######OpenITI# #META# URI: 1298SalihMajdi.MaqalatAdabiyya.Hindawi94050268 #META# Tags: literature #META# ID: 94050268 #META# Title: المقالات الأدبية #META# AuthorID: 92419140 #META# Author: صالح مجدي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقالة الأولى‏ # المقالة الثانية‏ # المقالة الثالثة‏ # المقالة الرابعة‏ # المقالة الخامسة‏ # المقالة السادسة‏ # المقالة السابعة‏ # المقالة الثامنة‏ # المقالة التاسعة‏ # المقالة العاشرة‏ # المقالة الحادية عشرة‏ # المقالة الثانية عشرة‏ # المقالة الثالثة عشرة‏ # المقالة الأولى‏ # المقالة الثانية‏ # المقالة الثالثة‏ # المقالة الرابعة‏ # المقالة الخامسة‏ # المقالة السادسة‏ # المقالة السابعة‏ # المقالة الثامنة‏ # المقالة التاسعة‏ # المقالة العاشرة‏ # المقالة الحادية عشرة‏ # المقالة الثانية عشرة‏ # المقالة الثالثة عشرة‏ # | المقالات الأدبية # | المقالات الأدبية # تأليف # صالح مجدي # | المقالة الأولى # الجزاء من جنس العمل # كان لي جار من الكهول، يخلب بسماع أحاديثه العقول، فقال لي ذات يوم - وقد خلا ناديه من ~~الناس، ولم يكن معنا فيه أحد من الجلاس: يا بني، إنه يختلج في صدري منذ أربعين سنة ~~سر ما جرى ذكره في هذه المدة الطويلة على الألسنة، وها أنا عليك الآن أقصه، وكما رأيته ~~بأسانيده أنصه، فأعر سمعك لمقالي، والتقط منه نفيس اللآلي. إني دعيت بمجلس أنس إلى وليمة ~~عرس، فبادرت بالإجابة عملا بما رواه عن النبي الصحابة، فلما دخلت دار العروس عطفوا بي، ~~قبل الجلوس، على الخوان؛ لتناول ما راج من الطعام، مع فتية من الظرفاء وأبناء التجار ~~العظام، ثم انتقلت مع هؤلاء الجماعة، بعد مضي برهة لا تنقص عن ساعة، إلى مجلس سماع الألحان ~~والأغاني المطربة الحسان، فلاحت مني التفاتة ذات اليمين. # فرأيت رجلا منعزلا في ناحية عن الجالسين، وهو قصير القامة، دقيق الساقين، أشعث أغبر، ~~مشوه الخلقة، حالك السواد، قبيح المنظر، محدودب الظهر، مرتفع الصدر، فقلت لخال الفتاة ~~الذي دعاني إلى الوليمة: من أين تعرف هذا الرجل صاحب الخلقة الذميمة؟ فقال لي وهو مبتسم: ~~إن هذا العبوس هو صهري أبو العروس؛ فقلت: تبا له! مالي أراه وهو رب الفرح غارقا في ~~بحار الهم والترح! فقال: إنه ورث جميع ما فيه عن جده وأبيه، وإني سألت عن أطواره وأحواله ~~أحد أقاربه وأمثاله، فأخبرني أنه ما دعي فأجاب، ولا تكلم في أي مادة فأصاب، ولا قرع بابه ~~ابن سبيل، ولا تصدق على سائل بالنزر القليل، وطالما لهج أمام والده في المحافل ms01 ، مع ما ~~هو عليه من البخل بقول القائل: # هبك عمرت عمر عشرين نسرا # أترى أنني أعيش وتبقى # ولئن عشت بعد موتك يوما # لأشقن جيب مالك شقا # وهو وإن كان والد ربة الزفاف، وبعل أمها شقيقتي بلا خلاف، فإنه ما حضرها في عقد نكاح، ~~ولا قام لها بأداء واجب ولا مندوب ولا مباح، ولا سعى بدعوته إلى داره أحد لعدم وقوفه في شحه ~~عند حد، وما أظن أنه بش في وجه صهره وهو ابن أخيه، الذي ما بنى بابنته لرغبته فيه، ~~بل لطمع في الاستحواذ على ماله من بعده، عقب حلوله عما قليل بلحده؛ لأنه عار عن حلل ~~المروة، مجرد عن حلية الإنسانية والفتوة، تارك للمفروض والمسنون، متقلب في أودية السخف ~~والجنون، مشغوف بالأباطيل، آخذ في الأضاليل، ما انبعث شعاع عقله لشيء سوى العبث، ولا شيع ~~هالكا إلى جدث، وهو حائر في أمره، نابذ لمكارم الأخلاق وراء ظهره، وقيل إنه قصد الأقطار ~~الحجازية للتجارة، في سنة من السنين لا للحج والزيارة، وكان ذلك غب قدومه من العراق بكثير ~~من الجمال والنياق، فقالت له أمه: خذني معك إلى بيت الله الحرام؛ لأقضي فريضة الحج هذا ~~العام، فأجابها إلى سؤالها بشرط أن تكون نفقتها على نفسها من مالها، فلما توسطت الدرب في ~~السير مع الركب سقطت من تحتها الراحلة، وكادت تفوتها القافلة، فمشت على قدميها حتى كلت ~~وضعفت قواها واضمحلت، وولدها لا يلتفت إليها، ولا تأخذه رأفة بها ولا شفقة عليها، فقالت ~~له، وقد وقفت من شدة التعب عن المسير، وامتد إليه طرفها فارتد وهو حسير: يا بني، احملني ~~على واحدة من هذه الدواب؛ لتفوز في غد بجزيل الثواب، ولا تتركني في هذه الفدافد الشاسعة، ~~والدروب والعقبات الوعرة غير الواسعة؛ فأموت بالظمأ والسغب، أو أقع في قبضة أحد من العرب، ~~أو تفترسني الوحوش الكواسر، وأنت على خلاصي من هذه التهلكة قادر. # فقال وقد نسي ما لها عليه من الحقوق، مبارزا لها بالعقوق: هيهات هيهات أن يستوي على ~~قتب، سوى من يبذل الفضة والذهب ms02 ، فأنقديني خمسين من الدراهم، التي هي لجروح أمثالي كالمراهم؛ ~~حتى أسمح لك براحلة سريعة الحركة، لا يلحق غبارها سليك بن السلكة؛ فقالت له: يا بني، إني ~~حملتك تسعة أشهر في بطني فلا تخيب فيك ظني، وتذكر قول الرحيم الرحمن في كتابه المنزل ~~على سيد ولد عدنان: # وبالوالدين إحسانا ~~؛ لتزداد ~~يقينا وإيمانا، فقال لها - ولم يزدد إلا جحودا وقسوة، وحنقا ونفورا ونبوة: لا سبيل لك ~~بغير المنقوشة إلى بلوغ المرام، فاقطعي حبال الرجاء واذهبي عني بسلام. # وكان بإزائهما من يسمع ما دار بينهما من المقال، فتى قد توفرت فيه شروط السماحة ~~والوجاهة والكمال، فقال لها: اركبي يا أماه على هذه الراحلة، فأنت سميرة والدتي في ~~القافلة، ثم نظر إلى هذا المهين نظرة الغضب، وعبس في وجهه وقطب، وقال بعد أن قرعه بالعصا، ~~ورجمه بالحصا: يا قذى جفن الدين، وبلاء نفوس المهتدين، أما علمت أن الجنة تحت أقدام ~~الأمهات، وبطاعة الوالدين يفوز الولد بأقصى الدرجات! لك الويل إن الشقاوة غلبت عليك، ~~وقادك العقوق إلى النار برجليك، ثم خلى سبيله وانصرف، وهو على عدم قتله في غاية ~~الأسف. # وبالجملة فأخبار هذا السفيه المفند في مثل هذه الرذائل لا تعد، ثم ضرب صفحا عن ذكره، ~~بعد أن لعنه في علانيته وسره، ولا زلنا نخوض في حديث بعد حديث، ونحن ساخطون على هذا ~~الرجل الخبيث، حتى عول الحاضرون على الرواح، وكان أكثر الليل قد مضى ودنا الصباح، ~~فانتصبت عند انفضاض الناس للوداع، وكان غيري قد فاز بلذة السماع، وقلت لغلامي: يا ابن ~~شكلة، هيئ لي على الفور البغلة، فقال: إني تركتها في الدار مع الجواد والحمار، هنالك ~~انتهز صاحبي الفرصة، وقال: إنه لم يبق من الليل إلا حصة، فاقبل مني النصيحة، واسترح في هذه ~~القاعة الفسيحة، وكنت لطول السهر قد اعتراني بعض فتور وخدر، فلم أخالفه فيما به أشار؛ لبعد ~~المنزل واقتراب النهار، بل أجبت بالطاعة، وتبعته إلى القاعة. # وبعد أن اضطجعت فيها على سرير، ودعني وعدل إلى بعض المقاصير، وإذ كنت بين اليقظان ~~والنائم ms03 في تلك القاعة الخالية من النسائم، إذ سمعت من بعيد صلصلة حديد؛ فطار عن جفني ~~الوسن، واقشعر مني البدن، وتلوت وقد أعياني الأرق: # قل أعوذ ~~برب الفلق ~~، وبينما أنا من الفزع في اضطراب إذ أبصرت معي شبحا من داخل ~~الباب، فتأملته وقد استولى على قلبي الرعب وخفق، وكدت أموت من شدة الفرق، فإذا هو رجل طويل ~~القامة، قصير اليدين، كبير الهامة، عاري الجسد، أصلع الرأس، يلوح عليه مع شيخوخته أنه شديد ~~البأس، فقويت جأشي وثبت الجنان، وقلت له: أمن الإنس أنت أم من الجان؟! فصاح صيحة ~~كأنها الرعد في خلال الغمام، وتنهد تنهد الواله المستهام، ثم قال بعد هذه الضجة: قد مر ~~بي عشرون حجة، ما طرق سمعي حديث بشر، ولا وقعت عيني على أنثى ولا ذكر، فما هذه الأغاني ~~والأصوات، والألحان الموسيقية المطربات، التي شنفت المسامع؟ وما هذه الشموع التي أضاءت بها ~~جميع المواضع؟ فقلت مجيبا له وقد سكن روعي، وتماسكت بعض التماسك ضلوعي: إن رب هذه ~~الدار أنكح ابن أخيه ابنته نوار؛ فصرخ صرخة هائلة وسقط على الأرض، وقد كاد بما حل به من ~~التشنجات يختلط طوله في العرض، فلما أفاق من غشيته، ورجع إليه بعض قوته، قال: اللهم ~~اجعل هذه الوليدة برة بوالدتها سعيدة، ولا تجعلها كأبيها الشقي المحروم من رحمة الحي ~~القيوم، فقلت له: من أنت يا أبتاه؟! ومن أين أقبلت يرحمك الله؟! وما هذا الحديد الذي ~~حمله أعياك، وأودى بك إلى هذه الحالة في دنياك؟! فجثا على ركبتيه، وبسط راحتيه، وقال بعد ~~تضرع وابتهال، وطلب الغفران من ذي الجلال: إني والد هذا الجبان الخائن، عدو نفسه المهان ~~المائن، وإني أقبلت عليك من طبقة في الأرض تحت قدميك، طرحني فيها هذا الوغد العنيد، بعد أن ~~كبلني - كما ترى - بالحديد، ولعل الباعث له على ذلك - والله أعلم بما هنالك - هو أنه زار في ~~بعض الأيام ثلاثة إخوة من اللئام، وكان أبوهم هلك عن تركة جسيمة، وأموال عظيمة القيمة، ~~فلما اقتسموها وهو إليهم ناظر، تكدر منه على عدم ms04 موتى الخاطر، ودخل علي في بعض الليال، ~~ومعه أربعة متنكرون من الرجال، فوضع في رجلي هذا القيد الثقيل، وحبسني في هذه الطبقة عن ~~الصاحب والخليل، وأشاع أني شربت كأس المنون، وبكى واستبكى علي العيون. # تنكرني دهري ولم يدر أنني # أعز وأحداث الزمان تهون # فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه # وبت أريه الصبر كيف يكون # وقد لبثت في السجن عشرين من الأعوام، لا يزورني فيها من الناس شيخ ولا غلام، ولا أتغذى ~~في الليل والنهار، إلا بشربة ماء ورغيف من الكشكار، تدفعها إلي في كل صباح، عجوز اسمها ~~كفاح، ثم تغلق علي باب الطبقة، ولا تأخذها بي شفقة، وقد غفلت في يوم هذه الوليمة عن ~~الباب، فتركته وانسابت كأنها الحباب في الحباب، فلما خفقت الأصوات، وانقطع حس الآلات، ~~خرجت لاستنشاق النسيم، فاجتمعت بك في هذا الليل البهيم. # ثم إنه استعد للانصراف إلى حبسه وهو ساخط على يومه، راض عن أمه، فقلت له: إلى أين ~~وقد فرج عنك الكرب، ونجوت وزال عنك الخطب، وتخلصت من الطبقة والتصفيد، وبلغت - بمنه ~~تعالى - فوق ما تريد؟ فقال ودمعه في انهمال، ونيران جواه في اشتعال: يا بني، جزيت عني ~~خيرا، ولا لقيت من زمانك ضيرا، كيف السبيل إلى الخلاص، وليس لي عن السجن مناص؟! وكيف أرمي ~~ولدي باتباعك في مهاوي الفضيحة، وأكشف الغطاء عن أفعاله القبيحة؟ وإن أجلي قد أخذ في ~~الاقتراب، وشمس حياتي قد توارت بالحجاب، فقلت له: لا تخش على ولدك من الفكاك العار، فإن ~~لي التزاما بعيد المزار، أسيرك إليه في غد؛ بحيث لا يشعر بك أحد، فقال لي: لا سبيل ~~إلي ما جنحت إليه؛ لأن ذمتي لا تطاوعني عليه، فقلت له: إن أبيت إلا الإصرار على ~~الإقامة في غيابة الجب إلى يوم القيامة، فأنا أسعى في خلاصك منه بالقوة القهرية، وأفضح ~~ولدك بين البرية، فقال لي: يا بني، سر على مهل ولا تعجل، فالجزاء من جنس العمل، وكما يدين ~~الفتى يدان، وإني مستحق لهذه العقوبة من قديم الزمان؛ فإني قتلت والدي في حب ms05 المال، ~~وجرعته بيدي كأس الوبال، وهذه آثار دمه على الجدار تشهد علي بأني رميته بسهام البوار. ~~فلما عرفت حقيقة الخبر، ووقفت على جلية الأثر، تبين لي أن الوالد أشقى من الولد، ~~وأن عذابه في الآخرة أشد، وكان الليل قد أدبر، والصبح قد أسفر، فانطلق وهو أبغض إلي من ~~قاتل ابن جبير، ولسان حالي يتمثل فيه بقول البهاء زهير: # بحق الله متعني # من ذاتك بالبعد # فلا تصلح للهزل # ولا تصلح للجد # فلا صبحت بالخير # ولا مسيت بالسعد # فكان آخر عهدي بهذا الجار أول انقطاعي عن سماع مثل هذه الأخبار، فخرجت من داره، ~~عازما على عدم ازدياره، قائلا في نفسي: لا راد لما قضاه الله وأراده، راجيا منه ~~سبحانه أن يختم لنا بالحسنى وزيادة. # | المقالة الثانية # في التصريح بحميد الأخلاق، والتلويح بالتوبة عن الاعتراض على الرزاق # دخل رجل من سكان الأطراف، ذات يوم مدينة بديعة الأوصاف، وطاف بشوارعها المنيفة، وأزقتها ~~المرونقة اللطيفة، وأسواقها النفيسة الأمتعة، وخاناتها ذات الأقمشة الثمينة والحلل ~~المرصعة، فرأى في أثناء طوافه بهذه الأماكن المزخرفة، الحوانيت والمساكن جما غفيرا ~~من ذوي الثروة واليسار، والأبهة والرفاهية والاعتبار، والنعم الوافرة، والخيرات ~~المتكاثرة، وكان عليه أطمار بالية، ولم تكن عيشته حالية، فترك المدينة وانتجع الجبل، وقلبه ~~بنيران الاعتراض على رازقه اشتعل، فلما خلا بنفسه تمنى موته وحلوله برمسه، ولكراهته في ~~البقاء، واعتقاده أنه خص من بين الناس بالشقاء؛ خلع جلابيبه وقذف بها إلى السماء، وضل عن ~~طريق الهدى واستحب العمى، وتمادى على القذف بها إلى الجو وهي تسقط عليه، وتنجذب في ~~أقل من لمح البصر إليه، وما برح عاكفا على هذا العمل، حتى وهت قواه وضعف جسمه وكل، ~~واحتاج إلى الراحة فجلس على الأرض. # وهو على غاية من الغضب والنكد، وكان بالقرب منه أجمة فيها أسد، قد خرج من عرينه ~~للاصطياد، والفتك بكل حيوان صعب الانقياد، فلما وقعت عينه على هذا المعترض المخالف، لم ~~يصرفه عن الحملة عليه صارف، فزمجر زمجرة الرعد، وأيقن بنيل المنى وبلوغ القصد، فأقبل عليه ~~بأظافر كالخناجر، وكشر ms06 عن أنياب كالسيوف البواتر، وكاد يبدد منه أمعاه، ويريحه من ~~الاعتراض على مولاه، هنالك ضاقت به الحيل، وانقطع منه الأمل، وتحقق أن القضاء به نزل، ~~وانطوى من حياته سجل الأجل، فاسترجع وحوقل، وتاب من ذنبه وعلى الله توكل، وأخلص النية، ~~وأقبل على التضرع بحسن طوية. # وبينما هو متقلب في أودية الدهشة والحيرة، مترقب هلاكه وضيره، إذ ظهر له وهو في أثناء ~~الخطر فارس على فرس محجل أغر، لا يلحق منه الغبار، ولا يجول سواه معه في مضمار، وكان هذا ~~الفارس شديد الباس، وافر العزم قوي المراس، فعطف بلا مهل على أسامة، بشهامة تامة وصرامة، ~~وخفف ما عليه من اللباس، وألقى ما بيده من السلاح، وهجم عليه وهو من نفسه واثق بالنجاح، ~~ولكمه بيده على أنفه، لكمة هائلة ساقه بها إلى حتفه، وبإقدام هذا الهمام المنيع، تخلص ~~الرجل من الموت المقتضب السريع، ثم وقف على مصرع أبي الحارث وأنشد، وهو منه في الكفاح ~~أقوى وأشد: # عرضت نفسك للأخطار معتمدا # على وثوقك في الإقدام بالظفر # ولو علمت بما لاقى سواك لها # مشيت وحدك في البيدا بلا خفر # ولما نجا هذا اليائس على يديه، دنا منه وانكب على قدميه، فانحنى عليه، ومن الأرض أقامه ~~وقبله بين عينيه، وهنأه بالسلامة. # وبينما هو يسأله عن سبب تجرده عن الثياب، ووجوده في هذا القفر الخراب، وهو يجيبه عما ~~دار في خلده من الوسواس، من اعتراضه على رب الناس، ويخبره أنه إلى الله تاب، وأقلع عن ~~ذنبه وإليه أناب؛ إذ خرجت عليهما قطاع الطريق، من كمين في درب داخله مضيق، فقال له: لا تخف ~~ولا تحزن، وقف مكانك وإلى الفرار لا تركن، ثم وثب على صهوة جواده الأدهم، وامتشق سيفه ~~وعليهم أقدم، وهو يقول وقد اعتراهم من حملته الذهول: # أنا الهمام الذي في كل معترك # سيفي يقرب من أخصامي الأجلا # فلو تمثلت في الهيجا لعنترة # لفر عن جنده رغبا وما وألا # ولو زحفت إلى الأبطال منفردا # لانفل جمعهم من قبل أن أصلا # ولما انكشف عنه الغبار بعد ms07 ساعة، وقد قتل عشرة من الجماعة، ولم ينج من سيفه الماحق، سوى ~~من كان تحته جواد سابق، كر راجعا إلى صاحبه كالقشعم، وهو بهذين البيتين يترنم: # والنصر من تحت أعلامي وبين يدي # بالأمن يسعى إلى من قد أبيح دمه # ولو تمثل لي شخص الزمان وفي # كفي حسام لزلت في الوغى قدمه # وعندما قرب منه سارع إلى ملاقاة جنابه؛ ليحظى بلثم قدمه في ركابه، وأطلق لسانه بشكره، ~~وأثنى عليه في سره وجهره، وكان الفارس قد جمع الأسلاب، بعد أن فرق الأحزاب، وهم بدفعها ~~إلى صاحبه؛ لتذهب عنه بالفقر وغياهبه، وقال له: اقبل هذا النزر اليسير، واعذرني في ~~التقصير، وإن شئت فسر معي إلى الأوطان، حتى تكون آمنا في ذمامي من حوادث الأزمان، فقال له ~~وقد اتسع صدره وانشرح، ولاحت عليه بشائر السرور والفرح: إن مفارقة الأرواح للأشباح أهون ~~علي من فراقك يا فارس البطاح، وكيف أقدر على ذلك وقد دفعت عني المهالك، وغمرتني بالإحسان ~~بعد أن بدلت خوفي بالأمان؟! فاسمح لي بخدمتك؛ لأعيش في نعمتك، فأجاب إلى ما طلب، وبلغه ~~بمرافقته الأرب، والفارس المذكور هو من نسل معن بن زائدة المشهور، وهو في السماحة آية، وفي ~~الجود غاية، وفي الحلم لا يجارى، وفي العلم والرواية لا يبارى، وفي الشعر حسان، وفي ~~البلاغة سحبان، وله دراية تامة بالأخبار، ومعرفة كاملة بالآثار، وهو أول مبادر إلى ~~سماع النوادر؛ قيل إنه خرج غير مرة من جميع ماله بدون احتياج أحد من الناس إلى سؤاله، ~~ولطالما كان يترنم في المحافل بقول القائل: # المال ينفد والثناء يخلد # والجود في كل المواطن يحمد # وأخو السماحة في البلاد جميعها # بين العباد على الدوام مسود # ونقل عنه صاحبه الذي فاز منه بالذمام، واستغرق في خدمته عدة من الشهور والأعوام، أنهم ~~دخلوا عليه في ناديه بمغلول، وقتيل على الأعناق محمول، وقيل له: إن ابن أخيك قتل ابنك عمدا ~~بلا شريك، فأمر بإطلاقه من حبال وثاقه، وقال له وقد عافاه من القصاص، ومن عليه ~~بالخلاص: # قتلت أخا كريما كان عونا # على ms08 الأعداء في يوم الكفاح # وبالإثم ارتديت ولست تدري # بأنك صرت مقصوص الجناح # ثم أقبل بوجهه عليه، وأبدى له من الابتسام ما دفع عنه كل ما هجس بخاطره من توقع الانتقام، ~~ولخوفه عليه من غائلة أتباعه بعث به في أمان إلى بعض أقطاعه. ولعمرك هذا هو الجود الذي أنسى ~~جود حاتم، والحلم الذي محا من الصحف حلم قيس بن عاصم. # وزاره في داره ذات يوم جماعة من الأفاضل، ممن تتحلى بمعارفهم أجياد المحافل، فتجاذب معهم ~~أطراف الرواية، وأظهر كل منهم فيها ما عنده من الدراية، وقام وتكلم فأحسن، وتنوع فيما ~~أبداه وتفنن، وأطلق لجواد فكره في هذا المضمار العنان، ففاز بالسبق وحاز قصب الرهان، ولا ~~زال في هذا المبحث الطويل ينتقل من الجمل إلى التفاصيل، حتى قال في حقه، من يعول على ~~صدقه: # لله درك من إمام ما له # بين البرية في الرواية ثاني # كم من مخبأة كشفت لنا الغطا # عنها بأعذب منطق وبيان # ومن محاسن شعره الذي سارت به الركبان، وأضاءت ببدور معانيه في خدور مبانيه الأكوان، ما ~~رواه عنه أبناء الأدب، واستملاه نبلاء العجم والعرب، حين قال في خطابه لابن وده، وقد أصمى ~~فؤاده بسهام صده: # حسبي بحبك في الغرام نحولا # ومدامعا فوق الخدود سيولا # سل عن ليال بالجوى قضيتها # وقد اتخذت بها السهاد خليلا # نعم السهاد فلو ألم بي الكرى # لرأيت مع طيف الخيال عذولا # وقوله لنديمه في مجلس انشراح، طاب فيه تناول الراح: # هاتها يا نديم من خد أهيف # سيف لخطيه في المضارب مرهف # عاطنيها ممزوجة برضاب # طاب لي منه في الصبابة مرشف # وقوله لمليحة اسمها حياة الأنفس، وقد خطرت بين يديه في حلة من سندس: # ملئت بحبك يا حياة الأنفس # كل القلوب عرفت أم لم تعرفي # وعلى هواك وقفت روحي فاسمحي # بقبولها مني ولا تتوقفي # ونقل عن صاحبه الذي اتسعت دائرة أرزاقه، عند اختصاصه به وتخلقه بأخلاقه؛ أنه حضره في ~~يوم افتخر فيه بالبلاغة كل حكيم، وامتاز فيه بالفصاحة كل عليم، فقام على قدميه، وابتكر ~~خطبة ms09 لم ينسج على منوالها، ولم يأت قبله أحد بمثالها، فلم يبق أحد من فصحاء تهامة إلا ~~أذعن له بالزعامة، وهو جدير بما قال فيه بعض واصفيه: # قس الفصاحة في زمانك أبكم # ولأنت منه بكل شيء أعلم # ولديك سحبان البلاغة أخرس # مع أنه في عصره متكلم # وقد ضربت الأمثال بصدقه في الأخبار، واعترف له به العلماء والأحبار، وقام الدليل ~~والبرهان، على أنه أوحد الزمان: # هو الثقة الذي نسعى إليه # لنأخذ عنه أخبار الأوائل # هو البحر الذي في كل فن # يحل بفكره صعب المسائل # ولقد سأله أحد جلسائه عن تاريخ بعض الممالك المشهورة، وعن مباني البرابي والأهرام التي هي ~~من الآثار المأثورة، فأجاب عما أراد بأوضح إشارة، وأرشده إلى الصواب بأفصح عبارة، وأماط ~~القناع عن وجه أشرف البقاع، وبسط الكلام على ما كانت مصر عليه من الأحوال الظاهرة والباطنة ~~في عهد ملوكها الأولين من الفراعنة، ونوه بما وقع فيها من كمشيد وباقي الأكاسرة، ونبه على ~~حوادث البطالسة والقياصرة، وقص أثر فتوحها بالإسلام، وانتزاعها من قبضة الأروام، وكان ذلك ~~في محفل حافل، حضره جم غفير من الأفاضل، وقد قام من بينهم شيخ كبير بدقائق علم التاريخ ~~خبير، فقال مخاطبا له بأشرف المعاني، وألطف الألفاظ والمباني: # تاريخ آدم والدنيا بأجمعها # لولاك ما زاد إيضاحا ولا ظهرا # لا زلت تبدي بما أوتيت من حكم # في كل ما فيه نفع للورى أثرا # ووفد عليه وهو بمدينة بغداد درويش من الأمجاد، فغمره ببحار المواهب، ورفع قدره بين ذوي ~~المراتب، وكان هذا الدرويش خزانة نوادر، وكنانة نكات تهيم بسماعها الأكابر، فقال له رجل من ~~ندماء الفارس اسمه كميت: حدثنا بأحسن ما رأيت؛ فقال الدرويش صاحب المخترعات المشكورة، ~~والمبتدعات الحسنة المشهورة: # إني مررت في سياحتي بخراسان على قرية كانت لبني ساسان، فرأيت بظاهرها شيخا محلوق اللحية ~~عاري الجسد، وشيخة في عينها اليسرى رمد، وهي كالتي قال في حقها الواحد الأحد: # وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل ~~من مسد # فقلت له: ما اسمك؟ وما اسم هذه القرية بين القرى؟ وما ms10 هي هذه ~~الشيخة التي مثلها في النساء لا يرى؟ فقال له: أما أنا فاسمي أبو الغواية ضلال، وأما ~~القرية فاسمها في الكتب القديمة ملال، وأما الشيخة فهي زوجة الشيخ جابر، إمام زاوية أيوب ~~بن صابر، وإنه عازم على فراقها؛ لشراسة أخلاقها، وعدم وفاقها، وإنها بالأمس قرعت بابي، ~~ورفعت قضيتها إلى جنابي، وسأنظر إليها، وأقضي بالحق لها أو عليها. فقلت له: ما هي وظيفتك يا ~~أبا غواية؟ وكيف تقضي ولست بقاضي الولاية؟ فقال: اعلم أني أنا نائبه في هذا البلد، وأني ~~أحفظ من القرآن الفاتحة، وقل هو الله أحد. فقلت له: إذا كنت كذلك يا جاحظي السحنة، فما ~~لي أراك مخالفا للكتاب والسنة؟! فقال: إنهم قلدوني نيابة القضاء بهذا الشرط، وأغضوا عما ~~يفرط مني من الخلط، وأخذوا علي بذلك العهود، فما أخرج عن هذه الحدود. فقلت له: بقي عليك ~~شيء لا بد منه، وأمر مهم لا محيص عنه، وهو أنك تجب نفسك بيدك، وتخلع زوجتك على ولدك، ~~حتى إذا انفصلت روحك الخبيثة عن بدنك، ودرجت إلى حفرتك بعد اندراجك في كفنك، سحبوك على وجهك ~~إلى الجحيم، وطرحوك في نار العذاب الأليم، فوقعت هذه النصيحة عند الشيخ الخرفان، موقع ~~القبول والاستحسان، وأجاب إلى ما دعوته إليه وامتثل، وقصد حانوت الحلاق؛ لبت ما أمر به ~~بلا مهل، وقال وهو متأهب للقيام يمدحني بهذا الكلام. # لك الثناء على نصح أعيش به # بين العباد جليل القدر في بلدي # لا سيما بعد فقد الأنثيين ومن # بعد التخلص من أهلي ومن ولدي # قال الكميت: فلما سمعنا أعجوبة هذا الدرويش، قلنا: كم يشاهد من عجائب الدنيا من ~~يعيش! # | المقالة الثالثة # في اليسر بعد العسر # حدثني مبارك الطلعة، الصديق الثقة، في ليلة أنس كانت بالبدر المنير مشرقة؛ أنه نشأ ~~بمدينة سان، فيما سلف من الزمان؛ أخوان يتيمان، توفي أبوهما وهما صبيان، وماتت أمهما ~~بعده بعام، وتركتهما بلا زاد ولا حطام، فألجأتهما ضرورة القوت، تارة إلى خدمة ذوي البيوت، ~~وطورا إلى الكد في العمل من غير كسل، مع سد الرمق ms11 بكل ما حصل، وتماديا على مزاولة هذه ~~المشاق، التي ضاق بها منهما الخناق، حتى جمع كل واحد منهما بعد أن بلغا أشدهما؛ ~~مقدارا من الدراهم المعدودة، والنقود المدخرة المرصودة، فاتقفا على التأهل بشقيقتين ~~شريفتين عفيفتين، واشتغل منهما الفكر بذلك في الجهر والسر. # وسمع بخبرهما بعض اللصوص، فصرف عزيمته إليهما بالخصوص، وانقض على مأواهما في ليلة حالكة ~~السواد، وقد غرقا في بحر الكرى بعد طول السهاد، فسرق المال وطار قبل أن يفضحه ضوء النهار، ~~واستيقظا من الرقاد، وشغفهما إلى الزواج في ازدياد، ولم يعلما بذهاب الأثر والعين، ولا ~~بانتهاب النضار واللجين، فقال أحدهما للآخر: بالمال يتخذ الإنسان سلما، ويصعد به متى ~~أراد إلى السما، ونحن بما عندنا من النقد، نفوز على رغم الحسود بالقصد، فابعثني إلى أي ~~خاطب إن رمت نيل المطالب، فقال له. # وقد لاحت منه التفاتة إلى باب الخزانة، التي كانت بالأمس محتوية على الأمانة: ما لي أرى ~~عقب هذا الباب قد انصدع، وقفله انفصل عنه ووقع، وفي الحال أخذ بيده وقصده، وبحث عن المال ~~فما وجده. # لله أشكو من زمان ساءني # وعلي غارات المصائب شنها # وسرت إلى قلبي هموم غمومه # وسيوفه لقتال صبري سنها # فطفقت أنشد والخطوب تنوشني # صبت علي مصائب لو أنها # 1 # هنالك أرسلا من أعينهما أدمعا، وتأسفا على ضياع دراهمهما وتوجعا، وتمثلا في هذه الحال، ~~بقول من قال: # مال كأن غراب البين يرقبه # فكلما قيل هذا مجتد نعبا # ثم أجمعا أمرهما على مفارقة الأوطان لبلوغ الأوطار، وقد هان عليهما في طلب الرزق ركوب ~~الأخطار، وقال أكبرهما اللبيب مخاطبا لأخيه الأريب، ومسليا له على نوائب الأزمان، ~~والنزوح بغير اختيار عن الأوطان: # تغرب عن الأوطان في طلب العلا # وسافر ففي الأسفار خمس فوائد # تفرج هم واكتساب معيشة # وعلم وآداب وصحبة ماجد # فإن قيل في الأسفار ذل ومحنة # وقطع فياف وارتكاب شدائد # فموت الفتى خير له من حياته # بدار هوان بين واش وحاسد # هذا وقد جدا في التقلب من واد إلى واد، والتنقل في النجائد والوهاد، وصبرا على ms12 هذا ~~المصاب صبر من استسهل الصعاب، وتأسيا في هذا الخطب النازل بما قال القائل: # لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى # فما انقادت الآمال إلا لصابر # ويقول من يرجو بصبره بلوغ المآرب، ويترقب حسن العواقب: # الصبر مثل اسمه مر مذاقته # لكن عواقبه أحلى من العسل # ويقول من ضاقت عليه المذاهب، ورماه الزمان من كنانة غدره بنبال النوائب: # صبرا على نوب الزمان فإنها # مخلوقة لنكاية الأحرار # لا يخسف النجم الضعيف وإنما # يسري الخسوف لرفعة الأقمار # فكانا تارة يمدان أيديهما للسؤال في الظلمات، وآونة يحتطبان في ضياء النهار من الأجمات، ~~ومرة ينخرطان في سلك العملة، ويقتديان في نقل الجير والطين بالفعلة، وأخرى يخفران الحوانيت ~~بالليل، ويحرسان في الغياض المواشي والخيل، وكلما ضجر أحدهما من الاغتراب، قال له أخوه ~~بأعذب خطاب: يا ابن أمي، إن لسان الفرح يناجي، صبرا صبرا؛ فإن الفرج يفاجي. ويخفف عنه ~~بلواه بقول القائل رحمه الله: # خفض عليك ولا تكن قلق الحشا # مما يكون وعله وعساه # فالدهر أقصر مدة مما ترى # وعساك تكفى شر ما تخشاه # وقد عكفا على مثل هذه الأعمال، مترقبين من دهرهما صلاح الأحوال، مدة سبعة أعوام، ~~وستة أشهر وخمسة أيام، حتى تحصلا في خلال هذه المدة على مقدار لا يزيد على المسروق في ~~العدة، فتداولا في العودة إلى الأوطان، التي حبها من الإيمان. # بلادي وإن جارت علي عزيزة # ولو أنني أعرى بها وأجوع # ولي كف ضرغام إذا ما بسطتها # بها أشتري يوم الوغى وأبيع # ثم ترقبا للسفر، يوما ليس فيه مطر، وهم الجيران والأمثال، بمنعهما عن الترحال، فقال ~~أحدهما مشيرا بيده إليهم، وشاكرا لهم ومثنيا عليهم: # لو كان قلبي معي ما اختار غيركم # ولا أردت سواكم في الهوى بدلا # لكنه راغب فيمن يعذبه # فليس يقبل لا قولا ولا عملا # وتفرغا للمناقشة في هذا الصدد، وسرعة الانقلاب إلى البلد، والعزيمة على التأهيل باثنتين ~~من الأبكار، أو من الثيبات المصونات الأحرار، وبعد أن طال في ذلك بينهما الجدال، انحط ~~رأيهما على الترحال، فوجها وجهيهما إلى البحر، وكان بينهما وبينه ms13 مسيرة ميل في البر، ~~فقطعاه على أقدامهما بلا مهل، ولحقا بالموردة على عجل، وكان لسان الحال ينشدهما عند ذلك من ~~أبكار أفكار حبيب، هذا المعنى الفائق الرائق الغريب: # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى # ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى # وحنينه أبدا لأول منزل # وبمجرد وصولهما إلى الساحل، المشحون بالمراكب والزوارق والصنادل، نزلا سريعا مع ~~الركاب، في زورق متأهب للذهاب، وقالا وقد رفع الشراع، بعد الإشارة بالوداع. # ودعتهم ودموعي # على الخدود غزار # فاستكثروا دمع عيني # لما استقلوا وساروا # فلما انساب هذا الزورق انسياب الأرقم، بريح طيبة في لجة البحر الأعظم، صار يقتحم الموج ~~ويمر من فوقه مر السحاب، ويتجنب في طريق سيره ما ارتفع من الشعاب، حتى إذا قطع مسافة ~~يومين تكدر صفاء الجو، واختلفت الرياح وأظلمت السماء وتحدر النو، وانكسرت الدفة ~~وتقطعت الحبال، وأقبلت الأمواج من كل جهة كالجبال، واختفى عن أعين الملاحين أثر المسالك، ~~وتحقق الوقوع في مهاوي المهالك، وعظم الخطب، واشتد الكرب، وعلا النحيب والصياح، وكثر العويل ~~والنواح، وتوالت المصائب، وزحفت جنود الأخطار من كل جانب، واستغاث الركاب برب الأرباب، ~~وبسط الربان راحة الضراعة، والابتهال والدعاء وأمنت الجماعة: # يا خالق الخلق يا رب العباد ويا # من قلت في محكم التنزيل ادعوني # إني دعوتك مضطرا فخذ بيدي # يا جامع الأمر بين الكاف والنون # وإذ كان لا دافع لسهام القضاء والقدر، ولا مانع لما تحتم وقوعه من الضرر، اضطرب الزورق ~~ودار، وانحدر على الفور إلى القرار، وجميع من فيه من الناس هلك، وصار طعاما ~~للسمك. # ومن لم يمت بالسيف مات بغيره # تنوعت الأسباب والموت واحد # ولم ينج من هذا السفر المنحوس، بعد فقد المنقوش والملبوس سوى الأخوين؛ حيث ظفر كل منهما ~~بلوح فركبه، وانطرح عليه من شدة التعب كالخشبة، وترك نفسه عليه لمشيئة الأقدار، وكان البحر ~~قد سكن وارتفعت الأمطار، فاستقام به في السير واعتدل، وقرب به من البر وإليه وصل. # أروم الصفا والقرب من جيرة المسعى # وأجعل أجفاني لأقدامهم مسعى # فوادي الغضا في ms14 مهجتي وأضالعي # هي المنحنى والعين أرسلت الدمعا # ألا يا حمام الأيك هيجت لوعتي # إلى جانب الجرعا ومن حل بالجرعا # بلاد على أفق السماء محلها # أحن إليها والذي أخرج المرعى # فتعانقا عناق الألف للام، وأفرطا على الدهر في الملام. # لا تأمن الدهر في كل الأمور ولا # تعتب عليه إذا ما خان أو غدرا # فإنه لم يزل في حكمه كلفا # بما يسوق إلى أبنائه ضررا # وقال كل واحد منهما وقد أصبح عاريا صفر اليدين: ليت شعري، إلى أين نذهب إلى أين؟ وقد جار ~~علينا الزمان، واقتفى منا الأثر في كل مكان، وأغرى بنا من بنيه الأوغاد، وجند علينا منهم ~~الأجناد، فنصبوا لنا من قبل حبائل النكد، واستلبت لصوصهم منا ما جمعناه وهو أقل العدد، ~~وسلط علينا البحر فكان أدهى وأمر؛ لأنه ذهب بالدرهم والدينار، وأتى على ما كان من الجلابيب ~~والأطمار. # ألا إنما الأيام أبناء واحد # وهذي الليالي كلها أخوات # فلا تطلبا من عود يوم وليلة # خلاف الذي مرت به السنوات # ولولا لطفه بنا عز وجل، ووجود فسحة في الأجل، لم يكن لنا من الهلاك، في هذه الدفعة فكاك، ~~فماذا نصنع الآن في هذا العسر وقد مسنا الضر؟ أنرجع إلى الوطن بالخيبة وتجريد البدن؟ أم ~~نطوف بجميع الربوع، ونهجر في طلب الرزق الهجوع؟ وبعد أن طال بينهما الكلام في مثل هذا ~~المقام، بدا لهما أنهما لا يرجعان إلى مسقط الرأس، وهما على هذه الحالة من الفاقة والبأس، ~~وترجح عندهما عدم الإياب، إلى وطنهما بلا مال ولا ثياب. # لي في الله حسن ظن جميل # إن تجافى عن الخليل خليل # لي رزق لا بد منه وعمر # ينقضي والكثير منه قليل # ومع العسران تتابع يسر # وصروف الزمان حال يحول # رب أمر يضيق ذرعك منه # لك فيه إلى النجاة سبيل # إنما هذه الحياة غرور # قد شغفنا بها فأين العقول؟! # ننظر الحق ثم نعرض عنه # ونراه ونحن عنه نميل # ليت شعري عواقب الأمر ماذا # وإلى ما بنا المآل يئول # ما قضاه الإله لا بد منه # فعلام هذا ms15 العريض الطويل # إن لله في العباد مرادا # وسوى ما أراده مستحيل # نحن مستعملون فيما خلقنا # ما لنا في نفوسنا ما نقول # فتوغلا في المدن والقرى والضياع، واشتغلا بما فيه صلاح حالهما وخافا على وقتهما الضياع، ~~وكانا تارة يقطعان الحجر، وتارة يقلعان الشجر، وطورا يحرثان الأرض بالأثوار، ويبذران ~~الحبوب فيها بمقدار، وطالما مرت عليهما سنوات وشهور، في رعي الإبل والبقر بالأجور، ~~واهتما بمباشرة ما يقربهما من الغنى، ولو كان فيه ما فيه من العنا، حتى تبسم لهما الدهر ~~العبوس، وامتلأت أيديهما من الفلوس، وتذاكرا في العودة إلى الديار، فاستصوبا الرجوع إليها ~~بما لهما من اليسار، وأول مسألة خطرت لهما بالبال، وهيجت منهما البلبال، هي مسألة الزواج ~~التي لا تهجس بالخاطر إلا عند الرواج، وقال أحدهما لأخيه من أمه وأبيه: الآن نبلغ الأمل، ~~ونصفع قفا من لام أو عذل، فاستعد بنا للرحيل، واصفح الصفح الجميل، وكان الليل بظلامه قد ~~أقبل، والنهار بضيائه تحول، واحتاجا للراحة فأخذ كل منهما مضجعه، بعد أن ملأ بحديث ~~الأمان مسمعه. # يا راقد الليل مسرورا بأوله # إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # فلا وأبيك ما مضى من الليل إلا هجعة قليلة، وبرهة من الزمن غير طويلة، حتى وقعت ضجة، عقب ~~هذا ورجة، وصاحت صائحة في أثر غادية ورائحة، واشتعلت النار في جميع جهات الدار، واحترق من ~~السكان، من كان غير يقظان، وفي هذه الكرة، عدم الإخوان الصرة، وما سلما من اللهب، ولا ~~تخلصا من العطب، إلا بعد تجشم أخطار لم تكن في الحساب، وخوض أهوال دونها ضرب الرقاب، ووثوب ~~فيما بين أماكن محترقة، بغاية العسر من كل طبقة إلى طبقة، وتجردا عن لباس ونعال، وحمير ~~وأفراس وبغال. # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت # ولم تخف سوء ما يأتي به القدر # وسالمتك الليالي فاغتررت بها # وعند صفو الليالي يحدث الكدر # وبعد مضي سبعة أعوام كوامل، في كد وتعب بلا طائل، لم يكن رأس مالهما سوى السلامة، ~~فأكثرا على الدهر من الملامة، وأعرضا عن التنويه بذكر دار الولاد، ورأيا أنه لا فائدة ms16 في ~~تعلق الآمال بزينب وسعاد، واعتزلهما الصاحب والجار؛ لفاقتهما عند احتراق الدار. # لقد ملني بالفقر خلي وصاحبي # وإن جئت أشكو ما أقاسيه صاح بي # وكل فتى قاسى من الدهر فاقة # يصير غريبا وهو بين الأقارب # وكل غريب وهو ينسب للغنى # تعود له كالأهل كل الأجانب # فما المال إلا في الملا زينة الفتى # وما الفقر إلا من أمر المصائب # وما العكس للإنسان إلا مشقة # وما السعد إلا من أجل المواهب # وكم عالم في الناس يحتاج درهما # وكم جاهل قد حاز جاه المناصب # وكم من رفيع حط بالفقر قدره # وكم من وضيع ساد فوق المراتب # ولو أن للآداب حظا وقسمة # لزاحمت أرباب العلا بالمناكب # ثم التفت إلى أخيه وتبسم، وهو بنار الغيظ يتضرم، وقال: يا أخي، لا باعث للغضب، على اللص ~~والبحر والنار ذات اللهب، ولا داعي للاعتراض والإعراض، فإنه جل وعلا منزه عن الأغراض، ~~وإن المقدر في الأول لا يغير، ولا تبديل لقوله تعالى في القرآن الحكيم: # ذلك تقدير العزيز العليم ~~، فقال له أخوه وقد عبس ~~وبسر، وغاب عنه صوابه وزاغ منه البصر: يا أخي، لا تسح بنا في الأقطار ولا تمرح بنا في ~~الأقاليم والأمصار ولنكف عن السعي في طلب الأرزاق؛ حيث آل أمر ما اكتسبناه إلى السرق ~~والغرق والاحتراق. # لقد نلت أهوال الشدائد كلها # ومارست أحوال الخطوب الكوارب # وذقت حلاوات الزمان ومره # وعلمني حكما دوام التجارب # وأشرعت الأيام نحوي رماحها # كأني عدو للزمان المحارب # ولم أر في أبناء آدم من له # صفاء وداد خالص من شوائب # ولا نباشر في المساء والصباح، شيئا من الأعمال التي ما فزنا منها بالنجاح، وتحول بنا ~~عن السهل إلى هذا الجبل المرفوع؛ ليفترسنا الوحش أو نموت من الجوع، ونستريح في هذه المرة، ~~من المعيشة الكريهة المرة، ولا برح يسخط على الزمان الخئون، ويحسن لأخيه شرب كأس ~~المنون، حتى أطاعه وصعد معه على هذا المرتفع الشاهق، الذي رأسه للسحاب ملاصق، فلما استويا ~~على ظهره، وركض بأرجلهما في وعره، انتهيا فيه إلى مغارة، في ساعة اشتدت ms17 بها الحرارة، وكانا ~~قد أضر بهما الظما، وكادا يكتحلان بمراود العمى، فمالا إلى المغارة المذكورة، التي تبدو ~~لعين الرائي كأنها مقصورة، وحيث كان وصولهما إليها من طريق اضطرمت فيها من القيظ نيران، ~~سقطا على الأرض كالموتى تحت بعض الجدران، وأقاما على هذه الحال إلى وقت العصر، وكانت درجة ~~الحرارة قد انحطت وزال الحر، فارتكن أحدهما بظهره إلى جدار، فوقعت عليه منه قطعة جص لا ~~يحملها حمار، لكنه مرق من تحتها كالسهم، ولم يحصل له منها أدنى وهن ولا وهم، والتفت بوجهه ~~إلى هذا الجدار، وأمعن النظر فيه، وتأمل بالدقة في تركيبه ومبانيه، فإذا هو من آثار بناء ~~رصين، هو في الحقيقة عبارة عن دائر قبر كأنه حصن حصين، وقد اقتضت الحكمة الإلهية أنه قد ~~انفتحت فيه طاقة متسعة، فنظر فيها وكان أخوه راقدا فنهض معه، فلم يدركا آخرها ببصرهما ~~الحديد، ولم يدركا به ما وراءها من الامتداد البعيد، وكان بيد أحدهما آلة، فعالج بها هذه ~~الطاقة، واستعان بأخيه على هذا العمل، حتى أحدثا في الجدار المذكور فرجة يلج منها الجمل، ~~وانكشف لهما سرداب عظيم الاتساع، مهندم الشكل جسيم الارتفاع، فانطلقا فيه كفرسي رهان، وعثرا ~~في آخره على إيوان، فألفياه مزخرفا بنقوش وكتابات، وصور ورموز وإشارات، ووجدا به جملة من ~~الجواهر والأحجار، الثمينة الغالية الأسعار، واللآلئ البديعة، والدرر الرفيعة، والصور ~~الغريبة، والأواني العجيبة، والأموال الوافرة، والأسلحة الفاخرة، فسجدا شكرا لله سبحانه ~~على هذه النعم الجزيلة، والهبات الربانية الجليلة، ثم توجها إلى أقرب مدينة من الجبل ~~المذكور، واكتريا بها دارا واسعة ذات سور، ونقلا إليها كنزهما في عدة أيام، من غير أن يشعر ~~بهما أحد من الأقوام، وأكثرا من الحشم، والجواري والخدم، وفتحا الأبواب للغادي والرائح، ~~والسائح من الناس والبارح، وانتجعتهم الشعراء من جميع الفدافد، بكل ما رق وراق من ~~منتخبات القصائد، فغمرا منهم الماشي والراكب، ببحار العطاء والمواهب، وأنفقا على الفقراء ~~والمساكين وأبناء السبيل، وشيدا المساجد للعبادة والمارستان لمعالجة المريض والعليل، وشاع ~~ذكرهما في السخاء والبذل في الشدة والرخاء، واشتهرا في ms18 جميع الآفاق بالسماحة ومكارم ~~الأخلاق، فانجذبت إليهما قلوب العباد، وأثنوا عليهما في كل ناد، وأقبل عليهما أكابر الدولة ~~وأمراؤها بوجه بشوش، ولهجت بحسن سيرتهما الرعية والجيوش، وتناشدوا مدائحهما في مجلس سيد ~~الأقيال، سلطان عصرهما أبي الأشبال، فأرسل رسوله في طلبهما؛ ليقف بنفسه على حقيقة نسبهما، ~~فلما قدم بهما عليه، قبلا الأرض بين يديه، وقال أكبرهما يمدحه بهذه الأبيات، بعد ما دعا ~~له بطول البقاء وصفاء الأوقات: # لئن شرفت أرض بمالك رقها # فمملكة الدنيا بكم تتشرف # بقيت بقاء الدهر أمرك نافذ # وسعيك مشكور وحكمك منصف # ومكنت في حفظ البسيطة مثلما # تمكن في أمصار فرعون يوسف # ومذ تبين له بعد أن تليا عليه ما لهما من القصص، وما تجرعاه في مدة حياتهما من القصص؛ ~~أنهما ممن حنكتهم التجاريب، وهذبتهم التداريب، وعرفوا أصول السياسة، واستحقوا الانتظام في ~~سمط أرباب الرياسة؛ بسط لهما بساط فضله وكرمه، ونظر إليهما بعين عنايته وحسن شيمه، ~~وقربهما من سدته، وجعلهما من ندمائه وعترته، واعتمد عليهما في تدبير مملكته المنيفة، ~~ولا يزال يقلدهما وظيفة بعد وظيفة، حتى خلع على أكبرهما خلعة الوزارة، وألبس أصغرهما حلة ~~الإمارة، وكان له كريمتان من المخدرات، كأنهما الشمس والقمر بين أترابهن من البنات، فأنعم ~~على الوزير بالكبرى، ومن على الأمير بالصغرى، وتبدل عسرهما باليسر، وتضاعف منهما لله ~~الشكر، وعاشا معه في سعة وأرغد عيش، رافلين في حلل الحرير بعد الخيش، هكذا كانت عاقبة هذين ~~الأخوين، اللذين نشآ يتيمين فقيرين، وقد سعيا بقدميها إلى المنية، فكان لهما في هذا السعي ~~بلوغ الأمنية. # | المقالة الرابعة # وتلك الأيام نداولها بين الناس # نشأ بمصر في سالف العصر رجل خليع، من نسل الصريع، كان مغرما بالسياحة، مولعا من عهد ~~نشأته بالملاحة، ممتطيا غارب الأمل إلى الغربة، منتضيا في التطواف عضبه، قاطعا الأغوار ~~والأنجاد، ساعيا في الفيافي بلا ماء ولا زاد. # لا يستقر بأرض أو يسير إلى # أخرى لشخص قريب عهده ناء # يوما بحزوى ويوما بالعقيق ويو # ما بالعذيب ويوما بالخليصاء # وتارة ينتحي نجدا وآونة # شعب الحزون وحينا قصر تيماء ms19 # وقد اتفق له في بعض الأسفار، المتوالية بجميع الأقطار؛ أنه حج إلى بيت الله الحرام، في ~~عام من الأعوام، وبينما هو يدعو ربه عند طوافه بالكعبة، إذ سمع في الأسحار، زنجيا ~~متعلقا بالأستار، يقول في تضرعاته، عقب انصرافه من صلاته: إلهي، أنت قلت في كتابك ~~المنزل على خلاصة أحبابك: # وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس # فأين دولتي يا شديد القوى والباس؟ فدنا منه وجذبه من الأطواق، وأخرق ~~به غاية الإخراق، وقال له: كيف يا أخس الرجال، تعلق أملك بالمحال؟! ولست يا أسود البشرة ~~من القوم الكرام البررة، أم كيف - لا أم لك - تترقب الصعود إلى الفلك، وتتعلق منك ~~المطامع، يا أنحس مخلوق بأسعد الطوالع؟! مع أنك إلى الآن لم تفز بالعتق، ولم تخلع عنك ~~ثياب الرق، يا ويلك إن كنت قد اغتررت بولاية كافور، الذي كان آمرا في صورة مأمور، فتلك ~~فلتة من فلتات الدهر، وهفوة من هفواته التي تقصم الظهر، وكأنك بمولاك أيها العبد الآبق، ~~والوغد المهين المارق، وقد جد في طلبك، وردك إلى سوء منقلبك، وطرحك على التراب، وصب ~~عليك سوط عذاب، فقف عند حدك، وارجع في عملك إلى كدك، واجعل يا هذا أمنيتك قاصرة، على ملء ~~بطنك وستر عورتك الظاهرة. فقال له الزنجي، وقد استدل بفعله على رعونته وسخف عقله: يا ~~هذا، خفف عليك، فليس الأمر منك ولا إليك، وكف عن هذا التقريع والتوبيخ والتشنيع، فإنك تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير، وأنه سبحانه وتعالى بالإجابة جدير، وإني على ثقة من بلوغ ~~المآرب، والفوز بنيل المطالب؛ لأنه ما دق باب الله أحد من العباد إلا فاز من فيض إحسانه ~~بما أراد، وهذا هو اعتقادي ونيتي، من عهد ولادي ونشأتي، والعبرة بالنية في الماضي والآت، ~~وقد قال صلوات الله عليه بنص الثقات، من ضمن الأحاديث المرويات: «إنما الأعمال ~~بالنيات.» ورجائي في مكارمه التي لا تعد، أنه لا يردني في هذا العام بغير ~~القصد، لا سيما وقد وقعت على أعتابه، وتوسلت إليه بصفوة أحبابه، وحفظت قوله تعالى ~~وهو للقلوب ms20 طب # وقال ربكم ادعوني أستجب ~~لكم ~~، وقد أمرنا بالدعاء فلا نيأس من الإجابة، وفقني الله وإياك ~~للإصابة. # فقال الخليع وقد تمكن منه الغضب، وانحرف عن سنة العجم والعرب، وكاد يحترق من نار غيظه ~~بلهب أو يقتل نفسه ويذهب فيمن ذهب: إن استجاب الله دعاك، وبلغت على زعمك مناك، صفعت قفا ~~الزمن، ورفعت ألوية الفتن، وإلا خضبت بدني بالسواد، وهمت مع أبناء جنسك في كل ~~واد. # ولولا أنه خلى سبيله وراح، وغاب عن نظره في البطاح، لضربه في الحرم، وتعدى عليه ~~وظلم، لكن لخوف ابن الصريع من أن هذا العبد ربما نال ما رام، ندم على ما شجر بينهما من ~~الخصام، وتذكر في الحال قول من قال: # وإذا العناية صادفت عبد الشرى # نفذت على ساداته أحكامه # ولما مضت أوقات الحج، وانقضت سويعات العج والثج، وحن كل إنسان إلى موطنه، واشتاق إلى ~~أهله وسكنه؛ امتطى كل فريق متن طريق، فأما الزنجي فلم يعلم أين درج، ولا على أي سلم ~~عرج، وأما الخليع فكان من جملة من ركب البحر بعد فوات عشر من عيد النحر؛ لأنه لتمام ~~الخيبة، لم ينتجع طيبة، ولم يتمتع قبل القفول بزيارة الرسول، وعند حلوله بالسفينة، مع ~~فتية من أهل الوقار والسكينة، انتقلت بهم بعد نشر الشراع من أشرف البقاع، إلى الجهة التي ~~أملوا الوصول إليها، وعطفوا بالحمول عليها، وقد كان في هذه البرهة معرضا بجانبه عن الناس، ~~كأنه من ملوك بني أمية أو من خلفاء بني العباس، وما ذاك إلا لاستغنائه بالقناعة عن مخالطة ~~أحد الجماعة؛ ولذا كان يترنم في الرواح والغدو بقول من كان في عزلة عن الحبيب ~~والعدو: # وأدبني الزمان فلا أبالي # هجرت فلا أزار ولا أزور # ولست بقائل ما عشت يوما # أسار الجند أم ركب الأمير # لكن بعد خمسة أيام وخمس ليال، أظلمت السماء قبل الزوال، وانحطت على السفينة من جهة ~~الجنوب، ريح عاصفة متواترة الهبوب، فحرفتها عن اتجاه المسير، ومزقت شراعها الكبير، واجتهد ~~كل ملاح، في خلاص الأرواح، من هذا الارتباك المفضي إلى الهلاك، ms21 فما نجحت الأعمال، ولا ~~تحققت الآمال، بل ضاق الفضاء، ونزل القضاء، وخاب الرجاء، وعز الوصول إلى النجاء، وحان ~~الحين، ونعب غراب البين، وتبدل بالخوف الأمان، وطاش عقل الشجاع والجبان، وطار من ~~الحمام، على رءوس الجميع الحمام، ونادى منادي الفراق، لا سبيل إلى البقاء بعد هذا المحاق؛ ~~حيث صالت جنود الأمواج، على تلك السفينة المصنوعة من الساج، فانخرقت قبل طلوع النهار، ~~وانجذبت بما اغترفت من الماء إلى القرار، وما أظن أنه نجا من الغرق، سوى ابن الصريع ~~الذي كان يهلك من الفرق، وسبب نجاته من هذا الموت العاجل، أنه أدرك بمصادفة الأقدار ~~بعض الصنادل، فانزوى فيه بلا رفيق ولا مصاحب، وهو لا يشك أن طرف الردى له مراقب، وقد ~~انقطع أمله إلا من الخالق، وأخذ في الاعتذار عما كان منه في السابق. # أسير الخطايا عند بابك واقف # على وجل مما به أنت عارف # يخاف ذنوبا لم يغب عنك غيبها # ويرجوك فيها فهو راج وخائف # ومن ذا الذي يرجو سواك ويتقي # وما لك في فصل القضايا مخالف # فيا سيدي لا تخزني في صحيفتي # إذا نشرت يوم الحساب الصحائف # وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما # يصد ذوو القربى ويجفو المؤالف # لئن ضاق عني عفوك الواسع الذي # أرجي لإسرافي فإني تالف # وعما قليل وصل به هذا الصندل الخفيف، عند صفاء الجو وسكون البحر إلى رصيف، تحت سفح جبل ~~سهل الانحدار، فصعد عليه فورا بدون انتظار، وكانت الشمس قد طلعت، وعن الأرض بمقدار رمحين ~~ارتفعت، فصبر حتى جفت أثوابه، واستراح وعاد إليه صوابه، ثم استوى قائما على قدميه، وبسط ~~نحو السماء يديه، وقال وقد زال عنه التعب، وتخلصت رجله من ربقة العطب: # لك الحمد إذ أنقذتني دون رفقتي # من الموت بين الموج في ظلمة البحر # ونجيتني وحدي وقد كنت يائسا # بلطفك يا ربي سريعا إلى البر # وبعد ذلك التفت إلى جهة اليمين على عجل، وأخذ في السير بلا توان ولا مهل، فوصل قبل العصر، ~~إلى مرج نضير فيه نهر، فجلس على حافته واضطجع، وقد ذهب ms22 عنه الروع والفزع، وصبر حتى إذا ما ~~خف عنه النصب، وتوضأ وصلى ما عليه وجب، اقتطف من بعض الأشجار، ما سد خلته من الأثمار، ~~وقال وهو يجول في أكنافه، ويسرح طرفه في أطرافه: # إذا ما الدهر بيتني بجيش # طليعته اغتمام واغتراب # أغار عليه من جهتي كمين # يسوس أمور عسكره كتاب # وبت أنص من شيم الليالي # عجائب من حقائقها ارتياب # بها أجلو همومي عن فؤادي # كما يجلو همومهم الشراب # ثم ترك المرج وراء ظهره، وتوكل على مولاه في سره وجهره، وسار ولكن غير بعيد، فصادفه على ~~خيل البريد، رجال بيض الألوان، سود الشعور والأجفان، عليهم ملابس حسان، وفي يد كل واحد ~~منهم سنان، ولما وقعت أعينهم عليه، مالوا بكليتهم إليه، وبشوا في وجهه وحيوه بتحية ~~الإسلام، وقابلوه بما يستحق الغريب من الإكرام، وحملوه على دابة عظيمة، من الجياد التي في ~~سيرها مستقيمة، وتمادوا به على الحركة، بين الرياض باليمن والبركة، حتى أدخلوه من باب ~~يعرف عندهم بالمأنوس، ومثلوه بين يدي ملكهم المضاهي في لونه للآبنوس، فبعد أن تأمله مليا، ~~وعرفه جليا، تكلم معه برقة ولطافة، وبعث به إلى دار الضيافة، وكان ابن الصريع قد ~~تحقق أنه صاحب الوقفة بالحرم، فأيقن أنه زلت منه القدم، وأوجس في نفسه خيفة، وخشي منه ~~جوره وحيفه، وتوهم أنه ربما أمر بقتله، قبل وصوله إلى أهله، وأن نجاته من البحر ما ~~أغنت عنه شيئا في البر، هنالك نثر من عينيه العبرات، وتمنى أنه لو هلك في السفينة أو في ~~الفلوات، ولا كان قد وقع في قبضة هذا الأسود، الذي يحتمل أن نار الإساءة في قلبه لم تزل ~~تتوقد، بيد أنه لما دعي إلى المقابلة، بعد عشرة أيام كاملة، قبل في الحال بين يديه ~~الأرض، وأتى بالسنة فأجيب بالفرض، ثم قال له الملك بابتسام: مرحبا يا ابن الكرام، فقال ~~الخليع وقد كساه الحياء ثوب الخجل، وزال ما كان اعتراه من الخوف والوجل: # سجاياك إن عافيت أندى وأسمح # وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح # وإن كان بين الخطتين مزية ms23 # فأنت إلى الأدنى من الله أجنح # وقلت: سيجزيني المليك بفعلتي # فقال: سأعفو عنك حالا وأصفح # فلما سمع منه ما أبداه، قربه من سدته وأدناه، وتزحزح له عن مكانه، وأجلسه على السرير في ~~أمانه، وقال له وقد ضمه إلى صدره، وقبله في عارضيه ونحره: أي ذنب وقع منك؟ وأية جناية صدرت ~~عنك حتى تأتي بهذا الاعتذار يا صاحب الجاه والاعتبار؟ أما أنت يا رب المقام الجليل، لغلامك ~~المخلص نعم الخليل، معاذ الله أن يكون هناك ما يوجب العقوبة، ويدعو إلى لوم فيه أدنى صعوبة، ~~فقال الخليع وقد اتسع صدره وانشرح، وكاد يطير من شدة السرور والفرح: تالله يا كريم الخلال، ~~ويا شريف الخصال، إنك أولى بالملك من غيرك؛ حيث فاضت على الأنام بحار خيرك، وهل يكون في ذلك ~~نزاع أو جدال، وإنك قد احتويت على جميع مناقب الكمال؟! # فيك ما شئت من بديع صفات # حار في حصر بعضهن الأديب # فيك حلم ورأفة وسخاء # وسداد به يسود الأريب # ولأنت عند كل إنسان، أعز من أهله والإخوان، أما أنا على الخصوص، فعندي من الأدلة ~~والنصوص، ما به يثبت أنك أوحد الملوك والأقيال، وأسعد من تضرب بعدله الأمثال؛ لأني جنيت ~~فعفوت، وأسأت فأحسنت وما جفوت، فجوزيت بما أنت أهله من علو المكانة، وجوزي سواك على سوء ~~فعله بالإهانة. # ولو أنني أصبحت كلي ألسنا # وأطلقتها في بث ما هو لازم # لقصرت عن إحصاء بعض مناقب # بها اشتهرت في الخافقين تراجم # وبالجملة والتفصيل: فليس لك في زمانك مثيل، ولسان حال كل من رآك، يقول وهو واقف تحت ~~لواك: # ولو أنني أصبحت في كل نعمة # وكانت لي الدنيا وملك الأكاسره # لما وازنت عندي جناح بعوضة # إذا لم تكن عيني لشخصك ناظره # فأثنى عليه الملك وشكره، ولجزيل إحسانه غمره، فقال الخليع مخاطبا له، وقد أثرى بعد ~~الإفلاس، بقول إبراهيم بن العباس: # سأشكر عمري ما تراخت منيتي # أيادي لم تمنن وإن هي حلت # رأى خلتي من حيث يخفى مكانها # فكانت بمرأى منه حتى تجلت # فتى غير محجوب الغنى عن ms24 صديقه # ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # وكان النهار قد انقضى، والليل قد أقبل بالمسرات والرضا، فقام الملك والخليع، والوزير ~~الكامل ابن المطيع، وركبوا عند خروجهم من الديوان عربة، فسارت بهم حتى انتهوا إلى قصر ~~العقبة، ونزلوا في هذا القصر، بمنظرة مشرفة على نهر، وبعد أن لبثوا بها هنيهة يسيرة، ~~ولحيظة من الزمن قصيرة، دعاهم الشريف ابن مطرب، أمام الحضرة الملوكية إلى صلاة المغرب، ~~فاصطفوا وراءه، وكان حسن القراءة، فصلى بهم المكتوبة، في الساعة المطلوبة، ثم انتقلوا بعد ~~الفراغ من الصلاة المذكورة، إلى قاعدة المائدة المشكورة، فأكلوا حتى اكتفوا من الطعام، ~~وكان آخرهم قياما الإمام، وبعد أن شربوا القهوة، صعدوا في بستان القصر على ربوة، فصلوا ~~صلاة العشاء الأخيرة، وركب كل من الوزير والإمام عربة صغيرة، وتوجه إلى داره، بعد ما فاز من ~~الملك بيساره، ولما خلا المكان لابن الصريع، من ابن مطرب وابن المطيع، سأل الملك عما وقع له ~~بعد الانصراف من أم القرى، وكيف كان وصوله إلى هذه المدينة عالية الذرى؟ فقال له: اعلم أني ~~ركبت البحر، فانكسرت السفينة على صخر، وتعلقت بلوح فأوصلني إلى البر، بلا سوء ولا شر، ~~وحملني رجال البريد كما حملوك على جواد، وساروا بي إلى المدينة باجتهاد، فلما دنوا بي من ~~الأسوار، وكانت الشمس في رابعة النهار، ألبسوني بعد السلام من الهلك، في يوم الخميس تاج ~~الملك، وعقدوا لي في أحسن طوالع السعود، موكبا عظيما أكثروا فيه من العساكر والبنود، ومشوا ~~بي والمظلة على راسي، والدهر لي في جميع أحوالي مواسي، حتى أجلسوني على التخت، ولا جرم أن ~~هذا من سعادة البخت، وسألت فيما بعد عن الحامل لهم على ذلك، ولماذا لم يقتدوا بغيرهم من ~~الممالك؟ وما هو هذا السبب الذي بلغت به الأرب، فأخبرني جم غفير، من ضمنهم الوزير، أن ~~العادة الجارية من قديم، في هذا البلد العظيم، أن الرعية متى مات ملكها القائم، ولت ~~عليها من الأجانب أول قادم، وخلعت عليه الخلعة الملوكية، وأذعنت له بالعبودية، وأقول لك يا ~~خليع هذا ms25 مصداق قول الملك العلام، في القرآن الحكيم # وتلك ~~الأيام ~~. # لما أتتني دولتي # والدهر سالم وابتسم # نلت المنى وبلغت ما # أرجوه من فيض النعم # وغدوت في الملك الذي # أوتيت منشور العلم # وكانت نفسي تحدثني عقب الفطام، أن أحظى ذات يوم بهذا المرام، وتذعن لي بالطاعة ~~بعض العباد، وأكون نافذ الأحكام في البلاد، وكان لي حاسد من أبناء حام، لا يغفل عن مواجهتي ~~بالملام، فكان يقول لي متهكما بي: إني رأيت لك في المنام، أنك يا حام تملك رقاب الأنام، ~~فكنت أصول عليه وأجول، وأسخر به كما يسخر بي وأقول: # ألا قل لمن كان لي حاسدا # أتدري على من أسأت الأدب # أسأت على الله في فعله # لأنك لم ترض لي ما وهب # فجازاك عنه بأن زادني # وسد عليك وجوه الطلب # ولم يزل هذا دأبه ودأبي، حتى نلت ما رمت بفضل ربي، فقال الخليع: أنت يا رب السعادة، في ~~عصرك أهل للحسنى وزيادة؛ لأنك ملكت فعدلت، وعن مكارم الأخلاق ما عدلت. # فاسلم ودم في صفا عيش وفي ترف # ففي بقائك ما يسلي عن السلف # فأنت للمجد روح والورى جسد # وأنت در فلا تأسى على الصدف # وكان ابن الصريع قد ناهز الستين من الأعوام، وعرف بلغات كثير من الأقوام، فآثر الإقامة مع ~~الملك في بلده، على الرجوع إلى أهله وولده. # إن كان لا بد من أهل ومن وطن # فحيث آمن من ألقى ويأمنني # وعاش في خدمته عشرين سنة، مرت كأنها لقصرها سنة، ولما مات هذا النديم، الذي كان أصدق ~~خديم، شيعه الملك مع أرباب دولته إلى لحده، واحتفل بمأتمه وبكى على فراقه وفقده، ولم يعش ~~بعده سوى ثلاث سنوات، كان عليه في أثنائه بادي الحسرات. # | المقالة الخامسة # في الاشتغال بمباشرة المناصب عن الاحتفال بمسامرة الصديق والصاحب # نقلت من خزانة الأسرار، بإحدى مدن الآثار، عن حبر أحبار، وجهينة أخبار؛ عبارة بالحروف ~~مرقومة، تحت صورة في الكتاب مرسومة، تشير بإحدى يديها إلى المقة والوفاق، وبالأخرى إلى ~~المقت والشقاق، وهي مع ما فيها من اللطافة، تعد في ms26 ذاتها خرافة، ونصها: أنه كان يوجد ~~بمدينة تلمسان، كهل من عفاة بني ساسان، أنهكت جسمه الفاقة، ولم يقابله دهره بالطلاقة، وكان ~~له وليد نجيب، أو حفيد ذكي لبيب، انحاز إلى مؤدب صبيان، ومعلم أطفال وفتيان، فتعلم القراءة ~~منه والكتابة، وأبدى في حفظ دروسه النجابة، وأخذ عن غيره النحو والصرف، وجال في ميدان الأدب ~~بأسبق طرف، وبلغ من المنطق والبيان والبديع، ما يرتفع به قدر الوضيع، واستحوذ من العروض ~~والإنشاء واللغة وسائر الفنون، والحديث والفقه والتوحيد وآداب البحث على ما تقر به العيون، ~~وبرع في معرفة الهيئة والجبر والهندسة والحساب. # وحل بفكره الوقاد في كل فن مسائله الصعاب، حتى أصبح لا يجاريه مجار، ولا يباريه في ~~مجاله مبار، وهاجر في طلب العلم إلى أكثر البلاد، وكانت آخر مدينة انتهى إليها بغداد، ~~فاجتمع فيها بأقيال البراعة، وأبطال البلاغة واليراعة، وركب معهم سفينة المناقشة ورفع في ~~بحرها شراعه، ومد بينهم في كل فرع من العلوم باعه، فلما تبين لهم أنه فارس ~~الميدان، وأنه أوحد زمانه في المعارف بين الأخدان، مالوا إليه وكثرت في المدينة خلانه، ~~وأثنت على أخلاقه بكل لسان جيرانه. # وشاع بين البرية ذكر معلوماته الخارجة عن حد القياس، حتى طرق مسامع وزير أحد خلفاء بني ~~العباس؛ حيث قيل له وهو في محفل من نبلاء الجلاس: إن هذا الأستاذ أفصح من قس، وأذكى من ~~إياس. # فقال الوزير لحاجبه ابن جرير: اقصد في غد دار هذا الفاضل، الذي دونه المباحث كل مناضل، ~~والتمس من جنابه، أنه يزورنا بركابه؛ لعلي أتخذه كاتبا ومشيرا، وحاسبا بالديوان وسميرا، ~~فقبل الحاجب الأرض وأجاب بلبيك، وقال: إنه سيكون عندك وبين يديك، فلما كان في صبيحة ~~يوم الجمعة، هيأ بغلة عظيمة السرعة، وسعى إليه وسأله عن داره، من وجيه كان ساكنا في ~~جواره، ومذ لقيه وجاء به إلى مولاه، قربه وأكرم مثواه، وأنزله برواق من مأواه، ورفع درجته ~~على من سواه، ولما كان هذا المتفنن حلو الفكاهة، حسن المسامرة حجازي النباهة، خلب العقول ~~بفصاحته، وسلب الألباب بسحر بلاغته، وتشبث ms27 من عهد نشأته، بما ينشر بين الملأ أعلام شهرته، ~~ويذهب عنه العسر والباس، ويجلب له اليسر بين الناس، ويجذب إليه قلوب الورى، ويطيع له أسد ~~الشرى، ويرغب فيه العباد، ويحبب فيه ذوي الرشاد. # وقد احتفل بذلك في السر والعلن، حتى نال بغيته وفاز بالذكر الحسن، ولم يدع من أفعال الخير ~~شيئا إلا سارع إليه، وانقض بلا توان انقضاض العقاب عليه، فكنت تارة تراه بالمساجد، كناسك ~~راكع ساجد، وتارة يبدو في المجالس، بوجه بشوش عابس، وطورا يبرز بين الأقران، في حلة الرأفة ~~والإحسان، وطالما أحرز قصب السبق، في مضمار نضرة الحق، وتمادى على هذا العمل، بلا فتور ولا ~~كسل، إلى أن تقرب بمثل هذا السلوك، من هذا الوزير الذي تفتخر به الملوك، فقلده في ديوان ~~الخليفة، بوظيفة كاتب الإنشاء المنيفة، ثم تنقل من إيوان إلى إيوان، حتى استوى على مرتبة ~~رئيس كتاب الديوان، وصار يركب في المواكب، بعد انتظامه في سلك ذوي المراتب، ويتقلب في أودية ~~النعم، ويتصرف التصرف التام فيما يتعلق بأرباب السيف والقلم، ولا زال في كل يوم يعلو مناره، ~~وينمو على الدوام فخاره، ويزداد بين الأمراء اعتباره، ويغرس في أفئدة الوزراء وقاره، إلى أن ~~نال من زمانه الأمل، ووصل بالإرادة الأزلية إلى ما وصل، ولاحظته عيون السعادة، ففاز ~~بالحسنى وزيادة. # ألا رب راج حاجة لا ينالها # وآخر قد تقضى له وهو جالس # يجول لها هذا وتقضى لغيره # وتأتي الذي تقضى له وهو آيس # وبعد أن تقلد بهذه الوظيفة الرفيعة، وتأهل من بنات أعيان المدينة بحرة في حسنها بديعة، ~~أقبلت عليه الدنيا بخيراتها الجزيلة، وامتلأت عليه داره من الخدم والجواري الروميات ~~الجميلة، واشتغل بمباشرة المناصب، عن الاحتفال بمسامرة الصديق والصاحب، فثارت عليه طوائف ~~الحساد من كل جانب، واتهموه بالانحراف عن أقوم المذاهب، وقال فيه شاعرهم: # إذا رفع الزمان وضيع أصل # وألبسه ثياب الاعتبار # فسالم من أردت سواه وانظر # له أبدا بعين الاحتقار # وزعموا أن بشاشته تبدلت بالتقطيب والعبوس، وأن فظاظته وعدم استقامته قد اشمأزت منهما ~~النفوس، وأنه اعتزل الأشراف، ms28 وحاد عن طريق الإنصاف، وبالغوا في ذمه، وبالغوا في هجاء ~~أمه، وقال بعضهم في مجلس الوزير: إن سوء فعله من الأدلة القائمة على دناءته وخسة ~~أصله، وأنه مبير كذاب، ومثير للفتن مرتاب، وأنه لما نال بغيته بغى، وضل بعد الهداية ~~وطغى، وتاه على أبناء جنسه، ولم يذكر في يومه ما لقيه في أمسه. # وقال آخرون: إنه بقية من قوم عاد، وإن حياته مضرة بالأنام على القرب والبعاد، وإنه ظهير ~~لذوي المعايب، ونصير للعاكفين على المثالب، وليس الباعث لهم على إذاعة هذه الأقاويل ~~الكاذبة، وإشاعة هذه الأباطيل التي سهامها به صائبة، سوى الغيرة والحسد الذي رماهم بنبال ~~الكمد. # وإذا خشيت من الأمور مقدرا # وفررت منه فنحوه تتوجه # وبالجملة فإنهم أقاموا على هذه الوتيرة مدة من الزمن غير قصيرة، ونسبوا إلى بعض أصهاره، ~~أنه هجاه بقوله من بديع أشعاره: # ما لي أراك عدلت مما لضرورة # عن سنة الأشراف والأمجاد # أنسيت أنك قد نشأت بلا أب # في فاقة من معشر أوغاد # من أين كان لك التقدم عنوة # لا عن أبيك ولا عن استعداد # وكان كلما ذكر في محفل قال أدناه وأعلاه، مشيرا إلى كبره: # لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله ~~. # وحيث إن كل ذي نعمة عليها محسود، اجتهدوا في تقبيح سيره المحمود، حتى أوغروا عليه صدر ولي ~~أمره، بعد أن أقاموا له البراهين على اعتزاله وكفره، فتنكر له وعزله، وعن وظيفته السامية ~~فصله، فلما انزوى عقب الطرد بقصره، لم يتركوه بلا أذى في حصره، بل اعتدوا عليه وبعثوا ~~إليه. # أمسيت يا طير مقصوص الجناح وقد # ألقاك صيادك المحتال في القفص # لا فرج الله عنك الكرب فيه ولا # أخلاك فيه مدى دنياك عن غصص # وأنت لا شك بعد الموت في سقر # بنص ما أنزل الجبار في القصص # وكان قد اكتسب من الرزق الحلال بالهمة، ما لا يحصى من الأموال الوافرة الجمة، وادخرها ~~في داره المضاهية في زينتها لمدينة إرم، التي كانت آهلة بالسراري الحسان والحشم، ولولا ~~شغفه بحب الرياسة، وتولعه بأحوال السياسة، لعاش عيشة ms29 راضية في يسار وثروة، ولذة وافية ~~وزيادة حظوة، وكيف لا وقد كان في هذه الدار المزخرفة الرصينة الأسوار، ما تشتهي الأنفس ~~وتعجز عن وصفه الألسن، مما يشرح الصدور ويسر الأعين، من عرب أتراب، تسحر بجمالها الألباب، ~~وحور عين حسان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، وهو معهن آناء الليل وأطراف النهار، في جنات ~~تجري من تحتها الأنهار. # ولما توارى عن ذوي الأحقاد، وانقطعت عنه ألسنة الحساد، كان لا يسمع ما يكدر منه الخاطر، ~~أو يحرك ما انطوت عليه الضمائر من غيظ وحنق، على من بنار النميمة احترق، فلو أنه دام على ~~هذه الحال؛ لتنعم منه البال، لكنه لما طال عليه المدى، وتذكر شماتة العدى، عاف الشراب ~~والطعام، وانعجم لسانه عن الكلام، وضاق منه الخناق، وكادت روحه تبلغ التراق، وهجر الكواعب، ~~وبسر في وجوه ذوي الملاعب، ومج سمعه الأنغام والأغاني، وأعرض عن مشاهدة الغواني، ~~وتوهم أن بستانه النضير الواسع، وروضه المزهر البائع؛ قد أمسى لتقارب الأطراف، ~~أضيق من سم الخياط بلا اختلاف، وأظلمت الدنيا في عينيه، وصار لا يبصر ما بين يديه، وساءت ~~منه الأخلاق، واعترض في سره وعلانيته على الخلاق، مع أنه كان يستقبح الفسق والفجور، ويمقت ~~منكر البعث والنشور، ويقضي بكفر أدهى أبناء معرة النعمان؛ حيث قال وهو أشعر ~~العميان: # أتترك لذة الصهباء عمدا # بما وعدوك من لبن وخمر # حياة ثم موت ثم نشر # حديث خرافة يا أم عمرو # وكان لاحتجابه عن انتشاق نسيم الأخبار، يصبح ويمسي في اختناق على مقالي النار، ولقد عيل ~~منه الاصطبار، بعد طول الانتظار، وأضحى لا يقر له قرار، بأي مكان من الدار، حتى إنه في خلال ~~الدوران، دخل قاعة مزخرفة البنيان، ووقف تجاه شباك، مشرف على شارع ابن الحباك، فوقع بصره ~~على شيخ كبير، كأنه لضخامته بعير، وهو يتوكأ على عصاه، وقد كشف رأسه وقفاه، وشرع في طلب ~~الصدقة، من ذوي المروءة والشفقة، بقوله: يا أهل المراحم والمروة، والمكارم الشاملة والفتوة، ~~تصدقوا على بعل الشيخة أم طبق، بما يستر العورة ويسد الرمق. # فلما ms30 رآه وهو على ما به من الاضطرار، إلى سؤال الجائز والمار، حسده على غدوه ورواحه، ~~وتمنى أن يحظى مثله بإطلاق سراحه، وقال لغلامه وائل: علي بهذا السائل؛ فانطلق على ~~الفور يهرع خلفه، فأدركه قبل الانسياب في أول عطفه، وقال له: أيها السائل المضطر، أجب ~~الرئيس أوحد الدهر، فحصل للشيخ من شدة الارتياع، ضرب من الخدر والصداع، وأوجس منه في نفسه ~~خيفة؛ لتوهمه أنه من الأعوان، الموكلين بضبط كل سائل من الرجال والنسوان. وقال: سألتك ~~بالله يا ابن الحلال، ألا ما تركتني أسعى في طلب زرق العيال، فتلطف به حتى لان وأجاب، ~~وسار معه وهو على غاية من الارتياب، وأدخله القصر بعد صلاة العصر، فاعتراه من هيبة المكان، ~~ما زلزل منه الأركان، وكاد عقله من رأسه يطير، عند رؤيته لأعوان هذا الرئيس الخطير، ومن ~~شدة ما ناله من الذهول، هم بالرجوع من قبل الوصول، فمنعه الخادم أبو خف، عما أراد ~~بلين ولطف، ولا زال يسكن عنه بعض روعه، وينهاه عن رجوعه، ويعده من مولاه بزوال البوس، ~~وامتلاء كيسه بعد الإفلاس بالفلوس، حتى وقف به أمام سيده بالبستان، وقال له: ادن من مولانا ~~وقبل راحتيه بأمان. # فلما عاينه الشيخ جثا عن ركبتيه، وبادر إلى تقبيل مواطئ قدميه، فأقامه وعلى متكأ ~~بجواره أجلسه، وبش في وجهه وبعذوبة ألفاظه آنسه، وسأله عن أحواله، وعن مقر زوجته وعياله، ~~ثم أمر غلامه ابن بسام، بالتوجه به إلى الحمام، وبعد تنظيف بدنه، وإزالة ما عليه من درنه، ~~خلع عليه حلة تليق بحاله، وغمره من الإحسان بما كفه عن سؤاله، وحمله بعد حلق رأسه وقص ~~شاربه، إلى مولاه فأكرمه وأجلسه بجانبه، وقال له: أيها الشيخ، الذي ألبسه الشيب من الوقار ~~أبهى ثياب، أنت صرت الآن عندنا من أجل الأصدقاء والأحباب، وقد ربطنا لك ولعيالك، من ~~المرتبات ما يستقيم به أود حالك، ورفعنا ما بيننا وبينك من الحجاب، فادخل علينا بدون ~~استئذان من أي باب، وأتحفنا بما تلتقط من الأخبار، ولا تخف بعد إقبالنا عليك غائلة ~~الإدبار، فقال الشيخ ms31 متمثلا ، بما راق وحلا: # يا أيها البر الكريم ومن له # منن حللن من الزمان وثاقي # من شاكر عني نداك فإنه # من عظم ما أوليت ضاق خناقي # منن تخف على يديك وإنما # ثقلت مئونتها على الأعناق # وحضرت المائدة بالأطعمة، فدعاه إليها وعلى سواه قدمه، فامتنع الشيخ وتأخر، وأحجم عند ~~الإقدام وتقهقر، وقال: معاذ الله أن يأكل السائل المسكين، مع حضرة الرئيس الأجل المكين؛ ~~لأنه لا يسوغ للصعلوك، الذي لا يساوي قلامة ظفر مملوك، أن يتجارى على الأكل مع المالك، ولو ~~ساقه الجوع إلى المهالك، وكيف يجلس معه على خوان، يتعذر الدنو منه على الوجوه والأعيان؟! ~~فقال له الرئيس النبيل: هذه عادتنا مع الحقير والجليل، ولا زال يدعوه إلى الزاد وهو ~~يمتنع، ولونه من شدة الخجل ينتقع، إلى أن تقدم لكن على رغم أنفه؛ لأنهم كانوا يقودونه من ~~أمامه ويسوقونه من خلفه، ولما قعد للأكل ولم يتفق له ذلك من قبل، مد يده وهي في غاية ~~الارتعاش، وتناول أول لقمة فسقطت على الفراش، وهكذا كان يأكل بخوف ووجل، وكأن حلقه ~~مسدود بصخرة من جبل، مع أنه كان يتأتى له في غير هذا الخوان، ابتلاع عشرة أرغفة بفخذ من ~~الضان، ولا شك أنه ما تحصل من هذه المائدة الكثيرة على شبع، بل قام جائعا يتمنى الأكل ~~مرة أخرى مع التبع، إلا أنه قد حيل بينه وبين المرام؛ لخوفه من التوبيخ والملام، ولما فرغ ~~من غسل يديه، وانتصب أمام الرئيس على رجليه، أشار إليه بالقعود، وأجاب بالركوع والسجود، ~~فألح عليه حتى جلس فوق بساط منقوش، في قاعة بجوار قاعة المائدة مفروش، وبعد أن شرب ~~القهوة، ازداد فرحا ونشوة، وبات إلى الصباح وهو في سرور وانشراح، ثم خرج من القصر ولسان ~~حاله يقول، وفي طريقه يجول: # تبدل عسري بيسر وقد # بلغت من الدهر كل المنى # فيا رب زدني قبولا به # أعيش سعيدا حليف الغنى # وكان برفقته أحد غلمان الدار، فأخذه معه في السير إلى جهة اليسار، حتى أوصله في عطفة ~~مائلة، إلى المنزل الذي نقلت ms32 إليه العائلة، ثم تركه وانصرف من حيث أتى، ودخل هو على زوجته ~~فسمعها تقول لأحد أولادها: يا فتى، أين أبوك الأقرع بن شعلان؟ فإنه لو رأى ما نحن فيه من ~~الخير والإحسان، لزال عنه الهم والترح، ولبكى من شدة الفرح، تالله يا قرة العين، ~~وحياة أختك أم بطنين، إني أطن أننا الآن في منام، والذي نحن فيه أضغاث أحلام. فقال لها ~~وقد لاحت منه التفاتة إلى جهة الباب: هذا أبي قد أقبل يرفل في أبهج أثواب، فعند ذلك هرولت ~~الشيخة بملابسها الجديدة إليه، وقبلت يده وسلمت بالاشتياق عليه، وقالت له: يا أبا الأطفال، ~~من أين لنا هذا الإقبال؟ فقال لها: يا بنت عبد الله، هو من عند الله، ثم قص عليها ما جرى ~~من أوله إلى آخره، وأوقفها على باطنه وظاهره، وقال لها: وأنت أخبريني كيف كان الانتقال، من ~~دويرتنا الحقيرة إلى هذا المنزل العال؟! فقالت: جاءني جماعة من الغلمان، بأقمشة صالحة ~~للبنات والصبيان، وقالوا: إن الشيخ بعث بها إليكم فالبسوا منها ما شئتم، فإنه فصلها ~~عليكم، وسيروا بنا إلى الدار التي اشتراها برسمكم، وأعدها بجوار قصور الأعيان والأمراء لكم، ~~فلما توسطناها وطفنا بما فيها من المناظر والمخادع، والأروقة الواسعة المطلة على الدور ~~والجوامع، وكان طوافنا فيها بالذكور والإناث، وجدناها بديعة الهندسة كاملة الأثاث، وألفينا ~~بها من الحنطة والسمن والعسل، والفول والزيت والزيتون والثوم والبصل، ما يكفي بلا تردد في ~~القول، مدة لا تنقص عن نصف حول، وها هي أمامك وبين يديك، فطف بها إن لم يكن في الطواف مشقة ~~عليك. فقال لها وقد تبسم، وهو بمدح المنعم عليه يترنم: قولي معي في الابتهال، بعد الصلاة ~~على النبي والآل: اللهم بارك لنا فيما أعطيت، ومتعنا بزيارة ساكن طيبة وحج البيت، وانظر ~~بعين الرضا والقبول، والرعاية الكاملة والشمول، إلى من عمنا من بحر كرمه، بوافر هباته ~~ونعمه. # وكان الليل بظلامه أقبل، والنهار بضيائه تحول، فأكلوا حتى اكتفوا مما تهيأ لهم من الطعام ~~الفاخر، وحمدوه سبحانه على ما اغترفوا من بحر جوده ms33 الزاخر ، وباتوا في مسرات وأفراح، إلى أن ~~أشرقت غرة الصبح الوضاح، ثم نهض من نومه كأنما نشط من عقال، وصلى صبحه وأفرغ عليه ملابسه في ~~الحال، وأكل مع أولاده ما تيسر، وخرج من داره واكترى من السوق حمارا أخضر، فركبه وانساب في ~~الأزقة والشوارع، فالتقط كل خبر شائع، وسارع بما جمع إلى مولاه، فقص عليه ما سمع من ~~الأفواه، ويا ليته باع كما شرى، بل أضاف إلى كل لفظة من أمثالها عشرا، فحظي عنده بأعلى ~~منزلة، وبالغ في احترامه وبجله، وقال له: أيها الشيخ المعمر، ومن هو نعم السمير المدبر، ~~اركض بخيلك ورجلك ولو في الدواوين والمصالح، وأتحفني بأخبار المقيم والغادي والرائح، وإن ~~لاح لك في مدحي فرصة، فانتهزها عسى تزول بها عني الغصة؛ لأعود يا أبي، كما كنت إلى منصبي. ~~فأجابه الشيخ بالطاعة والسمع؛ لطمعه في الحصول منه على النفع، ثم ودعه وانقلب إلى داره، ~~وأمر كلا من زوجته وأولاده بالتجرد عن أطماره، وصعد بهم في الثلث الأخير من الليل على ~~السطح، وكان يحفظ من القرآن الشريف سورة الفتح، فتلاها بسكينة وخشوع، وقد تناثرت من عينيه ~~الدموع، وقال: يا أولادي، أنتم تعلمون ما كنا فيه من الفقر، وعري البدن والفاقة التي تقصم ~~الظهر، وإن هذا الرجل المحسن تكفل لنا بالمئونة والكسوة، ودفع عنا بما وصلنا به من ~~الإحسان ما كان للزمن من الجفوة، فارفعوا أكف الضراعة بإخلاص، واطلبوا منه جل وعلا إنقاذه ~~من ضيق الأقفاص، وعودته إلى ما كان عليه من الإقبال، وامتيازه في الدرجة عن الأقران ~~والأمثال، وقد استمر معهم على ذلك نحو سنة، لا تأخذهم فيها عند السحر نوم ولا سنة. # فلما كان في أول ليلة من شهر الصيام، خلعوا ملابسهم والناس نيام، ودعوا وعليهم أمنت ~~الوالدة، وكانت أبواب الدعاء مفتحة والأيام مساعدة، فاستجيب دعاء الوالد والأفراخ، وانتشل ~~الرئيس من وحلة الطرد وما له من الأوساخ، وذكر عند الوزير بخير في الديوان فأمر برده إلى ~~منصبه، وانجلت عنه غياهب الحرمان، وعند فراغ الشيخ في صبيحة هذه الليلة ms34 من عبادته سعى إلى ~~خدمته على حسب عادته، فتعذر عليه الوصول إلى الجناب، بسبب ازدحام الحمير والبغال والخيل على ~~الباب، ولما أعياه ذلك، وضاقت عليه المسالك، قال لبعض الخدم، وكان اسمه كعب بن قدم: كيف ~~السبيل إلى لقاء السيد الجليل؟ فقال مستهزئا به وقد رجمه بالحصى، وضربه على كتفيه بالعصا: ~~من أنت أيها الحقير، حتى تحظى بمقابلة الرئيس الخطير؟ إني أظن يا سخيف العقل أنك مجرد من ~~حلية الفضل، أيخطر ببالك أنه باق على عهده القديم، أو أنه يجد وقتا يستغرقه في منادمة ~~النديم؟! أما علمت يا خرفان أنه تحول من شان إلى شان، وأنه أماط عنه جلباب التواضع والفتور، ~~واستعد لمباشرة الأمور، وكأن به قد أهمل الرفيق، وتغافل إلا عن الرحيق. # فقال له الشيخ: كذبت فيما ادعيت، ولا جرم أنك عليه افتريت، وسأقص عليه خبرك؛ ليقطع من ~~الدنيا أثرك، فقال الخادم: يا شيخ الضلال سترى، أن مثلي ما كذب وما افترى، وكان الأقرع قد ~~تعب من طول مدة الوقوف، فرجع إلى داره بالخيبة والكسوف، وبمجرد دخوله العتبة، قال له ابنه ~~أبو رقبة: يا أبتي، إن الراتب ما أتي به في هذا اليوم، وإنه لا قدرة لنا في الليل والنهار ~~على الصوم؛ فسكت الشيخ على مضض، وقد اعتراه من شكوى ولده المرض؛ لأن عائلته لما كانت كثيرة ~~العدد، كان لا يبقى من مرتبها اليومي أدنى شيء إلى غد، ويقال إنهم باتوا في هذه الليلة ~~بلا زاد، وإن أحوالهم قد تبدلت بعد الصلاح بالفساد. # ثم انتبه الشيخ من نومه ونهض في يوم الأحد، إلى ملاقاة مولاه الأوحد، فلم يصل بأي حيلة ~~إليه؛ لكثرة الازدحام عليه، وقد استمر على ذلك أربعة أيام، مضت عليه كأنها لطولها أربعة ~~أعوام، وخطر بباله في اليوم الخامس، أنه يدخل عليه وهو في الديوان جالس؛ لعله يفوز من ~~الاجتماع معه بعد الوحشة بالاستئناس، فانتهز فرصة استراحة الحراس، وأيقن أنه بزعمه أتقن ~~الحيل، واندفع في قاعة جلوسه على عجل، وتأمل فيها فوجدها ملونة الجدران واسعة، وهي لأنواع ~~الظرافة ms35 والزخرفة جامعة، وشاهد في صدرها شبحا كأنه أسد، أو آدميا مشوه الخلقة كالرصد، ~~وقبل أن يدنو منه ويفوز بالقصد، سمع منه صيحة هائلة كالرعد، فانقلب على ظهره وسحبوه، ~~وطرحوه على الأرض وضربوه، وقال له زعيم الأعوان نذير، موبخا له على فعله النكير: لك الويل ~~يا أغبر، يا مهين يا قبيح المنظر، كيف خاطرت بنفسك، وتجاريت على ارتكاب ما يسوقك إلى رمسك؟! ~~ثم تفل في وجهه وصفعه، وقال: على أبيك اللعنة وعليك معه، اذهب - لا كنت - من حيث أتيت، وإن ~~رجعت بعدها إلى هذا البيت، أشبعناك ضربا، ودفناك بالحياة غصبا، تبا لك يا سلالة ~~الأنذال، ويا حثالة أسافل الجهال، كيف تسعى بقدمك إلى إراقة دمك! # فلما انفلت الشيخ من أيدي الأعوان اللئام، وقد خف عنه بعض ما كان يجد من الآلام، ~~أخذ يمشي الهوينى حتى انتهى إلى منزله عند الغروب وهو في ارتباك، وقد أشرف من الضرب بالسياط ~~على الهلاك، ودخل على زوجته وشقه مائل، والدم من رأسه سائل، فقالت له: من فعل بك هذا يا ابن ~~شعلان؟! قال: فعله جماعة من الأعوان، بعد ما أفرطوا في السب واللعن، وأوعدوني إن لقيني أحد ~~منهم بالطعن. فقالت له: لعلك ما عرفت لزعيمهم حقه، ولا استعملت معهم في كلامك الرقة، فعوقبت ~~على قلة أدبك، بما أودى بك إلى سوء منقلبك، وإنه يجب عليك مع فقرك، وزيادة فاقتك ~~وعسرك؛ أنك يا أقرع بالنزر اليسير تقنع. فقال لها: إني دخلت في قاعة الرئيس الهمام، ~~لزعمي أني له من جملة الخدام، فسحبوني على وجهي قهرا، وعاملوني بضد عدل كسرى، هنالك نسيت ~~بما ناله من العذاب الأليم، ما كانت فيه مع عائلتها من النعيم، وتمثلت وهي على جمر الغضا ~~بقول من مضى: # أيا ويح دهر منه قد عدم الوفا # فما ينقضي فيه لراجيه مأرب # يكدر عيش المرء بعد صفائه # وإن ما كسا ثوبا من العز يسلب # ثم قال لها: يا حليلتي، ويا صاحبتي وخليلتي، إن هذا الرجل قد غدر بي ومكر، وجعلني عبرة ~~لمن اعتبر، وانقطع عنا ms36 كما تعلمين الراتب، وزحفت إلينا جنود النوائب، فاخلعي مع البنات ما ~~عليكن من اللباس، ولنقل بأجمعنا: اللهم يا شديد الباس، اشدد وطأتك عليه، وافصله من منصبه ~~ولا تنظر إليه، وليكن ذلك سريعا معجلا، لا بطيئا مؤجلا. # لعن الله من يرى الضر للنا # س ويسعى في كشف حال الخلائق # رب فأنزل عليه سوط عذاب # وارمه الآن في أشد المضايق # وأذقه نكال بطشك واصرم # عمره في دياره بالصواعق # يا شديد المحال شدد عليه الك # رب وانصب له شباك العوائق # وكان دعاؤهم عليه كل ليلة في وقت الفجر، فاستجاب الله منهم في عامهم وقضي الأمر، ومنع عن ~~مباشرة وظيفته، بعد إحالته على خليفته، وكان السبب في إبعاده على ما قيل في هذه المرة، هو ~~أنهم رموه بقتل خادمه سكران بن خمرة؛ لادعاء بعضهم عليه أنه جمع ما جمع من الرشوة، وصرفه في ~~سبيل اللهو والصبوة، ولما عاد إلى ما كان فيه من الضيق والكرب، وكان في هذه الدفعة قد ~~انتقم من الحساد بالضرب، أغضب الصديق والجار، وفي حكمه على الجميع جار، فازداد عليه حنق ~~العاقل والأحمق، ونظر إليه كل واحد منهم بعين العدو الأزرق، وبعد أن مكث في سجنه نحو شهر، ~~يتقلب وحده على الجمر، تذكر الأقرع بن شعلان، الذي كان يأتيه بالأخبار في بعض الأحيان، وكان ~~هذا الشيخ عند ذلك يقول، وجسمه من السغب في نحول: ليت شعري هل يسمح الزمان الذميم، بالقرب ~~من سدة الرئيس الكريم، ويسالمني بعد ما فعل فعلته، وغير في عبادة الإخلاص قبلته، وأبى إلا ~~أن يصفعني بخفه، ويطأ عنقي بظلفه، وتحول معي من الأدب إلى السفاهة والقباحة، ومن اللين إلى ~~الصعوبة والوقاحة، وبينما هو يلهج بكيت وكيت، ويتعلل بلو وليت، ويقول هيهات هيهات، أن ~~يرجع ما فات! إذ دخل عليه بشير، غلام الرئيس الخطير، وكان قد بعث به إلى هذا الأقرع، فانطلق ~~إلى منزله كلمح البصر أو أسرع، وقال له بعد السلام والتحية: أجب مولانا صاحب السدة السنية، ~~وكان الشيخ لا يعرف هذا الغلام، مليح الصورة رشيق ms37 القوام ، فقال له: ومن هو هذا الأمير، الذي ~~تدعوني لمقابلته وإليه تشير؟ فقال: هو سيدك ونصيرك، وعدتك في شدتك ومجيرك، وإني أيها الشيخ ~~الفقير، أعتذر لك عنه في التقصير، وقد جاء معي أخي عنبر، وهو واقف أمام بابك الأكبر؛ فلثم ~~الشيخ يده اليمين، وقال له: مرحبا بك أيها الأمين، وكان الغلام قد هيج فيه شهوة الطمع، ~~وأعطاه من النقود كمية اندفع بها عنه الوجع، ووعده بأموال وضياع، ورفاهية أحوال ومتاع، فلم ~~تكن إلا هنيهة من الزمن أو لحظة، حتى نال الشيخ من هذا الطلب حظه، وبمرافقة الغلام إلى ~~مولاه سمح، وعفا عن دهره المسيء وصفح، وبعد صلاة الظهر لبس أطماره البالية، وتمنى مفارقة ~~عيشته غير الحالية، وسار مع الرسول، ولسان حاله يقول: # سامح زمانك إن أتى # بعد العناد مسالما # واقبل معاذير امرئ # أولاك منه مكارما # فلما دخل عليه في قاعة الجلوس، ودنا منه بوجه غير عبوس، وانكب على القدمين، وقبلهما بعد ~~اليدين، قال له: ما الذي قطعك عني، وأنت بمنزلة الروح مني؟ فقال: قطعتني عنك السياط، ~~وحرماني أنا وعيالي من المرتب للسماط، فتأسف عليه وتألم، وقال: تالله يا أبا مريم، إني ما ~~رأيتك منذ عدة شهور، مع احتياجي لك في بعض الأمور، وإني ما أشرت إلى أحد بضربك، ولا أغريته ~~على شتمك وسبك، ولا أمرت بقطع الراتب، بعد قيده في سجل الكاتب، فقال له: يا سبحان ربي! أما ~~أنت الذي أشرت بضربي، وأمرت بقطع معاشي، وشق ريش رياشي؟ فقال: لا وحرمة ما لك علي من ~~الخدامة، ما وقع في حقك ما يوجب الملامة، فإن كان قد أصابك من الإهانة، ما يقضي ~~بالانخفاض بعد علو المكانة، فلا تحمله على الاستخفاف، بمن هو دونك ولو من الأجلاف، بل احمله ~~على رداء إبليس، الذي يستر به عين كل رئيس، عند قيامه بوظيفة جليلة؛ لينسيه صديقه وخليله، ~~ويضرب الحجاب بينه وبين العدو والحبيب، حتى لا يميز البعيد من القريب. # فلما سمع الشيخ منه مقاله، عرف أنه صادق المقالة، وصفا له وقبل عذره، وانقاد له ms38 وامتثل ~~أمره، وشرع على جري عادته في إتحافه بالأخبار، فزال عنه بعض ما نزل به من الأكدار، وضاعف له ~~أرزاقه، وحل منه الفقر وثاقه، وكساه حلة جديدة، وملأ بطنه الجائع بالثريد والعصيدة، وأقطعه ~~ضيعة خصبة، ذات بساتين وعيون عذبة، يقال إن غلتها لا تنقص في كل سنة، عن مائتين من ~~الدنانير المستحسنة، ووعده أنه إن عاد إلى منصبه الفخيم، وانجلت عنه دياجي العزل ~~الوخيم، كان أول داخل عليه وآخر خارج من عنده، وشاركه في أمره ونهيه وحله وعقده، فعند ذلك ~~قال له الشيخ بعد أن أخذ عليه العهود: سترجع إلى منصبك على رغم الحسود، ثم تركه ومضى إلى ~~البيت، يعدو على رجليه كالجواد الكميت، وقال لزوجته: أيتها الوليفة، إن الرجل تاق إلى ~~الوظيفة، فاستعدي للدعاء له لا عليه، عسى يعود منصبه إليه. فقالت له: إنه ما عرف لك هذه ~~المنقبة، لما سالمته الأيام وجلس على المرتبة، وإننا لا نزال بخير، ما دام هو في ضير، ~~وقد رأيت بالأمس ما فعله. فقال: لا تثريب عليه يغفر الله له، ثم دعا فأجيب بعد مدة من ~~الزمن إلى ما طلب، وفاز الرئيس من دعائه بالأرب. # وكان الشيخ قد احتال حتى خرق سقف مخدع ظريف في الطريق الموصلة إلى الديوان المنيف، ~~وانتظره إلى أن ركب ومن تحته عبر، فأدلى من الخرق رداء حجب بصره عن النظر، فانزعج الرئيس ~~وقال وهو في حالة الخوف: ما هذا الملم الذي حرك مني الخوف؟ فقال له الشيخ: يا مولاي، لا ~~بأس عليك، هذا ردائي قد سبقت به إليك، حتى لا يتمكن إبليس من وضع ردائه على وجهك المهاب، ~~وأعود أنا إلى ما كنت فيه من العذاب. # فلما عرفه ذهب عنه الروع والاضطراب، وأنزله من المخدع وقربه منه كل الاقتراب، ووصله واتصل ~~به غاية الاتصال، وعاش معه في أرغد عيش بلا انفصال، حتى أدركه الحمام بعد ثمانية أعوام، ~~ولم يزل أولاد هذا الشيخ من بعده، رافلين عند الرئيس في حلل رفده، ناطقين بشكره، إلى أن ~~ثوى بقبره، تغمده الله ms39 برحمته ورضوانه، وأسبغ عليه النعم السرمدية في جناته، ومتعه فيما بها ~~من القصور، بوصال الحور الفائقة في الحسن على تمام البدور. # | المقالة السادسة # في لص حليف إنصاف، حميد أخلاق وأوصاف # قرأت في صحف الأوائل، من أخبار بعض القبائل، حكاية عجيبة، ورواية في بابها غريبة، غردت ~~بها العناديل والبلابل، على أفنان بساتين مدينة بابل، وهي أنه كان بهذه المدينة، ذات ~~الأسوار العالية الحصينة، لص حليف إنصاف، حميد أخلاق وأوصاف، كان إذا ألجأته الضرورة إلى ~~القوت، وتسلق على جدران بعض القصور والبيوت، لا يأخذ منه لغذاء العيال، سوى مؤنة ثلاث ~~ليال؛ ليكون فيها منعم البال، لا يذوق مرارة السؤال، فكان لسان حاله ينشد، إذا لامه لائم أو ~~فنده مفند: # خبرت الناس قرنا بعد قرن # فلم أر غير ختال وقال # وذقت مرارة الأشياء طرا # فما طعم أمر من السؤال # وقد اتفق ذات يوم أنه نفذ ما بيده، واحتاج إلى ما يسد الرمق في غده، فخرج من داره في ~~الصباح، راجيا الحصول على الرزق المتاح، فصادف في طريقه شابا ثيابه نظيفة، معتدل القامة ~~ذا روح خفيفة، فاقتفى منه الأثر، وتوهم أنه بلغ الوطر، ولا زال يسعى خلفه ويرعاه، ولا يعلم ~~أنه خاب مسعاه، حتى انتهى إلى باب جسيم، على سور مرتفع عظيم، فعزم على أنه يختلس منه ما ~~يكفيه مدة من الدهر، لا تنقص أيامها في الحساب عن شهر، فلما جن عليه الليل وسجى، واشتد ~~ظلام الدجى، أخذ سلم التسليق، وركب متن الطريق، وقصد هذا الباب، فوصل إليه بسرعة دونها سرعة ~~السحاب، وطرح سلمه من الخارج على حائط الدار، وصعد على أعلاه بدون انتظار، ثم أدار سلمه ~~المذكور إلى الداخل، وثبته وانحدر عليه إلى أسفل كالقضاء النازل، ولما استقرت على الأرض ~~قدمه، ندم حيث لا ينفعه ندمه؛ لأنه مد بصره يمينه وشماله وأمامه، فرأى فضاء كفضاء تهامة، ~~ولم يجد به سوى قاعة صغيرة، بل عشة من الأخشاب حقيرة، فتوسطها على سبيل الاستيعاب، فألقى ~~بها على حبل أقمشة الشاب، وشاهده مضاجعا على التراب لعجوز، لا ms40 يسوغ النظر إليها ولا ~~يجوز. # وقائل قد قال ما سنها؟ # فقلت: ما في فمها سن # فأطرق برأسه هنيهة وذهب، وفؤاده قد شب به حريق اللهب، وفي الحال صعد على المعارج، وانقلب ~~من الداخل إلى الخارج، وتعثر في أذياله، واكتفى من الغنيمة بخيبة آماله، وعلم أن صاحب ~~المال، لا يتسربل في الغالب بسربال شعر. # قد يجمع المال غير آكله # ويأكل المال غير من جمعه # وسارع بالخيبة إلى داره، فتوارى بها قبل تنفس صبح نهاره، ثم خرج منها قبل الزوال، وآلى ~~على أن لا يقتفي متقمشا من الرجال، وبينما هو يمشي في أضيق زقاق، إذ رأى شيخا التفت منه ~~الساق بالساق، وهو خفاشي العينين، محدودب الظهر عريض الكتفين، له لحية طويلة قذرة، ~~وجلابيب رثة محتقرة، وعلى رأسه عمامة بالية كبيرة، وبيده اليمنى عكازة قصيرة، فتبعه على ~~الأثر، ولم يزغ عن رؤية البصر، حتى دخل من فرجة باب منخفض العتبة، في دهليز كأنه لطوله ~~واتساعه رجمة، هنالك خلى سبيله وانصرف، وإلى خارج الأزقة عن المدينة انحرف، وصبر إلى ~~النصف الأخير من الليل، وانحط على منزل هذا الأحدب انحطاط السيل، وعلا على الجدران؛ حيث ~~أعانه المقدور والإمكان، وعطف على قاعة مزخرفة الصناعة، فصادف فيها سريرا من عمل الهنود، ~~على قبة من الحرير نادرة الوجود، فدنا منه وتأمل فيه، فعاين فيه فتاة جميلة مضاجعة السفيه، ~~وأبصر عند رأس هذا السرير الفريد، عشر مفاتيح صغيرة من الحديد، فأخذها وانساب في الأروقة، ~~كأنه النار المحرقة، فعثر في جهة اليسار، على رواق فيه عشر صناديق كبار، ففتحها واحدا بعد ~~واحد بالمفاتيح، فأضاءت له النقود من داخلها كالمصابيح، وبذلك انجلت عنه غياهب الغمة، وسجد ~~شكرا لله على هذه النعمة، وأنشد: # والله لولا الله سبحانه # لقلت للفضة سبحانها # لو كان الفضة في جرة # حركت الجرة آذانها # ولكنه عدل عن طريق الإسراف، وقسم هذه الصناديق قسمة إنصاف، فنقل خمسة منها إلى منزل ~~الشاب الفقير، وحمل الفتاة وطرحها بجانب الحصير، وساق العجوز إلى الشيخ الكبير، ووضعها ~~بجواره في القبة على السرير. # فلم ms41 تك تصلح إلا له # ولم يك يصلح إلا لها # واختص من الصناديق باثنين، وترك ثلاثة منها بلا مين، وكان من عادة هذا الهرم مع الصبية، ~~أنها تتعهده بالدلك حتى يستيقظ من نومته الهنية، فلما كان في صباح ليلة ذهاب الكنوز، ~~واستبدال هذه الصبية بالعجوز، انتبه الشيخ من كراه، والتفت إلى وراه، فرأى جيفة في موضع ~~الوليفة، فوكزها برجله في صدرها، وكزة هيأتها إلى قبرها، وسحبها على وجهها وهو مذموم مدحور، ~~وألقاها في حفرة مرحاض مهجور، ثم تفقد ماله فوجد سبعة من الصناديق قد عدمت، فهوت أركان قواه ~~وهدمت، وطار لبه، وانخلع قلبه، وبكى لذهاب الزوجة والعين، وسخط على الزمان ولعن غراب ~~البين. # أف للدنيا إذا كانت كذا # أنا منها في بلاء وأذى # إن صفا عيش امرئ في صبحها # جاءه بالأمس بما فيه القذى # ولقد كنت إذا ما قيل من # أنعم العالم عيشا؟ قيل ذا # ثم حلق لحيته، وغير حليته، ودار في الأزقة؛ ليعثر على من فعل معه هذه الدقة، وأما الشاب ~~المتعفف، الذي كانت ثروته على يد اللص المنصف، فإنه كان يترك العجوز كأنها من نومها في رمس، ~~فلا تنتبه إلا إذا أحرقتها حرارة الشمس، فلما كان في فجر تلك الليلة السعيدة، استشعر بيد ~~رخصة تباشر جسده بالدلك، فتوهم أنه في منام، ثم فتح عينيه فزال عنه الشك، وقال لها: من أين ~~أقبلت يا قرة العين؟ وهل أنت إنسية أم من الأرواح الجنية؟ فقالت له وهي باسمة، وقد وثبت على ~~قدميها قائمة: طب نفسا، فإني ازددت بك أنسا، وإني هدية من الله إليك، قد أنعم بي عليك، ~~وأنا من خيار الإنس بلا محال، ولا أدري من ساقني إليك في هذه المحال، حتى أقوم له بالشكر ~~وأدعو له بطول العمر؛ لأني وإن كنت على فراش من حرير، وحولي من الجواري جم غفير، إلا أني ~~كنت في حبائل شيخ يدعي أنه ابن سبعين، وعهدي به أنه تجاوز التسعين، ثم التفتت ذات اليسار، ~~وقالت له: أبشر بالغنى واليسار، فهذه الصناديق الخمسة من مال ms42 ذلك المهين، وإنها هي شطر ماله ~~باليقين، ولقد نظر الله إليك بعين الرضا، وأنقذك من غائلة الفاقة بالقدر والقضا، فإن كان ~~لك هذا السور، فشيد لنا من داخله أبهج القصور، واغرس حوله ما تشاء من الزهور، ولا تخف ~~صولة الفقر، فقد تيسر لك الأمر. # فلما سمع منها مقالها، وفهم سؤالها، بادر إلى البناء والنجار فشيدا له القصر، في مدة لا ~~تزيد عن شهر، واشترى ما احتاج إليه من الأثاث، ما يكفي للخدمة من الذكور والإناث، وعقد عقد ~~النكاح، على شمس الصباح، وبنى بها في ليلة جمعة، بقاعة أوقد بها ألف شمعة، ثم شمر عن ساعد ~~الاجتهاد، في التجارة ففاز منها بما أراد، وكان رئيس التجار في ذاك الوقت، قد رمي من ~~المرض بسهام السقام والمقت، وارتحل من دار الفناء، إلى دار البقاء والهناء، فقلدوا الشاب ~~المذكور بهذه الرياسة، لما عهد فيه من حسن السياسة، وكان الشيخ قد عرف بالتجسس الشديد، ~~والتفحص الأكيد، أن زوجته وماله عند هذا الغريم لا محالة، فاستعدى عليه الحاكم، وقال له: ~~أجرني من هذا الظالم. فلما بعث إليه الأعوان، وجاءوا به إلى الديوان، وهم بسؤاله، وطرحه ~~في مهاوي أهواله، وثب اللص وثبة الأسد الكاسر، وقال أنا غريم هذا الخاسر، فخلوا سبيل الشاب، ~~وخذوا مني الجواب، وقص على الحاكم القصة، وأزال عن التاجر الغصة، وسأل الشيخ عن الشيخة، ~~فأنكر وجحد، وقال: ما لي بها علم وحق الواحد الأحد، فكذبوه وهجموا عليه في داره، بلا إذن ~~منه ولا تراض، فألفوا رمة العجوز في المرحاض، فأحاطوا به وقبضوا على أطواقه، ولم يتأخروا ~~عن شد وثاقه، وقادوه حقيرا ذليلا إلى ولي الأمر، بعدما ضبطوا أمتعته بالغلبة والقهر، ~~واعترف في حضرة القاضي بالقتل، فاستحق القصاص، وحكم عليه بالموت الذي ليس عنه مناص، واستتاب ~~الحاكم اللص المنصف، بعد أن ربط له على الخزينة ما يقوم بكفاية المتعفف، وأنعم عليه بمنزل ~~المقتول، وكانت هذه الحادثة الغريبة سببا في بلوغ المأمول. # بذا قضت الأيام ما بين أهلها # مصائب قوم عند قوم فوائد # | المقالة السابعة ms43 # الوفاء مليح، والعذر قبيح # اتفق لرجل مكين، من مدينة بكين، أنه ساح في الأمصار وطاف بمدينة الأنصار، فصادف في الروضة ~~النبوية، رجلا من فقراء البرية، تلوح عليه سيمة الأتقياء، مع أنه من الفجرة الأشقياء، ~~الذين لا يحفظون لأحد ذمة، ولا يرعون له حرمة. # شخص خبيث لو طلبت اسمه # من أحد يوصف بالضن # بادر في الحال إلى كشفه # وقال عفريت من الجن # ففرح به بعد المسامرة غاية الفرح، واتسع صدره لمرافقته وانشرح. # لا تعاشر كل من أبصرته # ربما استأمنت جهلا من يخون # ولكم غرك سمت ظاهر # تحته من قلة العقل فنون # وبعد أن فاز بزيارة سيد الأنام، ونال من البركات النبوية فوق المرام، وتمثل في مدحه عليه ~~صلوات ذي الجلال، بعد لثم أعتابه بقول من قال: # ألا يا رسول الله يا أشرف الورى # ويا بحر فضل سببه دائم المد # لأنت الذي فقت النبيين رفعة # من الله رب العرش مستوجب الحمد # يناجيك عبد من عبيدك نازح # عن الدار والأوطان والأهل والولد # ويسأل قربا من حماك فجد له # بقرب فقرب الدار خير من البعد # ليلثم أعتابا لمسجدك الذي # به الروضة الفيحاء من جنة الخلد # ثم قفل من المدينة المنيفة، إلى مكة الطاهرة الشريفة. # فارقت طيبة مشتاقا لطيبها # وجئت مكة في وجد وفي ألم # لكن سررت بأني بعد فرقتها # ما سرت من حرم إلا إلى حرم # وكان قد استأنس بهذا الشيطان، وغمره من بحر كرمه بالإحسان، ونشله من أوحال الشقاء ~~والامتهان، واتخذه صديقا له وقدمه على سواه من الإخوان. # ألا رب من تحنو عليه ولو ترى # طويته ساءتك تلك الضمائر # فلا تأمنن خلا ولا تغترر به # إذا لم تطب منه لديك المخابر # فلما خرج من طيبة في يوم الخميس، تعلق بأذياله هذا الخسيس، فأخذه برفقته، وحله من قيد ~~الفقر وربقته، وكان هذا الرجل حافيا، مكشوف الرأس عاريا، فاكتسى وانتعل، وامتطى متن ~~جمل. # قالت أراك مع الأنذال تصحبهم # ومن يصاحبهم في عمره يهن # لا يصحب المرء إلا من يوافقه # متى رأيت الظبا والأسد في قرن ms44 # أجبتها مظهرا عذري ومنشدها # بيتا به تضرب الأمثال في الزمن # يقضى على المرء في أيام محنته # حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن # لكن لاتصاف اللئيم ابن الغبية، بخبث الطوية، كان لا يغفل على الدوام، عن إضرار ما تقع ~~عليه عينه من الخاص والعام، ولا غرابة في ذلك ممن ليس له عهد ولا ذمام؛ لأن أصل العداوة ~~اصطناع المعروف إلى اللئام. # كل امرئ راجع يوما لشيمته # وإن تخلق أخلاقا إلى حين # فأضمر في نفسه الغدر لهذا السيد الجليل القدر. # أعدى عدوك أدنى من وثقت به # فحاذر الناس واصحبهم على دخل # فإنما رجل الدنيا وواحدها # من لا يعول في الدنيا على رجل # وعول على قتله؛ لأجل الاحتواء على ما في رحله. # لعمرك ما المعروف في غير أهله # وفي أهله إلا كبعض الودائع # فمستودع ضاع الذي كان عنده # ومستودع ما عنده غير ضائع # وما الناس في شكر الأيادي وشكرها # إلى أهلها إلا كبعض المزارع # فمزرعة أجدت فضوعف زرعها # ومزرعة أكدت على كل زارع # وكيف يثمر غرس المعروف، في أرض لئيم بالغدر موصوف! # ومن يصنع المعروف في غير أهله # يلاقي كما لاقى مجير ام عامر # أعد لها لما استجارت ببيته # أحاليب ألبان اللقاح الدوائر # وأسمنها حتى إذا ما تمكنت # فرته بأنياب لها وأظافر # فقل لذوي المعروف هذا جزاء من # يجود بمعروف على غير شاكر # فلما جن الليل، وصمم الخبيث على طرحه في حفائر الويل، تفرس فيه الخادم، أنه على الشر ~~عازم، فتدبر بعقله أنه ينبغي لمثله، أن لا يتركه يركض في مضمار جهله، بل يجاريه في ميدان ~~جده وهزله، ويوهمه أنه موافق له على ما أراد؛ حتى يقف منه على حقيقة ما دار في خلده من ~~الفساد، فلما عرف كنه ما نوى عليه، وجنح قلبه إليه، اختلى بمولاه وأخبره بالواقع، وجاءه ~~في إخلاصه بالبرهان القاطع. # أخلق بمن رضي الخيانة شيمة # أن لا يرى إلا صريع حوادث # ما زالت الأرزاء تلحق بؤسها # أبدا بغادر ذمة أو ناكث # فشكر السيد غلامه، وأثنى على أخلاقه، ووعده بمضاعفة ms45 مرتباته وأرزاقه، وقال له: يا بني، لا ~~تجزع، فالباغي له مصرع، وإنه سيرمي بسهام كيده في نحره، ويلقى عما قليل عاقبة شره. # ثم أخذ حذره من هذا الوغد الزنيم، والعدو الأحمق اللئيم، وأظهر له أنه نام، فصبر حتى ~~انسدلت أستار الظلام، وثار هذا المهين، ثورة أسد العرين، واستل بيده خنجره، وقصد من ~~المنعم عليه الحنجرة، ودنا منه وكاد أن يطعنه، ولم يعلم أنه لم تأخذه سنة، فوثب عليه وثبة ~~الهاصر، وهو لسيفه من غمده شاهر، وهجم عليه وضربه به صفحا على صدره، فسقط منه الخنجر ~~وانقلب على ظهره، هنالك انقض عليه الخادم، قبل استوائه على قدميه، وربط بعمامته من ورائه ~~يديه، وعول على إتلاف مهجته، قبل نهوضه من وقعته، ونوى على أنه يعدمه الحياة، ولا ينتظر ~~فيه أمر مولاه، ويعمل بضد ما قال القائل، في هذا الخائن الجاهل: # إذا ما الظلوم استحسن الظلم مذهبا # ولج عتوا في قبيح اكتسابه # فكله إلى صرف الزمان فإنه # سيبدي له ما لم يكن في حسابه # فكم قد رأينا ظالما متمردا # يرى النجم تيها تحت ظل ركابه # فعما قليل وهو في غفلاته # أناخت صروف الحادثات ببابه # فأصبح لا مال ولا جاه يرتجى # ولا حسنات سطرت في كتابه # وقابله الجبار منه بفعله # وصب عليه الله سوط عذابه # فنهاه سيده عما عليه عزم، وقال له: لا تعجل على هذا البرم - البرم بالتحريك اللئيم - ثم ~~التفت إلى هذا اللعين، وقال له: ما الباعث لك على هذه الخيانة وأنت أمين؟! فقال مجيبا له ~~بلعثمة وتلجلج لسان: يا مولاي، ما حملني على هذا إلا وسوسة الشيطان، وهو الذي أنساني ذكر ما ~~أسديت من الحسنات، وكاد لولا رجاء عفوك يسوقني إلى الممات. # أتيت ذنبا عظيما # وأنت للعفو أهل # فإن عفوت فمن # وإن جزيت فعدل # ثم رفع إليه رأسه وهو في خجل من خيانته، وقال متمثلا بقول من اعتذر عن جنايته: # يا من أسأت وبالإحسان قابلني # وجوده لجميع الناس مبذول # قد جاء عبدك يا مولاي معتذرا # وأنت للعفو مرجو ومأمول # وبعد ذلك ms46 أرسل العبرات، وأنشد وهو مصعد الزفرات: # أسأت ولم أحسن وجئتك هاربا # وأين لعبد من مواليه مهرب # يؤمل غفرانا فإن خاب ظنه # فما أحد منه على الأرض أخيب # فلما سمع ما جاء به من مقاله، أمر بإطلاقه ورثى لتذلله في سؤاله، وأعطاه ما تيسر ~~من النقود، وقال له: اذهب من حيث أتيت يا كنود (الكنود كافر النعمة) وإياك بعد هذه المرة، ~~أن تضمر الغدر لابن أمة ولا حرة، واحمد مولاك على السلامة، واعمل من الآن فصاعدا إلى ~~يوم القيامة، ثم أشار إلى غلامه فزوده بطعام، وقال له: انصرف عنا بسلام؛ فقبل يده ومضى، ~~وفي قلبه من عدم نجاحه جمر الغضا، ولما غاب عن الأبصار، وانفرد في البيداء عن العبيد ~~والأحرار، حدثته نفسه الأمارة، بأن يشن على منقذه من الهلاك الغارة، وبينما هو يجول ~~كالمجنون في القفار، ويميل تارة ذات اليمين وطورا ذات اليسار، إذا رأى على باب مضيق ~~ثلاثة من قطاع الطريق. # إن ضاق بي بلد يممت لي بلدا # وإن نأى منزل بي كان لي بدل # وإن تغير لي عن وده رجل # أصفى المودة لي من بعده رجل # لم يقطع الله لي من صاحب أملا # إلا تجدد لي من صاحب أمل # فدنا منهم بلا خوف ولا وجل، وقال لهم: اقتفوا أثري على عجل؛ لتحظوا بالمال الجزيل، بعد ~~قتل رجل جليل، تركته في البيداء مع خادم جبان، وسبعة من الجمال وبغلة وحصان. فطاروا إليه ~~معه، طمعا في الاكتساب والسعة، وكان الليل قد أقبل بغياهبه، والنهار تحول بكواكبه، عن ~~تنوير مشارقه ومغاربه، وقد نزل السياح مع خادمه على رأس الدرب؛ للراحة من التعب وعبادة ~~الرب، فقبل استراحته هجموا عليه، وزعموا أنهم وصلوا إليه، فلم يأخذه منهم فزع، ولا خوف ~~ولا جزع؛ لأنه كان فارس الأرض في طولها والعرض، بل ثار عليهم ثورة الأسد، ووقف لهم ~~كالسد في الطريق الأسد، فقرب منه الأول، وهو على قتله قد عول، فلاقاه بدون اكتراث ولا ~~وجل، وضربه بالسيف على رأسه فكاد يصرم منه الأجل، ففر هاربا من ms47 بين يديه، ولو ثبت أمامه ~~لقضى عليه، ثم عطف على الثاني، بلا مهل ولا تواني، ووكزه برمحه في أحشاه، فتبددت أمعاه، ~~ومال إلى الثالث كأبي الحارث (كنية السبع) وطعنه في إحدى عينيه بالعسال، فتركه عبرة ~~للأمثال، وأراد الخائن أن يلفت العنان، وينفلت من قبضة الهوان، فلم يدعه الخادم دون أن حمل ~~عليه، وقبض بيديه على إحدى رجليه، وأدركه مولاه، فألقاه على قفاه، وربط أطرافه بعمامته، ~~وتمكن منه الخادم فأفرط في صفعه وملامته، واستأذن سيده في جذ رأسه، واستئصال شأفته وخلع ~~أضراسه. # الشر مصراع له سطوة # تستنزل الجبار من عرشه # وأنت إن لم ترج أو تتق # كالميت محمول على نعشه # لا تنبش الشر فتبلى به # فقلما تسلم من نبشه # إذا طغى الكبش بلحم الكلى # أدرج رأس الكبش في كرشه # لله في قدرته خاتم # تجري المقادير على نقشه # فقال له: اصبر ولا تعجل، وعن منهج الحلم لا تتحول، ثم نظر إلى هذا الأسير، المهين الغدار ~~الحقير، نظرة غضب، وعبس في وجهه وقطب، وقال له: ويلك يا نسل الأوغاد، وحثالة غير الأمجاد، ~~كيف قابلت الحسنة بالسيئات، ونسيت ما فات؟! لأقتلنك شر قتلة، ولأجعلنك لقطاع الطريق ~~مثلة، ولأصلبنك بين الوهاد؛ ليعتبر بك الرائح والغاد. # فقال له: يا مولاي، ذنبي عظيم، وجرمي بلا شك جسيم، وإني بما فرط مني مستحق لعدم الصفح ~~عني، إلا أن طمعي في مكارم أخلاقك وحلمك، وثقتي برأفتك وحزمك، حملاني على التمسك منك بأسباب ~~الخلاص، مما ليس عنه محيص ولا مناص. # لا شيء أعظم من ذنبي ومن أملي # لعفوك اليوم عن ذنبي وعن زللي # فإن يكن ذا وذا عندي قد اجتمعا # لأنت أعظم من ذنبي ومن أملي # فبالله يا حميد الأوصاف، ويا محيي سنة الأشراف، إلا ما عفوت في هذه الكرة، عمن وسوس له ~~أبو مرة. # أنا المذنب الخطاء والعفو واسع # ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو # فقال الغلام: اقطع من الحياة حبل الرجا، فليس لك بعد هذا سبيل إلى النجا، وامتشق خنجره ~~وعليه صال، وكاد يجرعه كأس الوبال، لولا ms48 أن سيده أشار إليه بالكف، عن التعجيل عليه ~~بالحتف، وقال: يا عدو نفسك، قد عفونا في هذه الدفعة عن جنايتك، وأغضينا عن خيانتك، فاذهب ~~إلى حيث أردت من البلاد، وإياك والتعرض لضرر أحد من العباد، ثم أمر بإطلاقه من وثاقه، وقال ~~له: إن عدت إلى سوء فعلك، ورجعت إلى خسة أصلك، محوت منك الأثر، وجعلتك عبرة لمن اعتبر، ~~فقبل بين يديه التراب، وانساب انسياب الماء من السحاب، وبعد انصرافه بنحو ساعة من النهار، ~~امتطى السياح متن الطريق في القفار، وواصل السير، بلا نصب ولا ضير، حتى إذا لم يبق بينه ~~وبين مكة الشريفة، سوى مرحلة عزم على أخذ راحة خفيفة، فلما نزل وضربت خيامه، وهيأ له ~~الطعام غلامه، مد بصره إلى جهة الأمام، فرأى خمسة من قطاع الطرق اللئام، وممن وراءهم ~~الخبيث، الذي سلف في حقه الحديث، فأفرغ على نفسه لامته، وأحضر له خادمه كنانته، وأوتر ~~قوسه في الحال، وكان أرمى خلق الله بالنبال، فطلب القوم على الفور كأنه عنترة أو أبو ثور، ~~ورمى أول الخمسة في فؤاده، فهوى قتيلا من صهوة جواده، وألحق بالثاني الثالث، وأصاب الرابع ~~المسمى بالحارث، وهرب الخامس وهو من الحياة يائس، وسمعه الخادم وهو يذم الزمان، ويبكي على ~~فقد الإخوان، ويقول: ليت هذا المشئوم، اللعين المذموم، ما التقى معنا في الفدفد، وساقنا إلى ~~هذا الفارس الأوحد، وليتنا عصيناه ولا أطعناه، وكنا عند مقابلته قتلناه، وأما الخائن ~~الغدار، فبينما هو معول على الفرار، إذ انقض عليه الغلام، ورماه ببعض السهام، فأورده موارد ~~الحمام، وصرم عمره وانقطع الخصام، ووقف على مصرعه، فسمعه يقول من فمه، وهو مضرج على الثرى ~~بدمه، صرعني البغي الوخيم، وهوى بي في مهاوي العذاب الأليم؛ لأني عدلت عن قول القائل من ~~حكماء الأوائل: «الوفاء مليح، والعذر قبيح.» # | المقالة الثامنة # في العودة من السفر بالمسرة والصفا، وتهنئة أحد الأصدقاء بالشفا # قال الحسن بن أبي الحسن، المصري الموصوف بالخلق الحسن، لما سئل عما رأى في غيبته باليمن، ~~وما شاهد في تلك الدمن: إني لشغفي بحب ms49 السياحة ، وتولعي من عهد نشأتي بالملاحة، قصدت في بعض ~~أسفاري، مع الشيخ أبي إسحاق جاري، التوجه إلى مسقط رأس الفقيه عمارة، الذي لقي بعد العاضد ~~دماره، وما أغنى عنه فضله، ولا أدبه ونبله، فلما نزلنا بساحة هذه البلاد، وجاورنا من فيها ~~من العباد، ألفينا بها فتية من أنصار العلوم، وأكابر الأحبار المتميزين بالفهوم، جنح إلينا ~~من بينهم يعروف أريب، معروف فيما بين أخدانه باللبيب، فمارسناه في جميع الأمور النافعة، ~~فإذا هو في كل شيء منها باقعة، وأعلامه فيها منشورة، ومساعيه في الخير مشكورة، وسماحته ~~حاتمية، ونفسه شريفة عصامية. # نفس عصام سودت عصاما # وعلمته الكر والإقداما # وصيرته ملكا هماما # وبلاغته سحبانية، وشهامته شيبانية، وحكمته يمانية، وعقيدته إيمانية، وعدالته عمرية، وهمته ~~علوية، وهو جدير بما تمثل فيه بعض واصفيه: # ولو صورت نفسك لم تزدها # على ما فيك من شرف الطباع # والواقع أنه مستحق لما به اتصف؛ لأنه في وطنه أعلم الخلف، وقد أقمنا معه من الأعوام ~~أربعة، فأنستنا مكارمه الزائدة منن ابن زائدة، وتذكرنا بحلمه وذكائه، وفهمه ودهائه، أحنف ~~وإياس، وعبد الحميد وأبا فراس، وأخذنا عنه ما يملأ الوطاب، من كل معنى رقيق مستطاب، ولما ~~حنت جوارحنا إلى الأوطان، وتاقت أنفسنا إلى الأهل والخلان، طلبنا منه الإجازة، بعد ~~الاستعداد لقطع المفازة، وعندما سمح لنا بالتحول عن هذه البقاع، وسار معنا يوما كاملا ~~للوداع، وقفنا وأقسمنا عليه، والدموع تنحدر من أعيننا وعينيه، أن يرجع مصحوبا بالصحة ~~والنعم الشاملة، وأن لا يحرمنا في أثناء غيابنا عنه من المراسلة، ووعدناه أننا نعود بعد ~~عامين إلى دياره، وأن لا نبرح بإرادتنا عن جواره، إلا إذا أذن بالرحلة، إن كان في الأجل ~~مهلة، وبعد أن سلك كل منهما طريقه، وتأسف كل الأسف حين فارق رفيقه، تمادى الحسن وصاحبه على ~~السير، مع القافلة إلى مكة المشرفة بلا ضير، وكان وصولهما إليها في موسم الحج، فنالا ~~بالوقوف على عرفة والعج، ما تقر به أعين المؤمنين، وتفرح به قصاد بيت رب العالمين، ثم ~~توجها إلى زيارة الرسول، وبعد الفوز منه ms50 عليه الصلاة والسلام بالقبول، تحولا عن هذه ~~البقاع، وركبا سفينة من سفن الشراع، ووصلا بريح طيبة إلى مصر، في يوم خميس بعد صلاة ~~العصر، هنالك أولمت الولائم، واجتمع فيها القاعد من الأقارب والقائم، وتوالى وفود الأحباب ~~للسلام، مدة ثلاث ليال وثلاثة أيام. # وكان للشيخ أبي الحسن الأريب، صديق ماهر لبيب، وهو صاحب وجاهة شريف، ذو همة عالية ومقام ~~منيف، كان لا يفتر عن ملازمته طرفة عين، قبل أن ينعق بينهما غراب البين، فلما حضر من غيبته، ~~وازداد به سرور عترته، وسعى إلى زيارته جميع الجيران، وجاء سائر خلانه من أبعد مكان، تخلف ~~عنه ذلك الصديق النبيل، والرفيق الذي هو نعم الخليل، فسأل عن هذا الوجيه، من أقاربه وذويه، ~~فقيل له: إنه متوعك المزاج، إلا أن بضاعة صحته أخذت في الرواج، فقال: الآن وجب السعي إليه، ~~والإقبال في هذا الوقت عليه. # ثم قام من منزله ومعه من جيرانه جماعة، في يوم الاثنين بعد ثالث ساعة، واستوى مع ثلاثة ~~منهم في عربة، وأمر بسرعة السير؛ ليبلغ أربه، فطارت العربة بهم في سكة معتدلة، بغاية ما ~~يمكن من العجلة، حتى وصلت في هنيهة يسيرة، إلى قصر في وسط حديقة نضيرة، فنزل على الباب، بمن ~~معه من الأصحاب، وسأل الحاشية عن سيدهم المحترم، بيت الشرف والعلم والكرم، فقال له أحد ~~الغلمان: إنه بعافية وهو جالس في الإيوان. قال الحسن: فلما أخذنا الإذن منه ودخلنا ~~عليه، وتمثلنا على الفور بين يديه، قام واثبا على القدم، وكان كأنه الخلال من السقم، إلا ~~أنه كان قد أخذ في النقاهة، فقابلنا سريعا بالوجاهة، وسلم سلام المشتاق، وبث ما عنده ~~من ألم الفراق، ونبأ أنه كان يستنشق نسيم الأخبار، في مدة هذه الغيبة من السفار، ولو ~~زال عنه ما كان اعتراه قبل التلاق، لسارع إلى المقابلة في جملة الرفاق، فعند ذلك ضمه إلى ~~صدره، وقبله في عارضيه ونحره، وبالغ في الثناء عليه، وفرح بتوجه الشفاء إليه، وقال متمثلا ~~فيه، بما أبداه المتنبي في سيف الدولة من معانيه: # المجد عوفي ms51 إذ عوفيت والكرم # وزال عنك إلى أعدائك الألم # صحت بصحتك الأيام وابتهجت # بها المكارم وانهلت بها الديم # وراجع الشمس نور كان فارقها # كأنما فقده من جسمها سقم # وما أخصك في برء بتهنئة # إذا سلمت فكل الناس قد سلموا # فلما فرغ من العناق، وانتعشت الأرواح بطي شقة الفراق، قال الشريف لأبي الحسن: أقسمت ~~عليك يا معدن الفطن، إلا ما أقمت معي هنا بهذا البستان البديع، أنت وعائلتك مدة فصل الربيع، ~~حتى نتناول كئوس السمر، ونجتلي لذة المفاكهة في السهر، فأنعم بلا امتناع وأجاب، واجتمعت ~~الأحباب بالأحباب، ثم سأله عما سمع وما رأى في بلاد الأجانب، وما شاهد فيها من العجائب، ~~فقال: اعلم يا مليح الشمائل، ويا صحيح الرواية في الفضائل، أني سمعت بأنه كان يوجد ~~في مدينة عدن، من جملة عجائب الزمن، شيخ من المعمرين، سنه لا تنقص عن مائة وخمسين من ~~السنين، وكان له عشرة من البنين والبنات، من خمس أمهات، كانوا يتكلمون بكل لسان، ويحفظون ~~القرآن، وينظمون الشعر، وينثرون الدر، ولهم في الآداب المؤلفات الفائقة، والمصنفات البديعة ~~الرائقة، وكان كبير هؤلاء العلماء الأعلام، من ذوي الجسارة والإقدام، ويقال إنه خرج مع ~~قافلة من بني سعد، في سفر إلى ناحية نجد، فتعرض لهم في الصحراء ليث هاصر، وأسد عظيم الجثة ~~خادر، فدنا منه بشدة باس، وقوة مراس، ولطمه على أنفه في موقف الخصام، لطمة هائلة جرعه بها ~~كأس الحمام، وكان لهذا الليث لبؤة وخمسة أشبال، فأحاطت به من جهتي اليمين والشمال، ومن ~~الخلف والأمام، فصدمها صدمة بطل همام، فقتل منها ثلاثة وهرب منه الرابع، واقتفى أثر أمه ~~في الفيافي والبلاقع، فعدا خلف الاثنين على قدميه كالجواد، ورماهما بسهمين أودى بهما إلى ~~النفاد، ثم كر راجعا إلى القافلة، فقابلوه بمزيد الشكر والثنا، ونشروا بين يديه أعلام ~~الهنا، وجمعوا له من الأموال عدة وافرة، فردها إليهم قائلا لهم: إنما أبغي ثواب ~~الآخرة. # وكان عمره إذا رأيته باليقين، ينوف على مائة وعشرين، وهو مع ذلك حاضر الذهن، سالم العقل ~~والبنية من الوهن، إذا ms52 نطق أتى بإحسان حسان، وإذا كتب سابق يراعه اللسان، لا يسأل إلا ~~ويحسن الجواب، ويقول فيصيب شاكلة الصواب، ولقد رأيته يسأله سائل عن كثير من المسائل، وهو ~~في جمع غزير، وجم غفير، فكان مما قاله في السؤال، وأجاب الشيخ عنه في الحال: أيها المولى ~~المشهور، كيف تجمع أسماء الشهور؟ فقال: خذها على الترتيب، ولا لوم ولا تثريب، تجمع على ~~محرمات، وأصفار، وأربعة وأربعاء أو شهور ربيع، وجماديات، وأرجاب وشعبانات، ورمضانات ~~وشواويل أو شوالات، وذوات القعدة وذوات الحجة، وقد ظهرت المحجة. # قال: فكيف تجمع أسماء الأيام؟ فأجاب من غير تلعثم في الكلام: تجمع على سبوت أو أسبتة، ~~وآحاد وأثانين، وثلاثاوات، وأربعاوات، وأخمسة أو أخمس، وجمع أو جمعات. فلما سردها سرد ~~الأعداد، وأجاد كل الإجادة فيما أفاد، قبل السائل يديه، وقمنا نتعجب لكثرة ما لديه، ولبث ~~أبو الحسن في حديقة الشريف الرفيع، إلى أن انقضت أيام فصل الربيع، ثم انتقل بعياله في شهر ~~ذي القعدة، إلى منزله بخطة غيط العدة، واستمر بينهما الوداد والمحبة، إلى أن قابل كلاهما ~~ربه. # | المقالة التاسعة # في أحلام اللصوص، وما جاء فيها من النصوص # قال ناظم السلوك، نقلا عن خادم الملوك: خرجت للصيد مع جماعة من الجنود، في ركاب صاحب ~~الأعلام والبنود، الليث الهصور، والملك المنصور، رب القلم والسيف المشهور، والرأي السديد ~~المشهور، والعدل المنشور، والسعي المشكور، بطليموس الأكبر، خليفة الإسكندر، فاحتوينا من ~~الغزلان والأرانب، والسباع الضارية والثعالب، على ما لا يعد، ولا يستقصى ولا يحد، ولشدة ~~حرصنا على الصيد والقنص، انتهزنا ما تيسر من الفرص، وأطلقنا للجياد الأعنة، وقومنا ~~الأسنة، وانتشرنا بلا ملال، ذات اليمين وذات الشمال، وفي أثناء ذلك غاب الملك المكين، عن ~~أعين حاشيته وخادمه الأمين، فاهتموا في خلال غيابه بالبحث عن جنابه، فما وقفوا له على خبر، ~~ولا وقعوا له على أثر، وكان قد توغل بالفدافد، في طلب المكاسب والفوائد، فانتهى إلى أجمة ~~ملتفة الشجر، لا ينفذ منها لكثافتها النظر، وبينما هو شارع في التباعد عن أطرافها، والفرار ~~على الفور من أكنافها، إذ ms53 ظهر له أربعة من اللصوص، كأنهم كانوا كامنين له بالخصوص، ودنا منه ~~الأول باهتمام، وقال له من غير ابتسام: لقد تحقق لي ما رأيته في المنام، من أخذ هذا التاج ~~والفوز بالمرام، فانزعه بلا معارضة ولا خصام، ولا تكثر على الدهر من الملام. # التاج تاجي يا جليل القدر # فانزعه واقبل يا كريم عذري # فقد رأيت أنني ملكته # في النوم من بعد طلوع الفجر # ثم تقدم الثاني وقال له في الخطاب: تجاوز لي عما عليك من الثياب، فقد قصصت رؤياي، على ~~بشير بن بشراي، فنبأني أني أستحوذ عليها، وأضيف نعالك إليها، ثم أقدم وأحجم وقال وهو لا ~~يبتسم: # تلك الثياب يا عميد القوم # أخذتها منك ببعض حقي # وذاك حسبما بدا في النوم # لي فاعتمد فيما أقول صدقي # ثم انقض الثالث على جواده الأدهم، وقال: إني رأيت في المنام، أني ملكت هذا المطهم، ~~فانزل عن صهوته بلا جدال، وسلمني عنانه في الحال، وإياك والتوقف في هذا الطلب، حتى تأمن على ~~نفسك من العطب. # هذا جوادي وإني في المنام بلا # شك ظفرت به في ليلة الأحد # فدعه لي وانصرف بالنفس ناجية # من المهالك واشكرني إلى الأبد # ثم وثب الرابع وثبة الأسد، وشهر في يده حسامه المهند، وقال: قد طلب ما أراده كل واحد من ~~الجماعة، ولم يبق معك غير السلسلة والساعة، وهما اللتان رأيت في ليلة الخميس، أني انتزعتهما ~~من صدرك يا رئيس. # هذه ساعتي وليس لمثلي # يا رفيع المنار عنها محيص # فتجاوز عنها بغير نزاع # إذ على أخذها فؤادي حريص # عند ذلك قال له الملك الأجل: لقد فزت يا هذا ببلوغ الأمل، بيد أن الصفارة الموجودة مع ~~مفتاح هذه الساعة البديعة، فيها سر لا يدركه بلا موقف إلا ذو فطنة رفيعة، فادن مني حتى ~~تعرف الحقيقة، وتهتدي في استعمال تلك الصفارة إلى أحسن طريقة، ثم إنه قبض بيده على الصفارة ~~المجاورة للمفتاح، ووضعها على فيه وصاح، فسمعت جنوده الصفير، فهرع إليه منهم الكبير ~~والصغير، وأحاطوا باللصوص من كل مكان، واستعدوا لطرحهم في ms54 مهاوي الهوان، هنالك قال الملك ~~مخاطبا لهؤلاء اللئام، وقد امتزج بالغضب وامتشق في يده الحسام: يا قطاع الطريق، ومن ليس ~~لهم في الدنيا رفيق، إني أرى في اليقظة دون المنام، أني أشنقكم والسلام. # ثم أشار إلى من حوله من الرجال، بالقبض عليهم بلا محال، فأجابوه إلى ما أراد، وملكوا منهم ~~القياد، وساقوهم إلى ما نصبوا من الأخشاب، وأوقفوهم تحتها ووضعوا الحبال في الرقاب، ثم ~~رفعوهم عن الأرض بلا مهل، وطووا منهم سجل الأجل، واقتفى الملك بعد ذلك من اللصوص الأثر، ~~وبعث بروح كل من وقع به منهم إلى سقر، فأراح من شرهم العباد، ونشر لواء الأمن في ~~جميع البلاد، وبهذه السيرة الحميدة، صارت أيامه سعيدة، وأثنى عليه المؤرخون بما هو أهله، ~~وكيف لا وقد عم الأنام بعدله، ومدحه شعراء زمانه بالمدائح الفائقة، والقصائد النفيسة ~~الرائقة التي منها: # نشرت لواء العدل في كل بقعة # وطهرت أرض الله من كل مفسد # ففزت ببث الشكر من خير أمة # وفقت على كل الملوك بمحتد # | المقالة العاشرة # في مطاوعة النفس، والنجاة بعد اليأس # قال أبو المسرات، ابن أبي المبرات: إني لقيت شيخا من التجار، عليه سكينة ووقار، وله بين ~~أمثاله منزلة رفيعة، ودرجة سامية غير وضيعة، وكان قد بلغ الثمانين، وصدق عليه قول بعض ~~السابقين. # إن الثمانين وبلغتها # قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # ولقد نشأ هذا الشيخ من مدينة الأهواز، بين مشاء من ناسها وهماز، وكان في مبدأ أمره ~~مجبولا على مطاوعة نفسه، غير مكثرث بغده وأمسه، حتى إنه اتفق له في زمن الشبيبة، أنه ~~رمي من حوادث دهره بمصيبة، كانت نجاته منها سببا في هدايته، وإقلاعه دفعة واحدة عن ~~غوايته، وما ذاك إلا أنه خالف أمه وأباه، في طاعة شيطانه وهواه، ورحل مع قافلة من التجار ~~إلى مدينة الأنبار، وبينما هي سارية بالليل، شاخصة بأبصارها إلى سهيل؛ إذ خرجت عليها من ~~مكان سحيق، فرقة من قطاع الطريق، وحملت عليها حملة الجبابرة، بعدما أحاطت بها كالدائرة، ~~فطرحت رجالها قتلى على الأرض، ولم تراع في حقهم ms55 السنة ولا الفرض، واستحوذت على البضاعة، ~~وفقد كل واحد من أهل القافلة نفسه ومتاعه، وكان أبو المسرات ممن أصيب بضربة في الراس، فسقط ~~على وجهه عادم الحواس، وبقي بين الأموات مدة ثلاثة أيام، كان آخرها أول العام، ثم دبت ~~الحياة فيه بعد سبع، ولو زاد على ذلك لأكله السبع، فلما فتح عينه ورأى جثث القتلى حوله ~~متراكمة، استرجع وحوقل وطلب من الله حسن الخاتمة، وحاول النهوض على قدميه، فعجز وتعذر ~~القيام عليه، وبكى وأنشد في الحال، وقد أيقن بالزوال: # أقام على المسير وقد أنيخت # مطاياه وغرد حادياها # وقال أخاف عادية الليالي # على نفسي وأن ألقى رداها # مشيناها خطا كتبت علينا # ومن كتبت عليه خطا مشاها # ومن كانت منيته بأرض # فليس يموت في أرض سواها # ثم أقبل على نفسه باللوم، بعد ما تزحزح عن القتلى من القوم، وآلى أنه إن سلم من هذا ~~المصاب، وتخلص مما هو فيه من أليم العذاب، لا يخالف نصيحة أمه وأبيه، بل يعيش بينهما عيشة ~~الخامل دون النبيه، ويكف عن الأسفار، ولا يبرح عن فناء الدار، وكان في أثناء تضرعاته إلى ~~مولاه، واستغاثته به سبحانه في سره ونجواه، يقول في مناجاته لربه، وهو متألم من جرحه ~~معترف بذنبه: # يا رب هيئ لنا من أمرنا رشدا # واجعل معونتك العظمى لنا مددا # ولا تكلنا إلى تدبير أنفسنا # فالنفس تعجز عن إصلاح ما فسدا # أنت العليم وقد وجهت من أملي # إلى رجائك وجها سائلا ويدا # فلا تردنها يا رب خائبة # فبحر جودك يروي كل من وردا # ولا زال يزحف حتى وصل إلى ساحل البحر، بعد صلاة الظهر قبيل العصر، ثم وهت قواعد قوته، ~~وتداعت بناء بنيته، فاضطجع اضطجاع الميت، وترك التعلل بلو وليت، وكان قد مضى عليه خمسة ~~أيام، ما تناول فيها شيئا من الطعام، فغاب عن الوجود، وكاد يلحق بقوم عاد وثمود، وقال لسان ~~حاله، يشكو من صروف الزمان وأهواله: # أبى الله أن يصفو زماني ساعة # ويحلو ولو في النوم مما يكدر # فنصبر لا طوعا ولا عن إرادة ms56 # ولكننا رغما عن الأنف نصبر # وفي أثناء الاضطجاع، عبرت بالقرب من الساحل سفينة شراع، فوقع بصر رئيسها عليه، فانجذب ~~قلبه إليه، ودنا بسفينته من البر في الحين، وأشار بالنزول إلى اثنين من الملاحين، وقال ~~لهما: إن وجدتما الروح، في هذا الشبح المطروح، فاحملاه على كاهليكما بلا مهل، وبادرا به ~~إلينا على العجل؛ لعله ينجو من الهلاك، ويتخلص من غائلة الارتباك، فامتثلا أمره وسارعا ~~إليه، وقربا منه وعطفا عليه، وقبض أحدهما على نبضه، بعد ما تأمل في طوله وعرضه، ثم وضع يده ~~على صدره، وجعل أذنه على فيه ونحره، فتراءى له أن النفس يتردد فيه، فرفعه على كتفه ~~واستعان بأخيه، وسعى به إلى السفينة، التي كانت كقلعة حصينة، وكان فيها طبيب، ماهر لبيب، ~~فعالجه حتى توجه إليه الشفاء، وزال عنه السقم والعناء، وصار يروح ويغدو بين الملاحة، ويثني ~~على من ساق إليه صلاحه، وبعد شهر كامل عادت إليه الصحة، التي هي بلا شك أجل منحة، بيد ~~أن البحر اضطرب بعد السكون، وأظلم الجو وزاغت العيون، وهبت من الجنوب رياح عاصفة، ولمعت ~~بروق للأبصار خاطفة، وانحطت على السفينة أمواج كالجبال، من الأمام والخلف واليمين والشمال، ~~فدارت ثلاث دورات بلا انقطاع، وهوت كلمح البصر إلى القاع، وبمصادفة القضاء والقدر، قبض أبو ~~المسرات على لوح كان قد انكسر، وأنشد وهو يتقلب في أودية الخطر، ويتملل من البرد ~~والمطر: # يا رب ما زال لطف منك يشملني # وقد تجدد لي ما أنت تعلمه # فاصرفه عني كما عودتني كرما # فمن سواك لهذا العبد يرحمه # وقد مكث خمس ليال يعاني من البحر، ما هو أمر من الصبر، وأشد حرارة من الجمر، ثم قذفته ~~الأمواج في اليوم السادس، إلى المينا المعروفة بابن قادس، # 1 # وكان ذلك في أول ليلة من شهر الصيام، وقد وصل إلى البر والناس نيام، فوقع ~~طريحا على الغبرا، وكاد ينتقل من الدنيا إلى الأخرى، ولسان حاله يتمثل، بقول من أحسن في ~~شعره وتجمل: # أنوح على دهر مضى بنضارة # إذ العيش حلو والزمان موات # وأبكي زمانا ms57 صالحا قد فقدته # فقطع قلبي منه بالزفرات # أيا زمنا ولى على رغم أهله # ألا عد كما قد كنت مذ سنوات # تمطى علي الدهر في متن قوسه # فصدعني منه بسهم شتات # ولما طلع النهار، ووقعت عليه أعين النظار، حملوه إلى دار أمير المدينة المعظم، وناطوا ~~بعلاجه الطبيب ابن أبي محجم، فتوجه إليه الشقاء بعد ثلاثة شهور، واعتدلت صحته وحل بساحته ~~السرور، وأقسم بالله العظيم، رب زمزم والحطيم، أنه ما دام على قيد الحياة، لا يتبع شيطان ~~هواه، ولا يطاوع النفس، ولو ترتب على عدم مطاوعتها الحلول بالرمس، وبعد أن تاب، وإلى ~~الله أناب، خرج في قافلة إلى الحجاز، ومنها وصل إلى مسقط رأسه بمدينة الأهواز، واجتمع فيها ~~بأبيه وأمه، وانصرفت عنه غوائل همه، وانهمك على تحصيل المعارف، حتى بلغ النهاية في التالد ~~والطارف، وأضحى بين أبناء الزمان، يشار إليه بأطراف البنان، وعاش بين أهله والعيال، ~~حائزا لصفات الكمال. # | المقالة الحادية عشرة # في القيام بشكر الصنيعة، لمن له في المروءة الدرجة الرفيعة # قال شبل بن ليث، المكنى بأبي غيث: تاقت نفسي إلى جوب الفدافد، واشتاقت إلى رؤية الهياكل ~~والمعابد، فخرجت على حالة الانفراد، شاكي السلاح على متن الجواد، وتماديت على قطع الفيافي، ~~والترنم ببديع القوافي، مدة شهور، وأيام وكسور، ولا زلت أنتقل من بلد إلى بلد، ولا أعرج ~~في الرواح والغدو على أحد، حتى انتهيت إلى مدينة، كبيرة آهلة حصينة، فأودعت الحصان، عند ~~صاحب خان، ثم سعيت إلى المسجد الجامع، المعروف بضريح ابن شافع، وأديت فيه بالقصر صلاة ~~العصر، وبينما أنا أطوف فيه، وأمعن النظر في نواحيه، إذ رأيت بلا لبس، حلقة درس، في وسطها ~~شيخ كأنه من بني حام، وهو حسن القيافة معتدل القوام، وسمعته يلقي على الطلبة بأفصح لسان، ~~تفسير قوله تعالى: # والنجم والشجر يسجدان # هنالك ~~جلست في هذه الحلقة؛ لالتقاط بعض الفوائد، واجتناء ما يتأتى في العثور عليه من الفرائد، ~~فمما حفظته عنه وفهمته منه، في تفسير هذه الآية الشريفة، بعبارة سهلة لطيفة، أنه قال موضحا ~~ما في الآية ms58 من الأقوال : أخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن حبر الأمة ونجم ~~الاهتداء، ابن عباس العالم بدقائق القرآن، أنه لما سأله نافع عن تفسير # والنجم والشجر يسجدان # قال: «النجم» معناه ما أنجمت ~~الأرض. # وأنبتت مما لا يقوم على ساق، من قولهم: نجم ينجم بالضم في الاشتقاق. «والشجر» معناه ما ~~أنبتته وقام على ساقه، وظهر للعيان، وأنشد مستدلا على ذلك بقول صفوان: # لقد أنجم القاع الكبير عضاهه # وقربه حيا تميم ووائل # وأتبع هذا البيت ببيت زهير بن أبي سلمى، الذي تنسب إليه الفصاحة وتنمى: # مكلل بأصول النجم تنسجه # ريح الجنوب كضاح ما به حبك # وهكذا يؤخذ من الدر المنثور للسيوطي في التفسير بالمأثور، وورد في تفسير الإمام الفاضل، ~~العلامة الدلجي ابن عادل، أن النجم هو نجم السماء المعلوم، وسجوده هو الأفول المفهوم، ~~والشجر هو شجر الأرض المعهود، وسجوده هو إمكان اجتناء ثماره التي هي غاية المقصود. # والنجم في تفسير المصري الهمام، هو ما لا ساق له ولا قوام، والشجر المذكور في المساق، ~~هو ما له ساق، وسجود الاثنين، هو عنده سجود ظلالهما بلا مين. # وقيل: النجم هو الذي لا ساق له من النبات. والشجر هو الذي له ساق، ولبعضه ثمر يقتات، ~~وسجودهما هو الانقياد لله رب العالمين فيما يريدهما طبعا، كانقياد الساجد من المكلفين ~~طوعا، أو أنهما يسجدان لمبدئهما ومبدعهما، سجود دلالة على إثبات صانعهما. # وحكى ابن كثير في تفسير هذه الآية، خلافا تتحقق بمضمونه الدراية، فقال: قال ابن جرير، ~~العالم النحرير الشهير: اختلف المفسرون في قوله تعالى: # والنجم ~~، بعد اتفاقهم على أن المراد من الشجر ما قام على ساقه بلا وهم، ~~فروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير، والسدي وسفيان الثوري لا غير؛ أن النجم عند هؤلاء ~~الثقات: ما انبسط على وجه الأرض من النبات، وقال مجاهد والحسن، وقتادة عالم الزمن: النجم هو ~~الذي في السماء الأنور، وهذا القول هو الأظهر، فالنجم في عالم السماء، والشجر في مقام ~~النماء؛ يسجدان لله الواحد القهار، وكل شيء عنده بمقدار، قال الله - تعالى ms59 - في كتابه ~~المكنون، المنزه عن الشك والالتباس: # ألم تر أن الله يسجد ~~له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم ~~والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ~~. # وجاء في تفسير النسفي: أن النجم هو النبت ليس له ساق كالذي عليه الجسم ارتفع، وهو كما ~~قيل مأخوذ من نجم إذا طلع، والشجر هو ما له ساق يشاهد بالأبصار، وهو مشتق من مادة ~~الاشتجار، الذي هو تداخل بعض الأشجار في بعض، ومناسبة طولها للعرض، ويسجدان أي لله يخضعان، ~~ويشهدان على أنفسهما أنهما له سبحانه مسخران، وأنهما يدلان على وحدانيته، ويعترفان ~~بربوبيته، ولو أتينا على جميع ما ذكره المفسرون من الأقوال، وما دونوه في كتبهم مما طرأ ~~على هذه الآية من اختلاف الأحوال، لخرجنا عن الموضوع الذي عليه المعول وإليه الرجوع، فلما ~~ختم الدرس، عند غروب الشمس، أقبل علي بطلاقة، بعدما شد نطاقه، وقال لي: لعلك أيها الأديب، ~~في هذه الأوطان غريب، فقلت له: إي وأبيك يا علامة، إني من جبال تهامة. فقال لي: أنت ضيفي ما ~~دمت في هذه البلاد، ولك علي المنة يا سليل قوم أمجاد، فأجبته إلى ما طلب، وكان ذلك في أول ~~رجب، وتوجهت معه إلى دار وسيعة، ذات حديقة نضيرة بديعة، فعطف بي على قاعة مزخرفة بأنواع ~~النقش، مفروش بأحسن فرش، ثم أجلسني على الفور في الصدر، وقال لي: أنت في هذه الدار لك النهي ~~والأمر. # مسكننا هذا لمن حله # نحن سواء فيه والطارق # فمن أتانا فيه فليحتكم # فإنه في حكمه صادق # لا يجد الفاقة من زارنا # فربنا المانع والرازق # وبعد ساعة من الجلوس، حضرت مائدة عليها أطعمة تميل إليها النفوس، وفي أثناء الطعام، كان ~~يحييني بما فوق المرام، ويقول: يا أثيل المجد، ويا أصيل الأب والجد، لقد سرني منك ما ~~أوليتني به من الإجابة، وحققت فيك ما هجس بخاطري من الإصابة، وكيف لا تكون علي لك المنة ~~العظيمة، وقد سعيت معي بذاتك الكريمة، ولم تحتقرني لسوادي، مع عدم وقوفك على حقيقة طارفي ~~وتلادي؟! # فقلت له: يا ms60 مولاي ومالك رقي، ومن أنا عبده ولا أبتغي منه عتقي، أنت صاحب المنة ~~والفضل، ولا ريب في أنك كريم الأصل، وإني على يقين أنك إن لم تكن من أبناء الأمراء، ~~والصدور الفخام والوزراء، فأنت المقصود بين الناس، بقول عبد بني الحسحاس: # إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما # أو أسود اللون إني أبيض الخلق # وايم الله إنك لجدير، بما نقل عن الخليفة المأمون الخطير، مخاطبا لإبراهيم بن المهدي ~~عقب ضبطه في حال الخروج عليه، وتأمينه حين شق العصا ودعا بالخلافة إليه، وكان قد عفا ~~عنه وقبل أعذاره منه، وشرع في مداعبته، بقوله له أنت الخليفة الأسود، وأمير المؤمنين ~~الهمام الأمجد، لكنه لما تفطن أنه خامر قلبه من هذه المداعبة الفزع، واستولى عليه الرعب ~~والجزع، قال في الحال تسكينا، لما نزل به وتأمينا: # ليس يزري السواد بالرجل الشه # م ولا بالفتى الأديب الأريب # إن يكن للسواد فيك نصيب # فبياض الأخلاق منك نصيبي # هنالك قام الشيخ واقفا، وقال بعد ثنائي عليه واصفا: أنت والله يا بديع الشمائل، على ~~الحقيقة معدن الفضائل، وأنت علم الأعلام، وسيد علماء الإسلام، وبحر المعارف المتلاطمة ~~بالذكاء أمواجه، وبر العوارف التي بهرت بالسخاء أفراده وأزواجه، وطود العلوم الراسخ، ~~وفضاؤها الذي لا تحصى له فراسخ، وجواد الفهوم الذي لا يتأتى لحاقه، وبدر سمائها الذي لا ~~يدركه محاقه، وأنت الرحلة التي تضرب إليها أكباد الإبل، والقبلة التي يصلي إليها كل ~~مؤمن وعندها إلى الله يبتهل، وأنت علامة البشر، ومجدد الدين على رأس القرن الثاني ~~عشر، ولعلك أنت الذي انتهت إليك في الدنيا رياسة المذهب والملة، وبك قامت قواطع البراهين ~~والأدلة، وجمعت بين الفنون فانعقد عليك الإجماع، وتفردت بصنوف الفضل فسحرت النواظر ~~والأسماع، فما من فن إلا ولك فيه القدح المعلى، والمورد العذب المحلى، إن قلت لم ~~تدع قولا لقائل، أو طلت لم يأت غيرك بطائل، وما مثلك مع من تقدمك من الأفاضل والأعيان، إلا ~~كالأمة المحمدية المتأخرة عن الملل والأديان؛ فإنها وإن جاءت آخرا، إلا أنها فاقت مفاخرا، ~~فقلت له: يا ms61 من ليس لك في عصرك شريك، وصفتني بجميع ما هو فيك، لا سيما وأنك ما حققت لي ~~معرفة، ولا وقفت لي على كنه صفة، ولا سبرتني في معارف، ولا اختبرتني في تليد من العلوم ~~ولا طارف، فقال لي وهو باسم الثغر، ضاحك منشرح الصدر: إني بمجرد نطقك أخذتك بالفراسة، وثبت ~~عندي أنك أهل للرياسة، وإني على ثقة من تقدمك على بني العصر، في النظم الفائق ورائق ~~النثر. # فقلت: إن أردت أن تسمع مني ما حفظته من نظم السيد عبد الله الوزير، الذي لم يكن له في ~~زمانه من أخدانه نظير، فهاك ما نقلته من خطه بنفسي، في مراجعة للقاضي علي بن محمد ~~العنسي: # حتام تعذل في الهوى وتلوم # وإلام تطلب سلوتي وتروم # أنظن أسلو من حديث غرامه # يتلى على العشاق وهو قديم # وأنا الذي في الحب يعقوب بما # لاقيت قاسي الحزن وهو كظيم # وبمهجتي من قده غصن غدا # قلبي يصفق حوله ويحوم # قد دب عقرب صدغه حتى التوى # من فوق ذاك الخد وهو سليم # ولهان يلعب بالعقول وإن مشى # لعبت بغصن القد منه نسيم # ويلاه من قد به عدل وفي # شرع الهوى هو جائر وظلوم # ما جنة الفردوس إلا وجهه # للعين فيه نضرة ونعيم # ملك لساحر طرفه خدم ولا # عجب فذاك الساحر المخدوم # أسفى على باهي المحيا همت في # أوصافه واعتادني التوهيم # ولنا علي الذات أعظم حجة # خط العذار لأنه مرسوم # ما لي وبختي كلما انتظم اللقا # عرض العذول يميله ويلوم # أفنيت دهري أرصد الأفلاك في الل # قيا وهل تدري هواي نجوم # والبخت إن يصدق ظفرت بوصل من # أهوى ويكذب عنده التنجيم # ولربما فلك القضاء يدور بال # إسعاد لي بالوصل ثم يدوم # ويدور لي من كف من أحببته # كاس بمسك رضا به مختوم # فقال لي: لله درك من حافظ للسحر الحلال، وملاحظ لبديع الدرر واللآلي الغوال، فهل تحفظ ~~أبياتا غير هذه في الغزل، يضرب بها في بابها المثل؟ فقلت له: يا مولاي، إني وإن كنت لست ~~من فرسان هذا الميدان، ms62 ولا من رجال المعاني والبيان، إلا أني أتطفل على موائد هؤلاء الفضلاء ~~الفحول، وإن كان تشبهي بهم ضربا من الفضول، وأنشدك من درر ابن نباتة المصري، ما بعقود ~~الجمان يزري: # لا ورشف اللمى ولثم الخدود # ما عذولي عليك غير حسود # هائم في هواك مثلي ولكن # دفع الوهم عنه بالتفنيد # يا مليحا طرفي به في رياض # وفؤادي في النار ذات الوقود # لا تسل عن مسيل دمعي بخدي # قتل الدمع صاحب الأخدود # حبذا في حلاك لام عذار # وهي للحب آلة التوكيد # كل يوم تروع قلبا خليعا # يا بديع الحلى بحسن جديد # فقال لي: أنت في زمانك أروى من حماد، ودونك في البلاغة عبد الرحيم الفاضل وابن العماد، ~~وأنت المشار إليه بالبنان، بين أبناء هذا الزمان. # فقلت له بأبي وأمي أفديك يا همام # إذ أنت في عصرك نعم الإمام # وأنت أحق وأولى بما يقوله فيك، أوحد النبلاء من واصفيك: # يا سراج التقى وبدر المعالي # دم منيرا وهاديا للعباد # فقال لي: أيها الأديب النبيه، والأريب الكامل الوجيه، أنت أولى بالمدح والثنا، والكرامة ~~والغنى. # فقلت له: يا سيدي، إني مقصر عن القيام بما يجب من الشكر الجزيل، بين البرية لمقامك السامي ~~الجليل، وإني لأرجو أن تأذن لي بالرحيل، إلى حج بيت الله وزيارة الخليل، والسعي إلى ضريح ~~أفضل الأنام، والفوز من لثم أعتابه الرفيعة بالمرام. # فقال لي: لولا أنها فريضة لما كنت أجيبك إلى ما تروم، ولا تركت الفراق يرمي من شهبه ~~برجوم، لكن انتظر هلال شعبان، حتى تخرج مع قافلة العربان، المتأهبة للسفر إلى أم القرى، ~~والوقوف بعرفة والتبرك بأبي قبيس وحرى. # فلما انسلخ رجب، وخرجت قافلة العرب، جهزني معها بكل ما أحتاج إليه، وضمني للوداع إلى صدره ~~والدموع تتحدر من عينيه، وقال لي: ناشدتك الله يا ابن الكرام، إلا ما جعلت الزيارة متواصلة ~~في كل عام. فقلت له: يا عالي الذرى، ويا أعلم الورى، أنا ما أدع فرصة، لدفع هذه الغصة، ثم ~~أخذ في السير، في الحال مع العير، وهو يقول مسليا لنفسه ms63 على ما أصابه من ألم النوى في ~~يومه، بعد ذهاب أمسه: # أيا نفس لا تجزعي واصبري # وإلا فإن النوى متلف # حبيب جفاك وقلب عصاك # ولاح لحاك ولا ينصف # شجون منعن الجفون الكرى # وعوضتها أدمعا تنزف # ولما قطعنا المراحل العديدة بالتسيار، واشتد بي من معاناة الفراق الإضرار، وانحدر علينا ~~عند ما دهمنا الليل، مطر من السماء كأنه السيل، ومكث خمس ساعات، يبعث إلينا منه بآفات، ثم ~~انجلت الغياهب، وظهرت الكواكب، قلت متمثلا بهذه الأوزان، التي رويتها في زمن الشبيبة عن ~~بعض الإخوان: # ما بال أنجم هذا الليل حائرة # أضلت القصد أم ليست على فلك # عادت سواريه وقفا لا حراك بها # كأنها جثت صرعي بمعترك # ما تنقضي ساعة منه فتطمعني # به ولا هو في وجه بمنسلك # هل من بشير بنور الصبح ينقذني # بشراه من طول وجد غير متركي # فقد أجد التواء الليل لي شجنا # وأضجعتني تباريحي على الحسك # وعند مطلع الفجر، خرج على القافلة في عاشر الشهر، حزب من قطاع الطريق؛ كأنه نار الحريق، ~~وكنت قد تعلقت من عهد نشأتي بملاقاة الأبطال، وركوب الأخطار ومكابدة الأهوال، فامتشقت في ~~يدي الحسام، وتأهبت في الحال للصدام، وقلت جريا على عادة فرسان الحجاز، لما انفصلت عن الصف ~~للبراز: # أنا الأسد الضرغام في حومة الوغى # إذا ثار نقع في مهول الملاحم # وإني مبيد للأعادي جميعهم # بأسمر عسال وأبيض صارم # تفر كماة الجيش مني متى رأت # خيالي في يوم اللقا والتصادم # ولما فرغت من شعري دنوت من القوم، وأقبلت عليهم بالتقريع واللوم، وقلت لهم: يا أبناء ~~اللئام، أتقطعون الطريق على حجاج بيت الله الحرام! فلما سمعوا مني هذا الملام، الذي هو أمضى ~~من السهام، اندفع علي منهم فارس لا يقاومه رئبال، وقال لي: ويلك يا أخس الأنذال، كيف ~~تجاريت على تقريعنا بهذا المقال، مع علمك بأن قطاع الطريق لا يميزون بين الحرام والحلال. ~~فلا وأبيك ما أجبته إلا بنبلة في نحره، ساقته عاجلا إلى قبره، وعطفت بعده على أصحابه ~~الأشرار، في جماعة من فرسان القافلة الأخيار، فقتلنا ms64 منهم اثني عشر، في أقل من لمح البصر، ~~وهزم الله باقي الأشقياء، بسيوف هؤلاء الأتقياء، وقرأنا سورتي الفتح والأحزاب، وجمعنا بعد ~~الاستراحة الأسلاب، وركبنا متن الطريق، فوافينا مكة المشرفة بلا تعويق، وأدينا الفريضة ~~في وقتها وبلغنا الآمال، ثم انصرف كل منا إلى منزله واجتمع بالأهل والعيال، واستمرت بيني ~~وبين الشيخ المراسلة، التي تقوم - كما يقال - مقام المواصلة، مدة من السنين والشهور ~~والأيام، لا تنقص عن سبعة أشهر وعشرة أعوام، وكانت آخر مراسلة وصلت منه إلي في رمضان، ~~أنه خارج للحج والزيارة في شوال مع خمسة عشر من الطلبة وثلاث من النسوان، فلما وقفت على ~~هذه المكاتبة، واطلعت على هذه المخاطبة، اتحدت مع عشرين من رجال الحرب، وكانوا من الأبطال ~~المعروفين بالطعن والضرب، وخرجنا في العشرة الأخيرة من شهر الصيام؛ لعلنا نحظى بمقابلته في ~~البيداء ونحييه بالسلام، فلما توسطنا المفازة، بعد ما أخذنا من الشريف الإجازة، وقطعنا من ~~المراحل بالتوان، خمسا كوامل في أمان، انقض علينا من جانبي الجبل، مائة فارس من ورائهم ~~مائة ناقة وجمل، وحملوا علينا كالأسود، وصاحوا علينا بأصوات كالرعود، فلم نجد بدا من ~~القتال، وصدمناهم صدمة الوبال، وكان معنا فارس جسيم كامل العدة تحته جواد من العيوب سليم، ~~فكر عليهم معنا كرة الهاصر، وسطا عليهم بحسامه الباتر، وأظهر لهم ما عنده من الشدة، ~~وقتل منهم أربعة عشر وحده. # ودارت عليهم في آخر النهار، دوائر الفناء والبوار، ولما انجلت الغمة، بما بذله فارسنا من ~~الهمة، وانهزم الأعداء في منتصف شوال، وتخلوا عن الجمال والأثقال، أبصرت بين الأسارى شيخنا ~~الإمام، وهو مشرف من الوثاق على الحمام، فوقعت على قدميه، وقبلت رأسه ويديه، وقلت له: نفسي ~~لك الفدا، من حوادث الردى، ما الذي أوقعك في قبضة هؤلاء الأوغاد، وصفدك من غير رأفة بهذه ~~الأصفاد، فلما سمع صوتي خف عنه ما كان يجد من الألم، واستوى قاعدا وزال عنه السقم، ~~وقال أخبرني أنت يا أخي بالتفصيل، كيف كان خلاصنا من هذا التنكيل؟ فقلت له: يا أيها الصديق، ~~ومن هو لي نعم ms65 الرفيق، إن خلاصكم كان على يد هؤلاء الأبطال، الذين أغرقوا أعاديكم في ~~بحار الأهوال، وكان السبب في لقائكم بهذا المكان، أنني دعوت هؤلاء الشجعان، إلى السعي ~~معي خدمة لجنابك، وتبركا بلثم ركابك، فقال لي: جزيت عني خيرا، ولا لقيت ما بقيت ضيرا، ~~لقد فرجت عني الكربة، وأطلقتني من قيود النكبة، فإني لما كتبت إليك، أني قادم عليك، تأهبت ~~لأداء الفريضة على عجل، وحملت عيالي على أربع نياق وجمل، وقلت في نفسي: لعلي أظفر بمقابلتك ~~في الكعبة، وأتناول معك من ماء زمزم شربة، ولما خرجنا من البلد، لم يكن معنا من أهله أحد، ~~بيد أنه تبعنا على الأثر، من الطلبة الخمسة عشر، وفي خلال سيرنا على مهل، انحط علينا هؤلاء ~~الفجار من الجبل، فقتلوا من فرغ منه الأجل، واستحسنوا قبيح العمل، وكانوا مصرين على ~~قتلي مع الجماعة؛ لخوفهم في البيداء من الظمأ والمجاعة، فأوقعهم الله فيما أضمروه، ~~وحملتم إليهم من الموت كأسا فتجرعوه، ثم نزلنا للراحة بذلك المكان القفر، من ضحوة النهار ~~إلى وقت العصر، ثم رحلنا بعد ما أدينا الصلاة، ونال كل من الزاد مناه، وبعد عشر ليال ~~كاملة، وصلنا بالأمان في هيئة قافلة، إلى الحرم المكي المعظم، وكان ذلك في آخر ذي القعدة ~~المكرم، فتوجهت مع الشيخ والأقارب، إلى داري المجاورة لدار الشريف غالب، وأقمنا بها بين ~~الأهل والولد، في عيش رغد، وقد نسي كل منا ما كان يترنم به في السفر، وهو من بديع درر عفيف ~~الدين التلمساني الأغر: # أحن إلى المنازل والربوع # وأنتم بين أحشاء الضلوع # وأضمر كتم أشواقي ووجدي # فتظهرها لجلاسي دموعي # ومن كلفي أعلل بالتمني # وأطمع في الخيال بلا هجوع # وأعترض النسيم أسى وشوقا # وأسأل وامض البرق اللموع # أيا عرب الحجاز كذا أضعتم # نزيلا في رحابكم الرفيع # فلما انقضت تلك الأيام القصار، ودخلت أوقات الحج والاعتمار، انتظمنا في سلك قصاد عرفة، ~~في أحسن هيئة وأكمل صفة، ثم تحولنا من مكة إلى المدينة؛ لزيارة صاحب الوقار والسكينة، ووقف ~~الشيخ على المقصورة النبوية، وقال متمثلا بقول أبي ms66 شباك أجل السادة الرفاعية ~~المرضية: # في حالة البعد روحي كنت أرسلها # تقبل الأرض عني فهي نائبتي # وهذه دولة الأشباح قد حضرت # فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي # وبعد الفوز بلثم الأعتاب، وأداء الواجبات في الروضة والمحراب، عدنا إلى أم القرى في سرور، ~~ولذة سرمدية وحبور، والناس يقولون لنا في التحية، بألفاظ عذبة بهية: سعي مشكور، وحج مبرور، ~~وزيارة بالقبول محفوفة، ومواقف في طاعة الله معروفة. # وعزم الشيخ على انتجاع بلاده؛ لاشتياقه إلى تلامذته وأولاده، فالتمست منه الإقامة معي إلى ~~آخر المحرم، فأجاب وتفضل علي بذلك وتكرم، وكنت وقفت على نسبته، وعرفت حقيقة حليته، وثبت ~~عندي أنه من نسل إبراهيم بن المهدي بن المنصور، وأنه اكتسب سواده من أمه التي كانت في لونها ~~كالديجور، فقلت متمثلا بين يديه، بما يحسن إنشاده لديه: # لقد طبت فرعا حيث طبت أرومة # نعم طيب حيث الأصول أطايب # فللورد ماء الورد فرع يزينه # ولليث شبل الليث مثل يقارب # عشقت العلا طفلا ولم يك عاشقا # سواك وشبه الشيء للشيء جاذب # فأنت لها ابن وأنت لها أب # وأنت لها صنو وأنت أقارب # كذاك عشقت العلم والجود والتقى # وللناس فيما يعشقون مذاهب # ومذ استعد للذهاب، حث إلى وطنه الركاب، فقطعت معه أربع مراحل، للوداع والدمع من ~~مقلتي هاطل، وأرسلت في صحبته من رجالي للحرس، أحد عشر بطلا كل واحد منهم على فرس، وقلت له: ~~يا صاحب الدرجة الرفيعة، إني عاجز عن القيام بشكر ما بدأتني به من الصنيعة، فقال لي بعد ~~بسط يديه بالدعاء إلى رب السماء والأرض، أن يمد في عمرك إلى يوم العرض: تالله ما أنت في كل ~~شيء إلا فريد الزمان، ووحيد العصر والأوان، ولا غرابة فيما أقول؛ حيث اتضح لي أنك من نسل ~~بضعة الرسول، ولا شك أنكم أهل بيت استعار الورى منكم جميع الخلال الحميدة، والخصال الجمة ~~الفريدة، التي لا يبلغ شأوكم فيها عظيم، ولا يجاريكم فيها على طول المدى كريم. # | المقالة الثانية عشرة # في التخلص من الخطب، بالعقل والصارم العضب # قال لي أبو ms67 الحزم: انفرد أمير الجيوش أبو العزم، عن رجاله والجنود، عقب بروق ورعود؛ ~~لانتهاز الفرص في الصيد والقنص، فلاحت له على بعد نعامة، كأنها لجسامتها وارتفاعها دعامة، ~~فاقتفى أثرها بلاحق، لا يفوته في مجاله سابق، وجد في طلبها؛ ليسوقها إلى عطبها، وعندما ~~دنا منها وهم بالقبض عليها، سبقه ليث هاصر إليها، وضربها بأظافر، كأنها الخناجر، فقدها ~~نصفين، وشطرها شطرين، فلما رأى ذلك أمير الجيوش، صاحب الوجه البشوش، عبس وبسر، وزاغ منه ~~البصر، وجال على أبي الأشبال جولة الأبطال، وهو يترنم بقصيد، للطائي أبي زبيد: # أفاطم لو شهدت ببطن خبت # وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا # إذن لرأيت ليثا رام ليثا # هزبرا أغلبا يغشى هزبرا # تبهنس إذ تقاعس عنه مهري # محاذرة فقلت عقرت مهرا # أنل قدمي ظهر الأرض إني # وجدت الأرض أثبت منك ظهرا # وقلت له وقد أبدى نصالا # محددة ووجها مكفهرا # تدل بمخلف وبحد ناب # وباللحظات تحسبهن جمرا # وفي يمناي ماضي الحد أبقى # بمضربه قراع الخطب أثرا # ألم يبلغك ما فعلت ظباه # بكاظمة غداة لقيت عمرا # وقلبي مثل قلبك لست أخشى # مصاولة ولست أخاف ذعرا # وأنت تروم للأشبال قوتا # ومطلبي لبنت العم مهرا # ففيم تروم مثلي أن يولي # ويترك في يديك النفس قسرا # نصحتك فالتمس يا ليث غيري # طعاما إن لحمي كان مرا # فلما ظن أن الغش نصحي # فخالفني كأني قلت هجرا # مشى ومشيت من أسدين راما # مراما كان إذ طلباه وعرا # يكفف غيلة إحدى يديه # ويبسط للوثوب علي أخرى # هزرت له الحسام فخلت أني # شققت به لدى الظلماء فجرا # وجدت له بطائشة رآها # لمن كذبته ما منته قدرا # بضربة فيصل تركته شفعا # وكان كأنه الجلمود وترا # فخر مضرجا بدم كأني # هدمت به بناء مشمخرا # وقلت له يعز علي أني # قتلت مناسبي جلدا وقهرا # ولكن رمت شيئا لم يرمه # سواك فلم أطق يا ليث صبرا # تحاول أن تعلمني فرارا # لعمر أبي لقد حاولت نكرا # فلا تبعد فقد لاقيت حرا # يحاذر أن يعاب فمت حرا # ولما عاين أسد العرين، استعداد هذا القرين، حمل ms68 عليه وكشر ، وصاح وزمجر، فأجابه بصوت يصدع ~~الصخور، ويقلع الرصين من القصور، وضربه بالسيف في جبهته، فشقه إلى صرته، وأنشد بعد انجلاء ~~الغبار، وهو على مصرعه في القفار: # لقد علمت ليوث الغاب أني # أهدد كل جبار شجاع # وأمنع جانبي وأذب عنه # وأروي بالدما كل البقاع # وأني في اللقاء لهيب نار # وأن الأسد تحرق من شعاعي # وسيفي صارم عضب صقيل # يداوي الرأس من ألم الصداع # وبعد انتقامه من هذا الغريم، وانتظامه في سمط الدارس الرميم، التفت ذات اليمين، وليس معه ~~ناصر ولا معين، فرأى غابة ملتفة الأشجار، تجري بالقرب منها أنهار، فانتجعها على جواده ~~الأدهم، وهو صامت لا يتكلم، وبمجرد دنوه منها خرج عليه من فجوة، أربعة أشبال ولبوة، وهجمت ~~دفعة واحدة عليه، وتوجهت بأنيابها إليه، فترك صهوة جواده بلا مهل، واخترط حسامه من غمده على ~~عجل، وانحط على اللبؤة القاتلة، فضربها ضربة هائلة، أطاح رأسها عن البدن، وأخلى منها ~~الربوع والدمن، وسطا على أحد الأشبال واقتلعه من الأرض، ورمى به آخر فاختلط طولهما في ~~العرض، وأطاح بسيفه القاطع، رأسي الثالث والرابع، ثم جرى على قدميه حتى أدرك ابن النعامة، ~~وتناول بيده اليسرى زمامه، وقصد الأجم وهو يترنم بأوزان، مأثورة عن أبي الطمحان: # وإني من القوم الذين همو همو # إذا غاب منهم سيد ناب صاحبه # نجوم سماء كلما غاب كوكب # بدا كوكب تأوي إليه كواكبه # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم # دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # فلما انتهى إليها، وأشرف عليها، دخلها والجواد من خلفه؛ لأنه كان بمنزلة أنيسه وإلفه، ~~ثم خلع عنه سرجه واللجام، وبلغه من الماء والمرعى المرام، وأوى إلى شجرة وارفة الظلال، ~~واضطجع تحتها من التعب على الرمال، وكان الليل قد أقبل بسواده الحالك، وعاق جيوشه عن ~~استكشاف ما سلكه من المسالك، فرجعوا بالخيبة إلى الخيام، وأبوا أن يمتعوا أجفانهم بما يتمتع ~~به النيام، وقال نائبه، كأنه يخاطبه، متمثلا بقول مسلم بن الوليد، في ممدوحه ~~الأمير يزيد: # ينال بالرفق ما تعيا الرجال به # كالموت مستعجلا يأتي على مهل # يكسو ms69 السيوف دماء الناكثين به # ويجعل الهام تيجان القنا الذبل # حذار من أسد ضرغامة بطل # لا يولغ السيف إلا مهجة البطل # موف على مهج في يوم ذي رهج # كأنه أجل يسعى إلى أمل # قد عود الطير عادات وثقن بها # فهن يتبعنه في كل مرتحل # تراه في الأمن في درع مضاعفة # لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل # فالدهر تغبط أولاه أواخره # إذ لم يكن كان في أعصاره الأول # فعد سليما فما في الملك من وهن # إذا سلمت وما في الدين من خلل # ما كان جمع العدا لما لقيتهم # إلا كرجل جراد ريع منجفل # هذا ما كان من أمر الجيوش والنائب، وأما أميرهم القسورة أبو العزم الغائب، فإنه لما ~~غرق في بحار الكرى، بعد الظفر بأسد الشرى، انقض عليه خمسة من اللصوص، وأحاطوا به على ~~الخصوص، وأوثقوه بالكتاف، وكادوا يطرحونه في مهاوي التلاف، وكان قد استشعر بهذا الأمر ~~المنكر وهم بالوثبة عليهم بالسلاح، فلم يجد له سبيلا إلى الكفاح؛ لأنهم مالوا عليه قبل ~~أن يثور من رقدته، واستحوذوا على لأمته وعدته، وقال له كبيرهم: أيها الرجل المغرور، ما ~~ساقك إلى هذا المكان غير المعمور، إلا أمر يفضي بنفسك، إلى هلاكك وحلولك برمسك، فقلت له وقد ~~أظهرت البشاشة بعد العبوس: كيف تقتلون من زالت عنه بسعودكم النحوس؟! على أني أعلم أنكم لو ~~وقفتم على حقيقتي، وعرفتم ما أنا عليه لسلكتم طريقتي، ولاتخذتموني لكم من الأصحاب، ~~ولآثرتموني بالود على جميع الأحباب، فقالوا له: وما هي حقيقتك يا نظيف الثياب؟ وما هي ~~طريقتك التي اتباعها عين الصواب؟ فقال: أما حقيقتي فإني لص محتال، صاحب إقدام على الأهوال، ~~وأما طريقتي فهي اختلاس الأرواح والأموال، ونهب أثاث القصور في غالب الأحوال، وعندي سر لو ~~عرفتموه لانتفعتم به في كل ملمة، ولنجوتم به من الغوائل في كل ليلة مدلهمة؛ فقالوا له: وما ~~هذا السر أيها الساحر؟ وهل تعلمته من الأوائل أو من الأواخر؟ # فقال لهم: إنه لا يسوغ لإنسان، أن يتفوه به وهو في حالة الذل والامتهان، فإن ms70 أردتم ~~الفوز بمعرفته، والوقوف على كنه صفته، فأطلقوا مني السراح، وردوا علي الجواد والسلاح، ثم ~~اسمعوا مني، ما تتلونه في الشدة عني، وكانوا من غير الأشراف، الذين هم سكان الأطراف، وكانوا ~~لا يميزون بين الحق والباطل، ولا يفرقون بين الصحيح والعاطل، ولا يتوهمون أن أحدا من ~~الرجال، يخدع عند الضرورة بزخارف المحال، فصدقوني فيما أتيتهم به من الاختلاق، ومنوا ~~علي بالإطلاق من الوثاق، وتقدم أحدهم إلي وناولني سيفي الصقيل، وقرب مني الجواد الأدهم ~~الأصيل، فركبته وخرجت من الغابة، بوقار وسكينة ومهابة، وتبعوني طمعا في معرفة السر، الذي ~~هو على حسب وهمهم ضرب من السحر، وهنالك امتشقت الحسام، وقلت لهم: ارجعوا من حيث أتيتم يا ~~بني اللئام، فهذه حيلة ابتدعتها، وخديعة اخترعتها؛ لأتخلص بها من ورطة الارتباك، وأنجو من ~~حبائل الهلاك، والآن ليس لكم عندي سوى قطع الرقاب، وترك جيفكم لغذاء الوحوش والكلاب، فإن ~~أردتم لأنفسكم السلامة، فاذهبوا قبل أن تحل بكم الندامة، وإلا فابرزوا جملة واحدة، حتى ~~أهدم من أجسامكم الأساس والقاعدة؛ فلما تحققوا مقالي، وعرفوا سؤالي، حملوا علي ~~بالسيوف، وعولوا علي تجريعي كأس الحتوف، فصدمتهم صدمة تهد راسيات الجبال، وقتلت منهم في ~~أقل من لمح البصر ثلاثة رجال، وكان النائب قد نشر البنود، ونادى بالرحيل في الجنود؛ لعله ~~يقص الأثر، أو يقع على خبر، فلما انتصف النهار، نزل للراحة في القفار، وأرسل الجواسيس ~~والعيون؛ ليكشفوا الطرق والمناهل والعيون، فغابوا ساعة من الزمان، ثم عادوا وأنا معهم على ~~ظهر الحصان، متمثلا في الأول بقول السموأل: # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه # فكل رداء يرتديه جميل # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها # فليس إلى حسن الثناء سبيل # تعيرنا أنا قليل عديدنا # فقلت لها إن الكرام قليل # وما قل من كانت بقاياه مثلنا # شباب تسامى للعلا وكهول # وما ضرنا أنا قليل وجارنا # عزيز وجار الأكثرين ذليل # لنا جبل يحتله من نجيره # منيع يرد الطرف وهو كليل # رسا أصله تحت الثرى وسما به # إلى النجم فرع للوفاء طويل # وإنا أناس لا ms71 نرى القتل سبة # إذا ما رأته عامر وسلول # يقرب حب الموت آجالنا لنا # وتكرهه آجالهم فتطول # وما مات منا سيد حتف أنفه # ولا طل منا حيث كان قتيل # تسيل على حد الظبات نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # ونحن كماء المزن ما في نصابنا # كهام ولا فينا يعد بخيل # وننكر إن شئنا على الناس قولهم # ولا ينكرون القول حين نقول # إذا سيد منا خلا قام سيد # قئول بما قال الكرام فعول # وما خمدت نار لنا دون طارق # ولا ذمنا في النازلين نزيل # وأيامنا مشهورة في عدونا # لها غرر مشهورة وحجول # وأسيافنا في كل شرق ومغرب # بها من قراع الدارعين فلول # معودة أن لا تسل نصالها # فتغمد حتى يستباح قتيل # سلي إن جهلت الناس عنا وعنهمو # فليس سواء عالم وجهول # فإنا بني الريان قطب لقومهم # تدور رحاهم حولهم وتجول # ولما دنوت من العسكر، ورآني من الجنود كل قسور، هرعوا إلي وسلموا بالاشتياق علي، ~~وسألني النائب المهاب، عن هذا الغياب، فقصصت عليه ما وقع لي من اللصوص والأسود، وكيف ~~استعملت الحيلة في الانفكاك من القيود، فسجد شكرا لله على سلامتي، بعد أن أثنى على صرامتي، ~~وتخلصي من الخطب، بالعقل والصارم العضب. # | المقالة الثالثة عشرة # في التخلص من الأخطار وبلوغ الأوطار # ركب أبو الفخار، سفينة بخار، وتوسط اللجة، وعرض للأهوال المهجة؛ حيث شغف بالملاحة، في فصل ~~لا يحمد المسافر رياحه، فلما جرت السفينة، وتوارت عن المدينة، خرجت عليها أهوية مختلفة، من ~~جهات غير مؤتلفة، واندفعت عليها الأمواج، فحرفتها عن الاستقامة إلى الاعوجاج، هنالك انزعج ~~الراكب والملاح، وانعجم اللسان عن الإفصاح، واشتغل الكهل، بنفسه عن الأهل، وهطلت الأمطار، ~~وزمجر الرعد في جميع الأقطار، وتبدل الأمن بالخوف، ويبست الأمعاء في الجوف، واستولى ~~على الرئيس الفرق، لما أيقن بالغرق، وبينما هو يكابد من الحيرة ما لا مزيد عليه، ويتعجب ~~مما آل أمر سفينته إليه، إذ سمع قائلا يقول، وهو من ذوي العقول: ليتهم يطوون الشراع ~~المنشور، ويقطعون الصاري الأخير المكسور، عسى أن يكون وراء هذا الخطب، ms72 فرج يزول به ~~الكرب. # وكان الرئيس منه غير بعيد، فانشرح صدره بهذا الرأي السديد، وأشار إلي بالإجراء على ~~عجل، فقوبل بالامتثال على مهل. وكان في ذلك النجاة من العواصف، التي يعجز عن وصفها ~~الواصف؛ لأن السفينة كانت قريبة من ساحل جزيرة، فطرحتها الأمواج عليها في برهة يسيرة، ~~وبمجرد وصولها إلى البر، سكن الريح وركد البحر، ولما غاب الليل بغيهبه، وآب النهار بكوكبه، ~~انتقل أبو الفخار صاحب الحسب والنسب، في حلبة من أخدانه أبناء الأدب، إلى هذه الجزيرة، ~~الواسعة الخصبة النضيرة، وجال فيها حتى انتهى مع الجماعة، إلى مدينة ملك جدير بالإطاعة، ~~يعرف بنور الدين العادل، الموصوف بقول القائل: # جمع الشجاعة والخشوع لربه # ما أحسن المحراب في المحراب # وكان هذا الملك عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، عاكفا بكليته على الجهاد ونصرة ~~الخليفة، متولعا بسماع الحديث، معرضا عن كل شين وخبيث، مجتنبا للإجحاف، مقبلا على ~~الإنصاف، منتهيا عن المحرم من المشارب والمآكل، والملابس التي يتبهرج بها الجاهل، واقفا ~~عند أوامر الشرع ونواهيه، آمرا بذلك رعيته وحاشيته وذويه، فلما تمثل القادمون بين يديه، ~~وعرضوا بلا توان عليه، سألهم عن الحال، ومن أين الإقبال؟ فسارع أبو الفخار إلى لثم راحته ~~الشريفة، وترنم في مدحه بأشعار ابن القيسراني المنيفة: # لك الله إن حاربت فالنصر والفتح # وإن شئت صلحا عد من حزمك الصلح # وهل أنت إلا السيف في كل حالة # فطورا له حد وطورا له صفح # سقيت الردينيات حتى رددتها # ترنح من سكر فخل القنا تصحو # وما كان كف العز إلا إشارة # إلى الحزم لو لم يغضب السيف والرمح # وقد علم الأعداء مذ بت جانحا # إلى السلم ما تنوي بذاك وما تنحو # إذا ما ديار ملكتك عنانها # تيقن من في غيرها أنه الذبح # متى التف نقع الجحفلين على الهدى # فلا مهمه يحوي الضلال ولا سفح # إذا سار نور الدين في الجيش غازيا # فقولوا لليل الإفك قد طلع الصبح # تركت قلوب الشرك تشكو جراحها # فلا زالت الشكوى ولا اندمل الجرح # صبرت فكان الصبر خير مغبة # فسيق ms73 إليك الملك يسعى به النجح # كأن القنا تجلو له وجه أمره # ولو أمهلت بلقيس ما غرها الصرح # بدولتك الغراء أصبح ضدها # بهيما ولولا الحسن ما عرف القبح # وكم من قريح القلب لو بات واردا # موارد هذا العدل ما مسه قرح # سخا بك هذا الدهر جودا على الورى # على أنه ما زال في طبعه شح # وقد كان يمحو رسم كل فضيلة # ونحن نراه اليوم يثبت ما يمحو # بك ابتهج الألباب وانتهج والحجا # وأثمرت الآداب واطرد المدح # ولاذت بك التقوى وعاذ بك العلا # ودانت لك الدنيا وعز بك السرح # فلا قلب إلا قد تملكته هوى # ولا صدر إلا قد جلاه لك النصح # وما الجود في الأملاك إلا تجارة # فمن فاته حمد الورى فاته الربح # ولم أختصر ما قلت إلا لأنني # أعبر عما لا يقوم به الشرح # ثم قال بعد الإنشاد: إننا يا رفيع العماد، قد خرجنا على الجزيرة من البحر، بعد ما يئسنا ~~من النجاة وعدمنا الصبر؛ حيث هاجت علينا الرياح، من المساء إلى الصباح، وكادت السفينة تغوص ~~إلى القاع، لولا قطع الصاري وطي الشراع، وهذه هي حالنا ولا ندري ماذا يكون ارتحالنا، ~~فأما الإقبال من مدينة مجهولة الاسم، بعيدة عن العمران منهوكة الجسم، كانت في صدر ~~الإسلام، منشورة الأعلام، وبتمادي الأيام، والشهور والأعوام، تغيرت مبانيها البديعة، وتهدمت ~~معابدها وأبراجها المنيعة، وضاقت على العلماء ففارقوها، وفروا فرار الورق من أقفاصها متى ~~أطلقوها، فقال له: ماذا كان المراد من السفر، في فصل الرياح العاصفة والمطر؟ وعلام عولت ~~الآن، مع هؤلاء الأخدان؟ فقال: أما السفر فكان بصدد بيت الله الحرام، وزيارة رسول الله ~~سيد الأنام، ولولا اختلاف الرياح، لفزنا في هذا العام بالنجاح، وأما الذي عولت عليه، ~~وركنت بعد التخلص من المهالك إليه، فهو التفويض للحضرة الملوكية، التي فاض سحاب نوالها على ~~البرية، فيما يستصوب لدى دولته العلية، وتتعلق به إرادته السنية. فقال الملك: أما أيام ~~الحج، فقد تصرمت منها الحبال، ودخلت في حجاب الزوال، وكتب لك الثواب، ونجوت من العذاب، فإن ~~أردت الإقامة، ms74 فلك ولأصحابك الكرامة، وإن أبيت إلا الرحيل، إلى وطنك أيها النبيل، بعثنا بك ~~إليه مع أول سفينة، تقوم من هذه المدينة. # فقال: أيها الملك المطاع المبجل، والخاقان الشجاع المفضل، أما أنا فلا براح لي عن خدمة ~~الركاب، وأما أصحابي فإنهم يؤثرون على الإقامة الذهاب، فلما وعى منه ما به أجاب، ~~قربه من سدته وقيده في سجل الحساب، وأرسل من كانوا معه من الإخوان، إلى وطنهم بعدما غمرهم ~~بالإحسان، وكان للملك عدة أولاد، كلهم من الشجعان الأمجاد، فتمثلوا فيهم عند الوداع، بقول ~~الشاعر الحسن الابتداع: # إذا وضعوا تيجانهم فضراغم # وإن نزعوها عنهم فبدور # على أنهم يوم النزال قساور # ولكنهم يوم النوال بحور # وبعد رحيل القوم، بعشرة أيام ونصف يوم، تجهز الملك لقمع الخوارج، وجرد عليهم الجنود ~~والبوارج، وصحبه في غزوته أبو الفخار، وكان في الحرب ثقيل العيار؛ لأنه ربي من عهد نشأته ~~على ظهور الجياد، وعرف بين كماة الفرسان بطويل النجاد، وهذا فضلا عن سبقه في مضمار الأدب، ~~وإحراز ما لا يتأتى لغيره إدراك شأوه فيه من الرتب. # فلما التقى الجمعان، ولمعت الأسنة في الطعان، انحط على الغريم كالسيل، وطرح الأبطال من ~~فوق متون الخيل، وفتك هذا الباسل الغريب، بكل فارس نجيب، وشوش الصفوف، وقطع الكفوف، ~~وجدع الأنوف، وأطاح القحوف، وفي أثناء ما كان يصول، وعلى الأعداء يجول، وقع بزعيم ~~الخوارج الغادر، فصاح به صيحة الأسد الخادر، وصدمه صدمة هائلة، وطعنه في صدره طعنة واصلة، ~~فلم تمنعها دروعه التي بها اعتصم، بل أودت به إلى العدم، ثم جال على مصرعه وقال: هلموا إلى ~~الحرب يا عصبة الضلال، فانقض عليه من العصاة ألوف، وعطفوا عليه من كل مكان بالسيوف، وقبل أن ~~تصل إليه نجدة، وتكشف عنه غمة الشدة، عقروا جواده، وملكوا قياده، وكان الملك فوق ربوة ~~مشرفة على المعمعة، فلما شاهد بعينه في نزيله ما روعه، عيل منه الصبر، وسارع في الحال ~~إلى النصر، وأمر الجيش بالحملة، وكان أول حامل في الجملة، وأدرك هذا الفارس الأوحد، وهو ~~بالقيود والأغلال مصفد، فخلصه من ms75 الأخطار، وبلغه الأوطار، ولم يعهد عنه أنه فارق مخدومه في ~~سفر، ولا فتر عن ملازمته في حضر، وقد أثرى وازداد يساره، وصفا عيشه وارتفع مناره، واستنهض ~~إليه عائلته من بلده، وفرت عينه بأهله وولده، وفي هذا أدل دليل على شجاعته، وبسالته ~~وبراعته، وأما سبقه في الآداب، وامتيازه على كثير من ذوي الألباب، فهو أمر شهد به كل ~~يعروف بالفضائل في عصره موصوف، ومن ضمن ما نقل عنه من كتاب لبعض قرابته الأنجاب: # سيدي ما لي أراك عني في إعراض؟! وما لك عني غير راض؟! وما الباعث لك على الضن بالمراسلة، ~~التي قامت الأدلة على أنها نصف المواصلة؟! أظننت أن الثروة غيرت أخلاقي، وأخمدت مني ~~لأحبابي نيران أشواقي؟! هيهات هيهات! أن أتزحزح في المودة عن الثبات، أو أغفل عن التمثل ~~بقول حاتم، الذي ضربت به الأمثال في السخاء والمكارم: # شربنا بكأس الفقر يوما وبالغنى # وما منهما إلا سقانا به الدهر # فما زادنا بغيا على ذي قرابة # غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر # معاذ الله أنسى الرفاق، وأتحول إلى الخلاف عن الوفاق، فكن جاريا على العادة في كتب ~~الوداد، وانشر بطريفها مطوي التلاد، متعني المولى بلقاك، ومن كل سوء وقاك، ولا زال أبو ~~الفخار الشهير، مقربا من سدة مخدومه الخطير، حتى لقي ربه الكريم، وفاز برحمة الرحمن ~~الرحيم، ونظم في سلك ذوي السيادة، وختم له بالسعادة. ms76