العرف جلالا قبل أن
~~يستبرأ بما يزيل الجلل " (5) والظاهر أن الأخير قيد يرجع إلى الحكم لا أنه
~~من قيود الموضوع، وفيه التصريح بدعوى الشهرة على طهارة هذا السؤر (6)، ولا
~~فرق في ذلك بين كون
# PageV01P856
# الحيوان مأكول اللحم فصار جلالا أو غير مأكول اللحم من الطيور أو غيرها،
~~والقول بالمنع عن هذا السؤر مع طهارة ذيه كما عرفته عن المرتضى (1) كالقول
~~بنجاسته كما عرفت نقله عن القاضي (2) - فيما حكي عن كاشف اللثام - (3)
~~كالمحكي عن الإصباح (4) من نجاسة سؤر جلال الطيور، مما لا يعرف له وجه، كما
~~اعترف به غير واحد وحكي أيضا عن جمع.
# وربما نقل الاستدلال عليه: بأن رطوبة أفواهها تنشأ من ms786 غذاء نجس فيجب
~~الحكم بالنجاسة.
# وقد يحتمل الاستدلال عليه أيضا بما دل من الأخبار على نجاسة عرق الجلالة،
~~كخبر هشام بن سالم عن أبي عبد الله قال: " لا تأكلوا لحوم الجلالات، فإن
~~أصابك من عرقها فاغسل " (5) بناء على ما في حاشية الوسائل من مصنفه (6) -
~~على ما حكي - " من أنهم أجمعوا على تساوي حكم العرق والسؤر هنا، بل في جميع
~~الأفراد، والفرق إحداث قول ثالث ".
# وبملاحظة ما ذكر في الخبر من المنع عن أكل لحوم الجلالات أمكن الاستدلال
~~عليه أيضا بأخبار ما لا يؤكل لحمه - ولو من جهة المفهوم - كما علم من طريقة
~~الشيخ في غير مأكول اللحم (7)، بناء على أن المراد في مورد المفهوم المذكور
~~ما يعم المنع العرضي.
# وفي جميع هذه الوجوه ما لا يخفى من الضعف والاعتساف المخرج عن الإنصاف،
~~فإن الاستحالة المغيرة للعنوان رافعة لحكم النجاسة كما في غير المقام، مع
~~ما فيه من
# PageV01P857
# النقض - على ما في كلام غير واحد - (1) بما لو تغذى بغير العذرة من
~~النجاسات العينية من دم ونحوه، وبما لو تغذى بالمتنجس من العذرة، وبما لو
~~تغذى بها وبغيرها من النجاسات أو غيرها على جهة الانضمام، وبآكل الجيف
~~محضا، وببصاق شارب الخمر إذا لم يتغير به.
# وإحداث القول الثالث عن مستند شرعي - ولو كان من الاصول المعتبر - ليس
~~بباطل ما لم يثبت الإجماع على نفيه وبطلانه، وهو غير ثابت بل الثابت خلافه،
~~كيف وقد عرفت نقل الشهرة هنا على الطهارة.
# والمفهوم - مع ما فيه مما تقدم - ظاهر في المنع الذاتي، فلا يصرف إلى
~~المنع العرضي إلا بدليل وليس، وبالجملة الاصول الموجودة في المقام مما لا
~~سبيل إلى رفع اليد عنها، وهذا هو مستند الحكم هنا، وإن كان قد يستدل عليه
~~أيضا بعموم الروايات الحاكمة بطهارة سؤر الطيور والسنور والدواب والسباع،
~~التي منها: موثقة عمار " كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في
~~منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب " (2) المشتملة
~~على العموم اللغوي الذي ms787 قيل فيه إنه يتناول الأفراد النادرة أيضا، فلا يقدح
~~لو قيل بكون الجلال من الأفراد النادرة.
# ومنها: صحيحة البقباق (3) وحسنة معاوية بن شريح (4) المتقدمتان.
# وظني أن هذا في غير محله نظرا إلى أن النجاسة المبحوث عنها في تلك
~~المسألة ما يكون عرضيا ناشئا عن أمر عرضي للحيوان المأكول لحمه وغيره، ولعل
~~الروايات المذكورة أو أكثرها مسوقة لبيان الطهارة الذاتية المنافية للنجاسة
~~الذاتية، فلا تنافي النجاسة العرضية الناشئة عن الجلل، والعموم اللغوي في
~~الموثقة لا يجدي إلا في تعميم الحكم الأول بالقياس إلى جميع أنواع الطيور،
~~فيبقى الحكم الثاني مسكوتا عنه، ولا يمكن إثباته بتوهم [كونه] بالقياس إلى
~~الأحوال، بعد ملاحظة عدم كونه مسوقا لبيان ما
# PageV01P858
# عدا الطهارة الذاتية.
# إلا أن يستكشف الانسياق لبيان الطهارة على الوجه الأعم عن الاستثناء
~~الوارد في الموثقة لصورة وجود الدم في المنقار، نظرا إلى أنه إثبات للنجاسة
~~الفعلية الغير المنافية للطهارة الذاتية، فيكون المراد من المستثنى منه
~~إثبات الطهارة الفعلية التي هي أمر زائد على الطهارة الذاتية، فحينئذ يبقى
~~المناقشة في الاستدلال بعمومات اخر مما ورد في السنور والدواب والسباع
~~كالصحيحة والحسنة المتقدمتين، وغيرهما مما سيأتي ذكرها في بحث الهرة، فإن
~~الظاهر المنساق منها كونها لبيان الطهارة الذاتية، وستسمع زيادة بيان في
~~ذلك، فلا ينبغي أخذها مستندة لنفي النجاسة العرضية.
# وبالجملة فرق واضح بين النجاسة التي هي من مقتضيات ذات الحيوان وطبعه
~~والنجاسة الطارئة له لعارض، والكلام في المسائل السابقة نفيا وإثباتا كان
~~راجعا إلى النجاسة المستندة إلى الذات، وفي هذه المسألة راجع إلى النجاسة
~~المستندة إلى ما هو خارج عن الذات، فما انتهض دليلا على نفي النجاسة في
~~المقام الأول على جهة الاختصاص لا ينبغي أخذه دليلا على نفيها في المقام
~~الثاني، وإن كان ما انتهض دليلا على نفيها في المقام الثاني صالحا لأن يؤخذ
~~دليلا عليه في المقام الأول، والظاهر أن الأخبار المشتملة على استثناء صورة
~~وجود النجاسة من قبيل القسم الثاني، بخلاف الأخبار المتضمنة لنفي البأس عن
~~سؤر الهرة والدواب والسباع، فإنها ms788 لا تنطبق إلا على المقام الأول فتكون من
~~قبيل القسم الأول.
# المسألة الخامسة: والظاهر أنه لا خلاف عندهم في كراهة سؤر الجلال وآكل
~~الجيف، بل نسب القول بالكراهة في كلام غير واحد (1) إلى جمهور أصحابنا في
~~كل حيوان غير مأكول اللحم عدا السنور، ولعله لا ضير فيه لرواية الوشاء
~~المتقدمة (2) تسامحا في أدلة السنن، ويمكن الاستناد في ذلك أيضا إلى مستند
~~الكراهة في الأنعام الثلاثة من الخيل والبغال والحمير من جهة الأولوية كما
~~لا يخفى؛ وقد شاع في كلامهم التعليل لذلك أيضا بالخروج عن شبهة المنع
~~والتحريم، وليس على ما ينبغي عند التأمل،
# PageV01P859
# إذ الخروج عن الشبهة يقتضي المصير إلى ما يلازم الترك وليس إلا الاحتياط،
~~والكراهة ليست منه وإلا كانت تحريما.
# نعم، على الاكتفاء في قاعدة التسامح بمجرد فتوى الفقيه - خصوصا إذا صدرت
~~عن الجمهور - اتضح حكم المسألة من حيث الكراهة غاية الوضوح كما لا يخفى.
# وأما السنور فمقتضى فتوى غير واحد من الأصحاب مع ملاحظة ما ورد فيها من
~~الأخبار الكثيرة النافية للبأس عن سؤره، الحاكمة عليه بكونه من أهل البيت،
~~الآمرة باستعمال سؤره شربا ووضوءا وغيره مع أنواع التأكيدات انتفاء الكراهة
~~عن سؤره، بل قد يستظهر من الأخبار فضل ذلك السؤر، ففي الصحيح عن أبي عبد
~~الله (عليه السلام) " في الهرة أنها من أهل البيت ويتوضأ من سؤرها " (1)
~~وفي آخر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في كتاب علي (عليه السلام) " أن
~~الهر سبع، ولا بأس بسؤره، وإني لأستحيي من الله أن أدع طعاما لأن الهر أكل
~~منه " (2).
# وفي ثالث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الكلب يشرب من
~~الماء؟ قال:
# " اغسل الإناء ". وعن السنور؟ قال: " لا بأس أن تتوضأ من فضلها، إنما هي
~~من السبع " (3).
# وفي رواية أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كان علي
~~(عليه السلام) يقول: لا تدع فضل السنور أن تتوضأ [منه]، إنما هي سبع " (4)
~~ويستفاد منها مع سابقتيها ما أشرنا إليها من القاعدة الكلية في السباع، ms789 وفي
~~الخبر قال: الصادق (عليه السلام) " إني لا أمتنع من طعام طعم منه لسنور،
~~ولا من شراب شرب منه " (5) وفي رواية سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام)،
~~" إن عليا (عليه السلام) قال: إنما هي من أهل البيت " (6).
# المسألة السادسة: في كلام غير واحد كالمحقق والعلامة والشهيد تقييد كراهة
~~سؤر الجلال آكل الجيف المتضمنة لطهارته بصورة خلو موضع الملاقاة عن عين
~~النجاسة.
# PageV01P860
# قال في الشرائع: " ويكره سؤر الجلال، وكذا ما أكل الجيف إذا خلا موضع
~~الملاقاة من عين النجاسة " (1) وفي معناه عبارة النافع (2).
# وقال في المنتهى: " يكره سؤر ما أكل الجيف من الطير إذا خلا موضع
~~الملاقاة من عين النجاسة، وهو قول السيد [المرتضى] - إلى أن قال -: وهكذا
~~سؤر الهرة وإن أكلت الميتة ثم شربت، قل الماء أو كثر، غابت عن العين أو لم
~~تغب " (3).
# وقال في الدروس: " ويكره سؤر الجلال وآكل الجيف مع الخلو عن النجاسة "
~~(4) وعن العلامة في التذكرة (5) والمحقق في المعتبر (6) نظير ما ذكره في
~~الهرة، وفهم جماعة كصاحبي المدارك والحدائق وغيرهما من تلك العبارة أن
~~المراد بها طهارة الهرة بمجرد زوال العين، بل في الحدائق: " أنه المشهور
~~بين الأصحاب " (7).
# وجزم به في المدارك قائلا: " وهنا شئ ينبغي التنبيه له، وهو أن مقتضى
~~الأخبار المتضمنة لنفي البأس عن سؤر الهرة وغيرها من السباع طهارتها بمجرد
~~زوال العين، لأنها لا تكاد تنفك عن النجاسات خصوصا الهرة، فإن العلم
~~بمباشرتها للنجاسة متحقق في أكثر الأوقات، ولولا ذلك للزم صرف اللفظ الظاهر
~~إلى الفرد النادر، بل تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأنه ممتنع عقلا، وبذلك
~~صرح المصنف في المعتبر (8) والعلامة في التذكرة (9) والمنتهى (10)، فإنهما
~~قالا: إن الهرة لو أكلت ميتة ثم شربت من الماء القليل لم ينجس بذلك، سواء
~~غابت أو لم تغب " (11) انتهى.
# أقول: ما سمعته من الاستدلال على الطهارة بمجرد زوال العين موافق لما
~~ذكره العلامة في المنتهى، فإنه بعد قوله: " وهو قول السيد المرتضى في
~~العبارة المتقدمة قال:
# " لنا: ما أوردناه من الأحاديث العامة في استعمال سؤر ms790 الطيور والسباع،
~~وهي لا تنفك عن تناول ذلك عادة، فلو كان ذلك مانعا لوجب التنصيص عليه، وإلا
~~لزم صرف الطهارة (12)
# PageV01P861
# إلى نادر لا دلالة للفظ السائل (1) عليه، وذلك بعيد ومحال من حيث إنه
~~تأخير البيان عن وقت الحاجة " انتهى (2).
# ومحصل مراده: أن الغالب في الهرة وغيرها من السباع إنما هو مباشرة
~~النجاسات من الجيف وغيرها، وما لم يباشرها منها أصلا ليس إلا فردا نادرا،
~~والنصوص قد تضمنت نفي البأس عن أسآرها فتكون دالة على طهارتها، فإما أن
~~يراد بها بيان الحكم للفرد النادر وهو الذي لم يباشر النجاسات أصلا، أو
~~للأفراد الغالبة التي لا تنفك عن مباشرة النجاسات، ولا سبيل إلى الأول
~~لانصراف اللفظ المجرد إلى الغالب، فلو كان المراد به بيان الحكم للفرد
~~النادر لوجب التنصيص عليه بنصب قرينة توجب انفهامه لئلا يلزم تأخير البيان
~~عن وقت الحاجة، من حيث إن السائل لا دلالة للفظه على إرادة ذلك الفرد بل هو
~~ظاهر في إرادة الغالب، ومن الواجب انطباق الجواب عليه حذرا عن المحذور
~~فتعين الثاني.
# لكن يبقى الإشكال في وجه تقييدهم الطهارة بصورة زوال عين النجاسة عن موضع
~~الملاقاة، نظرا إلى إطلاق النصوص بالقياس إلى تلك الصورة أيضا، وكأنه نشأ
~~عن غلبة اخرى في مورد الغلبة الاولى، إذ كما أن الغالب في الهرة وغيرها من
~~السباع مباشرة النجاسات، فكذلك الغالب فيما يباشرها وروده على الماء بعد
~~زوال عين النجاسة عن موضع ملاقاة الماء، إذ لا ملازمة بين غلبة مباشرة
~~النجاسة وغلبة ملاقاة الماء مع النجاسة، بل الغالب عند الملاقاة عدم وجود
~~النجاسة، فيكون الفرد النادر - وهو ملاقاة الماء مع وجود النجاسة - خارجا
~~عن النصوص المنصرفة إلى الغالب.
# وقضية ذلك اندراج تلك الصورة في قاعدة انفعال القليل بملاقاة النجاسة،
~~فاشتراط الخلو عن عين النجاسة عمل بتلك القاعدة حيث لا معارض لها حينئذ لا
~~أنه مستفاد من النصوص.
# ويمكن القول بأن ذلك جمع بين تلك النصوص وأدلة القاعدة المذكورة، من حيث
# PageV01P862
# إن بين كل مع الآخر عموم من وجه كما يظهر ms791 بالتأمل، لكن في كل من الوجهين
~~شئ يظهر للمتأمل أيضا.
# وكيف كان فللعلامة قول آخر في النهاية - حكاه جماعة - وهو " أنه لو نجس
~~فم الهرة بسبب كأكل الفأرة وشبهه، ثم وقعت في ماء قليل، ونحن نتيقن نجاسة
~~فمها، فالأقوى النجاسة، لأنه ماء قليل لاقى نجاسة، والاحتراز يعسر عن مطلق
~~الولوغ، لا عن الولوغ بعد تيقن النجاسة، ولو غابت من العين واحتمل ولوغها
~~في كثير أو جار لم ينجس، لأن الإناء معلوم الطهارة، فلا يحكم بنجاسته بالشك
~~" (1).
# ونتيجة كلامه - على ما فهمه جماعة - إناطة الطهارة بالغيبة مع احتمال
~~الولوغ في الكثير أو الجاري لا بمجرد زوال عين النجاسة، وفي المدارك بعد ما
~~نقل هذا القول عن النهاية قال: " وهو مشكل، وقد قطع جمع من المتأخرين
~~بطهارة الحيوان غير الآدمي بمجرد زوال العين، وهو حسن، للأصل وعدم ثبوت
~~التعبد بغسل النجاسة عنه " (2).
# وإلى هذا أشار في الحدائق بقوله: " وألحق جملة من المتأخرين بها - يعني
~~بالهرة - كل حيوان غير آدمي " (3).
# وفيه (4) أيضا قول بالنجاسة وأصالة البقاء عليها نقله من دون تعيين
~~قائله، ثم نقل القول بالطهارة بالغيبة عن نهاية العلامة، والتأمل في
~~العبارة المتقدمة للنهاية يعطي أنه لا يريد الحكم بطهارة الهرة بسبب الغيبة
~~ولو مع الاحتمال المتقدم، بل مراده الحكم بطهارة الماء الملاقي لها عملا
~~بالأصل فيه الذي لا يرتفع بالشك، وذلك لا ينافي بقاء الهرة أيضا على وصف
~~النجاسة ولو بحكم الأصل الموجود فيه.
# نعم، مبنى كلامه على عدم تحكيم استصحاب النجاسة على استصحاب طهارة
~~الملاقي، وهو خلاف طريقة الأصحاب التي قضت بها أخبار الاستصحاب، وعلى أي
~~حال كان فقد تبين أن في الحيوانات المباشرة للنجاسات أقوالا.
# أحدها: طهارتها بمجرد زوال عين النجاسة.
# وثانيها: النجاسة مطلقا عملا بأصالة البقاء.
# PageV01P863
# وثالثها: الطهارة بالغيبة مع الاحتمال لا غير.
# وتمكن أخذ الطهارة بالغيبة المطلقة أيضا قولا في المسألة وإن لم يكن نقله
~~أحد، ويمكن اعتبار الغيبة توصلا إلى إبداء الاحتمال المحرز لموضوع
~~الاستصحاب في الماء لا للتوصل إلى طهارة الحيوان كما هو ظاهر عبارة ms792
~~النهاية.
# ثم إن لقولهم بالطهارة لمجرد الزوال معنيين:
# أحدهما: كون زوال العين موجبا لارتفاع أثرها الحاصل في جسم الحيوان الغير
~~الآدمي، بناء على أنه كجسم الآدمي تقبل النجاسة، وهي الأثر الحاصل فيه
~~بعروض العين له، فعليه يكون الزوال من جملة المطهرات.
# وثانيهما: كونه موجبا لبروز الطهارة الأصلية التي كانت للحيوان قبل عروض
~~العين له، بناء على أنه ليس كجسم الآدمي في قبول النجاسة، بل هو قبل عروض
~~العين وحاله باق على وصف الطهارة، غاية الأمر أن العين ما دامت موجودة
~~مانعة عن ترتيب أحكام الطهارة على المحل، فإذا زالت بقيت الطهارة الموجودة
~~في المحل حال وجودها بلا مانع عن ترتيب أحكامها عليه.
# فالعين على أول المعنيين رافعة لطهارة المحل، وعلى ثانيهما مانعة عن ترتب
~~أحكامها عليه، وهذا هو الذي مال إليه بعض مشايخنا (1)، بل في كلامه ما يقضي
~~برجوع قولهم: " أن الحيوانات تطهر بزوال العين " إلى هذا المعنى.
# ومحصل هذا المعنى: " أنه لا يحكم بتنجيس هذه النجاسات، لأبدان الحيوانات،
~~بل تكون من قبيل البواطن، فلا تنفعل بملاقاة النجاسات، بل إن كانت عين
~~النجاسة موجودة كان الحكم مستند إليها، وإلا فلا ".
# إلى أن قال: " ولعله إلى ما ذكرنا أشار السيد مهدي في منظومته:
# واجعل زوال العين في الحيوان * طهرا كذا بواطن الإنسان " (2) فعلم من
~~جميع ما ذكر: أن في كون أجسام سائر الحيوانات كسائر المتنجسات في افتقارها
~~إلى مطهر خارجي ومزيل شرعي وعدمه خلافا.
# PageV01P864
# فما يقال: من أن الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في أن جسم الحيوانات لا
~~يعامل معها معاملة غيرها من كفاية العلم بنجاستها في زمان في وجوب الاجتناب
~~عنها إلى أن يعلم طهارتها بمطهر غيرها، ليس على ما ينبغي، إلا أن يرجع إلى
~~إنكار وجود القول بالنجاسة المطلقة، الذي مرجعه إلى القول باعتبار مطهر
~~خارجي حسبما نقله في الحدائق (1).
# وكيف كان فهاهنا صور:
# إحداها: ملاحظة جسم الحيوان قبل العلم بمباشرة النجس، وهذا مما لا إشكال
~~لأحد في الحكم عليه بالطهارة عملا بأصالة الطهارة.
# وثانيتها: ملاحظته بعد حصول ms793 مطهر شرعي له، بوروده على الكثير أو الجاري
~~بعد مباشرة النجاسة، وهذا أيضا مما لا إشكال لأحد في الحكم عليه بالطهارة.
# وثالثتها: ملاحظته حال وجود النجاسة العينية، وهذا أيضا مما لا إشكال
~~لأحد في عدم ترتيب أحكام الطهارة عليه، إما لوجود الرافع أو لوجود المانع.
# ورابعتها: ملاحظته بعد زوال عين النجاسة قبل العلم بحصول المطهر الخارجي،
~~فهذا هو محل الخلاف في أنه هل يكفي مجرد ذلك في الحكم عليه بالطهارة، أو
~~يتوقف على الغيبة، مع احتمال حصول المزيل الشرعي بوروده على كر أو جار، أو
~~لا يكفي شئ من ذلك، بل يتوقف الحكم بالطهارة على حصول المزيل؟
# والأقوى وفاقا للأكثر هو الأول، لكن لا على معنى كون الزوال مطهرا، بل
~~على معنى كونه من باب ارتفاع المانع، فالطهارة الموجودة بعده هي الطهارة
~~الأصلية التي صادفها المانع في زمان فارتفع ذلك المانع بفرض زوال العين، من
~~غير فرق في ذلك بين الهرة وغيرها من سائر أنواع الحيوانات، اكلت لحمها أو
~~لا، لكن لا للأخبار النافية للبأس عن سؤرها كما عرفت الاستناد إليها في
~~الجملة عن العلامة وصاحب المدارك (2)، فإن جملة من تلك الأخبار قد عرفت
~~سابقا أنه لا تعلق لها بمقام البحث، كأخبار الهرة والصحيحة مع الحسنة
~~المتقدمتين فيها وفي الدواب والسباع، لما عرفت
# PageV01P865
# من عدم تعرض فيها إلا لبيان الطهارة الذاتية، ولا سيما الصحيحة والحسنة،
~~لما فيهما من تعليل المنع عن سؤر الكلب بنجاسته التي هي بالقياس إليه
~~ذاتية، فيكون الرخصة في سؤر ما عداه من الأنواع المذكورة فيهما لطهارتها
~~الذاتية، فلا ينافيها المنع لنجاسة عرضية، فلا تعرض في تلك الأخبار لبيان
~~الطهارة الفعلية فضلا عن تعرضها لبيان كيفية تلك الطهارة وبيان حال الحيوان
~~بعد زوال عين النجاسة العرضية، فالتمسك بها في هذه المقامات ليس إلا من
~~الخرافات الناشئة عن سوء الفهم وقلة التدبر.
# وأما جملة اخرى من أخبار الباب كما في موثقة عمار من قوله: وعن ماء يشرب
~~منه باز، أو صقر، أو عقاب، فقال: " كل شئ من الطير ms794 يتوضأ مما يشرب منه، إلا
~~أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت شيئا في منقاره فلا تتوضأ منه ولا تشرب ".
# وسأل عن ماء شربت منه الدجاجة، قال: " إن كان في منقارها قذر لا تشرب ولا
~~تتوضأ منه، وإن لم تعلم أن في منقارها قذرا توضأ واشرب " (1) وإن كانت
~~متعرضة لبيان الطهارة الفعلية بقرينة الاستثناء القاضي بالنجاسة الفعلية،
~~غير أنه لا يستفاد منها أيضا ما يتعلق بالمقام من كفاية زوال عين النجاسة
~~في الحكم على الحيوان بالطهارة وعدمها، لما في المستثنى من الإجمال، حيث لا
~~يعلم أنه حالة وجود عين النجاسة بخصوصها حتى يفارق سائر أنواع الحيوان من
~~الإنسان من جهته، أو هي مع ما بعدها إلى أن يعلم بحصول المزيل الشرعي، حتى
~~يشارك الحيوان الإنسان في أنه لا يحكم عليه بالطهارة إلا إذا لم يعلم بطرو
~~عين النجاسة، أو علم معه بحصول المزيل، فيكون النظر في تلك الأخبار على هذا
~~الاحتمال - كالأخبار الواردة في طهارة ثياب المشركين وأوانيهم - إلى أصالة
~~الطهارة.
# فالقول: بأن الأخبار الواردة في أسئار ما يعلم بطهارته من الحيوانات
~~كالحمام والدجاجة وغيرها لم يستثن فيها إلا صورة وجود النجاسة على جسم
~~الحيوان، والمناسب على تقدير إناطة الحكم بأصالة الطهارة استثناء صورة
~~العلم بتنجيس نفس الجسم، بإطلاقه ليس على ما ينبغي، لما عرفت من أن مقتضى
~~الاحتمال الثاني الجاري في تلك الأخبار مساويا للاحتمال الأول هو إناطة
~~الحكم في هذه الحيوانات أيضا بأصالة الطهارة.
# PageV01P866
# وكيف كان فقضية الإجمال الناشئ عن تساوي الاحتمالين سقوط الاستدلال بتلك
~~الأخبار أيضا على حكم المسألة، بل المستند في الحقيقة في عموم المسألة مما
~~اخذ عنوانا في الأخبار وما لم يؤخذ هو الأصل، فإن فتوى الفقهاء بطهارة
~~الحيوان بمجرد زوال العين مع ملاحظة ما تقدم من المعنيين في شرح هذه
~~العبارة ومصير بعضهم إلى ثانيهما يوجب الشك في عروض صفة النجاسة - وهو
~~الأثر الحاصل من عين النجس الجسم الحيوان، الملازم لزوال طهارته الأصلية
~~الموجودة فيه قبل وجود العين عليه - وعدمه، ومن البين أن الأصل ms795 عدم عروض
~~ذلك الأثر، كما أن الأصل بقاء الطهارة الأصلية، ولا ينافيه عدم ترتب آثار
~~الطهارة على الجسم ما دامت العين موجودة عليه، لجواز استناد ذلك إلى وجود
~~المانع - حسبما فصلناه - لا إلى فقد المقتضي، ولا ريب أن مجرد الاحتمال كاف
~~في جريان الأصل وصحة الاستناد إليه.
# لا يقال: هذا الأصل قد انقطع بعموم قاعدة تنجيس النجاسات العينية لما
~~يلاقيها من الأجسام وغيرها، المستفادة من عمومات النجاسات، ضرورة أن
~~القاعدة إذا استفيدت من الدليل دليل بالقياس إلى مورد الأصل رافع لموضوعه،
~~فلا أصل حينئذ، بل الأصل بعد زوال عين النجاسة عن جسم الحيوان يقتضي الحكم
~~عليه بالنجاسة إلى أن يعلم المزيل، ومعه كيف يحكم بالطهارة لمجرد زوال
~~العين.
# لأنا نمنع ثبوت هذه القاعدة على جهة العموم حتى بالقياس إلى جسم الحيوان
~~غير الإنسان، فإنها ليست لفظا عاما، ولا ثابتة بلفظ عام شامل لمثل المقام،
~~بل هي أمر معنوي مستفاد عن الإجماع والأخبار الجزئية الواردة في أبواب
~~النجاسات الآمرة بغسل ما يلاقيها من أنواع المتنجسات.
# ولا ريب أن ملاحظة كلام الفقهاء - حسبما تقدم - مع ما علم من سيرة قاطبة
~~المسلمين من عدم التزامهم بغسل الحيوانات عند ملاقاتها للنجاسات، بل ملاحظة
~~ما يرد من الحكم بالسفه على من التزم ذلك، يوجب الشك في انعقاد هذه القاعدة
~~على جهة العموم، بل التتبع في النصوص وآثار الأئمة (عليهم السلام) في
~~تفاصيل أحكام النجاسات يعطي عدم انعقاد القاعدة إلا في الإنسان، وما يتعلق
~~به من الأواني والثياب، حيث لا يوجد فيها ما يأمر بغسل الحيوانات أيضا مع
~~عموم البلوى بأكثرها، كالآمرة منها بغسل الإنسان وأوانيه وثيابه.
~~PageV01P867
# وكأنه إلى ذلك ينظر ما تقدم عن المدارك (1) من الاستناد إلى عدم ثبوت
~~التعبد بغسل النجاسة عنه، لما استحسنه من طهارة الحيوان غير الآدمي بمجرد
~~زوال العين، كما أن الأصل الذي اعتمد عليه - مع ما ذكر - أمكن رجوعه إلى ما
~~قررناه.
# ويوافقه في منع ثبوت التعبد بالغسل ما نقل عن المعالم من أنه " لو فرضنا
~~عدم دلالة الأخبار على ms796 العموم، فلا ريب أن الحكم بتوقف الطهارة في مثلها
~~على التطهير المعهود شرعا منفي قطعا، والواسطة بين ذلك وبين زوال العين
~~يتوقف على الدليل، ولا دليل " (2).
# فإن مراده بالعموم في فرض عدم دلالة الأخبار عليه عموم الحكم بالطهارة
~~لمجرد زوال العين في سائر الحيوانات، وما نفاه من الدليل على وجود الواسطة
~~مرجعه إلى إنكار ثبوت القاعدة المشار إليها على جهة العموم.
# فما يقال في دفعه: من أن النظر في أخبار النجاسات يقضي بثبوت قاعدتين.
# الاولى: أنها تنجس كل ما تلاقيه، ومثلها المتنجسات.
# والثانية: أن كل متنجس لا يطهر إلا بالغسل بالماء، بل يكفي في الثانية
~~الاستصحاب، ولولاهما لثبت الإشكال في كثير من المقامات، ليس على ما ينبغي،
~~فإن ثبوت القاعدة الاولى على الإطلاق في حيز المنع، ومعه دعوى عدم ثبوت
~~التعبد بالغسل وعدم ثبوت الواسطة بين طهارة الحيوانات وبين زوال عين
~~النجاسات عنها متجهة، كما أن التمسك بالأصل - حسبما قررناه - مما لا مانع
~~عنه من معارض اجتهادي أو فقاهي، فلا يكون الحكم بالطهارة لمجرد الزوال
~~بالمعنى المتقدم واردا على خلاف أصل ولا قاعدة.
# فاندفع بذلك ما قيل أيضا: " من أن هذا الحكم مخالف لإحدى قواعد اقتضتها
~~العمومات.
# إحداها: قاعدة تنجيس النجاسات [العينية] لما يلاقيها حتى أجسام
~~الحيوانات.
# الثانية: عدم زوال نجاسة المتنجس ولو كان جسم حيوان بمجرد زوال عين
~~النجاسة عنه.
# الثالثة: تنجيس المتنجس ولو كان جسم حيوان لما يلاقيه من المياه وغيرها.
# الرابعة: أن النجاسة إذا ثبتت في محل فهي مستصحبة.
# PageV01P868
# الخامسة: أن استصحاب نجاسة الشئ حاكم على استصحاب طهارة ملاقيه.
# إلى أن قيل: ثم الأولى إخراج المقام من القاعدة الثانية (1) لأصالة بقاء
~~الأولين على عمومهما، ولا يرد ذلك في الثالثة لأن مستندها راجع إلى
~~الاستصحاب، فيصلح أخبار الباب للورود عليه بجعل زوال العين من جملة
~~المطهرات، فلا يلزم من ذلك طرح الاستصحاب كما لا يخفى " (2).
# فإن القاعدة الاولى إذا لم تكن متناولة للمقام فالقواعد الاخر كلها مسلمة
~~في مجاريها والمقام ليست منها، فلا مخالفة فيه لشئ منها، وأخبار ms797 الباب لو
~~صلحت دليلا على المقام لم تكن مخرجة عن شئ من تلك القواعد، ولا مخصصة
~~لقاعدة انفعال القليل بملاقاة كل من النجس والمتنجس.
# ومن هنا يعلم الوجه في استثناء صورة وجود عين النجاسة، فأنه في الحقيقة
~~عمل على عموم قاعدة الانفعال، لاستناد الانفعال حينئذ إلى عين النجاسة،
~~فإذا زالت العين خرج المقام من جهة الأصل المذكور عن كونه من موارد تلك
~~القاعدة، إذ لا نجس حينئذ بحكم الفرض ولا متنجس بحكم الأصل، ثم إن في بعض
~~فقرات الكلام المذكور أيضا نظرا يظهر بالتأمل.
# وبجميع ما ذكر انقدح أن الزوال في محل الكلام الموجب لطهارة المحل -
~~بالمعنى المختار - أعم من الجفاف، فيما إذا كانت النجاسة من قبيل الماء وإن
~~أفادت خشونة أو ثخنا لما كانت عليه، فإن مرجع الزوال - على ما بيناه - إلى
~~ارتفاع المانع، وهذا يتحقق مع الجفاف في المايع الخالي عن العين التي يبقى
~~بعد الجفاف، كما في الدم والمني، إلا أن لا يصدق الزوال عرفا مع ما فرض
~~حدوثه من الخشونة أو الثخونة.
# فما عن الشهيد في الذكرى من الاعتراض على الشيخ والمحقق فيما حكى عنهما
~~في مسألة ما لو طارت الذبابة عن النجاسة إلى الثوب أو الماء - من: " أنه
~~عند الشيخ
# PageV01P869
# عفو، واختاره نجم الدين المحقق في الفتاوي، لعسر الاحتراز، ولعدم الجزم
~~ببقائها، لجفافها بالهواء " - بأنه: " إنما يتم ف الثوب دون الماء " (1)،
~~لم يصادف محله ما لم يرجع الفرض إلى ما بقي عينه بعد الجفاف كما لا يخفى.
# وبجميع ما ذكر تبين الحال في بواطن الإنسان المحكوم عليها بالطهارة بزوال
~~العين، فإن الذي ينبغي أن يراد منه هنا أيضا إنما هو عدم انفعال الباطن بما
~~لاقته من النجاسة، بل العين ما دامت موجودة فأحكام النجاسة مستندة لها،
~~وإلا بقيت الطهارة الأولية بلا مقارنة المانع.
# وإلى هذا المعنى ينبغي أن ينزل ما يقتضيه ظاهر كلماتهم من عد زوال العين
~~من المطهرات في البواطن والحيوان غير الآدمي.
# وأما الغيبة فلا أثر لها في الحيوان غير الإنسان، وأما هو ms798 فكونها بالنسبة
~~إليه من المطهرات مطلقا أو بشروط آخر مقررة عندهم، فيأتي تحقيق البحث عنه
~~في بحث المطهرات إن شاء الله تعالى.
# ثم لا ملازمة بين كون زوال العين من المطهرات وكون الغيبة منها ولو من
~~جهة استلزامها الزوال، لأن النسبة بينهما عموم من وجه، فقد يزول العين بدون
~~الغيبة، وقد يغيب مع عدم زوال العين إلى أن حصل معه مباشرة الماء ونحوه مما
~~ينفعل، فحينئذ لو غاب بعد مباشرة النجاسة فباشر الماء قبل العلم بزوال
~~العين، فإن كان ذلك مع العلم بعدمه فالمتجه انفعال ذلك، وإن كان مع الشك في
~~تحقق الزوال وعدمه فالأوجه أيضا الحكم عليه بالانفعال، تحكيما لاستصحاب
~~بقاء العين على استصحاب طهارة الماء.
# المسألة السابعة: المشهور محصلا ومحكيا - كما صرح به غير واحد - كراهة
~~سؤر البغال والحمير، كما في الشرائع (2) واللمعة (3) وعن التحرير (4)
~~والإرشاد (5) والذكرى (6).
# أو " سؤر البغال والحمير والخيل " كما عن نهاية الأحكام (7) وعن المنتهى
# PageV01P870
# أيضا (1) لكن مع تبديل " الخيل " ب " الفرس ".
# أو " سؤر البغال والحمير الأهلية " كما عن جامع المقاصد (2) مصرحا بعدم
~~كراهة سؤر الوحشية، بل قيد " الأهلية " معتبر في الحمير، وإن أطلقها جماعة
~~كما صرح به في المدارك (3) ونقل التصريح به عن الميسي (4) كما عرفته عن
~~الكركي، وفي المدارك: " إذ الوحشية لا كراهة في سؤرها " (5) كما عرفته عن
~~المقاصد أيضا.
# وربما يعمم الحكم بالقياس إلى كل ما يكره لحمه كما يقتضيه صريح الدروس في
~~قوله: " السؤر يتبع الحيوان طهارة ونجاسة وكراهة " (6) وظاهر تعليلهم في
~~البغال والحمير كما عن الذكرى (7)، وجامع المقاصد (8)، والروضة (9)، بأن: "
~~السؤر لا يخلو عن فضلات الفم، وهي تابعة للحم، وهو مكروه فكانت مكروهة،
~~فكان السؤر مكروها ".
# وهذا التعليل كما ترى يستدعي كون الملازمة بين كراهة اللحم وكراهة السؤر
~~من الامور المسلمة.
# وكيف كان فالعمدة بيان مستند الحكم، ولولا الكراهة من الامور التي يتسامح
~~فيها وفي دليلها أمكن المناقشة فيها هنا، حيث لم يذكر لها مستند إلا ما ذكر
~~في التعليل الذي قد يمنع فيه الكبرى، وهي دعوى التبعية في الكراهة، ms799 لوجوب
~~كونها عن دليل شرعي، وليس فليس.
# واستدل جماعة بمفهوم مضمرة سماعة الذي قيل فيه: " أنه لا يروي إلا عن
~~الإمام (عليه السلام) " (10) فلا يضر إضماره، كما لا يقدح جهالة السند بأبي
~~داود لمكان التسامح في دليل الكراهة.
# قال: سألته هل يشرب سؤر شئ من الدواب أو يتوضأ؟ فقال: " أما الإبل والبقر
~~والغنم فلا بأس " (11).
# وكأن إثبات المفهوم هنا - مع أنه من باب اللقب - لورودها في مقام البيان
# PageV01P871
# والتفصيل، وحمل البأس الثابت بالمفهوم هنا على الكراهة، مع أنه أعم من
~~الحرمة كما اعترف به جماعة، جمعا بينها وبين الأخبار النافية للبأس التي
~~يأتي إليها الإشارة، نظرا إلى أن نفي البأس يراد به الرخصة الغير المنافية
~~للكراهة.
# وقد يستدل أيضا بالمرسلة المتقدمة [عن أبى عبد الله (عليه السلام) " إنه]
~~كان يكره سؤر كلما لا يؤكل لحمه " (1) بناء على حمل " ما لا يؤكل لحمه "
~~على إرادة الأعم مما لا يعتاد أكله وما لم يخلق لأجل الأكل.
# واستدل أيضا بخبر ابن مسكان عن الصادق (عليه السلام) سألته: عن الوضوء
~~بما ولغ فيه الكلب والسنور، أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك، أيتوضأ منه
~~أو يغتسل؟ قال:
# " نعم، إلا أن تجد غيره فتنزه [عنه] " (2).
# ولا قائل هنا بالفصل بين الوضوء وغيره، ولعله مبني على أن خروج بعض مدلول
~~الخبر عنه لدليل لا يقدح في العمل عليه للبعض الآخر من مدلوله، وإلا فلا
~~إشكال في المنع عن سؤر الكلب، كما لا كلام في عدم كراهة سؤر السنور كما
~~تقدم.
# لكن قد يعارض الجميع بصحيحة أبي العباس البقباق المتقدمة (3) النافية
~~للبأس عن سؤر البقر والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع، ورواية
~~معاوية بن شريح (4) المرخصة بكلمة الإيجاب في سؤر السنور والشاة والبقرة
~~والبعير والفرس والبغل والسباع.
# لكن الإنصاف عدم ظهور شئ من ذلك في المعارضة لما تقدم، لورود نفي البأس
~~والإيجاب فيهما في مقابل سؤر الكلب، فيراد بهما مجرد نفي المنع، وهو لا
~~ينافي الكراهة.
# نعم، إنما يحسن المعارضة بصحيحة جميل بن دراج قال: ms800 سألت الصادق (عليه
~~السلام) عن سؤر الدواب والغنم والبقر، أيتوضأ منه ويشرب؟ فقال: " لا بأس "
~~(5).
# وصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: " لا بأس بأن
~~تتوضأ مما يشرب
# PageV01P872
# منه ما يؤكل لحمه (1).
# وموثقة عمار المتضمنة لقوله (عليه السلام) " كلما يؤكل لحمه يتوضأ من
~~سؤره ويشرب " (2).
# ولعله لأجل هذه الأخبار صار بعض المتأخرين - كما حكي - إلى عدم الكراهة،
~~بل هو صريح الحدائق حيث أنه بعد ما ذكر هذه الأخبار عقيب ما ذكره من مستند
~~القول بالكراهة قال: " والحق تقديم العمل بهذه الأخبار، لاستفاضتها
~~وصراحتها، وصحة أكثرها، وضعف ما عارضتها سندا ودلالة " (3).
# هذا مع ملاحظة ما قيل: من ظهور كلمة " لا بأس " في نفي جميع أفراد البأس
~~منها الكراهة، لمكان كونها نكرة في سياق النفي، لا أنها تفيد نفي العذاب
~~خاصة، ولعله إلى ذلك ينظر ما ادعاه الحدائق من قوة هذه الأخبار دلالة.
# لكن الإنصاف عدم صلاحية ذلك لمعارضة ما تقدم بعد مراعاة قاعدة المسامحة
~~ثمة، ودعوى ظهور نفي البأس فيما ذكر غير مسموعة، بل الإنصاف بملاحظة
~~الانسباق العرفي أنها في نظاير المقام ظاهرة في رفع توهم النجاسة أو
~~الحرمة، فلا يراد منها ما ينافي الكراهة، ولذا يقال: بظهورها في إرادة
~~الإذن الغير المنافية لها، والأمر بالتوضؤ والشرب في الخبر الأخير لايراد
~~منه في نظاير المقام إلا الإرشاد إلى انتفاء النجاسة أو غيرها من جهات
~~المنع، مع ظهور قوله: " ما يؤكل لحمه " فيه وفي سابقه فيما يكون أكل لحمه
~~بعد الجواز الشرعي الغير المنافي للكراهة معتادا ومتعارفا بين الناس.
# مع أنه قد يقال: إن البقر بمفهومه يشمل الجاموس أيضا الذي يكون لحمه
~~مكروها، فينبغي أن يراد بنفي البأس عن سؤره الوارد في الصحيحة ما لا ينافي
~~الكراهة. فتأمل، فإن ذلك لعله مبني على الملازمة المدعاة بين كراهة لحم
~~الحيوان وكراهة سؤره، وقد سمعت المناقشة فيه.
# ومع الغض عن جميع ذلك فلعل الشهرة الموجودة في المقام بكلا قسميها كافية
~~في إثبات هذا الحكم لقاعدة التسامح، على أنه لا مخالف في ms801 المسألة ظاهرا عدا
~~ما عرفت
# PageV01P873
# نقله عن بعض المتأخرين، ولعل المراد به صاحب الحدائق الذي سمعت كلامه،
~~المتضمن لترجيح عدم الكراهة.
# وربما يستظهر ذلك أيضا من المفيد من قدماء أصحابنا لقوله في المقنعة: "
~~ولا بأس بالوضوء من فضلة الخيل، والبغال، والحمير، والإبل، والبقر، والغنم،
~~وما شرب منه سائر الطير إلا ما أكل الجيف، فأنه يكره الوضوء بفضلة ما [قد]
~~شرب منه " انتهى (1).
# فإن استثناءه يقضي بأن يكون مراده بالبأس المنفي ما يعم الكراهة، لكون
~~الحكم الثابت في المستثنى هو الكراهة، كما صرح به في العبارة أيضا.
# ولك أن تمنع مخالفة المفيد تعويلا على هذه العبارة، لما يقال: من أن
~~الكراهة في أخبار الأئمة المعصومين وكلام علمائنا المتقدمين كان كثير
~~الاستعمال في الحرمة، بل ربما يدعي ظهورها فيها، وكونها بما يقابل الحرمة
~~اصطلاح محدث من الفقهاء، فلا ينزل عليه إطلاقات الأخبار والعلماء الأخيار،
~~فهذه هو الحكم الثابت في المستثنى، لجواز أن يكون المفيد ممن يمنع عن سؤر
~~أكل الجيف أو ينجسه كما تقدم القول به فيما بين الأصحاب، فيكون الحكم
~~المأخوذ في المستثنى المفاد بكلمة " لا بأس " نفي الحرمة، فلا ينافي
~~الكراهة ولو في بعض ما ذكر من الامور المفصلة.
# المسألة الثامنة: المعروف من المذهب - كما حكي - كراهة سؤر الفأرة، وهو
~~مقتضى ما تقدم من عموم الكراهة فيما لا يؤكل لحمه، فهي تتضمن أمرين.
# الأول: عدم المنع عن هذا السؤر.
# والثاني: كون الإذن فيه على جهة الكراهة دون الندب والإباحة.
# ودليل الأول - مضافا إلى ما تقدم ذكرها في المسائل السابقة من الروايات
~~العامة أو المطلقة الشاملة لمثل المقام جزما، بل الشهرة المحكية -: الأخبار
~~المستفيضة النافية للبأس عنه والآمرة باستعماله، كالصحيح عن علي بن جعفر عن
~~أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث قال: وسألته عن الفأرة وقعت في جب
~~دهن، وأخرجت قبل أن تموت، أيبيعه من مسلم؟ قال: " نعم، ويدهن منه " (2).
# PageV01P874
# وخبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن أبا جعفر (عليه
~~السلام) كان يقول: " لا بأس ms802 بسؤر الفأرة إذا شربت من الإناء، أن تشرب منه
~~وتتوضأ منه " (1) والمروي عن الحميري في قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن
~~أبيه (عليه السلام) " أن عليا (عليه السلام) قال: " لا بأس بسؤر الفأر أن
~~يشرب منه ويتوضأ " (2).
# وخبر هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن
~~الفأرة، والعقرب، وأشباه ذلك، يقع في الماء فيخرج حيا، هل يشرب من ذلك
~~الماء ويتوضأ به؟ قال:
# " يسكب منه ثلاث مرات، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة، ثم تشرب منه ويتوضأ
~~منه، غير الوزغ، فإنه لا ينتفع بما يقع فيه " (3).
# وخبر سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في
~~السمن أو الزيت، ثم تخرج منه حيا؟ قال: لا بأس به " وفي بعض النسخ: " لا
~~بأس بأكله ".
# وبجميع ذلك يندفع ما عن الشيخ في النهاية في باب أحكام النجاسات (4)
~~وكذلك المبسوط في باب تطهير الثياب (5) من أنه " إذا أصاب ثوب الإنسان كلب،
~~أو خنزير، أو ثعلب، أو أرنب، أو فأرة، أو وزغة، وكان رطبا وجب غسل الموضع
~~الذي أصابه " وهو المحكي عن المقنعة (6)، بل الفقيه (7) أيضا، فإن ذلك إما
~~لنجاستها فالأخبار العامة والخاصة قائمة بخلافها، أو تعبد من الشارع - فمع
~~أنه في غاية البعد - خارج عما نحن فيه، مع أن كلماته الاخر في غير المقام
~~نافية للنجاسة لما حكي عنه في باب المياه من النهاية أنه قال: " إذا وقعت
~~الفأرة والحية في الإناء وشربتا منها، ثم خرجتا [حيا] لم يكن به بأس،
~~والأفضل ترك استعمالها " (8).
# وعنه أيضا في المبسوط (9) في مقام البحث أنه لا بأس فيما لا يمكن التحرز
~~منه من حيوان الحضر مثل الهرة والفأرة والحية.
# ودليل الثاني - مضافا إلى ما مر من عموم القاعدة فيما لا يؤكل لحمه عدا
~~ما
# PageV01P875
# استثنى وهو السنور، وعموم خبر الوشاء: " أنه كان يكره سؤر كلما لا يؤكل
~~لحمه " - (1):
# ما ورد في حديث المناهي: " أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن أكل سؤر
~~الفأرة " (2)، فإن حمل النهي هنا ms803 مع ظهوره في التحريم على التنزيه طريق جمع
~~بين الأخبار المستفيضة المتقدمة وبينه، وكذا الكلام بينها وبين صحيحة علي
~~بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الفأرة والكلب إذا أكلا من الخبز، أو شماه
~~[أيؤكل]؟ قال: يطرح ما شماه، ويؤكل ما بقي " (3) وصحيحته الاخرى عن الفأرة
~~الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب، أيصلي فيها؟ قال: " اغسل ما
~~رأيت من أثرها " (4) بناء على ما نزل الأمر فيهما على الاستحباب.
# فما عن المعتبر والمنتهى (5) من أنه يظهر منهما نفي الكراهة، مع ما قيل:
~~(6) من أن ظاهر كلامهما نفي الرجحان لا نفي المرجوحية، مما لا يلتفت إليه،
~~ومع الغض عن جميع ما ذكر فشهرة الكراهة كافية في المصير إليها.
# المسألة التاسعة: عن المعتبر أنه حكي عن الشيخ أنه قال: " يكره سؤر
~~الدجاج على كل حال " (7) ثم قال بعد الحكاية: " وهو حسن إن قصد المهملة،
~~لأنها [لا] تنفك عن الاغتذاء بالنجاسة " (8).
# وعن المعالم (9) أيضا أنه استحسن ما استحسنه المحقق.
# وعن العلامة وغيره (10) إطلاق القول بكراهة هذا السؤر تعليلا بعدم انفكاك
~~منقارها
# PageV01P876
# عن النجاسة غالبا، ونحن قد هدمنا في المسائل السابقة بنيان هذا الكلام،
~~وحققنا أن مجرد الاغتذاء بالنجاسات لا يقتضي منعا - ولو بنحو الكراهة - ما
~~لم يحصل الملاقاة حال وجود النجاسة في المنقار ونحوه، فيمتنع الاستعمال
~~حينئذ لا أنه يكره.
# وبالجملة هذا القول لضعف مستنده مما لا ينبغي المصير إليه، كيف والنصوص
~~الواردة عن امناء الشرع عموما وخصوصا قاضية بخلافه، ألا تنظر إلى ما تقدم
~~من العمومات النافية للبأس عن سؤر ما يؤكل لحمه، وخصوص رواية أبي بصير عن
~~الصادق (عليه السلام) قال: " فضل الحمامة والدجاجة لا بأس به، والطير "
~~(1).
# وموثقة عمار المتقدمة أنه سئل عن ماء شربت منه الدجاجة؟ " قال: إن كان في
~~منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب، وإن لم تعلم أن في منقارها قذرا توضأ
~~منه واشرب " (2).
# وعن التهذيب أنه ذكر ذلك وزاد: " وكلما يؤكل لحمه فليتوضأ منه " (3).
# لكن الإنصاف بضابطة ما ذكرنا سابقا من أن نفي البأس ms804 في نظاير المقام لا
~~يفيد إلا نفي الحرج من نجاسة أو حرمة، كما أن الأمر بالشرب والتوضأ لا يفيد
~~إلا الإرشاد إلى انتفاء الماهية المقتضية للمنع من نجاسة ونحوها، لا يمكن
~~التعويل في نفي الكراهة على هذه الأخبار.
# فالأولى أن يستند إلى الأصل، مع ضميمة ضعف مستند القول بالكراهة إن كان
~~هو الاعتبار المتقدم، فتأمل جدا.
# المسألة العاشرة: نص المحقق في الشرائع (4) والشهيد في الدروس (5)
~~بكراهية سؤر الحية، كما عن التحرير (6)، والقواعد (7)، والإرشاد (8)، وظاهر
~~الذكرى (8) (9)، وعن البيان (10)،
# PageV01P877
# والروض (1) أيضا، وفي المدارك: " القول بكراهة سؤر الحية للشيخ في
~~النهاية وأتباعه " (2)، لكن المنقول من عبارته في النهاية لعله ليس صريحا
~~في إرادة الكراهة بالمعنى المصطلح عليه، فإنه قال: " إذا وقعت الفأرة
~~والحية في الآنية، أو شربتا منها، ثم خرجتا [حيا] لم يكن به بأس، والأفضل
~~ترك استعماله على كل حال " (3).
# فإن التعبير بأفضلية الاجتناب يقتضي إرادة المرجوحية بالإضافة إلى الغير،
~~لا المرجوحية الذاتية على حد ما يراد من الكراهة حيثما تضاف إلى العبارات
~~على بعض الوجوه المذكورة فيها، ولك أن تأخذ قوله أولا: " لم يكن به بأس "
~~مؤيدا له، بناء على بعض الوجوه المتقدمة من ظهوره لكونه نكرة في سياق النفي
~~في نفي جميع أفراد البأس التي منها الكراهة المصطلحة.
# وكيف كان. فعن ظاهر المعتبر (4) والمنتهى (5) إنكار الكراهة هنا، بل هو
~~صريح المدارك (6) قائلا: والأظهر انتفاء الكراهة كما اختاره في المعتبر،
~~لصحيحة علي ابن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الغطاية،
~~والحية، والوزغ تقع في الماء فلا تموت؟ أيتوضأ للصلاة؟ فقال: " لا بأس به "
~~(7).
# وأنت بملاحظة ما مر مرارا تقدر على دفع هذا الاستدلال.
# نعم، العمدة في المقام ملاحظة ما يكون مستندا للقول بالكراهة الذي صار
~~إليه من الأساطين من عرفتهم، فإنه مشهور جدا، حتى أنه في شرح الدروس: " إني
~~لم أجد نقل خلاف في الحية " (8) فلك أن تعتمد على ما تقدم من عموم مرسلة
~~وشاء (9)، بناء على أن الحكم مما يتسامح فيه، وعلى خبر أبي بصير قال: سألت ms805
~~أبا عبد الله (عليه السلام) عن حية دخلت حبا فيه ماء، وخرجت منه؟ قال: " إن
~~وجد ماء غيره فليهرقه " (10) بناء على حمل الأمر بالإهراق على إرادة الندب،
~~لعدم قائل فيه بالوجوب، أو على كونه مبالغة في
# PageV01P878
# الكراهة، وإلا فلا فائدة في الإهراق نفسه، لجواز الانتفاع بهذا الماء في
~~غير جهة الشرب والتطهير به.
# لا يقال: لعله كناية عن المنع تحريما، وإنما علق على وجدان ماء غيره لأنه
~~لا تكليف مع الانحصار، كما هو لازم قولكم: بكونه مبالغة في الكراهة، إذ لا
~~كراهة مع الانحصار، لأن احتمال التحريم إن كان لمجرد التعبد ينفيه الاتفاق
~~على انتفائه.
# نعم، هذا احتمال ربما يقال: بدخوله في كلام من منع من سؤر ما لا يؤكل
~~لحمه.
# لكن يزيفه: أن لا مانع عن سؤر ما لا يؤكل لحمه إلا الشيخ (1)، وقد صرح
~~هنا بنفي البأس، والحلي في السرائر (2)، وقد عرفت سابقا أنه أدرج المقام
~~فيما لا يمكن التحرز عنه، وإن كان لأمر يرجع إلى الطب، وهو تأثير السمية في
~~الماء.
# ففيه: أن التأثير إن كان محققا لا محالة فهو يقضي بالمنع مطلقا، فلا وجه
~~للتفصيل.
# ومن هنا يمكن أن يؤخذ الرواية دليلا على انتفاء النجاسة عن هذا السؤر كما
~~تنبه عليه بعضهم، وإن كان محتملا فهو لا يقتضي إلا رجحان الاجتناب احتياطا،
~~ولعله لأجل ذلك عبر الشيخ عن الكراهة بأفضلية الاجتناب، كما فهم المعالم
~~قائلا - بعد نقل عبارة النهاية المتقدمة -: " يتوجه عليه المطالبة بدليل ما
~~ذكره من أفضلية ترك الاستعمال، ولعله نظر في الفأرة إلى ما سيأتي في باب
~~النجاسات - إن شاء الله - من دلالة بعض الأخبار على رجحان الغسل مما لاقته
~~برطوبة، وفي الحية إلى ما يخشى من تأثير سمها في الماء، فإن ذلك ونحوه كاف
~~في أفضلية العدول عن هذا الماء إلى غيره " (3) انتهى.
# وبالجملة الكراهة هنا مما لا إشكال فيه ولو من جهة الاعتماد على مجرد
~~الشهرة وذهاب أساطين الفرقة.
# المسألة الحادية عشرة: اختلفت كلمتهم في الوزغة، فالمنسوب إلى ابن إدريس
~~(4) والفاضلين (5) ووالد ms806 العلامة (6) وجمهور المتأخرين طهارة سؤرها، وعن
# PageV01P879
# المحقق (1) أنه الظاهر من كلام المرتضى في بعض كتبه، وهو صريح الدروس
~~(2)، ومختار المدارك على ظاهر كلامه، بل فيه: " هو المشهور بين الأصحاب "
~~(3)، وعليه الشرائع أيضا، لكن عبر فيه بالموت فقال: " ويكره ما مات فيه
~~الوزغ والعقرب " (4) ولعل الحكم يتعدى إلى ما عدا صورة الموت من باب
~~الفحوى.
# وفيه: أنه يستقيم إذا كان منظور العبارة نفي النجاسة خاصة ردا على من
~~توهمها، وأما إذا اريد بها إفادة الكراهة مع ذلك فلا يحصل تمام المقصود، إذ
~~لا ملازمة بين الكراهة بالموت فيه والكراهة بالوقوع فيه، فضلا عن الفحوى،
~~بل الفحوى إنما تحصل لو عبر بالوقوع أو مطلق الملاقاة.
# فالعبارة المذكورة لا تخلو عن قصور، وكأنه في هذا التعبير أخذ بمفهوم
~~الدليل المقام على كراهة هذا السؤر الثابت في المقام من حيث الفحوى كما
~~عرفت.
# وكيف كان فعن التذكرة: " أن الكراهة هنا من حيث الطب لا لنجاسة الماء "
~~(5) واستحسنه المدارك (6).
# والمخالفة هنا بالمصير إلى النجاسة لم يثبت إلا عن المقنعة وموضع من
~~النهاية والمبسوط، وعبارة المقنعة - على ما حكي - أنه بعد ذكر الكلب
~~والخنزير قال: " وكذلك الحكم في الفأرة والوزغة يرش الموضع الذي مساه
~~بالماء من الثوب إذا لم يؤثرا فيه، وإن رطباه وأثرا فيه غسل بالماء، وكذلك
~~إن مس واحد مما ذكرناه جسد الإنسان، أو وقعت يده عليه وكان رطبا غسل ما
~~أصابه منه، وإن كان يابسا مسحه بالتراب " (7).
# وأما عبارة النهاية فقد سمعتها في مسألة سؤر الفأرة (8)، وأما عبارة
~~المبسوط
# PageV01P880
# - فعلى ما حكي - من أنه في باب تطهير الثياب قال: " فما مس الكلب
~~والخنزير والثعلب والأرنب والفأرة والوزغة بسائر أبدانها إذا كانت رطبة، أو
~~أدخلت أيديها وأرجلها في الماء وجب غسل الموضع وإراقة ذلك الماء، ولا يراعى
~~في غسل ذلك العدد، لأن العدد يختض بالولوغ، وإن كان يابسا يرش الموضع
~~بالماء، فإن لم يتعين الموضع غسل الثوب كله أو رش، وكذلك إن مس هذه (1)
~~شيئا من ذلك وكان واحد منهما رطبا وجب غسل يده، ms807 وإن كان يابسا مسحه
~~بالتراب، وقد رويت رخصة في استعمال ما يشرب منه سائر الحيوانات في البراري
~~سوا الكلب والخنزير، وما شربت منه الفأرة في البيوت والوزغ أو وقعا فيه
~~وخرجا حيين، لأنه لا يمكن التحرز من ذلك " (2) انتهى.
# ولا يذهب عليك أن ملاحظة هذه العبارة صدرا وذيلا تقضي باختياره التفصيل
~~بين المقامين، أي مقام ملاقاة ما يجب غسله في النجاسة من الثوب والجسد،
~~ومقام شرب الماء أو الوقوع فيه ثم الخروج حيا، ففي الأول يجب الاجتناب
~~بالغسل والرش، وفي الثاني لا يجب الاجتناب رخصة لعدم إمكان التحرز، غير أنه
~~بملاحظة هذا التعليل ليس بظاهر في القول بطهارة الماء حينئذ، بل غايته
~~الرخصة في استعماله من باب العفو الغير المنافي للنجاسة، نظير ما قيل في
~~ماء الاستنجاء.
# وبذلك ارتفع المنافاة بين عبارته المذكورة في هذا الموضع وعبارته في بحث
~~السؤر (3)، حيث إنه بعد ما حكم بعدم جواز استعمال سؤر ما لا يؤكل لحمه من
~~الحيوان الإنسي استثنى منه الفأرة ونحوها مما يشق التحرز عنه.
# وبذلك يحصل الجمع أيضا بين عبارتيه في النهاية حسبما تقدم ذكرهما في سؤر
~~الفأرة، فما في كلام غير واحد (4) من استبعاد كون الاختلاف بين كلاميه في
~~الكتابين مبنيا على الفرق بين المقامين ليس في محله، وكأنه نشأ عن عدم
~~الاطلاع على ذيل العبارة المذكورة، أو عدم إعمال النظر في فهمها صدرا وذيلا
~~على ما ينبغي.
# وعلى أي حال كان، فالمنقول من حجة هذا القول وجوه من الروايات.
# PageV01P881
# منها: صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن
~~الفأرة والوزغة تقع في البئر؟ قال: " ينزح منها ثلاث دلاء " (1) وجه
~~الاستدلال - على ما وجهه العلامة في المختلف -: أنه لولا نجاسة الوزغة لما
~~وجب لها النزح بالموت، فإن الموت إنما يقتضي التنجيس في محل له نفس سائلة
~~لا مطلقا " (2).
# وكأن ذكر الموت مع خلو الرواية عنه لظهور " الوقوع " عرفا فيه، أو لقرينة
~~ذكر الفأرة في موضوع هذا الحكم الذي لا توجبه إلا بالموت، لأنها لا تنجس ms808
~~إلا بالموت لما فيها من النفس السائلة، فما لم يفرض موتها لم يعقل لها
~~نجاسة لكونها طاهرة العين، فإذا كان الحكم معلقا على موتها كان بالقياس إلى
~~الوزغة أيضا مفروضا حال الموت، ولا يمكن أن يكون ذلك لنجاستها الحاصلة
~~بالموت، إذ ليس لها نفس سائلة، فيجب أن يكون لنجاستها العينية الثابتة لها
~~في جميع الأحوال، وقضية ذلك نجاسة سؤرها أيضا، لكونه ماء قليلا أو مضافا
~~لاقية النجاسة.
# وملخصه بالتقريب الذي ذكرناه: أن وجوب النزح لا يكون إلا لنجاسة ما يقع
~~في البئر، والنجاسة في الحيوان إما ذاتية كما في الكلب، أو عرضية تحصل
~~بالموت كما في الفأرة، وحيث إن الوزغة لا يفرض لها نجاسة عرضية حاصلة
~~بالموت لعدم كونها من ذوات الأنفس فلابد وأن يكون نجاستها ذاتية كالكلب،
~~فحينئذ لا يتفاوت الحال في انفعال القليل أو المضاف بملاقاتها بين حياتها
~~وموتها.
# وجوابه: حينئذ منع بطلان التالي أولا، فإن النزح في جميع موارد ثبوته
~~مبني على الاستحباب كما سبق تحقيقه، فالوزغة حينئذ ليس نجسة، والنزح لموتها
~~أيضا ليس بواجب، فتأمل جيدا.
# ومنع الملازمة ثانيا: إذ ليس ثبوت وجوب النزح مع انتفاء النجاسة في سببه
~~بعادم النظير فيما بين المنزوحات، ألا ترى أن النزح لاغتسال الجنب - على
~~القول بوجوبه - واجب ولو مع خلو بدنه عن النجاسة، ولو سلم فالرواية لا
~~تقاوم لمعارضة ما سيأتي من الأخبار الخاصة القاضية بالطهارة.
# PageV01P882
# ومنها: ما في موثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) من أنه سئل عن العظاية
~~(1) تقع في اللبن؟ قال: " يحرم اللبن، وقال: إن فيها السم " (2).
# وفيه: ما لا يخفى من عدم انطباق ذلك على البحث، فإن المطلوب هو النجاسة،
~~والتعليل بالسمية يأباها فتأمل.
# ولو سلم فالكلام إنما هو في الوزغة وليست العظاية بنص أهل اللغة منها،
~~قال الفيومي في المصباح المنير: " أنها دويبة على خلقة سام أبرص " (3) قال
~~- في مادة " برص " -: " سام أبرص كبار الوزغ " (4) ومثله المجمع (5) في "
~~سام أبرص "، كما في شرح " العظاء " قال: " العظاء ممدود دويبة أكبر من
~~الوزغة الواحدة عظاءة وعظاية، ms809 وجمع الاولى عظاء، والثانية عظايات " (6).
# وفيه أيضا في شرح الوزغ: أنه " بالتحريك واحد الأوزاغ والوزغان وهي التي
~~يقال لها سام أبرص، وهي حيوان صغير أصغر من العظاية " (7).
# وعن القاموس: الوزغة محركة سام أبرص والجمع وزغ (8).
# كما أنه في المصباح: " الوزغ معروف والانثى وزغة وقيل: الوزغ جمع وزغة
~~مثل قصب وقصبة، فيقع الوزغة على الذكر والانثى، والجمع أوزاغ، ووزغان بالضم
~~والكسر والفتح، حكاه الأزهري، وقال: الوزغ سام أبرص (9).
# وفي المدارك: " الوزغ جمع وزغة به أيضا دابة معروفة، وسام أبرص من أصنافه
~~" (10). وبالجملة المستفاد من كلام أهل اللغة وغيرهم أن العظاية مغايرة
~~للوزغة، فتخرج الرواية عن محل الكلام بالمرة، مع أن هذا الحكم في العظاية
~~أيضا مما لم يثبت
# PageV01P883
# به قائل عدا المقنع (1)، لما قيل: من أنه أفتى بمضمونها، فلعلها تسقط عن
~~الحجية من هذه الجهة، هذا مع عدم صلوحها لمعارضة ما يأتي في حجج القول
~~بالطهارة.
# ومنها: حسنة هارون بن حمزة الغنوي المتقدمة المذيلة بقوله (عليه السلام):
~~" غير الوزغ، فإنه لا ينتفع بما يقع فيه " (2).
# وفيه: أن عدم الانتفاع بما يقع فيه مبالغة في الكراهة، وتأكيد في استحباب
~~التنزه بملاحظة الأخبار المبيحة الآتية، مع أنه لا ملازمة بينه وبين
~~النجاسة كما هو محل النزاع، فلعله من جهة السمية أيضا كما عرفت القول به عن
~~التذكرة (3) واستحسنه المدارك (4).
# ومع هذا كله فهي غير صالحة لمعارضة الأخبار المشار إليها، فإنها عموما
~~وخصوصا كثيرة جدا، فمن الأخبار العامة صحيحة أبي العباس البقباق المتقدمة
~~(5) المشتملة على نفي البأس عن فضل أشياء، منها: الوحش.
# ورواية ابن مسكان المتقدمة (6) عن الوضوء مما ولغ فيه الكلب والسنور، أو
~~شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك، أيتوضأ منه أو يغتسل؟ قال: " نعم، إلا أن
~~تجد غيره فتنزه عنه " بالتقريب المتقدم، مع عدم قادحية خروج الكلب عن
~~مدلولها بدليل، وحمل الماء على الكر - مع أنه مطلق - بقرينة ولوغ الكلب
~~بعيد، فتأمل.
# ومنها: الموثق عن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث طويل -
~~قال: سئل عن الخنفساء والذباب ms810 والجراد والنملة وما أشبه ذلك، يموت في البئر
~~والزيت والسمن وشبهه؟ قال: " كل ما ليس له دم فلا بأس به " (7).
# ورواية حفص بن غياث عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: " لا يفسد الماء
~~إلا ما كانت له نفس سائلة " (8).
# ورواية محمد بن يحيى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا تفسد الماء
~~إلا ما كانت له
# PageV01P884
# نفس سائلة " (1).
# والتقريب في هذه واضح، بعد ملاحظة تسالمهم في أن الوزغة ليست من ذوات
~~الأنفس، كما تبين عن تقريب الاستدلال على النجاسة بصحيحة معاوية بن عمار
~~(2).
# ومن الأخبار الخاصة الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه
~~السلام) - في أثناء حديث - قال: وسألته عن العظاية، والحية، والوزغ يقع في
~~الماء، فلا يموت، أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: " لا بأس " (3).
# وهذا الحديث كما ترى يصلح لأن يخرج - مضافا إلى ما مر - دليلا على مغايرة
~~العظاية للوزغ، كما أنه يصلح لأن يؤخذ قرينة على أن الحرمة في الموثقة
~~المتقدمة ليست على معناها الظاهر المصطلح عليه شرعا، ثم إذا انضم إليه -
~~بعد استفادة الطهارة وجواز الاستعمال منه - عموم رواية الوشاء المتقدمة،
~~مضافة إلى الشهرة محققة ومحكية، مع ضميمة قاعدة المسامحة تم أمر الكراهة،
~~فهو الأقوى في المسألة إن شاء الله.
# المسألة الثانية عشرة: ذهب من عدا الشيخ في النهاية وابن البراج وأبي
~~الصلاح إلى طهارة ما مات فيه العقرب، وجواز استعماله على كراهية.
# فإن الشيخ قال: " وكل ما وقع في الماء، فمات فيه مما ليس له نفس سائلة،
~~فلا بأس باستعمال ذلك الماء، إلا الوزغ والعقرب خاصة، فإنه يجب إهراق ما
~~وقع فيه وغسل الإناء " (4).
# وابن البراج حكم بنجاسته (5)، وأبو الصلاح أوجب النزح لها من البئر ثلاث
~~دلاء (6)، وذلك آية كونه ينجسها.
# وعن المختلف: " قال ابن البراج: إذا أصاب شيئا وزغ أو عقرب فهو نجس،
# PageV01P885
# وأطلق، وأوجب أبو الصلاح النزح لها من البئر ثلاث دلاء.
# والوجه عندي: الطهارة، وهو اختيار ابن إدريس، وهو الظاهر من كلام السيد
~~المرتضى، فإنه حكم بأن كل ms811 ما لا نفس له سائلة كالذباب والجراد والزنابير
~~وما أشبهها لا ينجس بالموت، ولا ينجس الماء إذا وقع فيه قليلا كان أو
~~كثيرا.
# وكذا علي بن بابويه فأنه قال: إن وقعت فيه عقرب أو شئ من الحيات (1)
~~وبنات وردان، والجراد، وكل ما ليس له دم فلا بأس باستعماله والوضوء منه،
~~مات أو لم يمت " (2) انتهى.
# والأقوى ما صار إليه الجماعة المدعى عليه الشهرة من الطهارة، لنا على
~~ذلك: بعد الأصل، وعموم موثقة عمار، ورواية حفص، ومرفوعة محمد بن يحيى
~~المتقدمة، الحاصرة لإفساد الماء في ما له نفس سائلة، خصوص المروي عن قرب
~~الأسناد في الصحيح عن علي بن جعفر عن الكاظم (عليه السلام) قال: سألته عن
~~العقرب والخنفساء وأشباههما، يموت في الجرة أو الدن، يتوضأ منه للصلاة؟
~~قال: " لا بأس به " (3) وحسنة هارون بن حمزة الغنوي قال: سألته عن الفأرة
~~والعقرب وأشباه ذلك، يقع في الماء ويخرج حيا، هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ؟
~~قال: " يسكب منه ثلاث سكبات، قليله وكثيره بمنزلة واحدة، ثم يشرب منه
~~ويتوضأ " (4) إلى آخره.
# وهذا الحديث وإن اختص بحالة الحياة، غير أن الظاهر بملاحظة ما سبق في
~~تقريب استدلال العلامة (5) على نجاسة الوزغة بصحيحة معاوية بن عمار عدم
~~اختصاص حكمه بها، فإن نجاسة الحيوان إما ذاتية فلا يتفاوت الحال في تنجيس
~~الغير بين حياته ومماته، أو حاصلة بالموت فلا يوجب تنجس الغير إلا بعد
~~الموت، والثاني منفي هنا بفرض انتفاء النفس السائلة، كما أن الثاني منفي
~~بنص الحديث. وعن مختلف العلامة (6) الاستدلال على الحكم هنا بما وصفه
~~بالصحة من رواية ابن مسكان قال:
# PageV01P886
# سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يقع في الآبار - إلى أن قال -: "
~~وكل شئ يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس وأشباه ذلك، فلا بأس
~~" (1).
# ويشكل التعويل عليه: بأن البئر لا يقاس عليها غيره في الأحكام الثابتة
~~لها، خصوصا على مذهبه فيها وهو عدم انفعالها بالملاقاة وإن أوجب النزح
~~تعبدا.
# حجة القول بالنجاسة: موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد ms812 الله (عليه السلام)
~~عن جرة وجد فيها خنفساء قد ماتت؟، قال: " ألقها وتوضأ منه، وإن كان عقربا
~~فأرق الماء وتوضأ من ماء غيره " (2).
# وموثقة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الخنفساء يقع
~~في الماء أيتوضأ منه؟ قال: " نعم لا بأس به "، قلت: فالعقرب؟ قال: " أرقه "
~~(3).
# والتقريب في ذلك - مع ظهوره في المباشرة عن حياة - ما تقدم.
# والجواب عن الكل: أن ما تقدم في دليل الطهارة لاجتماعه جميع جهات
~~الاعتبار والوثوق ينهض قرينة على [أن] الأمر فيهما مرادا به الاستحباب،
~~فمقتضاهما استحباب التنزه عن هذا الماء، وهو ليس بنكير، مع ما فيهما من قوة
~~احتمال كون الجهة الداعية إلى ذلك وجود السمية، فلم يلزم من ذلك ثبوت
~~النجاسة على ما هو المتنازع.
# وبالجملة: العدول عن الطهارة إلى النجاسة مع ملاحظة ما ذكر، لأجل ما ذكر،
~~خلاف الإنصاف.
# وأما الكراهة: وإن استدل عليها في شرح الدروس (4) بمرسلة الوشاء، ورواية
~~ابن مسكان، ومضمرة سماعة المتقدمة، لكن ليس شئ منها بشئ هنا.
# أما الاولى: فلورودها فيما له لحم، والعقرب ليست من ذوات اللحم.
# أما الثانية: فلورودها في شرب الدابة فلا يتعدى منه إلى المباشرة ميتا،
~~إذ ليس حكم الكراهة كحكم النجاسة، بحيث إذا ثبت في حال الحياة - بتقريب ما
~~ذكرنا - لكان ثابتا في حال المماة أيضا كما لا يخفى، فلا يلزم من رجحان
~~التنزه عن سؤر العقرب رجحانه عن [ما] ماتت فيه، هذا مع إمكان المناقشة في
~~انصراف " الدابة " إليها، ويجري
# PageV01P887
# هذا الكلام بعينه في الثالثة أيضا.
# فالإنصاف: أن إثبات الكراهة هنا من جهة السند في غاية الإشكال، وإن أمكن
~~إثباتها بملاحظة الشهرة.
# المسألة الثالثة عشر: في سؤر الحائض الذي اختلفت كلمتهم فيه حكما
~~وإطلاقا، وتقييدا وقيدا، فعن ظاهر المقنع (1)، والشيخ في كتابي الحديث (2)
~~المنع عن التوضؤ به مطلقا، كما عن الأول قائلا بأنه: " لا تتوضأ بسؤر
~~الحائض "، أو " إذا لم تكن مأمونة " (3) كما عن الثاني قائلا - عند رفع
~~التنافي عما بين الأخبار الآتية -: " فالوجه في هذه الأخبار ما فصله ms813 في
~~الأخبار الأولة، وهو أنه إذا لم تكن المرأة مأمونة فإنه لا يجوز التوضؤ
~~بسؤرها ".
# ثم قال: " ويجوز أن يكون المراد بها ضربا من الاستحباب " (4).
# وأما الآخرون فقد أطبقوا على القول بالكراهة في استعماله مطلقا، غير أنه
~~عن مصباح علم الهدى (5) ومبسوط الشيخ (6) القول بها في مطلق الحائض، وعن
~~المعظم القول بها في المقيدة بغير المأمونة (7)، أو بالمتهمة (8)، على
~~الخلاف الآتي في ذلك أيضا.
# وقد يمنع مخالفة القولين الأولين للأخيرين، بمنع ظهور لفظ المقنع في
~~الخلاف، فإنه وإن كان بنفسه يفيد التحريم، غير أن الصدوق في الغالب يعبر عن
~~الحكم بلفظ الرواية، والشيخ إنما ذكر ذلك لمجرد الجمع بين الأخبار
~~المتنافية كما هو دأبه في غير المقام، لا أنه ذكره عن اعتقاد، ولذا صرح
~~عقيب ذلك بإبداء احتمال آخر، وهو: " كون المراد بالأخبار الناهية عن التوضؤ
~~بفضل الحائض مطلقا ضربا من الاستحباب " (9).
# ومن هنا ترى صاحب المدارك أنه بعد ما نقل الكراهة المطلقة عن مبسوط
~~الشيخ، قال: " وجمع في كتابي الحديث بين الأخبار تارة بالمنع من الوضوء
~~بسؤر غير المأمونة،
# PageV01P888
# واخرى بالاستحباب " (1).
# وهذا الاختلاف في كلماتهم كما ترى إنما نشأ عن الاختلاف الواقع في أخبار
~~الباب، فإن منها ما يظهر منه المنع المطلق عن التوضؤ، ومنها ما يظهر منه
~~المنع المقيد عن التوضؤ أيضا، ومنها ما يظهر منه الكراهة المطلقة عن التوضؤ
~~أيضا، ومنها ما يتردد بين المنع المطلق عن التوضؤ وبين جواز التوضؤ مطلقا
~~وجوازه مقيدا.
# فمن القسم الأول: رواية عنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " سؤر الحائض يشرب منه ولا يتوضأ " (2).
# ورواية ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أيتوضأ الرجل
~~من فضل المرأة؟
# قال: " إذا كانت تعرف الوضوء يتوضأ، ولا يتوضأ من سؤر الحائض " (3).
# ورواية الحسين بن أبي العلا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الحائض: "
~~يشرب من سؤرها ولا يتوضأ منه " (4).
# ورواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته هل يتوضأ عن
~~فضل الحائض؟
# قال: ms814 " لا " (5).
# ومن القسم الثاني: رواية علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) في
~~الرجل يتوضأ بفضل الحائض؟ قال: " إذا كانت مأمونة فلا بأس " (6).
# ومن القسم الثالث: رواية أبي هلال قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):
~~" المرأة الطامث أشرب من فضل شرابها، ولا احب أن أتوضأ منه " (7) بناء على
~~أنه يدل على نفي المحبوبية وهو أعم من المبغوضية، فلا يستفاد منه ما زاد
~~على الكراهة، وربما يقال:
# بظهور هذه اللفظة فيها.
# ومن القسم الرابع: رواية عيص بن القاسم المروية في الكافي والتهذيبين -
~~فعلى ما
# PageV01P889
# في الكافي - " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يغتسل الرجل
~~والمرأة من إناء واحد؟ فقال:
# " نعم، يفرغان على أيديهما قبل أن يضعا أيديهما في الإناء ".
# قال: وسألته عن سؤر الحائض؟ فقال: " لا توضأ منه، وتوضأ من سؤر الجنب إذا
~~كانت مأمونة، ثم تغسل يديها قبل أن تدخلهما في الإناء، وكان رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) يغتسل هو وعائشة في إناء واحد، [و] يغتسلان جميعا " (1).
# وعلى ما في التهذيبين قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سؤر
~~الحائض؟ قال: " توضأ منه، وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة " (2) إلى
~~آخره.
# والجنب هنا مراد بها المرأة، على ما قيل: من أنه لفظ يستوي فيه المذكر
~~والمؤنث، وقوله: " إذا كانت مأمونة " على نسخة الكافي لا يتحمل قيدا لما
~~حكم به لسؤر الحائض من قوله: " لا يتوضأ منه " كما هو واضح، فعليه يكون
~~مفاد ذلك المنع المطلق على طبق القسم الأول من الروايات.
# وعلى نسخة التهذيبين يحتمل كونه قيدا للجنب فقط، فيكون مفاد الرواية
~~حينئذ بالقياس إلى سؤر الحائض الجواز المطلق، كما يحتمل كونه قيدا لها ولما
~~قبلها على إرادة كل واحدة، فيكون مفادها حينئذ الجواز المقيد.
# وكيف كان ففيما بين تلك الأخبار من التنافي ما لا يخفى، ومعه لا يمكن
~~العمل بالجميع إلا بنوع من التصرف يوجب الجمع بينها، وهو يتصور من وجوه:
# أولها: أن يحمل " لا يتوضأ " في روايات القسم الأول، وفي رواية ms815 القسم
~~الرابع - على نسخة الكافي - على المنع، مع حمل إطلاقه على المنع المقيد
~~المستفاد من مفهوم رواية القسم الثاني وكذلك رواية القسم الرابع على نسخة
~~التهذيبين، مع رجوع القيد إلى سؤر الحائض أيضا، بناء على كون كلمة " لا بأس
~~" مرادا بها نفي الحرمة خاصة.
# ويحمل قوله: " لا احب " في رواية القسم الثالث على إرادة المبغوضية مع
~~حمل إطلاقه على المنع المقيد المذكور، ليكون مفاد المجموع حينئذ المنع من
~~سؤر الغير المأمونة خاصة، وهذا هو الذي عزي إلى ظاهر التهذيبين، واقتضاه ما
~~ذكره أولا من وجه الجمع كما لا يخفى.
# PageV01P890
# وثانيها: أن يؤخذ بظاهر قوله: " لا احب " في رواية القسم الثالث من إرادة
~~الكراهة، ثم يجعل قرينة على كون المراد بقوله: " لا يتوضأ " في روايات
~~القسم الأول وكذلك ما في رواية القسم الرابع - على نسخة الكافي - إنما هو
~~الكراهة، مع حمل قوله:
# " لا بأس " في رواية القسم الثاني على نفي الحرمة الغير المنافي لثبوت
~~الكراهة لمحل النطق وإلغاء المفهوم عن المسكوت عنه، وحمل قوله: " يتوضأ "
~~في رواية القسم الرابع - على نسخة التهذيبين - على الإذن الموجودة في ضمن
~~الكراهة مع عدم رجوع القيد إليه، فيكون مفاد الجميع حينئذ الكراهة المطلقة،
~~وهذا هو الذي نقل عن السيد والشيخ في المصباح والمبسوط.
# وثالثها: أن يحمل لفظة " لا بأس " في رواية القسم الثاني على إرادة نفي
~~المرجوحية المطلقة، حتى الكراهة الغير المنافي لثبوتها في جانب المفهوم، ثم
~~يؤخذ بظاهر قوله: " لا احب " في رواية القسم الثالث ويجعل أيضا قرينة على
~~إرادة الكراهة من قوله: " لا يتوضأ " في الروايات الاخر، لكن مع تقييد
~~الجميع بغير المأمونة عملا بمنطوق رواية القسم الثاني، وحمل " يتوضأ " في
~~رواية القسم الرابع - على نسخة التهذيبين - على الإذن المطلق الذي هو القدر
~~المشترك بين الكراهة والإباحة الخاصة، فيكون مفاد الجميع كراهة سؤر الغير
~~المأمونة مع انتفائها عن سؤر المأمونة، وهذا هو المشهور الذي صار إليه
~~المعظم.
# وهاهنا احتمالات اخر يظهر بالتأمل، ولا ريب أن المصير إلى بعض ما ذكر من
~~الوجوه الثلاث ms816 بعينه لابد له من مرجح عرفي يرجح أحدها بعينه، وظاهر أن مناط
~~الترجيح هو الظهور والأظهرية، على ما هو مقرر في المرجحات الراجعة إلى
~~الدلالة.
# ولا يبعد أن يقال: بترجيح الوجه الأخير، بل هو الأقوى، وإن استلزم ذلك
~~ارتكاب خلاف ظاهر في لفظة " لا بأس "، بحملها على نفي المرجوحية المطلقة،
~~مع ظهورها عرفا في نفي الجهة المقتضية للمنع من نجاسة أو غيرها، وفي لفظة "
~~لا يتوضأ " بحملها على الكراهة مع ظهورها في الحرمة، وفيها مع لفظة " لا
~~احب " بإلحاق التقييد بهما مع ظهورهما في الإطلاق.
# لكن الإنصاف: أن لفظة " لا احب " أظهر في إفادة الكراهة، والجملة الشرطية
~~أظهر PageV01P891
# في إفادة المفهوم من جميع الامور المذكورة في إفادة ظواهرها، ومن البين
~~وجوب تقديم الأظهر على غيره في مقام التعارض، فلا يصار معه إلى الوجه الأول
~~لاستلزامه العدول عن ظاهر لفظة " لا احب "، مع مشاركته للوجه الأخير في
~~اقتضاء التقييد، ولا إلى الوجه الثاني لأدائه إلى إلغاء المفهوم عن الجملة
~~الشرطية، مع مشاركته للوجه الأخير في اقتضاء حمل " لا يتوضأ " على إرادة
~~الكراهة، مع إمكان المنع من ظهورها في التحريم، لأنها جملة خبرية وهي عند
~~تعذر الحقيقة ظاهرة في الإنشاء المطلق ومنه الكراهة.
# ولو سلم ظهورها فيه بالنوع فيتوهن ذلك الظهور بمصير المعظم إلى خلافه، إن
~~لم نقل بكون فهمهم الكراهة موجبا لظهورها، وبمثل ذلك أمكن منع ظهور لفظة "
~~لا بأس " فيما ذكر.
# بل قد يقال: " إن ظاهر نفي البأس في المقيدات بعد العلم بعدم الحرمة في
~~غير المأمونة نفي الكراهة رأسا " (1)، فإن العلم بانتفاء الحرمة - لو فرض -
~~يصلح قرينة على كون النظر في روايات الباب نفيا وإثباتا منطوقا ومفهوما إلى
~~الكراهة خاصة، ومن هنا أمكن أيضا استظهار الكراهة من لفظتي " يتوضأ " و "
~~لا يتوضأ ".
# ثم يبقى مما يتعلق بالمسألة امور:
# الأول: قد عرفت أن مقتضى الجمع بين الأخبار اختصاص الكراهة بالحائض الغير
~~المأمونة، على ما هو صريح رواية علي بن يقطين، ورواية عيص بن القاسم على
~~نسخة التهذيبين في أحد الوجهين، ms817 وقد ورد التقييد به في كلام جماعة من
~~المقيدين كالشرائع (2) وعن الذكرى (3)، والمراسم (4)، والجامع (5)، والمهذب
~~(6). لكن في الدروس (7) تبديل الغير المأمونة بالمتهمة، كما عن السرائر (8)
~~والمعتبر (9)، والمنتهى (10)، والمختلف (11)، والتحرير (12)،
# PageV01P892
# والقواعد (1)، والإرشاد (2)، واللمعة (3)، والجعفرية (4).
# وفي كلام غير واحد أن الثمرة تظهر في الحائض المجهولة الحال، فإن سؤرها
~~مكروه على الأول دون الثاني، لأن المتهمة أخص من غير المأمونة، حيث إنها
~~تشمل المجهولة دون المتهمة، ولعله كذلك بملاحظة مضمونها لغة، فإن " المأمون
~~" مأخوذ من الأمن أو الأمانة وهو: الوثوق والاطمئنان، فالمأمونة: هي المرأة
~~التي يوثق بطهارتها ويطمئن على تحفظها عن النجاسة، ولا ريب أن الوثوق
~~والاطمئنان منحصر في صورة العلم أو الظن بالتحفظ، فغير المأمونة حينئذ من
~~لم يعلم ولا يظن تحفظها عن النجاسة، سواء علم أو ظن بالعدم كما في المتهمة
~~- على تقدير الظن بالعدم، نظرا إلى أن الاتهام عبارة عن سوء الظن،
~~فالمتهمة: من ظن بسوء تحفظها عن النجاسة - أو لم يعلم ولا يظن كالمجهولة.
# ومن هنا حكم في المدارك بأولوية إناطة الكراهة بغير المأمونة من المتهمة،
~~تعليلا:
# " بأن النص إنما يقتضي انتفاء المرجوحية إذا كانت مأمونة، وهو أخص من
~~كونها غير متهمة، لتحقق الثاني في ضمن من لا يعلم حالها دون الأول " (5).
# لكن قد يقال: باتحادهما عرفا، على معنى أن المتبادر عرفا من المأمونة هي
~~التي لا تتهم، وكأنه إلى ذلك يرجع ما عن بعض المحققين من أن غير المأمونة
~~هي المتهمة، إذ لا واسطة بين المأمونة ومن لا أمانة لها، والتي لا أمانة
~~لها هي المتهمة. وعليه فلا يتوجه إليه ما في المدارك من الاعتراض عليه بأن:
~~" المتبادر من المأمونة من ظن تحفظها من النجاسات، ونقيضها من لم يظن بها
~~ذلك، وهو أعم من المتهمة والمجهولة " (6).
# ومرجع ما ذكر إلى منع كون غير المأمونة أعم من المتهمة، بل هما متساويان
~~في العرف، وكما أن من لم يعلم حالها لا تدخل في مفهوم " المتهمة " فكذلك لا
~~تدخل في مفهوم " الغير المأمونة "، فعلى التعبيرين لا يحكم عليها بشئ من
~~الكراهة ms818 والعدم واقعا، وإن كان مقتضى استحباب الحالة السابقة الثابتة للماء
~~هو عدم الكراهة في الحكم الظاهري.
# PageV01P893
# لكن يبقى الكلام في صحة دعوى التبادر العرفي ولعلها غير ثابتة.
# وبالجملة مبنى الإشكال على دخول الظن في مفهومي " المأمونة " و " المتهمة
~~" لغة، وقضية ذلك كون نقيض كل - وهو ما لا ظن فيه - أعم من عين الآخر.
# نعم، لو قدرت " المأمونة " الواردة في الروايات مأخوذة من " الأمن "
~~بمعنى السلامة والحفظ والخلوص عن النجاسة ليكون أمرا واقعيا من غير مدخلية
~~للعلم أو الظن فيه إلا من باب الطريقية، أمكن القول بدخول المجهولة بحسب
~~الواقع إما في " المأمونة " أو في نقيضها، فلا يحكم عليها بحسب الواقع بشئ
~~من الكراهة والعدم، وإن وجب الحكم في الظاهر بعدمها استصحابا للحالة
~~السابقة.
# ولعله إلى ذلك يرجع ما قيل: من أنا نمنع أخذ الظن في المأمونة، بل المراد
~~منها المتحفظة عن النجاسة واقعا، فتارة يظن وتارة يقطع، وغير المأمونة غير
~~المتحفظة في الواقع، وعلى كل حال فمجهولة الحال لا يحكم عليها بشئ وإن كان
~~الواقع لا يخلو منهما، كما يرشد إليه قول ابن إدريس في السرائر: " أن
~~المتهمة التي لا تتوقى عن النجاسات " (1) وقول أبي عبد الله (عليه السلام):
~~" أن سؤر الحائض لا بأس [به] أن يتوضأ منه إذا كانت تغسل يديها " (2).
# لكنه كما ترى لا يجدي نفعا في إصلاح التعبير بالمتهمة عن غير المأمونة،
~~بل قضية هذا التوجيه إناطة الكراهة وجودا وعدما بموضع القطع بالتحفظ
~~والخلوص عن النجاسة وعدمه، لا لأن القطع له مدخلية في موضوع الحكمين، بل
~~لأنه هو الطريق الموصل إلى الواقع على حد ما هو في سائر الموضوعات، فيلزم
~~أن لا يحكم في التي ظن تحفظها والتي ظن عدم تحفظها - وهي المتهمة - والتي
~~شك في حالها بشئ من الكراهة والعدم في الواقع، وإن قضى الظاهر بالحكم
~~بعدمها حتى في المتهمة أيضا.
# لكن هذا بناء على الاقتصار في العمل على الروايات المقيدة بالمأمونة،
~~وأما بناء على العمل بالروايات الناهية على الإطلاق وأخذ الروايات المقيدة
~~مخصصة لها - على ms819 ما هو مبنى الجمع بينهما - اتجه الحكم بالكراهة في جميع
~~الأقسام الثلاث المذكورة، إذ لم يعلم بملاحظة المخصص إلا خروج المأمونة
~~عنها، وهي التي علم أمانتها في الواقع.
# PageV01P894
# ومن هنا ربما قيل: إن الروايات قد نهت عن الوضوء بسؤر الحائض مطلقا، أقصى
~~ما هناك أنه خرجت المأمونة عن هذا الإطلاق فيبقى الباقي.
# وعلى كل تقدير فالتعبير بالمتهمة مع الاقتصار عليها ليس على ما ينبغي، إذ
~~النظر في الحكم بالكراهة هنا إن كان إلى إطلاق الروايات المطلقة في غير ما
~~خرج بالدليل، فهي مقتضية للكراهة فيما يعم المتهمة وغيرها كالمجهولة إذا لم
~~يؤخذ المتهمة فيها عنوان الحكم بل العنوان هو الحائض، غاية الأمر أنه خرج
~~عنها المأمونة هي التي يوثق بطهارتها - ولو ظنا - أو التي يقطع بتحفظها عن
~~النجاسة بالخصوص، وإن كان إلى مفهوم الروايات المقيدة، فهو على تقدير يوجب
~~الحكم فيما يعم غير المتهمة أيضا، وعلى تقدير آخر لا يوجبه في المتهمة
~~أيضا.
# وبملاحظة جميع ما ذكر آل الكلام إلى دعوى: أن الأقوى بملاحظة إطلاق
~~الأخبار الناهية عن سؤر الحائض كراهة سؤر جميع أفرادها عدا المأمونة، وهي
~~المحفوظة عن النجاسة في الواقع، فلا يحكم بها إلا مع العلم بالحفظ، بل
~~ينبغي أن يستثنى من هذا الإطلاق التي علم بعدم سلامتها عن النجاسة الشخصية
~~لثبوت المنع هنا بملاحظة أدلة اخر، وأما التي ظن بعدم سلامتها عن شخص
~~النجاسة فاستثناؤها والعدم يدور على القول بالظن في ثبوت النجاسات وعدمه.
# الأمر الثاني: قد عرفت بملاحظة ما تقدم أن المأخوذ في موضوع حكم الكراهة
~~إنما هو الوضوء بسؤر الحائض مطلقة أو مقيدة، بل قد عرفت أنها فارقة في
~~النهي والترخيص بين الوضوء والشرب، حتى أنه قد خرجت أكثرها مصرحة بالشرب مع
~~النهي عن الوضوء المحمول على إرادة الكراهة، ومن هنا استشكل بعضهم في حكم
~~الشرب، لكن المعروف من مذهبهم عدم الفرق بينهما، بل عن المحقق البهبهاني: "
~~أن الاقتصار على الوضوء لم نقل به فقيه " (1) ولعله من جهة التسامح، وعليه
~~يحمل النهي الوارد في الأخبار ms820 بالقياس إلى الوضوء على شدة الكراهة لا على
~~اختصاصها به، ولا يخلو عن إشكال.
# PageV01P895
# الأمر الثالث: مقتضى بعض الروايات المتقدمة كون سؤر الجنب أيضا في حكم
~~سؤر الحائض، فيكون مكروها مع عدم المأمونية، وقد يلحق بهما سؤر المستحاضة
~~أيضا والنفساء، بل عن غير واحد كالشهيدين في البيان (1) والروضة (2)، وظاهر
~~الشيخين (3) والحلي (4) والمحقق (5) إلحاق سؤر كل متهم بها، وعن المحقق
~~الشيخ علي المناقشة فيه بكونه تصرفا في النص، بل عنه بعين عبارته: " أنه
~~تصرف في التصرف " (6) ولا يخلو عن قوة، وربما يؤيد ذلك بما يظهر من الأخبار
~~من استحباب التنزه عمن لا يتنزه، بل قد يستظهر ذلك من رواية ابن أبي يعفور:
~~أيتوضأ الرجل من فضل المرأة؟ قال: " إذا كانت تعرف الوضوء يتوضأ " (7) بناء
~~على أن الظاهر من الوضوء الاستنجاء أو إزالة مطلق الخبث.
# PageV01P896
# ينبوع ومما حكم عليه بكراهة استعماله مطلقا، أو في الطهارة مطلقا، أو في
~~الوضوء خاصة، الماء الذي سخنته الشمس، نص عليه غير واحد من الأصحاب، وعن
~~الذخيرة:
# " أنه مشهور بين الأصحاب " (1) بل عن الخلاف (2) الإجماع على كراهة
~~الوضوء بالمسخن بالشمس إن قصد به ذلك.
# والأصل فيه رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:
~~" دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عائشة وقد وضعت قمقمتها في
~~الشمس، فقال: يا حميرا، ما هذا؟ قالت:
# أغسل رأسي وجسدي، قال: لا تعودي، فإنه يورث البرص " (3).
# ورواية إسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله): الماء الذي تسخنه الشمس لا تتوضؤوا به،
~~ولا تغسلوا به، ولا تعجنوا به، فأنه يورث البرص " (4).
# وما في الخصال عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله: خمس خصال تورث
~~البرص: النورة يوم الجمعة ويوم الأربعاء، والتوضؤ والاغتسال بالماء الذي
~~تسخنه الشمس، والأكل على الجنابة، وغشيان المرأة في أيام حيضها، والأكل على
~~الشبع " (5) وإنما حمل النهي في الروايتين الاوليين على الكراهة مع ظهوره
~~في الحرمة لما في سنديهما من الضعف، الموجب ms821 لعدم صلاحيتهما لإثبات الحرمة،
~~فحمل النهي على الكراهة مسامحة في دليلها.
# PageV01P897
# ويؤيده الشهرة والإجماع المنقولان، مضافا إلى أنه مقتضى الجمع بين
~~الروايات المذكورة وبين مرسلة محمد بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " لا بأس بأن يتوضأ [الإنسان] بالماء الذي يوضع في الشمس " (1).
# لا يقال: مقتضى الرواية الثالثة كالتعليل في الاوليين حرمة استعمال الماء
~~لأن البرص ضرر أخبر به المعصوم، ومن أحكام الضرر أن يجب دفعه ولو كان مما
~~يرجع إلى الدنيا، إذ لا يستفاد منها كونه علة تامة لإيراث البرص، بل غاية
~~ما يستفاد أنه مما من شأنه ذلك، فحين شخص الاستعمال لا يقطع ولا يظن بأنه
~~يؤثر لا محالة، بل قصارى ما هنالك الاحتمال، وهو لا يقضي إلا باستحباب
~~التجنب والاحتياط.
# ثم في المقام فروع ينبغي التعرض لها.
# الأول: أنه يستفاد من المحقق في ظاهر الشرائع - حيث عبر عن المسألة بأنه:
# " تكره الطهارة بماء أسخن بالشمس في آنية " - (2) اعتبار قصد التسخين في
~~موضوع حكم الكراهة، بل هو صريح الخلاف على ما تقدم عنه من نقل الإجماع،
~~المذيل بقوله:
# " إن قصد به ذلك " (3) وصريح المحكي عن السرائر من: " أن ما أسخنته الشمس
~~بجعل جاعل له في إناء، وتعمده لذلك، فإنه مكروه في الطهارتين معا فحسب "
~~(4) وحكي عن ظاهر غير واحد أيضا.
# لكن يدفعه: إطلاق الروايات الشاملة لما لا قصد إلى تسخينه، وليس فيها ما
~~يخصصها عدا ما يوهم الرواية الاولى، المشتملة على قوله: " قد وضعت قمقمتها
~~في الشمس "، وفيه: ما لا يخفى.
# وأضعف منه الاعتذار لهم بأنه: من جهة الاقتصار فيما خالف الأصل على القدر
~~المتيقن، فإن ذلك إنما يستقيم في موضع الإجمال الذي هو منتف هنا جزما
~~فالإطلاق لا صارف عنه هنا قطعا.
# PageV01P898
# فالأقرب: عموم الكراهة بالقياس إلى صورتي القصد وعدمه، عملا بالإطلاق
~~المنجبر ضعفه بعمل المعظم كما قيل، مضافا إلى أن التعليل: بإيراث البرص
~~أيضا مما ينفي هذا التوهم، لأن ذلك إنما يترتب عليه من باب الخاصية، فليس
~~للقصد فيها مدخلية.
# الثاني: ومما يستفاد من ms822 عبارة الخلاف المتقدمة (1) اختصاص الكراهة
~~بالوضوء، كما أن المستفاد من عبارة الشرائع (2) المتقدمة اختصاصها
~~بالطهارة، ومن صريح ما تقدم عن التحرير (3) قصر الحكم على الطهارتين فحسب،
~~وعن الشهيد في الذكرى (4) تخصيص الحكم بالطهارة مع العجين.
# والأولى وفاقا لغير واحد من الأجلة عدم الفرق بين سائر الاستعمالات أيضا،
~~لإطلاق الرواية الاولى المحفوف بترك الاستفصال، وليس في المقام ما يوهم
~~الخروج عنه إلا ما في الرواية الثانية والثالثة.
# وفيه: أن الأخذ به أخذ بمفهوم اللقب، وهو من أصله فاسد، ومعه فلا يقاوم
~~إطلاق منطوق الرواية الاولى، ومع الغض عن ذلك فثبوت المفهوم عند القائلين
~~به في جميع موارده منوط بعدم ورود المنطوق مورد الغالب.
# ولعل النكتة في عدم التعرض لذكر سائر الاستعمالات التي منها الشرب أنه
~~قلما يتفق من سائر الاستعمالات - ولا سيما الشرب - بما سخنته الشمس، بل
~~النفوس تراها كارهة عن شرب هذا الماء.
# نعم، إنما يغلب فيه الاستعمال في الطهارتين والعجين، ولا سيما في أوقات
~~الشتاء، بل الناس تراهم متعمدين في تسخين الماء لهذه الاستعمالات خصوصا
~~العجين، فوردت الروايتان على طبق ما يغلب في عملهم، ولا ينافي مثل ذلك ثبوت
~~الحكم للمسكوت عنه أيضا.
# والثالث: المستفاد من عبارة السرائر (5) والشرائع (6) المتقدمتين، وكذلك
~~النافع (5) (7)
# PageV01P899
# والمنتهى (1) وكلام الشيخ علي في حاشية الشرائع (2) اختصاص الحكم بالآنية
~~وانتفاؤه عن غيرها، بل عن التذكرة (3) ونهاية الإحكام (4) الإجماع على
~~نفيها عن غيرها من الأنهار والحياض والمصانع، وكأنهم استفادوه عن الرواية
~~الاولى المشتملة على ذكر القمقمة، وإلا فالنصوص الاخر مطلقة، مع توجه المنع
~~إلى استفادته من الرواية المذكورة أيضا، فإن ثبت ذلك إجماعا وإلا فللمناقشة
~~فيه مجال واسع، إلا أن تدفع بتعسر الاجتناب عما أسخنته في غير الآنية.
~~فتأمل.
# ثم على تقدير الاختصاص بالآنية ظاهرهم بل صريح غير واحد عموم الحكم
~~للأواني المنطبعة - وهي المصنوعة من الصفر والحديد والرصاص والنحاس ونحوها
~~- ولغيرها، وعدم الفرق أيضا بين البلاد الحارة وغيرها من البلاد المعتدلة،
~~وكل ذلك لعموم النص والفتاوي، ونقل الإجماع أيضا وعن التذكرة (5) القطع به،
~~خلافا لما عن ms823 النهاية من دعوى التخصيص، قائلا: " بأن التعليل بكونه يورث
~~البرص يقتضي قصر الحكم على الأواني المنطبعة غير الذهب والفضة في البلاد
~~الحارة، لأن الشمس إذا أثرت في تلك الأواني استخرجت منها زهومة (6) تعلو
~~الماء، ومنها يتولد المحذور " (7) ولا يخفى ما فيه من الاعتبار في مقابل
~~النص.
# الرابع: في كلام غير واحد بقاء الكراهية وإن زالت السخونة والحرارة
~~الحادثة من الشمس، وعلل بالاستصحاب.
# وعن بعضهم الاحتجاج عليه: بعدم اشتراط بقاء المبدأ في صدق المشتق.
# وفيه أولا: فساد المبنى، لما قرر في محله.
# وثانيا: فساد الابتناء، إذ ليس الحكم في نصوص الباب معلقا على المشتق
~~ليترتب عليه ما ذكر.
# نعم، التمسك بالاستصحاب لا ضير فيه، بناء على أن المستفاد من النصوص
~~بملاحظة صيغة " تسخنه " ليس إلا سببية حدوث السخونة لحدوث الكراهة، وأما
~~كون
# PageV01P900
# بقائها سببا للبقاء أيضا فلا، غاية الأمر وقوع الشك في البقاء فيجري فيه
~~الاستصحاب.
# ثم في اشتراط القلة هنا في موضوع الكراهة وعدمه وجهان، بل قولان - على ما
~~قيل - أقواهما: العدم، عملا بالإطلاق.
# ثم ما تقدم من كراهة مطلق الاستعمال إنما هو فيما استلزم المباشرة بالجسد
~~أو عضو منه، وأما مع عدم المباشرة كما لو أزال به نجاسته أو سقى به دابة أو
~~نحو ذلك فالظاهر انتفاء الكراهة، نظرا إلى التعليل بإيراث البرص، وعلى قياس
~~ذلك في انتفاء الكراهة ما لو سخنت الشمس آنية خالية، ثم وضع فيها ماء وهي
~~حارة، فأفادت فيه سخونة وحرارة من غير أن يستند ذلك حينئذ إلى تأثير من
~~الشمس، فإن ذلك غير معلوم الاندراج في دليل الكراهة ولا فتاوى الطائفة إن
~~لم ندع العلم بعدم اندراجه، بل نظيره ما لو تسخن ماء الآنية بتأثير من
~~الشمس والنار على نحو الشركة بحيث لولا أحدهما لم يكن الآخر كافيا في
~~تسخينه، فإن المستفاد من النصوص كون الشمس علة تامة للسخونة، ومثله ما لو
~~وجد الماء متسخنا في موضع صالح لأن يستند سخونته إلى الشمس أو النار من غير
~~أن يتبين عنده أحد الأمرين، سواء بقي ms824 شاكا أو ظانا ما لم يكن الظن مستندا
~~إلى دليل شرعي، فإن الأصل في كل من هاتين الصورتين سليم عن معارضة الغير.
# ولنختم الكتاب بذكر امور اخر تلحق بهذا الباب.
# أحدها: أنه يكره استعمال ما أسخن بالنار في تغسيل الموتى ما دام الغاسل
~~متمكنا من استعمال الماء البارد، أو لم يكن على بدن الميت ما لا يقلعه إلا
~~الماء الحار من نجاسة أو وسخ أو نحو ذلك، من غير خلاف يحكى في المقام، بل
~~في كلام غير واحد (1) نفي الخلاف، بل عن خلاف الشيخ (2) إجماع الفرقة
~~وأخبارهم عليه، وفي المدارك: " هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، حكاه في
~~المنتهى " (3).
# والأصل فيه صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): " لا يسخن
~~الماء للميت " (4) ومرسلة
# PageV01P901
# عبد الله بن المغيرة عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: " لا يقرب الميت ماء حميما " (1).
# ورواية يعقوب بن يزيد عن عدة من أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " لا يسخن للميت الماء، لا تعجل له النار " (2) ورواية محمد بن علي بن
~~الحسين قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): " لا يسخن الماء للميت، قال وروي
~~- في حديث آخر -: إلا أن يكون شتاء باردا فتوقي الميت مما توقي منه نفسك "
~~(3).
# وعن كاشف اللثام: وروى عن الرضا (عليه السلام) " ولا تسخن له ماء إلا أن
~~يكون ماء باردا جدا فتوقي الميت مما توقي منه نفسك " (4).
# وكأنه إشارة إلى الرضوي المذكور في الرياض (5) قال في المدارك: " والنهي
~~وإن كان حقيقة في التحريم لكنه محمول على الكراهة، لاتفاق الأصحاب على أن
~~ذلك غير محرم " (6) انتهى.
# فبذلك علم وجه الاستدلال بتلك الأخبار، كما علم بما ذكر فيها وجه
~~الاستثناء المتقدم، ولذا قال الشيخ - على ما حكاه في الكتاب المشار إليه
~~(7)، واستحسنه -: " ولو خشي الغاسل من البرد انتفت الكراهة " (8) ووافقه
~~على ذلك كل من أفتى هنا بالكراهة فيما نعلم.
# نعم، ينبغي الاقتصار على ما تندفع به الضرورة كما نص عليه جماعة، ومما
~~يلحق بالضرورة إسخانه لتليين ms825 أعضائه وأصابعه، وهو حسن في موضع توقف الغسل
~~على التليين وتوقف التليين على حرارة الماء.
# لكن عن بعضهم تجويز ذلك ولو مع عدم الضرورة، تعليلا بخروجه عن الغسل، وهو
~~فاسد لعدم إناطة الكراهة بالغسل كما يظهر بملاحظة الأخبار المطلقة
~~المتقدمة، إلا أن يدعى انصراف إطلاقها إلى الغسل، ولعله في حيز المنع كما
~~يرشد إليه النهي عن تعجيل النار له.
# وثانيها: لا يكره استعمال الماء المتسخن بالنار في غير تغسيل الأموات،
~~للأصل، والسيرة المعلومة.
# قال في المنتهى: " الماء المسخن بالنار لا بأس باستعماله، لبقاء الاسم،
~~خلافا
# PageV01P902
# لمجاهد - إلى أن قال -: بل يكره تغسيل الميت منه " (1).
# وعن السرائر: " الماء الذي يسخن بالنار لا يكره استعماله في حال " (2)،
~~بل عن الخلاف: " أنه مما قال به جميع الفقهاء إلا مجاهد فإنه كرهه " (3).
# لكن العلامة في المنتهى (4) احتج عليه من طريق العامة بما رواه الجمهور
~~عن شريك قال: أجنبت وأنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجمعت حطبا
~~وأحميت الماء فاغتسلت، فأخبرت النبي (صلى الله عليه وآله) فلم ينكر (5).
# ومن طريق الخاصة بما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~أنه اضطر إليه وهو مريض فأتوه به مسخنا فاغتسل، وقال: " لابد من الغسل "
~~(6).
# وأنت خبير بعدم صلاحية شئ من ذلك دليلا على نفي الكراهة، نعم ينبغي أن
~~يعلم أن الثاني لا يدل على الكراهة أيضا، وإن كان قد يوهمها بملاحظة قوله:
~~" أنه اضطر إليه " لجواز عود الضمير إلى الغسل كما قيل، أو إلى الماء، لا
~~إلى تسخينه.
# ولو سلم عوده إليه فعدم الاضطرار إلى التسخين أعم من كونه بنفسه مرجوحا
~~كما لا يخفى.
# وثالثها: في المنتهى - عن ابن بابويه (رحمه الله) -: " ويكره التداوي
~~بالمياه الحارة من الجبال التي يشم منها رائحة الكبريت، لأنها من فوح جهنم
~~" (7).
# أقول: يدل عليه ما رواه في الوسائل عن محمد بن علي بن الحسين قال: أما
~~ماء الحمات (8)، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) إنما نهى أن يستشفى بها
~~ولم ينه عن التوضؤ بها، قال: وهي ms826 المياه الحارة التي يكون في الجبال يشم
~~منها رائحة الكبريت. قال: وقال (عليه السلام): إنها من فوح جهنم (9).
# ورواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " نهى رسول
~~الله الاستشفاء
# PageV01P903
# بالحمات، وهي: العيون الجارية التي تكون في الجبال توجد منها رائحة
~~الكبريت، فإنها من فوح جهنم " (1).
# ورواية مسعدة بن زياد عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه قال: إن
~~النبي (صلى الله عليه وآله) نهى أن يستشفى بالحمات التي توجد في الجبال "
~~(2) فالكراهة أيضا مما لا إشكال فيه، لكن بعد ملاحظة السيرة النافية للحرمة
~~عن ذلك.
# ثم ينبغي أن يعلم أن الكراهة في جميع ما حكم عليه بالكراهة من أول الكتاب
~~إلى هذه الأبواب إنما تثبت ما لم يتعين استعمال هذا الماء، كما في موضع
~~الانحصار مع الضرورة إليه، ومع تعينه زالت الكراهة، ضرورة امتناع اجتماعها
~~مع الوجوب في شئ واحد، فيخصص به دليل الكراهة، تقديما لأقوى المصلحتين على
~~الاخرى دون العكس.
# وأما معنى الكراهة حيثما تضاف إلى الطهارات - مع أنها من العبادات - فهو
~~على ما تقرر في الاصول، ولا حاجة إلى التعرض له هنا.
# هذا آخر ما أوردناه في كتاب المياه، ويتلوه الجزء الثاني من الكتاب بعون
~~الله الملك الوهاب، الذي له الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.
# قد فرغ من تسويده مؤلفه الفقير إلى الله الغني علي محمد بن إسماعيل
~~المرحوم الموسوي، عند طلوع الفجر من يوم الثلاثاء الاثني عشر من شهر الرجب
~~المرجب من شهور سنة 1272 ه ((3)).
# PageV01P904 ms827