######OpenITI# #META#Header#End# ~~بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وبعد، فإن سير الأولين صارت عبرة للآخرين؛ لكي يرى الإنسان العبر التى حصلت لغيره فيعتبر، ويطالع حديث الأمم السالفة وما جرى لهم فينزجر، فسبحان من جعل حديث الأولين عبرة لقوم آخرين، فمن تلك العبر الحكايات التى تسمى ألف ليلة وليلة، وما فيها من الغرائب والأمثال. ### | حكابات الملك بشهريار وأخيه الملك بشاه زمان ~~فقد حكى - والله أعلم وأحكم وأعز وأكرم - أنه كان فيما مضى من قديم الزمان، وسالف العصر والأوان ملك من ملوك ساسان بجزائر الهند والصين، صاحب جند وأعوان، وخدم وحشم، وكان له ولدان، أحدهما كبير والآخر صغير، وكانا فارسين بطلين، وكان الكبير أفرس من الصغير، وقد ملك البلاد، وحكم بالعدل بين العباد، وأحبه أهل بلاده ومملكته، وكان اسمه الملك شهريار؛ وكان أخوه الصغير اسمه الملك شاه زمان، وكان ملك سمرقند العجم، ولم يزل الأمر مستقيعا في بلادهما، وكل واحد منهما في مملكته حاكم عادل في رعيته مدة عشرين سنة، وهم في غاية البسط والانشراح، ولم يزالا على هذه الحالة إلى أن اشتاق الملك الكبير إلى أخيه الصغير؛ فأمر وزيره أن يسافر إليه ويحضر به، فأجابه بالسمع والطاعة، وسافر حتى وصل بالسلامة، ودخل على أخيه، وبلغه السلام، وأعلمه أن أخاد مشتاق إليه، وقصده أن يزوره، فأجابه بالسمع والطاعة، وتجمز للسفر، وأخرج خيامه وجماله وبغاله وخدمه وأعوانه، وأقام وزيره حاكما في بلاده، وخرج طالبا بلاد أخيه. PageV01P011 ~~فلما كان فى نصف الليل تذكر حاجة نسيها فى قصره، فرجع ودخل قصره، فوجد زوجته راقدة في فراشه، معانقا عبدا أسود من العبيد، فلما رأى هذا اسودت الدنيا في وجهه، وقال في نفسه: إذا كان هذا الأمر قد وقع وأنا ما فارقت المدينة، فكيف حال هذه العاهرة إذا غبت عند أخى مدة؟! ثم إنه سل سيفه، وضرب الاثنين فقتلهما في الفراش، ورجع من وقته وساعته، وأمر بالرحيل، وسار إلى أن ms0001 وصل إلى مدينة أخيه؛ ففرح أخوه بقدومه، ثم خرج إليه ولاقاه وسلم عليه وفرح به غاية الفرح، وزين له المدينة، وجلس معه بتحدث بانشراح، فتذكر الملك شاه زمان ما كان من أمر زوجته؛ فحصل عنده غم زائد، واصفر لونه، وضفف جسمه، فلما رآه أخوه على هذه الحالة، ظن فى نفسه أن ذلك بسبب مفارقته بلاده وملكه، فترك سبيله ولم يسأل عن ذلك. ثم إنه قال له في بعض الأيام: يا أخى، إنى أراك ضعف جسمك واصفر لونك! ففقال له: يا أخى، إن في باطنى جرح. ولم يخبره بما رأى من زوجته، فقال: إني أريد أن تسافر معي إلى الصيد والقنص، لعلك ينشرح صدرك. فأبى ذلك، فسافر أخوه وحده إلى الصيد. ~~وكان في قصر الملك شبابيك تطل على بستان أخيه، فنظر وإذا بباب القصر قد فتح، وخرج منه عشرون جارية، وعشرون عبدا، وامرأة أخيه تمشي بينهم، وهي في غاية الحسن والجمال، حتى وصلوا إلى فسقية، وخلعوا ثيابهم، وجلسوا مع بعضهم، وإذا بامرأة الملك قالت: با مسعود. فجاءها عبه أسود فعانقها وعانقته، وواقعها، وكذلك باقى العبيد فعلوا بالجواري، ولم يزالوا في بوس وعناق ونيك ونحو ذلك حتى ولى النهار، فلما رأى ذلك أخو الملك قال في نفسه: والله إن بليتى أخف من هذه البلية. وقد هان ما عنده من القهر والغم، وقال: هذا أعظم مما جرى لي. ولم يزل في أكل وشرب، وبعد هذا جاء أخوه من السفر فسلما على بعضهما، ونظر الملك شهريار إلى أخيه الملك شاه زمان وقد رود لونه، واحمد وجهه، وصار يأكل بشهية بعدما كان قليل الأكل، فتعجب من ذلك، وقال: يا أخى، كنت أراك مصفر اللون والوجه، والآن قد رد إليك لونك، فأخبرني بحالك. فقال له: أما تغير لونى فأذكره لك، واعف عنى من إخبارك برد لونى. فقال له: أخبرنى أولا بتغثير لونك وضعفك حتى أسمعه. فقال له: يا أخى، اعلم أنك لما أرسلت وزيرك إلي يطلبنى للحضور بين يديك، جهزت حالى، وقد برزت من مدينتي، ثم ms0002 إني تذكرت الخرزة التى أعطيتها لك في قصري فرجعت، فوجدت زوجتي معها عبد أسود وهو نائم في فراشي فقتلتهما، وجئت إليك وأنا متفكر في هذا الأمر، فهذا سبب تغير لوني وضعفي، وأما رد لوني فاعف عني من أن أذكره لك. ~~فلما سمع أخوه كلامه قال له: أقسمت عليك بالله أن تخبرنى بسبب رد لونك. فأعاد عليه جميع ما رآه، فقال شهريار لأخيه شاه زمان: مرادى أن أنظر بعيني. فقال له أخوه شاه زمان: اجعل أنك مسافر للصيد والقنص، واختف عندى، وأنت تشاهد ذلك وتحفقه عيانا. فنادى الملك من ساعته بالسف، فخرجت العساكر والخيام إلى ظاهر المدينة، وخرج الملك، ثم إنه جلس فى الخيام، وقال لغلمانه: لا يدخل علية أحد. ثم إنه تنكر وخرج مختفيا إلى القصر الذي فيه أخوه، وجلس في الشباك المطل على البستان ساعة من الزمان، وإذا بالجوارى وسيدتهن دخلن مع العبيد، وفعلوا كما قال أخوه، واستمروا كذلك إلى العصر، فلما رأى الملك شهريار ذلك الأمر طار عقله من رأسه، وقال لأخيه شاه زمان: قم بنا نسافر إلى حال سبيلنا، وليس لنا حاجة بالملك حتى ننظر هل جرى لأحد مثلنا أو لا؛ فيكون موتنا خيرا من حياتنا. فأجابه لذلك، ثم إنهما خرجا من باب سري في القصر، ولم يزالا مسافرين أياما وليالي إلى أن وصلا إلى شجرة في وسط مرج عندها عين ماء بجانب البحر المالح، فشرنا من تلك العين، وجلسا يستريحان، فلما كان بعد ساعة مضت من النهان، وإذا هم بالبحر قد هاج، وطلع منه عمود أسود صاعد إلى السماء وهو قاصد تلك المرجة، قال: فلما رأيا ذلك خافا، وطلعا إلى أعلى الشجرة، وكانت عالية، وصارا ينظران ماذا يكون، وإذا بجنى طويل القامة عريض الهامة، واسع الصدر والقامة، على رأسه صندوق، فطلع إلى البر، وأتى الشجرة التي هما فوقها، وجلس تحتها، وفتح الصندوق، وأخرج منه علبة، ثم فتحها فخرجت منها صبية غراء بهية كأنها شمس مضيئة، كما قال الشاعر: ~~أشرقت في الدجى فلاح النهار %~% واشتنارت بنورها الأشجار ms0003 ~~من سناها الشموس تشرق لما %~% تتبدى وتنجلي الأقمار ~~تسجد الكائنات بين يديها %~% حين تبدو وتهتك الأستار ~~وإذا أومضت بروق حماها %~% هطلت بالمدامع اللمطار ~~قال: فلما نظر إليها الجني، قال: يا سيدة الحرائر التى قد اختطفتها ليلة عرسها، أريد أن أنام قليلا. ثم إن الجني وضع رأسه على ركبتها ونام، فرفعت الصبية رأسها إلى أعلى الشجرة، فرأت الملكين وهما فوق تلك الشجرة، فرفعت رأس الجني من فوق ركبتها، ووضعته على الأرض، ووقفت تحت الشجرة، وقالت لهما بالإشارة: انزلا، ولا تخافا من هذا العفريت. فقالا لها: بالله عليك أن تسامحينا من هذا الأمر. فقالت لهما: بالله عليكما أن تنزلا، وإلا ننهت عليكما العفريت فيقتلكما شر قتلة. فخافا ونزلا إليها، فقامت لهما PageV01P013 وقالت: ارصعا رصما عنيها، وإلا أنبه عليكما العفريت. فمن خوفهما قال الملك شهريار لأخيه الملك شاه زمان: يا أخى، افعل ما أمرتك به. فقال: لا أفعل حتى تفعل أنت قبلى. وأخذا يتغامزان على نيكها، فقالت لهما: ما لي أراكما تتغامزان؟ فإن لم تتقدما وتفعلا، وإلا نبهت عليكما العفريت. فمن خوفهما من الجنى فعلا ما أمرتهما به، فلما فرخا قالت لهما: أفيقا. وأخرجت لهما من جيبها كييا، وأخرجت لهما منه عقدا فيه خمسمائة PageV01P014 وسبعون خاتما، فقالت لهما: أتدرون ما هذه؟ فقالا لها: لا ندرى. فقالت لهما: أصحاب هذه الخواتم كلهم كانوا يفعلون بي على غفلة قرن هذا العفريت، فأعطيانى خاتميكما أنتما الاثنان الآخران. فأعطياها من يديهما خاتمين، فقالت لهما: إن هذا العفريت قد اختطفنى ليلة عرسي، ثم إنه وضعني في علبة، وجعل العلبة داخل الصندوق، ورمى على الصندوق سبعة أقفال، وجعلنى في قاع البحر العجاج المتلاطم بالأمواج، ولم يعلم أن المرأة منا إذا أرادت أمرا لم يغلبها شيء، كما قال بعضهم: ~~لا تأمنن إلى النسا %~% ء ولا تثق بعهورهن ~~فرضاؤهن وسخطهن %~% معلق بفروجهن ~~يبدين ودا كاذبا %~% والغدر حشو ثيابهن ~~بحديث يوسف فاعتبد %~% متحذرا من كيدهن ~~أوما ترى إليس أخ %~% رج آدما من أجلهن ~~وقال بعضهم: ~~كف لوما غدا يقوي الملوما %~% ويزيد الغرام ms0004 عشقا عظيما ~~إن أكن عاشقا فما آتي إلا %~% ما أتته الرجال قبلي قديما ~~إنما يكدر التعجب ممن %~% كان من فثنة النساء سليما ~~فلما سمعا منها هذا الكلام تعجبا غاية العجب، وقالا لبعضهما: إذا كان هذا عفريتا وجرى له أعظم مما جرى لنا، فهذا شىء يسلينا. ثم إنهما انصرفا من ساعتهما عنها، ورجعا إلى مدينة الملك شهريار، ودخلا قصره، ثم إنه رمى عنق زوجته، وكذلك أعناق الجواري والعبيد، وصار الملك شهريار كلما يأخذ بنتا بكرا يزيل بكارتها، ويقتلها من ليلتها، ولم يزل على ذلك مدة ثلاث سنوات، فضجت الناس، وهربت ببناتها، ولم يبق في تلك المدينة بنت تتحقل الوطء، ثم إن الملك أمر الوزير أن يأتيه ببنت على جرى عادته، فخرج الوزير وفتش فلم يجد بنتا، فتوجه إلى منزله وهو غضبان مقهور، خائف على نفسه من الملك، وكان الوزير له بنتان، الكبيرة اسمها شهرزاد، والصغيرة اسمها دنيازاد، وكانت الكبيرة قد قرأت الكتب والتواريخ، وسيير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضين؛ قيل إنها PageV01P015 جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة، والملوك الخالية والشعراء، فقالت لأبيها: ما لي أراك متغرا حامل الهم والأحزان؟ وقد قال بعضهم في المعنى شعرا: ~~قل لمن يحمل هما %~% إن هما لا يدوم ~~مثلما يفنى السرور %~% هكذا تفني الهموم ~~فلما سمع الوزير من ابنته هذا الكلام، حكى لها ما جرى له من الأول إلى الآخر مع الملك، فقالت له: بالله يا أبتى زوجني هذا الملك، فإما أن أعيش، وإما أن أكون فداء لبنات المسلمين، وسببا لخلاصهن من بين يديه. فقال لها: بالله عليك لا تخاطري بنفسك أبدا. فقالت له: لا بد من ذلك. فقال: أخشى عليك أن يحصل لك ما حصل للحمار والثور مع صاحب الزرع. فقالت له: وما الذي جرى لها يا أبت؟ قال: اعلمي يا ابنتى أنه كان لأحد التجار أموال ومواش، وكان له زوجة وأولاد، وكان الله تعالى أعطاه معرفة ألمن الحيوانات والطير، وكان مسكن ذلك التاجر الأرياف، وكان عنده فى داره حمار وثور، فأتى ms0005 يوما الثور إلى مكان الحمار فوجده مكنوبتا مرشوشا، وفي معلفه شعير مغربل وتبن مغربل وهو راقد مستريح، وفي بعض الأوقات يركبه صاحبه لحاجة تعرض له، ويرجع على حاله، فلما كان في بعض الأيام، سمع التاجر الثور وهو يقول للحمار: هنييا لك ذلك، أنا تعبان وأنت مستريح تأكل الشعير مغربلا، ويخدمونك، وفي بعض الأوقات يركبك صاحبك ويرجع، وأنا دائما للحرث والطحين. فقال له الحمار: إذا خرجت إلى الغيط، ووضعوا على رقبتك الناف، فارقد ولا تقم ولو ضربوك، فإن قمت فارقد ثانرا، فإذا رجعوا بك ووضعوا لك الفول فلا تأكله كأنك ضعيف، وامتنع من الأكل والشرب يوما أو يومين أو ثلاثة؛ فإنك تستريح من التعب والجهد. وكان التاجر يسمع كلامهما، فلما جاء السواق إلى الثور بعلفه، أكل منه شيئا يسيرا، فأصبح السواق يأخذ الثور إلى الحرث فوجده ضعيفا، فقال له التاجر: خذ الحمار وحوثه مكانه البوم كله. فرجع الرجل وأخذ الحمار مكان الثور وحرثه اليوم كله، فلما رجع آخر النهار شكره الثور على تفضلاته حيث أراحه من التعب في ذلك اليوم، فلم يرد عليه الحمار جوابا، وندم أشد الندامة، فلما كان ثانى يوم، جاء الزراع وأخذ الحمار وحرثه إلى آخر النهار، فلم يرجع الحمار إلا مسلوخ الرقبة شديد الضعف، فتأمله الثور وشكره ومجده، فقال له الحمار: كنت مقيما مستريحا، فما ضرنى إلا فضولى. ثم قال: اعلم أنى لك ناصح، وقد سمعت صاحبنا يقول: إن لم يقم الثور من موضعه، فأعطوه للجزار PageV01P016 ليذبحه، ويعمل جلده قطعا، وأنا خائف عليك، ونصحتك والسلام. فلما سمع الثور كلام الحمار شكره، وقال: في غد أسرح معهم. ثم إن الثور أكل كل علفه بتمامه حتى لحس المذود بلسانه، كل ذلك وصاحبهما يسمع كلامهما، فلما طلع النهار خرج التاجر وزوجته إلى دار البقر وجلسا، فجاء السواق وأخذ الثور وخرج، فلما رأى الثور صاحبه، حرك ذنبه وضرط وبرطع، فضحك التاجر حتى استلقى على قفاه، فقالت له زوجته: من أى شيء تضحك؟ فقال لها: شيء رأيته وسمعته، ولا أقدر أن أبوح ms0006 به فأموت. فقالت له: لا بد أن تخبرني بذلك، وما سبب ضحك، ولو كنت تموت. فقال لها: ما أقدر أن أبوح به خوفا من الموت. فقالت له: أنت لم تضحك إلا علي. ثم إنها لم تزل تلح عليه وتلج في الكلام إلى أن غلبت عليه وتحير، وأحضر أولاده وأرسل في إحضار القاضي والشهود، وأراد أن يوصي، ثم يبوح لها بالسر ويموت؛ لأنه كان بيحبها محبة عظيمة لأنها بنت عمه وأم أولاده، وكان قد عمر من العمر مائة وعشرين سنة، ثم إنه أحضر جميع أهلها وأهل حارته، وقال لهم حكابته، وأنه متى قال لأحد على سره مات، فقال لها جميع الناس ممن حضرها: بالله عليك اتركى هذا الأمر لئلا يموت زوجك أبو أولادك. فقالت لهم: لا أرجع عنه حتى يقول الى ولو يموت. فسكتوا عنها، ثم إن التاجر قام من عندهم، وتوجه إلى دار الدواب ليتوضأ، ثم يرجع يقول لهم ويموت، وكان عنده ديك تحته خمسون دجاجة، وكان عنده كلب، فسمع التاجر الكلب وهو ينادي الديك ويسبه، ويقول له: أنت فرحان وصاحبنا رايح يموت! فقال الديك للكلب: وكيف ذلك الأمر؟ فأعاد الكلب عليه القصة، فقال له الديك: والله إن صاحبنا قليل العقل، أنا لي خمسون زوجة أرضي هذه وأغضب هذه، وهو ما له إلا زوجة واحدة، ولا يعرف صلاح أمره معها، فما له لا يأخذ لها بعضا من عيدان التوت، ثم يدخل إلى حجرتها ويضربها حتى تموت، أو تتوب، ولا تعود تسأله عن شيء؟ قال: فلما سمع التاجر كلاح الديك وهو يخاطب الكلب، رجع إلى عقله وعزم على ضربها. ~~ثم قال الوزير لابنته شهرزاد: ربما فعل بك مثل ما فعل التاجر بزوجته. فقالت له: ما فعل؟ قال: دخل عليها الحجرة بعدما قطع له عيدان التوت، وخبأها داخل الحجرة، وقال لها: تعالي داخل الحجرة حتى أقول لك، ولا ينظرنى أحد، ثم أموت. فدخلت معه، ثم إنه قفل باب الحجرة عليهما، ونزل عليها بالضرب إلى أن أغمى عليها، فقالت له: تبت. ثم إنها ms0007 قبلت يديه ورجليه وتابت، وخرجت هي وإياه، وفرح الجماعة وأهلها، وقعدوا في أسر الأحوال إلى الممات. ~~فلما سمعت اينة الوزير مقالة أبيها قالت له: لا بد من ذلك. فجهزها وطلع إلى الملك شهريار، وكانت قد أوصت أختها الصغيرة، وقالت لها: إذا توجهت إلى الملك أريسل أطلبك، PageV01P017 فإذا جئت عندى ورأيت الملك قضى حاجته مني، فقولي: يا أختي، حدثيني حديثا غريبا نقطع به السهر. وأنا أحدثك حديثا يكون فيه الخلاص إن شاء الله. ثم إن أباها الوزير طلع بها إلى الملك، فلما رآه فرح، وقال: أتيت بحاجتي؟ فقال: نعم. فلما أراد أن يدخل عليها يكث، فقال لها: ما لك؟ فقالت: أبها الملك، إن لى أختا صغيرة أريد أن أودعها. فأرسل الملك إليها، فجاءت إلى أختها وعانقتها، وجلست تحت السرير، فقام الملك وأخذ بكارتها، ثم جلسوا يتحدثون، فقالت لها أختها الصغيرة: بالله عليك يا أختي حدثينا حديثا نقطع به سهر ليلتنا. فقالت: حبا وكرامة، إن أذن لي هذا الملك المهذب. فلما سمع ذلك الكلام وكان به قلق؛ فرح بسماع الحديث. PageV01P018 ### | فلما كانت الليلة 1 ### || حكاية التاجر مع العفريت # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كان تاجر من التجار كثير المال والمعاملات في البلاد، قد ركب يوما، وخرج يطالب في بعض البلاد، فاشتد عليه الحر، فجلس تحت شجرة وحط يده في خرجه، وأكل كسرة كانت معه وتمرة، فلما فرغ من أكل التمرة رمى النواة، وإذا هو بعفريت طويل القامة وبيده سيف، دنا من ذلك التاجر، وقال له: قم حتى أقتلك مثلما قتلت ولدي. فقال له التاجر: كيف قتلت ولدك؟ قال له: لما أكلت التمرة ورميت نواتها، جاءت النواة في صدر ولدي فقضي عليه ومات من ساعته. فقال التاجر للعفريت: اعلم أيها العفريت أني علي دين، ولي مال كثير وأولاد وزوجة، وعندي رهون، فدعني أذهب إلى بيتي، وأعطي كل ذي حق حقه، ثم أعود إليك ولك علي عهد وميثاق أني أعود إليك، فافعل بي ما تريد، والله على ما أقول وكيل. فاستوثق منه الجني ms0008 وأطلقه، فرجع إلى بلده، وقضى جميع تعلقاته، وأوصل الحقوق إلى أهلها، وأعلم زوجته وأولاده بما جرى له فبكوا، وكذلك جميع أهله ونسائه وأولاده، وأوصى وقعد عندهم إلى تمام السنة، ثم توجه وأخذ كفنه تحت إبطه، وودع أهله وجيرانه وجميع أهله، وخرج رغما عن أنفه، فأقاموا عليه العياط والصراخ، فمشى إلى أن وصل إلى ذلك البستان، وكان ذلك اليوم أول السنة الجديدة، فبينما هو جالس يبكي على ما يحصل له، وإذا بشيخ كبير قد أقبل عليه ومعه غزالة مسلسلة، فسلم على هذا التاجر وحياه، وقال له: ما سبب جلوسك في هذا المكان وأنت منفرد، وهو مأوى الجن؟! فأخبره التاجر بما جرى له مع ذلك العفريت، وبسبب قعوده في هذا المكان، فتعجب الشيخ صاحب الغزالة، وقال: والله يا أخي ما دينك إلا دين عظيم، وحكايتك حكاية عجيبة، لو كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر. ثم إنه جلس بجانبه وقال: والله يا أخي لا أبرح من عندك حتى أنظر ما يجري لك مع ذلك العفريت. ثم إنه جلس عنده يتحدث معه، فغشي على ذلك التاجر، وحصل له الخوف والفزع، والغم الشديد والفكر المزيد، وصاحب الغزالة بجانبه، وإذا بشيخ ثان قد أقبل عليهما، ومعه كلبتان سلاقيتان من الكلاب السود، فسألهما بعد السلام عليهما عن سبب جلوسهما في هذا المكان وهو مأوى الجن، فأخبراه بالقصة من أولها إلى آخرها، فلم يستقر به الجلوس حتى أقبل عليهم شيخ ثالث، ومعه بغلة زرزورية، فسلم عليهم وسألهم عن سبب جلوسهم في هذا المكان، فأخبروه بالقصة من أولها إلى آخرها وليس في الإعادة إفادة، وإذا بغبرة هاجت، وزوبعة عظيمة قد أقبلت من وسط تلك البرية، فانكشفت الغبرة؛ وإذا بذلك الجني وبيده سيف مسلول، وعيونه ترمي بالشرر، فأتاهم وجذب ذلك التاجر من بينهم، وقال له: قم حتى أقتلك مثلما قتلت ولدي وحشاشة كبدي. فانتحب ذلك التاجر وبكى، وأعلن الثلاثة شيوخ بالبكاء والعويل والنحيب. # فانتبه منهم الشيخ الأول، وهو صاحب الغزالة، وقبل يد ذلك العفريت وقال له: أيها ms0009 الجني وتاج ملوك الجان، إذا حكيت لك حكايتي مع هذه الغزالة، ورأيتها عجيبة أتهب لي ثلث دم هذا التاجر؟ قال: نعم أيها الشيخ، إذا أنت حكيت لي الحكاية، ورأيتها عجيبة وهبت لك ثلث دمه. فقال ذلك الشيخ الأول: اعلم أيها العفريت أن هذه الغزالة هي بنت عمي، ومن لحمي ودمي، وكنت تزوجت بها وهي صغيرة السن، وأقمت معها نحو ثلاثين سنة، فلم أرزق منها بولد، فأخذت لي سرية، فرزقت منها بولد ذكر كأنه البدر؛ إذ بدا بعينين مليحتين، وحاجبين مزججين، وأعضاء كاملة، فكبر شيئا فشيئا إلى أن صار ابن خمس عشرة سنة، فطرأت لي سفرة إلى بعض المدائن، فسافرت بمتجر عظيم، وكانت بنت عمي هذه الغزالة تعلمت السحر والكهانة من صغرها، فسحرت ذلك الولد عجلا، وسحرت الجارية أمه بقرة، وسلمتهما إلى الراعي، ثم جئت أنا بعد مدة طويلة من السفر، فسألت عن ولدي وعن أمه، فقالت لي: جاريتك ماتت، وابنك هرب ولم أعلم أين راح. فجلست مدة سنة وأنا حزين القلب باكي العين إلى أن جاء عيد الضحية، فأرسلت إلى الراعي أن يخصني ببقرة سمينة، فجاءني ببقرة سمينة وهي سريتي التي سحرتها تلك الغزالة، فشمرت ثيابي، وأخذت السكين بيدي وتهيأت لذبحها، فصاحت وبكت بكاء شديدا، فقمت عنها وأمرت ذلك الراعي بذبحها وسلخها، فذبحها وسلخها فلم يجد فيها شحما ولا لحما غير جلد وعظم، فندمت على ذبحها حيث لا ينفعني الندم، وأعطيتها للراعي وقلت له: ائتني بعجل سمين. فأتاني بولدي المسحور عجلا، فلما رآني ذلك العجل قطع حبله، وجاءني وتمرغ علي، وولول وبكى، فأخذتني الرأفة عليه، وقلت للراعي: ائتني ببقرة ودع هذا. # ![figure](../Images/figure2.png) # فقالت لها: بالله عليك يا أختي حدثينا حديثا نقطع به سهر ليلتنا. # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: ما أطيب حديثك، وألطفه وألذه وأعذبه! فقالت لها: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك! فقال الملك في نفسه: والله ما أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ثم إنهما باتا تلك الليلة إلى الصباح ms0010 متعانقين، فخرج الملك إلى محل حكمه، وطلع الوزير بالكفن تحت إبطه، ثم حكم الملك وولى وعزل إلى آخر النهار، ولم يخبر الوزير بشيء من ذلك؛ فتعجب الوزير غاية العجب، ثم انفض الديوان، ودخل الملك شهريار قصره. ### | فلما كانت الليلة 2 # قالت دنيازاد لأختها شهرزاد: يا أختي، أتممي لنا حديثك الذي هو حديث التاجر والجني. قالت: حبا وكرامة، إن أذن لي الملك في ذلك. فقال لها الملك: احكي. فقالت: بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد أنه لما رأى بكاء العجل حن قلبه إليه، وقال للراعي: أبق هذا العجل بين البهائم. كل ذلك والجني يتعجب من حكاية ذلك الكلام العجيب، ثم قال صاحب الغزالة: يا سيديي ملوك الجان، كل ذلك جرى وابنة عمي هذه الغزالة تنظر وترى وتقول: اذبح هذا العجل فإنه سمين، فلم يهن علي أن أذبحه، وأمرت الراعي أن يأخذه، فأخذه وتوجه به، ففي ثاني يوم وأنا جالس وإذا بالراعي مقبل علي، وقال: يا سيدي، إني أقول شيئا تسر به ولي البشارة. فقلت: نعم. فقال: أيها التاجر، إن لي بنتا كانت تعلمت السحر في صغرها من امرأة عجوز كانت عندنا، فلما كنا بالأمس وأعطيتني العجل دخلت به عليها، فنظرت إليه بنتي وغطت وجهها وبكت، ثم إنها ضحكت وقالت: يا أبي، قد خس قدري عندك حتى تدخل علي الرجال الأجانب؟ فقلت لها: وأين الرجال الأجانب؟ ولماذا بكيت وضحكت؟ فقالت لي: إن هذا العجل الذي معك ابن سيدي التاجر، ولكنه مسحور وسحرته زوجة أبيه هو وأمه، فهذا سبب ضحكي، وأما سبب بكائي فمن أجل أمه حيث ذبحها أبوه. فتعجبت من ذلك غاية العجب، وما صدقت بطلوع الصباح حتى جئت إليك لأعلمك. فلما سمعت أيها الجني كلام هذا الراعي خرجت معه وأنا سكران من غير مدام من كثرة الفرح والسرور الذي حصل لي، إلى أن أتيت إلى داره، فرحبت بي ابنة الراعي وقبلت يدي، ثم إن العجل جاء إلي وتمرغ علي، فقلت لابنة الراعي: أحق ما تقولينه عن ذلك العجل؟ فقالت: نعم ms0011 يا سيدي، إنه ابنك وحشاشة كبدك. فقلت لها: أيتها الصبية، إن أنت خلصته، فلك عندي ما تحت يد أبيك من المواشي والأموال. فتبسمت وقالت: يا سيدي، ليس لي رغبة في المال إلا بشرطين: الأول أن تزوجني به، والثاني أن أسحر من سحرته وأحبسها؛ وإلا فلست آمن مكرها. # فلما سمعت أيها الجني كلام بنت الراعي قلت: ولك فوق ذلك جميع ما تحت يد أبيك من الأموال زيادة، وأما بنت عمي فدمها لك مباح، فلما سمعت كلامي أخذت طاسة وملأتها ماء، ثم إنها عزمت عليها ورشت بها العجل، وقالت له: إن كان الله خلقك عجلا فدم على هذه الصفة ولا تتغير، وإن كنت مسحورا فعد إلى خلقتك الأولى بإذن الله تعالى. وإذا به انتفض، ثم صار إنسانا، فوقعت عليه وقلت له: بالله عليك احك لي جميع ما صنعت بك وبأمك بنت عمي. فحكى لي جميع ما جرى لهما، فقلت: يا ولدي، قد قيض الله لك من خلصك وخلص حقك. ثم إني أيها الجني زوجته ابنة الراعي، ثم إنها سحرت ابنة عمي هذه الغزالة، وجئت إلى هنا فرأيت هؤلاء الجماعة فسألتهم عن حالهم، فأخبروني بما جرى لهذا التاجر، فجلست لأنظر ما يكون، وهذا حديثي. # فقال الجني: هذا حديث عجيب، وقد وهبت لك ثلث دمه، فعند ذلك تقدم الشيخ الثاني صاحب الكلبتين السلاقيتين، وقال له: اعلم يا سيد ملوك الجان أن هاتين الكلبتين أخواي، وأنا ثالثهما، ومات والدي وخلف لنا ثلاثة آلاف دينار، ففتحت أنا دكانا أبيع فيه وأشتري، وسافر أخي بتجارته، وغاب عنا مدة سنة مع القوافل، ثم أتى وما معه شيء، فقلت له: يا أخي، أما أشرت عليك بعدم السفر؟! فبكى وقال: يا أخي، قدر الله - عز وجل - علي بهذا ولم يبق لهذا الكلام فائدة، ولست أملك شيئا. فأخذته وطلعت به إلى الدكان، ثم ذهبت به إلى الحمام وألبسته حلة من الملابس الفاخرة، وأكلت أنا وإياه، وقلت له: يا أخي، إني أحسب ربح دكاني من السنة إلى السنة، ثم أقسمه دون رأس ms0012 المال بيني وبينك. ثم إني عملت حساب الدكان من ربح مالي فوجدته ألفي دينار؛ فحمدت الله - عز وجل - وفرحت غاية الفرح، وقسمت الربح بيني وبينه شطرين، وأقمنا مع بعضنا أياما، ثم إن أخوي طلبا السفر أيضا، وأرادا أن أسافر معهما فلم أرض، وقلت لهما: أي شيء كسبتما في سفركما حتى أكسب أنا؟! فألحا علي ولم أطعهما، بل أقمنا في دكاكيننا نبيع ونشتري سنة كاملة، وهما يعرضان علي السفر حتى مضت ست سنوات كوامل، ثم وافقتهما على السفر وقلت لهما: يا أخوي، إننا نحسب ما عندنا من المال. فحسبناه فإذا هو ستة آلاف دينار، فقلت: ندفن نصفها تحت الأرض لينفعنا إذا أصابنا أمر، ويأخذ كل واحد منا ألف دينار ونتسبب فيها. قالا: نعم الرأي. فأخذت المال وقسمته نصفين، ودفنت ثلاثة آلاف دينار، وأما الثلاثة آلاف دينار الأخرى، فأعطيت كل واحد منا ألف دينار، وجهزنا بضائع، واكترينا مركبا، ونقلنا فيها حوائجنا، وسافرنا مدة شهر كامل إلى أن دخلنا مدينة، وبعنا بضائعنا، فربحنا في الدينار عشرة دنانير، ثم أردنا السفر فوجدنا على شاطئ البحر جارية عليها خلق مقطع، فقبلت يدي وقالت: يا سيدي، هل عندك إحسان ومعروف أجازيك عليهما؟ قلت: نعم، إن عندي الإحسان والمعروف ولو لم تجازني. فقالت: يا سيدي، تزوجني وخذني إلى بلادك، فإني قد وهبتك نفسي، فافعل معي معروفا؛ لأني ممن يصنع معه المعروف والإحسان ويجازي عليهما، ولا يغرنك حالي. # فلما سمعت كلامها حن قلبي إليها لأمر يريده الله - عز وجل - فأخذتها وكسوتها، وفرشت لها في المركب فرشا حسنا، وأقبلت عليها وأكرمتها، ثم سافرنا، وقد أحبها قلبي محبة عظيمة، وصرت لا أفارقها ليلا ولا نهارا، واشتغلت بها عن أخوي، فغارا مني وحسداني على مالي، وكثرة بضاعتي، وطمحت عيونهما في المال جميعه، وتحدثا بقتلي وأخذ مالي، وقالا: نقتل أخانا ويصير المال جميعه لنا. وزين لهم الشيطان أعمالهما، فجاءاني وأنا نائم بجانب زوجتي، وحملاني أنا وزوجتي ورميانا في البحر، فلما استيقظت زوجتي انتفضت فصارت عفريتة، وحملتني وأطلعتني على جزيرة، وغابت عني قليلا، ms0013 وعادت إلي عند الصباح، وقالت لي: أنا زوجتك التي حملتك ونجيتك من القتل بإذن الله تعالى، واعلم أني جنية، رأيتك فحبك قلبي لله، وأنا مؤمنة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فجئتك بالحال الذي رأيتني فيه فتزوجت بي، وها أنا قد نجيتك من الغرق، وقد غضبت على أخويك، ولا بد أن أقتلهما. فلما سمعت حكايتها تعجبت، وشكرتها على فعلها، وقلت لها: أما هلاك أخوي فلا ينبغي. ثم حكيت لها ما جرى لي معهما من أول الزمان إلى آخره، فلما سمعت كلامي قالت: أنا في هذه الليلة أطير إليهما وأغرق مراكبهما وأهلكهما. فقلت لها: بالله عليك لا تفعلي؛ فإن صاحب المثل يقول: يا محسنا لمن أساء، كفى المسيء فعله. وهم أخواي على كل حال. قالت: لا بد من قتلهما. فاستعطفتها، ثم إنها حملتني وطارت فوضعتني على سطح داري، ففتحت الأبواب، وأخرجت الذي خبأته تحت الأرض، وفتحت دكاني بعدما سلمت على الناس، واشتريت بضائع، فلما كان الليل دخلت داري فوجدت هذين الكلبين مربوطين فيها، فلما رأياني قاما إلي وبكيا، وتعلقا بي، فلم أشعر إلا وزوجتي قالت: هذان أخواك. فقلت: من فعل بهما هذا الفعل؟ قالت: أنا أرسلت إلى أختي ففعلت بهما ذلك، ولا يتخلصان إلا بعد عشر سنوات. فجئت وأنا سائر إليها تخلصهما بعد إقامتهما عشر سنوات في هذه الحال، فرأيت هذا الفتى فأخبرني بما جرى له، فأردت ألا أبرح حتى أنظر ما يجري بينك وبينه، وهذه قصتي. قال الجني: إنها حكاية عجيبة، وقد وهبت لك ثلث دمه في جنايته. ### | فلما كانت الليلة 3 # قالت: بلغني أن الشيخ الثالث صاحب البغلة قال للجني: أنا أحكي لك حكاية أعجب من حكاية الاثنين، وتهب لي باقي دمه وجنايته أيها الجني! قال: نعم. فقال الشيخ: أيها السلطان ورئيس الجان، إن هذه البغلة كانت زوجتي، سافرت وغبت عنها سنة كاملة، ثم قضيت سفري وجئت إليها في الليل، فرأيت عبدا أسود راقدا معها في الفراش، وهما في كلام وغنج وضحك وتقبيل وهراش، فلما رأتني عجلت وقامت إلي ms0014 بكوز فيه ماء، فتكلمت عليه ورشتني، وقالت: اخرج من هذه الصورة إلى صورة كلب. فصرت في الحال كلبا، فطردتني من البيت، فخرجت من الباب ولم أزل سائرا حتى وصلت إلى دكان جزار، فتقدمت وصرت آكل من العظام، فلما رآني صاحب الدكان أخذني ودخل بي بيته، فلما رأتني بنت الجزار غطت وجهها مني وقالت: أتجيء لنا برجل وتدخل علينا به؟! فقال أبوها: أين الرجل؟ قالت: إن هذا الكلب سحرته امرأته وأنا أقدر على تخليصه. فلما سمع أبوها كلامها قال: بالله عليك يا بنتي خلصيه. فأخذت كوزا فيه ماء وتكلمت عليه، ورشت علي منه قليلا، وقالت: اخرج من هذه الصورة إلى صورتك الأولى. فصرت إلى صورتي الأولى، فقبلت يدها وقلت لها: أريد أن تسحري زوجتي كما سحرتني. فأعطتني قليلا من الماء، وقالت: إذا رأيتها نائمة رش هذا الماء عليها، فإنها تصير كما أنت طالب. فوجدتها نائمة فرششت عليها الماء، وقلت: اخرجي من هذه الصورة إلى صورة بغلة، فصارت في الحال بغلة، وهي هذه التي تنظرها بعينك أيها السلطان ورئيس ملوك الجان. ثم التفت إليها وقال: أصحيح؟ فهزت رأسها وقالت بالإشارة: نعم، هذا صحيح. فلما فرغ من حديثه اهتز الجني من الطرب، ووهب له ثلث دمه. # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: يا أختي، ما أحلى حديثك وأطيبه، وألذه وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها؛ لأنه عجيب. ثم باتا تلك الليلة متعانقين إلى الصباح، فخرج الملك إلى محل حكمه، ودخل عليه الوزير والعسكر، واحتبك الديوان، فحكم الملك وولى وعزل، ونهى وأمر إلى آخر النهار، ثم انفض الديوان، ودخل الملك شهريار إلى قصره. فلما أقبل الليل وقضى حاجته من بنت الوزير، قالت لها أختها دنيازاد: يا أختي، أتممي لنا حديثك. # فقالت: حبا وكرامة، بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ الثالث لما قال للجني حكاية أعجب من الحكايتين، تعجب الجني غاية العجب، واهتز من الطرب، ms0015 وقال: قد وهبت لك باقي جنايته وأطلقته لكم. فأقبل التاجر على الشيوخ وشكرهم وهنوه بالسلامة، ورجع كل واحد إلى بلده. ### || حكاية الصياد مع العفريت # وما هذه بأعجب من حكاية الصياد. فقال لها الملك: وما حكاية الصياد؟ قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان رجل صياد، وكان طاعنا في السن، وله زوجة وثلاثة أولاد، وهو فقير الحال، وكان من عادته أنه يرمي شبكته كل يوم أربع مرات لا غير، ثم إنه خرج يوما من الأيام في وقت الظهر إلى شاطئ البحر، وحط مقطفه وطرح شبكته، وصبر إلى أن استقرت في الماء، ثم جمع خيطانها فوجدها ثقيلة، فجذبها فلم يقدر على ذلك، فذهب بالطرف إلى البر، ودق وتدا وربطها فيه، ثم تعرى وغطس في الماء حول الشبكة، وما زال يعالج حتى أطلعها، ففرح ولبس ثيابه وأتى إلى الشبكة، فوجد فيها حمارا ميتا، فلما رأى ذلك حزن وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم قال: إن هذا الرزق عجيب، وأنشد يقول: # يا خائضا في ظلام الليل والهلكة %~% أقصر عناك فليس الرزق بالحركة # ثم إن الصياد لما رأى الحمار الميت خلصه من الشبكة وعصرها، فلما فرغ من عصرها نشرها، وبعد ذلك نزل البحر، وقال: باسم الله. وطرحها فيه، وصبر عليها حتى استقرت، ثم جذبها فثقلت ورسخت أكثر من الأول؛ فظن أنه سمك فربط الشبكة، وتعرى ونزل وغطس، ثم عالج إلى أن خلصها وأطلعها على البر، فوجد فيها زيرا كبيرا، وهو ملآن برمل وطين، فلما رأى ذلك تأسف، وأنشد قول الشاعر: # يا حرقة الدهر كفي %~% إن لم تكفي فعفي ~~فلا بحظي أعطي %~% ولا بصنعة كفي ~~خرجت أطلب رزقي %~% وجدت رزقي توفي ~~كم جاهل في ظهور %~% وعالم متخف # ثم إنه رمى الزير، وعصر شبكته ونظفها، واستغفر الله وعاد إلى البحر ثالث مرة، ورمى الشبكة وصبر عليها حتى استقرت، وجذبها فوجد فيها شقافة وقوارير، فأنشد قول الشاعر: # هو الرزق لا حل لديك ولا ربط %~% ولا قلم يجدي عليك ولا خط ![figure](../Images/figure3.png) # ثم انتفض فصار عفريتا، ms0016 رأسه في السحاب ورجلاه في التراب. # ثم إنه رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أرم شبكتي غير أربع مرات، وقد رميت ثلاثا. ثم إنه سمى الله ورمى الشبكة في البحر، وصبر إلى أن استقرت وجذبها، فلم يطق جذبها، وإذا بها اشتبكت في الأرض، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فتعرى وغطس عليها، وصار يعالج فيها إلى أن طلعت على البر، وفتحها فوجد فيها قمقما من نحاس أصفر ملآن، وفمه مختوم برصاص عليه طبع خاتم سيدنا سليمان، فلما رآه الصياد فرح، وقال: هذا أبيعه في سوق النحاس، فإنه يساوي عشرة دنانير ذهبا. ثم إنه حركه فوجده ثقيلا فقال: لا بد أني أفتحه، وأنظر ما فيه، وأدخره في الخرج، ثم أبيعه في سوق النحاس. ثم إنه أخرج سكينا، وعالج في الرصاص إلى أن فكه من القمقم، وحطه على الأرض، وهزه لينكب ما فيه، فلم ينزل منه شيء، ولكن خرج من ذلك القمقم دخان صعد إلى عنان السماء، ومشى على وجه الأرض، فتعجب غاية العجب، وبعد ذلك تكامل الدخان واجتمع، ثم انتفض فصار عفريتا رأسه في السحاب ورجلاه في التراب، برأس كالقبة، وأيد كالمداري، ورجلين كالصواري، وفم كالمغارة، وأسنان كالحجارة، ومناخير كالإبريق، وعينين كالسراجين، أشعث أغبر، فلما رأى الصياد ذلك العفريت ارتعدت فرائصه، وتشبكت أسنانه، ونشف ريقه، وعمي عن طريقه، فلما رآه العفريت قال: لا إله إلا الله، سليمان نبي الله. ثم قال العفريت: يا نبي الله، لا تقتلني؛ فإني لا عدت أخالف لك قولا، وأعصي لك أمرا. فقال له الصياد: أيها المارد، أتقول سليمان نبي الله، وسليمان مات من مدة ألف وثمانمائة سنة، ونحن في آخر الزمان؟ فما قصتك، وما حديثك، وما سبب دخولك في هذا القمقم؟ # فلما سمع المارد كلام الصياد قال: لا إله إلا الله، أبشر يا صياد. فقال الصياد: بماذا تبشرني؟ فقال: بقتلك في هذه الساعة أشر القتلات! قال الصياد: تستحق على هذه البشارة يا قيم العفاريت زوال الستر عنك يا بعيد، لأي شيء ms0017 تقتلني، وأي شيء يوجب قتلي، وقد خلصتك من القمقم، ونجيتك من قرار البحر، وطلعتك إلى البر؟ فقال العفريت: تمن علي أي موتة تموتها، وأي قتلة تقتلها؟ فقال الصياد: ما ذنبي حتى يكون هذا جزائي منك؟ قال العفريت: اسمع حكايتي يا صياد. قال الصياد: قل وأوجز في الكلام؛ فإن روحي وصلت إلى قدمي. # قال: اعلم أني من الجن المارقين، وقد عصيت سليمان بن داود أنا وصخر الجن، فأرسل لي وزيره آصف بن برخيا، فأتى بي مكرها، وقادني إليه وأنا ذليل على رغم أنفي، وأوقفني بين يديه، فلما رآني سليمان استعاذ مني، وعرض علي الإيمان والدخول تحت طاعته فأبيت، فطلب هذا القمقم وحبسني فيه، وختم علي بالرصاص وطبعه بالاسم الأعظم، وأمر الجن فاحتملوني، وألقوني في وسط البحر، فأقمت مائة عام، وقلت في قلبي: كل من خلصني أغنيته إلى الأبد. فمرت مائة عام ولم يخلصني أحد، ودخلت علي مائة أخرى، فقلت: كل من خلصني فتحت له كنوز الأرض. فلم يخلصني أحد، فمر علي أربعمائة عام أخرى، فقلت: كل من خلصني أقضي له ثلاث حاجات. فلم يخلصني أحد؛ فغضبت غضبا شديدا، وقلت في نفسي: كل من خلصني في هذه الساعة قتلته، ومنيته كيف يموت. وها أنت قد خلصتني، ومنيتك كيف تموت. # فلما سمع الصياد كلام العفريت قال: يا لله العجب، أنا ما جئت أخلصك إلا في هذه الأيام! ثم قال الصياد للعفريت: اعف عن قتلي يعف الله عنك، ولا تهلكني يسلط الله عليك من يهلكك. فقال المارد: لا بد من قتلك، فتمن علي موتة تموتها. فلما تحقق من ذلك الصياد، راجع العفريت وقال: اعف عني إكراما لما أعتقتك. فقال العفريت: وأنا ما أقتلك إلا لأجل ما خلصتني. فقال له الصياد: يا شيخ العفاريت، هل أصنع معك مليحا فتقابلني بالقبيح؟ ولكن لم يكذب المثل حيث قال: # فعلنا جميلا قابلونا بضده %~% وهذا لعمري من فعال الفواجر ~~ومن يفعل المعروف مع غير أهله %~% يجاز كما جوزي مجير أم عامر # فلما سمع العفريت كلامه قال له: لا تطمع، ms0018 فلا بد من موتك. فقال الصياد: هذا جني وأنا إنسي، وقد أعطاني الله عقلا كاملا، وها أنا أدبر أمرا في هلاكه بحيلتي وعقلي، وهو يدبر بمكره وخبثه. ثم قال للعفريت: هل صممت على قتلي؟ قال: نعم. فقال له: بالاسم الأعظم المنقوش على خاتم سليمان، أسألك عن شيء وتصدقني فيه. قال: نعم. ثم إن العفريت لما سمع ذكر الاسم الأعظم اضطرب واهتز، وقال له: اسأل وأوجز. فقال له: كيف كنت في هذا القمقم، والقمقم لا يسع يدك ولا رجلك، فكيف يسعك كلك؟ فقال له العفريت: وهل أنت لا تصدق أنني كنت فيه؟ فقال الصياد: لا أصدق أبدا حتى أنظرك فيه بعيني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 4 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصياد لما قال للعفريت: لا أصدقك أبدا حتى أنظرك بعيني في القمقم. انتفض العفريت وصار دخانا صاعدا إلى الجو، ثم اجتمع ودخل في القمقم قليلا قليلا حتى استكمل الدخان داخل القمقم، وإذا بالصياد أسرع وأخذ السدادة الرصاص المختومة، وسد بها فم القمقم، ونادى العفريت وقال له: تمن علي أي موتة تموتها، لأرمينك في هذا البحر، وأبني لي هنا بيتا، وكل من أتى هنا أمنعه أن يصطاد، وأقول له: هنا عفريت، وكل من طلعه يبين له أنواع الموت ويخيره بينها. فلما سمع العفريت كلام الصياد أراد الخروج، فلم يقدر، ورأى نفسه محبوسا، ورأى عليه طبع خاتم سليمان، وعلم أن الصياد سجنه في سجن أحقر العفاريت وأقذرها وأصغرها، ثم إن الصياد ذهب بالقمقم إلى جهة البحر، فقال له العفريت: لا لا. فقال الصياد: لا بد، لا بد. فلطف المارد كلامه وخضع، وقال: ما تريد أن تصنع بي يا صياد؟ قال: ألقيك في البحر، إن كنت أقمت فيه ألفا وثمانمائة عام، فأنا أجعلك تمكث إلى أن تقوم الساعة، أما قلت لك أبقني يبقك الله، ولا تقتلني يقتلك الله، فأبيت قولي، وما أردت إلا غدري، فألقاك الله في يدي، فغدرت بك. فقال العفريت: افتح لي حتى أحسن ms0019 إليك. فقال له الصياد: تكذب يا ملعون، أنا مثلي ومثلك مثل وزير الملك يونان والحكيم رويان. فقال العفريت: وما شأن وزير الملك يونان والحكيم رويان، وما قصتهما؟ # فقال الصياد: اعلم أيها العفريت أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، في مدينة الفرس وأرض رومان، ملك يقال له الملك يونان، وكان ذا مال وجنود وبأس وأعوان من سائر الأجناس، وكان في جسده برص قد عجزت فيه الأطباء والحكماء، ولم ينفعه منه شرب أدوية، ولا سفوف ولا دهان، ولم يقدر أحد من الأطباء أن يداويه، وكان قد دخل مدينة الملك يونان حكيم كبير طاعن في السن يقال له الحكيم رويان، وكان عارفا بالكتب اليونانية والفارسية والرومية والعربية والسريانية، وعلم الطب والنجوم، وعالما بأصول حكمتها، وقواعد أمورها من منفعتها ومضرتها، وعالما بخواص النباتات والحشائش، والأعشاب المضرة والنافعة، قد عرف علم الفلاسفة، وحاز جميع العلوم الطبية وغيرها، ثم إن الحكيم لما دخل المدينة وأقام بها أياما قلائل، سمع خبر الملك وما جرى له في بدنه من البرص الذي ابتلاه الله به، وقد عجزت عن مداواته الأطباء وأهل العلوم، فلما بلغ ذلك الحكيم بات مشغولا، فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، وسلمت الشمس على زين الملاح، لبس أفخر ثيابه، ودخل على الملك يونان، وقبل الأرض ودعا له بدوام العز والنعم، وأحسن ما به تكلم، وأعلمه بنفسه، فقال: أيها الملك، بلغني ما اعتراك من هذا الذي في جسدك، وأن كثيرا من الأطباء لم يعرفوا الحيلة في زواله، وها أنا أداويك أيها الملك، ولا أسقيك دواء، ولا أدهنك بدهن. # فلما سمع الملك يونان كلامه تعجب، وقال له: كيف تفعل؟! فوالله إن أبرأتني أغنيك لولد الولد، وأنعم عليك، وكل ما تتمناه فهو لك، وتكون نديمي وحبيبي. ثم إنه خلع عليه وأحسن إليه، وقال له: أتبرئني من هذا المرض بلا دواء ولا دهان؟! قال: نعم، أبرئك بلا مشقة في جسدك. فتعجب الملك غاية العجب، ثم قال له: أيها الحكيم، الذي ذكرته لي يكون في أي الأوقات، وفي أي ms0020 الأيام؟ فأسرع به يا ولدي! قال له: سمعا وطاعة. ثم نزل من عند الملك واكترى له بيتا، وحط فيه كتبه وأدويته وعقاقيره، ثم استخرج الأدوية والعقاقير، وجعل منها صولجانا وجوفه، وعمل له قصبة، وصنع له كرة بمعرفته، فلما صنع الجميع وفرغ منها، طلع إلى الملك في اليوم الثاني، ودخل عليه، وقبل الأرض بين يديه، وأمره أن يركب إلى الميدان، وأن يلعب بالكرة والصولجان. # وكان معه الأمراء والحجاب والوزراء وأرباب الدولة، فما استقر به الجلوس في الميدان حتى دخل عليه الحكيم رويان، وناوله الصولجان، وقال له: خذ هذا الصولجان، واقبض عليه مثل هذه القبضة، وامش في الميدان، واضرب به الكرة بقوتك حتى يعرق كفك وجسدك، فينفذ الدواء من كفك، فيسري في سائر جسدك، فإذا عرقت وأثر الدواء فيك، فارجع إلى قصرك، وادخل بعد ذلك الحمام واغتسل ونم، فقد برئت والسلام. فعند ذلك أخذ الملك يونان ذلك الصولجان من الحكيم، وأمسكه بيده وركب الجواد، ورميت الكرة بين يديه، وساق خلفها حتى لحقها، وضربها بقوة وهو قابض بكفه على قصبة الصولجان، وما زال يضرب به الكرة حتى عرق كفه، وسائر بدنه، وسرى له الدواء من القبضة، وعرف الحكيم رويان أن الدواء سرى في جسده، فأمره بالرجوع إلى قصره، وأن يدخل الحمام من ساعته، فرجع الملك يونان من وقته، وأمر أن يخلوا له الحمام فأخلوه له، وتسارع الفراشون، وتسابق المماليك، وأعدوا للملك قماشه، ودخل الحمام واغتسل غسلا جيدا، ولبس ثيابه داخل الحمام، ثم خرج منه وركب إلى قصره ونام فيه. # هذا ما كان من أمر الملك يونان، وأما ما كان من أمر الحكيم رويان، فإنه رجع إلى داره وبات، فلما أصبح الصباح طلع إلى الملك، واستأذن عليه فأذن له في الدخول، فدخل وقبل الأرض بين يديه، وأشار إلى الملك بهذه الأبيات: # زهت الفصاحة إذ دعيت لها أبا %~% وإذا دعت يوما سواك لها أبا ~~يا صاحب الوجه الذي أنواره %~% تمحو من الخطب الكريه غياهبا ~~ما زال وجهك مشرقا متهللا %~% كي لا نرى وجه الزمان مقطبا ms0021 ~~أوليتني من فضلك المنن التي %~% فعلت بنا فعل السحاب مع الربا ~~وصرفت جل المال في طلب العلا %~% حتى بلغت من الزمان مآربا # فلما فرغ من شعره نهض الملك قائما على قدميه، وعانقه وأجلسه بجانبه، وخلع الخلع السنية، ولما خرج الملك من الحمام نظر إلى جسده فلم يجد فيه شيئا من البرص، وصار جسده نقيا مثل الفضة البيضاء؛ ففرح بذلك غاية الفرح، واتسع صدره وانشرح، فلما أصبح الصباح دخل الديوان، وجلس على سرير ملكه، ودخلت عليه الحجاب وأكابر الدولة، ودخل عليه الحكيم رويان، فلما رآه قام إليه مسرعا، وأجلسه بجانبه، وإذا بموائد الطعام قد مدت فأكل صحبته، وما زال عنده ينادمه طول نهاره، فلما أقبل الليل أعطى الحكيم ألفي دينار غير الخلع والهدايا، وأركبه جواده وانصرف إلى داره، والملك يونان يتعجب من صنعه ويقول: هذا داواني من ظاهر جسدي، ولم يدهني بدهان! فوالله ما هذه إلا حكمة بالغة، فيجب علي لهذا الرجل الإنعام والإكرام، وأن أتخذه جليسا وأنيسا مدى الزمان. # وبات الملك يونان مسرورا فرحان بصحة جسمه، وخلاصه من مرضه، فلما أصبح خرج الملك وجلس على كرسيه، ووقفت أرباب دولته بين يديه، وجلست الأمراء والوزراء على يمينه ويساره، ثم طلب الحكيم رويان، فدخل عليه وقبل الأرض بين يديه، فقام له الملك وأجلسه بجانبه، وأكل معه وحياه، وخلع عليه وأعطاه، ولم يزل يتحدث معه إلى أن أقبل الليل، فرسم له بخمس خلع وألف دينار، ثم انصرف الحكيم إلى داره وهو شاكر للملك، فلما أصبح الصباح خرج الملك إلى الديوان، وقد أحدقت به الأمراء والوزراء والحجاب، وكان له وزير من وزرائه بشع المنظر، نحس الطالع، لئيم بخيل حسود، مجبول على الحسد والمقت، فلما رأى ذلك الوزير أن الملك قرب الحكيم رويان، وأعطاه هذا الإنعام، حسده عليه وأضمر له الشر، كما قيل في المعنى: ما خلا جسد من حسد. وقيل في المعنى: الظلم كمين في النفس، القوة تظهره والعجز يخفيه. # ثم إن الوزير تقدم إلى الملك يونان، وقبل الأرض بين يديه، وقال له: يا ms0022 ملك العصر والأوان، أنت الذي شمل الناس إحسانك، ولك عندي نصيحة عظيمة، فإن أخفيتها عنك أكون ولد زنا، فإن أمرتني أن أبديها أبديتها لك. فقال الملك وقد أزعجه كلام الوزير: وما نصيحتك؟ فقال: أيها الملك الجليل، قد قالت القدماء: من لم ينظر في العواقب فما الدهر له بصاحب. وقد رأيت الملك على غير صواب؛ حيث أنعم على عدوه، وعلى من يطلب زوال ملكه، وقد أحسن إليه وأكرمه غاية الإكرام، وقربه غاية القرب، وأنا أخشى على الملك من ذلك. فانزعج الملك وتغير لونه، وقال له: من الذي تزعم أنه عدوي وأحسن إليه؟ فقال له: أيها الملك، إن كنت نائما فاستيقظ؛ فأنا أشير إلى الحكيم رويان. فقال له الملك: إن هذا صديقي وهو أعز الناس عندي؛ لأنه داواني بشيء قبضته بيدي، وأبرأني من مرضي الذي عجزت فيه الأطباء، وهو لا يوجد مثله في هذا الزمان في الدنيا غربا وشرقا، فكيف أنت تقول عليه هذا المقال؟ وأنا من هذا اليوم أرتب له الجوامك والجرايات، وأعمل له في كل شهر ألف دينار، ولو قاسمته في ملكي لكان قليلا عليه، وما أظن أنك تقول ذلك إلا حسدا كما بلغني عن الملك السندباد. ثم قال الملك يونان: ذكر والله أعلم ... # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: يا أختي، ما أحلى حديثك وأطيبه وألذه وأعذبه! فقالت لها: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة المقبلة إن عشت وأبقاني الملك؟! فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها؛ لأنه حديث عجيب. ثم إنهم باتا تلك الليلة متعانقين إلى الصباح، ثم خرج الملك إلى محل حكمه، واحتبك الديوان، فحكم وولى وعزل، وأمر ونهى إلى آخر النهار، ثم انفض الديوان فدخل الملك قصره، وأقبل الليل، وقضى حاجته من بنت الوزير شهرزاد. ### | فلما كانت الليلة 5 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك يونان قال لوزيره: أيها الوزير، أنت دخلك الحسد من أجل هذا الحكيم فتريد أن أقتله، وبعد ذلك أندم كما ندم الملك السندباد ms0023 على قتل الباز. فقال الوزير: وكيف كان ذلك؟ فقال الملك: ذكر أنه كان ملك ملوك الفرس يحب الفرجة والتنزه والصيد والقنص، وكان له باز رباه ولا يفارقه ليلا ولا نهارا، ويبيت طول الليل حامله على يده، وإذا طلع إلى الصيد يأخذه معه وهو عامل له طاسة من الذهب معلقة في رقبته يسقيه منها، فبينما الملك جالس وإذا بالوكيل على طير الصيد يقول: يا ملك الزمان، هذا أوان الخروج إلى الصيد. فاستعد الملك للخروج، وأخذ البازي على يده، وساروا إلى أن وصلوا إلى واد، ونصبوا شبكة الصيد، وإذا بغزالة وقعت في تلك الشبكة، فقال الملك: كل من فاتت الغزالة من جهته قتلته. فضيقوا عليها حلقة الصيد، وإذا بالغزالة أقبلت على الملك، وشبت على رجليها، وحطت يديها على صدرها كأنها تقبل الأرض للملك، فطأطأ الملك للغزالة، ففرت من فوق دماغه، وراحت إلى البر، فالتفت الملك إلى العسكر فرآهم يتغامزون عليه، فقال: يا وزير، ماذا يقول العساكر؟ فقال: يقولون: إنك قلت كل من فاتت الغزالة من جهته يقتل. فقال الملك: وحياة رأسي لأتبعنها حتى أجيء بها. ثم طلع الملك في إثر الغزالة، ولم يزل وراءها، وصار البازي يلطشها على عينيها إلى أن أعماها ودوخها، فسحب الملك دبوسا وضربها فقلبها، ونزل فذبحها وسلخها، وعلقها في قربوس السرج، وكانت ساعة حر، وكان المكان قفرا لم يوجد فيه ماء، فعطش الملك وعطش الحصان، فالتفت الملك فرأى شجرة ينزل منها ماء مثل السمن، وكان الملك لابسا في كفه جلدا، فأخذ الطاسة من قبة البازي، وملأها من ذلك الماء، ووضع الماء قدامه، وإذا بالبازي لطش الطاسة فقلبها، فأخذ الملك الطاسة ثانيا وملأها، وظن أن البازي عطشان فوضعها قدامه فلطشها ثانيا وقلبها، فغضب الملك من البازي، وأخذ الطاسة ثالثا وقدمها للحصان فقلبها البازي بجناحه، فقال الملك: الله يخيبك يا أشأم الطيور، حرمتني من الشرب، وحرمت نفسك، وحرمت الحصان. ثم ضرب البازي بالسيف، فرمى أجنحته فصار البازي يقيم رأسه، ويقول بالإشارة: انظر الذي فوق الشجرة، فرفع الملك عينه فرأى فوق ms0024 الشجرة حية، والذي يسيل سمها، فندم الملك على قص أجنحة البازي، ثم قام وركب حصانه، وسار ومعه الغزالة حتى وصل إلى مكانه الأول، فألقى الغزالة إلى الطباخ، وقال له: خذها واطبخها. ثم جلس الملك على الكرسي، والبازي على يده، فشهق البازي ومات، فصاح الملك حزنا: وا أسفا على قتل البازي! حيث خلصه من الهلاك، هذا ما كان من حديث الملك السندباد. # فلما سمع الوزير كلام الملك يونان قال له: أيها الملك العظيم الشأن، وما الذي فعلته من الضرورة، ورأيت منه سوءا؟ إنما أفعل معك هذا شفقة عليك، وستعلم صحة ذلك، فإن قبلت مني نجوت وإلا هلكت، كما هلك وزير كان احتال على ابن ملك من الملوك؛ كان لذلك الملك ولد مولع بالصيد والقنص، وكان له وزير، فأمر الملك ذلك الوزير أن يكون مع ابنه أينما توجه، فخرج يوما من الأيام إلى الصيد والقنص، وخرج معه وزير أبيه، فساروا جميعا فنظرا إلى وحش كبير، فقال الوزير لابن الملك: دونك هذا الوحش فاطلبه، فقصده ابن الملك حتى غاب عن العين، وغاب عنه الوحش في البرية، وتحير ابن الملك، فلم يعرف أين يذهب، وإذا بجارية على رأس الطريق وهي تبكي، فقال لها ابن الملك: من أنت؟ قالت: بنت ملك من ملوك الهند، وكنت في البرية فأدركني النعاس، فوقعت من فوق الدابة، ولم أعلم بنفسي فصرت منقطعة حائرة. # فلما سمع ابن الملك كلامها رق لحالها، وحملها على ظهر دابته، وأردفها وسار حتى مر بجزيرة، فقالت له الجارية: يا سيدي، أريد أن أزيل ضرورة. فأنزلها إلى الجزيرة، ثم تعوقت فاستبطأها، فدخل خلفها وهي لا تعلم به، فإذا هي غولة وهي تقول لأولادها: يا أولادي، قد أتيتكم اليوم بغلام سمين. فقالوا لها: ائتينا به يا أمنا نأكله في بطوننا. فلما سمع ابن الملك كلامهم أيقن بالهلاك، وارتعدت فرائصه، وخشي على نفسه ورجع، فخرجت الغولة فرأته كالخائف الوجل وهو يرتعد، فقالت له: ما بالك خائفا؟ فقال لها: إن لي عدوا وأنا خائف منه. فقالت الغولة: إنك تقول ms0025 أنا ابن الملك. قال لها: نعم. قالت له: ما لك لا تعطي عدوك شيئا من المال فترضيه به؟ فقال لها: إنه لا يرضى بمال، ولا يرضى إلا بالروح، وأنا خائف منه، وأنا رجل مظلوم. فقالت له: إن كنت مظلوما كما تزعم، فاستعن بالله عليه؛ فإنه يكفيك شره وشر جميع ما تخافه. فرفع ابن الملك رأسه إلى السماء وقال: يا من يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، انصرني على عدوي، واصرفه عني؛ إنك على ما تشاء قدير. # فلما سمعت الغولة دعاءه انصرفت عنه وانصرف ابن الملك إلى أبيه، وحدثه بحديث الوزير، وأنت أيها الملك متى آمنت لهذا الحكيم قتلك أقبح القتلات، وإن كنت أحسنت إليه وقربته منك؛ فإنه يدبر في هلاكك، أما ترى أنه أبرأك من المرض من ظاهر الجسد بشيء أمسكته بيدك، فلا تأمن أن يهلكك بشيء تمسكه أيضا. فقال الملك يونان: صدقت، فقد يكون كما ذكرت أيها الوزير الناصح، فلعل هذا الحكيم أتى جاسوسا في طلب هلاكي، وإذا كان أبرأني بشيء أمسكته بيدي، فإنه يقدر أن يهلكني بشيء أشمه. ثم إن الملك يونان قال لوزيره: أيها الوزير، كيف العمل فيه؟ فقال له الوزير: أرسل إليه في هذا الوقت واطلبه، فإن حضر فاضرب عنقه؛ فتكفى شره وتستريح منه، واغدر به قبل أن يغدر بك. فقال الملك يونان: صدقت أيها الوزير. ثم إن الملك أرسل إلى الحكيم فحضر وهو فرحان، ولا يعلم ما قدره الرحمن، كما قال بعضهم في المعنى: # يا خائفا من دهره كن آمنا %~% وكل الأمور إلى الذي بسط الثرى ~~إن المقدر كائن لا ينمحى %~% ولك الأمان من الذي ما قدرا # وأنشد الحكيم مخاطبا للملك قول الشاعر: # إذا لم أقم يوما لحقك بالشكر %~% فقل لي لمن أعددت نظمي مع النثر ~~لقد جدت لي قبل السؤال بأنعم %~% أتتني بلا مطل لديك ولا عذر ~~فما لي لا أعطي ثناءك حقه %~% وأثني على علياك في السر والجهر ~~سأشكر ما أوليتني من صنائع %~% يخف لها فمي وإن أثقلت ظهري # وأيضا في المعنى: ms0026 # كن عن همومك معرضا %~% وكل الأمور إلى القضا ~~وابشر بخير عاجل %~% تنسى به ما قد مضى ~~فلرب أمر مسخط %~% لك في عواقبه رضى ~~الله يفعل ما يشا %~% ء فلا تكن معترضا # وأيضا في المعنى: # سلم أمورك للحكيم العالم %~% وأرح فؤادك من جميع العالم ~~واعلم بأن الأمر ليس كما تشا %~% بل ما يشاء الله أحكم حاكم # وأيضا في المعنى: # لا تبتئس وانس الهموم جميعها %~% إن الهموم تزيل لب الحازم ~~لا ينفع التدبير عبدا عاجزا %~% فاتركه تسلم في نعيم دائم # فلما حضر الحكيم رويان قال له الملك: أتعلم لماذا أحضرتك؟ فقال الحكيم: لا يعلم الغيب إلا الله تعالى. فقال له الملك: أحضرتك لأقتلك وأعدمك روحك. فتعجب الحكيم رويان من تلك المقالة غاية العجب، وقال: أيها الملك، لماذا تقتلني؟ وأي ذنب بدا مني؟ فقال له الملك: قد قيل لي إنك جاسوس، وقد أتيت لتقتلني، وها أنا أقتلك قبل أن تقتلني. ثم إن الملك صاح على السياف وقال له: اضرب رقبة هذا الغدار، وأرحنا من شره. فقال الحكيم: أبقني يبقيك الله، ولا تقتلني يقتلك الله. ثم إنه كرر عليه القول مثل ما قلت لك أيها العفريت، وأنت لا تدعني، بل تريد قتلي. فقال الملك يونان للحكيم رويان: إني لا آمن إلا إن قتلتك، فإنك أبرأتني بشيء أمسكته بيدي، فلا آمن أن تقتلني بشيء أشمه، أو غير ذلك. فقال الحكيم: أيها الملك، أهذا جزائي منك، تقابل المليح بالقبيح؟! فقال الملك: لا بد من قتلك من غير مهلة. فلما تحقق الحكيم أن الملك قاتله ولا محالة، بكى وتأسف على ما صنع من الجميل مع غير أهله، كما قيل في المعنى: # ميمونة من سمات العقل عارية %~% لكن أبوها من الألباب قد خلق ~~لم يمش في يابس يوما ولا وحل %~% إلا بنور هداه يتقي الزلق # وبعد ذلك تقدم السياف، وغمى عينيه، وشهر سيفه، وقال: ائذن. والحكيم يبكي، ويقول للملك: أبقني يبقك الله، ولا تقتلني يقتلك الله. وأنشد قول الشاعر: # نصحت فلم أفلح وغشوا فأفلحوا %~% فأوقعني نصحي بدار هوان ms0027 ~~فإن عشت لم أنصح وإن مت فانع لي %~% ذوي النصح من بعدي بكل لسان # ثم إن الحكيم قال للملك: أيكون هذا جزائي منك فتجازيني مجازاة التمساح؟! قال الملك: وما حكاية التمساح؟ فقال الحكيم: لا يمكنني أن أقولها وأنا في هذه الحال، فبالله عليك أبقني يبقك الله. ثم إن الحكيم بكى بكاء شديدا، فقام بعض خواص الملك، وقال: أيها الملك، هب لي دم هذا الحكيم؛ لأننا ما رأيناه فعل معك ذنبا، وما رأيناه إلا أبرأك من مرضك الذي أعيا الأطباء والحكماء. فقال لهم الملك: لم تعرفوا سبب قتلي لهذا الحكيم؛ وذلك لأني إن أبقيته فأنا هالك لا محالة، ومن أبرأني من المرض الذي كان بي بشيء أمسكته بيدي، فيمكنه أن يقتلني بشيء أشمه، فأنا أخاف أن يقتلني، ويأخذ علي جعالة؛ لأنه ربما كان جاسوسا، وما جاء إلا ليقتلني، فلا بد من قتله، وبعد ذلك آمن على نفسي. فقال الحكيم: أبقني يبقك الله، ولا تقتلني يقتلك الله. فلما تحقق الحكيم - أيها العفريت - أن الملك قاتله لا محالة، قال له: أيها الملك، إن كان ولا بد من قتلي فأمهلني حتى أنزل إلى داري فأخلص نفسي، وأوصي أهلي وجيراني أن يدفنوني، وأهب كتب الطب، وعندي كتاب خاص الخاص أهبه لك هدية تدخره في خزانتك. فقال الملك للحكيم: وما هذا الكتاب؟ قال: فيه شيء لا يحصى، وأقل ما فيه من الأسرار أنك إذا قطعت رأسي وفتحته، وعددت ثلاث ورقات، ثم تقرأ ثلاث أسطر من الصحيفة التي على يسارك، فإن الرأس يكلمك ويجاوبك عن جميع ما سألته عنه. فتعجب الملك غاية العجب، واهتز من الطرب، وقال له: أيها الحكيم، وهل إذا قطعت رأسك تكلمت؟ فقال: نعم أيها الملك، وهذا أمر عجيب. ثم إن الملك أرسله مع المحافظة عليه، فنزل الحكيم إلى داره، وقضى أشغاله في ذلك اليوم، وفي اليوم الثاني طلع الحكيم إلى الديوان، وطلعت الأمراء والوزراء والحجاب والنواب وأرباب الدولة جميعا، وصار الديوان كزهر البستان، وإذا بالحكيم دخل الديوان، ووقف قدام الملك، ومعه كتاب عتيق، ms0028 ومكحلة فيها ذرور، وجلس وقال: ائتوني بطبق. فأتوه بطبق، وكب فيه الذرور وفرشه، وقال: أيها الملك، خذ هذا الكتاب، ولا تعمل به حتى تقطع رأسي، فإذا قطعته فاجعله في ذلك الطبق، وأمر بكبسه على ذلك الذرور، فإذ فعلت ذلك فإن دمه ينقطع، ثم افتح الكتاب، ففتحه الملك، فوجده ملصوقا، فحط أصبعه في فمه وبله بريقه، وفتح أول ورقة والثانية والثالثة، والورق ما ينفتح إلا بجهد، ففتح الملك ست ورقات ونظر فيها فلم يجد فيها كتابة، فقال الملك: أيها الحكيم، ما فيه شيء مكتوب. فقال الحكيم: قلب زيادة على ذلك، فقلب فيه زيادة فلم يكن إلا قليل من الزمان حتى سرى فيه السم لوقته وساعته، فإن الكتاب كان مسموما، فعند ذلك تزحزح الملك وصاح، وقال: قد سرى في السم. فأنشد الحكيم رويان يقول: # تحكموا فاستطالوا في حكومتهم %~% وعن قليل كأن الحكم لم يكن ~~لو أنصفوا أنصفوا لكن بغوا فبغى %~% عليهم الدهر بالآفات والمحن ~~وأصبحوا ولسان الحال ينشدهم %~% هذا بذاك فلا عتب على الزمن # فلما فرغ رويان الحكيم من كلامه، سقط الملك ميتا من وقته. فاعلم أيها العفريت أن الملك يونان لو أبقى الحكيم رويان لأبقاه الله، ولكن أبى وطلب قتله فقتله الله، وأنت أيها العفريت لو أبقيتني لأبقاك الله. # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها دنيازاد: ما أحلى حديثك! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ وباتوا تلك الليلة في نعيم وسرور إلى الصباح، ثم طلع الملك إلى الديوان، ولما انفض الديوان دخل قصره، واجتمع بأهله. ### | فلما كانت الليلة 6 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصياد لما قال للعفريت: لو أبقيتني كنت أبقيتك، لكن ما أردت إلا قتلي، فأنا أقتلك محبوسا في هذا القمقم، وألقيك في هذا البحر. صرخ المارد وقال: بالله عليك أيها الصياد لا تفعل، وأبقني كرما، ولا تؤاخذني بعملي، فإذا كنت أنا مسيئا كن أنت محسنا، ففي الأمثال السائرة: يا محسنا لمن أساء، كفى المسيء فعله. ولا تعمل ms0029 كما عمل أمامة مع عاتكة. # قال الصياد: وما شأنهما؟ فقال العفريت: ما هذا وقت حديث وأنا في السجن حتى تطلعني منه، وأنا أحدثك بشأنهما. فقال الصياد: لا بد من إلقائك في البحر، ولا سبيل إلى إخراجك منه، فإني كنت أستعطفك، وأتضرع إليك، وأنت لا تريد إلا قتلي من غير ذنب استوجبته منك، ولا فعلت معك سوءا قط، ولم أفعل معك إلا خيرا لكوني أخرجتك من السجن، فلما فعلت معي ذلك علمت أنك رديء الأصل، واعلم أنني ما رميتك في هذا البحر إلا لأجل أن كل من طلعك أخبره بخبرك، وأحذره منك، فيرميك فيه ثانية، فتقيم في هذا البحر إلى آخر الزمان حتى ترى أنواع العذاب. فقال العفريت: أطلقني فهذا وقت المروءات، وأنا أعاهدك أني لن أسوءك أبدا، بل أنفعك بشيء ينفعك دائما. فأخذ الصياد عليه العهد أنه إذا أطلقه لا يؤذيه أبدا، بل يعمل معه الجميل، فلما استوثق منه بالأيمان والعهود، وحلفه باسم الله الأعظم، فتح له الصياد، فتصاعد الدخان حتى خرج وتكامل، فصار عفريتا مشوه الخلقة، ورفس القمقم فرماه في البحر، فلما رأى الصياد أنه رمى القمقم في البحر أيقن بالهلاك، وبال في ثيابه، وقال: هذه ليست علامة خير. ثم إنه قوى قلبه وقال: أيها العفريت، قال الله تعالى: @QUR@06 وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ، وأنت قد عاهدتني، وحلفت أنك لا تغدر بي، فإن غدرت بي يجزك الله، فإنه غيور يمهل ولا يهمل، وأنا قلت لك مثل ما قال الحكيم رويان للملك يونان: أبقني يبقك الله. فضحك العفريت ومشى قدامه، وقال: أيها الصياد، اتبعني. فمشى الصياد وراءه، وهو لم يصدق بالنجاة إلى أن خرجوا من ظاهر المدينة، وطلعوا على جبل ونزلوا إلى برية متسعة، وإذا في وسطها بركة ماء، فوقف العفريت عليها، وأمر الصياد أن يطرح الشبكة ويصطاد، فنظر الصياد إلى البركة وفيها السمك ألوانا: الأبيض، والأحمر، والأزرق، والأصفر؛ فتعجب الصياد من ذلك، ثم إنه طرح شبكته وجذبها فوجد فيها أربع سمكات، كل سمكة بلون، فلما رآها الصياد فرح، ms0030 فقال له العفريت: ادخل بها إلى السلطان، وقدمها إليه؛ فإنه يعطيك ما يغنيك، وبالله اقبل عذري، فإنني في هذا الوقت لم أعرف طريقا، وأنا في هذا البحر مدة ألف وثمانمائة عام، ما رأيت ظاهر الدنيا إلا في هذه الساعة، ولا تصطد منها كل يوم إلا مرة واحدة، واستودعتك الله. # ثم دق الأرض بقدميه فانشقت وابتلعته، ومضى الصياد إلى المدينة وهو متعجب مما جرى له مع هذا العفريت، ثم أخذ السمك ودخل به منزله، وأتى بماجور، ثم ملأه ماء وحط فيه السمك، فاختبط السمك من داخل الماجور في الماء، ثم حمل الماجور فوق رأسه، وقصد به قصر الملك كما أمره العفريت، فلما طلع الصياد إلى الملك وقدم له السمك، تعجب الملك غاية العجب من ذلك السمك الذي قدمه إليه الصياد؛ لأنه لم ير في عمره مثله صفة ولا شكلا، فقال: ألقوا هذا السمك للجارية الطباخة، وكانت هذه الجارية قد أهداها له ملك الروم منذ ثلاثة أيام، وهو لم يجربها في طبيخ، فأمرها الوزير أن تقليه، وقال لها: يا جارية، إن الملك يقول لك: ما ادخرت دمعتي إلا لشدتي، ففرجينا اليوم على طهيك وحسن طبيخك؛ فإن السلطان جاء إليه واحد بهدية. ثم رجع الوزير بعدما أوصاها، فأمره الملك أن يعطي الصياد أربعمائة دينار، فأعطاه الوزير إياها، فأخذها في حجره، وتوجه إلى منزله لزوجته وهو فرحان مسرور، ثم اشترى لعياله ما يحتاجون إليه. # هذا ما كان من أمر الصياد، وأما ما كان من أمر الجارية، فإنها أخذت السمك ونظفته، ورصته في الطاجن، ثم إنها تركت السمك حتى استوى وجهه، وقلبته على الوجه الثاني، وإذا بحائط المطبخ قد انشق، وخرج منها صبية رشيقة القد، أسيلة الخد، كاملة الوصف، كحيلة الطرف، بوجه مليح، وقد رجيح، لابسة كوفية بخز أزرق، وفي أذنيها حلق، وفي معاصمها أساور، وفي أصابعها خواتيم بالفصوص المثمنة، وفي يدها قضيب من الخيزران، فغرزت القضيب في الطاجن، وقالت: يا سمك، هل أنت على العهد القديم مقيم؟ فلما رأت الجارية هذا غشي عليها، وقد ms0031 أعادت الصبية القول ثانيا وثالثا، فرفع السمك رأسه من الطاجن، وقال: نعم، نعم. ثم قال جميعه هذا البيت: # إن عدت عدنا وإن وافيت وافينا %~% وإن هجرت فإنا قد تكافينا # فعند ذلك قلبت الصبية الطاجن، وخرجت من الموضع الذي دخلت منه، والتحمت حائط المطبخ، ثم أفاقت الجارية فرأت الأربع سمكات محروقة مثل الفحم الأسود، فقالت تلك الجارية: من أول غزوته حصل كسر عصيته. فبينما هي تعاتب نفسها، وإذا بالوزير واقف على رأسها، وقال لها: هاتي السمك للسلطان. فبكت الجارية، وأعلمت الوزير بالحال، وبالذي جرى، فتعجب الوزير من ذلك، وقال: ما هذا إلا أمر عجيب. ثم إنه أرسل إلى الصياد فأتوا به إليه، فقال له: أيها الصياد، لا بد أن تجيء لنا بأربع سمكات مثل التي جئت بها أولا. فخرج الصياد إلى البركة وطرح شبكته، ثم جذبها، وإذا بأربع سمكات، فأخذها وجاء بها إلى الوزير، فدخل بها الوزير إلى الجارية، وقال لها: قومي اقليها قدامي حتى أرى هذه القضية. فقامت الجارية أصلحت السمك، ووضعته في الطاجن على النار، فما استقر إلا قليلا، وإذا بالحائط قد انشق، والصبية قد ظهرت، وهي لابسة ملبسها، وفي يدها القضيب، فغرزته في الطاجن، وقالت: يا سمك، يا سمك، هل أنت على العهد القديم مقيم؟ فرفعت السمكات رءوسها، وأنشدت هذا البيت: # إن عدت عدنا وإن وافيت وافينا %~% وإن هجرت فإنا قد تكافينا # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 7 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه لما تكلم السمك، قلبت الصبية الطاجن بالقضيب، وخرجت من الموضع الذي جاءت منه والتحم الحائط، فعند ذلك قام الوزير وقال: هذا أمر لا يمكن إخفاؤه عن الملك. ثم إنه تقدم إلى الملك وأخبره بما جرى قدامه، فقال: لا بد أن أنظر بعيني، فأرسل إلى الصياد، وأمره أن يأتي بأربع سمكات مثل الأولى، وأمهله ثلاثة أيام، فذهب الصياد إلى البركة، وأتاه بالسمك في الحال، فأمر الملك أن يعطوه أربعمائة دينار، ثم التفت الملك إلى الوزير وقال له: سو أنت السمك ms0032 ها هنا قدامي. فقال الوزير: سمعا وطاعة. فأحضر الطاجن، ورمى فيه السمك بعد أن نظفه، ثم قلبه، وإذا بالحائط قد انشق وخرج منها عبد أسود كأنه ثور من الثيران، أو من قوم عاد، وفي يده فرع من شجرة خضراء، وقال بكلام فصيح مزعج: يا سمك يا سمك، هل أنت على العهد القديم مقيم؟ فرفع السمك رأسه من الطاجن وقال: نعم، نعم. وأنشد هذا البيت: # إن عدت عدنا وإن وافيت وافينا %~% وإن هجرت فإنا قد تكافينا ![figure](../Images/figure4.png) # فوجد الملك في وسط القصر أربعة سباع من الذهب الأحمر تلقي الماء من أفواهها. # ثم أقبل العبد على الطاجن، وقلبه بالفرع إلى أن صار فحما أسود، ثم ذهب العبد من حيث أتى، فلما غاب العبد عن أعينهم قال الملك: هذا أمر لا يمكن السكوت عنه، ولا بد أن هذا السمك له شأن غريب. فأمر بإحضار الصياد، فلما حضر قال له: من أين هذا السمك؟ فقال له: من بركة بين أربع جبال وراء هذا الجبل الذي بظاهر مدينتك. فالتفت الملك إلى الصياد، وقال له: مسيرة كم يوم؟ قال له: يا مولانا السلطان، مسيرة نصف ساعة. فتعجب السلطان، وأمر بخروج العسكر من وقته مع الصياد، فصار الصياد يلعن العفريت، وساروا إلى أن طلعوا الجبل، ونزلوا منه إلى برية متسعة لم يروها مدة أعمارهم، والسلطان وجميع العسكر يتعجبون من تلك البرية التي نظروها بين أربع جبال، والسمك فيها على أربعة ألوان: أحمر، وأبيض، وأصفر، وأزرق، فوقف الملك متعجبا، وقال للعسكر ولمن حضر: هل أحد منكم رأى هذه البركة في هذا المكان؟ فقالوا كلهم: لا. فقال الملك: والله لا أدخل مدينتي، ولا أجلس على تخت ملكي حتى أعرف حقيقة هذه البركة وسمكها. ثم أمر الناس بالنزول حول هذه الجبال فنزلوا، ثم دعا بالوزير، وكان وزيرا خبيرا عاقلا لبيبا عالما بالأمور، فلما حضر بين يديه قال له: إني أردت أن أعمل شيئا فأخبرك به؛ ذلك أنه خطر ببالي أن أنفرد بنفسي في هذه الليلة، وأبحث عن خبر هذه البركة وسمكها، ms0033 فاجلس على باب خيمتي، وقل للأمراء والوزراء والحجاب إن السلطان متشوش، وأمرني أن لا آذن لأحد في الدخول عليه، ولا تعلم أحدا بقصدي. فلم يقدر الوزير على مخالفته، ثم إن الملك غير حالته، وتقلد سيفه، وانسل من بينهم، ومشى بقية ليله إلى الصباح، فلم يزل سائرا حتى اشتد عليه الحر فاستراح، ثم مشى بقية يومه وليلته الثانية إلى الصباح، فلاح له سواد من بعد؛ ففرح وقال: لعلي أجد من يخبرني بقضية البركة وسمكها. فلما قرب من السواد وجده قصرا مبنيا بالحجارة السود، مصفحا بالحديد، وأحد شقيه مفتوح والآخر مغلوق، ففرح الملك، ووقف على الباب ودق دقا لطيفا، فلم يسمع جوابا، فدق ثانيا وثالثا، فلم يسمع جوابا، فدق رابعا دقا مزعجا فلم يجبه أحد، فقال: لا شك أنه خال. فشجع نفسه ودخل من باب القصر إلى دهليزه، ثم صرخ وقال: يا أهل القصر، إني رجل غريب وعابر سبيل، هل عندكم شيء من الزاد؟ وأعاد القول ثانيا وثالثا فلم يسمع جوابا؛ فقوى قلبه، وثبت نفسه، ودخل من الدهليز إلى وسط القصر، فلم يجد فيه أحدا غير أنه مفروش، وفي وسطه فسقية عليها أربعة سباع من الذهب الأحمر، تلقي الماء من أفواهها كالدر والجواهر، وفي دائره طيور، وعلى ذلك القصر شبكة تمنعها من الطلوع، فتعجب من ذلك، وتأسف حيث لم ير فيه أحدا يستخبر منه عن تلك البركة والسمك والجبال والقصر، ثم جلس بين الأبواب يتفكر، وإذا هو بأنين من كبد حزين، فسمعه يترنم بهذا الشعر: # لما خفيت ضنى ووجدي قد ظهر %~% والنوم من عيني تبدل بالسهر ~~ناديت وجدا قد تزايد بالفكر %~% يا وجد لا تبقي علي ولا تذر # فلما سمع السلطان ذلك الأنين نهض قائما، وقصد جهته فوجد سترا مسبولا على باب مجلس، فرفعه فرأى خلف الستر شابا جالسا على سرير مرتفع عن الأرض مقدار ذراع، وهو شاب مليح بقد رجيح، ولسان فصيح، وجبين أزهر، وخد أحمر، وشامة على كرسي خده كترس من عنبر، كما قال الشاعر: # ومهفهف من شعره وجبينه %~% مشت ms0034 الورى في ظلمة وضياء ~~ما أبصرت عيناك أحسن منظرا %~% فيما يرى من سائر الأشياء ~~كالشامة الخضراء فوق الوجنة ال %~% حمراء تحت المقلة السوداء # ففرح به الملك وسلم عليه، والصبي جالس، وعليه قباء حرير بطراز من ذهب، لكن عليه أثر الحزن، فرد السلام على الملك، وقال له: يا سيدي، اعذرني في عدم القيام. فقال الملك: أيها الشاب، أخبرني عن هذه البركة، وعن سمكها الملون، وعن هذا القصر، وسبب وحدتك فيه، وما سبب بكائك؟ فلما سمع الشاب هذا الكلام، نزلت دموعه على خده وبكى بكاء شديدا؛ فتعجب الملك وقال له: ما يبكيك أيها الشاب؟ فقال: كيف لا أبكي وهذه حالتي؟ ومد يده إلى أذياله فرفعها، فإذا نصفه التحتاني إلى قدميه حجر، ومن سرته إلى شعر رأسه بشر، ثم قال الشاب: اعلم أيها الملك أن لهذا السمك أمرا عجيبا، لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر؛ وذلك يا سيدي أنه كان والدي ملك هذه المدينة، وكان اسمه محمود صاحب الجزائر السود، وصاحب هذه الجبال الأربعة، أقام في الملك سبعين عاما، ثم توفي والدي وتسلطنت بعده، وتزوجت بابنة عمي، وكانت تحبني محبة عظيمة بحيث إذا غبت عنها لا تأكل ولا تشرب حتى تراني، فمكثت في عصمتي خمس سنين إلى أن ذهبت يوما من الأيام إلى الحمام، فأمرت الطباخ أن يجهز لنا طعاما لأجل العشاء، ثم دخلت هذا القصر ونمت في الموضع الذي أنام فيه، وأمرت جاريتين أن يروحا على وجهي، فجلست واحدة عند رأسي، والأخرى عند رجلي، وقد قلقت لغيابها ولم يأخذني نوم، غير أن عيني مغمضة ونفسي يقظانة، فسمعت التي عند رأسي تقول للتي عند رجلي: يا مسعودة، إن سيدنا مسكين شبابه، ويا خسارته مع سيدتنا الخبيثة الخاطئة. فقالت الأخرى: لعن الله النساء الزانيات، ولكن مثل سيدنا وأخلاقه لا يصلح لهذه الزانية التي كل ليلة تبيت في غير فراشه. فقالت التي عند رأسي: إن سيدنا مغفل؛ حيث لم يسأل عنها. فقالت الأخرى: ويلك، وهل عند سيدنا علم بحالها، أو هي ms0035 تخليه باختياره؟! بل تعمل له عملا في قدح الشراب الذي يشربه كل ليلة قبل المنام، فتضع فيه البنج فينام، ولم يشعر بما يجري، ولم يعلم أين تذهب، ولا بما تصنع؛ لأنها بعدما تسقيه الشراب تلبس ثيابها وتخرج من عنده فتغيب إلى الفجر، وتأتي إليه وتبخره عند أنفه بشيء فيستيقظ من منامه. # فلما سمعت كلام الجواري صار الضياء في وجهي ظلاما، وما صدقت أن الليل أقبل، وجاءت بنت عمي من الحمام، فمددنا السماط وأكلنا، وجلسنا ساعة زمانية نتنادم كالعادة، ثم دعوت بالشراب الذي أشربه عند المنام، فناولتني الكأس فتراوغت عنه، وجعلت أني أشربه مثل عادتي، ودلقته في عبي، ورقدت في الوقت والساعة، وإذا بها قالت: نم ليتك لم تقم، والله كرهتك وكرهت صورتك، وملت نفسي من عشرتك. ثم قامت ولبست أفخر ثيابها وتبخرت وتقلدت سيفا، وفتحت باب القصر وخرجت، فقمت وتبعتها حتى خرجت من القصر، وشقت في أسواق المدينة إلى أن انتهت إلى أبواب المدينة، فتكلمت بكلام لا أفهمه، فتساقطت الأقفال وانفتحت الأبواب، وخرجت وأنا خلفها وهي لا تشعر، حتى انتهت إلى ما بين الكيمان، وأتت حصنا فيه قبة مبنية بطين لها باب، فدخلته هي وصعدت أنا على سطح القبة، وأشرفت عليها، وإذا بها قد دخلت على عبد أسود إحدى شفتيه غطاء، وشفته الثانية وطاء، وشفاهه تلقط الرمل من الحصى، وهو مبتل وراقد على قليل من قش القصب، فقبلت الأرض بين يديه، فرفع ذلك العبد رأسه إليها، وقال لها: ويلك! ما سبب قعودك إلى هذه الساعة؟! كان عندنا السودان، وشربوا الشراب، وصار كل واحد بعشيقته، وأنا ما رضيت أن أشرب من شأنك. فقالت: يا سيدي، وحبيب قلبي، أما تعلم أني متزوجة بابن عمي، وأنا أكره الخلق في صورته، وأبغض نفسي في صحبته، ولولا أني أخشى على خاطرك لكنت جعلت المدينة خرابا يصيح فيها البوم والغراب، وأنقل حجارتها إلى خلف جبل قاف. فقال العبد: تكذبين يا عاهرة، وأنا أحلف وحق فتوة السودان، وإلا تكون مروءتنا مروءة البيضان، إن بقيت تقعدين إلى هذا ms0036 الوقت من هذا اليوم، لا أصاحبك ولا أضع جسدي على جسدك يا خائنة، أتنقلبين علي من أجل شهوتك يا منتنة يا أخس البيضان؟ قال الملك: فلما سمعت كلامها، وأنا أنظر بعيني ما جرى بينهما، صارت الدنيا في وجهي ظلاما، ولم أعرف روحي في أي موضع، وصارت بنت عمي واقفة تبكي إليه، وتتذلل بين يديه، وتقول له: يا حبيبي وثمرة فؤادي، ما أحد غيرك بقي لي، فإن طردتني يا ويلي يا حبيبي يا نور عيني. وما زالت تبكي وتتضرع له حتى رضي عليها، ففرحت وقامت قلعت ثيابها ولباسها، وقالت له: يا سيدي، هل عندك ما تأكله جاريتك؟ فقال لها: اكشفي اللقان؛ فإن تحتها عظام فئران مطبوخة، فكليها وقرقشيها، وقومي لهذه القوارة تجدي فيها بوضة فاشربيها. فقامت وأكلت وشربت وغسلت يديها، وجاءت مع العبد على قش القصب وتعرت، ودخلت معه تحت الهدمة والشراميط. فلما نظرت إلى هذه الفعال التي فعلتها بنت عمي، غبت عن الوجود، فنزلت من فوق أعلى القبة، ودخلت وأخذت السيف من بنت عمي، وهممت أن أقتل الاثنين، فضربت العبد أولا على رقبته فظننت أنه قد قضي عليه. # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. فلما أصبح الصباح دخل الملك إلى محل الحكم، واحتبك الديوان إلى آخر النهار، ثم طلع الملك قصره، فقالت لها أختها دنيازاد: أتممي لنا حديثك. قالت: حبا وكرامة. ### | فلما كانت الليلة 8 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب المسحور قال للملك: لما ضربت العبد لأقطع رأسه، قطعت الحلقوم والجلد واللحم، فظننت أني قتلته، فشخر شخيرا عاليا فتحركت بنت عمي، وقامت بعد ذهابي، فأخذت السيف وردته إلى موضعه، وأتت المدينة، ودخلت القصر، ورقدت في فراشي إلى الصباح. ورأيت بنت عمي في ذلك اليوم قد قطعت شعرها، ولبست ثياب الحزن، وقالت: يا ابن عمي، لا تلمني فيما أفعله؛ فإنه بلغني أن والدتي توفيت، وأن والدي قتل في الجهاد، وأن أخوي أحدهما مات ملسوعا، والآخر رديما، فيحق لي أن أبكي وأحزن. فلما سمعت كلامها سكت عنها، وقلت لها: ms0037 افعلي ما بدا لك؛ فإني لا أخالفك. فمكثت في حزن وبكاء وعديد سنة كاملة من الحول إلى الحول، وبعد السنة قالت لي: أريد أن أبني لي في قصرك مدفنا مثل القبة، وأنفرد فيه بالأحزان، وأسميه بيت الأحزان. فقلت لها: افعلي ما بدا لك. فبنت لها بيتا للحزن، وبنت في وسطه قبة ومدفنا مثل الضريح، ثم نقلت العبد وأنزلته فيه وهو ضعيف جدا، لا ينفعها بنافعة، لكنه يشرب الشراب، ومن اليوم الذي جرحته فيه ما تكلم، إلا أنه حي؛ لأن أجله لم يفرغ، فصارت كل يوم تدخل عليه القبة بكرة وعشيا، وتبكي عنده، وتعدد عليه، وتسقيه الشراب والمساليق، ولم تزل على هذه الحال صباحا ومساء إلى ثاني سنة، وأنا أطول بالي عليها إلى أن دخلت عليها يوما من الأيام على غفلة، فوجدتها تبكي وتلطم وجهها، وتقول هذه الأبيات: # عدمت وجودي في الورى بعد بعدكم %~% فإن فؤادي لا يحب سواكم ~~خذوا كرما جسمي إلى أين ترتموا %~% وأين حللتم فادفنوني حذاكم ~~وإن تذكروا اسمي عند قبري يجبكم %~% أنين عظامي عند صوت نداكم # فلما فرغت من شعرها قلت لها وسيفي مسلول في يدي: هذا كلام الخائنات اللاتي ينكرن العشرة، ولا يحفظن الصحبة. وأردت أن أضربها، فرفعت يدي في الهواء، فقامت وقد علمت أني أنا الذي جرحت العبد، ثم وقفت على قدميها، وتكلمت بكلام لا أفهمه، وقالت: جعل الله بسحري نصفك حجرا، ونصفك الآخر بشرا. فصرت كما ترى، وبقيت لا أقوم ولا أقعد، ولا أنا ميت ولا أنا حي، فلما صرت هكذا سحرت المدينة وما فيها من الأسواق والغيطان، وكانت مدينتنا أربعة أصناف: مسلمين، ونصارى، ويهودا، ومجوسا. فسحرتهم سمكا، فالأبيض مسلمون، والأحمر مجوس، والأزرق نصارى، والأصفر يهود، وسحرت الجزائر الأربعة أربعة جبال، وأحاطتها بالبركة، ثم إنها كل يوم تعذبني وتضربني بسوط من الجلد مائة ضربة حتى يسيل الدم، ثم تلبسني من تحت هذه الثياب ثوبا من الشعر على نصفي الفوقاني. ثم إن الشاب بكى، وأنشد هذا الشعر: # صبرا لحكمك يا إلهي والقضا %~% أنا صابر إن ms0038 كان فيه لك الرضا ~~قد ضقت بالأمر الذي قد نابني %~% فوسيلتي آل النبي المرتضى # فعند ذلك التفت الملك إلى الشاب، وقال له: أيها الشاب، زدتني هما على همي. ثم قال له: وأين تلك المرأة؟ قال: في المدفن الذي فيه العبد راقد في القبة، وهي تجيء له كل يوم مرة، وعند مجيئها تجيء إلي وتجردني من ثيابي، وتضربني بالسوط مائة ضربة، وأنا أبكي وأصيح، ولم يكن في حركة حتى أدفعها عن نفسي، ثم بعد أن تعاقبني تذهب إلى العبد بالشراب والمسلوقة بكرة النهار. قال الملك: والله يا فتى لأفعلن معك معروفا أذكر به، وجميلا يؤرخونه سيرا من بعدي. ثم جلس الملك يتحدث معه إلى أن أقبل الليل، ثم قام الملك وصبر إلى أن جاء وقت السحر، فتجرد من ثيابه، وتقلد سيفه، ونهض إلى المحل الذي فيه العبد، فنظر إلى الشمع والقناديل، ورأى البخور والأدهان، ثم قصد العبد وضربه فقتله، ثم حمله على ظهره، ورماه في بئر كانت في القصر، ثم نزل ولبس ثياب العبد وهو داخل في القبة، والسيف معه مسلول في طوله، فبعد ساعة أتت العاهرة الساحرة، وعند دخولها جردت ابن عمها من ثيابه، وأخذت سوطا وضربته، فقال: آه، يكفيني ما أنا فيه فارحميني. فقالت: هل كنت أنت رحمتني، وأبقيت لي معشوقي؟! ثم ألبسته اللباس الشعر والقماش من فوقه، ثم نزلت إلى العبد، ومعها قدح الشراب، وطاسة المسلوقة، ودخلت عليه القبة، وبكت وولولت، وقالت: يا سيدي كلمني، يا سيدي حدثني. وأنشدت تقول: # فإلى متى هذا التجنب والجفا %~% إن الذي فعل الغرام لقد كفا ~~كم قد تطيل الهجر لي متعمدا %~% إن كان قصدك حاسدي فقد اشتفى # ثم إنها بكت وقالت: يا سيدي، كلمني وحدثني. فخفض صوته، وعوج لسانه، وتكلم بكلام السودان وقال: آه، آه، لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما سمعت كلامه صرخت من الفرح، وغشي عليها، ثم إنها استفاقت، وقالت: لعل سيدي صحيح. فخفض الملك صوته بضعف، وقال: يا عاهرة، أنت لا تستحقين أن أكلمك. قالت: ما سبب ذلك؟ ms0039 قال: سببه أنك طول النهار تعاقبين زوجك، وهو يصرخ ويستغيث حتى أحرمتني النوم من العشاء إلى الصباح، ولم يزل زوجك يتضرع، ويدعو عليك حتى أقلقني صوته، ولولا هذا لكنت تعافيت، فهذا الذي منعني عن جوابك. # فقالت: عن إذنك أخلصه مما هو فيه. فقال لها الملك: خلصيه وأريحينا. فقالت: سمعا وطاعة. ثم قامت وخرجت من القبة إلى القصر، وأخذت طاسة ملأتها ماء، ثم تكلمت عليها، فصار الماء يغلي كما يغلي القدر، ثم رشته منها وقالت: بحق ما تلوته أن تخرج من هذه الصورة إلى صورتك الأولى. فانتفض الشاب وقام على قدميه وفرح بخلاصه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قالت له: اخرج ولا ترجع إلى هنا وإلا قتلتك. وصرخت في وجهه، فخرج من بين يديها، وعادت إلى القبة، ونزلت وقالت: يا سيدي، اخرج إلي حتى أنظرك. قال لها بكلام ضعيف: أي شيء فعلته أرحتني من الفرع ولم تريحيني من الأصل. فقالت: يا حبيبي، وما هو الأصل؟ قال: أهل هذه المدينة، والأربع جزائر، كل ليلة إذا انتصف الليل يرفع السمك رأسه ويدعو علي وعليك، فهو سبب منع العافية عن جسمي، فخلصيهم وتعالي خذي بيدي وأقيميني، فقد توجهت إلي العافية. فلما سمعت كلام الملك وهي تظنه العبد، قالت له وهي فرحانة: يا سيدي، على رأسي وعيني، باسم الله. ثم نهضت وقامت وهي مسرورة تجري، وخرجت إلى البركة، أخذت من مائها قليلا ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 9 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية الساحرة لما أخذت شيئا من ماء البركة، وتكلمت عليه بكلام لا يفهم، تحرك السمك ورفع رأسه، وصار آدميا في الحال، وانفك السحر عن أهل المدينة، وصارت المدينة عامرة، والأسواق منصوبة، وصار كل واحد في صناعته، وانقلبت الجبال جزائر كما كانت، ثم إن الصبية الساحرة رجعت إلى الملك في الحال، وهي تظن أنه العبد، وقالت: يا حبيبي، ناولني يدك الكريمة أقبلها. فقال الملك بكلام خفي: ms0040 تقربي مني. فدنت منه، وقد أخذ صارمه وطعنها به في صدرها، حتى خرج من ظهرها، ثم ضربها فشقها نصفين، وخرج فوجد الشاب المسحور واقفا في انتظاره، فهنأه بالسلامة، وقبل الشاب يده وشكره، فقال له الملك: أتقعد في مدينتك أم تجيء معي إلى مدينتي؟ فقال الشاب: يا ملك الزمان، أتدري ما بينك وبين مدينتك؟ فقال الملك: يومان ونصف. فعند ذلك قال له الشاب: أيها الملك، إن كنت نائما فاستيقظ، إن بينك وبين مدينتك سنة للمجد، وما أتيت في يومين ونصف إلا لأن المدينة كانت مسحورة، وأنا أيها الملك لا أفارقك لحظة عين. ففرح الملك بقوله، ثم قال: الحمد لله الذي من علي بك، فأنت ولدي؛ لأني طول عمري لم أرزق ولدا. ثم تعانقا وفرحا فرحا شديدا، ثم مشيا حتى وصلا إلى القصر، وأخبر الملك الذي كان مسحورا أرباب دولته أنه مسافر إلى الحج الشريف، فهيئوا له جميع ما يحتاج إليه، ثم توجه هو والسلطان، وقلب السلطان ملتهب على مدينته، حيث غاب عنها سنة، ثم سافر ومعه خمسون مملوكا، ومعه الهدايا. # ولم يزالا مسافرين ليلا ونهارا سنة كاملة حتى أقبلا على مدينة السلطان، فخرج الوزير والعساكر لمقابلته بعدما قطعوا الرجاء منه، وأقبلت العساكر وقبلت الأرض بين يديه، وهنئوه بالسلامة، فدخل وجلس على الكرسي، ثم أقبل على الوزير وأعلمه بكل ما جرى على الشاب، فلما سمع الوزير ما جرى على الشاب هنأه بالسلامة، ولما استقر الحال أنعم السلطان على أناس كثيرين، ثم قال للوزير: علي بالصياد الذي أتى بالسمك. فأرسل إلى ذلك الصياد الذي كان سببا لخلاص أهل المدينة، فأحضره وخلع عليه، وسأله عن حاله، وهل له أولاد؟ فأخبره أن له ابنا وبنتين، فتزوج الملك بإحدى بنتيه، وتزوج الشاب بالأخرى، وأخذ الملك الابن عنده، وجعله خازندارا، ثم أرسل الوزير إلى مدينة الشاب التي هي الجزائر السود، وقلده سلطنتها، وأرسل معه الخمسين مملوكا الذين جاءوا معه، وأرسل معه كثيرا من الخلع لسائر الأمراء، فقبل الوزير يديه، وخرج مسافرا، واستقر السلطان والشاب؛ وأما الصياد فإنه ms0041 قد صار أغنى أهل زمانه، وبناته زوجات الملوك إلى أن أتاهم الممات. ### || حكاية الحمال مع البنات # وما هذا بأعجب مما جرى للحمال؛ فإنه كان إنسانا من مدينة بغداد، وكان أعزب، وكان حمالا، فبينما هو في السوق يوما من الأيام متكئا على قفصه، إذ وقفت عليه امرأة ملتفة بإزار موصلي من حرير مزركش بالذهب، وحاشيتاه من قصب، فرفعت قناعها، فبان من تحته عيون سود بأهداب وأجفان، وهي ناعمة الأطراف، كاملة الأوصاف، وبعد ذلك قالت بحلاوة لفظها: هات قفصك واتبعني. فما صدق الحمال بذلك، وأخذ القفص وتبعها إلى أن وقفت على باب دار، فطرقت الباب فنزل لها رجل نصراني، فأعطته دينارا، وأخذت منه مقدارا من الزيتون، ووضعته في القفص، وقالت له: احمله واتبعني. فقال الحمال: هذا والله نهار مبارك. ثم حمل القفص وتبعها، فوقفت على دكان فكهاني، واشترت منه تفاحا شاميا، وسفرجلا عثمانيا، وخوخا عمانيا، وياسمينا حلبيا، ونينوفرا دمشقيا وخيارا نيليا، وليمونا مصريا، وأترجا سلطانيا، ومرسينا ريحانيا، وتمر حنا، وأقحوانا، وشقائق النعمان، وبنفسجا، وجلنارا، ونسرينا، ووضعت الجميع في قفص الحمال، وقالت له: احمل. فحمل وتبعها حتى وقفت على جزار، وقالت له: اقطع عشرة أرطال لحما. فقطع لها، ولفت اللحم في ورق موز، ووضعته في القفص، وقالت له: احمل يا حمال. فحمل وتبعها، ثم وقفت على النقلي، وأخذت من سائر النقل، وقالت للحمال: احمل واتبعني. فحمل القفص وتبعها إلى أن وقفت على دكان الحلواني، واشترت طبقا، وملأته من جميع ما عنده من مشبك، وقطائف بالمسك محشية، وصابونية، وأقراص ليمونية، وميمونية، وأمشاط، وأصابع، ولقيمات القاضي، ووضعت جميع أنواع الحلاوة في الطبق، ووضعته في القفص، فقال الحمال: لو أعلمتني لجئت معي ببغل نحمل عليه هذه الأمور. فتبسمت ثم وقفت على العطار، واشترت منه عشرة مياه من ماء ورد، وماء زهر، وماء خلاف، وغير ذلك، وأخذت قدرا من السكر، وأخذت مرش ماء ورد ممسك، وحصى لبان ذكر، وعودا وعنبرا ومسكا، وأخذت شمعا إسكندرانيا، وضعت الجميع في القفص، وقالت: احمل قفصك واتبعني. # فحمل القفص وتبعها به إلى ms0042 أن أتت دارا مليحة، وقدامها رحبة فسيحة، وهي عالية البنيان، مشيدة الأركان، بابها بشقتين من الأبنوس، مصفح بصفائح الذهب الأحمر، فوقفت الصبية على الباب ودقت دقا لطيفا، وإذا بالباب انفتح بشقتيه، فنظر الحمال إلى من فتح لها الباب، فوجدها صبية رشيقة القد، قاعدة النهد، ذات حسن وجمال، وقد واعتدال، وجبين كغرة الهلال، وعيون كعيون الغزلان، وحواجب كهلال رمضان، وخدود مثل شقائق النعمان، وفم كخاتم سليمان، ووجه كالبدر في الإشراق، ونهدين كرمانيتين باتفاق، وبطن مطوي تحت الثياب كطي السجل للكتاب؛ فلما نظر الحمال إليها سلبت عقله، وكاد القفص أن يقع من فوق رأسه، ثم قال: ما رأيت عمري أبرك من هذا النهار. فقالت الصبية البوابة للدلالة والحمال: مرحبا. وهي من داخل الباب، ومشوا حتى انتهوا إلى قاعة فسيحة مزركشة مليحة، ذات تراكيب وشازروانات ومصاطب، وسدلات وخزائن عليها الستور مرخيات، وفي وسط القاعة سرير من المرمر مرصع بالدر والجوهر، منصوب عليه ناموسية من الأطلس الأحمر، ومن داخله صبية بعيون بابلية، وقامة ألفية، ووجه يخجل الشمس المضية، فكأنها بعض الكواكب الدرية، أو عقيلة عربية، كما قال فيها الشاعر: # من قاس قدك بالغصن الرطيب فقد %~% أضحى القياس به زورا وبهتانا ~~الغصن أحسن ما نلقاه مكتسيا %~% وأنت أحسن ما نلقاك عريانا # فنهضت الصبية الثالثة من فوق السرير، وخطرت قليلا إلى أن صارت في وسط القاعة عند أختيها، وقالت: ما وقوفكم؟ حطوا عن رأس هذا الحمال المسكين. فجاءت الدلالة من قدامه، والبوابة من خلفه، وساعدتهما الثالثة، وحططن عن الحمال، وفرغن ما في القفص، وصفوا كل شيء في محله، وأعطين الحمال دينارين، وقلن له: توجه يا حمال. فنظر إلى البنات، وما هن فيه من الحسن والطبائع الحسان، فلم ير أحسن منهن، ولكن ليس عندهن رجال، ونظر ما عندهن من الشراب والفواكه والمشمومات، وغير ذلك؛ فتعجب غاية العجب، ووقف عن الخروج، فقالت له الصبية: ما لك لا تروح؟! هل أنت استقللت الأجرة؟ والتفتت إلى أختها وقالت لها: أعطيه دينارا آخر. فقال الحمال: والله يا سيداتي إن أجرتي نصفان، ms0043 وما استقللت الأجرة، وإنما اشتغل قلبي وسري بكن، وكيف حالكن وأنتن وحدكن، وما عندكن رجال، ولا أحد يؤانسكن؟ وأنتن تعرفن أن المنارة لا تثبت إلا على أربعة، وليس لكن رابع، وما يكمل حظ النساء إلا بالرجال كما قال الشاعر: # انظر إلى أربع عندي قد اجتمعت %~% جنك وعود وقانون ومزمار ![figure](../Images/figure5.png) # ولا زلن والحمال بينهن في رقص وغناء، وبسط وانشراح. # أنتن ثلاثة فتفتقرن إلى رابع يكون رجلا لبيبا حاذقا وللأسرار كاتما، فقلن له: نحن بنات، ونخاف أن نودع السر عند من لا يحفظه، وقد قرأنا في الأخبار شعرا: # صن عن سواك السر لا تودعه %~% من أودع السر فقد ضيعه # فلما سمع الحمال كلامهن قال: وحياتكن إني رجل عاقل أمين، قرأت الكتب، وطالعت التواريخ، أظهر الجميل، وأخفي القبيح، وأعمل بقول الشاعر: # لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة %~% والسر عند خيار الناس مكتوم ~~السر عندي في بيت له علق %~% ضاعت مفاتحه والباب مختوم # فلما سمعت البنات الشعر وما أبداه من الكلام، قلن له: أنت تعلم أننا غرمنا على هذا المقام جملة من المال، فهل معك شيء تجازينا به؟ فنحن لا ندعك تجلس عندنا حتى تغرم مبلغنا من المال؛ لأن خاطرك أن تجلس عندنا، وتصير نديمنا، وتطلع على وجوهنا الصباح الملاح. فقالت صاحبة الدار: إذا كانت بغير المال محبة فلا تساوي وزن حبة. وقالت البوابة: إن لم يكن معك شيء رح بلا شيء. فقالت الدلالة: يا أختي، نكف عنه، فوالله ما قصر اليوم معنا، ولو كان غيره ما طول روحه علينا، ومهما جاء عليه أغرمه عنه. ففرح الحمال، وقال: والله ما استفتحت بالدراهم إلا منك. فقلن له: اجلس على الرأس والعين. وقامت الدلالة وشدت وسطها، وصفت القناني، وروقت المدام، وعملت الحضرة على جانب البحر، وأحضرت ما يحتاجون إليه، ثم قدمت المدام، وجلست هي وأختها، وجلس الحمال بينهن، وهو يظن أنه في المنام؛ ثم قدمت باطية المدام، وملأت أول قدح وشربته والثاني والثالث، ثم ملأت وناولت أختها الأخرى، ثم ملأت وناولت الحمال، فأخذ الحمال منها ms0044 الكأس وأنشد هذا الشعر: # اشرب الراح فائزا بالعوافي %~% إن هذا الشراب للداء شاف # وقال أيضا هذا البيت: # لا يشرب الراح إلا من به طرب %~% يكون بالسكر في أفراحه راقي # وبعد هذا الشعر قبل أيديهن وشرب معهن، ثم نزل عند صاحبة المحل وقال: يا سيدتي، أنا عبدك ومملوكك وخدامك، وأنشد يقول: # على الباب عبد من عبيدك واقف %~% بجودك والإحسان والشكر عارف # فقالت: اشرب هنيئا وعافية في مجاري الصحة. فأخذ الكأس وقبل يدها وترنم بقول الشاعر: # ناولتها شبه خديها مشعشعة %~% حمراء يحكي سناها ضوء مقباس ~~فقبلتها وقالت وهي ضاحكة: %~% فكيف تسقي خدود الناس للناس؟ ~~قلت: اشربي فهي من دمعي وحمرتها %~% دمي ومازجها في الكأس أنفاسي # فأخذت الصبية القدح وشربته ونزلت عند أختها، ولا زلن والحمال بينهن في رقص وغناء ومشمومات، ولم يزل الحمال معهن في عناق وتقبيل، وهذه تكلمه وهذه تجذبه، وهذه بالمشموم تضربه، وهو معهن حتى لعبت الخمرة بعقولهم، فلما تحكم الشراب معهم قامت البوابة، وتجردت من ثيابها وصارت عريانة، ثم رمت نفسها في تلك البحيرة، ولعبت في الماء، وأخذت الماء في فمها وبخت الحمال، ثم غسلت أعضاءها وما بين فخذيها، ثم طلعت من الماء ورمت نفسها في حجر الحمال، وقالت له: يا حبيبي، ما اسم هذا؟ وأشارت إلى فرجها، فقال الحمال: رحمك الله. فقالت: يوه يوه، أما تستحي! ومسكته من رقبته، وصارت تصكه، فقال: فرجك. فقالت: غيره. فقال: كسك. فقالت: غيره. فقال: زنبورك. فلم تزل تصكه حتى ذاب قفاه ورقبته من الصك، ثم قال لها: وما اسمه؟ فقالت له: حبق الجسور. فقال الحمال: الحمد لله على السلامة يا حبق الجسور. # ثم إنهم أداروا الكأس والطاس، فقامت الثانية وخلعت ثيابها، ورمت نفسها في تلك البحيرة، وعملت مثل الأولى، وطلعت ورمت نفسها في حجر الحمال، وأشارت إلى فرجها وقالت: يا نور عيني، ما اسم هذا؟ قال: فرجك. قالت: أما يقبح عليك هذا الكلام! وصكته كفا طن له سائر ما في القاعة، فقال: حبق الجسور. فقالت: لا. والضرب والصك على قفاه، فقال لها: ms0045 وما اسمه؟ فقالت له: السمسم المقشور. # ثم قامت الثالثة وخلعت ثيابها، ونزلت تلك البحيرة، وفعلت مثل من قبلها، ثم لبست ثيابها، وألقت نفسها في حجر الحمال، وقالت له أيضا: ما اسم هذا؟ وأشارت الى فرجها، فصار يقول لها كذا وكذا، إلى أن قال لها وهي تضربه: وما اسمه؟ فقالت: خان أبي منصور. فقال: الحمد لله على السلامة يا خان أبي منصور. # ثم بعد ساعة قام الحمال ونزع ثيابه ونزل في البحيرة، وذكره يسبح في الماء، وغسل مثل ما غسلن، ثم طلع ورمى نفسه في حجر سيدتهن، ورمى ذراعيه في حجر البوابة، ورمى رجليه في حجر الدلالة، ثم أشار إلى أيره، وقال: يا سيدتي، ما اسم هذا؟ فضحك الكل على كلامه حتى انقلبن على ظهورهن، وقلن: زبك. قال: لا. وأخذ من كل واحدة عضة، قلن: أيرك. قال: لا. وأخذ من كل واحدة حضنا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 10 # قالت لها أختها دنيازاد: يا أختي، أتممي لنا حديثك. قالت: حبا وكرامة. قد بلغني أيها الملك السعيد أنهن لم يزلن يقلن زبك أيرك، وهو يقبل ويعض ويعانق، وهن يتضاحكن، إلى أن قلن له: وما اسمه؟ قال: اسمه البغل الجسور، الذي يرعى حبق الجسور، ويعلق بالسمسم المقشور، ويبيت في خان أبي منصور. فضحكن حتى استلقين على ظهورهن، ثم عادوا إلى منادمتهم، ولم يزالوا كذلك إلى أن أقبل الليل عليهم، فقلن للحمال: توجه وأرنا عرض أكتافك. فقال الحمال: والله خروج الروح أهون من الخروج من عندكن، دعونا نصل الليل بالنهار، وكل منا يروح إلى حال سبيله. فقالت الدلالة: بحياتي عندكن تدعنه ينام عندنا نضحك عليه؛ فإنه خليع ظريف. فقلن له: تبيت عندنا بشرط أن تدخل تحت الحكم، ومهما رأيته لا تسأل عنه، ولا عن سببه. فقال: نعم. فقلن: قم، واقرأ ما على الباب مكتوبا. فقام إلى الباب فوجد مكتوبا عليه بماء الذهب: لا تتكلم فيما لا يعنيك، تسمع ما لا يرضيك. فقال الحمال: اشهدوا أني لا أتكلم فيما لا ms0046 يعنيني. # ثم قامت الدلالة جهزت لهم مأكولا فأكلوا، ثم أوقدوا الشمع والعود، وقعدوا في أكل وشرب، وإذا هم سمعوا دق الباب، فلم يختل نظامهم، فقامت واحدة منهن إلى الباب، ثم عادت وقالت: قد كمل صفانا في هذه الليلة؛ لأني وجدت بالباب ثلاثة أعاجم ذقونهم محلوقة، وهم الثلاثة عور بالعين الشمال، وهذا من أعجب الاتفاق، وهم ناس غرباء قد حضروا من أرض الروم، ولكل واحد منهم شكل وصورة مضحكة، فإن دخلوا نضحك عليهم. ولم تزل تتلطف بصاحبتيها حتى قالتا لها: دعيهم يدخلون، واشرطي عليهم ألا يتكلموا فيما لا يعنيهم، فيسمعوا ما لا يرضيهم. ففرحت وراحت، ثم عادت ومعها الثلاثة العور، ذقونهم محلوقة، وشواربهم مبرومة ممشوقة، وهم صعاليك، فسلموا وتأخروا، فقامت لهم البنات وأقعدوهم، فنظر الثلاثة رجال إلى الحمال فوجدوه سكران، فلما عاينوه ظنوا أنه منهم، وقالوا: هو صعلوك مثلنا يؤانسنا. فلما سمع الحمال هذا الكلام قام وقلب عينيه، وقال لهم: اقعدوا بلا فضول، أما قرأتم ما على الباب؟ فضحك البنات وقلن لبعضهن: إننا نضحك بين الصعاليك والحمال. # ثم وضعن الأكل للصعاليك، فأكلوا ثم جلسوا يتنادمون، والبوابة تسقيهم، ولما دار الكأس بينهم قال الحمال للصعاليك: يا إخوتنا، هل معكم حكاية أو نادرة تسلوننا بها؟ فدبت فيهم الحرارة، وطلبوا آلات اللهو، فأحضرت لهم البوابة دفا موصليا، وعودا عراقيا، وجنكا عجميا، فقام الصعاليك واقفين، وأخذ واحد منهم الدف، وأخذ واحد العود، وأخذ واحد الجنك، وضربوا بها، وغنت البنات، وصار لهم صوت عال، فبينما هم كذلك وإذا بطارق يطرق الباب، فقامت البوابة لتنظر من بالباب، وكان السبب في دق الباب أن في تلك الليلة نزل الخليفة هارون الرشيد لينظر ويسمع ما يتجدد من الأخبار هو وجعفر وزيره، ومسرور سياف نقمته، وكان من عادته أن يتنكر في صفة التجار، فلما نزل تلك الليلة ومشى في المدينة، جاءت طريقهم على تلك الدار فسمعوا آلات الملاهي، فقال الخليفة لجعفر: إني أريد أن ندخل هذه الدار، ونشاهد صاحب هذه الأصوات. فقال جعفر: هؤلاء قوم قد دخل السكر فيهم، ونخشى ms0047 أن يصيبنا منهم شر. فقال: لا بد من دخولنا، وأريد أن تتحيل حتى ندخل عليهم. فقال جعفر: سمعا وطاعة. ثم تقدم جعفر وطرق الباب، فخرجت البوابة وفتحت الباب، فقال لها: يا سيدتي، نحن تجار من طبرية، ولنا في بغداد عشرة أيام، ومعنا تجارة ونحن نازلون في خان التجار، وعزم علينا تاجر في هذه الليلة فدخلنا عنده، وقدم لنا طعاما فأكلنا، ثم تنادمنا عنده ساعة، ثم أذن لنا بالانصراف، فخرجنا بالليل ونحن غرباء، فتهنا عن الخان الذي نحن فيه، فنرجو من مكارمكم أن تدخلونا هذه الليلة نبيت عندكم، ولكم الثواب. # فنظرت البوابة إليهم فوجدتهم بهيئة التجار، وعليهم الوقار، فدخلت لصاحبتيها وشاورتهما، فقالتا لها: أدخليهم. فرجعت وفتحت لهم الباب، فقالوا: أندخل بإذنك؟ قالت: ادخلوا. فدخل الخليفة وجعفر ومسرور، فلما رأتهم البنات قمن لهم وخدمنهم، وقلنا: مرحبا وأهلا وسهلا بأضيافنا، ولنا عليكم شرط ألا تتكلموا فيما لا يعنيكم، فتسمعوا ما لا يرضيكم. قالوا: نعم. وبعد ذلك جلسوا للشراب والمنادمة، فنظر الخليفة إلى الثلاثة الصعاليك، فوجدهم عور بالعين الشمال، فتعجب منهم، ونظر إلى البنات وما هم فيه من الحسن والجمال فتحير وتعجب، واستمروا في المنادمة والحديث، وأتين للخليفة بشراب، فقال: أنا حاج. وانعزل عنهم، فقامت البوابة وقدمت له صفرة مزركشة، ووضعت عليها باطية من الصيني، وسكبت فيها ماء الخلاف، وأرخت فيه قطعة من الثلج، ومزجته بسكر، فشكرها الخليفة، وقال في نفسه: لا بد أن أجازيها في غد على فعلها من صنيع الخير. # ثم اشتغلوا بمنادمتهم، فلما تحكم الشراب قامت صاحبة البيت وخدمتهم، ثم أخذت بيد الدلالة وقالت: يا أختي، قومي لنقضي ديننا. فقالت لها: نعم. فعند ذلك قامت البوابة، وأطلعت الصعاليك خلف الأبواب قدامهن، وذلك بعد أن أخلت وسط القاعة، ونادين الحمال وقلن له: ما أقل مودتك! ما أنت غريب، بل أنت من أهل الدار. فقام الحمال وشد وسطه وقال: ما تريدين؟ فقالت: قف مكانك. ثم قامت الدلالة وقالت للحمال: ساعدني. فرأى كلبتين من الكلاب السود في رقبتيهما جنازير. فأخذهما الحمال ودخل بهما إلى ms0048 وسط القاعة، فقامت صاحبة المنزل، وشمرت عن معصمها، وأخذت سوطا وقالت للحمال: قدم كلبة منهما. فجرها في الجنزير وقدمها، والكلبة تبكي وتحرك رأسها إلى الصبية، فنزلت الصبية عليها بالضرب على رأسها والكلبة تصرخ، ولا زالت تضربها حتى كلت سواعدها، فرمت السوط من يدها، ثم ضمت الكلبة إلى صدرها، ومسحت دموعها، وقبلت رأسها، ثم قالت للحمال: ردها وهات الثانية. فجاء بها، وفعلت بها مثل ما فعلت بالأولى، فعند ذلك اشتغل قلب الخليفة، وضاق صدره، وغمز جعفر أن يسألها، فقال له بالإشارة: اسكت. # ثم التفتت صاحبة البيت للبوابة، وقالت لها: قومي لقضاء ما عليك. قالت: نعم. ثم إن صاحبة البيت صعدت على سرير من المرمر مصفح بالذهب والفضة، وقالت للبوابة والدلالة: ائتيا بما عندكما. فأما البوابة فإنها صعدت على سرير بجانبها، وأما الدلالة فإنها دخلت مخدعا، وأخرجت منه كيسا من الأطلس بأهداب خضر، ووقفت قدام الصبية صاحبة المنزل، ونفضت الكيس، وأخرجت منه عودا، وأصلحت أوتاره، وأنشدت هذه الأبيات: # ردا على جفني النوم الذي سلبا %~% وخبراني بعقلي أية ذهبا ~~علمت لما رضيت الحب منزلة %~% أن المنام على جفني قد غضبا ~~قالوا عهدناك من أهل الرشاد فما %~% أغواك؟ قلت اطلبوا من لحظه السببا ~~إني له عن دم المسفوك معتذر %~% أقول حملته في سفكه تعبا ~~ألقى بمرآة فكري شمس صورته %~% فعكسها شب في أحشائي اللهبا ~~من صاغه الله من ماء الحياة وقد %~% أجرى بقيته في ثغره شنبا ~~ماذا ترى في محب ما ذكرت له %~% إلا شكا أو بكى أو حن أو طربا ~~يرى خيالك في الماء الزلال إذا %~% رام الشراب فيروى وهو ما شربا # وأنشدت أيضا: # سكرت من لحظه لا من مدامته %~% ومال بالنوم عيني عن تمايله ~~فما السلاف سلتني بل سوالفه %~% وما الشمول شلتني بل شمائله ~~لوى بعزمي أصداغ لوين له %~% وغال عقلي بما تحوي غلائله # فلما سمعت الصبية ذلك قالت: طيبك الله. ثم شقت ثيابها، ووقعت على الأرض مغشيا عليها، فلما انكشف جسدها رأى الخليفة أثر ضرب المقارع والسياط، فتعجب من ذلك غاية ms0049 العجب، فقامت البوابة ورشت الماء على وجهها، وأتت إليها بحلة وألبستها إياها، فقال الخليفة لجعفر: أما تنظر إلى هذه المرأة، وما عليها من أثر الضرب، فأنا لا أقدر أن أسكت على هذا، ولا أستريح إلا إن وقفت على حقيقة خبر هذه الصبية، وحقيقة خبر هاتين الكلبتين. فقال جعفر: يا مولانا، قد شرطوا علينا شرطا وهو ألا نتكلم فيما لا يعنينا، فنسمع ما لا يرضينا. ثم قامت الدلالة فأخذت العود، وأسندته إلى نهدها، وغمزته بأناملها، وأنشدت تقول: # إن شكونا الهوى فماذا تقول %~% أو تلفنا شوقا فماذا السبيل ~~أو بعثنا رسلا تترجم عنا %~% ما يؤدي شكوى المحب رسول ~~أو صبرنا فما لنا من بقاء %~% بعد فقد الأحباب إلا قليل ~~ليس إلا تأسفا ثم حزنا %~% ودموعا على الخدود تسيل ~~أيها الغائبون عن لمح عيني %~% أنتم في الفؤاد مني حلول ~~هل حفظتم في الغيب عهدا لصب %~% ليس عنه مدى الزمان يحول ~~أم نسيتم على التباعد صبا %~% شفه فيكم الضنى والنحول ~~وإذا الحشر ضمنا أتمنى %~% من لدن ربنا حسابا يطول # فلما سمعت المرأة الثانية شعر الدلالة، شقت ثيابها كما فعلت الأولى وصرخت، ثم ألقت نفسها على الأرض مغشيا عليها، فقامت الدلالة وألبستها حلة ثانية بعد أن رشت الماء على وجهها، ثم قامت المرأة الثالثة وجلست على سرير، وقالت للدلالة: غني لي لأوفي ديني، فما بقي غير هذا الصوت. فأصلحت الدلالة العود، وأنشدت هذه الأبيات: # فإلى متى هذا الصدود وذا الجفا %~% فلقد جرى من أدمعي ما قد كفى ~~كم قد أطلت الهجر لي متعمدا %~% إن كان قصدك حاسدي فقد اشتفى ~~لو أنصف الدهر الخئون لعاشق %~% ما كان يوما للعواذل منصفا ~~فلمن أبوح بصبوتي يا قاتلي %~% يا خيبة الشاكي إذا فقد الوفا ~~ويزيد وجدي في هواك تلهفا %~% فمتى وعدت ولا رأيتك مخلفا ~~يا مسلمون خذوا بثأر متيم %~% ألف السهاد لديه طرف ما غفا ~~أيحل في شرع الغرام تذللي %~% ويكون غيري بالوصال مشرفا ~~ولقد كلفت بحبكم متلذذا %~% وغدا عذولي في الهوى متكلفا # فلما سمعت المرأة الثالثة قصيدتها، صرخت ms0050 وشقت ثيابها، وألقت نفسها على الأرض مغشيا عليها، فلما انكشف جسدها ظهر فيه ضرب المقارع مثل من قبلها، فقال الصعاليك: ليتنا ما دخلنا هذه الدار، وكنا بتنا على الكيمان؛ فقد تكدر مبيتنا هنا بشيء يقطع الصلب. فالتفت الخليفة إليهم وقال لهم: لم ذلك؟ قالوا: قد اشتغل سرنا بهذا الأمر. فقال الخليفة: أما أنتم من هذا البيت؟ قالوا: لا، ولا ظننا هذا الموضع إلا للرجل الذي عندكم. فقال الحمال: والله ما رأيت هذا الموضع إلا هذه الليلة، وليتني بت على الكيمان، ولم أبت فيه. فقال الجميع: نحن سبعة رجال، وهن ثلاث نسوة، وليس لهن رابعة، فنسألهن عن حالهن، فإن لم يجبننا طوعا أجبننا كرها. واتفق الجميع على ذلك، فقال جعفر: ما هذا رأي سديد، دعوهن فنحن ضيوف عندهن، وقد شرطن علينا شرطا فنوفي به، ولم يبق من الليل إلا القليل، وكل منا يمضي إلى حال سبيله. ثم إنه غمز الخليفة وقال: ما بقي غير ساعة، وفي غد تحضرهن بين يديك فتسألهن عن قصتهن. فأبى الخليفة وقال: لم يبق لي صبر عن خبرهن، وقد كثر بينهن القيل والقال. ثم قالوا: ومن يسألهن؟ فقال بعضهم: الحمال. ثم قال لهم النساء: يا جماعة، في أي شيء تتكلمون؟ فقام الحمال لصاحبة البيت، وقال لها: يا سيدتي، سألتك بالله، وأقسم عليك به أن تخبرينا عن حال الكلبتين، وأي سبب تعاقبينهما، ثم تعودين تبكين وتقبلينهما، وأن تخبرينا عن سبب ضرب أختك بالمقارع، وهذا سؤالنا والسلام. # فقالت صاحبة المكان للجماعة: أصحيح ما يقوله عندكم؟! فقال الجميع: نعم. إلا جعفر فإنه سكت، فلما سمعت الصبية كلامهم، قالت: والله لقد آذيتمونا يا ضيوفنا الأذية البالغة، وتقدم لنا أننا شرطنا عليكم أن من تكلم فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه، أما كفى أننا أدخلناكم منزلنا، وأطعمناكم زادنا، ولكن لا ذنب لكم، وإنما الذنب لمن أوصلكم إلينا. ثم شمرت عن معصمها، وضربت الأرض ثلاث ضربات، وقالت: عجلوا. وإذا بباب خزانة قد فتح، وخرج منه سبعة عبيد، وبأيديهم سيوف مسلولة، فقالت: كتفوا ms0051 هؤلاء الكثير كلامهم، واربطوا بعضهم ببعض. ففعلوا، وقالوا: أيتها المخدرة، ائذني لنا في ضرب رقابهم. فقالت: أمهلوهم ساعة حتى أسألهم عن حالهم قبل ضرب رقابهم. فقال الحمال: بالله يا سيدتي لا تقتليني بذنب الغير، فإن الجميع أخطئوا، ودخلوا في الذنب إلا أنا، والله لقد كانت ليلتنا طيبة لو سلمنا من هؤلاء الصعاليك الذين لو دخلوا مدينة عامرة لأخربوها، ثم أنشد يقول: # ما أحسن العفو عن القادر %~% لا سيما عن غير ذي ناصر ~~بحرمة الود الذي بيننا %~% لا تقتل الأول بالآخر # فلما فرغ الحمال من كلامه، ضحكت الصبية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 11 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية لما ضحكت بعد غيظها، أقبلت على الجماعة وقالت: أخبروني بخبركم، فما بقي من عمركم إلا ساعة، ولولا أنتم أعزاء وأكابر قومكم أو حكام لعجلت جزاءكم. فقال الخليفة: ويلك يا جعفر، عرفها بنا وإلا تقتلنا. فقال جعفر: من بعض ما نستحق. فقال له الخليفة: لا ينبغي الهزل في وقت الجد، كل منهما له وقت. ثم إن الصبية أقبلت على الصعاليك، وقالت لهم: هل أنتم إخوة؟ فقالوا لها: لا والله، ما نحن إلا فقراء الحجام. فقالت لواحد منهم: هل أنت ولدت أعور؟ فقال: لا والله، وإنما قد جرى لي أمر عجيب حين تلفت عيني، ولهذا الأمر حكاية لو كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر. فسألت الثاني والثالث فقالا لها مثل الأول، ثم قالوا: إن كل واحد منا من بلد وإن حديثنا عجيب، وأمرنا غريب. فالتفتت الصبية لهم، وقالت: كل واحد منكم يحكي حكايته، وما سبب مجيئه إلى مكاننا، ثم يملس على رأسه، ويروح إلى حال سبيله. فأول من تقدم الحمال، فقال: يا سيدتي، أنا رجل حمال حملتني هذه الدلالة، وأتت بي إلى هنا، وجرى لي معكن ما جرى، وهذا حديثي والسلام. فقالت له: ملس على رأسك ورح. فقال: والله ما أروح حتى أسمع حديث رفقائي. ### || حكاية الصعلوك الأول # فتقدم الصعلوك الأول، وقال لها: يا ms0052 سيدتي، اعلمي أن سبب حلق ذقني وتلف عيني أن والدي كان ملكا وله أخ، وكان أخوه ملكا على مدينة أخرى، واتفق أن أمي ولدتني في اليوم الذي ولد فيه ابن عمي، ثم مضت سنون وأعوام وأيام حتى كبرنا، وكنت أزور عمي في بعض السنين، وأقعد عنده أشهرا عديدة، فزرته مرة فأكرمني ابن عمي غاية الإكرام، وذبح لي الأغنام، وروق لي المدام، وجلسنا للشراب، فلما تحكم الشراب فينا قال ابن عمي: يا ابن عمي، إن لي عندك حاجة مهمة، وأريد ألا تخالفني فيما أريد أن أفعله. فقلت له: حبا وكرامة. # فاستوثق مني بالأيمان العظام، ونهض من وقته وساعته، وغاب قليلا ثم عاد وخلفه امرأة مزينة مطيبة، وعليها من الحلل ما يساوي مبلغا عظيما، فالتفت إلي والمرأة خلفه، وقال: خذ هذه المرأة واسبقني على الجبانة الفلانية. ووصفها لي فعرفتها، وقال لي: ادخل بها التربة، وانتظرني هناك. فلم يمكنني المخالفة، ولم أقدر على رد سؤاله لأجل اليمين الذي حلفته، فأخذت المرأة وسرت إلى أن دخلت التربة أنا وهي، فلما استقر بنا الجلوس جاء ابن عمي ومعه طاسة فيها ماء وكيس فيه جبس وقادوم، ثم إنه أخذ القادوم وجاء إلى قبر في وسط التربة ففكه، ونقض أحجاره إلى ناحية التربة، ثم حفر بالقادوم في الأرض حتى كشف عن طابق قدر الباب الصغير، فبان من تحت الطابق سلم معقود، ثم التفت إلى المرأة بالإشارة، وقال لها: دونك وما تختارين. فنزلت المرأة على ذلك السلم، ثم التفت إلي وقال: يا ابن عمي تمم المعروف، إذا نزلت أنا في ذلك الموضع فرد الطابق، ورد عليه التراب كما كان، وهذا تمام المعروف، وهذا الجبس الذي في الكيس، وهذا الماء الذي في الطاسة أعجن منه الجبس وجبس القبر في دائر الأحجار كما كان أولا حتى لا يعرفه أحد، ولا يقول هذا فتح جديد وبطنه عتيق؛ لأن لي سنة كاملة وأنا أعمل فيه، وما يعلم به إلا الله، وهذه حاجتي عندك. ثم قال لي: لا أوحش الله منك يا ابن ms0053 عمي. ثم نزل على السلم. # فلما غاب عني قمت ورددت الطابق، وفعلت ما أمرني به، حتى صار القبر كما كان، ثم رجعت إلى قصر عمي، وكان عمي في الصيد والقنص، فنمت تلك الليلة، فلما أصبح الصباح تذكرت الليلة الماضية وما جرى فيها بيني وبين ابن عمي، وندمت على ما فعلت معه حيث لا ينفع الندم، ثم خرجت إلى المقابر وفتشت على التربة فلم أعرفها، ولم أزل أفتش حتى أقبل الليل، ولم أهتد إليها، فرجعت إلى القصر ولم آكل ولم أشرب، وقد اشتغل خاطري بابن عمي من حيث لا أعلم له حالا، فاغتممت غما شديدا، وبت ليلتي مغموما إلى الصباح، فجئت ثانيا إلى الجبانة، وأنا أفكر فيما فعله ابن عمي، وندمت على سماعي منه، وقد فتشت في الترب جميعا، فلم أعرف تلك التربة، ولازمت التفتيش سبعة أيام فلم أعرف له طريقا، فزاد بي الوسواس حتى كدت أن أجن، فلم أجد فرجا دون أن سافرت، ورجعت إلى أبي، فساعة وصولي إلى مدينة أبي نهض إلي جماعة على باب المدينة وكتفوني، فتعجبت كل العجب لأني ابن سلطان المدينة، وهم خدم أبي وغلماني، ولحقني منهم خوف زائد، فقلت في نفسي: يا ترى ما جرى على والدي؟! وصرت أسأل الذين كتفوني عن سبب ذلك، فلم يردوا علي جوابا، ثم بعد حين قال لي بعضهم، وكان خادما عندي: إن أباك قد غدر به الزمان، وخانته العساكر، وقتله الوزير، ونحن نترقب وقوعك. # فأخذوني، وأنا غائب عن الدنيا بسبب هذه الأخبار التي سمعتها عن أبي، فلما تمثلت بين يدي الوزير الذي قتل أبي، وكان بيني وبينه عداوة قديمة، وسبب تلك العداوة أني كنت مولعا بضرب البندق، فاتفق أني كنت واقفا يوما من الأيام على سطح قصري، وإذا بطائر نزل على سطح قصر الوزير، وكان واقفا هناك، فأردت أن أضرب الطير، وإذا بالبندقة أخطأت وأصابت عين الوزير، فأتلفتها بالقضاء والقدر، كما قال الشاعر: # دع الأقدار تفعل ما تشاء %~% وطب نفسا بما فعل القضاء ~~ولا تفرح ولا تحزن بشيء %~% فإن ms0054 الشيء ليس له بقاء # وكما قال الآخر: # مشيناها خطى كتبت علينا %~% ومن كتبت عليه خطى مشاها ~~ومن كانت منيته بأرض %~% فليس يموت في أرض سواها # ثم قال ذلك الصعلوك: فلما أتلفت عين الوزير لم يقدر أن يتكلم لأن والدي كان ملك المدينة؛ فهذا سبب العداوة التي بيني وبينه، فلما وقفت قدامه وأنا مكتف، أمر بضرب عنقي، فقلت: أتقتلني بغير ذنب؟! فقال: أي ذنب أعظم من هذا؟ وأشار إلى عينه المتلفة، فقلت له: فعلت ذلك خطأ. فقال: إن كنت فعلته خطأ، فأنا أفعله بك عمدا. ثم قال: قدموه بين يدي. فقدموني بين يديه، فمد أصبعه في عيني الشمال فأتلفها؛ فصرت من ذلك الوقت أعور كما تروني، ثم كتفني ووضعني في صندوق، وقال للسياف: تسلم هذا، وأشهر حسامك وخذه واذهب به إلى خارج المدينة، واقتله ودعه للوحوش تأكله. فذهب بي السياف، وسار حتى خرج من المدينة، وأخرجني من الصندوق، وأنا مكتوف اليدين مقيد الرجلين، وأراد أن يغمض عيني ويقتلني، فبكيت وأنشدت هذه الأبيات: # جعلتكم الدرع الحصين لتمنعوا %~% سهام العدى عني فكنتم نصالها ~~وكنت أرجي عند كل ملمة %~% تخص يميني أن تكون شمالها ~~دعوا قصة العذال عني بمعزل %~% وخلوا العدى ترمي إلي نبالها ~~إذا لم تجد نفسي مكايدة العدى %~% فكونوا سكوتا لا عليها ولا لها # وأنشدت أيضا هذه الأبيات: # وإخوان تخذتهم دروعا %~% فكانوها ولكن للأعادي ~~وخلتهم سهاما صائبات %~% فكانوها ولكن في فؤادي ~~وقالوا قد صفت منا قلوب %~% لقد صدقوا ولكن عن ودادي ~~وقالوا قد سعينا كل سعي %~% لقد صدقوا ولكن في فسادي # فلما سمع السياف شعري، وكان سياف أبي، ولي عليه إحسان، قال: يا سيدي، كيف أفعل وأنا عبد مأمور؟! ثم قال لي: فز بعمرك، ولا تعد إلى هذه الأرض فتهلك، وتهلكني معك، كما قال الشاعر: # ونفسك فز بها إن خفت ضيما %~% وخل الدار تنعي من بناها ~~فإنك واجد أرضا بأرض %~% ونفسك لم تجد نفسا سواها ~~عجبت لمن يعيش بدار ذل %~% وأرض الله واسعة فلاها ~~ومن كانت منيته بأرض %~% فليس يموت في أرض ms0055 سواها ~~وما غلظت رقاب الأسد حتى %~% بأنفسها تولت ما عناها # فلما قال لي ذلك قبلت يديه، وما صدقت بالنجاة حتى فررت، وهان علي تلف عيني بنجاتي من القتل، وسافرت حتى وصلت إلى مدينة عمي، فدخلت عليه وأعلمته بما جرى لوالدي، وبما جرى لي من تلف عيني، فبكى بكاء شديدا، وقال: لقد زدتني هما على همي، وغما على غمي؛ فإن ابن عمك قد فقد منذ أيام، ولم أعلم بما جرى له، ولم يخبرني أحد بخبره. وبكى حتى أغمي عليه، فلما استفاق قال: يا ولدي، لقد حزنت على ابن عمك حزنا شديدا، وأنت زدتني بما حصل لأبيك غما على غمي، ولكن يا ولدي بعينك ولا بروحك. # ثم إني لم يمكني السكوت عن ابن عمي الذي هو ولده، فأعلمته بالذي جرى له كله، ففرح عمي بما قلته له فرحا شديدا عند سماع خبر ابنه، وقال: أرني التربة. فقلت: والله يا عمي لم أعرف مكانها؛ لأني رحت بعد ذلك مرات لأفتش عليها فلم أعرف مكانها. ثم ذهبت أنا وعمي إلى الجبانة، ونظرت يمينا وشمالا فعرفتها، ففرحت أنا وعمي فرحا شديدا، ودخلت أنا وإياه التربة، وأزحنا التراب، ورفعنا الطابق، ونزلت أنا وعمي مقدار خمسين درجة، فلما وصلنا إلى آخر السلم، وإذا بدخان طلع علينا فغشي أبصارنا، فقال عمي الكلمة التي لا يخاف قائلها وهي: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم مشينا وإذا نحن بقاعة ممتلئة دقيقا وحبوبا ومأكولا، وغير ذلك، ورأينا في وسط القاعة ستارة مسبولة على سرير، فنظر عمي إلى السرير فوجد ابنه هو والمرأة التي قد نزلت معه صارا فحما أسود، وهما متعانقان كأنهما ألقيا في جب نار، فلما نظر عمي ذلك بصق في وجهه، وقال: تستحق يا خبيث، فهذا عذاب الدنيا، وبقي عذاب الآخرة وهو أشد وأبقى. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 12 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصعلوك قال للصبية، والجماعة والخليفة وجعفر يسمعون الكلام: ثم إن عمي ضرب ولده بالنعال وهو ms0056 راقد كالفحم الأسود، فتعجبت من ضربه، وحزنت على ابن عمي حيث صار هو والصبية فحما أسود، ثم قلت: بالله يا عمي، خفف الهم عن قلبك، فقد اشتغل سري وخاطري بما قد جرى لولدك، وكيف صار هو والصبية فحما أسود، أما يكفيك ما هو فيه حتى تضربه بالنعال؟! فقال: يا ابن أخي، ولدي هذا كان من صغره مولعا بحب أخته، وكنت أنهاه عنها، وأقول في نفسي: إنهما صغيران، فلما كبرا وقع بينهما القبيح، وسمعت بذلك ولم أصدق، ولكني زجرته زجرا بليغا، وقلت له: احذر من هذه الفعال القبيحة التي لم يفعلها أحد قبلك، ولا يفعلها أحد بعدك؛ وإلا نبقى بين الملوك بالعار والنقصان إلى الممات، وتشيع أخبارنا مع الركبان، وإياك أن تصدر منك هذه الفعال، فإني أسخط عليك وأقتلك. ثم حجبته عنها، وحجبتها عنه، وكانت الخبيثة تحبه محبة عظيمة، وقد تمكن الشيطان فيهما، فلما رآني حجبته، فعل هذا المكان الذي تحت الأرض خفية، ونقل فيه المأكول كما تراه، واستغلني لما خرجت إلى الصيد، وأتى إلى هذا المكان فغار عليه وعليها الحق - سبحانه وتعالى - وأحرقهما، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. ثم بكى وبكيت معه، وقال لي: أنت ولدي عوضا عنه. # ثم إني تفكرت ساعة في الدنيا وحوادثها؛ من قتل الوزير لوالدي، وأخذه مكانه، وتلف عيني، وما جرى لابن عمي من الحوادث الغريبة؛ فبكيت، ثم إننا صعدنا ورددنا الطابق والتراب، وعملنا القبر كما كان، ثم رجعنا إلى منزلنا، فلم يستقر بيننا الجلوس حتى سمعنا دق طبول وبوقات ورمحت الأبطال، وامتلأت الدنيا بالعجاج والغبار من حوافر الخيل، فحارت عقولنا ولم نعرف الخبر، فسأل الملك عن الخبر، فقيل: إن وزير أخيك قتله، وجمع العسكر والجنود، وجاء بعسكره ليهجموا على المدينة في غفلة، وأهل المدينة لم يكن لهم طاقة بهم، فسلموا إليه. فقلت في نفسي: متى وقعت أنا في يده قتلني. وتراكمت الأحزان، وتذكرت الحوادث التي حدثت لأبي وأمي، ولم أعرف كيف العمل، فإن ظهرت عرفني أهل المدينة وعسكر أبي فيسعون في قتلي وهلاكي، فلم أجد شيئا ms0057 أنجو به إلا حلق ذقني فحلقتها، وغيرت ثيابي وخرجت من المدينة، وقصدت هذه المدينة والسلام؛ لعل أحدا يوصلني إلى أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين؛ حتى أحكي له قصتي، وما جرى لي، فوصلت إلى هذه المدينة في هذه الليلة فوقفت حائرا، ولم أدر أين أمضي، وإذا بهذا الصعلوك واقف فسلمت عليه، وقلت له: أنا غريب. فقال: وأنا غريب أيضا. فبينما نحن كذلك، وإذا برفيقنا هذا الثالث جاءنا وسلم علينا، وقال: أنا غريب. فقلنا له: ونحن غريبان. فمشينا وقد هجم علينا الظلام، فساقنا القدر إليكم، وهذا سبب حلق ذقني، وتلف عيني. # فقالت الصبية: ملس على رأسك ورح. فقال لها: لا أروح حتى أسمع خبر غيري. فتعجبوا من حديثه، فقال الخليفة لجعفر: والله أنا ما رأيت مثل الذي جرى لهذا الصعلوك. ### || حكاية الصعلوك الثاني # ثم تقدم الصعلوك الثاني وقبل الأرض وقال: يا سيدتي، أنا ما ولدت أعور، وإنما لي حكاية عجيبة لو كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر؛ فأنا ملك ابن ملك، وقرأت القرآن على سبع روايات، وقرأت الكتب على أربابها من مشايخ العلم، وقرأت علم النجوم، وكلام الشعراء، واجتهدت في سائر العلوم حتى فقت أهل زماني، فعظم حظي عند سائر الكتبة، وشاع ذكري في سائر الأقاليم والبلدان، وشاع خبري عند سائر الملوك، فسمع بي ملك الهند، فأرسل يطلبني من أبي، وأرسل إليه هدايا وتحفا تصلح للملوك، فجهزني أبي في ست مراكب، وسرنا في البحر مدة شهر كامل حتى وصلنا إلى البر، وأخرجنا خيلا كانت معنا في المركب، وحملنا عشرة أحمال هدايا، ومشينا قليلا، وإذا بغبار قد علا وثار حتى سد الأقطار، واستمر ساعة من النهار، ثم انكشف فبان من تحته ستون فارسا وهم ليوث عبوس، فتأملناهم وإذا هم عرب قطاع طريق، فلما رأونا ونحن نفر قليل، ومعنا عشرة أحمال هدايا لملك الهند، رمحوا علينا وشرعوا الرماح بين أيديهم نحونا، فأشرنا إليهم بالأصابع، وقلنا لهم: نحن رسل إلى ملك الهند المعظم، فلا تؤذونا. فقالوا: نحن لسنا في أرضه، ولا تحت ms0058 حكمه. # ![figure](../Images/figure6.png) # سرت حتى وصلت إلى مدينة عامرة بالخير، فقد أقبل الربيع عليها بورده. # ثم إنهم قتلوا بعض الغلمان، وهرب الباقون، وهربت أنا بعد أن جرحت جرحا بليغا، واشتغلت عنا العرب بالمال والهدايا التي كانت معنا، فسرت لا أدري أين أذهب، وكنت عزيزا فصرت ذليلا، وسرت إلى أن أتيت رأس الجبل، فدخلت مغارة حتى طلع النهار، ثم سرت منها حتى وصلت إلى مدينة عامرة بالخير قد ولى عنها الشتاء ببرده، وأقبل عليها الربيع بورده، ففرحت بوصولي إليها، وقد تعبت من المشي، وعلاني الهم والاصفرار؛ فتغيرت حالتي، ولا أدري أين أسلك، فملت إلى خياط في دكان، وسلمت عليه فرد علي السلام، ورحب بي وباسطني، وسألني عن سبب غربتي، فأخبرته بما جرى لي من أوله إلى آخره؛ فاغتم لأجلي، وقال: يا فتى، لا تظهر ما عندك، فإني أخاف عليك من ملك هذه المدينة؛ لأنه أكبر أعداء أبيك، وله عنده ثأر. # ثم أحضر لي مأكولا ومشروبا، فأكلت وأكل معي، وتحادثت معه في الليل، وأخلى لي محلا في جانب حانوته، وأتاني بما أحتاج إليه من فراش وغطاء، فأقمت عنده ثلاثة أيام، ثم قال لي: أما تعرف صنعة تكتسب بها؟ فقلت له: إني فقيه طالب علم، كاتب حاسب. فقال: إن صنعتك كاسدة في بلادنا، وليس في مدينتنا من يعرف علما ولا كتابة غير المال. فقلت: والله لا أدري شيئا غير الذي ذكرته لك. فقال: شد وسطك، وخذ فأسا وحبلا، واحتطب في البرية حطبا تتقوت به إلى أن يفرج الله عليك، ولا تعرف أحدا بنفسك فيقتلوك. ثم اشترى لي فأسا وحبلا، وأرسلني مع بعض الحطابين، وأوصاهم بي، فخرجت معهم واحتطبت، فأتيت بحمل على رأسي فبعته بنصف دينار، فأكلت ببعضه وأبقيت بعضه، ودمت على هذا الحال مدة سنة، ثم بعد السنة ذهبت يوما على عادتي إلى البرية لأحتطب منها، ودخلتها فوجدت فيها خميلة أشجار فيها حطب كثير، فدخلت الخميلة وأتيت شجرة وحفرت حولها وأزلت التراب عن جدارها، فاصطكت الفأس في حلقة نحاس، فنظفت التراب، وإذا هي في طابق ms0059 من خشب، فكشفته فبان تحته سلم، فنزلت إلى أسفل السلم، فرأيت بابا فدخلته، فرأيت قصرا محكم البنيان، فوجدت فيه صبية كالدرة السنية، تنفي عن القلب كل هم وغم وبلية، فلما نظرت إليها سجدت لخالقها لما أبدع فيها من الحسن والجمال، فنظرت إلي وقالت لي: أنت إنسي أم جني؟ فقلت لها: إنسي. فقالت: ومن أوصلك إلى هذا المكان الذي لي فيه خمسة وعشرون سنة، ما رأيت فيه إنسيا أبدا؟ فلما سمعت كلامها وجدت له عذوبة، وقلت لها: يا سيدتي، أوصلني الله إلى منزلك، ولعله يزيل همي وغمي. # وحكيت لها ما جرى لي من الأول إلى الآخر، فصعب عليها حالي، وبكت وقالت: أنا الأخرى أعلمك بقصتي، فاعلم أني بنت ملك أقصى الهند صاحب جزيرة الأبنوس، وكان قد زوجني بابن عمي، فاختطفني ليلة زفافي عفريت اسمه جرجريس بن رجموس بن إبليس، فطار بي ونزل في هذا المكان، ونقل إليه كل ما أحتاج إليه من الحلي والحلل، والقماش والمتاع، والطعام والشراب، وفي كل عشرة أيام يجيئني مرة فيبيت هنا ليلة، وعاهدني إذا عرضت لي حاجة ليلا أو نهارا أن ألمس بيدي هذين السطرين المكتوبين على القبة، فما أرفع يدي حتى أراه عندي، ومنذ كان عندي له اليوم أربعة أيام، وبقي له ستة أيام حتى يأتي، فهل لك أن تقيم عندي خمسة أيام، ثم تنصرف قبل مجيئه بيوم؟ فقلت: نعم. ففرحت، ثم نهضت على أقدامها، وأخذت بيدي وأدخلتني من باب مقنطر، وانتهت بي إلى حمام لطيف ظريف، فلما رأيته خلعت ثيابي وخلعت ثيابها، ودخلت فجلست على مرتبة، وأجلستني معها، وأتت بسكر ممسك وسقتني، ثم قدمت لي مأكولا، فأكلنا وتحادثنا، ثم قالت لي: نم واسترح، فإنك تعبان. فنمت يا سيدتي، وقد نسيت ما جرى لي وشكرتها، فلما استيقظت وجدتها تكبس رجلي فدعوت لها، وجلسنا نتحادث ساعة، ثم قالت: والله إني كنت ضيقة الصدر وأنا تحت الأرض وحدي، ولم أجد من يحدثني خمسة وعشرين سنة، فالحمد لله الذي أرسلك إلي، ثم أنشدت: # لو علمنا مجيئكم لفرشنا %~% مهجة ms0060 القلب أو سواد العيون ~~وفرشنا خدودنا والتقينا %~% ليكون المسير فوق الجفون # فلما سمعت شعرها شكرتها، وقد تمكنت محبتها في قلبي، وذهب عني همي وغمي، ثم جلسنا في منادمة إلى الليل، فبت معها ليلة ما رأيت مثلها في عمري، وأصبحنا مسرورين، فقلت لها: هل أطلعك من تحت الأرض، وأريحك من هذا الجني؟ فضحكت وقالت: اقنع واسكت، ففي كل عشرة أيام يوم للعفريت وتسعة لك. فقلت وقد غلب علي الغرام: فأنا في هذه الساعة أكسر هذه القبة التي عليها النقش المكتوب لعل العفريت يجيء حتى أقتله، فإني موعود بقتل العفاريت. فلما سمعت كلامي أنشدت تقول: # يا طالبا للفراق مهلا %~% بحيلة قد كفى اشتياق ~~اصبر فطبع الزمان غدر %~% وآخر الصحبة الفراق # فلما سمعت شعرها لم ألتفت لكلامها، بل رفست القبة رفسا قويا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 13 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصعلوك الثاني قال للصبية: يا سيدتي، لما رفست القبة رفسا قويا، قالت لي المرأة: إن العفريت قد وصل إلينا، أما حذرتك من هذا؟ والله لقد آذيتني، ولكن انج بنفسك، واطلع من المكان الذي جئت منه. فمن شدة خوفي نسيت نعلي وفأسي، فلما طلعت درجتين التفت لأنظرهما، فرأيت الأرض قد انشقت، وطلع منها عفريت ذو منظر بشع، وقال: ما هذه الزعجة التي أرعشتني بها، فما مصيبتك؟ فقالت: ما أصابني شيء غير أن صدري ضاق، فأردت أن أشرب شرابا يشرح صدري، فنهضت لأقضي أشغالي، فوقعت على القبة. فقال لها العفريت: تكذبين يا فاجرة. ونظر في القصر يمينا وشمالا فرأى النعل والفاس، فقال لها: ما هذا إلا متاع الإنس، من جاء إليك؟ فقالت: ما نظرتهما إلا في هذه الساعة، ولعلهما تعلقا معك. فقال العفريت: هذا كلام محال لا ينطلي علي يا عاهرة. ثم إنه عراها وصلبها بين أربعة أوتاد، وجعل يعاقبها، ويقررها بما كان؛ فلم يهن علي أن أسمع بكاءها، فطلعت من السلم مذعورا من الخوف، فلما وصلت إلى أعلى الموضع رددت الطابق كما كان، وسترته بالتراب، ms0061 وندمت على ما فعلت غاية الندم، وتذكرت الصبية وحسنها، وكيف يعاقبها هذا الملعون، وهي لها معه خمس وعشرون سنة وما عاقبها إلا بسببي، وتذكرت أبي ومملكته وكيف صرت حطابا، فقلت هذا البيت: # إذا ما أتاك الدهر يوما بنكبة %~% فيوم ترى يسرا ويوم ترى عسرا # ثم مشيت إلى أن أتيت رفيقي الخياط، فلقيته من أجلي على مقالي النار وهو لي في الانتظار، فقال: إني بت البارحة وقلبي عندك، وخفت عليك من وحش أو غيره، فالحمد لله على سلامتك. فشكرته على شفقته علي، ودخلت خلوتي، وجعلت أتفكر فيما جرى لي، وألوم نفسي على رفسي هذه القبة، وإذا بصديقي الخياط دخل علي، وقال لي: في الدكان شخص أعجمي يطلبك، ومعه فأسك ونعلك، قد جاء بهما إلى الخياطين، وقال لهم: إني خرجت وقت أذان المؤذن لأجل صلاة الفجر فعثرت بهما، ولم أعلم لمن هما، فدلوني على صاحبهما. فدله الخياطون عليك، وها هو قاعد في دكاني، فاخرج إليه واشكره، وخذ فأسك ونعلك. # فلما سمعت هذا الكلام اصفر لوني، وتغير حالي، فبينما أنا كذلك وإذا بأرض محلي قد انشقت، وطلع منها الأعجمي، وإذا هو العفريت، وقد كان عاقب الصبية غاية العقاب، فلم تقر له بشيء، فأخذ الفأس والنعل، وقال لها: إن كنت جرجريس من ذرية إبليس فأنا أجيء بصاحب هذه الفأس والنعل. ثم جاء بهذه الحيلة إلى الخياطين، ودخل علي ولم يمهلني، بل اختطفني وطار وعلا بي، ونزل بي، وغاص في الأرض وأنا لا أعلم بنفسي، ثم طلع بي القصر الذي كنت فيه، فرأيت الصبية عريانة، والدم يسيل من جوانبها، فقطرت عيناي بالدموع، فأخذها العفريت وقال لها: يا عاهرة، هذا عشيقك. فنظرت إلي وقالت له: لا أعرفه ولا رأيته إلا في هذه الساعة. فقال لها العفريت: أهذه العقوبة ولم تقري؟! فقالت: ما رأيته عمري، وما يحل من الله أن أكذب عليه. فقال لها العفريت: إن كنت لا تعرفينه، فخذي هذا السيف واضربي عنقه. فأخذت السيف وجاءتني ووقفت على رأسي، فأشرت لها بحاجبي، ودمعي يجري على وجنتي، ms0062 فنهضت وغمزتني، وقالت: أنت الذي فعلت بنا هذا كله. فأشرت لها أن هذا وقت العفو ولسان حالي يقول: # يترجم طرفي عن لساني لتعلموا %~% ويبدو لكم ما كان صدري يكتم ~~ولما التقينا والدموع سواجم %~% خرست وطرفي بالهوى يتكلم ~~تشير لنا عما تقول بطرفها %~% وأومي إليها بالبنان فتفهم ~~حواجبنا تقضي الحوائج بيننا %~% فنحن سكوت والهوى يتكلم # فلما فهمت الصبية إشارتي رمت السيف من يدها يا سيدتي، فناولني العفريت السيف وقال لي: اضرب عنقها وأنا أطلقك ولا أنكد عليك. فقلت: نعم. وأخذت السيف، وتقدمت بنشاط، ورفعت يدي فقالت لي بحاجبها: أنا ما قصرت في حقك. فهملت عيناي بالدموع، ورميت السيف من يدي، وقلت: أيها العفريت الشديد والبطل الصنديد، إذا كانت امرأة ناقصة عقل ودين لم تستحل ضرب عنقي، فكيف يحل لي أن أضرب عنقها، ولم أرها عمري؟ فلا أفعل ذلك أبدا، ولو سقيت من الموت كأس الردى. فقال العفريت: أنتما بينكما مودة. أخذ السيف وضرب يد الصبية فقطعها، ثم ضرب الثانية فقطعها، ثم قطع رجلها اليمين، ثم قطع رجلها اليسار، حتى قطع أربعها بأربع ضربات، وأنا أنظر بعيني، فأيقنت بالموت، ثم أشارت إلي بعينيها فرآها العفريت، فقال لها: قد زنيت بعينك. ثم ضربها فقطع رأسها، والتفت إلي، وقال: يا إنسي، نحن في شرعنا إذا زنت الزوجة يحل لنا قتلها، وهذه الصبية اختطفتها ليلة عرسها وهي بنت اثنتي عشرة سنة، ولم تعرف أحدا غيري، وكنت أجيئها في كل عشرة أيام ليلة واحدة في زي رجل أعجمي، فلما تحققت أنها خانتني قتلتها، وأما أنت فلم أتحقق أنك خنتني فيها، ولكن لا بد أني ما أخليك في عافية، فتمن علي أي ضرر. # ففرحت يا سيدتي غاية الفرح، وطمعت في العفو، وقلت له: وما أتمناه عليك؟ قال: تمن علي أي صورة أسحرك فيها، إما صورة كلب، وإما صورة حمار، وإما صورة قرد. فقلت له وقد طمعت أنه يعفو عني: والله إن عفوت عني يعف الله عنك بعفوك عن رجل مسلم لم يؤذك. وتضرعت إليه غاية التضرع، وبقيت ms0063 بين يديه، وقلت له: أنا مظلوم. فقال لي: لا تطل علي الكلام، أما القتل فلا تخف منه، وأما العفو عنك فلا تطمع فيه، وأما سحرك فلا بد منه. ثم شق الأرض، وطار بي إلى الجو حتى نظرت إلى الدنيا تحتي كأنها قطعة ماء، ثم حطني على جبل، وأخذ قليلا من التراب، وهمهم عليه وتكلم ورشني، وقال: اخرج من هذه الصورة إلى صورة قرد. فمن ذلك الوقت صرت قردا ابن مائة سنة، فلما رأيت نفسي في هذه الصورة القبيحة بكيت على روحي، وصبرت على جور الزمان، وعلمت أن الزمان ليس لأحد، وقد انحدرت من أعلى الجبل إلى أسفل، وقد سافرت مدة شهر ثم ذهبت إلى شاطئ البحر المالح، فوقفت ساعة، وإذا أنا بمركب في وسط البحر قد طاب ريحها وهي قاصدة البر، فاختفيت خلف صخرة على جانب البحر، وسرت إلى أن أتيت وسط المركب، فقال واحد منهم: أخرجوا هذا المشئوم من المركب. وقال واحد منهم: نقتله. وقال آخر: اقتله بهذا السيف. فأمسكت طرف السيف وبكيت وسالت دموعي، فحن علي الريس، وقال لهم: يا تجار، إن هذا القرد استجار بي وقد أجرته، وهو في جواري، فلا أحد يتعرض له، ولا يشوش عليه. # ثم إن الريس صار يحسن إلي، ومهما تكلم به أفهمه وأقضي حوائجه كلها، وأخدمه في المركب، وقد طاب لها الريح مدة خمسين يوما، فرسينا على مدينة عظيمة، وفيها عالم كثير لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، فساعة وصولنا أوقفنا مركبنا، فجاءتنا مماليك من طرف ملك المدينة، فنزلوا المركب وهنئوا التجار بالسلامة، وقالوا: إن ملكنا يهنئكم بالسلامة، وقد أرسل إليكم هذا الدرج الورق، وقال: كل واحد يكتب فيه سطرا. فقمت وأنا في صورة القرد، وخطفت الدرج من أيديهم، فخافوا أني أقطعه وأرميه في الماء، فنهروني وأرادوا قتلي، فأشرت لهم أني أكتب، فقال لهم الريس: دعوه يكتب، فإن لخبط الكتابة طردناه عنا، وإن أحسنها اتخذته ولدا، فإني ما رأيت قردا أفهم منه. ثم أخذت القلم، واستمددت الحبر، وكتبت سطرا بقلم الرقاع، ورقمت ms0064 هذا الشعر: # لقد كتب الدهر فضل الكرام %~% وفضلك للآن لا يحسب ~~فلا أيتم الله منك الورى %~% لأنك للفضل نعم الأب # وكتبت بالقلم الريحاني هذا الشعر: # له قلم عم الأقاليم نفعه %~% وعم جميع العالمين منافع ~~وخمسة أنهار أناملك التي %~% تسيل على الأقطار خمس أصابع # وكتبت بقلم الثلث هذين البيتين: # وما من كاتب إلا سيفنى %~% ويبقي الدهر ما كتبت يداه ~~فلا تكتب بخطك غير شيء %~% يسرك في القيامة أن تراه # وكتبت تحته بقلم المشق هذين البيتين: # إذا فتحت دواة العز والنعم %~% فاجعل مدادك من جود ومن كرم ~~واكتب بحبر إذا ما كنت معتذرا %~% بذاك شرفت فضلا نسبة القلم # ثم ناولتهم ذلك الدرج الورق، فطلعوا به إلى الملك، فلما تأمل الملك ما في ذلك الدرج لم يعجبه خط أحد إلا خطي، فقال لأصحابه: توجهوا إلى صاحب هذا الخط، وألبسوه هذه الحلة، وركبوه بغلة، وهاتوه بالنوبة، وأحضروه بين يدي. فلما سمعوا كلام الملك تبسموا، فغضب منهم، ثم قال: كيف آمركم بأمر فتضحكون علي؟! فقالوا: أيها الملك، ما نضحك على كلامك، بل الذي كتب هذا الخط قرد، وليس هو آدميا، وهو مع ريس المركب. فتعجب الملك من كلامهم، واهتز من الطرب، وقال: أريد أن أشتري هذا القرد. ثم بعث رسلا إلى المركب، ومعهم البغلة والحلة، وقال: لا بد أن تلبسوه هذه الحلة، وتركبوه البغلة، وتأتوا به. فساروا إلى المركب، وأخذوني من الريس، وألبسوني الحلة؛ فاندهش الخلائق، وصاروا يتفرجون علي، فلما طلعوا بي إلى الملك ورأيته، قبلت الأرض بين يديه ثلاث مرات، فأمرني بالجلوس فجلست على ركبتي، فتعجب الحاضرون من أدبي، وكان الملك أكثرهم تعجبا، ثم إن الملك أمر الخلق بالانصراف فانصرفوا، ولم يبق إلا الملك والطواشي ومملوك صغير وأنا، ثم أمر الملك بطعام فقدموا سفرة طعام فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فأشار إلي الملك أن آكل، فقمت وقبلت الأرض بين يديه سبع مرات، وجلست آكل معه، وقد ارتفعت السفرة، وذهبت فغسلت يدي، وأخذت الدواة والقلم والقرطاس، وكتبت هذين البيتين: # مناحر الضان ترياق من العلل ms0065 %~% وأصحن الحلوى فيها منتهى أملي ~~يا لهف قلبي على مد السماط إذا %~% ماجت كنافته بالسمن والعسل # وكتبت أيضا هذين البيتين: # إليك اشتياق يا كنافة زائد %~% وليس غنى لي عنك كلا ولا صبر ~~فلا زلت أكلي كل يوم وليلة %~% ولا زال منهلا بجرعائك القطر # ثم قمت وجلست بعيدا، فنظر الملك إلى ما كتبته وقرأه فتعجب، وقال: هل يكون عند قرد هذه الفصاحة وهذا الخط؟ والله إن هذا من أعجب العجب! ثم قدم للملك شطرنج، فقال الملك: أتلعب؟ قلت برأسي: نعم. فتقدمت وصففت الشطرنج، ولعبت معه مرتين فغلبته، فحار عقل الملك، وقال: لو كان هذا آدميا لفاق أهل زمانه. ثم قال لخادمه: اذهب إلى سيدتك، وقل لها: كلمي الملك، حتى تجيء فتتفرج على هذا القرد العجيب. فذهب الطواشي، وعاد ومعه سيدته بنت الملك، فلما نظرت لي غطت وجهها، وقالت: يا أبي، كيف طاب على خاطرك أن ترسل إلي فيراني الرجال الأجانب. فقال: يا بنتي، ما عندي سوى المملوك الصغير والطواشي الذي رباك، وهذا القرد، وأنا أبوك، فممن تغطين وجههك؟ فقالت: إن هذا القرد ابن ملك، واسم أبيه إيمار صاحب جزائر الأبنوس الداخلة، وهو مسحور، سحره العفريت جرجريس الذي هو من ذرية إبليس، وقد قتل زوجته بنت ملك أقناموس، وهذا الذي تزعم أنه قرد إنما هو رجل عالم عاقل. فتعجب الملك من ابنته، ونظر إلي وقال: أحق ما تقول عنك؟ فقلت برأسي: نعم. وبكيت، فقال الملك لبنته: من أين عرفت أنه مسحور؟ فقالت: يا أبت، كان عندي وأنا صغيرة عجوز ماكرة ساحرة، علمتني صناعة السحر، وقد حفظته وأتقنته، وعرفت مائة وسبعين بابا من أبوابه، أقل باب منها أنقل به حجارة مدينتك خلف جبل قاف، وأجعلها لجة بحر، وأجعل أهلها سمكا في وسطه. فقال أبوها: بحق اسم الله عليك أن تخلصي لنا هذا الشاب حتى أجعله وزيري، وهل فيك هذه الفضيلة ولم أعلم؟ فخلصيه حتى أجعله وزيري؛ لأنه شاب ظريف لبيب. فقالت له: حبا وكرامة. ثم أخذت بيدها سكينا، وعملت دائرة. وأدرك شهرزاد الصباح ms0066 فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 14 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصعلوك قال للصبية: يا سيدتي، ثم إن بنت الملك أخذت بيدها سكينا مكتوبا عليها أسماء عبرانية، وخطت بها دائرة في وسط القصر، وكتبت فيها أسماء وطلاسم، وعزمت بكلام، وقرأت كلاما لا يفهم، فبعد ساعة أظلمت علينا جهات القصر حتى ظننا أن الدنيا قد انطبقت علينا، وإذا بالعفريت قد تدلى علينا في أقبح صفة بأيد كالمداري، ورجلين كالصواري، وعينين كالمشعلين يوقدان نارا، ففزعنا منه فقالت بنت الملك: لا أهلا بك ولا سهلا. فقال العفريت وهو في صورة أسد: يا خائنة، كيف خنت اليمين؟ أما تحالفنا على أنه لا يتعرض أحد للآخر؟ فقالت له: يا لعين، ومن أين لك يمين؟ فقال العفريت: خذي ما جاءك. ثم انقلب أسدا، وفتح فاه، وهجم على الصبية، فأسرعت وأخذت شعرة من شعرها بيدها، وهمهمت بشفتيها فصارت الشعرة سيفا ماضيا، وضربت ذلك الأسد فصار نصفين، فصارت رأسه عقربا، وانقلبت الصبية حية عظيمة، وهمت على هذا اللعين وهو في صفة عقرب فتقاتلا قتالا شديدا، ثم انقلب العقرب عقابا، فانقلبت الحية نسرا وصارت وراء العقاب، واستمرت ساعة زمانية، ثم انقلب العقاب قطا أسود، فانقلبت الصبية ذئبا، فتشاحنا في القصر ساعة زمانية، وتقاتلا قتالا شديدا، فرأى القط نفسه مغلوبا، فانقلب وصار رمانة حمراء كبيرة، ووقعت تلك الرمانة في بركة، فقصدها الذئب، فارتفعت في الهواء ووقعت على بلاط القصر فانكسرت، وانتثر الحب كل حبة وحدها، وامتلأت أرض القصر حبا، فانقلب ذلك الذئب ديكا لأجل أن يلتقط ذلك الحب حتى لا يترك منه حبة، فبالأمر المقدر تدارت حبة في جانب الفسقية، فصار الديك يصيح ويرفرف بأجنحته، ويشير إلينا بمنقاره ونحن لا نفهم ما يقول، ثم صرخ علينا صرخة تخيل لنا منها أن القصر قد انقلب علينا، ودار في أرض القصر كلها حتى رأى الحبة التي تدارت في جانب الفسقية فانقض عليها ليلتقطها، وإذا بالحبة سقطت في وسط الماء الذي في البركة فصارت سمكة، وقد غاصت في الماء، فانقلب ms0067 الديك حوتا كبيرا، ونزل خلفها، وغاب ساعة وإذا بنا قد سمعنا صراخا عاليا فارتجفنا، فبعد ذلك طلع العفريت وهو شعلة نار فألقى من فمه نارا، ومن عينيه ومنخريه نارا ودخانا، وانقلبت الصبية لجة نار، فأردنا أن نغطس في ذلك الماء خوفا على أنفسنا من الحريق والهلاك، فما نشعر إلا والعفريت قد صرخ من تحت النيران، وصار عندنا في الليوان، ونفخ في وجوهنا بالنار، فلحقته الصبية ونفخت في وجهه بالنار أيضا، فأصابنا الشرر منها ومنه؛ فأما شررها فلم يؤذينا، وأما شرره فلحقني منه شرارة في عيني، فأتلفتها في صورة القرد، ولحق الملك شرارة منه في وجهه، فأحرقت نصفه التحتاني بذقنه وحنكه، ووقعت أسنانه التحتانية، ووقعت شرارة في صدر الطواشي فاحترق ومات من وقته وساعته، فأيقنا بالهلاك، وقطعنا رجاءنا من الحياة. # فبينما نحن كذلك وإذا بقائل يقول: الله أكبر، الله أكبر، قد فتح ربي ونصر، وخذل من كفر، بدين محمد سيد البشر. وإذا بالقائل بنت الملك قد أحرقت العفريت؛ فنظرنا إليه فرأيناه قد صار كوم رماد، ثم جاءت الصبية إلينا، وقالت: الحقوني بطاسة ماء. فجاءوا بها إليها فتكلمت عليها بكلام لا نفهمه، ثم رشتني بالماء وقالت: اخلص بحق الحق، وبحق اسم الله الأعظم إلى صورتك الأولى. فصرت بشرا كما كنت أولا، ولكن تلفت عيني، فقالت الصبية: النار النار يا والدي، أنا ما بقيت أعيش لأني موعودة بالقتل، ولو كان من الإنس لقتلته من أول الأمر، وما تعبت إلا وقت فرط الرمانة حين لقطت حبها ونسيت الحبة التي فيها روح الجني، فلو لقطتها لمات من ساعته، ولكن ما رأيتها بالقضاء والقدر، ولم أشعر إلا وهو قد أتى وجرى لي منه حرب شديدة تحت الأرض وفي الهواء والماء، وكلما فتح علي بابا فتحت عليه بابا أعظم منه، إلى أن فتح علي باب النار، وقل من فتح عليه باب النار ونجا منه، إنما ساعدني عليه القدر حتى أحرقته قبلي، وكنت أعهد منه التدين بدين الإسلام، وها أنا ميتة والله خليفتي عليكم. # ثم إنها لم تزل ms0068 تستغيث من النار، وإذا بشرر أسود قد طلع إلى صدرها وطلع إلى وجهها، فلما وصل إلى وجهها بكت وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ثم نظرنا إليها ورأيناها كوم رماد بجانب كوم العفريت، فحزنا عليها، وتمنيت لو كنت مكانها، ولا أرى ذلك الوجه المليح الذي عمل في هذا المعروف يصير رمادا، لكن حكم الله لا يرد، فلما رأى الملك ابنته صارت كوم رماد نتف بقية لحيته، ولطم على وجهه، وشق ثيابه، وفعلت كما فعل، وبكينا عليها، ثم جاء الحجاب وأرباب الدولة، فوجدوا السلطان في حالة العدم، وعنده كومان رمادا، فتعجبوا وداروا حول الملك ساعة، فلما أفاق أخبرهم بما جرى لابنته مع العفريت، فعظمت مصيبتهم، وصرخ النساء والجواري، وعملوا العزاء سبعة أيام. # ثم إن الملك أمر أن يبنى على رماد ابنته قبة عظيمة، وأوقدوا فيها الشموع والقناديل، وأما رماد العفريت فإنهم ذروه في الهواء إلى لعنة الله. ثم مرض السلطان مرضا أشرف منه على الموت، واستمر مرضه شهرا، وعادت إليه العافية، فطلبني وقال لي: يا فتى، قد قضينا زماننا في أهنأ عيش آمنين من نوائب الزمان حتى جئتنا، فأقبلت علينا الأكدار، فليتنا ما رأيناك ولا رأينا طلعتك القبيحة التي بسببها صرنا في حالة العدم؛ فأولا عدمت ابنتي التي كانت تساوي مائة رجل، وثانيا جرى لي من الحريق ما جرى، وعدمت أضراسي، ومات خادمي، ولكن ما بيدك حيلة، بل جرى قضاء الله علينا وعليك، والحمد لله حيث خلصتك ابنتي، وأهلكت نفسها، فاخرج يا ولدي من بلدي، وكفى ما جرى بسببك، وكل ذلك مقدر علينا وعليك، فاخرج بسلام. # فخرجت يا سيدتي من عنده، وما صدقت بالنجاة، ولا أدري أين أتوجه، وخطر على قلبي ما جرى لي، وكيف خلوني في الطريق سالما منهم، ومشيت شهرا، وتذكرت دخولي في المدينة غريبا، واجتماعي بالخياط، واجتماعي بالصبية تحت الأرض، وخلاصي من العفريت بعد أن كان عازما على قتلي، وتذكرت ما حصل لي من المبتدأ إلى المنتهى، فحمدت الله، وقلت بعيني ولا ms0069 بروحي؛ ودخلت الحمام قبل أن أخرج من المدينة، وحلقت ذقني، وجئت يا سيدتي، وفي كل يوم أبكي، وأتفكر المصائب التي عاقبتها تلف عيني، وكلما أتذكر ما جرى لي أبكي وأنشد هذه الأبيات: # تحيرت والرحمن لا شك في أمري %~% وحلت بي الأحزان من حيث لا أدري ~~سأصبر حتى يعلم الناس أنني %~% صبرت على شيء أمر من الصبر ~~وما أحسن الصبر الجميل مع التقى %~% وما قدر المولى على خلقه يجري ~~سرائر سري ترجمان سريرتي %~% إذا كان سر السر سرك في سري ~~ولو أن ما بي بالجبال لهدمت %~% وبالنار أطفاها وبالريح لم يسر ~~ومن قال إن الدهر فيه حلاوة %~% فلا بد من يوم أمر من المر # ثم سافرت الأقطار، ووردت الأمصار، وقصدت دار السلام بغداد لعلي أتوصل إلى أمير المؤمنين، وأخبره بما جرى لي، فوصلت إلى بغداد هذه الليلة، فوجدت أخي هذا الأول واقفا متحيرا، فقلت: السلام عليك. وتحدثت معه، وإذا بأخينا الثالث قد أقبل علينا، وقال: السلام عليكم، أنا رجل غريب. فقلنا له: ونحن غريبان، وقد وصلنا هذه الليلة المباركة، فمشينا نحن الثلاثة وما فينا أحد يعرف حكاية أحد، فساقتنا المقادير إلى هذا الباب، ودخلنا عليكم، وهذا سبب حلق ذقني، وتلف عيني. فقالت له: إن حكايتك غريبة، فملس على رأسك، واخرج إلى حال سبيلك. فقال: لا أخرج حتى أسمع حديث رفيقي. ### || حكاية الصعلوك الثالث # تقدم الصعلوك الثالث، وقال: أيتها السيدة الجليلة، ما قصتي مثل قصتهما، بل قصتي أعجب؛ وذلك أن هذين جاءهما القضاء والقدر، وأما أنا فسبب حلق ذقني وتلف عيني أنني جلبت القضاء لنفسي، والهم لقلبي؛ وذلك أني كنت ملكا ابن ملك، ومات والدي، وأخذت الملك من بعده، وحكمت وعدلت، وأحسنت للرعية، وكان لي محبة في السفر في البحر، وكانت مدينتي على البحر، والبحر متسع وحولنا جزائر معدة للقتال، فأردت أن أتفرج على الجزائر، فنزلت في عشرة مراكب، وأخذت معي مئونة شهر كامل، وسافرت عشرين يوما؛ ففي ليلة من الليالي هبت علينا رياح مختلفة إلى أن لاح الفجر، فهدأ الريح وسكن ms0070 البحر، حتى أشرقت الشمس. # ![figure](../Images/figure7.png) # انفتحت المراكب وفرت المسامير منها نحو حجر المغناطيس. # ثم إننا أشرفنا على جزيرة، وطلعنا على البر، وطبخنا شيئا نأكله، فأكلنا ثم أقمنا يومين، وسافرنا عشرين يوما، فاختلفت علينا المياه وعلى الريس، واستغرب الريس البحر، فقلنا للناظور: انظر البحر بتأمل. فطلع الصاري، ثم نزل ذلك الناظور وقال للريس: يا ريس، رأيت عن يميني سمكا على وجه الماء، ونظرت إلى وسط البحر فرأيت سوادا من بعيد يلوح تارة أسود، وتارة أبيض. فلما سمع الريس كلام الناظور ضرب الأرض بعمامته، ونتف لحيته، وقال للناس: أبشروا بهلاكنا جميعا، ولم يسلم منا أحد. وشرع يبكي، وكذلك نحن الجميع نبكي على أنفسنا، فقلت: أيها الريس، أخبرنا بما رأى الناظور. فقال: يا سيدي، اعلم أننا تهنا يوم جاءت علينا الرياح المختلفة، ولم يهدأ الريح إلا بكرة النهار، ثم أقمنا يومين فتهنا في البحر، ولم نزل تائهين أحد عشر يوما من تلك الليلة، وليس لنا ريح يرجعنا إلى ما نحن قاصدون آخر النهار، وفي غد نصل إلى جبل من حجر أسود يسمى حجر المغناطيس، وتجرنا المياه غصبا إلى جهته، فتتمزق المركب، ويروح كل مسمار في المركب إلى الجبل ويلتصق به؛ لأن الله وضع في حجر المغناطيس سرا، وهو أن جميع الحديد يذهب إليه، وفي ذلك الجبل حديد كثير لا يعلمه إلا الله تعالى، حتى إنه تكسر من قديم الزمان مراكب كثيرة بسبب ذلك الجبل، ويلي ذلك البحر قبة من النحاس الأصفر معمودة على عشرة أعمدة، وفوق القبة فارس على فرس من نحاس، وفي يد ذلك الفارس رمح من نحاس، ومعلق في صدر الفارس لوح من رصاص، منقوش عليه أسماء وطلاسم فيها أيها الملك، ما دام هذا الفارس راكبا على هذا الفرس تنكسر المراكب التي تفوت من تحته، ويهلك ركابها جميعا، ويلتصق جميع الحديد الذي في المركب بالجبل، وما الخلاص إلا إذا وقع هذا الفارس من فوق تلك الفرس. # ثم إن الريس يا سيدتي بكى بكاء شديدا، فتحققنا أننا هالكون لا محالة، وكل منا ودع ms0071 صاحبه، فلما جاء الصباح قربنا من ذلك الجبل، وساقتنا المياه إليه غصبا، فلما صارت المراكب تحته انفتحت وفرت المسامير منها وكل حديد فيها نحو حجر المغناطيس، ونحن دائرون حوله في آخر النهار، وتمزقت المراكب، فمنا من غرق، ومنا من سلم، ولكن أكثرنا غرق، والذين سلموا لم يعلموا ببعضهم؛ لأن تلك الأمواج واختلاف الرياح أدهشتهم، وأما أنا يا سيدتي فنجاني الله تعالى لما أراده من مشقتي وعذابي وبلوتي، فطلعت على لوح من الألواح، فألقاه الريح والأمواج إلى جبل، فأصبت طريقا متطرقا إلى أعلاه على هيئة السلالم منقورة في الجبل، فسميت الله تعالى. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 15 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصعلوك الثالث قال للصبية، والجماعة مكتفون، والعبيد واقفون بالسيوف على رءوسهم: ثم إني سميت الله ودعوته، وابتهلت إليه، وحاولت الطلوع على الجبل، وصرت أتمسك بالنقر التي فيه حتى أسكن الله الريح في تلك الساعة، وأعانني على الطلوع، فطلعت سالما على الجبل، وفرحت بسلامتي غاية الفرح، ولم يكن لي دأب إلا القبة، فدخلتها وصليت فيها ركعتين شكرا لله على سلامتي، ثم إني نمت تحت القبة فسمعت قائلا يقول: يا ابن خصيب، إذا انتبهت من منامك، فاحفر تحت رجليك قد قوسا من نحاس، وثلاث نشابات من رصاص، منقوشا عليها طلاسم، فخذ القوس والنشابات، وارم الفارس الذي على القبة، وأرح الناس من هذا البلاء العظيم، فإذا رميت الفارس يقع في البحر، ويقع القوس، فخذ القوس من يدك وادفنه في موضعه، فإذا فعلت ذلك يطفو البحر ويعلو حتى يساوي الجبل، ويطلع عليه زورق فيه شخص غير الذي رميته، فيجيء إليك وفي يده مجداف، فاركب معه ولا تسم الله تعالى، فإنه يحملك ويسافر بك مدة عشرة أيام إلى أن يوصلك إلى بحر السلامة، فإذا وصلت هناك تجد من يوصلك إلى بلدك، وهذا إنما يتم لك إذا لم تسم الله. # ثم استيقظت من نومي، وقمت بنشاط وقصدت الماء كما قال الهاتف، وضربت الفارس، رميته فوقع في البحر، ووقع ms0072 القوس من يدي، فأخذت القوس ودفنته، فهاج البحر وعلا حتى ساوى الجبل الذي أنا عليه، فلم ألبث غير ساعة حتى رأيت زورقا في وسط البحر يقصدني، فحمدت الله تعالى، فلما وصل إلي الزورق وجدت فيه شخصا من النحاس في صدره لوح من الرصاص، منقوش بأسماء وطلاسم، فنزلت في الزورق وأنا ساكت لا أتكلم، فحملني الشخص أول يوم والثاني والثالث إلى تمام عشرة أيام، حتى رأيت جزائر السلامة؛ ففرحت فرحا عظيما، ومن شدة فرحي ذكرت الله، وسميت، وهللت، وكبرت، فلما فعلت ذلك قذفني من الزورق في البحر، ثم رجع إلى البحر، وكنت أعرف العوم، فعمت ذلك اليوم إلى الليل، حتى كلت سواعدي، وتعبت أكتافي، وصرت في الهلكات، ثم تشهدت وأيقنت بالموت، وهاج البحر من كثرة الرياح، فجاءت موجة كالقلعة العظيمة فحملتني وقذفتني قذفة صرت بها فوق البر لما يريد الله، فطلعت البر، وعصرت ثيابي، ونشفتها على الأرض وبت، فلما أصبحت لبست ثيابي، وقمت أنظر أين أمشي، فوجدت غوطة، فجئتها ودرت حولها، فوجدت الموضع الذي أنا فيه جزيرة صغيرة، والبحر محيط بها، فقلت في نفسي: كلما أخلص من بلية أقع في أعظم منها! # فبينما أنا متفكر في أمري وأتمنى الموت، إذ نظرت مركبا فيها ناس، فقمت وطلعت على شجرة، وإذا بالمركب التصقت بالبر، وطلع منها عشرة عبيد معهم مساحي، فمشوا حتى وصلوا إلى وسط الجزيرة، وحفروا في الأرض، وكشفوا عن طابق، فرفعوا الطابق وفتحوا بابه، ثم عادوا إلى المركب، ونقلوا منها خبزا ودقيقا وسمنا وعسلا وأغناما وجميع ما يحتاج إليه الساكن، وصار العبيد مترددين بين المركب، وباب الطابق، وهم يحولون من المركب وينزلون في الطابق، إلى أن نقلوا جميع ما في المركب، ثم بعد ذلك طلع العبيد ومعهم ثياب أحسن ما يكون، وفي وسطهم شيخ كبير هرم قد عمر زمنا طويلا، وأضعفه الدهر حتى صار فانيا، ويد ذلك الشيخ في يد صبي قد أفرغ في قالب الجمال، وألبس من الحسن حلة الكمال، حتى إنه يضرب بحسنه الأمثال، وهو كالقضيب الرطب يسحر كل ms0073 قلب بجماله، ويسلب كل لب بكماله، فلم يزالوا يا سيدتي سائرين حتى أتوا إلى الطابق، ونزلوا فيه، وغابوا عن عيني. # فلما توجهوا قمت ونزلت من فوق الشجرة، ومشيت إلى موضع الردم، ونبشت التراب ونقلته، وصبرت نفسي حتى أزلت جميع التراب، فانكشف الطابق، فإذا هو خشب مقدار حجر الطاحون، فرفعته فبان من تحته سلم معقود من حجر، فتعجبت من ذلك، ونزلت في السلم حتى انتهيت إلى آخره، فوجدت شيئا نظيفا، ووجدت بستانا وثانيا وثالثا إلى تمام تسعة وثلاثين، وكل بستان أرى فيه ما يكل عنه الوصف من أشجار وأنهار وأثمار وذخائر، ورأيت بابا فقلت في نفسي: ما الذي في هذا المكان؟ فلا بد أن أفتحه وأنظر ما فيه. ثم فتحته فوجدت فيه فرسا مسرجا ملجما مربوطا، ففككته وركبته، فطار بي إلى أن حطني على سطح وأنزلني، وضربني بذيله فأتلف عيني وفر مني، فنزلت من فوق السطح فوجدت عشرة شباب عور، فلما رأوني قالوا: لا مرحبا بك. فقلت لهم: أتقبلونني أجلس عندكم؟ فقالوا: والله لا تجلس عندنا. فخرجت من عندهم حزين القلب، باكي العين، وكتب الله لي السلامة حتى وصلت إلى بغداد، فحلقت ذقني وصرت صعلوكا، فوجدت هذين الاثنين الأعورين، فسلمت عليهما وقلت لهما: أنا غريب. فقالا: ونحن غريبان. فهذا سبب تلف عيني وحلق ذقني. فقالت له: ملس على رأسك ورح. فقال: والله لا أروح حتى أسمع قصة هؤلاء. # ![figure](../Images/figure8.png) # وجدت فرسا مسرجا ملجما مربوطا، ففككته وركبته، فطار بي. # ثم إن الصبية التفتت إلى الخليفة وجعفر ومسرور، وقالت لهم: أخبروني بخبركم. فتقدم جعفر، وحكى لها الحكاية التي قالها للبوابة عند دخولهم، فلما سمعت كلامه، قالت: وهبت بعضكم لبعض. فخرجوا إلى أن صاروا في الزقاق، فقال الخليفة للصعاليك: يا جماعة إلى أين تذهبون؟ فقالوا: وما ندري أين نذهب. فقال لهم الخليفة: سيروا وبيتوا عندنا. وقال لجعفر: خذهم وأحضرهم لي غدا حتى ننظر ما يكون. فامتثل جعفر ما أمره به الخليفة، ثم إن الخليفة طلع إلى قصره، ولم يجئه نوم في تلك الليلة، فلما أصبح ms0074 جلس على كرسي المملكة، ودخلت عليه أرباب الدولة، فالتفت إلى جعفر بعد أن طلعت أرباب الدولة، وقال: ائتني بالثلاث صبايا والكلبتين والصعاليك. فنهض جعفر، وأحضرهم بين يديه، فأدخل الصبايا تحت الأستار، والتفت لهن جعفر، وقال لهن: قد عفونا عنكن لما أسلفتن من الإحسان إلينا ولم تعرفننا، فها أنا أعرفكن وأنتن بين يدي الخامس من بني العباس هارون الرشيد، فلا تخبرنه إلا حقا. فلما سمع الصبايا كلام جعفر عن لسان أمير المؤمنين تقدمت الكبيرة، وقالت: يا أمير المؤمنين، إن لي حديثا لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 16 ### || حكاية البنت الأولى زبيدة # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن كبيرة الصبايا لما تقدمت بين يدي أمير المؤمنين قالت: إن لي حديثا عجيبا، وهو أن هاتين الصبيتين أختاي من أبي من غير أمي، فمات والدنا، وخلف خمسة آلاف دينار، وكنت أنا أصغرهن سنا، فتجهزت أختاي وتزوجت كل واحدة برجل ومكثتا مدة، ثم إن كل واحد من أزواجهما هيأ متجرا وأخذ من زوجته ألف دينار، وسافرا مع بعضهما وتركاهما، فغابا أربع سنين، وضيع زوجاهما المال وخسرا، وتركاهما في بلاد الناس، فجاءتاني في هيئة الشحاذين، فلما رأيتهما ذهلت عنهما ولم أعرفهما، ثم إني لما عرفتهما قلت لهما: ما هذه الحال؟ فقالتا: يا أختنا، إن الكلام لا يفيد الآن، وقد جرى القلم بما حكم الله. فأرسلتهما إلى الحمام، وألبست كل واحدة حلة، وقلت لهما: يا أختي، أنتما الكبيرتان وأنا الصغيرة، وأنتما عوض عن أبي وأمي، والإرث الذي نابني معكما قد جعل الله فيه البركة، فكلا من زكاته، وأحوالي جليلة، وأنا وأنتما سواء. وأحسنت إليهما غاية الإحسان، فمكثتا عندي مدة سنة كاملة، وصار لهما مال من مالي، فقالتا: إن الزواج خير لنا، وليس لنا صبر عنه. فقلت لهما: يا أختي، لم تريا في الزواج خيرا، فإن الرجل الجيد قليل في هذا الزمان، وقد جربتما الزواج. فلم يقبلا كلامي وتزوجا بغير رضاي، فزوجتهما من ms0075 مالي وسترتهما، ومضتا مع زوجيهما، فأقاموا مدة يسيرة، ولعب عليهما زوجاهما، وأخذا ما كان معهما، وسافرا وتركاهما، فجاءتا عندي وهما عريانتان واعتذرتا، وقالتا: لا تؤاخذينا، فأنت أصغر منا سنا وأكمل عقلا، وما بقينا نذكر الزواج أبدا. فقلت: مرحبا بكما يا أختي، ما عندي أعز منكما. وقبلتهما، وزدتهما إكراما. # ولم نزل على هذه الحالة سنة كاملة، فأردت أن أجهز لي مركبا إلى البصرة، فجهزت مركبا كبيرة، وحملت فيها البضائع والمتاجر، وما أحتاج إليه في المركب، وقلت: يا أختي، هل لكما أن تقعدا في المنزل حتى أسافر وأرجع، أو تسافرا معي؟ فقالتا: نسافر معك، فإنا لا نطيق فراقك. فأخذتهما وسافرنا، وكنت قسمت مالي نصفين، فأخذت النصف، وخبأت النصف الثاني، وقلت: ربما يصيب المركب شيء، ويكون في العمر مدة، فإذا رجعنا نجد شيئا ينفعنا. ولم نزل مسافرين أياما وليالي، فتاهت بنا المركب، وغفل الريس عن الطريق، ودخلت المركب بحرا غير البحر الذي نريده، ولم نعلم بذلك مدة، وطاب لنا الريح عشرة أيام، فلاحت لنا مدينة على بعد، فقلنا للريس: ما اسم هذه المدينة التي أشرفنا عليها؟ فقال: والله لا أعلم، ولا رأيتها قط، ولا سلكت عمري هذا البحر، ولكن جاء الأمر بسلامة، فما بقي إلا أن تدخلوا هذه المدينة وتخرجوا بضائعكم، فإن حصل لكم بيع فبيعوا وتصرفوا فيها، وإن لم يحصل لكم بيع، نرتاح يومين ونتزود ونسافر. فدخلنا المدينة وطلع الريس إليها، وغاب ساعة ثم جاءنا، وقال: قوموا إلى المدينة، وتعجبوا من صنع الله في خلقه، واستعيذوا من سخطه. فطلعنا المدينة فوجدنا كل من فيها ممسخوا حجارة سودا، فاندهشنا من ذلك، ومشينا في الأسواق فوجدنا البضائع باقية، والذهب والفضة باقيين على حالهما، ففرحنا وقلنا: لعل هذا يكون له أمر عجيب، وتفرقنا في شوارع المدينة، وكل واحد اشتغل عن رفيقه بما فيها من المال والقماش. # وأما أنا فطلعت إلى القلعة فوجدتها محكمة، فدخلت قصر الملك فوجدت جميع الأواني من الذهب والفضة، ثم رأيت الملك جالسا وعنده حجابه، ونوابه، ووزراؤه، وعليه من الملابس شيء يتحير ms0076 فيه الفكر، فلما قربت من الملك وجدته جالسا على كرسي مرصع بالدر والجوهر، فيه كل درة تضيء كالنجمة، وعليه حلة مزركشة بالذهب، وواقفا حوله خمسون مملوكا لابسين أنواع الحرير، وفي أيديهم السيوف مجردة، فلما نظرت لذلك دهش عقلي، ثم مشيت ودخلت قاعة الحريم، فوجدت في حيطانها ستائر من الحرير، ووجدت الملكة عليها حلة مزركشة باللؤلؤ الرطب، وعلى رأسها تاج مكلل بأنواع الجواهر، وفي عنقها قلائد وعقود، وجميع ما عليها من الملبوس والمصاغ باق على حاله، وهي ممسوخة حجرا أسود، ووجدت بابا مفتوحا فدخلته، ووجدت فيه سلما بسبع درجات فصعدته، فرأيت مكانا مرخما مفروشا بالبسط المذهبة، ووجدت فيه سريرا من المرمر مرصعا بالدر والجوهر، ونظرت نورا لامعا في جهة فقصدتها فوجدت فيها جوهرة مضيئة قدر بيضة النعامة على كرسي صغير وهو يضيء كالشمعة، ونورهما ساطع، ومفروش على ذلك السرير من أنواع الحرير ما يحير الناظر، فلما نظرت إلى ذلك تعجبت، ورأيت في ذلك المكان شموعا موقدة، فقلت في نفسي: لا بد أن أحدا أوقد هذه الشموع. # ثم إني مشيت حتى دخلت موضعا غيره، وصرت أفتش في الأماكن، ونسيت نفسي مما أدهشني من التعجب من تلك الأحوال، واستغرق فكري إلى أن دخل الليل، فأردت الخروج فلم أعرف الباب، وتهت عنه، فعدت إلى الجهة التي فيها الشموع الموقدة، وجلست على السرير، وتغطيت بلحاف بعد أن قرأت شيئا من القرآن، وأردت النوم فلم أستطع، ولحقني القلق، فلما انتصف الليل سمعت تلاوة القرآن بصوت حسن رقيق، فالتفت إلى مخدع فرأيت بابه مفتوحا، فدخلت الباب ونظرت المكان فإذا هو معبد، وفيه قناديل معلقة موقدة، وفيه سجادة مفروشة جالس عليها شاب حسن المنظر، فتعجبت كيف هو سالم دون أهل المدينة، فدخلت وسلمت عليه، فرفع بصره ورد علي السلام، فقلت له: أسألك بحق ما تتلوه من كتاب الله أن تجيبني عن سؤالي. فتبسم وقال: أخبريني أنت عن سبب دخولك هذا المكان، وأنا أخبرك بجواب ما تسألينني عنه. فأخبرته بخبري، فتعجب من ذلك، ثم إنني سألته عن هذه المدينة، ms0077 فقال: أمهليني. ثم طبق المصحف، وأدخله في كيس من الأطلس، وأجلسني بجنبه، فنظرت إليه فإذا هو كالبدر حسن الأوصاف، لين الأعطاف، بهي المنظر، رشيق القد، أسيل الخدر، زهي الوجنات كأنه المقصود من هذه الأبيات: # رصد المنجم ليله فبدا له %~% قد المليح يميس في برديه ~~وأمده زحل سواد ذوائب %~% والمسك هادي الخال في خديه ~~وغدت من المريخ حمرة خده %~% والقوس يرمي النبل من جفنيه ~~وعطارد أعطاه فرط ذكائه %~% وأبى السها نظر الوشاة إليه ~~فغدا المنجم حائرا مما رأى %~% والبدر باس الأرض بين يديه # فنظرت إليه نظرة أعقبتني ألف حسرة، وأوقدت بقلبي كل جمرة، فقلت له: يا مولاي، أخبرني عما سألتك. فقال: سمعا وطاعة، اعلمي أن هذه المدينة مدينة والدي وجميع أهله وقومه، وهو الملك الذي رأيته على الكرسي ممسوخا حجرا، وأما الملكة التي رأيتها فهي أمي، وقد كانوا مجوسا يعبدون النار دون الملك الجبار، وكانوا يقسمون بالنار والنور، والظل والحرور، والفلك الذي يدور، وكان أبي ليس له ولد فرزق بي في آخر عمره، فرباني حتى نشأت، وقد سبقت لي السعادة، وكان عندنا عجوز طاعنة في السن مسلمة تؤمن بالله ورسوله في الباطن، وتوافق أهلي في الظاهر، وكان أبي يقدرها لاتصافها بالأمانة والعفة، وكان يكرمها ويزيد في إكرامها، وكان يعتقد أنها على دينه، فلما كبرت سلمني أبي إليها، وقال: خذيه وربيه، وعلميه أحوال ديننا، وأحسني تربيته، وقومي بخدمته. # فأخذتني العجوز، وعلمتني دين الإسلام من الطهارة وفرائض الوضوء والصلاة، وحفظتني القرآن، فلما أتممت ذلك قالت لي: يا ولدي، اكتم هذا الأمر عن أبيك، ولا تعلمه به لئلا يقتلك. فكتمته عنه، ولم أزل كاتما عن أبي الخبر حتى ماتت تلك العجوز بعد أيام قلائل، فازداد أهل المدينة كفرا وعتوا وضلالا، فبينما هم على ما هم فيه إذ سمعوا مناديا ينادي بصوت عال شبيه بصوت الرعد القاصف، سمعه القريب والبعيد يقول: يا أهل هذه المدينة، ارجعوا عن عبادة النار، واعبدوا الملك الجبار. فحصل عند أهل المدينة فزع، واجتمعوا عند أبي وهو ملك المدينة، وقالوا له: ms0078 ما هذا الصوت المزعج الذي سمعناه فاندهشنا من شدة هوله؟ فقال لهم: لا يهولنكم الصوت، ولا يفزعكم، ولا يردكم عن دينكم. فمالت قلوبهم إلى قول أبي، ولم يزالوا منكبين على عبادة النار، واستمروا على طغيانهم مدة سنة، حتى جاء ميعاد ما سمعوا الصوت الأول فظهر لهم ثانيا، فسمعوه ثلاث مرات على ثلاث سنين في كل سنة مرة، فلم يزالوا عاكفين على ما هم عليه حتى نزل عليهم المقت والسخط من السماء بعد طلوع الفجر، فمسخوا حجارة سودا، وكذلك دوابهم وأنعامهم، ولم يسلم من أهل هذه المدينة غيري، ومن يوم جرت هذه الحادثة وأنا على هذه الحالة في صلاة وصيام وتلاوة قرآن، وقد سئمت من الوحدة، وما عندي من يؤانسني. # فعند ذلك قلت له: أيها الشاب، هل لك أن تروح معي إلى مدينة بغداد، وتنظر إلى العلماء، وإلى الفقهاء، فتزداد علما وفقها، وأكون أنا جاريتك مع أني سيدة قومي، وحاكمة على رجال وخدم وغلمان، وعندي مركب مشحونة بالمتجر، وقد رمتنا المقادير على هذه المدينة حتى كان ذلك سببا في اطلاعنا على هذه الأمور، وكان النصيب في اجتماعنا. ولم أزل أرغبه في التوجه حتى أجابني إليه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 17 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية ما زالت تحسن للشاب التوجه معها حتى غلب عليها النوم، فنامت تلك الليلة تحت رجليه، وهي لا تصدق بما هي فيه من الفرح، ثم قالت: فلما أصبح الصباح قمنا ودخلنا إلى الخزائن، وأخذنا ما خف حمله وغلا ثمنه، ونزلنا من القلعة إلى المدينة، فقابلنا العبيد والريس وهم يفتشون علي، فلما رأوني فرحوا بي، وسألوني عن سبب غيابي، فأخبرتهم بما رأيت، وحكيت لهم قصة الشاب، وسبب مسخ أهل هذه المدينة، وما جرى لهم؛ فتعجبوا من ذلك، فلما رأتني أختاي ومعي ذلك الشاب حسدتاني عليه، وصارتا في غيظ، وأضمرتا المكر لي، ثم نزلنا المركب وأنا بغاية الفرح، وأكثر فرحي بصحبة هذا الشاب، وأقمنا ننتظر الريح حتى طاب لنا الريح، فنشرنا ms0079 القلوع وسافرنا، فقعدت أختاي عندنا وصارتا تتحدثان، فقالتا لي: يا أختنا، ما تصنعين بهذا الشاب الحسن؟ فقلت لهما: قصدي أن أتخذه بعلا. ثم التفت إليه وأقبلت عليه، وقلت: يا سيدي، قصدي أن أقول لك شيئا فلا تخالفني فيه. فقال: سمعا وطاعة. ثم التفت إلى أختي وقلت لهما: يكفيني هذا الشاب، وجميع هذه الأموال لكما. فقالتا: نعم ما فعلت. ولكنهما أضمرتا لي الشر، ولم نزل سائرين مع اعتدال الريح حتى خرجنا من بحر الخوف، ودخلنا بحر الأمان، وسافرنا أياما قلائل إلى أن قربنا من مدينة البصرة، ولاحت لنا أبنيتها فأدركنا المساء، فلما أخذنا النوم قامت أختاي وحملتاني أنا والغلام بفرشنا ورمتانا في البحر، فأما الشاب فإنه كان لا يحسن العوم فغرق، وكتبه الله من الشهداء، وأما أنا فكتبت من السالمين. # فلما سقطت في البحر رزقني الله بقطعة خشب فركبتها، وضربتني الأمواج إلى أن رمتني على ساحل جزيرة، فلم أزل أمشي في الجزيرة باقي ليلتي، فلما أصبح الصباح رأيت طريقا فيه أثر مشي على قدر قدم ابن آدم، وتلك الطريق متصلة من الجزيرة إلى البر، وقد طلعت الشمس، فنشفت ثيابي فيها وسرت في الطريق، ولم أزل سائرة إلى أن قربت من البر الذي فيه المدينة، وإذا أنا بحية تقصدني، وخلفها ثعبان يريد هلاكها، وقد تدلى لسانها من شدة التعب، فأخذتني الشفقة عليها، فعمدت إلى حجر وألقيته على رأس الثعبان، فمات من وقته، فنشرت الحية جناحين وطارت في الجو، فتعجبت من ذلك، وقد تعبت فنمت في موضعي ساعة، فلما أفقت وجدت تحت رجلي جارية وهي تكبس رجلي، فجلست واستحيت منها، وقلت لها: من أنت، وما شأنك؟ فقالت: ما أسرع ما نسيتني! أنت التي فعلت معي الجميل، وقتلت عدوي، فأنا الحية التي خلصتني من الثعبان، فإني جنية، وهذا الثعبان جني، وهو عدوي، وما نجاني منه إلا أنت، فلما نجيتني منه طرت في الريح، وذهبت إلى المركب التي رماك منها أختاك، ونقلت جميع ما فيها إلى بيتك وأغرقتها، وأما أختاك فإني سحرتهما كلبتين من الكلاب ms0080 السود، فإني عرفت جميع ما جرى لك معهما، وأما الشاب فإنه غرق. # ثم حملتني أنا والكلبتين، وألقتنا فوق سطح داري؛ فرأيت جميع ما كان في المركب من الأموال في وسط بيتي، ولم يضع منه شيء، ثم إن الحية قالت لي: وحق النقش الذي على خاتم سليمان، إذا لم تضربي كل واحدة منهما في كل يوم ثلاثمائة سوط، لجئت وجعلتك مثلهما. فقلت: سمعا وطاعة. فلم أزل يا أمير المؤمنين أضربهما ذلك الضرب، وأشفق عليهما. فتعجب الخليفة من ذلك، ثم قال للصبية الثانية: وأنت ما سبب الضرب الذي على جسدك؟ ### || حكاية البنت الثانية أمينة # فقالت: يا أمير المؤمنين، إني كان لي والد فمات وخلف مالا كثيرا، فأقمت بعده مدة يسيرة، وتزوجت برجل أسعد أهل زمانه، فأقمت معه سنة كاملة ومات، فورثت منه ثمانين ألف دينار بمقتضى ما خصني بالفريضة الشرعية، فعملت عشر بدلات، كل بدلة بألف دينار، فبينما أنا جالسة في يوم من الأيام إذ دخلت علي عجوز بوجه مسعوط وحاجب ممعوط، وعيونها مفجرة وأسنانها مكسرة، ومخاطها سائل وعنقها مائل، كما قال فيها الشاعر: # عجوز النحس إبليس يراها %~% تعلمه الخديعة من سكوت ~~تقود من السياسة ألف بغل %~% إذا نفروا بخيط العنكبوت # وكما قال الآخر: # وعجوز لها الكهانة طبع %~% حللت في الحرام ما لا يجوز ~~بعبصت طفلة وليطت فتاة %~% وزنت كهلة وقادت عجوز # فلما دخلت العجوز سلمت علي، وقالت: إن عندي بنتا يتيمة، والليلة عملت عرسها، وأنا قصدي لك الأجر والثواب، فاحضري عرسها؛ فإنها مكسورة الخاطر، ليس لها إلا الله تعالى. ثم بكت وقبلت رجلي، فأخذتني الرحمة والرأفة، فقلت: سمعا وطاعة. فقالت: جهزي نفسك، فإني وقت العشاء أجيء وآخذك. ثم قبلت يدي وذهبت، فقمت وهيأت نفسي وجهزت حالي، وإذا بالعجوز قد أقبلت وقالت: يا سيدتي، إن سيدات البلد قد حضرن، وأخبرتهن بحضورك؛ ففرحن وهن في انتظارك. فقمت وتهيأت، وأخذت جواري معي، وسرت حتى أتينا إلى زقاق هب فيه النسيم وراق، فرأينا بوابة مقنطرة بقبة من الرخام مشيدة البنيان، وفي داخلها قصر قد قام ms0081 من التراب وتعلق بالسحاب، فلما وصلنا إلى الباب طرقته العجوز ففتح لنا ودخلنا، فوجدنا دهليزا مفروشا بالبسط، معلقا فيه قناديل موقدة وشموع مضيئة، وفيه الجواهر والمعادن معلقة، فمشينا في الدهليز إلى أن دخلنا قاعة لا يوجد لها نظير، مفروشة بالفراش الحرير، معلقا فيها القناديل الموقدة والشموع المضيئة، وفي صدر القاعة سرير من المرمر مرصع بالدر والجواهر، وعليه ناموسية من الأطلس، وإذا بصبية خرجت من الناموسية مثل القمر، فقالت لي: مرحبا وأهلا وسهلا يا أختي، آنستني وجبرت خاطري، وأنشدت تقول: # لو تعلم الدار من قد زارها فرحت %~% واستبشرت ثم باست موضع القدم ~~وأعلنت بلسان الحال قائلة %~% أهلا وسهلا بأهل الجود والكرم # ثم جلست وقالت: يا أختي، إن لي أخا، وقد رآك في بعض الأفراح، وهو شاب أحسن مني، وقد أحبك قلبه حبا شديدا، وأعطى هذه العجوز دراهم حتى أتتك، وعملت هذه الحيلة لأجل اجتماعي بك، ويريد أخي أن يتزوجك بسنة الله ورسوله، وما في الحلال من عيب. فلما سمعت كلامها، ورأيت نفسي قد انحزت في الدار، قلت للصبية: سمعا وطاعة. ففرحت وصفقت بيديها، وفتحت بابا فخرج منه شاب مثل القمر كما قال الشاعر: # قد زاد حسنا تبارك الله %~% جل الذي صاغه وسواه ~~قد حاز كل الجمال منفردا %~% كل الورى في جماله تاهوا ~~قد كتب الحسن فوق وجنته %~% أشهد أن لا مليح إلا هو # فلما نظرت إليه مال قلبي له، ثم جاء وجلس، وإذا بالقاضي قد دخل ومعه أربعة شهود، فسلموا وجلسوا، ثم إنهم كتبوا كتابي على ذلك الشاب وانصرفوا، فالتفت الشاب إلي، وقال: ليلتنا مباركة. ثم قال: يا سيدتي، إني أشرط عليك شرطا. فقلت: يا سيدي، وما الشرط؟ فقام وأحضر لي مصحفا وقال: احلفي لي أنك لا تختارين أحدا غيري ولا تميلين إليه. فحلفت له على ذلك، ففرح فرحا شديدا وعانقني، فأخذت محبته بمجامع قلبي، وقدموا لنا السماط، فأكلنا وشربنا حتى اكتفينا، ودخل علينا الليل، فأخذني ونام معي على الفراش، وبتنا في عناق إلى الصباح، ولم نزل على هذه الحالة مدة ms0082 شهر، ونحن في هناء وسرور، وبعد الشهر استأذنته في أني أسير إلى السوق، وأشتري بعض قماش، فأذن لي في الرواح، فلبست ثيابي وأخذت العجوز معي، ونزلت إلى السوق، فجلست في دكان شاب تاجر تعرفه العجوز، وقالت لي: هذا ولد صغير مات أبوه، وخلف له مالا كثيرا. ثم قالت له: هات أعز ما عندك من القماش لهذه الصبية. فقال لها: سمعا وطاعة. فصارت العجوز تثني عليه، فقلت: ما لنا حاجة بثنائك عليه؛ لأن مرادنا أن نأخذ حاجتنا منه ونعود إلى منزلنا. فأخرج لنا ما طلبناه وأعطيناه الدراهم، فأبى أن يأخذ شيئا وقال: هذه ضيافتكم اليوم عندي. فقلت للعجوز: إن لم يأخذ الدراهم أعطيه قماشه. فقال: والله لا آخذ منك شيئا، والجميع هدية من عندي في قبلة واحدة، فإنها عندي أحسن من جميع ما في دكاني. فقالت العجوز: ما الذي يفيدك من القبلة؟ ثم قالت: يا بنتي، قد سمعت هذا هذا الشاب، وما يصيبك شيء إذا أخذ منك قبلة، وتأخذين ما تطلبينه. فقلت لها: أما تعرفين أني حالفة؟! فقالت: خليه يقبلك، وأنت ساكتة، ولا عليك شيء، وتأخذين هذه الدراهم. ولا زالت تحسن لي الأمر حتى أدخلت رأسي في الجراب ورضيت بذلك، ثم إني غطيت عيني، وداريت بطرف إزاري من الناس، وحط فمه تحت إزاري على خدي، فلما قبلني عضني عضة قوية حتى قطع اللحم من خدي، فغشي علي، ثم أخذتني العجوز في حضنها، فلما أفقت وجدت الدكان مقفولة، والعجوز تظهر لي الحزن، وتقول: ما دفع الله كان أعظم. ثم قالت لي: قومي بنا إلى البيت، واعملي نفسك ضعيفة، وأنا أجيء إليك بدواء تداوين به هذه العضة فتبرأ سريعا. فبعد ساعة قمت من مكاني وأنا في غاية الفكر، واشتد بي الخوف، فمشيت حتى وصلت إلى البيت، وأظهرت حالة المرض، وإذا بزوجي داخل، وقال: ما الذي أصابك يا سيدتي في هذا الخروج؟ فقلت له: ما أنا طيبة. فنظر إلي وقال لي: ما هذا الجرح الذي بخدك، وهو في المكان الناعم؟ فقلت: إني لما استأذنتك ms0083 وخرجت في هذا النهار لأشتري القماش، زاحمني جمل حامل حطبا، فشرمط نقابي، وجرح خدي كما ترى، فإن الطريق ضيق في هذه المدينة. فقال: غدا أروح للحاكم، وأشكو له فيشنق كل حطاب في المدينة. فقلت: بالله عليك لا تتحمل خطيئة أحد؛ فإني ركبت حمارا نفر بي فوقعت على الأرض، فصادفني عود فخدش خدي وجرحني. فقال: غدا أطلع لجعفر البرمكي، وأحكي له الحكاية، فيقتل كل حمار في هذه المدينة. فقلت: هل أنت تقتل الناس كلهم بسببي، وهذا الذي جرى لي بقضاء الله وقدره! فقال: لا بد من ذلك. وشدد علي ونهض قائما، وصاح صيحة عظيمة، فانفتح الباب وطلع منه سبعة عبيد سود، فسحبوني من فراشي ورموني في وسط الدار، ثم أمر عبدا منهم أن يمسكني من أكتافي ويجلس على رأسي، وأمر الثاني أن يجلس على ركبتي ويمسك رجلي، وجاء الثالث وفي يده سيف فقال: يا سيدي، أأضربها بالسيف فأقسمها نصفين، وكل واحد يأخذ قطعة يرميها في بحر الدجلة فيأكلها السمك؟ وهذا جزاء من يخون الأيمان والمودة، وأنشد هذا الشعر: # إذا كان لي فيمن أحب مشارك %~% منعت الهوى روحي ليتلفني وجدي ~~وقلت لها يا نفس موتي كريمة %~% فلا خير في حب يكون مع الضد # ثم قال للعبد: اضربها يا سعد. فجرد السيف وقال: اذكري الشهادة، وتذكري ما كان لك من الحوائج وأوصي، فإن هذا آخر حياتك. فقلت له: يا عبد الخير، تمهل علي قليلا حتى أتشهد وأوصي. ثم رفعت رأسي ونظرت إلى حالي، وكيف صرت في الذل بعد العز؛ فجرت عبرتي وبكيت، وأنشدت هذه الأبيات: # أقمتم فراقي في الهوى وقعدتم %~% وأسهرتم جفني القريح ونمتم ~~ومنزلكم بين الفؤاد وناظري %~% فلا القلب يسلاكم ولا الدمع يكتم ~~وعاهدتموني أن تقيموا على الوفا %~% فلما تملكتم فؤادي غدرتم ~~ولم ترحموا وجدي بكم وتلهفي %~% أأنتم صدوف الحادثات أمنتم ~~سألتكم بالله إن مت فاكتبوا %~% على لوح قبري إن هذا متيم ~~لعل شجيا عارفا لوعة الهوى %~% يمر على قبر المحب فيرحم # فلما فرغت من شعري بكيت، فلما سمع الشعر ونظر إلى ms0084 بكائي، ازداد غيظا على غيظه، وأنشد هذين البيتين: # تركت حبيب القلب لا عن ملالة %~% ولكن جنى ذنبا يؤدي إلى الترك ~~أراد شريكا في المحبة بيننا %~% وإيمان قلبي لا يميل إلى الشرك # فلما فرغ من شعره بكيت واستعطفته، وقلت في نفسي: أتواضع له وألين له الكلام؛ لعله يعفو عني من القتل، ولو كان يأخذ جميع ما أملك، ثم شكوت إليه ما أجده، وأنشدته هذه الأبيات: # وحقك لو أنصفتني ما قتلتني %~% ولكن حكم البين ما فيه منصف ~~وحملتني ثقل الغرام وإنني %~% لأعجز عن حمل القميص وأضعف ~~وما عجب إتلاف روحي وإنما %~% عجبت لجسمي بعدكم كيف يصرف # فلما فرغت من شعري بكيت، فنظرني ونهرني وشتمني، وأنشد هذه الأبيات: # تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا %~% وأظهرتم الهجران ما هكذا كنا ~~سنترككم لما تركتم مرامنا %~% ونصبر عنكم مثل صبركم عنا ~~ونهوى سواكم مذ جنحتم لغيرنا %~% ونجعل قطع الوصل منكم ولا منا # فلما فرغ من شعره صرخ على العبد، وقال له: اشطرها نصفين، فليس لنا فيها فائدة. فلما تقدم العبد إلي، أيقنت بالموت ويئست من الحياة، وسلمت أمري لله تعالى، وإذا بالعجوز قد دخلت ورمت نفسها على أقدام الشاب وقبلتها، وقالت: يا ولدي، بحق تربيتي لك تعفو عن هذه الصبية، فإنها ما فعلت ذنبا يوجب ذلك، وأنت شاب صغير فأخاف عليك من دعائها. ثم بكت العجوز، ولم تزل تلح عليه حتى قال: قد عفوت عنها، ولكن لا بد أن أعمل فيها أثرا يظهر عليها بقية عمرها، ثم أمر العبيد فجذبوني من ثيابي، وأحضر قضيبا من سفرجل، ونزل به على جسدي بالضرب، ولم يزل يضربني ذلك الشاب على ظهري وجنبي حتى غبت عن الدنيا من شدة الضرب، وقد يئست من حياتي، ثم أمر العبيد أنه إذا دخل الليل يحملونني ويأخذون العجوز معهم، ويرمونني في بيتي الذي كنت فيه سابقا، ففعلوا ما أمرهم به سيدهم، ورموني في بيتي، فتعاهدت نفسي وداويت جسمي، فلما شفيت بقيت أضلاعي كأنها مضروبة بالمقارع كما ترى، فاستمررت في مداواة نفسي أربعة أشهر حتى شفيت، ثم ms0085 جئت إلى الدار التي جرى لي فيها ذلك الأمر، فوجدتها خربة، ووجدت الزقاق مهدوما من أوله إلى آخره، ووجدت في موضع الدار كيمانا، ولم أعلم سبب ذلك، فجئت إلى أختي هذه التي من أبي، فوجدت عندها هاتين الكلبتين، فسلمت عليها وأخبرتها بخبري، وبجميع ما جرى لي، فقالت لي: من ذا الذي من نكبات الزمان سليم؟ الحمد لله الذي جعل الأمر بالسلامة. ثم أخبرتني بخبرها، وبجميع ما جرى لها مع أختيها، وقعدت أنا وهي لا نذكر خبر الزواج على ألسنتنا، ثم صاحبتنا هذه الصبية الدلالة، وفي كل يوم تخرج فتشتري لنا ما نحتاج إليه من المصالح، واستمررنا على هذه الحالة إلى هذه الليلة التي مضت، فخرجت أختنا تشتري لنا ما نحتاج إليه من المصالح على جري عادتها، فوقع لنا ما وقع من مجيء الحمال والصعاليك، ومن مجيئكم في صفة تجار، فلما صرنا في هذا اليوم لم نشعر إلا ونحن بين يديك، وهذه حكايتنا. فتعجب الخليفة من هذه الحكاية، وجعلها تاريخا مثبتا في خزانته. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 18 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة أمر أن تكتب هذه القصة في الدواوين، ويجعلوها في خزانة الملك، ثم إنه قال للصبية الأولى: هل عندكم خبر بالعفريتة التي سحرت أختيك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، إنها أعطتني شيئا من شعرها، وقالت: متى أردت حضوري فأحرقي من هذا الشعر شيئا، فأحضر إليك عاجلا، ولو كنت خلف جبل قاف. فقال الخليفة: أحضري لي الشعر. فأحضرته الصبية فأخذه الخليفة، وأحرق منه شيئا، فلما فاحت رائحته اهتز القصر، وسمعوا دويا وصلصلة، وإذا بالجنية حضرت وكانت مسلمة، فقالت: السلام عليك يا خليفة الله. فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقالت: اعلم أن هذه الصبية زرعت معي جميلا ولا أقدر أن أكافئها عليه؛ فهي أنقذتني من الموت، وقتلت عدوي، ورأيت ما فعله معها أختاها، فما رأيت إلا أني أنتقم منهما فسحرتهما كلبتين بعد أن أردت قتلهما، فخشيت أن يصعبا عليها، وإن أردت خلاصهما يا ms0086 أمير المؤمنين أخلصهما كرامة لك ولها، فإني من المسلمين. فقال لها: خلصيهما، وبعد ذلك نشرع في أمر الصبية المضروبة، ونفحص عن حالها، فإذا ظهر لي صدقها أخذت ثأرها ممن ظلمها. فقالت العفريتة: يا أمير المؤمنين، أنا أدلك على من فعل بهذه الصبية هذا الفعل وظلمها وأخذ مالها، وهو أقرب الناس إليك. ثم إن العفريتة أخذت طاسة من الماء وعزمت عليها، ورشت وجه الكلبتين، وقالت لهما: عودا إلى صورتكما الأولى البشرية. فعادتا صبيتين سبحان خالقهما، ثم قالت: يا أمير المؤمنين، إن الذي ضرب الصبية ولدك الأمين، فإنه كان يسمع بحسنها وجمالها. وحكت له العفريتة جميع ما جرى للصبية، فتعجب وقال: الحمد لله على خلاص هاتين الكلبتين على يدي. ثم إن الخليفة أحضر ولده الأمين بين يديه، وسأله عن قصة الصبية الأولى، فأخبره على وجه الحق، فأحضر الخليفة القضاة والشهود، والصعاليك الثلاثة، وأحضر الصبية الأولى وأختيها اللتين كانتا مسحورتين في صورة كلبتين، وزوج الثلاث للثلاثة الصعاليك الذين أخبروهم أنهم كانوا ملوكا، وعملهم حجابا عنده، وأعطاهم ما يحتاجون إليه، وأنزلهم في قصر بغداد، ورد الصبية المضروبة لولده الأمين، وأعطاها مالا كثيرا، وأمر أن تبنى الدار أحسن ما كانت، ثم إن الخليفة تزوج بالدلالة، ورقد في تلك الليلة معها، فلما أصبح أفرد لها بيتا وجواري يخدمنها، ورتب لها راتبا، وشيد لها قصرا. # ![figure](../Images/figure9.png) # فأحرق الخليفة منه شيئا، فاهتز القصر وسمعوا دويا، وإذا بالجنية حضرت. ### || حكاية الصبية والتفاح وريحان العبد # ثم قال لجعفر ليلة من الليالي: إني أريد أن ننزل في هذه الليلة إلى المدينة، ونسأل عن أحوال الحكام المتولين، وكل من شكا منه أحد عزلناه. فقال جعفر: سمعا وطاعة. فلما نزل الخليفة وجعفر ومسرور وساروا في المدينة، ومشوا في الأسواق، مروا بزقاق فرأوا شيخا كبيرا على رأسه شبكة وقفة، وفي يده عصا، وهو ماش على مهله، وينشد هذه الأبيات: # يقولون لي أنت بين الورى %~% بعلمك كالليلة المقمره ~~فقلت دعوني من قولكم %~% فلا علم إلا مع المقدره ~~فلو رهنوني وعلمي معي %~% وكل الدفاتر والمحبره ~~على فوت ms0087 يوم لما أدركوا %~% قبول الرهان إلى الآخره ~~فأما الفقير وحال الفقير %~% وعيش الفقير فما أكدره ~~وفي الصيف يعجز عن قوته %~% وفي البرد يدفأ على المجمره ~~تليه الكلاب إذا ما مشى %~% فكل لئيم غدا ينهره ~~إذا ما شكا حاله لامرئ %~% وبين عذرا فلن يعذره ~~فكل فقير غدا مسخره %~% فقودوا الفقير إلى المقبره # فلما سمع الخليفة إنشاده قال لجعفر: انظر هذا الرجل الفقير وانظر هذا الشعر؛ فإنه يدل على احتياجه. ثم إن الخليفة تقدم إليه وقال له: يا شيخ، ما حرفتك؟ قال: يا سيدي، صياد وعندي عائلة، وخرجت من بيتي من نصف النهار إلى هذا الوقت ولم يقسم الله لي شيئا أقوت به عيالي، وقد كرهت نفسي وتمنيت الموت. فقال له الخليفة: هل لك أن ترجع معنا إلى البحر، وتقف على شاطئ دجلة، وترمي شبكتك على بختي، وكل ما طلع أشتريه منك بمائة دينار؟ ففرح الرجل لما سمع هذا الكلام، وقال: على رأسي أرجع معكم. ثم إن الصياد رجع إلى البحر، ورمى شبكته، وصبر عليها، ثم إنه جذب الخيط وجر الشبكة إليه، فطلع في الشبكة صندوق مقفول ثقيل الوزن، فلما نظره الخليفة جسه، فوجده ثقيلا، فأعطى الصياد مائة دينار وانصرف، وحمل الصندوق مسرور هو وجعفر، وطلعا به مع الخليفة إلى القصر، وأوقد الشموع والصندوق بين يدي الخليفة، فتقدم جعفر ومسرور وكسروا الصندوق، فوجدوا فيه قفة خوص مخيطة بصوف أحمر، فقطعوا الخياطة فرأوا فيها قطعة بساط، فرفعوها فوجدوا تحتها إزارا، فرفعوا الإزار فوجدوا تحته صبية كأنها سبيكة فضة، مقتولة ومقطعة، فلما نظرها الخليفة جرت دموعه على خده، والتفت إلى جعفر وقال: يا كلب الوزراء، أتقتل القتلى في زمني، ويرمون في البحر، ويصيرون متعلقين بذمتي؟ والله لا بد أن أقتص لهذه الصبية ممن قتلها وأقتله. وقال لجعفر: وحق اتصال نسبي بالخلفاء من بني العباس، إن لم تأتني بالذي قتل هذه لأنصفها منه، لأصلبنك على باب قصري أنت وأربعين من بني عمك. واغتاظ الخليفة، فقال جعفر: أمهلني ثلاثة أيام. قال: أمهلتك. ثم خرج جعفر من ms0088 بين يديه، ومشى في المدينة وهو حزين، وقال في نفسه: من أين أعرف من قتل هذه الصبية حتى أحضره للخليفة؟! وإن أحضرت له غيره يصير معلقا بذمتي، ولا أدري ما أصنع! # ثم إن جعفر جلس في بيته ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أرسل إليه الخليفة يطلبه، فلما تمثل بين يديه قال له: أين قاتل الصبية؟ قال جعفر: يا أمير المؤمنين، هل أنا أعلم الغيب حتى أعرف قاتلها؟! فاغتاظ الخليفة، وأمر بصلبه على باب قصره، وأمر مناديا أن ينادي في شوارع بغداد: من أراد الفرجة على صلب جعفر البرمكي وزير الخليفة، وصلب أولاد عمه على باب قصر الخليفة فليخرج ليتفرج. فخرجت الناس من جميع الحارات ليتفرجوا على صلب جعفر، وصلب أولاد عمه، ولم يعلموا سبب ذلك، ثم أمر بنصب الخشب فنصبوه، وأوقفوهم تحته لأجل الصلب، وصاروا ينتظرون الإذن من الخليفة، وصار الخلق يتباكون على جعفر، وعلى أولاد عمه، فبينما هم كذلك وإذا بشاب حسن نقي الأثواب يمشي بين الناس مسرعا إلى أن وقف بين يدي الوزير، وقال له: سلامتك من هذه الوقفة يا سيد الأمراء، وكهف الفقراء، أنا الذي قتلت القتيلة التي وجدتموها في الصندوق، فاقتلني فيها واقتص لها مني. فلما سمع جعفر كلام الشاب وما أبداه من الخطاب، فرح بخلاص نفسه وحزن على الشاب. # فبينما هم في الكلام وإذا بشيخ كبير يفسح الناس، ويمشي بينهم بسرعة إلى أن وصل إلى جعفر والشاب، فسلم عليهما ثم قال: أيها الوزير، لا تصدق كلام هذا الشاب، فإنه ما قتل هذه الصبية إلا أنا، فاقتص لها مني. فقال الشاب: أيها الوزير، إن هذا شيخ كبير خرفان لا يدري ما يقول، وأنا الذي قتلتها، فاقتص لها مني. فقال الشيخ: يا ولدي، أنت صغير تشتهي الدنيا، وأنا كبير شبعت من الدنيا، وأنا أفديك وأفدي الوزير وبني عمه، وما قتل الصبية إلا أنا، فبالله عليك أن تعجل بالاقتصاص مني. # فلما نظر إلى ذلك الأمر تعجب منه، وأخذ الشاب والشيخ وطلع بهما عند الخليفة، وقال: يا أمير المؤمنين، ms0089 قد حضر قاتل الصبية. فقال الخليفة: أين هو؟ فقال: إن هذا الشاب يقول أنا القاتل، وهذا الشيخ يكذبه ويقول: لا، بل أنا القاتل. فنظر الخليفة إلى الشيخ والشاب وقال: من منكما قتل هذه الصبية؟ فقال الشاب: ما قتلها إلا أنا. وقال الشيخ: ما قتلها إلا أنا. فقال الخليفة لجعفر: خذ الاثنين واصلبهما. فقال جعفر: إذا كان القاتل واحدا فقتل الثاني ظلم. فقال الشاب: وحق من رفع السماء وبسط الأرض إني أنا الذي قتلت الصبية، وهذه أمارة قتلها. ووصف ما وجده الخليفة، فتحقق عند الخليفة أن الشاب هو الذي قتل الصبية؛ فتعجب الخليفة وقال: ما سبب قتلك هذه الصبية بغير حق، وما سبب إقرارك بالقتل من غير ضرب، وقولك اقتصوا لها مني؟ # فقال الشاب: اعلم يا أمير المؤمنين أن هذه الصبية زوجتي وبنت عمي، وهذا الشيخ أبوها وهو عمي، وتزوجت بها وهي بكر، فرزقني الله منها ثلاثة أولاد ذكور، وكانت تحبني وتخدمني، ولم أر عليها شيئا، فلما كان أول هذا الشهر مرضت مرضا شديدا، فأحضرت لها الأطباء حتى حصلت لها العافية، فأردت أن أدخلها الحمام، فقالت: إني أريد شيئا قبل دخول الحمام لأني اشتهيته. فقلت لها: وما هو؟ فقالت: إني أشتهي تفاحة أشمها، وأعض منها عضة. فطلعت من ساعتي إلى المدينة، وفتشت على التفاح ولو كانت الواحدة بدينار فلم أجده، فبت تلك الليلة وأنا متفكر، فلما أصبح الصباح خرجت من بيتي ودرت على البساتين واحدا واحدا، فلم أجد فيها، فصادفني خولي كبير فسألته عن التفاح، فقال: يا ولدي، هذا شيء قل أن يوجد لأنه معدوم، ولا يوجد إلا في بستان أمير المؤمنين الذي في البصرة، وهو عند الخولي يدخره للخليفة. فجئت إلى زوجتي وقد حملتني محبتي إياها على أن هيأت نفسي، وسافرت خمسة عشر يوما ليلا ونهارا في الذهاب والإياب، وجئت لها بثلاث تفاحات اشتريتها من خولي البصرة بثلاثة دنانير، ثم إني دخلت وناولتها إياها فلم تفرح بها، بل تركتها إلى جانبها، وكان مرض الحمى قد اشتد عليها، ولم تزل في ms0090 ضعفها إلى أن مضى لها عشرة أيام، وبعد ذلك عوفيت، فخرجت من البيت، وذهبت إلى دكاني، وجلست في بيعي وشرائي، فبينما أنا جالس في وسط النهار، وإذا بعبد أسود مر علي وفي يده تفاحة يلعب بها، فقلت له: من أين أخذت هذه التفاحة حتى آخذ مثلها؟ فضحك وقال: أخذتها من حبيبتي، وأنا كنت غائبا، وجئت فوجدتها ضعيفة، وعندها ثلاث تفاحات، فقالت: إن زوجي الديوث سافر من شأنها إلى البصرة، فاشتراها بثلاثة دنانير. فأخذت منها هذه التفاحة. # ![figure](../Images/figure10.png) # خرج من بيته ودار على البساتين واحدا واحدا، فلم يجد فيها تفاحا. # فلما سمعت كلام العبد يا أمير المؤمنين اسودت الدنيا في وجهي، وقفلت دكاني، وجئت إلى البيت وأنا فاقد العقل من شدة الغيظ، فلم أجد التفاحة الثالثة، فقلت لها: أين الثالثة؟ فقالت: لا أدري، ولا أعرف أين ذهبت. فتحققت قول العبد، وقمت أخذت سكينا وركبت على صدرها ونحرتها بالسكين، وقطعت رأسها وأعضاءها، وحططتها في القفة بسرعة، وغطيتها بالإزار، وحططت عليها شقة بساط، وأنزلتها في الصندوق وقفلته، وحملتها على بغلتي، ورميتها في الدجلة بيدي، فبالله عليك يا أمير المؤمنين أن تعجل بقتلي قصاصا لها، فإني خائف من مطالبتها يوم القيامة، فإني لما رميتها في بحر الدجلة، ولم يعلم بها أحد، رجعت إلى البيت فوجدت ولدي الكبير يبكي، ولم يكن له علم بما فعلت في أمه، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: إني أخذت تفاحة من التفاح الذي عند أمي، ونزلت بها إلى الزقاق ألعب مع إخواني، وإذا بعبد أسود طويل خطفها مني، وقال لي: من أين جاءتك هذه؟ فقلت له: هذه سافر أبي وجاء بها من البصرة من أجل أمي وهي ضعيفة، واشترى ثلاث تفاحات بثلاثة دنانير. فأخذها مني وضربني وراح بها، فخفت من أمي أن تضربني من شأن التفاحة. # فلما سمعت كلام الولد علمت أن العبد هو الذي افترى الكلام الكذب على بنت عمي، وتحققت أنها قتلت ظلما، ثم إني بكيت بكاء شديدا، وإذا بهذا الشيخ وهو عمي والدها قد أقبل، فأخبرته بما كان، ms0091 فجلس بجانبي وبكى، ولم نزل نبكي إلى نصف الليل، وأقمنا العزاء خمسة أيام، ولم نزل إلى هذا اليوم ونحن نتأسف على قتلها، فبحرمة أجدادك أن تعجل بقتلي، وتقتص لها مني. فلما سمع الخليفة كلام الشاب تعجب، وقال: والله لا أقتل إلا العبد الخبيث. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 19 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة أقسم أنه لا يقتل إلا العبد؛ لأن الشاب معذور، ثم إن الخليفة التفت إلى جعفر، وقال له: أحضر لي هذا العبد الخبيث الذي كان سببا في هذه القضية، وإن لم تحضره فأنت تقتل عوضا عنه. فنزل يبكي ويقول: من أين أحضره؟ ولا كل مرة تسلم الجرة، وليس لي في هذا الأمر حيلة، والذي يسلمني في الأول يسلمني في الثاني، والله ما بقيت أخرج من بيتي ثلاثة أيام، والحق سبحانه يفعل ما يشاء. ثم أقام في بيته ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أحضر القاضي وأوصى وودع أولاده وبكى، وإذا برسول الخليفة أتى إليه، وقال له: إن أمير المؤمنين في أشد ما يكون من الغضب، وأرسلني إليك وحلف أنه لا يمر هذا النهار إلا وأنت مقتول إن لم تحضر له العبد. # فلما سمع جعفر هذا الكلام بكى وبكت أولاده، فلما فرغ من التوديع تقدم إلى بنته الصغيرة ليودعها، وكان يحبها أكثر من أولاده جميعا، فضمها إلى صدره، وبكى على فراقها، فوجد في جيبها شيئا مكببا، فقال لها: ما الذي في جيبك؟ فقالت له: يا أبت، تفاحة جاء بها عبدنا ريحان، ولها معي أربعة أيام، وما أعطاها لي حتى أخذ مني دينارين. فلما سمع جعفر بذلك العبد والتفاحة، فرح وقال: يا قريب الفرج! ثم إنه أمر بإحضار العبد فحضر، فقال له: من أين هذه التفاحة؟ فقال: يا سيدي، من مدة خمسة أيام كنت ماشيا فدخلت في بعض أزقة المدينة، فنظرت صغارا يلعبون، ومع واحد منهم هذه التفاحة، فخطفتها منه وضربته فبكى، وقال: هذه لأمي وهي مريضة، واشتهت على أبي تفاحا، فسافر إلى ms0092 البصرة وجاء لها بثلاث تفاحات بثلاثة دنانير، فأخذت هذه ألعب بها، ثم بكى فلم ألتفت إليه، وأخذتها وجئت بها إلى هنا، فأخذتها سيدتي الصغيرة بدينارين. فلما سمع جعفر هذه القصة تعجب لكون الفتنة وقتل الصبية من عبده، وأمر بسجن العبد وفرح بخلاص نفسه، ثم أنشد هذين البيتين: # ومن كانت رزيته بعبد %~% فقتل النفس أن تعطى مناها ~~فإنك واجد خدما كثيرا %~% ونفسك لم تجد نفسا سواها # ثم إنه قبض على العبد وطلع به إلى الخليفة، فأمر أن تؤرخ هذه الحكاية، وتجعل سيرا بين الناس، فقال له جعفر: لا تعجب يا أمير المؤمنين من هذه القصة، فما هي بأعجب من حديث الوزير نور الدين مع شمس الدين أخيه. فقال الخليفة: وأي حكاية أعجب من هذه الحكاية؟ فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، لا أحدثك إلا بشرط أن تعتق عبدي من القتل. فقال: قد وهبت لك دمه. ### || حكاية نور الدين مع أخيه شمس الدين # فقال جعفر: اعلم يا أمير المؤمنين أنه كان في مصر سلطان صاحب عدل وإحسان، وله وزير عاقل خبير له علم بالأمور والتدبير، وكان شيخا كبيرا، وله ولدان كأنهما قمران، وكان اسم الكبير شمس الدين، واسم الصغير نور الدين، وكان الصغير أميز من الكبير في الحسن والجمال، وليس في زمانه أحسن منه، حتى إنه شاع ذكره في البلاد، فكان بعض أهلها يسافر من بلاده إلى بلده لأجل رؤية جماله؛ فاتفق أن والدهما مات، فحزن عليه السلطان وأقبل على الولدين وقربهما، وخلع عليهما، وقال لهما: أنتما في مرتبة أبيكما. ففرحا وقبلا الأرض بين يديه، وعملا العزاء لأبيهما شهرا كاملا، ودخلا في الوزارة، وكل منهما يتولاها جمعة، وإذا أراد السلطان السفر يسافر مع واحد منهما، فاتفق في ليلة من الليالي أن السلطان كان عازما على السفر في الصباح، وكانت النوبة للكبير، فبينما الأخوان يتحدثان في تلك الليلة إذ قال الكبير: يا أخي، قصدي أن أتزوج أنا وأنت في ليلة واحدة. فقال الصغير: افعل يا أخي ما تريد، فإني موافقك على ما تقول. واتفقا ms0093 على ذلك، ثم إن الكبير قال لأخيه: إن قدر الله وخطبنا بنتين، ودخلنا في ليلة واحدة، ووضعتا في يوم واحد، وأراد الله وجاءت زوجتك بغلام وجاءت زوجتي ببنت، نزوجهما لبعضهما؛ لأنهما أولاد عم. فقال نور الدين: يا أخي، ما تأخذ من ولدي في مهر بنتك؟ قال: آخذ من ولدك في مهر بنتي ثلاثة آلاف دينار، وثلاثة بساتين، وثلاث ضياع، فإن عقد الشاب عقدة بغير هذا لا يصح. # فلما سمع نور الدين هذا الكلام، قال: ما هذا المهر الذي شرطته على ولدي؟ أما تعلم أننا أخوان، ونحن الاثنان وزيران في مقام واحد، وكان الواجب عليك أن تقدم ابنتك لولدي هدية من غير مهر! فإنك تعلم أن الذكر أفضل من الأنثى، وولدي ذكر ونذكر به خلاف ابنتك. فقال: وما لها؟ قال: لا نذكر بها بين الأمراء، ولكن أنت تريد أن تفعل معي على رأي الذي قال: إن أردت تطرده فاجعل الثمن غاليا. وقيل: إن بعض الناس قدم على بعض أصحابه فقصده في حاجة، فغلى عليه الثمن. # فقال له شمس الدين: أراك قد قصرت لأنك تعمل ابنك أفضل من بنتي، ولا شك أنك ناقص عقل، وليس لك أخلاق حيث تذكر شركة الوزراء، وأنا ما أدخلتك معي في الوزارة إلا شفقة عليك، ولأجل أن تساعدني، وتكون لي معينا، ولكن قل ما شئت، وحيث صدر منك هذا القول؛ والله لا أزوج بنتي لولدك، ولو وزنت ثقلها ذهبا. فلما سمع نور الدين كلام أخيه اغتاظ، وقال: وأنا لا أزوج ابني ابنتك. فقال شمس الدين: أنا لا أرضاه لها بعلا، ولولا أنني أريد السفر لكنت عملت معك العبر، ولكن لما أرجع من السفر يفعل الله ما يريد. # فلما سمع نور الدين من أخيه ذلك الكلام امتلأ غيظا، وغاب عن الدنيا، وكتم ما به، وبات كل واحد في ناحية، فلما أصبح الصباح برز السلطان للسفر، وعدى إلى الجزيرة وقصد الأهرام وصحبته الوزير شمس الدين، وأما أخوه نور الدين فبات في تلك الليلة في أشد ما يكون من الغيظ، ms0094 فلما أصبح الصباح قام وصلى الصبح، وعمد إلى خزانته، وأخذ منها خرجا صغيرا وملأه ذهبا، وتذكر قول أخيه واحتقاره إياه وافتخاره عليه، فأنشد: # سافر تجد عوضا عمن تفارقه %~% وانصب فإن لذيذ العيش في النصب ~~ما في المقام لذي لب وذي أدب %~% معرة فاترك الأوطان واغترب ~~إني رأيت وقوف الماء يفسده %~% فإن جرى طاب أو لم يجر لم يطب ~~والبدر لولا أفول منه ما نظرت %~% إليه في كل حين عين مرتقب ~~والأسد لولا فراق الغاب ما قنصت %~% والسهم لولا فراق القوس لم يصب ~~والتبر كالترب ملقى في أماكنه %~% والعود في أرضه نوع من الحطب ~~فإن تغرب هذا عز مطلبه %~% وإن أقام فلا يعلو إلى رتب # فلما فرغ من شعره أمر بعض غلمانه أن يشد له بغلة زرزورية غالية سريعة المشي، فشدها ووضع عليها سرجا مذهبا بركابات هندية، وعباءات من القطيفة الأصبهانية، فصارت كأنها عروس مجلية، وأمر أن يجعل عليها بساط حرير وسجادة، وأن يوضع الخرج من تحت السجادة، ثم قال للغلام والعبيد: قصدي أن أتفرج خارج المدينة، وأروح نواحي القليوبية، وأبيت ثلاث ليال، فلا يتبعني منكم أحد؛ فإن عندي ضيق صدر. ثم أسرع وركب البغلة، وأخذ معه شيئا قليلا من الزاد، وخرج من مصر، واستقبل البر، فما جاء عليه الظهر حتى دخل مدينة بلبيس، فنزل عن بغلته، واستراح وأراح البغلة وأكل شيئا، وأخذ من بلبيس ما يحتاج إليه، وما يعلق به على بغلته، ثم استقبل البر، فما جاء عليه الظهر بعد يومين حتى دخل مدينة القدس فنزل عن بغلته واستراح وأراح بغلته، وأخرج شيئا أكله، ثم حط الخرج تحت رأسه، وفرش البساط، ونام في مكان والغيظ غالب عليه. # ثم إنه بات في ذلك المكان، فلما أصبح الصباح ركب وسار يسوق البغلة إلى أن وصل إلى مدينة حلب، فنزل في بعض الخانات، وأقام ثلاثة أيام حتى استراح وأراح البغلة وشم الهواء، ثم عزم على السفر، وركب بغلته وخرج مسافرا ولا يدري أين يذهب، ولم يزل سائرا إلى أن وصل إلى مدينة البصرة ms0095 ليلا، ولم يشعر بذلك حتى نزل في الخان، ونزل الخرج عن البغلة، وفرش السجادة، وأودع البغلة بعدتها عند البواب وأمره أن يسيرها، فأخذها وسيرها، فاتفق أن وزير البصرة جالس في شباك قصره، فنظر البغلة ونظر ما عليها من العدة المثمنة، فظنها بغلة وزير من الوزراء، أو ملك من الملوك، فتأمل في ذلك وحار عقله، وقال لبعض غلمانه: ائتني بهذا البواب. فذهب الغلام وأتي به إلى الوزير، فتقدم البواب وقبل الأرض بين يديه، وكان الوزير شيخا كبيرا، فقال للبواب: من صاحب هذه البغلة، وما صفاته؟ فقال البواب: يا سيدي، إن صاحب هذه البغلة شاب صغير ظريف الشمائل من أولاد التجار، عليه هيبة ووقار. فلما سمع الوزير كلام البواب قام على قدميه، وركب وسار إلى الخان، ودخل على الشاب، فلما رآه نور الدين قادما عليه، قام على قدميه ولاقاه واحتضنه، ونزل الوزير من فوق جواده وسلم عليه، فرحب به وأجلسه عنده، وقال له: يا ولدي، من أين أقبلت، وماذا تريد؟ فقال نور الدين: يا مولاي، إني قدمت من مدينة مصر، وكان أبي وزيرا فيها، وقد انتقل إلى رحمة الله. وأخبره بما جرى من المبتدأ إلى المنتهى، ثم قال: وقد عزمت على نفسي أني لا أعود أبدا حتى أنظر جميع المدن والبلدان. فلما سمع الوزير كلامه قال له: يا ولدي، لا تطاوع النفس فترميك في الهلاك، فإن البلاد خراب، وأنا أخاف عليك من عواقب الزمان. # ثم إنه أمر بوضع الخرج على البغلة والبساط والسجادة، وأخذ نور الدين معه إلى بيته، وأنزله في مكان ظريف وأكرمه وأحسن إليه، وحبه حبا شديدا، وقال له: يا ولدي، أنا بقيت رجلا كبيرا، ولم يكن لي ولد ذكر، وقد رزقني الله بنتا تقاربك في الحسن، ومنعت عنها خطابا كثيرين، وقد وقع حبك في قلبي، فهل لك أن تأخذ ابنتي جارية لخدمتك، وتكون لها بعلا؟ فإن كنت تقبل ذلك أطلع إلى سلطان البصرة، وأقول له إنك ولد أخي، وأوصلك إليه حتى أجعلك وزيرا مكاني، وألزم أنا بيتي، فإني بقيت ms0096 رجلا كبيرا. فلما سمع نور الدين كلام وزير البصرة أطرق برأسه، ثم قال: سمعا وطاعة. ففرح الوزير بذلك، وأمر غلمانه أن يصنعوا له طعاما، وأن يزينوا قاعة الجلوس الكبيرة المعدة لحضور أكابر الأمراء، ثم جمع أصحابه، ودعا أكابر الدولة وتجار البصرة، فحضروا بين يديه، وقال لهم: إنه كان لي أخ وزير بالديار المصرية، ورزقه الله ولدين، وأنا كما تعلمون رزقني الله بنتا، وكان أخي أوصاني أن أزوج بنتي لأحد أولاده، فأجبته إلى ذلك، فلما استحق الزواج أرسل إلي أحد أولاده وهو هذا الشاب الحاضر، فلما جاءني أحببت أن أكتب كتابه على بنتي، ويدخل بها عندي. فقالوا: نعم ما فعلت، ثم شربوا السكر، ورشوا ماء الورد وانصرفوا، وأما الوزير فإنه أمر غلمانه أن يأخذوا نور الدين ويدخلوا به الحمام، وأعطاه الوزير بدلة من خاص ملبوسه، وأرسل إليه الفوط والطاسات ومجامر البخور وما يحتاج إليه، فلما خرج من الحمام لبس البدلة فصار كالبدر ليلة تمامه، ثم ركب بغلته، ولم يزل سائرا حتى وصل إلى قصر الوزير، فنزل عن البغلة، ودخل على الوزير فقبل يده، ورحب به الوزير. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 20 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير قام له ورحب به، وقال له: قم ادخل هذه الليلة على زوجتك، وفي غد أطلع بك إلى السلطان، وأرجو لك من الله كل خير. فقام نور الدين، ودخل على زوجته بنت الوزير. # هذا ما كان من أمر نور الدين، وأما ما كان من أمر أخيه، فإنه غاب مع السلطان مدة في السفر، ثم رجع فلم يجد أخاه، فسأل عنه الخدم، فقالوا له: من يوم سافرت مع السلطان ركب بغلته بعدة الموكب، وقال: أنا متوجه إلى جهة القليوبية، فأغيب يوما أو يومين؛ فإن صدري ضاق، ولا يتبعني منكم أحد. ومن يوم خروجه إلى هذا اليوم لم نسمع له خبرا، فتشوش خاطر شمس الدين على فراق أخيه، واغتم غما شديدا لفقده، وقال في نفسه: ما سبب ذلك إلا أني ms0097 أغلظت عليه في الحديث ليلة سفري مع السلطان، فلعله تغير خاطره وخرج مسافرا، فلا بد أن أرسل خلفه. ثم طلع وأعلم السلطان بذلك، فكتب بطاقات، وأرسل بها إلى نوابه في جميع البلاد، ونور الدين قطع بلادا بعيدة في مدة غياب أخيه مع السلطان. فذهبت الرسل بالمكاتيب، ثم عادوا ولم يقفوا له على خبر، ويئس شمس الدين من أخيه، وقال: لقد أغظت أخي بكلامي من جهة زواج الأولاد، فليت ذلك لم يكن، وما حصل ذلك إلا من قلة عقلي وعدم تدبيري. ثم بعد مدة يسيرة خطب بنت رجل من تجار مصر، وكتب كتابه عليها ودخل بها، وقد اتفق أن ليلة دخول شمس الدين على زوجته كانت ليلة دخول نور الدين على زوجته بنت وزير البصرة، وذلك بإرادة الله تعالى حتى ينفذ حكمه في خلقه، وكان الأمر كما قالاه، فاتفق أن الزوجتين حملتا منهما، وقد وضعت زوجة شمس الدين وزير مصر بنتا لا يرى في مصر أحسن منها، ووضعت زوجة نور الدين ولدا ذكرا لا يرى في زمانه أحسن منه كما قال الشاعر: # ومهفهف يغني النديم بريقه %~% عن كأسه الملأى وعن إبريقه ~~فعل المدام ولونها ومذاقها %~% في مقلتيه ووجنتيه وريقه # وقال آخر: # إن جاءه الحسن كي يقاس به %~% ينكس الحسن رأسه خجلا ~~أو قيل يا حسن هل رأيت كذا %~% يقول: أما نظير ذاك فلا # فسموه حسنا، وفي سابع ولادته صنعوا الولائم، وعملوا أسمطة تصلح لأولاد الملوك، ثم إن وزير البصرة أخذ معه نور الدين، وطلع به إلى السلطان، فلما صار قدامه قبل الأرض بين يديه، وكان نور الدين فصيح اللسان، ثابت الجنان، صاحب حسن وإحسان، فأنشد قول الشاعر: # هذا الذي عم الأنام بعدله %~% وسطا فمهد سائر الآفاق ~~اشكر صنائعه فلسن صنائعا %~% لكنهن قلائد الأعناق ~~والثم أنامله فلسن أناملا %~% لكنهن مفاتح الأرزاق # فأكرمهما السلطان، وشكر نور الدين على ما قال، وقال لوزيره: من هذا الشاب؟ فحكى له الوزير قصته من أولها إلى آخرها، وقال له: هذا ابن أخي، فقال: وكيف يكون ابن أخيك ms0098 ولم نسمع به؟ فقال: يا مولانا السلطان، إنه كان لي أخ وزير بالديار المصرية، وقد مات وخلف ولدين، فالكبير جلس في مرتبة والده وزيرا، وهذا ولده الصغير جاء عندي، وحلفت أني لا أزوج ابنتي إلا له، فلما جاء زوجته بها، وهو شاب وأنا صرت شيخا، وقل سمعي وعجز تدبيري، والقصد من مولانا السلطان أن يجعله في مرتبتي، فإنه ابن أخي وزوج ابنتي، وهو أهل للوزارة؛ لأنه صاحب رأي وتدبير. فنظر السلطان إليه فأعجبه، واستحسن رأي الوزير بما أشار عليه من تقديمه في رتبة الوزارة، فأنعم عليه بها، وأمر له بخلعة عظيمة، وبغلة من خاص مركوبه، وعين له الرواتب والجوامك. فقبل نور الدين يد السلطان ونزل هو وصهره إلى منزلهما وهما في غاية الفرح، وقالا: إن قدم هذا المولود مبارك. ثم إن نور الدين توجه ثاني يوم إلى الملك وقبل الأرض، وأنشد هذين البيتين: # سعادات تجدد كل يوم %~% وإقبال وقد رغم الحسود ~~فما زالت لك الأيام بيضا %~% وأيام الذي عاداك سود # فأمره السلطان بالجلوس في مرتبة الوزارة، فجلس وتعاطى أمور خدمته ونظر بين الناس في أمورهم ومحاكماتهم كما جرت به عادة الوزراء، وصار السلطان ينظر إليه ويتعجب من أمره وذكاء عقله وحسن تدبيره، وتبصر في أحواله فحبه وقربه إليه، ولما انفض الديوان نزل نور الدين إلى بيته وحكى لصهره ما وقع، ففرح. ولم يزل الوزير يربي المولود المسمى حسنا، إلى أن مضت عليه أيام، ولم يزل نور الدين في الوزارة حتى إنه لا يفارق السلطان في ليل ولا في نهار، وزاد له الجوامك والجرايات إلى أن اتسع عليه الحال، وصار له مراكب تسافر من تحت يده بالمتاجر وغيرها، وعمر أملاكا كثيرة، ودواليب، وبساتين إلى أن بلغ عمر ولده حسن أربع سنين، فتوفي الوزير الكبير والد زوجة نور الدين، فأخرجه خرجة عظيمة، وواراه في التراب، ثم اشتغل بعد ذلك بتربية ولده، فلما بلغ أشده أحضر له فقيها يقرئه في بيته، وأوصاه بتعليمه وحسن تربيته، فأقرأه وعلمه فوائد في العلم بعد أن حفظ ms0099 القرآن في مدة سنوات، وما زال حسن يزداد جمالا وحسنا واعتدالا كما قال الشاعر: # قمر تكامل في المحاسن وانتهى %~% فالشمس تشرق من شقائق خده ~~ملك الجمال بأسره فكأنما %~% حسن البرية كلها من عنده # وقد رباه الفقيه في قصر أبيه، ومن حين نشأته لم يخرج من قصر الوزارة إلى أن أخذه والده الوزير نور الدين يوما من الأيام، وألبسه بدلة من أفخر ملبوسه، وأركبه بغلة من خيار بغاله، وطلع به لعند السلطان وأدخله عليه، فنظر الملك حسن بدر الدين ابن الوزير نور الدين فانبهر من حسنه، وأما أهل المملكة فإنه لما مر عليهم أول مرة وهو طالع مع أبيه لعند الملك، قد تحيروا من فرط حسنه وجماله ورشاقة قده واعتداله، وتحققوا فيه معنى قول الشاعر: # رصد المنجم ليله فبدا له %~% قد المليح يميس في برديه ~~وتأمل الجوزاء إذ نثرت به %~% حب الجمان يلوح في عطفيه ~~وأمده زحل سواد ذوائب %~% والمسك هادي الخال في خديه ~~وغدت من المريخ حمرة خده %~% والقوس يرمي النبل من جفنيه ~~وعطارد أعطاه فرط ذكائه %~% وأبى السها نظر الوشاة إليه ~~فغدا المنجم حائرا مما رأى %~% والبدر باس الأرض بين يديه # فلما رآه السلطان أحبه وأنعم عليه، وقال لأبيه: يا وزير، لا بد أنك تحضره معك في كل يوم. فقال: سمعا وطاعة. ثم عاد الوزير بولده إلى منزله، وما زال يطلع به إلى السلطان في كل يوم إلى أن بلغ الولد من العمر خمسة عشر عاما، ثم ضعف والده الوزير نور الدين، فأحضره وقال: يا ولدي، اعلم أن الدنيا دار فناء، والآخرة دار بقاء، وأريد أن أوصيك وصايا، فافهم ما أقول لك، وأصغ قلبك إليه. وصار يوصيه بحسن عشرة الناس، وحسن التدبير، ثم إن نور الدين تذكر أخاه وأوطانه وبلاده، وبكى على فرقة الأحباب وساحت دموعه، وقال: يا ولدي، اسمع قولي، فإن لي أخا يسمى شمس الدين وهو عمك، ولكنه وزير بمصر قد فارقته، وخرجت على غير رضاه، والقصد أنك تأخذ درجا من الورق، وتكتب ما أمليه عليك. فأحضر ms0100 قرطاسا وصار يكتب فيه كل ما قاله أبوه، فأملى عليه جميع ما جرى له من أوله إلى آخره، وكتب له تاريخ زواجه ودخوله على بنت الوزير، وتاريخ وصوله إلى البصرة، واجتماعه بوزيرها، وكتب وصية موثقة، ثم قال لولده: احفظ هذه الوصية، فإن ورقتها فيها أصلك وحسبك ونسبك، فإن أصابك شيء من الأمور فاقصد مصر، واستدل على عمك وسلم عليه، وأعلمه أني مت غريبا مشتاقا إليه. فأخذ حسن بدر الدين الرقعة وطواها، ولف عليها خرقة مشمعة، وخيطها بين البطانة والظهارة، وصار يبكي على أبيه من أجل فراقه وهو صغير. # وما زال نور الدين يوصي ولده حسن بدر الدين حتى طلعت روحه، فأقام الحزن في بيته، وحزن عليه السلطان وجميع الأمراء ودفنوه، ولم يزالوا في حزن مدة شهرين، وولده لم يركب ولم يطلع الديوان، ولم يقابل السلطان، وأقام مكانه بعض الحجاب، وولى السلطان وزيرا جديدا مكانه، وأمره أن يختم على أماكن نور الدين، وعلى ماله، وعلى عماراته، وعلى أملاكه، فنزل الوزير الجديد وأخذ الحجاب، وتوجهوا إلى بيت الوزير نور يختمون عليه، ويقبضون على ولده حسن بدر الدين، ويطلعون به إلى السلطان ليعمل فيه ما يقتضي رأيه، وكان بين العسكر مملوك من مماليك الوزير نور الدين المتوفى، فلم يهن عليه ولد سيده، فذهب ذلك المملوك إلى حسن بدر الدين، فوجده منكس الرأس حزين القلب على فراق والده، فأعلمه بما جرى، فقال له: هل في الأمر مهلة حتى أدخل بيتي فآخذ معي شيئا من الدنيا لأستعين به على الغربة؟ فقال له المملوك: انج بنفسك. # فلما سمع كلام المملوك غطى رأسه بذيله، وخرج ماشيا إلى أن صار خارج المدينة، فسمع الناس يقولون: إن السلطان أرسل الوزير الجديد إلى بيت وزيره المتوفى ليختم على ماله وأماكنه، ويقبض على ولده حسن بدر الدين ويطلع به إليه فيقتله، وصارت الناس تتأسف على حسنه وجماله، فلما سمع كلام الناس خرج إلى غير مقصد، ولم يعلم أين يذهب، فلم يزل سائرا إلى أن ساقته المقادير إلى تربة والده، فدخل المقبرة ms0101 ومشى بين القبور إلى أن جلس عند قبر أبيه، وأزال ذيله من فوق رأسه، فبينما هو جالس عند تربة أبيه إذ قدم عليه يهودي من البصرة، وقال: يا سيدي، ما لي أراك متغيرا؟ فقال له: إني كنت نائما في هذه الساعة، فرأيت أبي يعاتبني على عدم زيارتي قبره، فقمت وأنا مرعوب، وخفت أن يفوت النهار ولم أزره فيصعب علي الأمر. فقال له اليهودي: يا سيدي، إن أباك كان أرسل مراكب بحارة، وقدم منها البعض، ومرادي أن أشتري منك وسق كل مركب قدمت بألف دينار. ثم أخرج اليهودي كيسا ممتلئا من الذهب، وعد منه ألف دينار، ودفعه إلى حسن ابن الوزير، ثم قال له اليهودي: اكتب لي ورقة واختمها. فأخذ حسن ابن الوزير ورقة وكتب فيها: كاتب هذه الورقة حسن بدر الدين ابن الوزير نور الدين، قد باع لليهودي فلان جميع وسق كل مركب وردت من مراكب أبيه المسافرة بألف دينار، وقبض الثمن على سبيل التعجيل، فأخذ اليهودي الورقة، وصار حسن يبكي ويتذكر ما كان فيه من العز والإقبال. # ![figure](../Images/figure11.png) # ولم يزل نائما على قبر أبيه، حتى خرجت جنية ونظرت وجه حسن وهو نائم. # ثم دخل عليه الليل وأدركه النوم، فنام عند قبر أبيه، ولم يزل نائما حتى طلع القمر، فتدحرجت رأسه عن القبر، ونام على ظهره، وصار وجهه يلمع في القمر، وكانت المقابر عامرة بالجن بالمؤمنين، فخرجت جنية فنظرت وجه حسن وهو نائم، فلما رأته تعجبت من حسنه وجماله وقالت: سبحان الله! ما هذا الشاب إلا كأنه من الحور العين. ثم طارت إلى الجو تطوف على عادتها، فرأت عفريتا طائرا، فسلمت عليه وسلم عليها، فقالت له: من أين أقبلت؟ قال: من مصر. فقالت له: هل لك أن تروح معي حتى تنظر إلى حسن هذا الشاب النائم في المقبرة؟ فقال لها: نعم. فسارا حتى نزلا في المقبرة، فقالت له: هل رأيت في عمرك مثل هذا؟ فنظر العفريت إليه وقال: سبحان من لا شبيه له! ولكن يا أختي إن أردت حدثتك بما رأيت. ms0102 فقالت له: حدثني. فقال لها: إني رأيت مثل هذا الشاب في إقليم مصر، وهي بنت الوزير، وقد علم بها الملك فخطبها من أبيها الوزير شمس الدين، فقال له: يا مولانا السلطان، اقبل عذري وارحم عبرتي؛ فإنك تعرف أن أخي نور الدين خرج من عندنا ولا نعلم أين هو، وكان شريكي في الوزارة، وسبب خروجه أني جلست أتحدث معه في شأن الزواج، فغضب مني فخرج مغضبا. وحكى للملك جميع ما جرى بينهما، ثم قال للملك: فكان ذلك سببا لغيظه، وأنا حالف ألا أزوج بنتي إلا لابن أخي من يوم ولدتها أمها، وذلك نحو ثماني عشرة سنة، ومن مدة قريبة سمعت أن أخي تزوج بنت وزير البصرة وجاء منها بولد، وأنا لا أزوج بنتي إلا له كرامة لأخي، ثم إني أرخت وقت زواجي، وحمل زوجتي، وولادة هذه البنت وهي باسم ابن عمها، والبنات كثير. # فلما سمع السلطان كلام الوزير غضب غضبا شديدا، وقال له: كيف يخطب مثلي من مثلك بنتا فتمنعها منه، وتحتج بحجة باردة؟! وحياة رأسي لا أزوجها إلا لأقل مني برغم أنفك. وكان عند الملك سائس أحدب بحدبة من قدام وحدبة من وراء، فأمر السلطان بإحضاره، وكتب كتابه على بنت الوزير بالقهر، وأمر أن يدخل عليها في هذه الليلة، ويعمل له زفافا، وقد تركته وهو بين مماليك السلطان، وهم حوله في أيديهم الشموع موقدة، يضحكون عليه ويسخرون به على باب الحمام، وأما بنت الوزير فإنها جالسة تبكي بين المنقشات والمواشط، وهي أشبه الناس بهذا الشاب، وقد حجروا على أبيها، ومنعوه أن يحضرها، وما رأيت يا أختي أقبح من هذا الأحدب، وأما الصبية فهي أحسن من هذا الشاب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 21 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجني لما حكى للجنية حكاية بنت وزير مصر، وأن الملك كتب كتابها على السايس الأحدب وهي في غاية الحزن، وأنه لا أحد يشبهها في الجمال إلا هذا الشاب، قالت له الجنية: تكذب، فإن هذا الشاب أحسن ms0103 أهل زمانه. فرد عليها العفريت وقال: والله يا أختي إن الصبية أحسن من هذا، ولكن لا يصلح لها إلا هو، فإنهما مثل بعضهما، ولعلهما أخوان أو ولدا عم، فيا خسارتها مع هذا الأحدب! فقالت له: يا أخي، دعنا ندخل تحته ونحمله، ونروح به إلى الصبية التي تقول عليها، وننظر أيهما أحسن. فقال العفريت: سمعا وطاعة، هذا كلام صواب، وليس هناك أحسن من هذا الرأي الذي اخترته، فأنا أحمله. # ثم إنه حمله وطار به إلى الجو، وصارت العفريتة في كل ركابه تحاذيه إلى أن نزل به في مدينة مصر، وحطه على مصطبة، ونبهه فاستيقظ من النوم، فلم يجد نفسه على قبر أبيه في أرض البصرة، والتفت يمينا وشمالا فلم يجد نفسه إلا في مدينة غير مدينة البصرة، فأراد أن يصيح فغمزه العفريت، وقاد له شمعة، وقال له: اعلم أني جئت بك وأنا أريد أن أعمل معك شيئا لله، فخذ هذه الشمعة وامش بها إلى ذلك الحمام، واختلط بالناس، ولا تزل ماشيا معهم حتى تصل إلى قاعة العروس، فاسبق وادخل القاعة، ولا تخش أحدا، وإذا دخلت فقف على يمين العريس الأحدب، وكلما جاءك المواشط والمغنيات والمنقشات فحط يدك في جيبك تجده ممتلئا ذهبا، فاكبس وارم لهم ولا تتوهم أنك تدخل يدك ولا تجده ممتلئا بالذهب، فأعط كل من جاءك بالحفنة، ولا تخش من شيء وتوكل على الذي خلقك، فما هذا بحولك وقوتك، بل بحول الله وقوته. # فلما سمع حسن بدر الدين من العفريت هذا الكلام قال: يا ترى أي شيء هذه القضية، وما وجه الإحسان؟ ثم مشى وأوقد الشمعة وتوجه إلى الحمام، فوجد الأحدب راكب الفرس، فدخل حسن بدر الدين بين الناس وهو على تلك الحالة مع الصورة الحسنة، وكان عليه الطربوش والعمامة والفرجية المنسوجة بالذهب، وما زال ماشيا في الزينة، وكلما وقفت المغنيات للناس ينقطهن، يضع يده في جيبه فيلقاه ممتلئا بالذهب، فيكبش ويرمي في الطار للمغنيات والمواشط، فيملأ الطار دنانير؛ فاندهشت عقول المغنيات، وتعجب الناس من حسنه وجماله، ولم يزل ms0104 على هذا الحال حتى وصلوا إلى بيت الوزير، فردت الحجاب الناس ومنعوهم، فقالت المغنيات والمواشط: والله لا ندخل إلا إن دخل هذا الشاب معنا؛ لأنه غمرنا بإحسانه، ولا تجلى العروس إلا وهو حاضر. فعند ذلك دخلوا به إلى قاعة الفرح، وأجلسوه برغم أنف العريس الأحدب، واصطفت جميع نساء الأمراء والوزراء والحجاب صفين، وكل امرأة معها شمعة كبيرة موقدة مضيئة، وكلهن ملثمات، وصرن صفوفا يمينا وشمالا من تحت المنصة إلى صدر الليوان الذي عند المجلس الذي تخرج منه العروس. # فلما نظر النساء حسن بدر الدين، وما هو فيه من الحسن والجمال، ووجهه يضيء كأنه هلال، مالت جميع النساء إليه، فقالت المغنيات للنساء الحاضرات: اعلموا أن هذا المليح ما نقطنا إلا بالذهب الأحمر، فلا تقصرن في خدمته، وأطعنه فيما يقول. فازدحم النساء عليه بالشمع، ونظرن إلى جماله؛ فانبهرت عقولهن من حسنه، وصارت كل واحدة منهن تود أن تكون في حضنه سنة أو شهرا أو ساعة، ورفعن ما كان على وجوههن من النقاب، وتحيرت منهن الألباب، وقلن: هنيئا لمن كان هذا الشاب له أو عليه. ثم دعون على ذلك السايس الأحدب، ومن كان سببا في زواجه هذه المليحة، وكلما دعون لحسن بدر الدين دعون على ذلك الأحدب، ثم إن المغنيات ضربن بالدفوف، وأقبلت المواشط وبنت الوزير بينهن وقد طيبنها وعطرنها وألبسنها، وحسن شعرها ونحرها بالحلي والحلل من لباس الملوك الأكاسرة، ومن جملة ما عليها ثوب منقوش بالذهب الأحمر، وفيه صور الوحوش والطيور، وهو مسبول عليها من فوق حوائجها، وفي عنقها عقد يساوي الألوف، قد حوى كل فص من الجوهر ما حاز مثله تبع ولا قيصر، وصارت العروسة كأنها البدر إذا أقمر في ليلة أربع عشرة، ولما أقبلت كانت كأنها حورية، فسبحان من خلقها بهية، وأحدق بها النساء فصارت كالنجوم وهي بينهن كالقمر إذا انجلى عنه الغيم. # وكان حسن بدر الدين البصري جالسا والناس ينظرون إليه، فحضرت العروسة وأقبلت وتمايلت، فقام إليها السايس الأحدب ليقبلها فأعرضت عنه، وانقلبت حتى صارت قدام حسن ابن عمها، ms0105 فضحك الناس، فلما رأوها مالت إلى نحو حسن بدر الدين، وحط يده في جيبه وكبش الذهب ورمى في طار المغنيات، فرحوا وقالوا: كنا نشتهي أن تكون هذه العروسة لك. فتبسم؛ هذا كله والسايس الأحدب وحده كأنه قرد، وكلما قادوا له الشمعة طفئت، فبهت وصار قاعدا في الظلام يمقت في نفسه، وهؤلاء الناس محدقون به، وتلك الشموع الموقدة بهجتها من عجب العجاب يتحير من شعاعها أولو الألباب. # وأما العروسة فإنها رفعت كفيها إلى السماء وقالت: اللهم اجعل هذا بعلي، وأرحني من هذا السايس الأحدب. وصارت المواشط تجلي العروسة إلى آخر السبع، خلع على حسن بدر الدين البصري والسايس الأحدب وحده، فلما فرغوا من ذلك أذنوا للناس بالانصراف، فخرج جميع من كان في الفرح من النساء والأولاد، ولم يبق إلا حسن بدر الدين والسايس الأحدب، ثم إن المواشط أدخلن العروسة ليكشفن ما عليها من الحلي والحلل، ويهيئنها للعريس؛ فعند ذلك تقدم السايس الأحدب إلي حسن بدر الدين وقال: يا سيدي، آنستنا في هذه الليلة، وغمرتنا بإحسانك، فلم لا تقوم تروح بيتك بلا مطرود؟! فقال: باسم الله. ثم قام وخرج من الباب، فلقيه العفريت فقال له: قف يا بدر الدين، فإذا خرج الأحدب إلى بيت الراحة فادخل أنت، واجلس في المخدع، فإذا أقبلت العروسة فقل لها: أنا زوجك، والملك ما عمل تلك الحيلة إلا لأنه يخاف عليك من العين، وهذا الذي رأيته سايس من سياسنا. ثم أقبل عليها واكشف وجهها، ولا تخش بأسا من أحد. # فبينما بدر الدين يتحدث مع العفريت، وإذا بالسايس دخل بيت الراحة، وقعد على الكرسي، فطلع له العفريت من الحوض الذي فيه الماء في صورة فأر، وقال: زيق. فقال الأحدب: ما جاء بك هنا؟ فكبر الفأر وصار كالقط، ثم كبر حتى صار كلبا، وقال: عوه عوه. فلما نظر السايس ذلك فزع وقال: اخسأ يا مشئوم. فكبر الكلب وانتفخ حتى صار جحشا، ونهق وصرخ في وجهه: هاق هاق؛ فانزعج السايس وقال: الحقوني يا أهل البيت. وإذا بالجحش قد كبر وصار ms0106 قدر الجاموسة وسد عليه المكان، وتكلم بكلام ابن آدم وقال: ويلك يا أحدب، يا أنتن السياس. فلحق السايس البطن، وقعد على الملاقي بأثوابه، واشتبكت أسنانه ببعضها، فقال له العفريت: هل ضاقت عليك الأرض فلا تتزوج إلا بمعشوقتي؟ فسكت السايس، فقال له: رد الجواب، وإلا أسكنك التراب. فقال له: والله ما لي ذنب إلا أنهم غصبوني، وما عرفت أن لها عشاقا من الجواميس، ولكن أنا تائب إلى الله ثم إليك. فقال له العفريت: أقسم بالله إن خرجت في هذا الوقت من هذا الموضع أو تكلمت قبل أن تطلع الشمس لأقتلنك، فإذا طلعت الشمس فاخرج إلى حال سبيلك، ولا تعد إلى هذا البيت أبدا. ثم إن العفريت قبض على السايس الأحدب، وقلب في رأسه الملاقي وجعلها إلى أسفل، وجعل رجليه إلى فوق، وقال له: استمر هنا وأنا أحرسك إلى طلوع الشمس. # هذا ما كان من قصة الأحدب، وأما ما كان من قصة حسن بدر الدين البصري، فإنه خلى الأحدب والعفريت يتخاصمان، ودخل البيت وجلس في داخل المخدع، وإذا بالعروسة أقبلت ومعها عجوز، فوقفت العجوز في باب المخدع، وقالت: يا أبا شهاب، قم وخذ عروستك، وقد استودعتك الله. ثم ولت العجوز ودخلت العروسة في صدر المخدع، وكان اسمها ست الحسن، وقلبها مكسور، وقالت في قلبها: والله ما أمكنه من نفسي ولو طلعت روحي. فلما دخلت إلى صدر المخدع نظرت بدر الدين، فقالت: حبيبي، وإلى هذا الوقت أنت قاعد؟ لقد قلت في نفسي: لعلك أنت والسايس الأحدب مشتركان في. فقال حسن بدر الدين: وأي شيء أوصل السايس إليك، ومن أين له أن يكون شريكي فيك؟ فقالت: ومن زوجي؟ أأنت أم هو؟ قال بدر الدين: يا سيدتي، نحن ما عملنا هذا إلا سخرية به فنضحك عليه؛ فلما نظرت المواشط والمغنيات وأهلك حسنك البديع خافوا علينا من العين، فاكتراه أبوك بعشرة دنانير حتى يصرف عنا العين وقد راح. فلما سمعت ست الحسن من بدر الدين ذلك الكلام، فرحت وتبسمت وضحكت ضحكا لطيفا، وقالت: والله لقد أطفأت ms0107 ناري، فبالله خذني عندك، وضمني إلى حضنك. وكانت بلا لباس، فكشفت ثوبها إلى نحرها، فبان قدامها ووراؤها، فلما نظر بدر الدين صفاء جسمها تحركت فيه الشهوة، فقام وحل لباسه، ثم حل الكيس الذهب الذي كان أخذه من اليهودي، ووضع فيه ألف دينار، ولفه في سرواله، وحطه تحت ذيله الطراحة، وقلع عمامته ووضعها على الكرسي، وبقي بالقميص الرفيع، وكان القميص مطرزا بالذهب، فعند ذلك قامت إليه ست الحسن، وجذبته إليها، وجذبها بدر الدين وعانقها، وأخذ رجليها في وسطه، ثم ركب المدفع وحرره على القلعة وأطلقه، فهدم البرج فوجدها درة ما ثقبت، ومطية لغيره ما ركبت، فأزال بكارتها، وتملى بشبابها، ولم يزل يركب المدفع، ويرد إلى غاية خمس عشرة مرة، فعلقت منه. فلما فرغ حسن بدر الدين وضع يده تحت رأسها، وكذلك الأخرى وضعت يدها تحت رأسه، ثم إنهما تعانقا وناما متعانقين، وشرحا بعناقهما مضمون هذه الأبيات: # زر من تحب ودع كلام الحاسد %~% ليس الحسود على الهوى بمساعد ~~لم يخلق الرحمن أحسن منظرا %~% من عاشقين على فراش واحد ~~متعانقين عليهما حلل الرضى %~% متوسدين بمعصم وبساعد ~~وإذا تآلفت القلوب مع الهوى %~% فالناس تضرب في حديد بارد ~~وإذا صفا لك من زمانك واحد %~% فهو المراد وعش بذاك الواحد # هذا ما كان من أمر حسن بدر الدين وست الحسن بنت عمه، وأما ما كان من أمر العفريت، فإنه قال للعفريتة: قومي وادخلي تحت الشاب، ودعينا نوديه مكانه لئلا يدركنا الصبح، فإن الوقت قريب. فعند ذلك تقدمت العفريتة، ودخلت تحت ذيله وهو نائم، وأخذته وطارت به وهو على حاله بالقميص، وهو بلا لباس، وما زالت العفريتة طائرة به، والعفريت يحاذيها، فأذن الله للملائكة أن ترمي العفريت بشهاب من نار فاحترق، وسلمت العفريتة، فنزلت بدر الدين في موضع ما أحرق الشهاب العفريت، ولم تتجاوزه به خوفا عليه، وكان بالأمر المقدر ذلك الموضع في دمشق الشام، فوضعته العفريتة على باب من أبوابها وطارت، فلما طلع النهار وفتحت أبواب المدينة خرج الناس، فنظروا شابا مليحا بالقميص والطاقية بلا عمامة ms0108 ولا لباس، وهو مما قاسى من السهر غرقان في النوم، فلما رآه الناس قالوا: يا بخت من كان هذا عنده في هذه الليلة، ويا ليته صبر حتى لبس حوائجه. وقال الآخر: مساكين أولاد الناس، لعل هذا يكون في هذه الساعة خرج من المسكرة لبعض شغله، فقوي عليه السكر فتاه عن المكان الذي كان قصده، حتى وصل إلى باب المدينة فوجده مغلقا فنام ها هنا. # وقد خاض الناس فيه بالكلام، وإذا بالهواء هب على بدر الدين، فرفع ذيله من فوق بطنه، فبان من تحته بطن وسرة محققة، وسيقان وأفخاذ مثل البلور، فصار الناس يتعجبون، فانتبه بدر الدين فوجد روحه على باب مدينة وعليها ناس، فتعجب وقال: أين أنا يا جماعة الخير؟ وما سبب اجتماعكم علي؟ وما حكايتي معكم؟ فقالوا: نحن رأيناك عند أذان الصبح ملقى على هذا الباب نائما، ولا نعلم من أمرك غير هذا، فأين كنت نائما هذه الليلة؟ فقال حسن بدر الدين: والله يا جماعة إني كنت نائما هذه الليلة في مصر. فقال واحد: هل أنت تأكل حشيشا؟ وقال بعضهم: أأنت مجنون؟ كيف تكون بائتا في مصر، وتصبح نائما في مدينة دمشق؟ فقال لهم: والله يا جماعة الخير لم أكذب عليكم أبدا، وأنا كنت البارحة بالليل في ديار مصر، وقبل البارحة كنت بالبصرة. فقال واحد: هذا شيء عجيب! وقال الآخر: هذا الشاب مجنون. وصفقوا عليه بالكفوف، وتحدث الناس مع بعضهم وقالوا: يا خسارة شبابه، والله ما في جنونه خلاف. ثم إنهم قالوا له: ارجع لعقلك. فقال حسن بدر الدين: كنت البارحة عريسا في ديار مصر. فقالوا: لعلك حلمت، ورأيت هذا الذي تقول في المنام. فتحير حسن في نفسه، وقال لهم: والله ما هذا منام، وأين السايس الأحدب الذي كان قاعدا عندنا، والكيس الذهب الذي كان معي؟ وأين ثيابي ولباسي؟ ثم قام ودخل المدينة ومشى في شوارعها وأسواقها، فازدحم عليه الناس وزفوه، فدخل دكان طباخ، وكان ذلك الطباخ رجلا مسرفا فتاب الله عليه من الحرام وفتح له دكان طباخ، وكان ms0109 أهل دمشق كلهم يخافون منه بسبب شدة بأسه، فلما نظر الناس إلى الشاب وقد دخل دكان الطباخ افترقوا وخافوا منه، فلما نظر الطباخ إلى حسن بدر الدين، وشاهد حسنه وجماله، وقعت في قلبه محبته، فقال: من أين أنت يا فتى؟ احك لي حكايتك؛ فإنك صرت عندي أعز من روحي. # فحكى له ما جرى من المبتدأ إلى المنتهى، فقال له الطباخ: يا سيدي بدر الدين، اعلم أن هذا أمر عجيب، وحديث غريب، ولكن يا ولدي اكتم ما معك حتى يفرج الله ما بك، واقعد عندي في هذا المكان، وأنا ما لي ولد فأتخذك ولدي. فقال له بدر الدين: الأمر كما تريد يا عم. فعند ذلك نزل الطباخ إلى السوق، واشترى لبدر الدين أقمشة مفتخرة، وألبسه إياها وتوجه به إلى القاضي، وأشهد على نفسه أنه ولده، وقد اشتهر حسن بدر الدين في مدينة دمشق أنه ولد الطباخ، وقعد عنده في الدكان يقبض الدراهم، وقد استقر أمره عند الطباخ على هذه الحال. # هذا ما كان من أمر حسن بدر الدين، وأما ما كان من أمر ست الحسن بنت عمه، فإنها لما طلع الفجر وانتبهت من النوم لم تجد حسن بدر الدين قاعدا عندها؛ فاعتقدت أنه دخل المرحاض، فجلست تنتظره ساعة، وإذا بأبيها قد دخل عليها وهو مهموم مما جرى له مع السلطان، وكيف غصبه وزوج ابنته غصبا لأحد غلمانه الذي هو السايس الأحدب، وقال في نفسه: أقتل هذه البنت إن كانت مكنت هذا الخبيث من نفسها. فمشى إلى أن وصل إلى المخدع، ووقف على بابه وقال: يا ست الحسن. فقالت له: نعم يا سيدي. ثم إنها خرجت وهي تتمايل من الفرح، وقبلت الأرض بين يديه، وازداد وجهها نورا وجمالا لعناقها لذلك الغزال، فلما نظرها أبوها وهي بتلك الحالة قال لها: يا خبيثة، هل أنت فرحانة بهذا السايس؟ فلما سمعت ست الحسن كلام والدها تبسمت، وقالت: بالله يكفي ما جرى منك، والناس يضحكون علي ويعايرونني بهذا السايس الذي ما يجيء في إصبعي قلامة ظفر، ms0110 إن زوجي والله ما بت طول عمري ليلة أحسن من ليلة البارحة التي بتها معه، فلا تهزأ بي وتذكر لي ذلك الأحدب. # فلما سمع والدها كلامها، امتزج بالغضب وازرقت عيناه وقال لها: ويلك! أي شيء هذا الكلام الذي تقولينه؟ إن السايس الأحدب قد بات عندك؟ فقالت: بالله عليك لا تذكره لي، قبحه الله وقبح أباه، فلا تكثر المزاح بذكره، فما كان السايس إلا مكترى بعشرة دنانير، وأخذ أجرته وراح، وجئت أنا ودخلت المخدع فنظرت زوجي قاعدا بعدما جلتني عليه المغنيات، ونقط بالذهب الأحمر حتى أغنى الفقراء الحاضرين، وقد بت في حضن زوجي الخفيف الروح، صاحب العيون السود، والحواجب المقرونة. فلما سمع والدها هذا الكلام صار الضياء في وجهه ظلاما، وقال لها: يا فاجرة، ما هذا الذي تقولينه؟ أين عقلك؟ فقالت له: يا أبت، لقد فتت كبدي لأي شيء، فهذا زوجي الذي أخذ وجهي قد دخل بيت الراحة، وإني قد علقت منه. فقام والدها وهو متعجب ودخل بيت الخلاء فوجد السايس الأحدب ورأسه مغروزة الملاقي، ورجلاه مرتفعة إلى فوق؛ فبهت فيه الوزير، وقال: أما هذا هو الأحدب؟ فخاطبه فلم يرد عليه، وظن الأحدب أنه العفريت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 22 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السايس الأحدب لما كلمه الوزير ظن أنه العفريت، فلم يرد عليه؛ لأنه ظن أنه لا يكلمه إلا العفريت. فصرخ عليه الوزير وقال له: تكلم وإلا أقطع رأسك بهذا السيف. فعند ذلك قال الأحدب: والله يا شيخ العفاريت من حين جعلتني في هذا الموضع ما رفعت رأسي، فبالله عليك أن ترفق بي. فلما سمع الوزير كلام الأحدب قال له: ما تقول؟ فإني أبو العروسة، ما أنا عفريت. فقال: ليس عمري في يدك، ولا تقدر أن تأخذ روحي، فرح إلى حال سبيلك قبل أن يأتيك الذي فعل بي هذه الفعال، فأنتم لا تزوجونني إلا بمعشوقة الجواميس ومعشوقة العفاريت، فلعن الله من زوجني بها، ولعن من كان السبب في ذلك. ثم إن ms0111 السايس الأحدب صار يحدث الوزير والد العروسة ويقول: لعن الله من كان السبب في ذلك. فقال له الوزير: قم واخرج من هذا المكان. فقال له: هل أنا مجنون حتى أروح معك بغير إذن العفريت؟ فإنه قال لي: إذا طلعت الشمس فاخرج ورح إلى حال سبيلك. فهل طلعت الشمس أو لا؟ فإني لا أقدر أن أطلع من موضعي إلا إن طلعت الشمس. فعند ذلك قال له الوزير: من أتى بك إلى هذا المكان؟ فقال: إني جئت البارحة إلى هنا لأقضي حاجتي وأزيل ضرورتي، وإذا بغبار طلع من وسط الماء وصاح وصار يكبر حتى بقي قدر الجاموسة، وقال لي كلاما دخل في أذني، فخلني ورح لعن الله العروسة ومن زوجني بها. فتقدم إليه الوزير وأخرجه من المرحاض، فخرج وهو يجري، وما صدق أن الشمس طلعت، وطلع إلى السلطان وأخبره بما اتفق له مع العفريت. # وأما الوزير أبو العروسة فإنه دخل البيت وهو حائر العقل في أمر بنته، فقال: يا بنتي، اكشفي لي عن خبرك؟ فقالت: إن الظريف الذي كنت أنجلي عليه بات عندي البارحة، وأزال بكارتي، وعلقت منه، وإن كنت لم تصدقني فهذه عمامته بلفتها على الكرسي، ولباسه تحت الفرش، وفيه شيء ملفوف لم أعرف ما هو، فلما سمع والدها هذا الكلام دخل المخدع، فوجد عمامة حسن بدر الدين ابن أخيه، ففي الحال أخذها في يده وقلبها، وقال: هذه عمامة وزراء إلا أنها موصلية. ثم نظر إلى حرز مخيط في طربوشه، فأخذه وفتقه، وأخذ اللباس فوجد الكيس الذي فيه ألف دينار، ففتحه فوجد فيه ورقة، فقرأها فوجد مبايعة اليهودي، واسم حسن بدر الدين بن نور الدين المصري، ووجد الألف دينار. فلما قرأ شمس الدين الورقة صرخ صرخة، وخر مغشيا عليه، فلما أفاق وعلم مضمون القصة تعجب، وقال: لا إله إلا الله القادر على كل شيء. وقال: يا بنتي، هل تعرفين من الذي أخذ وجهك؟ قالت: لا. قال: إنه ابن أخي، وهو ابن عمك، وهذه الألف دينار مهرك، فسبحان الله! فليت شعري كيف ms0112 اتفقت هذه القضية؟! ثم فتح الحرز المخيط فوجد فيه ورقة مكتوبا فيها بخط أخيه نور الدين المصري أبي حسن بدر الدين، فلما نظر خط أخيه أنشد هذين البيتين: # أرى آثارهم فأذوب شوقا %~% وأسكب في مواطنهم دموعي ~~وأسأل من بفرقتهم رماني %~% يمن علي يوما بالرجوع # فلما فرغ من الشعر قرأ الحرز، فوجد فيه تاريخ زواجه بنت وزير البصرة، وتاريخ دخوله بها، وتاريخ عمره إلى حين وفاته، وتاريخ ولادة ولده حسن بدر الدين، فتعجب واهتز من الطرب، وقابل ما جرى لأخيه على ما جرى له، فوجده سواء بسواء، وزواجه وزواج الآخر موافقين تاريخا، ودخولهما بزوجتيهما متوافقا، وولادة حسن بدر الدين ابن أخيه وولادة بنته ست الحسن متوافقين؛ فأخذ الورقتين وطلع بهما إلى السلطان، وأعلمه بما جرى من أول الأمر إلى آخره، فتعجب الملك وأمر أن يؤرخ هذا الأمر في الحال، ثم أقام الوزير ينتظر ابن أخيه، فما وقع له على خبر، فقال: والله لأعملن عملا ما سبقني إليه أحد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 23 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير قال: والله لأعملن عملا ما سبقني إليه أحد. ثم أخذ دواة وقلما، وكتب أمتعة البيت، وأن الخشخانة في موضع كذا، والستارة الفلانية في موضع كذا؛ كتب جميع ما في البيت، ثم طوى الكتاب، وأمر بخزن جميع الأمتعة، وأخذ العمامة والطربوش، وأخذ معه الفرجية والكيس وحفظهما عنده، وأما بنت الوزير فإنها لما كملت أشهرها ولدت ولدا مثل القمر يشبه والده من الحسن والكمال والبهاء والجمال، فقطعوا سرته، وكحلوا مقلته، وسلموه إلى المرضعات، وسموه عجيبا؛ فصار يومه بشهر، وشهره بسنة، فلما مر عليه سبع سنين أعطاه جده لفقيه، ووصاه أن يربيه ويحسن تربيته، فأقام في المكتب أربع سنوات، فصار يقاتل أهل المكتب ويسبهم ويقول لهم: من فيكم مثلي، أنا ابن وزير مصر؟ فقامت الأولاد، واجتمعوا يشكون إلى العريف مما قاسوه من عجيب، فقال لهم العريف: أنا أعلمكم شيئا تقولون له لما يجيء فيتوب عن المجيء للمكتب، وذلك ms0113 أنه إذا جاء غدا فاقعدوا حوله، وقولوا لبعضكم: والله ما يلعب معنا هذه اللعبة إلا من يقول لنا ما اسم أمه واسم أبيه، ومن لم يعرف اسم أمه واسم أبيه فهو ابن حرام، فلا يلعب معنا. # فلما أصبح الصباح أتوا إلى المكتب، وحضر عجيب، فاحتاطت به الأولاد وقالوا: نحن نلعب لعبة، ولكن ما يلعب معنا إلا من يقول لنا على اسم أمه واسم أبيه. واتفقوا على ذلك، فقال واحد منهم: اسمي ماجد وأمي علوى وأبي عز الدين. وقال الآخر مثل قوله، وقال الآخر كذلك، إلى أن جاء الدور إلى عجيب، فقال: أنا اسمي عجيب، وأمي ست الحسن، وأبي شمس الدين الوزير بمصر. فقالوا له: والله إن الوزير ما هو أبوك. فقال عجيب: الوزير أبي حقيقة. فعند ذلك ضحكت عليه الأولاد، وصفقوا عليه وقالوا: أنت ما تعرف لك أبا، فقم من عندنا فلا يلعب معنا إلا من يعرف اسم أبيه. وفي الحال تفرق الأولاد من حوله وتضاحكوا عليه؛ فضاق صدره وانخنق بالبكاء، فقال له العريف: هل تعتقد أن أباك جدك الوزير أبو أمك ست الحسن؟ إن أباك ما تعرفه أنت ولا نحن؛ لأن السلطان كان زوجها للسايس الأحدب، وجاءت الجن فناموا عندها، فإن لم تعرف لك أبا يجعلوك بينهم ولد زنا، ألا ترى أن ابن البائع يعرف أباه، فوزير مصر إنما هو جدك، وأما أبوك فلا نعرفه نحن ولا أنت، فارجع لعقلك. فلما سمع ذلك الكلام قام من ساعته ودخل على والدته ست الحسن، وصار يشكي لها وهو يبكي، ومنعه البكاء من الكلام، فلما سمعت أمه كلامه وبكاءه التهب قلبها عليه، وقالت له: يا ولدي، ما الذي أبكاك؟ فاحك لي قصتك. فحكى لها ما سمعه من الأولاد ومن العريف، وقال لها: يا والدتي من هو أبي؟ قالت له: أبوك وزير مصر. فقال لها: ليس هو أبي، فلا تكذبي علي؛ فإن الوزير أبوك أنت لا أبي أنا، فمن هو أبي؟ فإن لم تخبريني بالصحيح قتلت روحي بهذا الخنجر. فلما سمعت والدته ذكر ms0114 أبيه بكت لذكر ولد عمها، وتذكرت محاسن حسن بدر الدين البصري، وما جرى لها معه، وأنشدت هذه الأبيات: # أهاجوا الحب في قلبي وساروا %~% وقد شطت بهم تلك الديار ~~وبان العقل مني حيث بانوا %~% وفارقني هجوع واصطبار ~~وقد ساروا ففارقني سروري %~% وقد عدم القرار فلا قرار ~~وأجروا بالفراق دموع عيني %~% فأدمعها تجاريها البحار ~~إذا ما اشتقت يوما أن أراهم %~% وزاد بهم حنيني وانتظار ~~يمثل شخصهم في وسط قلبي %~% غرام واشتياق وادكار ~~أيا من ذكرهم أضحى دثاري %~% وما لي غير حبهم شعار ~~أحبتنا إلى كم ذا التمادي %~% وكم هذا التباعد والنفار # ثم بكت وصرخت وكذلك ولدها، وإذا بالوزير دخل، فلما نظر إلى بكائهما احترق قلبه، وقال: ما يبكيكما؟ فأخبرته بما اتفق لولدها مع صغار المكتب، فبكى الآخر، ثم تذكر أخاه وما اتفق له معه، وما اتفق لابنته، ولم يعلم بما في باطن الأمر. ثم قام الوزير في الحال، ومشى حتى طلع إلى الديوان، ودخل على الملك وأخبره بالقصة، وطلب منه الإذن بالسفر إلى الشرق ليقصد مدينة البصرة، ويسأل عن ابن أخيه، وطلب من السلطان أن يكتب له مراسيم لسائر البلاد إذا وجد ابن أخيه في أي موضع يأخذه، ثم بكى بين يدي السلطان؛ فرق له قلبه، وكتب مراسيم لسائر الأقاليم والبلاد، ففرح بذلك ودعا للسلطان، وودعه ونزل في الحال وتجهز للسفر، وأخذ ما يحتاج إليه، وأخذ ابنته وولدها عجيبا، وسافر أول يوم وثاني يوم وثالث يوم حتى وصل إلى مدينة دمشق، فوجدها ذات أشجار وأنهار كما قال فيها الشاعر: # من بعد يومي في دمشق وليلتي %~% حلف الزمان بمثلها لا يغلط ~~بتنا وجنح الليل في غفلاته %~% ومن الصباح عليه فرع أشمط ~~والطل في تلك الغصون كأنه %~% در يصافحه النسيم فيسقط ~~والطير يقرأ والغدير صحيفة %~% والريح تكتب والغمام ينقط # فنزل الوزير من ميدان الحصبا، ونصب خيامه، وقال لغلمانه: نأخذ الراحة هنا يومين. فدخل الغلمان المدينة لقضاء حوائجهم، هذا يبيع وهذا يشتري، وهذا يدخل الحمام، وهذا يدخل جامع بني أمية الذي ما في الدنيا مثله، ms0115 ودخل المدينة عجيب هو وخادمه يتفرجان، والخادم يمشي خلف عجيب، وفي يده سوط لو ضرب به جملا لسقط لم يثر، فلما نظر أهل دمشق إلى عجيب وقده واعتداله، وبهائه وكماله، بديع الجمال، رخيم الدلال، ألطف من نسيم الشمال، وأحلى للظمآن من الماء الزلال، وألذ من العافية لصاحب الاعتلال. فلما رآه أهل دمشق تبعوه، وصارت الخلق تجري وراء وتتبعه، وتقعد في الطريق حتى يجيء عليهم وينظرونه إلى أن وقف العبد بالأمر المقدر على دكان أبيه حسن بدر الدين، الذي أجلسه فيه الطباخ الذي اعترف عند القضاة والشهود أنه ولده. فلما وقف عليه العبد في ذلك اليوم وقف معه الخدام، فنظر حسن بدر الدين إلى ولده فأعجبه حين وجده في غاية الحسن، فحن إليه فؤاده وتعلق به قلبه، وكان قد طبخ حب رمان محلى، واشتدت به المحبة الإلهية فنادى من الوجد وقال: يا سيدي، يا من ملك قلبي وفؤادي وحن إليه كبدي، هل لك أن تدخل عندي وتجبر قلبي وتأكل من طعامي؟ ثم فاضت عيناه بالدموع من غير اختياره، وتذكر ما كان فيه فيما مضى وما هو في تلك الساعة. # فلما سمع عجيب كلام أبيه، حن إليه قلبه والتفت إلى الخادم وقال له: إن هذا الطباخ حن قلبي إليه وكأنه قد فارق ولدا له، فادخل بنا عنده لنجبر قلبه ونأكل ضيافته؛ لعل الله يجمع شملنا بأبينا بجبرنا خاطره. فلما سمع الخادم كلام سيده عجيب قال: والله يا سيدي لا ينبغي، كيف نكون أولاد الوزير ونأكل في دكان الطباخ؟ ولكن أنا أحجب الناس عنك بهذه العصا خوفا من أن ينظروا إليك، وإلا فما يمكنك أن تدخل الدكان أبدا. فلما سمع حسن بدر الدين كلام الخادم تعجب والتفت إلى الخادم وقد سالت دموعه على خدوده، وقال له: إن قلبي حبه. فقال له الخادم: دعنا من هذا الكلام ولا تدخل. فعند ذلك التفت أبو عجيب للخادم وقال له: يا كبير، لأي شيء لا تجبر خاطري وتدخل عندي، يا من كأنه قصطل أسود وقلبه أبيض، يا ms0116 من قال فيه بعض واصفيه كذا من المدح. حتى ضحك الخادم، وقال: أي شيء تقول؟ فبالله قل وأوجز. فأنشد في الحال هذين البيتين: # لولا تأدبه وحسن ثقاته %~% ما كان في دار الملوك محكما ~~وعلى الحريم فيا له من خادم %~% من حسنه خدمته أملاك السما # فتعجب الخادم من هذا الكلام، وأخذ عجيبا ودخل دكان الطباخ، فغرف حسن بدر الدين زبدية من حب الرمان، وكانت بلوز وسكر، فأكلوا سواء، فقال لهم حسن بدر الدين: آنستونا، كلوا هنيئا مريا. ثم إن عجيب قال لوالده: اقعد كل معنا لعل الله يجمعنا بمن نريد. فقال حسن بدر الدين: يا ولدي، هل بليت على صغر سنك بفرقة الأحباب؟ فقال عجيب: نعم يا عم، أحرق قلبي بفراق الأحباب، والحبيب الذي فارقني هو والدي، وقد خرجت أنا وجدي نطوف عليه البلاد، فوا حسرتاه على جمع شملي به. وبكى بكاء شديدا، وبكى والده لبكائه، وتذكر فرقة الأحباب، وبعده عن والده ووالدته، فحن له الخادم وأكلوا جميعا إلى أن اكتفوا، ثم بعد ذلك قاما وخرجا من دكان حسن بدر الدين، فأحس أن روحه فارقت جسده وراحت معهم، فما قدر أن يصبر عنهم لحظة واحدة، فقفل الدكان وتبعهم وهو لا يعلم أنه ولده، وأسرع في مشيه حتى لحقهم قبل أن يخرجوا من الباب الكبير، فالتفت الطواشي وقال له: ما لك يا طباخ؟ فقال حسن بدر الدين: لما نزلتم من عندي كأن روحي خرجت من جسمي، ولي حاجة في المدينة خارج الباب، فأردت أن أرافقكم حتى أقضي حاجتي وأرجع. فغضب الطواشي وقال لعجيب: إن هذه أكلة مشئومة، وصارت علينا مكرمة، وها هو تابعنا من موضع إلى موضع. فالتفت عجيب فرأى الطباخ، فاغتاظ واحمر وجهه، ثم قال للخادم: دعه يمشي في طريق المسلمين، فإذا خرجنا إلى خيامنا وخرج معنا وعرفنا أنه يتبعنا نطرده. فأطرق رأسه ومشى والخادم وراءه، فتبعهم حسن بدر الدين إلى ميدان الحصبا، وقد قربوا من الخيام، فالتفتوا ورأوه خلفهم، فغضب عجيب، وخاف من الطواشي أن يخبر جده، فامتزج بالغضب مخافة ms0117 أن يقولوا إنه دخل دكان الطباخ، وأن الطباخ تبعه، فالتفت حتى صارت عيناه في عين أبيه وقد بقي جسدا بلا روح، ورأى عجيب عينه كأنها عين خائن، وربما كان ولد زنا، فازداد غضبا، فأخذ حجرا وضرب به والده، فوقع الحجر على جبينه فبطحه، فوقع حسن بدر الدين مغشيا عليه، وسال الدم على وجهه، وسار عجيب هو والخادم إلى الخيام. وأما حسن بدر الدين فإنه لما أفاق مسح دمه، وقطع قطعة من عمامته وعصب بها رأسه، ولام نفسه وقال: أنا ظلمت الصبي حيث غلقت دكاني، وتبعته حتى ظن أني خائن. ثم رجع إلى الدكان، واشتغل ببيع طعامه، وصار مشتاقا إلى والدته التي في البصرة ويبكي عليها، وأنشد هذين البيتين: # لا تسأل الدهر إنصافا فتظلمه %~% ولا تلمه فلم يخلق لإنصاف ~~خذ ما تيسر وازو الهم ناحية %~% لا بد من كدر فيه وإنصاف # ثم إن بدر الدين استمر مشتغلا يبيع في طعامه، وأما الوزير عمه فإنه أقام في دمشق ثلاثة أيام، ثم رحل متوجها إلى حمص، فدخلها ثم رحل عنها، وصار يفتش في طريقه أينما حل وجهه في سيره إلى أن وصل إلى ماردين والموصل وديار بكر، ولم يزل سائرا إلى مدينة البصرة، فدخلها فلما استقر به المنزل دخل إلى سلطانها، واجتمع به فاحترمه وأكرم منزله، وسأله عن سبب مجيئه، فأخبره بقصته، وأن أخاه الوزير علي نور الدين، فترحم عليه السلطان وقال له: أيها الصاحب، إنه كان وزيري، وكنت أحبه كثيرا، وقد مات من مدة خمسة عشر عاما، وخلف ولدا وقد فقدناه، ولم نطلع له على خبر، غير أن أمه عندنا؛ لأنها بنت وزيري الكبير. فلما سمع الوزير شمس الدين من الملك أن أم ابن أخيه طيبة، فرح وقال: يا ملك، إني أريد أن أجتمع بها. فأذن له في الحال أن ينزل عندها في دار أخيه، فنزل شمس الدين ودخل عندها في دار أخيه، وجال بطرفه في نواحيها وقبل أعتابها، وتذكر أخاه نور الدين علي وكيف مات غريبا وهو مشتاق إليه، فبكى وأنشد ms0118 هذه الأبيات: # أمر على الديار ديار ليلى %~% أقبل ذا الجدار وذا الجدارا ~~فما حب الديار شغفن قلبي %~% ولكن حب من سكن الديارا # ثم دخل من الباب إلى فسحة عظيمة فوجد بابا مقوصرا بالحجر الصوان، مجزعا بأنواع الرخام من سائر الألوان، فمشى في نواحي الديار ونظرها وجال بطرفه فيها، فوجد اسم أخيه نور الدين مكتوبا بالذهب على جدرانها، فأتى إلى الاسم وقبله وبكى وأحرقه فراقه، فأنشد هذه الأبيات: # أستخبر الشمس عنكم كلما طلعت %~% وأسأل البرق عنكم كلما لمعا ~~أبيت والشوق يطويني وينشرني %~% في راحتيه، ولا أشكو له وجعا ~~أحبابنا إن يكن طال المدى فلكم %~% قد قطع القلب مني بعدكم قطعا ~~فلو مننتم على طرفي برؤيتكم %~% لكان أحسن شيء بيننا وقعا ~~لا تحسبوا أنني بالغير مشتغل %~% إن الفؤاد لحب الغير ما وسعا # ثم إنه صار يمشي إلى أن وصل إلى قاعة زوجة أخيه أم حسن بدر الدين البصري، وكانت في مدة غيبة ولدها قد لزمت البكاء والنحيب بالليل والنهار، فلما طالت عليها المدة عملت لولدها قبرا من الرخام في وسط القاعة، وصارت تبكي عليه ليلا ونهارا، ولا تنام إلا عند ذلك القبر، فلما وصل إلى مسكنها سمع حسها، فوقف خلف الباب فسمعها تنشد على القبر هذين البيتين: # بالله يا قبر هل زالت محاسنه %~% وهل تغير ذاك المنظر النضر ~~يا قبر لا أنت بستان ولا فلك %~% فكيف يجمع فيك الغصن والقمر # فبينما هي كذلك وإذا بالوزير شمس الدين قد دخل عليها، وسلم عليها، وأعلمها أنه أخو زوجها، ثم أخبرها بما جرى، وكشف لها عن القصة، وأن ابنها حسن بدر الدين بات عند ابنته ليلة كاملة، ثم فقد عند الصباح، وقال لها: إن ابنتي حملت من ولدك وولدت ولدا، وهو معي، وإنه ولدك وولد ولدك من ابنتي. فلما سمعت خبر ولدها وأنه حي، ورأت أخا زوجها، قامت إليه ووقعت على قدميه وقبلتهما، وأنشدته هذين البيتين: # لله در مبشري بقدومهم %~% فلقد أتى بأطايب المسموع ~~لو كان يقنع بالخليع وهبته %~% قلبا تقطع ساعة التوديع # ثم إن ms0119 الوزير أرسل إلى عجيب ليحضره، فلما حضر قامت له جدته واعتنقته وبكت، فقال لها شمس الدين: ما هذا وقت بكاء، بل هذا وقت تجهيزك للسفر معنا إلى ديار مصر، عسى الله أن يجمع شملنا وشملك بولدك ابن أخي. فقالت: سمعا وطاعة. ثم قامت من وقتها، وجمعت جميع أمتعتها وذخائرها وجواريها، وتجهزت في الحال، ثم طلع الوزير شمس الدين إلى سلطان البصرة وودعه، فبعث معه هدايا وتحفا إلى سلطان مصر، وسافر من وقته هو وزوجة أخيه، ولم يزل سائرا حتى وصل إلى مدينة دمشق، فنزل على القانون وضرب الخيام، وقال لمن معه: إننا نقيم بدمشق جمعة إلى أن نشتري للسلطان هدايا وتحفا. ثم قال عجيب للطواشي: يا غلام، إني اشتقت إلى الفرجة، فقم بنا ننزل إلى سوق دمشق، ونعتبر أحوالها، وننظر ما جرى لذلك الطباخ الذي قد كنا أكلنا طعامه وشججنا رأسه، مع أنه قد كان أحسن إلينا، ونحن أسأناه. فقال الطواشي: سمعا وطاعة. ثم إن عجيبا خرج من الخيام هو والطواشي، وحركته القرابة إلى التوجه لوالده، ودخلا مدينة دمشق، وما زالا سائرين إلى أن وصلا إلى دكان الطباخ، فوجداه واقفا في الدكان، وكان ذلك قبل العصر، وقد وافق الأمر أنه طبخ حب رمان، فلما قربا منه ونظره عجيب، حن إليه قلبه، ونظر إلى أثر الضربة بالحجر في جبينه، فقال: السلام عليك يا هذا، اعلم أن خاطري عندك، فلما نظر إليه بدر الدين تعلقت أحشاؤه به، وخفق فؤاده إليه، وأطرق برأسه إلى الأرض، وأراد أن يدير لسانه في فمه فما قدر على ذلك، ثم رفع رأسه إلى ولده خاضعا متذللا، وأنشد هذه الأبيات: # تمنيت من أهوى فلما رأيته %~% ذهلت فلم أملك لسانا ولا طرفا ~~وأطرقت إجلالا له ومهابة %~% وحاولت إخفاء الذي بي فلم يخف ~~وكنت معدا للعتاب صحائفا %~% فلما اجتمعنا ما وجدت ولا حرفا # ثم قال لهما: اجبرا قلبي، وكلا من طعامي، فوالله ما نظرت إليك أيها الغلام إلا حن قلبي إليك، وما كنت اتبعتك إلا وأنا بغير عقل. فقال عجيب: ms0120 والله إنك محب لنا ونحن أكلنا عندك لقمة، فلازمتنا عقبها وأردت إن تهتكنا، ونحن لا نأكل لك أكلا إلا بشرط أن تحلف أنك لا تخرج وراءنا ولا تتبعنا، وإلا لا نعود إليك من وقتنا هذا، فنحن مقيمون في هذه المدينة جمعة حتى يأخذ جدي هدايا للملك. فقال بدر الدين: لكم علي ذلك. فدخل عجيب هو والخادم في الدكان، فقدم لهما زبدية ممتلئة حب رمان، فقال عجيب: كل معنا لعل الله يفرج عنا. ففرح حسن بدر الدين، وأكل معهم وهو لم يغض طرفه عن النظر في وجهه، وقد تعلق به قلبه وصارت كل جوارحه معه. فقال له عجيب: ألم تعلم أني قلت لك إنك عاشق ثقيل؟ فحسبك لا تطل النظر إلى وجهي. فلما سمع بدر الدين كلامه أنشد هذه الأبيات: # لك في القلوب سريرة لا تظهر %~% مطوية وحديثها لا ينشر ~~يا فاضح القمر المنير بحسنه %~% وبوجهه افتضح الصباح المسفر ~~لي في سناك أمارة لا تنقضي %~% ومعاهد أبدا تزيد وتكثر ~~فأذوب من حرقي ووجهك جنتي %~% وأموت من ظمئي وريقك كوثر # فصار بدر الدين يلقم عجيبا ساعة ويلقم الطواشي ساعة، وكب على أيديهما الماء حتى غسلا، وحل فوطة حرير من وسطه فمسح أيديهم بها ورش عليهما ماء الورد من قمقم كان عنده، وخرج من الدكان ثم عاد بقلتين من شربات ممزوجة بماء الورد الممسك، وقدمها بين أيديهما وقال: تمما إحسانكما. فأخذ عجيب وشرب وناول الخادم، ولم يزالا يشربان حتى امتلأت بطونهما، وشبعا شبعا على خلاف عادتهما، ثم انصرفا وأسرعا في مشيهما حتى وصلا إلى خيامهما، ودخل عجيب على جدته أم والده حسن بدر الدين فقبلته، وتذكرت ولدها بدر الدين، فتنهدت وبكت، ثم إنها أنشدت هذين البيتين: # لو لم أرج بأن الشمل يجتمع %~% ما كان لي في حياتي بعدكم طمع ~~أقسمت ما في فؤادي غير حبكم %~% والله ربي على الأسرار مطلع # ثم قالت لعجيب: يا ولدي، أين كنت؟ قال: في مدينة دمشق. فعند ذلك قامت وقدمت له زبدية طعام من حب الرمان، وكان قليل ms0121 الحلاوة، وقالت للخادم: اقعد مع سيدك. فقال الخادم في نفسه: والله ما لنا شهية في الأكل. ثم جلس الخادم، وأما عجيب فإنه لما جلس كان بطنه ممتلئا بما أكل وشرب، فأخذ لقمة وغمسها في حب الرمان وأكلها، فوجده قليل الحلاوة؛ لأنه كان شبعانا، فتضجر وقال: أي شيء هذا الطعام الوحش! فقالت جدته: يا ولدي، أتعيب طبيخي وأنا طبخته، ولا أحد يحسن الطبيخ مثلي إلا والدك حسن بدر الدين؟! فقال عجيب: والله يا سيدتي، إن طبيخك هذا غير متقن، نحن في هذه الساعة رأينا في المدينة طباخا طبخ حب رمان، ولكن رائحته ينفتح لها القلب، وأما طعامه فإنه يشهي نفس المتخوم أن تأكل، وأما طعامك بالنسبة إليه فإنه لا يساوي كثيرا ولا قليلا، فلما سمعت جدته كلامه اغتاظت غيظا شديدا، ونظرت إلى الخادم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 24 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جدة عجيب لما سمعت كلامه اغتاظت ونظرت إلى الخادم، وقالت له: ويلك! هل أنت أفسدت ولدي؟ لأنك دخلت به إلى دكاكين الطباخين. خاف الطواشي وأنكر وقال: ما دخلنا الدكان، ولكن جزنا جوازا. فقال عجيب: والله لقد دخلنا وأكلنا وهو أحسن من طعامك. فقامت جدته وأخبرت أخا زوجها وأغرته على الخادم، فحضر الخادم قدام الوزير، فقال له: لم دخلت بولدي دكان الطباخ؟ فخاف الخادم وقال: ما دخلنا. فقال عجيب: بل دخلنا وأكلنا من حب الرمان حتى شبعنا، وأسقانا الطباخ شرابا بثلج وسكر. فازداد غضب الوزير على الخادم، وسأله فأنكر، فقال له الوزير: إن كان كلامك صحيحا فاقعد وكل قدامنا. فعند ذلك تقدم الخادم، وأراد أن يأكل فلم يقدر ورمى اللقمة، وقال: يا سيدي، إني شبعان من البارحة. فعرف الوزير أنه أكل عند الطباخ، فأمر الجواري أن يطرحنه، فطرحنه ونزل عليه بالضرب الوجيع، فاستغاث وقال: يا سيدي، إني شبعان من البارحة. ثم منع عنه الضرب، وقال له: انطق بالحق. فقال: اعلم أننا دخلنا دكان الطباخ وهو يطبخ حب الرمان، فغرف لنا منه، والله ms0122 ما أكلت عمري مثله، ولا رأيت أقبح من هذا الذي قدامنا. # فغضبت أم حسن بدر الدين، وقالت: لا بد أن تذهب إلى هذا الطباخ وتجيء لنا بزبدية حب رمان من الذي عنده، وتريه لسيدك حتى يقول أيهما أحسن وأطيب. فقال الخادم: نعم. ففي الحال أعطته زبدية ونصف دينار، فمضى الخادم حتى وصل إلى الدكان، وقال للطباخ: نحن تراهنا على طعامك في بيت سيدنا؛ لأن هناك حب رمان طبخه أهل البيت، فهات لنا بهذا النصف دينار، وأدر بالك في طهيه وأتقنه، فقد أكلنا الضرب الموجع على طبيخك. فضحك حسن بدر الدين وقال: والله إن هذا الطعام لا يحسنه أحد إلا أنا ووالدتي، وهي الآن في بلاد بعيدة. ثم إنه غرف الزبدية، وأخذها وختمها بالمسك وماء الورد، فأخذها الخادم وأسرع بها حتى وصل إليهم، فأخذتها والدة حسن وذاقتها، ونظرت حسن طعمها وجودته فعرفت طباخها، فصرخت ثم وقعت مغشيا عليها؛ فبهت الوزير من ذلك، ثم رشوا عليها ماء الورد، بعد ساعة أفاقت وقالت: إن كان ولدي في الدنيا فما طبخ حب الرمان هذا إلا هو، وهو ولدي حسن بدر الدين لا شك فيه ولا محالة؛ لأن هذا طعامه، وما أحد يطبخه غيره إلا أنا؛ لأني علمته طبخه. # فلما سمع الوزير كلامها فرح فرحا شديدا، وقال: وا شوقاه إلى رؤية ابن أخي! أترى تجمع الأيام شملنا؟! وما نطلب الاجتماع به إلا من الله تعالى. ثم إن الوزير قام من وقته وساعته وصاح على الرجال الذين معه، وقال: يمضي منكم عشرون رجلا إلى دكان الطباخ، ويهدمونها ويكتفونه بعمامته، ويجرونه غصبا إلى مكاني من غير إيذاء يحصل له. فقالوا له: نعم. ثم إن الوزير ركب من وقته وساعته إلى دار السعادة، واجتمع بنائب دمشق، وأطلعه على الكتب التي معه من السلطان، فوضعها على رأسه بعد تقبيلها، وقال: ومن هو غريمك؟ قال: رجل طباخ. ففي الحال أمر حجابه أن يذهبوا إلى دكانه، فذهبوا فرأوها مهدومة، وكل شيء فيها مكسور؛ لأنه لما توجه إلى دار السعادة فعلت جماعته ms0123 ما أمرهم به، وصاروا منتظرين مجيء الوزير من دار السعادة، وحسن بدر الدين يقول في نفسه: يا ترى أي شيء رأوا في حب الرمان حتى صار لي هذا الأمر؟ فلما حضر الوزير من عند نائب دمشق، وقد أذن له في أخذ غريمه وسفره به، فلما دخل الخيام طلب الطباخ فأحضروه مكتفا بعمامته، فلما نظر حسن بدر الدين إلى عمه بكى بكاء شديدا، وقال: يا مولاي، ما ذنبي عندكم؟ فقال له: أنت الذي طبخت حب الرمان؟ قال: نعم، فهل وجدتم فيه شيئا يوجب ضرب الرقبة؟ فقال له: هذا أقل جزائك. فقال له: يا سيدي، أما توقفني على ذنبي؟ فقال له الوزير: نعم، في هذه الساعة. # ثم إن الوزير صرخ على الغلمان، وقال: هاتوا الجمال، وأخذوا حسن بدر الدين معهم، وأدخلوه في صندوق، وقفلوا عليه وساروا، ولم يزالوا سائرين إلى أن أقبل الليل، فحطوا وأكلوا شيئا من الطعام، وأخرجوا حسن بدر الدين فأطعموه، وأعادوه إلى الصندوق، ولم يزالوا كذلك حتى وصلوا إلى مكان فأخرجوا حسن بدر الدين من الصندوق، وقال له: هل أنت الذي طبخت حب الرمان؟ قال: نعم يا سيدي. فقال الوزير: قيدوه. فقيدوه وأعادوه إلى الصندوق، وساروا إلى أن وصلوا إلى مصر، وقد نزلوا في الزبدانية، فأمر بإخراج حسن بدر الدين من الصندوق، وأمر بإحضار نجار وقال: اصنع لهذا لعبة خشب. فقال حسن بدر الدين: وما تصنع بها؟ فقال: أصلبك عليها وأسمرك فيها، ثم أدور بك المدينة كلها. فقال: على أي شيء تفعل بي ذلك؟ فقال الوزير: على عدم إتقان طبيخك حب الرمان، كيف طبخته وهو ناقص فلفلا؟ فقال له: وهل لكونه ناقصا فلفلا تصنع معي هذا كله؟ أما كفاك حبسي وكل يوم تطعموني أكلة واحدة؟ فقال له الوزير: من أجل كونه ناقصا فلفلا ما جزاؤك إلا القتل. فتعجب حسن بدر الدين، وحزن على روحه، وصار يتفكر في نفسه، فقال له الوزير: في أي شيء تتفكر؟ فقال له: في العقول السخيفة التي مثل عقلك، فإنه لو كان عندك عقل ما ms0124 كنت فعلت معي هذه الأفعال لأجل نقص الفلفل. فقال له الوزير: يجب علينا أن نؤذيك حتى لا تعود لمثله. فقال حسن بدر الدين: إن الذي فعلته معي أقل شيء فيه أذيتي. فقال: لا بد من صلبك. وكل هذا والنجار يصلح الخشب، وهو ينظر إليه، ولم يزالوا كذلك إلى أن أقبل الليل، فأخذه عمه ووضعه في الصندوق، وقال: في غد يكون صلبك. # ثم صبر عليه حتى عرف أنه نام، فقام وركب وأخذ الصندوق قدامه، ودخل المدينة، وسار إلى أن دخل بيته، ثم قال لابنته ست الحسن: الحمد لله الذي جمع شملك بابن عمك، قومي وافرشي البيت مثل فرشه ليلة الجلاء. فأمرت الجواري بذلك، فقمن وأوقدن الشمع، وقد أخرج الوزير الورقة التي كتب فيها أمتعة البيت، ثم قرأها، وأمر أن يضعوا كل شيء في مكانه، حتى إن الرائي إذا رأى ذلك لا يشك في أنها ليلة الجلاء بعينها، ثم إن الوزير أمر أن يحط عمامة حسن بدر الدين في مكانها الذي حطها فيه بيده، وكذلك السروال، والكيس الذي تحت الطراحة، ثم إن الوزير أمر ابنته أن تتحف نفسها كما كانت ليلة الجلاء، وتدخل المخدع، وقال لها: إذا دخل عليك ابن عمك فقولي له: قد أبطأت علي في دخولك بيت الخلاء، ودعيه يبيت عندك، وتحدثي معه إلى النهار، وكتب هذا التاريخ. # ثم إن الوزير أخرج بدر الدين من الصندوق، بعد أن فك القيد من رجليه، وخلع ما عليه من الثياب، وصار بقميص النوم، وهو رفيع من غير سروال، كل هذا وهو نائم لا يعلم بذلك، ثم انتبه بدر الدين من النوم فوجد نفسه في دهليز نير، فقال في نفسه: هل أنا في أضغاث أحلام أم في اليقظة؟ ثم قام بدر الدين فمشى قليلا إلى باب ثان ونظر، وإذا هو في البيت الذي انجلت فيه العروسة، ورأى المخدع والسرير، ورأى عمامته وحوائجه، فلما نظر ذلك بهت، وصار يقدم رجلا ويؤخر رجلا وقال في نفسه: هل هذا في المنام أم في اليقظة؟ وصار يمسح جبينه ms0125 ويقول وهو متعجب: والله إن هذا مكان العروسة التي انجلت فيه علي، فإني أنا قد كنت في صندوق. # فبينما هو يخاطب نفسه، وإذا بست الحسن رفعت طرف الناموسية، وقالت له: يا سيدي، أما تدخل؟ فإنك أبطأت عني في بيت الخلاء. فلما سمع كلامها ونظر إلى وجهها، ضحك وقال: إن هذا أضغاث أحلام. ثم دخل وتنهد وتفكر فيما جرى له، وتحير في أمره، وأشكلت عليه قضيته، ولما رأى عمامته وسرواله والكيس الذي فيه الألف دينار، قال: الله أعلم أني في أضغاث أحلام. وصار من فرط التعجب متحيرا، فعند ذلك قالت له ست الحسن: ما لي أراك متعجبا متحيرا، ما كنت هكذا في أول الليل؟ فضحك وقال: كم عاما لي غائبا عنك؟ فقالت له: سلامتك اسم الله حواليك، أنت إنما خرجت إلى الكنيف لتقضي حاجة وترجع، فأي شيء جرى في عقلك؟ فلما سمع بدر الدين ذلك ضحك، وقال لها: صدقت، ولكنني لما خرجت من عندك غلبني النوم في بيت الراحة، فحلمت أني كنت طباخا في دمشق، وأقمت بها عشر سنين، وكأنه جاءني صغير من أولاد الأكابر، ومعه خادم وحصل من أمره كذا وكذا. # ثم إن حسن بدر الدين مسح بيده على جبينه، فرأى أثر الضرب عليه، فقال: والله يا سيدتي كأنه حق؛ لأنه ضربني على جبيني فشجه، فكأنه في اليقظة. ثم قال: لعل هذا المنام حصل حين تعانقت أنا وأنت ونمنا، فرأيت في المنام كأني سافرت إلى دمشق بلا طربوش ولا عمامة ولا سروال، وعملت طباخا. ثم بهت ساعة وقال: والله كأني رأيت أني طبخت حب رمان وفلفله قليل، والله ما كأني إلا نمت في بيت الراحة، فرأيت هذا كله في المنام. فقالت له ست الحسن: بالله عليك، أي شيء رأيته زيادة على ذلك؟ فحكى لها جميع ما رآه، ثم قال: والله لولا أني انتبهت لكانوا صلبوني على لعبة خشب. فقالت له: على أي شيء؟ فقال: على قلة الفلفل في حب الرمان، ورأيت كأنهم أخرجوا دكاني، وكسروا مواعيني، وحطوني في صندوق، وجاءوا ms0126 بالنجار ليصنع لي لعبة من خشب؛ لأنهم أرادوا صلبي عليها، فالحمد لله الذي جعل لي ذلك كله في المنام ولم يجعله في اليقظة. فضحكت ست الحسن وضمته إلى صدرها، وضمها إلى صدره، ثم تذكر وقال: والله ما كأنه إلا في اليقظة، فأنا ما عرفت أي شيء الخبر، ولا حقيقة الحال. ثم إنه نام وهو متحير في أمره، فتارة يقول: رأيته في المنام. وتارة يقول: رأيته في اليقظة. ولم يزل كذلك إلى الصباح، ثم دخل عليه عمه الوزير شمس الدين فسلم عليه، فنظر له حسن بدر الدين وقال: بالله عليك أما أنت الذي أمرت بتكتيفي وتسمير دكاني من شأن حب الرمان لكونه قليل الفلفل؟ # فعند ذلك قال الوزير: اعلم يا ولدي أنه ظهر الحق وبان ما كان مختفيا، أنت ابن أخي، وما فعلت ذلك حتى تحققت أنك الذي دخلت على ابنتي تلك الليلة، وما تحققت ذلك حتى رأيتك عرفت البيت، وعرفت عمامتك وسروالك وذهبك والورقتين؛ التي كتبتها بخطك، والتي كتبها والدك أخي، فإني ما رأيتك قبل ذلك، وما كنت أعرفك. وأما أمك فإني جئت بها معي من البصرة. ثم رمى نفسه عليه وبكى. فلما سمع حسن بدر الدين كلام عمه، تعجب غاية العجب، وعانق عمه وبكى من شدة الفرح، ثم قال له الوزير: يا ولدي، إن سبب ذلك كله ما جرى بيني وبين والدك. وحكى له جميع ما جرى بينه وبين أخيه، وأخبره بسبب سفر والده إلى البصرة، ثم إن الوزير أرسل إلى عجيب، فلما رآه والده قال: هذا هذا الذي ضربني بالحجر. فقال الوزير: هذا ولدك. فعند ذلك رمى نفسه عليه، وأنشد هذه الأبيات: # ولقد بكيت على تفرق شملنا %~% زمنا وفاض الدمع من أجفاني ~~ونذرت إن جمع المهيمن شملنا %~% ما عدت أذكر فرقة بلساني ~~هجم السرور علي حتى إنه %~% من فرط ما قد سرني أبكاني # فلما فرغ من شعره التفتت إليه والدته، وألقت روحها عليه، وأنشدت هذين البيتين: # الدهر أقسم لا يزال مكدري %~% حنثت يمينك يا زمان فكفري ~~السعد وافى ms0127 والحبيب مساعدي %~% فانهض إلى داعي السرور وشمري # ثم إن والدته حكت له جميع ما وقع لها بعده، وحكى لها جميع ما قاساه، فشكروا الله على جمع شملهم ببعضهم، ثم إن الوزير طلع إلى السلطان، وأخبره بما جرى له، فتعجب وأمر أن يؤرخ ذلك في السجلات ليكون حكاية على ممر الأوقات، ثم إن الوزير أقام مع ابن أخيه وابنته وابنهما وزوجة أخيه في ألذ عيش إلى أن أتاهم هادم اللذات، ومفرق الجماعات. # وهذا يا أمير المؤمنين ما جرى للوزير شمس الدين وأخيه نور الدين. فقال الخليفة هارون الرشيد: والله إن هذا لشيء عجاب. ووهب للشاب سرية من عنده، ورتب له ما يعيش به، وصار ممن ينادمه. # ثم إن البنت قالت: وما هذا بأعجب من حكاية الخياط والأحدب واليهودي والمباشر والنصراني فيما وقع لهم. قال الملك: وما حكايتهم؟ ### || حكاية الأحدب والنصراني والمباشر واليهودي والخياط حكاية الأحدب # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان في مدينة الصين رجل خياط مبسوط الرزق، يحب اللهو والطرب، وكان يخرج هو وزوجته في بعض الأحيان يتفرجان على غرائب المنتزهات، فخرجا يوما من أول النهار، ورجعا آخره إلى منزلهما عند المساء، فوجدا في طريقهما رجلا أحدب رؤيته تضحك الغضبان، وتزيل الهم والأحزان، فعند ذلك تقدم الخياط هو وزوجته يتفرجان عليه، ثم إنهما عزما عليه أن يروح معهما إلى بيتهما لينادمهما تلك الليلة، فأجابهما إلى ذلك ومشى معهما إلى البيت، فخرج الخياط إلى السوق، وكان الليل قد أقبل فاشترى سمكا مقليا وخبزا وليمونا، وحلاوة يتحلون بها، ثم رجع وحط السمك قدام الأحدب وجلسوا يأكلون، فأخذت امرأة الخياط جزلة سمك كبيرة ولقمتها للأحدب، وسدت فمه بكفها، وقالت: والله ما تأكلها إلا دفعة واحدة في نفس واحد، ولا أمهلك حتى تمضغها. فابتلعها وكان فيها شوكة قوية فتصلبت في حلقه لأجل انقضاء أجله، فمات. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 25 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن امرأة الخياط لما لقمت الأحدب ms0128 جزلة السمك فمات لانقضاء أجله في وقته، فقال الخياط: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا المسكين ما كان موته إلا هكذا على أيدينا! فقالت المرأة: وما هذا التواني، أما سمعت قول الشاعر: # ما لي أعلل نفسي بالمحال على %~% أمر يكون به هم وأحزان ~~ماذا القعود على نار وما خمدت %~% إن القعود على النيران خسران # فقال لها زوجها: وما أفعله؟ قالت: قم واحمله في حضنك، وانشر عليه فوطة حرير، وأخرج أنا قدامك وأنت ورائي في هذه الليلة، وقل: هذا ولدي وهذه أمه، ومرادنا أن نؤديه إلى الطبيب ليداويه. فلما سمع الخياط هذا الكلام، قام وحمل الأحدب في حضنه، وزوجته تقول: يا ولدي، سلامتك، أين محل وجعك؟ وهذا الجدري كان لك في أي مكان؟ فكل من رآهما يقول: معهما طفل مصاب بالجدري. ولم يزالا سائرين وهما يسألان عن منزل الطبيب حتى دلوهما على بيت طبيب يهودي، فقرعا الباب فنزلت لهما جارية سوداء، وفتحت الباب ونظرت، وإذا بإنسان حامل صغيرا وأمه معه، فقالت الجارية: ما خبركم؟ فقالت امرأة الخياط: معنا صغير مرادنا أن ينظره الطبيب، فخذي هذا الربع دينار، وأعطيه لسيدك ودعيه ينزل ليرى ولدي، فقد لحقه ضعف. فطلعت الجارية، ودخلت زوجة الخياط داخل العتبة وقالت لزوجها: دع الأحدب هنا ونفوز بأنفسنا. فأوقفه الخياط، وأسنده إلى الحائط، وخرج هو وزوجته، وأما الجارية فإنها دخلت على اليهودي وقالت له: في أسفل البيت ضعيف مع امرأة ورجل، وقد أعطياني ربع دينار لك، وتصف لهما ما يوافقه. # فلما رأى اليهودي الربع دينار فرح، وقام عاجلا، ونزل في الظلام، فأول ما نزل عثرت رجله في الأحدب وهو ميت، فقال: يا للعزيز، يا للمولى، والعشر كلمات! يا لهارون ويوشع بن نون! كأني عثرت في هذا المريض، فوقع إلى أسفل فمات، فكيف أخرج بقتيلي من بيتي؟ فحمله وطلع به من حوش البيت إلى زوجته، وأعلمها بذلك، فقالت له: وما قعودك ها هنا؟! فإن قعدت هنا إلى طلوع النهار راحت أرواحنا، فأنا وأنت نطلع به السطح ونرميه ms0129 في بيت جارنا المسلم؛ فإنه رجل مباشر على مطبخ السلطان، وكثيرا ما تأتي القطط في بيته وتأكل مما فيه من الأطعمة والفئران، وإن استمر فيه ليلة تنزل عليه الكلاب من السطوح وتأكله جميعه. فطلع اليهودي وزوجته وهما حاملان الأحدب، وأنزلاه بيديه ورجليه إلى الأرض، وجعلاه ملاصقا للحائط، ثم نزلا وانصرفا، ولم يستقر نزول الأحدب إلا والمباشر قد جاء إلى البيت وفتحه وطلع البيت ومعه شمعة مضيئة، فوجد ابن آدم واقفا في الزاوية في جانب المطبخ، فقال ذلك المباشر: ما هذا؟ والله إن الذي يسرق حوائجنا، ما هو إلا ابن آدم فيأخذ ما وجده من لحم أو دهن، ولو خبأته من القطط والكلاب؛ وإن قتلت قطط الحارة وكلابها جميعا لا يفيد؛ لأنه ينزل من السطوح. ثم أخذ مطرقة عظيمة ووكزه بها فصار عنده، ثم ضربه بها على صدره فوقع، فوجده ميتا، فحزن وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وخاف على نفسه وقال: لعن الله الدهن واللحم وهذه الليلة، كيف فرغت منية ذلك الرجل على يدي؟ ثم نظر إليه فإذا هو أحدب، فقال: أما يكفي أنك أحدب حتى تكون حراميا، وتسرق اللحم والدهن؟! يا ستار، استرني بسترك الجميل. # ثم حمله على أكتافه، ونزل به من بيته في آخر الليل، وما زال سائرا به إلى أول السوق، فأوقفه بجانب دكان في رأس عطفة وتركه وانصرف، وإذا بنصراني وهو سمسار السلطان، وكان سكران، فخرج يريد الحمام فقال له سكره: إن المسبح قريب. فما زال يمشي ويتمايل حتى قرب من الأحدب، وجعل يريق الماء قباله، فلاحت منه التفاته فوجد واحدا واقفا، وكان النصراني قد خطفوا عمامته في أول الليل، فلما رأى الأحدب واقفا اعتقد أنه يريد خطف عمامته، فطبق كفه ولكم الأحدب على رقبته، فوقع في الأرض، وصاح النصراني على حارس السوق، ثم نزل على الأحدب من شدة سكره ضربا، وصار يخنقه خنقا، فجاء الحارس فوجد النصراني باركا على المسلم وهو يضربه، فقال الحارس: قم عنه. فقام فتقدم إليه الحارس فوجده ميتا، فقال: كيف ms0130 يقتل النصراني مسلما؟ ثم قبض على النصراني وكتفه، وجاء به إلى بيت الوالي، والنصراني يقول في نفسه: يا مسيح، يا عذراء، كيف قتلت هذا؟ وما أسرع ما مات في لكمة، قد راحت السكرة وجاءت الفكرة. # ثم إن الأحدب والنصراني باتا في بيت الوالي، وأمر الوالي أن ينادى على السياف، ونصب للنصراني خشبة وأوقفه تحتها، وجاء السياف ورمى في رقبة النصراني الحبل، وأراد أن يعلقه، وإذا بالمباشر قد شق الناس، فرأى النصراني وهو واقف تحت المشنقة، ففسح الناس وقال للسياف: لا تفعل، أنا الذي قتلته. فقال له الوالي: لأي شيء قتلته؟ قال: إني دخلت الليلة بيتي فرأيته نزل من السطح، وسرق مصالحي فضربته بمطرقة على صدره فمات، فحملته وجئت به إلى السوق، وأوقفته في موضع كذا في عطفة كذا. ثم قال المباشر: ما كفاني أني قتلت مسلما حتى يقتل بسببي نصراني! فلا تشنق غيري. فلما سمع الوالي كلام المباشر أطلق النصراني السمسار، وقال للسياف: اشنق هذا باعترافه. فأخذ الحبل من رقبة النصراني، ووضعه في رقبة المباشر، وأوقفه تحت الخشبة، وأراد أن يعلقه، وإذا باليهودي الطبيب قد شق الناس، وصاح على السياف وقال له: لا تفعل، فما قتله إلا أنا؛ وذلك أنه جاءني في بيتي ليتداوى، فنزلت إليه فعثرت فيه برجلي فمات، فلا تقتل المباشر، واقتلني. # فأمر الوالي بقتل اليهودي الطبيب، فأخذ السياف الحبل من رقبة المباشر، ووضعه في رقبة اليهودي الطبيب، وإذا بالخياط جاء وشق الناس، وقال للسياف: لا تفعل، فما قتله إلا أنا، وذلك أني كنت بالنهار أتفرج، وجئت وقت العشاء فلقيت هذا الأحدب سكران ومعه دف وهو يغني بفرحة، فوقفت أتفرج عليه، وجئت به إلى بيتي واشتريت سمكا وقعدنا نأكل، فأخذت زوجتي قطعة سمك ولقمة ودستهما في فمه، فزور فمات لوقته، فأخذته أنا وزوجتي وجئنا به لبيت اليهودي، فنزلت الجارية وفتحت لنا الباب، فقلت لها: قولي لسيدك إن بالباب امرأة ورجلا ومعهما ضعيف تعال انظره وصف له دواء. وأعطيتها ربع دينار، فطلعت لسيدها، وأسندت الأحدب إلى جهة السلم، ومضيت ms0131 أنا وزوجتي، فنزل اليهودي فعثر فيه فظن أنه قتله. ثم قال الخياط لليهودي: أصحيح هذا؟ قال: نعم. والتفت الخياط للوالي، وقال له: أطلق اليهودي واشنقني. فلما سمع الوالي كلامه تعجب من أمر الأحدب، وقال: إن هذا أمر يؤرخ في الكتب. ثم قال للسياف: أطلق اليهودي، واشنق الخياط باعترافه. فقدمه السياف وقال: هل نقدم هذا ونؤخر هذا، ولا نشنق واحدا؟ ثم وضع الحبل في رقبة الخياط. # فهذا ما كان من أمر هؤلاء، وأما ما كان من أمر الأحدب، فقيل إنه كان مسخرة للسلطان، وكان السلطان لا يقدر أن يفارقه، فلما سكر الأحدب غاب عنه تلك الليلة، وثاني يوم إلى نصف النهار، فسأل عنه بعض الحاضرين فقالوا له: يا مولانا، طلع به الوالي وهو ميت، وأمر بشنق قاتله، فنزل الوالي ليشنق القاتل، فحضر له ثان وثالث، وكل يقول: ما قتله إلا أنا، وكل واحد يذكر للوالي سبب قتله له. فلما سمع الملك هذا الكلام صرخ على الحاجب وقال له: انزل إلى الوالي، وأتني بهم جميعا. فنزل الحاجب فوجد السياف كاد أن يقتل الخياط، فصرخ عليه الحاجب وقال: لا تفعل، وأعلم الوالي أن القضية بلغت الملك. ثم أخذه وأخذ الأحدب معه محمولا، والخياط واليهودي والنصراني والمباشر، وطلع بالجميع إلى الملك، فلما تمثل الوالي بين يديه قبل الأرض، وحكى له جميع ما جرى من الجميع، وليس في الإعادة إفادة، فلما سمع الملك هذه الحكاية تعجب وأخذه الطرب، وأمر أن يكتب ذلك بماء الذهب، وقال للحاضرين: هل سمعتم مثل قصة هذا الأحدب؟ فعند ذلك تقدم النصراني، وقال: يا ملك الزمان، إن أذنت لي حدثتك بشيء جرى لي، وهو أعجب وأغرب وأطرب من قصة الأحدب. فقال الملك: حدثنا بما عندك. ### || حكاية النصراني # فقال النصراني: اعلم يا ملك الزمان أني لما دخلت تلك الديار أتيت بمتجر، وأوقفني المقدور عندكم، وكان مولدي بمصر، وأنا من قبطها، وتربيت بها، وكان والدي سمسارا، فلما بلغت مبلغ الرجال توفي والدي، فعملت سمسارا مكانه، فبينما أنا قاعد يوما من الأيام، وإذا بشاب ms0132 أحسن ما يكون، وعليه أفخر ملبوس، وهو راكب حمارا، فلما رآني سلم علي، فقمت إليه تعظيما له، فأخرج منديلا وفيه قدر من السمسم، وقال: كم يساوي الإردب من هذا؟ فقلت له: مائة درهم. فقال لي: خذ التراسين والكيالين، واعمد إلى خان الجوالي في باب النصر تجدني فيه. وتركني ومضى، وأعطاني السمسم بمنديله الذي فيه العينة، فدرت على المشترين، فبلغ ثمن كل أردب مائة وعشرين درهما، فأخذت معي أربعة تراسين، ومضيت إليه فوجدته في انتظاري، فلما رآني قام إلى المخزن وفتحه، فكيلناه فجاء جميع ما فيه خمسين إردبا، فقال الشاب: لك في كل إردب عشرة دراهم سمسرة، واقبض الثمن واحفظه عندك، وقدر الثمن خمسة آلاف، لك منها خمسمائة، ويبقى لي أربعة آلاف وخمسمائة، فإذا فرغ بيع حواصلي جئت إليك وأخذتها. فقلت له: الأمر كما تريد. ثم قبلت يديه، ومضيت من عنده، فحصل لي في ذلك اليوم ألف درهم، وغاب عني شهرا، ثم جاء وقال لي: أين الدراهم؟ فقلت: ها هي حاضرة. فقال: احفظها حتى أجيء إليك فآخذها. فقعدت أنتظره فغاب عني شهرا، ثم جاء وقال لي: أين الدراهم؟ فقمت وسلمت عليه وقلت له: هل لك أن تأكل عندنا شيئا؟ فأبى وقال لي: احفظ الدراهم حتى أمضي وأجيء فآخذها منك. ثم ولى فقمت وأحضرت له الدراهم، وقعدت أنتظره، فغاب عني شهرا، ثم جاء وقال: بعد هذا اليوم آخذها منك. ثم ولى فقمت وأحضرت له الدراهم، وقعدت أنتظره، فغاب عني شهرا، فقلت في نفسي: إن هذا الشاب كامل السماحة. ثم بعد الشهر جاء وعليه ثياب فاخرة، وهو كالقمر ليلة البدر وكأنه قد خرج من الحمام، ووجهه كالقمر، وهو بخد أحمر وجبين أزهر وشامة كأنها قرص عنبر، وفي مثل ذلك قال الشاعر: # البدر والشمس في برج قد اجتمعا %~% في غاية الحسن والإقبال قد طلعا ~~وزاد حسنهما للناظرين هوى %~% فيا له عندما داعي السرور دعا ~~في الحسن والظرف قد زادا وقد كملا %~% إليهما الروح راحت والفؤاد سعى ~~تبارك الله مخلوقاته عجب %~% ما شاء رب العلا ms0133 في خلقه صنعا # فلما رأيته قبلت يديه ودعوت له، وقلت له: يا سيدي، أما تقبض دراهمك؟ فقال: مهلا علي حتى أفرغ من قضاء مصالحي، وآخذها منك. ثم ولى فقلت في نفسي: والله إذا جاء لأضيفنه لكوني انتفعت بدراهمه، وحصل لي منها مال الكثير، فلما كان آخر السنة جاء وعليه بدلة أفخر من الأولى، فحلفت عليه أن ينزل عندي ويضيفني، فقال لي: بشرط أن ما تنفقه من مالي الذي عندك. قلت: نعم. وأجلسته ونزلت هيأت ما ينبغي من الأطعمة والأشربة وغير ذلك، وأحضرته بين يديه، وقلت له: باسم الله. فتقدم إلى المائدة، ومد يده الشمال، وأكل معي، فتعجبت منه، فلما فرغنا غسل يده وناولته ما يمسحها به، وجلسنا للحديث فقلت: يا سيدي، فرج عني كربة، لأي شيء أكلت بيدك الشمال، لعل في يدك اليمين شيئا يؤلمك؟ فلما سمع كلامي أنشد هذين البيتين: # خليلي لا تسأل على ما بمهجتي %~% من اللوعة الحرى فتظهر أسقام ~~وما عن رضا فارقت سلمى معوضا %~% بديلا ولكن للضرورة أحكام # ثم أخرج يده من كمه، وإذا هي مقطوعة زندا بلا كف، فتعجبت من ذلك، فقال لي: لا تعجب، ولا تقل في خاطرك إني أكلت معك بيدي الشمال عجبا، ولكن لقطع يدي اليمين سبب من العجب. فقلت له: وما سبب ذلك؟ فقال: اعلم أني من بغداد، ووالدي من أكابرها، فلما بلغت مبلغ الرجال سمعت السياحين والمسافرين والتجار يتحدثون بالديار المصرية، فبقي ذلك في خاطري حتى مات والدي، فأخذت أموالا كثيرا، وهيأت متجرا من قماش بغدادي وموصلي، ونحو ذلك من البضائع النفيسة، وحزمت ذلك وسافرت من بغداد، وكتب الله السلامة لي حتى دخلت مدينتكم هذه، ثم بكى وأنشد هذه الأبيات: # قد يسلم الأكمه من حفرة %~% يقع فيها الباصر الناظر ~~ويسلم الجاهل من لفظة %~% يهلك فيها العالم الماهر ~~ويعسر المؤمن في رزقه %~% ويرزق الكافر الفاجر ~~لا حيلة للمرء في فعله %~% ففعله قدره القادر # فلما فرغ من شعره قال: فدخلت مصر، ونزلت القماش في خان سرور، وفككت أحمالي وأدخلتها، وأعطيت الخادم دراهم ms0134 ليشتري لنا بها شيئا نأكله، ونمت قليلا، فلما قمت ذهبت بين القصرين، ثم رجعت وبت ليلتي، فلما أصبحت فتحت رزمة من القماش، وقلت في نفسي: أقوم لأشق في بعض الأسواق، وأنظر الحال. فأخذت بعض القماش، وحملته لبعض غلماني، وسرت حتى وصلت قيسرية جرجس، فاستقبلني السماسرة، وكانوا علموا بمجيئي، فأخذوا مني القماش، ونادوا عليه فلم يبلغ ثمنه رأس ماله، فقال لي شيخ الدلالين: يا سيدي، أنا أعرف لك شيئا تستفيد به، وهو أن تعمل مثل ما يعمل التجار، فتبيع متجرك إلى مدة معلومة بكاتب وشاهد وصيرفي، وتأخذ ما تحصل من ذلك في كل يوم خميس وإثنين قدرا، فتكسب الدراهم كل درهم اثنين، وزيادة على ذلك تتفرج على مصر ونيلها. فقلت: هذا رأي سديد. # ![figure](../Images/figure12.png) # كنت جالسا عند التجار، فجاءت الصبية وعليها بدلة أفخر من الأولى، ومعها جارية. # فأخذت معي الدلالين، وذهبت إلى الخان، فأخذوا القماش إلى القيسرية، فبعته إلى التجار، وكتبت عليهم وثيقة ودفعت الوثيقة إلى الصيرفي، وأخذت عليه وثيقة بذلك، ورجعت إلى الخان، وأقمت أياما كل يوم أفطر على قدح من الشراب، وأحضر اللحم الضاني والحلويات، حتى دخل الشهر الذي استحقت فيه الجباية، فبقيت كل خميس وإثنين أقعد على دكاكين التجار، ويمضي الصيرفي والكاتب فيجيئان بالدراهم من التجار ويأتياني بها، إلى أن دخلت الحمام يوما من الأيام، وخرجت إلى الخان، ودخلت موضعي، وأفطرت على قدح من الشراب، ثم نمت وانتبهت، فأكلت دجاجة وتعطرت، وذهبت إلى دكان رجل تاجر يقال له بدر الدين البستاني، فلما رآني رحب بي، وتحدث معي ساعة في دكانه، فبينما نحن كذلك وإذا بامرأة جاءت وقعدت بجانبي، وعليها عصابة مائلة، وتفوح منها روائح الطيب، فسلبت عقلي بحسنها وجمالها، ورفعت الإزار فنظرت إلى أحداق سود، ثم سلمت على بدر الدين فرد عليها السلام، ووقف وتحدث معها، فلما سمعت كلامها تمكن حبها من قلبي، فقالت لبدر الدين: هل عندك تفصيلة من القماش المنسوج من خالص الذهب؟ فأخرج لها تفصيلة، فقالت للتاجر: هل آخذها وأذهب، ثم أرسل إليك ثمنها؟ فقال لها ms0135 التاجر: لا يمكن يا سيدتي؛ لأن هذا صاحب القماش، وله علي قسط. فقالت: ويلك! إن عادتي أن آخذ منك كل قطعة قماش بجملة دراهم، وأربحك فيها فوق ما تريد، ثم أرسل إليك ثمنها. فقال: نعم، ولكني مضطر إلى الثمن في هذا اليوم. فأخذت التفصيلة ورمته بها في صدره، وقالت: إن طائفتكم لا تعرف لأحد قدرا. ثم قامت مولية، فظننت أن روحي راحت معها، فقمت ووقفت، وقلت لها: يا سيدتي، تصدقي علي بالالتفات، وارجعي بخطواتك الكريمة. فرجعت وتبسمت وقالت: لأجلك رجعت. وقعدت قصادي على الدكان، فقلت لبدر الدين: هذه التفصيلة كم ثمنها عليك؟ قال: ألف ومائة درهم. فقلت له: ولك مائة درهم فائدة. فهات ورقة فأكتب لك فيها ثمنها. فأخذت التفصيلة منه، وكتبت له ورقة بخطي، وأعطيتها التفصيلة، وقلت لها: خذي أنت وروحي، وإن شئت هاتي ثمنها إلي في السوق، وإن شئت هي ضيافتك مني. فقالت: جزاك الله خيرا، ورزقك مالي، وجعلك بعلي. # فتقبل الله الدعوة، وقلت لها: يا سيدتي، اجعلي هذه التفصيلة لك، ولك أيضا مثلها، ودعيني أنظر وجهك. فكشفت القناع عن وجهها، فلما نظرت وجهها نظرة أعقبتني ألف حسرة، وتعلق قلبي بمحبتها، فصرت لا أملك عقلي، ثم أرخت القناع وأخذت التفصيلة، وقالت: يا سيدي، لا توحشني. وقد ولت وقعدت في السوق إلى بعد العصر، وأنا غائب العقل، وقد تحكم الحب عندي، فمن شدة ما حصل لي من الحب سألت التاجر عنها حين أردت القيام، فقال لي: إن هذه صاحبة مال، وهي بنت أمير، مات والدها وخلف لها مالا كثيرا. فودعته وانصرفت، وجئت إلى الخان فقدم إلي العشاء، فتذكرتها فلم آكل شيئا، ونمت فلم يأتني نوم، فسهرت إلى الصباح، ثم قمت فلبست بدلة غير التي كانت علي، وشربت قدحا من الشراب، وفطرت على شيء قليل، وجئت إلى دكان التاجر فسلمت عليه وجلست عنده، فجاءت الصبية وعليها بدلة أفخر من الأولى، ومعها جارية، فجلست وسلمت علي دون بدر الدين، وقالت لي بلسان فصيح ما سمعت أعذب ولا أحلى منه: أرسل معي ms0136 من يقبض الألف والمائتي درهم ثمن التفصيلة. فقلت لها: ولأي شيء العجلة؟ فقالت: لا عدمناك. وناولتني الثمن، وقعدت أتحدث معها، فأومأت إليها بالإشارة، ففهمت أني أريد وصالها، فقامت على عجل منها، واستوحشت مني وقلبي متعلق بها. # وخرجت أنا خارج السوق في إثرها، وإذا بجارية أتتني وقالت: يا سيدي، كلم سيدتي. فتعجبت وقلت: ما يعرفني هنا أحد. فقالت الجارية: ما أسرع ما نسيتها! سيدتي التي كانت اليوم على دكان التاجر فلان. فمشيت معها إلى الصيارف، فلما رأتني أزوتني لجانبها، وقالت: يا حبيبي، وقعت بخاطري وتمكن حبك من قلبي، ومن ساعة رأيتك لم يطب لي نوم ولا أكل ولا شرب. فقلت لها: عندي أضعاف ذلك، والحال يغني عن الشكوى. فقالت: يا حبيبي، أجيء عندك أو تجيء عندي؟ فقلت لها: أنا رجل غريب، وما لي مكان يأويني إلا الخان، فإن تصدقت علي بأن أكون عندك يكمل الحظ. قالت: نعم، لكن الليلة ليلة الجمعة ما فيها شيء، إلا إن كان في غد بعد الصلاة، فصل واركب حمارك، واسأل عن الحبانية، فإن وصلت فاسأل عن قاعة بركات النقيب المعروف بأبي شامة، فإني ساكنة هناك، ولا تبطئ فإني في انتظارك. # ففرحت فرحا زائدا، ثم افترقنا، وجئت للخان الذي أنا فيه، وبت طول الليل سهران، فما صدقت أن الفجر لاح حتى قمت وغيرت ملبوسي، وتعطرت وتطيبت، وأخذت معي خمسين دينارا في منديل، ومشيت من خان مسرور إلى باب زويلة، فركبت حمارا وقلت لصاحبه: امض بي إلى الحبانية. فمضى في أقل من لحظة، فما أسرع ما وقف على درب يقال له درب المنقري، فقلت له: ادخل الدرب، واسأل عن قاعة النقيب. فغاب قليلا وقال: انزل. فقلت: امش قدامي إلى القاعة. فمشى حتى أوصلني إلى المنزل، فقلت له: في غد تجيئني هنا وتوديني. فقال الحمار: باسم الله. فناولته ربع دينار ذهبا، فأخذه وانصرف، فطرقت الباب فخرج لي بنتان صغيرتان، وبكران منهدتان كأنهما قمران، فقالتا: ادخل إن سيدتنا في انتظارك، لم تنم الليلة لولعها بك. فدخلت قاعة مغلقة بسبعة أبواب، ms0137 وفي دائرها شبابيك مطلة على بستان فيه من الفواكه جميع الألوان، وبه أنهار دافقة، وطيور ناطقة، وهي مبيضة بياضا سلطانيا، يرى الإنسان وجهه فيها، وسقفها مقربص بذهب، وفي دائرها طرازات مكتوبة باللازورد، قد حوت أوصافا حسنة، وأضاءت للناظرين، وأرضها مفروشة بالرخام المجزع، وفي وسطها فسقية، وفي أركان تلك الفسقية الدر والجوهر مفروشة بالبسط الحرير الملونة والمراتب، فلما دخلت جلست. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 26 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب التاجر قال للنصراني: فلما دخلت وجلست لم أشعر إلا والصبية قد أقبلت وعليها تاج مكلل بالدر والجوهر، وهي منقشة مكتبة، فلما رأتني تبسمت في وجهي، وحضنتني، ووضعتني على صدرها، وجعلت فمها على فمي، وجعلت تمص لساني، وأنا كذلك، وقالت: أصحيح أتيت عندي أم هذا منام؟ فقلت لها: أنا عبدك. فقالت: أهلا ومرحبا، والله من يوم رأيتك ما لذ لي نوم، ولا طاب لي طعام. فقلت: وأنا كذلك. ثم جلسنا نتحدث وأنا مطرق برأسي إلى الأرض حياء، ولم أمكث إلا قليلا حتى قدمت لي سفرة من أفخر الألوان، من محمر ومرقق ودجاج محشي، فأكلت معها حتى اكتفينا، ثم قدموا إلي الطشت والإبريق، فغسلت يدي، ثم تطيبنا بماء الورد الممسك، وجلسنا نتحدث فأنشدت هذين البيتين: # لو علمنا قدومكم لفرشنا %~% مهجة القلب مع سواد العيون ~~ووضعنا خدودنا للقاكم %~% وجعلنا المسير فوق الجفون # وهي تشكو إلي ما لاقت، وأنا أشكو إليها ما لاقيت، وتمكن حبها عندي، وهان علي جميع المال، ثم أخذنا نلعب ونتهارش مع العناق والتقبيل إلى أن أقبل الليل، فقدمت لنا الجواري الطعام والمدام، فإذا هي حضرة كاملة، فشربنا إلى نصف الليل، ثم اضطجعنا ونمنا، فنمت معها إلى الصباح، فما رأيت عمري مثل هذه الليلة، فلما أصبح الصباح قمت ورميت لها تحت الفراش المنديل الذي فيه الدنانير، وودعتها وخرجت. فبكت وقالت: يا سيدي، متى أرى هذا الوجه المليح؟ فقلت لها: أكون عندك وقت العشاء. فلما خرجت أصبت الحمار الذي جاء بي بالأمس على الباب ينتظرني، ms0138 فركبت معه حتى وصلت خان مسرور، فنزلت وأعطيت الحمار نصف دينار، وقلت له: تعال في وقت الغروب. قال: على الرأس. فدخلت الخان وفطرت، ثم خرجت أطالب بثمن القماش، ثم رجعت وقد عملت لها خروفا مشويا، وأخذت حلاوة، ثم دعوت الحمال، ووصفت له المحل، وأعطيته أجرته، ورجعت في أشغالي إلى الغروب، فجاءني الحمار، فأخذت خمسين دينارا وجعلتها في منديل ودخلت، فوجدتهم مسحوا الرخام، وحلوا النحاس، وعمروا القناديل، وأوقدوا الشموع، وغرفوا الطعام، وروقوا الشراب، فلما رأتني رمت يديها على رقبتي، وقالت: أوحشتني. ثم قدمت الموائد، فأكلنا حتى اكتفينا، ورفعت الجواري المائدة، وقدمت المدام، فلم نزل في شراب وتقبيل وحظ إلى نصف الليل، فنمنا إلى الصباح، ثم قمت وناولتها الخمسين دينارا على العادة، وخرجت من عندها، فوجدت الحمار فركبت إلى الخان، فنمت ساعة ثم قمت جهزت العشاء، فعملت جوزا ولوزا، وتحتهم أرز مفلفل، وعملت قلقاسا مقليا، ونحو ذلك، وأخذت فاكهة ونقلا ومشموما، وأرسلتها وسرت إلى البيت، وأخذت خمسين دينارا في منديل، وخرجت ركبت مع الحمار على العادة إلى القاعة، فدخلت ثم أكلنا وشربنا ونمنا إلى الصباح، ولما قمت رميت لها المنديل، وركبت إلى الخان على العادة، ولم أزل على تلك الحالة مدة إلى أن بت وأصبحت لا أملك درهما ولا دينارا، فقلت في نفسي: هذا من فعل الشيطان. وأنشدت هذه الأبيات: # فقر الفتى يذهب أنواره %~% كاصفرار الشمس عند المغيب ~~إن غاب لا يذكر بين الورى %~% وإن أتى فما له من نصيب ~~يمر في الأسواق مستخفيا %~% وفي الفلا يبكي بدمع صبيب ~~والله ما الإنسان في أهله %~% إذا ابتلى بالفقر إلا غريب # ثم تمشيت إلى أن وصلت بين القصرين، ولا زلت أمشي حتى وصلت إلى باب زويلة، فوجدت الخلق في ازدحام، والباب مسندا من كثرة الخلق، فرأيت بالأمر المقدر جنديا فزاحمته بغير اختياري، فجاءت يدي على جيبه فجسسته، فوجدت فيه صرة من داخل الجيب الذي يدي عليه، فعمدت إلى تلك الصرة فأخذتها من جيبه، فأحس الجندي بأن جيبه خف، فحط يده في جيبه، فلم يجد ms0139 شيئا والتفت نحوي ورفع يده بالدبوس، وضربني على رأسي، فسقطت على الأرض، فاحتاط بنا الناس بنا وأمسكوا لجام فرس الجندي، وقالوا: أمن أجل الزحمة تضرب هذا الشاب هذه الضربة. فصرخ عليهم الجندي وقال: هذا حرامي سارق. فعند ذلك أفقت ورأيت الناس يقولون: هذا الشاب مليح لم يأخذ شيئا. فبعضهم يصدق، وبعضهم يكذب، وكثر القيل والقال، وجذبني الناس وأرادوا خلاصي منه، فبالأمر المقدر جاء الوالي هو وبعض الحكام في هذا الوقت، ودخلوا من الباب، فوجدوا الخلق مجتمعين علي وعلى الجندي، فقال الوالي: ما الخبر؟ فقال الجندي: والله يا أمير إن هذا حرامي، وكان في جيبي كيس أزرق فيه عشرون دينارا فأخذه وأنا في الزحام. فقال الوالي للجندي: هل كان معك أحد؟ فقال الجندي: لا. فصرخ الوالي على المقدم، وقال: أمسكه، وفتشه. فأمسكني وقد زال الستر عني، فقال له الوالي: أعره من جميع ما عليه. فلما أعراني وجدوا الكيس في ثيابي، فلما وجدوا الكيس أخذه الوالي وفتحه وعده، فرأى فيه عشرين دينارا كما قال الجندي، فغضب الوالي وصاح بأتباعه، وقال: قدموه. فقدموني بين يديه، فقال لي: يا صبي، قل الحق هل أنت سرقت هذا الكيس؟ فأطرقت برأسي إلى الأرض، وقلت في نفسي: إن قلت ما سرقته، فقد أخرجه من ثيابي، وإن قلت سرقته وقعت في العناء. ثم رفعت رأسي وقلت: نعم أخذته. فلما سمع مني الوالي هذا الكلام تعجب، ودعا الشهود فحضروا وشهدوا على منطقي هذا كله في باب زويلة، فأمر الوالي السياف بقطع يدي، فقطع يدي اليمين، فرق قلب الجندي، وشفع في عدم قتلي، وتركني الوالي ومضى، وصارت الناس حولي وسقوني قدح شراب، وأما الجندي فإنه أعطاني الكيس وقال: أنت شاب مليح، ولا ينبغي أن تكون لصا. فأخذته منه، وأنشدت هذه الأبيات: # والله ما كنت لصا يا أخا ثقة %~% ولم أكن سارقا يا أحسن الناس ~~لكن رمتني صروف الدهر عن عجل %~% فزاد همي ووسواسي وإفلاسي ~~وما رميت ولكن الإله رمى %~% سهما فطير تاج الملك عن راسي # فتركني الجندي وانصرف بعد أن ms0140 أعطاني الكيس، وانصرفت أنا ولففت يدي في خرقة وأدخلتها عبي، وقد تغيرت حالتي واصفر لوني مما جرى لي، فتمشيت إلى القاعة وأنا على غير استواء، ورميت روحي على الفراش، فنظرتني الصبية متغير اللون، فقالت لي: ما وجعك وما لي أرى حالتك تغيرت؟ فقلت لها: رأسي توجعني، وما أنا طيب. فعند ذلك اغتاظت وتشوشت لأجلي، وقالت: لا تحرق قلبي يا سيدي، اقعد وارفع رأسك، وحدثني بما حصل لك اليوم، فقد بان لي في وجهك كلام. فقلت: دعيني من الكلام. فبكت وقالت: كأنك قد فرغ غرضك منا، فإني أراك على خلاف العادة. فبكت وصارت تحدثني وأنا لا أجيبها حتى أقبل الليل، فقدمت لي الطعام فامتنعت، وخشيت أن تراني آكل بيدي الشمال، فقلت: لا أشتهي أن آكل في هذه الساعة. فقالت: حدثني بما جرى لك في هذا اليوم، ولأي شيء أراك مهموما مكسور الخاطر والقلب؟ فقلت: في هذه الساعة أحدثك على مهلي. فقدمت لي الشراب وقالت: دونك؛ فإنه يزيل همك، فلا بد أن تشرب وتحدثني بخبرك. فقلت لها: إن كان ولا بد فاسقيني بيدك. فملأت القدح وشربته وملأته وناولتني إياه، فتناولته منها بيدي الشمال، وفرت الدمعة من جفني، فأنشدت هذه الأبيات: # إذا أراد الله أمرا لامرئ %~% وكان ذا عقل وسمع وبصر ~~أصم أذنيه وأعمى قلبه %~% وسل منه عقله سل الشعر ~~حتى إذا أنفذ فيه حكمه %~% رد إليه عقله مع النظر # فلما فرغت من شعري تناولت القدح بيدي الشمال وبكيت، فلما رأتني أبكي صرخت صرخة قوية، وقالت: ما سبب بكائك؟ قد أحرقت قلبي، ومالك تناولت القدح بيدك الشمال؟ فقلت لها: إن بيدي حبة. فقالت: أخرجها حتى أفقعها لك. فقلت: ما هو وقت فقعها، لا تطيلي علي، فما أخرجها في تلك الساعة. ثم شربت القدح، ولم تزل تسقيني حتى غلب السكر علي، فنمت مكاني، فأبصرت يدي بلا كف، ففتشتني فرأت معي الكيس الذي فيه الذهب، فدخل عليها الحزن ما لا يدخل على أحد، ولا زالت تتألم بسببي إلى الصباح، فلما أفقت من النوم وجدتها هيأت ms0141 لي مسلوقة وقدمتها، فإذا هي أربعة طيور من الدجاج، وأسقتني قدح شراب، فأكلت وشربت، وحططت الكيس وأردت الخروج، فقالت: أين تروح؟ فقلت: إلى مكان كذا لأزحزح بعض الهم عن قلبي. فقالت: لا ترحل، بل اجلس. فجلست، فقالت لي: وهل بلغت محبتك إياي إلى أن صرفت جميع مالك علي، وعدمت كفك؟ فأشهدك علي، والشاهد الله، أني لا أفارقك، وسترى صحة قولي، ولعل الله استجاب دعوتي بزواجك. وأرسلت خلف الشهود فحضروا، فقالت لهم: اكتبوا كتابي على هذا الشاب، واشهدوا أني قبضت المهر. فكتبوا كتابي عليها، ثم قالت: اشهدوا أن جميع مالي الذي في هذا الصندوق، وجميع ما عندي من المماليك والجواري لهذا الشاب. فشهدوا عليها وقبلت أنا التمليك، وانصرفوا بعدما أخذوا الأجرة. # ثم أخذتني من يدي، وأوقفتني على خزانة، وفتحت صندوقا كبيرا، وقالت لي: انظر هذا الذي في الصندوق. فنظرت فإذا هو ملآن مناديل، فقالت: هذا مالك الذي أخذته منك، فكلما أعطيتني منديلا فيه خمسون دينارا، ألفه وأرميه في هذا الصندوق، فخذ مالك، فقد رده الله عليك، وأنت اليوم عزيز، فقد جرى عليك القضاء بسببي حتى عدمت يمينك، وأنا لا أقدر على مكافأتك، ولو بذلت روحي لكان ذلك قليلا، ولك الفضل. ثم قالت لي: تسلم مالك. فتسلمته، ثم نقلت ما في صندوقها إلى صندوقي، وضممت مالها إلى مالي الذي كنت أعطيتها إياه، وفرح قلبي وزال همي، فقمت قبلتها وسكرت معها، فقالت: لقد بذلت جميع مالك ويدك في محبتي، فكيف أقدر على مكافأتك؟ والله لو بذلت روحي في محبتك لكان ذلك قليلا، وما أقوم بواجب حقك علي. # ثم إنها كتبت لي جميع ما تملك من ثياب بدنها وصيغتها وأملاكها بحجة، وما نامت تلك الليلة إلا مهمومة من أجلي حين حكيت لها ما وقع لي، وبت معها، ثم أقمنا على ذلك أقل من شهر، وقوي بها الضعف وزاد بها المرض، وما مكثت غير خمسين يوما، ثم صارت من أهل الآخرة، فجهزتها وواريتها في التراب، وعملت لها ختمات، وتصدقت عليها بجملة من المال، ثم نزلت ms0142 من التربة، فرأيت لها مالا جزيلا وأملاكا وعقارات، ومن جملة ذلك تلك المخازن السمسم التي بعت لك منها ذلك المخزن، وما كان اشتغالي عنك هذه المدة إلا لأني بعت بقية الحواصل، وإلى الآن لم أفرغ من قبض الثمن، فأرجو منك أنك لا تخالفني فيما أقوله لك؛ لأني أكلت زادك، فقد وهبتك ثمن السمسم الذي عندك، فهذا سبب أكلي بيدي الشمال. فقلت له: لقد أحسنت إلي، وتفضلت علي. فقال لي: لا بد أن تسافر معي إلى بلادي، فإني اشتريت متجرا مصريا وإسكندرانيا، فهل لك في مصاحبتي؟ فقلت: نعم. وواعدته على رأس الشهر، ثم بعت جميع ما أملك، واشتريت به متجرا، وسافرت أنا وذلك الشاب على هذه البلاد التي هي بلادكم، فباع الشاب متجره، واشترى متجرا عوضه من بلادكم، ومضى إلى الديار المصرية، فكان نصيبي في قعودي هذه الليلة حتى حصل ما حصل في غربتي. فهذا يا ملك الزمان ما هو أعجب من حديث الأحدب. فقال الملك: لا بد من شنقكم كلكم. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 27 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ملك الصين لما قال: لا بد من شنقكم. فعند ذلك تقدم المباشر إلى ملك الصين، وقال: إن أذنت لي حكيت لك حكاية اتفقت لي في تلك المدة قبل أن أجد هذا الأحدب، وإن كانت أعجب من حديثه تهب لنا أرواحنا. فقال الملك: هات ما عندك. ### || حكاية المباشر # فقال: اعلم أني كنت تلك الليلة الماضية عند جماعة عملوا ختمة، وجمعوا الفقهاء، فلما قرأ المقرئون وفرغوا، مدوا السماط، فمن جملة ما قدموا زرباجة، فتقدمنا لنأكل من الزرباجة، فتأخر واحد منا، وامتنع من الأكل منها، فحلفنا عليه فأقسم أنه لا يأكل منها، فشددنا عليه فقال: لا تشددوا علي، فكفاني ما جرى لي من أكلها، ثم أنشد هذا البيت: # راع الصديق فإن لم ترع خاطره %~% فلن تعين على إرجاعه الحيل # فلما فرغنا قلنا له: بالله ما سبب امتناعك عن الأكل من هذه الزرباجة؟ فقال: لأني لا آكل ms0143 منها إلا إن غسلت يدي أربعين مرة بالأشنان، وأربعين مرة بالسعد، وأربعين مرة بالصابون، فجملتها مائة وعشرون مرة. فعند ذلك أمر صاحب الدعوة غلمانه، فأتوا بالماء وبالذي طلبه، فغسل يديه كما ذكر، ثم تقدم وهو متكره، وجلس ومد يده وهو مثل الخائف، ووضع يده في الزرباجة، وصار يأكل وهو متغصب، ونحن نتعجب منه غاية التعجب، ويده ترتعد، فنصب إبهام يده فإذا هو مقطوع، وهو يأكل بأربعة أصابع، فقلنا له: بالله عليك ما لإبهامك هكذا؟ أهو خلقة الله أم أصابه حادث؟ فقال: يا إخواني، ما هو هذا الإبهام وحده، ولكن إبهام الأخرى، وكذلك رجلاي الاثنان، ولكن انظروا. ثم كشف إبهام يده الأخرى، فوجدناها مثل اليمين، وكذلك رجلاه بلا إبهامين، فلما رأيناه كذلك ازددنا عجبا، وقلنا له: ما بقي لنا صبر على حديثك وأخبار سبب قطع إبهامي يديك وإبهامي رجليك، وسبب غسل يديك مائة وعشرين مرة. # فقال: اعلموا أن والدي كان تاجرا من التجار الكبار، وكان أكبر تجار مدينة بغداد في أيام الخليفة هارون الرشيد، وكان مولعا بشرب الخمر، وسماع العود، فلما مات لم يترك شيئا، فجهزته وقد عملت له ختمات، وحزنت عليه أياما وليالي، ثم فتحت دكانه، فما وجدته خلف إلا يسيرا، ووجدت عليه ديونا كثيرة، فصبرت أصحاب الديون، وطيبت خواطرهم، وصرت أبيع وأشتري من الجمعة إلى الجمعة، وأعطي أصحاب الديون، ولا زلت على هذه الحالة مدة إلى أن وفيت الديون، وزدت على رأس مالي، فبينما أنا جالس يوما من الأيام إذا بي رأيت صبية لم تر عيني أحسن منها، عليها حلي وحلل فاخرة، وهي راكبة بغلة، وقدامها عبد ووراءها عبد، فأوقفت البغلة على رأس السوق، ودخلت ودخل وراءها خادم، وقال: يا سيدتي، اخرجي ولا تعلمي أحدا، فتطلقي فينا النار. ثم حجبها الخادم، فلما نظرت إلى دكاكين التجار لم تجد أفخر من دكاني، فلما وصلت إلى جهتي والخادم خلفها، جلست على دكاني وسلمت علي، فما سمعت أحسن من حديثها، ولا أعذب من كلامها، ثم كشفت عن وجهها، فنظرتها نظرة أعقبتني حسرة، ms0144 وتعلق قلبي بمحبتها، وجعلت أكرر النظر إلى وجهها، وأنشدت هذين البيتين: # قل للمليحة في الخمار الفاختي %~% الموت حقا من عذابك راحتي ~~جودي إلي بزورة أحيا بها %~% ها قد مددت إلى نوالك راحتي # فلما سمعت إنشادهما أجابتني بهذه الأبيات: # عدمت فؤادي في الهوى إن سلاكم %~% فإن فؤادي لا يحب سواكم ~~وإن نظرت عيني إلى غير حسنكم %~% فلا سرها بعد البعاد لقاكم ~~حلفت يمينا لست أسلي هواكم %~% وقلبي حزين مغرم بهواكم ~~سقاني الهوى كأسا من الحب صافيا %~% فيا ليته لما سقاني سقاكم ~~خذوا رمقي حيث استقرت بكم نوى %~% وأين حللتم فادفنوني حذاكم ~~وإن تذكروا اسمي عند قبري يجيبكم %~% أنين عظامي عند رفع نداكم ~~فلو قيل لي ماذا على الله تشتهي %~% لقلت رضا الرحمن ثم رضاكم # فلما فرغت من شعرها قالت: يا فتى، أعندك تفاصيل ملاح؟ فقلت: يا سيدتي، مملوكك فقير، ولكن اصبري حتى تفتح التجار دكاكينهم، وأجيء لك بما تريدينه. ثم تحدثت أنا وإياها، وأنا غارق في بحر محبتها، تائه في عشقها، حتى فتحت التجار دكاكينهم، فقمت وأخذت لها جميع ما طلبته، وكان ثمن ذلك خمسة آلاف درهم، وناولت الخادم جميع ذلك، فأخذه الخادم وذهبا إلى خارج السوق، فقدموا لها البغلة، فركبت ولم تذكر لي من أين هي، واستحيت أن أذكر لها ذلك، والتزمت الثمن للتجار وتكلفت خمسة آلاف درهم، وجئت البيت وأنا سكران من محبتها، فقدموا لي العشاء، فأكلت لقمة، وتذكرت حسنها وجمالها، فأشغلني عن الأكل، وأردت أن أنام فلم يجئني نوم. # ولم أزل على هذه الحالة أسبوعا، وطالبتني التجار بأموالهم فصبرتهم أسبوعا آخر، فبعد الأسبوع أقبلت وهي راكبة على البغلة ومعها خادم وعبدان، فسلمت علي وقالت: يا سيدي، أبطأنا عليك بثمن القماش، فهات الصيرفي واقبض الثمن. فجاء الصيرفي وأخرج له الطواشي الثمن فقبضته، وصرت أتحدث أنا وإياها إلى أن عمر السوق وفتحت التجار، فقالت: خذ لي كذا وكذا. فأخذت لها من التجار ما أرادت وأخذته ومضت ولم تخاطبني في ثمن، فلما مضت ندمت على ذلك، وكنت أخذت الذي طلبته بألف ms0145 دينار، فلما غابت عن عيني قلت في نفسي: أي شيء هذه المحبة؟ أعطتني خمسة آلاف درهم وأخذت شيئا بألف دينار. فخفت الإفلاس وضياع مال الناس، وقلت: إن التجار لم يعرفوا إلا أنا. فما كانت هذه المرأة إلا محتالة خدعتني بحسنها وجمالها، ورأتني صغيرا فضحكت علي ولم أسألها عن منزلها. # ولم أزل في وسواس، وطالت غيبتها أكثر من شهر، فطالبني التجار وشددوا علي، فعرضت عقاري للبيع وأشرفت على الهلاك، ثم قعدت وأنا متفكر، فلم أشعر إلا وهي نازلة على باب السوق ودخلت علي. فلما رأيتها زالت الفكرة، ونسيت ما كنت فيه، وأقبلت تحدثني بحديثها الحسن، ثم قالت: هات الميزان وزن مالك. فأعطتني ثمن ما أخذته بزيادة، ثم انبسطت معي في الكلام، فكدت أن أموت فرحا وسرورا، ثم قالت لي: هل أنت لك زوجة؟ فقلت: لا، إني لا أعرف امرأة. ثم بكيت، فقالت لي: ما لك تبكي؟ فقلت: من شيء خطر ببالي. ثم إني أخذت بعض دنانير، وأعطيتها للخادم، وسألته أن يتوسط في الأمر، فضحك وقال: هي عاشقة لك أكثر منك، وما لها بالقماش حاجة، وإنما هو لأجل محبتها لك، فخاطبها بما تريد، فإنها لا تخالفك فيما تقول. فرأتني وأنا أعطي الخادم الدنانير، فرجعت وجلست، ثم قلت لها: تصدقي على مملوك واسمحي له فيما يقول. # ثم حدثتها بما في خاطري، فأعجبها ذلك وأجابتني وقالت: هذا الخادم يأتي برسالتي، واعمل أنت بما يقوله لك الخادم. ثم قامت ومضت، وقمت سلمت التجار أموالهم، وحصل لهم الربح إلا أنا، فإنها حين ذهبت حصل لي الندم من انقطاع خبرها عني، ولم أنم طول ليلي، فما كان إلا أيام قلائل، وجاءني خادمها، فأكرمته وسألته عنها فقال: إنها مريضة. فقلت للخادم: اشرح لي أمرها. قال: إن هذه الصبية ربتها السيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد، وهي من جواريها، وقد اشتهت على سيدتها الخروج والدخول، فأذنت لها في ذلك، فصارت تدخل وتخرج حتى صارت قهرمانة، ثم إنها حدثت بك سيدتها، وسألتها أن تزوجها بك، فقالت سيدتها: لا أفعل حتى أنظر ms0146 هذا الشاب، فإن كان يشتهيك زوجتك به. ونحن نريد في هذه الساعة أن تدخل بك الدار، فإن دخلت ولم يشعر بك أحد، وصلت إلى تزويجك إياها، وإن انكشف أمرك ضربت رقبتك، فماذا تقول؟ فقلت: نعم أروح معك، وأصبر على الأمر الذي حدثتني به. فقال لي الخادم: إذا كانت هذه الليلة، فامض إلى المسجد الذي بنته السيدة زبيدة على الدجلة، فصل فيه، وبت هناك. فقلت: حبا وكرامة. # فلما جاء وقت العشاء مضيت إلى المسجد، وصليت فيه، وبت هناك، فلما كان وقت السحر رأيت الخادمين قد أقبلا في زورق، ومعهما صناديق فارغة، فأدخلاها في المسجد وانصرفا، وتأخر واحد منهما فتأملته، وإذا هو الذي كان واسطة بيني وبينها، فبعد ساعة صعدت إلينا الجارية صاحبتي، فلما أقبلت قمت إليها وعانقتها، فقبلتني وبكت، وتحدثنا ساعة، فأخذتني ووضعتني في صندوق وأغلقته علي، ولم أشعر إلا وأنا في دار الخليفة، وجاء إلي بشيء كثير من الأمتعة بحيث يساوي خمسين ألف درهم، ثم رأيت عشرين جارية أخرى وهن نهد أبكار، وبينهن الست زبيدة، وهي لم تقدر على المشي مما عليها من الحلي والحلل، فلما أقبلت تفرقت الجواري من حواليها، فأتيت إليها وقبلت الأرض بين يديها، فأشارت لي بالجلوس، فجلست بين يديها، ثم شرعت تسألني عن حالي وعن نسبي، فأجبتها عن كل ما سألتني عنه، ففرحت وقالت: والله ما خابت تربيتنا في هذه الجارية. ثم قالت لي: اعلم أن هذه الجارية عندنا بمنزلة ولد الصلب، وهي وديعة الله عندك. # فقبلت الأرض قدامها، ورضيت بزواجي إياها، ثم أمرتني أن أقيم عندهم عشرة أيام، فأقمت عندهم هذه المدة وأنا لا أدري من هي الجارية، إلا أن بعض الوصائف تأتيني بالغداء والعشاء لأجل الخدمة، وبعد هذه المدة استأذنت السيدة زبيدة زوجها أمير المؤمنين في زواج جاريتها، فأذن لها، وأمر لها بعشرة آلاف دينار، فأرسلت السيدة زبيدة إلى القاضي والشهود، وكتبوا كتابي عليها، وبعد ذلك عملوا الحلويات والأطعمة الفاخرة، وفرقوا على سائر البيوت، ومكثوا على هذه الحال عشرة أيام أخر، وبعد العشرين يوما ms0147 أدخلوا الجارية الحمام لأجل الدخول بها، ثم إنهم قدموا بسفرة فيها طعام من جملته خافقية زرباجة محشية بالسكر، وعليها ماء ورد ممسك، وفيها أصناف الدجاج المحمرة، وغيره من سائر الألوان مما يدهش العقول، فوالله حين حضرت المائدة ما أمهلت نفسي حتى نزلت على زرباجة وأكلت منها بحسب الكفاية، ومسحت يدي ونسيت أن أغسلها، ومكثت جالسا إلى أن دخل الظلام، وأوقدت الشموع، وأقبلت المغنيات بالدفوف، ولم يزالوا يجلون العروسة، وينقطون بالذهب حتى طافت القصر كله، وبعد ذلك أقبلوا بها علي ونزعوا ما عليها من الملبوس، فلما خلوت بها في الفراش وعانقتها، وأنا لم أصدق بوصالها، شمت في يدي رائحة الزرباجة، فلما شمت الرائحة صرخت صرخة، فنزل لها الجواري من كل جانب، فارتجفت ولم أعلم ما الخبر، فقالت الجواري: ما لك يا أختنا؟ فقالت لهم: أخرجوا عني هذا المجنون، فأنا أحسب أنه عاقل. فقلت لها: وما الذي ظهر لك من جنوني؟ فقالت: يا مجنون، لأي شيء أكلت من الزرباجة ولم تغسل يدك؟ فو الله لا أقبلك على عدم عقلك وسوء فعلك. ثم تناولت من جانبها سوطا، ونزلت به على ظهري، ثم على مقاعدي حتى غبت عن الوجود من كثرة الضرب، ثم إنها قالت للجواري: خذوه وامضوا به إلى متولي المدينة ليقطع يده التي أكل بها الزرباجة ولم يغسلها. فلما سمعت ذلك قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، أتقطع يدي من أجل أكل الزرباجة، وعدم غسلي إياها؟ فدخلت عليها الجواري، وقلن لها: يا أختنا لا تؤاخذيه بفعله هذه المرة. فقالت: والله لا بد أن أقطع شيئا من أطرافه. # ثم راحت وغابت عني عشرة أيام، ولم أرها إلا بعد العشرة أيام، أقبلت علي وقالت لي: يا أسود الوجه، أنا لا أصلح لك، فكيف تأكل الزرباجة ولم تغسل يدك؟ ثم صاحت على الجواري فكتفوني، وأخذت موسا ماضيا، وقطعت إبهام يدي وإبهام رجلي كما ترون يا جماعة؛ فغشي علي، ثم ذرت علي بالذرور، فانقطع الدم. وقلت في نفسي: لا آكل الزرباجة ما بقيت حتى أغسل ms0148 يدي أربعين مرة بالأشنان، وأربعين مرة بالسعد، وأربعين مرة بالصابون. فأخذت علي ميثاقا أني لا آكل الزرباجة حتى أغسل يدي كما ذكرت لكم، فلما جئتم بهذه الزرباجة تغير لوني، وقلت في نفسي: هذا سبب قطع إبهام يدي ورجلي، فلما غصبتم علي قلت: لا بد أن أوفي بما حلفت. # فقلت له والجماعة حاضرون: ما حصل لك بعد ذلك؟ قال: فلما حلفت لها طاب قلبها ونمت وإياها، وأقمنا مدة على هذا الحال، وبعد تلك المدة قالت: إن أهل دار الخلافة لم يعلموا بما حصل بيني وبينك فيها، وما دخلها أجنبي غيرك، وما دخلت فيها إلا بعناية السيدة زبيدة. ثم أعطتني خمسين ألف دينار، وقالت: خذ هذه الدنانير، واخرج واشتر لنا بها دارا فسيحة. فخرجت واشتريت دارا مليحة فسيحة، ونقلت جميع ما عندها من النعم، وما ادخرته من الأموال والقماش والتحف إلى هذه الدار التي اشتريتها، فهذا سبب قطع إبهامي. فأكلنا وانصرفنا، وبعد ذلك جرى لي مع الأحدب ما جرى، وهذا جميع حديثي، والسلام. # فقال الملك: ما هذا بأعذب من حديث الأحدب، بل حديث الأحدب أعذب من ذلك، ولا بد من صلبكم جميعا. ثم إن اليهودي، تقدم وقبل الأرض، وقال: يا ملك الزمان، أنا أحدثك بحديث أعجب من حديث الأحدب. فقال له ملك الصين: هات ما عندك. ### || حكاية الطبيب اليهودي # فقال: أعجب ما جرى لي في زمن شبابي أني كنت في دمشق الشام، وتعلمت صنعة فعملت فيها، فبينما أنا أعمل في صنعتي يوما من الأيام إذا أتاني مملوك من بيت الصاحب بدمشق، فخرجت له وتوجهت معه إلى منزل الصاحب، فدخلت فرأيت في صدر الإيوان سريرا من المرمر بصفائح الذهب، وعليه آدمي مريض راقد، وهو شاب لم ير أحسن منه في زمانه، فقعدت عند رأسه ودعوت له بالشفاء، فأشار إلي بعينه، فقلت له: يا سيدي، ناولني يدك. فأخرج لي يده اليسرى؛ فتعجبت من ذلك، وقلت في نفسي: يا لله العجب! إن هذا الشاب مليح، ومن بيت كبير، وليس عنده أدب، إن هذا هو العجب. ms0149 ثم جسست مفاصله وكتبت له ورقة، ومكثت أتردد عليه مدة عشرة أيام، حتى تعافى ودخل الحمام واغتسل وخرج، فخلع علي الصاحب خلعة مليحة وجعلني مباشرا عنده في المارستان الذي بدمشق، فلما دخلت معه الحمام وقد أخلوه لنا من جميع الناس، ودخل الخادم بالثياب وأخذ ثيابه التي كانت عليه من داخل الحمام بعد أن تعرى، رأيت بيده اليمين قطعا صعبا، فلما رأيته أخذت أتعجب وحزنت عليه، ونظرت إلى جسده فوجدت عليه آثار ضرب مقارع، فصرت أتعجب من أجل ذلك. فنظر إلي الشاب وقال لي: يا حكيم الزمان لا تعجب من أمري، فسوف أحدثك بحديثي حين تخرج من الحمام. # فلما خرجنا من الحمام ووصلت إلى الدار، وأكلنا الطعام واسترحنا، قال الشاب: هل لك أن تتفرج في الغرفة؟ فقلت: نعم. فأمر العبيد أن يطلعوا الفراش إلى فوق، وأمرهم أن يشووا خروفا، وأن يأتوا إلينا بفاكهة، ففعل العبيد ما أمرهم به، وأتوا بالفاكهة فأكلنا، وأكل هو بيده الشمال، فقلت له: حدثني بحديثك. فقال لي: يا حكيم الزمان، اسمع حكاية ما جرى لي، اعلم أنني من أولاد الموصل، وكان لي والد قد توفي أبوه، وخلف عشرة أولاد ذكور من جملتهم والدي، وكان أكبرهم، فكبروا كلهم وتزوجوا، ورزق والدي بي، وأما إخوته التسعة فلم يرزقوا بأولاد، فكبرت أنا وصرت بين أعمامي وهم فرحون بي فرحا شديدا، فلما كبرت وبلغت مبلغ الرجال، وكنت ذات يوم مع والدي في جامع الموصل، وكان اليوم يوم جمعة، فصلينا الجمعة وخرج الناس جميعا، وأما والدي وأعمامي فإنهم قعدوا يتحدثون في عجائب البلاد وغرائب المدن إلى أن ذكروا مصر، فقال بعض أعمامي: إن المسافرين يقولون ما على وجه الأرض أحسن من مصر ونيلها، ولقد أحسن من قال فيها وفي نيلها هذين البيتين: # بالله قل للنيل عني إنني %~% لم أشف من ماء الفرات غليلا ~~يا قلب كم خلفت ثم بثينة %~% وأظن صبرك أن يكون جميلا # ثم إنهم أخذوا يصفون مصر ونيلها، فلما فرغوا من كلامهم، وسمعت أنا هذه الأوصاف التي في مصر، صار ms0150 خاطري مشغولا بها، ثم انصرفوا وتوجه كل واحد منهم إلى منزله، فبت تلك الليلة لم يأتني نوم من شغفي بها، ولم يطب لي أكل ولا شرب، فلما كان بعد أيام قلائل تجهز أعمامي إلى مصر، فبكيت على والدي لأجل الذهاب معهم، حتى جهز لي متجرا، ومضيت معهم وقال لهم: لا تدعوه يدخل مصر، بل اتركوه في دمشق ليبيع متجره فيها. ثم سافرنا، وودعت والدي، وخرجنا من الموصل، وما زلنا مسافرين حتى وصلنا إلى حلب، فأقمنا بها أياما ثم سافرنا إلى أن وصلنا دمشق، فرأينا مدينة ذات أشجار وأنهار وأثمار وأطيار كأنها جنة، فيها من كل فاكهة، فنزلنا في بعض الخانات، واستمر بها أعمامي حتى باعوا واشتروا، وباعوا بضاعتي، فربح الدرهم خمسة دراهم، ففرحت بالربح، ثم تركني أعمامي وتوجهوا إلى مصر. فمكثت بعدهم، وسكنت في قاعة مليحة البنيان، يعجز عن وصفها اللسان، أجرتها كل شهر ديناران، فصرت أتلذذ بالمآكل والمشارب، حتى صرفت المال الذي كان معي، فبينما أنا قاعد على باب القاعة يوما من الأيام، وإذا بصبية أقبلت علي وهي لابسة أفخر الملابس ما رأت عيني أفخر منها، فعزمت عليها فما قصرت، بل صارت داخل الباب، فلما دخلت ظفرت بها وفرحت بدخولها، فردت الباب علي وعليها، وكشفت عن وجهها وقلعت إزارها، فوجدتها بديعة الجمال، فتمكن حبها من قلبي، فقمت وجئت بسفرة من أطيب المأكول والفاكهة، وما يحتاج إليه المقام، وأكلنا ولعبنا، وبعد اللعب شربنا حتى سكرنا، ثم نمت معها في أطيب ليلة إلى الصباح، وبعد ذلك أعطيتها عشرة دنانير، فحلفت أنها لا تأخذ الدنانير مني، ثم قالت: يا حبيبي، انتظرني بعد ثلاثة أيام وقت المغرب أكون عندك، وهيئ لنا بهذه الدنانير مثل هذا. وأعطتني هي عشرة دنانير، وودعتني وانصرفت، فأخذت عقلي معها. # فلما مضت الأيام الثلاثة، أتت وعليها من المزركش والحلي والحلل أعظم مما كان عليها أولا، وكنت هيأت لها ما يليق بالمقام قبل أن تحضر، ثم أكلنا وشربنا ونمنا مثل العادة إلى الصباح، ثم أعطتني عشرة دنانير وواعدتني بعد ثلاثة ms0151 أيام أنها تحضر عندي، فهيأت لها ما يليق بالمقام، وبعد ثلاثة أيام حضرت في قماش أعظم من الأول والثاني، ثم قالت لي: يا سيدي، هل أنا مليحة؟ فقلت: إي والله. فقالت: هل تأذن لي أن أجيء معي بصبية أحسن مني وأصغر سنا مني، حتى تلعب معنا ونضحك وإياها؟ فإنها سألتني أن تخرج معي، وتبيت معنا لنضحك وإياها. ثم أعطتني عشرين دينارا، وقالت لي: زد لنا المقام لأجل الصبية التي تأتي معي. ثم ودعتني وانصرفت. # فلما كان اليوم الرابع جهزت لها ما يليق بالمقام على العادة، فلما كان بعد المغرب، وإذا بها قد أتت ومعها واحدة ملفوفة بإزار، فدخلتا وجلستا، ففرحت وأوقدت الشموع، واستقبلتني بالفرح والسرور، فقامتا ونزعتا ما عليهما من القماش، وكشفت الصبية الجديدة عن وجهها، فرأيتها كالبدر في تمامه، فلم أر أحسن منها، فقمت وقدمت لهما الأكل والشرب، فأكلنا وشربنا، وصرت أقبل الصبية الجديدة، وأملأ لها القدح وأشرب معها، فغارت الصبية الأولى في الباطن، ثم قالت: بالله إن هذه الصبية مليحة، أما هي أظرف مني؟ قلت: إي والله. قالت: خاطري أن تنام معها. قلت: على رأسي وعيني. ثم قامت وفرشت لنا، فقمت ونمت مع الصبية الجديدة إلى وقت الصبح، فلما أصبحت وجدت يدي ملوثة بدم، ففتحت عيني فوجدت الشمس قد طلعت، فنبهت الصبية فتدحرجت رأسها عن بدنها. فظننت أنها فعلت ذلك من غيرتها منها. # ففكرت ساعة ثم قمت قلعت ثيابي وحفرت في القاعة، ووضعت الصبية ورددت عليها التراب، وأعدت الرخام كما كان، ثم لبست وأخذت بقية مالي وخرجت، وجئت إلى صاحب القاعة ودفعت له أجرة سنة، وقلت له: أنا مسافر إلى أعمامي بمصر. ثم سافرت إلى مصر واجتمعت بأعمامي، ففرحوا بي ووجدتهم قد فرغوا من بيع متجرهم ثم قالوا لي: ما سبب مجيئك؟ فقلت لهم: اشتقت إليكم وخفت ألا يبقى معي شيء من مالي. فأقمت عندهم سنة وأنا أتفرج على مصر ونيلها، ووضعت يدي في بقية مالي وصرت أصرف منه وآكل وأشرب حتى قرب سفر أعمامي فهربت منهم. فقالوا: ms0152 لعله سبقنا ورجع إلى دمشق. فسافروا وخرجت أنا فأقمت بمصر ثلاث سنين وصرت أصرف حتى لم يبق معي من المال شيء، وأنا في كل سنة أرسل إلى صاحب القاعة أجرتها. وبعد الثلاث سنين، ضاق صدري ولم يبق معي إلا أجرة السنة فقط، فسافرت حتى وصلت إلى دمشق ونزلت في القاعة، ففرح بي صاحبها، فدخلت القاعة ومسحتها من دم الصبية المذبوحة، ورفعت المخدة فوجدت تحتها العقد الذي كان في عنق تلك الصبية، فأخذته وتأملته وبكيت ساعة، ثم أقمت يومين، وفي اليوم الثالث دخلت الحمام وغيرت أثوابي، وأنا ما معي شيء من الدراهم، فجئت يوما إلى السوق فوسوس لي الشيطان لأجل إنفاذ القدر، فأخذت العقد الجوهر، وتوجهت به إلى السوق، وناولته للدلال، فقام لي وأجلسني بجانبه، وصبر حتى عمر السوق، وأخذ ذلك الدلال ونادى عليه خفية وأنا لا أعلم، وإذا بالعقد مثمن بلغ ثمنه ألفي دينار. فجاءني الدلال وقال لي: إن هذا العقد نحاس مصنوع بصنعة الإفرنج، وقد وصل ثمنه إلى ألف درهم. فقلت له: نعم، هذا كنا صنعناه لواحدة نضحك عليها به، وورثتها زوجتي فأردنا بيعه، فرح واقبض الألف درهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 28 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما قال للدلال: اقبض الألف درهم. وسمع الدلال ذلك، عرف أن قضيته مشكلة، فتوجه بالعقد إلى كبير السوق وأعطاه إياه، فأخذه وتوجه به إلى الوالي وقال له: إن هذا العقد سرق من عندي، ووجدنا الحرامي لابسا لباس أولاد التجار. فلم أشعر إلا والظلمة قد أحاطوا بي، وأخذوني وذهبوا بي إلى الوالي، فسألني الوالي عن ذلك العقد، فقلت له ما قلته للدلال؛ فضحك الوالي وقال: ما هذا كلام الحق، فلم أدر إلا وحواشيه جردوني من ثيابي، وضربوني بالمقارع على جميع بدني، فأحرقني الضرب، فقلت: أنا سرقته. وقلت في نفسي: إن الأحسن أني أقول أنا سرقته، ولا أقول إن صاحبته مقتولة عندي فيقتلوني فيها. فلما قلت إني سرقته قطعوا يدي، وقلوها في الزيت؛ فغشي علي ms0153 فسقوني الشراب حتى أفقت، فأخذت يدي وجئت إلى القاعة، فقال صاحب القاعة: حيث ما جرى لك هذا فأخل القاعة، وانظر لك موضعا آخر؛ لأنك متهم بالحرام. فقلت له: يا سيدي، اصبر علي يومين أو ثلاثة حتى أنظر لي موضعا. قال: نعم. ومضى وتركني، فبقيت قاعدا أبكي وأقول: كيف أرجع إلى أهلي، وأنا مقطوع اليد؟ والذي قطع يدي لم يعلم أني بريء، فلعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. # وصرت أبكي بكاء شديدا، فلما مضى صاحب القاعة عني لحقني غم شديد، فتشوشت يومين، وفي اليوم الثالث ما أدري إلا وصاحب القاعة جاءني، ومعه بعض الظلمة وكبير السوق الذي ادعى علي أني سرقت العقد، فخرجت لهم وقلت: ما الخبر؟ فلم يمهلوني، بل كتفوني، ووضعوا في رقبتي جنزيرا، وقالوا لي: إن العقد الذي كان معك طلع لصاحب دمشق ووزيرها وحاكمها. وقالوا: إن هذا العقد قد ضاع من بيت الصاحب من مدة ثلاث سنين، ومعه ابنته. فلما سمعت هذا الكلام منهم، ارتعدت مفاصلي وقلت في نفسي: هم يقتلونني ولا محالة، والله لا بد أنني أحكي للصاحب حكايتي، فإن شاء قتلني، وإن شاء عفا عني. فلما وصلنا إلى الصاحب أوقفني بين يديه، فلما رآني قال: أهذا الذي سرق العقد ونزل به ليبيعه؟ إنكم قطعتم يده ظلما. ثم أمر بسجان كبير السوق، وقال له: أعط هذا دية يده، وإلا أشنقك وآخذ جميع مالك. ثم صاح على أتباعه فأخذوه وجروه، وبقيت أنا والصاحب وحدنا بعد أن فكوا الغل من عنقي بإذنه، وحلوا وثاقي. # ثم نظر إلي الصاحب وقال لي: يا ولدي، حدثني واصدقني كيف وصل إليك هذا العقد؟ قلت: يا مولاي، إني أقول لك الحق. ثم حدثته بجميع ما جرى لي مع الصبية الأولى، وكيف جاءتني بالثانية، وكيف ذبحتها من الغيرة، وذكرت له الحديث بتمامه، فلما سمع كلامي هز رأسه، وحط منديله على وجهه وبكى ساعة، ثم أقبل علي وقال لي: اعلم يا ولدي أن الصبية الكبيرة بنتي، وكنت أحجر عليها، فلما بلغت أرسلتها إلى ولد عمها بمصر ms0154 فمات، فجاءتني وقد تعلمت العهر من أولاد مصر، وجاءتك أربع مرات، ثم جاءتك بأختها الصغيرة، والاثنتان شقيقتان، وكانتا محبتين لبعضهما، فلما جرى للكبيرة ما جرى، أخرجت سرها على أختها، فطلبت مني الذهاب معها ثم رجعت وحدها، فسألتها عنها فوجدتها تبكي عليها، وقالت: لا أعلم لها خبرا. ثم قالت لأمها سرا جميع ما جرى من ذبحها أختها، فأخبرتني أمها سرا، ولم تزل تبكي وتقول: والله لا أزال أبكي عليها حتى أموت. وكلامك يا ولدي صحيح، فإني أعلم بذلك قبل أن تخبرني به، فانظر يا ولدي ما جرى، وأنا أشتهي منك ألا تخالفني فيما أقول لك، وهو أني أريد أن أزوجك ابنتي الصغيرة، فإنها ليست شقيقة لهما وهي بكر، ولا آخذ منك مهرا، وأجعل لكما راتبا من عندي، وتبقى عندي بمنزلة ولدي. فقلت له: الأمر كما تريد يا سيدي، ومن أين لي أن أصل إلى ذلك؟ فأرسل الصاحب في الحال من عنده بريدا، وأتاني بمالي الذي خلفه والدي، وأنا اليوم في أرغد عيش. فتعجبت منه، وأقمت عنده ثلاثة أيام، وأعطاني مالا كثيرا، وسافرت من عنده فوصلت إلى بلدكم هذه، فطابت لي فيها المعيشة، وجرى لي مع الأحدب ما جرى. # فقال ملك الصين: ما هذا بأعجب من حديث الأحدب، ولا بد لي من شنقكم جميعا، وخصوصا الخياط الذي هو رأس كل خطيئة. ثم قال: يا خياط، إن حدثتني بشيء أعجب من حديث الأحدب، وهبت لكم ذنوبكم. ### || حكاية الخياط # فعند ذلك تقدم الخياط وقال: اعلم يا ملك الزمان أن الذي جرى لي أعجب مما جرى للجميع؛ لأني كنت قبل أن أجتمع بالأحدب أول النهار في وليمة لبعض أصحابي أرباب الصنائع من خياطين وبزازين ونجارين وغير ذلك، فلما طلعت الشمس حضر الطعام لنأكل، وإذا بصاحب الدار قد دخل علينا ومعه شاب غريب مليح من أهل بغداد، وعلى ذلك الشاب أحسن ما يكون من الثياب، وهو أحسن ما يكون من الجمال، غير أنه أعرج، فدخل علينا وسلم، فقمنا له، فلما أراد الجلوس رأى فينا إنسانا مزينا، ms0155 فامتنع من الجلوس وأراد أن يخرج من عندنا، فمنعناه نحن وصاحب المنزل، وشددنا عليه، وحلف عليه صاحب المنزل وقال له: ما سبب دخولك وخروجك؟ فقال: بالله يا مولاي لا تتعرض لي بشيء، فإن سبب خروجي هذا المزين الذي هو قاعد. فلما سمع منه صاحب الدعوة هذا الكلام تعجب غاية العجب وقال: كيف يكون هذا الشاب من بغداد وتشوش خاطره من هذا المزين؟ ثم التفتنا إليه وقلنا له: احك لنا ما سبب غيظك من هذا المزين. فقال الشاب: يا جماعة، إنه جرى لي مع هذا المزين أمر عجيب في بغداد بلدي، وكان هو سبب عرجي وكسر رجلي، وحلفت أني ما بقيت أقاعده في مكان، ولا أسكن في بلد هو ساكن فيها، وقد سافرت من بغداد ورحلت منها وسكنت في هذه المدينة، وأنا الليلة لا أبيت إلا مسافرا، فقلنا له: بالله عليك أن تحكي لنا حكايتك معه. ### || حكاية الأعرج مع مزين بغداد # فاصفر لون المزين حين سألنا الشاب، ثم قال الشاب: اعلموا يا جماعة الخير أن والدي من أكابر تجار بغداد، ولم يرزقه الله تعالى بولد غيري، فلما كبرت وبلغت مبلغ الرجال توفي والدي إلى رحمة الله تعالى، وخلف لي مالا وخدما وحشما، فصرت ألبس أحسن الملابس، وآكل أحسن المآكل، وكان الله سبحانه بغضني في النساء، إلى أن كنت ماشيا يوما من الأيام في أزقة بغداد، وإذا بجماعة تعرضوا لي في الطريق، فهربت ودخلت زقاقا لا ينفذ، وارتكنت في آخره على مصطبة، فلم أقعد غير ساعة، وإذا بطاقة قصاد المكان الذي أنا فيه فتحت، وطلت منها صبية كالبدر في تمامه، لم أر في عمري مثلها، ولها زرع تسقيه، وذلك الزرع تحت الطاقة، فالتفتت يمينا وشمالا ثم قفلت الطاقة وغابت عني، فانطلقت في قلبي النار، واشتغل خاطري بها، وانقلب بغضي للنساء محبة، فما زلت جالسا في هذا المكان إلى المغرب، وأنا غائب عن الدنيا من شدة الغرام، وإذا بقاضي المدينة راكب وقدامه عبيد ووراءه خدم، فنزل ودخل البيت الذي طلت منه تلك الصبية، ms0156 فعرفت أنه أبوها، ثم إني جئت منزلي وأنا مكروب، ووقعت على الفراش مهموما، فدخلت علي جواري وقعدن حولي، ولم يعرفن ما بي، وأنا لم أبد لهن أمرا، ولم أرد لخطابهن جوابا، وعظم مرضي، فصارت الناس تعودني، فدخلت علي عجوز، فلما رأتني لم يخف عليها حالي، فقعدت عند رأسي ولاطفتني، وقالت لي: يا ولدي، قل لي خبرك. فحكيت لها حكايتي، فقالت: يا ولدي، إن هذه بنت قاضي بغداد، وعليها الحجر، والموضع الذي رأيتها فيه هو طبقتها، وأبوها له قاعة كبيرة أسفل، وهي وحدها وأنا كثيرا ما أدخل عندهم، ولا تعرف وصالها إلا مني، فشد حيلك. فتجلدت وقويت نفسي حين سمعت حديثها، وفرح أهلي في ذلك اليوم، وأصبحت متماسك الأعضاء، مترجيا تمام الصحة. # ![figure](../Images/figure13.png) # فدخلت علي عجوز، فلما رأتني لم يخف عليها حالي. # ثم مضت العجوز، ورجعت ووجهها متغير، فقالت: يا ولدي، لا تسأل عما جرى منها لما قلت لها ذلك، فإنها قالت لي: إن لم تسكتي يا عجوز النحس عن هذا الكلام لأفعلن بك ما تستحقينه. ولا بد أن أرجع إليها ثاني مرة. فلما سمعت ذلك منها ازددت مرضا على مرضي، فلما كان بعد أيام أتت العجوز وقالت: يا ولدي، أريد منك البشارة. فلما سمعت ذلك منها ردت روحي إلى جسمي، وقلت لها: لك عندي كل خير. فقالت: إني ذهبت بالأمس إلى تلك الصبية، فلما نظرتني وأنا منكسرة الخاطر باكية العين، قالت: يا خالتي، ما لي أراك ضيقة الصدر؟ فلما قالت لي ذلك بكيت وقلت لها: يا بنتي وسيدتي، إني أتيتك الأمس من عند فتى يهواك، وهو مشرف على الموت من أجلك. فقالت وقد رق قلبها: ومن أين يكون هذا الفتى الذي تذكرينه؟ قلت: هو ولدي وثمرة فؤادي، ورآك من الطاقة من أيام مضت وأنت تسقين زرعك، ورأى وجهك، فهام بك عشقا، وأنا أول مرة أعلمته بما جرى لي معك، فزاد مرضه ولزم الوساد، وما هو إلا ميت ولا محالة. فقالت وقد اصفر لونها: هل هذا كله من أجلي؟ قلت: إي والله، ms0157 فماذا تأمرين؟ قالت: امضي إليه، وأقرئيه مني السلام، وأخبريه أن عندي أضعاف ما عنده، فإذا كان يوم الجمعة قبل الصلاة يجيء إلى الدار وأنا أقول افتحوا له الباب، وأطلعه عندي، وأجتمع أنا وإياه ساعة، ويرجع قبل مجيء أبي من الصلاة. # فلما سمعت كلام العجوز زال ما كنت أجده من الألم، واستراح قلبي، ودفعت إليها ما كان علي من الثياب وانصرفت، وقالت لي: طيب قلبك. فقلت لها: لم يبق في شيء من الألم، وتباشر أهل بيتي وأصحابي بعافيتي، ولم أزل كذلك إلى يوم الجمعة، وإذا بالعجوز دخلت علي وسألتني عن حالي، فأخبرتها أني بخير وعافية، ثم لبست ثيابي وتعطرت، ومكثت أنتظر الناس يذهبون إلى الصلاة حتى أمضي إليها، فقالت العجوز: إن معك في الوقت اتساعا زائدا، فلو مضيت إلى الحمام وأزلت شعرك، لا سيما من أثر المرض، لكان في ذلك صلاحك. فقلت لها: إن هذا هو الرأي الصواب، لكن أحلق رأسي أولا، ثم أدخل الحمام. فأرسلت خلف المزين ليحلق لي رأسي، وقلت للغلام: امض على السوق وائتني بمزين يكون عاقلا قليل الفضول، لا يصدع رأسي بكثرة كلامه. فمضى الغلام وأتى بهذا الشيخ، فلما دخل سلم علي فرددت عليه السلام، فقال: أذهب الله غمك وهمك، والبؤس والأحزان. فقلت: تقبل الله منك. فقال: أبشر يا سيدي، فقد جاءتك العافية، تريد تقصير شعرك وإخراج دم؟ فإنه ورد عن ابن عباس أنه قال: من قصر شعره يوم الجمعة، صرف الله عنه سبعين داء. وروي عنه أيضا أنه قال: من احتجم يوم الجمعة، لا يأمن ذهاب البصر وكثرة المرض. فقلت له: دع عنك هذا الهذيان، وقم في هذه الساعة احلق لي رأسي، فإني رجل ضعيف. # فقام ومد يده، وأخرج منديلا وفتحه، وإذا فيه أصطرلاب، وهو سبع صفائح، فأخذه ومضى على وسط الدار، ورفع رأسه إلى شعاع الشمس، ونظر مليا وقال لي: اعلم أنه مضى من يومنا هذا، وهو يوم الجمعة، وهو عاشر صفر سنة ثلاث وستين وسبعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وطالعه ms0158 بمقتضى ما أوجبه علم الحساب المريخ سبع درج وستة دقائق، واتفق أنه قارنه عطارد، وذلك يدل على أن حلق الشعر جيد جدا، ودل عندي على أنك تريد الإفضال على شخص وهو مسعود، لكن بعده كلام يقع وشيء لا أذكره لك. فقلت له: والله لقد أضجرتني، وأزهقت روحي، وفولت علي، وأنا ما طلبتك إلا لتحلق رأسي، فقم واحلق رأسي ولا تطل علي الكلام. فقال: والله لو علمت حقيقة الأمر لطلبت مني زيادة البيان، وأنا أشير عليك أنك تعمل اليوم بالذي آمرك به بمقتضى حساب الكواكب، وكان سبيلك أن تحمد الله ولا تخالفني؛ فإني ناصح لك، وشفيق عليك، وأود أن أكون في خدمتك سنة كاملة، وتقوم بحقي، ولا أريد منك أجرة على ذلك. فلما سمعت ذلك منه قلت له: إنك قاتلي في هذا اليوم ولا محالة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 29 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال له: إنك قاتلي في هذا اليوم يا سيدي، أنا الذي تسميني الناس الصامت لقلة الكلام دون إخوتي؛ لأن أخي الكبير اسمه البقبوق، والثاني الحدار، والثالث بقبق، والرابع اسمه الكوز الأصواني، والخامس اسمه العشار، والسادس اسمه شقالق، والسابع اسمه الصامت، وهو أنا. فلما زاد علي هذا المزين بالكلام، رأيت أن مرارتي انفطرت، وقلت للغلام: أعطه ربع دينار وخله ينصرف عني لوجه الله، فلا حاجة لي في حلاقة رأسي. فقال هذا المزين حين سمع كلامي مع الغلام: أي شيء هذا المقال يا مولاي؟ والله لا آخذ منك أجرة حتى أخدمك، ولا بد من خدمتك؛ فإنه واجب علي خدمتك وقضاء حاجتك، ولا أبالي إذا لم آخذ منك دراهم؛ فإن كنت لا تعرف قدري فأنا أعرف قدرك، وكان والدك رحمه الله تعالى له علينا الإحسان لأنه كان كريما، والله لقد أرسل والدك خلفي يوما مثل هذا اليوم المبارك، فدخلت عليه وكان عنده جماعة من أصحابه، فقال لي: أخرج لي دما. فأخذت الأصطرلاب وأخذت له الارتفاع، فوجدت طالع الساعة نحسا، وإخراج الدم ms0159 فيها صعبا، فأعلمته بذلك، فامتثل وصبر إلى أن أتت الساعة الحميدة وأخرجت له فيها الدم، ولم يخالفي بل شكرني وكذلك الجماعة الحاضرون، وأعطاني والدك مائة دينار في نظير إخراج الدم. # فقلت له: لا رحم الله أبي الذي عرف مثلك. فضحك هذا المزين وقال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، سبحان من يغير ولا يتغير، ما كنت أظنك إلا عاقلا لكنك خرفت من المرض، وقال الله في كتابه العزيز: @QUR@05 والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ، وأنت معذور على كل حال وما أدري سبب عجلتك، وأنت تعلم أن والدك ما كان يفعل شيئا إلا بمشورتي، وقد قيل إن المستشار مؤتمن، وما تجد أحدا أعرف مني بالأمور؛ فأنا واقف على أقدامي أخدمك وما ضجرت منك، فكيف ضجرت أنت مني؟ وأنا أصبر عليك لأجل ما لأبيك علي من الفضل. فقلت له: والله لقد أطلت علي الخطاب، وزدت علي في المقال، وأنا قصدي أن تحلق رأسي وتنصرف عني. وأظهرت الغضب وأردت أن أقوم وإن كان قد بل رأسي. فقال: قد علمت أنه غلب عليك الضجر مني، لكن لا أؤاخذك لأن عقلك ضعيف وأنت صبي، ومن زمن قريب كنت أحملك على كتفي وأمضي بك إلى المكتب. فقلت له: يا أخي، بحق الله عليك انصرف عني حتى أقضي شغلي وقم إلى حال سبيلك. ثم مزقت أثوابي، فلما رآني فعلت ذلك أخذ الموس وسنه، ولا زال يسنه حتى كادت روحي أن تفارق جسمي، ثم تقدم إلى رأسي وحلق منها بعضا ثم رفع يده وقال: يا مولاي، العجلة من الشيطان. ثم إنه أنشد هذين البيتين: # تأن ولا تعجل لأمر تريده %~% وكن راحما للناس تبل براحم ~~فما من يد إلا يد الله فوقها %~% ولا ظالم إلا سيبلى بظالم # ثم قال: يا مولاي، ما أظنك تعرف بمنزلتي، فإن يدي تقع على رأس الملوك والأمراء والوزراء، والحكماء والفضلاء، وفي مثلي قال الشاعر: # جميع الصنائع مثل العقود %~% وهذا المزين در السلوك ~~فيعلو على كل ذي حكمة %~% وتحت يديه رءوس الملوك # فقلت: دع ما ms0160 لا يعنيك فقد ضيقت صدري، وأشغلت خاطري. فقال: أظنك مستعجلا. فقلت له: نعم، نعم، نعم. فقال: تمهل على نفسك؛ فإن العجلة من الشيطان، وهي تورث الندامة والحرمان، وقد قال عليه الصلاة والسلام: خير الأمور ما كان فيه تأن. وأنا والله رابني أمرك، فأشتهي أن تعرفني ما الذي أنت مستعجل من أجله، ولعله خير؛ فإني أخشى أن يكون شيئا غير ذلك، وقد بقي من الوقت ثلاث ساعات. ثم غضب ورمى الموسى من يديه، وأخذ الأصطرلاب، ومضى إلى الشمس، ووقف حصة مديدة، وعاد وقال: قد بقي لوقت الصلاة ثلاث ساعات لا تزيد ولا تنقص. فقلت له: بالله عليك اسكت عني، فقد فتت كبدي. فأخذ الموسى، وسنه كما فعل أولا، وحلق بعض رأسي، وقال: أنا مهموم من عجلتك، فلو أطلعتني على سببها لكان خيرا لك؛ لأنك تعلم أن والدك ما كان يفعل شيئا إلا بمشورتي. فلما علمت أن ما لي منه خلاص، قلت في نفسي: قد جاء وقت الصلاة، وأريد أن أمضي قبل أن تخرج الناس من الصلاة، فإن تأخرت ساعة لا أدري أين السبيل إلى الدخول إليها. فقلت: أوجز ودع عنك هذا الكلام والفضول، فإني أريد أن أمضي إلى دعوة عند أصحابي. # فلما سمع ذكر الدعوة قال: يومك يوم مبارك علي؛ لقد كنت البارحة حلفت على جماعة من أصدقائي، ونسيت أن أجهز لهم شيئا يأكلونه، وفي هذه الساعة تذكرت ذلك، وا فضيحتاه منهم! فقلت له: لا تهتم بهذا الأمر بعد تعريفك أنني اليوم في دعوة، فكل ما في داري من طعام وشراب لك إن أنجزت أمري، وعجلت حلاقة رأسي. فقال: جزاك الله خيرا، صف لي ما عندك لأضيافي حتى أعرفه. فقلت: عندي خمسة أوان من الطعام، وعشر دجاجات محمرات، وخروف مشوي. فقال: أحضرها لي حتى أنظر. فأحضرت إليه جميع ذلك، فلما عاينه قال: بقي الشراب. فقلت له: عندي. قال: أحضره. فأحضرته له، قال: لله درك، ما أكرم نفسك! لكن بقي البخور الطيب. فأحضرت له درجا فيه ند وعود وعنبر ومسك يساوي خمسين ms0161 دينارا، وكان الوقت قد ضاق حتى صار مثل صدري، فقلت له: خذ هذا، واحلق لي جميع رأسي بحياة محمد صلى الله عليه وسلم. فقال المزين: والله ما آخذه حتى أرى جميع ما فيه. # فأمرت الغلام ففتح له الدرج، فرمى المزين الأصطرلاب من يده، وجلس على الأرض يقلب الطيب والبخور والعود الذي في الدرج حتى كادت روجي أن تفارق جسمي، ثم تقدم وأخذ الموسى وحلق من رأسي شيئا يسيرا، وقال: والله يا ولدي ما أدري أأشكرك أم أشكر والدك؟ لأن دعوتي اليوم كلها من بعض فضلك وإحسانك، وليس عندي من يستحق ذلك، وإنما عندي زيتون الحمامي، وصليع الفاني، وعوكل الفوال، وعكرشة البقال، وحميد الزبال، وعكارش اللبان، ولكل من هؤلاء رقصة يرقصها، وأبيات ينشدها، وأحسن ما فيهم أنهم مثل الملوك، وعبدك أنا لا أعرف كثرة كلام لا فضول. أما الحمامي فإنها يقول: إن لم أذهب إليها تجئني بيتي. وأما الزبال فإنه ظريف خليع، كثيرا ما يرقص ويقول: الخير عند زوجتي ما صار في صندوق. وكل واحد من أصحابي له لطائف لا توجد في الآخر، وليس الخبر كالعيان، فإن اخترت أن تحضر عندنا كان ذلك أحب إليك وإلينا، واترك رواحك إلى أصدقائك الذين قلت لي إنك تريد الذهاب إليهم؛ فإن عليك أثر المرض، وربما تمضي إلى أقوام كثيري الكلام يتكلمون فيما لا يعنيهم، وربما يكون فيهم واحد فضولي وأنت قلقت روحك من المرض. فقلت: إن شاء الله يكون ذلك في غير هذا اليوم. فقال لي: الأنسب أن تقدم حضورك عند أصحابي لتغتنم مؤانستهم وتفوز بحملهم وتعمل بقول الشاعر: # لا تؤخر لذة إن أمكنت %~% إن الزمان كثير العطب # فضحكت عن قلب مشحون بالغيظ، وقلت له: أقض شغلي وأسير أنا في أمان الله تعالى، وتمضي أنت إلى أصحابك فإنهم منتظرون قدومك. فقال: ما طلبت إلا أن أعاشرك بهؤلاء الأقوام، فإنهم من أولاد الناس الذين ما فيهم فضولي، ولو رأيتهم مرة واحدة لتركت جميع أصحابك. فقلت له: نعم الله سرورك بهم، ولا بد أن أحضرهم عندي ms0162 يوما. فقال: إذا أردت ذلك وقدمت، دعوت أصحابك في هذا اليوم، فاصبر حتى أمضي بهذا الإكرام الذي أكرمتني به، وأدعه عند أصحابي يأكلون ويشربون ولا ينتظرون، ثم أعود إليك وأمضي معك إلى أصدقائك؛ فليس بيني وبين أصدقائي حشمة تمنعني عن تركهم والعود إليك عاجلا، وأمضي معك أينما توجهت. فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. امض أنت إلى أصدقائك وانشرح معهم، ودعني أمضي إلى أصدقائي وأكون معهم في هذا اليوم؛ فإنهم ينتظرون قدومي. فقال المزين: لا أدعك تمضي وحدك. فقلت له: إن الموضع الذي أمضي إليه لا يقدر أحد أن يدخله غيري. فقال: أظنك اليوم في ميعاد واحدة، وإلا كنت تأخذني معك، وأنا أحق من جميع الناس، وأساعدك على ما تريد، فإني أخاف أن تدخل على امرأة أجنبية فتروح روحك؛ فإن هذه مدينة بغداد لا يقدر أحد أن يعمل فيها شيئا من هذه الأشياء، لا سيما في مثل هذا اليوم، وهذا والي بغداد صارم عظيم. فقلت: ويلك يا شيخ الشر! أي شيء هذا الكلام الذي تقابلني به؟! # فسكت سكوتا طويلا، وأدركنا وقت الصلاة وجاء وقت الخطبة، وقد فرغ من حلق رأسي، فقلت له: امض إلى أصحابك بهذا الطعام والشراب، وأنا أنتظرك حتى تعود وتمضي معي. ولم أزل أخادعه لعله يمضي، فقال لي: إنك تخادعني وتمضي وحدك، وترمي نفسك في مصيبة لا خلاص لك منها، فالله الله، لا تبرح حتى أعود إليك وأمضي معك حتى أعلم ما يتم من أمرك. فقلت له: نعم، لا تبطئ علي. فأخذ ما أعطيته من الطعام والشراب وغيره وخرج من عندي، فسلمه إلى الحمال ليوصله إلى منزله، وأخفى نفسه في بعض الأزقة، ثم قمت من ساعتي وقد أعلنوا على المنارات بسلام الجمعة، فلبست ثيابي وخرجت وحدي، وأتيت إلى الزقاق ووقفت على البيت الذي رأيت فيه تلك الصبية، وإذا بالمزين خلفي ولا أعلم به، فوجدت الباب مفتوحا فدخلت، وإذا بصاحب الدار عاد إلى منزله من الصلاة، ودخل القاعة وغلق الباب، فقلت: من أين علم هذا ms0163 الشيطان بي؟ فاتفق في هذه الساعة لأمر يريده الله من هتك ستري، أن صاحب الدار أذنبت جارية عنده فضربها فصاحت، فدخل عنده عبد ليخلصها فضربه فصاح الآخر، فاعتقد المزين أنه يضربني، فصاح ومزق أثوابه، وحثا التراب على رأسه، وصار يصرخ ويستغيث والناس حوله وهو يقول: قتل سيدي في بيت القاضي. ثم مضى إلى داري، وهو يصيح والناس خلفه، وأعلم أهل بيتي وغلماني، فما دريت إلا وهم قد أقبلوا يصيحون: وا سيداه! كل هذا والمزين قدامهم وهو ممزق الثياب والناس معهم، ولم يزالوا يصرخون وهو في أوائلهم يصرخ، وهم يقولون: وا قتيلاه! وقد أقبلوا نحو الدار التي أنا فيها. فلما سمع القاضي ذلك عظم عليه الأمر، وقام وفتح الباب، فرأى جمعا عظيما، فبهت وقال: يا قوم، ما القصة؟ فقال له الغلمان: إنك قتلت سيدنا. فقال: يا قوم، وما الذي فعله سيدكم حتى أقتله؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 30 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القاضي قال للغلمان: ما الذي فعله سيدكم حتى أقتله؟ وما لي لا أرى هذا المزين بين أيديكم؟ فقال له المزين: أنت ضربته في هذه الساعة بالمقارع، وأنا أسمع صياحه. فقال القاضي: وما الذي فعله حتى أقتله؟ ومن أدخله داري؟ ومن أين جاء؟ وإلى أين يقصد؟ فقال له المزين: لا تكن شيخا نحسا، فأنا أعلم الحكاية وسبب دخوله دارك، وحقيقة الأمر كله؛ فبنتك تعشقه وهو يعشقها، فعلمت أنه قد دخل دارك وأمرت غلمانك فضربوه، والله ما بيننا وبينك إلا الخليفة، أو تخرج لنا سيدنا ليأخذه أهله، ولا تحوجني إلى أن أدخل وأخرجه من عندكم، وعجل أنت بإخراجه. فالتجم القاضي عن الكلام، وصار في غاية الخجل من الناس، وقال للمزين: إن كنت صادقا فادخل أنت وأخرجه. فنهض المزين ودخل الدار، فلما رأيت المزين أردت أن أهرب، فلم أجد لي مهربا، غير أني رأيت في الطبقة التي أنا فيها صندوقا كبيرا، فدخلت فيه ورددت الغطاء عليه وقطعت النفس، فدخل القاعة ولم يلتفت إلى غير ms0164 الجهة التي أنا فيها، بل قصد الموضع الذي أنا فيه، والتفت يمينا وشمالا فلم يجد إلا الصندوق الذي أنا فيه، فحمله على رأسه، فلما رأيته فعل ذلك غاب رشدي، ثم مر مسرعا، فلما علمت أنه ما يتركني، فتحت الصندوق وخرجت منه بسرعة، ورميت نفسي على الأرض، فانكسرت رجلي. # فلما توجهت إلى الباب وجدت خلقا كثيرا لم أر في عمري مثل هذا الازدحام الذي حصل في ذلك اليوم. فجعلت أنثر الذهب على الناس ليشتغلوا به، فاشتغل الناس به وصرت أجري في أزقة بغداد، وهذا المزين خلفي، وأي مكان دخلت فيه يدخل خلفي وهو يقول: أرادوا أن يفجعوني في سيدي، الحمد لله الذي نصرني عليهم وخلص سيدي من أيديهم، فما زلت يا سيدي مولعا بالعجلة لسوء تدبيرك حتى فعلت بنفسك هذه الأفعال، فلولا من الله عليك بي ما كنت خلصت من هذه المصيبة التي وقعت فيها، وربما كانوا يرمونك في مصيبة لا تخلص منها أبدا، فأطلب من الله أن أعيش لك حتى أخلصك، والله لقد أهلكتني بسوء تدبيرك، وكنت تريد أنك تروح وحدك، ولكن ما نؤاخذك على جهلك لأنك قليل العقل عجول. فقلت له: أما كفاك ما جرى منك حتى تجري ورائي في الأسواق؟ وصرت أتمنى الموت لأجل خلاصي منه، فلا أجد موتا ينقذني منه، فمن شدة الغيظ فررت منه ودخلت دكانا في وسط السوق، واستجرت بصاحبها فمنعه عني، وجلست في مخزن وقلت في نفسي: ما بقيت أقدر أن أفترق من هذا المزين، بل يقيم عندي ليلا ونهارا، ولم يبق في قدرة على النظر إلى وجهه. فأرسلت في الوقت أحضرت الشهود، وكتبت وصية لأهلي، وفرقت مالي وجعلت إنسانا ناظرا عليهم، وأمرته أن يبيع الدار والعقارات، وأوصيته بالكبار والصغار، وخرجت مسافرا من ذلك الوقت حتى أتخلص من هذا القواد، ثم جئت إلى بلادكم فسكنتها ولي فيها مدة، فلما عزمتم علي وجئت إليكم، رأيت هذا القبيح القواد عندكم في صدر المكان، فكيف يستريح قلبي ويطيب مقامي عندكم مع هذا وقد فعل معي هذه الفعال، ms0165 وانكسرت رجلي بسببه؟ # ثم إن الشاب امتنع من الجلوس، فلما سمعنا حكايته مع المزين قلنا للمزين: أحق ما قاله هذا الشاب عنك؟ فقال: والله أنا فعلت معه ذلك بمعرفتي، ولولا أني فعلت ذلك لهلك، وما سبب نجاته إلا أنا، ومن فضل الله عليه بسببي أنه أصيب برجله ولم يصب بروحه، ولو كنت كثير الكلام ما فعلت معه ذلك الجميل، وها أنا أقول لكم حديثا جرى لي حتى تصدقوا أني قليل الكلام، وما عندي فضول من دون إخوتي. ### || حكاية مزين بغداد مع إخوته الستة # وذلك أني كنت ببغداد في أيام خلافة أمير المؤمنين المنتصر بالله، وكان يحب الفقراء والمساكين، ويجالس العلماء والصالحين، فاتفق له يوما أنه غضب على عشرة أشخاص، فأمر المتولي ببغداد أن يأتيه بهم في زورق، فنظرتهم أنا، فقلت: ما اجتمع هؤلاء إلا لعزومة، وأظنهم يقطعون يومهم في هذا الزورق في أكل وشرب، ولا يكون نديمهم غيري. فقمت ونزلت معهم واختلطت بهم، فقعدوا في الجانب الآخر، فجاء لهم أعوان الوالي بالأغلال ووضعوها في رقابهم، ووضعوا في رقبتي غلا من جملتهم، فهذا يا جماعة ما هو إلا من مروءتي وقلة كلامي؛ لأني ما رضيت أن أتكلم، فأخذونا جميعا في الأغلال، وقدمونا بين يدي المنتصر بالله أمير المؤمنين، فأمر بضرب رقاب العشرة، فضرب السياف رقاب العشرة، وقد بقيت أنا، فالتفت الخليفة فرآني، فقال للسياف: ما بالك لا تضرب رقاب جميع العشرة؟ فقال: ضربت رقاب العشرة كلهم. فقال له الخليفة: ما أظنك ضربت رقاب غير تسعة، وهذا الذي بين يدي هو العاشر. فقال السياف: وحق نعمتك إنهم عشرة. قال: عدوهم. فعدوهم فإذا هم عشرة، فنظر إلي الخليفة وقال: ما حملك على سكوتك في هذا الوقت؟ وكيف صرت مع أصحاب الدم؟ # فلما سمعت خطاب أمير المؤمنين قلت له: اعلم يا أمير المؤمنين أني أنا الشيخ الصامت، وعندي من الحكمة شيء كثير، وأما رزانة عقلي وجودة فهمي وقلة كلامي، فإنها لا نهاية لها، وصنعتي الزيانة، فلما كان أمس بكرة النهار نظرت هؤلاء العشرة قاصدين ms0166 الزورق فاختلطت بهم ونزلت معهم، وظننت أنهم في عزومة، فما كان غير ساعة وإذا هم أصحاب جرائم، فحضرت إليهم الأعوان، ووضعوا في رقابهم الأغلال، ووضعوا في رقبتي غلا من جملتهم، فمن فرط مروءتي سكت ولم أتكلم، فعدم كلامي في ذلك الوقت من فرط مروءتي؛ فساروا بنا حتى أوقفونا بين يديك، فأمرت بضرب رقاب العشرة، وبقيت أنا بين يدي السياف ولم أعرفكم بنفسي، أما هذه مروءة عظيمة التي أحوجتني إلى أن أشاركهم في القتل؟ ولكن طول دهري هكذا أفعل الجميل. فلما سمع الخليفة كلامي، وعلم أني كثير المروءة قليل الكلام، ما عندي فضول كما يزعم هذا الشاب الذي خلصته من الأهوال، قال الخليفة: وإخوتك الستة مثلك، فيهم الحكمة والعلم وقلة الكلام؟ قلت: لا عاشوا ولا بقوا إن كانوا مثلي، ولكن ذممتني يا أمير المؤمنين، ولا ينبغي لك أن تقرن إخوتي بي؛ لأنهم من كثرة كلامهم وقلة مروءتهم، صار كل واحد منهم بعاهة؛ فمنهم واحد أعرج، وواحد أعور، وواحد أفلج، وواحد أعمى، وواحد مقطوع الأذنين والأنف، وواحد مقطوع الشفتين، وواحد أحول العينين، ولا تحسب يا أمير المؤمنين أني كثير الكلام، ولا بد أن أبين لك أني أعظم مروءة منهم، ولكل واحد حكاية اتفقت له حتى صار فيه عاهة، وإن شئت أحك لك. ### || حكاية الأخ الأكبر # فاعلم يا أمير المؤمنين أن الأول وهو الأعرج كان صنعته الخياطة ببغداد، فكان يخيط في دكان استأجرها من رجل كثير المال، كان ذلك الرجل ساكنا على الدكان، وكان في أسفل دار الرجل طاحون، فبينما أخي الأعرج جالس في الدكان في بعض الأيام يخيط، إذ رفع رأسه فرأى امرأة كالبدر الطالع في روشن الدار، وهي تنظر إلى الناس، فلما رآها أخي تعلق قلبه بحبها، وصار يومه ذلك ينظر إليها، وترك اشتغاله بالخياطة إلى وقت المساء. فلما كان وقت الصباح فتح دكانه وقعد يخيط، وهو كلما غرز غرزة ينظر إلى الروشن، فمكث على ذلك مدة لم يخط شيئا يساوي درهما؛ فاتفق أن صاحب الدار جاء إلى أخي يوما من ms0167 الأيام ومعه قماش، وقال له: فصل لي هذا، وخيطه أقمصة. فقال أخي: سمعا وطاعة. ولم يزل يفصل حتى فصل عشرين قميصا إلى وقت العشاء، وهو لم يذق طعاما. ثم قال له: كم أجرة ذلك؟ فلم يتكلم أخي، فأشارت إليه الصبية بعينها لا تأخذ منه شيئا. وكان محتاجا إلى فلس، واستمر ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب إلا القليل بسبب اجتهاده في تلك الخياطة، فلما فرغ من الخياطة التي لهم أتى إليهم بالأقمصة، وكانت الصبية قد عرفت زوجها بحال أخي، وأخي لا يعلم ذلك، واتفقت هي وزوجها على استعمال أخي في الخياطة بلا أجرة، بل يضحكون عليه. # فلما فرغ أخي من جميع أشغالهما، عملا عليه حيلة، وزوجاه بجاريتهما، وليلة أراد أن يدخل عليها قالا له: بت الليلة في الطاحون إلى غد يكون خيرا. فاعتقد أخي أن لهما قصدا صحيحا، فبات في الطاحون وحده، وراح زوج الصبية غمز الطحان عليه حتى إنه يدوره في الطاحون، فدخل عليه الطحان في نصف الليل، وجعل يقول: إن هذا الثور بطال مع أن القمح كثير، وأصحاب الطحين يطلبونه، فأنا أعلقه في الطاحون حتى يخلص طحين القمح. فعلقه في الطاحون إلى قريب الصبح، فجاء صاحب الدار فرأى أخي معلقا في الطاحون، والطحان يضربه بالسوط، فتركه ومضى، وبعد ذلك جاءت الجارية التي عقد عليها، وكان مجيئها في بكرة النهار، فحلته من الطاحون وقالت: قد شق علي وعلى سيدتي ما جرى لك، وقد حملنا همك. فلم يكن له لسان يرد جوابا من شدة الضرب، ثم إن أخي رجع إلى منزله، وإذا بالشيخ الذي كتب الكتاب قد جاء وسلم عليه، وقال له: حياك الله، زواجك مبارك، إنك بت الليلة في النعيم والدلال، والعناق من العشاء إلى الصباح. فقال له أخي: لا سلم الله الكاذب يا ألف قواد، والله ما جئت إلا لأطحن في موضع الثور إلى الصباح. فقال له: حدثني بحديثك. فحدثه أخي بما وقع له، فقال له: ما وافق نجمك نجمها، ولكن إذا شئت أن أغير لك عقد العقد ms0168 أغيره لك بأحسن منه، لأجل أن يوافق نجمك نجمها. فقال له: انظر إن بقي لك حيلة أخرى. # ثم إن أخي تركه، وأتى إلى دكانه ينتظر أحدا يأتي إليه بشغل يتقوت من أجرته، وإذا هو بالجارية قد أتت إليه، وكانت اتفقت مع سيدتها على تلك الحيلة، فقالت له: إن سيدتي مشتاقة إليك، وقد طلعت السطح لترى وجهك من الروشن. فلم يشعر أخي إلا وهي قد طلعت له من الروشن، وصارت تبكي وتقول: لأي شيء قطعت المعاملة بيننا وبينك؟! فلم يرد عليها جوابا، فحلفت له أن جميع ما وقع له في الطاحون لم يكن باختيارها؛ فلما نظر أخي إلى حسنها وجمالها، ذهب عنه ما حصل له، وقبل عذرها وفرح برؤيتها، ثم سلم عليها وتحدث معها، وجلس في خياطته مدة، وبعد ذلك ذهبت إليه الجارية وقالت له: تسلم عليك سيدتي، وتقول لك إن زوجها قد عزم على أنه يبيت عند بعض أصدقائه في هذه الليلة، فإذا مضى عندهم تكون أنت عندنا، وتبيت مع سيدتي في ألذ عيش إلى الصباح. وكان زوجها قد قال لها: ما يكون العمل في مجيئه عندك حتى آخذه وأجره إلى الوالي. فقالت: دعني أحتال عليه بحيلة، وأفضحه فضيحة يشتهر بها في هذه المدينة. وأخي لا يعلم شيئا من كيد النساء. # فلما أقبل المساء جاءت الجارية إلى أخي وأخذته، ورجعت به إلى سيدتها، فقالت له: والله يا سيدي إني مشتاقة إليك كثيرا. فقال: بالله عجلي بقبلة قبل كل شيء. فلم يتم كلامه إلا وقد حضر زوج الصبية من بيت جاره، فقبض على أخي وقال له: والله لا أفارقك إلا عند صاحب الشرطة. فتضرع إليه أخي فلم يسمعه، بل حمله إلى دار الوالي، فضربه بالسياط، وأركبه جملا، ودوره في شوارع المدينة، والناس ينادون عليه: هذا جزاء من يتهجم على حريم الناس. ووقع من فوق الجمل فانكسرت رجله، فصار أعرج، ثم نفاه الوالي من المدينة، فخرج لا يدري أين يقصد، فاغتظت أنا فلحقته، وأتيت به والتزمت بأكله وشربه إلى الآن. # فضحك الخليفة ms0169 من كلامي، وقال: أحسنت. فقلت: لا أقبل هذا التعظيم منك دون أن تصغي إلي حتى أحكي لك ما وقع لبقية إخوتي، ولا تحسب أني كثير الكلام. فقال الخليفة: حدثني بما وقع لجميع إخوتك، وشنف مسامعي بهذه الرقائق، واسلك سبيل الإطناب في ذكر هذه اللطائف. # ![figure](../Images/figure14.png) # فقالت له العجوز: ما قولك في دار حسنة، ووجه مليح تشاهده، وخد أسيل تقبله. ### || حكاية الحدار الأخ الثاني # فقلت: اعلم يا أمير المؤمنين أن أخي الثاني كان اسمه الحدار، وقد وقع له أنه كان ماشيا يوما من الأيام ومتوجها إلى حاجة له، وإذا بعجوز قد استقبلته وقالت له: أيها الرجل، قف قليلا حتى أعرض عليك أمرا، فإن أعجبك فاقضه لي. فوقف أخي فقالت له: أدلك على شيء، وأرشدك إليه بشرط ألا يكون كلامك كثيرا. فقال لها أخي: هاتي كلامك. قالت له: ما قولك في دار حسنة، وماؤها يجري، وفاكهة ومدام، ووجه مليح تشاهده، وخد أسيل تقبله، وقد رشيق تعانقه؟ ولم تزل كذلك من العشاء إلى الصباح، فإن فعلت ما أشترط عليك رأيت الخير. فلما سمع أخي كلامها قال لها: يا سيدتي، وكيف قصدتني بهذا الأمر من دون الخلق أجمعين، فأي شيء أعجبك مني؟ فقالت لأخي: ما قلت لك لا تكن كثير الكلام، واسكت وامض معي. ثم ولت العجوز، وسار أخي تابعا لها؛ طمعا فيما وصفته له، حتى دخلا دارا فسيحة، وصعدت به من أدنى إلى أعلى، فرأى قصرا ظريفا، فنظر أخي فرأى فيه أربع بنات ما رأى الراءون أحسن منهن، وهن يغنين بأصوات تطرب الحجر الأصم، ثم إن بنتا منهن شربت قدحا، فقال لها أخي: بالصحة والعافية. وقام ليخدمها فمنعته من الخدمة، ثم سقته قدحا فشرب، وصفعته على رقبته، فلما رأى أخي ذلك منها خرج مغضبا ومكثرا للكلام، فتبعته العجوز وجعلت تغمزه بعينها يعني ارجع، فرجع وجلس ولم ينطق، فأعادت الصفع على قفاه إلى أن أغمي عليه، ثم قام أخي لقضاء حاجته، فلحقته العجوز وقالت له: اصبر قليلا حتى تبلغ ما تريد. فقال لها أخي: إلى ms0170 كم أصبر قليلا ولا أبلغ ما أريد؟ فقالت له العجوز: إذا سكرت بلغت مرادك. # فرجع أخي إلى مكانه وجلس، فقامت البنات كلهن وأمرتهن العجوز أن يجردنه من ثيابه، وأن يرششن على وجهه ماء ورد، ففعلن ذلك، فقالت الصبية البارعة الجمال منهن: أعزك الله، قد دخلت منزلي، فإن صبرت على شرطي بلغت مرادك. فقال لها أخي: يا سيدتي، أنا عبدك، وفي طبقة يدك. فقالت له: اعلم أن الله قد أشغفني بحب الطرب، فمن أطاعني نال ما يريد. ثم أمرت الجواري أن يغنين فغنين حتى طرب المجلس، ثم قالت للجارية: خذي سيدك واقضي حاجته، وائتيني به في الحال. فأخذت الجارية أخي وهو لا يدري ما تصنع به، فلحقته العجوز وقالت له: اصبر ما بقي إلا القليل. فأقبل أخي على الصبية والعجوز تقول: اصبر؛ فقد بلغت ما تريد، وإنما بقي شيء واحد وهو أن تحلق ذقنك. فقال لها أخي: وكيف أعمل في فضيحتي بين الناس؟ فقالت له العجوز: إنها ما أرادت أن تفعل بك ذلك إلا لأجل أن تصير أمرد بلا ذقن، ولا يبقى في وجهك شيء يشكلها، فإنها صار في قلبها لك محبة عظيمة، فاصبر فقد بلغت المنى. # فصبر أخي، وطاوع الجارية، وحلق ذقنه، وجاءت به إلى الصبية، وإذا هو محلوق الحاجبين والشاربين والذقن، محمر الوجه، ففزعت منه، ثم ضحكت حتى استلقت على قفاها، وقالت: يا سيدي، لقد ملكتني بهذه الأخلاق الحسنة. ثم حلفته بحياتها أن يقوم ويرقص، فقام ورقص، فلم تدع في البيت مخدة حتى ضربته بها، وكذلك جميع الجواري صرن يضربنه بمثل نارنجة وليمونة وأترجة إلى أن سقط مغشيا عليه من الضرب، ولم يزل الصفع على قفاه، والرجم في وجهه، إلى أن قالت له العجوز: الآن بلغت مرادك، واعلم أنه ما بقي عليك من الضرب شيء، وما بقي إلا شيء واحد، وذلك أن من عادتها أنها إذا سكرت لا تمكن أحدا من نفسها حتى تقلع ثيابها وسراويلها وتبقى عريانة من جميع ثيابها، وأنت الآخر تقلع ثيابك، وتجري وراءها وهي تجري ms0171 قدامك كأنها هاربة منك، ولم تزل تابعها من مكان إلى مكان حتى يقوم أيرك، فتمكنك من نفسها. ثم قالت له: قم اقلع ثيابك. فقام وهو غائب عن الوجود، وقلع ثيابه جميعا وبقي عريانا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 31 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أخا المزين لما قالت له العجوز: قم اقلع ثيابك. قام وهو غائب عن الوجود وقلع ثيابه وصار عريانا، قالت الجارية لأخي: قم الآن، واجر ورائي، وأجري أنا قدامك، وإذا أردت شيئا فاتبعني. فجرت قدامه وتبعها، ثم جعلت تدخل من محل إلى محل، وتخرج من محل إلى آخر، وأخي وراءها، وقد غلب عليه الشبق، وأيره قائم كأنه مجنون، ولم تزل تجري قدامه وهو يجري وراءها، حتى سمع منها صوتا رقيقا، فبينما هو كذلك إذ رأى نفسه في وسط زقاق، وذلك الزقاق في سوق الجلادين، وهم ينادون على الجلود، فرآه الناس على تلك الحالة وهو عريان، قائم الأير، محلوق الذقن والحواجب والشوارب، محمر الوجه، فصاحوا عليه وصاروا يضحكون ويقهقهون، وصار بعضهم يصفعه بالجلود وهو عريان حتى غشي عليه، وحملوه على حمار حتى وصلوه إلى الوالي، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا وقع لنا من بيت الوزير، وهو على هذه الحالة. فضربه الوالي مائة سوط، وخرجت أنا خلفه، وجئت به وأدخلته المدينة سرا، ثم رتبت له ما يقتات به، فلولا مروءتي ما كنت أحتمل مثله. ### || حكاية الأخ الثالث # وأما أخي الثالث فاسمه بقبق، ساقه القضاء والقدر إلى دار كبيرة، فدق الباب طمعا أن يكلمه صاحبها فيسأله شيئا، فقال صاحب الدار: من بالباب؟ فلم يكلمه أحد، فسمعه أخي يقول بصوت عال: من هذا؟ فلم يكلمه أخي، وسمع مشيه حتى وصل إلى الباب وفتحه، فقال: ما تريد؟ قال له أخي: شيئا لله تعالى. فقال له: هل أنت ضرير؟ قال له أخي: نعم. فقال له: ناولني يدك. فناوله يده فأدخله الدار، ولم يزل يصعد به من سلم إلى سلم حتى وصل إلى أعلى السطوح، وأخي يظن أنه ms0172 يطعمه شيئا، أو يعطيه شيئا، فلما انتهى إلى أعلى مكان قال لأخي: ما تريد يا ضرير؟ قال: أريد شيئا لله تعالى. فقال له: يفتح الله عليك. فقال له أخي: يا هذا، أما كنت تقول لي ذلك وأنا في الأسفل؟ فقال له: يا أسفل السفلة، لم تسألني شيئا لله حين سمعت كلامي أول مرة وأنت تدق الباب. فقال أخي: وفي هذه الساعة ما تريد أن تصنع بي؟ فقال له: ما عندي شيء حتى أعطيك إياه. قال له: انزل بي إلى السلالم. فقال له: الطريق بين يديك. فقام أخي واستقبل السلالم، وما زال نازلا حتى بقي بينه وبين الباب عشرون درجة، فزلقت رجله فوقع، ولم يزل واقعا منحدرا في السلالم حتى انشجت رأسه، فخرج وهو لا يدري أين يذهب، فلحقه بعض رفقائه العميان، فقالوا له: أي شيء حصل لك في هذا اليوم؟ فحدثهم بما وقع له، ثم قال لهم: يا إخواني، أريد أن آخذ شيئا من الدراهم التي بقيت معنا، وأنفق منه على نفسي. # وكان صاحب الدار مشى خلفه ليعرف حاله فسمع كلامه، وأخي لا يدري بأن الرجل يسعى خلفه، إلى أن دخل أخي مكانه، ودخل الرجل خلفه، وهو لا يشعر به وقعد أخي ينتظر رفقاءه، فلما دخلوا عليه قال لهم: أغلقوا الباب، وفتشوا البيت كي لا يكون أحد غريب تبعنا. فلما سمع الرجل كلام أخي، قام وتعلق بحبل كان في السقف، فطافوا البيت جميعه فلم يجدوا أحدا، ثم رجعوا وجلسوا إلى جانب أخي، وأخرجوا الدراهم التي معهم وعدوها، فإذا هي عشرة آلاف درهم، فتركوها في زاوية البيت، وأخذ كل واحد مما زاد عنها ما يحتاج إليه، ودفنوا العشرة آلاف درهم في التراب، ثم قدموا بين أيديهم شيئا من الأكل، وقعدوا يأكلون، فأحس أخي بصوت غريب في جهته، فقال لأصحابه: هل معنا غريب؟ ثم مد يده فتعلقت بيد الرجل صاحب الدار، فصاح على رفقائه، وقال: هذا غريب. فوقعوا فيه ضربا، فلما طال عليهم ذلك صاحوا: يا مسلمون! دخل علينا لص يريد أن ms0173 يأخذ مالنا. فاجتمع عليهم خلق كثير، فتعامى الرجل الغريب صاحب الدار الذي ادعوا عليه أنه لص، وأغمض عينيه، وأظهر أنه أعمى مثلهم بحيث لا يشك فيه أحد، وصاح: يا مسلمون، أنا بالله والسلطان، أنا بالله والوالي، أنا بالله والأمير، فإن عندي نصيحة للأمير. فلم يشعروا إلا وقد احتاط بهم جماعة الوالي، فأخذوهم وأخي معهم، وأحضروهم بين يديه، فقال الوالي: ما خبركم؟ فقال ذلك الرجل: اسمع كلامي أيها الوالي، لا يظهر لك حقيقة حالنا إلا بالعقوبة، وإن شئت فابدأ بعقوبتي قبل رفقائي. فقال الوالي: اطرحوا هذا الرجل واضربوه بالسياط. فطرحوه وضربوه، فلما أوجعه الضرب فتح إحدى عينيه، فلما ازداد عليه الضرب فتح عينه الأخرى، فقال له الوالي: ما هذه الفعال يا فاجر؟ فقال: أعطني الأمان وأنا أخبرك. فأعطاه الأمان فقال: نحن أربعة نعمل أرواحنا عميانا، ونمر على الناس، وندخل البيوت وننظر النساء، ونحتال في فسادهن واكتساب الأموال من طرفهن، وقد حصلنا من ذلك مكسبا عظيما وهو عشرة آلاف درهم، فقلت لرفقائي: أعطوني حقي ألفين وخمسمائة. فقاموا وضربوني وأخذوا مالي، وأنا مستجير بالله وبك، وأنت أحق بحصتي من رفقائي، وإن شئت أن تعرف صدق قولي، فاضرب كل واحد أكثر مما ضربتني فإنه يفتح عينيه. # فعند ذلك أمر الوالي بعقوبتهم، وأول ما بدأ بأخي، ولا زالوا يضربونه حتى كاد أن يموت، ثم قال لهم الوالي: يا فسقة! أتجحدون نعمة الله، وتدعون أنكم عميان؟! فقال أخي: الله الله الله، ما فينا بصير. فطرحوه إلى الضرب ثانيا، ولم يزالوا يضربونه حتى غشي عليه، فقال الوالي: دعوه حتى يفيق، وأعيدوا عليه الضرب ثالث مرة. ثم أمر بضرب أصحابه كل واحد أكثر من ثلاثمائة عصا، والبصير يقول لهم: افتحوا عيونكم، وإلا جددوا عليكم الضرب. ثم قال للوالي: ابعث معي من يأتيك بالمال، فإن هؤلاء ما يفتحون أعينهم، ويخافون من فضيحتهم بين الناس. فبعث الوالي معه من أتاه بالمال فأخذه، وأعطى الرجل منه ألفين وخمسمائة درهم على قدر حصته رغما عنهم، ونفى أخي وباقي الثلاثة خارج المدينة، فخرجت ms0174 أنا يا أمير المؤمنين ولحقت أخي، وسألته عن حاله، فأخبرني بما ذكرته لك، فأدخلته المدينة سرا ورتبت له ما يأكل وما يشرب طول عمره. # فضحك الخليفة من حكايتي، وقال: صلوه بجائزة، ودعوه ينصرف. فقلت له: والله ما آخذ شيئا حتى أبين لأمير المؤمنين ما جرى لبقية إخوتي، وأوضح له أني قليل الكلام. فقال الخليفة: اصدع آذاننا بخرافة خبرك، وزدنا من عجرك وبجرك. ### || حكاية الأعور الأخ الرابع # فقلت: وأما أخي الرابع يا أمير المؤمنين وهو الأعور، فإنه كان جزارا ببغداد يبيع اللحم ويربي الخرفان، وكانت الكبار وأصحاب الأموال يقصدونه ويشترون منه اللحم، فاكتسب من ذلك مالا عظيما، واقتنى الدواب والدور، ثم أقام على ذلك زمنا طويلا، فبينما هو في دكانه يوما من الأيام إذ وقف عليه شيخ كبير اللحية، فدفع له دراهم وقال: أعطني بها لحما. فأخذ منه الدراهم، وأعطاه اللحم وانصرف. فتأمل أخي في فضة الشيخ، فرأى دراهمه بيضا بياضها ساطع، فعزلها وحدها في ناحية، وأقام الشيخ يتردد عليه خمسة أشهر، وأخي يطرح دراهمه في صندوق وحدها، ثم أراد أن يخرجها ويشتري غنما، فلما فتح الصندوق رأى جميع ما فيه ورقا أبيض مقصوصا، فلطم وجهه وصاح، فاجتمع الناس عليه، فحدثهم بحديثه فتعجبوا منه، ثم رجع أخي إلى الدكان على عادته، فذبح كبشا وعلقه داخل الدكان، وقطع لحما وعلقه خارج الدكان، وصار يقول في نفسه: لعل ذلك الشيخ يجيء فأقبض عليه. فما كان إلا ساعة وقد أقبل الشيخ ومعه الفضة، فقام أخي وتعلق به، وصار يصيح: يا مسلمون! الحقوني واسمعوا قصتي مع هذا الفاجر. # فلما سمع الشيخ كلامه قال له: أي شيء أحب إليك: أن تعرض عن فضيحتي، أم أفضحك بين الناس؟ فقال له أخي: بأي شيء تفضحني؟ قال: بأنك تبيع لحم الناس في صورة لحم الغنم. فقال له أخي: كذبت يا ملعون. فقال الشيخ: ما ملعون إلا الذي عنده رجل معلق في الدكان. فقال له أخي: إن كان الأمر كما ذكرت، فمالي ودمي حلال لك. فقال الشيخ: يا معاشر الناس، ms0175 إن هذا الجزار يذبح الآدميين، ويبيع لحمهم في صورة لحم الغنم، وإن أردتم أن تعلموا صدق قولي فادخلوا دكانه. فهجم الناس على دكان أخي، فرأوا ذلك الكبش صار إنسانا معلقا، فلما رأوا ذلك تعلقوا بأخي، وصاحوا عليه: يا كافر! يا فاجر! وصار أعز الناس إليه يضربه، ولطمه الشيخ على عينه فقلعها، وحمل الناس ذلك المذبوح إلى صاحب الشرطة، فقال له الشيخ: أيها الأمير، إن هذا الرجل يذبح الناس، ويبيع لحمهم على أنه لحم غنم، وقد أتينا به فقم واقض حق الله عز وجل. فدافع أخي عن نفسه، فلم يسمع منه صاحب الشرطة، بل أمر بضربه خمسمائة عصا، وأخذوا جميع ماله، ولولا كثرة ماله لقتلوه، ثم نفوا أخي من المدينة، فخرج هائما لا يدري أين يتوجه، حتى دخل مدينة كبيرة، واستحسن أن يعمل إسكافيا، ففتح دكانا، وقعد يعمل شيئا يتقوت منه، فخرج ذات يوم في حاجة فسمع صهيل خيل، فبحث عن سبب ذلك، فقيل له: إن الملك خارج إلى الصيد والقنص. فخرج أخي ليتفرج على الموكب وهو يتعجب من حسن رأيه، حيث انتقل إلى صنعة الأساكفة، فالتفت الملك فوقعت عينه على عين أخي، فأطرق الملك رأسه وقال: أعوذ بالله من شر هذا اليوم. وثنى عنان فرسه، وانصرف راجعا، فرجع جميع العسكر، وأمر الملك غلمانه أن يلحقوا أخي ويضربوه، فلحقوا به وضربوه ضربا موجعا حتى كاد أن يموت، ولم يدر أخي ما السبب، فرجع إلى موضعه وهو في حالة العدم، ثم مضى إلى إنسان من حاشية الملك، وقص عليه ما وقع له، فضحك حتى استلقى على قفاه، وقال له: يا أخي، اعلم أن الملك لا يطيق أن ينظر إلى أعور، لا سيما إن كان العور شمالا، فإنه لا يرجع عن قتله. # فلما سمع أخي ذلك الكلام عزم على الهروب من تلك المدينة، ثم ارتحل منها وتحول إلى مدينة أخرى لم يكن فيها ملك، وأقام بها زمنا طويلا، ثم بعد ذلك تفكر في أمره، وخرج يوما ليتفرج، فسمع صهيل خيل خلفه، فقال: جاء ms0176 أمر الله. وفر يطلب موضعا ليستتر فيه، فلم يجد، ثم نظر فرأى بابا منصوبا، فدفع ذلك الباب فدخل فرأى دهليزا طويلا، فاستمر داخلا فيه، فلم يشعر إلا ورجلان قد تعلقا به، وقالا له: الحمد لله الذي مكننا منك يا عدو الله، هذه ثلاث ليال ما أرحتنا، ولا تركتنا ننام، ولا يستقر لنا مضجع، بل أذقتنا طعم الموت. فقال أخي: يا قوم، ما أمركم؟ فقالوا: أنت تراقبنا، وتريد أن تفضحنا، وتفضح صاحب البيت، أما يكفيك أنك أفقرته وأفقرت أصحابك؟ ولكن أخرج لنا السكين التي تهددنا بها كل ليلة. وفتشوه فوجدوا في وسطه السكين التي يقطع بها النعال، فقال: يا قوم، اتقوا الله في أمري، واعلموا أن حديثي عجيب. فقالوا: وما حديثك؟ فحدثهم بحديثه طمعا أن يطلقوه، فلم يسمعوا منه ما قاله، ولم يلتفتوا إليه، بل ضربوه ومزقوا ثوبه، فلما تمزقت أثوابه وانكشف بدنه، وجدوا أثر الضرب بالمقارع على جنبيه، فقالوا له: يا ملعون، هذا أثر الضرب يشهد على جرمك. ثم أحضروا أخي بين يدي الوالي، فقال في نفسه: قد وقعت بذنوبي، وما يخلصني إلا الله تعالى. فلما حضر بين يدي الوالي قال له: يا فاجر، ما حملك على أن ضربت بالمقارع إلا جرم عظيم. ثم ضرب أخي مائة سوط، ثم حملوه على جمل ونادوا عليه: هذا جزاء من يهجم على بيوت الناس. فلما سمعت به أنا خرجت إليه، ولا زلت دائرا معه وهم ينادون عليه حتى تركوه، فأتيت إليه وأخذته، وأدخلته المدينة سرا، ورتبت له ما يأكل وما يشرب. ### || حكاية الأخ الخامس # وأما أخي الخامس، فإنه كان مقطوع الأذنين يا أمير المؤمنين، وكان رجلا فقيرا يسأل الناس ليلا، وينفق ما يحصله بالسؤال نهارا، وكان والدنا شيخا كبيرا طاعنا في السن، فخلف لنا سبعمائة درهم، فأخذ كل واحد منا مائة درهم، وأما أخي الخامس هذا فإنه لما أخذ حصته تحير ولم يدر ما يصنع بها، فبينما هو كذلك إذ وقع في خاطره أنه يأخذ بها زجاجا من كل نوع ليتجر به ويربح، ms0177 فاشترى بالمائة درهم زجاجا، وجعله في طبق كبير، وقعد في موضع ليبيع ذلك الزجاج، وبجانبه حائط، فأسند ظهره إليها، وقعد متفكرا في نفسه، وقال: إن رأس مالي في هذا الزجاج مائة درهم، وأنا أبيعه بمائتي درهم، ثم أشتري بالمائتي درهم زجاجا، وأبيعه بأربعمائة درهم، ولا أزال أبيع وأشتري إلى أن يبقى معي مال كثير، فأشتري به من جميع المتاجر والعطريات؛ حتى يربح ربحا عظيما، وبعد ذلك أشتري دارا حسنة، وأشتري المماليك والخيل والسروج المذهبة، وآكل وأشرب، ولا أخلي مغنية في المدينة حتى أجيء بها إلى بيتي، وأسمع مغانيها. # هذا كله وهو يحسب في نفسه، وقفص الزجاج قدامه، ثم قال: وأبعث جميع الخاطبات في خطبة بنات الملوك والوزراء، وأخطب بنت الوزير، فقد بلغني أنها كاملة الحسن، بديعة الجمال، وأمهرها بألف دينار، فإن رضي أبوها حصل المراد، وإن لم يرض أخذتها قهرا على رغم أنفه، فإن حصلت في داري أشتري عشرة خدام صغار، ثم أشتري لي كسوة الملوك والسلاطين، وأصوغ لي سرجا من الذهب مرصعا بالجواهر، ثم أركب ومعي المماليك يمشون حولي، وقدامي وخلفي، حتى إذا رآني الوزير قام إجلالا لي، وأقعدني مكانه، ويقعد هو دوني؛ لأنه صهري، ويكون معي خادمان بكيسين في كل كيس ألف دينار، فأعطيه ألف دينار مهر بنته، وأهدي إليه الألف الثاني إنعاما؛ حتى أظهر له مروءتي وكرمي وصغر الدنيا في عيني، ثم أنصرف إلى داري، فإذا جاء أحد من جهة امرأتي، وهبت له دراهم، وخلعت عليه خلعة، وإن أرسل إلي الوزير هدية رددتها عليه، ولو كانت نفيسة، ولم أقبلها منه حتى يعلموا أني عزيز النفس، ولا أخلي نفسي إلا في أعلى مكانة، ثم أقدم إليهم في إصلاح شأني وتعظيمي، فإذا فعلوا ذلك أمرتهم بزفافها. ثم أصلح داري إصلاحا بينا، فإذا جاء وقت الجلاء لبست أفخر ثيابي، وقعدت على مرتبة من الديباج لا ألتفت يمينا ولا شمالا لكبر عقلي ورزانة فهمي، وتجيء امرأتي وهي كالبدر في حليها وحللها، وأنا لا أنظر إليها عجبا وتيها حتى يقول جميع من ms0178 حضر: يا سيدي، امرأتك وجاريتك قائمة بين يديك، فأنعم عليها بالنظر، فقد أضر بها القيام. ثم يقبلون الأرض قدامي مرارا، فعند ذلك أرفع رأسي، وأنظر إليها نظرة واحدة، ثم أطرق برأسي إلى الأرض، فيمضون بها، وأقوم أنا وأغير ثيابي، وألبس أحسن مما كان علي، فإذا جاءوا بالعروسة المرة الثانية لا أنظر إليها حتى يسألوني مرارا، فأنظر إليها، ثم أطرق إلى الأرض، ولم أزل كذلك حتى يتم جلاؤها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 32 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أخا المزين الخامس قال: ثم أطرق إلى الأرض، ولم أزل كذلك حتى يتم جلاؤها، ثم إني آمر بعض الخدام أن يرمي كيسا فيه خمسمائة دينار للمواشط، فإذا أخذته المواشط آمرهن أن يدخلنني عليها، فإذا أدخلنني عليها لا أنظر إليها ولا أكلمها احتقارا لها؛ لأجل أن يقال إني عزيز النفس، حتى تجيء أمها تقبل رأسي ويدي، وتقول لي: يا سيدي، انظر جاريتك فإنها تشتهي قربك، فاجبر خاطرها بكلمة. فلا أرد عليها جوابا، ولم تزل كذلك تستعطفني حتى تقوم وتقبل يدي ورجلي مرارا، ثم تقول: يا سيدي، إن بنتي صبية مليحة ما رأت رجلا، فإذا رأت منك هذا الانقباض انكسر خاطرها، فمل إليها وكلمها. ثم إنها تقوم وتحضر لي قدحا فيه شراب، ثم إن ابنتها تأخذ القدح لتعطيني، فإذا جاءتني تركتها قائمة بين يدي وأنا متكئ على مخدة مزركشة بالذهب، لا أنظر إليها من كبر نفسي وجلالة قدري، حتى تظن في نفسها أني سلطان عظيم الشأن، فتقول: يا سيدي، بحق الله عليك لا ترد القدح من يد جاريتك، فإني جاريتك. فلا أكلمها، فتلح علي وتقول: لا بد من شربه. وتقدمه إلى فمي، فأنفض يدي في وجهها وأرفسها، وأعمل هكذا. ثم رفس أخي برجله فجاءت في قفص الزجاج، وكان في مكان مرتفع، فنزل إلى الأرض فتكسر كل ما فيه، ثم قال أخو الخياط: هذا كله من كبر نفسي. ولو كان أمره إلي يا أمير المؤمنين لضربته ألف سوط وأشهرته ms0179 في البلد. # ثم بعد ذلك صار أخي يلطم على وجهه، ومزق ثيابه، وجعل يبكي ويلطم، والناس ينظرون إليه، وهم رائحون إلى صلاة الجمعة، فمنهم من يرمقه، ومنهم من لم يفكر فيه وهو على تلك الحالة، وراح منه رأس المال والربح، ولم يزل جالسا يبكي، وإذا بامرأة مقبلة إلى صلاة الجمعة، وهي بديعة الجمال تفوح منها رائحة المسك، وتحتها بغلة برذعتها من الديباج، مزركشة بالذهب، ومعها عدد من الخدم، فلما نظرت إلى الزجاج وحال أخي وبكائه، أخذتها الشفقة عليه، ورق قلبها له، وسألت عن حاله، فقيل لها: إنه كان معه طبق زجاج يتعيش منه، فانكسر منه، فأصابه ما تنظرينه. فنادت بعض الخدام وقالت له: ادفع الذي معك إلى هذا المسكين. فدفع له صرة فأخذها، فلما فتحها وجد فيها خمسمائة دينار، فكاد أن يموت مع شدة الفرح، وأقبل أخي بالدعاء لها، ثم عاد إلى منزله غنيا، وقعد متفكرا، وإذا بداق يدق الباب، فقام وفتح، وإذا بعجوز لا يعرفها، فقالت له: يا ولدي، اعلم أن الصلاة قد قرب زوال وقتها، وأنا بغير وضوء، وأطلب منك أن تدخلني منزلك حتى أتوضأ. فقال لها: سمعا وطاعة. ثم دخل أخي، وأذن لها بالدخول، وهو طائر من الفرح بالدنانير، فلما فرغت أقبلت إلى الموضع الذي هو جالس فيه، وصلت هناك ركعتين، ثم دعت لأخي دعاء حسنا، فشكرها على ذلك وأعطاها دينارين، فلما رأت ذلك قالت: سبحان الله، إني لأعجب ممن أحبك وأنت بسمة الصعاليك، فخذ مالك عني، وإن كنت غير محتاج إليه، فاردده إلى التي أعطتك إياه لما انكسر الزجاج منك. فقال لها أخي: يا أمي، كيف الحيلة في الوصول إليها؟ قالت: يا ولدي، إنها تميل إليك، لكنها زوجة رجل موسر، فخذ جميع مالك معك، فإذا اجتمعت بها فلا تترك شيئا من الملاطفة والكلام الحسن إلا وتفعله معها، فإنك تنال من جمالها ومن مالها جميع ما تريده. # فأخذ أخي جميع الذهب، وقام ومشى مع العجوز وهو لا يصدق بذلك، فلم تزل تمشي وأخي يمشي وراءها حتى وصلا ms0180 إلى باب كبير فدقته، فخرجت جارية رومية فتحت الباب، فدخلت العجوز وأمرت أخي بالدخول، فدخل دارا كبيرة، فلما دخلها رأى فيها مجلسا كبيرا مفروشا، وستائر مسبلة، فجلس أخي، ووضع الذهب بين يديه، ووضع عمامته على ركبته، فلم يشعر إلا وجارية أقبلت ما رأى مثلها الراءون، وهي لابسة أفخر القماش، فقام أخي على قدميه، فلما رأته ضحكت في وجهه وفرحت به، ثم ذهبت إلى الباب وأغلقته، ثم أقبلت على أخي وأخذت يده، ومضيا جميعا إلى أن أتيا إلى حجرة منفردة فدخلاها، وإذا هي مفروشة بأنواع الديباج، فجلس أخي وجلست بجانبه، ولاعبته ساعة زمانية، ثم قامت وقالت له: لا تبرح حتى أجيء إليك. وغابت عن أخي ساعة، فبينما هو كذلك إذ دخل عليه عبد أسود عظيم الخلقة، ومعه سيف مجرد يأخذ لمعانه بالبصر، وقال لأخي: يا ويلك! من جاء بك إلى هذا المكان يا أخس الإنس، يا ابن الزانية وتربية الخنا؟ فلم يقدر أخي أن يرد عليه جوابا، بل انعقد لسانه في تلك الساعة، فأخذه العبد وأعراه، ولم يزل يضربه بالسيف صفحا ضربات متعددة أكثر من ثمانين ضربة إلى أن سقط من طوله على الأرض، فرجع العبد عنه واعتقد أنه مات، وصاح صيحة عظيمة بحيث ارتجت الأرض من صوته، ودوى له المكان، وقال: أين المليحة؟ فأقبلت إليه جارية في يدها طبق مليح فيه ملح أبيض، فصارت الجارية تأخذ من ذلك الملح، وتحشو الجراحات التي في جلد أخي حتى تهورت، وأخي لا يتحرك خيفة أن يعلموا أنه حي فيقتلوه، ثم مضت الجارية، وصاح العبد صيحة مثل الأولى، فجاءت العجوز إلى أخي وجرته من رجله إلى سرداب طويل مظلم، ورمته فيه على جماعة مقتولين، فاستقر في مكانه يومين كاملين، وكان الله سبحانه جعل الملح سببا لحياته؛ لأنه قطع عروق الدم. # فلما رأى أخي في نفسه القوة على الحركة قام من السرداب، وفتح طاقة في الحائط، وخرج من مكان القتلى، وأعطاه الله عز وجل الستر، فمشى في الظلام واختفى في ذلك الدهليز إلى الصبح، فلما ms0181 كان وقت الصبح خرجت العجوز في طلب صيد آخر، فخرج أخي في إثرها وهي لا تعلم به، حتى أتى إلى منزله، ولم يزل يعالج نفسه حتى برئ، ولم يزل يتعهد العجوز وينظر إليها كل وقت وهي تأخذ الناس واحدا بعد واحد، وتوصلهم إلى تلك الدار وأخي لا ينطق بشيء، ثم لما رجعت إليه صحته وكملت قوته، عمد إلى خرقة وعمل منها كيسا، وملأه زجاجا، وشده في وسطه، وتنكر حتى لا يعرفه أحد، ولبس ثياب العجم، وأخذ سيفا، وجعله تحت ثيابه، فلما رأى العجوز قال لها بكلام العجم: يا عجوز، هل عندك ميزان يسع تسعمائة دينار؟ فقالت العجوز: لي ولد صغير صيرفي عنده سائر الموازين، فامض معي إليه قبل أن يخرج من مكانه حتى يزن لك ذهبك. فقال أخي: امشي قدامي. فسارت وسار أخي خلفها، حتى أتت الباب فدقته فخرجت الجارية، وضحكت في وجهه. فقالت العجوز: أتيتكم بلحمة سمينة. فأخذت الجارية بيد أخي، وأدخلته الدار التي دخلها سابقا، وقعدت عنده ساعة، وقامت وقالت لأخي: لا تبرح حتى أرجع إليك. وراحت، فلم يستقر أخي إلا والعبد قد أقبل ومعه السيف المجرد، فقال لأخي: قم يا مشئوم. فقام أخي وتقدم العبد أمامه، وأخي وراءه، ومد يده إلى سيفه الذي تحت ثيابه، وضرب به العبد فرمى رأسه، وسحبه من رجله إلى السرداب، ونادى: أين المليحة؟ فجاءت الجارية وبيدها الطبق الذي فيه الملح، فلما رأت أخي والسيف بيده، ولت هاربة، فتبعها أخي وضربها فرمى رأسها، ثم نادى: أين العجوز؟ فجاءت فقال لها: أتعرفينني يا عجوز النحس؟ فقالت: لا يا مولاي. فقال لها: أنا صاحب الدنانير الذي جئت وتوضأت عندي وصليت، ثم تحيلت علي حتى أوقعتني هنا. فقالت: اتق الله في أمري. فالتفت إليها وضربها بالسيف فصيرها قطعتين. # ![figure](../Images/figure15.png) # فخرجت عليه اللصوص فعروه وضربوه وقطعوا أذنيه. # ثم خرج في طلب الجارية، فلما رأته طار عقلها، وطلبت منه الأمان فأمنها، ثم قال لها: ما الذي أوقعك عند هذا الأسود؟ فقالت: إني كنت جارية لبعض التجار، وكانت هذه العجوز ms0182 تتردد علي، فقالت لي يوما من الأيام: إن عندنا فرحا ما رأى أحد مثله، فأحب أن تنظري إليه. فقلت لها: سمعا وطاعة. ثم قمت ولبست أحسن ثيابي، وأخذت معي صرة فيها مائة دينار، ومضيت معها حتى أدخلتني هذه الدار، فلما دخلت ما شعرت إلا وهذا الأسود أخذني، ولم أزل عنده على هذا الحال ثلاث سنين بحيلة العجوز الكاهنة. فقال لها أخي: هل له في الدار شيء؟ فقالت: عنده شيء كثير، فإن كنت تقدر على نقله فانقله. فقام أخي ومشى معها، ففتحت له صناديق فيها أكياس، فبقي أخي متحيرا، فقالت له الجارية: امض الآن، ودعني هنا، وهات من ينقل المال. فخرج واكترى عشرة رجال وجاء، فلما وصل إلى الباب وجده مفتوحا، ولم ير الجارية ولا الأكياس، وإنما رأى شيئا يسيرا من المال ورأى القماش، فعلم أنها خدعته. فعند ذلك أخذ المال الذي بقي، وفتح الخزائن، وأخذ جميع ما فيها من القماش، ولم يترك في الدار شيئا، وبات تلك الليلة مسرورا، فلما أصبح الصباح وجد بالباب عشرين جنديا، فلما خرج إليهم تعلقوا به وقالوا له: إن الوالي يطلبك. فأخذوه وراحوا إلى الوالي، فلما رأى أخي قال له: من أين لك هذا القماش؟ فقال أخي: أعطني الأمان. فأعطاه منديل الأمان، فحدثه بجميع ما وقع له مع العجوز من الأول إلى الآخر، ومن هروب الجارية، ثم قال للوالي: والذي أخذته خذ منه ما شئت، ودع لي ما أتقوت به. فطلب الوالي جميع المال والقماش، وخاف أن يعلم به السلطان، فأخذ البعض وأعطى أخي البعض، وقال له: اخرج من هذه المدينة وإلا أشنقك. فقال: السمع والطاعة. فخرج إلى بعض البلدان، فخرجت عليه اللصوص فعروه وضربوه وقطعوا أذنيه، فسمعت بخبره فخرجت إليه، وأخذت إليه ثيابا، وجئت به إلى المدينة مسرورا، ورتبت له ما يأكله وما يشربه. ### || حكاية الأخ السادس # وأما أخي السادس يا أمير المؤمنين وهو مقطوع الشفتين، فإنه كان فقيرا جدا لا يملك شيئا من حطام الدنيا الفانية، فخرج يوما من الأيام يطلب شيئا يسد ms0183 به رمقه، فبينما هو في بعض الطرق إذ رأى دارا حسنة ولها دهليز واسع مرتفع، وعلى الباب خدم، وأمر ونهي، فسأل بعض الواقفين هناك، فقال: هي لإنسان من أولاد الملوك. فتقدم أخي إلى البوابين وسألهم شيئا، فقالوا: ادخل باب الدار تجد ما تحب من صاحبها. فدخل الدهليز ومشى فيه ساعة حتى وصل إلى دار في غاية ما يكون من الملاحة والظرف، وفي وسطها بستان ما رأى الراءون أحسن منه، وأرضها مفروشة بالرخام، وستورها مسبولة؛ فصار أخي لا يعرف أين يقصد، فمضى نحو صدر المكان، فرأى إنسانا حسن الوجه واللحية، فلما رأى أخي قام إليه ورحب به وسأله عن حاله، فأخبره أنه محتاج، فلما سمع كلام أخي أظهر غما شديدا، ومد يده إلى ثياب نفسه ومزقها، وقال: هل أكون أنا ببلد وأنت بها جاد؟ لا صبر لي على ذلك. ووعده بكل خير، ثم قال: لا بد أن تمالحني. فقال: يا سيدي، ليس لي صبر، وإني شديد الجوع. فصاح: يا غلام، هات الطشت والإبريق. ثم قال له: يا ضيفي تقدم واغسل يديك. ثم أومأ كأنه يغسل يديه، ثم صاح على أتباعه أن قدموا المائدة، فجعلت أتباعه تغدو وترجع كأنها تهيئ السفرة، ثم أخذ أخي وجلس معه على تلك السفرة الموهومة، وصار صاحب المنزل يومئ ويحرك شفتيه كأنه يأكل، ويقول لأخي: كل، ولا تستح؛ فإنك جائع، وأنا أعلم ما أنت فيه من شدة الجوع. فجعل أخي يومئ كأنه يأكل، وهو يقول لأخي: كل وانظر هذا الخبز وبياضه. وأخي لا يبدي شيئا. # ثم إن أخي قال في نفسه: إن هذا رجل يحب أن يهزأ بالناس. فقال له: يا سيدي، عمري ما رأيت أحسن من بياض هذا الخبز، ولا ألذ من طعمه. فقال: هذا خبزته جارية لي كنت اشتريتها بخمسمائة دينار. ثم صاح صاحب الدار: يا غلام، قدم لنا السكباج الذي لا يوجد مثله في طعام الملوك. ثم قال لأخي: كل يا ضيفي، فإنك جائع شديد الجوع، ومحتاج إلى الأكل. فصار أخي يدور حنكه ويمضغ ms0184 كأنه يأكل، وأقبل الرجل يستدعي لونا بعد لون من الطعام، ولا يحضر شيئا إلا ويأمر أخي بالأكل، ثم صاح: يا غلام، قدم لنا الفراريج المحشوة بالفستق، فكل ما لم تأكل مثله قط. فقال: يا سيدي، إن هذا الأكل لا نظير له في اللذة. وأقبل يومئ بيده إلى فم أخي حتى كأنه يلقمه بيده، وكان يعدد هذه الألوان، ويصفها لأخي بهذه الأوصاف وهو جائع، فاشتد جوعه وصار بشهوة رغيف من شعير، ثم قال له صاحب الدار: هل رأيت أطيب من أبازير هذه الأطعمة؟ فقال له أخي: لا يا سيدي. فقال: أكثر الأكل ولا تستح. فقال: قد اكتفيت من الطعام. فصاح الرجل على أتباعه أن قدموا الحلويات، فحركوا أيديهم في الهواء كأنهم قدموا الحلويات، ثم قال صاحب المنزل لأخي: كل من هذا النوع فإنه جيد، وكل من هذه القطائف بحياتي، وخذ هذه القطيفة قبل أن ينزل منها الجلاب. فقال له أخي: لا عدمتك يا سيدي. وأقبل أخي يسأله عن كثرة المسك الذي في القطائف، فقال له: إن هذه عادتي في بيتي، فدائما يضعون لي في كل قطيفة مثقالا من المسك، ونصف مثقال من العنبر، هذا كله وأخي يحرك رأسه وفمه يلعب بين شدقيه كأنه يتلذذ بأكل الحلويات، ثم صاح صاحب الدار على أتباعه أن أحضروا النقل، فحركوا أيديهم في الهواء كأنهم أحضروا النقل، وقال لأخي: كل من هذا اللوز، ومن هذا الجوز، ومن الزبيب. ونحو ذلك، وصار يعدد له أنواع النقل، ويقول له: كل ولا تستح. فقال له أخي: يا سيدي، قد اكتفيت ولم يبق لي قدرة على أكل شيء. فقال: يا ضيفي، إن أردت أن تأكل وتتفرج على غرائب المأكولات، فالله الله لا تكن جائعا. # ثم فكر أخي في نفسه، وفي استهزاء ذلك الرجل به، وقال: والله لأعملن فيه عملا يتوب بسببه إلى الله عن هذه الفعال. ثم قال الرجل لأتباعه: قدموا لنا الشراب. فحركوا أيديهم في الهواء حتى كأنهم قدموا الشراب، ثم أومأ صاحب المنزل كأنه ناول أخي قدحا، وقال: ms0185 خذ هذا القدح، فإنه أعجبك. فقال له: يا سيدي، هذا من إحسانك. وأومأ أخي بيده كأنه يشربه، فقال له: هل أعجبك؟ فقال له: يا سيدي، ما رأيت ألذ من هذا الشراب. فقال له: اشرب هنيئا وصحة. # ثم إن صاحب البيت أومأ وشرب، ثم ناول أخي قدحا ثانيا، فخيل أنه شربه، وأظهر أنه سكران، ثم إن أخي غافله ورفع يده حتى بان بياض إبطه، وصفعه على رقبته صفعة رن لها المكان، ثم ثنى عليه بصفعة ثانية، فقال له الرجل: ما هذا يا أسفل العالمين؟ فقال: يا سيدي، أنا عبدك الذي أنعمت عليه، وأدخلته منزلك، وأطعمته الزاد، وأسقيته الخمر العتيق، فسكر وعربد عليك، ومقامك أعلى من أن تؤاخذه بجهله. فلما سمع صاحب المنزل كلام أخي ضحك ضحكا عاليا، ثم قال له: إن لي زمانا طويلا أسخر بالناس، وأهزأ بجميع أصحاب المزاح والمجون، ما رأيت منهم من له طاقة على أن أفعل به هذه السخرية، ولا من له فطنة يدخل بها في جميع أموري غيرك، والآن عفوت عنك، فكن نديمي على الحقيقة ولا تفارقني. # ثم أمر بإخراج عدة من أنواع الطعام المذكورة أولا، فأكل هو وأخي حتى اكتفيا، ثم انتقلا إلى مجلس الشراب، فإذا فيه جوار كأنهن الأقمار، فغنين بجميع الألحان، واشتغلن بجميع الملاهي، ثم شربا حتى غلب عليهما السكر، وأنس الرجل بأخي حتى كأنه أخوه، وحبه محبة عظيمة، وخلع عليه خلعة سنية، فلما أصبح الصباح عادا لما كانا عليه من الأكل والشرب، ولم يزالا كذلك مدة عشرين سنة، ثم إن الرجل مات وقبض السلطان على ماله واحتوى عليه، فخرج أخي من البلد هاربا، فلما وصل إلى نصف الطريق خرج عليه العرب فأسروه، وصار الذي أسره يعذبه ويقول له: لله اشتر روحك مني بالأموال، وإلا أقتلك. فجعل أخي يبكي ويقول: أنا والله لا أملك شيئا يا شيخ العرب، ولا أعرف طريق شيء من المال، وأنا أسيرك، وصرت في يدك فافعل بي ما شئت. فأخرج البدوي الجبار من حزامه سكينا عريضة لو نزلت على ms0186 رقبة جمل لقطعتها من الوريد إلى الوريد، وأخذها في يده اليمين، وتقدم إلى أخي المسكين وقطع بها شفتيه، وشدد عليه بالمطالبة، وكان للبدوي زوجة حسنة، وكان إذا خرج البدوي تتعرض لأخي، وتراوده عن نفسه، وهو يمتنع حياء من الله تعالى، فاتفق أن راودت أخي يوما من الأيام، فقام ولاعبها وأجلسها في حجره، فبينما هما بذلك وإذا بزوجها داخل عليهما، فلما نظر إلى أخي، قال له: ويلك يا خبيث! أتريد الآن أن تفسد علي زوجتي؟ وأخرج سكينا وقطع بها ذكره، وحمله على جمل وطرحه فوق جبل، وتركه وسار إلى حال سبيله، فجاز عليه المسافرون فعرفوه، فأطعموه وأسقوه، وأعلموني بخبره، فذهبت إليه وحملته، ودخلت به المدينة، ورتبت له ما يكفيه. وها أنا جئت عندك يا أمير المؤمنين، وخفت أن أرجع إلى بيتي قبل إخبارك، فيكون ذلك غلطا، وورائي ستة إخوة وأنا أقوم بهم. # ![figure](../Images/figure16.png) # انتقلا إلى مجلس الشراب، فإذا فيه جوار كأنهن الأقمار. # فلما سمع أمير المؤمنين قصتي، وما أخبرته عن إخوتي، ضحك وقال: صدقت يا صامت، أنت قليل الكلام ما عندك فضول، ولكن الآن اخرج من هذه المدينة واسكن غيرها. ثم نفاني من بغداد، فلم أزل سائر في البلاد حتى طفت الأقاليم إلى أن سمعت بموته وخلافة غيره، فرجعت إلى المدينة فوجدته مات، ووقعت عند هذا الشاب، وفعلت معه أحسن الفعال، ولولا أنا لقتل، وقد اتهمني بشيء ما هو في، وجميع ما نقله عني من الفضول، وكثرة الكلام، وكثافة الطبع، وعدم الذوق؛ باطل يا جماعة. # ثم قال الخياط لملك الصين: فلما سمعنا قصة المزين وتحققنا فضوله وكثرة كلامه، وأن الشاب مظلوم معه، أخذنا المزين وقبضنا عليه وحبسناه وجلسنا حوله آمنين، ثم أكلنا وشربنا، وتمت الوليمة على أحسن حالة، ولم نزل جالسين إلى أن أذن العصر، فخرجت وجئت منزلي وغشيت زوجتي، فقالت: أنت طول النهار في حظك، وأنا قاعدة في البيت حزينة، فإن لم تخرج بي وتفرجني بقية النهار كان ذلك سبب فراقي منك. فأخذتها وخرجت بها، وتفرجنا إلى العشاء، ثم رجعنا فلقينا ms0187 هذ الأحدب والسكر طافح منه، وهو ينشد هذين البيتين: # رق الزجاج وراقت الخمر %~% فتشابها وتشاكل الأمر ~~فكأنما خمر ولا قدح %~% وكأنما قدح ولا خمر # فعزمت عليه فأجابني، وخرجت لأشتري سمكا مقليا، فاشتريت ورجعت، ثم جلسنا نأكل، فأخذت زوجتي لقمة وقطعة سمك، وأدخلتهما فمه وسدته فمات، فحملته وتحايلت حتى رميته في بيت هذا الطبيب، وتحايل الطبيب حتى رماه في بيت المباشر، وتحايل المباشر حتى رماه في طريق السمسار. وهذه قصة ما لقيته البارحة، أما هي أعجب من قصة الأحدب؟ فلما سمع ملك الصين هذه القصة أمر بعض حجابه أن يمضوا مع الخياط، ويحضروا المزين، وقال لهم: لا بد من حضوره لأسمع كلامه، ويكون ذلك سببا في خلاصكم جميعا، وندفن هذا الأحدب ونواريه في التراب، فإنه ميت من أمس، ثم نعمل له ضريحا؛ لأنه كان سببا في اطلاعنا على هذه الأخبار العجيبة. فما كان إلا ساعة حتى جاء الحجاب هم والخياط بعد أن مضوا إلى الحبس، وأخرجوا منه المزين، وساروا به إلى أن أوقفوه بين يدي هذا الملك، فلما رآه تأمله، فإذا هو شيخ كبير جاوز التسعين، أسود الوجه، أبيض اللحية والحواجب، مقرطم الأذنين، طويل الأنف، في نفسه كبر، فضحك الملك من رؤيته وقال: يا صامت، أريد أن تحكي لي شيئا من حكاياتك. فقال المزين: يا ملك الزمان، ما شأن هذا النصراني، وهذا اليهودي، وهذا المسلم، وهذا الأحدب بينكم ميت؟ وما سبب هذا الجمع؟ فقال له ملك الصين: وما سؤالك عن هذا؟ فقال: سؤالي عنهم حتى يعلم الملك أني غير فضولي، ولا أشتغل إلا بما يعنيني، وأنني بريء مما اتهموني به من كثرة الكلام، وأن لي نصيبا من اسمي، حيث لقبوني بالصامت، كما قال الشاعر: # وقلما أبصرت عيناك ذا لقب %~% إلا ومعناه إن فتشت في لقبه # فقال الملك: اشرحوا للمزين حال هذا الأحدب، وما جرى له في وقت العشاء، واشرحوا له ما حكى النصراني، وما حكى اليهودي، وما حكى المباشر، وما حكى الخياط. فحكوا له حكايات الجميع، وليس في الإعادة إفادة، فحرك ms0188 المزين رأسه وقال: والله إن هذا الشيء عجاب، اكشفوا لي عن هذا الأحدب، فكشفوا له عنه، فجلس عند رأسه وأخذ رأسه في حجره، ونظر في وجهه، وضحك ضحكا عاليا، حتى انقلب على قفاه من شدة الضحك، وقال: لكل موتة سبب من الأسباب، وموتة هذا الأحدب من عجب العجاب، يجب أن تؤرخ في السجلات ليعتبر بما مضى من هو آت. فتعجب الملك من كلامه، وقال: يا صامت، احك لنا سبب كلامك هذا. فقال: يا ملك، وحق نعمتك إن الأحدب فيه الروح. ثم إن المزين أخرج من وسطه مكحلة فيها دهن، ودهن رقبة الأحدب وغطاها حتى عرقت، ثم أخرج كلابتين من حديد، ونزل بهما في حلقه، فالتقطت قطعة السمك بعظمها، فلما أخرجها رآها الناس بعيونهم، ثم نهض الأحدب واقفا على قدميه، وعطس عطسة، واستفاق في نفسه، وملس بيديه على وجهه، وقال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتعجب الحاضرون من الذي رأوه وعاينوه؛ فضحك ملك الصين حتى غشي عليه، وكذلك الحاضرون، وقال السلطان: والله إن هذه قصة عجيبة، ما رأيت أغرب منها! ثم إن السلطان قال: يا مسلمون، يا جماعة العسكر، هل رأيتم في عمركم أحدا يموت ثم يحيا بعد ذلك؟ ولولا رزقه الله بهذا المزين لكان اليوم من أهل الآخرة؛ فإنه كان سببا لحياته. فقالوا: والله إن هذا من عجب العجاب! # ثم إن ملك الصين أمر أن تسطر هذه القصة فسطروها، ثم جعلوها في خزانة الملك، ثم خلع على اليهودي والنصراني والمباشر، وخلع على كل واحد خلعة سنية، وجعل الخياط خياطه، ورتب له الرواتب، وأصلح بينه وبين الأحدب، وخلع على الأحدب خلعة سنية مليحة، ورتب له الرواتب وجعله نديمه، وأنعم على المزين وخلع عليه خلعة سنية، ورتب له الرواتب، وجعل له جامكية، وجعله مزين المملكة ونديمه. ولم يزالوا في ألذ عيش وأهناه إلى أن أتاهم هادم اللذات، ومفرق الجماعات. وليس هذا بأعجب من قصة الوزيرين التي فيها ذكر أنيس الجليس. قال الملك: وما حكاية الوزيرين؟ ### || حكاية ms0189 أنيس الجليس وعلي نور # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان بالبصرة ملك من الملوك يحب الفقراء والصعاليك، ويرفق بالرعية، ويهب من ماله لمن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو كما قال فيه بعض واصفيه: # جعل القنا أقلامه وطروسه %~% مهج العدى ورأى المداد دماءها ~~وأظن أن الأقدمين لذا رأوا %~% أن يجعلوا خطية أسماءها # وكان يقال لهذا الملك محمد بن سليمان الزيني، وكان له وزيران، أحدهما يقال له المعين بن ساوى، والثاني يقال له الفضل بن خاقان، وكان الفضل بن خاقان أكرم أهل زمانه، حسن السيرة، أجمعت القلوب على محبته، واتفقت العقلاء على مشورته، وكل الناس يدعون له بطول مدته؛ لأنه محضر خير، مزيل للشر والضير. وكان الوزير المعين بن ساوى يكره الناس ولا يحب الخير، وكان محضر سوء، كما قال فيه بعض واصفيه: # تجمعت من نطف ذاته %~% فركبت من عنصر فاسد ~~ليس على الله بمستنكر %~% أن يجمع العالم في واحد # فلكل من هذين الوزيرين نصيب من قول الشاعر: # لذ بالكرام بني الكرام فإنما %~% تلد الكرام بنو الكرام كراما ~~ودع اللئام بني اللئام فإنما %~% تلد اللئام بنو اللئام لئاما # وكان الناس على قدر محبتهم لفضل الدين بن خاقان يبغضون المعين بن ساوى بقدرة القادر، ثم إن الملك محمد بن سليمان الزيني كان قاعدا يوما من الأيام على كرسي مملكته وحوله أرباب دولته، إذ نادى وزيره الفضل بن خاقان وقال له: إني أريد جارية لا يكون في زمانها أحسن منها بحيث تكون كاملة في الجمال، فائقة في الاعتدال، حميدة الخصال. فقال أرباب الدولة: وهذه لا توجد إلا بعشرة آلاف دينار. فعند ذلك صاح السلطان على الخازندار وقال: احمل عشرة آلاف دينار إلى دار الفضل بن خاقان. فامتثل الخازندار أمر السلطان، ونزل الوزير بعدما أمره السلطان أن يعمد إلى السوق في كل يوم، ويوصي السماسرة على ما ذكره، وأنه لا تباع جارية ثمنها فوق الألف دينار حتى تعرض على الوزير، فلم تبع السماسرة جارية حتى يعرضوها عليه، فامتثل الوزير أمره، واستمر على ms0190 هذه الحال مدة من الزمان، ولم تعجبه جارية، فاتفق يوما من الأيام أن بعض السماسرة أقبل على دار الوزير الفضل بن خاقان، فوجده راكبا متوجها إلى قصر الملك، فقبض على ركابه وأنشد هذين البيتين: # يا من أعاد رميم الملك منشورا %~% أنت الوزير الذي لا زال منصورا ~~أحييت ما مات بين الناس من كرم %~% لا زال سعيك عند الله مشكورا # ثم قال: يا سيدي، إن الجارية التي صدر بطلبها المرسوم الكريم قد حضرت. فقال له الوزير: علي بها. فغاب ساعة، ثم حضر ومعه جارية رشيقة القد، قاعدة النهد، بطرف كحيل، وخد أسيل، وخصر نحيل، وردف ثقيل، وعليها أحسن ما يكون من الثياب، ورضابها أحلى من الجلاب، وقامتها تفضح غصون البان، وكلامها أرق من النسيم إذا مر على زهر البستان، كما قال فيها بعض واصفيها هذه الأبيات: # لها بشر مثل الحرير ومنطق %~% رخيم الحواشي لا هراء ولا نذر ~~وعينان قال الله كونا فكانتا %~% فعولان بالألباب ما تفعل الخمر ~~فيا حبها زدني جوى كل ليلة %~% ويا سلوة الأيام موعدك الحشر ~~ذوائبها ليل ولكن جبينها %~% إذا أسفرت يوما يلوح به الفجر # فلما رآها الوزير أعجبته غاية الإعجاب، فالتفت إلى السمسار وقال له: كم ثمن هذه الجارية؟ فقال: وقف سعرها علي عشرة آلاف دينار، وحلف صاحبها أن العشرة آلاف دينار لم تجئ ثمن الفراريج التي أكلتها، ولا ثمن الخلع التي خلعتها على معلميها؛ فإنها تعلمت الخط والنحو واللغة والتفسير وأصول الفقه والدين والطب والتقويم والضرب بالآلات المطربة. فقال الوزير: علي بسيدها. فأحضره السمسار في الوقت والساعة، فإذا هو رجل أعجمي عاش زمنا طويلا حتى صيره الدهر عظما في جلد، كما قال الشاعر: # أرعشني الدهر أي رعش %~% والدهر ذو قوة وبطش ~~قد كنت أمشي ولست أعيا %~% واليوم أعيا ولست أمشي # فقال له الوزير: أرضيت أن تأخذ في هذه الجارية عشرة آلاف دينار من السلطان محمد بن سليمان الزيني؟ فقال العجمي: حيث كانت للسلطان، فالواجب علي أن أقدمها إليه هدية بلا ثمن. فعند ذلك أمر الوزير بإحضار ms0191 الأموال، فلما حضرت وزن الدنانير للعجمي، ثم أقبل النخاس على الوزير وقال: عن إذن مولانا الوزير أتكلم. فقال الوزير: هات ما عندك. فقال: عندي من الرأي ألا تطلع بهذه الجارية إلى السلطان في هذا اليوم، فإنها قادمة من السفر، واختلف عليها الهواء وأتعبها السفر، ولكن خلها عندك في القصر عشرة أيام حتى تستريح، فيزداد جمالها، ثم أدخلها الحمام، وألبسها أحسن الثياب، واطلع بها إلى السلطان، فيكون لك في ذلك الحظ الأوفر. فتأمل الوزير كلام النخاس فوجده صوابا، فأتى بها إلى قصره، وأخلى لها مقصورة، ورتب لها كل يوم ما تحتاج إليه من طعام وشراب وغيره، فمكثت مدة على تلك الرفاهية، وكان للوزير الفضل بن خاقان ولد كأنه البدر إذا أشرق بوجه أقمر، وخد أحمر، عليه خال كنقطة عنبر، وفيه عذار أخضر، كما قال الشاعر في مثله هذه الأبيات: # ورد الخدود ودونه شوك القنا %~% فمن المحدث نفسه أن يجتنى ~~لا تمدد الأيدي إليه فطالما %~% شنوا الحروب لأن مددنا الأعينا ~~يا قلبه القاسي ورقة خصره %~% هلا نقلت إلى هنا من ها هنا ~~لو كان رقة خصره في قلبه %~% ما جار قط على المحب ولا جنى ~~يا عاذلي في حبه كن عاذري %~% من لي بجسم قد تملكه الضنى ~~ما الذنب إلا للفؤاد وناظري %~% لولاهما ما كنت في هذا العنا # وكان الصبي لم يعرف قضية هذه الجارية، وكان والده أوصاها وقال لها: يا بنتي، اعلمي أني ما اشتريتك إلا سرية للملك محمد بن سليمان الزيني، وأن لي ولدا ما خلا بصبية في الحارة إلا فعل بها، فاحفظي نفسك منه، واحذري أن تريه وجهك أو تسمعيه كلامك. فقالت الجارية: السمع والطاعة. ثم تركها وانصرف، واتفق بالأمر المقدر أن الجارية دخلت يوما من الأيام الحمام الذي في المنزل، وقد حماها بعض الجواري، ولبست الثياب الفاخرة، فتزايد حسنها وجمالها، ودخلت على زوجة الوزير، فقبلت يدها، فقالت لها: نعيما يا أنيس الجليس، كيف حالك في هذا الحمام؟ فقالت: يا سيدتي، ما كنت محتاجة إلا حضورك فيه. فعند ذلك ms0192 قالت سيدة البيت للجواري: قوموا بنا ندخل الحمام. فامتثلن أمرها، ومضين وسيدتهن بينهن، وقد وكلت بباب المقصورة التي فيها أنيس الجليس جاريتين صغيرتين، وقالت لها: لا تمكنا أحدا من الدخول على الجارية. فقالتا: السمع والطاعة. فبينما أنيس الجليس قاعدة في المقصورة، وإذا بابن الوزير الذي اسمه علي نور الدين قد دخل وسأل عن أمه وعن العائلة، فقالت له الجاريتان: دخلوا الحمام. وقد سمعت الجارية أنيس الجليس كلام علي نور الدين ابن الوزير، وهي من داخل المقصورة، فقالت في نفسها: يا ترى، ما شأن هذا الصبي الذي قال لي الوزير عنه إنه ما خلا بصبية في الحارة إلا واقعها؟ والله إني أشتهي أن أنظره. ثم إنها نهضت على قدميها وهي من أثر الحمام، وتقدمت جهة باب المقصورة، ونظرت إلى علي نور الدين، فإذا هو صبي كالبدر في تمامه، فأورثتها النظرة ألف حسرة، ولاحت من الصبي التفاتة إليها، فنظرها نظرة أورثته ألف حسرة، ووقع كل منهما في شرك هوى الآخر. # ![figure](../Images/figure17.png) # ودخل على الجارية «أنيس الجليس»، وتقدم إليها وكان في حال السكر. # فتقدم الصبي إلى الجاريتين وصاح عليهما، فهربتا من بين يديه ووقفتا من بعيد تنتظرانه وتنظران ما يفعل، وإذا به تقدم إلى باب المقصورة، وفتحه ودخل على الجارية، وقال لها: أنت التي اشتراك إلي أبي؟ فقالت له: نعم. فعند ذلك تقدم الصبي إليها وكان في حال السكر، وأخذ رجليها وجعلهما في وسطه، وهي شبكت يديها في عنقه واستقبلته بتقبيل وشهيق وغنج، فمص لسانها ومصت لسانه فأزال بكارتها. فلما رأت الجاريتان سيدهما الصغير دخل على الجارية أنيس الجليس، صرختا وكان قد قضى الصبي حاجته وخرج هاربا وللنجاة طالبا، وفر من الخوف عقب الفعل الذي فعله. فلما سمعت سيدة البيت صراخ الجاريتين مضت وخرجت من الحمام والعرق يقطر منها وقالت: ما سبب هذا الصراخ الذي في الدار؟ فلما قربت من الجاريتين اللتين أقعدتهما على باب المقصورة قالت لهما: ويلكما ما الخبر؟ فلما رأيتاها قالتا: إن سيدي علي نور الدين جاء إلينا وضربنا فهربنا منه، ms0193 ودخل على أنيس الجليس وعانقها، وما ندري أي شيء عمل بعد ذلك، فلما صحنا لك هرب. فعند ذلك تقدمت سيدة البيت إلى أنيس الجليس، وقالت لها: ما الخبر؟ فقالت لها: يا سيدتي، أنا قاعدة، وإذا بصبي جميل الصورة دخل علي، وقال لي: أنت التي اشتراك أبي إلي؟ فقلت: نعم، والله يا سيدتي اعتقدت أن كلامه صحيح، فعند ذلك أتى إلي وعانقني. فقالت لها: هل فعل بك شيئا غير ذلك؟ قالت: نعم، وأخذ مني ثلاث قبلات. فقالت: ما تركك من غير افتضاض؟ ثم بكت ولطمت وجهها هي والجواري؛ خوفا على نور الدين أن يذبحه أبوه. # فبينما هم كذلك، وإذا بالوزير دخل وسأل عن الخبر، فقالت له زوجته: احلف أن ما قلته لك تسمعه. قال: نعم. فأخبرته بما فعله ولده، فحزن ومزق ثيابه، ولطم على وجهه، ونتف لحيته، فقالت له زوجته: لا تقتل نفسك، أنا أعطيك من مالي عشرة آلاف دينار ثمنها. فعند ذلك رفع رأسه إليها، وقال لها: ويلك، أنا ما لي حاجة بثمنها، ولكن خوفي أن تروح روحي ومالي. فقالت له: يا سيدي، ما سبب ذلك؟ قال لها: أما تعلمين أن وراءنا هذا العدو الذي يقال له المعين بن ساوى؟ ومتى سمع هذا الأمر تقدم إلى السلطان، وقال له: ... وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 33 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير قال لزوجته: أما تعلمين أن وراءنا عدوا يقال له المعين بن ساوى؟ ومتى سمع بهذا الأمر تقدم إلى السلطان وقال له: إن وزيرك الذي تزعم أنه يحبك أخذ منك عشرة آلاف دينار، واشترى بها جارية ما رأى أحد مثلها، فلما أعجبته قال لابنه: خذها أنت أحق بها من السلطان، فأخذها وأزال بكارتها، وها هي الجارية عنده. فيقول الملك: تكذب. فيقول للملك: عن إذنك أهجم عليه، وآتيك بها. فيأذن له في ذلك، فيهجم على الدار، ويأخذ الجارية ويحضرها بين يدي السلطان، ثم يسألها فما تقدر أن تنكر، فيقول له: يا سيدي، أنت تعلم أني ms0194 ناصح لك، ولكن ما لي عندكم حظ. فيمثل بي السلطان، والناس كلهم يتفرجون علي، وتروح روحي. فقالت له زوجته: لا تعلم أحدا، وهذا الأمر حصل خفية، وسلم أمرك إلى الله في هذه القضية. فعند ذلك سكن قلب الوزير، وطاب خاطره. # هذا ما كان من أمر الوزير، وأما ما كان من أمر علي نور الدين، فإنه خاف عاقبة الأمر، فكان يقضي نهاره في البساتين، ولا يأتي إلا في آخر الليل لأمه، فينام عندها ويقوم قبل الصبح، ولا يراه أحد، ولم يزل كذلك شهرا، وهو لم ير وجه أبيه، فقالت أمه لأبيه: يا سيدي، هل تعدم الجارية وتعدم الولد؟ فإن طال هذا الأمر على الولد هج. قال لها: وكيف العمل؟ قالت له: اسهر هذه الليلة، فإذا جاء أمسكه، واصطلح أنت وإياه، وأعطه الجارية، فإنها تحبه وهو يحبها، وأعطيك ثمنها. فسهر الوزير طول الليل، فلما أتى ولده أمسكه وأراد نحره، فأدركته أمه وقالت له: أي شيء تريد أن تفعل معه؟ فقال لها: أريد أن أذبحه. فقال الولد لأبيه: هل أهون عليك؟ فتغرغرت عيناه بالدموع وقال له: يا ولدي، كيف هان عليك ذهاب مالي وروحي؟! فقال الصبي: اسمع يا والدي ما قال الشاعر: # هبني جنيت فلم تزل أهل النهى %~% يهبون للجاني سماحا شاملا ~~ماذا عسى يرجو عدوك وهو في %~% درك الحضيض وأنت أعلى منزلا # فعند ذلك قام الوزير من على صدر ولده وأشفق عليه، وقام الصبي وقبل يد والده، فقال: يا ولدي، لو علمت أنك تنصف أنيس الجليس كنت وهبتها لك. فقال: يا والدي كيف لا أنصفها؟ قال: أوصيك يا ولدي أنك لا تتزوج عليها، ولا تضارها، ولا تبيعها. قال له: يا والدي، أنا أحلف لك إني لا أتزوج عليها، ولا أبيعها. ثم حلف له أيمانا على ما ذكر، ودخل على الجارية فأقام معها سنة، وأنسى الله تعالى الملك قصة الجارية. # وأما المعين بن ساوى، فإنه بلغه الخبر، ولكنه لم يقدر أن يتكلم لعظم منزلة الوزير عند السلطان، فلما مضت السنة دخل الوزير فضل ms0195 الدين بن خاقان الحمام، وخرج وهو عرقان، فأصابه الهواء، فلزم الوساد، وطال به السهاد، وتسلسل به الضعف، فعند ذلك نادى ولده عليا نور الدين، فلما حضر بين يديه قال له: يا ولدي، إن الرزق مقسوم، والأجل محتوم، ولا بد لكل نسمة من شرب كأس المنون، وأنشد هذه الأبيات: # من فاته الموت يوما لم يفته غدا %~% والكل منا على حوض الردى وردا ~~سوى العظيم بمن قد كان محتقرا %~% ولم يدع هيبه بين الورى أحدا ~~لم يبق من ملك كلا ولا ملك %~% ولا نبقى بعيش دائم أبدا # ثم قال: يا ولدي، ما لي عندك وصية إلا تقوى الله والنظر في العواقب، وأن تستوصي بالجارية أنيس الجليس. فقال له: يا أبت، ومن مثلك، وقد كنت معروفا بفعل الخير، ودعاء الخطباء لك على المنابر؟ فقال: يا ولدي، أرجو من الله تعالى القبول. ثم نطق بالشهادتين، وشهق شهقة، فكتب من أهل السعادة، فعند ذلك امتلأ القصر بالصراخ، ووصل الخبر إلى السلطان، وسمعت أهل المدينة بوفاة الفضل بن خاقان، فبكت عليه الصبيان في مكاتبها، ونهض ولده علي نور الدين وجهزه، وحضرت الأمراء والوزراء وأرباب الدولة وأهل المدينة مشهده، وكان ممن حضر الجنازة الوزير المعين بن ساوى، وأنشد بعضهم عند خروج جنازته من الدار هذه الأبيات: # قد قلت للرجل المولى غسله %~% هلا أطاع وكنت من نصحائه ~~جنبه ماءك ثم غسله بما %~% أزرت عيون المجد عند بكائه ~~وأزل مجاميع الحنوط ونحها %~% عنه وحنطه بطيب ثنائه ~~ومر الملائكة الكرام بحمله %~% شرفا ألست تراهمو بإزائه ~~لا توه أعناق الرجال بحمله %~% يكفي الذي حملوه من نعمائه # ثم مكث علي نور الدين شديد الحزن على والده مدة مديدة، فبينما هو جالس يوما من الأيام في بيت والده إذ طرق الباب طارق، فنهض علي نور الدين وفتح الباب، وإذا برجل من ندماء والده وأصحابه، فقبل يد علي نور الدين، وقال: يا سيدي، من خلف مثلك ما مات، وهذا مصير سيد الأولين والآخرين، يا سيدي، طب نفسا، ودع الحزن. فعند ذلك نهض علي نور ms0196 الدين إلى قاعة الجلوس، ونقل إليها ما يحتاج إليه، واجتمع عليه أصحابه، وأخذ جاريته، واجتمع عليه عشرة من أولاد التجار، ثم إنه أكل الطعام، وشرب الشراب، وجدد مقاما بعد مقام، وصار يعطي ويتكرم، فعند ذلك دخل عليه وكيله، وقال له: يا سيدي نور الدين، أما سمعت قول بعضهم: من ينفق ولم يحسب افتقر؟ ولقد أحسن من قال هذه الأبيات: # أصون دراهمي وأذب عنها %~% لعلمي أنها سيفي وترسي ~~أأبذلها إلى أعدى الأعادي %~% وأبدل في الورى سعدي بنحسي ~~فيأكلها ويشربها هنيئا %~% ولا يسخو إلى أحد بفلس ~~وأحفظ درهمي عن كل شخص %~% لئيم الطبع لا يصفو لأنسي ~~أحب إلي من قولي لنذل %~% أنلني درهما لغد بخمس ~~فيعرض وجهه ويصد عني %~% فتبقى مثل نفس الكلب نفسي ~~فيا ذل الرجال بغير مال %~% ولو كانت فضائلهم كشمس # ثم قال: يا سيدي، هذه النفقة الجزيلة والمواهب العظيمة تفني المال. فلما سمع علي نور الدين من وكيله هذا الكلام، نظر إليه وقال له: جميع ما قلته لا أسمع منه كلمة، فما أحسن قول الشاعر: # إذا ما ملكت المال يوما ولم أجد %~% فلا بسطت كفي ولا نهضت رجلي ~~فهاتوا بخيلا نال مجدا ببخله %~% وهاتوا أروني باذلا مات من بذل # ثم قال: اعلم أيها الوكيل أني أريد إذا فضل عندك ما يكفيني لغدائي ألا تحملني هم عشائي. فانصرف الوكيل من عنده إلى حال سبيله، وأقبل علي نور الدين على ما هو فيه من مكارم الأخلاق، وكل من يقول له من ندمائه: إن هذا الشيء مليح. يقول: هو لك هبة. أو يقول: يا سيدي، إن الدار الفلانية مليحة. يقول: هي لك هبة. ولم يزل علي نور الدين يعقد لندمائه وأصحابه في أول النهار مجلسا، وفي آخره مجلسا، إلى أن مكث على هذه الحال سنة كاملة، وبعد السنة فبينما هو جالس يوما وإذا بالجارية تنشد هذين البيتين: # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت %~% ولم تخف سوء ما يأتي به القدر ~~وسالمتك الليالي فاغتررت بها %~% وعند صفو الليالي يحدث الكدر # فلما فرغت من شعرها ms0197 إذا بطارق يطرق الباب، فقام نور الدين فتبعه بعض جلسائه من غير أن يعلم به، فلما فتح الباب رآه وكيله، فقال له علي نور الدين: ما الخبر؟ فقال له: يا سيدي، الذي كنت أخاف عليك منه قد وقع لك. قال: وكيف ذلك؟ قال: اعلم أنه ما بقي لك تحت يدي شيء يساوي درهما، ولا أقل من درهم، وهذه دفاتر المصروف الذي صرفته، ودفاتر أصل مالك. فلما سمع علي نور الدين هذا الكلام أطرق برأسه إلى الأرض، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما سمع الرجل - الذي تبعه خفية وخرج ليتسلل عليه - ما قاله الوكيل، رجع إلى أصحابه وقال لهم: انظروا أي شيء تعملون، فإن عليا نور الدين قد أفلس. فلما رجع إليهم علي نور الدين ظهر لهم الغم في وجهه، فعند ذلك نهض واحد من الندماء على قدميه، ونظر إلى علي نور الدين، وقال له: يا سيدي، إني أريد أن تأذن لي بالانصراف. فقال علي نور الدين: لماذا الانصراف في هذا اليوم؟ فقال: إن زوجتي تلد في هذه الليلة، ولا يمكنني أن أتخلف عنها، وأريد أن أذهب إليها وأنظرها. فأذن له، ونهض آخر وقال له: يا سيدي نور الدين، أريد اليوم أن أحضر عند أخي، فإنه يطاهر ولده. وكل واحد يستأذنه بحيلة، ويذهب إلى حال سبيله حتى انصرفوا كلهم، وبقي علي نور الدين وحده، فعند ذلك دعا جاريته، وقال لها: يا أنيس الجليس، أما تنظرين ما حل بي؟ وحكى لها ما قاله الوكيل، فقالت: يا سيدي، من منذ ليال هممت أن أقول لك على هذه الحال، فسمعتك تنشد هذين البيتين: # إذا جادت الدنيا عليك فجد بها %~% على الناس طرا قبل أن تتفلت ~~فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت %~% ولا الشح يبقيها إذا هي ولت # فلما سمعتك تنشدهما سكت، ولم أبد لك خطابا، فقال لها علي نور الدين: يا أنيس الجليس، أنت تعرفين أني ما صرفت مالي إلا على أصحابي، وأظنهم لا يتركونني من غير مواساة. فقالت أنيس الجليس: والله ms0198 ما ينفعونك بنافعة. فقال علي نور الدين: فأنا في هذه الساعة أقوم وأروح إليهم، وأطرق أبوابهم؛ لعلي أنال منهم شيئا، فأجعله في يدي رأس مال، وأتجر فيه وأترك اللهو واللعب. ثم إنه نهض من وقته وساعته، ولا زال سائرا حتى أقبل على الزقاق الذي فيه أصحابه العشرة، وكانوا كلهم ساكنين في ذلك الزقاق، فتقدم إلى أول باب وطرقه، فخرجت له جارية وقالت له: من أنت؟ فقال لها: قولي لسيدك، علي نور الدين واقف على الباب ويقول لك: مملوكك يقبل أياديك وينتظر فضلك. فدخلت الجارية وأعلمت سيدها، فصاح عليها وقال لها: ارجعي وقولي له ما هو هنا. فرجعت الجارية إلى نور الدين وقالت له: يا سيدي، إن سيدي ما هو هنا. فتوجه علي نور الدين وقال في نفسه: إن كان هذا ولد زنا وأنكر نفسه، فغيره ما هو ولد زنا. ثم تقدم إلى الباب الثاني وقال كما قال أولا، فأنكر الآخر نفسه، فعند ذلك أنشد هذا البيت: # ذهب الذين إذا وقفت ببابهم %~% منوا عليك بما تريد من الندى # فلما فرغ من شعره قال: والله لا بد أن أمتحنهم كلهم، عسى أن يكون فيهم واحد يقوم مقام الجميع. فدار على العشرة فلم يجد أحدا منهم فتح الباب، ولا أراه نفسه، ولا أمر له برغيف، فأنشد هذه الأبيات: # المرء في زمن الإقبال كالشجرة %~% فالناس من حولها ما دامت الثمرة ~~حتى إذا عريت من كل ما حملت %~% تفرقوا أو أرادوا غيرها شجرة ~~تبا لأبناء هذا الدهر كلهم %~% فلم أجد واحدا يصفو من العشرة # ثم إنه رجع إلى جاريته، وقد تزايد همه، فقالت له: يا سيدي، أما قلت لك إنهم لا ينفعونك بنافعة؟ فقال: والله ما فيهم من أراني وجهه. فقالت له: يا سيدي، بع من أثاث البيت شيئا فشيئا، وأنفق. فباع إلى أن باع جميع ما في البيت، ولم يبق عنده شيء، فعند ذلك نظر إلى أنيس الجليس، وقال لها: ما نفعل الآن؟ فقالت له: يا سيدي، عندي من الرأي أن تقوم في هذه ms0199 الساعة، وتنزل بي السوق فتبيعني، وأنت تعلم أن والدك كان اشتراني بعشرة آلاف دينار، فلعل الله يفتح عليك ببعض هذا الثمن، وإذا قدر الله باجتماعنا نجتمع. فقال لها: يا أنيس الجليس، ما يهون علي فراقك ساعة واحدة. فقالت له: ولا أنا، لكن للضرورة أحكام كما قال الشاعر: # تلجي الضرورات في الأمور إلى %~% سلوك ما لا يليق بالأدب ~~ما حامل نفسه على سبب %~% إلا لأمر يليق بالسبب # فعند ذلك أخذ أنيس الجليس ودموعه تسيل على خديه، ثم أنشد هذين البيتين: # قفوا زودوني نظرة قبل بينكم %~% أعلل قلبا كاد بالبين يتلف ~~فإن كان تزويدي بذلك كلفة %~% دعوني في وجدي ولا تتكلفوا # ثم مضى وسلمها إلى الدلال، وقال له: اعرف مقدار ما تنادي عليه. فقال الدلال: يا سيدي نور الدين، الأصول محفوظة. ثم قال له: أما هي أنيس الجليس الذي كان اشتراها والدك مني بعشرة آلاف دينار؟ قال: نعم. فعند ذلك طلع الدلال إلى التجار، فوجدهم لم يجتمعوا كلهم، فصبر حتى اجتمع سائر التجار، وامتلأ السوق بسائر أجناس الجواري من تركية ورومية وشركسية وجرجية وحبشية، فلما نظر الدلال إلى ازدحام السوق نهض قائما وقال: يا تجار، يا أرباب الأموال، ما كل مدور جوزة، ولا كل مستطيلة موزة، ولا كل حمراء لحمة، ولا كل بيضاء شحمة، ولا كل صهباء خمرة، ولا كل سمراء تمرة، يا تجار، هذه الدرة اليتيمة التي لا تفي الأموال لها بقيمة، بكم تفتحون باب الثمن؟ فقال واحد من التجار: بأربعة آلاف دينار وخمسمائة. وإذا بالوزير المعين بن ساوى في السوق، فنظر عليا نور الدين واقفا، فقال في نفسه: ما باله واقفا، فإنه ما بقي عنده شيء يشتري به جواري. ثم نظر بعينه فسمع المنادي وهو واقف ينادي في السوق والتجار حوله، فقال الوزير في نفسه: ما أظنه إلا أفلس، ونزل بالجارية ليبيعها. ثم قال في نفسه: إن صح ذلك فما أبرده على قلبي! ثم دعا المنادي فأقبل عليه، وقبل الأرض بين يديه، فقال: إني أريد هذه الجارية التي تنادي عليها. ms0200 فلم يمكنه المخالفة، فجاء بالجارية وقدمها بين يديه، فلما نظر إليها وتأمل محاسنها من قامتها الرشيقة وألفاظها الرقيقة، أعجبته، فقال له: إلى كم وصل ثمنها؟ فقال له: أربعة آلاف وخمسمائة دينار. فلما سمع ذلك التجار ما قدر واحد منهم أن يزيد درهما ولا دينارا، بل تأخروا جميعا لما يعلمون من ظلم ذلك الوزير. # ثم نظر الوزير المعين بن ساوى إلى الدلال، وقال له: ما سبب وقوفك، رح والجارية علي بأربعة آلاف دينار ولك خمسمائة دينار. فراح الدلال إلى علي نور الدين، وقال له: يا سيدي، راحت الجارية عليك بلا ثمن. فقال له: وما سبب ذلك؟ قال له: نحن فتحنا باب سعرها بأربعة آلاف دينار وخمسمائة، فجاء هذا الظالم المعين بن ساوى ودخل السوق، فلما نظر الجارية أعجبته، وقال لي: شاور على أربعة آلاف دينار ولك خمسمائة، وما أظنه إلا عرف أن الجارية لك، فإن كان يعطيك ثمنها في هذه الساعة يكون ذلك من فضل الله، لكن أنا أعرف من ظلمه أنه يكتب لك ورقة حوالة على بعض عملائه، ثم يرسل إليهم، ويقول لهم: لا تعطوه شيئا، فكلما ذهبت إليهم لتطالبهم يقولون في غد نعطيك. ولا يزالون يعدونك ويخلفون يوما بعد يوم وأنت عزيز النفس، وبعد أن يضجوا من مطالبتك إياهم يقولون: أعطنا ورقة الحوالة. فإذا أخذوا الورقة منك قطعوها وراح عليك ثمن الجارية. # فلما سمع علي نور الدين من الدلال هذا الكلام، نظر إليه وقال له: كيف يكون العمل؟ فقال له: أنا أشير عليك بمشورة، فإن قبلتها مني كان لك الحظ الأوفر. وقال: وما هي؟ قال: تجيء في هذه الساعة عندي، وأنا واقف في وسط السوق، وتأخذ الجارية من يدي وتلكمها وتقول لها: ويلك، قد فديت يميني التي حلفتها، ونزلت بك السوق حيث حلفت عليك أنه لا بد من إخراجك إلى السوق ومناداة الدلال عليك. فإن فعلت ذلك ربما تدخل عليه الحيلة وعلى الناس، ويعتقدون أنك ما نزلت بها إلا لأجل إبرار اليمين. فقال: هذا هو الرأي الصواب. ثم إن ms0201 الدلال فارقه، وجاء إلى وسط السوق، وأمسك يد الجارية وأشار إلى الوزير المعين بن ساوى، وقال: يا مولاي، هذا مالكها قد أقبل. ثم جاء علي نور الدين إلى الدلال، ونزع الجارية من يده ولكمها وقال لها: ويلك، قد نزلت بك إلى السوق لأجل إبرار يميني، روحي إلى البيت، وبعد ذلك لا تخالفيني، فلست محتاجا إلى ثمنك حتى أبيعك، وأنا لو بعت أثاث البيت وأمثاله مرات عديدة ما بلغ قدر ثمنك. # فلما نظر المعين بن ساوى إلى علي نور الدين قال له: ويلك! وهل بقي عندك شيء يباع أو يشترى؟ ثم إن المعين بن ساوى أراد أن يبطش به، فعند ذلك نظر التجار إلى علي نور الدين، وكانوا كلهم يحبونه، فقال لهم: ها أنا بين أيديكم وقد عرفتم ظلمه. فقال الوزير: والله لولا أنتم. ثم رمزوا كلهم لبعضهم بعين الإشارة، وقالوا: ما أحد منا يدخل بيتك وبيته. فعند ذلك تقدم علي نور الدين إلى الوزير ابن ساوى، وكان نور الدين شجاعا، فجذب الوزير من فوق سرجه فرماه على الأرض، وكان هناك معجنة طين فوقع الوزير في وسطها، وجعل علي نور الدين يلكمه، فجاءت لكمة على أسنانه فاختضبت لحيته بدمه، وكان مع الوزير عشرة مماليك، فلما رأوا نور الدين فعل بسيدهم هذه الأفعال، وضعوا أيديهم على مقابض سيوفهم، وأرادوا أن يهجموا على نور الدين ويقطعوه، وإذا بالناس قالوا للمماليك: هذا وزير، وهذا ابن وزير، وربما اصطلحا مع بعضهما، وتكونون مبغوضين عند كل منهما، وربما جاءت فيه ضربة فتموتون جميعا أقبح الميتات، ومن الرأي ألا تدخلوا بينهما. فلما فرغ علي نور الدين من ضرب الوزير، أخذ جاريته ومضى إلى داره، وأما الوزير ابن ساوى فإنه قام من ساعته، وكان قماش ثيابه أبيض، فصار ملونا بثلاثة ألوان: لون الطين، ولون الدم، ولون الرماد، فلما رأى نفسه على هذه الحالة أخذ برشا، وجعله في رقبته، وأخذ في يده حزمتين من حلفة، وسار إلى أن وقف تحت القصر الذي فيه السلطان، وصاح: يا ملك الزمان، مظلوم. ms0202 فأحضروه بين يديه، فتأمله فرآه وزيره المعين بن ساوى، فقال له: من فعل بك هذه الفعال؟ فبكى وانتحب، وأنشد هذين البيتين: # أيظلمني الزمان وأنت فيه %~% وتأكلني الكلاب وأنت ليث ~~ويروى من حياضك كل صاد %~% وأعطش في حماك وأنت غيث # ثم قال: يا سيدي، أهكذا كل من يحبك ويخدمك تجري له هذه المشاق؟ قال له: ومن فعل بك هذه الفعال؟ فقال الوزير: اعلم أني خرجت اليوم إلى سوق الجواري لعلي أشتري جارية طباخة، فرأيت في السوق جارية ما رأيت في طول عمري مثلها، فقال الدلال: إنها لعلي بن خاقان. وكان مولانا السلطان أعطى إياه سابقا عشرة آلاف دينار ليشتري له بها جارية مليحة، فاشترى تلك الجارية، فأعجبته فأعطى ولده إياها، فلما مات أبوه سلك طريق الإسراف حتى باع جميع ما عنده من الأملاك والبساتين والأواني، فلما أفلس ولم يبق عنده شيء، نزل بالجارية إلى السوق على أن يبيعها، ثم سلمها إلى الدلال، فنادى عليها، وتزايدت فيها التجار حتى بلغ ثمنها أربعة آلاف دينار. فقلت لعقلي: أشتري هذه لمولانا السلطان، فإن أصل ثمنها كان من عنده، فقلت: يا ولدي، خذ ثمنها أربعة آلاف دينار. فلما سمع كلامي نظر إلي وقال: يا شيخ النحس، أبيعها لليهود والنصارى ولا أبيعها لك. فقلت: أنا ما أشتريها لنفسي، وإنما أشتريها لمولانا السلطان الذي هو ولي نعمتنا. فلما سمع مني هذا الكلام اغتاظ وجذبني، ورماني عن الجواد، وأنا شيخ كبير، وضربني، ولم يزل يضربني حتى تركني كما تراني، وأنا ما أوقعني في هذا كله إلا أنني جئت لأشتري هذه الجارية لسعادتك. # ثم إن الوزير رمى نفسه على الأرض، وجعل يبكي ويرتعد، فلما نظر السلطان حالته وسمع مقالته، قام عرق الغضب بين عينيه، ثم التفت إلى من بحضرته من أرباب الدولة، وإذا بأربعين ضارب سيف وقفوا بين يديه، فقال لهم السلطان: انزلوا في هذه الساعة إلى دار علي بن خاقان، وانهبوها واهدموها، وائتوني به وبالجارية مكتفين، واسحبوهما على وجوههما، وائتوا بهما بين يدي. فقالوا له: السمع والطاعة. ثم ms0203 إنهم نزلوا وقصدوا المسير إلى علي نور الدين، وكان عند السلطان حاجب يقال له علم الدين سنجر، وكان أولا من مماليك الفضل بن خاقان والد علي نور الدين، فلما سمع أمر السلطان، ورأى الأعداء تهيئوا إلى قتل ابن سيده، لم يهن عليه ذلك، فركب جواده وسار إلى أن أتى بيت علي نور الدين، فطرق الباب فخرج له نور الدين، فلما رآه عرفه وأراد أن يسلم عليه، فقال: يا سيدي، ما هذا وقت سلام ولا كلام، واسمع ما قال الشاعر: # ونفسك فز بها إن خفت ضيما %~% وخل الدار تنعي من بناها ~~فإنك واجد أرضا بأرض %~% ونفسك لم تجد نفسا سواها # فقال نور الدين: يا علم الدين، ما الخبر؟ فقال: انهض، وفز بنفسك أنت والجارية؛ فإن المعين بن ساوى نصب لكما شركا، ومتى وقعتما في يده قتلكما، وقد أرسل إليكما السلطان أربعين ضاربا بالسيف، والرأي عندي أن تهربا قبل أن يحل الضرر بكما. ثم إن سنجر مد يده إلى نور الدين بدنانير، فعدها فوجدها أربعين دينار، وقال له: يا سيدي، خذ هذه، ولو كان معي أكثر من ذلك لأعطيتك إياه، لكن ما هذا وقت معاتبة. فعند ذلك دخل نور الدين على الجارية، وأعلمها بذلك فتخبلت، ثم خرج الاثنان في الوقت إلى ظاهر المدينة، وأسبل الله عليهما ستره، ومشيا إلى ساحل البحر، فوجدا مركبا تجهزت للسفر، والريس واقف في وسط المركب، يقول: من بقي له حاجة من وداع أو زوادة أو نسي حاجة فليأت بها، فإننا متوجهون. فقالوا كلهم: لم يبق لنا حاجة يا ريس. فعند ذلك قال الريس لجماعته: هيا حلوا الطرف وأقلعوا الأوتاد. فقال علي نور الدين: إلى أين يا ريس؟ فقال: إلى دار السلام بغداد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 34 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الريس لما قال لعلي نور الدين: إلى دار السلام مدينة بغداد. طلع علي نور الدين، وطلعت معه الجارية، وعوموا ونشروا القلوع، فاندفعت المركب كأنها طير بجناحيه، كما قال ms0204 فيها بعضهم هذين البيتين: # انظر إلى مركب يسبيك منظره %~% تسابق الريح في سير بسراء ~~كأنه طائر قد مد أجنحة %~% أتى من الجو منقضا على الماء # فسارت بهم المركب، وطاب لهم الريح؛ هذا ما جرى لهؤلاء، وأما ما جرى للأربعين الذين أرسلهم السلطان، فإنهم جاءوا إلى بيت علي نور الدين فكسروا الأبواب، ودخلوا وطافوا جميع الأماكن، فلم يقعوا لهما على خبر، فهدموا الدار ورجعوا وأعلموا السلطان، فقال: اطلبوهما من أي مكان كانا فيه. فقالوا: السمع والطاعة. ثم نزل الوزير المعين بن ساوى إلى بيته بعد أن خلع عليه السلطان خلعة، وقال له: لا يأخذ بثأرك إلا أنا. فدعا له بطول البقاء، واطمأن قلبه، ثم إن السلطان أمر أن ينادى في المدينة: يا معاشر الناس كافة، قد أمر السلطان أن من عثر بعلي نور الدين ابن خاقان، وجاء به إلى السلطان، خلع عليه خلعة، وأعطاه ألف دينار، ومن أخفاه أو عرف مكانه ولم يخبر به، فإنه يستحق ما يجري له من النكال، فصار جميع الناس في التفتيش على نور الدين، فلم يعرفوا له أثرا. # هذا ما كان من هؤلاء، وأما ما كان من أمر علي نور الدين وجاريته، فإنهما وصلا بالسلامة إلى بغداد، فقال الريس: هذه بغداد، وهي مدينة أمينة، قد ولى عنها الشتاء ببرده، وأقبل عليها فصل الربيع بورده، وأزهرت أشجارها، وجرت أنهارها. فعند ذلك طلع علي نور الدين هو وجاريته من المركب، وأعطى الريس خمسة دنانير، ثم سارا قليلا فرمتهما المقادير بين البساتين، فجاءا إلى مكان فوجداه مكنوسا مرشوشا بمساطب مستطيلة، وقواديس معلقة ملآنة بالماء، وفوقه مكعب من القصب بطول الزقاق، وفي صدر الزقاق باب بستان إلا أنه مغلوق، فقال نور الدين للجارية: والله إن هذا محل مليح. فقالت: يا سيدي، اقعد بنا ساعة على هذه المساطب. فطلعا وجلسا على المساطب، ثم غسلا وجهيهما وأيديهما، واستلذا بمرور النسيم، فناما وجل من لا ينام. وكان هذا البستان يسمى بستان النزهة، وهناك قصر يقال له قصر الفرجة، وهو للخليفة هارون الرشيد، وكان ms0205 الخليفة إذا ضاق صدره يأتي إلى هذا البستان، ويدخل ذلك القصر فيقعد فيه، وكان القصر له ثمانون شباكا، ومعلق فيه ثمانون قنديلا، وفي وسطه شمعدان كبير من الذهب. فإذا دخله الخليفة أمر الجواري أن تفتح الشبابيك، وأمر إسحاق النديم والجواري أن يغنوا، فينشرح صدره ويزول همه، وكان للبستان خولي شيخ كبير يقال له الشيخ إبراهيم، واتفق أنه خرج ليقضي حاجة من أشغاله، فوجد المتفرجين معهم النساء أهل الريبة، فغضب غضبا شديدا، فصبر الشيخ إبراهيم حتى جاء عنده الخليفة في بعض الأيام، فأعلمه بذلك، فقال الخليفة: كل من وجدته على باب البستان فافعل به ما أردت. # فلما كان ذلك اليوم، خرج الشيخ إبراهيم الخولي لقضاء حاجة عرضت له، فوجد الاثنين نائمين على باب البستان مغطيين بإزار واحد، فقال: أما عرفا أن الخليفة أعطاني إذنا أن كل من لقيته هنا أقتله؟ ولكن أنا أضرب هذين ضربا خفيفا حتى لا يقترب أحد من باب البستان. ثم قطع جريدة خضراء، وخرج إليهما، ورفع يده فبان بياض إبطه، وأراد ضربهما فتفكر في نفسه وقال: يا إبراهيم، كيف تضربهما ولم تعرف حالهما، وقد يكونان غريبين، أو من أبناء السبيل، ورمتهما المقادير هنا؟ فأنا أكشف وجوههما وأنظر إليهما. فرفع الإزار عن وجوههما وقال: هذان حسنان لا ينبغي أن أضربهما. ثم غطى وجهيهما وتقدم إلى رجل علي نور الدين وجعل يكبسها، ففتح عينه فوجده شيخا كبيرا، فاستحى علي نور الدين ولم رجليه واستوى قاعدا، وأخذ يد الشيخ فقبلها، فقال له: يا ولدي، من أين أنتم؟ فقال له: يا سيدي، نحن غرباء. وفرت الدمعة من عينه، فقال الشيخ إبراهيم: يا ولدي، اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بإكرام الغريب. ثم قال له: يا ولدي، أما تقوم وتدخل البستان وتتفرج فيه فينشرح صدرك؟ فقال له نور الدين: يا سيدي، هذا البستان لمن؟ قال: يا ولدي، هذا البستان ورثته من أهلي. وما كان قصد الشيخ إبراهيم بهذا الكلام إلا أن يطمئنا ويدخلا البستان. # فلما سمع نور الدين كلامه شكره، ms0206 وقام هو وجاريته، والشيخ إبراهيم قدامهما، فدخلوا البستان، فإذا هو بستان بابه مقنطر عليه كروم، وأعنابه مختلفة الألوان، الأحمر كأنه ياقوت، والأسود كأنه أبنوس، فدخلوا تحت عريشة فوجدوا فيها الأثمار صنوانا وغير صنوان، والأطيار تغرد بالألحان على الأغصان، والهزار يترنم، والقمري ملأ بصوته المكان، والشحرور كأنه في تغريده إنسان، والفاخت كأنه شارب نشوان، والأشجار قد أينعت أثمارها من كل مأكول، ومن كل فاكهة زوجان، والمشمش ما بين كافوري ولوزي ومشمش خراسان، والبرقوق كأنه لون الحسان، والقراصية تذهل عقل كل إنسان، والتين ما بين أحمر وأبيض وأخضر من أحسن الألوان، والزهر كأنه اللؤلؤ والمرجان، والورد يفضح بحمرته خدود الحسان، والبنفسج كأنه كبريت دنا من النيران، والآس والمنشور والخذامة مع شقائق النعمان، وتكللت تلك الأوراق بمدامع الغمام، وضحك ثغر الأقحوان، وصار النرجس ناظرا إلى الورد بعيون السودان، والأترج كأنه أكواب، والليمون كبنادق من ذهب، وفرشت الأرض بالزهر من سائر الألوان، وأقبل الربيع فأشرق ببهجته المكان، والنهر في خرير، والطير في هدير، والريح في صفير، والزمان في اعتدال، والنسيم في اعتلال. # ![figure](../Images/figure18.png) # وجلس نور الدين في الشباك ومعه جاريته، ينظران إلى الأشجار. # ثم دخل بهما الشيخ إبراهيم القاعة المعلقة؛ فابتهجوا بحسن تلك القاعة، وما فيها من اللطائف الغريبة، وجلسوا في بعض الشبابيك، فتذكر علي نور الدين المقامات التي مضت له، فقال: والله إن هذا المكان في غاية الحسن، لقد ذكرني بما مضى، وأطفأ من كربي جمر الغضا. ثم إن الشيخ إبراهيم قدم لهما الأكل فأكلا كفايتهما، ثم غسلا أيديهما، وجلس نور الدين في شباك من تلك الشبابيك، وصاح على جاريته فأتت إليه، فصارا ينظران إلى الأشجار وقد حملت سائر الأثمار، ثم التفت علي نور الدين إلى الشيخ إبراهيم، وقال له: يا شيخ إبراهيم، أما عندك شيء من الشراب؟ لأن الناس يشربون بعد أن يأكلوا. فجاءه الشيخ إبراهيم بماء حلو بارد، فقال له نور الدين: ما هذا الشراب الذي أريده. فقال له: أتريد الخمر؟ فقال له نور الدين: نعم. فقال: أعوذ بالله منها، إن لي ms0207 ثلاثة عشر عاما ما فعلت ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن شاربه وعاصره وحامله. فقال له نور الدين: اسمع مني كلمتين. قال: قل ما شئت. قال: إذا لم تكن عاصر الخمر ولا شاربه ولا حامله، فهل يصيبك من لعنهم شيء؟ قال: لا. قال: خذ هذا الدينار وهذين الدرهمين، واركب هذا الحمار وقف بعيدا، وأي إنسان وجدته يشتري فصح عليه وقل له: خذ هذين الدرهمين، واشتر بهذين الدينارين خمرا، واحمله على الحمار، وحينئذ لا تكون حاملا ولا عاصرا ولا مشتريا، ولا يصيبك شيء مما أصاب الجميع. فقال الشيخ إبراهيم وقد ضحك من كلامه: والله ما رأيت أظرف منك، ولا أحلى من كلامك. فقال له نور الدين: نحن صرنا محسوبين عليك، وما عليك إلا الموافقة، فأت لنا بجميع ما نحتاج إليه. فقال له الشيخ إبراهيم: يا ولدي، هذا كراري قدامك، وهو الحاصل المعد لأمير المؤمنين، فادخله وخذ منه ما شئت، فإن فيه فوق ما تريد. # فدخل علي نور الدين الحاصل، فرأى فيه أواني من الذهب والفضة والبللور مرصعة بأصناف الجواهر، فأخرج منها ما أراد، وسكب الخمر في البواطي والقناني، وصار هو وجاريته يتعاطيان، واندهشا من حسن ما رأيا، ثم إن الشيخ إبراهيم جاء لهما بالمشموم، وقعد بعيدا عنهما، فلم يزالا يشربان وهما في غاية الفرح حتى تحكم معهما الشراب واحمرت خدودهما، وتغازلت عيونهما، واسترخت شعورهما، فقال الشيخ إبراهيم: ما لي قاعدا بعيدا عنهما؟ كيف لا أقعد عندهما؟ وأي وقت اجتمع في قصرنا مثل هذين الاثنين اللذين كأنهما قمران؟ ثم إن الشيخ إبراهيم تقدم وقعد في طرف الإيوان، فقال له علي نور الدين: يا سيدي، بحياتي عليك أن تتقدم عندنا. فتقدم الشيخ إبراهيم عندهما، فملأ نور الدين قدحا، ونظر إلى الشيخ إبراهيم وقال له: اشرب حتى تعرف ما لذة طعمه. فقال الشيخ إبراهيم: أعوذ بالله، إن لي ثلاث عشرة سنة ما فعلت شيئا من ذلك. فتغافل عنه نور الدين وشرب القدح، ورمى نفسه في الأرض، وأظهر أنه غلب عليه السكر، فعند ms0208 ذلك نظرت إليه أنيس الجليس، وقالت له: يا شيخ إبراهيم، انظر هذا كيف عمل معي؟ قال لها: يا سيدتي، ما له؟ قالت: دائما يعمل معي هكذا، فيشرب ساعة وينام، وأبقى أنا وحدي لا أجد لي نديما ينادمني على قدحي، فإذا شربت فمن يعاطيني؟ وإذا غنيت فمن يسمعني؟ فقال لها الشيخ إبراهيم وقد حنت أعضاؤه، ومالت نفسه إليها من كلامها: لا ينبغي من النديم أن يكون هكذا. ثم إن الجارية ملأت قدحا، ونظرت إلى الشيخ إبراهيم، وقالت: بحياتي أن تأخذه وتشربه ولا ترده، فاقبله واجبر خاطري. فمد الشيخ إبراهيم يده، وأخذ القدح وشربه، وملأت له ثانيا ومدت إليه يدها به، وقالت له: يا سيدي، بقي لك هذا. فقال لها: والله لا أقدر أن أشربه، فقد كفاني الذي شربته. فقالت له: والله لا بد منه. فأخذ القدح وشربه، ثم أعطته الثالث فأخذه وأراد أن يشربه، وإذا بنور الدين هم قاعدا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 35 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عليا نور الدين هم قاعدا، فقال له: يا شيخ إبراهيم، أي شيء هذا؟ أما حلفت عليك من ساعة فأبيت وقلت: إن لي ثلاثة عشر عاما ما فعلته؟ فقال الشيخ إبراهيم وقد استحى: والله ما لي ذنب، فإنما هي شددت علي. فضحك نور الدين، وقعدوا للمنادمة، فالتفتت الجارية وقالت لسيدها سرا: يا سيدي، اشرب ولا تحلف على الشيخ إبراهيم حتى أفرجك عليه. فجعلت الجارية تملأ وتسقي سيدها، وسيدها يملأ ويسقيها، ولم يزالا كذلك مرة بعد مرة، فنظر لهما الشيخ إبراهيم وقال لهما: أي شيء هذا، وما هذه المنادمة؟ لم لا تسقياني وقد صرت نديمكما؟ فضحكا من كلامه إلى أن أغمي عليهما، ثم شربا وسقياه، وما زالوا في المنادمة إلى ثلث الليل، فعند ذلك قالت الجارية: يا شيخ إبراهيم، عن إذنك هل أقوم وأوقد شمعة من هذا الشمع المصفوف؟ فقال لها: قومي، ولا توقدي إلا شمعة واحدة. فنهضت على قدميها وابتدأت من أول الشمع إلى أن أوقدت ms0209 ثمانين شمعة، ثم قعدت، وبعد ذلك قال نور الدين: يا شيخ إبراهيم، وأنا أي شيء حظي عندك؟ أما تخليني أوقد قنديلا من القناديل؟ فقال له الشيخ إبراهيم: قم وأوقد قنديلا واحدا، ولا تتثاقل أنت الآخر. فقام وابتدأ من أولها إلى أن أوقد ثمانين قنديلا، فعند ذلك رقص المكان، فقال لهما الشيخ إبراهيم وقد غلب عليه السكر: أنتما أخرع مني. # ثم إنه نهض على قدميه، وفتح الشبابيك جميعا، وجلس معهما يتنادمون ويتناشدون الأشعار، وابتهج بهم المكان، فقدر الله السميع العليم الذي جعل لكل شيء سببا أن الخليفة كان في تلك الساعة جالسا في الشبابيك المطلة على ناحية الدجلة في ضوء القمر، فنظر إلى تلك الجهة فرأى ضوء القناديل والشموع في البحر ساطعا، فلاحت من الخليفة التفاتة إلى القصر الذي في البستان، فرآه يرهج من تلك الشموع والقناديل، فقال: علي بجعفر البرمكي. فما كان إلا لحظة وقد حضر جعفر بين يدي أمير المؤمنين، فقال له: يا كلب الوزراء، أتخدعني ولم تعلمني بما يحصل في مدينة بغداد؟ فقال له جعفر: وما سبب هذا الكلام؟ فقال: لولا أن مدينة بغداد أخذت مني ما كان قصر الفرجة مبتهجا بضوء القناديل والشموع، وانفتحت شبابيكه! ويلك من الذي يكون له قدرة على هذه الفعال إلا إذا كانت الخلافة أخذت مني؟ فقال جعفر وقد ارتعدت فرائصه: ومن أخبرك بأن قصر الفرجة أوقدت فيه القناديل والشموع وفتحت شبابيكه؟ فقال له: تقدم عندي وانظر. فتقدم جعفر عند الخليفة، ونظر ناحية البستان، فوجد القصر كأنه شعلة نار، نورها غلب على نور القمر، فأراد جعفر أن يعتذر عن الشيخ إبراهيم الخولي، ربما يكون هذا الأمر بإذنه لما رأى فيه من المصلحة، فقال: يا أمير المؤمنين، كان الشيخ إبراهيم في الجمعة التي مضت قال لي: يا سيدي جعفر، إني أريد أن أفرح أولادي في حياتك وحياة أمير المؤمنين. فقلت له: وما مرادك بهذا الكلام؟ فقال لي: مرادي أن تأخذ إذنا من الخليفة بأني أطاهر أولادي في البصرة. فقلت له: افعل ما شئت من ms0210 فرح أولادك، وإن شاء الله أجتمع بالخليفة وأعلمه بذلك. فراح من عندي على هذه الحال، ونسيت أن أعلمك. # فقال الخليفة: يا جعفر، كان لك عندي ذنب واحد، فصار لك عندي ذنبان؛ لأنك أخطأت من وجهين: الوجه الأول أنك أعلمتني بذلك، والوجه الثاني أنك ما بلغت الشيخ إبراهيم مقصوده، فإنه ما جاء إليك وقال لك هذا الكلام إلا تعريضا بطلب شيء من المال يستعين به على مقصوده، فلم تعطه شيئا، ولم تعلمني حتى أعطيه. فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، نسيت. فقال الخليفة: وحق آبائي وأجدادي، ما أتم بقية ليلتي إلا عنده، فإنه رجل صالح يتردد إلى المشايخ، ويحتفل بالفقراء، ويواسي المساكين، وأظن أن الجميع عنده في هذه الليلة، فلا بد من الذهاب إليه لعل واحدا منهم يدعو لنا دعوة يحصل لنا بها خير في الدنيا والآخرة، وربما يحصل له نفع في هذا الأمر بحضوري، ويفرح بذلك هو وأحبابه. فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، إن معظم الليل قد مضى، وهم في هذه الساعة على وجه الانفضاض. فقال الخليفة: لا بد من الرواح عنده. # فسكت جعفر، وتحير في نفسه، وصار لا يدري ما يفعل، فنهض الخليفة على قدميه، وقام جعفر بين يديه، ومعهما مسرور الخادم، ومشوا الثلاثة متنكرين ونزلوا من القصر، وجعلوا يشقون في الأزقة وهم في زي التجار إلى أن وصلوا إلى باب البستان المذكور، فتقدم الخليفة فرأى البستان مفتوحا، فتعجب وقال: انظر يا جعفر الشيخ إبراهيم كيف خلى الباب مفتوحا إلى هذا الوقت، وما هي عادته؟ ثم إنهم دخلوا إلى أن انتهوا إلى آخر البستان ووقفوا تحت القصر، فقال الخليفة: يا جعفر، أريد أن أتسلل عليهم قبل أن أطلع عندهم، حتى أنظر ما على المشايخ من النفحات وواردات الكرامات، فإن لهم شئونا في الخلوات والجلوات؛ لأننا الآن لم نسمع لهم صوتا، ولم نر لهم أثرا. ثم إن الخليفة نظر فرأى شجرة جوز عالية، فقال: يا جعفر، أريد أن أطلع على هذه الشجرة، فإن فروعها قريبة من الشبابيك، وأنظر إليهم. ثم إن ms0211 الخليفة طلع فوق الشجرة، ولم يزل يتعلق من فرع إلى فرع حتى وصل إلى الفرع الذي يقابل الشباك وقعد فوقه، ونظر من شباك القصر فرأي صبية وصبيا كأنهما قمران سبحان من خلقهما، ورأى الشيخ إبراهيم قاعدا وفي يده قدح وهو يقول: يا سيدة الملاح، الشرب بلا طرب غير فلاح، ألم تسمعي قول الشاعر: # أدرها بالكبير وبالصغير %~% وخذها من يد القمر المنير ~~ولا تشرب بلا طرب فإني %~% رأيت الخيل تشرب بالصفير ![figure](../Images/figure19.png) # وصل الخليفة إلى الفرع الذي يقابل شباك القصر، فرأى صبية وصبيا والشيخ. # فلما عاين الخليفة من الشيخ إبراهيم هذه الفعال، قام عرق الغضب بين عينيه، ونزل وقال: يا جعفر، أنا ما رأيت شيئا من كرامات الصالحين مثل ما رأيت في هذه الليلة، فاطلع أنت الآخر على هذه الشجرة، وانظر لئلا تفوتك بركات الصالحين. فلما سمع جعفر كلام أمير المؤمنين صار متحيرا في أمره، وصعد إلى أعلى الشجرة، وإذا به نظر فرأى نور الدين والشيخ إبراهيم والجارية، وكان الشيخ إبراهيم في يده القدح، فلما عاين جعفر تلك الحالة أيقن بالهلاك، ثم نزل فوقف بين يدي أمير المؤمنين، فقال الخليفة: يا جعفر، الحمد لله الذي جعلنا من المتبعين لظاهر الشريعة المطهرة، وكفانا شر تلبيسات الطريقة المزورة. فلم يقدر جعفر أن يتكلم من شدة الخجل، ثم نظر الخليفة إلى جعفر، وقال: يا ترى من أوصل هؤلاء إلى هذا المكان؟ ومن أدخلهم قصري؟ ولكن مثل هذا الصبي وهذه الصبية ما رأت عيني حسنا وجمالا، وقدا واعتدالا. فقال جعفر وقد استرجى رضاء الخليفة: صدقت يا أمير المؤمنين. فقال: يا جعفر، اطلع بنا على هذا الفرع الذي هو مقابلهم لنتفرج عليهم. فطلع الاثنان على الشجرة ونظراهما، فسمعا الشيخ إبراهيم يقول: يا سيدتي، قد تركت الوقار بشرب العقار، ولا يلذ ذلك إلا بنغمات الأوتار. فقالت له أنيس الجليس: يا شيخ إبراهيم، والله لو كان عندنا شيء من آلات الطرب لكان سرورنا كاملا. فلما سمع الشيخ إبراهيم كلام الجارية نهض قائما على قدميه، فقال الخليفة لجعفر: يا ترى ms0212 ماذا يريد أن يعمل؟ فقال جعفر: لا أدري. فغاب الشيخ إبراهيم وعاد ومعه عود، فتأمله الخليفة، فإذا هو عود إسحاق النديم، فقال الخليفة: والله إن غنت الجارية ولم تحسن الغناء صلبتكم كلكم، وإن غنت وأحسنت الغناء، فإني أعفو عنهم وأصلبك أنت. فقال جعفر: اللهم اجعلها لا تحسن الغناء. فقال الخليفة: لأي شيء؟ فقال: لأجل أن تصلبنا كلنا، فيؤانس بعضنا بعضا. فضحك الخليفة، وإذا بالجارية أخذت العود، وأصلحت أوتاره، وضربت ضربا يذيب الحديد، ويفطن البليد، وجعلت تنشد هذه الأبيات: # أضحى التنائي بديلا من تدانينا %~% ومذ دنا طيب لقيانا تجافينا ~~بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا %~% شوقا إليكم ولا جفت مآقينا ~~غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا %~% بأن نغص فقال الدهر آمينا ~~والله ما الخوف أن تقتلونا في منازلكم %~% وإنما خوفنا أن تأثموا فينا # فقال الخليفة: والله يا جعفر عمري ما سمعت صوتا مطربا مثل هذا. فقال جعفر: لعل الخليفة ذهب ما عنده من الغيظ. قال: نعم، ذهب. ثم نزل من على الشجرة هو وجعفر، ثم التفت إلى جعفر وقال: أريد أن أطلع وأجلس عندهم، وأسمع الصبية تغني قدامي. فقال: يا أمير المؤمنين، إذا طلعت عليهم ربما تكدروا، وأما الشيخ إبراهيم فإنه يموت من الخوف. فقال الخليفة: يا جعفر، لا بد أن تعرفني حيلة أحتال بها على معرفة حقيقة هذا الأمر من غير أن يشعروا باطلاعنا عليهم. ثم إن الخليفة وجعفر ذهبا إلى ناحية الدجلة، وهما متفكران في هذا الأمر، وإذا بصياد واقف يصطاد، وكان الصياد تحت شبابيك القصر، فرمى شبكته ليصطاد ما يقتات به، وكان الخليفة سابقا صاح على الشيخ إبراهيم وقال له: ما هذا الصوت الذي سمعته تحت شبابيك القصر؟ فقال له الشيخ إبراهيم: صوت الصيادين الذين يصطادون السمك. فقال: انزل وامنعهم من ذلك الموضع. فامتنع الصيادون من ذلك الموضع، فلما كانت تلك الليلة جاء صياد يسمى كريما، ورأى باب البستان مفتوحا، فقال في نفسه: هذا وقت غفلة، لعلي أستغنم في هذا الوقت صيدا. ثم أخذ شبكته وطرحها في البحر، وصار ms0213 ينشد هذه الأبيات: # يا راكب البحر في الأهوال والهلكة %~% أقصر عناك فليس الرزق بالحركة ~~أما ترى البحر والصياد منتصب %~% في ليله ونجوم الليل محتبكة ~~قد مد أطنابه والموج يلطمه %~% وعينه لم تزل في كلكل الشبكة ~~حتى إذا بات مسرورا بها فرحا %~% والحوت قد حط في فخ الردى حنكه ~~وصاحب القصر أمسى فيه ليلته %~% منعم البال في خير من البركة ~~وصار مستيقظا من بعد رقدته %~% لكن في ملكه ظبيا وقد ملكه ~~سبحان ربي يعطي ذا ويمنع ذا %~% بعض يصيد وبعض يأكل السمكة # فلما فرغ من شعره، وإذا بالخليفة وحده واقف على رأسه، فعرفه الخليفة فقال له: كريم! فالتفت إليه لما سمعه سماه باسمه، فلما رأى الخليفة ارتعدت فرائصه، وقال: والله يا أمير المؤمنين ما فعلته استهزاء بالمرسوم، ولكن الفقر والعيلة قد حملاني على ما ترى. فقال الخليفة: اصطد على بختي. فتقدم الصياد، وقد فرح فرحا شديدا، وطرح الشبكة وصبر إلى أن أخذت حدها، وثبتت في القرار، ثم جذبها إليه، فطلع فيها من أنواع السمك ما لا يحصى، ففرح بذلك الخليفة، فقال: يا كريم، اقلع ثيابك. فقلع ثيابه، وكانت عليه جبة فيها مائة رقعة من الصوف الخشن، وفيها من القمل الذي له أذناب، ومن البراغيث ما يكاد أن يسير بها على وجه الأرض، وقلع عمامته من فوق رأسه، وكان له ثلاث سنين ما حلها، وإنما كان إذا رأى خرقة لفها عليها، فلما قلع الجبة والعمامة، خلع الخليفة من فوق جسمه ثوبين من الحرير الإسكندراني والبعلبكي وملوطة وفرجية، ثم قال للصياد: خذ هذه والبسها. ثم لبس الخليفة جبة الصياد وعمامته، ووضع على وجهه لثاما، ثم قال للصياد: رح أنت إلى شغلك. فقبل رجل الخليفة وشكره، وأنشد هذين البيتين: # أوليتني ما لا أقوم بشكره %~% وكفيتني كل الأمور بأسرها ~~فلأشكرنك ما حييت وإن أمت %~% شكرتك مني أعظمي في قبرها # فما فرغ الصياد من شعره حتى جال القمل على جلد الخليفة، فصار يقبض بيده اليمين والشمال من على رقبته ويرمي، ثم قال: يا صياد، ويلك ما ms0214 هذا القمل الكثير في هذه الجبة؟ فقال: يا سيدي، إنه في هذه الساعة يؤلمك، فإذا مضت عليك جمعة فإنك لا تحس به، ولا تفكر فيه. فضحك الخليفة، وقال له: ويلك! كيف أخلي هذه الجبة على جسدي؟ فقال الخليفة: إني أشتهي أن أقول لك كلاما، ولكني أستحي من هيبة الخليفة. فقال له: قل ما عندك. فقال له: قد خطر ببالي يا أمير المؤمنين أنك إن أردت أن تتعلم الصيد لأجل أن تكون في يدك صنعة تنفعك، فإن أردت ذلك يا أمير المؤمنين فإن هذه الجبة تناسبك. فضحك الخليفة من كلام الصياد، ثم ولى الصياد إلى حال سبيله، وأخذ الخليفة السمك، ووضع فوقه قليلا من الحشيش، وأتى به إلى جعفر، ووقف بين يديه، فاعتقد جعفر أنه كريم الصياد، فخاف عليه وقال: يا كريم، ما جاء بك هنا؟ انج بنفسك، فإن الخليفة هنا في هذه الليلة. فلما سمع الخليفة كلام جعفر، ضحك حتى استلقى على قفاه، فقال له جعفر: لعلك مولانا أمير المؤمنين؟ فقال الخليفة: نعم يا جعفر، وأنت وزيري، وجئت أنا وإياك هنا وما عرفتني! فكيف يعرفني الشيخ إبراهيم وهو سكران؟ فكن مكانك حتى أرجع إليك. فقال جعفر: سمعا وطاعة. # ثم إن الخليفة تقدم إلى باب القصر ودقه، فقام الشيخ إبراهيم وقال: من بالباب؟ فقال له: أنا يا شيخ إبراهيم. قال له: من أنت؟ قال له: أنا كريم الصياد، وسمعت أن عندك أضيافا، فجئت إليك بشيء من السمك، فإنه مليح. وكان نور الدين هو والجارية يحبان السمك، فلما سمعا ذكر السمك فرحا به فرحا شديدا، وقالا: يا سيدي، افتح له ودعه يدخل لنا بالسمك الذي معه. ففتح الشيخ إبراهيم الباب، فدخل الخليفة وهو في صورة الصياد، وابتدأ بالسلام، فقال له الشيخ إبراهيم: أهلا باللص السارق المقامر؟ تعال أرنا السمك الذي معك. فأراهم إياه، فلما نظروه فإذا هو حي يتحرك، فقالت الجارية: والله يا سيدي إن هذا السمك مليح، يا ليته مقلي. فقال الشيخ إبراهيم: والله صدقت. ثم قال للخليفة: يا صياد، ليتك ms0215 جئت بهذا السمك مقليا، قم فاقله لنا وهاته. فقال الخليفة: على الرأس، أقليه وأجيء به. فقال له: عجل بقليه والإتيان به. فقام الخليفة يجري حتى وصل إلى جعفر، وقال: يا جعفر، طلبوا السمك مقليا. فقال: يا أمير المؤمنين، هاته وأنا أقليه. فقال الخليفة: وتربة آبائي وأجدادي ما يقليه إلا أنا بيدي. # ثم إن الخليفة ذهب إلى خص الخولي وفتش فيه، فوجد فيه كل شيء يحتاج إليه من آلة القلي، حتى الملح والزعتر وغير ذلك، فتقدم للكانون، وعلق الطاجن وقلاه قليا مليحا، فلما استوى جعله على ورق الموز، وأخذ من البستان ليمونا، وطلع بالسمك ووضعه بين أيديهم، فتقدم الصبي والصبية والشيخ إبراهيم وأكلوا، فلما فرغوا غسلوا أيديهم، فقال نور الدين: والله يا صياد إنك صنعت معنا معروفا هذه الليلة. ثم وضع يده في جيبه، وأخرج له ثلاثة دنانير من الدنانير التي أعطاه إياها سنجر وقت خروجه للسفر، وقال: يا صياد، اعذرني فوالله لو عرفتك قبل الذي حصل لي سابقا، لكنت نزعت مرارة الفقر من قلبك، لكن خذ هذا بحسب الحال. ثم رمى الدنانير للخليفة، فأخذها الخليفة وقبلها، ووضعها في جيبه، وما كان مراد الخليفة بذلك إلا السماع من الجارية وهي تغني، فقال الخليفة: أحسنت وتفضلت، لكن مرادي من تصدقاتك العميمة أن هذه الجارية تغني لنا صوتا حتى أسمعها. فقال علي نور الدين: يا أنيس الجليس. قالت: نعم. قال لها: وحياتي أن تغني لنا شيئا من شأن خاطر هذا الصياد؛ لأنه يريد أن يسمعك. فلما سمعت كلام سيدها أخذت العود وغمزته بعد أن عركت أذنه، وأنشدت هذين البيتين: # وغادة لعبت بالعود أنملها %~% فعادت النفس عند الجس تختلس ~~قد أسمعت بالأغاني من به صمم %~% وقال أحسنت مغنى من به خرس # ثم إنها ضربت ضربا غريبا إلى أن أذهلت العقول، وأنشدت تقول هذين البيتين: # ولقد شرفنا إذ نزلتم أرضنا %~% ومحا سناكم ظلمة الديجور ~~فيحق لي أني أخلق منزلي %~% بالمسك والماورد والكافور # فعند ذلك اضطرب الخليفة عليه الوجد، فلم يملك نفسه من شدة الطرب وصار ms0216 يقول: طيبك الله، طيبك الله، طيبك الله. فقال نور الدين: يا صياد، هل أعجبتك الجارية وتحريكها الأوتار؟ فقال الخليفة: إي والله. فقال نور الدين: هي هبة مني إليك، هبة كريم لا يرجع في عطائه. ثم إن نور الدين نهض قائما على قدميه، وأخذ ملوطة ورماها على الخليفة وهو في صورة الصياد، وأمره أن يخرج ويروح بالجارية. فنظرت الجارية إليه وقالت: يا سيدي، هل أنت رائح بلا وداع؟ إن كان ولا بد فقف حتى أودعك. وأنشدت هذين البيتين: # لئن غبتم عني فإن محلكم %~% لفي مهجتي بين الجوانح والحشا ~~وأرجو من الرحمن جمعا لشملنا %~% وذلك فضل الله يؤتيه من يشا # فلما فرغت من شعرها أجابها نور الدين وهو يقول: # ودعتني يوم الفراق وقالت %~% وهي تبكي من لوعة وفراق ~~ما الذي أنت صانع بعد بعدي %~% قلت قولي هذا لمن هو باق # ثم إن الخليفة لما سمع ذلك، صعب عليه التفريق بينهما، والتفت إلى الصبي وقال له: يا سيدي، هل أنت خائف من جناية أو لأحد عليك دين؟ فقال نور الدين: والله يا صياد إنه جرى لي ولهذه الجارية حديث عجيب وأمر غريب، لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر. فقال الخليفة: أما تحدثنا بحديثك وتعرفنا بخبرك؛ عسى أن يكون لك فيه فرج، فإن فرج الله قريب. فقال نور الدين: يا صياد، هل تسمع حديثنا نظما أم نثرا؟ فقال الخليفة: النثر كلام والشعر نظام. فعند ذلك أطرق نور الدين رأسه إلى الأرض وأنشأ يقول هذه الأبيات: # يا خليلي إني هجرت رقادي %~% وهمومي نمت لبعد بلادي ~~كان لي والد علي شفوقا %~% غاب عني مجاور الألحاد ~~وجرت لي من بعد ذاك أمور %~% صرت منها مفتت الأكباد ~~اشترى لي من الحسان فتاة %~% مثل غصن بقدها المياد ~~فصرفت الذي ورثت عليها %~% وتخيرتها على الأجواد ~~سمتها البيع إذ تزايد همي %~% وجوى البين لم يكن بمرادي ~~وإذا ما دعا إليها مناد %~% زاد فيها شيخ كثير الفساد ~~فلهذا اغتظت غيظا شديدا %~% ولملكي جذبتها بأياد ~~فتردى ذاك اللئيم بقبح ms0217 %~% ثم قادت فيه لظى الألحاد ~~من غرامي لكمته بيميني %~% وشمالي حتى شفيت فؤادي ~~ومن الخوف قد أتيت لداري %~% وتيقنت سطوة الأضداد ~~فهدي مالك البلاد لحبسي %~% فأتى الحاجب الرشيد السداد ~~رامزا كي أسير سيرا بعيدا %~% عن ذراهم مكمدا حسادي ~~فطلعنا من دارنا جنح ليل %~% طالبين المقام في بغداد ~~ليس شيء من الذخائر عندي %~% دونها منحة إلى الصياد ~~غير أني أعطيك محبوب قلبي %~% فتيقن أني وهبت فؤادي # فلما فرغ من شعره، قال الخليفة: يا سيدي نور الدين، اشرح لي أمرك. فأخبره نور الدين بحاله من أوله إلى آخره، فلما فهم الخليفة هذه الحال، قال له: أين تقصد في هذه الساعة؟ قال له: بلاد الله فسيحة. فقال له الخليفة: أنا أكتب لك ورقة توصلها إلى السلطان محمد بن سليمان الزيني، فإذا قرأها لا يضرك بشيء. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 36 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة لما قال لعلي نور الدين: أنا أكتب لك ورقة توصلها إلى السلطان محمد بن سليمان الزيني، فإذا قرأها لا يضرك بشيء. فقال له علي نور الدين: وهل في الدنيا صياد يكاتب الملوك? إن هذا شيء لا يكون أبدا. فقال له الخليفة: صدقت، ولكن أنا أخبرك بالسبب؛ اعلم أني قرأت أنا وإياه في مكتب واحد عند فقيه، وكنت أنا عريفه، ثم أدركته السعادة وصار سلطانا، وجعلني الله صيادا، ولكن لم أرسل إليه في حاجة إلا قضاها، ولو أرسلت إليه في كل يوم من شأن ألف حاجة لقضاها. فلما سمع نور الدين كلامه قال له: اكتب حتى أنظر. فأخذ دواة وقلما وكتب بعد البسملة: أما بعد، فإن هذا الكتاب من هارون الرشيد بن المهدي إلى حضرة محمد بن سليمان الزيني، المشمول بنعمتي الذي جعلته نائبا عني في بعض مملكتي، وأعرفك أن الواصل إليك هذا الكتاب صحبة نور الدين بن خاقان الوزير، فساعة وصوله عندكم تنزع نفسك من الملك، وتجلسه مكانك، فإني قد وليته على ما كنت وليتك عليه سابقا، فلا تخالف أمري، ms0218 والسلام. ثم أعطى علي نور الدين بن خاقان الكتاب، فأخذه نور الدين وقبله وحطه في عمامته، ونزل في الوقت مسافرا. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر الخليفة، فإن الشيخ إبراهيم نظر إليه وهو في صورة الصياد، وقال له: يا أحقر الصيادين، قد جئت لنا بسمكتين تساويان عشرين نصفا، فأخذت ثلاثة دنانير، وتريد أن تأخذ الجارية أيضا؟ فلما سمع كلامه صاح عليه وأومأ إلى مسرور، فأشهر نفسه وهجم عليه. وكان جعفر قد أرسل رجلا من صبيان البستان إلى بواب القصر يطلب منه بدلة لأمير المؤمنين، فذهب الرجل وطلع بالبدلة وقبل الأرض بين يدي الخليفة، فخلع عليه الخليفة ما كان عليه ولبس تلك البدلة. وكان الشيخ إبراهيم جالسا على كرسي، والخليفة واقف ينظر ما يجري، فعند ذلك بهت الشيخ إبراهيم وصار يعض في أنامله من الخجل، ويقول: يا ترى هل أنا نائم أم يقظان؟ فنظر إليه الخليفة وقال: يا شيخ إبراهيم، ما هذا الحال الذي أنت فيه؟ فعند ذلك أفاق من سكره ورمى نفسه على الأرض، وأنشد هذين البيتين: # هب لي جناية من زلت به القدم %~% فإن للعبد من ساداته كرم ~~فعلت ما يقتضيه الذنب معترفا %~% فأين ما يقتضيه العفو والكرم # فعفا عنه الخليفة وأمر الجارية أن تحمل إلى القصر، فلما وصلت إلى القصر أفرد لها الخليفة منزلا وحدها، ووكل بها من يخدمها، وقال لها: اعلمي أني أرسلت سيدك سلطانا على البصرة، فإن شاء نرسل إليه خلعة ونرسلك إليه صحبتها. # هذا ما جرى لهؤلاء، وأما ما جرى لنور الدين علي بن خاقان، فإنه ما زال مسافرا حتى دخل البصرة وطلع قصر السلطان، ثم صرخ صرخة عظيمة، فسمعه السلطان فطلبه، فلما حضر بين يديه قبل الأرض قدامه، ثم أخرج الورقة وأعطاه إياها، فلما رأى عنوان الكتاب بخط أمير المؤمنين، قام واقفا على قدميه وقبلها ثلاث مرات، وقال: السمع والطاعة لله تعالى ولأمير المؤمنين. ثم أحضر القضاة الأربعة والأمراء، وأراد أن يخلع نفسه من الملك، وإذا بالوزير المعين بن ساوى ms0219 قد حضر، فأعطاه السلطان ورقة أمير المؤمنين، فلما قرأها قطعها عن آخرها، وأخذها في فمه ومضغها ورماها، فقال له السلطان وقد غضب: ويلك! ما الذي حملك على هذه الفعال؟ قال له: هذا ما اجتمع بالخليفة ولا بوزيره، وإنما هو علق شيطان مكار، وقع بورقة فيها خط الخليفة فزورها، وكتب فيها ما أراد؛ فلأي شيء تعزل نفسك من السلطنة، مع أن الخليفة لم يرسل إليك رسولا بخط شريف؟ ولو كان هذا الأمر صحيحا لأرسل معه حاجبا أو وزيرا، لكنه جاء وحده. فقال له: وكيف العمل؟ قال له: أرسل معي هذا الشاب، وأنا آخذه وأتسلمه منك، وأرسله صحبة حاجب إلى مدينة بغداد، فإن كان كلامه صحيحا يأتينا بخط شريف وتقليد، وإن كان غير صحيح يرسلوه إلينا مع الحاجب، وأنا آخذ حقي من غريمي. # فلما سمع السلطان كلام الوزير ودخل عقله، صاح على الغلمان فطرحوه وضربوه إلى أن أغمي عليه، ثم أمر أن يضعوا في رجليه قيدا، وصاح على السجان، فلما حضر قبل الأرض بين يديه، وكان هذا السجان يقال له قطيط، فقال له: يا قطيط، أريد أن تأخذ هذا وترميه في مطمورة من المطامير التي عندك في السجن، وتعاقبه بالليل والنهار. فقال له السجان: سمعا وطاعة. ثم إن السجان أدخل نور الدين في السجن، وقفل عليه الباب، ثم أمر بكنس مصطبة وراء الباب وفرشها بسجادة أو مخدة، وأقعد نور الدين عليها، وفك قيده وأحسن إليه، وكان كل يوم يرسل إلى السجان ويأمره بضربه، والسجان يظهر أنه يعاقبه وهو يلاطفه، ولم يزل كذلك مدة أربعين يوما، فلما كان اليوم الحادي والأربعون، جاءت هدية من عند الخليفة، فلما رآها السلطان أعجبته، فشاور الوزراء في أمرها، فقال بعض: لعل هذه الهدية كانت للسلطان الجديد. فقال الوزير المعين بن ساوى: إنما كان المناسب قتله وقت قدومه. فقال السلطان: والله لقد ذكرتني به، انزل هاته واضرب عنقه. فقال الوزير: سمعا وطاعة. فقام وقال له: إن قصدي أن أنادي في المدينة من أراد أن يتفرج على ضرب رقبة ms0220 نور الدين علي بن خاقان فليأت إلى القصر، فيأتي جميع الناس ليتفرجوا عليه لأشفي فؤادي، وأكمد حسادي. فقال له السلطان: افعل ما تريد. فنزل الوزير وهو فرحان مسرور، وأقبل على الوالي وأمره أن ينادي بما ذكره، فلما سمع الناس المنادي حزنوا وبكوا جمعا حتى الصغار في المكاتب والسوقة في دكاكينهم، وتسابق الناس يأخذون لهم أماكن ليتفرجوا فيها، وذهب بعض الناس إلى السجن حتى يأتون معه، ونزل الوزير ومعه عشرة مماليك إلى السجن، فقال قطيط السجان: ما تطلب يا مولانا الوزير؟ فقال: أحضر لي هذا العلق. فقال السجان: إنه في أقبح حال من كثرة ما ضربته. ثم دخل السجان فوجده ينشد هذه الأبيات: # من لي يساعدني على بلوائي %~% فقد اعتلى دائي وعز دوائي ~~والهجر أضنى مهجتي وحشاشتي %~% والدهر رد أحبتي أعدائي ~~يا قوم هل فيكم رفيق مشفق %~% يرثي لحالي أو يجيب ندائي ~~فالموت هان علي مع سكراته %~% وقطعت من طيب الحياة رجائي ~~يا رب بالهادي البشير المصطفى %~% بحر المكارم سيد الشفعاء ~~أدعوك تنقذني وتغفر زلتي %~% وتزيل عني شقوتي وعنائي # فعند ذلك نزع عنه السجان ثيابه النظاف، وألبسه ثوبين وسخين، ونزل به إلى الوزير، فنظره نور الدين فرآه عدوه الذي لا زال يطلب قتله؛ فلما رآه بكى وقال له: هل آمنت الدهر؟ أما سمعت قول الشاعر: # تحكموا فاستطالوا في تحكمهم %~% وعن قريب كأن الحكم لم يكن # ثم قال: يا وزير، اعلم أن الله - سبحانه وتعالى - هو الفعال لما يريد. فقال له: يا علي، أتخوفني بهذا الكلام؟! فأنا في هذا اليوم أضرب رقبتك على رغم أنف أهل البصرة، ولا ألتفت إلى نصحك، وإنما ألتفت إلى قول الشاعر: # دع الأيام تفعل ما تشاء %~% وطب نفسا بما فعل القضاء # وما أحسن قول الآخر: # من عاش بعد عدوه %~% يوما فقد بلغ المنى # ثم إن الوزير أمر غلماه أن يحملوه على ظهر بغل، فقال الغلمان لعلي نور الدين وقد صعب عليهم: دعنا نرجمه ونقطعه ولو تروح أرواحنا. فقال لهم علي نور الدين: لا تفعلوا ذلك أبدا، أما ms0221 سمعتم قول الشاعر: # لا بد لي من مدة محتومة %~% فإذا انقضت أيامها مت ~~لو أدخلتني الأسد في غاباتها %~% لم تفنها ما دام لي وقت # ثم إنهم نادوا علي نور الدين: هذا أقل جزاء من يزور مكتوبا على الخليفة إلى السلطان. وما زالوا يطوفون به في البصرة إلى أن أوقفوه تحت شباك القصر، وجعلوه في منقع الدم، وتقدم إليه السياف وقال له: أنا عبد مأمور، فإن كان لك حاجة فأخبرني بها حتى أقضيها لك؛ فإنه ما بقي من عمرك إلا قدر ما يخرج السلطان وجهه من الشباك. فعند ذلك نظر يمينا وشمالا، وأنشد هذه الأبيات: # فهل فيكم الخل الشفوق يعينني %~% أحلفكم بالله رد جوابي ~~مضى الوقت من عمري وحانت منيتي %~% فهل راحم لي كي ينال ثوابي ~~وينظر في حالي ويكشف كربتي %~% بشربة ماء كي يهون عذابي # فتباكت الناس عليه، وقام السياف وأخذ شربة ماء يناوله إياها، فنهض الوزير من مكانه وضرب قلة الماء بيده فكسرها، وصاح على السياف وأمره بضرب عنقه، فعند ذلك عصب عيني علي نور الدين، فصاح الناس على الوزير وأقاموا عليه الصراخ، وكثر بينهم القيل والقال. فبينما هم كذلك وإذا بغبار قد علا، وعجاج ملأ الجو والخلا، فلما نظر إليه السلطان وهو قاعد في القصر قال لهم: انظروا ما الخبر! فقال الوزير: حتى نضرب عنق هذا قبل. فقال له السلطان: اصبر أنت حتى ننظر الخبر. وكان ذلك الغبار غبار جعفر وزير الخليفة ومن معه، وكان السبب في مجيئهم أن الخليفة مكث ثلاثين يوما لم يتذكر قصة علي بن خاقان، ولم يذكرها له أحد، إلى أن جاء ليلة من الليالي إلى مقصورة أنيس الجليس فسمع بكاءها، وهي تنشد بصوت رقيق قول الشاعر: # خيالك في التباعد والتداني %~% وذكرك لا يفارقه لساني # وتزايد بكاؤها، وإذا بالخليفة قد فتح الباب ودخل المقصورة، فرأى أنيس الجليس وهي تبكي، فلما رأت الخليفة وقعت على قدميه، وقبلتهما ثلاث مرات، ثم أنشدت هذين البيتين: # أيا من زكا أصلا وطاب ولادة %~% وأثمر غصنا يانعا وزكا جنسا ~~أذكرك ms0222 الوعد الذي سمحت به %~% محاسنك الحسنى وحاشاك أن تنسى # فقال الخليفة: من أنت؟ قالت: أنا هدية علي بن خاقان إليك، وأريد إنجاز الوعد الذي وعدتني به من أنك ترسلني إليه مع التشريف، والآن لي هنا ثلاثون يوما لم أذق طعم النوم. فعند ذلك طلب الخليفة جعفر البرمكي وقال: من منذ ثلاثين يوما لم أسمع بخبر علي بن خاقان، وما أظن إلا أن السلطان قتله، ولكن وحياة رأسي وتربة آبائي وأجدادي إن كان جرى له أمر مكروه، لأهلكن من كان سببا فيه، ولو كان أعز الناس عندي، وأريد أن تسافر أنت في هذه الساعة إلى البصرة، وتأتي بأخبار الملك محمد بن سليمان الزيني مع علي بن خاقان. فامتثل أمره وسافر، فلما أقبل جعفر نظر ذلك الهرج والمرج والازدحام، فقال الوزير جعفر: ما هذا الازدحام؟ فذكروا له ما هم فيه من أمر علي نور الدين بن خاقان، فلما سمع جعفر كلامهم أسرع بالطلوع إلى السلطان، وسلم عليه، وأعلمه بما جاء فيه، وأنه إذا كان وقع لعلي نور الدين أمر مكروه، فإن السلطان يهلك من كان السبب في ذلك، ثم إنه قبض على السلطان والوزير المعين بن ساوى، وأمر بإطلاق علي نور الدين بن خاقان، وأجلسه سلطانا في مكان السلطان محمد بن سليمان الزيني، وقعد ثلاثة أيام في البصرة مدة الضيافة، فلما كان صبح اليوم الرابع التفت علي بن خاقان إلى جعفر، وقال: إني اشتقت إلى رؤية أمير المؤمنين. فقال جعفر للملك محمد بن سليمان: تجهز للسفر، فإننا نصلي ونتوجه إلى بغداد. فقال: السمع والطاعة. # ثم إنهم صلوا الصبح، وركبوا جميعهم ومعهم الوزير المعين بن ساوى، وصار يتندم على فعله؛ وأما علي نور الدين ابن خاقان فإنه ركب بجانب جعفر، وما زالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى بغداد دار السلام، وبعد ذلك دخلوا على الخليفة، فلما دخلوا عليه حكوا له قصة نور الدين، فعند ذلك أقبل الخليفة على علي بن خاقان وقال له: خذ هذا السيف واضرب به رقبة عدوك. فأخذه وتقدم إلى ms0223 المعين بن ساوى، فنظر إليه وقال له: أنا عملت بمقتضى طبيعتي، فاعمل أنت بمقتضى طبيعتك. فرمى السيف من يده، ونظر إلى الخليفة وقال: يا أمير المؤمنين، إنه خدعني. وأنشد قول الشاعر: # فخدعته بخديعة لما أتى %~% والحر يخدعه الكلام الطيب # فقال له الخليفة: اتركه أنت. ثم قال لمسرور: يا مسرور، قم أنت واضرب رقبته. فقام مسرور ورمى رقبته، فعند ذلك قال الخليفة لعلي بن خاقان: تمن علي. فقال له: يا سيدي، أنا ما لي حاجة بملك البصرة، وما أريد إلا مشاهدة وجه خدمتك. فقال الخليفة: حبا وكرامة. ثم إن الخليفة دعا بالجارية فحضرت بين يديه، فأنعم عليهما، وأعطاهما قصرا من قصور بغداد، ورتب لهما مرتبات، وجعله من ندمائه، وما زال مقيما عنده إلى أن أدركه الممات. ### || حكاية التاجر أيوب وابنه غانم وابنته فتنة # وليس هذا بأعجب من حكاية التاجر وأولاده، قال الملك: وكيف ذلك؟ ### || حكاية غانم المتيم المسلوب # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، تاجر من التجار له مال، وله ولد كأنه البدر ليلة تمامه، فصيح اللسان، يسمى غانم بن أيوب المتيم المسلوب، وله أخت اسمها فتنة من فرط حسنها وجمالها؛ فتوفي والدهما وخلف لهما مالا جزيلا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 37 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ذلك التاجر خلف لهما مالا جزيلا، ومن جملة ذلك مائة حمل من القز والديباج ونوافح المسك، ومكتوب على الأحمال: هذا بقصد بغداد. وكان مراده أن يسافر إلى بغداد، فلما توفاه الله تعالى ومضت مدة، أخذ ولده هذه الأحمال وسافر بها إلى بغداد، وكان ذلك في زمن هارون الرشيد، وودع أمه وأقاربه، وأهل بلدته قبل سيره، وخرج متوكلا على الله تعالى، وكتب الله له السلامة حتى وصل إلى بغداد، وكان مسافرا صحبة جماعة من التجار، فاستأجر له دارا حسنة، وفرشها بالبسط والوسائد، وأرخى عليها الستور، ونزل فيها تلك الأحمال والبغال والجمال، وجلس حتى استراح، وسلم عليه تجار بغداد وأكابرها، ثم أخذ ms0224 بقجة فيها عشرة تفاصيل من القماش النفيس، مكتوب عليها أثمانها، ونزل بها إلى سوق التجار، فلاقوه وسلموا عليه وأكرموه، وتلقوه بالترحيب، وأنزلوه على دكان شيخ السوق، وباع التفاصيل، فربح في كل دينار دينارين، ففرح غانم، وصار يبيع القماش والتفاصيل شيئا فشيئا، ولم يزل كذلك سنة كاملة، وفي أول السنة الثانية جاء إلى ذلك السوق، فرأى بابه مقفولا، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: إنه توفي واحد من التجار، وذهب التجار كلهم يمشون في جنازته، فهل لك أن تكسب أجرا وتمشي معهم؟ قال: نعم. ثم سأل عن محل الجنازة، فدلوه عن المحل، فتوضأ ثم مشى مع التجار إلى أن وصلوا المصلى وصلوا على الميت، ثم مشى التجار جميعهم قدام الجنازة إلى المقبرة، فتبعهم غانم إلى أن وصلوا بالجنازة إلى المقبرة خارج المدينة، ومشوا بين المقابر حتى وصلوا إلى المدفن، فوجدوا أهل الميت نصبوا على القبر خيمة، وأحضروا الشموع والقناديل، ثم دفنوا الميت، وجلس القراء يقرءون القرآن على ذلك القبر، فجلس التجار ومعهم غانم بن أيوب وهو غالب عليه الحياء، فقال في نفسه: أنا لم أقدر أن أفارقهم حتى أنصرف معهم. # ثم إنهم جلسوا يسمعون القرآن إلى وقت العشاء، فقدموا لهم العشاء والحلوى، فأكلوا حتى اكتفوا، وغسلوا أيديهم، ثم جلسوا مكانهم، فاشتغل خاطر غانم ببضاعته وخاف من اللصوص، فقال في نفسه: أنا رجل غريب ومتهم بالمال، فإن بت الليلة بعيدا عن منزلي سرق اللصوص ما فيه من المال والأحمال. وخاف على متاعه، فقام وخرج من بين الجماعة، واستأذنهم على أنه يقضي حاجة، فسار يمشي ويتتبع آثار الطريق حتى جاء إلى باب المدينة، وكان ذلك الوقت نصف الليل، فوجد باب المدينة مغلوقا، ولم ير أحدا غاديا ولا رائحا، ولم يسمع صوتا سوى نبيح الكلاب وعواء الذئاب، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، كنت خائفا على مالي وجئت من أجله، فوجدت الباب مغلوقا، فصرت الآن خائفا على روحي. # ثم رجع ينظر له محلا ينام فيه إلى الصباح، فوجد تربة محوطة بأربعة حيطان، وفيها ms0225 نخلة، ولها باب من الصوان مفتوح، فدخلها وأراد أن ينام فلم يجئه نوم، وأخذته رجفة ووحشة وهو بين القبور، فقام واقفا على قدميه وفتح باب المكان، ونظر فرأى نورا يلوح على بعد في ناحية باب المدينة، فمشى قليلا فرأى النور مقبلا في الطريق التي توصل إلى التربة التي هو فيها، فخاف غانم على نفسه وأسرع برد الباب، وتعلق حتى طلع فوق النخلة وتدارى في قلبها، فصار النور يقترب من التربة شيئا فشيئا حتى قرب من التربة، فتأمل النور فرأى ثلاثة عبيد؛ اثنان حاملان صندوقا، وواحد في يده فاس وفانوس، فلما قربوا من التربة قال أحد العبدين الحاملين الصندوق: ما لك يا صواب؟ فقال العبد الآخر منهما: ما لك يا كافور؟ فقال: أما كنا هنا وقت العشاء وخلينا الباب مفتوحا؟ فقال: نعم، هذا الكلام صحيح. فقال: ها هو مغلق متربس. فقال لهما الثالث وهو حامل الفاس والنور، وكان اسمه بخيتا: ما أقل عقلكما! أما تعرفان أن أصحاب الغيطان يخرجون من بغداد، ويترددون هنا، فيمسي عليهم المساء فيدخلون هنا، ويغلقون عليهم الباب خوفا من السودان الذين هم مثلنا أن يأخذوهم ويأكلوهم؟ فقالوا له: صدقت، وما فينا أقل عقلا منك. فقال لهم: إنكم لم تصدقوني حتى ندخل التربة ونجد فيها أحدا، وأظن أنه إذا كان فيها أحد ورأى النور هرب فوق النخلة. # فلما سمع غانم كلام العبد، قال في نفسه: ما أمكر هذا العبد! فقبح الله السودان لما فيهم من الخبث واللؤم. ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وما الذي يخلصني من هذه الورطة؟ ثم إن الاثنين الحاملين للصندوق قالا لمن معه الفأس: تعلق على الحائط وافتح لنا الباب يا صواب؛ لأننا تعبنا من حمل الصندوق على رقابنا، فإذا فتحت لنا الباب، فلك علينا واحد من الذين نمسكهم، ونقليه لك قليا جيدا بحيث لا يضيع من دهنه نقطة. فقال صواب: أنا خائف من شيء تذكرته من قلة عقلي، وهو أننا نرمي الصندوق وراء الباب لأنه ذخيرتنا. فقالا له: إن ms0226 رميناه ينكسر. فقال: أنا خائف أن يكون في داخل التربة الحرامية الذين يقتلون الناس، ويسرقون الأشياء؛ لأنهم إذا أمسى عليهم الوقت يدخلون في هذه الأماكن، ويقسمون ما يكون معهم. فقال له الاثنان الحاملان للصندوق: يا قليل العقل، هل يقدرون أن يدخلوا هنا؟ ثم حملا الصندوق، وتعلقا على الحائط، ونزلا وفتحا الباب، والعبد الثالث الذي هو بخيت واقف لهما بالنور والمقطف الذي فيه بعض من الجبس. ثم إنهم جلسوا وقفلوا الباب، فقال واحد منهم: يا إخوتي، نحن تعبنا من المشي والشيل والحط وفتح الباب وقفله، وهذا الوقت نصف الليل، ولم يبق فينا قوة لفتح التربة ودفن الصندوق، ولكننا نجلس هنا ثلاث ساعات لنستريح، ثم نقوم ونقضي حاجتنا، ولكن كل واحد منا يحكي لنا سبب تطويشه، وجميع ما وقع له من المبتدأ إلى المنتهى لأجل فوات هذه الليلة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 38 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العبيد الثلاثة قالوا لبعضهم: كل واحد يحكي جميع ما وقع له. قال الأول وهو الذي كان حامل النور: أنا أحكي لكم حكايتي. فقالوا له: تكلم. ### || حكاية العبد الأول صواب # قال لهم: اعلموا يا إخواني أني لما كنت صغيرا جاء بي الجلاب من بلدي وعمري خمس سنين، فباعني لواحد جاويش، وكان له بنت عمرها ثلاث سنين، فتربيت معها، وكانوا يضحكون علي وأنا ألاعب البنت وأرقص لها وأغني لها، إلى أن صار عمري اثنتي عشرة سنة، وهي بنت عشر سنين، ولا يمنعونني عنها، إلى أن دخلت عليها يوما من الأيام وهي جالسة في محل خلوة، وكأنها خرجت من الحمام الذي في البيت؛ لأنها كانت معطرة مبخرة، ووجهها مثل القمر في ليلة أربع عشرة، فلاعبتني ولاعبتها، فنفر إحليلي حتى صار مثل المفتاح الكبير، فدفعتني على الأرض فوقعت على ظهري، وركبت فوق صدري وصارت تتمرغ علي، فانكشف إحليلي، فلما رأته وهو نافر أخذته بيدها، وصارت تحك به على أشفار فرجها من فوق لباسها، فهاجت الحرارة عندي، وحضنتها فشبكت يديها في عنقي، ms0227 وقرطت علي بجهدها، فما أشعر إلا وإحليلي فتق لباسها ودخل فرجها، فأزال بكارتها، فلما عاينت ذلك هربت عند بعض أصحابي، فدخلت عليها أمها، فلما رأت حالها غابت عن الدنيا، ثم تداركت أمرها وأخفت حالها عن أبيها، وكتمته وصبرت عليها مدة شهرين، كل هذا وهم ينادونني ويلاطفونني حتى أخذوني من المكان الذي كنت فيه، ولم يذكروا شيئا من هذا الأمر لأبيها؛ لأنهم كانوا يحبونني كثيرا، ثم إن أمها خطبت لها شابا مزينا، كان يزين أباها، وأمهرتها من عندها وجهزتها له، كل هذا وأبوها لا يعلم بحالها، وصاروا يجتهدون في تحصيل جهازها، ثم إنهم أمسكوني على غفلة وخصوني، ولما زفوها للعروس جعلوني طواشيا لها أمشي قدامها أينما راحت، سواء كان رواحها إلى الحمام أو إلى بيت أبيها، وقد ستروا أمرها، وليلة الدخلة ذبحوا على قميصها حمامة، ومكثت عندها مدة طويلة، وأنا أتملى بحسنها وجمالها على قدر ما أمكنني من تقبيل وعناق إلى أن ماتت هي وزوجها وأمها وأبوها، ثم أخذت بيت المال، وصرت في هذا المكان، وقد ارتفقت بكم، وهذا سبب قطع إحليلي والسلام. ### || حكاية العبد الثاني كافور # فقال العبد الثاني: اعلموا يا إخوتي أني كنت في ابتداء أمري ابن ثماني سنين، ولكن كنت أكذب على الجلابة في كل سنة كذبة؛ حتى يقعوا في بعضهم، فقلق مني الجلاب، وأنزلني في يد الدلال، وأمره أن ينادي: من يشتري هذا العبد على عيب؟ فقيل له: وما عيبه؟ قال: يكذب في كل سنة كذبة واحدة. فتقدم رجل تاجر إلى الدلال، وقال له: كم أعطوا في هذا العبد من الثمن على عيبه؟ قال: أعطوا ستمائة درهم. قال: ولك عشرون. فجمع بينه وبين الجلاب، وقبض منه الدراهم، وأوصلني الدلال إلى منزل ذلك التاجر، وأخذ دلالته، فكساني التاجر ما يناسبني، ومكثت عنده باقي سنتي إلى أن هلت السنة الجديدة بالخير، وكانت سنة مباركة مخصبة بالنبات، فصار التجار يعملون العزومات، وكل يوم على واحد منهم إلى أن جاءت العزومة على سيدي في بستان خارج البلد، فراح هو والتجار وأخذ ms0228 لهم ما يحتاجون إليه من أكل وغيره، فجلسوا يأكلون ويشربون ويتنادمون إلى وقت الظهر، فاحتاج سيدي إلى مصلحة من البيت، فقال: يا عبد، اركب البغلة، ورح إلى المنزل، وهات من سيدتك الحاجة الفلانية وارجع سريعا. فامتثلت أمره ورحت إلى المنزل، فلما قربت من المنزل صرخت وأرخيت الدموع، فاجتمع أهل الحارة كبارا وصغارا، وسمعت صوتي زوجة سيدي وبناته، ففتحوا لي الباب وسألوني عن الخبر، فقلت لهم: إن سيدي كان جالسا تحت حائط قديم هو وأصحابه فوقع عليهم، فلما رأيت ما جرى لهم ركبت البغلة، وجئت مسرعا لأخبركم. # فلما سمع أولاده وزوجته ذلك الكلام صرخوا وشقوا ثيابهم، ولطموا على وجوههم، فأتت إليهم الجيران، وأما زوجة سيدي فإنها قلبت متاع البيت بعضه على بعض، وخلعت رفوفه، وكسرت طبقاته وشبابيكه، وسخمت حيطانه بطين ونيلة، وقالت: ويلك يا كافور، تعال ساعدني، واخرب هذه الدواليب، وكسر هذه الأواني والصيني. فجئت إليها وأخربت معها رفوف البيت، وأتلفت ما عليها ودواليبه، وأتلفت ما فيها ودرت على السقوف وعلى كل محل حتى أخرجت الجميع، وأنا أصيح: وا سيداه! ثم خرجت سيدتي مكشوفة الوجه بغطاء رأسها لا غير، وخرج معها البنات والأولاد وقالوا: يا كافور، امش قدامنا وأرنا مكان سيدك الذي هو ميت فيه تحت الحائط حتى نخرجه من تحت الردم، ونحمله في تابوت ونجيء به إلى البيت فنخرجه خرجة مليحة. فمشيت قدامهم وأنا أصيح: وا سيداه! وهم خلفي مكشوفو الوجوه والرءوس، يصيحون: وا مصيبتاه! وا نكبتاه! فلم يبق أحد من الرجال ولا من النساء ولا من الصبيان ولا صبية ولا عجوزة إلا جاء معنا، وصاروا كلهم يلطمون وهم في شدة البكاء، فمشيت بهم في المدينة، فسأل الناس عن الخبر فأخبروهم بما سمعوا مني، فقال الناس: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إننا نمضي للوالي ونخبره. فلما وصلوا إلى الوالي أخبروه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 39 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنهم لما وصلوا إلى الوالي وأخبروه، قام الوالي وركب وأخذ معه ms0229 الفعلة بالمساحي والقفف، ومشوا تابعين أثري، معهم كثير من الناس، وأنا قدامهم أبكي وأصيح، وأحثوا التراب على رأسي وألطم على وجهي، فلما دخلت عليهم ورآني سيدي وأنا ألطم وأقول: وا سيدتاه! من يحن علي بعد سيدتي، يا ليتني كنت فداءها! فلما رآني سيدي بهت واصفر لونه، وقال: ما لك يا كافور؟ وما هذه الحال وما الخبر؟ فقلت له: إنك لما أرسلتني إلى البيت لأجيء لك بالذي طلبته، رحت إلى البيت ودخلته، فرأيت الحائط الذي في القاعة وقع، فانهدمت القاعة كلها على سيدتي وأولادها. فقال لي: وهل سيدتك لم تسلم؟ فقال: لا، ما سلم منهم أحد، وأول من مات منهم سيدتي الكبيرة. فقال: وهل سلمت بنتي الصغيرة؟ فقلت له: لا. فقال لي: وما حال البغلة التي أركبها هل هي سالمة؟ فقلت له: لا يا سيدي؛ فإن حيطان البيت وحيطان الإصطبل انطبقت على جميع ما في البيت، حتى على الغنم والإوز والدجاج، وصاروا كلهم كوم لحم، وصاروا تحت الردم، ولم يبق منهم أحد. فقال لي: ولا سيدك الكبير؟ فقلت له: لا، فلم يسلم منهم أحد، وفي هذه الساعة لم يبق دار ولا سكان، ولم يبق من ذلك كله أثر، وأما الغنم والإوز والدجاج فإن الجميع أكلها القطط والكلاب. # فلما سمع سيدي كلامي صار الضياء في وجهه ظلاما، ولم يقدر أن يتمالك نفسه ولا عقله، ولم يقدر أن يقف على قدميه، بل جاءه الكساح، وانكسر ظهره، ومزق أثوابه، ونتف لحيته، ولطم على وجهه، ورمى عمامته من فوق رأسه، وما زال يلطم على وجهه حتى سال منه الدم، وصار يصيح: آه وا أولاداه! وا زوجتاه! آه وا مصيبتاه! من جرى له مثل ما جرى لي؟ فصاحت التجار رفقاؤه لصياحه، وبكوا معه، ورثوا لحاله، وشقوا أثوابهم، وخرج سيدي من ذلك البستان وهو يلطم من شدة ما جرى له، وأكثر اللطم على وجهه، وصار كأنه سكران، فبينما الجماعة خارجون من باب البستان، وإذا هم نظروا غبرة عظيمة، وصياحا بأصوات مزعجة، فنظروا إلى تلك الجهة فرأوا الجماعة ms0230 المقبلين، وهم الوالي وجماعته، والخلق والعالم الذين يتفرجون، وأهل التاجر وراءهم يصرخون ويصيحون، وهم في بكاء شديد وحزن زائد، فأول من لاقى سيدي زوجته وأولادها، فلما رآهم بهت وضحك وقال لهم: ما حالكم أنتم وما حصل لكم في الدار، وما جرى لكم؟ فلما رأوه قالوا: الحمد لله على سلامتك أنت. ورموا أنفسهم عليه، وتعلقت أولاده به، وصاحوا: وا أبتاه! الحمد لله على سلامتك يا أبانا. وقالت له زوجته: الحمد لله الذي أرانا وجهك بسلامة. وقد اندهشت وطار عقلها لما رأته، وقالت له: كيف كانت سلامتك أنت وأصحابك؟ فقال لها: وكيف كان حالكم في الدار؟ فقالوا: نحن طيبون بخير وعافية، وما أصاب دارنا شيء من الشر، غير أن عبدك كافورا جاء إلينا مكشوف الرأس ممزق الأثواب، وهو يصيح: وا سيداه، وا سيداه! فقلنا له: ما الخبر يا كافور؟ فقال: إن سيدي جلس تحت حائط في البستان ليقضي حاجة فوقعت عليه فمات. فقال لهم سيدي: والله إنه أتاني في هذه الساعة وهو يصيح وا سيدتاه، وا أولاد سيدتاه! وقال: إن سيدتي وأولادها ماتوا جميعا. # ثم نظر إلى جانبه فرآني وعمامتي ساقطة عن رأسي، وأنا أصيح وأبكي بكاء شديدا وأحثو التراب على رأسي، فصرخ علي، فأقبلت عليه، فقال لي: ويلك يا عبد النحس، يا ابن الزانية، يا ملعون الجنس! ما هذه الوقائع التي عملتها؟ ولكن والله لأسلخن جلدك عن لحمك، وأقطعن لحمك عن عظمك. فقلت له: والله ما تقدر أن تعمل معي شيئا؛ لأنك قد اشتريتني على عيبي بهذا الشرط، والشهود يشهدون عليك حين اشتريتني على عيبي، وأنت عالم به، وهو أني أكذب في كل سنة كذبة واحدة، وهذه نصف كذبة، فإذا كملت السنة كذبت نصفها الآخر، فتبقى كذبة كاملة. فصاح علي: يا ألعن العبيد، هل هذا كله نصف كذبة؟ وإنما هو داهية كبيرة، اذهب عني فأنت حر. فقلت: والله إن أعتقتني أنت ما أعتقك أنا حتى تكمل السنة، وأكذب نصف الكذبة الباقي، وبعد أن أتمها فانزل بي السوق، وبعني بما اشتريتني به ms0231 على عيبي ولا تعتقني، فإنني ما لي صنعة أقتات منها، وهذه المسألة التي ذكرتها لك شرعية، ذكرها الفقهاء في باب العتق. # فبينما نحن في الكلام، وإذا بالخلائق والناس وأهل الحارة، نساء ورجالا قد جاءوا يعملون العزاء، وجاء الوالي وجماعته، فراح سيدي والتجار إلى الوالي، وأعلموه بالقضية، وأن هذه نصف كذبة، فلما سمع الحاضرون ذلك منه استعظموا تلك الكذبة، وتعجبوا غاية العجب، فلعنوني وشتموني، فبقيت واقفا أضحك، وأقول كيف يقتلني سيدي، وقد اشتراني على هذا العيب؟! فلما مضى سيدي إلى البيت وجده خرابا، وأنا الذي أخربت معظمه، وكسرت فيه شيئا يساوي جملة من المال، فقالت له زوجته: إن كافورا هو الذي كسر الأواني والصيني. فازداد غيظه وقال: والله عمري ما رأيت ولد زنا مثل هذا العبد، ويقول إنها نصف كذبة! فكيف لو كانت كذبة كاملة؟ فحينئذ كان خرب مدينة أو مدينتين. ثم ذهب من شدة غيظه إلى الوالي، فضربني علقة شديدة حتى غبت عن الدنيا وغشي علي، فأتاني بالمزين في حال غشيتي، فخصاني وكواني، فلما استفقت وجدت نفسي خصيا، وقال لي سيدي: مثلما أحرقت قلبي على أعز شيء عندي، أحرقت قلبك على أعز شيء عندك. ثم أخذني فباعني بأغلى ثمن؛ لأني صرت طواشيا، وما زلت ألقي الفتن في الأماكن التي أباع فيها، وأنتقل من أمير إلى أمير، ومن كبير إلى أكبر بالبيع والشراء، حتى دخلت قصر أمير المؤمنين، وقد انكسرت نفسي وضعفت قوتي، وعدمت خصاي. فلما سمع العبدان كلامه ضحكا عليه، وقالا له: إنك خبيث ابن خبيث، قد كذبت كذبا شنيعا. ثم قالوا للعبد الثالث: احك لنا حكايتك. # ![figure](../Images/figure20.png) # كشف الغطاء، فرأى صبية نائمة مبنجة، ذات حسن وجمال، وعليها حلي وذهب. ### || حكاية العبد الثالث بخيت # قال لهم: يا أولاد عمي، كل ما حكى هذا بطال، فأنا أحكي لكم سبب قطع خصاي، وقد كنت أستحق أكثر من ذلك؛ لأني كنت نكت سيدتي وابن سيدي، والحكاية معي طويلة، وما هذا وقت حكايتها لأن الصباح يا أولاد عمي قريب، وربما يطلع علينا الصباح ومعنا هذا ms0232 الصندوق فنفتضح بين الناس وتروح أرواحنا، فدونكم فتح الباب، فإذا فتحناه ودخلنا محلنا، قلت لكم على سبب قطع خصاي. ثم تعلق ونزل من الحيط وفتح الباب، فدخلوا وحطوا الشمع، وحفروا حفرة على قدر الصندوق بين أربعة قبور، وصار كافور يحفر، وصواب ينقل التراب بالقفف إلى أن حفروا نصف قامة، ثم حطوا الصندوق في الحفرة، وردوا عليه التراب، وخرجوا من التربة وردوا الباب، وغابوا عن عين غانم بن أيوب. # فلما خلا لغانم المكان وعلم أنه وحده، اشتغل سره بما في الصندوق، وقال في نفسه: يا ترى أي شيء في الصندوق؟ ثم صبر حتى برق الفجر ولاح وبان ضياؤه، فنزل من فوق النخلة، وأزال التراب بيده حتى كشف الصندوق وخلصه، ثم أخذ حجرا وضرب القفل فكسره وكشف الغطاء، ونظر فيه فرأى صبية نائمة مبنجة، ونفسها طالع ونازل، إلا أنها ذات حسن وجمال، وعليها حلي ومصاغ من الذهب وقلائد من الجوهر تساوي ملك السلطان ما بقي بثمنها مال. فلما رآها غانم بن أيوب عرف أنهم تغامزوا عليها، فلما تحقق ذلك الأمر عالج فيها حتى أخرجها من الصندوق ورقدها على قفاها، فلما استنشقت الأرياح ودخل الهواء في مناخرها ومنافسها، عطست ثم شرقت وسعلت، فوقع من حلقها قرص بنج لو شمه الفيل لرقد من الليل إلى الليل، ففتحت عينيها وأدارت طرفها، وقالت بكلام فصيح: ويلك يا ريح، ما فيك ري للعطشان، ولا أنس للريان، أين زهر البستان؟ فلم يجاوبها أحد، فالتفتت وقالت صبيحة شجرة الدر نور الهدى نجمة الصبح: أنت في شهر نزهة حلوة ظريفة تكلموا. فلم يجبها أحد، فجالت بطرفها وقالت: ويلي عند إنزالي في القبور، يا من يعلم ما في الصدور، ويجازي يوم البعث والنشور من جاء بي من بين الستور والخدور، ووضعني بين أربعة قبور. # هذا كله وغانم واقف على قدميه، فقال لها: يا سيدتي، لا خدور ولا قصور ولا قبور، ما هذا إلا عبدك غانم بن أيوب، ساقه إليك الملك علام الغيوب حتى ينجيك من هذه الكروب، ويحصل لك غاية المطلوب. ms0233 وسكت، فلما تحققت الأمر قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. والتفتت إلى غانم، وقد وضعت يديها على صدرها، وقالت له بكلام عذب: أيها الشاب المبارك، من جاء بي إلى هذا المكان، فها أنا قد أفقت؟ فقال: يا سيدتي، ثلاثة عبيد مخصيون أتوا وهم حاملون هذا الصندوق. ثم حكى لها جميع ما جرى، وكيف أمسى عليه المساء حتى كان سبب سلامتها، وإلا كانت ماتت بغصتها، ثم سألها عن حكايتها وخبرها، فقالت له: أيها الشاب، الحمد لله الذي رماني عند مثلك، فقم الآن وحطني في الصندوق واخرج إلى الطريق، فإذا وجدت مكاريا وبغالا، فاكتره لحمل هذا الصندوق ووصلني إلى بيتك، فإذا صرت في دارك يكون خيرا، وأحكي لك حكايتي وأخبرك بقصتي، ويحصل لك الخير من جهتي. ففرح وخرج إلى البرية، وقد شعشع النهار، وطلعت الشمس بالأنوار، وخرجت الناس ومشوا، فاكترى رجلا ببغل وأتى به إلى التربة، فحمل الصندوق بعدما حط فيه الصبية، ووقعت محبتها في قلبه، وسار بها وهو فرحان؛ لأنها جارية تساوي عشرة آلاف دينار، وعليها حلي وحلل تساوي مالا جزيلا، وما صدق أن يصل إلى داره، وأنزل الصندوق وفتحه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 40 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن غانم بن أيوب وصل إلى داره بالصندوق، وفتحه وأخرج الصبية منه، ونظرت فرأت هذا المكان محلا مليحا، مفروشا بالبسط الملونة، والألوان المفرحة، وغير ذلك، ورأت قماشا محزوما وأحمالا، وغير ذلك، فعلمت أنه تاجر كبير صاحب أموال، ثم إنها كشفت وجهها ونظرت إليه، فإذا هو شاب مليح، فلما رأته أحبته وقالت له: هات لنا شيئا نأكله. فقال لها غانم: على الرأس والعين. ثم نزل السوق واشترى خروفا مشويا وصحن حلاوة، وأخذ معه نقلا وشمعا، وأخذ معه نبيذا، وما يحتاج إليه الأمر من آلة المشموم، وأتى إلى البيت ودخل بالحوائج، فلما رأته الجارية ضحكت وقبلته وعانقته، وصارت تلاطفه، فازدادت عنده المحبة واحتوت على قلبه، ثم أكلا وشربا إلى أن أقبل ms0234 الليل، وقد حب بعضهما بعضا؛ لأنهما كانا في سن واحد وحسن واحد. # فلما أقبل الليل قام المتيم المسلوب غانم بن أيوب، وأوقد الشموع والقناديل، فأضاء المكان، وأحضر آلة المدام، ثم نصب الحضرة، وجلس هو وإياها، وكان يملأ ويسقيها وهي تملأ وتسقيه، وهما يلعبان ويضحكان وينشدان الأشعار، وزاد بهما الفرح وتعلقا بحب بعضهما، فسبحان مؤلف القلوب. ولم يزالا كذلك إلى قريب الصبح، فغلب عليهما النوم، فنام كل منهما في موضعه إلى أن أصبح الصباح، فقام غانم بن أيوب، وخرج إلى السوق، واشترى ما يحتاج إليه من خضرة ولحم وخمر وغيره، وأتى إلى الدار، وجلس هو وإياها يأكلان، فأكلا حتى اكتفيا، وبعد ذلك أحضرا الشراب وشربا ولعبا مع بعضهما حتى احمرت وجناتهما واسودت أعينهما، واشتاقت نفس غانم بن أيوب إلى تقبيل الجارية والنوم معها، فقال لها: يا سيدتي، ائذني لي بقبلة من فيك لعلها تبرد نار قلبي. فقالت: يا غانم، اصبر حتى أسكر وأغيب، وأسمح لك سرا بحيث لم أشعر أنك قبلتني. ثم إنها قامت على قدميها، وخلعت بعض ثيابها، وقعدت في قميص رفيع وكوفيه، فعند ذلك تحركت الشهوة عند غانم، وقال: يا سيدتي، أما تسمحين لي بما طلبته منك؟ فقالت: والله لا يصح لك ذلك؛ لأنه مكتوب على دكة لباسي قول صعب. فانكسر خاطر غانم بن أيوب، وزاد عنده الغرام لما عز المطلوب، فأنشد هذه الأبيات: # سألت من أمرضني %~% في قبلة تشفي السقم ~~فقال: لا لا أبدا %~% قلت له: نعم نعم ~~فقال: خذها بالرضا %~% من الحلال وابتسم ~~فقلت: غصبا قال: لا %~% إلا على رأس علم ~~فلا تسل عما جرى %~% واستغفر الله ونم ~~فاظنن بما شئت بنا %~% فالحب يحلو بالتهم ~~ولا أبالي بعد ذا %~% إن باح يوما أو كتم # ثم زادت محبته، وانطلقت النيران في مهجته، هذا وهي تتمنع منه وتقول: ما لك وصول. ولم يزالا في عشقهما ومنادمتهما، وغانم بن أيوب غريق في الهيام، وأما هي فإنها قد ازدادت قسوة وامتناعا إلى أن دخل الليل بالظلام، وأرخى عليها ذيل المنام، فقام ms0235 غانم وأشعل القناديل، وأوقد الشموع، وزاد بهجة المقام، وأخذ رجليها وقبلهما، فوجدهما مثل الزبد الطري، فمرغ وجهه عليهما، وقال: يا سيدتي، ارحمي أسير هواك، ومن قتلت عيناك، كنت سليم القلب لولاك. ثم بكى قليلا، فقالت: يا سيدي ونور عيني، أنا والله لك عاشقة، وبك واثقة، ولكن أنا أعرف أنك لا تصل إلي. فقال لها: وما المانع؟ فقالت له: سأحكي لك في هذه الليلة قصتي حتى تقبل عذري. # ثم إنها ترامت عليه، وطوقت على رقبته بيديها، وصارت تقبله وتلاطفه، ثم وعدته بالوصال، ولم يزالا يلعبان ويضحكان حتى تمكن حب بعضهما من بعض، ولم يزالا على ذلك الحال وهما في كل ليلة ينامان على فراش واحد، وكلما طلب منها الوصال تتعزز عنه مدة شهر كامل، وتمكن حب كل واحد منهما من قلب الآخر، ولم يبق لهما صبر عن بعضهما إلى إن كانت ليلة من الليالي وهو راقد معها، والاثنان سكرانان، فمد يده على جسدها وملس، ثم مر بيده على بطنها، ونزل إلى سرتها فانتبهت وقعدت، وتعهدت اللباس فوجدته مربوطا، فنامت ثانيا، فملس عليها بيده ونزل بها إلى سروالها ودكتها وجذبها فانتبهت وقعدت، وقعد غانم إلى جانبها، فقالت له: ما الذي تريد؟ قال: أريد أن أنام معك، وأتصافى أنا وأنت. فعند ذلك قالت له: أنا الآن أوضح لك أمري حتى تعرف قدري، وينكشف لك سري، ويظهر لك عذري. قال: نعم. فعند ذلك شقت ذيل قميصها ومدت يدها إلى دكة لباسها، وقالت: يا سيدي، اقرأ الذي على هذا الطرف. فأخذ طرف الدكة في يده ونظره، فوجده مرقوما عليه بالذهب: أنا لك وأنت لي يا ابن عم النبي. # فلما قرأه نثر يده وقال لها: اكشفي لي عن خبرك؟ قالت: نعم، اعلم أنني محظية أمير المؤمنين، واسمي قوت القلوب، وأن أمير المؤمنين لما رباني في قصره وكبرت، نظر إلى صفاتي وما أعطاني ربي من الحسن والجمال، فأحبني محبة زائدة، وأخذني وأسكنني في مقصورة، وأمر لي بعشر جوار يخدمنني، ثم إنه أعطاني ذلك المصاغ الذي تراه معي، ms0236 ثم إن الخليفة سافر يوما من الأيام إلى بعض البلاد، فجاءت السيدة زبيدة إلى بعض الجواري التي في خدمتي وقالت: إذا نامت سيدتك قوت القلوب فحطي هذه القطعة البنج في أنفها أو في شرابها، ولك علي من المال ما يكفيك. فقالت لها الجارية: حبا وكرامة. ثم إن الجارية أخذت البنج منها وهي فرحانة لأجل المال، ولكونها كانت في الأصل جاريتها، فجاءت إلي ووضعت البنج في جوفي، فوقعت على الأرض وصارت رأسي عند رجلي، ورأيت نفسي في دنيا أخرى، ولما تمت حيلتها حطتني في ذلك الصندوق، وأحضرت العبيد سرا، وأنعمت عليهم وعلى البوابين، وأرسلتني مع العبيد في الليلة التي كنت نائما فيها فوق النخلة، وفعلوا معي ما رأيت، وكانت نجاتي على يديك، وأنت أتيت بي إلى هذا المكان وأحسنت إلي غاية الإحسان، وهذه قصتي وما أعرف الذي جرى للخليفة في غيبتي، فاعرف قدري ولا تشهر أمري. فلما سمع غانم بن أيوب كلام قوت القلوب، وتحقق أنها محظية الخليفة، تأخر إلى ورائه خيفة من هيبة الخليفة، وجلس وحده في ناحية من المكان يعاتب نفسه، ويتفكر في أمره، وصار متحيرا في عشق التي ليس له إليها وصول؛ فبكى من شدة الغرام ولوعة الوجد والهيام، وصار يشكو الزمان، وما له من العدوان، فسبحان من أشغل قلوب الكرام بالمحبة، ولم يعط الأنذال منها وزن حبة، وأنشد هذين البيتين: # قلب المحب على الأحباب متعوب %~% وعقله مع بديع الحسن منهوب ~~وقائل قال لي: ما الحب؟ قلت له %~% الحب عذب ولكن فيه تعذيب # فعند ذلك قامت إليه قوت القلوب واحتضنته وقبلته، وتمكن حبه في قلبها، وباحت له بسرها، وما عندها من المحبة، وطوقت على رقبته بيديها وقبلته، وهو يتمنع عنها خوفا من الخليفة، ثم تحدثا ساعة من الزمان وهما غريقان في بحر محبة بعضهما إلى أن طلع النهار، فقام غانم ولبس أثوابه، وخرج إلى السوق على عادته، وأخذ ما يحتاج إليه الأمر، وجاء إلى البيت، فوجد قوت القلوب تبكي، فلما رأته سكتت عن البكاء وتبسمت وقالت له: أوحشتني ms0237 يا محبوب قلبي، والله إن هذه الساعة التي غبتها عني كسنة، فإني لا أقدر على فراقك، وها أنا قد بينت لك حالي من شدة ولعي بك، فقم بنا الآن ودع ما كان، واقض إربك مني. قال: أعوذ بالله، إن هذا شيء لا يكون، كيف يجلس الكلب في موضع السبع؟ والذي لمولاي يحرم علي أن أقربه. ثم جذب نفسه منها، وجلس في ناحية، وزادت هي محبة بامتناعه عنها، ثم جلست إلى جانبه ونادمته ولاعبته، فسكرا وهامت بالافتضاح به، فغنت منشدة هذه الأبيات: # قلب المتيم كاد أن يتفتتا %~% فإلى متى هذا الصدود إلى متى ~~يا معرضا عني بغير جناية %~% فعوائد الغزلان أن تتلفتا ~~صد وهجر زائد وصبابة %~% ما كل هذا الأمر يحمله الفتى # فبكى غانم بن أيوب، وبكت هي لبكائه، ولم يزالا يشربان إلى الليل، ثم قام غانم وفرش فرشين، كل فرش في مكان وحده، فقالت له قوت القلوب: لمن هذا الفرش الثاني؟ فقال لها: هذا لي والآخر لك، ومن الليلة لا ننام إلا على هذا النمط، وكل شيء للسيد حرام على العبد. فقالت: يا سيدي، دعنا من هذا، وكل شيء يجري بقضاء وقدر. فأبى، فانطلقت النار في قلبها، وزاد غرامها فيه وقالت: والله ما ننام إلا سوية. فقال: معاذ الله. وغلب عليها، ونام وحده إلى الصباح، فزاد بها العشق والغرام، واشتد بها الوجد والهيام، وأقاما على ذلك ثلاثة أشهر طوال، وهي كلما تقرب منه يمتنع عنها، ويقول: كل ما هو مخصوص بالسيد حرام على العبد. فلما طال بها المطال مع غانم بن أيوب المتيم المسلوب، وزادت بها الشجون والكروب، أنشدت هذه الأبيات: # بديع الحسن كم هذا التجني %~% ومن أغراك بالإعراض عني ~~حويت من الرشاقة كل معنى %~% وحزت من الملاحة كل فن ~~وأجريت الغرام لكل قلب %~% ووكلت السهاد بكل جفن ~~وأعرف قبلك الأغصان تجنى %~% فيا غصن الأراك أراك تجني ~~وعهدي بالظبا صيد فما لي %~% أراك تصيد أرباب المجن ~~وأعجب ما أحدث عنك أني %~% فتنت وأنت لم تعلم بأني ~~فلا تسمح بوصلك لي ms0238 فإني %~% أغار عليك منك فكيف مني ~~ولست بقائل ما دمت حيا %~% بديع الحسن كم هذا التجني # وأقاموا على هذه الحال مدة، والخوف يمنع غانما عنها. فهذا ما كان من أمر المتيم المسلوب غانم أيوب. وأما ما كان من أمر زبيدة، فإنها في غيبة الخليفة فعلت بقوت القلوب ذلك الأمر، ثم صارت متحيرة تقول في نفسها: ما أقول للخليفة إذا جاء وسأل عنها؟ وما يكون جوابي له؟ فدعت بعجوز كانت عندها وأطلعتها على سرها، وقالت لها: كيف أفعل وقوت القلوب قد فرط فيها الفرط؟ فقالت لها العجوز لما فهمت الحال: اعلمي يا سيدتي أنه قرب مجيء الخليفة، ولكن أرسلي أي نجار وأمريه أن يعمل صورة ميت من خشب، ويحفروا له قبرا، وتوقد حوله الشموع والقناديل، وأمري كل من في القصر أن يلبسوا الأسود، وأمري جواريك والخدام إذا علموا أن الخليفة أتى من سفره أن يشيعوا الحزن في الدهليز، فإذا دخل وسأل عن الخبر يقولون له إن قوت القلوب ماتت، ويعظم الله أجرك فيها، ومن معزتها عند سيدتنا دفنتها في قصرها. فإذا سمع ذلك يبكي، ويعز عليه، ثم يسهر القراء على قبرها لقراءة الختمات، فإن قال في نفسه: إن بنت عمي زبيدة من غيرتها سعت في هلاك قوت القلوب. أو غلب عليه الهيام فأمر بإخراجها من القبر، فلا تفزعي من ذلك، ولو حفروا على تلك الصورة التي على هيئة ابن آدم وأخرجوها وهي مكفنة بالأكفان الفاخرة، فإن أراد الخليفة إزالة الأكفان عنها لينظرها فامنعيه أنت من ذلك، والأخرى تمنعه وتقول له: رؤية عورتها حرام. فيصدق حينئذ أنها ماتت، ويردها إلى مكانها، ويشكرك على فعلك، وتخلصين إن شاء الله تعالى من هذه الورطة. # فلما سمعت السيدة زبيدة كلامها رأته صوابا، فخلعت عليها خلعة، وأمرتها أن تفعل ذلك بعدما أعطتها جملة من المال، فشرعت العجوز في ذلك الأمر، وأمرت النجار أن يعمل لها صورة كما ذكرنا، وبعد تمام الصورة جاءت بها إلى السيدة زبيدة فكفنتها وأوقدت الشموع والقناديل، وفرشت البسط حول القبر، ولبست السواد، ms0239 وأمرت الجواري أن يلبسن السواد، واشتهر الأمر في القصر أن قوت القلوب ماتت. ثم بعد مدة أقبل الخليفة من غيبته، وطلع إلى قصره، ولكن ما له شغل إلا قوت القلوب، فرأى الغلمان والخدام والجواري كلهم لابسين السواد فارتجف فؤاده، فلما دخل القصر على السيدة زبيدة رآها لابسة الأسود، فسأل عن ذلك فأخبروه بموت قوت القلوب؛ فوقع مغشيا عليه، فلما أفاق سأل عن قبرها، فقالت له السيدة زبيدة: اعلم يا أمير المؤمنين، أنني من معزتها عندي دفنتها في قصري. فدخل الخليفة بثياب السفر إلى القصر ليزور قوت القلوب، فوجد البسط مفروشة والشموع والقناديل موقدة، فلما رأى ذلك شكرها على فعلها، ثم إنه صار حائرا في أمره، ولم يزل ما بين مصدق ومكذب، فلما غلب عليه الوسواس أمر بحفر القبر وأخرجها منه، فلما رأى الكفن وأراد أن يزيله عنها ليراها، خاف من الله تعالى، فقالت العجوز: ردوها إلى مكانها. ثم إن الخليفة أمر في الحال بإحضار الفقهاء والمقرئين، وقرءوا الختمات على قبرها، وجلس بجانب القبر يبكي إلى أن غشي عليه، ولم يزل قاعدا على قبرها شهرا كاملا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 41 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة لم يزل يتردد على قبرها مدة شهر، فاتفق أن الخليفة دخل على الحريم بعد انفضاض الأمراء والوزراء من بين يديه إلى بيوتهم ونام ساعة، فجلست عند رأسه جارية وعند رجليه جارية، وبعد أن غلب عليه النوم تنبه وفتح عينيه، فسمع الجارية التي عند رأسه تقول للتي عند رجليه: ويلك يا خيزران! قالت لها: لأي شيء يا قضيب؟ قالت لها: إن سيدنا ليس عنده علم بما جرى، حتى إنه يسهر على قبر لم يكن فيه إلا خشبة منجرة صنعة النجار. فقالت لها الأخرى: وقوت القلوب أي شيء أصابها؟ فقالت: اعلمي أن السيدة زبيدة أرسلت مع جارية بنجا وبنجتها، فلما تحكم البنج منها وضعتها في صندوق وأرسلتها مع صواب وكافور، وأمرتهما أن يرمياها في التربة. فقالت خيزران: ويلك يا ms0240 قضيب! هل السيدة قوت القلوب لم تمت؟ فقالت: سلامة شبابها من الموت، ولكن أنا سمعت السيدة زبيدة تقول: إن قوت القلوب عند شاب تاجر اسمه غانم الدمشقي، وإن لها عنده بهذا اليوم أربعة أشهر، وسيدنا هذا يبكي ويسهر الليالي على قبر لم يكن فيه ميت. # وصارتا تتحدثان بهذا الحديث والخليفة يسمع كلامهما، فلما فرغ الجاريتان من الحديث وعرف القضية، وأن هذا القبر زور، وأن قوت القلوب عند غانم بن أيوب مدة أربعة أشهر، غضب غضبا شديدا، وقام وأحضر أمراء دولته، فعند ذلك أقبل الوزير جعفر البرمكي، وقبل الأرض بين يديه، فقال له الخليفة بغيظ: انزل يا جعفر بجماعة واسأل عن بيت غانم بن أيوب، واهجموا على داره وائتوني بجاريتي قوت القلوب، ولا بد لي أن أعذبه. فأجابه جعفر بالسمع والطاعة. فعند ذلك نزل جعفر هو وأتباعه والوالي صحبته، ولم يزالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى دار غانم، وكان غانم خرج في ذلك الوقت وجاء بقدرة لحم، وأراد أن يمد يده ليأكل منها هو وقوت القلوب، فلاحت التفاتة منها، فوجدت البلاء أحاط بالدار، والوزير والوالي والظلمة والمماليك بسيوف مجردة، وداروا به كما يدور بالعين السواد، فعند ذلك عرفت أن خبرها وصل إلى الخليفة سيدها، فأيقنت بالهلاك، واصفر لونها، وتغيرت محاسنها. ثم إنها نظرت إلى غانم وقالت له: يا حبيبي، فر بنفسك. فقال لها: كيف أعمل وإلى أين أذهب، ومالي ورزقي في هذه الدار؟ فقالت له: لا تمكث لئلا تهلك ويذهب مالك. فقال لها: يا حبيبتي ونور عيني، كيف أصنع في الخروج وقد أحاطوا بالدار؟ فقالت له: لا تخف. ثم إنها نزعت ما عليه من الثياب، وألبسته خلقانا بالية، وأخذت القدر التي كان فيها اللحم ووضعتها فوق رأسه، وحطت فيها بعض خبز وزبدية طعام، وقالت له: اخرج بهذه الحيلة ولا عليك مني؛ فأنا أعرف أي شيء في يدي من الخليفة. # فلما سمع غانم كلام قوت القلوب وما أشارت به عليه، خرج من بينهم وهو حامل القدر، وستر عليه الستار، ونجا من المكائد ms0241 والأضرار ببركة نيته. فلما وصل الوزير جعفر إلى ناحية الدار ترجل عن حصانه ودخل البيت، ونظر إلى قوت القلوب وقد تزينت وتبهرجت وملأت صندوقا من ذهب ومصاغ وجواهر وتحف مما خف حمله وغلا ثمنه، فلما دخل عليها جعفر قامت على قدميها، وقبلت الأرض بين يديه، وقالت له: يا سيدي، جرى القلم بما حكم الله. فلما رأى ذلك جعفر قال لها: والله يا سيدتي إنه ما أوصاني إلا بقبض غانم بن أيوب. فقالت: اعلم أنه حزم تجاراته، وذهب بها إلى دمشق، ولا علم لي بغير ذلك، وأريد أن تحفظ لي هذا الصندوق وتحمله إلى قصر أمير المؤمنين. فقال جعفر: السمع والطاعة. ثم أخذ الصندوق وأمر بحمله وقوت القلوب معهم إلى دار الخلافة وهي مكرمة معززة. # وكان هذا بعد أن نهبوا دار غانم، توجهوا إلى الخليفة وحكى له جعفر جميع ما جرى، فأمر الخليفة لقوت القلوب بمكان مظلم وأسكنها فيه، وألزم بها عجوزا لقضاء حاجتها؛ لأنه ظن أن غانما فحش بها، ثم كتب مكتوبا للأمير محمد بن سليمان الزيني وكان نائبا في دمشق، ومضمونه: ساعة وصول المكتوب إلى يديك تقبض على غانم بن أيوب وترسله إلي. فلما وصل المرسوم إليه قبله ووضعه على رأسه، ونادى في الأسواق: من أراد أن ينهب فعليه بدار غانم بن أيوب. فجاءوا إلى الدار، فوجدوا أم غانم وأخته قد صنعتا لهما قبرا، وقعدتا عنده تبكيان، فقبضوا عليهما ونهبوا الدار، ولم يعلما ما الخبر. فلما أحضروهما عند السلطان سألهما عن غانم بن أيوب، فقالتا له: من مدة سنة ما وقفنا له على خبر. فردوهما إلى مكانهما. # هذا ما كان من أمرهما، وأما ما كان من أمر غانم بن أيوب المتيم المسلوب، فإنه لما سلبت نعمته تحير في أمره، وصار يبكي على نفسه حتى انفطر قلبه، وسار ولم يزل سائرا إلى آخر النهار، وقد ازداد به الجوع، وأضر به المشي حتى وصل إلى بلد، فدخل المسجد وجلس على فرش، وأسند ظهره إلى حائط المسجد وارتمى وهو في غاية الجوع ms0242 والتعب، ولم يزل مقيما هناك إلى الصباح، وقد خفق قلبه من الجوع، وركب جلده القمل، وصارت رائحته منتنة، وتغيرت أحواله، فأتى أهل تلك البلدة يصلون الصبح، فوجدوه مطروحا ضعيفا من الجوع، وعليه آثار النعمة لائحة، فلما أقبلوا عليه وجدوه بردان جائعا، فألبسوه ثوبا عتيقا قد بليت أكمامه، وقالوا له: من أين أنت يا غريب وما سبب ضعفك؟ ففتح عينه ونظر إليهم وبكى ولم يرد عليهم جوابا. ثم إن بعضهم عرف شدة جوعه، فذهب وجاء له بسكرجة عسل ورغيفين فأكل، وقعدوا عنده حتى طلعت الشمس، ثم انصرفوا لأشغالهم. # ولم يزل على هذه الحالة شهرا، وهو عندهم وقد تزايد عليه الضعف والمرض، فتعطفوا عليه وتشاوروا مع بعضهم في أمره، ثم اتفقوا على أن يوصلوه إلى المارستان الذي ببغداد، فبينما هم كذلك وإذا بامرأتين سائلتين قد دخلتا عليه، وهما أمه وأخته، فلما رآهما أعطاهما الخبز الذي عند رأسه، ونامتا عنده تلك الليلة، ولم يعرفهما، فلما كان ثاني يوم أتاه أهل القرية وأحضروا جملا، وقالوا لصاحبه: احمل هذا الضعيف فوق الجمل، فإذا وصلت إلى بغداد، فأنزله على باب المارستان لعله يتعافى فيحصل لك الأجر. فقال لهم: السمع والطاعة. ثم إنهم أخرجوا غانم بن أيوب من المسجد، وحملوه بالفرش الذي هو نائم عليه فوق الجمل، وجاءت أمه وأخته يتفرجان عليه من جملة الناس، ولم يعلما به، ثم نظرتا إليه وتأملتاه وقالتا: إنه يشبه غانما ابننا، فيا ترى هل هو هذا الضعيف أم لا؟ وأما غانم فإنه لم يفق إلا وهو محمول فوق الجمل، فصار يبكي وينوح، وأهل القرية ينظرون أمه وأخته تبكيان عليه ولم تعرفانه، ثم سافرت أمه وأخته إلى أن وصلتا إلى بغداد. وأما الجمال فإنه لم يزل سائرا به حتى أنزله على باب المارستان وأخذ جمله ورجع، فمكث غانم راقدا هناك إلى الصباح، فلما درجت الناس في الطريق نظروا إليه وقد صار رق الخلال، ولم يزل الناس يتفرجون عليه حتى جاء شيخ السوق ومنع الناس عنه، وقال: أنا أكسب الجنة بهذا المسكين؛ لأنهم ms0243 متى أدخلوه المارستان قتلوه في يوم واحد. ثم أمر صبيانه بحمله فحملوه إلى بيته، وفرش له فرشا جديدا، ووضع له مخدة جديدة، وقال لزوجته: اخدميه بنصح. فقالت: على الرأس. ثم تشمرت وسخنت له ماء وغسلت يديه ورجليه وبدنه، وألبسته ثوبا من لبس جواريها، وسقته قدح شراب، ورشت عليه ماء ورد، فأفاق وتذكر محبوبته قوت القلوب، فزادت به الكروب. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر قوت القلوب، فإنه لما غضب عليها الخليفة ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 42 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قوت القلوب لما غضب عليها الخليفة وأسكنها في مكان مظلم، استمرت فيه على هذا الحال ثمانين يوما، فاتفق أن الخليفة مر يوما من الأيام على ذلك المكان، فسمع قوت القلوب تنشد الأشعار، فلما فرغت من إنشادها، قالت: يا حبيبي يا غانم، ما أحسنك، وما أعف نفسك! قد أحسنت لمن أساءك، وحفظت حرمة من انتهك حرمتك، وسترت حريمه، وهو سباك وسبى أهلك، ولا بد أن تقف أنت وأمير المؤمنين بين يدي حاكم عادل، وتنتصف عليه في يوم يكون القاضي هو الله والشهود هم الملائكة. # فلما سمع الخليفة كلامها وفهم شكواها، علم أنها مظلومة، فدخل قصره وأرسل الخادم لها، فلما حضرت بين يديه طرقت وهي باكية العين حزينة القلب، فقال: يا قوت القلوب، أراك تتظلمين مني، وتنسبينني إلى الظلم، وتزعمين أني أسأت إلى من أحسن إلي، فمن هو الذي حفظ حرمتي وانتهكت حرمته، وستر حريمي وسبيت حريمه؟ فقالت له: غانم بن أيوب؛ فإنه لم يقربني بفاحشة وحق نعمتك يا أمير المؤمنين. فقال الخليفة: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا قوت القلوب تمني علي، فأنا أبلغك مرادك. قالت: تمنيت عليك محبوبي غانم بن أيوب. فلما سمع كلامها قال: أحضره إن شاء الله مكرما. فقالت: يا أمير المؤمنين، إن أحضرته تهبني له؟ فقال: إن أحضرته وهبتك هبة كريم لا يرد في عطائه. فقالت: يا أمير المؤمنين، ائذن لي أن أدور عليه ms0244 لعل الله يجمعني به. فقال لها: افعلي ما بدا لك. # ففرحت وخرجت ومعها ألف دينار، فزارت المشايخ وتصدقت عنه، وطلعت ثاني يوم إلى سوق التجار، وأعطت عريف السوق دراهم، وقالت له: تصدق بها على الغرباء. ثم طلعت ثاني جمعة ومعها ألف دينار، ودخلت سوق الصاغة وسوق الجوهرجية، فطلبت عريف السوق فحضر، فدفعت له ألف دينار وقالت له: تصدق بها على الغرباء. فنظر إليها العريف وهو شيخ السوق، وقال لها: هل لك أن تذهبي إلى داري وتنظري إلى هذا الشاب الغريب ما أظرفه وما أكمله! وكان هو غانم بن أيوب المتيم المسلوب، ولكن العريف ليس له به معرفة، وكان يظن أنه رجل مسكين مديون سلبت نعمته، أو عاشق فارق أحبته. فلما سمعت كلامه خفق قلبها، وتعلقت به أحشاؤها، فقالت له: أرسل معي من يوصلني إلى دارك. فأرسل معها صبيا صغيرا، فأوصلها إلى الدار التي فيها الغريب فشكرته على ذلك، فلما دخلت تلك الدار وسلمت على زوجة العريف، قامت زوجة العريف وقبلت الأرض بين يديها لأنها عرفتها، فقالت لها قوت القلوب: أين الضعيف الذي عندكم؟ فبكت وقالت: ها هو يا سيدتي، إلا أنه ابن ناس وعليه أثر النعمة. فالتفتت إلى الفرش الذي هو راقد عليه وتأملته، فرأته كأنه هو بذاته، ولكنه قد تغيرت حاله وزاد نحوله، ورق إلى أن صار كالخلال، وانبهم عليها أمره فلم تتحقق أنه هو، ولكن أخذتها الشفقة عليه، فصارت تبكي وتقول: إن الغرباء مساكين وإن كانوا أمراء في بلادهم. ورتبت له الشراب والأدوية، ثم جلست عند رأسه ساعة، وركبت وطلعت إلى قصرها، وصارت تطلع في كل سوق لأجل التفتيش على غانم. # ثم إن العريف أتى بأمه وأخته فتنة، ودخل بهما على قوت القلوب وقال: يا سيدة المحسنات، قد دخل مدينتنا في هذا اليوم امرأة وبنت، وهما من وجوه الناس، وعليهما أثر النعمة لائح، لكنهما لابستان ثيابا من الشعر، وكل واحدة منهما معلقة في رقبتها مخلاة، وعيونهما باكية، وقلوبهما حزينة. وها أنا أتيت بهما إليك لتأويهما وتصونيهما عن ذل ms0245 السؤال؛ لأنهما ليستا أهلا لسؤال اللئام، وإن شاء الله ندخل بسببهما الجنة. فقالت: والله يا سيدي لقد شوقتني إليهما، وأين هما؟ فأمرهما بالدخول، فعند ذلك دخلت فتنة وأمها على قوت القلوب، فلما نظرتهما قوت القلوب وهما ذاتا جمال بكت عليهما وقالت: والله إنهما أولاد نعمة، ويلوح عليهما أثر الغنى. فقال العريف: يا سيدتي، إننا نحب الفقراء والمساكين لأجل الثواب، وهؤلاء ربما جار عليهم الظلمة وسلبوا نعمتهم وأخربوا ديارهم. ثم إن المرأتين بكتا بكاء شديدا، وتفكرتا غانم بن أيوب المتيم المسلوب، فزاد نحيبهما، فلما بكتا بكت قوت القلوب لبكائهما، ثم إن أمه قالت: نسأل الله أن يجمعنا بمن نريده، وهو ولدي غانم بن أيوب. فلما سمعت قوت القلوب هذا الكلام علمت أن هذه المرأة أم معشوقها، وأن الأخرى أخته، فبكت هي حتى غشي عليها، فلما أفاقت أقبلت عليهما وقالت لهما: لا بأس عليكما، فهذا اليوم أول سعادتكما وآخر شقاوتكما، فلا تحزنا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 43 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قوت القلوب قالت لهما: لا تحزنا. ثم أمرت العريف أن يأخذهما إلى بيته، ويخلي زوجته تدخلهما الحمام، وتلبسهما ثيابا حسنة، وتتوصى بهما وتكرمهما غاية الإكرام، وأعطته جملة من المال. وفي ثاني يوم ركبت قوت القلوب، وذهبت إلى بيت العريف، ودخلت عند زوجته، فقامت إليها وقبلت يديها، وشكرت إحسانها، ورأت أم غانم وأخته وقد أدخلتهما زوجة العريف الحمام، ونزعت ما عليهما من الثياب، فظهرت عليهما آثار النعمة، فجلست تحادثهما ساعة، ثم سألت زوجة العريف عن المريض الذي عندها، فقالت: هو بحاله. فقالت: قوموا بنا نطل عليه ونعوده. فقامت هي وزوجة العريف وأم غانم وأخته، ودخلن عليه، وجلسن عنده، فلما سمعهن غانم بن أيوب المتيم المسلوب يذكرون قوت القلوب - وكان قد انتحل جسمه ورق عظمه - ردت له روحه، ورفع رأسه من فوق المخدة ونادى: يا قوت القلوب! فنظرت إليه وتحققته فعرفته وصاحت بقولها: نعم يا حبيبي. فقال لها: اقربي مني. فقالت له: لعلك غانم بن ms0246 أيوب المتيم المسلوب. فقال لها: نعم أنا هو. فعند ذلك وقعت مغشيا عليها، فلما سمعت أخته وأمه كلامهما صاحتا بقولهما: وا فرحتاه! ووقعتا مغشيا عليهما، وبعد ذلك استفاقوا، فقالت له قوت القلوب: الحمد لله الذي جمع شملنا بك وبأمك وأختك. وتقدمت إليه وحكت له جميع ما جرى لها مع الخليفة، وقالت: إني قلت له قد أظهرت لك الحق يا أمير المؤمنين. فصدق كلامي ورضي عنك، وهو اليوم يتمنى أن يراك. ثم قالت لغانم: إن الخليفة وهبني لك. ففرح بذلك غاية الفرح، فقالت لهم قوت القلوب: لا تبرحوا حتى أحضر. # ثم إنها قامت من وقتها وساعتها، وانطلقت لي قصرها، وحملت الصندوق الذي أخذته من داره، وأخرجت منه دنانير، وأعطت العريف إياها، وقالت له: خذ هذه الدنانير واشتر لكل شخص منهم أربع بدلات كوامل من أحسن القماش، وعشرين منديلا، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. ثم إنها دخلت بهما وبغانم الحمام، وأمرت بغسلهم، وعملت لهم المساليق وماء الخولنجان وماء التفاح، بعد أن خرجوا من الحمام ولبسوا الثياب، وأقامت عندهم ثلاثة أيام وهي تطعمهم لحم الدجاج والمساليق، وتسقيهم السكر المكرر، وبعد ثلاثة أيام ردت لهم أرواحهم، وأدخلتهم الحمام ثانيا وخرجوا وغيرت عليهم الثياب، وخلتهم في بيت العريف، وذهبت إلى الخليفة وقبلت الأرض بين يديه وأعلمته بالقصة، وأنه قد حضر سيدها غانم بن أيوب المتيم المسلوب، وأن أمه وأخته قد حضرتا. فلما سمع الخليفة كلام قوت القلوب قال للخدام: علي بغانم. فنزل جعفر إليه، وكانت قوت القلوب قد سبقته ودخلت على غانم وقالت له: إن الخليفة قد أرسل إليك ليحضرك بين يديه، فعليك بفصاحة اللسان وثبات الجنان وعذوبة الكلام. وألبسته حلة فاخرة، وأعطته دنانير بكثرة، وقالت له: أكثر البذل إلى حاشية الخليفة وأنت داخل عليه. وإذا بجعفر أقبل عليه وهو على بغلته، فقام غانم وقابله وحياه، وقبل الأرض بين يديه، وقد ظهر كوكب سعده، وارتفع طالع مجده، فأخذه جعفر ولم يزالا سائرين حتى دخلا على أمير المؤمنين، فلما حضر بين يديه نظر إلى الوزراء والأمراء ms0247 والحجاب والنواب وأرباب الدولة وأصحاب الصولة، وكان غانم فصيح اللسان، ثابت الجنان، رقيق العبارة، أنيق الإشارة، فأطرق برأسه إلى الأرض، ثم نظر إلى الخليفة وأنشد هذه الأبيات: # أفديك من ملك عظيم الشان %~% متتابع الحسنات والإحسان ~~متوقد العزمات فياض الندى %~% حدث عن الطوفان والنيران ~~لا يلهجون بغيره من قيصر %~% في ذا المقام وصاحب الإيوان ~~تضع الملوك على ثرى أعتابه %~% عند السلام جواهر التيجان ~~حتى إذا شخصت له أبصارهم %~% خروا لهيبته على الأذقان ~~ويفيدهم ذاك المقام مع الرضا %~% رتب العلا وجلالة السلطان ~~ضاقت بعسكرك الفيافي والفلا %~% فاضرب خيامك في ذرى كيوان ~~واقر الكواكب محسنا متفضلا %~% سعد السعيد سعادة الإنسان ~~وملكت شامخة الصياصي عنوة %~% من حسن تدبير وثبت جنان ~~ونشرت عدلك في البسيطة كلها %~% حتى استوى القاصي بها والداني # فلما فرغ من شعره طرب الخليفة من محاسن رونقه، وأعجبه فصاحة لسانه، وعذوبة منطقه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 44 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن غانم بن أيوب لما أعجب الخليفة بفصاحته ونظمه وعذوبة منطقه، قال له: ادن مني. فدنا منه، ثم قال له: اشرح لي قصتك، وأطلعني على حقيقة خبرك. فقعد وحدث الخليفة بما جرى له من المبتدأ إلى المنتهى، وليس في الإعادة إفادة، فلما علم الخليفة أنه صادق خلع عليه وقربه إليه، وقال: أبرئ ذمتي. فأبرأ ذمته، وقال له: يا أمير المؤمنين، إن العبد وما ملكت يداه لسيده. ففرح الخليفة بذلك، ثم أمر أن يفرد له قصر، ورتب له من الجوامك والجرايات شيئا كثيرا، فنقل أمه وأخته إليه، وسمع الخليفة بأن أخته فتنة في الحسن فتنة، فخطبها منه، فقال له غانم: إنها جاريتك، وأنا مملوكك. فشكره وأعطاه مائة ألف دينار، وأتى بالقاضي والشهود وكتبوا الكتاب، ودخل هو وغانم في نهار واحد؛ فدخل الخليفة على فتنة، وغانم بن أيوب على قوت القلوب. فلما أصبح الصباح أمر الخليفة أن يؤرخ جميع ما جرى لغانم من أوله إلى آخره، وأن يدون في السجلات لأجل أن يطلع عليه من يأتي ms0248 بعده، فيتعجب من تصرفات الأقدار، ويفوض الأمر إلى خالق الليل والنهار. ### || حكاية الملك عمر النعمان مع ولديه بشركان وضوء المكان # وليس هذا بأعجب من حكاية عمر النعمان وولده شركان وولده ضوء المكان، وما جرى لهم من العجائب والغرائب. قال الملك: وما حكايتهم؟ # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان بمدينة دمشق قبل خلافة عبد الملك بن مروان ملك يقال له عمر النعمان، وكان من الجبابرة الكبار، قد قهر الملوك الأكاسرة والقياصرة، وكان لا يصطلى له بنار، ولا يجاريه أحد في مضمار، وإذا غضب يخرج من منخريه لهيب النار، وكان قد ملك جميع الأقطار، ونفذ حكمه في سائر القرى والأمصار، وأطاع الله له جميع العباد، ووصلت عساكره إلى أقصى البلاد، ودخل في حكمه المشرق والمغرب، وما بينهما من الهند والسند والصين، واليمن والحجاز والحبشة والسودان، والشام والروم وديار بكر وجزائر البحار، وما في الأرض من مشاهير الأنهار، كسيحون وجيحون والنيل والفرات، وأرسل رسله إلى أقصى العمار ليأتوه بحقيقة الأخبار، فرجعوا وأخبروه بأن سائر الناس أذعنت لطاعته، وجميع الجبابرة خضعت لهيبته، وقد عمهم بالفضل والامتنان، وأشاع بينهم العدل والأمان؛ لأنه كان عظيم الشأن، وحملت إليه الهدايا من كل مكان، وجبي إليه خراج الأرض في طولها والعرض. # وكان له ولد قد سماه شركان؛ لأنه نشأ آفة من آفات الزمان، وقهر الشجعان، وأباد الأقران؛ فأحبه والده حبا شديدا ما عليه من مزيد، وأوصى له بالملك من بعده. ثم إن شركان هذا حين بلغ مبلغ الرجال، وصار له من العمر عشرون سنة أطاع الله له جميع العباد؛ لما به من شدة البأس والعناد، وكان والده عمر النعمان له أربع نساء بالكتاب والسنة، لكنه لم يرزق منهن بغير شركان، وهو من إحداهن، والباقي عواقر لم يرزق من واحدة منهن بولد، ومع ذلك كان له ثلاثمائة وستون سرية على عدد أيام السنة القبطية، وتلك السراري من سائر الأجناس، وكان قد بنى لكل واحدة منهن مقصورة، وكانت المقاصير من داخل القصر، فإنه بنى اثني عشر قصرا على عدد ms0249 شهور السنة، وجعل في كل قصر ثلاثين مقصورة، فكانت جملة المقاصير ثلاثمائة وستين مقصورة، وأسكن تلك الجواري في هذه المقاصير، وفرض لكل سرية منهن ليلة يبيت عندها، وما يأتيها إلا بعد سنة كاملة؛ فأقام على ذلك مدة من الزمان، ثم إن ولده شركان اشتهر في سائر الآفاق، ففرح به والده وازداد قوة، فطغى وتجبر وفتح الحصون والبلاد، واتفق بالأمر المقدر أن جارية من جواري عمر النعمان قد حملت واشتهر حملها، وعلم الملك بذلك، ففرح فرحا شديدا وقال: لعل ذريتي ونسلي تكون كلها ذكورا. فأرخ يوم حملها، وصار يحسن إليها، فعلم شركان بذلك فاغتم وعظم عليه الأمر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 45 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شركان لما علم أن جارية أبيه قد حملت اغتم وعظم عليه ذلك، وقال: قد جاءني من ينازعني في المملكة. فأضمر في نفسه: إن هذه الجارية إن ولدت ولدا ذكرا قتلته. وكتم ذلك في نفسه. # هذا ما كان من أمر شركان، وأما ما كان من أمر الجارية، فإنها كانت رومية، وكان قد بعثها إليه هدية ملك الروم صاحب قيسارية، وأرسل معها تحفا كثيرة، وكان اسمها صفية، وكانت أحسن الجواري وأجملهن وجها، وأصونهن عرضا، وكانت ذات عقل وافر وجمال باهر، وكانت تخدم الملك ليلة مبيته عندها، وتقول له: أيها الملك، كنت أشتهي من إله السماء أن يرزقك مني ولدا ذكرا حتى أحسن تربيته لك، وأبالغ في أدبه وصيانته. فيفرح الملك، ويعجبه ذلك الكلام، فلا زالت كذلك حتى كملت أشهرها، فجلست على كرسي الطلق، وكانت على صلاح، تحسن العبادة فتصلي، وتدعو الله أن يرزقها بولد صالح، ويسهل عليها ولادته، فتقبل الله منها دعاءها. وكان الملك قد وكل بها خادما يخبره بما تضعه هل هو ذكر أم أنثى؟ وكذلك ولده شركان أرسل من يعرفه بذلك، فلما وضعت صفية ذلك المولود تأملته القوابل، فوجدنه بنتا بوجه أبهى من القمر، فأعلمن الحاضرين ذلك، فرجع رسول الملك وأخبره بذلك، وكذلك رسول شركان أخبره بذلك، ms0250 ففرح فرحا شديدا. # فلما انصرف الخدام قالت صفية للقوابل: أمهلوا علي ساعة، فإني أحس بأن أحشائي فيها شيء آخر. ثم تأوهت وجاءها الطلق ثانيا، وسهل الله عليها فوضعت مولودا ثانيا، فنظرت إليه القوابل فوجدنه ولدا ذكرا يشبه البدر، بجبين أزهر وخد أحمر مورد، ففرحت به الجارية والخدام والحشم وكل من حضر، ورمت صفية الخلاص، وقد أطلقوا الزغاريد في القصر، فسمع بقية الجواري بذلك فحسدنها، وبلغ عمر النعمان الخبر ففرح واستبشر، وقام ودخل عليها وقبل رأسها، ونظر إلى المولود، ثم انحنى عليه وقبله، وضربت الجواري بالدفوف ولعبت بالآلات، وأمر الملك أن يسموا المولود ضوء المكان وأخته نزهة الزمان، فامتثلوا أمره وأجابوا بالسمع والطاعة، وأفرد لهم الملك من يخدمهم من المراضع والخدام والحشم والدايات، ورتب لهم الرواتب من السكر والأشربة والأدهان، وغير ذلك مما يكل عن وصفه اللسان. وسمع أهل دمشق بما رزق الله الملك من الأولاد، فزينت المدينة وأظهرت الفرح والسرور، وأقبل الأمراء والوزراء وأرباب الدولة، وهنوا الملك عمر النعمان بولده ضوء المكان وبنته نزهة الزمان، فشكرهم الملك على ذلك، وخلع عليهم وزاد في إكرامهم من الإنعام، وأحسن إلى الحاضرين من الخاص والعام. وما زال على تلك الحالة إلى أن مضى أربعة أعوام، وهو بعد كل قليل من الأيام يسأل عن صفية وأولادها، وبعد الأربعة أعوام أمر أن ينقل إليها من المصاغ والحلي والحلل والأموال شيء كثير، وأوصاها بتربيتهما وحسن أدبهما. # كل هذا وابن الملك شركان لا يعلم أن والده عمر النعمان رزق ولدا ذكرا، ولم يعلم أنه رزق سوى نزهة الزمان، وأخفوا عليه خبر ضوء المكان إلى أن مضت أيام وأعوام وهو مشغول بمقارعة الشجعان ومبارزة الفرسان، فبينما عمر النعمان جالس يوما من الأيام إذ دخل عليه الحجاب، وقبلوا الأرض بين يديه، وقالوا: أيها الملك، قد وصل إلينا رسل من ملك الروم صاحب القسطنطينية العظمى، وإنهم يريدون الدخول عليك والتمثل بين يديك، فإن أذن لهم الملك بذلك ندخلهم، وإلا فلا مرد لأمره. فعند ذلك أذن لهم بالدخول، فلما دخلوا عليه ms0251 مال إليهم وأقبل عليهم، وسألهم عن حالهم وما سبب إقبالهم، فقبلوا الأرض بين يديه، وقالوا: أيها الملك الجليل، صاحب الباع الطويل، اعلم أن الذي أرسلنا إليك الملك أفريدون صاحب البلاد اليونانية والعساكر النصرانية، المقيم بمملكة القسطنطينية، يعلمك أنه اليوم في حرب شديد مع جبار عنيد وهو صاحب قيسارية، والسبب في ذلك أن أحد ملوك العرب اتفق أنه وجد في بعض الفتوحات كنزا من قديم الزمان من عهد إسكندر، فنقل منه أموالا لا تحصى، ومن جملة ما وجد فيه ثلاث خرزات مدورات على قدر بيض النعام، وتلك الخرزات من أغلى الجوهر الأبيض الخالص الذي لا يوجد له نظير، وكل خرزة منقوش عليها بالقلم اليوناني أمور من الأسرار، ولهن منافع وخواص كثيرة، ومن خواصهن أن كل مولود علقت عليه خرزة منهن لم يصبه ألم ما دامت الخرزة معلقة عليه، ولا يحم ولا يسخن. # فلما وضع يده عليها، ووقع بها وعرف ما فيها من الأسرار، أرسل إلى الملك أفريدون هدايا من التحف والمال، ومن جملتها الثلاث خرزات، وجهز مركبين: واحدة فيها مال، والأخرى فيها رجال تحفظ تلك الهدايا ممن يتعرض لها في البحر، وكان يعرف من نفسه أنه لا أحد يقدر أن يتعدى على مراكبه لكونه ملك العرب، لا سيما وطريق المراكب التي فيها الهدايا في البحر الذي في مملكة ملك القسطنطينية، وهي متوجهة إليه، وليس في سواحل ذلك البحر إلا رعاياه، فلما جهز المركبين سافرا إلى أن قربا من بلادنا، فخرج عليهما بعض قطاع الطرق من تلك الأرض، وفيهم عساكر من عند صاحب قيسارية، فأخذوا جميع ما في المركبين من التحف والأموال والذخائر، والثلاث خرزات، وقتلوا الرجال، فبلغ ذلك ملكنا، فأرسل إليهم عسكرا فهزموه، فأرسل إليهم عسكرا أقوى من الأول فهزموه أيضا، فعند ذلك اغتاظ الملك، وأقسم أنه لا يخرج إليهم إلا بنفسه في جميع عسكره، وأنه لا يرجع عنهم حتى يخرب قيسارية، ويترك أرضها وجميع البلاد التي يحكم عليها ملكها خرابا، والمراد من صاحب القوة والسلطان الملك عمر النعمان أن يمدنا ms0252 بعسكر من عنده حتى يصير له الفخر، وقد أرسل إليك ملكنا معنا شيئا من أنواع الهدايا، ويرجو من إنعامك قبولها، والتفضل عليه بالإسعاف. ثم إن الرسل قبلوا الأرض بين يدي الملك عمر النعمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 46 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن رسل ملك القسطنطينية قبلوا الأرض بين يدي الملك عمر النعمان بعد أن حكوا له، ثم أعلموه بالهدية، وكانت الهدية خمسين جارية من خواص بلاد الروم، وخمسين مملوكا عليهم أقبية من الديباج بمناطق من الذهب والفضة، وكل مملوك في أذنه حلقة من الذهب فيها لؤلؤة تساوي ألف مثقال من الذهب، والجواري كذلك، وعليهم من القماش ما يساوي مالا جزيلا. فلما رآهم الملك قبلهم وفرح بهم، وأمر بإكرام الرسل، وأقبل على وزرائه يشاورهم فيما يفعل، فنهض من بينهم وزير وكان شيخا كبيرا يقال له دندان، فقبل الأرض بين يدي الملك عمر النعمان، وقال: أيها الملك، ما في الأمر أحسن من أنك تجهز عسكرا جرارا، وتجعل قائدهم ولدك شركان، ونحن بين يديه غلمان، وهذا الرأي أحسن لوجهين؛ الأول أن ملك الروم قد استجار بك وأرسل إليك هدية فقبلتها، والوجه الثاني أن العدو لا يجسر على بلادنا، فإذا منع عسكرك عن ملك الروم وهزم عدوه ينسب هذا الأمر إليك، ويشيع ذلك في سائر الأقطار والبلاد، ولا سيما إذا وصل الخبر إلى جزائر البحر، وسمع بذلك أهل المغرب؛ فإنهم يحملون إليك الهدايا والتحف والأموال. # فلما سمع الملك هذا الكلام من وزيره دندان، أعجبه واستصوبه وخلع عليه، وقال له: مثلك من تستشيره الملوك، وينبغي أن تكون أنت في مقدم العسكر، وولدي شركان في ساقة العسكر. ثم إن الملك أمر بإحضار ولده، فلما حضر قص عليه القصة، وأخبره بما قاله الرسل، وبما قاله الوزير دندان، وأوصاه بأخذ الأهبة والتجهيز للسفر، وأنه لا يخالف الوزير دندان فيما يشور به عليه، وأمره أن ينتخب من عسكره عشرة آلاف فارس كاملين العدة، صابرين على الشدة. فامتثل شركان ما قاله والده ms0253 عمر النعمان، وقام في الوقت واختار من عسكره عشرة آلاف فارس، ثم دخل قصره وأخرج مالا عظيما وأنفق عليهم المال، وقال لهم: قد أمهلتكم ثلاثة أيام. فقبلوا الأرض بين يديه مطيعين لأمره، ثم خرجوا من عنده وأخذوا في الأهبة وإصلاح الشأن، ثم إن شركان دخل خزائن السلاح، وأخذ ما يحتاج إليه من العدد والسلاح، ثم دخل الإصطبل واختار منه الخيل المسومة، وأخذ غير ذلك. وبعد ذلك أقاموا ثلاثة أيام، ثم خرجت العساكر إلى ظاهر المدينة، وخرج عمر النعمان لوداع ولده شركان، فقبل الأرض بين يديه، وأهدى له سبع خزائن من المال، وأقبل على الوزير دندان، وأوصاه بعسكر ولده شركان، فقبل الأرض بين يديه وأجابه بالسمع والطاعة، وأقبل الملك على ولده شركان وأوصاه بمشاورة الوزير دندان في سائر الأمور، فقبل ذلك ورجع والده إلى أن دخل المدينة، ثم إن شركان أمر كبار العسكر بعرضهم عليه، وكانت عدتهم عشرة آلاف فارس غير ما يتبعهم. # ثم إن القوم حملوا، ودقت الطبول، وصاح النفير، وانتشرت الأعلام والرايات، وركب ابن الملك شركان وإلى جانبه وزيره دندان والأعلام تخفق على رءوسهم، ولم يزالوا سائرين والرسل تقدمهم إلى أن ولى النهار وأقبل الليل، فنزلوا واستراحوا، وباتوا تلك الليلة. فلما أصبح الصباح ركبوا وساروا، ولم يزالوا سائرين والرسل يدلونهم على الطريق مدة عشرين يوما، ثم أشرفوا في اليوم الحادي والعشرين على واد واسع الجهات، كثير الأشجار والنبات، وكان وصولهم إلى ذلك الوادي ليلا، فأمرهم شركان بالنزول والإقامة فيه ثلاثة أيام، فنزل العساكر وضربوا الخيام، وافترق العسكر يمينا وشمالا، ونزل الوزير دندان وصحبته رسل أفريدون صاحب القسطنطينية في وسط ذلك الوادي. # وأما الملك شركان، فإنه كان في وقت وصول العسكر وقف بعدهم ساعة حتى نزلوا جميعهم، وتفرقوا في جوانب الوادي، ثم إنه أرخى عنان جواده، وأراد أن يكشف ذلك الوادي ويتولى الحرس بنفسه لأجل وصية والده إياه؛ فإنهم في أول بلاد الروم وأرض العدو، فسار وحده بعد أن أمر مماليكه وخواصه بالنزول عند الوزير دندان، ثم إنه لم يزل ms0254 سائرا على ظهر جواده في جوانب الوادي إلى أن مضى من الليل ربعه، فتعب وغلب عليه النوم، فصار لا يقدر أن يركض الجواد، وكان له عادة أنه ينام على ظهر جواده، فلما هجم عليه النوم نام ولم يزل الجواد سائرا به إلى نصف الليل، فدخل به في بعض الغابات، وكانت تلك الغابة كثيرة الأشجار، فلم ينتبه شركان حتى دق الجواد بحافره في الأرض، فاستيقظ فوجد نفسه بين الأشجار وقد طلع عليه القمر وأضاء في الخافقين؛ فاندهش شركان لما رأى نفسه في ذلك المكان، وقال كلمة لا يخجل قائلها وهي: لا حول ولا قوة إلا بالله. فبينما هو كذلك خائف من الوحوش متحير لا يدري أين يتوجه، رأى القمر أشرف على مرج كأنه من مروج الجنة، فسمع كلاما مليحا وصوتا عاليا، وضحكا يسبي عقول الرجال، فنزل الملك شركان عن جواده في الأشجار، ومشى حتى أشرف على نهر فرأى فيه الماء يجري، وسمع كلام امرأة تتكلم بالعربية وهي تقول: وحق المسيح، إن هذا مكان غير مليح، ولكن كل من تكلمت بكلمة صرعتها وكتفتها بزنارها. كل هذا وشركان يمشي إلى جهة الصوت حتى انتهى إلى طرف المكان، ثم نظر فإذا هو بنهر يسبح، وطيور تمرح، وغزلان تسنح، ووحوش ترتع، والطيور بلغاتها المعاني الحظ تشرح، وذلك المكان مزركش بأنواع النبات، كما قيل في أوصاف مثله هذان البيتان: # ما تحسن الأرض إلا عند زهرتها %~% والماء من فوقها يجري بإرسال ~~صنع الإله العظيم الشأن مقتدرا %~% معطي العطايا ومعطي كل مفضال ![figure](../Images/figure21.png) # فاستيقظ شركان، فوجد نفسه بين الأشجار وقد طلع عليه القمر. # فنظر شركان إلى ذلك المكان فرأى فيه ديرا، ومن داخل الدير قلعة شاهقة في الهواء في ضوء القمر، وفي وسطها نهر يجري الماء منه إلى تلك الرياض، وهناك امرأة بين يديها عشر جوار كأنهن الأقمار، وعليهن من أنواع الحلي والحلل ما يدهش الأبصار، وكلهن أبكار بديعات، كما قيل فيهن هذه الأبيات: # يشرق المرج بما في %~% ه من البيض العوالي ~~زاد حسنا وجمالا %~% من بديعات الخلال ~~كل ms0255 هيفاء قواما %~% ذات غنج ودلال ~~راخيات لشعور %~% كعناقيد الدوالي ~~فاتنات بعيون %~% راميات بالنبال ~~مائسات قاتلات %~% لصناديد الرجال # فنظر شركان إلى هؤلاء الجواري العشر، فوجد بينهن جارية كأنها البدر عند تمامه، بحاجب مزجج، وجبين أبلج، وطرف أهدب، وصدغ معقرب، كاملة في الذات والصفات، كما قال الشاعر في مثلها هذه الأبيات: # تزهو علي بألحاظ بديعات %~% وقدها مخجل للسمهريات ~~تبدو إلينا وورد الحقل خداها %~% فيها من الظرف أنواع الملاحات ~~كأن طرتها في نور طلعتها %~% ليل يلوح على صبح المسرات # فسمعها شركان وهي تقول للجواري: تقدموا حتى أصارعكم قبل أن يغيب القمر ويأتي الصباح. فصارت كل واحدة منهن تتقدم إليها فتصرعها في الحال، وتكتفها بزنارها، فلم تزل تصارعهن وتصرعهن حتى صرعت الجميع، ثم التفتت إلى جارية عجوز كانت بين يديها، وقالت لها وهي كالمغضبة عليها: يا فاجرة، أتفرحين بصرعك للجواري؟ فها أنا عجوز وقد صرعتهن أربعين مرة، فكيف تعجبين بنفسك؟ ولكن إن كان لك قوة على مصارعتي فصارعيني، فإن أردت ذلك وقمت لمصارعتي أقوم لك، وأجعل رأسك بين رجليك. فتبسمت الجارية ظاهرا، وقد امتلأت غيظا منها باطنا، وقامت إليها وقالت لها: يا سيدتي ذات الدواهي، بحق المسيح أتصارعينني حقيقة، أم تمزحين معي؟ قالت لها: بل أصارعك حقيقة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 47 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما قالت لذات الدواهي: بحق المسيح أتصارعينني حقيقة؟ قالت لها: أصارعك حقيقة. قالت لها: قومي للصراع إن كان لك قوة. فلما سمعت العجوز منها ذلك، اغتاظت غيظا شديدا، وقام شعر بدنها كأنه شعر قنفذ، وقامت لها الجارية، فقالت لها العجوز: وحق المسيح لن أصارعك إلا وأنا عريانة يا فاجرة. ثم إن العجوز أخذت منديلا حريرا بعد أن فكت لباسها، وأدخلت يديها تحت ثيابها، ونزعتها من فوق جسدها، ولمت المنديل وشدته في وسطها، فصارت كأنها عفريتة معطاء أو حية رقطاء، ثم انحنت على الجارية، وقالت لها: افعلي كفعلي. كل هذا وشركان ينظر إليهما، ثم إن شركان صار يتأمل في تشويه ms0256 صورة العجوز ويضحك، ثم إن العجوز لما فعلت ذلك، قامت الجارية على مهل، وأخذت فوطة يمانية وثنتها مرتين، وشمرت سراويلها فبان لها ساقان من المرمر، وفوقهما كثيب من البلور ناعم مربرب، وبطن يفوح المسك من أعكانه، كأنه مصفح بشقائق النعمان، وصدر فيه نهدان كفحلي رمان، ثم انحنت عليها العجوز وتماسكا ببعضهما، فرفع شركان رأسه إلى السماء ودعا الله أن الجارية تغلب العجوز، فدخلت الجارية تحت العجوز، ووضعت يدها الشمال في شقتها، ويدها اليمين في رقبتها مع حلقها، ورفعتها على يديها، فانفلتت العجوز من يديها، وأرادت الخلاص فوقعت على ظهرها، فارتفعت رجلاها إلى فوق، فبانت شعرتها في القمر، ثم ضرطت ضرطتين عفرت إحداهما في الأرض، ودخنت الأخرى في السماء؛ فضحك شركان منهما حتى وقع على الأرض، ثم قام وسل حسامه، والتفت يمينا وشمالا، فلم ير أحدا غير العجوز مرمية على ظهرها، فقال في نفسه: ما كذب من سماك ذات الدواهي. # ثم تقرب منهما ليسمع ما يجري بينهما، فأقبلت الجارية ورمت على العجوز ملاءة من حرير رفيعة، وألبستها ثيابها واعتذرت إليها، وقالت لها: يا سيدتي ذات الدواهي، ما أردت إلا صرعك لا جميع ما حصل لك، ولكن أنت انفلت من بين يدي، فالحمد لله على السلامة. فلم ترد عليها جوابا، فقامت تمشي من خجلها، ولم تزل ماشية إلى أن غابت عن البصر، وصارت الجواري مكتفات مرميات، والجارية واقفة وحدها، فقال شركان في نفسه: لكل رزق سبب، ما غلب علي النوم، وسار بي الجواد إلى هذا المكان إلا لبختي، فلعل هذه الجارية وما معها تكون غنيمة لي. ثم ركب جواده، ولكزه ففر به كالسهم إذا فر من القوس، وبيده حسامه مجرد من غلافه، ثم صاح: الله أكبر. فلما رأته الجارية نهضت قائمة، وحطت قدميها على جانب النهر، وكان عرضه ستة أذرع، ووثبت فصارت على جانبه الآخر، ثم قامت على رجليها ونادت برفيع صوتها: من أنت يا هذا؟ لأنك قطعت سرورنا، وحين جردت حسامك صرت كأنك قد حملت في عساكر. من أين أنت؟ وإلى ms0257 أين تذهب؟ فاصدق في مقالك فإن الصدق أنفع لك، ولا تكذب فإن الكذب من أخلاق اللئام، ولا شك أنك تهت في هذه الليلة عن الطريق حتى جئت إلى هذا المكان الذي خلاصك فيه أكبر الغنيمات. واعلم أنك في مرج، لو صرخنا فيه صرخة واحدة لجاء إلينا أربعة آلاف بطريق، فقل لنا ما الذي تريد؟ فإن أردت أن نرشدك إلى الطريق أرشدناك، وإن أردت الرفد أرفدناك. # فلما سمع شركان كلامها قال لها: أنا رجل غريب من المسلمين، وقد سرت في هذه الليلة منفردا بنفسي أطلب غنيمة أغتنمها، فلم أجد غنيمة أحسن من هؤلاء الجواري العشر في هذه الليلة المقمرة، فآخذهن وأرجع بهن إلى أصحابي. فقالت له الجارية: اعلم أن الغنيمة ما وصلت إليها، والجواري والله ما هن غنيمتك، أما قلت لك إن الكذب شين؟ فقال لها: إن السعيد الذي يكتفي بالله عن غيره؟ فقالت له: وحق المسيح، لولا أني أخاف أن يكون هلاكك على يدي، لكنت صحت صيحة ملأت عليك الأرض خيلا ورجالا، ولكن أنا أشفق على الغرباء، وإن أردت الغنيمة فأنا أطلب منك أن تنزل عن جوادك وتحلف لي بدينك أنك لا تتقرب إلي بشيء من السلاح وأتصارع أنا وأنت، فإن صرعتني فضعني على جوادك وخذنا كلنا غنيمة، وإن صرعتك أتحكم فيك؛ فاحلف لي، فإني أخاف من غدرك، وقد ورد في الأخبار: إذا كان الغدر طباعا فإن الثقة بكل أحد عجز. فإن حلفت لي عديت إليك وأتيتك وجئت عندك. فطمع شركان في أخذها وقال في نفسه: إنها تعرف أني بطل من الأبطال. ثم ناداها وقال لها: حلفيني بما تثقين به إني لا أقربك بشيء حتى تأخذي أهبتك وتقولي ادن مني لأصارعك، فحينئذ أتقرب منك، فإن صرعتني فإن لي من المال ما أشتري به نفسي، وإن صرعتك أنا فهي الغنيمة الكبرى. فقالت الجارية: أنا رضيت بذلك. # فتحير شركان في ذلك وقال: وحق النبي صلى الله عليه وسلم رضيت أنا الآخر. فقالت له: احلف الآن بمن ركب الأرواح في الأجساد وشرع لنا ms0258 الشرائع. فحلف لها بما وثقت به من الأيمان، فرضيت بذلك، ثم إنها وثبت فصارت في الجانب الآخر من جانبي النهر وقالت لشركان وهي تضحك: يعز علي فراقك يا مولاي، اذهب إلى أصحابك قبل الصباح لئلا يأتيك البطارقة فيأخذوك على أسنة الرماح، وأنت ما فيك قوة لدفع النسوان، فكيف تدافع الرجال الفرسان؟! فتحير شركان في نفسه، وقال لها وقد ولت عنه معرضة تقصد الدير: يا سيدتي، أتذهبين وتتركين المتيم الغريب المسكين الكسير القلب؟ فالتفتت إليه وهي تضحك، ثم قالت له: ما حاجتك؟ فإني أجيب دعوتك. فقال: كيف أطأ أرضك، وأتحلى بحلاوة لطفك، وارجع بلا أكل من طعامك، وقد صرت من بعض خدمك؟ فقالت: لا يأبى الكرامة إلا لئيم، تفضل باسم الله على الرأس والعين، واركب جوادك وسر على جانب النهر مقابلي فأنت في ضيافتي. # ففرح شركان، وبادر إلى جواده وركب وما زال ماشيا مقابلها، وهي سائرة قبالته إلى أن وصل إلى جسر معمول بأخشاب من الحور، وفيه بكر بسلاسل من البولاد، وعليها أقفال في كلاليب، فنظر شركان إلى ذلك الجسر، وإذا بالجواري اللاتي كن معها في المصارعة قائمات ينظرن إليها. فلما أقبلت عليهن كلمت جارية منهن بلسان الرومية، وقالت لها: قومي إليه وأمسكي عنان جواده، ثم سيري به إلى الدير. فسار شركان وهي قدامه إلى أن عدى الجسر، وقد اندهش عقله مما رأى، وقال في نفسه: يا ليت الوزير دندان كان معي في هذا المكان، وتنظر عيناه إلى تلك الجواري الحسان. ثم التفت إلى تلك الجارية وقال لها: يا بديعة الجمال، قد صار لي عليك الآن حرمتان: حرمة الصحبة، وحرمة سيري إلى منزلك وقبول ضيافتك، وقد صرت تحت حكمك وفي عهدك، فلو أنك تنعمين علي بالمسير إلى بلاد الإسلام، وتتفرجين على كل أسد ضرغام، وتعرفين من أنا. فلما سمعت كلامه اغتاظت وقالت له: وحق المسيح لقد كنت عندي ذا عقل ورأي، ولكني اطلعت الآن على ما في قلبك من الفساد، وكيف يجوز لك أن تتكلم بكلمة تنسب بها إلى الخداع؟ كيف ms0259 أصنع هذا وأنا أعلم متى حصلت عند ملككم عمر النعمان لا أخلص منه؛ لأنه في صورة مثلي؟ ولو كان صاحب بغداد وخراسان، وبنى له اثني عشر قصرا، في كل قصر ثلاثمائة وستون جارية على عدد أيام السنة، والقصور عدد أشهر السنة، فإن حصل عنده فزع مني؛ لأن اعتقادكم أنه يحل لكم التمتع بمثلي كما في كتبكم حيث قيل فيها: @QUR@04 أو ما ملكت أيمانكم ، فكيف تكلمني بهذا الكلام؟ # وأما قولك: وتتفرجين على شجعان المسلمين. فوحق المسيح إنك قلت قولا غير صحيح، فإني رأيت عسكركم لما استقبلتم أرضنا وبلادنا في هذين اليومين، فلما أقبلتم لم أر تربيتكم تربية ملوك، وإنما رأيتكم طوائف مجتمعة. # وأما قولك: تعرفين من أنا؟ فأنا لا أصنع معك جميلا لأجل إجلالك، وإنما أفعل ذلك لأجل الفخر، ومثلك لا يقول لمثلي ذلك، ولو كنت شركان بن الملك عمر النعمان الذي ظهر في هذا الزمان. فقال شركان في نفسه: لعلها عرفت قدوم العساكر وعرفت عدتهم، وأنهم عشرة آلاف فارس، وعرفت أن والدي أرسلهم معي لنصرة ملك القسطنطينية. ثم قال شركان: يا سيدتي، أقسمت عليك بمن تعتقدين من دينك أن تحدثيني بسبب ذلك، حتى يظهر لي الصدق من الكذب، ومن يكون عليه وبال ذلك؟ فقالت له: وحق ديني لولا أني خفت أن يشيع خبري من أني بنات الروم، لكنت خاطرت بنفسي، وبارزت العشرة آلاف فارس، وقتلت مقدمهم الوزير دندان، وظفرت بفارسهم شركان، وما كان علي من ذلك عار، ولكني قرأت الكتب وتعلمت الأدب من كلام العرب، ولست أصف لك نفسي بالشجاعة مع أنك رأيت مني العلامة والصناعة، والقوة في الصراع والبراعة، ولو حضر شركان مكانك في هذه الليلة وقيل له: نط هذا النهر. لأذعن واعترف بالعجز، وإني أسأل المسيح أن يرميه بين يدي في هذا الدير حتى أخرج له في صفة الرجال وآسره، وأجعله في الأغلال. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 48 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية النصرانية لما قالت هذا الكلام لشركان وهو ms0260 يسمعه، أخذته النخوة والحمية وغيرة الأبطال، وأراد أن يظهر لها نفسه، ويبطش بها، ولكن رده عنها فرط جمالها، وبديع حسنها، فأنشد هذا البيت: # وإذا المليح أتى بذنب واحد %~% جاءت محاسنه بألف شفيع # ثم صعدت وهو في إثرها، فنظر شركان إلى ظهر الجارية، فرأى أردافها تتلاطم كالأمواج في البحر الرجراج، فأنشد هذه الأبيات: # في وجهها شافع يمحو إساءتها %~% من القلوب وجيه حيثما شفعا ~~إذا تأملتها ناديت من عجب %~% البدر في ليلة الإكمال قد طلعا ~~لو أن عفريت بلقيس يصارعها %~% مع وصف قوته في ساعة صرعا # ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى باب مقنطر، وكانت قنطرته من رخام، ففتحت الجارية الباب ودخلت ومعها شركان، وسار إلى دهليز طويل مقبى على عشر قناطر معقودة، على كل قنطرة قنديل من البللور يشتعل كاشتعال الشمس، فلقيتها الجواري في آخر الدهليز بالشموع المطيبة، وعلى رءوسهن العصائب المزركشة بالفصوص من أصناف الجواهر، وسارت وهن أمامها وشركان وراءها إلى أن وصلوا إلى الدير، فوجد بدائر ذلك الدير أسرة مقابلة لبعضها، وعليها ستور مكللة بالذهب، وأرض الدير مفروشة بأنواع الرخام المجزع، وفي وسطه بركة ماء عليها أربع وعشرون قارورة من الذهب، والماء يخرج منها كاللجين، ورأى في الصدر سريرا مفروشا بالحرير الملوكي، فقالت له الجارية: اصعد يا مولاي على هذا السرير. فصعد شركان فوق السرير، وذهبت الجارية وغابت عنه، فسأل عنها بعض الخدام، فقالوا له: إنها ذهبت إلى مرقدها، ونحن نخدمك كما أمرت. ثم إنها قدمت إليه من غرائب الألوان، فأكل حتى اكتفى، ثم بعد ذلك قدمت إليه طشتا وإبريقا من الذهب، فغسل يديه، وخاطره مشغول بعسكره لكونه لا يعلم ما جرى لهم بعده، ويتذكر أيضا كيف نسي وصية أبيه، فصار متحيرا في أمره، نادما على ما فعل إلى أن طلع الفجر وبان النهار، وهو يتحسر على ما فعل، وصار مستغرقا في الفكر، وأنشد هذه الأبيات: # لم أعدم الحزم ولكنني %~% دهيت في الأمر فما حيلتي ~~لو كان من يكشف عني الهوى %~% برئت من حولي ومن قوتي ~~وإن قلبي في ms0261 ضلال الهوى %~% صب وأرجو الله في شدتي # فلما فرغ من شعره رأى بهجة عظيمة قد أقبلت، فنظر فإذا هو بأكثر من عشرين جارية كالأقمار حول تلك الجارية، وهي بينهن كالبدر بين الكواكب، وعليها ديباج ملوكي، وفي وسطها زنار مرصع بأنواع الجواهر، وقد ضم خصرها وأبرز ردفها، فصارا كأنهما كثيب بلور تحت قضيب من فضة، ونهداها كفحلي رمان؛ فلما نظر شركان ذلك كاد عقله أن يطير من الفرح، ونسي عسكره ووزيره، وتأمل رأسها فرأى عليه شبكة من اللؤلؤ مفصلة بأنواع الجواهر، والجواري عن يمينها ويسارها يرفعن أذيالها وهي تتمايل عجبا، فعند ذلك وثب شركان قائما على قدميه من هيبة حسنها وجمالها، فصاح: وا حيرتاه من هذا الزنار! وأنشد هذه الأبيات: # ثقيلة الأرداف مائلة %~% خرعوبة ناعمة النهد ~~تكتمت ما عندها من جوى %~% ولست أكتم الذي عندي ~~خدامها يمشين من خلفها %~% كالقيل في حلي وفي عقد # ثم إن الجارية جعلت تنظر إليه زمانا طويلا، وتكرر فيه النظر إلى أن تحققته وعرفته، فقالت له بعد أن أقبلت عليه: قد أشرق بك المكان يا شركان، كيف كانت ليلتك يا همام بعدما مضينا وتركناك؟ ثم قالت له: إن الكذب عند الملوك منقصة وعار، ولا سيما عند أكابر الملوك، وأنت شركان بن عمر النعمان، فلا تنكر نفسك وحسبك، ولا تكتم أمرك عني، ولا تسمعني بعد ذلك غير الصدق؛ فإن الكذب يورث البغض والعداوة، فقد نفذ فيك سهم القضاء، فعليك بالتسليم والرضاء. فلما سمع كلامها لم يمكنه الإنكار، فأخبرها بالصدق وقال لها: أنا شركان بن عمر النعمان الذي عذبني الزمان، وأوقعني في هذا المكان، فمهما شئت فافعليه الآن. فأطرقت برأسها إلى الأرض زمانا طويلا، ثم التفتت إليه وقالت له: طب نفسا وقر عينا، فإنك ضيفي، وصار بيننا وبينك خبز وملح، وحديث ومؤانسة؛ فأنت في ذمتي وفي عهدي، فكن آمنا، وحق المسيح لو أراد أهل الأرض أن يؤذوك لما وصلوا إليك إلا إن خرجت روحي من أجلك، فأنت في أمان المسيح وأماني. وجلست إلى جانبه فصارت تلاعبه إلى أن ms0262 زال ما عنده من الخوف، وعلم أنها لو كان لها أرب في قتله لقتلته في الليلة الماضية. # ثم إنها كلمت جارية بلسان الرومية فغابت ساعة ثم رجعت إليها ومعها آلة مدام ومائدة طعام، فتوقف شركان عن الأكل وقال في نفسه: ربما وضعت شيئا في ذلك الطعام. فعرفت ما في ضميره فالتفتت إليه وقالت: وحق المسيح، ليس الأمر كذلك، وهذا الطعام ليس فيه شيء من الذي تتوهمه، ولو كان خاطري في قتلك لقتلتك في هذا الوقت. ثم تقدمت إلى المائدة، وأكلت من كل لون لقمة، فعند ذلك أكل شركان، ففرحت الجارية وأكلت معه إلى أن اكتفيا، وبعد أن غسلا أيديهما قامت وأمرت جارية أن تأتي بالرياحين وآلات الشراب من أواني الذهب والفضة والبلور، وأن يكون الشراب من سائر الألوان المختلفة والأنواع النفيسة، فأتتها بجميع ما طلبته. ثم إن الجارية ملأت أول قدح وشربته قبله كما فعلت في الطعام، ثم ملأت ثانيا وأعطته إياه فشرب، فقالت له: يا مسلم، انظر كيف أنت في ألذ عيش ومسرة. ولم تزل تشرب معه إلى أن غاب عن رشده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 49 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية ما زالت تشرب وتسقي شركان إلى أن غاب عن رشده من الشراب، ومن سكر محبتها، ثم إنها قالت لجارية: يا مرجانة، هات لنا شيئا من آلات الطرب. فقالت: سمعا وطاعة. ثم غابت لحظة وأتت بعود جلقي، وجنك عجمي، وناي تتري، وقانون مصري، فأخذت الجارية العود وأصلحته، وشدت أوتاره، وغنت عليه بصوت رخيم أرق من النسيم، وأعذب من ماء التسنيم، وأنشدت مطربة بهذه الأبيات: # عفا الله عن عينيك كم سفكت دما %~% وكم فوقت منك اللواحظ أسهما ~~أجل حبيبا جائرا في حبيبه %~% حرام عليه أن يرق ويرحما ~~هنيئا لطرف بات فيك مسهدا %~% وطوبى لقلب ظل فيك متيما ~~تحكمت في قتلي فإنك مالكي %~% بروحي أفدي الحاكم المتحكما # ثم قامت كل واحدة من الجواري، ومعها آلتها، وأنشدت تقول عليها أبياتا بلسان الرومية؛ فطرب ms0263 شركان، ثم غنت الجارية سيدتهن أيضا، وقالت: يا مسلم، أما فهمت ما أقول؟ قال: لا، ولكن ما طربت إلا على حسن أناملك. فضحكت وقالت له: إن غنيت لك بالعربية ماذا تصنع؟ فقال: ما كنت أتمالك عقلي. فأخذت آلة الطرب وغيرت الضرب، وأنشدت هذه الأبيات: # طعم التفريق مر %~% فهل لذلك صبر ~~تعرضت لي ثلاث %~% صد وبين وهجر ~~أهوى ظريفا سباني %~% بالحسن فالهجر مر # فلما فرغت من شعرها نظرت إلى شركان فوجدته قد غاب عن وجوده، ولم يزل مطروحا بينهن ممدودا ساعة، ثم أفاق وتذكر الغناء، فمال طربا. ثم إن الجارية أقبلت هي وشركان على الشراب، ولم يزالا في لعب ولهو إلى أن ولى النهار بالرواح، ونشر الليل الجناح، فقامت إلى مرقدها فسأل شركان عنها، فقالوا له: إنها مضت إلى مرقدها. فقال: في رعاية الله وحفظه. فلما أصبح الصباح أقبلت عليه الجارية، وقالت له: إن سيدتي تدعوك إليها. فقام معها وسار خلفها، فلما قرب من مكانها زفته الجواري بالدفوف والمغاني إلى أن وصل إلى باب كبير من العاج مرصع بالدر والجوهر، فلما دخلوا منه وجد دارا كبيرة أيضا، وفي صدرها إيوان كبير مفروش بأنواع الحرير، وبدائر ذلك الإيوان شبابيك مفتحة مطلة على أشجار وأنهار، وفي البيت صور مجسمة يدخل فيها الهواء، فتتحرك في جوفها آلات، فيتخيل للناظر أنها تتكلم، والجارية جالسة تنظر إليهم، فلما نظرته الجارية نهضت قائمة إليه، وأخذت يده وأجلسته بجانبها، وسألته عن مبيته، فدعا لها، ثم جلسا يتحدثان. فقالت له: أتعرف شيئا مما يتعلق بالعاشقين والمتيمين؟ فقال: نعم، أعرف شيئا من الأشعار. فقالت: أسمعني. فأنشد هذه الأبيات: # لا لا أبوح بحب عزة إنها %~% أخذت علي مواثقا وعهودا ~~رهبان مدين والذين عهدتهم %~% يبكون من حذر الفراق قعودا ~~لو يسمعون كما سمعت حديثها %~% خروا لعزة ركعا وسجودا # فلما سمعته قالت: لقد كان كثير باهر الفصاحة، بارع البلاغة؛ لأنه بالغ في وصفه لعزة حيث قال - وأنشدت هذين البيتين: # لو أن عزة حاكمت شمس الضحى %~% في الحسن عند موفق لقضى لها ~~وسعى إلي ms0264 بعيب عزة نسوة %~% جعل الإله خدودهن نعالها # ثم قالت: وقيل إن عزة كانت في نهاية الحسن والجمال. ثم قالت له: يا ابن الملك، إن كنت تعرف شيئا من كلام جميل فأنشدنا منه. قال: إني أعرف به من كل واحد. ثم أنشد من شعر جميل هذا البيت: # تريدين قتلي لا تريدين غيره %~% ولست أرى قصدا سواك أريد # فلما سمعت ذلك قالت له: أحسنت يا ابن الملك. ما الذي أرادته عزة بجميل حتى قال هذا الشطر؛ أي تريدين قتلي لا تريدين غيره. فقال لها شركان: يا سيدتي، لقد أرادت به ما تريدين مني ولا يرضيك. فضحكت لما قال لها شركان هذا الكلام، ولم يزالا يشربان إلى أن ولى النهار، وأقبل الليل بالاعتكار، فقامت الجارية وذهبت إلى مرقدها، ونامت ونام شركان في مرقده إلى أن أصبح الصبح. فلما أفاق أقبلت عليه الجواري بالدفوف، وآلات الطرب على العادة، وقبلن الأرض بين يديه، وقلن له: تفضل، فإن سيدتنا تدعوك إلى الحضور عندها. فقام شركان ومشى والجواري حوله يضربن بالدفوف والآلات، إلى أن خرج من تلك الدار ودخل دارا غيرها أعظم من الدار الأولى، وفيها من التماثيل وصور الطيور ما لا يوصف؛ فتعجب شركان مما رأى من صنع ذلك المكان، فأنشد هذه الأبيات: # أجنى رقيبي من ثمار قلائد %~% در النحور منضدا بالعسجد ~~وعيون ماء من سبائك فصة %~% وخدود ورد في وجوه زبرجد ~~فكأنما لون البنفسج قد حكى %~% زرق العيون وكحلت بالإثمد # فلما رأت الجارية شركان قامت له، وأخذت يده وأجلسته إلى جانبها، وقالت له: أنت ابن الملك عمر النعمان، فهل تحسن لعب الشطرنج؟ فقال: نعم، ولكن لا تكوني كما قال الشاعر: # أقول والوجد يطويني وينشرني %~% ونهلة من رضاب الحب ترويني ~~حضرت شطرنج من أهوى فلاعبني %~% بالبيض والسود لكن ليس يرضيني ~~كأنما الشاة عند الرخ موضعه %~% وقد تفقد دستا بالفرازيني ~~فإن نظرت إلى معنى لواحظها %~% فإن ألحاظها يا قوم ترديني # ثم قدمت له الشطرنج ولعبت معه، فصار شركان كلما أراد أن ينظر إلى نقلها نظر إلى وجهها، ms0265 فيضع الفرس موضع الفيل، ويضع الفيل موضع الفرس؛ فضحكت وقالت: إن كان لعبك هكذا فأنت لا تعرف شيئا. فقال: هذا أول دست لا تحسبيه. فلما غلبته رجع وصف القطع، ولعب معها فغلبته ثانيا وثالثا ورابعا وخامسا، ثم التفتت إليه وقالت له: أنت في كل شيء مغلوب. فقال: يا سيدتي، مع مثلك يحسن أن أكون مغلوبا. ثم أمرت بإحضار الطعام فأكلا وغسلا أيديهما، وأمرت بإحضار الشراب فشربا، وبعد ذلك أخذت القانون، وكان لها بضرب القانون معرفة جيدة، فأنشدت هذه الأبيات: # الدهر ما بين مطوي ومبسوط %~% ومثله مثل مجرور ومخروط ~~فاشرب على حسنه إن كنت مقتدرا %~% أن لا تفارقني في وجه تفريط # ثم إنهما لم يزالا على ذلك إلى أن دخل الليل، فكان ذلك اليوم أحسن من اليوم الذي قبله، فلما أقبل الليل مضت الجارية إلى مرقدها، وانصرف شركان إلى موضعه، فنام إلى الصباح، ثم أقبلت عليه الجواري بالدفوف وآلات الطرب، وأخذوه على العادة إلى أن وصلوا إلى الجارية، فلما رأته نهضت قائمة، وأمسكته من يده وأجلسته بجانبها، وسألته عن مبيته، فدعا لها بطول البقاء، ثم أخذت العود وأنشدت هذين البيتين: # لا تهربن من العناق %~% فإنه حلو المذاق ~~الشمس عند غروبها %~% تصفر من ألم الفراق # فبينما هما على هذه الحالة، وإذا هما بضجة؛ فالتفتا فرأيا رجالا وشبانا مقبلين وغالبهم بطارقة، وبأيديهم السيوف مسلولة تلمع، وهم يقولون بلسان الرومية: وقعت عندنا يا شركان، فأيقن بالهلاك. فلما سمع شركان هذا الكلام قال في نفسه: لعل هذه الجارية الجميلة خدعتني، وأمهلتني إلى أن جاء رجالها، وهم البطارقة الذين خوفتني بهم، ولكن أنا الذي جنيت على نفسي، وألقيتها في الهلاك. ثم التفت إلى الجارية ليعاتبها، فوجد وجهها قد تغير بالاصفرار، ثم وثبت على قدميها وهي تقول لهم: من أنتم؟ فقال لها البطريق المقدم عليهم: أيتها الملكة الكريمة والدرة اليتيمة، أما تعرفين الذي عندك من هو؟ قالت له: لا أعرفه، فمن هو؟ فقال لها: هذا مخرب البلدان وسيد الفرسان، هذا شركان ابن الملك عمر النعمان، هذا الذي ms0266 فتح القلاع، وملك كل حصن مناع، وقد وصل خبره إلى الملك حردوب والدك من العجوز ذات الدواهي، وتحقق ذلك والدك ملكنا نقلا عن العجوز، وها أنت قد نصرت عسكر الروم بأخذ هذا الأسد المشئوم. # فلما سمعت كلام البطريق نظرت إليه، وقالت له: ما اسمك؟ قال لها: اسمي ماسورة ابن عبدك موسورة بن كاشرده بطريق البطارقة. قالت له: كيف دخلت علي بغير إذني؟ فقال لها: يا مولاتي، إني لما وصلت إلى الباب ما منعني حاجب ولا بواب، بل قام جميع البوابين ومشوا بين أيدينا، كما جرت به العادة أنه إذا جاء أحد غيرنا يتركونه واقفا على الباب حتى يستأذنوا عليه بالدخول، وليس هذا وقت إطالة الكلام، والملك منتظر رجوعنا إليه بهذا الملك الذي هو شرارة جمرة عسكر الإسلام؛ لأجل أن يقتله، ويرحل عسكره إلى الموضع الذي جاءوا منه من غير أن يحصل لنا تعب في قتالهم. فلما سمعت الجارية منه هذا الكلام قالت له: إن هذا الكلام غير حسن، ولكن قد كذبت العجوز ذات الدواهي، فإنها قد تكلمت بكلام باطل لا تعلم حقيقته، وحق المسيح إن الذي عندي ما هو شركان ولا أسرته، ولكنه رجل أتى إلينا، وقدم علينا وطلب الضيافة فأضفناه، فإن تحققنا أنه شركان بعينه، وثبت عندنا أنه هو من غير شك، فلا يليق بمروءتي أني أمكنكم منه؛ لأنه دخل تحت عهدي وذمتي، فلا تخونوني في ضيفي، ولا تفضحوني بين الأنام، بل ارجع أنت إلى الملك أبي، وقبل الأرض بين يديه، وأخبره بأن الأمر بخلاف ما قالته العجوز ذات الدواهي. فقال البطريق ماسورة: يا إبريزة، أنا ما أقدر أن أعود إلى الملك إلا بغريمه. فقالت له وقد اغتاظت: ويلك! ما يخصك بهذا الكلام؟! ارجع أنت إليه بالجواب ولا عليك ملام. فقال لها ماسورة: لا أعود إلا به. فتغير لونها وقالت له: لا تكن كثير الكلام والهذيان؛ فإن هذا الرجل ما دخل علينا إلا وهو واثق من نفسه أنه يحمل على مائة فارس وحده، ولو قلت له: أنت شركان بن ms0267 عمر النعمان، ويقول: نعم. ولا يمكنكم أن تتعرضوا له؛ فإن تعرضتم له لا يرجع عنكم إلا إن قتل جميع من كان في هذا المكان، وها هو عندي، وها أنا أحضره بين أيديكم وسيفه وترسه معه. فقال لها البطريق ماسورة: أنا إذا أمنت من غضبك لم آمن من غضب أبيك، وإني إذا رأيته أشير إلى البطارقة فإنهم يأخذونه أسيرا ويمضون به إلى الملك حقيرا. فلما سمعت هذا الكلام قالت: لا كان هذا الأمر، فإنه عنوان للسفه؛ لأن هذا رجل واحد وأنتم مائة بطريق، فإذا أردتم مصادمته، فابرزوا له واحدا بعد واحد ليظهر عند الملك من هو البطل منكم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 50 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة إبريزة قالت للبطريق: هذا رجل واحد وأنتم مائة بطريق، فإذا أردتم مصادمته فابرزوا له واحدا بعد واحد ليظهر عند الملك من هو البطل منكم. فقال البطريق ماسورة: وحق المسيح لقد قلت الحق، ولكن ما يخرج له أولا غيري. فقالت له الجارية: اصبر حتى أذهب إليه وأعرفه بحقيقة الأمر، وأنظر ما عنده من الجواب، فإن أجاب الأمر كذلك، وإن أبى فلا سبيل لكم إليه، وأكون أنا ومن في الدير وجواري فداه. ثم أقبلت على شركان وأخبرته بما كان، فتبسم وعلم أنها لم تخبر أحدا بأمره، وإنما شاع خبره حتى وصل إلى الملك بغير إرادتها، فرجع باللوم على نفسه، وقال: كيف رميت روحي في بلاد الروم؟ ثم إنه لما سمع كلام الجارية قال لها: إن بروزهم إلي واحدا بعد واحد إجحاف بهم، فهلا يبرزون لي عشرة بعد عشرة؟ وبعد ذلك وثب على قدميه، وسار إلى أن أقبل عليهم، وكان معه سيفه وآلة حربه، فلما رآه البطريق وثب إليه وحمل عليه، فقابله شركان كأنه الأسد وضربه بالسيف على عاتقه، فخرج السيف يلمع من أمعائه، فلما نظرت الجارية ذلك عظم قدر شركان عندها، وعرفت أنها لم تصرعه حين صرعته بقوتها، بل بحسنها وجمالها. # ثم إن الجارية أقبلت على البطارقة، ms0268 وقالت لهم: خذوا بثأر صاحبكم. فخرج له أخو المقتول، وكان جبارا عنيدا، فحمل على شركان فلم يمهله شركان دون أن ضربه بالسيف على عاتقه، فخرج السيف يلمع من أمعائه، فعند ذلك نادت الجارية وقالت: يا عباد المسيح، خذوا بثأر صاحبكم. فلم يزالوا يبرزون إليه واحدا بعد واحد، وشركان يلعب فيهم بسيفه حتى قتل منهم خمسين بطريقا، والجارية تنظر إليهم، وقد قذف الله الرعب في قلوب من بقي منهم، وقد تأخروا عن البراز ولم يجسروا على البروز إليه، بل حملوا عليه حملة واحدة بأجمعهم، وحمل عليهم بقلب أقوى من الحجر إلى أن طحنهم طحن الدروس، وسلب منهم العقول والنفوس، فصاحت الجارية على جواريها وقالت لهن: من بقي في الدير؟ فقلن لها: لم يبق أحد إلا البوابين. ثم إن الملكة لاقته وأخذته بالأحضان، وطلع شركان معها إلى القصر بعد فراغه من الحرب، وكان بقي منهم قليل كامن له في زوايا الدير، فلما نظرت الجارية إلى ذلك القليل قامت من عند شركان، ثم رجعت إليه وعليها زردية ضيقة العيون وبيدها صارم مهند، وقالت: وحق المسيح، لم أبخل بنفسي عن ضيفي ولا أتخلى عنه، ولو أني أبقى بسبب ذلك معيرة في بلاد الروم. ثم إنها تأملت البطارقة، فوجدته قد قتل منهم ثمانين، وانهزم منهم عشرون، فلما نظرت إلى ما صنع بالقوم قالت له: بمثلك تفتخر الفرسان، فلله درك يا شركان. ثم إنه قام بعد ذلك يمسح سيفه من دم القتلى، وينشد هذه الأبيات: # وكم من فرقة في الحرب جاءت %~% تركت كماتهم طعم السباع ~~سلوا عني إذا شئتم نزالي %~% جميع الخلق في يوم القراع ~~تركت ليوثهم في الحرب صرعى %~% على الرمضاء في تلك البقاع # فلما فرغ من شعره أقبلت عليه الجارية متبسمة، وقبلت يده، وقلعت الدرع الذي كان عليها، فقال لها: يا سيدتي، لأي شيء لبست الدرع الزرد وشهرت حسامك؟ قالت: حرصا عليك من هؤلاء اللئام. ثم إن الجارية دعت البوابين، وقالت لهم: كيف تركتم أصحاب الملك يدخلون منزلي بغير إذني؟ فقالوا لها: أيتها الملكة ms0269 ما جرت العادة أننا نحتاج إلى استئذان منك على رسل الملك، خصوصا البطريق الكبير. فقالت لهم: أظنكم ما أردتم إلا هتكي وقتل ضيفي. ثم أمرت شركان أن يضرب رقابهم، فضرب رقابهم، وقالت لباقي خدامها: إنهم يستحقون أكثر من ذلك. ثم التفتت لشركان وقالت له: الآن ظهر لك ما كان خافيا، فها أنا أعلمك بقصتي؛ اعلم أني بنت ملك الروم حردوب، واسمي إبريزة، والعجوز التي تسمى ذات الدواهي جدتي أم أبي، وهي التي أعلمت أبي بك، ولا بد أنها تدبر حيلة في هلاكي، خصوصا وقد قتلت بطارقة أبي، وشاع أني قد تحزبت مع المسلمين، فالرأي السديد أنني أترك الإقامة هنا ما دامت ذات الدواهي خلفي، ولكن أريد منك أن تفعل معي مثل ما فعلت معك من الجميل؛ فإن العداوة قد وقعت بيني وبين أبي، فلا تترك من كلامي شيئا، فإن هذا كله ما وقع إلا من أجلك. # فلما سمع شركان هذا الكلام طار عقله من الفرح، واتسع صدره وانشرح، وقال: والله لا يصل إليك أحد ما دامت روحي في جسدي، ولكن هل لك صبر على فراق والدك وأهلك؟ قالت: نعم. فحلفها شركان وتعاهدا على ذلك. فقالت: الآن طاب قلبي، ولكن بقي عليك شرط آخر. فقال: وما هو؟ فقالت له: أنك ترجع بعسكرك إلى بلادك. فقال لها: يا سيدتي، إن أبي عمر النعمان أرسلني إلى قتال والدك بسبب المال الذي أخذه، ومن جملته الثلاث خرزات الكثيرة البركات. فقالت له: طب نفسا، وقر عينا، فها أنا أحدثك بحديثها، وأخبرك بسبب معاداتنا لملك القسطنطينية؛ وذلك أن لنا عيدا يقال له عيد الدير، كل سنة تجتمع فيه الملوك من جميع الأقطار، وبنات الأكابر والتجار، ويقعدون فيه سبعة أيام، وأنا من جملتهم، فلما وقعت بيننا العداوة منعني أبي من حضور ذلك العيد مدة سبع سنين، فاتفق في سنة من السنين أن بنات الأكابر من سائر الجهات قد جاءت من أماكنها إلى الدير في ذلك العيد على العادة، من جملة من جاء إليه بنت ملك القسطنطينية، وكان ms0270 يقال لها صفية، فأقاموا في الدير ستة أيام، وفي اليوم السابع انصرفت الناس، فقالت صفية: أنا ما أرجع إلى القسطنطينية إلا في البحر، فجهزوا لها مركبا فنزلت فيها هي وخواصها، فلما حلوا القلوع وساروا، فبينما هم سائرون وإذا بريح قد خرج عليهم، فأخرج المركب عن طريقها، وكان هناك بالقضاء والقدر مركب نصارى من جزيرة الكافور، وفيها خمسمائة إفرنجي، ومعهم العدة والسلاح، وكان لهم مدة في البحر، فلما لاح لهم قلع المركب التي فيها صفية ومن معها من البنات، انقضوا عليها مسرعين، فما كان غير ساعة حتى وصلوا إلى تلك المركب، ووضعوا فيها الكلاليب، وجروها وحلوا قلوعهم، وقصدوا جزيرتهم، فما بعدوا غير قليل حتى انعكس عليهم الريح، فجذبهم إلى شعب بعد أن مزق قلوع مركبهم، وقربهم منا، فخرجنا فرأيناهم غنيمة قد انساقت إلينا، فأخذناهم وقتلناهم، واغتنمنا ما معهم من الأموال والتحف، وكان في مركبهم أربعون جارية، ومن جملتهم صفية بنت الملك، فأخذنا الجواري وقدمناها إلى أبي، ونحن لا نعرف أن من جملتهن ابنة الملك أفريدون ملك القسطنطينية، فاختار أبي منهن عشر جوار، وفيهن ابنة الملك، وفرق الباقي على حاشيته، ثم عزل خمسة فيهن ابنة الملك من العشر جوار، وأرسل تلك الخمسة هدية إلى والدك عمر النعمان مع شيء من الجوخ، ومن قماش الصوف، ومن القماش الحرير الرومي، فقبل الهدية أبوك، واختار من الخمس جوار صفية بنت الملك أفريدون، فلما كان أول هذا العام أرسل أبوها إلى والدي مكتوبا فيه كلام لا ينبغي ذكره، وصار يهدده في ذلك المكتوب ويوبخه، ويقول له: إنكم أخذتم مركبنا من منذ سنتين، وكانت في يد جماعة لصوص من الإفرنج، ومن جملة ما فيها بنتي صفية، ومعها من الجواري نحو ستين جارية، ولم ترسلوا علي أحدا يخبرني بذلك، وأنا لا أقدر أن أظهر خبرها خوفا أن يكون في حقي عار عند الملوك من أجل هتك ابنتي، فكتمت أمري إلى هذا العام، والذي بين لي ذلك أني كاتبت هؤلاء اللصوص، وسألتهم عن خبر ابنتي وأكدت عليهم أن يفتشوا ms0271 عليها ويخبروني عند أي ملك هي من ملوك الجزائر، فقالوا: والله ما خرجنا بها من بلادك. ثم قال في المكتوب الذي كتبه لوالدي: إن لم يكن مرادكم معاداتي، ولا فضيحتي وهتك ابنتي، فساعة وصول كتابي إليكم ترسلوا إلي بنتي من عندكم، وإن أهملتم كتابي وعصيتم أمري، فلا بد أن أكافئكم على قبيح أفعالكم وسوء أعمالكم. # فلما وصلت هذه المكاتبة إلى أبي وقرأها، وفهم ما فيها، شق عليه ذلك، وندم حيث لم يعرف أن صفية بنت الملك بين تلك الجواري ليردها إلى والدها، فصار متحيرا في أمره، ولم يمكنه بعد هذه المدة المستطيلة أن يرسل إلى الملك عمر النعمان ويطلبها منه، وقد سمعنا من مدة يسيرة أنه رزق من جاريته التي يقال لها صفية بنت الملك أفريدون أولادا، فلما تحققنا ذلك علمنا أن هذه الورطة هي المصيبة العظمى، ولم يكن لأبي حيلة غير أنه كتب جوابا للملك أفريدون يعتذر إليه فيه، ويحلف له بالأقسام أنه لم يعلم أن ابنته من جملة الجواري التي كانت في تلك المركب، ثم أظهره على أنه أرسلها إلى الملك عمر النعمان، وأنه رزق منها أولادا. فلما وصلت رسالة أبي إلى أفريدون ملك القسطنطينية قام وقعد، وأرغى وأزبد، وقال: كيف تكون ابنتي مسبية بصفة الجواري، وتتداولها أيدي الملوك، ويطئونها بلا عقد؟ ثم قال: وحق المسيح والدين الصحيح، إنه لا يمكنني أن أتقاعد عن هذا الأمر دون أن آخذ الثأر وأكشف العار، فلا بد أن أفعل فعلا يتحدث به الناس من بعدي. # وما زال صابرا إلى أن عمل الحيلة، ونصب مكائد عظيمة، وأرسل رسلا إلى والدك عمر النعمان، وذكر له ما سمعت من الأقوال، حتى جهزك والدك بالعساكر التي معك من أجلها، وصيرك إليه حتى يقبض عليك أنت ومن معك من عساكرك. وأما الثلاث خرزات التي أخبر والدك بها في مكتوبه، فليس لذلك صحة، وإنما كانت مع صفية ابنته، وأخذها أبي منها حين استولى عليها هي والجواري التي معها، ثم وهبها لي وهي الآن عندي، فاذهب أنت إلى ms0272 عسكرك وردهم قبل أن يتوغلوا في بلاد الإفرنج والروم؛ فإنكم إذا توغلتم في بلادهم يضيقون عليهم الطرق، ولم يكن لكم خلاص من أيديهم إلى يوم الجزاء والقصاص، وأنا أعرف أن الجيوش مقيمون في مكانهم؛ لأنك أمرتهم بالإقامة ثلاثة أيام مع أنهم فقدوك في هذه المدة، ولم يعلموا ماذا يفعلون. # فلما سمع شركان هذا الكلام صار مشغول الفكر بالأوهام، ثم إنه قبل يد الملكة إبريزة وقال: الحمد لله الذي من علي بك، وجعلك سببا لسلامتي وسلامة من معي، ولكن يعز علي فراقك، ولا أعلم ما يجري عليك بعدي. فقالت له: اذهب أنت الآن إلى عسكرك وردهم، وإن كانت الرسل عندهم فاقبض عليهم حتى يظهر لكم الخبر وأنتم بالقرب من بلادكم، وبعد ثلاثة أيام أنا ألحقكم، وما تدخلون بغداد إلا وأنا معكم، فندخل كلنا سواء. فلما أراد الانصراف قالت له: لا تنس العهد الذي بيني وبينك. ثم إنها نهضت قائمة معه لأجل التوديع والعناق، وإطفاء نار الأشواق، وبكت بكاء يذيب الأحجار، وأرسلت الدموع كالأمطار، فلما رأى منها ذلك البكاء والدموع اشتد به الوجد والولوع، ونزح في الوداع دمع العين، وأنشد هذين البيتين: # ودعتها ويدي اليمين لأدمعي %~% ويدي اليسار لضمة وعناق ~~قالت أما تخشى الفضيحة قلت لا %~% يوم الوداع فضيحة العشاق # ثم فارقها شركان ونزل من الدير، وقدموا له جواده، فركب وخرج متوجها إلى الجسر، فلما وصل إليه مر من فوقه، ودخل بين تلك الأشجار، فلما تخلص من الأشجار، ومشى في ذلك المرج، وإذا هو بثلاثة فوارس، فأخذ لنفسه الحذر منهم، وشهر سيفه وانحدر، فلما قربوا منه ونظر بعضهم بعضا عرفوه وعرفهم، ووجد أحدهم الوزير دندان ومعه أميران، وعندما عرفوه ترجلوا له وسلموا عليه، وسأله الوزير دندان عن سبب غيابه، فأخبره بجميع ما جرى له مع الملكة إبريزة من أوله إلى آخره، فحمد الله تعالى على ذلك، ثم قال شركان: ارحلوا بنا عن هذه البلاد؛ لأن الرسل الذين جاءوا معنا رحلوا من عندنا ليعلموا ملكهم بقدومنا، فربما أسرعوا إلينا وقبضوا علينا. ثم نادى ms0273 شركان في عسكره بالرحيل فرحلوا، ولم يزالوا سائرين مجدين في السير حتى وصلوا إلى سطح الوادي، وكان الرسل قد توجهوا إلى ملكهم، وأخبروه بقدوم شركان، فجهز إليه عسكر ليقبضوا عليه، وعلى من معه. # هذا ما كان من أمر الرسل وملكهم، وأما ما كان من أمر شركان، فإنه سافر بعسكره مدة خمسة أيام ثم نزلوا في واد كثير الأشجار واستراحوا فيه مدة، وبعد ذلك ساروا منه، ولم يزالوا سائرين مدة خمسة وعشرين يوما حتى أشرفوا على أوائل بلادهم، فلما وصلوا إلى هناك أمنوا على أنفسهم، ونزلوا لأخذ الراحة، فخرج إليهم أهل تلك البلاد بالضيافات، وعليق البهائم، ثم أقاموا يومين ورحلوا طالبين ديارهم، وتأخر شركان بعدهم في مائة فارس، وجعل الوزير دندان أميرا على من معه من الجيش، فسار الوزير دندان بمن معه مسيرة يوم، ثم بعد ذلك ركب شركان هو والمائة فارس الذين معه، وساروا مقدار فرسخين حتى وصلوا إلى محل مضيق بين جبلين، وإذا أمامهم غبرة وعجاج، فمنعوا خيولهم من السير مقدار ساعة حتى انكشف الغبار، فبان من تحته مائة فارس ليوث عوابس، وفي الحديد والزرد غواطس، فلما أن قربوا من شركان ومن معه صاحوا عليهم وقالوا: وحق يوحنا ومريم، إننا قد بلغنا ما أملناه، ونحن خلفكم مجدون السير ليلا ونهارا حتى سبقناكم إلى هذا المكان، فانزلوا عن خيولكم، وأعطونا أسلحتكم وسلموا لنا أنفسكم حتى نجود عليكم بأرواحكم. # ![figure](../Images/figure22.png) # ثم نادى شركان في عسكره بالرحيل، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى سطح الوادي. # فلما سمع شركان ذلك الكلام لاجت عيناه، واحمرت وجنتاه، وقال لهم: يا كلاب النصارى، كيف تجاسرتم علينا، وجئتم بلادنا، ومشيتم في أرضنا؟! وما كفاكم ذلك حتى تخاطبونا بهذا الخطاب! أظننتم أنكم تخلصون من أيدينا، وتعودون إلى بلادكم؟ ثم صاح على المائة فارس الذين معه وقال لهم: دونكم وهؤلاء الكلاب، فإنهم في عددكم. ثم سل سيفه وحمل عليهم، وحملت معه المائة فارس، فاستقبلتهم الإفرنج بقلوب أقوى من الصخر، واصطدمت الرجال بالرجال، ووقعت الأبطال في الأبطال، والتحم القتال، واشتد النزال، ms0274 وعظمت الأهوال، وقد بطل القيل والقال، ولم يزالوا في الحرب والكفاح، والضرب بالصفاح إلى أن ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار، فانفصلوا عن بعضهم، واجتمع شركان بأصحابه، فلم يجد أحدا منهم مجروحا غير أربعة أنفس حصل لهم جراحات سليمة، فقال لهم شركان: أنا عمري أخوض بحر الحرب العجاج المتلاطم من السيوف بالأمواج، وأقاتل الرجال، فوالله ما لقيت أصبر على الجلاد وملاقاة الرجال مثل هؤلاء الأبطال. فقالوا له: اعلم أيها الملك أن فيهم فارسا إفرنجيا وهو المقدم عليهم، له شجاعة وطعنات نافذات، غير أن كل من وقع منا بين يديه يتغافل عنه ولا يقتله، فوالله لو أراد قتلنا لقتلنا بأجمعنا. فتحير شركان لما سمع ذلك المقال، وقال: في غد نصطف ونبارزهم، فها نحن مائة ونطلب النصر عليهم من رب السماء، وباتوا تلك الليلة على ذلك الاتفاق. # وأما الإفرنج فإنهم اجتمعوا عند مقدمهم، وقالوا له: إننا ما بلغنا اليوم في هؤلاء إربا. فقال لهم: في غد نصطف ونبارزهم واحدا بعد واحد. فباتوا على الاتفاق أيضا، فلما أصبح الصباح، وأضاء بنوره ولاح، وطلعت الشمس على رءوس الروابي والبطاح، وسلمت على محمد زين الملاح، ركب الملك شركان، وركب معه المائة فارس، وأتوا إلى الميدان كلهم، فوجدوا الإفرنج قد اصطفوا للقتال، فقال شركان لأصحابه: إن أعداءنا قد اصطفوا، فدونكم والمبادرة إليهم. فنادى مناد من الإفرنج: لا يكون قتالنا في هذا اليوم إلا مناوبة بأن يبرز بطل منكم إلى بطل منا. فعند ذلك برز فارس من أصحاب شركان، وساق بين الصفين وقال: هل من مبارز؟ هل من مناجز؟ لا يبرز لي اليوم كسلان ولا عاجز. فلم يتم كلامه حتى برز إليه فارس من الإفرنج غريق في سلاحه، وقماشه من ذهب، وهو راكب على جواد أشهب، وذلك الإفرنجي لا نبات بعارضيه، فسار جواده حتى وقف في وسط الميدان، وصادمه بالضرب والطعان، فلم يكن غير ساعة حتى طعنه الإفرنجي بالرمح فنكسه عن جواده، وأخذه أسيرا، وقاده حقيرا، ففرح به قومه ومنعوه أن يخرج إلى الميدان، وأخرجوا غيره، وقد خرج ms0275 إليه من المسلمين آخر وهو أخو الأسير، ووقف معه في الميدان، وحمل الاثنان على بعضهما ساعة يسيرة، ثم كر الإفرنجي على المسلم، وغالطه وطعنه بعقب الرمح فنكسه عن جواده، وأخذه أسيرا، ولا زال يخرج إليهم من المسلمين واحدا بعد واحد، والإفرنج يأسرونهم إلى أن ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار، وقد أسروا من المسلمين عشرين فارسا، فلما عاين شركان ذلك عظم عليه الأمر، فجمع أصحابه وقال لهم: ما هذا الأمر الذي حل بنا؟ أنا أخرج في غد إلى الميدان، وأطلب مبارزة الإفرنجي المقدم عليهم، وأنظر ما الذي حمله على أن يدخل بلادنا، وأحذره من قتالنا، فإن أبى قاتلناه، وإن صالحنا صالحناه. # وباتوا على هذه الحال إلى أن أصبح الصباح، وأضاء بنوره ولاح، ثم ركب الطائفتان، واصطف الفريقان، فلما خرج شركان إلى الميدان رأى الإفرنج قد ترجل منهم أكثر من نصفهم قدام فارس منهم، ومشوا قدامه إلى أن صاروا في وسط الميدان، فتأمل شركان ذلك الفارس، فرآه الفارس المقدم عليهم وهو لابس قباء من أطلس أزرق، ووجهه فيه كالبدر إذا أشرق، ومن فوقه زردية ضيقة العيون، وبيده سيف مهند، وهو راكب على جواد أدهم في وجهه غرة كالدرهم، وذلك الإفرنجي لا نبات بعارضيه، ثم إنه لكز جواده حتى صار في وسط الميدان، وأشار إلى المسلمين وهو يقول بلسان عربي فصيح: يا شركان، يا ابن عمر النعمان الذي ملك الحصون والبلدان، دونك والحرب والطعان، وابرز إلى من قد ناصفك في الميدان، فأنت سيد قومك، وأنا سيد قومي، فمن غلب منا صاحبه أخذه هو وقومه تحت طاعته. فما أتم كلامه حتى برز له شركان وقلبه من الغيظ ملآن، وساق جواده حتى دنا من الإفرنجي في الميدان، فكر عليه الإفرنجي كالأسد الغضبان، وصدمه صدمة الفرسان، وأخذا في الطعن والضرب، وصارا في حومة الميدان كأنهما جبلان يصطدمان، أو بحران يلتطمان، ولم يزالا في قتال وحرب ونزال من أول النهار إلى أن أقبل الليل بالاعتكار، ثم انفصل كل منهما عن صاحبه، وعاد إلى قومه. فلما اجتمع شركان ms0276 بأصحابه قال لهم: ما رأيت مثل هذا الفارس قط، إلا أني رأيت منه خصلة لم أرها من أحد غيره، وهو أنه إذا لاح له في خصمه مضرب قاتل، يقلب الرمح ويضرب بعقبه، ولكن ما أدري ماذا يكون مني ومنه، ومرادي أن يكون في عسكرنا مثله ومثل أصحابه. # وبات شركان، فلما أصبح الصباح خرج له الإفرنجي، ونزل في وسط الميدان، وأقبل عليه شركان، ثم أخذا في القتال، وأوسعا في الحرب والمجال، وامتدت إليهما الأعناق، ولم يزالا في حرب وكفاح وطعن بالرماح إلى أن ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار، ثم افترقا ورجعا إلى قومهما، وصار كل منهما يحكي لأصحابه ما لاقاه من صاحبه، ثم إن الإفرنجي قال لأصحابه: في غد يكون الانفصال. وباتوا تلك الليلة إلى الصباح، ثم ركب الاثنان، وحملا على بعضهما، ولم يزالا في الحرب إلى نصف النهار، وبعد ذلك عمل الإفرنجي حيلة، ولكز جواده، ثم جذبه باللجام، فعثر به ورماه فانكب عليه شركان، وأراد أن يضربه بالسيف خوفا أن يطول به المطال، فصاح به بالإفرنجي وقال: يا شركان، ما هكذا تكون الفرسان، إنما هو فعل المغلوب بالنسوان. فلما سمع شركان من ذلك الفارس هذا الكلام رفع طرفه إليه، وأمعن النظر فيه، فوجده الملكة إبريزة التي وقع له معها ما وقع في الدير، فلما عرفها رمى السيف من يده، وقبل الأرض بين يديها وقال لها: ما حملك على هذه الفعال؟ فقالت له: أردت أن أختبرك في الميدان، وأنظر ثباتك في الحرب والطعان، وهؤلاء الذين معي كلهم جوار، وكلهن بنات أبكار، وقد قهرن فرسانك في الميدان، ولولا أن جوادي قد عثر بي لكنت ترى قوتي وجلادي. فتبسم شركان من قولها، وقال لها: الحمد لله على السلامة، وعلى اجتماعي بك يا ملكة الزمان. # ثم إن الملكة إبريزة صاحت على جواريها وأمرتهن بالرحيل بعد أن يطلقن العشرين أسيرا الذين كن أسرنهم من قوم شركان، فامتثلت الجواري أمرها، ثم قبلن الأرض بين يديها، فقال لهن: مثلكن من يكون عند الملوك مدخرا للشدائد. ثم إنه ms0277 أشار إلى أصحابه أن سلموا عليها؛ فترجلوا جميعا وقبلوا الأرض بين يدي الملكة، ثم ركب المائتا فارس، وساروا في الليل والنهار مدة ستة أيام، وبعد ذلك أقبلوا على الديار، فأمر شركان الملكة إبريزة وجواريها أن ينزعن ما عليهن من لباس الإفرنج. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 51 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شركان أمر الملكة إبريزة وجواريها أن ينزعن ما عليهن من الثياب، وأن يلبسن لباس بنات الروم، ففعلن ذلك، ثم إنه أرسل جماعة من أصحابه إلى بغداد ليعلم والده عمر النعمان بقدومه، ويخبره أن الملكة إبريزة بنت ملك الروم جاءت صحبته لأجل أن يرسل موكبا لملاقاتها. ثم إنهم نزلوا من وقتهم وساعتهم في المكان الذي وصلوا إليه، وباتوا فيه إلى الصباح، فلما أصبح ركب شركان هو ومن معه، وركبت أيضا الملكة إبريزة هي ومن معها، واستقبلوا المدينة، وإذا بالوزير دندان قد أقبل في ألف فارس من أجل ملاقاة الملكة إبريزة هي وشركان، وكان خروجه بإشارة الملك عمر النعمان، كما أرسل إليه ولده شركان. فلما قربوا منهما توجهوا إليهما، وقبلوا الأرض بين أيديهما، ثم ركبا وركبوا معهما، وصاروا في خدمتهما حتى وصلا إلى المدينة، وطلعا قصر الملك، ودخل شركان على والده، فقام إليه واعتنقه، وسأله عن الخبر، فأخبره بما قالته الملكة إبريزة، وما اتفق له معها، وكيف فارقت مملكتها وفارقت أباها، وقال له: إنها اختارت الرحيل معنا، والقعود عندنا، وإن ملك القسطنطينية أراد أن يعمل لنا حيلة من أجل صفية بنته؛ لأن ملك الروم قد أخبره بحكايتها، وبسبب إهدائها إليك، وإن ملك الروم ما كان يعرف أنها ابنة الملك أفريدون ملك القسطنطينية، ولو كان يعرف ذلك ما كان أهداها إليك، بل كان يردها إلى والدها، ثم قال شركان لوالده: ولم يخلصنا من هذه الحيل والمكايد إلا إبريزة بنت ملك القسطنطينية، وما رأينا أشجع منها. # ثم إنه شرع يحكي لأبيه ما وقع له معها من أوله إلى آخره من أمر المصارعة والمبارزة، فلما سمع الملك ms0278 عمر النعمان من ولده شركان ذلك الكلام عظمت إبريزة عنده، وصار يتمنى أنه يراها، ثم إنه طلبها لأجل أن يسألها، فعند ذلك ذهب شركان إليها، وقال لها: إن الملك يدعوك. فأجابت بالسمع والطاعة، فأخذها شركان وأتى والده، وكان والده قاعدا على كرسيه، وأخرج من كان عنده ولم يبق عنده غير الخدم. فلما دخلت الجارية إبريزة على الملك النعمان قبلت الأرض بين يديه، وتكلمت بأحسن الكلام؛ فتعجب الملك من فصاحتها، وشكرها على ما فعلت مع ولده شركان، وأمرها بالجلوس فجلست وكشفت عن وجهها، فلما رآها الملك حيل بينه وبين عقله، ثم إنه قربها إليه وأدناها منه، وأفرد لها قصرا مختصا بها وبجواريها، ورتب لها ولجواريها الرواتب، ثم أخذ يسألها عن تلك الخرزات الثلاث التي تقدم ذكرها سابقا، فقالت له: إن تلك الخرزات معي يا ملك الزمان. ثم إنها قامت ومضت إلى محلها وفتحت صندوقا وأخرجت منه علبة، وأخرجت من العلبة حقا من الذهب، وفتحته وأخرجت منه تلك الخرزات الثلاث، ثم قبلتها وناولتها للملك وانصرفت، فأخذت قلبه معها. # وبعد انصرافها أرسل إلى ولده شركان، فحضر فأعطاه خرزة من الثلاث خرزات، فسأله عن الاثنين الأخريين، فقال: يا ولدي، قد أعطيت منهما واحدة لأخيك ضوء المكان، والثانية لأختك نزهة الزمان، فلما سمع شركان أن له أخا يسمى ضوء المكان، وما كان يعرف إلا أخته نزهة الزمان، التفت إلى والده الملك عمر النعمان، وقال له: يا والدي، ألك ولد غيري؟ قال: نعم وعمره الآن ست سنين. ثم أعلمه أن اسمه ضوء المكان، وأخته نزهة الزمان، وأنهما في بطن واحد، فصعب عليه ذلك، ولكنه كتم سره وقال لوالده: على بركة الله تعالى. ثم رمى الخرزة من يده ونفض أثوابه، فقال له الملك: مالي أراك قد تغيرت أحوالك لما سمعت هذا الخبر؟ مع أنك صاحب المملكة من بعدي، وقد عاهدت أمراء الدولة على ذلك، وهذه خرزة لك من الثلاث خرزات. فأطرق شركان برأسه إلى الأرض، واستحى أن يكافح والده، ثم قام وهو لا يعلم كيف يصنع من ms0279 شدة الغيظ، وما زال ماشيا حتى دخل قصر الملكة إبريزة، فلما أقبل عليها نهضت إليه قائمة، وشكرته على فعاله، ودعت له ولوالده، وجلست وأجلسته في جانبها، فلما استقر به الجلوس رأت في وجهه الغيظ، فسألته عن حاله، وما سبب غيظه، فأخبرها أن والده الملك عمر النعمان رزق من صفية ولدين ذكرا وأنثى، وسمى الولد ضوء المكان والأنثى نزهة الزمان، وقال لها: إنه أعطاهما خرزتين وأعطاني واحدة فتركتها، وأنا إلى الآن لم أعلم بذلك إلا في هذا الوقت فخنقني الغيظ، وقد أخبرتك بسبب غيظي، ولم أخف عنك شيئا، وأخشى عليك من أن يتزوجك، فإني رأيت منه علامة الطمع في أنه يتزوج بك، فما تقولين أنت في ذلك؟ فقالت: اعلم يا شركان أن أباك ما له حكم علي، ولا يقدر أن يأخذني بغير رضاي، وإن كان يأخذني غصبا قتلت روحي. وأما الثلاث خرزات فما كان على بالي أنه ينعم على أحد من أولاده بشيء منها، وما ظننت إلا أنه يجعلها في خزائنه مع ذخائره، ولكن أشتهي من إحسانك أن تهب لي الخرزة التي كان أعطاها لك والدك إن قبلتها منه. فقال: سمعا وطاعة. ثم قالت له: لا تخف. وتحدثت معه ساعة، وقالت له: إني أخاف أن يسمع أبي أني عندكم فيسعى في طلبي، ويتفق هو والملك أفريدون من أجل ابنته صفية، فيأتيان إليكم بعساكر، وتكون ضجة عظيمة. فلما سمع شركان ذلك قال لها: يا مولاتي، إذا كنت راضية بالإقامة عندنا لا تفكري فيهم، فلو اجتمع علينا كل من في البر والبحر لغلبناهم. فقالت: ما يكون إلا الخير، وها أنتم إن أحسنتم إلي قعدت عندكم، وإن أسأتموني رحلت من عندكم. ثم إنها أمرت الجواري بإحضار شيء من الأكل، فقدمت المائدة، فأكل شركان شيئا يسيرا، ومضى إلى داره مهموما مغموما. # هذا ما كان من أمر شركان، وأما ما كان من أمر أبيه عمر النعمان، فإنه بعد انصراف ولده شركان من عنده قام ودخل على جاريته صفية ومعه تلك الخرزات، فلما رأته نهضت قائمة على ms0280 قدميها إلى أن جلس، فأقبل عليه ولداه ضوء المكان ونزهة الزمان، فلما رآهما قبلهما وعلق على كل واحد منهما خرزة، ففرحا بالخرزتين وقبلا يديه، وأقبلا على أمهما ففرحت بهما، ودعت للملك بطول الدوام. فقال لها الملك: يا صفية، حيث إنك ابنة الملك أفريدون ملك القسطنطينية، لأي شيء لم تعلميني لأجل أن أزيد في إكرامك ورفع منزلتك؟ فلما سمعت صفية ذلك قالت: أيها الملك، وماذا أريد أكثر من هذا زيادة على هذه المنزلة التي أنا فيها؟ فها أنا مغمورة بإنعامك وخيرك، وقد رزقني الله منك بولدين ذكر وأنثى. فأعجب الملك عمر النعمان كلامها، واستظرف عذوبة ألفاظها، ودقة فهمها، وظرف أدبها ومعرفتها. ثم إنه مضى من عندها، وأفرد لها ولأولادها قصرا عجيبا، ورتب لهم الخدم والحشم، والفقهاء والحكماء، والفلكية والأطباء والجراحين، وأوصاهم بهم وزاد في رواتبهم، وأحسن إليهم غاية الإحسان، ثم رجع إلى قصر المملكة والمحاكمة بين الناس. # هذا ما كان من أمره مع صفية وأولادها، وأما ما كان من أمره مع الملكة إبريزة، فإنه اشتغل بحبها، وصار ليلا ونهارا مشغوفا بها، وفي كل ليلة يدخل إليها ويتحدث عندها، ويلوح لها بالكلام، فلم ترد له جوابا، بل تقول: يا ملك الزمان، أنا في هذا الوقت ما لي غرض في الرجال. فلما رأى تمنعها منه اشتد به الغرام، وزاد عليه الوجد والهيام، فلما أعياه ذلك أحضر وزيره دندان، وأطلعه على ما في قلبه من محبة الملكة إبريزة ابنة الملك حردوب، وأخبره أنها لا تدخل في طاعته، وقد قتله حبها، ولم ينل منها شيئا، فلما سمع الوزير دندان ذلك قال للملك: إذا جن الليل فخذ معك قطعة بنج مقدار مثقال، وادخل عليها واشرب معها شيئا من الخمر، فإذا كان وقت الفراغ من الشرب والمنادمة فأعطها القدح الأخير، واجعل فيه ذلك البنج واسقها إياه، فإنها ما تصل إلى مرقدها إلا وقد تحكم عليها البنج، فتبلغ غرضك منها؛ وهذا ما عندي من الرأي. فقال له الملك: نعم ما أشرت به علي. # ثم إنه عمد إلى خزائنه، ms0281 وأخرج منها قطعة بنج مكرر، لو شمه الفيل لرقد من السنة إلى السنة، ثم إنه وضعها في جيبه وصبر إلى أن مضى قليل من الليل، ودخل على الملكة إبريزة في قصرها، فلما رأته نهضت إليه قائمة، فأذن لها بالجلوس فجلست، وجلس عندها وصار يتحدث معها في أمر الشراب، فقدمت سفرة الشراب، وصفت له الأواني، وأوقدت الشموع، وأمرت بإحضار النقل والفاكهة، وكل ما يحتاجان إليه، وصار يشرب معها وينادمها إلى أن دب السكر في رأس الملكة إبريزة؛ فلما علم الملك النعمان ذلك أخرج قطعة البنج من جيبه، وجعلها بين أصابعه، وملأ كأسا بيده وشربها، وملأها ثانية وأسقط قطعة البنج فيها، وهي لا تشعر بذلك، ثم قال لها: خذي اشربي هذا. فأخذته الملكة إبريزة وشربته، فما كان إلا دون ساعة حتى تحكم البنج عليها، وسلب إدراكها، فقام إليها فوجدها ملقاة على ظهرها، وقد كانت قلعت السراويل من رجليها، ورفع الهواء ذيل قميصها عنها، فلما دخل عليها الملك ورآها على تلك الحالة، ووجد عند رأسها شمعة، وعند رجليها شمعة تضيء على ما بين فخذيها، حيل بينه وبين عقله، ووسوس له الشيطان، فما تمالك نفسه حتى قلع سراويله ووقع عليها، وأزال بكارتها، وقام من فوقها ودخل إلى جارية من جواريها يقال لها مرجانة، وقال لها: ادخلي على سيدتك كلميها. فدخلت الجارية على سيدتها، فوجدت دمها يجري على ساقيها، وهي ملقاة على ظهرها، فمدت يدها إلى منديل من مناديلها، وأصلحت به شأن سيدتها، ومسحت عنها ذلك الدم. # فلما أصبح الصباح تقدمت الجارية مرجانة، وغسلت وجه سيدتها ويديها ورجليها، ثم جاءت بماء الورد وغسلت به وجهها وفمها، فعند ذلك عطست الملكة إبريزة وتقيأت ذلك البنج، فنزلت قطعة البنج من باطنها كالقرص، ثم إنها غسلت فمها ويديها، وقالت لمرجانة: أعلميني بما كان من أمري. فأخبرتها أنها رأتها ملقاة على ظهرها، ودمها سائل على فخذيها، فعرفت أن الملك عمر النعمان قد وقع بها وواصلها، وتمت حيلته عليها؛ فاغتمت لذلك غما شديدا، وحجبت نفسها، وقالت لجواريها: امنعوا كل من ms0282 أراد أن يدخل علي، وقولوا له إنها ضعيفة حتى أنظر ماذا يفعل الله بي. فعند ذلك وصل الخبر إلى الملك عمر النعمان بأن الملكة إبريزة ضعيفة، فصار يرسل إليها الأشربة والسكر والمعاجين، وأقامت على ذلك شهورا وهي محجوبة. ثم إن الملك قد بردت ناره، وانطفأ شوقه إليها وصبر عنها، وكانت قد علقت منه، فلما مرت عليها أشهر ظهر الحمل وكبر بطنها، ضاقت بها الدنيا، فقالت لجاريتها مرجانة: اعلمي أن القوم ما ظلموني، وإنما أنا الجانية على نفسي، حيث فارقت أبي وأمي ومملكتي، وأنا قد كرهت الحياة وضعفت همتي، ولم يبق عندي من الهمة ولا من القوة شيء، وكنت إذا ركبت جوادي أقدر عليه، وأنا الآن لا أقدر على الركوب، ومتى ولدت عندهم صرت معيرة عند جواري، وكل من في القصر يعلم أنه أزال بكارتي سفاحا، وإذا رجعت لأبي فبأي وجه ألقاه! وبأي وجه أرجع إليه! وما أحسن قول الشاعر: # بم التعلل لا أهل ولا وطن %~% ولا نديم ولا كأس ولا سكن # فقالت لها مرجانة: الأمر أمرك، وأنا في طوعك. فقالت: أريد اليوم أن أخرج سرا بحيث لا يعلم بي أحد غيرك، وأسافر إلى أبي وأمي، فإن اللحم إذا أنتن ما له إلا أهله، والله يفعل بي ما يريد. فقالت لها: نعم ما تفعلين أيتها الملكة. ثم إنها جهزت أحوالها، وكتمت سرها، وصبرت أياما حتى خرج الملك للصيد والقنص، وخرج ولده شركان إلى القلاع ليقيم بها مدة من الزمان، فأقبلت إبريزة على جاريتها مرجانة، وقالت لها: أريد أن أسافر في هذه الليلة، ولكن كيف أصنع في المقادير وقد قرب أوان الطلق والولادة؟ وإن قعدت خمسة أيام أو أربعة وضعت هنا، ولم أقدر أن أروح بلادي، وهذا ما كان مكتوبا على جبيني، ومقدرا علي في الغيب. ثم تفكرت ساعة، وبعد ذلك قالت لمرجانة: انظري لنا رجلا يسافر معنا، ويخدمنا في الطريق، فإنه ليس لي قوة على حمل السلاح. فقالت مرجانة: والله يا سيدتي ما أعرف غير عبد أسود اسمه الغضبان، وهو من ms0283 عبيد الملك عمر النعمان، وهو شجاع ملازم لباب قصرنا، فإن الملك أمره أن يخدمنا، وقد غمرناه بإحساننا؛ فها أنا أخرج إليه وأكلمه في شأن هذا الأمر، وأعده بشيء من المال، وأقول له: إذا أردت المقام عندنا أزوجك بمن شئت. وكان قد ذكر لي قبل اليوم أنه كان يقطع الطريق، فإن هو وافقنا بلغنا مرادنا، ووصلنا إلى بلادنا. فقالت لها: هاتيه عندي حتى أحدثه. # ![figure](../Images/figure23.png) # أخبره والده أن الملكة إبريزة هربت، فاغتم شركان لذلك غما شديدا. # فخرجت له مرجانة وقالت له: يا غضبان، قد أسعدك الله إن قبلت من سيدتك ما تقوله لك من الكلام. ثم أخذت بيده وأقبلت به على سيدتها، فلما رآها قبل يديها، فحين رأته نفر قلبها منه، لكنها قالت في نفسها: إن الضرورة لها أحكام. وأقبلت عليه تحدثه وقلبها نافر منه وقالت له: يا غضبان، هل فيك مساعدة لنا على غدرات الزمان؟ وإذا أظهرتك على أمري تكون كاتما له؟ فلما نظر العبد إليها، ورأى حسنها ملكت قلبه وعشقها لوقته، وقال لها: يا سيدتي، إن أمرتني بشيء لا أخرج عنه. فقالت له: أريد منك في هذه الساعة أن تأخذني وتأخذ جاريتي هذه، وتشد لنا راحلتين وفرسين من خيل الملك، وتضع على كل فرس خرجا من المال وشيئا من الزاد، وترحل معنا إلى بلادنا، وإن أقمت عندنا زوجناك من تختارها من جواري، وإن طلبت الرجوع إلى بلادك أعطيناك ما تحب، ثم ترجع إلى بلادك بعد أن تأخذ ما يكفيك من المال. فلما سمع الغضبان ذلك الكلام فرح فرحا شديدا، وقال: يا سيدتي، إني أخدمكما بعيوني، وأمضي معكما وأشد لكما الخيل. ثم مضى وهو فرحان، وقال في نفسه: قد بلغت ما أريد منهما، وإن لم تطاوعاني قتلتهما، وأخذت ما معهما من المال. وأضمر ذلك في سره، ثم مضى وعاد ومعه راحلتان وثلاث من الخيل، وهو راكب إحداها، وأقبل على الملكة إبريزة، وقدم إليها فرسا فركبتها وهي متوجعة من الطلق، ولا تملك نفسها من كثرة الوجع، وركبت مرجانة فرسا، ثم سافر بهما ms0284 ليلا ونهارا حتى وصلوا بين الجبال، وبقي بينها وبين بلادها يوم واحد، فجاءها الطلق، فما قدرت أن تمسك نفسها على الفرس، فقالت للغضبان: أنزلني فقد لحقني الطلق. وقالت لمرجانة: انزلي واقعدي تحتي وولديني. فعند ذلك نزلت مرجانة من فوق فرسها، ونزل الغضبان من فوق فرسه، وشد لجام الفرسين، ونزلت الملكة إبريزة من فوق فرسها وهي غائبة عن الدنيا من شدة الطلق، وحين رآها الغضبان نزلت على الأرض وقف الشيطان في وجهه، فشهر حسامه في وجهها، وقال: يا سيدتي، ارحميني بوصلك. فلما سمعت مقالته التفتت إليه وقالت له: ما بقي علي إلا العبيد السود، بعدما كنت لا أرضى بالملوك الصناديد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 52 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة إبريزة لما قالت للعبد الذي هو غضبان: ما بقي علي إلا العبيد السود، ثم صارت تبكته، وأظهرت له الغيظ، وقالت له: ويلك، ما هذا الكلام الذي تقوله لي؟! فلا تتكلم بشيء من هذا في حضرتي، واعلم أنني لا أرضى بشيء مما قلته، ولو سقيت كأس الردى، ولكن اصبر حتى أصلح الجنين، وأصلح شأني وأرمي الخلاص، ثم بعد ذلك إن قدرت علي فافعل بي ما تريد، وإن لم تترك فاحش الكلام في هذا الوقت فإني أقتل نفسي بيدي، وأفارق الدنيا وأرتاح من هذا كله. ثم أنشدت هذه الأبيات: # أيا غضبان دعني قد كفاني %~% مكابدة الحوادث والزمان ~~عن الفحشاء ربي قد نهاني %~% وقال النار مثوى من عصاني ~~وإني لا أميل بفعل سوء %~% بعين النقص دعني لا تراني ~~ولو لم تترك الفحشاء عني %~% وترعى حرمتي فيمن رعاني ~~لأصرخ طاقتي لرجال قومي %~% وأجلب كل قاصيها وداني ~~ولو قطعت بالسيف اليماني %~% لما خليت فحاشا يراني ~~من الأحرار والكبراء طرا %~% فكيف العبد من نسل الزواني # فلما سمع الغضبان ذلك الشعر غضب غضبا شديدا، واحمرت مقلتاه، واغبرت سحنته، وانتفخت مناخره، واستدلت مشافره، وزادت به النفرات، وأنشد هذه الأبيات: # أإبريز اذكري إن تهجريني %~% قتيل هواك باللحظ اليماني ~~فقلبي قد تقطع من ms0285 جفاك %~% وجسمي ناحل والصبر فان ~~ولفظك قد سبى الألباب سحرا %~% فعقلي نازح والشوق دان ~~ولو أجلبت ملء الأرض جيشا %~% لأبلغ مأربي في ذا الزمان # فلما سمعت إبريزة كلامه بكت بكاء شديدا، وقالت له: ويلك يا غضبان، وهل بلغ من قدرك أن تخاطبني بهذا الخطاب يا ولد الزنا وتربية الخنا؟ أتحسب أن الناس كلهم سواء؟ فلما سمع ذلك العبد النحس هذا الكلام غضب منها غضبا شديدا، وتقدم إليها وضربها بالسيف فقتلها، وساق جوادها قدامه بعد أن أخذ المال، وفر بنفسه آبقا في الجبال. # هذا ما كان من أمر الغضبان، وأما ما كان من أمر الملكة إبريزة، فإنها صارت طريحة على الأرض، وكان الولد الذي ولدته ذكرا، فحملته مرجانة في حجرها، وصرخت صرخة عظيمة، وشقت أثوابها، وصارت تحثو التراب على رأسها، وتلطم على خدها حتى طلع الدم من وجهها، وقالت: وا خيبتاه! كيف قتل سيدتي عبد أسود لا قيمة له بعد فروسيتها؟ فبينما هي تبكي وإذا بغبار قد طار حتى سد الأقطار، ولما انكشف ذلك الغبار بان من تحته عسكر جرار، وكانت تلك العساكر عساكر ملك الروم والد الملكة إبريزة، وسبب ذلك أنه لما سمع أن ابنته هربت هي وجواريها إلى بغداد، وأنها عند الملك عمر النعمان، خرج بمن معه يتنسم الأخبار من بعض المسافرين إن كانوا رأوها عند الملك عمر النعمان، فخرج بمن معه ليسأل المسافرين من أين أتوا لعله يعلم بخبر ابنته، وكان رأى على بعد هؤلاء الثلاثة: ابنته، والعبد الغضبان، وجاريتها مرجانة، فقصدهم ليسألهم، فلما قصدهم خاف العبد على نفسه فقتلها ونجا بنفسه، فلما أقبلوا عليها رآها أبوها مرمية على الأرض، وجاريتها تبكي عليها، فرمى نفسه من فوق جواده، ووقع إلى الأرض مغشيا عليه، فترجل كل من كان معه من الفرسان والأمراء والوزراء، وضربوا الخيام في الجبال، ونصبوا قبة للملك حردوب، ووقف أرباب الدولة خارج تلك القبة، فلما رأت مرجانة سيدها عرفته، وزادت في البكاء والنحيب، فلما أفاق الملك من غشيته، سألها عن الخبر، فأخبرته بالقصة، وقالت له: إن ms0286 الذي قتل ابنتك عبد أسود من عبيد الملك عمر النعمان، وأخبرته بما فعله الملك عمر النعمان بابنته. # فلما سمع الملك حردوب ذلك الكلام اسودت الدنيا في وجهه، وبكى بكاء شديدا، ثم أمر بإحضار محفة وحمل ابنته فيها، ومضى إلى قسارية، وأدخلوها القصر، ثم إن الملك حردوب دخل على أمه ذات الدواهي، وقال لها: أهكذا يفعل المسلمون بابنتي؟ فإن الملك عمر النعمان أزال بكارتها قهرا، وبعد ذلك قتلها عبد أسود من عبيده، فوحق المسيح لا بد من أخذ ثأر بنتي منه، وكشف العار عن عرضي، وإلا قتلت نفسي بيدي. ثم بكى بكاء شديدا، فقالت له أمه ذات الدواهي: ما قتل ابنتك إلا مرجانة؛ لأنها كانت تكرهها في الباطن. ثم قالت لولدها: لا تحزن من أخذ ثأرها، فوحق المسيح لا أرجع عن الملك عمر النعمان حتى أقتله وأقتل أولاده، ولأعملن معه عملا تعجز عنه الدهاة والأبطال، ويتحدث به المتحدثون في جميع الأقطار، ولكن ينبغي لك أن تمتثل أمري في كل ما أقوله وأنت تبلغ ما تريد. فقال لها: وحق المسيح لا أخالفك أبدا فيما تقولينه. قالت له: ائتني بجوار نهد أبكار، وائتني بحكماء الزمان، وأجزل لهم العطايا، وأمرهم أن يعلموا الجواري الحكمة والأدب وخطاب الملوك ومنادمتهم والأشعار، وأن يتكلموا بالحكمة والمواعظ، ويكون الحكماء مسلمين لأجل أن يعلموهن أخبار العرب، وتواريخ الخلفاء، وأخبار من سلف من ملوك الإسلام، ولو أقمنا على ذلك عشرة أعوام، وطول روحك واصبر؛ فإن بعض الأعراب يقول: إن أخذ الثأر بعد أربعين عاما مدته قليلة، ونحن إذا علمنا تلك الجواري بلغنا من عدونا ما نختار؛ لأنه ممتحن بحب الجواري، وعنده ثلاثمائة جارية وست وستون جارية، وازددن مائة جارية من خواص جواريك اللاتي كن مع المرحومة، فإذا تعلم الجواري ما أخبرتك من العلوم، فإني آخذهن بعد ذلك وأسافر بهن. # فلما سمع الملك حردوب كلام أمه ذات الدواهي فرح فرحا شديدا، وقبل رأسها، ثم أرسل من وقته وساعته المسافرين والقصاد إلى أطراف البلاد ليأتوا إليه بالحكماء من المسلمين، فامتثلوا أمره وسافروا ms0287 إلى بلاد بعيدة، وأتوه بما طلبه من الحكماء والعلماء، فلما حضروا بين يديه أكرمهم غاية الإكرام، وخلع عليهم الخلع، ورتب لهم الرواتب والجرايات، ووعدهم بالمال الجزيل إذا فعلوا ما أمرهم به، ثم أحضر لهم الجواري. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 53 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العلماء والحكماء لما حضروا عند الملك حردوب أكرمهم إكراما زائدا، وأحضر الجواري بين أيديهم، وأوصاهم أن يعلموهن الحكمة والأدب، فامتثلوا أمره. # هذا ما كان من أمر الملك حردوب، وأما ما كان من أمر الملك عمر النعمان، فإنه لما عاد من الصيد والقنص وطلع القصر، طلب الملكة إبريزة فلم يجدها، ولم يخبره أحد عنها، فعظم عليه ذلك وقال: كيف تخرج هذه الجارية من القصر ولم يعلم بها أحد؟ فإن كانت مملكتي على هذا الأمر، فإنها ضائعة المصلحة ولا ضابط لها! فما بقيت أخرج إلى الصيد والقنص حتى أرسل إلى الأبواب من يتوكل بها. واشتد حزنه، وضاق صدره لفراق الملكة إبريزة، فبينما هو كذلك وإذا بولده شركان قد أتى من سفره، فأعلمه والده بذلك، وأخبره أنها هربت وهو في الصيد والقنص؛ فاغتم شركان لذلك غما شديدا. ثم إن الملك صار يتفقد ولديه كل يوم ويكرمهما، وكان قد أحضر العلماء والحكماء ليعلموهما العلم، ورتب لهما الرواتب، فلما رأى شركان ذلك الأمر غضب غضبا شديدا، وحسد أخويه على ذلك إلى أن ظهر أثر الغيظ في وجهه، ولم يزل متمرضا بسبب هذا الأمر، فقال له والده يوما من الأيام: ما لي أراك تزداد ضعفا في جسمك، واصفرارا في لونك؟ فقال له شركان: يا والدي، كلما رأيتك تقرب أخوي، وتحسن إليهما يحصل عندي حسد، وأخاف أن يزيد بي الحسد فأقتلهما وتقتلني أنت بسببهما إذا أنا قتلتهما، فمرض جسمي، وتغير لوني بسبب ذلك، ولكن أنا أشتهي من إحسانك أن تعطيني قلعة من القلاع حتى أقيم بها بقية عمري؛ فإن صاحب المثل يقول: بعدي عن حبيبي أجمل لي وأحسن من عين لا تنظر وقلب لا يحزن. ms0288 ثم أطرق برأسه إلى الأرض. # فلما سمع الملك عمر النعمان كلامه، عرف سبب ما هو فيه من التقصير، فأخذ بخاطره وقال له: يا ولدي، إني أجيبك إلى ما تريد، وليس في ملكي أكبر من قلعة دمشق، فقد ملكتها من هذا الوقت. ثم أحضر الموقعين في الوقت والساعة، وأمرهم بكتابة تقليد ولده شركان ولاية دمشق الشام، فكتبوا له ذلك وجهزوه، وأخذ الوزير دندان معه وأوصاه بالمملكة والسياسة، وقلده أموره، ثم ودعه والده وودعته الأمراء وأكابر الدولة، وسار بالعسكر حتى وصل إلى دمشق، فلما وصل إليها دق له أهلها الكاسات، وصاحوا بالبوقات، وزينوا المدينة، وقابلوه بموكب عظيم سار فيه أهل الميمنة ميمنة، وأهل الميسرة ميسرة. # هذا ما كان من أمر شركان، وأما ما كان من أمر والده عمر النعمان، فإنه بعد سفر ولده شركان أقبل عليه الحكماء، وقالوا له: يا مولانا، إن أولادك تعلموا العلم والحكمة والأدب. فعند ذلك فرح الملك عمر النعمان فرحا شديدا، وأنعم على جميع الحكماء؛ حيث رأى ضوء المكان كبر وترعرع، وركب الخيل، وصار له من العمر أربع عشرة سنة، وطلع مشتغلا بالدين والعبادة، محبا للفقراء وأهل العلم والقرآن، وصار أهل بغداد يحبونه نساء ورجالا، إلى أن طاف ببغداد محمل العراق من أجل الحج، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ضوء المكان موكب المحمل اشتاق إلى الحج، فدخل على والده وقال له: إني أتيت إليك لأستأذنك في أن أحج. فمنعه من ذلك، وقال له: اصبر إلى العام القابل، وأنا أتوجه إلى الحج وآخذك معي. فلما رأى الأمر يطول عليه، دخل على أخته نزهة الزمان فوجدها قائمة تصلي، فلما قضت الصلاة قال لها: إني قد قتلني الشوق إلى حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي - عليه الصلاة والسلام - واستأذنت والدي فمنعني من ذلك، فالمقصود أن آخذ شيئا من المال وأخرج إلى الحج سرا ولا أعلم أبي بذلك. فقالت له أخته: بالله عليك أن تأخذني معك، ولا تحرمني من زيارة النبي صلى الله عليه وسلم. فقال لها: ms0289 إذا جن الظلام فاخرجي من هذا المكان، ولا تعلمي أحدا بذلك. # فلما كان نصف الليل قامت نزهة الزمان، وأخذت شيئا من المال، ولبست لباس الرجال، وكانت قد بلغت من العمر مثل عمر ضوء المكان، ومشت متوجهة إلى باب القصر، فوجدت أخاها ضوء المكان قد جهز الجمال، فركب وأركبها، وسارا ليلا واختلطا بالحجيج، ومشيا إلى أن صارا في وسط الحج العراقي، وما زالا سائرين، وكتب الله لهما السلامة حتى دخلا مكة المشرفة، ووقفا بعرفات، وقضيا مناسك الحج، ثم توجها إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، فزاراه. وبعد ذلك أرادا الرجوع مع الحجاج إلى بلادهم، فقال ضوء المكان لأخته: يا أختي، أريد أن أزور بيت المقدس والخليل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام. فقالت له: وأنا كذلك. واتفقا على ذلك، ثم خرج واكترى له ولها مع المقادسة، وجهزا حالهما، وتوجها مع الركب، فحصل لأخته في تلك الليلة حمى باردة فتشوشت، ثم شفيت، وتشوش الآخر، فصارت تلاطفه في ضعفه، ولم يزالا سائرين إلى أن دخلا بيت المقدس، واشتد المرض على ضوء المكان، ثم إنهما نزلا في خان هناك، واكتريا لهما فيه حجرة واستقرا فيها، ولم يزل المرض يتزايد على ضوء المكان حتى أنحله وغاب عن الدنيا، فاغتمت لذلك أخته نزهة الزمان، وقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا حكم الله. # ثم إنها قعدت هي وأخوها في ذلك المكان، وقد زاد به الضعف وهي تخدمه وتنفق عليه نفسها، حتى فرغ ما معها من المال وافتقرت، ولم يبق معها دينار ولا درهم، فأرسلت صبي الخان إلى السوق بشيء من قماشها فباعه وأنفقته على أخيها، ثم باعت شيئا آخر، ولم تزل تبيع من أمتعتها شيئا فشيئا حتى لم يبق لها غير حصير مقطعة، فبكت وقالت: لله الأمر من قبل ومن بعد. ثم قال لها أخوها: يا أختي، إني قد أحسست بالعافية، وفي خاطري شيء من اللحم المشوي. فقالت له أخته: والله يا أخي، إني ما لي وجه للسؤال، ولكن غدا أدخل بيت أحد من الأكابر وأخدم ms0290 وأعمل بشيء نقتات به أنا وأنت. ثم تفكرت ساعة وقالت له: إني لا يهون علي فراقك وأنت في هذه الحالة، ولكن لا بد من طلب المعاش قهرا عني. فقال لها أخوها: أبعد العز تصبحين ذليلة؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم بكى وبكت، وقالت له: يا أخي، نحن غرباء، وقد أقمنا هنا سنة كاملة ما دق علينا الباب أحد، فهل نموت من الجوع؟ فليس عندي من الرأي إلا أني أخرج وأخدم، وآتيك بشيء نقتات به إلى أن تبرأ من مرضك، ثم نسافر إلى بلادنا. ومكثت تبكي ساعة. # ثم بعد ذلك قامت نزهة الزمان، وغطت رأسها بقطعة عباءة من ثياب الجمالين كان صاحبها نسيها عندهما، وقبلت رأس أخيها واعتنقته، وخرجت من عنده وهي تبكي، ولم تعلم أين تمضي. وما زال أخوها ينتظرها إلى أن قرب وقت العشاء ولم تأت، فمكث بعد ذلك وهو ينتظرها إلى أن طلع النهار فلم تعد إليه، ولم يزل على هذه الحالة يومين، فعظم ذلك عنده، وارتجف قلبه عليها، واشتد به الجوع، فخرج من الحجرة وصاح على صبي الخان وقال له: أريد أن تحملني إلى السوق. فحمله وألقاه في السوق، فاجتمع عليه أهل القدس وبكوا عليه لما رأوه على تلك الحالة، فأشار إليهم بطلب شيء يأكله، فجاءوا له من بعض التجار الذين في السوق ببعض دراهم، واشتروا له شيئا وأطعموه إياه، ثم حملوه ووضعوه على دكان وفرشوا له قطعة برش، ووضعوا عند رأسه إبريقا، فلما أقبل الليل انصرف عنه كل الناس وهم حاملون همه، فلما كان نصف الليل تذكر أخته، فازداد به الضعف، وامتنع من الأكل والشرب، وغاب عن الوجود، فقام أهل السوق وأخذوا له من التجار ثلاثين درهما واكتروا له جملا، وقالوا للجمال: احمل هذا وأوصله إلى دمشق، وأدخله المارستان لعله أن يبرأ. فقال لهم: على الرأس. ثم قال في نفسه: كيف أمضي بهذا المريض وهو مشرف على الموت؟! ثم خرج به إلى مكان واختفى به إلى الليل، ثم ألقاه على مزبلة مستوقد ms0291 حمام، ثم مضى إلى حال سبيله. # فلما أصبح الصباح طلع وقاد الحمام إلى شغله، فوجده ملقى على ظهره، فقال في نفسه: لأي شيء ما يرمون هذا الميت إلا هنا؟ ورفسه برجله فتحرك، فقال له الوقاد: الواحد منكم يأكل قطعة حشيش ويرمي نفسه في أي موضع كان! ثم نظر وجهه فرآه لا نبات بعارضيه، وهو ذو بهاء وجمال، فأخذته الرأفة عليه، وعرف أنه مريض وغريب، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إني دخلت في خطيئة هذا الصبي، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بإكرام الغريب، لا سيما إذا كان الغريب مريضا. ثم حمله وأتى به إلى منزله، ودخل على زوجته وأمرها أن تخدمه وتفرش له بساطا، ففرشت له وجعلت تحت رأسه وسادة، وسخنت له ماء وغسلت له به يديه ورجليه ووجهه، وخرج الوقاد إلى السوق، وأتى له بشيء من ماء الورد والسكر، ورش ماء الورد على وجهه وسقاه السكر، وأخرج له قميصا نظيفا وألبسه إياه، فشم نسيم الصحة، وتوجهت إليه العافية، واتكأ على المخدة، ففرح الوقاد بذلك، وقال: الحمد لله على عافية هذا الصبي، اللهم إني أسألك بسرك المكنون أن تجعل سلامة هذا الشاب على يدي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 54 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوقاد قال: اللهم إني أسألك بسرك المكنون أن تجعل سلامة هذا الصبي على يدي. وما زال الوقاد يتعهده ثلاثة أيام وهو يسقيه السكر وماء الخلاف وماء الورد، ويتعطف عليه ويتلطف به حتى سرت الصحة في جسمه، وفتح عينه، فاتفق أن الوقاد دخل عليه فرآه جالسا وعليه آثار الشظ، فقال له: ما حالك يا ولدي في هذا الوقت؟ فقال ضوء المكان: بخير وعافية. فحمد الوقاد ربه وشكره، ثم نهض إلى السوق، واشترى له عشر دجاجات، وأتى زوجته وقال لها: اذبحي له في كل يوم اثنتين، واحدة في أول النهار، وواحدة في آخر النهار. فقامت وذبحت له دجاجة وسلقتها، وأتت بها إليه، وأطعمته إياها، وأسقته مرقتها، فلما فرغ ms0292 من الأكل قدمت له ماء مسخنا، فغسل يديه، واتكأ على الوسادة، وغطته بملاءة، فنام إلى العصر، ثم قامت وسلقت دجاجة أخرى، وأتته بها وفسختها، وقالت له: كل يا ولدي. فبينما هو يأكل وإذا بزوجها قد دخل فوجدها تطعمه، فجلس عند رأسه، وقال له: ما حالك يا ولدي في هذا الوقت؟ فقال: الحمد لله على العافية، جزاك الله عني خيرا. ففرح الوقاد بذلك، ثم إنه خرج وأتى بشراب البنفسج وماء الورد وسقاه. # وكان ذلك الوقاد يعمل في الحمام كل يوم بخمسة دراهم، فيشتري له كل يوم بدرهم سكرا وماء الورد وشراب البنفسج، ويشتري له بدرهم فراريج، وما زال يلاطفه إلى أن مضى عليه شهر من الزمان حتى زالت عنه آثار المرض، وتوجهت إليه العافية؛ ففرح الوقاد هو وزوجته بعافية ضوء المكان، وقال له الوقاد: يا ولدي، هل لك أن تدخل معي الحمام؟ قال: نعم. فمضى إلى السوق، وأتى له بمكاري أركبه حمارا، وجعل يسنده إلى أن وصل إلى الحمام، ثم دخل معه الحمام، وأجلسه في داخله، ومضى إلى السوق، واشترى له سدرا ودقاقا، وقال لضوء المكان: يا سيدي، باسم الله أغسل لك جسدك. وأخذ الوقاد يحك لضوء المكان رجليه، وشرع يغسل له جسده بالسدر والدقاق، وإذا ببلان قد أرسله معلم الحمام إلى ضوء المكان، فوجد الوقاد يحك رجليه، فتقدم إليه البلان وقال له: هذا نقص في حق المعلم. فقال الوقاد: والله، إن المعلم غمرنا بإحسانه. فشرع البلان يحلق رأس ضوء المكان، ثم اغتسل هو والوقاد، وبعد ذلك رجع به الوقاد إلى منزله، وألبسه قميصا رفيعا، وثوبا من ثيابه، وعمامة لطيفة، وأعطاه حزاما، وكانت زوجة الوقاد قد ذبحت دجاجتين وطبختهما، فلما طلع ضوء المكان وجلس على الفراش، قام الوقاد وأذاب له السكر في ماء الورد وسقاه، ثم قدم له السفرة، وصار الوقاد يفسخ له من ذلك الدجاج ويطعمه ويسقيه من المسلوقة إلى أن اكتفى، وغسل يديه، وحمد الله تعالى على العافية، ثم قال للوقاد: أنت الذي من الله علي بك، وجعل سلامتي ms0293 على يديك. فقال الوقاد: دع عنك هذا الكلام، وقل لنا ما سبب مجيئك إلى هذه المدينة؟ ومن أين أنت؟ فإني أرى على وجهك آثار النعمة. فقال له ضوء المكان: قل لي أنت كيف وقعت بي حتى أخبرك بحديثي؟ فقال الوقاد: أما أنا فإني وجدتك مرميا على القمامة في المستوقد حين لاح الفجر لما توجهت إلى أشغالي، ولم أعرف من رماك، فأخذتك عندي، وهذه حكايتي. # فقال ضوء المكان: سبحان من يحيي العظام وهي رميم، إنك يا أخي ما فعلت الجميل إلا مع أهله، وسوف تجني ثمرة ذلك. ثم قال للوقاد: وأنا الآن في أي البلاد؟ فقال له الوقاد: أنت في مدينة القدس. فعند ذلك تذكر ضوء المكان غربته، وفراق أخته، وبكى حيث باح بسره إلى الوقاد، وحكى له حكايته، ثم أنشد هذه الأبيات: # لقد حملوني في الهوى فوق طاقتي %~% ومن أجلهم قامت علي قيامتي ~~ألا فارفقوا يا هاجرون بمهجتي %~% فقد رق لي من بعدكم كل شامت ~~ولا تمنعوا أن تسمحوا لي بنظرة %~% تخفف أحوالي وفرط صبابتي ~~سألت فؤادي الصبر عنكم فقال لي %~% إليك فإن الصبر من غير عادتي # ثم زاد في بكائه، فقال له الوقاد: لا تبك، واحمد الله على السلامة والعافية. فقال ضوء المكان: كم بيننا وبين دمشق؟ فقال: ستة أيام. فقال ضوء المكان: هل لك أن ترسلني إليها؟ فقال له الوقاد: يا سيدي، كيف أدعك تروح وحدك وأنت شاب صغير؟ فإن شئت السفر إلى دمشق فأنا الذي أروح معك، وإن أطاعتني زوجتي وسافرت معي أقمت هناك، فإنه لا يهون علي فراقك. ثم قال الوقاد لزوجته: هل لك أن تسافري معي إلى دمشق الشام، أو تكوني مقيمة هنا حتى أوصل سيدي هذا إلى دمشق الشام، وأعود إليك؟ فإنه يطلب السفر إليها، فإني والله لا يهون علي فراقه، وأخاف عليه من قطاع الطريق. فقالت له زوجته: أسافر معكما. فقال الوقاد: الحمد لله على الموافقة. ثم إن الوقاد قام وباع أمتعته وأمتعة زوجته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت ms0294 الليلة 55 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوقاد اتفق هو وزوجته على السفر مع ضوء المكان، وعلى أنهما يمضيان معه إلى دمشق، ثم إن الوقاد باع أمتعته وأمتعة زوجته، ثم اكترى حمارا، وأركب ضوء المكان إياه وسافروا، ولم يزالوا مسافرين ستة أيام إلى أن دخلوا دمشق، فنزلوا هناك في آخر النهار، وذهب الوقاد واشترى شيئا من الأكل والشرب على العادة، وما زالوا على ذلك الحال خمسة أيام، وبعد ذلك مرضت زوجة الوقاد أياما قلائل، وانتقلت إلى رحمة الله تعالى؛ فعظم ذلك على ضوء المكان؛ لأنه كان قد اعتاد عليها، وكانت تخدمه، وحزن عليها الوقاد حزنا شديدا، فالتفت ضوء المكان إلى الوقاد فوجده حزينا، فقال له: لا تحزن، فإننا كلنا داخلون في هذا الباب. فالتفت الوقاد إلى ضوء المكان وقال له: جزاك الله خيرا يا ولدي، فالله تعالى يعوض علينا بفضله، ويزيل عنا الحزن، فهل لك يا ولدي أن تخرج بنا ونتفرج في دمشق لينشرح خاطرك؟ فقال له ضوء المكان: الرأي رأيك. فقام الوقاد ووضع يده في يد ضوء المكان، وسارا إلى أن أتيا تحت إصطبل والي دمشق، فوجدا جمالا محملة صناديق، وفرشا من الديباج وغيره، وجنائب مسرجة، وبخاتي وعبيدا ومماليك، والناس في هرج ومرج، فقال ضوء المكان: يا ترى لمن تكون هؤلاء المماليك والجمال والأقمشة؟ وسأل بعض الخدم عن ذلك، فقال له المسئول: هذه هدية من أمير دمشق يريد إرسالها إلى الملك عمر النعمان مع خراج الشام. فلما سمع ضوء المكان هذا الكلام، تغرغرت عيناه بالدموع، وأنشد يقول: # إن شكونا البعاد ماذا نقول %~% أو تلفنا شوقا فكيف السبيل ~~أو رأينا الرسول ترجم عنا %~% ما يؤدي شكوى المحب رسول ~~أو صبرنا فما من الصبر عندي %~% بعد فقد الأحباب إلا القليل # وقال أيضا: # رحلوا غائبين عن جفن عيني %~% إنهم في الفؤاد مني حلول ~~غاب عني جمالهم فحياتي %~% ليس تحلو ولا اشتياقي يحول ~~إن قضى الله باجتماعي إليكم %~% أذكر الوجد في حديث يطول # فلما فرغ من شعره بكى، فقال له الوقاد: يا ms0295 ولدي، نحن ما صدقنا أنك جاءتك العافية، فطب نفسا ولا تبك؛ فإني أخاف عليك من النكسة. وما زال يلاطفه ويمازحه وضوء المكان يتنهد ويتحسر على غربته، وعلى فراقه لأخته ومملكته، ويرسل العبرات، ثم أنشد هذه الأبيات: # تزود من الدنيا فإنك راحل %~% وأيقن بأن الموت لا شك نازل ~~نعيمك في الدنيا غرور وحسرة %~% وعيشك في الدنيا محال وباطل ~~ألا إنما الدنيا كمنزل راكب %~% أناخ عشيا وهو في الصبح راحل # ثم إن ضوء المكان جعل يبكي وينتحب على غربته، وكذلك الوقاد صار يبكي على فراق زوجته، ولكنه ما زال يتلطف بضوء المكان إلى أن أصبح الصباح، فلما طلعت الشمس قال له الوقاد: كأنك تذكرت بلادك. فقال له ضوء المكان: نعم، ولا أستطيع أن أقيم هنا، وأستودعك الله، فإني مسافر مع هؤلاء القوم، وأمشي معهم قليلا قليلا حتى أصل إلى بلادي. فقال له الوقاد: وأنا معك؛ فإني لا أقدر أن أفارقك، فإني عملت معك حسنة، وأريد أن أتممها بخدمتي لك. فقال له ضوء المكان: جزاك الله عني خيرا. وفرح ضوء المكان بسفر الوقاد معه، ثم إن الوقاد خرج من ساعته، واشترى له حمارا وهيأ زادا، وقال لضوء المكان: اركب هذا الحمار في السفر، فإذا تعبت من الركوب فانزل وامش. فقال ضوء المكان: بارك الله فيك، وأعانني على مكافأتك؛ فإنك فعلت معي من الخير ما لا يفعله أحد مع أخيه. ثم صبرا إلى أن جن الظلام، فحملا زادهما وأمتعتهما على ذلك الحمار، وسافرا. # هذا ما كان من أمر ضوء المكان والوقاد، وأما ما كان من أمر أخته نزهة الزمان، فإنها لما فارقت أخاها ضوء المكان خرجت من الخان الذي كانا فيه في القدس بعد أن التفت بالعباءة لأجل أن تخدم أحدا، وتشتري لأخيها ما اشتهاه من اللحم المشوي، وصارت تبكي في الطريق وهي لا تعرف أين تتوجه، وصار خاطرها مشغولا بأخيها، وقلبها متفكرا في الأهل والأوطان، فصارت تتضرع إلى الله تعالى في دفع هذه البليات، وأنشدت هذه الأبيات: # جن الظلام وهاج الوجد بالسقم %~% والشوق ms0296 حرك ما عندي من الألم ~~ولوعة البين في الأحشاء قد سكنت %~% والوجد صيرني في حالة العدم ~~والحزن أقلقني والشوق أحرقني %~% والدمع باح بحب أي مكتتم ~~وليس لي حيلة في الوصل أعرفها %~% حتى تزحزح ما عندي من الألم ~~فنار قلبي بالأشواق موقدة %~% ومن لظاها يظل الصب في نقم ~~يا من يلوم على ما حل بي وكفى %~% إني صبرت على ما خط بالقلم ~~أقسمت بالحب ما لي سلوة أبدا %~% يمين أهل الهوى مبرورة القسم ~~يا ليل بلغ رواة الحب عن خبري %~% واشهد بعلمك أني فيك لم أنم # ثم إن نزهة الزمان أخت ضوء المكان صارت تمشي وتلتفت يمينا ويسارا، وإذا شيخ مسافر من البدو ومعه خمسة نفر من العرب قد التفت إلى نزهة الزمان فرآها جميلة، وعلى رأسها عباءة مقطعة، فتعجب من حسنها، وقال في نفسه: إن هذه جميلة، ولكنها ذات قشف، فإن كانت من أهل هذه المدينة أو كانت غريبة فلا بد لي منها. ثم إنه تبعها قليلا قليلا حتى تعرض لها في الطريق في مكان ضيق، وناداها ليسألها عن حالها، وقال لها: يا بنية، هل أنت حرة أم مملوكة؟ فلما سمعت كلامه نظرت إليه، وقالت له: بحياتك لا تجدد علي الأحزان. فقال لها: إني رزقت ستة بنات، مات لي منهن خمس، وبقيت واحدة وهي أصغرهن، وأتيت إليك لأسألك هل أنت من أهل هذه المدينة أو غريبة؟ لأجل أن آخذك وأجعلك عندها لتؤانسيها، فتشتغل بك عن الحزن على أخواتها؟ فإن لم يكن لك أحد جعلتك مثل واحدة منهن، وتصيرين مثل أولادي. # فلما سمعت نزهة الزمان كلامه قالت في سرها: عسى أن آمن على نفسي عند هذا الشيخ. ثم أطرقت برأسها من الحياء، وقالت: يا عم، أنا بنت غريبة، ولي أخ ضعيف، فأنا أمضي معك إلى بيتك بشرط أن أكون عندها بالنهار، وبالليل أمضي إلى أخي، فإن قبلت هذا الشرط مضيت معك؛ لأني غريبة، وكنت عزيزة، فأصبحت ذليلة حقيرة، وجئت أنا وأخي من بلاد الحجاز، وأخاف أن أخي لا يعرف لي مكانا. ms0297 فلما سمع البدوي كلامها قال في نفسه: والله، إني فزت بمطلوبي. ثم قال لها: ما أريدك إلا لتؤانسي بنتي نهارا، وتمضي إلى أخيك ليلا، وإن شئت فانقليه إلى مكاننا. ولم يزل البدوي يطيب قلبها، ويلين لها الكلام إلى أن وافقته على الخدمة، ومشى قدامها وتبعته، ولم يزل سائرا إلى جماعته، وكانوا قد هيئوا الجمال، ووضعوا عليها الأحمال، ووضعوا فوقها الماء والزاد، وكان البدوي قاطع الطريق، وخائن الرفيق، وصاحب مكر وحيل، ولم يكن عنده بنت ولا ولد، وإنما قال ذلك الكلام حيلة على هذه البنت المسكينة لأمر قدره الله. # ثم إن البدوي صار يحدثها في الطريق إلى أن خرج من مدينة القدس، واجتمع برفقته، فوجدهم قد أرحلوا الجمال، فركب البدوي جملا وأردفها خلفه، وساروا معظم الليل، فعرفت نزهة الزمان أن كلام البدوي كان حيلة عليها، وأنه مكر بها، فصارت تبكي وتصرخ وهم في الطريق قاصدين الجبال؛ خوفا أن يراهم أحد، فلما صاروا قريب الفجر نزلوا عن الجمال، وتقدم البدوي إلى نزهة الزمان وقال لها: يا مدنية، ما هذا البكاء؟ والله إن لم تتركي البكاء ضربتك إلى أن تهلكي يا قطعة حضرية. فلما سمعت نزهة الزمان كلامه كرهت الحياة، وتمنت الموت، فالتفتت إليه وقالت له: يا شيخ السوء، يا شيبة جهنم، كيف استأمنتك وأنت تخونني وتمكر بي؟ فلما سمع البدوي كلامها قال لها: يا قطعة حضرية، ألك لسان تجاوبينني به؟ وقام إليها ومعه سوط فضربها، وقال: إن لم تسكتي قتلتك. فسكتت ساعة، ثم تفكرت أخاها وما هو فيه من الأمراض؛ فبكت سرا، وفي ثاني يوم التفتت إلى البدوي، وقالت له: كيف تعمل علي هذه الحيلة حتى أتيت بي إلى هذه الجبال القفرة؟ وما قصدك مني؟ فلما سمع كلامها قسا قلبه، وقال لها: يا قطعة حضرية، ألك لسان تجاوبينني به؟ وأخذ السوط ونزل به على ظهرها إلى أن غشي عليها، فانكبت على رجليه وقبلتهما، فكف عنها الضرب، وصار يشتمها ويقول لها: وحق طرطوري، إن سمعتك تبكين قطعت لسانك ودسسته في كسك يا قطعة ms0298 حضرية. فعند ذلك سكتت، ولم ترد جوابا، وآلمها الضرب، فقعدت على قرافيصها، وجعلت رأسها في طوقها، وصارت تتفكر في حالها، وفي حال أخيها، وفي ذلها بعد العز، وفي مرض أخيها ووحدته، واغترابهما، وأرسلت دموعها على الوجنات، وأنشدت هذه الأبيات: # من عادة الدهر إدبار وإقبال %~% فما يدوم له بين الورى حال ~~وكل شيء من الدنيا له أجل %~% وتنقضي لجميع الناس آجال ~~كم أحمل الضيم والأهوال يا أسفي %~% من عيشة كلها ضيم وأهوال ~~لا أسعد الله أياما عززت بها %~% دهرا وفي طي ذاك العز إذلال ~~قد خاب قصدي وآمالي بها انصرمت %~% وقد تقطع بالتغريب أوصال ~~يا من يمر على دار بها سكني %~% بلغه عني أن الدمع هطال ![figure](../Images/figure24.png) # فلما سمع البدوي شعرها، عطف عليها ومسح دموعها، وأعطاها قرصا من شعير. # فلما سمع البدوي شعرها عطف عليها، ورثى لها ورحمها، وقام إليها ومسح دموعها، وأعطاها قرصا من شعير، وقال لها: أنا لا أحب من يجاوبني في وقت الغيظ، وأنت بعد ذلك لا تجاوبيني بشيء من هذا الكلام الفاحش، وأنا أبيعك لرجل جيد مثلي يفعل معك الخير مثلما فعلت معك. قالت: نعم ما تفعل. ثم إنها لما طال عليها الليل وأحرقها الجوع، أكلت من ذلك القرص الشعير شيئا يسيرا، فلما انتصف الليل أمر البدوي جماعته أن يسافروا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 56 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن البدوي لما أعطى نزهة الزمان القرص الشعير، ووعدها أن يبيعها لرجل جيد مثله، قالت له: نعم ما تفعل. فلما انتصف الليل وأحرقها الجوع، أكلت من القرص الشعير شيئا يسيرا، ثم إن البدوي أمر جماعته أن يسافروا، فحملوا الجمال، وركب البدوي جملا، وأردف نزهة الزمان خلفه، وساروا وما زالوا سائرين مدة ثلاثة أيام، ثم دخلوا مدينة دمشق، ونزلوا في خان السلطان بجانب باب الملك، وقد تغير لون نزهة الزمان من الخوف وتعب السفر، فصارت تبكي من أجل ذلك، فأقبل عليها البدوي، وقال لها: يا حضرية، وحق طرطوري، إن لم تتركي هذا البكاء ms0299 لا أبيعك إلا ليهودي! ثم إنه قام وأخذ بيدها، وأدخلها في مكان، وتمشى إلى السوق، ومر على التجار الذين يتجرون في الجواري، وصار يكلمهم، ثم قال لهم: عندي جارية أتيت بها معي، وأخوها ضعيف، فأرسلته إلى أهلي في مدينة القدس لأجل أن يداووه حتى يبرأ، وقصدي أن أبيعها، ومن يوم ضعف أخيها وهي تبكي، وصعب عليها فراقه، وأريد أن الذي يشتريها مني يلين لها الكلام، ويقول لها: إن أخاك عندي في القدس ضعيف، وأنا أرخص له ثمنها. فنهض له رجل من التجار، وقال له: كم عمرها؟ فقال: هي بكر بالغة، ذات عقل وأدب وفطنة وحسن وجمال، ومن حين أرسلت أخاها إلى القدس اشتغل قلبها به، وتغيرت محاسنها، وانهزل سمنها. # فلما سمع التاجر ذلك تمشى مع البدوي، وقال له: اعلم يا شيخ العرب أني أروح معك، وأشتري منك الجارية التي تمدحها، وتشكر عقلها وأدبها وحسنها وجمالها، وأعطيك ثمنها، وأشرط عليك شروطا إن قبلتها نقدت لك ثمنها، وإن لم تقبلها رددتها عليك. فقال له البدوي: إن شئت فاطلع بها إلى السلطان، واشرط علي ما شئت من الشروط، فإنك إذا أوصلتها إلى الملك شركان بن الملك عمر النعمان صاحب بغداد وخراسان، ربما تليق بعقله فيعطيك ثمنها، ويكثر لك الربح فيها. فقال له التاجر: وأنا لي عند السلطان حاجة، وهو أن يكتب إلى والده عمر النعمان بالوصية علي، فإن قبل الجارية مني وزنت لك ثمنها في الحال. فقال له البدوي: قبلت منك هذا الشرط. ثم مشى الاثنان إلى أن أقبلا على المكان الذي فيه نزهة الزمان، ووقف البدوي على باب الحجرة وناداها: يا ناجية. وكان سماها بهذا الاسم، فلما سمعته بكت ولم تجبه، فالتفت البدوي إلى التاجر وقال له: ها هي قاعدة دونك، فأقبل عليها وانظرها ولاطفها مثل ما أوصيتك. فتقدم التاجر إليها فرآها بديعة في الحسن والجمال، لا سيما وكانت تعرف بلسان العرب. فقال التاجر: إن كانت كما وصفت لي، فإني أبلغ بها عند السلطان ما أريد. ثم إن التاجر قال لها: السلام ms0300 عليك يا بنية، كيف حالك؟ فالتفتت إليه، وقالت: @QUR@05 كان ذلك في الكتاب مسطورا . ونظرت إليه، فإذا هو رجل ذو وقار، ووجهه حسن، فقالت في نفسها: أظن أن هذا جاء يشتريني. ثم قالت: إن امتنعت منه صرت عند هذا الظالم فيهلكني من الضرب، فعلى كل حال هذا رجل وجهه حسن، وهو أرجى للخير من هذا البدوي الجلف، ولعله ما جاء إلا ليسمع منطقي، فأنا أجاوبه جوابا حسنا. كل ذلك وعينها في الأرض، ثم رفعت بصرها إليه، وقالت له بكلام عذب: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا سيدي، بهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأما سؤالك عن حالي، فإن شئت أن تعرفه فلا تتمنه إلا لأعدائك. ثم سكتت، فلما سمع التاجر كلامها طار عقله فرحا بها، والتفت إلى البدوي وقال له: كم ثمنها؟ فإنها جليلة. فاغتاظ البدوي، وقال له: أفسدت علي الجارية بهذا الكلام! لأي شيء تقول إنها جليلة مع أنها من رعاع الناس؟ فأنا لا أبيعها لك. # فلما سمع التاجر كلامه عرف أنه قليل العقل، فقال له: طب نفسا وقر عينا، فأنا أشتريها على هذا العيب الذي ذكرته. فقال البدوي: وكم تدفع لي فيها؟ فقال له التاجر: ما يسمي الولد إلا أبوه، فاطلب فيها مقصودك. فقال له البدوي: ما يتكلم إلا أنت. فقال التاجر في نفسه: إن هذا البدوي جلف يابس الرأس، وأنا لا أعرف لها قيمة إلا أنها ملكت قلبي بفصاحتها وحسن منظرها، وإن كانت تكتب وتقرأ فهذا من تمام النعمة عليها، وعلى من يشتريها، لكن هذا البدوي لا يعرف لها قيمة. ثم التفت إلى البدوي، وقال له: يا شيخ العرب، أدفع لك فيها مائتي دينار سالمة ليدك غير الضمان وقانون السلطان. فلما سمع ذلك البدوي اغتاظ غيظا شديدا، وصرخ على التاجر وقال له: قم إلى حال سبيلك، لو أعطيتني مائتي دينار في هذه القطعة العباءة التي عليها، ما بعتها لك، فأنا لا أبيعها بل أخليها عندي ترعى الجمال وتطحن الطحين. ثم صاح عليها وقال: تعالي يا منتنة، أنا ms0301 لا أبيعك. ثم التفت إلى التاجر وقال له: كنت أحسبك أهل معرفة، وحق طرطوري، إن لم تذهب عني لأسمعتك ما لا يرضيك. فقال التاجر في نفسه: إن هذا البدوي مجنون، ولا يعرف قيمتها، ولا أقول له شيئا في ثمنها في هذا الوقت، فإنه لو كان صاحب عقل ما قال وحق طرطوري؛ والله إنها تساوي خزنة من الجواهر، وأنا ما معي ثمنها، ولكن إن طلب مني ما يريد أعطيته إياه، ولو أخذ جميع مالي. ثم التفت إلى البدوي وقال له: يا شيخ العرب، طول بالك وقل لي: ما لها من القماش عندك؟ فقال البدوي: وما تفعل قطاعة الجواري هذه بالقماش؟ والله إن هذه العباءة التي هي ملفوفة فيها كثيرة عليها. فقال له التاجر: عن إذنك أكشف عن وجهها، وأقلبها كما يقلب الناس الجواري لأجل الاشتراء. فقال له البدوي: دونك وما تريد، الله يحفظ شبابك، فقلبها ظاهرا وباطنا، وإن شئت فعرها الثياب، ثم انظرها وهي عريانة. فقال التاجر: معاذ الله! أنا ما أنظر إلا وجهها. ثم إن التاجر تقدم إليها وهو خجلان من حسنها وجمالها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 57 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن التاجر تقدم إلى نزهة الزمان وهو خجلان من حسنها، وجلس إلى جانبها، وقال لها: يا سيدتي، ما اسمك؟ فقالت له: أتسألني عن اسمي في هذا الزمان، أو عن اسمي القديم؟ فقال لها: هل لك اسم جديد واسم قديم؟ قالت: نعم، اسمي القديم نزهة الزمان، واسمي الجديد غصة الزمان. فلما سمع التاجر منها هذا الكلام، تغرغرت عيناه بالدموع وقال لها: هل لك أخ ضعيف؟ فقالت: إي والله يا سيدي، ولكن فرق الزمان بيني وبينه وهو مريض في بيت المقدس. فتحير عقل التاجر من عذوبة منطقها، وقال في نفسه: لقد صدق البدوي في مقالته. ثم إن نزهة الزمان تذكرت أخاها ومرضه وغربته، وفراقها عنه وهو ضعيف، ولا تعلم ما وقع له، وتذكرت ما جرى لها من هذا الأمر مع البدوي، ومن بعدها ms0302 عن أمها وأبيها ومملكتها، فجرت دموعها على خدها، وأرسلت العبرات، وأنشدت هذه الأبيات: # حيثما كنت قد وقاك إلهي %~% أيها الراحل المقيم بقلبي ~~ولك الله حيث أمسيت جارا %~% حافظا من صروف دهر وخطب ~~غبت فاستوحشت لقربك عيني %~% واستهلت مدامعي أي سكب ~~ليت شعري بأي ربع وأرض %~% أنت مستوطن بدار وشعب ~~إن يكن شاربا لماء حياة %~% خضر الورد فالمدامع شربي ~~أو شهدت الرقاد يوما فجمر %~% من سهادي بين الفراش وجنبي ~~كل شيء إلا فراقك سهل %~% عند قلبي وغيره غير صعب # فلما سمع التاجر ما قالته من الشعر بكى، ومد يده ليمسح دموعها عن خدها، فغطت وجهها وقالت له: حاشاك يا سيدي. ثم إن البدوي قعد ينظر إليها وهي تغطي وجهها من التاجر، حيث أراد أن يمسح دمعها عن خدها، فاعتقد أنها تمنعه من التقليب، فقام إليها يجري وكان معه مقود جمل، فرفعه في يده وضربها به على أكتافها، فجاءت الضربة بقوة فانكبت بوجهها على الأرض، فجاءت حصاة من الأرض في حاجبها فشقته، فسال دمها على وجهها، فصرخت صرخة عظيمة، وغشي عليها، وبكت وبكى التاجر معها، فقال التاجر: لا بد أن أشتري هذه الجارية، ولو بثقلها ذهبا، وأريحها من هذا الظالم. وصار التاجر يشتم البدوي وهي في غشيتها، فلما أفاقت مسحت الدموع والدم عن وجهها، وعصبت رأسها، ورفعت طرفها إلى السماء، وطلبت من مولاها بقلب حزين، وأنشدت هذين البيتين: # وا رحمتا لعزيزة %~% بالضيم قد صارت ذليلة ~~تبكي بدمع هاطل %~% وتقول ما في الوعد حيلة # فلما فرغت من شعرها، التفتت إلى التاجر وقالت له بصوت خفي: بالله لا تدعني عند هذا الظالم الذي لا يعرف الله تعالى، فإن بت هذه الليلة عنده قتلت نفسي بيدي، فخلصني منه يخلصك الله مما تخاف في الدنيا والآخرة. فقام التاجر وقال للبدوي: يا شيخ العرب، هذه ليست غرضك، بعني إياها بما تريد. فقال البدوي: خذها وادفع ثمنها، وإلا أروح بها إلى النجع وأتركها هناك تلم البعر وترعى الجمال. فقال التاجر: أعطيك خمسين ألف دينار. فقال البدوي: يفتح الله. ms0303 فقال التاجر: سبعين ألف دينار. فقال البدوي: يفتح الله، هذا ما هو رأس مالها؛ لأنها أكلت عندي أقراصا من الشعير بتسعين ألف دينار. فقال التاجر: أنت وأهلك وقبيلتك في طول عمركم ما أكلتم بألف دينار شعيرا، ولكن أقول لك كلمة واحدة، فإن لم ترض بها غمزت عليك والي دمشق فيأخذها منك قهرا. فقال البدوي: تكلم. فقال: بمائة ألف دينار. فقال البدوي: بعتك إياها بهذا الثمن، وأقدر أنني اشتريت بها ملحا. فلما سمعه التاجر ضحك، ومضى إلى منزله، وأتى بالمال وأقبضه إياه، فأخذه البدوي وقال في نفسه: لا بد أن أذهب إلى القدس لعلي أجد أخاها، فأجيء به وأبيعه. ثم ركب وسافر حتى وصل إلى بيت المقدس، فذهب إلى الخان وسأل عن أخيها، فلم يجده. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر التاجر ونزهة الزمان، فإنه لما أخذها ألقى عليها شيئا من ثيابه، ومضى بها إلى منزله. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 58 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن التاجر لما تسلم الجارية من البدوي، وضع عليها شيئا من ثيابه، ومضى بها إلى منزله، وألبسها أفخر الملبوس، ثم أخذها ونزل بها إلى السوق، وأخذ لها مصاغا ووضعه في بقجة من الأطلس، ووضعها بين يديها وقال لها: هذا كله من أجلك، ولا أريد منك إلا إذا طلعت بك إلى السلطان والي دمشق أن تعلميه بالثمن الذي اشتريتك به، وإن كان قليلا في ظفرك، وإذا اشتراك مني فاذكري له ما فعلت معك، واطلبي لي منه مرقوما سلطانيا بالوصية علي لأذهب به إلى والده صاحب بغداد الملك عمر النعمان، لأجل أن يمنع من يأخذ مني مكسبا على القماش أو غيره من جميع ما أتجر فيه. فلما سمعت كلامه بكت وانتحبت، فقال لها التاجر: يا سيدتي، إني أراك كلما ذكرت لك بغداد تدمع عيناك، ألك فيها أحد تحبينه؟ فإن كان تاجرا أو غيره فأخبريني، فإني أعرف جميع من فيها من التجار وغيرهم، وإن أردت رسالة أنا أوصلها ms0304 إليه. فقالت: والله، ما لي معرفة بتاجر ولا غيره، وإنما لي معرفة بالملك عمر النعمان صاحب بغداد. # فلما سمع التاجر كلامها ضحك وفرح فرحا شديدا، وقال في نفسه: والله إني وصلت إلى ما أريد. ثم قال لها: هل عرضت عليه سابقا؟ فقالت: لا، بل تربيت، وأنا بنته، فكنت عزيزة عنده، ولي عنده حرمة كبيرة، فإن كان غرضك أن الملك عمر النعمان يكتب لك ما تريد، فائتني بدواة وقرطاس، فإني أكتب لك كتابا، فإذا دخلت مدينة بغداد فسلم الكتاب من يدك إلى يد الملك عمر النعمان، وقل له: إن جاريتك نزهة الزمان قد طرقتها صروف الليالي والأيام، حتى بيعت من مكان إلى مكان، وهي تقرئك السلام، وإذا سألك عني فأخبره أني عند نائب دمشق. فتعجب التاجر من فصاحتها، وازدادت عنده محبتها، وقال: ما أظن إلا أن الرجال لعبوا بعقلك، وباعوك بالمال، فهل تحفظين القرآن؟ قالت: نعم، وأعرف الحكمة، والطب، ومقدمة المعرفة، وشرح فصول بقيراط لجالينوس الحكيم، وشرحته أيضا، وقرأت التذكرة، وشرحت البرهان، وطالعت مفردات ابن البيطار، وتكلمت على القانون لابن سينا، وحللت الرموز، ووضعت الأشكال، وتحدثت في الهندسة، وأتقنت حكمة الأبدان، وقرأت كتب الشافعية، وقرأت الحديث والنحو، وناظرت العلماء، وتكلمت في سائر العلوم، وألفت في علم المنطق والبيان، والحساب والجدل، وأعرف الروحاني والميقات، وفهمت هذه العلوم كلها. ثم قالت: ائتني بدواة وقرطاس حتى أكتب لك كتابا يسليك في الأسفار، ويغنيك عن مجلدات الأسفار. فلما سمع التاجر منها هذا الكلام صاح: بخ بخ، فيا سعد من تكونين في قصره! ثم أتاها بدواة وقرطاس وقلم من نحاس، فلما أحضر التاجر ذلك بين يديها، قبل الأرض تعظيما لها، فأخذت نزهة الزمان الدرج، وتناولت القلم وكتبت في الدرج هذه الأبيات: # ما بال نومي من عيني قد نفر %~% أأنت علمت طرفي بعدك السهر ~~وما لذكرك يذكي النار في كبدي %~% أهكذا كل صب للهوى ذكر ~~سقيا لأيامنا ما كان أطيبها %~% مضت ولم أقض من لذاتها وطر ~~أستعطف الريح إن الريح حاملة %~% إلى المتيم من أكنافكم خبر ~~يشكو ms0305 إليك محب قل ناصره %~% وللفراق خطوب تصدع الحجر # ثم إنها لما فرغت من كتابة هذا الشعر كتبت بعد ذلك هذا الكلام، وهي تقول: ممن استولى عليها الفكر، وأنحلها السهر، فظلمتها لا تجد لها من أنوار، ولا تعلم الليل من النهار، وتتقلب على مراقد البين، وتكتحل بمراود الأرق، ولم تزل للنجوم رقيبة، وللظلام نقيبة، أذابها الفكر والنحول، وشرح حالها يطول، لا مساعد لها غير العبرات. وأنشدت هذه الأبيات: # ما غردت سحرا ورقاء في فنن %~% إلا تحرك عندي قاتل الشجن ~~ولا تأوه مشتاق به طرب %~% إلى الأحبة إلا ازددت في حزني ~~أشكو الغرام إلى من ليس يرحمني %~% كم فرق الوجد بين الروح والبدن # ثم أفاضت دموع العين، وكتبت أيضا هذين البيتين: # أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني %~% وفرق الهجر بين الجفن والوسن ~~كفى بجسمي نحولا إنني دنف %~% لولا مخاطبتي إياك لم ترني # وبعد ذلك كتبت في أسفل الدرج: هذا من عند البعيدة عن الأهل والأوطان، الحزينة القلب والجنان؛ نزهة الزمان. ثم طوت الدرج، وناولته للتاجر، فأخذه وقبله، وعرف ما فيه؛ ففرح وقال: سبحان من صورك! وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 59 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان كتبت الكتاب، وناولته للتاجر، فأخذه وقرأه وعلم ما فيه، فقال: سبحان من صورك! وزاد في إكرامها، وصار يلاطفها نهاره كله، فلما أقبل الليل خرج إلى السوق، وأتى بشيء فأطعمها إياه، ثم أدخلها الحمام، وأتى لها ببلانة وقال لها: إذا فرغت من غسل رأسها، فألبسيها ثيابها، ثم أرسلي أعلميني بذلك. فقالت: سمعا وطاعة. ثم أحضر لها طعاما وفاكهة وشمعا، وجعل ذلك على مصطبة الحمام، فلما فرغت البلانة من تنظيفها ألبستها ثيابها، ولما خرجت من الحمام، وجلست على مصطبة الحمام وجدت المائدة حاضرة، فأكلت هي والبلانة من الطعام والفاكهة، وتركت الباقي لحارسة الحمام، ثم باتت إلى الصباح، وبات التاجر منعزلا عنها في مكان آخر، فلما استيقظ من نومه أيقظ نزهة الزمان، وأحضر لها قميصا رفيعا، وكوفية بألف دينار، وبدلة لباس ms0306 تركية مزركشة بالذهب، وخفا مزركشا بالذهب الأحمر، مرصعا بالدر والجوهر، وجعل في أذنيها حلقا من اللؤلؤ بألف دينار، ووضع في رقبتها طوقا من الذهب، وقلادة من العنبر تضرب تحت نهديها فوق سرتها، وتلك القلادة فيها عشر أكر وتسعة أهلة، كل هلال في وسطه فص من الياقوت، وكل أكرة فيها فص من البلخش، وثمن تلك القلادة ثلاثة آلاف دينار، فصارت الكسوة التي كساها إياها بجملة بليغة من المال. ثم أمرها التاجر أن تتزين فتزينت بأحسن الزينة، ومشت ومشى التاجر قدامها، فلما عاينها الناس بهتوا في حسنها، وقالوا: تبارك الله أحسن الخالقين، هنيئا لمن كانت هذه عنده. # وما زال التاجر يمشي وهي تمشي خلفه حتى دخل على الملك شركان، فلما دخل على الملك قبل الأرض بين يديه، وقال: أيها الملك السعيد، أتيت لك بهدية غريبة الأوصاف، عديمة النظير في هذا الزمان، قد جمعت بين الحسن والإحسان. فقال له الملك: قصدي أن أراها عيانا. فخرج التاجر وأتى بها حتى أوقفها قدامه، فلما رآها الملك شركان حن الدم إلى الدم، وكانت قد فارقته وهي صغيرة، ولم ينظرها؛ لأنه بعد مضي مدة من ولادتها، سمع أن له أختا تسمى نزهة الزمان، وأخا يسمى ضوء المكان، فاغتاظ من أبيه غيظا شديدا غيرة على المملكة كما تقدم. ولما قدمها إليه التاجر، قال له: يا ملك الزمان، إنها مع كونها بديعة الحسن والجمال، بحيث لا نظير لها في عصرها، تعرف جميع العلوم الدينية والدنيوية والسياسية والرياضية. فقال له الملك: خذ ثمنها مثلما اشتريتها، ودعها وتوجه إلى حال سبيلك. فقال له التاجر: سمعا وطاعة، ولكن اكتب لي مرقوما أني لا أدفع عشرا أبدا على تجارتي. فقال الملك: إني أفعل لك ذلك، ولكن أخبرني كم وزنت ثمنها؟ فقال: وزنت ثمنها مائة ألف دينار، وكسوتها بمائة ألف دينار. فلما سمع ذلك الملك قال: أنا أعطيك في ثمنها أكثر من ذلك. ثم دعا بخازن داره، وقال له: أعط هذا التاجر ثلاثمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار. ثم إن شركان أحضر القضاة الأربعة، ms0307 وقال لهم: أشهدكم أني أعتقت جاريتي هذه، وأريد أن أتزوجها. فكتب القضاة حجة بإعتاقها، ثم كتبوا كتابه عليها، ونثر الملك على رءوس الحاضرين ذهبا كثيرا، وصار الغلمان والخدم يلتقطون ما نثره عليهم الملك من الذهب؛ ثم إن الملك أمر بكتابة منشور إلى التاجر على طبق مراده من أنه لا يدفع على تجارته عشرا، ولا يتعرض له أحد بسوء في سائر مملكته، وبعد ذلك أمر له بخلعة سنية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 60 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك أمر بكتابة منشور للتاجر على طبق مراده من أنه لا يدفع على تجارته عشرا أبدا، ولا يتعرض له أحد بسوء في تجارته. وبعد ذلك أمر له بخلعة سنية، ثم صرف جميع من عنده، ولم يبق عنده غير القضاة والتاجر، وقال للقضاة: أريد أن تسمعوا من ألفاظ هذه الجارية ما يدل على علمها وأدبها من كل ما ادعاه التاجر لنحقق صدق كلامه. فقالوا: لا بأس بذلك. فأمر بإرخاء ستارة بينه هو ومن معه، وبين الجارية ومن معها، وصار جميع النساء اللاتي مع الجارية خلف الستارة يقبلن يديها ورجليها لما علموا أنها صارت زوجة الملك. ثم درن حولها، وقمن بخدمتها، وخففن ما عليها من الثياب، وصرن ينظرن حسنها وجمالها. وسمعت نساء الأمراء والوزراء أن الملك شركان اشترى جارية لا مثيل لها في الجمال والعلم والأدب، وأنها حوت جميع العلوم، وقد وزن ثمنها ثلاثمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وأعتقها، وكتب كتابه عليها، وأحضر القضاة الأربعة لأجل امتحانها حتى ينظر كيف تجاوبهم عن أسئلتهم. فطلب النساء الإذن من أزواجهن، ومضين إلى القصر الذي فيه نزهة الزمان، فلما دخلن عليها وجدن الخدم وقوفا بين يديها، وحين رأت نساء الأمراء والوزراء داخلات عليها قامت إليهن وقابلتهن، وقامت الجواري خلفها، وتلقت النساء بالترحيب، وصارت تتبسم في وجوههن، فأخذت قلوبهن وأنزلتهن في مراتبهن كأنها تربت معهن، فتعجبن من حسنها وجمالها، وعقلها وأدبها، وقلن لبعضهن: ما هذه جارية، بل هي ملكة بنت ملك. ms0308 وصرن يعظمن قدرها، وقلن لها: يا سيدتنا، أضاءت بك بلدتنا، وشرفت بلادنا ومملكتنا، فالمملكة مملكتك، والقصر قصرك، وكلنا جواريك، فبالله لا تخلينا من إحسانك والنظر إلى حسنك. فشكرتهن على ذلك. # هذا كله والستارة مرخاة بين نزهة الزمان ومن عندها من النساء، وبين الملك شركان هو والقضاة الأربعة والتاجر، ثم بعد ذلك ناداها الملك شركان، وقال لها: أيتها الجارية العزيزة في زمانها، إن هذا التاجر قد وصفك بالعلم والأدب، وادعى أنك تعرفين في جميع العلوم حتى علم النجوم، فأسمعينا من كل باب طرفا يسيرا. فلما سمعت كلامه قالت: سمعا وطاعة أيها الملك. الباب الأول في السياسات والآداب الملكية، وما ينبغي لولاة الأمور الشرعية، وما يلزمهم من قبل الأخلاق المرضية؛ اعلم أيها الملك أن مقاصد الخلق منتهية إلى الدين والدنيا؛ لأنه لا يتوصل أحد إلى الدين إلا بالدنيا؛ فإن الدنيا نعم الطريق إلى الآخرة، وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال أهلها، وأعمال الناس تنقسم إلى أربعة أقسام: الإمارة، والتجارة، والزراعة، والصناعة. فالإمارة ينبغي لها السياسة التامة، والفراسة الصادقة؛ لأن الإمارة مدار عمارة الدنيا التي هي طريق إلى الآخرة؛ لأن الله تعالى جعل الدنيا للعباد كزاد المسافر إلى تحصيل المراد، فينبغي لكل إنسان أن يتناول منها بقدر ما يوصله إلى الله، ولا يتبع في ذلك نفسه وهواه، ولو تناولها الناس بالعدل لانقطعت الخصومات، ولكنهم يتناولونها بالجور، ومتابعة الهوى؛ فتسببت عن انهماكهم عليها الخصومات، فاحتاجوا إلى سلطان لأجل أن ينصف بينهم، ويضبط أمورهم، ولولا ردع الملك الناس عن بعضهم لغلب قويهم على ضعيفهم، وقد قال أزدشير: إن الدين والملك توءمان؛ فالدين كنز، والملك حارس، وقد دلت الشرائع والعقول على أنه يجب على الناس أن يتخذوا سلطانا يدفع الظالم عن المظلوم، وينصف الضعيف من القوى، ويكف بأس العاتي والباغي. # واعلم أيها الملك أنه على قدر حسن أخلاق السلطان يكون الزمان، فإنه قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شيئان في الناس إن صلحا صلح الناس، وإن فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء. وقد قال بعض ms0309 الحكماء: الملوك ثلاثة؛ ملك دين، وملك محافظة على الحرمات، وملك هوى، فأما ملك الدين فإنه يلزم رعيته باتباع دينهم، وينبغي أن يكون أدينهم؛ لأنه هو الذي يقتدى به في أمور الدين، ويلزم الناس طاعته فيما أمر به موافقا للأحكام الشرعية، ولكنه ينزل الساخط منزلة الراضي بسبب التسليم إلى الأقدار. وأما ملك المحافظة على الحرمات، فإنه يقوم بأمور الدين والدنيا، ويلزم الناس باتباع الشرع والمحافظة على المروءة، ويكون جامعا بين القلم والسيف، فمن زاغ عما سطر القلم زلت به القدم، فيقوم اعوجاجه بحد الحسام، وينشر العدل في جميع الأنام. وأما ملك الهوى فلا دين له إلا اتباع هواه، ولم يخش سطوة مولاه الذي ولاه، فمآل ملكه إلى الدمار، ونهاية عتوه إلى دار البوار. وقالت الحكماء: الملك يحتاج إلى كثير من الناس، وهم محتاجون إلى واحد، ولأجل ذلك وجب أن يكون عارفا بأخلاقهم ليرد اختلافهم إلى وفاقهم، ويعمهم بعدله، ويغمرهم بفضله. # واعلم أيها الملك أن أزدشير وهو الثالث من ملوك الفرس، قد ملك الأقاليم جميعها، وقسمها على أربعة أقسام، وجعل له من أجل ذلك أربع خواتم، لكل قسم خاتم؛ الأول: خاتم البحر والشرطة والمحاماة، وكتب عليه النيابات. الثاني: خاتم الخراج وجباية الأموال، وكتب عليه العمارة. الثالث: خاتم القوت، وكتب عليه الرخاء. الرابع: خاتم المظالم، وكتب عليه العدل. واستمرت هذه الرسوم في الفرس إلى أن ظهر الإسلام. وكتب كسرى لابنه وهو في جيشه: لا توسعن على جيشك، فيستغنوا عنك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 61 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن كسرى كتب لابنه وهو في جيشه: لا توسعن على جيشك فيستغنوا عنك، ولا تضيق عليهم فيضجروا منك، وأعطهم عطاء مقتصدا، وامنحهم منحا جميلا، ووسع عليهم في الرخاء، ولا تضيق عليهم في الشدة. وروي أن أعرابيا جاء إلى المنصور وقال له: جوع كلبك يتبعك. فغضب المنصور من الأعرابي لما سمع منه هذا الكلام، فقال أبو العباس الطوسي: أخشى أن يلوح له غيرك برغيف فيتبعه ويتركك. فسكن غيظ المنصور، ms0310 وعلم أنها كلمة لا تخطئ، وأمر للأعرابي بعطية. # واعلم أيها الملك أنه كتب عبد الملك بن مروان لأخيه عبد العزيز بن مروان حين وجهه إلى مصر: تفقد كتابك وحجابك، فإن الثابت يخبرك عنه كتابك، والتوسيم تعرفك به حجابك، والخارج من عندك يعرفك بجيشك. وكان عمر بن الخطاب إذا استخدم خادما شرط عليه أربعة شروط: ألا يركب البراذين، وألا يلبس الثياب النفيسة، وألا يأكل من الفيء، وألا يؤخر الصلاة عن وقتها. وقيل: لا مال أجود من العقل، ولا عقل كالتدبير والحزم، ولا حزم كالتقوى، ولا قربة كحسن الخلق، ولا ميزان كالأدب، ولا فائدة كالتوفيق، ولا تجارة كالعمل الصالح، ولا ربح كثواب الله، ولا ورع كالوقوف عند حدود السنة، ولا علم كالتفكر، ولا عبادة كالفرائض، ولا إيمان كالحياء، ولا حسب كالتواضع، ولا شرف كالعلم؛ فاحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، واذكر الموت والبلاء. وقال علي: اتقوا أشرار النساء، وكونوا منهن على حذر، ولا تشاوروهن في أمر، ولا تضيقوا عليهن في معروف؛ حتى لا يطمعن في المكر. وقال: من ترك الاقتصاد حار عقله. وقال عمر - رضي الله عنه: النساء ثلاثة؛ امرأة مسلمة تقية ودود ولود، تعين بعلها على الدهر، ولا تعين الدهر على بعلها، وأخرى تراد للولد لا تزيد على ذلك، وأخرى يجعلها الله غلا في عنق من يشاء. والرجال أيضا ثلاثة: رجل عاقل إذا أقبل على رأيه، وآخر أعقل منه؛ وهو من إذا نزل به أمر لا يعرف عاقبته، فيأتي ذوي الرأي فينزل عند آرائهم، وآخر حائر لا يعلم رشدا، ولا يطيع مرشدا. والعدل لا بد منه في كل الأشياء، حتى إن الجواري يحتجن إلى العدل؛ وضربوا لذلك مثلا في قطاع الطريق المقيمين على ظلم الناس، فإنهم لو لم يتناصفوا فيما بينهم، ويستعملوا الواجب فيما يقسمونه لاختل نظامهم. وبالجملة: فسيد مكارم الأخلاق الكرم وحسن الخلق. وما أحسن قول الشاعر: # ببذل وحلم ساد في قومه الفتى %~% وكونك إياه عليك يسير # وقال الآخر: # ففي الحلم تقديس وفي العفو هيبة %~% وفي الصدق منجاة لمن ms0311 كان صادقا ~~ومن يلتمس حسن الثناء بماله %~% يكن بالندى في حلبة المجد سابقا # ثم إن نزهة الزمان تكلمت في سياسة الملوك حتى قال الحاضرون: ما رأينا أحدا تكلم في باب السياسة مثل هذه الجارية، فلعلها تسمعنا شيئا من غير هذا الباب. فسمعت نزهة الزمان ما قالوه وفهمته، فقالت: وأما باب الأدب، فإنه واسع المجال؛ لأنه مجمع الكمال؛ فقد اتفق أن بني تميم وفدوا على معاوية ومعهم الأحنف بن قيس، فدخل حاجب معاوية عليه ليستأذنه لهم في الدخول، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهل العراق يريدون الدخول عليك ليتحدثوا معك، فاسمع حديثهم. فقال معاوية: انظروا من بالباب. فقالوا: بنو تميم. قال: ليدخلوا. فدخلوا ومعهم الأحنف بن قيس، فقال له معاوية: اقرب مني يا أبا بحر بحيث أسمع كلامك. ثم قال: يا أبا بحر، كيف رأيك لي؟ قال: يا أمير المؤمنين، افرق الشعر، وقص الشارب، وقلم الأظافر، وانتف الإبط، واحلق العانة، وأدم السواك؛ فإن فيه اثنتين وسبعين فضيلة، وغسل الجمعة كفارة لما بين الجمعتين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 62 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأحنف بن قيس قال لمعاوية لما سأله: وأدم السواك فإن فيه اثنتين وسبعين فضيلة، وغسل الجمعة كفارة لما بين الجمعتين. قال له معاوية: كيف رأيك لنفسك؟ قال: أوطئ قدمي على الأرض، وأنقلهم على تمهل، وأراعيها بعيني. قال: كيف رأيك إذا دخلت على نفر من قومك دون الأمراء؟ قال: أطرق حياء، وأبدأ بالسلام، وأدع ما لا يعنيني، وأقل الكلام. قال: كيف رأيك إذا دخلت على نظرائك؟ قال: أستمع لهم إذا قالوا، ولا أجول عليهم إذا جالوا. قال: كيف رأيك إذا دخلت على أمرائك؟ قال: أسلم من غير إشارة، وأنتظر الإجابة، فإن قربوني قربت، وإن أبعدوني بعدت. قال: كيف رأيك مع زوجتك؟ قال: أعفني من هذا يا أمير المؤمنين. قال: أقسمت عليك أن تخبرني. قال: أحسن الخلق، وأظهر العشرة، وأوسع النفقة، فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج. قال: فما رأيك إذا أردت أن ms0312 تجامعها؟ قال: أكلمها حتى تطيب نفسها، وألثمها حتى تطرب، فإن كان الذي تعلم طرحتها على ظهرها، وإن استقرت النطفة في قرارها، قلت: اللهم اجعلها مباركة، ولا تجعلها شقية، وصورها أحسن تصوير. ثم أقوم عنها إلى الوضوء، فأفيض الماء على يدي، ثم أصبه على جسدي، ثم أحمد الله على ما أعطاني من النعم. فقال معاوية: أحسنت في الجواب، فقل حاجتك. فقال: حاجتي أن تتقي الله في الرعية، وتعدل بينهم بالسوية. ثم نهض قائما من مجلس معاوية، فلما ولى قال معاوية: لو لم يكن بالعراق إلا هذا لكفى. # ثم إن نزهة الزمان قالت: وهذه النبذة من جملة باب الأدب، واعلم أيها الملك أنه كان معيقب عاملا على بيت المال في خلافة عمر بن الخطاب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 63 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان قالت: واعلم أيها الملك أنه كان معيقب عاملا على بيت المال في خلافة عمر بن الخطاب، فاتفق أنه رأى ابن عمر يوما، فأعطاه درهما من بيت المال، قال معيقب: وبعد أن أعطيته الدرهم انصرفت إلى بيتي، فبينما أنا جالس وإذا برسول عمر جاءني، فرهبت منه وتوجهت إليه، فإذا الدرهم في يده، وقال لي: ويحك يا معيقب، إني قد وجدت في نفسك شيئا. قلت: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إنك تخاصم أمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الدرهم يوم القيامة. وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري كتابا مضمونه: إذا جاءك كتابي هذا فأعط الناس الذي لهم، واحمل إلي ما بقي. ففعل، فلما ولي عثمان الخلافة كتب إلى أبي موسى مثل ذلك، ففعل وجاء زياد معه، فلما وضع الخراج بين يدي عثمان، جاء ولده فأخذ منه درهما، فبكى زياد، فقال عثمان: ما يبكيك؟ قال: أتيت عمر بن الخطاب بمثل ذلك فأخذ ابنه درهما، فأمر بنزعه من يده، وابنك أخذ فلم أر أحدا ينزعه منه، أو يقول له شيئا. فقال عثمان: وأين تلقى مثل عمر؟! # وروى زيد بن أسلم ms0313 عن أبيه أنه قال: خرجت مع عمر ذات ليلة حتى أشرفنا على نار تضرم، فقال: يا أسلم، إني أحسب هؤلاء ركبا أضر بهم البرد، فانطلق بنا إليهم. فخرجنا حتى أتينا إليهم، فإذا امرأة توقد نارا تحت قدر، ومعها صبيان يتضرعون، فقال عمر: السلام عليكم أصحاب الضوء - وكره أن يقول أصحاب النار - ما بالكم؟ قالت: أضر بنا البرد والليل. قال: فما بال هؤلاء القوم يتضرعون؟ قالت: من الجوع. قال: فما هذه القدر؟ قالت: ما أسكتهم به، وإن عمر بن الخطاب ليسأله الله عنهم يوم القيامة. قال: وما يدري عمر بحالهم؟ قالت: كيف يتولى أمور الناس ويغفل عنهم؟! قال أسلم: فأقبل عمر علي وقال: انطلق بنا. فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الصرف، فأخرج عدلا فيه دقيق، وإناء فيه شحم، ثم قال: حملني هذا. فقلت: أنا أحمله عنك يا أمير المؤمنين. فقال: أتحمل عني وزري يوم القيامة؟ فحملته إياه، وخرجنا نهرول حتى ألقينا ذلك العدل عندها، ثم أخرج من الدقيق شيئا، وجعل يقول للمرأة: ترددي إلي، وكان ينفخ تحت القدر، وكان ذا لحية عظيمة، فرأيت الدخان يخرج من خلال لحيته حتى طبخ، وأخذ مقدارا من الشحم فرماه فيه، ثم قال: أطعميهم، وأنا أبرد لهم. ولم يزالوا كذلك حتى أكلوا وشبعوا، وترك الباقي عندها، ثم أقبل علي وقال: يا أسلم، إني رأيت الجوع أبكاهم، فأحببت ألا أنصرف حتى يتبين لي سبب الضوء الذي رأيته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 64 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان قالت: قيل إن عمر مر براع مملوك، فاستباعه شاة فقال له: إنها ليست لي. فقال: أنت القصد. فاشتراه ثم أعتقه وقال: اللهم كما رزقتني العتق الأصغر فارزقني العتق الأكبر. وقيل: إن عمر بن الخطاب كان يطعم الحليب للخدم، ويأكل الغليظ، ويكسوهم اللين، ويلبس الخشن، ويعطي الناس حقوقهم، ويزيد في عطائهم، وأعطى رجلا أربعة آلاف درهم، وزاده ألفا، فقيل له: أما تزيد ابنك كما زدت هذا؟ قال: هذا ثبت والده يوم أحد. ms0314 وقال الحسن: أتى عمر بمال كثير فأتته حفصة، وقالت له: يا أمير المؤمنين، حق قرابتك. فقال: يا حفصة، إنما أوصى الله بحق قرابتي من مالي، وأما مال المسلمين فلا. يا حفصة، قد أرضيت قومك، وأغضبت أباك. فقامت تجر ذيلها. وقال ابن عمر: تضرعت إلى ربي سنة من السنين أن يريني أبي حتى رأيته يمسح العرق عن جنبيه. فقلت له: ما حالك يا والدي؟ فقال: لولا رحمة ربي لهلك أبوك. # ثم قالت نزهة الزمان: اسمع أيها الملك السعيد الفصل الثاني من الباب الثاني، وهو باب الأدب والفضائل، وما ذكر فيه من أخبار التابعين والصالحين. قال الحسن البصري: لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا وهو يتأسف على ثلاثة أشياء: عدم تمتعه بما جمع، وعدم إدراكه لما أمل، وعدم استعداده بكثرة الزاد لما هو قادم عليه. وقيل لسفيان: هل يكون الرجل زاهدا وله مال؟ قال: نعم، إذا كان متى ابتلي صبر، ومتى أعطي شكر. وقيل: لما حضرت عبد الله بن شداد الوفاة، أحضر ولده محمدا فأوصاه، وقال له: يا بني، إني لأرى داعي الموت قد دعاني، فاتق ربك في السر والعلانية، واشكر الله على ما أنعم، واصدق في الحديث؛ فالشكر يؤذن بازدياد النعم، والتقوى خير زاد في المعاد، كما قال بعضهم: # ولست أرى السعادة جمع مال %~% ولكن التقي هو السعيد ~~وتقوى الله خير الزاد حقا %~% وعند الله تلقى ما تريد # ثم قالت نزهة الزمان: ليسمع الملك هذه النكت من الفصل الثاني من الباب الأول. قيل لها: وما هي؟ قالت: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، جاء لأهل بيته، فأخذ ما بأيديهم ووضعه في بيت المال، ففزعت بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان، فأرسلت إليه قائلة: إنه لا بد من لقائك. ثم أتته ليلا، فأنزلها عن دابتها، فلما أخذت مجلسها قال لها: يا عمة، أنت أولى بالكلام؛ لأن الحاجة لك فأخبريني عن مرادك. فقالت: يا أمير المؤمنين، أنت أولى بالكلام، ورأيك يستشف ما يخفى عن الأفهام. فقال عمر بن عبد ms0315 العزيز: إن الله تعالى بعث محمدا رحمة للعالمين، وعذابا لقوم آخرين، ثم اختار له ما عنده فقبضه إليه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 65 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان قالت: فقال عمر بن عبد العزيز: إن الله قد بعث محمدا رحمة للعالمين، وعذابا لقوم آخرين، ثم اختار له ما عنده فقبضه إليه، وترك للناس نهرا يروي عطاشهم، ثم قام أبو بكر خليفة بعده، فأجرى النهر مجراه، وعمل ما يرضي الله، ثم قام عمر بعد أبي بكر فعمل خير أعمال الأبرار، واجتهد اجتهادا ما يقدر أحد على مثله، فلما قام عثمان اشتق من النهر نهرا، ثم ولي معاوية فاشتق منه الأنهار، ثم لم يزل كذلك يشتق منه يزيد وبنو مروان كعبد الملك والوليد وسليمان، حتى آل الأمر إلي، فأحببت أن أرد النهر إلى ما كان عليه. فقالت: قد أردت كلامك ومذاكرتك فقط، فإن كانت هذه مقالتك فلست بذاكرة لك شيئا. ورجعت إلى بني أمية فقالت لهم: ذوقوا عاقبة أمركم بتزويجكم إلى عمر بن الخطاب. # وقيل: لما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة جمع أولاده حوله، فقال له مسلمة بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، كيف تترك أولادك فقراء وأنت راعيهم؟ فما يمنعك أحد في حياتك من أن تعطيهم من بيت المال ما يغنيهم، وهذا أولى من أن ترجعه إلى الوالي بعدك. فنظر إلى مسلمة نظر مغضب متعجب، ثم قال: يا مسلمة، منعتهم أيام حياتي، فكيف أشقى بهم بعد مماتي؟ إن أولادي ما بين رجلين، إما مطيع لله تعالى، فالله يصلح شأنه، وإما عاص فما كنت لأعينه على معصية. يا مسلمة، إني حضرت وإياك حين دفن بعض بني مروان، فحملتني عيني فرأيته في المنام أفضى إلى أمر من أمور الله عز وجل، فهالني وراعني، فعاهدت الله ألا أعمل عمله إن وليت، وقد اجتهدت في ذلك مدة حياتي، وأرجو أن أفضي إلى عفو ربي. قال مسلمة: بقي رجل حضرت دفنه، فلما فرغت من دفنه حملتني ms0316 عيني، فرأيته فيما يرى النائم في روضة فيها أنهار جارية، وعليه ثياب بيض، فأقبل علي وقال: يا مسلمة، لمثل هذا فليعمل العاملون. ونحو هذا كثير. # وقال بعض الثقات: كنت أحلب الغنم في خلافة عمر بن عبد العزيز، فمررت براع، فرأيت مع غنمه ذئبا أو ذئابا، فظننت أنها كلابها، ولم أكن رأيت الذئاب قبل ذلك، فقلت: ما تصنع بهذه الكلاب؟ فقال: إنها ليست كلابا، بل هي ذئاب. فقلت: هل ذئاب في غنم لم تضرها؟ فقال: إذا صلح الرأس صلح الجسد. وخطب عمر بن عبد العزيز على منبر من طين، فحمد الله وأثنى عليه، ثم تكلم بثلاث كلمات، فقال: أيها الناس، أصلحوا أسراركم لتصلح علانيتكم لإخوانكم، وتكفوا أمر دنياكم، واعلموا أن الرجل ليس بينه وبين آدم رجل حي في الموتى، مات عبد الملك ومن قبله، ويموت عمر ومن بعده. فقال له مسلمة: يا أمير المؤمنين، لو عملنا لك متكأ لتعتمد عليه قليلا. فقال: أخاف أن يكون في عنقي منه إثم يوم القيامة. ثم شهق شهقة فخر مغشيا عليه، فقالت فاطمة: يا مريم، يا مزاحم، يا فلان، انظروا هذا الرجل. فجاءت فاطمة تصب عليه الماء وتبكي حتى أفاق من غشيته، فرآها تبكي فقال: ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت: يا أمير المؤمنين، رأيت مصرعك بين أيدينا، فتذكرت مصرعك بين يدي الله عز وجل، للموت وتخليك عن الدنيا وفراقك لنا، فذاك الذي أبكانا. فقال: حسبك يا فاطمة، فلقد أبلغت. ثم أراد القيام فنهض فسقط، فضمته فاطمة إليها وقالت: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين، ما نستطيع أن نكلمك كلنا. # ثم إن نزهة الزمان قالت لأخيها شركان وللقضاة الأربعة: تتمة الفصل الثاني من الباب الأول ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 66 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان قالت لأخيها شركان - وهي لم تعرفه - بحضور القضاة الأربعة والتاجر: تتمة الفصل الثاني من الباب الأول: اتفق أنه كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الموسم: أما بعد؛ فإني أشهد الله في ms0317 الشهر الحرام والبلد الحرام ويوم الحج الأكبر، أني أمرق من ظلمكم، وعدوان من اعتدى عليكم أن أكون أمرت بذلك وتعمدته، أو يكون أمر من أموره بلغني أو أحاط به علمي، وأرجو أن يكون لذلك موضع من الغفران، إلا أنه لا إذن مني بظلم أحد، فإني مسئول عن كل مظلوم، إلا وأي عامل من عمالي زاغ عن الحق، وعمل بلا كتاب ولا سنة، فلا طاعة له عليكم حتى يرجع إلى الحق. وقال رضي الله تعالى عنه: ما أحب أن يخفف عني الموت؛ لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن. # وقال بعض الثقات: قدمت على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فرأيت بين يديه اثني عشر درهما، فأمر بوضعها في بيت المال، قلت: يا أمير المؤمنين، إنك أفقرت أولادك، وجعلتهم عيالا لا شيء لهم، فلو أوصيت إليهم بشيء وإلى من هو فقير من أهل بيتك؟ فقال: ادن مني. فدنوت منه، فقال: أما قولك أفقرت أولادك، فأوص إليهم أو إلى من هو فقير من أهل بيتك، فغير سديد؛ لأن الله خليفتي على أولادي، وعلى من هو فقير من أهل بيتي، وهو وكيل عليهم، وهم ما بين رجلين: إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجا، وإما رجل معتكف على المعاصي فإني لم أكن لأقويه على معصية الله. ثم بعث إليهم، وأحضرهم بين يديه، وكانوا اثني عشر ذكرا، فلما نظر إليهم ذرفت عيناه بالدموع، ثم قال: إن أباكم ما بين أمرين: إما أن تستغنوا فيدخل أبوكم النار، وإما أن تفتقروا فيدخل أبوكم الجنة، ودخول أبيكم الجنة أحب إليه من أن تستغنوا، قوموا قد وكلت أمركم إلى الله. # وقال خالد بن صفوان: صحبني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك، فلما قدمت عليه، وقد خرج بقرابته وخدمه، فنزل في أرض وضرب له خياما، فلما أخذت الناس مجالسهم، خرجت من ناحية البساط فنظرت إليه، فلما صارت عيني في عينه قلت له: تمم الله نعمته عليك يا أمير المؤمنين، وجعل ما قلدك من هذه الأمور ms0318 رشدا، ولا خالط سرورك أذى يا أمير المؤمنين، إني لم أجد لك نصيحة أبلغ من حديث من سلف قبلك من الملوك. فاستوى جالسا، وكان متكئا، وقال: هات ما عندك يا ابن صفوان. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن ملكا من الملوك خرج قبلك في عام قبل عامك هذا إلى هذه الأرض، فقال لجلسائه: هل رأيتم مثل ما أنا فيه؟ وهل أعطي أحد مثل ما أعطيته؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة، والمعينين على الحق السالكين في منهاجه، فقال: أيها الملك، إنك سألت عن أمر عظيم، أتأذن لي في الجواب عنه؟ قال: نعم. قال: أرأيت الذي أنت فيه شيئا لم يزل أم شيئا زائلا؟ فقال: هو شيء زائل. قال: فما لي أراك قد أعجبت بشيء تكون فيه قليلا، وتسأل عنه طويلا، وتكون عند حسابه مرتهنا؟ قال: فأين المهرب؟ وأين المطلب؟ قال: أن تقيم في ملكك، فتعمل بطاعة الله تعالى، أو تلبس أطمارك، وتعبد ربك حتى يأتيك أجلك، فإذا كان السحر فإني قادم عليك. قال خالد بن صفوان: ثم إن الرجل قرع عليه بابه عند السحر، فرآه قد وضع تاجه وتهيأ للسياحة من عظم موعظته؛ فبكى هشام بن عبد الملك بكاء كثيرا حتى بل لحيته، وأمر بنزع ما عليه، ولزم قصره، فأتت الموالي والخدم إلى خالد بن صفوان، وقالوا: أهكذا فعلت بأمير المؤمنين، أفسدت لذته، ونغصت حياته؟! # ثم إن نزهة الزمان قالت لشركان: وكم في هذا الباب من النصائح! إني لأعجز عن الإتيان بجميع ما في هذا الباب في مجلس واحد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 67 ### || زفاف نزهة الزمان إلى الملك شركان # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان قالت لشركان: وكم في هذا الباب من النصائح! وإني لأعجز عن الإتيان لك بجميع ما في هذا الباب في مجلس واحد، ولكن على طول الأيام يا ملك الزمان يكون خيرا. فقالت القضاة: أيها الملك، إن هذه الجارية أعجوبة الزمان، ويتيمة العصر والأوان، فإننا ما رأينا ولا ms0319 سمعنا بمثلها في زمن من الأزمان. ثم إنهم دعوا للملك وانصرفوا، فعند ذلك التفت شركان إلى خدامه، وقال لهم: اشرعوا في عمل العرس، وهيئوا الطعام من جميع الألوان. فامتثلوا أمره في الحال، وهيئوا جميع الأطعمة، وأمر نساء الأمراء والوزراء وأرباب الدولة ألا ينصرفوا حتى يحضروا الجلاء والعرس، فما جاء وقت العصر حتى مدوا السفرة مما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وأكل جميع الناس حتى اكتفوا، وأمر الملك أن تحضر كل مغنية في دمشق فحضرن، وكذلك جواري الملك اللائي يعرفن الغناء، وطلع جميعهن إلى القصر، فلما أتى المساء وأظلم الظلام أوقدوا الشموع من باب القلعة إلى باب القصر يمينا وشمالا، ومشى الأمراء والوزراء والكبراء بين يدي الملك شركان، وأخذت المواشط الصبية لتزينها وتلبسها، فرأتها لا تحتاج إلى زينة. وكان الملك شركان قد دخل الحمام، فلما خرج جلس على المنصة، وجليت عليه العروس، ثم خففوا عنها ثيابها، وأوصوها بما توصى به البنت ليلة الزفاف، ودخل عليها شركان، وأخذ وجهها، وعلقت منه في تلك الليلة، وأعلمته بذلك، ففرح فرحا شديدا، وأمر الحكماء أن يكتبوا تاريخ الحمل. # فلما أصبح جلس على الكرسي، وطلع له أرباب دولته وهنئوه، وأحضر كاتب سره وأمره أن يكتب كتابا لوالده عمر النعمان بأنه اشترى جارية ذات علم وأدب قد حوت فنون الحكمة، وأنه لا بد من إرسالها إلى بغداد لتزور أخاه ضوء المكان وأخته نزهة الزمان، وأنه أعتقها، وكتب كتابه عليها، ودخل بها، وحملت منه. ثم ختم الكتاب وأرسله إلى أبيه صحبة بريد، فغاب ذلك البريد شهرا كاملا، ثم رجع إليه بالجواب، وناوله إياه فأخذه وقرأه، فإذا فيه بعد البسملة: هذا من عند الحائر الولهان، الذي فقد الولدان، وهجر الأوطان، الملك عمر النعمان، إلى ولده شركان. اعلم أنه بعد مسيرك من عندي ضاق علي المكان، حتى لا أستطيع صبرا، ولا أقدر أن أكتم سرا، وسبب ذلك أنني ذهبت إلى الصيد والقنص، وكان ضوء المكان قد طلب مني الذهاب إلى الحجاز، فخفت عليه من نوائب الزمان، ومنعته من السفر إلى العام ms0320 الثاني أو الثالث، فلما ذهبت إلى الصيد والقنص غبت شهرا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 68 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك عمر النعمان قال في مكتوبه: فلما ذهبت إلى الصيد والقنص غبت شهرا، فلما أتيت وجدت أخاك وأختك أخذا شيئا من المال، وسافرا مع الحجاج خفية، فلما علمت بذلك ضاق بي الفضاء، وقد انتظرت مجيء الحجاج لعلهما يجيئان معهم، فلما جاء الحجاج سألت عنهما، فلم يخبرني أحد بخبرهما، فلبست لأجلهما ثياب الحزن، وأنا مرهون الفؤاد، عديم الرقاد، غريق دمع العين. ثم أنشد هذين البيتين: # خيالهما عندي وليس بغائب %~% جعلت له في القلب أشرف موضع ~~ولولا رجاء العود ما عشت ساعة %~% ولولا خيال الطيف لم أتهجع ![figure](../Images/figure25.png) # ودخل على زوجته نزهة الزمان، ولم يعلم أنها أخته. # ثم كتب من جملة المكتوب: وبعد السلام عليك، وعلى من عندك، أعرفك أنك لا تتهاون في كشف الأخبار، فإن هذا علينا عار. فلما قرأ الكتاب حزن على أبيه، وفرح لفقد أخته وأخيه، وأخذ الكتاب ودخل به على زوجته نزهة الزمان، ولم يعلم أنها أخته، وهي لا تعلم أنه أخوها، مع أنه يتردد عليها ليلا ونهارا، إلى أن كملت أشهرها، وجلست على كرسي الطلق، فسهل الله عليها الولادة، فولدت بنتا، فأرسلت تطلب شركان، فلما رأته قالت له: هذه بنتك فسمها ما تريد، فإن عادة الناس أن يسموا أولادهم في سابع يوم ولادتهم. ثم انحنى شركان على ابنته وقبلها، فوجد في عنقها خرزة معلقة من الثلاث خرزات التي جاءت بها الملكة إبريزة من بلاد الروم، فلما عاين الخرزة معلقة في عنق ابنته، غاب عقله واشتد به الغيظ، وحملق عينيه في الخرزة حتى عرفها حق المعرفة، ثم نظر إلى نزهة الزمان، وقال لها: من أين جاءتك هذه الخرزة يا جارية؟ فلما سمعت من شركان ذلك الكلام، قالت له: أنا سيدتك وسيدة كل من في قصرك، أما تستحي وأنت تقول يا جارية، وأنا ملكة بنت ملك؟ والآن زال الكتمان، واشتهر الأمر وبان، أنا ms0321 نزهة الزمان بنت الملك عمر النعمان. فلما سمع منها هذا الكلام لحقه الارتعاش، وأطرق برأسه إلى الأرض. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 69 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شركان لما سمع هذا الكلام ارتجف قلبه، واصفر لونه، ولحقه الارتعاش، وأطرق برأسه إلى الأرض، وعرف أنها أخته من أبيه، فغاب عن الدنيا، فلما أفاق صار يتعجب، ولكنه لم يعرفها بنفسه، وقال لها: يا سيدتي، هل أنت بنت الملك عمر النعمان؟ قالت: نعم. فقال لها: وما سبب فراقك لأبيك وبيعك؟ فحكت له جميع ما وقع لها من الأول إلى الآخر، وأخبرته أنها تركت أخاها مريضا في بيت المقدس، وأخبرته باختطاف البدوي لها، وبيعه إياها للتاجر. فلما سمع شركان ذلك الكلام تحقق أنها أخته من أبيه، وقال في نفسه: كيف أتزوج بأختي؟ لكن أنا أزوجها لواحد من حجابي، وإذا ظهر أمر أدعي أنني طلقتها قبل الدخول، وزوجتها بالحاجب الكبير. ثم رفع رأسه وتأسف، وقال: يا نزهة الزمان، أنت أختي حقيقة، وأستغفر الله من هذا الذنب الذي وقعنا فيه، فإنني أنا شركان ابن الملك عمر النعمان. فنظرت إليه وتأملته فعرفته، فلما عرفته غابت عن صوابها وبكت، ولطمت وجهها وقالت: قد وقعنا في ذنب عظيم، ماذا يكون العمل؟ وما أقول لأبي وأمي إذا قالا لي من أين جاءتك هذه البنت؟ فقال شركان: الرأي أن أزوجك بالحاجب، وأدعك تربي بنتي في بيته، بحيث لا يعلم أحد بأنك أختي، وهذا الذي قدره الله علينا لأمر أراده، فما يسترنا إلا زواجك بهذا الحاجب قبل أن يدري أحد. ثم صار يأخذ بخاطرها، ويقبل رأسها، فقالت له: وما تسمي البنت؟ قال أسميها: قضى فكان. ثم زوجها للحاجب الكبير، ونقلها إلى بيته هي وبنتها، فربوها على أكتاف الجواري، وواظبوا عليها بالأشربة، وأنواع السفوف. # هذا كله وأخوها ضوء المكان مع الوقاد بدمشق، فاتفق أنه أقبل بريد يوما من الأيام من عند الملك عمر النعمان إلى الملك شركان، ومعه كتاب، فأخذه وقرأه، فرأى فيه بعد البسملة: اعلم ms0322 أيها الملك العزيز أني حزين حزنا شديدا على فراق الأولاد، وعدمت الرقاد، ولازمني السهاد، وقد أرسلت هذا الكتاب إليك، فحال حصوله بين يديك ترسل إلينا الخراج، وترسل صحبته الجارية التي اشتريتها وتزوجت بها، فإني أحببت أن أراها وأسمع كلامها؛ لأنه جاءنا من بلاد الروم عجوز من الصالحات، وصحبتها خمس جوار نهد أبكار، وقد حازوا من العلم والأدب وفنون الحكمة ما يجب على الإنسان معرفته، ويعجز عن وصف هذه العجوز ومن معها اللسان، فإنهن حزن أنواع العلم والفضيلة والحكمة، فلما رأيتهن أحببتهن، وقد اشتهيت أن يكن في قصري وفي ملك يدي؛ لأنه لا يوجد لهن نظير عند سائر الملوك، فسألت المرأة العجوز عن ثمنهن، فقالت: لا أبيعهن إلا بخراج دمشق. وأنا والله أرى خراج دمشق قليلا في ثمنهن، فإن الواحدة منهن تساوي أكثر من هذا المبلغ، فأجبتها إلى ذلك، ودخلت بهن قصري، وبقين في حوزتي، فعجل لنا بالخراج لأجل أن تسافر المرأة إلى بلادها، وأرسل لنا الجارية لأجل أن تناظرهن. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 70 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك عمر النعمان قال في مكتوبه: وأرسل إلينا الجارية لأجل أن تناظرهن بين العلماء، فإذا غلبتهن أرسلتها إليك، وصحبتها خراج بغداد. فلما علم ذلك شركان أقبل على صهره، وقال له: هات الجارية التي زوجتك إياها. فلما حضرت أوقفها على الكتاب، وقال لها: يا أختي، ما عندك من الرأي في رد الجواب؟ قالت له: الرأي رأيك. ثم قالت له وقد اشتاقت إلى أهلها ووطنها: أرسلني صحبة زوجي الحاجب لأجل أن أحكي لأبي حكايتي، وأخبره بما وقع لي مع البدوي الذي باعني للتاجر، وأخبره بأن التاجر باعني لك، وزوجتني للحاجب بعد عتقي. فقال لها شركان: وهو كذلك. ثم أخذ ابنته قضى فكان، وسلمها للمراضع والخدم، وشرع في تجهيز الخراج، وأمر الحاجب أن يأخذ الخراج والجارية صحبته، ويتوجه إلى بغداد، فأجابه الحاجب بالسمع والطاعة، فأمر بمحفة يجلس فيها، وللجارية أيضا، ثم كتب كتابا وسلمه للحاجب، وودع نزهة ms0323 الزمان، وكان قد أخذ منها الخرزة، وجعلها في عنق ابنته في سلسلة من خالص الذهب. # ثم سافر الحاجب في تلك الليلة، فاتفق أنه خرج ضوء المكان هو والوقاد في تلك الليلة يتفرجان، فرأيا جمالا وبغالا محملة ومشاعل وفوانيس مضيئة، فسأل ضوء المكان عن هذه الأحمال وعن صاحبها، فقال: هذا خراج دمشق مسافر إلى الملك عمر النعمان صاحب مدينة بغداد. فقال: ومن رئيس هذه المحامل؟ قيل: هو الحاجب الكبير الذي تزوج الجارية التي تعلمت العلم والحكمة. فعند ذلك بكى بكاء شديدا، وتذكر أمه وأباه وأخته ووطنه، وقال للوقاد: ما بقي لي قعود هنا، بل أسافر مع هذه القافلة، وأمشي قليلا قليلا حتى أصل إلى بلادي. فقال له الوقاد: أنا أمنت عليك من القدس إلى دمشق، فكيف آمن عليك إلى بغداد؟ فأنا أكون معك حتى تصل إلى مقصدك. فقال ضوء المكان: حبا وكرامة. فشرع الوقاد في تجهيز حاله، ثم شد الحمار وجعل خرجه عليه، ووضع فيه شيئا من الزاد، وشد وسطه، وما زال على أهبة حتى جازت عليه الأحمال، والحاجب راكب على هجين، والمشاة حوله، وركب ضوء المكان حمار الوقاد، وقال للوقاد: اركب معي. فقال: لا أركب، ولكن أكون في خدمتك. فقال ضوء المكان: لا بد أن تركب ساعة. فقال له: إذا تعبت فأركب ساعة. ثم إن ضوء المكان قال للوقاد: يا أخي، سوف تنظر ما أفعل بك إذا وصلت إلى أهلي. وما زالوا مسافرين إلى أن طلعت الشمس، فلما اشتد عليهم الحر أمرهم الحاجب بالنزول، فنزلوا واستراحوا، وسقوا جمالهم، ثم أمرهم بالمسير، وبعد خمسة أيام وصلوا إلى مدينة حماة، ونزلوا وأقاموا بها ثلاثة أيام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 71 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنهم أقاموا في مدينة حماة ثلاثة أيام، ثم سافروا، وما زالوا مسافرين حتى وصلوا مدينة أخرى، فأقاموا بها ثلاثة أيام، ثم سافروا حتى وصلوا إلى ديار بكر، وهب عليهم نسيم بغداد، فتذكر ضوء المكان أخته نزهة الزمان، وأباه وأمه ووطنه، وكيف ms0324 يرجع إلى أبيه بغير أخته. فبكى وأن واشتكى، واشتدت به الحسرات، فأنشد هذه الأبيات: # خليلي كم هذا التأني وأصبر %~% ولم يأتني منكم رسول يخبر ~~ألا إن أيام الوصال قصيرة %~% فيا ليت أيام التفرق تقصر ~~خذوا بيدي ثم اكشفوا الثوب وانظروا %~% ضنى جسدي لكنني أتصبر ~~فإن تطلبوا مني سلوا أقل لكم %~% فوالله ما أسلو إلى حين أحشر # فقال له الوقاد: اترك هذا البكاء والأنين، فإننا قريب من خيمة الحاجب. فقال ضوء المكان: لا بد من إنشادي شيئا من الشعر؛ لعل نار قلبي تنطفئ. فقال له الوقاد: بالله عليك أن تترك الحزن حتى تصل إلى بلادك، وافعل بعد ذلك ما شئت، وأنا معك حيث ما كنت. فقال ضوء المكان: والله لا أفتر عن ذلك. ثم التفت بوجهه إلى ناحية بغداد، وكان القمر مضيئا، وكانت نزهة الزمان لم تنم تلك الليلة؛ لأنها تذكرت أخاها ضوء المكان، فقلقت وصارت تبكي، فبينما هي تبكي إذ سمعت أخاها ضوء المكان يبكي، وينشد هذه الأبيات: # لمع البرق اليماني %~% فشجاني ما شجاني ~~من حبيب كان عندي %~% ساقيا كأس التهاني ~~يا وميض البرق هل %~% ترجع أيام التداني ~~يا عذولي لا تلمني %~% إن ربي قد بلاني ~~بحبيب غاب عني %~% وزمان قد دهاني ~~قد نأت نزهة قلبي %~% عندما ولى زماني ~~وحوى لي الهم صرفا %~% وبكأس قد سقاني ~~وأراني يا خليلي %~% مت من قبل التداني ~~يا زمانا للتصابي %~% عد قريبا بالتهاني ~~في سرور مع أمان %~% من لسهم قد رماني ~~من لمسكين غريب %~% بات مرعوب الجنان ~~صار في الحزن فريدا %~% بعد نزهات الزمان ~~حكمت فينا برغم %~% كف أولاد الزواني # فلما فرغ من شعره صاح وخر مغشيا عليه. هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر نزهة الزمان، فإنها كانت ساهرة في تلك الليلة؛ لأنها تذكرت أخاها في ذلك المكان، فلما سمعت ذلك الصوت بالليل ارتاح فؤادها، وقامت وتنحنحت، ودعت الخادم، فقال لها: ما حاجتك؟ فقالت له: قم وائتني بالذي ينشد هذه الأشعار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت ms0325 الليلة 72 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان لما سمعت من أخيها الشعر، دعت الخادم الكبير وقالت له: اذهب وائتني بمن ينشد هذه الأشعار. فقال لها: إني لم أسمعه، ولم أعرفه، والناس كلهم نائمون. فقالت له: كل من رأيته مستيقظا فهو الذي ينشد الأشعار. ففتش فلم ير مستيقظا سوى الرجل الوقاد، وأما ضوء المكان فإنه كان في غشيته، فلما رأى الوقاد الخادم واقفا على رأسه خاف منه، فقال له الخادم: هل أنت الذي كنت تنشد الشعر، وقد سمعتك سيدتنا؟ فاعتقد الوقاد أن السيدة اغتاظت من الإنشاد، فخاف وقال له: والله ما هو أنا. فقال له الخادم: ومن الذي كان ينشد الشعر؟ فدلني عليه فإنك تعرفه لأنك يقظان. فخاف الوقاد على ضوء المكان، وقال في نفسه: ربما يضره الخادم بشيء. فقال: لم أعرفه. فقال له الخادم: والله إنك تكذب، فإنه ما هنا قاعد إلا أنت، فأنت تعرفه. فقال الوقاد: أنا أقول لك الحق، إن الذي كان ينشد الأشعار رجل عابر طريق، وهو الذي أزعجني وأقلقني، فالله يجازيه. فقال له الخادم: إذا كنت تعرفه فدلني عليه، وأنا أمسكه وآخذه إلى باب المحفة التي فيها سيدتنا، أو أمسكه أنت بيدك. فقال له: اذهب أنت حتى آتيك به. فتركه الخادم وانصرف، ودخل وأعلم سيدته بذلك، وقال: ما أحد يعرفه؛ لأنه عابر سبيل. فسكتت، ثم إن ضوء المكان لما أفاق من غشيته رأى القمر وصل إلى وسط السماء، وهب عليه نسيم الأسحار؛ فهيج في قلبه البلابل والأشجان، فحسن صوته وأراد أن ينشد، فقال له الوقاد: ماذا تريد أن تصنع؟ فقال له: أريد أن أنشد شيئا من الشعر لأطفئ به نار قلبي. قال له: أنت ما علمت بما جرى لي، وما سلمت من القتل إلا بأخذ خاطر الخادم. فقال له ضوء المكان: وماذا جرى؟ فأخبرني بما وقع. فقال: يا سيدي، قد أتاني الخادم وأنت مغشي عليك، ومعه عصا طويلة من اللوز، وجعل يتطلع في وجوه الناس وهم نائمون، ويسأل على من كان ينشد الأشعار، ms0326 فلم يجد من هو مستيقظ غيري، فسألني فقلت له: إنه عابر سبيل، فانصرف، وسلمني الله منه، وإلا كان قتلني. فقال لي: إذا سمعته ثانيا فائت به عندنا. # فلما سمع ضوء المكان ذلك بكى وقال: من يمنعني من الإنشاد؟! فأنا أنشد ويجري علي ما يجري، فإني قربت من بلادي، وما أبالي بأحد. فقال له الوقاد: أنت ما مرادك إلا هلاك نفسك! فقال له ضوء المكان: لا بد من إنشادي. فقال له الوقاد: قد وقع الفراق بيني وبينك من هنا، وكان مرادي ألا أفارقك حتى تدخل مدينتك، وتجتمع بأبيك وأمك، وقد مضى لك عندي سنة ونصف ما حصل لك مني ما يضرك، فما سبب إنشادك الشعر ونحن في غاية التعب من المشي والسهر، والناس قد هجعوا ليستريحوا من التعب، ومحتاجون إلى النوم؟ فقال ضوء المكان: لا أرجع عما أنا فيه. ثم هزته الأشجان فباح بالكتمان، وجعل ينشد هذه الأبيات: # قف بالديار وحي الأربع الدرسا %~% ونادها فعساها أن تجيب عسى ~~فإن أجنك ليل من توحشها %~% أوقد من الشوق في ظلمائها قبسا ~~إن صل صل عذاريه فلا عجب %~% أن يجني لسعا وإني أجتني لعسا ~~يا جنة فارقتها النفس مكرهة %~% لولا التأسي بدار الخلد مت أسى # وأنشد أيضا هذين البيتين: # كنا وكانت لنا الأيام خادمة %~% والشمل مجتمع في أبهج الوطن ~~من لي بدار أحبائي وكان بها %~% ضوء المكان وفيها نزهة الزمن # فلما فرغ من شعره صاح ثلاث صيحات، ثم وقع مغشيا عليه، فقام الوقاد وغطاه، فلما سمعت نزهة الزمان ما أنشده من الأشعار المتضمنة لذكر اسمها واسم أخيها ومعاهدهما، بكت وصاحت على الخادم، وقالت له: ويلك! إن الذي أنشد أولا أنشد ثانيا، وسمعته قريبا مني، والله إن لم تأتني به لأنبهن عليك الحاجب فيضربك ويطردك، ولكن خذ هذه الألف دينار وأعطه إياها، وائتني به برفق ولا تضره، فإن أبى فادفع له هذا الكيس الذي فيه ألف دينار، فإن أبى فاتركه، واعرف مكانه وصنعته، ومن أي البلاد هو، وارجع إلي بسرعة ولا تغب. وأدرك شهرزاد الصباح ms0327 فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 73 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان أرسلت الخادم يفتش عليه، وقالت له: إذا وجدته فلاطفه، وائتني به برفق ولا تغب. فخرج الخادم يتأمل في الناس، ويدوس بينهم وهم نائمون، فلم يجد أحدا مستيقظا، فجاء إلى الوقاد فوجده قاعدا مكشوف الرأس، فدنا منه وقبض على يده، وقال له: أنت الذي كنت تنشد الشعر. فخاف على نفسه، وقال: لا والله يا مقدم القوم، ما هو أنا. فقال الخادم: لا أتركك حتى تدلني على من كان ينشد الشعر؛ لأني لا أقدر على الرجوع إلى سيدتي من غيره. فلما سمع الوقاد كلام الخادم خاف على ضوء المكان، وبكى بكاء شديدا وقال للخادم: والله ما هو أنا، وإنما سمعت إنسانا عابر سبيل ينشد، فلا تدخل في خطيئتي؛ فإني غريب، وجئت من بلاد القدس والخليل معكم. فقال الخادم للوقاد: قم أنت إلى سيدتي، وأخبرها بفمك، فإني ما رأيت أحدا مستيقظا غيرك. فقال له الوقاد: أما جئت ورأيتني في الموضع الذي أنا قاعد فيه، وعرفت مكاني؟ وما أحد يقدر أن ينفك عن موضعه إلا أمسكته الحرس، فامض أنت إلى مكانك، فإن بقيت تسمع أحدا في هذه الساعة ينشد شيئا من الشعر، سواء كان بعيدا أو قريبا لا تعرفه إلا مني. ثم باس رأس الخادم، وأخذ بخاطره، فتركه الخادم، ودار دورة، وخاف أن يرجع إلى سيدته بلا فائدة، فاستتر في مكان قريب من الوقاد، فقام الوقاد إلى ضوء المكان ونبهه، وقال له: قم اقعد حتى أحكي لك ما جرى. وحكى له ما وقع، فقال له: دعني، فإني لا أبالي بأحد، فإن بلادي قريبة. فقال الوقاد لضوء المكان: لأي شيء أنت مطاوع نفسك وهواك، ولا تخاف من أحد، وأنا خائف على روحي وروحك؟ فبالله عليك إنك لا تتكلم بشيء من الشعر حتى تدخل بلدك، وأنا ما كنت أظنك على هذه الحالة، أما علمت أن زوجة الحاجب تريد زجرك لأنك أقلقتها، وكأنها ضعيفة أو تعبانة من السفر، وكم مرة وهي ms0328 ترسل الخادم يفتش عليك؟ فلم يلتفت ضوء المكان إلى كلام الوقاد، بل صاح ثالثا، وأنشد هذه الأبيات: # تركت كل لائم %~% ملامه أقلقني ~~يعذلني وما درى %~% بأنه حرضني ~~قال الوشاة: قد سلا %~% قلت: لحب الوطن ~~قالوا: فما أحسنه %~% قلت: فما أعشقني ~~قالوا: فما أعزه %~% قلت: فما أذلني ~~هيهات أن أتركه %~% تركي له يقتلني ~~وما أطعت لائما %~% في حبي يعذلني # وكان الخادم يسمعه وهو مستخف، فما فرغ من شعره إلا والخادم على رأسه، فلما رآه الوقاد قام ووقف بعيدا ينظر ما يقع بينهما، فقال الخادم: السلام عليكم يا سيدي. فقال ضوء المكان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال الخادم: يا سيدي ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 74 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخادم قال لضوء المكان: يا سيدي، إني أتيت إليك في هذه الليلة ثلاث مرات؛ لأن سيدتي تطلبك عندها. قال: ومن أين هذه الكلبة حتى تطلبني؟ مقتها الله ومقت زوجها معها. ونزل في الخادم شتما، فما قدر الخادم أن يرد عليه جوابا؛ لأن سيدته أوصته أنه لا يأتي به إلا بمراده هو، فإن لم يأت معه يعطيه المائة دينار، فجعل الخادم يلين له الكلام، ويقول له: يا ولدي، أنا ما أخطأت معك، ولا جرنا عليك، فالقصد أن تصل بخطواتك الكريمة إلى سيدتنا، وترجع في خير وسلامة، ولك عندنا بشارة. فلما سمع ذلك الكلام قام ومشى بين الناس، والوقاد ماش خلفه وناظر إليه، ويقول في نفسه: يا خسارة شبابه! في غد يشنقونه. وما زال الوقاد ماشيا حتى قرب من مكانهم، وقال: ما أخسه إن كان يقول علي: هو الذي قال لي أنشد الأشعار. # هذا ما كان من أمر الوقاد، وأما ما كان من أمر ضوء المكان، فإنه ما زال ماشيا مع الخادم حتى وصل إلى المكان، ودخل الخادم على نزهة الزمان، وقال لها: قد جئت بما تطلبينه، وهو شاب حسن الصورة، عليه أثر النعمة. فلما سمعت ذلك خفق قلبها، وقالت له: اؤمره أن ينشد شيئا من ms0329 الشعر حتى أسمعه من قرب، وبعد ذلك فاسأله عن اسمه، ومن أي البلاد هو. فخرج الخادم إليه وقال له: أنشد شيئا من الشعر حتى تسمعه سيدتي؛ فإنها حاضرة بالقرب منك، وأخبرني عن اسمك وبلدك وحالك. فقال: حبا وكرامة، ولكن حيث سألتني عن اسمي فإنه محي، ورسمي فني، وجسمي بلي، ولي حكاية تكتب بالإبر على آماق البصر، وها أنا في منزلة السكران الذي أكثر من الشراب، وحلت به الأوصاب، فتاه عن نفسه، واحتار في أمره، وغرق في بحر الأفكار. فلما سمعت نزهة الزمان هذا الكلام بكت، وزادت في البكاء والأنين، وقالت للخادم: قل له هل فارقت أحدا ممن تحب مثل أمك وأبيك؟ فسأله الخادم كما أمرته نزهة الزمان، فقال ضوء المكان: نعم، فارقت الجميع، وأعزهم عندي أختي التي فرق الدهر بيني وبينها. فلما سمعت نزهة الزمان منه هذا الكلام، قالت: الله يجمع شمله بمن يحب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 75 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان لما سمعت كلامه قالت: الله يجمع شمله بمن يحب، ثم قالت للخادم: قل له أسمعنا شيئا من الأشعار المتضمنة لشكوى الفراق. فقال له الخادم كما أمرته سيدته، فصعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # ليت شعري لو دروا %~% أي قلب ملكوا ~~وفؤادي لو درى %~% أي شعب سلكوا ~~أتراهم سلموا %~% أم تراهم هلكوا ~~حار أرباب الهوى %~% في الهوى وارتبكوا # وأنشد أيضا هذه الأبيات: # أضحى التنائي بديلا من تدانينا %~% وناب عن طيب لقيانا تجافينا ~~بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا %~% شوقا إليكم ولا جفت مآقينا ~~غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا %~% بأن نغص فقال الدهر آمينا ~~إن الزمان الذي ما زال يضحكنا %~% أنسا بقربكم قد عاد يبكينا ~~يا جنة الخلد بدلنا بسلسلها %~% والكوثر العذب زقوما وغسلينا # ثم سكب العبرات وأنشد هذه الأبيات: # لله نذر إن أزر مكاني %~% وفيه أختي نزهة الزمان ~~لأقضين بالصفا زماني %~% ما بين غيد خرد حسان ~~وصوت عود مطرب الألحان %~% مع ارتضاع كأس بنت ألحان ~~ورشف ألمى فاتر الأجفان ms0330 %~% بشط نهر سال في بستان # فلما فرغ من شعره، وسمعته نزهة الزمان، كشفت ذيل الستارة عن المحفة ونظرت إليه، فلما وقع بصرها على وجهه عرفته غاية المعرفة، فصاحت قائلة: يا أخي، يا ضوء المكان! فرفع بصره إليها فعرفها، وصاح قائلا: يا أختي، يا نزهة الزمان! فألقت نفسها عليه، فتلقاها في حضنه، ووقع الاثنان مغشيا عليهما، فلما رآهما الخادم على تلك الحالة تعجب في أمرهما، وألقى عليهما شيئا سترهما به، وصبر عليهما حتى أفاقا، فلما أفاقا من غشيتهما، فرحت نزهة الزمان غاية الفرح، وزال عنها الهم والترح، وتوالت عليها المسرات، وأنشدت هذه الأبيات: # الدهر أقسم لا يزال مكدري %~% حنثت يمينك يا زمان فكفر ~~السعد وافى والحبيب مساعدي %~% فانهض إلى داعي السرور وشمر ~~ما كنت أعتقد السوالف جنة %~% حتى ظفرت من اللمى بالكوثر # فلما سمع ذلك ضوء المكان، ضم أخته إلى صدره، وفاضت لفرط سروره من أجفانه العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # ولقد ندمت على تفرق شملنا %~% ندما أفاض الدمع من أجفاني ~~ونذرت إن عاد الزمان يلمنا %~% لا عدت أذكر فرقة بلساني ~~هجم السرور علي حتى إنه %~% من فرط ما قد سرني أبكاني ~~يا عين صار الدمع عندك عادة %~% تبكين من فرح ومن أحزاني # وجلسا على باب المحفة ساعة، ثم قالت: قم ادخل المحفة، واحك لي ما وقع لك، وأنا أحكي لك ما وقع لي. فقال ضوء المكان: احكي لي أنت أولا. فحكت له جميع ما وقع لها منذ فارقته من الخان، وما وقع لها من البدوي والتاجر، وكيف اشتراها منه، وكيف أخذها التاجر إلى أخيها شركان، وباعها له، وأن شركان أعتقها من حين اشتراها وكتب كتابه عليها، ودخل بها، وأن الملك أباها سمع بخبرها، فأرسل إلى شركان يطلبها منه، ثم قالت له: الحمد لله الذي من علي بك، ومثل ما خرجنا من عند والدنا سواء نرجع إليه سواء. ثم قالت له: إن أخي شركان زوجني بهذا الحاجب لأجل أن يوصلني إلى والدي، وهذا ما وقع لي من الأول إلى الآخر، فاحك لي ms0331 أنت ما وقع لك بعد ذهابي من عندك. فحكى لها جميع ما وقع له من الأول إلى الآخر، وكيف من الله عليه بالوقاد، وكيف سافر معه، وأنفق عليه ماله، وأنه كان يخدمه في الليل والنهار. فشكرته على ذلك، ثم قال لها: يا أختي، إن هذا الوقاد فعل معي من الإحسان فعلا لا يفعله أحد في أحد من أحبابه، ولا الوالد مع ولده، حتى كان يجوع ويطعمني، ويمشي ويركبني، وكانت حياتي على يديه. فقالت نزهة الزمان: إن شاء الله تعالى نكافئه بما نقدر عليه. ثم إن نزهة الزمان صاحت على الخادم فحضر وقبل يد ضوء المكان، فقالت له نزهة الزمان: خذ بشارتك يا وجه الخير؛ لأنه كان جمع شملي بأخي على يديك، فالكيس الذي معك وما فيه لك، فاذهب وائتني بسيدك عاجلا. ففرح الخادم، وتوجه إلى الحاجب، ودخل عليه، ودعاه إلى سيدته، فأتى به ودخل على زوجته نزهة الزمان، فوجد عندها أخاها، فسأل عنه، فحكت له ما وقع لهما من أوله إلى آخره، ثم قالت: اعلم أيها الحاجب أنك ما أخذت جارية، وإنما أخذت بنت الملك عمر النعمان، فأنا نزهة الزمان، وهذا أخي ضوء المكان. # فلما سمع الحاجب القصة منها تحقق ما قالته، وبان له الحق الصريح، وتيقن أنه صار صهر الملك عمر النعمان، فقال في نفسه: مصيري أن آخذ نيابة على قطر من الأقطار. ثم أقبل على ضوء المكان، وهنأه بسلامته، وجمع شمله بأخته، ثم أمر خدمه في الحال أن يهيئوا لضوء المكان خيمة ومركوبا من أحسن الخيل، فقالت له زوجته: إنا قد قربنا من بلادنا، فأنا أختلي بأخي، ونستريح مع بعضنا، ونشبع من بعضنا قبل أن نصل إلى بلادنا، فإن لنا زمنا طويلا ونحن مفترقان. فقال الحاجب: الأمر كما تريدان. ثم أرسل إليهما الشموع، وأنواع الحلاوة، وخرج من عندهما، وأرسل إلى ضوء المكان ثلاث بدلات من أفخر الثياب، وتمشى إلى أن جاء إلى المحفة، وعرف مقدار نفسه. فقالت له نزهة الزمان: أرسل إلى الخادم وأمره أن يأتي بالوقاد، ويهيئ ms0332 له حصانا يركبه، ويرتب له سفرة طعام في الغداة والعشى، ويأمره أنه لا يفارقنا. فعند ذلك أرسل الحاجب إلى الخادم، وأمره أن يفعل ذلك، فقال: سمعا وطاعة. ثم إن الخادم أخذ غلمانه وذهب يفتش على الوقاد إلى أن وجده في آخر الركب، وهو يشد حماره، ويريد أن يهرب، ودموعه تجري على خده من الخوف على نفسه، ومن حزنه على فراق ضوء المكان، وصار يقول: قد نصحته في سبيل الله فلم يسمع مني، يا ترى كيف حاله؟ فلم يتم كلامه إلا والخادم واقف على رأسه، ودارت حوله الغلمان، فالتفت الوقاد فرأى الخادم واقفا فوق رأسه، ورأى الغلمان حوله، فاصفر لونه وخاف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 76 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوقاد لما أراد أن يشد حماره ويهرب، وصار يكلم نفسه، ويقول: يا ترى كيف حاله؟ فما تم كلامه إلا والخادم واقف على رأسه، والغلمان حوله، فالتفت الوقاد فرأى الخادم واقفا على رأسه، فارتعدت فرائصه وخاف، وقال وقد رفع صوته بالكلام: إنه ما عرف مقدار ما عملته معه من المعروف، فأظن أنه غمز الخادم وهؤلاء الغلمان علي، وأنه أشركني معه في الذنب. وإذا بالخادم صاح عليه، وقال له: من الذي كان ينشد الأشعار يا كذاب؟ كيف تقول لي أنا ما أنشدت الأشعار ولا أعرف من أنشدها وهو رفيقك؟ فأنا لا أفارقك من هنا إلى بغداد، والذي يجري على رفيقك يجري عليك. فلما سمع الوقاد كلامه قال في نفسه: ما خفت منه وقعت فيه! ثم أنشد هذا البيت: # كان الذي خفت أن يكون %~% إنا إلى الله راجعون # ثم إن الخادم صاح على الغلمان وقال لهم: أنزلوه عن الحمار. فأنزلوا الوقاد عن حماره، وأتوا له بحصان فركبه، ومشى صحبة الركب والغلمان حوله محدقون به، وقال لهم الخادم: إن عدم منه شعرة كانت بواحد منكم، ولكن أكرموه ولا تهينوه. فلما رأى الوقاد الغلمان حوله يئس من الحياة، والتفت إلى الخادم وقال له: يا مقدم، أنا ما لي ms0333 إخوة ولا قرائب، وهذا الشاب لا يقرب لي، ولا أنا أقرب له، وإنما أنا رجل وقاد في حمام، ووجدته ملقى على المزبلة مريضا. وصار الوقاد يبكي، ويحسب في نفسه ألف حساب، والخادم ماش بجانبه ولم يعرفه بشيء، بل يقول له: قد أقلقت سيدتنا بإنشادك الشعر أنت وهذا الصبي، ولا تخف على نفسك. وصار الخادم يضحك عليه سرا، وإذا نزلوا أتاهم الطعام فيأكل هو والوقاد في آنية واحدة، فإذا أكلوا أمر الخادم الغلمان أن يأتوا بقلة سكر، فيشرب منها ويعطيها للوقاد فيشرب، لكنه لم تنشف له دمعة من الخوف على نفسه، والحزن على فراق ضوء المكان، وعلى ما وقع لهما في غربتهما وهما سائران، والحاجب تارة يكون على باب المحفة لأجل خدمة ضوء المكان ابن الملك عمر النعمان، ونزهة الزمان، وتارة يلاحظ الوقاد. وصارت نزهة الزمان وأخوها ضوء المكان في حديث وشكوى، ولم يزالا على تلك الحالة وهم سائرون حتى قربوا من البلاد، ولم يبق بينهم وبين البلاد إلا ثلاثة أيام، فنزلوا وقت المساء واستراحوا، ولم يزالوا نازلين إلى أن لاح الفجر، فاستيقظوا وأرادوا أن يحملوا، وإذا بغبار عظيم قد لاح لهم، وأظلم الجو منه حتى صار كالليل الداجي، فصاح الحاجب قائلا: أمهلوا ولا تحملوا. وركب هو ومماليكه، وساروا نحو ذلك الغبار، فلما قربوا منه بان من تحته عسكر جرار كالبحر الزخار، وفيه رايات وأعلام وطبول وفرسان وأبطال، فتعجب الحاجب من أمرهم، فلما رآهم العسكر افترقت منه فرقة قدر خمسمائة فارس، وأتوا إلى الحاجب هو ومن معه وأحاطوا بهم، وأحاطت كل خمسة من العسكر بمملوك من مماليك الحاجب، فقال لهم الحاجب: أي شيء الخبر؟ ومن أين هذه العساكر حتى تفعل معنا هذه الأفعال؟ فقالوا له: من أنت؟ ومن أين أتيت؟ وإلى أين تتوجه؟ فقال لهم: أنا حاجب أمير دمشق الملك شركان ابن الملك عمر النعمان صاحب بغداد وأرض خراسان، أتيت من عنده بالخراج والهدية متوجها إلى والده ببغداد. فلما سمعوا كلامه أرخوا مناديلهم على وجوههم وبكوا، وقالوا له: إن عمر النعمان ms0334 قد مات، وما مات إلا مسموما، فتوجه وما عليك بأس حتى تجتمع بوزيره الأكبر الوزير دندان. # فلما سمع الحاجب ذلك الكلام بكى بكاء شديدا، وقال: يا خيبتنا في هذه السفرة! وصار يبكي هو ومن معه إلى أن اختلطوا بالعسكر، فاستأذنوا له الوزير دندان، فأذن له، وأمر الوزير بضرب خيامه، وجلس على سرير في وسط الخيمة، وأمر الحاجب بالجلوس، فلما جلس سأله عن خبره، فأعلمه أنه حاجب أمير دمشق، وقد جاء بالهدايا وخراج دمشق. فلما سمع الوزير دندان ذلك بكى عند ذكر الملك عمر النعمان، ثم قال له الوزير دندان: إن الملك عمر النعمان قد مات مسموما، وبسبب موته اختلف الناس فيمن يولونه بعده حتى أوقعوا القتل في بعضهم، ولكن منعهم عن بعضهم الأكابر والأشراف والقضاة الأربعة، واتفق جميع الناس على أن ما أشار به القضاة الأربعة لا يخالفهم فيه أحد، فوقع الاتفاق على أننا نسير إلى دمشق، ونقصد ولده الملك شركان، ونأتي به ونسلطنه على مملكة أبيه، وفيهم جماعة يريدون ولده الثاني، وقالوا: إنه يسمى ضوء المكان، وله أخت تسمى نزهة الزمان، وكانا قد توجها إلى أرض الحجاز، ومضى لهما خمس سنين، ولم يقع لهما أحد على خبر. فلما سمع الحاجب ذلك علم أن القضية التي وقعت لزوجته صحيحة، فاغتم لموت السلطان غما عظيما، ولكنه فرح فرحا شديدا، وخصوصا بمجيء ضوء المكان؛ لأنه يصير سلطانا ببغداد في مكان أبيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 77 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حاجب شركان لما سمع الوزير دندان ما ذكره من خبر الملك عمر النعمان، تأسف ولكنه فرح لزوجته وأخيها ضوء المكان؛ لأنه يصير سلطانا ببغداد مكان أبيه، ثم التفت الحاجب إلى الوزير دندان وقال: إن قصتكم من أعجب العجائب، اعلم أيها الوزير الكبير أنكم حيث صادفتموني الآن أراحكم الله من التعب، وقد جاءكم الأمر كما تشتهون على أهون سبب؛ لأن الله رد إليكم ضوء المكان هو وأخته نزهة الزمان، وانصلح الأمر وهان. فلما سمع الوزير ms0335 هذا الكلام فرح فرحا شديدا، ثم قال له: أيها الحاجب، أخبرني بقصتهما، وبما جرى لهما، وبسبب غيابهما. فحدثه بحديث نزهة الزمان، وأنها صارت زوجته، وأخبره بحديث ضوء المكان من أوله إلى آخره، فلما فرغ الحاجب من حديثه، أرسل الوزير دندان إلى الأمراء والوزراء وأكابر الدولة، وأطلعهم على القصة؛ ففرحوا بذلك فرحا شديدا، وتعجبوا من هذا الاتفاق، ثم اجتمعوا كلهم وجاءوا عند الحاجب، ووقفوا على خدمته، وقبلوا الأرض بين يديه، وأقبل الوزير من ذلك الوقت على الحاجب، ووقف بين يديه، ثم إن الحاجب عمل في ذلك اليوم ديوانا عظيما، وجلس هو والوزير دندان على تخت، وبين أيديهما جميع الأمراء والكبراء وأرباب المناصب على حسب مراتبهم، ثم بلوا السكر في ماء الورد وشربوا، ثم قعد الأمراء للمشورة، وأعطوا بقية الجيش إذنا في أن يركبوا مع بعضهم، ويتقدموا قليلا حتى يتموا المشورة ويلحقوهم، فقبلوا الأرض بين يدي الحاجب، وركبوا وقدامهم رايات الحرب، فلما فرغ الكبراء من مشورتهم ركبوا ولحقوا العساكر. # ![figure](../Images/figure26.png) # وإذا بعجوز قد وردت علينا، ومعها خمس جوار نهد أبكار كأنهن الأقمار. # ثم أقبل الحاجب على الوزير دندان، وقال له: الرأي عندي أن أتقدم وأسبقكم لأجل أن أهيئ للسلطان مكانا يناسبه، وأعلمه بقدومكم، وأنكم اخترتموه على أخيه شركان سلطانا عليكم. فقال الوزير: نعم الرأي الذي رأيته. ثم نهض ونهض الوزير دندان تعظما له، وقدم له التقادم، وأقسم عليه أن يقبلها، وكذلك الأمراء الكبار وأرباب المناصب قدموا له التقادم ودعوا له، وقالوا: لعلك تحدث السلطان ضوء المكان في أمرنا ليبقينا مستمرين في مناصبنا. فأجابهم لما سألوه، ثم أمر غلمانه بالسير، فأرسل الوزير دندان الخيام مع الحاجب، وأمر الفراشين أن ينصبوها خارج المدينة بمسافة يوم، فامتثلوا أمره وركب الحاجب وهو في غاية الفرح، وقال في نفسه: ما أبرك هذه السفرة! وعظمت زوجته في عينه، وكذلك ضوء المكان. # ثم جد في السفر إلى أن وصل إلى مكان بينه وبين المدينة مسافة يوم، ثم أمر بالنزول فيه لأجل الراحة، وتهيئة مكان لجلوس السلطان ضوء المكان ابن الملك ms0336 عمر النعمان، ثم نزل من بعيد هو ومماليكه، وأمر الخدام أن يستأذنوا السيدة نزهة الزمان في أن يدخل عليها، فاستأذنوها في شأن ذلك فأذنت له، فدخل عليها واجتمع بها وبأخيها، وأخبرهما بموت أبيهما، وأن ضوء المكان جعله الرؤساء ملكا عليهم عوضا عن أبيه عمر النعمان، وهنأهما بالملك. فبكيا على فقد أبيهما، وسألا عن سبب قتله، فقال لهما: الخبر مع الوزير دندان، وفي غد يكون هو والجيش كله في هذا المكان، وما بقي في الأمر أيها الملك إلا أن تفعل ما أشاروا به؛ لأنهم كلهم اختاروك سلطانا، وإن لم تفعل سلطنوا غيرك، وأنت لا تأمن على نفسك من الذي يتسلطن غيرك، فربما يقتلك، أو يقع الفشل بينكما، ويخرج الملك من أيديكما. فأطرق برأسه ساعة من الزمان، ثم قال: قبلت هذا الأمر؛ لأنه لا يمكن التخلي عنه. وتحقق أن الحاجب تكلم بما فيه الرشاد، ثم قال للحاجب: يا عم، وكيف أعمل مع أخي شركان؟ فقال: يا ولدي، أخوك يكون سلطان دمشق، وأنت سلطان بغداد، فشد عزمك، وجهز أمرك. فقبل منه ضوء المكان ذلك، ثم إن الحاجب قدم إليه البدلة التي كانت مع الوزير دندان من ملابس الملوك، وناوله النمشة وخرج من عنده، وأمر الفراشين أن يختاروا موضعا عاليا وينصبوا فيه خيمة واسعة عظيمة للسلطان ليجلس فيها إذا قدم عليه الأمراء، ثم أمر الطباخين أن يطبخوا طعاما فاخرا ويحضروه، وأمر السقايين أن ينصبوا حياض الماء، وبعد ساعة طار الغبار حتى سد الأقطار، ثم انكشف ذلك الغبار، وبان من تحته عسكر جرار مثل البحر الزخار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 78 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحاجب لما أمر الفراشين أن ينصبوا خيمة واسعة لاجتماع الناس عند الملك، نصبوا خيمة عظيمة على عادة الملوك، فلما فرغوا من أشغالهم، وإذا بغبار قد طار، ثم محق الهواء ذلك الغبار، وبان من تحته عسكر جرار، وتبين أن ذلك العسكر عسكر بغداد وخراسان، ومقدمه الوزير دندان، وكلهم فرحوا بسلطنة ضوء المكان، وكان ms0337 ضوء المكان لابسا خلعة الملك، متقلدا بسيف الموكب، فقدم له الحاجب الفرس، فركب وسار هو ومماليكه، وجميع من في الخيام مشى في خدمته حتى دخل القبة الكبيرة، وجلس ووضع النمشة على فخذيه، ووقف الحاجب في خدمته بين يديه، ووقفت مماليكه في دهليز الخيمة، وشهروا في أيديهم السيوف، ثم أقبلت العساكر والجيوش، وطلبوا الإذن، فدخل الحاجب واستأذن لهم السلطان ضوء المكان، فأمر أن يدخلوا عليه عشرة عشرة، فأعلمهم الحاجب بذلك، فأجابوا بالسمع والطاعة، ووقف الجميع على باب الدهليز، فدخلت عشرة منهم، فشق بهم الحاجب في الدهليز، ودخل بهم على السلطان ضوء المكان، فلما رأوه هابوه، فتلقاهم أحسن ملتقى، ووعدهم بكل خير، فهنئوه بالسلامة، ودعوا له، وحلفوا له الأيمان الصادقة إنهم لا يخالفون له أمرا، ثم قبلوا الأرض بين يديه وانصرفوا، ودخلت عشرة أخرى، ففعل بهم مثل ما فعل بغيرهم، ولم يزالوا يدخلون عشرة بعد عشرة حتى لم يبق غير الوزير دندان، فدخل عليه وقبل الأرض بين يديه، فقام إليه ضوء المكان، وأقبل عليه وقال له: مرحبا بالوزير والوالد الكبير، إن فعلك فعل المشير العزيز، والتدبير بيد اللطيف الخبير. # ثم إن الحاجب خرج في تلك الساعة، وأمر بمد السماط، وأمر بإحضار العسكر جميعا، فحضروا وأكلوا وشربوا، ثم إن الملك ضوء المكان قال للوزير دندان: اؤمر العسكر بالإقامة عشرة أيام حتى أختلي بك وتخبرني بسبب قتل أبي. فامتثل الوزير قول السلطان، وقال: لا بد من ذلك. ثم خرج إلى وسط الخيام، وأمر العسكر بالإقامة عشرة أيام، فامتثلوا أمره، ثم إن الوزير أعطاهم إذنا أنهم يتفرجون، ولا يدخل أحد من أرباب الخدمة عند الملك مدة ثلاثة أيام، فتضرع جميع الناس، ودعوا لضوء المكان بدوام العز، ثم أقبل عليه الوزير، وأعلمه بالذي كان، فصبر إلى الليل ودخل على أخته نزهة الزمان، وقال لها: هل علمت بسبب قتل أبي أم لم تعلمي بسببه كيف كان؟ فقالت له: لم أعلم سبب قتله. ثم إنها ضربت لها ستارة من حرير، وجلس ضوء المكان خارج الستارة، وأمر بإحضار الوزير ms0338 دندان، فحضر بين يديه، فقال له: أريد أن تخبرني تفصيلا بسبب قتل أبي الملك عمر النعمان. ### || حكاية مقتل الملك عمر النعمان # فقال الوزير دندان: اعلم أيها الملك، أن الملك عمر النعمان لما أتى من الصيد والقنص، وجاء إلى المدينة، سأل عنكما فلم يجدكما، فعلم أنكما قد قصدتما الحج؛ فاغتم لذلك وازداد به الغيظ، وضاق صدره، وأقام نصف سنة وهو يستخبر عنكما كل شارد ووارد، فلم يخبره أحد عنكما، فبينما نحن بين يديه يوما من الأيام، بعدما مضى لكما سنة كاملة من تاريخ فقدكما، وإذا بعجوز عليها آثار العبادة قد وردت علينا ومعها خمس جوار نهد أبكار كأنهن الأقمار، وقد حوين من الحسن والجمال ما يعجز عن وصفه اللسان، ومع كمال حسنهن يقرأن القرآن، ويعرفن الحكمة وأخبار المتقدمين، فاستأذنت العجوز في الدخول على الملك، فأذن لها، فدخلت عليه وقبلت الأرض بين يديه، وكنت أنا جالسا بجانب الملك، فلما دخلت عليه قربها إليه لما رأى عليها آثار الزهد والعبادة، فلما استقرت العجوز عنده أقبلت عليه، وقالت له: اعلم أيها الملك أن معي خمس جوار ما ملك أحد من الملوك مثلهن؛ لأنهن ذوات عقل وجمال وحسن وكمال، يقرأن القرآن بالروايات، ويعرفن العلوم وأخبار الأمم السالفة، وهن بين يديك واقفات في خدمتك يا ملك الزمان، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان. فنظر المرحوم والدك إلى الجواري فسرته رؤيتهن، وقال لهن: كل واحدة منكن تسمعني شيئا مما تعرفه من أخبار الناس الماضين والأمم السابقين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 79 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال للملك ضوء المكان: فنظر المرحوم والدك إلى الجواري فسرته رؤيتهن، وقال لهن: كل واحدة منكن تسمعني شيئا مما تعرفه من أخبار الناس الماضين والأمم السابقين. ### || حكاية الصبية الأولى # فتقدمت واحدة منهن وقبلت الأرض بين يديه، وقالت: اعلم أيها الملك أنه ينبغي لذي الأدب أن يجتنب الفضول، ويتحلى بالفضائل، وأن يؤدي الفرائض، ويجتنب الكبائر، ويلازم ذلك ملازمة من لو أفرد عنه لهلك، ms0339 وأساس الأدب مكارم الأخلاق، واعلم أن معظم أسباب المعيشة طلب الحياة، والقصد من الحياة عبادة الله، فينبغي أن تحسن خلقك مع الناس، وألا تعدل عن تلك السنة، فإن أعظم الناس خطرا أحوجهم إلى التدبير، والملوك أحوج إليه من السوقة؛ لأن السوقة قد تفيض في الأمور من غير نظر في العاقبة، وأن تبذل في سبيل الله نفسك ومالك. واعلم أن العدو خصم تخصمه بالحجة، وتحترز منه، وأما الصديق فليس بينك وبينه قاض يحكم غير حسن الخلق، فاختر صديقك لنفسك بعد اختياره، فإن كان من إخوان الآخرة فليكن محافظا على اتباع ظاهر الشرع، عارفا بباطنه على حسب الإمكان، وإن كان من إخوان الدنيا فليكن حرا صادقا، ليس بجاهل ولا شرير، فإن الجاهل أهل لأن يهرب منه أبواه، والكاذب لا يكون صديقا؛ لأن الصديق مأخوذ من الصدق الذي يكون ناشئا عن صميم القلب، فكيف به إذا أظهر الكذب على اللسان؟! واعلم أن اتباع الشرع ينفع صاحبه، فأحب أخاك إذا كان بهذه الصفة، ولا تقطعه، وإن ظهر لك منه ما تكره؛ فإنه ليس كالمرأة يمكن طلاقها ومراجعتها، بل كالزجاج إذا تصدع لا يتجبر، ولله در القائل: # احرص على فرط القلوب من الأذى %~% فرجوعها بعد التنافر يعسر ~~إن القلوب إذا تنافر ودها %~% مثل الزجاجة كسرها لا يجبر # قالت الجارية في آخر كلامها وهي تشير إلينا: إن أصحاب العقول قالوا: خير الإخوان أشدهم في النصيحة، وخير الأعمال أجملها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه الرجال، وقد قيل: لا ينبغي للعبد أن يغفل عن شكر الله؛ خصوصا على نعمتين: العافية، والعقل. وقيل: من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته، ومن عظم صغائر المصائب ابتلاه الله بكبارها، ومن أطاع الهوى ضيع الحقوق، ومن أطاع الواشي ضيع الصديق، ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه بك، ومن بالغ في الخصومة أثم، ومن لم يحذر الحيف لم يأمن السيف. # وها أنا أذكر لك شيئا من آداب القضاة: اعلم أيها الملك أنه لا ينفع حكم بحق إلا بعد التثبيت، وينبغي للقاضي ms0340 أن يجعل الناس في منزلة واحدة حتى لا يطمع شريف في الجور، ولا ييأس ضعيف من العدل، وينبغي أيضا أن يجعل البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، وما شككت فيه اليوم فراجع فيه عقلك، وتبين به رشدك لترجع فيه إلى الحق؛ فالحق فرض، والرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطن. ثم اعرف الأمثال وافقه المقال، وسو بين الأخصام في الوقوف، وليكن نظرك على الحق موقوفا، وفوض أمرك إلى الله عز وجل، واجعل البينة على من ادعى، فإن حضرت بينته أخذت له بحقه، وإلا فحلف المدعى عليه؛ وهذا حكم الله، واقبل شهادة عدول المسلمين بعضهم على بعض؛ فإن الله تعالى أمر الحكام أن تحكم بالظاهر وهو يتولى السرائر، ويجب على القاضي أن يجتنب القضاء عند شدة الألم والجوع، وأن يقصد بقضائه بين الناس وجه لله تعالى، فإن من خلصت نيته، وأصلح ما بينه وبين نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس. وقال الزهري: ثلاث إذا كن في قاض كان منعزلا: إذا أكرم اللئام، وأحب المحامد، وكره العزل. وقد عزل عمر بن عبد العزيز قاضيا، فقال له: لم عزلتني؟ فقال عمر: قد بلغني عنك أن مقالك أكبر من مقامك. وحكي أن الإسكندر قال لقاضيه: إني وليتك منزلة، واستودعتك فيها روحي وعرضي ومروءتي، فاحفظ هذه المنزلة لنفسك وعقلك. وقال لطباخه: إنك مسلط على جسمي، فارفق بنفسك فيه. وقال لكاتبه: إنك متصرف في عقلي، فاحفظني فيما تكتبه عني. # ثم تأخرت الجارية الأولى، وتقدمت الثانية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 80 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: ثم تأخرت الجارية الأولى وتقدمت الثانية، وقبلت الأرض بين يدي الملك والدك سبع مرات، ثم قالت: ... ### || حكاية الصبية الثانية # قال لقمان لابنه: ثلاثة لا تعرف إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا أخوك إلا عند ms0341 حاجتك إليه. وقيل: إن الظالم نادم وإن مدحه الناس، والمظلوم سليم وإن ذمه الناس. وقال الله تعالى: @QUR@020 لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ، وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى.» واعلم أيها الملك أن أعجب ما في الإنسان قلبه؛ لأن به زمام أمره، فإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه الأسى قتله الأسف، وإن عظم عنده الغضب اشتد به العطب، وإن سعد بالرضا أمن من السخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته مصيبة ضمنه الجزع، وإن استفاد مالا ربما اشتغل به عن ذكر ربه، وإن أغصته فاقة أشغله الهم، وإن أجهده الجزع أقعده الضعف؛ فعلى كل حالة لا صلاح له إلا بذكر الله، وإشغاله بما فيه تحصيل معاشه وصلاح معاده. وقيل لبعض العلماء: من أسر الناس حالا؟ قال: من غلبت شهوته مروءته، وبعدت في المعالي همته، فاتسعت معرفته، وضاقت معذرته. وما أحسن ما قاله قيس: # وإني لأغني الناس عن متكلف %~% يرى الناس أضلالا وما هو مهتدي ~~وما المال والأخلاق إلا معارة %~% فكل بما يخفيه في الصدر مرتدي ~~إذا ما أتيت الأمر من غير بابه %~% ضللت وإن تدخل من الباب تهتدي # ثم إن الجارية قالت: وأما أخبار الزهد، فقد قال هشام بن بشر: قلت لعمر بن عبيد: ما حقيقة الزهد؟ فقال لي: قد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: الزاهد من لم ينس القبر والبلاء، وآثر ما يبقى على ما يفنى، ولم يعد غدا من أيامه، وعد نفسه في الموتى. وقيل: إن أبا ذر كان يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة. فقال بعض السامعين: رحم الله أبا ذر! أما أنا فأقول: من اتكل على حسن الاختيار من الله تعالى، رضي بالحالة التي اختارها الله له. وقال بعض الثقات: صلى بنا ابن أبي أوفى صلاة الصبح، فقرأ: @QUR@03 يا أيها المدثر حتى بلغ قوله ms0342 تعالى: @QUR@04 فإذا نقر في الناقور ، فخر ميتا. ويروى أن ثابتا البناني بكى حتى كادت أن تذهب عيناه، فجاءوا برجل يعالجه قال: أعالجه بشرط أن يطاوعني. قال ثابت: في أي شيء؟ قال الطبيب: في ألا تبكي. قال ثابت: فما فضل عيني إن لم تبكيا؟ وقال رجل لمحمد بن عبد الله: أوصني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 81 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: وقالت الجارية الثانية لوالدك المرحوم عمر النعمان: وقال رجل لمحمد بن عبد الله: أوصني. فقال: أوصيك أن تكون في الدنيا مالكا زاهدا، وفي الآخرة مملوكا طامعا. قال: وكيف ذلك؟ قال: الزاهد في الدنيا يملك الدنيا والآخرة. وقال غوث بن عبد الله: كان أخوان في بني إسرائيل قال أحدهما للآخر: ما أخوف عمل عملته؟ قال له: إني مررت ببيت فراخ، فأخذت منه واحدة ورميتها في ذلك البيت، ولكن بين الفراخ التي لم آخذها منها؛ فهذا أخوف عمل عملته، فما أخوف ما عملته أنت؟ فقال: أما أنا فأخوف عمل أعمله أني إذا قمت إلى الصلاة، أخاف أن أكون لا أعمل ذلك إلا للجزاء. وكان أبوهما يسمع كلامهما، فقال: اللهم إن كانا صادقين فاقبضهما إليك. فقال بعض العقلاء: إن هذين من أفضل الأولاد. وقال سعيد بن جبير: صحبت فضالة بن عبيد، فقلت له: أوصني. فقال: احفظ عني هاتين الخصلتين: ألا تشرك بالله شيئا، وألا تؤذي من خلق الله أحدا. وأنشد هذين البيتين: # كن كيف شئت فإن الله ذو كرم %~% وانف الهموم فما في الأمر من باس ~~إلا اثنتين فلا تقربهما أبدا %~% الشرك بالله والإضرار بالناس # وما أحسن قول الشاعر: # إذا أنت لم يصحبك زاد من التقى %~% ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ~~ندمت على أن لا تكون كمثله %~% وأنك لم ترصد كما كان أرصدا ### || حكاية الصبية الثالثة # ثم تقدمت الجارية الثالثة بعد أن تأخرت الثانية وقالت: إن باب الزهد واسع جدا، ولكن أذكر بعض ما يحضرني فيه عن السلف الصالح؛ قال ms0343 بعض العارفين: أنا أستبشر بالموت، ولا أتيقن فيه راحة، غير أني علمت أن الموت يحول بين المرء وبين الأعمال، فأرجو مضاعفة العمل الصالح، وانقطاع العمل السيئ. وكان عطاء السلمي إذا فرغ من وصيته انتفض وارتعد، وبكى بكاء شديدا، فقيل له: لم ذلك؟ فقال: إني أريد أن أقبل على أمر عظيم، وهو الانتصاب بين يدي الله تعالى للعمل بمقتضى الوصية؛ ولذلك كان علي زين العابدين بن الحسين يرتعد إذا قام للصلاة، فسئل عن ذلك فقال: أتدرون لمن أقوم، ولمن أخاطب؟ وقيل: كان بجانب سفيان الثوري رجل ضرير، فإذا كان شهر رمضان يخرج ويصلي بالناس فيسكت ويبطئ. وقال سفيان: إذا كان يوم القيامة أتي بأهل القرآن فيميزون بعلامة مزيد الكرامة عمن سواهم. وقال سفيان: لو أن النفس استقرت في القلب كما ينبغي لطار فرحا وشوقا إلى الجنة، وحزنا وخوفا من النار. وعن سفيان الثوري أنه قال: النظر إلى وجه الظالم خطيئة. ### || حكاية الصبية الرابعة # ثم تأخرت الجارية الثالثة وتقدمت الجارية الرابعة، وقالت: وها أنا أتكلم ببعض ما يحضرني من أخبار الصالحين: روي أن بشرا الحافي قال: سمعت خالدا يقول: إياكم وسرائر الشرك! فقلت له: وما سرائر الشرك؟ قال: أن يصلي أحدكم فيطيل ركوعه وسجوده حتى يلحقه الحدث. وقال بعض العارفين: فعل الحسنات يكفر السيئات. وقال بعض العارفين: التمست من بشر الحافي شيئا من أسرار الحقائق، فقال: يا بني، هذا العلم لا ينبغي أن نعلمه كل أحد، فمن كل مائة خمسة مثل زكاة الدرهم. قال إبراهيم بن أدهم: فاستحليت كلامه واستحسنته، فبينما أنا أصلي وإذا ببشر يصلي، فقمت وراءه أركع إلى أن يؤذن المؤذن، فقام رجل رث الحالة، وقال: يا قوم، احذروا الصدق الضار، ولا بأس بالكذب النافع، وليس مع الاضطرار اختيار، ولا ينفع الكلام عند العدم، كما لا يضر السكوت عند وجود الوجود. وقال إبراهيم: رأيت بشرا سقط منه دانف، فقمت إليه وأعطيته درهما، فقال: لا آخذه. فقلت: إنه من خالص الحلال. فقال لي: أنا لست أستبدل نعم الدنيا بنعم الآخرة. ويروى ms0344 أن أخت بشر الحافي قصدت أحمد بن حنبل ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 82 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: إن الجارية قالت لوالدك: إن أخت بشر الحافي قصدت أحمد بن حنبل فقالت له: يا إمام الدين، إنا قوم نغزل بالليل، ونشتغل بمعاشنا في النهار، وربما تمر بنا مشاعل ولاة بغداد، ونحن على السطح نغزل في ضوئها، فهل يحرم علينا ذلك؟ قال لها: من أنت؟ قالت: أخت بشر الحافي. فقال: يا أهل بشر، لا أزال أستشف الورع من قلوبكم. وقال بعض العارفين: إذا أراد الله بعبد خيرا، فتح عليه باب العمل. وكان مالك بن دينار إذا مر في السوق ورأى ما يشتهيه يقول: يا نفس اصبري، فلا أوافقك على ما تريدين. وقال رضي الله عنه: سلامة النفس في مخالفتها، وبلاؤها في متابعتها. وقال منصور بن عمار: حججت حجة فقصدت مكة من طريق الكوفة، وكانت ليلة مظلمة، وإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل ويقول: إلهي، وعزتك وجلالك، ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما أنا جاهل، ولكن خطيئة قضيتها علي في قديم أزلك، فاغفر لي ما فرط مني، فإني قد عصيتك بجهلي. فلما فرغ من دعائه تلا هذه الآية: @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة . وسمعت سقطة لم أعرف لها حقيقة، فمضيت، فلما كان الغد مشينا إلى مدرجنا وإذا بجنازة خرجت، ووراءها عجوز ذهبت قوتها، فسألتها عن الميت، فقالت: هذه جنازة رجل كان مر بنا البارحة وولدي قائم يصلي، فتلا آية من كتاب الله تعالى، فانفطرت مرارة ذلك الرجل فوقع ميتا. ### || حكاية الصبية الخامسة # ثم تأخرت الجارية الرابعة وتقدمت الجارية الخامسة، وقالت: وها أنا أذكر بعض ما يحضرني من أخبار السلف الصالح: كان مسلمة بن دينار يقول: عند تصحيح الضمائر تغفر الصغائر والكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتاه الفتوح. وقال: كل نعمة لا تقرب إلى الله فهي بلية، وقليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة، وكثيرها ينسيك ms0345 قليلها. وسئل أبو حازم: من أيسر الناس؟ فقال: رجل أذهب عمره في طاعة الله. قال: فمن أحمق الناس؟ قال: رجل باع آخرته بدنيا غيره. وروي أن موسى - عليه السلام - لما ورد ماء مدين قال: @QUR@08 رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير . فسأل موسى ربه ولم يسأل الناس، وجاءت الجاريتان فسقى لهما، ولم تصدر الرعاء، فلما رجعتا أخبرتا أباهما شعيبا، فقال: لعله جائع. ثم قال لإحداهما: ارجعي إليه وادعيه. فلما أتته غطت وجهها وقالت: @QUR@08 إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا . فكره موسى ذلك، وأراد ألا يتبعها، وكانت امرأة ذات عجز، فكانت الريح تضرب ثوبها فيظهر لموسى عجزها، فيغض بصره، ثم قال لها: كوني خلفي. فمشت خلفه حتى دخل على شعيب والعشاء مهيأ. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 83 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: وقالت الجارية الخامسة لوالدك: فدخل موسى - عليه السلام - على شعيب والعشاء مهيأ، فقال شعيب لموسى: يا موسى، إني أريد أن أعطيك أجرة ما سقيت لهما. فقال موسى: أنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بما على الأرض من ذهب وفضة. فقال شعيب: يا شاب، ولكن أنت ضيفي، وإكرام الضيف عادتي وعادة آبائي بإطعام الطعام. فجلس موسى فأكل، ثم إن شعيبا استأجر موسى ثماني حجج؛ أي سنين، وجعل أجرته على ذلك تزويجه إحدى بنتيه، وكان عمل موسى لشعيب صداقا لها، كما قال تعالى حكاية عنه: @QUR@022 إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك . وقال رجل لبعض أصحابه، وكان له مدة لم يره: إنك أوحشتني؛ لأنني ما رأيتك من منذ زمان. قال: اشتغلت عنك بابن شهاب، أتعرفه؟ قال: نعم، هو جاري من منذ ثلاثين سنة إلا أنني لم أكلمه. قال له: إنك نسيت الله فنسيت جارك، ولو أحببت الله لأحببت جارك، أما علمت أن للجار على الجار حقا كحق ms0346 القرابة؟ وقال حذيفة: دخلنا مكة مع إبراهيم بن أدهم، وكان شقيق البلخي قد حج في تلك السنة، فاجتمعنا في الطواف، فقال إبراهيم لشقيق: ما شأنكم في بلادكم؟ فقال شقيق: إننا إذا رزقنا أكلنا، وإذا جعنا صبرنا. فقال: كذا تفعل كلاب بلخ، ولكننا إذا رزقنا آثرنا، وإذا جعنا شكرنا. فجلس شقيق بين يدي إبراهيم وقال له: أنت أستاذي. وقال محمد بن عمران: سأل رجل حاتما الأصم فقال: ما أمرك في التوكل على الله تعالى؟ قال: على خصلتين: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت نفسي به، وعلمت أني لم أخلق من غير علم الله فاستحييت منه. ### || حكاية العجوز # ثم تأخرت الجارية الخامسة، وتقدمت العجوز وقبلت الأرض بين يدي والدك تسع مرات، وقالت: قد سمعت أيها الملك ما تكلم به الجميع في باب الزهد، وأنا تابعة لهن، فأذكر بعض ما بلغني عن أكابر المتقدمين. قيل: كان الإمام الشافعي يقسم الليل ثلاثة أقسام: الثلث الأول للعلم، والثاني للنوم، والثالث للتهجد، وكان الإمام أبو حنيفة يحيي نصف الليل، فأشار إليه إنسان وهو يمشي وقال لآخر: إن هذا يحيي الليل كله. فلما سمع قال: إني أستحي من الله أن أوصف بما ليس في. فصار بعد ذلك يحيي الليل كله. وقال الربيع: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان سبعين مرة، كل ذلك في الصلاة. وقال الشافعي رضي الله عنه: ما شبعت من خبز الشعير عشر سنين؛ لأن الشبع يقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن القيام. وروي عن عبد الله بن محمد السكري أنه قال: كنت أنا وعمر نتحدث، فقال لي: ما رأيت أروع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي. واتفق أنني خرجت أنا والحارث بن لبيب الصفار، وكان الحارث تلميذ المزني، وكان صوته حسنا، فقرأ قوله تعالى: @QUR@09 هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، فرأيت الإمام الشافعي تغير لونه، واقشعر جلده، واضطرب اضطرابا شديدا، وخر مغشيا عليه، فلما أفاق قال: أعوذ بالله من مقام الكذابين، وإعراض الغافلين، اللهم لك خشعت ms0347 قلوب العارفين، اللهم هب لي غفران ذنوبي من جودك، وجملني بسترك، واعف عن تقصيري بكرم وجهك. ثم قمت وانصرفت. وقال بعض الثقات: فلما دخلت بغداد كان الشافعي بها، فجلست على الشاطئ لأتوضأ للصلاة إذ مر بي إنسان، فقال لي: يا غلام، أحسن وضوءك يحسن الله إليك في الدنيا والآخرة. فالتفت وإذا برجل يتبعه جماعة، فأسرعت في وضوئي، وجعلت أقفو أثره، فالتفت إلي وقال: هل لك من حاجة؟ فقلت: نعم، تعلمني مما علمك الله تعالى. فقال: اعلم أن من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، ومن زهد في الدنيا قرت عيناه غدا، أفلا أزيدك؟ قلت: بلى. قال: كن في الدنيا زاهدا، وفي الآخرة راغبا، واصدق في جميع أمورك تنج مع الناجين. ثم مضى، فسألت عنه، فقيل لي: هذا الإمام الشافعي. وكان الإمام الشافعي يقول: وددت أن الناس ينتفعون بهذا العلم على ألا ينسب إلي منه شيء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 84 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: قالت العجوز لوالدك: كان الإمام الشافعي يقول: وددت أن الناس ينتفعون بهذا العلم على ألا ينسب إلي منه شيء. وقال: ما ناظرت أحدا إلا أحببت أن يوفقه الله تعالى للحق، ويعينه على إظهاره، وما ناظرت أحدا قط إلا لأجل إظهار الحق، وما أبالي أن يبين الله الحق على لساني أو على لسانه. وقال رضي الله عنه: إذا خفت على علمك العجب فاذكر رضى من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب. وقيل لأبي حنيفة: إن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور قد جعلك قاضيا، ورسم لك بعشرة آلاف درهم. فما رضي، فلما كان اليوم الذي توقع أن يؤتى إليه فيه بالمال صلى الصبح، ثم تغشى بثوبه فلم يتكلم، ثم جاء رسول أمير المؤمنين بالمال، فلما دخل عليه وخاطبه فلم يكلمه، فقال له رسول الخليفة: إن هذا المال حلال. فقال: أعلم أنه حلال لي، ولكني أكره أن يقع في ms0348 قلبي مودة الجبابرة. فقال له: لو دخلت إليهم وتحفظت من ودهم! قال: هل آمن أن ألج البحر ولا تبتل ثيابي؟! ومن كلام الشافعي رضي الله تعالى عنه: # ألا يا نفس إن ترضي بقولي %~% فأنت عزيزة أبدا غنية ~~دعي عنك المطامع والأماني %~% فكم أمنية جلبت منية # ومن كلام سفيان الثوري فيما أوصى به علي بن الحسن السلمي: عليك بالصدق، وإياك والكذب والخيانة والرياء والعجب؛ فإن العمل الصالح يحبطه الله بخصلة من هذه الخصال، ولا تأخذ دينك إلا عمن هو مشفق على دينه، وليكن جليسك من يزهدك في الدنيا، وأكثر ذكر الموت، وأكثر الاستغفار، واسأل الله السلامة فيما بقي من عمرك، وانصح كل مؤمن إذا سألك عن أمر دينه، وإياك أن تخون مؤمنا، فإن من خان مؤمنا فقد خان الله ورسوله، وإياك والجدال والخصام، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك تكن سليما، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر تكن حبيب الله، وأحسن سريرتك يحسن الله علانيتك، واقبل المعذرة ممن اعتذر إليك، ولا تبغض أحدا من المسلمين، وصل من قطعك، واعف عمن ظلمك تكن رفيق الأنبياء، وليكن أمرك مفوضا إلى الله في السر والعلانية، واخش الله خشية من قد علم أنه ميت ومبعوث، وصائر إلى الحشر، والوقوف بين يدي الجبار، واذكر مصيرك إلى إحدى الدارين؛ إما جنة عالية، وإما نار حامية. # ثم إن العجوز جلست إلى جانب الجواري، فلما سمع والدك المرحوم كلامهن علم أنهن أفضل أهل زمانهن، ورأى حسنهن وجمالهن، وزيادة أدبهن، فآواهن إليه، وأقبل على العجوز فأكرمها وأخلى لها هي وجواريها القصر الذي كانت فيه الملكة إبريزة بنت ملك الروم، ونقل إليهن ما يحتجن إليه من الخيرات، فأقامت عنده عشرة أيام، وكلما دخل عليها يجدها معتكفة على صلاتها، وقيامها في ليلها وصيامها في نهارها، فوقع في قلبه محبتها، وقال لي: يا وزير، إن هذه العجوز من الصالحات، وقد عظمت في قلبي مهابتها. فلما كان اليوم الحادي عشر، اجتمع بها من جهة دفع ثمن الجواري إليها، فقالت له: أيها الملك، اعلم أن ms0349 ثمن هذه الجواري فوق ما تتعامل به الناس؛ فإني لا أطلب فيهن ذهبا ولا فضة ولا جواهر، قليلا كان ذلك أو كثيرا. # فلما سمع والدك كلامها تعجب وقال: أيتها السيدة، وما ثمنهن؟ قالت: ما أبيعهن لك إلا بصيام شهر كامل، تصوم نهاره وتقوم ليله لوجه الله تعالى، فإن فعلت ذلك فهن ملك لك في قصرك تصنع بهن ما شئت. فتعجب الملك من كمال صلاحها وزهدها وورعها، وعظمت في عينه، وقال: نفعنا الله بهذه المرأة الصالحة. ثم اتفق معها على أن يصوم الشهر كما اشترطته عليه، فقالت له: وأنا أعينك بدعوات أدعو بهن لك، فائتني بكوز ماء، فأتاها بكوز ماء، فأخذته وقرأت عليه وهمهمت، وقعدت ساعة تتكلم بكلام لا نفهمه، ولا نعرف منه شيئا، ثم غطته بخرقة وختمته، وناولته لوالدك وقالت له: إذا صمت العشرة الأولى فافطر في الليلة الحادية عشرة على ما في هذا الكوز، فإنه ينزع حب الدنيا من قلبك، ويملؤه نورا وإيمانا، وفي غد أخرج إلى إخواني وهم رجال الغيب، فإني اشتقت إليهم، ثم أجيء إليك إذا مضت العشرة الأولى. فأخذ والدك الكوز، ثم نهض وأفرد له خلوة في القصر، ووضع الكوز فيها، وأخذ مفتاح الخلوة في جيبه، فلما كان النهار صام السلطان، وخرجت العجوز إلى حال سبيلها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 85 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: فلما كان النهار صام السلطان، وخرجت العجوز إلى حال سبيلها، وأتم الملك صوم العشرة أيام، وفي اليوم الحادي عشر فتح الكوز وشربه، فوجد له في فؤاده فعلا جميلا. وفي العشرة أيام الثانية من الشهر جاءت العجوز ومعها حلاوة في ورق أخضر يشبه ورق الشجر، فدخلت على والدك وسلمت عليه، فلما رآها قام لها وقال لها: مرحبا بالسيدة الصالحة. فقالت له: أيها الملك، إن رجال الغيب يسلمون عليك؛ لأني أخبرتهم عنك ففرحوا بك، وأرسلوا معي هذه الحلاوة، وهي من حلاوة الآخرة، فافطر عليها في آخر النهار. ففرح والدك فرحا ms0350 زائدا، وقال: الحمد لله الذي جعل لي إخوانا من رجال الغيب. ثم شكر العجوز، وقبل يديها، وأكرمها وأكرم الجواري غاية الإكرام، ثم مضت مدة عشرين يوما وأبوك صائم، وعند رأس العشرين يوما أقبلت عليه العجوز وقالت له: أيها الملك، اعلم أني أخبرت رجال الغيب بما بيني وبينك من المحبة، وأعلمتهم بأني تركت الجواري عندك؛ ففرحوا حيث كانت الجواري عند ملك مثلك؛ لأنهم كانوا إذا رأوهن يبالغون لهن في الدعاء المستجاب، فأريد أن أذهب بهن إلى رجال الغيب لتحصيل نفحاتهم لهن، وربما أنهن لا يرجعن إليك إلا ومعهن كنز من كنوز الأرض، حتى إنك بعد تمام صومك تشتغل بكسوتهن، وتستعين بالمال الذي يأتينك به على أغراضك. # فلما سمع والدك كلامها شكرها على ذلك، وقال لها: لولا أني أخشى مخالفتي لك، ما رضيت بالكنز ولا غيره، ولكن متى تخرجين بهن؟ فقالت له: في الليلة السابعة والعشرين، وأرجع بهن إليك في رأس الشهر، وتكون أنت قد أوفيت الصوم، وحصل استبراؤهن، وصرن لك وتحت أمرك، والله إن كل جارية منهن ثمنها أعظم من ملكك مرات. فقال لها: وأنا أعرف ذلك أيتها السيدة الصالحة. فقالت له بعد ذلك: ولا بد أن ترسل معهن من يعز عليك من قصرك؛ حتى يجد الأنس، ويلتمس البركة من رجال الغيب. فقال لها: عندي جارية رومية اسمها صفية، ورزقت منها بولدين: أنثى وذكر، ولكنهما فقدا من منذ سنتين، فخذيها معهن لأجل أن تحصل لها البركة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 86 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: إن أباك قال للعجوز لما طلبت منه الجواري: إن عندي جارية رومية اسمها صفية، ورزقت منها بولدين: أنثى وذكر، ولكنهما فقدا من منذ سنتين، فخذيها معهن لأجل أن تحصل لها البركة، ولعل رجال الغيب أن يدعوا الله لها بأن يرد عليها ولديها، ويجمع شملها بهما. فقالت العجوز: نعم ما قلت. وكان ذلك أعظم غرضها، ثم إن والدك أخذ في تمام صيامه، فقالت له: ms0351 يا ولدي، إني متوجهة إلى رجال الغيب، فأحضر لي صفية. فدعا بها فحضرت في ساعتها، فسلمها إلى العجوز، فخلطتها بالجواري، ثم دخلت العجوز مخدعها، وخرجت للسلطان بكأس مختوم، وناولته له وقالت: إذا كان يوم الثلاثين فادخل الحمام، ثم اخرج منه وادخل خلوة من الخلاوي التي في قصرك، واشرب هذا الكأس ونم، فقد نلت ما تطلب، والسلام مني عليك. # فعند ذلك فرح الملك وشكرها وقبل يدها، فقالت له: استودعتك الله. فقال لها: ومتى أراك أيتها السيدة الصالحة؟ فإني أود ألا أفارقك. فدعت له وتوجهت ومعها الجواري والملكة صفية، وقعد الملك بعدها ثلاثة أيام، ثم هل الشهر، فقام الملك ودخل الحمام، وخرج من الحمام ودخل الخلوة التي في القصر، وأمر ألا يدخل عليه أحد، ورد الباب عليه، ثم شرب الكأس ونام، ونحن قاعدون في انتظاره إلى آخر النهار، فلم يخرج من الخلوة، فقلنا: لعله تعبان من الحمام، ومن سهر الليل وصيام النهار، فبسبب ذلك نام. فانتظرنا لثاني يوم فلم يخرج، فوقفنا بباب الخلوة وأعلنا برفع الصوت لعله ينتبه ويسأل عن الخبر، فلم يحصل منه ذلك، فخلعنا الباب ودخلنا عليه، فوجدناه قد تمزق لحمه وتفتت عظمه، فلما رأيناه على هذه الحالة عظم علينا ذلك، وأخذنا الكأس فوجدنا في غطائه قطعة ورق مكتوبا فيها: من أساء لا يستوحش منه، وهذا جزاء من يتحيل على بنات الملوك ويفسدهن، والذي نعلم به كل من وقف على هذه الورقة، أن شركان لما جاء بلادنا قد أفسد علينا الملكة إبريزة، وما كفاه ذلك حتى أخذها من عندنا وجاء بها إليكم، ثم أرسلها مع عبد أسود فقتلها، ووجدناها مقتولة في الخلاء مطروحة على الأرض، فهذا ما هو فعل الملوك، وما جزاء من يفعل هذا الفعل إلا ما حل به، وأنتم لا تتهموا أحدا بقتله؛ فما قتله إلا العاهرة الشاطرة التي اسمها ذات الدواهي، وها أنا أخذت زوجة الملك صفية، ومضيت بها إلى والدها أفريدون ملك القسطنطينية، ولا بد أن نغزوكم ونقتلكم، ونأخذ منكم الديار، فتهلكون عن آخركم، ولا يبقى ms0352 منكم ديار، ولا من ينفخ النار، إلا من يعبد الصليب والزنار. # فلما قرأنا هذه الورقة علمنا أن العجوز خدعتنا، وتمت حيلتها علينا، فعند ذلك صرخنا ولطمنا على وجوهنا، وبكينا فلم يفدنا البكاء شيئا، واختلفت العساكر فيمن يجعلونه سلطانا عليهم، فمنهم من يريدك، ومنهم من يريد أخاك شركان. ولم نزل في هذا الاختلاف مدة شهر، ثم جمعنا بعضنا وأردنا أن نمضي إلى أخيك شركان، فسافرنا إلى أن وجدناك، وهذا سبب موت الملك عمر النعمان. # فلما فرغ الوزير من كلامه، بكى ضوء المكان هو وأخته نزهة الزمان، وبكى الحاجب أيضا، ثم قال الحاجب لضوء المكان: أيها الملك، إن البكاء لا يفيدك شيئا، ولا يفيدك إلا أنك تشد قلبك، وتقوي عزمك، وتؤيد مملكتك، ومن خلف مثلك ما مات. فعند ذلك سكت عن بكائه، وأمر بنصب السرير خارج الدهليز، ثم أمر أن يعرضوا عليه العساكر، ووقف الحاجب بجانبه، والسلحدراية من ورائه، ووقف الوزير دندان قدامه، ووقف كل واحد من الأمراء، وأرباب الدولة في مرتبته. ثم إن الملك قال للوزير دندان: أخبرني بخزائن أبي. فقال: سمعا وطاعة. وأخبره بخزائن الأموال، وبما فيها من الذخائر والجواهر، وعرض عليه ما في خزنته من الأموال، فأنفق على العساكر، وخلع على الوزير دندان خلعة سنية، وقال له: أنت في مكانك. فقبل الأرض بين يديه ودعا له بالبقاء، ثم خلع على الأمراء. ثم إنه قال للحاجب: اعرض علي الذي معك من خراج دمشق، فعرض عليه صناديق المال والتحف والجواهر، فأخذها وفرقها على العساكر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 87 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ضوء المكان أمر الحاجب أن يعرض عليه ما أتى به من خراج دمشق، فعرض عليه صناديق المال والتحف والجواهر، فأخذها وفرقها على العساكر، ولم يبق منها شيء قط، فقبل الأمراء الأرض بين يديه، ودعوا له بطول البقاء، وقالوا: ما رأينا ملكا يعطي مثل هذه العطايا. ثم إنهم مضوا إلى خيامهم، فلما أصبحوا أمرهم بالسفر، فسافروا ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع ms0353 أشرفوا على بغداد، فدخلوا المدينة فوجدوها قد تزينت، وطلع السلطان ضوء المكان قصر أبيه، وجلس على السرير، ووقف أمراء العسكر والوزير دندان وحاجب دمشق بين يديه، فعند ذلك أمر كاتب السر أن يكتب كتابا إلى أخيه شركان، ويذكر فيه ما جرى من الأول إلى الآخر، ويذكر في آخره: وساعة وقوفك على هذا المكتوب، تجهز أمرك وتحضر بعسكرك حتى نتوجه إلى غزو الكفار، ونأخذ منهم الثأر ونكشف العار. ثم طوى الكتاب وختمه وقال للوزير دندان: ما يتوجه بهذا الكتاب إلا أنت، ولكن ينبغي أن تتلطف به في الكلام، وتقول له: إن أردت ملك أبيك فهو لك، وأخوك يكون نائبا عنك في دمشق كما أخبرنا بذلك. فنزل الوزير دندان من عنده وتجهز للسفر، ثم إن ضوء المكان أمر أن يجعلوا للوقاد مكانا فاخرا، ويفرشوه بأحسن الفرش - وذلك الوقاد له حديث طويل - ثم إن ضوء المكان خرج يوما إلى الصيد والقنص، وعاد إلى بغداد، فقدم له بعض الأمراء من الخيول الجياد ومن الجواري الحسان ما يعجز عن وصفه اللسان، فأعجبته جارية منهن فاستخلى بها ودخل عليها في تلك الليلة، فعلقت منه من ساعتها، وبعد مدة رجع الوزير دندان من سفره، وأخبره بخبر أخيه شركان وأنه قادم إليه، وقال له: ينبغي أن نخرج ونلاقيه. فقال له ضوء المكان: سمعا وطاعة. فخرج إليه من خواص دولته من بغداد مسيرة يوم، ثم نصب خيامه هناك لانتظار أخيه، وعند الصباح أقبل الملك شركان في عساكر الشام، ما بين فارس مقدام وأسد ضرغام وبطل مصدام، فلما أشرقت الكتائب، وقدمت السحائب، وأقبلت العصائب، وخفقت أعلام المواكب، توجه ضوء المكان هو ومن معه لملاقاتهم، فلما عاين ضوء المكان أخاه أراد أن يترجل إليه، فأقسم عليه شركان ألا يفعل ذلك، وترجل شركان ومشى خطوات، فلما صار بين يدي ضوء المكان، رمى ضوء المكان نفسه عليه، فاحتضنه شركان إلى صدره، وبكيا بكاء شديدا، وعزى أحدهما الآخر، ثم ركب الاثنان وسارا وسار العسكر معهما إلى أن أشرفوا على بغداد ونزلوا، ثم طلع ضوء ms0354 المكان هو وأخوه شركان على قصر الملك، وباتا تلك الليلة، وعند الصباح خرج ضوء المكان، وأمر أن يجمعوا العساكر من كل جانب، وينادوا بالغزو والجهاد، ثم أقاموا ينتظرون مجيء الجيوش من سائر البلدان، وكل من حضر يكرمونه ويعدونه بالجميل، إلى أن مضى على ذلك الحال مدة شهر كامل، والقوم يأتون أفواجا متتابعة، ثم قال شركان لأخيه: يا أخي، أعلمني بقضيتك. فأعلمه بجميع ما وقع له من الأول إلى الآخر، وبما صنعه معه الوقاد من المعروف، فقال له شركان: أما كافأته على معروفه؟ فقال له: يا أخي، ما كافأته إلى الآن، ولكن أكافئه إن شاء الله تعالى لما أرجع من الغزوة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 88 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شركان قال لأخيه ضوء المكان: أما كافأت الوقاد على معروفه؟ فقال له: يا أخي، ما كافأته إلى الآن، ولكن أكافئه إن شاء الله تعالى لما أرجع من الغزوة، وأتفرغ له. فعند ذلك عرف شركان أن أخته الملكة نزهة الزمان صادقة في جميع ما أخبرته به، ثم كتم أمره وأمرها، وأرسل إليها السلام مع الحاجب زوجها، فبعثت له أيضا معه السلام ودعت له، وسألت عن ابنتها «قضى فكان»، فأخبرها أنها بعافية، وأنها في غاية ما يكون من الصحة والسلامة، فحمدت الله تعالى وشكرته، ورجع شركان إلى أخيه يشاوره في أمر الرحيل، فقال له: يا أخي، لما تتكامل العساكر، وتأتي العربان من كل مكان. ثم أمر بتجهيز الميرة وإحضار الذخيرة، ودخل ضوء المكان إلى زوجته، وكان مضى لها خمسة أشهر، وجعل أرباب الأقلام وأهل الحساب تحت طاعتها، ورتب لها الجرايات والجوامك، وسافر في ثالث شهر من حين نزول عسكر الشام، بعد أن قدمت العربان وجميع العساكر من كل مكان، وسارت الجيوش والعساكر، وتتابعت الجحافل، وكان اسم رئيس عسكر الديلم رستم، واسم رئيس عسكر الترك بهرمان. # وسار ضوء المكان في وسط الجيوش، وعن يمينه أخوه شركان، وعن يساره الحاجب صهره، ولم يزالوا سائرين مدة شهر، وكل ms0355 جمعة ينزلون في مكان يستريحون فيه ثلاثة أيام؛ لأن الخلق كثير، ولم يزالوا سائرين على هذه الحالة حتى وصلوا إلى بلاد الروم، فنفر أهل القرى والضياع والصعاليك، وفروا إلى القسطنطينية، فلما سمع أفريدون ملكهم بخبرهم قام وتوجه إلى ذات الدواهي، فإنها هي التي دبرت الحيل وسافرت إلى بغداد حتى قتلت الملك عمر النعمان، ثم أخذت جواريها والملكة صفية ورجعت بالجميع إلى بلادها، فلما رجعت إلى ولدها ملك الروم وأمنت على نفسها، قالت لابنها: قر عينا، فقد أخذت لك بثأر ابنتك إبريزة، وقتلت الملك عمر النعمان، وجئت بصفية، فقم الآن وارحل إلى ملك القسطنطينية ورد عليه صفية، وأعلمه بما جرى حتى يكون جميعنا على حذر ونتجهز بأهبة، وأسافر أنا معك إلى الملك أفريدون ملك القسطنطينية، وأظن أن المسلمين لا يثبتون على قتالنا. فقال: امهلي إلى أن يقربوا من بلادنا حتى نجهز أحوالنا. # ثم أخذوا في جمع رجالهم وتجهيز أحوالهم، فلما جاءهم الخبر كانوا قد جهزوا حالهم، وجمعوا الجيوش، وسارت في أوائلهم ذات الدواهي، فلما وصلوا إلى القسطنطينية سمع الملك الأكبر ملكها أفريدون بقدوم حردوب ملك الروم فخرج لملاقاته، فلما اجتمع أفريدون بملك الروم سأله عن حاله وعن سبب قدومه، فأخبره بما عملته أمه ذات الدواهي من الحيل، وأنها قتلت ملك المسلمين، وأخذت من عنده الملكة صفية، وقالت: إن المسلمين جمعوا عساكرهم وجاءوا، ونريد أن نكون جميعا يدا واحدة ونلقاهم. ففرح الملك فريدون بقدوم ابنته وقتل عمر النعمان، وأرسل إلى سائر الأقاليم يطلب منهم النجدة، ويذكر لهم سبب قتل الملك عمر النعمان؛ فهرعت إليه جيوش النصارى، فما مر ثلاثة شهور حتى تكاملت جيوش الروم، ثم أقبلت الإفرنج من سائر أطرافها؛ كالفرنسيس، والنيمسا، ودوبرة، وجورنة، وبندق، وجنويز، وسائر عساكر بني الأصفر، فلما تكاملت العساكر وضاقت بهم الأرض من كثرتهم، أمرهم الملك الأكبر أفريدون أن يرحلوا من القسطنطينية، فرحلوا واستمر تتابع عساكرهم في الرحيل عشرة أيام، وساروا حتى نزلوا بواد واسع الأطراف، وكان ذلك الوادي قريبا من البحر المالح، فأقاموا ثلاثة أيام، وفي اليوم ms0356 الرابع أرادوا أن يرحلوا فأتتهم الأخبار بقدوم عساكر الإسلام، وحماة ملة خير الأنام، فقاموا فيه ثلاثة أيام أخرى، وفي اليوم الرابع رأوا غبارا طار حتى سد الأقطار، فلم تمض ساعة من النهار حتى انجلى ذلك الغبار، وتمزق إلى الجو وطار، ومحت ظلمته كواكب الأسنة والرماح، وبريق بيض الصفاح، وبان من تحته رايات إسلامية، وأعلام محمدية، وأقبلت الفرسان كاندفاع البحار في دروع تحسبها سحبا مزردة على أقمار. # فعند ذلك تقابل الجيشان، والتطم البحران، ووقعت العين في العين، فأول من برز للقتال الوزير دندان هو وعساكر الشام، وكانوا ثلاثين ألف عنان، وكان مع الوزير مقدم الترك ومقدم الديلم؛ رستم وبهرام، في عشرين ألف فارس، وطلع من ورائهم رجال من صوب البحر المالح، وهم لابسون زرود الحديد، وقد صاروا فيها كالبدور السافرة في الليالي العاكرة، وصار عساكر النصارى ينادون عيسى ومريم والصليب المسخم، ثم انطبقوا على الوزير دندان ومن معه من عساكر الشام، وكان هذا كله بتدبير العجوز ذات الدواهي؛ لأن الملك أقبل عليها قبل خروجه وقال لها: كيف العمل والتدبير، وأنت السبب في هذا الأمر العسير؟ فقالت: اعلم أيها الملك الكبير، والكاهن الخطير، أني أشير عليك بأمر يعجز عن تدبيره إبليس، ولو استعان عليه بحزبه المتاعيس ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 89 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن هذا كله كان بتدبير العجوز؛ لأن الملك كان أقبل عليها قبل خروجها، وقال لها: كيف العمل والتدبير، وأنت السبب في هذا الأمر العسير؟ فقالت: اعلم أيها الملك الكبير، والكاهن الخطير، أني أشير عليك بأمر يعجز عن تدبيره إبليس، ولو استعان عليه بحزبه المتاعيس، وهو أن ترسل خمسين ألفا من الرجال ينزلون في المراكب، ويتوجهون في البحر إلى أن يصلوا جبل الدخان، ويقيمون هناك، ولا يرحلون من ذلك المكان حتى تأتيكم أعلام الإسلام، فدونكم وإياهم، ثم تخرج إليهم العساكر من البحر، ويكونون خلفهم، ونحن نقابلهم من البر، فلا ينجو منهم أحد، وقد زال عنا العناء، ودام لنا الهناء. فاستصوب الملك ms0357 أفريدون كلام العجوز، وقال: نعم الرأي رأيك يا سيدة العجائز الماكرة، ومرجع الكهان في الفتن الثائرة. # وحين هجم عليهم عسكر الإسلام في ذلك الوادي، لم يشعروا إلا والنار تلتهب في الخيام، والسيوف تعمل في الأجسام، ثم أقبلت جيوش بغداد وخراسان، وهم في مائة وعشرين ألف فارس، وفي أوائلهم ضوء المكان، فلما رآهم عسكر الكفار الذين كانوا في البحر طلعوا إليهم من البحر، وتبعوا أثرهم، فلما رآهم ضوء المكان قال: ارجعوا إلى الكفار يا حزب النبي المختار، وقاتلوا أهل الكفر والعدوان في طاعة الرحيم الرحمن. وأقبل شركان بطائفة أخرى من عساكر المسلمين نحو مائة ألف وعشرين ألفا، وكانت عساكر الكفار نحو ألف وستمائة ألف، فلما اختلط المسلمون بعضهم ببعض قويت قلوبهم، ونادوا قائلين: إن الله وعدنا بالنصر، وأوعد الكفار بالخذلان. ثم تصادموا بالسيف والسنان، واخترق شركان الصفوف، وهاج في الألوف، وقاتل قتالا تشيب منه الأطفال، ولم يزل يجول في الكفار، ويعمل فيهم الصارم البتار، وينادي: «الله أكبر»، حتى رد القوم إلى ساحل البحر، وكلت منهم الأجسام، ونصر الله دين الإسلام، والناس يقاتلون وهم سكارى بغير مدام، وقد قتل من القوم في ذلك الوقت خمسة وأربعون ألفا، وقتل من المسلمين ثلاثة آلاف وخمسائة. ثم إن أسد الدين الملك شركان لم ينم في تلك الليلة لا هو ولا أخوه ضوء المكان، بل كانا يباشران الناس، ويتفقدان الجرحى، ويهنئانهم بالنصر والسلامة، والثواب في القيامة. # هذا ما كان من أمر المسلمين، وأما ما كان من أمر الملك أفريدون ملك القسطنطينية، وملك الروم وأمه العجوز ذات الدواهي، فإنهم جمعوا أمراء العسكر وقالوا لبعضهم: إنا كنا بلغنا المراد، وشفينا الفؤاد، ولكن إعجابنا بكثرتنا هو الذي خذلنا. فقالت لهم العجوز ذات الدواهي: إنه لا ينفعكم إلا أنكم تتقربون للمسيح، وتتمسكون بالاعتقاد الصحيح، فوحق المسيح ما قوى عسكر المسلمين إلا هذا الشيطان الملك شركان. فقال الملك أفريدون: إني قد عولت في غد على أن أصف لهم الصفوف، وأخرج لهم الفارس المعروف لوقا بن شملوط، فإنه إذا برز إلى الملك ms0358 شركان قتله وقتل غيره من الأبطال، حتى لم يبق منهم أحد، وقد عولت في هذه الليلة على تقديسكم بالبخور الأكبر. فلما سمعوا كلامه قبلوا الأرض، وكان البخور الذي أراده خراء البطريق الكبير ذي الإنكار والنكير، فإنهم كانوا يتنافسون فيه، ويستحسنون مساويه، حتى كانت أكابر بطارقة الروم يبعثونه إلى سائر أقاليم بلادهم في خرق من الحرير، ويمزجونه بالمسك والعبير، فإذا وصل خبره إلى الملوك يأخذون منه كل درهم بألف دينار، حتى كان الملوك يرسلون في طلبه من أجل بخور العرائس، وكانت البطارقة يخلطونه بخرائهم، فإن خراء البطريق الكبير لا يكفي عشرة أقاليم، وكان خواص ملوكهم يجعلون قليلا منه في كحل العيون، ويداوون به المريض والمبطون. فلما أصبح الصباح، وأشرق بنوره ولاح، وتبادرت الفرسان إلى حمل الرماح ... وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 90 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه لما أصبح الصباح، وأشرق بنوره ولاح، وتبادرت الفرسان إلى حمل الرماح، دعا الملك أفريدون بخواص بطارقة وأرباب دولته، وخلع عليهم، ونقش الصليب في وجوههم، وبخرهم بالبخور المتقدم ذكره - الذي هو خراء البطريق الأكبر، والكاهن الأمكر - فلما بخرهم دعا بحضور لوقا بن شملوط، الذي يسمونه سيف المسيح، وبخره بالرجيع، وحنكه به بعد التبخير ونشقه ولطخ له عوارضه، ومسح بالفضلة شواربه، وكان ذلك الملعون لوقا ما في بلاد الروم أعظم منه، ولا أرمى بالنبال، ولا أضرب بالسيف، ولا أطعن بالرمح يوم النزال، وكان بشع المنظر؛ كان وجهه وجه حمار، وصورته صورة قرد، وطلعته طلعة الرقيب، وقربه أصعب من فراق الحبيب، له من الليل ظلمته، ومن الأبخر نكهته، ومن القوس قامته، ومن الكفر سيمته. وبعد ذلك أقبل على الملك أفريدون، وقبل قدميه، ثم وقف بين يديه، فقال الملك أفريدون: إني أريد أن تبرز إلى شركان ملك دمشق ابن عمر النعمان، وقد انجلى عنا هذا الشر وهان. فقال: سمعا وطاعة. ثم إن الملك نقش في وجهه الصليب، وزعم أن النصر يحصل له عن قريب، ثم انصرف لوقا من عند الملك أفريدون، وركب ms0359 الملعون لوقا جوادا أشقر، وعليه ثوب أحمر، وزردية من الذهب المرصع بالجوهر، وحمل رمحا له ثلاث حراب، كأنه إبليس اللعين يوم الأحزاب، وتوجه هو وحزبه الكفار كأنهم يساقون إلى النار، وبينهم مناد ينادي بالعربي ويقول: يا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج منكم إلا فارسكم سيف الإسلام شركان صاحب دمشق الشام. # فما استتم كلامه إلا وضجة في الفلا سمع صوتها جميع الملأ، وركضات فرقت الصفين، وأذكرت يوم حنين، ففزع اللئام منها، وألفتوا الأعناق نحوها، وإذا هو الملك شركان ابن الملك عمر النعمان، وكان أخوه ضوء المكان لما رأى ذلك الملعون في الميدان، وسمع المنادي التفت لأخيه شركان وقال له: إنهم يريدونك. فقال: إن كان الأمر كذلك فهو أحب إلي. فلما تحققوا الأمر، وسمعوا هذا المنادي وهو يقول في الميدان: لا يبرز لي إلا شركان، علموا أن هذا الملعون فارس بلاد الروم، وكان قد حلف أن يخلي الأرض من المسلمين، وإلا فهو من أخسر الخاسرين؛ لأنه هو الذي حرق الأكباد، وفزعت من شره الأجناد، من الترك والديلم والأكراد، فعند ذلك برز إليه شركان كأنه أسد غضبان، وكان راكبا على ظهر جواد يشبه شارد الغزلان، فساقه نحو لوقا حتى صار عنده، وهز الرمح في يده كأنه أفعى من الحيات، وأنشد هذه الأبيات: # لي أشقر سمح العنان مغاير %~% يعطيك ما يرضيك من مجهوده ~~ومثقف لدن السنان كأنما %~% أم المنايا ركبت في عوده ~~ومهند عضب إذا جردته %~% خلت البروق تموج في تجريده # فلم يفهم لوقا معنى هذا الكلام، ولا حماس هذا النظام، بل لطم وجهه بيده تعظيما للصليب المنقوش عليه، ثم قبلها وأشرع الرمح نحو شركان وكر عليه، ثم طوح الحربة بإحدى يديه حتى خفيت عن أعين الناظرين، وتلقاها باليد الأخرى كفعل الساحرين، ثم رمى بها شركان فخرجت من يديه كأنها شهاب ثاقب، فضجت الناس وخافوا على شركان، فلما قربت الحربة منه اختطفها من الهواء فتحيرت عقول الورى، ثم إن شركان هزها بيده التي أخذها بها من النصراني حتى كاد أن يقصفها، ms0360 ورماها في الجو حتى خفيت عن النظر، والتقاها بيده الثانية في أقرب من لمح البصر، وصاح صيحة من صميم قلبه، وقال: وحق من خلق السبع الطباق، لأجعلن هذا اللعين شهرة في الآفاق. ثم رماه بالحربة، فأراد لوقا أن يفعل بالحربة كما فعل شركان، ومد يده إلى الحربة ليختطفها من الهواء، فعاجله شركان بحربة ثانية ضربه بها فوقعت في وسط الصليب الذي في وجهه، وعجل الله بروحه إلى النار، وبئس القرار. فلما رأى الكفار لوقا بن شملوط وقع مقتولا، لطموا على وجوههم، ونادوا بالويل والثبور، واستغاثوا ببطارقة الديور. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 91 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار لما رأوا لوقا بن شملوط وقع مقتولا، لطموا على وجوههم، ونادوا بالويل والثبور، واستغاثوا ببطارقة الديور، وقالوا: أين الصلبان، وتزهد الرهبان؟ ثم اجتمعوا جميعا عليه، وأعملوا الصوارم والرماح، وهجموا للحرب والكفاح، والتقت العساكر بالعساكر، وصارت الصدور تحت وقع الحوافر، وتحكمت الرماح والصوارم، وضعفت السواعد والمعاصم، وكأن الخيل خلقت بلا قوائم، ولا زال منادي الحرب ينادي إلى أن كلت الأيادي، وذهب النهار، وأقبل الليل بالاعتكار، وافترق الجيشان وصار كل شجاع كالسكران، من شدة الضرب والطعان، وقد امتلأت الأرض بالقتلى، وعظمت الجراحات، ولا يعرف الجريح ممن مات. ثم إن شركان اجتمع بأخيه ضوء المكان، والحاجب والوزير دندان، فقال شركان لأخيه ضوء المكان والحاجب: إن الله قد فتح بابا لهلاك الكافرين، والحمد لله رب العالمين. فقال ضوء المكان لأخيه: لم نزل نحمد الله لكشف الكرب عن العرب والعجم، وسوف تتحدث الناس جيلا بعد جيل بما صنعت باللعين لوقا محرف الإنجيل، وأخذك الحربة من الهواء، وضربك لعدو الله بين الورى، ويبقى حديثك إلى آخر الزمان. # ثم قال شركان: أيها الحاجب الكبير، والمقدام الخطير. فأجابه بالتلبية، فقال له: خذ معك الوزير دندان وعشرين ألف فارس، وسر بهم إلى ناحية البحر مقدار سبعة فراسخ، وأسرعوا في السير حتى تكونوا قريبا من الساحل، بحيث يبقى بينكم وبين القوم قدر فرسخين، واختفوا في ms0361 وهدات الأرض حتى تسمعوا ضجة الكفار إذا طلعوا من المراكب، وتسمعوا الصياح من كل جانب، وقد عملت بيننا وبينهم القواضب، فإذا رأيتم عسكرنا تقهقروا إلى الوراء كأنهم منهزمون، وجاءت الكفار زاحفة خلفهم من جميع الجهات حتى من جانب الساحل والخيام، فكونوا لهم بالمرصاد، وإذا رأيت أنت علما عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارفع العلم الأخضر وصح قائلا: الله أكبر. واحمل عليهم من ورائهم، واجتهد في ألا يحول الكفار بين المنهزمين وبين البحر. فقال: السمع والطاعة. واتفقوا على ذلك الأمر في تلك الساعة، ثم تجهزوا وساروا، وقد أخذ الحاجب معه الوزير دندان وعشرين ألفا كما أمر الملك شركان. # فلما أصبح الصباح، ركب القوم وهم مجردون الصفاح، ومعتقلون الرماح، وحاملون السلاح، وانتشرت الخلائق في الربا والبطاح، وصاحت القسوس، وكشفت الرءوس، ورفعت الصلبان على قلوع المراكب، وقصدوا الساحل من كل جانب، وأنزلوا الخيل في البر، وعزموا على الكر والفر، ولمعت السيوف، وتوجهت الجموع، وبرقت شهب الرماح على الدروع، ودارت طاحون المنايا على الرجال والفرسان، وطارت الرءوس عن الأبدان، وخرست الألسن وتغشت الأعين، وانفطرت المرائر وعملت البواتر، وطارت الجماجم وقطعت المعاصم، وخاضت الخيل في الدماء وتقابضوا في اللحى، وصاحت عساكر الإسلام بالصلاة والسلام على سيد الأنام، وبالثناء على الرحمن بما أولى من الإحسان، وصاحت عساكر الكفر بالثناء على الصليب والزنار، والعصير والعصار، والقسوس والرهبان، والشعانين والمطران، وتأخر ضوء المكان هو وشركان إلى ورائهما، وتقهقرت الجيوش وأظهروا الانهزام للأعداء، وزحفت عليهم عساكر الكفر لوهم الهزيمة، وتهيئوا للطعن والضرب، فاستهل أهل الإسلام بقراءة أول سورة البقرة، وصارت القتلى تحت أرجل الخيل مندثرة، وصار منادي الروم يقول: يا عبدة المسيح، وذوي الدين الصحيح، يا خدام الجاثليق، قد لاح لكم التوفيق، إن عساكر الإسلام قد جنحوا إلى الفرار، فلا تولوا عنهم الأدبار، فمكنوا السيوف من أقفيتهم، ولا ترجعوا من ورائهم، وإلا برئتم من المسيح ابن مريم، الذي في المهد تكلم. وظن أفريدون ملك القسطنطينية أن عساكر الكفار منصورة، ولم يعلم أن ms0362 ذلك من حسن تدبير المسلمين صورة، فأرسل إلى ملك الروم يبشره بالظفر، ويقول له: ما نفعنا إلا غائط البطريق الأكبر، لما فاحت رائحته من اللحى والشوارب، بين عباد الصليب حاضر وغائب، وأقسم بمعجزات إبريزة النصرانية المريمية، والمياه المعمودية، إني لا أترك على الأرض مجاهدا بالكلية، وإني مصر على سوء هذه النية. وتوجه الرسول بهذا الخطاب، ثم صاح الكفار على بعضهم قائلين: خذوا بثأر لوقا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 92 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار صاحوا على بعضهم قائلين: خذوا بثأر لوقا. وصار ملك الروم ينادي بالأخذ بثأر إبريزة، فعند ذلك صاح الملك ضوء المكان، وقال: يا عباد الملك الديان، اضربوا أهل الكفر والطغيان ببيض الصفاح، وسمر الرماح. فرجع المسلمون على الكفار، وأعملوا فيهم الصارم البتار، وصار ينادي منادي المسلمين ويقول: عليكم بأعداء الدين يا محبي النبي المختار، هذا وقت إرضاء الكريم الغفار، يا راجي النجاة في اليوم المخوف، إن الجنة تحت ظلال السيوف. وإذا بشركان قد حمل هو ومن معه على الكفار، وقطعوا عليهم طريق الفرار، وجال بين الصفوف وطاف، وإذا بفارس مليح الانعطاف، قد فتح في عسكر الكفار ميدانا، وجال في الكفرة حربا وطعانا، وملأ الأرض رءوسا وأبدانا، وقد خافت الكفار من حربه، ومالت أعناقهم لطعنه وضربه، قد تقلد بسيفين لحظ وحسام، واعتقل رمحين قناة وقوام، بوفرة تغني عن وافر عدد العساكر، كما قال فيه الشاعر: # لا تحسن الوفرة إلا وهي %~% منشورة الفرعين يوم النزال ~~على فتى معتقل صعدة %~% يعلها من كل وافي السبال # ويقول الآخر: # أقول له لما تقلد سيفه %~% كفتك سيوف اللحظ عن ذلك العضب ~~فقال: لحاظي سيفها لذوي الهوى %~% وسيفي لمن لم يدر ما لذة الحب # فلما رآه شركان قال: أعيذك بالقرآن، وآيات الرحمن، من أنت أيها الفارس من الفرسان؟ فلقد أرضيت بفعلك الملك الديان، الذي لا يشغله شأن عن شأن؛ حيث هزمت أهل الكفر والطغيان. فناداه الفارس قائلا: أنت الذي بالأمس عاهدتني، فما أسرع ما نسيتني! ثم ms0363 كشف اللثام عن وجهه حتى ظهر ما خفي من حسنه، فإذا هو ضوء المكان؛ ففرح به شركان إلا أنه خاف عليه من ازدحام الأقران، وانطباق الشجعان، وذلك لأمرين: أحدهما صغر سنه وصيانته عن العين، والثاني أن بقاءه للمملكة أعظم الجناحين، فقال له: يا ملك، إنك قد خاطرت بنفسك، فألصق جوادك بجوادي، فإني لا آمن عليك من الأعادي، والمصلحة في ألا تخرج من تلك العصائب، لأجل أن ترمي الأعداء بسهمك الصائب. فقال ضوء المكان: إني أردت أن أساويك في النزال، ولا أبخل بنفسي بين يديك في القتال. ثم انطبقت عساكر الإسلام على الكفار، وأحاطوا بهم من جميع الأقطار، وجاهدوهم حق الجهاد، وكسروا شوكة الكفر والعناد والفساد؛ فتأسف الملك أفريدون لما رأى ما حل بالروم من الأمر المذموم، وقد ولوا الأدبار، وركنوا إلى الفرار، يقصدون المراكب، وإذ بالعساكر قد خرجت عليهم من ساحل البحر، وفي أولهم الوزير دندان مجندل الشجعان، وضرب فيهم بالسيف والسنان، وكذا الأمير بهرام صاحب دوائر الشام، وهو في عشرين ألف ضرغام، وأحاطت بهم عساكر الإسلام من خلف ومن أمام، ومالت فرقة من المسلمين على من كان في المراكب، وأوقعوا فيهم المعاطب، فرموا أنفسهم في البحر، وقتلوا منهم جمعا عظيما يزيد عن مائة ألف خنزير، ولم ينج من أبطالهم صغير ولا كبير، وأخذوا مراكبهم بما فيها من الأموال والذخائر والأثقال، إلا عشرين مركبا، وغنم المسلمون في ذلك اليوم غنيمة ما غنم أحد مثلها في سالف الزمان، ولا سمعت إذن بمثل هذه الحرب والطعان، ومن جملة ما غنموه خمسون ألفا من الخيل غير الذخائر والأسلاب، مما لا يحيط به حصر ولا حساب، وفرحوا فرحا ما عليه مزيد بما من الله عليهم من النصر والتأييد. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر المنهزمين، فإنهم وصلوا إلى القسطنطينية، وكان الخبر قد وصل إلى أهلها أولا بأن الملك أفريدون هو الظافر بالمسلمين، فقالت العجوز ذات الدواهي: أنا أعلم أن ولدي ملك الروم لا يكون من المنهزمين، ولا يخاف من الجيوش ms0364 الإسلامية، ويرد أهل الأرض إلى ملة النصرانية. ثم إن العجوز كانت أمرت الملك الأكبر أفريدون أن يزين البلد، فأظهروا السرور، وشربوا الخمور، وما علموا بالمقدور، فبينما هم في وسط الأفراح إذ نعق عليهم غراب الحزن والأتراح، وأقبلت عليهم العشرون مركبا الهاربة، وفيها ملك الروم، فقابلهم أفريدون ملك القسطنطينية على الساحل، وأخبروه بما جرى لهم من المسلمين، فزاد بكاؤهم، وعلا نحيبهم، وانقلبت بشارات الخير بالغم والضير، وأخبروه أن لوقا بن شملوط حلت به النوائب، وتمكن منه سهم المنية الصائب، فقامت على الملك أفريدون القيامة، وعلم أن اعوجاجهم ليس له استقامة، وقامت بينهم المآتم، وانحلت منهم العزائم، وندبت النوادب، وعلا النحيب والبكاء من كل جانب. ولما دخل ملك الروم على الملك أفريدون، وأخبره بحقيقة الحال، وأن هزيمة المسلمين كانت على وجه الخداع والمحال، قال له: لا تنتظر أن يصل من العسكر إلا من وصل إليك. فلما سمع الملك أفريدون ذلك الكلام وقع مغشيا عليه، وصار أنفه تحت قدميه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 93 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك أفريدون لما سمع ذلك الكلام وقع مغشيا عليه، وصار أنفه تحت قدميه، فلما آفاق من غشيته نفض الخوف جراب معدته، فشكا إلى العجوز ذات الدواهي، وكانت تلك اللعينة كاهنة من الكهان، ومتقنة للسحر والبهتان، عاهرة مكارة، فاجرة غدارة، ولها فم أبخر، وجفن أحمر، وخد أصفر، بوجه أغبش، وطرف أعمش، وجسم أجرب، وشعر أشهب، وظهر أحدب، ولون حائل، ومخاط سائل، لكنها قرأت كتب الإسلام، وسافرت إلى بيت الله الحرام؛ كل ذلك لتطلع على الأديان، وتعرف آيات القرآن، ومكثت في بيت المقدس سنتين لتحوز مكر الثقلين، فهي آفة من الآفات، وبلية من البليات، فاسدة الاعتقاد، ليست لدين تنقاد، وكان أكثر إقامتها عند ولدها حردوب ملك الروم، لأجل الجواري الأبكار؛ لأنها كانت تحب السحاق، وإن تأخر عنها تكون في انمحاق، وكل جارية أعجبتها تعلمها الحكمة، وتسحق عليها الزعفران؛ فيغشى عليها من فرط اللذة مدة من الزمان، فمن طاوعتها أحسنت ms0365 إليها، ورغبت ولدها فيها، ومن لا تطاوعها تتحيل على هلاكها، وبسبب ذلك عملت مرجانة وريحانة وأترجة جواري إبريزة، وكانت الملكة إبريزة تكره العجوز، وتكره أن ترقد معها؛ لأن صنانها يخرج من تحت إبطيها، ورائحة فسائها أنتن من الجيفة، وجسدها أخشن من الليفة، وكانت ترغب من يساحقها بالجواهر والتعليم، وكانت إبريزة تبرأ منها إلى الحكيم العليم، ولله در القائل: # يا من تسفل للغني مذلة %~% وعلى الفقير لقد علا تياها ~~ويزين شنعته بجمع دراهم %~% عطر القبيحة لا يفي بفساها # ولنرجع إلى حديث مكرها ودواهي أمرها؛ ثم إنها سارت وسار معها عظماء النصارى وعساكرهم، وتوجهوا إلى عسكر الإسلام، وبعدها دخل ملك الروم على الملك أفريدون، وقال له: أيها الملك، ما لنا حاجة بأمر البطريق الكبير ولا بدعائه، بل نعمل برأي أمي ذات الدواهي، وننظر ما تعمل بخداعها غير المتناهي مع عسكر المسلمين، فإنهم بقوتهم واصلون إلينا، وعن قريب يكونون لدينا، ويحيطون بنا. فلما سمع الملك أفريدون ذلك الكلام عظم في قلبه الرعب، فكتب من وقته وساعته إلى سائر أقاليم النصارى يقول لهم: ينبغي ألا يتخلف أحد من أهل الملة النصرانية والعصابة الصليبية، خصوصا أهل الحصون والقلاع، بل يأتون إلينا جميعا رجالا وركبانا، ونساء وصبيانا، فإن عسكر المسلمين قد وطئوا أرضنا، فالعجل العجل قبل حلول الوجل. # هذا ما كان من أمر هؤلاء، وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي، فإنها طلعت خارج البلد مع أصحابها، وألبستهم زي تجار المسلمين، وكانت قد أخذت معها مائة بغل محملة من القماش الأنطاكي ما بين أطلس معدني، وديباج ملكي، وغير ذلك، وأخذت من الملك أفريدون كتابا مضمونه أن هؤلاء التجار من أرض الشام، وكانوا في ديارنا، فلا ينبغي أن يتعرض لهم أحد بسوء، ولا يأخذ منهم عشرا حتى يصلوا إلى بلادهم ومحل أمنهم؛ لأن التجار بهم عمار البلاد، وليسوا من أهل الحرب والفساد. ثم إن الملعونة ذات الدواهي قالت لمن معها: إني أريد أن أدبر حيلة على هلاك المسلمين. فقالوا لها: أيتها الملكة، مرينا بما شئت، فنحن ms0366 تحت طاعتك، فلا أحبط المسيح عملك. # فلبست ثيابا من الصوف الأبيض الناعم، وحكت جبينها حتى صار له وسم، ودهنته بدهان دبرته حتى صار له ضوء عظيم، وكانت الملعونة نحيلة الجسم، غائرة العينين، فقيدت رجليها من فوق قدميها، وسارت حتى وصلت إلى عسكر المسلمين، ثم حلت القيد من رجليها، وقد أثر القيد في ساقيها، ثم دهنتهما بدم الأخوين، وأمرت من معها أن يضربوها ضربا عنيفا، وأن يضعوها في صندوق، فقالوا لها: كيف نضربك وأنت سيدتنا ذات الدواهي أم الملك المباهي؟ فقالت: لا لوم ولا تعنيف على من يأتي الكنيف، ولأجل الضرورات تباح المحظورات، وبعد أن تضعوني في الصندوق خذوه في جملة الأموال، واحملوه على البغال، ومروا بذلك بين عسكر الإسلام، ولا تخشوا شيئا من الملام، وإن تعرض لكم أحد من المسلمين، فسلموا له البغال وما عليها من الأموال، وانصرفوا إلى ملكهم ضوء المكان، واستغيثوا به وقولوا: نحن كنا في بلاد الكفرة، ولم يأخذوا منا شيئا، بل كتبوا لنا توقيعا أنه لا يتعرض لنا أحد، فكيف تأخذون أنتم أموالنا، وهذا كتاب ملك الروم الذي مضمونه ألا يتعرض لنا أحد بمكروه. فإذا قال: وما الذي ربحتموه من بلاد الروم في تجارتكم؟ فقولوا له: ربحنا خلاص رجل زاهد، وقد كان في سرداب تحت الأرض له فيه نحو خمسة عشر عاما، وهو يستغيث فلا يغاث، بل يعذبه الكفار ليلا ونهارا، ولم يكن عندنا علم بذلك، مع أننا أقمنا في القسطنطينية مدة من الزمان، وبعنا بضائعنا، واشترينا خلافها، وجهزنا حالنا، وعزمنا على الرحيل إلى بلادنا، وبتنا تلك الليلة نتحدث في أمر السفر، فلما أصبحنا رأينا صورة مصورة في الحائط، فلما قربنا منها تأملناها، فإذا هي تحركت وقالت: يا مسلمون، هل فيكم من يعامل رب العالمين؟ فقلنا: وكيف ذلك؟ فقالت تلك الصورة: إن الله أنطقني لكم ليقوي يقينكم، ويلهمكم دينكم، وتخرجوا من بلاد الكافرين، وتقصدوا عسكر المسلمين، فإن فيهم سيف الرحمن، وبطل الزمان الملك شركان، وهو الذي يفتح القسطنطينية، ويهلك أهل الملة النصرانية، فإذا قطعتم سفر ثلاثة ms0367 أيام، تجدوا ديرا يعرف بدير مطروحني، وفيه صومعة، فاقصدوا بصدق نيتكم، وتحيلوا على الوصول إليها بقوة عزيمتكم؛ لأن فيها رجلا عابدا من بيت المقدس اسمه عبد الله، وهو من أدين الناس، وله كرامات تزيح الشك والإلباس، قد خدعه بعض الرهبان، وسجنه في سرداب له فيه مدة من الزمان، وفي إنقاذه إرضاء رب العباد؛ لأن فكاكه من أفضل الجهاد. # ثم إن العجوز لما اتفقت مع من معها على هذا الكلام، قالت: فإذا ألقى إليكم سمعه الملك شركان، فقولوا له: فلما سمعنا هذا الكلام من تلك الصورة علمنا أن ذلك العابد ... وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 94 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز ذات الدواهي لما اتفقت مع من معها على هذا الكلام، قالت: فإذا ألقى إليكم سمعه الملك شركان، فقولوا له: فلما سمعنا هذا الكلام من تلك الصورة، علمنا أن ذلك العابد من أكابر الصالحين، وعباد الله المخلصين، فسافرنا مدة ثلاثة أيام، ثم رأينا ذلك الدير، فعرجنا عليه وملنا إليه، وأقمنا هناك يوما في البيع والشراء على عادة التجار، فلما ولى النهار، وأقبل الليل بالاعتكار، قصدنا تلك الصومعة التي فيها السرداب، فسمعناه بعد تلاوة الآيات ينشد هذه الأبيات: # كمدا أكابده وصدري ضيق %~% وجرى بقلبي بحر هم مغرق ~~إن لم يكن فرج فموت عاجل %~% إن الحمام من الرزايا أرفق ~~يا برق إن جئت الديار وأهلها %~% وعلا عليك من البشائر رونق ~~كيف السبيل إلى اللقاء وبيننا %~% تلك الحروب وباب رهن مغلق ~~بلغ أحبتنا السلام وقل لهم %~% إني بدير الروم قاص موثق # ثم قالت: إذا وصلتم بي إلى عسكر المسلمين وصرت عندهم، أعرف كيف أدبر حيلة في خديعتهم وقتلهم عن آخرهم. فلما سمع النصارى كلام العجوز قبلوا يديها، ووضعوها في الصندوق بعد أن ضربوها أشد الضربات الموجعات تعظيما لها؛ لأنهم يرون طاعتها من الواجبات، ثم قصدوا بها عسكر المسلمين كما ذكرنا. # ![figure](../Images/figure27.png) # بعد أن قطعوا مفاوز كثيرة، أشرفوا على مرج فسيح، وفيه كل شيء مليح. # هذا ما كان من ms0368 أمر هذه اللعينة ذات الدواهي ومن معها، وأما ما كان من أمر عسكر المسلمين، فإنهم لما نصرهم الله على أعدائهم، وغنموا ما كان في المراكب من الأموال والذخائر، قعدوا يتحدثون مع بعضهم، فقال ضوء المكان لأخيه: إن الله نصرنا بسبب عدلنا، وانقيادنا لبعضنا، فكن يا شركان ممتثلا أمري في طاعة الله عز وجل. فقال شركان: حبا وكرامة. ومد يده إلى أخيه، وقال: إن جاءك ولد أعطيته ابنتي «قضى فكان». ففرح بذلك وصار يهنئ بعضهم بعضا بالنصر على الأعداء، وهنأ الوزير دندان شركان وأخاه، وقال لهما: اعلما أيها الملكان أن الله نصرنا حيث وهبنا أنفسنا لله عز وجل، وهجرنا الأهل والأوطان، والرأي عندي أن نرحل وراءهم، ونحاصرهم ونقاتلهم؛ لعل الله أن يبلغنا مرادنا، ونستأصل أعداءنا، وإن شئتم فانزلوا في المراكب، وسيروا في البحر، ونحن نسير في البر، ونصبر على القتال، والطعن في النزال. ثم إن الوزير دندان ما زال يحرضهم على القتال، وأنشد قول من قال: # أطيب الطيبات قتل الأعادي %~% واختيالي على ظهور الجياد ~~ورسول يأتي بوعد حبيب %~% وحبيب يأتي بلا ميعاد # وقول آخر: # وإن عمرت جعلت الحرب والدة %~% والمشرفي أخا والسمهري أبا ~~بكل أشعث يلقى الموت مبتسما %~% حتى كأن له في قتله أربا # فلما فرغ الوزير دندان من شعره قال: سبحان من أيدنا بنصره العزيز، وأظفرنا بغنيمة الفضة والإبريز، ثم أمر ضوء المكان العسكر بالرحيل، فسافروا طالبين القسطنطينية، وجدوا في سيرهم حتى أشرفوا على مرج فسيح، وفيه كل شيء مليح ما بين وحوش تمرح، وغزلان تسنح، وكانوا قد قطعوا مفاوز كثيرة، وانقطع عنهم الماء ستة أيام، فلما أشرفوا على ذلك المرج، نظروا تلك العيون النابعة والأثمار اليانعة، وتلك الأرض كأنها جنة أخذت زخرفها وازينت، وسكرت أغصانها من رحيق الظل فتمايلت، وجمعت بين عذوبة التنسيم واعتلال النسيم، فتدهش العقل والناظر كما قال الشاعر: # انظر إلى الروض النضير كأنما %~% نشرت عليه ملاءة خضراء ~~فإذا سنحت بلحظ عينك لا ترى %~% إلا غديرا جال فيه الماء ~~وترى بنفسك عزة في دوحه %~% إذ فوق رأسك ms0369 حيث يسري لواء # وكما قال الآخر: # النهر خد بالشعاع مورد %~% قد دب فيه عذار ظل البان ~~والماء في سوق الغصون خلاخل %~% من فضة والزهر كالتيجان # فلما نظر ضوء المكان إلى ذلك المرج الذي التفت أشجاره، وزهت أزهاره، وترنمت أطياره؛ نادى أخاه شركان، وقال له: يا أخي، إن دمشق ما فيها مثل هذا المكان، فلا نرحل منه إلا بعد ثلاثة أيام، حتى نأخذ لنا راحة لأجل أن تنشط عساكر الإسلام، وتقوى نفوسهم على لقاء الكفرة اللئام، فأقاموا فيه، فبينما هم كذلك إذ سمعوا أصواتا من بعيد، فسأل عنهم ضوء المكان، فقيل له: إنها قافلة تجار من بلاد الشام، كانوا نازلين في هذا المكان للراحة، ولعل العساكر صادفوهم، وربما أخذوا شيئا من بضائعهم التي معهم حيث كانوا في بلاد الكفار. وبعد ساعة جاء التجار وهم صارخون يستغيثون بالملك، فلما رأى ضوء المكان ذلك أمر بإحضارهم، فحضروا بين يديه وقالوا: أيها الملك، إنا كنا في بلاد الكفار، ولم ينهبوا منا شيئا، فكيف ينهب أموالنا إخواننا المسلمون، ونحن في بلادهم؟ فإننا لما رأينا عساكركم أقبلنا عليهم، فأخذوا ما كان معنا، وقد أخبرناك بما حصل لنا. ثم أخرجوا له كتاب ملك القسطنطينية، فأخذه شركان وقرأه، ثم قال لهم: سوف نرد عليكم ما أخذ منكم، ولكن الواجب ألا تحملوا تجارة إلى بلاد الكفار. فقالوا: يا مولانا، إن الله سيرنا إلى بلادهم لنظفر بما لم يظفر به أحد من الغزاة، ولا أنتم في غزوتكم. فقال لهم: وما الذي ظفرتم به؟ فقالوا: ما نذكر لك ذلك إلا في خلوة؛ لأن هذا الأمر إذا شاع بين الناس واطلع عليه أحد، فيكون ذلك سببا لهلاكنا وهلاك كل من يتوجه إلى بلاد الروم من المسلمين. وكانوا قد خبئوا الصندوق الذي فيه اللعينة ذات الدواهي، فأخذهم ضوء المكان وأخوه، واختليا بهم، فشرحوا لهما حديث الزاهد، وصاروا يبكون حتى أبكوهما. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 95 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن النصارى الذين في هيئة التجار، لما ms0370 اختلى بهم ضوء المكان وأخوه شركان، شرحوا لهما حديث الزاهد، وبكوا حتى أبكوهما كما علمتهم الكاهنة ذات الدواهي، فرق قلب شركان للزاهد، وأخذته الرأفة عليه، وقامت به الحمية لله تعالى، وقال لهم: هل خلصتم هذا الزاهد أم هو في الدير إلى الآن؟ فقالوا: بل خلصناه، وقتلنا صاحب الدير من خوفنا على أنفسنا، ثم أسرعنا في الهرب خوفا من العطب، وقد أخبرنا بعض الثقات أن في هذا الدير قناطير من الذهب والفضة والجواهر. ثم بعد ذلك أتوا بالصندوق، وأخرجوا منه تلك الملعونة كأنها قرن خيار شنبر من شدة السواد والنحول، وهي مكبلة بتلك السلاسل والقيود، فلما نظرها ضوء المكان هو والحاضرون، ظنوا أنه رجل من خيار العباد، ومن أفضل الزهاد، خصوصا وجبينها يضيء من الدهان الذي دهنت به وجهها؛ فبكى ضوء المكان وأخوه بكاء شديدا، ثم قاما إليها وقبلا يديها ورجليها، وصارا ينتحبان، فأشارت إليهما وقالت: كفا عن هذا البكاء، واسمعا كلامي. فتركا البكاء امتثالا لأمرها، فقالت: اعلما أني قد رضيت بما صنعه بي مولاي؛ لأني أرى أن البلاء الذي نزل بي امتحان منه عز وجل، ومن لم يصبر على البلاء والمحن، فليس له وصول إلى جنات النعيم، وكنت أتمنى أني أعود إلى بلادي لا جزعا من البلاء الذي حل بي، بل لأجل أن أموت تحت حوافر خيل المجاهدين الذين هم بعد القتل أحياء غير أموات. ثم أنشدت هذه الأبيات: # الحصن طور ونار الحرب موقدة %~% وأنت موسى وهذا الوقت ميقات ~~ألق العصا تتلقف كل ما صنعوا %~% ولا تخف ما حبال القوم حيات ~~فاقرئ صدور العدى يوم الوغى سورا %~% فإن سيفك في الأعناق آيات # فلما فرغت العجوز من شعرها، تناثرت من عينيها المدامع، وجبينها بالدهان كالضوء اللامع، فقام إليها شركان وقبل يدها، وأحضر لها الطعام، فامتنعت وقالت: إني لم أفطر من مدة خمسة عشر عاما، فكيف أفطر في هذه الساعة، وقد جاد علي المولى بالخلاص من أسر الكفار، ودفع عني ما هو أشق من عذاب النار؟ فأنا أصبر إلى الغروب. فلما جاء ms0371 وقت العشاء، أقبل شركان هو وضوء المكان، وقدما إليها الأكل وقالا لها: كل أيها الزاهد. فقالت: ما هذا وقت الأكل، وإنما هذا وقت عبادة الملك الديان. ثم انتصبت في المحراب تصلي إلى أن ذهب الليل، ولم تزل على هذه الحالة ثلاثة أيام بلياليها، وهي لا تقعد إلا وقت التحية، فلما رآها ضوء المكان على تلك الحالة ملك قلبه حسن الاعتقاد فيها، وقال لشركان: اضرب خيمة من الأديم لذلك العابد، ووكل فراشا بخدمته. وفي اليوم الرابع دعت الطعام، فقدموا لها من الألوان ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فلم تأكل من ذلك كله إلا رغيفا واحدا بملح، ثم نوت الصوم، ولما جاء الليل قامت إلى الصلاة، فقال شركان لضوء المكان: أما هذا الرجل فقد زهد الدنيا غاية الزهد، ولولا هذا الجهاد لكنت لازمته وأعبد الله بخدمته حتى ألقاه، وقد اشتهيت أن أدخل معه الخيمة وأتحدث معه ساعة. فقال له ضوء المكان: وأنا كذلك، ولكن نحن في غد ذاهبون إلى غزو القسطنطينية، ولم نجد لنا ساعة مثل هذه الساعة. فقال الوزير دندان: وأنا الآخر أشتهي أن أرى هذا الزاهد لعله يدعو لي بقضاء نحبي في الجهاد، ولقاء ربي، فإني زهدت الدنيا. # فلما جن عليهم الليل دخلوا على تلك الكاهنة ذات الدواهي في خيمتها، فرأوها قائمة تصلي، فدنوا منها، وصاروا يبكون رحمة لها، وهي لا تلتفت إليهم إلى أن انتصف الليل، فسلمت من صلاتها، ثم أقبلت عليهم وحيتهم، وقالت لهم: لماذا جئتم؟ فقالوا لها: أيها العابد، أما سمعت بكاءنا حولك؟ فقالت: إن الذي يقف بين يدي الله لا يكون له وجود في الكون حتى يسمع صوت أحد أو يراه. ثم قالوا: إننا نشتهي أن تحدثنا بسبب أسرك، وتدعو لنا في هذه الليلة، فإنها خير لنا من ملك القسطنطينية. فلما سمعت كلامهم قالت: والله لولا أنكم أمراء المسلمين ما أحدثكم بشيء من ذلك أبدا، فإني لا أشكو إلا إلى الله، وها أنا أخبركم بسبب أسري. ### || حكاية الدير # اعلموا أنني كنت في القدس مع بعض الأبدال ms0372 وأرباب الأحوال، وكنت لا أتكبر عليهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أنعم علي بالتواضع والزهد، فاتفق أنني توجهت إلى البحر ليلة، ومشيت على الماء، فداخلني العجب من حيث لا أدري، وقلت في نفسي: من مثلي يمشي على الماء؟ فقسا قلبي من ذلك الوقت، وابتلاني الله بحب السفر، فسافرت إلى بلاد الروم، وجلت في أقطارها سنة كاملة حتى لم أترك موضعا إلا عبدت الله فيه، فلما وصلت إلى هذا المكان صعدت إلى هذا الجبل، وفيه دير راهب يقال له «مطروحني»، فلما رآني خرج إلي وقبل يدي ورجلي، وقال: إني رأيتك منذ دخلت بلاد الروم، وقد شوقتني إلى بلاد الإسلام. ثم أخذ بيدي، وأدخلني في ذلك الدير، ثم دخل بي إلى بيت مظلم، فلما دخلت فيه غافلني وأغلق علي الباب، وتركني فيه أربعين يوما من غير طعام ولا شراب، وكان قصده بذلك قتلي صبرا، فاتفق في بعض الأيام أنه دخل ذلك الدير بطريق يقال له دقيانوس، ومعه عشرة من الغلمان، ومعه ابنة يقال لها «تماثيل»، ولكنها في الحسن ليس لها مثيل، فلما دخلوا الدير أخبرهم الراهب مطروحني بخبري، فقال البطريق: أخرجوه لأنه لم يبق من لحمه ما يأكله الطير. ففتحوا باب ذلك البيت المظلم، فوجدوني منتصبا في المحراب أصلي وأقرأ وأسبح وأتضرع إلى الله تعالى، فلما رأوني على تلك الحالة قال مطروحني: إن هذا ساحر من السحرة. فلما سمعوا كلامه قاموا جميعا ودخلوا علي، وأقبل علي دقيانوس هو وجماعته وضربوني ضربا عنيفا، فعند ذلك تمنيت الموت، ولمت نفسي وقلت: هذا جزاء من يتكبر ويعجب بما أنعم عليه ربه مما ليس في طاقته، وأنت يا نفسي قد داخلك العجب والكبر، أما علمت أن الكبر يغضب الرب ويقسي القلب، ويدخل الإنسان النار. # ثم بعد ذلك قيدوني وردوني إلى مكاني، وكان سردابا في ذلك البيت تحت الأرض، وكل ثلاثة أيام يرمون إلي قرصة من الشعير، وشربة ماء، وكل شهرين يأتي البطريق ويدخل ذلك الدير، وقد كبرت ابنته تماثيل؛ لأنها كانت بنت تسع سنين حين رأيتها، ومضى ms0373 لي في الأسر خمس عشرة سنة، فجملة عمرها أربعة وعشرون عاما، وليس في بلادنا ولا في بلاد الروم أحسن منها، وكان أبوها يخاف عليها من الملك أن يأخذها منه؛ لأنها وهبت نفسها للمسيح، غير أنها تركب مع أبيها في زي الرجال الفرسان، وليس لها مثيل في الحسن، ولم يعلم من رآها أنها جارية، وقد خزن أبوها أمواله في هذا الدير؛ لأن كل من كان عنده شيء من نفائس الذخائر يضعه في ذلك الدير، وقد رأيت فيه من أنواع الذهب والفضة والجواهر، وسائر الأواني والتحف، ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى، فأنتم أولى به من هؤلاء الكفرة، فخذوا ما في هذا الدير، وأنفقوه على المسلمين، وخصوصا المجاهدين. ولما وصل هؤلاء التجار إلى القسطنطينية، وباعوا بضاعتهم، كلمتهم تلك الصورة التي في الحائط كرامة أكرمني الله بها، فجاءوا إلى ذلك الدير، وقتلوا البطريق مطروحني بعد أن عاقبوه أشد العقاب، وجروه من لحيته، فدلهم على موضعي فأخذوني، ولم يكن لهم سبيل إلا الهرب خوفا من العطب. وفي ليلة غد تأتي «تماثيل» إلى ذلك الدير على عادتها، ويلحقها أبوها مع غلمانه؛ لأنه يخاف عليها، فإن شئتم أن تشاهدوا هذا الأمر فخذوني بين أيديكم، وأنا أسلم إليكم الأموال وخزانة البطريق دقيانوس التي في ذلك الجبل، وقد رأيتهم يخرجون أواني الذهب والفضة يشربون فيها، ورأيت عندهم جارية تغني لهم بالعربي، فوا حسرتاه لو كان الصوت الحسن في قراءة القرآن! وإن شئتم فادخلوا ذلك الدير واكمنوا فيه إلى أن يصل دقيانوس ومعه ابنته، فخذوها فإنها لا تصلح إلا لملك الزمان شركان، وللملك ضوء المكان. # ففرحوا بذلك حين سمعوا كلامها إلا الوزير دندان، فإنه ما دخل كلامها في عقله، وإنما كان يتحدث معها لأجل خاطر الملك، وصار باهتا من كلامها، ويلوح على وجهه علامة الإنكار عليها، فقالت العجوز ذات الدواهي: إني أخاف أن يقبل البطريق، وينظر هذه العساكر في المرج، فما يجسر أن يدخل الدير. فأمر السلطان العسكر أن يرحلوا صوب القسطنطينية، وقال ضوء المكان: إن قصدي أن ms0374 نأخذ معنا مائة فارس، وبغالا كثيرة، ونتوجه إلى ذلك الجبل، لأجل أن نحملهم المال الذي في الدير. ثم أرسل من وقته وساعته إلى الحاجب الكبير، فأحضره بين يديه، وأحضر المقدمين والأتراك والديلم، وقال: إذا كان وقت الصباح، فارحلوا إلى القسطنطينية، وأنت أيها الحاجب تكون عوضا عني في الرأي والتدبير، وأنت يا رستم تكون نائبا عن أخي في القتال، ولا تعلموا أحدا أننا لسنا معكم، وبعد ثلاثة أيام نلحقكم. ثم انتخب مائة فارس من الأبطال، وانحاز هو وأخوه شركان والوزير دندان والمائة فارس، وأخذوا معهم البغال والصناديق لأجل حمل المال. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 96 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شركان وأخاه ضوء المكان والوزير دندان، سافروا هم والمائة خيال إلى الدير الذي وصفته لهم اللعينة ذات الدواهي، وأخذوا معهم البغال والصناديق لأجل حمل المال، فلما أصبح الصباح، نادى الحاجب بين العسكر بالرحيل، فرحلوا وهم يظنون أن شركان وضوء المكان والوزير دندان معهم، ولم يعلموا أنهم ذهبوا إلى الدير. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر شركان وأخيه ضوء المكان والوزير دندان، فإنهم أقاموا إلى آخر النهار، وكان الكفار أصحاب ذات الدواهي رحلوا خفية بعد أن دخلوا عليها، وقبلوا يديها ورجليها، واستأذنوها في الرحيل، فأذنت لهم وأمرتهم بما شاءت من المكر، فلما جن الظلام قامت العجوز وقالت لضوء المكان هو وأصحابه: قوموا معي إلى الجبل، وخذوا معكم قليلا من العسكر، فأطاعوها وتركوا في سفح الجبل خمسة فوارس بين يدي ذات الدواهي، وصارت عندها قوة من شدة فرحها، وصار ضوء المكان يقول: سبحان من قوى هذا الزاهد الذي ما رأينا مثله! وكانت الكاهنة قد أرسلت كتابا على أجنحة الطير إلى ملك القسطنطينية تخبره فيه بما جرى، وقالت في آخر الكتاب: أريد أن تنفذ لي عشرة آلاف فارس من شجعان الروم، يكون سيرهم في سفح الجبل خفية لئلا يراهم عسكر الإسلام، ويأتون إلى الدير ويكمنون فيه حتى أحضر إليهم ومعي ملك المسلمين وأخوه، ms0375 فإني خدعتهما وجئت بهما ومعهما الوزير ومائة فارس لا غير، وسوف أسلم إليهم الصلبان التي في الدير، وقد عزمت على قتل الراهب مطروحني؛ لأن الحيلة لا تتم إلا بقتله، فإن تمت الحيلة فلا يصل من المسلمين إلى بلادهم لا ديار ولا من ينفخ النار، ويكون مطروحني فداء لأهل الملة النصرانية والعصابة الصليبية، والشكر للمسيح أولا وآخرا. فلما وصل الكتاب إلى القسطنطينية، جاء براج الحمام إلى الملك أفريدون بالورقة، فلما قرأها أنفذ الجيش من وقته، وجهز كل واحد بفرس وهجين وبغل وزاد، وأمرهم أن يصلوا إلى ذلك الدير. # هذا ما كان من أمر هؤلاء، وأما ما كان من أمر الملك ضوء المكان وأخيه شركان والوزير دندان والعسكر، فإنهم لما وصلوا إلى الدير دخلوه، فرأوا الراهب مطروحني قد أقبل لينظر حالهم، فقال الزاهد: اقتلوا هذا اللعين. فضربوه بالسيوف، وأسقوه كأس الحتوف، ثم مضت بهم الملعونة إلى موضع النذور، فأخرجوا منه من التحف والذخائر أكثر مما وصفته لهم، وبعد أن جمعوا ذلك وضعوه في الصناديق، وحملوه على البغال، وأما «تماثيل» فإنها لم تحضر لا هي ولا أبوها خوفا من المسلمين، فأقام ضوء المكان في انتظارها ذلك النهار، وثاني يوم وثالث يوم، فقال شركان: والله إن قلبي مشغول بعسكر الإسلام، ولا أدري ما حالهم. فقال أخوه: إنا قد أخذنا هذا المال العظيم، وما أظن أن «تماثيل» ولا غيرها يأتي إلى هذا الدير بعد أن جرى لعسكر الروم ما جرى، فينبغي أننا نقنع بما يسره الله لنا، ونتوجه لعل الله يعيننا على فتح القسطنطينية. # ثم نزلوا من الجبل، فما أمكن ذات الدواهي أن تتعرض لهم خوفا من التفطن لخداعها، ثم إنهم ساروا إلى أن وصلوا إلى باب الشعب، وإذا بالعجوز قد أكمنت لهم عشرة آلاف فارس، فلما رأوهم احتاطوا بهم من كل جانب، وأشرعوا الرماح، وجردوا عليهم بيض الصفاح، ونادى الكفار بكلمة كفرهم، وفرقوا سهام شرهم، فنظر ضوء المكان وأخوه شركان والوزير دندان إلى هذا الجيش، فرأوه جيشا عظيما، وقالوا: من أعلم هذه العساكر بنا؟ ms0376 فقال شركان: يا أخي، ما هذا وقت كلام، بل هذا وقت الضرب بالسيف والرمي بالسهام، فشدوا عزمكم وقووا نفوسكم؛ لأن هذه الشعب مثل الدرب لها بابان، وحق سيد العرب والعجم، لولا أن هذا المكان ضيق لكنت أفنيتهم، ولو كانوا مائة ألف فارس. فقال ضوء المكان: لو علمنا ذلك لأخذنا معنا خمسة آلاف فارس. فقال الوزير دندان: لو كان معنا عشرة آلاف فارس في هذا المكان الضيق لا تفيدنا شيئا، ولكن الله يعيننا عليهم، وأنا أعرف هذه الشعب وضيقها، وأعرف أن فيها مفاوز كثيرة؛ لأني قد غزوت فيها مع الملك عمر النعمان حين حاصرنا القسطنطينية، وكنا نقيم فيها، وفيها ماء أبرد من الثلج، فانهضوا بنا لنخرج من هذه الشعب قبل أن يكثر علينا عساكر الكفار، ويسبقونا إلى رأس الجبل، فيرموا علينا الحجارة، ولا نملك فيهم أربا. فأخذوا في الإسراع بالخروج من تلك الشعب، فنظر إليهم الزاهد وقال لهم: ما هذا الخوف وأنتم قد بعتم أنفسكم لله تعالى في سبيله؟ والله إني مكثت مسجونا تحت الأرض خمسة عشر عاما، ولم أعترض على الله فيما فعل بي، فقاتلوا في سبيل الله، فمن قتل منكم فالجنة مأواه، ومن قتل فإلى الشرف مسعاه. # فلما سمعوا من الزاهد هذا الكلام زال عنهم الهم والغم، وثبتوا حتى هجم عليهم الكفار من كل مكان، ولعبت في أعناقهم السيوف، ودارت بينهم كأس الحتوف، وقاتل المسلمون في طاعة الله أشد القتال، وأعملوا في أعدائه الأسنة والنصال، وصار ضوء المكان يضرب الرجال، ويجندل الأبطال، ويرمي رءوسهم خمسة خمسة، وعشرة عشرة، حتى أفنى منهم عددا لا يحصى، وأحمالا لا تستقصى، فبينما هو كذلك إذ نظر الملعونة وهي تشير بالسيف إليهم وتقويهم، وكل من خاف يهرب إليها، وصارت تومئ إليهم بقتل شركان، فيميلون إلى قتله فرقة بعد فرقة، وكل فرقة حملت عليه يحمل عليها ويهزمها، وتأتي بعدها فرقة أخرى حاملة عليه فيردها بالسيف على أعقابها، فظن أن نصره عليهم ببركة العابد، وقال في نفسه: إن هذا العابد قد نظر الله إليه بعين عنايته، ms0377 وقوى عزمي على الكفار بخالص نيته، فأراهم يخافونني، ولا يستطيعون الإقدام علي، بل كلما حملوا علي يولون الأدبار، ويركنون إلى الفرار. # ثم قاتلوا بقية يومهم إلى آخر النهار، ولما أقبل الليل نزلوا في مغارة من تلك الشعب من كثرة ما حصل لهم من الوبال ورمي الحجارة، وقتل منهم في ذلك اليوم خمسة وأربعون رجلا، ولما اجتمعوا مع بعضهم فتشوا على ذلك الزاهد، فلم يروا له أثرا، فعظم عليهم ذلك وقالوا: لعله استشهد. فقال شركان: أنا رأيته يقوي الفرسان بالإشارات الربانية، ويعيذهم بالآيات الرحمانية. فبينما هم في الكلام، وإذا بالملعونة ذات الدواهي قد أقبلت، وفي يدها رأس البطريق الكبير الرئيس على العشرين ألفا، وكان جبارا عنيدا، وشيطانا مريدا، وقد قتله رجل من الأتراك بسهم، فعجل الله بروحه إلى النار، فلما رأى الكفار ما فعل ذلك المسلم بصاحبهم مالوا بكليتهم عليه، وأوصلوا الأذية إليه، وقطعوه بالسيوف، فعجل الله به إلى الجنة. # ثم إن الملعونة قطعت رأس ذلك البطريق، وأتت بها وألقتها بين يدي شركان والملك ضوء المكان والوزير دندان، فلما رآها شركان وثب قائما على قدميه، وقال: الحمد لله على رؤيتك أيها العابد المجاهد الزاهد. فقالت: يا ولدي، إني قد طلبت الشهادة في هذا اليوم، فصرت أرمي روحي بين عسكر الكفار، وهم يهابونني، فلما انفصلتم أخذتني الغيرة عليكم، وهجمت على البطريق الكبير رئيسهم، وكان يعد بألف فارس، فضربته حتى أطحت رأسه عن بدنه، ولم يقدر أحد من الكفار أن يدنو مني، وأتيت برأسه إليكم. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 97 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن اللعينة ذات الدواهي لما أخذت رأس البطريق رئيس العشرين ألف كافر، أتت بها وألقتها بين يدي الملك ضوء المكان وأخيه شركان والوزير دندان، وقالت لهم: لما رأيت حالكم، أخذتني الغيرة عليكم، وهجمت على البطريق الكبير وضربته بالسيف، فأطحت رأسه ولم يقدر أحد من الكفار أن يدنو مني، وأتيت برأسه إليكم لتقوى نفوسكم على الجهاد، وترضوا بسيوفكم رب العباد، وأريد أن أشغلكم ms0378 في الجهاد، وأذهب إلى عسكركم، ولو كانوا على باب القسطنطينية، وآتيكم من عندهم بعشرين ألف فارس يهلكون هؤلاء الكفرة. فقال شركان: وكيف تمضي إليهم أيها الزاهد والوادي مسدود بالكفار من كل جانب؟ فقالت الملعونة: الله يسترني عن أعينهم فلا يرونني، ومن رآني لا يجسر أن يقبل علي، فإني في ذلك الوقت أكون فانيا في الله، وهو يقاتل عني أعداءه. فقال شركان: صدقت أيها الزاهد؛ لأني شاهدت ذلك، وإذا كنت تقدر أن تمضي أول الليل يكون ذلك أجود لنا. فقال: أنا أمضي في هذه الساعة، وإن كنت تريد أن تجيء معي ولا يراك أحد فقم، وإن كان أخوك يذهب معنا أخذناه دون غيره، فإن ظل الولي لا يستر غير اثنين. فقال شركان: أما أنا فلا أترك أصحابي، ولكن إذا كان أخي يرضى بذلك فلا بأس حيث ذهب معك وخلص من هذا الضيق، فإنه هو حصن المسلمين وسيف رب العالمين، وإن شاء فليأخذ معه الوزير دندان أو من يختار، ثم يرسل إلينا عشرة آلاف فارس إعانة على هؤلاء اللئام. واتفقوا على هذا الحال، ثم إن العجوز قالت: أمهلوني حتى أذهب قبلكم، وأنظر حال الكفرة، هل هم نيام أو يقظانون؟ فقالوا: ما نخرج إلا معك، ونسلم أمرنا لله. فقالت: إذا طاوعتكم لا تلوموني ولوموا أنفسكم، فالرأي عندي أن تمهلوني حتى أكشف خبرهم. فقال شركان: امض إليهم ولا تبطئ علينا؛ لأننا ننتظرك. فعند ذلك خرجت ذات الدواهي، وكان شركان حدث أخاه بعد خروجهما، وقال: لولا أن هذا الزاهد صاحب كرامات ما قتل هذا البطريق الجبار، وفي هذا القدر كفاية في كرامة هذا الزاهد، وقد انكسرت شوكة الكفار بقتل هذا البطريق؛ لأنه كان جبارا عنيدا، وشيطانا مريدا. # فبينما هم يتحدثون في كرامات الزاهد، وإذا باللعينة ذات الدواهي قد دخلت عليهم، ووعدتهم بالنصر على الكفرة، فشكروا الزاهد على ذلك، ولم يعلموا أن هذا حيلة وخداع، ثم قالت اللعينة: أين ملك الزمان ضوء المكان؟ فأجابها بالتلبية، فقالت له: خذ معك وزيرك، وسر خلفي حتى نذهب إلى القسطنطينية. ms0379 وكانت ذات الدواهي قد أعلمت الكفار بالحيلة التي عملتها، ففرحوا بذلك غاية الفرح، وقالوا: ما يجبر خاطرنا إلا قتل ملكهم في نظير قتل البطريق؛ لأنه لم يكن عندنا أفرس منه. وقالت العجوز النحس ذات الدواهي حين أخبرتهم بأنها تذهب إليهم بملك المسلمين: إذا أتيت به نأخذه إلى الملك أفريدون. ثم إن العجوز ذات الدواهي توجهت وتوجه معها ضوء المكان والوزير دندان، وهي سابقة عليهما تقول لهما: سيروا على بركة الله تعالى. فأجاباها إلى قولها، ونفذ فيهما سهم القضاء والقدر، ولم تزل سائرة بهما حتى توسطت بهما عسكر الروم، ووصلوا إلى الشعب المذكورة الضيقة، وعساكر الكفار ينظرون إليهم ولا يتعرضون لهم بسوء؛ لأن الملعونة أوصتهم بذلك. فلما نظر ضوء المكان والوزير دندان إلى عساكر الكفار، وعرفوا أن الكفار عاينوهم ولم يتعرضوا لهم، قال الوزير دندان: والله إن هذه كرامة من الزاهد، ولا شك أنه من الخواص. فقال ضوء المكان: والله ما أظن الكفار إلا عميانا؛ لأننا نراهم وهم لا يروننا. فبينما هما في الثناء على الزاهد، وتعداد كراماته وزهده وعبادته، وإذا بالكفار قد هجموا عليهما، واحتاطوا بهما وقبضوا عليهما، وقالوا: هل معكما أحد غيركما فنقبض عليه؟ فقال الوزير دندان: أما ترون هذا الرجل الآخر الذي بين أيدينا؟ فقال لهم الكفار: وحق المسيح والرهبان والجاثليق والمطران إننا لم نر أحدا غيركما. فقال ضوء المكان: والله إن الذي حل بنا عقوبة لنا من الله تعالى. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 98 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار لما قبضوا على الملك ضوء المكان والوزير دندان، قالوا لهما: هل معكما غيركما فنقبض عليه؟ فقال الوزير دندان: أما ترون هذا الرجل الآخر الذي معنا؟ قالوا: وحق المسيح والرهبان والجاثليق والمطران إننا ما نرى أحدا غيركما، ثم إن الكفار قد وضعوا القيود في أرجلهما، ووكلوا بهما من يحرسهما في المبيت، فصارا يتأسفان ويقولان لبعضهما: إن الاعتراض على الصالحين يؤدي إلى أكثر من ذلك، وجزاؤنا ما حل بنا من الضيق الذي ms0380 نحن فيه. # هذا ما كان من أمر ضوء المكان والوزير دندان، وأما ما كان من أمر الملك شركان، فإنه بات تلك الليلة، فلما أصبح الصباح قام وصلى صلاة الصبح، ثم نهض هو ومن معه من العساكر، وتأهبوا لقتال الكفار، وقوى قلوبهم شركان، ووعدهم بكل خير، ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى الكفار، فلما رآهم الكفار من بعيد قالوا لهم: يا مسلمون، إنا أسرنا سلطانكم ووزيره الذي به انتظام أمركم، وإن لم ترجعوا عن قتالنا قتلناكم عن آخركم، وإذا سلمتم لنا أنفسكم، فإننا نروح بكم إلى ملكنا فيصالحكم على ألا تخرجوا من بلادنا، ولا تذهبوا إلى بلادكم، ولا تضرونا بشيء ولا نضركم بشيء، فإن طاب خاطركم كان الحظ لكم، وإن أبيتم فما يكون إلا قتلكم، وقد عرفناكم وهذا آخر كلامنا معكم. فلما سمع شركان كلامهم، وتحقق أسر أخيه والوزير دندان عظم عليه ذلك، وبكى وضعفت قوته، وأيقن بالهلاك، فقال في نفسه: يا ترى ما سبب أسرهما؟ هل حصل منهما إساءة أدب في حق الزاهد واعتراضا عليه؟ أو ما شأنهما؟ ثم نهضوا إلى قتال الكفار، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وتبين في ذلك اليوم الشجاع من الجبان، واختضب السيف والسنان، وتهافت عليهم الكفار تهافت الذباب على الشراب من كل مكان، وما زال شركان ومن معه يقاتلون قتال من لا يخاف الموت، ولا يعتريه في طلب الفرصة فوت، حتى سال الوادي بالدماء، وامتلأت الأرض بالقتلى، فلما أقبل الليل تفرقت الجيوش، وكل من الفريقين ذهب إلى مكانه، وعاد المسلمون إلى تلك المغارة، ولم يبق منهم إلا القليل، لم يكن منهم إلا على الله والسيف تعويل، وقد قتل منهم في هذا النهار خمسة وثلاثون فارسا من الأمراء والأعيان، وإن قتل بسيفهم من الكفار آلاف من الرجال والركبان. فلما عاين شركان ذلك ضاق عليه الأمر، وقال لأصحابه: كيف العمل؟ فقال له أصحابه: لا يكون إلا ما يريده الله تعالى. # فلما كان ثاني يوم قال شركان لبقية العسكر: إن خرجتم للقتال ما بقي منكم أحد؛ لأنه لم يبق ms0381 عندنا إلا قليل من الماء والزاد، والرأي الذي عندي فيه الرشاد أن تجردوا سيوفكم، وتخرجوا وتقفوا على باب تلك المغارة لأجل أن تدفعوا عن أنفسكم كل من يدخل عليكم، فلعل الزاهد أن يكون وصل إلى عسكر المسلمين ويأتينا بعشرة آلاف فارس، فيعينونا على قتال الكفرة، ولعل الكفار لم ينظروه هو ومن معه. فقال له أصحابه: إن هذا الرأي هو الصواب، وما في سداده ارتياب. ثم إن العسكر خرجوا وملكوا باب المغارة، ووقفوا في طرفيه، وكل من أراد أن يدخل عليهم من الكفار يقتلوه، وصاروا يدفعون الكفار عن الباب، وصبروا على قتال الكفار إلى أن ذهب النهار، وأقبل الليل بالاعتكار. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 99 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عسكر المسلمين ملكوا باب المغارة، ووقفوا في طرفيه، وصاروا يدفعون الكفار عن الباب، وكل من أراد أن يهجم عليه قتلوه، وصبروا على قتال الكفار إلى أن ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار، ولم يبق عند الملك شركان إلا خمسة وعشرون رجلا لا غير، فقال الكفار لبعضهم: متى تنقضي هذه الأيام، فإننا قد تعبنا من قتال المسلمين. فقال بعضهم: قوموا نهجم عليهم، فإنه لم يبق منهم إلا خمسة وعشرون رجلا، فإن لم نقدر عليهم نضرم عليهم النار، فإن انقادوا وسلموا أنفسهم إلينا أخذناهم أسارى، وإن أبوا تركناهم حطبا للنار حتى يصيروا عبرة لأولي الأبصار، فلا رحم المسيح أباهم، ولا جعل مستقر النصارى مثواهم. ثم إنهم حملوا الحطب إلى باب المغارة، وأضرموا فيه النار، فأيقن شركان ومن معه بالبوار، فبينما هم كذلك إذا بالبطريق الرئيس عليهم التفت إلى المشير بقتلهم، وقال له: لا يكون قتلهم إلا عند الملك أفريدون لأجل أن يشفي غليله، فينبغي أننا نبقيهم عندنا أسارى، وفي غد نسافر بهم إلى القسطنطينية، ونسلمهم إلى الملك أفريدون، فيفعل بهم ما يريد. فقالوا: هذا هو الرأي الصواب. ثم أمروا بتكتيفهم، وجعلوا عليهم حراسا. # فلما جن الظلام اشتغل الكفار باللهو والطعام، ودعوا بالشراب، فشربوا حتى انقلب كل منهم ms0382 على قفاه، وكان شركان وأخوه ضوء المكان مقيدين، وكذلك من معهم من الأبطال، فعند ذلك نظر شركان إلى أخيه وقال له: يا أخي كيف الخلاص؟ فقال ضوء المكان: والله لا أدري، وقد صرنا كالطير في الأقفاص. فاغتاظ شركان وتنهد من شدة غيظه؛ فانقطع الكتاف، فلما خلص من الوثاق قام إلى رئيس الحراس، وأخذ مفاتيح القيود من جيبه، وفك ضوء المكان وفك الوزير دندان، وفك بقية العسكر، ثم التفت إلى أخيه ضوء المكان والوزير دندان، وقال: إني أريد أن أقتل من الحراس ثلاثة، ونأخذ ثيابهم ونلبسها نحن الثلاثة حتى نصير في زي الروم، ونسير بينهم حتى لا يعرفوا أحدا منا، ثم نتوجه إلى عسكرنا. فقال ضوء المكان: إن هذا الرأي غير صواب؛ لأننا إذا قتلناهم نخاف أن يسمع أحد شخيرهم، فينتبه إلينا الكفار فيقتلوننا، والرأي السديد أن نسير إلى خارج الشعب. فأجابوه إلى ذلك. # فلما صاروا بعيدا عن الشعب بقليل رأوا خيلا مربوطة، وأصحابها نائمون، فقال شركان لأخيه: ينبغي أن يأخذ كل واحد منا جوادا من هذه الخيول. وكانوا خمسة وعشرين رجلا، فأخذوا خمسة وعشرين جوادا، وقد ألقى الله النوم على الكفار لحكمة يعلمها، ثم إن شركان جعل يختلس من الكفار السلاح من السيوف والرماح حتى اكتفى، ثم ركبوا الخيل التي أخذوها وساروا، وكان في ظن الكفار أنه لا يقدر أحد على فكاك ضوء المكان وأخيه ومن معهما من العساكر، وأنهم لا يقدرون على الهروب، فلما خلصوا جميعا من الأسر، وصاروا في أمن من الكفار، التفت إليهم شركان وقال لهم: لا تخافوا حيث سترنا الله، ولكن عندي رأي ولعله صواب. فقالوا: وما هو؟ قال: أريد أن تطلعوا فوق الجبل، وتكبروا كلكم تكبيرة واحدة، وتقولوا: لقد جاءتكم العساكر الإسلامية. ونصيح كلنا صيحة واحدة بقول: الله أكبر. فيفترق الجمع من ذلك، ولا يجدون لهم في هذا الوقت حيلة، فإنهم سكارى ويظنون أن عسكر المسلمين أحاطوا بهم من كل جانب، واختلطوا بهم، فيقعون ضربا بالسيوف في بعضهم من دهشة السكر والنوم، فنقطعهم بسيوفهم ويدور ms0383 السيف فيهم إلى الصباح. فقال ضوء المكان: إن هذا الرأي غير صواب، والصواب إننا نسير إلى عسكرنا ولا ننطق بكلمة؛ لأننا إن كبرنا تنبهوا لنا، ولحقونا فلم يسلم منا أحد. فقال شركان: والله لو تنبهوا لنا ما علينا بأس، وأشتهي أن توافقوني على هذا الرأي، وهو لا يكون إلا خيرا. فأجابوه إلى ذلك، وطلعوا فوق الجبل، وصاحوا بالتكبير، فكبرت معهم الجبال والأشجار والأحجار من خشية الله، فسمع الكفار ذلك التكبير، فصاح الكفار ... وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 100 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شركان قال: أشتهي أن توافقوني على هذا الرأي، وهو لا يكون إلا خيرا. فأجابوه إلى ذلك، وطلعوا فوق الجبل، وصاحوا بالتكبير، فكبرت معهم الجبال والأشجار والأحجار من خشية الله، فسمعه الكفار، فصاحوا على بعضهم ولبسوا السلاح، وقالوا: قد هجم علينا الأعداء وحق المسيح، ثم قتلوا من بعضهم ما لا يعلم عدده إلا الله تعالى. فلما كان الصباح فتشوا على الأسارى، فلم يجدوا لهم أثرا، فقال رؤساؤهم: إن الذي فعل بكم هذه الفعال هم الأسارى الذين كانوا عندنا، فدونكم والسعي خلفهم حتى تلحقوهم فتسقوهم كأس الوبال، ولا يحصل لكم خوف ولا انذهال. ثم إنهم ركبوا خيولهم، وسعوا خلفهم، فما كان إلا لحظة حتى لحقوهم وأحاطوا بهم، فلما رأى ضوء المكان ذلك ازداد به الفزع، وقال لأخيه: إن الذي خفت من حصوله قد حصل، وما بقي لنا حيلة إلا الجهاد. فلزم شركان السكوت عن المقال، ثم انحدر ضوء المكان من أعلى الجبل، وكبر وكبرت معه الرجال، وعولوا على الجهاد، وبيع أنفسهم في طاعة رب العباد. # فبينما هم كذلك وإذا بأصوات يصيحون بالتهليل والتكبير، والصلاة والسلام على البشير النذير، فالتفتوا إلى جهة الصوت فرأوا جيوش المسلمين، وعساكر الموحدين مقبلين، فلما رأوهم قويت قلوبهم، وحمل شركان على الكافرين، وهلل وكبر هو ومن معه من الموحدين، فارتجت الأرض كالزلازل، وتفرقت عساكر الكفار في عرض الجبال، فتبعهم المسلمون بالضرب والطعان، وأطاحوا منهم الرءوس عن الأبدان، ولم يزل ms0384 ضوء المكان هو ومن معه من المسلمين يضربون في أعناق الكافرين إلى أن ولى النهار، وأقبل الليل بالاعتكار، ثم انحاز المسلمون إلى بعضهم، وباتوا مستبشرين طول ليلهم. فلما أصبح الصباح، وأشرق بنوره ولاح، رأوا بهرام مقدم الديلم، ورستم مقدم الأتراك، ومعهما عشرون ألف فارس مقبلين عليهم كالليوث العوابس، فلما رأوا ضوء المكان ترجل الفرسان، وسلموا عليه، وقبلوا الأرض بين يديه، فقال لهم ضوء المكان: أبشروا بنصر المسلمين، وهلاك القوم الكافرين. ثم هنئوا بعضهم بالسلامة، وعظيم الأجر في القيامة. # وكان السبب في مجيئهم إلى هذا المكان، أن الأمير بهرام والأمير رستم والحاجب الكبير لما ساروا بجيوش المسلمين والرايات على رءوسهم منشورة حتى وصلوا إلى القسطنطينية، رأوا الكفار قد طلعوا على الأسوار، وملكوا الأبراج والقلاع، واستعدوا في كل حصن مناع، حين علموا بقدوم العساكر الإسلامية، والأعلام المحمدية، وقد سمعوا قعقعة السلاح، وضجة الصياح، ونظروا فرأوا المسلمين، وسمعوا حوافر خيولهم من تحت الغبار، فإذا هم كالجراد المنتشر، والسحاب المنهمر، وسمعوا أصوات المسلمين بتلاوة القرآن، وتسبيح الرحمن، وكان السبب في إعلام الكفار بذلك ما دبرته العجوز ذات الدواهي من زورها وعهرها، وبهتانها ومكرها، حتى قربت العساكر كالبحر الزاخر من كثرة الرجال والفرسان، والنساء والصبيان، فقال أمير الترك لأمير الديلم: يا أمير، إننا بقينا على خطر من الأعداء الذين فوق الأسوار، فانظر إلى تلك الأبراج، وإلى هذا العالم الذي كالبحر العجاج المتلاطم بالأمواج، إن هؤلاء الكفار قدرنا مائة مرة، ولا نأمن من جاسوس شره فيخبرهم أننا على خطر من الأعداء الذين لا يحصى عددهم، ولا ينقطع مددهم، خصوصا مع غيبة الملك ضوء المكان وأخيه والوزير الأجل دندان، فعند ذلك يطمعون فينا لغيبتهم عنا؛ فيمحقوننا بالسيف عن آخرنا، ولا ينجو منا ناج، ومن الرأي أن تأخذ أنت عشرة آلاف فارس من المواصلة والأتراك، وتذهب بهم إلى دير مطروحني ومرج ملوخنا في طلب إخواننا وأصحابنا، فإن أطعتموني كنتم سببا في الفرج عنهم إن كان الكفار قد ضيقوا عليهم، وإن لم تطيعوني فلا لوم علي، وإذا توجهتم ينبغي ms0385 أن ترجعوا إلينا مسرعين، فإن من الحزم سوء الظن. فعندها قبل الأمير المذكور كلامه، وانتخبا عشرين ألف فارس، وساروا يقطعون الطرقات طالبين المرج المذكور، والدير المشهور. # هذا ما كان من أمر سبب مجيئهم، وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي، فإنها لما أوقعت السلطان ضوء المكان وأخاه شركان والوزير دندان في أيدي الكفار، أخذت تلك العاهرة جوادا وركبته وقالت للكفار: إني أريد أن ألحق عسكر المسلمين، وأتحيل على هلاكهم؛ لأنهم في القسطنطينية، فأعلمهم أن أصحابهم هلكوا، فإذا سمعوا ذلك مني تشتت شملهم، وانصرم حبلهم، وتفرق جمعهم، ثم أدخل أنا على الملك أفريدون ملك القسطنطينية، وولدي الملك حردوب ملك الروم، وأخبرهما بهذا الخبر، فيخرجان بعساكرهما إلى المسلمين ويهلكونهم، ولا يتركون أحدا منهم. ثم إنها سارت تقطع الأرض على ذلك الجواد طول الليل، فلما أصبح الصباح لاح لها عسكر بهرام ورستم، فدخلت بعض الغابات، وأخفت جوادها هناك، ثم خرجت وتمشت قليلا وهي تقول في نفسها: لعل عساكر المسلمين قد رجعوا منهزمين من حرب القسطنطينية. فلما قربت منهم نظرت إليهم، وتحققت أعلامهم، فرأتها غير منكسة، فعلمت أنهم أتوا غير منهزمين، ولا خائفين على ملكهم وأصحابهم، فلما عاينت ذلك أسرعت نحوهم بالجري الشديد مثل الشيطان المريد إلى أن وصلت إليهم، وقالت لهم: العجل العجل يا جند الرحمن إلى جهاد حزب الشيطان. فلما رآها بهرام أقبل عليها، وترجل وقبل الأرض بين يديها، وقال لها: يا ولي الله، ما وراءك؟ فقالت: لا تسأل عن سوء الحال، وشديد الأهوال، فإن أصحابنا لما أخذوا المال من دير مطروحني أرادوا أن يتوجهوا إلى القسطنطينية، فعند ذلك خرج عليهم عسكر جرار ذو بأس من الكفار. # ثم إن الملعونة أعادت عليهم الحديث إرجافا ووجلا، وقالت: إن أكثرهم هلك، ولم يبق منهم إلا خمسة وعشرون رجلا. فقال بهرام: أيها الزاهد، متى فارقتهم؟ فقال: في ليلتي هذه. فقال بهرام: سبحان الذي طوى لك الأرض البعيدة، وأنت ماش على قدميك متكئا على جريدة، لكنك من الأولياء الطيارة، الملهمين وحي الإشارة. ثم ركب على ms0386 ظهر جواده وهو مدهوش وحيران بما سمعه من ذات الإفك والبهتان، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، لقد ضاع تعبنا، وضاقت صدورنا، وأسر سلطاننا ومن معه، ثم جعلوا يقطعون الأرض طولا وعرضا ليلا ونهارا. فلما كان وقت السحر أقبلوا على رأس الشعب، فرأوا ضوء المكان وأخاه شركان يناديان بالتهليل والتكبير، والصلاة والسلام على البشير النذير، فحمل هو وأصحابه وأحاطوا بالكفار إحاطة السيل بالقفار، وصاحوا عليهم صياحا ضجت منه الأبطال، وتصدعت منه الجبال، فلما أصبح الصباح، وأشرق بنوره ولاح، فاح لهم من ضوء المكان طيبه ونشره، وتعارفوا ببعضهم كما تقدم ذكره، فقبلوا الأرض بين يدي ضوء المكان وأخيه شركان، وأخبرهم شركان بما جرى لهم في المغارة، فتعجبوا من ذلك، ثم قالوا لبعضهم: أسرعوا بنا إلى القسطنطينية؛ لأننا تركنا أصحابنا هناك، وقلوبنا عندهم. فعند ذلك أسرعوا في المسير، وتوكلوا على اللطيف الخبير، وكان ضوء المكان يقوي المسلمين على الثبات، وينشد هذه الأبيات: # لك الحمد يا مستوجب الحمد والشكر %~% فما زلت لي بالعون يا رب في أمري ~~ربيت غريبا في البلاد وكنت لي %~% كفيلا فلم أخش الردى أبد الدهر ~~وأعطيتني مالا وملكا ونعمة %~% وقلدتني سيف الشجاعة والنصر ~~وخولتني ظل المليك معمرا %~% وقد جدت لي من فيض جودك بالغمر ~~وسلمتني من كل خطب حذرته %~% فأيقنت أن الشر يقضي على الشر ~~بفضلك قد صلنا على الروم صولة %~% وقد رجعوا بالضرب في حلل حمر ~~وأظهرت أني قد هزمت هزيمة %~% وعدت عليهم عودة الضيغم الحر ~~تركتهم في القاع صرعى كأنهم %~% نشاوى بكأس الموت لا قهوة الخمر ~~وصارت بأيدينا المراكب كلها %~% وصار لنا السلطان في البر والبحر ~~وجاء إلينا الزاهد العابد الذي %~% كرامته شاعت لدى البدو والحضر ~~أتينا لأخذ الثأر من كل كافر %~% وقد شاع عند الناس ما كان من أمري ~~وقد قتلوا منا رجالا فأصبحوا %~% لهم غرف في الخلد تعلو على نهر # فلما فرغ ضوء المكان من شعره، هنأه أخوه شركان بالسلامة، وشكره على أفعاله، ثم إنهم توجهوا مجدين المسير. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام ms0387 المباح. ### | فلما كانت الليلة 101 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شركان هنأ أخاه ضوء المكان بالسلامة، وشكره على أفعاله، ثم إنهم توجهوا مجدين المسير طالبين عساكرهم. هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي، فإنها لما لاقت عسكر بهرام ورستم عادت إلى الغابة، وأخذت جوادها وركبته، وأسرعت في سيرها حتى أشرفت على عسكر المسلمين المحاصرين للقسطنطينية، ثم إنها نزلت وأخذت جوادها، وأتت به إلى السرادق الذي فيه الحاجب، فلما رآها نهض لها قائما، وأشار إليها بالإيماء، وقال: مرحبا بالعابد الزاهد. ثم سألها عما جرى، فأخبرته بخبرها المرجف وبهتانها المتلف، وقالت: إني أخاف على الأمير رستم والأمير بهرام؛ لأني قد لاقيتهما مع عسكرهما في الطريق، وأرسلتهما إلى الملك ومن معه، وكانا في عشرين ألف فارس، والكفار أكثر منهم، وإني أردت في هذه الساعة أن ترسل جملة من عسكرك حتى يلحقوهم بسرعة لئلا يهلكوا عن آخرهم. وقالت لهم: العجل العجل. # فلما سمع الحاجب والمسلمون منها ذلك الكلام، انحلت عزائمهم وبكوا، فقالت لهم ذات الدواهي: استعينوا بالله واصبروا على هذه الرزية، فلكم أسوة بمن سلف من الأمة المحمدية، فالجنة ذات القصور أعدها لمن يموت شهيدا، ولا بد من الموت لكل أحد، ولكنه في الجهاد أحمد. فلما سمع الحاجب كلام اللعينة ذات الدواهي دعا بأخي الأمير بهرام، وكان فارسا يقال له تركاش، وانتخب له عشرة آلاف فارس أبطالا عوابس، وأمره بالسير، فسار في ذلك اليوم وطول الليل حتى قرب من المسلمين، فلما أصبح الصباح رأى شركان ذلك الغبار فخاف على المسلمين، وقال: إن هذه عساكر مقبلة علينا، فإما أن يكونوا من عسكر المسلمين، فهذا هو النصر المبين، وإما أن يكونوا من عسكر الكفار فلا اعتراض على الأقدار. ثم إنه أتى إلى أخيه ضوء المكان، وقال له: لا تخف أبدا، فإني أفديك بروحي من الردى، فإن كان هؤلاء من عسكر الإسلام فهذا مزيد الإنعام، وإن كان هؤلاء أعداءنا فلا بد من قتالهم، لكن أشتهي أن أقابل العابد قبل موتي؛ ms0388 لأسأله أن يدعو لي ألا أموت إلا شهيدا. # فبينما هم كذلك وإذا بالرايات قد لاحت مكتوبا عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فصاح شركان: كيف حال المسلمين؟ قالوا: بعافية وسلامة، وما أتينا إلا خوفا عليكم. ثم ترجل رئيس العسكر عن جواده، وقبل الأرض بين يديه، وقال: يا مولانا، كيف السلطان والوزير دندان، ورستم وأخي بهرام، أما هم الجميع سالمون؟ فقال: بخير. ثم قال له: ومن الذي أخبركم بخبرنا؟ قال: الزاهد، وقد ذكر أنه لقي أخي بهرام ورستم، وأرسلهما إليكم، وقال لنا إن الكفار قد أحاطوا بهم وهم كثيرون، وما أرى الأمر إلا بخلاف ذلك، وأنتم منصورون. فقالوا له: وكيف وصول الزاهد إليكم؟ فقالوا له: كان سائرا على قدميه، وقطع في يوم وليلة مسيرة عشرة أيام للفارس المجد. فقال شركان: لا شك أنه ولي الله، وأين هو؟ قالوا له: تركناه عند عسكرنا أهل الإيمان يحرضهم على قتال أهل الكفر والطغيان. ففرح شركان بذلك، وحمد الله على سلامتهم وسلامة الزاهد، وترحموا على من قتل منهم، وقالوا: كان ذلك في الكتاب مسطورا. ثم ساروا مجدين في سيرهم، فبينما هم كذلك وإذا بغبار قد طار حتى سد الأقطار، وأظلم منه النهار، فنظر إليه شركان وقال: إني أخاف أن يكون الكفار قد كسروا عسكر الإسلام؛ لأن هذا الغبار سد المشرقين، وملأ الخافقين. ثم لاح من تحت ذلك الغبار عمود من الظلام أشد سوادا من حالك الأيام، وما زالت تقرب منهم تلك الدعامة، وهي أشد من هول يوم القيامة، فتسارعت إليها الخيل والرجال لينظروا ما سبب سوء هذا الحال، فرأوا الزاهد المشار إليه، فازدحموا على تقبيل يديه وهو ينادي: يا أمة خير الأنام، ومصباح الظلام، إن الكفار غدروا بالمسلمين، فأدركوا عساكر الموحدين، وأنقذوهم من أيدي الكفرة اللئام، فإنهم هجموا عليهم في الخيام، ونزل بهم العذاب المهين، وكانوا في مكانهم آمنين. # فلما سمع شركان ذلك الكلام طار قلبه من شدة الخفقان، وترجل عن جواده وهو حيران، ثم قبل يد الزاهد ورجليه، وكذلك أخوه ضوء المكان، ms0389 وبقية العسكر من الرجال والركبان، إلا الوزير دندان، فإنه لم يترجل عن جواده وقال: والله إن قلبي نافر من هذا الزاهد؛ لأني ما عرفت للمتنطعين في الدين غير المفاسد، فاتركوه وأدركوا أصحابكم المسلمين، فإن هذا من المطرودين عن باب رحمة رب العالمين، فكم غزوت مع الملك عمر النعمان، ودست أراضي هذا المكان. فقال له شركان: دع هذا الظن الفاسد، أما نظرت إلى هذا العابد وهو يحرض المؤمنين على القتال، ولا يبالي بالسيوف والنبال؟ فلا تغتبه؛ لأن الغيبة مذمومة، ولحوم الصالحين مسمومة، وانظر إلى تحريضه لنا على قتال أعدائنا، ولولا أن الله تعالى يحبه ما طوى له البعيد بعد أن أوقعه سابقا في العذاب الشديد. ثم إن شركان أمر أن يقدموا بغلة نوبية إلى الزاهد ليركبها، وقال له: اركب أيها الزاهد الناسك العابد. فلم يقبل ذلك، وامتنع عن الركوب، وأظهر الزهد لينال المطلوب، وما دروا أن هذا الزاهد العاهر هو الذي قال في مثله الشاعر: # صلى وصام لأمر كان يطلبه %~% لما قضى الأمر لا صلى ولا صاما # ثم إن ذلك الزاهد ما زال ماشيا بين الخيل والرجال، كأنه الثعلب المحتال للاغتيال، وسار رافعا صوته بتلاوة القرآن، وتسبيح الرحمن، وما زالوا سائرين حتى أشرفوا على عسكر الإسلام، فوجدهم شركان في حالة الانكسار، والحاجب قد أشرف على الهزيمة والفرار، والسيف يعمل بين الأبرار والفجار. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 102 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شركان لما أدرك المسلمين وهم في حالة الانكسار، والحاجب قد أشرف على الهزيمة والفرار، والسيف يعمل بين الأبرار والفجار، وكان السبب في خذل المسلمين أن اللعينة ذات الدواهي عدوة الدين لما رأت بهرام ورستم قد سارا بعسكرهما نحو شركان وأخيه ضوء المكان، سارت هي نحو عسكر المسلمين، وأنفذت الأمير تركاش كما تقدم ذكره، وقصدها بذلك أن تفرق بين عسكر المسلمين لأجل أن يضعفوا، ثم تركتهم وقصدت القسطنطينية، ونادت بطارقة الروم بأعلى صوتها وقالت: أدلوا حبلا لأربط فيه هذا الكتاب، وأوصلوه إلى ملككم ms0390 أفريدون ليقرأه هو وولدي ملك الروم، ويعملان بما فيه من أمره ونواهيه. فأدلوا لها حبلا، فربطت فيه الكتاب، وكان مضمونه: «من عند الداهية العظمى والطامة الكبرى ذات الدواهي إلى الملك أفريدون. أما بعد؛ فإني دبرت لكم حيلة على هلاك المسلمين، فكونوا مطمئنين، وقد أسرتهم وأسرت سلطانهم ووزيرهم، ثم توجهت إلى عسكرهم، وأخبرتهم بذلك فانكسرت شوكتهم، وضعفت قوتهم، وقد خدعت العسكر المحاصرين للقسطنطينية حتى أرسلت منهم اثني عشر ألف فارس مع الأمير تركاش خلاف المأسورين، وما بقي منهم إلا القليل؛ فالمراد منكم أنكم تخرجون إليهم بجميع عسكركم في بقية هذا النهار، وتهجمون عليهم في خيامهم، ولكنكم لا تخرجون إلا سواء، واقتلوهم عن آخرهم، فإن المسيح قد نظر إليكم، والعذراء تعطفت عليكم، وأرجو من المسيح ألا ينسى فعلي الذي قد فعلته.» # فلما وصل كتابها إلى الملك أفريدون فرح فرحا شديدا، وأرسل في الحال إلى ملك الروم ابن ذات الدواهي وأحضره، وقرأ الكتاب عليه ففرح، وقال: انظر مكر أمي، فإنه يغني عن السيوف، وطلعتها تنوب عن هول اليوم المخوف. فقال الملك أفريدون: لا عدم المسيح طلعة أمك، ولا أخلاك من مكرك ولؤمك. ثم إنه أمر البطارقة أن ينادوا بالرحيل إلى خارج المدينة، وشاع الخبر في القسطنطينية، وخرجت عساكر النصرانية والعصابة الصليبية، وجردوا السيوف الحداد، وأعلنوا بكلمة الكفر والإلحاد، وكفروا برب العباد، فلما نظر الحاجب إلى ذلك، قال: إن الروم قد وصلوا إلينا، وقد علموا أن سلطاننا غائب، فربما هجموا علينا وأكثر عسكرنا قد توجه إلى الملك ضوء المكان. واغتاظ الحاجب ونادى: يا عسكر المسلمين، وحماة الدين المتين، إن هربتم هلكتم، وأن صبرتم نصرتم، فاعلموا أن الشجاعة صبر ساعة، وما ضاق أمر إلا أوجد الله اتساعه، بارك الله فيكم، ونظر إليكم بعين الرحمة. # فعند ذلك كبر المسلمون، وصاح الموحدون، ودارت رحى الحرب بالطعن والضرب، وعملت الصوارم والرماح، وملأ الدم الأودية والبطاح، وقسس القسوس والرهبان، وشدوا الزنانير ورفعوا الصلبان، وأعلن المسلمون بتكبير الملك الديان، وصاحوا بتلاوة القرآن، واصطدم حزب الرحمن بحزب الشيطان، وطارت الرءوس عن ms0391 الأبدان، وطافت الملائكة الأخيار على أمة النبي المختار، ولم يزل السيف يعمل إلى أن ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار، وقد أحاط الكفار بالمسلمين، وحسبوا أن ينجوا من العذاب المهين، وطمع المشركون في أهل الإيمان إلى أن طلع الفجر وبان، فركب الحاجب هو وعسكره، ورجا أن الله ينصره، واختلطت الأمم بالأمم، وقامت الحرب على قدم وطارت القمم، وثبت الشجاع وتقدم، وولى الجبان وانهزم، وقضى قاضي الموت وحكم، حتى تطاوحت الأبطال عن السروج، وامتلأت بالأموات المروج، وتأخر المسلمون عن أماكنهم، وملك الروم بعض خيامهم ومساكنهم، وعزم المسلمون على الانكسار، والهزيمة والفرار. # فبينما هم كذلك، وإذا بقدوم شركان بعساكر المسلمين، ورايات الموحدين، فلما أقبل عليهم شركان حمل على الكفار وتبعه ضوء المكان، وحمل بعدهما الوزير دندان، وكذلك أمير الديلم بهرام، ورستم وأخوه تركاش، فإنهم لما رأوا ذلك طارت عقولهم، وغاب معقولهم، وثار الغبار حتى ملأ الأقطار، واجتمع المسلمون الأخيار بأصحابهم الأبرار، واجتمع شركان بالحاجب، فشكره على صبره، وهنأه بتأييده ونصره، وفرح المسلمون، وقويت قلوبهم، وحملوا على أعدائهم، وأخلصوا الله في جهادهم، فلما نظر الكفار إلى الرايات المحمدية، وعليها كلمة الإخلاص الإسلامية، صاحوا بالويل والثبور، واستغاثوا ببطارقة الديور، ونادوا حنا ومريم، والصليب المسخم، وانقبضت أيديهم عن القتال، وقد أقبل الملك أفريدون على ملك الروم، وصار أحدهما في الميمنة، والآخر في الميسرة، وعندهم فارس مشهور يسمى لاويا فوقف وسطا، واصطفوا للنزال، وإن كانوا في فزع وزلزال، ثم صف المسلمون عساكرهم، فعند ذلك أقبل شركان على أخيه ضوء المكان، وقال له: يا ملك الزمان، لا شك أنهم يريدون البراز، وهذا غاية مرادنا، ولكن أحب أن أقدم من العسكر من له عزم ثابت، فإن التدبير نصف المعيشة. فقال السلطان: ماذا تريد يا صاحب الرأي السديد؟ فقال شركان: أريد أن أكون في قلب عسكر الكفار، وأن يكون الوزير دندان في الميسرة، وأنت في الميمنة، والأمير بهرام في الجناح الأيمن، والأمير رستم في الجناح الأيسر، وأنت أيها الملك العظيم تكون تحت الأعلام والرايات؛ لأنك عمادنا، وعليك بعد الله اعتمادنا، ms0392 ونحن كلنا نفديك من كل أمر يؤذيك. فشكره ضوء المكان على ذلك، وارتفع الصياح، وجردت الصفاح. # فبينما هم كذلك، وإذا بفارس قد ظهر من عسكر الروم، فلما قرب رأوه راكبا على بغلة قطوف تفر بصاحبها من وقع السيوف، وبرذعتها من أبيض الحرير، وعليها سجادة من شغل كشمير، وعلى ظهرها شيخ مليح الشيبة ظاهر الهيبة، عليه مدرعة من الصوف الأبيض، ولم يزل يسرع بها وينهض حتى قرب من عسكر المسلمين، وقال: إني رسول إليكم أجمعين، وما على الرسول إلا البلاغ، فأعطوني الأمان والإقالة حتى أبلغكم الرسالة. فقال له شركان: لك الأمان، فلا تخش حرب سيف، ولا طن سنان. فعند ذلك ترجل الشيخ، وقلع الصليب من عنقه بين يدي السلطان، وخضع له خضوع راجي الإحسان، فقال له المسلمون: ما معك من الأخبار؟ فقال: إني رسول من عند الملك أفريدون، فإني نصحته ليمتنع عن تلف هذه الصور الإنسانية، والهياكل الرحمانية، وبينت له أن الصواب حقن الدماء، والاقتصار على فارسين في الهيجاء، فأجابني إلى ذلك، وهو يقول لكم: إني فديت عسكري بروحي، فليفعل ملك المسلمين مثلي ويفدي عسكره بروحه، فإن قتلني فلا يبقى لعسكر الكفار ثبات، وإن قتلته فلا يبقى لعسكر الإسلام ثبات. # فلما سمع شركان هذا الكلام قال: يا راهب، إنا أجبناه إلى ذلك، فإن هذا هو الإنصاف، فلا يكون منه خلاف، وها أنا أبرز إليه، وأحمل عليه، فإني فارس المسلمين، وهو فارس الكافرين، فإن قتلني فاز بالظفر، ولا يبقى لعسكر المسلمين غير المفر، فارجع إليه أيها الراهب، وقل له إن البراز يكون في غد؛ لأننا أتينا من سفرنا على تعب في هذا اليوم، وبعد الراحة لا عتب ولا لوم. فرجع الراهب وهو مسرور، حتى وصل إلى الملك أفريدون وملك الروم، وأخبرهما بذلك؛ ففرح الملك أفريدون غاية الفرح، وزال عنه الهم والترح، وقال في نفسه: لا شك أن شركان هذا هو أضربهم بالسيف، وأطعنهم بالسنان، فإذا قتلته انكسرت همتهم، وضعفت قوتهم. وقد كانت ذات الدواهي كاتبت الملك أفريدون بذلك، وقالت له إن شركان ms0393 هو فارس الشجعان، وشجاع الفرسان، وحذرت أفريدون من شركان، وكان أفريدون فارسا عظيما؛ لأنه كان يقاتل كل أنواع القتال، ويرمي بالحجارة والنبال، ويضرب بالعمود الحديد، ولا يخشى من البأس الشديد، فلما سمع قول الراهب من أن شركان أجاب إلى البراز، كاد أن يطير من شدة الفرح؛ لأنه واثق بنفسه، ويعلم أنه لا طاقة لأحد به. # ثم بات الكفار تلك الليلة في فرح وسرور، وشرب خمور، فلما كان الصباح، أقبلت الفوارس بسمر الرماح، وبيض الصفاح، وإذا هم بفارس قد برز في الميدان وهو راكب على جواد من الخيل الجياد، معد للحرب والجلاد، وله قوائم شداد، وعلى ذلك الفارس درع من الحديد، معد للبأس الشديد، وفي صدره مرآة من الجوهر، وفي يده صارم أبتر، وقنطارية خولنج من غريب عمل الإفرنج. ثم إن الفارس كشف عن وجهه وقال: من عرفني فقد اكتفاني، ومن لم يعرفني فسوف يراني، أنا أفريدون المغمور ببركة شواهي ذات الدواهي. فما تم كلامه حتى خرج في وجهه فارس المسلمين شركان وهو راكب على جواد أشقر، يساوي ألفا من الذهب الأحمر، وعليه عدة مزركشة بالدر والجواهر، وهو متقلد بسيف هندي مجوهر، يقد الرقاب، ويهون الأمور الصعاب، ثم ساق جواده بين الصفين، والفرسان تنظره بالعين، ثم نادى أفريدون وقال له: ويلك يا ملعون، أتظنني كمن لاقيت من الفرسان، ولا يثبت معك في حومة الميدان؟ # ثم حمل كل منهما على صاحبه، فصار الاثنان كأنهما جبلان يصطدمان، أو بحران يلتطمان، ثم تقاربا وتباعدا، والتصقا وافترقا، ولم يزالا في كر وفر، وهزل وجد، وضرب وطعن، والجيشان ينظران إليهما، وبعضهم يقول: إن شركان غالب. والبعض يقول: إن أفريدون غالب. ولم يزل الفارسان على هذا الحال حتى بطل القيل والقال، وعلا الغبار وولى النهار، ومالت الشمس إلى الاصفرار، وصاح الملك أفريدون على شركان وقال له: وحق المسيح والاعتقاد الصحيح، ما أنت إلا فارس كرار، وبطل مغوار، غير أنك غدار، وطبعك ما هو طبع الأخيار؛ لأني أرى فعلك غير حميد، وقتالك قتال الصنديد، وقومك ينسبونك إلى العبيد، ms0394 وها هم أخرجوا لك غير جوادك، وتعود إلى القتال، وإني وحق ديني قد أعياني قتالك، وأتعبني ضربك وطعانك، فإن كنت تريد قتالي في هذه الليلة فلا تغير شيئا من عدتك ولا جوادك؛ حتى يظهر للفرسان كرمك وقتالك. # فلما سمع شركان هذا الكلام اغتاظ من قول أصحابه في حقه، حيث ينسبونه إلى العبيد، فالتفت إليهم شركان، وأراد أن يشير إليهم، ويأمرهم ألا يغيروا له جوادا ولا عدة، وإذا بأفريدون هز حربته، وأرسلها إلى شركان، فالتفت وراءه، فلم يجد أحدا، فعلم أنها حيلة من الملعون، فرد وجهه بسرعة، وإذا بالحربة قد أدركته، فمال عنها حتى ساوى برأسه قربوص سرجه، فجرت الحربة على صدره، وكان شركان عالي الصدر، فكشطت الحربة جلدة صدره، فصاح صيحة واحدة، وغاب عن الدنيا؛ ففرح الملعون أفريدون بذلك، وعرف أنه قد قتله، فصاح على الكفار، ونادى بالفرح، فهاج أهل الطغيان وبكى أهل الإيمان، فلما رأى ضوء المكان أخاه مائلا على الجواد حتى كاد أن يقع، أرسل نحوه الفرسان، فتسابقت إليه الأبطال وأتوا به إليه، وحمل الكفار على المسلمين، والتقى الجيشان، واختلط الصفان، وعمل اليماني، وكان أسبق الناس إلى شركان الوزير دندان. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 103 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء المكان لما رأى اللعين قد ضرب شركان بالحربة ظن أنه مات، فأرسل إليه الفرسان، وكان أسبق الناس إليه الوزير دندان، وأمير الترك بهرام وأمير الديلم، فلحقوه وقد مال عن جواده فأسندوه، ورجعوا به إلى أخيه ضوء المكان، ثم أوصوا به الغلمان، وعادوا إلى الحرب والطعان، واشتد النزال، وتقصفت النصال، وبطل القيل والقال، فلا يرى إلا دم سائل، وعنق مائل، ولم يزل السيف يعمل في الأعناق، واشتد الشقاق إلى أن ذهب أكثر الليل، وكلت الطائفتان عن القتال، فنادوا بالانفصال، ورجعت كل طائفة إلى خيامها، وتوجه جميع الكفار إلى ملكهم أفريدون، وقبلوا الأرض بين يديه، وهنأه القسوس والرهبان بظفره بشركان، ثم إن الملك أفريدون دخل القسطنطينية وجلس على كرسي مملكته، وأقبل ms0395 عليه ملك الكفار وقال له: قوى المسيح ساعدك، ولا زال مساعدك، واستجاب من الأم الصالحة ذات الدواهي ما تدعو به لك، واعلم أن المسلمين ما بقي لهم إقامة بعد شركان. فقال أفريدون: في غد يكون الانفصال إذا خرجت إلى النزال، وطلبت ضوء المكان وقتلته، فإن عسكرهم يولون الأدبار، ويركنون إلى الفرار. # هذا ما كان من أمر الكفار، وأما ما كان من عسكر الإسلام، فإن ضوء المكان لما رجع إلى الخيام لم يكن له شغل إلا بأخيه، فلما دخل عليه وجده في أسوأ الأحوال، وأشد الأهوال، فدعا بالوزير دندان، ورستم وبهرام للمشورة، فلما دخلوا عليه اقتضى رأيهم إحضار الحكماء لعلاج شركان، ثم بكوا وقالوا: لم يسمح بمثله الزمان. وسهروا عنده تلك الليلة، وفي آخر الليل أقبل عليهم الزاهد وهو يبكي، فلما رآه ضوء المكان قام إليه فلمس بيده على أخيه، وتلا شيئا من القرآن، وعوذه بآيات الرحمن، وما زال سهرانا عنده إلى الصباح، فعند ذلك استفاق شركان، وفتح عينيه، وأدار لسانه في فمه وتكلم، ففرح السلطان ضوء المكان، وقال: قد حصلت له بركة الزاهد. فقال شركان: الحمد لله على العافية، فإنني بخير في هذه الساعة، وقد عمل علي هذا الملعون حيلة، ولولا أني زغت أسرع من البرق لكانت الحربة نفذت من صدري، فالحمد لله الذي نجاني، وكيف حال المسلمين؟ فقال له ضوء المكان: هم في بكاء من أجلك. فقال: إني بخير وعافية، وأين الزاهد؟ وهو عند رأسه قاعد، فقال له: عند رأسك. فالتفت إليه وقبل يديه، فقال الزاهد: يا ولدي، عليك بجميل الصبر يعظم الله لك الأجر، فإن الأجر على قدر المشقة. فقال شركان: ادع لي. فدعا له. # فلما أصبح الصباح، وبان الفجر ولاح، برز المسلمون إلى ميدان الحرب، وتهيأ الكفار للطعن والضرب، وتقدمت عساكر المسلمين فطلبوا الحرب والكفاح، وجردوا السلاح، وأراد الملك ضوء المكان وأفريدون أن يحملا على بعضهما، وإذا بضوء المكان خرج إلى الميدان، وخرج معه الوزير دندان، والحاجب وبهرام، وقالوا لضوء المكان: نحن فداك. فقال لهم: وحق البيت ms0396 الحرام، وزمزم والمقام، لا أقعد عن الخروج، إلى هؤلاء العلوج. فلما صار في الميدان، لعب بالسيف والسنان، حتى أذهل الفرسان، وتعجب الفريقان، وحمل في الميمنة فقتل منها بطريقين، وفي الميسرة فقتل منها بطريقين، ووقف في وسط الميدان وقال: أين أفريدون حتى أذيقه عذاب الهوان؟ فأراد الملعون أن يولي وهو مغبون، فأقسم عليه ضوء المكان ألا يبرح من الميدان، وقال له: يا ملك، بالأمس كان قتال أخي، واليوم قتالي، وأنا بشجاعتك لا أبالي. ثم خرج وبيده صارم، وتحته حصان كأنه عنتر في حومة الميدان، وذلك الحصان أدهم مغاير كما قال فيه الشاعر: # قد سابق الطرف بطرف سابق %~% كأنه يريد إدراك القدر ~~دهمته تبدي سوادا حالكا %~% كأنها ليل إذا الليل اعتكر ~~صهيله يطرب من يسمعه %~% كأنه الرعد إذا الرعد حضر ~~لو سابق الريح جرى من قبلها %~% والبرق لا يسبقه إذا ظهر # ثم حمل كل منهما على صاحبه، واحترز من مضاربه، وأظهر ما في بطنه من عجائبه، وأخذا في الكر والفر حتى ضاقت الصدور، وقل الصبر للمقدور، وصاح ضوء المكان، وهجم على ملك القسطنطينية أفريدون، وضربه ضربة أطاح به رأسه، وقطع أنفاسه، فلما نظرت الكفار إلى ذلك حملوا جميعا عليه، وتوجهوا بكليتهم إليه، فقابلهم في حومة الميدان، واستمر الضرب والطعان، حتى سال الدم بالجريان، وضج المسلمون بالتكبير والتهليل، والصلاة على البشير النذير، وقاتلوا قتالا شديدا، وأنزل الله النصر على المؤمنين، والخزي على الكافرين، وصاح الوزير دندان: خذوا بثأر الملك عمر النعمان، وثأر ولده شركان، وكشف برأسه وصاح للأتراك، وكان بجانبه أكثر من عشرين ألف فارس، فحملوا معه جملة واحدة، فلم يجد الكفار لأنفسهم غير الفرار، وتولي الأدبار، وعمل فيهم الصارم البتار، فقتلوا منهم نحو خمسين ألف فارس، وأسروا ما يزيد على ذلك، وقتل عند دخول الباب خلق كثير من شدة الزحام، ثم غلقوا الباب، وطلعوا فوق الأسوار خوف العذاب، وعادت طوائف المسلمين مؤيدين منصورين، وأتوا خيامهم، ودخل الملك ضوء المكان على أخيه فوجده في أسر الأحوال؛ فسجد شكرا للكريم المتعال، ثم أقبل عليه ms0397 وهنأه بالسلامة، فقال له شركان: إننا كلنا في بركة هذا الزاهد الأواب، وما انتصرنا إلا بدعائه المستجاب، فإنه لم يزل اليوم قاعدا يدعو للمسلمين بالنصر. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 104 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء المكان لما دخل على أخيه شركان وجده جالسا والعابد عنده، ففرح وأقبل عليه وهنأه بالسلامة، فقال شركان: إننا كلنا في بركة هذا الزاهد، وما انتصرتم إلا بدعائه، فإنه ما برح اليوم وهو يدعو للمسلمين، وكنت وجدت في نفسي قوة حين سمعت تكبيركم، فعلمت أنكم منصورون على أعدائكم، فاحك لي يا أخي ما وقع لك. فحكى له جميع ما وقع له مع الملعون أفريدون، وأخبره أنه قتله وراح إلى لعنة الله، فأثنى عليه وشكر مسعاه. فلما سمعت ذات الدواهي، وهي في صفة الزاهد، بقتل ولدها الملك أفريدون، انقلب لونها بالاصفرار، وتغرغرت عيناها بالدموع الغزار، ولكنها أخفت ذلك، وأظهرت للمسلمين أنها فرحت، وأنها تبكي من شدة الفرح، ثم إنها قالت في نفسها: وحق المسيح ما بقي في حياتي فائدة إن لم أحرق قلبه على أخيه شركان، كما أحرق قلبي على عماد الملة النصرانية، والعصابة الصليبية، الملك أفريدون. ولكنها كتمت ما بها، ثم إن الوزير دندان والملك شركان والحاجب استمروا جالسين عند شركان حتى عملوا له اللزق والأدهان، وأعطوه الدواء، فتوجهت إليه العافية، وفرحوا بذلك فرحا شديدا، وأعلموا به العساكر فتباشر المسلمون، وقالوا: في غد يركب معنا، ويباشر الحصار. ثم إن شركان قال لهم: إنكم قاتلتم اليوم وتعبتم من القتال، فينبغي أن تتوجهوا إلى أماكنكم وتناموا ولا تسهروا. فأجابوه إلى ذلك، وتوجه كل منهم إلى سرادقه، وما بقي عند شركان سوى قليل من الغلمان والعجوز ذات الدواهي، فتحدث معها قليلا من الليل، ثم اضطجع لينام، وكذلك الغلمان، ثم غلب عليهم النوم فصاروا مثل الأموات. # هذا ما كان من أمر شركان وغلمانه، وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي، فإنها بعد نومهم صارت يقظانة وحدها في الخيمة، ونظرت إلى ms0398 شركان، فوجدته مستغرقا في النوم، فوثبت على قدميها كأنها دبة معطاء، أو آفة غطاء، وأخرجت من وسطها خنجرا مسموما لو وضع على صخرة لأذابها، ثم جردته من غمده، وأتت عند رأس شركان وجرته على رقبته فذبحته، وأزالت رأسه عن جسده، ثم وثبت على قدميها وأتت إلى الغلمان النيام وقطعت رءوسهم لئلا يتنبهوا، ثم خرجت من الخيمة وأتت إلى خيام السلطان، فوجدت الحراس غير نائمين، فمالت إلى خيمة الوزير دندان، فوجدته يقرأ القرآن، فوقعت عينه عليها، فقال: مرحبا بالزاهد العابد. فلما سمعت ذلك من الوزير ارتجف قلبها وقالت له: إن سبب مجيئي إلى هنا في هذا الوقت أني سمعت صوت ولي من أولياء الله، وأنا ذاهب إليه. ثم ولت، فقال الوزير دندان في نفسه: والله لأتبع هذا الزاهد في هذه الليلة. فقام ومشى خلفها، فلما أحست الملعونة بمشيه عرفت أنه وراءها؛ فخشيت أن تفتضح، وقالت في نفسها: إن لم أخدعه بحيلة فإني أفتضح معه. فأقبلت إليه من بعيد وقالت: أيها الوزير، إني سائر خلف هذا الولي لأعرفه، وبعد أن أعرفه أستأذنه في مجيئك إليه، وأقبل عليك وأخبرك، لأني أخاف أن تذهب معي بغير استئذان الولي، فيحصل له نفرة مني إذا رآك معي. # فلما سمع الوزير كلامها استحى أن يرد عليها جوابا، فتركها ورجع إلى خيمته، وأراد أن ينام فما طاب له منام، وكادت الدنيا أن تنطبق عليه، فقام وخرج من خيمته، وقال في نفسه: أنا أمضي إلى شركان وأتحدث معه إلى الصباح. فسار إلى أن دخل خيمة شركان، فوجد الدم سائلا منه كالقناة، ونظر الغلمان مذبوحين، فصاح صيحة أزعجت من كان نائما، فتسارع الخلق إليه، فرأوا الدم سائلا فضجوا بالبكاء والنحيب، فعند ذلك استيقظ السلطان ضوء المكان، وسأل عن الخبر فقيل له: إن شركان أخاك والغلمان مقتولون. فقام مسرعا إلى أن دخل الخيمة، فوجد الوزير دندان يصيح ووجد جثة أخيه بلا رأس، فغاب عن الدنيا، وصاح كل العساكر وبكوا وداروا حول ضوء المكان ساعة حتى استفاق، ثم نظر إلى شركان وبكى ms0399 بكاء شديدا، وفعل مثله الوزير ورستم وبهرام، وأما الحاجب فإنه صاح وأكثر من النواح، ثم طلب الارتحال لما به من الأوجال، فقال الملك: أما علمتم بالذي فعل بأخي هذه الفعال؟ وما لي لا أرى الزاهد الذي عن متاع الدنيا متباعد؟ فقال الوزير: ومن جلب هذه الأحزان إلا هذا الزاهد الشيطان؟ فوالله إن قلبي نفر منه في الأول والآخر؛ لأنني أعرف أن كل متنطع في الدين خبيث ماكر. ثم إن الناس ضجوا بالبكاء والنحيب، وتضرعوا إلى القريب المجيب، أن يوقع بين أيديهم ذلك الزاهد، الذي هو لآيات الله جاحد، ثم جهزوا شركان ودفنوه في الجبل المذكور، وحزنوا على فضله المشهور. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 105 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنهم جهزوا شركان ودفنوه في الجبل المذكور، وحزنوا على فضله المشهور، ثم إن الملعونة لما فرغت من الداهية التي عملتها، والمخازي التي لنفسها أبدتها، أخذت دواة وقرطاسا، وكتبت فيه: «من عند شواهي ذات الدواهي، إلى حضرة المسلمين، اعلموا أني دخلت بلادكم، وغششت بلؤمي كرامكم، وقتلت سابقا ملككم عمر النعمان في وسط قصره، وقتلت أيضا في وقعة الشعب والمغارة رجالا كثيرين، وآخر من قتلته بمكري ودهائي وغدري شركان وغلمانه، ولو ساعدني الزمان وطاوعني الشيطان كنت قتلت السلطان والوزير دندان، وأنا الذي أتيت إليكم في زي الزاهد، وانطلت عليكم مني الحيل والمكائد، فإن شئتم سلامتكم بعد ذلك فارحلوا، وإن شئتم هلاك أنفسكم فعن الإقامة لا تعدلوا، فلو أقمتم سنين وأعواما فما تبلغون منا مراما.» وبعد أن كتبت الكتاب، أقامت حزنها على الملك أفريدون ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع دعت بطريقا وأمرته أن يأخذ الورقة، ويضعها في سهم ويرميها إلى المسلمين، ثم دخلت الكنيسة وصارت تندب وتبكي على فقد أفريدون، وقالت لمن تسلطن بعده: لا بد أن أقتل ضوء المكان، وجميع أمراء الإسلام. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر المسلمين، فإنهم أقاموا ثلاثة أيام في هم واغتمام، وفي اليوم الرابع نظروا إلى ناحية السور، ms0400 وإذا ببطريق معه سهم نشاب، وفي طرفه كتاب، فصبروا عليه حتى رماه إليهم، فأمر السلطان الوزير دندان أن يقرأه، فلما قرأه وسمع ما فيه وعرف معناه، هملت بالدموع عيناه، وصاح وتضجر من مكرها، وقال الوزير: والله لقد كان قلبي نافرا منها. فقال السلطان: وهذه العاهر، كيف عملت علينا الحيلة مرتين؟ ولكن والله لا أحول من هنا حتى أملأ فرجها بمسيح الرصاص، وأسكنها سجن الطير في الأقفاص، وبعد ذلك أصلبها من شعرها على باب القسطنطينية. ثم تذكر أخاه فبكى بكاء شديدا. ثم إن الكفار لما توجهت لهم ذات الدواهي وأخبرتهم بما حصل، فرحوا بقتل شركان وسلامة ذات الدواهي، ثم إن المسلمين رجعوا إلى باب القسطنطينية، ووعدهم السلطان أنه إن فتح المدينة فرق أموالها عليهم بالسوية، هذا والسلطان لم تنشف دموعه حزنا على أخيه، وعرا جسمه الهزال حتى صار كالخلال، فدخل عليه الوزير دندان، وقال له: طب نفسا وقر عينا، فإن أخاك ما مات إلا بأجله، وليس في هذا الحزن فائدة، وما أحسن قول الشاعر: # ما لا يكون فلا يكون بحيلة %~% أبدا وما هو كائن سيكون ~~سيكون ما هو كائن في وقته %~% وأخو الجهالة دائما مغبون # فدع البكاء والنواح، وقو قلبك لحمل السلاح. فقال: يا وزير، إن قلبي مهموم من أجل موت أبي وأخي، ومن أجل غيابنا عن بلادنا، فإن خاطري مشغول برعيتي. فبكى الوزير هو والحاضرون، وما زالوا مقيمين على حصار القسطنطينية مدة من الزمان، فبينما هم كذلك، وإذا بالأخبار وردت عليهم من بغداد صحبة أمير من أمرائه، مضمونها: «إن زوجة الملك ضوء المكان رزقت ولدا وسمته «نزهة الزمان» أخت الملك: «كان ما كان»، ولكن هذا الغلام سيكون له شأن بسبب ما رأوه له من العجائب والغرائب، وقد أمر العلماء والخطباء أن يدعوا لكم على المنابر، ودبر كل صلاة، وإننا طيبون بخير، والأمطار كثيرة، وإن صاحبك الوقاد في غاية النعمة الجزيلة، وعنده الخدم والغلمان، ولكنه إلى الآن لم يعلم بما جرى لك والسلام.» فقال ضوء المكان: الآن اشتد ظهري؛ حيث رزقت ms0401 ولدا اسمه «كان ما كان». وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 106 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء المكان لما أتاه الخبر بأن زوجته ولدت ولدا ذ كرا، فرح فرحا شديدا وقال: الآن اشتد ظهري؛ حيث رزقت ولدا اسمه «كان ما كان»، ثم قال للوزير دندان: إني أريد أن أترك هذا الحزن، وأعمل لأخي ختمات وأمورا من الخيرات. فقال الوزير: نعم ما أردت. ثم أمر بنصب الخيام على قبر أخيه فنصبوها، وجمعوا من العسكر من يقرأ القرآن، فصار بعضهم يقرأ وبعضهم يذكر الله إلى الصباح، ثم تقدم السلطان ضوء المكان إلى قبر أخيه شركان، وسكب العبرات وأنشد هذه الأبيات: # خرجوا به ولكل باك خلفه %~% صعقات موسى يوم دك الطور ~~حتى أتوا حدثا كأن ضريحه %~% في قلب كل موحد محفور ~~ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى %~% رضوى على أيدي الرجال تسير ~~كلا ولا من قبل دفنك في الثرى %~% أن الكواكب في التراب تغور ~~أمجاور الديماس رهن قرارة %~% فيها الضياء بوجهه والنور ~~كفل الثناء له برد حياته %~% لما انطوى فكأنه منشور # فلما فرغ ضوء المكان من شعره بكى وبكى معه جميع الناس، ثم أتى إلى القبر الوزير دندان ورمى نفسه عليه وهو حائر وأنشد قول الشاعر: # تركت الذي يفنى ونلت الذي يبقى %~% ومثلك أقوام فقد سبقوا سبقا ~~وفارقت هذي الدار من غير ريبة %~% ففي هذه الدنيا تسر بما تلقى ~~وكنت من الأعداء تبدي وقاية %~% إذا ما سهام الحرب حاولت الرشقا ~~أرى هذه الدنيا غرورا وباطلا %~% وجل مراد الخلق أن يطلبوا الحقا ~~حباك إله العرش فوزا بجنة %~% وأسكنك الهادي بها مقعدا صدقا ~~وإني قد أمسيت فيك بحسرة %~% أرى الغرب محزونا بفقدك والشرقا # فلما فرغ الوزير دندان من شعره بكى بكاء شديدا، ونثرت عيونه الدموع درا نضيدا، ثم تقدم رجل كان من ندماء شركان، وبكى حتى حكت دموعه الخلجان، وذكر ما لشركان من المكرمات، وأنشد هذه الأبيات: # أين العطاء وكف جودك في الثرى %~% والجسم بعدك بالسقام قد ms0402 انبرى ~~يا حادي الأظعان سرك ما ترى %~% كتبت دموعي فوق خدي أسطرا # والله ما حدثت عنك ضمائري %~% كلا ولا خطر المصاب بخاطري ~~إلا وقد جرح الدموع محاجري %~% وإذا صرفت إلى سواك نواظري # فلما فرغ الرجل من شعره بكى ضوء المكان هو والوزير دندان، وضج جميع العسكر بالبكاء، ثم إنهم انصرفوا إلى الخيام، وأقبل السلطان على الوزير دندان، وأخذا يتشاوران في أمر القتال، واستمرا على ذلك أياما وليالي، وضوء المكان يتضجر من الهم والأحزان، ثم قال: إني أشتهي سماع أخبار الناس، وأحاديث الملوك، وحكايات المتيمين؛ لعل الله يفرج ما بقلبي من الهم الشديد، ويذهب عني البكاء والعديد. فقال الوزير: إن كان ما يفرج همك إلا سماع قصص الملوك من نوادر الأخبار، وحكايات المتقدمين من المتيمين وغيرهم، فإن هذا أمر سهل؛ لأنني لم يكن لي شغل في حياة المرحوم والدك إلا بالحكايات والأشعار، وفي هذه الليلة أحدثك بخبر العاشق والمعشوق لأجل أن ينشرح صدرك. فلما سمع ضوء المكان كلام الوزير دندان، تعلق قلبه بما وعده به، ولم يبق له اشتغال إلا انتظار مجيء الليل لأجل أن يسمع ما يحكيه الوزير دندان من أخبار المتقدمين من الملوك والمتيمين، فما صدق أن الليل أقبل حتى أمر بإيقاد الشموع والقناديل، وإحضار ما يحتاجون إليه من الأكل والشرب وآلات البخور، فأحضروا له جميع ذلك، ثم أرسل إلى الوزير دندان فحضر، وأرسل إلى بهرام ورستم وتركاش والحاجب الكبير فحضروا، فلما حضروا جميعهم بين يديه التفت إلى الوزير دندان، وقال له: اعلم أيها الوزير أن الليل قد أقبل، وسدل جلابيبه علينا وأسبل، ونريد أن تحكي لنا ما وعدتنا من الحكايات. فقال الوزير: حبا وكرامة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 107 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء المكان لما حضر الوزير والحاجب ورستم وبهرام، التفت إلى الوزير دندان، وقال: اعلم أيها الوزير أن الليل قد أقبل، وسدل جلابيبه علينا وأسبل، ونريد أن تحكي لنا ما وعدتنا به من الحكايات. فقال الوزير: حبا ms0403 وكرامة. ### || حكاية عزيز وعزيزة والملك سليمان # اعلم أيها الملك السعيد أنه بلغني من حكاية العاشق والمعشوق والمتكلم بينهما، وما جرى لهم من العجائب والغرائب، ما يزيل الهم عن القلوب، ويسلي عن مثل حزن يعقوب، وهو أنه كان في سالف الزمان، مدينة وراء جبال أصبهان، يقال لها المدينة الخضراء، وكان بها ملك يقال له الملك سليمان، وكان صاحب جود وإحسان، وعدل وأمان، وفضل وامتنان، وسارت إليه الركبان من كل مكان، وشاع ذكره في سائر الأقطار والبلدان، وأقام في المملكة مدة مديدة من الزمان، وهو في عز وأمان، إلا أنه كان خاليا من الأولاد والزوجات، وكان له وزير يقاربه في الصفات من الجود والهبات، فاتفق أنه أرسل إلى وزيره يوما من الأيام وأحضره بين يديه، وقال له: يا وزيري، إنه قد ضاق صدري، وعيل صبري، وضعف مني الجلد؛ لكوني بلا زوجة ولا ولد، وما هذا سبيل الملوك الحكام على كل أمير وصعلوك، فإنهم يفرحون بخلفة الأولاد، وتتضاعف لهم بهم العدد والأعداد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تناكحوا تناسلوا؛ فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة.» فما عندك من الرأي يا وزير، فأشر علي بما فيه النصح من التدبير. # فلما سمع الوزير ذلك الكلام فاضت الدموع من عينيه بالانسجام، وقال له: هيهات يا ملك الزمان أن أتكلم فيما هو من خصائص الرحمن، أتريد أن أدخل النار بسخط الملك الجبار؟ فقال له الملك: اعلم أيها الوزير أن الملك إذا اشترى جارية لا يعلم حسبها، ولا يعرف نسبها، فهو لا يدري خساسة أصلها حتى يجتنبها، ولا شرف عنصرها حتى يتسرى بها، فإذا أفضى إليها ربما حملت منه، فيجيء الولد منافقا ظالما سافكا للدماء، ويكون مثلها مثل الأرض السبخة؛ إذا زرع فيها زرع فإنه يخبث نباته، ولا يحسن ثباته، ويكون ذلك الولد متعرضا لسخط مولاه، ولا يفعل ما أمره به، ولا يجتنب ما عنه نهاه، فأنا لا أتسبب في هذا بشراء جارية أبدا، وإنما مرادي أن تخطب لي بنتا من بنات الملوك يكون نسبها معروفا، ms0404 وجمالها موصوفا، فإن دللتني على ذات النسب والدين من بنات ملوك المسلمين، فإني أخطبها وأتزوج بها على رءوس الأشهاد؛ ليحصل لي بذلك رضا رب العباد. فقال له الوزير: إن الله قضى حاجتك، وبلغك أمنيتك. فقال له: وكيف ذلك؟ فقال له: اعلم أيها الملك أنه بلغني أن الملك زهر شاه صاحب الأرض البيضاء، له بنت بارعة الجمال، يعجز عن وصفها القيل والقال، ولم يوجد لها في هذا الزمان مثيل لأنها في غاية الكمال، قويمة الاعتدال، ذات طرف كحيل، وشعر طويل، وخصر نحيل، وردف ثقيل، إن أقبلت فتنت، وإن أدبرت قتلت، تأخذ القلب والناظر، كما قال فيها الشاعر: # هيفاء تخجل غصن البان قامتها %~% لم يحك طلعتها شمس ولا قمر ~~كأنما ريقها شهد وقد مزجت %~% به المدامة لكن ثغرها درر ~~ممشوقة القد من حور الجنان لها %~% وجه جميل وفي ألحاظها حور ~~وكم لها من قتيل مات من كمد %~% وفي طريق هواها الخوف والخطر ~~إن عشت فهي المنى ما شئت أذكرها %~% أو مت من دونها لم يجدني العمر # فلما فرغ الوزير من وصف تلك الجارية، قال للملك سليمان شاه: الرأي عندي أيها الملك أن ترسل إلى أبيها رسولا فطنا خبيرا بالأمور، مجربا لتصاريف الدهور، ليتلطف في خطبتها لك من أبيها؛ فإنها لا نظير لها في قاصي الأرض ودانيها، وتحظى منها بالوجه الجميل، ويرضى عليك الرب الجليل؛ فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا رهبانية في الإسلام.» فعند ذلك توجه إلى الملك كمال الفرح، واتسع صدره وانشرح، وزال عنه الهم والغم، ثم أقبل على الوزير وقال له: اعلم أيها الوزير أنه لا يتوجه إلى هذا الأمر إلا أنت؛ لكمال عقلك وأدبك، فقم إلى منزلك واقض أشغالك، وتجهز في غد واخطب لي هذه البنت التي أشغلت بها خاطري، ولا تعد إلي إلا بها. فقال: سمعا وطاعة. # ثم إن الوزير توجه إلى منزله، واستدعى الهدايا التي تصلح للملوك من ثمين الجواهر، ونفيس الذخائر، وغير ذلك مما هو خفيف في الحمل، وثقيل في الثمن، ms0405 ومن الخيل العربية، والدروع الداودية، وصناديق المال التي يعجز عن وصفها المقال، ثم حملوها على البغال والجمال، وتوجه الوزير ومعه مائة مملوك، ومائة عبد، ومائة جارية، وانتشرت على رأسه الرايات والأعلام، وأوصاه الملك أن يأتي إليه في مدة قليلة من الأيام. وبعد توجهه صار الملك سليمان شاه على مقالي النار، مشغولا بحبها في الليل والنهار، وسار الوزير ليلا ونهارا، يطوي براري وقفارا، حتى بقي بينه وبين المدينة التي هو متوجه إليها يوم واحد، ثم نزل على شاطئ نهر، وأحضر بعض خواصه، وأمره أن يتوجه إلى الملك زهر شاه بسرعة، ويخبره بقدومه عليه، فقال: سمعا وطاعة. ثم توجه بسرعة إلى تلك المدينة، فلما قدم عليها وافق قدومه أن الملك زهر شاه كان جالسا في بعض المنتزهات قدام باب المدينة، فرآه وهو داخل، وعرف أنه غريب، فأمر بإحضاره بين يديه، فلما حضر الرسول أخبره بقدوم وزير الملك الأعظم سليمان شاه صاحب الأرض الخضراء وجبال أصفهان؛ ففرح الملك زهر شاه، ورحب بالرسول، وأخذه وتوجه إلى قصره وقال: أين فارقت الوزير؟ فقال: فارقته في أول النهار على شاطئ النهر الفلاني، وفي غد يكون واصلا إليك، وقادما عليك، أدام الله نعمته عليك، ورحم والديك. فأمر زهر شاه بعض وزرائه أن يأخذ معظم خواصه وحجابه ونوابه وأرباب دولته، ويخرج بهم إلى مقابلته تعظيما للملك سليمان شاه؛ لأن حكمه نافذ في الأرض. # هذا ما كان من أمر الملك زهر شاه، وأما ما كان من أمر الوزير، فإنه استقر في مكانه إلى نصف الليل، ثم رحل متوجها إلى المدينة، فلما لاح الصباح، وأشرقت الشمس على الروابي والبطاح، لم يشعر إلا ووزير الملك زهر شاه وحجابه وأرباب دولته، وخواص مملكته، قدموا عليه واجتمعوا به على فراسخ من المدينة، فأيقن الوزير بقضاء حاجته، وسلم على الذين قابلوه، ولم يزالوا سائرين قدامه حتى وصلوا إلى قصر الملك، ودخلوا بين يديه في باب القصر إلى سابع دهليز، وهو المكان الذي لا يدخله الراكب؛ لأنه قريب من الملك، فترجل الوزير، وسعى على قدميه ms0406 حتى وصل إلى إيوان عال، وفي صدر ذلك الإيوان سرير من المرمر، مرصع بالدر والجوهر، وله أربعة قوائم من أنياب الفيل، وعلى ذلك السرير مرتبة من الأطلس الأخضر مطرزة بالذهب الأحمر، ومن فوقها سرادق مرصع بالدر والجوهر، والملك زهر شاه جالس على ذلك السرير، وأرباب دولته واقفون في خدمته. فلما دخل الوزير عليه وصار بين يديه، ثبت جنانه، وأطلق لسانه، وأبدى فصاحة الوزراء، وتكلم بكلام البلغاء. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 108 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن وزير الملك سليمان شاه لما دخل على الملك زهر شاه، ثبت جنانه، وأطلق لسانه، وأبدى فصاحة الوزراء، وتكلم بكلام البلغاء، وأشار إلى الملك بلطف التفات، وأنشد هذه الأبيات: # وافى وأقبل في الغلائل ينثني %~% يولي الندى للمجتنى والمجتني ~~ورقى فما تغني التمائم والرقى %~% والسحر من لحظات تلك الأعين ~~قل للعواذل لا تلوموا إنني %~% طول المدى عن حبه لا أنثني ~~حتى فؤادي خانني ووفى له %~% وكذا الرقاد صبا إليه وملني ~~يا قلب أمسيت وحدك رأفة %~% فامكث لديه وإن تكن أوحشتني ~~لا شيء يطرب مسمعي بسماعه %~% إلا الثناء لزهر شاه أجتني ~~ملك إذا أنفقت عمرك كله %~% في نظرة من وجهه أنت الغني ~~وإذا انتخبت له دعاء صالحا %~% لم تلق غير مشارك أو مؤمن ~~يا أهل ذا الملك الذي من فاته %~% ورجا سواه فلم يكن بالمؤمن ![figure](../Images/figure28.png) # وصارت كأنها مقصورة، وصاحبتها كأنها حورية من الحور الحسان. # فلما فرغ الوزير من هذا النظام، قربه الملك زهر شاه وأكرمه غاية الإكرام، وأجلسه بجانبه وتبسم في وجهه وشرفه بلطيف الكلام، ولم يزالوا على ذلك إلى وقت الصباح، ثم قدموا السماط في ذلك الإيوان، فأكلوا جميعا حتى اكتفوا، ثم رفعوا السماط، وخرج كل من في المجلس ولم يبق إلا الخواص. فلما رأى الوزير خلو المكان نهض قائما على قدميه، وأثنى على الملك، وقبل الأرض بين يديه، ثم قال: أيها الملك الكبير والسيد الخطير، إني سعيت إليك، وقدمت عليك في أمر لك فيه الصلاح، والخير والفلاح، وهو ms0407 أني قد أتيتك رسولا خاطبا، وفي بنتك الحسيبة النسيبة راغبا، من عند الملك سليمان شاه صاحب العدل والأمان، والفضل والإحسان، ملك الأرض الخضراء وجبال أصفهان، وقد أرسل إليك الهدايا الكثيرة، والتحف الغزيرة، وهو في مصاهرتك راغب، فهل أنت له كذلك طالب؟ ثم إنه سكت ينتظر الجواب، فلما سمع الملك زهر شاه ذلك الكلام، نهض قائما على الأقدام، ولثم الأرض باحتشام؛ فتعجب الحاضرون من خضوع الملك للرسول، واندهشت منهم العقول، ثم إن الملك أثنى على ذي الجلال والإكرام، وقال وهو في حالة القيام: أيها الوزير المعظم، والسيد المكرم، اسمع ما أقول: إننا للملك سليمان شاه من جملة رعاياه، ونتشرف بنسبه وننافس فيه، وابنتي جارية من جملة جواريه، وهذا أجل مرادي، ليكون ذخري واعتمادي. ثم إنه أحضر القضاة والشهود، وشهدوا أن الملك سليمان شاه وكل وزيره في الزواج، وتولى الملك زهر شاه عقد بنته بابتهاج. # ثم إن القضاة أحكموا عقد النكاح، ودعوا لهما بالفوز والنجاح، فعند ذلك قام الوزير وأحضر ما جاء به من الهدايا، ونفائس التحف والعطايا، وقدم الجميع للملك زهر شاه، ثم إن الملك أخذ في تجهيز ابنته وإكرام الوزير، وعم بولائمه العظيم والحقير، واستمر في إقامة الفرح مدة شهرين، ولم يترك فيه شيئا مما يسر القلب والعين، ولما تم ما تحتاج إليه العروسة، أمر الملك بإخراج الخيام فضربت بظاهر المدينة، وعبئوا القماش في الصناديق، وهيئوا الجواري الروميات، والوصائف التركيات، وأصحب العروسة بنفيس الذخائر، وثمين الجواهر، ثم صنع لها محفة من الذهب الأحمر، مرصعة بالدر والجوهر، وأفرد لها عشر بغال للمسير، وصارت تلك المحفة كأنها مقصورة من المقاصير، وصاحبتها كأنها حورية من الحور الحسان، وخدرها كقصر من قصور الجنان، ثم رزموا الذخائر والأموال، وحملوها على البغال والجمال، وتوجه الملك زهر شاه معهم قدر ثلاثة فراسخ، ثم ودع ابنته، وودع الوزير ومن معه، ورجع إلى الأوطان في فرح وأمان، وتوجه الوزير بابنة الملك وسار، ولم يزل يطوي المراحل والقفار. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 109 # قالت: ms0408 بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير توجه بابنة الملك وسار، ولم يزل يطوي المراحل والقفار، ويجد السير في الليل والنهار، حتى بقي بينه وبين بلاده ثلاثة أيام، ثم أرسل إلى الملك سليمان شاه من يخبره بقدوم العروسة، فأسرع الرسول بالسير حتى وصل إلى الملك وأخبره بقدوم العروسة؛ ففرح الملك سليمان شاه وخلع على الرسول، وأمر عساكره أن يخرجوا في موكب عظيم إلى ملاقاة العروسة ومن معها بالتكريم، وأن يكونوا في أحسن البهجات، وأن ينشروا على رءوسهم الرايات؛ فامتثلوا أمره، ونادى مناد في المدينة أنه لا تبقى بنت مخدرة، ولا حرة موقرة، ولا عجوز مكسرة، إلا وتخرج إلى لقاء العروسة؛ فخرجوا جميعا إلى لقائها، وسعى كبراؤهم في خدمتها، واتفقوا على أن يتوجهوا بها في الليل إلى قصر الملك، واتفق أرباب الدولة على أن يزينوا الطريق، وأن يقفوا حتى تمر بهم العروسة، والخدام قدامها، والجواري بين يديها، وعليها الخلعة التي أعطاها لها أبوها. فلما أقبلت أحاط بها العسكر ذات اليمين وذات الشمال، ولم تزل المحفة سائرة بها إلى أن قربت من القصر، ولم يبق أحد إلا وقد خرج ليتفرج عليها، وصارت الطبول ضاربة، والرماح لاعبة، والبوقات صائحة، وروائح الطيب فائحة، والرايات خافقة، والخيل متسابقة، حتى وصلوا إلى باب القصر، وتقدمت الغلمان بالمحفة إلى باب القصر، فأضاء المكان ببهجتها، وأشرقت جهاته بحلي زينتها. # فلما أقبل الليل فتح الخدام أبواب السرادق، ووقفوا وهم محتاطون بالباب، ثم جاءت العروسة وهي بين الجواري كالقمر بين النجوم، أو الدرة الفريدة بين اللؤلؤ المنظوم، ثم دخلت المقصورة وقد نصبوا لها سريرا من المرمر، مرصعا بالدر والجوهر، فجلست عليه، ودخل عليها الملك، وأوقع الله محبتها في قلبه، فأزال بكارتها، وزال ما كان عنده من القلق والقهر، وأقام عندها نحو شهر، فعلقت منه من أول ليلة، وبعد تمام الشهر خرج وجلس على سرير مملكته، وعدل في رعيته إلى أن وفت أشهرها، وفي آخر ليلة من الشهر التاسع جاءها المخاض عند السحر، فجلست على كرسي الطلق وهون الله عليها الولادة، فوضعت ms0409 غلاما ذكرا تلوح عليه علامات السعادة، فلما سمع الملك بالولد فرح فرحا جليلا، وأعطى المبشر مالا جزيلا، ومن فرحته توجه إلى الغلام، وقبله بين عينيه، وتعجب من جماله الباهر، وتحقق فيه قول الشاعر: # الله أهدى للرئاسة كوكبا %~% فالدهر بالأبطال ما يوما نبا ~~هشت لمطلعه الأسنة والأسر %~% ة والمحافل والجحافل والظبى ~~لا تركبوه على النهود فإنه %~% ليرى ظهور الخيل أوطأ مركبا ~~ولتفطموه عن الرضاع فإنه %~% ليرى دم الأعداء أحلى مشربا # ثم إن الدايات أخذن ذلك المولود، وقطعن سرته وكحلن مقلته، ثم سموه تاج الملوك خاران، وارتضع ثدي الدلال، وتربى في حجر الإقبال، ولا زالت الأيام تجري والأعوام تمضي، حتى صار له من العمر سبع سنين، فعند ذلك أحضر الملك سليمان شاه العلماء والحكماء، وأمرهم أن يعلموا ولده الخط والحكمة والأدب، فمكثوا على ذلك مدة سنين حتى تعلم ما يحتاج إليه الأمر، فلما عرف جميع ما طلبه الملك، أحضره من عند الفقهاء والمعلمين، وأحضر له أستاذا يعلمه الفروسية، فلم يزل يعلمه حتى صار له من العمر أربع عشرة سنة، وكان إذا خرج إلى بعض أشغاله يفتتن به كل من رآه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 110 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن تاج الملوك خاران ابن الملك سليمان شاه لما مهر في الفروسية وفاق أهل زمانه، صار من فرط جماله إذا خرج إلى بعض أشغاله، يفتتن به كل من رآه حتى نظموا فيه الأشعار، وتهتكت في محبته الأحرار؛ لما حوى من الجمال الباهر، كما قال فيه الشاعر: # عانقته فسكرت من طيب الشذا %~% غصنا رطيبا بالنسيم قد اغتذى ~~سكران ما شرب المدام وإنما %~% أمسى بخمر رضابه متنبذا ~~أضحى الجمال بأسره في أسره %~% فلأجل ذاك على القلوب استحوذا ~~والله ما خطر السلو بخاطري %~% ما دمت في قيد الحياة ولا إذا ~~إن عشت عشت على هواه وإن أمت %~% وجدا به وصبابة يا حبذا # فلما بلغ من العمر ثمانية عشر عاما، دب عذاره الأخضر على شامة خده الأحمر، وزانهما خال كنقطة ms0410 عنبر، وصار يسبي العقول والنواظر، كما قال فيه الشاعر: # أضحى ليوسف في الجمال خليفة %~% يخشاه كل العاشقين إذا بدا ~~عرج معي وانظر إليه لكي ترى %~% في خده علم الخلافة أسودا # وكما قال الآخر: # ما أبصرت عيناك أحسن منظرا %~% فيما يرى من سائر الأشياء ~~كالشامة الخضراء فوق الوجنة ال %~% حمراء تحت المقلة السوداء # وكما قال الآخر: # عجبت لخال يعبد النار دائما %~% بخدك لم يحرق بها وهو كافر ~~وأعجب من ذا أن باللحظ مرسلا %~% يصدق بالآيات وهو لساحر ~~وما اخضر ذاك الخد نبتا وإنما %~% لكثرة ما شقت عليه المرائر # وكما قال الآخر: # إني لأعجب من سؤال الناس عن %~% ماء الحياة بأي أرض منهمر ~~ولقد أراه بثغر ظبي أغيد %~% حلو اللمى وعليه شاربه الخضر ~~ومن العجائب أن موسى يلتقي %~% معه هنالك سائلا لم يصطبر # فلما صار بتلك الحالة وبلغ مبلغ الرجال زاد به الجمال، ثم صار لتاج الملوك خاران أصحاب وأحباب، وكل من تقرب إليه يرجو أن يصير سلطانا بعد موت أبيه، وأنه يكون عنده أميرا. ثم إنه تعلق بالصيد والقنص، وصار لم يفتر عنه ساعة واحدة، وكان والده الملك سليمان شاه ينهاه عن ذلك؛ مخافة عليه من آفات البر والوحوش، فلم يقبل منه ذلك، اتفق أنه قال لخدامه: خذوا معكم عليق عشرة أيام. فامتثلوا ما أمرهم به، فلما خرج بأتباعه للصيد والقنص ساروا في البر، ولم يزالوا سائرين أربعة أيام حتى أشرفوا على أرض خضراء، فرأوا فيها وحوشا راتعة، وأشجارا يانعة، وعيونا نابعة، فقال تاج الملوك لأتباعه: انصبوا الحبائل هنا، وأوسعوا دائرة حلقتها، ويكون اجتماعنا عند رأس الحلقة في المكان الفلاني. فامتثلوا أمره، ونصبوا الحبائل، وأوسعوا دائرة حلقتها، فاجتمع فيها شيء كثير من أصناف الوحوش والغزلان، إلى أن ضجت منهم الوحوش، وتنافرت في وجوه الخيل؛ فأغرى عليها الكلاب والفهود والصقور، ثم ضربوا الوحوش بالنشاب، فأصابوا مقاتل الوحوش، وما وصلوا إلى آخر الحلقة إلا وقد أخذوا من الوحوش شيئا كثيرا، وهرب الباقي. وبعد ذلك نزل تاج الملوك على الماء، وأحضر الصيد وقسمه، وأفرد ms0411 لأبيه سليمان شاه خاص الوحوش، وأرسله إليه، وفرق البعض على أرباب دولته، وبات تلك الليلة في ذلك المكان. # فلما أصبح الصباح أقبلت عليهم قافلة كبيرة مشتملة على عبيد وغلمان وتجار، فنزلت تلك القافلة على الماء والخضرة، فلما رآهم تاج الملوك قال لبعض أصحابه: ائتني بخبر هؤلاء، واسألهم لأي شيء نزلوا في هذا المكان؟ فلما توجه إليهم الرسول قال لهم: أخبرونا من أنتم، وأسرعوا في رد الجواب. فقالوا له: نحن تجار، ونزلنا هنا لأجل الراحة؛ لأن المنزل بعيد علينا، وقد نزلنا في هذا المكان؛ لأننا مطمئنون بالملك سليمان شاه وولده، ونعلم أن كل من نزل عنده صار في أمان واطمئنان، ومعنا قماش نفيس جئنا به من أجل ولده تاج الملوك. فرجع الرسول إلى ابن الملك، وأعلمه بحقيقة الحال، وأخبره بما سمعه من التجار، فقال ابن الملك: إذا كان معهم شيء جاءوا به من أجلي، فما أدخل المدينة ولا أرحل من هذا المكان حتى أستعرضه. ثم ركب جواده وسار، وسارت مماليكه خلفه إلى أن أشرف على القافلة، فقام له التجار، ودعوا له بالنصر والإقبال، ودوام العز والأفضال، وقد ضربت له خيمة من الأطلس الأحمر، مزركشة بالدر والجوهر، وفرشوا له مقعدا سلطانيا فوق بساط من الحرير، وصدره مزركش بالزمرد؛ فجلس تاج الملوك، ووقف المماليك في خدمته، وأرسل إلى التجار وأمرهم أن يحضروا بجميع ما معهم، فأقبل عليه التجار ببضائعهم، فاستعرض جميع بضاعتهم، وأخذ منها ما يصلح له ووفى لهم بالثمن، ثم ركب وأراد أن يسير، فلاحت منه التفاتة إلى القافلة، فرأى شابا جميل الشباب، نظيف الثياب، ظريف المعاني، بجبين أزهر، ووجه أقمر، إلا أن ذلك الشاب قد تغيرت محاسنه، وعلاه الاصفرار من فرقة الأحباب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 111 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن تاج الملوك لاحت منه التفاتة إلى القافلة، فرأى شابا جميل الشباب، نظيف الثياب، ظريف المعاني، إلا أن ذلك الشاب قد تغيرت محاسنه، وعلاه الاصفرار من فرقة الأحباب، وزاد به الأنين والانتحاب، وسالت ms0412 من جفنيه العبرات، وهو ينشد هذه الأبيات: # طال الفراق ودام الهم والوجل %~% والدمع في مقلتي يا صاح منهمل ~~والقلب ودعته يوم الفراق وقد %~% بقيت فردا فلا قلب ولا أمل ~~يا صاحبي قف معي حتى أودع من %~% من نطقها تشتفى الأمراض والعلل # ثم إن الشاب بعدما فرغ من الشعر بكى ساعة وغشي عليه، وتاج الملوك ناظر إليه وهو يتعجب من أمره، فلما أفاق رنا بفاتك اللحظات، وأنشد هذه الأبيات: # خذوا حذركم من طرفها فهو ساحر %~% وليس بناج من رمته المحاجر ~~فإن العيون السود وهي نواعس %~% تقد السيوف البيض وهي بواتر ~~ولا تخضعوا من رقة في كلامها %~% فإن الحميا للعقول تخامر ~~منعمة الأطراف لو مس جسمها %~% حرير لأدماه وها أنت ناظر ~~بعيدة ما بين المجلجل والطلا %~% وأين الشذا من طيبها وهو عاطر # ثم شهق شهقة فغشي عليه، فلما رآه تاج الملوك على هذه الحالة تحير في أمره وتمشى إليه، فلما أفاق من غشيته نظر ابن الملك واقفا على رأسه، فنهض قائما على قدميه، وقبل الأرض بين يديه، فقال له تاج الملوك: لأي شيء لم تعرض بضاعتك علينا؟ فقال: يا مولاي، إن بضاعتي ليس فيها شيء يصلح لسعادتك. فقال: لا بد أن تعرض علي ما معك، وتخبرني بحالك؛ فإني أراك باكي العين حزين القلب، فإن كنت مظلوما أزلنا ظلامتك، وإن كنت مديونا قضينا دينك، فإن قلبي قد احترق من أجلك حين رأيتك. ثم إن تاج الملوك أمر بنصب كرسيين، فنصبوا له كرسيا من العاج والأبنوس مشبكا بالذهب والحرير، وبسطوا له بساطا من الحرير، فجلس تاج الملوك على الكرسي، وأمر الشاب أن يجلس على البساط، وقال له: اعرض علي بضاعتك. فقال له الشاب: يا مولاي، لا تذكر لي ذلك؛ فإن بضاعتي ليست بمناسبة لك. فقال له تاج الملوك: لا بد من ذلك. ثم أمر بعض غلمانه بإحضارها فأحضروها قهرا عنه، فلما رآها الشاب جرت دموعه وبكى، وأن واشتكى، وصعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # بما بجفنك من غنج ومن كحل %~% وما بقدك من لين ومن ms0413 ميل ~~وما بثغرك من خمر ومن شهد %~% وما بطبعك من لطف ومن ملل ~~عندي زيارة طيف منك يا أملي %~% أحلى من الأمن عند الخائف الوجل # ثم إن الشاب فتح بضاعته وعرضها على تاج الملوك قطعة قطعة وتفصيلة تفصيلة، وأخرج من جملتها ثوبا من الأطلس منسوجا بالذهب يساوي ألفي دينار، فلما فتح الثوب وقعت من وسطه خرقة، فأخذها الشاب بسرعة ووضعها تحت وركه، وقد ذهل عن المعقول، وأنشد يقول: # متى يشتفي منك الفؤاد المعذب %~% ونجم الثريا من وصالك أقرب ~~بعاد وهجر واشتياق ولوعة %~% ومطل وتسويف به العمر يذهب ~~فلا الوصل يحييني ولا الهجر قاتلي %~% ولا البعد يدنيني ولا أنت تقرب ~~وما منك إنصاف ولا لك رحمة %~% ولا منك إسعاف ولا عنك مهرب ~~وفي حبكم ضاقت جميع مذاهبي %~% علي فلا أدري إلى أين أذهب # فتعجب تاج الملوك من إنشاده غاية العجب، ولم يعلم لذلك من سبب، ولما أخذ الخرقة ووضعها تحت وركه، قال له تاج الملوك: ما هذه الخرقة? فقال: يا مولاي، ليس لك بهذه الخرقة حاجة. فقال له ابن الملك: أرني إياها. قال له: يا مولاي، أنا ما امتنعت من عرض بضاعتي عليك إلا لأجلها، فإني لا أقدر على أنك تنظر إليها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 112 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: أنا ما امتنعت من عرض بضاعتي عليك إلا لأجلها، فإني لا أقدر على أنك تنظر إليها. فقال له تاج الملوك: لا بد من كوني أنظر إليها. وألح عليه واغتاظ، فأخرجها من تحت ركبته وبكى، وأن واشتكى، وأكثر من الأنات، وأنشد هذه الأبيات: # لا تعذليه فإن العذل يوجعه %~% قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه ~~أستودع الله في البطحاء لي قمرا %~% بالحي من فلك الأزرار مطلعه ~~ودعته وبودي لو يودعني %~% صفو الحياة وإني لا أودعه ~~وكم تشفع بي يوم الفراق ضحى %~% وأدمعي مستهلات وأدمعه ~~لا أكذب الله ثوب العذر منخرق %~% عني بفرقته لكن أرقعه ~~لا يستقر لجنبي مضجع وكذا %~% لا ms0414 يستقر له مذ بنت مضجعه ~~وقد سعى الدهر فيما بيننا بيد %~% عسراء تمنعني حظي وتمنعه ~~وصبت الهم صرفا عندما ملأت %~% كأسا تجرع منها ما أجرعه # فلما فرغ من شعره، قال له تاج الملوك: أرى أحوالك غير مستقيمة، فأخبرني ما سبب بكائك عند نظرك إلى هذه الخرقة? فلما سمع الشاب ذكر الخرقة تنهد وقال: يا مولاي، إن حديثي عجيب وأمري غريب، مع هذه الخرقة وصاحبتها وصاحبة هذه الصورة والتماثيل. ثم نشر الخرقة وإذا فيها صورة غزال مرقومة بالحرير، مزركشة بالذهب الأحمر، وقبالها صورة غزال آخر وهي مرقومة بالفضة، وفي رقبته طوق من الذهب الأحمر، وثلاث قصبات من الزبرجد، فلما نظر تاج الملوك إليه وإلى حسن صنعته قال: سبحان الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم. وتعلق قلب تاج الملوك بحديث هذا الشاب، فقال له: احك لي قصتك مع صاحبة هذا الغزال. ### || حكاية الشاب عزيز # فقال الشاب: اعلم يا مولاي أن أبي كان من التجار الكبار، ولم يرزق ولدا غيري، وكان لي بنت عم تربيت أنا وهي في بيت أبي؛ لأن أباها مات، وكان قبل موته تعاهد هو وأبي على أن يزوجاني بها، فلما بلغت مبلغ الرجال، وبلغت هي مبلغ النساء، لم يحجبوها عني ولم يحجبوني عنها، ثم تحدث والدي مع أمي وقال لها: في هذه السنة نكتب كتاب عزيز على عزيزة، واتفق مع أمي على هذا الأمر، ثم شرع أبي في تجهيز مؤن الولائم، هذا كله وأنا وبنت عمي ننام مع بعضنا في فراش واحد، ولم ندر كيف الحال، وكانت هي أشعر مني وأعرف وأدرى، فلما جهز أبي أدوات الفرح ولم يبق غير كتب الكتاب والدخول على بنت عمي، أراد أبي أن يكتبوا الكتاب بعد صلاة الجمعة، ثم توجه إلى أصحابه من التجار وغيرهم وأعلمهم بذلك، ومضت أمي وعزمت صواحبها من النساء ودعت أقاربها. فلما جاء يوم الجمعة غسلوا القاعة المعدة للجلوس، وغسلوا رخامها، وفرشوا في دارنا البسط، ووضعوا فيها ما يحتاج إليه الأمر بعد أن زوقوا حيطانها بالقماش المقصب، واتفق ms0415 الناس أن يجيئوا بيتنا بعد صلاة الجمعة. ثم مضى أبي وعمل الحلويات وأطباق السكر، وما بقي غير كتب الكتاب، وقد أرسلتني أمي إلى الحمام، وأرسلت خلفي بدلة جديدة من أفخر الثياب، فلما خرجت من الحمام لبست تلك البدلة الفاخرة، وكانت مطيبة، فلما لبستها فاحت منها رائحة ذكية عبقت في الطريق، ثم أردت أن أذهب إلى الجامع، فتذكرت صاحبا لي، فرجعت أفتش عليه ليحضر كتب الكتاب، وقلت في نفسي: أشتغل بهذا الأمر إلى أن يقرب وقت الصلاة. # ثم إني دخلت زقاقا ما دخلته قط، وكنت عرقان من أثر الحمام والقماش الجديد الذي على جسدي، فساح عرقي وفاحت روائحي، فقعدت في رأس الزقاق لأرتاح على مصطبة، وفرشت تحتي منديلا مطرزا كان معي، فاشتد علي الحر فعرق جبيني، وصار العرق ينحدر على وجهي، ولم يمكنني مسح العرق عن وجهي بالمنديل لأنه مفروش تحتي، فأردت أن آخذ ذيل فرجيتي وأمسح به وجنتي، فما أدري إلا ومنديل أبيض وقع علي من فوق، وكان ذلك المنديل أرق من النسيم، ورؤيته ألطف من شفاء السقيم، فمسكته بيدي، ورفعت رأسي إلى فوق لأنظر من أين سقط هذا المنديل، فوقعت عيني في عين صاحبة هذا الغزال. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 113 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: فرفعت رأسي إلى فوق لأنظر من أين سقط هذا المنديل، فوقعت عيني في عين صاحبة هذا الغزال، وإذا بها مطلة من طاقة من شباك من نحاس لم تر عيني أجمل منها، وبالجملة يعجز عن وصفها لساني، فلما رأتني نظرت إليها وضعت إصبعها في فمها، ثم أخذت إصبعها الوسطاني وألصقته بإصبعها الشاهد، ووضعتهما على صدرها بين نهديها، ثم أدخلت رأسها من الطاقة، وسدت باب الطاقة وانصرفت، فانطلقت في قلبي النار، وزاد بي الاستعار، وأعقبتني النظرة ألف حسرة، وتحيرت لأني لم أسمع ما قالت، ولم أفهم ما به أشارت، فنظرت إلى الطاقة ثانيا فوجدتها مطبوقة، فصبرت إلى مغيب الشمس، فلم أسمع حسا ولم أر ms0416 شخصا، فلما يئست من رؤيتها قمت من مكاني، وأخذت المنديل معي، ثم فتحته ففاحت منه رائحة المسك، حصل لي من تلك الرائحة طرب عظيم، حتى صرت كأنني في الجنة، ثم نشرته بين يدي، فسقطت منه ورقة لطيفة، ففتحت الورقة فرأيتها مضمخة بالروائح الذكيات، ومكتوبا فيها هذه الأبيات: # بعثت إليه أشكو من ألم الجوى %~% بخط رقيق والخطوط فنون ~~فقال: خليلي ما لخطك هكذا %~% رقيقا دقيقا لا يكاد يبين ~~فقلت: لأني في نحول ودقة %~% كذاك خطوط العاشقين تكون # ثم بعد أن قرأت الأبيات، أطلقت في بهجة المنديل نظر العين، فرأيت في إحدى حاشيتيه تسطير هذين البيتين: # كتب العذار ويا له من كاتب %~% سطرين في خديه بالريحان ~~وا حيرة القمرين منه إذا بدا %~% وإذا انثنى وا خجلة الأغصان # ومسطر في الحاشية الأخرى هذان البيتان: # كتب العذار بعنبر في لؤلؤ %~% سطرين من سبج على تفاح ~~القتل في الحدق المراض إذا رنت %~% والسكر في الوجنات لا في الراح # فلما رأيت ما على المنديل من الأشعار، انطلق في فؤادي لهيب النار، وزادت بي الأشواق والأفكار، وأخذت المنديل والورقة، وأتيت بهما إلى البيت وأنا لا أدري لي حيلة في الوصال، ولا أستطيع في العشق تفصيل الإجمال، فما وصلت إلى البيت إلا بعد مدة من الليل، فرأيت بنت عمي جالسة تبكي، فلما رأتني مسحت دموعها وأقبلت علي وقلعتني الثياب، وسألتني عن سبب غيابي، وأخبرتني أن جميع الناس من أمراء وكبراء وتجار وغيرهم قد اجتمعوا في بيتنا، وحضر القاضي والشهود، وأكلوا الطعام واستمروا مدة جالسين ينتظرون حضوري من أجل كتب الكتاب، فلما يئسوا من حضوري تفرقوا، وذهبوا إلى حال سبيلهم، وقالت لي: إن أباك اغتاظ بسبب ذلك غيظا شديدا، وحلف أنه لا يكتب كتابنا إلا في السنة المقبلة؛ لأنه غرم في هذا الفرح مالا كثيرا. ثم قالت لي: ما الذي جرى لك في هذا اليوم حتى تأخرت إلى هذا الوقت، وحصل ما حصل بسبب غيابك؟ فقلت لها جرى لي كذا وكذا، وذكرت لها المنديل، وأخبرتها بالخبر من أوله إلى ms0417 آخره، فأخذت الورقة والمنديل، وقرأت ما فيهما، وجرت دموعها على خدودها، وأنشدت هذه الأبيات: # من قال أول الهوى اختيار %~% فقل كذبت كله اضطرار ~~وليس بعد الاضطرار عار %~% دلت على صحته أخبار # فإن تشأ فقل عذاب يعذب %~% أو ضربان في الحشى أو ضرب ~~أو نعمة أو نقمة أو أرب %~% تأنس النفس به أو تعطب # ومع ذا أيامه مواسم %~% وثغرها على الدوام باسم ~~ونفحات طيبها مواسم %~% وهو لكل ما يشين حاسم # ثم إنها قالت لي: فما قالت لك وما أشارت به إليك؟ فقلت لها: ما نطقت بشيء غير أنها وضعت إصبعها في فمها، ثم قرنتها بالإصبع الوسطى، وجعلت الإصبعين على صدرها، وأشارت إلى الأرض، ثم أدخلت رأسها وأغلقت الطاقة، ولم أرها بعد ذلك، فأخذت قلبي معها، فقعدت إلى غياب الشمس أنتظر أنها تطل من الطاقة ثانيا، فلم تفعل، فلما يئست منها قمت من ذلك المكان، وهذه قصتي وأشتهي منك أن تعينيني على ما بليت به. فرفعت رأسها إلي وقالت: يابن عمي، لو طلبت عيني لأخرجتها لك من جفوني، ولا بد أن أساعدك على حاجتك، وأساعدها على حاجتها؛ فإنها مغرمة بك كما إنك مغرم بها. فقلت لها: وما تفسير ما أشارت به؟ قالت: أما وضع إصبعها في فمها، فإنه إشارة إلى أنك عندها بمنزلة روحها من جسدها، وإنما تعض على وصالك بالنواجذ، وأما المنديل فإنه إشارة إلى سلام المحبين على المحبوبين، وأما الورقة فإنها إشارة إلى أن روحها متعلقة بك، وأما وضع إصبعيها على صدرها بين نهديها، فتفسيره أنها تقول لك بعد يومين تعال هنا ليزول عني بطلعتك العناء. اعلم يابن عمي أنها لك عاشقة، وبك واثقة، وهذا ما عندي من التفسير لإشاراتها، ولو كنت أدخل وأخرج لجمعت بينك وبينها في أسرع وقت، وأستركما بذيلي. قال الغلام: فلما سمعت ذلك منها شكرتها على قولها، وقلت في نفسي: أنا أصبر يومين. ثم قعدت في البيت يومين لا أدخل ولا أخرج، ولا آكل ولا أشرب، ووضعت رأسي في حجر ابنة عمي وهي تسليني وتقول: قو ms0418 عزمك وهمتك، وطيب قلبك وخاطرك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 114 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: فلما انقضى اليومان قالت لي ابنة عمي: طب نفسا، وقر عينا، وقو عزمك، والبس ثيابك، وتوجه إليها على الميعاد. ثم إنها قامت وغيرت أثوابي وبخرتني، ثم شددت حيلي، وقويت قلبي، وخرجت وتمشيت إلى أن دخلت الزقاق، وجلست على المصطبة ساعة، وإذا بالطاقة قد انفتحت، فنظرت بعيني إليها، فلما رأيتها وقعت مغشيا علي، ثم أفقت فشددت عزمي، وقويت قلبي، ونظرت إليها ثانيا، فغبت عن الوجود، ثم استفقت فرأيت معها مرآة ومنديلا أحمر، وحين رأتني شمرت عن ساعديها، وفتحت أصابعها الخمس، ودقت بها على صدرها بالكف والخمس أصابع، ثم رفعت يديها، وأبرزت المرآة من الطاقة، وأخذت المنديل الأحمر، ودخلت به وعادت، وأدلته من الطاقة إلى صوب الزقاق ثلاث مرات وهي تدليه وترفعه، ثم عصرته ولفته بيدها وطأطأت رأسها، ثم جذبتها من الطاقة، وأغلقت الطاقة، وانصرفت ولم تكلمني كلمة واحدة، بل تركتني حيران لا أعلم ما أشارت به، واستمررت جالسا إلى وقت العشاء، ثم جئت إلى البيت قرب نصف الليل، فوجدت ابنة عمي واضعة يدها على خدها، وأجفانها تسكب العبرات وهي تنشد هذه الأبيات: # ما لي ولا حي عليك يعنف %~% كيف السلو وأنت غصن أهيف ~~يا طلعة سلبت فؤادي وانثنت %~% ما للهوى العذري عنها مصرف ~~تركية الألحاظ تفعل بالحشا %~% ما ليس يفعله الصقيل المرهف ~~حملتني ثقل الغرام وليس لي %~% جلد على حمل القميص وأضعف ~~ولقد بكيت دما لقول عواذلي %~% من جفن من تهوى يروعك مرهف ~~يا ليت قلبي مثل قلبك إنما %~% جسمي كخصرك بالنحافة متلف ~~لك يا أميري في الملاحة ناظر %~% صعب علي وحاجب لا ينصف ~~كذب الذي قال الملاحة كلها %~% في يوسف كم في جمالك يوسف ~~أتكلف الإعراض عنك مخافة %~% من أعين الرقباء كم أتكلف # فلما سمعت شعرها زاد ما بي من الهموم، وتكاثرت علي الغموم، ووقعت في زوايا البيت، فنهضت إلي وحملتني، وقلعتني أثوابي، ومسحت ms0419 وجهي بكمها، ثم سألتني عما جرى لي، فحكيت لها جميع ما حصل منها، فقالت: يا ابن عمي، أما إشارتها بالكف والخمس أصابع فإن تفسيره: تعال بعد خمسة أيام. وأما إشارتها بالمرآة وإبراز رأسها من الطاقة، فإن تفسيره: اقعد على دكان الصباغ حتى يأتيك رسولي. فلما سمعت كلامها اشتعلت النار في قلبي، وقلت: بالله يا بنت عمي إنك تصدقيني في هذا التفسير؛ لأني رأيت في الزقاق صباغا يهوديا. ثم بكيت، فقالت ابنة عمي: قو عزمك، وثبت قلبك، فإن غيرك يشتغل بالعشق مدة سنين، ويتجلد على حر الغرام، وأنت لك جمعة، فكيف يحصل لك هذا الجزع؟ ثم أخذت تسليني بالكلام، وأتت لي بالطعام، فأخذت لقمة، وأردت أن آكلها فما قدرت، فامتنعت من الشراب والطعام، وهجرت لذيذ المنام، واصفر لوني، وتغيرت محاسني؛ لأني ما عشقت قبل ذلك، ولا ذقت حرارة العشق إلا في هذه المرة؛ فضعفت وضعفت بنت عمي من أجلي، وصارت تذكر لي أحوال العشاق والمحبين على سبيل التسلي في كل ليلة إلى أن أنام. وكنت أستيقظ فأجدها سهرانة من أجلي، ودمعها يجري على خدها، ولم أزل كذلك إلى أن مضت الخمسة أيام، فقامت ابنة عمي وسخنت لي ماء وحممتني به، وألبستني ثيابي، وقالت لي: توجه إليها قضى الله حاجتك، وبلغك مقصودك من محبوبتك. فمضيت ولم أزل ماشيا إلى أن أتيت إلى رأس الزقاق، وكان ذلك في يوم السبت، فرأيت دكان الصباغ مقفولة، فجلست عليها حتى أذان العصر، واصفرت الشمس، وأذن المغرب، ودخل الليل، وأنا لا أرى لها أثرا، ولا أسمع حسا ولا خبرا؛ فخشيت على نفسي، وأنا جالس وحدي، فقمت وتمشيت وأنا كالسكران إلى أن دخلت البيت، فلما دخلت رأيت ابنة عمي عزيزة، وإحدى يديها قابضة على وتد مدقوق في الحائط، ويدها الأخرى على صدرها وهي تصعد الزفرات، وتنشد هذه الأبيات: # وما وجد أعرابية بان أهلها %~% فحنت إلى بان الحجاز ورنده ~~إذا آنست ركبا تكفل شوقها %~% بنار قراه والدموع بورده ~~بأعظم من وجدي بحبي وإنما %~% يرى أنني أذنبت ذنبا بوده # فلما ms0420 فرغت من شعرها التفتت إلي فرأتني أبكي، فمسحت دموعها ودموعي بكمها، وتبسمت في وجهي وقالت لي: يا ابن عمي، هناك الله بما أعطاك، فلأي شيء لم تبت الليلة عند محبوبتك، ولم تقض منها أربك؟ فلما سمعت كلامها رفصتها برجلي في صدرها، فانقلبت على الإيوان، فجاءت جبهتها على طرف الإيوان، وكان هناك وتد فجاء في جبهتها، فتأملتها فرأيت جبينها قد انفتح وسال دمها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 115 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: فلما رفصت ابنة عمي في صدرها، انقلبت على طرف الإيوان، فجاء الوتد في جبينها، فانفتح جبينها وسال دمها، فسكتت ولم تنطق بحرف واحد، ثم إنها قامت في الحال وأحرقت حراقا، وحشت به ذلك الجرح، وتعصبت بعصابة، ومسحت الدم الذي سال على البساط، وكأن ذلك شيء ما كان، ثم إنها أتتني وتبسمت في وجهي، وقالت لي بلين الكلام: والله يا ابن عمي ما قلت هذا الكلام استهزاء بك ولا بها، وقد كنت مشغولة بوجع رأسي ومسح الدم، وفي هذه الساعة قد خفت رأسي وخفت جبهتي، فأخبرني بما كان من أمرك في هذا اليوم. فحكيت لها جميع ما وقع لي منها في ذلك اليوم، وبعد كلامي بكيت فقالت لي: يا ابن عمي، أبشر بنجاح قصدك، وبلوغ أملك، إن هذه علامة القبول، وذلك أنها غابت عنك لأنها تريد أن تختبرك وتعرف هل أنت صابر أو لا، وهل أنت صادق في محبتها أو لا؟ وفي غد توجه إليها في مكانك الأول، وانظر ماذا تشير به إليك، فقد قربت أفراحك، وزالت أحزانك. وصارت تسليني على ما بي، وأنا لم أزل متزايد الهموم والغموم، ثم قدمت لي الطعام فرفصته برجلي، فانكبت كل زبدية في ناحية، وقلت: كل من كان عاشقا فهو مجنون، لا يميل إلى طعام، ولا يلتذ بمنام. فقالت لي ابنة عمي عزيزة: والله يا ابن عمي، إن هذه علامة المحبة. وسالت دموعها، ولمت شقافة الزبادي، ومسحت الطعام، وجلست تسايرني، وأنا أدعو ms0421 الله أن يصبح الصباح. # فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، توجهت إليها ودخلت ذلك الزقاق بسرعة، وجلست على تلك المصطبة، وإذا بالطاقة قد انفتحت، وأبرزت رأسها منها وهي تضحك، ثم غابت ورجعت ومعها مرآة وكيس وقصرية ممتلئة بزرع أخضر، وفي يدها قنديل، فأول ما فعلت أخذت المرآة في يدها، وأدخلتها في الكيس، ثم ربطته ورمته في البيت، ثم أرخت شعرها على وجهها، ثم وضعت القنديل على رأس الزرع لحظة، ثم أخذت جميع ذلك وانصرفت به، وأغلقت الطاقة، فانفطر قلبي من هذا الحال، ومن إشاراتها الخفية، ورموزها المخفية، وهي لم تكلمني بكلمة قط، فاشتد لذلك غرامي، وزاد وجدي وهيامي، ثم إني رجعت على عقبي، وأنا باكي العين حزين القلب حتى دخلت البيت، فرأيت ابنة عمي قاعدة، ووجهها إلى الحائط، وقد احترق قلبها من الهم والغم والغيرة، ولكن محبتها منعتها أن تخبرني بشيء مما عندها من الغرام، لما رأت ما أنا فيه من كثرة الوجد والهيام، ثم نظرت إليها فرأيت على رأسها عصابتين: إحداهما من الوقعة على جبهتها، والأخرى على عينها بسبب وجع أصابها من شدة بكائها، وهي في أسوأ الحالات تبكي وتنشد هذه الأبيات: # أينما كنت لم تزل بأمان %~% أيها الراحل المقيم بقلبي ~~ولك الله حيث أمسيت جارا %~% منقذا من صروف دهر وخطب ~~غبت فاستوحشت لبعدك عيني %~% واستهلت مدامعي أي سكب ~~ليت شعري بأي أرض ومغنى %~% أنت مستوطن بدار وشعب ~~إن يكن شربك القراح زلالا %~% فدموعي من المحاجر شربي ~~كل شيء سوى فراقك عذب %~% كالتجافي بين الرقاد وجنبي # فلما فرغت من شعرها نظرت إلي فرأتني وهي تبكي، فمسحت دموعها، ونهضت إلي ولم تقدر أن تتكلم مما هي فيه من الوجد، ولم تزل ساكتة برهة من الزمان، ثم بعد ذلك قالت: يا ابن عمي، أخبرني بما حصل لك منها في هذه المرة. فأخبرتها بجميع ما حصل لي، فقالت لي: اصبر فقد آن أوان وصالك، وظفرت ببلوغ آمالك، أما إشارتها لك بالمرآة وكونها أدخلتها في الكيس، فإنها تقول لك اصبر إلى أن تغطس ms0422 الشمس؛ وأما إرخاؤها شعرها على وجهها فإنها تقول لك إذا أقبل الليل وانسدل سواد الظلام على نور النهار فتعال؛ وأما إشارتها لك بالقصرية التي فيها زرع، فإنها تقول لك إذا جئت فادخل البستان الذي وراء الزقاق؛ وأما إشارتها لك بالقنديل، فإنها تقول لك إذا دخلت البستان فامش فيه، وأي موضع وجدت فيه القنديل مضيئا فتوجه إليه، واجلس تحته وانتظرني؛ فإن هواك قاتلي. فلما سمعت كلام ابنة عمي صحت من فرط الغرام وقلت: كم تعديني وأتوجه إليها، ولا أحصل مقصودي، ولا أجد لتفسيرك معنى صحيحا. فعند ذلك ضحكت بنت عمي وقالت لي: بقي عليك من الصبر أن تصبر بقية هذا اليوم إلى أن يولي النهار، ويقبل الليل بالاعتكار؛ فتحظى بالوصال وبلاغ الآمال، وهذا الكلام صدق بغير مين، ثم أنشدت هذين البيتين: # درج الأيام تندرج %~% وبيوت الهم لا تلج ~~رب أمر عز مطلبه %~% قربته ساعة الفرج ![figure](../Images/figure29.png) # فوجدت مقعدا فيه سفرة مغطاة بفوطة من الحرير. # ثم إنها أقبلت علي وصارت تسليني بلين الكلام، ولم تجسر أن تأتيني بشيء من الطعام؛ مخافة من غضبي عليها، ورجاء ميلي إليها، ولم يكن لها قصد إلا أنها أتت إلي وقلعتني ثيابي، ثم قالت: يا ابن عمي، اقعد معي حتى أحدثك بما يسليك إلى آخر النهار، وإن شاء الله تعالى ما يأتي الليل إلا وأنت عند محبوبتك. فلم ألتفت إليها، وصرت أنتظر مجيء الليل، وأقول: يا رب عجل بمجيء الليل، فلما أتى الليل بكت ابنة عمي بكاء شديدا، وأعطتني حبة مسك خالص، وقالت لي: يا ابن عمي، اجعل هذه الحبة في فمك، فإذا اجتمعت بمحبوبتك، وقضيت منها حاجتك، وسمحت لك بما تمنيت، فأنشدها هذا البيت: # ألا أيها العشاق بالله خبروا %~% إذا اشتد عشق بالفتى كيف يصنع # ثم إنها قبلتني وحلفتني أني لا أنشدها ذلك البيت الشعر إلا بعد خروجي من عندها، فقلت لها: سمعا وطاعة. ثم خرجت وقت العشاء ومشيت، ولم أزل ماشيا حتى وصلت إلى البستان، فوجدت بابه مفتوحا فدخلته، فرأيت نورا على بعد فقصدته، فلما وصلت ms0423 إليه وجدت مقعدا عظيما معقودا عليه قبة من العاج والأبنوس والقنديل معلق في وسط تلك القبة، وذلك المقعد مفروش بالبسط الحرير المزركشة بالذهب والفضة، وهناك شمعة كبيرة موقودة في شمعدان من الذهب تحت القناديل، وفي وسط المقعد فسقية فيها أنواع التصاوير، وبجانب تلك الفسقية سفرة مغطاة بفوطة من الحرير، وإلى جانبها باطية كبيرة من الصيني مملوءة خمرا، وفيها قدح من بلور مزركش بالذهب، وإلى جانب الجميع طبق كبير من فضة مغطى، فكشفته فرأيت فيه من سائر الفواكه ما بين تين ورمان، وعنب ونارنج، وبينها أنواع الرياحين من ورد وياسمين، وآس ونسرين ونرجس ومن سائر المشمومات، فهمت بذلك المكان، وفرحت غاية الفرح، وزال عني الهم والترح، لكني ما وجدت في هذه الدار أحدا من خلق الله تعالى. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 116 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: فهمت بذلك المكان، وفرحت غاية الفرح، لكني ما وجدت فيه أحدا من خلق الله تعالى، ولم أر عبدا ولا جارية، ولا من يعاني هذه الأمور، فجلست في ذلك المقعد أنتظر مجيء محبوبة قلبي، إلى أن مضت أول ساعة من الليل، وثاني ساعة، وثالث ساعة، فلم تأت، واشتد بي ألم الجوع؛ لأن لي مدة من الزمان ما أكلت طعاما لشدة وجدي، فلما رأيت ذلك المكان، وظهر لي صدق بنت عمي في فهم إشارة معشوقتي استرحت، ووجدت ألم الجوع، وقد شوقتني روائح الطعام الذي على السفرة لما وصلت إلى ذلك المكان، واطمأنت نفسي بالوصال، فاشتهت نفسي الأكل، فتقدمت إلى السفرة وكشفت الغطاء، فوجدت في وسطها طبقا من الصيني، وفيه أربع دجاجات محمرة ومتبلة بالبهارات، وحول ذلك الطبق أربع زبادي: واحدة حلوى، والأخرى حب الرمان، والثالثة بقلاوة، والرابعة قطائف، وتلك الزبادي ما بين حلو وحامض، فأكلت من القطائف وقطعة لحم، وعمدت إلى البقلاوة وأكلت منها ما تيسر، ثم قصدت الحلوى وأكلت ملعقة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا، وأكلت بعض دجاجة، وأكلت لقمة؛ فعند ذلك امتلأت ms0424 بطني، وارتخت مفاصلي، وقد كسلت عن السهر، فوضعت رأسي على وسادة بعد أن غسلت يدي، فغلبني النوم، ولم أعلم بما جرى لي بعد ذلك، فما استيقظت حتى أحرقني حر الشمس؛ لأن لي أياما ما ذقت مناما، فلما استيقظت وجدت على بطني ملحا وفحما، فانتصبت قائما، ونفضت ثيابي، وقد تلفت يمينا وشمالا فلم أجد أحدا، ووجدتني كنت نائما على الرخام من غير فرش؛ فتحيرت في عقلي، وحزنت حزنا عظيما، وجرت دموعي على خدي، وتأسفت على نفسي، فقمت وقصدت البيت، فلما وصلت إليه وجدت ابنة عمي تدق بيدها على صدرها، وتبكي بدمع يباري السحب الماطرات، وتنشد هذه الأبيات: # هب ريح من الحمى ونسيم %~% فأهاج الهوى بنشر هبوبه ~~يا نسيم الصبا هلم إلينا %~% كل صب بحظه ونصيبه ~~لو قدرنا من الغرام اعتنقنا %~% كاعتناق المحب صدر حبيبه ~~حرم الله بعد وجه ابن عمي %~% كل عيش من الزمان وطيبه ~~ليت شعري هل قلبه مثل قلبي %~% ذائب من حر الهوى ولهيبه # فلما رأتني قامت مسرعة ومسحت دموعها، وأقبلت علي بلين كلامها، وقالت لي: يابن عمي، أنت في عشقك قد لطف الله بك حيث أحبك من تحب، وأنا في بكائي وحزني على فراقك من يلومني؟ ولكن لا أخذك الله من جهتي. ثم إنها تبسمت في وجهي تبسم الغيظ ولاطفتني، وقلعتني أثوابي ونشرتها، وقالت: والله ما هذه روائح من حظي بمحبوبه، فأخبرني بما جرى لك يا ابن عمي. فأخبرتها بجميع ما جرى لي؛ فتبسمت تبسم الغيظ ثانيا، وقالت: إن قلبي ملآن موجع، فلا عاش من يوجع قلبك، وهذه المرأة تتعزز عليك تعززا قويا، والله يا ابن عمي إني خائفة عليك منها، واعلم يا ابن عمي أن تفسير الملح هو أنك مستغرق في النوم، فكأنك دلع الطعم بحيث تعافك النفوس، فينبغي لك أن تتملح حتى لا تمجك الطباع؛ لأنك تدعي أنك من العشاق الكرام، والنوم على العشاق حرام، فدعواك المحبة كاذبة، وكذلك هي محبتها لك كاذبة؛ لأنها لما رأتك نائما لم تنبهك، ولو كانت محبتها لك صادقة لنبهتك. وأما ms0425 الفحم فإن تفسير إشارته: سود الله وجهك؛ حيث ادعيت المحبة كذبا، وإنما أنت صغير ولم يكن لك همة إلا الأكل والشرب والنوم؛ فهذا تفسير إشارتها، فالله تعالى يخلصك منها. فلما سمعت كلامها ضربت بيدي على صدري، وقلت: والله إن هذا هو الصحيح؛ لأني نمت والعشاق لا ينامون، فأنا الظالم لنفسي، وما كان أضر علي من الأكل والنوم، فكيف يكون الأمر؟ ثم إني زدت في البكاء، وقلت لابنة عمي: دليني على شيء أفعله، وارحميني يرحمك الله وإلا أموت. وكانت بنت عمي تحبني محبة عظيمة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 117 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: فقلت لابنة عمي: دليني على شيء أفعله، وارحميني يرحمك الله. وكانت تحبني محبة عظيمة، فقالت: على رأسي وعيني، ولكن يا ابن عمي قد قلت لك مرارا لو كنت أدخل وأخرج لكنت أجمع بينك وبينها في أقرب زمن، وأغطيكما بذيلي، ولا أفعل معك هذا إلا لقصد رضاك، وإن شاء الله تعالى أبذل غاية الجهد في الجمع بينكما، ولكن اسمع قولي وأطع أمري، واذهب إلى نفس ذلك المكان واقعد هناك، فإذا كان وقت العشاء فاجلس في الموضع الذي كنت فيه، واحذر أن تأكل شيئا؛ لأن الأكل يجلب النوم، وإياك أن تنام، فإنها لا تأتي لك حتى يمضي من الليل ربعه، كفاك الله شرها. فلما سمعت كلامها فرحت، وصرت أدعو الله أن يأتي الليل، فلما أتى الليل أردت الانصراف، فقالت لي ابنة عمي: إذا اجتمعت بها فاذكر لها البيت المتقدم وقت انصرافك. فقلت لها: على الرأس والعين. # فلما خرجت وذهبت إلى البستان وجدت المكان مهيأ على الحالة التي رأيتها أولا، وفيه ما يحتاج إليه من الطعام والشراب والنقل والمشموم وغير ذلك، فطلعت المقعد وشممت رائحة الطعام، فاشتاقت نفسي إليه فمنعتها مرارا، فلم أقدر على منعها، فقمت وأتيت إلى السفرة، وكشفت غطاءها فوجدت صحن دجاج وحوله أربع زبادي من الطعام، فيها أربعة ألوان، فأكلت من كل لون لقمة، وأكلت ما ms0426 تيسر من الحلوى، وأكلت قطعة لحم، وشربت من الزردة وأعجبتني، فأكثرت الشرب منها بالملعقة حتى شبعت وامتلأت بطني، وبعد ذلك انطبقت أجفاني، فأخذت وسادة ووضعتها تحت رأسي وقلت: لعلي أتكئ عليها ولا أنام. فأغمضت عيني ونمت، وما انتبهت حتى طلعت الشمس، فوجدت على بطني كعب عظم، وفردة طاب، ونواة بلح، وبذرة خروب، وليس في المكان شيء من فرش ولا غيره، وكأنه لم يكن فيه شيء بالأمس، فقمت ونفضت الجميع عني، وخرجت وأنا مغتاظ إلى أن وصلت إلى البيت، فوجدت ابنة عمي تصعد الزفرات، وتنشد هذه الأبيات: # جسد ناحل وقلب جريح %~% ودموع على الخدود تسيح ~~وحبيب صعب التجني ولكن %~% كل ما يفعل المليح مليح ~~يابن عمي ملأت بالوجد قلبي %~% إن طرفي من الدموع قريح # فنهرت ابنة عمي وشتمتها، فبكت ثم مسحت دموعها وأقبلت علي وقبلتني، وأخذت تضمني إلى صدرها وأنا أتباعد عنها وأعاتب نفسي، فقالت لي: يا ابن عمي، كأنك نمت في هذه الليلة. فقلت لها: نعم، ولكنني لما انتبهت وجدت كعب عظم على بطني، وفردة طاب، ونواة بلح، وبذرة خروب، وما أدري لأي شيء فعلت هكذا. ثم بكيت وأقبلت عليها وقلت لها: فسري لي إشارة فعلها هذا، وقولي لي ماذا أفعل، وساعديني على الذي أنا فيه. فقالت: على الرأس والعين؛ أما فردة الطاب التي وضعتها على بطنك، فإنها تشير لك بها إلى أنك حضرت وقلبك غائب، وكأنها تقول لك ليس العشق هكذا، أفلا تعد نفسك من العاشقين؟ وأما نواة البلح فإنها تشير لك بها إلى أنك لو كنت عاشقا لكان قلبك محترقا بالغرام، ولم تذق لذيذ المنام، فإن لذة الحب كتمرة ألهبت في الفؤاد جمرة؛ وأما بذرة الخروب فإنها تشير لك بها إلى أن قلب المحب مسلوب، وتقول لك اصبر على فراقنا صبر أيوب. # فلما سمعت هذا التفسير انطلقت في فؤادي النيران، وزادت بقلبي الأحزان، فصحت وقلت: قدر الله علي النوم لقلة بختي. ثم قلت لها: يا ابنة عمي، بحياتي عندك تدبري لي حيلة أتوصل بها إليها. فبكت وقالت: يا ms0427 عزيز يا ابن عمي، إن قلبي ملآن بالفكر، ولا أقدر أن أتكلم، ولكن رح الليلة إلى ذلك المكان، واحذر أن تنام؛ فإنك تبلغ المرام، هذا هو الرأي والسلام. فقلت لها: إن شاء الله لا أنام، وإنما أفعل ما تأمرينني به. فقامت بنت عمي، وأتت لي بالطعام، وقالت لي: كل الآن ما يكفيك حتى لا يبقى في خاطرك شيء. فأكلت كفايتي، ولما أتى الليل قامت بنت عمى وأتتني ببدلة عظيمة، وألبستني إياها، وحلفتني أن أذكر لها البيت المذكور، وحذرتني من النوم. ثم خرجت من عند بنت عمي، وتوجهت إلى البستان، وطلعت ذلك المقعد، ونظرت إلى البستان، وجعلت أفتح عيني بأصابعي، وأهز رأسي حين جن الليل. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 118 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: فدخلت البستان وطلعت ذلك المقعد، ونظرت إلى البستان، وجعلت أفتح عيني بأصابعي وأهز رأسي حين جن الليل، فجعت من السهر وهبت علي روائح الطعام، فازداد جوعي، وتوجهت إلى السفرة وكشفت غطاءها، وأكلت من كل لون لقمة، وأكلت قطعة لحم، وأتيت إلى باطية الخمر وقلت في نفسي أشرب قدحا فشربته، ثم شربت الثاني والثالث إلى غاية عشرة، وقد ضربني الهوى فوقعت على الأرض كالقتيل، وما زلت كذلك حتى طلع النهار فانتبهت، فرأيت نفسي خارج البستان، وعلى بطني شفرة ماضية، ودرهم حديد؛ فارتجفت وأخذتهما وأتيت بهما إلى البيت، فوجدت ابنة عمي تقول: إني في هذا البيت مسكينة حزينة ليس لي معين إلا البكاء. فلما دخلت وقعت من طولي، ورميت السكين والدرهم من يدي وغشي علي، فلما أفقت من غشيتي عرفتها بما حصل لي وقلت لها: إني لم أنل أربي. فاشتد حزنها علي لما رأت بكائي ووجدي، وقالت لي: إني عجزت وأنا أنصحك عن النوم فلم تسمع نصحي، فكلامي لا يفيدك شيئا. فقلت لها: أسألك بالله أن تفسري لي إشارة السكين والدرهم الحديد. فقالت: إما الدرهم الحديد، فإنها تشير به إلى عينها اليمين، وأنها تقسم بها وتقول: وحق ms0428 رب العالمين وعيني اليمين، إن رجعت ثاني مرة ونمت لأذبحنك بهذه السكين. وأنا خائفة عليك يا ابن عمي من مكرها، وقلبي ملآن بالحزن عليك، فما أقدر أن أتكلم، فإن كنت تعرف من نفسك أنك إن رجعت إليها لا تنام، فارجع إليها واحذر النوم؛ فإنك تفوز بحاجتك، وإن عرفت أنك إن رجعت إليها تنام على عادتك، ثم رجعت إليها ونمت ذبحتك. فقلت لها: وكيف يكون العمل يا بنت عمي؟ أسألك بالله أن تساعديني على هذه البلية. فقالت: على عيني ورأسي، ولكن إن سمعت كلامي وأطعت أمري، قضيت حاجتك. فقلت لها: إني أسمع كلامك وأطيع أمرك. فقالت: إذا كان وقت الرواح أقول لك. # ثم ضمتني إلى حضنها ووضعتني على الفراش، ولا زالت تكبسني حتى غلبني النعاس واستغرقت في النوم، فأخذت مروحة وجلست عند رأسي تروح على وجهي إلى آخر النهار، ثم نبهتني، فلما انتبهت وجدتها عند رأسي، وفي يدها المروحة، وهي تبكي ودموعها قد بلت ثيابها، فلما رأتني استيقظت مسحت دموعها، وجاءت بشيء من الأكل؛ فامتنعت منه، فقالت لي: أما قلت لك اسمع مني وكل؟ فأكلت ولم أخالفها، وصارت تضع الأكل في فمي، وأنا أمضغ حتى امتلأت، ثم أسقتني نقيع عناب السكر، ثم غسلت يدي ونشفتها بمحرمة، ورشت علي ماء الورد، وجلست معها وأنا في عافية، فلما أظلم الليل ألبستني ثيابي، وقالت: يا ابن عمي، اسهر جميع الليل ولا تنم؛ فإنها ما تأتيك في هذه الليلة إلا في آخر الليل، وإن شاء الله تجتمع بها في هذه الليلة، ولكن لا تنس وصيتي. ثم بكت؛ فأوجعني قلبي عليها من كثرة بكائها، وقلت لها: ما الوصية التي وعدتني بها؟ فقالت لي: إذا انصرفت من عندها فأنشدها البيت المتقدم ذكره. ثم خرجت من عندها وأنا فرحان، ومضيت إلى البستان، وطلعت المقعد وأنا شبعان، فجلست وسهرت إلى ربع الليل، ثم طال الليل علي حتى كأنه سنة، فمكثت ساهرا حتى مضى ثلاثة أرباع الليل، وصاحت الديوك، فاشتد عندي الجوع من السهر، فقمت إلى السفرة وأكلت حتى اكتفيت، ms0429 فثقلت رأسي وأردت أن أنام، وإذا بضجة على بعد؛ فنهضت وغسلت يدي وفمي ونبهت نفسي، فما كان إلا قليل وإذا بها أتت ومعها عشر جوار، وهي بينهن كالبدر بين الكواكب، وعليها حلة من الأطلس الأخضر مزركشة بالذهب الأحمر، وهي كما قال الشاعر: # تتيه على العشاق في حلل خضر %~% مفككة الأزرار محلولة الشعر ~~فقلت لها: ما الاسم؟ قالت: أنا التي %~% كويت قلوب العاشقين على الجمر ~~شكوت لها ما أقاسي من الهوى %~% فقالت: إلى صخر شكوت ولم تدر ~~فقلت لها: إن كان قلبك صخرة %~% فقد أنبع الله الزلال من الصخر # فلما رأتني ضحكت وقالت: كيف انتبهت ولم يغلب عليك النوم؟ وحيث سهرت الليل علمت أنك عاشق؛ لأن من شيم العشاق سهر الليل في مكابدة الأشواق. ثم أقبلت على الجواري وغمزتهن، فانصرفن عنها، وأقبلت علي وضمتني إلى صدرها، وقبلتني وقبلتها، ومصت شفتي التحتانية، ومصصت شفتها الفوقانية، ثم مددت يدي إلى خصرها وغمزته، وما نزلنا في الأرض إلا سواء، وحلت سراويلها، فنزلت في خلاخل رجليها، وأخذنا في الهراش والتعنيق، والغنج والكلام الرقيق، والعض وحمل السيقان، والطواف بالبيت والأركان، إلى أن ارتخت مفاصلها وغشي عليها ودخلت في الغيبوبة، وكانت تلك الليلة مسرة القلب وقرة الناظر، كما قال فيها الشاعر: # أهنى ليالي الدهر عندي ليلة %~% لم أخل فيها الكأس من أعمالي ~~فرقت فيها بين جفني والكرى %~% وجمعت بين القرط والخلخال # فلما أصبح الصباح أردت الانصراف، وإذا بها أمسكتني وقالت لي: قف حتى أخبرك بشيء. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 119 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: فلما أصبح الصباح أردت الانصراف، وإذا بها أمسكتني وقالت: قف حتى أخبرك بشيء وأوصيك وصية. فوقفت فحلت منديلا، وأخرجت هذه الخرقة ونشرتها قدامي، فوجدت فيها صورة غزال على هذا المثال، فتعجبت منها غاية العجب، فأخذته وتواعدت أنا وإياها أن أسعى إليها كل ليلة في ذلك البستان، ثم انصرفت من عندها وأنا فرحان، ومن فرحي أنسيت الشعر الذي أوصتني به بنت عمي، ms0430 وحين أعطتني الخرقة التي فيها صورة الغزال قالت لي: هذا عمل أختي. فقلت لها: وما اسم أختك؟ قالت: اسمها نور الهدى، فاحتفظ بهذه الخرقة. ثم ودعتها وانصرفت وأنا فرحان، ومشيت إلى أن دخلت على ابنة عمي فوجدتها راقدة، فلما رأتني قامت ودموعها تتساقط، ثم أقبلت علي وقبلت صدري وقالت: هل فعلت ما أوصيتك به من إنشاد بيت الشعر؟ فقلت لها: إني نسيته، وما أشغلني عنه إلا صورة هذا الغزال. ورميت الخرقة قدامها، فقامت وقعدت، ولم تطق الصبر وأفاضت دمع العين، وأنشدت هذين البيتين: # يا طالبا للفراق مهلا %~% ولا يغرنك العناق ~~مهلا فطبع الزمان غدر %~% وآخر الصحبة الفراق # فلما فرغت من شعرها قالت: يا ابن عمي، هب لي هذه الخرقة. فوهبتها لها، فأخذتها ونشرتها ورأت ما فيها، فلما جاء وقت ذهابي قالت ابنة عمي: اذهب مصحوبا بالسلامة، ولكن إذا انصرفت من عندها فأنشدها بيت الشعر الذي أخبرتك به أولا ونسيته. فقلت لها: أعيديه علي. فأعادته، ثم مضيت إلى البستان، ودخلت المقعد، فوجدت الصبية في انتظاري، فلما رأتني قامت وقبلتني، وأجلستني في حجرها، ثم أكلنا وشربنا وقضينا غرضنا كما تقدم، ولا حاجة إلى الإعادة. فلما أصبح الصباح، أنشدتها بيت الشعر وهو: # ألا أيها العشاق بالله خبروا %~% إذا اشتد عشق بالفتى كيف يصنع # فلما سمعته، هملت عيناها بالدموع وأنشدت تقول: # يداري هواه ثم يكتم سره %~% ويصبر في كل الأمور ويخضع # فحفظته وفرحت بقضاء حاجة ابنة عمي، ثم خرجت وأتيت إلى ابنة عمي فوجدتها راقدة، وأمي عند رأسها تبكي على حالها، فلما دخلت عليها قالت لي أمي: تبا لك من ابن عم، كيف تترك بنت عمك على غير استواء، ولا تسأل عن مرضها؟ فلما رأتني ابنة عمي رفعت رأسها وقعدت، وقالت لي: يا عزيز، هل أنشدتها البيت الذي أخبرتك به؟ قلت لها: نعم، فلما سمعته بكت، وأنشدتني بيتا آخر وحفظته. فقالت بنت عمي: أسمعني إياه. فلما أسمعتها إياه بكت بكاء شديدا، وأنشدت هذا البيت: # لقد حاول الصبر الجميل ولم يجد %~% له غير قلب في ms0431 الصبابة يجزع # ثم قالت لي ابنة عمي: إذا ذهبت إليها على عادتك فأنشدها هذا البيت الذي سمعته. فقلت لها: سمعا وطاعة. ثم ذهبت إليها في البستان على العادة، وكان بيننا ما كان مما يقصر عن وصفه اللسان، فلما أردت الانصراف أنشدتها ذلك البيت، وهو: لقد حاول ... إلى آخره. فلما سمعته سالت مدامعها في المحاجر، وأنشدت قول الشاعر: # فإن لم يجد صبرا لكتمان سره %~% فليس له عندي سوى الموت أنفع # فحفظته وتوجهت إلى البيت، فلما دخلت على ابنة عمي وجدتها ملقاة مغشيا عليها، وأمي جالسة عند رأسها، فلما سمعت كلامي فتحت عينيها وقالت: يا عزيز، هل أنشدتها بيت الشعر؟ قلت لها: نعم، ولما سمعته بكت وأنشدتني هذا البيت: فإن لم يجد ... إلى آخره. فلما سمعته بنت عمي غشي عليها ثانيا، فلما أفاقت أنشدت هذا البيت وهو: # سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا %~% سلامي على من كان للوصل يمنع # ثم لما أقبل الليل مضيت إلى البستان على جري عادتي، فوجدت الصبية في انتظاري، فجلسنا وأكلنا وشربنا، وعملنا حظنا، ثم نمنا إلى الصباح، فلما أردت الانصراف أنشدتها ما قالته ابنة عمي، فلما سمعت ذلك صرخت صرخة عظيمة وتضجرت، وقالت: والله إن قائلة هذا الشعر قد ماتت. ثم بكت وقالت: ويلك، ما تقرب لك قائلة هذا الشعر؟ قلت لها: إنها ابنة عمي. قالت: كذبت والله، لو كانت ابنة عمك لكان عندك لها من المحبة مثل ما عندها لك، فأنت الذي قتلتها قتلك الله كما قتلتها، والله لو أخبرتني أن لك ابنة عم ما قربتك مني. فقلت لها: إنها ابنة عمي، وكانت تفسر لي الإشارات التي كنت تشيرين بها إلي، وهي التي علمتني ما أفعل معك، وما وصلت إليك إلا بحسن تدبيرها. فقالت: وهل عرفت بنا؟ قلت: نعم. قالت: حسرك الله على شبابك كما حسرتها على شبابها. ثم قالت لي: رح انظرها. فذهبت وخاطري متشوش، وما زلت ماشيا حتى وصلت إلى زقاقنا، فسمعت عياطا، فسألت عنه فقيل لي: إن عزيزة وجدناها خلف الباب ميتة. ثم دخلت ms0432 الدار، فلما رأتني أمي قالت: إن خطيئتها في عنقك، فلا سامحك الله من دمها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 120 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: ثم دخلت الدار، فلما رأتني أمي قالت: إن خطيئتها في عنقك، فلا سامحك الله من دمها، تبا لك من ابن عم. ثم إن أبي جاء وجهزناها، وشيعنا جنازتها ودفناها، وعملنا على قبرها الختمات، ومكثنا على القبر ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى البيت وأنا حزين عليها، فأقبلت علي أمي وقالت لي: إن قصدي أن أعرف ما كنت تفعله معها حتى فقعت مرارتها، وإني يا ولدي كنت أسألها في كل الأوقات عن سبب مرضها، فلم تخبرني به ولم تطلعني عليه، فبالله عليك أن تخبرني بالذي كنت تصنعه معها حتى ماتت. فقلت: ما عملت شيئا. فقالت: الله يقتص لها منك، فإنها ما ذكرت لي شيئا، بل كتمت أمرها حتى ماتت وهي راضية عنك، ولما ماتت كنت عندها، ففتحت عينيها وقالت لي: يا امرأة عمي، جعل الله ولدك في حل من دمي، ولا آخذه بما فعل معي، وإنما نقلني الله من الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية. فقلت: يا بنتي، سلامتك وسلامة شبابك. وصرت أسألها عن سبب مرضها فما تكلمت، ثم تبسمت وقالت: يا امرأة عمي، إذا أراد ابنك أن يذهب إلى الموضع الذي عادته الذهاب إليه، فقولي له أن يقول هاتين الكلمتين عند انصرافه منه: الوفاء مليح، والغدر قبيح. وهذه شفقة مني عليه لأكون شفوقة عليه في حياتي وبعد مماتي. ثم أعطتني لك حاجة، وحلفتني أني لا أعطيها لك حتى أراك تبكي عليها وتنوح، والحاجة عندي، فإذا رأيتك على الصفة التي ذكرتها أعطيتك إياها. فقلت لها: أريني إياها. فما رضيت، ثم إني اشتغلت بلذاتي، ولم أتذكر في موت ابنة عمي؛ لأني كنت طائش العقل، وكنت أود في نفسي أن أكون طول ليلي ونهاري عند محبوبتي، وما صدقت أن الليل أقبل حتى مضيت إلى البستان، فوجدت الصبية جالسة على مقالي ms0433 النار من كثرة الانتظار، فما صدقت أنها رأتني فبادرت إلي، وتعلقت برقبتي وسألتني عن بنت عمي، فقلت لها: إنها ماتت، وعملنا لها الذكر والختمات، ومضى لها أربع ليال، وهذه الخامسة. # فلما سمعت ذلك صاحت وبكت، وقالت: أما قلت لك إنك قتلتها؟ ولو أعلمتني بها قبل موتها لكنت كافأتها على ما فعلت معي من المعروف، فإنها خدمتني وأوصلتك إلي، ولولاها ما اجتمعت بك، وأنا خائفة عليك أن تقع في مصيبة بسبب رزيتها. فقلت لها: إنها قد جعلتني في حل قبل موتها. ثم ذكرت لها ما أخبرتني به أمي، فقالت: بالله عليك إذا ذهبت إلى أمك، فاعرف الحاجة التي عندها. فقلت لها: إن أمي قالت لي: إن ابنة عمك قبل أن تموت أوصتني وقالت لي: إذا أراد ابنك أن يذهب إلى الموضع الذي عادته الذهاب إليه فقولي له هاتين الكلمتين: الوفاء مليح، والغدر قبيح. فلما سمعت الصبية ذلك قالت: رحمة الله تعالى عليها، فإنها خلصتك مني، وقد كنت أضمرت على ضررك، فأنا لا أضرك ولا أشوش عليك. فتعجبت من ذلك وقلت لها: وما كنت تريدين قبل ذلك أن تفعليه معي، وقد صار بيني وبينك مودة؟ فقالت: أنت مولع بي، ولكنك صغير السن، وقلبك خال من الخداع، فأنت لا تعرف مكرنا ولا خداعنا، ولو كانت في قيد الحياة لكانت معينة لك، فإنها سبب سلامتك حتى أنجتك من الهلكة، والآن أوصيك ألا تتكلم مع واحدة، ولا تخاطب واحدة من أمثالنا لا صغيرة ولا كبيرة، فإياك ثم إياك؛ لأنك غير عارف بخداع النساء ولا مكرهن، والتي كانت تفسر لك الإشارات قد ماتت، وإني أخاف عليك أن تقع في رزية، فلا تجد من يخلصك منها بعد موت بنت عمك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 121 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: ثم إن الصبية قالت لي: إني أخاف عليك أن تقع في رزية، فلا تجد من يخلصك منها بعد موت بنت عمك، فوا حسرتاه على بنت عمك، ms0434 وليتني علمت بها قبل موتها حتى أكافئها على ما فعلت معي من المعروف، رحمة الله تعالى عليها؛ فإنها كتمت سرها ولم تبح بما عندها، ولولاها ما كنت تصل إلي أبدا، وإني أشتهي عليك أمرا. فقلت: ما هو؟ قالت: أن توصلني إلى قبرها حتى أزورها في القبر الذي هي فيه، وأكتب عليه أبياتا. فقلت لها: في غد إن شاء الله تعالى. ثم إني نمت معها تلك الليلة، وهي بعد كل ساعة تقول لي: ليتك أخبرتني بابنة عمك قبل موتها. فقلت لها: ما معنى هاتين الكلمتين اللتين قالتهما، وهما: الوفاء مليح، والغدر قبيح؟ فلم تجبني، فلما أصبح الصباح قامت وأخذت كيسا فيه دنانير، وقالت لي: قم وأرني قبرها حتى أزوره، وأكتب عليه أبياتا، وأعمل عليها قبة، وأترحم عليها، وأصرف هذه الدنانير صدقة على روحها. فقلت لها: سمعا وطاعة. ثم مشيت قدامها، ومشت خلفي، وصارت تتصدق وهي ماشية في الطريق، وكلما تصدقت صدقة تقول: هذه الصدقة على روح عزيزة التي كتمت سرها حتى شربت كأس مناياها، ولم تبح بسر هواها. ولم تزل تتصدق من الكيس وتقول عن روح عزيزة حتى وصلنا إلى القبر، ونفد ما في الكيس، فلما عاينت القبر رمت روحها عليه وبكت بكاء شديدا، ثم إنها أخرجت بيكارا من الفولاذ، ومطرقة لطيفة، وخطت بالبيكار على الحجر الذي على رأس القبر خطا لطيفا، ورسمت هذه الأبيات: # مررت بقبر دارس وسط روضة %~% عليه من النعمان سبع شقائق ~~فقلت لمن ذا القبر؟ جاوبني الثرى %~% تأدب فهذا القبر برزخ عاشق ~~فقلت رعاك الله يا ميت الهوى %~% وأسكنك الفردوس أعلى الشواهق ~~مساكين أهل العشق حتى قبورهم %~% عليها تراب الذل بين الخلائق ~~فإن أستطع زرعا زرعتك روضة %~% وأسقيتها من دمعي المتدافق # ثم بكت بكاء شديدا، وقامت وقمت معها، وتوجهنا إلى البستان، فقالت لي: سألتك بالله ألا تنقطع عني أبدا. فقلت: سمعا وطاعة. ثم إني صرت أتردد عليها، وكلما بت عندها تحسن إلي وتكرمني، وتسألني عن الكلمتين اللتين قالتهما ابنة عمي عزيزة لأمي، فأعيدهما لها، وما زلت على ms0435 ذلك الحال من أكل وشرب وضم وعناق، وتغيير ثياب من الملابس الرقاق، حتى غلظت وسمنت، ولم يكن بي هم، ولا غم ولا حزن، ونسيت ابنة عمي، ومكثت مستغرقا في تلك اللذات سنة كاملة، وعند رأس السنة دخلت الحمام، وأصلحت شأني، ولبست بدلة فاخرة، ولما خرجت من الحمام شربت قدحا من الشراب، وشممت روائح قماشي المضمخ بأنواع الطيب، وأنا خالي القلب من غدرات الزمان، وطوارق الحدثان، فلما جاء وقت العشاء اشتاقت نفسي إلى الذهاب إليها وأنا سكران لا أدري أين أتوجه، فذهبت إليها فمال بي السكر إلى زقاق يقال له زقاق النقيب، فبينما أنا ماش في ذلك الزقاق، وإذا بعجوز ماشية، وفي إحدى يديها شمعة مضيئة، وفي يدها الأخرى كتاب ملفوف. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 122 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب الذي اسمه عزيز قال لتاج الملوك: فلما دخلت الزقاق الذي يقال له زقاق النقيب، مشيت فيه، فبينما أنا ماش في ذلك الزقاق، وإذا بعجوز ماشية وفي إحدى يديها شمعة مضيئة، وفي يدها الأخرى كتاب ملفوف، فتقدمت إليها وهي باكية العين، وتنشد هذين البيتين: # لله در مبشري بقدومكم %~% فلقد أتى بلطائف المسموع ~~لو كان يقنع بالخليع وهبته %~% قلبا تمزق ساعة التوديع # فلما رأتني قالت لي: يا ولدي، هل تعرف أن تقرأ؟ فقلت لها: نعم يا خالتي العجوز. فقالت لي: خذ هذا الكتاب واقرأه لي. وناولتني الكتاب، فأخذته منها وفتحته، وقرأت عليها مضمونه: إنه كتاب من عند الغياب بالسلام على الأحباب. فلما سمعته فرحت واستبشرت، ودعت لي وقالت لي: فرج الله همك كما فرجت همي. ثم أخذت الكتاب ومشت خطوتين، وغلبني حصر البول، فقعدت في مكان لأريق الماء، ثم إني قمت وتجمرت، وأرخيت أثوابي وأردت أن أمشي، وإذا بالعجوز قد أقبلت علي، وقبلت يدي، وقالت: يا مولاي، الله تعالى يهنيك بشبابك ولا يفضحك، أترجاك أن تمشي معي خطوات إلى ذلك الباب، فإني أخبرتهم بما أسمعتني إياه من قراءة الكتاب، فلم يصدقوني، فامش معي خطوتين ms0436 واقرأ لهم الكتاب من خلف الباب، واقبل دعائي لك. فقلت لها: وما قصة هذا الكتاب؟ فقالت لي: يا ولدي، هذا الكتاب جاء من عند ولدي، وهو غائب عني مدة عشر سنين، فإنه سافر بمتجر، ومكث في الغربة تلك المدة، فقطعنا الرجاء وظننا أنه مات، ثم وصل إلينا منه هذا الكتاب، وله أخت تبكي عليه في مدة غيابه آناء الليل وأطراف النهار، فقلت لها إنه طيب بخير، فلم تصدقني وقالت لي: لا بد أن تأتيني بمن يقرأ هذا الكتاب، فيخبرني حتى يطمئن قلبي، ويطيب خاطري. وأنت تعلم يا ولدي أن المحب مولع بسوء الظن، فأنعم علي بقراءة هذا الكتاب وأنت واقف خلف الستارة، وأخته تسمع من داخل الباب، لأجل أن يحصل لك ثواب من قضى لمسلم حاجة ونفس عنه كربة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مكروب كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.» وفي حديث آخر: «من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه اثنتين وسبعين كربة من كرب يوم القيامة.» وأنا قصدتك فلا تخيبني. فقلت لها: سمعا وطاعة، تقدمي قدامي. فمشت قدامي ومشيت خلفها قليلا، حتى وصلت إلى باب دار عظيمة، وذلك الباب مصفح بالنحاس الأحمر، فوقفت خلف الباب، وصاحت العجوز بالعجمية، فما أشعر إلا وصبية قد أقبلت بخفة ونشاط، وهي مشمرة اللباس إلى ركبتيها، فرأيت لها ساقين تحيران الفكر والناظر، وهي كما قال في وصفها الشاعر: # يا من يشمر عن ساق ليعرضه %~% على المحبين حتى يفهم الباقي ~~وطاف يسعى بكأس نحو عاشقه %~% ما أفتن الناس غير الكأس والساقي # وزان ساقيها اللتين كأنهما عمودان من مرمر خلاخل الذهب المرصعة بالجوهر، وكانت تلك الصبية مشمرة ثيابها إلى تحت إبطيها، ومشمرة عن ذراعيها، فنظرت معاصمها البيض وفي يديها زوجان من الأساور، وفي أذنيها قرطان من اللؤلؤ، وفي عنقها عقد من ثمين الجواهر، وعلى رأسها كوفية دق المطرقة مكللة بالفصوص المثمنة، وقد رشقت أطراف قميصها من داخل دكة اللباس، ms0437 وهي كأنها كانت تعمل شغلا، فلما رأتني قالت بلسان فصيح عذب: ما سمعت أحلى منه يا أمي، أهذا الذي جاء يقرأ الكتاب؟ فقالت لها: نعم. فمدت يدها إلي بالكتاب، وكان بينها وبين الباب نحو نصف قصبة، فمددت يدي لأتناول منها الكتاب، وأدخلت رأسي وأكتافي من الباب لأقرب منها، فما أدري إلا والعجوز قد وضعت رأسها في ظهري ودفعتني ويدي ماسكة بالكتاب، فالتفت فرأيت نفسي في وسط الدار من داخل الدهليز، ودخلت العجوز أسرع من البرق الخاطف، ولم يكن لها شغل إلا قفل الباب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 123 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: فالتفت فرأيت نفسي في وسط الدار من داخل الدهليز، ودخلت العجوز أسرع من البرق الخاطف، ولم يكن لها شغل إلا قفل الباب، ثم إن الصبية لما رأتني من داخل الدهليز أقبلت علي وضمتني إلى صدرها، ورمتني على الأرض وركبت فوق صدري، وعصرت بطني بيدها فغبت عن الوجود، ثم أخذتني بيدها ولم أقدر أن أتخلص منها من شدة ما حضنتني، ثم دخلت بي ودخلت العجوز قدامها والشمعة مضيئة معها، حتى قطعت سبعة دهاليز، وبعد ذلك دخلت بي ساحة كبيرة بأربعة لواوين يلعب فيها الخيال بالأكر، ثم أجلستني وقالت لي: افتح عينك. ففتحت عيني وأنا دائخ من شدة ما ضمتني وعصرتني، فرأيت جميع بناء القاعة من أبهج المرمر، وجميع فرشها من الديباج، وكذلك المخدات والمراتب، وهناك دكتان من النحاس الأصفر، وسرير من الذهب الأحمر، مرصع بالدر والجوهر، لا يصلح إلا لملك مثلك، ثم قالت لي: يا عزيز، أي الحالتين أحب إليك؛ الموت أم الحياة؟ فقلت لها: الحياة. فقالت: إذا كانت الحياة أحب إليك فتزوج بي. فقلت: أنا أكره أن أتزوج بمثلك. فقالت لي: إن تزوجت بي تسلم من بنت الدليلة المحتالة. فقلت لها: ومن الدليلة المحتالة؟ فضحكت وقالت: كيف لا تعرفها وأنت لك في صحبتها اليوم سنة وأربعة شهور؟ أهلكها الله تعالى، والله ما يوجد أمكر منها، وكم ms0438 قتلت شخصا قبلك، وكم عملت عملة، وكيف سلمت منها ولم تقتلك أو تشوش عليك، ولك في صحبتها هذه المدة؟ # فلما سمعت كلامها تعجبت غاية العجب، فقلت لها: يا سيدتي، ومن عرفك بها؟ فقالت: أنا أعرفها مثل ما يعرف الزمان مصائبه، لكن قصدي أن تحكي لي جميع ما وقع لك منها حتى أعرف ما سبب سلامتك منها، فحكيت لها جميع ما جرى لي معها ومع ابنة عمي عزيزة، فترحمت عليها ودمعت عيناها، ودقت يدا على يد لما سمعت بموت ابنة عمي عزيزة، وقالت: عوضك الله فيها خيرا يا عزيز؛ فإنها هي سبب سلامتك من بنت الدليلة المحتالة، ولولا هي لكنت هلكت، وأنا خائفة عليك من مكرها وشرها، ولكن ما أقدر أن أتكلم. فقلت لها: والله إن ذلك كله قد حصل. فهزت رأسها وقالت: لا يوجد اليوم مثل عزيزة. فقلت: وعند موتها أوصتني أن أقول هاتين الكلمتين لا غير، وهما: الوفاء مليح، والغدر قبيح. فلما سمعت ذلك مني قالت لي: يا عزيز، والله إن هاتين الكلمتين هما اللتان خلصتاك منها، وبسببهما ما قتلتك، فقد خلصتك بنت عمك حية وميتة، والله إني كنت أتمنى الاجتماع بك ولو يوما واحدا، فلم أقدر على ذلك إلا في هذا الوقت حتى تحيلت عليك بهذه الحيلة، وقد تمت وأنت الآن صغير لا تعرف مكر النساء، ولا دواهي العجائز. فقلت: لا والله. فقالت لي: طب نفسا وقر عينا، فإن الميت مرحوم، والحي ملطوف به، وأنت شاب مليح، وأنا ما أريدك إلا بسنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومهما أردت من مال وقماش يحضر لك سريعا، ولا أكلفك بشيء أبدا، وأيضا عندي دائما الخبز مخبوز، والماء في الكوز، وما أريد منك إلا أن تعمل معي كما يعمل الديك. فقلت لها: وما الذي يعمله الديك؟ فضحكت وصفقت بيدها، ووقعت على قفاها من شدة الضحك، ثم إنها قعدت وقالت لي: أما تعرف صنعة الديك؟ فقلت: لا والله ما أعرف صنعة الديك. قالت: صنعة الديك أن تأكل وتشرب وتنيك. فخجلت أنا ms0439 من كلامها، ثم إني قلت: أهذه صنعة الديك؟ قالت: نعم، وما أريدك الآن إلا أن تشد وسطك، وتقوي عزمك، وتنيك جهدك. ثم إنها صفقت بيدها وقالت: يا أمي، أحضري من عندك. وإذا بالعجوز قد أقبلت بأربعة شهود عدول، ثم إنها أوقدت أربع شمعات، فلما دخل الشهود سلموا علي وجلسوا، فقامت الصبية وأرخت عليها أزارا، ووكلت بعضهم في ولاية عقدها، وقد كتبوا الكتاب وأشهدت على نفسها أنها قبضت جميع المهر مقدما ومؤخرا، وأن في ذمتها لي عشرة آلاف درهم. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 124 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: وأشهدت على نفسها أنها قبضت جميع المهر مقدما ومؤخرا، وأن في ذمتها لي عشرة آلاف درهم، ثم إنها أعطت الشهود أجرتهم وانصرفوا من حيث أتوا، فعند ذلك قامت الصبية وقلعت أثوابها، وأتت في قميص رفيع مطرز بطراز من الذهب، وقلعت لباسها وأخذت بيدي وطلعت بي فوق السرير وقالت لي: ما في الحلال من عيب. ووقعت على السرير وانسطحت على ظهرها، ورمتني على صدرها، ثم شهقت شهقة، واتبعت الشهقة بغنجة، ثم كشفت الثوب حتى جعلته فوق نهودها، فلما رأيتها على تلك الحالة لم أتمالك نفسي دون أن أولجه فيها بعد أن مصصت شفتها، وهي تتأوه وتظهر الخشوع والخضوع والبكاء بالدموع، وأذكرتني في هذا الحال قول من قال: # ولما كشفت الثوب عن سطح كسها %~% وجدت به ضيقا كخلقي وأرزاقي ~~فأولجت فيها نصفه فتنهدت %~% فقلت: لم هذا؟ فقالت: على الباقي # ثم قالت: يا حبيبي، اعمل خلاصك فأنا جاريتك، خذه هاته كله بحياتي عندك، هاته حتى أدخله بيدي، وأريح به فؤادي. ولم تزل تسمعني الغنج والشهيق، في خلال البوس والتعنيق، حتى صار صياحنا في الطريق، وحظينا بالسعادة والتوفيق. ثم نمنا إلى الصباح وأردت أن أخرج، وإذا هي أقبلت علي ضاحكة وقالت: هل تحسب أن دخول الحمام مثل خروجه؟ وما أظن إلا أنك تحسبني مثل بنت الدليلة المحتالة، إياك وهذا الظن، فما أنت إلا زوجي بالكتاب ms0440 والسنة، وإن كنت سكران فأفق لعقلك؛ إن هذه الدار التي أنت فيها ما تفتح إلا في كل سنة يوما، قم إلى الباب الكبير وانظره. فقمت إلى الباب الكبير فوجدته مغلقا مسمرا، فعدت وأعلمتها بأنه مغلق مسمر، فقالت لي: يا عزيز، إن عندنا من الدقيق والحبوب والفواكه والرمان، والسكر واللحم والغنم والدجاج وغير ذلك، ما يكفينا أعواما عديدة، ولا يفتح بابنا من هذه الليلة إلا بعد سنة، وأنا أعلم أنك ما بقيت ترى روحك خارجا عن هذه الدار إلا بعد سنة. فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقالت: وأي شيء يضرك وأنت تعرف صنعة الديك التي أخبرتك بها. ثم ضحكت فضحكت أنا وطاوعتها فيما قالت، ومكثت عندها وأنا أعمل صنعة الديك، آكل وأشرب وأنيك، حتى مر علينا عام اثنا عشر شهرا، فلما كملت السنة حملت مني، ورزقت منها ولدا، وعند رأس السنة سمعت فتح الباب، وإذا بالرجال دخلوا بكعك ودقيق وسكر، فأردت أن أخرج فقالت: اصبر إلى وقت العشاء، ومثل ما دخلت فاخرج. فصبرت إلى وقت العشاء، وأردت أن أخرج وأنا خائف مرجوف، وإذا هي قالت: والله ما أدعك تخرج حتى أحلفك أنك تعود في هذه الليلة قبل أن يغلق الباب. فأجبتها إلى ذلك، وحلفتني بالأيمان الوثيقة على السيف والمصحف والطلاق، أني أعود إليها، ثم خرجت من عندها ومضيت إلى البستان، فوجدته مفتوحا كعادته، فاغتظت وقلت في نفسي: إني غائب عن هذا المكان سنة كاملة، وجئت على غفلة فوجدته مفتوحا كعادته! يا ترى هل الصبية باقية على حالها أو لا؟ فلا بد أن أدخل، وأنظر قبل أن أروح إلى أمي، وأنا في وقت العشاء، ثم دخلت البستان. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 125 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عزيز قال لتاج الملوك: ثم دخلت البستان ومشيت حتى أتيت إلى المقعد، فوجدت البنت الدليلة المحتالة جالسة ورأسها على ركبتها، ويدها على خدها، وقد تغير لونها وغارت عيناها، فلما رأتني قالت: الحمد لله على السلامة. وهمت ms0441 أن تقوم فوقعت من فرحتها، فاستحييت منها، وطأطأت رأسي، ثم تقدمت إليها وقبلتها، وقلت لها: كيف عرفت أني أجيء إليك في هذه الساعة؟ قالت: لا علم لي بذلك، والله إن لي سنة لم أذق فيها نوما، بل أسهر كل ليلة في انتظارك، وأنا على هذه الحالة من يوم خرجت من عندي وأعطيتك البدلة القماش الجديدة، ووعدتني أنك تجيء إلي، وقد انتظرتك فما أتيت لا أول ليلة، ولا ثاني ليلة، ولا ثالث ليلة، فاستمررت منتظرة لمجيئك، والعاشق هكذا يكون، وأريد أن تحكي لي ما سببت غيابك عني هذه السنة. # فحكيت لها، فلما علمت أني تزوجت اصفر لونها، ثم قلت لها: إني أتيتك هذه الليلة، وأروح قبل الصباح. فقالت: أما كفاها أنها تزوجت بك، وعملت عليك الحيلة، وحبستك عندها سنة كاملة، حتى حلفتك بالطلاق أن تعود إليها قبل الصباح، ولم تسمح لك بأن تتفسح عند أمك ولا عندي، ولم يهن عليها أن تبيت عند إحدانا ليلة واحدة؟ فكيف حال من غبت عنها سنة كاملة، وقد عرفتك قبلها؟ ولكن رحم الله عزيزة؛ فإنه جرى لها ما لم يجر لأحد، وصبرت على شيء لم يصبر عليه مثلها، وماتت مقهورة منك، وهي التي حمتك مني، وكنت أظنك تجيء، فأطلقت سبيلك مع أني كنت أقدر على حبسك وعلى هلاكك. ثم بكت واغتاظت، ونظرت إلي بعين الغضب، فلما رأيتها على تلك الحالة ارتعدت فرائصي، وخفت منها، وصرت مثل الفولة على النار، ثم قالت لي: ما بقي فيك فائدة بعدما تزوجت وصار لك ولد، فأنت لا تصلح لعشرتي؛ لأنه لا ينفعني إلا الأعزب، وأما الرجل المتزوج فإنه لا ينفعني، وقد بعتني بتلك العاهرة، والله لأحسرنها عليك، وتصير لا لي ولا لها. ثم صاحت، فما أدري إلا وعشر جوار أتين ورمينني على الأرض، فلما وقعت تحت أيديهن قامت هي وأخذت سكينا، وقالت: لأذبحنك ذبح التيوس، ويكون هذا أقل جزائك على ما فعلت مع ابنة عمك. فلما نظرت إلى روحي وأنا تحت جواريها، وتعفر خدي بالتراب، ورأيت السكين في يدها ms0442 تحققت الموت. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 126 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: ثم إن الشاب عزيز قال لتاج الملوك: فلما رأيت روحي وأنا تحت جواريها، وتعفر خدي بالتراب، ورأيت السكين في يدها، تحققت الموت، فاستغثت بها، فلم تزدد إلا قسوة، وأمرتهن أن يكتفنني، فكتفنني ورمينني على ظهري، وجلسن على بطني ومسكن رأسي، وقامت جاريتان فأمسكتا أصابع رجلي، وجاريتان جلستا على أقصاب رجلي، وبعد ذلك قامت هي ومعها جاريتان فأمرتهما أن يضرباني، فضربتاني حتى أغمي علي وخفي صوتي، فلما استفقت قلت في نفسي: إن موتي مذبوحا أهون علي من هذا الضرب. وتذكرت كلمة ابنة عمي حيث قالت: كفاك الله شرها. فصرخت وبكيت حتى انقطع صوتي، ثم سنت السكين وقالت للجواري: اكشفن عنه. فألهمني الله أن أقول الكلمتين اللتين أوصتني بهما ابنة عمي، وهما: الوفاء مليح، والغدر قبيح. فلما سمعت ذلك صاحت وقالت: يرحمك الله يا عزيزة، سلامة شبابك نفعت ابن عمك في حياتك وبعد موتك. ثم قالت لي: والله إنك خلصت من يدي بواسطة هاتين الكلمتين، لكن لا بد أن أعمل فيك أثرا لأجل نكاية تلك العاهرة التي حجبتك عني. # ثم صاحت على الجواري وقالت لهن: اركبن عليه. وأمرتهن أن يربطن رجلي بالحبال ففعلن ذلك، ثم قامت من عندي وركبت طاجنا من نحاس على النار، وصبت فيه شيرجا، وقلت فيه جبنا، وأنا غائب عن الدنيا، ثم جاءت عندي وحلت لباسي، وربطت محاشمي بحبل وناولته لجاريتين، وقالت لهما: جرا الحبل. فجرتاه، فصرت من شدة الألم في دنيا غير هذه الدنيا، ثم رفعت يدها وقطعت ذكري بموسى وبقيت مثل المرأة، ثم كوت موضع القطع، وكبسته بذرور وأنا مغمي علي، فلما أفقت كان الدم قد انقطع، فأسقتني قدحا من الشراب، ثم قالت لي: رح الآن لمن تزوجت بها وبخلت علي بليلة واحدة، رحم الله ابنة عمك التي هي سبب نجاتك، ولولا أنك أسمعتني كلمتيها لكنت ذبحتك، فاذهب في هذه الساعة لمن تشتهي، ms0443 وأنا ما كان لي عندك سوى ما قطعته، والآن ما بقي لي فيك رغبة، ولا حاجة لي بك، فقم وملس على رأسك، وترحم على ابنة عمك. ثم رفصتني برجلها، فقمت وما قدرت أن أمشي، فتمشيت قليلا قليلا حتى وصلت إلى الباب فوجدته مفتوحا، فرميت نفسي فيه وأنا غائب عن الوجود، وإذا بزوجتي خرجت وحملتني وأدخلتني القاعة، فوجدتني مثل المرأة، فنمت واستغرقت في النوم، فلما صحوت وجدت نفسي مرميا على باب البستان. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 127 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال للملك ضوء المكان: ثم إن الشاب عزيزا قال لتاج الملوك: فلما صحوت وجدت نفسي مرميا على باب البستان، فقمت وأنا أتضجر، وتمشيت حتى أتيت إلى منزلي، فدخلت فيه فوجدت أمي تبكي علي وتقول: يا هل ترى يا ولدي أنت في أي أرض؟ فدنوت منها ورميت نفسي عليها، فلما نظرت إلي ورأتني وجدتني على غير استواء، وصار على وجهي الاصفرار والسواد، وتذكرت ابنة عمي، وما فعلت معي من المعروف، وتحققت أنها كانت تحبني؛ فبكيت عليها وبكت أمي، ثم قالت لي: يا ولدي، إن والدك قد مات. فازددت غيظا، وبكيت حتى أغمي علي، فلما أفقت نظرت إلى موضع ابنة عمي التي كانت تقعد فيه، فبكيت ثانيا حتى أغمي علي من شدة البكاء، وما زلت في بكاء ونحيب إلى نصف الليل، فقالت لي أمي: إن لوالدك عشرة أيام وهو ميت. فقلت لها: أنا لا أفكر في أحد أبدا غير ابنة عمي؛ لأني أستحق ما حصل لي حيث أهملتها وهي تحبني. فقالت: وما حصل لك؟ فحكيت لها ما حصل لي، فبكت ساعة، ثم قامت وأحضرت لي شيئا من المأكول، فأكلت قليلا وشربت، وأعدت لها قصتي وأخبرتها بجميع ما وقع لي، فقالت: الحمد لله حيث جرى لك هذا وما ذبحتك. ثم إنها عالجتني وداوتني حتى برئت وتكاملت عافيتي، فقالت لي: يا ولدي، الآن أخرج لك الوديعة التي وضعتها ابنة عمك عندي، فإنها لك، وقد ms0444 حلفتني أني لا أخرجها لك حتى أراك تتذكرها وتحزن عليها، وتقطع علائقك من غيرها، والآن رجوت فيك هذه الخصال. ثم قامت وفتحت صندوقا، وأخرجت منه هذه الخرقة التي فيها صورة هذا الغزال، وهي التي وهبتها لها أولا، فلما أخذتها وجدت مكتوبا فيها هذه الأبيات: # أقمتم فؤادي في الهوى وقعدتم %~% وأسهرتم جفني القريح ونمتم ~~وقد حلتم بين الفؤاد وناظري %~% فلا القلب يسلوكم ولو ذاب منكم ~~وعاهدتموني أنكم كاتمو الهوى %~% فأغراكم الواشي وقال وقلتم ~~فبالله إخواني إذا مت فاكتبوا %~% على لوح قبري إن هذا متيم # فلما قرأت هذه الأبيات بكيت بكاء شديدا، ولطمت وجهي، وفتحت الرقعة فوقعت منها ورقة أخرى، ففتحتها فإذا مكتوب فيها: اعلم يا ابن عمي أني جعلتك في حل من دمي، وأرجو الله أن يوفق بينك وبين من تحب، لكن إذا أصابك شيء من الدليلة المحتالة، فلا ترجع إليها ولا لغيرها، وبعد ذلك فاصبر على بليتك، ولولا أجلك المحتم لهلكت من الزمان الماضي، ولكن الحمد لله الذي جعل يومي قبل يومك، وسلامي عليك، واحتفظ بهذه الخرقة التي فيها صورة الغزال ولا تفرط فيها؛ فإن تلك الصورة كانت تؤانسني إذا غبت عني. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 128 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال للملك ضوء المكان: ثم إن الشاب عزيزا قال لتاج الملوك: إن ابنة عمي قالت لي: واحتفظ بهذه الخرقة التي فيها صورة الغزال ولا تفرط فيها أبدا؛ فإن تلك الصورة كانت تؤانسني إذا غبت عني، وبالله عليك إن قدرت على من صورت هذه الصورة، ينبغي أنك تتباعد عنها، ولا تخلها تقرب منك، ولا تتزوج بها، وإن لم تقدر عليها ولا تجد لك إليها سبيلا، فلا تقرب واحدة من النساء بعدها، واعلم أن التي صورت هذه الصورة تصور في كل سنة صورة مثلها وترسلها إلى أقصى البلاد؛ لأجل أن يشيع خبرها وحسن صنعتها التي يعجز عنها أهل الأرض، وأما محبوبتك الدليلة المحتالة، فإنها لما وصلت إليها هذه الخرقة التي فيها ms0445 صورة الغزال، صارت تريها للناس وتقول لهم إن لي أختا تصنع هذا، مع أنها كاذبة في قولها، هتك الله سترها، وما أوصيتك بهذه الوصية إلا لأنني أعلم أن الدنيا قد تضيق عليك بعد موتي، وربما تتغرب بسبب ذلك، وتطوف في البلاد وتسمع بصاحبة هذه الصورة، فتتشوق نفسك إلى معرفتها، واعلم أن الصبية التي صورت هذه الصورة بنت ملك جزائر الكافور. # فلما قرأت تلك الورقة وفهمت ما فيها، بكيت وبكت أمي لبكائي، وما زلت أنظر إليها وأبكي إلى أن أقبل الليل، ولم أزل على تلك الحالة مدة سنة، وبعد السنة تجهز تجار من مدينتي إلى السفر، وهم هؤلاء الذين أنا معهم في القافلة، فأشارت علي أمي أن أتجهز وأسافر معهم، وقالت لي: لعل السفر يذهب ما بك من هذا الحزن، وتغيب سنة أو سنتين أو ثلاثا حتى تعود القافلة، فلعل صدرك ينشرح. وما زالت تلاطفني بالكلام حتى جهزت متجرا وسافرت معهم، وأنا لم تنشف لي دمعة مدة سفري، وفي كل منزلة ننزل بها أنشر هذه الخرقة قدامي، وأنظر إلى هذه الصورة فأتذكر ابنة عمي وأبكي عليها كما تراني، فإنها كانت تحبني محبة زائدة، وقد ماتت مقهورة مني، وما فعلت معها إلا الضرر، مع أنها لم تفعل معي إلا الخير، ومتى رجع التجار من سفرهم أرجع معهم، وتكمل مدة غيابي سنة وأنا في حزن زائد، وما زاد همي وحزني إلا أنني جزت على جزائر الكافور وقلعة البلور، وهي سبع جزائر، والحاكم عليهم ملك يقال له شهرمان، وله بنت يقال لها دنيا، فقيل لي إنها هي التي تصور صورة الغزلان، وهذه الصورة التي معك من جملة تصويرها، فلما علمت ذلك زادت بي الأشواق، وغرقت في بحر الفكر والاحتراق؛ فبكيت على روحي لأني بقيت مثل المرأة، ولم تبق لي آلة مثل الرجال، ولا حيلة لي، ومن يوم فراقي لجزائر الكافور وأنا باكي العين، حزين القلب، ولي مدة على هذا الحال، وما أدري هل يمكنني أن أرجع إلى بلدي وأموت عند والدتي أو لا، وقد ms0446 شبعت من الدنيا. ثم بكى، وأن واشتكى، ونظر إلى صورة الغزال، وجرى دمعه على خده وسال، وأنشد هذين البيتين: # وقائل قال لي لا بد من فرج %~% فقلت للغيظ كم لا بد من فرج ~~فقال لي بعد حين، قلت يا عجبي %~% من يضمن العمر لي يا بارد الحجج # وهذه حكايتي أيها الملك. فلما سمع تاج الملوك قصة الشاب، تعجب غاية العجب، وانطلقت في فؤاده النيران حين سمع بجمال السيدة دنيا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 129 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: فلما سمع تاج الملوك قصة الشاب، تعجب غاية العجب، وانطلقت في فؤاده النيران، لما سمع بجمال السيدة دنيا، وعرف أنها هي التي صورت صورة الغزال، وزاد به الوجد والبلبال، فقال للشاب: والله لقد جرى لك شيء ما جرى لأحد غيرك مثله، ولكن هذا تقدير ربك، وقصدي أن أسألك عن شيء. فقال عزيز: وما هو؟ فقال: تصف لي كيف رأيت تلك الصبية التي صورت صورة الغزال. فقال: يا مولاي، إني توصلت إليها بحيلة، وهو أني لما دخلت مع القافلة إلى بلادها، كنت أخرج وأدور في البساتين وهي كثيرة الأشجار، وحارس البساتين شيخ طاعن في السن، فقلت له: يا شيخ، لمن هذا البستان؟ فقال لي: لابنة الملك السيدة دنيا، ونحن تحت قصرها، فإذا أردت أن تتفرج فافتح باب السر، وتفرج في البستان، فتشم رائحة الأزهار. فقلت له: أنعم علي بأن أقعد في هذا البستان حتى تمر، لعلي أن أحظى منها بنظرة. فقال الشيخ: لا بأس بذلك. فلما قال ذلك أعطيته بعض دراهم، وقلت له: اشتر لنا شيئا نأكله. ففرح بأخذ الدراهم، وفتح الباب وأدخلني معه، وسرنا وما زلنا سائرين إلى أن وصلنا إلى مكان لطيف، وأحضر لي شيئا من الفواكه اللطيفة، وقال لي: اجلس هنا حتى أذهب وأعود إليك. وتركني ومضى، فغاب ساعة، ثم رجع ومعه خروف مشوي، فأكلنا حتى اكتفينا، وقلبي مشتاق إلى رؤية الصبية، فبينما نحن جالسان وإذا بالباب ms0447 قد انفتح، فقال لي: قم اختف. فقمت واختفيت، وإذا بطواشي أسود أخرج رأسه من الباب، وقال: يا شيخ، هل عندك أحد؟ فقال: لا. فقال له: أغلق الباب. فأغلق الشيخ باب البستان، وإذا بالسيدة دنيا طلعت من الباب، فلما رأيتها ظننت أن القمر نزل في الأرض؛ فاندهش عقلي، وصرت مشتاقا إليها كاشتياق الظمآن إلى الماء، وبعد ساعة أغلقت الباب ومضت، فعند ذلك خرجت أنا من البستان وقصدت منزلي، وعرفت أني لا أصل إليها، ولا أنا من رجالها، خصوصا وقد صرت مثل المرأة، فقلت في نفسي: إن هذه ابنة ملك، وأنا رجل تاجر، فمن أين لي أن أصل إليها؟ فلما تجهز أصحابي للرحيل، تجهزت أنا وسافرت معهم وهم قاصدون هذه المدينة، فلما وصلنا إلى هذه الطريق اجتمعنا بك، وهذه حكايتي وما جرى لي، والسلام. # ![figure](../Images/figure30.png) # وإذا بالسيدة دنيا طلعت من الباب، فلما رأيتها ظننت أن القمر نزل إلى الأرض. # فلما سمع تاج الملوك ذلك الكلام، اشتغل قلبه بحب السيدة دنيا، ثم ركب جواده وأخذ معه عزيزا، وتوجه به إلى مدينة أبيه، وأفرد له دارا ووضع له فيها كل ما يحتاج إليه، ثم تركه ومضى إلى قصره ودموعه جارية على خدوده؛ لأن السماع يحل محل النظر والاجتماع، وما زال تاج الملوك على تلك الحالة حتى دخل عليه أبوه، فوجده متغير اللون، فعلم أنه مهموم ومغموم، فقال له: يا ولدي، أخبرني عن حالك، وما جرى لك حتى تغير لونك؟ فأخبره بجميع ما جرى له من قصة دنيا من أولها إلى آخرها، وكيف عشقها على السماع، ولم ينظرها بالعين، فقال: يا ولدي، إن أباها ملك، وبلاده بعيدة عنا، فدع عنك هذا وادخل قصر أمك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. # ### | فلما كانت الليلة 130 ### || حكاية الأميرة دنيا مع تاج الملوك # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير دندان قال لضوء المكان: إن والد تاج الملوك قال له: يا ولدي، إن أباها ملك وبلاده بعيدة عنا، فدع عنك هذا وادخل قصر أمك، فإن فيه خمسمائة جارية ms0448 كالأقمار، فمن أعجبتك منهم فخذها، وإن لم تعجبك جارية منهن، نخطب لك بنتا من بنات الملوك تكون أحسن من السيدة دنيا. فقال له: يا والدي لا أريد غيرها، وهي التي صورت صورة الغزال التي رأيتها، فلا بد لي منها، وإلا أهج في البراري وأقتل روحي بسببها. فقال له أبوه: يا ولدي، أمهل علي حتى أرسل إلى أبيها وأخطبها منه وأبلغك المرام مثلما فعلت لنفسي مع أمك، وإن لم يرض زلزلت عليه مملكته وجردت عليه جيشا يكون آخره عندي وأوله عنده. ثم دعا بالشاب عزيز وقال له: يا ولدي، هل أنت تعرف الطريق؟ قال: نعم. قال له: أشتهي منك أن تسافر مع وزيري. فقال له عزيز: سمعا وطاعة يا ملك الزمان. ثم أحضر وزيره وقال له: دبر لي أمر ولدي كما تعرف، واذهب إلى جزائر الكافور واخطب بنت ملكها. فأجابه الوزير: بالسمع والطاعة. ثم عاد تاج الملوك إلى منزله وقد زادت به الأمراض والحسرات، وحين جن عليه الليل أنشد هذه الأبيات: # جن الظلام ودمعي زائد المدد %~% والوجد من شدة النيران في كبدي ~~سلوا الليالي عني وهي تخبركم %~% إن كان يرثو لقلبي في الهوى كمدي ~~أبيت أرعى نجوم الليل في سهر %~% والدمع منهمل في الخد كالبرد ~~وقد بقيت وحيدا ليس لي أحد %~% كمثل صب بلا أهل ولا ولد # فلما فرغ من شعره وقع مغشيا عليه، ولم يفق إلا وقت الصباح؛ فلما أصبح الصباح جاء إليه أبوه، فرآه قد تغير لونه وزاد اصفراره ووعده بجمع شمله، ثم جهز عزيزا مع وزيره وأعطاهم الهدايا، فسافروا أياما وليالي إلى أن أشرفوا على جزائر الكافور، فأقاموا على شاطئ نهر وأنفذ الوزير رسولا من عنده إلى الملك ليخبره بقدومهم، وبعد ذهاب الرسول بنصف يوم، لم يشعر إلا وحجاب الملك وأمراؤه قد أقبلوا عليهم ولاقوهم من مسيرة فرسخ، فتلقوهم وساروا في خدمتهم إلى أن دخلوا بهم على الملك، فقدموا له الهدايا وأقاموا عنده أربعة أيام، وفي اليوم الخامس قام الوزير ودخل على الملك ووقف بين يديه وحدثه بحديثه، ms0449 وأخبره بسبب مجيئه، فصار الملك متحيرا في رد الجواب؛ لأن ابنته لا تحب الزواج، وأطرق رأسه إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلى بعض الخدام وقال له: اذهب إلى سيدتك دنيا وأخبرها بما سمعت وبما جاء به هذا الوزير. فقام الخادم وغاب ساعة، ثم عاد إلى الملك وقال له: يا ملك الزمان، إني لما دخلت على السيدة دنيا أخبرتها بما سمعت، فغضبت غضبا شديدا ونهضت علي بمسوقة وأرادت كسر رأسي، ففررت منها هربا وقالت لي: إن كان أبي يغصبني على الزواج، فالذي أتزوج به أقتله. فقال أبوها للوزير وعزيز: سلما على الملك وأخبراه بذلك، وأن ابنتي لا تحب الزواج. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 131 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شهرمان قال للوزير وعزيز: سلما على الملك وأخبراه بما سمعتماه من أن ابنتي لا تحب الزواج. فرجع الوزير ومن معه من غير فائدة، وما زالوا مسافرين إلى أن دخلوا على الملك وأخبروه بما جرى؛ فعند ذلك أمر النقباء أن ينبهوا العسكر إلى السفر من أجل الحرب والجهاد، فقال له الوزير: لا تفعل ذلك فإن الملك لا ذنب له، وإنما الامتناع من ابنته، فإنها حين علمت بذلك أرسلت تقول: إن غصبني أبي على الزواج أقتل من أتزوج به وأقتل نفسي بعده. فلما سمع الملك كلام الوزير، خاف على ولده تاج الملوك وقال: إن حاربت أباها وظفرت بابنته، قتلت نفسها. ثم إن الملك أعلم ابنه تاج الملوك بحقيقة الأمر، فلما علم بذلك قال لأبيه: يا والدي، أنا لا أطيق الصبر عنها، فأنا أروح إليها وأتسبب في اتصالي بها ولو أموت، ولا أفعل غير هذا. فقال له أبوه: وكيف تروح إليها؟ فقال: أروح في صفة تاجر. فقال الملك: إن كان ولا بد، فخذ معك الوزير وعزيزا. ثم إنه أخرج له شيئا من خزائنه وهيأ له متجرا بمائة ألف دينار، واتفقا معه على ذلك، فلما جاء الليل ذهب تاج الملوك وعزيز إلى منزل عزيز، وباتا هناك تلك ms0450 الليلة، وصار تاج الملوك مسلوب الفؤاد، ولم يطب له أكل ولا رقاد، بل هجمت عليه الأفكار، وغرق منها في بحار، وهزه الشوق إلى محبوبته، فأفاض دمع العين، وأنشد هذين البيتين: # ترى هل لنا بعد البعاد وصول %~% فأشكو إليكم صبوتي وأقول ~~تذكرتكم والليل ناء صباحه %~% وأسهرتموني والأنام غفول # لما فرغ من شعره بكى بكاء شديدا، وبكى معه عزيز وتذكر ابنة عمه، وما زالا يبكيان إلى أن أصبح الصباح، ثم قام تاج الملوك ودخل على والدته وهو لابس أهبة السفر، فسألته عن حاله، فأخبرها بحقيقة الأمر، فأعطته خمسين ألف دينار ثم ودعته وخرج من عندها ودعت له بالسلامة والاجتماع بالأحباب، ثم دخل والده واستأذنه أن يرحل، فأذن له وأعطاه خمسين ألف دينار، وأمر أن تضرب له خيمة في خارج المدينة، فضربت له خيمة عظيمة وأقاموا فيها يومين ثم سافروا، واستأنس تاج الملوك بعزيز وقال له: يا أخي، أنا ما بقيت أطيق أن أفارقك. فقال عزيز: وأنا الآخر كذلك، وأحب أن أموت تحت رجليك، ولكن يا أخي قلبي اشتغل بوالدتي. فقال له تاج الملوك: لما نبلغ المرام لا يكون إلا خيرا. وكان الوزير قد وصى تاج الملوك بالاصطبار، وصار عزيز ينشد له الأشعار، ويحدثه بالتواريخ والأخبار. ولم يزالوا سائرين بالليل والنهار مدة شهرين، فطالت الطريق على تاج الملوك، واشتد عليه الغرام وزاد به الوجد والهيام، فلما قربوا من المدينة، فرح تاج الملوك غاية الفرح، وزال عنه الهم والترح، ثم دخلوها وهم في هيئة التجار، وابن الملك في زي تاجر، ثم أتوا إلى مكان يعرف بمنزل التجار وهو خان عظيم، فقال تاج الملوك لعزيز: أهذا منزل التجار؟ قال عزيز: لكنه غير الخان الذي كنت نزلت فيه أنا والقافلة التي كنت معها، إلا أنه أحسن منه. فأناخوا فيه مطيهم، وحطوا رحالهم، وخزنوا أمتعتهم في المخازن وأقاموا للراحة أربعة أيام. # ثم إن الوزير أشار عليهم أن يكتروا لهم دارا كبيرة فأجابوه، واكتروا لهم دارا متسعة معدة للأفراح، فنزلوا فيها، وأقام الوزير وعزيز يدبران حيلة من أجل ms0451 تاج الملوك، وصار تاج الملوك متحير الأيدي ماذا يفعل؟ ولم يجد له حيلة غير أنه يفتح له دكانا للتجارة في سوق البز. ثم إن الوزير أقبل على تاج الملوك وعزيز وقال لهما: اعلما أنه إن كان مقامنا على هذه الحالة، فإننا لا نبلغ مرادنا ولا يحصل مطلوبنا، وقد خطر ببالي شيء ولعله فيه الصلاح إن شاء الله. فقال له تاج الملوك وعزيز: افعل ما بدا لك، فإن المشايخ فيهم البركة، لا سيما وأنت قد مارست الأمور، فأشر علينا بما خطر ببالك. فقال لتاج الملوك: الرأي أننا نكتري لك دكانا في سوق البز وتقعد فيها للبيع والشراء؛ لأن كل واحد من الخاص والعام يحتاج إلى البز، وإذا قعدت في تلك الدكان ينصلح أمرك إن شاء الله تعالى، خصوصا وصورتك جميلة، ولكن اجعل عزيزا أمينا عندك وأجلسه في داخل الدكان ليناولك الأقمشة. فلما سمع تاج الملوك ذلك الكلام قال: إن هذا رأي سديد. فعند ذلك أخرج تاج الملوك بدلة تجارية ولبسها، وقام يمشي وغلمانه خلفه، وأعطى لأحدهم ألف دينار معه ليقضي بها مصالح الدكان، وما زالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى سوق البز، فلما رأت التجار تاج الملوك وشاهدوا حسنه وجماله، تحيرت عقولهم وصاروا يقولون: هل رضوان فتح أبواب الجنان وسها عنها، فخرج هذا الشاب البديع الحسن؟ وبعضهم يقول: لعل هذا من الملائكة. فلما دخلوا عند التجار سألوا عن دكان شيخ السوق فدلوهم عليه، فتوجهوا إليه. # فلما قربوا منه قام إليهم هو ومن عنده من التجار وعظموهم، خصوصا الوزير الأجل، فإنهم رأوه رجلا كبيرا مهابا، ومعه تاج الملوك وعزيز، فقال التجار لبعضهم: لا شك أن هذا الشيخ والد هذين الغلامين. فقال لهم الوزير: من شيخ السوق فيكم؟ فقالوا: ها هو. فنظر إليه الوزير وتأمله، فرآه رجلا كبيرا صاحب هيئة ووقار وخدم وغلمان، ثم إن شيخ السوق حياهم تحية الأحباب، وبالغ في إكرامهم وأجلسهم جنبه وقال لهم: هل لكم حاجة نفوز بقضائها؟ فقال الوزير: نعم، إني رجل كبير طاعن في السن، ومعي هذان ms0452 الغلامان، وسافرت بهما سائر الأقاليم والبلاد، وما دخلت بلدة إلا أقمت بها سنة كاملة، حتى يتفرجا عليها ويعرفا أهلها، وإني قد أتيت بلدكم هذه واخترت المقام فيها، وأشتهي منك دكانا تكون من أحسن المواضع حتى أجلسهما فيها، ليتاجرا ويتفرجا على هذه المدينة ويتخلقا بأخلاق أهلها، ويتعلما البيع والشراء والأخذ والعطاء. فقال شيخ السوق: لا بأس بذلك. ثم نظر إلى الولدين وفرح بهما وأحبهما حبا زائدا، وكان شيخ السوق مغرما بفاتك اللحظات، ويغلب حب البنين على البنات، ويميل إلى الحموضة. فقال في نفسه: سبحان خالقهما ومصورهما من ماء مهين. ثم قام واقفا في خدمتهما كالغلام بين أيديهما، وبعد ذلك سعى وهيأ لهما الدكان، وكانت في وسط السوق، ولم يكن أكبر منها ولا أوجه منها عندهم؛ لأنها كانت متسعة مزخرفة فيها رفوف من عاج وأبنوس؛ ثم سلم المفاتيح للوزير وهو في صفة تاجر وقال: جعلها الله مباركة على ولديك. فلما أخذ الوزير مفاتيح الدكان، توجه إليها هو والغلامان ووضعوا فيها أمتعتهم، وأمروا غلمانهم أن ينقلوا إليها جميع ما عندهم من البضائع والقماش. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 132 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير لما أخذ مفاتيح الدكان توجه إليها هو والغلامان، ووضعوا فيها أمتعتهم، وأمروا غلمانهم أن ينقلوا إليها جميع ما عندهم من البضائع والقماش والتحف، وكان ذلك شيئا يساوي خزائن مال، فنقلوا جميع ذلك إلى الدكان وباتوا تلك الليلة. فلما أصبح الصباح، أخذهما الوزير ودخل بهما الحمام، فلما دخلوا الحمام تنظفوا وأخذوا غاية حظهم، وكان كل من الغلامين ذا جمال باهر، فصار في الحمام على حد قول الشاعر: # بشرى لقيمة إذ لامست يده %~% جسما تولد بين الماء والنور ~~ما زال يظهر لطفا من صناعته %~% حتى جنى المسك من تمثال كافور # ثم خرجا من الحمام، وكان شيخ السوق لما سمع بدخولهما الحمام قعد في انتظارهما، وإذا بهما قد أقبلا وهما كالغزالين، وقد احمرت خدودهما واسودت عيونهما ولمعت أبدانهما، فكأنهما غصنان مثمران أو قمران زاهيان. فقال ms0453 لهما: يا أولادي، حمامكم نعيم دائم. فقال تاج الملوك بأعذب كلام: ليتك كنت معنا. ثم إن الاثنين قبلا يديه ومشيا قدامه حتى وصلا إلى الدكان تعظيما له؛ لأنه كبير السوق، وقد أحسن إليهما بإعطائهما الدكان. فلما رأى أردافهما في ارتجاج، زاد به الوجد وهاج، وشخر ونخر، ولم يبق له مصطبر؛ فأحدق بهما العينين وأنشد هذين البيتين: # يطالع القلب باب الاختصاص به %~% وليس يقرأ فيه مبحث الشركة ~~لا غرو في كونه يرتج من ثقل %~% فكم لذا الفلك الدوار من حركة # فلما سمعا منه هذا الشعر، أقسما عليه أن يدخل معهما الحمام، وكانا قد تركا الوزير داخل الحمام؛ فلما دخل معهما شيخ السوق الحمام ثاني مرة، سمع الوزير بدخوله، فخرج إليه من الخلوة واجتمع به في وسط الحمام وعزم عليه فامتنع، فمسك في إحدى يديه تاج الملوك وفي يده الأخرى عزيز، ودخلا به خلوة أخرى، فانقاد لهما ذلك الشيخ الخبيث، فحلف تاج الملوك ألا يحميه غيره، وحلف عزيز ألا يصب عليه الماء غيره، فقال له الوزير: إنهما أولادك. فقال شيخ السوق: أبقاهما الله لك، لقد حلت في مدينتنا البركة والسعود بقدومكم وقدوم أتباعكم. ثم أنشد هذين البيتين: # أقبلت فاخضرت لدينا الربى %~% وقد زهت بالزهر للمجتلي ~~ونادت الأرض ومن فوقها %~% أهلا وسهلا بك من مقبل # فشكروه على ذلك، وما زال تاج الملوك يحميه وعزيز يصب عليه الماء، وهو يظن أن روحه في الجنة، حتى أتما خدمته، فدعا لهما، وجلس جنب الوزير على أنه يتحدث معه، ولكن معظم قصده النظر إلى تاج الملوك وعزيز، ثم بعد ذلك جاءت لهم الغلمان بالمناشف، فتنشفوا ولبسوا حوائجهم ثم خرجوا من الحمام، فأقبل الوزير على شيخ السوق وقال له: يا سيدي، إن الحمام نعيم الدنيا. فقال شيخ السوق: جعله الله لك ولأولادك عافية، وكفاهما الله شر العين، فهل تحفظون شيئا مما قالته البلغاء في الحمام؟ فقال تاج الملوك: أنا أنشد لك بيتين وهما: # إن عيش الحمام أطيب عيش %~% غير أن المقام فيه قليل ~~جنة تكره الإقامة فيها %~% وجحيم ms0454 يطيب فيها الدخول # فلما فرغ تاج الملوك من شعره قال عزيز: وأنا أحفظ في الحمام شيئا. فقال شيخ السوق: أسمعني إياه. فأنشد هذين البيتين: # وبيت له من جلمد الصخر أزهار %~% أنيق إذا ما أضرمت حوله النار ~~تراه جحيما وهو في الحق جنة %~% وأكثر ما فيها شموس وأقمار # فلما فرغ عزيز من شعره، تعجب شيخ السوق من صباحتهما وفصاحتهما وقال لهما: والله لقد حزتما الفصاحة والملاحة، فاسمعا أنتما مني. ثم أطرب النغمات وأنشد هذه الأبيات: # يا حسن نار والنعيم عذابها %~% تحيى به الأرواح والأبدان ~~فاعجب لبيت لا يزال نعيمه %~% غصا وتوقد تحته نيران ~~عيش السرور لمن ألم به وقد %~% سفحت عليه دموعها الغدران # ثم سرح في رياض حسنهما نظر العين، وأنشد هذين البيتين: # وافيت منزله فلم أر حاجبا %~% إلا ويلقاني بوجه ضاحك ~~ودخلت جنته وزرت جحيمه %~% فشكرت رضوانا ورأفة مالك # فلما سمعوا ذلك، تعجبوا من هذه الأبيات، ثم إن شيخ السوق عزم عليهم فامتنعوا ومضوا إلى منزلهم ليستريحوا من تعب الحمام، ثم أكلوا وشربوا وباتوا تلك الليلة في منزلهم على أتم ما يكون من الحظ والسرور. فلما أصبح الصباح، قاموا من نومهم وتوضئوا وصلوا فرضهم واصطبحوا، ولما طلع النهار وفتحت الدكاكين والأسواق، خرجوا من المنزل وتوجهوا إلى السوق وفتحوا الدكان، وكان الغلمان قد هيئوها أحسن هيئة وفرشوها بالبسط الحرير، ووضعوا فيها مرتبتين، كل واحدة منهما تساوي مائة دينار، وجعلوا فوق كل مرتبة نطعا ملوكيا دائره من الذهب؛ فجلس تاج الملوك على مرتبة، وجلس عزيز على الأخرى، وجلس الوزير في وسط الدكان، ووقف الغلمان بين أيديهم، وتسامعت بهم الناس، فازدحموا عليهم وباعوا بعض أقمشتهم، وشاع ذكر تاج الملوك في المدينة، واشتهر فيها خبر حسنه وجماله، ثم أقاموا على ذلك أياما، وفي كل يوم يهرع الناس إليهم، فأقبل الوزير على تاج الملوك وأوصاه بكتمان أمره، وأوصى عليه عزيزا ومضى إلى الدار ليدبر أمرا يعود نفعه عليهم، وصار تاج الملوك وعزيز يتحادثان، وصار تاج الملوك يقول عسى أن يجيء أحد من عند السيدة دنيا. ms0455 وما زال تاج الملوك على ذلك أياما وليالي وهو لا ينام، وقد تمكن منه الغرام، وزاد به النحول والأسقام، حتى حرم لذيذ المنام، وامتنع من الشراب والطعام، وكان كالبدر في تمامه؛ فبينما تاج الملوك جالس، وإذا بعجوز أقبلت عليه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 133 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: فبينما تاج الملوك جالس، وإذا بعجوز أقبلت عليه وتقدمت إليه وخلفها جاريتان، وما زالت ماشية حتى وقفت على دكان تاج الملوك، فرأت قده واعتداله وحسنه وجماله، فتعجبت من ملاحته ورشحت في سراويلها، ثم قالت: سبحان من خلقك من ماء مهين، سبحان من جعلك فتنة للعالمين، ولم تزل تتأمل فيه وتقول: ما هذا بشر، إن هذا إلا ملك كريم. ثم دنت منه وسلمت عليه، فرد عليها السلام، وقام لها واقفا على الأقدام، وتبسم في وجهها؛ هذا كله بإشارة عزيز. ثم أجلسها إلى جانبه وصار يروح عليها إلى أن استراحت، ثم إن العجوز قالت لتاج الملوك: يا ولدي يا كامل الأوصاف والمعاني، هل أنت من هذه الديار؟ فقال تاج الملوك بكلام فصيح عذب مليح: والله يا سيدتي، عمري ما دخلت هذه الديار إلا هذه المرة، ولا أقامت فيها إلا على سبيل الفرجة. فقالت: لك الإكرام من قادم على الرحب والسعة، ما الذي جئت به معك من القماش؟ فأرني شيئا مليحا، فإن المليح لا يحمل إلا المليح. # فلما سمع تاج الملوك كلامها خفق فؤاده ولم يفهم معنى كلامها، فغمزه عزيز بالإشارة، فقال لها تاج الملوك: عندي كل ما تشتهين من الشيء الذي لا يصلح إلا للملوك وبنات الملوك، فلمن تريدين حتى أقلب عليك ما يصلح لأربابه؟ وأراد بذلك الكلام أن يفهم معنى كلامها. فقالت له: أريدها قماشا يصلح للسيدة دنيا بنت الملك شهرمان. فلما سمع تاج الملوك ذكر محبوبته، فرح فرحا شديدا وقال لعزيز: ائتني بأفخر ما عندك من البضاعة. فأتاه عزيز ببقجة وحلها بين يديه، فقال لها تاج الملوك: اختاري ما ms0456 يصلح لها، فإن هذا شيء لا يوجد عند غيري. فاختارت العجوز شيئا يساوي ألف دينار وقالت: بكم هذا؟ وصارت تحدثه وتحك بين أفخاذها بكلوة يديها، فقال لها: وهل أساوم مثلك في هذا الشيء الحقير؟ الحمد لله الذي عرفني بك. فقالت له العجوز: أعوذ وجهك المليح برب الفلق، إن وجهك مليح وفعلك مليح، هنيئا لمن تنام في حضنك وتضم قوامك الرجيح، وتحظى بوجهك الصبيح، وخصوصا إذا كانت صاحبة حسن مثلك. فضحك تاج الملوك حتى استلقى على قفاه، ثم قال: يا قاضي الحاجات على أيدي العجائز الفاجرات. فقالت له: يا ولدي ما الاسم؟ قال: اسمي تاج الملوك. فقالت: إن هذا الاسم من أسماء الملوك، ولكنك في زي التجار. فقال لها عزيز: من محبته عند أهله ومعزته عليهم سموه بهذا الاسم. فقالت العجوز: صدقت، كفاكم الله شر الحساد، ولو فتت بمحاسنكم الأكباد. # ثم أخذت القماش ومضت وهي باهتة في حسنه وجماله وقده واعتداله، ولم تزل ماشية حتى دخلت على السيدة دنيا وقالت لها: يا سيدتي، جئت لك بقماش مليح. فقالت لها: أرني إياه. فقالت: يا سيدتي ها هو، فقلبيه وانظريه. فلما رأته السيدة دنيا قالت لها: يا دادتي، إن هذا قماش مليح ما رأيته في مدينتنا. فقالت العجوز: يا سيدتي، إن بائعه أحسن منه، كأن رضوانا فتح أبواب الجنان وسها فخرج منها التاجر الذي يبيع هذا القماش، وأنا أشتهي في هذه الليلة أن يكون عندك وينام بين نهودك؛ فإنه فتنة لمن يراه، وقد جاء مدينتنا بهذه الأقمشة لأجل الفرجة. فضحكت السيدة دنيا من كلام العجوز وقالت: أخزاك الله يا عجوز النحس، إنك خرفت ولم يبق لك عقل. ثم قالت: هات القماش حتى أبصره بصرا جيدا. فناولتها إياه فنظرته ثانيا فرأته شيئا قليلا وثمنه كثير، وتعجبت من حسن ذلك القماش؛ لأنها ما رأت في عمرها مثله، فقالت لها العجوز: يا سيدتي، فلو رأيت صاحبه لعرفت أنه أحسن من يكون على وجه الأرض. فقالت لها السيدة دنيا: هل سألته إن كان له حاجة يعلمنا بها ms0457 فنقضيها له؟ فقالت العجوز وقد هزت رأسها: حفظ الله فراستك، والله إن له حاجة، وهل أحد يخلو من حاجة؟ فقالت لها السيدة دنيا: اذهبي إليه وسلمي عليه وقولي له: شرفت بقدومك مدينتنا، ومهما كان لك من الحوائج قضيناه لك على الرأس والعين. فرجعت العجوز إلى تاج الملوك في الوقت، فلما رآها طار قلبه من الفرح، ونهض لها قائما على قدميه، وأخذ يدها وأجلسها إلى جانبه؛ فلما جلست واستراحت، أخبرته بما قالته السيدة دنيا. فلما سمع ذلك فرح غاية الفرح، واتسع صدره وانشرح، وقال في نفسه: قد قضيت حاجتي. ثم قال للعجوز: لعلك توصلين إليها كتابا من عندي وتأتيني بالجواب. فقالت: سمعا وطاعة. فلما سمع ذلك منها قال لعزيز: ائتني بدواة وقرطاس، وقلم من نحاس. فلما أتاه بتلك الأدوات كتب هذه الأبيات: # كتبت إليك يا سؤلي كتابا %~% بما ألقاه من ألم الفراق ~~فأول ما أسطر نار قلبي %~% وثانيه غرامي واشتياقي ~~وثالثه مضى عمري وصبري %~% ورابعه جميع الوجد باق ~~وخامسه متى عيني تراكم %~% وسادسه متى يوم التلاقي # ثم كتب في إمضائه: إن هذا الكتاب، من أسير الأشواق المسجون في سجن الاشتياق، الذي ليس له إطلاق إلا بالوصال ولو بطيف الخيال؛ لأنه يقاسي أليم العذاب من فرقة الأحباب. ثم أفاض دمع العين وكتب هذين البيتين: # كتبت إليك والعبرات تجري %~% ودمع العين ليس له انقطاع ~~ولست بيائس من فضل ربي %~% عسى يوم يكون به اجتماع # ثم طوى الكتاب وختمه وأعطاه العجوز وقال: أوصليه إلى السيدة دنيا. فقالت: سمعا وطاعة. ثم أعطاها ألف دينار وقال: اقبلي هذه مني هدية. فأخذتها وانصرفت داعية له، ولم تزل ماشية حتى دخلت على السيدة دنيا، فلما رأتها قالت لها: يا دادتي، أي شيء طلب من الحوائج حتى نقضيها له؟ فقالت لها: يا سيدتي، قد أرسل معي كتابا ولا أعلم بما فيه. ثم ناولتها الكتاب، فأخذته وقرأته وفهمت معناه ثم قالت: من أين إلى أين حتى يراسلني هذا التاجر ويكاتبني؟ ثم لطمت وجهها وقالت: لولا خوفي من الله تعالى لصلبته ms0458 على دكانه. فقالت العجوز: وأي شيء في هذا الكتاب حتى أزعج قلبك؟ هل فيه شكاية مظلمة، أو فيه طلب ثمن القماش؟ فقالت لها: ويلك، ما فيه ذلك، وما فيه إلا عشق ومحبة، وهذا كله منك، وإلا فمن أين يتوصل هذا الشيطان إلى هذا الكلام؟ فقالت لها العجوز: يا سيدتي، أنت قاعدة في قصرك العالي، وما يصل إليك أحد ولا الطير الطائر، سلامتك من اللوم والعتاب، وما عليك من نبيح الكلاب، فلا تؤاخذيني حيث أتيتك بهذا الكتاب ولا أعلم ما فيه، ولكن الرأي أن تردي إليه جوابا وتهدديه فيه بالقتل وتنهيه عن هذا الهزيان، فإنه ينتهي ولا يعود. فقالت السيدة دنيا: أخاف أن أكاتبه فيطمع. فقالت العجوز: إنه إذا سمع التهديد والوعيد رجع عما هو فيه. فقالت: علي بدواة وقرطاس، وقلم من نحاس. فلما أحضروا لها تلك الأدوات، كتبت هذه الأبيات: # يا مدعي الحب والبلوى مع السهر %~% وما يلاقيه من وجد ومن فكر ~~أتطلب الوصل يا مغرور من قمر %~% وهل ينال المنى شخص من القمر ~~إني نصحتك عما أنت طالبه %~% فاقصر فإنك في هذا على خطر ~~وإن رجعت إلى هذا الكلام فقد %~% أتاك مني عذاب زائد الضرر ~~وحق من خلق الإنسان من علق %~% ومن أنار ضياء الشمس والقمر ~~لئن رجعت إلى ما أنت ذاكره %~% لأصلبنك في جذع من الشجر # ثم طوت الكتاب وأعطته للعجوز وقالت لها: أعطيه له وقولي له: كف عن هذا الكلام. فقالت لها: سمعا وطاعة. ثم أخذت الكتاب وهي فرحانة ومضت إلى منزلها وباتت في بيتها، فلما أصبح الصباح، توجهت إلى دكان تاج الملوك فوجدته في انتظارها، فلما رآها كاد أن يطير من الفرح، فلما قربت منه، نهض إليها قائما وأقعدها بجانبه، فأخرجت له الورقة وناولته إياها وقالت له: اقرأ ما فيها. ثم قالت له: إن السيدة دنيا لما قرأت كتابك اغتاظت، ولكنني لاطفتها ومازحتها حتى أضحكتها ورقت لك وردت لك الجواب. فشكر تاج الملوك على ذلك وأمر عزيزا أن يعطيها ألف دينار، ثم إنه قرأ الكتاب وفهمه ms0459 وبكى بكاء شديدا، فرق له قلب العجوز وعظم عليها بكاؤه وشكواه، ثم قالت له: يا ولدي، وأي شيء في هذه الورقة حتى أبكاك؟ فقال لها: إنها تهددني بالقتل والصلب وتنهاني عن مراسلتها، وإن لم أراسلها يكون موتي خيرا من حياتي، فخذي جواب كتابها ودعيها تفعل ما تريد. فقالت له العجوز: وحياة شبابك، لا بد أني أخاطر معك بروحي وأبلغك مرادك وأوصلك إلى ما في خاطرك. فقال لها تاج الملوك: كل ما تفعلينه أجازيك عليه ويكون في ميزانك، فإنك خبيرة بالسياسة وعارفة بأبواب الدناسة، وكل عسير عليك يسير، والله على كل شيء قدير. ثم أخذ ورقة وكتب فيها هذه الأبيات: # أمست تهددني بالقتل وا حربي %~% والقتل لي راحة والموت مقدور ~~والموت أغنى لصب أن تطول به %~% حياته وهو ممنوع ومقهور ~~بالله زوروا محبا قل ناصره %~% فإنني عبدكم والعبد مأسور ~~يا سادتي فارحموني في محبتكم %~% فكل من يعشق الأحرار معذور # ثم إنه تنفس الصعداء وبكى حتى بكت العجوز، وبعد ذلك أخذت الورقة منه وقالت له: طب نفسا وقر عينا، فلا بد أن أبلغك مقصودك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 134 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن تاج الملوك لما بكى قالت له العجوز: طب نفسا وقر عينا، فلا بد أن أبلغك مقصودك. ثم قامت وتركته على النار وتوجهت إلى السيدة دنيا، فرأتها متغيرة اللون من غيظها بمكتوب تاج الملوك، فناولتها الكتاب، فازدادت غيظا وقالت للعجوز: أما قلت لك إنه يطمع فينا؟ فقالت لها: وأي شيء هذا الكلب حتى يطمع فيك؟ فقالت لها السيدة دنيا: اذهبي إليه وقولي له: إن راسلتها بعد ذلك ضربت عنقك. فقالت لها العجوز: اكتبي له هذا الكلام في مكتوب، وأنا آخذ المكتوب معي لأجل أن يزداد خوفه. فأخذت ورقة وكتبت فيها هذا الأبيات: # أيا غافلا عن حادثات الطوارق %~% وليس إلى نيل الوصال بسابق ~~أتزعم يا مغرور أن تدرك السها %~% وما أنت للبدر المنير بلاحق ~~فكيف تؤملنا وترجو وصالنا %~% لتحظى بضم للقدود الرواشق ~~فدع ms0460 عنك هذا القصد خيفة سطوتي %~% بيوم عبوس فيه شيب المفارق # ثم طوت الكتاب وناولته للعجوز، فأخذته وانطلقت به إلى تاج الملوك، فلما رآها قام على قدميه وقال: لا أعدمني الله بركة قدومك. فقالت له العجوز: خذ جواب مكتوبك. فأخذ الورقة وقرأها وبكى بكاء شديدا وقال: إني أشتهي من يقتلني الآن، فإن القتل أهون علي من هذا الأمر الذي أنا فيه. ثم أخذ دواة وقلما وقرطاسا وكتب مكتوبا، ورقم فيه هذين البيتين: # فيا منيتي لا تتبعي الهجر والجفا %~% وزوري محبا في المحبة غارق ~~ولا تحسبيني في الحياة مع الجفا %~% فروحي من بعد الأحبة طالق # ثم طوى الكتاب وأعطاه للعجوز وقال لها: قد أتعبتك بدون فائدة. وأمر عزيزا أن يدفع لها ألف دينار وقال لها: يا أمي إن هذه الورقة لا بد أن يعقبها كمال الاتصال أو كمال الانفصال. فقالت له: يا ولدي، والله ما أشتهي لك إلا الخير، ومرادي أن تكون عندك، فإنك أنت القمر صاحب الأنوار الساطعة، وهي الشمس الطالعة، وإن لم أجمع بينكما فليس في حياتي فائدة، وأنا قد قطعت عمري في المكر والخداع حتى بلغت التسعين من الأعوام، فكيف أعجز عن الجمع بين اثنين في الحرام؟ ثم ودعته وطيبت قلبه وانصرفت. # ولم تزل تمشي حتى دخلت على السيدة دنيا وقد أخفت الورقة في شعرها، فلما جلست عندها حكت رأسها وقالت: يا سيدتي، عساك أن تفلي شوشتي، فإن لي زمانا ما دخلت الحمام. فكشفت السيدة دنيا عن مرفقيها، وحلت شعر العجوز وصارت تفلي شوشتها، فسقطت الورقة من رأسها، فرأتها السيدة دنيا فقالت: ما هذه الورقة؟ فقالت: كأني قعدت على دكان التاجر، فتعلقت معي هذه الورقة، هاتيها حتى أوديها له. ففتحتها السيدة دنيا وقرأتها وفهمت ما فيها وقالت للعجوز: هذه حيلة منك، ولولا أنك ربيتني لبطشت بك في هذا الوقت، وقد بلاني الله بهذا التاجر، وكل ما جرى لي منه تحت رأسك، وما أدري من أي أرض جاءنا هذا، ولم يقدر أحد من الناس أن يتجاسر علي غيره، وأنا أخاف ms0461 أن ينكشف أمري، وخصوصا في رجل ما هو من جنسي ولا من أقراني. فأقبلت العجوز عليها وقالت: لا يقدر أحد أن يتكلم بهذا الكلام خوفا من سطوتك وهيبة أبيك، ولا بأس أن تردي له الجواب. فقالت: يا دادتي، إن هذا شيطان، كيف تجاسر على هذا الكلام ولم يخف من سطوة السلطان؟ وقد تحيرت في أمره، فإن أمرت بقتله فليس بصواب، وإن تركته ازداد في تجاسره. فقالت لها العجوز: اكتبي له كتابا لعله ينزجر. فطلبت ورقة ودواة وقلما، وكتبت له هذه الأبيات: # طال العتاب وفرط الجهل أغراكا %~% فكم بخط يدي في الشعر أنهاكا ~~وأنت تزداد عند النهي في طمع %~% ولست إلا بكتم السر أرضاكا ~~اكتم هواك ولا تجهر به أبدا %~% وإن نطقت فإني لست أرعاكا ~~وإن رجعت إلى ما أنت تذكره %~% فقد أتاك غراب البين ينعاكا ~~وعن قليل يكون الموت مندفعا %~% عليك والدفن تحت الأرض مثواكا ~~وتترك الأهل يا مغرور في ندم %~% ومن سيوف الهوى قد شط منجاكا # ثم طوت الورقة ودفعتها للعجوز، فأخذتها وتوجهت إلى تاج الملوك فأعطتها له، فلما قرأها علم أنها قاسية القلب، وأنه لا يصل إليها، فشكا أمره إلى الوزير وطلب منه حسن التدبير، فقال له الوزير: اعلم أنه ما بقي يفيد فيها غير أنك تكتب لها كتابا وتدعو عليها فيه. فقال: يا أخي يا عزيز، أكتب لها عن لساني مثل ما تعرف. فأخذ عزيز ورقة وكتب الأبيات: # يا رب بالخمسة الأشياخ تنقذني %~% ومن بليت به فاجعله في شجني ~~فأنت تعلم أني في جوى لهب %~% وقد جفاني حبيب ليس يرحمني ~~فكم أرق لها فيما بليت به %~% وكم تجوز على ضعفي وتظلمني ~~أهيم في غمرات لا انقضاء لها %~% ولا أرى مسعفا يا رب يسعفني ~~وكم أروم سلوا في محبتها %~% وكيف أسلو وصبري في الغرام فني ~~يا مانعي في الهوى طيب الوصال فهل %~% أمنت من نائبات الدهر والمحن ~~ألست في عيشة مسرورة وأنا %~% مغرب فيك عن أهلي وعن وطني # ثم إن عزيزا طوى الكتاب وناوله لتاج الملوك، فلما قرأه ms0462 أعجبه، فختمه ثم ناوله للعجوز، فأخذته العجوز وتوجهت به إلى أن دخلت على السيدة دنيا، فناولتها إياه، فلما قرأته وفهمت مضمونه، اغتاظت غيظا شديدا وقالت: كل الذي جرى لي من تحت رأس هذه العجوز النحس. فصاحت على الجواري والخدام وقالت: امسكوا هذه العجوز الماكرة واضربوها بنعالكم. فنزلوا عليها ضربا بالنعال حتى غشي عليها، فلما أفاقت قالت لها: والله يا عجوز السوء، لولا خوفي من الله تعالى لقتلتك. ثم قالت لهم: أعيدوا عليها الضرب. فضربوها حتى غشي عليها، ثم أمرتهم أن يجروها ويرموها خارج الباب، فسحبوها على وجهها ورموها قدام الباب، فلما أفاقت قامت تمشي وتقعد حتى وصلت إلى منزلها وصبرت إلى الصباح، ثم قامت وتمشت حتى أتت إلى تاج الملوك وأخبرته بجميع ما جرى لها، فصعب عليه ذلك وقال لها: يعز علينا يا أمي ما جرى لك، ولكن كل شيء بقضاء وقدر. فقالت له: طب نفسا وقر عينا، فإني لا أزال أسعى حتى أجمع بينك وبينها، وأوصلك إلى هذه العاهرة التي أحرقتني بالضرب. فقال لها تاج الملوك: أخبريني ما سبب بغضها للرجال. فقالت: لأنها رأت مناما أوجب ذلك. فقال لها: وما ذلك المنام؟ فقالت: إنها كانت نائمة ذات ليلة، فرأت صيادا نصب شركا في الأرض وبذر حوله قمحا، ثم جلس قريبا منه، فلم يبق شيء من الطيور إلا وقد أتى إلى ذلك الشرك، ورأت في الطيور حمامتين ذكرا وأنثى، فبينما هي تنظر إلى الشرك، وإذا برجل الذكر تعلقت في الشرك وصار يختبط، فنفرت عنه جميع الطيور وفرت، فرجعت إليه امرأته وحامت عليه، ثم تقدمت إلى الشرك والصياد غافل، فصارت تنقر العين التي فيها رجل الذكر، وصارت تجذبه بمنقارها حتى خلصت رجله من الشرك وطارت هي وإياه، فجاء بعد ذلك الصياد وأصلح الشرك وقعد بعيدا عنه، فلم يمض غير ساعة حتى نزلت الطيور وعلق الشرك في الأنثى، فنفرت عنها جميع الطيور ومن جملتها الطير الذكر، ولم يعد لأنثاه، فجاء الصياد وأخذ الطيرة الأنثى وذبحها، فانتبهت مرعوبة من منامها وقالت: كل ذكر ms0463 مثل هذا ما فيه خير، والرجال جميعهم ما عندهم خير للنساء. # فلما فرغت من حديثها لتاج الملوك قال لها: يا أمي، أريد أن أنظر إليها نظرة واحدة، ولو كان في ذلك مماتي، فتحيلي لي بحيلة حتى أنظر إليها. فقالت: اعلم أن لها بستانا تحت قصرها وهو برسم فرجتها، وإنها تخرج إليه في كل شهر مرة من باب السر وتقعد فيه عشرة أيام، وقد جاء أوان خروجها إلى الفرجة، فإذا أرادت الخروج أجيء إليك وأعلمك حتى تخرج وتصادفها، واحرص على أنك لا تفارق البستان، فلعلها إذا رأت حسنك وجمالك يتعلق قلبها بمحبتك، فإن المحبة أعظم أسباب الاجتماع. فقال: سمعا وطاعة. ثم قام من الدكان هو وعزيز وأخذا معهما العجوز ومضيا إلى منزلهما وعرفاه لها، ثم إن تاج الملوك قال لعزيز: يا أخي ليس لي حاجة بالدكان، وقد قضيت حاجتي منها ووهبتها لك بجميع ما فيها؛ لأنك تغربت معي وفارقت بلادك. فقبل عزيز منه ذلك ثم جلسا يتحدثان، وصار تاج الملوك يسأله عن غريب أحواله وما جرى له، وصار هو يخبره بما حصل له، وبعد ذلك أقبلا على الوزير وأعلماه بما عزم عليه تاج الملوك وقالا له: كيف العمل؟ فقال: قوموا بنا إلى البستان. فلبس كل واحد منهم أفخر ما عنده وخرجوا وخلفهم ثلاثة مماليك، وتوجهوا إلى البستان، فرأوه كثير الأشجار غزير الأنهار، ورأوا الخولي جالسا على الباب فسلموا عليه، فرد عليهم السلام. فناوله الوزير مائة دينار وقال: أشتهي أن تأخذ هذه النفقة وتشتري لنا شيئا نأكله، فإننا غرباء ومعي هؤلاء الأولاد، وأردت أن أفرجهم. فأخذ البستاني الدنانير وقال لهم: ادخلوا وتفرجوا وجميعه ملككم، واجلسوا حتى أحضر لكم بما تأكلون. ثم توجه إلى السوق، ودخل الوزير وتاج الملوك وعزيز داخل البستان بعد أن ذهب البستاني إلى السوق، ثم بعد ساعة أتى ومعه خروف مشوي ووضعه بين أيديهم، فأكلوا وغسلوا أيديهم وجلسوا يتحدثون، فقال الوزير: أخبرني عن هذا البستان، هل هو لك أم أنت مستأجره؟ فقال الشيخ: ما هو لي وإنما هو لبنت ms0464 الملك السيدة دنيا. فقال الوزير: كم لك في كل شهر من الأجرة؟ فقال: دينار واحد لا غير. فتأمل الوزير في البستان فرأى هناك قصرا عاليا، إلا أنه عتيق، فقال الوزير: يا شيخ، أريد أن أعمل هنا خيرا تذكرني به. فقال: وما تريد أن تفعل من الخير؟ فقال: خذ هذه الثلاثمائة دينار. فلما سمع الخولي بذكر الذهب قال: يا سيدي، مهما شئت فافعل. ثم أخذ الدنانير، فقال له: إن شاء الله تعالى نفعل في هذا المحل خيرا. # ثم خرجوا من عنده وتوجهوا إلى منزلهم، وباتوا تلك الليلة. فلما كان من الغد أحضر الوزير مبيضا ونقاشا وصائغا جيدا، وأحضر لهم جميع ما يحتاجون إليه من الآلات، ودخل بهم البستان وأمرهم ببياض ذلك القصر وزخرفته بأنواع النقش، ثم أمر بإحضار الذهب واللازورد وقال للنقاش: اعمل في صدر هذا الإيوان صورة آدمي صياد كأنه نصب شركه وقد وقعت فيه حمامة واشتبكت بمنقارها في الشرك. فلما نقش النقاش جانبا وفرغ من نقشه، قال له الوزير: افعل في الجانب الآخر مثل الأول وصور صورة الحمامة في الشرك، وأن الصياد أخذها ووضع السكين على رقبتها، واعمل في الجانب الآخر صورة جارح كبير قد قنص ذكر الحمام وأنشب فيه مخالبه. ففعل ذلك، فلما فرغ من هذه الأشياء التي ذكرها الوزير، ودعوا البستاني، ثم توجهوا إلى منزلهم وجلسوا يتحدثون، فقال تاج الملوك لعزيز: يا أخي أنشدني بعض الأشعار لعل صدري ينشرح وتزول عني هذه الأفكار، أو يبرد ما بقلبي من لهيب النار. فعند ذلك أطرب عزيز بالنغمات، وأنشد هذه الأبيات: # جميع ما قالت العشاق من كمد %~% حويته مفردا حتى وهى جلدي ~~وإن ترد موردا من أدمعي اتسعت %~% للواردين بحار الدمع في مدد ~~أن يرى العشاق ما صنعت %~% أيدي الغرام بهم فانظر إلى جسدي # ثم أفاض العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # من كان لا يعشق الأجياد والحدق %~% ثم ادعى لذة الدنيا فما صدقا ~~فإن في العشق معنى ليس يدركه %~% من البرية إلا كل من عشقا ~~لا خفف الله عن قلبي صبابته ms0465 %~% بمن هويت ولا عن جفني الأرقا # ثم أطرب بالنغمات، وأنشد هذه الأبيات: # زعم ابن سينا في أصول كلامه %~% أن المحب دواؤه الألحان ~~ووصال مثل حبيبه من جنسه %~% والنقل والمشروب والبستان ~~فصحبت غيرك للتداوي مرة %~% وأعانني المقدور والإمكان ~~فعلمت أن الحب داء قاتل %~% فيه ابن سينا طبه هذيان # فلما فرغ عزيز من شعره، تعجب تاج الملوك من فصاحته وحسن روايته، وقال له: قد أزلت عني بعض ما بي. ثم قال له: إن كان يحضرك شيء من جنس هذا، فأسمعني ما حضرك من الشعر الرقيق وطول الحديث. فأطرب بالنغمات وأنشد هذه الأبيات: # قد كنت أحسب أن وصلك يشترى %~% بكرائم الأموال والأشباح ~~وظننت جهلا أن حبك هين %~% تفنى عليه نفائس الأرواح ~~حتى رأيتك تجتبي وتخص من %~% أحببته بلطائف الإمناح ~~فعلمت أنك لا تنال بحيلة %~% ولويت رأسي تحت طي جناحي ~~وجعلت في عش الغرام إقامتي %~% فيه غدوي دائما ورواحي # هذا ما كان أمر هؤلاء، وأما ما كان من أمر العجوز، فإنها انقطعت في بيتها، واشتاقت بنت الملك إلى الفرجة في البستان وهي لا تخرج إلا بالعجوز، فأرسلت إليها وصالحتها وطيبت خاطرها وقالت: إني أريد أن أخرج إلى البستان لأتفرج على أشجاره وأثماره، وينشرح صدري بأزهاره. فقالت لها العجوز: سمعا وطاعة، ولكن أريد أن أذهب إلى بيتي وألبس أثوابي وأحضر عندك. فقالت لها: اذهبي إلى بيتك ولا تتأخري عني. فخرجت العجوز من عندها وتوجهت إلى تاج الملوك وقالت له: تجهز والبس أفخر أثوابك واذهب إلى البستان، وادخل على البستاني وسلم عليه ثم اختف في البستان. فقال: سمعا وطاعة. وجعلت بينها وبينه إشارة، ثم توجهت إلى السيدة دنيا، وبعد ذهابها قام الوزير وعزيز والبسا تاج الملوك بدلة من أفخر ملابس الملوك تساوي خمسة آلاف دينار، وشدا في وسطه حياصة من الذهب مرصعة بالجواهر والمعادن، ثم توجهوا إلى البستان. فلما وصلوا إلى باب البستان وجدوا الخولي جالسا هناك، فلما رآه البستاني نهض له على الأقدام وقابله بالتعظيم والإكرام، وفتح له الباب وقال له: ادخل وتفرج في البستان. ms0466 ولم يعلم البستاني أن بنت الملك تدخل البستان في هذا اليوم. فلما دخل تاج الملوك لم يلبث إلا مقدار ساعة وسمع ضجة، فلم يشعر إلا والخدم والجواري خرجوا من باب السر، فلما رآهم الخولي ذهب إلى تاج الملوك وأعلمه بمجيئها وقال له: يا مولاي، كيف يكون العمل وقد أتت ابنة الملك السيدة دنيا؟ فقال: لا بأس عليك، فإني أختفي في بعض مواضع البستان. فأوصاه البستاني بغاية الاختفاء ثم تركه وراح. # فلما دخلت بنت الملك هي وجواريها والعجوز في البستان، قالت العجوز في نفسها: متى كان الخدم معنا فإننا لا ننال مقصودنا. ثم قالت لابنة الملك: يا سيدتي، إني أقول لك على شيء فيه راحة لقلبك. فقالت السيدة دنيا: قولي ما عندك. فقالت العجوز: يا سيدتي، إن هؤلاء الخدم لا حاجة لك بهم في هذا الوقت، ولا ينشرح صدرك ما داموا معنا، فاصرفيهم عنا. فقالت السيدة دنيا: صدقت. ثم صرفتهم، وبعد قليل تمشت فصار تاج الملوك ينظر إليها وإلى حسنها، وصارت العجوز تسارقها في الحديث إلى أن أوصلتها إلى القصر الذي أمر الوزير بنقشه، ثم دخلت ذلك القصر وتفرجت على نقشه، وأبصرت الطيور والصياد والحمام. فقالت: سبحان الله، إن هذه صفة ما رأيته في المنام. وصارت تنظر إلى صور الطيور والصياد والشرك وتتعجب، ثم قالت: يا دادتي، إني كنت ألوم الرجال وأبغضهم، لكن انظري الصياد كيف ذبح الطيرة الأنثى، وتخلص الذكر وأراد أن يجيء إلى الأنثى ويخلصها فقابله الجارح وافترسه! وصارت العجوز تتجاهل عليها وتشاغلها بالحديث إلى أن قربا من المكان المختفي فيه تاج الملوك، فأشارت إليه العجوز أن يتمشى تحت شبابيك القصر؛ فبينما السيدة دنيا كذلك، إذ لاحت منها التفاتة فرأته وتأملت جماله وقده واعتداله، ثم قالت: يا دادتي، من أين هذا الشاب المليح؟ فقالت: لا أعلم به، غير أني أظن أنه ولد ملك عظيم، فإنه بلغ من الحسن النهاية، ومن الجمال الغاية. فهامت به السيدة دنيا وانحلت عرى عزائمها، وانبهر عقلها من حسنه وجماله وقده واعتداله، وتحركت عليها الشهوة. ms0467 فقالت للعجوز: يا دادتي، إن هذا الشاب مليح. فقالت لها العجوز: صدقت يا سيدتي. ثم إن العجوز أشارت إلى ابن الملك أن يذهب إلى بيته، وقد التهبت به نار الغرام، وزاد به الوجد والهيام، فسار وودع الخولي وانصرف إلى منزله، إلا أنه لم يخالف العجوز، وأخبر الوزير وعزيزا بأن العجوز أشارت إليه بالانصراف، فصارا يصبرانه ويقولان له: لولا أن العجوز تعلم أن في رجوعك مصلحة، ما أشارت عليك به. # هذا ما كان من أمر تاج الملوك والوزير وعزيز، وأما ما كان من أمر بنت الملك السيدة دنيا، فإنها غلب عليها الغرام، وزاد بها الوجد والهيام، وقالت للعجوز: أنا ما أعرف اجتماعي بهذا الشاب إلا منك. فقالت لها العجوز: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أنت لا تريدين الرجال، وكيف حلت بك من عشقه الأوجال؟ ولكن والله ما يصلح لشبابك إلا هو. فقالت السيدة دنيا: يا دادتي، أسعفيني باجتماعي به ولك عندي ألف دينار، وخلعة بألف دينار، وإن لم تسعفيني بوصاله فإني ميتة لا محالة. فقالت العجوز: امض أنت إلى قصرك وأنا أتسبب في اجتماعكما، وأبذل روحي في مرضاتكما. ثم إن السيدة دنيا توجهت إلى قصرها وتوجهت العجوز إلى تاج الملوك. فلما رآها، نهض لها على الأقدام، وقابلها بإعزاز وإكرام، وأجلسها إلى جانبه. فقالت له: إن الحيلة قد تمت. وحكت له ما جرى لها مع السيدة، فقال لها: متى يكون الاجتماع؟ قالت: في غد. فأعطاها ألف دينار وحلة بألف دينار، فأخذتهما وانصرفت، وما زالت سائرة حتى دخلت على السيدة دنيا، فقالت لها: يا دادتي، ما عندك من خبر الحبيب؟ فقالت لها: قد عرفت مكانه، وفي غد أكون به عندك. ففرحت السيدة دنيا بذلك وأعطتها ألف دينار وحلة بألف دينار. فأخذتها وانصرفت إلى منزلها وباتت فيه إلى الصباح، ثم خرجت وتوجهت إلى تاج الملوك وألبسته لبس النساء، وقالت له: امش خلفي وتمايل في خطواتك ولا تستعجل في مشيك، ولا تلتفت إلى من يكلمك. # وبعد أن أوصت تاج الملوك بهذه الوصية، خرجت وخرج خلفها ms0468 وهو في زي النسوان، وصارت تعلمه في الطريق حتى لا يفزع، ولم تزل ماشية وهو خلفها حتى وصلا إلى باب القصر، فدخلت وهو وراءها وصارت تخترق الأبواب والدهاليز إلى أن جاوزت به سبعة أبواب، ولما وصلت إلى الباب السابع، قالت لتاج الملوك: قو قلبك، وإذا زعقت عليك وقلت لك: يا جارية اعبري، فلا تتوان في مشيك وهرول، فإذا دخلت الدهليز، فانظر إلى شمالك ترى إيوانا فيه أبواب، فعد خمسة أبواب وادخل الباب السادس، فإن مرادك فيه. فقال تاج الملوك: وأين تروحين أنت؟ فقالت له: ما أروح موضعا، غير أني ربما أتأخر عنك وأتحدث مع الخادم الكبير. ثم مشت وهو خلفها حتى وصلت إلى الباب الذي فيه الخادم الكبير، فرأى معها تاج الملوك في صورة جارية، فقال لها: ما شأن هذه الجارية التي معك؟ فقالت له: هذه جارية قد سمعت السيدة دنيا بأنها تعرف الأشغال وتريد أن تشتريها، فقال لها الخادم: أنا لا أعرف جارية ولا غيرها، ولا يدخل أحد حتى أفتشه كما أمرني الملك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 135 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنا الحاجب قال للعجوز: أنا لا أعرف جارية ولا غيرها، ولا يدخل أحد حتى أفتشه كما أمرني الملك. فقالت له العجوز وقد أظهرت الغضب: أنا أعرف أنك عاقل ومؤدب، فإن كان حالك قد تغير فإني أعلمها بذلك وأخبرها أنك تعرضت لجاريتها. ثم زعقت على تاج الملوك وقالت له: اعبري يا جارية. فعند ذلك عبر إلى داخل الدهليز كما أمرته، وسكت الخادم ولم يتكلم، ثم إن تاج الملوك عد خمسة أبواب ودخل الباب السادس، فوجد السيدة دنيا واقفة في انتظاره، فلما رأته عرفته، فضمته إلى صدرها وضمها إلى صدره، ثم دخلت العجوز عليهما وتحيلت على صرف الجواري، ثم قالت السيدة دنيا للعجوز: كوني أنت بوابة. ثم اختلت هي وتاج الملوك، ولم يزالا في ضم وعناق والتفاف ساق على ساق إلى وقت السحر. ولما أصبح الصباح، أغلقت عليهما الباب ودخلت مقصورة أخرى ms0469 وجلست على جري عادتها وأتت إليها الجواري، فقضت حوائجهن وصارت تحدثهن، ثم قالت للجواري: اخرجن الآن من عندي، فإني أريد أن أنشرح وحدي. فخرج الجواري من عندها، ثم إنها أتت إليهما ومعها شيء من الأكل، فأكلا وأخذا في الهراش إلى وقت السحر، فأغلقت عليهما الباب مثل اليوم الأول، ولم يزالا على ذلك مدة شهر كامل. # هذا ما كان من أمر تاج الملوك والسيدة دنيا، وأما ما كان من أمر الوزير وعزيز، فإنهما لما توجه تاج الملوك إلى قصر بنت الملك ومكث تلك المدة، علما أنه لا يخرج منه أبدا وأنه هالك لا محالة. فقال عزيز للوزير: يا والدي ماذا تصنع؟ فقال الوزير: يا ولدي، إن هذا الأمر مشكل، وإن لم نرجع إلى أبيه ونعلمه، فإنه يلومنا على ذلك. ثم تجهزا في الوقت والساعة وتوجها إلى الأرض الخضراء والعمودين وتخت الملك سليمان شاه، وسارا يقطعان الأودية في الليل والنهار إلى أن دخلا على الملك سليمان شاه وأخبراه بما جرى لولده، وأنه من حين دخل قصر بنت الملك لم يعلما له خبرا؛ فعند ذلك قامت عليه القيامة، واشتدت به الندامة، وأمر أن ينادي في مملكته بالجهاد، ثم برز العساكر إلى خارج مدينته ونصب لهم الخيام، وجلس في سرادقه حتى اجتمعت الجيوش من سائر الأقطار، وكانت رعيته تحبه لكثرة عدله وإحسانه، ثم سار في عسكر سد الأفق، متوجها في طلب ولده تاج الملوك. # هذا ما كان من أمر هؤلاء، وأما ما كان من أمر تاج الملوك والسيدة دنيا، فإنهما أقاما على حالهما نصف سنة وهما كل يوم يزدادان محبة في بعضهما، وزاد على تاج الملوك العشق والهيام، والوجد والغرام، حتى أفصح لها عن الضمير وقال لها: اعلمي يا حبيبة القلب والفؤاد، أني كلما أقمت عندك ازددت هياما ووجدا وغراما؛ لأني ما بلغت المرام بالكلية. فقالت له: وما تريد يا نور عيني وثمرة فؤادي؟ إن شئت غير الضم والعناق والتفاف الساق على الساق، فافعل الذي يرضيك وليس لله فينا شريك. فقال: ليس مرادي هكذا، ms0470 وإنما مرادي أن أخبرك بحقيقتي، فاعلمي أني لست بتاجر، بل أنا ملك ابن ملك، واسم أبي الملك الأعظم سليمان شاه الذي أنفذ الوزير رسولا إلى أبيك ليخطبك لي؛ فلما بلغك الخبر، ما رضيت - ثم إنه قص عليها قصته من الأول إلى الآخر، وليس في الإعادة إفادة - وأريد الآن أن أتوجه إلى أبي ليرسل رسولا إلى أبيك ويخطبك منه ونستريح. # فلما سمعت ذلك الكلام فرحت فرحا شديدا؛ لأنه وافق غرضها، ثم باتا على هذا الاتفاق، واتفق بالأمر المقدور أن النوم غلب عليهما في تلك الليلة من دون الليالي، واستمرا إلى أن طلعت الشمس، وفي ذلك الوقت كان الملك شهرمان جالسا في دست مملكته وبين يديه أمراء دولته، إذ دخل عليه عريف الصياغ وبيده حق كبير، فتقدم وفتحه بين يدي الملك وأخرج منه علبة لطيفة تساوي مائة ألف دينار، لما فيه من الجواهر واليواقيت والزمرد، مما لا يقدر عليه أحد من ملوك الأقطار؛ فلما رآها الملك تعجب من حسنها، والتفت إلى الخادم الكبير الذي جرى له مع العجوز ما جرى، وقال له: يا كافور، خذ هذه العلبة وامض بها إلى السيدة دنيا. فأخذها الخادم ومضى حتى وصل إلى مقصورة بنت الملك، فوجد بابها مغلقا والعجوز نائمة على عتبته، فقال الخادم: إلى هذه الساعة وأنتم نائمون؟ فلما سمعت العجوز كلام الخادم، انتبهت من منامها وخافت منه وقالت: اصبر حتى آتيك بالمفتاح. ثم خرجت على وجهها هاربة. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر الخادم، فإنه عرف أنها مرتابة، فخلع الباب ودخل المقصورة، فوجد السيدة دنيا معانقة لتاج الملوك وهما نائمان، فلما رأى ذلك تحير في أمره وهم أن يعود إلى الملك، فانتبهت السيدة دنيا فوجدته، فتغيرت واصفر لونها وقالت له: يا كافور، استر ما ستر الله. فقال: أنا لا أقدر أن أخفي شيئا عن الملك. ثم قفل الباب ورجع إلى الملك، فقال له الملك: هل أعطيت العلبة لسيدتك؟ فقال له الخادم: خذ العلبة ها هي، وأنا لا أقدر أن أخفي ms0471 عنك شيئا، اعلم أني رأيت عند السيدة دنيا شابا جميلا نائما معها في فراش واحد وهما متعانقان. فأمر الملك بإحضارهما، فلما حضرا بين يديه قال لهما: ما هذه الفعال؟ واشتد به الغيظ، فأخذ نمشة وهم أن يضرب تاج الملوك، فرمت السيدة دنيا وجهها عليه وقالت لأبيها: اقتلني قبله. فنهرها الملك، وأمرهم أن يمضوا بها إلى حجرتها، ثم التفت إلى تاج الملوك وقال له: ويلك، من أين أنت؟ ومن أبوك؟ وما جسرك على ابنتي؟ فقال تاج الملوك: اعلم أيها الملك أنك إن قتلتني هلكت وندمت أنت ومن في مملكتك. فقال له الملك: ولم ذلك؟ فقال: اعلم أني ابن الملك سليمان شاه، وما تدري إلا وقد أقبل عليك بخيله ورجله. فلما سمع الملك شهرمان ذلك الكلام، أراد أن يؤخر قتله ويضعه في السجن حتى ينظر صحة قوله، فقال له وزيره: يا ملك الزمان، الرأي عندي أن تعجل قتل هذا العلق، فإنه تجاسر على بنات الملوك. فقال للسياف: اضرب عنقه فإنه خائن. فأخذه السياف وشد وثاقه ورفع يده، وشاور الأمراء أولا وثانيا، وقصد بذلك أن يكون في الأمر توان، فزعق عليه الملك وقال له: إلى متى تشاور؟ إن شاورت مرة أخرى ضربت عنقك. فرفع السياف يده حتى بان شعر إبطه، وأراد أن يضرب عنقه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فقال كانت الليلة 136 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السياف رفع يده حتى بان شعر إبطه، وأراد أن يضرب عنقه، وإذا بزعقات عالية والناس أغلقوا الدكاكين، فقال الملك للسياف: لا تعجل. ثم أرسل من يكشف له الخبر، فمضى الرسول ثم عاد إليه وقال له: رأيت عسكرا كالبحر العجاج المتلاطم بالأمواج، وخيلهم في ركض وقد ارتجت لهم الأرض، وما أدري خبرهم. فاندهش الملك وخاف على ملكه أن ينزع منه، ثم التفت إلى وزيره وقال له: أما خرج أحد من عسكرنا إلى هذا العسكر؟ فما تم كلامه إلا وحجابه قد دخلوا عليه ومعهم رسل الملك القادم ومن جملتهم الوزير، فابتدأه بالسلام، فنهض لهم ms0472 قائما وقربهم وسألهم عن شأن قدومهم، فنهض الوزير من بينهم وتقدم إليه وقال له: اعلم أن الذي نزل بأرضك ملك ليس كالملوك المتقدمين، ولا مثل السلاطين السالفين. فقال له الملك: ومن هو؟ قال الوزير: هو صاحب العدل والأمان، الذي شاعت بعلو همته الركبان، السلطان سليمان شاه وصاحب الأرض الخضراء والعمودين وجبان أصفهان، وهو يحب العدل والإنصاف، ويكره الجور والاعتساف، ويقول لك إن ابنه عندك وفي مدينتك، وهو حشاشة قلبه وثمرة فؤاده، فإن وجده سالما فهو المقصود وأنت المشكور المحمود، وإن كان فقد من بلادك وأصابه شيء، فأبشر بالدمار وخراب الديار؛ لأنه يصير بلدك قفراء ينعق فيها الغراب، وها أنا قد بلغتك الرسالة والسلام. # فلما سمع الملك شهرمان ذلك الكلام من الرسول، انزعج فؤاده وخاف على مملكته، وزعق على أرباب دولته ووزرائه وحجابه ونوابه، فلما حضروا قال لهم: ويلكم، انزلوا وفتشوا على ذلك الغلام. وكان تحت يد السياف وقد تغير من كثرة ما حصل له من الفزع، ثم إن الرسول لاحت منه التفاتة، فوجد ابن ملكه على نطع الدم، فعرفه وقام ورمى روحه عليه، وكذلك بقية الرسل، ثم تقدموا وحلوا وثاقه، وقبلوا يديه ورجليه؛ ففتح تاج الملوك عينه، فعرف وزير والده وعرف صاحبه عزيزا، فوقع مغشيا عليه من شدة فرحته بهما. ثم إن الملك شهرمان صار متحيرا في أمره، وخاف خوفا شديدا لما تحقق أن مجيء هذا العسكر بسبب هذا الغلام، فقام وتمشى إلى تاج الملوك وقبل رأسه ودمعت عيناه، وقال له: يا ولدي، لا تؤاخذني ولا تؤاخذ المسيء بفعله، فارحم شيبتي ولا تخرب مملكتي. فدنا منه تاج الملوك وقبل يده وقال: لا بأس عليك وأنت عندي بمنزلة والدي، ولكن الحذر أن يصيب محبوبتي السيدة دنيا شيء. فقال: يا سيدي، لا تخف عليها، فما يحصل لها إلا السرور. وصار الملك يعتذر إليه ويطيب خاطر وزير الملك سليمان شاه، ووعده بالمال الجزيل على أن يخفي من الملك ما رآه. بعد ذلك أمر كبراء دولته أن يأخذوا تاج الملوك ويذهبوا به إلى الحمام، ms0473 ويلبسوه بدلة من خيار ملابس الملوك ويأتوا به بسرعة، ففعلوا ذلك، وأدخلوه الحمام وألبسوه البدلة التي أفردها له الملك شهرمان، ثم أتوا به إلى المجلس، فلما دخل على الملك شهرمان، وقف له هو وجميع أرباب دولته، وقام الجميع في خدمته، ثم إن تاج الملوك جلس يحدث وزير والده وعزيزا بما وقع له، فقال له الوزير وعزيز: ونحن في تلك المدة مضينا إلى والدك فأخبرناه بأنك دخلت سراية بنت الملك ولم تخرج، والتبس علينا أمرك، فحين سمع بذلك، جهز العساكر ثم قدمنا هذه الديار، وكان في قدومنا الفرج والسرور. فقال لهما: ما زال الخير يجري على أيديكما أولا وآخرا. # وكان الملك في ذلك الوقت قد دخل على ابنته السيدة دنيا، فوجدها تبكي على تاج الملوك، وأخذت سيفا وركزت قبضته إلى الأرض، وجعلت ذبابته على رأس قلبها بين نهديها، وانحنت على السيف وصارت تقول: لا بد أن أقتل نفسي ولا أعيش بعد حبيبي. فلما دخل عليها أبوها ورآها في هذه الحالة، صاح عليها وقال لها: يا سيدة بنات الملوك، لا تفعلي وراحمي أباك وأهل بلدك. ثم تقدم إليها وقال لها: أحاشيك أن يصيب والدك بسببك سوء. ثم أعلمها بالقصة، وأن محبوبها ابن الملك سليمان شاه يريد الزواج بها، وقال لها: إن أمر الخطبة والزواج مفوض إلى رأيك. فتبسمت وقالت له: أما قلت لك إنه ابن سلطان؟ فأنا أخليه يصلبك على خشبة تساوي درهمين. فقال لها: بالله عليك أن ترحمي أباك. فقالت له: رح إليه وائتني به. فقال لها: على الرأس والعين. ثم رجع من عندها سريعا ودخل على تاج الملوك وسارره بهذا الكلام، ثم قام معه وتوجه إليها، فلما رأت تاج الملوك، عانقته قدام أبيها وتعلقت به وقالت له: أوحشتني. ثم التفتت إلى أبيها وقالت: هل أحد يفرط في هذا الشاب المليح وهو ملك ابن ملك؟ فعند ذلك خرج الملك شهرمان ورد الباب عليهما، ومضى إلى وزير أبي تاج الملوك ورسله، وأمرهم أن يعلموا السلطان سليمان شاه بأن ولده بخير وعافية، وهو ms0474 في ألذ عيش. # ثم إن السلطان شهرمان أمر بإخراج الضيافات والعلوفات إلى عساكر السلطان سليمان شاه والد تاج الملوك، فلما أخرجوا جميع ما أمر به، أخرج مائة جواد من الخيل ومائة هجين ومائة مملوك ومائة سرية ومائة عبد ومائة جارية، وأرسل الجميع إليه هدية، ثم بعد ذلك توجه إليه هو وأرباب دولته وخواصه حتى صاروا في ظاهر المدينة، فلما علم بذلك السلطان سليمان شاه تمشى خطوات إلى لقائه، وكان الوزير وعزيز أعلماه بالخبر، ففرح وقال: الحمد لله الذي بلغ ولدي مناه. ثم إن الملك سليمان شاه أخذ الملك شهرمان بالحضن وأجلسه بجانبه على السرير، وصار يتحدث هو وإياه، ثم قدموا لهم الطعام، فأكلوا حتى اكتفوا، ثم قدموا لهم الحلويات، ولم يمض إلا قليل حتى جاء تاج الملوك وقدم عليه بلباسه وزينته، فلما رآه والده قام له وقبله، وقام له جميع من حضر وجلس بينهم يتحدثون، فقال الملك سليمان شاه: إني أريد أن أكتب كتاب ولدي على ابنتك على رءوس الأشهاد. فقال له: سمعا وطاعة. ثم أرسل الملك شهرمان إلى القاضي والشهود، فحضروا وكتبوا الكتاب وفرح العساكر بذلك، وشرع الملك شهرمان في تجهيز ابنته، ثم قال تاج الملوك لوالده: إن عزيزا رجل من الكرام، وقد خدمني خدمة عظيمة، وتعب وسافر معي وأوصلني إلى بغيتي، ولم يزل يصبرني حتى قضيت حاجتي؛ مضى له معنا سنتان وهو مشتت من بلاده، فالمقصود أننا نهيئ له تجارة؛ لأن بلاده قريبة. فقال له والده: نعم ما رأيت. ثم هيئوا له مائة حمل من أغلى القماش، وأقبل عليه تاج الملوك وودعه وقال له: يا أخي، اقبل هذه على سبيل الهدية. فقبلها منه وقبل الأرض قدامه وقدام والده الملك سليمان شاه، ثم ركب تاج الملوك وسار مع عزيز قدر ثلاثة أميال، وبعدها أقسم له عزيز أن يرجع، وقال: لولا والدتي ما صبرت على فراقك، فبالله عليك لا تقطع أخبارك عني. ثم ودعه ومضى إلى مدينته، فوجد والدته بنت له قبرا وسط الدار وصارت تزوره، ولما دخل الدار وجدها ms0475 قد حلت شعرها ونشرته على القبر وهي تفيض دمع العين، وتنشد هذين البيتين: # بالله يا قبر هل زالت محاسنه %~% أم قد تغير ذاك المنظر النضر؟ ~~يا قبر ما أنت بستان ولا فلك %~% فكيف يجمع فيك البدر والزهر؟ # ثم صعدت الزفرات، وأنشدت هذه الأبيات: # ما لي مررت على القبور مسلما %~% قبر الحبيب فلم يرد جوابي ~~قال الحبيب وكيف رد جوابكم %~% وأنا رهين جنادل وتراب ~~أكل التراب محاسني فنسيتكم %~% وحجبت عن أهلي وعن أحبابي # فما تمت شعرها إلا وعزيز داخل عليها، فلما رأته قامت إليه واحتضنته وسألته عن سبب غيابه، فحدثها بما وقع له من أوله إلى آخره، وأن تاج الملوك أعطاه من المال والأقمشة مائة حمل، ففرحت بذلك، وأقام عزيز عند والدته متحيرا فيما وقع له من الدليلة المحتالة التي خصته. # هذا ما كان من أمر عزيز، وأما ما كان من أمر تاج الملوك، فإنه دخل بمحبوبته السيدة دنيا وأزال بكارتها، ثم إن الملك شهرمان شرع في تجهيز ابنته للسفر مع زوجها وأبيه، فأحضر لهم الزاد والهدايا والتحف، ثم حملوا وساروا، وسار معهم الملك شهرمان ثلاثة أيام لأجل الوداع، فأقسم عليه الملك سليمان شاه بالرجوع فرجع، وما زال تاج الملوك ووالده وزوجته سائرون في الليل والنهار حتى أشرفوا على بلادهم، وزينت لهم المدينة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 137 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك سليمان شاه سار هو وولده وزوجة ولده حتى أشرفوا على بلادهم، وزينت لهم المدينة، ثم دخلوا المدينة وجلس الملك سليمان شاه على سرير مملكته وولده تاج الملوك إلى جانبه، ثم أعطى ووهب وأطلق من كان في الحبوس، ثم عمل لولده عرسا ثانيا، واستمرت به المغاني والملاهي شهرا كاملا، وازدحمت المواشط على السيدة دنيا، وهي لا تمل من الجلاء ولا يمللن من النظر إليها. ثم دخل تاج الملوك على زوجته بعد أن اجتمع مع أبيه وأمه، وما زالوا في ألذ عيش وأهناه. # فعند ذلك قال ضوء المكان للوزير دندان: مثلك من ms0476 ينادم الملوك، ويسلك في تدبيرهم أحسن السلوك. هذا كله وهم محاصرون للقسطنطينية، حتى مضى عليهم أربع سنين، ثم اشتاقوا إلى أوطانهم وضجرت العساكر من الحصار وإدامة الحرب في الليل والنهار؛ فأمر الملك ضوء المكان بإحضار بهرام ورستم وتركاش، فلما حضروا قال لهم: اعلموا أننا أقمنا هذه السنين، وما بلغنا مراما فازددنا غما وهما، وقد أتينا لنخلص ثأر الملك عمر النعمان، فقتل أخي شركان، فصارت الحسرة حسرتين والمصيبة مصيبتين، وسبب هذا كله العجوز ذات الدواهي، فإنها قتلت السلطان في مملكته، وأخذت زوجته الملكة صفية، وما كفاها ذلك حتى عملت الحيلة علينا وذبحت أخي، وقد حلفت الإيمان العظيمة إنه لا بد من أخذ الثأر؛ فما تقولون أنتم؟ فافهموا هذا الخطاب وردوا علي الجواب. فأطرقوا رءوسهم وأحالوا الأمر على الوزير دندان، فعند ذلك تقدم الوزير دندان إلى الملك ضوء المكان وقال له: اعلم يا ملك الزمان، أنه ما بقي في إقامتنا فائدة، والرأي إننا نرحل إلى الأوطان ونقيم هناك برهة من الزمان، ثم نعود ونغزو عبدة الأصنام. فقال الملك: نعم هذا الرأي؛ لأن الناس اشتاقوا إلى رؤية عيالهم، وأنا أيضا أقلقني الشوق إلى ولدي «كان ما كان»، وإلى ابنة أخي «قضى فكان»؛ لأنها في دمشق ولا أعلم ما كان من أمرها. فلما سمعت العساكر ذلك، فرحوا ودعوا للوزير دندان. # ثم إن الملك ضوء المكان أمر المنادي أن ينادي بالرحيل بعد ثلاثة أيام، فابتدءوا في تجهيز أحوالهم، وفي اليوم الرابع دقت الكاسات ونشرت الرايات، وتقدم الوزير دندان في مقدم العسكر، وسار الملك في وسط العساكر وبجانبه الحاجب الكبير، وسارت الجيوش، وما زالوا مجدين السير بالليل والنهار حتى وصلوا إلى مدينة بغداد، ففرحت بقدومهم الناس وزال عنهم الهم والبأس. ثم ذهب كل أمير إلى داره، وطلع الملك إلى قصره ودخل على ولده «كان ما كان»، وقد بلغ من العمر سبع سنين، وصار ينزل ويركب. ولما استراح الملك من السفر، دخل الحمام هو وولده «كان ما كان»، ثم رجع وجلس على كرسي مملكته، ووقف الوزير دندان ms0477 بين يديه، وطلعت الأمراء وخواص الدولة ووقفوا في خدمته؛ فعند ذلك أمر الملك ضوء المكان بإحضار صاحبه الوقاد الذي أحسن إليه في غربته، فحضر بين يديه، فلما رآه الملك ضوء المكان قادما عليه، نهض له قائما وأجلسه إلى جانبه، وكان الملك ضوء المكان قد أخبر الوزير بما فعل معه صاحبه الوقاد من المعروف، فعظم في عينه وفي أعين الأمراء. وكان الوقاد قد غلظ وسمن من الأكل والراحة، وصار عنقه كعنق الفيل، ووجهه كبطن الدرفيل، وصار طائش العقل؛ لأنه كان لا يخرج من المكان الذي هو فيه، فلم يعرف الملك بسيماه، فأقبل عليه الملك وبش في وجهه وحياه أعظم التحيات وقال له: ما أسرع ما نسيتني. فأمعن فيه النظر، فلما تحقق منه وعرفه، قام له على الأقدام وقاله له: يا حبيبي، من عملك سلطانا؟ فضحك عليه، فأقبل عليه الوزير بالكلام وشرح له القصة وقال له: إنه كان أخاك وصاحبك والآن صار ملك الأرض، ولا بد أن يصل إليك منه خير كثير، وها أنا أوصيك، إذا قال لك: تمن علي، فلا تتمن إلا شيئا عظيما؛ لأنك عنده عزيز. فقال الوقاد: أخاف أن أتمنى عليه شيئا، فلا يسمح لي به أو لا يقدر عليه. فقال له الوزير: كل ما تمنيته يعطيك إياه. فقال له: والله لا بد أن أتمنى عليه الشيء الذي في خاطري، وكل يوم أرجو منه أن يسمح لي به. فقال له الوزير: طيب قلبك، والله لو طلبت ولاية دمشق موضع أخيه لولاك عليها. # فعند ذلك قام الوقاد على قدميه، فأشار له ضوء المكان أن اجلس، فأبى وقال: معاذ الله، قد انقضت أيام قعودي في حضرتك. فقال له السلطان: لا بل هي باقية إلى الآن، فإنك كنت سببا لحياتي، والله لو طلبت مني مهما أردت لأعطيتك إياه، فتمن على الله. فقال له: يا سيدي، إني أخاف أن أتمنى شيئا، فلا تسمح لي به أو لا تقدر عليه. فضحك السلطان وقال له: لو تمنيت نصف مملكتي لشاركتك فيها، فتمن ما تريد. قال ms0478 الوقاد: أخاف أن أتمنى شيئا لا تقدر عليه. فغضب السلطان وقال له: تمن ما أردت. فقال له: تمنيت أن تكتب لي مرسوما بعرافة جميع الوقادين الذين في مدينة القدس. فضحك السلطان وجميع من حضر وقال له: تمن غير هذا. فقال الوقاد: أنا ما قلت لك إني أخاف أن أتمنى شيئا لا تسمح لي به وما تقدر عليه؟ فغمزه الوزير ثانيا وثالثا وفي كل مرة يقول: أتمنى عليك أن تجعلني رئيس الزبالين في مدينة القدس أو في مدينة دمشق. فانقلب الحاضرون على ظهورهم من الضحك عليه، وضربه الوزير، فالتفت الوقاد إلى الوزير وقال له: ما تكون حتى تضربني وما لي ذنب؟ فإنك أنت الذي قلت لي تمن شيئا عظيما. ثم قال: دعوني أسير إلى بلادي. فعرف السلطان أنه يلعب، فصبر قليلا ثم أقبل عليه وقال له: يا أخي، تمن علي أمرا عظيما لائقا بمقامي. فقال له: أتمنى سلطنة دمشق موضع أخيك. فكتب له التواقيع بذلك، وقال للوزير دندان: ما يروح معه غيرك، وإذا أردت العود فأحضر معك بنت أخي «قضى فكان». فقال الوزير: سمعا وطاعة. ثم أخذ الوقاد ونزل به وتجهز للسفر، وأمر السلطان ضوء المكان أن يخرجوا للوقاد تختا جديدا وطقم سلطنة، وقال للأمراء: من كان يحبني، فليقدم إليه هدية عظيمة. ثم سماه السلطان الزبلكان ولقبه بالمجاهد، وبعد شهر كملت حوائجه وطلع الزبلكان وفي خدمته الوزير دندان، ثم دخل ضوء المكان ليودعه، فقام له وعانقه وأوصاه بالعدل بين الرعية، وأمره أن يأخذ الأهبة للجهاد بعد سنتين، ثم ودعه وانصرف. # وسار الملك المجاهد المسمى بالزبلكان بعد أن أوصاه الملك ضوء المكان بالرعية خيرا، وقدمت له الأمراء المماليك، فبلغوا خمسة آلاف مملوك وركبوا خلفه، وركب الحاجب الكبير، وأمير الديلم بهرام، وأمير الترك رستم، وأمير العرب تركاش، وساروا في توديعه وما زالوا سائرين معه ثلاثة أيام، ثم عادوا إلى بغداد، وسار السلطان الزبلكان هو والوزير دندان، وما زالوا سائرين حتى وصلوا إلى دمشق، وكانت الأخبار قد وصلت إليهم على أجنحة الطيور، بأن الملك ms0479 ضوء المكان سلطن على دمشق ملكا يقال له الزبلكان ولقبه بالمجاهد، فلما وصل إليهم الخبر، زينوا له المدينة وخرج إلى ملاقاته كل من في دمشق، ثم دخل دمشق وطلع القلعة وجلس على سرير المملكة، ووقف الوزير دندان في خدمته يعرفه منازل الأمراء ومراتبهم، وهم يدخلون عليه ويقبلون يديه ويدعون له، فأقبل عليهم الملك الزبلكان وخلع وأعطى ووهب، ثم فتح خزائن الأموال وأنفقها على جميع العساكر كبيرا وصغيرا، وحكم وعدل. وشرع الزبلكان في تجهيز بنت السلطان شركان السيدة «قضى فكان»، وجعل لها محفة من الإبريسم، وجهز الوزير وقدم له شيئا من المال، فأبى الوزير دندان وقال له: أنت قريب عهد بالملك وربما تحتاج إلى الأموال، أو نرسل إليك نطلب منك مالا للجهاد أو غير ذلك. ولما تهيأ الوزير دندان للسفر، ركب السلطان المجاهد لوداعه، وأحضر «قضى فكان»، وأركبها في المحفة وأرسل معها عشر جوار برسم الخدمة، وبعد أن سافر الوزير دندان، رجع الملك المجاهد إلى مملكته ليدبرها، واهتم بآلة السلاح وصار ينتظر الوقت الذي يرسل إليه فيه الملك ضوء المكان. # هذا ما كان من أمر السلطان الزبلكان، وأما ما كان من أمر الوزير دندان، فإنه لم يزل يقطع المراحل ب «قضى فكان»، حتى وصل إلى الرحبة بعد شهر، ثم سار حتى أشرف على بغداد وأرسل أعلم ضوء المكان بقدومه، فركب وخرج إلى لقائه، فأراد الوزير دندان أن يترجل، فأقسم عليه الملك ضوء المكان ألا يفعل، فسار راكبا حتى جاء إلى جانبه وسأله عن المجاهد، فأعلمه أنه بخير وأعلمه بقدوم «قضى فكان» بنت أخيه شركان، ففرح وقال له: دونك والراحة من تعب السفر ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك تعال عندي. فقال: حبا وكرامة. ثم دخل بيته وطلع الملك إلى قصره ودخل على ابنة أخيه «قضى فكان»، وهي ابنة ثمان سنين؛ فلما رآها فرح بها وحزن على أبيها، وأعطاها حليا ومصاغا عظيما، وأمر أن يجعلوها مع ابن عمها «كان ما كان» في مكان واحد، وكانت أحسن أهل زمانها وأشجعهم؛ لأنها كانت صاحبة تدبير ms0480 وعقل ومعرفة بعواقب الأمور. # وأما «كان ما كان»، فإنه مولع بمكارم الأخلاق، ولكنه لا يفكر في عاقبة شيء، ثم بلغ عمر كل واحد من الاثنين عشر سنين، وصارت «قضى فكان» تركب الخيل وتطلع مع ابن عمها في البر، ويتعلمان الضرب بالسيف والطعن بالرمح، حتى بلغ عمر كل منهما اثنتي عشرة سنة. ثم إن الملك انتهت أشغاله للجهاد وأكمل الأهبة والاستعداد، فأحضر الوزير دندان وقال له: اعلم أني عزمت على شيء وأريد إطلاعك عليه، فأسرع في رد الجواب. فقال الوزير دندان: ما هو يا ملك الزمان؟ قال: عزمت على أن أسلطن ولدي «كان ما كان» وأفرح به في حياتي، وأقاتل قدامه إلى أن يدركني الممات. فما عندك من الرأي؟ فقبل الوزير دندان الأرض بين يدي الملك ضوء المكان وقال له: اعلم أيها الملك السعيد صاحب الرأي السديد، أن ما خطر ببالك مليح، غير أنه لا يناسب في هذا الوقت لخصلتين؛ الأولى: أن ولدك «كان ما كان» صغير السن، والثانية: ما جرت به العادة، من أن من سلطن ولده في حياته لا يعيش إلا قليلا، وهذا ما عندي من الجواب. فقال: اعلم أيها الوزير، إننا نوصي عليه الحاجب الكبير، فإنه صار منا وإلينا، وقد تزوج أختي فهو في منزلة أخي. فقال له الوزير: افعل ما بدا لك، فنحن ممتثلون أمرك. فأرسل الملك إلى الحاجب الكبير فأحضره، وكذلك أكابر مملكته وقال لهم: إن هذا ولدي «كان ما كان»، قد علمتم أنه فارس الزمان، وليس له نظير في الحرب والطعان، وقد جعلته سلطانا عليكم، والحاجب الكبير وصي عليه. فقال الحاجب: يا ملك الزمان، إنما أنا غريس نعمتك. فقال ضوء المكان: أيها الحاجب، إن ولدي «كان ما كان» وابنة أخي «قضى فكان» أولاد عم، وقد زوجتها به وأشهد الحاضرين على ذلك. # ثم نقل لولده من المال ما يعجز عنه اللسان، وبعد ذلك دخل على أخته نزهة الزمان وأعلمها بذلك، ففرحت وقالت: إن الاثنين ولداي، والله تعالى يبقيك لهما مدى الزمان. فقال: يا أختي، إني قضيت ms0481 من الدنيا غرضي وأمنت على ولدي، ولكن ينبغي أن تلاحظيه بعينك وتلاحظي أمه. ثم صار يوصي الحاجب ونزهة الزمان على ولده وعلى زوجته ليالي وأياما، وقد أيقن بكأس الحمام ولزم الوساد، وصار الحاجب يتعاطى أحكام العباد. وبعد سنة، أحضر ولده «كان ما كان» والوزير دندان وقال: يا ولدي، إن هذا الوزير والدك من بعدي، واعلم أني راحل عن الدار الفانية إلى الدار الباقية، وقد قضيت غرضي من الدنيا، ولكن بقي في قلبي حسرة يزيلها الله على يديك. فقال ولده: وما تلك الحسرة يا والدي؟ فقال: يا ولدي، أن أموت ولم نأخذ بثأر جدك الملك النعمان وعمك الملك شركان، من عجوز يقال لها: ذات الدواهي، فإن أعطاك الله النصر، لا تغفل عن أخذ الثأر وكشف العار من الكفار، وإياك من مكر العجوز، وأقبل ما يقوله لك الوزير دندان؛ لأنه عماد ملكنا من قديم الزمان. فقال له ولده: سمعا وطاعة. ثم هملت عيناه بالدموع، وبعد ذلك ازداد المرض بضوء المكان، وصار أمر المملكة للحاجب، فصار يحكم ويأمر وينهي، واستمر على ذلك سنة كاملة وضوء المكان مشغول بمرضه، وما زالت به الأمراض مدة أربع سنين والحاجب الكبير قائم بأمر الملك، وارتضى به أهل المملكة ودعت له جميع البلاد. # هذا ما كان من أمر ضوء المكان والحاجب، وأما ما كان من أمر «كان ما كان»، فإنه لم يكن له شغل إلا ركوب الخيل واللعب بالرمح والضرب بالنشاب، وكذلك ابنة عمه «قضى فكان»، وكانت تخرج هي وإياه من أول النهار إلى الليل، فتدخل إلى أمها ويدخل هو إلى أمه فيجدها جالسة عند رأس أبيه تبكي، فيخدمه بالليل، وإذا أصبح الصباح، يخرج هو وبنت عمه على عادتهما. وطالت بضوء المكان التوجعات، فبكى وأنشد هذه الأبيات: # تفانت قوتي ومضى زماني %~% وها أنا قد بقيت كما تراني ~~فيوم العز كنت أعز قومي %~% وأسبقهم إلى نيل الأماني ~~وقد فارقت ملكي بعد عزي %~% إلى ذل تخلل بالهوان ~~ترى قبل الممات أرى غلامي %~% يكون على الورى ملكا مكاني ~~ويفتك بالعداة لأخذ ms0482 ثأر %~% بضرب السيف أو طعن السنان ~~أنا المغبون في هزل وجد %~% إذا مولاي لا يشفي جناني # فلما فرغ من شعره، وضع رأسه على الوسادة ونام، فرأى في منامه قائلا يقول له: أبشر فإن ولدك يملك البلاد وتطيعه العباد. فانتبه من منامه مسرورا، ثم بعد أيام قلائل طرقه الممات، فأصاب أهل بغداد لذلك مصاب عظيم وبكى عليه الرضيع والعظيم، ومضى عليه الزمان كأنه ما كان، وتغير حال «كان ما كان»، وعزله أهل بغداد وجعلوه هو وعياله في بيت على حدة؛ فلما رأت أم «كان ما كان» ذلك، صارت في أذل الأحوال، ثم قالت: لا بد لي من قصد الحاجب الكبير، وأرجو الرأفة من اللطيف الخبير. فقامت من منزلها إلى أن أتت إلى بيت الحاجب الذي صار سلطانا، فوجدته جالسا على فراشه، فدخلت على زوجته نزهة الزمان وقالت: إن الميت ما له صاحب، فلا أحوجكم الله مدى الدهور والأعوام، ولا زلتم تحكمون بالعدل بين الخاص والعام، قد سمعت أذناك ورأت عيناك ما كنا فيه من الملك والعز والجاه والمال وحسن المعيشة والحال، والآن انقلب علينا الزمان، وقصدنا الدهر بالعدوان، وأتيت إليك قاصدة إحسانك بعد إسدائي للإحسان؛ لأن الرجل إذا مات ذلت بعده النساء البنات. ثم أنشدت هذه الأبيات: # كفاك بأن الموت بادي العجائب %~% وما غائب الأعمار عنا بغائب ~~وما هذه الأيام إلا مراحل %~% مواردها ممزوجة بالمصائب ~~وما ضر قلبي مثل فقد أكارم %~% أحاطت بهم مستعظمات النوائب # فلما سمعت نزهة الزمان هذا الكلام، تذكرت أخاها ضوء المكان وابنه «كان ما كان»، فقربتها وأقبلت عليها وقالت: أنا الآن غنية وأنت فقيرة، فوالله ما تركنا افتقارك إلا خوفا من انكسار قلبك، لئلا يخطر ببالك أن ما نهديه إليك صدقة، مع أن جميع ما نحن فيه من الخير منك ومن زوجك؛ فبيتنا بيتك ولك ما لنا وعليك ما علينا. ثم خلعت عليها ثيابا فاخرة، وأفردت لها مكانا في القصر ملاصقا لمقصورتها، وأقامت عندهم في عيشة طيبة هي وولدها «كان ما كان»، وخلعت عليه ثياب الملوك، وأفردت ms0483 لهما جواري برسم خدمتهما. ثم إن نزهة الزمان بعد مدة قليلة، ذكرت لزوجها حديث زوجة أخيها ضوء المكان، فدمعت عيناه وقال: إن شئت أن تنظري الدنيا بعدك، فانظريها بعد غيرك، فأكرمي مثواها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 138 ### || مغامرة كان ما كان ابن ضوء المكان # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زوج نزهة الزمان قال لها: إن شئت أن تنظري الدنيا بعدك، فانظريها بعد غيرك، فأكرمي مثواها، وأغني فقرها. # هذا ما كان من أمر نزهة الزمان وزوجها وأم ضوء المكان، وأما ما كان من أمر «كان ما كان» وابنة عمه «قضى فكان»، فإنهما كبرا وترعرعا حتى صارا كأنهما غصنان مثمران، أو قمران أزهران، وبلغا من العمر خمسة عشر عاما. وكانت «قضى فكان» من أحسن البنات المخدرات: بوجه جميل، وخصر نحيل، وردف ثقيل، وريق كالسلسبيل، وقد رشيق، وثغر ألذ من الرحيق، كما قال فيها بعض واصفيها هذين البيتين: # كأن سلاف الخمر من ريقها بدت %~% وعنقودها من ثغرها الدر يقطف ~~وأعنابها مالت إذا ما ثنيتها %~% فسبحان خلاق لها لا يكيف # وقد جمع الله كل المحاسن فيها؛ فقدها يخجل الأغصان، والورد يطلب من خدها الأمان، وأما الريق فإنه يهزأ بالرحيق، تسر القلب والناظر كما قال فيها الشاعر: # مليحة الوصف قد تمت محاسنها %~% أجفانها تفضح التكحيل بالكحل ~~كأن ألحاظها في قلب عاشقها %~% سيف بكف أمير المؤمنين علي # وأما «كان ما كان»، فإنه كان بديع الجمال، فائق الكمال، عز في الحسن عن مثال الشجاعة تلوح بين عينيه، والشجاعة تشهد له لا عليه، وتميل كل القلوب إليه، وحين اخضر منه العذار كثرت فيه الأشعار، كقول بعضهم: # ما بان عذري فيه حتى يعذرا %~% ومشى الدجى في خده فتحيرا ~~رشأ إذا رنت العيون لحسنه %~% سلت لواحظه عليها خنجرا ![figure](../Images/figure1.png) # كان بديع الجمال فائق الكمال، وتميل كل القلوب إليه. # وقول الآخر: # نسخت نفوس العاشقين بخده %~% نملا وتم بها النجيع الأحمر ~~فاعجب لهم شهدا ومسكنهم لظى %~% ولباسهم فيها الحرير الأخضر # واتفق في بعض الأعياد أن «قضى ms0484 فكان» خرجت تعيد على بعض أقاربها من الدولة، والجواري حواليها والحسن قد عمها، وورد الخد يحسد خالها، والأقحوان يتبسم عن بارق ثغرها؛ فجعل «كان ما كان» يدور حولها ويطلق النظر إليها، وهي كالقمر الزاهر، فقوى جنانه وأطلق بالشعر لسانه، وأنشد هذين البيتين: # متى يشتفي قلب الدنو من البعد %~% ويضحك ثغر الوصل من زائل الصد ~~فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة %~% بوصل حبيب عنده بعض ما عندي # فلما سمعت «قضى فكان» هذا الشعر، أظهرت له الملامة والعتاب، وتوعدته بأليم العقاب، فاغتاظ «كان ما كان» وعاد إلى بغداد غضبان، ثم طلعت «قضى فكان» إلى قصرها، وشكت ابن عمها إلى أمها، فقالت لها: يا بنتي، لعله ما أرادك بسوء، وهل هو إلا يتيم؟ ومع هذا لم يذكر شيئا يعيبك، فإياك أن تعلمي بذلك أحدا، فإنه ربما بلغ الخبر إلى السلطان، فيقصر عمره ويخمد ذكره، ويجعل أثره كأمس الدابر والميت القابر. وشاع في بغداد حب «كان ما كان» ل «قضى فكان» وتحدثت به النسوان، ثم إن «كان ما كان» ضاق صدره وقل صبره واشتغل باله، ولم يخف على الناس حاله، واشتهى أن يبوح بما في قلبه من لوعة البين، فخاف من غضبها وأنشد هذين البيتين: # إذا خفت يوما عتاب التي %~% تغير أخلاقها الصافية ~~صبرت عليها كصبر الفتى %~% على الكي في طلب العافية # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 139 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحاجب الكبير لما صار سلطانا، سموه الملك ساسان، ثم إنه بلغه حب «كان ما كان» ل «قضى فكان»، فندم على جعلهما معا في محل واحد، ثم دخل على زوجته نزهة الزمان وقال: إن الجمع بين الحلفة والنار لمن أعظم الأخطار، وليست الرجال على النساء بمؤتمنين، ما دامت العيون في دعج والمعاطف في لين، وإن ابن أخيك «كان ما كان» قد بلغ مبلغ الرجال، فيجب منعه عن الدخول على ربات الحجال، ومنع بنتك عن الرجال أوجب؛ لأن مثلها ينبغي أن يحجب. فقالت: صدقت أيها الملك العاقل، ms0485 والهمام الكامل. فلما أصبح الصباح، جاء «كان ما كان» ودخل على عمته نزهة الزمان على جري عادته، وسلم عليها فردت السلام وقالت له: عندي لك كلام ما كنت أحب أن أقوله، ولكن أخبرك به رغما عني. فقال لها: وما ذاك الكلام؟ قالت: إن الملك سمع بحبك ل «قضى فكان»، فأمر بحجبها عنك، وإذا كان لك حاجة، فأنا أرسلها إليك من خلف الباب، ولا تنظر «قضى فكان». فلما سمع كلامها، رجع ولم ينطق بحرف واحد، وأعلم والدته بما قالت عمته، فقالت له: إنما نشأ هذا من كثرة كلامك، وقد علمت أن حديث حبك ل «قضى فكان» شاع وانتشر في كل مكان، وكيف تأكل زادهم وبعد ذلك تعشق بنتهم؟ فقال: إني أريد الزواج بها؛ لأنها بنت عمي، وأنا أحق بها. فقالت له أمه: اسكت لئلا يصل الخبر إلى الملك ساسان، فيكون ذلك سببا لغرقك في بحر الأحزان، ولم يبعثوا لنا في هذه الليلة عشاء، ولو كنا في بلد غير هذه، لمتنا من ألم الجوع أو ذل السؤال. فلما سمع «كان ما كان» كلام أمه، زادت بقلبه الحسرات وأنشد هذه الأبيات: # أقلي من اللوم الذي لا يفارق %~% فقلبي إلى من تيمتني مفارق ~~ولا تطلبي عندي من الصبر ذرة %~% فصبري وبيت الله مني طالق ~~إذا سامني اللوام نهيا عصيتهم %~% وها أنا في دعوى المحبة صادق ~~وقد منعوني عنوة أن أزورها %~% وإني والرحمن ما أنا فاسق ~~وإن عظامي حين تسمع ذكرها %~% تشابه طيرا خلفهن بواشق ~~ألا قل لمن قد لام في الحب إنني %~% وحق إلهي بنت عمي عاشق # ولما فرغ من شعره قال لأمه: ما بقي عند عمتي ولا عند هؤلاء القوم مقام، بل أخرج من القصر وأسكن في أطراف المدينة بجوار قوم صعاليك. ثم خرج وفعل كما قال، وصارت أمه تتردد إلى بيت الملك ساسان، وتأخذ منه ما تقتات به هي وإياه، ثم إن «قضى فكان» اختلت بأم «كان ما كان» وقالت لها: يا امرأة عمي، كيف حال ولدك؟ فقالت: إنه باكي العين، حزين ms0486 القلب، ليس له من أسر الغرام فكاك، ومقتنص من هواك في إشراك. فبكت «قضى فكان» وقالت: والله ما هجرته بغضا له، ولكن خوفا عليه من الأعداء، وعندي من الشوق أضعاف ما عنده، ولولا عثرات لسانه وخفقان جنانه، ما قطع أبي عنه إحسانه وأولاه منعه وحرمانه، ولكن أيام الورى دول، والصبر في كل الأمور أجمل، ولعل من قضى بالفراق أن يمن علينا بالتلاق. ثم أفاضت دمع العين وأنشدت هذين البيتين: # فعندي يا ابن عمي من غرامي %~% كأمثال الذي حل عندك ~~ولكني كتمت الناس وجدي %~% فهلا كنت أنت كتمت وجدك # فشكرتها أم «كان ما كان» وخرجت من عندها، وأعلمت ولدها «كان ما كان» بذلك، فزاد شوقه إليها وقال: ما أبدلها من الحور بألفين. وأنشد هذين البيتين: # فوالله لا أصغي إلى قول لائم %~% ولا بحت بالسر الذي كنت كاتما ~~وقد غاب عني من رجوت وصاله %~% فكم سهرت عيني وقد بات نائما # ثم مضت الأيام والليالي وهو يتقلب على جمر المقالي، حتى مضى له من العمر سبعة عشر عاما، وقد كمل حسنه؛ ففي بعض الليالي أخذه السهر وقال في نفسه: ما لي أرى جسمي يذوب؟ وإلى متى لا أقدر على نيل المطلوب، وما لي عيب سوى عدم الجاه والمال؟ ولكن عند الله بلوغ الآمال، فينبغي أن أشرد نفسي عن بلادها، حتى تموت أو تحظى بمرادها. ثم أضمر على هذه العزمات، وأنشد هذه الأبيات: # دع مهجتي تزداد في خفقانها %~% ليس التذلل في الورى من شأنها ~~واعذر فإن حشاشتي كصحيفة %~% لا شك أن الدمع من عنوانها ~~ها بنت عمي قد بدت حورية %~% نزلت إلينا عن رضى رضوانها ~~من رام ألحاظ العيون معارضا %~% فتكاتها لم ينج من عدوانها ~~سأسير في الأرض الوسيعة منقذا %~% نفسي وأمنحها سوى حرمانها ~~وأعود مسرور الفؤاد بمطلبي %~% وأقابل الأبطال في ميدانها ~~ولسوف أستاق الغنائم عائدا %~% وأصول مقتدرا على أقرانها # ثم إن «كان ما كان» خرج من القصر ماشيا حافيا في قميص قصير الأكمام، وعلى رأسه لبدة لها سبعة أعوام، وصحبته رغيف له ثلاث ms0487 أيام، حافيا سار في حندس الظلام، حتى وصل إلى باب بغداد، فوقف هناك، ولما فتحوا باب المدينة كان هو أول خارج منه، ثم صار يقطع الأودية والقفار في ذلك النهار، ولما أتى الليل طلبته أمه فلم تجده، فضاقت عليها الدنيا باتساعها، ولم تلتذ بشيء من متاعها، ومكثت تنتظره أول يوم وثاني يوم وثالث يوم إلى أن مضى عشرة أيام، فلم تر له خبرا؛ فضاق صدرها وبكت ونادت قائلة: يا مؤنسي، قد هيجت أحزاني، حيث فارقتني وتركت أوطاني. يا ولدي، من أي الجهات أناديك؟ ويا هل ترى أي بلد تأويك؟ ثم صعدت الزفرات، وأنشدت هذه الأبيات: # علمنا بأنا بعد غيبتكم نبلا %~% ومدت قسي للفراق لنا نبلا ~~وقد خلفوني بعد شد رحالهم %~% أعالج كرب الموت إذ قطعوا الرملا ~~لقد هتفت بي جنح ليل حمامة %~% مطوقة ناحت فقلت لها مهلا ~~لعمرك لو كانت كمثلي حزينة %~% لما لبست طوقا ولا خضبت رجلا ~~وفارقني إلفي فألقيت بعده %~% دواعي هم لا تفارقني أصلا # ثم إنها امتنعت عن الطعام والشراب، وزادت في البكاء والانتحاب، وصار بكاؤها على رءوس الأشهاد، واشتهر حزنها بين العباد والبلاد، وصار الناس يقولون: أين عينك يا ضوء المكان؟ ويا هل ترى ما جرى على «كان ما كان»، حتى بعد عن وطنه وخرج من المكان، وكان أبوه يشبع الجيعان، ويأمر بالعدل والأمان؟ ووصل خبر «كان ما كان» إلى الملك ساسان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 140 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك ساسان وصل إليه خبر «كان ما كان»، من الأمراء الكبار، وقالوا له: إنه ولد ملكا، ومن ذرية الملك عمر النعمان، وقد بلغنا أنه تغرب عن الأوطان. فلما سمع الملك ساسان هذا الكلام، اغتاظ غيظا شديدا، وتذكر إحسان أبيه إليه، وأنه أوصاه به، فحزن على «كان ما كان»، وقال: لا بد من التفتيش عنه في سائر البلاد. ثم بعث في طلبه الأمير تركاش في مائة فارس، فغاب عشرة أيام ثم رجع وقال: ما اطلعت له على خبر، ms0488 ولا وقفت له على أثر. فحزن عليه الملك ساسان حزنا شديدا، وأما أمه فإنها صارت لا يقر لها قرار، ولا يطاوعها اصطبار، وقد مضى له عشرون يوما. # هذا ما كان من أمر هؤلاء، وأما ما كان من أمر «كان ما كان»، فإنه لما خرج من بغداد صار متحيرا في أمره، ولم يدر إلى أين يتوجه، ثم إنه سافر في البر ثلاثة أيام وحده، ولم ير راجلا ولا فارسا، فطار رقاده، وزاد سهاده، وتفكر أهله وبلاده، وصار يتقوت من نبات الأرض، ويشرب من أنهارها، ويقيل وقت الحر تحت أشجارها، ثم خرج من تلك الطريق إلى طريق أخرى، وسار فيها ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أشرف على أرض معشبة الفلوات، مليحة النبات، وهذه الأرض قد شربت من كئوس الغمام على أصوات القمري والحمام، فاخضرت رباها، وطاب فلاها، فتذكر «كان ما كان» بلاد أبيه، فأنشد من فرط ما هو فيه: # خرجت وفي أملي عودة %~% ولكنني لست أدري متى ~~وشردت عن وطني لم أجد %~% سبيلا إلى دفع ما قد أتى # فلما فرغ من شعره، أكل من ذلك النبات، وتوضأ وصلى ما كان عليه من الفريضة، وجلس يستريح، ومكث طول ذلك اليوم في ذلك المكان، فلما جاء الليل نام، واستمر نائما إلى نصف الليل، ثم انتبه فسمع صوت إنسان ينشد هذه الأبيات: # ما العيش إلا أن يرى لك بارق %~% من ثغر من تهوى ووجه رائق ~~والموت أسهل من صدود حبيبة %~% لم يغشني منها خيال طارق ~~يا فرحة الندماء حيث تجمعوا %~% وأقام معشوق هناك وعاشق ~~لا سيما وقت الربيع وزهره %~% طاب الزمان بما إليه تسابق ~~يا شارب الصهباء دونك ما ترى %~% أرض مزخرفة وماء دافق # فلما سمع «كان ما كان» هذه الأبيات، هاجت به الأشجان، وجرت دموعه على خده كالغدران، وانطلقت في قلبه النيران، فقام ينظر قائل هذا الكلام، فلم ير أحدا في جنح الظلام، فأخذه القلق، ونزل من مكانه إلى أسفل الوادي، ومشى على شاطئ النهر، فسمع صاحب الصوت يصعد الزفرات، وينشد هذه الأبيات: # إن ms0489 كنت تضمر ما في الحب إشفاقا %~% فأطلق الدمع يوم البين إطلاقا ~~بيني وبين أحبائي عهود هوى %~% لذا إليهم أظل الدهر مشتاقا ~~يرتاح قلبي إلى تيم ويطربني %~% نسيم تيم إذا ما هب أشواقا ~~يا سعد هل ربة الخلخال تذكر لي %~% بعد البعاد لنا عهدا وميثاقا ~~وهل تعود ليالي الوصل تجمعنا %~% يوما ويشرح كل بعض ما لاقى ~~قالت: فتنت بنا وجدا فقلت لها: %~% كم قد فتنت رعاك الله عشاقا ~~لا متع الله طرفي في محاسنها %~% إن كان من بعدها طيب الكرى ذاقا ~~يا لسعة في فؤادي ما رأيت لها %~% إلا الوصال ورشف الثغر ترياقا # فلما سمع «كان ما كان» هذه الأشعار من صاحب ذلك الصوت ثاني مرة ولم ير شخصه، عرف أن القائل مثله عاشق، منع عن الوصول إلى من يحبه، فقال في نفسه: لعلي أجتمع بهذا فيشكو كل واحد منا لصاحبه، وأجعله أنيسي في غربتي. ثم تنحنح ونادى قائلا: أيها السائر في الليل العاكر، تقرب مني وقص قصتك علي، لعلك تجدني معينا لك على بليتك. فلما سمع صاحب الصوت هذا الكلام، أجابه قائلا: أيها المنادي السامع لإنشادي، من تكون من الفرسان؟ وهل أنت من الإنس أو من الجان؟ فعجل علي بكلامك قبل دنو حمامك، فإن لي عشرين يوما وأنا سائر في هذه البرية، فلم أر شخصا، ولم أسمع صوتا غير صوتك. فلما سمع «كان ما كان» هذا الكلام، قال في نفسه: إن هذه القصة كقصتي، فإن لي أيضا عشرين يوما وأنا سائر ولم أسمع صوتا. فقال له صاحب الصوت: إن كنت من الجان، فاذهب بسلام، وإن كنت إنسيا، فالبث مليا حتى يطلع النهار، ويذهب الليل بالاعتكار. فلما أصبح الصباح، نظر إليه «كان ما كان» فوجده رجلا من عرب البادية، فتقدم إليه وسلم عليه، فرد البدوي عليه السلام، وقابله بالتحية والإكرام، إلا أنه احتقره لما رأى صغر سنه، وحالته حالة فقير، وقال له: يا فتى، من أي القوم أنت؟ وإلى من تنسب من العربان؟ وما قصتك وأنت سائر بالليل؟ فإن هذا فعل ms0490 الأبطال، وقد كلمتني في الليل كلاما لا يتكلم به إلا كل فارس همام، وبطل مصدام، وقد صرت الآن في قبضتي، إلا أني أرحمك لصغر سنك، فأجعلك رفيقي، وتكون عندي برسم خدمتي. # فلما سمع «كان ما كان» فظاعة كلامه بعد ما أبداه من حسن نظامه، عرف أنه احتقره وطمع فيه، فقال له بلين الكلام: يا وجه العرب، دعنا من صغر سني وكوني أخدمك، وأخبرني عن سبب سيرك بالليل في القفار، وإنشادك الأشعار؛ فما حملك على هذا؟ فقال له: اسمع يا غلام، إنني صباح بن رماح بن همام، وقومي من عرب الشام، ولي بنت عم اسمها نجمة، كل من رآها أتته النعمة، ومات والدي وتربيت عند عمي أبي نجمة، فلما كبرت وكبرت، حجبها عني لما رآني فقير الحال، قليل المال، فسقت عليه العرب الكبار وسادات القبائل، فاستحى منهم وأجابني إلى زواجها، إلا أنه اشترط علي خمسين رأسا من الخيل، وخمسين ناقة، وعشرة عبيد، وعشر جوار، وخمسين حملا قمحا ومثلها شعيرا، وحملني ما لا أطيق، وأكثر علي الصداق، وها أنا أسافر من الشام إلى العراق، ولي عشرون يوما ما نظرت أحدا سواك، وقصدي أن أدخل أرض بغداد، وأنظر من يخرج منها من التجار المياسير الكبار، فأخرج في إثرهم وأسلب أموالهم وأقتل رجالهم وأسوق جمالهم وأحمالهم، فمن تكون أنت من الناس؟ قال «كان ما كان»: إن قصتي كقصتك، غير أن مرضي أخطر من مرضك؛ لأن ابنة عمي ابنة ملك، وأهلها لا يكفيهم ما ذكرت، ولا يرضيهم شيء مثل هذا. فقال صباح: لعلك مهبول أو من كثرة العشق مخبول، كيف تكون بنت عمك بنت ملك وأنت ما عليك سيمة الملوك وما أنت إلا صعلوك؟ فقال: يا واحد العرب، لا تستغرب هذا الحال على تصرفات الزمان، وإن شئت مني البيان، فأنا «كان ما كان» ابن السلطان ضوء المكان ابن الملك عمر النعمان، صاحب بغداد وأرض خراسان، وقد جار علي الزمان، وتسلطن الملك ساسان، وخرجت من بغداد خفية لئلا يراني إنسان، وسافرت في هذه الأرض عشرين يوما ms0491 ما رأيت أحدا غيرك، فقصتك كقصتي، وطلبتك نظير طلبتي. # فلما سمع صباح ذلك الكلام صاح: وا فرحتي قد بلغت منيتي، وليس لي اليوم كسب غيرك؛ لأنك من ذرية الملوك، وإن كنت في زي صعلوك، فلا بد أن أهلك لا يتركونك، وإذا علموا مكانك بأموالهم يفدونك، فأدر كتافك يا غلامي، وامش قدامي. فقال «كان ما كان»: لا تفعل يا أخا العرب؛ لأن أهلي لا يشترونني بفضة ولا ذهب، وأنا رجل فقير، وما سعى قليل ولا كثير، فدع عنك هذه الأخلاق، واتخذني من الرفاق، واخرج من أرض العراق لنجول في الآفاق؛ لعلنا نفوز بالمهر والصداق، ونحظى من بنتي عمنا بالبوس والعناق. فلما سمع صباح ذلك، غضب وزاد به الالتهاب، وقال له: ويلك أتراددني في الجواب يا أخس الكلاب؟ أدر كتافك وإلا أنزلت عليك العذاب. فتبسم «كان ما كان» وقال: كيف أدير الكتاف؟ أما عندك إنصاف؟ أما تخشى معايرة العربان، حيث تأسر غلاما بالذل والهوان، وما اختبرته في حومة الميدان، وما علمت أهو فارس أم جبان؟ فضحك صباح وقال: يا لله العجب، إنك في سن الغلام، ولكنك كبير الكلام؛ لأن هذا القول لا يصدر إلا عن البطل المصدام. فقال «كان ما كان»: الإنصاف أنك إذا شئت أخذي أسيرا خادما لك، أن ترمي سلاحك، وتخفف لباسك وتصارعني، وكل من صرع صاحبه بلغ منه مرامه، وجعله غلامه. فضحك صباح وقال: ما أظن كثرة كلامك إلا لدنو حمامك. ثم رمى سلاحه، وشمر أذياله، ودنا من «كان ما كان» وتجاذبا، فوجده البدوي يرجح عليه كما يرجح القنطار على الدنيا، ونظر إلى ثبات رجليه في الأرض، فوجدهما كالمئذنتين المؤسستين أو الجبلين الراسخين، فعرف من نفسه قصر باعه، وندم على الدنو من صراعه، وقال في نفسه: ليتني قاتلته بسلاحي. ثم إن «كان ما كان» قبضه وتمكن منه وهزه، فحس أن أمعاءه تقطعت في بطنه، فصاح: أمسك يدك يا غلام. فلم يلتفت إلى ما أبداه من الكلام، بل حمله من الأرض، وقصد به النهر، فناداه صباح قائلا: يا أيها البطل، ms0492 ما تريد أن تفعل بي؟ قال: أريد أن أرميك في هذا النهر، فإنه يوصلك إلى الدجلة، والدجلة توصلك إلى نهر عيسى، ونهر عيسى يوصلك إلى الفرات، والفرات يلقيك إلى بلادك، فيراك قومك فيعرفونك، ويعرفون مروءتك، وصدق محبتك. فصاح صباح ونادى: يا فارس البطاح، لا تفعل فعل القباح، أطلقني بحياة بنت عمك سيدة الملاح. فحطه «كان ما كان» على الأرض، فلما رأى نفسه خالصا، ذهب إلى ترسه وسيفه وأخذهما، وصار يشاور نفسه على الهجوم عليه، فعرف «كان ما كان» ما يشاور نفسه عليه، فقال له: قد عرفت ما في قلبك، حيث أخذت سيفك وترسك، فإنه قد خطر ببالك أنك ليس لك يد في الصراع تطول، ولو كنت على فرس تجول، لكنت بسيفك علي تصول، وها أنا أبلغك ما تختار حتى لا يبقى في قلبك إنكار، فأعطني الترس واهجم علي بسيفك، فإما أن تقتلني وإما أن أقتلك. فرمى له الترس، وجرد سيفه، وهجم به على «كان ما كان»، فتناول الترس بيمينه، وصار يلاقي به عن نفسه، وصار صباح يضربه ويقول له: ما بقي إلا هذه الضربة الفاصلة، فيتلقاها «كان ما كان» وتروح ضائعة، ولم يكن مع «كان ما كان» شيء يضرب به، ولم يزل صباح يضربه بالسيف حتى كلت يده، وعرف «كان ما كان» ضعف قوته، وانحلال عزيمته، فهجم عليه وهزه، وألقاه في الأرض، وكتفه بحمائل سيفه، وجره من رجليه إلى جهة النهر، فقال صباح: وما تريد أن تصنع بي يا فارس الزمان وبطل الميدان؟ قال: ألم أقل لك إنني أرسلك إلى قومك في النهر، حتى لا يشتغل خاطرهم عليك، وتتعوق عن عرس بنت عمك؟ فتضجر صباح وبكى وصاح، وقال: لا تفعل يا فارس الزمان، واجعلني لك من بعض الغلمان. ثم أفاض دمع العين، وأنشد هذين البيتين: # تغربت عن أهلي فيا طول غربتي %~% ويا ليت شعري هل أموت غريبا ~~أموت وأهلي ليس تعرف مقتلي %~% وأودى غريبا لا أزور حبيبا # فرحمه «كان ما كان»، وأطلقه بعد أن أخذ عليه العهود والمواثيق أنه يصحبه ms0493 في الطريق، ويكون له نعم الرفيق، ثم إن صباحا أراد أن يقبل يد «كان ما كان»، فمنعه من تقبيلها، ثم قام البدوي إلى جرابه وفتحه، وأخذ منه ثلاث قرصات شعير وحطها قدام «كان ما كان»، وجلس معه على شاطئ النهر، وأكلا مع بعضهما ثم توضآ وصليا وجلسا يتحدثان فيما لقياه من صروف الزمان، فقال «كان ما كان» للبدوي: أين تقصد؟ فقال صباح: أقصد بغداد بلدك، وأقيم بها حتى يرزقني الله بالصداق. فقال له: دونك والطريق. ثم ودعه البدوي وتوجه في طريق بغداد، وقام «كان ما كان» وقال في نفسه: يا نفسي، أي وجه للرجوع مع الفقر والفاقة؟ فوالله لا أرجع خائبا، ولا بد لي من الفرج إن شاء الله. ثم تقدم إلى النهر وتوضأ وصلى، فلما سجد ووضع جبهته على التراب، نادى ربه قائلا: اللهم منزل القطر، ورازق الدود في الصخر، أسألك أن ترزقني بقدرتك ولطيف رحمتك. ثم سلم من صلاته، وضاق به كل مسلك، فبينما هو جالس يلتفت يمينا وشمالا، وإذا بفارس أقبل على جواد وقد اقتعد ظهره، وأرخى عنانه، فاستوى «كان ما كان» جالسا، وبعد ساعة وصل إليه الفارس، وهو في آخر نفس؛ لأنه كان به جرح بالغ، فلما وصل إليه جرت دمعة على خده مثل أفواه القرب، وقال ل «كان ما كان»: يا وجه العرب، اتخذني ما عشت لك صديقا، فإنك لا تجد مثلي، واسقني قليلا من الماء، وإن كان شرب الماء لا يصلح للجروح، سيما وقت خروج الروح، وإن عشت أعطيتك ما يدفع فقرك، وإن مت فأنت المسعود بحسن نيتك. # وكان تحت الفارس حصان يتحير في حسنه الإنسان، ويكل عن وصفه اللسان، وله قوائم مثل أعمدة الرخام، معد ليوم الحرب والزحام، فلما نظر «كان ما كان» إلى ذلك الحصان، أخذه الهيام وقال في نفسه: إن مثل هذا الحصان لا يكون في هذا الزمان. ثم إنه أنزل الفارس، ورفق به، وجرعه يسيرا من الماء، ثم صبر عليه حتى أخذ الراحة، وأقبل عليه وقال له: من الذي فعل ms0494 بك هذه الفعال؟ فقال الفارس: أنا أخبرك بحقيقة الحال؛ إني رجل سلال غيار، طول دهري أسل الخيل، واختلسها في الليل والنهار، واسمي غسان، آفة كل فرس وحصان، وقد سمعت بهذا الحصان في بلاد الروم عند الملك أفريدون، وقد سماه بالقاتول، ولقبه بالمجنون، وقد سافرت إلى القسطنطينية من أجله، وصرت أراقبه، فبينما أنا كذلك إذ خرجت عجوز معظمة عند الروم، وأمرها عندهم في الخداع متناه، تسمى شواهي ذات الدواهي، ومعها هذا الجواد، وصحبتها عشرة عبيد لا غير برسم خدمة ذلك الحصان، وهي تقصد بغداد وتريد الدخول على الملك ساسان لتطلب منه الصلح والأمان، فخرجت في إثرهم طمعا في الحصان، وما زلت تابعهم ولا أتمكن من الوصول إليه؛ لأن العبيد شداد الحرص عليه، إلى أن وصلوا إلى تلك البلاد، وخفت أن يدخلوا مدينة بغداد، فبينما أنا أشاور نفسي في سرقة الحصان، إذ طلع عليهم غبار حتى سد الأقطار، ثم انكشف ذلك الغبار عن خمسين فارسا مجتمعين لقطع الطريق على التجار، ورئيسهم يقال له كهرداش، ولكنه في الحرب كأسد يجعل الأبطال كالفراش. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 141 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الفارس المجروح قال لضوء المكان: فخرج على العجوز ومن معها كهرداش، ثم أحاط بهم وهاش وناش، فلم تمض ساعة حتى ربط العشرة عبيد والعجوز وتسلم الحصان، وسار بهم وهو فرحان، فقلت في نفسي: قد ضاع تعبي وما بلغت أربي. ثم صبرت حتى أنظر ما يئول إليه الأمر، فلما رأت العجوز روحها في الأسر، بكت وقالت لكهرداش: أيها الفارس الهمام والبطل الضرغام، ماذا تصنع بالعجوز والعبيد، وقد بلغت من الحصان ما تريد؟ وخادعته بلين الكلام، وحلفت أنها تسوق له الخيل والأنعام، فأطلقها هي والعبيد، ثم سار هو وأصحابه وتبعتهم حتى وصلت إلى هذه الديار وأنا ألاحظه، فلما وجدت إليه سبيلا سرقته وركبته، وأخرجت من مخلاتي سوطا فضربته، فلما أحسوا بي لحقوني وأحاطوا بي من كل مكان ورموني بالسهام والسنان، وأنا ثابت عليه، وهو يقاتل عني ms0495 بيديه ورجليه، إلى أن خرج بي من بينهم مثل النجم الطارق والسهم الراشق، ولكن لما اشتد الكفاح أصابني بعض الجراح، وقد مضى لي على ظهره ثلاثة أيام لم أستطعم بطعام، وقد ضعفت مني القوى وهانت علي الدنيا، وأنت أحسنت إلي وشفقت علي، وأراك عاري الجسد ظاهر الكمد، ويلوح عليك أثر النعمة، فما يقال لك؟ فقال: أنا يقال لي «كان ما كان» ابن الملك ضوء المكان، ابن الملك عمر النعمان، قد مات والدي وربيت يتيما، وتولى بعده رجل لئيم، وصار ملكا على الحقير والعظيم. ثم حدثه بحديثه من أوله إلى آخره، فقال الرجل السلال وقد رق له: إنك ذو حسب عظيم، وشرف جسيم، وليكن لك شأن وتصير أفرس هذا الزمان، فإن قدرت أن تحملني وتركب ورائي وتوديني إلى بلادي، يكن لك الشرف في الدنيا والأجر في يوم التنادي؛ فإنه لم يبق لي قوة أمسك بها نفسي، وإن مت في الطريق، فزت بهذا الحصان، وأنت أولى به من كل إنسان. فقال له «كان ما كان»: والله لو قدرت أن أحملك على أكتافي لفعلت، ولو كان عمري بيدي لأعطيتك نصفه من غير هذا الجواد؛ لأني من أهل المعروف وإغاثة الملهوف، وفعل الخير لوجه الله تعالى يسد سبعين بابا من البلاء. وعزم على أن يحمله على الحصان ويسير متوكلا على اللطيف الخبير، فقال له: اصبر علي قليلا. ثم أغمض عينيه وفتح يديه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. وتهيأ للممات وأنشد هذه الأبيات: # ظلمت العباد وطفت البلاد %~% وأمضيت عمري بشرب الخمور ~~وخضت السيول لسل الخيول %~% وهدم الطلول بفعل النكور ~~وأمري عظيم وجرمي جسيم %~% وقاتول مني تمام الأمور ~~وأملت أني أنال المنى %~% بذاك الحصان فأعيا مسيري ~~وطول الحياة أسل الخيول %~% فكانت وفاتي عند القدير ~~وآخر أمري شقيت تعبت %~% لرزق الغريب اليتيم الفقير # فلما فرغ من شعره، أغمض عينيه وفتح فاه وشهق شهقة، ففارق الدنيا، فحفر له «كان ما كان» حفرة وواراه في التراب، ثم مسح وجه الحصان ورآه لا ms0496 يوجد في حوزة الملك ساسان، ثم أتته الأخبار من التجار بجميع ما جرى في غيبته بين الملك ساسان والوزير دندان، وأن الوزير دندان خرج عن طاعة الملك ساسان هو ونصف العسكر، وحلفوا أنهم ما لهم سلطان إلا «كان ما كان»، واستوثق منهم بالأيمان، ودخل بهم إلى جزائر الهند والبربر وبلاد السودان، واجتمع معهم عساكر مثل البحر الزاخر، لا يعرف لهم أول من آخر، وعزم على أن يرجع بجميع الجيوش إلى البلاد، ويقتل من خالفه من العباد، وأقسم على أنه لا يرد سيف الحرب إلى غمده، حتى يملك «كان ما كان». فلما بلغته الأخبار، غرق في بحر الأفكار، ثم إن الملك ساسان علم أن الدولة انحرفت عليه الكبار والصغار، فغرق في بحر الهموم والأكدار، وفتح الخزائن وفرق على أرباب الدولة الأموال والنعم، وتمنى أن يقدم عليه «كان ما كان»، ويجذب قلبه إليه بالملاطفة والإحسان، ويجعله أميرا على العساكر الذين لم يزالوا تحت طاعته، لتقوى به شرارة جمرته. # ثم إن «كان ما كان» لما بلغه ذلك الخبر من التجار، رجع مسرعا إلى بغداد على ظهر ذلك الجواد، فبينما الملك ساسان في ربكته حيران، إذ سمع بقدوم «كان ما كان»، فأخرج جميع العساكر ووجهاء بغداد لملاقاته، فخرج كل من في بغداد ولاقوه ومشوا قدامه إلى القصر، ودخلت الطواشية بالأخبار إلى أمه، فجاءت إليه وقبلته بين عينيه، فقال: يا أماه، دعيني أمضي إلى عمي السلطان ساسان، الذي غمرني بالنعمة والإحسان. ثم إن أرباب الدولة تحيروا في وصف ذلك الحصان، وفي وصف صاحبه سيد الفرسان، وقالوا للملك ساسان: أيها الملك، إننا ما رأينا مثل هذا الإنسان. ثم ذهب الملك ساسان إليه وسلم عليه، فلما رآه «كان ما كان» مقبلا عليه، قام إليه وقبل يديه ورجليه، وقدم إليه الحصان هدية، فرحب به وقال: أهلا وسهلا بولدي «كان ما كان»، والله لقد ضاقت بي الأرض لأجل غيبتك، والحمد لله على سلامتك. # ثم نظر السلطان إلى هذا الحصان المسمى بالقاتول، فعرف أنه الحصان الذي رآه سنة كذا وكذا ms0497 في حصار عبدة الصلبان مع أبيه ضوء المكان، حين قتل عمه شركان وقال له: لو قدر عليه أبوك لاشتراه بألف جواد، ولكن الآن عاد العز إلى أهله، وقد قبلناه، ومنا لك وهبناه، وأنت أحق به من كل إنسان؛ لأنك سيد الفرسان. ثم أمر أن يحضروا ل «كان ما كان» خلعة سنية وجملة من الخيل، وأفرد له في القصر أكبر الدور، وأقبل عليه العز والسرور، وأعطاه مالا جزيلا، وأكرمه غاية الإكرام؛ لأنه كان يخشى عاقبة أمر الوزير دندان، ففرح بذلك «كان ما كان»، وذهب عنه الذل والهوان، ودخل بيته وأقبل على أمه وقال: يا أمي، ما حال ابنة عمي؟ فقالت: والله يا ولدي، إنه كان عندي من غيبتك ما أشغلني عن محبوبتك. فقال: يا أمي، اذهبي إليها وأقبلي عليها؛ لعلها تجود علي بنظرة. فقالت له: إن المطامع تذل أعناق الرجال، فدع عنك هذا المقال؛ لئلا يفضي بك إلى الوبال، فأنا لا أذهب إليها، ولا أدخل بهذا الكلام عليها. فلما سمع من أمه ذلك، أخبرها بما قاله السلال من أن العجوز ذات الدواهي طرقت البلاد، وعزمت على أن تدخل بغداد، وقال: هي التي قتلت عمي وجدي، ولا بد أن أكشف العار وآخذ الثأر. ثم ترك أمه، وأقبل على عجوز عاهرة محتالة ماكرة اسمها سعدانة، وشكا إليها حاله، وما يجده من حب «قضى فكان»، وسألها أن تتوجه إليها وتستعطفها عليه، فقالت له العجوز: سمعا وطاعة. ثم فارقته ومضت إلى قصر «قضى فكان»، واستعطفت قلبها عليه، ثم رجعت إليه وأعلمته بأن «قضى فكان» تسلم عليه، ووعدتها أنها في نصف الليل تجيء إليه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 142 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز رجعت إلى «كان ما كان»، وأعلمته بأن «قضى فكان» تسلم عليه، ووعدتها أنها في نصف الليل تجيء إليه؛ فلما بلغه ذلك الخبر، فرح لوعد ابنة عمه «قضى فكان»، فلما جاء نصف الليل أتته بملاءة سوداء من الحرير، ودخلت عليه ونبهته من نومه، وقالت له: ms0498 كيف تدعي أنك تحبني، وأنت خلي البال، نائم على أحسن الحال؟ فانتبه وقال: والله يا منية القلب، إني ما نمت إلا طمعا في أن يزورني منك طيف الخيال. فعند ذلك عاتبته بلطيف الكلمات، وأنشدت هذه الأبيات: # لو كنت تصدق في المحب %~% ة ما جنحت إلى المنام ~~يا مدعي طرق المحب %~% ة في المودة والغرام ~~والله يا ابن العم ما %~% رقدت عيون المستهام # فاستحيا منها «كان ما كان»، وتعانقا وتشاكيا ألم الفراق، وعظيم الوجد والاشتياق، ولم يزالا كذلك إلى أن بدت غرة الصباح، وطلع الفجر ولاح، فبكى «كان ما كان» بكاء شديدا، وصعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # فيا زائري من بعد فرط صدوده %~% وفي الثغر منه الدر في نظم عقده ~~فقبلته ألفا وعانقت قده %~% وبت وخدي لاصق تحت خده ~~إلى أن بدا نور الصباح فراعنا %~% كحد حسام لاح من جوف غمده ![figure](../Images/figure2.png) # وفي اليوم الخامس أشرفا على تل عال، تحته مرابع فيها إبل وغنم. # فلما فرغ من شعره، ودعته «قضى فكان»، ورجعت إلى خدرها، وأظهرت بعض الجواري على سرها، فذهبت جارية منهن إلى الملك ساسان، وأعلمته بالخبر، فتوجه إلى «قضى فكان»، وجرد عليها الحسام، وأراد أن يضرب عنقها، فدخلت عليه أمها نزهة الزمان، وقالت له: بالله لا تفعل بها ضررا، فإنك إن فعلت بها ضررا يشيع الخبر بين الناس، وتبقى معيرة عند ملوك الزمان؛ إن «كان ما كان» صاحب عرض ومروءة، ولا يفعل أمرا يعاب عليه، فاصبر ولا تعجل؛ فإن أهل القصر وجميع أهل بغداد قد شاع عندهم أن الوزير دندان قاد العساكر من جميع البلدان، وجاء بهم ليملكوا «كان ما كان». فقال لها: لا بد أن أرميه في بلية، بحيث لا أرض تقله ولا سماء تظله، وإني ما طيبت خاطره ولا أنعمت عليه إلا لأجل أهل مملكتي لئلا يميلوا إليه، وسوف ترين ما يكون. ثم تركها وخرج يدبر أمر مملكته. # هذا ما كان من أمر الملك ساسان، وأما ما كان من أمر «كان ما كان»، فإنه أقبل على أمه في ثاني ms0499 يوم، وقال لها: يا أمي، إني عزمت على شن الغارات، وقطع الطرقات، وسوق الخيل والنعم والعبيد والمماليك، وإذا كثر مالي وحسن حالي، خطبت «قضى فكان» من عمي ساسان، فقالت: يا ولدي، إن أموال الناس غير سائبة؛ لأن دونها ضرب الصفاح، وطعن الرماح، ورجالا تقتنص الأسود، وتصيد الفهود. فقال لها «كان ما كان»: هيهات أن أرجع عن عزيمتي إلا إذا بلغت منيتي. ثم أرسل العجوز إلى «قضى فكان» ليعلمها أنه يريد السير حتى يحصل لها مهرا يصلح لها. وقال للعجوز: لا بد أن تأتيني منها بجواب. فقالت له: سمعا وطاعة. ثم ذهبت إليها ورجعت له بالجواب، وقالت له: إنها في نصف الليل تكون عندك. فأقام سهران إلى نصف الليل من قلقه، فلم يشعر إلا وهي داخلة عليه، وتقول له: روحي فداك من السهر. فنهض لها قائما وقال: يا منية القلب، روحي فداك من جميع الأسواء. ثم أعلمها بما عزم عليه فبكت، فقال لها: لا تبكي يا بنت العم، فأنا أسأل الذي حكم علينا بالفراق أن يمن علينا بالتلاقي والوفاق. # ثم إن كان ما كان أخذ في السفر، ودخل على أمه وودعها، ونزل من القصر، وتقلد بسيفه وتعمم وتلثم، وركب جواده القاتول، ومشى في شوارع المدينة وهو كالبدر حتى وصل إلى باب بغداد، وإذا برفيقه صباح بن رباح خارج من المدينة، فلما رآه جرى في ركابه وحياه، فرد عليه السلام، فقال صباح: يا أخي، كيف صار لك هذا الجواد وهذا المال، وأنا الآن لا أملك غير سيفي؟ فقال له «كان ما كان»: ما يرجع الصياد إلا بصيد على قدر نيته، وبعد فراقك بساعة حصلت لي السعادة، وهل لك أن تأتي معي، وتخلص النية في صحبتي، ونسافر في تلك البرية؟ فقال: ورب الكعبة ما بقيت أدعوك إلا مولاي. ثم جرى قدام الجواد وسيفه على عاتقه، وجرابه بين كتفيه، ولم يزالا سائرين في البر أربعة أيام، وهما يأكلان من صيد الغزلان، ويشربان من ماء العيون. وفي اليوم الخامس أشرفا على تل عال، تحته مرابع ms0500 فيها إبل وغنم وبقر وخيل قد ملأت الروابي والبطاح، وأولادها الصغار تلعب حول المراح، فلما رأى ذلك «كان ما كان» زادت به الأفراح، وامتلأ صدره بالانشراح، وعول على القتال، وأخذ النياق والجمال، فقال لصباح: انزل بنا على هذا المال الذي عن أهله وحيد، ونقاتل دونه القريب والبعيد، حتى يكون لنا في أخذه نصيب. فقال صباح: يا مولاي، إن أصحابه خلق كثير، وجم غفير، وفيهم أبطال من فرسان ورجال، وإن رمينا أرواحنا في هذا الخطب الجسيم، فإننا نكون من هوله على خطر عظيم، فضحك «كان ما كان»، وعلم أنه جبان، فتركه وانحدر من الرابية عازما على شن الغارات، وترنم بإنشاد هذه الأبيات: # وآل نعمان نحن ذو الهمم %~% والسادة الضاربون في القمم ~~قوم إذا ما الهياج قام لهم %~% قاموا بأسواقه على قدم ~~تنام عينا الفقير بينهم %~% ولا يرى قبح صورة العدم ~~وإنني أرتجي معاونة %~% من مالك الملك بارئ النسم # ثم حمل على ذلك المال مثل الجمل الهائج، وساق جميع الإبل والبقر والغنم والخيل قدامه، فتبادرت إليه العبيد بالسيوف الصقال والرماح الطوال، وفي أولهم فارس تركي إلا أنه شديد الحرب والكفاح، عارف بأعمال سمر القنا وبيض الصفاح، فحمل على «كان ما كان»، وقال له: ويلك! لو علمت لمن هذا المال ما فعلت هذه الفعال، اعلم أن هذه الأموال للعصابة الرومية والفرقة الجركسية، الذين ما فيهم إلا كل بطل عابس، وهم مائة فارس قد خرجوا عن طاعة كل سلطان، وقد سرق منهم حصان، وحلفوا ألا يرجعوا من هنا إلا به. فلما سمع «كان ما كان» هذا الكلام، صاح قائلا: هذا هو الحصان الذي تعنون، وأنتم له طالبون، وفي قتالي بسببه راغبون، فبارزوني كلكم أجمعون، وشأنكم وما تريدون. ثم صرخ بين أذني القاتول، فخرج عليهم مثل الغول، وعطف على الفارس وطعنه فأخرج كلاه، ومال على ثان وثالث ورابع أعدمهم الحياة، فعند ذلك هابته العبيد، فقال لهم: يا بني الزواني، سوقوا المال والخيول وإلا خضبت من دماكم سناني. فساقوا المال، وأخذوا في الانطلاق، وانحدر إليه صباح، ms0501 وأعلن بالصياح، وزادت به الأفراح، وإذا بغبار علا وطار حتى سد الأقطار، وبان من تحته مائة فارس مثل الليوث العوابس، فلما رآهم صباح فر إلى الرابية وترك البطاح، وصار يتفرج على الكفاح، وقال: ما أنا فارس إلا في اللعب والمزاح. ثم إن المائة فارس داروا حول «كان ما كان»، وأحاطوا به من كل مكان، فتقدم إليه فارس منهم وقال له: أين تذهب بهذا المال؟ فقال له «كان ما كان»: دونك والقتال، واعلم أن من دونه أسد أروع، وبطل سميدع، وسيف أينما مال قطع. # فلما سمع الفارس ذلك الكلام، التفت إليه فرآه فارسا كالأسد الضرغام، إلا أن وجهه كبدر التمام، وكان ذلك الفارس رئيس المائة فارس، واسمه كهرداش، فلما رأى «كان ما كان» مع كمال فروسيته بديع المحاسن، يشبه حسنه حسن معشوقة له يقال لها «فاتن»، وكانت من أحسن النساء وجها، قد أعطاها الله من الحسن والجمال وكرم الخصال ما يعجز عن وصفه اللسان، ويشغل قلب كل إنسان، وكانت فرسان القوم تخشى سطوتها، وأبطال ذلك القطر تخاف من هيبتها، وحلفت أنها لا تتزوج إلا من يقهرها، وكان كهرداش من جملة خطابها، فقالت لأبيها: ما يقربني إلا من يقهرني في الميدان، وموقف الحرب والطعان. فلما بلغ كهرداش هذا القول اختشى أن يقاتل جارية، وخاف من العار، فقال له بعض خواصه: أنت كامل الخصال في الحسن والجمال، فلو قاتلتها وكانت أقوى منك فإنك تغلبها؛ لأنها إذا رأت حسنك وجمالك تنهزم قدامك حتى تملكها؛ لأن النساء لهن غرض في الرجال، ولا يخفى عنك هذا الحال. فأبى كهرداش وامتنع من قتالها، واستمر على امتناعه من القتال إلى أن جرت له مع «كان ما كان» هذه الأفعال، فظن أنه محبوبته فاتن، وقد عشقته لما سمعت بحسنه وشجاعته، فتقدم إلى «كان ما كان» وقال: ويلك يا فاتن! قد أتيت لتريني شجاعتك، فانزلي عن جوادك حتى أتحدث معك، فإني قد سقت هذه الأموال، وقطعت الطريق على الفرسان والأبطال، وكل هذا لحسنك وجمالك الذي ما له مثيل، وتزوجيني حتى ms0502 تخدمك بنات الملوك، وتصيري ملكة هذه الأقطار. # فلما سمع «كان ما كان» هذا الكلام، صارت نار غيظه في اضطرام، وقال: ويلك يا كلب الأعجام! دع فاتنا وما بها ترتاب، وتقدم إلى الطعن والضراب، فعن قليل تبقى على التراب. ثم جال وصال، وطلب الحرب والنزال، فلما نظر كهرداش إليه علم أنه فارس همام، وبطل مصدام، وتبين له خطأ ظنه؛ حيث لاح له عذار أخضر فوق خده كآس نبت خلال ورد أحمر، وقال للذين معه: ويلكم! ليحمل واحد منكم عليه، ويظهر له السيف البتار، والرمح الخطار، واعلموا أن قتال الجماعة للواحد عار، ولو كان في سنان رمحه شعلة نار. فعند ذلك حمل عليه فارس تحته جواد أدهم، بتحجيل وغرة كالدرهم، يحير العقل والناظر، كما قال فيه الشاعر: # قد جاءك المهر الذي نزل الوغى %~% جزلان يخلط أرضه بسمائه ~~وكأنما لطم الصباح جبينه %~% واقتص منه فخاض في أحشائه # ثم إن ذلك الفارس حمل على «كان ما كان»، وتجاولا في الحرب برهة من الزمان، وتضاربا ضربا يحير الأفكار، ويغشي الأبصار، فسبقه «كان ما كان» بضربة بطل شجاع قطعت منه العمامة والمغفر، فمال عن الجواد كأنه البعير إذا انحدر، وحمل عليه الثاني والثالث والرابع والخامس، ففعل بهم كالأول، ثم حمل عليه الباقون، وقد اشتد بهم القلق، وزادت الحرق؛ فما كان إلا ساعة حتى التقطهم بسنان رمحه، فنظر كهرداش إلى هذا الحال، فخاف من الارتحال، وعرف من نفسه أن عنده ثبات الجنان، واعتقد أنه أوحد الأبطال والفرسان، فقال ل «كان ما كان»: قد وهبت لك دمك ودم أصحابي، فخذ من المال ما شئت واذهب إلى حال سبيلك، فقد رحمتك لحسن ثباتك والحياة أولى بك. فقال له «كان ما كان»: لا عدمت مروءة الكرام، ولكن اترك عنك هذا الكلام، وفز بنفسك ولا تخش الملام، ولا تطمع نفسك في رد الغنيمة، واسلك لنجاة نفسك طريقة مستقيمة. # فعند ذلك اشتد بكهرداش الغضب، وحصل عنده ما يوجب العطب، فقال ل «كان ما كان»: ويلك! لو عرفت من أنا ما نطقت بهذا ms0503 الكلام في حومة الزحام، فاسأل عني، فأنا الأسد البطاش المعروف بكهرداش، الذي نهب الملوك الكبار، وقطع الطريق على جميع السفار، وأخذ أموال التجار، وهذا الحصان الذي تحتك طلبتي، وأريد أن تعرفني كيف وصلت إليه حتى استوليت عليه. فقال: اعلم أن هذا الجواد كان سائرا إلى عمي الملك ساسان تحت عجوز كبيرة، ولنا عندها ثأر من جهة جدي الملك عمر النعمان وعمي الملك شركان. فقال كهرداش: ويلك! ومن أبوك لا أم لك؟ فقال: اعلم أني كان ما كان بن ضوء المكان بن عمر النعمان. فلما سمع كهرداش هذا الخطاب قال: لا يستنكر عليك الكمال، والجمع بين الفروسية والجمال. ثم قال له: توجه بأمان؛ فإن أباك كان صاحب فضل وإحسان. فقال له «كان ما كان»: أنا والله ما أوقرك يا مهان. فاغتاظ البدوي، ثم حمل كل منهما على صاحبه، فسدت لهما الخيل آذانها، ورفعت أذنابها، ولم يزالا يصطدمان حتى ظن كل منهما أن السماء قد انشقت، ثم بعد ذلك تقاتلا ككباش النطاح، واختلفت بينهما طعنات الرماح، فحاوله كهرداش بطعنة، فزاغ عنها «كان ما كان»، ثم كر عليه وطعنه في صدره، فأطلع السنان من ظهره، وجمع الخيل والأسلاب، وصاح في العبيد: دونكم والسوق الشديد. فنزل عند ذلك صباح، وجاء إلى «كان ما كان» وقال له: أحسنت يا فارس الزمان، إني دعوت لك وقد استجاب ربي دعائي. ثم إن صباحا قطع رأس كهرداش، فضحك «كان ما كان» وقال له: ويلك يا صباح! كنت أظن أنك فارس الحرب والكفاح. فقال له: لا تنس عبدك من هذه الغنيمة، لعلي أصل بسببها إلى زواج بنت عمي نجمة. فقال له: لا بد لك فيها من نصيب، ولكن كن محافظا على الغنيمة والعبيد. # ثم إن كان ما كان سار متوجها إلى الديار، ولم يزل سائرا بالليل والنهار، حتى أشرف على مدينة بغداد، وعلمت به جميع الأجناد، ورأوا ما معه من الغنيمة والأموال، ورأس كهرداش على رمح صباح، وعرف التجار رأس كهرداش، ففرحوا وقالوا: لقد أراح الله الخلق منه؛ لأنه ms0504 كان قاطع الطريق. وتعجبوا من قتله، ودعوا لقاتله، وأتت أهل بغداد إلى «كان ما كان» بما جرى من الأخبار، فهابته جميع الرجال، وخافته الفرسان والأبطال، وساق ما معه إلى أن أوصله تحت القصر، وركز الرمح الذي عليه رأس كهرداش إلى باب القصر، ووهب للناس وأعطاهم الخيل والجمال، فأحبه أهل بغداد ومالت إليه القلوب، ثم أقبل على صباح، وأنزله في بعض الأماكن الفساح، ثم دخل على أمه، وأخبرها بما جرى له في سفره، وقد وصل إلى الملك خبره، فقام من مجلسه واختلى بخواصه، وقال لهم: اعلموا أني أريد أن أبوح لكم بسري، وأبدي لكم مكنون أمري، اعلموا أن «كان ما كان» هو الذي يكون سببا لانقلاعنا من هذه الأوطان؛ لأنه قتل كهرداش، مع أن له قبائل من الأكراد والأتراك، وأمرنا معه آيل إلى الهلاك، وأكثر خوفنا من أقاربه، وقد علمتم بما فعل الوزير دندان، فإنه جحد معروفي بعد الإحسان، وخانني في الأيمان، وبلغني أنه جمع عساكر البلدان، وقصد أن يسلطن «كان ما كان»؛ لأن السلطنة كانت لأبيه وجده، ولا شك أنه قاتلي لا محالة. # فلما سمع خواص مملكته منه هذا الكلام، قالوا له: أيها الملك، إنه أقل من ذلك، ولولا أننا علمنا بأنه تربيتك لم يقبل عليه منا أحد، واعلم أننا بين يديك؛ إن شئت قتله قتلناه، وإن شئت بعده أبعدناه. فلما سمع كلامهم قال: إن قتله هو الصواب، ولكن لا بد من أخذ الميثاق. فتحالفوا على أنهم لا بد أن يقتلوا «كان ما كان»، فإذا أتى الوزير دندان وسمع بقتله، تضعف قوته عما هو عازم عليه، فلما أعطوه العهد والميثاق على ذلك، أكرمهم غاية الإكرام، ثم دخل بيته، وقد تفرق عنه الرؤساء، وامتنعت العساكر من الركوب والنزول حتى يبصروا ما يكون؛ لأنهم رأوا غالب العسكر مع الوزير دندان، ثم إن الخبر وصل إلى «قضى فكان»، فحصل عندها غم زائد، وأرسلت إلى العجوز التي عادتها أن تأتيها من عند ابن عمها بالأخبار، فلما حضرت عندها أمرتها أن تذهب إليه وتخبره بالخبر، ms0505 فلما وصلت إليه العجوز سلمت عليه ففرح بها، وأخبرته بالخبر، فلما سمع ذلك قال: بلغي بنت عمي سلامي، وقولي لها: إن الأرض لله - عز وجل - يورثها من يشاء من عباده، وما أحسن قول القائل: # الملك لله من يظفر بنيل منى %~% يردده قهر ويضمن عنده الدركا ~~لو كان لي أو لغيري قدر أنملة %~% من التراب لكان الأمر مشتركا # فرجعت العجوز إلى بنت عمه وأخبرتها بما قاله، وأعلمتها بأن «كان ما كان» أقام في المدينة، ثم إن الملك ساسان صار ينتظر خروجه من بغداد ليرسل وراءه من يقتله، فاتفق أنه خرج إلى الصيد والقنص وخرج صباح معه؛ لأنه كان لا يفارقه ليلا ولا نهارا، فاصطاد عشر غزالات، وفيهن غزالة كحلاء العيون، صارت تتلفت يمينا وشمالا فأطلقها، فقال له صباح: لأي شيء أطلقت هذه الغزالة؟ فضحك «كان ما كان» وأطلق الباقي، وقال له: إن من المروءة إطلاق الغزالات التي لها أولاد، وما تتلفت تلك الغزالة إلا لأن لها أولادا، فأطلقتها وأطلقت الباقي في كرامتها. فقال له صباح: أطلقني حتى أروح إلى أهلي. فضحك وضربه بعقب الرمح على قلبه، فوقع على الأرض يلتوي كالثعبان. # فبينما هما كذلك، وإذا بغبرة ثائرة، وخيل تركض، وبان من تحتها فرسان وشجعان، وسبب ذلك أن الملك ساسان أخبره جماعة أن «كان ما كان» خرج إلى الصيد والقنص، فأرسل أميرا من الديلم يقال له جامع، ومعه عشرون فارسا، ودفع لهم المال، ثم أمرهم أن يقتلوا «كان ما كان»، فلما قربوا منه حملوا عليه وحمل عليهم، فقتلهم عن آخرهم، وإذا بالملك ساسان ركب وسار ولحق بالعسكر، فوجدهم مقتولين فتعجب ورجع، وإذ بأهاليهم قبضوا عليه وشدوا وثاقه، ثم إن «كان ما كان» توجه بعد ذلك من ذلك المكان، وتوجه معه صباح البدوي، فبينما هو سائر إذ رأى في طريقه شابا على باب دار، فألقى «كان ما كان» عليه السلام، فرد الشاب عليه السلام، ثم دخل الدار وخرج ومعه قصعتان: إحداهما فيها لبن، والثانية ثريد، والسمن في جوانبها يموج، ووضع القصعتين قدام «كان ms0506 ما كان»، وقال له: تفضل علينا بالأكل من زادنا. فامتنع «كان ما كان» من الأكل، فقال له الشاب: ما لك أيها الإنسان لا تأكل؟ فقال له «كان ما كان»: إنه علي نذر. فقال له الشاب: وما سبب نذرك؟ فقال له «كان ما كان»: اعلم أن الملك ساسان غصب ملكي ظلما وعدوانا، مع أن ذلك الملك كان لأبي وجدي من قبلي، فاستولى عليه قهرا بعد موت أبي، ولم يعتبرني لصغر سني، فنذرت أنني لا آكل لأحد زادا حتى أشفي فؤادي من غريمي. فقال له الشاب: أبشر فقد وفى الله نذرك، واعلم أنه مسجون في مكان، وأظنه يموت قريبا. فقال له «كان ما كان»: في أي بيت هو معتقل؟ فقال له: في تلك القبة العالية. فنظر «كان ما كان» إلى قبة عالية، ورأى الناس في تلك القبة يدخلون، وعلى ساسان يلطمون، وهو يتجرع غصص المنون، فقام «كان ما كان»، ومشى حتى وصل إلى تلك القبة، وعاين ما فيها، ثم عاد إلى موضعه، وقعد على الأكل وأكل ما تيسر، ووضع ما بقي من اللحم في مزوده، ثم جلس في مكانه، ولم يزل جالسا إلى أن أظلم الليل، ونام الشاب الذي ضيفه. # ثم ذهب «كان ما كان» إلى القبة التي فيها ساسان، وكان حولها كلاب يحرسونها، فوثب له كلب من الكلاب، فرمى له قطعة لحم من الذي في مزوده، وما زال يرمي للكلاب لحما حتى وصل إلى القبة، وتوصل إلى أن صار عند الملك ساسان، ووضع يده على رأسه، فقال له بصوت عال: من أنت؟ فقال: أنا «كان ما كان» الذي سعيت في قتله، فأوقعك الله في سوء تدبيرك، أما يكفيك أخذ ملكي وملك أبي وجدي حتى تسعى في قتلي؟ فحلف ساسان الأيمان الباطلة أنه لم يسع في قتله، وأن هذا الكلام غير صحيح، فصفح عنه «كان ما كان» وقال له: اتبعني. فقال: لا أقدر أن أخطو خطوة واحدة لضعف قوتي. فقال «كان ما كان»: إذا كان الأمر كذلك نأخذ لنا فرسين، ونركب أنا ms0507 وأنت ونطلب البر. ثم فعل كما قال، وركب هو وساسان، وسارا إلى الصباح، ثم صلوا الصبح وساروا، ولم يزالوا كذلك حتى وصلوا إلى بستان، فجلسوا فيه يتحدثون، ثم قام «كان ما كان» إلى ساسان، وقال له: هل بقي في قلبك مني أمر تكرهه؟ قال ساسان: لا والله. ثم اتفقوا على أنهم يرجعون إلى بغداد، فقال صباح البدوي: أنا أسبقكما لأبشر الناس. فسبق يبشر النساء والرجال، فخرجت إليه الناس بالدفوف والمزامير، وبرزت «قضى فكان» وهي مثل البدر بهي الأنوار في دياجي الاعتكار، فقابلها «كان ما كان»، وحنت الأرواح للأرواح، واشتاقت الأشباح للأشباح، ولم يبق لأهل العصر حديث إلا في «كان ما كان»، وشهد له الفرسان أنه أشجع أهل الزمان، وقالوا: لا يصلح أن يكون سلطانا علينا إلا «كان ما كان»، ويعود إلى ملك جده كما كان. # وأما ساسان فإنه دخل على نزهة الزمان فقالت له: إني أرى الناس ليس لهم حديث إلا في «كان ما كان»، ويصفونه بأوصاف يعجز عنها اللسان، فقال لها: ليس الخبر كالعيان، فإني رأيته ولم أر فيه صفة من صفات الكمال، وما كل ما يسمع يقال، ولكن الناس يقلد بعضهم بعضا في مدحه ومحبته، وأجرى الله على ألسنة الناس مدحه حتى مالت إليه قلوب أهل بغداد، والوزير دندان الغادر الخوان، وقد جمع له عساكر من سائر البلدان، ومن الذي يكون صاحب الأقطار، ويرضى أن يكون تحت يد حاكم يتيم ما له مقدار. فقالت له نزهة الزمان: وعلى ماذا عولت؟ فقال لها: عولت على قتله، ويرجع الوزير دندان خائبا في قصده، ويدخل تحت أمري وطاعتي، ولا يبقى له إلا خدمتي. فقالت له نزهة الزمان: إن الغدر قبيح بالأجانب فكيف بالأقارب؟ والصواب أن تزوجه ابنتك «قضى فكان»، وتسمع ما قيل فيما مضى من الزمان: # إذا رفع الزمان عليك شخصا %~% وكنت أحق منه ولو تصاعد ~~أنله حق رتبته تجده %~% ينيلك إن دنوت وإن تباعد ~~ولا تقل الذي تدريه فيه %~% تكن ممن عن الحسنى تقاعد ~~فكم في الخدر أبهى من عروس ms0508 %~% ولكن للعروس الدهر ساعد # فلما سمع ساسان هذا الكلام، وفهم الشعر والنظام، قام مغضبا من عندها وقال: لولا أني أعرف أنك تمزحين، لعلوت بالسيف رأسك وأخمدت أنفاسك. فقالت: حيث غضبت مني فأنا أمزح معك. ثم وثبت إليه، وقبلت رأسه ويديه، وقالت له: الصواب ما تراه، وسوف أتدبر أنا وأنت في حيلة نقتله بها. فلما سمع منها هذا الكلام، فرح وقال لها: عجلي بالحيلة وفرجي كربتي، فلقد ضاق علي باب الحيل. فقالت له: سوف أتحيل لك على إتلاف مهجته. فقال لها: بأي شيء؟ فقالت له: بجاريتنا التي اسمها باكون، فإنها في المكر ذات فنون. وكانت هذه الجارية من أنحس العجائز، وعدم الخبث في مذهبها غير جائز، وكانت قد ربت «كان ما كان» و«قضى فكان»، غير أن «كان ما كان» يميل إليها كثيرا، ومن فرط ميله إليها كان ينام تحت رجليها. فلما سمع الملك ساسان من زوجته هذا الكلام، قال: إن هذا الرأي هو الصواب. ثم أحضر الجارية باكون وحدثها بما جرى، وأمرها أن تسعى في قتله، ووعدها بكل جميل، فقالت له: أمرك مطاع، ولكن أريد يا مولاي أن تعطيني خنجرا قد سقي بماء الهلاك، لأعجل لك بإتلافه. فقال لها ساسان: مرحبا بك. ثم أحضر لها خنجرا يكاد أن يسبق القضاء، وكانت هذه الجارية قد سمعت الحكايات والأشعار، وتحفظ النوادر والأخبار، فأخذت الخنجر وخرجت من الديار مفكرة فيما يكون به الدمار، وأتت إلى «كان ما كان» وهو قاعد ينتظر وعد السيدة «قضى فكان»، وكان في تلك الليلة قد تذكر بنت عمه «قضى فكان»، فالتهبت من حبها في قلبه النيران، فبينما هو كذلك وإذا بالجارية باكون داخلة عليه وهي تقول: آن أوان الوصال، ومضت أيام الانفصال. فلما سمع ذلك قال لها: كيف حال «قضى فكان»؟ فقالت له باكون: اعلم أنها مشتغلة بحبك. فعند ذلك قام «كان ما كان» إليها، وخلع أثوابه عليها، ووعدها بكل جميل، فقالت له: اعلم أنني أنام عندك الليلة وأحدثك بما سمعت من الكلام، وأسليك بحديث كل متيم أمرضه الغرام. ms0509 فقال لها «كان ما كان»: حدثيني بحديث يفرح به قلبي، ويزول به كربي. فقالت له باكون: حبا وكرامة. ثم جلست إلى جانبه وذلك الخنجر من داخل أثوابها، فقالت له: اعلم أن أعذب ما سمعت أذني أن رجلا كان يعشق الملاح، وصرف عليهن ماله حتى افتقر وصار لا يملك شيئا، فضاقت عليه الدنيا، فصار يمشي في الأسواق ويفتش على شيء يقتات به، فبينما هو ماش وإذا بقطعة مسمار شكته في إصبعه فسال دمه، فقعد ومسح الدم وعصب إصبعه، ثم قام وهو يصرخ حتى جاز على الحمام ودخلها، ثم قلع ثيابه، فلما صار داخل الحمام وجدها نظيفة، فجلس على الفسقية، وما زال ينزح الماء على رأسه إلى أن تعب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 143 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه جلس على الفسقية وما زال ينزح الماء على رأسه إلى أن تعب، فخرج إلى الحوض البارد فلم يجد أحدا، فاختلى بنفسه وطلع قطعة حشيش وبلعها، فساحت في مخه فانقلب على الرخام، وخيل له الحشيش أن مهتارا كبيرا يكبسه، وعبدين واقفان على رأسه؛ واحد معه الطاسة، والآخر معه آلة الحمام وما يحتاج إليه البلان، فلما رأى ذلك قال في نفسه: كأن هؤلاء غلطوا في أو من طائفتنا الحشاشين. ثم إنه مد رجليه، فتخيل له أن البلان قال له: يا سيدي، قد أزف الوقت على طلوعك، واليوم نوبتك. فضحك وقال في نفسه: ما شاء الله يا حشيش. ثم قعد وهو ساكت، فقام البلان وأخذ بيده، وأدار على وسطه ميزرا من الحرير الأسود، ومشى العبدان وراءه بالطاسات والحوائج، ولم يزالوا به حتى أدخلوه الخلوة وأطلقوا فيها البخور، فوجدها ملآنة من سائر الفواكه والمشموم، وشقوا له بطيخة، وأجلسوه على كرسي من الأبنوس، ووقف البلان يغسله، والعبدان يصبان الماء، ثم دلكوه دلكا جيدا وقالوا له: يا مولانا الصاحب، نعيم دائم. ثم خرجوا وردوا عليه الباب، فلما تخيل ذلك، قام ورفع الميزر من وسطه، وصار يضحك إلى أن غشي عليه، واستمر ساعة ms0510 يضحك، ثم قال في نفسه: ما بالهم يخاطبونني خطاب الوزير، ويقولون يا مولانا الصاحب؟ ولعل الأمر التبس عليهم في هذه الساعة، وبعد ذلك يعرفونني ويقولون هذا زليط، ويشبعون صكا في رقبتي. # ثم إنه استحمى وفتح الباب، فتخيل أن مملوكا صغيرا وطواشيا قد دخلا عليه؛ فالمملوك معه بقجة، ففتحها وأخرج منها ثلاث فوط من الحرير، فرمى الأولى على رأسه، والأخرى على أكتافه، وحزمه بالثالثة، وقدم له الطواشي قبقابا فلبسه، وأقبلت عليه مماليك وطواشية وصاروا يسندونه، وكل ذلك حصل وهو يضحك إلى أن خرج، وطلع الليوان، فوجد فرشا عظيما لا يصلح إلا للملوك، وتبادرت إليه الغلمان، وأجلسوه على المرتبة، وصاروا يكبسونه حتى غلب عليه النوم، فلما نام رأى في حضنه صبية فباسها، ووضعها بين فخذيه، وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، وقبض ذكره بيده، وسحبها عنده وعصرها تحته، وإذا بواحد يقول له: انتبه يا زليط، قد جاء الظهر وأنت نائم. ففتح عينه فوجد روحه على الحوض البارد، وحوله جماعة يضحكون عليه، وأيره قائم، والفوطة انحلت من وسطه، وتبين له أن كل هذا أضغاث أحلام وتخيلات حشيش، فاغتم ونظر إلى الذي نبهه، وقال: كنت اصبر حتى أحطه. فقال له الناس: أما تستحي يا حشاش وأنت نائم وذكرك قائم؟ وصكوه حتى احمر قفاه وهو جيعان، وقد ذاق طعم السعادة وهو في المنام. # فلما سمع «كان ما كان» من الجارية هذا الكلام، ضحك حتى استلقى على قفاه، وقال لباكون: يا دادتي، إن هذا حديث عجيب؛ فإني ما سمعت مثل هذه الحكاية، فهل عندك غيرها؟ فقالت له: نعم. ثم إن الجارية باكون لم تزل تحدث «كان ما كان» بمخارق حكايات ونوادر مضحكات حتى غلب عليه النوم، ولم تزل تلك الجارية جالسة عند رأسه حتى مضى غالب الليل، فقالت في نفسها: هذا وقت انتهاز الفرصة. ثم نهضت وسلت الخنجر، ووثبت على «كان ما كان» وأرادت ذبحه، وإذا بأم «كان ما كان» دخلت عليهما، فلما رأتها باكون قامت لها واستقبلتها، ثم لحقها الخوف فصارت تنتفض كأنها أخذتها الحمى، ms0511 فلما رأتها أم «كان ما كان» تعجبت ونبهت ولدها من النوم، فلما استيقظ وجد أمه جالسة فوق رأسه، وكان السبب في حياته مجيئها، وسبب مجيء أمه إليه أن «قضى فكان» سمعت الحديث والاتفاق على قتله، فقالت لأمه: يا زوجة عمي، الحقي ولدك قبل أن تقتله العاهرة باكون. وأخبرتها بما جرى من أوله إلى آخره، فخرجت وهي لا تفعل شيئا حتى دخلت في الساعة التي نام فيها، وهمت باكون عليه تريد ذبحه، فلما استيقظ قال لأمه: لقد جئت يا أمي في وقت طيب، ودادتي باكون حاضرة عندي في تلك الليلة. ثم إنه التفت إلى باكون، وقال لها: بحياتي عليك، هل تعرفين حكاية أحسن من الحكايات التي حدثتني بها؟ فقالت له الجارية: وأين ما حدثتك به سابقا مما أحدثك به الآن؟ فإنه أعذب وأغرب، ولكن أحكيه لك في غير هذا الوقت. ثم قامت باكون وهي لا تصدق بالنجاة، فقال لها: مع السلامة. ولمحت بمكرها أن أمه عندها خبر بما حصل، فذهبت إلى حالها، فعند ذلك قالت له والدته: يا ولدي، هذه ليلة مباركة حيث نجاك الله من هذه الملعونة. فقال لها: وكيف ذلك؟ فأخبرته بالأمر من أوله إلى آخره، فقال لها: يا والدتي، إن الحي ما له قاتل، وإن قتل لا يموت، ولكن الأحوط لنا أننا نرحل من عند هؤلاء الأعداء، والله يفعل ما يريد. # فلما أصبح الصباح خرج «كان ما كان» من المدينة، واجتمع بالوزير دندان، وبعد خروجه حصلت أمور بين الملك ساسان ونزهة الزمان أوجبت خروج نزهة الزمان أيضا من المدينة، فاجتمعت بهم، واجتمع عليهم أرباب دولة الملك ساسان الذين يميلون إليهم، فجلسوا يدبرون الحيلة، فأجمع رأيهم على غزو ملك الروم وأخذ الثأر، ثم توجهوا إلى غزو الروم ووقعوا في أسر الملك رومزان بعد أمور يطول شرحها كما يظهر من السياق. فلما أصبح، أمر الملك رومزان أن يحضر «كان ما كان» والوزير دندان وجماعتهما، فحضروا بين يديه وأجلسهم بجانبه، وأمر بإحضار الموائد فأحضرت، فأكلوا وشربوا واطمأنوا بعد أن أيقنوا بالموت ms0512 لما أمر بإحضارهم، وقالوا لبعضهم: إنه ما أرسل إلينا إلا لأنه يريد قتلنا. وبعد أن اطمأنوا قال لهم الملك: إني رأيت مناما، وقصصته على الرهبان، فقالوا: ما يفسره لك إلا الوزير دندان. فقال له الوزير: خيرا رأيت يا ملك الزمان. فقال له: أيها الوزير، رأيت أني في حفرة على صفة بئر أسود، وكان أقواما يعذبونني، فأردت القيام، فلما نهضت وقعت على أقدامي، وما قدرت على الخروج من تلك الحفرة، ثم التفت فرأيت فيها منطقة من ذهب، فمددت يدي لآخذها، فلما رفعتها من الأرض رأيتها منطقتين، فشددت وسطي بهما، فإذا هما قد صارتا منطقة واحدة، وهذا أيها الوزير منامي، والذي رأيته في لذيذ أحلامي. # فقال له الوزير دندان: اعلم يا مولانا السلطان، أن رؤياك تدل على أن لك أخا وابن أخ أو ابن عم أو أحدا يكون من أهلك من دمك ولحمك، وعلى كل حال هو من العصب. فلما سمع الملك هذا الكلام، نظر إلى كان ما كان ونزهة الزمان وقضى فكان والوزير دندان ومن معهم من الأسارى، وقال في نفسه: إذا رميت رقاب هؤلاء انقطعت قلوب عسكرهم بهلاك أصحابهم، ورجعت إلى بلادي عن قريب لئلا يخرج الملك من يدي. ولما صمم على ذلك استدعى بالسياف وأمره أن يضرب رقبة «كان ما كان» من وقته وساعته، وإذا بداية الملك قد أقبلت في تلك الساعة، فقالت له: أيها الملك السعيد، على ماذا عولت؟ فقال لها: عولت على قتل هؤلاء الأسارى الذين في قبضتي، وبعد ذلك أرمي رءوسهم إلى أصحابهم، ثم أحمل أنا وأصحابي عليهم حملة واحدة، فنقتل الذي نقتله ونهزم الباقي، وتكون هذه وقعة الانفصال، وأرجع إلى بلادي عن قريب قبل أن يحدث بعد الأمور أمور في مملكتي. # فعندما سمعت منه دايته هذا الكلام، أقبلت عليه وقالت له بلسان الإفرنج: كيف يطيب عليك أن تقتل ابن أختك وأختك وابنة أختك؟ فلما سمع الملك من دايته هذا الكلام، اغتاظ غيظا شديدا وقال لها: يا ملعونة، ألم تعلمي أن أمي قد قتلت، وأن أبي ms0513 قد مات مسموما، وأعطيتني خرزة وقلت لي: إن هذه الخرزة كانت لأبيك، فلم لا تصدقيني في الحديث؟ فقالت له: كل ما أخبرتك به صدق، ولكن شأني وشأنك عجيب، وأمري وأمرك غريب؛ فإنني أنا اسمي مرجانة، واسم أمك إبريزة، وكانت ذات حسن وجمال، وشجاعتها تضرب بها الأمثال، واشتهرت بالشجاعة بين الأبطال، وأما أبوك فإنه الملك عمر النعمان صاحب بغداد وخراسان من غير شك ولا ريب، ولا رجم غيب، وكان قد أرسل ولده شركان إلى بعض غزواته صحبة هذا الوزير دندان، وكان منهم الذي قد كان، وكان أخوك الملك شركان تقدم على الجيوش، وانفرد وحده عن عسكره، فوقع عند أمك الملكة إبريزة في قصرها، ونزلنا وإياها في خلوة للصراع، فصادفنا ونحن على تلك الحالة، فتصارع مع أمك وغلبته لباهر حسنها وشجاعتها، ثم استضافته أمك مدة خمسة أيام في قصرها، فبلغ أباك ذلك الخبر من العجوز شواهي الملقبة بذات الدواهي، وكانت أمك قد أسلمت على يد شركان أخيك، فأخذها وتوجه بها إلى مدينة بغداد سرا، وكنت أنا وريحانة وعشرون جارية معها، وكنا قد أسلمنا كلنا على يد الملك شركان، فلما دخلنا على أبيك الملك عمر النعمان، ورأى أمك الملكة إبريزة، وقع في قلبه محبتها، فدخل عليها ليلة واختلى بها فحملت بك، وكان مع أمك ثلاث خرزات فأعطتها لأبيك، فأعطى خرزة لابنته نزهة الزمان، وأعطى الثانية لأخيك ضوء المكان، وأعطى الثالثة لأخيك الملك شركان، فأخذتها منه الملكة إبريزة وحفظتها لك، فلما قربت ولادتها اشتاقت أمك إلى أهلها، وأطلعتني على سرها، فاجتمعت بعبد أسود يقال له الغضبان، وأخبرته بالخبر سرا، ورغبته في أن يسافر معنا، فأخذنا العبد وطلع بنا من المدينة وهرب بنا، وكانت أمك قد قربت ولادتها، فلما دخلنا على أوائل بلادنا في مكان منقطع، أخذ أمك الطلق بولادتك، فحدث العبد نفسه بالخنا فأتى أمك، فلما قرب منها راودها على الفاحشة، فصرخت عليه صرخة عظيمة وانزعجت منه، فمن عظم انزعاجها وضعتك حالا، وكان في تلك الساعة قد طلع علينا في البر من ناحية بلادنا ms0514 غبار قد علا وطار حتى سد الأقطار، فخشي العبد على نفسه الهلاك، فضرب الملكة إبريزة بسيفه فقتلها من شدة غيظه، وركب جواده وتوجه إلى حال سبيله، وبعدما راح العبد انكشف الغبار عن جدك الملك حردوب ملك الروم، فرأى أمك ابنته وهي في ذلك المكان قتيلة، وعلى الأرض جديلة، فصعب ذلك عليه وكبر لديه، وسألني عن سبب قتلها وعن سبب خروجها خفية من بلاد أبيها، فحكيت له جميع ذلك من الأول إلى الآخر؛ وهذا هو سبب العداوة بين أهل بلاد الروم وبين أهل بغداد، فعند ذلك احتملنا أمك وهي قتيلة، ودفناها في قصرها، وقد احتملتك أنا وربيتك، وعلقت لك الخرزة التي كانت مع أمك الملكة إبريزة، ولما كبرت وبلغت مبلغ الرجال، لم يمكني أن أخبرك بحقيقة الأمر؛ لأنني لو أخبرتك بذلك لثارت بينكم الحروب، وقد أمرني جدك بالكتمان، ولا قدرة لي على مخالفة أمر جدك الملك حردوب ملك الروم، فهذا سبب كتمان الخبر عنك، وعدم إعلامك بأن أباك الملك عمر النعمان، فلما استقللت بالملك أخبرتك، وما أمكنني أن أعلمك إلا في هذا الوقت يا ملك الزمان، وقد كشفت لك السر والبرهان، وهذا ما عندي من الخبر، وأنت برأيك أخبر. # وكان الأسارى قد سمعوا من الجارية مرجانة داية الملك هذا الكلام جميعه؛ فصاحت نزهة الزمان من وقتها وساعتها صيحة عظيمة، وقالت: هذا الملك رومزان أخي من أبي عمر النعمان، وأمه الملكة إبريزة بنت الملك حردوب ملك الروم، وأنا أعرف هذه الجارية مرجانة حق المعرفة. فلما سمع الملك رومزان هذا الكلام أخذته الحدة، وصار متحيرا في أمره، وأحضر من وقته وساعته نزهة الزمان بين يديه، فلما رآها حن الدم للدم، واستخبرها عن قصته فحكت له القصة، فوافق كلامها كلام دايته مرجانة، فصح عند الملك أنه من أهل العراق من غير شك ولا ارتياب، وأن أباه الملك عمر النعمان، فقام من تلك الساعة وحل كتاف أخته نزهة الزمان، فتقدمت إليه وقبلت يديه، ودمعت عيناها، فبكى الملك لبكائها، وأخذته حنية الأخوة، ومال قلبه إلى ابن ms0515 أخيه السلطان «كان ما كان»، وقام ناهضا على قدميه، وأخذ السيف من يد السياف، فأيقن الأسارى بالهلاك لما رأوا منه ذلك، فأمر بإحضارهم بين يديه وفك وثاقهم، وقال لدايته مرجانة: اشرحي حديثك الذي شرحته لي لهؤلاء الجماعة. فقالت دايته مرجانة: اعلم أيها الملك أن هذا الشيخ هو الوزير دندان، وهو لي أكبر شاهد؛ لأنه يعرف حقيقة الأمر. ثم إنها أقبلت عليهم من وقتها وساعتها، وعلى من حضرهم من ملوك الروم وملوك الإفرنج، وحدثتهم بذلك الحديث، والملكة نزهة الزمان والوزير دندان ومن معها من الأسارى يصدقونها على ذلك، وفي آخر الحديث لاحت من الجارية مرجانة التفاتة، فرأت الخرزة الثالثة بعينها رفيقة الخرزتين اللتين كانتا مع الملكة إبريزة في رقبة السلطان «كان ما كان» فعرفتها، فصاحت صيحة عظيمة دوى لها الفضاء، وقالت للملك: يا ولدي، اعلم أنه قد زاد في تلك الساعة صدق يقيني؛ لأن هذه الخرزة التي في رقبة هذا الأسير نظير الخرزة التي وضعتها في عنقك، وهي رفيقتها، وهذا الأسير هو ابن أخيك، وهو «كان ما كان». # ثم إن الجارية مرجانة التفتت إلى «كان ما كان»، وقالت له: أرني هذه الخرزة يا ملك الزمان. فنزعها من عنقه وناولها لتلك الجارية داية الملك رومزان، فأخذتها منه ثم سألت نزهة الزمان عن الخرزة الثالثة فأعطتها لها، فلما صارت الخرزتان في يد الجارية، ناولتهما للملك رومزان فظهر له الحق والبرهان، وتحقق أنه عم السلطان «كان ما كان»، وأن أباه الملك عمر النعمان، فقام من وقته وساعته إلى الوزير دندان وعانقه، ثم عانق الملك «كان ما كان»، وعلا الصياح بكثرة الأفراح، وفي تلك الساعة انتشرت البشائر، ودقت الكاسات والطبول، وزمرت الزمور، وزادت الأفراح، وسمع عساكر العراق والشام ضجيج الروم بالأفراح، فركبوا عن آخرهم، وركب الملك الزبلكان، وقال في نفسه: يا ترى ما سبب هذا الصياح والسرور الذي في عسكر الإفرنج والروم؟ وأما عسكر العراق فإنهم قد أقبلوا، وعلى القتال عولوا، وصاروا في الميدان، ومقام الحرب والطعان، فالتفت الملك رومزان فرأى العساكر مقبلين للحرب متهيئين، ms0516 فسأل عن سبب ذلك فأخبروه بالخبر، فأمر «قضى فكان» ابنة أخيه شركان أن تسير من وقتها وساعتها إلى عسكر الشام والعراق، وتعلمهم بحصول الاتفاق، وأن الملك رومزان ظهر أنه عم السلطان «كان ما كان»، فسارت «قضى فكان» بنفسها، ونفت عنها الشرور والأحزان حتى وصلت إلى الملك الزبلكان، وسلمت عليه وأعلمته بما جرى من الاتفاق، وأن الملك رومزان ظهر أنه عمها وعم «كان ما كان»، وحين أقبلت عليه وجدته باكي العين، خائفا على الأمراء والأعيان، فشرحت له القصة من أولها إلى آخرها، فزادت أفراحهم، وزالت أتراحهم، وركب الملك الزبلكان هو وجميع الأكابر والأعيان، وسارت قدامهم الملكة «قضى فكان» حتى أوصلتهم إلى سرادق الملك رومزان. # فلما دخلوا عليه وجدوه جالسا مع ابن أخيه السلطان «كان ما كان»، وقد استشاره هو والوزير دندان في أمر الملك الزبلكان، فاتفقوا على أنهم يسلمون إليه مدينة دمشق الشام ويتركونه ملكا عليها كما كان مثل العادة، وهم يدخلون إلى العراق؛ فجعلوا الملك الزبلكان عاملا على دمشق الشام، ثم أمروه بالتوجه إليها، فتوجه بعساكره إليها، ومشوا معه ساعة لأجل الوداع، وبعد ذلك رجعوا إلى مكانهم، ثم نادوا في العسكر بالرحيل إلى بلاد العراق، واجتمع العسكران مع بعضهم، ثم إن الملوك قالوا لبعضهم: ما بقيت قلوبنا تستريح ولا يشفى غيظنا إلا بأخذ الثأر، وكشف العار بالانتقام من العجوز شواهي الملقبة بذات الدواهي، فعند ذلك سار الملك رومزان مع خواصه وأرباب دولته، وفرح السلطان «كان ما كان» بعمه الملك رومزان، ودعا للجارية مرجانة حيث عرفتهم ببعضهم، ثم ساروا، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى أرضهم، فسمع بهم الحاجب الكبير ساسان، فطلع وقبل يد الملك رومزان فخلع عليه. ثم إن الملك رومزان جلس وأجلس ابن أخيه السلطان «كان ما كان» إلى جانبه، فقال «كان ما كان» إلى عمه الملك رومزان: يا عم، ما يصلح هذا الملك إلا لك. فقال له: معاذ الله أن أعارضك في ملكك. فعند ذلك أشار عليهما الوزير دندان أن يكون الاثنان في الملك سواء، وكل واحد يحكم ms0517 يوما، فارتضيا بذلك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 144 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنهما اتفقا على أن كل واحد يحكم يوما، ثم أولموا الولائم، وذبحوا الذبائح، وزادت بهم الأفراح، وأقاموا على ذلك مدة من الزمان، كل ذلك والسلطان «كان ما كان» يقطع ليله مع بنت عمه «قضى فكان»، وبعد تلك المدة، بينما هم قاعدون فرحون بهذا الأمر، وانصلاح الشأن؛ إذ ظهر لهم غبار قد علا وطار حتى سد الأقطار، وقد أتى إليهم من التجار صارخ يستغيث وهو يصيح ويقول: يا ملوك الزمان، كيف أسلم في بلاد الكفر وأنهب في بلادكم وهي بلاد العدل والأمان؟ فأقبل عليه الملك رومزان وسأله عن حاله، فقال له: أنا تاجر من التجار، ولي غائب عن الأوطان مدة مديدة من الزمان، واستغرقت في البلاد نحو عشرين سنة من الأعوام، وإن معي كتابا من مدينة دمشق كان قد كتبه لي المرحوم الملك شركان، وسبب ذلك أنني كنت قد أديت إليه جارية، فلما قربت من تلك البلاد، وكان معي مائة حمل من تحف الهند، وأتيت بها إلى بغداد التي هي حرمكم، ومحل أمنكم وعدلكم، فخرجت علينا عربان ومعهم أكراد مجتمعة من جميع البلاد، فقتلوا رجالي ونهبوا أموالي، وهذا شرح حالي. # ثم إن التاجر بكى بين يدي الملك رومزان وحوقل واشتكى، فرحمه الملك ورق إليه، وكذلك رحمه ابن أخيه الملك «كان ما كان»، وحلفوا أنهم يخرجون إليهم، فخرجوا إليهم في مائة فارس، كل فارس منهم يعد بين الرجال بألوف، وذلك التاجر سار أمامهم يدلهم على الطريق، ولم يزالوا سائرين ذلك النهار وطول الليل إلى السحر، حتى أشرفوا على واد غزير الأنهار كثير الأشجار، فوجدوا القوم قد تفرقوا في ذلك الوادي، وقسموا بينهم أحمال ذلك التاجر، وبقي البعض فأطبق عليهم المائة فارس، وأحاطوا بهم من كل مكان، وصاح عليهم الملك رومزان هو وابن أخيه «كان ما كان»، فما كان غير ساعة حتى أسروا الجميع، وكانوا نحو ثلاثمائة فارس مجتمعين من أوباش العربان، فلما أسروهم ms0518 أخذوا ما معهم من مال التاجر، وشدوا وثاقهم، وطلعوا بهم إلى مدينة بغداد، فعند ذلك جلس الملك رومزان هو وابن أخيه الملك «كان ما كان» على تخت واحد مع بعضهما، ثم عرضوا الجميع بين أيديهما، وسألاهم عن حالهم، وعن كبارهم، فقالوا: ما لنا كبار غير ثلاثة أشخاص، وهم الذين جمعونا من سائر النواحي والأقطار. فقالا لهم: ميزوهم لنا بأعيانهم. فميزوهم لهما، فأمرا بالقبض عليهم، وإطلاق بقية أصحابهم بعد أخذ جميع ما معهم من الأموال، وتسليمه للتاجر، فتفقد التاجر قماشه وماله فوجده قد هلك ربعه، فوعداه أنهما يعوضان له جميع ما ضاع منه، فعند ذلك أخرج التاجر كتابين: أحدهما بخط شركان، والآخر بخط نزهة الزمان، وقد كان التاجر اشترى نزهة الزمان من البدوي وهي بكر، وقدمها لأخيها شركان، وجرى بينها وبين أخيها ما جرى. # ثم إن الملك «كان ما كان» وقف على الكتابين، وعرف خط عمه شركان، وسمع حكاية عمته نزهة الزمان، فدخل بذلك الكتاب الثاني الذي كانت كتبته للتاجر الذي ضاع منه المال، وأخبرها «كان ما كان» بقصة التاجر من أولها إلى آخرها، فعرفته نزهة الزمان وعرفت خطها، وأخرجت للتاجر الضيافات، ووصت عليه أخاها الملك رومزان، وابن أخيها الملك «كان ما كان»، فأمرا له بأموال وعبيد وغلمان من أجل خدمته، وأرسلت إليه نزهة الزمان مائة ألف درهم من المال، وخمسين حملا من البضائع، وقد أتحفته بهدايا، وأرسلت إليه تطلبه، فلما حضر طلعت وسلمت عليه، وأعلمته أنها بنت الملك عمر النعمان، وأن أخاها الملك رومزان، وأن ابن أخيها الملك «كان ما كان»، ففرح التاجر بذلك فرحا شديدا، وهنأها بسلامتها واجتماعها بأخيها وابن أخيها، وقبل يدها وشكرها على فعلها، وقال لها: والله ما ضاع الجميل معك. ثم دخلت إلى خدرها، وأقام التاجر عندهم ثلاثة أيام ثم ودعهم ورحل إلى بلاد الشام. # وبعد ذلك أحضر الملوك الثلاثة أشخاص اللصوص الذين كانوا رؤساء قطاع الطريق، وسألوهم عن حالهم؛ فتقدم واحد منهم وقال: اعلموا أني رجل بدوي، أقف في الطريق لأخطف الصغار والبنات الأبكار، وأبيعهم ms0519 للتجار، ودمت على ذلك مدة من الزمان إلى هذه الأيام، وأغراني الشيطان فاتفقت مع هذين الشقيين على جمع الأوباش من الأعراب والبلدان لأجل نهب الأموال، وقطع الطريق على التجار. فقالوا له: احك لنا على أعجب ما رأيت في خطفك الصغار والبنات. فقال لهم: أعجب ما جرى لي يا ملوك الزمان، أنني من مدة اثنتين وعشرين سنة خطفت بنتا من بنات بيت المقدس ذات يوم من الأيام، وكانت تلك البنت ذات حسن وجمال، غير أنها كانت خدامة، وعليها أثواب خلقة، وعلى رأسها قطعة عباءة، فرأيتها قد خرجت من الخان، فخطفتها بحيلة في تلك الساعة، وحملتها على جمل وسبقت بها، وكان في أملي أنني أذهب بها إلى أهلي في البرية، وأجعلها عندي ترعى الجمال، وتجمع البعر من الوادي، فبكت بكاء شديدا، فدنوت منها وضربتها ضربا وجيعا، وأخذتها وسرت بها إلى مدينة دمشق، فرآها معي تاجر فتحير عقله لما رآها، وأعجبته فصاحتها وأراد شراءها مني، ولم يزل يزيدني في ثمنها حتى بعتها له بمائة ألف درهم، فعندما أعطيتها له رأيت منها فصاحة عظيمة، وبلغني أن التاجر كساها كسوة مليحة، وقدمها إلى الملك صاحب دمشق، فأعطاه قدر المبلغ الذي دفعه إلي مرتين، وهذا يا ملوك الزمان أعجب ما جرى، ولعمري إن ذلك الثمن قليل في تلك البنت. # فلما سمع الملوك هذه الحكاية تعجبوا، ولما سمعت نزهة الزمان من البدوي ما حكاه صار الضياء في وجهها ظلاما، وصاحت وقالت لأخيها رومزان: إن هذا البدوي كان خطفني من بيت المقدس بعينه من غير شك. ثم إن نزهة الزمان حكت لهم جميع ما جرى لها معه في غربتها من الشدائد والضرب والجوع والذل والهوان، ثم قالت لهم: الآن حل لي قتله. ثم جذبت السيف وقامت إلى البدوي لقتله، وإذا هو صاح وقال: يا ملوك الزمان، لا تدعوها تقتلني حتى أحكي لكم ما جرى لي من العجائب. فقال لها ابن أخيها «كان ما كان»: يا عمتي، دعيه يحكي لنا حكاية، وبعد ذلك فافعلي ما تريدين. فرجعت عنه، فقال ms0520 له الملوك: الآن احك لنا حكاية. فقال: يا ملوك الزمان، إن حكيت لكم حكاية عجيبة تعفوا عني؟ قالوا: نعم. فابتدأ البدوي يحدثهم بأعجب ما وقع له، وقال: اعلموا أني من مدة يسيرة، أرقت ليلة أرقا شديدا، وما صدقت أن الصباح يصبح، فلما أصبح الصباح قمت من وقتي وساعتي، وتقلدت سيفي، وركبت جوادي، واعتقلت رمحي، وخرجت أريد الصيد والقنص، فواجهني جماعة في الطريق، فسألوني عن قصدي فأخبرتهم به، فقالوا: ونحن رفقاؤك. فنزلنا كلنا مع بعضنا، فبينما نحن سائرون، وإذا بنعامة ظهرت لنا فقصدناها، ففرت من بين أيدينا وهي فاتحة أجنحتها، ولم تزل شاردة ونحن خلفها إلى الظهر حتى رمتنا في برية لا نبات فيها ولا ماء، ولم نسمع فيها غير صفير الحيات، وزعيق الجان، وصريخ الغيلان، فلما وصلنا إلى ذلك المكان، غابت عنا فلم ندر أفي السماء طارت أم في الأرض غارت، فرددنا رءوس الخيل وأردنا الرواح، ثم رأينا أن الرجوع في هذا الوقت الشديد الحر لا خير فيه ولا إصلاح، وقد اشتد علينا الحر وعطشنا عطشا شديدا، ووقفت خيولنا فأيقنا بالموت. # فبينما نحن كذلك إذ نظرنا من بعيد مرجا أفيح فيه غزلان تمرح، وهناك خيمة مضروبة، وفي جانب الخيمة حصان مربوط، وسنان يلمع على رمح مركوز، فانتعشت نفوسنا من بعد اليأس، ورددنا رءوس خيلنا نحو تلك الخيمة نطلب ذلك المرج والماء، وتوجه إليه جميع أصحابي وأنا في أولهم، ولم نزل سائرين حتى وصلنا إلى ذلك المرج، فوقفنا على عين وشربنا، وسقينا خيلنا، فأخذتني حمية الجاهلية وقصدت باب ذلك الخباء، فرأيت فيه شابا لا نبات بعارضيه وهو كأنه هلال، وعن يمينه جارية هيفاء كأنها قضيب بان، فلما نظرت إليها وقعت محبتها في قلبي، فسلمت على ذلك الشاب فرد علي السلام، فقلت: يا أخا العرب، أخبرني من أنت؟ وما تكون لك تلك الجارية التي عندك؟ فأطرق الشاب رأسه إلى الأرض ساعة، ثم رفع رأسه وقال: أخبرني من أنت؟ وما الخيل التي معك؟ فقلت: أنا حماد بن الفزاري الفارس الموصوف، الذي أعد بين ms0521 العرب بخمسمائة فارس، ونحن خرجنا من محلنا نريد الصيد والقنص، فأدركنا العطش، فقصدت أنا باب تلك الخيمة لعلي أجد عندكم شربة ماء. فلما سمع مني ذلك الكلام التفت إلى الجارية المليحة، وقال: ائت إلى هذا الرجل بالماء، وما حصل من الطعام. فقامت الجارية تسحب أذيالها، والحجول والذهب تخشخش في رجليها وهي تتعثر في شعرها، وغابت قليلا، ثم أقبلت وفي يدها اليمنى إناء من فضة مملوء ماء باردا، وفي يدها اليسرى قدح ملآن تمرا ولبنا وما حضر من لحم الوحوش، فما استطعت أن آخذ من الجارية طعاما ولا شرابا من شدة محبتي لها، فتمثلت بهذين البيتين، وقلت: # كأن الخضاب على كفها %~% غراب على ثلجة واقف ~~ترى الشمس والبدر من وجهها %~% قريبين خاف وذا خائف # ثم قلت للشاب بعد أن أكلت وشربت: يا وجه العرب، اعلم أني أوقفتك على حقيقة خبري، وأريد أن تخبرني بحالك، وتوقفني على حقيقة خبرك. فقال الشاب: أما هذه الجارية فهي أختي. فقلت: أريد أن تزوجني بها طوعا، وإلا أقتلك وآخذها غصبا. فعند ذلك أطرق الشاب رأسه إلى الأرض ساعة، ثم رفع بصره إلي وقال لي: لقد صدقت في دعواك أنك فارس معروف، وبطل موصوف، وأنك أسد البيداء، ولكن إن هجمتم علي غدرا وقتلتموني قهرا وأخذتم أختي، فإن هذا يكون عارا عليكم، وإن كنتم على ما ذكرتم من أنكم فرسان تعدون من الأبطال، ولا تبالون بالحرب والنزال، فأمهلوني قليلا حتى ألبس آلة حربي، وأتقلد سيفي، وأعتقل رمحي، وأركب فرسي، وأصبر أنا وإياكم في ميدان الحرب، فإن ظفرت بكم أقتلكم عن آخركم، وإن ظفرتم بي وقتلتموني فهذه الجارية أختي لكم. فلما سمعت منه هذا الكلام قلت له: إن هذا هو الإنصاف، وما عندنا خلاف. ثم رددت رأس جوادي إلى خلفي، وقد زادني الجنون في محبة تلك الجارية، ورجعت إلى أصحابي ووصفت لهم حسنها وجمالها، وحسن الشاب الذي عندها، وشجاعته وقوة جنانه، وكيف يذكر أنه يصادم ألف فارس، ثم أعلمت أصحابي بجميع ما في الخباء من الأموال والتحف، وقلت لهم: ms0522 اعلموا أن هذا الشاب ما هو منقطع في تلك الأرض إلا لكونه ذا شجاعة عظيمة، وأنا أوصيكم أن كل من قتل هذا الغلام يأخذ أخته. فقالوا: رضينا بذلك. ثم إن أصحابي لبسوا آلة حربهم، وركبوا خيولهم، وقصدوا الغلام، فوجدوه قد لبس آلة حربه، وركب جواده، ووثبت إليه أخته وتعلقت بركابه، وبلت برقعها بدموعها، وهي تنادي بالويل والثبور من خوفها على أخيها، وتنشد هذه الأبيات: # إلى الله أشكو محنة وكآبة %~% لعل إله العرش يرهقهم رعبا ~~أخي أرادوا أن تموت تعمدا %~% ولا شيء من قبل القتال ولا ذنبا ~~وقد عرفت ذا الخيل أنك فارس %~% وأشجع من حل المشارق والغربا ~~تحامي عن الأخت التي قل عزمها %~% فأنت أخوها وهي تدعو لك الربا ~~فلا تترك الأعداء تملك مهجتي %~% وتأخذني قهرا وتأسرني غصبا ~~ولست وحق الله أبقى ببلدة %~% إذا لم تكن فيها وإن ملئت خصبا ~~وأقتل نفسي في هواك محبة %~% وأسكن لحدا فيه أفترش التربا # فلما سمع أخوها شعرها بكى بكاء شديدا، ورد رأس جواده إلى أخته، وأجابها على شعرها بقوله: # قفي وانظري مني وقوع عجائب %~% إذا ما التقينا حين أثخنهم ضربا ~~وإن برز الليث المقدم فيهم %~% وأشجعهم قلبا وأثبتهم لبا ~~سأسقيه مني ضربة ثعلبية %~% وأترك فيه الرمح يستغرق الكعبا ~~وإن لم أقاتل عنك أختي فليتني %~% قتيل وليت الطير تنهبني نهبا ~~أقاتل عنك ما استطعت تكرما %~% وهذا حديث بعدنا يملأ الكتبا # فلما فرغ من شعره قال: يا أختي، اسمعي ما أقوله لك، وما أوصيك به. فقالت له: سمعا وطاعة. فقال لها: إن هلكت فلا تمكني أحدا من نفسك. فعند ذلك لطمت على وجهها وقالت: معاذ الله يا أخي أن أراك صريعا وأمكن الأعداء مني. فعند ذلك مد الغلام يده إليها، وكشف برقعها عن وجهها، فلاحت لنا صورتها كالشمس من تحت الغمام، فقبلها بين عينيها وودعها، وبعد ذلك التفت إلينا وقال لنا: يا فرسان، هل أنتم ضيفان أم تريدون الضرب والطعان؟ فإن كنتم ضيفانا فأبشروا بالقرى، وإن كنتم تريدون القمر الزاهر فليبرز لي منكم فارس بعد ms0523 فارس في هذا الميدان، ومقام الحرب والطعان. فعند ذلك برز إليه فارس شجاع، فقال له الشاب: ما اسمك؟ وما اسم أبيك؟ فإني حالف أني ما أقتل من اسمه موافق لاسمي، واسم أبيه موافق لاسم أبي، فإن كنت بهذا الوصف فقد سلمت إليك الجارية. فقال له الفارس: اسمي بلال. فأجابه الشاب بقوله: # كذبت في قولك من بلال %~% وجئت بالزور وبالمحال ~~إن كنت شهما فاستمع مقالي %~% أنا مجندل الأبطال في المجال ~~بصارم ماض كما الهلال %~% فاصبر لطعن مرجف الجبال # ثم حملا على بعضهما، فطعنه الشاب في صدره، فخرج السنان من ظهره، ثم برز إليه واحد فقال الشاب: # يا أيها الكلب الرخيم الرجس %~% فأين غال سعره من بخس ~~وإنما الليث الكريم الجنس %~% من لم يبال في الوغى بنفس # ثم لم يمهله الشاب دون أن يتركه غريقا في دمه، ثم نادى الشاب: هل من مبارز؟ فبرز إليه واحد، فانطلق على الشاب وجعل يقول: # إليك أقبلت وفي قلبي لهب %~% منه أنادي عند صحبي بالحرب ~~لم قتلت اليوم سادات العرب %~% فاليوم لا تلقى فكاكا من طلب # فلما سمع الشاب كلامه أجابه بقوله: # كذبت بئس أنت من شيطان %~% قد جئت بالزور وبالبهتان ~~اليوم تلقى فاتك السنان %~% في موقف الحرب وفي الطعان # ثم طعنه في صدره فطلع السنان من ظهره، ثم قال: هل من مبارز؟ فخرج إليه الرابع، وسأله الشاب عن اسمه، فقال له الفارس: اسمي هلال. فأنشد يقول: # أخطأت إذا أردت خوض بحري %~% وجئت بالزور وكل الأمر ~~أنا الذي تسمع مني شعري %~% أختلس النفس ولست تدري # ثم حملا على بعضهما، واختلف بينهما ضربتان، فكانت ضربة الشاب هي السابقة إلى الفارس فقتله، وصار كل من نزل إليه يقتله، فلما نظرت أصحابي قد قتلوا قلت في نفسي: إن نزلت إليه في الحرب لم أطقه، وإن هربت أبقى معيرة بين العرب. فلم يمهلني الشاب دون أن انقض علي وجذبني بيده، فأطاحني من سرجي فوقعت مغشيا علي، ورفع سيفه وأراد أن يضرب عنقي، فتعلقت بأذياله، فحملني بكفه فصرت معه كالعصفور، فلما ms0524 رأت ذلك الجارية فرحت بفعل أخيها، وأقبلت عليه وقبلته بين عينيه، ثم إنه سلمني إلى أخته وقال لها: دونك وإياه، وأحسني مثواه؛ لأنه دخل في زمامنا. فقبضت الجارية على أطواق درعي، وصارت تقودني كما تقود الكلب، وفكت عن أخيها لأمة الحرب، وألبسته بدلة، ونصبت له كرسيا من العاج فجلس عليه، وقالت له: بيض الله عرضك، وجعلك عدة للنائبات. فأجابها بهذه الأبيات: # تقول وقد رأت في الحرب أختي %~% لوامع غرتي مثل الشعاع ~~ألا لله درك من شجاع %~% تذل لحربه أسد البقاع ~~فقلت لها سلي الأبطال عني %~% إذا ما فر أرباب القراع ~~أنا المعروف في سعدي وجدي %~% وعزمي قد علا أي ارتفاع ~~أيا حماد قد نازلت ليثا %~% يريك الموت يسعى كالأفاعي # فلما سمعت شعره حرت في أمري، ونظرت إلى حالتي وما صرت إليه من الأسر، وتصاغرت إلي نفسي، ثم نظرت إلى الجارية أخت الشاب وإلى حسنها، فقلت في نفسي: هذه سبب الفتنة. وصرت أتعجب من جمالها، وأجريت العبرات، وأنشدت هذه الأبيات: # خليلي كف عن لومي وعذلي %~% فإني للملامة غير واع ~~كلفت بغادة لم تبد إلا %~% دعتني في محبتها الدواعي ~~أخوها في الهوى أمسى رقيبي %~% وصاحب همة وطويل باع # ثم إن الجارية أحضرت لأخيها الطعام، فدعاني إلى الأكل معه، ففرحت وأمنت على نفسي من القتل، ولما فرغ أخوها من الأكل أحضرت له آنية المدام، ثم إن الشاب أقبل على المدام، وشرب حتى شعشع المدام في رأسه واحمر وجهه، فالتفت إلي وقال لي: ويلك يا حماد، أنا عباد بن تميم بن ثعلبة، إن الله وهب لك نفسك وأبقى عليك عرسك. ثم حياني بقدح شربته وحياني بثان وثالث ورابع، فشربت الجميع، ونادمني وحلفني أني لا أخونه، فحلفت له ألفا وخمسمائة يمين أني لا أخونه أبدا، بل أكون له معينا، فعند ذلك أمر أخته أن تأتيني بعشر خلع من الحرير، وهذه بدلة منها على جسدي، وأمرها أن تأتيني بناقة من أحسن النياق، فأتتني بناقة محملة من التحف والزاد، وأمرها أيضا أن تحضر لي الحصان الأشقر، فأحضرته ms0525 لي، ثم وهب لي جميع ذلك، وأقمت عندهم ثلاثة أيام في أكل وشرب، والذي قد أعطاه لي موجود عندي إلى الآن. وبعد الثلاثة أيام قال لي: يا أخي يا حماد، أريد أن أنام قليلا لأريح نفسي، وقد استأمنتك على نفسي، فإن رأيت خيلا ثائرة فلا تفزع منها، واعلم أنهم من بني ثعلبة يطلبون حربي. ثم توسد سيفه تحت رأسه ونام، فلما استغرق في النوم وسوس إلي إبليس بقتله، فقمت بسرعة وجذبت سيفه من تحت رأسه، وضربته ضربة أطاحت رأسه عن جثته، فعلمت بي أخته، فوثبت من جانب الخباء ورمت نفسها على أخيها، وشقت ما عليها من الثياب، وأنشدت هذه الأبيات: # إلى الأهل بلغ أن ذا أشأم الخبر %~% وما لامرئ مما الحكيم قضى مفر ~~وأنت صريع يا أخي متجندل %~% ووجهك يحكي حسنه دورة القمر ~~لقد كان يوم الشؤم يوم لقيتهم %~% ورمحك من بعد اطراد قد انكسر ~~وبعدك لا يرتاح للخيل راكب %~% ولا تلد الأنثى نظيرك من ذكر ~~وأصبح حماد لك اليوم قاتلا %~% وقد خان أيمانا وبالعهد قد غدر ~~يريد بهذا أن ينال مراده %~% لقد كذب الشيطان في كل ما أمر # فلما فرغت من شعرها قالت له: يا ملعون الجدين، لماذا قتلت أخي وخنته؟ وكان مراده أن يردك إلى بلادك بالزاد والهدايا، وكان مراده أيضا أن يزوجني لك في أول الشهر. ثم جذبت سيفا كان عندها وجعلت قائمه في الأرض وطرفه في صدرها، وانحنت عليه حتى طلع من ظهرها، فخرت على الأرض ميتة، فحزنت عليها وندمت حيث لا ينفع الندم، وبكيت، ثم قمت مسرعا إلى الخباء وأخذت ما خف حمله وغلا ثمنه، وسرت إلى حال سبيلي، ومن خوفي وعجلتي لم ألتفت إلى أحد من أصحابي، ولا دفنت الصبية ولا الشاب، وهذه الحكاية أعجب من حكايتي الأولى مع البنت الخدامة التي خطفتها من بيت المقدس. فلما سمعت نزهة الزمان من البدوي هذا الكلام، تبدل النور في عينها بالظلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 145 ### || مقتل العجوز ذات الدواهي ms0526 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن نزهة الزمان لما سمعت من البدوي هذا الكلام، تبدل الضياء في عينها بالظلام، وقامت جردت السيف وضربت به البدوي حمادا على عاتقه فأطلعته من علائقه، فقال لها الحاضرون: لأي شيء استعجلت على قتله؟ فقالت: الحمد لله الذي فسح في أجلي حتى أخذت ثأري بيدي. ثم إنها أمرت العبيد أن يجروه من رجليه، ويرموه للكلاب. # وبعد ذلك أقبلوا على الاثنين الباقيين من الثلاثة، وكان أحدهما عبدا أسود، فقالوا له: ما اسمك أنت؟ فاصدقنا في حديثك. قال: أنا اسمي الغضبان. وأخبرهم بما وقع له مع الملكة إبريزة بنت الملك حردوب ملك الروم، وكيف قتلها وهرب، فلم يتم العبد كلامه حتى رمى الملك رومزان رقبته بالحسام، وقال: الحمد لله الذي أحياني وأخذت ثأر أمي بيدي. وأخبرهم أن دايته مرجانة حكت له عن هذا العبد الذي اسمه الغضبان. # وبعد ذلك أقبلوا على الثالث، وكان هو الجمال الذي اكتروه أهل بيت المقدس لحمل ضوء المكان وتوصيله إلى المارستان الذي في دمشق الشام، فذهب به وألقاه في المستوقد، وذهب إلى حال سبيله، ثم قالوا له: أخبرنا أنت بخبرك، واصدق في حديثك. فحكى لهم جميع ما وقع له مع السلطان ضوء المكان، وكيف حمله من بيت المقدس وهو ضعيف، على أن يوصله إلى الشام ويرميه في المارستان، وكيف جاء له أهل بيت المقدس بالدراهم، فأخذها وهرب بعد أن رماه في مستوقد الحمام، فلما تم كلامه أخذ السلطان «كان ما كان» السيف وضربه فرمى عنقه، وقال: الحمد لله الذي أحياني حتى جازيت هذا الخائن بما فعل مع أبي، فإنني قد سمعت هذه الحكاية بعينها من والدي السلطان ضوء المكان. # فقال الملوك لبعضهم: ما بقي علينا إلا العجوز شواهي الملقبة بذات الدواهي، فإنها سبب هذه البلايا؛ حيث أوقعتنا في الرزايا، ومن لنا بها حتى نأخذ منها الثأر، ونكشف العار. فقال لهم الملك رومزان عم الملك كان ما كان: لا بد من إحضارها. ثم إن الملك رومزان كتب كتابا من وقته وساعته، وأرسله إلى ms0527 جدته العجوز شواهي الملقبة بذات الدواهي، وذكر لها فيه أنه غلب على مملكة دمشق والموصل والعراق، وكسر عسكر المسلمين وأسر ملوكهم، وقال: أريد أن تحضري عندي من كل بد، أنت والملكة صفية بنت الملك أفريدون ملك القسطنطينية، ومن شئتم من أكابر النصارى من غير عسكر، فإن البلاد أمان؛ لأنها صارت تحت أيدينا. فلما وصل الكتاب إليها وقرأته وعرفت خط الملك رومزان، فرحت فرحا شديدا، وتجهزت من وقتها وساعتها للسفر هي والملكة صفية أم نزهة الزمان ومن صحبهم، ولم يزالوا مسافرين حتى وصلوا إلى بغداد، فتقدم الرسول وأخبرهم بحضورها، فقال رومزان: المصلحة تقتضي أن نلبس اللبس الإفرنجي، ونقابل العجوز حتى نأمن من خداعها وحيلها. فقالوا: سمعا وطاعة. ثم إنهم لبسوا لباس الإفرنج، فلما رأت ذلك «قضى فكان» قالت: وحق الرب المعبود، لولا أني أعرفكم لقلت إنكم إفرنج. ثم إن رومزان تقدم أمامهم، وخرجوا يقابلون العجوز في ألف فارس، فلما وقعت العين في العين، ترجل رومزان عن جواده وسعى إليها، فلما رأته وعرفته ترجلت إليه وعانقته، فقرط بيده على أضلاعها حتى كاد أن يقصفها، فقالت: ما هذا؟ فلم تتم كلامها حتى نزل إليهما «كان ما كان»، والوزير دندان، وزعقت الفرسان على من معها من الجواري والغلمان، وأخذوهم جميعهم ورجعوا إلى بغداد، وأمرهم رومزان أن يزينوا بغداد، فزينوها ثلاثة أيام، ثم أخرجوا شواهي الملقبة بذات الدواهي، وعلى رأسها طرطور أحمر مكلل بروث الحمير، وقدامها مناد ينادي: هذا جزاء من يتجرأ على الملوك، وعلى أولاد الملوك. ثم صلبوها على باب بغداد، ولما رأى أصحابها ما جرى لها أسلموا كلهم جميعا. # ثم إن كان ما كان، وعمه رومزان، ونزهة الزمان، والوزير دندان تعجبوا لهذه السيرة العجيبة، وأمروا الكتاب أن يؤرخوها في الكتب حتى تقرأ من بعدهم، وأقاموا بقية الزمان في ألذ عيش وأهناه، إلى أن أتاهم هادم اللذات، ومفرق الجماعات. وهذا آخر ما انتهى إلينا من تصاريف الزمان بالملك عمر النعمان، وولده شركان، وولده ضوء المكان، وولد ولده كان ما كان، ونزهة الزمان، وقضى فكان. ms0528 # ثم إن الملك قال لشهرزاد: أشتهي أن تحكي لي شيئا من حكاية الطيور. فقالت: حبا وكرامة. فقالت لها أختها: لم أر الملك في طول هذه المدة انشرح صدره غير هذه الليلة، وأرجو أن تكون عاقبتك محمودة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 146 ### || حكاية طريفة تتعلق بالطيور والحيوان # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، طاوس يأوي إلى جانب البحر مع زوجته، وكان ذلك الموضع كثير السباع، وفيه من سائر الوحوش، غير أنه كثير الأشجار والأنهار. وذلك الطاوس هو وزوجته يأويان إلى شجرة من تلك الأشجار ليلا من خوفهما من الوحوش، ويغدوان في طلب الرزق نهارا، ولم يزالا كذلك حتى كثر خوفهما، فسارا يبغيان موضعا غير موضعهما يأويان إليه، فبينما هما يفتشان على موضع؛ إذ ظهرت لهم جزيرة كثيرة الأشجار والأنهار، فنزلا في تلك الجزيرة، وأكلا من أثمارها، وشربا من أنهارها. فبينما هما كذلك، وإذا ببطة أقبلت عليهما وهي في شدة الفزع، ولم تزل تسعى حتى أتت إلى الشجرة التي عليها الطاوس هو وزوجته فاطمأنت، فلم يشك الطاوس في أن تلك البطة لها حكاية عجيبة، فسألها عن حالها وعن سبب خوفها، فقالت: إنني مريضة من الحزن، وخوفي من ابن آدم، فالحذر ثم الحذر من بني آدم. فقال لها الطاوس: لا تخافي حيث وصلت إلينا. فقالت البطة: الحمد لله الذي فرج عني همي وغمي بقربكما، وقد أتيت راغبة في مودتكما. فلما فرغت من كلامها نزلت إليها زوجة الطاوس، وقالت لها: أهلا وسهلا ومرحبا، لا بأس عليك، ومن أين يصل إلينا ابن آدم ونحن في تلك الجزيرة التي في وسط البحر؟ فمن البر لا يقدر أن يصل إلينا، ومن البحر لا يمكن أن يطلع علينا، فأبشري وحدثينا بالذي نزل بك واعتراك من ابن آدم. فقالت البطة: اعلمي أيتها الطاوسة أنني في هذه الجزيرة طول عمري آمنة لا أرى مكروها، فنمت ليلة من الليالي فرأيت في منامي صورة ابن آدم وهو يخاطبني وأخاطبه، ms0529 وسمعت قائلا يقول لي: أيتها البطة، احذري من ابن آدم، ولا تغتري بكلامه ولا بما يدخله عليك؛ فإنه كثير الحيل والخداع، فالحذر كل الحذر من مكره؛ فإنه مخادع ماكر كما قال فيه الشاعر: # يعطيك من طرف اللسان حلاوة %~% ويروغ منك كما يروغ الثعلب ![figure](../Images/figure3.png) # فبينما هما يفتشان على موضع، إذ ظهرت لهما جزيرة كثيرة الأشجار. # واعلمي أن ابن آدم يحتال على الحيتان فيخرجها من البحار، ويرمي الطير ببندقة من طين، ويوقع الفيل بمكره، وابن آدم لا يسلم أحد من شره، ولا ينجو منه طير ولا وحش، وقد بلغتك ما سمعته عن ابن آدم. فاستيقظت من منامي خائفة مرعوبة، وأنا إلى الآن لا ينشرح صدري خوفا على نفسي من ابن آدم؛ لئلا يدهمني بحيلته، ويصيدني بحبائله، ولم يأت علي آخر النهار إلا وقد ضعفت قوتي، وبطلت همتي، ثم إني اشتقت إلى الأكل والشرب، فخرجت أتمشى وخاطري مكدر وقلبي مقبوض، فلما وصلت إلى ذلك الجبل، وجدت على باب مغارة شبلا أصفر اللون، فلما رآني ذلك الشبل فرح بي فرحا شديدا، وأعجبه لوني، وكوني لطيفة الذات، فصاح علي وقال لي: اقربي مني. فلما قربت منه قال لي: ما اسمك؟ وما جنسك؟ فقلت له: اسمي بطة، وأنا من جنس الطيور. ثم قلت له: ما سبب قعودك إلى هذا الوقت في هذا المكان؟ فقال الشبل: سبب ذلك أن والدي الأسد له أيام وهو يحذرني من ابن آدم، فاتفق أنني رأيت في هذه الليلة في منامي صورة ابن آدم. ثم إن الشبل حكى لي نظير ما حكيته لك، فلما سمعت كلامه قلت له: يا أسد، إني قد لجأت إليك في أن تقتل ابن آدم، وتحزم رأيك في قتله؛ فإني أخاف على نفسي منه خوفا شديدا، وازددت خوفا على خوفي من خوفك من ابن آدم مع أنك سلطان الوحوش. # وما زلت يا أختي أحذر الشبل من ابن آدم وأوصيه بقتله، حتى قام من وقته وساعته من المكان الذي كان فيه، وتمشى وتمشيت وراءه، ففرقع بذنبه على ظهره، ولم ms0530 يزل يتمشى وأنا أمشي وراءه إلى أن مرق الطريق، فوجدنا غبرة طارت، وبعد ذلك انكشفت الغبرة فبان من تحتها حمار شارد عريان، وهو تارة يقمص ويجري، وتارة يتمرغ، فلما رآه الأسد صاح عليه، فأتى إليه خاضعا، فقال له: أيها الحيوان الخريف العقل، ما جنسك؟ وما سبب قدومك إلى هذا المكان؟ فقال له: يا ابن السلطان، أنا جنسي حمار، وسبب قدومي إلى هذا المكان هروبي من ابن آدم. فقال له الشبل: وهل أنت خائف من ابن آدم أن يقتلك؟ فقال له الحمار: لا يا ابن السلطان، وإنما خوفي أن يعمل حيلة علي ويركبني؛ لأن عنده شيئا يسميه البرذعة فيجعلها على ظهري، وشيئا يسميه الحزام فيشده على بطني، وشيئا يسميه الطفر فيجعله تحت ذنبي، وشيئا يسميه اللجام فيجعله في فمي، ويعمل لي منخاسا ينخسني به، ويكلفني ما لا أطيق من الجري، وإذا عثرت لعنني، وإن نهقت شتمني، وبعد ذلك إذا كبرت ولم أقدر على الجري يجعل لي رجلا من الخشب، ويسلمني إلى السقايين فيجعلون الماء على ظهري من البحر في القرب ونحوها كالجرار، ولا أزال في ذل وهوان وتعب حتى أموت، فيرمونني فوق التلال للكلاب، فأي شيء أكبر من هذا الهم؟ وأي مصيبة أكبر من هذه المصائب؟ # فلما سمعت أيتها الطاوسة كلام الحمار اقشعر جسدي من ابن آدم، وقلت للشبل: يا سيدي، إن الحمار معذور، وقد زادني كلامه رعبا على رعبي. فقال الشبل للحمار: إلى أين أنت سائر؟ فقال له الحمار: إني نظرت ابن آدم قبل إشراق الشمس من بعيد ففررت هربا منه، وها أنا أريد أن أنطلق، ولم أزل أجري من شدة خوفي منه، فعسى أجد لي موضعا يأويني من ابن آدم الغدار. فبينما ذلك الحمار يتحدث مع الشبل في ذلك الكلام، وهو يريد أن يودعنا ويروح؛ إذ ظهرت لنا غبرة، فنهق الحمار وصاح، ونظر بعينه إلى ناحية الغبرة، وضرط ضراطا عاليا، وبعد ساعة انكشفت الغبرة عن فرس أدهم بغرة كالدرهم، وذلك الفرس ظريف الغرة، مليح التحجيل، حسن القوائم والصهيل، ولم ms0531 يزل يجري حتى وقف بين يدي الشبل ابن الأسد، فلما رآه الشبل استعظمه، وقال له: ما جنسك أيها الوحش الجليل؟ وما سبب شرودك في هذا البر العريض الطويل؟ فقال له: يا سيد الوحوش، أنا فرس من جنس الخيل، وسبب شرودي هروبي من ابن آدم. فتعجب الشبل من كلام الفرس، وقال: لا تقل هذا الكلام، فإنه عيب عليك وأنت طويل غليظ، وكيف تخاف من ابن آدم مع عظم جثتك، وسرعة جريك؟ وأنا مع صغر جسمي قد عزمت على أن ألتقي مع ابن آدم فأبطش به، وآكل لحمه، وأسكن روع هذه البطة المسكينة، وأقرها في وطنها، وها أنت لما أتيت في هذه الساعة قطعت قلبي بكلامك، وأرجعتني عما أردت أن أفعله، فإذا كنت أنت مع عظمك قد قهرك ابن آدم، ولم يخف من طولك وعرضك، مع أنك لو رفصته برجلك لقتلته، ولم يقدر عليك، بل تسقيه كأس الردى. # فضحك الفرس لما سمع كلام الشبل، وقال: هيهات هيهات أن أغلبه يا ابن الملك، فلا يغرك طولي ولا عرضي ولا ضخامتي مع ابن آدم؛ لأنه من شدة حيله ومكره يصنع لي شيئا يقال له الشكال، ويضع في أربعة قوائمي شكالين من حبال الليف الملفوفة باللباد، ويصلبني من رأسي في وتد عال، وأبقى واقفا وأنا مصلوب لا أقدر أن أقعد ولا أنام، وإذا أراد أن يركبني يعمل لي شيئا في رجليه من الحديد اسمه الركاب، ويضع على ظهري شيئا يسميه السرج، ويشده بحزامين من تحت إبطي، ويضع في فمي شيئا من الحديد يسميه اللجام، ويضع فيه شيئا من الجلد يسميه الصرع، فإذا ركب فوق ظهري على السرج يمسك الصرع بيده ويقودني به، ويهمزني بالركاب في خواصري حتى يدميها، ولا تسأل يا ابن السلطان عما أقاسيه من ابن آدم؛ فإذا كبرت وانتحل ظهري ولم أقدر على سرعة الجري، يبيعني للطحان ليدورني في الطاحون، فلا أزال دائرا فيها ليلا ونهارا إلى أن أهرم، فيبيعني للجزار فيذبحني، ويسلخ جلدي، وينتف ذنبي، ويبيعها للغرابلي والمناخلي، ويسلي شحمي. فلما سمع ms0532 الشبل كلام الفرس ازداد غيظا وغما، وقال له: متى فارقت ابن آدم؟ قال: فارقته نصف النهار، وهو في إثري. # فبينما الشبل يتحدث مع الفرس في هذا الكلام، وإذا بغبرة ثارت، وبعد ذلك انكشفت الغبرة وبان من تحتها جمل هائج، وهو يبعبع ويخبط برجليه في الأرض، ولم يزل يفعل كذلك حتى وصل إلينا، فلما رآه الشبل كبيرا غليظا، ظن أنه ابن آدم فأراد الوثوب عليه، فقلت له: يا ابن السلطان، إن هذا ما هو ابن آدم، وإنما هذا جمل، وكأنه هارب من ابن آدم. فبينما أنا يا أختي مع الشبل في هذا الكلام، وإذا بالجمل تقدم بين أيادي الشبل وسلم عليه، فرد عليه السلام، وقال له: ما سبب مجيئك إلى هذا المكان؟ قال: جئت هاربا من ابن آدم. فقال له الشبل: وأنت مع عظم خلقتك وطولك وعرضك كيف تخاف من ابن آدم، ولو رفصته برجلك رفصة لقتلته؟ فقال له الجمل: يا ابن السلطان، اعلم أن ابن آدم له دواه لا تطاق، وما يغلبه إلا الموت؛ لأنه يضع في أنفي خيطا ويسميه خزاما، ويجعل في رأسي مقودا ويسلمني إلى أصغر أولاده، فيجرني الولد الصغير بالخيط مع كبري وعظمي، ويحملونني أثقل الأحمال، ويسافرون بي الأسفار الطوال، ويستعملونني في الأشغال الشاقة أثناء الليل النهار، وإذا كبرت وشخت أو انكسرت لم يحفظ صحبتي، بل يبيعني للجزار فيذبحني، ويبيع جلدي للدباغين، ولحمي للطباخين، ولا تسأل عما أقاسي من ابن آدم. فقال له الشبل: أي وقت فارقت ابن آدم؟ فقال: فارقته وقت الغروب، وأظنه يأتي عند انصرافي فلن يجدني فيسعى في طلبي، فدعني يا ابن السلطان حتى أهج في البراري والقفار. فقال الشبل: تمهل قليلا يا جمل حتى تنظر كيف أفترسه، وأطعمك من لحمه، وأهشم عظمه، وأشرب من دمه. فقال له الجمل: يا ابن السلطان، أنا خائف عليك من ابن آدم فإنه مخادع ماكر. ثم أنشد قول الشاعر: # إذا حل الثقيل بأرض قوم %~% فما للساكنين سوى الرحيل # فبينما الجمل يتحدث مع الشبل في هذا الكلام، وإذا بغبرة ms0533 طلعت، وبعد ساعة انكشفت عن شيخ قصير رقيق البشرة، على كتفه مقطف فيه عدة نجار، وعلى رأسه شعبة وثمانية ألواح، وبيده أطفال صغار، وهو يهرول في مشيه، وما زال يمشي حتى قرب من الشبل؛ فلما رأيته يا أختي، وقعت من شدة الخوف، وأما الشبل فإنه قام وتمشى إليه ولاقاه، فلما وصل إليه ضحك النجار في وجهه، وقال له بلسان فصيح: أيها الملك الجليل، صاحب الباع الطويل، أسعد الله مساك ومسعاك، وزاد في شجاعتك وقواك، أجرني مما دهاني، وبشره رماني؛ لأني ما وجدت لي نصيرا غيرك. ثم إن النجار وقف بين يدي الأسد وبكى، وأن واشتكى، فلما سمع الشبل بكاءه وشكواه، قال له: أجرتك مما تخشاه، فمن الذي قد ظلمك؟ وما أنت تكون أيها الوحش الذي ما رأيت عمري مثلك، ولا أحسن صورة ولا أفصح لسانا منك؟ فما شأنك؟ فقال له النجار: يا سيد الوحوش، أما أنا فنجار، وأما الذي ظلمني فإنه ابن آدم، وفي صباح هذه الليلة يكون عندك في هذا المكان. # فلما سمع الشبل من النجار هذا الكلام، تبدل الضياء في وجهه بالظلام، وشخر ونخر، وارتمت عيناه بالشرر، وصاح وقال: والله لأسهرن في هذه الليلة إلى الصباح، ولا أرجع إلى والدي حتى أبلغ مقصدي. ثم إن الشبل التفت إلى النجار وقال له: إني أرى خطواتك قصيرة، ولا أقدر أن أكسر بخاطرك؛ لأني ذو مروءة، وأظن أنك لا تقدر أن تماشي الوحوش، فأخبرني إلى أين تذهب؟ فقال له النجار: اعلم أنني رائح إلى وزير والدك الفهد؛ لأنه لما بلغه أن ابن آدم داس هذه الأرض، خاف على نفسه خوفا عظيما، وأرسل إلي رسولا من الوحوش؛ لأصنع له بيتا يسكن فيه ويأوي إليه، ويمنع عنه عدوه حتى لا يصل إليه أحد من بني آدم، فلما جاءني الرسول أخذت هذه الألواح وتوجهت إليه. فلما سمع الشبل كلام النجار، أخذه الحسد للفهد فقال له: بحياتي لا بد أن تصنع لي هذه الألواح بيتا قبل أن تصنع للفهد بيته، وإذا فرغت من شغلي، فامض ms0534 إلى الفهد واصنع له ما يريد. فلما سمع النجار من الشبل هذا الكلام، قال له: يا سيد الوحوش، ما أقدر أن أصنع لك شيئا إلا إذا صنعت للفهد ما يريد، ثم أجيء إلى خدمتك، وأصنع لك بيتا يحصنك من عدوك. فقال له الشبل: والله ما أخليك تروح من هذا المكان حتى تصنع لي هذه الألواح بيتا. # ثم إن الشبل هم على النجار ووثب عليه، وأراد أن يمزح معه، فلطشه بيده فرمى المقطف من على كتفه، ووقع النجار مغشيا عليه، فضحك الشبل عليه وقال: ويلك يا نجار، إنك ضعيف، وما لك قوة، فأنت معذور إذا خفت من ابن آدم. فلما وقع النجار على ظهره اغتاظ غيظا شديدا، ولكنه كتم ذلك عن الشبل من خوفه منه، ثم قعد النجار وضحك في وجه الشبل، وقال له: ها أنا أصنع لك البيت. ثم إن النجار تناول الألواح التي كانت معه وسمر البيت، وجعله مثل القالب على قياس الشبل، وخلى بابه مفتوحا؛ لأنه جعله على صورة صندوق، وفتح له طاقة كبيرة، وجعل لها غطاء، وثقب فيها ثقوبا كثيرة، وأخرج منها مسامير مطرفة، وقال للشبل: ادخل في هذا البيت من هذه الطاقة لما أقبيه عليك. ففرح الشبل بذلك، وأتى تلك الطاقة فرآها ضيقة، فقال له النجار: ادخل وابرك على يديك ورجليك. ففعل الشبل ذلك، ودخل الصندوق، وبقي ذنبه خارجا، ثم أراد الشبل أن يتأخر إلى ورائه ويخرج، فقال له النجار: امهل حتى أنظر هل يسع ذنبك معك. فامتثل الشبل أمره، ثم إن النجار لف ذنب الشبل وحشاه في الصندوق، ورد اللوح على الطاقة سريعا وسمره، فصاح الشبل قائلا: يا نجار، ما هذا البيت الضيق الذي صنعته لي؟ دعني أخرج منه. فقال له النجار: هيهات هيهات، لا ينفع الندم على ما فات، إنك لا تخرج من هذا المكان. ثم ضحك النجار، وقال للشبل: إنك وقعت في القفص، وكنت أخبث الوحوش. فقال: يا أخي، ما هذا الخطاب الذي تخاطبني به؟ فقال له النجار: اعلم يا كلب البر أنك ms0535 وقعت فيما كنت تخاف منه، وقد رماك القدر، ولم ينفعك الحذر. # فلما سمع الشبل كلامه يا أختي، علم أنه ابن آدم الذي حذره منه أبوه في اليقظة، والهاتف في المنام، وتحققت أنه هو بلا شك ولا ريب، فخفت منه على نفسي خوفا عظيما، وبعدت عنه قليلا، وصرت أنتظر ماذا يفعل بالشبل؟ فرأيت يا أختي ابن آدم حفر حفرة في ذلك المكان بالقرب من الصندوق الذي فيه الشبل، ورماه في تلك الحفرة، وألقى عليه الحطب، وأحرقه بالنار؛ فكبر يا أختي خوفي، ولي يومان هاربة من ابن آدم، وخائفة منه. فلما سمعت الطاوسة من البطة هذا الكلام ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 147 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الطاوسة لما سمعت من البطة هذا الكلام، تعجبت منه غاية العجب، وقالت: يا أختي، إنك أمنت من ابن آدم؛ لأننا في جزيرة من جزائر البحر، ليس لابن آدم فيها مسلك، فاختاري المقام عندنا إلى أن يسهل الله أمرك وأمرنا. قالت: أخاف أن يطرقني طارق، والقضاء لا ينفك عنه آبق. فقالت: اقعدي عندنا، وأنت مثلنا. وما زالت بها حتى قعدت، وقالت: يا أختي، أنت تعلمين قلة صبري، ولولا أني رأيتك هنا ما كنت قعدت. فقالت الطاوسة: إن كان على جبيننا شيء نستوفاه، وإن كان أجلنا دنا فمن يخلصنا، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها. فبينما هما في هذا الكلام؛ إذ طلعت عليهما غبرة، فعند ذلك صاحت البطة ونزلت البحر، وقالت: الحذر الحذر، وإن لم يكن مفر من القدر. وكانت الغبرة عظيمة، فلما انكشفت الغبرة ظهر من تحتها ظبي، فاطمأنت البطة والطاوسة، ثم قالت البطة: يا أختي، إن الذي تفزعين منه ظبي، وها هو قد أقبل نحونا فليس علينا منه بأس؛ لأن الظبي إنما يأكل الحشائش من نبات الأرض، وكما أنت من جنس الطير هو الآخر من جنس الوحوش، فاطمئني ولا تهتمي، فإن الهم ينحل البدن. فلم تتم الطاوسة كلامها حتى وصل الظبي إليهما يستظل تحت الشجرة، فلما رأى ms0536 الطاوسة والبطة سلم عليهما، وقال لهما: إني دخلت هذه الجزيرة اليوم فلم أر أكثر منها خصبا، ولا أحسن منها مسكنا. ثم دعاهما لمرافقته ومصافاته، فلما رأت البطة والطاوسة تودده إليهما أقبلتا عليه، ورغبتا في عشرته، وتحالفوا على ذلك، وصار مبيتهم واحدا، ومأكلهم سواء، ولم يزالوا آمنين آكلين شاربين حتى مرت بهم سفينة كانت تائهة في البحر، فأرست قريبا منهم، فطلع الناس وتفرقوا في الجزيرة، فرأوا الظبي والطاوسة والبطة مجتمعين، فأقبلوا عليهم؛ فشرد الظبي في البرية، وطارت الطاوسة في الجو، فبقيت البطة مخبلة، ولم يزالوا بها حتى صادوها، وصاحت قائلة: لم ينفعني الحذر من القضاء والقدر. وانصرفوا بها إلى سفينتهم، فلما رأت الطاوسة ما جرى للبطة، ارتحلت عن الجزيرة وقالت: لا أرى الآفات إلا مراصدة لكل أحد، ولولا هذه السفينة ما حصل بيني وبين هذه البطة افتراق، ولقد كانت من خيار الأصدقاء. ثم طارت الطاوسة واجتمعت بالظبي، فسلم عليها وهنأها بالسلامة، وسألها عن البطة فقالت له: قد أخذها العدو، وكرهت المقام في تلك الجزيرة بعدها. ثم بكت على فراق البطة، وأنشدت تقول: # إن يوم الفراق قطع لقلبي %~% قطع الله قلب يوم الفراق # وأنشدت أيضا: # تمنيت الوصال يعود يوما %~% لأخبره بما صنع الفراق # فاغتم الظبي غما شديدا، ثم رد عزم الطاوسة عن الرحيل، فأقام معها في تلك الجزيرة آمنين آكلين شاربين، غير أنهما لم يزالا حزينين على فراق البطة، فقال الظبي للطاوسة: يا أختي، قد علمت أن الناس الذين طلعوا لنا من المركب كانوا سببا لفراقنا ولهلاك البطة، فاحذريهم واحترسي منهم ومن مكر ابن آدم وخداعه. قالت: قد علمت يقينا أن ما قتلها غير تركها التسبيح، ولقد قلت لها: إني أخاف عليك من تركك التسبيح؛ لأن كل ما خلقه الله يسبحه، فإن غفل عن التسبيح عوقب بهلاكه. فلما سمع الظبي كلام الطاوسة قال: أحسن الله صورتك. وأقبل على التسبيح لا يفتر عنه ساعة، وقد قيل إن الظبي يقول في تسبيحه: سبحان الديان ذي الجبروت والسلطان. # وورد أن بعض العباد كان يتعبد في ms0537 الجبال، وكان يأوي إلى ذلك الجبل زوج من الحمام، وكان ذلك العابد قسم قوته نصفين. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 148 ### || حكاية الصبية والراعي # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العابد قد قسم قوته نصفين، وجعل نصفه لنفسه، ونصفه لذلك الزوج الحمام، ودعا العابد لهما بكثرة النسل فكثر نسلهما، ولم يكن الحمام يأوي إلى غير الجبل الذي فيه العابد، وكان السبب في اجتماع الحمام بالعابد كثرة تسبيح الحمام، وقيل إن الحمام يقول في تسبيحه: سبحان خالق الخلق، وقاسم الرزق، وباني السموات، وباسط الأرضين. ولم يزل ذلك الزوج الحمام في أرغد عيش هو ونسله حتى مات العابد؛ فتشتت شمل الحمام، وتفرق في المدن والقرى والجبال. وقيل إنه كان في بعض الجبال رجل من الرعاة صاحب دين وعقل وعفة، وكان له غنم يرعاها، وينتفع بألبانها وأصوافها، وكان ذلك الجبل الذي يأوي إليه الراعي كثير الأشجار والمرعى والسباع، ولم يكن لتلك الوحوش قدرة على الراعي ولا على غنمه، ولم يزل مقيما في الجبل مطمئنا لا يهمه شيء من أمر الدنيا لسعادته وإقباله على عبادته، فاتفق له أنه مرض مرضا شديدا فدخل كهفا في الجبل، وصارت الغنم تخرج بالنهار إلى مرعاها، وتأوي بالليل إلى الكهف، فأراد الله أن يمتحن ذلك الراعي، ويختبره في طاعته وصبره، فبعث إليه ملكا، فدخل عليه الملك في صورة امرأة حسناء، وجلس بين يديه، فلما رأى الراعي تلك المرأة جالسة عنده اقشعر بدنه منها، فقال لها: أيتها المرأة ما الذي دعاك إلى المجيء هنا وليس لك حاجة معي، ولا بيني وبينك ما يوجب دخولك عندي؟ فقالت له: أيها الإنسان، أما ترى حسني وجمالي وطيب رائحتي؟ أما تعلم حاجة الرجال إلى النساء؟ فما الذي يمنعك مني؟ وقد اخترت قربك وأحببت وصالك، وقد جئتك طائعة وعليك غير ممتنعة، وليس عندنا أحد نخشاه، وأريد أن أقيم معك طول مقامك في هذه الجبال وأكون أنيسة لك، وقد عرضت نفسي عليك لأنك تحتاج لخدمة النساء، وأنت إن باشرتني زال عنك ms0538 مرضك وعادت إليك صحتك، وندمت على ما فاتك من قرب النساء في سالف عمرك، وقد نصحتك فاقبل نصيحتي وادن مني. # ![figure](../Images/figure4.png) # فدخل عليه الملك في صورة امرأة حسناء وجلس بين يديه. # فقال الراعي: اخرجي عني أيتها المرأة الخداعة الغدارة، فلا أركن إليك ولا أدنو منك ولا حاجة لي بقربك ولا بوصالك؛ لأن من رغب فيك زهد في الآخرة، ومن رغب في الآخرة زهد فيك؛ لأنك فتنت الأولين والآخرين، والله تعالى لعباده بالمرصاد، والويل لمن ابتلي بصحبتك. فقالت له: أيها التائه عن السداد، والضال عن طريق الرشاد، أقبل بوجهك إلي، وانظر إلى محاسني، واغتنم قربي كما فعل من كان قبلك من الحكماء، فقد كانوا أكثر منك تجربة وأصوب منك رأيا، ومع ذلك لم يرفضوا ما رفضت من التمتع بالنساء، بل رغبوا فيما زهدت فيه من مباشرة النساء وقربهن، فما أساءهم ذلك في دينهم ولا دنياهم، فارجع عن رأيك تحمد عاقبة أمرك. فقال الراعي: إن الذي تقولينه كرهته، وجميع ما تبدينه زهدته؛ لأنك خداعة غدارة لا عهد لك ولا وفاء، فكم من قبيح تحت حسنك أخفيته! وكم من صالح فتنته، وكانت عاقبته إلى الندامة والحزن! فارجعي عني أيتها المصلحة نفسها لفساد غيرها. ثم ألقى عباءته على وجهه حتى لا يرى وجهها، واشتغل بذكر ربه. # فلما رأى الملك حسن طاعته خرج، وعرج إلى السماء، وكان قريبا من الراعي قرية فيها رجل من الصالحين لم يعلم بمكانه، فرأى في منامه كأن قائلا يقول له: بالقرب منك في مكان كذا رجل صالح فاذهب إليه، وكن تحت طاعة أمره. فلما أصبح الصباح توجه نحوه سائرا، فلما اشتد عليه الحر انتهى إلى شجرة عندها عين جارية، فجلس في ظل الشجرة ليستريح، فبينما هو جالس وإذا بوحوش وطيور أتوا إلى تلك العين ليشربوا منها، فلما رأوا العابد جالسا نفروا ورجعوا شاردين، فقال العابد في نفسه: أنا ما استرحت هنا إلا لتعب هذه الوحوش والطيور. ثم قام وقال معاتبا لنفسه: لقد أضر بهذه الحيوانات في هذا اليوم جلوسي في هذا ms0539 المكان، فما عذري عند خالقي وخالق هذه الطيور والوحوش؟ فإنني كنت سببا لشرودهم عن مائهم ومرعاهم، فوا خجلتي من ربي يوم يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء! ثم أفاض من جفنه العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # أما والله لو علم الأنام %~% لما خلقوا لما غفلوا وناموا ~~فموت ثم بعث ثم حشر %~% وتوبيخ وأهوال عظام ~~ونحن إذا انتهينا أو أمرنا %~% كأهل الكهف أكثرنا ينام # ثم بكى على جلوسه تحت الشجرة عند العين، ومنعه الطيور والوحوش من شربها، وولى هائما على وجهه حتى أتى إلى الراعي فدخل عنده وسلم عليه، فرد عليه السلام وعانقه وبكى، ثم قال له الراعي: ما الذي أقدمك إلى هذا المكان الذي لم يدخله أحد من الناس علي؟ فقال العابد: إني رأيت في منامي من يصف لي مكانك، ويأمرني بالمسير إليك والسلام عليك، وقد أتيتك ممتثلا لما أمرت به. فقبله الراعي وطابت نفسه بصحبته، وجلس معه في الجبل يعبدان الله تعالى في ذلك الغار، وحسنت عبادتهما، ولم يزالا في ذلك المكان يعبدان ربهما، ويتقوتان من لحوم الغنم وألبانها، متجردين عن المال والبنين، إلى أن أتاهما اليقين، وهذا آخر حديثهما. # قال الملك: لقد زهدتني يا شهرزاد في ملكي، وندمتني على ما فرط مني في قتل النساء والبنات، فهل عندك شيء من حديث الطيور؟ قالت: نعم. ### || حكاية السلحفاة وطائر الماء # زعموا أيها الملك أن طائرا طار وعلا إلى الجو، ثم انقض على صخرة في وسط الماء، وكان الماء جاريا، فبينما الطائر واقف على الصخرة، وإذا برمة إنسان جرها الماء حتى أسندها إلى الصخرة، ووقفت تلك الجيفة في جانب الصخرة، وارتفعت لانتفاخها؛ فدنا منها طير الماء وتأملها فرآها رمة ابن آدم، وظهر له فيها ضرب السيف وطعن الرماح، فقال في نفسه: إن هذا المقتول كان شريرا، فاجتمع عليه جماعة وقتلوه، واستراحوا منه ومن شره. ولم يزل طير الماء يكثر التعجب من تلك الرمة حتى رأى نسورا وعقبانا أحاطوا بتلك الجيفة من جميع جوانبها، فلما رأى ذلك طير الماء جزع جزعا شديدا وقال: ms0540 لا صبر لي على الإقامة في هذا المكان. ثم طار منه يفتش على موضع يأويه إلى حين نفاد تلك الجيفة، وزوال سباع الطير عنها، ولم يزل طائرا حتى وجد نهرا في وسطه شجرة، فنزل عليها كئيبا حزينا على بعده عن وطنه، وقال في نفسه: لم تزل الأحزان تتبعني، وكنت قد استرحت لما رأيت تلك الجيفة، وفرحت بها فرحا شديدا، وقلت: هذا رزق ساقه الله إلي. فصار فرحي غما، وسروري حزنا وهما، وافترستها سباع الطير مني، وحالوا بينها وبيني، فكيف أرجو أن أكون سالما في هذه الدنيا وأطمئن إليها؟ وقد قيل في المثل: الدنيا دار من لا دار له يغتر بها من لا عقل له، ويطمئن إليها بماله وولده، وقومه وعشيرته، ولم يزل المغتر بها راكنا إليها يختال فوق الأرض حتى يصير تحتها، ويحثو عليه التراب أعز الناس عليه، وأقربهم إليه، وما للفتى خير من الصبر على مكارهها، وقد فارقت مكاني ووطني وكنت كارها لفرقة إخواني وأصحابي. فبينما هو في فكرته، وإذا بذكر من السلاحف أقبل منحدرا في الماء، ودنا من طير الماء وسلم عليه، وقال: يا سيدي، ما الذي أبعدك عن موضعك؟ قال: حلول الأعداء فيه، ولا صبر للعاقل على مجاورة عدوه، وما أحسن قول بعض الشعراء: # إذا حل الثقيل بأرض قوم %~% فما للساكنين سوى الرحيل # فقال له السلحف: إذا كان الأمر كما وصفته، والحال مثل ما ذكرتها، فأنا لا أزال بين يديك، ولا أفارقك لأقضي حاجتك، وأفي بخدمتك، فإنه يقال: لا وحشة أشد من وحشة الغريب المنقطع عن أهله ووطنه، وقد قيل: إن فرقة الصالحين لا يعدلها شيء من المصائب، ومما يسلي به العاقل نفسه الاستئناس في الغربة، والصبر على الرزية والكربة، وأرجو أن تحمد صحبتي لك، وأكون لك خادما ومعينا. فلما سمع طير الماء مقالة السلحف قال له: لقد صدقت في قولك، ولعمري إني وجدت للفراق ألما وغما مدة بعدي عن مكاني، وفراقي لإخواني وخلاني؛ لأن في الفراق عبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكر، وإذا لم يجد الفتى ms0541 من يسليه من الأصحاب، ينقطع عنه الخير أبدا، ويثبت له الشر سرمدا، وليس للعاقل إلا التسلي بالإخوان عن الهموم في جميع الأحوال، وملازمة الصبر والتجلد، فإنهما خصلتان محمودتان يعينان على نوائب الدهر، ويدفعان الفزع والجزع في كل أمر. قال له السلحف: إياك والجزع، فإنه يفسد عليك عيشك، ويذهب مروءتك. وما زالا يتحدثان مع بعضهما إلى أن قال طير الماء للسلحف: أنا لم أزل أخشى نوائب الزمان، وطوارق الحدثان. فلما سمع السلحف مقالة طير الماء، أقبل عليه وقبله بين عينيه، وقال له: لم تزل جماعة الطير تعرف في مشورتك الخير، فكيف تحمل الهم والضير؟ ولم يزل يسكن روع طير الماء حتى اطمأن، ثم إن طير الماء طار إلى مكان الجيفة، فلما وصل إليه لم ير من سباع الطير شيئا، ولا من تلك الجيفة إلا عظاما، فرجع يخبر السلحف بزوال العدو من مكانه، فلما وصل إلى السلحف أخبره بما رأى، وقال له: إني أحب الرجوع إلى مكاني، وأتملى بخلاني؛ لأنه لا صبر للعاقل عن وطنه. فذهب معه إلى ذلك المكان فلم يجد أشياء مما يخافان منه، فصار طير الماء قرير العين، وأنشد هذين البيتين: # ولرب نازلة يضيق لها الفتى %~% ذرعا وعند الله منها المخرج ~~ضاقت فلما استمكنت حلقاتها %~% فرجت وكنت أظنها لا تفرج # ثم سكنا في تلك الجزيرة، فبينما طير الماء في أمن وسرور، وفرح وحبور؛ إذ ساق القضاء إليه بازا جائعا، فضربه بمخلبه ضربة فقتله، ولم يغن عنه الحذر عند فراغ الأجل، وسبب قتله غفلته عن التسبيح، قيل إنه كان يقول في تسبيحه: سبحان ربنا فيما قدر ودبر، سبحان ربنا فيما أغنى وأفقر. # هذا ما كان من حديث الطير. فقال الملك: يا شهرزاد، لقد زدتني بحكايتك مواعظ واعتبارا، فهل عندك شيء من حكايات الوحوش؟ ### || حكاية الثعلب والذئب # فقالت: اعلم أيها الملك أن ثعلبا وذئبا ألفا وكرا، فكانا يأويان إليه مع بعضهما، فلبثا على ذلك مدة من الزمان، وكان الذئب للثعلب قاهرا، فاتفق أن الثعلب أشار على الذئب بالرفق وترك الفساد، وقال ms0542 له: إن دمت على عتوك ربما سلط الله عليك ابن آدم، فإنه ذو حيل ومكر وخداع؛ يصيد الطير من الجو، والحوت من البحر، ويقطع الجبال وينقلها، وكل ذلك من حيله؛ فعليك بالإنصاف، وترك الشر والاعتساف؛ فإنه أهنأ لطعامك. فلم يقبل الذئب قوله، وأغلظ له الرد، وقال له: لا علاقة لك بالكلام في عظيم الأمور وجسيمها. ثم لطم الثعلب لطمة فخر منها مغشيا عليه، فلما أفاق تبسم في وجه الذئب واعتذر إليه من الكلام المشين، وأنشد هذين البيتين: # إن كنت قد أذنبت ذنبا سالفا %~% في حبكم وأتيت شيئا منكرا ~~أنا تائب عما جنيت وعفوكم %~% يسع المسيء إذا أتى مستغفرا # فقبل الذئب اعتذاره، وكف عنه أشراره، وقال له: لا تتكلم فيما لا يعنيك، تسمع ما لا يرضيك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 149 ### || حكاية الثعلب والذئب # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الذئب قال للثعلب: لا تتكلم فيما لا يعنيك، تسمع ما لا يرضيك. فقال له الثعلب: سمعا وطاعة، فأنا بمعزل عما لا يرضيك، فقد قال الحكيم: لا تخبر عما لا تسأل عنه، ولا تجب ما لا تدعى إليه، وذر الذي لا يعنيك إلى ما يعنيك، ولا تبذل النصيحة للأشرار فإنهم يجزونك عليها شرا. فلما سمع الذئب كلام الثعلب تبسم في وجهه، ولكنه أضمر له مكرا، وقال: لا بد أن أسعى في هلاك هذا الثعلب. وأما الثعلب فإنه صبر على أذى الذئب، وقال في نفسه: إن البطر والافتراء يجلبان الهلاك، ويوقعان في الارتباك، فقد قيل: من بطر خسر، ومن جهل ندم، ومن خاف سلم، والإنصاف من شيم الأشراف، والآداب أشرف الاكتساب، ومن الرأي مداراة هذا الباغي، ولا بد له من مصرع. ثم إن الثعلب قال للذئب: إن الرب يعفو ويتوب على عبده إن اقترف الذنوب، وأنا عبد ضعيف، وقد ارتكبت في نصحك التعسيف، ولو علمت بما حصل لي من ألم لطمتك، لعلمت أن الفيل لا يقوم به ولا يقدر عليه، ولكني لا أشتكي من ألم هذه اللطمة ms0543 بسبب ما حصل لي بها من السرور، فإنها وإن كانت قد بلغت مني مبلغا عظيما عاقبتها سرور، وقد قال الحكيم: ضرب المؤدب أوله صعب شديد، وآخره أحلى من العسل المصفى. فقال الذئب: غفرت ذنبك، وأقلت عثرتك، فكن من قوتي على حذر، واعترف لي بالعبودية، فقد علمت قهري لمن عاداني. فسجد له الثعلب، وقال له: أطال الله عمرك، ولا زلت قاهرا لمن عاداك. # ولم يزل الثعلب خائفا من الذئب مصانعا له، ثم إن الثعلب ذهب إلى كرم يوما ما، فرأى في حائطه ثلمة فأنكرها، وقال في نفسه: إن هذه الثلمة لا بد لها من سبب، وقد قيل: من رأى خرقا في الأرض فلم يجتنبه ويتوق عن الإقدام عليه، كان بنفسه مغرا، وللهلاك متعرضا. وقد اشتهر أن بعض الناس يعمل صورة الثعلب في الكرم حتى يقدم إليه العنب في الأطباق؛ لأجل أن يرى ذلك الثعلب فيقدم إليه فيقع في الهلاك، وإني أرى هذه الثلمة مكيدة، وقد قيل: إن الحذر نصف الشطارة. ومن الحذر أن أبحث عن هذه الثلمة وأنظر، لعلي أجدها أمرا يؤدي إلى التلف، ولا يحملني الطمع على أن ألقي نفسي في الهلكة. ثم دنا منها وطاف بها وهو محاذر، فرآها، فإذا هي حفرة عظيمة قد حفرها صاحب الكرم ليصيد فيها الوحش الذي يفسد الكرم، ورأى عليها غطاء رقيقا، فتأخر عنها وقال: الحمد لله حيث حذرتها، وأرجو أن يقع فيها عدوي الذئب الذي نغص عيشي، فأستقل بالكرم وحدي، وأعيش فيه آمنا. ثم هز رأسه وضحك ضحكا عاليا، وأطرب بالنغمات، وأنشد هذه الأبيات: # ليتني أبصرت هذا ال %~% وقت في ذي البئر ذئبا ~~طالما قد ساء قلبي %~% وسقاني المر غصبا ~~ليتني من بعد ذا أب %~% قى ويقضي الذئب نحبا ~~ثم يخلو الكرم منه %~% وأرى لي فيه نهبا # فلما فرغ من شعره انطلق مسرعا حتى وصل إلى الذئب، وقال: إن الله سهل لك الأمور إلى الكرم بلا تعب، وهذا من سعادتك، فهنيئا لك بما فتح الله عليك، وسهل لك من تلك الغنيمة والرزق الواسع ms0544 بلا مشقة. فقال الذئب للثعلب: وما الدليل على ما وضعت؟ قال: إني انتهيت إلى الكرم فوجدت صاحبه قد مات، ودخلت البستان فرأيت الأثمار زاهية على الأشجار. فلم يشك الذئب في قول الثعلب، وأدركه الشره، فقام حتى انتهى إلى الثلمة وقد غره الطمع، ووقف الثعلب متهافتا كالميت، وتمثل بهذا البيت: # أتطمع من ليلى بوصل وإنما %~% تضر بأعناق الرجال المطامع # فلما انتهى الذئب إلى الثلمة، قال له الثعلب: ادخل إلى الكرم فقد كفيت مئونة هدم حائط البستان، وعلى الله تمام الإحسان. فأقبل الذئب ماشيا يريد الدخول إلى الكرم، فلما توسط غطاء الثلمة وقع فيها، فاضطرب الثعلب اضطرابا شديدا من السرور والفرح، وزال عنه الهم والترح، وأطرب بالنغمات وأنشد هذه الأبيات: # رق الزمان لحالتي %~% ورثى لطول تحرقي ~~وأنالني ما أشتهي %~% وأزال مما أتقي ~~فلأصفحن عما جنا %~% ه من الذنوب السبق ~~حتى جنايته بما %~% فعل المشيب بمفرقي ~~فالذئب ليس له خلا %~% ص من هلاك موبق ~~والكرم لي وحدي وما %~% لي من شريك أحمق # ثم إنه تطلع في الحفرة، فرأى الذئب يبكي ندما وحزنا على نفسه، فبكى الثعلب معه، فرفع الذئب رأسه إلى الثعلب وقال له: أمن رحمتك لي بكيت يا أبا الحصين؟ قال: لا، والذي قذفك في هذه الحفرة، إنما بكيت لطول عمرك الماضي، وآسفا على كونك لم تقع في هذه الثلمة قبل اليوم، ولو وقعت فيها قبل اجتماعي بك لكنت أرحت واسترحت، ولكن أبقيت إلى أجلك المحتوم، ووقتك المعلوم. فقال له الذئب: رح أيها المسيء في فعله لوالدتي، وأخبرها بما حصل لي، لعلها تحتال على خلاصي. فقال له الثعلب: لقد أوقعك في الهلاك شدة طمعك، وكثرة حرصك، حيث سقطت في حفرة لست منها بسالم، ألم تعلم أيها الذئب الجاهل أن صاحب المثل يقول: من لم يفكر في العواقب لم يأمن المعاطب؟ فقال الذئب للثعلب: يا أبا الحصين، إنما كنت تظهر محبتي، وترغب في مودتي، وتخاف من شدة قوتي، فلا تحقد علي بما فعلت معك، فمن قدر وعفا كان أجره على الله، وقد قال ms0545 الشاعر: # ازرع جميلا ولو في غير موضعه %~% ما ضاع قط جميل أينما زرع ~~إن الجميل وإن طال الزمان به %~% فليس يحصده إلا الذي زرع # فقال له الثعلب: يا أجهل السباع وأحمق الوحوش في البقاع، هل نسيت تجبرك وعتوك وتكبرك؟ وأنت لم ترع حق المعاشرة، ولم تنتصح بقول الشاعر: # لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا %~% إن الظلوم على حد من النقم ~~تنام عينك والمظلوم منتبه %~% يدعو عليك وعين الله لم تنم # فقال له الذئب: يا أبا الحصين، لا تؤاخذني بسابق الذنوب، فالعفو من الكرام مطلوب، وصنع المعروف من أحسن الذخائر، وما أحسن قول الشاعر: # بادر بخير إذا ما كنت مقتدرا %~% فليس في كل حين أنت مقتدرا # وما زال الذئب يتذلل للثعلب ويقول له: لعلك تقدر على شيء تخلصني به من الهلاك. فقال له الثعلب: أيها الذئب الماكر المخادع الغادر، لا تطمع في الخلاص، فإن هذا جزاء لقبيح فعلك وقصاص. ثم ضحك بالشدقين وأنشد هذين البيتين: # لا تكثرن خداعي %~% فلن تنال منالا ~~ما رمت مني محال %~% زرعت فاحصد وبالا # فقال الذئب للثعلب: يا حليم السباع، أنت عندي أوثق من أن تتركني في هذه الحفرة. ثم أفاض دمع العين، وأنشد هذين البيتين: # يا من أياديه عندي غير واحدة %~% ومن مواهبه تنمو عن العدد ~~ما نابني من زماني قط نائبة %~% إلا وجدتك فيها آخذا بيدي # فقال الثعلب: أيها العدو الأحمق، كيف صرت إلى التضرع والخشوع، والذلة والخضوع، بعد الأنفة والتكبر، والظلم والتجبر؟ لقد صحبتك خائفا من عدوانك، وتملقت لك لا رغبة في إحسانك، والآن نزلت بك الرجفة وحلت بك النقمة. وأنشد هذين البيتين: # يا أيها الملتمس الخديعة %~% وقعت في نيتك الشنيعة ~~فذق وبال المحنة الفظيعة %~% وكن مع الذئاب في قطيعة # فقال له الذئب: أيها الحليم، لا تكن بلسان العداوة ناطقا وبعينها محدقا، وكن وافيا بعهد ائتلافي قبل أن يفوت وقت التلاقي، وقم وتسبب لي في حبل تشد طرفه في شجرة، وتدلي طرفه الآخر إلي حتى أتعلق به، لعلي أنجو مما أنا فيه، وأدفع لك ms0546 جميع ما حوته يدي من الذخائر. فقال له الثعلب: لقد أكثرت من المحاورة فيما ليس فيه خلاصك، فلا ترج مني نجاة نفسك، واذكر ما سلف من سوء فعلك، وما تضمره لي من الغدر والمكر، وأين أنت من الرجم بالحجارة؟ واعلم بأن ذاتك للدنيا مفارقة، ومنها زائلة، وعنها راحلة، ثم تصير إلى الدمار وسوء الدار. فقال له الذئب: يا أبا الحصين، كن قريب الرجوع إلى الوداد، ولا تصر على ضغائن الأحقاد، واعلم أن من خلص نفسا من الهلاك فقد أحياها، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، ولا تتبع الفساد؛ فإن الحكماء تكرهه، ولا فساد أظهر من كوني في تلك الحفرة أتجرع غصص الموت، وأنظر إلى الهلاك وأنت قادر على خلاصي من الارتباك. فقال له الثعلب: أيها الفظ الغليظ، إني أشبهك في حسن علانيتك وقبح نيتك بالباز مع الحجل. قال له الذئب: وما حديث الباز والحجل؟ قال الثعلب: دخلت يوما كرما لآكل من عنبه، فبينما أنا فيه إذ رأيت بازا انقض على حجل، فلما اقتنصه انفلت منه الحجل ودخل وكره واختفى فيه، فتبعه الباز وناداه: أيها الجاهل إني رأيتك في البرية جائعا فرحمتك، والتقطت لك حبا وأمسكتك لتأكل فهربت مني، ولم أعرف لهروبك وجها إلا الحرمان، فاظهر وخذ ما آتيتك من الحب فكله هنيا مريئا. فلما سمع الحجل قول الباز صدقه وخرج إليه، فأنشب مخالبه فيه ومكنها منه. فقال له الحجل: أهذا الذي ذكرت أنك أتيتني به من البرية وقلت لي كله هنيا مريئا، فكذبت علي؟ جعل الله ما تأكله من لحمي في جوفك سما قاتلا. فلما أكله وقع ريشه، وسقطت قوته، ومات لوقته. # ثم قال له الثعلب: اعلم أيها الذئب أن من حفر لأخيه قليبا وقع فيه قريبا، وأنت غدرت بي أولا. فقال الذئب للثعلب: دعني من هذا المقال وضرب الأمثال، ولا تذكر لي ما سلف مني من قبيح الفعال، يكفيني ما أنا فيه من سوء الحال؛ حيث وقعت في ورطة يرثي لي منها العدو فضلا عن الصديق، وانظر لي حيلة ms0547 أتخلص بها، وكن فيها غياثي، وإن كان عليك في ذلك مشقة، فقد يحتمل الصديق لصديقه أشد النصب، ويقاسي فيما فيه نجاته العطب، وقد قيل: إن الصديق الشفيق خير من الأخ الشقيق، وإن تسببت في نجاتي لأجمعن لك من الآلة ما يكون لك عدة، ثم لأعلمنك من الحيل الغريبة ما تفتح به الكروم الخصبة، وتجني الأشجار المثمرة، فطب نفسا وقر عينا. فقال له الثعلب وهو يضحك: ما أحسن ما قالته العلماء في كثير الجهل مثلك! قال الذئب: وما قالت العلماء؟ قال الثعلب: ذكر العلماء أن الغليظ الجثة، الغليظ الطبع، يكون بعيدا من العقل قريبا من الجهل؛ لأن قولك أيها الماكر الأحمق «قد يتحمل الصديق المشقة في تخليص صديقه»؛ صحيح كما ذكرت، ولكن عرفني بجهلك وقلة عقلك كيف أصادقك مع خيانتك؟ أحسبتني لك صديقا وأنا لك عدو شامت؟ وهذا الكلام أشد من رشق السهام إن كنت تعقل. وأما قولك إنك تعطيني من الآلات ما يكون عدة لي، وتعلمني من الحيل ما أصل به إلى الكروم المخصبة، وأجتني به الأشجار المثمرة، فما لك أيها المخادع الغادر لا تعرف لك حيلة تتخلص بها من الهلاك؟ فما أبعدك من المنفعة لنفسك، وما أبعدني من القبول لنصيحتك! فإن كان عندك حيل فتحيل لنفسك في الخلاص من هذا الأمر، الذي أسأل الله أن يبعد خلاصك منه، فانظر أيها الجاهل إن كان عندك حيلة، فخلص نفسك بها من القتل قبل أن تبذل التعليم لغيرك، ولكنك مثل إنسان حصل له مرض فأتاه رجل مريض بمثل مرضه ليداويه، فقال له: هل لك أن أداويك من مرضك؟ فقال له الرجل: هلا بدأت بنفسك في المداواة! فتركه وانصرف. وأنت أيها الذئب كذلك، فالزم مكانك، واصبر على ما أصابك. # فلما سمع الذئب كلام الثعلب علم أنه لا خير له عنده، فبكى على نفسه وقال: قد كنت في غفلة من أمري، فإن خلصني الله من هذا الكرب لأتوبن من تجبري على من هو أضعف مني، ولألبسن الصوف، ولأصعدن الجبل ذاكرا الله تعالى، خائفا من ms0548 عقابه، وأعتزل سائر الوحوش، ولأطعمن المجاهدين والفقراء. ثم بكى وانتحب، فرق له قلب الثعلب، وكأنه لما سمع تضرعه، والكلام الذي يدل على توبته من العتو والتكبر، أخذته الشفقة عليه، فوثب من فرحته، ووقف على شفير الحفرة، ثم جلس على رجليه وأدلى ذنبه في الحفرة، فعند ذلك قام الذئب ومد يده إلى ذنب الثعلب وجذبه إليه، فصار في الحفرة معه، ثم قال له الذئب: أيها الثعلب القليل الرحمة، كيف تشمت بي وقد كنت صاحبي وتحت قهري؟ وقد وقعت معي في الحفرة، وتعجلت لك العقوبة، وقد قالت الحكماء: لو عاير أحدكم أخاه برضاع كلبة لارتضعها. وما أحسن قول الشاعر: # إذا ما الدهر جر على أناس %~% كلاكله أناخ بآخرينا ~~فقل للشامتين بنا: أفيقوا %~% سيلقى الشامتون كما لقينا # ثم قال الذئب للثعلب: فلا بد أن أعجل قتلك قبل أن ترى قتلي. فقال الثعلب في نفسه: إني وقعت مع هذا الجبار، وهذا الحال يحتاج إلى المكر والخداع، وقد قيل: إن المرأة تصوغ حليها ليوم الزينة. وفي المثل: ما ادخرتك يا دمعتي إلا لشدتي. وإن لم أتحيل في أمر هذا الوحش الظالم هلكت لا محالة، وما أحسن قول الشاعر: # عش بالخداع فأنت في %~% زمن بنوه كأسد بيشه ~~وأدر قناة المكر حتى %~% تستدير رحى المعيشه ~~واجن الثمار فإن تفتك %~% فرض نفسك بالحشيشه # ثم إن الثعلب قال للذئب: لا تعجل علي بالقتل فتندم أيها الوحش الصنديد، صاحب القوة والبأس الشديد، وإن تمهلت وأمعنت النظر فيما أحكيه لك عرفت قصدي الذي قصدته، وإن عجلت بقتلي فلا فائدة لك فيه، ونموت جميعا ها هنا. فقال له الذئب: أيها الخادع الماكر، وما الذي ترجوه من سلامتي وسلامتك حتى تسألني التمهل عليك؟ فأخبرني بقصدك الذي قصدته. فقال له الثعلب: أما قصدي الذي قصدته فما ينبغي أن تحسن عليه مجازاتي؛ لأني سمعت ما وعدت من نفسك، واعترافك بما سلف منك، وتلهفك على ما فاتك من التوبة وفعل الخير، وسمعت ما نذرته على نفسك من كف الأذى عن الأصحاب وغيرهم، وتركك أكل العنب وسائر ms0549 الفواكه، ولزومك الخشوع، وتقليم أظفارك، وتكسير أنيابك، وأن تلبس الصوف، وتقرب القربان لله تعالى إن نجاك مما أنت فيه؛ أخذتني الشفقة عليك، مع أنني كنت على هلاكك حريصا، فلما سمعت منك توبتك وما نذرته على نفسك إن نجاك الله لزمني خلاصك مما أنت فيه، فأدليت إليك ذنبي لكيما تتعلق به وتنجو، فلم تترك الحالة التي أنت عليها من العنف والشدة، ولم تلتمس النجاة والسلامة لنفسك بالرفق، بل جذبتني جذبة ظننت منها أن روحي قد خرجت، فصرت أنا وأنت في منزلة الهلاك والموت، وما ينجيني أنا وأنت إلا شيء إن قبلته مني خلصت أنا وأنت، وبعد ذلك يجب عليك أن تفي بما نذرته، وأكون رفيقك. فقال له الذئب: وما الذي أقبله منك؟ قال له الثعلب: تنهض قائما، ثم أعلو أنا فوق رأسك حتى أكون قريبا من ظاهر الأرض، فإني حين أصير فوقها أخرج وآتيك بما تتعلق به، وتخلص أنت بعد ذلك. فقال له الذئب: لست بقولك واثقا؛ لأن الحكماء قالوا: من استعمل الثقة في موضع الحقد كان مخطئا. وقيل: من وثق بغير ثقة كان مغرورا، ومن جرب المجرب حلت به الندامة، ومن لم يفرق بين الحالات فيعطي كل حالة حظها، بل حمل الأشياء كلها على حالة واحدة؛ قل حظه، وكثرت مصائبه، وما أحسن قول الشاعر: # لا يكن ظنك إلا سيئا إن %~% سوء الظن من أقوى الفطن ~~ما رمى الإنسان في مهلكة %~% مثل فعل الخير والظن الحسن # وقول الآخر: # ألزم يقينك سوء الظن تنج به %~% من عاش مستيقظا قلت مصائبه ~~والق العدو بوجه باسم طلق %~% وانصب له في الحشى جيشا يحاربه # وقول الآخر: # أعدى عدوك أدنى من وثقت به %~% فحاذر الناس واصحبهم على دخل ~~وحسن ظنك بالأيام معجزة %~% فظن شرا وكن منها على وجل # فقال له الثعلب: إن سوء الظن ليس محمودا في كل حال، وحسن الظن من شيم الكمال، وعاقبته النجاة من الأهوال، وينبغي لك أيها الذئب أن تتحيل على النجاة مما أنت فيه، ونسلم جميعا خير من موتنا، فارجع عن ms0550 سوء الظن والحقد؛ لأنك إن أحسنت الظن بي لا أخلو من أحد أمرين؛ إما أن آتيك بما تتعلق به وتنجو مما أنت فيه، وإما أن أغدر بك فأخلص وأدعك، وهذا مما لا يمكن؛ فإني لا آمن أن أبتلى بشيء مما ابتليت به، فيكون ذلك عقوبة الغدر، وقد قيل في الأمثال: الوفاء مليح والغدر قبيح. فينبغي أن تثق بي، فإني لم أكن جاهلا بحوادث الدهر، فلا تؤخر حيلة خلاصنا؛ فالأمر أضيق من أن نطيل فيه الكلام. فقال الذئب: إني مع قلة ثقتي بوفائك قد عرفت ما في خاطرك، من أنك أردت خلاصي لما عرفت توبتي، فقلت في نفسي: إن كان محقا فيما زعم فإنه استدرك ما أفسد، وإن كان مبطلا فجزاؤه على ربه. وها أنا أقبل منك ما أشرت به علي، فإن غدرت بي كان الغدر سببا لهلاكك. ثم إن الذئب انتصب قائما في الحفرة، وأخذ الثعلب على أكتافه حتى ساوى به ظاهر الأرض، فوثب الثعلب عن أكتاف الذئب حتى صار على وجه الأرض، ووقع مغشيا عليه. فقال له الذئب: يا خليلي لا تغفل عن أمري، ولا تؤخر خلاصي. فضحك الثعلب وقهقه وقال: أيها المغرور، لم يوقعني في يدك إلا المزح معك، والسخرية بك، وذلك أني لما سمعت توبتك استخفني الفرح فطربت ورقصت، فتدلى ذنبي في الحفرة فجذبتني فوقعت عندك، ثم أنقذني الله تعالى من يدك، فما لي لا أكون عونا على هلاكك وأنت من حزب الشيطان؟ واعلم أنني رأيت البارحة في منامي أني أرقص في عرسك، فقصصت الرؤيا على معبر فقال لي: إنك تقع في ورطة وتنجو منها. فعلمت أن وقوعي في يدك ونجاتي هو تأويل رؤياي، وأنت تعلم أيها المغرور الجاهل أني عدوك، فكيف تطمع بقلة عقلك وجهلك في إنقاذي إياك مع ما سمعت من غلظ كلامي؟ وكيف أسعى في نجاتك وقد قالت العلماء: إن في موت الفاجر راحة للناس، وتطهيرا للأرض؟ ولولا مخافة أن أحتمل من الألم في الوفاء لك ما هو أعظم من ألم الغدر؛ لتدبرت في ms0551 خلاصك. فلما سمع الذئب كلام الثعلب، عض على كفه ندما. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 150 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الذئب لما سمع كلام الثعلب عض على كفه ندما، ثم لين له الكلام، ولم يجد بدا من ذلك، وقال له بلسان خافت: إنكم معاشر الثعالب من أحلى القوم لسانا، وألطفها مزاحا، وهذا منك مزاح، ولكن ما كل وقت يحسن اللعب والمزاح. فقال الثعلب: أيها الجاهل، إن للمزاح حدا لا يجاوزه صاحبه، فلا تحسب أن الله يمكنك مني بعد أن أنقذني من يديك. فقال له الذئب: إنك لجدير أن ترغب في خلاصي لما بيننا من سابق المؤاخاة والصحبة، وإن خلصتني فلا بد أن أحسن مكافأتك. فقال الثعلب: قد قالت الحكماء: لا تؤاخ الجاهل الفاجر فإنه يشينك ولا يزينك، ولا تؤاخ الكذاب فإنه إن بدا منك خير أخفاه، وإن بدا منك شر أفشاه. وقالت الحكماء: لكل شيء حيلة إلا الموت، وقد يصلح كل شيء إلا فساد الجوهر، وقد يدفع كل شيء إلا القدر. وأما من جهة المكافأة التي زعمت أني أستحقها منك، فإني شبهتك في مكافأتك بالحية الهاربة من الحاوي؛ إذ رآها رجل وهي مرعوبة فقال لها: ما شأنك أيتها الحية؟ قالت: هربت من الحاوي فإنه يطلبني، ولئن أنجيتني منه وأخفيتني عندك لأحسنن مكافأتك، وأصنع معك كل جميل. فأخذها اغتناما للأجر، وطمعا في المكافأة، وأدخلها في جيبه. فلما فات الحاوي ومضى إلى حال سبيله وزال عنها ما كانت تخافه، قال لها الرجل: أين المكافأة؟ فقد أنجيتك مما تخافين وتحذرين. فقالت له الحية: أخبرني في أي عضو أنهشك؟ وقد علمت أننا لا نتجاوز هذه المكافأة. ثم نهشته نهشة مات منها، وأنت أيها الأحمق شبهتك بتلك الحية مع ذلك الرجل، أما سمعت قول الشاعر: # لا تأمنن فتى أسكنت مهجته %~% غيظا وتحسب أن الغيظ قد زالا ~~إن الأفاعي وإن لانت ملامسها %~% تبدي العطاف وتخفي السم قتالا # فقال له الذئب: أيها الفصيح صاحب الوجه المليح، لا تجهل حالي وخوف ms0552 الناس مني، وقد علمت أني أهجم على الحصون، وأقلع الكروم، فافعل ما أمرتك به، وقم بي قيام العبد بسيده. فقال له الثعلب: أيها الأحمق الجاهل المحاول بالباطل، إني تعجبت من حماقتك وصلابة وجهك فيما تأمرني به من خدمتك، والقيام بين يديك حتى كأنني عبدك، ولكن سوف ترى ما يحل بك من شرخ رأسك بالحجارة، وكسر أنيابك الغدارة. ثم وقف الثعلب على تل يشرف على الكرم، ولم يزل يصيح لأهل الكرم حتى بصروا به، وأقبلوا عليه مسرعين، فثبت لهم الثعلب حتى قربوا منه ومن الحفرة التي فيها الذئب، ثم ولى الثعلب هاربا، فنظر أصحاب الكرم في الحفرة، فلما رأوا فيها الذئب وقعوا عليه بالحجارة الثقال، ولم يزالوا يضربونه بالحجارة والخشب، ويطعنونه بأسنة الرماح حتى قتلوه وانصرفوا، فرجع الثعلب إلى تلك الحفرة ووقف على مقتل الذئب فرآه ميتا، فحرك رأسه من شدة الفرحات، وأنشد هذه الأبيات: # أودى الزمان بنفس الذئب فاختطفت %~% بعدا وسحقا لها من مهجة تلفت ~~فكم سعيت أبا سرحان في تلفي %~% فاليوم حلت بك الآفات والتهبت ~~وقعت في حفرة ما حلها أحد %~% إلا وفيها رياح الموت قد عصفت # ثم إن الثعلب أقام بالكرم وحده مطمئنا لا يخاف ضررا. وهذا ما كان من حديث الذئب والثعلب. ### || حكاية الفأرة وبنت عرس # ومما يحكى أن فأرة وبنت عرس كانتا تنزلان منزلا لبعض الناس، وكان ذلك الرجل فقيرا، وقد مرض بعض أصدقائه فوصف له الطبيب السمسم المقشور، فأعطى قدرا من السمسم لذلك الرجل الفقير ليقشره له، فأعطاه ذلك الرجل لزوجته وأمرها بإصلاحه، فقشرته تلك المرأة له وأصلحته، فلما عاينت بنت عرس السمسم أتت إليه، ولم تزل تنقل من ذلك السمسم إلى جحرها طول يومها حتى نقلت أكثره، وجاءت المرأة فرأت نقصان السمسم واضحا، فجلست ترصد من يأتي إليه حتى تعلم سبب نقصانه، فنزلت بنت عرس لتنقل منه على عادتها، فرأت المرأة جالسة فعلمت أنها ترصدها، فقالت في نفسها: إن لهذا الفعل عواقب ذميمة، وإني أخشى من تلك المرأة أن تكون لي بالمرصاد، ومن لم ms0553 ينظر في العواقب ما الدهر له بصاحب، ولا بد لي أن أعمل عملا حسنا أظهر به براءتي من جميع ما عملته من القبيح. فجعلت تنقل من ذلك السمسم الذي في جحرها، فرأتها المرأة وهي تفعل ذلك، فقالت في نفسها: ما هذه سبب نقصه؛ لأنها تأتي به من جحر الذي اختلسه وتضعه على بعضه، وقد أحسنت إلينا في رد السمسم، وما جزاء من أحسن إلا أن يحسن إليه، وليست هذه آفة في السمسم، ولكن لا أزال أرصده حتى يقع وأعلم من هو. فعلمت بنت عرس ما خطر ببال تلك المرأة، فانطلقت إلى الفأرة فقالت لها: يا أختي، إنه لا خير فيمن لا يرعى المجاورة، ولا يثبت على المودة. فقالت الفأرة: نعم يا خليلتي، وأنعم بك وبجوارك! فما سبب هذا الكلام؟ قالت بنت عرس: إن رب البيت أتى بسمسم فأكل منه هو وعياله وشبعوا، واستغنوا عنه وتركوه، وقد أخذ منه كل ذي روح، فلو أخذت أنت الأخرى كنت أحق به ممن يأخذ منه. فأعجب الفأرة ذلك، ورقصت ولعبت ذنبها، وغرها الطمع في السمسم، فقامت من وقتها وخرجت من بيتها، فرأت السمسم مقشورا يلمع من البياض، والمرأة جالسة ترصده، فلم تفكر الفأرة في عاقبة الأمر، وكانت المرأة قد استعدت بهراوة، فلم تتمالك الفأرة نفسها حتى دخلت في السمسم، وعاشت فيه وصارت تأكل منه، فضربتها المرأة بتلك الهراوة فشجت رأسها، وكان الطمع سبب هلاكها وغفلتها عن عواقب الأمور. # فقال الملك: يا شهرزاد، والله إن هذه حكاية مليحة، فهل عندك حديث في حسن الصداقة والمحافظة عليها عند الشدة في التخلص من الهلكة؟ قالت: نعم. ### || حكاية الغراب والسنور # بلغني أن غرابا وسنورا كانا متآخيين، فبينما هما تحت الشجرة على تلك الحالة؛ إذ رأيا نمرا مقبلا على تلك الشجرة التي كانا تحتها، ولم يعلما به حتى صار قريبا من الشجرة، فطار الغراب إلى أعلى الشجرة، وبقي السنور متحيرا، فقال للغراب: يا خليلي، هل عندك حيلة في خلاصي كما هو الرجاء فيك؟ فقال له الغراب: إنما يلتمس الإخوة ms0554 عند الحاجة إليهم في الحيلة عند نزول المكروه بهم، وما أحسن قول الشاعر: # إن صديق الحق من كان معك %~% ومن يضر نفسه لينفعك ~~ومن إذا ريب الزمان صدعك %~% شتت فيك نفسه ليجمعك # وكان قريبا من الشجرة رعاة معهم كلاب، فذهب الغراب حتى ضرب بجناحه وجه الأرض، ونعق وصاح، ثم تقدم إليهم وضرب بجناحه وجه بعض الكلاب وارتفع قليلا، وتبعته الكلاب وسارت في إثره، ورفع الراعي رأسه فرأى طائرا يطير قريبا من الأرض ويقع فتبعه، وصار الغراب لا يطير إلا بقدر التخلص من الكلاب، ويطمعها في أن تفترسه، ثم ارتفع قليلا، وتبعته الكلاب حتى انتهى إلى الشجرة التي تحتها النمر، فلما رأت الكلاب النمر وثبت عليه فولى هاربا، وكان يظن أنه يأكل السنور، فنجا منه ذلك السنور بحيلة الغراب صاحبه، وقد أخبرتك بهذا أيها الملك لتعلم أن مودة إخوان الصفاء تنجي من الهلكات. ### || حكاية الثعلب والغراب # وحكي أن ثعلبا سكن في بيت في الجبل، وكان كلما ولد ولدا واشتد ولده أكله من الجوع، وإن لم يأكل ولده أضر به الجوع، وكان يأوي إلى ذروة ذلك الجبل غراب، فقال الثعلب في نفسه: أريد أن أعقد بيني وبين هذا الغراب مودة، وأجعله لي مؤنسا على الوحدة معاونا على طلب الرزق؛ لأنه يقدر من ذلك على ما لا أقدر عليه. فدنا الثعلب من الغراب حتى صار قريبا منه بحيث يسمع كلامه، فسلم عليه ثم قال له: يا جاري، إن للجار المسلم على الجار المسلم حقين؛ حق الجيرة، وحق الإسلام، واعلم بأنك جاري ولك علي حق يجب قضاؤه، خصوصا مع طول المجاورة، على أن في صدري وديعة من محبتك دعتني إلى ملاطفتك، وبعثتني على التماس أخوتك، فما عندك من الجواب؟ فقال الغراب للثعلب: اعلم أن خير القول أصدقه، وربما تتحدث بلسانك ما ليس في قلبك، وأخشى أن تكون أخوتك باللسان ظاهرا، وعداوتك في القلب؛ لأنك آكل وأنا مأكول، فوجب لنا التباين في المحبة، ولا يمكن مواصلتنا، فما الذي دعاك إلى طلب ما لا ندرك، وإرادة ms0555 ما لا يكون، وأنت من جنس الوحوش وأنا من جنس الطير، وهذه الأخوة لا تصح. فقال له الثعلب: إن من علم موضع الأخلاء فأحسن الاختيار فيما يختاره منها ربما يصل إلى منافع الإخوان، وقد أحببت قربك، واخترت الأنس بك؛ ليكون بعضنا عونا لبعض على أغراضنا، وتعقب مودتنا نجاحا، وعندي حكايات في حسن الصداقة إن أردت أن أحكيها حكيتها لك. فقال الغراب: أذنت لك في أن تبثها، فحدثني بها حتى أعرف المراد منها. # فقال له الثعلب: اسمع يا خليلي، يحكى عن برغوث وفأرة ما يستدل به على ما ذكرته لك. فقال الغراب: وكيف كان ذلك؟ فقال الثعلب: زعموا أن فارة كانت في بيت رجل من التجار كثير المال، فأوى البرغوث ليلة إلى فراش ذلك التاجر، فرأى بدنا ناعما، وكان البرغوث عطشانا فشرب من دمه، ووجد التاجر من البرغوث ألما، فاستيقظ من النوم واستوى قاعدا، ونادى بعض أتباعه فأسرعوا إليه، وشمروا عن أيديهم يطوفون على البرغوث؛ فلما أحس البرغوث بالطلب ولى هاربا، فصادف جحر الفأرة فدخله، فلما رأته الفأرة قالت له: ما الذي أدخلك علي ولست من جوهري ولا من جنسي، ولست بآمن من الغلظة عليك ولا مضارتك؟ فقال لها البرغوث: إني هربت إلى منزلك وفزت بنفسي من القتل، وأتيتك مستجيرا بك، ولا طمع لي في بيتك، ولا يلحقك مني شر يدعوك إلى الخروج من منزلك، وإني أرجو أن أكافئك على إحسانك إلي بكل جميل، وسوف تحمدين عاقبة ما أقول لك. فلما سمعت الفأرة كلام البرغوث ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 151 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الفأرة لما سمعت كلام البرغوث، قالت: إذا كان الكلام على ما أخبرت، فاطمئن هنا وما عليك بأس، ولا تجد إلا ما يسرك، ولا يصيبك إلا ما يصيبني، وقد بذلت لك مودتي، ولا تندم على ما فاتك من دم التاجر، ولا تأسف على قوتك منه، وارض بما تيسر لك من العيش؛ فإن ذلك أسلم لك، وقد سمعت أيها البرغوث بعض ms0556 الوعاظ ينشد هذه الأبيات: # سلكت القناعة والإنفراد %~% وقضيت دهري بماذا اتفق ~~بكسرة خبز وشربة ماء %~% وملح جريش وثوب خلق ~~فإن ياسر الله في عيشتي %~% وإلا قنعت بما قد رزق # فلما سمع البرغوث كلام الفأرة قال: يا أختي، قد سمعت وصيتك، وانقدت إلى طاعتك، ولا قوة لي على مخالفتك إلى أن ينقضي العمر بتلك النية الحسنة. فقالت له الفأرة: كفى بصدق المودة في صلاح النية. ثم انعقد الود بينهما، وكان البرغوث بعد ذلك يأوي إلى فراش التاجر ولا يتجاوز بلغته، ويأوي بالنهار مع الفأرة في مسكنها، فاتفق أن التاجر جاء ليلة إلى منزله بدنانير كثيرة، فجعل يقلبها، فلما سمعت الفأرة صوت الدنانير أطلعت رأسها من جحرها، وجعلت تنظر إليها حتى وضعها التاجر تحت وسادة ونام، فقالت الفأرة للبرغوث: أما ترى الفرصة والحظ العظيم، فهل عندك حيلة توصلنا إلى بلوغ الغرض من تلك الدنانير؟ قال البرغوث: إنه لا حسن لمن طلب الغرض إلا أن يكون قادرا عليه، فإن كان ضعيفا عنه وقع فيما يحذره ولم يدرك مراده مع الضعف، وإن استحكمت قوة المحتال كالعصفور الذي يلتقط الحب فيقع في الشبكة فيقتنصه صائده، وليس لك قوة على أخذ الدنانير ولا على إخراجها من البيت، وأنا لا طاقة لي على ذلك، بل ولا على حمل دينار واحد منها، فشأنك والدنانير. فقالت الفأرة: إني أعددت في جحري هذا سبعين منفذا أخرج منها متى أردت الخروج، وأعددت للذخائر موضعا حريزا، وإن تحيلت أنت على إخراجه من البيت فلست أشك في الظفر إن ساعدني القدر. فقال لها البرغوث: قد التزمت لك بإخراجه من البيت. # ثم انطلق البرغوث إلى فراش التاجر ولدغه لدغة قوية لم يكن للتاجر جرى مثلها، ثم تنحى البرغوث إلى موضع يأمن فيه على نفسه من التاجر، وانتبه التاجر يفتش على البرغوث فلم يجد شيئا، فرقد على جنبه الآخر، فلدغه البرغوث لدغة أشد من الأولى، فقلق التاجر وفارق مضجعه، وخرج إلى مصطبة على باب داره فنام هناك، ولم ينتبه إلى الصباح، ثم إن الفأرة أقبلت ms0557 على نقل الدنانير حتى لم تترك منها شيئا، فلما أصبح الصباح صار التاجر يتهم الناس ويظن الظنون. ثم قال الثعلب للغراب: واعلم أني لم أقل لك هذا الكلام أيها الغراب البصير العاقل الخبير، إلا ليصل إليك جزاء إحسانك إلي كما وصل للفأرة جزاء إحسانها إلى البرغوث، فانظر كيف جازاها أحسن المجازاة، وكافأها أحسن المكافأة. فقال الغراب: إن شاء المحسن يحسن أو لا يحسن، وليس الإحسان واجبا لمن التمس صلة بقطيعة، وإن أحسنت إليك مع كونك عدوي، أكون قد تسببت في قطيعة نفسي، وأنت أيها الثعلب ذو مكر وخداع، ومن شيمته المكر والخديعة لا يؤمن على عهد، ومن لا يؤمن على عهد لا أمان له، وقد بلغني من قريب أنك غدرت بصاحبك الذئب، ومكرت به حتى أهلكته بغدرك وحيلتك، وفعلت به هذه الأمور مع أنه من جنسك، وقد صحبته مدة مديدة فما أبقيت عليه، فكيف أثق منك بنصيحة؟ وإذا كان هذا فعلك مع صاحبك الذي من جنسك، فكيف يكون فعلك مع عدوك الذي من غير جنسك؟ وما مثالك معي إلا مثال الصقر مع ضواري الطير. فقال الثعلب: وما حكاية الصقر مع ضواري الطير؟ فقال الغراب: زعموا أن صقرا كان جبارا عنيدا ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 152 ### || حكاية الصقر مع ضراري الطير # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الغراب قال: زعموا أن صقرا كان جبارا عنيدا أيام شبيبته، وكانت سباع البر وسباع الطير تفزع منه، ولا يسلم من شره أحد، وله حكايات كثيرة في ظلمه وتجبره، وكان دأب هذا الصقر الأذى لسائر الطيور، فلما مرت عليه السنون ضعف وجاع، واشتد جهده بعد فقد قوته، فأجمع رأيه على أن يأتي مجمع الطير فيأكل ما يفضل منها، فعند ذلك صار قوته بالحيلة بعد القوة والشدة، وأنت كذلك أيها الثعلب، إن عدمت قوتك ما عدمت خداعك، ولست أشك في أن ما تطلبه من صحبتي حيلة على قوتك، فلا كنت ممن يضع يده في يدك؛ لأن الله أعطاني قوة في ms0558 جناحي، وحذرا في نفسي، وبصرا في عيني، واعلم أن من تشبه بأقوى منه تعب، وربما هلك، وأنا أخاف عليك إن تشبهت بمن هو أقوى منك أن يجري لك ما جرى للعصفور. قال الثعلب: وما جرى للعصفور؟ فبالله عليك أن تخبرني به. # فقال الغراب: بلغني أن عصفورا كان طائرا بمراح غنم، فنظر إلى المراح وإذا بعقاب كبير انقض على رميس من صغار أولاد الغنم فاختطفه بمخالبه وطار، فلما رآه العصفور نشر جناحه وقال: أنا أفعل مثل ما فعل هذا. وأعجبته نفسه وتشبه بمن هو أكبر منه، فطار لوقته وانقض على كبش سمين له صوف كثير، وقد تلبد صوفه من رقاده على بوله وروثه، فصار صوفه مثل البزاق؛ فلما انقض على ظهره صفق بجناحيه، فاشتبكت رجلاه في الصوف، فأراد أن يطير فلم يستطع الطيران، وقد حصل كل هذا والراعي ينظر ما جرى لهما، فرجع إليه الصقر غضبانا، فقبضه ونتف أجنحته وربط في رجليه خيطا وأتى به إلى أولاده ورماه لهم. فقال بعض الأولاد: ما هذا؟ فقال: هذا تشبه بمن هو أعلى منه فهلك. وأنت كذلك أيها الثعلب، أحذرك أن تتشبه بمن هو أقوى منك فتهلك، هذا ما عندي من الكلام، واذهب عني بسلام. # فلما يئس الثعلب من مصادقة الغراب، رجع عن حزنه يئن، وقرع للندامة سنا على سن، فلما سمع الغراب بكاءه وأنه، ورأى كآبته وحزنه، قال: أيها الثعلب، ما نابك حتى قرعت نابك؟ قال له الثعلب: إنما قرعت سني لأني رأيتك أخدع مني. ثم إنه ولى هاربا، ورجع إلى جحره طالبا. # وهذا ما كان من حديثهما أيها الملك. فقال الملك: يا شهرزاد، ما أحسن هذه الحكايات! هل عندك شيء مثلها من الخرافات؟ ### || حكاية القنفذ والورشان # قالت: ويحكى أن قنفذا اتخذ مسكنا بجانب نخلة، وكان الورشان هو وزوجته قد اتخذا عشا في تلك النخلة، وعاشا فوقها عيشا رغدا، فقال القنفذ في نفسه: إن الورشان يأكل من ثمر النخلة، وأنا لا أجد إلى ذلك سبيلا، ولكن لا بد من استعمال الحيلة. ثم حفر ms0559 في أسفل النخلة بيتا واتخذه مسكنا له ولزوجته، واتخذ جانبه مسجدا، وانفرد فيه وأظهر النسك والعبادة وترك الدنيا، وكان الورشان يراه متعبدا مصليا، فرق له من شدة زهده، وقال له: كم سنة وأنت هكذا؟ قال: مدة ثلاثين سنة. قال: ما طعامك؟ قال: ما يسقط من النخلة. قال: ما لباسك؟ قال: شوك أنتفع بخشونته. فقال: وكيف اخترت مكانك هذا على غيره؟ قال: اخترته على غير طريق لأجل أن أرشد الضال وأعلم الجاهل. فقال له الورشان: كنت أظن أنك على غير هذه الحالة، ولكني الآن رغبت فيما عندك. فقال القنفذ: إني أخشى أن يكون قولك ضد فعلك، فتكون كالزراع الذي لما جاء وقت الزرع قصر في بذره وقال: إني أخشى أن يكون أوان الزرع قد فات؛ فأكون قد أضعت المال بسرعة البذر. فلما جاء وقت الحصاد ورأى الناس وهم يحصدون، ندم على ما فاته من تقصيره ومن تخلفه، ومات أسفا وحزنا. # فقال الورشان للقنفذ: وماذا أصنع حتى أتخلص من علائق الدنيا، وأنقطع إلى عبادة ربي؟ قال له القنفذ: خذ في الاستعداد للمعاد، والقناعة بالكفاف من الزاد. فقال الورشان: كيف لي بذلك وأنا طائر لا أستطيع أن أتجاوز النخلة التي فيها قوتي، ولو استطعت ذلك ما عرفت موضعا أستقر فيه؟ فقال القنفذ: يمكنك أن تنثر من ثمر النخلة ما يكفيك مئونة عام أنت وزوجتك، وتسكن في وكر تحت النخلة لالتماس حسن إرشادك، ثم مل إلى ما نثرته من الثمر فانقله جميعه وادخره قوتا للعدم، وإذا فرغت الثمار وطال عليك المطال، صر إلى كفاف من العيش. فقال الورشان: جزاك الله خيرا حيث ذكرتني بالمعاد، وهديتني إلى الرشاد. ثم تعب الورشان هو وزوجته في طرح الثمر حتى لم يبق في النخلة شيء، فوجد القنفذ ما يأكل، وفرح به وملأ مسكنه من الثمر وادخره لقوته، وقال في نفسه: إن الورشان هو وزوجته إذا احتاجا إلى مئونتهما طلباها مني، وطمعا فيما عندي، وركنا إلى تزهدي وورعي، فإذا سمعا نصيحتي ووعظي دنيا مني فأقتنصهما وآكلهما ويخلو لي هذا ms0560 المكان، وكل ما تساقط من ثمر النخلة يكفيني. # ثم إن الورشان نزل هو وزوجته من فوق النخلة بعد أن نثرا ما عليها من الثمر، فوجدا القنفذ قد نقل جميع ذلك إلى جحره، فقال له الورشان: أيها القنفذ الصالح والواعظ الناصح، إنا لم نجد للثمر أثرا، ولا نعرف لقوتنا غيره ثمرا. فقال: لعله طارت به الرياح، والإعراض عن الرزق إلى الرازق عين الفلاح؛ فالذي شق الأشداق لا يتركها بلا أرزاق. وما زال يعظهما بتلك المواعظ ويظهر لهما الورع بزخرف الملافظ حتى ركنا إليه وأقبلا عليه، ودخلا باب وكره وأمنا من مكره، فوثب إلى الباب وقرع الأنياب، فلما رأى الورشان منه الخديعة لائحة، قال له: أين الليلة من البارحة؟ أما تعلم أن للمظلومين ناصرا؟ فإياك والمكر والخديعة؛ لئلا يصيبك ما أصاب الخداعين الذين مكروا بالتاجر. فقال القنفذ: وكيف ذلك؟ قال: بلغني أن تاجرا من مدينة يقال لها «سنده»، كان ذا مال واسع، فشد أحمالا، وجهز متاعا، وخرج به إلى بعض المدن ليبيعه فيها، فتبعه رجلان من المكرة، وحملا شيئا من مال ومتاع، وأظهرا للتاجر أنهما من التجار وسارا معه، فلما نزلا أول منزل اتفقا على المكر به، وأخذ ما معه، ثم إن كل واحد منهما أضمر المكر لصاحبه، وقال في نفسه: لو مكرت بصاحبي بعد مكرنا بالتاجر لصفا لي الوقت وأخذت جميع المال. ثم أضمرا لبعضهما على نية فاسدة، وأخذ كل منهما طعاما وجعل فيه سما وقربه لصاحبه، فقتلا بعضهما، وكانا يجلسان مع التاجر ويحدثانه، فلما أبطآ عليه فتش عليهما ليعرف خبرهما، فوجدهما ميتين، فعلم أنهما كانا محتالين، وأرادا المكر به، فعاد عليهما مكرهما، وسلم التاجر وأخذ ما كان معهما. # فقال الملك: نبهتني يا شهرزاد على شيء كنت غافلا عنه، أفلا تزيديني من هذه الأمثال؟ # قالت: بلغني أيها الملك أن رجلا كان عنده قرد، وكان ذلك الرجل سارقا لا يدخل سوقا من أسواق المدينة التي هو فيها إلا ويرجع بكسب عظيم، فاتفق أن رجلا حمل أثوابا مقطوعة لبيعها، فذهب بها إلى السوق ms0561 وصار ينادي عليها فلا يسومه أحد، وكان لا يعرضها على أحد إلا امتنع من شرائها؛ فاتفق أن السارق الذي معه القرد رأى الشخص الذي معه الثياب المقطعة، وكان قد وضعها في بقجة وجلس يستريح من التعب، فلعب القرد قدامه حتى أشغله بالفرجة عليه، واختلس منه تلك البقجة، ثم أخذ القرد وذهب إلى مكان خال، وفتح البقجة فرأى تلك الثياب المقطعة، فوضعها في بقجة نفيسة، وذهب بها إلى سوق آخر، وعرض البقجة للبيع بما فيها، واشترط ألا تفتح، ورغب الناس فيها لقلة الثمن، فرآها رجل وأعجبه نفاستها، فاشتراها بهذا الشرط وذهب بها إلى زوجته، فلما رأت ذلك امرأته قالت: ما هذا؟ قال: متاع نفيس اشتريته بدون القيمة لأبيعه وآخذ فائدته. فقالت: أيها المغبون، أيباع هذا المتاع بأقل من قيمته إلا إذا كان مسروقا؟ أما تعلم أن من اشترى شيئا ولم يعاينه كان مخطئا، وكان مثله مثل الحايك؟ فقال لها: وكيف كان ذلك؟ # فقالت: بلغني أن حايكا كان في بعض القرى، وكان يعمل فلا ينال القوت إلا بجهد، فاتفق أن رجلا من الأغنياء كان ساكنا قريبا منه قد أولم وليمة ودعا الناس إليها، فحضر الحايك فرأى الناس الذين عليهم الثياب الناعمة يقدم لهم الأطعمة الفاخرة، وصاحب المنزل يعظمهم لما يرى من حسن زيهم، فقال في نفسه: لو بدلت تلك الصنعة بصنعة أخف مئونة منها وأكثر أجرة، لجمعت مالا كثيرا، واشتريت ثيابا فاخرة، ولارتفع شأني وعظمت في أعين الناس. ثم نظر إلى بعض أهل الملاعب الحاضرين في الوليمة وقد صعد سورا شاهقا، ثم رمى بنفسه إلى الأرض، ونهض قائما، فقال في نفسه: لا بد أن أعمل مثل ما عمل هذا ولا أعجز عنه. ثم صعد إلى السور ورمى نفسه، فلما وصل إلى الأرض اندقت رقبته فمات، وإنما أخبرتك بذلك لئلا يتمكن منك الشر فترغب فيما ليس من شأنك. فقال لها زوجها: ما كل عالم يسلم بعلمه، ولا كل جاهل يعطب بجهله، وقد رأيت الحاوي الخبير بالأفاعي العالم بها ربما نهشته الحية فقتلته، وقد ms0562 يظفر بها الذي لا معرفة له بها، ولا علم عنده بأحوالها. ثم خالف زوجته واشترى المتاع وأخذ في تلك العادة، فصار يشتري من السارقين بدون القيمة إلى أن وقع في تهمة فهلك فيها. وكان في زمنه عصفور يأتي كل يوم إلى ملك من ملوك الطيور، ولم يزل غاديا ورائحا عنده بحيث كان أول داخل عليه وآخر خارج من عنده، فاتفق أن جماعة من الطير اجتمعوا في جبل عال من الجبال، فقال بعضهم لبعض: إنا قد كثرنا وكثر الاختلاف بيننا، ولا بد لنا من ملك ينظر في أمورنا، فتجتمع كلمتنا ويزول الاختلاف عنا. فمر بهم ذلك العصفور، فأشار عليهم بتمليك الطاوس، وهو الملك الذي يتردد إليه، فاختاروا الطاوس وجعلوه عليهم ملكا، فأحسن إليهم وجعل ذلك العصفور كاتبه ووزيره، فكان تارة يترك الملازمة وينظر في الأمور. # ثم إن العصفور غاب يوما عن الطاوس فقلق قلقا عظيما، فبينما هو كذلك إذ دخل عليه العصفور فقال له: ما الذي أخرك وأنت أقرب أتباعي إلي؟ فقال العصفور: رأيت أمرا واشتبه علي فتخوفت منه. فقال له الطاوس: ما الذي رأيت؟ قال العصفور: رأيت رجلا معه شبكة قد نصبها عند وكري، وثبت أوتادها، وبذر في وسطها حبا، وقعد بعيدا عنها، فجلست أنظر ما يفعل، فبينما أنا كذلك وإذا بكركي هو وزوجته قد ساقهما القضاء والقدر حتى سقطا في وسط الشبكة، فصارا يصرخان، فقام الصياد وأخذهما، فأزعجني ذلك، وهذا سبب غيابي عنك يا ملك الزمان، وما بقيت أسكن هذا الوكر حذرا من الشبكة. فقال له الطاوس: لا ترحل من مكانك؛ لأنه لا ينفع الحذر من القدر. فامتثل أمره، وقال: سأصبر ولا أرحل طاعة للملك. ولم يزل العصفور حذرا على نفسه، وأخذ الطعام إلى الطاوس فأكل حتى اكتفى، وتناول على الطعام ماء، ثم ذهب العصفور. فبينما هو في بعض الأيام شاخص، وإذا بعصفورين يقتتلان في الأرض، فقال في نفسه: كيف أكون وزير الملك وأرى العصافير تقتتل في جواري؟ والله لأصلحن بينهما. ثم ذهب إليهما ليصلح بينهما، فقلب الصياد الشبكة ms0563 على الجميع فوقع ذلك العصفور في وسطها، فقام إليه الصياد وأخذه ودفعه إلى صاحبه، وقال له: استوثق به فإنه سمين لم أر أحسن منه. فقال العصفور في نفسه: قد وقعت فيما كنت أخافه، وما كان آمنا إلا الطاوس، ولم ينفعني الحذر من نزول القدر، فلا مفر من القضاء لمحاذر، وما أحسن قول الشاعر: # ما لا يكون فلا يكون بحيلة %~% أبدا وما هو كائن فيكون ~~سيكون ما هو كائن في وقته %~% وأخو الجهالة دائما مغبون # فقال الملك: يا شهرزاد، زيديني من هذا الحديث. فقالت: الليلة القابلة إن أبقاني الملك أعزه الله. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 153 ### || حكاية علي بن بكار وشمس النهار # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كان في قديم الزمان في خلافة هارون الرشيد، رجل تاجر له ولد يسمى أبا الحسن علي بن طاهر، وكان كثير المال والنوال، حسن الصورة، محبوبا عند كل من يراه، وكان يدخل دار الخلافة من غير إذن، ويحبه جميع سراري الخليفة وجواريه، وكان ينادم الملك وينشد عنده الأشعار، ويحدثه بنوادر الأخبار، إلا أنه كان يبيع ويشتري في سوق التجار، وكان يجلس على دكانه شاب من أولاد ملوك العجم يقال له علي بن بكار، وكان ذلك الشاب مليح القامة، ظريف الشكل، كامل الصورة، مورد الخدين، مقرون الحاجبين، عذب الكلام، ضاحك السن، يحب البسط والانشراح، فاتفق أنهما كانا جالسين يتحدثان ويضحكان، وإذا بعشر جوار كأنهن الأقمار، وكل منهن ذات حسن وجمال، وقد واعتدال، وبينهن صبية راكبة بغلة بسرج مزركش له ركاب من الذهب، وعليها إزار رفيع، وفي وسطها زنار من الحرير مطرز بالذهب، كما قال فيها الشاعر: # لها بشر مثل الحرير ومنطق %~% رخيم الحواشي لا هراء ولا نذر ~~وعينان قال الله كونا فكانتا %~% فعولان بالألباب ما تفعل الخمر ~~فيا حبها زدني جوى كل ليلة %~% ويا سلوة الأحباب موعدك الحشر ![figure](../Images/figure5.png) # ثم خرج من الباب عشرون جارية، وبينهن جارية اسمها شمس النهار، كأنها القمر. # ولما وصلوا إلى دكان أبي الحسن نزلت عن ms0564 البغلة وجلست على دكانه، فسلمت عليه وسلم عليها، فلما رآها علي بن بكار سلبت عقله وأراد القيام، فقالت له: اجلس مكانك، كيف تذهب إذا حضرنا؟ هذا ما هو إنصاف. فقال: والله يا سيدتي إني هارب مما رأيت، وما أحسن قول الشاعر: # هي الشمس مسكنها في السما %~% فعز الفؤاد عزاء جميلا ~~فلن تستطيع إليها الصعود %~% ولن تستطيع إليك النزولا # فلما سمعت ذلك الكلام تبسمت، وقالت لأبي الحسن: ما اسم هذا الفتى؟ ومن أين هو؟ فقال لها: هذا غريب اسمه علي بن بكار ابن ملك العجم، والغريب يجب إكرامه. فقالت له: إذا جاءتك جاريتي تأتي به عندي. فقال أبو الحسن: على الرأس. ثم قامت وتوجهت إلى حال سبيلها. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر علي بن بكار، فإنه صار لا يعرف ما يقول، وبعد ساعة جاءت الجارية إلى أبي الحسن، وقالت له: إن سيدتي تطلبك أنت ورفيقك. فنهض أبو الحسن وأخذ معه علي بن بكار، وتوجها إلى دار هارون الرشيد، فأدخلتهما في مقصورة وأجلستهما، وإذا بالموائد وضعت قدامهما، فأكلا وغسلا أيديهما، ثم أحضرت لهما الشراب فسكرا، ثم أمرتهما بالقيام فقاما معها وأدخلتهما مقصورة أخرى مركبة على أربعة أعمدة، وهي مفروشة بأنواع الفرش، مزينة بأحسن الزينة كأنها من قصور الجنان، فاندهشا مما عاينا من التحف. فبينما هما يتفرجان على هذه الغرائب، وإذا بعشر جوار أقبلن يتمايلن عجبا كأنهن الأقمار يدهشن الأبصار ويحيرن الأفكار، واصطففن كأنهن من حور الجنان، وجاء بعدهن عشر جوار أخرى وبأيديهن العيدان وآلات اللهو والطرب، فسلمن عليهما وجعلن يضربن العيدان وينشدن الأشعار، وكل واحدة منهن فتنة للعباد. وأقبل بعدهن عشر جوار مثلهن كواعب أتراب، بعيون سود، وخدود حمر، مقرونات الحواجب، ناعسات الأطراف، فتنة للعابدين ونزهة للناظرين، وعليهن من أنواع الحرير الملون ما يحير العقول، ثم وقفن بالباب وجاء من بعدهن عشر جوار أحسن منهن وعليهن الملبوس الفاخر، فوقفن بالباب أيضا؛ ثم خرج من الباب عشرون جارية، وبينهن جارية اسمها شمس النهار كأنها القمر بين النجوم، وهي ms0565 متوشحة بفاضل شعرها، وعليها لباس أزرق وإزار من الحرير بطرازات من الذهب، وفي وسطها حياصة مرصعة بأنواع الجواهر، ولم تزل تتبختر حتى جلست على السرير، فلما رآها علي بن بكار أنشد هذه الأشعار: # إن هذي هي ابتداء سقامي %~% وتمادي وجدي وطول غرامي ~~عندها قد رأيت نفسي ذابت %~% من ولوعي بها وبري عظامي # فلما فرغ من شعره قال لأبي الحسن: لو عملت معي خيرا كنت أخبرتني بهذه الأمور قبل الدخول هنا؛ لأجل أن أوطن نفسي وأصبرها على ما أصابها. ثم بكى واشتكى، فقال له أبو الحسن: يا أخي، أنا ما أردت لك إلا الخير، ولكن خشيت أن أعلمك بذلك، فيلحقك من الوجد ما يصدك عن لقائها، ويحيل بينك وبين وصالها، فطب نفسا وقر عينا، فهي بسعدك مقبلة، وللقائك متوصلة. فقال علي بن بكار: ما اسم هذه الصبية؟ فقال له أبو الحسن: تسمى شمس النهار، وهي من محاظي أمير المؤمنين هارون الرشيد، وهذا المكان قصر الخلافة. ثم إن شمس النهار جلست وتأملت محاسن علي بن بكار، وتأمل هو حسنها، واشتغلا بحب بعضهما، وقد أمرت الجواري أن تجلس كل واحدة منهن في مكانها على سرير، فجلست كل واحدة قبال طاقة، وأمرتهن بالغناء، فتسلمت واحدة منهن العود، وأنشدت تقول: # أعد الرسالة ثانية %~% وخذ الجواب علانيه ~~وإليك يا ملك الملا %~% ح وقفت أشكو حاليه ~~مولاي يا قلبي العزي %~% ز ويا حياتي الغاليه ~~أنعم علي بقبلة %~% هبة وإلا عاريه ~~وأردها لك لا عدم %~% ت بعينها وكما هيه ~~وإذا أردت زيادة %~% خذها ونفسك راضيه ~~يا ملبسي ثوب الضنى %~% يهنيك ثوب العافيه # فطرب علي بن بكار وقال لها: زيديني من مثل هذا الشعر. فحركت الأوتار، وأنشدت هذه الأشعار: # من كثرة البعد يا حبيبتي %~% علمت طول البكا جفوني ~~يا حظ عيني ويا مناها %~% ومنتهى غايتي وديني ~~إرثي لمن طرفه غريق %~% في عبرة الواله الحزين # فلما فرغت من شعرها قالت شمس النهار لجارية غيرها: أنشدي. فأطربت بالنغمات، وأنشدت هذه الأبيات: # سكرت من لحظه لا من مدامته %~% ومال بالنوم عن عيني ms0566 تمايله ~~فما السلاف سلتني بل سوالفه %~% وما الشمول شلتني بل شمائله ~~لوى بعزمي أصداغ لوين له %~% وغال عقلي بما تحوي غلائله # فلما سمعت شمس النهار إنشاد الجارية، تنهدت وأعجبها الشعر، ثم أمرت جارية أخرى أن تغني، فأنشدت هذه الأبيات: # وجه لمصباح السماء مباه %~% يبدو الشباب عليه رشح مياه ~~رقم العذار غلالتيه بأحرف %~% معنى الهوى في طيها متناه ~~نادى عليه الحسن حين لقيته %~% هذا المنمنم في طراز الله # فلما فرغت من شعرها، قال علي بن بكار لجارية قريبة منه: أنشدي أنت أيتها الجارية. فأخذت العود، وأنشدت هذه الأبيات: # زمن الوصال يضيق عن %~% هذا التمادي والدلال ~~كم من صدود متلف %~% ما هكذا أهل الجمال ~~فاستغنموا وقت السعو %~% د بطيب ساعات الوصال # فلما فرغت من شعرها تنهد علي بن بكار، وأرسل دموعه الغزار، فلما رأته شمس النهار قد بكى وأن وأشتكى، أحرقها الوجد والغرام، وأتلفها الوله والهيام، فقامت من فوق السرير، وجاءت إلى باب القبة، فقام علي بن بكار وتلقاها وتعانقا ووقعا مغشيا عليهما في باب القبة، فقام الجواري إليهما، وحملنهما وأدخلنهما القبة، ورششن عليهما ماء الورد، فلما أفاقا لم يجدا أبا الحسن، وكان قد اختفى في جانب سرير، فقالت الصبية: أين أبو الحسن؟ فظهر لها من جانب السرير، فسلمت عليه وقالت: أسأل الله أن يقدرني على مكافأتك يا صاحب المعروف. ثم أقبلت على علي بن بكار وقالت له: يا سيدي، ما بلغ بك الهوى إلى غاية إلا وعندي أمثالها، وليس لنا إلا الصبر على ما أصابنا. فقال علي بن بكار: والله يا سيدتي، جمع شملي بك يطيب، ولا ينطفئ إليك ما عندي من اللهيب، ولا يذهب ما تمكن من حبك في قلبي إلا بذهاب روحي. ثم بكى فنزلت دموعه على خده كأنها المطر، فلما رأته شمس النهار يبكي بكت لبكائه، فقال أبو الحسن: والله إني عجبت من أمركما، واحترت في شأنكما، فإن حالكما عجيب، وأمركما غريب، هذا البكاء وأنتما مجتمعان، فكيف تكون الحال بعد انفصالكما؟ ثم قال: هذا ليس وقت حزن وبكاء، ms0567 بل هذا وقت سرور وانشراح. فأشارت شمس النهار إلى جارية، فقامت وعادت ومعها وصائف حاملات مائدة صحافها من الفضة، وفيها أنواع الطعام، ثم وضعت المائدة قدامهم، وصارت شمس النهار تأكل وتلقم علي بن بكار حتى اكتفوا، ثم رفعت المائدة وغسلوا أيديهم، وجاءتهم المباخر بأنواع العود، وجاءت القماقم بماء الورد، فتبخروا وتطيبوا، وقدمت لهم أطباق من الذهب المنقوش فيها من أنواع الشراب والفواكه والنقل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ثم جاءت لهم بطشت من العقيق ملآن من المدام، فاختارت شمس النهار عشر وصائف أوقفتهن عندها، وعشر جوار من المغنيات، وصرفت باقي الجواري إلى أماكنهن، وأمرت بعض الحاضرات من الجواري أن يضربن بالعود، ففعلن ما أمرت به، وأنشدت واحدة منهن: # بنفسي من رد التحية ضاحكا %~% فجدد بعد اليأس في الوصل مطمعي ~~لقد أبرزت أيدي الغرام سرائري %~% وأظهرن للعذال ما بين أضلعي ~~وحالت دموع العين بيني وبينه %~% كأن دموع العين تعشقه معي # فلما فرغت من شعرها قامت شمس النهار وملأت الكأس وشربته، ثم ملأته وأعطته لعلي بن بكار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 154 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن شمس النهار ملأت الكأس وأعطته لعلي بن بكار، ثم أمرت جارية أن تغني، فأنشدت هذين البيتين: # تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي %~% فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب ~~فوالله لا أدري أبالخمر أسبلت %~% جفوني أم من أدمعي كنت أشرب # فلما فرغت من شعرها، شرب علي بن بكار كأسه، ورده إلى شمس النهار فملأته وناولته لأبي الحسن فشربه، ثم أخذت العود وقالت: لا يغني على قدحي غيري. ثم شدت الأوتار، وأنشدت هذه الأشعار: # غرائب الدمع في خديه تقتله %~% وجدا ونار الهوى في صدره تقد ~~يبكي من القرب خوفا من تباعدهم %~% فالدمع إن قربوا جار وإن بعدوا # وقول الشاعر: # نتفداك ساقيا قد كساك ال %~% حسن من فرقك المضيء لساقك ~~تشرق الشمس من يديك ومن في %~% ك الثريا والبدر من أطواقك ~~إن أقداحك التي تركتني %~% غير صاح تدار من أحداقك ~~أوليس ms0568 العجيب كونك بدرا %~% كاملا والمحاق في عشاقك ~~أإله أنت إذ تميت وتحيي %~% بتلاقيك من تشا وفراقك ~~خلق الله من خليقتك الحس %~% ن وطيب النسيم من أخلاقك ~~لست من هذه البرية بل أن %~% ت مليك متوج من خلاقك # فلما سمع علي بن بكار وأبو الحسن والحاضرون شعر شمس النهار، كادوا أن يطيروا من الطرب، ولعبوا وضحكوا؛ فبينما هم على هذا الحال، وإذا بجارية أقبلت وهي ترتعد من الخوف، وقالت: يا سيدتي قد وصل أمير المؤمنين، وها هو بالباب، ومعه عفيف ومسرور وغيرهما. فلما سمعوا كلام الجارية كادوا أن يهلكوا من الخوف، فضحكت شمس النهار وقالت: لا تخافوا. ثم قالت للجارية: ردي عليهم الجواب بقدر ما نتحول من هذا المكان. ثم إنها أمرت بغلق باب القبة، وإرخاء الستور على أبوابها وهم فيها، وأغلقت باب القاعة، ثم خرجت إلى البستان، وجلست على سريرها، وأمرت جارية أن تكبس رجليها، وأمرت بقية الجواري أن يمضين إلى أماكنهن، وأمرت الجارية أن تدع الباب مفتوحا ليدخل الخليفة، فدخل مسرور ومن معه، وكانوا عشرين وبأيديهم السيوف، فسلموا على شمس النهار، فقالت لهم: لأي شيء جئتم؟ فقالوا: إن أمير المؤمنين يسلم عليك، وقد استوحش لرؤيتك، ويخبرك أنه كان عنده اليوم سرور وحظ زائد، وأحب أن يكون ختام السرور بوجودك في هذه الساعة، فهل تأتين عنده أو يأتي عندك؟ فقامت وقبلت الأرض، وقالت: سمعا وطاعة لأمر أمير المؤمنين. ثم أمرت بإحضار القهرمانات والجواري فحضرن، وأظهرت لهن أنها مقبلة على ما أمر به الخليفة، وكان المكان كاملا في جميع أموره، ثم قالت للخدام: امضوا إلى أمير المؤمنين، وأخبروه أنني في انتظاره بعد قليل إلى أن أهيئ له مكانا بالفرش والأمتعة. فمضى الخدام مسرعين إلى أمير المؤمنين، ثم إن شمس النهار قلعت ودخلت إلى معشوقها علي بن بكار، وضمته إلى صدرها وودعته، فبكى بكاء شديدا، وقال: يا سيدتي، هذا الوداع متعيني به لعله يكون على تلف نفسي وهلاك روحي في هواك، ولكن أسأل الله أن يرزقني الصبر على ما بلاني به من ms0569 محبتي. فقالت له شمس النهار: والله ما يصير في التلف إلا أنا؛ فإنك قد تخرج إلى السوق وتجتمع بمن يسليك فتكون مصونا، وغرامك مكنونا، وأما أنا فسوف أقع في البلاء، خصوصا وقد وعدت الخليفة بميعاد، فربما يلحقني من ذلك عظيم الخطر بسبب شوقي إليك، وحبي لك، وتعشقي فيك، وتأسفي على مفارقتك، فبأي لسان أغني؟ وبأي قلب أحضر عند الخليفة؟ وبأي كلام أنادم أمير المؤمنين؟ وبأي نظر أنظر إلى مكان ما أنت فيه؟ وكيف أكون في حضرة لم تكن بها؟ وبأي ذوق أشرب مداما ما أنت حاضره؟ فقال لها أبو الحسن: لا تتحيري واصبري، ولا تغفلي عن منادمة أمير المؤمنين هذه الليلة، ولا تريه تهاونا. # فبينما هم في الكلام، وإذا بجارية قدمت وقالت: يا سيدتي، جاء غلمان أمير المؤمنين. فنهضت قائمة، وقالت للجارية: خذي أبا الحسن ورفيقه، واقصدي بهما أعلى الروشن المطل على البستان، ودعيهما هناك إلى الظلام، ثم تحيلي في خروجهما. فأخذتهما الجارية وأطلعتهما في الروشن، وأغلقت الباب عليهما، ومضت إلى حال سبيلها، وصارا ينظران إلى البستان، وإذا بالخليفة قدم وقدامه نحو المائة خادم بأيديهم السيوف، وحواليه عشرون جارية كأنهن الأقمار، وعليهن أفخر ما يكون من الملبوس، وعلى رأس كل واحدة تاج مكلل بالجواهر واليواقيت، وفي يد كل واحدة شمعة موقودة، والخليفة يمشي بينهن، وهن محيطات به من كل ناحية، ومسرور وعفيف ووصيف قدامه، وهو يتمايل بينهم. فقامت له شمس النهار وجميع من عندها من الجواري، ولاقينه من باب البستان، وقبلن الأرض بين يديه، ولم يزلن سائرات أمامه إلى أن جلس على السرير، والذين في البستان من الجواري والخدم وقفوا حوله والشموع موقودة، والآلات تضرب إلى أن أمرهم بالانصراف والجلوس على الأسرة، فجلست شمس النهار على سرير بجانب سرير الخليفة، وصارت تحدثه؛ كل ذلك وأبو الحسن وعلي بن بكار ينظران ويسمعان، والخليفة لم يرهما. # ثم إن الخليفة صار يلعب مع شمس النهار، وأمر بفتح القبة ففتحت، وشرعوا طيقانها، وأوقدوا الشموع حتى صار المكان وقت الظلام كالنهار، ثم إن الخدم صاروا ms0570 ينقلون آلات المشروب، فقال أبو الحسن: إن هذه الآلات والمشروب والتحف ما رأيت مثلها، وهذا شيء من أصناف الجواهر ما سمعت بمثله، وقد خيل لي أنني في المنام، وقد اندهش عقلي، وخفق قلبي. وأما علي بن بكار فإنه لما فارقته شمس النهار لم يزل مطروحا على الأرض من شدة العشق، فلما أفاق صار ينظر إلى هذه الفعال التي لا يوجد مثلها، فقال لأبي الحسن: أخي، أخشى أن ينظرنا الخليفة أو يعلم حالنا، وأكثر خوفي عليك، وأما أنا فإني أعلم أن نفسي من الهالكين، وما سبب موتي إلا العشق والغرام، وفرط الوجد والهيام، ونرجو من الله الخلاص مما بلينا به. ولم يزل علي بن بكار وأبو الحسن ينظران من الروشن إلى الخليفة وما هو فيه، حتى تكاملت الحضرة بين يدي الخليفة، ثم إن الخليفة التفت إلى جارية من الجواري وقال: هاتي ما عندك يا غرام من السماع المطرب. فأطربت بالنغمات، وأنشدت هذه الأبيات: # وما وجد أعرابية بان أهلها %~% فحنت إلى بان الحجاز ورنده ~~إذا آنست ركبا تكفل شوقها %~% بنار قراه والدموع بورده ~~بأعظم من وجدي بحبي وإنما %~% يرى أنني أذنبت ذنبا بوده # فلما سمعت شمس النهار هذا الشعر وقعت مغشيا عليها من فوق الكرسي الذي كانت عليه، وغابت عن الوجود، فقام الجواري واحتملنها، فلما نظر إليها علي بن بكار من الروشن وقع مغشيا عليه، فقال أبو الحسن: إن القضاء قسم الغرام بينكما بالسوية. فبينما هما يتحدثان وإذا بالجارية التي أطلعتهما الروشن جاءتهما وقالت: يا أبا الحسن، انهض أنت ورفيقك وانزلا، فقد ضاقت علينا الدنيا، وأنا خائفة أن يظهر أمرنا، فقوما في هذه الساعة وإلا متنا. فقال أبو الحسن: فكيف ينهض هذا الغلام معي ولا قدرة له على النهوض؟ فصارت الجارية ترش ماء الورد على وجهه حتى أفاق، فحمله أبو الحسن هو والجارية ونزلا به من الروشن، ومشيا قليلا، ثم فتحت الجارية بابا صغيرا من حديد، وأخرجت أبا الحسن هو وعلي بن بكار على مصطبة، ثم صفقت الجارية بيديها، فجاء زورق فيه ms0571 إنسان يجدف، فأطلعتهما الجارية في الزورق، وقالت للذي في الزورق: أطلعهما في ذلك البر. فلما نزلا في الزورق وفارقا البستان، نظر علي بن بكار إلى القبة والبستان، وودعهما بهذين البيتين: # مددت إلى التوديع كفا ضعيفة %~% وأخرى على الرمضاء تحت فؤادي ~~فلا كان هذا آخر العهد بيننا %~% ولا كان هذا الزاد آخر زادي # ثم إن الجارية قالت للملاح: أسرع بهما. فصار يجدف لأجل السرعة والجارية معهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 155 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملاح صار يجدف لأجل السرعة والجارية معهم، إلى أن قطعوا ذلك الجانب، وعدوا إلى البر الثاني، ثم انصرفت الجارية وودعتهما، وطلعا إلى البر، وقالت لهما: كان قصدي ألا أفارقكما لكنني لا أقدر أن أسير إلى مكان غير هذا الموضع. ثم إن الجارية عادت، وصار علي بن بكار مطروحا بين يدي أبي الحسن لا يستطيع النهوض، فقال له أبو الحسن: إن هذا المكان غير أمين، ونخشى على أنفسنا من التلف في هذا المكان بسبب اللصوص وأولاد الحرام. فقام علي بن بكار يتمشى قليلا وهو لا يستطيع المشي، وكان أبو الحسن له في ذلك الجانب أصدقاء، فقصد من يثق به ويركن إليه منهم، فدق بابه فخرج إليه مسرعا، فلما رآهما رحب بهما، ودخل بهما إلى منزله، وأجلسهما وتحدث معهما، وسألهما أين كانا. فقال أبو الحسن: قد خرجنا في هذا الوقت، وأحوجنا إلى هذا الأمر إنسان عاملته في دراهم، وبلغني أنه يريد السفر بمالي، فخرجت في هذه الليلة وقصدته واستأنست برفيقي هذا علي بن بكار، وجئنا لعلنا ننظره فتوارى منا ولم نره، وعدنا بلا شيء، وشق علينا العود في هذا الليل، ولم نر لنا محلا غير محلك، فجئنا إليك على عوائدك الجميلة. فرحب بهما، واجتهد في إكرامهما، وأقاما عنده بقية ليلتهما. # ![figure](../Images/figure6.png) # الملاح صار يجدف لأجل السرعة والجارية معهم، إلى أن قطعوا ذلك الجانب. # فلما أصبح الصباح خرجا من عنده، ولم يزالا يمشيان حتى وصلا إلى المدينة ودخلاها وجازا على بيت أبي ms0572 الحسن، فحلف على صاحبه علي بن بكار، وأدخله بيته فاضطجعا على الفراش قليلا، ثم أفاقا، فأمر أبو الحسن غلمانه أن يفرشوا البيت فرشا فاخرا ففعلوا، ثم إن أبا الحسن قال في نفسه: لا بد أن أؤانس هذا الغلام وأسليه عما هو فيه، فإني أدرى بأمره. ثم إن علي بن بكار لما أفاق استدعى بماء، فحضروا له بالماء، فقام وتوضأ وصلى ما فاته من الفروض في يومه وليلته، وصار يسلي نفسه بالكلام، فلما رأى منه ذلك أبو الحسن تقدم إليه وقال: يا سيدي علي، الأليق بما أنت فيه أن تقيم عندي هذه الليلة لينشرح صدرك، وينفرج ما بك من كرب الشوق، وتتلاهى معنا. فقال علي بن بكار: افعل يا أخي ما بدا لك، فإني على كل حال غير ناج مما أصابني، فاصنع ما أنت صانع. فقام أبو الحسن واستدعى غلمانه، وأحضر أصحابه، وأرسل إلى أرباب المغاني والآلات، فحضروا وأقاموا على أكل وشرب وانشراح باقي اليوم إلى المساء، ثم أوقدوا الشموع، ودارت بينهم كئوس المنادمة، وطاب لهم الوقت، فأخذت المغنية العود وجعلت تقول: # رميت من الزمان بسهم لحظ %~% فأصماني وفارقت الحبايب ~~وعاندني الزمان وقل صبري %~% وإني قبل هذا كنت حاسب # فلما سمع علي بن بكار كلام المغنية خر مغشيا عليه، ولم يزل في غشيته إلى أن طلع الفجر ويئس منه أبو الحسن، ولما طلع النهار أفاق وطلب الذهاب إلى بيته، فلم يمنعه أبو الحسن خوفا من عاقبة أمره، فأتاه غلمانه ببغلة وأركبوه، وسار معه أبو الحسن إلى أن أدخله منزله. فلما اطمأن في بيته حمد الله أبو الحسن على خلاصه من هذه الورطة، وصار يسليه، وهو لا يتمالك نفسه من شدة الغرام، ثم إن أبا الحسن ودعه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 156 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا الحسن ودعه، فقال له علي بن بكار: يا أخي، لا تقطع عني الأخبار. فقال: سمعا وطاعة. ثم إن أبا الحسن قام من عنده، وأتى دكانه وفتحها، وصار ms0573 يرتقب خبرا من الصبية فلم يأته أحد بخبر، فبات تلك الليلة في داره، فلما أصبح الصباح، قام إلى أن أتى دار علي بن بكار ودخل عليه، فوجده ملقى على فراشه، وأصحابه حوله، والحكماء عنده، وكل واحد يصف له شيئا ويجسون يده، فلما دخل أبو الحسن ورآه، تبسم، ثم إن أبا الحسن سلم عليه وسأله عن حاله وجلس عنده حتى خرج الناس، فقال له: ما هذه الحال؟ فقال علي بن بكار: قد شاع خبري أني مريض وتسامع بذلك أصحابي، وليس لي قوة أستعين بها على القيام والمشي حتى أكذب من جعلني ضعيفا، ولم أزل ملقى مكاني كما تراني، وقد أتى أصحابي إلى زيارتي. يا أخي، هل رأيت الجارية أو سمعت بخبر من عندها؟ فقال: ما جاءتني من يوم فارقتنا على شاطئ الدجلة. ثم قال أبو الحسن: يا أخي، احذر الفضيحة وتجنب هذا البكاء. فقال علي بن بكار: يا أخي، لا أملك نفسي. ثم صعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # نالت على يدها ما لم تنله يدي %~% نقش على معصم أوهت به جلدي ~~خافت على يدها من نبل مقلتها %~% فألبست يدها درعا من الزرد ~~جس الطبيب يدي جهلا فقلت له %~% إن التألم في قلبي فخل يدي ~~قالت لطيف خيال زارني ومضى %~% بالله صفه ولا تنقص ولا تزد ~~فقال خلفته لو مات من ظمأ %~% وقلت قف عن ورود الماء لم يرد ~~فاستمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت %~% وردا وعضت على العناب بالبرد # فلما فرغ من شعره قال: قد بليت بمصيبة كنت في أمن منها، وليس لي أعظم راحة من الموت. فقال له أبو الحسن: اصبر لعل الله يشفيك. ثم نزل أبو الحسن من عنده وتوجه إلى دكانه وفتحها، فما جلس غير قليل حتى أقبلت إليه الجارية وسلمت، فرد عليها السلام، ونظر إليها فوجدها خافقة القلب يظهر عليها أثر الكآبة، فقال لها: أهلا وسهلا، كيف حال شمس النهار؟ فقالت: سوف أخبرك بحالها، كيف حال علي بن بكار؟ فأخبرها أبو الحسن بجميع ما كان من أمره، فتأسفت ms0574 وتأوهت وتعجبت من ذلك الأمر، ثم قالت: إن حال سيدتي أعجب من ذلك، فإنكما لما توجهتما، رجعت وقلبي يخفق عليكما، وما صدقت بنجاتكما، فلما رجعت وجدت سيدتي مطروحة في القبة لا تتكلم ولا ترد على أحد، وأمير المؤمنين جالس عند رأسها لا يجد من يخبره بخبرها، ولم يعلم ما بها، ولم تزل في غشيتها إلى نصف الليل، ثم أفاقت، فقال لها أمير المؤمنين: ما الذي أصابك يا شمس النهار؟ وما الذي اعتراك في هذه الليلة؟ فلما سمعت شمس النهار كلام الخليفة قبلت أقدامه، وقالت له: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، إنه خامرني خلط فأضرم النار في جسدي فوقعت مغشيا علي من شدة ما بي، ولا أعلم كيف كانت حالي. فقال لها الخليفة: ما الذي استعملته في نهارك؟ قالت: أفطرت على شيء لم آكله قط. ثم أظهرت القوة، واستدعت بشيء من الشراب فشربته، وسألت أمير المؤمنين أن يعود إلى انشراحه، فعاد إلى الجلوس في القبة، فلما جئت إليها سألتني عن أحوالكما، فأخبرتها بما فعلت معكما، وأخبرتها بما أنشده علي بن بكار فسكتت، ثم إن أمير المؤمنين جلس وأمر الجارية بالغناء، فأنشدت هذين البيتين: # ولم يصف لي شيء من العيش بعدكم %~% فيا ليت شعري كيف حالكم بعدي ~~يحق لدمعي أن يكون من الدما %~% إذا كنتم تبكون دمعا على بعدي # فلما سمعت هذا الشعر وقعت مغشيا عليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 157 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت لأبي الحسن: إن سيدتي لما سمعت هذا الشعر وقعت مغشيا عليها، فأمسكت يدها ورششت ماء الورد على وجهها، فأفاقت، فقلت لها: يا سيدتي، لا تهتكي نفسك، ومن يحويه قصرك بحياة محبوبك أن تصبري، فقالت: هل في الأمر أكثر من الموت؟ فأنا أطلبه لأن فيه راحتي. فبينما نحن في هذا القول إذ غنت جارية بقول الشاعر: # وقالوا لعل الصبر يعقب راحة %~% فقلت وأين الصبر بعد فراقه ~~وقد أكد الميثاق بيني وبينه %~% بقطع حبال الصبر عند عناقه # فلما ms0575 فرغت من الشعر وقعت مغشيا عليها، فنظرها الخليفة فأتى مسرعا إليها، وأمر برفع الشراب، وأن تعود كل جارية إلى مقصورتها، وأقام عندها باقي ليلته إلى أن أصبح الصباح، فاستدعى الأطباء وأمرهم بمعالجتها، ولم يعلم بما هي فيه من العشق والغرام، وأقمت عندها حتى ظننت أنه قد صلحت حالها، وهذا الذي عاقني عن المجيء إليكما، وقد خلفت عندها جماعة من خواصها لما أمرتني بالمسير إليكما لآخذ خبر علي بن بكار وأعود إليها. فلما سمع أبو الحسن كلامها تعجب وقال لها: والله إني أخبرتك بجميع ما كان من أمره، فعودي إلى سيدتك، وسلمي عليها، وحثيها على الصبر، وقولي لها: اكتمي السر، وأخبريها أني عرفت أمرها، وهو أمر صعب يحتاج إلى التدبير. فشكرته الجارية، ثم ودعته، وانصرفت إلى سيدتها. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر أبي الحسن، فإنه لم يزل في دكانه إلى آخر النهار، فلما مضى النهار قام وقفل دكانه، وأتى إلى دار علي بن بكار، فدق الباب فخرج له بعض غلمانه وأدخله، فلما دخل عليه، تبسم واستبشر بقدومه، وقال له: يا أبا الحسن، أوحشتني لتخلفك عني في هذا اليوم، وروحي متعلقة بك باقي عمري. فقال له أبو الحسن: دع هذا الكلام، فلو أمكن فداك كنت أفديك بروحي، وفي هذا اليوم جاءت جارية شمس النهار، وأخبرتني أنه ما عاقها عن المجيء إلا جلوس الخليفة عند سيدتها، وأخبرتني بما كان من أمر سيدتها. وحكى له جميع ما سمعه من الجارية؛ فتأسف علي بن بكار غاية التأسف وبكى، ثم التفت إلى أبي الحسن وقال له: بالله أن تساعدني على ما بليت به، وأخبرني ماذا تكون الحيلة؟ وأسألك من فضلك المبيت عندي هذه الليلة لأستأنس بك. فامتثل أبو الحسن أمره، وأجابه إلى المبيت عنده، وباتا يتحدثان في تلك الليلة، ثم إن علي بن بكار بكى وأرسل العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # خفرت بسيف اللحظ ذمة مفتر %~% وفرت برمح القد درع تصبري ~~وجلت لنا من تحت مسكة خالها %~% كافور فجر شق ليل العنبر ms0576 ~~فزعت فضرست العقيق بلؤلؤ %~% سكنت فرائده غدير السكر ~~وتنهدت جزعا فأثر كفها %~% في صدرها فنظرت ما لم أنظر ~~أقلام مرجان كتبن بعنبر %~% بصحيفة البلور خمسة أسطر ~~يا حامل السيف الصفيح إذا رنت %~% إياك ضربة جفنها المتكسر ~~وتوق يا رب القناة الطعن إن %~% حملت عليك من القوام بأسمر # فلما فرغ علي بن بكار من شعره صرخ صرخة عظيمة، ووقع مغشيا عليه، فظن أبو الحسن أن روحه خرجت من جسده، ولم يزل في غشيته حتى طلع النهار، فأفاق وتحدث مع أبي الحسن، ولم يزل أبو الحسن جالسا عند علي بن بكار إلى ضحوة النهار، ثم انصرف من عنده، وجاء إلى دكانه وفتحها، وإذا بالجارية جاءته، ووقفت عنده، فلما نظر إليها أومأت إليه بالسلام، فرد عليها السلام، وبلغته سلام سيدتها، وقالت له: كيف حال علي بن بكار؟ فقال لها: يا جارية لا تسألي عن حاله وما هو فيه من شدة الغرام؛ فإنه لا ينام الليل، ولا يستريح بالنهار، وقد أنحله السهر، وغلب عليه الضجر، وصار في حال لا يسر حبيبا. فقالت له: إن سيدتي تسلم عليك وعليه، وقد كتبت له ورقة، وهي في حال أعظم من حاله، وقد سلمتني الورقة وقالت: لا تأتيني إلا بجوابها، وافعلي ما أمرتك به. وها هي الورقة معي، فهل لك أن تسير معي إلى علي بن بكار، ونأخذ منه الجواب؟ فقال لها أبو الحسن: سمعا وطاعة. ثم قفل الدكان، وأخذ معه الجارية، وذهب بها من مكان غير الذي جاء منه، ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى دار علي بن بكار، ثم أوقف الجارية على الباب ودخل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 158 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا الحسن ذهب بالجارية إلى دار علي بن بكار، وأوقفها على الباب ودخل البيت، فلما رآه علي بن بكار فرح به، فقال له أبو الحسن: سبب مجيئي أن فلانا أرسل إليك جاريته برقعة تتضمن سلامه عليك، وذكر فيها أن سبب تأخره عنك عذر حصل له، ms0577 والجارية واقفة بالباب، فهل تأذن لها بالدخول؟ فقال علي: أدخلوها. وأشار له أبو الحسن أنها جارية شمس النهار، ففهم الإشارة، فلما رآها تحرك وفرح، وقال لها بالإشارة: كيف حال السيد شفاه الله وعافاه؟ فقالت: بخير. ثم أخرجت الورقة ودفعتها له، فأخذها وقبلها وقرأها، وناولها لأبي الحسن، فوجد مكتوبا فيها هذه الأبيات: # ينبيك هذا الرسول عن خبري %~% فاستغن في ذكره عن النظر ~~خلفت صبا بحبكم دنفا %~% وطرفه لا يزال بالسهر ~~أكابد الصبر في البلاء فما %~% يدفع خلق مواقع القدر ~~وقر عينا وليس تغفل عن %~% قلبي ولا يوم غبت عن بصري ~~وانظر إلى جسمك النحيل وما %~% قد حله واستدل بالأثر # وبعد؛ فقد كتبت لك كتابا بغير بنان، ونطقت لك بغير لسان، وجملة شرح حالي إن لي عينا لا يفارقها السهر، وقلبا لا تبرح عنه الفكر، فكأنني قط ما عرفت صحة ولا فرحة، ولا رأيت منظرا بهيا، ولا قطعت عيشا هنيا، وكأنني خلقت من الصبابة، ومن ألم الوجد والكآبة، فعلي السقام مترادف، والغرام متضاعف، والشوق متكاثر، وصرت كما قال الشاعر: # القلب منقبض والفكر منبسط %~% والعين ساهرة والجسم متعوب ~~والصبر منفصل والهجر متصل %~% والعقل مختبل والقلب مسلوب # واعلم أن الشكوى لا تطفئ نار البلوى، لكنها تعلل من أعله الاشتياق، وأتلفه الفراق، وأتسلى بذكر لفظ الوصال، وما أحسن قول من قال: # إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا %~% فأين حلاوات الرسائل والكتب # قال أبو الحسن: فلما قرأتها هيجت ألفاظها بلابلي، وأصابت معانيها مقاتلي، ثم دفعتها إلى الجارية، فلما أخذتها قال لها علي بن بكار: أبلغي سيدتك سلامي، وعرفيها بوجدي وغرامي، وامتزاج المحبة بلحمي وعظامي، وأخبريها أنني محتاج إلى من ينقذني من بحر الهلاك، وينجيني من هذا الارتباك. ثم بكى فبكت الجارية لبكائه، وودعته وخرجت من عنده، وخرج أبو الحسن معها، ثم ودعها ومضى إلى دكانه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 159 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا الحسن ودع الجارية ورجع إلى دكانه، فلما جلس فيه وجد قلبه ms0578 انقبض، وضاق صدره، وتحير في أمره، ولم يزل في فكر بقية يومه، وفي اليوم الثاني ذهب إلى علي بن بكار، وجلس عنده حتى ذهبت الناس، وسأله عن حاله فأخذ في شكوى الغرام، وما به من الوجد والهيام، وأنشد قول الشاعر: # شكا ألم الغرام الناس قبلي %~% وروع بالنوى حي وميت ~~وأما مثل ما ضمت ضلوعي %~% فإني لا سمعت ولا رأيت # وقول الشاعر: # ولقيت من حبيك ما لم يلقه %~% في حب لبنى قيسها المجنون ~~لكنني لم أتبع وحش الفلا %~% كفعال قيس والجنون فنون # فقال له أبو الحسن: أنا ما رأيت ولا سمعت بمثلك في محبتك، كيف يكون هذا الوجد وضعف الحركة، وقد تعلقت بحبيب موافق؟ فكيف إذا تعلقت بحبيب مخالف مخادع، فكان أمرك ينكشف؟ قال أبو الحسن: فركن علي بن بكار إلى كلامي، وشكرني على ذلك، وكان لي صاحب يطلع على أمري وأمر علي بن بكار، ويعلم أننا متوافقان، ولم يعلم أحد ما بيننا غيره، وكان يأتيني فيسألني عن حال علي بن بكار، وبعد قليل سألني عن الجارية، فقلت له: قد دعته إليها، وكان بينه وبينها ما لا مزيد عليه، وهذا آخر ما انتهى من أمرهما، ولكني دبرت لنفسي أمرا أريد إعراضه عليك. فقال له صاحبه: ما هو؟ قال أبو الحسن: اعلم أني رجل معروف بكثرة المعاملات بين الرجال والنساء، وأخشى أن ينكشف أمرهما فيكون سببا لهلاكي وأخذ مالي وهتك عيالي، وقد اقتضى رأيي أن أجمع مالي، وأجهز حالي، وأتوجه إلى مدينة البصرة، وأقيم بها حتى أنظر ما يكون من أحوالهما بحيث لا يشعر بي أحد، فإن المحبة قد تمكنت منهما، ودارت المراسلة بينهما؛ والحال أن الماشي بينهما جارية، وهي كاتمة لأسرارهما، وأخشى أن يغلب عليها الضجر فتبوح بسرهما لأحد فيشيع خبرهما، ويؤدي ذلك إلى الهلاك، ويكون سببا لتلفي، وليس لي عذر عند الناس. فقال له صاحبه: قد أخبرتني بخبر خطير يخاف من مثله العاقل الخبير، كفاك الله شر ما تخافه وتخشاه، ونجاك مما تخاف عقباه، وهذا الرأي هو الصواب. # فانصرف أبو ms0579 الحسن إلى منزله، وصار يقضي مصالحه، ويتجهز للسفر إلى مدينة البصرة، فما مضى ثلاثة أيام حتى قضى مصالحه، وسافر إلى البصرة، فجاء صاحبه بعد ثلاثة أيام ليزوره فلم يجده، فسأل عنه جيرانه فقالوا له: إنه توجه من مدة ثلاثة أيام إلى البصرة؛ لأن له معاملة عند تجارها، فذهب ليطالب أرباب الديون، وعن قريب يأتي. فاحتار الرجل في أمره، وصار لا يدري أين يذهب، وقال: يا ليتني لم أفارق أبا الحسن. ثم دبر حيلة يتوصل بها إلى علي بن بكار، فقصد داره وقال لبعض غلمانه: استأذن لي سيدك لأدخل أسلم عليه. فدخل الغلام وأخبر سيده به، ثم عاد إليه وأذن له في الدخول، فدخل عليه فوجده ملقى على الوسادة، فسلم عليه فرد عليه السلام ورحب به، ثم إن ذلك الرجل اعتذر إليه في تخلفه عنه تلك المدة، ثم قال له: يا سيدي، إن بيني وبين أبي الحسن صداقة، وإني كنت أودعه أسراري، ولا أنقطع عنه ساعة، فغبت في بعض المصالح مع جماعة من أصحابي مدة ثلاثة أيام، ثم جئت إليه فوجدت دكانه مقفولة، فسألت عنه الجيران فقالوا إنه توجه إلى البصرة، ولم أعلم له صديقا أوفى منك، فبالله أن تخبرني بخبره. فلما سمع علي بن بكار كلامه تغير لونه واضطرب، وقال: لم أسمع قبل هذا اليوم خبر سفره، وإن كان الأمر كما ذكرت فقد حصل لي التعب. ثم أفاض دمع العين، وأنشد هذين البيتين: # قد كنت أبكي على ما فات من فرح %~% وأهل ودي جميعا غير أشتات ~~واليوم فرق ما بيني وبينهم %~% دهري فأبكي على أهل المودات # ثم إن علي بن بكار أطرق رأسه إلى الأرض يتفكر، وبعد ساعة رفع رأسه إلى خادم له، وقال له: امض إلى دار أبي الحسن، واسأل عنه هل هو مقيم أو مسافر؟ فإن قالوا سافر فاسأل إلى أي ناحية توجه. فمضى الغلام، وغاب ساعة، ثم أقبل إلى سيده وقال: إني لما سألت عن أبي الحسن أخبرني أتباعه أنه سافر إلى البصرة، ولكن وجدت جارية واقفة ms0580 على الباب، فلما رأتني عرفتني ولم أعرفها، وقالت لي: هل أنت غلام علي بن بكار؟ فقلت لها: نعم. فقالت: إني معي رسالة إليه من عند أعز الناس عليه. فجاءت معي، وهي واقفة على الباب. فقال علي بن بكار: أدخلها. فطلع الغلام إليها وأدخلها، فنظر الرجل الذي عند ابن بكار إلى الجارية، فوجدها ظريفة، ثم إن الجارية تقدمت إلى علي بن بكار وسلمت عليه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 160 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما دخلت على علي بن بكار، تقدمت إليه وسلمت عليه، وتحدثت معه سرا، وصار يقسم في أثناء الكلام ويحلف أنه لم يتكلم بذلك، ثم ودعته وانصرفت، وكان الرجل صاحب أبي الحسن جوهريا، فلما انصرفت الجارية وجد للكلام محلا، فقال لعلي بن بكار: لا شك ولا ريب أن لدار الخلافة عليك مطالبة، أو بينك وبينها معاملة. فقال: ومن أعلمك بذلك؟ فقال: معرفتي بهذه الجارية؛ لأنها جارية شمس النهار، وكانت جاءتني من مدة برقعة مكتوب فيها أنها تشتهي عقد جوهر، فأرسلت إليها عقدا ثمينا. فلما سمع علي بن بكار كلامه اضطرب حتى خشي عليه التلف، ثم راجع نفسه وقال: يا أخي، سألتك بالله من أين تعرفها؟ فقال له الجوهري: دع الإلحاح في السؤال. فقال له علي بن بكار: لا أرجع عنك إلا إذا أخبرتني بالصحيح. فقال له الجوهري: أنا أخبرك بحيث لا يدخلك مني وهم، ولا يعتريك من كلامي انقباض، ولا أخفي عنك سرا، وأبين لك حقيقة الأمر، ولكن بشرط أن تخبرني بحقيقة حالك، وسبب مرضك. فأخبره بخبره، ثم قال: والله يا أخي ما حملني على كتمان أمري عن غيرك إلا مخافة أن الناس تكشف أستار بعضها. فقال الجوهري لعلي بن بكار: وأنا ما أردت اجتماعي بك إلا لشدة محبتي وغيرتي عليك، وشفقتي على قلبك من ألم الفراق، عسى أكون لك مؤنسا نيابة عن صديقي أبي الحسن مدة غيبته، فطب نفسا وقر عينا. فشكره علي بن بكار على ذلك، وأنشد هذين ms0581 البيتين: # ولو قلت إني صابر بعد بعده %~% لكذبني دمعي وفرط نحيبي ~~وكيف أداري مدمعا جريانه %~% على صحن خدي من فراق حبيبي # ثم إن علي بن بكار سكت ساعة من الزمان، وبعد ذلك قال للجوهري: أتدري ما سرتني به الجارية؟ فقال: لا والله يا سيدي. فقال: إنها زعمت أني أشرت على أبي الحسن بالمسير إلى مدينة البصرة، وأنني دبرت بذلك حيلة لأجل عدم المراسلة والمواصلة، فحلفت لها أن ذلك لم يكن، فلم تصدقني، ومضت إلى سيدتها وهي على ما هي عليه من سوء الظن؛ لأنها كانت تصغي إلى أبي الحسن. فقال الجوهري: يا أخي، إني فهمت من حال هذه الجارية هذا الأمر، ولكن إن شاء الله تعالى أكون عونا لك على مرادك. فقال له علي بن بكار: وكيف تعمل معها وهي تنفر كوحش الفلاة؟ فقال له: لا بد أن أبذل جهدي في مساعدتك، واحتيالي في التوصل إليها من غير كشف ستر ولا مضرة. ثم استأذن في الانصراف، فقال له علي بن بكار: يا أخي، عليك بكتمان السر. ثم نظر إليه وبكى، فودعه وانصرف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 161 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجوهري ودعه وانصرف وهو لا يدري كيف يعمل في إسعاف علي بن بكار، وما زال ماشيا وهو متفكر في أمره إذ رأى ورقة مطروحة في الطريق، فأخذها ونظر عنوانها وقرأه، فإذا هو: «من المحب الأصغر إلى الحبيب الأكبر»، ففتح الورقة فرأى مكتوبا فيها هذان البيتان: # جاء الرسول بوصل منك يطمعني %~% وكان أكثر ظني أنه وهما ~~فما فرحت ولكن زادني حزنا %~% علمي بأن رسولي لم يكن فهما # وبعد؛ فاعلم يا سيدي أنني لم أدر سبب قطع المراسلة بيني وبينك، فإن يكن صدر منك الجفاء فأنا أقابله بالوفاء، وإن يكن ذهب منك الوداد فأنا أحفظ الود على البعاد، فأنا معك كما قال الشاعر: # ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن %~% وول أقبل وقل أسمع ومر أطع # فلما قرأها، وإذا بالجارية أقبلت وهي تتلفت يمينا ms0582 وشمالا، فرأت الورقة في يده، فقالت له: يا سيدي، إن هذه الورقة وقعت مني. فلم يرد عليها جوابا ومشى، ومشت الجارية خلفه إلى أن أقبل على داره ودخل والجارية خلفه، فقالت له: يا سيدي، رد لي هذه الورقة فإنها سقطت مني. فالتفت إليها وقال: يا جارية لا تخافي ولا تحزني، ولكن أخبريني بالخبر على وجه الصدق فإني كتوم للأسرار، وأحلفك يمينا أنك لا تخفي عني شيئا من أمر سيدتك، فعسى الله أن يعينني على قضاء أغراضها، ويسهل الأمور والصعاب على يدي. فلما سمعت الجارية كلامه قالت: يا سيدي، ما ضاع سر أنت حافظه، ولا خاب أمر أنت تسعى في قضائه، اعلم أن قلبي مال إليك، فأنا أخبرك بحقيقة الأمر وأعطني الورقة. ثم أخبرته بالخبر كله، وقالت: الله على ما أقول شهيد. فقال لها: صدقت؛ فإن عندي علما بأصل الخبر. ثم حدثها بحديث علي بن بكار، وكيف أخذ ضميره، وأخبرها بالخبر من أوله إلى آخره. فلما سمعت ذلك فرحت، واتفقا على أنها تأخذ الورقة وتعطيها لعلي بن بكار، وبجميع ما يحصل ترجع إليه وتخبره، فأعطاها الورقة فأخذتها وختمتها كما كانت، وقالت: إن سيدتي شمس النهار أعطتها لي مختومة، فإذا قرأها ورد لي جوابها آتيك به. ثم إن الجارية ودعته وتوجهت إلى علي بن بكار فوجدته في الانتظار، فأعطته الورقة وقرأها، ثم كتب لها ورقة رد الجواب وأعطاها لها، فأخذتها ورجعت بها إلى الجوهري حكم الاتفاق، ففض ختمها وقرأها، فرأى مكتوبا فيها: # إن الرسول الذي كانت رسائلنا %~% مكتومة عنده ضاعت وقد غضبا ~~فاستخلصوا لي رسولا منكم ثقة %~% يستحسن الصدق لا يستحسن الكذبا # وبعد؛ فإنني لم يصدر مني جفاء، ولا تركت وفاء، ولا نقضت عهدا، ولا قطعت ودا، ولا فارقت أسفا، ولا لقيت بعد الفراق إلا تلفا، ولا علمت أصلا بما ذكرتم، ولا أحب غير ما أحببتم، وحق عالم السر والنجوى ما قصدي غير الاجتماع بمن أهوى، وشأني كتمان الغرام، وإن أمرضني السقام، وهذا شرح حالي، والسلام. # فلما قرأ الجوهري هذه الورقة وعرف ms0583 ما فيها، بكى بكاء شديدا، ثم إن الجارية قالت له: لا تخرج من هذا المكان حتى أعود إليك؛ لأنه قد اتهمني بأمر من الأمور، وهو معذور، وأنا أريد أن أجمع بينك وبين سيدتي شمس النهار بأي حيلة، فإني تركتها مطروحة، وهي تنتظر مني رد الجواب. ثم إن الجارية مضت إلى سيدتها، وبات الجوهري مشوش الخاطر، فلما أصبح الصباح، صلى الصبح وقعد ينتظر قدومها، وإذا بها أقبلت وهي فرحانة إلى أن دخلت عليه، فقال لها: ما الخبر يا جارية؟ فقالت: مضيت من عندك إلى سيدتي ودفعت لها الورقة التي كتبها علي بن بكار، فلما قرأتها وفهمت معناها، تحير فكرها، فقلت لها: يا سيدتي، لا تخشي من فساد الأمر بينكما بسبب غياب أبي الحسن؛ فإني وجدت من يقوم مقامه، وهو أحسن منه وأعلى مقدارا وأهلا لكتمان الأسرار. وقد حدثتها بما بينك وبين أبي الحسن، وكيف توصلت إليه وإلى علي بن بكار، وكيف سقطت تلك الرقعة مني ووقعت أنت عليها، وأخبرتها بما استقر عليه الأمر بيني وبينك. فتعجب الجوهري غاية العجب، ثم قالت له: إنها تشتهي أن تسمع كلامك لأجل أن تؤكد عليه فيما بينك وبينه من العهود، فاعزم في هذا الوقت على المسير معي إليها. # فلما سمع الجوهري كلام الجارية، رأى أن الدخول عليها أمر عظيم وخطر جسيم، لا يمكن الدخول فيه ولا التهجم عليه، فقال الجوهري للجارية: يا أختي، إني من أولاد العوام ولم أكن كأبي الحسن؛ لأن أبا الحسن كان رفيع المقدار، معروفا بالاشتهار، مترددا على دار الخلافة لاحتياجهم إلى بضاعته، وأما أنا فإن أبا الحسن كان يحدثني وأنا أرتعد بين يديه، وإذا كانت سيدتك رغبت في حديثي لها، فينبغي أن يكون ذلك في غير دار الخلافة، بعيدا عن محل أمير المؤمنين؛ لأن جناني لا يطاوعني على ما تقولين. ثم امتنع عن المسير معها، وصارت تتضمن له السلامة وتقول له: لا تخش ولا تخف. فبينما هما في هذا الكلام إذ لعبت رجلاه وارتعشت يداه، فقالت له الجارية: إن كان يصعب ms0584 عليك الرواح إلى دار الخلافة، ولا يمكنك المسير معي، فأنا أجعلها تسير إليك، فلا تبرح من مكانك حتى أرجع إليك بها. # ثم إن الجارية مضت ولم تغب إلا قليلا، وعادت إلى الجوهري وقالت له: احذر أن يكون عندك جارية أو غلام. فقال: ما عندي غير جارية سوداء كبيرة السن تخدمني. فقامت الجارية وأغلقت الأبواب بين جارية الجوهري وبينه، وصرفت غلمانه إلى خارج الدار، ثم خرجت الجارية وعادت ومعها جارية خلفها، ودخلت دار الجوهري فأعبقت الدار من الطيب، فلما رآها الجوهري نهض قائما ووضع لها مخدة، وجلس بين يديها، فمكثت ساعة لا تتكلم حتى استراحت، ثم كشفت وجهها فخيل للجوهري أن الشمس أشرقت في منزله، ثم قالت لجاريتها: أهذا الرجل الذي قلت لي عليه؟ فقالت الجارية: نعم. فالتفتت إلى الجوهري وقالت له: كيف حالك؟ قال: بخير. ودعا لها، فقالت: إنك حملتنا المسير إليك، وأن نطلعك على ما يكون من سر نائم. ثم سألته عن أهله وعياله، فأخبرها بجميع أحواله، وقال لها: إن لي دارا غير هذه الدار جعلتها للاجتماع بالأصحاب والإخوان، وليس لي فيها إلا ما ذكرته لجاريتك. ثم سألته عن كيفية اطلاعه على أصل القصة، فأخبرها بما سألته عنه من أول الأمر إلى آخره، فتأوهت على فراق أبي الحسن وقالت: يا فلان، اعلم أن أرواح الناس متلائمة في الشهوات، والناس بالناس، لا يتم عمل إلا بقول، ولا يتم غرض إلا بسعي، ولا تحصل راحة إلا بعد تعب ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 162 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن شمس النهار قالت للجوهري: لا تحصل راحة إلا بعد تعب، ولا يظهر نجاح إلا من ذوي مروءة، وقد أطلعتك الآن على أمرنا، وصار بيدك هتكنا وسترنا، ولا زيادة لما أنت عليه من المروءة، فأنت قد علمت أن جاريتي هذه كاتمة لسري، وبسبب ذلك لها رتبة عظيمة عندي، وقد اختصصتها لمهمات أموري، فلا يكن عندك أعز منها، وأطلعها على أمرك، وطب نفسا فأنت آمن مما تخافه من ms0585 جهتنا، وما يسد عليك موضع إلا وتفتحه لك، وهي تأتيك من عندي بأخبار علي بن بكار، وتكون أنت الواسطة في التبليغ بيني وبينه. ثم إن شمس النهار قامت وهي لا تستطيع القيام، ومشت فتمشى بين يديها الجوهري حتى وصلت إلى باب الدار، ثم رجع وقعد في موضعه بعد أن نظر من حسنها ما بهره، وسمع من كلامها ما حير عقله، وشاهد من ظرفها وأدبها ما أدهشه، ثم استمر يتفكر في شمائلها حتى سكنت نفسه، وطلب الطعام فأكل ما يمسك رمقه، ثم غير ثيابه وخرج من داره، وتوجه إلى علي بن بكار، فلاقاه غلمانه، ومشوا بين يديه إلى أن أوصلوه إلى سيدهم، فوجده ملقى على فراشه، فلما رأى الجوهري قال له: أبطأت علي فزدتني هما على همي. ثم صرف غلمانه وأمر بغلق أبوابه وقال له: والله ما غمضت عيني من يوم فارقتني، فإن الجارية جاءتني بالأمس ومعها رقعة مختومة من عند سيدتها شمس النهار. وحكى له ابن بكار على جميع ما وقع له معها، ثم قال: لقد تحيرت في أمري، وقل صبري، وكان لي أبو الحسن أنيسا؛ لأنه يعرف الجارية. فلما سمع الجوهري كلام ابن بكار ضحك، فقال له ابن بكار: كيف تضحك من كلامي، وقد استبشرت بك واتخذتك عدة للنائبات؟ ثم بكى، وأنشد هذه الأبيات: # وضاحك من بكائي حين أبصرني %~% لو كان قاسى الذي قاسيت أبكاه ~~لم يرث للمبتلى مما يكابده %~% إلا شج مثله قد طال بلواه ~~وجدي حنيني أنيني فكرتي ولهي %~% إلى حبيب زوايا القلب مأواه ~~حل الفؤاد مقيما لا يفارقه %~% وقتا ولكنه قد عز لقياه ~~ما لي سواه خليل أرتضي بدلا %~% وما اصطفيت حبيبا قط إلاه # فلما سمع الجوهري منه هذا الكلام، وفهم الشعر والنظام، بكى لبكائه، وأخبره بما جرى له مع الجارية من حين فارقه، فصار ابن بكار يصغي إلى كلامه، وكلما سمع منه كلمة يتغير لون وجهه من صفرة إلى احمرار، ويقوى جسمه مرة ويضعف أخرى، فلما انتهى إلى آخر الكلام بكى ابن بكار، وقال له: ms0586 يا أخي، أنا على كل حال هالك، فليت أجلي قريب! وأسألك من فضلك أن تكون ملاطفي في جميع أموري إلى أن يريد الله بما يريد، وأنا لا أخالف لك قولا. فقال له الجوهري: لا يطفئ عنك هذه النار إلا الاجتماع بمن شغفت بها، ولكن في غير هذا المكان الخطير، وإنما يكون ذلك عندي في بيت جنب بيتي، جاءتني إليه الجارية هي وسيدتها، وهو الموضع الذي اختارته لنفسها، والمقصود اجتماعكما ببعضكما، وفيه تشكوان لبعضكما ما قاسيتما. فقال علي بن بكار: افعل ما تريد، والذي تراه هو الصواب. قال الجوهري: فأقمت عنده تلك الليلة أسامره إلى أن أصبح الصباح. ### | فلما كانت الليلة 163 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجوهري قال: فأقمت تلك الليلة عند علي بن بكار أسامره إلى أن أصبح الصباح، ثم صليت الصبح، وخرجت من عنده وذهبت إلى منزلي، فما استقررت إلا قليلا حتى جاءت الجارية وسلمت علي، فرددت عليها السلام، وحدثتها بما كان بيني وبين علي بن بكار، فقالت الجارية: اعلم أن الخليفة توجه من عندنا، وأن مجلسنا لا أحد فيه، وهو أستر لنا وأحسن. فقلت لها: كلامك صحيح، ولكنه ليس كمنزلي هذا، فإنه أستر لنا وأليق بنا. فقالت الجارية: إن الرأي ما تراه أنت، وأنا ذاهبة إلى سيدتي لأخبرها بما ذكرت، وأعرض عليها ما قلت. # ثم إن الجارية توجهت إلى سيدتها، وعرضت عليها الكلام، وعادت إلى منزلي وقالت لي: إن سيدتي رضيت بما قلته. ثم إن الجارية أخرجت من جيبها كيسا فيه دنانير، وقالت لي: إن سيدتي تسلم عليك، وتقول لك: خذ هذا، واقض لنا به ما نحتاج إليه. فأقسمت أني لا أصرف شيئا منه، فأخذته الجارية وعادت إلى سيدتها، وقالت لها: إنه ما قبل الدراهم بل دفعها إلي. وبعد رواح الجارية ذهبت إلى داري الثانية، وحولت إليها من الآلات والفرش ما تحتاج إليه الحال، ونقلت إليها أواني الفضة والصيني، وهيأت جميع ما نحتاج إليه من المأكل والمشرب. فلما حضرت الجارية ونظرت ما فعلته أعجبها، وأمرتني بإحضار ms0587 علي بن بكار، فقلت: ما يحضر به إلا أنت. فذهبت إليه وأحضرته على أتم حال، وقد راقت محاسنه، فلما جاء قابلته ورحبت به، وأجلسته على مرتبة تصلح له، ووضعت بين يديه شيئا من المشموم في بعض الأواني الصيني والبلور، وصرت أتحدث معه نحو ساعة من الزمان، ثم إن الجارية مضت، وغابت إلى بعد صلاة المغرب، ثم عادت ومعها شمس النهار ووصيفتان لا غير، فلما رأت علي بن بكار ورآها سقطا على الأرض مغشيا عليهما، واستمرا لساعة زمانية، ولما أفاقا أقبلا على بعضهما، ثم جلسا يتحدثان بكلام رقيق، وبعد ذلك استعملا شيئا من الطيب، ثم إنهما صارا يشكران صنعي معهما، فقلت لهما: هل لكما في شيء من الطعام؟ فقالا: نعم. فأحضرت شيئا من الطعام، فأكلا حتى اكتفيا، ثم غسلا أيديهما، ثم نقلتهما إلى مجلس آخر، وأحضرت لهما الشراب، فشربا وسكرا ومالا على بعضهما، ثم إن شمس النهار قالت لي: يا سيدي، كمل جميلك، وأحضر لنا عودا وشيئا من آلات الملاهي حتى إننا نكمل حظنا في هذه الساعة. فقلت: على رأسي وعيني. ثم إني قمت وأحضرت عودا، فأخذته وأصلحته، ثم إنها وضعته في حجرها، وضربت عليه ضربا جميلا، ثم أنشدت هذين البيتين: # أرقت حتى كأني أعشق الأرقا %~% وذبت حتى تراءى السقم لي خلقا ~~وفاض دمعي على خدي فأحرقه %~% يا ليت شعري هل بعد الفراق لقا # ثم إنها أخذت في غناء الأشعار حتى حيرت الأفكار، بأصوات مختلفات، وإشارات رائقات، وكاد المجلس أن يطير من شدة الطرب، بما أتت فيه من مغانيها بالعجب، ثم قال الجوهري: ولما استقر بنا الجلوس، ودارت بيننا الكئوس، أطربت الجارية بالنغمات، وأنشدت هذه الأبيات: # وعد الحبيب بوصله ووفى لي %~% في ليلة سأعدها بليالي ~~يا ليلة سمح الزمان لنا بها %~% في غفلة الواشين والعذال ~~بات الحبيب يضمني بيمينه %~% من فرحتي فضممته بشمال ~~عانقته ورشفت خمرة ريقه %~% وحظيت بالمعسول والعسال # ثم إن الجوهري تركهما في تلك الدار وانصرف إلى دار سكناه، وبات فيها إلى الصباح، ولما أصبح الصبح صلى فرضه، وشرب ms0588 القهوة، وجلس يفكر في المسير إليهما في داره الثانية؛ فبينما هو جالس إذ دخل عليه جاره وهو مرعوب، وقال: يا أخي، ما هان علي الذي جرى لك الليلة في دارك الثانية. فقلت له: يا أخي، وأي شيء جرى؟ فأخبرني بما حصل في داري. فقال له: إن اللصوص الذين جاءوا إلى جيراننا بالأمس وقتلوا فلانا وأخذوا ماله، قد رأوك بالأمس وأنت تنقل حوائجك إلى دارك الثانية، فجاءوا إليها ليلا، وأخذوا ما عندك، وقتلوا ضيوفك. قال الجوهري: فقمت أنا وجاري، وتوجهنا إلى تلك الدار فوجدناها خالية، ولم يبق فيها شيء، فتحيرت في أمري، وقلت: أما الأمتعة فلا أبالي بضياعها، وإن كنت استعرت بعض أمتعة من أصحابي وضاعت فلا بأس بذلك؛ لأنهم عرفوا عذري بذهاب مالي، ونهب داري، وأما علي بن بكار ومحظية أمير المؤمنين، فأخشى أن يشتهر الأمر بينهما، فيكون ذلك سبب رواح روحي. ثم إن الجوهري التفت إلى جاره، وقال له: أنت أخي وجاري، وتستر عورتي، فما الذي تشير به علي من الأمور؟ فقال الرجل للجوهري: الذي أشير به عليك أن تتربص، فإن الذين دخلوا دارك وأخذوا متاعك قد قتلوا أحسن جماعة من دار الخليفة، وقتلوا جماعة من دار صاحب الشرطة، وأعوان الدولة يدورون عليهم في جميع الطرق، فلعلهم يجدونهم فيحصل مرادك بغير سعي منك. فلما سمع الجوهري هذا الكلام رجع إلى داره التي هو ساكن بها ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 164 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجوهري لما سمع هذا الكلام رجع إلى داره التي هو ساكن بها، وقال في نفسه: إن الذي حصل لي هو الذي خاف منه أبو الحسن وذهب إلى البصرة، وقد وقعت فيه. ثم إن نهب داره اشتهر عند الناس، فأقبلوا إليه من كل جانب ومكان، فمنهم من هو شامت ومنهم من هو حامل همه، فصار يشكو لهم، ولم يأكل طعاما ولم يشرب شرابا؛ فبينما هو جالس متندم، وإذا بغلام من غلمانه دخل عليه وقال له: إن شخصا بالباب ms0589 يدعوك لم أعرفه. فخرج إليه الجوهري وسلم عليه ووجده إنسانا لم يعرفه، فقال له الرجل: إن لي حديثا بيني وبينك. فأدخله الدار وقال له: ما عندك من الحديث؟ فقال الرجل: امض معي إلى دارك الثانية. فقال الجوهري: وهل تعرف داري الثانية؟ فقال: إن جميع خبرك عندي، وعندي أيضا ما يفرج الله به همك. فقلت في نفسي: أنا أمضي معه حيث أراد. ثم توجهت إلى أن أتينا الدار، فلما رأى الرجل الدار قال: إنها بغير بواب، ولا يمكن القعود فيها، فامض معي إلى غيرها. # فلم يزل الرجل يدور بي من مكان إلى مكان وأنا معه حتى دخل علينا الليل، ولم أسأله عن أمر من الأمور، ثم إنه لم يزل يمشي وأنا أمشي معه حتى خرجنا إلى الفضاء وهو يقول: اتبعني. وصار يهرول في مشيه، وأنا أهرول وراءه حتى وصلنا إلى البحر، فطلع بنا في زورق وقذف بنا الملاح حتى عدانا إلى البر الثاني، فنزل من ذلك الزورق ونزلت خلفه، ثم إنه أخذ بيدي ونزل بي في درب لم أدخله طول عمري، ولم أعلم هو في أي ناحية، ثم إن الرجل وقف على باب دار وفتحها ودخل وأدخلني معه، وأغلق بابها بقفل من حديد، ثم مشى بي في دهليزها حتى دخلنا على عشرة رجال كأنهم رجل واحد، وهم إخوة، فلما دخلنا عليهم سلم عليهم ذلك الرجل، فردوا عليه السلام، ثم أمروني بالجلوس فجلست، وكنت ضعفت من شدة التعب، فجاءوا إلي بماء ورد ورشوه على وجهي، وسقوني شرابا، وقدموا إلي طعاما، فقلت: لو كان في الطعام شيء مضر ما أكلوا معي. فلما غسلنا أيدينا عاد كل منا إلى مكانه، وقالوا: هل تعرفنا؟ فقلت: لا، ولا عمري عرفت موضعكم، بل ولا أعرف من جاء بي إليكم. فقالوا: أطلعنا على خبرك ولا تكذب في شيء. فقلت لهم: اعلموا أن حالي عجيب، وأمري غريب، فهل عندكم شيء من خبري؟ قالوا: نعم، نحن الذين أخذنا أمتعتك في الليلة الماضية، وأخذنا صديقك والتي كانت تغني. فقلت لهم: أسبل ms0590 الله عليكم ستره، أين صديقي هو والتي كانت تغني؟ فأشاروا لي بأيديهم إلى ناحية، وقالوا: ها هنا، ولكن والله يا أخي ما ظهر على سرهما أحد منا، ومن حيث أتينا بهما لم نجتمع بهما، ولم نسألهما عن حالهما؛ لما رأينا عليهما من الهيبة والوقار، وهذا هو الذي منعنا عن قتلهما، فأخبرنا عن حقيقة أمرهما، وأنت في أمان على نفسك وعليهما. قال الجوهري: فلما سمعت هذا الكلام كدت أن أهلك من الخوف والفزع، وقلت لهم: اعلموا أن المروءة إذا ضاعت لا توجد إلا عندكم، وإذا كان عندي سر أخاف إفشاءه فلا يخفيه إلا صدوركم. وصرت أبالغ في هذا المعنى، ثم إن وجدت المبادرة لهم بالحديث أنفع من كتمانه، فحدثتهم بجميع ما وقع لي حتى انتهيت إلى آخر الحديث. # فلما سمعوا حكايتي قالوا: وهل هذا الفتى علي بن بكار، وهذه شمس النهار؟ فقلت لهم: نعم. فذهبوا إليهما، واعتذروا لهما، ثم قالوا لي: إن الذي أخذناه من دارك ذهب بعضه، وهذا ما بقي منه. ثم ردوا إلي أكثر الأمتعة، والتزموا أنهم يعيدونها إلى محلها في داري، ويردون لي الباقي، ولكنهم انقسموا نصفين: فصار قسم منهم معي، وقسم منهم علي، ثم خرجنا من تلك الدار. # هذا ما كان من أمري، وأما ما كان من أمر علي بن بكار وشمس النهار؛ فإنهما قد أشرفا على الهلاك من الخوف، ثم تقدمت إلى علي بن بكار وشمس النهار، وسلمت عليهما، وقلت لهما: يا ترى ما جرى للجارية والوصيفتين؟ وأين ذهبن؟ فقالا: لا علم لنا بهن. ولم نزل سائرين إلى أن انتهينا إلى المكان الذي فيه الزورق، فأطلعونا فيه، وإذا هو الزورق الذي عدينا فيه بالأمس، فقذف بنا الملاح حتى أوصلنا إلى البر الثاني فأنزلونا، فما استقر بنا الجلوس على جانب البر حتى جاءت خيالة، وأحاطوا بنا من كل جانب، فوثب الذين معنا عاجلا كالعقاب، فرجع لهم الزورق فنزلوا فيه وسار بهم في البحر، وبقيت أنا وعلي بن بكار وشمس النهار على شاطئ البحر لا نستطيع حركة ولا ms0591 سكونا، فقال لنا الخيالة: من أين أنتم؟ فتحيرنا في الجواب، قال الجوهري: فقلت لهم: إن الذين رأيتموهم معنا لا نعرفهم، وإنما رأيناهم هنا، وأما نحن فمغنيون، وأرادوا أخذنا لنغني لهم، فما تخلصنا منهم إلا بالحيلة ولين الكلام، فأفرجوا عنا في هذه الساعة، وقد كان منهم ما رأيتم من أمرهم. # فنظر الخيالة إلى شمس النهار وإلى علي بن بكار، ثم قالوا لي: لست صادقا في كلامك، فإن كنت صادقا فأخبرنا من أنتم؟ ومن أين أنتم؟ وما موضعكم؟ وفي أي الحارات أنتم ساكنون؟ قال الجوهري: فلم أدر ما أقول. فوثبت شمس النهار، وتقدمت إلى مقدم الخيالة، وتحدثت معه سرا، فنزل من فوق جواده وأركبها عليه، وأخذ بزمامها وصار يقودها، وكذلك فعل بعلي بن بكار، وفعل بي أيضا، ثم إن مقدم الخيالة لم يزل سائرا بنا إلى موضع على جانب البحر، وصاح بالرطانة، فأقبل له جماعة من البرية فطلعنا المقدم في زورق، وطلع أصحابه في زورق آخر، وقذفوا بنا إلى أن انتهينا إلى دار الخلافة، ونحن نكابد الموت من شدة الخوف، ولم نزل سائرين إلى أن انتهينا إلى المحل الذي نتوصل منه إلى موضعنا. فنزلنا إلى البر ومشينا، ومعنا جماعة من خيالة يؤانسوننا إلى أن دخلنا الدار، وحين دخلناها ودعنا من كان معنا من الخيالة، ومضوا إلى حال سبيلهم، وأما نحن فقد دخلنا مكاننا ونحن لا نقدر أن نتحرك من مكاننا، ولا ندري الصباح من المساء، ولم نزل على هذه الحالة إلى أن أصبح الصباح، فلما جاء آخر النهار سقط علي بن بكار مغشيا عليه، وبكى عليه النساء والرجال، وهو مطروح لم يتحرك، فجاءني بعض أهله وقالوا: حدثنا بما جرى لولدنا، وأخبرنا بسبب الحال الذي هو فيه. فقلت لهم: يا قوم اسمعوا كلامي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 165 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجوهري قال لهم: يا قوم اسمعوا كلامي ولا تفعلوا بي مكروها، واصبروا وهو يفيق ويخبركم بقصته بنفسه. ثم شددت عليهم وخوفتهم من الفضيحة ms0592 بيني وبينهم، فبينما نحن كذلك وإذا بعلي بن بكار تحرك في فراشه، ففرح أهله وانصرف الناس عنه، ومنعني أهله من الخروج من عنده، ثم رشوا ماء الورد على وجهه، فلما أفاق وشم الهواء، صاروا يسألونه عن حاله، فصار يخبرهم ولسانه لا يرد جوابا بسرعة، ثم أشار إليهم أن يطلقوني لأذهب إلى منزلي، فأطلقوني فخرجت وأنا لا أصدق بالخلاص، وأتيت إلى داري وأنا بين رجلين حتى وصلت إلى أهلي، فلما رأوني على تلك الحالة لطموا على وجوههم، فأومأت إليهم بيدي أن اسكتوا، فسكتوا، وانصرف الرجلان إلى حال سبيلهم، وانقلبت على فراشي بقية ليلتي ولم أفق إلى وقت الضحى، فوجدت أهلي مجتمعين حولي يقولون: ما الذي دهاك وبشره رماك؟ فقلت: ائتوني بشيء من الشراب. فجاءوا لي بشراب شربت منه حتى استكفيت، ثم قلت لهم: كان ما كان فانصرفوا إلى حال سبيلهم. ثم اعتذرت إلى أصحابي وسألتهم عن الذي ذهب من داري، هل عاد شيء منه؟ فقالوا: عاد البعض، وسببه أنه جاء إنسان ورماه في باب الدار ولم ننظره. # فسليت نفسي وأقمت في مكاني يومين وأنا لا أقدر على القيام من محلي، ثم قويت نفسي ومشيت حتى دخلت الحمام وأنا قلبي مشغول من جهة ابن بكار وشمس النهار، ولم أسمع لهما خبرا في تلك المدة، ولم أستطع الوصول إلى دار علي بن بكار، ولم يستقر لي قرار في مكاني خوفا على نفسي، ثم تبت إلى الله تعالى عما صدر مني وحمدته على سلامتي. وبعد مدة حدثتني نفسي أن أقصد تلك الناحية وأرجع في ساعة، فلما أردت المسير رأيت امرأة واقفة، فتأملتها وإذا هي جارية شمس النهار، فلما عرفتها سرت وهرولت في سيري، فتبعتني فداخلني منها الفزع، وصرت كلما أنظرها يأخذني الرعب منها وهي تقول لي: قف حتى أحدثك بشيء. لم ألتفت إليها، ولم أزل سائرا إلى مسجد في موضع خال من الناس، فقالت لي: ادخل هذا المسجد لأقول لك كلمة، ولا تخف من شيء. وحلفتني، فدخلت المسجد ودخلت خلفي، فصليت ركعتين، ثم تقدمت ms0593 إليها وأنا أتأوه، وقلت لها: ما بالك؟ فسألتني عن حالي، فحدثتها بما وقع لي، وأخبرتها بما جرى لعلي بن بكار، وقلت لها: ما خبرك؟ فقالت: اعلم أني لما رأيت الرجال كسروا باب دارك ودخلوا، خفت منهم وخشيت أن يكونوا من عند الخليفة فيأخذوني أنا وسيدتي فنهلك من وقتنا، فهربت من السطوح أنا والوصيفتان، ورمينا أنفسنا من مكان عال، ودخلنا على قوم فهربنا عندهم حتى وصلنا إلى قصر الخلافة، ونحن على أقبح صفة، ثم أخفينا أمرنا، وصرنا نتقلب على الجمر إلى أن جن الليل، ففتحت باب البحر، واستدعيت الملاح الذي أخرجنا تلك الليلة، وقلت له: إن سيدتي لم نعلم لها خبرا، فاحملني في الزورق حتى أفتش عليها في البحر؛ لعلي أقع على خبرها. فحملني في الزورق وسار بي، ولم أزل سائرة في البحر حتى انتصف الليل، فرأيت زورقا أقبل إلى جهة الباب وفيه رجل يجدف، ومعه رجل آخر، وامرأة مطروحة بينهما، وما زال يجدف حتى وصل إلى البر، فلما نزلت المرأة تأملتها فإذا هي شمس النهار، فنزلت إليها وقد اندهشت من الفرحة لما رأيتها بعدما قطعت الرجاء منها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 166 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت للجوهري: فنزلت إليها وقد اندهشت من الفرح بعد أن قطعت الرجاء منها، فلما تقدمت بين يديها أمرتني أن أدفع إلى الرجل الذي جاء بها ألف دينار، ثم حملتها أنا والوصيفتان إلى أن ألقيناها على فراشها، فأقامت تلك الليلة على حالة مكدرة، فلما أصبح الصباح منعت الجواري والخدم من الدخول عليها والوصول إليها ذلك اليوم، وفي ثاني يوم أفاقت مما كان بها، فوجدتها كأنها قد خرجت من مقبرة، فرششت على وجهها ماء الورد، وغيرت ثيابها، وغسلت يديها ورجليها، ولم أزل ألاطفها حتى أطعمتها شيئا من الطعام، وأسقيتها شيئا من الأشربة، وهي ليس لها قابلية في شيء من ذلك، فلما شمت الهواء وتوجهت إليها العافية، قلت لها: يا سيدتي، ارفقي بنفسك فقد حصل لك من المشقة ms0594 ما فيه الكفاية؛ فإنك قد أشرفت على الهلاك. فقالت: والله يا جارية الخير، إن الموت عندي أهون مما جرى لي، فإني كنت مقتولة لا محالة؛ لأن اللصوص لما خرجوا بنا من دار الجوهري سألوني وقالوا: من أنت؟ وما شأنك؟ فقلت: أنا جارية من المغنيات. فصدقوني، ثم سألوا علي بن بكار عن نفسه، وقالوا: من أنت؟ وما شأنك؟ فقال: أنا من عوام الناس. فأخذونا وسرنا معهم إلى أن انتهوا بنا إلى موضعهم، ونحن نسرع في السير معهم من شدة الخوف، فلما استقروا بنا في أماكنهم، تأملوني ونظروا ما علي من الملبوس والعقود والجواهر، فأنكروا أمري وقالوا: إن هذه العقود لا تكن لواحدة من المغنيات. ثم قالوا لي: اصدقينا وقولي لنا الحق، ما قضيتك؟ فلم أرد عليهم جوابا بشيء، وقلت في نفسي: الآن يقتلونني لأجل ما علي من الحلي والحلل. فلم أنطق بكلمة. # ثم التفتوا إلى علي بن بكار وقالوا له: من أين أنت، فإن رؤيتك غير رؤية العوام؟ فسكت، وصرنا نكتم أمرنا ونبكي، فحنن الله علينا قلوب اللصوص، فقالوا لنا: من صاحب الدار التي كنتما فيها؟ فقلنا لهم: صاحبها فلان الجوهري. فقال واحد منهم: أنا أعرفه حق المعرفة، وأعرف أنه ساكن في داره الثانية، وعلي أن آتيكم به في هذه الساعة. واتفقوا على أن يجعلوني في موضع وحدي، وعلي بن بكار في موضع وحده، وقالوا لنا: استريحا ولا تخافا أن ينكشف خبركما، وأنتما في أمان. ثم إن صاحبهما مضى إلى الجوهري، وأتى به، وكشف أمرنا لهم، واجتمعنا عليه. ثم إن رجلا منهم أحضر لنا زورقا وأطلعونا فيه، وعدوا بنا إلى الجانب الثاني، ورمونا إلى البر وذهبوا؛ فأتت خيالة من أصحاب العسس وقالوا: من تكونون؟ فتكلمت مع مقدم العسس، وقلت له: أنا شمس النهار محظية الخليفة، فإني سكرت وخرجت لبعض معارفي من نساء الوزراء، فجاءني اللصوص وأخذوني وأوصلوني إلى هذا المكان، فلما رأوكم فروا هاربين، وأنا قادرة على مكافأتك. فلما سمع كلامي مقدم الخيالة عرفني، ونزل عن مركوبه وأركبني، وفعل كذلك مع ms0595 علي بن بكار والجوهري، وفي كبدي الآن من أجلهما لهيب النار، لا سيما الجوهري رفيق ابن بكار، فامضي إليه وسلمي عليه، واستخبريه عن علي بن بكار، فلمتها على ما وقع وحذرتها وقلت لها: يا سيدتي، خافي على نفسك. فصاحت علي وغضبت من كلامي، ثم قمت من عندها وجئت إليك فلم أجدك، وخشيت من الرواح إلى ابن بكار، فصرت واقفة أرتقبك حتى أسألك عنه، وأعلم ما هو فيه، فأسألك من فضلك أن تأخذ مني شيئا من المال، فإنك ربما استعرت أمتعة من أصحابك، وضاعت عليك، فتحتاج أن تعوض على الناس ما ذهب لهم من الأمتعة عندك. قال الجوهري: فقلت سمعا وطاعة، ثم مشيت معها إلى أن أتينا إلى قرب محلي، فقالت لي: قف هنا حتى أعود إليك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 167 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت للجوهري: قف هنا حتى أعود إليك. ومضت ثم عادت وهي حاملة المال، فأعطته للجوهري وقالت له: يا سيدي، نجتمع بك في أي محل؟ قال الجوهري: فقلت لها أتوجه إلى داري في هذه الساعة، ونتحمل الصعوبة لأجل خاطرك، وأتدبر فيما يوصلك إليه، فإنه يتعذر الوصول إليه في هذا الوقت. ثم ودعتني ومضت، فحملت المال وأتيت به إلى منزلي، وعددت المال فوجدته خمسة آلاف دينار، فأعطيت أهلي منه شيئا، ومن كان له عندي شيء أعطيته عوضا عنه، ثم إني أخذت غلماني وذهبت إلى الدار التي ضاعت منها الأمتعة، وجئت بالنجارين والبنائين فأعادوها إلى ما كانت عليه، وجعلت جاريتي فيها، ونسيت ما جرى لي، ثم تمشيت وأتيت إلى دار علي بن بكار، فلما وصلت إليها أقبل غلمانه علي، وقال لي واحد منهم: إن غلمان سيدي في طلبك ليلا ونهارا، ووعدهم أن كل من أتاه بك يعتقه، فهم يفتشون عليك، ولم يعرفوا لك موضعا، وقد رجعت إلى سيدي عافيته، وهو تارة يفيق وتارة يستغرق، فلما يفيق يذكرك، ويقول: لا بد أن تحضروه لي لحظة ويعود إلى حال سبيله. قال ms0596 الجوهري: فمضيت مع الغلام إلى سيده، فوجدته لا يستطيع الكلام، فلما رأيته جلست عند رأسه ففتح عينيه، فلما رآني بكى وقال لي: أهلا ومرحبا. ثم سندته وأجلسته وضممته إلى صدري، فقال لي: اعلم يا أخي أني من حين رقدت ما جلست إلا في هذه الساعة، فالحمد لله على مشاهدتك. قال الجوهري: فلم أزل أسنده حتى أوقفته على رجليه، ومشيته خطوات، وغيرت أثوابه وشرب شرابا، فلما رأيت عليه علامة العافية، حدثته بما كان من الجارية ولم يسمعني أحد. ثم قلت له: شد حيلك فأنا أعرف ما بك. فتبسم، فقلت له: إنك لا تجد إلا ما يسرك ويداويك. # ثم إن علي بن بكار أمر بإحضار الطعام فأحضروه، وأشار إلى غلمانه فتفرقوا، ثم قال لي: يا أخي، هل رأيت ما أصابنا؟ واعتذر لي وسألني عن حالي في هذه المدة، فأخبرته بجميع ما جرى لي من الأول إلى الآخر، فتعجب ثم قال للخدم: ائتوني بكذا. فأتوه بفرش نفيس، وغير ذلك من تعاليق الذهب والفضة أكثر من الذي ضاع لي، وأعطاني جميع ذلك، فأرسلته إلى منزلي وأقمت عنده ليلتي. فلما أسفر الصبح قال لي: اعلم أن لكل شيء نهاية، ونهاية الهوى الموت والوصال، وأنا إلى الموت أقرب، فيا ليتني مت قبل الذي جرى، ولولا أن الله لطف بنا لافتضحنا، ولا أدري ما الذي يوصلني إلى الخلاص مما أنا فيه، ولولا خوفي من الله لعجلت على نفسي بالهلاك، واعلم يا أخي أنني كالطير في القفص، وأن نفسي هالكة من الغصص، ولكن لها وقت معلوم، وأجل محتوم. ثم أفاض دمع العين، وأنشد هذين البيتين: # شكا ألم الفراق الناس قبلي %~% وروع بالنوى حي وميت ~~وأما مثل ما ضمت ضلوعي %~% فإني ما سمعت ولا رأيت # فلما فرغ من شعره قال له الجوهري: يا سيدي، اعلم أني عزمت على الذهاب إلى داري، فلعل الجارية ترجع إلي بخبر. فقال علي بن بكار: لا بأس بذلك، ولكن أسرع بالعود لعندنا لأجل أن تخبرني. قال الجوهري: فودعته وانصرفت إلى داري، فلم يستقر بي ms0597 الجلوس حتى رأيت الجارية أقبلت، وهي في بكاء ونحيب، فقلت لها: ما سبب ذلك؟ فقالت: يا سيدي، اعلم أنه حل بنا ما حل من أمر نخافه، فإني لما مضيت من عندك بالأمس وجدت سيدتي مغتاظة على وصيفة من الوصيفتين اللتين كانتا معنا تلك الليلة، وأمرت بضربها، فخافت من سيدتها وهربت، فلاقاها بعض الموكلين بالباب، فأخذها وأراد ردها إلى سيدتها، فلوحت له بالكلام، فلاطفها واستنطقها عن حالها، فأخبرته بما كنا فيه، فبلغ الخبر إلى الخليفة فأمر بنقل سيدتي شمس النهار وجميع ما لها إلى دار الخلافة، ووكل بها عشرين خادما، ولم أجتمع بها إلى الآن، ولم أعلمها بالسبب، وتوهمت أنه بسبب ذلك، فخشيت على نفسي واحترت، ولم أدر كيف أحتال في أمري وأمرها، ولم يكن عندها أحفظ لكتمان السر مني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 168 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت للجوهري: إن سيدتي لم يكن عندها أحفظ لكتمان السر مني، فتوجه يا سيدي إلى علي بن بكار سريعا، وأخبره بذلك؛ لأجل أن يكون على أهبة، فإذا انكشف الأمر نتدبر في شيء نفعله لنجاة أنفسنا. قال الجوهري: فأخذني من ذلك هم عظيم، وصار الكون في وجهي ظلاما من كلام الجارية، وهمت الجارية بالانصراف، فقلت لها: وما الرأي؟ فقالت لي: الرأي أن تبادر إلى علي بن بكار إن كان صديقك وتريد له النجاة، وأنت عليك تبليغ هذا الخبر له بسرعة، وأنا علي أن أتقيد باستنشاق الأخبار. ثم ودعتني وخرجت. فلما خرجت الجارية قمت وخرجت في إثرها، وتوجهت إلى علي بن بكار فوجدته يحدث نفسه بالوصال، ويعللها بالمحال، فلما رآني رجعت إليه عاجلا قال لي: إني أراك رجعت إلي في الحال. فقلت له: أقصر من التعلق المطال، ودع ما أنت فيه من الاشتغال، فقد حدث حادث يفضي إلى تلف نفسك ومالك. فلما سمع هذا الكلام تغير حاله، وانزعج وقال للجوهري: يا أخي، أخبرني بما وقع. فقال له الجوهري: يا سيدي، اعلم أنه قد جرى ما ms0598 هو كذا وكذا، وأنك إن أقمت في دارك هذه إلى آخر النهار فأنت تالف ولا محالة. فبهت علي بن بكار، وكادت روحه أن تفارق جسده، ثم استرجع بعد ذلك، وقال له: ماذا أفعل يا أخي، وما عندك من الرأي؟ قال الجوهري: فقلت له: الرأي أن تأخذ معك من مالك ما تقدر عليه، ومن غلمانك من تثق به، وأن تمضي بنا إلى ديار غير هذه قبل أن ينقضي هذا النهار. فقال لي: سمعا وطاعة. # ثم وثب وهو متحير في أمره، فتارة يمشي وتارة يقع، وأخذ ما قدر عليه واعتذر إلى أهله وأوصاهم بمقصوده، وأخذ معه ثلاثة جمال محملة وركب دابته، وقد فعلت أنا كما فعل، ثم خرجنا خفية وسرنا، ولم نزل سائرين باقي يومنا وليلتنا، فلما كان آخر الليل حططنا حمولنا، وعقلنا جمالنا ونمنا، فحل علينا التعب، وغفلنا عن أنفسنا، وإذا باللصوص أحاطوا بنا، وأخذوا جميع ما كان معنا، وقتلوا الغلمان لما أرادوا أن يمنعوا عنا، ثم تركونا مكاننا، ونحن في أقبح حال بعد أن أخذوا المال وساروا، فلما قمنا مشينا إلى أن أصبح الصباح، فوصلنا إلى بلد فدخلناه وقصدنا مسجده ونحن عرايا، وجلسنا في جنب المسجد باقي يومنا، فلما جاء الليل بتنا في المسجد تلك الليلة، ونحن من غير أكل ولا شرب، فلما أصبح الصباح صلينا الصبح وجلسنا، وإذا برجل داخل فسلم علينا، وصلى ركعتين ثم التفت إلينا وقال: يا جماعة، هل أنتم غرباء؟ قلنا: نعم، وقطع اللصوص علينا الطريق وعرونا، ودخلنا هذا البلد ولا نعرف فيه أحدا نأوي عنده. فقال لنا الرجل: هل لكم أن تقوموا معي إلى داري؟ قال الجوهري: فقلت لعلي بن بكار: قم بنا معه فننجو من أمرين؛ الأول: أننا نخشى أن يدخل علينا أحد يعرفنا في هذا المسجد فنفتضح، والثاني: أننا ناس غرباء، وليس لنا مكان نأوي إليه. فقال علي بن بكار: افعل ما تريد. ثم إن الرجل قال لنا ثاني مرة: يا فقراء أطيعوني وسيروا معي إلى مكاني. قال الجوهري: فقلت له: سمعا وطاعة. ms0599 # ثم إن الرجل خلع لنا شيئا من ثيابه وألبسنا ولاطفنا، فقمنا معه إلى داره فطرق الباب فخرج إلينا خادم صغير وفتح الباب، فدخل الرجل صاحب المنزل ودخلنا خلفه، ثم إن الرجل أمر بإحضار بقجة فيها أثواب وشاشات، فألبسنا حلتين وأعطانا شاشين، فتعممنا وجلسنا، وإذا بجارية أقبلت إلينا بمائدة، ووضعتها بين أيدينا فأكلنا شيئا يسيرا، ورفعت المائدة، ثم أقمنا عنده إلى أن دخل الليل فتأوه علي بن بكار، وقال للجوهري: يا أخي، اعلم أنني هالك لا محالة، وأريد أن أوصيك وصية، وهي أنك إذا رأيتني مت تذهب إلى والدتي، وتخبرها أن تأتي إلى هذا المكان؛ لأجل أن تأخذ عزائي، وتحضر غسلي، وأوصها أن تكون صابرة على فراقي. ثم وقع مغشيا عليه، فلما أفاق سمع جارية تغني من بعيد وتنشد الأشعار، فصار يصغي إليها ويسمع صوتها، وهو تارة يسكر، وتارة يصحو، وتارة يبكي شجنا وحزنا مما أصابه، فسمع الجارية تطرب بالنغمات، وتنشد هذه الأبيات: # عجل البين بيننا بالفراق %~% بعد إلف وجيرة واتفاق ~~فرقت بيننا صروف الليالي %~% ليت شعري متى يكون التلاقي ~~ما أمر الفراق بعد اجتماع %~% ليته ما أضر بالعشاق ~~غصة الموت ساعة ثم تقضي %~% وفراق الحبيب في القلب باق ~~لو وجدنا إلى الفراق سبيلا %~% لأذقنا الفراق طعم الفراق # فلما سمع ابن بكار الجارية شهق شهقة ففارقت روحه جسده، قال الجوهري: فلما رأيته مات أوصيت عليه صاحب الدار، وقلت له: اعلم أنني متوجه إلى بغداد لأخبر والدته وأقاربه حتى يأتوا ليجهزوه. ثم إني توجهت إلى بغداد ودخلت داري وغيرت ثيابي، وبعد ذلك ذهبت إلى دار علي بن بكار، فلما رآني غلمانه أتوا إلي وسألوني عنه، وسألتهم أن يستأذنوا والدته في الدخول عليها، فأذنت لي بالدخول، فدخلت وسلمت عليها، وقلت: إن الله إذا قضى أمرا لا مفر من قضائه، وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا. فتوهمت أم علي بن بكار من هذا الكلام أن ابنها قد مات، فبكت بكاء شديدا، ثم قالت: بالله عليك أن تخبرني، هل توفي ولدي؟ ms0600 فلم أقدر أن أرد عليها جوابا من كثرة الجزع، فلما رأتني على تلك الحالة انخنقت بالبكاء، ثم وقعت على الأرض مغشيا عليها، فلما أفاقت من غشيتها قالت: ما كان من أمر ولدي؟ فقلت لها: أعظم الله أجرك فيه. ثم إني حدثتها بما كان من أمره من المبتدأ إلى المنتهى، قالت: هل أوصاك بشيء؟ فقلت لها: نعم. وأخبرتها بما أوصاني به، وقلت لها: أسرعي في تجهيزه. فلما سمعت أم علي بن بكار كلامي سقطت مغشيا عليها، فلما أفاقت عزمت على ما أوصيتها به. ثم إني رجعت إلى داري، وصرت في الطريق أتفكر في حسن شبابه؛ فبينما أنا كذلك، وإذا بامرأة قد قبضت على يدي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 169 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجوهري قال: وإذا بامرأة قد قبضت على يدي، فتأملتها فرأيتها الجارية التي كانت تأتي من عند شمس النهار، وقد علاها الانكسار، فلما تعارفنا بكينا جميعا حتى أتينا إلى تلك الدار، فقلت لها: هل علمت بخبر علي بن بكار؟ فقالت: لا والله. فأخبرتها بخبره وما كان من أمره، ثم إني قلت لها: فكيف حال سيدتك؟ فقالت: لم يقبل فيها أمير المؤمنين قول أحد لشدة محبته لها، وقد حمل جميع أمورها على المحامل الحسنة، وقال لها: يا شمس النهار، أنت عندي عزيزة، وأنا أتحملك على رغم أعدائك. ثم أمر لها بفرش مقصورة مذهبة وحجرة مليحة، وصارت عنده من ذلك في قبول عظيم، فاتفق أنه جلس يوما من الأيام على جري عادته للشراب، وحضرت المحاظي بين يديه فأجلسهن في مراتبهن، وأجلسها بجانبه، وقد عدمت صبرها وزاد أمرها، فعند ذلك أمر جارية من الجواري أن تغني، فأخذت العود وضربت به وجعلت تقول: # وداع دعاني للهوى فأجبته %~% ودمعي يخط الوجد خطا على خدي ~~كأن دموع العين تخبر حالنا %~% فتبدي الذي أخفي وتخفي الذي أبدي ~~فكيف أروم السر أو أكتم الهوى %~% وفرط غرامي فيك يظهر ما عندي ~~وقد طاب موتي عند فقد أحبتي %~% فيا ليت شعري ms0601 ما يطيب لهم بعدي # فلما سمعت شمس النهار إنشاد تلك الجارية لم تستطع الجلوس، ثم سقطت مغشيا عليها، فرمى الخليفة القدح، وجذبها عنده وصاح، وضجت الجواري، وقلبها أمير المؤمنين فوجدها ميتة، فحزن أمير المؤمنين لموتها، وأمر أن يكسر ما كان في الحضرة من الآلات والقوانين، وحملها في حجرة بعد موتها، ومكث عندها باقي ليلته، فلما طلع النهار جهزها وأمر بغسلها وتكفينها ودفنها، وحزن عليها حزنا كثيرا، ولم يسأل عن حالها، ولا عن الأمر الذي كانت فيه. ثم قالت الجارية للجوهري: سألتك بالله أن تعلمني بوقت خروج جنازة علي بن بكار، وأن تحضرني دفنه. فقال لها: أما أنا ففي أي محل شئت تجديني، وأما أنت فمن يستطيع الوصول إليك في المحل الذي أنت فيه؟ فقالت له: إن أمير المؤمنين لما ماتت شمس النهار، أعتق جواريها من يوم موتها، وأنا من جملتهن، ونحن مقيمات على تربتها في المحل الفلاني. فقمت معها وأتيت إلى المقبرة، وزرت شمس النهار، ثم مضيت إلى حالي، ولم أزل أنتظر جنازة علي بن بكار إلى أن جاءت، فخرجت له أهل بغداد، وخرجت معهم، فوجدت الجارية بين النساء، وهي أشدهن حزنا، ولم أر جنازة ببغداد أعظم من هذه الجنازة، وما زلنا في ازدحام عظيم إلى أن انتهينا إلى قبره ودفناه، وصرت لا أنقطع عن زيارته، ولا عن زيارة شمس النهار. هذا ما كان من حديثهما، وليس هذا بأعجب من حديث الملك شهرمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 170 # ![figure](../Images/figure7.png) # فقمت معها وأتيت إلى المقبرة، وزرت شمس النهار. ### || حكاية قمر الزمان مع الملكة بدور # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كان في قديم الزمان ملك يسمى شهرمان، صاحب عسكر وخدم وأعوان، إلا أنه كبرت سنه، ورق عظمه، ولم يرزق بولد، فتفكر في نفسه وحزن وقلق، وشكا ذلك لبعض وزرائه، وقال: إني أخاف إذا مت ضاع الملك؛ لأنه ليس لي ولد يتولاه بعدي. فقال له ذلك الوزير: لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، فتوكل على الله أيها ms0602 الملك وتوضأ وصل ركعتين، ثم جامع زوجتك لعلك تبلغ مطلوبك. فجامع زوجته فحملت في تلك الساعة، ولما كملت أشهرها وضعت ولدا ذكرا كأنه البدر السافر في الليل العاكر، فسماه قمر الزمان، وفرح به غاية الفرح، وزينوا المدينة سبعة أيام، ودقت الطبول، وأقبلت البشائر، وحملته المراضع والدايات، وتربى في العز والدلال حتى صار له من العمر خمس عشرة سنة، وكان فائقا في الحسن والجمال، والقد والاعتدال، وكان أبوه يحبه، ولا يقدر أن يفارقه ليلا ولا نهارا، فشكا الملك شهرمان لأحد وزرائه فرط محبته لولده، وقال: أيها الوزير، إني خائف على ولدي قمر الزمان من طوارق الدهر والحدثان، وأريد أن أزوجه في حياتي. فقال له الوزير: اعلم أيها الملك أن الزواج من مكارم الأخلاق، ولا بأس أن تزوج ولدك في حياتك. فعند ذلك قال الملك شهرمان: إلي بولدي قمر الزمان. فحضر وأطرق رأسه إلى الأرض حياء من أبيه، فقال له أبوه: يا قمر الزمان، اعلم أني أريد أن أزوجك وأفرح بك في حياتي. فقال له: اعلم يا أبي أنني ما لي في الزواج أرب، وليست نفسي تميل إلى النساء؛ لأني وجدت في مكرهن كتبا بالروايات، وبكيدهن وردت الآيات، وقال الشاعر: # فإن تسألوني بالنساء فإنني %~% خبير بأحوال النساء طبيب ~~إذا شاب رأس المرء أو قل ماله %~% فليس له من ودهن نصيب # وقال الآخر: # اعص النساء فتلك الطاعة الحسنه ~~يعقنه عن كمال في فضائله %~% ولو سعى طالبا للعلم ألف سنه # ولما فرغ من شعره قال: يا أبي، إن الزواج شيء لا أفعله أبدا ولو سقيت كأس الردى. فلما سمع السلطان شهرمان من ولده هذا الكلام، صار الضياء في وجهه ظلاما، واغتم غما شديدا على عدم مطاوعة ولده قمر الزمان له. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 171 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شهرمان لما سمع من ولده هذا الكلام، صار الضياء في وجهه ظلاما، واغتم على عدم مطاوعة ولده قمر الزمان له، ومن محبته له لم يكرر عليه ms0603 الكلام في ذلك ولم يغضبه، بل أقبل عليه وأكرمه ولاطفه بكل ما يجلب المحبة إلى القلب، كل ذلك وقمر الزمان يزداد كل يوم حسنا وجمالا، وظرفا ودلالا، فصبر الملك شهرمان على ولده سنة كاملة حتى صار كامل الفصاحة والملاحة، وتهتكت في حسنه الورى، ويروي لطفه كل نسيم سرى، وصار فتنة للعشاق، وروضة للمشتاق، عذب الكلام يخجل وجهه بدر التمام، صاحب قد واعتدال، وظرف ودلال، كأنه غصن بان، أو قضيب خيزران، ينوب خده عن شقائق النعمان، وقده عن غصن البان، ظريف الشمائل كما قال فيه القائل: # بدا فقالوا تبارك الله %~% جل الذي صاغه وسواه ~~مليك كل الملاح قاطبة %~% فكلهم أصبحوا رعاياه ~~في ريقه شهدة مذوبة %~% وانعقد الدر في ثناياه ~~مكملا بالجمال منفردا %~% كل الورى في جماله تاهوا ~~قد كتب الحسن فوق وجنته %~% أشهد أن لا مليح إلا هو # فلما تكاملت سنة أخرى لقمر الزمان ابن الملك شهرمان، دعاه والده إليه وقال له: يا ولدي، أما تسمع مني؟ فوقع قمر الزمان على الأرض بين يدي أبيه هيبة واستحى منه، وقال له: يا أبي، كيف لا أسمع منك، وقد أمرني الله بطاعتك وعدم مخالفتك؟ فقال له الملك شهرمان: اعلم يا ولدي أني أريد أن أزوجك وأفرح بك في حياتي، وأسلطنك في مملكتي قبل مماتي. فلما سمع قمر الزمان من أبيه هذا الكلام أطرق رأسه ساعة، وبعد ذلك رفع رأسه وقال: يا أبي، هذا شيء لا أفعله أبدا ولو سقيت كأس الردى، وأنا أعلم أن الله فرض علي طاعتك، فبحق الله عليك لا تكلفني أمر الزواج، ولا تظن أني أتزوج طول عمري؛ لأنني قرأت في كتب المتقدمين والمتأخرين، وعرفت جميع ما جرى لهم من المصائب والآفات بسبب فتن النساء ومكرهن غير المتناهي، وما يحدث عنهن من الدواهي، وما أحسن قول الشاعر: # من كاده العاهرات %~% فلا يرى من خلاص ~~ولو بنى ألف حصن %~% مشيدة بالرصاص ~~فليس يجدي بناها %~% ولا تفيد الصياصي ~~إن النسا خائنات %~% لكل دان وقاص ~~مخضبات بنان %~% مضفرات عقاص ~~مكحلات جفون %~% مجرعات غصاص ms0604 # وما أحسن قول الآخر: # إن النساء وإن دعين لعفة %~% رمم تقلبها النسور الحوم ~~في الليل عندك سرها وحديثها %~% وغدا لغيرك ساقها والمعصم ~~كالخان تسكنه وتصبح راحلا %~% فيحل بعدك فيه من لا تعلم # فلما سمع الملك شهرمان من ولده قمر الزمان هذا الكلام، وفهم الشعر والنظام، لم يرد عليه جوابا من فرط محبته له، وزاده من إنعامه وإكرامه، وانفض ذلك المجلس من تلك الساعة، وبعد انفضاض ذلك المجلس طلب الملك شهرمان وزيره واختلى به، وقال له: أيها الوزير ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 172 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شهرمان طلب وزيره واختلى به، وقال له: أيها الوزير، قل لي ما الذي أفعله في قضية ولدي قمر الزمان، فإني استشرتك في زواجه قبل أن أسلطنه فأشرت علي بذلك، وأشرت علي أيضا أن أذكر له أمر الزواج فذكرته له فخالفني، فشر علي الآن بما تراه حسنا. فقال له الوزير: الذي أشور به عليك الآن أيها الملك أن تصبر عليه سنة أخرى، فإذا أردت أن تكلمه بعدها في أمر الزواج فلا تكلمه سرا، ولكن حدثه في يوم حكومة، ويكون جميع الأمراء والوزراء حاضرين، وجميع العساكر واقفين، فإذا اجتمع هؤلاء فأرسل إلى ولدك قمر الزمان في تلك الساعة وأحضره، فإذا حضر فخاطبه في أمر الزواج بحضرة جميع الأمراء والوزراء، والحجاب والنواب، وأرباب الدولة، والعساكر، وأصحاب الصولة، فإنه يستحي منهم، وما يقدر أن يخالفك بحضرتهم. فلما سمع الملك شهرمان من وزيره هذا الكلام، فرح فرحا شديدا واستصوب رأي الوزير في ذلك، وخلع عليه خلعة سنية. وصبر الملك شهرمان على ولده قمر الزمان سنة، وكلما مضى عليه يوم من الأيام يزداد حسنا وجمالا، وبهجة وكمالا، حتى بلغ من العمر قريبا من عشرين عاما، وألبسه الله حلل الجمال، وتوجه بتاج الكمال، وصار طرفه أسحر من هاروت، وغنج ألحاظه أضل من الطاغوت، وأشرقت خدوده بالاحمرار، وازدرت جفونه بالصارم البتار، وبياض غرته حكى القمر الزاهر، وسواد شعره كأنه الليل العاكر، وخصره أرق ms0605 من خيط هميان، وردفه أثقل من الكثبان، تهيج البلابل على أعطافه، ويشتكي خصره من ثقل أردافه، ومحاسنه حيرت الورى، كما قال فيه بعض الشعراء: # قسما بوجنته وباسم ثغره %~% وبأسهم قد راشها من سحره ~~وبلين عطفيه ومرهف لحظه %~% وبياض غرته وأسود شعره ~~وبحاجب حجب الكرى عن صبه %~% وسطا عليه بنهيه وبأمره ~~وعقارب قد أرسلت من صدغه %~% وسعت لقتل العاشقين بهجره ~~وبورد خديه وآس عذاره %~% وعقيق مبسمه ولؤلؤ ثغره ~~وبطيب نكهته وسلسال جرى %~% في فيه يزري بالرحيق وعصره ~~وبردفه المرتج في حركاته %~% وسكونه وبرقة في خصره ~~وبجود راحته وصدق لسانه %~% وبطيب عنصره وعالي قدره ~~ما المسك إلا من فضالة خاله %~% والطيب يروي ريحه عن نشره ~~وكذلك الشمس المنيرة دونه %~% وأرى الهلال قلامة من ظفره # ثم إن الملك شهرمان سمع كلام الوزير، وصبر سنة أخرى حتى حصل يوم موسم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 173 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شهرمان سمع كلام الوزير وصبر سنة أخرى حتى حصل يوم موسم، تكامل فيه مجلس الملك بالأمراء والوزراء والحجاب وأرباب الدولة والعساكر وأصحاب الصولة، ثم إن الملك أرسل خلف ولده قمر الزمان، فلما حضر قبل الأرض بين يديه ثلاث مرات، ووقف مكتفا يديه وراء ظهره قدام أبيه، فقال له أبوه: اعلم يا ولدي أني ما أحضرتك هذه المرة قدام هذا المجلس، وجميع العساكر حاضرون بين أيدينا، إلا لأجل أن آمرك بأمر فلا تخالفني فيه، وذلك أن تتزوج؛ لأني أشتهي أن أزوجك بنت ملك من الملوك، وأفرح بك قبل موتي. فلما سمع قمر الزمان من أبيه هذا الكلام، أطرق برأسه إلى الأرض ساعة، ثم رفع رأسه إلى أبيه، ولحقه في تلك الساعة جنون الصبا وجهل الشبيبة، وقال له: أما أنا فلا أتزوج أبدا، ولو سقيت كئوس الردى، وأما أنت فرجل كبير السن صغير العقل، أليس أنك سألتني قبل هذا اليوم مرتين غير هذه المرة في شأن الزواج، وأنا لا أجيبك إلى ذلك! ثم إن قمر الزمان فك كتاف ms0606 يديه، وشمر عن ذراعيه قدام أبيه وهو في غيظه، فخجل أبوه واستحى حيث حصل ذلك قدام أرباب دولته والعساكر الحاضرين في الموسم، ثم إن الملك شهرمان لحقته شهامة الملك، فصرخ على ولده فأرعبه، وصرخ على المماليك وأمرهم بمسكه فمسكوه، وأمرهم أن يكتفوه فكتفوه، وقدموه بين يدي الملك وهو مطرق رأسه من الخوف والوجل، وتكلل وجهه وجبينه بالعرق، واشتد به الحياء والخجل، فعند ذلك شتمه أبوه وسبه، وقال له: ويلك يا ولد الزنا، وتربية الخنا! كيف يكون هذا جوابك لي بين عساكري وجيوشي؟ ولكن أنت إلى الآن ما أدبك أحد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 174 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شهرمان قال لولده قمر الزمان: ولكن أنت إلى الآن ما أدبك أحد، أما تعلم أن هذا الأمر الذي صدر منك، لو صدر من عامي من العوام لكان ذلك قبيحا منه. ثم إن الملك أمر المماليك أن يحلوا كتافه ويحبسوه في برج من أبراج القلعة، فعند ذلك دخل الفراشون القاعة التي في البرج فكنسوها ومسحوا بلاطها، ونصبوا فيها سريرا لقمر الزمان، وفرشوا له على السرير طراحة ونطعا، ووضعوا له مخدة وفانوسا كبيرا وشمعة؛ لأن ذلك المكان كان مظلما في النهار، ثم إن المماليك أدخلوا قمر الزمان في تلك القاعة، وجعلوا على باب القاعة خادما، فعند ذلك طلع قمر الزمان فوق ذلك السرير وهو منكسر الخاطر حزين الفؤاد، قد عاتب نفسه وندم على ما جرى منه في حق أبيه حيث لا ينفعه الندم، وقال: خيب الله الزواج والبنات والنساء الخائنات، فيا ليتني سمعت من والدي وتزوجت، فلو فعلت ذلك كان أحسن لي من هذا السجن. # هذا ما كان من أمر قمر الزمان، وأما ما كان من أمر أبيه، فإنه أقام على كرسي مملكته بقية اليوم إلى وقت الغروب، ثم خلا بالوزير، وقال له: اعلم أيها الوزير أنك كنت السبب في هذا الذي جرى بيني وبين ولدي كله؛ حيث أشرت علي بما أشرت، فما الذي تشور ms0607 به علي الآن؟ فقال له الوزير: أيها الملك، دع ولدك في السجن مدة خمسة عشر يوما، ثم أحضره بين يديك وأمره بالزواج فإنه لا يخالفك أبدا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 175 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير قال للملك شهرمان: دع ولدك في السجن مدة خمسة عشر يوما، ثم أحضره بين يديك وأمره بالزواج فإنه لا يخالفك أبدا. فقبل الملك رأي الوزير في ذلك، ونام تلك الليلة وهو مشتغل القلب على ولده؛ لأنه كان يحبه محبة عظيمة، حيث لم يكن له ولد سواه، وكان الملك شهرمان كل ليلة لا يجيئه نوم حتى يجعل ذراعه تحت رقبة قمر الزمان وينام، فبات الملك تلك الليلة وهو متشوش الخاطر من أجله، وصار يتقلب من جنب إلى جنب كأنه نائم على جمر اللظى، ولحقه الوسواس ولم يأخذه نوم في تلك الليلة بطولها، وذرفت عيناه بالدموع، وأنشد قول الشاعر: # لقد طال ليلي والوشاة هجوع %~% وناهيك قلبا بالفراق مروع ~~أقول وليلي زاد بالهم طوله %~% أما لك يا ضوء الصباح رجوع # وقول الآخر: # لما رأيت النجم ساهي طرفه %~% والقطب قد ألقى عليه سباتا ~~وبنات نعش في الحداد سوافر %~% أيقنت أن صباحهم قد ماتا # هذا ما كان من أمر الملك شهرمان، وأما ما كان من أمر قمر الزمان؛ فإنه لما قدم عليه الليل قدم له الخادم الفانوس، وأوقد له شمعة وجعلها في شمعدان، وقدم له شيئا من المأكل فأكل قليلا، وصار يعاتب نفسه حيث أساء الأدب في حق أبيه الملك شهرمان، وقال لنفسه: ألم تعلم أن ابن آدم رهين لسانه، وأن لسان الآدمي هو الذي يوقعه في المهالك؟! ولم يزل يعاتب نفسه ويلومها حتى غلبت عليه الدموع، واحترق قلبه المصدوع، وندم على ما خرج من لسانه في حق الملك غاية الندم، وأنشد هذين البيتين: # يموت الفتى من عثرة من لسانه %~% وليس يموت المرء من عثرة الرجل ~~فعثرته من فيه تقضي بحتفه %~% وعثرته بالرجل تبرى على مهل # ثم إن قمر الزمان لما ms0608 فرغ من الأكل طلب أن يغسل يديه، فغسل يديه من الطعام وتوضأ وصلى المغرب والعشاء وجلس ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 176 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان ابن الملك شهرمان صلى المغرب والعشاء، وجلس على السرير يقرأ القرآن، فقرأ البقرة، وآل عمران، ويس، والرحمن، وتبارك الملك، والمعوذتين، وختم بالدعاء، واستعاذ بالله، ونام على السرير فوق طراحة من الأطلس المعدني لها وجهان، وهي محشوة بريش النعام، وحين أراد النوم تجرد من ثيابه، وخلع لباسه، ونام في قميص مشمع رفيع، وكان على رأسه مقنع مروزي أزرق، فصار قمر الزمان في تلك الليلة كأنه البدر في الليلة الرابعة عشرة، ثم تغطى بملاءة من حرير ونام، والفانوس موقود تحت رجليه، والشمعة موقودة فوق رأسه، ولم يزل نائما إلى ثلث الليل الأول، ولم يعلم ما خبئ له في الغيب، وما قدره عليه علام الغيوب. واتفق أن القاعة والبرج كانا عتيقين مهجورين مدة سنين كثيرة، وكان في تلك القاعة بئر روماني معمور بجنية ساكنة فيه، وهي من ذرية إبليس اللعين، واسم تلك الجنية ميمونة بنة الدمرياط أحد ملوك الجان المشهورين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 177 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن اسم تلك الجنية ميمونة بنة الدمرياط أحد ملوك الجان المشهورين، فلما استمر قمر الزمان نائما إلى ثلث الليل الأول، طلعت تلك العفريتة من البئر الروماني، وقصدت السماء لاستراق السمع، فلما صارت في أعلى البئر رأت نورا مضيئا في البرج على خلاف العادة، وكانت العفريتة مقيمة في ذلك المكان مدة مديدة من السنين، فقالت في نفسها: أنا ما عهدت هنا شيئا من ذلك، وتعجبت من هذا الأمر غاية العجب، وخطر ببالها أنه لا بد لذلك من سبب، ثم قصدت ناحية ذلك النور فوجدته خارجا من القاعة، فدخلتها ووجدت الخادم نائما على بابها، ولما دخلت القاعة، وجدت سريرا منصوبا، وعليه هيئة إنسان نائم، وشمعة مضيئة عند رأسه، وفانوس مضيء عند رجليه؛ فتعجبت العفريتة ms0609 ميمونة من ذلك النور، وتقدمت إليه قليلا قليلا، وأرخت أجنحتها، ووقفت على السرير، وكشفت الملاءة عن وجهه ونظرت إليه، واستمرت باهتة في حسنه وجماله ساعة زمانية، وقد وجدت ضوء وجهه غالبا على نور الشمعة، وصار وجهه يتلألأ نورا، وقد غازلت عيناه، واسودت مقلتاه، واحمر خداه، وفتر جفناه، وتقوس حاجباه، وفاح مسكه العاطر، كما قال فيه الشاعر: # قبلته فاسودت المقل التي %~% هي فتنتي واحمرت الوجنات ~~يا قلب إن زعم العواذل أنه %~% في الحسن يوجد مثله قل هاتوا # فلما رأته العفريتة ميمونة بنت الدمرياط، سبحت الله وقالت: تبارك الله أحسن الخالقين. وكانت تلك العفريتة من الجن المؤمنين؛ فاستمرت ساعة وهي تنظر إلى وجه قمر الزمان وتوحد الله، وتغبطه على حسنه وجماله، وقالت في نفسها: والله إني لا أضره، ولا أترك أحدا يؤذيه، ومن كل سوء أفديه، فإن هذا الوجه المليح لا يستحق إلا النظر إليه والتسبيح، ولكن كيف هان على أهله حتى نسوه في هذا المكان الخرب؟ فلو طلع له أحد من مردتنا في هذه الساعة لعطبه. ثم إن تلك العفريتة مالت عليه وقبلته بين عينيه، وبعد ذلك أرخت الملاءة على وجهه وغطته بها، وفتحت أجنحتها وطارت ناحية السماء، وطلعت من دور تلك القاعة وصعدت، ولم تزل صاعدة في الجو إلى أن قربت من سماء الدنيا، وإذا بها سمعت خفق أجنحة طائرة في الهواء، فقصدت ناحية تلك الأجنحة، فلما قربت من صاحبها وجدته عفريتا يقال له دهنش، فانقضت عليه انقضاض الباشق، فلما أحس بها دهنش وعرف أنها ميمونة بنت ملك الجن، خاف منها وارتعدت فرائصه، واستجار بها وقال لها: أقسم عليك بالاسم الأعظم، والطلسم الأكرم، المنقوش على خاتم سليمان، أن ترفقي بي ولا تؤذيني. فلما سمعت ميمونة من دهنش هذا الكلام، حن قلبها عليه وقالت له: إنك أقسمت علي بقسم عظيم، ولكن لا أعتقك حتى تخبرني من أين مجيئك في هذه الساعة؟ فقال لها: أيتها السيدة، اعلمي أن مجيئي من آخر بلاد الصين، ومن داخل الجزائر، وأخبرك بأعجوبة رأيتها في هذه الليلة، ms0610 فإن وجدت كلامي صحيحا فاتركيني أروح إلى حال سبيلي، واكتبي لي بخطك في هذه الساعة أني عتيقك؛ حتى لا يعارضني أحد من أرهاط الجن الطيارة العلوية والسفلية والغواصة. قالت له ميمونة: فما الذي رأيته في هذه الليلة يا دهنش؟ فأخبرني ولا تكذب علي، وتريد بكذبك أن تنفلت من يدي، وأنا أقسم بحق النقش المكتوب على فص خاتم سليمان بن داود - عليهما السلام - إن لم يكن كلامك صحيحا نتفت ريشك بيدي، ومزقت جلدك، وكسرت عظمك. فقال لها العفريت دهنش بن شمهورش الطيار: إن لم يكن كلامي صحيحا فافعلي بي ما شئت يا سيدتي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 178 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن دهنشا قال: إني خرجت في هذه الليلة من الجزائر الداخلة في بلاد الصين، وهي بلاد الملك الغيور، صاحب الجزائر والبحور والسبعة قصور، فرأيت لذلك الملك بنتا لم يخلق الله في زمانها أحسن منها، ولا أعرف كيف أصفها لك، ويعجز لساني عن وصفها كما ينبغي، ولكن أذكر لك شيئا من صفاتها على سبيل التقريب؛ أما شعرها فكليالي الهجر والانفصال، وأما وجهها فكأيام الوصال، وقد أحسن في وصفها من قال: # نشرت ثلاث ذوائب من شعرها %~% في ليلة فأرت ليالي أربعا ~~واستقبلت قمر السماء بوجهها %~% فأرتني القمرين في وقت معا # ولها أنف كحد السيف المصقول، ولها وجنتان كرحيق الأرجوان، ولها خد كشقائق النعمان، وشفتاها كالمرجان والعقيق، وريقها أشهى من الرحيق، يطفئ مذاقه عذاب الحريق، ولسانها يحركه عقل وافر، وجواب حاضر، ولها صدر فتنة لمن يراه، فسبحان من خلقه وسواه! ومتصل بذلك الصدر عضدان مدملجان، كما قال فيهما الشاعر الولهان: # وزندان لولا أمسكا بأساور %~% لسالا من الأكمام سيل الجداول # ولها نهدان كأنهما من العاج، حقان يستمد من إشراقهما القمران، ولها بطن بأعكان مطوية كطي القباطي المصرية، وينتهي ذلك إلى خصر مختصر من وهم الخيال، فوق ردف ككثيب من رمال، يقعدها إذا قامت، ويوقظها إذا نامت، كما قال فيه بعض واصفيه: # لها كفل تعلق في ضعيف ms0611 %~% وذاك الردف لي ولها ظلوم ~~فيوقفني إذا فكرت فيه %~% ويقعدها إذا همت تقوم # يحمل ذلك الكفل فخذان كأنهما من الدر عمودان، وعلى حمله ما أقدرهما إلا بركة الشيخ الذي بينهما، وأما غير ذلك من الأوصاف فلا يحصيه ناعت ولا وصاف، ويحمل ذلك كله قدمان لطيفتان صنعة المهيمن الديان، فعجبت منهما كيف يحملان ما فوقهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 179 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العفريت دهنش بن شمهورش قال للعفريتة ميمونة: وأما ما وراء ذلك فإني تركته؛ لأنه تقصر عنه العبارة، ولا تفي به إشارة، وأبو تلك الصبية ملك جبار فارس كرار، يخوض بحار الأقطار في الليل والنهار، لا يهاب الموت، ولا يخاف الفوت؛ لأنه جائر ظلوم، وقاهر غشوم، وهو صاحب جيوش وعساكر، وأقاليم وجزائر، ومدن ودور، واسمه الملك الغيور، صاحب الجزائر والبحور والسبعة قصور، وكان يحب ابنته هذه التي وصفتها لك حبا شديدا، ومن محبته لها جلب أموال سائر الملوك، وبنى لها بذلك سبعة قصور، كل قصر من جنس مخصوص؛ القصر الأول من البلور، والقصر الثاني من الرخام، والقصر الثالث من الحديد الصيني، والقصر الرابع من الجزع والفصوص، والقصر الخامس من الفضة، والقصر السادس من الذهب، والقصر السابع من الجواهر، وملأ السبعة قصور من أنواع الفرش الفاخر، وأواني الذهب والفضة، وجميع الآلات من كل ما تحتاج إليه الملوك، وأمر ابنته أن تسكن في كل قصر مدة من السنة، ثم تنتقل منه إلى قصر غيره، واسمها الملكة بدور. # فلما اشتهر حسنها، وشاع في البلاد ذكرها، أرسل سائر الملوك إلى أبيها يخطبونها منه، فراودها في أمر الزواج فكرهت ذلك، وقالت لأبيها: يا والدي، ليس لي غرض في الزواج أبدا، فإني سيدة وملكة، أحكم على الناس ولا أريد رجلا يحكم علي. وكلما امتنعت من الزواج زادت رغبة الخطاب فيها، ثم إن جميع ملوك جزائر الصين الجوانية أرسلوا إلى أبيها الهدايا والتحف، وكاتبوه في أمر زواجها، فكرر عليها أبوها المشاورة في أمر الزواج مرارا عديدة، فخالفته ms0612 وغضبت منه، وقالت له: يا أبي، إن ذكرت لي الزواج مرة أخرى، أخذت السيف ووضعت قائمه في الأرض وذبابته في بطني، واتكأت عليه حتى يطلع من ظهري وأقتل نفسي. فلما سمع أبوها منها هذا الكلام، صار الضياء في وجهه ظلاما، واحترق قلبه عليها غاية الاحتراق، وخشي أن تقتل نفسها، وتحير في أمرها وفي أمر الملوك الذين خطبوها منه، فقال لها: إن كان لا بد من عدم زواجك، فامتنعي من الدخول والخروج. ثم إن أباها أدخلها البيت وحجبها فيه، واستحفظ عليها عشر عجائز قهرمانات، ومنعها من أن تظهر إلى السبعة قصور، وأظهر أنه غضبان عليها، وأرسل كاتب الملوك جميعهم وأعلمهم أنها أصيبت بجنون في عقلها، ولها الآن سنة وهي محجوبة. # ثم قال العفريت دهنش للعفريتة: وأنا يا سيدتي أتوجه إليها في كل ليلة فأنظرها وأتملى بوجهها، وأقبلها وهي نائمة بين عينيها، ومن محبتي فيها لا أضرها ولا أركبها؛ لأن جمالها بارع، وكل من رآها يغار عليها من نفسه، وأقسمت عليك يا سيدتي أن ترجعي معي وتنظري حسنها وجمالها، وقدها واعتدالها، وبعد هذا إن شئت أن تعاقبيني أو تأسريني فافعلي، فإن الأمر أمرك والنهي نهيك. ثم إن العفريت دهنشا أطرق رأسه إلى الأرض، وخفض أجنحته إلى الأرض. فقالت له العفريتة ميمونة بعد أن ضحكت من كلامه، وبصقت في وجهه: أي شيء هذه البنت التي تقول عنها؟ فما هي إلا قوارة بول، فكيف لو رأيت معشوقي؟ والله إني حسبت أن معك أمرا عجيبا أو خبرا غريبا يا ملعون، إني رأيت إنسانا في هذه الليلة، لو رأيته ولو في المنام لانفلجت عليه وسالت ريالتك. فقال لها دهنش: وما حكاية هذا الغلام؟ فقالت له: اعلم يا دهنش أن هذا الغلام قد جرى له مثل ما جرى لمعشوقتك التي ذكرتها، وأمره أبوه بالزواج مرارا عديدة فأبى، فلما خالف أباه غضب عليه وسجنه في البرج الذي أنا ساكنة فيه، فطلعت في هذه الليلة فرأيته. فقال لها دهنش: يا سيدتي، أريني هذا الغلام لأنظر هل هو أحسن من ms0613 معشوقتي الملكة بدور أم لا؛ لأني ما أظن أن يوجد في الزمان مثل معشوقتي. فقالت له العفريتة: تكذب يا ملعون، يا أنحس المردة وأحقر الشياطين، فأنا أتحقق أنه لا يوجد لمعشوقي مثيل في هذه الديار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 180 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العفريتة ميمونة قالت للعفريت دهنش: أنا أتحقق أنه لا يوجد لمعشوقي مثيل في هذه الديار، فهل أنت مجنون حتى تقيس معشوقتك بمعشوقي؟ فقال لها: بالله عليك يا سيدتي أن تذهبي معي وتنظري معشوقتي، وأرجع معك وأنظر معشوقك. فقالت له ميمونة: لا بد من ذلك يا ملعون؛ لأنك شيطان مكار، ولكن لا أجيء معك ولا تجيء معي إلا برهن؛ فإن طلعت معشوقتك التي أنت تحبها وتتغالى فيها، أحسن من معشوقي الذي أنا أحبه وأتغالى فيه، فإن ذلك الرهن يكون لك علي، وإن طلع معشوقي أحسن فإن ذلك الرهن يكون لي عليك. فقال لها العفريت دهنش: يا سيدتي، قبلت منك هذا الشرط ورضيت به، تعالي معي إلى الجزائر. فقالت له ميمونة: فإن موضع معشوقي أقرب من موضع معشوقتك، وها هو تحتنا، فانزل معي لننظر معشوقي ونروح بعد ذلك إلى معشوقتك. فقال لها دهنش: سمعا وطاعة. ثم انحدرا إلى أسفل ونزلا في دور القاعة التي في البرج، وأوقفت ميمونة دهنشا بجنب السرير، ومدت يدها ورفعت الملاءة عن وجه قمر الزمان ابن الملك شهرمان؛ فسطع وجهه وأشرق ولمع وزها، فنظرته ميمونة والتفتت من وقتها إلى دهنش وقالت له: انظر يا ملعون ولا تكن أقبح مجنون، فنحن بنات وبه مفتونات. فعند ذلك التفت إليه دهنش واستمر يتأمل فيه ساعة، ثم حرك رأسه وقال لميمونة: والله يا سيدتي إنك معذورة، ولكن بقي شيء آخر، وهو أن حال الأنثى غير حال الذكر، وحق الله إن معشوقك هذا أشبه الناس بمعشوقتي في الحسن والجمال، والبهجة والكمال، وهما الاثنان كأنهما قد أفرغا في قالب الحسن سواء. # فلما سمعت ميمونة من دهنش هذا الكلام، صار الضياء في وجهها ms0614 ظلاما، ولطمته بجناحها على رأسه لطمة قوية كادت أن تقضي عليه من شدتها، وقالت له: قسما بنور وجه جلاله أن تروح يا ملعون في هذه الساعة وتحمل معشوقتك التي تحبها وتجيء بها سريعا إلى هذا المكان، حتى نجمع بين الاثنين، وننظرهما وهما نائمان بالقرب من بعضهما، فيظهر لنا أيهما أملح، وإن لم تفعل ما أمرتك به في هذه الساعة يا ملعون، أحرقتك بناري، ورميتك بشرر أشراري، ومزقتك قطعا في البراري، وجعلتك عبرة للمقيم والساري. فقال لها دهنش: يا سيدتي لك علي ذلك، وأنا أعرف أن محبوبتي أحسن وأحلى. ثم إن العفريت دهنشا طار من وقته وساعته، وطارت ميمونة معه من أجل المحافظة عليه، فغابا ساعة زمانية، ثم أقبل الاثنان بعد ذلك وهما حاملان تلك الصبية، وعليها قميص بندقي رفيع بطرازين من الذهب، وهو مزركش ببدائع التطريزات، ومكتوب على رأسه كمية هذه الأبيات: # ثلاثة منعتها عن زيارتنا %~% خوف الرقيب وخوف الحاسد الحنق ~~ضوء الجبين ووسواس الحلي وما %~% حوت معاطفها من عنبر عبق ~~هب الجبين بفضل الكم تستره %~% والحلي تنزعه ما حيلة العرق # ثم إنهما نزلا بتلك الصبية ومدداها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 181 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العفريت والعفريتة نزلا بتلك الصبية ومدداها بجانب الغلام وكشفا عن وجهي الاثنين، فكانا أشبه الناس ببعضهما، فكأنهما توءمان أو أخوان منفردان، وهما فتنة للمتقين، كما قال فيهما الشاعر المبين: # يا قلب لا تعشق مليحا واحدا %~% تحتار فيه تدللا وتذللا ~~واهو الملاح جميعهم تلقاهم %~% إن صد هذا كان هذا مقبلا ![figure](../Images/figure8.png) # نزلا بتلك الصبية ومدداها بجانب الغلام، وكشفا عن وجهي الاثنين. # وصار دهنش وميمونة ينظران إليهما، فقال دهنش: إن معشوقتي أحسن. قالت له ميمونة: بل معشوقي أحسن، ويلك يا دهنش! هل أنت أعمى؟ أما تنظر إلى حسنه وجماله، وقده واعتداله؟ فاسمع ما أقوله في محبوبي، وإن كنت محبا صادقا لمن تعشقها، فقل فيها مثل ما أقول في محبوبي. ثم إن ميمونة قبلت قمر الزمان قبلا عديدة، وأنشدت هذه ms0615 القصيدة: # ما لي وللاحي عليك يعنف %~% كيف السلو وأنت غصن أهيف ~~لك مقلة كحلاء تنفث سحرها %~% ما للهوى العذري عنها مصرف ~~تركية الألحاظ تفعل بالحشا %~% ما ليس يفعله الصقيل المرهف ~~حملتني ثقل الغرام وإنني %~% بالعجز عن حمل القميص لأضعف ~~وجدي عليك كما علمت ولوعتي %~% طبع وعشقي في سواك تكلف ~~لو أن قلبي مثل قلبك لم أبت %~% والجسم مني مثل خصرك منحف ~~ويلاه من قمر بكل ملاحة %~% بين الأنام وكل حسن يوصف ~~قال العواذل في الهوى من ذا الذي %~% أنت الكئيب به فقلت لهم صفوا ~~يا قلبه القاسي تعلم عطفة %~% من قده فعسى يرق ويعطف ~~لك يا أميري في الملاحة ناظر %~% يسطو علي وحاجب لا ينصف ~~كذب الذي ظن الملاحة كلها %~% في يوسف كم في جمالك يوسف ~~الجن تخشاني إذا قابلتها %~% وأنا إذا ألقاك قلبي يرجف ~~أتكلف الإعراض عنك مهابة %~% وإليك أصبو جهد ما أتكلف ~~والشعر أسود والجبين مشعشع %~% والطرف أحور والقوام مهفهف # فلما سمع دهنش شعر ميمونة في معشوقها، طرب غاية الطرب وتعجب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 182 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن دهنشا لما سمع شعر ميمونة في معشوقها أطرب غاية الطرب وقال: إنك أنشدتني فيمن تعشقينه هذا الشعر الرقيق، مع أن بالك مشغول به، ولكن أنا أبذل الجهد في إنشاد الشعر على قدر فكرتي. ثم إن دهنشا قام إلى معشوقته بدور، وقبلها بين عينيها، ونظر إلى العفريتة ميمونة وإلى معشوقته بدور، وجعل ينشد هذه القصيدة وهو بلا شعور: # أقوت معاهدهم بشط الوادي %~% فبقيت مقتولا وشط الوادي ~~وسكرت من خمر الغرام ورقصت %~% عين الدموع على غناء الحادي ~~أسعى لأسعد بالوصال وحق لي %~% إن السعادة في بدور سعاد ~~لم أدر من أي الثلاثة أشتكي %~% ولقد عددت فأصغ للأعداد ~~من لحظها السياف أم من قدها %~% الرماح أم من صدغها الزراد ~~قالت وقد فتشت عنها كل من %~% لاقيته من حاضر أو باد ~~أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه %~% ترني، فقلت لها: وأين فؤادي؟ # فلما فرغ ms0616 من شعره قالت العفريتة: أحسنت يا دهنش، ولكن أي هذين الاثنين أحسن؟ فقال لها: محبوبتي بدور أحسن من محبوبك. فقالت له: كذبت يا ملعون، بل معشوقي أحسن من معشوقتك. ثم إنهما لم يزالا يعارضان بعضهما في الكلام حتى صرخت ميمونة على دهنش، وأرادت أن تبطش به فذل لها ورقق كلامه، وقال لها: لا يصعب عليك الحق فأبطلي قولك وقولي، فإن كلا منا يشهد لمعشوقه أنه أحسن، فنعرض عن كلام كل واحد منا، ونطلب من يفصل الحكم بيننا بالإنصاف، ونعتمد على قوله. فقالت له ميمونة: وهو كذلك. ثم ضربت الأرض برجلها فطلع لها من الأرض عفريت أعور أجرب، وعيناه مشقوقتان في وجهه بالطول، وفي رأسه سبعة قرون، وله أربع ذوائب من الشعر مسترسلة إلى الأرض، ويداه مثل يدي القطرب، وله أظفار كأظفار الأسد، ورجلان كرجلي الفيل، وحوافر كحوافر الحمار؛ فلما طلع ذلك العفريت ورأى ميمونة، قبل الأرض بين يديها، وتكتف وقال لها: ما حاجتك يا سيدتي يا بنت الملك؟ فقالت له: يا قشقش، إني أريد أن تحكم بيني وبين هذا الملعون دهنش. ثم إنها أخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فعندها نظر العفريت قشقش إلى وجه ذلك الصبي ووجه تلك الصبية، فرآهما متعانقين وهما نائمان، ومعصم كل منهما تحت عنق الآخر، وهما في الحسن والجمال متشابهان، وفي الملاحة متساويان، فنظر وتعجب المارد قشقش من حسنهما وجمالهما، والتفت إلى ميمونة ودهنش بعد أن أطال إلى الصبي والصبية الالتفات، وأنشد هذه الأبيات: # زر من تحب ودع مقالة حاسد %~% ليس الحسود على الهوى بمساعد ~~لم يخلق الرحمن أحسن منظرا %~% من عاشقين على فراش واحد ~~متعانقين عليهما حلل الرضى %~% متوسدين بمعصم وبساعد ~~وإذا صفا لك من زمانك واحد %~% فهو المراد وعش بذاك الواحد ~~وإذا تألفت القلوب على الهوى %~% فالناس تضرب في حديد بارد ~~يا من يلوم على الهوى أهل الهوى %~% هل يستطاع صلاح قلب فاسد ~~يا رب يا رحمن تحسن ختمنا %~% قبل الممات ولو بيوم واحد # ثم إن العفريت قشقش التفت إلى ميمونة وإلى دهنش ms0617 وقال لهما: والله ما فيهما أحد أحسن من الآخر، ولا دون الآخر؛ بل هما أشبه الناس ببعضهما في الحسن والجمال، والبهجة والكمال، ولا يفرق بينهما إلا بالتذكير والتأنيث، وعندي حكم آخر؛ وهو أن ننبه كل واحد منهما من غير علم الآخر، وكل من التهب على رفيقه فهو دونه في الحسن والجمال. فقالت ميمونة: نعم هذا الرأي الذي قلته، فأنا رضيته. وقال دهنش: وأنا أيضا رضيته. فعند ذلك انقلب دهنش في صورة برغوثة ولدغ قمر الزمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 183 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن دهنشا انقلب في صورة برغوثة ولدغ قمر الزمان في رقبته في موضع ناعم؛ فمد قمر الزمان يده على رقبته وهرش موضع القرصة من شدة ما أحرقته؛ فتحرك بجنبه، فوجد شيئا نائما بجنبه، ونفسه أزكى من المسك، وجسمه ألين من الزبد؛ فتعجب قمر الزمان من ذلك غاية العجب، ثم قام من وقته قاعدا، ونظر إلى ذلك الشخص الراقد بجانبه، فوجدها صبية كالدرة السنية، أو القبة المبنية بقامة ألفية، خماسية القد، بارزة النهد، موردة الخد، كما قال فيها بعض واصفيها: # بدت قمرا ومالت غصن بان %~% وفاحت عنبرا ورنت غزالا ~~كأن الحزن مشغوف بقلبي %~% فساعة هجرها يجد الوصالا # فلما رأى قمر الزمان السيدة بدور بنت الملك الغيور، وشاهد حسنها وجمالها وهي نائمة في طوله، وجد فوق بدنها قميصا بندقيا وهي بلا سروال، وعليها كوفية من ذهب مرصعة بالجواهر، وفي عنقها قلادة من الفصوص المثمنة لا يقدر عليها أحد من الملوك؛ فصار مدهوش العقل من ذلك، ثم إنه حين شاهد حسنها تحركت فيه الحرارة الغريزية، وألقى الله عليه شهوة الجماع، وقال في نفسه: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ثم قلبها بيده ثاني مرة، وفتح طوق قميصها فبان له بطنها، ونظر إليه وإلى نهودها فازداد فيها محبة ورغبة، فصار ينبهها وهي لا تنتبه؛ لأن دهنشا ثقل نومها، فصار قمر الزمان يهزها ويحركها ويقول: يا حبيبتي استيقظي وانظري من أنا، ms0618 فأنا قمر الزمان. فلم تستيقظ، ولم تحرك رأسها، فعند ذلك تفكر في أمرها ساعة زمانية، وقال في نفسه: إن صدق حزري فهذه الصبية هي التي يريد والدي زواجي بها، ومضى لي ثلاث سنين وأنا أمتنع من ذلك، فإن شاء الله إذا جاء الصبح أقول لأبي: زوجني بها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 184 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان قال في نفسه: إن شاء الله إذا جاء الصبح أقول لأبي: زوجني بها. ولا أترك نصف النهار يفوت حتى أفوز بوصلها، وأتملى بحسنها وجمالها. ثم إن قمر الزمان مال إلى بدور ليقبلها، فارتعدت ميمونة الجنية وخجلت، وأما العفريت دهنش فإنه طار من الفرح. ثم إن قمر الزمان لما أراد أن يقبلها في فمها استحى من الله، ولفت وجهه وقال في نفسه: أنا أصبر لئلا يكون والدي لما غضب علي وحبسني في هذا الموضع، جاء لي بهذه العروسة وأمرها بالنيام جنبي ليمتحنني بها، وأوصاها أني إذا نبهتها لا تستيقظ، وقال لها: أي شيء فعل بك قمر الزمان فأعلميني به. وربما يكون والدي واقفا مستخفيا في مكان بحيث يطلع علي وأنا لا أنظره، فينظر جميع ما أفعله بهذه الصبية، وإذا أصبح يوبخني ويقول لي: كيف تقول ما لي أرب في الزواج، وأنت قبلت تلك الصبية وعانقتها؟ فأنا أكف نفسي عنها لئلا ينكشف أمري مع والدي، فأنا لا ألمس هذه الصبية من تلك الساعة ولا ألتفت لها، غير أني آخذ لي منها شيئا يكون أمارة عندي وتذكرة لها، حتى يبقى بيني وبينها إشارة. ثم إن قمر الزمان رفع كف الصبية، وأخذ خاتمها من خنصرها، وهو يساوي جملة من المال؛ لأن فصه من نفيس الجواهر، ومنقوش في دائرته هذه الأبيات: # لا تحسبوا أني نسيت عهودكم %~% مهما أطلتم في الزمان صدودكم ~~يا سادتي جودوا علي وأعطفوا %~% فعسى أقبل ثغركم وخدودكم ~~والله إني لست أبرح عنكم %~% مهما عديتم في الغرام حدودكم # ثم إن قمر الزمان نزع ذلك الخاتم من خنصر ms0619 الملكة بدور، ولبسه في خنصره، وأدار ظهره إليها ونام. ففرحت ميمونة الجنية لما رأت ذلك، وقالت لدهنش وقشقش: هل رأيتما محبوبي قمر الزمان، وما فعله من العفة عن هذه الصبية؟ فهذا من كمال محاسنه، فانظرا كيف رأى هذه الصبية وحسنها وجمالها ولم يعانقها، ولم يملس بيده عليها، بل أدار ظهره إليها ونام. فقالا لها: قد رأينا ما صنع من الكمال. فعند ذلك انقلبت ميمونة وجعلت نفسها برغوثا، ودخلت ثياب بدور محبوبة دهنش، ومشت على ساقها، وطلعت على فخذها، ومشت تحت سرتها مقدار أربعة قراريط ولدغتها، ففتحت عينيها، واستوت قاعدة، فرأت شابا نائما بجانبها وهو يغط في نومه، وله خدود كشقائق النعمان، ولواحظ تخجل الحور الحسان، وفم كأنه خاتم سليمان، وريقه حلو المذاق، وأنفع من الترياق، كما قال فيه بعض واصفيه: # سلي خاطري عن زينب ونواري %~% بوردة خد فوق آس عذار ~~وأصبحت بالظبي المقرطق مغرما %~% ولا رأي لي في عشق ذات سوار ~~أنيسي في النادي وفي خلوتي معا %~% خلاف أنيسي في قرارة داري ~~فيا لائمي في هجر هند وزينب %~% وقد لاح عذري كالصباح لسار ~~أترضى بأن أمسي أسير أسيرة %~% محصنة أو من وراء جدار # ثم إن الملكة بدور لما رأت قمر الزمان، أخذها الهيام، والوجد والغرام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 185 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة بدور لما رأت قمر الزمان أخذها الهيام، والوجد والغرام، وقالت في نفسها: وا فضيحتاه! إن هذا شاب غريب لا أعرفه، ما باله راقدا بجانبي في فراش واحد؟ ثم نظرت إليه بعيونها، وحققت النظر فيه وفي ظرفه ودلاله، وحسنه وجماله، ثم قالت: وحق الله إنه شاب مليح مثل القمر، إلا أن كبدي تكاد أن تتمزق وجدا عليه، وشغفا بحسنه وجماله، فيا فضيحتي منه، والله لو علمت أن هذا الشاب هو الذي خطبني من أبي ما رددته، بل كنت أتزوجه وأتملى بجماله. # ثم إن الملكة بدور تطلعت من وقتها وساعتها في وجه قمر الزمان، وقالت له: يا سيدي، وحبيب ms0620 قلبي، ونور عيني، انتبه من منامك، وتمتع بحسني وجمالي. ثم حركته بيدها، فأرخت عليه ميمونة الجنية النوم، وثقلت على رأسه بجناحها، فلم يستيقظ قمر الزمان، فهزته الملكة بدور بيديها، وقالت له: بحياتي عليك أن تطيعني، فانتبه من منامك، وانظر النرجس والخضرة، وتمتع ببطني والسرة، وهارشني وناغشني من هذا الوقت إلى بكرة، قم يا سيدي، واتكئ على المخدة ولا تنم. فلم يجبها قمر الزمان بجواب، ولم يرد عليها خطابا، بل غط في النوم، فقالت الملكة بدور: ما لك تائها بحسنك وجمالك، وظرفك ودلالك؟ فكما أنت مليح أنا الأخرى مليحة، فما هذا الذي تفعله؟ هل هم علموك الصد عني، أو أبي الشيخ النحس منعك من أن تكلمني في هذه الليلة؟ ففتح قمر الزمان عينيه فازدادت فيه محبة، وألقى الله محبته في قلبها، ونظرته نظرة أعقبتها ألف حسرة، فخفق فؤادها، وتقلقلت أحشاؤها، واضطربت جوارحها، وقالت لقمر الزمان: يا سيدي كلمني، يا حبيبي حدثني، يا معشوقي رد علي الجواب، وقل لي ما اسمك؛ فإنك سلبت عقلي. # كل ذلك وقمر الزمان مستغرق في النوم، ولم يرد عليها بكلمة، فتأوهت الملكة بدور، وقالت: ما لك معجبا بنفسك؟ ثم هزته وقبلت يده، فرأت خاتمها في إصبعه الخنصر، فشهقت شهقة واتبعتها بغنجة، وقالت: أوه أوه! والله أنت حبيبي وتحبني، ولكن كأنك تعرض عني دلالا مع أنك جئتني وأنا نائمة، وما أعرف كيف عملت أنت معي، ولكن ما أنا قالعة خاتمي من خنصرك. ثم فتحت جيب قميصه ومالت عليه، وقبلت رقبته، وفتشت على شيء تأخذه منه فلم تجد معه شيئا، ورأته بغير سروال، فمدت يدها من تحت ذيل قميصه، وجست سيقانه فزلقت يدها من نعومة جسمه، وسقطت على أيره، فانصدع قلبها وارتجف فؤادها؛ لأن شهوة النساء أقوى من شهوة الرجال، وخجلت، ثم نزعت خاتمه من إصبعه، ووضعته في إصبعها عوضا عن خاتمها، وقبلته في ثغره، وقبلت كفيه، ولم تترك فيه موضعا إلا قبلته، وبعد ذلك أخذته في حضنها وعانقته، ووضعت إحدى يديها تحت رقبته، والأخرى من تحت إبطه، ونامت ms0621 بجانبه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 186 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة بدور نامت بجانب قمر الزمان، وجرى منها ما جرى. فلما رأت ذلك ميمونة فرحت غاية الفرح، وقالت لدهنش: هل رأيت يا ملعون كيف فعلت معشوقتك من الوله بمعشوقي؟ وكيف فعل معشوقي من التيه والدلال؟ فلا شك أن معشوقي أحسن من معشوقتك، ولكن عفوت عنك. ثم كتبت له ورقة بالعتق، والتفتت إلى قشقش وقالت له: ادخل معه، واحمل معشوقته، وساعده على وصولها إلى مكانها؛ لأن الليل مضى، وفاتني مطلوبي. فتقدم دهنش وقشقش إلى الملكة بدور، ودخلا تحتها وحملاها، وطارا بها وأوصلاها إلى مكانها، وأعاداها إلى فراشها، واختلت ميمونة بالنظر إلى قمر الزمان وهو نائم، حتى لم يبق من الليل إلا القليل، ثم توجهت إلى حال سبيلها. # فلما انشق الفجر انتبه قمر الزمان من منامه، والتفت يمينا وشمالا فلم يجد الصبية عنده، فقال في نفسه: ما هذا الأمر؟ كأن أبي يرغبني في الزواج بالصبية التي كانت عندي، ثم أخذها سرا لأجل أن تزداد رغبتي في الزواج. ثم صرخ على الخادم الذي هو نائم على الباب، وقال له: ويلك يا ملعون قم! فقام الخادم وهو طائش العقل من النوم، ثم قدم له الطشت والإبريق، فقام قمر الزمان ودخل المستراح، وقضى حاجته وخرج، فتوضأ وصلى الصبح، وجلس يسبح الله، ثم نظر إلى الخادم فوجده واقفا في خدمته بين يديه، فقال له: ويلك يا صواب! من جاء هنا وأخذ الصبية من جنبي وأنا نائم؟ فقال له الخادم: يا سيدي، أي شيء الصبية؟ فقال قمر الزمان: الصبية التي كانت نائمة عندي في هذه الليلة. فانزعج الخادم من كلام قمر الزمان، وقال له: لم يكن عندك صبية ولا غيرها، ومن أين دخلت الصبية وأنا نائم وراء الباب وهو مقفول؟ والله يا سيدي ما دخل عليك ذكر ولا أنثى. فقال له قمر الزمان: تكذب يا عبد النحس، وهل وصل من قدرك أنت الآخر أنك تخادعني ولا تخبرني أين راحت ms0622 هذه الصبية التي كانت نائمة عندي في هذه الليلة، ولم تخبرني بالذي أخذها من عندي؟ فقال الطواشي وقد انزعج منه: والله يا سيدي ما رأيت صبية ولا صبيا. فغضب قمر الزمان من كلام الخادم وقال له: إنهم علموك الخداع يا ملعون، فتعال عندي. فتقدم الخادم إلى قمر الزمان فأخذ بأطواقه، وضرب به الأرض فضرط، ثم برك عليه قمر الزمان ورفصه برجله، وخنقه حتى غشي عليه، ثم بعد ذلك ربطه في سلبة البئر وأدلاه فيه إلى أن وصل إلى الماء وأرخاه، وكانت تلك الأيام أيام برد وشتاء قاطع، فغطس الخادم في الماء، ثم نشله قمر الزمان وأرخاه، وما زال يغطس ذلك الخادم في الماء وينشله منه، والخادم يستغيث ويصرخ ويصيح، وقمر الزمان يقول له: والله يا ملعون، ما أطلعك من هذه البئر حتى تخبرني بخبر هذه الصبية وقضيتها، ومن الذي أخذها وأنا نائم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 187 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخادم قال لقمر الزمان: أنقذني من البئر يا سيدي، وأنا أخبرك بالصحيح. فجذبه من البئر وأطلعه وهو غائب عن الوجود من شدة ما قاساه من الغرق والغطاس، والبرد والضرب والعذاب، وصار يرتعد مثل القصبة في الريح العاصف، واشتبكت أسنانه في بعضها، وابتلت ثيابه بالماء، فلما رأى الخادم نفسه على وجه الأرض قال له: دعني يا سيدي أروح وأقلع ثيابي وأعصرها وأنشرها في الشمس وألبس غيرها، ثم أحضر إليك سريعا وأخبرك بأمر تلك الصبية، وأحكي لك حكايتها. فقال له قمر الزمان: والله يا عبد النحس، لولا أنك عاينت الموت ما أقررت بالحق، فاخرج لقضاء أغراضك وعد إلي بسرعة، واحك لي حكاية الصبية وقصتها. # فعند ذلك خرج الخادم وهو لا يصدق بالنجاة، ولم يزل يجري إلى أن دخل على الملك شهرمان أبي قمر الزمان، فوجد الوزير بجانبه، وهما يتحدثان في أمر قمر الزمان، فسمع الملك يقول للوزير: إني ما نمت في هذه الليلة من اشتغال قلبي بولدي قمر الزمان، وأخشى أن يجري له ms0623 شيء من هذا البرج العتيق، وما كان في سجنه شيء من المصلحة. فقال له الوزير: لا تخف عليه، والله لا يصيبه شيء، ودعه مسجونا شهر زمان حتى تلين عريكته. فبينما هما في الكلام، وإذا بالخادم دخل عليهما وهو في تلك الحالة، وقال له: يا مولانا السلطان، إن ولدك حصل له جنون، وقد فعل بي هذه الفعال، وقال لي: إن صبية باتت عندي في هذه الليلة، وذهبت بخفية فأخبرني بخبرها. وأنا لا أعرف ما شأن هذه الصبية. فلما سمع السلطان شهرمان هذا الكلام عن ولده قمر الزمان، صرخ قائلا: وا ولداه! وغضب على الوزير الذي كان سببا في هذه الأمور غضبا شديدا، وقال له: قم اكشف لي خبر ولدي قمر الزمان. فخرج الوزير وهو يتعثر في أذياله من خوفه من الملك، وراح مع الخادم إلى البرج، وكانت الشمس قد طلعت، فدخل الوزير على قمر الزمان فوجده جالسا على السرير يقرأ القرآن، فسلم عليه الوزير وجلس إلى جانبه، وقال له: يا سيدي، إن هذا العبد النحس أخبرنا بخبر شوش علينا وأزعجنا، فاغتاظ الملك من ذلك. فقال له قمر الزمان: أيها الوزير، وما الذي قاله لكم عني حتى شوش على أبي، وفي الحقيقة هو ما شوش إلا علي؟ فقال له الوزير: إنه جاءنا بحالة منكرة، وقال لنا قولا حاشاك منه، وكذب علينا بما لا ينبغي أن يذكر في شأنك، فسلامة شبابك، وعقلك الرجيح، ولسانك الفصيح، وحاشا أن يصدر منك شيء قبيح. فقال له قمر الزمان: فأي شيء قال هذا العبد النحس؟ فقال له الوزير: إنه أخبرنا أنك جننت وقلت له: كان عندي صبية في الليلة الماضية. فهل قلت للخادم هذا الكلام؟ فلما سمع قمر الزمان هذا الكلام اغتاظ غيظا شديدا، وقال للوزير: تبين لي أنكم علمتم الخادم الفعل الذي صدر منه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 188 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان بن الملك شهرمان قال للوزير: تبين لي أنكم علمتم الخادم الفعل الذي صدر ms0624 منه، ومنعتموه من أن يخبرني بأمر الصبية التي كانت نائمة عندي في هذه الليلة، وأنت أيها الوزير أعقل من الخادم، فأخبرني في هذه الساعة أين ذهبت الصبية المليحة التي كانت نائمة في حضني تلك الليلة؟ فأنتم الذين أرسلتموها عندي، وأمرتموها أن تبيت في حضني، ونمت معها إلى الصباح، فلما انتبهت ما وجدتها، فأين هي الآن؟ فقال الوزير: يا سيدي قمر الزمان، اسم الله حواليك، والله ما أرسلنا لك في هذه الليلة أحدا، وقد نمت وحدك، والباب مقفول عليك، والخادم نائم من خلف الباب، وما أتى إليك صبية ولا غيرها، فارجع إلى عقلك يا سيدي، ولا تشغل خاطرك. فقال له قمر الزمان وقد اغتاظ من كلامه: أيها الوزير، إن تلك الصبية معشوقتي، وهي المليحة صاحبة العيون السود والخدود الحمر التي عانقتها في هذه الليلة. # فتعجب الوزير من كلام قمر الزمان، وقال له: هل رأيت تلك الصبية في هذه الليلة بعينك في اليقظة أم في المنام؟ فقال له قمر الزمان: يا أيها الشيخ النحس، أتظن أني رأيتها بأذني؟! إنما رأيتها بعيوني في اليقظة، وقلبتها بيدي، وسهرت معها نصف ليلة كاملة، وأنا أتفرج على حسنها وجمالها، وظرفها ودلالها، وإنما أنتم أوصيتموها أنها لا تكلمني، فجعلت نفسها نائمة، فنمت بجانبها إلى الصباح، ثم استيقظت من منامي فلم أجدها. فقال له الوزير: يا سيدي قمر الزمان، ربما تكون رأيت هذا الأمر في المنام، فيكون أضغاث أحلام أو تخيلات من أكل مختلف الطعام، أو وسوسة من الشياطين اللئام. فقال له قمر الزمان: يا أيها الشيخ النحس، كيف تهزأ بي أنت الآخر وتقول لي لعل هذا أضغاث أحلام، مع أن الخادم قد أقر لي بتلك الصبية، وقال لي: في هذه الساعة أعود إليك وأخبرك بقصتها؟ # ثم إن قمر الزمان قام من وقته، وتقدم إلى الوزير، وقبض لحيته في يده، وكانت لحيته طويلة، فأخذها قمر الزمان ولفها على يده وجذبه منها، فرماه من فوق السرير وألقاه على الأرض؛ فحس الوزير أن روحه طلعت من شدة نتف لحيته، وما ms0625 زال قمر الزمان يرفص الوزير برجليه ويصفعه على قفاه بيديه حتى كاد أن يهلكه، فقال الوزير في نفسه: إذا كان العبد الخادم خلص نفسه من هذا الصبي المجنون بكذبة، فأنا أولى بذلك منه، وأخلص نفسي أنا الآخر بكذبة، وإلا يهلكني، فها أنا أكذب وأخلص روحي منه، فإنه مجنون لا شك في جنونه. ثم إن الوزير التفت إلى قمر الزمان وقال له: يا سيدي لا تؤاخذني، فإن والدك أوصاني أن أكتم عنك خبر هذه الصبية، وأنا الآن عجزت وكليت من الضرب؛ لأني بقيت رجلا كبيرا، وليس لي قوة على تحمل الضرب، فتمهل علي قليلا حتى أحدثك بقصة الصبية. فعند ذلك منع عنه الضرب وقال له: لأي شيء لم تخبرني بخبر تلك الصبية إلا بعد الضرب والإهانة؟ فقم يا أيها الشيخ النحس، واحك لي خبرها. فقال له الوزير: هل أنت تسأل عن تلك الصبية صاحبة الوجه المليح والقد الرجيح؟ فقال له قمر الزمان: نعم، أخبرني أيها الوزير من الذي جاء بها إلي وأنامها عندي؟ وأين هي في هذه الساعة حتى أروح أنا إليها بنفسي؟ فإن كان أبي الملك شهرمان فعل معي هذه الفعال، وامتحنني بتلك الصبية المليحة من أجل زواجها، فأنا رضيت أن أتزوج بها، فإنه ما فعل معي هذا الأمر كله وولع خاطري بتلك الصبية وبعد ذلك حجبها عني، إلا من أجل امتناعي من الزواج، فها أنا رضيت بالزواج، ثم رضيت بالزواج، فأعلم والدي بذلك أيها الوزير، وأشر إليه أن يزوجني بتلك الصبية، فإني لا أريد سواها، وقلبي لم يعشق إلا إياها، فقم وأسرع إلى أبي، وأشر إليه بتعجيل زواجي، ثم عد إلي قريبا في هذه ساعة. فما صدق الوزير بالخلاص من قمر الزمان حتى خرج من البرج وهو يجري إلى أن دخل على الملك شهرمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 189 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير خرج يجري من البرج إلى أن دخل على الملك شهرمان، فلما دخل عليه قال له الملك: أيها ms0626 الوزير، ما لي أراك في ارتباك؟ ومن الذي بشره رماك حتى جئت مرعوبا؟ فقال للملك: إني قد جئتك ببشارة. قال له الملك: وما تلك البشارة؟ قال له: اعلم أن ولدك قمر الزمان قد حصل له جنون. فلما سمع الملك كلام الوزير، صار الضياء في وجهه ظلاما، وقال له: أيها الوزير، أوضح لي صفة جنون ولدي. قال له الوزير: سمعا وطاعة. ثم أخبره بما صدر من ولده، فقال له الملك: أبشر أيها الوزير، إني أعطيتك في نظير بشارتك إياي بجنون ولدي ضرب رقبتك، وزوال النعم عنك، يا أنحس الوزراء وأخبث الأمراء؛ لأني أعلم أنك سبب جنون ولدي بمشورتك ورأيك التعيس الذي أشرت به علي في الأول والآخر، والله إن كان يأتي على ولدي شيء من الضرر أو الجنون؛ لأسمرنك على القبة، وأذيقك النكبة. ثم إن الملك نهض قائما على قدميه، وأخذ الوزير معه ودخل به البرج الذي فيه قمر الزمان، فلما وصلا إليه قام قمر الزمان على قدميه لوالده، ونزل سريعا من فوق السرير الذي هو جالس عليه، وقبل يديه، ثم تأخر وراءه وأطرق رأسه إلى الأرض وهو مكتف اليدين قدام أبيه، ولم يزل كذلك ساعة زمانية، وبعد ذلك رفع رأسه إلى والده، وفرت الدموع من عينيه، وسالت على خده، وأنشد قول الشاعر: # إن كنت قد أذنبت ذنبا سالفا %~% في حقكم وأتيت شيئا منكرا ~~أنا تائب عما جنيت وعفوكم %~% يسع المسيء إذا أتى مستغفرا # فعند ذلك قام الملك وعانق ولده قمر الزمان، وقبله بين عينيه، وأجلسه إلى جانبه فوق السرير، ثم التفت إلى الوزير بعين الغضب وقال له: يا كلب الوزراء، كيف تقول على ولدي قمر الزمان ما هو كذا وكذا وترعب قلبي عليه؟ ثم التفت إلى ولده وقال له: يا ولدي، ما اسم هذا اليوم؟ فقال له: يا والدي هذا يوم السبت، وغدا يوم الأحد، وبعده يوم الإثنين، وبعده الثلاثاء، وبعده الأربعاء، وبعده الخميس، وبعده الجمعة. فقال له الملك: يا ولدي قمر الزمان، الحمد لله على سلامتك، ما اسم هذا ms0627 الشهر الذي علينا بالعربي؟ فقال: اسمه ذو القعدة، ويليه ذو الحجة، وبعده المحرم، وبعده صفر، وبعده ربيع الأول، وبعده ربيع الثاني، وبعده جمادى الأولى، وبعده جمادى الثانية، وبعده رجب، وبعده شعبان، وبعده رمضان، وبعده شوال. ففرح بذلك الملك فرحا شديدا، وبصق في وجه الوزير وقال له: يا شيخ السوء، كيف تزعم أن ولدي قمر الزمان قد جن، والحال أنه ما جن إلا أنت؟ فعند ذلك حرك الوزير رأسه، وأراد أن يتكلم، ثم خطر بباله أن يتمهل قليلا لينظر ماذا يكون. # ثم إن الملك قال لولده: يا ولدي، أي شيء هذا الكلام الذي تكلمت به للخادم والوزير حيث قلت لهما: إني كنت نائما أنا وصبية مليحة في هذه الليلة. فما شأن هذه الصبية التي ذكرتها؟ فضحك قمر الزمان من كلام أبيه، وقال له: يا والدي، اعلم أنه ما بقي لي قوة تتحمل السخرية، فلا تزيدوا علي شيئا ولا بكلمة واحدة، فقد ضاق خلقي مما تفعلونه معي، واعلم يا والدي أني رضيت بالزواج، ولكن بشرط أن تزوجني تلك الصبية التي كانت نائمة عندي في هذه الليلة؛ فإني أتحقق أنك أنت الذي أرسلتها إلي، وشوقتني إليها، وبعد ذلك أرسلت إليها قبل الصبح، وأخذتها من عندي. فقال الملك: اسم الله حواليك يا ولدي، سلامة عقلك من الجنون. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 190 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شهرمان قال لولده قمر الزمان: اسم الله حواليك يا ولدي، سلامة عقلك من الجنون، فأي شيء هذه الصبية التي تزعم أني أرسلتها إليك في هذه الليلة، ثم أرسلت آخذها من عندك قبل الصباح؟ فوالله يا ولدي ليس لي علم بهذا الأمر، فبالله عليك أن تخبرني هل ذلك أضغاث أحلام أم تخيلات طعام؟ فإنك بت في هذه الليلة وأنت مشغول الخاطر بالزواج، وموسوس بذكره، قبح الله الزواج وساعته، وقبح من أشار به، ولا شك أنك متكدر المزاج من جهة الزواج، فرأيت في المنام أن صبية مليحة تعانقك، وأنت تعتقد في ms0628 بالك أنك رأيتها في اليقظة، وهذا كله يا ولدي أضغاث أحلام. فقال قمر الزمان: دع عنك هذا الكلام، واحلف لي بالله الخالق العلام قاصم الجبابرة، ومبيد الأكاسرة، أنه لم يكن عندك خبر بالصبية ومحلها. فقال الملك: وحق الله العظيم إله موسى وإبراهيم، إنه لم يكن لي علم بذلك، ولعله أضغاث أحلام رأيته في المنام. فقال قمر الزمان لوالده: أنا أضرب لك مثلا يبين لك أن هذا كان في اليقظة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 191 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان قال لوالده: أنا أضرب لك مثلا يبين لك أن هذا كان في اليقظة؛ وهو أني أسألك: هل اتفق لأحد أنه رأى نفسه في المنام يقاتل، وقد قاتل قتالا شديدا، وبعد ذلك استيقظ من منامه فوجد في يده سيفا ملوثا بالدم؟ فقال له والده: لا والله يا ولدي، لم يتفق هذا. فقال له قمر الزمان: أخبرك بما حصل لي؛ وهو أني رأيت في هذه الليلة كأني استيقظت من منامي نصف الليل، فوجدت بنتا نائمة بجانبي، وقدها كقدي، وشكلها كشكلي، فعانقتها ومسكتها بيدي، وأخذت خاتمها ووضعته في إصبعي، وقلعت خاتمي ووضعته في إصبعها، وامتنعت عنها حياء منك، وظننت أنك أرسلتها واستخفيت في موضع لتنظر ما أفعل، واستحييت من أجل ذلك أن أقبلها في فمها حياء منك، وخطر ببالي أنك تمتحنني بها حتى ترغبني في الزواج، وبعد ذلك انتبهت من منامي في وجه الصبح، فلم أجد للصبية أثرا، ولا وقفت لها على خبر، وجرى لي مع الخادم والوزير ما جرى، فكيف يكون هذا الأمر كذبا وأمر الخاتم صحيح؟ ولولا الخاتم كنت أظن أنه منام، وهذا خاتمها الذي في خنصري في هذه الساعة، فانظر أيها الملك الخاتم، ثم كم يساوي؟ ثم إن قمر الزمان ناول الخاتم لأبيه، فأخذه وقلبه ثم التفت إلى ولده وقال له: إن لهذا الخاتم نبأ عظيما وخبرا جسيما، وإن الذي اتفق لك في هذه الليلة مع تلك الصبية أمر مشكل، ولا أعلم ms0629 من أين دخل علينا هذا الدخيل، وما تسبب في هذا كله إلا الوزير، فبالله عليك يا ولدي أن تصبر، لعل الله يفرج عنك هذه الكربة، ويأتيك بالفرج العظيم، كما قال الشاعر: # عسى ولعل الدهر يلوي عنانه %~% ويأتي بخبر فالزمان غيور ~~وتسعد آمالي وتقضى حوائجي %~% وتحدث من بعد الأمور أمور # فيا ولدي قد تحققت في هذه الساعة أنه ليس بك جنون، ولكن قضيتك ما يجليها عنك إلا الله. فقال قمر الزمان لوالده: بالله يا والدي، إنك تفحص لي عن هذه الصبية، وتعجل بقدومها، وإلا مت كمدا. ثم إن قمر الزمان أظهر الوجد، والتفت إلى أبيه، وأنشد هذين البيتين: # إن كان وعدكم بالوصل تزوير %~% ففي الكرى واصلوا المشتاق أو زوروا ~~قالوا: وكيف يزور الطيف جفن فتى %~% منامه عنه ممنوع ومحجور؟ # ثم إن قمر الزمان بعد إنشاد هذه الأشعار، التفت إلى أبيه بخضوع وإنكار، وأفاض العبرات، وأنشد هذه الأبيات ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 192 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان أفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات: # خذوا حذركم من طرفها فهو ساحر %~% وليس بناج من رمته المحاجر ~~ولا تخدعوا من رقة في كلامها %~% فإن الحميا للعقول تخامر ~~منعمة لو لامس الورد خدها %~% بكت وبدت من مقلتيها البواتر ~~فلو في الكرى مر النسيم بأرضها %~% سرى أبدا من أرضها وهو عاطر ~~قلائدها تشكو رنين وشاحها %~% وقد خرست من معصميها الأساور ~~إذا ما اشتهى الخلخال تقبيل قرطها %~% بدت لعيون الوصل منها الضمائر ~~ولي عاذل في حبها غير عاذر %~% وما تنفع الأبصار لولا البصائر ~~عذولي لحاك الله ما أنت منصف %~% إلى مثل هذا الحسن تثنى النواظر # فلما فرغ من شعره، قال الوزير للملك: يا ملك الزمان، إلى متى وأنت محجوب عن العسكر عند ولدك قمر الزمان؟ فربما ينفسد عليك نظام المملكة بسبب بعدك عن أرباب دولتك، والعاقل إذا ألمت بجسمه أمراض مختلفة يجب عليه أن يبدأ بمداواة أعظمها، والرأي عندي أن تنقل ولدك من هذا المكان إلى القصر الذي في ms0630 السراية المطل على البحر، وتنقطع عند ولدك فيه، وتجعل للموكب والديوان في كل جمعة يومين؛ الخميس والإثنين، فيدخل عليك فيهما الأمراء والوزراء، والحجاب والنواب، وأرباب الدولة، وخواص المملكة، وأصحاب الصولة، وبقية العساكر والرعية، ويعرضون عليك أحوالهم، فاقض حوائجهم واحكم بينهم، وخذ وأعط معهم، وأمر وانه بينهم، وبقية الجمعة تكون عند ولدك قمر الزمان، ولا تزال على تلك الحالة حتى يفرج الله عنك وعنه، ولا تأمن أيها الملك من نوائب الزمان، وطوارق الحدثان؛ فإن العاقل دائما محاذر، وما أحسن قول الشاعر: # حسنت ظنك بالأيام إذ حسنت %~% ولم تخف سوء ما يأتي به القدر ~~وسالمتك الليالي فاغتررت بها %~% وعند صفو الليالي يحدث الكدر ~~يا معشر الناس من كان الزمان له %~% مساعدا فليكن من رأيه الحذر # فلما سمع السلطان من الوزير هذا الكلام، رآه صوابا ونصيحة في مصلحته، فأثر عنده وخاف أن ينفسد عليه نظام الملك، فنهض من وقته وساعته، وأمر بتحويل ولده من ذلك المكان إلى القصر الذي في السراية المطل على البحر، ويمشون إليه على ممشاة في وسط البحر عرضها عشرون ذراعا، وبدائر القصر شبابيك مطلة على البحر، وأرض ذلك القصر مفروشة بالرخام الملون، وسقفه مدهون بأفخر الدهان من سائر الألوان، ومنقوش بالذهب واللازورد؛ ففرشوا لقمر الزمان فيه البسط الحرير، وألبسوا حيطانه الديباج، وأرخوا عليه الستارات المكللة بالجواهر، ودخل فيه قمر الزمان، وصار من شدة العشق كثير السهر، فاشتغل خاطره، واصفر لونه، وانتحل جسمه، وجلس والده الملك شهرمان عند رأسه وحزن عليه، وصار الملك في كل يوم إثنين ويوم خميس يأذن في أن يدخل عليه من شاء الدخول من الأمراء والوزراء، والحجاب والنواب، وأرباب الدولة، وسائر العساكر والرعية في ذلك القصر؛ فيدخلون عليه ويؤدون وظائف الخدمة، ويقيمون عنده إلى آخر النهار، ثم ينصرفون بعد ذلك إلى حال سبيلهم، وبعد ذلك يدخل الملك عند ولده قمر الزمان في ذلك المكان، ولا يفارقه ليلا ولا نهارا، ولم يزل على تلك الحالة مدة أيام وليال من الزمان. # هذا ما كان من أمر قمر الزمان ms0631 ابن الملك شهرمان، وأما ما كان من أمر الملكة بدور بنت الملك الغيور صاحب الجزائر والسبعة قصور، فإن الجن لما حملوها ونيموها في فراشها، لم يبق من الليل إلا ثلاث ساعات، ثم طلع الفجر فاستيقظت من منامها، وجلست والتفتت يمينا وشمالا فلم تر معشوقها الذي كان في حضنها؛ فارتجف فؤادها، وزل عقلها، وصرخت صرخة عظيمة، فاستيقظ جميع جواريها والدايات والقهرمانات ودخلن عليها، فتقدمت إليها كبيرتهن وقالت لها: يا سيدتي، ما الذي أصابك؟ فقالت لها: أيتها العجوز النحس، أين معشوقي الشاب المليح الذي كان نائما هذه الليلة في حضني؟ فأخبريني أين راح. فلما سمعت منها القهرمانة هذا الكلام، صار الضياء في وجهها ظلاما، وخافت من بأسها خوفا عظيما، وقالت: يا سيدتي بدور، أي شيء هذا الكلام القبيح؟ فقالت السيدة بدور: ويلك يا عجوز النحس! أين معشوقي الشاب المليح، صاحب الوجه الصبيح، والعيون السود، والحواجب المقرونة، الذي كان بائتا عندي من العشاء إلى قرب طلوع الفجر؟ فقالت: والله ما رأيت شابا ولا غيره، فبالله يا سيدتي لا تمزحي هذا المزاح الخارج عن الحد، فتروح أرواحنا، وربما بلغ أباك هذا المزاح، فمن يخلصنا من يده؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 193 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن القهرمانة قالت للسيدة بدور: بالله عليك لا تمزحي هذا المزاح الخارج عن الحد، فإنه ربما بلغ أباك هذا المزاح، فمن يخلصنا من يده؟ فقالت لها الملكة بدور: إنه كان غلام بائتا عندي في هذه الليلة، وهو من أحسن الناس وجها. فقالت لها القهرمانة: سلامة عقلك، ما كان أحد بائتا عندك في هذه الليلة. فعند ذلك نظرت بدور إلى يدها فوجدت خاتم قمر الزمان في إصبعها، ولم تجد خاتمها، فقالت للقهرمانة: ويلك يا خائنة! أتكذبين علي وتقولين ما كان أحد بائتا عندي، وتحلفين لي بالله باطلا؟ فقالت القهرمانة: والله ما كذبت عليك، ولا حلفت باطلا. فاغتاظت منها السيدة بدور، وسحبت سيفا كان عندها، وضربت القهرمانة فقتلتها، فعند ذلك صاح الخدم والجواري والسراري ms0632 عليها، وراحوا إلى أبيها وأعلموه بحالها؛ فأتى الملك إلى ابنته السيدة بدور من وقته وساعته، وقال لها: يا بنتي ما خبرك؟ فقالت: يا أبي، أين الشاب الذي كان نائما بجانبي في هذه الليلة؟ وطار عقلها من رأسها، وصارت تلتفت بعينيها يمينا وشمالا، ثم شقت ثوبها إلى ذيلها، فلما رأى أبوها تلك الفعال، أمر الجواري والخدم أن يمسكوها، فقبضوا عليها وقيدوها، وجعلوا في رقبتها سلسلة من حديد، وربطوها في الشباك الذي في القصر. # ![figure](../Images/figure9.png) # فعند ذلك أحضر المنجمين والحكماء وأصحاب الأقلام لإبراء الملكة. # هذا ما كان من أمر الملكة بدور، وأما ما كان من أمر أبيها الملك الغيور، فإنه لما رأى ما جرى من ابنته السيدة بدور، وضاقت عليه الدنيا؛ لأنه كان يحبها، فلم يهن عليه أمرها، فعند ذلك أحضر المنجمين والحكماء وأصحاب الأقلام، وقال لهم: من أبرأ بنتي مما هي فيه زوجته بها، وأعطيته نصف مملكتي، ومن لم يبرئها ضربت عنقه، وعلقت رأسه على باب قصرها، وصار كل من دخل عليها ولم يبرئها يضرب عنقه ويعلق رأسه على باب القصر، ولم يزل يفعل ذلك إلى أن قطع من أجلها أربعين رأسا؛ فطلب سائر الحكماء فتوقف جميع الناس عنها، وعجزت جميع الحكماء عن دوائها، وأشكلت قضيتها على أهل العلوم وأرباب الأقلام، ثم إن السيدة بدور لما زاد بها الوجد والغرام، وأضر بها العشق والهيام، أجرت العبرات، وأنشدت هذه الأبيات: # غرامي فيك يا قمري غريمي %~% وذكرك في دجى ليلي نديمي ~~أبيت وأضلعي فيها لهيب %~% يحاكي حره نار الجحيم ~~بليت بفرط وجد واحتراق %~% عذابي منهما أضحى أليمي # ثم أنشدت أيضا: # سلامي على الأحباب في كل منزل %~% فإني إلى نحو الحبيب أريد ~~سلامي عليكم لا سلام مودع %~% سلام كثير لا يزال يزيد ~~وإني لأهواكم وأهوى دياركم %~% ولكنني عما أريد بعيد # فلما فرغت السيدة بدور من إنشاد هذه الأشعار، بكت حتى مرضت جفونها، وتذبلت وجناتها، ثم إنها استمرت على هذا الحال ثلاث سنين، وكان لها أخ من الرضاع يسمى مرزوان، وكان سافر إلى أقصى البلاد، وغاب ms0633 عنها تلك المدة بطولها، وكان يحبها محبة زيادة على محبة الأخوة، فلما حضر دخل على والدته، وسألها عن أخته السيدة بدور، فقالت له: يا ولدي، إن أختك حصل لها جنون، ومضى لها ثلاث سنين، وفي رقبتها سلسلة من حديد، وعجزت الأطباء عن دوائها. فلما سمع مرزوان هذا الكلام قال: لا بد من دخولي عليها لعلي أعرف ما بها، وأقدر على دوائها. فلما سمعت كلامه قالت: لا بد من دخولك عليها، ولكن اصبر إلى غد حتى أتحيل في أمرك. # ثم إن أمه ترجلت إلى قصر السيدة بدور، واجتمعت بالخادم الموكل بالباب، وأهدت له هدية وقالت له: إن لي بنتا، وقد تربت مع السيدة بدور، وقد زوجتها، ولما جرى لسيدتك ما جرى صار قلبها متعلقا بها، وأقصد فضلك في أن بنتي تأتي عندها ساعة لتنظرها، ثم ترجع من حيث جاءت، ولا يعلم بها أحد. فقال الخادم: لا يمكن ذلك إلا في الليل، فبعد أن يأتي السلطان ينظر ابنته ويخرج، ادخلي أنت وابنتك. فقبلت العجوز يد الخادم وخرجت إلى بيتها، فلما جاء وقت العشاء في الليلة القابلة قامت من وقتها وساعتها، وأخذت ولدها مرزوان، وألبسته بدلة من ثياب النساء، وجعلت يده في يدها وأدخلته القصر، ولا زالت تمشي به حتى أوصلته إلى الخادم بعد انصراف السلطان من عند بنته، فلما رآها الخادم قام واقفا، وقال لها: ادخلي ولا تطيلي القعود. فلما دخلت العجوز بولدها مرزوان، رأى السيدة بدور في تلك الحالة، فسلم عليها بعد أن كشفت عنه أمه ثياب النساء، فأخرج مرزوان الكتب التي معه وأوقد شمعة، فنظرت إليه السيدة بدور فعرفته، وقالت له: يا أخي، أنت كنت سافرت وانقطعت أخبارك عنا. فقال لها: صحيح، ولكن ردني الله بالسلامة، وأردت السفر ثانيا، فما ردني عنه إلا هذا الخبر الذي سمعته عنك؛ فاحترق فؤادي عليك، وجئت إليك لعلي أعرف داءك، وأقدر على دوائك. فقالت له: يا أخي، هل تحسب أن الذي اعتراني جنون. ثم أشارت إليه وأنشدت هذين البيتين: # قالوا جننت بمن تهوى فقلت ms0634 لهم %~% ما لذة العيش إلا للمجانين ~~نعم جننت فهاتوا من جننت به %~% إن كان يشفي جنوني لا تلوموني # فعلم مرزوان أنها عاشقة، فقال لها: أخبريني بقصتك وما اتفق لك، لعل الله أن يطلعني على ما فيه خلاصك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 194 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مرزوان قال للسيدة بدور: لعل الله أن يطلعني على ما فيه خلاصك. فقالت له السيدة بدور: يا أخي اسمع قصتي، وذلك أني استيقظت من منامي ليلة في الثلث الأخير من الليل وجلست، فنظرت إلى جانبي شابا أحسن ما يكون من الشباب، يكل عن وصفه اللسان كأنه غصن بان أو قضيب خيزران، فظننت أن أبي هو الذي أمره بهذا الأمر ليمتحنني به؛ لأنه راودني عن الزواج لما خطبني منه الملوك فأبيت، فهذا الظن هو الذي منعني من أن أنبهه، وخشيت أني إذا عانقته ربما يخبر أبي بذلك، فلما أصبحت رأيت بيدي خاتمه عوضا عن خاتمي؛ فهذه حكايتي، وأنا يا أخي قد تعلق قلبي به من حين رؤيته، ومن كثرة عشقي والغرام لم أذق طعم المنام، وما لي شغل غير بكائي بالدموع الغزار، وإنشاد الأشعار بالليل والنهار. ثم أفاضت العبرات، وأنشدت هذه الأبيات: # أبعد الحب لذاتي تطيب %~% وذاك الظبي مرتعه القلوب ~~دم العشاق أهون ما عليه %~% وفيه مهجة المضنى تذوب ~~أغار عليه من نظري وفكري %~% فمن بعضي على بعضي رقيب ~~وأجفان له ترمي سهاما %~% فواتك في القلوب لنا تصيب ~~فهل لي أن أراه قبل موتي %~% إذا ما كان في الدنيا نصيب ~~وأكتم سره فينم دمعي %~% بما عندي ويعلمه الرقيب ~~قريب وصله مني بعيد %~% بعيد ذكره مني قريب # ثم إن السيدة بدور قالت لمرزوان: انظر يا أخي ما الذي تعمل معي في الذي اعتراني. فأطرق مرزوان رأسه إلى الأرض ساعة وهو يتعجب، وما يدري ما يفعل، ثم رفع رأسه وقال لها: جميع ما جرى لك صحيح، وإن حكاية هذا الشاب أعيت فكري، ولكن أدور في جميع البلاد، وأفتش على ms0635 دوائك؛ لعل الله يجعله على يدي، فاصبري ولا تقلقي. ثم إن مرزوان ودعها ودعا لها بالثبات، وخرج من عندها وهي تنشد هذه الأبيات: # ويخطو لي خيالك في ضميري %~% على بعد المكان خطى مزور ~~وتدنيك الأماني من فؤادي %~% وأين البرق من لمح البصير ~~فلا تبعد لأنك نور عيني %~% إذا ما غبت لم تكحل بنور # ثم إن مرزوان تمشى إلى بيت والدته فنام تلك الليلة، ولما أصبح الصباح تجهز للسفر فسافر، ولم يزل مسافرا من مدينة إلى مدينة، ومن جزيرة إلى جزيرة مدة شهر كامل، ثم دخل مدينة يقال لها الطيرب، واستنشق الأخبار من الناس لعله يجد دواء الملكة بدور، وكان كلما يدخل من مدينة أو يمر بها، يسمع أن الملكة بدور بنت الملك الغيور قد حصل لها جنون، ولم يزل يستنشق الأخبار حتى وصل إلى مدينة الطيرب، فسمع أن قمر الزمان ابن الملك شهرمان مريض، وأنه اعتراه وسواس وجنون، فلما سمع مرزوان بخبره سأل بعض أهل تلك المدينة عن بلاده ومحل تخته، فقالوا له: جزائر خالدان، وبيننا وبينها مسيرة شهر كامل في البحر، وأما في البر فستة أشهر. فنزل مرزوان في مركب إلى جزائر خالدان، وكانت المركب مجهزة للسفر، وطاب لها الريح مدة شهر فبانت لهم المدينة، ولما أشرفوا عليها، ولم يبق لهم إلا الوصول إلى الساحل، خرج عليهم ريح عاصف فرمى القرية، ووقعت القلوع في البحر، وانقلبت المركب بجميع ما فيها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 195 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المركب انقلبت بجميع ما فيها، واشتغل كل واحد بنفسه، وأما مرزوان فإنه جذبته قوة التيار جذبة حتى أوصلته تحت قصر الملك الذي فيه قمر الزمان، وكان بالأمر المقدور قد اجتمع الأمراء والوزراء عنده للخدمة، والملك شهرمان جالس ورأس ولده قمر الزمان في حجره، وخادم ينش عليه. وكان قمر الزمان مضى له يومان وهو لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم، وصار الوزير واقفا عند رجليه قريب الشباك المطل على البحر، فرفع الوزير بصره ms0636 فرأى مرزوان قد أشرف على الهلاك من التيار، وبقي على آخر نفس، فرق قلب الوزير إليه فتقرب إلى السلطان، ومد رأسه إليه، وقال له: أستأذنك في أن أنزل إلى ساحة القصر وأفتح بابها لأنقذ إنسانا قد أشرف على الغرق في البحر، وأطلعه من الضيق إلى الفرج، لعل الله بسبب ذلك يخلص ولدك مما هو فيه. فقال السلطان: كل ما جرى على ولدي بسببك، وربما أنك إذا أطلعت هذا الغريق، يطلع على أحوالنا وينظر إلى ولدي وهو في هذه الحالة فيشمت بي، ولكن أقسم بالله إن طلع هذا الغريق ونظر إلى ولدي وخرج يتحدث مع أحد بأسرارنا، لأضربن رقبتك قبله؛ لأنك أيها الوزير سبب ما جرى لنا أولا وآخرا، فافعل ما بدا لك. فنهض الوزير، وفتح باب الساحة، ونزل في الممشاة عشرين خطوة، ثم خرج إلى البحر فرأى مرزوان مشرفا على الموت، فمد الوزير يده إليه ومسكه من شعر رأسه وجذبه منه، فخرج من البحر وهو في حال العدم، وقد امتلأ بطنه ماء وبرزت عيناه، فصبر الوزير عليه حتى ردت روحه إليه، ثم نزع عنه ثيابه وألبسه ثيابا غيرها، وعممه بعمامة من عمائم غلمانه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 196 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير لما فعل مع مرزوان ما فعل قال له: اعلم أني كنت سببا لنجاتك من الغرق، فلا تكن سببا لموتي وموتك. فقال مرزوان: وكيف ذلك؟ قال الوزير: لأنك في هذه الساعة تطلع وتشق بين أمراء ووزراء، والكل ساكتون لا يتكلمون من أجل قمر الزمان ابن السلطان. فلما سمع مرزوان ذكر قمر الزمان عرفه؛ لأنه كان يسمع بحديثه في البلاد، فقال مرزوان: ومن قمر الزمان؟ فقال الوزير: هو ابن السلطان شهرمان، وهو ضعيف ملقى على الفراش لا يقر له قرار، ولا يعرف ليلا من نهار، وكاد أن يفارق الحياة من نحول جسمه ويصير من الأموات؛ فنهاره في لهيب، وليله في تعذيب، وقد يئسنا من حياته، وأيقنا بوفاته، وإياك أن تطيل النظر ms0637 إليه أو تنظر إلى غير الموضع الذي تحط فيه رجلك، وإلا تروح روحك وروحي. فقال له: بالله تخبرني عن الشاب الذي وصفته لي، ما سبب هذا الأمر الذي هو فيه؟ فقال له الوزير: لا أعلم سببا، إلا أن والده من منذ ثلاث سنين كان يراوده عن أمر الزواج وهو يأبى، فأصبح يزعم أنه كان نائما فرأى بجنبه صبية بارعة الجمال، وجمالها يحير العقول، ويعجز عنه الوصف، وذكر لنا أنه نزع خاتما من إصبعها ولبسه، وألبسها خاتمه، ونحن لا نعرف باطن هذه القضية؛ فبالله يا ولدي اطلع معي القصر، ولا تنظر إلى ابن الملك، بعد ذلك رح إلى حال سبيلك؛ فإن السلطان قلبه ملآن علي غيظا. فقال مرزوان في نفسه: والله إن هذا هو المطلوب. ثم طلع مرزوان خلف الوزير إلى أن وصل إلى القصر، ثم جلس الوزير تحت رجلي قمر الزمان، وأما مرزوان فإنه لم يكن له دأب إلا أنه مشى حتى وقف قدام قمر الزمان ونظر إليه، فمات الوزير في جلده، وصار ينظر إلى مرزوان ويغمزه ليروح إلى حال سبيله، ومرزوان يتغافل وينظر إلى قمر الزمان، وعلم أنه هو المطلوب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 197 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مرزوان لما نظر إلى قمر الزمان وعلم أنه هو المطلوب قال: سبحان الله الذي جعل قده مثل قدها، وخده مثل خدها، ولونه مثل لونها. ففتح قمر الزمان عينيه، وصغى بأذنيه، فلما رآه مرزوان صاغيا إلى ما يلقيه من الكلمات، أنشد هذه الأبيات: # أراك طروبا ذا شجى وترنم %~% تميل إلى ذكر المحاسن بالفم ~~أصابك عشق أم رميت بأسهم %~% فما هذه إلا سجية من رمي ~~ألا فاسقني كاسات خمر وغن لي %~% بذكر سليمى والرباب وتنعم ~~أغار على أعطافها من ثيابها %~% إذا لبستها فوق جسم منعم ~~وأحسد كاسات تقبل ثغرها %~% إذا وضعتها موضع اللثم في الفم ~~فلا تحسبوا أني قتلت بصارم %~% ولكن لحاظ قد رمتني بأسهم ~~ولما تلاقينا وجدت بنانها %~% مخضبة تحكي عصارة عندم ~~فقالت ms0638 وألقت في الحشا لاعج الجوى %~% مقالة من للحب لم يتكتم ~~رويدك ما هذا خضاب خضبته %~% فلا تك بالبهتان والزور متهمي ~~ولكنني لما رأيتك نائما %~% وقد كشفت كفي وزندي ومعصمي ~~بكيت دما يوم النوى فمسحته %~% بكفي فابتلت بناني من دمي ~~فلو قبل مبكاها بكيت صبابة %~% لكنت شفيت النفس قبل التندم ~~ولكن بكت قبلي فهيجني البكا %~% بكاها فقلت: الفضل للمتقدم ~~فلا تعذلوني في هواها لأنني %~% وحق الهوى فيها كثير التألم ~~بكيت على من زين الحسن وجهها %~% وليس لها مثل بعرب وأعجم ~~لها علم لقمان وصورة يوسف %~% ونغمة داود وعفة مريم ~~ولي حزن يعقوب وحسرة يونس %~% وبلوة أيوب وقصة آدم ~~فلا تقتلوها إن قتلت بها جوى %~% بلى فاسألوها كيف حل لها دمي # فلما أنشد مرزوان هذا الشعر، نزل على قلب قمر الزمان بردا وسلاما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 198 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مرزوان لما أنشد هذا الشعر، نزل على قلب قمر الزمان بردا وسلاما، ودار لسانه في فمه، وأشار إلى السلطان بيده: دع هذا الشاب يجلس في جانبي. فلما سمع السلطان من ولده قمر الزمان هذا الكلام، فرح فرحا شديدا بعد أن غضب على الشاب، وأضمر في نفسه أنه يرمي رقبته، ثم قام الملك وأجلس مرزوان إلى جانب ولده، وأقبل عليه وقال له: من أي البلاد أنت؟ قال من الجزائر الجوانية، من بلاد الملك الغيور صاحب الجزائر والبحور والسبعة قصور. فقال له الملك شهرمان: عسى أن يكون الفرج على يدك لولدي قمر الزمان. ثم إن مرزوان أقبل على قمر الزمان، وقال له في أذنه: ثبت قلبك، وطب نفسا، وقر عينا؛ فإن التي صرت من أجلها هكذا لا تسأل عما هي فيه من أجلك، ولكنك كتمت أمرك فضعفت، وأما هي فإنها أظهرت ما بها فجنت، وهي الآن مسجونة بأسوأ حال، وفي رقبتها غل من حديد، وإن شاء الله تعالى يكون دواؤكما على يدي. فلما سمع قمر الزمان هذا الكلام، ردت روحه إليه واستفاق، وأشار إلى ms0639 الملك والده أن يجلسه، ففرح فرحا زائدا وأجلس ولده، ثم أخرج جميع الوزراء والأمراء، واتكأ قمر الزمان بين مخدتين، وأمر الملك أن يطيبوا القصر بالزعفران، ثم أمر بزينة المدينة، وقال لمرزوان: والله يا ولدي إن هذه طلعة مباركة. ثم أكرمه غاية الإكرام، وطلب لمرزوان الطعام فقدموا له، فأكل وأكل معه قمر الزمان، وبات عنده تلك الليلة، وبات الملك عندهما من فرحته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 199 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السلطان شهرمان بات تلك الليلة عندهما من شدة فرحته بشفاء ولده، فلما أصبح الصباح، صار مرزوان يحدث قمر الزمان بالقصة، وقال له: اعلم أنني أعرف التي اجتمعت بها، واسمها السيدة بدور بنت الملك الغيور. ثم حدثه بما جرى للسيدة بدور من الأول إلى الآخر، وأخبره بفرط محبتها له، وقال له: جميع ما جرى لك مع والدك، جرى لها مع والدها، وأنت من غير شك حبيبها وهي حبيبتك؛ فثبت قلبك، وقو عزيمتك، فها أنا أوصلك إليها، وأجمع بينك وبينها، وأعمل معكما كما قال بعض الشعراء: # إذا حبيب صد عن صبه %~% ولم يزل في فرط إعراض ~~ألفت وصلا بين شخصيهما %~% كأنني مسمار مقراض # ولم يزل مرزوان يشجع قمر الزمان حتى أكل الطعام وشرب الشراب، وردت روحه إليه، ونصل مما كان فيه، ولم يزل مرزوان يحدثه وينادمه ويسليه وينشد له الأشعار حتى دخل الحمام، وأمر والده بزينة المدينة فرحا بذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 200 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شهرمان لما دخل ولده قمر الزمان الحمام، أمر بزينة المدينة فرحا بذلك، وخلع الخلع وتصدق، وأطلق من في الحبوس، ثم إن مرزوان قال لقمر الزمان: اعلم أنني ما جئت من عند السيدة بدور إلا لهذا الأمر، وهو سبب سفري؛ لأجل أن أخلصها مما هي فيه، وما بقي لنا إلا الحيلة في رواحنا إليها؛ لأن والدك لا يقدر على فراقك، ولكن في غد استأذن والدك في أنك تخرج ms0640 إلى الصيد في البرية، وخذ معك خرجا ملآنا من المال، واركب جوادا من الخيل، وخذ معك جنيبا، وأنا الآخر مثلك، وقل لوالدك: إني أريد أن أتفرج في البرية وأتصيد، وأنظر الفضاء، وأبيت هناك ليلة واحدة، فلا تشغل قلبك علي بشيء. ففرح قمر الزمان بما قاله مرزوان، ودخل على والده واستأذنه في الخروج إلى الصيد، وقال له الكلام الذي أوصاه به مرزوان، فأذن له والده في الخروج إلى الصيد، وقال له: لا تبت غير ليلة واحدة، وفي غد تحضر؛ فإنك تعلم أنه ما يطيب لي عيش إلا بك، وإنني ما صدقت أنك خلصت مما كنت فيه. ثم إن الملك شهرمان أنشد لولده هذين البيتين: # ولو أنني أصبحت في كل نعمة %~% وكانت لي الدنيا وملك الأكاسره ~~لما وازنت عندي جناح بعوضة %~% إذا لم تكن عيني لشخصك ناظره # ثم إن الملك جهز ولده قمر الزمان هو ومرزوان، وأمر أن يهيأ لهما ستة من الخيل، وهجين برسم المال، وجمل يحمل الماء والزاد، ومنع قمر الزمان أن يخرج معه أحد في خدمته، فودعه أبوه وضمه إلى صدره وقال له: سألتك بالله لا تغب عني إلا ليلة واحدة، وحرام علي المنام فيها. وأنشد يقول: # وصالك عندي ألذ نعيم %~% وصبري عنك أضر أليم ~~فديتك إن كان ذنبي الهوى %~% إليك فذنبي أجل عظيم ~~أعندك مثلي نار الجوى %~% فأصلى بذاك عذاب الجحيم # ثم خرج قمر الزمان ومرزوان وركبا فرسين، ومعهما الهجين عليه المال، والجمل عليه الماء والزاد، واستقبلا البر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 201 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان ومرزوان لما استقبلا البر سارا أول يوم إلى المساء، ثم نزلا وأكلا وشربا، وأطعما دوابهما، واستراحا ساعة، ثم ركبا وسارا، وما زالا سائرين مدة ثلاثة أيام، وفي رابع يوم بان لهما مكان متسع فيه غاب فنزلا فيه، ثم أخذ مرزوان جملا وفرسا وذبحهما، وقطع لحمهما قطعا، ونجر عظمهما، وأخذ من قمر الزمان قميصه ولباسه، وقطعهما قطعا، ولوثهما بدم الفرس، وأخذ ملوطة ms0641 قمر الزمان ومزقها ولوثها بالدم، ورماها في مفرق الطريق، ثم أكلا وشربا وسافرا، فسأله قمر الزمان عما فعله، فقال له مرزوان: اعلم أن والدك الملك شهرمان إذا غبت عنه ليلة ولم تحضر له ثاني ليلة، يركب ويسافر في إثرنا إلى أن يصل إلى هذا الدم الذي فعلته، ويرى قماشك مقطعا وعليه الدم، فيظن في نفسه أنه جرى لك شيء من قطاع الطريق أو وحش البر، فينقطع رجاؤه منك ويرجع إلى المدينة، ونبلغ بهذه الحيلة ما نريد. فقال قمر الزمان: نعم ما فعلت. ثم سارا أياما وليالي، كل ذلك وقمر الزمان باكي العين إلى أن استبشر بقرب الديار، فأنشد هذه الأشعار: # أتجفو محبا ما سلا عنك ساعة %~% وتزهد فيه بعدما كنت راغبا ~~حرمت الرضا إن كنت خنتك في الهوى %~% وعوقبت بالهجران إن كنت كاذبا ~~وما كان لي ذنب فأستوجب الجفا %~% وإن كان لي ذنب فقد جئت تائبا ~~ومن عجب الأيام أنك هاجري %~% وما زالت الأيام تبدي العجائبا # فلما فرغ قمر الزمان من شعره، بانت له جزائر الملك الغيور، ففرح قمر الزمان فرحا شديدا، وشكر مرزوان على فعله. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 202 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان لما بانت له جزائر الملك الغيور، فرح فرحا شديدا، وشكر مرزوان على فعله، ثم دخلا المدينة، وأنزله مرزوان في خان، واستراحا ثلاثة أيام من السفر، وبعد ذلك دخل بقمر الزمان الحمام وألبسه لبس التجار، وعمل له تخت رمل من ذهب، وعمل له عدة، وعمل له أصطرلابا من الذهب، ثم قال له مرزوان: قم يا مولاي، وقف تحت قصر الملك وناد: أنا الحاسب الكاتب المنجم، فأين الطالب؟ فإن الملك إذا سمعك يرسل خلفك، ويدخل بك على ابنته محبوبتك، وهي لما تراك يزول ما بها من الجنون، ويفرح أبوها بسلامتها ويزوجها لك، ويقاسمك في ملكه؛ لأنه شرط على نفسه هذا الشرط. فقبل قمر الزمان ما أشار به مرزوان، وخرج من الخان وهو لابس البدلة، وأخذ معه العدة ms0642 التي ذكرناها، ومشى إلى أن وقف تحت قصر الملك الغيور ونادى: أنا الكاتب الحاسب المنجم، أكتب الكتاب، وأحكم الحجاب، وأحسب الحساب، وأخط بأقلام المطالب فأين الطالب؟ فلما سمع أهل المدينة هذا الكلام، وكان لهم مدة من الزمان ما رأوا حاسبا ولا منجما، وقفوا حوله وتأملوه؛ فتعجبوا من حسن صورته ورونق شبابه، وقالوا له: بالله عليك يا مولانا لا تفعل بنفسك هذه الفعال طمعا في زواج بنت الملك الغيور، وانظر بعينك إلى هذه الرءوس المعلقة، فإن أصحابها كلهم قتلوا من أجل هذا الحال، فآل بهم الطمع إلى الوبال. فلم يلتفت قمر الزمان إلى كلامهم، بل رفع صوته ونادى: أنا كاتب حاسب، أقرب المطالب للطالب. فتداخل عليه الناس. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 203 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان نهته الناس فلم يسمع كلامهم، بل رفع صوته ونادى: أنا الكاتب الحاسب، أقرب المطالب للطالب. فاغتاظوا منه جميعا وقالوا له: ما أنت إلا شاب مكابر أحمق، ارحم شبابك وصغر سنك وحسنك وجمالك. فصاح قمر الزمان وقال: أنا المنجم والحاسب، فهل من طالب؟ فبينما الناس تنهى قمر الزمان عن هذه الحالة، إذ سمع الملك الغيور الصياح وضجة الناس، فقال للوزير: انزل ائتنا بهذا المنجم. فنزل الوزير وأخذ قمر الزمان، فلما دخل قمر الزمان على الملك قبل الأرض بين يديه، وأنشد هذين البيتين: # ثمانية في المجد حزت جميعها %~% فلا زال خداما بهن لك الدهر ~~يقينك والتقوى ومجدك والندى %~% ولفظك والمعنى وعزك والنصر # فلما نظر الملك الغيور إليه أجلسه إلى جانبه وأقبل عليه، وقال له: يا ولدي، بالله لا تجعل نفسك منجما، ولا تدخل على شرطي؛ فإني ألزمت نفسي أن كل من دخل على بنتي ولم يبرئها مما أصابها ضربت عنقه، ومن أبرأها زوجته بها، فلا يغرنك حسنك وجمالك، وقدك واعتدالك، والله والله إن لم تبرئها لأضربن عنقك. فقال قمر الزمان: قبلت منك هذا الشرط. فأشهد عليه الملك الغيور القضاة، وسلمه إلى الخادم وقال له: أوصل هذا إلى ms0643 السيدة بدور. فأخذه الخادم من يده ومشى به في الدهليز، فصار قمر الزمان سابقه، وصار الخادم يقول له: ويلك! لا تستعجل على هلاك نفسك، فوالله ما رأيت منجما يستعجل على هلاك نفسه إلا أنت، ولكنك لم تعرف أي شيء قدامك من الدواهي. فأعرض قمر الزمان بوجهه عن الخادم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 204 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان أعرض بوجهه عن الخادم وأنشد هذه الأبيات: # أنا عارف بصفات حسنك جاهل %~% متحير لم أدر ما أنا قائل ~~إن قلت شمسا كان حسنك لم يغب %~% عني وعهدي بالشموس أوافل ~~كملت محاسنك التي في وصفها %~% عجز البليغ وحار فيها القائل # ثم إن الخادم أوقف قمر الزمان خلف الستارة التي على الباب، فقال له قمر الزمان: أي الحالتين أحب إليك؛ كوني أداوي سيدتك وأبرئها من هنا، أم أدخل إليها فأبرئها من داخل الستارة؟ فتعجب الخادم من كلامه وقال له: إن أبرأتها من هنا كان ذلك زيادة في فضلك. فعند ذلك جلس قمر الزمان خلف الستارة، وأطلع الدواة والقلم، وكتب في ورقة هذه الكلمات: «من برح به الجفا، فدواؤه الوفا، والبلاء لمن يئس من حياته، وأيقن بحلول وفاته، وما لقلبه الحزين، من مسعف ولا معين، وما لطرفه الساهر، على الهم ناصر، فنهاره في لهيب، وليله في تعذيب، وقد انبرى جسمه من كثرة النحول، ولم يأته من حبيبه رسول كتب.» ثم كتب هذه الأبيات: # كتبت ولي قلب بذكرك مولع %~% وجفن قريح من دمائي يدمع ~~وجسم كساه لاعج الشوق والأسى %~% قميص نحول فهو فيه مضعضع ~~شكوت الهوى لما أضر بي الهوى %~% ولم يبق عندي للتصبر موضع ~~إليك فجودي وارحمي وتعطفي %~% فإن فؤادي بالهوى يتقطع # ثم كتب تحت الشعر هذه السجعات: «شفاء القلوب لقاء المحبوب، من جفاه حبيبه فالله طبيبه، من خان منكم ومنا لا نال ما يتمنى، ولا أظرف من المحب الوافي إلى الحبيب الجافي.» ثم كتب في الإمضاء: «من الهائم الولهان، العاشق الحيران، من أقلقه الشوق والغرام، ms0644 أسير الوجد والهيام، قمر الزمان بن شهرمان، إلى فريدة الزمان، ونخبة الحور الحسان، السيدة بدور بنت الملك الغيور، اعلمي أنني في ليلي سهران، وفي نهاري حيران، زائد النحول والأسقام، والعشق والغرام، كثير الزفرات غزير العبرات، أسير الهوى قتيل الجوى، غريم الغرام نديم السقام، فأنا السهران الذي لا تهجع مقلته، والمتيم الذي لا ترفأ عبرته، فنار قلبي لا تطفى، ولهيب شوقي لا يخفى.» ثم كتب في حاشية الكتاب هذا البيت المستطاب: # سلام من خزائن لطف ربي %~% على من عندها روحي وقلبي # وكتب أيضا: # هبوا لي حديثا من حديثكم عسى %~% به ترحموني أو يقر جناني ~~ومن شغفي فيكم ووجدي أنني %~% أهون ما ألقاه وهو هواني ~~رعى الله قوما شط عني مزارهم %~% وصنت لهم سرا بأي مكان ~~وها أنا قد جد الزمان بفضله %~% وفي ترب أعتاب الحبيب رماني ~~رأيت بدورا في الفراش بجانبي %~% زها قمري من شمسها بزماني # ثم إن قمر الزمان بعد أن ختم الكتاب، كتب في عنوانه هذه الأبيات: # سلي كتابي عما خطه قلمي %~% فالرسم يخبر عن وجدي وعن ألمي ~~يدي تخط ودمع العين منهمل %~% قد يشتكي الشوق للقرطاس من سقمي ~~ما زال دمعي على القرطاس منسكبا %~% إن انقضت أدمعي أتبعتها بدمي # ثم كتب أيضا: # أرسلت خاتمك الذي استبدلته %~% يوم التواصل فارسلي لي خاتمي # وكان قد وضع خاتم السيدة بدور في طي الكتاب، ثم ناول الكتاب للخادم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 205 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان لما وضع الخاتم في الورقة ناولها للخادم، فأخذها ودخل بها إلى السيدة بدور، فأخذتها من يد الخادم وفتحتها، فوجدت خاتمها بعينه، ثم قرأت الورقة، فلما عرفت المقصود علمت أن معشوقها قمر الزمان، وأنه هو الواقف خلف الستار؛ فطار عقلها من الفرح، واتسع صدرها وانشرح، ومن فرط المسرات أنشدت هذه الأبيات: # ولقد ندمت على تفرق شملنا %~% دهرا وفاض الدمع من أجفاني ~~ونذرت إن عاد الزمان يلمنا %~% لا عدت أذكر فرقة بلساني ~~هجم السرور علي حتى إنه ms0645 %~% من فرط ما قد سرني أبكاني ~~يا عين صار الدمع منك سجية %~% تبكين في فرح وفي أحزان # فلما فرغت السيدة بدور من شعرها قامت من وقتها، وصلبت رجليها في الحائط، واتكأت بقوتها على الغل الحديد فقطعته من رقبتها، وقطعت السلاسل، وخرجت من خلف الستارة، ورمت روحها على قمر الزمان، وقبلته في فمه مثل زق الحمام، وعانقته من شدة ما بها من الغرام، وقالت له: يا سيدي، هل هذا يقظة أو منام؟ وهل قد من الله علينا بجمع شملنا. ثم حمدت الله وشكرته على جمع شملها بعد اليأس، فلما رآها الخادم على تلك الحالة، ذهب يجري حتى وصل إلى الملك الغيور، فقبل الأرض بين يديه، وقال له: يا مولاي، اعلم أن هذا المنجم أعلم المنجمين كلهم، فإنه داوى ابنتك وهو واقف خلف الستارة، ولم يدخل عليها. فقال الملك للخادم: أصحيح هذا الخبر؟ فقال الخادم: يا سيدي، قم وانظر إليها كيف قطعت السلاسل الحديد، وخرجت للمنجم تقبله وتعانقه. فعند ذلك قام الملك الغيور ودخل على ابنته، فلما رأته نهضت قائمة، وغطت رأسها، وأنشدت هذين البيتين: # لا أحب السواك من أجل أني %~% إن ذكرت السواك قلت: سواكا ~~وأحب الأراك من أجل أني %~% إن ذكرت الأراك قلت: أراكا # ففرح أبوها بسلامتها، وقبلها بين عينيها؛ لأنه كان يحبها محبة عظيمة، وأقبل الملك الغيور على قمر الزمان وسأله عن حاله، وقال له: من أي البلاد أنت؟ فأخبره قمر الزمان بشأنه، وأعلمه أن والده الملك شهرمان، ثم إن قمر الزمان قص عليه القصة من أولها إلى آخرها، وأخبره بجميع ما اتفق له مع السيدة، وكيف أخذ الخاتم من إصبعها وألبسها خاتمه، فتعجب الملك الغيور من ذلك وقال: إن حكايتكما لا بد أن تؤرخ في الكتب وتقرأ بعدكما جيلا بعد جيل. ثم إن الملك الغيور أحضر القضاة والشهود من وقته، وكتب كتاب السيدة بدور على قمر الزمان، وأمر بتزيين المدينة سبعة أيام، ثم مدوا السماط والأطعمة، وتزينت المدينة وجميع العساكر، وأقبلت البشائر، ودخل قمر الزمان على السيدة بدور، ms0646 وفرح بعافيتها وزواجها، وحمدت الله الذي رماها في حب شاب مليح من أبناء الملوك، ثم جلوها عليه، وكانا يشبهان بعضهما في الحسن والجمال، والظرف والدلال، ونام قمر الزمان عندها تلك الليلة، وبلغ أربه منها، وتمتعت هي بحسنه وجماله، وتعانقا إلى الصباح. وفي اليوم الثاني عمل الملك وليمة، وجمع جميع أهل الجزائر الجوانية والجزائر البرانية، وقدم لهم الأسمطة، وامتدت الموائد مدة شهر كامل؛ وبعد ذلك تذكر قمر الزمان أباه، ورآه في المنام يقول له: يا ولدي، أهكذا تفعل معي هذه الفعال؟ وأنشده في المنام هذين البيتين: # لقد راعني بدر الدجى بصدوده %~% ووكل أجفاني برعي كواكبه ~~فيا كبدي مهلا عساه يعود لي %~% ويا مهجتي صبرا على ما كواك به # ثم إن قمر الزمان لما رأى والده في المنام يعاتبه، أصبح حزينا وأعلم زوجته بذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 206 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان لما رأى والده في المنام يعاتبه، أصبح حزينا وأخبر زوجته السيدة بدور بذلك، فدخلت هي وإياه على والدها وأعلماه، واستأذناه في السفر، فأذن له في السفر، فقالت السيدة بدور: يا والدي، لا أصبر على فراقه. فقال لها والدها: سافري معه. وأذن لها بالإقامة معه سنة كاملة، وبعد السنة تجيء لتزور والدها في كل عام مرة، فقبلت يد أبيها، وكذلك قمر الزمان، ثم شرع الملك الغيور في تجهيز ابنته هي وزوجها، وهيأ لهما أدوات السفر، وأخرج لهما الخيول والهجن، وأخرج لابنته محفة، وحمل لهما البغال والهجن، وأخرج لهما ما يحتاجان إليه في السفر. وفي يوم المسير، ودع الملك الغيور قمر الزمان، وخلع عليه خلعة سنية من الذهب مرصعة بالجواهر، وقدم له خزنة مال، وأوصاه على بنته بدور، ثم خرج معهما إلى طرف الجزائر؛ وبعد ذلك ودع قمر الزمان، ثم دخل على ابنته وهي في المحفة، وصار يعانقها ويبكي، وأنشد هذين البيتين: # يا طالبا للفراق صبرا %~% فمتعة العاشق العناق ~~مهلا فطبع الزمان غدر %~% وآخر العشرة الفراق # ثم خرج من عند ابنته، ms0647 وأتى إلى زوجها قمر الزمان، فصار يودعه ويقبله، ثم فارقهما وعاد إلى جزائره بعسكره بعد أن أمرهما بالرحيل؛ فسار قمر الزمان هو وزوجته السيدة بدور ومن معهم من الأتباع أول يوم، والثاني، والثالث، والرابع، ولم يزالوا مسافرين مدة شهر، ثم نزلوا في مرج واسع كثير الكلأ، وضربوا خيامهم فيه، وأكلوا وشربوا واستراحوا، ونامت السيدة بدور، فدخل عليها قمر الزمان فوجدها نائمة وفوق بدنها قميص مشمشي من الحرير، يبين منه كل شيء، وفوق رأسها كوفية من الذهب مرصعة بالجواهر، وقد رفع الهواء قميصها فطلع فوق سرتها عند نهودها، فبان له بطن أبيض من الثلج، وكل عكنة من عكن طياته تسع أوقية من دهن البان؛ فزاد محبة وهياما، وأنشد هذين البيتين: # لو قيل لي وزفير الحر متقد %~% والنار في القلب والأحشاء تضطرم ~~أهم تريد وتهوى أن تشاهدهم %~% أو شربة من زلال الماء؟ قلت: هم # فحط قمر الزمان يده في دكة لباسها فجذبها، وحلها لما اشتهاها خاطره، فرأى فصا أحمر مثل العندم مربوطا على الدكة، وعليه أسماء منقوشة سطرين بكتابة لا تقرأ، فتعجب قمر الزمان من تلك القصة، وقال في نفسه: لولا أن هذا الفص أمر عظيم عندها ما ربطته هذه الربطة على دكة لباسها، وما خبأته في أعز مكان عندها حتى لا تفارقه، فماذا تصنع بهذا؟ وما السر الذي هو فيه؟ ثم أخذه وخرج من الخيمة ليبصره في النور. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 207 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه لما أخذ الفص ليبصره في النور، صار يتأمل فيه، وإذا بطائر انقض عليه، وخطفه من يده وطار به، وحط به على الأرض؛ فخاف قمر الزمان على الفص وجرى خلف الطائر، وصار الطائر يجري على قدر جري قمر الزمان، وصار قمر الزمان خلفه من واد إلى واد، ومن تل إلى تل، إلى أن دخل الليل وتغلس الظلام، فنام الطائر على شجرة عالية، فوقف قمر الزمان تحتها، وصار باهتا، وقد ضعف من الجوع والتعب، وظن أنه هلك، وأراد ms0648 أن يرجع فما عرف الموضع الذي جاء منه، وهجم عليه الظلام فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم نام تحت الشجرة التي فوقها الطائر إلى الصباح، ثم انتبه من نومه فوجد الطائر قد انتبه وطار من فوق الشجرة؛ فمشى قمر الزمان خلفه، وصار ذلك الطائر يطير قليلا بقدر مشي قمر الزمان؛ فتبسم قمر الزمان، وقال: يا لله العجب! إن هذا الطائر كان بالأمس يطير بقدر جريتي، وفي هذا اليوم علم أني أصبحت تعبانا لا أقدر على الجري، فصار يطير على قدر مشيي، إن هذا عجيب! ولكن لا بد أن أتبع هذا الطائر، فإما أن يقودني إلى حياتي أو إلى مماتي، فأنا أتبعه أينما يتوجه؛ لأنه على كل حال لا يقيم إلا في البلاد العمار. ثم إن قمر الزمان جعل يمشي تحت الطائر، والطائر يبيت في كل ليلة على شجرة، ولم يزل تابعه مدة عشرة أيام، وقمر الزمان يتقوت من نبات الأرض ويشرب من الأنهار، وبعد العشرة أيام أشرف على مدينة عامرة، فمرق الطائر في تلك المدينة مثل لمح البصر، وغاب عن قمر الزمان، ولم يعرف أين راح، فتعجب قمر الزمان وقال: الحمد لله الذي سلمني حتى وصلت إلى هذه المدينة. ثم جلس عند الماء، وغسل يديه ورجليه ووجهه واستراح ساعة، وتذكر ما كان فيه من الراحة، ونظر إلى ما هو فيه من الغربة والجوع والتعب، فأنشد يقول: # أخفيت ما ألقاه منه وقد ظهر %~% والنوم من عيني تبدل بالسهر ~~ناديت لما أوهنت قلبي الفكر %~% يا دهر لا تبقي علي ولا تذر # لو كان سلطان المحبة منصفي %~% ما كان نومي من عيوني قد نفي ~~يا سادتي رفقا بصب مدنف %~% وتعطفوا لعزيز قوم ذل في # لح العواذل فيك ما طاوعتهم %~% وسددت كل مسامعي وصممتهم ~~قالوا عشقت مهفهفا فأجبتهم %~% اخترته من بينهم وتركتهم # ثم إن قمر الزمان لما فرغ من شعره واستراح، دخل باب المدينة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 208 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، ms0649 أن قمر الزمان لما فرغ من شعره واستراح، دخل باب المدينة وهو لا يعلم أين يتوجه، فمشى في المدينة جميعها، وقد كان دخل من باب البر، ولم يزل يمشي إلى أن خرج من باب البحر فلم يقابله أحد من أهلها، وكانت مدينة على جانب البحر، ثم إنه بعد أن خرج من باب البحر مشى، ولم يزل ماشيا حتى وصل إلى بساتين المدينة، وشق بين الأشجار فأتى إلى بستان ووقف على بابه، فخرج إليه الخولي ورحب به، وقال له: الحمد لله أنك أتيت سالما من أهل هذه المدينة، فادخل هذا البستان سريعا قبل أن يراك أحد من أهلها. فعند ذلك دخل قمر الزمان ذلك البستان وهو ذاهل العقل، وقال للخولي: ما حكاية أهل هذه المدينة؟ وما خبرهم؟ فقال له: اعلم أن أهل هذه المدينة كلهم مجوس، فبالله عليك أخبرني كيف وصلت إلى هذا المكان؟ وما سبب دخولك في بلادنا؟ فعند ذلك أخبره قمر الزمان بجميع ما جرى له، فتعجب الخولي من ذلك غاية العجب، وقال له: اعلم يا ولدي أن بلاد الإسلام بعيدة من هنا، فبيننا وبينها أربعة أشهر في البحر، وأما في البر فسنة كاملة، وأن عندنا مركبا تقلع وتسافر كل سنة ببضائع إلى أول بلاد الإسلام، وتسير من هنا إلى بحر جزائر الأبنوس، ومنه إلى جزائر خالدان، وملكها يقال له السلطان شهرمان. فعند ذلك تفكر قمر الزمان في نفسه ساعة زمانية، وعلم أنه لا أوفق له من قعوده في البستان عند الخولي، ويعمل عنده مرابعا، فقال للخولي: هل تقبلني عندك مرابعا في هذا البستان؟ فقال له الخولي: سمعا وطاعة. ثم علمه تحويل الماء بين الأشجار، فصار قمر الزمان يحول الماء ويقطع الحشيش بالفأس، وألبسه الخولي بشتا قصيرا أزرق يصل إلى ركبته، وصار يسقي الأشجار، ويبكي بالدموع الغزار، وينشد الأشعار بالليل والنهار في معشوقته بدور؛ فمن جملة ذلك هذه الأبيات: # لنا عندكم وعد فهلا وفيتم %~% وقلتم لنا قولا فهلا فعلتم ~~سهرنا على حكم الغرام ونمتم %~% وليس سواء ساهرون ونوم ~~وكنا ms0650 عهدنا أننا نكتم الهوى %~% فأغراكم الواشي وقال وقلتم ~~فيا أيها الأحباب في السخط والرضا %~% على كل حال أنتم القصد أنتم ~~ولي عند بعض الناس قلب معذب %~% فيا ليته يرثي لحالي ويرحم ~~وما كل عين مثل عيني قريحة %~% ولا كل قلب مثل قلبي متيم ~~ظلمتم وقلتم إنما الحب ظالم %~% صدقتم كذا كان الحديث صدقتم ~~سلوا مغرما لا ينقض الدهر عهده %~% ولو كان في أحشائه النار تضرم ~~إذا كان خصمي في الصبابة حاكمي %~% لمن أشتكي خصمي لمن أتظلم ~~ولولا افتقاري في الهوى وصبابتي %~% لما كان لي في العشق قلب متيم # هذا ما كان من قمر الزمان ابن الملك شهرمان، وأما ما كان من أمر زوجته السيدة بدور بنت الملك الغيور؛ فإنها لما استيقظت من نومها طلبت زوجها قمر الزمان فلم تجده، ورأت سروالها محلولا، فافتقدت العقدة فوجدتها محلولة، والفص معدوما، فقالت في نفسها: يا لله العجب! أين معشوقي؟ كأنه أخذ الفص وراح وهو لا يعلم السر الذي هو فيه، فيا ترى أين راح؟ ولكن لا بد له من أمر عجيب اقتضى رواحه؛ فإنه لا يقدر أن يفارقني ساعة، فلعن الله الفص ولعن ساعته. ثم إن السيدة بدور تفكرت، وقالت في نفسها: إن خرجت إلى الحاشية وأعلمتهم بفقد زوجي يطمعوا في، ولكن لا بد من الحيلة. ثم إنها لبست ثياب قمر الزمان، ولبست عمامة كعمامته، وضربت لها لثاما، وحطت في محفتها جارية، وخرجت من خيمتها وصرخت على الغلمان؛ فقدموا لها الجواد فركبت، وأمرت بشد الأحمال، فشدوا الأحمال وسافروا، وأخفت أمرها؛ لأنها كانت تشبه قمر الزمان، فما شك أحد أنها قمر الزمان بعينه. وما زالت مسافرة هي وأتباعها أياما وليالي حتى أشرفت على مدينة مطلة على البحر المالح فنزلت بظاهرها، وضربت خيامها في ذلك المكان لأجل الاستراحة، ثم سألت عن هذه المدينة فقيل لها: هذه مدينة الأبنوس، وملكها الملك أرمانوس، وله بنت اسمها حياة النفوس. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 209 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السيدة بدور ms0651 لما نزلت بظاهر مدينة الأبنوس لأجل الاستراحة، أرسل الملك أرمانوس رسولا من عنده يكشف له خبر هذا الملك النازل بظاهر المدينة، فلما وصل إليهم الرسول سألهم، فأخبروه أن هذا ابن ملك تائه عن الطريق، وهو قاصد جزائر خالدان والملك شهرمان. فعاد الرسول إلى الملك أرمانوس وأخبره بالخبر، فلما سمع الملك أرمانوس هذا الكلام، نزل هو وأرباب دولته إلى مقابلته، فلما قدم على الخيام ترجلت السيدة بدور وترجل الملك أرمانوس وسلما على بعضهما، وأخذها ودخل بها إلى مدينته، وطلع بها إلى قصره، وأمر بمد السماط وموائد الأطعمة، وأمر بنقل السيدة بدور إلى دار الضيافة، فأقامت هناك ثلاثة أيام، وبعد ذلك أقبل الملك أرمانوس على السيدة بدور، وكانت دخلت في ذلك اليوم الحمام، وأسفرت عن وجه كأنه البدر عند التمام؛ فافتتن بها العالم، وتهتكت بها الخلق عند رؤيتها، فعند ذلك أقبل الملك أرمانوس عليها وهي لابسة حلة من الحرير مطرزة بالذهب المرصع بالجواهر، وقال لها: يا ولدي، إني بقيت شيخا هرما، وعمري ما رزقت ولدا غير بنت، وهي على شكلك وقدك في الحسن والجمال، وعجزت عن الملك؛ فهل لك يا ولدي أن تقيم بأرضي، وتسكن بلادي، وأزوجك ابنتي، وأعطيك مملكة؟ فأطرقت السيدة بدور رأسها، وعرق جبينها من الحياء، وقالت في نفسها: كيف يكون العمل وأنا امرأة؟ فإن خالفت أمره وسرت ربما يرسل خلفي جيشا يقتلني، وإن أطعته ربما أفتضح، وقد فقدت محبوبي قمر الزمان، ولم أعرف له خبرا، وما لي خلاص إلا أن أجيبه إلى قصده، وأقيم عنده حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. # ثم إن السيدة بدور رفعت رأسها، وأذعنت للملك بالسمع والطاعة؛ ففرح الملك بذلك، وأمر المنادي أن ينادي في جزائر الأبنوس بالفرح والزينة، وجمع الحجاب والنواب والأمراء والوزراء وأرباب دولته وقضاة مدينته، وعزل نفسه من الملك، وسلطن السيدة بدور، وألبسها بدلة الملك، ودخلت الأمراء جميعا على السيدة بدور وهم لا يشكون في أنها شاب، وصار كل من نظر إليها منهم جميعا يبل سراويله لفرط حسنها وجمالها، فلما تسلطنت الملكة ms0652 بدور ودقت لها البشائر بالسرور، شرع الملك أرمانوس في تجهيز ابنته حياة النفوس، وبعد أيام قلائل أدخلوا السيدة بدور على حياة النفوس، فكانتا كأنهما بدران اجتمعا أو شمسان في وقت طلعا، فردوا عليهما الأبواب، وأرخوا الستائر بعد أن أوقدوا لهما الشموع، وفرشوا لهما الفرش، فعند ذلك جلست السيدة بدور مع السيدة حياة النفوس، فتذكرت محبوبها قمر الزمان، واشتدت بها الأحزان؛ فسكبت العبرات، وأنشدت هذه الأبيات: # يا راحلين وقلبي زائد القلق %~% لم يبق بينكم في الجسم من رمق ~~قد كان لي مقلة تشكو السهاد وقد %~% أذابها الدمع يا ليت السهاد بقي ~~لما رحلتم أقام الصب بعدكم %~% لكن سلوا عنه ماذا في البعاد لقي ~~لولا جفوني وقد فاضت مدامعها %~% توقدت عرصات الأرض من حرقي ~~أشكو إلى الله أحبابا عدمتهم %~% لم يرحموا صبوتي فيهم ولا قلقي ~~لا ذنب لي عندهم إلا الغرام بهم %~% والناس بين سعيد في الهوى وشقي # ثم إن السيدة بدور لما فرغت من إنشادها جلست إلى جانب السيدة حياة النفوس، وقبلتها في فمها، ونهضت من وقتها وساعتها توضأت، ولم تزل تصلي حتى نامت السيدة حياة النفوس، ثم دخلت السيدة بدور معها في الفرش، وأدارت ظهرها لها إلى الصباح؛ فلما طلع النهار دخل الملك هو وزوجته إلى ابنتهما، وسألاها عن حالها؛ فأخبرتهما بما جرى وما سمعته من الشعر. # هذا ما كان من أمر حياة النفوس وأبويها، وأما ما كان من أمر الملكة بدور، فإنها خرجت وجلست على كرسي المملكة، وطلع إليها الأمراء وأرباب الدولة وجميع الرؤساء والجيوش وهنوها بالملك، وقبلوا الأرض بين يديها ودعوا لها، فأقبلت عليهم وتبسمت، وخلعت عليهم وزادت في إقطاع الأمراء، فحبها العسكر والرعية، ودعوا لها بدوام الملك، وهم يعتقدون أنها ذكر. ثم إنها أمرت ونهت، وحكمت وعدلت، وأطلقت من في الحبوس، وأبطلت المكوس، ولم تزل قاعدة في مجلس الحكومة إلى أن دخل الليل، ثم دخلت المكان المعد لها، فوجدت السيدة حياة النفوس جالسة، فجلست بجانبها، وطقطقت على ظهرها، ولاطفتها، وقبلتها بين عينيها، وأنشدت هذه الأبيات: # قد صار ms0653 سري بالدموع علانية %~% ونحول جسمي في الغرام علانية ~~أخفي الهوى ويذيعه ألم النوى %~% حالي على الواشين ليست خافية ~~يا راحلين عن الحمى خلفتم %~% جسمي بكم مضنى ونفسي بالية ~~وسكنتم غور الحشا فنواظري %~% تجري مدامعها وعيني دامية ~~وأنا فداء الغائبين بمهجتي %~% أبدا وأشواقي إليهم بادية ~~لي مقلة مقروحة في حبهم %~% جفت الكرى ودموعها متوالية ~~ظن العدا مني عليه تجلدا %~% هيهات ما أذني إليهم واعية ~~خابت ظنونهم لدي وإنما %~% قمر الزمان به أنال أمانيه ~~جمع الفضائل ما حواها قبله %~% أحد سواه في العصور الخالية ~~أنسى الأنام بجوده وبعفوه %~% كرم ابن زائدة وحلم معاوية ~~لولا الإطالة والقريض مقصر %~% عن حصر حسنك لم أدع من قافية # ثم إن الملكة بدور نهضت قائمة على قدميها ومسحت دموعها، وتوضأت وصلت، ولم تزل تصلي إلى أن غلب النوم على السيدة حياة النفوس فنامت، فجاءت الملكة بدور، ورقدت بجانبها إلى الصباح، ثم قامت وصلت الصبح وجلست على كرسي المملكة، وأمرت ونهت، وحكمت وعدلت. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر الملك أرمانوس، فإنه دخل على ابنته وسألها عن حالها، فخبرته بجميع ما جرى لها، وأنشدته الشعر الذي قالته الملكة بدور، وقالت: يا أبي، ما رأيت أحدا أكثر عقلا وحياء من زوجي، غير أنه يبكي ويتنهد. فقال لها أبوها: يا ابنتي اصبري عليه، فما بقي غير هذه الليلة الثالثة، فإن لم يدخل بك ويزل بكارتك، يكن لنا معه رأي وتدبير، وأخلعه من الملك وأنفيه من بلادنا. فاتفق مع ابنته على هذا الكلام، وأضمر هذا الرأي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 210 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك أرمانوس اتفق مع ابنته على هذا الكلام، وأضمر هذا الرأي، ولما أقبل الليل قامت الملكة بدور من دست المملكة إلى القصر، ودخلت المكان الذي هو معد لها، فرأت الشمع موقدا والسيدة حياة النفوس جالسة، فتذكرت زوجها وما جرى بينهما في تلك المدة اليسيرة؛ فبكت ووالت الزفرات، وأنشدت هذه الأبيات: # قسما لقد ملأت أحاديثي ms0654 الفضا %~% كالشمس مشرقة على ذات الغضا ~~نطقت إشارته فأشكل فهمها %~% فلذاك شوقي في المزيد وما انقضى ~~أبغضت حسن الصبر مذ أحببته %~% أرأيت صبا في الصبابة مبغضا ~~وممرض اللحظات صال بفتكها %~% واللحظ أقتل ما يكون ممرضا ~~ألقى ذوائبه وحط لثامه %~% فرأيت منه الحسن أسود أبيضا ~~سقمي وبرئي في يديه وإنما %~% يشفي سقام الحب من قد أمرضا ~~هام الوشاح برقة في خصره %~% والردف من حسد أبى أن ينهضا ~~وكأن طرته وضوء جبينه %~% ليل دجى فاعتاقه صبح أضا # فلما فرغت من إنشادها أرادت أن تقوم إلى الصلاة، وإذا بحياة النفوس تعلقت بذيلها، وقالت لها: يا سيدي، أما تستحي من والدي، وما فعل معك من الجميل، وأنت تتركني إلى هذا الوقت؟ فلما سمعت منها ذلك جلست في مكانها، وقالت لها: يا حبيبتي، ما الذي تقولينه؟ قالت: الذي أقوله أني ما رأيت أحدا معجبا بنفسه مثلك، فهل كل من كان مليحا يعجب بحسنه هكذا؟ ولكن أنا ما قلت هذا الكلام لأجل أن أرغبك في، وإنما قلته خيفة عليك من الملك أرمانوس، فإنه أضمر إن لم تدخل بي في هذه الليلة وتزل بكارتي، أنه ينزعك من المملكة في غد، ويسفرك من بلاده، وربما يزداد به الغيظ فيقتلك، وأنا يا سيدي رحمتك ونصحتك، والرأي رأيك. فلما سمعت الملكة بدور منها ذلك الكلام أطرقت برأسها إلى الأرض، وتحيرت في أمرها، ثم قالت في نفسها: إن خالفته هلكت، وإن أطعته افتضحت، ولكن أنا في هذه الساعة ملكة على جزائر الأبنوس كلها، وهي تحت حكمي، وما أجتمع أنا وقمر الزمان إلا في هذا المكان؛ لأنه ليس له طريق إلى بلاده إلا من جزائر الأبنوس، وقد فوضت أمري إلى الله، فهو نعم المدبر. ثم إن الملكة بدور قالت لحياة النفوس: يا حبيبتي، إن تركك وامتناعي عنك بالرغم عني. وحكت لها ما جرى من المبتدأ إلى المنتهى، وأرتها نفسها، وقالت لها: سألتك بالله أن تخفي أمري وتكتمي سري حتى يجمعني الله بمحبوبي قمر الزمان، وبعد ذلك يكون ما يكون. وأدرك شهرزاد الصباح ms0655 فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 211 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السيدة بدور لما أعلمت حياة النفوس بقصتها، وأمرتها بالكتمان، تعجبت من ذلك غاية العجب، ورقت لها، ودعت لها بجمع شملها على محبوبها قمر الزمان، وقالت لها: يا أختي، لا تخافي ولا تفزعي، واصبري إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. ثم إن حياة النفوس أنشدت هذين البيتين: # السر عندي في بيت له غلق %~% قد ضاع مفتاحه والبيت مختوم ~~ما يكتم السر إلا كل ذي ثقة %~% والسر عند خيار الناس مكتوم # فلما فرغت من شعرها قالت: يا أختي، إن صدور الأحرار قبور الأسرار، وأنا لا أفشي لك سرا. ثم لعبتا وتعانقتا ونامتا إلى قريب الأذان، ثم قامت حياة النفوس وأخذت دجاجة وذبحتها، وتلطخت بدمها، وقلعت سروالها وصرخت، فدخل عليها أهلها، وزغردت الجواري، ودخلت عليها أمها وسألتها عن حالها، وأقامت عندها إلى المساء. وأما الملكة بدور فإنها لما أصبحت قامت وذهبت إلى الحمام واغتسلت وصلت الصبح، ثم توجهت إلى مجلس الحكومة وجلست على كرسي المملكة وحكمت بين الناس. فلما سمع الملك أرمانوس الزغاريد سأل عن الخبر فأخبروه بافتضاض بكارة ابنته؛ ففرح بذلك واتسع صدره وانشرح، وأولم الولائم، ولم يزالوا على تلك الحالة مدة من الزمان. # هذا ما كان من أمرهما، وأما ما كان من أمر الملك شهرمان؛ فإنه بعد خروج ولده إلى الصيد والقنص هو ومرزوان كما تقدم، صبر حتى أقبل عليه الليل فلم يجئ ولده، فتحير عقله ولم ينم تلك الليلة، وقلق غاية القلق، وزاد وجده واحترق، وما صدق أن الفجر انشق حتى أصبح ينتظر ولده إلى نصف النهار فلم يجئ، فأحس قلبه بالفراق، والتهب على ولده من الإشفاق، ثم بكى حتى بل ثيابه بالدموع، وأنشد من قلب مصدوع: # ما زلت معترضا على أهل الهوى %~% حتى بليت بحلوه وبمره ~~وشربت كأس مراره متجرعا %~% وذللت فيه لعبده ولحره ~~نذر الزمان بأن يفرق شملنا %~% والآن قد أوفى الزمان بنذره # فلما فرغ من شعره مسح دموعه، ونادى في عسكره بالرحيل ms0656 والحث على السفر الطويل، فركب الجيش جميعه، وخرج السلطان وهو محترق القلب على ولده قمر الزمان، وقلبه بالحزن ملآن، ثم فرق جيشه يمينا وشمالا، وأماما وخلفا؛ ست فرق، وقال لهم: الاجتماع غدا عند مفرق الطريق. فتفرقت الجيوش والعسكر كما ذكرنا، وسافرت الخيول، ولم يزالوا مسافرين بقية النهار إلى أن جن الليل، فساروا جميع الليل إلى نصف النهار حتى وصلوا إلى مفرق أربع طرق، فلم يعرفوا أي طريق سلكها، ثم رأوا أثر أقمشة مقطعة، ورأوا اللحم مقطعا، ونظروا أثر الدم باقيا، وشاهدوا كل قطعة من الثياب واللحم في ناحية؛ فلما رأى الملك شهرمان ذلك صرخ صرخة عظيمة من صميم قلبه، وقال: وا ولداه! ولطم على وجهه، ونتف لحيته، ومزق ثوبه، وأيقن بموت ولده، وزاد في البكاء والنحيب، وبكت لبكائه العساكر، وكلهم أيقنوا بهلاك قمر الزمان، وحثوا على رءوسهم التراب، ودخل عليهم الليل وهم في بكاء ونحيب حتى أشرفوا على الهلاك، واحترق قلب الملك بلهيب الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # لا تعذلوا المحزون في أحزانه %~% فلقد كفاه الوجد من أشجانه ~~يبكي لفرط تأسف وتوجع %~% وغرامه ينبيك عن نيرانه ~~يا سعد من لمتيم حلف الضنى %~% ألا يزيل الدمع من أجفانه ~~يبدي الغرام لفقد بدر زاهر %~% بضيائه يزهو على أقرانه ~~ولقد سقاه الموت كأسا مترعا %~% يوم الرحيل فشط عن أوطانه ~~ترك الديار وسار عنا للبلا %~% لم يحظ بالتوديع من إخوانه ~~ولقد رماني بالبعاد وبالجفا %~% والصد والتبريح من هجرانه ~~ولقد مضى عنا وفارقنا ضحى %~% لما حباه ربه بجنانه # فلما فرغ من إنشاده رجع بجيوشه إلى مدينته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 212 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شهرمان لما فرغ من إنشاده، رجع بجيوشه إلى مدينته، وأيقن بهلاك ولده، وعلم أنه عدا عليه وافترسه إما وحش وإما قاطع طريق، ثم نادى في جزائر خالدان أن يلبسوا السواد من الأحزان على ولده قمر الزمان، وعمل له بيتا وسماه بيت الأحزان، وصار كل يوم خميس وإثنين يحكم في مملكته بين عسكره ms0657 ورعيته، وبقية الجمعة يدخل بيت الأحزان، وينعى ولده ويرثيه بالأشعار، فمن ذلك قوله: # فيوم الأماني يوم قربكم مني %~% ويوم المنايا يوم إعراضكم عني ~~إذا بت مرعوبا أهدد بالردى %~% فوصلكم عندي ألذ من الأمن # ومن ذلك قوله: # نفسي الفداء لظاعنين رحيلهم %~% أنكى وأفسد في القلوب وعاثا ~~فليقض عدته السرور فإنني %~% طلقت بعدهم النعيم ثلاثا # هذا ما كان من أمر الملك شهرمان، وأما ما كان من أمر الملكة بدور بنت الملك الغيور؛ فإنها صارت ملكة في بلاد الأبنوس، وصار الناس يشيرون إليها بالبنان ويقولون: هذا صهر الملك أرمانوس. وكل ليلة تنام مع السيدة حياة النفوس، وتشتكي وحشة زوجها قمر الزمان، وتصف لها حسنه وجماله، وتتمنى ولو في المنام وصاله. # هذا ما كان من أمر الملكة بدور، وأما ما كان من أمر قمر الزمان، فإنه لم يزل مقيما عند الخولي في البستان مدة من الزمان، وهو يبكي بالليل والنهار، ويتحسر وينشد الأشعار على أوقات الهناء والسرور، والخولي يقول له: في آخر السنة تسير المراكب إلى بلاد المسلمين. ولم يزل قمر الزمان على تلك الحالة إلى أن رأى الناس مجتمعين على بعضهم، فتعجب من ذلك، فدخل عليه الخولي وقال له: يا ولدي، بطل الشغل في هذا اليوم، ولا تحول الماء إلى الأشجار؛ لأن هذا اليوم عيد، والناس فيه يزور بعضهم بعضا، فاسترح واجعل بالك إلى الغيط، فإني أريد أن أبصر لك مركبا، فما بقي إلا القليل وأرسلك إلى بلاد المسلمين. ثم إن الخولي خرج من البستان، وبقي قمر الزمان وحده؛ فانكسر خاطره، وجرت دموعه، ولم يزل يبكي حتى غشي عليه، فلما أفاق قام يتمشى في البستان، وهو متفكر فيما فعل به الزمان، وطول البعد والهجران، وعقله ولهان، فعثر ووقع على وجهه، فجاءت جبهته على جذر شجرة فجرى دمه واختلط بدموعه؛ فمسح دمه، ونشف دموعه، وشد جبهته بخرقة، وقام يتمشى في ذلك البستان وهو ذاهل العقل؛ فنظر بعينه إلى شجرة فوقها طائران يتخاصمان، فغلب أحدهما على الآخر ونقره في عنقه فخلص رقبته من جثته، ثم ms0658 أخذ رأسه وطار به، ووقع المقتول على الأرض قدام قمر الزمان؛ فبينما هو كذلك، وإذا بطائرين كبيرين قد انقضا عليه، ووقف واحد منهما عند رأسه، والآخر عند ذنبه، ورخيا أجنحتهما عليه، ومدا أعناقهما إليه وبكيا، فبكى قمر الزمان على فراق زوجته حين رأى الطائرين يبكيان على صاحبهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 213 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك قمر الزمان بكى على فراق زوجته لما رأى الطائرين يبكيان على صاحبهما، ثم إن قمر الزمان رأى الطائرين حفرا حفرة ودفنا الطائر المقتول فيها وطارا إلى الجو وغابا ساعة، ثم عادا ومعهما الطائر القاتل، فنزلا به على قبر المقتول، وبركا على القاتل حتى قتلاه، وشقا جوفه وأخرجا أمعاءه، وأراقا دمه على قبر الطائر المقتول، ثم نثرا لحمه ومزقا جلده، وأخرجا ما في جوفه وفرقاه إلى أماكن متفرقة. هذا كله جرى وقمر الزمان ينظر ويتعجب، فحانت منه التفاتة إلى الموضع الذي قتلا فيه الطائر، فوجد شيئا يلمع، فدنا منه فوجده حوصلة الطائر، فأخذها وفتحها؛ فوجد فيها الفص الذي كان سبب فراقه من زوجته، فلما رآه وعرفه وقع على الأرض مغشيا عليه من فرحته، فلما أفاق قال في نفسه: هذا علامة الخير، وبشارة الاجتماع بمحبوبتي. ثم تأمله ومر به على عينه، وربطه على ذراعه، واستبشر بالخير، وقام يتمشى لينظر الخولي، ولم يزل يفتش عليه إلى الليل فلم يأت، فبات قمر الزمان في موضعه إلى الصباح، ثم قام إلى شغله، وشد وسطه بحبل من الليف، وأخذ الفأس والقفة، وشق في البستان، فأتى إلى شجرة خروب وضرب الفأس في جذرها فطنت الضربة، فكشف التراب عن موضعها، فوجد طابقا ففتحه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 214 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان لما فتح ذلك الطابق وجد بابا فنزل فيه، فلقي قاعة قديمة من عهد ثمود وعاد، وتلك القاعة واسعة، وهي مملوءة ذهبا أحمر، فقال في نفسه: لقد ذهب التعب، وجاء الفرح والسرور. ms0659 ثم إن قمر الزمان طلع من المكان إلى ظاهر البستان، ورد الطابق كما كان، ورجع إلى البستان وتحويل الماء على الأشجار، ولم يزل كذلك إلى آخر النهار، فجاء الخولي وقال: يا ولدي، أبشر برجوعك إلى الأوطان؛ فإن التجار تجهزوا للسفر، والمركب بعد ثلاثة أيام مسافرة إلى مدينة الأبنوس، وهي أول مدينة من مدائن المسلمين، فإذا وصلت إليها تسافر في البر ستة أشهر حتى تصل إلى جزائر خالدان والملك شهرمان. ففرح قمر الزمان بذلك، ثم قبل يد الخولي وقال له: يا والدي، كما بشرتني فأنا أبشرك بشارة. وأخبره بأمر القاعة؛ ففرح الخولي وقال: يا ولدي، أنا لي في هذا البستان ثمانون عاما ما وقفت على شيء، وأنت لك عندي دون السنة وقد رأيت هذا الأمر؛ فهو رزقك وسبب زوال عكسك، ومعين لك على وصولك إلى أهلك، واجتماع شملك بمن تحب. فقال قمر الزمان: لا بد من القسمة بيني وبينك. # ![figure](../Images/figure10.png) # رجع قمر الزمان إلى البستان وهو مهموم بعد أن سافرت المركب. # ثم أخذ الخولي، ودخل به إلى تلك القاعة وأراه الذهب، وكان في عشرين خابية؛ فأخذ عشرة والخولي عشرة، فقال له الخولي: يا ولدي، عب لك أمطارا من الزيتون العصافيري الذي في هذا البستان، فإنه معدوم في غير بلادنا، وتحمله التجار إلى جميع البلاد، واجعل الذهب في الأمطار والزيتون فوق الذهب، ثم سدها وخذها في المركب. فقام قمر الزمان من وقته وساعته، وعبى خمسين مطرا، ووضع الذهب فيها، وسد عليه بعد أن جعل الزيتون فوق الذهب، وحط الفص معه في مطر، وجلس هو والخولي يتحدثان، وأيقن بجمع شمله وقربه من أهله، وقال في نفسه: إذا وصلت إلى جزيرة الأبنوس أسافر منها إلى بلاد أبي، وأسأل عن محبوبتي بدور، فيا ترى هل رجعت إلى بلادها، أم سافرت إلى بلاد أبي، أم حدث لها حادث في الطريق؟ ثم جلس قمر الزمان ينتظر انقضاء الأيام، وحكى للخولي حكاية الطيور وما وقع بينها، فتعجب الخولي من ذلك، ثم ناما إلى الصباح، فأصبح الخولي ضعيفا، واستمر على ms0660 ضعفه يومين، وفي ثالث يوم اشتد به الضعف حتى يئسوا من حياته؛ فحزن قمر الزمان على الخولي. فبينما هو كذلك، وإذا بالريس والبحرية قد أقبلوا وسألوا عن الخولي، فأخبرهم بضعفه فقالوا: أين الشاب الذي يريد السفر معنا إلى جزيرة الأبنوس؟ فقال لهم قمر الزمان: هو المملوك الذي بين أيديكم. ثم أمرهم بتحويل الأمطار إلى المركب، فنقلوها إلى المركب، وقالوا لقمر الزمان: أسرع فإن الريح قد طاب. فقال لهم: سمعا وطاعة. ثم نقل زوادته إلى المركب، ورجع إلى الخولي يودعه فوجده في النزع؛ فجلس عند رأسه حتى مات، وغمضه وجهزه وواراه في التراب، ثم توجه إلى المركب فوجدها أرخت القلوع وسارت، ولم تزل تشق البحر حتى غابت عن عينه، فصار قمر الزمان مدهوشا حيران، ثم رجع إلى البستان وهو مهموم مغموم، وحثا التراب على رأسه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 215 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان رجع إلى البستان وهو مهموم مغموم بعد أن سافرت المركب، واستأجر البستان من صاحبه، وأقام تحت يده رجلا يعاونه على سقي الشجر، وتوجه إلى الطابق، ونزل إلى القاعة، وعبى الذهب الباقي في خمسين مطرا، ووضع فوقه الزيتون، وسأل عن المركب فقالوا: إنها لا تسافر إلا في كل سنة مرة واحدة. فزاد به الوسواس، وتحسر على ما جرى له، لا سيما فقد الفص الذي للسيدة بدور، فصار يبكي بالليل والنهار وينشد الأشعار. # هذا ما كان من أمر قمر الزمان، وأما ما كان من أمر المركب فإنه طاب لها الريح، ووصلت إلى جزيرة الأبنوس، واتفق بالأمر المقدور أن الملكة بدور كانت جالسة في الشباك، فنظرت إلى المركب وقد رست في الساحل، فخفق فؤادها وركبت هي والأمراء والحجاب وتوجهت إلى الساحل، ووقفت على المركب وقد دار النقل في البضائع إلى المخازن؛ فأحضرت الريس وسألته عما معه، فقال: أيها الملك، إن معي في هذه المركب من العقاقير، والسفوفات، والأكحال، والمراهم، والأدهان، والأموال، والأقمشة الفاخرة، والبضائع النفيسة، ما يعجز عن حمله الجمال ms0661 والبغال، وفيها من أصناف العطر والبهار ومن العود القافلي، والتمر الهندي، والزيتون العصافيري، ما يندر وجوده في هذه البلاد. فاشتهت نفسها الزيتون، وقالت لصاحب المركب: ما مقدار الذي معك من الزيتون؟ قال: معي خمسون مطرا ملآنة، ولكن صاحبها ما حضر معنا، والملك يأخذ ما اشتهاه منها. فقالت: أطلعوها إلى البر لأنظر إليها. فصاح الريس على البحرية، فطلعوا بالخمسين مطرا، ففتحت واحدا ونظرت وقالت: أنا آخذ هذه الخمسين مطرا، وأعطيكم حقها مهما كان. فقال الريس: هذا ما له في بلادنا قيمة، ولكن صاحبها تأخر عنا وهو رجل فقير. فقالت: وما مقدار ثمنها؟ قال: ألف درهم. قالت: أنا آخذها بألف درهم. ثم أمرت بنقلها إلى القصر. # فلما جاء الليل أمرت بإحضار مطر، فكشفته وما في البيت غيرها هي وحياة النفوس، ثم حطت بين يديها طبقا، ووضعت فيه شيئا من المطر، فنزل في الطبق كوم من الذهب الأحمر، فقالت للسيدة حياة النفوس: ما هذا إلا ذهب! ثم اختبرت الجميع فوجدتها كلها ذهبا، والزيتون كله يملأ مطرا واحدا، وفتشت في الذهب فوجدت الفص فيه، فأخذته وتأملته فوجدته الفص الذي كان في دكة لباسها وأخذه قمر الزمان؛ فلما تحققته صاحت من فرحتها، وخرت مغشيا عليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 216 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة بدور لما رأت الفص صاحت من فرحتها، وخرت مغشيا عليها. فلما أفاقت قالت في نفسها: إن هذا الفص كان سببا في فراق محبوبي قمر الزمان، ولكنه بشير الخير. ثم أعلمت السيدة حياة النفوس بأن وجوده بشارة الاجتماع. فلما أصبح الصباح جلست على كرسي المملكة، وأحضرت ريس المركب، فلما حضر قبل الأرض بين يديها، فقالت: أين خليتم صاحب هذا الزيتون؟ قال: يا ملك الزمان، تركناه في بلاد المجوس، وهو خولي بستان. فقالت له: إن لم تأت به فلا تعلم ما يجري عليك، وعلى مركبك من الضرر. ثم أمرت بالختم على مخازن التجار، وقالت لهم: إن صاحب هذا الزيتون غريمي، ولي عليه دين، وإن ms0662 لم يأت لأقتلنكم جميعا وأنهب تجارتكم. فأقبلوا على الريس ووعدوه بأجرة مركبه ويرجع ثاني مرة، وقالوا له: خلصنا من هذا الغاشم. فنزل الريس إلى المركب وحل قلوعها، وكتب الله له السلامة حتى دخل الجزيرة في الليل، وطلع إلى البستان، وكان قمر الزمان قد طال عليه الليل، وتذكر محبوبته، فقعد يبكي على ما جرى له وهو في البستان، ثم إن الريس دق الباب على قمر الزمان، ففتح الباب وخرج إليه، فحمله البحرية ونزلوا به إلى المركب، وحلوا القلوع وساروا، ولم يزالوا سائرين أياما وليالي وقمر الزمان لا يعلم ما يوجب ذلك، فسألهم عن السبب، فقالوا له: أنت غريم الملك صاحب جزائر الأبنوس صهر الملك أرمانوس، وقد سرقت ماله يا منحوس. فقال: والله عمري ما دخلت هذه البلاد ولا أعرفها. # ثم إنهم ساروا به حتى أشرفوا على جزائر الأبنوس، وطلعوا به على السيدة بدور؛ فلما رأته عرفته وقالت: دعوه عند الخدام ليدخلوا به الحمام. وأفرجت عن التجار، وخلعت على الريس خلعة تساوي عشرة آلاف دينار، ودخلت على حياة النفوس وأعلمتها بذلك، وقالت لها: اكتمي الخبر حتى أبلغ مرادي، وأعمل عملا يؤرخ ويقرأ بعدنا على الملوك والرعايا. وحين أمرت أن يدخلوا بقمر الزمان الحمام، دخلوا به الحمام وألبسوه لبس الملوك، ولما طلع قمر الزمان من الحمام صار كأنه غصن بان أو كوكب يخجل بطلعته القمران، وردت روحه إليه، ثم توجه إليها ودخل القصر، فلما نظرته صبرت قلبها حتى يتم مرادها، وأنعمت عليه بمماليك وخدم وجمال وبغال، وأعطته خزانة مال، ولم تزل ترقي قمر الزمان من درجة إلى درجة حتى جعلته خازندار، وسلمت إليه الأموال، وأقبلت عليه وقربته منها وأعلمت الأمراء بمنزلته، فأحبوه جميعهم، وصارت الملكة بدور كل يوم تزيد له في المرتبات، وقمر الزمان لا يعرف ما سبب تعظيمها له، ومن كثرة الأموال صار يهب ويتكرم، ويخدم الملك أرمانوس حتى أحبه، وكذلك أحبه الأمراء والخواص والعوام، وصاروا يحلفون بحياته. كل ذلك وقمر الزمان يتعجب من تعظيم الملكة بدور له، ويقول في نفسه: والله ms0663 إن هذه المحبة لا بد لها من سبب، وربما يكون هذا الملك إنما يكرمني هذا الإكرام الزائد لأجل غرض فاسد، فلا بد أن أستأذنه وأسافر عن بلاده. # ثم إنه توجه إلى الملكة بدور وقال لها: أيها الملك، إنك أكرمتني إكراما زائدا، ومن تمام الإكرام أن تأذن لي في السفر، وتأخذ مني جميع ما أنعمت به علي. فتبسمت الملكة بدور وقالت له: ما حملك على طلب الأسفار، واقتحام الأخطار، وأنت في غاية الإكرام وتزايد الإنعام؟ فقال لها قمر الزمان: أيها الملك، إن هذا الإكرام إذا لم يكن له سبب فإنه من أعجب العجب، خصوصا وقد أوليتني من المراتب ما حقه أن يكون للأخيار، مع أنني من الأطفال الصغار. فقالت له الملكة بدور: وسبب ذلك أني أحبك لفرط جمالك الفائق، وبديع حسنك الرائق، وإن مكنتني مما أريده منك أزدك إكراما وعطاء وإنعاما، وأجعلك وزيرا على صغر سنك كما جعلني الناس سلطانا عليهم وأنا في هذا السن، ولا عجب اليوم في رئاسة الأطفال، ولله در من قال: # كأن زماننا من قوم لوط %~% له شغف بتقديم الصغار # فلما سمع قمر الزمان هذا الكلام خجل واحمرت خدوده حتى صارت كالضرام، وقال: لا حاجة لي بهذا الإكرام المؤدي إلى ارتكاب الحرام، بل أعيش فقيرا من المال غنيا بالمروءة والكمال. فقالت له الملكة بدور: أنا لا أغتر بورعك الناشئ عن التيه والدلال، ولله در من قال: # ذاكرته عهد الوصال فقال لي %~% كم ذا تطيل من الكلام المؤلم؟ ~~فأريته الدينار أنشد قائلا %~% أين المفر من القضاء المبرم؟ # فلما سمع قمر الزمان هذا الكلام، وفهم الشعر والنظام، قال: أيها الملك، إنه لا عادة لي بهذه الفعال، ولا طاقة لي على حمل هذه الأثقال، التي يعجز عن حملها أكبر مني، فكيف بي على صغر سني؟ فلما سمعت كلامه الملكة بدور تبسمت، وقالت: إن هذا لشيء عجاب، كيف يظهر الخطأ من خلال الصواب إذا كنت صغيرا؟ فكيف تخشى الحرام وارتكاب الآثام وأنت لم تبلغ حد التكليف، ولا مؤاخذة في ذنب الصغير ms0664 ولا تعنيف؟ فقد ألزمت نفسك الحجة بالجدال، وحقت عليك كلمة الوصال، فلا تظهر بعد ذلك امتناعا ولا نفورا، وكان أمر الله قدرا مقدورا، فأنا أحق منك بخشية الوقوع في الضلال، وقد أجاد من قال: # أيري كبير والصغير يقول لي %~% اطعن به الأحشا وكن صنديدا ~~فأجبته ذا لا يجوز فقال لي %~% عندي يجوز فنكته تقليدا # فلما سمع قمر الزمان هذا الكلام، تبدل الضياء في وجهه بالظلام، وقال: أيها الملك، إنه يوجد عندك من النساء والجواري الحسان ما لا يوجد له نظير في هذا الزمان، فهلا استغنيت بذلك عني؟ فمل إلى ما شئت منهن ودعني. فقالت: إن كلامك صحيح، ولكن لا يشتفي بهن من عشقك ألم ولا تبريح، وإذا فسدت الأمزجة والطبيعة فهي لغير النصح سميعة مطيعة، فاترك الجدال واسمع قول من قال: # أما ترى السوق قد صفت فواكهه %~% للتين قوم وللجميز أقوام # وقول الآخر: # وصامتة الخلخال رن وشاحها %~% فهذا قد استغنى وذا يشتكي الفقرا ~~تريد سلوي عنك جهلا بحسنها %~% وما كنت أرضى بعد إيماني الكفرا ~~وحق عذار يزدري بعقاصها %~% فلست بعاط للتي تلهني العذرا # وقول الآخر: # يا فريد الجمال حبك ديني %~% واختياري على جميع المذاهب ~~قد تركت النسا لأجلك حتى %~% زعم الناس أنني اليوم راهب # وقول الآخر: # سلا خاطري عن زينب ونواري %~% بوردة خد فوق آس عذار ~~وأصبحت بالظبي المقرطق مغرما %~% ولا رأي لي في عشق ذات سوار ~~أنيسي في النادي وفي خلوتي معا %~% خلاف أنيسي في قرارة داري ~~فيا لائمي في هجر هند وزينب %~% وقد لاح عذري كالصباح الساري ~~أترضى بأن أمسي أسير أسيرة %~% محصنة أو من وراء جدار # وقول الآخر: # لا تقس أمردا بأنثى ولا تص %~% غ لواش يقول ذلك فسق ~~بين أنثى يقبل الوجه رجلا %~% وغزال يقبل الأرض فرق # وقول الآخر: # فديتك إنما اخترناك عمدا %~% لأنك لا تحيض ولا تبيض ~~ولو ملنا إلى وصل الغواني %~% لضاق بنسلنا البلد العريض # وقول الآخر: # تقول لي وهي غضبى من تدللها %~% وقد دعتني إلى شيء فما كانا ~~إن لم تنكني نيك المرء ms0665 زوجته %~% فلا تلمني إذا أصبحت قرنانا ~~كأن أيرك من شمع رخاوته %~% فكلما عركته راحتي لانا # وقول الآخر: # قالت وقد أعرضت عن غشيانها %~% يا أحمقا في جهله يتناهى ~~لم ترض من قبلي لوجهك قبلة %~% لنولينك قبلة ترضاها # وقول الآخر: # جادت بكس ناعم %~% فقلت إني لم أنك ~~فانصرفت قائلة %~% يؤفك عنه من أفك ~~النيك من قدام في %~% هذا الزمان قد ترك ~~ودورت لي فتحة %~% مثل اللجين المنسبك ~~أحسنت يا سيدتي %~% أحسنت لا فجعت بك ~~أحسنت يا أوسع من %~% فتوح مولانا الملك # وقول الآخر: # يستغفر الناس بأيديهم %~% وهن يستغفرن بالأرجل ~~فيا له من عمل صالح %~% يرفعه الله إلى أسفل # فلما سمع قمر الزمان منها هذه الأشعار، وتحقق أنه ليس له مما أرادته فرار، قال: يا ملك الزمان، إن كان ولا بد فعاهدني على أنك لا تفعل بي هذا الأمر غير مرة واحدة، وإن كان ذلك لا يجدي في إصلاح الطبيعة الفاسدة، وبعد ذلك لا تسألني فيه على الأبد، لعل الله يصلح مني ما فسد. فقالت: عاهدتك على ذلك، راجيا أن الله علينا يتوب، ويمحو بفضله عنا عظيم الذنوب، فإن نطاق أفلاك المغفرة لا يضيق عن أن يحيط بنا، ويكفر عنا ما عظم من سيئاتنا، ويخرجنا إلى نور الهدى من ظلام الضلال، وقد أجاد وأحسن من قال: # توهم فينا الناس شيئا وصممت %~% عليه نفوس منهم وقلوب ~~تعال نحقق ظنهم لنريحهم %~% من الإثم فينا مرة ونتوب # ثم أعطته المواثيق والعهود، وحلفت له بواجب الوجود، أنه لا يقع بينها وبينه هذا الفعل إلا مرة في الزمان، وإن ألجأها غرامه إلى الموت والخسران، فقام معها على هذا الشرط إلى محل خلوتها لتطفئ نيران لوعتها، وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ذلك تقدير العزيز العليم. ثم حل سراويله وهو في غاية الخجل، وعيونه تسيل من شدة الوجل؛ فتبسمت وأطلعته معها على السرير، وقالت له: لا ترى بعد هذه الليلة من نكير. ومالت عليه بالتقبيل والعناق، والتفاف ساق على ساق، ثم قالت له: مد يدك ms0666 بين فخذي إلى المعهود؛ لعله ينتصب إلى القيام من السجود. فبكى وقال: أنا لا أحسن شيئا من ذلك. فقالت: بحياتي تفعل ما أمرتك به مما هنالك. فمد يده وفؤاده في زفير؛ فوجد فخذها ألين من الزبد وأنعم من الحرير؛ فاستلذ بلمسها، وجال بيده في جميع الجهات، حتى وصلت إلى قبة كثيرة البركات والحركات، فقال في نفسه: لعل هذا الملك خنثى، وليس بذكر ولا أنثى. ثم قال: أيها الملك، إني لم أجد لك آلة مثل آلات الرجال، فما حملك على هذه الفعال؟ فضحكت الملكة بدور حتى استلقت على قفاها، وقالت له: يا حبيبي، ما أسرع ما نسيت ليالي بتناها. وعرفته بنفسها، فعرف أنها زوجته الملكة بدور بنت الملك الغيور صاحب الجزائر والبحور؛ فاحتضنها واحتضنته، وقبلتها وقبلته، ثم اضطجعا على فراش الوصال، وتناشدا قول من قال: # لما دعته إلى وصالي عطفة %~% من معطف بتعطف متواص ~~وسقت قساوة قلبه من لينها %~% فأجاب بعد تمنع وتعاص ~~خشي العواذل أن تراه إذا بدا %~% فأتى بعدة آمن الإرهاص ~~شكت الخصور روادفا قد حملت %~% أقدامه في المشي حمل قلاص ~~متقلد الصمصام من ألحاظه %~% ومن الدجى متدرعا بدلاص ~~وشذاه بشرني بسعد قدومه %~% ففررت مثل الطير من أقفاص ~~وفرشت خدي في الطريق لنعله %~% فشفى بإثمد تربها أرماصي ~~وعقدت ألوية الوصال معانقا %~% وفككت عقدة حظي المتعاصي ~~وأقمت أفراحا أجاب نداءها %~% طرب صفا عن شائب الإنغاص ~~والبدر نقط بالنجوم الثغر من %~% حبب على وجه الطلا رقاص ~~وعكفت في محراب لذتها على %~% ما من تعاطيه يتوب العاصي ~~قسما بآيات الضحى من وجهه %~% لم أنس فيه سورة الإخلاص # ثم إن الملكة بدور أخبرت قمر الزمان بجميع ما جرى لها من الأول إلى الآخر، وكذلك هو أخبرها بجميع ما جرى له، وبعد ذلك انتقل معها إلى العتاب، وقال لها: ما حملك على ما فعلته بي في هذه الليلة؟ فقالت: لا تؤاخذني فإن قصدي بذلك المزاح، ومزيد البسط والانشراح. فلما أصبح الصباح، وأضاء بنوره ولاح، أرسلت الملكة بدور إلى الملك أرمانوس والد الملكة حياة النفوس، ms0667 وأخبرته بحقيقة أمرها، وأنها زوجة قمر الزمان، وأخبرته بقصتهما وبسبب افتراقهما من بعضهما، وأعلمته أن ابنته حياة النفوس بكر على حالها؛ فلما سمع الملك أرمانوس صاحب جزائر الأبنوس قصة الملكة بدور بنت الملك الغيور، تعجب منها غاية العجب، وأمر أن يكتبوها بماء الذهب، ثم التفت إلى قمر الزمان وقال له: يا ابن الملك، هل لك أن تصاهرني وتتزوج بنتي حياة النفوس؟ فقال له: حتى أشاور الملكة بدور، فإن لها علي فضلا غير محصور. فلما شاورها قالت له: نعم هذا الرأي! فتزوجها وأكون أنا لها جارية؛ لأن لها علي معروفا وإحسانا، وخيرا وامتنانا، وخصوصا ونحن في محلها، وقد غمرنا إحسان أبيها. فلما رأى قمر الزمان أن الملكة بدور مائلة إلى ذلك، ولم يكن عندها غيرة من حياة النفوس، اتفق معها على هذا الأمر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 217 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان اتفق مع زوجته الملكة بدور على هذا الأمر، وأخبر الملك أرمانوس بما قالته الملكة بدور من أنها تحب ذلك وتكون جارية لحياة النفوس. فلما سمع الملك أرمانوس هذا الكلام من قمر الزمان، فرح فرحا شديدا، ثم خرج وجلس على كرسي مملكته، وأحضر جميع الوزراء والأمراء والحجاب وأرباب الدولة، وأخبرهم بقصة قمر الزمان وزوجته الملكة بدور من الأول إلى الآخر، وأنه يريد أن يزوج ابنته حياة النفوس لقمر الزمان، ويجعله سلطانا عليهم عوضا عن زوجته الملكة بدور؛ فقالوا جميعا: حيث كان قمر الزمان هو زوج الملكة بدور، التي كانت سلطانا علينا قبله ونحن نظن أنها صهر ملكنا أرمانوس، فكلنا نرضاه سلطانا علينا ونكون له خدما، ولا نخرج عن طاعته. ففرح الملك أرمانوس بذلك فرحا شديدا، ثم أحضر القضاة والشهود ورؤساء الدولة، وعقد عقد قمر الزمان على ابنته الملكة حياة النفوس، ثم إنه أقام الأفراح وأولم الولائم الفاخرة، وخلع الخلع السنية على جميع الأمراء ورؤساء العساكر، وتصدق على الفقراء والمساكين، وأطلق جميع المحابيس، واستبشر العالم بسلطنة الملك قمر الزمان، وصاروا يدعون ms0668 له بدوام العز والإقبال والسعادة والإجلال. # ثم إن قمر الزمان لما صار سلطانا عليهم أزال المكوس، وأطلق من بقي في الحبوس، وسار فيهم سيرة حميدة، وأقام مع زوجتيه على هناء وسرور، ووفاء وحبور؛ يبيت عند كل واحدة منهما ليلة، ولم يزل على ذلك مدة من الزمان، وقد انجلت عنه الهموم والأحزان، ونسي أباه الملك شهرمان، وما كان له عنده من عز وسلطان، حتى رزقه الله تعالى من زوجتيه بولدين ذكرين مثل القمرين النيرين؛ أكبرهما من الملكة بدور، وكان اسمه الملك الأمجد، وأصغرهما من الملكة حياة النفوس، واسمه الملك الأسعد. وكان الأسعد أجمل من أخيه الأمجد، ثم إنهما تربيا في العز والدلال، والأدب والكمال، وتعلما الخط والسياسة والفروسية حتى صارا في غاية الكمال، ونهاية الحسن والجمال، وافتتن بهما النساء، وصار لهما من العمر نحو سبعة عشر عاما وهما متلازمان، فيأكلان سواء ويشربان سواء، ولا يفترقان عن بعضهما ساعة من الساعات، ولا وقتا من الأوقات، وجميع الناس يحسدهما على ذلك، ولما بلغا مبلغ الرجال، واتصفا بالكمال، صار أبوهما إذا سافر يجلسهما على التعاقب في مجلس الحكم؛ فيحكم كل واحد منهما يوما بين الناس. واتفق بالقدر المبرم والقضاء المحتم، أن محبة الأسعد الذي هو ابن حياة النفوس وقعت في قلب الملكة بدور زوجة أبيه، وأن محبة الأمجد الذي هو ابن الملكة بدور وقعت في قلب حياة النفوس زوجة أبيه؛ فصارت كل واحدة من المرأتين تلاعب ابن ضرتها وتقبله وتضمه إلى صدرها، وإذا رأت ذلك أمه تظن أنه من الشفقة ومحبة الأمهات لأولادها. وتمكن العشق من قلوب المرأتين وافتتنتا بالولدين، فصارت كل واحدة منهما إذا دخل عليها ابن ضرتها تضمه إلى صدرها، وتود أنه لا يفارقها، ولما طال عليهما المطال، ولم يجدا سبيلا إلى الوصال، امتنعتا من الشراب والطعام، وهجرتا لذيذ المنام. ثم إن الملك توجه إلى الصيد والقنص، وأمر ولديه أن يجلسا في موضعه للحكم؛ كل واحد منهما يوما على عادتهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 218 # قالت: ms0669 بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك توجه إلى الصيد والقنص، وأمر ولديه أن يجلسا في موضعه للحكم؛ كل واحد يوما على عادتهما؛ فجلس للحكم في اليوم الأول الأمجد ابن الملكة بدور فأمر ونهى، وولى وعزل، وأعطى ومنع. فكتبت له الملكة حياة النفوس أم الأسعد مكتوبا تستعطفه فيه، وتوضح له أنها متعلقة به، ومتعشقة فيه، وتكشف له الغطاء، وتعلمه أنها تريد وصاله، فأخذت ورقة وكتبت فيها هذه السجعات: «من المسكينة العاشقة، الحزينة المفارقة، التي ضاع بحبك شبابها، وطال فيك عذابها، ولو وصفت لك طول الأسف، وما أقاسيه من اللهف، وما بقلبي من الشغف، وما أنا فيه من البكاء والأنين، وتقطع القلب الحزين، وتوالي الغموم، وتتابع الهموم، وما أجده من الفراق، والكآبة والاحتراق، لطال شرحه في الكتاب، وعجزت عن حصره الحساب، وقد ضاقت علي الأرض والسماء، ولا لي في غيرك أمل ولا رجاء، فقد أشرفت على الموت، وكابدت أهوال الفوت، وزاد بي الاحتراق، وألم الهجر والفراق، ولو وصفت ما عندي من الأشواق، لضاقت عنه الأوراق.» ثم بعد ذلك كتبت هذين البيتين: # لو كنت أشرح ما ألقاه من حرق %~% ومن سقام ومن وجد ومن قلق ~~لم يبق في الأرض قرطاس ولا قلم %~% ولا مداد ولا شيء من الورق # ثم إن الملكة حياة النفوس لفت تلك الورقة في رقعة من غالي الحرير، مضمخة بالمسك والعبير، ووضعت معها جدائل شعرها التي تستغرق الأموال بسعرها، ثم لفتها بمنديل، وأعطتها للخادم، وأمرته أن يوصلها إلى الملك الأمجد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 219 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنها أعطت ورقة المراسلة للخادم، وأمرته بوصلها إلى الملك الأمجد، فسار ذلك الخادم وهو لا يعلم ما خفي له في الغيب، وعلام الغيوب يدبر الأمور كيف يشاء؛ فلما دخل الخادم على الملك الأمجد قبل الأرض بين يديه، وناوله المنديل وبلغه الرسالة؛ فتناول الملك الأمجد المنديل من الخادم وفتحه، فرأى الورقة ففتحها وقرأها، فلما فهم معناها علم أن امرأة أبيه في عينها الخيانة، وقد خانت ms0670 أباه الملك قمر الزمان في نفسها؛ فغضب غضبا شديدا، وذم النساء على فعلهن، وقال: لعن الله النساء الخائنات الناقصات عقلا ودينا. ثم إنه جرد سيفه، وقال للخادم: ويلك يا عبد السوء! أتحمل المراسلة المشتملة على الخيانة من زوجة سيدك؟ والله إنه لا خير فيك يا أسود اللون والصحيفة، يا قبيح المنظر والطبيعة السخيفة. ثم ضربه بالسيف على عنقه فعزل رأسه عن جثته، وطوى المنديل على ما فيه ووضعه في جيبه، ثم دخل على أمه وأعلمها بما جرى، وسبها وشتمها، وقال: كلكن أنجس من بعضكن، والله العظيم لولا أني أخاف إساءة الأدب في حق والدي قمر الزمان وأخي الملك الأسعد، لأدخلن عليها وأضربن عنقها كما ضربت عنق خادمها. # ثم إنه خرج من عند أمه الملكة بدور وهو في غاية الغيظ، فلما بلغ الملكة حياة النفوس زوجة أبيه ما فعل بخادمها، سبته ودعت عليه، وأضمرت له المكر؛ فبات الملك الأمجد في تلك الليلة ضعيفا من الغيظ والقهر والفكر، ولم يلذ له أكل ولا شرب ولا منام. فلما أصبح الصباح خرج أخوه الملك الأسعد، وجلس في مجلس أبيه الملك قمر الزمان ليحكم بين الناس، وقد أصبحت أمه حياة النفوس ضعيفة بسبب ما سمعته عن الملك الأمجد من قتله للخادم. ثم إن الملك الأسعد لما جلس للحكم في ذلك اليوم، حكم وعدل، وولى وعزل، وأمر ونهى، وأعطى ووهب، ولم يزل جالسا في مجلس الحكم إلى قرب العصر. ثم إن الملكة بدور أم الملك الأمجد أرسلت إلى عجوز من العجائز الماكرات، وأظهرتها على ما في قلبها، وأخذت ورقة لتكتب فيها مراسلة للملك الأسعد ابن زوجها، وتشكو إليه كثرة محبتها ووجدها به؛ فكتبت له هذه السجعات: «ممن تلفت وجدا وشوقا، إلى أحسن الناس خلقا وخلقا، المعجب بجماله، التائه بدلاله، المعرض عن طلب وصاله، الزاهد في القرب ممن خضع وذل، إلى من جفا ومل، الملك الأسعد صاحب الحسن الفائق، والجمال الرائق، والوجه الأقمر، والجبين الأزهر، والضياء الأبهر، هذا كتابي إلى من حبه أذاب جسمي، ومزق جلدي وعظمي، ms0671 اعلم أنه قد عيل صبري، وتحيرت في أمري، وأقلقني الشوق والسهاد، وجفاني الصبر والرقاد، ولازمني الحزن والسهاد، وبرح بي الوجد والغرام، وحلول الضنى والسقام، فالروح تفديك، وإن كان قتل الصب يرضيك، والله يبقيك، ومن كل سوء يقيك.» ثم بعد تلك السجعات كتبت هذه الأبيات: # حكم الزمان بأنني لك عاشق %~% يا من محاسنه كبدر يشرق ~~حزت الملاحة والفصاحة كلها %~% وعليك من دون البرية رونق ~~ولقد رضيت بأن تكون معذبي %~% فعسى علي بنظرة تتصدق ~~من مات فيك صبابة فله الهنا %~% لا خير فيمن لا يحب ويعشق # ثم كتبت أيضا هذه الأبيات: # إليك أسعد أشكو من لهيب جوى %~% فارحم متيمة بالشوق تلتهب ~~إلى متى وأيادي الوجد تلعب بي %~% والعشق والفكر والتسهيد والنصب ~~طورا ببحر وطورا أشتكي لهبا %~% في مهجتي إن ذا يا منيتي عجب ~~يا لائمي خل لومي والتمس هربا %~% من الهوى فدموع العين تنسكب ~~كم صحت وجدا من الهجران وا حربا! %~% فلم يفدني بذاك الويل والحرب ~~أمرضتني بصدود لست أحمله %~% أنت الطبيب فأسعفني بما يجب ~~يا عاذلي كف عن عذلي محاذرة %~% كي لا يصيبك من داء الهوى عطب # ثم إن الملكة بدور ضمخت ورقة الرسالة بالمسك الأذفر، ولفتها في جدائل شعرها، وهي من الحرير العراقي، وشراريبها من قضبان الزمرد الأخضر مرصعة بالدر والجوهر، ثم سلمتها إلى العجوز، وأمرتها أن تعطيها للملك الأسعد ابن زوجها الملك قمر الزمان؛ فراحت العجوز من أجل خاطرها، ودخلت على الملك الأسعد من وقتها وساعتها، وكان في خلوة عند دخولها، فناولته الورقة بما فيها، وقد وقفت ساعة زمانية تنتظر رد الجواب؛ فعند ذلك قرأ الملك الأسعد الورقة وفهم ما فيها، ثم بعد ذلك لف الورقة في الجدائل، ووضعها في جيبه، وغضب غضبا شديدا ما عليه من مزيد، ولعن النساء الخائنات. # ثم إنه نهض، وسحب السيف من غمده، وضرب رقبة العجوز فعزل رأسها عن جثتها، وبعد ذلك قام وتمشى حتى دخل على أمه حياة النفوس، فوجدها راقدة في الفرش ضعيفة بسبب ما جرى لها من الملك الأمجد؛ فشتمها الملك ms0672 الأسعد ولعنها، ثم خرج من عندها؛ فاجتمع بأخيه الملك الأمجد، وحكى له جميع ما جرى له مع الملكة بدور، وأخبره بأنه قتل العجوز التي جاءت له بالرسالة، ثم قال له: والله يا أخي، لولا حيائي منك لكنت دخلت في هذه الساعة إليها وقطعت رأسها من بين كتفيها. فقال له أخوه الملك الأمجد: والله يا أخي، إنه قد جرى لي بالأمس لما جلست على كرسي المملكة مثل ما جرى لك في هذا اليوم، فإن أمك أرسلت إلي رسالة بمثل مضمون هذا الكلام. ثم أخبره بجميع ما جرى له مع أمه الملكة حياة النفوس، وقال له: والله يا أخي، لولا حيائي منك لدخلت إليها، وفعلت بها ما فعلت بالخادم. # ثم إنهما باتا يتحدثان بقية تلك الليلة، ويلعنان النساء الخائنات، ثم تواصيا بكتمان هذا الأمر لئلا يسمع به أبوهما الملك قمر الزمان فيقتل المرأتين، ولم يزالا في غم تلك الليلة إلى الصباح. فلما أصبح الصباح أقبل الملك بجيشه من الصيد، وطلع إلى قصره، ثم صرف الأمراء إلى حال سبيلهم، وقام ودخل القصر فوجد زوجتيه راقدتين على الفراش، وهما في غاية الضعف، وقد عملتا لولديهما مكيدة، واتفقتا على تضييع أرواحهما؛ لأنهما قد فضحتا أنفسهما معهما، وقد خشيتا أن تصيرا تحت ذلتهما، فلما رآهما الملك على تلك الحالة قال لهما: ما لكما؟ فقامتا إليه وقبلتا يديه، وعكستا عليه المسألة، وقالتا له: اعلم أيها الملك أن ولديك اللذين قد تربيا في نعمتك قد خاناك في زوجتيك وأركباك العار. فلما سمع قمر الزمان من نسائه هذا الكلام، صار الضياء في وجهه ظلاما، واغتاظ غيظا شديدا حتى طار عقله من شدة الغيظ، وقال لنسائه: أوضحا لي هذه القضية. فقالت له الملكة بدور: اعلم يا ملك الزمان أن ولدك الأسعد ابن حياة النفوس له مدة من الأيام وهو يراسلني ويكاتبني ويراودني على الزنا، وأنا أنهاه عن ذلك ولم ينته، فلما سافرت أنت هجم علي وهو سكران والسيف في يده، فخفت أن يقتلني إذا مانعته كما قتل خادمي، فقضى أربه ms0673 مني غصبا، وإن لم تخلص حقي منه أيها الملك قتلت نفسي بيدي، وليس لي حاجة بالحياة في الدنيا بعد هذا الفعل القبيح. وأخبرته حياة النفوس أيضا بمثل ما أخبرته به ضرتها بدور. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 220 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة حياة النفوس أخبرت زوجها الملك قمر الزمان بمثل ما أخبرته به الملكة بدور، وقالت له: أنا الأخرى جرى لي مع ولدك الأمجد كذلك. ثم إنها أخذت في البكاء والنحيب، وقالت له: إن لم تخلص لي حقي منه أعلمت أبي الملك أرمانوس بذلك. ثم إن المرأتين بكتا قدام زوجهما الملك قمر الزمان بكاء شديدا، فلما رأى الملك بكاء زوجتيه الاثنتين وسمع كلامهما، اعتقد أنه حق، فغضب غضبا شديدا ما عليه من مزيد، فقام وأراد أن يهجم على ولديه الاثنين ليقتلهما، فلقيه صهره الملك أرمانوس، وقد كان داخلا في تلك الساعة ليسلم عليه لما علم أنه قد أتى من الصيد، فرآه والسيف مشهور في يده، والدم يقطر من مناخيره من شدة غيظه، فسأله عما به، فأخبره بجميع ما جرى من ولديه الأمجد والأسعد، ثم قال له: وها أنا داخل إليهما لأقتلهما أقبح قتلة، وأمثل بهما أقبح مثلة. فقال له صهره الملك أرمانوس، وقد اغتاظ منهما أيضا: ونعم ما تفعل يا ولدي، فلا بارك الله فيهما، ولا في أولاد تفعل هذه الفعال في حق أبيهما، ولكن يا ولدي صاحب المثل يقول: «من لم ينظر في العواقب، ما الدهر له بصاحب.» وهما ولداك على كل حال، وينبغي ألا تقتلهما بيدك فتشرب غصتهما، وتندم بعد ذلك على قتلهما حيث لا ينفعك الندم، ولكن أرسلهما مع أحد من المماليك ليقتلهما في البرية وهما غائبان عن عينك. # فلما سمع الملك قمر الزمان من صهره الملك أرمانوس هذا الكلام رآه صوابا، فأغمد سيفه ورجع وجلس على سرير مملكته ودعا خازنداره، وكان شيخا كبيرا عارفا بالأمور وتقلبات الدهور، وقال له: أدخل إلى ولدي الأمجد والأسعد، وكتفهما كتافا جيدا، واجعلهما ms0674 في صندوقين، واحملهما على بغل، واركب أنت واخرج بهما إلى وسط البرية واذبحهما، واملأ لي قنينتين من دمهما، وائتني بهما عاجلا. فقال له الخازندار: سمعا وطاعة. ثم نهض من وقته وساعته، وتوجه إلى الأمجد والأسعد فصادفهما في الطريق وهما خارجان في دهليز القصر، وقد لبسا قماشهما وأفخر ثيابهما، وأرادا التوجه إلى والدهما الملك قمر الزمان ليسلما عليه، ويهنئاه بالسلامة عند قدومه من السفر إلى الصيد؛ فلما رآهما الخازندار قبض عليهما، وقال لهما: يا ولدي، اعلما أنني عبد مأمور، وأن أباكما أمرني بأمر، فهل أنتما طائعان لأمره؟ قالا: نعم. فعند ذلك تقدم إليهما الخازندار وكتفهما، ووضعهما في صندوقين، وحملهما على ظهر بغل، وخرج بهما من المدينة، ولم يزل سائرا بهما في البرية إلى قريب الظهر، فأنزلهما في مكان قفر موحش، ونزل عن فرسه وحط الصندوقين عن ظهر البغل وفتحهما، وأخرج الأمجد والأسعد منهما. فلما نظر إليهما بكى بكاء شديدا على حسنهما وجمالهما، وبعد ذلك جرد سيفه وقال لهما: والله يا سيدي إنه يعز علي أن أفعل بكما فعلا قبيحا، ولكن أنا معذور في هذه الأمور؛ لأنني عبد مأمور، وقد أمرني والدكما الملك قمر الزمان بضرب رقابكما. فقالا له: أيها الأمير، افعل ما أمرك به الملك، فنحن صابرون على ما قدره الله - عز وجل - علينا، وأنت في حل من دمائنا. ثم إنهما تعانقا وودعا بعضهما، وقال الأسعد للخازندار: بالله عليك يا عم إنك لا تجرعني غصة أخي، ولا تسقني حسرته، بل اقتلني أنا قبله ليكون ذلك أهون علي. وقال الأمجد للخازندار مثل ما قال الأسعد، واستعطف الخازندار بقتله قبل أخيه، وقال له: إن أخي أصغر مني فلا تذقني لوعته. ثم بكى كل منهما بكاء شديدا ما عليه من مزيد، وبكى الخازندار لبكائهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 221 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخازندار بكى لبكائهما، ثم إن الأخوين تعانقا وودعا بعضهما، وقال أحدهما للآخر: إن هذا كله من كيد الخائنتين أمي وأمك، وهذا جزاء ما ms0675 جرى مني في حق أمك، وجزاء ما جرى منك في حق أمي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم إن الأسعد اعتنق أخاه، وصعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # يا من إليه المشتكى والمفزع %~% أنت المعد لكل ما يتوقع ~~ما لي سوى قرعي لبابك حيلة %~% ولئن رددت فأي باب أقرع ~~يا من خزائن فضله في قول كن %~% امنن فإن الخير عندك أجمع # فلما سمع الأمجد بكاء أخيه بكى، وضمه إلى صدره، وأنشد هذين البيتين: # يا من أياديه عندي غير واحدة %~% ومن مواهبه تنمو عن العدد ~~ما نابني من زماني قط نائبة %~% إلا وجدتك فيها آخذا بيدي # ثم قال الأمجد للخازندار: سألتك بالواحد القهار الملك الستار أن تقتلني قبل أخي الأسعد، لعل نار قلبي تخمد، ولا تدعها تتوقد. فبكى الأسعد وقال: ما يقتل قبل إلا أنا. فقال الأمجد: الرأي أن تعتنقني وأعتنقك حتى ينزل السيف علينا فيقتلنا دفعة واحدة. فلما اعتنق الاثنان وجها لوجه والتزما ببعضهما، شدهما الخازندار وربطهما بالحبال وهو يبكي، ثم جرد سيفه وقال: والله يا سيدي إنه يعز علي قتلكما، فهل لكما من حاجة فأقضيها، أو وصية فأنفذها، أو رسالة فأبلغها؟ فقال الأمجد: ما لنا حاجة، وأما من جهة الوصية فإني أوصيك أن تجعل أخي الأسعد من تحت وأنا من فوق؛ لأجل أن تقع علي الضربة أولا، فإذا فرغت من قتلنا ووصلت إلى الملك وقال لك: ما سمعت منهما قبل موتهما؟ فقل له: إن ولديك يقرآنك السلام ويقولان لك: إنك لا تعلم هل هما بريئان أم مذنبان؟ وقد قتلتهما وما تحققت ذنبهما، وما نظرت في حالهما. ثم أنشده هذين البيتين: # إن النساء شياطين خلقن لنا %~% أعوذ بالله من كيد الشياطين ~~فهن أصل البليات التي ظهرت %~% بين البرية في الدنيا وفي الدين # ثم قال الأمجد: ما نريد منك إلا أن تبلغه هذين البيتين اللذين سمعتهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 222 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمجد ms0676 قال للخازندار: ما نريد منك إلا أن تبلغه هذين البيتين اللذين سمعتهما، وأسألك بالله أن تطول بالك علينا حتى أنشد لأخي هذين البيتين الآخرين. ثم بكى بكاء شديدا، وجعل يقول: # في الذاهبين الأولي %~% ن من الملوك لنا بصائر ~~كم قد مضى في ذا الطري %~% ق من الأكابر والأصاغر # فلما سمع الخازندار من الأمجد هذا الكلام بكى بكاء شديدا حتى بل لحيته، وأما الأسعد فإنه قد ترغرغت عيناه بالعبرات، وأنشد هذه الأبيات: # الدهر يفجع بعد العين بالأثر %~% فما البكاء على الأشباح والصور ~~ما لليالي أقال الله عثرتنا %~% من الليالي وخانتها يد الغير ~~فقد أضرمت كيدها لابن الزبير وما %~% رعت لياذته بالبيت والحجر ~~وليتها إذ فدت عمرا بخارجة %~% فدت عليا بمن شاءت من البشر # ثم خضب خذه بدمعه المدرار، وأنشد هذه الأشعار: # إن الليالي والأيام قد طبعت %~% على الخداع وفيها المكر والحيل ~~سراب كل يباب عندها شنب %~% وهول كل ظلام عندها كحل ~~ذنبي إلى الدهر فليكره سجيته %~% ذنب الحمام إذا ما أحجم البطل # ثم صعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # يا طالب الدنيا الدنية إنها %~% شرك الردى وقرارة الأكدار ~~دار متى ما أضحكت في يومها %~% أبكت غدا تبا لها من دار ~~غاراتها لا تنقضي وأسيرها %~% لا يفتدى بجلائل الأخطار ~~كم مزده بغرورها حتى بدا %~% متمردا متجاوز المقدار ~~قلبت له ظهر المجن وأوغلت %~% فيه المدى وترت لأخذ الثار ~~واعلم بأن خطوبها تفجي ولو %~% طال المدى وونت سرى الأقدار ~~فاربأ بعمرك أن يمر مضيعا %~% فيها سدى من غير ما استظهار ~~واقطع علائق حبها وطلابها %~% تلق الهدى ورفاهة الأسرار # فلما فرغ الأسعد من شعره اعتنق أخاه الأمجد حتى صارا كأنهما شخص واحد، وسل الخازندار سيفه وأراد أن يضربهما، وإذا بفرسه جفل في البر، وكان يساوي ألف دينار، وعليه سرج عظيم يساوي جملة من المال؛ فألقى السيف من يده وذهب وراء فرسه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 223 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخازندار ذهب وراء فرسه، وقد التهب فؤاده، وما ms0677 زال يجري خلفه ليمسكه حتى دخل في غابة، فدخل وراءه في تلك الغابة، فشق الجواد في وسط الغابة ودق الأرض برجليه فعلا الغبار وارتفع وثار، وأما الفرس فإنه شخر ونخر، وصهل وازمهر. وكان في تلك الغابة أسد عظيم الخطر قبيح المنظر، عيونه ترمي بالشرر، له وجه عبوس، وشكل يهول النفوس؛ فالتفت الخازندار فرأى ذلك الأسد قاصدا إليه، فلم يجد له مهربا من يديه، ولم يكن معه سيف، فقال في نفسه: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما حصل لي هذا الضيق إلا بذنب الأمجد والأسعد، وإن هذه السفرة مشئومة من أولها. ثم إن الأمجد والأسعد قد حمي عليهما الحر، فعطشا عطشا شديدا حتى نزلت ألسنتهما، واستغاثا من العطش فلم يغثهما أحد، فقالا: يا ليتنا كنا قتلنا واسترحنا من هذا، ولكن ما ندري أين جفل الحصان حتى ذهب الخازندار وراءه وخلانا مكتفين، فلو جاءنا وقتلنا كان أريح لنا من مقاساة هذا العذاب. فقال الأسعد: يا أخي اصبر فسوف يأتينا فرج الله سبحانه وتعالى، فإن الحصان ما جفل إلا لأجل لطف الله بنا، وما ضرنا غير هذا العطش. # ثم هز نفسه وتحرك يمينا وشمالا فانحل كتافه، فقام وحل كتاف أخيه، ثم أخذ سيف الأمير وقال لأخيه: والله لا نروح من ها هنا حتى نكشف خبره، ونعرف ما جرى له. وشرعا يقتصان الأثر فدلهما على الغابة، فقالا لبعضهما: إن الحصان والخازندار ما تجاوزا هذه الغابة. فقال الأسعد لأخيه: قف هنا حتى أدخل الغابة وأنظرها. فقال له الأمجد: ما أخليك تدخل فيها وحدك، وما ندخل إلا جميعا، فإن سلمنا سلمنا سواء، وإن عطبنا عطبنا سواء. فدخل الاثنان فوجدا الأسد قد هجم على الخازندار، وهو تحته كأنه عصفور، ولكنه صار يبتهل إلى الله ويشير إلى نحو السماء، فلما رآه الأمجد أخذ السيف وهجم على الأسد، وضربه بالسيف بين عينيه فقتله، ووقع الأسد مطروحا على الأرض، فنهض الخازندار وهو متعجب من هذا الأمر، فرأى الأمجد والأسعد ولدي سيده واقفين، فترامى على أقدامهما وقال لهما: ms0678 والله يا سيدي ما يصلح أن أفرط فيكما بقتلكما، فلا كان من يقتلكما، فبروحي أفديكما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 224 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخازندار قال للأمجد والأسعد: بروحي أفديكما. ثم نهض من وقته وساعته واعتنقهما، وسألهما عن سبب فك وثاقهما وقدومهما، فأخبراه أنهما عطشا وانحل الوثاق من أحدهما ففك الآخر بسبب خلوص نيتهما، ثم إنهما اقتصا الأثر حتى وصلا إليه، فلما سمع كلامهما شكرهما على فعلهما، وخرج معهما إلى ظاهر الغابة، فلما صاروا في ظاهر الغابة قالا له: يا عم افعل ما أمرك به أبونا. فقال: حاشا لله أن أقربكما بضرر، ولكن اعلما أني أريد أن أنزع ثيابكما وألبسكما ثيابي، وأملأ قنينتين من دم الأسد، ثم أروح إلى الملك، وأقول له: إني قتلتهما. وأما أنتما فسيحا في البلاد، وأرض الله واسعة، واعلما يا سيدي أن فراقكما يعز علي. ثم بكى كل من الخازندار والغلامين، وقد قلعا ثيابهما، وألبسهما ثيابه، وراح إلى الملك، وقد أخذ ذلك وربط قماش كل واحد منهما في بقجة معه، وملأ القنينتين من دم الأسد، وجعل البقجتين قدامه على ظهر الجواد، ثم ودعهما وسار متوجها إلى المدينة، ولم يزل سائرا حتى دخل على الملك وقبل الأرض بين يديه؛ فرآه الملك متغير الوجه، وذلك مما جرى له من الأسد، فظن أن ذلك من قتل أولاده، ففرح وقال له: هل قضيت الشغل؟ قال: نعم يا مولانا. ثم ناوله البقجتين اللتين فيهما الثياب، والقنينتين الممتلئتين بالدم، فقال له الملك: ماذا رأيت منهما، وهل أوصياك بشيء؟ قال: وجدتهما صابرين محتسبين لما نزل بهما، وقد قالا لي: إن أبانا معذور فأقرئه منا السلام. وقالا لي: أنت في حل من قتلنا ومن دمائنا، ولكن نوصيك أن تبلغه هذين البيتين، وهما: # إن النساء شياطين خلقن لنا %~% أعوذ بالله من كيد الشياطين ~~فهن أصل البليات التي ظهرت %~% بين البرية في الدنيا وفي الدين # فلما سمع الملك من الخازندار هذا الكلام، أطرق برأسه إلى الأرض مليا، وعلم ms0679 أن كلام ولديه هذا يدل على أنهما قد قتلا ظلما، ثم تفكر في مكر النساء ودواهيهن، وأخذ البقجتين وفتحهما، وصار يقلب ثياب أولاده ويبكي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 225 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك قمر الزمان لما فتح البقجتين صار يقلب ثياب أولاده ويبكي، فلما فتح ثياب ولده الأسعد وجد في جيبه ورقة مكتوبة بخط زوجته بدور، ومعها جدائل شعرها، ففتح الورقة وقرأها وفهم معناها، فعلم أن ولده الأسعد مظلوم. ولما قلب في ثياب الأمجد وجد في جيبه ورقة مكتوبة بخط زوجته حياة النفوس، وفيها جدائل شعرها، ففتح الورقة وقرأها فعلم أنه مظلوم. فدق يدا على يد، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قد قتلت ولدي ظلما. ثم صار يلطم على وجهه ويقول: وا ولداه! وا طول حزناه! وأمر ببناء قبرين في بيت وسماه بيت الأحزان، وقد كتب على القبرين اسمي ولديه، وترامى على قبر الأمجد وبكى، وأن واشتكى، وأنشد هذه الأبيات: # يا قمرا قد غاب تحت الثرى %~% بكت عليه الأنجم الزاهرة ~~ويا قضيبا لم يمس بعده %~% معاطف للأعين الناظرة ~~منعت عيني عنك من غيرتي %~% عليك لا أراك للآخرة ~~وأغرقت بالسهد في دمعها %~% فمن لعين أصبحت ساهرة # ثم ترامى على قبر الأسعد وبكى، وأن واشتكى، وأفاض العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # قد كنت أهوى أن أشاطرك الردى %~% لكن أراد الله غير مرادي ~~سودت ما بين الفضاء وناظري %~% ومحوت من عيني كل سواد ~~لا ينفد الدمع الذي أبكي به %~% إن الفؤاد له من الأمداد ~~أعزز علي بأن أراك بموضع %~% متشابه الأوغاد والأمجاد # ولما فرغ الملك من شعره، هجر الأحباب والخلان، وانقطع في البيت الذي سماه بيت الأحزان، وصار يبكي على أولاده، وقد هجر نساءه وأصحابه وأصدقاءه. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر الأمجد والأسعد، فإنهما لم يزالا سائرين في البرية، وهما يأكلان من نبات الأرض، ويشربان من متحصلات الأمطار مدة شهر كامل حتى انتهى بهما المسير إلى ms0680 جبل من الصوان الأسود لا يعلم أين منتهاه، والطريق افترقت عند ذلك الجبل طريقين؛ طريق تشقه من وسطه، وطريق صاعدة إلى أعلاه، فسلكا الطريق التي في أعلى الجبل، واستمرا سائرين فيها خمسة أيام فلم يريا له منتهى، وقد حصل لهما الإعياء من التعب، وليسا معتادين على المشي في جبل ولا في غيره، ولما يئسا من الوصول إلى منتهاه رجعا وسلكا الطريق التي في وسط الجبل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 226 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمجد والأسعد ولدي الملك قمر الزمان لما عادا من الطريق الصاعدة في الجبل إلى الطريق المسلوكة في وسطه، مشيا فيها طول ذلك النهار إلى الليل، وقد تعب الأسعد من كثرة السير، فقال لأخيه: يا أخي، أنا ما بقيت أقدر على المشي، فإني ضعفت جدا. فقال له الأمجد: يا أخي، شد حيلك لعل الله يفرج عنا. ثم إنهما مشيا ساعة من الليل، وقد تعب الأسعد تعبا شديدا ما عليه من مزيد، وقال: يا أخي، إني تعبت وكللت من المشي. ثم وقع في الأرض وبكى، فحمله أخوه الأمجد ومشى به، وصار ساعة يمشي، وساعة يقعد ويستريح، إلى أن لاح الفجر حتى استراح أخوه؛ فطلع هو وإياه فوق الجبل فوجدا عينا نابعة يجري منها الماء، وعندها شجرة رمان ومحراب، فما صدقا أنهما يريان ذلك، ثم جلسا عند تلك العين وشربا من مائها، وأكلا من رمان تلك الشجرة، وناما في ذلك الموضع حتى طلعت الشمس، ثم جلسا واغتسلا من العين، وأكلا من ذلك الرمان الذي في الشجرة وناما إلى العصر، وأرادا أن يسيرا فما قدر الأسعد على السير، وقد ورمت رجلاه، فأقاما هناك ثلاثة أيام حتى استراحا، ثم صارا في الجبل مدة أيام وهما سائران فوق الجبل، وقد تعبا من العطش، إلى أن لاحت لهما مدينة من بعيد، ففرحا وسارا حتى وصلا إليها، فلما قربا منها شكرا الله تعالى، وقال الأمجد للأسعد: يا أخي، اجلس هنا وأنا أسير إلى هذه المدينة، وأنظر ms0681 ما شأنها وأسأل عن أحوالها؛ لأجل أن نعرف أين نحن من أرض الله الواسعة، ونعرف الذي قطعناه من البلاد في عرض هذا الجبل، ولولا أننا مشينا في وسطه ما كنا نصل إلى هذه المدينة في سنة كاملة، فالحمد لله على السلامة. فقال له الأسعد: والله يا أخي ما يذهب إلى المدينة غيري وأنا فداك، فإنك إن تركتني ونزلت وغبت عني تستغرقني الأفكار من أجلك، وليس لي قدرة على بعدك عني. فقال له الأمجد: توجه ولا تبطئ. # فنزل الأسعد من الجبل، وأخذ معه دنانير، وخلى أخاه ينتظره وسار، ولم يزل ماشيا في أسفل الجبل حتى دخل المدينة، وشق في أزقتها، فلقيه في طريقه رجل، وهو شيخ كبير طاعن في السن، وقد نزلت لحيته على صدره، وافترقت فرقتين، وبيده عكاز، وعليه ثياب فاخرة، وعلى رأسه عمامة كبيرة حمراء، فلما رآه الأسعد تعجب من لبسه وهيئته، وتقدم إليه وسلم عليه، وقال له: أين طريق السوق يا سيدي؟ فلما سمع الشيخ كلامه تبسم في وجهه وقال له: يا ولدي، كأنك غريب! فقال له الأسعد: نعم، أنا غريب يا عم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 227 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ الذي لقي الأسعد تبسم في وجهه، وقال له: يا ولدي، كأنك غريب! فقال له الأسعد: نعم أنا غريب. فقال له الشيخ: قد آنست ديارنا يا ولدي، وأوحشت ديار أهلك، فما الذي تريده من السوق؟ فقال الأسعد: يا عم، إن لي أخا تركته في الجبل، ونحن مسافران من بلاد بعيدة، ولنا في السفر مدة ثلاثة شهور، وقد أشرفنا على هذه المدينة، فجئت إلى ها هنا لأشتري طعاما وأعود به إلى أخي من أجل أن نقتات به. فقال له الشيخ: يا ولدي، أبشر بكل خير، واعلم أنني عملت وليمة، وعندي ضيوف كثيرة، وجمعت فيها من أطيب الطعام وأحسن ما تشتهيه النفوس، فهل لك أن تسير معي إلى مكاني فأعطيك ما تريد ولا آخذ منك ثمنا، وأخبرك بأحوال هذه المدينة؟ ms0682 والحمد لله يا ولدي حيث وقعت بك ولم يقع بك أحد غيري. فقال الأسعد: افعل ما أنت أهله، وعجل فإن أخي ينتظرني وخاطره عندي. فأخذ الشيخ بيد الأسعد، ورجع به إلى زقاق ضيق، وصار يتبسم في وجهه ويقول له: سبحان من نجاك من أهل هذه المدينة. ولم يزل ماشيا به حتى دخل دارا واسعة وفيها قاعة، وجالس في تلك القاعة أربعون شيخا طاعنون في السن، وهم مصطفون حلقة، وفي وسطهم نار موقدة، والمشايخ جالسون حولها يعبدونها ويسجدون لها، فلما رأى ذلك الأسعد اقشعر بدنه، ولم يعلم ما خبرهم. # ثم إن الشيخ قال لهؤلاء الجماعة: يا مشايخ النار، ما أبركه من نهار! ثم نادى قائلا: يا غضبان. فخرج له عبد أسود بوجه أعبس، وأنف أفطس، وقامة مائلة، وصورة هائلة، ثم أشار إلى العبد فشد وثاق الأسعد، وبعد ذلك قال الشيخ: انزل به إلى القاعة التي تحت الأرض واتركه هناك، وقل للجارية الفلانية تتولى عذابه بالليل والنهار. فأخذه العبد وأنزله تلك القاعة وسلمه إلى الجارية، فصارت تتولى عذابه وتعطيه رغيفا واحدا في أول النهار، ورغيفا واحدا في أول الليل، وكوز ماء مالح في الغداة، ومثله في العشي. ثم إن المشايخ قالوا لبعضهم: لما يأتي أوان عيد النار نذبحه على الجبل، ونتقرب به إلى النار. ثم إن الجارية نزلت إليه وضربته ضربا وجيعا حتى سالت الدماء من أعضائه وغشي عليه، ثم حطت عند رأسه رغيفا وكوز ماء مالح وراحت وخلته، فاستفاق الأسعد في نصف الليل فوجد نفسه مقيدا وقد آلمه الضرب؛ فبكى بكاء شديدا، وتذكر ما كان فيه من العز والسعادة، والملك والسيادة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 228 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأسعد لما رأى نفسه مقيدا وقد آلمه الضرب، تذكر ما كان فيه من العز والسعادة، والملك والسيادة، فبكى وصعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # قفوا برسوم الدار واستخبروا عنا %~% ولا تحسبونا في الديار كما كنا ~~لقد فرق الدهر المشتت شملنا %~% وما تشتفي أكباد حسادنا ms0683 منا ~~تولت عذابي بالسياط لئيمة %~% وقد ملأت مني جوانحها ضغنا ~~عسى ولعل الله يجمع شملنا %~% ويدفع بالتنكيل أعداءنا عنا # فلما فرغ الأسعد من شعره مد يده عند رأسه فوجد رغيفا وكوز ماء مالح، فأكل قليلا ليسد رمقه، وشرب قليلا من الماء، ولم يزل ساهرا إلى الصباح من كثرة البق والقمل. فلما أصبح الصباح نزلت إليه الجارية ونزعت عنه ثيابه، وكانت قد غمرت بالدم والتصقت بجلده، فطلع جلده مع القميص، فصرخ وتأوه وقال: يا مولاي، إن كان في هذا رضاك فزدني منه، يا رب إنك لست غافلا عمن ظلمني، فخذ حقي منه. ثم صعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # كن عن أمورك معرضا %~% وكل الأمور إلى القضا ~~فلرب أمر مسخط %~% لك في عواقبه رضا ~~ولربما اتسع المضيق %~% وربما ضاق الفضا ~~الله يفعل ما يشا %~% ء فلا تكن متعرضا ~~وابشر بخير عاجل %~% تنسى به ما قد مضى # فلما فرغ من شعره نزلت عليه الجارية بالضرب حتى غشي عليه، ورمت له رغيفا وكوز ماء مالح، وطلعت من عنده وخلته وحيدا فريدا حزينا والدماء تسيل من أعضائه، وهو مقيد في الحديد بعيد عن الأحباب، فتذكر أخاه والعز الذي كان فيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 229 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأسعد تذكر أخاه والعز الذي كان فيه، فحن وبكى، وأن واشتكى، وسكب العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # يا دهر مهلا كم تجور وتعتدي %~% ولكم بأحبابي تروح وتغتدي ~~ما آن أن ترثي لطول تشتتي %~% وترق يا من قلبه كالجلمد ~~وأسأت أحبابي بما أشمت بي %~% كل العداة بما صنعت من الردي ~~وقد اشتفى قلب العدو بما رأى %~% من غربتي وصبابتي وتوحدي ~~لم يكفه ما حل بي من كربة %~% وفراق أحباب وطرف أرمد ~~حتى بليت بضيق سجن ليس لي %~% فيه أنيس غير عض باليد ~~ومدامع تهمي كفيض سحائب %~% وغليل شوق ناره لم تخمد ~~وكآبة وصبابة وتذكر %~% وتحسر وتنفس وتنهد ~~شوق أكابده وحزن متلف %~% ووقعت في وجد مقيم مقعد ~~لم ألق لي من ms0684 عاطف ذي رحمة %~% يحنو علي بزورة المتردد ~~هل من صديق ذي وداد صادق %~% يرثي لأسقامي وطول تسهدي ~~أشكو إليه ما أكابده أسى %~% والطرف مني ساهر لم يرقد ~~ويطول ليلي في العذاب لأنني %~% أصلى بنار الهم ذات توقد ~~والبق والبرغوث قد شربا دمي %~% شرب الطلا من كف ألمى أغيد ~~والجسم بين القمل مني قد حكى %~% مال اليتيم بكف قاض ملحد ~~وسكنت في سجن ثلاثة أذرع %~% وغدوت بين مقيد ومصفد ~~فمدامتي دمعي وقيدي مطربي %~% والفكر نقلي والهموم تنهدي # فلما فرغ من نظمه ونثره، حن وبكى، وأن واشتكى، وتذكر ما كان فيه، وما حصل له من فراق أخيه. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر أخيه الأمجد، فإنه مكث ينتظر أخاه الأسعد إلى نصف النهار، فلم يعد إليه، فخفق فؤاده واشتد به ألم الفراق، وأفاض دمعه المهراق. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 230 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمجد لما مكث ينتظر أخاه الأسعد إلى نصف النهار فلم يعد إليه، فخفق فؤاده واشتد به ألم الفراق، وأفاض دمعه المهراق، وصاح: وا حسرتاه! ما كان أخوفني من الفراق! ثم نزل من فوق الجبل ودمعه سائل على خديه ودخل المدينة، ولم يزل ماشيا فيها حتى وصل إلى السوق، وسأل الناس عن اسم المدينة وعن أهلها، فقالوا له: هذه تسمى مدينة المجوس، وأهلها يعبدون النار دون الملك الجبار. ثم سأل عن مدينة الأبنوس فقالوا له: إن المسافة التي بيننا وبينها من البر سنة، ومن البحر ستة أشهر، وملكها يقال له أرمانوس، وقد صاهر اليوم ملكا وجعله مكانه، وذلك الملك يقال له قمر الزمان، وهو صاحب عدل وإحسان، وجود وأمان. فلما سمع الأمجد ذكر أبيه حن وبكى، وأن واشتكى، وصار لا يعلم أين يتوجه، وقد اشترى معه شيئا للأكل، وذهب إلى موضع يتوارى فيه، ثم قعد وأراد أن يأكل فتذكر أخاه، فبكى ولم يأكل إلا قدر سد الرمق، ثم قام ومشى في المدينة ليعلم خبر أخيه، فوجد رجلا ms0685 مسلما خياطا في دكان، فجلس عنده، وقد حكى للخياط قصته، فقال له الخياط: إن كان وقع في يد أحد من المجوس، فما بقيت تراه إلا بعسر، ولعل الله يجمع بينك وبينه. ثم قال له: هل لك يا أخي أن تنزل عندي؟ قال: نعم. ففرح الخياط بذلك، وأقام عنده أياما وهو يسليه ويصبره ويعلمه الخياطة حتى صار ماهرا، ثم خرج يوما إلى شاطئ البحر وغسل أثوابه، ودخل الحمام ولبس ثيابا نظيفة، ثم خرج من الحمام يتفرج في المدينة، فصادف في طريقه امرأة ذات حسن وجمال، وقد واعتدال، ليس لها في الحسن مثال، فلما رأته رفعت القناع عن وجهها، وغمزته بحواجبها وعيونها، وغازلته باللحظات، وأنشدت هذه الأبيات: # رأيتك مقبلا فغضضت طرفي %~% كأنك يا مهفهف عين شمس ~~فإنك أنت أحسن من تبدى %~% وأنت اليوم أحسن منك أمس ~~ولو قسم الجمال لكان خمس %~% ليوسف واحد أو بعض خمس ~~وباقيه لذاتك باختصاص %~% فكان فدى لنفسك كل نفس # فلما سمع الأمجد كلامها، ارتاح خاطره لديها، وحنت جوارحه إليها، وقد لعبت به أيدي الصبابات، فأشار لها وأنشد هذه الأبيات: # ورد الخدود ودونه شوك القنا %~% فمن المحدث نفسه أن يجتنى ~~لا تمدد الأيدي إليه فطالما %~% شنوا الحروب لأن مددنا الأعينا ~~قل للتي ظلمت وكانت فتنة %~% ولو انها عدلت لكانت أفتنا ~~ليزاد وجهك بالتبرقع ضلة %~% وأرى السفور لمثل حسنك أصونا ~~كالشمس يمتنع اجتلاؤك وجهها %~% وإن اكتست برقيق غيم أمكنا ~~غدت النحيلة في حمى من نحلها %~% فسلوا حماة الحي عما صدنا ~~إن كان قتلي قصدهم فليرفعوا %~% تلك الضغائن وليخلوا بيننا ~~ما هم بأعظم فتكة لو بارزوا %~% من طرف ذات الخال إذ برزت لنا # فلما سمعت من الأمجد هذا الشعر تنهدت بصاعد الزفرات، وأشارت إليه وأنشدت هذه الأبيات: # أنت الذي سلك الإعراض لست أنا %~% جد بالوصال إذا كان الوفاء أنا ~~يا فالق الصبح من لألاء غرته %~% وجاعل الليل من أصداغه سكنا ~~بصورة الوثن استعبدتني وبها %~% فتنتني وقديما هجت لي فتنا ~~لا غرو إن أحرقت نار الهوى كبدي %~% فالنار حق على من ms0686 يعبد الوثنا ~~تبيع مثلي مجانا بلا ثمن %~% إن كان لا بد من بيع فخذ ثمنا # فلما سمع الأمجد منها هذا الكلام قال لها: أتجيئين عندي أو أجيء عندك؟ فأطرقت برأسها حياء إلى الأرض، وتلت قوله تعالى: @QUR@010 الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ؛ ففهم الأمجد إشارتها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 231 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمجد فهم إشارة المرأة، وعرف أنها تريد الذهاب معه حيث يذهب، فالتزم لها بالمكان، وقد استحى أن يروح بها عند الخياط الذي هو عنده، فمشى قدامها ومشت خلفه، ولم يزل ماشيا بها من زقاق إلى زقاق، ومن موضع إلى موضع حتى تعبت الصبية، فقالت له: يا سيدي، أين دارك؟ فقال لها: قدام، وما بقي عليها إلا شيء يسير. ثم انعطف بها في زقاق مليح، ولم يزل ماشيا فيه وهي خلفه حتى وصل إلى آخره، فوجده غير نافذ، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم التفت بعينه فرأى في صدر الزقاق بابا كبيرا بمصطبتين، ولكنه مغلوق، فجلس الأمجد على مصطبة، وجلست المرأة على مصطبة، ثم قالت له: يا سيدي، ما الذي تنتظره؟ فأطرق برأسه إلى الأرض مليا، ثم رفع رأسه وقال لها: أنتظر مملوكي، فإن المفتاح معه، وكنت قد قلت له: هيء لنا المأكول والمشروب وصحبة المدام حتى أخرج من الحمام. ثم قال في نفسه: ربما يطول عليها المطال فتروح إلى حال سبيلها، وتخليني في هذا المكان. فلما طال عليها الوقت قالت له: يا سيدي، إن المملوك قد أبطأ علينا، ونحن قاعدون في الزقاق. ثم قامت الصبية إلى الضبة بحجر، فقال لها الأمجد: لا تعجلي، واصبري حتى يجيء المملوك. فلم تسمع كلامه، بل ضربت الضبة بالحجر فقسمتها نصفين فانفتح الباب، فقال لها: وأي شيء خطر لك حتى تفعلي هكذا؟ فقالت له: يا سيدي، أي شيء جرى؟ أما هو بيتك؟ فقال: نعم، ولكن لا يحتاج إلى كسر الضبة. # ثم إن الصبية دخلت البيت، ms0687 فصار الأمجد متحيرا في نفسه خوفا من أصحاب المنزل، ولم يدر ماذا يصنع، فقالت له الصبية: لم لم تدخل يا سيدي يا نور عيني وحشاشة قلبي؟ قال لها: سمعا وطاعة، ولكن قد أبطأ علي المملوك، وما أدري هل فعل شيئا مما أمرته به أم لا؟ ثم إنه دخل معها وهو في غاية ما يكون من الهم خوفا من أصحاب المنزل، ولما دخل البيت وجد فيه قاعة مليحة بأربعة لواوين متقابلة، وفيها خزائن وسدلات مفروشات بالفرش الحرير والديباج، وفي وسط القاعة فسقية مثمنة مرصوص عليها أطباق مرصعة بفصوص الجواهر، وهي مملوءة فاكهة ومشموما، وفي جانبها أواني الشراب، وهناك شمعدان فيه شمعة مركبة، والمكان ملآن بنفيس القماش، وفيه صناديق وكراسي منصوبة، وعلى كل كرسي بقجة وفوقها كيس ملآن دنانير، والدار تشهد لصاحبها بالسعادة؛ لأن أرضها مفروشة بالرخام. فلما رأى الأمجد ذلك تحير في أمره، وقال في نفسه: قد راحت روحي، إنا لله وإنا إليه راجعون. وأما الصبية فإنها لما رأت ذلك المكان، فرحت فرحا شديدا ما عليه من مزيد، وقالت: والله يا سيدي ما قصر مملوكك، فإنه مسح المكان وطبخ الطعام وهيأ الفاكهة، وقد جئت أنا في أحسن الأوقات. فلم يلتفت إليها الأمجد لاشتغال قلبه بالخوف من أصحاب المكان، فقالت: يا سيدي، ما لك واقفا هكذا؟ ثم شهقت شهقة، وأعطت الأمجد قبلة مثل كسر الجوز، وقالت له: يا سيدي، إن كنت مواعدا غيري فأنا أشد ظهري وأخدمها. فضحك الأمجد عن قلب مملوء بالغيظ، ثم طلع وجلس وهو ينفخ، وقال في نفسه: يا قتلة الشؤم إذا جاء صاحب المنزل، وقد جلست الصبية في جانبه وصارت تلعب وتضحك، والأمجد مهموم معبس يحسب في نفسه ألف حساب ويقول: لا بد أن يجيء صاحب هذه القاعة، فأي شيء أقول له؟ ولا بد أنه يقتلني بلا شك. # ثم إن الصبية قامت وتشمرت وأخذت خوانا وقد حطت عليه السفرة وأكلت، وقالت للأمجد: كل يا سيدي. فتقدم الأمجد ليأكل فلم يطب له الأكل، بل صار ينظر إلى ناحية الباب ms0688 حتى أكلت الصبية وشبعت، وقد رفعت الخوان وقدمت طبق الفاكهة وشرعت تتنقل، ثم قدمت المشروب وفتحت الجرة وملأت قدحا وناولته للأمجد، فأخذه منها وقال في نفسه: آه آه من صاحب هذه الدار إذا جاء ورآني. وقد صارت عينه صوب الدهليز والقدح في يده. فبينما هو كذلك وإذا بصاحب الدار قد جاء، وكان مملوكا من أكابر المدينة؛ لأنه كان أمير ياخور عند الملك، وقد جعل تلك القاعة معدة لحظه لينشرح فيها صدره، ويختلي فيها بمن يريده، وكان في ذلك اليوم قد أرسل إلى معشوق يجيء له وقد جهز له ذلك المكان، وكان اسم ذلك المملوك بهادر، وكان سخي اليد صاحب جود وإحسان، وصدقات وامتنان، فلما وصل إلى قريب القاعة ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 232 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بهادر صاحب القاعة لما وصل إلى قريب القاعة، وجد الباب مفتوحا، فدخل قليلا قليلا وطل برأسه فنظر الأمجد والصبية، وقدامهما طبق الفاكهة وآلة المدام، وفي ذلك الوقت كان الأمجد ماسك القدح وعينه إلى الباب، فلما صارت عينه في عين صاحب الدار اصفر لونه وارتعدت فرائصه؛ فلما رآه بهادر قد اصفر لونه وتغير حاله، غمزه بإصبعه على فمه، يعني: اسكت، وتعال عندي. فحط الأمجد الكأس من يده وقام إليه، فقالت الصبية: إلى أين؟ فحرك رأسه، وأشار لها أنه يريق الماء، ثم خرج إلى الدهليز حافيا، فلما رأى بهادر علم أنه صاحب الدار، فأسرع إليه وقبل يديه، ثم قال له: بالله عليك يا سيدي قبل أن تؤذيني أن تسمع مني مقالي. ثم حدثه بحديثه من أوله إلى آخره، وأخبره بسبب خروجه من أرضه ومملكته، وأنه ما دخل القاعة باختياره، ولكن الصبية هي التي كسرت الضبة وفتحت الباب وفعلت هذه الفعائل؛ فلما سمع بهادر كلام الأمجد وعرف أنه ابن ملك حن عليه ورحمه، ثم قال: اسمع يا أمجد كلامي، وأطعني وأنا أتكفل لك بالأمان مما تخاف، وإن خالفتني قتلتك. فقال الأمجد: اؤمرني بما شئت، فأنا لا أخالفك أبدا؛ ms0689 لأنني عتيق مروءتك. # فقال له بهادر: ادخل هذه القاعة، واجلس في المكان الذي كنت فيه واطمئن، وها أنا داخل إليك واسمي بهادر، فإذا دخلت إليك فاشتمني وانهرني، وقل لي: ما سبب تأخرك إلى هذا الوقت؟ ولا تقبل لي عذرا، بل قم اضربني، وإن شفقت علي أعدمتك حياتك، فادخل وانبسط، ومهما طلبته مني تجده حاضرا بين يديك في الوقت، وبت كما تحب في هذه الليلة، وفي غد توجه إلى حال سبيلك إكراما لغربتك، فإني أحب الغريب وواجب علي إكرامه. فقبل الأمجد يده ودخل، وقد اكتسى وجهه حمرة وبياضا، فأول ما دخل قال للصبية: يا سيدتي، آنست موضعك وهذه ليلة مباركة. فقالت له الصبية: إن هذا عجيب منك حيث بسطت لي الأنس. فقال الأمجد: والله يا سيدتي إني كنت أعتقد أن مملوكي بهادر أخذ لي عقود جواهر، كل عقد يساوي عشرة آلاف دينار، ثم إنني خرجت الآن وأنا متفكر في ذلك ففتشت عليها فوجدتها في موضعها، ولم أدر ما سبب تأخر المملوك إلى هذا الوقت، ولا بد لي من عقوبته. # فاستراحت الصبية بكلام الأمجد، ولعبا وشربا وانشرحا، ولم يزالا في حظ إلى قريب المغرب، ثم دخل عليهما بهادر وقد غير لبسه وشد وسطه، وجعل في رجليه زربونا على عادة المماليك، ثم سلم وقبل الأرض، وكتف يديه وأطرق برأسه إلى الأرض كالمعترف بذنبه، فنظر إليه الأمجد بعين الغضب وقال له: ما سبب تأخرك يا أنحس المماليك؟ فقال له: يا سيدي إني اشتغلت بغسل أثوابي، وما علمت أنك ها هنا، فإن ميعادي وميعادك العشاء لا بالنهار. فصرخ عليه الأمجد وقال له: تكذب يا أنحس المماليك، والله لا بد من ضربك. ثم قام الأمجد وسطح بهادر على الأرض وأخذ عصا وضربه برفق، فقامت الصبية وخلصت العصا من يده، ونزلت بها على بهادر بضرب وجيع حتى جرت دموعه واستغاث، وصار يكز على أسنانه، والأمجد يصيح على الصبية: لا تفعلي هكذا. وهي تقول: دعني أشفي غيظي منه. ثم إن الأمجد خطف العصا من يدها ودفعها، فقام بهادر ms0690 ومسح دموعه عن وجهه، ووقف في خدمتهما ساعة، ثم مسح القاعة وأوقد القناديل، وصارت الصبية كلما دخل بهادر أو خرج تشتمه وتلعنه، والأمجد يغضب منها ويقول لها: بحق الله تعالى أن تتركي مملوكي، فإنه غير معود بهذا. # وما زالا يأكلان ويشربان، وبهادر في خدمتهما إلى نصف الليل حتى تعب من الخدمة والضرب، فنام في وسط القاعة وشخر، فسكرت الصبية وقالت للأمجد: قم خذ هذا السيف المعلق واضرب رقبة هذا المملوك، وإن لم تفعل ذلك عملت على هلاك روحك. فقال الأمجد: وأي شيء خطر لك في قتل مملوكي؟ قالت: لا يكمل الحظ إلا بقتله، وإن لم تقم قمت أنا وقتلته. فقال الأمجد: بحق الله عليك لا تفعلي. فقالت: لا بد من هذا. وأخذت السيف وجردته وهمت بقتله، فقال الأمجد في نفسه: هذا رجل عمل معنا خيرا، وسترنا وأحسن إلينا، وجعل نفسه مملوكي، كيف نجازيه بالقتل؟ لا كان ذلك أبدا. ثم قال للصبية: إن لم يكن من قتل مملوكي بد، فأنا أحق بقتله منك. ثم أخذ السيف من يدها ورفع يده وضرب الصبية في عنقها، فأطاح رأسها عن جثتها، فوقع رأسها على صاحب الدار فاستيقظ، وجلس وفتح عينيه فوجد الأمجد واقفا والسيف في يده مخضبا بالدم، ثم نظر إلى الصبية فوجدها مقتولة، فاستخبره عن أمرها فأعاد عليه حديثها، وقال له: إنها أبت إلا أن تقتلك، وهذا جزاؤها. فقام بهادر وقبل رأس الأمجد وقال له: يا سيدي، ليتك عفوت عنها، وما بقي في الأمر إلا إخراجها في هذا الوقت قبل الصباح. # ثم إن بهادر شد وسطه وأخذ الصبية ولفها في عباءة، ووضعها في فرد وحملها وقال للأمجد: أنت غريب، ولا تعرف أحدا، فاجلس في مكانك وانتظرني عند طلوع الشمس، فإن عدت إليك لا بد أن أفعل معك خيرا كثيرا، وأجتهد في كشف خبر أخيك، وإن طلعت الشمس ولم أعد إليك، فاعلم أنه قد قضي علي، والسلام عليك، وهذه الدار لك بما فيها من الأموال والقماش. ثم إنه حمل الفرد وخرج من القاعة، وشق ms0691 بها الأسواق وقصد بها طريق البحر المالح ليرميها فيه، فلما صار قريبا من البحر التفت فرأى الوالي والمقدمين قد أحاطوا به، ولما عرفوه تعجبوا وفتحوا الفرد فوجدوا فيه قتيلة، فقبضوا عليه وبيتوه في الحديد إلى الصباح، ثم طلعوا به هو والفرد إلى الملك وأعلموه بالخبر، فلما رأى الملك ذلك، غضب غضبا شديدا وقال له: ويلك! إنك تفعل هكذا دائما، فتقتل القتلى وترميهم في البحر، وتأخذ جميع ما لهم، وكم فعلت قبل ذلك من قتل؟ فأطرق بهادر رأسه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 233 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بهادر أطرق برأسه إلى الأرض قدام الملك، فصرخ الملك عليه وقال له: ويلك! من قتل هذه الصبية؟ فقال له: يا سيدي، أنا قتلتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فغضب الملك وأمر بشنقه، فنزل به السياف حين أمره الملك، ونزل الوالي بالمنادي ينادي في أزقة المدينة بالفرجة على بهادر أمير ياخور الملك، ودار به في الأزقة والأسواق. # هذا ما كان من أمر بهادر، وأما ما كان من أمر الأمجد، فإنه لما طلع عليه النهار، وارتفعت الشمس، ولم يعد إليه بهادر قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أي شيء جرى له؟ فبينما هو يتفكر وإذا بالمنادي ينادي بالفرجة على بهادر، فإنهم يشنقونه في وسط النهار، فلما سمع الأمجد ذلك بكى، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قد أراد هلاك نفسه من أجلي، وأنا الذي قتلتها، والله لا كان هذا أبدا. ثم خرج من القاعة وقفلها وشق في وسط المدينة حتى أتى إلى بهادر، ووقف قدام الوالي، وقال له: يا سيدي، لا تقتل بهادر فإنه بريء، والله ما قتلها إلا أنا. فلما سمع الوالي كلامه أخذه هو وبهادر، وطلع بهما إلى الملك وأعلمه بما سمعه من الأمجد، فنظر الملك إلى الأمجد وقال له: أأنت قتلت الصبية؟ قال: نعم. فقال له الملك: احك لي ما سبب قتلك إياها واصدقني. قال له: أيها الملك، إنه ms0692 جرى لي حديث عجيب، وأمر غريب، لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر. ثم حكى للملك حديثه، وأخبره بما جرى له ولأخيه من المبتدأ إلى المنتهى، فتعجب الملك من ذلك غاية العجب، وقال له: إني قد علمت أنك معذور، ولكن يا فتى هل لك أن تكون عندي وزيرا؟ فقال له: سمعا وطاعة. فخلع عليه الملك وعلى بهادر خلعا سنية، وأعطاه دارا حسنة وخدما وحشما، وأنعم عليه بجميع ما يحتاج إليه، ورتب له الرواتب والجرايات، وأمره أن يبحث عن أخيه الأسعد. فجلس الأمجد في مرتبة الوزير، وحكم وعدل، وولى وعزل، وأخذ وأعطى، وأرسل المنادي في أزقة المدينة ينادي على أخيه الأسعد، فمكث مدة أيام ينادي في الشوارع والأسواق، فلم يسمع له بخبر، ولم يقع له على أثر. # هذا ما كان من أمر الأمجد، وأما ما كان من أمر الأسعد؛ فإن المجوس لا زالوا يعاقبونه بالليل والنهار، وفي العشي والإبكار مدة سنة كاملة، حتى قرب عيد المجوس، فتجهز بهرام المجوسي إلى السفر، وهيأ له مركبا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 234 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بهرام المجوسي جهز مركبا للسفر، ثم حط الأسعد في صندوق وقفله عليه، ونقله إلى المركب، وفي تلك الساعة التي حول فيها بهرام الصندوق الذي فيه الأسعد، كان الأمجد بالقضاء والقدر واقفا يتفرج على البحر، فنظر إلى الحوائج وهم ينقلونها إلى المركب، فخفق فؤاده وأمر غلمانه أن يقدموا له فرسه، ثم ركب في جملة من جماعته وتوجه إلى البحر، ووقف على مركب المجوسي، وأمر من معه أن ينزلوا المركب ويفتشوها، فنزلت الرجال وفتشوا المركب جميعها فلم يجدوا فيها شيئا، فطلعوا وأعلموا الأمجد بذلك، فركب وتوجه إلى بيته، فلما وصل إلى منزله ودخل القصر انقبض صدره، فنظر بعينه في الدار فرأى سطرين مكتوبين على حائط، وهما هذان البيتان: # أحبابنا إن غبتم عن ناظري %~% فعن الفؤاد وخاطري ما غبتم ~~لكنكم خلفتموني مدنفا %~% ومنعتم جفني الرقاد ونمتم # فلما قرأهما الأمجد تذكر ms0693 أخاه وبكى. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر بهرام المجوسي، فإنه نزل المركب وصاح على البحرية وأمرهم أن يعجلوا بحل القلوع، فحلوا القلوع وسافروا، ولم يزالوا مسافرين أياما وليالي، وكل يومين يخرج الأسعد ويطعمه قليلا من الزاد ويسقيه قليلا من الماء، إلى أن قربوا من جبل النار؛ فخرج عليهم ريح وهاج بهم البحر حتى تاهت المركب عن الطريق، وسلكوا طريقا غير طريقهم، ووصلوا إلى مدينة مبنية على شاطئ البحر، ولها قلعة بشبابيك تطل على البحر، والحاكمة على تلك المدينة امرأة يقال لها الملكة مرجانة، فقال الريس لبهرام: يا سيدي، إننا تهنا عن الطريق، ولا بد لنا من دخول هذه المدينة لأجل الراحة، وبعد ذلك يفعل الله ما يشاء. فقال له بهرام: نعم ما رأيت! والذي تراه افعله. فقال له الريس: إذا أرسلت لنا الملكة تسألنا، فماذا يكون جوابنا لها؟ فقال له بهرام: أنا عندي هذا المسلم الذي معنا، فنلبسه لبس المماليك ونخرجه معنا، وإذا رأته الملكة تظن أنه مملوك، فأقول لها: إني جلاب مماليك أبيع وأشتري فيهم، وقد كان عندي مماليك كثيرة فبعتهم، ولم يبق غير هذا المملوك. فقال له الريس: هذا كلام مليح. # ثم إنهم وصلوا إلى المدينة وأرخوا القلوع ودقوا المراسي ووقفت المركب، وإذا بالملكة مرجانة نزلت إليهم ومعها عسكرها، ووقفت على المركب ونادت على الريس، فطلع عندها وقبل الأرض بين يديها، فقالت له: أي شيء في مركبك هذه؟ ومن معك؟ فقال لها: يا ملكة الزمان، معي رجل تاجر يبيع المماليك. فقالت: علي به. وإذا ببهرام طلع ومعه الأسعد ماش وراءه في صفة مملوك، فلما وصل إليها بهرام قبل الأرض بين يديها، فقالت له: ما شأنك؟ فقال لها: أنا تاجر رقيق. فنظرت إلى الأسعد وقد ظنت أنه مملوك، فقالت له: ما اسمك؟ فخنقه البكاء، وقال لها: اسمي الأسعد. فحن قلبها عليه وقالت: أتعرف الكتابة؟ قال: نعم. فناولته دواة وقلما وقرطاسا وقالت له: اكتب شيئا حتى أراه. فكتب هذين البيتين: # ما حيلة العبد والأقدار جارية ms0694 %~% عليه في كل حال أيها الرائي ~~ألقاه في اليم مكتوفا وقال له %~% إياك إياك أن تبتل بالماء # فلما رأت الورقة رحمته، ثم قالت لبهرام: بعني هذا المملوك. فقال لها: يا سيدتي، لا يمكنني بيعه؛ لأني بعت جميع مماليكي، ولم يبق عندي غير هذا. فقالت الملكة مرجانة: لا بد من أخذه منك، إما ببيع وأما بهبة. فقال لها: لا أبيعه ولا أهبه. فقبضت على الأسعد وأخذته، وطلعت به القلعة، وأرسلت تقول له: إن لم تقلع في هذه الليلة عن بلدنا، أخذت جميع مالك وكسرت مركبك. فلما وصلت إليه الرسالة اغتم غما شديدا وقال: إن هذه سفرة غير محمودة. ثم قام وتجهز وأخذ جميع ما يريده، وانتظر الليل ليسافر فيه، وقال للبحرية: خذوا أهبتكم، واملئوا قربكم من الماء، وأقلعوا بنا في آخر الليل. فصار البحرية يقضون أشغالهم. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر الملكة مرجانة، فإنها أخذت الأسعد ودخلت به القلعة وفتحت الشبابيك المطلة على البحر، وأمرت الجواري أن يقدمن الطعام، فقدمن لهما الطعام فأكلا، ثم أمرتهن أن يقدمن المدام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 235 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة مرجانة أمرت الجواري أن يقدمن المدام فقدمنه، فشربت مع الأسعد، وألقى الله - سبحانه وتعالى - محبة الأسعد في قلبها، وصارت تملأ القدح وتسقيه حتى غاب عقله، فقام يريد قضاء حاجة ونزل من القاعة، فرأى بابا مفتوحا فدخل فيه وتمشى، فانتهى به السير إلى بستان عظيم فيه جميع الفواكه والأزهار، فجلس تحت شجرة وقضى حاجته، وقام إلى الفسقية التي في البستان فاستلقى على قفاه ولباسه محلول، فضربه الهواء فنام ودخل عليه الليل. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر بهرام، فإنه لما دخل عليه الليل صاح على بحرية المركب، وقال لهم: حلوا قلوعكم وسافروا بنا. فقالوا له: سمعا وطاعة، ولكن اصبر علينا حتى نملأ قربنا ونحل. ثم طلع البحرية بالقرب وداروا حول القلعة، فلم يجدوا غير حيطان البستان، فتعلقوا ms0695 بها ونزلوا البستان، وتتبعوا أثر الأقدام الموصلة إلى الفسقية، فلما وصلوا إليها وجدوا الأسعد مستلقيا على قفاه، فعرفوه وفرحوا به وحملوه بعد أن ملئوا قربهم ونطوا من الحائط، وأتوا به مسرعين إلى بهرام المجوسي، وقالوا له: أبشر بحصول المراد وشفاء الأكباد؛ فقد طبل طبلك وزمر زمرك، فإن أسيرك الذي أخذته الملكة مرجانة منك غصبا قد وجدناه وأتينا به معنا. ثم رموه قدامه، فلما نظره بهرام طار قلبه من الفرح، واتسع صدره وانشرح، ثم خلع عليهم وأمرهم أن يحلوا القلوع بسرعة، فحلوا قلوعهم وسافروا قاصدين جبل النار، ولم يزالوا مسافرين إلى الصباح. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر الملكة مرجانة، فإنها بعد نزول الأسعد من عندها مكثت تنتظره ساعة فلم يعد إليها، فقامت وفتشت عليه فما وجدته، فأوقدت الشموع وأمرت الجواري أن يفتشن عليه، ثم نزلت هي بنفسها فرأت البستان مفتوحا فعلمت أنه دخله، فدخلت البستان فوجدت نعله بجانب الفسقية، فصارت تفتش عليه في جميع البستان، فلم تر له خبرا، ولم تزل تفتش عليه في جوانب البستان إلى الصباح، ثم سألت عن المركب، فقالوا لها: قد سافرت في ثلث الليل. فعلمت أنهم أخذوه معهم، فصعب عليها واغتاظت غيظا شديدا، ثم أمرت بتجهيز عشر مراكب كبار في الوقت، وتجهزت للحرب، ونزلت في مركب من العشر مراكب، ونزل معها عسكرها مهيئين بالعدة الفاخرة وآلات الحرب، وحلوا القلوع، وقالت للرؤساء: متى لحقتم مركب المجوسي فلكم عندي الخلع والأموال، وإن لم تلحقوها قتلتكم عن آخركم. فحصل للبحرية خوف ورجاء عظيم، ثم سافروا بالمراكب ذلك النهار وتلك الليلة، وثاني يوم، وثالث يوم، وفي اليوم الرابع لاحت لهم مركب بهرام المجوسي، ولم ينقض النهار حتى أحاطت المراكب بمركب المجوسي، وكان بهرام في ذلك الوقت قد أخرج الأسعد وضربه وصار يعاقبه، والأسعد يستغيث ويستجير فلم يجد مغيثا ولا مجيرا من الخلق، وقد آلمه الضرب الشديد. فبينما هو يعاقبه؛ إذ لاحت منه نظرة، فوجد المراكب قد أحاطت بمركبه ودارت حولها كما يدور بياض العين بسوادها، ms0696 فتيقن أنه هالك لا محالة، فتحسر بهرام وقال: ويلك يا أسعد! هذا كله من تحت رأسك. ثم أخذه من يده وأمر البحرية أن يرموه في البحر، وقال: والله لأقتلك قبل موتي. فاحتملته البحرية من يديه ورجليه ورموه في وسط البحر، فأذن الله - سبحانه وتعالى - لما يريد من سلامته وبقية أجله، أنه غطس ثم طلع وخبط بيديه ورجليه إلى أن سهل الله عليه وأتاه الفرج، وضربه الموج وقذفه بعيدا عن مركب المجوسي، ووصل إلى البر، فطلع وهو لم يصدق بالنجاة، ولما صار في البر قلع أثوابه وعصرها ونشرها، وقعد عريانا يبكي على ما جرى له من المصائب والأسر، ثم أنشد هذين البيتين: # إلهي قل صبري واحتيالي %~% وضاق الصدر وانصرمت حبالي ~~إلى من يشتكي المسكين إلا %~% إلى مولاه يا مولى الموالي # فلما فرغ من شعره قام ولبس ثيابه، ولم يعلم أين يروح ولا أين يجيء، فصار يأكل من نبات الأرض وفواكه الأشجار، ويشرب من ماء الأنهار، وسافر بالليل والنهار حتى أشرف على مدينة، ففرح وأسرع في مشيه نحو المدينة، فلما وصل إليها أدركه المساء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 236 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأسعد لما وصل إلى المدينة أدركه المساء، وقد قفل بابها، وكانت المدينة هي التي كان أسيرا فيها وأخوه الأمجد وزير ملكها، فلما رآها الأسعد مقفلة رجع إلى جهة المقابر، فلما وصل إلى المقابر وجد تربة بلا باب فدخلها ونام فيها، وحط وجهه في عبه. وكان بهرام المجوسي لما وصلت إليه الملكة مرجانة بالمراكب كسرها بمكره وسحره، ورجع سالما نحو مدينته، وسار من وقته وساعته وهو فرحان، فلما جاز على المقابر طلع من المركب بالقضاء والقدر، ومشى بين المقابر فرأى التربة التي فيها الأسعد مفتوحة؛ فتعجب وقال: لا بد أن أنظر في هذه التربة. فلما نظر فيها رأى الأسعد وهو نائم ورأسه في عبه، فطل في وجهه فعرفه، فقال له: هل أنت تعيش إلى الآن؟ ثم أخذه وذهب به إلى بيته، وكان ms0697 له في بيته طابق تحت الأرض معد لعذاب المسلمين، وكان له بنت تسمى بستان، فوضع في رجلي الأسعد قيدا ثقيلا، وأنزله في ذلك الطابق، ووكل بنته بتعذيبه ليلا ونهارا إلى أن يموت، ثم إنه ضربه الضرب الوجيع، وقفل عليه الطابق، وأعطى المفاتيح لبنته. # ثم إن بنته بستان نزلت لتضربه فوجدته شابا ظريف الشمائل، حلو المنظر، مقوس الحاجبين، كحيل المقلتين، فوقعت محبته في قلبها، فقالت له: ما اسمك؟ قال لها: اسمي الأسعد. فقالت له: سعدت وسعدت أيامك، أنت ما تستاهل العذاب، وقد علمت أنك مظلوم. وصارت تؤانسه بالكلام، وفكت قيوده، ثم إنها سألته عن دين الإسلام، فأخبرها أنه هو الدين الحق القويم، وأن سيدنا محمدا صاحب المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة، وأن النار تضر ولا تنفع، وعرفها قواعد الإسلام فأذعنت إليه، ودخل حب الإيمان في قلبها، ومزج الله تعالى محبة الأسعد بفؤادها؛ فنطقت بالشهادتين، وصارت من أهل السعادة، وصارت تطعمه وتسقيه، وتتحدث معه، وتصلي هي وإياه، وتصنع له المساليق بالدجاج حتى اشتد وزال ما به من الأمراض، ورجع إلى ما كان عليه من الصحة. ثم إن بنت بهرام خرجت من عند الأسعد، ووقفت على الباب، وإذ بالمنادي ينادي ويقول: كل من كان عنده شاب مليح صفته كذا وكذا وأظهره، فله جميع ما طلب من الأموال، ومن كان عنده وأنكره فإنه يشنق على باب داره، وينهب ماله ويهدر دمه. وكان الأسعد قد أخبر بستان بنت بهرام بجميع ما جرى له، فلما سمعت ذلك عرفت أنه هو المطلوب، فدخلت عليه وأخبرته بالخبر، فخرج وتوجه إلى دار الوزير، فلما رأى الوزير قال: والله إن هذا الوزير هو أخي الأمجد. ثم طلع وطلعت الصبية وراءه إلى القصر، فرأى أخاه الأمجد فألقى نفسه عليه، ثم إن الأمجد عرفه فألقى نفسه عليه وتعانقا، واحتاطت بهما المماليك، وغشي على الأسعد والأمجد ساعة، فلما أفاقا من غشيتهما أخذه الأمجد وطلع به إلى السلطان وأخبره بقصته؛ فأمر السلطان بنهب بيت بهرام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة ms0698 237 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السلطان أمر الأمجد بنهب دار بهرام، فأرسل الوزير جماعة لذلك فتوجهوا إلى بيت بهرام ونهبوه، وطلعوا بابنته إلى الوزير فأكرمها، وحدث الأسعد أخاه بكل ما جرى له من العذاب، وما عملت معه بنت بهرام من الإحسان، فزاد الأمجد في إكرامها، ثم حكى الأمجد للأسعد جميع ما جرى له مع الصبية، وكيف سلم من الشنق وقد صار وزيرا، وصار يشكو أحدهما للآخر ما وجد من فرقة أخيه. ثم إن السلطان أحضر المجوسي وأمر بضرب عنقه، فقال بهرام: أيها الملك الأعظم، هل صممت على قتلي؟ قال: نعم. فقال بهرام: اصبر علي أيها الملك قليلا. ثم إنه أطرق برأسه إلى الأرض، وبعد ذلك رفع رأسه وتشهد وأسلم على يد السلطان ففرحوا بإسلامه، ثم حكى له الأمجد والأسعد جميع ما جرى لهما، فقال لهما: يا سيدي تجهزا للسفر، وأنا أسافر بكما. ففرحا بذلك وبإسلامه، وبكيا بكاء شديدا، فقال لهما بهرام: يا سيدي لا تبكيا، فمصيركما تجتمعان كما اجتمع نعمة ونعم. فقالا له: وما جرى لنعمة ونعم؟ ### || حكاية نعمة ونعم # قال بهرام: ذكروا - والله أعلم - أنه كان بمدينة الكوفة رجل من وجوه أهلها، يقال له: الربيع بن حاتم، وكان كثير المال مرفه الحال، وكان قد رزق ولدا فسماه نعمة الله، فبينما هو ذات يوم بدكة النخاسين إذ نظر جارية تعرض للبيع، وعلى يدها وصيفة صغيرة بديعة في الحسن والجمال، فأشار الربيع إلى النخاس وقال له: بكم هذه الجارية وابنتها؟ فقال: بخمسين دينارا. فقال الربيع: اكتب العهد وخذ المال سلمه لمولاها. ثم دفع للنخاس ثمن الجارية وأعطاه دلالته، وتسلم الجارية وابنتها ومضى بهما إلى بيته، فلما نظرت ابنة عمه إلى الجارية قالت له: يا ابن العم، ما هذه الجارية؟ قال: اشتريتها رغبة في هذه الصغيرة التي على يديها، واعلمي أنها إذا كبرت ما يكون في بلاد العرب والعجم مثلها ولا أجمل منها. فقالت لها ابنة عمه: ما اسمك يا جارية؟ فقالت: يا سيدتي، اسمي توفيق. قالت: وما اسم ابنتك؟ ms0699 قالت: سعد. قالت: صدقت، لقد سعدت وسعد من اشتراك. ثم قالت: يا ابن عمي، ما تسميها؟ قال: ما تختارينه أنت. قالت: نسميها نعم. قال الربيع: لا بأس بذلك. # ثم إن الصغيرة نعم تربت مع نعمة بن الربيع في مهد واحد إلى حين بلغا من العمر عشر سنين، وكان كل شخص منهما أحسن من صاحبه، وصار الغلام يقول لها يا أختي، وهي تقول له يا أخي، ثم أقبل الربيع على ولده نعمة حين بلغا هذا السن، وقال له: يا ولدي، ليست نعم أختك بل هي جاريتك، وقد اشتريتها على اسمك وأنت في المهد، فلا تدعها بأختك من هذا اليوم. قال نعمة لأبيه: فإذا كان كذلك فأنا أتزوجها. ثم إنه دخل على والدته، وأعلمها بذلك، فقالت: يا ولدي، هي جاريتك. فدخل نعمة بن الربيع بتلك الجارية وأحبها، ومضى عليهما تسع سنين وهما على تلك الحالة، ولم يكن بالكوفة جارية أحسن من نعم، ولا أحلى ولا أظرف منها، وقد كبرت وقرأت القرآن والعلوم، وعرفت أنواع اللعب والآلات، وبرعت في المغنى وآلات الملاهي، حتى إنها فاقت جميع أهل عصرها. فبينما هي جالسة ذات يوم من الأيام مع زوجها نعمة بن الربيع في مجلس الشراب، أخذت العود وشدت أوتاره وأنشدت هذين البيتين: # إذا كنت لي مولى أعيش بفضله %~% وسيفا به أفني رقاب النوائب ~~فما لي إلى زيد وعمرو شفاعة %~% سواك إذا ضاقت علي مذاهبي # فطرب نعمة طربا عظيما ثم قال لها: بحياتي يا نعم أن تغني لنا على الدف وآلات الطرب. فأطربت بالنغمات وغنت بهذه الأبيات: # وحياة من ملكت يداه قيادي %~% لأخالفن على الهوى حسادي ~~ولأغضبن عواذلي وأطيعكم %~% ولأهجرن تلذذي ورقادي ~~ولأجعلن لكم بأكتاف الحشى %~% قبرا ولم يشعر بذاك فؤادي # فقال الغلام: لله درك يا نعم. فبينما هما في أطيب عيش وإذا بالحجاج في دار نيابته يقول: لا بد لي أن أحتال على أخذ هذه الجارية التي اسمها نعم، وأرسلها إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؛ لأنه لا يوجد في قصره مثلها ولا أطيب ms0700 من غناها. ثم إنه استدعى بعجوز قهرمانة وقال لها: امضي إلى دار الربيع واجتمعي بالجارية نعم وتسببي في أخذها؛ لأنه لم يوجد على وجه الأرض مثلها. فقبلت العجوز من الحجاج ما قاله، ولما أصبحت لبست أثوابها الصوف، وحطت في رقبتها سبحة حباتها ألوف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 238 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز قبلت ما قاله الحجاج، ولما أصبحت لبست أثوابها الصوف، ووضعت في رقبتها سبحة عدد حباتها ألوف، وأخذت بيدها عكازا وركوة يمانية وسارت وهي تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولم تزل في تسبيح وابتهال وقلبها ملآن بالمكر والمحال حتى وصلت إلى دار نعمة بن الربيع عند صلاة الظهر، فقرعت الباب ففتح لها البواب وقال: ما تريدين؟ قالت: أنا فقيرة من العابدات، وأدركتني صلاة الظهر، وأريد أن أصلي في هذا المكان المبارك. فقال لها البواب: يا عجوز، إن هذه دار نعمة بن الربيع، وليست بجامع ولا مسجد. فقالت: أنا أعرف أنه لا جامع ولا مسجد مثل دار نعمة بن الربيع، وأنا قهرمانة من قصر أمير المؤمنين خرجت طالبة العبادة والسياحة. فقال لها البواب: لا أمكنك من أن تدخلي. وكثر بينهما الكلام فتعلقت به العجوز وقالت له: هل يمنع مثلي من دخول دار نعمة بن الربيع وأنا أعبر إلى ديار الأمراء والأكابر؟ فخرج نعمة وسمع كلامها فضحك، وأمرها أن تدخل خلفه، فدخل نعمة وسارت العجوز خلفه حتى دخل بها على نعم، فسلمت عليها العجوز بأحسن سلام، ولما نظرت إلى نعم تعجبت من فرط جمالها، ثم قالت لها: يا سيدتي، أعيذك بالله الذي ألف بينك وبين مولاك في الحسن والجمال. # ![figure](../Images/figure11.png) # فبينما هي جالسة ذات يوم مع زوجها في مجلس الشراب ... # ثم انتصبت العجوز في المحراب، وأقبلت على الركوع والسجود والدعاء إلى أن مضى النهار وأقبل الليل بالاعتكار، فقالت الجارية: يا أمي، أريحي قدميك ساعة. فقالت العجوز: يا سيدتي، من ms0701 طلب الآخرة أتعب نفسه في الدنيا، ومن لم يتعب نفسه في الدنيا لم ينل منازل الأبرار في الآخرة. ثم إن نعم قدمت الطعام للعجوز، وقالت لها: كلي من طعامي، وادعي لي بالتوبة والرحمة. فقالت العجوز: يا سيدتي إني صائمة، وأما أنت فصبية يصلح لك الأكل والشرب والطرب، والله يتوب عليك، وقد قال الله تعالى: @QUR@07 إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا . ولم تزل الجارية جالسة مع العجوز ساعة تحدثها، ثم قالت لسيدها: يا سيدي، احلف على هذه العجوز أن تقيم عندنا مدة، فإن على وجهها أثر العبادة. فقال: أخلي لها مجلسا للعبادة، ولا تخلي أحدا يدخل عليها، فلعل الله - سبحانه وتعالى - ينفعنا ببركتها، ولا يفرق بيننا. # ثم باتت العجوز ليلتها تصلي وتقرأ إلى الصباح، فلما أصبح الصباح جاءت إلى نعمة ونعم وصبحت عليهما، وقالت لهما: استودعتكما الله. فقالت لها نعم: إلى أين تمضين يا أمي وقد أمرني سيدي أن أخلي لك مجلسا تعتكفين فيه للعبادة؟ فقالت العجوز: الله يبقيه، ويديم نعمته عليكما، ولكن أريد منكما أن توصوا البواب أنه لا يمنعني من الدخول إليكما، وإن شاء الله تعالى أدور في الأماكن الطاهرة، وأدعو لكما عقب الصلاة والعبادة في كل يوم وليلة. ثم خرجت من الدار والجارية نعم تبكي على فراقها، وما تعلم السبب الذي أتت إليها من أجله، ثم إن العجوز توجهت إلى الحجاج، فقال لها: ما وراءك؟ فقالت له: إني نظرت إلى الجارية فرأيتها لم تلد النساء أحسن منها في زمانها. فقال لها الحجاج: إن فعلت ما أمرتك به يصل إليك مني خير جزيل. فقالت له: أريد منك المهلة شهرا كاملا. فقال لها: أمهلتك شهرا. ثم إن العجوز جعلت تتردد إلى دار نعمة وجاريته نعم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 239 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز صارت تتردد إلى دار نعمة ونعم، وهما يزيدان في إكرامها، وما زالت العجوز تمسي وتصبح عندهما، ويرحب بها كل من في الدار، حتى إن العجوز اختلت ms0702 بالجارية يوما من الأيام، وقالت: يا سيدتي، والله إني حضرت الأماكن الطاهرة ودعوت لك، وأتمنى أن تكوني معي حتى تري المشايخ الواصلين، ويدعون لك بما تختارين. فقالت لها الجارية نعم: بالله يا أمي أن تأخذيني معك. فقالت لها: استأذني حماتك وأنا آخذك معي. فقالت الجارية لحماتها أم نعمة: يا سيدتي، اسألي سيدي أن يخليني أخرج أنا وأنت يوما من الأيام مع أمي العجوز إلى الصلاة والدعاء مع الفقراء في الأماكن الشريفة. فلما أتى نعمة وجلس، تقدمت إليه العجوز وقبلت يديه، فمنعها من ذلك، ودعت له وخرجت من الدار. # فلما كان ثاني يوم جاءت العجوز ولم يكن نعمة في الدار، فأقبلت على الجارية نعم وقالت لها: قد دعونا لكم البارحة، ولكن قومي في هذه الساعة تفرجي، وعودي قبل أن يجيء سيدك. فقالت الجارية لحماتها: سألتك بالله أن تأذني لي في الخروج مع هذه المرأة الصالحة لأتفرج على أولياء الله في الأماكن الشريفة، وأعود بسرعة قبل مجيء سيدي. فقالت أم نعمة: أخشى أن يعلم سيدك. فقالت العجوز: والله لا أدعها تجلس على الأرض، بل تنظر وهي واقفة على أقدامها ولا تبطئ. ثم أخذت الجارية بالحيلة وتوجهت بها إلى قصر الحجاج، وعرفته بمجيئها بعد أن حطتها في مقصورة، فأتى الحجاج ونظر إليها، فرآها أجمل أهل زمانها، ولم ير مثلها، فلما رأته نعم سترت وجهها، فلم يفارقها حتى استدعى بحاجبه، وأركب معه خمسين فارسا، وأمره أن يأخذ الجارية على نجيب سابق، ويتوجه بها إلى دمشق، ويسلمها إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وكتب له كتابا، وقال له: أعطه هذا الكتاب وخذ منه الجواب، وأسرع إلي بالرجوع. فتوجه الحاجب وأخذ الجارية على هجين وسافر بها وهي باكية العين من أجل فراق سيدها، حتى وصلوا إلى دمشق، واستأذن على أمير المؤمنين فأذن له، فدخل الحاجب عليه وأخبره بخبر الجارية، فأخلى لها مقصورة، ثم دخل الخليفة على حريمه فرأى زوجته، فقال لها: إن الحجاج قد اشترى لي جارية من بنات ملوك الكوفة بعشرة آلاف دينار، وأرسل ms0703 إلي هذا الكتاب، وهي صحبة الكتاب. فقالت له زوجته: ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 240 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة لما أخبر زوجته بقصة الجارية، قالت له زوجته: زادك الله من فضله. ثم دخلت أخت الخليفة على الجارية، فلما رأتها قالت: والله ما خاب من أنت في منزله، ولو كان ثمنك مائة ألف دينار. فقالت لها الجارية نعم: يا صبيحة الوجه، هذا قصر من من الملوك؟ وأي مدينة هذه المدينة؟ قالت لها: هذه مدينة دمشق، وهذا قصر أخي أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان. ثم قالت للجارية: كأنك ما علمت هذا. قالت: والله يا سيدتي لا علم لي بهذا. قالت: والذي باعك وقبض ثمنك ما أعلمك بأن الخليفة قد اشتراك؟ فلما سمعت الجارية ذلك الكلام سكبت دموعها وبكت، وقالت في نفسها: لقد تمت الحيلة علي. ثم قالت في نفسها: إن تكلمت فما يصدقني أحد، ولكن أسكت وأصبر لعلمي أن فرج الله قريب. ثم إنها أطرقت رأسها حياء، وقد احمرت خدودها من أثر السفر والشمس، فتركتها أخت الخليفة في ذلك اليوم، وجاءتها في اليوم الثاني بقماش وقلائد من الجواهر وألبستها، فدخل عليها أمير المؤمنين، وجلس إلى جانبها، فقالت له أخته: انظر إلى هذه الجارية التي قد كمل الله فيها الحسن والجمال. فقال الخليفة لنعم: أزيحي القناع عن وجهك. فلم تزح القناع عن وجهها، فلم ير وجهها وإنما رأى معاصمها، فوقعت محبتها في قلبه، وقال لأخته: لا أدخل عليها إلا بعد ثلاثة أيام حتى تستأنس بك. ثم قام وخرج من عندها، فصارت الجارية متفكرة في أمرها، ومتحسرة على افتراقها من سيدها نعمة. فلما أتى الليل ضعفت الجارية بالحمى، ولم تأكل ولم تشرب، وتغير وجهها ومحاسنها، فعرفوا الخليفة بذلك فشق عليه أمرها، ودخل عليها بالأطباء وأهل البصائر؛ فلم يقف لها أحد على طب. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر سيدها نعمة، فإنه أتى إلى داره وجلس على فراشه، ونادى: يا نعم. فلم ms0704 تجبه، فقام مسرعا ونادى، فلم يدخل عليه أحد، وكل جارية في البيت اختفت خوفا منه، فخرج نعمة إلى والدته فوجدها جالسة ويدها على خدها، فقال لها: يا أمي، أين نعم؟ فقالت له: يا ولدي، مع من هي أوثق مني عليها، وهي العجوز الصالحة، فإنها خرجت معها لتزور الفقراء وتعود. فقال: ومتى كان لها عادة بذلك؟ وفي أي وقت خرجت؟ قالت: خرجت بكرة النهار. قال: وكيف أذنت لها بذلك؟ فقالت: يا ولدي، هي التي أشارت علي بذلك. فقال نعمة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم خرج من بيته وهو غائب عن الوجود، ثم توجه إلى صاحب الشرطة فقال له: أتحتال علي وتأخذ جاريتي من داري؟ فلا بد لي أن أسافر وأشتكيك إلى أمير المؤمنين. فقال صاحب الشرطة: ومن أخذها؟ فقال: عجوز صفتها كذا وكذا، وعليها ملبوس من الصوف، وبيدها سبحة عدد حباتها ألوف. فقال له صاحب الشرطة: أوقفني على العجوز وأنا أخلص لك جاريتك. فقال: ومن يعرف العجوز؟ فقال له صاحب الشرطة: ومن يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى؟! وقد علم صاحب الشرطة أنها محتالة الحجاج، فقال له نعمة: ما أعرف جاريتي إلا منك، وبيني وبينك الحجاج. فقال له: امض إلى من شئت. فتوجه نعمة إلى قصر الحجاج، وكان والده من أكابر أهل الكوفة، فلما وصل إلى بيت الحجاج دخل حاجب الحجاج عليه، وأعلمه بالقضية، فقال له: علي به. فلما وقف بين يديه قال له الحجاج: ما بالك؟ فقال له نعمة: كان من أمري ما هو كذا وكذا. فقال: هاتوا صاحب الشرطة ونأمره أن يفتش على العجوز. فلما حضر صاحب الشرطة قال له: أريد منك أن تفتش على جارية نعمة بن الربيع. فقال له صاحب الشرطة: لا يعلم الغيب إلا الله تعالى. فقال له الحجاج: لا بد أن تركب الخيل وتبصر الجارية في الطرقات وتنظر في البلدان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 241 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحجاج قال لصاحب الشرطة: ms0705 لا بد أن تركب الخيل، وتنظر في البلدان والطرقات، وتفتش على الجارية. ثم التفت إلى نعمة وقال له: إن لم ترجع جاريتك دفعت لك عشر جوار من داري، وعشر جوار من دار صاحب الشرطة. ثم قال لصاحب الشرطة: اخرج في طلب الجارية. فخرج صاحب الشرطة، ونعمة مغموم، وقد يئس من الحياة، وكان قد بلغ من العمر أربع عشرة سنة، ولا نبات بعارضيه، فجعل يبكي وينتحب، وانعزل عن داره، ولم يزل يبكي إلى الصباح، فأقبل والده عليه، وقال له: يا ولدي، إن الحجاج قد احتال على الجارية وأخذها، ومن ساعة إلى ساعة يأتي الله بالفرج من عنده. فتزايدت الهموم على نعمة، وصار لا يعلم ما يقول، ولا يعرف من يدخل عليه، وأقام ضعيفا ثلاثة أشهر حتى تغيرت أحواله ويئس منه أبوه، ودخلت عليه الأطباء فقالوا: ما له دواء إلا الجارية. # فبينما والده جالس يوما من الأيام إذ سمع بطبيب ماهر أعجمي، وقد وصفه الناس بإتقان الطب والتنجيم وضرب الرمل؛ فدعا به الربيع، فلما حضر أجلسه الربيع إلى جانبه وأكرمه، وقال له: انظر حال ولدي. فقال لنعمة: هات يدك. فأعطاه يده فجس مفاصله، ونظر في وجهه وضحك، والتفت إلى أبيه وقال: ليس بولدك غير مرض في قلبه. فقال: صدقت يا حكيم، فانظر في شأن ولدي بمعرفتك، وأخبرني بجميع أحواله، ولا تكتم عني شيئا من أمره. فقال الأعجمي: إنه متعلق بجارية، وهذه الجارية في البصرة أو في دمشق، وما دواء ولدك غير اجتماعه بها. فقال الربيع: إن جمعت بينهما فلك عندي ما يسرك، وتعيش عمرك كله في المال والنعمة. فقال له العجمي: إن هذا الأمر قريب وسهل. ثم التفت إلى نعمة وقال له: لا بأس عليك، فطب نفسا وقر عينا. ثم قال للربيع: أخرج من مالك أربعة آلاف دينار. فأخرجها وسلمها للأعجمي، فقال له الأعجمي: أريد أن ولدك يسافر معي إلى دمشق، وإن شاء الله تعالى لا أرجع إلا بالجارية. ثم التفت العجمي إلى الشاب وقال له: ما اسمك؟ قال: نعمة. قال: نعمة ms0706 اجلس وكن في أمان الله تعالى، لقد جمع الله بينك وبين جاريتك. فاستوى جالسا، فقال له: ثبت قلبك فنحن نسافر مثل هذا اليوم، فكل واشرب وانبسط لتقوى على السفر. ثم إن العجمي أخذ في قضاء حوائجه من جميع ما يحتاج إليه، واستكمل من والد نعمة عشرة آلاف دينار، وأخذ منه الخيل والجمال وغير ذلك مما يحتاج لحمل الأثقال في الطريق. # ثم إن نعمة ودع والده وسافر مع الحكيم إلى حلب، فلم يقع على خبر الجارية، ثم إنهما وصلا إلى دمشق وأقاما فيها ثلاثة أيام، وبعد ذلك أخذ الأعجمي دكانا وملأ رفوفها بالصيني النفيس والأغطية، وزركش الرفوف بالذهب والقطع المثمنة، وحط قدامه أواني من القناني فيها سائر الأدهان، وسائر الأشربة، ووضع حول القناني أقداحا من البلور، وحط الأصطرلاب قدامه، ولبس أثواب الحكمة والطب، وأوقف بين يديه نعمة وألبسه قميصا وملوطة من الحرير، وفوطه في وسطه بفوطة من الحرير مزركشة بالذهب، ثم قال العجمي لنعمة: يا نعمة، أنت من اليوم ولدي فلا تدعني إلا بأبيك، وأنا لا أدعوك إلا بالولد. فقال نعمة: سمعا وطاعة. # ثم إن أهل دمشق اجتمعوا على دكان العجمي ينظرون إلى حسن نعمة، وإلى حسن الدكان والبضائع التي فيها، والعجمي يكلم نعمة بالفارسية ونعمة يكلمه كذلك بتلك اللغة؛ لأنه كان يعرفها على عادة أولاد الأكابر، واشتهر ذلك الأعجمي عند أهل دمشق، وجعلوا يصفون له الأوجاع وهو يعطيهم الأدوية، ويأتونه بالقوارير المملوءة ببول المرضى فيبصرها ويقول: إن مرض صاحب البول الذي في هذه القارورة كذا وكذا. فيقول صاحب المرض: إن هذا الطبيب صادق. ثم صار يقضي حاجة الناس، واجتمعت عليه أهل دمشق وشاع خبره في المدينة وفي بيوت الأكابر. فبينما هو ذات يوم جالس إذ أقبلت عليه عجوز راكبة على حمار، برذعته من الديباج المرصع بالجواهر، فوقفت على دكان العجمي وشدت لجام الحمار، وأشارت للعجمي وقالت له: أمسك يدي. فأخذ يدها فنزلت من فوق الحمار وقالت: أأنت الطبيب العجمي الذي جئت من العراق؟ قال: نعم. قالت: اعلم أن لي بنتا ms0707 وبها مرض. وأخرجت له قارورة، فلما نظر العجمي إلى ما في القارورة قال لها: يا سيدتي، ما اسم هذه الجارية حتى أحسب نجمها، وأعرف أي ساعة يوافقها فيها شرب الدواء؟ فقالت: يا أخا الفرس، اسمها نعم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 242 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجمي لما سمع اسم نعم، جعل يحسب ويكتب على يده، وقال لها: يا سيدتي، ما أصف لها دواء حتى أعرف من أي أرض هي لأجل اختلاف الهواء، فعرفيني في أي أرض تربت، وكم سنة سنها؟ فقالت العجوز: سنها أربع عشرة سنة، ومرباها بأرض الكوفة من العراق. فقال: وكم شهرا لها في هذه الديار؟ فقالت له: أقامت في هذه الديار شهورا قليلة. فلما سمع نعمة كلام العجوز وعرف اسم جاريته خفق قلبه، فقال لها الأعجمي: يوافقها من الأدوية كذا وكذا. فقالت له العجوز: أعطني ما وصفت على بركة الله تعالى. ورمت له عشرة دنانير على الدكان، فنظر الحكيم إلى نعمة، وأمره أن يهيئ لها عقاقير الدواء، وصارت العجوز تنظر إلى نعمة وتقول: أعيذك بالله يا ولدي، إن شكلها مثل شكلك. ثم قالت العجوز للعجمي: يا أخا الفرس، هل هذا مملوكك أم ولدك؟ فقال لها العجمي: إنه ولدي. ثم إن نعمة وضع لها الحوائج في علبة، وأخذ ورقة وكتب فيها هذين البيتين: # إذا أنعمت نعم علي بنظرة %~% فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل ~~وقالوا اسل عنها تعط عشرين مثلها %~% وليس لها مثل ولست لها أسلو # ثم دس الورقة في داخل العلبة وختمها، وكتب على غطاء العلبة بالخط الكوفي: أنا نعمة بن الربيع الكوفي. ثم وضع العلبة قدام العجوز، فأخذتها وودعتهما وانصرفت متوجهة إلى قصر الخليفة، فلما طلعت العجوز بالحوائج إلى الجارية، وضعت الدواء قدامها، ثم قالت لها: يا سيدتي، اعلمي أنه قد أتى إلى مدينتنا طبيب عجمي ما رأيت أحدا أعرف بأمور الأمراض منه، فذكرت له اسمك بعد أن رأى القارورة فعرف مرضك ووصف دواءك، ثم أمر ولده فشد ms0708 لك هذا الدواء، وليس في دمشق أجمل ولا أظرف من ولده، ولا أحسن ثيابا منه، ولا يوجد لأحد دكان مثل دكانه. فأخذت العلبة فرأت مكتوبا على غطائها اسم سيدها واسم أبيه، فلما رأت ذلك تغير لونها وقالت: لا شك أن صاحب الدكان أتى في شأني. ثم قالت للعجوز: صفي لي هذا الصبي. فقالت: اسمه نعمة، وعلى حاجبه الأيمن أثر، وعليه ملابس فاخرة، وله حسن كامل. فقالت الجارية: ناوليني الدواء على بركة الله تعالى وعونه. فأخذت الدواء وشربته وهي تضحك، وقالت لها: إنه دواء مبارك. ثم فتشت في العلبة فرأت الورقة ففتحتها وقرأتها، فلما فهمت معناها تحققت أنه سيدها، فطابت نفسها وفرحت. # فلما رأتها العجوز قد ضحكت، قالت لها: إن هذا اليوم يوم مبارك. فقالت نعم: يا قهرمانة أريد الطعام والشراب. فقالت العجوز للجواري: قدمن الموائد والأطعمة الفاخرة لسيدتكن. فقدمن إليها الأطعمة، وجلست للأكل، وإذا بعبد الملك بن مروان قد دخل عليهن، ونظر الجارية جالسة وهي تأكل الطعام ففرح، ثم قالت القهرمانة: يا أمير المؤمنين، يهنيك عافية جاريتك نعم، وذلك أنه وصل إلى هذه المدينة رجل طبيب ما رأيت أعرف منه بالأمراض ودوائها، فأتيت لها منه بدواء فتعاطت منه مرة واحدة فحصلت لها العافية يا أمير المؤمنين. فقال أمير المؤمنين: خذي ألف دينار وقومي بإبرائها. ثم خرج وهو فرحان بعافية الجارية، وراحت العجوز إلى دكان العجمي بالألف دينار وأعطته إياها، وأعلمته أنها جارية الخليفة، وناولته ورقة كانت نعم قد كتبتها، فأخذها العجمي وناولها لنعمة، فلما رآها عرف خطها فوقع مغشيا عليه، فلما أفاق فتح الورقة فوجد مكتوبا فيها: من الجارية المسلوبة من نعمتها، المخدوعة في عقلها، المفارقة لحبيب قلبها، أما بعد؛ فإنه قد ورد كتابكم علي فشرح الصدر وسر الخاطر، وكان كقول الشاعر: # ورد الكتاب فلا عدمت أناملا %~% كتبت به حتى تضمخ طيبا ~~فكأن موسى قد أعيد لأمه %~% أو ثوب يوسف قد أتى يعقوبا # فلما قرأ نعمة هذا الشعر هملت عيناه بالدموع، فقالت له القهرمانة: ما الذي يبكيك يا ولدي، لا ms0709 أبكى الله لك عينا؟ فقال العجمي: يا سيدتي، كيف لا يبكي ولدي وهذه جاريته وهو سيدها نعمة بن الربيع الكوفي؟ وعافية هذه الجارية مرهونة برؤيته، وليس بها علة إلا هواه ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 243 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجمي قال للعجوز: كيف لا يبكي ولدي وهذه جاريته وهو سيدها نعمة بن الربيع الكوفي؟ وعافية هذه الجارية مرهونة برؤيته، وليس لها علة إلا هواه، فخذي أنت يا سيدتي هذه الألف دينار لك، ولك عندي أكثر من ذلك، وانظري لنا بعين الرحمة، ولا نعرف إصلاح هذا الأمر إلا منك. فقالت العجوز لنعمة: هل أنت مولاها؟ فقال: نعم. قالت: صدقت، فإنها لا تفتر عن ذكرك. فأخبرها نعمة بما قد جرى له من الأول إلى الآخر، فقالت العجوز: يا غلام، لا تعرف اجتماعك بها إلا مني. ثم ركبت وعادت من وقتها ودخلت على الجارية، فنظرت في وجهها وضحكت وقالت لها: يحق لك يا بنتي أن تبكي وتمرضي من أجل فراق سيدك نعمة بن الربيع الكوفي. فقالت نعم: قد انكشف لك الغطاء وظهر لك الحق. فقالت لها العجوز: طيبي نفسا وانشرحي صدرا، فوالله لأجمعن بينكما ولو كان في ذلك ذهاب روحي. ثم إنها رجعت إلى نعمة وقالت له: إني رجعت لجاريتك واجتمعت بها، فوجدت عندها من الشوق إليك أكثر مما عندك لها، وذلك أن أمير المؤمنين يريد أن يجتمع بها وهي تمتنع منه، فإن كان لك جنان ثابت وقوة قلب، فأنا أجمع بينكما وأخاطر بنفسي معكما، وأدبر حيلة وأعمل مكيدة في دخولك قصر أمير المؤمنين حتى تجتمع بالجارية، فإنها ما تقدر أن تخرج. فقال لها نعمة: جزاك الله خيرا. # ثم ودعته وذهبت إلى الجارية، وقالت لها: إن سيدك قد ذهبت روحه في هواك، وهو يريد الاجتماع بك، فما تقولين في ذلك؟ فقالت نعم: وأنا كذلك قد ذهبت روحي، وأريد الاجتماع به. فعند ذلك أخذت العجوز بقجة فيها حلي ومصاغ وبدلة من ثياب النساء، وتوجهت إلى نعمة، ms0710 وقالت له: ادخل بنا مكانا وحدنا. فدخل معها قاعة خلف الدكان، ونقشته وزينت معاصمه، وزوقت شعره، وألبسته لباس جارية، وزينته بأحسن ما تتزين به الجواري؛ فصار كأنه من حور الجنان، فلما رأته القهرمانة في تلك الصفة قالت: تبارك الله أحسن الخالقين، والله إنك لأحسن من الجارية. ثم قالت له: امش وقدم الشمال وأخر اليمين، وهز أردافك. فمشى قدامها كما أمرته، فلما رأته قد عرف مشي النساء، قالت له: امكث حتى آتيك ليلة غد إن شاء الله تعالى فآخذك وأدخل بك القصر، وإذا نظرت الحجاب والخدامين فقو عزمك، وطأطئ رأسك، ولا تتكلم مع أحد، وأنا أكفيك كلامهم، وبالله التوفيق. # فلما أصبح الصباح أتته القهرمانة في ثاني يوم، وأخذته وطلعت به القصر ودخلت قدامه، ودخل هو وراءها في إثرها، فأراد الحاجب أن يمنعه من الدخول فقالت له: يا أنحس العبيد، إنها جارية نعم محظية أمير المؤمنين، فكيف تمنعها من الدخول؟ ثم قالت: ادخلي يا جارية. فدخل مع العجوز، ولم يزالا داخلين إلى الباب الذي يتوصل منه إلى صحن القصر، فقالت له العجوز: يا نعمة، قو نفسك وثبت قلبك، وادخل القصر، وخذ على شمالك، وعد خمسة أبواب، وادخل الباب السادس، فإنه باب المكان المعد لك، ولا تخف، وإذا كلمك أحد فلا تتكلم معه. ثم سارت به حتى وصلت إلى الأبواب، فقابلها الحاجب المعد لتلك الأبواب، وقال لها: ما هذه الجارية؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 244 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحاجب قابل العجوز وقال لها: ما هذه الجارية؟ فقالت له العجوز: إن سيدتنا تريد اشتراءها. فقال الخادم: ما يدخل أحد إلا بإذن أمير المؤمنين، فارجعي فإني لا أخليها تدخل؛ لأنني أمرت بهذا. فقالت له القهرمانة: أيها الحاجب الكبير، أين عقلك؟ إن نعم جارية الخليفة الذي قلبه متعلق بها قد توجهت إليها العافية، وما صدق أمير المؤمنين بعافيتها، وتريد اشتراء هذه الجارية فلا تمنعها من الدخول لئلا يبلغها أنك منعتها فتغضب عليك، وإن غضبت عليك تسببت في ms0711 قطع رأسك. ثم قالت: ادخلي يا جارية، ولا تسمعي كلامه، ولا تخبري سيدتك أن الحاجب منعك من الدخول. فطأطأ نعمة رأسه ودخل القصر، وأراد أن يمشي إلى جهة يساره فغلط ومشى إلى جهة يمينه، وأراد أن يعد خمسة أبواب ويدخل السادس، فعد ستة ودخل السابع. فلما دخل في ذلك الباب رأى موضعا مفروشا بالديباج، وحيطانه عليها ستائر الحرير المرقومة بالذهب، وفيه مباخر العود والعنبر والمسك الأذفر، ورأى سريرا في الصدر مفروشا بالديباج، فجلس عليه نعمة ولم يعلم بما كتب له في الغيب. # ![figure](../Images/figure12.png) # وبينما هو جالس متفكر في أمره، إذ دخلت عليه أخت أمير المؤمنين ومعها جاريتها. # فبينما هو جالس متفكر في أمره، إذ دخلت عليه أخت أمير المؤمنين ومعها جاريتها، فلما رأت الغلام جالسا ظنته جارية، فتقدمت إليه وقالت له: من تكونين يا جارية؟ وما خبرك؟ وما سبب دخولك هذا المكان؟ فلم يتكلم نعمة، ولم يرد عليها جوابا، فقالت: يا جارية، إن كنت من محاظي أخي وقد غضب عليك، فأنا أستعطفه عليك. فلم يرد نعمة عليها جوابا؛ فعند ذلك قالت لجاريتها: قفي على باب المجلس ولا تدعي أحدا يدخل. ثم تقدمت إليه ونظرت إلى جماله، وقالت: يا صبية، عرفيني من تكونين؟ وما اسمك؟ وما سبب دخولك هنا؟ فإني لم أنظرك في قصرنا. فلم يرد نعمة عليها جوابا، فعند ذلك غضبت أخت الملك ووضعت يدها على صدر نعمة فلم تجد له نهودا، فأرادت أن تكشف ثيابه لتعلم خبره، فقال لها نعمة: يا سيدتي، أنا مملوك فاشتريني، وأنا مستجير بك فأجيريني. فقالت له: لا بأس عليك، فمن أنت؟ ومن أدخلك مجلسي هذا؟ فقال لها نعمة: أنا أيتها الملكة أعرف بنعمة بن الربيع الكوفي، وقد خاطرت بروحي لأجل جاريتي نعم التي احتال عليها الحجاج وأخذها وأرسلها إلى هنا. فقالت له: لا بأس عليك. ثم صاحت على جاريتها، وقالت لها: امضي إلى مقصورة نعم. وقد كانت القهرمانة أتت إلى مقصورة نعم، وقالت لها: هل وصل إليك سيدك؟ فقالت: لا والله. فقالت القهرمانة: لعله غلط ms0712 فدخل مقصورة غير مقصورتك، وتاه عن مكانك. فقالت نعم: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قد فرغ أجلنا وهلكنا. وجلستا متفكرتين. # فبينما هما كذلك إذ دخلت عليهما جارية أخت الخليفة، فسلمت على نعم وقالت لها: إن مولاتي تدعوك إلى ضيافتها. فقالت: سمعا وطاعة. فقالت القهرمانة: لعل سيدك عند أخت الخليفة، وقد انكشف الغطاء. فنهضت نعم من وقتها وساعتها حتى دخلت على أخت الخليفة، فقالت لها: هذا مولاك جالس عندي، وكأنه غلط في المكان، وليس عليك ولا عليه خوف إن شاء الله تعالى. فلما سمعت نعم هذا الكلام من أخت الخليفة اطمأنت نفسها، وتقدمت إلى مولاها نعمة، فلما نظرها قام إليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 245 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن نعمة لما نظر إلى جاريته نعم قام إليها، وضم كل واحد منهما صاحبه إلى صدره، ثم وقعا على الأرض مغشيا عليهما. فلما أفاقا قالت لهما أخت الخليفة: اجلسا حتى نتدبر في الخلاص من الأمر الذي وقعنا فيه. فقالا لها: سمعا وطاعة، والأمر لك. فقالت: والله ما ينالكما منا سوء أبدا. ثم قالت لجاريتها: أحضري الطعام والشراب. فأحضرت ذلك فأكلوا بحسب الكفاية، ثم جلسوا يشربون، فدارت عليهم الأقداح، وزالت عنهم الأتراح، فقال نعمة: ليت شعري بعد ذلك ما يكون. فقالت له أخت الخليفة: نعمة، هل تحب نعم جاريتك؟ فقال لها: يا سيدتي، إن هواها هو الذي حملني على ما أنا فيه من المخاطرة بروحي. ثم قالت لنعم: يا نعم هل تحبين سيدك نعمة؟ قالت: يا سيدتي، إن هواه هو الذي أذاب جسمي وغير حالي. فقالت: والله إنكما متحابان، فلا كان من يفرق بينكما، فقرا عينا وطيبا نفسا. ففرحا بذلك، وطلبت نعم عودا فأحضروه لها، فأخذته وأصلحته، وأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # ولما أبى الواشون إلا فراقنا %~% وليس لهم عندي وعندك من ثار ~~وشنوا على أسماعنا كل غارة %~% وقل حماتي عند ذاك وأنصاري ~~غزوتهم من مقلتيك وأدمعي %~% ومن نفسي بالسيف والسيل والنار # ثم ms0713 إن نعما أعطت العود لسيدها نعمة وقالت له: غن لنا شعرا. فأخذه وأصلحه، وأطرب بالنغمات، ثم أنشد هذه الأبيات: # البدر يحكيك لولا أنه كلف %~% والشمس مثلك لولا الشمس تنكسف ~~إني عجبت وكم في الحب من عجب %~% فيه الهموم وفيه الوجد والكلف ~~أرى الطريق قريبا حين أسلكه %~% إلى الحبيب بعيدا حين أنصرف # فلما فرغ من شعره ملأت له قدحا وناولته إياه، فأخذه وشربه، ثم ملأت قدحا آخر وناولته لأخت الخليفة فشربته، وأخذت العود وأصلحته وشدت أوتاره، وأنشدت هذين البيتين: # غم وحزن في الفؤاد مقيم %~% وجوى تردد في حشاي عظيم ~~ونحول جسم قد تبدى ظاهرا %~% فالجسم مني بالغرام سقيم # ثم ناولت العود لنعمة بن الربيع، فأخذه وأصلح أوتاره، وأنشد هذين البيتين: # يا من وهبت له روحي فعذبها %~% ورمت تخليصها منه فلم أطق ~~دارك محبا بما ينجيه من تلف %~% قبل الممات فهذا آخر الرمق # ولم يزالوا ينشدون الأشعار ويشربون على نغمات الأوتار، وهم في لذة وحبور وفرح وسرور. فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أمير المؤمنين، فلما نظروه قاموا إليه وقبلوا الأرض بين يديه، فنظر إلى نعم والعود معها، فقال: يا نعم، الحمد لله الذي أذهب عنك البأس والوجع. ثم التفت إلى نعمة وهو على تلك الحالة، وقال: يا أختي، من هذه الجارية التي في جانب نعم؟ فقالت له أخته: يا أمير المؤمنين، إن هذه جارية من المحاظي أنيسة، لا تأكل نعم ولا تشرب إلا وهي معها. ثم أنشدت قول الشاعر: # ضدان واجتمعا افتراقا في البها %~% والضد يظهر حسنه بالضد # فقال الخليفة: والله العظيم إنها مليحة مثلها، وفي غد أخلي لها مجلسا بجانب مجلسها، وأخرج لها الفرش والقماش، وأنقل إليها جميع ما يصلح لها إكراما لنعم. واستدعت أخت الخليفة بالطعام فقدمته لأخيها، فأكل وجلس معهم في تلك الحضرة، ثم ملأ قدحا وأومأ إلى نعم أن تنشد له شيئا من الشعر، فأخذت العود بعد أن شربت قدحين، وأنشدت هذين البيتين: # إذا ما نديمي علني ثم علني %~% ثلاثة أقداح لهن هدير ~~أبيت أجر الذيل تيها ms0714 كأنني %~% عليك أمير المؤمنين أمير # فطرب أمير المؤمنين، وملأ قدحا آخر وناوله إلى نعم، وأمرها أن تغني، فبعد أن شربت القدح جست الأوتار، وأنشدت هذه الأبيات: # يا أشرف الناس في هذا الزمان وما %~% له مثيل بهذا الأمر يفتخر ~~يا واحدا في العلا والجود منصبه %~% يا سيدا ملكا في الكل مشتهر ~~يا مالكا لملوك الأرض قاطبة %~% تعطي الجزيل ولا من ولا ضجر ~~أبقاك ربي على رغم العدا كمدا %~% وزان طالعك الإقبال والظفر # فلما سمع الخليفة من نعم هذه الأبيات قال لها: لله درك يا نعم! ما أفصح لسانك وأوضح بيانك! ولم يزالوا في فرح وسرور إلى نصف الليل، ثم قالت أخت الخليفة: اسمع يا أمير المؤمنين، إني رأيت حكاية في الكتب عن بعض أرباب المراتب. قال الخليفة: وما تلك الحكاية؟ فقالت له أخته: اعلم يا أمير المؤمنين أنه كان بمدينة الكوفة صبي يسمى نعمة بن الربيع، وكان له جارية يحبها وتحبه، وكانت قد تربت معه في فراش واحد، فلما بلغا وتمكن حبهما من بعضهما رماهما الدهر بنكباته، وجار عليهما الزمان بآفاته، وحكم عليهما بالفراق، وتحيلت عليهما الوشاة حتى خرجت من داره، وأخذوها سرقة من مكانه، ثم إن سارقها باعها لبعض الملوك بعشرة آلاف دينار، وكان عند الجارية لمولاها من المحبة مثل ما عنده لها؛ ففارق أهله وداره وسافر في طلبها، وتسبب في اجتماعه بها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 246 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن نعمة لم يزل مفارقا لأهله ووطنه، وخاطر بنفسه، وبذل مهجته حتى توصل إلى اجتماعه بجاريته، وكان يقال لها نعم، فلما اجتمع بها لم يستقر بهما الجلوس حتى دخل عليهما الملك الذي كان اشتراها من الذي سرقها؛ فعجل عليهما وأمر بقتلهما، ولم ينصف من نفسه، ولم يمهل عليهما في حكمه؛ فما تقول يا أمير المؤمنين في قلة إنصاف هذا الملك؟ فقال أمير المؤمنين: إن هذا الشيء عجاب، فكان ينبغي لذلك الملك العفو عند المقدرة؛ لأنه يجب عليه أن يحفظ لهما ثلاثة ms0715 أشياء؛ الأول: أنهما متحابان، والثاني: أنهما في منزله وتحت قبضته، والثالث: أن الملك ينبغي له التأني في الحكم بين الناس، فكيف بالأمر الذي يتعلق به؟ فهذا الملك قد فعل فعلا لا يشبه فعل الملوك. فقالت له أخته: يا أخي، بحق ملك السموات والأرض أن تأمر نعما بالغناء وتسمع ما تغني به. فقال: يا نعم، غن لي. فأطربت بالنغمات، وأنشدت هذه الأبيات: # غدر الزمان ولم يزل غدارا %~% يصحي القلوب ويورث الأفكارا ~~ويفرق الأحباب بعد تجمع %~% فترى الدموع على الخدود غزارا ~~كانوا وكنت وكان عيشي ناعما %~% والدهر يجمع شملنا مدرارا ~~فلأبكين دما ودمعا ساجما %~% أسفا عليك لياليا ونهارا # فلما سمع أمير المؤمنين هذا الشعر طرب طربا عظيما، فقالت له أخته: يا أخي، من حكم على نفسه بشيء لزمه القيام به، والعمل بقوله، وأنت قد حكمت على نفسك بهذا الحكم. ثم قالت: يا نعمة، قف على قدميك، وكذا قفي أنت يا نعم. فوقفا، فقالت أخت الخليفة: يا أمير المؤمنين، إن هذه الواقفة هي نعم المسروقة، سرقها الحجاج بن يوسف الثقفي وأوصلها لك، وكذب فيما ادعاه من كتابه من أنه اشتراها بعشرة آلاف دينار، وهذا الواقف هو نعمة بن الربيع سيدها، وأنا أسألك بحرمة آبائك الطاهرين أن تعفو عنهما، وتهبهما لبعضهما؛ لتغنم أجرهما، فإنهما في قبضتك، وقد أكلا من طعامك وشربا من شرابك، وأنا الشفيعة فيهما المستوهبة دمهما. فعند ذلك قال الخليفة: صدقت، أنا حكمت بذلك، وما أحكم بشيء وأرجع فيه. ثم قال: يا نعم، هل هذا مولاك؟ قالت له: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: لا بأس عليكما، فقد وهبتكما لبعضكما. ثم قال: يا نعمة، وكيف عرفت بمكانها؟ ومن وصف لك هذا المكان؟ فقال: يا أمير المؤمنين، اسمع خبري وأنصت إلى حديثي، فوحق آبائك وأجدادك الطاهرين لا أكتم عنك شيئا. ثم حدثه بجميع ما كان من أمره، وما فعله معه الحكيم العجمي، وما فعلته القهرمانة، وكيف دخلت به القصر وغلط في الأبواب؛ فتعجب الخليفة من ذلك غاية العجب، ثم قال: علي بالعجمي. فأحضروه بين ms0716 يديه فجعله من جملة خواصه، وخلع عليه خلعة، وأمر له بجائزة مليحة، وقال: من يكون هذا تدبيره يجب أن نجعله من خواصنا. # ثم إن الخليفة أحسن إلى نعمة ونعم وأنعم عليهما، وأنعم على القهرمانة، وقعدا عنده سبعة أيام في سرور وحظ وأرغد عيش، ثم طلب نعمة منه الإذن بالسفر هو وجاريته، فأذن لهما بالسفر إلى الكوفة. فسافرا واجتمع بوالده ووالدته، وأقاموا في أطيب عيش إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات. فلما سمع الأمجد والأسعد هذا الحديث من بهرام، تعجبا منه غاية العجب، وقالا: إن هذا لشيء عجيب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 247 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمجد والأسعد لما سمعا من بهرام المجوسي الذي أسلم هذه الحكاية، تعجبا منها غاية العجب، وباتا تلك الليلة، ولما أصبح الصباح ركب الأمجد والأسعد، وأرادا أن يدخلا على الملك فاستأذنا في الدخول فأذن لهما، فلما دخلا أكرمهما، وجلسوا يتحدثون. فبينما هم كذلك، وإذا بأهل المدينة يصيحون ويتصارخون ويستغيثون، فدخل الحاجب على الملك وقال له: إن ملكا من الملوك نزل بعساكره على المدينة وهم شاهرون السلاح، وما ندري ما مرادهم. فأخبر الملك وزيره الأمجد وأخاه الأسعد بما سمعه من الحاجب، فقال الأمجد: أنا أخرج إليه وأكشف خبره. فخرج الأمجد إلى ظاهر المدينة فوجد الملك ومعه عسكر كثير ومماليك راكبة، فلما نظروا إلى الأمجد عرفوا أنه رسول من عند ملك المدينة، فأخذوه وأحضروه قدام السلطان، فلما صار قدامه قبل الأرض بين يديه، وإذا بالملك امرأة ضاربة لها لثاما، فقالت: اعلم أنه ما لي عندكم غرض في هذه المدينة إلا مملوك أمرد، فإن وجدته عندكم فلا بأس عليكم، وإن لم أجده وقع بيني وبينكم القتال الشديد؛ لأنني ما جئت إلا في طلبه. فقال الأمجد: أيتها الملكة، ما صفة هذا المملوك؟ وما خبره؟ وما اسمه؟ فقالت: اسمه الأسعد، وأنا اسمي مرجانة، وهذا المملوك جاءني صحبة بهرام المجوسي، وما رضي أن يبيعه، فأخذته منه غصبا فعدا عليه وأخذه من عندي ms0717 بالليل سرقة، وأما أوصافه فإنها كذا وكذا. # فلما سمع الأمجد ذلك علم أنه أخوه الأسعد، فقال لها: يا ملكة الزمان، الحمد لله الذي جاءنا بالفرج، إن هذا المملوك هو أخي. ثم حكى لها حكايته وما جرى لهما في بلاد الغربة، وأخبرها بسبب خروجهما من جزائر الأبنوس، فتعجبت الملكة مرجانة من ذلك، وفرحت بلقاء الأسعد، وخلعت على أخيه الأمجد. ثم بعد ذلك عاد الأمجد إلى الملك وأعلمه بما جرى؛ ففرحوا بذلك، ونزل الملك هو والأمجد والأسعد قاصدين الملكة، فلما دخلوا عليها جلسوا يتحدثون. # فبينما هم كذلك، وإذا بغبار طار حتى سد الأقطار، وبعد ساعة انكشف ذلك الغبار عن عسكر جرار، مثل البحر الزخار، وهم مهيئون بالعدد والسلاح، فقصدوا المدينة، ثم داروا بها كما يدور الخاتم بالخنصر، وشهروا سيوفهم، فقال الأمجد والأسعد: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما هذا الجيش الكبير؟ إن هذه أعداء لا محالة، وإن لم نتفق مع هذه الملكة مرجانة على قتالهم أخذوا منا المدينة وقتلونا، وليس لنا حيلة إلا أننا نخرج إليهم ونكشف خبرهم. ثم قام الأمجد وخرج من باب المدينة، وتجاوز جيش الملكة مرجانة، فلما وصل إلى العسكر وجده عسكر جده الملك الغيور أبي أمه الملكة بدور. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 248 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمجد لما وصل إلى العسكر وجده عسكر جده الملك الغيور، صاحب الجزائر والبحور والسبعة قصور، فلما صار قدامه قبل الأرض بين يديه وبلغه الرسالة. قال الملك: أنا اسمي الملك الغيور، وقد جئت عابر سبيل؛ لأن الزمان قد فجعني في ابنتي بدور، فإنها فارقتني وما رجعت إلي، وما سمعت لها ولا لزوجها قمر الزمان خبرا، فهل عندكم خبر بهما؟ فلما سمع الأمجد ذلك أطرق إلى الأرض ساعة يتفكر حتى تحقق أنه جده أبو أمه، ثم رفع رأسه، وقبل الأرض بين يديه، وأخبره أنه ابن بنته بدور؛ فلما سمع الملك أنه ابن بنته بدور، رمى نفسه عليه وصارا يبكيان، ثم قال الملك الغيور: الحمد لله ms0718 يا ولدي على السلامة حيث اجتمعت بك. ثم حكى له الأمجد أن ابنته بدور في عافية، وكذلك أبوه قمر الزمان، وأخبره أنهما في مدينة يقال لها جزيرة الأبنوس، وحكى له أن قمر الزمان والده غضب عليه وعلى أخيه وأمر بقتلهما، وأن الخازندار رق لهما وتركهما بلا قتل، فقال الملك الغيور: أنا أرجع بك وبأخيك إلى والدك وأصلح بينكم وأقيم عندكم. فقبل الأرض بين يديه، ثم خلع الملك الغيور على الأمجد ابن بنته، ورجع مبتسما إلى الملك وأعلمه بقصة الملك الغيور، فتعجب منها غاية العجب، ثم أرسل له آلات الضيافة من الخيل والجمال والغنم والعليق وغير ذلك، وأخرج للملكة مرجانة كذلك، وأعلموها بما جرى، فقالت: أنا اذهب معكم بعسكري وأكون ساعية في الصلح. # فبينما هم كذلك، وإذا بغبار قد ثار حتى سد الأقطار، واسود منه النهار، وسمعوا من تحته صياحا وصراخا وصهيل الخيل، ورأوا سيوفا تلمع ورماحا تشرع، فلما قربوا من المدينة ورأوا العسكرين دقوا الطبول، فلما رأى الملك ذلك قال: ما هذا النهار إلا نهار مبارك، الحمد لله الذي أصلحنا مع هذين العسكرين، وإن شاء الله تعالى يصلحنا مع هذا العسكر أيضا. ثم قال: يا أمجد، اخرج أنت وأخوك الأسعد، واكشفا لنا خبر هذه العساكر، فإنه جيش ثقيل ما رأيت أثقل منه. فخرج الاثنان الأمجد وأخوه الأسعد بعد أن أغلق الملك باب المدينة خوفا من العسكر المحيط بها، ففتحا الأبواب وسارا حتى وصلا إلى العسكر الذي وصل؛ فوجداه عسكر ملك جزائر الأبنوس، وفيه والدهما قمر الزمان، فلما نظراه قبلا الأرض بين يديه وبكيا، فلما رآهما قمر الزمان رمى روحه عليهما، وبكى بكاء شديدا، واعتذر لهما وضمهما إلى صدره، ثم أخبرهما بما قاساه بعدهما من الوحشة الشديدة لفراقهما. ثم إن الأمجد والأسعد ذكرا له عن الملك الغيور أنه وصل إليهم، فركب قمر الزمان في خواصه، وأخذ ولديه الأمجد والأسعد معه، وساروا حتى وصلوا إلى قرب عسكر الملك الغيور، فسبق واحد منهم إلى الملك الغيور وأخبره أن قمر الزمان وصل، فطلع إلى ms0719 ملاقاته، فاجتمعوا ببعضهم وتعجبوا من هذه الأمور، وكيف اجتمعوا في هذا المكان، وصنع أهل المدينة الولائم وأنواع الأطعمة والحلويات، وقدموا الخيول والجمال، والضيافات والعليق، وما تحتاج إليه العساكر. # فبينما هم كذلك، وإذا بغبار قد ثار حتى سد الأقطار، وارتجت الأرض من الخيول، وصارت الطبول كعواصف الرياح، والجيش جميعه بالعدد والأزراد، وكلهم لابسون السواد، وفي وسطهم شيخ كبير، وذقنه واصلة إلى صدره، وعليه ملابس سود، فلما نظر أهل المدينة هذه العساكر العظيمة، قال صاحب المدينة للملوك: الحمد لله الذي اجتمعتم بإذنه تعالى في يوم واحد، وطلعتم كلكم معارف، فما هذا العسكر الجرار الذي قد سد الأقطار؟ فقال له الملوك: لا تخف منه، فنحن ثلاثة ملوك، وكل ملك له عساكر كثيرة، فإن كانوا أعداء نقاتلهم معك، ولو زادوا ثلاثة أمثالهم. # فبينما هم كذلك وإذا برسول من تلك العساكر قد أقبل متوجها إلى هذه المدينة، فقدموه بين يدي قمر الزمان والملك الغيور والملكة مرجانة والملك صاحب المدينة؛ فقبل الأرض وقال: إن هذا الملك من بلاد العجم، وقد فقد ولده من مدة سنين، وهو دائر يفتش عليه في الأقطار، فإن وجده عندكم فلا بأس عليكم، وإن لم يجده وقع الحرب بينه وبينكم، وأخرب مدينتكم. فقال له قمر الزمان: ما يصل إلى هذا، ولكن ما يقال له في بلاد العجم؟ فقال الرسول: يقال له الملك شهرمان صاحب جزائر خالدان، وقد جمع هذه العساكر من الأقطار التي مر بها وهو دائر يفتش على ولده. # فلما سمع قمر الزمان كلام الرسول صرخ صرخة عظيمة، وخر مغشيا عليه، واستمر في غشيته ساعة، ثم أفاق وبكى بكاء شديدا، وقال للأمجد والأسعد وخواصهما: امشوا يا أولادي مع الرسول، وسلموا على جدكم والدي الملك شهرمان، وبشروه بي؛ فإنه حزين على فقدي، وهو إلى الآن لابس الملابس السود من أجلي. ثم حكى للملوك الحاضرين جميع ما جرى له في أيام صباه؛ فتعجب جميع الملوك من ذلك، ثم نزلوا هم وقمر الزمان وتوجهوا إلى والده، فسلم قمر الزمان على والده وعانقا بعضهما ووقعا ms0720 مغشيا عليهما من شدة الفرح، فلما أفاقا حكى لابنه جميع ما جرى له، ثم سلم عليه بقية الملوك، وردوا مرجانة إلى بلادها بعد أن زوجوها للأسعد، ووصوها أنها لا تقطع عنهم مراسلتها، ثم زوجوا الأمجد بستان بنت بهرام، وسافروا كلهم إلى مدينة الأبنوس، وخلا قمر الزمان بصهره، وأعلمه بجميع ما جرى له، وكيف اجتمع بأولاده، ففرح وهنأه بالسلامة. ثم دخل الملك الغيور أبو الملكة بدور على بنته وسلم عليها، وبل شوقه منها، وقعدوا في مدينة الأبنوس شهرا كاملا، ثم سافر الملك الغيور بابنته إلى بلده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 249 ### || حكاية علاء الدين أبي الشامات # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك الغيور سافر بابنته وجماعته إلى بلده، وأخذ الأمجد معهم، فلما استقر في مملكته أجلس الأمجد يحكم مكان جده، وأما قمر الزمان فإنه أجلس ابنه الأسعد يحكم مكانه في مدينة جده أرمانوس، ورضي به جده، ثم تجهز قمر الزمان وسافر مع أبيه الملك شهرمان إلى أن وصل إلى جزائر خالدان، فزينت له المدينة واستمرت البشائر تدق شهرا كاملا، وجلس قمر الزمان يحكم مكان أبيه إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، والله أعلم. # فقال الملك: يا شهرزاد، إن هذه الحكاية عجيبة جدا. قالت: أيها الملك، ليست هذه الحكاية بأعجب من حكاية علاء الدين أبي الشامات. قال: وما حكاية علاء الدين أبي الشامات؟ # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجل تاجر بمصر يقال له شمس الدين، وكان من أحسن التجار، وأصدقهم مقالا، وهو صاحب خدم وحشم، وعبيد وجوار ومماليك ومال كثير، وكان شاه بندر التجار بمصر، وكان معه زوجة يحبها وتحبه، إلا أنه عاش معها أربعين عاما ولم يرزق منها ببنت ولا ولد، فقعد يوما من الأيام في دكانه فرأى التجار وكل واحد منهم له ولد أو ولدان أو أكثر، وهم قاعدون في دكاكين مثل آبائهم، وكان ذلك اليوم يوم جمعة، فدخل ذلك التاجر الحمام واغتسل غسل ms0721 الجمعة، ولما طلع أخذ مرآة المزين فرأى وجهه فيها، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ثم نظر إلى لحيته فرأى البياض غطى السواد، وتذكر أن الشيب نذير الموت، وكانت زوجته تعرف ميعاد مجيئه، فتغتسل وتصلح شأنها له، فدخل عليها، فقالت له: مساء الخير. فقال لها: أنا ما رأيت الخير. وكانت قالت للجارية: هاتي سفرة العشاء. فأحضرت الطعام وقالت له: تعش يا سيدي. فقال لها: ما آكل شيئا. وأعرض عن السفرة بوجهه، فقالت له: ما سبب ذلك؟ وأي شيء أحزنك؟ فقال لها: أنت سبب حزني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 250 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن شمس الدين قال لزوجته: أنت سبب حزني. فقالت له: لأي شيء؟ فقال لها: إني لما فتحت دكاني في هذا اليوم، رأيت كل واحد من التجار له ولد أو ولدان أو أكثر، وهم قاعدون في الدكاكين مثل آبائهم، فقلت لنفسي: إن الذي أخذ أباك ما يخليك، وليلة دخلت بك حلفتني أنني ما أتزوج عليك، ولا أتسرى بجارية حبشية ولا رومية ولا غير ذلك من الجواري، ولا أبيت ليلة بعيدا عنك، والحال أنك عاقر، والنكاح فيك كالنحت في الحجر. فقالت: اسم الله علي، إن العاقة منك ما هي مني؛ لأن بيضك رائق. فقال لها: وما شأن الذي بيضه رائق؟ فقالت: هو الذي لا يحبل النساء، ولا يجيء بأولاد. فقال لها: وأين معكر البيض وأنا أشتريه لعله يعكر بيضي؟ فقالت له: فتش عليه عند العطارين. # فبات التاجر وأصبح متندما حيث عاير زوجته، وندمت هي حيث عايرته. ثم توجه إلى السوق فوجد رجلا عطارا، فقال له: السلام عليكم. فرد عليه السلام، فقال له: هل يوجد عندك معكر البيض؟ فقال له: كان عندي وجبر، ولكن اسأل جاري. فدار يسأل حتى سأل جميع العطارين، وهم يضحكون عليه، وبعد ذلك رجع إلى دكانه وقعد، فكان في السوق نقيب الدلالين، وكان رجلا حشاشا يتعاطى الأفيون والبرش، ويستعمل الحشيش الأخضر، وكان ذلك ms0722 النقيب يسمى الشيخ محمد سمسم، وكان فقير الحال، وكان من عادته أن يصبح على التاجر في كل يوم، فجاءه على عادته وقال له: السلام عليكم. فرد عليه السلام وهو مغتاظ، فقال له: يا سيدي ما لك مغتاظا؟ فحكى له جميع ما جرى بينه وبين زوجته، وقال له: إن لي أربعين سنة وأنا متزوج بها، ولم تحبل مني بولد ولا ببنت، وقالوا لي: سبب عدم حبلها منك أن بيضك رائق، ففتشت على شيء أعكر به بيضي فلم أجده. فقال له: يا سيدي، أنا عندي معكر البيض، فما تقول فيمن يجعل زوجتك تحبل منك بعد هذه الأربعين سنة التي مضت؟ قال له التاجر: إن فعلت ذلك فأنا أحسن إليك وأنعم عليك. فقال له: هات لي دينارا. فقال له: خذ هذين الدينارين. فأخذهما وقال له: هات هذه السلطانية الصيني. فأعطاه السلطانية فأخذها وتوجه إلى بياع الحشيش، وأخذ منه من المكركر الرومي قدر أوقيتين، وأخذ جانبا من الكبابة الصيني، والقرفة، والقرنفل، والحبهان، والزنجبيل، والفلفل الأبيض، والسقنقور الجبلي، ودق الجميع وغلاها في الزيت الطيب، وأخذ ثلاث أواقي حصى لبان ذكر، وأخذ مقدار قدح من الحبة السوداء ونقعه، وعمل جميع ذلك معجونا بالعسل النحلي، وحطه في السلطانية ورجع بها إلى التاجر وأعطاها له، وقال له: هذا معكر البيض، فينبغي أن تأخذ منه على رأس الملوق بعد أن تأكل اللحم الضاني، والحمام البيتي، وتكثر له الحرارات والبهارات، وتتعشى وتشرب السكر المكرر. # فأحضر التاجر جميع ذلك، وأرسله إلى زوجته، وقال لها: اطبخي ذلك طبخا جيدا، وخذي معكر البيض، واحفظيه عندك حتى أطلبه. ففعلت ما أمرها به، ووضعت له الطعام فتعشى، ثم إنه طلب السلطانية فأكل منها فأعجبته، فأكل بقيتها وواقع زوجته؛ فعلقت منه تلك الليلة، ففات عليها أول شهر والثاني والثالث ولم ينزل عليها الدم؛ فعلمت أنها حملت، ثم وفت أيام حملها ولحقها الطلق، وقامت الأفراح، فقامت الداية المشقة في الخلاص، ورقته باسمي محمد وعلي، وكبرت وأذنت في أذنه، ولفته وأعطته لأمه، فأعطته ثديها وأرضعته فشرب وشبع ونام، ms0723 وأقامت الداية عندهم ثلاثة أيام حتى عملوا الحلاوة ليفرقوها في اليوم السابع، ثم رشوا ملحه، ودخل التاجر وهنأ زوجته بالسلامة، وقال لها: أين وديعة الله؟ فقدمت له مولودا بديع الجمال صنع المدبر الموجود، وهو ابن سبعة أيام، ولكن الذي ينظره يقول عليه إنه ابن عام، فنظر التاجر في وجهه فرآه بدرا مشرقا، وله شامات على الخدين، فقال لها: ما سميته؟ فقالت له: لو كان بنتا كنت سميتها، وهذا ولد فلا يسميه إلا أنت. # وكان أهل ذلك الزمن يسمون أولادهم بالفأل، فبينما هم يتشاورون في الاسم، وإذا بواحد يقول: يا سيدي علاء الدين. فقال لها: نسميه بعلاء الدين أبي الشامات. ووكل به المراضع والدايات، فشرب اللبن عامين وفطموه، فكبر وانتشى، وعلى الأرض مشى، فلما بلغ من العمر سبع سنين أدخلوه تحت طابق خوفا عليه من العين، وقال: هذا لا يخرج من الطابق حتى تطلع لحيته. ووكل به جارية وعبدا، فصارت الجارية تهيئ له السفرة والعبد يحملها إليه، ثم إنه طهره، وعمل له وليمة عظيمة، ثم بعد ذلك أحضر له فقيها يعلمه؛ فعلمه الخط والقرآن والعلم إلى أن صار ماهرا وصاحب معرفة. فاتفق أن العبد أوصل إليه السفرة في بعض الأيام ونسي الطابق مفتوحا، فطلع علاء الدين من الطابق، ودخل على أمه، وكان عندها محضر من أكابر النساء. فبينما النساء يتحدثن مع أمه، وإذا هو داخل عليهن كالمملوك السكران من فرط جماله، فحين رآه النسوة غطين وجوههن وقلن لأمه: الله يجازيك يا فلانة، كيف تدخلين علينا هذا المملوك الأجنبي؟ أما تعلمين أن الحياء من الإيمان؟ فقالت لهن: سمين الله، إن هذا ولدي وثمرة فؤادي، وابن شاه بندر التجار شمس الدين ابن الدادة والقلادة والقشفة واللبابة. فقلن لها: عمرنا ما رأينا لك ولدا. فقالت: إن أباه خاف عليه من العين، فجعل مرباه في طابق تحت الأرض. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 251 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أم علاء الدين قالت للنسوان: إن أباه خاف عليه من ms0724 العين، فجعل مرباه في طابق تحت الأرض، فلعل الخادم نسي الطابق مفتوحا فطلع منه، ولم يكن مرادنا أن يطلع منه حتى تطلع لحيته. فهنأها النسوة بذلك، وطلع الغلام من عند النسوة إلى حوش البيت، ثم طلع المقعد وجلس فيه. فبينما هو جالس، وإذا بالعبيد قد دخلوا ومعهم بغلة أبيه، فقال لهم علاء الدين: أين كانت هذه البغلة؟ فقالوا له: نحن وصلنا أباك إلى الدكان وهو راكب عليها وجئنا بها. فقال لهم: أي شيء صنعة أبي؟ فقالوا له: إن أباك شاه بندر التجار بأرض مصر، وهو سلطان أولاد العرب. فدخل علاء الدين على أمه، وقال لها: يا أمي ما صناعة أبي؟ فقالت له: يا ولدي، إن أباك تاجر، وهو شاه بندر التجار بأرض مصر، وسلطان أولاد العرب، وعبيده لا تشاوره في البيع إلا على البيعة التي يكون أقل ثمنها ألف دينار، وأما البيعة التي تكون بتسعمائة دينار فأقل فإنهم لا يشاورونه عليها، بل يبيعونها بأنفسهم، ولا يأتي متجر من بلاد الناس قليلا أو كثيرا إلا ويدخل تحت يده، ويتصرف فيه كيف يشاء، ولا ينحزم متجر ويروح بلاد الناس إلا ويكون من تحت يد أبيك، والله تعالى أعطى أباك يا ولدي مالا كثيرا لا يحصى. فقال لها: يا أمي، الحمد لله أنا ابن سلطان أولاد العرب، ووالدي شاه بندر التجار، ولأي شيء يا أمي تحطونني في الطابق، وتتركونني محبوسا فيه؟ فقالت له: يا ولدي، نحن ما حططناك في الطابق إلا خوفا عليك من أعين الناس، فإن العين حق، وأكثر أهل القبور من العين. فقال لها: يا أمي، وأين المفر من القضاء؟ والحذر لا يمنع القدر، والمكتوب ما منه مهروب، وإن الذي أخذ جدي لا يترك أبي، فإنه إن عاش اليوم ما يعيش غدا، وإذا مات أبي وطلعت أنا وقلت: أنا علاء الدين ابن التاجر شمس الدين، لا يصدقني أحد من الناس، والاختيارية يقولون: عمرنا ما رأينا لشمس الدين ولدا ولا بنتا. فينزل بيت المال، ويأخذ مال أبي، ورحم الله من قال: يموت ms0725 الفتى ويذهب ماله، ويأخذ أندل الرجال نساءه. فأنت يا أمي تكلمين أبي حتى يأخذني معه إلى السوق، ويفتح لي دكانا، وأقعد فيه ببضائع، ويعلمني البيع والشراء، والأخذ والعطاء. فقالت له: يا ولدي، لما يحضر أبوك أخبره بذلك. # فلما رجع التاجر إلى بيته، وجد ابنه علاء الدين أبا الشامات قاعدا عند أمه، فقال لها: لأي شيء أخرجته من الطابق؟ فقالت له: يا ابن عمي، أنا ما أخرجته، ولكن الخدم نسوا الطابق مفتوحا. فبينما أنا قاعدة وعندي محضر من أكابر النساء، وإذا به دخل علينا ... وأخبرته بما قاله ولده، فقال له: يا ولدي، في غد إن شاء الله تعالى آخذك معي إلى السوق، ولكن يا ولدي قعود الأسواق والدكاكين يحتاج إلى الأدب والكمال في كل حال. فبات علاء الدين وهو فرحان من كلام أبيه، فلما أصبح الصباح أدخله الحمام، وألبسه بدلة تساوي جملة من المال، ولما أفطروا وشربوا الشربات ركب بغلته وأركب ولده بغلة، وأخذه وراءه، وتوجه به إلى السوق؛ فنظر أهل السوق شاه بندر التجار مقبلا ووراءه غلام كأن وجهه القمر في ليلة أربعة عشر، فقال واحد منهم لرفيقه: انظر هذا الغلام الذي وراء شاه بندر التجار، قد كنا نظن به الخير وهو مثل الكرات شائب وقلبه أخضر. فقال الشيخ محمد سمسم النقيب المتقدم ذكره للتجار: نحن ما بقينا نرضى به أن يكون شيخا علينا أبدا. # وكان من عادة شاه بندر التجار أنه لما يأتي من بيته في الصباح ويقعد في دكانه، يتقدم نقيب السوق ويقرأ الفاتحة للتجار، فيقومون معه ويأتون إلى شاه بندر التجار، ويقرءون له الفاتحة ويصبحون عليه، ثم ينصرف كل واحد منهم إلى دكانه. فلما قعد شاه بندر التجار في دكانه ذلك اليوم على عادته، لم تأت إليه التجار حسب عادتهم، فنادى النقيب وقال له: لأي شيء لم تجتمع التجار على جري عادتهم؟ فقال له: أنا ما أعرف نقل الفتن، إن التجار اتفقوا على عزلك من المشيخة، ولا يقرءون لك فاتحة. فقال له: ما سبب ذلك؟ فقال له: ms0726 ما شأن هذا الولد الجالس بجانبك، وأنت اختيار ورئيس التجار؟ فهل هذا الولد مملوكك أو يقرب لزوجتك؟ وأظن أنك تعشقه وتميل إلى الغلام. فصرخ عليه وقال له: اسكت قبح الله ذاتك وصفاتك، هذا ولدي. فقال له: عمرنا ما رأينا لك ولدا. فقال له: لما جئتني بمعكر البيض حملت زوجتي وولدته، ولكن من خوفي عليه من العين ربيته في طابق تحت الأرض، وكان مرادي أنه لا يطلع من الطابق حتى يمسك لحيته بيده، فما رضيت أمه، وطلب مني أن أفتح دكانا وأحط عنده بضائع وأعلمه البيع والشراء. فذهب النقيب إلى التجار، وأخبرهم بحقيقة الأمر، فقاموا كلهم بصحبته وتوجهوا إلى شاه بندر التجار، ووقفوا بين يديه، وقرءوا الفاتحة، وهنوه بذلك الغلام، وقالوا له: ربنا يبقي الأصل والفرع، ولكن الفقير منا لما يأتيه ولد أو بنت لا بد أن يصنع لإخوانه دست عصيدة، ويعزم معارفه وأقاربه، وأنت لم تعمل ذلك. فقال لهم: لكم علي ذلك، ويكون اجتماعنا في البستان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 252 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن شاه بندر التجار وعد التجار بالسماط، وقال لهم: يكون اجتماعنا في البستان. فلما أصبح الصباح أرسل الفراش للقاعة والقصر اللذين في البستان، وأمره بفرشهما، وأرسل آلة الطبخ من خرفان وسمن وغير ذلك مما يحتاج إليه الحال، وعمل سماطين؛ سماطا في القصر، وسماطا في القاعة. وتحزم التاجر شمس الدين، وتحزم ولده علاء الدين، وقال له: يا ولدي، إذا دخل الرجل الشائب فأنا أتلقاه وأجلسه على السماط الذي في القصر، وأنت يا ولدي إذا دخل الولد الأمرد فخذه، وادخل به القاعة، وقعده على السماط. فقال له: لأي شيء يا أبي؟ ما سبب أنك تعمل سماطين؛ واحدا للرجال، وواحدا للأولاد؟ فقال: يا ولدي، إن الأمرد يستحي أن يأكل عند الرجال. فاستحسن ذلك ولده، فلما جاء التجار، صار شمس الدين يقابل الرجال ويجلسهم في القصر، وولده علاء الدين يقابل الأولاد ويجلسهم في القاعة، ثم وضعوا الطعام فأكلوا وشربوا، وتلذذوا وطربوا، وشربوا ms0727 الشربات، وأطلقوا البخور، ثم قعد الاختيارية في مذاكرة العلم والحديث، وكان بينهم رجل تاجر يسمى محمود البلخي، وكان مسلما في الظاهر ومجوسيا في الباطن، وكان يبغي الفساد ويهوى الأولاد، فنظر إلى علاء الدين نظرة أعقبته ألف حسرة، وعلق له الشيطان جوهرة في وجهه، فأخذه به الغرام والوجد والهيام. وكان ذلك التاجر الذي اسمه محمود البلخي يأخذ القماش والبضائع من والد علاء الدين، ثم إن محمود البلخي قام يتمشى وانعطف نحو الأولاد، فقاموا لملتقاه، وكان علاء الدين انحصر فقام يزيل الضرورة، فالتفت التاجر محمود إلى الأولاد وقال لهم: إن طيبتم خاطر علاء الدين على السفر معي، أعطيت كل واحد منكم بدلة تساوي جملة من المال. ثم توجه من عندهم إلى مجلس الرجال. # فبينما الأولاد جالسون، وإذا بعلاء الدين أقبل عليهم فقاموا لملتقاه، وأجلسوه بينهم في صدر المقام؛ فقام ولد منهم وقال لرفيقه: يا سيدي حسن، أخبرني برأس المال الذي عندك تبيع فيه وتشتري، من أين جاء؟ فقال له: أنا لما كبرت وانتشأت وبلغت مبلغ الرجال قلت لأبي: يا والدي أحضر لي متجرا. فقال: يا ولدي، ما عندي شيء، ولكن رح خذ لك مالا من واحد تاجر واتجر به، وتعلم البيع والشراء، والأخذ والعطاء. فتوجهت إلى واحد من التجار، واقترضت منه ألف دينار، فاشتريت بها قماشا وسافرت به إلى الشام، فربحت المثل مثلين، ثم أخذت متجرا من الشام، وسافرت به إلى بغداد وبعته، ثم ربحت المثل مثلين، ولم أزل أتجر حتى صار رأس مالي نحو عشرة آلاف دينار. وصار كل واحد من الأولاد يقول لرفيقه مثل ذلك إلى أن دار الدور، وجاء الكلام إلى علاء الدين أبي الشامات، فقالوا له: وأنت يا سيدي علاء الدين؟ فقال لهم: أنا تربيت في طابق تحت الأرض، وطلعت منه في هذه الجمعة، وأنا أروح الدكان وأرجع منه إلى البيت. فقالوا له: أنت متعود على قعود البيت، ولا تعرف لذة السفر، والسفر ما يكون إلا للرجال. فقال لهم: أنا ما لي حاجة بالسفر، وليس للراحة قيمة. فقال ms0728 واحد منهم لرفيقه: هذا مثل السمك إذا فارق الماء مات. ثم قالوا له: يا علاء الدين، ما فخر أولاد التجار إلا بالسفر لأجل المكسب. فحصل لعلاء الدين غيظ بسبب ذلك، وطلع من عند الأولاد وهو باكي العين حزين الفؤاد، وركب بغلته وتوجه إلى البيت، فرأته أمه في غيظ زائد، باكي العين، فقالت له: ما يبكيك يا ولدي؟ فقال لها: إن أولاد التجار جميعا عايروني، وقالوا لي: ما فخر أولاد التجار إلا بالسفر لأجل أن يكسبوا الدراهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 253 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علاء الدين قال لوالدته: إن أولاد التجار عايروني، وقالوا لي: ما فخر أولاد التجار إلا بالسفر لأجل أن يكسبوا الدراهم والدنانير. فقالت له أمه: يا ولدي، هل مرادك السفر؟ قال: نعم. فقالت له: تسافر إلى أي البلاد؟ فقال لها: إلى مدينة بغداد، فإن الإنسان يكتسب فيها المثل مثلين. فقالت له: يا ولدي، إن أباك عنده مال كثير، وإن لم يجهز لك متجرا من ماله فأنا أجهز لك متجرا من عندي. فقال لها: خير البر عاجله، وإن كان معروفا فهذا وقته. فأحضرت العبيد وأرسلتهم إلى الذين يحزمون القماش، وفتحت حاصلا وأخرجت له منه قماشا، وحزموا له عشرة أحمال. # هذا ما كان من أمر أمه، وأما ما كان من أمر أبيه، فإنه التفت فلم يجد ابنه علاء الدين في البستان، فسأل عنه فقالوا له: إنه ركب بغلته وراح إلى البيت. فركب وتوجه خلفه، فلما دخل منزله رأى أحمالا محزومة فسأل عنها، فأخبرته زوجته بما وقع من أولاد التجار لولده علاء الدين، فقال له: يا ولدي، خيب الله الغربة! فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سعادة المرء أن يرزق في بلده.» وقال الأقدمون: دع السفر ولو كان ميلا. ثم قال لولده: هل صممت على السفر، ولا ترجع عنه؟ فقال له ولده: لا بد لي من السفر إلى بغداد بمتجر، وإلا قلعت ثيابي ولبست ثياب الدراويش، وطلعت سائحا ms0729 في البلاد. فقال له: ما أنا محتاج ولا معدم، بل عندي مال كثير. وأراه جميع ما عنده من المال والمتاجر والقماش، وقال له: أنا عندي لكل بلد ما يناسبه من القماش والمتاجر. وأراه من جملة ذلك أربعين حملا محزومة، مكتوبا بأعلى كل حمل ثمنه ألف دينار، ثم قال له: يا ولدي، خذ الأربعين حملا، والعشرة أحمال التي من عند أمك، وسافر مع سلامة الله تعالى، ولكن يا ولدي أخاف عليك من غابة في طريقك تسمى غابة الأسد، وواد هناك يقال له وادي الكلاب؛ فإنهما تروح فيهما الأرواح بغير سماح. فقال له: لماذا يا والدي؟ فقال: من بدوي قاطع الطريق يقال له عجلان. فقال له: الرزق رزق الله، وإن كان لي فيه نصيب لم يصبني ضرر. ثم ركب علاء الدين مع والده، وسار إلى سوق الدواب، وإذا بعكام نزل من فوق بغلته، وقبل يد شاه بندر التجار، وقال له: والله زمان يا سيدي ما استقضيتنا في تجارات. فقال له: لكل زمان دولة ورجال، ورحم الله من قال: # وشيخ في جهات الأرض يمشي %~% ولحيته تقابل ركبتيه ~~فقلت له لماذا أنت محنى %~% فقال وقد لوى نحوي يديه ~~شبابي في الثرى قد ضاع مني %~% وها أنا منحن بحثا عليه # فلما فرغ من شعره قال: يا مقدم، ما مراده السفر إلا ولدي هذا. فقال له العكام: الله يحفظه عليك. ثم إن شاه بندر التجار عاهد بين ولده وبين العكام، وجعله ولده وأوصاه عليه، وقال له: خذ هذه المائة دينار لغلمانك. ثم إن شاه بندر التجار اشترى ستين بغلا وسترا لسيدي عبد القادر الجيلاني، وقال له: يا ولدي، أنا غائب وهذا أبوك عوضا عني، وجميع ما يقوله طاوعه فيه. ثم توجه بالبغال والغلمان، وعملوا في تلك الليلة ختمة ومولدا للشيخ عبد القادر الجيلاني، ولما أصبح الصباح أعطى شاه بندر التجار لولده عشرة آلاف دينار، وقال له: إذا دخلت بغداد، ولقيت القماش رائجا معه فبعه، وإن لقيت حاله واقفا فاصرف من هذه الدنانير. ثم حملوا البغال، وودعوا ms0730 بعضهم، وساروا متوجهين حتى خرجوا من المدينة، وكان محمود البلخي تجهز للسفر إلى جهة بغداد، وأخرج حموله ونصب صواوينه خارج المدينة، وقال في نفسه: ما تحظى بهذا الولد إلا في الخلاء؛ لأنه لا واشي ولا رقيب يعكر عليك. وكان لأبي الولد ألف دينار عند محمود البلخي بقية معاملة، فذهب إليه وودعه وقال له: أعط الألف دينار لولدي علاء الدين. وأوصاه عليه وقال له: إنه مثل ولدك. فاجتمع علاء الدين بمحمود البلخي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 254 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علاء الدين اجتمع بمحمود البلخي، فقام محمود البلخي وأوصى طباخ علاء الدين أنه لا يطبخ شيئا، وصار محمود يقدم لعلاء الدين المأكل والمشرب هو وجماعته، ثم توجهوا للسفر. وكان للتاجر محمود البلخي أربعة بيوت: واحد في مصر، وواحد في الشام، وواحد في حلب، وواحد في بغداد، ولم يزالوا مسافرين في البراري والقفار حتى أشرفوا على الشام، فأرسل محمود عبده إلى علاء الدين فرآه قاعدا يقرأ، فتقدم وقبل أياديه، فقال: ما تطلب؟ فقال له: سيدي يسلم عليك، ويطلبك لعزومته في منزله. فقال له: لما أشاور أبي المقدم كمال الدين العكام. فشاوره على الرواح فقال له: لا ترح. ثم سافروا من الشام إلى أن دخلوا حلب، فعمل محمود البلخي عزومة وأرسل يطلب علاء الدين، فشاور المقدم فمنعه، وسافروا من حلب إلى أن بقي بينهم وبين بغداد مرحلة، فعمل محمود البلخي عزومة وأرسل يطلب علاء الدين، فشاور المقدم فمنعه، فقال علاء الدين: لا بد لي من الرواح. ثم قام وتقلد بسيف تحت ثيابه، وسار إلى أن دخل على محمود البلخي، فقام لملتقاه وسلم عليه، وأحضر له سفرة عظيمة، فأكلوا وشربوا وغسلوا أيديهم، ومال محمود البلخي على علاء الدين ليأخذ منه قبلة فلاقاها في كفه، وقال له: ما مرادك أن تعمل؟ فقال: إني أحضرتك، ومرادي أعمل معك حظا في هذا المجال، وتفسر قول من قال: # أيمكن أن تجيء لنا لحيظة %~% كحلب شويهة أو شي بيضة ~~وتأكل ms0731 ما تيسر من خبيز %~% وتقبض ما تحصل من فضيضة ~~وتحمل ما تشاء بغير عسر %~% شبيرا أو فتيرا أو قبيضة # ثم إن محمود البلخي هم بعلاء الدين وأراد أن يفترسه، فقام علاء الدين وجرد سيفه، وقال له: وا شيبتاه! أما تخشى الله، وهو شديد المحال؟ ولم تسمع قول من قال: # احفظ مشيبك من عيب يدنسه %~% إن البياض سريع الحمل للدنس # فلما فرغ علاء الدين من شعره قال لمحمود: إن هذه البضاعة أمانة الله لا تباع، ولو بعتها لغيرك بالذهب لبعتها لك بالفضة، ولكن والله يا خبيث ما بقيت أرافقك أبدا. ثم رجع علاء الدين إلى المقدم كمال الدين وقال له: إن هذا رجل فاسق، فأنا ما بقيت أرافقه أبدا، ولا أمشي معه في طريق. فقال له: يا ولدي، أما قلت لك لا ترح عنده؟ ولكن يا ولدي إن افترقنا معه نخشى على أنفسنا التلف، فخلنا قفلا واحدا. فقال له: لا يمكن أن أرافقه في الطريق أبدا. ثم حمل علاء الدين حموله وسار هو ومن معه إلى أن نزلوا في واد، وأرادوا أن يحطوا فيه، فقال العكام: لا تحطوا هنا، واستمروا رائحين، وأسرعوا في المسير لعلنا نحصل بغداد قبل أن تقفل أبوابها؛ فإنهم لا يفتحونها ولا يقفلونها إلا بشمس؛ خوفا على المدينة أن يملكها الروافض، ويرموا كتب العلم في الدجلة. فقال له: يا والدي، أنا ما توجهت بهذا المتجر إلى هذه البلد لأجل السبب، بل لأجل الفرجة على بلاد الناس. فقال له: يا ولدي، نخشى عليك وعلى مالك من العرب. فقال له: يا رجل، هل أنت خادم أم مخدوم؟ أنا ما أدخل بغداد إلا مع الصباح؛ لأجل أن تنظر أولاد بغداد إلى متجري ويعرفوني. فقال له العكام: افعل ما تريد، فأنا نصحتك وأنت تعرف خلاصك. # فأمرهم علاء الدين بتنزيل الأحمال عن البغال، فأنزلوا الأحمال ونصبوا الصيوان، واستمروا مقيمين إلى نصف الليل، ثم طلع علاء الدين يزيل ضرورة، فرأى شيئا يلمع على بعد، فقال للعكام: يا مقدم، ما هذا الشيء الذي يلمع؟ فتأمل ms0732 العكام وحقق النظر، فرأى الذي يلمع أسنة رماح وحديد وسلاح، وسيوفا بدوية، وإذا بهم عرب، ورئيسهم يسمى شيخ العرب عجلان أبو نائب، ولما قرب العرب منهم، ورأوا حمولهم قالوا لبعضهم: يا ليلة الغنيمة! فلما سمعوهم يقولون ذلك، قال المقدم كمال الدين العكام: حاس يا أقل العرب. فلطشه أبو نائب بحربته في صدره، فخرجت تلمع من ظهره، فوقع على باب الخيمة قتيلا، فقال السقاء: حاس يا أخس العرب. فضربوه بسيف على عاتقه فخرج يلمع من علائقه، ووقع قتيلا. كل هذا جرى وعلاء الدين واقف ينظر، ثم إن العرب جالوا وصالوا على القافلة فقتلوهم، ولم يبقوا أحدا من طائفة علاء الدين، ثم حملوا الأحمال على ظهور البغال وراحوا، فقال علاء الدين لنفسه: ما يقتلك إلا بغلتك وبدلتك هذه. فقام وقطع البدلة ورماها على ظهر البغلة، وصار القميص واللباس فقط، والتفت قدامه إلى باب الخيمة فوجد بركة دم سائلة من القتلى، فصار يتمرغ فيها بالقميص واللباس حتى صار كالقتيل الغريق في دمه. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر شيخ العرب عجلان، فإنه قال لجماعته: يا عرب، هذه القافلة داخلة من مصر أم خارجة من بغداد؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 255 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن البدوي لما قال لجماعته: هذه القافلة داخلة من مصر أم خارجة من بغداد؟ قالوا له: داخلة من مصر إلى بغداد. فقال لهم: ردوا على القتلى؛ لأني أظن أن صاحب هذه القافلة لم يمت. فرد العرب على القتلى، وصاروا يردون القتلى بالطعن والضرب إلى أن وصلوا إلى علاء الدين، وكان قد ألقى بنفسه بين القتلى، فلما وصلوا إليه قالوا: أنت جعلت نفسك ميتا فنحن نكمل قتلك. وسحب البدوي الحربة وأراد أن يغرزها في صدر علاء الدين، فقال علاء الدين: يا بركتك يا سيدي عبد القادر يا جيلاني. فنظر علاء الدين إلى يد حولت الحربة عن صدره إلى صدر المقدم كمال الدين العكام، فطعنه البدوي بها وامتنع عن علاء ms0733 الدين. ثم حملوا الأحمال على ظهور البغال ومشوا بها، فنظر علاء الدين فرأى الطير قد طارت بأرزاقها، فقام يجري وإذا بالبدوي أبي نائب قال لرفقاته: أنا رأيت زوالا يا عرب. فطلع واحد منهم فرأى علاء الدين يجري، فقال له: لا ينفعك الهروب ونحن وراءك. ولكز فرسه فأسرعت وراءه، وكان علاء الدين قد رأى قدامه حوضا فيه ماء وبجانبه صهريج، فطلع علاء الدين إلى شباك في الصهريج وتمدد وجعل نفسه أنه نائم وقال: يا جميل الستر سترك الذي لا ينكشف. وإذا بالبدوي وقف تحت الصهريج ومد يده ليقتنص علاء الدين، فقال علاء الدين: يا بركتك يا سيدتي نفيسة، هذا وقتك. وإذا بعقرب لدغ البدوي في كفه فصرخ، وقال: يا عرب، تعالوا فإني لدغت. ونزل من فوق ظهر فرسه، فأتاه رفقاؤه وأركبوه ثانيا على فرسه، وقالوا له: أي شيء أصابك؟ فقال لهم: لدغني عقرب. ثم أخذوا القافلة وساروا. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر علاء الدين فإنه استمر نائما في شباك الصهريج. # وأما ما كان من أمر محمود البلخي فإنه أمر بتحميل الأحمال، وسافر إلى أن وصل إلى غابة الأسد، فوجد غلمان علاء الدين كلهم قتلى، ففرح بذلك وترجل إلى أن وصل إلى الصهريج والحوض، وكانت بغلته شديدة العطش، فمالت لتشرب من الحوض، فرأت خيال علاء الدين فجفلت منه، فرفع محمود البلخي عينه فرأى علاء الدين نائما وهو عريان، بالقميص واللباس فقط، فقال له: من فعل بك هذه الفعال، وخلاك في أسوأ حال؟ فقال له: العرب. فقال له: يا ولدي، فداك البغال والأموال، وتسل بقول من قال: # إذا سلمت هام الرجال من الردى %~% فما المال إلا مثل قص الأظافر # ولكن يا ولدي انزل، ولا تخش بأسا. فنزل علاء الدين من شباك الصهريج، وأركبه بغلة، وسافروا إلى أن دخلوا مدينة بغداد في دار محمود البلخي، فأمر بدخول علاء الدين الحمام، وقال له: المال والأحمال فداؤك يا ولدي، وإن طاوعتني أعطك قدر مالك وأحمالك مرتين. وبعد طلوعه من الحمام أدخله ms0734 قاعة مزركشة بالذهب لها أربعة لواوين، ثم أمر بإحضار سفرة فيها جميع الأطعمة، فأكلوا وشربوا، ومال محمود البلخي على علاء الدين ليأخذ من خده قبلة، فلقيها علاء الدين بكفه وقال له: هل أنت إلى الآن تابع لضلالك؟ أما قلت لك أنا لو كنت بعت هذه البضاعة لغيرك بالذهب، لكنت أبيعها لك بالفضة. فقال له: أنا ما أعطيك المتجر والبغلة والبدلة إلا لأجل هذه القضية، فإنني من غرامي بك في خبال، ولله در من قال: # حدثنا عن بعض أشياخه %~% أبو بلال شيخنا عن شريك ~~لا يشتفي العاشق مما به %~% بالضم والتقبيل حتى ينيك # فقال له علاء الدين: إن هذا شيء لا يمكن أبدا، فخذ بدلتك وبغلتك، وافتح لي الباب حتى أروح. ففتح له الباب، فطلع علاء الدين والكلاب تنبح وراءه وسار. فبينما هو سائر في الظلام إذ رأى باب مسجد، فدخل في دهليز المسجد واستكن فيه، وإذا بنور مقبل عليه، فتأمله فرأى فانوسين في يدي عبدين قدام اثنين من التجار: واحد منهما اختيار حسن الوجه، والثاني شاب. فسمع الشاب يقول للاختيار: بالله يا عمي أن ترد لي بنت عمي. فقال له: أما نهيتك مرارا عديدة، وأنت جاعل الطلاق مصحفك. ثم إن الاختيار التفت على يمينه فرأى ذلك الولد كأنه فلقة قمر، فقال له: السلام عليك. فرد عليه السلام، فقال له: يا غلام، من أنت؟ فقال له: أنا علاء الدين بن شمس الدين شاه بندر التجار بمصر، وتمنيت على والدي المتجر فجهز لي خمسين حملا من البضاعة ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 256 ### || علاء الدين مع زبيدة العودية # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علاء الدين قال: فجهز لي والدي خمسين حملا من البضاعة، وأعطاني عشرة آلاف دينار، وسافرت حتى وصلت إلى غابة الأسد؛ فطلع علي العرب وأخذوا مالي وأحمالي، فدخلت هذه المدينة، وما أدري أين أبيت، فرأيت هذا المحل فاستكننت فيه. فقال له: يا ولدي، ما تقول في أني أعطيك ألف دينار، وبدلة بألف دينار؟ فقال ms0735 له علاء الدين: على أي وجه تعطيني ذلك يا عمي؟ فقال له: إن هذا الغلام الذي معي ابن أخي، ولم يكن لأبيه غيره، وأنا عندي بنت لم يكن لي غيرها تسمى زبيدة العودية، وهي ذات حسن وجمال، فزوجتها له وهو يحبها وهي تكرهه، فحنث في يمينه بالطلاق ثلاثا، فما صدقت زوجته بذلك حتى افترقت عنه، فساق علي جميع الناس أني أردها له، فقلت له هذا لا يصح إلا بالمستحل، واتفقت معه على أن نجعل المحلل له واحدا غريبا لا يعايره أحد بهذا الأمر، وحيث كنت أنت غريبا فتعال معنا لنكتب كتابك عليها، وتبيت عندها هذه الليلة، وتصبح تطلقها، ونعطيك ما ذكرته لك. فقال علاء الدين في نفسه: مبيت ليلة مع عروس في بيت على فراش، أحسن من مبيت في الأزقة والدهاليز. فسار معهما إلى القاضي، فلما نظر القاضي إلى علاء الدين وقعت محبته في قلبه، وقال لأبي البنت: أي شيء مرادكم؟ فقال: مرادنا أن نعمل هذا مستحلا لبنتنا، ولكن نكتب عليه حجة بمقدم الصداق عشرة آلاف دينار، فإن بات عندها ومتى أصبح طلقها، أعطينا له بدلة بألف دينار، وبغلة بألف دينار، وأعطيناه ألف دينار، وإن لم يطلقها يحط عشرة آلاف دينار. فعقدوا العقد على هذا الشرط، وأخذ أبو البنت حجة بذلك، ثم أخذ علاء الدين معه وألبسه البدلة، وساروا به إلى أن وصلوا دار بنته، فأوقفه على باب الدار، ودخل على بنته، وقال لها: خذي حجة صداقك، فإني كتبت كتابك على شاب مليح يسمى علاء الدين أبا الشامات، فتوصي به غاية الوصية. ثم أعطاها الحجة، وتوجه إلى بنته. # وأما ابن عم البنت فإنه كان له قهرمانة تتردد على زبيدة العودية بنت عمه، وكان يحسن إليها، فقال لها: يا أمي، إن زبيدة بنت عمي متى رأت هذا الشاب المليح لم تقبلني بعد ذلك، فأنا أطلب منك أن تعملي حيلة، وتمنعي الصبية عنه. فقالت له: وحياة شبابك ما أخليه يقربها. ثم إنها جاءت لعلاء الدين وقالت له: يا ولدي، أنصحك لله تعالى ms0736 فاقبل نصيحتي، ولا تقرب تلك الصبية، ودعها تنام وحدها، ولا تلمسها، ولا تدن منها. فقال: لأي شيء؟ فقالت له: إن جسدها ملآن بالجذام، وأخاف عليك منها أن تعدي شبابك المليح. فقال لها: ليس لي بها حاجة. ثم انتقلت إلى الصبية وقالت لها مثل ما قالت لعلاء الدين، فقالت لها: لا حاجة لي به، بل أدعه ينام وحده، ولما يصبح الصباح يروح إلى حال سبيله. ثم دعت جارية وقالت لها: خذي سفرة الطعام، وأعطيها له يتعشى. فحملت له الجارية سفرة الطعام، ووضعتها بين يديه، فأكل حتى اكتفى، ثم قعد وقرأ سورة يس بصوت حسن، فصغت له الصبية فوجدت صوته يشبه مزامير آل داود، فقالت في نفسها: الله ينكد على هذه العجوز التي قالت لي عليه إنه مبتلى بالجذام، فمن كانت به هذه الحالة لا يكون صوته هكذا، وإنما هذا الكلام كذب عليه. ثم إنها وضعت في يديها عودا من صنعة الهنود، وأصلحت أوتاره، وغنت عليه بصوت يوقف الطير في كبد السماء، وأنشدت هذين البيتين: # تعشقت ظبيا ناعس الطرف أحورا %~% تغار غصون البان منه إذا مشى ~~يمانعني والغير يحظى بوصله %~% وذلك فضل الله يؤتيه من يشا # فلما سمعها أنشدت هذا الكلام بعد أن ختم السورة، غنى هو وأنشد هذا البيت: # سلامي على ما في الثياب من القد %~% وما في بساتين الخدود من الورد # فقامت الصبية وقد زادت محبتها، ورفعت الستارة؛ فلما رآها علاء الدين أنشد هذين البيتين: # بدت قمرا ومالت غصن بان %~% وفاحت عنبرا ورنت غزالا ~~كأن الحزن مشغوف بقلبي %~% فساعة هجرها يجد الوصالا # ثم إنها خطرت تهز أردافا تميل بأعطاف صنعة خفي الألطاف، ونظر كل واحد منهما صاحبه نظرة أعقبته ألف حسرة، فلما تمكن في قلبه منها سهم اللحظين، أنشد هذين البيتين: # رأت قمر السماء فأذكرتني %~% ليالي وصلها بالرقمتين ~~كلانا ناظر قمرا ولكن %~% رأيت بعينها ورأت بعيني # فلما قربت منه ولم يبق بينه وبينها إلا خطوتان، أنشد هذين البيتين: # نشرت ثلاث ذوائب من شعرها %~% في ليلة فأرت ليالي أربعا ~~واستقبلت قمر ms0737 السماء بوجهها %~% فأرتني القمرين في وقت معا # فلما أقبلت عليه قال لها: ابعدي عني لئلا تعديني. فكشفت عن معصمها، فانفرق المعصم فرقتين، وبياضه كبياض اللجين، ثم قالت له: ابعد عني فإنك مبتلى بالجذام لئلا تعديني. فقال لها: من أخبرك أني مجذوم؟ فقالت له: العجوز أخبرتني بذلك. فقال لها: وأنا الآخر أخبرتني العجوز أنك مصابة بالبرص. ثم كشف لها عن ذراعيه فوجدت بدنه كالفضة النقية، فضمته إلى حضنها، وضمها إلى صدره، واعتنق الاثنان ببعضهما، ثم أخذته وراحت على ظهرها، وفكت لباسها، فتحرك الذي خلفه له الوالد، فقال: مددك يا شيخ زكريا يا أبا العروق. وحط يديه في خاصرتها، ووضع عرق الحلاوة في باب الخرق ودفعه، فوصل إلى باب الشعرية، وكان مروره من باب الفتوح، وبعد ذلك دخل سوق الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، فوجد البساط على قدر الليوان، ودور الحق على غطاه حتى التقاه. فلما أصبح الصباح قال لها: يا فرحة ما تمت أخذها الغراب وطار. فقالت له: ما معنى هذا الكلام؟ فقال لها: يا سيدتي، ما بقي لي قعود معك غير هذه الساعة. فقالت له: من يقول ذلك؟ فقال لها: إن أباك كتب علي حجة بعشرة آلاف دينار مهرك، وإن لم أوردها في هذا اليوم حبسوني عليها في بيت القاضي، والآن يدي قصيرة عن نصف فضة واحد من العشرة آلاف دينار. فقالت له: يا سيدي، هل العصمة بيدك أم بأيديهم؟ فقال لها: العصمة بيدي، ولكن ما معي شيء. فقالت له: إن الأمر سهل، ولا تخش شيئا، ولكن خذ هذه المائة دينار، ولو كان معي غيرها لأعطيتك ما تريد، فإن أبي من محبته لابن أخيه حول جميع ماله من عندي إلى بيته، حتى صيغتي أخذها كلها، وإذا أرسل إليك رسولا من طرف الشرع في غدر ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 257 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصبية قالت لعلاء الدين: وإذا أرسلوا إليك رسولا من طرف الشرع في غد، وقال لك القاضي وأبي: طلق. فقل لهما: ms0738 في أي مذهب يجوز أنني أتزوج في العشاء، وأطلق في الصباح؟ ثم إنك تقبل يد القاضي وتعطيه إحسانا، وكذا كل شاهد تقبل يده وتعطيه عشرة دنانير؛ فكلهم يتكلمون معك، فإذا قالوا لك: لأي شيء ما تطلق وتأخذ ألف دينار والبغلة والبدلة على حكم الشرط الذي شرطناه عليك؟ فقل لهم: أنا عندي فيها كل شعرة بألف دينار ولا أطلقها أبدا، ولا آخذ بدلة ولا غيرها. فإذا قال لك القاضي: ادفع المهر. فقل له: أنا معسر الآن. وحينئذ يترفق بك القاضي والشهود، ويمهلونك مدة. # فبينما هما في الكلام، وإذا برسول القاضي يدق الباب، فخرج إليه، فقال له الرسول: كلم الأفندي، فإن نسيبك طالبك. فأعطاه خمسة دنانير وقال له: يا محضر، في أي شرع أني أتزوج في العشاء، وأطلق في الصباح؟ فقال له: لا يجوز عندنا أبدا، وإن كنت تجهل الشرع فأنا أعمل وكيلك. وساروا إلى المحكمة فقال له القاضي: لأي شيء لم تطلق المرأة وتأخذ ما وقع عليه الشرط؟ فتقدم إلى القاضي وقبل يده ووضع فيها خمسين دينارا، وقال له: يا مولانا القاضي، في أي مذهب أني أتزوج في العشاء وأطلق في الصباح قهرا عني؟ فقال القاضي: لا يجوز الطلاق بالإجبار في أي مذهب من مذاهب المسلمين. فقال أبو الصبية: إن لم تطلق فادفع لي الصداق عشرة آلاف دينار. فقال علاء الدين: أمهلني ثلاثة أيام. فقال القاضي: لا تكفي ثلاثة أيام في المهلة، بل يمهلك عشرة أيام. واتفقوا على ذلك، وشرطوا عليه بعد العشرة أيام؛ إما المهر وإما الطلاق، وطلع من عندهم على هذا الشرط، فأخذ اللحم والأرز والسمن وما يحتاج إليه الأمر من المأكل وتوجه إلى البيت، فدخل على الصبية وحكى لها جميع ما جرى له، فقالت له: بين الليل والنهار عجائب، ولله در من قال: # كن حليما إذا بليت بغيظ %~% وصبورا إذا أتتك مصيبة ~~فالليالي من الزمان حبالى %~% مثقلات يلدن كل عجيبة # ثم قامت وهيأت الطعام وأحضرت السفرة، فأكلا وشربا وتلذذا وطربا، ثم طلب منها أن تعمل نوبة سماع، فأخذت ms0739 العود وعملت نوبة يطرب منها الحجر الجلمود، ونادت الأوتار في الحضرة: يا داود. ودخلت في دارج النوبة. فبينما هما في حظ ومزاح، وبسط وانشراح، وإذا بالباب يطرق، فقالت له: قم انظر من بالباب. فنزل وفتح الباب فوجد أربعة دراويش واقفين، فقال لهم: أي شيء تطلبون؟ فقالوا له: يا سيدي، نحن دراويش غرباء الديار، وقوت أرواحنا السماع ورقائق الأشعار، ومرادنا أن نرتاح عندك هذه الليلة إلى وقت الصباح، ثم نتوجه إلى حال سبيلنا، وأجرك على الله تعالى؛ فإننا نعشق السماع، وما فينا واحد إلا ويحفظ القصائد والأشعار والموشحات. فقال لهم: علي مشورة. ثم طلع وأعلمها، فقالت له: افتح لهم الباب. ففتح لهم الباب وأطلعهم وأجلسهم ورحب بهم، ثم أحضر لهم طعاما فلم يأكلوا، وقالوا له: يا سيدي، إن زادنا ذكر الله بقلوبنا، وسماع المغنى بآذاننا، ولله در من قال: # وما القصد إلا أن يكون اجتماعنا %~% وما الأكل إلا سيمة للبهائم # وقد كنا نسمع سماعا لطيفا، فلما طلعنا بطل السماع، فيا هل ترى التي كانت تعمل النوبة جارية بيضاء أم سوداء أم بنت ناس؟ فقال لهم: هذه زوجتي. وحكى لهم جميع ما جرى له، وقال لهم: إن نسيبي عمل علي عشرة آلاف دينار مهرها، وأمهلوني عشرة أيام. فقال درويش منهم: لا تحزن، ولا تأخذ في خاطرك إلا الطيب، فأنا شيخ التكية، وتحت يدي أربعون درويشا أحكم عليهم، وسوف أجمع لك العشرة آلاف دينار منهم، وتوفي المهر الذي عليك لنسيبك، ولكن اؤمرها أن تعمل لنا نوبة لأجل أن ننحظ ويحصل لنا انتعاش، فإن السماع لقوم كالغذاء، ولقوم كالدواء، ولقوم كالمروحة. وكان هؤلاء الدراويش الأربعة: الخليفة هارون الرشيد، والوزير جعفر البرمكي، وأبو نواس الحسن بن هاني، ومسرور سياف النقمة؛ وسبب مرورهم على هذا البيت أن الخليفة حصل له ضيق صدر، فقال للوزير: يا وزير، إن مرادنا أن ننزل، ونشق في المدينة؛ لأنه حاصل عندي ضيق صدر. فلبسوا لبس الدراويش ونزلوا إلى المدينة، فجازوا على تلك الدار فسمعوا النوبة، فأحبوا أن يعرفوا حقيقة الأمر، ثم ms0740 إنهم باتوا في حظ ونظام، ومناقلة كلام، إلى أن أصبح الصباح، فحط الخليفة مائة دينار تحت السجادة، ثم أخذوا خاطره وتوجهوا إلى حال سبيلهم؛ فلما رفعت الصبية السجادة رأت مائة دينار تحتها، فقالت لزوجها: خذ هذه المائة دينار التي وجدتها تحت السجادة؛ فإن الدراويش حطوها قبلما يروحوا، وليس لنا علم بذلك. فأخذها علاء الدين وذهب إلى السوق، واشترى منها اللحم والأرز والسمن، وجميع ما يحتاج إليه. # وفي ثاني ليلة قاد الشمع، وقال لها: إن الدراويش لم يأتوا بالعشرة آلاف دينار التي وعدوني بها، ولكن هؤلاء فقراء. فبينما هما في الكلام، وإذا بالدراويش قد طرقوا الباب، فقالت له: انزل افتح لهم. ففتح لهم وطلعوا، فقال لهم: هل أحضرتم العشرة آلاف دينار التي وعدتموني بها؟ فقالوا له: ما تيسر منها شيء، ولكن لا تخش بأسا، إن شاء الله تعالى في غد نطبخ طبخة كيمياء، وأمر زوجتك أن تسمعنا نوبة عظيمة تنتعش بها قلوبنا، فإننا نحب السماع. فعملت لهم نوبة على العود ترقص الحجر الجلمود، فباتوا في هناء وسرور، ومسامرة وحبور، إلى أن طلع الصباح، وأضاء بنوره ولاح، فحط الخليفة مائة دينار تحت السجادة، ثم أخذوا خاطره وانصرفوا من عنده إلى حال سبيلهم، ولم يزالوا يأتون إليه على هذا الحال مدة تسع ليال، وكل ليلة يحط الخليفة تحت السجادة مائة دينار إلى أن أقبلت الليلة العاشرة فلم يأتوا، وكان السبب في انقطاعهم أن الخليفة أرسل إلى رجل عظيم من التجار، وقال له: أحضر لي خمسين حملا من الأقمشة التي تجيء من مصر ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 258 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين قال لذلك التاجر: أحضر لي خمسين حملا من القماش الذي يجيء من مصر، يكون كل حمل ثمنه ألف دينار، واكتب على كل حمل ثمنه، وأحضر لي عبدا حبشيا. فأحضر له التاجر جميع ما أمره به، ثم إن الخليفة أعطى العبد طشتا وإبريقا من الذهب، وهدية، والخمسين حملا، وكتب كتابا على لسان شمس ms0741 الدين شاه بندر التجار بمصر، والد علاء الدين، وقال له: خذ هذه الأحمال وما معها، ورح بها الحارة الفلانية التي فيها بيت شاه بندر التجار، وقل: أين سيدي علاء الدين أبو الشامات؟ فإن الناس يدلونك على الحارة، وعلى البيت. فأخذ العبد الأحمال وما معها، وتوجه كما أمره الخليفة. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر ابن عم الصبية، فإنه توجه إلى أبيها وقال له: تعال نروح لعلاء الدين لنطلق بنت عمي. فنزل وسار هو وإياه، وتوجها إلى علاء الدين، فلما وصلا إلى البيت وجدا خمسين بغلا، وعليها خمسون حملا من القماش، وعبدا راكب بغلة، فقالا له: لمن هذه الأحمال؟ فقال: لسيدي علاء الدين أبي الشامات، فإن أباه كان جهز له متجرا وسفره إلى مدينة بغداد، فطلع عليه العرب فأخذوا ماله وأحماله، فبلغ الخبر إلى أبيه فأرسلني إليه بأحمال عوضها، وأرسل له معي بغلا عليه خمسون ألف دينار، وبقجة تساوي جملة من المال، وكرك سمور، وطشتا وإبريقا من الذهب. فقال له أبو البنت: هذا نسيبي، وأنا أدلك على بيته. فبينما علاء الدين قاعد في البيت وهو في غم شديد، وإذا بالباب يطرق، فقال علاء الدين: يا زبيدة الله، أعلم إن أباك أرسل إلي رسولا من طرف القاضي أو من طرف الوالي. فقالت له: انزل وانظر الخبر. فنزل وفتح الباب فرأى نسيبه شاه بندر التجار أبا زبيدة، ووجد عبدا حبشيا أسمر اللون حلو المنظر راكبا فوق بغلة، فنزل العبد وقبل يديه، فقال له: أي شيء تريد؟ فقال له: أنا عبد سيدي علاء الدين أبي الشامات ابن شمس الدين شاه بندر التجار بأرض مصر، وقد أرسلني إليه أبوه بهذه الأمانة. ثم أعطاه الكتاب، فأخذه علاء الدين وفتحه وقرأه، فرأى مكتوبا فيه: # يا كتابي إذا رآك حبيبي %~% قبل الأرض والنعال لديه ~~وتمهل ولا تكن بعجول %~% إن روحي وراحتي في يديه # بعد السلام التام والتحية والإكرام، من شمس الدين إلى ولده علاء الدين أبي الشامات؛ اعلم يا ولدي أنه بلغني خبر قتل ms0742 رجالك، ونهب أموالك وأحمالك، فأرسلت إليك غيرها هذه الخمسين حملا من القماش المصري، والبدلة، والكرك السمور، والطشت والإبريق الذهب، ولا تخش بأسا، والمال فداؤك يا ولدي، ولا يحصل لك حزن أبدا، وإن أمك وأهل البيت طيبون بخير وعافية، وهم يسلمون عليك كثير السلام. وبلغني يا ولدي خبر أنهم عملوك مستحلا للبنت زبيدة العودية، وعملوا عليك مهرها خمسين ألف دينار، فهي واصلة إليك صحبة الأحمال مع عبدك سليم. # فلما فرغ من قراءة الكتاب تسلم الأحمال، ثم التفت إلى نسيبه وقال له: يا نسيبي، خذ الخمسين ألف دينار مهر بنتك زبيدة، وخذ الأحمال تصرف فيها، ولك المكسب ورد لي رأس المال. فقال له: والله لا آخذ شيئا، وأما مهر زوجتك فاتفق أنت وإياها من جهته. فقام علاء الدين هو ونسيبه ودخلا البيت بعد إدخال الأحمال، فقالت زبيدة لأبيها: يا أبي، لمن هذه الأحمال؟ فقال لها: هذه الأحمال لعلاء الدين زوجك، أرسلها إليه أبوه عوضا عن الأحمال التي أخذها العرب منه، وأرسل إليه خمسين ألف دينار، وبقجة، وكركا، وبغلة، وطشتا وإبريقا ذهبا، وأما من جهة مهرك فالرأي لك فيه. فقام علاء الدين وفتح الصندوق وأعطاها مهرها، فقال الولد ابن عم البنت: يا عمي، خل علاء الدين يطلق لي امرأتي. فقال له: هذا شيء ما بقي يصح أبدا، والعصمة بيده. فراح الولد مغموما مقهورا، ورقد في بيته ضعيفا، فكان فيها القاضية فمات. # وأما علاء الدين فإنه طلع إلى السوق بعد أن أخذ الأحمال، وأخذ ما يحتاج إليه من المأكل والمشرب والسمن، وعمل نظاما مثل كل ليلة، وقال لزبيدة: انظري هؤلاء الدراويش الكذابين قد وعدونا وأخلفوا وعدهم. فقالت له: أنت ابن شاه بندر التجار وكانت يدك قصيرة عن نصف فضة، فكيف بالمساكين الدراويش؟! فقال لها: أغنانا الله تعالى عنهم، ولكن ما بقيت أفتح الباب إذا أتوا إلينا. فقالت له: لأي شيء والخير ما جاءنا إلا على قدومهم، وكل ليلة يحطون لنا تحت السجادة مائة دينار؟ فلا بد أن تفتح لهم الباب إذا جاءوا. فلما ولى ms0743 النهار بضيائه وأقبل الليل، أوقدوا الشمع، وقال لها: يا زبيدة، قومي اعملي لنا نوبة. وإذا بالباب يطرق، فقالت له: قم انظر من بالباب. فنزل وفتح الباب، فرآهم الدراويش فقال: مرحبا بالكذابين، اطلعوا. فطلعوا معه، وأجلسهم وجاء لهم بسفرة الطعام، فأكلوا وشربوا، وتلذذوا وطربوا، وبعد ذلك قالوا له: يا سيدي، إن قلوبنا عليك مشغولة، أي شيء جرى لك مع نسيبك؟ فقال لهم: عوض الله علينا بما فوق المراد. فقالوا: والله إنا كنا خائفين عليك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 259 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الدراويش قالوا لعلاء الدين: والله إنا كنا خائفين عليك، وما منعنا عنك إلا قصر أيدينا عن الدراهم. فقال لهم: قد أتاني الفرج القريب من عند ربي، وقد أرسل إلي والدي خمسين ألف دينار، وخمسين حملا من القماش، ثمن كل حمل ألف دينار، وبدلة، وكرك سمور، وبغلة، وعبدا، وطشتا وإبريقا من الذهب، ووقع الصلح بيني وبين نسيبي، وطابت لي زوجتي، والحمد لله على ذلك. ثم إن الخليفة قام يزيل ضرورة، فمال الوزير جعفر على علاء الدين وقال له: الزم الأدب فإنك في حضرة أمير المؤمنين. فقال له: أي شيء وقع مني من قلة الأدب في حضرة أمير المؤمنين؟ ومن هو أمير المؤمنين منكم؟ فقال له: إن الذي كان يكلمك وقام يزيل الضرورة هو أمير المؤمنين الخليفة هارون الرشيد، وأنا الوزير جعفر، وهذا مسرور سياف نقمته، وهذا أبو النواس الحسن بن هاني، فتأمل بعقلك يا علاء الدين، وانظر مسافة كم يوم في السفر من مصر إلى بغداد. فقال له: خمسة وأربعون يوما. فقال له: إن أحمالك نهبت من منذ عشرة أيام فقط، فكيف يروح الخبر لأبيك، ويحزم لك الأحمال، وتقطع مسافة خمسة وأربعين يوما في العشرة أيام؟ فقال له: يا سيدي، ومن أين أتاني هذا؟ فقال له: من عند الخليفة أمير المؤمنين بسبب فرط محبته لك. # فبينما هم في هذا الكلام وإذا بالخليفة قد أقبل، فقام علاء الدين وقبل الأرض بين يديه، ms0744 وقال له: الله يحفظك يا أمير المؤمنين ويديم بقاءك، ولا عدم الناس فضلك وإحسانك. فقال: يا علاء الدين خل زبيدة تعمل لنا نوبة حلاوة السلامة. فعملت نوبة على العود من غرائب الموجود إلى أن طرب لها الحجر الجلمود، وصاح العود في الحضرة: يا داود. فباتوا على أسر حال إلى الصباح، فلما أصبحوا قال الخليفة لعلاء الدين: في غد اطلع الديوان. فقال له: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين، إن شاء الله تعالى وأنت بخير. ثم إن علاء الدين أخذ عشرة أطباق، ووضع فيها هدية سنية، وطلع بها الديوان في ثاني يوم، فبينما الخليفة قاعد على الكرسي في الديوان، وإذا بعلاء الدين مقبل من باب الديوان وهو ينشد هذين البيتين: # تصحبك السعادة كل يوم %~% بإجلال وقد رغم الحسود ~~ولا زالت لك الأيام بيضا %~% وأيام الذي عاداك سود # فقال له الخليفة: مرحبا يا علاء الدين. فقال علاء الدين: يا أمير المؤمنين، إن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهدية، وهذه العشرة أطباق، وما فيها هدية مني إليك. فقبل منه ذلك أمير المؤمنين، وأمر له بخلعة، وجعله شاه بندر التجار، وأقعده في الديوان. فبينما هو جالس، وإذا بنسيبه أبي زبيدة مقبل، فوجد علاء الدين جالسا في رتبته وعليه خلعة، فقال لأمير المؤمنين: يا ملك الزمان، لأي شيء هذا جالس في رتبتي وعليه هذه الخلعة؟ فقال له الخليفة: إني جعلته شاه بندر التجار، والمناصب تقليد لا تخليد، وأنت معزول. فقال له: إنه منا وإلينا، ونعم ما فعلت يا أمير المؤمنين، الله يجعل خيارنا أولياء أمورنا، وكم من صغير صار كبيرا. ثم إن الخليفة كتب فرمانا لعلاء الدين وأعطاه للوالي، والوالي أعطاه للمشاعلي ونادى في الديوان: ما شاه بندر التجار إلا علاء الدين أبو الشامات، وهو مسموع الكلمة محفوظ الحرمة، يجب له الإكرام والاحترام ورفع المقام. فلما انفض الديوان نزل الوالي بالمنادي بين يدي علاء الدين، وصار المنادي يقول: ما شاه بندر التجار إلا سيدي علاء الدين أبو الشامات. وداروا به في شوارع بغداد والمنادي ينادي ms0745 ويقول: ما شاه بندر التجار إلا سيدي علاء الدين أبو الشامات. فلما أصبح الصباح فتح دكانا للعبد، وأجلسه فيها يبيع ويشتري، وأما علاء الدين فإنه كان يركب ويتوجه إلى مرتبته في ديوان الخليفة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 260 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علاء الدين كان يركب ويتوجه إلى ديوان الخليفة، فاتفق أنه جلس في مرتبته يوما على عادته، فبينما هو جالس وإذا بقائل يقول للخليفة: يا أمير المؤمنين، تعيش رأسك في فلان النديم، فإنه توفي إلى رحمة الله تعالى، وحياتك الباقية. فقال الخليفة: أين علاء الدين أبو الشامات؟ فحضر بين يديه، فلما رآه خلع عليه خلعة سنية وجعله نديمه، وكتب له جامكية ألف دينار في كل شهر، وأقام عنده يتنادم معه. فاتفق أنه كان جالسا يوما من الأيام في مرتبته على عادته في خدمة الخليفة، وإذا بأمير المؤمنين طالع إلى الديوان بسيف وترس، فقال: يا أمير المؤمنين، تعيش رأسك في رئيس الستين، فإنه مات في هذا اليوم. فأمر الخليفة بخلعة لعلاء الدين أبي الشامات وجعله رئيس الستين مكانه. وكان رئيس الستين لا ولد له ولا بنت ولا زوجة، فنزل علاء الدين ووضع يده على ماله. وقال الخليفة لعلاء الدين: واره في التراب، وخذ جميع ما تركه من مال وعبيد، وجوار وخدم. ثم نفض الخليفة المنديل وانفض الديوان، فنزل علاء الدين وفي ركابه المقدم أحمد الدنف مقدم ميمنة الخليفة هو وأتباعه الأربعون، وفي يساره المقدم حسن شومان مقدم ميسرة الخليفة هو وأتباعه الأربعون، فالتفت علاء الدين إلى المقدم حسن شومان هو وأتباعه وقال لهم: أنتم سياق على المقدم أحمد الدنف لعله يقبلني ولده في عهد الله. فقبله وقال له: أنا وأتباعي الأربعون نمشي قدامك إلى الديوان في كل يوم. # ثم إن علاء الدين مكث في خدمة الخليفة مدة أيام، فاتفق أن علاء الدين نزل من الديوان يوما من الأيام، وسار إلى بيته، وصرف أحمد الدنف هو ومن معه إلى حال سبيلهم، ثم جلس ms0746 مع زوجته زبيدة العودية وقد أوقدت الشموع، وبعد ذلك قامت تزيل ضرورة. فبينما هو جالس في مكانه إذ سمع صرخة عظيمة، فقام مسرعا لينظر الذي صرخ، فرأى صاحب الصرخة زوجته زبيدة العودية وهي مطروحة، فوضع يده على صدرها فوجدها ميتة، وكان بيت أبيها قدام بيت علاء الدين فسمع صرختها، فقال لعلاء الدين: ما الخبر يا سيدي علاء الدين؟ فقال له: تعيش رأسك يا والدي في بنتك زبيدة العودية، ولكن يا والدي إكرام الميت دفنه. فلما أصبح الصباح، واروها في التراب، وصار علاء الدين يعزي أباها، وأبوها يعزيه. # هذا ما كان من أمر زبيدة العودية، وأما ما كان من أمر علاء الدين فإنه لبس ثياب الحزن، وانقطع عن الديوان، وصار باكي العين حزين القلب، فقال الخليفة لجعفر: يا وزير، ما سبب انقطاع علاء الدين عن الديوان؟ فقال له الوزير: يا أمير المؤمنين، إنه حزين القلب على امرأته زبيدة ومشغول بعزائها. فقال الخليفة للوزير: واجب علينا أن نعزيه. فقال الوزير: سمعا وطاعة. ثم نزل الخليفة هو والوزير وبعض الخدم، وركبوا وتوجهوا إلى بيت علاء الدين. فبينما هو جالس، وإذا بالخليفة والوزير ومن معهما مقبلون عليه، فقام لملتقاهم، وقبل الأرض بين يدي الخليفة، فقال له الخليفة: عوضك الله خيرا. فقال علاء الدين: أطال الله لنا بقاءك يا أمير المؤمنين. فقال الخليفة: يا علاء الدين، ما سبب انقطاعك عن الديوان؟ فقال له: حزني على زوجتي زبيدة يا أمير المؤمنين. فقال له الخليفة: ادفع الهم عن نفسك، فإنها ماتت إلى رحمة الله تعالى، والحزن لا يفيدك شيئا أبدا. فقال: يا أمير المؤمنين، أنا لا أترك الحزن عليها إلا إذا مت ودفنوني عندها. فقال له الخليفة: إن في الله عوضا من كل فائت، ولا يخلص من الموت حيلة ولا مال، ولله در من قال: # كل ابن أنثى وإن طالت سلامته %~% يوما على آلة حدباء محمول ~~وكيف يلهو بعيش أو يلذ به %~% من التراب على خديه مجعول # ولما فرغ الخليفة من تعزيته أوصاه أنه لا ينقطع عن ms0747 الديوان، وتوجه إلى محله، ثم بات علاء الدين، ولما أصبح الصباح ركب وسار إلى الديوان، فدخل على الخليفة وقبل الأرض بين يديه، فتحرك له الخليفة من على الكرسي، ورحب به وحياه، وأنزله في منزلته، وقال له: يا علاء الدين، أنت ضيفي في هذه الليلة. ثم دخل به سرايته ودعا بجارية تسمى قوت القلوب، وقال لها: إن علاء الدين كان عنده زوجة تسمى زبيدة العودية، وكانت تسليه عن الهم والغم، فماتت إلى رحمة الله تعالى، ومرادي أن تسمعيه نوبة على العود. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 261 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة قال لجاريته قوت القلوب: مرادي أن تسمعيه نوبة على العود من غرائب الموجود؛ لأجل أن يتسلى عن الهم والأحزان. فقامت الجارية وعملت نوبة من الغرائب، فقال الخليفة: ما تقول يا علاء الدين في صوت هذه الجارية؟ فقال له: إن زبيدة أحسن صوتا منها، إلا أنها صاحبة صناعة في ضرب العود؛ لأنها تطرب الحجر الجلمود. فقال له: هل هي أعجبتك؟ فقال له: أعجبتني يا أمير المؤمنين. فقال الخليفة: وحياة رأسي وتربة جدودي إنها هبة مني إليك هي وجواريها. فظن علاء الدين أن الخليفة يمزح معه، فلما أصبح الخليفة دخل على جاريته قوت القلوب وقال لها: أنا وهبتك لعلاء الدين. ففرحت بذلك لأنها رأته وأحبته. ثم تحول الخليفة من قصر السراية إلى الديوان، ودعا بالحمالين، وقال لهم: انقلوا أمتعة قوت القلوب وحطوها في التختروان هي وجواريها إلى بيت علاء الدين. فنقلوها هي وجواريها وأمتعتها إلى بيت علاء الدين، وأدخلوها القصر، وجلس الخليفة في مجلس الحكم إلى آخر النهار، ثم انفض الديوان ودخل قصره. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر قوت القلوب، فإنها لما دخلت قصر علاء الدين هي وجواريها، وكانوا أربعين جارية غير الطواشية، قالت لاثنين من الطواشية: أحدكما يقعد على كرسي في ميمنة الباب، والثاني يقعد على كرسي في ميسرته، ولما يأتي علاء الدين قبلا يديه، وقولا له: إن ms0748 سيدتنا قوت القلوب تطلبك إلى القصر، فإن الخليفة وهبها لك هي وجواريها. فقالا لها: سمعا وطاعة. ثم فعلا ما أمرتهما به؛ فلما أقبل علاء الدين وجد اثنين من طواشية الخليفة جالسين بالباب فاستغرب الأمر، وقال في نفسه: لعل هذا ما هو بيتي، وإلا فما الخبر؟ فلما رأته الطواشية قاموا إليه وقبلوا يديه، وقالوا: نحن من أتباع الخليفة، ومماليك قوت القلوب، وهي تسلم عليك، وتقول لك: إن الخليفة قد وهبها لك هي وجواريها، وتطلبك عندها. فقال لهم: قولوا لها مرحبا بك، ولكن طول ما أنت عنده ما يدخل القصر الذي أنت فيه؛ لأن ما كان للمولى لا يصلح أن يكون للخدام. وقولا لها: ما مقدار مصروفك عند الخليفة في كل يوم؟ فطلعوا إليها وقالوا لها ذلك. فقالت: كل يوم مائة دينار. فقال لنفسه: أنا ليس لي حاجة بأن يهب لي الخليفة قوت القلوب حتى أصرف عليها هذا المصروف، ولكن لا حيلة في ذلك. # ثم إنها أقامت عنده مدة أيام، وهو مرتب لها في كل يوم مائة دينار، إلى أن انقطع علاء الدين عن الديوان يوما من الأيام، فقال الخليفة: يا وزير جعفر، أنا ما وهبت قوت القلوب لعلاء الدين إلا لتسليه عن زوجته، فما سبب انقطاعه عنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لقد صدق من قال: من لقي أحبابه نسي أصحابه. فقال الخليفة: لعله ما قطعه عنا إلا عذر، ولكن نحن نزوره. وكان قبل ذلك بأيام قال علاء الدين للوزير: أنا شكوت للخليفة ما أجده من الحزن على زوجتي زبيدة العودية، فوهب لي قوت القلوب. فقال له الوزير: لولا أنه يحبك ما وهبها لك، وهل دخلت بها يا علاء الدين؟ فقال: لا، والله لا أعرف لها طولا من عرض. فقال له: ما سبب ذلك؟ فقال: يا وزير، الذي يصلح للمولى لا يصلح للخدام. ثم إن الخليفة وجعفر استخفيا، وسارا لزيارة علاء الدين، ولم يزالا سائرين إلى أن دخلا على علاء الدين فعرفهما، وقام وقبل أيادي الخليفة، ولما رآه الخليفة وجد عليه علامة ms0749 الحزن، فقال له: يا علاء الدين، ما سبب هذا الحزن الذي أنت فيه؟ أما دخلت على قوت القلوب؟ فقال: يا أمير المؤمنين، الذي يصلح للمولى لا يصلح للخدام، وإني إلى الآن ما دخلت عليها، ولا أعرف لها طولا من عرض، فأقلني منها. فقال الخليفة: إن مرادي الاجتماع بها حتى أسألها عن حالها. فقال علاء الدين: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين. فدخل عليها الخليفة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 262 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة دخل على قوت القلوب، فلما رأته قامت وقبلت الأرض بين يديه. فقال لها: هل دخل بك علاء الدين؟ فقالت: لا يا أمير المؤمنين، وقد أرسلت أطلبه للدخول فلم يرض، فأمر الخليفة برجوعها إلى السراية، وقال لعلاء الدين: لا تنقطع عنا. ثم توجه الخليفة إلى داره، فبات علاء الدين تلك الليلة، ولما أصبح ركب وسار إلى الديوان، فجلس في رتبة رئيس الستين، فأمر الخليفة الخازندار أن يعطي للوزير جعفر عشرة آلاف دينار، فأعطاه ذلك المبلغ، ثم قال الخليفة للوزير: ألزمتك أن تنزل إلى سوق الجواري، وتشتري لعلاء الدين بالعشرة آلاف دينار جارية. فامتثل الوزير أمر الخليفة ونزل وأخذ معه علاء الدين، وسار به إلى سوق الجواري، فاتفق في هذا اليوم أن والي بغداد الذي من طرف الخليفة - وكان اسمه الأمير خالد - نزل إلى السوق من أجل اشتراء جارية لولده، وسبب ذلك أنه كان له زوجة تسمى خاتون، وكان رزق منها بولد قبيح المنظر يسمى حبظلم بظاظة، وكان بلغ من العمر عشرين سنة، ولا يعرف أن يركب الحصان، وكان أبوه شجاعا قرما مناعا، وكان يركب الخيل ويخوض بحار الليل، فنام حبظلم بظاظة في ليلة من الليالي فاحتلم، فأخبر والدته بذلك، ففرحت وأخبرت والده بذلك، وقالت: مرادي أن نزوجه فإنه صار يستحق الزواج. فقال لها: هذا قبيح المنظر كريه الرائحة، دنس وحش لا تقبله واحدة من النساء. فقالت: نشتري له جارية. فلأمر قدره الله تعالى أن اليوم الذي نزل فيه الوزير وعلاء ms0750 الدين إلى السوق، نزل فيه الأمير خالد الوالي هو وولده حبظلم بظاظة. # فبينما هم في السوق، وإذا بجارية ذات حسن وجمال، وقد واعتدال، في يد رجل دلال، فقال الوزير: شاور يا دلال عليها بألف دينار. فمر بها على الوالي فرآها حبظلم بظاظة نظرة أعقبته النظرة ألف حسرة، وتولع بها، وتمكن منه حبها، فقال: يا أبت اشتر لي هذه الجارية. فنادى الدلال وسأل الجارية عن اسمها فقالت له: اسمي ياسمين. فقال له أبوه: يا ولدي، إن كانت أعجبتك فزد في ثمنها. فقال: يا دلال كم معك من الثمن؟ قال: ألف دينار. قال: علي بألف دينار ودينار. فجاء لعلاء الدين فعملها بألفين، فصار كلما يزيد الولد ابن الوالي دينارا في الثمن يزيد علاء الدين ألف دينار. فاغتاظ ابن الوالي وقال: يا دلال، من يزيد علي في ثمن الجارية؟ فقال له الدلال: إن الوزير جعفر يريد أن يشتريها لعلاء الدين أبي الشامات. فعملها علاء الدين بعشرة آلاف دينار، فسمح له سيدها وقبض ثمنها، وأخذها علاء الدين وقال لها: أعتقتك لوجه الله تعالى. ثم إنه كتب كتابه عليها، وتوجه بها إلى البيت، ورجع الدلال ومعه دلالته، فناداه ابن الوالي وقال له: أين الجارية؟ فقال له: اشتراها علاء الدين بعشرة آلاف دينار وأعتقها، وكتب كتابه عليها. فانكمد الولد وزادت به الحسرات، ورجع ضعيفا إلى البيت من محبته لها، وارتمى في الفرش وقطع الزاد، وزاد به العشق والغرام. # فلما رأته أمه ضعيفا قالت له: سلامتك يا ولدي، ما سبب ضعفك؟ فقال لها: اشتري لي ياسمين يا أمي. فقالت له أمه: لما يفوت صاحب الرياحين أشتري لك جنبة ياسمين. فقال لها: ليس هو الياسمين الذي ينشم، وإنما هي جارية اسمها ياسمين لم يشترها لي أبي. فقالت لزوجها: لأي شيء ما اشتريت له هذه الجارية؟ فقال لها: الذي يصلح للمولى لا يصلح للخدام، وليس لي قدرة على أخذها، فإنه ما اشتراها إلا علاء الدين رئيس الستين. فزاد الضعف بالولد حتى جفا الرقاد وقطع الزاد، وتعصبت أمه بعصائب الحزن. ms0751 فبينما هي جالسة في بيتها حزينة على ولدها، وإذا بعجوز دخلت عليها اسمها أم أحمد قماقم السراق، وكان هذا السراق ينقب وسطانيا، ويلقف فوقانيا، ويسرق الكحل من العين، وكان بهذه الصفات القبيحة في أول أمره، ثم عملوه مقدم الدرك فسرق عملة فوقع بها، وهجم عليه الوالي فأخذه، وعرضه على الخليفة، فأمر بقتله في بقعة الدم، فاستجار بالوزير، وكان للوزير عند الخليفة شفاعة لا ترد فشفع فيه، فقال له الخليفة: كيف تشفع في آفة تضر الناس؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، احبسه فإن الذي بنى السجن كان حكيما؛ لأن السجن قبر الأحياء، وشماتة الأعداء. فأمر الخليفة بوضعه في قيد، وكتب على قيده: مخلد إلى الممات، لا يفك إلا على دكة المغسل. فوضعوه مقيدا في السجن، وكانت أمه تتردد على بيت الأمير خالد الوالي، وتدخل لابنها في السجن، وتقول له: أما قلت لك تب عن الحرام؟ فيقول لها: قدر الله علي ذلك، ولكن يا أمي إذا دخلت على زوجة الوالي فخليها تشفع لي عنده. # فلما دخلت العجوز على زوجة الوالي وجدتها معصبة بعصائب الحزن، فقالت لها: ما لك حزينة؟ فقالت: على فقد ولدي حبظلم بظاظة. فقالت لها: سلامة ولدك، ما الذي أصابه؟ فحكت لها الحكاية. فقالت العجوز: ما تقولين فيمن يلعب منصفا يكون فيه سلامة ولدك؟ فقالت لها: وما الذي تفعلينه؟ فقالت: أنا لي ولد يسمي أحمد قماقم السراق، وهو مقيد في السجن ومكتوب على قيده: مخلد إلى الممات. فأنت تقومين وتلبسين أفخر ما عندك، وتتزينين بأحسن الزينة، وتقابلين زوجك ببشر وبشاشة، فإذا طلب منك ما يطلبه الرجال من النساء فامتنعي منه، ولا تمكنيه، وقولي له: يا لله العجب! إذا كان للرجل حاجة عند زوجته يلح عليها حتى يقضيها منها، وإذا كان للزوجة عند زوجها حاجة فإنه لا يقضيها لها. فيقول لك: وما حاجتك؟ فقولي له: حتى تحلف لي. فإذا حلف لك بحياة رأسه أو بالله، فقولي له: احلف لي بالطلاق مني. ولا تمكنيه إلا إن حلف لك بالطلاق، فإذا حلف لك ms0752 بالطلاق فقولي له: عندك في السجن واحد مقدم اسمه أحمد قماقم، وله أم مسكينة، وقد وقعت علي وساقتني عليك، وقالت لي: خليه يشفع له عند الخليفة لأجل أن يتوب، ويحصل له الثواب. فقالت لها: سمعا وطاعة. فلما دخل الوالي على زوجته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 263 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوالي لما دخل على زوجته قالت له ذلك الكلام، وحلف لها بالطلاق، فمكنته وبات عندها، ولما أصبح الصباح اغتسل وصلى، وجاء إلى السجن وقال: يا أحمد قماقم يا سراق، هل تتوب مما أنت فيه؟ فقال: إني تبت إلى الله ورجعت، وأقول بالقلب واللسان: أستغفر الله. فأطلقه الوالي من السجن، وأخذه معه إلى الديوان وهو في القيد، ثم تقدم إلى الخليفة وقبل الأرض بين يديه، فقال له: يا أمير خالد، أي شيء تطلب؟ فقدم أحمد قماقم يخطر في القيد قدام الخليفة، فقال له: يا قماقم، هل أنت حي إلى الآن؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، إن عمر الشقي بطيء. فقال الخليفة: يا أمير خالد، لأي شيء جئت به هنا؟ فقال له: إن له أما مسكينة منقطعة، وليس لها أحد غيره، وقد وقعت على عبدك أن يتشفع عندك يا أمير المؤمنين في أنك تفكه من القيد، وهو يتوب عما كان فيه، وتجعله مقدم الدرك كما كان أولا. فقال الخليفة لأحمد قماقم: هل تبت عما كنت فيه؟ فقال له: تبت إلى الله يا أمير المؤمنين. فأمر بإحضار الحداد وفك قيده على دكة المغتسل، وجعله مقدم الدرك، وأوصاه بالمشي الطيب والاستقامة؛ فقبل يدي الخليفة، ونزل بخلعة الدرك، ونادوا له بالتقديم. فمكث مدة من الزمان في منصبه، ثم دخلت أمه على زوجة الوالي فقالت لها: الحمد لله الذي خلص ابنك من السجن، وهو على قيد الصحة والسلامة، فلأي شيء لم تقولي له أن يدبر أمرا في مجيئه بالجارية ياسمين إلى ولدي حبظلم بظاظة؟ فقالت: أقول له. # ثم قامت من عندها ودخلت على ولدها فوجدته سكران، فقالت له: ms0753 يا ولدي، ما سبب خلاصك من السجن إلا زوجة الوالي، وتريد منك أن تدبر لها أمرا في قتل علاء الدين أبي الشامات، وتجيء بالجارية ياسمين إلى ولدها حبظلم بظاظة. فقال لها: هذا أسهل ما يكون، ولا بد أن أدبر أمرا في هذه الليلة. وكانت تلك الليلة أول ليلة في الشهر الجديد، وعادة أمير المؤمنين أن يبيت فيها عند السيدة زبيدة لعتق جارية أو مملوك أو نحو ذلك، وكان من عادة الخليفة أنه يقلع بدلة الملك، ويترك السبحة والنمشة وخاتم الملك، ويضع الجميع فوق الكرسي في قاعة الجلوس، وكان عند الخليفة مصباح من ذهب، وفيه ثلاث جواهر منظومة في سلك من ذهب، وكان ذلك المصباح عزيزا عند الخليفة، ثم إن الخليفة وكل الطواشية بالبدلة والمصباح وباقي الأمتعة، ودخل مقصورة السيدة زبيدة، فصبر أحمد قماقم السراق لما انتصف الليل، وأضاء سهيل، ونامت الخلائق، وتجلى عليهم بالستر الخالق، ثم سحب سيفه في يمينه، وأخذ ملقفه في يساره، وأقبل على قاعة الجلوس التي للخليفة، ونصب سلم التسليك، ورمى ملقفه على قاعة الجلوس فتعلق بها، وطلع على السلم إلى السطوح، ورفع طابق القاعة ونزل فيها، فوجد الطواشية نائمين، فبنجهم وأخذ بدلة الخليفة والسبحة والنمشة والمنديل والخاتم والمصباح الذي بالجواهر، ثم نزل من الموضع الذي طلع منه، وسار إلى بيت علاء الدين أبي الشامات، وكان علاء الدين في هذه الليلة مشغولا بفرح الجارية، ودخل عليها وراحت منه حاملا. فنزل أحمد قماقم السراق على قاعة علاء الدين، وقلع لوحا رخاما من در قاعة القاعة، وحفر تحته ووضع بعض المصالح، وأبقى بعضها معه، ثم جبس اللوح الرخام كما كان، ونزل من الموضع الذي طلع منه، وقال في نفسه: أنا أقعد أسكر، وأحط المصباح قدامي، وأشرب الكأس على نوره. ثم سار إلى بيته. # فلما أصبح الصباح ذهب الخليفة إلى القاعة فوجد الطواشية مبنجين، فأيقظهم وحط يده فلم يجد البدلة، ولا الخاتم، ولا السبحة، ولا النمشة، ولا المنديل، ولا المصباح؛ فاغتاظ لذلك غيظا شديدا، ولبس بدلة الغضب، وهي بدلة حمراء، ms0754 وجلس في الديوان، فتقدم الوزير وقبل الأرض بين يديه، وقال: يكفي الله شر أمير المؤمنين. فقال له: يا وزير، إن الشر فائض. فقال له الوزير: أي شيء حصل؟ فحكى له جميع ما وقع، وإذا بالوالي طالع وفي ركابه أحمد قماقم السراق، فوجد الخليفة في غيظ عظيم. فلما نظر الخليفة إلى الوالي قال له: يا أمير خالد، كيف حال بغداد؟ فقال له: سالمة أمينة. فقال له: تكذب. فقال له: لأي شيء يا أمير المؤمنين؟ فقص عليه القصة، وقال له: ألزمتك أن تجيء لي بذلك كله. فقال له: يا أمير المؤمنين، دود الخل منه فيه، ولا يقدر غريب أن يصل إلى هذا المحل أبدا. فقال: إن لم تجئ لي بهذه الأمور قتلتك. فقال له: قبل أن تقتلني اقتل أحمد قماقم السراق، فإنه لا يعرف الحرامي والخائن إلا مقدم الدرك. فقام أحمد قماقم، وقال للخليفة: شفعني في الوالي وأنا أضمن لك عهدة الذي سرق، وأقص الأثر وراءه حتى أعرفه، ولكن أعطني اثنين من طرف القاضي، واثنين من طرف الوالي؛ فإن الذي فعل هذا الفعل لا يخشاك، ولا يخشى من الوالي ولا من غيره. فقال الخليفة: لك ما طلبت، ولكن أول التفتيش يكون في سرايتي، وبعدها في سراية رئيس الستين. فقال أحمد قماقم: صدقت يا أمير المؤمنين، ربما يكون الذي عمل هذه العملة واحد قد تربى في سراية أمير المؤمنين أو في سراية أحد من خواصه. فقال الخليفة: وحياة رأسي، كل من ظهرت عليه هذه العملة لا بد من قتله، ولو كان ولدي. ثم إن أحمد قماقم أخذ ما أراده، وأخذ فرمانا بالهجوم على البيوت وتفتيشها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 264 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أحمد قماقم أخذ ما أراده، وأخذ فرمانا بالهجوم على البيوت وتفتيشها، ونزل وبيده قضيب ثلثه من الشؤم، وثلثه من النحاس، وثلثه من الحديد والفولاذ، وفتش سراية الخليفة، وسراية الوزير جعفر، ودار على بيوت الحجاب والنواب إلى أن مر على بيت علاء ms0755 الدين أبي الشامات؛ فلما سمع الضجة علاء الدين قدام بيته قام من عند ياسمين زوجته، ونزل وفتح الباب، فوجد الوالي في كركبة، فقال له: ما الخبر يا أمير خالد؟ فحكى له جميع القضية، فقال علاء الدين: ادخلوا بيتي وفتشوه. فقال الوالي: العفو يا سيدي، أنت أمين، وحاشا أن يكون الأمين خائنا. فقال له: لا بد من تفتيش بيتي. فدخل الوالي والقضاة والشهود، وتقدم أحمد قماقم إلى در قاعة القاعة، وجاء إلى الرخامة التي دفن تحتها الأمتعة، وأرخى القضيب على اللوح الرخام بعزمه فانكسرت الرخامة، وإذا بشيء ينور تحتها، فقال المقدم: باسم الله ما شاء الله، على بركة قدومنا انفتح كنز، لما أنزل إلى هذا المطلب وأنظر ما فيه. فنظر القاضي والشهود إلى ذلك المحل فوجدوا الأمتعة بتمامها، فكتبوا ورقة مضمونها أنهم وجدوا الأمتعة في بيت علاء الدين، ثم وضعوا في تلك الورقة ختومهم، وأمروا بالقبض على علاء الدين، وأخذوا عمامته من فوق رأسه، وضبطوا جميع ماله ورزقه في قائمة، وقبض أحمد قماقم السراق على الجارية ياسمين، وكانت حاملا من علاء الدين، وأعطاها لأمه وقال لها: سلميها لخاتون امرأة الوالي. فأخذت ياسمين، ودخلت بها على زوجة الوالي، فلما رآها حبظلم بظاظة جاءت له العافية، وقام من وقته وساعته، وفرح فرحا شديدا، وتقرب إليها، فسحبت خنجرا من حياصتها، وقالت له: ابعد عني وإلا أقتلك وأقتل نفسي. فقالت لها أمه خاتون: يا عاهرة، خلي ولدي يبلغ منك مراده. فقالت لها: يا كلبة، في أي مذهب يجوز للمرأة أن تتزوج باثنين؟ وأي شيء أوصل الكلاب أن تدخل في موطن السباع؟ فزاد بالولد الغرام، وأضعفه الوجد والهيام، وقطع الزاد ولزم الوسادة، فقالت لها امرأة الوالي: يا عاهرة، كيف تحسرينني على ولدي؟ لا بد من تعذيبك، وأما علاء الدين فإنه لا بد من شنقه. فقالت لها: أنا أموت على محبته. فقامت زوجة الوالي ونزعت عنها ما كان عليها من الصيغة وثياب الحرير، وألبستها لباسا من الخيش، وقميصا من الشعر، وأنزلتها في المطبخ، وعملتها من جواري الخدمة، ms0756 وقالت لها: جزاك أنك تكسرين الحطب، وتقشرين البصل، وتحطين النار تحت الحلل. فقالت لها: أرضى بكل عذاب وخدمة، ولا أرضى برؤية ولدك. فحنن الله عليها قلوب الجواري، وصرن يتعاطين الخدمة عنها في المطبخ. # هذا ما كان من أمر ياسمين، وأما ما كان من أمر علاء الدين أبي الشامات، فإنهم أخذوه هو وأمتعة الخليفة، وساروا به إلى أن وصلوا إلى الديوان. فبينما الخليفة جالس على الكرسي، وإذا بهم طالعون بعلاء الدين ومعه الأمتعة، فقال الخليفة: أين وجدتموها؟ فقالوا له: في وسط بيت علاء الدين أبي الشامات. فامتزج الخليفة بالغضب، وأخذ الأمتعة فلم يجد فيها المصباح، فقال: يا علاء الدين أين المصباح؟ فقال: أنا لا سرقت، ولا علمت، ولا رأيت، ولا معي خبر. فقال له: يا خائن، كيف أقربك إلي وتبعدني عنك، وأستأمنك وتخونني؟ ثم أمر بشنقه، فنزل به الوالي والمنادي ينادي عليه: هذا جزاء، وأقل من جزاء من يخون الخلفاء الراشدين. فاجتمع الخلائق عند المشنقة. # هذا ما كان من أمر علاء الدين، وأما ما كان من أمر أحمد الدنف كبير علاء الدين، فإنه كان قاعدا هو وأتباعه في بستان، فبينما هم جالسون في حظ وسرور، وإذا برجل سقاء من السقائين الذين في الديوان دخل عليهم، وقبل يد أحمد الدنف، وقال: يا مقدم أحمد الدنف، أنت قاعد في صفاء والماء تحت رجليك وما عندك علم بما حصل. فقال له أحمد الدنف: ما الخبر؟ فقال السقاء: إن ولدك في عهد الله علاء الدين نزلوا به إلى المشنقة. فقال أحمد الدنف: ما عندك من الحيلة يا حسن يا شومان؟ فقال له: إن علاء الدين بريء من هذا الأمر، وهذا ملعوب عليه من واحد عدو. فقال له: ما الرأي عندك؟ فقال له: خلاصه علينا إن شاء المولى. ثم إن حسن شومان ذهب إلى السجن، وقال للسجان: أعطنا واحدا يكون مستوجبا للقتل. فأعطاه واحدا كان أشبه البرايا بعلاء الدين أبي الشامات، فغطى رأسه، وأخذه أحمد الدنف بينه وبين علي الزيبق المصري، وكانوا قدموا علاء الدين إلى ms0757 الشنق، فتقدم الدنف وحط رجله على رجل المشاعلي. فقال له المشاعلي: علي، أعطني الوسع حتى أعمل صنعتي. فقال له: يا لعين، خذ هذا الرجل واشنقه موضع علاء الدين أبي الشامات، فإنه مظلوم، ونفدي إسماعيل بالكبش. فأخذ المشاعلي ذلك الرجل وشنقه عوضا عن علاء الدين، ثم إن أحمد الدنف وعليا الزيبق المصري أخذا علاء الدين وسارا به إلى قاعة أحمد، فلما دخلوا عليه قال له علاء الدين: جزاك الله خيرا يا كبيري. فقال له: يا علاء الدين، ما هذا الفعل الذي فعلته؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 265 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أحمد الدنف قال لعلاء الدين: ما هذا الفعل الذي فعلته؟ ورحم الله من قال: من ائتمنك فلا تخنه، ولو كنت خائنا. والخليفة مكنك عنده وسماك بالثقة الأمين، كيف تفعل معه هكذا وتأخذ أمتعته؟ فقال له علاء الدين: والاسم الأعظم يا كبيري ما هي عملتي، ولا لي فيها ذنب، ولا أعرف من عملها. فقال أحمد الدنف: إن هذه العملة ما عملها إلا عدو مبين، ومن فعل شيئا يجازى به، ولكن يا علاء الدين أنت ما بقي لك إقامة في بغداد، فإن الملوك لا تعادى يا ولدي، ومن كانت الملوك في طلبه، فيا طول تعبه. فقال علاء الدين: أين أروح يا كبيري؟ فقال له: أنا أوصلك إلى الإسكندرية فإنها مباركة، وعتبتها خضراء، وعيشتها هنية. فقال: سمعا وطاعة يا كبيري. فقال أحمد الدنف لحسن شومان: خل بالك، وإذا سأل عني الخليفة فقل له إنه راح يطوف على البلاد. ثم أخذه وخرج من بغداد، ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى الكروم والبساتين، فوجدا يهوديين من عمال الخليفة راكبين على بغلتين. فقال أحمد الدنف لليهوديين: هاتا الغفر. فقال اليهوديان: نعطيك الغفر على أي شيء؟ فقال لهما: أنا غفير هذا الوادي. فأعطاه كل واحد منهما مائة دينار، وبعد ذلك قتلهما أحمد الدنف وأخذ البغلتين، فركب بغلة، وركب علاء الدين بغلة، وسارا إلى مدينة أياس، فأدخلا البغلتين في خان ms0758 وباتا فيه، ولما أصبح الصباح باع علاء الدين بغلته، وأوصى البواب على بغلة أحمد الدنف، ونزلوا في مركب من مينة أياس حتى وصلوا إلى الإسكندرية؛ فطلع أحمد الدنف ومعه علاء الدين، ومشيا في السوق، وإذا بدلال يدلل على دكان، ومن داخل الدكان طبقة على تسعمائة وخمسين، فقال علاء الدين: علي بألف. فسمح له البائع، وكانت لبيت المال؛ فتسلم علاء الدين المفاتيح، وفتح الدكان، وفتح الطبقة فوجدها مفروشة بالفرش والمساند، ورأى فيها حاصلا فيه قلاع، وصوار، وحبال، وصناديق، وأجربة ملآنة خرزا وودعا، وركايات، وأطبارا، ودبابيس، وسكاكين، ومقصات ... وغير ذلك؛ لأن صاحبه كان سقطيا. # فقعد علاء الدين أبو الشامات في الدكان، وقال له أحمد الدنف: يا ولدي، الدكان والطبقة وما فيهما صارت ملكك فاقعد فيها، وبع واشتر، ولا تنكر، فإن الله تعالى بارك في التجارة. وأقام عنده ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أخذ خاطره، وقال له: استقر في هذا المكان حتى أروح وأعود إليك بخبر من الخليفة بالأمان عليك، وأنظر الذي عمل معك هذا الملعوب. ثم توجه مسافرا حتى وصل إلى أياس، فأخذ البغلة من الخان وسار إلى بغداد، فاجتمع بحسن شومان وأتباعه، وقال له: يا حسن، هل الخليفة سأل عني؟ فقال: لا، ولا خطرت على باله. فأقام في خدمة الخليفة، وصار يستنشق الأخبار، فرأى الخليفة التفت إلى الوزير جعفر يوما من الأيام، وقال له: انظر يا وزير هذه العملة التي فعلها معي علاء الدين. فقال له: يا أمير المؤمنين، أنت جازيته بالشنق، وجزاؤه ما حل به. فقال له: يا وزير، مرادي أن أنزل وأنظره وهو مشنوق. فقال الوزير: افعل ما شئت يا أمير المؤمنين. فنزل الخليفة ومعه الوزير جعفر إلى جهة المشنقة، ثم رفع طرفه فرأى المشنوق غير علاء الدين أبي الشامات الثقة الأمين، فقال: يا وزير، هذا ما هو علاء الدين. فقال له: كيف عرفت أنه غيره؟ فقال: إن علاء الدين كان قصيرا، وهذا طويل. فقال له الوزير: إن المشنوق يطول. فقال له: إن علاء الدين كان أبيض، وهذا وجهه ms0759 أسود. فقال له: أما تعلم يا أمير المؤمنين أن الموت له غبرات؟! فأمر بتنزيله من فوق المشنقة. فلما أنزلوه وجد مكتوبا على كعبيه الاثنين: اسمي الشيخين. فقال له: يا وزير، إن علاء الدين كان سنيا، وهذا رافضي. فقال له: سبحان الله علام الغيوب، ونحن لا نعلم هل هذا علاء الدين أم غيره؟ فأمر الخليفة بدفنه فدفنوه، وصار علاء الدين نسيا منسيا. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر حبظلم بظاظة ابن الوالي، فإنه قد طال به العشق والغرام حتى مات وواروه في التراب. # وأما ما كان من أمر الجارية ياسمين، فإنها وفت حملها، ولحقها الطلق فوضعت ولدا ذكرا كأنه القمر، فقال لها الجواري: ما تسميه؟ فقالت: لو كان أبوه طيبا كان سماه، ولكن أنا أسميه أصلان. ثم إنها أرضعته اللبن عامين متتابعين، وفطمته وحبا ومشى. فاتفق أن أمه اشتغلت بخدمة المطبخ يوما من الأيام، فمشى الغلام ورأى سلم المقعد فطلع عليه، وكان الأمير خالد الوالي جالسا فأخذه، وأقعده في حجره، وسبح مولاه فيما خلق وصور، وتأمل وجهه فرآه أشبه البرايا بعلاء الدين أبي الشامات. ثم إن أمه ياسمين فتشت عليه فلم تجده، فطلعت المقعد فرأت الأمير خالدا جالسا والولد في حجره يلعب، وقد ألقى الله محبة الولد في قلب الأمير خالد، فالتفت الولد فرأى أمه فرمى نفسه عليها، فزنقه الأمير خالد في حضنه، وقال لها: تعالي يا جارية. فلما جاءت قال لها: هذا الولد ابن من؟ فقالت له: هذا ولدي وثمرة فؤادي. فقال لها: ومن أبوه؟ فقالت: أبوه علاء الدين أبو الشامات، والآن صار ولدك. فقال لها: إن علاء الدين كان خائنا. فقالت: سلامته من الخيانة، حاشا وكلا أن يكون الأمين خائنا. فقال لها: إذا كبر هذا الولد وانتشأ وقال لك: من أبي؟ فقولي له: أنت ابن الأمير خالد الوالي صاحب الشرطة. فقالت له: سمعا وطاعة. # ثم إن الأمير خالد الوالي طاهر الولد، ورباه وأحسن تربيته، وجاء له بفقيه خطاط فعلمه الخط والقراءة، فقرأ وعاد وختم، وطلع ms0760 يقول للأمير خالد: يا والدي. وصار الوالي يعمل في الميدان، ويجمع الخيل، وينزل يعلم الولد أبواب الحرب ومقام الطعن والضرب، إلى أن انتهى في الفروسية، وتعلم الشجاعة، وبلغ من العمر أربع عشرة سنة، ووصل إلى درجة الإمارة، فاتفق أن أصلان اجتمع مع أحمد قماقم السراق يوما من الأيام، وصارا أصحابا، فتبعه إلى الخمارة، وإذا بأحمد قماقم السراق أطلع المصباح الجوهر الذي أخذه من أمتعة الخليفة، وحطه قدامه، وتناول الكأس على نوره وسكر، فقال له أصلان: يا مقدم، أعطني هذا المصباح. فقال له: ما أقدر أن أعطيك إياه. فقال له: لأي شيء؟ فقال: لأنه راحت على شأنه الأرواح. فقال له: أي روح راحت على شأنه؟ فقال له: كان واحد جاءنا هنا، وعمل رئيس الستين يسمى علاء الدين أبا الشامات، ومات بسبب ذلك. فقال له: وما حكايته؟ وما سبب موته؟ فقال له: كان لك أخ يسمى حبظلم بظاظة، وبلغ من العمر ستة عشر عاما حتى استحق الزواج، وطلب أبوه أن يشتري له جارية ... وخبره بالقصة من أولها إلى آخرها، وأعلمه بضعف حبظلم بظاظة، وما وقع لعلاء الدين ظلما. فقال أصلان في نفسه: لعل هذه الجارية ياسمين أمي، وما أبي إلا علاء الدين أبو الشامات. فطلع الولد أصلان من عنده حزينا، فقابل المقدم أحمد الدنف، فلما رآه أحمد الدنف قال: سبحان من لا شبيه له! فقال له حسن شومان: يا كبيري، من أي شيء تتعجب؟ فقال له: من خلقة هذا الولد أصلان؛ فإنه أشبه البرايا بعلاء الدين أبي الشامات. فنادى أحمد الدنف وقال: يا أصلان. فرد عليه، فقال له: ما اسم أمك؟ فقال له: تسمى الجارية ياسمين. فقال له: يا أصلان، طب نفسا وقر عينا؛ فإنه ما أبوك إلا علاء الدين أبو الشامات، ولكن يا ولدي ادخل على أمك، واسألها عن أبيك. فقال: سمعا وطاعة. # ثم دخل على أمه وسألها، فقالت له: أبوك الأمير خالد. فقال لها: ما أبي إلا علاء الدين أبو الشامات. فبكت أمه وقالت له: من أخبرك بهذا يا ولدي؟ ms0761 فقال: المقدم أحمد الدنف أخبرني بذلك. فحكت له جميع ما جرى، وقالت له: يا ولدي، قد ظهر الحق واختفى الباطل، واعلم أن أباك علاء الدين أبو الشامات، إلا أنه ما رباك إلا الأمير خالد، وجعلك ولده، فيا ولدي إن اجتمعت بالمقدم أحمد الدنف فقل له: يا كبيري، سألتك بالله أن تأخذ لي ثأري من قاتل أبي علاء الدين أبي الشامات. فطلع من عندها وسار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 266 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أصلان طلع من عند أمه وسار إلى أن دخل على المقدم أحمد الدنف وقبل يده، فقال له: ما لك يا أصلان؟ فقال له: إني قد عرفت وتحققت أن أبي علاء الدين أبو الشامات، ومرادي أنك تأخذ لي ثأري من قاتله. فقال له: من الذي قتل أباك؟ فقال له: أحمد قماقم السراق. فقال له: ومن أعلمك بهذا الخبر. فقال: رأيت معه المصباح الجوهر الذي ضاع من جملة أمتعة الخليفة، وقلت له: أعطني هذا المصباح فما رضي، وقال لي: هذا راحت على شأنه الأرواح. وحكى لي أنه هو الذي نزل وسرق العملة ووضعها في دار أبي. فقال له أحمد الدنف: إذا رأيت الأمير خالدا الوالي يلبس لباس الحرب فقل له: ألبسني مثلك. فإذا طلعت معه وأظهرت بابا من أبواب الشجاعة قدام أمير المؤمنين، فإن الخليفة يقول لك: تمن علي يا أصلان. فقل له: أتمنى عليك أن تأخذ لي ثأر أبي من قاتله. فيقول لك: إن أباك حي، وهو الأمير خالد الوالي. فقل له: إن أبي علاء الدين أبو الشامات، وخالد الوالي له علي حق التربية فقط. وأخبره بجميع ما وقع بينك وبين أحمد قماقم السراق، وقل له: يا أمير المؤمنين، اؤمر بتفتيشه وأنا أخرجه من جيبه. فقال له: سمعا وطاعة. # ثم طلع أصلان فوجد الأمير خالدا يتجهز إلى طلوعه ديوان الخليفة، فقال له: مرادي أن تلبسني لباس الحرب مثلك، وتأخذني معك إلى ديوان الخليفة. فألبسه وأخذه معه إلى الديوان، ونزل الخليفة ms0762 بالعسكر خارج البلد، ونصبوا الصواوين والخيام، واصطفت الصفوف، وطلعوا بالأكرة والصولجان، فصار الفارس منهم يضرب الأكرة بالصولجان فيردها عليه الفارس الثاني، وكان بين العسكر واحد جاسوس مغرى على قتل الخليفة، فأخذ الأكرة وضربها بالصولجان، وحررها على وجه الخليفة، وإذا بأصلان استلقاها عن الخليفة وضرب بها راميها فوقعت بين أكتافه فوقع على الأرض. فقال الخليفة: بارك الله فيك يا أصلان. ثم نزلوا من على ظهور الخيل، وقعدوا على الكراسي، وأمر الخليفة بإحضار الذي ضرب الأكرة. # فلما حضر بين يديه قال له: من أغراك على هذا الأمر، وهل أنت عدو أم حبيب؟ فقال له: أنا عدو، وكنت مضمرا قتلك. فقال له: ما سبب ذلك؟ أما أنت مسلم؟ فقال: لا، وإنما أنا رافضي. فأمر الخليفة بقتله، وقال لأصلان: تمن علي. فقال له: أتمنى عليك أن تأخذ لي ثأر أبي من قاتله. فقال له: إن أباك حي، وهو واقف على رجليه. فقال له: من هو أبي؟ فقال له: الأمير خالد الوالي. فقال له: يا أمير المؤمنين، ما هو إلا في التربية، وما والدي إلا علاء الدين أبو الشامات. فقال له: إن أباك كان خائنا. فقال: يا أمير المؤمنين، حاشا أن يكون الأمين خائنا، وما الذي خانك فيه؟ فقال له: سرق بدلتي وما معها. فقال: يا أمير المؤمنين، حاشا أن يكون أبي خائنا، ولكن يا سيدي لما عدمت بدلتك وعادت إليك، هل رأيت المصباح رجع إليك أيضا؟ فقال: ما وجدناه. فقال: أنا رأيته مع أحمد قماقم، وطلبته منه فلم يعطه لي، وقال: هذا راحت عليه الأرواح. وحكى لي عن ضعف حبظلم بظاظة ابن الأمير خالد، وعشقه للجارية ياسمين، وخلاصه من القيد، وأنه هو الذي سرق البدلة والمصباح، وأنت يا أمير المؤمنين تأخذ لي بثأر والدي من قاتله. فقال الخليفة: اقبضوا على أحمد قماقم. فقبضوا عليه، وقال: أين المقدم أحمد الدنف؟ فحضر بين يديه، فقال له الخليفة: فتش قماقم. فحط يديه في جيبه، فأطلع منه المصباح الجوهر. فقال الخليفة: تعال يا خائن، من أين لك هذا ms0763 المصباح؟ فقال له: اشتريته يا أمير المؤمنين. فقال له الخليفة: من أين اشتريته؟ ومن يقدر على مثله حتى يبيعه لك؟ وضربوه فأقر أنه هو الذي سرق البدلة والمصباح. فقال له الخليفة: لأي شيء تفعل هذه الفعال يا خائن حتى ضيعت علاء الدين أبا الشامات، وهو الثقة الأمين؟ # ثم أمر الخليفة بالقبض عليه وعلى الوالي. فقال الوالي: يا أمير المؤمنين أنا مظلوم، وأنت أمرتني بشنقه، ولم يكن عندي خبر هذا الملعوب، فإن التدبير كان بين العجوز وأحمد قماقم وزوجتي، وليس عندي خبر، وأنا في جيرتك يا أصلان. فشفع فيه أصلان عند الخليفة، ثم قال أمير المؤمنين: ما فعل الله بأم هذا الولد؟ فقال له: عندي. فقال: أمرتك أن تأمر زوجتك أن تلبسها بدلتها وصيغتها، وتردها إلى سيادتها، وأن تفك الختم الذي على بيت علاء الدين، وتعطي ابنه رزقه وماله. فقال: سمعا وطاعة. ثم نزل الوالي وأمر امرأته فألبستها بدلتها، وفك الختم عن بيت علاء الدين، وأعطى أصلان المفاتيح، ثم قال الخليفة: تمن علي يا أصلان. فقال له: تمنيت عليك أن تجمع شملي بأبي. فبكى الخليفة وقال: الغالب أن أباك هو الذي شنق ومات، ولكن وحياة جدودي كل من بشرني بأنه على قيد الحياة أعطيته جميع ما يطلبه. فتقدم أحمد الدنف وقبل الأرض بين يديه، وقال له: أعطني الأمان يا أمير المؤمنين. فقال له: عليك الأمان. فقال: أبشرك أن علاء الدين أبا الشامات الثقة الأمين طيب على قيد الحياة. فقال له: ما الذي تقول؟ فقال له: وحياة رأسك إن كلامي حق، وفديته بغيره ممن يستحق القتل، وأوصلته إلى الإسكندرية، وفتحت له دكان سقطي. فقال الخليفة: ألزمتك أن تجيء به. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 267 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة قال لأحمد الدنف: ألزمتك أن تجيء به. فقال له: سمعا وطاعة. فأمر له الخليفة بعشرة آلاف دينار، وسار متوجها إلى الإسكندرية. # هذا ما كان من أمر أصلان، وأما ما كان من أمر والده علاء الدين ms0764 أبي الشامات، فإنه باع ما كان عنده في الدكان جميعه، ولم يبق في الدكان إلا القليل وجراب، فنفض الجراب فنزلت منه خرزة تملأ الكف في سلسلة من الذهب، ولها خمسة وجوه، وعليها أسماء وطلاسم كدبيب النمل، فدعك الخمسة وجوه فلم يجاوبه أحد، فقال في نفسه: لعلها خرزة من جزع. ثم علقها في الدكان، وإذا بقنصل فائت في الطريق فرفع بصره فرأى الخرزة معلقة، فقعد على دكان علاء الدين، وقال له: يا سيدي، هل هذه الخرزة للبيع؟ فقال له: جميع ما عندي للبيع. فقال له: أتبيع لي إياها بثمانين ألف دينار؟ فقال له علاء الدين: يفتح الله. فقال له: أتبيعها بمائة ألف دينار؟ فقال: بعتها لك بمائة ألف دينار، فأنقدني الدنانير. فقال له القنصل: ما أقدر أن أحمل ثمنها معي، والإسكندرية فيها حرامية وشرطية، فأنت تروح معي إلى مركبي وأعطي لك الثمن، ورزمة صوف أنجوري، ورزمة أطلس، ورزمة قطيفة، ورزمة جوخ. فقام علاء الدين وقفل الدكان بعد أن أعطى له الخرزة، وأعطى المفاتيح لجاره وقال له: خذ هذه المفاتيح عندك أمانة حتى أروح إلى المركب مع هذا القنصل وأجيء بثمن خرزتي، فإن عوقت عنك وورد عليك المقدم أحمد الدنف الذي كان وطنني في هذا المكان، فأعطه المفاتيح وأخبره بذلك. ثم توجه مع القنصل إلى المركب، فلما نزل به المركب نصب له كرسيا وأجلسه عليه، وقال: هاتوا المال. فدفع له الثمن، والخمس رزم التي وعده بها، وقال له: يا سيدي، اقصد جبري بلقمة أو شربة ماء. فقال: إن كان عندك ماء فاسقني. فأمر بالشربات فإذا فيها بنج، فلما شرب انقلب على ظهره، فرفعوا الكراسي وحطوا المداري، وحلوا القلوع، وأسعفتهم الرياح حتى وصلوا إلى وسط البحر، فأمر القبطان بطلوع علاء الدين من العنبر فطلعوه، وشمموه ضد البنج، ففتح عينيه وقال: أين أنا؟ فقال له: أنت معي مربوط وديعة، ولو كنت تقول «يفتح الله»، لكنت أزيدك. فقال له علاء الدين: ما صناعتك؟ فقال له: أنا قبطان، ومرادي أن آخذك إلى حبيبة قلبي. # فبينما هما ms0765 في الكلام، وإذا بمركب فيها أربعون من تجار المسلمين، فطلع القبطان بمركبه عليهم، ووضع الكلاليب في مركبهم، ونزل هو ورجاله فنهبوها وأخذوها، وساروا بها إلى مدينة جنوة؛ فأقبل القبطان الذي معه علاء الدين إلى باب قيطون قصر، وإذا بصبية نازلة وهي ضاربة لثاما، فقالت له: هل جئت بالخرزة وصاحبها؟ فقال لها: جئت بهما. فقالت له: هات الخرزة. فأعطاها لها، وتوجه إلى المينة ورمى مدافع السلامة، فعلم ملك المدينة بوصول ذلك القبطان، فخرج إلى مقابلته وقال له: كيف كانت سفرتك؟ فقال له: كانت طيبة جدا، وقد كسبت فيها مركبا فيها واحد وأربعون من تجار المسلمين. فقال له: أخرجهم إلى المينة. فأخرجهم في الحديد، ومن جملتهم علاء الدين، وركب الملك هو والقبطان، ومشوهم قدامهم إلى أن وصلوا إلى الديوان، فجلسوا وقدموا أول واحد، فقال له الملك: من أين يا مسلم؟ فقال: من الإسكندرية. فقال: يا سياف اقتله. فضربه السياف بالسيف فرمى رقبته، والثاني والثالث هكذا إلى تمام الأربعين. # وكان علاء الدين في آخرهم فشرب حسرتهم، وقال لنفسه: رحمة الله عليك يا علاء الدين! فرغ عمرك. فقال له الملك: وأنت من أي البلاد؟ فقال: من الإسكندرية. فقال: يا سياف ارم عنقه. فرفع السياف يده بالسيف، وأراد أن يرمي رقبة علاء الدين، وإذا بعجوز ذات هيبة تقدمت بين أيادي الملك، فقام إليها تعظيما لها. فقالت: يا ملك، أما قلت لك لما يجيء القبطان بالأسارى تذكر الدير بأسير أو بأسيرين يخدمان في الكنيسة؟ فقال لها: يا أمي، ليتك سبقت بساعة. ولكن خذي هذا الأسير الذي فضل. فالتفتت إلى علاء الدين وقالت له: هل أنت تخدم في الكنيسة أو أخلي الملك يقتلك؟ فقال لها: أنا أخدم في الكنيسة. فأخذته وطلعت به من الديوان، وتوجهت إلى الكنيسة، فقال لها علاء الدين: ما أعمل من الخدمة؟ فقالت له: تقوم في الصبح وتأخذ خمسة بغال، وتسير بها إلى الغابة، وتقطع ناشف الحطب وتكسره، وتجيء به إلى مطبخ الدير، وبعد ذلك تلم البسط وتكنس، وتمسح البلاط والرخام، وترد الفرش مثلما ms0766 كان، وتأخذ نصف أردب قمح وتغربله وتطحنه وتعجنه، وتعمله منينات للدير، وتأخذ ويبة عدس تغربلها وتدشها وتطبخها، ثم تملأ الأربع فساقي ماء، وتحول بالبرميل، وتملأ ثلاثمائة وستة وستين قصعة، وتفت فيها المنينات وتسقيها من العدس، وتدخل لكل راهب أو بطرك قصعته. فقال لها علاء الدين: رديني إلى الملك وخليه يقتلني أسهل لي من هذه الخدمة. فقالت له: إن خدمت ووفيت الخدمة التي عليك خلصت من القتل، وإن لم توف خليت الملك يقتلك. # فقعد علاء الدين حامل الهم، وكان في الكنيسة عشرة عميان مكسحين، فقال له واحد منهم: هات لي قصرية. فأتى له بها فتغوط فيها، وقال له: ارم الغائط. فرماه، فقال له: يبارك فيك المسيح يا خدام الكنيسة. وإذا بالعجوز أقبلت وقالت له: لأي شيء ما وفيت الخدمة في الكنيسة؟ فقال لها: أنا لي كم يد حتى أقدر على توفية هذه الخدمة. فقالت له: يا مجنون، أنا ما جئت بك إلا للخدمة. ثم قالت له: خذ يا ابني هذا القضيب - وكان من النحاس، وفي رأسه صليب - واخرج إلى الشارع، فإذا قابلك والي البلد فقل له: إني أدعوك إلى خدمة الكنيسة من أجل السيد المسيح. فإنه لا يخالفك، فخله يأخذ القمح ويغربله ويطحنه وينخله ويعجنه، ويخبزه منينات، وكل من يخالفك اضربه ولا تخف من أحد. فقال: سمعا وطاعة. وعمل كما قالت، ولم يزل يسخر الأكابر والأصاغر مدة سبعة عشر عاما. فبينما هو قاعد في الكنيسة، وإذا بالعجوز داخلة عليه فقالت له: اطلع إلى خارج الدير. فقال لها: أين أروح؟ فقالت له: بت هذه الليلة في خمارة أو عند واحد من أصحابك. فقال لها: لأي شيء تطردينني من الكنيسة؟ فقالت له: إن حسن مريم بنت الملك يوحنا ملك هذه المدينة مرادها أن تدخل الكنيسة للزيارة، ولا ينبغي أن يقعد أحد في طريقها. فامتثل كلامها وقام، وأراها أنه رائح إلى خارج الكنيسة، وقال في نفسه: يا هل ترى بنت الملك مثل نسواننا أم أحسن منهن؟ فأنا لا أروح حتى أتفرج عليها، فاختفى في ms0767 مخدع له طاقة تطل على الكنيسة. فبينما هو ينظر في الكنيسة، وإذا ببنت الملك مقبلة، فنظر إليها نظرة أعقبته ألف حسرة؛ لأنه وجدها كأنها البدر إذا بزغ من تحت الغمام، وصحبتها صبية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 268 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علاء الدين لما نظر إلى بنت الملك رأى بصحبتها صبية، وهي تقول لتلك الصبية: آنست يا زبيدة. فأمعن علاء الدين النظر في تلك الصبية فرآها زوجته زبيدة العودية التي كانت ماتت، ثم إن بنت الملك قالت لزبيدة: قومي اعملي لنا نوبة على العود. فقالت لها: أنا لا أعمل لك نوبة حتى تبلغيني مرادي، وتفي لي بما وعدتني به. فقالت لها: ما الذي وعدتك به؟ قالت لها: وعدتني بجمع شملي بزوجي علاء الدين أبي الشامات الثقة الأمين. فقالت لها: يا زبيدة، طيبي نفسا وقري عينا، واعملي لنا نوبة حلاوة اجتماع شملنا بزوجك علاء الدين. فقالت لها: وأين هو؟ فقالت لها: إنه في هذا المخدع يسمع كلامنا. فعملت نوبة على العود ترقص الحجر الجلمود، فلما سمع ذلك علاء الدين هاجت بلابله، وخرج من المخدع وهجم عليهما، وأخذ زوجته زبيدة العودية بالحضن، وعرفته فاعتنق الاثنان بعضهما، ووقعا على الأرض مغشيا عليهما؛ فتقدمت الملكة حسن مريم ورشت عليهما ماء الورد وصحتهما وقالت: جمع الله شملكما. فقال لها علاء الدين: على محبتك يا سيدتي. # ثم التفت علاء الدين إلى زوجته زبيدة العودية وقال لها: أنت قد مت يا زبيدة، ودفناك في القبر، فكيف حييت وجئت إلى هذا المكان؟ فقالت له: يا سيدي، أنا ما مت، وإنما اختطفني عون من أعوان الجان، وطار بي إلى هذا المكان، وأما التي دفنتموها فإنها جنية وتصورت في صورتي، وعملت أنها ميتة، وبعدما دفنتموها شقت القبر وخرجت منه، وراحت إلى خدمة سيدتها حسن مريم بنت الملك، وأما أنا فإني صرعت وفتحت عيني فرأيت نفسي عند حسن مريم بنت الملك، وهي هذه. فقلت لها: لأي شيء جئت بي إلى هنا؟ فقالت لي: ms0768 أنا موعودة بزواجي بزوجك علاء الدين أبي الشامات، فهل تقبلينني يا زبيدة أن أكون ضرتك، ويكون لي ليلة ولك ليلة؟ فقالت لها: سمعا وطاعة يا سيدتي. ولكن أين زوجي؟ فقالت: إنه مكتوب على جبينه ما قدره الله عليه، فمتى استوفى ما على جبينه لا بد أن يجيء إلى هذا المكان، ولكن نتسلى على فراقه بالنغمات، والضرب على الآلات، حتى يجمعنا الله به. فمكثت عندها هذه المدة إلى أن جمع الله شملي بك في هذه الكنيسة. # ثم إن حسن مريم التفتت إليه، وقالت له: يا سيدي علاء الدين، هل تقبلني أن أكون لك أهلا، وتكون لي بعلا؟ فقال لها: يا سيدتي، أنا مسلم وأنت نصرانية، فكيف أتزوج بك؟ فقالت: حاشا لله أن أكون كافرة، بل أنا مسلمة ولي ثمانية عشر عاما وأنا متمسكة بدين الإسلام، وإني بريئة من كل دين يخالف دين الإسلام. فقال لها: يا سيدتي، مرادي أن أروح بلادي. فقالت له: اعلم أني رأيت مكتوبا على جبينك أمورا لا بد أن تستوفيها، وتبلغ غرضك، ويهنيك يا علاء الدين أنه ظهر لك ولد اسمه أصلان، وهو الآن جالس في مرتبتك عند الخليفة، وقد بلغ من العمر ثمانية عشر عاما، واعلم أنه ظهر الحق واختفى الباطل، وربنا كشف الستر عن الذي سرق أمتعة الخليفة، وهو أحمد قماقم السراق الخائن، وهو الآن في السجن محبوس ومقيد، واعلم أني أنا التي أرسلت إليك الخرزة، ووضعتها لك في داخل الجراب الذي في الدكان، وأنا التي أرسلت القبطان وجاء بك وبالخرزة، واعلم أن هذا القبطان متعلق بي، ويطلب مني الوصال، فما رضيت أن أمكنه من نفسي، بل قلت له: لا أمكنك من نفسي إلا إذا جئت لي بالخرزة وصاحبها. وأعطيته مائة كيس، وأرسلته في صفة تاجر وهو قبطان، ولما قدموك إلى القتل بعد قتل الأربعين الأسارى الذين كنت معهم، أرسلت إليك هذه العجوز. فقال لها: جزاك الله عني كل خير. # ثم إن حسن مريم جددت إسلامها على يديه، ولما عرف صدق كلامها قال لها: أخبريني ms0769 عن فضيلة هذه الخرزة ومن أين هي؟ فقالت له: هذه خرزة من كنز، مرصود فيها خمس فضائل تنفعنا عند الاحتياج إليها، وإن جدتي أم أبي كانت ساحرة تحل الرموز، وتختلس ما في الكنوز، فوقعت لها هذه الخرزة من كنز، فلما كبرت أنا وبلغت من العمر أربعة عشر عاما، قرأت الإنجيل وغيره من الكتب، فرأيت اسم محمد صلى الله عليه وسلم في الأربعة كتب؛ التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان؛ فآمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم وأسلمت، وتحققت بعقلي أنه لا يعبد بحق إلا الله تعالى، وأن رب الأنام لا يرضى إلا دين الإسلام، وكانت جدتي حين ضعفت وهبت لي هذه الخرزة، وعلمتني بما فيها من الخمس فضائل، وقبل أن تموت جدتي قال لها أبي: اضربي لي تخت رمل، وانظري عاقبة أمري وما يحصل لي. فقالت له: إن البعيد يموت قتيلا من أسير يجيء من الإسكندرية. فحلف أبي أن يقتل كل أسير يجيء منها، وأخبر القبطان بذلك وقال له: لا بد أن تهجم على مراكب المسلمين، وكل من رأيته من الإسكندرية تقتله أو تجيء به إلي. فامتثل أمره حتى قتل عدد شعر رأسه، ثم هلكت جدتي فطلعت أنا، وضربت لي تخت رمل، وأضمرت ما في نفسي، وقلت: يا هل ترى من يتزوج بي؟ فظهر لي أنه ما يتزوج بي إلا واحد يسمى علاء الدين أبا الشامات الثقة الأمين؛ فتعجبت من ذلك، وصبرت إلى أن آن الأوان، واجتمعت بك. # ثم إنه تزوج بها وقال لها: أنا مرادي أن أروح إلى بلادي. فقالت له: إذا كان الأمر كذلك فتعال معي. ثم أخذته وخبأته في مخدع قصرها، ودخلت على أبيها. فقال لها: يا بنتي، أنا عندي اليوم قبض زائد فاقعدي حتى أسكر معك. فقعدت ودعا بسفرة المدام، وصارت تملأ وتسقيه حتى غاب عن الوجود، ثم إنها وضعت له البنج في قدح، فشرب القدح وانقلب على قفاه، ثم جاءت إلى علاء الدين وأخرجته من المخدع، وقالت له: إن خصمك مطروح على قفاه فافعل به ما شئت، فإني ms0770 أسكرته وبنجته. فدخل علاء الدين فرآه مبنجا، فكتفه تكتيفا وثيقا وقيده، ثم أعطاه ضد البنج فأفاق منه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 269 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علاء الدين أعطى الملك أبا حسن مريم ضد البنج فأفاق، فوجد علاء الدين وابنته راكبين على صدره. فقال لها: يا بنتي، أتفعلين معي هذه الفعال؟ فقالت له: إن كنت بنتك فأسلم لأنني أسلمت، وقد تبين لي الحق فاتبعته، والباطل فاجتنبته، وقد أسلمت وجهي لله رب العالمين، وإنني بريئة من كل دين يخالف دين الإسلام في الدنيا والآخرة، فإن أسلمت فحبا وكرامة، وإلا فقتلك أولى من حياتك. ثم نصحه علاء الدين فأبى وتمرد؛ فسحب علاء الدين خنجرا ونحره من الوريد إلى الوريد، وكتب ورقة بصورة الذي جرى، ووضعها على جبهته، وأخذ ما خف حمله وغلا ثمنه، وطلعا من القصر وتوجها إلى الكنيسة؛ فأحضرت الخرزة وحطت يدها على الوجه الذي هو منقوش عليه السرير ودعكته، وإذا بسرير وضع قدامها، فركبت هي وعلاء الدين وزوجته زبيدة العودية على ذلك السرير، وقالت: بحق ما كتب على هذه الخرزة من الأسماء والطلاسم وعلوم الأقلام أن ترتفع بنا يا سرير. فارتفع بهم السرير، وسار إلى واد لا نبات فيه. فقامت الأربعة وجوه الباقية من الخرزة إلى السماء، وقلبت الوجه المرسوم عليه السرير فنزل إلى الأرض، وقلبت الوجه المرسوم عليه هيئة صيوان ودعكته، وقالت: لينتصب صيوان في هذا الوادي. فانتصب الصيوان وجلسوا فيه، وكان ذلك الوادي أقفر لا نبات فيه ولا ماء، فقلبت الأربعة وجوه إلى السماء وقالت: بحق أسماء الله تنبت هنا أشجار ويجري بجانبها بحر. فنبتت الأشجار في الحال، وجرى بجانبها بحر عجاج متلاطم بالأمواج، فتوضئوا منه وصلوا وشربوا، وقلبت الثلاثة وجوه الباقية من الخرزة إلى الوجه الذي على هيئة سفرة الطعام، وقالت: بحق أسماء الله يمد السماط. وإذا بسماط امتد وفيه سائر الأطعمة الفاخرة، فأكلوا وشربوا، وتلذذوا وطربوا. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر ابن الملك، ms0771 فإنه دخل ينبه أباه فوجده قتيلا، ووجد الورقة التي كتبها علاء الدين، فقرأها وعرف ما فيها، ثم فتش على أخته فلم يجدها، فذهب إلى العجوز في الكنيسة وسألها عنها فقالت: من أمس ما رأيتها. فعاد إلى العسكر وقال لهم: الخيل يا أربابها. وأخبرهم بالذي جرى؛ فركبوا الخيل وسافروا إلى أن قربوا من الصيوان، فالتفتت حسن مريم فرأت الغبار قد سد الأقطار، وبعد أن علا وطار انكشف فظهر من تحته أخوها والعسكر وهم ينادون: إلى أين تقصدون ونحن وراءكم؟ فقالت الصبية لعلاء الدين: كيف ثباتك في الحرب والنزال؟ فقال لها: مثل الوتد في النخال، فإني لا أعرف الحرب والكفاح، ولا السيوف والرماح. فسحبت الخرزة ودعكت الوجه المرسوم عليه صورة الفرس والفارس، وإذا بفارس ظهر من البر، ولم يزل فيهم ضربا بالسيف إلى أن كسرهم وطردهم، ثم قالت له: أتسافر إلى مصر أم إلى الإسكندرية؟ فقال: إلى الإسكندرية. فركبوا على السرير وعزمت عليه فسار بهم في لحظة إلى أن نزلوا في الإسكندرية، فأدخلهم علاء الدين في مغارة وذهب إلى الإسكندرية، فأتاهم بثياب وألبسهم إياها، وتوجه بهم إلى الدكان والطبقة، ثم طلع يجيء لهم بغداء، وإذا بالمقدم أحمد الدنف قادم من بغداد، فرآه في الطريق فقابله بالعناق، وسلم عليه ورحب به. # ثم إن المقدم أحمد الدنف بشره بولده أصلان، وأنه بلغ من العمر عشرين عاما، وحكى له علاء الدين جميع ما جرى له من الأول إلى الآخر، وأخذه إلى الدكان والطبقة؛ فتعجب أحمد الدنف من ذلك غاية العجب، وباتوا تلك الليلة، ولما أصبحوا باع علاء الدين الدكان، ووضع ثمنه على ما معه، ثم إن أحمد الدنف أخبر علاء الدين بأن الخليفة يطلبه. فقال له: أنا رائح إلى مصر أسلم على أبي وأمي وأهل بيتي. فركبوا السرير جميعا، وتوجهوا إلى مصر السعيدة، ونزلوا في الدرب الأصفر؛ لأن بيتهم كان في تلك الحارة، ودق باب بيتهم، فقالت أمه: من بالباب بعد فقد الأحباب؟ فقال لها: أنا علاء الدين. فنزلوا وأخذوه بالأحضان، ثم أدخل زوجته وما ms0772 معه في البيت، وبعد ذلك دخل وأحمد الدنف صحبته، وأخذوا لهم راحة ثلاثة أيام، ثم طلب السفر إلى بغداد، فقال له أبوه: يا ولدي، اجلس عندي. فقال: ما أقدر على فراق ولدي أصلان. ثم إنه أخذ أباه وأمه معه وسافروا إلى بغداد. فدخل أحمد الدنف وبشر الخليفة بقدوم علاء الدين، وحكى له حكايته؛ فطلع الخليفة لملتقاه، وأخذ معه ولده أصلان، وقابلوه بالأحضان، وأمر الخليفة بإحضار أحمد قماقم السراق، فلما حضر بين يديه قال لعلاء الدين: دونك وخصمك. فسحب علاء الدين السيف وضرب أحمد قماقم فرمى عنقه، ثم إن الخليفة عمل لعلاء الدين فرحا عظيما بعد أن أحضر القضاة والشهود، وكتب كتابه على حسن مريم، ولما دخل عليها وجدها درة لم تثقب، ثم جعل ولده أصلان رئيس الستين، وخلع عليهم الخلع السنية، وأقاموا في أرغد عيش وأهناه إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات. ### || حكاية حاتم الطائي # وأما حكايات الكرام فإنها كثيرة جدا، منها ما روي عن حاتم الطائي أنه لما مات دفن في رأس جبل، وعملوا على قبره حوضين من حجر، وصور بنات محللات الشعور من حجر، وكان تحت ذلك الجبل نهر جار، فإذا نزلت الوفود يسمعون الصراخ في الليل من العشاء إلى الصباح، فإذا أصبحوا لم يجدوا أحدا غير البنات المصورة من الحجر. فلما نزل ذو الكراع ملك حمير بذلك الوادي خارجا عن عشيرته، بات تلك الليلة هناك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 270 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ذا الكراع لما نزل بذلك الوادي بات تلك الليلة هناك، وتقرب من ذلك الموضع فسمع الصراخ، فقال: ما هذا العويل الذي فوق هذا الجبل؟ فقالوا له: إن هذا قبر حاتم الطائي، وإن عليه حوضين من حجر وصور بنات من حجر محلولات الشعور، وكل ليلة يسمع النازلون في هذا المكان هذا العويل والصراخ. فقال ذو الكراع ملك حمير يهزأ بحاتم الطائي: يا حاتم، نحن الليلة ضيوفك، ونحن خماص. فغلب عليه النوم، ثم استيقظ وهو مرعوب، ms0773 وقال: يا عرب الحقوني وأدركوا راحلتي. فلما جاءوه وجدوا الناقة تضطرب فنحروها، وشووا لحمها وأكلوا، ثم سألوه عن سبب ذلك، فقال: إني نمت فرأيت حاتما الطائي في المنام قد جاءني بسيف، وقال: جئتنا ولم يكن عندنا شيء، وعقر ناقتي بالسيف، ولو لم تنحروها لماتت. فلما أصبح الصباح ركب ذو الكراع راحلة واحد من أصحابه، ثم أردفه خلفه، فلما كان وسط النهار رأوا راكبا على راحلة، وفي يده راحلة أخرى، فقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عدي بن حاتم الطائي. ثم قال: أين ذو الكراع أمير حمير؟ فقالوا له: هذا هو. فقال له: اركب هذه الناقة عوضا عن راحلتك، فإن ناقتك قد نحرها أبي لك. قال: ومن أخبرك؟ قال: أتاني في المنام في هذه الليلة وقال لي: يا عدي، إن ذا الكراع ملك حمير استضافني، فنحرت له ناقته فأدركه بناقة يركبها، فإني لم يكن عندي شيء. فأخذها ذو الكراع وتعجب من كرم حاتم حيا وميتا. # ومن حكايات الكرام أيضا ما يروى عن معن بن زائدة أنه كان يوما من الأيام في الصيد والقنص، فعطش فلم يجد مع غلمانه ماء، فبينما هو كذلك، وإذا بثلاث جوار قد أقبلن عليه حاملات ثلاث قرب ماء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 271 ### || حكاية معن بن زائدة # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجواري أقبلن على معن حاملات ثلاث قرب ماء فاستسقاهن فأسقينه، فطلب شيئا من غلمانه ليعطيه للجواري فلم يجد معهم مالا؛ فدفع لكل واحدة منهن عشرة أسهم من كنانته نصولها من الذهب، فقالت إحداهن لصاحبتيها: لم تكن هذه الشمائل إلا لمعن بن زائدة، فلتقل كل واحدة منكن شيئا من الشعر مدحا فيه، فقالت الأولى: # يركب في السهام نصول تبر %~% ويرمي للعدى كرما وجودا ~~فللمرضى علاج من جراح %~% وأكفان لمن سكن اللحودا # وقالت الثانية: # ومحارب من فرط جود بنانه %~% عمت مكارمه الأحبة والعدى ~~صيغت نصول سهامه من عسجد %~% كي لا تعوقه الحروب عن الندى # وقالت الثالثة: # ومن جوده يرمي العداة ms0774 بأسهم %~% من الذهب الإبريز صيغت نصولها ~~لينفقها المجروح عند دوائه %~% ويشتري الأكفان منها قتيلها # وقيل إن معن بن زائدة خرج في جماعته إلى الصيد، فقرب منهم قطيع ظباء فافترقوا في طلبه، وانفرد معن خلف ظبي، فلما ظفر به نزل فذبحه، فرأى شخصا مقبلا من البرية على حمار، فركب فرسه واستقبله فسلم عليه وقال له: من أين أتيت؟ قال له: أتيت من أرض قضاعة، وإن لها مدة من السنين مجدبة، وقد أخصبت في هذه السنة فزرعت فيها مقاتا فطرحت في غير وقتها، فجمعت منها ما استحسنته من القثاء، وقصدت الأمير معن بن زائدة لكرمه المشهور، ومعروفه المأثور. فقال له: كم أملت منه؟ قال: ألف دينار. فقال له: فإن قال لك هذا القدر كثير؟ قال: خمسمائة دينار. قال: فإن قال لك كثير؟ قال: ثلاثمائة دينار. قال: فإن قال لك كثير؟ قال: مائتي دينار. قال: فإن قال لك كثير؟ قال: مائة دينار. قال: فإن قال لك كثير؟ قال: خمسين دينارا. قال: فإن قال لك كثير؟ قال: ثلاثين دينارا. قال: فإن قال لك كثير؟ قال: أدخلت قوائم حماري في حرمه ورجعت إلى أهلي صفر اليدين. فضحك معن من كلامه وساق جواده حتى لحق بعسكره، ونزل في منزله، وقال لحاجبه: إذا أتاك شخص على حمار بقثاء فأدخله علي. فأتى ذلك الرجل بعد ساعة فأذن له الحاجب بالدخول، فلما دخل على الأمير معن لم يعرف أنه هو الذي قابله في البرية لهيبته وجلالته وكثرة خدمه وحشمه، وهو متصدر في دست مملكته، والحفدة قيام عن يمينه وعن شماله وبين يديه، فلما سلم عليه قال له الأمير: ما الذي أتي بك يا أخا العرب؟ قال: أملت الأمير، وأتيت له بقثاء في غير أوانها. فقال له: كم أملت منا؟ قال: ألف دينار. قال: هذا القدر كثير. قال: خمسمائة دينار. قال: كثير. قال: ثلاثمائة دينار. قال: كثير. قال: مائتي دينار. قال: كثير، قال: مائة دينار. قال: كثير. قال: خمسين دينارا. قال: كثير. قال: ثلاثين دينارا. قال: كثير. قال: والله لقد ms0775 كان ذلك الرجل الذي قابلني في البرية مشئوما، أفلا أقل من ثلاثين دينارا؛ فضحك معن وسكت. فعلم الأعرابي أنه هو الرجل الذي قابله في البرية، فقال له: يا سيدي، إذا لم تجئ بالثلاثين دينارا فها هو الحمار مربوط بالباب، وها معن جالس. فضحك معن حتى استلقى على قفاه، ثم استدعى بوكيله وقال: أعطه ألف دينار، وخمسمائة دينار، وثلاثمائة دينار، ومائتي دينار، ومائة دينار، وخمسين دينارا، وثلاثين دينارا، ودع الحمار مربوطا مكانه. فبهت الأعرابي، وتسلم الألفين ومائة دينار وثمانين دينارا. فرحمة الله عليهم أجمعين. ### || حكاية بلدة لبطة # وبلغني أيها الملك السعيد، أن بلدة يقال لها لبطة، وكانت دار مملكة بالروم، وكان فيها قصر مقفول دائما، وكلما مات ملك وتولى بعده ملك آخر من الروم رمى عليه قفلا محكما، فاجتمع على الباب أربعة وعشرون قفلا، من كل ملك قفل. ثم تولى بعدهم رجل ليس من أهل بيت المملكة، فأراد فتح تلك الأقفال ليرى ما داخل ذلك القصر، فمنعه من ذلك أكابر الدولة، وأنكروا عليه وزجروه، فأبى وقال: لا بد من فتح ذلك القصر. فبذلوا له جميع ما بأيديهم من نفائس الأموال والذخائر على عدم فتحه، فلم يرجع. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 272 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أهل المملكة بذلوا لذلك الملك جميع ما في أيديهم من الأموال والذخائر على عدم فتح ذلك القصر فلم يرجع عن فتحه، ثم إنه أزال الأقفال وفتح الباب، فوجد فيه صور العرب على خيلها وجمالها، وعليهم العمائم المسبلة، وهم مقلدون بالسيوف، وبأيديهم الرماح الطوال، ووجد كتابا فيه، فأخذ الكتاب وقرأه فوجد مكتوبا فيه: إذا فتح هذا الباب يغلب على هذه الناحية قوم من العرب، وهم على هيئة هذه الصورة، فالحذر ثم الحذر من فتحه. وكانت تلك المدينة بالأندلس، ففتحها طارق بن زياد في تلك السنة في خلافة الوليد بن عبد الملك من بني أمية، وقتل ذلك الملك أقبح قتلة، ونهب بلاده، وسبى من بها من النساء والغلمان، وغنم أموالها، ms0776 ووجد فيها ذخائر عظيمة، فيها ما ينوف عن مائة وسبعين تاجا من الدر والياقوت، ووجد فيها أحجارا نفيسة، وإيوانا ترمح فيه الخيل برماحهم، ووجد بها من أواني الذهب والفضة ما لا يحيط به وصف، ووجد بها المائدة التي كانت لنبي الله سليمان بن داود عليهما السلام، وكانت على ما ذكر من زمرد أخضر، وهذه المائدة إلى الآن باقية في مدينة روما، وأوانيها من الذهب، وصحافها من الزبرجد ونفيس الجواهر، ووجد فيها الزبور مكتوبا بخط يوناني في ورق من الذهب مفصص بالجواهر، ووجد فيها كتابا يذكر فيه منافع الأحجار والنبات، والمدائن والقرى، والطلاسم، وعلم الكيمياء من الذهب والفضة، ووجد كتابا آخر يحكى فيه صناعة صياغة اليواقيت والأحجار، وتركيب السموم والترياقات، وصورة شكل الأرض والبحار والبلدان والمعادن، ووجد فيها قاعة كبيرة ملآنة من الإكسير الذي الدرهم منه يقلب ألف درهم من الفضة ذهبا خالصا، ووجد بها مرآة كبيرة مستديرة عجيبة مصنوعة من أخلاط صنعت لنبي الله سليمان بن داود عليهما السلام، إذا نظر الناظر فيها رأى الأقاليم السبعة عيانا، ووجد فيها ليوانا فيه من الياقوت البهرماني ما لا يحيط به وصف؛ فحمل ذلك كله إلى الوليد بن عبد الملك، وتفرق العرب في مدنها، وهي من أعظم البلاد. ### || حكاية الخليفة والأعرابي # ومما يحكى أيضا أن هشام بن عبد الملك بن مروان كان ذهب إلى الصيد في بعض الأيام، فنظر إلى ظبي فتبعه بالكلاب، فبينما هو خلف الظبي إذ نظر إلى صبي من الأعراب يرعى غنما، فقال هشام لبعض غلمانه: يا غلام، دونك هذا الصبي فأتني به. فرفع رأسه إليه وقال: يا جاهل بقدر الأخيار، لقد نظرت إلي بالاستصغار، وكلمتني بالاحتقار، فكلامك كلام جبار، وفعلك فعل حمار. فقال له هشام: ويلك! أما تعرفني؟ فقال: قد عرفني بك سوء أدبك؛ إذ بدأتني بكلامك دون سلامك. فقال له: ويلك! أنا هشام بن عبد الملك. فقال له الأعرابي: لا قرب الله ديارك، ولا حيا مزارك، فما أكثر كلامك وأقل إكرامك! فما استتم كلامه حتى أحدقت به الجند ms0777 من كل جانب، وكل واحد منهم يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال هشام: أقصروا عن هذا الكلام، واحفظوا هذا الغلام. فقبضوا عليه، فلما رأى الغلام كثرة الحجاب والوزراء وأرباب الدولة لم يكترث بهم، ولم يسأل عنهم، بل جعل ذقنه على صدره، ونظر حيث يقع قدمه إلى أن وصل إلى هشام، فوقف بين يديه، ونكس رأسه إلى الأرض، وسكت عن السلام، وامتنع من الكلام. فقال له بعض الخدام: يا كلب العرب، ما منعك أن تسلم على أمير المؤمنين؟ فالتفت إلى الخادم مغضبا وقال: يا برذعة الحمار، منعني من ذلك طول الطريق، وصعود الدرجة والتعريق. فقال هشام وقد تزايد به الغضب: يا صبي، لقد حضرت في يوم حضر فيه أجلك، وغاب عنك أملك، وانصرف عمرك. فقال: والله يا هشام، لئن كان في المدة تأخير، ولم يكن في الأصل تقصير، فما ضرني من كلامك لا قليل ولا كثير. فقال له الحاجب: هل بلغ من مقامك يا أخس العرب أن تخاطب أمير المؤمنين كلمة بكلمة؟ فقال مسرعا: لقيت الخبل، ولا فارقك الويل والهبل، أما سمعت ما قال الله تعالى: @QUR@07 يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ؟ فعند ذلك اغتاظ هشام غيظا شديدا وقال: يا سياف، علي برأس هذا الغلام؛ فإنه أكثر بالكلام، ولم يخش الملام. فأخذ الغلام ونزل به إلى نطع الدم، وسل سيفه على رأسه وقال: يا أمير المؤمنين، هذا عبدك المدل بنفسه، الصائر إلى رمسه، هل أضرب عنقه وأنا بريء من دمه؟ قال: نعم. فاستأذن ثانيا فأذن له، فاستأذن ثالثا ففهم الفتى أنه إن أذن له في هذه المرة يقتله؛ فضحك حتى بدت نواجذه، فازداد هشام غضبا، وقال: يا صبي، أظنك معتوها، أما ترى أنك مفارق الدنيا؟ فكيف تضحك هزءا بنفسك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كان في العمر تأخير لا يضرني قليل ولا كثير، ولكن حضرتني أبيات فاسمعها، فإن قتلي لا يفوتك. فقال هشام: هات وأوجز. فأنشد هذه الأبيات: # نبئت أن الباز صادف مرة %~% عصفور حقل ساقه المقدور ~~فتكلم العصفور ms0778 في أظفاره %~% والباز منهمك عليه يطير ~~ما في ما يغني لمثلك شبعة %~% ولئن أكلت فإنني لحقير ~~فتبسم الباز المدل بنفسه %~% عجبا وأفلت ذلك العصفور # فتبسم هشام وقال: وحق قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تلفظ بهذا اللفظ في أول كلامه وطلب ما دون الخلافة لأعطيته إياه، يا خادم، احش فاه جوهرا، وأحسن جائزته. فأعطاه الخادم صلة عظيمة، فأخذها وانصرف إلى حال سبيله. انتهى. ### || حكاية إبراهيم بن المهدي # ومن لطيف الحكايات أن إبراهيم بن المهدي أخا هارون الرشيد، لما آل أمر الخلافة إلى المأمون ابن أخيه هارون الرشيد لم يبايعه، بل ذهب إلى الري وادعى الخلافة لنفسه، وأقام على ذلك سنة واحدة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما، وابن أخيه المأمون يتوقع منه العود إلى الطاعة وانتظامه في سلك الجماعة حتى يئس من عوده، فركب بخيله ورجله وذهب إلى الري، فلما بلغ إبراهيم الخبر، لم يسعه إلا أنه ذهب إلى بغداد واختفى خوفا على دمه، فجعل المأمون لمن يدل عليه مائة ألف دينار، قال إبراهيم: لما سمعت بهذه الجعالة خفت على نفسي ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 273 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن إبراهيم قال: لما سمعت بهذه الجعالة خفت على نفسي وتحيرت في أمري، فخرجت من داري وقت الظهيرة وأنا لا أدري أين أتوجه، فدخلت شارعا غير نافذ، فرأيت في صدر الدرب رجلا حلاقا قائما على باب داره، فتقدمت إليه وقلت له: هل عندك موضع أختفي فيه ساعة؟ قال: نعم. وفتح الباب فدخلت إلى بيت نظيف، ثم إنه بعد أن أدخلني، أغلق علي الباب ومضى، فتوهمت أنه سمع بالجعالة، فقلت في نفسي: إنه خرج يدل علي. فبقيت أغلي مثل القدر على النار وأنا متفكر في أمري، فبينما أنا كذلك إذ أقبل وصحبته حمال معه كل ما يحتاج إليه، ثم التفت إلي وقال لي: جعلت فداك. # قال إبراهيم: وكان لي حاجة إلى الطعام فطبخت لنفسي قدرا ما أذكر أني أكلت مثلها، فلما ms0779 قضيت أربي من الطعام قال: يا سيدي، ليس من قدري أني أحادثك، فإن أردت أن تشرف عبدك، فلك علو الرأي. فقلت له وما أظن أنه يعرفني: ومن أين لك أني أحسن المسامرة؟ فقال: سبحان الله، مولانا أشهر من ذلك، أنت سيدي إبراهيم بن المهدي الذي جعل فيك المأمون لمن دل عليك مائة ألف دينار. قال إبراهيم: فلما قال ذلك، عظم في عيني وثبتت مروءته عندي، فوافقته على بغيته، وخطر ببالي ذكر ولدي وعيالي، فجعلت أقول: # وعسى الذي أهدى ليوسف أهله %~% وأعزه في السجن وهو أسير ~~أن يستجيب لنا ويجمع شملنا %~% والله رب العالمين قدير # فلما سمع ذلك مني قال: يا سيدي، أتأذن لي أن أقول ما سنح بخاطري؟ فقلت له: هات. فأنشد هذه الأبيات: # شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا %~% فقالوا لنا: ما أقصر الليل عندنا ~~وذاك لأن النوم يغشى عيوننا %~% سريعا ولا يغشى الهناء قلوبنا ~~إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى %~% حزنا وهم يستبشرون إذا دنا ~~فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما %~% نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا # قال إبراهيم: فقلت له: لقد أحسنت كل الإحسان، وأذهبت عني ألم الأحزان، فزدني من هذه الترهات. فأنشد هذه الأبيات: # تعيرنا أنا قليل عديدنا %~% فقلت لها: إن الكرام قليل ~~وما ضرنا أنا قليل وجارنا %~% عزيز وجار الأكثرين ذليل ~~وإنا لقوم لا نرى القتل سنة %~% إذا ما رأته عامر وسلول ~~يقرب حب الموت آجالنا لنا %~% وتكرهه آجالهم فتطول ~~وننكر إن شئنا على الناس قولهم %~% ولا ينكرون القول حين نقول # قال إبراهيم: فلما سمعت منه هذا الشعر، تعجبت منه غاية العجب ومال بي عظيم الطرب، وأخذت خريطة كانت صحبتي فيها دنانير كثيرة، ورميت بها إليه وقلت له: أستودعك الله، فإني متوجه من عندك وأسألك أن تصرف ما في هذه الخريطة في بعض مهماتك، ولك عندي الجزاء الزائد إذا أمنت من خوفي. فرد علي الخريطة وقال: يا سيدي، إن الصعاليك منا لا قدر لهم عندكم، ولكن بمقتضى مروءتي كيف آخذ ثمنا على ما وهبه لي الزمان ms0780 من قربك وحلولك عندي؟ والله لئن راجعتني في هذا الكلام ورميت بالخريطة إلي مرة أخرى لأقتلن نفسي. قال إبراهيم: فأخذت الخريطة في كمي وقد أثقلني حملها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 274 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن إبراهيم بن المهدي قال: فأخذت الخريطة في كمي وقد أثقلني حملها وانصرفت، فلما انتهيت إلى باب داره قال: يا سيدي، هذا المكان أخفي لك من غيره، وليس علي في مئونتك ثقل، فأقم عندي إلى أن يفرج الله عنك. فقلت له: بشرط أن تنفق من تلك الخريطة. فأوهمني الرضا بذاك الشرط، ثم أقمت عنده أياما على تلك الحالة ولم يصرف من الخريطة شيئا، ثم تزييت بزي النساء كالخف والنقاب وخرجت من داره، فلما صرت في الطريق داخلني من الخوف أمر شديد، وجئت لأعبر الجسر، وإذا أنا بموضع مرشوش، فنظرني جندي ممن كان يخدمني فعرفني وصاح وقال: هذه حاجة المأمون. ثم تعلق بي، فدفعته هو وفرسه ورميتهما في ذلك الزلق وصار عبرة لمن اعتبر، وتبادرت الناس إليه، فاجتهدت أنا في مشيتي حتى قطعت الجسر، ثم دخلت شارعا فوجدت باب دار وامرأة واقفة في دهليز، فقلت: يا سيدتي، احقني دمي فإني رجل خائف. فقالت: لا بأس عليك. وأطلعتني إلى غرفة وفرشت لي فيها، وقدمت لي طعاما وقالت لي: ليهدأ روعك. فبينما هي كذلك وإذا بالباب يدق دقا عنيفا، فخرجت وفتحت الباب، وإذا بصاحبي الذي دفعته على الجسر مقبل وهو مشدود الرأس ودمه يجري على ثيابه، وليس معه فرسه، فقالت له: يا هذا ما دهاك؟ فقال: كنت ظفرت بالفتى وانفلت مني. وأخبرها بالحال، فأخرجت خرقة وعصبت بها رأسه وفرشت له ونام عليلا، ثم طلعت إلي وقالت لي: أظنك صاحب القضية. فقلت لها: نعم. فقالت: لا بأس عليك. ثم جددت لي الكرامة، فأقمت عندها ثلاثة أيام، ثم قالت: إني خائفة عليك من هذا الرجل لئلا يطلع عليك فتقع فيما تخافه، فانج بنفسك. فسألتها المهلة إلى الليل فقالت: لا بأس بذلك. # فلما دخل ms0781 الليل، لبست زي النساء وخرجت من عندها، فأتيت إلى بيت مولاة كانت لنا، فلما رأتني بكت وتوجعت وحمدت الله تعالى على سلامتي، وخرجت وكأنها تريد السوق للاهتمام بالضيافة، فما شعرت إلا وإبراهيم الموصلي مقبل في غلمانه وجنده وامرأة قدامهم، فتأملتها فإذا هي المولاة صاحبة الدار التي أنا بها، ولم تزل ماشية قدامهم حتى سلمتني إليهم، وحملت بالزي الذي أنا فيه إلى المأمون، فعقد مجلسا عاما وأدخلني عليه، فلما دخلت سلمت عليه بالخلافة فقال: لا سلمك الله ولا حياك. فقلت له: على رسلك يا أمير المؤمنين، إنك ولي الأمر فتحكم في القصاص والعفو، ولكن العفو أقرب للتقوى، وقد جعل الله عفوك فوق كل عفو، كما جعل ذنبي فوق كل ذنب يا أمير المؤمنين، فإن تأخذ فبحقك، وإن تعف فبفضلك. ثم أنشدت هذه الأبيات: # ذنبي إليك عظيم %~% وأنت أعظم منه ~~فخذ بحقك أو لا %~% واصفح بحلمك عنه ~~إن لم أكن في فعالي %~% من الكرام فكنه # قال إبراهيم: فرفع المأمون إلي رأسه، فبادرت إليه بإنشاد هذين البيتين: # أتيت ذنبا عظيما %~% وأنت للعفو أهل ~~فإن عفوت فمن %~% وإن جزيت فعدل # فأطرق المأمون رأسه وأنشد هذين البيتين: # وكنت إذا الصديق أراد غيظي %~% وأشرقني على حنقي بريقي ~~غفرت ذنوبه وعفوت عنه %~% مخافة أن أعيش بلا صديق # فلما سمعت منه هذا الكلام استروحت منه رائحة الرحمة، ثم أقبل على ابن عمه وأخيه أبي إسحاق وجميع من حضر من خاصته وقال لهم: ما ترون في أمره؟ فكل أشار عليه بقتلي إلا أنهم اختلفوا في كيفية القتل. فقال المأمون لأحمد بن خالد: ما تقول يا أحمد؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن قتلته وجدنا مثلك قتل مثله، وإن عفوت عنه فما وجدنا مثلك عفا عن مثله. # فقالت دنيازاد لأختها شهرزاد: ما أحسن حديثك وأطيبه وأحلاه وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك. فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 275 ms0782 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن شهرزاد قالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة؟ فقالت لها أختها: يا أختي، أتممي لنا حديثك. فقالت: حبا وكرامة. ثم قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين المأمون لما سمع كلام أحمد بن خالد، نكس رأسه وأنشد قول الشاعر: # قومي هم قتلوا أميم أخي %~% فإذا رميت يصيبني سهمي # وأنشد أيضا قول الشاعر: # سامح أخاك إذا خلط %~% منه الإصابة بالغلط ~~واحفظ صنيعك عنده %~% شكر الصنيعة أم غمط ~~وتجاف عن تعنيفه %~% إن زاغ يوما أو قسط ~~أوما ترى المحبوب وال %~% مكروه لذا في نمط ~~ولذاذة العمر الطوي %~% ل يشوبها نغص الشمط ~~والورد يبدو في الغصو %~% ن مع الجني الملتقط ~~من ذا الذي ما ساء قط %~% ومن له الحسنى فقط ~~ولو اختبرت بني الزما %~% ن وجدت أكثرهم سقط # فلما سمعت منه هذه الأبيات، كشفت المقنعة عن رأسي وكبرت تكبيرة عظيمة، وقلت: عفا الله عنك يا أمير المؤمنين. فقال: لا بأس عليك يا عم. فقلت: ذنبي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أتفوه معه بعذر، وعفوك أعظم من أن أنطق معه بشكر. وأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # إن الذي خلق المكارم حازها %~% في صلب آدم للإمام السابع ~~ملئت قلوب الناس منك مهابة %~% والكل تكلؤهم بقلب خاشع ~~ما إن عصيتك والغواية غامري %~% أسبابها إلا بنية طامع ~~فعفوت عن من لم يكن لك مثله %~% عفو ولم يشفع إليك بشافع ~~ورحمت أفراخا كأفراخ القطا %~% وحنين والدة بقلب جازع # فقال المأمون: أقول اقتداء بسيدنا يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، وقد رددت عليك أموالك وضياعك يا عم، ولا بأس عليك. فابتهلت له بصالح الدعوات، وأنشدت هذه الأبيات: # رددت مالي ولم تبخل علي به %~% وقبل ردك مالي قد حقنت دمي ~~فلو بذلت دمي أبغي رضاك به %~% والمال حتى أسل النعل من قدمي ~~فإن جحدتك ما أوليت من نعم %~% إني إلى اللؤم أولى منك بالكرم # فأكرمه المأمون وأنعم عليه وقال له: يا ms0783 عم، إن أبا إسحاق والعباس أشارا علي بقتلك. فقلت: إن أبا إسحاق والعباس نصحاك يا أمير المؤمنين، ولكنك أتيت بما أنت أهله، ودفعت ما خفت بما رجوت. فقال المأمون: إني أمت حقدي بحياتك وقد عفوت عنك ولم أحملك منة الشافعين. ثم سجد المأمون طويلا ورفع رأسه وقال: يا عمي، أتدري لأي شيء سجدت؟ قلت: لعلك سجدت شكرا لله الذي ظفرك بعدوك. فقال: ما أردت ذلك، ولكن شكر الله الذي ألهمني العفو عنك. قال إبراهيم: فشرحت له صورة أمري وما جرى لي مع الحجام، والجندي وزوجته، والمولاة التي غمزت علي، فأمر المأمون بإحضار المولاة، وهي في دارها تنتظر إرسال الجائزة إليها، فلما حضرت بين يدي المأمون قال لها: ما حملك على ما فعلت مع سيدك؟ قالت: الرغبة في المال. فقال: هل لك ولد أو زوج؟ فقالت: لا. فأمر بضربها مائة سوط وأن تخلد في السجن، ثم أحضر الجندي وامرأته والحجام فحضروا جميعا، فسأل الجندي عن السبب الذي حمله على ما فعل، فقال: الرغبة في المال. فقال المأمون: يجب أن تكون حجاما، ووكل به من يضعه في دكان حجام ليعلمه الحجامة، وأكرم زوجة الجندي وأدخلها القصر وقال: هذه امرأة عاقلة تصلح للمهمات. ثم قال للحجام: قد ظهر من مروءتك ما يوجب المبالغة في إكرامك. وأمر أن يسلم إليه دار الجندي، وأعطاه زيادة على ذلك خمسة عشر ألف دينار. ### || حكاية عبد الله بن أبي قلابة وإرم ذات العماد # وحكي أن عبد الله بن أبي قلابة خرج في طلب إبل شردت له، فبينما هو سائر في صحارى أراضي اليمن وأرض سبأ، إذا به وقع على مدينة عظيمة وحولها حصن عظيم، وحول ذلك الحصن قصور شاهقة في الجو، فلما دنا منها ظن أن بها سكانا يسألهم عن إبله فقصدها، فلما وصل إليها وجدها قفراء ليس فيها أنيس. قال: فنزلت عن ناقتي ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 276 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله بن أبي قلابة قال: فنزلت ms0784 عن ناقتي وعقلتها، ثم سليت نفسي ودخلت البلد ودنوت من الحصن، فوجدت له بابين عظيمين لم ير في الدنيا مثلهما في العظم والارتفاع، وهما مرصعان بأنواع الجواهر واليواقيت ما بين أبيض وأحمر وأصفر وأخضر، فلما رأيت ذلك تعجبت منه غاية العجب، وتعاظمني ذلك الأمر، فدخلت الحصن وأنا مرعوب ذاهل اللب، فرأيت ذلك الحصن طويلا مديدا مثل المدينة في السعة، وبه قصور شاهقة، في كل قصر منها غرف وكلها مبنية بالذهب والفضة، ومرصعة باليواقيت والزبرجد واللؤلؤ والجواهر الملونة، ومصاريع أبواب تلك القصور كمصاريع الحصن في الحسن، وقد فرشت أرضها باللآلئ الكبار، وبنادق المسك والعنبر والزعفران، فلما انتهيت إلى داخل المدينة لم أر بها مخلوقا من بني آدم، فكدت أن أموت من الفزع، ثم نظرت من أعالي الغرف والقصور فرأيت الأنهار تجري من تحتها، وشوارعها فيها الأشجار المثمرات والنخيل الباسقات، وبناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة، فقلت في نفسي: لا شك أن هذه هي الجنة الموعود بها في الآخرة. فحملت من جواهر حصبائها ومسك ترابها ما أمكنني حمله، وعدت إلى بلادي وأعلمت الناس بذلك، فبلغ الخبر إلى معاوية بن أبي سفيان وهو يؤمئذ خليفة بالحجاز، فكتب إلى عامله بصنعاء اليمن: أن أحضر ذلك الرجل واسأله عن حقيقة الأمر. فأحضرني عامله واستخبرني عما كان من أمري وما وقع لي، فأخبرته بما رأيته، فأرسلني إلى معاوية فأخبرته أيضا بما رأيته، فأنكر ذلك معاوية، فأظهرت له شيئا من ذلك اللؤلؤ وبنادق العنبر والمسك والزعفران، وفيها بعض رائحة طيبة، ولكن اللؤلؤ قد اصفر وتغير لونه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 277 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله بن أبي قلابة قال: ولكن اللؤلؤ قد اصفر وتغير لونه، فتعجب من ذلك معاوية بن أبي سفيان لما رأى مع أبي قلابة اللؤلؤ وبنادق المسك والعنبر، وبعث إلى كعب الأحبار فأحضره وقال له: يا كعب الأحبار، إني دعوتك لأمر أطلب تحقيقه، وأرجو أن يكون عندك حقيقة خبره. فقال له: ما هو ms0785 يا أمير المؤمنين؟ قال له معاوية: هل عندك علم بأنه يوجد مدينة مبنية بالذهب والفضة، عمدانها من الزبرجد والياقوت، وحصباؤها من اللؤلؤ وبنادق المسك والعنبر والزعفران؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، هي إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وقد بناها شداد بن عاد الأكبر. قال معاوية: حدثنا بشيء من حديثها. # قال كعب الأحبار: إن عاد الأكبر كان له ولدان شديد وشداد، فلما هلك أبوهما، ملك البلاد بعده شديد وأخوه شداد، ولم يكن أحد من ملوك الأرض إلا تحت طاعتهما، فمات شديد بن عاد فملك أخوه شداد الأرض من بعده على الانفراد، وكان مولعا بقراءة الكتب القديمة، فلما مر به ذكر الآخرة والجنة، وما فيهما من القصور والغرف والأشجار والثمار وغيرها مما في الجنة، دعته نفسه إلى أن يبني مثلها في الدنيا على هذه الهيئة المتقدم ذكرها، وكان تحت يه مائة ألف ملك، تحت يد كل ملك مائة ألف قهرمان، تحت يد كل قهرمان مائة ألف عسكر، فأحضر الجميع بين يديه وقال لهم: إني أسمع في الكتب القديمة والأخبار بصفة الجنة التي توجد في الآخرة، وأنا أحب أن أجعل مثلها في الدنيا، فانطلقوا إلى أطيب فلاة في الأرض وأوسعها، وابنوا لي فيها مدينة من الذهب والفضة، واجعلوا حصاها الزبرجد والياقوت واللؤلؤ، واجعلوا تحت عقود تلك المدينة أعمدة من زبرجد واملئوها قصورا، واجعلوا فوق القصور غرفا، واغرسوا تحت القصور في أزقتها وشوارعها أصناف الأشجار المختلفة الأثمار اليانعة، وأجروا تحتها الأنهار في قنوات الذهب والفضة. قالوا جميعهم: كيف نقدر على ما وصفت لنا؟ وكيف بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ الذي ذكرت؟ قال: ألستم تعلمون أن ملوك الدنيا طوعا لي وتحت يدي، وكل من فيها لا يخالف أمري؟ قالوا: نعم ذلك. قال: فانطلقوا إلى معادن الزبرجد والياقوت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 278 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن شداد قال لجماعته: انطلقوا إلى معادن الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة، فاستخرجوها واجمعوا ما بها من الأرض ولا تبقوا ms0786 مجهودا مع ذلك، فخذوا ما بأيدي العالم من أصناف ذلك ولا تبقوا ولا تذروا واحذروا المخالفة. ثم كتب كتابا إلى كل ملك كان في أقطار الأرض، وأمرهم أن يجمعوا ما كان عند الناس من أصناف ذلك، وأن يذهبوا إلى معادنها ويستخرجوا ما فيها من الأحجار النفيسة، ولو من قعور البحار، فجمعوا ذلك في مدة عشرين سنة، وكان عدة الملوك المتمكنين في الأرض ثلاثمائة وستين ملكا، ثم أخرج المهندسين والحكماء والفعلاء والصناع من سائر البلاد والبقاع، وانتشروا في البراري والقفار والجهات والأقطار حتى وصلوا إلى صحراء فيها فسحة عظيمة نقية خالية من الآكام والجبال، وبها عيون نافعة وأنهار جارية، فقالوا: هذه صفة الأرض التي أمرنا بها الملك وندبنا إليها. ثم اشتغلوا ببنائها على قدر ما أمرهم به الملك شداد ملك الأرض في الطول والعرض، وأجروا بها قنوات الأنهار، ووضعوا الأساسات على المقدار المذكور، وأرسل إليها ملوك الأقطار الجواهر والأحجار، واللآلئ الكبار والصغار، والعتيق والنضار على الجمال في البراري والقفار، وأرسلوا بها السفن الكبار في البحار، ووصل إلى العمال من تلك الأصناف ما لا يوصف ولا يحصى ولا يكيف، فأقاموا في عمل ذلك ثلاثمائة سنة، فلما فرغوا من ذلك أتوا إلى الملك وأخبروه بالإتمام، فقال لهم: انطلقوا فاجعلوا عليها حصنا منيعا شاهقا رفيعا، واجعلوا حول الحصن ألف قصر، تحت كل قصر ألف علم، ليكون في كل قصر منها وزير. فمضوا من وقتهم وفعلوا في عشرين سنة، ثم حضروا بين يدي شداد وأخبروه بحصول الغرض، فأمر وزراءه وهم ألف، وكذلك أمر خاصته ومن يثق به من الجنود وغيرهم؛ أن يستعدوا للرحلة ويتهيئوا للنقلة إلى إرم ذات العماد، تحت ركاب ملك الدنيا شداد بن عاد، وأمر من أراد من نسائه وحريمه كجواريه وخدمه أن يأخذوا في التهجير، فأقاموا في أخذ الأهبة عشرين سنة، ثم سار شداد ومن معه من الجيوش ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 279 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن شدادا بن عاد سار هو ومن معه ms0787 من الجيوش مسرورا ببلوغ المرام، حتى بقي بينه وبين إرم ذات العماد مرحلة، فأرسل الله عليه وعلى من معه من الكفرة الجاحدين صيحة من سماء قدرته، فأهلكتهم جميعا بصوت عظيم، ولم يصل شداد ولا أحد ممن كان معه إليها ولم يشرف عليها، ومحا الله آثار محجتها فهي باقية على حالها في مكانها إلى قيام الساعة. فتعجب معاوية من أخبار كعب الأحبار بهذا الخبر، وقال له: هل يصل أحد إلى تلك المدينة من البشر؟ قال: نعم. رجل من أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، وهو بصفة هذا الرجل الجالس بلا شك ولا إيهام. وقال الشعبي: حكي عن علماء حمير من اليمن أنه لما هلك شداد ومن معه من الصيحة، ملك بعده ابنه شداد الأصغر، وكان أبوه شداد الأكبر خلفه على ملكه بأرض حضرموت وسبأ، بعد أن ارتحل بمن معه من العساكر إلى إرم ذات العماد، فلما بلغه خبر موت أبيه في الطريق قبل وصوله إلى مدينة إرم، أمر بحمل أبيه من تلك المفاوز إلى حضرموت، وأمر أن يحفر له حفيرة في مغارة، فلما حفروا تلك الحفيرة وضعه فيها على سرير من الذهب، وألقى عليه سبعين حلة منسوجة بالذهب مرصعة بنفيس الجواهر، ووضع عند رأسه لوحا من الذهب مكتوبا فيه هذا الشعر: # اعتبر يا أيها المغ %~% رور بالعمر المديد ~~أن شداد بن عاد %~% صاحب الحصن العميد ~~صاحب القدرة والقو %~% ة والبأس الشديد ~~كان أهل الأرض طوعي %~% خوف قهري ووعيدي ~~وملكت الشرق والغر %~% ب بسلطان شديد ~~فدعانا للهدى من %~% جاء بالأمر الرشيد ~~فعصيناه وقلنا %~% ليس عنه من محيد ~~فأتتنا صيحة من %~% جانب الأفق البعيد ~~فترامينا كزرع %~% وسط بيدا في الحصيد ~~وانتظرنا تحت أطبا %~% ق الثرى يوم الوعيد # قال الثعالبي: واتفق أن رجلين دخلا هذه المغارة فوجدا في صدرها درجا فنزلا، فوجدا حفيرة طولها مقدار مائة ذراع، وعرضها أربعون ذراعا، وارتفاعها مائة ذراع، وفي وسط تلك الحفيرة سرير من الذهب، وعليه رجل عظيم الجسم قد أخذ طول السرير وعرضه، وعليه الحلي والحلل المنسوجة بالذهب والفضة، ms0788 وعلى رأسه لوح من ذهب فيه كتابة؛ فأخذا ذلك اللوح وحملا من ذلك الموضع ما أطاقا حمله من قضبان الذهب والفضة وغير ذلك. ### || زواج المأمون # ومما يحكى أن إسحاق الموصلي قال: خرجت ليلة من عند المأمون متوجها إلى بيتي فضايقني حصر البول، فعمدت إلى زقاق وقمت أبول خوفا أن يضر بي شيء، إذ جلست في جانب الحيطان فرأيت شيئا معلقا من تلك الدور، فلمسته لأعرف ما هو فوجدته زنبيلا كبيرا بأربعة آذان ملبسا ديباجا، فقلت في نفسي: لا بد لهذا من سبب. وصرت متحيرا في أمري، فحملني السكر على أن أجلس فيه، فجلست فيه وإذا بأصحاب الدار جذبوه بي، وظنوا أنني الذي كانوا يرتقبونه، ثم رفعوا الزنبيل إلى رأس الحائط، وإذا بأربع جوار يقلن لي: انزل على الرحب والسعة. ومشت بين يدي جارية بشمعة حتى نزلت إلى دار فيها مجالس مفروشة لم أر مثلها إلا في دار الخلافة، فجلست فما شعرت بعد ساعة إلا بستور قد رفعت في ناحية من الجدار، وإذا بوصائف يتماشين وفي أيديهن الشموع ومجامر البخور من العود القاقلي، وبينهن جارية كأنها البدر الطالع، فنهضت وقالت: مرحبا بك من زائر! ثم أجلستني وسألتني عن خبري، فقلت لها: إني انصرفت من عند بعض إخواني، وغر بي الوقت، وحصرني البول في الطريق، فملت إلى هذا الزقاق فوجدت زنبيلا ملقى فأجلسني النبيذ في الزنبيل، ورفع بي الزنبيل إلى هذه الدار، هذا ما كان من أمري. فقالت: لا ضير عليك، وأرجو أن تحمد عاقبة أمرك. ثم قالت لي: فما صناعتك؟ فقلت: تاجر في سوق بغداد. فقالت: هل تروي من الأشعار شيئا؟ قلت: أروي شيئا ضعيفا. قالت: فذاكرنا فيه، وأنشدنا شيئا منه. فقلت: إن للداخل دهشة، ولكن تبدئين أنت. قالت: صدقت. ثم أنشدت شعرا رقيقا من كلام القدماء والمحدثين، وهو من أجود أقاويلهم، وأنا أسمع ولا أدري أأعجب من حسنها وجمالها أم من حسن روايتها؟ ثم قالت: هل ذهب ما كان عندك من الدهشة؟ قلت: إي والله. قالت: إن شئت فأنشدنا شيئا ms0789 من روايتك. فأنشدتها لجماعة من القدماء ما فيه الكفاية، فاستحسنت ذلك، ثم قالت: والله ما ظننت أن يوجد في أبناء السوقة مثل هذا. ثم أمرت بالطعام. # فقالت لها أختها دنيازاد: ما أحلى حديثك، وأحسنه، وأطيبه، وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 280 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن إسحاق الموصلي قال: ثم إن الجارية أمرت بإحضار الطعام فحضر؛ فجعلت تأخذ وتضع قدامي، وكان في المجلس من أصناف الرياحين وغريب الفواكه ما لا يكون إلا عند الملوك، ثم دعت بالشراب فشربت قدحا، ثم ناولتني قدحا وقالت: هذا أوان المذاكرة والأخبار. فاندفعت أذاكرها وقلت: بلغني أنه كان كذا وكذا، وكان رجل يقول كذا، حتى حكيت لها عدة أخبار حسان، فانسرت بذلك وقالت: إني لأعجب كيف يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذه الأخبار، وإنما هي أحاديث ملوك. فقلت: كان لي جار يحادث الملوك وينادمهم، وإذا تعطل حضرت بيته، فربما حدث بما سمعت. فقالت: لعمري لقد أحسنت الحفظ. # ثم أخذنا في المذاكرة، وكلما أسكت ابتدأت هي حتى قطعنا أكثر الليل، وبخور العود يعبق، وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار شوقا إليها، فقالت لي: إنك من ألطف الرجال وأظرفهم؛ لأنك ذو أدب بارع، وما بقي إلا شيء واحد. فقلت لها: وما هو؟ قالت: لو كنت تترنم بالأشعار على العود. فقلت لها: إني كنت تعلقت بهذا قديما، ولكن لما لم أرزق حظا فيه أعرضت عنه وفي قلبي منه حرارة، وكنت أحب في هذا المجلس أن أحسن شيئا منه لتكمل ليلتي. قالت: كأنك عرضت بإحضار العود. فقلت: الرأي لك، وأنت صاحبة الفضل، ولك المنة في ذلك. فأمرت بعود فحضر، وغنت بصوت ما سمعت بمثل حسنه مع حسن الأدب وجودة الضرب والكمال الراجح، ثم قالت: هل تعرف هذا الصوت لمن؟ وهل تعرف الشعر لمن؟ قلت: لا. قالت: الشعر لفلان، والمغنى لإسحاق. قلت: وهل إسحاق - جعلت فداك - بهذه الصفة؟ قالت: ms0790 بخ بخ! إسحاق بارع في هذا الشأن. فقلت: سبحان الله الذي أعطى هذا الرجل ما لم يعطه أحدا سواه! قالت: فكيف لو سمعت هذا الصوت منه! ثم لم نزل على ذلك حتى إذا كان انشقاق الفجر أقبلت عليها عجوز كأنها داية لها، وقالت: إن الوقت قد حضر. فنهضت عند قولها، وقالت: لتستر ما كان منا، فإن المجالس بالأمانات. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 281 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت: لتستر ما كان منا، فإن المجالس بالأمانات. فقلت لها: جعلت فداك، لم أكن محتاجا إلى وصية في ذلك. ثم ودعتها وأرسلت جارية تمشي بين يدي إلى باب الدار، ففتحت لي وخرجت متوجها إلى داري، فصليت الصبح ونمت، فأتاني رسول المأمون فسرت إليه، وأقمت نهاري عنده، فلما كان وقت العشاء تفكرت ما كنت فيه البارحة، وهو شيء لا يصبر عنه إلا جاهل؛ فخرجت وجئت إلى الزنبيل وجلست فيه، ورفعت إلى موضعي الذي كنت فيه البارحة، فقالت لي الجارية: لقد عاودت. فقلت: لا أظن، إلا أنني قد غفلت. ثم أخذنا في المحادثة على عادتنا في الليلة السالفة من المذاكرة والمناشدة وغريب الحكايات منها ومني إلى الفجر، ثم انصرفت إلى منزلي، وصليت الصبح ونمت، فأتى رسول المأمون فمضيت إليه، وأقمت نهاري عنده. فلما كان وقت العشاء قال لي أمير المؤمنين: أقسمت عليك أن تجلس حتى أذهب إلى غرض وأحضر. فلما ذهب الخليفة وغاب عني، جالت وساوسي، وتذكرت ما كنت فيه، فهان علي ما يحصل لي من أمير المؤمنين؛ فوثبت مدبرا وخرجت جاريا حتى وصلت إلى الزنبيل فجلست فيه، ورفع بي إلى مجلسي، فقالت: لعلك صديقنا. قلت: إي والله. قالت: أجعلتنا دار إقامة؟ قلت: جعلت فداك! حق الضيافة ثلاثة أيام، فإن رجعت بعد ذلك فأنتم في حل من دمي. ثم جلسنا على تلك الحالة، فلما قرب الوقت علمت أن المأمون لا بد أن يسألني فلا يقنع إلا بشرح القصة. فقلت لها: أراك ممن يعجب بالغناء، ولي ابن ms0791 عم أحسن مني وجها، وأشرف قدرا، وأكثر أدبا، وهو أعرف خلق الله تعالى بإسحاق. قالت: أطفيلي وتقترح؟ قلت لها: أنت المحكمة في الأمر. فقالت: إن كان ابن عمك على ما تصفه فما نكره معرفته. ثم جاء الوقت فنهضت، وقمت متوجها إلى داري، فلم أصل إلى داري إلا ورسل المأمون قد هجموا علي وحملوني حملا عنيفا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 282 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن إسحاق الموصلي قال: فلم أصل إلى داري إلا ورسل المأمون قد هجموا علي وحملوني حملا عنيفا، وذهبوا بي إليه، فوجدته قاعدا على كرسي وهو مغتاظ مني، فقال: يا إسحاق، أخروجا عن الطاعة؟ فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين. قال: فما قصتك؟ اصدقني الخبر. فقلت: نعم، ولكن في خلوة. فأومأ إلى من بين يديه فتنحوا، فحدثته الحديث وقلت له: إني وعدتها بحضورك. قال: أحسنت. ثم أخذنا في لذتنا ذلك اليوم، والمأمون متعلق القلب بها، فما صدقنا بمجيء الوقت، وسرنا وأنا أوصيه وأقول له: تجنب أن تناديني باسمي قدامها، بل أنا لك تبع في حضرتها. واتفقنا على ذلك، ثم سرنا إلى أن أتينا مكان الزنبيل، فوجدنا زنبيلين فقعدنا فيهما، ورفعا بنا إلى الموضع المعهود، فأقبلت وسلمت علينا، فلما رآها المأمون تحير من حسنها وجمالها، وأخذت تذاكره الأخبار، وتناشده الأشعار، ثم أحضرت النبيذ فشربنا وهي مقبلة عليه مسرورة به، وهو أيضا مقبل عليها مسرور بها، ثم أخذت العود وغنت طريقة، وبعد ذلك قالت لي: وهل ابن عمك من التجار (وأشارت إلى المأمون)؟ قلت: نعم. قالت: إنكما لقريبا الشبه من بعضكما. قلت: نعم. فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال داخله الفرح والطرب، فصاح وقال: يا إسحاق. قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: غن بهذه الطريقة. فلما علمت أنه الخليفة مضت إلى مكان ودخلت فيه، فلما فرغت من الغناء، قال لي المأمون: انظر من رب هذه الدار. فبادرت عجوز بالجواب وقالت: هي للحسن بن سهل. فقال: علي به. فغابت العجوز ساعة، وإذا بالحسن قد ms0792 حضر. فقال له المأمون: ألك بنت؟ قال: نعم، اسمها خديجة. قال له: هل هي متزوجة؟ قال: لا والله. قال: فإني أخطبها منك. قال: هي جاريتك، وأمرها إليك يا أمير المؤمنين. قال الخليفة: قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألف دينار تحمل إليك صبيحة يومنا هذا، فإذا قبضت المال فاحملها إلينا من ليلتها. قال: سمعا وطاعة. ثم خرجنا فقال: يا إسحاق، لا تقص هذا الحديث على أحد. فسترته إلى أن مات المأمون، فما اجتمع لأحد مثل ما اجتمع لي هذه الأربعة أيام: مجالسة المأمون بالنهار، ومجالسة خديجة بالليل، والله ما رأيت أحدا من الرجال مثل المأمون، ولا شاهدت امرأة من النساء مثل خديجة، بل ولا تقارب خديجة فهما، ولا عقلا، ولا لفظا. والله أعلم. ### || حكاية الحشاش والسيدة النبيلة # ومما يحكى أنه كان أوان الحج والناس في الطواف، فبينما المطاف مزدحم بالناس وإذا بإنسان متعلق بأستار الكعبة وهو يقول من صميم قلبه: أسألك يا ألله أنها تغضب على زوجها وأجامعها. قال: فسمعه جماعة من الحجاج فقبضوا عليه وأتوا به إلى أمير الحاج بعد أن أشبعوه ضربا، وقالوا له: أيها الأمير، إنا وجدنا هذا في الأماكن الشريفة يقول كذا وكذا. فأمر أمير الحاج بشنقه، فقال له: أيها الأمير، بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمع قصتي وحديثي، وبعد ذلك فافعل بي ما تريد. قال: تحدث. قال: اعلم أيها الأمير أنني رجل حشاش أعمل في مسالخ الغنم، فأحمل الدم والوسخ إلى الكيمان، فاتفق أنني رائح بحماري يوما من الأيام وهو محمل، فوجدت الناس هاربين، فقال واحد منهم: ادخل هذا الزقاق لئلا يقتلوك. فقلت: ما للناس هاربين؟ فقال لي واحد خدام: هذا حريم لبعض الأكابر. وصار الخدم ينحون الناس من الطريق قدامها، ويضربون جميع الناس، ولا يبالون بأحد، فدخلت بالحمار عطفة ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 283 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجل قال: فدخلت بالحمار عطفة، ووقفت أنتظر انفضاض الزحمة، فرأيت الخدم وبأيديهم العصي، ومعهم نحو ثلاثين ms0793 امرأة وبينهم واحدة كأنها قضيب بان، كاملة الحسن والظرف والدلال، والجميع في خدمتها. فلما وصلت إلى باب العطفة التي أنا واقف بها التفتت يمينا وشمالا، ثم دعت بطواشي فحضر بين يديها فسارته في أذنه، وإذا بالطواشي جاء إلي وقبض علي، فتهاربت الناس، وإذا بطواشي آخر أخذ حماري ومضى به، ثم جاء الطواشي وربطني بحبل وجرني خلفه، وأنا لم أعرف ما الخبر، والناس من خلفنا يصيحون ويقولون: ما يحل من الله، هذا رجل حشاش فقير الحال، ما سبب ربطه بالحبال؟ ويقولون للطواشية: ارحموه يرحمكم الله تعالى، وأطلقوه. فقلت أنا في نفسي: ما أخذني الطواشية إلا لأن سيدتهم شمت رائحة الوسخ فاشمأزت من ذلك، أو تكون حبلى أو حصل لها ضرر، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وما زلت ماشيا خلفهم إلى أن وصلوا إلى باب دار كبيرة فدخلوا وأنا خلفهم، واستمروا داخلين بي حتى وصلت إلى قاعة كبيرة ما أعرف كيف أصف محاسنها، وهي مفروشة بفرش عظيم. ثم دخلت النساء تلك القاعة وأنا مربوط مع الطواشي، فقلت في نفسي: لا بد أنهم يعاقبونني في هذا البيت حتى أموت، ولا يدري بموتي أحد. ثم بعد ذلك أدخلوني حماما لطيفا من داخل القاعة، فبينما أنا في الحمام، وإذا بثلاث جوار دخلن وقعدن حولي، وقلن لي: اقلع شراميطك. فقلعت ما علي من الخلقان، وصارت واحدة منهن تحك رجلي، وواحدة منهن تغسل رأسي، وواحدة تكبسني، فلما فرغن من ذلك حطوا لي بقجة قماش، وقالوا لي: البس هذه. فقلت، والله ما أعرف كيف ألبس. فتقدمن إلي وألبسنني وهن يتضاحكن علي، ثم جئن بقماقم مملوءة بماء الورد ورششن علي، وخرجت معهن إلى قاعة أخرى، والله ما أعرف كيف أصف محاسنها من كثرة ما فيها من النقش والفرش؛ فلما دخلت تلك القاعة وجدت واحدة قاعدة على تخت من الخيزران. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 284 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجل قال: لما دخلت تلك القاعة وجدت واحدة قاعدة على ms0794 تخت من الخيزران، قوائمه من عاج، وبين يديها جملة جوار، فلما رأتني قامت إلي ونادتني فجئت عندها، فأمرتني بالجلوس فجلست إلى جانبها، وأمرت الجواري أن يقدمن الطعام، فقدمن لي طعاما فاخرا من سائر الألوان ما أعرف اسمه، ولا أعرف صفته في عمري، فأكلت منه على قدر كفايتي، وبعد رفع الزبادي وغسل الأيادي أمرت بإحضار الفواكه، فحضرت بين يديها في الحال، فأمرتني بالأكل فأكلت، فلما فرغنا من الأكل أمرت بعض الجواري بإحضار سلاحيات الشراب، فأحضرن شيئا مختلف الألوان، ثم أطلقن المباخر من جميع البخور، وقامت جارية مثل القمر تسقينا على نغمات الأوتار، فسكرت أنا وتلك السيدة الجالسة. كل ذلك جرى وأنا أعتقد أنه حلم في المنام، ثم بعد ذلك أشارت إلى بعض الجواري أن يفرشن لنا في مكان، ففرشن في المكان الذي أمرت به، ثم قامت وأخذت بيدي إلى ذلك المكان المفروش، ونامت ونمت معها إلى الصباح، وكنت كلما ضممتها إلى صدري أشم منها رائحة المسك والطيب، وما أعتقد إلا أني في الجنة أو أنني أحلم في المنام. فلما أصبحت سألتني عن مكاني فقلت: في المحل الفلاني. فأمرت بخروجي، وأعطتني منديلا مطرزا بالذهب والفضة، وعليه شيء مربوط، فقالت لي: ادخل الحمام بهذا. ففرحت وقلت في نفسي: إن كان ما عليه خمسة فلوس فهي غدائي في هذا اليوم. ثم خرجت من عندها كأني خارج من الجنة، وجئت إلى المخزن الذي أنا فيه، ففتحت المنديل فوجدت فيه خمسين مثقالا من الذهب، فدفنتها وقعدت عند الباب بعد أن اشتريت بفلسين خبزا وأدما وتغديت، ثم صرت متفكرا في أمري. # فبينما أنا كذلك إلى وقت العصر، وإذا بجارية قد أتت وقالت لي: إن سيدتي تطلبك. فخرجت معها إلى باب الدار واستأذنت لي، فدخلت وقبلت الأرض بين يديها فأمرتني بالجلوس، وأمرت بإحضار الطعام والشراب على العادة، ثم نمت معها على جري العادة التي تقدمت أول ليلة. فلما أصبحت ناولتني منديلا ثانيا فيه خمسون مثقالا من الذهب، فأخذتها وخرجت وجئت إلى المخزن ودفنتها، ومكثت على هذه الحالة مدة ms0795 ثمانية أيام، أدخل عندها في كل يوم العصر، وأخرج من عندها في أول النهار. فبينما أنا نائم عندها ليلة ثامن يوم، وإذا بجارية دخلت وهي تجري، وقالت لي: قم اطلع إلى هذه الطبقة. فطلعت إلى تلك الطبقة فوجدتها تشرف على وجه الطريق، فبينما أنا جالس، وإذا بضجة عظيمة، ودربكة خيل في الزقاق، وكان في الطبقة طاقة تشرف على الباب، فنظرت منها فرأيت شابا راكبا كأنه القمر الطالع ليلة تمامه، وبين يديه مماليك وجند يمشون في خدمته، فتقدم إلى الباب وترجل ودخل القاعة، فرآها قاعدة على السرير، فقبل الأرض بين يديها، ثم تقدم وقبل يدها فلم تكلمه، فما برح يتخضع لها حتى صالحها ونام عندها تلك الليلة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 285 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصبية لما صالحها زوجها نام عندها تلك الليلة، فلما أصبح الصباح أتته الجنود، وركب وخرج من الباب، فطلعت عندي وقالت لي: أرأيت هذا؟ قلت لها: نعم. قالت: هو زوجي، وأحكي لك ما جرى لي معه؛ اتفق أنني كنت أنا وإياه يوما قاعدين في الجنينة داخل البيت، وإذا هو قد قام من جانبي وغاب عني ساعة طويلة، فاستبطأته فقلت في نفسي: لعله يكون في بيت الخلاء. فنهضت إلى بيت الخلاء فلم أجده، فدخلت المطبخ فرأيت جارية فسألتها عنه فأرتني إياه وهو راقد مع جارية من جواري المطبخ، فعند ذلك حلفت يمينا عظيمة إنني لا بد أن أزني مع أوسخ الناس وأقذرهم، ويوم قبض عليك الطواشي كان لي أربعة أيام وأنا أدور في البلد على واحد يكون بهذه الصفة، فما وجدت أحدا أوسخ ولا أقذر منك؛ فطلبتك، وقد كان ما كان من قضاء الله علينا، وقد خلصت من اليمين التي حلفتها. ثم قالت: فمتى وقع زوجي على الجارية ورقد معها مرة أخرى أعدتك إلى ما كنت عليه معي. فلما سمعت منها هذا الكلام، ورمت قلبي من لحاظها بالسهام، جرت دموعي حتى قرحت المحاجر، وأنشدت قول الشاعر: # مكنيني من بوس ms0796 يسراك عشرا %~% واعرفي فضلها على يمناك ~~إن يسراك لهي أقرب عهدا %~% وقت غسل الخرا بمستنجاك # ثم إنها أمرت بخروجي من عندها، وقد تحصل لي منها أربعمائة مثقال من الذهب، فأنا أصرف منها، وجئت إلى ها هنا أدعو الله - سبحانه وتعالى - أن زوجها يعود إلى الجارية مرة أخرى، لعلي أعود إلى ما كنت عليه. فلما سمع أمير الحاج قصة الرجل أطلقه، وقال للحاضرين: بالله عليكم أن تدعوا له فإنه معذور. ### || حكاية الخليفة المزور # ومما يحكى أن الخليفة هارون الرشيد قلق ليلة من الليالي قلقا شديدا، فاستدعى وزيره جعفر البرمكي وقال له: إن صدري ضيق، ومرادي في هذه الليلة أن أتفرج في شوارع بغداد، وأنظر في مصالح العباد، بشرط أننا نتزيا بزي التجار حتى لا يعرفنا أحد من الناس. فقال له الوزير: سمعا وطاعة. ثم قاموا في الوقت والساعة، ونزعوا ما عليهم من ثياب الافتخار، ولبسوا ثياب التجار، وكانوا ثلاثة: الخليفة، وجعفر، ومسرور السياف، وتمشوا من مكان إلى مكان حتى وصلوا إلى الدجلة، فرأوا شيخا قاعدا في زورق، فتقدموا إليه وسلموا عليه، وقالوا له: يا شيخ، إنا نشتهي من فضلك وإحسانك أن تفرجنا في مركبك هذه، وخذ هذا الدينار في أجرتك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 286 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنهم لما قالوا للشيخ: إنا نشتهي أن تفرجنا في مركبك، وخذ هذا الدينار. قال لهم: من ذا الذي يقدر على الفرجة، والخليفة هارون الرشيد ينزل في كل ليلة بحر الدجلة في زورق صغير، ومعه مناد ينادي ويقول: يا معشر الناس كافة من كبير وصغير، وخاص وعام، وصبي وغلام، كل من نزل في مركب وشق في الدجلة، ضربت عنقه أو شنقته على صاري مركبه؟ وكأنكم به في هذه الساعة وزورقه مقبل. فقال الخليفة وجعفر: يا شيخ، خذ هذين الدينارين، وادخل بنا قبة من هذه القباب إلى أن يروح زورق الخليفة. فقال لهم الشيخ: هاتوا الذهب، والتوكل على الله تعالى. فأخذ الذهب وعوم بهم قليلا، وإذا بالزورق ms0797 قد أقبل من كبد الدجلة، وفيه الشموع والمشاعل مضيئة، فقال لهم الشيخ: أما قلت لكم إن الخليفة يشق في كل ليلة؟ ثم إن الشيخ صار يقول: يا ستار لا تكشف الأستار. ودخل بهم في قبة، ووضع عليهم ميزرا أسود، وصاروا يتفرجون من تحت الميزر، فرأوا في مقدم الزورق رجلا بيده مشعل من الذهب الأحمر، وهو يشعل فيه بالعود القاقلي، وعلى ذلك قباء من الأطلس الأحمر، وعلى كتفه مزركش أصفر، وعلى رأسه شاش موصلي، وعلى كتفه الآخر مخلاة من الحرير الأخضر ملآنة بالعود القاقلي يوقد منها المشعل عوضا عن الحطب، ورأوا رجلا آخر في مؤخر الزورق لابسا مثل لبسه، وبيده مشعل مثل المشعل الذي معه، ورأوا في الزورق مائتي مملوك واقفين يمينا ويسارا، ووجد كرسيا من الذهب الأحمر منصوبا، وعليه شاب حسن جالس كالقمر، وعليه خلعة سوداء بطرازات من الذهب الأصفر، وبين يديه إنسان كأنه الوزير جعفر، وعلى رأسه خادم واقف كأنه مسرور، وبيده سيف مشهور، ورأوا عشرين نديما؛ فلما رأى الخليفة ذلك قال: يا جعفر. فقال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: لعل هذا واحد من أولادي؛ إما المأمون وإما الأمين. ثم تأمل الشاب وهو جالس على الكرسي، فرآه كامل الحسن والجمال، والقد والاعتدال، فلما تأمله التفت إلى الوزير وقال: يا وزير. قال: لبيك. قال: والله إن هذا الجالس لم يترك شيئا من شكل الخلافة، والذي بين يديه كأنه أنت يا جعفر، والخادم الذي واقف على رأسه كأنه مسرور، وهؤلاء الندماء كأنهم ندمائي، وقد حار عقلي في هذا الأمر. # فقالت لها أختها دنيازاد: ما أحسن حديثك، وأطيبه، وأحلاه، وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك. فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 287 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة لما رأى هذا الأمر تحير في عقله وقال: والله إني تعجبت من هذا الأمر يا جعفر. فقال له جعفر: وأنا والله ms0798 يا أمير المؤمنين. ثم ذهب الزورق حتى غاب عن العين، فعند ذلك خرج الشيخ بزورقه وقال: الحمد لله على السلامة حيث لم يصادفنا أحد. فقال الخليفة: يا شيخ، وهل الخليفة في كل ليلة ينزل الدجلة؟ قال: نعم يا سيدي، وله على هذه الحالة سنة كاملة. فقال: يا شيخ، نشتهي من فضلك أن تقف لنا هنا الليلة القابلة، ونحن نعطيك خمسة دنانير ذهبا، فإننا قوم غرباء وقصدنا النزهة، ونحن نازلون في الخندق. فقال له الشيخ: حبا وكرامة. ثم إن الخليفة وجعفرا ومسرورا توجهوا من عند الشيخ إلى القصر، وقلعوا ما كان عليهم من لبس التجار، ولبسوا ثياب الملك، وجلس كل واحد في مرتبته، ودخل الأمراء والوزراء والحجاب والنواب، وانعقد المجلس بالناس. فلما انقضى النهار وتفرقت أجناس الناس، وراح كل واحد إلى حال سبيله، قال الخليفة هارون الرشيد: يا جعفر، انهض بنا للفرجة على الخليفة الثاني. فضحك جعفر ومسرور، ولبسوا لبس التجار، وخرجوا يشقون وهم في غاية الانشراح، وكان خروجهم من باب السر، فلما وصلوا إلى الدجلة وجدوا الشيخ صاحب الزورق قاعدا لهم في الانتظار، فنزلوا عنده في المركب، فما استقر بهم الجلوس مع الشيخ ساعة حتى جاء زورق الخليفة الثاني وأقبل عليهم؛ فالتفتوا إليه وأمعنوا فيه النظر فوجدوا فيه مائتي مملوك غير المماليك الأول، والمشاعلية ينادون على عادتهم، فقال الخليفة: يا وزير، هذا شيء لو سمعت به ما كنت أصدقه، ولكنني رأيت ذلك عيانا. ثم إن الخليفة قال لصاحب الزورق الذي هم فيه: خذ يا شيخ هذه العشرة دنانير، وسر بنا في محاذاتهم، فإنهم في النور ونحن في الظلام، فننظرهم ونتفرج عليهم وهم لا ينظروننا. فأخذ الشيخ العشرة دنانير ومشى بزورقه في محاذاتهم، وسار في ظلام زورقهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 288 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة هارون الرشيد قال للشيخ: خذ هذه العشرة دنانير، وسر بنا في محاذاتهم. فقال: سمعا وطاعة. ثم أخذ الدنانير وسار بهم، وما زالوا سائرين في ظلام الزورق ms0799 إلى البساتين، فلما وصلوا إلى البساتين رأوا زربية فرسى عليها الزورق، وإذا بغلمان واقفين ومعهم بغلة مسرجة ملجمة، فطلع الخليفة الثاني وركب البغلة، وسار بين الندماء، وصاحت المشاعلية، واشتغلت الغاشية بشأن الخليفة الثاني، فطلع هارون الرشيد هو وجعفر ومسرور إلى البر، وشقوا بين المماليك، وساروا قدامهم، فلاحت من المشاعلية التفاتة فرأوا ثلاثة أشخاص لبسهم لبس تجار، وهم غرباء الديار، فأنكروا عليهم، وغمزوا عليهم، وأحضروهم بين يدي الخليفة الثاني، فلما نظرهم قال لهم: كيف وصلتم إلى هذا المكان؟ وما الذي جاء بكم في هذا الوقت؟ قالوا: يا مولانا، نحن قوم من التجار غرباء الديار، وقدمنا في هذا اليوم، وخرجنا نتمشى الليلة، وإذا بكم قد أقبلتم فجاء هؤلاء وقبضوا علينا، وأوقفونا بين يديك، وهذا خبرنا. فقال الخليفة الثاني: لا بأس عليكم، لأنكم قوم غرباء، ولو كنتم من بغداد ضربت أعناقكم. ثم التفت إلى وزيره وقال له: خذ هؤلاء صحبتك فإنهم ضيوفنا في هذه الليلة. فقال: سمعا وطاعة لك يا مولانا. ثم سار وهم معه إلى أن وصلوا إلى قصر عال عظيم الشأن، محكم البنيان، ما حواه سلطان قام من التراب، وتعلق بأكتاف السحاب، وبابه من خشب الساج، مرصع بالذهب الوهاج، يصل منه الداخل إلى إيوان بفسقية وشاذروان، وبسط ومخدات من الديباج، ونمارق وطوالات، وهناك ستر مسبول، وفرش يذهل العقول، ويعجز من يقول، وعلى الباب مكتوب هذان البيتان: # قصر عليه تحية وسلام %~% خلعت عليه جمالها الأيام ~~فيه العجائب والغرائب نوعت %~% فتحيرت في فنها الأقلام ![figure](../Images/figure13.png) # فأمرهم الخليفة بالسير، وما زالوا سائرين في ظلام الزورق إلى البساتين. # ثم دخل الخليفة الثاني والجماعة صحبته إلى أن جلس على كرسي من الذهب مرصع بالجواهر، وعلى الكرسي سجادة من الحرير الأصفر، وقد جلست الندماء، ووقف سياف النقمة بين يديه، فمدوا السماط وأكلوا، ورفعت الأواني، وغسلت الأيادي، وأحضروا آلة المدام، واصطفت القناني والكاسات، ودار الدور إلى أن وصل إلى الخليفة هارون الرشيد فامتنع من الشراب، فقال الخليفة الثاني لجعفر: ما بال صاحبك لا يشرب؟ فقال: يا مولاي، إن له ms0800 مدة ما شرب من هذا. فقال الخليفة الثاني: عندي مشروب غير هذا يصلح لصاحبك، وهو من شراب التفاح. ثم أمر به فأحضروه في الحال، فتقدم الخليفة الثاني بين يدي هارون الرشيد وقال له: كلما وصل إليك الدور فاشرب من هذا الشراب. وما زالوا في انشراح وتعاطي أقداح الراح إلى أن تمكن الشراب من رءوسهم، واستولى على عقولهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 289 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة الثاني هو وجلساءه ما زالوا يشربون حتى تمكن الشراب من رءوسهم، واستولى على عقولهم، فقال الخليفة هارون الرشيد لوزيره: يا جعفر، والله ما عندنا آنية مثل هذه الآنية، فيا ليت شعري ما شأن هذا الشاب؟ فبينما هما يتحدثان سرا إذ لاحت من الشاب التفاتة فوجد الوزير يتسارر مع الخليفة، فقال: إن المساررة عربدة. فقال الوزير: ما ثم عربدة، إلا أن رفيقي هذا يقول إني سافرت إلى غالب البلاد، ونادمت أكابر الملوك وعاشرت الأجناد، فما رأيت أحسن من هذا النظام، ولا أبهج من هذه الليلة، غير أن أهل بغداد يقولون: الشراب بلا سماع ربما أورث الصداع. فلما سمع الخليفة الثاني ذلك الكلام تبسم وانشرح، وكان بيده قضيب فضرب به على مدورة، وإذا بباب فتح وخرج منه خادم يحمل كرسيا من العاج مصفحا بالذهب الوهاج، وخلفه جارية بارعة في الحسن والجمال، والبهاء والكمال، فنصب الخادم الكرسي، وجلست عليه الجارية، وهي كالشمس الضاحية في السماء الصاحية، وبيدها عود عمل صناع الهنود، فوضعته في حجرها وانحنت عليه انحناء الوالدة على ولدها، وغنت عليه بعد أن طربت، وقلبت أربعا وعشرين طريقة حتى أذهلت العقول، ثم عادت إلى طريقتها الأولى، وأطربت بالنغمات، وأنشدت هذه الأبيات: # لسان الهوى في مهجتي لك ناطق %~% يخبر عني أنني لك عاشق ~~ولي شاهد من حر قلب معذب %~% وطرف قريح والدموع سوابق ~~وما كنت أدري قبل حبك ما الهوى %~% ولكن قضاء الله في الخلق سابق # فلما سمع الخليفة الثاني هذا الشعر من الجارية صرخ صرخة عظيمة، وشق ms0801 البدلة التي كانت عليه إلى الذيل، وسبلت عليه الستارة، وأتوه ببدلة غيرها أحسن منها فلبسها، ثم جلس على عادته، فلما وصل إليه القدح ضرب بالقضيب على المدورة، وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم يحمل كرسيا من الذهب، وخلفه جارية أحسن من الجارية الأولى، فجلست على ذلك الكرسي وبيدها عود يكمد قلب الحسود، فغنت عليه بهذين البيتين: # كيف اصطباري ونار الشوق في كبدي %~% والدمع من مقلتي طوفان للأبد ~~والله ما طاب لي عيش أسر به %~% فكيف يفرح قلب حشوه كمدي # فلما سمع الشاب هذا الشعر صرخ صرخة عظيمة، وشق ما عليه من الثياب إلى الذيل، وانسبلت عليه الستارة، وأتوه ببدلة أخرى فلبسها، واستوى جالسا ورجع إلى حالته الأولى، وانبسط في الكلام، فلما وصل القدح إليه ضرب على المدورة، فخرج خادم ووراءه جارية أحسن من التي قبلها، ومعه كرسي، فجلست الجارية على الكرسي وبيدها عود، فغنت عليه بهذه الأبيات: # اقصروا هجركم وقلوا جفاكم %~% ففؤادي وحقكم ما سلاكم ~~وارحموا مدنفا كئيبا حزينا %~% ذا غرام متيما في هواكم ~~قد برته السقام من فرط وجد %~% فتمنى من الإله رضاكم ~~يا بدورا محلهم في فؤادي %~% كيف أختار في الأنام سواكم # فلما سمع الشاب هذه الأبيات صرخ صرخة عظيمة، وشق ما كان عليه من الثياب، فأرخوا عليه الستارة، وأتوه بثياب غيرها، ثم عاد إلى حالته مع ندمائه، ودارت الأقداح، فلما وصل القدح إليه ضرب على المدورة، فانفتح الباب وخرج منه غلام معه كرسي، وخلفه جارية فنصب لها الكرسي وجلست عليه، وأخذت العود وأصلحته، وغنت عليه بهذه الأبيات: # حتى متى يمضي التهاجر والقلى %~% ويعود لي ما قد مضى لي أولا ~~من أمس كنا والديار تلمنا %~% في أنسنا ونرى الحواسد غفلا ~~غدر الزمان بنا وفرق شملنا %~% من بعد ما ترك المنازل كالخلا ~~أتروم مني يا عذولي سلوة %~% وأرى فؤادي لا يطيع العذلا ~~فدع الملام وخلني بصبابتي %~% فالقلب من أنس الأحبة ما خلا ~~يا سادة نقضوا العهود وبدلوا %~% لا تحسبوا قلبي المتيم قد سلا # فلما سمع الخليفة الثاني إنشاد ms0802 الجارية صرخ صرخة عظيمة، وشق ما عليه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 290 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة الثاني لما سمع شعر الجارية صرخ صرخة عظيمة، وشق ما عليه من الثياب، وخر مغشيا عليه، فأرادوا أن يرخوا عليه الستارة بحسب العادة فتوقفت حبالها، فلاحت من هارون الرشيد التفاتة إليه، فنظر على بدنه آثار ضرب مقارع، فقال الرشيد بعد النظر والتأكيد: يا جعفر، والله إنه شاب مليح إلا أنه لص قبيح. فقال جعفر: من أين عرفت ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أما رأيت ما على جنبيه من أثر السياط؟ ثم أسبلوا عليه الستارة، وأتوه ببدلة غير التي كانت عليه فلبسها واستوى جالسا على حالته الأولى مع الندماء، فلاحت منه التفاتة فوجد الخليفة وجعفرا يتحدثان سرا، فقال لهما: ما الخبر يا فتيان؟ فقال جعفر: يا مولانا خير، غير أنه لا خفاء عليك أن رفيقي هذا من التجار، وقد سافر جميع الأمصار والأقطار، وصحب الملوك والأخيار، وهو يقول لي: إن الذي حصل من مولانا الخليفة في هذه الليلة إسراف عظيم، ولم أر أحدا فعل مثل فعله في سائر الأقاليم؛ لأنه شق كذا وكذا بدلة، كل بدلة بألف دينار، وهذا إسراف زائد. فقال الخليفة الثاني: يا هذا، إن المال مالي، والقماش قماشي، وهذا من بعض الأنعام على الخدام والحواشي، فإن كل بدلة شققتها لواحد من الندماء الحضار، وقد رسمت لهم مع كل بدلة خمسمائة دينار. فقال الوزير جعفر: نعم ما فعلت يا مولانا. ثم أنشد هذين البيتين: # بنت المكارم وسط كفك منزلا %~% وجعلت ما لك للأنام مباحا ~~فإذا المكارم أغلقت أبوابها %~% كانت يداك لقفلها مفتاحا ![figure](../Images/figure14.png) # وإذ بكرسي من ذهب، فبانت تلك الجارية عن وجه كأنه القمر، والعقد في عنقها. # فلما سمع الشاب هذا الشعر من الوزير جعفر رسم له ألف دينار وبدلة، ثم دارت بينهم الأقداح، وطاب لهم الراح، فقال الرشيد: يا جعفر، اسأله عن الضرب الذي على جنبيه حتى ننظر ما يقول في جوابه. فقال: لا ms0803 تعجل يا مولانا، وترفق بنفسك، فإن الصبر أجمل. فقال: وحياة رأسي، وتربة العباس إن لم تسأله لأخمدن منك الأنفاس. فعند ذلك التفت الشاب إلى الوزير، وقال له: ما لك مع رفيقك تتسارران؟ فأخبرني بشأنكما. فقال: خير. فقال الشاب: سألتك بالله أن تخبرني بخبركم، ولا تكتم عني شيئا من أمركم. فقال: يا مولاي، إنه أبصر على جنبيك ضربا، وأثر سياط ومقارع، فتعجب من ذلك غاية العجب، وقال: كيف يضرب الخليفة؟ وقصده أن يعلم ما السبب. فلما سمع الشاب ذلك تبسم وقال: اعلموا أن حديثي غريب، وأمري عجيب، لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر. ثم صعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # حديثي عجيب فاق كل العجائب %~% وحق الهوى ضاقت علي مذاهبي ~~إذا ما أردتم أن أقول فأنصتوا %~% ويسكت هذا الجمع من كل جانب ~~وأصغوا إلى قولي ففيه إشارة %~% وإن كلامي صادق غير كاذب ~~فإني قتيل من غرام ولوعة %~% وقاتلتي فاقت جميع الكواعب ~~لها مقلة كحلاء مثل مهند %~% وترمي سهاما من قسي الحواجب ~~وقد حس قلبي أن فيكم إمامنا %~% خليفة هذا الوقت وابن الأطايب ~~وثانيكم وهو المنادى بجعفر %~% لديه وزير صاحب وابن صاحب ~~وثالثكم مسرور سياف نقمة %~% فإن كان هذا القول ليس بكاذب ~~لقد نلت ما أرجو من الأمر كله %~% وجاء سرور القلب من كل جانب # فلما سمعوا منه هذا الكلام، حلف له جعفر وورى في يمينه أنهم لم يكونوا المذكورين؛ فضحك الشاب وقال: اعلموا يا سادتي أنني لست أمير المؤمنين، وإنما سميت نفسي بهذا الاسم لأبلغ ما أريد من أولاد المدينة، وإنما اسمي محمد علي بن علي الجوهري، وكان أبي من الأعيان فمات، وخلف لي مالا كثيرا من ذهب، وفضة، ولؤلؤ، ومرجان، وياقوت، وزبرجد، وجواهر، وعقارات، وحمامات، وغيطان، وبساتين، ودكاكين، وطوابين، وعبيد، وجوار، وغلمان؛ فاتفق في بعض الأيام أنني كنت جالسا في دكاني، وحولي الخدم والحشم، وإذا بجارية قد أقبلت راكبة على بغلة، وفي خدمتها ثلاث جوار كأنهن الأقمار، فلما قربت مني نزلت على دكاني وجلست عندي، وقالت لي: ms0804 هل أنت محمد الجوهري؟ فقلت لها: نعم هو، أنا مملوكك وعبدك. فقالت: هل عندك عقد جوهر يصلح لي؟ فقلت: يا سيدتي، الذي عندي أعرضه عليك، وأحضره بين يديك، فإن أعجبك منه شيء كان يسعد المملوك، وإن لم يعجبك شيء فبسوء حظي. وكان عندي مائة عقد من الجوهر فعرضت عليها الجميع، فلم يعجبها شيء من ذلك، وقالت: أريد أحسن مما رأيت. وكان عندي عقد صغير اشتراه والدي بمائة ألف دينار، ولم يوجد مثله عند أحد من السلاطين الكبار، فقلت لها: يا سيدتي، بقي عندي عقد الفصوص والجواهر، الذي لا يملك مثله أحد من الأكابر والأصاغر. فقالت لي: أرني إياه. فلما رأته قالت: هذا مطلوبي، وهو الذي طول عمري أتمناه. ثم قالت لي: كم ثمنه؟ فقلت لها: ثمنه على والدي مائة ألف دينار. فقالت: ولك خمسة آلاف دينار فائدة. فقلت: يا سيدتي، العقد وصاحبه بين يديك، ولا خلاف عندي. فقالت: لا بد من الفائدة، ولك المنة الزائدة. ثم قامت من وقتها وركبت البغلة بسرعة، وقالت لي: يا سيدي، باسم الله تفضل صحبتنا لتأخذ الثمن، فإن نهارك اليوم بنا مثل اللبن. فقمت وقفلت الدكان وسرت معها في أمان إلى أن وصلنا الدار، فوجدتها دارا عليها آثار السعادة لائحة، وبابها مزركش بالذهب والفضة واللازورد، ومكتوب عليه هذان البيتان: # ألا يا دار لا يدخلك حزن %~% ولا يغدر بصاحبك الزمان ~~فنعم الدار أنت لكل ضيف %~% إذا ما ضاق بالضيف المكان # فنزلت الجارية ودخلت الدار، وأمرتني بالجلوس على مصطبة الباب إلى أن يأتي الصيرفي، فجلست على باب الدار ساعة، وإذا بجارية خرجت إلي وقالت: يا سيدي، ادخل الدهليز فإن جلوسك على الباب قبيح. فقمت ودخلت الدهليز، وجلست على الدكة، فبينما أنا جالس، وإذا بجارية خرجت إلي وقالت لي: يا سيدي، إن سيدتي تقول لك: ادخل واجلس على باب الإيوان حتى تقبض مالك. فقمت ودخلت البيت وجلست لحظة، وإذا بكرسي من الذهب وعليه ستارة من الحرير، وإذا بتلك الستارة قد رفعت، فبان من تحتها تلك الجارية التي اشترت ms0805 مني ذلك العقد، وقد أسفرت عن وجه كأنه دائرة القمر، والعقد في عنقها، فطاش عقلي واندهش لبي من رؤية تلك الجارية لفرط حسنها وجمالها، فلما رأتني قامت من فوق الكرسي وسعت إلى نحوي، وقالت لي: يا نور عيني، هل كل من كان مليحا مثلك ما يرثي لمحبوبته؟ فقلت: يا سيدتي، الحسن كله فيك، وهو من بعض معانيك. فقالت: يا جوهري، اعلم أني أحبك، وما صدقت أني أجيء بك عندي. ثم إنها مالت علي فقبلتها وقبلتني، وإلى جهتها جذبتني، وعلى صدرها رمتني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 291 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجوهري قال: ثم إنها مالت علي وقبلتني، وإلى جهتها جذبتني، وعلى صدرها رمتني، وعلمت من حالي أني أريد وصالها، فقالت: يا سيدي، أتريد أن تجتمع بي في الحرام؟ والله لا كان من يفعل مثل هذه الآثام، ويرضى بقبيح الكلام، فإني بكر عذراء ما دنا مني أحد، ولست مجهولة في البلد، أتعلم من أنا؟ فقلت: لا والله يا سيدتي. فقالت: أنا السيدة دنيا بنت يحيى بن خالد البرمكي، وأخي جعفر وزير الخليفة. فلما سمعت ذلك منها أحجمت بخاطري عنها، وقلت لها: يا سيدتي، ما لي ذنب في التهجم عليك، أنت التي أطمعتني في وصالك بالوصول إليك. فقالت: لا بأس عليك، ولا بد من بلوغك المراد بما يرضي الله، فإن أمري بيدي، والقاضي ولي عقدي، والقصد أن أكون لك أهلا، وتكون لي بعلا. ثم إنها دعت بالقاضي والشهود، وبذلت المجهود؛ فلما حضروا قالت لهم: محمد علي بن علي الجوهري قد طلب زواجي، ودفع لي هذا العقد في مهري، وأنا قبلت ورضيت. فكتبوا كتابي عليها ودخلت بها، وأحضرت آلات الراح، ودارت الأقداح بأحسن نظام وأتم إحكام، ولما شعشعت الخمرة في رءوسنا أمرت جارية عوادة أن تغني، فأخذت العود وأطربت بالنغمات، وأنشدت هذه الأبيات: # بدا فأراني الظبي والغصن والبدرا %~% فتبا لقلب لا يبيت به مغرى ~~مليح أراد الله إطفاء فتنة %~% بعارضه فاستأنفت فتنة أخرى ~~أغالط عذالي ms0806 إذا ذكروا له %~% حديثا كأني لا أحب له ذكرا ~~وأصغي إذا ذكروا لغير حديثه %~% بسمعي ولكني أذوب به فكرا ~~نبي جمال كل ما فيه معجز %~% من الحسن لكن وجهه الآية الكبرى ~~أقام هلال الخال في صحن خده %~% يراقب من لألاء غرته الفجرا ~~يريد سلوي العاذلون جهالة %~% وما كنت أرضى بعد إيماني الكفرا # فأطربت الجارية بما أبدته من نغمات الأوتار ورقيق الأشعار، ولم تزل الجواري تغني جارية بعد جارية، وينشدن الأشعار إلى أن غنت عشر جوار، وبعد ذلك أخذت السيدة دنيا العود وأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # قسما بلين قوامك المياس %~% إني لنار الهجر منك أقاسي ~~فارحم حشا بلظى هواك تسعرت %~% يا بدر تم في دجى الأغلاس ~~أنعم بوصلك لي فإني لم أزل %~% أجلو جمالك في ضياء الكاس ~~ما بين ورد نوعت ألوانه %~% وزهت محاسنه خلال الآس # فلما فرغت من شعرها أخذت العود منها وضربت عليه غريب الضربات وغنيت بهذه الأبيات: # سبحان رب جميع الحسن أعطاك %~% حتى بقيت أنا من بعض أسراك ~~يا من لها ناظر تسبي الأنام به %~% سلي الأمان لنا من سهم مرماك ~~ضدان ماء ونار في سنا لهب %~% حوتهما بغريب الشكل خداك ~~أنت السعير بقلبي والنعيم له %~% فما أمرك في قلبي وأحلاك # فلما سمعت مني هذا المعنى فرحت فرحا شديدا، ثم إنها صرفت الجواري، وقمنا إلى أحسن مكان قد فرش لنا فيه فرش من سائر الألوان، ونزعت ما عليها من الثياب، وخلوت بها خلوة الأحباب؛ فوجدتها درة لم تثقب، ومهرة لم تركب، ففرحت بها، ولم أر في عمري ليلة أطيب من تلك الليلة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 292 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن محمد بن علي الجوهري قال: لما دخلت بالسيدة دنيا بنت يحيى بن خالد البرمكي رأيتها درة لم تثقب، ومهرة لم تركب، فأنشدت هذين البيتين: # طوقته طوق الحمام بساعدي %~% وجعلت كفي للثام مباحا ~~هذا هو الفوز العظيم ولم نزل %~% متعانقين فلا نريد براحا # ثم أقمت عندها شهرا كاملا، وقد ms0807 تركت الدكان، والأهل والأوطان، فقالت لي يوما من الأيام: يا نور العين يا سيدي محمد، إني قد عزمت اليوم على المسير إلى الحمام، فاستقر أنت على هذا السرير، ولا تنتقل من مكانك إلى أن أرجع إليك. وحلفتني على ذلك، فقلت لها: سمعا وطاعة. ثم إنها حلفتني أني لا أنتقل من موضعي، وأخذت جواريها وذهبت إلى الحمام، فوالله يا إخواني ما لحقت أن تصل إلى رأس الزقاق إلا والباب قد فتح، ودخلت منه عجوز، وقالت: يا سيدي محمد، إن السيدة زبيدة تدعوك، فإنها سمعت بأدبك وظرفك وحسن غنائك. فقلت لها: والله ما أقوم من مكاني حتى تأتي السيدة دنيا. فقالت العجوز: يا سيدي، لا تخل السيدة زبيدة تغضب عليك وتبقى عدوتك، فقم كلمها وارجع إلى مكانك. فقمت من وقتي وتوجهت إليها، والعجوز أمامي إلى أن وصلتني إلى السيدة زبيدة، فلما وصلت إليها قالت لي: يا نور العين، هل أنت معشوق السيدة دنيا؟ فقلت: أنا مملوكك وعبدك. فقالت: صدق الذي وصفك بالحسن والجمال، والأدب والكمال؛ فإنك فوق الوصف والمقال، ولكن غن لي حتى أسمعك. فقلت لها: سمعا وطاعة. فأتتني بعود فغنيت عليه بهذه الأبيات: # قلب المحب مع الأحباب متعوب %~% وجسمه بيد الأسقام منهوب ~~ما في الرحال وقد زمت ركائبهم %~% إلا محب له في الركب محبوب ~~أستودع الله في إطنابكم قمرا %~% يهواه قلبي وعن عيني محجوب ~~يرضى ويغضب ما أحلى تدلله %~% وكل ما يفعل المحبوب محبوب # فلما فرغت من المغنى قالت لي: أصح الله بدنك، وطيب أنفاسك، فلقد كملت في الحسن والأدب والمغنى، فقم وامض إلى مكانك قبل أن تجيء السيدة دنيا فلا تجدك فتغضب عليك. فقبلت الأرض بين يديها وخرجت والعجوز أمامي إلى أن وصلت إلى الباب الذي خرجت منه، فدخلت وجئت إلى السرير فوجدتها قد جاءت من الحمام، وهي نائمة على السرير، فقعدت عند رجليها وكبستهما، ففتحت عينيها فرأتني، فجمعت رجليها ورفصتني فرمتني من فوق السرير، وقالت لي: يا خائن! خنت اليمين وحنثت فيه، ووعدتني أنك لا تنتقل من مكانك وأخلفت ms0808 الوعد، وذهبت إلى السيدة زبيدة، والله لولا خوفي من الفضيحة لهدمت قصرها على رأسها. ثم قالت لعبدها: يا صواب، قم اضرب رقبة الكذاب، فلا حاجة لنا به. فتقدم العبد وشرط من ذيله رقعة وعصب بها عيني، وأراد أن يضرب عنقي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 293 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن محمدا الجوهري قال: فتقدم العبد وشرط من ذيله رقعة وعصب بها عيني، وأراد أن يضرب عنقي، فقامت إليها الجواري الكبار والصغار وقلن لها: يا سيدتنا، ليس هذا أول من أخطأ، وهو لا يعرف خلقك، وما فعل ذنبا يوجب القتل. فقالت: والله لا بد أن أعمل فيه أثرا. ثم أمرت بضربي، فضربوني على أضلاعي، وهذا الذي رأيتموه أثر ذلك الضرب، وبعد ذلك أمرت بإخراجي، فأخرجوني وأبعدوني عن القصر ورموني، فحملت نفسي ومشيت قليلا قليلا حتى وصلت إلى منزلي، وأحضرت جراحيا وأريته الضرب، فلاطفني وسعى في مداواتي. فلما شفيت ودخلت الحمام، وزالت عني الأوجاع والأسقام، جئت إلى الدكان وأخذت جميع ما فيها وبعته، وجمعت ثمنه واشتريت لي أربعمائة مملوك ما جمعهم أحد من الملوك، وصار يركب معي منهم في كل يوم مائتان، وعملت هذا الزورق، وصرفت عليه خمسة آلاف دينار من الذهب، وسميت نفسي بالخليفة، ورتبت من معي من الخدم كل واحد في وظيفة واحد من أتباع الخليفة، وهيأته بهيئته، وناديت: كل من تفرج في الدجلة ضربت عنقه بلا مهلة. ولي على هذا الحال سنة كاملة، وأنا لم أسمع لها خبرا، ولم أقف لها على أثر. ثم إنه بكى وأفاض العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # والله ما كنت طول الدهر ناسيها %~% ولا دنوت إلى من ليس يدنيها ~~كأنها البدر في تكوين خلقتها %~% سبحان خالقها سبحان باريها ~~قد صيرتني حزينا ساهرا دنفا %~% والقلب قد حار مني في معانيها # فلما سمع هارون الرشيد كلامه، وعرف وجده ولوعته وغرامه، تدله ولها، وتحير عجبا، وقال: سبحان الله الذي جعل لكل شيء سببا! ثم إنهم استأذنوا الشاب في الانصراف فأذن لهم، ms0809 وأضمر له الرشيد على الإنصاف، وأن يتحفه غاية الإتحاف، ثم انصرفوا من عنده سائرين وإلى محل الخلافة متوجهين، فلما استقر بهم الجلوس، وغيروا ما عليهم من الملبوس، ولبسوا أثواب المواكب، ووقف بين أيديهم مسرور سياف النقمة، فقال الخليفة لجعفر: يا وزير، علي بالشاب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 294 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة قال للوزير: علي بالشاب الذي كنا عنده في الليلة الماضية. فقال: سمعا وطاعة. ثم توجه إليه وسلم عليه، وقال له: أجب أمير المؤمنين الخليفة هارون الرشيد. فسار معه إلى القصر وهو من الترسيم عليه في حصر، فلما دخل على الخليفة قبل الأرض بين يديه، ودعا له بدوام العز والإقبال وبلوغ الآمال، ودوام النعم وإزالة البؤس والنقم، وقد أحسن ما به تكلم حيث قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، وحامي حومة الدين. ثم أنشد هذين البيتين: # لا زال بابك كعبة مقصودة %~% وترابها فوق الجباه رسوم ~~حتى ينادى في البلاد بأسرها %~% هذا المقام وأنت إبراهيم # فتبسم الخليفة في وجهه ورد عليه السلام، والتفت إليه بعين الإكرام، وقربه وأجلسه بين يديه، وقال له: يا محمد علي، أريد منك أن تحدثني بما وقع في هذه الليلة، فإنه من العجائب وبديع الغرائب. فقال الشاب: العفو يا أمير المؤمنين، أعطني منديل الأمان ليسكن روعي ويطمئن قلبي. فقال له الخليفة: لك الأمان من الخوف والأحزان. فشرع الشاب يحدثه بالذي حصل له من أوله إلى آخره. فعلم الخليفة أن الصبي عاشق، وللمعشوق مفارق، فقال له: أتحب أن أردها عليك؟ قال: هذا من فضل أمير المؤمنين. ثم أنشد هذين البيتين: # الثم أنامله فلسن أناملا %~% لكنهن مفاتح الأرزاق ~~واشكر صنائعه فلسن صنائعا %~% لكنهن قلائد الأعناق # فعند ذلك التفت الخليفة إلى الوزير وقال له: يا جعفر، أحضر لي أختك السيدة دنيا بنت الوزير يحيى بن خالد. فقال: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين. ثم أحضرها في الوقت والساعة، فلما تمثلت بين يديه قال لها الخليفة: أتعرفين من هذا؟ قالت: يا أمير ms0810 المؤمنين، من أين للنساء معرفة الرجال؟ فتبسم الخليفة وقال لها: يا دنيا، هذا حبيبك محمد علي بن الجوهري، وقد عرفنا الحال، وسمعنا الحكاية من أولها إلى آخرها، وفهمنا ظاهرها وباطنها، والأمر لا يخفى وإن كان مستورا. فقالت: يا أمير المؤمنين، كان ذلك في الكتاب مسطورا، وأنا أستغفر الله العظيم مما جرى مني، وأسألك من فضلك العفو عني. فضحك الخليفة هارون الرشيد، وأحضر القاضي والشهود، وجدد عقدها على زوجها محمد علي بن الجوهري، وحصل لها وله سعد السعود، وإكماد الحسود، وجعله من جملة ندمائه، واستمروا في سرور ولذة وحبور، إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات. ### || حكاية علي العجمي # ومما يحكى أيضا أن الخليفة هارون الرشيد قلق ليلة من الليالي فاستدعى وزيره، فلما حضر بين يديه قال له: يا جعفر، إني قلقت الليلة قلقا عظيما وضاق صدري، وأريد منك شيئا يسر خاطري، وينشرح به صدري. فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إن لي صديقا اسمه علي العجمي، وعنده من الحكايات والأخبار المطربة ما يسر النفوس، ويزيل عن القلب البؤس. فقال: علي به. فقال: سمعا وطاعة. ثم إن جعفرا خرج من عند الخليفة في طلب العجمي فأرسل خلفه، فلما حضر قال له: أجب أمير المؤمنين. فقال: سمعا وطاعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 295 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجمي قال: سمعا وطاعة. ثم توجه معه إلى الخليفة، فلما تمثل بين يديه أذن له بالجلوس فجلس، فقال له الخليفة: يا علي، إنه ضاق صدري في هذه الليلة، وقد سمعت عنك أنك تحفظ حكايات وأخبارا، وأريد منك أن تسمعني ما يزيل همي، ويصقل فكري. فقال: يا أمير المؤمنين، هل أحدثك بالذي رأيته بعيني أم بالذي سمعته بأذني؟ فقال: إن كنت رأيت شيئا فاحكه. فقال: سمعا وطاعة، اعلم يا أمير المؤمنين أني سافرت في بعض السنين من بلدي هذه، وهي مدينة بغداد، وصحبتي غلام، ومعه جراب لطيف، ودخلنا مدينة، فبينما أنا أبيع وأشتري وإذا برجل كردي ظالم متعد ms0811 قد هجم علي وأخذ مني الجراب، وقال: هذا جرابي، وكل ما فيه متاعي. فقلت: يا معشر المسلمين، خلصوني من يد أفجر الظالمين. فقال الناس جميعا: اذهبا إلى القاضي، واقبلا حكمه بالتراضي. فتوجهنا إلى القاضي وأنا بحكمه راض، فلما دخلنا عليه وتمثلنا بين يديه، قال القاضي: في أي شيء جئتما؟ وما قضية خبركما؟ فقلت: نحن خصمان إليك تداعينا، وبحكمك تراضينا. فقال: أيكما المدعي؟ فتقدم الكردي وقال: أيد الله مولانا القاضي، إن هذا الجراب جرابي، وكل ما فيه متاعي، وقد ضاع مني، ووجدته مع هذا الرجل. فقال القاضي: ومتى ضاع منك؟ فقال الكردي: من أمس هذا اليوم، وبت لفقده بلا نوم. فقال القاضي: إن كنت عرفته فصف لي ما فيه؟ فقال الكردي: في جرابي هذا مرودان من لجين، وفيه أكحال للعين، ومنديل لليدين، ووضعت فيه شربتين مذهبتين، وشمعدانين، وهو مشتمل على بيتين، وطبقين، ومعلقتين، ومخدة، ونطعين، وإبريقين، وصينية وطشتين، وقدرة وزلعتين، ومغرفة ومسلة ومزودين، وهرة وكلبتين، وقصعة وقعيدتين، وجبة وفروتين، وبقرة وعجلين، وعنز وشاتين، ونعجة وسخلين، وصيوانين أخضرين، وجمل وناقتين، وجاموسة وثورين، ولبوة وسبعين، ودبة وثعلبين، ومرتبة وسريرين، وقصر وقاعتين، ورواق ومقعدين، ومطبخ ببابين، وجماعة أكراد يشهدون أن الجراب جرابي. # فقال القاضي: ما تقول أنت يا هذا؟ فتقدمت إليه يا أمير المؤمنين، وقد أبهتني الكردي بكلامه، فقلت: أعز الله مولانا القاضي، أنا ما في جرابي هذا إلا دويرة خراب، وأخرى بلا باب، ومقصورة للكلاب، وفيه للصبيان كتاب، وشباب يلعبون بالكعاب، وفيه خيام وأطناب، ومدينة البصرة وبغداد، وقصر شداد بن عاد، وكور حداد، وشبكة صياد، وعصي وأوتاد، وبنات وأولاد، وألف قواد يشهدون أن الجراب جرابي. # فلما سمع الكردي هذا الكلام بكى وانتحب، وقال: يا مولانا القاضي، إن جرابي هذا معروف، وكل ما فيه موصوف؛ في جرابي هذا حصون وقلاع، وكراكي وسباع، ورجال يلعبون بالشطرنج والرقاع، وفي جرابي هذا حجرة ومهران، وفحل وحصانان، ورمحان طويلان، وهو مشتمل على سبع وأرنبين، ومدينة وقريتين، وقحبة وقوادين شاطرين، ومخنث وعلقين، وأعمى وبصيرين، وأعرج ومكسحين، وشماسين، وبطرك وراهبين، ms0812 وقاض وشاهدين، وهم يشهدون أن الجراب جرابي. فقال القاضي: ما تقول يا علي؟ فامتلأت غيظا يا أمير المؤمنين، وتقدمت إليه وقلت: أيد لله مولانا القاضي ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 296 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجمي قال: فامتلأت غيظا يا أمير المؤمنين، وتقدمت إليه وقلت: أيد الله مولانا القاضي، أنا في جرابي هذا زرد وصفاح، وخزائن سلاح، وألف كبش نطاح، وفيه للغنم مراح، وألف كلب نباح، وبساتين وكروم، وأزهار ومشموم، وتين وتفاح وأشباح، وقناني وأقداح، وعرايس ملاح، ومغان وأفراح، وهرج وصياح، وأقطار فساح، وإخوة نجاح، ورفقة صباح، ومعهم سيوف ورماح، وقسي ونشاب، وأصدقاء وأحباب، وخلان وأصحاب، ومحابس للعقاب، وندماء للشراب، وطنبور ونايات، وأعلام ورايات، وصبيان وبنات، وعرائس مجليات، وجوار مغنيات، وخمس حبشيات، وثلاث هنديات، وأربع مدنيات، وعشرون روميات، وخمسون تركيات، وسبعون عجميات، وثمانون كرديات، وتسعون جرجيات، والدجلة والفرات، وشبكة صياد، وقداحة وزناد، وإرم ذات العماد، وألف علق وقواد، وميادين وإصطبلات، ومساجد وحمامات، وبناء وتجار، وخشبة ومسمار، وعبد أسود بمزمار، ومقدم وراكبدار، ومدن وأمصار، ومائة ألف دينار، والكوفة مع الأنبار، وعشرون صندوقا ملآنة بالقماش، وخمسون حاصلا للمعاش، وغزة وعسقلان، ومن دمياط إلى أصوان، وإيوان كسرى أنوشروان، وملك سليمان، ومن وادي نعمان إلى أرض خراسان، وبلخ وأصبهان، ومن الهند إلى بلاد السودان، وفيه - أطال الله عمر مولانا القاضي - غلائل وعراضي، وألف موسى ماض تحلق ذقن القاضي إن لم يخش عقابي، ولم يحكم بأن الجراب جرابي. # فلما سمع القاضي كلام الكردي تحير عقله من ذلك، وقال: ما أراكما إلا شخصين نحسين، أو رجلين زنديقين، تلعبان بالقضاة والحكام، ولا تخشيان من الملام؛ لأنه ما وصف الواصفون، ولا سمع السامعون بأعجب مما وصفتما، ولا تكلم بمثل ما تكلمتما، والله إن من الصين إلى شجرة أم غيلان، ومن بلاد فارس إلى أرض السودان، ومن وادي نعمان إلى أرض خراسان لا يسع ما ذكرتماه، ولا يصدق ما ادعيتماه، فهل هذا الجراب بحر ليس له قرار، ويوم العرض الذي يجمع الأبرار ms0813 والفجار؟ ثم إن القاضي أمر بفتح الجراب ففتحه، وإذا فيه خبز وليمون، وجبن وزيتون، ثم رميت الجراب قدام الكردي ومضيت. فلما سمع الخليفة هذه الحكاية من علي العجمي استلقى على قفاه من الضحك، وأحسن جائزته. ### || حكاية هارون الرشيد وأبي يوسف # ومما يحكى أن جعفر البرمكي نادم الرشيد ليلة، فقال الرشيد: يا جعفر، بلغني أنك اشتريت الجارية الفلانية، ولي مدة أتطلبها؛ فإنها على غاية من الجمال، وقلبي بحبها في اشتغال، فبعها لي. فقال: لا أبيعها يا أمير المؤمنين. فقال: هبها لي. فقال: لا أهبها. فقال الرشيد: زبيدة طالق ثلاثا إن لم تبعها لي أو تهبها لي. قال جعفر: زوجتي طالق ثلاثا إن بعتها أو وهبتها لك. ثم أفاقا من نشوتهما، وعلما أنهما وقعا في أمر عظيم، وعجزا عن تدبير الحيلة، فقال الرشيد: هذه واقعة ليس لها غير أبي يوسف. فطلبوه، وكان ذلك في نصف الليل، فلما جاء الرسول قام فزعا وقال في نفسه: ما طلبت في هذا الوقت إلا لأمر حدث في الإسلام. ثم خرج مسرعا وركب بغلته، وقال لغلامه: خذ معك مخلاة البغلة لعلها لم تستوف عليقها، فإذا دخلنا دار الخلافة فضع لها المخلاة حتى تأكل ما بقي من عليقها إلى حين خروجي إذا لم تستوف عليقها في هذه الليلة. فقال الغلام: سمعا وطاعة. فلما دخل على الرشيد قام له، وأجلسه على سريره بجانبه، وكان لا يجلس معه أحدا غيره، وقال له: ما طلبناك في هذا الوقت إلا لأمر مهم وهو كذا وكذا، وقد عجزنا في تدبير الحيلة. فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر أسهل ما يكون. ثم قال: يا جعفر، بع لأمير المؤمنين نصفها، وهب له نصفها، وتبرآن في يمينكما بذلك. فانسر أمير المؤمنين بذلك، وفعلا ما أمرهما به. ثم قال الرشيد: أحضروا الجارية في هذا الوقت ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 297 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة هارون الرشيد قال: أحضروا الجارية في هذا الوقت؛ فإني شديد الشوق إليها. فأحضروها، ms0814 وقال للقاضي أبي يوسف: أريد وطأها في هذا الوقت؛ فإني لا أطيق الصبر عنها إلى مضي مدة الاستبراء، وما الحيلة في ذلك؟ فقال أبو يوسف: ائتوني بمملوك من مماليك أمير المؤمنين الذين لم يجر عليهم العتق. فأحضروا مملوكا، فقال أبو يوسف: ائذن لي أن أزوجها منه، ثم يطلقها قبل الدخول، فيحل وطؤها في هذا الوقت من غير استبراء. فأعجب الرشيد ذلك أكثر من الأول، فلما حضر المملوك قال الخليفة للقاضي: أذنت لك في العقد. فأوجب القاضي النكاح، ثم قبله المملوك، وبعد ذلك قال له القاضي: طلقها ولك مائة دينار. فقال: لا أفعل. ولم يزل يزيده وهو يمتنع إلى أن عرض عليه ألف دينار، ثم قال للقاضي: هل الطلاق بيدي أم بيدك أم بيد أمير المؤمنين؟ قال: بل بيدك. قال: والله لا أفعل أبدا. فاشتد غضب أمير المؤمنين، وقال: ما الحيلة يا أبا يوسف؟ قال القاضي أبو يوسف: يا أمير المؤمنين لا تجزع؛ فإن الأمر هين، ملك هذا المملوك للجارية. قال: ملكته لها. قال لها القاضي: قولي قبلت. فقالت: قبلت. فقال القاضي: حكمت بينهما بالتفريق؛ لأنه دخل في ملكها فانفسخ النكاح. فقام أمير المؤمنين على قدميه وقال: مثلك من يكون قاضيا في زماني. واستدعى أطباق الذهب فأفرغت بين يديه، وقال للقاضي: هل معك شيء تضعه فيه؟ فتذكر مخلاة البغلة فاستدعاها، فملئت له ذهبا، فأخذها وانصرف إلى بيته. فلما أصبح الصباح قال لأصحابه: لا طريق إلى الدين والدنيا أسهل وأقرب من طريق العلم؛ فإني أعطيت هذا المال العظيم في مسألتين أو ثلاث. فانظر أيها المتأدب إلى لطف هذه الواقعة؛ فإنها اشتملت على محاسن، منها: دلال الوزير على الرشيد، وعلم الخليفة، وزيادة علم القاضي، فرحم الله تعالى أرواحهم أجمعين. ### || حكاية خالد بن عبد الله مع السارق المزيف # ومما يحكى أن خالد بن عبد الله القسري كان أمير البصرة، فجاء إليه جماعة متعلقون بشاب ذي جمال باهر، وأدب ظاهر، وعقل وافر، وهو حسن الصورة طيب الرائحة، وعليه سكينة ووقار، فقدموه إلى خالد، فسألهم عن ms0815 قصته، فقالوا: هذا لص أصبناه البارحة في منزلنا. فنظر إليه خالد فأعجبه حسن هيئته ونظافته، فقال: اخلوا عنه. ثم دنا منه وسأله عن قصته فقال: إن القوم صادقون فيما قالوه، والأمر على ما ذكروا. فقال له خالد: ما حملك على ذلك وأنت في هيئة جميلة وصورة حسنة؟ قال: حملني على ذلك الطمع في الدنيا، وقضاء الله سبحانه وتعالى. فقال له خالد: ثكلتك أمك! أما كان لك في جمال وجهك وكمال عقلك وحسن أدبك، زاجر يزجرك عن السرقة؟ قال: دع عنك هذا أيها الأمير، وامض إلى ما أمر الله تعالى، فذلك بما كسبت يداي، وما الله بظلام للعبيد. فسكت خالد ساعة يفكر في أمر الفتى، ثم أدناه منه وقال له: إن اعترافك على رءوس الأشهاد قد رابني، وأنا ما أظنك سارقا، ولعل لك قصة غير السرقة فأخبرني بها. قال: أيها الأمير، لا يقع في نفسك شيء سوى ما اعترفت به عندك، وليس لي قصة أشرحها إلا أني دخلت دار هؤلاء فسرقت ما أمكنني فأدركوني، وأخذوه مني، وحملوني إليك. فأمر خالد بحبسه، وأمر مناديا ينادي بالبصرة: ألا من أحب أن ينظر إلى عقوبة فلان اللص وقطع يده، فليحضر من الغداة إلى المحل الفلاني. فلما استقر الفتى في الحبس، ووضعوا في رجليه الحديد، تنفس الصعداء وأفاض العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # هددني خالد بقطع يدي %~% إذ لم أبح عنده بقصتها ~~فقلت هيهات أن أبوح بما %~% تضمن القلب من محبتها ~~قطع يدي بالذي اعترفت به %~% أهون للقلب من فضيحتها # فسمع ذلك الموكلون به، فأتوا خالدا وأخبروه بما حصل منه؛ فلما جن الليل أمر بإحضاره عنده، فلما حضر استنطقه فرآه عاقلا أديبا فطنا ظريفا لبيبا، فأمر له بطعام فأكل، وتحدث معه ساعة، ثم قال له خالد: قد علمت أن لك قصة غير السرقة، فإذا كان الصباح وحضر الناس وحضر القاضي، وسألك عن السرقة فأنكرها، واذكر ما يدرأ عنك حد القطع، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادرءوا الحدود بالشبهات.» ثم أمر به إلى السجن. ms0816 وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 298 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خالدا بعد أن تحدث مع الشاب، أمر به إلى السجن فمكث فيه ليلته، فلما أصبح الصباح حضر الناس ينظرون قطع يد الشاب، ولم يبق أحد في البصرة من رجل ولا امرأة إلا وقد حضر ليرى عقوبة ذلك الفتى، وركب خالد ومعه وجوه أهل البصرة وغيرهم، ثم استدعى القضاء، وأمر بإحضار الفتى، فأقبل يحجل في قيوده، ولم يره أحد من الناس إلا بكى عليه، وارتفعت أصوات النساء بالنحيب؛ فأمر القاضي بتسكيت النساء، ثم قال له: إن هؤلاء القوم يزعمون أنك دخلت دارهم، وسرقت مالهم، لعلك سرقت دون النصاب. قال: بل سرقت نصابا كاملا. قال: لعلك شريك القوم في شيء منه. قال: بل هو جميعه لهم لا حق لي فيه. فغضب خالد، وقام إليه بنفسه وضربه على وجهه بالسوط، وقال متمثلا بهذا البيت: # يريد المرء أن يعطى مناه %~% ويأبى الله إلا ما يريد # ثم دعا بالجزار ليقطع يده، فحضر وأخرج السكين ومد يده ووضع عليها السكين؛ فبادرت جارية من وسط النساء عليها أطمار وسخة، فصرخت ورمت نفسها عليه، ثم أسفرت عن وجه كأنه القمر، وارتفعت في الناس ضجة عظيمة، وكاد أن يقع بسبب ذلك فتنة طائرة الشرر، ثم نادت تلك الجارية بأعلى صوتها: ناشدتك الله أيها الأمير، لا تعجل بالقطع حتى تقرأ هذه الرقعة. ثم دفعت إليه رقعة؛ ففتحها خالد وقرأها، فإذا مكتوب فيها هذه الأبيات: # أخالد هذا مستهام متيم %~% رمته لحاظي عن قسي الحمالق ~~فأصماه سهم اللحظ مني لأنه %~% حليف جوى من دائه غير فائق ~~أقر بما لم يقترفه كأنه %~% رأى ذاك خيرا من هتيكة عاشق ~~فمهلا عن الصب الكئيب فإنه %~% كريم السجايا في الورى غير سارق # فلما قرأ خالد الأبيات تنحى، وانفرد عن الناس، وأحضر المرأة، ثم سألها عن القصة؛ فأخبرته بأن هذا الفتى عاشق لها، وهي عاشقة له، وإنما أراد زيارتها فتوجه إلى دار أهلها، ورمى حجرا في الدار ليعلمها بمجيئه، فسمع ms0817 أبوها وإخوتها صوت الحجر فصعدوا إليه، فلما أحس بهم جمع قماش البيت كله وأراهم أنه سارق سترا على معشوقته، فلما رأوه على هذه الحالة أخذوه وقالوا: هذا سارق. وأتوا به إليك فاعترف بالسرقة، وأصر على ذلك حتى لا يفضحني، وقد ارتكب هذه الأمور من رمى نفسه بالسرقة لفرط مروءته وكرم نفسه. فقال خالد: إنه لخليق بأن يسعف بمراده. ثم استدعى الفتى إليه فقبله بين عينيه، وأمر بإحضار أبي الجارية، وقال له: يا شيخ، إنا كنا عزمنا على إنفاذ الحكم في هذا الفتى بالقطع، ولكن الله - عز وجل - قد حفظه من ذلك، وقد أمرت له بعشرة آلاف درهم لبذله يده حفظا لعرضك وعرض بنتك، وصيانتكما من العار، وقد أمرت لابنتك بعشرة آلاف درهم حيث أخبرتني بحقيقة الأمر، وأنا أسألك أن تأذن لي في تزويجها منه. فقال الشيخ: أيها الأمير، قد أذنت لك في ذلك. فحمد الله خالد وأثنى عليه، وخطب خطبة حسنة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 299 ### || حكاية جعفر البرمكي والفوال # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خالدا حمد الله وأثنى عليه، وخطب خطبة حسنة، وقال للفتى: قد زوجتك هذه الجارية فلانة الحاضرة بإذنها ورضائها وإذن أبيها على هذا المال، وقدره عشرة آلاف درهم. فقال الفتى: قبلت منك هذا التزويج. ثم إن خالدا أمر بحمل المال إلى دار الفتى مزفوفا في الصواني، وانصرف الناس وهم مسرورون، فما رأيت يوما أعجب من ذلك اليوم، أوله بكاء وشرور، وآخره فرح وسرور. # ومما يحكى أن جعفر البرمكي لما صلبه هارون الرشيد، أمر بصلب كل من نعاه أو رثاه، فكف الناس عن ذلك، فاتفق أن أعرابيا كان ببادية بعيدة، وفي كل سنة يأتي بقصيدة إلى جعفر البرمكي المذكور، فيعطيه ألف دينار جائزة على تلك القصيدة، فيأخذها وينصرف ويستمر ينفق منها على عياله إلى آخر العام، فجاءه ذلك الأعرابي بالقصيدة على عادته، فلما جاء وجد جعفر مصلوبا، فجاء إلى المحل الذي هو مصلوب به وأناخ راحلته وبكى بكاء شديدا، وحزن ms0818 حزنا عظيما، وأنشد القصيدة ونام، فرأى جعفر البرمكي في المنام يقول له: إنك قد أتعبت نفسك وجئتنا فوجدتنا على ما رأيت، ولكن توجه إلى البصرة واسأل عن رجل اسمه كذا وكذا من تجار البصرة وقل له: إن جعفر البرمكي يقرئك السلام ويقول لك: أعطني ألف دينار بأمارة الفولة. # فلما انتبه الأعرابي من نومه توجه إلى البصرة، فسأل عن ذلك التاجر واجتمع به وبلغه ما قاله جعفر في المنام، فبكى التاجر بكاء شديدا حتى كاد أن يفارق الدنيا، ثم إنه أكرم الأعرابي وأجلسه عنده وأحسن مثواه، ومكث عنده ثلاثة أيام مكرما، ولما أراد الانصراف أعطاه ألفا وخمسمائة دينار، وقال له: الألف هي المأمور لك بها، والخمسمائة إكرام مني إليك، ولك في كل سنة ألف دينار. وعند انصرافه قال للتاجر: بالله عليك أن تخبرني بخبر الفولة حتى أعرف أصلها. فقال له: أنا كنت في ابتداء الأمر فقير الحال أطوف بالفول الحار في شوارع بغداد وأبيعه حيلة على المعاش، فخرجت في يوم بارد ماطر وليس على بدني ما يقيني من البرد، فتارة أرتعد من شدة البرد، وتارة أقع في ماء المطر وأنا في حالة كريهة تقشعر منها الجلود، وكان جعفر في ذلك اليوم جالسا في قصر مشرف على الشارع، وعنده خواصه ومحاظيه، فوقع نظره علي فرق لحالي وأرسل إلي بعض أتباعه، فأخذني إليه وأدخلني عليه، فلما رآني قال لي: بع ما معك من الفول على طائفتي. فأخذت أكيله بمكيال كان معي، فكل من أخذ كيلة فول يملؤها ذهبا حتى فرغ جميع ما معي ولم يبق في القفة شيء، ثم جمعت الذهب الذي حصل لي على بعضه، فقال لي: هل بقي معك شيء من الفول؟ قلت: لا أدري، ثم فتشت القفة فلم أجد فيها سوى فولة واحدة، فأخذها مني جعفر وفلقها نصفين: فأخذ نصفها وأعطى النصف الثاني لإحدى محاظيه وقال: بكم تشترين نصف هذه الفولة؟ فقالت: بقدر هذا الذهب مرتين. فصرت متحيرا في أمري وقلت في نفسي: هذا محال. فبينما أنا متعجب وإذا بالمحظية ms0819 أمرت بعض جواريها فأحضرت ذهبا قدر الذهب المجتمع مرتين، فقال جعفر: وأنا أشتري النصف الذي أخذته بقدر الجميع مرتين. ثم قال لي جعفر: خذ ثمن فولك. وأمر بعض خدامه فجمع المال كله ووضعه في قفتي، فأخذته وانصرفت، ثم جئت إلى البصرة واتجرت بما معي من المال، فوسع الله علي ولله الحمد والمنة، فإذا أعطيتك في كل سنة ألف دينار من بعض إحسان جعفر، ما ضرني شيء. فانظر مكارم أخلاق جعفر، والثناء عليه حيا وميتا رحمة الله تعالى عليه. ### || حكاية أبي محمد الكسلان # ومما يحكى أن هارون الرشيد كان جالسا ذات يوم في تخت الخلافة، إذ دخل عليه غلام من الطواشية، ومعه تاج من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجوهر، وفيه من سائر اليواقيت والجواهر ما لا يفي به مال، ثم إن ذلك الرجل قبل الأرض بين يدي الخليفة وقال له: يا أمير المؤمنين، إن السيدة زبيدة ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. # فقالت لها أختها: ما أحسن حديثك، وأطيبه، وأحلاه، وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك! فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت الليلة 300 # قالت لها أختها: يا أختي أتممي لنا حديثك. قالت: حبا وكرامة إن أذن لي الملك. فقال الملك: احكي يا شهرزاد. # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الغلام قال للخليفة: إن السيدة زبيدة تقبل الأرض بين يديك، وتقول لك: أنت تعرف أنها قد عملت هذا التاج، وأنه محتاج إلى جوهرة كبيرة تكون في رأسه، وفتشت دخائرها فلم تجد فيها جوهرة كبيرة على غرضها. فقال الخليفة للحجاب والنواب: فتشوا على جوهرة كبيرة على غرض زبيدة. ففتشوا فلم يجدوا شيئا يوافقها، فأعلموا الخليفة بذلك، فضاق صدره وقال: كيف أكون خليفة وملك الأرض وأعجز عن جوهرة؟! ويلكم! فاسألوا التجار. فسألوا التجار فقالوا لهم: لا يجد مولانا الخليفة الجوهرة إلا عند رجل من البصرة يسمى أبا محمد الكسلان. فأخبروا الخليفة بذلك، فأمر وزيره جعفرا أن يرسل بطاقة ms0820 إلى الأمير محمد الزبيدي المتولي على البصرة أن يجهز أبا محمد الكسلان، ويحضر به بين يدي أمير المؤمنين، فكتب الوزير بطاقة بمضمون ذلك، وأرسلها مع مسرور. # ثم توجه مسرور بالبطاقة إلى مدينة البصرة، ودخل على الأمير محمد الزبيدي ففرح به، وأكرمه غاية الإكرام، ثم قرأ عليه بطاقة أمير المؤمنين هارون الرشيد فقال: سمعا وطاعة. ثم أرسل مسرورا مع جماعة من أتباعه إلى أبي محمد الكسلان، فتوجهوا إليه وطرقوا عليه الباب، فخرج لهم أحد الغلمان، فقال له مسرور: قل لسيدك إن أمير المؤمنين يطلبك. فدخل الغلام وأخبره بذلك، فخرج فوجده مسرورا حاجب الخليفة، ومعه أتباع الأمير محمد الزبيدي، فقبل الأرض بين يديه، وقال: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين، ولكن ادخلوا عندنا. فقالوا: ما نقدر على ذلك إلا على عجل كما أمرنا أمير المؤمنين، فإنه ينتظر قدومك. فقال: اصبروا علي يسيرا حتى أجهز أمري. ثم دخلوا معه إلى الدار بعد استعطاف زائد، فرأوا في الدهليز ستورا من الديباج الأزرق المطرز بالذهب الأحمر. ثم إن أبا محمد الكسلان أمر بعض غلمانه أن يدخلوا مع مسرور الحمام الذي في الدار ففعلوا، فرأى حيطانه ورخامه من الغرائب، وهو مزركش بالذهب والفضة، وماؤه ممزوج بماء الورد، واحتفل الغلمان بمسرور ومن معه وخدموهم أتم الخدمة، ولما خرجوا من الحمام ألبسوهم خلعا من الديباج منسوجة بالذهب، ثم دخل مسرور وأصحابه فوجدوا أبا محمد الكسلان جالسا في قصره، وقد علقت على رأسه ستور من الديباج المنسوج بالذهب المرصع بالدر والجوهر، والقصر مفروش بمساند مزركشة بالذهب الأحمر، وهو جالس على مرتبته، والمرتبة على سرير مرصع بالجواهر. # فلما دخل عليه مسرور رحب به وتلقاه وأجلسه بجانبه، ثم أمر بإحضار السماط، فلما رأى مسرور ذلك السماط قال: والله ما رأيت عند أمير المؤمنين مثل ذلك السماط أبدا. وكان في ذلك السماط أنواع الأطعمة، وكلها موضوعة في أطباق صيني مذهبة، قال مسرور: فأكلنا وشربنا، وفرحنا إلى آخر النهار، ثم أعطانا كل واحد خمسة آلاف دينار، ولما كان اليوم الثاني ألبسونا خلعا خضراء مذهبة، وأكرمونا ms0821 غاية الإكرام، ثم قال له مسرور: لا يمكننا أن نقعد زيادة على تلك المدة خوفا من الخليفة. فقال له أبو محمد الكسلان: يا مولانا، اصبر علينا إلى غد حتى نتجهز ونسير معكم. فقعدوا ذلك اليوم وباتوا إلى الصباح، ثم إن الغلمان شدوا لأبي محمد الكسلان بغلة بسرج من الذهب مرصع بأنواع الدر والجواهر، فقال مسرور في نفسه: يا ترى إذا حضر أبو محمد بين يدي الخليفة بتلك الصفة، هل يسأله عن سبب تلك الأموال؟ ثم بعد ذلك ودعوا أبا محمد الزبيدي، وطلعوا من البصرة وساروا، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى مدينة بغداد، فلما دخلوا على الخليفة ووقفوا بين يديه أمره بالجلوس فجلس، ثم تكلم بأدب وقال: يا أمير المؤمنين، إني جئت معي بهدية على وجه الخدمة، فهل أحضرها عن إذنك؟ قال الرشيد: لا بأس بذلك. فأمر بصندوق وفتحه وأخرج منه تحفا، من جملتها أشجار من الذهب، وأوراقها من الزمرد الأبيض، وثمارها ياقوت أحمر وأصفر ولؤلؤ أبيض. فتعجب الخليفة من ذلك، ثم أحضر صندوقا ثانيا وأخرج منه خيمة من الديباج مكللة باللؤلؤ والياقوت والزمرد والزبرجد وأنواع الجواهر، وقوائمها من عود هندي رطب، وأذيال تلك الخيمة مرصعة بالزمرد الأخضر، وفيها تصوير كل الصور من سائر الحيوانات والطيور والوحوش، وتلك الصور مكللة بالجواهر واليواقيت والزمرد والزبرجد والبلخش وسائر المعادن. # فلما رأى الرشيد ذلك فرح فرحا شديدا، ثم قال أبو محمد الكسلان: يا أمير المؤمنين، لا تظن أني حملت لك هذا فزعا من شيء، ولا طمعا في شيء، وإنما رأيت نفسي رجلا عاميا، ورأيت هذا لا يصلح إلا لأمير المؤمنين، وإن أذنت لي فرجتك على بعض ما أقدر عليه. فقال الرشيد: افعل ما شئت حتى ننظر. فقال: سمعا وطاعة. ثم حرك شفتيه وأومأ إلى شراريف القصر فمالت إليه، ثم أشار إليها فرجعت إلى موضعها، ثم أشار بعينه فظهرت إليه مقاصير مقفلة الأبواب، ثم تكلم عليها وإذا بأصوات طيور تجاوبه؛ فتعجب الرشيد من ذلك غاية العجب وقال له: من أين لك هذا كله، وأنت ms0822 ما تعرف إلا بأبي محمد الكسلان، وأخبروني أن أباك كان حجاما يخدم في حمام، وما خلف لك شيئا. فقال: يا أمير المؤمنين اسمع حديثي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 301 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا محمد الكسلان قال للخليفة: يا أمير المؤمنين اسمع حديثي؛ فإنه عجيب وأمره غريب، لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر. فقال الرشيد: حدث بما عندك، وأخبرني به يا أبا محمد. فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أدام الله لك العز والتمكن، من أخبار الناس بأني أعرف بالكسلان، وأن أبي لم يخلف لي مالا صدق؛ لأن أبي لم يكن إلا كما ذكرت، فإنه كان حجاما في حمام، وكنت أنا في صغري أكسل من يوجد على وجه الأرض، وبلغ من كسلي أني إذا كنت نائما في أيام الحر وطلعت علي الشمس، أكسل عن أن أقوم وأنتقل من الشمس إلى الظل، وأقمت على ذلك خمسة عشر عاما، ثم إن أبي توفي إلى رحمة الله تعالى، ولم يخلف لي شيئا، وكانت أمي تخدم الناس وتطعمني وتسقيني وأنا راقد على جنبي. فاتفق أن أمي دخلت علي في بعض الأيام ومعها خمسة دراهم من الفضة، وقالت لي: يا ولدي، بلغني أن الشيخ أبا المظفر عزم على أن يسافر إلى الصين. وكان ذلك الشيخ يحب الفقراء، وهو من أهل الخير، فقالت أمي: يا ولدي، خذ هذه الخمسة دراهم وامض بنا إليه، ونسأله أن يشتري لك بها شيئا من بلاد الصين، لعله يحصل لك فيه ربح من فضل الله تعالى. فكسلت عن القيام معها، فأقسمت بالله إن لم أقم معها إنها لا تطعمني ولا تسقيني ولا تدخل علي، بل تتركني أموت جوعا وعطشا. # فلما سمعت كلامها يا أمير المؤمنين علمت أنها تفعل ذلك لما تعلم من كسلي، فقلت لها: أقعديني. فأقعدتني وأنا باكي العين، وقلت: ائتيني بمداسي. فأتتني به، فقلت: ضعيه في رجلي. فوضعته فيهما، فقلت لها: احمليني حتى ترفعيني عن الأرض. ففعلت ذلك، ms0823 فقلت: اسنديني حتى أمشي. فصارت تسندني، وما زلت أمشي وأتعثر في أذيالي إلى أن وصلنا إلى ساحل البحر، فسلمنا على الشيخ، وقلت له: يا عم أنت أبو المظفر؟ قال: لبيك. قلت: خذ هذه الدراهم، واشتر بها لي شيئا من بلاد الصين، عسى الله أن يربحني فيه. فقال الشيخ أبو المظفر لأصحابه: أتعرفون هذا الشاب؟ قالوا: نعم، هذا يعرف بأبي محمد الكسلان، وما رأيناه قط خرج من داره إلا في هذا الوقت. فقال الشيخ أبو المظفر: يا ولدي، هات الدراهم على بركة الله تعالى. ثم أخذ مني الدراهم وقال: باسم الله. ثم رجعت مع أمي إلى البيت، وتوجه الشيخ أبو المظفر إلى السفر، ومعه جماعة من التجار، ولم يزالوا مسافرين حتى وصلوا إلى بلاد الصين، ثم إن الشيخ باع واشترى، وبعد ذلك توجه إلى الرجوع هو ومن معه بعد قضاء أغراضهم، وساروا في البحر ثلاثة أيام، فقال الشيخ لأصحابه: قفوا بالمركب. فقال التجار: ما حاجتك؟ فقال: اعلموا أن الرسالة التي معي لأبي محمد الكسلان نسيتها، فارجعوا بنا حتى نشتري له بها شيئا ينتفع به. فقالوا له: سألناك بالله تعالى ألا تردنا؛ فإننا قطعنا مسافة طويلة زائدة، وحصل لنا في ذلك أهوال عظيمة ومشقة زائدة. فقال: لا بد لنا من الرجوع. فقالوا: خذ منا أضعاف ربح الخمسة دراهم ولا تردنا. فسمع منهم، وجمعوا له مالا جزيلا، ثم ساروا حتى أشرفوا على جزيرة فيها خلق كثير فأرسوا عليها، وطلع التجار يشترون منها متجرا من معادن وجواهر ولؤلؤ وغير ذلك. # ثم رأى أبو المظفر رجلا جالسا وبين يديه قرود كثيرة، وبينهم قرد منتوف الشعر، وكانت تلك القرود كلما غفل صاحبهم يمسكون ذلك القرد المنتوف ويضربونه ويرمونه على صاحبهم، فيقوم ويضربهم ويقيدهم ويعذبهم على ذلك، فتغتاظ القرود كلها من ذلك القرد ويضربونه، ثم إن الشيخ أبا المظفر لما رأى ذلك القرد حزن عليه ورفق به، فقال لصاحبه: أتبيعني هذا القرد؟ قال: اشتر. قال: إن معي لصبي يتيم خمسة دراهم، هل تبيعني إياه بها؟ قال له: ms0824 بعتك، بارك الله لك فيه. ثم تسلمه وأقبضه الدراهم، وأخذ القرد عبيد الشيخ وربطوه في المركب، ثم حلوا وسافروا إلى جزيرة أخرى فأرسوا عليها، فنزل الغطاسون الذين يغطسون على المعادن واللؤلؤ والجوهر وغير ذلك، فأعطاهم التجار دراهم أجرة على الغطاس فغطسوا، فرآهم القرد يفعلون ذلك فحل نفسه من رباطه ونط من المركب وغطس معهم، فقال أبو المظفر: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قد عدم القرد منا بخت هذا المسكين الذي أخذناه له. ويئسوا من القرد، ثم طلع جماعة من الغطاسين، وإذا بالقرد طلع معهم، وفي يديه نفائس الجواهر، فرماها بين يدي أبي المظفر، فتعجب من ذلك وقال: إن هذا القرد فيه سر عظيم. ثم حلوا وسافروا إلى أن وصلوا جزيرة تسمى جزيرة الزنوج، وهم قوم من السودان يأكلون لحم بني آدم، ورآهم السودان فركبوا عليهم في القوارب وأتوا إليهم، وأخذوا كل من في المركب، وكتفوهم وأتوا بهم إلى الملك، فأمرهم بذبح جماعة من التجار، فذبحوهم وأكلوا لحومهم، ثم إن بقية التجار باتوا محبوسين وهم في نكد عظيم، فلما كان وقت الليل قام القرد إلى أبي المظفر وحل قيده، فلما رأى التجار أبا المظفر قد انحل قالوا: عسى الله أن يكون خلاصنا على يديك يا أبا المظفر. فقال لهم: اعلموا أنه ما خلصني بإرادة الله تعالى إلا هذا القرد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 302 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا المظفر قال: ما خلصني بإرادة الله تعالى إلا هذا القرد، وقد خرجت له عن ألف دينار. فقال التجار: نحن كذلك، كل واحد منا خرج له عن ألف دينار إن خلصنا. فقام القرد إليهم وصار يحل واحدا بعد واحد حتى حل الجميع من قيودهم، وذهبوا إلى المركب وطلعوا عليها، فوجدوها سالمة ولم ينقص منها شيء، ثم حلوا وسافروا، فقال أبو المظفر: يا تجار، أوفوا بالذي قلتم عليه للقرد. فقالوا: سمعا وطاعة. ودفع له كل واحد منهم ألف دينار، وأخرج أبو المظفر من ms0825 ماله ألف دينار؛ فاجتمع للقرد من المال شيء عظيم، ثم سافروا حتى وصلوا إلى مدينة البصرة فتلقاهم أصحابهم حين طلعوا من المركب، فقال أبو المظفر: أين أبو محمد الكسلان؟ فبلغ الخبر إلى أمي، فبينما أنا نائم إذ أقبلت علي أمي وقالت: يا ولدي، إن الشيخ أبا المظفر قد أتى ووصل إلى المدينة، فقم وتوجه إليه وسلم عليه، واسأله عن الذي جاء به لك، فلعل الله تعالى يكون قد فتح عليك بشيء. فقلت لها: احمليني عن الأرض، واسنديني حتى أخرج وأمشي إلى ساحل البحر. ثم مشيت وأنا أتعثر في أذيالي حتى وصلت إلى الشيخ أبي المظفر، فلما رآني قال لي: أهلا بمن كانت دراهمه سببا لخلاصي وخلاص هؤلاء التجار بإرادة الله تعالى. ثم قال لي: خذ هذا القرد فإني اشتريته لك، وامض به إلى بيتك حتى أجيء إليك. فأخذت القرد بين يدي ومضيت، وقلت في نفسي: والله ما هذا إلا متجر عظيم. ثم دخلت بيتي وقلت لأمي: كلما أنام تأمريني بالقيام لأتجر، فانظري بعينك هذا المتجر. ثم جلست. # فبينما أنا جالس، وإذا بعبيد أبي المظفر قد أقبلوا علي وقالوا لي: هل أنت أبو محمد الكسلان؟ فقلت لهم: نعم. وإذا بأبي المظفر أقبل خلفهم، فقمت إليه وقبلت يديه، فقال لي: سر معي إلى داري. فقلت: سمعا وطاعة. وسرت معه إلى أن دخلت الدار، فأمر عبيده أن يحضروا بالمال، فحضروا به، فقال: يا ولدي، لقد فتح الله عليك بهذا المال من ربح الخمسة دراهم. ثم حملوه في صناديق على رءوسهم، وأعطاني مفاتيح تلك الصناديق، وقال لي: امض قدام العبيد إلى دارك فإن هذا المال كله لك. فمضيت إلى أمي ففرحت بذلك، وقالت: يا ولدي، لقد فتح الله عليك بهذا المال الكثير، فدع عنك هذا الكسل، وانزل السوق، وبع واشتر. فتركت الكسل وفتحت دكانا في السوق، وصار القرد يجلس معي على مرتبتي، فإذا أكلت يأكل معي، وإذا شربت يشرب معي، وصار كل يوم من بكرة النهار يغيب إلى وقت الظهر، ثم يأتي ومعه كيس ms0826 فيه ألف دينار فيضعه في جانبي ويجلس، ولم يزل على هذه الحالة مدة من الزمان حتى اجتمع عندي مال كثير؛ فاشتريت يا أمير المؤمنين الأملاك والربوع، وغرست البساتين، واشتريت المماليك والعبيد والجواري. فاتفق في بعض الأيام أنني كنت جالسا والقرد جالس معي على المرتبة، وإذا به التفت يمينا وشمالا، فقلت في نفسي: أي شيء خبر هذا؟ فأنطق الله القرد بلسان فصيح، وقال: يا أبا محمد. فلما سمعت كلامه فزعت فزعا شديدا، فقال لي: لا تفزع، أنا أخبرك بحالي، إني مارد من الجن، ولكن جئتك بسبب ضعف حالك، وأنت اليوم لا تدري قدر مالك، وقد وقعت لي عندك حاجة، وهي خير لك. فقلت: ما هي؟ قال: أريد أن أزوجك بصبية مثل البدر. فقلت له: وكيف ذلك؟ فقال لي: في غد البس قماشك الفاخر، واركب بغلتك بالسرج الذهب، وامض إلى سوق العلافين، واسأل عن دكان الشريف، واجلس عنده وقل له: إني جئتك خاطبا راغبا في ابنتك. فإن قال لك: أنت ليس لك مال ولا حسب ولا نسب. فادفع له ألف دينار، فإن قال لك: زدني. فزده ورغبه في المال. فقلت: سمعا وطاعة، في غد أفعل ذلك إن شاء الله تعالى. قال أبو محمد: فلما أصبحت لبست أفخر قماشي، وركبت البغلة بالسرج الذهب، ثم مضيت إلى سوق العلافين وسألت عن دكان الشريف، فوجدته جالسا في دكانه، فنزلت وسلمت عليه وجلست عنده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 303 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا محمد الكسلان قال: فنزلت وسلمت عليه وجلست عنده، وكان معي عشرة من العبيد والمماليك، فقال الشريف: لعل لك عندنا حاجة نفوز بقضائها. فقلت: نعم، لي عندك حاجة. قال: وما حاجتك؟ فقلت: جئتك خاطبا راغبا في ابنتك. فقال لي: أنت ليس لك مال ولا حسب ولا نسب. فأخرجت له كيسا فيه ألف دينار ذهبا أحمر، وقلت له: هذا حسبي ونسبي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «نعم الحسب المال.» وما أحسن قول من قال: # من ms0827 كان يملك درهمين تعلمت %~% شفتاه أنواع الكلام فقالا ~~وتقدم الإخوان فاستمعوا له %~% ورأيته بين الورى مختالا ~~لولا دراهمه التي يزهو بها %~% لوجدته في الناس أسوأ حالا ~~إن الغني إذا تكلم بالخطا %~% قالوا صدقت وما نطقت محالا ~~أما الفقير إذا تكلم صادقا %~% قالوا كذبت وأبطلوا ما قالا ~~إن الدراهم في المواطن كلها %~% تكسو الرجال مهابة وجمالا ~~فهي اللسان لمن أراد فصاحة %~% وهي السلاح لمن أراد قتالا # فلما سمع الشريف مني هذا الكلام، وفهم الشعر والنظام، أطرق برأسه إلى الأرض ساعة، ثم رفع رأسه وقال لي: إن كان ولا بد فإني أريد منك ثلاثة آلاف دينار أخرى. فقلت: سمعا وطاعة. ثم أرسلت بعض المماليك إلى منزلي، فجاء لي بالمال الذي طلبه، فلما رأى ذلك وصل إليه، قام من الدكان وقال لغلمانه: اقفلوها. ثم دعا أصحابه من السوق إلى داره، وكتب كتابي على بنته، وقال لي: بعد عشرة أيام أدخلك عليها. ثم مضيت إلى منزلي وأنا فرحان، فخلوت مع القرد وأخبرته بما جرى لي، فقال: نعم ما فعلت. فلما قرب ميعاد الشريف، قال لي القرد: إن لي عندك حاجة إن قضيتها لي فلك عندي ما شئت. قلت: وما حاجتك؟ قال لي: إن في صدر القاعة التي تدخل فيها على بنت الشريف خزانة، وعلى بابها حلقة من نحاس، والمفاتيح تحت الحلقة، فخذها وافتح الباب تجد صندوقا من حديد على أركانه أربع رايات من الطلسم، وفي وسط ذلك طشت ملآن من المال، وفي جانبه إحدى عشرة حية، وفي الطشت ديك أفرق أبيض مربوط، وهناك سكين بجنب الصندوق، فخذ السكين واذبح بها الديك، واقطع الرايات وكب الصندوق، وبعد ذلك اخرج للعروسة وأزل بكارتها، فهذه حاجتي عندك. فقلت له: سمعا وطاعة. ثم مضيت إلى دار الشريف فدخلت القاعة، ونظرت إلى الخزانة التي وصفها لي القرد، فلما خلوت بالعروسة تعجبت من حسنها وجمالها، وقدها واعتدالها؛ لأنها لا تستطيع الألسن أن تصف حسنها وجمالها، ثم فرحت بها فرحا شديدا. # فلما كان نصف الليل ونامت العروسة، قمت أخذت المفاتيح وفتحت ms0828 الخزانة، وأخذت السكين وذبحت الديك، ورميت الرايات وقلبت الصندوق، فاستيقظت الصبية فرأت الخزانة قد فتحت، والديك قد ذبح، فقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قد أخذني المارد. فما استتمت كلامها إلا وقد أحاط المارد بالدار وخطف العروسة، فعند ذلك وقعت الضجة، وإذا بالشريف قد أقبل وهو يلطم على وجهه، وقال: يا أبا محمد، ما هذا الفعل الذي فعلته معنا؟ هل هذا جزاؤنا منك؟ وأنا قد عملت هذا الطلسم في هذه الخزنة خوفا على بنتي من هذا الملعون، فإنه كان يقصد أخذ هذه الصبية من منذ ست سنين، ولا يقدر على ذلك، ولكن ما بقي لك عندنا مقام، فامض إلى حال سبيلك. فخرجت من دار الشريف وجئت إلى داري، وفتشت على القرد فلم أجده، ولم أر له أثرا؛ فعلمت أنه هو المارد الذي أخذ زوجتي، وتحيل علي حتى فعلت ذلك بالطلسم والديك اللذين كانا يمنعانه من أخذها، فندمت وقطعت أثوابي، ولطمت على وجهي، ولم تسعني الأرض؛ فخرجت من ساعتي وقصدت البرية، ولم أزل سائرا إلى أن أمسى علي المساء ولا أعلم أين أروح. فبينما أنا مشغول الفكر، إذ أقبل علي حيتان؛ واحدة سمراء والأخرى بيضاء، وهما يتقاتلان، فأخذت حجرا من الأرض، وضربت به الحية السمراء فقتلتها؛ فإنها كانت باغية على البيضاء، ثم ذهبت الحية البيضاء فغابت ساعة، وعادت ومعها عشر حيات بيض، فجاءوا إلى الحية التي ماتت وقطعوها قطعا حتى لم يبق إلا رأسها، ثم مضوا إلى حال سبيلهم، واضطجعت في مكاني من التعب. فبينما أنا مضطجع متفكر في أمري، وإذا أنا بهاتف أسمع صوته، ولم أر شخصه وهو يقول هذين البيتين: # دع المقادير تجري في أعنتها %~% ولا تبيتن إلا خالي البال ~~ما بين طرفة عين وانتباهتها %~% يغير الله من حال إلى حال # فلما سمعت ذلك لحقني - يا أمير المؤمنين - أمر شديد، وفكر ما عليه من مزيد، وإذا بصوت من خلفي أسمعه ينشد هذين البيتين: # يا مسلما أمامه القرآن %~% أبشر به قد جاءك الأمان ~~ولا تخف ما سول ms0829 الشيطان %~% فنحن قوم ديننا الإيمان # فقلت له: بحق معبودك أن تعرفني من أنت؟ فانقلب ذلك الهاتف في صورة إنسان وقال لي: لا تخف، فإن جميلك قد وصل إلينا، ونحن قوم من جن المؤمنين، فإن كان لك حاجة فأخبرنا بها حتى نفوز بقضائها. فقلت له: إن لي حاجة عظيمة؛ لأني أصبت بمصيبة جسيمة، ومن الذي حصل له مثل مصيبتي؟ فقال لي: لعلك أبو محمد الكسلان. فقلت: نعم. فقال: يا أبا محمد، أنا أخو الحية البيضاء التي قتلت أنت عدوها، ونحن أربع إخوة من أب وأم، وكلنا شاكرون لفضلك، واعلم أن الذي كان على صورة القرد وفعل معك المكيدة مارد من مردة الجن، ولولا أنه تحيل بهذه الحيلة ما كان يقدر على أخذها أبدا؛ لأن له مدة طويلة وهو يريد أخذها فيمنعه من ذلك هذا الطلسم، ولو بقي ذلك الطلسم ما كان يمكنه الوصول إليها، ولكن لا تجزع من هذا الأمر، فنحن نوصلك إليها، ونقتل المارد؛ فإن جميلك لا يضيع عندنا. ثم إنه صاح صيحة عظيمة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 304 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العفريت قال: فإن جميلك لا يضيع عندنا. ثم إنه صاح صيحة عظيمة بصوت هائل، وإذا بجماعة قد أقبلوا عليه، فسألهم عن القرد، فقال واحد منهم: أنا أعرف مستقره. قال: أين مستقره؟ قال: في مدينة النحاس التي لا تطلع عليها الشمس. فقال: يا أبا محمد، خذ عبدا من عبيدنا وهو يحملك على ظهره ويعلمك كيف تأخذ الصبية، واعلم أن ذلك العبد مارد من المردة، فإذا حملك لا تذكر اسم الله وهو حاملك؛ فإنه يهرب منك فتقع وتهلك. فقلت: سمعا وطاعة. وأخذت عبدا من عبيدهم فانحنى وقال: اركب. فركبت، ثم طار بي في الجو حتى غاب عن الدنيا، ورأيت النجوم كالجبال الرواسي، وسمعت تسبيح الملائكة في السماء؛ كل هذا والمارد يحدثني ويفرجني ويلهيني عن ذكر الله تعالى. # فبينما أنا كذلك، وإذا بشخص عليه لباس أخضر، وله ذوائب شعر ووجه منير، وفي ms0830 يده حربة يطير منها الشرر قد أقبل علي وقال لي: يا أبا محمد، قل لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإلا ضربتك بهذه الحربة. وكانت مهجتي قد تقطعت من سكوتي عن ذكر الله تعالى، فقلت: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم إن ذلك الشخص ضرب المارد بالحربة فذاب وصار رمادا، وسقطت من فوق ظهره، فصرت أهوي إلى الأرض حتى وقعت في بحر عجاج متلاطم بالأمواج، وإذا بسفينة فيها خمسة أشخاص بحرية، فلما رأوني أتوا إلي وحملوني إلى السفينة، وجعلوا يكلمونني بكلام لا أعرفه، فأشرت لهم أني لا أعرف كلامهم، فساروا إلى آخر النهار، ثم رموا شبكة واصطادوا حوتا، وشووه وأطعموني، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا بي إلى مدينتهم، فدخلوا بي إلى ملكهم وأوقفوني بين يديه، فقبلت الأرض فخلع علي، وكان ذلك الملك يعرف العربية، فقال: قد جعلتك من أعواني. فقلت له: ما اسم هذه المدينة؟ قال: اسمها هناد، وهي من بلاد الصين. ثم إن الملك سلمني إلى وزير المدينة، وأمره أن يفرجني في المدينة، وكان أهل تلك المدينة في الزمن الأول كفارا، فمسخهم الله تعالى حجارة، فتفرجت فيها ولم أر أكثر من أشجارها وأثمارها. فأقمت فيها مدة شهر ثم أتيت إلى نهر، وجلست على شاطئه، فبينما أنا جالس وإذا بفارس قد أتى وقال: هل أنت أبو محمد الكسلان؟ فقلت له: نعم. قال: لا تخف فإن جميلك وصل إلينا. فقلت له: من أنت؟ قال: أنا أخو الحية، وأنت قريب من مكان الصبية التي تريد الوصول إليها. ثم خلع أثوابه وألبسني إياها، وقال لي: لا تخف؛ فإن العبد الذي هلك من تحتك بعض عبيدنا. ثم إن ذلك الفارس أردفني خلفه، وسار بي إلى برية، وقال: انزل من خلفي، وسر بين هذين الجبلين حتى ترى مدينة النحاس، فقف بعيدا عنها ولا تدخلها حتى أعود إليك وأقول لك كيف تصنع. فقلت له: سمعا وطاعة. ونزلت من خلفه ومشيت حتى وصلت إلى المدينة، فرأيت سورها من نحاس، فجعلت أدور حولها لعلي أجد ms0831 لها بابا فما وجدت لها. # فبينما أنا أدور حولها، وإذا بأخي الحية قد أقبل علي، وأعطاني سيفا مطلسما حتى لا يراني أحد، ثم إنه مضى إلى حال سبيله، فلم يغب عني إلا قليلا، وإذا بصياح قد علا، ورأيت خلقا كثيرا وأعينهم في صدورهم، فلما رأوني قالوا: من أنت؟ وما الذي رماك في هذا المكان؟ فأخبرتهم بالواقعة فقالوا: إن الصبية التي ذكرتها مع المارد في هذه المدينة، وما ندري ما فعل بها، ونحن إخوة الحية. ثم قالوا: امض إلى تلك العين وانظر من أين يدخل الماء وادخل معه؛ فإنه يوصلك إلى المدينة. ففعلت ذلك ودخلت مع الماء في سرداب تحت الأرض، ثم طلعت منه فرأيت نفسي في وسط المدينة، ووجدت الصبية جالسة على سرير من ذهب، وعليها ستارة من ديباج، وحول الستارة بستان فيه أشجار من الذهب، وأثمارها من نفيس الجواهر كالياقوت والزبرجد واللؤلؤ والمرجان، فلما رأتني تلك الصبية عرفتني، وابتدأتني بالسلام، وقالت لي: يا سيدي، من أوصلك إلى هذا المكان؟ فأخبرتها بما جرى، فقالت: اعلم أن هذا الملعون من كثرة محبته لي أعلمني بالذي يضره والذي ينفعه، وأعلمني أن في هذه المدينة طلسما إن شاء هلاك جميع من في المدينة أهلكهم به، ومهما أمر العفاريت فإنهم يمتثلون أمره، وذلك الطلسم في عمود. فقلت لها: وأين العمود؟ فقالت: في المكان الفلاني. فقلت: وأي شيء يكون ذلك الطلسم؟ قالت: هو صورة عقاب، وعليه كتابة لا أعرفها، فخذه بين يديك، وخذ مجمرة نار وارم فيه شيئا من المسك، فيطلع دخان يجذب العفاريت، فإذا فعلت ذلك فإنهم يحضرون بين يديك كلهم، ولا يغيب منهم أحد، ويمتثلون أمرك، ومهما أمرتهم به فإنهم يفعلونه، فقم وافعل ذلك على بركة الله تعالى. فقلت لها: سمعا وطاعة. ثم قمت وذهبت إلى ذلك العمود، وفعلت جميع ما أمرتني به؛ فجاءت العفاريت وحضرت بين يدي، وقالوا: لبيك يا سيدي، فمهما أمرتنا به فعلناه. فقلت لهم: قيدوا المارد الذي جاء بهذه الصبية من مكانها. فقالوا: سمعا وطاعة. ثم ذهبوا إلى ذلك ms0832 المارد وقيدوه وشدوا وثاقه ورجعوا إلي وقالوا: قد فعلنا ما أمرتنا به. فأمرتهم بالرجوع، ثم رجعت إلى الصبية وأخبرتها بما حصل، ثم قلت: يا زوجتي، هل تروحين معي؟ فقالت: نعم. ثم إني طلعت بها من السرداب الذي دخلت منه، وسرنا حتى وصلنا إلى القوم الذي كانوا دلوني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 305 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه قال: وسرنا حتى وصلنا إلى القوم الذين كانوا دلوني عليها، ثم قلت: دلوني على طريق توصلني إلى بلادي. فدلوني ومشوا معي إلى ساحل البحر، وأنزلوني في مركب، وطاب لنا الريح وسار بنا ذلك المركب حتى وصلنا إلى مدينة البصرة، فلما دخلت الصبية دار أبيها رآها أهلها ففرحوا بها فرحا شديدا. ثم إني بخرت العقاب بالمسك، وإذا بالعفاريت قد أقبلوا علي من كل مكان، وقالوا: لبيك، فما تريد أن نفعل؟ فأمرتهم أن ينقلوا كل ما في مدينة النحاس من المال والمعادن والجواهر إلى داري التي في البصرة، ففعلوا ذلك، ثم أمرتهم أن يأتوا بالقرد، فأتوا به ذليلا حقيرا، فقلت له: يا ملعون، لأي شيء غدرت بي؟ ثم أمرتهم أن يدخلوه في قمقم من نحاس، فأدخلوه في قمقم ضيق من نحاس، وسدوا عليه بالرصاص، وأقمت أنا وزوجتي في هناء وسرور، وعندي الآن يا أمير المؤمنين من نفائس الذخائر وغرائب الجواهر وكثير الأموال، ما لا يحيط به عد ولا يحصره حد، وإذا طلبت شيئا من المال أو غيره أمرت الجن أن يأتوا لك به في الحال، وكل ذلك من فضل الله تعالى. فتعجب أمير المؤمنين من ذلك غاية العجب، ثم أعطاه من مواهب الخلافة عوضا عن هديته، وأنعم عليه إنعاما بما يليق به. ### || حكاية يحيى بن خالد # ومما يحكى أن هارون الرشيد استدعى رجلا من أعوانه يقال له صالح، قبل الوقت الذي تغير فيه على البرامكة، فلما حضر بين يديه قال له: يا صالح، سر إلى منصور وقل له: إن لنا عندك ألف ألف درهم، والرأي قد اقتضى أنك ms0833 تحمل لنا هذا المبلغ في هذه الساعة، وقد أمرتك يا صالح أنه إن لم يحصل لك ذلك المبلغ من هذه الساعة إلى قبل المغرب، أن تزيل رأسه عن جسده وتأتيني به. فقال صالح: سمعا وطاعة. ثم سار إلى منصور وأخبره بما ذكره أمير المؤمنين، فقال منصور: قد هلكت والله، فإن جميع متعلقاتي وما تملكه يدي إذا بيعت بأغلى قيمة لا يزيد ثمنها على مائة ألف، فمن أين أقدر يا صالح على التسعمائة ألف درهم الباقية؟ فقال له صالح: دبر لك حيلة تتخلص بها عاجلا وإلا هلكت، فإني لا أقدر أن أتمهل عليك لحظة بعد المدة التي عينها لي الخليفة، ولا أقدر أن أخل بشيء مما أمرني به أمير المؤمنين، فأسرع بحيلة تخلص بها نفسك قبل أن تنصرم الأوقات. فقال منصور: يا صالح، أسألك من فضلك أن تحملني إلى بيتي لأودع أولادي وأهلي وأوصي أقاربي. قال صالح: فمضيت معه إلى بيته، فجعل يودع أهله وارتفع الضجيج في منزله وعلا البكاء والصياح والاستغاثة بالله تعالى، فقال صالح: قد خطر ببالي أن الله يجعل لك الفرج على يد البرامكة، فأذهب بنا إلى دار يحيى بن خالد. # فلما ذهبا إلى يحيى بن خالد أخبره بحاله، فاغتم لذلك وأطرق إلى الأرض ساعة، ثم رفع رأسه واستدعى خازن داره وقال له: كم في خزنتنا من الدراهم؟ فقال له: مقدار خمسة آلاف درهم. فأمر بإحضارها، ثم أرسل رسولا إلى ولده الفضل برسالة مضمونها: «إنه قد عرض علي للبيع جليلة لا تخرب أبدا، فأرسل لنا شيئا من الدراهم.» فأرسل إليه ألف درهم، ثم أرسل إنسانا آخر إلى ولده جعفر برسالة مضمونها: «إنه حصل لنا شغل مهم ونحتاج فيه إلى شيء من الدراهم.» فأنفذ له جعفر في الحال ألف ألف درهم، ولم يزل يحيى يرسل إلى البرامكة حتى جمع منهم لمنصور مالا كثيرا، وصالح ومنصور لا يعلمان هذا، فقال منصور ليحيى: يا مولاي، قد تمسكت بذلك وما أعرف هذا المال إلا منك كما هو عادة كرمك، فتمم لي بقية ms0834 ديني واجعلني عتيقك. فأطرق يحيى وبكى وقال: يا غلام، إن أمير المؤمنين قد كان وهب لجاريتنا «دنانير» جوهرة عظيمة القيمة، فاذهب إليها وقل لها ترسل لنا هذه الجوهرة. فمضى الغلام وأتى بها إليه فقال: يا صالح، أنا ابتعت هذه الجوهرة لأمير المؤمنين من التجار بمائتي ألف دينار، ووهبها أمير المؤمنين لجاريتنا دنانير العوادة، وإذا رآها معك عرفها وأكرمك وحقن دمك من أجلنا إكراما لنا، وقد تم الآن مالك يا منصور. قال صالح: فحملت المال والجوهرة إلى الرشيد ومنصور معي، فبينما نحن في الطريق إذ سمعته يتمثل بهذا البيت: # وما حبا سعت قدمي إليهم %~% ولكن خفت من ضرب النبال # فعجبت من سوء طبعه ورداءته وفساده وخبث أصله وميلاده، ورددت عليه وقلت له: ما على وجه الأرض خير من البرامكة، ولا أخبث ولا أشر منك، فإنهم اشتروك من الموت، وأنقذوك من الهلاك، ومنوا عليك بالفكاك، ولم تشكرهم ولم تحمدهم ولم تفعل فعل الأحرار، بل قابلت إحسانهم بهذا المقال. ثم مضيت إلى الرشيد وقصصت عليه القصة وأخبرته بجميع ما جرى. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 306 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن صالحا قال: فقصصت القصة على أمير المؤمنين وأخبرته بجميع ما جرى، فتعجب الرشيد من كرم يحيى وسخائه ومروءته وخساسة منصور ورداءته، وأمر أن ترد الجوهرة إلى يحيى بن خالد وقال: كل شيء قد وهبناه لا يجوز أن نعود فيه. وعاد صالح إلى يحيى بن خالد وذكر له قصة منصور وسوء فعله، فقال يحيى: يا صالح، إذا كان الإنسان مثلا ضيق الصدر مشغول الفكر، فمهما صدر منه لا يؤاخذ به؛ لأنه ليس ناشئا عن قلبه. وصار يتطلب العذر لمنصور، فبكى صالح وقال: لا يجري الفلك الدائر بإبراز رجل إلى الوجود مثلك، فوا أسفا! كيف يتوارى من له خلق مثل خلقك، وكرم مثل كرمك تحت التراب! وأنشد هذين البيتين: # بادر إلى أي معروف هممت به %~% فليس في كل وقت يمكن الكرم ~~كم مانع نفسه إمضاء مكرمة %~% عند التمكن ms0835 حتى عاقه العدم ### || حكاية المزور # ومما يحكى أنه كان بين يحيى بن خالد وبين عبد الله بن مالك الخزاعي عداوة في السر ما كانا يظهرانها، وسبب العداوة بينهما أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان يحب عبد الله بن مالك محبة عظيمة، بحيث إن يحيى بن خالد وأولاده كانوا يقولون: إن عبد الله يسحر أمير المؤمنين. حتى مضى على ذلك زمان طويل والحقد في قلوبهما، فاتفق أن الرشيد قلد ولاية أرمينية لعبد الله بن مالك الخزاعي وسيره إليها، فلما استقر في تختها قصده رجل من أهل العراق كان فيه فضل أدب وذكاء وفطنة، إلا أنه ضاق ما بيده وفني ما له واضمحل حاله، فزور كتابا على لسان يحيى بن خالد إلى عبد الله بن مالك وسافر إليه في أرمينية، فلما وصل إلى بابه سلم الكتاب إلى بعض حجابه، فأخذ الحاجب الكتاب وسلمه إلى عبد الله بن مالك بن الخزاعي، ففتحه وقرأه وتدبره، فعلم أنه مزور، فأمر بإحضار الرجل، فلما تمثل بين يديه دعا له وأثنى عليه وعلى أهل مجلسه، فقال له عبد الله بن مالك: ما حملك على بعد المشقة ومجيئك إلي بكتاب مزور؟ ولكن طب نفسا فإننا لا نخيب سعيك. فقال الرجل: أطال الله بقاء مولانا الوزير، إن كان ثقل عليك وصولي فلا تحتج في منعي بحجة، فإن أرض الله واسعة، والرازق حي، والكتاب الذي أوصلته إليك من يحيى بن خالد صحيح غير مزور. فقال عبد الله: أنا أكتب كتابا لوكيلي ببغداد وآمره فيه أن يسأل عن حال هذا الكتاب الذي أتيتني به، فإن كان ذلك حقا صحيحا غير مزور، قلدتك إمارة بعض بلادي أو أعطيتك مائتي ألف درهم مع الخيل والنجب الجليلة والتشريف إن أردت العطاء، وإن كان الكتاب مزورا أمرت أن تضرب مائتي خشبة وأن تحلق لحيتك. ثم أمر به عبد الله أن يحمل إلى حجرة، وأن يجعل له فيها ما يحتاج إليه حتى يتحقق أمره، ثم كتب كتابا إلى وكيله ببغداد مضمونه: «إنه قد وصل إلي رجل ms0836 ومعه كتاب يزعم أنه من يحيى بن خالد، وأنا أسيء الظن بهذا الكتاب، فيجب ألا تهمل هذا الأمر، بل تمضي بنفسك وتحقق أمر هذا الكتاب، وتسرع إلي برد الجواب لأجل أن نعلم صدقه من كذبه.» فلما وصل إليه الكتاب ببغداد ركب ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 307 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن وكيل عبد الله بن مالك الخزاعي لما وصل إليه الكتاب ببغداد، ركب من ساعته ومضى إلى دار يحيى بن خالد فوجده جالسا مع ندمائه وخواصه، فسلم عليه وسلم إليه الكتاب، فقرأه يحيى بن خالد ثم قال للوكيل: عد إلي من الغد حتى أكتب لك الجواب. ثم التفت إلى ندمائه بعد انصراف الوكيل وقال: ما جزاء من تحمل عني كتابا مزورا وذهب به إلى عدوي؟ فقال كل واحد من الندماء مقالا، وجعل كل واحد منهم يذكر نوعا من العذاب، فقال لهم يحيى: لقد أخطأتم فيما ذكرتم، وهذا الذي أشرتم به من دناءة الهمم وخستها، وكلكم تعرفون قرب منزلة عبد الله من أمير المؤمنين، وتعلمون ما بيني وبينه من الغضب والعداوة، وقد سبب الله تعالى هذا الرجل وجعله واسطة في الصلح بيننا ووفقه لذلك، وقيده ليخمد نار الحقد من قلوبنا، وهي تتزايد من مدة عشرين سنة وتصطلح بواسطته شئوننا، وقد وجب علي أن أفي لهذا الرجل بتحقيق ظنونه وإصلاح شئونه، واكتب له كتابا إلى عبد الله بن مالك الخزاعي مضمونه أنه يزيد في إكرامه ويستمر على أعذاره واحترامه. فلما سمع الندماء ذلك دعوا له بالخيرات، وتعجبوا من كرمه ووفور مروءته، ثم إنه طلب الورقة والدواة، وكتب إلى عبد الله بن مالك كتابا بخط يده مضمونه: # بسم الله الرحمن الرحيم، وصل كتابك - أطال الله بقاءك - وقرأته وسررت بسلامتك، وابتهجت باستقامتك وشمول سعادتك، وكان ظنك ذلك الرجل الحر زور عني كتابا ولم يحمل مني خطابا، وليس الأمر كذلك، فإن الكتاب أنا كتبته وليس بمزور ورجائي من إكرامك وإحسانك وحسن شيمتك أن تفي لذلك الرجل الكريم بأمله ms0837 وأمنيته، وترعى له حق حرمته وتوصله إلى غرضه، وأن تخصه منك بغامر الإحسان ووافر الامتنان، ومهما فعلته في حقه فأنا المقصود به والشاكر عليه. # ثم عنون الكتاب وختمه وسلمه إلى الوكيل، فأنفذه الوكيل إلى عبد الله، فحين قرأه ابتهج بما حواه وأحضر ذلك الرجل وقال له: أي الأمرين اللذين وعدتك بهما أحب إليك لأحضره لك بين يديك؟ فقال الرجل: العطاء أحب إلي من كل شيء. فأمر له بمائتي ألف درهم وعشرة أفراس عربية؛ خمسة منها بالجلال الحرير، وخمسة بسروج المواكب المحلاة، وبعشرين تختا من الثياب، وعشرة من المماليك ركاب خيل، وما يليق بذلك من الجواهر المثمنة، ثم خلع عليه وأحسن إليه ووجهه إلى بغداد في هيئة عظيمة، فلما وصل إلى بغداد قصد باب دار يحيى بن خالد قبل أن يصل إلى أهله، وطلب الإذن في الدخول عليه، فدخل الحاجب إلى يحيى وقال له: يا مولاي، إن ببابنا رجلا ظاهر الحشمة، جميل الخلقة، حسن الحال، كثير الغلمان، يريد الدخول عليك. فأذن له بالدخول، فلما دخل عليه قبل الأرض بين يديه، فقال له يحيى: من أنت؟ فقال له الرجل: أيها السيد، أنا الذي كنت ميتا من جور الزمان، فأحييتني من رمس النوائب، وبعثتني إلى جنة المطالب، أنا الذي زورت كتابا عنك وأوصلته إلى عبد الله بن مالك الخزاعي. فقال له يحيى: ما الذي فعل معك؟ وأي شيء أعطاك؟ فقال: أعطاني من يدك وجميل طويتك وشمول نعمك وعموم كرمك وعلو همتك وواسع فضلك، حتى أغناني وخولني وهاداني، وقد حملت جميع عطيته ومواهبه، وها هي ببابك والأمر إليك والحكم في يديك. فقال له يحيى: إن صنيعك معي أجمل من صنيعي معك، ولك علي المنة العظيمة واليد البيضاء الجسيمة؛ حيث بدلت العداوة التي كانت بيني وبين ذلك الرجل المحتشم بالصداقة والمودة، فأنا أهب لك من المال مثل ما وهب لك عبد الله بن مالك. ثم أمر له من المال والخيل والتخوت بمثل ما أعطاه عبد الله، فعادت لذلك الرجل نعمته كما كانت بمروءة هذين الكريمين. ms0838 ### || حكاية المأمون والفقيه الغريب # وروي أن المأمون لم يكن في خلفاء بني العباس خليفة أعلم منه في جميع العلوم، وكان له في كل أسبوع يومان يجلس فيهما لمناظرة العلماء، فيجلس المناظرون من الفقهاء والمتكلمين بحضرته على طبقاتهم ومراتبهم، فبينما هو جالس معهم إذ دخل في مجلسه رجل غريب وعليه ثياب بيض رثة، فجلس في آخر الناس وقعد من وراء الفقهاء في مكان مجهول، فلما ابتدءوا في الكلام وشرعوا في معضلات المسائل، وكان من عادتهم أنهم يديرون المسألة على أهل المجلس واحدا بعد واحد، فكل من وجد زيادة لطيفة أو نكته غريبة ذكرها، فدارت المسألة إلى أن وصلت إلى ذلك الرجل الغريب، فتكلم وأجاب بجواب أحسن من أجوبة الفقهاء كلهم، فاستحسن الخليفة كلامه ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 308 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة المأمون استحسن كلامه وأمر أن يرفع ذلك المكان إلى أعلى منه، فلما وصلت إليه المسألة الثانية أجاب بجواب أحسن من الجواب الأول، فأمر المأمون أن يرفع إلى أعلى من تلك الرتبة، فلما دارت المسألة الثالثة أجاب بجواب أحسن وأصوب من الجوابين الأولين، فأمر المأمون أن يجلس قريبا منه، فلما انقضت المناظرة، أحضروا الماء وغسلوا أيديهم وأحضروا الطعام فأكلوا، ثم نهض الفقهاء فخرجوا ومنع المأمون ذلك الشخص من الخروج معهم، وأدناه منه ولاطفه ووعده بالإحسان إليه والإنعام عليه، ثم تهيأ مجلس الشراب وحضر الندماء الملاح ودارت الراح، فلما وصل الدور إلى ذلك الرجل وثب قائما على قدميه وقال: إن أذن لي أمير المؤمنين تكلمت كلمة واحدة. قال له: قل ما تشاء. فقال: قد علم الرأي العالي زاده الله علوا أن العبد كان اليوم في هذا المجلس الشريف من مجاهيل الناس ووضعاء الجلاس، وأن أمير المؤمنين قربه وأدناه بيسير من العقل الذي أبداه، وجعله مرفوعا على درجة غيره، وبلغ به الغاية التي لم تسم إليها همته، والآن يريد أن يفرق بينه وبين ذلك القدر اليسير من العقل الذي أعزه بعد الذلة، وكثره ms0839 بعد القلة، وحاشا وكلا أن يحسده أمير المؤمنين على هذا القدر الذي معه من العقل والنباهة والفضل؛ لأن العبد إذا شرب الشراب تباعد عنه العقل، وقرب منه الجهل، وسلب أدبه، وعاد إلى تلك الدرجة الحقيرة كما كان، وصار في أعين الناس حقيرا مجهولا، فأرجو من الرأي العالي أنه لا يسلب منه هذه الجوهرة بفضله وكرمه وسيادته وحسن شيمه. فلما سمع الخليفة المأمون منه هذا القول، مدحه وشكره وأجلسه في رتبته ووقره وأمر له بمائة ألف درهم، وحمله على فرس وأعطاه ثيابا فاخرة، وكان في كل مجلس يرفعه ويقر به على جماعة الفقهاء حتى صار أرفع منهم درجة وأعلى مرتبة، والله أعلم. ### || حكاية علي شار وزمرد # وحكي أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، تاجر من التجار في بلاد خراسان اسمه مجد الدين، وله مال كثير، وعبيد ومماليك وغلمان، إلا أنه بلغ من العمر ستين سنة، ولم يرزق ولدا، وبعد ذلك رزقه الله تعالى ولدا فسماه عليا. فلما نشأ ذلك الغلام صار كالبدر ليلة التمام، ولما بلغ مبلغ الرجال، وحاز صفات الكمال، ضعف والده بمرض الموت، فدعا بولده وقال له: يا ولدي، إنه قد قرب وقت المنية، وأريد أن أوصيك وصية. فقال له: وما هي يا والدي؟ فقال له: أوصيك أنك لا تعاشر أحدا من الناس، وتجتنب ما يجلب الضر والبأس، وإياك وجليس السوء، فإنه كالحداد إن لم تحرقك ناره يضرك دخانه، وما أحسن قول الشاعر: # ما في زمانك من ترجو مودته %~% ولا صديق إذا خان الزمان وفى ~~فعش فريدا ولا تركن إلى أحد %~% ها قد نصحتك فيما قلته وكفى # وقول الآخر: # الناس داء دفين %~% لا تركنن إليهم ~~فيهم خداع ومكر %~% لو اطلعت عليهم # وقول الآخر: # لقاء الناس ليس يفيد شيئا %~% سوى الهذيان من قيل وقال ~~فأقلل من لقاء الناس إلا %~% لأخذ العلم أو إصلاح حال # وقول الآخر: # إذا ما الناس جربهم لبيب %~% فإني قد أكلتهم ذواقا ~~فلم أر ودهم إلا خداعا %~% ولم أر دينهم إلا نفاقا # فقال: يا أبي، ms0840 سمعت وأطعت، ثم ماذا أفعل؟ فقال: افعل الخير إذا قدرت عليه، ودم على صنع الجميل مع الناس، واغتنم بذل المعروف، فما في كل وقت ينجح الطلب، وما أحسن قول الشاعر: # ليس في كل ساعة وأوان %~% تتأتى صنائع الإحسان ~~فإذا أمكنتك بادر إليها %~% حذرا من تعذر الإمكان # فقال: سمعت وأطعت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 309 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصبي قال لأبيه: سمعت وأطعت، ثم ماذا؟ قال: يا ولدي، احفظ الله يحفظك، وصن مالك ولا تفرط فيه، فإنك إن فرطت فيه تحتج إلى أقل الناس، واعلم أن قيمة المرء ما ملكت يمينه، وما أحسن قول الشاعر: # إن قل مالي فلا خل يصاحبني %~% أو زاد مالي فكل الناس خلاني ~~فكم عدو لأجل المال صاحبني %~% وكم صديق لفقد المال عاداني # فقال: ثم ماذا؟ قال: يا ولدي، شاور من هو أكبر منك سنا، ولا تعجل في الأمر الذي تريده، وارحم من هو دونك يرحمك من هو فوقك، ولا تظلم أحدا فيسلط الله عليك من يظلمك، وما أحسن قول الشاعر: # اقرن برأيك رأي غيرك واستشر %~% فالرأي لا يخفى على الإثنين ~~فالمرء مرآة تريه وجهه %~% ويرى قفاه بجمع مرآتين # وقول الآخر: # تأن ولا تعجل لأمر تريده %~% وكن راحما للناس تبل براحم ~~فما من يد إلا يد الله فوقها %~% ولا ظالم إلا سيبلى بأظلم # وقول الآخر: # لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا %~% إن الظلوم على حد من النقم ~~تنام عيناك والمظلوم منتبه %~% يدعو عليك وعين الله لم تنم # وإياك وشرب الخمر، فهو رأس كل شر، وشربه مذهب للعقول، ويزري بصاحبه، وما أحسن قول الشاعر: # تالله لا خامرتني الخمر ما علقت %~% روحي بجسمي وأقوالي بإفصاحي ~~ولا صبوت إلى مشمولة أبدا %~% يوما ولا اخترت ندماني سوى الصاحي # فهذه وصيتي لك فاجعلها بين عينيك، والله خليفتي عليك. ثم غشي عليه فسكت ساعة واستفاق فاستغفر الله وتشهد، وتوفي إلى رحمة الله تعالى؛ فبكى عليه ولده وانتحب، ثم أخذ في تجهيزه على ما يجب، ms0841 ومشت في جنازته الأكابر والأصاغر، وصار القراء يقرءون حول تابوته، وما ترك ولده من حقه شيئا إلا وفعله، ثم صلوا عليه وواروه في التراب، وكتبوا على قبره هذين البيتين: # خلقت من التراب فصرت حيا %~% وعلمت الفصاحة في الخطاب ~~وعدت إلى التراب فصرت ميتا %~% كأنك ما برحت من التراب # وحزن عليه ولده علي شار حزنا شديدا، وعمل عزاءه على عادة الأعيان، واستمر حزينا على أبيه إلى أن ماتت أمه بعده بمدة يسيرة، ففعل بوالدته مثل ما فعل بأبيه، ثم بعد ذلك جلس في الدكان يبيع ويشتري، ولا يعاشر أحدا من خلق الله تعالى عملا بوصية أبيه، واستمر على ذلك مدة سنة، وبعد السنة دخل عليه أولاد النساء الزواني بالحيل، وصاحبوه حتى مال معهم إلى الفساد، وأعرض عن طريق الرشاد، وشرب الراح بالأقداح، وإلى الملاح غدا وراح، وقال في نفسه: إن والدي جمع لي هذا المال، وأنا إن لم أتصرف فيه فلمن أخليه؟ والله لا أفعل إلا كما قال الشاعر: # إن كنت دهرك كله %~% تحوي إليك وتجمع ~~فمتى بما حصلته %~% وحويته تتمتع # وما زال علي شار يبذل في المال آناء الليل وأطراف النهار حتى أذهب ماله كله وافتقر؛ فساء حاله، وتكدر باله، وباع الدكان والأماكن وغيرها، ثم بعد ذلك باع ثياب بدنه، ولم يترك لنفسه غير بدلة واحدة. فلما ذهبت السكرة وجاءت الفكرة وقع في الحسرة، وقعد يوما من الصبح إلى العصر بغير إفطار، فقال في نفسه: أنا أدور على الذين كنت أنفق مالي عليهم، لعل أحدا منهم يطعمني في هذا اليوم. فدار عليهم جميعا، وكلما طرق باب أحد منهم ينكر نفسه ويتوارى منه حتى أحرقه الجوع، ثم ذهب إلى سوق التجار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. # ### | فلما كانت الليلة 310 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علي شار أحرقه الجوع، فذهب إلى سوق التجار، فوجد حلقة ازدحام والناس مجتمعون فيها، فقال في نفسه: يا ترى ما سبب اجتماع هؤلاء الناس؟ والله لا أنتقل من هذا المكان حتى أتفرج على ms0842 هذه الحلقة. ثم تقدم فوجد جارية خماسية معتدلة القد، موردة الخد، قاعدة النهد، قد فاقت أهل زمانها في الحسن والجمال، والبهاء والكمال، كما قال فيها بعض واصفيها: # كما اشتهت خلقت حتى إذا # كملت %~% في قالب الحسن لا طول ولا # قصر ~~والحسن أصبح مشغوفا # بصورتها %~% والصد يعذلها والتيه # والخفر ~~فالبدر طلعتها والغصن # قامتها %~% والمسك نكهتها ما مثلها # بشر ~~كأنها أفرغت من ماء لؤلؤة %~% في كل جارية من حسنها قمر ![fig1](../Images/figure1.png) # وكانت تلك الجارية اسمها زمرد، فلما نظرها علي شار تعجب من حسنها. # وكانت تلك الجارية اسمها زمرد، فلما نظرها علي شار تعجب من حسنها وجمالها، وقال: والله ما أبرح حتى أنظر القدر الذي يبلغه ثمن هذه الجارية، وأعرف الذي يشتريها. ثم وقف بجملة التجار فظنوا أنه يشتري، لما يعلمون من غناه بالمال الذي ورثه عن والديه، ثم إن الدلال قد وقف على رأس الجارية وقال: يا تجار، يا أرباب الأموال، من يفتح باب السعر في هذه الجارية سيدة الأقمار، الدرة السنية زمرد السنورية، بغية الطالب ونزهة الراغب؟ فافتحوا الباب فليس على من فتحه لوم ولا عتاب. فقال بعض التجار: علي بخمسمائة دينار. قال آخر: وعشرة. فقال شيخ يسمى رشيد الدين، وكان أزرق العين قبيح المنظر: ومائة. فقال آخر: وعشرة. قال الشيخ: بألف دينار. فحبس التجار ألسنتهم وسكتوا، فشاور الدلال سيدها فقال: أنا حالف أني ما أبيعها إلا لمن تختاره فشاورها، فجاء الدلال إليها وقال: يا سيدة الأقمار، إن هذا التاجر يريد أن يشتريك. فنظرت إليه فوجدته كما ذكرنا، فقالت للدلال: أنا لا أباع لشيخ أوقعه الهرم في أسوأ حال، ولله در من قال: # سألتها قبلة يوما وقد # نظرت %~% شيبي وقد كنت ذا مال وذا # نعم ~~فأعرضت ثم صدت وهي قائلة %~% لا والذي خلق الإنسان من # عدم ~~ما كان لي في بياض الشيب من # أرب %~% أفي الحياة يكون القطن حشو # فمي؟ # فلما سمع الدلال قولها قال لها: والله إنك معذورة، وقيمتك عشرة آلاف دينار. ثم أعلم سيدها أنها ما رضيت بذلك الشيخ، فقال: ms0843 شاورها في غيره. فتقدم إنسان آخر وقال: علي بما أعطى فيها الشيخ الذي لم ترض به. فنظرت إلى ذلك الرجل فوجدته مصبوغ اللحية، فقالت: ما هذا العيب والريب، وسواد وجه الشيب. ثم أكثرت التعجبات وأنشدت هذه الأبيات: # بدا لي من فلان ما بدا لي %~% قفا والله يصفع بالنعال ~~وذقنا للبعوض بها مجال %~% وقرنا مال من ربط الحبال ~~أيا مفتون في خدي وقدي %~% تزور بالمحال ولا تبال ~~أتصبغ بالعيوب بياض شيب %~% لتخفي ما بدا للإحتيال ~~تروح بلحية وتجي بأخرى %~% لتخفي فعل صناع الخيال # وما أحسن قول الشاعر: # قالت أراك خضبت الشيب قلت # لها %~% سترته عنك يا سمعي ويا بصري ~~فقهقهت ثم قالت إن ذا عجب %~% تكاثر الغش حتى صار في # الشعر # فلما سمع الدلال شعرها قال لها: والله إنك صدقت. فقال التاجر: ما الذي قالت؟ فأعاد عليه الأبيات فعرف أن الحق على نفسه، وامتنع من اشترائها. فتقدم تاجر آخر وقال: شاورها علي بالثمن الذي سمعته. فشاورها عليه فنظرت إليه فوجدته أعور، فقالت: هذا أعور، وقد قال فيه الشاعر: # لا تصحب الأعور يوما وكن %~% في حذر من شره ومينه ~~لو كان في الأعور من خيرة %~% ما أوجد الله العمى بعينه # فقال لها الدلال: أتباعي لذلك التاجر؟ فنظرت إليه فوجدته قصيرا وذقنه سابلة سرته، فقالت: هذا الذي قال فيه الشاعر: # فلي صديق وله لحية %~% أنبتها الله بلا فائده ~~كأنها بعض ليالي الشتا %~% طويلة مظلمة بارده # فقال لها الدلال: يا سيدتي، انظري من يعجبك من الحاضرين، وقولي عليه حتى أبيعك له. فنظرت إلى حلقة التجار وتفرستهم واحدا بعد واحد، فوقع نظرها على علي شار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 311 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما وقع نظرها على علي شار نظرته نظرة أعقبتها ألف حسرة، وتعلق قلبها به؛ لأنه كان بديع الجمال، وألطف من نسيم الشمال، فقالت: يا دلال، أنا لا أباع إلا لسيدي هذا، صاحب الوجه المليح والقد الرجيح، الذي قال فيه بعض واصفيه: # أبرزوا ms0844 وجهك الجمي %~% ل ولاموا من افتتن ~~لو أرادوا صيانتي %~% ستروا وجهك الحسن # فلا يملكني إلا هو؛ لأن خده أسيل، ورضابه سلسبيل، وريقه يشفي العليل، ومحاسنه تحير الناظم والناثر، كما قال فيه الشاعر: # فريقه خمر وأنفاسه %~% مسك وذاك الثغر كافور ~~أخرجه رضوان من داره %~% مخافة أن تفتن الحور ~~يلومه الناس على تيهه %~% والبدر مهما تاه معذور # صاحب الشعر الأجعد، والخد المورد، واللحظ الساحر، الذي قال فيه الشاعر: # وشادن بوصال منه واعدني %~% فالقلب في قلق والعين # منتظره ~~أجفانه ضمنت لي صدق موعده %~% فكيف توفي ضمانا وهي # منكسره # وقال الآخر: # قالوا بدا خط العذار بخده %~% كيف التعشق فيه وهو معذر ~~فأجبتهم كفوا الملامة # واقصروا %~% إن صح ذاك الخط فهو مزور ~~جنات عدن في جنى وجناته %~% ودليله أن المراشف كوثر # فلما سمع الدلال ما أنشدته من الأشعار في محاسن علي شار، تعجب من فصاحتها، وإشراق بهجتها، فقال له صاحبها: لا تعجب من بهجتها التي تفضح شمس النهار، ولا من حفظها لرقائق الأشعار، فإنها مع ذلك تقرأ القرآن العظيم بالسبع قراءات، وتروي الأحاديث الشريفة بصحيح الروايات، وتكتب بالسبعة أقلام، وتعرف من العلوم ما لا يعرفه العالم العلام، ويداها أحسن من الذهب والفضة؛ فإنها تعمل الستور الحرير وتبيعها، فتكسب في كل واحد خمسين دينارا، وتشتغل الستر في ثمانية أيام. فقال الدلال: يا سعادة من تكون هذه في داره، ويجعلها من ذخائر أسراره. ثم قال له سيدها: بعها لكل من أرادته. فرجع الدلال إلى علي شار وقبل يديه، وقال: يا سيدي، اشتر هذه الجارية فإنها اختارتك. وذكر له صفتها وما تعرفه، وقال له: هنيئا لك إذا اشتريتها؛ فإنه قد أعطاك من لا يبخل بالعطاء. فأطرق علي شار برأسه ساعة إلى الأرض وهو يضحك على نفسه، وقال في سره: إني إلى هذا الوقت من غير إفطار، ولكن أختشي من التجار أن أقول ما عندي مال أشتريها به. فنظرت الجارية إلى إطراقه، وقالت للدلال: خذ بيدي وامض بي إليه حتى أعرض نفسي عليه، وأرغبه في أخذي؛ فإني ما أباع ms0845 إلا له. فأخذها الدلال وأوقفها قدام علي شار، وقال له: ما رأيك يا سيدي؟ فلم يرد عليه جوابا، فقالت الجارية: يا سيدي وحبيب قلبي، ما لك لا تشتريني؟ فاشترني بما شئت وأكون سبب سعادتك. فرفع رأسه إليها وقال: هل الشراء بالغصب؟ أنت غالية بألف دينار. فقالت له: يا سيدي، اشترني بتسعمائة. قال: لا. قالت: بثمانمائة. قال: لا. فما زالت تنقص من الثمن إلى أن قالت له: بمائة دينار. قال: ما معي مائة كاملة. فضحكت وقالت له: كم تنقص مائتك؟ قال: ما معي لا مائة ولا غيرها، أنا والله لا أملك أبيض ولا أحمر من درهم ولا دينار، فانظري لك زبونا غيري. فلما علمت أنه ما معه شيء قالت له: خذ بيدي على أنك تقبلني في عطفة. ففعل ذلك، فأخرجت من جيبها كيسا فيه ألف دينار، وقالت: زن منه تسعمائة في ثمني، وأبق المائة معك تنفعنا. ففعل ما أمرته به، واشتراها بتسعمائة دينار، ودفع ثمنها من ذلك الكيس، ومضى بها إلى الدار، فلما وصلت إلى الدار وجدتها قاعا صفصفا لا فرش بها ولا أواني، فأعطته ألف دينار وقالت له: امض إلى السوق، واشتر لنا بثلاثمائة دينار فرشا وأواني للبيت. ففعل ثم قالت له: اشتر لنا مأكولا ومشروبا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 312 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت له: اشتر لنا مأكولا ومشروبا بثلاثة دنانير. ففعل ثم قالت له: اشتر لنا خرقة حرير قدر ستر، واشتر قصبا أصفر وأبيض، وحريرا ملونا سبعة ألوان. ففعل، ثم إنها فرشت البيت، وأوقدت الشمع، وجلست تأكل وتشرب هي وإياه، وبعد ذلك قاموا إلى الفرش، وقضوا الغرض من بعضهما، ثم باتا معتنقين خلف الستائر، وكانا كما قال الشاعر: # زر من تحب ودع كلام الحاسد %~% ليس الحسود على الهوى # بمساعد ~~إني نظرتك في المنام مضاجعي %~% ولثمت من شفتيك أحلى بارد ~~حق صحيح كل ما عاينته %~% ولسوف أبلغه برغم الحاسد ~~لم تنظر العينان أحسن # منظرا %~% من عاشقين على فراش واحد ms0846 ~~متعانقين عليهما حلل الرضا %~% متوسدين بمعصم وبساعد ~~وإذا تآلفت القلوب لبعضها %~% فالناس تضرب في حديد بارد ~~يا من يلوم على الهوى أهل # الهوى %~% هل تستطيع صلاح قلب فاسد ~~وإذا صفا لك من زمانك واحد %~% فهو المراد وعش بذاك الواحد # واستمرا متعانقين إلى الصباح، وقد سكنت محبة كل واحد منهما في قلب صاحبه، ثم أخذت الستر وطرزته بالحرير الملون، وزركشته بالقصب، وجعلت فيه منطقة بصور طيور، وصورت في دائرها الوحوش، ولم تترك وحشا في الدنيا إلا وصورت صورته فيه، ومكثت تشتغل فيه ثمانية أيام. فلما فرغ قطعته وصقلته، ثم أعطته لسيدها، وقالت له: اذهب به إلى السوق وبعه بخمسين دينارا للتاجر، واحذر أن تبيعه لأحد عابر طريق؛ فإن ذلك يكون سببا للفراق بيني وبينك؛ لأن لنا أعداء لا يغفلون عنا. فقال: سمعا وطاعة. ثم ذهب به إلى السوق وباعه لتاجر كما أمرته، وبعد ذلك اشترى الخرقة والحرير والقصب على العادة، وما يحتاجان إليه من الطعام، وأحضر لها ذلك وأعطاها بقية الدراهم؛ فصارت كل ثمانية أيام تعطيه سترا يبيعه بخمسين دينارا، ومكثت على ذلك سنة كاملة، وبعد السنة راح إلى السوق بالستر على العادة وأعطاه للدلال، فعرض له نصراني فدفع له ستين دينارا، فامتنع، فما زال يزيده حتى عمله بمائة دينار، وبرطل الدلال بعشرة دنانير، فرجع الدلال إلى علي شار وأخبره بالثمن، وتحيل عليه في أن يبيع الستر للنصراني بذلك المبلغ، وقال له: يا سيدي، لا تخف من هذا النصراني، وما عليك منه بأس، وقامت التجار عليه، فباعه للنصراني وقلبه مرعوب، ثم قبض المال ومضى إلى البيت، فوجد النصراني ماشيا خلفه، فقال له: يا نصراني، ما لك ماشيا خلفي؟ فقال له: يا سيدي، إن لي حاجة في صدر الزقاق، الله لا يحوجك. فما وصل علي شار إلى منزله إلا والنصراني لاحقه، فقال: يا ملعون، ما لك تتبعني أينما أسير؟ فقال: يا سيدي، اسقني شربة ماء فإني عطشان، وأجرك على الله تعالى. فقال علي شار في نفسه: هذا رجل ذمي وقصدني في شربة ms0847 ماء، فوالله لا أخيبه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 313 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علي شار قال في نفسه: هذا رجل ذمي، وقصدني في شربة ماء، فوالله لا أخيبه. ثم دخل البيت وأخذ كوز ماء، فرأته جاريته زمرد، فقالت له: يا حبيبي، هل بعت الستر؟ قال: نعم. قالت: لتاجر أم لعابر سبيل، فقد حس قلبي بالفراق؟ قال: ما بعته إلا لتاجر. قالت: أخبرني بحقيقة الأمر حتى أتدارك شأني، وما بالك أخذت كوز الماء؟ قال: لأسقي الدلال. فقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم أنشدت هذين البيتين: # يا طالبا للفراق مهلا %~% فلا يغرنك العناق ~~مهلا فطبع الزمان غدر %~% وآخر الصحبة الفراق # ثم خرج بالكوز فوجد النصراني داخلا في دهليز البيت، فقال له: هل وصلت إلى هنا يا كلب؟ كيف تدخل منزلي بغير إذني؟ فقال: يا سيدي، لا فرق بين الباب والدهليز، وما بقيت أنتقل من مكاني هذا إلا للخروج، وأنت لك الفضل والإحسان، والجود والامتنان. ثم إنه تناول كوز الماء وشرب ما فيه، وبعد ذلك ناوله إلى علي شار، فأخذه وانتظره أن يقوم فما قام، فقال له: لأي شيء لم تقم وتذهب إلى حال سبيلك؟ فقال: يا مولاي، لا تكن ممن فعل الجميل ومن به، ولا من الذين قال فيهم الشاعر: # ذهب الذين إذا وقفت ببابهم %~% كانوا لقصدك أكرم الكرماء ~~وإذا وقفت بباب قوم بعدهم %~% منوا عليك بشربة من ماء # ثم قال: يا مولاي، إني قد شربت ولكن أريد منك أن تطعمني مهما كان من البيت، سواء كان كسرة أو قرقوشة وبصلة. فقال له: قم بلا مماحكة، ما في البيت شيء. فقال: يا مولاي، إن لم يكن في البيت شيء فخذ هذه المائة دينار، وأتنا بشيء من السوق، ولو برغيف واحد؛ ليصير بيني وبينك خبز وملح. فقال علي شار في سره: إن هذا النصراني مجنون، فأنا آخذ منه المائة دينار وأجيء له بشيء يساوي درهمين، وأضحك عليه. فقال له النصراني: يا ms0848 سيدي، إنما أريد شيئا يطرد الجوع، ولو رغيفا واحدا يابسا وبصلة، فخير الزاد ما دفع الجوع لا الطعام الفاخر، وما أحسن قول الشاعر: # الجوع يطرد بالرغيف اليابس %~% فعلى التعظم حسرتي ووساوسي ~~والموت أعدل حين أصبح # منصفا %~% بين الخليفة والفقير البائس # فقال له علي شار: اصبر هنا حتى أقفل القاعة وآتيك بشيء من السوق. فقال له: سمعا وطاعة. ثم خرج وقفل القاعة، وحط على الباب كيلونا وأخذ المفتاح معه وذهب إلى السوق، واشترى جبنا مقليا، وعسلا أبيض، وموزا وخبزا، وأتى به إليه، فلما نظر النصراني إلى ذلك قال: يا مولاي، هذا شيء كثير يكفي عشرة رجال وأنا وحدي، فلعلك تأكل معي. فقال له: كل وحدك فإني شبعان. فقال له: يا مولاي، قالت الحكماء: من لم يأكل مع ضيفه فهو ولد زنا. فلما سمع علي شار من النصراني هذا الكلام جلس وأكل معه شيئا قليلا، وأراد أن يرفع يده ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 314 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علي شار جلس وأكل معه شيئا قليلا، وأراد أن يرفع يده، فأخذ النصراني موزة وقشرها وشقها نصفين، وجعل في نصفها بنجا مكررا ممزوجا بأفيون، الدرهم منه يرمي الفيل، ثم غمس نصف الموزة في العسل وقال له: يا مولاي، وحق دينك أن تأخذ هذه. فاستحى علي شار أن يحنثه في يمينه، فأخذها منه وابتلعها، فما استقرت في بطنه حتى سبقت رأسه رجليه، وصار كأنه له سنة وهو راقد. فلما رأى النصراني ذلك قام على قدميه كأنه ذئب أمعط مسلط، وأخذ منه مفتاح القاعة وتركه مرميا، وذهب يجري إلى أخيه وأخبره بالخبر، وسبب ذلك أن أخا النصراني هو الشيخ الهرم الذي أراد أن يشتريها بألف دينار فلم ترض به وهجته بالشعر، وكان كافرا في الباطن ومسلما في الظاهر، وسمى نفسه رشيد الدين، ولما هجته ولم ترض به شكا إلى أخيه النصراني الذي تحيل في أخذها من سيدها علي شار، وكان اسمه برسوم، فقال له: لا تحزن من هذا ms0849 الأمر، فأنا أتحيل لك في أخذها بلا درهم ولا دينار. لأنه كان كاهنا ماكرا مخادعا فاجرا، ثم إنه لم يزل يمكر ويتحيل حتى عمل الحيلة التي ذكرناها، وأخذ المفتاح وذهب إلى أخيه وأخبره بما حصل، فركب بغلته وأخذ غلمانه، وتوجه مع أخيه إلى بيت علي شار، وأخذ معه كيسا فيه ألف دينار، إذا صادفه الوالي فيعطيه إياه، ففتح القاعة وهجمت الرجال الذين معه على زمرد وأخذوها قهرا، وهددوها بالقتل إن تكلمت، وتركوا المنزل على حاله ولم يأخذوا منه شيئا، وتركوا علي شار راقدا في الدهليز، ثم ردوا الباب عليه، وتركوا مفتاح القاعة في جانبه، ومضى بها النصراني إلى قصره، ووضعها بين جواريه وسراريه، وقال لها: يا فاجرة، أنا الشيخ الذي ما رضيت بي وهجوتني، وقد أخذتك بلا درهم ولا دينار. فقالت له وقد ترغرغت عيناها بالدموع: حسبك الله يا شيخ السوء، حيث فرقت بيني وبين سيدي. فقال لها: يا فاجرة يا عشاقة، سوف تنظرين ما أفعل بك من العذاب، وحق المسيح والعذراء إن لم تطاوعيني وتدخلي في ديني لأعذبنك بأنواع العذاب. فقالت له: والله لو قطعت لحمي قطعا ما أفارق دين الإسلام، ولعل الله تعالى يأتي بالفرج القريب، إنه على ما يشاء قدير، وقد قالت العقلاء: مصيبة في الأبدان، ولا مصيبة في الأديان. فعند ذلك صاح على الخدم والجواري، وقال لهم: اطرحوها. فطرحوها، وما زال يضربها ضربا عنيفا، وصارت تستغيث فلا تغاث، ثم أعرضت عن الاستغاثة، وصارت تقول: حسبي الله وكفى. إلى أن انقطع نفسها وخفي أنينها، فلما اشتفى قلبه منها قال للخدم: اسحبوها من رجليها، وارموها في المطبخ، ولا تطعموها شيئا. ثم بات الملعون تلك الليلة، ولما أصبح الصباح طلبها وكرر عليها الضرب، وأمر الخدم أن يرموها في مكانها ففعلوا، فلما برد عليها الضرب قالت: لا إله إلا الله محمد رسول الله، حسبي الله ونعم الوكيل. ثم استغاثت بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 315 # قالت: بلغني أيها الملك ms0850 السعيد، أن زمرد استغاثت بالنبي صلى الله عليه وسلم. هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر علي شار، فإنه لم يزل راقدا إلى ثاني يوم، ثم طار البنج من رأسه ففتح عينيه وصاح قائلا: يا زمرد. فلم يجبه أحد، فدخل القاعة فوجد الجو قفرا، والمزار بعيدا، فعلم أنه ما جرى عليه هذا الأمر إلا من النصراني؛ فحن وبكى، وأن واشتكى، وأفاض العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # يا وجد لا تبقي علي ولا تذر %~% ها مهجتي بين المشقة # والخطر ~~يا سادتي رقوا لعبد ذل في %~% شرع الهوى وغني قوم افتقر ~~ما حيلة الرامي إذا التف # العدا %~% وأراد رمي السهم فانقطع # الوتر ~~وإذا تكاثرت الهموم على # الفتى %~% وتراكمت أين المفر من # القدر؟ ~~ولكم أحاذر من تفرق شملنا %~% لكن إذا نزل القضا عمي # البصر # فلما فرغ من شعره، صعد الزفرات وأنشد أيضا هذه الأبيات: # خلعت هياكلها بجرعاء الحمى %~% فصبا لمغناها الكئيب تشوقا ~~وتلفتت نحو الديار فشاقها %~% ربع عفت أطلاله فتمزقا ~~وقفت تسائله فرد جوابها %~% رجع الصدى أن لا سبيل إلى # اللقا ~~فكأنه برق تألق بالحمى %~% ومضى فما يبدي إليك تألقا # وندم حيث لا ينفعه الندم، وبكى ومزق أثوابه، وأخذ بيده حجرين ودار حول المدينة، وصار يدق بهما على صدره ويصيح قائلا: يا زمرد. فدارت الصغار حوله، وقالوا: مجنون مجنون. فكان كل من عرفه يبكي عليه ويقول: هذا فلان، ما الذي جرى له؟ ولم يزل على هذه الحالة إلى آخر النهار، فلما جن عليه الليل نام في بعض الأزقة إلى الصباح، ثم أصبح دائرا بالأحجار حول المدينة إلى آخر النهار، وبعد ذلك رجع إلى قاعته ليبيت فيها، فنظرته جارته، وكانت امرأة عجوزا من أهل الخير، فقالت له: يا ولدي سلامتك، متى جننت؟ فأجابها بهذين البيتين: # قالوا جننت بمن تهوى فقلت # لهم %~% ما لذة العيش إلا للمجانين ~~دعوا جنوني وهاتوا من جننت # به %~% إن كان يشفي جنوني لا تلوموني # فعلمت جارته العجوز أنه عاشق مفارق، فقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ms0851 العظيم، يا ولدي، أشتهي منك أن تحكي لي خبر مصيبتك، عسى الله أن يقدرني على مساعدتك عليها بمشيئته. فحكى لها جميع ما وقع له مع برسوم النصراني أخي الكاهن الذي سمى نفسه رشيد الدين، فلما علمت ذلك قالت له: يا ولدي، إنك معذور. ثم أفاضت دمع العين، وأنشدت هذين البيتين: # كفى المحبين في الدنيا # عذابهم %~% تالله لا عذبتهم بعدها سقر ~~لأنهم هلكوا عشقا وقد # كتموا %~% مع العفاف بهذا يشهد الخبر # فلما فرغت من شعرها قالت له: يا ولدي، قم الآن واشتر قفصا مثل أقفاص أهل الصاغة، واشتر أساور وخواتم وحلقانا، وحليا يصلح للنساء، ولا تبخل بالمال، وضع جميع ذلك في القفص، وهات القفص وأنا أضعه على رأسي في صورة دلالة، وأدور أفتش عليها في البيوت حتى أقع على خبرها إن شاء الله تعالى. ففرح علي شار بكلامها وقبل يدها، ثم ذهب بسرعة وأتى لها بما طلبته، فلما حضر ذلك عندها قامت ولبست مرقعة، ووضعت على رأسها إزارا عسليا، وأخذت في يدها عكازا، وحملت القفص ودارت في العطف والبيوت، ولم تزل دائرة من مكان إلى مكان، ومن حارة إلى حارة، ومن درب إلى درب، إلى أن دلها الله تعالى على قصر الملعون رشيد الدين النصراني، فسمعت من داخله أنينا فطرقت الباب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 316 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما سمعت من داخل البيت أنينا طرقت الباب، فنزلت لها جارية ففتحت لها الباب وسلمت عليها، فقالت لها العجوز: إن معي هذه الحويجات للبيع، هل عندكم من يشتري منها شيئا؟ فقالت لها الجارية: نعم. ثم أدخلتها الدار وأجلستها، وجلس الجواري حولها، وأخذت كل واحدة شيئا منها، فصارت العجوز تلاطف الجواري وتتساهل معهن في الثمن؛ ففرح بها الجواري بسبب معروفها ولين كلامها، وهي تتأمل في جهات المكان على صاحبة الأنين، فلاحت منها التفاتة إليها فحابتهم وأحسنت إليهم، وتأملت فوجدتها زمرد مطروحة فعرفتها، فبكت وقالت لهن: يا أولادي، ما بال هذه الصبية في هذا ms0852 الحال؟ فحكى لها الجواري جميع القصة، وقلن لها: هذا الأمر ليس باختيارنا، ولكن سيدنا أمرنا بهذا، وهو مسافر الآن. فقالت لهم: يا أولادي، لي عندكن حاجة، وهي أنكن تحللن هذه المسكينة من الرباط إلى أن تعلمن بمجيء سيدكن فتربطنها كما كانت، وتكسبن الأجر من رب العالمين. فقلن لها: سمعا وطاعة. ثم إنهن حللنها وأطعمنها وأسقينها، ثم قالت العجوز: يا ليت رجلي انكسرت ولا دخلت لكن منزلا. وبعد ذلك ذهبت إلى زمرد، وقالت لها: يا بنتي سلامتك، سيفرج الله عنك. ثم ذكرت لها أنها جاءت من عند سيدها علي شار، وواعدتها أنها في ليلة غد تكون حاضرة، وتلقي سمعها للحس، وقالت لها: إن سيدك يأتي إليك تحت مصطبة القصر ويصفر لك، فإذا سمعت ذلك فصفري له، وتدلي له من الطاقة بحبل وهو يأخذك ويمضي. فشكرتها على ذلك، ثم خرجت العجوز وذهبت إلى علي شار وأعلمته، وقالت له: توجه في الليلة القابلة نصف الليل إلى الحارة الفلانية، فإن بيت الملعون هناك، وعلامته كذا وكذا، فقف تحت قصره وصفر، فإنها تتدلى إليك، فخذها وامض بها إلى حيث شئت. فشكرها على ذلك، ثم إنه أفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات: # كف العواذل عن قيل وعن قال %~% قلبي معنى وجسمي ناحل بال ~~وللدموع أحاديث مسلسلة %~% عن الصحيح بإعضال وإرسال ~~يا خالي البال من همي ومن # هممي %~% أقصر عناك عن التسآل عن # حالي ~~عذب المراشف لدن القد # معتدل %~% سبى فؤادي بمعسول وعسال ~~ما قر قلبي مذ غبتم ولا # هجعت %~% عيني ولا نجعت في الصبر # آمالي ~~تركتموني رهين الشوق # مكتئبا %~% مذبذبا بين حساد وعذال ~~أما السلو فشيء لست # أعرفه %~% وغيركم قط لم يخطر على # بالي # فلما فرغ من شعره تنهد وأفاض دمع العين، وأنشد هذين البيتين: # لله در مبشري بقدومكم %~% فلقد أتى بلطائف المسموع ~~لو كان يقنع بالخليع منحته %~% قلبا تمزق ساعة التوديع # ثم إنه صبر إلى أن جن الليل، وجاء وقت الميعاد، فذهب إلى تلك الحارة التي وصفتها له جارته، ورأى القصر فعرفه، وجلس على مصطبة تحته، ms0853 وغلب عليه النوم فنام، وجل من لا ينام، وكان له مدة لم ينم من الوجد الذي به، فصار كالسكران، فبينما هو نائم ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 317 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه بينما هو نائم، وإذا بلص من اللصوص خرج تلك الليلة في أطراف المدينة ليسرق شيئا، فرمته المقادير تحت قصر ذلك النصراني، فدار حوله فلم يجد له سبيلا إلى الصعود إليه، فصار دائرا حوله إلى أن وصل إلى المصطبة، فرأى علي شار نائما فأخذ عمامته، وبعد أن أخذها لم يشعر إلا وزمرد طلت في ذلك الوقت فرأته واقفا في الظلام، فحسبته سيدها فصفرت له، فصفر لها الحرامي، فتدلت له بالحبل وصحبتها خرج ملآن ذهبا، فلما رآه اللص قال في نفسه: ما هذا إلا أمر عجيب له سبب غريب. ثم حمل الخرج وحملها على أكتافه، وذهب بهما مثل البرق الخاطف، فقالت له: إن العجوز أخبرتني أنك ضعيف بسببي، وها أنت أقوى من الفرس. فلم يرد عليها جوابا، فحسست على وجهه فوجدت لحيته مثل مقشة الحمام، كأنه خنزير ابتلع ريشا فطلع زغبه من حلقه، ففزعت منه وقالت له: أي شيء أنت؟ فقال لها: يا عاهرة، أنا الشاطر جوان الكردي من جماعة أحمد الدنف، ونحن أربعون شاطرا، وكلهم في هذه الليلة يفسقون في رحمك من العشاء إلى الصباح. فلما سمعت كلامه بكت ولطمت على وجهها، وعلمت أن القضاء غلب عليها، وأنه لا حيلة لها إلا التفويض إلى الله تعالى، فصبرت وسلمت لحكم الله تعالى وقالت: لا إله إلا الله، كلما خلصنا من هم وقعنا في هم أكبر منه. وكان السبب في مجيء جوان إلى هذا المحل أنه قال لأحمد الدنف: يا شاطر، أنا دخلت هذه المدينة قبل الآن، وأعرف فيها غارا خارج البلد يسع أربعين نفسا، وأنا أريد أن أسبقكم إليه، وأدخل أمي في ذلك الغار، ثم أرجع إلى المدينة وأسرق منها شيئا على بختكم، وأحفظه على اسمكم إلى أن تحضروا، فتكون ضيافتكم في ذلك ms0854 النهار من عندي. فقال له أحمد: افعل ما تريد. فخرج قبلهم وسبقهم إلى ذلك المحل، ووضع أمه في ذلك الغار، ولما خرج وجد جنديا راقدا وعنده فرس مربوط، فذبحه وأخذ ثيابه، وأخذ فرسه وسلاحه وثيابه وأخفاها في الغار عند أمه، وربط الحصان هناك ثم رجع إلى المدينة، ومشى حتى وصل إلى قصر النصراني، وفعل ما تقدم ذكره من أخذ عمامة علي شار، ومن أخذ زمرد جاريته، ولم يزل يجري بها إلى أن حطها عند أمه، وقال لها: احتفظي عليها إلى حين أرجع إليك في بكرة النهار. ثم ذهب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 318 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جوان الكردي قال لأمه: احتفظي عليها حتى أرجع إليك في بكرة النهار. ثم ذهب، فقالت زمرد في نفسها: وما هذه الغفلة عن خلاص روحي بالحيلة، كيف أصبر إلى أن يجيء هؤلاء الأربعون رجلا، فيتعاقبون علي حتى يجعلوني كالمركب الغريقة في البحر؟ ثم إنها التفتت إلى العجوز أم جوان الكردي وقالت لها: يا خالتي، أما تقومين بنا إلى خارج الغار حتى أفليك في الشمس؟ فقالت: إي والله يا بنتي، فإن لي مدة وأنا بعيدة عن الحمام؛ لأن هؤلاء الخنازير لم يزالوا دائرين بي من مكان إلى مكان. فخرجت معها فصارت تفليها وتقتل القمل من رأسها إلى أن استلذت بذلك ورقدت، فقامت زمرد ولبست ثياب الجندي الذي قتله جوان الكردي، وشدت سيفه في وسطها، وتعممت بعمامته حتى صارت كأنها رجل، وركبت الفرس وأخذت الخرج الذهب معها، وقالت: يا جميل الستر، استرني بجاه محمد صلى الله عليه وسلم. ثم إنها قالت في نفسها: إن رحت إلى البلد ربما ينظرني أحد من أهل الجندي فلا يحصل لي خير. ثم أعرضت عن دخول المدينة وسارت في البر الأقفر، ولم تزل سائرة بالخرج والفرس، وتأكل من نبات الأرض وتطعم الفرس منه، وتشرب من الأنهار مدة عشرة أيام، وفي اليوم الحادي عشر أقبلت على مدينة طيبة أمينة بالخير مكينة، قد ولى عنها ms0855 فصل الشتاء ببرده، وأقبل عليها فصل الربيع بزهره وورده، فزهت أزهارها وتدفقت أنهارها، وغردت أطيارها. # فلما وصلت إلى المدينة وقربت من بابها، وجدت العساكر والأمراء وأكابر أهل المدينة، فتعجبت لما نظرتهم على هذه الحالة، وقالت في نفسها: إن أهل هذه المدينة كلهم مجتمعون، ولا بد لذلك من سبب. ثم إنها قصدتهم، فلما قربت منهم تسابق إليها العساكر وترجلوا وقبلوا الأرض بين يديها، وقالوا: الله ينصرك يا مولانا السلطان. واصطفت بين يديها المناصب، فصارت العساكر يرتبون الناس ويقولون: الله ينصرك، ويجعل قدومك مباركا على المسلمين يا سلطان العالمين، ثبتك الله يا ملك الزمان، يا فريد العصر والأوان. فقالت لهم زمرد: ما خبركم يا أهل هذه المدينة؟ فقال الحاجب: إنه أعطاك من لا يبخل بالعطاء، وجعلك سلطانا على هذه المدينة، وحاكما على رقاب جميع من فيها، واعلم أن عادة أهل هذه المدينة إذا مات ملكهم ولم يكن له ولد، تخرج العساكر إلى ظاهر المدينة ويمكثون ثلاثة أيام، فأي إنسان جاء من طريقك التي جئت منها يجعلونه سلطانا عليهم، والحمد لله الذي ساق لنا إنسانا من أولاد الترك جميل الوجه، فلو طلع علينا أقل منك كان سلطانا. وكانت زمرد صاحبة رأي في جميع أفعالها، فقالت: لا تحسبوا أنني من أولاد عامة الأتراك، بل أنا من أولاد الأكابر، لكنني غضبت من أهلي فخرجت من عندهم وتركتهم، وانظروا إلى هذا الخرج الذهب الذي جئت به تحتي لأتصدق منه على الفقراء والمساكين طول الطريق. فدعوا لها وفرحوا بها غاية الفرح، وكذلك زمرد فرحت بهم، ثم قالت في نفسها: بعد أن وصلت إلى هذا الأمر ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 319 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زمرد قالت في نفسها: بعد أن وصلت إلى هذا الأمر، لعل الله يجمعني بسيدي في هذا المكان، إنه على ما يشاء قدير. ثم سارت فسار العسكر بسيرها حتى دخلوا المدينة، وترجل العسكر بين يديها حتى أدخلوها القصر، فنزلت وأخذها الأمراء والأكابر من تحت إبطيها حتى ms0856 أجلسوها على الكرسي، وقبلوا الأرض جميعا بين يديها. فلما جلست على الكرسي أمرت بفتح الخزائن ففتحت، وأنفقت على جميع العسكر، فدعوا لها بدوام الملك، وأطاعها العباد وسائر أهل البلاد، واستمرت على ذلك مدة من الزمان وهي تأمر وتنهى، وقد صار لها في قلوب الناس هيبة عظيمة من أجل الكرم والعفة، وأبطلت المكوس، وأطلقت من في الحبوس، ورفعت المظالم؛ فأحبها جميع الناس، وكلما تذكرت سيدها تبكي، وتدعو الله أن يجمع بينها وبينه. واتفق أنها تذكرته في بعض الليالي، وتذكرت أيامها التي مضت لها معه، فأفاضت دمع العين، وأنشدت هذين البيتين: # شوقي إليك على الزمان جديد %~% والدمع قرح مقلتي ويزيد ~~وإذا بكيت بكيت من ألم # الجوى %~% إن الفراق على المحب شديد # فلما فرغت من شعرها مسحت دموعها، وطلعت القصر، ودخلت الحريم، وأفردت للجواري والسراري معازل، ورتبت لهن الرواتب والجرايات، وزعمت أنها تريد أن تجلس في مكان وحدها عاكفة على العبادة، وصارت تصوم وتصلي حتى قالت الأمراء: إن هذا السلطان له ديانة عظيمة. ثم إنها لم تدع عندها أحدا من الخدم غير طواشيين صغيرين لأجل الخدمة، وجلست في تخت الملك سنة، وهي لم تسمع لسيدها خبرا، ولم تقف له على أثر، فقلقت من ذلك، فلما اشتد قلقها دعت بالوزراء والحجاب وأمرتهم أن يحضروا لها المهندسين والبنائين، وأن يبنوا لها تحت القصر ميدانا طوله فرسخ، وعرضه فرسخ، ففعلوا ما أمرتهم به في أسرع وقت، فجاء الميدان على طبق مرادها، فلما تم ذلك الميدان نزلت فيه، وضربت لها فيه قبة عظيمة، وصفت فيه كراسي الأمراء، وأمرت أن يمدوا سماطا من سائر الأطعمة الفاخرة في ذلك الميدان، ففعلوا ما أمرتهم به، ثم أمرت أرباب الدولة أن يأكلوا فأكلوا، ثم قالت للأمراء: أريد إذا هل الشهر الجديد أن تفعلوا هكذا، وتنادوا في المدينة أنه لا يفتح أحد دكانه، بل يحضرون جميعا ويأكلون من سماط الملك، وكل من خالف منهم يشنق على باب داره. فلما هل الشهر الجديد فعلوا ما أمرتهم به، واستمروا على هذه العادة إلى أن ms0857 هل أول شهر في السنة الثانية، فنزلت إلى الميدان، ونادى المنادي: يا معاشر الناس كافة، كل من فتح دكانه أو حاصله أو منزله شنق في الحال على باب مكانه، بل يجب عليكم أنكم تحضرون جميعا لتأكلوا من سماط الملك. فلما فرغت المناداة وقد وضعوا السماط، جاءت الخلق أفواجا، فأمرتهم بالجلوس على السماط ليأكلوا حتى يشبعوا من سائر الألوان، فجلسوا يأكلون كما أمرتهم، وجلست على كرسي المملكة تنظر إليهم، فصار كل من جلس على السماط يقول في نفسه: إن الملك لا ينظر إلا إلي. وجعلوا يأكلون، وصار الأمراء يقولون للناس: كلوا ولا تستحوا، فإن الملك يحب ذلك. فأكلوا حتى شبعوا وانصرفوا داعين للملك، وصار بعضهم يقول لبعض: عمرنا ما رأينا سلطانا يحب الفقراء مثل هذا السلطان. ودعوا له بطول البقاء، وذهبت إلى قصرها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 320 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة زمرد ذهبت إلى قصرها وهي فرحانة بما رتبته، وقالت في نفسها: إن شاء الله تعالى بسبب ذلك أقع على خبر سيدي علي شار. ولما هل الشهر الثاني فعلت ذلك الأمر على جري العادة، ووضعوا السماط، ونزلت زمرد، وجلست على كرسيها، وأمرت الناس أن يجلسوا ويأكلوا. فبينما هي جالسة على رأس السماط، والناس يجلسون عليه جماعة بعد جماعة، وواحدا بعد واحد، إذ وقعت عينها على برسوم النصراني الذي كان اشترى الستر من سيدها، فعرفته وقالت: هذا أول الفرج وبلوغ المنى. ثم إن برسوم تقدم وجلس مع الناس يأكل، فنظر إلى صحن أرز حلو مرشوش عليه سكر، وكان بعيدا عنه، فزاحم عليه ومد يده إليه وتناوله ووضعه قدامه، فقال له رجل بجانبه: لم لا تأكل من قدامك؟ أما هذا عيب عليك، كيف تمد يدك إلى شيء بعيد عنك، أما تستحي؟ فقال له برسوم: ما آكل إلا منه. فقال له الرجل: كل لا هناك الله به. فقال رجل حشاش: دعه يأكل منه حتى آكل أنا الآخر معه. فقال له الرجل: يا أنحس الحشاشين، ms0858 هذا ما هو مأكولكم، وإنما هو مأكول الأمراء، فاتركوه حتى يرجع إلى أصحابه فيأكلوه. فخالفه برسوم وأخذ منه لقمة وحطها في فمه وأراد أن يأخذ الثانية، والملكة تنظر إليه، فصاحت على بعض الجند وقالت لهم: هاتوا هذا الذي قدامه الصحن الأرز الحلو، ولا تدعوه يأكل اللقمة التي في يده، بل ارموها من يده. فجاءه أربعة من العساكر وسحبوه على وجهه بعد أن رموا اللقمة من يده، وأوقفوه قدام زمرد، فامتنعت الناس عن الأكل، وقال بعضهم لبعض: والله إنه ظالم؛ لأنه لم يأكل من طعام أمثاله. فقال واحد: أنا قنعت بهذا الكشك الذي قدامي. فقال الحشاش: الحمد لله الذي منعني أن آكل من الصحن الأرز الحلو شيئا؛ لأني كنت أنتظر أن يستقر قدامه ويتهنى عليه ثم آكل معه، فحصل له ما رأينا. فقالت الناس لبعضهم: اصبروا حتى ننظر ما يجري عليه. فلما قدموه بين يدي الملكة زمرد قالت له: ويلك من أزرق العينين! ما اسمك؟ وما سبب قدومك إلى بلادنا؟ فأنكر الملعون اسمه، وكان متعمما بعمامة بيضاء، فقال: يا ملك اسمي علي، وصنعتي حباك، وجئت إلى هذه المدينة من أجل التجارة. فقالت زمرد: ائتوني بتخت رمل وقلم من نحاس. فجاءوا بما طلبته في الحال، فأخذت التخت الرمل والقلم وضربت تخت رمل، وخطت بالقلم صورة مثل صورة قرد، ثم بعد ذلك رفعت رأسها، وتأملت في برسوم ساعة زمانية، وقالت له: يا كلب، كيف تكذب على الملوك؟ أما أنت نصراني، واسمك برسوم، وقد أتيت إلى حاجة تفتش عليها؟ فاصدقني الخبر وإلا وعزة الربوبية أضرب عنقك. فتلجلج النصراني، فقال الأمراء والحاضرون: إن هذا الملك يعرف ضرب الرمل، سبحان من أعطاه! ثم صاحت على النصراني وقالت له: اصدقني الخبر وإلا أهلكتك. فقال النصراني: العفو يا ملك الزمان، إنك صادق في ضرب الرمل، فإن الأبعد نصراني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 321 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن النصراني قال: العفو يا ملك الزمان، إنك صادق في ضرب الرمل، فإن الأبعد ms0859 نصراني. فتعجب الحاضرون من الأمراء وغيرهم من إصابة الملك في ضرب الرمل، وقالوا: إن هذا الملك منجم ما في الدنيا مثله. ثم إن الملكة أمرت بأن يسلخ النصراني ويحشى جلده تبنا، ويعلق على باب الميدان، وأن تحفر حفرة في خارج البلد ويحرق فيها لحمه وعظمه، وترمى عليه الأوساخ والأقذار، فقالوا: سمعا وطاعة. وفعلوا جميع ما أمرتهم به، فلما نظر الخلق ما حل بالنصراني قالوا: جزاؤه ما حل به، فما كان أشأمها لقمة عليه! فقال واحد منهم: على البعيد الطلاق، عمري ما بقيت آكل أرزا حلوا. فقال الحشاش: الحمد لله الذي عافاني مما حل بهذا؛ حيث حفظني من أكل ذلك الأرز. ثم خرج الناس جميعهم وقد حرموا الجلوس على الأرز الحلو في موضع ذلك النصراني. ولما كان الشهر الثالث، مدوا السماط على جري العادة، وملئوه بالأصحن، وقعدت الملكة على الكرسي، ووقف العسكر على جري العادة وهم خائفون من سطوتها، ودخلت الناس من أهل المدينة على العادة، وداروا حول السماط، ونظروا إلى موضع الصحن، فقال واحد منهم للآخر: يا حاج خلف. قال له: لبيك يا حاج خالد. قال: تجنب الصحن الأرز الحلو، واحذر أن تأكل منه، فإن أكلت منه تصبح مشنوقا. # ثم إنهم جلسوا حول السماط للأكل، فبينما هم يأكلون والملكة زمرد جالسة، إذ حانت منها التفاتة إلى رجل داخل يهرول من باب المدينة، فتأملته فوجدته جوان الكردي اللص الذي قتل الجندي، وسبب مجيئه أنه كان ترك أمه ومضى إلى رفقائه، وقال لهم: إني كسبت البارحة كسبا طيبا وقتلت جنديا، وأخذت فرسه، وحصل لي في تلك الليلة خرج ملآن ذهبا، وصبية قيمتها أكثر من الذهب الذي في الخرج، ووضعت جميع ذلك في الغار عند والدتي. ففرحوا بذلك، وتوجهوا إلى الغار في آخر النهار، ودخل جوان الكردي قدامهم وهم خلفه، وأراد أن يأتي لهم بما قال لهم عليه، فوجد المكان قفرا، فسأل أمه عن حقيقة الأمر فأخبرته بجميع ما جرى؛ فعض على كفيه ندما وقال: والله لأدورن على هذه الفاجرة، وآخذها من المكان ms0860 الذي هي فيه، ولو كانت في قشور الفستق، وأشفي غليلي منها. وخرج يفتش عليها، ولم يزل دائرا في البلاد حتى وصل إلى مدينة الملكة زمرد. فلما دخل المدينة لم يجد فيها أحدا، فسأل بعض النساء الناظرات من الشبابيك، فأعلمنه أن أول كل شهر يمد السلطان سماطا، وتروح الناس وتأكل منه، ودلوه على الميدان الذي يمد فيه السماط، فجاء وهو يهرول فلم يجد مكانا خاليا يجلس فيه إلا عند الصحن المتقدم ذكره، فقعد وصار الصحن قدامه فمد يده إليه، فصاحت عليه الناس وقالوا له: يا أخانا، ما تريد أن تعمل؟ قال: أريد أن آكل من هذا الصحن حتى أشبع. فقال له واحد: إن أكلت منه تصبح مشنوقا. فقال له: اسكت، ولا تنطق بهذا الكلام. ثم مد يده إلى الصحن وجره قدامه، وكان الحشاش المتقدم ذكره جالسا في جنبه، فلما رآه جر الصحن قدامه هرب من مكانه، وطارت الحشيشة من رأسه، وجلس بعيدا وقال: أنا ما لي حاجة بهذا الصحن. ثم إن جوان الكردي مد يده إلى الصحن وهي في صورة رجل الغراب، وغرف بها وأطلعها منه وهي في صورة خف الجمل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 322 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جوان الكردي أطلع يده من الصحن وهي في صورة خف الجمل، ودور اللقمة في كفه حتى صارت مثل النارنجة الكبيرة، ثم رماها في فمه بسرعة فانحدرت في حلقه ولها فرقعه مثل الرعد، وبان قعر الصحن من موضعها، فقال له من بجانبه: الحمد لله الذي لم يجعلني طعاما بين يديك؛ لأنك خسفت الصحن بلقمة واحدة. فقال الحشاش: دعوه يأكل فإني تخيلت فيه صورة المشنوق. ثم التفت إليه وقال له: كل لا هناك الله. فمد يده إلى اللقمة الثانية، وأراد أن يدورها في يده مثل اللقمة الأولى، وإذا بالملكة صاحت على بعض الجند وقالت لهم: هاتوا ذلك الرجل بسرعة، ولا تدعوه يأكل اللقمة التي في يده. فتجارت عليه العساكر وهو مكب على الصحن، وقبضوا عليه ms0861 وأخذوه قدام الملكة زمرد، فشمتت الناس فيه وقالوا لبعضهم: إنه يستأهل؛ لأننا نصحناه فلم ينتصح، وهذا المكان موعود بقتل من جلس فيه، وذلك الأرز مشئوم على كل من يأكل منه. # ثم إن الملكة زمرد قالت له: ما اسمك؟ وما صنعتك؟ وما سبب مجيئك مدينتنا؟ قال: يا مولانا السلطان اسمي عثمان، وصنعتي خولي بستان، وسبب مجيئي إلى هذه المدينة أنني دائر أفتش على شيء ضاع مني. فقالت الملكة: علي بتخت الرمل. فأحضروه بين يديها، فأخذت القلم وضربت تخت رمل، ثم تأملت فيه ساعة، وبعد ذلك رفعت رأسها وقالت له: ويلك يا خبيث! كيف تكذب على الملوك؟ هذا الرمل يخبرني أن اسمك جوان الكردي، وصنعتك أنك لص تأخذ أموال الناس بالباطل، وتقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق. ثم صاحت عليه وقالت له: يا خنزير، اصدقني بخبرك وإلا قطعت رأسك. فلما سمع كلامها اصفر لونه، واصطكت أسنانه، وظن أنه إن نطق بالحق ينجو، فقال: صدقت أيها الملك، ولكنني أتوب على يديك من الآن، وأرجع إلى الله تعالى. فقالت له الملكة: لا يحل لي أن أترك آفة في طريق المسلمين. ثم قالت لبعض أتباعها: خذوه واسلخوا جلده، وافعلوا به مثل ما فعلتم بنظيره في الشهر الماضي. ففعلوا ما أمرتهم به، ولما رأى الحشاش العسكر حين قبضوا على ذلك الرجل، أدار ظهره إلى الصحن الأرز وقال: إن استقبالك بوجهي حرام. ولما فرغوا من الأكل تفرقوا وذهبوا إلى أماكنهم، وطلعت الملكة قصرها وأذنت للمماليك بالانصراف. # ولما هل الشهر الرابع نزلوا إلى الميدان على جري العادة، وأحضروا الطعام، وجلس الناس ينتظرون الإذن، وإذا بالملكة قد أقبلت وجلست على الكرسي وهي تنظر إليهم، فوجدت موضع الصحن الأرز خاليا وهو يسع أربع أنفس، فتعجبت من ذلك. فبينما هي تجول بنظرها إذ حانت منها التفاتة فنظرت إنسانا داخلا من باب الميدان يهرول، وما زال يهرول حتى وقف على السماط، فلم يجد مكانا خاليا إلا عند الصحن فجلس فيه، فتأملته فوجدته الملعون النصراني الذي سمى نفسه رشيد الدين، فقالت ms0862 في نفسها: ما أبرك هذا الطعام الذي وقع في حبائله هذا الكافر! وكان لمجيئه سبب عجيب، وهو أنه لما رجع من سفره ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 323 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملعون الذي سمى نفسه رشيد الدين لما رجع من سفره أخبره أهل بيته أن زمرد قد فقدت ومعها خرج مال، فلما سمع ذلك الخبر شق أثوابه ولطم على وجهه ونتف لحيته، وأرسل أخاه برسوم يفتش عليها في البلاد؛ فلما أبطأ عليه خبره خرج هو بنفسه ليفتش على أخيه وعلى زمرد في البلاد، فرمته المقادير إلى مدينة زمرد، ودخل تلك المدينة في أول يوم من الشهر، فلما مشى في شوارعها وجدها خالية، ورأى الدكاكين مقفولة، ونظر النساء في الطيقان، فسأل بعضهن عن الحال فقلن له: إن الملك يعمل سماطا لجميع الناس في أول كل شهر، وتأكل منه الخلق جميعا، وما يقدر أحد أن يجلس في بيته ولا في دكانه. ودللنه على الميدان، فلما دخل الميدان وجد الناس مزدحمين على الطعام، ولم يجد موضعا خاليا إلا الموضع الذي فيه الصحن الأرز المعهود، فجلس فيه ومد يده ليأكل منه، فصاحت الملكة على بعض العسكر وقالت: هاتوا الذي قعد على الصحن الأرز. فعرفوه بالعادة وقبضوا عليه، وأوقفوه قدام الملكة زمرد. فقالت له: ويلك! ما اسمك؟ وما صنعتك؟ وما سبب مجيئك إلى مدينتنا؟ فقال: يا ملك الزمان اسمي رستم، ولا صنعة لي؛ لأني فقير درويش. فقالت لجماعتها: هاتوا لي تخت رمل والقلم النحاس. فأتوها بما طلبته على العادة، فأخذت القلم وخطت به تخت رمل، ومكثت تتأمل فيه ساعة، ثم رفعت رأسها إليه وقالت: يا كلب، كيف تكذب على الملوك؟ أنت اسمك رشيد الدين النصراني، وصنعتك أنك تنصب الحيل لجواري المسلمين وتأخذهن، وأنت مسلم في الظاهر ونصراني في الباطن، فانطق بالحق، وإن لم تنطق بالحق فإني أضرب عنقك. فتلجلج في كلامه، ثم قال: صدقت يا ملك الزمان. فأمرت به أن يمد ويضرب على كل رجل مائة سوط، ms0863 وعلى جسده ألف سوط، وبعد ذلك يسلخ ويحشى جلده ساسا، ثم تحفر له حفرة في خارج المدينة ويحرق، وبعد ذلك يضعون عليه الأوساخ والأقذار. ففعلوا ما أمرتهم به، ثم أذنت للناس بالأكل فأكلوا. ولما فرغ الناس من الأكل وانصرفوا إلى حال سبيلهم، طلعت الملكة زمرد إلى قصرها وقالت: الحمد لله الذي أراح قلبي من الذين آذوني. ثم إنها شكرت فاطر الأرض والسموات، وأنشدت هذه الأبيات: # تحكموا فاستطالوا في # تحكمهم %~% وبعد حين كأن الحكم لم # يكن ~~لو أنصفوا أنصفوا لكن بغوا # فأتى %~% عليهم الدهر بالآفات # والمحن ~~فأصبحوا ولسان الحال # ينشدهم %~% هذا بذاك ولا عتب على الزمن # ولما فرغت من شعرها خطر ببالها سيدها علي شار فبكت بالدموع الغزار، وبعد ذلك رجعت إلى عقلها وقالت في نفسها: لعل الله الذي مكنني من أعدائي يمن علي برجوع أحبائي. فاستغفرت الله عز وجل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 324 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة استغفرت الله - عز وجل - وقالت: لعل الله يجمع شملي بحبيبي علي شار قريبا، إنه على ما يشاء قدير، وبعباده لطيف خبير. ثم حمدت الله ووالت الاستغفار، وسلمت لمواقع الأقدار، وأيقنت أنه لا بد لكل أول من آخر، وأنشدت قول الشاعر: # هون عليك فإن الأمور %~% بكف الإله مقاديرها ~~فليس بمؤذيك من هابها %~% ولا قاصر عنك مأمورها # وقول الآخر: # درج الأيام تندرج %~% وبيوت الهم لا تلج ~~رب أمر عز مطلبه %~% قربته ساعة الفرج # وقول الآخر: # كن حليما إذا بليت بغيظ %~% وصبورا إذا أتتك مصيبة ~~فالليالي من الزمان حبالى %~% مثقلات يلدن كل عجيبة # وقول الآخر: # اصبر ففي الصبر خير لو علمت # به %~% لطبت نفسا ولم تجزع من # الألم ~~واعلم بأنك لو لم تصطبر # كرما %~% صبرت رغما على ما خط # بالقلم # فلما فرغت من شعرها مكثت بعد ذلك شهرا كاملا، وهي بالنهار تحكم بين الناس، وتأمر وتنهى، وبالليل تبكي وتنتحب على فراق سيدها علي شار. ولما هل الشهر الجديد أمرت بمد السماط في الميدان على جري العادة، ms0864 وجلست فوق الناس وصاروا ينتظرون الإذن في الأكل، وكان موضع الصحن الأرز خاليا، وجلست هي على رأس السماط، وجعلت عينها قبال باب الميدان لتنظر كل من يدخل منه، وصارت تقول في سرها: يا من رد يوسف على يعقوب، وكشف البلاء عن أيوب، امنن علي برد سيدي علي شار بقدرتك وعظمتك، إنك على كل شيء قدير يا رب العالمين، يا هادي الضالين، يا سامع الأصوات، يا مجيب الدعوات، استجب مني يا رب العالمين. فلم يتم دعاؤها إلا وشخص داخل من باب الميدان كأن قوامه غصن بان، إلا أنه نحيل البدن يلوح عليه الاصفرار، وهو أحسن ما يكون من الشباب، كامل العقل والآداب. فلما دخل لم يجد موضعا خاليا إلا الموضع الذي عند الصحن الأرز فجلس فيه، ولما رأته زمرد خفق قلبها فحققت النظر فيه، فتبين لها أنه سيدها علي شار، فأرادت أن تصرخ من الفرح فثبتت نفسها، وخشيت من الفضيحة بين الناس، ولكن تقلقلت أحشاؤها، واضطرب قلبها، فكتمت ما بها، وكان السبب في مجيء علي شار أنه لما رقد على المصطبة ونزلت زمرد وأخذها جوان الكردي، استيقظ بعد ذلك فوجد نفسه مكشوف الرأس، فعرف أن إنسانا تعدى عليه وأخذ عمامته وهو نائم، فقال الكلمة التي لا يخجل قائلها، وهي: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم إنه رجع إلى العجوز التي كانت أخبرته بمكان زمرد، وطرق عليها الباب فخرجت إليه، فبكى بين يديها حتى وقع مغشيا عليه، فلما أفاق أخبرها بجميع ما حصل له، فلامته وعنفته على ما وقع منه، وقالت له: إن مصيبتك وداهيتك من نفسك. وما زالت تلومه حتى طفح الدم من منخريه، ووقع مغشيا عليه، فلما أفاق من غشيته ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 325 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علي شار لما أفاق من غشيته رأى العجوز تبكي من أجله، وتفيض دمع العين، فتضجر وأنشد هذين البيتين: # ما أمر الفراق للأحباب %~% وألذ الوصال للعشاق ~~جمع الله شمل كل محب %~% ورعاني لأنني في ms0865 السياق # فحزنت عليه وقالت له: اقعد هنا حتى أكشف لك الخبر وأعود بسرعة. فقال: سمعا وطاعة. ثم تركته وذهبت وغابت عنه إلى نصف النهار ثم عادت إليه وقالت: يا علي، ما أظن إلا أنك تموت بحسرتك؛ لأنك ما بقيت تنظر محبوبتك إلا على الصراط؛ وذلك أن أهل القصر لما أصبحوا وجدوا الشباك الذي يطل على البستان مخلوعا، ووجدوا زمرد مفقودة ومعها خرج مال للنصراني، ولما وصلت هناك وجدت الوالي واقفا على باب القصر هو وجماعته، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فلما سمع علي شار منها هذا الكلام تبدل الضياء في وجهه بالظلام، ويئس من الحياة وأيقن بالوفاة، وما زال يبكي حتى وقع مغشيا عليه، فلما أفاق أضر به العشق والفراق، ومرض مرضا شديدا ولزم داره، فما زالت العجوز تأتيه بالأطباء وتسقيه الأشربة وتعمل له المساليق مدة سنة كاملة حتى ردت له روحه، فتذكر ما فات وأنشد هذه الأبيات: # الهم مجتمع والشمل مفترق %~% والدمع مستبق والقلب # محترق ~~زاد الغرام على من لا قرار # له %~% وقد ضناه الهوى والشوق # والقلق ~~يا رب إن كان شيء فيه لي # فرج %~% فامنن علي به ما دام لي رمق # ولما دخلت عليه السنة الثانية قالت له العجوز: يا ولدي، هذا الذي أنت فيه من الكآبة والحزن لا يرد عليك محبوبتك، فقم وشد حيلك وفتش عليها في البلاد، لعلك أن تقع على خبرها. ولم تزل تجلده وتقويه حتى نشطته وأدخلته الحمام، وأسقته الشراب وأطعمته الدجاج، وصارت كل يوم تفعل معه كذلك مدة شهر حتى تقوى وسافر، ولم يزل مسافرا إلى أن وصل إلى مدينة زمرد، ودخل الميدان وجلس على الطعام، ومد يده ليأكل فحزنت عليه الناس، وقالوا له: يا شاب، لا تأكل من هذا الصحن؛ لأن من أكل منه يحصل له ضرر. فقال: دعوني آكل منه، ويفعلون بي ما يريدون، لعلي أستريح من هذه الحياة المتعبة. ثم أكل أول لقمة وأرادت زمرد أن تحضره بين يديها، فخطر ببالها أنه جائع، فقالت في نفسها: المناسب ms0866 أني أدعه يأكل حتى يشبع. فصار يأكل والخلق باهتة له ينتظرون الذي يجري له، فلما أكل وشبع قالت لبعض الطواشية: امضوا إلى ذلك الشاب الذي يأكل من الأرز وهاتوه برفق، وقولوا له: كلم الملك لسؤال لطيف وجواب. فقالوا: سمعا وطاعة. ثم ذهبوا إليه حتى وقفوا على رأسه، وقالوا له: يا سيدي، تفضل كلم الملك وأنت منشرح الصدر. فقال: سمعا وطاعة. ثم مضى مع الطواشية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 326 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علي شار قال: سمعا وطاعة. ثم ذهب مع الطواشية، فقال الخلق لبعضهم: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا ترى ما الذي يفعله به الملك؟ فقال بعضهم: لا يفعل به إلا خيرا؛ لأنه لو كان يريد ضرره ما كان تركه يأكل حتى يشبع. فلما وقف قدام زمرد سلم وقبل الأرض بين يديها، فردت عليه السلام، وقابلته بالإكرام، وقالت له: ما اسمك؟ وما صنعتك؟ وما سبب مجيئك إلى هذه المدينة؟ فقال لها: يا ملك اسمي علي شار، وأنا من أولاد التجار، وبلدي خراسان، وسبب مجيئي إلى هذه المدينة التفتيش على جارية ضاعت مني، وكانت عندي أعز من سمعي وبصري، فروحي متعلقة من حين فقدتها، وهذه قصتي. ثم بكى حتى غشي عليه، فأمرت أن يرشوا على وجهه ماء الورد، فرشوا على وجهه ماء الورد حتى أفاق، فلما أفاق من غشيته قالت: علي بتخت الرمل والقلم النحاس. فجاءوا به فأخذت القلم وضربت تخت رمل، وتأملت فيه ساعة من الزمان، ثم بعد ذلك قالت له: صدقت في كلامك، الله يجمعك عليها قريبا فلا تقلق. ثم أمرت الحاجب أن يمضي به إلى الحمام، ويلبسه بدلة حسنة من ثياب الملوك، ويركبه فرسا من خواص خيل الملك، ويمضي به بعد ذلك إلى القصر في آخر النهار. فقال الحاجب: سمعا وطاعة. ثم أخذه من قدامها وتوجه به، فقال الناس لبعضهم: ما بال السلطان لاطف الغلام هذه الملاطفة؟ وقال بعضهم: أما قلت لكم إنه لا يسيئه ms0867 فإن شكله حسن، ومن حين صبر عليه لما شبع عرفت ذلك. وصار كل واحد منهم يقول مقالة، ثم تفرق الناس إلى حال سبيلهم، وما صدقت زمرد أن الليل يقبل حتى تختلي بمحبوب قلبها. فلما أتى الليل دخلت محل مبيتها، وأظهرت أنه غلب عليها النوم، ولم يكن لها عادة بأن ينام عندها أحد غير خادمين صغيرين برسم الخدمة، فلما استقرت في ذلك المحل أرسلت إلى محبوبها علي شار، وقد جلست على السرير، والشمع يضيء فوق رأسها وتحت رجليها، والتعاليق الذهب مشرقة في ذلك المحل، فلما سمع الناس بإرسالها إليه تعجبوا من ذلك، وصار كل واحد منهم يظن ظنا، ويقول مقالة، وقال بعضهم: إن الملك على كل حال تعلق بهذا الغلام، وفي غد يجعله قائد عسكر. فلما دخلوا به عليها قبل الأرض بين يديها ودعا لها، فقالت في نفسها: لا بد أن أمزح معه ساعة، ولا أعلمه بنفسي. ثم قالت: يا علي، هل ذهبت إلى الحمام؟ قال: نعم يا مولاي. قالت: قم كل من هذا الدجاج واللحم، واشرب من هذا السكر والشراب فإنك تعبان، وبعد ذلك تعال هنا. فقال: سمعا وطاعة. ثم فعل ما أمرته به، ولما فرغ من الأكل والشرب قالت له: اطلع عندي على السرير وكبسني. فشرع يكبس رجليها وسيقانها فوجدها أنعم من الحرير، فقالت له: اطلع بالتكبيس إلى فوق. فقال: العفو يا مولاي، من عند الركبة ما أتعدى. قالت: أتخالفني فتكون ليلة مشئومة عليك؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 327 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زمرد قالت لسيدها علي شار: أتخالفني فتكون ليلة مشئومة عليك، بل ينبغي لك أن تطاوعني، وأنا أعملك معشوقي، وأجعلك أميرا من أمرائي. فقال علي شار: يا ملك الزمان، ما الذي أطيعك فيه؟ قالت: حل لباسك، ونم على وجهك. فقال: هذا شيء عمري ما فعلته، وإن قهرتني على ذلك فإني أخاصمك فيه عند الله يوم القيامة، فخذ كل شيء أعطيتني إياه ودعني أروح من مدينتك. ثم بكى وانتحب، فقالت ms0868 له: حل لباسك ونم على وجهك وإلا ضربت عنقك. ففعل، فطلعت على ظهره، فوجد شيئا ناعما أنعم من الحرير، وألين من الزبد، فقال في نفسه: إن هذا الملك خير من جميع النساء. ثم إنها صبرت ساعة وهي على ظهره، وبعد ذلك انقلبت على الأرض، فقال علي شار: الحمد لله، كأن ذكره لم ينتصب. فقالت: يا علي، إن من عادة ذكري أنه لا ينتصب إلا إذا عركوه بأيديهم، فقم واعركه بيدك حتى ينتصب وإلا قتلتك. ثم رقدت على ظهرها، وأخذت يده ووضعتها على فرجها، فوجد فرجا أنعم من الحرير، وهو أبيض مربرب كبير، يحكي في السخونة حرارة الحمام أو قلب صب أضناه الغرام، فقال علي شار في نفسه: إن الملك له كس فهذا من العجب العجاب. وأدركته الشهوة فصار ذكره في غاية الانتصاب، فلما رأت منه ذلك ضحكت وقهقهت، وقالت: يا سيدي، قد حصل هذا كله وما تعرفني؟ فقال: ومن أنت أيها الملك؟ قالت: أنا جاريتك زمرد. فلما علم ذلك قبلها وعانقها، وانقض عليها مثل الأسد على الشاة، وتحقق أنها جاريته بلا اشتباه؛ فأغمد قضيبه في جرابها، ولم يزل بوابا لبابها، وإماما لمحرابها، وهي معه في ركوع وسجود، وقيام وقعود، إلا أنها صارت تتبع التسبيحات بغنج في ضمنه حركات، حتى سمع الطواشية فجاءوا ونظروا من خلف الأستار، فوجدوا الملك راقدا وفوقه علي شار، وهو يرصع ويرهز، وهي تشخر وتغنج. فقالت الطواشية: إن هذا الغنج ما هو غنج رجل، لعل هذا الملك امرأة! ثم كتموا أمرهم ولم يظهروه على أحد. # فلما أصبحت زمرد أرسلت إلى كامل العسكر وأرباب الدولة وأحضرتهم، وقالت لهم: أنا أريد أن أسافر إلى بلد هذا الرجل، فاختاروا لكم نائبا يحكم بينكم حتى أحضر عندكم، فأجابوا زمرد بالسمع والطاعة، ثم شرعت في تجهيز آلة السفر من زاد وأموال وأرزاق، وتحف وجمال وبغال، وسافرت من المدينة، ولم تزل مسافرة إلى أن وصلت إلى بلد علي شار، ودخل منزله، وأعطى وتصدق ووهب، ورزق منها الأولاد، وعاشا في أحسن المسرات إلى أن ms0869 أتاهما هادم اللذات ومفرق الجماعات، فسبحان الباقي بلا زوال، والحمد لله على كل حال. ### || حكاية جبير بن عمير والست بدور # ومما يحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرق ليلة من الليالي، وتعذر عليه النوم، ولم يزل يتقلب من جنب إلى جنب لشدة أرقه، فلما أعياه ذلك أحضر مسرورا وقال له: يا مسرور، انظر إلى من يسليني على هذا الأرق. فقال له: يا مولاي، هل لك أن تدخل البستان الذي في الدار، وتتفرج على ما فيه من أزهار، وتنظر إلى الكواكب وحسن ترصيعها، والقمر بينها مشرق على الماء؟ قال له: يا مسرور، إن نفسي لا تهفو إلى شيء من ذلك. قال: يا مولاي، إن في قصرك ثلاثمائة سرية، لكل سرية مقصورة، فأمر كل واحدة منهن أن تختلي بنفسها في مقصورتها، وتدور أنت تتفرج عليهن وهن لا يدرين. قال: يا مسرور، القصر قصري والجواري ملكي، غير أن نفسي لا تهفو إلى شيء من ذلك. قال: يا مولاي، اؤمر العلماء والحكماء والشعراء أن يحضروا بين يديك، ويفيضوا في المباحث، وينشدون لك الأشعار، ويقصون عليك الحكايات والأخبار. قال: ما تهفو نفسي إلى شيء من ذلك. قال: يا مولاي، اؤمر العلماء والندماء والظرفاء أن يحضروا بين يديك، ويتحفوك بغريب النكات. قال: يا مسرور، ما تهفو نفسي إلى شيء من ذلك. قال: يا مولاي، فاضرب عنقي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 328 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مسرورا قال للخليفة: يا مولاي، فاضرب عنقي لعله يزيل أرقك، ويذهب القلق عنك. فضحك الرشيد من قوله، وقال له: يا مسرور، انظر من بالباب من الندماء. فخرج مسرور ثم عاد وقال: يا مولاي، الذي على الباب علي بن منصور الخليعي الدمشقي. قال: علي به. فذهب وأتى به، فلما دخل قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فرد عليه السلام وقال: يا ابن منصور، حدثنا بشيء من أخبارك. فقال: يا أمير المؤمنين، هل أحدثك بشيء رأيته عيانا أم بشيء سمعت به؟ فقال أمير المؤمنين: إن ms0870 كنت عاينت شيئا غريبا فحدثنا به، فإنه ليس الخبر كالعيان. قال: يا أمير المؤمنين أخل لي سمعك وقلبك. قال: يا ابن منصور، ها أنا سامع لك بأذني، ناظر لك بعيني، مصغ لك بقلبي. قال: يا أمير المؤمنين، اعلم أن لي كل سنة رسما على محمد بن سليمان الهاشمي سلطان البصرة، فمضيت إليه على عادتي، فلما وصلت إليه وجدته متهيئا للركوب إلى الصيد والقنص، فسلمت عليه وسلم علي، وقال لي: يا ابن منصور، اركب معنا إلى الصيد. فقلت له: يا مولاي، ما لي قدرة على الركوب، فأجلسني في دار الضيافة، ووص علي الحجاب والنواب. ففعل، ثم توجه إلى الصيد، فأكرموني غاية الإكرام، وضيفوني أحسن الضيافة، فقلت في نفسي: بالله العجب، إن لي مدة أقدم من بغداد إلى البصرة ولم أعرف في البصرة سوى من القصر إلى البستان، ومن البستان إلى القصر، ومتى يكون لي فرصة أنتهزها في الفرجة على جهات البصرة مثل هذه النوبة، فأنا أقوم في هذه الساعة وأتمشى وحدي لأتفرج، وينهضم عني الأكل. فلبست أفخر ثيابي وتمشيت في جانب البصرة، ومعلومك يا أمير المؤمنين أن فيها سبعين دربا، طول كل درب سبعون فرسخا بالعراقي؛ فتهت في أزقتها ولحقني العطش. فبينما أنا ماش يا أمير المؤمنين، وإذا بباب كبير له حلقتان من النحاس الأصفر، ومرخي عليه ستور من الديباج الأحمر، وفي جانبيه مصطبتان، وفوقه مكعب لدوالي العنب، وقد ظللت على ذلك الباب فوقفت أتفرج على هذا المكان. فبينما أنا واقف إذ سمعت صوت أنين ناشئ من قلب حزين يقلب النغمات، وينشد هذه الأبيات: # جسمي غدا منزل الأسقام # والمحن %~% من أجل ظبي بعيد الدار # والوطن ~~فيا نسيمي زرود هيجا شجني %~% بالله ربكما عوجا على سكني # فذوقا القول إذ يصغي # لقولكما %~% واستدرجا خبر العشاق # بينكما ~~وأولياني جميلا من صنيعكما %~% وعرضا بي وقولا في حديثكما # من غير ذنب جناه أو مخالفة %~% أو ميل قلب لغير أو # محارفة ~~أو نقض عهد وثيق أو معاسفة %~% فإن تبسم قولا في ملاطفة # فإنه بك مشغوف كما يجب ms0871 %~% وطرفه ساهر يبكي وينتحب ~~فإن أبان الرضا فالقصد # والأدب %~% وإن بدا لكما في وجهه غضب ![fig2](../Images/figure2.png) # فجهزت آلة السفر من زاد وجمال وبغال، وسافرت إلى أن وصلت إلى بلد علي شار. # فقلت في نفسي: إن كان صاحب النغمة مليحا، فقد جمع بين الملاحة والفصاحة وحسن الصوت. ثم دنوت من الباب، وجعلت أرفع الستر قليلا قليلا، وإذا أنا بجارية بيضاء كأنها البدر إذا بدر في ليلة أربعة عشر، بحاجبين مقرونين، وجفنين ناعسين، ونهدين كرمانتين، ولها شفتان رقيقتان كأنهما أقحوانتان، وفم كأنه خاتم سليمان، ونضيد أسنان يلعب بعقل الناظم والناثر، كما قال فيه الشاعر: # يا در ثغر الحبيب من نظمك %~% وأودع الراح والأقاح فمك ~~ومن أعار الصباح مبتسمك %~% ومن بفعل العقيق قد ختمك ~~فأصبح من رآك من طرب %~% يتيه عجبا فكيف من لثمك # وقول الآخر: # يا در ثغر حبيبي %~% كن بالعقيق رحيما ~~ولا تعال عليه %~% ألم يجدك يتيما # وبالجملة فقد حازت أنواع الجمال، وصارت فتنة للنساء والرجال، لا يشبع من رؤية حسنها الناظر، وهي كما قال فيها الشاعر: # إن أقبلت قتلت وإن هي # أدبرت %~% جعلت جميع الناس من عشاقها ~~شمسية بدرية لكنها %~% ليس الجفا والصد من # أخلاقها ~~جنات عدن فتحت بقميصها %~% والبدر في فلك على أطواقها # فبينما أنا أنظر إليها من خلال الستارة، وإذا هي التفتت فرأتني واقفا على الباب، فقالت لجاريتها: انظري من بالباب؟ فقامت الجارية وأتت إلي وقالت: يا شيخ، أليس عندك حياء؟ وهل شيب وعيب؟ فقلت لها: يا سيدتي، أما الشيب فقد عرفناه، وأما العيب فما أظن أني أتيت بعيب. فقالت سيدتها: وأي عيب أكثر من تهجمك على دار غير دارك، ونظرك إلى حريم غير حريمك؟ فقلت لها: يا سيدتي، إن لي عذرا في ذلك. فقالت: وما عذرك؟ فقلت لها: إني رجل غريب عطشان، وقد قتلني العطش. فقالت: قبلنا عذرك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 329 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت: قبلنا عذرك. ثم نادت بعض جواريها وقالت: يا لطف، اسقيه شربة ms0872 بالكوز الذهب. فجاءتني بكوز من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجوهر، ملآن ماء ممزوجا بالمسك الأذفر، وهو مغطى بمنديل من الحرير الأخضر، فجعلت أشرب وأطيل في شربي، وأنا سارق النظر إليها حتى طال وقوفي، ثم رددت الكوز على الجارية ووقفت، فقالت: يا شيخ، امض إلى حال سبيلك. فقلت لها: يا سيدتي، أنا مشغول الفكر. فقالت: في ماذا؟ فقلت: في تقلب الزمان، وتصرف الحدثان. قالت: يحق لك؛ لأن الزمان ذو عجائب، ولكن ما الذي رأيت من عجائبه حتى تفكر فيه؟ فقلت لها: أفكر في صاحب هذه الدار؛ لأنه كان صديقي في حال حياته. فقالت لي: ما اسمه؟ فقلت: محمد بن علي الجوهري، وكان ذا مال جزيل، فهل خلف أولادا؟ قالت: نعم، خلف بنتا يقال لها بدور، وقد ورثت أمواله جميعها. فقلت لها: كأنك ابنته. قالت: نعم. وضحكت، ثم قالت: يا شيخ، قد أطلت الخطاب فاذهب إلى حال سبيلك. فقلت لها: لا بد من الذهاب، ولكني أرى محاسنك متغيرة، فأخبريني بشأنك لعل الله يجعل لك على يدي فرجا. فقالت لي: يا شيخ، إن كنت من أهل الأسرار كشفنا لك سرنا، فأخبرني من أنت حتى أعرف هل أنت محل للسر أم لا، فقد قال الشاعر: # لا يكتم السر إلا كل ذي # ثقة %~% والسر عند خيار الناس # مكتوم ~~قد صنت سري في بيت له غلق %~% قد ضاع مفتاحه والباب مختوم ![fig3](../Images/figure3.png) # فجاءتني بكوز من الذهب الأحمر، مرصع بالدر والجوهر، ملآن ماء ومسكا. # فقلت لها: يا سيدتي، كأن قصدك أن تعلمي من أنا، فأنا علي بن منصور الخليعي الدمشقي نديم أمير المؤمنين هارون الرشيد. فلما سمعت باسمي نزلت من على كرسيها وسلمت علي، وقالت لي: مرحبا بك يا ابن منصور، الآن أخبرك بحالي وأستأمنك على سري، أنا عاشقة مفارقة. فقلت لها: يا سيدتي، أنت مليحة وما تعشقين إلا كل مليح، فمن الذي تعشقينه؟ قالت: أعشق جبير بن عمير الشيباني أمير بني شيبان. وقد وصفت لي شابا لم يكن بالبصرة أحسن منه، فقلت لها: يا سيدتي، هل جرى ms0873 بينكما مواصلة أو مراسلة؟ قالت: نعم، إلا أنه قد عشقنا عشقا باللسان، لا بالقلب والجنان؛ لأنه لم يف بوعد، ولم يحافظ على عهد. فقلت لها: يا سيدتي، وما سبب الفراق بينكما؟ قالت: سببه أني كنت يوما جالسة، وجاريتي هذه تسرح شعري، فلما فرغت من تسريحه جدلت ذوائبي فأعجبها حسني وجمالي، فطأطأت علي وقبلت خدي، وكان في ذلك الوقت داخلا علي فرأى ذلك، فلما رأى الجارية تقبل خدي ولى من وقته غضبان، عازما على دوام البين، وأنشد هذين البيتين: # إذا كان لي في من أحب مشارك %~% تركت الذي أهوى وعشت وحيدا ~~فلا خير في المعشوق إن كان في # الهوى %~% لغير الذي يرضي المحب # مريدا # ومن حين ولى معرضا عني إلى الآن لم يأتنا من عنده كتاب ولا جواب يا ابن منصور. فقلت لها: فما تريدين؟ قالت: أريد أن أرسل إليه معك كتابا، فإن أتيتني بجوابه فلك عندي خمسمائة دينار، وإن لم تأتني بجوابه فلك حق مشيك مائة دينار. فقلت لها: افعلي ما بدا لك. فقالت: سمعا وطاعة. ثم نادت بعض جواريها وقالت: ائتيني بدواة وقرطاس. فأتتها بدواة وقرطاس، فكتبت هذه الأبيات: # حبيبي ما هذا التباعد والقلا %~% فأين التغاضي بيننا # والتعطف ~~وما لك بالهجران عني معرضا %~% فما وجهك الوجه الذي كنت # أعرف ~~نعم نقل الواشون عني باطلا %~% فملت لما قالوا فزادوا # وأسرفوا ~~فإن تك قد صدقتهم في # حديثهم %~% فحاشاك من هذا ورأيك أعرف ~~بعيشك قل لي ما الذي قد # سمعته %~% فإنك تدري ما يقال وتنصف ~~فإن كان قولا صح أني قلته %~% فللقول تأويل وللقول # مصرف ~~وهب أنه قول من الله منزل %~% فقد بدل التوراة قوم # وحرفوا ~~وبالزور كم قد قيل في الناس # قبلنا %~% فها عند يعقوب تلوم يوسف ~~وها أنا والواشي وأنت جميعنا %~% يكون لنا يوم عظيم وموقف # ثم بعد ذلك ختمت الكتاب وناولتني إياه، فأخذته ومضيت إلى دار جبير بن عمير الشيباني فوجدته في الصيد، فجلست أنتظره، فبينما أنا جالس وإذا به قد أقبل من الصيد، فلما رأيته يا أمير المؤمنين ms0874 على فرسه ذهل عقلي من حسنه وجماله، فالتفت فرآني جالسا بباب داره، فلما رآني نزل عن جواده وأتى إلي واعتنقني وسلم علي؛ فخيل لي أني اعتنقت الدنيا وما فيها، ثم دخل بي إلى داره، وأجلسني على فراشه، وأمر بتقديم المائدة، فقدموا مائدة من الخولنج الخراساني، وقوائمها من الذهب، عليها جميع الأطعمة وأنواع اللحم من مقلي ومشوي وما أشبه ذلك، فلما جلست على المائدة، أمعنت إليها الالتفات، فوجدت مكتوبا عليها هذه الأبيات ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 330 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علي بن منصور قال: لما جلست على مائدة جبير بن عمير الشيباني، أمعنت إليها الالتفات، فوجدت مكتوبا عليها هذه الأبيات: # عج بالغرانيق في ربع # السكاريج %~% وانزل بحي القلايا # والسكابيج ~~واندب بنات القطا ما زلت # أندبها %~% مع المحمر في وسط الفراريج ~~يا لهف قلبي على لونين من # سمك %~% لدى رغيف طري في المعاريج ~~لله در العشا ما كان أحسنه %~% والبقل يغمس في خل # الدكاكيج ~~كذا الأرز بألبان الجموس # غدت %~% فيه الأكف إلى حد الدماليج ~~يا نفس صبرا فإن الله ذو كرم %~% إن ضقت ذرعا أتاك بالتفاريج # ثم إن جبير بن عمير قال: مد يدك إلى طعامنا، واجبر خاطرنا بأكل زادنا. فقلت له: والله ما آكل من طعامك لقمة واحدة حتى تقضي حاجتي. قال: فما حاجتك؟ فأخرجت إليه الكتاب، فلما قرأه وفهم ما فيه مزقه ورماه في الأرض وقال لي: يا ابن منصور، مهما كان لك من الحوائج قضيناه، إلا هذه الحاجة التي تتعلق بصاحبة هذا الكتاب؛ فإن كتابها ليس له عندي جواب. فقمت من عنده غضبان، فتعلق بأذيالي وقال لي: يا ابن منصور، أنا أخبرك بالذي قالته لك، وإن لم أكن حاضرا معكما. فقلت له: ما الذي قالته لي؟ قال: أما قالت لك صاحبة هذا الكتاب إن أتيتني بجوابه فلك عندي خمسمائة دينار، وإن لم تأتني بجوابه فلك عندي حق مشيك مائة دينار؟ قلت: نعم. قال: اجلس عندي اليوم، وكل واشرب وتلذذ واطرب، ms0875 وخذ لك خمسمائة دينار. فجلست عنده وأكلت وشربت وتلذذت وطربت وسامرته، ثم قلت: يا سيدي، ما في دارك سماع؟ قال لي: إن لنا مدة نشرب من غير سماع. ثم نادى بعض جواريه وقال: يا شجرة الدر. فأجابته جارية من مقصورتها، ومعها عود من صنع الهنود ملفوف في كيس من الإبريسم، ثم جاءت وجلست ووضعته في حجرها، وضربت عليه إحدى وعشرين طريقة، ثم عادت إلى الطريقة الأولى، وأطربت بالنغمات، وأنشدت هذه الأبيات: # من لم يذق حلو الغرام # ومره %~% لم يدر وصل حبيبه من هجره ~~وكذاك من قد حاد عن سنن # الهوى %~% لم يدر سهل طريقه من وعره ~~ما زلت معترضا على أهل # الهوى %~% حتى بليت بحلوه وبمره ~~وشربت كأس مراره متجرعا %~% وخضعت فيه لعبده ولحره ~~كم ليلة بات الحبيب منادمي %~% ورشفت حلو رضابه من ثغره ~~ما كان أقصر عمر ليل وصالنا %~% مذ جاء وقت عشائه مع فجره ~~نذر الزمان بأن يفرق # شملنا %~% والآن قد أوفى الزمان بنذره ~~حكم الزمان فلا مرد لحكمه %~% من ذا يعارض سيدا في أمره # فلما فرغت الجارية من شعرها، صرخ سيدها صرخة عظيمة، ووقع مغشيا عليه. فقالت الجارية: لا آخذك الله أيها الشيخ، إن لنا مدة ونحن نشرب بلا سماع مخافة على سيدنا من مثل هذه الصرعة، ولكن اذهب إلى تلك المقصورة ونم فيها. فتوجهت إلى المقصورة التي أشارت إليها ونمت فيها إلى الصباح، وإذا أنا بغلام أتاني ومعه كيس فيه خمسمائة دينار، وقال: هذا الذي وعدك به سيدي، ولكنك لا تعد إلى هذه الجارية التي أرسلتك، وكأنك لا سمعت بهذا الخبر ولا سمعنا. فقلت له: سمعا وطاعة. ثم أخذت الكيس ومضيت إلى حال سبيلي، وقلت في نفسي: إن الجارية في انتظاري من أمس، والله لا بد أن أرجع إليها، وأخبرها بما جرى بيني وبينه؛ لأنني إن لم أعد إليها ربما تشتمني وتشتم كل من طلع من بلادي. فمضيت إليها فوجدتها واقفة خلف الباب، فلما رأتني قالت: يا ابن منصور، إنك ما قضيت لي حاجة. فقلت لها: ms0876 من أعلمك بهذا؟ فقالت: يا ابن منصور، إن معي مكاشفة أخرى، وهي أنك لما ناولته الورقة مزقها ورماها لك وقال: يا ابن منصور، مهما كان لك من الحوائج قضيناها لك إلا حاجة صاحبة هذه الورقة؛ فإنها ليس لها عندي جواب. فقمت أنت من عنده مغضبا فتعلق بأذيالك وقال لك: يا ابن منصور، اجلس عندي اليوم فإنك ضيفي، فكل واشرب والتذ واطرب، وخذ لك خمسمائة دينار. فجلست عنده وأكلت وشربت وتلذذت وطربت وسامرته، وغنت الجارية بالصوت الفلاني، والشعر الفلاني فوقع مغشيا عليه. فقلت لها يا أمير المؤمنين: هل أنت كنت معنا؟ فقالت لي: يا ابن منصور، أما سمعت قول الشاعر: # قلوب العاشقين لها عيون %~% ترى ما لا يراه الناظرون # ولكن يا ابن منصور، ما تعاقب الليل والنهار على شيء إلا وغيراه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 331 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت: يا ابن منصور، ما تعاقب الليل والنهار على شيء إلا وغيراه. ثم رفعت طرفها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي ومولاي، كما بليتني بمحبة جبير بن عمير أن تبليه بمحبتي، وأن تنقل المحبة من قلبي إلى قلبه. ثم إنها أعطتني مائة دينار حق طريقي، فأخذتها ومضيت إلى سلطان البصرة فوجدته قد جاء من الصيد، فأخذت رسمي منه ورجعت إلى بغداد. فلما أقبلت السنة الثانية توجهت إلى مدينة البصرة لأطلب رسمي على عادتي، ودفع السلطان إلي رسمي، ولما أردت الرجوع إلى بغداد تفكرت في نفسي أمر الجارية بدور، وقلت: والله لا بد أن أذهب إليها، وأنظر ما جرى بينها وبين صاحبها. فجئت إلى دارها فرأيت على بابها كنسا ورشا، وخدما وحشما وغلمانا، فقلت: لعل الجارية طفح الهم على قلبها فماتت، ونزل في دارها أمير من الأمراء. فتركتها ورجعت إلى دار جبير بن عمير الشيباني، فوجدت مصاطبها قد هدمت، ولم أجد على بابه غلمانا مثل العادة، فقلت في نفسي: لعله مات. ثم وقفت على باب داره وجعلت أفيض العبرات وأندبه بهذه الأبيات: # يا سادة ms0877 رحلوا والقلب # يتبعهم %~% عودوا تعد لي أعيادي بعودكم ~~وقفت في داركم أنعي # مساكنكم %~% والدمع يدفق والأجفان # تلتطم ~~أسائل الدار عنكم وهي # باكية %~% أين الذي كان منه الجود # والنعم ~~اقصد سبيلك فالأحباب قد # رحلوا %~% من الربوع وتحت الترب قد # ردموا ~~لا أوحش الله من رؤيا # محاسنهم %~% طولا وعرضا ولا غابت لهم # شيم # فبينما أنا أندب أهل هذه الدار بهذه الأبيات يا أمير المؤمنين، وإذا بعبد أسود قد خرج علي من الدار، فقال: يا شيخ اسكت ثكلتك أمك، ما لي أراك تندب هذه الدار بهذه الأبيات؟ فقلت له: إني كنت أعهدها لصديق من أصدقائي. فقال: وما اسمه؟ قلت: جبير بن عمير الشيباني. قال: وأي شيء جرى له؟ الحمد لله ها هو على حاله من الغنى والسعادة والملك، ولكن ابتلاه الله بمحبة جارية يقال لها السيدة بدور، وهو في محبتها مغمور، ومن شدة الوجد والتبريح فهو كالحجر الجلمود الطريح، فإن جاع لا يقول لهم أطعموني، وإن عطش لا يقول اسقوني. فقلت: استأذن لي في الدخول عليه. فقال: يا سيدي، أتدخل على من يفهم أو على من لا يفهم؟ فقلت: لا بد أن أدخل إليه على كل حال. فدخل الدار مستأذنا، ثم عاد إلي آذنا، فدخلت عليه فوجدته كالحجر الطريح لا يفهم بإشارة ولا تصريح، وكلمته فلم يكلمني، فقال لي بعض أتباعه: يا سيدي، إن كنت تحفظ شيئا من الشعر فأنشده إياه، وارفع صوتك به فإنه ينتبه لذلك ويخاطبك. فأنشدت هذين البيتين: # أسلوت حب بدور أم تتجلد %~% وسهرت ليلك أم جفونك ترقد ~~إن كان دمعك سائلا مهموله %~% فاعلم بأنك في الجنان # مخلد # فلما سمع هذا الشعر فتح عينيه وقال لي: مرحبا يا ابن منصور، قد صار الهزل جدا. فقلت له: يا سيدي، ألك بي حاجة؟ قال: نعم، أريد أن أكتب لها ورقة، وأرسلها معك إليها، فإن أتيتني بجوابها فلك علي ألف دينار، وإن لم تأتني بجوابها فلك علي حق مشيك مائتا دينار. فقلت له: افعل ما بدا لك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام ms0878 المباح. ### | فلما كانت الليلة 332 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن منصور قال: فقلت له افعل ما بدا لك. فنادى بعض جواريه وقال: ائتيني بدواة وقرطاس. فأتته بما طلبه، فكتب هذه الأبيات: # سألتكم بالله يا سادتي مهلا %~% علي فإن الحب لم يبق لي # عقلا ~~تمكن مني حبكم وهواكم %~% فألبسني سقما وأورثني ذلا ~~لقد كنت قبل اليوم أستصغر # الهوى %~% وأحسبه يا سادتي هينا سهلا ~~فلما أراني الحب أمواج # بحره %~% رجعت لحكم الله أعذر من # يبلى ~~فإن شئتم الإسعاد سعدي # وصالكم %~% وإن شئتم الهجران فلتذكروا # الفضلا # ثم ختم الكتاب وناولني إياه، فأخذته ومضيت به إلى دار بدور، وجعلت أرفع الستر قليلا قليلا على العادة، وإذا أنا بعشر جوار نهاد أبكار كأنهن الأقمار، والسيدة بدور جالسة في وسطهن كأنها البدر في وسط النجوم، أو الشمس إذا خلت عن الغيوم، وليس بها ألم ولا وجع. فبينما أنا أنظر إليها وأتعجب من هذا الحال، إذ لاحت منها التفاتة إلي فرأتني واقفا بالباب، فقالت لي: أهلا وسهلا ومرحبا بك يا ابن منصور، ادخل. فدخلت وسلمت عليها وناولتها الورقة، فلما قرأتها وفهمت ما فيها ضحكت، وقالت لي: يا بن منصور، ما كذب الشاعر حيث قال: # فلأصبرن على هواك تجلدا %~% حتى يجيء إلي منك رسول # يا ابن منصور، ها أنا أكتب لك جوابا حتى يعطيك الذي وعدك به. فقلت لها: جزاك الله خيرا. فنادت بعض جواريها وقالت: ائتيني بدواة وقرطاس. فلما أتتها بما طلبت كتبت إليه هذه الأبيات: # ما لي وفيت بعهدكم فغدرتمو %~% وأريتموني منصفا فظلمتمو ~~باديتموني بالقطيعة والجفا %~% وغدرتمو والغدر باد منكمو ~~ما زلت أحفظ في البرية # عهدكم %~% وأصون عرضكمو وأحلف عنكمو ~~حتى رأيت بناظري ما ساءني %~% وسمعت أخبار القبايح عنكمو ~~أيهون قدري حين أرفع قدركم %~% والله لو أكرمتمو كرمتمو ~~فلأصرفن القلب عنكم سلوة %~% ولأنفضن يدي يأسا منكمو # فقلت لها: والله يا سيدتي إنه ما بينه وبين الموت إلا حتى يقرأ هذه الورقة. ثم مزقتها وقلت لها: اكتبي إليه غير هذه الأبيات. فقالت: سمعا وطاعة. ثم ms0879 إنها كتبت إليه هذه الأبيات: # أنا قد سلوت ولذ في طرفي # الكرى %~% وسمعت من قول العواذل ما # جرى ~~وأجابني قلبي إلى سلوانكم %~% ورأت جفوني بعدكم أن تسهرا ~~كذب الذي قال البعاد مرارة %~% ما ذقت طعم البعد إلا سكرا ~~قد صرت أكره من يمر # بذكركم %~% متعرضا وأراه شيئا منكرا ~~ها قد سلوتكمو بكل جوارحي %~% فليعلم الواشي ويدري من درى # فقلت لها: والله يا سيدتي إنه ما يقرأ هذه الأبيات إلا وتفارق روحه جسده. فقالت لي: يا ابن منصور، قد بلغ بي الوجد إلى هذا الحد حتى قلت ما قلت. فقلت لها: لو قلت أكثر من ذلك الحق لك، ولكن العفو من شيم الكرام. فلما سمعت كلامي ترغرغت عيناها بالدموع، وكتبت إليه رقعة، والله يا أمير المؤمنين ما في ديوانك من يحسن أن يكتب مثلها، وكتبت فيها هذه الأبيات: # إلى كم ذا الدلال وذا التجني %~% شفيت وحقك الحساد مني ~~لعلي قد أسأت ولست أدري %~% فقل لي ما الذي بلغت عني ~~مرادي لو وضعتك يا حبيبي %~% مكان النوم من عيني وجفني ~~وكيف شربت كأس الحب صرفا %~% فإن ترني سكرت فلا تلمني # فلما فرغت من كتابة المكتوب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 333 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بدور لما فرغت من كتابة المكتوب وختمته، ناولتني إياه، فقلت لها: يا سيدتي، إن هذه الرقعة تداوي العليل وتشفي الغليل. ثم أخذت المكتوب وخرجت، فنادتني بعدما خرجت من عندها وقالت لي: يا ابن منصور، قل له: إنها في هذه الليلة ضيفتك. ففرحت أنا بذلك فرحا شديدا، ومضيت بالكتاب إلى جبير بن عمير، فلما دخلت عليه وجدت عينه شاخصة إلى الباب ينتظر الجواب، فلما ناولته الورقة فتحها وقرأها وفهم معناها؛ فصاح صيحة عظيمة ووقع مغشيا عليه. فلما أفاق قال: يا ابن منصور، هل كتبت هذه الرقعة بيدها، ولمستها بأناملها؟ قلت: يا سيدي، وهل الناس يكتبون بأرجلهم؟ فوالله يا أمير المؤمنين ما استتم كلامي أنا وإياه إلا وقد سمعنا شن خلاخلها في ms0880 الدهليز وهي داخلة، فلما رآها قام على أقدامه كأنه لم يكن به ألم قط، وعانقها عناق اللام للألف، وزالت عنه علة الذي لا ينصرف، ثم جلس ولم تجلس هي، فقلت لها: يا سيدتي، لأي شيء لم تجلسي؟ قالت: يا ابن منصور، لا أجلس إلا بالشرط الذي بيننا. فقلت لها: وما ذلك الشرط الذي بينكما؟ قالت: إن العشاق لا يطلع أحد على أسرارهم. ثم وضعت فمها على أذنه وقالت له كلاما سرا، فقال: سمعا وطاعة. ثم نام جبير ووشوش بعض عبيده، فغاب العبد ساعة، ثم أتى ومعه قاض وشاهدان، فقام جبير وأتى بكيس فيه مائة ألف دينار وقال: أيها القاضي، اعقد عقدي على هذه الصبية بهذا المبلغ. فقال لها القاضي: قولي رضيت بذلك. فقالت: رضيت بذلك. فعقدوا العقد ثم فتحت الكيس وملأت يدها منه وأعطت القاضي والشهود، ثم ناولته بقية الكيس، فانصرف القاضي والشهود، وقعدت أنا وإياهما في بسط وانشراح إلى أن مضى من الليل أكثره، فقلت في نفسي: إنهما عاشقان، ومضت عليهما مدة من الزمان وهما متهاجران، فأنا أقوم في هذه الساعة لأنام في مكان بعيد عنهما، وأتركهما يختليان ببعضهما. ثم قمت فتعلقت بأذيالي وقالت لي: ما الذي حدثتك به نفسك؟ فقلت: ما هو كذا وكذا. فقالت: اجلس، وإذا أردنا انصرافك صرفناك. فجلست معهما إلى أن قرب الصبح، فقالت: يا ابن منصور، امض إلى تلك المقصورة لأننا فرشناها لك، وهي محل نومك. فقمت ونمت فيها إلى الصباح، فلما أصبحت جاءني غلام بطشت وإبريق فتوضأت وصليت الصبح ثم جلست. # فبينما أنا جالس وإذا بجبير ومحبوبته خرجا من حمام في الدار، وكل منهما يعصر ذوائبه، فصبحت عليهما وهنأتهما بالسلامة وجمع الشمل، ثم قلت له: الذي أوله شرط آخره رضا. فقال لي: صدقت، وقد وجب لك الإكرام. ثم نادى خازن داره وقال له: ائتني بثلاثة آلاف دينار. فأتاه بكيس فيه ثلاثة آلاف دينار، فقال لي: تفضل علينا بقبول هذا. فقلت له: لا أقبله حتى تحكي لي ما سبب انتقال المحبة منها إليك بعد ms0881 ذلك الصد العظيم. قال: سمعا وطاعة. اعلم أن عندنا عيدا يقال له عيد النواريز، يخرج الناس فيه وينزلون في الزوارق ويتفرجون في البحر، فخرجت أتفرج أنا وأصحابي، فرأيت زورقا فيه عشر جوار كأنهن الأقمار، والسيدة بدور هذه في وسطهن وعودها معها؛ فضربت عليه إحدى عشرة طريقة، ثم عادت إلى الطريقة الأولى وأنشدت هذين البيتين: # النار أبرد من نيران أحشائي %~% والصخر ألين من قلب # لمولائي ~~إني لأعجب من تأليف خلقته %~% قلب من الصخر في جسم من # الماء # فقلت لها: أعيدي البيتين والطريقة. فما رضيت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 334 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جبيرا قال: فقلت لها: أعيدي البيتين والطريقة. فما رضيت، فأمرت النواتية أن يرجموها، فرجموها بالنارنج حتى خشينا الغرق على الزورق الذي هي فيه، ثم مضت إلى حال سبيلها، وهذا سبب انتقال المحبة من قلبها إلى قلبي. فهنأتهما بجمع الشمل، وأخذت الكيس بما فيه، وتوجهت إلى بغداد. فانشرح صدر الخليفة، وزال عنه ما كان يجده من الأرق وضيق الصدر. # ![fig4](../Images/figure4.png) # وتلذذوا وطربوا، ثم ملأ الكأس وأشار للجارية البيضاء. ### || حكاية اليمني والست جوار # ومما يحكى أن أمير المؤمنين المأمون جلس يوما من الأيام في قصره، وأحضر رؤساء دولته وأكابر مملكته جميعا، وكذلك أحضر الشعراء والندماء بين يديه، وكان من جملة ندمائه نديم يسمى محمدا البصري، فالتفت إليه المأمون وقال له: يا محمد، أريد منك في هذه الساعة أن تحدثني بشيء ما سمعته قط. فقال له: يا أمير المؤمنين، أتريد أن أحدثك بحديث سمعته بأذني أو بأمر عاينته ببصري. فقال المأمون: حدثني يا محمد بالأغرب منهما. فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أنه كان في الأيام الماضية رجل من أرباب النعم، وكان موطنه باليمن، ثم إنه ارتحل من اليمن إلى مدينة بغداد هذه، فطاب له مسكنها، فنقل أهله وماله وعياله إليها، وكان له ست جوار كأنهن الأقمار؛ الأولى بيضاء، والثانية سمراء، والثالثة سمينة، والرابعة هزيلة، والخامسة صفراء، والسادسة سوداء. وكن حسان الوجوه كاملات الأدب، عارفات ms0882 بصناعة الغناء وآلات الطرب، فاتفق أنه أحضر هؤلاء الجواري بين يديه يوما من الأيام وطلب الطعام والمدام، فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا، ثم ملأ الكأس وأخذه في يده، وأشار للجارية البيضاء وقال لها: يا وجه الهلال، أسمعينا من لذيذ المقال. فأخذت العود وأصلحته، ورجعت عليه الألحان حتى رقص المكان، ثم أطربت بالنغمات، وأنشدت هذه الأبيات: # لي حبيب خياله نصب عيني %~% واسمه في جوارحي مكنون ~~إن تذكرته فكلي قلوب %~% أو تأملته فكلي عيون ~~قال لي عاذلي: أتسلو هواه %~% قلت: ما لا يكون كيف يكون ~~قلت: يا عاذلي امض عني # ودعني %~% لا تهون علي ما لا يهون # فطرب مولاهن وشرب قدحه وسقى الجواري، ثم ملأ الكأس وأخذه في يده وأشار إلى الجارية السمراء، وقال لها: يا نور المقباس وطيبة الأنفاس، أسمعينا صوتك الحسن الذي من سمعه افتتن. فأخذت العود ورجعت عليه الألحان حتى طرب المكان، وأخذت القلوب باللفتات، وأنشدت هذه الأبيات: # وحياة وجهك لا أحب سواكا %~% حتى أموت ولن أخون هواكا ~~يا بدر تم بالجميل # مبرقعا %~% كل الملاح تسير تحت # لواكا ~~أنت الذي فقت الملاح # لطافة %~% والله رب العالمين حباكا # فطرب مولاهن وشرب كأسه وسقى الجواري، ثم ملأ القدح وأخذه في يده، وأشار إلى الجارية السمينة، وأمرها بالغناء وتقليب الأهواء؛ فأخذت العود وضربت عليه ضربا يذهب الحسرات، وأنشدت هذه الأبيات: # إن صح منك الرضا يا من هو # الطلب %~% فلا أبالي بكل الناس إن # غضبوا ~~وإن تبدى محياك الجميل # فلم %~% أعبأ بكل ملوك الأرض إن # حجبوا ~~قصدي رضاك من الدنيا # بأجمعها %~% يا من إليه جميع الحسن # ينتسب # فطرب مولاهن وأخذ الكأس وسقى الجواري، ثم ملأ الكاس وأخذه في يده، وأشار إلى الجارية الهزيلة وقال: يا حور الجنان، أسمعينا الألفاظ الحسان. فأخذت العود وأصلحته ورجعت عليه الألحان، وأنشدت هذين البيتين: # ألا في سبيل الله ما حل بي # منكا %~% بصدك عني حيث لا صبر لي # عنكا ~~ألا حاكم في الحب يحكم # بيننا %~% فيأخذ لي حقي وينصفني # منكا # فطرب مولاهن وشرب القدح وسقى الجواري، ثم ملأ القدح ms0883 وأخذه بيده، وأشار إلى الجارية الصفراء وقال: يا شمس النهار، أسمعينا من لطيف الأشعار. فأخذت العود وضربت عليه أحسن الضربات، وأنشدت هذه الأبيات: # لي حبيب إذا نظرت إليه %~% سل سيفا علي من مقلتيه ~~أخذ الله بعض حقي منه %~% إذ جفاني ومهجتي في يديه ~~كلما قلت يا فؤادي دعه %~% لا يميل الفؤاد إلا إليه ~~هو سؤلي من الأنام ولكن %~% حسدتني عين الزمان عليه # فطرب مولاهن وشرب وسقى الجواري، ثم ملأ الكأس وأخذه في يده، وأشار إلى الجارية السوداء وقال: يا سوداء العين، أسمعينا ولو كلمتين. فأخذت العود وأصلحته وشدت أوتاره، وضربت عليه عدة طرق، ثم رجعت إلى الطريقة الأولى، وأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # ألا يا عين بالعبرات جودي %~% فوجدي قد عدمت به وجودي ~~أكابد كل وجد من حبيب %~% ألفت به ويشمت بي حسودي ~~وتمنعني العواذل ورد خد %~% ولي قلب يحن إلى الورود ~~لقد دارت هناك كئوس راح %~% بأفراح لدى ضرب وعود ~~ووافاني الحبيب فهمت فيه %~% وأشرق بالوفا نجم السعود ~~تصدى للصدود بغير ذنب %~% وهل شيء أمر من الصدود ~~وفي وجناته ورد جني %~% فيا لله من ورد الخدود ~~فلو أن السجود يحل شرعا %~% لغير الله كان له سجودي # ثم بعد ذلك قامت الجواري وقبلن الأرض بين يدي مولاهن وقلن له: أنصف بيننا يا سيدي. فنظر مولاهن إلى حسنهن وجمالهن واختلاف ألوانهن؛ فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال لهن: ما منكن إلا وقد قرأت القرآن، وتعلمت الألحان، وعرفت أخبار المتقدمين، واطلعت على سير الأمم الماضين، وقد اشتهيت أن تقوم كل واحدة منكن وتشير بيدها إلى ضرتها؛ يعني تشير البيضاء إلى السمراء، والسمينة إلى الهزيلة، والصفراء إلى السوداء، وتمدح كل واحدة منكن نفسها وتذم ضرتها، ثم تقوم ضرتها وتفعل معها مثلها، ولكن يكون ذلك بدليل من القرآن الشريف، وشيء من الأخبار والأشعار؛ لننظر أدبكن وحسن ألفاظكن. فقلن له: سمعا وطاعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 335 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجل اليمني قالت له جواريه: ms0884 سمعا وطاعة. ثم قامت أولاهن، وهي البيضاء، وأشارت إلى السوداء وقالت لها: ويحك يا سوداء، قد ورد أن البياض قال: أنا النور اللامع، أنا البدر الطالع، لوني ظاهر، وجبيني زاهر في حسن، قال الشاعر: # بيضاء مصقولة الخدين # ناعمة %~% كأنها لؤلؤ في الحسن مكنون ~~فقدها ألف يزهو ومبسمها %~% ميم وحاجبها من فوقه نون ~~كأن ألحاظها نبل وحاجبها %~% قوس على أنه بالموت مقرون ~~الخد والقد والجيد # ووجنتها %~% ورد وآس وريحان ونسرين ~~والغصن يعهد في البستان # مغرسه %~% وغصن قدك لم تشهد بساتين # فلوني مثل النهار الهني، والزهر الجني، والكوكب الدري، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز لنبيه موسى - عليه السلام: @QUR@09 وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ، وقال الله تعالى: @QUR@010 وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون . فلوني آية، وجمالي غاية، وحسني نهاية، وعلى مثلي يحسن الملبوس، وإليه تميل النفوس، وفي البياض فضائل كثيرة؛ منها: أن الثلج ينزل من السماء أبيض، وقد ورد أن أحسن الألوان البياض، ويفتخر المسلمون بالعمائم البيض، ولو ذهبت أذكر ما فيه من المدح لطال الشرح، ولكن ما قل وكفى خير مما كثر وما وفى، وسوف أبتدي بذمك يا سوداء، يا لون المداد، وهباب الحداد، ووجه الغراب المفرق بين الأحباب، وقد قال الشاعر يمدح البياض ويذم السواد: # ألم تر أن الدر يغلو # بلونه %~% وأن سواد الفحم حمل بدرهم ~~وأن الوجوه البيض تدخل # جنة %~% وأن الوجوه السود حشو # جهنم # وقد ورد في بعض الأخبار المروية عن الأخبار أن نوحا - عليه السلام - نام في بعض الأيام وولداه سام وحام جالسان عند رأسه، فجاءت ريح فرفعت أثوابه وانكشفت عورته، فنظر إليه حام وضحك ولم يغطه، فقام سام وغطاه؛ فانتبه أبوهما من منامه وقد علم بما جرى من ولديه، فدعا لسام ودعا على حام؛ فابيض وجه سام وجاءت الأنبياء والخلفاء الراشدون والملوك من أولاده، واسود وجه حام وخرج هاربا إلى بلاد الحبشة، وجاءت السودان من نسله، وقد أجمعت الناس على قلة عقل السودان. وفي المثل يقول القائل: ms0885 كيف يوجد أسود عاقل؟ فقال لها سيدها: اجلسي ففي هذا القدر كفاية، فقد أسرفت. ثم أشار إلى السوداء؛ فقامت وأشارت بيدها إلى البيضاء وقالت: أما علمت أنه ورد في القرآن المنزل على نبيه المرسل قول الله تعالى: @QUR@07 والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى ، ولولا أن الليل أجل لما أقسم الله به وقدمه على النهار، وقبلته ألوف البصائر والأبصار، أما علمت أن السواد زينة الشباب، فإذا نزل المشيب ذهبت اللذات، ودنت أوقات الممات، ولو لم يكن أجل الأشياء ما جعله الله في حبة القلب والناظر، وما أحسن قول الشاعر: # لم أعشق السمر إلا من # حيازتهم %~% لون الشباب وحب القلب # والحدق ~~لا ما سلوت بياض البيض عن # غلط %~% إني من الشيب والأكفان في # فرق # وقول الآخر: # السمر دون البيض هم %~% أولى بعشقي وأحق ~~السمر في لون اللمى %~% والبيض في لون البهق # وقول الآخر: # سوداء بيضاء الفعال كأنها %~% مثل العيون تخص بالأضواء ~~أنا إن جننت بحبها لا # تعجبوا %~% أصل الجنون يكون بالسوداء ~~فكأن لوني في الدياجي غيهب %~% لولاه ما قمر أتى بضياء # وأيضا فهل يحسن اجتماع الأحباب إلا في الليل؟ فيكفيك هذا الفضل والنبل، فما ستر الأحباب عن الواشين واللوام مثل سواد الظلام، ولا خوفهم من الافتضاح مثل بياض الصباح، فكم للسواد من مآثر! وما أحسن قول الشاعر: # أزورهم وسواد الليل يشفع # لي %~% وأنثني وبياض الصبح يغري بي # وقول الآخر: # وكم ليلة بات الحبيب مؤانسي %~% وقد سترتنا من دجاها ذوائب ~~فلما بدا نور الصباح أراعني %~% فقلت له: إن المجوس كواذب # وقول الآخر: # وزارني في قميص الليل # مستترا %~% يستعجل الخطو من خوف ومن # حذر ~~وقمت أفرش خدي في الطريق # له %~% ذلا وأسحب أذيالي على أثري ~~ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا %~% مثل القلامة قد قدت من # الظفر ~~وكان ما كان مما لست أذكره %~% فظن خيرا ولا تسأل عن # الخبر # وقول الآخر: # لا تلق إلا بليل من تواصله %~% فالشمس نمامة والليل قواد # وقول الآخر: # لا أعشق الأبيض المنفوخ من # سمن %~% لكنني أعشق السمر # المهازيلا ~~إني امرؤ ms0886 أركب المهر المضمر # في %~% يوم الرهان وغيري يركب # الفيلا # وقول الآخر: # زارني المحبوب ليلا %~% فتعانقنا جميعا ~~ثم بتنا وإذا قد %~% طلع الصبح سريعا ~~أسأل الله إلهي %~% يجمع الشمل رجوعا ~~ويديم الليل لي ما %~% دام لي الإلف ضجيعا # ولو ذهبت أذكر ما في السواد من المدح لطال الشرح، ولكن ما قل وكفى خير مما كثر وما وفى. وأما أنت يا بيضاء فلونك لون البرص، ووصالك من الغصص، وقد ورد أن البرد والزمهرير في جهنم لعذاب أهل النكير. ومن فضيلة السواد أن منه المداد الذي يكتب به كلام الله، ولولا سواد المسك والعنبر ما كان الطيب يحمل للملوك ولا يذكر، وكم للسواد من مفاخر! وما أحسن قول الشاعر: # ألم تر أن المسك يعظم # قدره %~% وأن بياض الجير حمل بدرهم ~~وأن بياض العين يقبح # بالفتى %~% وأن سواد العين يرمي # بأسهم # فقال لها سيدها: اجلسي ففي هذا القدر كفاية. فجلست، ثم أشار إلى السمينة فقامت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 336 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن اليمني سيد الجواري أشار إلى الجارية السمينة فقامت، وأشارت بيدها إلى الهزيلة، وكشفت سيقانها ومعاصمها، وكشفت عن بطنها فبانت طياته، وظهر تدوير سرتها، ثم لبست قميصا رفيعا، فبان منه جميع بدنها، وقالت: الحمد لله الذي خلقني فأحسن صورتي، وسمنني فأحسن سمنتي، وشبهني بالأغصان، وزاد في حسني وبهجتي، فله الحمد على ما أولاني وشرفني؛ إذ ذكرني في كتابه العزيز فقال تعالى: @QUR@03 فجاء بعجل سمين ، وجعلني كالبستان المشتمل على خوخ ورمان. وإن أهل المدن يشتهون الطير السمين فيأكلون منه، ولا يحبون طيرا هزيلا، وبنو آدم يشتهون اللحم السمين ويأكلونه، وكم للسمن من مفاخر، وما أحسن قول الشاعر: # ودع حبيبك إن الركب # مرتحل %~% وهل تطيق وداعا أيها الرجل ~~كأن مشيتها في بيت جارتها %~% مشي السمينة لا عيب ولا ملل # وما رأيت أحدا يقف على الجزار إلا ويطلب منه اللحم السمين. وقالت الحكماء: اللذة في ثلاثة أشياء: أكل اللحم، والركوب على اللحم، وإدخال اللحم في اللحم. ms0887 وأما أنت يا رفيعة فسيقانك كسيقان العصفور، ومحراك التنور، وأنت خشبة المصلوب، ولحم المعيوب، وليس فيك شيء يسر الخاطر، كما قال فيك الشاعر: # أعوذ بالله من أشياء تحوجني %~% إلى مضاجعة كالدلك بالمسد ~~في كل عضو لها قرن يناطحني %~% عند المنام فأمسي واهي # الجسد # فقال لها سيدها: اجلسي، ففي هذا القدر كفاية. فجلست، ثم أشار إلى الهزيلة فقامت كأنها غصن بان أو قضيب خيزران أو عود ريحان، وقالت: الحمد لله الذي خلقني فأحسنني، وجعل وصلي غاية المطلوب، وشبهني بالغصن الذي تميل إليه القلوب، فإن قمت قمت خفيفة، وإن جلست جلست ظريفة؛ فأنا خفيفة الروح عند المزاح، طيبة النفس من الارتياح، وما رأيت أحدا وصف حبيبه فقال: حبيبي قدر الفيل، ولا مثل الجبل العريض الطويل، وإنما حبيبي له قد أهيف، وقوام مهفهف. فاليسير من الطعام يكفيني، والقليل من الماء يرويني، لعبي خفيف، ومزاجي ظريف؛ فأنا أنشط من العصفور، وأخف حركة من الزرزور، ووصلي منية الراغب، ونزهة الطالب. وأنا مليحة القوام حسنة الابتسام، كأني غصن بان أو قضيب خيزران أو عود ريحان، وليس لي في الجمال مماثل، كما قال في القائل: # شبهت قدك بالقضيب %~% وجعلت شكلك من نصيبي ~~وغدوت خلفك هائما %~% خوفا عليك من الرقيب # وفي مثلي تهيم العشاق، ويتوله المشتاق، وإن جذبني حبيبي أنجذب إليه، وإن استمالني ملت له لا عليه، وها أنت يا سمينة البدن، فإن أكلك أكل الفيل، ولا يشبعك كثير ولا قليل، وعند الاجتماع لا يستريح معك خليل، ولا يوجد لراحته معك سبيل؛ فكبر بطنك يمنعه من جماعك، وعند التمكن من فرجك يدفعه غلظ أفخاذك، أي شيء في غلظك من الملاحة؟ أو في فظاظتك من اللطف والسماحة؟ ولا يليق باللحم السمين غير الذبح، وليس فيه شيء من موجبات المدح، إن مازحك أحد غضبت، وإن لاعبك حزنت، فإن غنجت شخرت، وإن مشيت لهثت، وإن أكلت ما شبعت. وأنت أثقل من الجبال، وأقبح من الخبال والوبال، ما لك حركة، ولا فيك بركة، وليس لك شغل إلا الأكل والنوم، وإن بلت شرشرت، ms0888 وإن تغوطت بطبطت، كأنك زق منفوخ أو فيل ممسوخ، إن دخلت بيت الخلا تريدين من يغسل لك فرجك، وينتف من فوقه شعرك، وهذا غاية الكسل، وعنوان الخبل، وبالجملة ليس فيك شيء من المفاخر، وقد قال فيك الشاعر: # ثقيلة مثل زق البول منتفخ %~% أوراكها كعواميد من الجبل ~~إذا مشت في بلاد الغرب أو # خطرت %~% سرى إلى الشرق ما تبدي من # الهبل # فقال لها سيدها: اجلسي، ففي هذا القدر كفاية. فجلست، ثم أشار إلى الصفراء، فقامت على قدميها وحمدت الله تعالى وأثنت عليه، وأتت بالصلاة والسلام على خيار خلقه لديه، ثم أشارت بيدها إلى السمراء وقالت ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 337 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية الصفراء قامت على قدميها فحمدت الله تعالى وأثنت عليه، ثم أشارت بيدها إلى السمراء وقالت لها: أنا المنعوتة في القرآن، ووصف لوني الرحمن، وفضله على سائر الألوان، بقوله تعالى في كتابه المبين: @QUR@05 صفراء فاقع لونها تسر الناظرين فلوني آية، وجمالي غاية، وحسني نهاية؛ لأن لوني لون الدينار، ولون النجوم والأقمار، ولون التفاح، وشكلي شكل الملاح، ولون الزعفران يزهو على سائر الألوان، فشكلي غريب، ولوني عجيب، وأنا ناعمة البدن غالية الثمن، وقد حويت كل معنى حسن، ولوني في الوجود عزيز، مثل الذهب الإبريز، وكم من مآثر، وفي مثلي قال الشاعر: # لها اصفرار كلون الشمس في # البهج %~% وكالدنانير في حسن من النظر ~~ما الزعفران يحاكي بعض # بهجتها %~% كلا ومنظرها يعلو عن القمر # وسوف أبتدي بذمك يا سمراء اللون؛ فلونك لون الجاموس، تشمئز عند رؤيتك النفوس، إن كان لونك في شيء فهو مذموم، وإن كان في طعام فهو مسموم، فلونك لون الذباب، وفيه بشاعة الكلاب، وهو محير بين الألوان، ومن علامات الأحزان، وما سمعت قط بذهب أسمر، ولا در ولا جوهر، إن دخلت الخلاء يتغير لونك، وإن خرجت ازددت قبحا، فلا أنت سوداء فتعرفين، ولا أنت بيضاء فتوصفين، وليس لك شيء من المآثر، كما قال فيك الشاعر: # لون الهباب لها لون ms0889 # فغبرتها %~% كالترب ترهسه في أقدام # قصادي ~~لما نظرت إليها قمت # أرمقها %~% وقد تزايد بي همي وأنكادي # فقال لها سيدها: اجلسي، ففي هذا القدر كفاية. فجلست، ثم أشار إلى السمراء، وكانت ذات حسن وجمال، وقد واعتدال، وبهاء وكمال، لها جسم ناعم، وشعر فاحم، معتدلة القد، موردة الخد، ذات طرف كحيل، وخد أسيل، ووجه مليح، ولسان فصيح، وخصر نحيل، وردف ثقيل. ثم قالت: الحمد لله الذي خلقني لا سمينة مذمومة، ولا هزيلة مهضومة، ولا بيضاء كالبرص، ولا صفراء كالمغص، ولا سوداء بلون الهباب؛ بل جعل لوني معشوقا لأولي الألباب، وسائر الشعراء يمدحون السمر بكل لسان، ويفضلون ألوانهم على سائر الألوان؛ فأسمر اللون حميد الخصال، ولله در من قال: # وفي السمر معنى لو علمت # بيانه %~% لما نظرت عيناك بيضا ولا # حمرا ~~لباقة ألفاظ وغنج لواحظ %~% يعلمن هاروت الكهانة # والسحرا # وقول الآخر: # من لي بأسمر تروي عن معاطفه # الس %~% مر الرشاق عوال سمهريات ~~ساجي الجفون حريري العذار # له %~% في قلب عاشقه المضنى مقامات # وقول الآخر: # بالروح أسمر نقطة من لونه %~% تدع البياض يفاخر الأقمارا ~~ولو استقل من البياض # بمثلها %~% لتبدلت منه الملاحة عارا ~~ما من سلافته سكرت وإنما %~% تركت سوالفه الأنام سكارى ~~حسد المحاسن بعضها حتى # اشتهت %~% كل المحاسن أن تكون عذارا # وقوله: # لم لا أميل إلى العذار إذا # بدا %~% من أسمر كالصعدة السمراء ~~مع أنه قصص المحاسن كلها %~% في نمله الأنفال للشعراء ~~ورأيت كل العاشقين تهتكوا %~% في الخال تحت المقلة # السوداء ~~أتلومني العذال فيمن كله %~% خال فخلوني من السفهاء # فشكلي مليح، وقدي رجيح، ولوني ترغب فيه الملوك، ويعشقه كل غني وصعلوك، وأنا لطيفة خفيفة، مليحة ظريفة، ناعمة البدن غالية الثمن، وقد كملت في الملاحة والأدب والفصاحة؛ فظاهري مليح، ولساني فصيح، ومزاحي خفيف، ولعبي ظريف؛ وأما أنت فمثل ملوخية باب اللوق، صفراء وكلها عروق؛ فتعسا لك يا قدرة الرواس، ويا صدأ النحاس، وطلعة البوم، وطعام الزقوم؛ فضجيعك مضيق الأنفاس، مقبور في الأرماس، وليس لك في الحسن مآثر، وفي مثلك قال الشاعر: # عليها اصفرار زاد ms0890 من غير # علة %~% يضيق له صدري وتوجعني راسي ~~إذا لم تتب نفسي فإني # أذلها %~% بلثم محياها فتقلع أضراسي # فلما فرغت من شعرها، قال لها سيدها: اجلسي، ففي هذا القدر كفاية. ثم بعد ذلك ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 338 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما فرغت من شعرها قال لها سيدها: اجلسي، ففي هذا القدر كفاية. ثم بعد ذلك أصلح بينهن وألبسهن الخلع السنية، ونقطهن بنفيس الجواهر البرية والبحرية. فما رأيت يا أمير المؤمنين في مكان ولا زمان أحسن من هؤلاء الجواري الحسان. # ![fig5](../Images/figure5.png) # كشف عنها فكأنها بدر، ومالت نفسه إليها فقبل أثرا كان بوجهها. # فلما سمع المأمون هذه الحكاية من محمد البصري أقبل عليه، وقال له: يا محمد، هل تعرف لهؤلاء الجواري وسيدهن محلا؟ وهل يمكنك أن تشتريهن لنا من سيدهن؟ فقال له محمد: يا أمير المؤمنين، قد بلغني أن سيدهن مغرم بهن، ولا يمكنه مفارقتهن. فقال المأمون: خذ معك إلى سيدهن في كل جارية عشرة آلاف دينار، فيكون مبلغ ذلك الثمن ستين ألف دينار، فاحملها صحبتك وتوجه إلى منزله، واشترهن منه. فأخذ محمد البصري منه ذلك القدر وتوجه به، فلما وصل إلى سيد الجواري أخبره بأن أمير المؤمنين يريد اشتراءهن منه بذلك المبلغ، فسمح ببيعهن لأجل خاطر أمير المؤمنين وأرسلهن إليه، فلما وصلت الجواري إلى أمير المؤمنين هيأ لهن مجلسا لطيفا، وصار يجلس فيه معهن وينادمنه، وقد تعجب من حسنهن وجمالهن، واختلاف ألوانهن، وحسن كلامهن، وقد استمر على ذلك مدة من الزمان. ثم إن سيدهن الأول الذي باعهن لما لم يكن له صبر على فراقهن، أرسل كتابا إلى أمير المؤمنين المأمون يشكو إليه فيه ما عنده للجواري من الصبابات، ومن ضمنه هذه الأبيات: # سلبتني ست ملاح حسان %~% فعلى الستة الملاح سلامي ~~هن سمعي وناظري وحياتي %~% وشرابي ونزهتي وطعامي ~~لست أسلو من حسنهن وصالا %~% ذاهب بعدهن طيب منامي ~~آه يا طول حسرتي وبكائي %~% ليتني ما خلقت بين الأنام ~~وعيون قد زانهن جفون %~% كقسي ms0891 رمينني بسهام # فلما وقع ذلك الكتاب في يد الخليفة المأمون كسا الجواري من الملابس الفاخرة، وأعطاهن ستين ألف دينار، وأرسلهن إلى سيدهن، فوصلن إليه وفرح بهن غاية الفرح أكثر مما أتى إليه من المال، وأقام معهن في أطيب عيش وأهناه، إلى أن أتاهم هادم اللذات، ومفرق الجماعات. # ومما يحكى أن الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد قلق ذات ليلة قلقا شديدا، وتفكر فكرا عظيما، فقام يتمشى في جوانب قصره حتى انتهى إلى مقصورة عليها ستر، فرفع ذلك الستر فرأى في صدرها تختا، وعلى ذلك التخت شيء أسود كأنه إنسان نائم، وعلى يمينه شمعة وعلى يساره شمعة، فبينما هو ينظر إلى ذلك ويتعجب منه، وإذا بباطية مملوءة خمرا عتيقا والكأس عليها، فلما رأى ذلك أمير المؤمنين تعجب في نفسه وقال: أتكون هذه الصحبة لمثل هذا الأسود؟ ثم دنا من التخت فرأى الذي فوقه صبية نائمة وقد تجللت بشعرها، فكشف عن وجهها فرآها كأنها البدر ليلة تمامه، فملأ الخليفة الكأس من الخمر وشربه على ورد خدها، ومالت نفسه إليها فقبل أثرا كان بوجهها، فانتبهت من منامها وهي قائلة: يا أمين الله ما هذا الخبر؟ فقال: ضيف طارق في حيكم كي تضيفونه إلى وقت السحر. قالت: نعم بالسمع مني والبصر. ثم قدمت الشراب فشربا معا، ثم أخذت العود وأصلحت أوتاره وضربت عليه إحدى وعشرين طريقة، ثم عادت إلى الطريقة الأولى وأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # لسان الهوى في مهجتي لك ناطق %~% يخبر عني أنني لك عاشق ~~ولي شاهد عن فرط سقمي معرب %~% وقلب جريح من فراقك خافق ~~ولم أكتم الحب الذي قد # أذابني %~% ووجدي مزيد والدموع سوابق ~~وما كنت أدري قبل حبك ما # الهوى %~% ولكن قضاء الله في الخلق # سابق # فلما فرغت من شعرها قالت: أنا مظلومة يا أمير المؤمنين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 339 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت: أنا مظلومة يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذلك؟ ومن ظلمك؟ قالت: إن ولدك اشتراني من ms0892 مدة بعشرة آلاف درهم وأراد أن يهبني لك، فأرسلت إليه ابنة عمك الثمن المذكور وأمرته أن يحجبني عنك في هذه المقصورة. فقال لها: تمني علي. قالت: تمنيت عليك أن تكون ليلة غد عندي. فقال: إن شاء الله تعالى. ثم تركها ومضى، فلما أصبح الصباح توجه إلى مجلسه وأرسل إلى أبي نواس فلم يجده، فأرسل الحاجب يسأل عنه فرآه مرتهنا في بعض الخمارات على ألف درهم أنفقها على بعد المرد، فسأله الحاجب عن حاله، فقص عليه قصته وما وقع له مع أمرد مليح أنفق عليه الألف درهم، فقال له: أرني إياه، فإن كان يستحق ذلك فأنت معذور. فقال له: اصبر وأنت تراه في هذه الساعة. فبينما هما في الحديث وإذا بالأمرد قد أقبل ودخل عليهما وعليه ثوب أبيض، ومن تحته ثوب أحمر، ومن تحته ثوب أسود، فلما شاهده أبو نواس صعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات: # تبدى في قميص من بياض %~% بأحداق وأجفان مراض ~~فقلت له: عبرت ولم تسلم %~% وإني منك بالتسليم راض ~~تبارك من كسا خديك وردا %~% ويخلق ما يشاء بلا اعتراض ~~فقال: دع الجدال فإن ربي %~% بديع الصنع من غير انتقاض ~~فثوبي مثل وجهي مثل حظي %~% بياض في بياض في بياض # فلما سمع الأمرد هذا الكلام نزع الثوب الأبيض من فوق الثوب الأحمر، فلما رآه أبو نواس أكثر التعجبات وأنشد هذه الأبيات: # تبدى في قميص من شقيق %~% عدو لي يلقب بالحبيب ~~فقلت من التعجب: أنت بدر %~% وقد أقبلت في زي عجيب ~~أحمرة وجنتيك كستك هذا %~% أم أنت صبغته بدم القلوب ~~فقال: الشمس أهدت لي قميصا %~% قريب العهد من شفق المغيب ~~فثوبي والمدام ولون خدي %~% شقيق في شقيق في شقيق # فلما فرغ أبو نواس من شعره، خلع الأمرد الثوب الأحمر وبقي في الثوب الأسود، فلما رآه أبو نواس أكثر إليه الالتفات، وأنشد هذه الأبيات: # تبدى في قميص من سواد %~% تجلى في الظلام على العباد ~~فقلت له: عبرت ولم تسلم %~% وأشمت الحواسد والأعادي ~~فثوبك مثل شعرك مثل حظي %~% سواد في سواد في ms0893 سواد # فلما رأى ذلك الحاجب علم بحال أبي نواس وغرامه، فرجع إلى الخليفة وأخبره بحاله، فأحضر الخليفة ألف درهم وأمر الحاجب أن يأخذها ويرجع بها إلى أبي نواس ويدفعها عنه ويخلصها من الرهن، فرجع بها الحاجب إلى أبي نواس وخلصه وتوجه به إلى الخليفة، فلما وقف بين يديه قال له الخليفة: أنشدني شعرا يكون فيه: «يا أمين الله ما هذا الخبر؟» فقال: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 340 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا نواس قال: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين. ثم أنشد هذه الأبيات: # طال ليلي بالعوادي والسهر %~% فانضنى جسمي وأكثرت الفكر ~~قمت أمشي في محلي تارة %~% ثم طورا في مقاصير الحجر ~~فرأت عيناي شخصا أسود %~% وبييضه قد تغطت بالشعر ~~يا لها من بدر تم زاهر %~% تنثني كالغصن في وقت المطر ~~فشربت الخمر مفتونا بها %~% ثم أقبلت وقبلت الأثر ~~فاستفاقت وهي في غشيتها %~% صفقت تصفيق أوراق الشجر ~~بعد جاءت وهي لي قائلة %~% يا أمين الله ما هذا الخبر؟ ~~قلت: ضيف طارق في حيكم %~% يرتجي المأوى إلى وقت السحر ~~فأجابت: بسرور سيدي %~% أكرم الضيف بسمعي والبصر # فقال له الخليفة: قاتلك الله كأنك كنت حاضرا معنا. ثم أخذه الخليفة من يده وتوجه به إلى الجارية، فلما رآها أبو نواس وكان عليها بدلة زرقاء وقناع أزرق، أكثر التعجبات وأنشد هذه الأبيات: # قل للمليحة في القناع # الأزرق %~% ناشدتك بالله أن تترفقي ~~إن المحب إذا جفاه حبيبه %~% هاجت به زفرات كل تشوق ~~فبحق حسنك مع بياض زانه %~% هلا رثيت لقلب صب محرق ~~حني عليه وساعديه على الهوى %~% لا تقبلي فيه كلام الأحمق # فلما فرغ أبو نواس من شعره، قدمت الجارية الشراب للخليفة، ثم أخذت العود بيدها وأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # أتنصف غيري في هواك وتظلم %~% وتبعدني والغير فيك منعم ~~ولو كان للعشاق قاض # شكوتكم %~% إليه عساه بالحقيقة يحكم ~~فإن تمنعوني أن أمر # ببابكم %~% فإني عليكم من بعيد أسلم # ثم إن أمير المؤمنين ms0894 أمر بإكثار الشراب على أبي نواس حتى غاب عن رشده، ثم ناوله قدحا فشرب منه جرعة واستدامه في يده، فأمرها الخليفة أن تأخذ القدح من يده وتخفيه، فأخذت القدح من يده وأخفته بين أفخاذها، ثم إن الخليفة سحب سيفه في يده ووقف على رأس أبي نواس ووكزه بالسيف، فاستفاق فوجد السيف مسلولا في يد الخليفة، فطار السكر من رأسه، فقال له الخليفة: أنشدني شعرا وأخبرني فيه عن قدحك وإلا ضربت عنقك. فأنشد هذه الأبيات: # قصتي أعظم قصة %~% صارت الظبية لصة ~~سرقت كأس مدامي %~% وامتصاصي منه مصة ~~سترته في مكان %~% بفؤادي منه غصة ~~لا أسميه وقارا %~% للخليفة فيه حصة # وقال له أمير المؤمنين: قاتلك الله، من أين علمت ذلك؟ ولكن قد قبلنا ما قلت. وأمر له بخلعة وألف دينار وانصرف مسرورا. ### || حكاية الرجل والصحن من ذهب # ومما يحكى أن رجلا كثرت عليه الديون وضاق عليه الحال، فترك أهله وعياله وخرج هائما على وجهه، ولم يزل سائرا إلى أن أقبل بعد مدة على مدينة عالية الأسوار، عظيمة البنيان، فدخلها وهو في حالة الذل والانكسار، وقد اشتد به الجوع وأتعبه السفر، فمر في بعض شوارعها فرأى جماعة من الأكابر متوجهين، فذهب معهم إلى أن دخلوا في محل يشبه محل الملوك، فدخل معهم، ولم يزالوا داخلين إلى أن انتهوا إلى رجل جالس في صدر المكان، وهو في هيئة عظيمة وجلالة جسيمة، وحوله الغلمان والخدم كأنه من أبناء الوزراء، فلما رآهم قام إليهم وأكرم مثواهم، فأخذ الرجل المذكور الوهم من ذلك الأمر واندهش مما رآه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 341 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجل المذكور أخذه الوهم من ذلك الأمر، واندهش مما رآه من حسن البنيان والخدم والحشم، فتأخر إلى ورائه وهو في حيرة وكرب؛ خائفا على نفسه، حتى جلس في محل وحده بعيدا عن الناس بحيث لا يراه أحد، فبينما هو جالس إذ أقبل رجل ومعه أربعة كلاب من كلاب الصيد، وعليها أنواع القز والديباج، ms0895 وفي أعناقها أطواق من الذهب بسلاسل الفضة، فربط كل واحد منها في محل منفرد له، ثم غاب وأتى لكل كلب بصحن من الذهب ملآن طعاما من الأطعمة الفاخرة، ووضع لكل واحد صحنه على انفراد، ثم مضى وتركها، فصار هذا الرجل ينظر إلى الطعام من شدة جوعه ويريد أن يتقدم إلى كلب منها ويأكل معه، فيمنعه الخوف منها، ثم إن كلبا منها نظر إليه فألهمه الله تعالى معرفة حاله، فتأخر عن الصحن وأشار إليه، فأقبل وأكل حتى أكتفى، وأراد أن يذهب فأشار إليه الكلب أن يأخذ الصحن بما فيه من الطعام لنفسه وألقاه له بيده، فأخذه وخرج من الدار وسار ولم يتبعه أحد، ثم سافر إلى مدينة أخرى، فباع الصحن وأخذ بثمنه بضائع وتوجه إلى بلده، فباع ما معه وقضى ما كان عليه من الديون، وكثر رزقه وصار في نعمة زائدة وبركة عميمة، ولم يزل مقيما في بلده مدة من الزمان، وبعد ذلك قال في نفسه: لا بد أنني أسافر إلى مدينة صاحب الصحن، وآخذ له هدية مليحة لائقة، وأدفع له ثمن الصحن الذي أنعم علي به كلب من كلابه. ثم إنه أخذ هدية تليق به، وأخذ معه ثمن الصحن وسافر، ولم يزل مسافرا أياما وليالي حتى وصل إلى تلك المدينة، فدخلها وأراد الاجتماع به، فمشى في شوارعها حتى أقبل على محله، فلم ير إلا طللا باليا، وغرابا ناعيا، وديارا قد قفرت، وأحوالا قد تغيرت، وحالا قد تنكرت، فارتجف منه القلب والبال، وأنشد قول من قال: # خلت الزوايا من خباياها كما %~% خلت القلوب من المعارف # والتقى ~~وتنكر الوادي فما غزلانه %~% تلك الظباء ولا التقى ذاك # النقا # وقول الآخر: # سرى طيف سعدى طارقا # يستفزني %~% سحيرا وصحبي بالفلاة رقود ~~فلما انتبهنا للخيال الذي # سرى %~% أرى الجو قفرا والمزار بعيد # ثم إن ذلك الرجل لما شاهد تلك الأطلال البالية، ورأى ما صنعت بها أيدي الدهر علانية، ولم يجد بعد العين إلا الأثر، أغناه الخبر عن الخبر، والتفت فرأى رجلا مسكينا في حالة تقشعر منها ms0896 الجلود ويحن إليها الحجر الجلمود، فقال: يا هذا، ما صنع الدهر والزمان بصاحب هذا المكان؟ وأين بدوره السافرة ونجوسه الزاهرة؟ وما سبب الحادث الذي حدث على بنيانه حتى لم يبق فيه غير جدرانه؟ فقال له: هو هذا المسكين الذي تراه، وهو يتأوه مما عراه، ولكن أما تعلم أن في كلام الرسول عبرة لمن به اقتدى، وموعظة لمن اهتدى؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: إن حقا على الله تعالى ألا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه. فإن كان سؤالك عن مآل هذا الأمر من سبب، فليس مع انقلاب الدهر عجب، أنا صاحب هذا المكان ومنشئه ومالكه وبانيه، وصاحب بدوره السافرة، وأحواله الفاخرة، وتحفه الزاهية، وجواريه الباهية، لكن الزمان قد مال، فأذهب الخدم والمال، وصيرني في هذه الحالة الراهنة، ودهمني بحوادث كانت عنده كامنة، لكن لا بد لسؤالك هذا من سبب، فأخبرني عنه واترك العجب. فأخبره الرجل بجميع القصة وهو في ألم وغصة، وقال له: قد جئتك بهدية فيها النفوس ترغب، وثمن صحنك الذي أخذته فإنه كان سببا لغناي بعد الفقر، ولعمار ربعي وهو قفر، ولزوال ما كان عندي من الهم والحصر، فهز الرجل رأسه وبكى، وأن واشتكى، وقال: يا هذا، أظنك مجنونا؛ فإن هذا الأمر لا يكون من عاقل، كيف يتكرم عليك كلب من كلابنا بحصن من الذهب وأرجع أنا فيه؟ فرجوعي فيما تكرم به كلبي من العجب، ولو كنت في أشد الهم والوصب، والله لا يصل إلي منك شيء يساوي قلامة، فامض من حيث جئت بالصحة والسلامة. فقبل الرجل قدميه وانصرف راجعا يثني عليه، ثم إنه عند فراقه ووداعه أنشد هذا البيت: # ذهب الناس والكلاب جميعا %~% فعلى الناس والكلاب السلام # والله أعلم. ### || حكاية اللص ووالي الإسكندرية # ومما يحكى أنه كان بثغر الإسكندرية وال يقال له حسام الدين، فبينما هو جالس في دسته ذات ليلة إذ أقبل عليه رجل جندي وقال له: اعلم يا مولانا الوالي، أني دخلت هذه المدينة في هذه الليلة، ونزلت في خان كذا فنمت فيه ms0897 إلى ثلث الليل، فلما انتبهت وجدت خرجي مشروطا وقد سرق منه كيس فيه ألف دينار، فلم يتم كلامه حتى وصل الوالي وأحضر المقدمين وأمرهم بإحضار جميع من في الخان، وأمر بسجنهم إلى الصباح، فلما جاء الصبح أمر بإحضار آلة العقوبة، وأحضر هؤلاء الناس بحضرة الجندي صاحب الدراهم وأراد عقابهم، وإذا برجل قد أقبل وشق الناس حتى وقف بين يدي الوالي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 342 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوالي أراد عقابهم، وإذا برجل قد أقبل وشق الناس حتى وقف بين يدي الوالي والجندي، فقال: أيها الأمير، أطلق هؤلاء الناس كلهم فإنهم مظلومون، وأنا الذي أخذت مال هذا الجندي، وها هو الكيس الذي أخذته من خرجه. ثم أخرجه من كمه ووضعه بين يدي الوالي والجندي، فقال الوالي للجندي: خذ مالك وتسلمه، فما بقي لك على الناس سبيل. وصار الناس وجميع الحاضرين يثنون على ذلك الرجل ويدعون له، ثم إن الرجل قال: أيها الأمير، ما الشطارة أني جئت إليك بنفسي وأحضرت هذا الكيس، وإنما الشطارة في أخذ الكيس ثانيا من هذا الجندي. فقال له الوالي: وكيف فعلت يا شاطر حين أخذته؟ فقال: أيها الأمير، إني كنت واقفا في مصر في سوق الصيارف إذ رأيت هذا الجندي لما صرف هذا الذهب ووضعه في هذا الكيس، فتبعته من زقاق إلى زقاق، فلم أجد لي إلى أخذ المال منه سبيلا، ثم إنه سافر فتبعته من بلد إلى بلد، وصرت أحتال عليه في أثناء الطريق فما قدرت على أخذه، فلما دخل هذه المدينة تبعته حتى دخل في هذا الخان، فنزلت إلى جانبه ورصدته حتى نام وسمعت غطيطه، فمشيت إليه قليلا قليلا وقطعت الخرج بهذه السكين، وأخذت الكيس هكذا، ومد يده وأخذ الكيس من بين أيادي الوالي والجندي، وتأخر إلى خلف الوالي والجندي والناس ينظرون إليه، ويعتقدون أنه يريهم كيف أخذ الكيس من الخرج، وإذا به قد جرى ورمى نفسه في بركة، فصاح الوالي على حاشيته وقال: الحقوه ms0898 وانزلوا خلفه. فما نزعوا ثيابهم ونزلوا في الدرج، حتى كان الشاطر مضى إلى حال سبيله، وفتشوا عليه فلم يجدوه، وذلك أن أزقة الإسكندرية كلها تنفذ إلى بعضها، ورجع الناس ولم يحصلوا الشاطر، فقال الوالي للجندي: لم يبق لك عند الناس حق؛ لأنك عرفت غريمك وتسلمت مالك وما حفظته. فقام الجندي وقد ضاع عليه ماله، وخلصت الناس من يدي الجندي والوالي، وكل ذلك من فضل الله تعالى. ### || حكاية الملك الناصر والولاة الثلاثة # ومما يحكى أن الملك الناصر أحضر الولاة الثلاثة في بعض الأيام؛ والي القاهرة، ووالي بولاق، ووالي مصر القديمة، وقال: أريد أن كل واحد منكم يخبرني بأعجب ما وقع له في مدة ولايته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 343 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك الناصر قال للولاة الثلاثة: أريد أن كل واحد منكم يخبرني بأعجب ما وقع له في مدة ولايته. فأجابوه بالسمع والطاعة، ثم قال والي القاهرة: اعلم يا مولانا السلطان أن أعجب ما وقع في مدة ولايتي، أنه كان بهذه المدينة عدلان يشهدان على الدماء والجراحات، وكانا مولعين بحب النساء وشرب الشراب والفساد، وما قدرت عليهما بحيلة لأنتقم منهما بها وعجزت عن ذلك، فأوصيت الخمارين والنقليين والفكهانيين والشماعين وأرباب البيوت المعدة للفساد، أن يخبروني بهذين الشاهدين متى كانا في مكان يشربان أو يفسدان، سواء كانا مع بعضهما أو متفرقين، وإن اشتريا أو اشترى أحدهما منهم شيئا من الأشياء المعدة للشراب، فلا يخفوه عني. فقالوا: سمعا وطاعة. فاتفق في بعض الأيام أنه حضر إلي رجل ليلا وقال: يا مولانا، اعلم أن الشاهدين في المكان الفلاني، في الدرب الفلاني، في دار فلان، وأنهما في منكر عظيم. فقمت وتخفيت أنا وغلامي ومضيت إليهما منفردا، ليس من أحد معي غير غلامي، ولم أزل ماشيا حتى وقفت على الباب وطرقته، فأتت إلي جارية وفتحت لي الباب وقالت: من أنت؟ فدخلت ولم أرد عليها جوابا، فرأيت الشاهدين وصاحب الدار جلوسا وعندهم نساء بغايا، ومن الشراب شيء كثير، ms0899 فلما رأوني قاموا إلي وعظموني وأجلسوني في صدر المقام وقالوا لي: مرحبا بك من ضيف عزيز، ونديم ظريف. واستقبلوني من غير خوف مني ولا فزع، وبعد ذلك قام صاحب الدار من عندنا وغاب ساعة، ثم عاد ومعه ثلاثمائة دينار وليس عنده من الخوف شيء، وقالوا: اعلم يا مولانا الوالي أنك تقدر على أكثر من هتيكتنا، وفي يديك تعزيرنا، ولكن لا يعود عليك من ذلك إلا التعب، فالرأي أن تأخذ هذا القدر وتستر علينا، فإن الله تعالى اسمه الستار، ويحب من عباده الستيرين، ولك الأجر والثواب. فقلت في نفسي: خذ هذا الذهب منهم، واستر عليهم في هذه المرة، وإذا قدرت عليهم مرة أخرى فانتقم منهم. # فطمعت في المال وأخذته منهم وتركتهم، وانصرفت ولم يشعر بي أحد، فما أشعر في ثاني يوم إلا ورسول القاضي جاء إلي وقال: أيها الوالي تفضل كلم القاضي فإنه يدعوك. فقمت معه ومضيت إلى القاضي ولا اعلم ما سبب ذلك، فلما دخلت عليه رأيت الشاهدين وصاحب الدار الذي أعطاني الثلاثمائة دينار جالسين عنده، فقام صاحب الدار وادعى علي بثلاثمائة دينار، فما وسعني الإنكار، فخرج مسطورا وشهد فيه هذان الشاهدان العدلان علي بثلاثمائة دينار، فثبت ذلك عند القاضي بشهادة الشاهدين، فأمرني بدفع ذلك المبلغ، فما خرجت من عندهم حتى أخذوا مني الثلاثمائة دينار، فاغتظت ونويت لهم كل سوء، وندمت على عدم تنكيلهم وانصرفت وأنا في غاية الخجل، وهذا أعجب ما وقع لي في مدة ولايتي. # فقام والي بولاق وقال: وأما أنا يا مولانا السلطان، فأعجب ما وقع لي في مدة ولايتي أنه كمل علي من الدين ثلاثمائة ألف دينار، فأضر بي ذلك وبعت ما ورائي وما قدامي وما كان بيدي، فجمعت مائة ألف دينار من غير زيادة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 344 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن والي بولاق قال: بعت ما ورائي وما قدامي، فجمعت مائة ألف دينار من غير زيادة، وبقيت في حيرة عظيمة، فبينما أنا جالس في داري ms0900 ليلة من الليالي وأنا في هذا الحال، وإذا بطارق يطرق الباب، فقلت لبعض الغلمان: انظر من بالباب. فخرج ثم عاد إلي وهو مصفر الوجه، متغير اللون، مرتعد الفرائص، فقلت له: ما دهاك؟ فقال: إن بالباب رجلا عريانا، وعليه ثياب من الجلد، ومعه سيف، وفي وسطه سكين، ومعه جماعة على هيئته وهو يطلبك. فأخذت السيف في يدي وخرجت لأنظر من هؤلاء، وإذا بهم كما قال الغلام، فقلت لهم: ما شأنكم؟ فقالوا: إننا لصوص وغنمنا في هذه الليلة غنيمة عظيمة، وجعلناها برسمك لتستعين بها على هذه القضية التي أنت مهموم بسببها، وتسد بها الدين الذي عليك. فقلت لهم: وأين الغنيمة؟ فأحضروا لي صندوقا كبيرا ممتلئا أواني من ذهب وفضة، فلما رأيته فرحت وقلت في نفسي: أسد الدين الذي علي من هذا، ويفضل لي قدر الدين مرة أخرى. فأخذته ودخلت الدار وقلت في نفسي: ليس من المروءة أن أدعهم يذهبون من غير شيء، فأخذت المائة ألف دينار التي كانت عندي ودفعتها إليهم وشكرت صنعهم، فأخذوا الدنانير ومضوا تحت الليل إلى حال سبيلهم ولم يعلم بهم أحد، فلما أصبح الصباح، رأيت ما في الصندوق نحاسا مطليا بالذهب والقزير يساوي كله خمسمائة درهم، فعظم علي ذلك وضاعت الدنانير التي كانت معي، وازددت غما على غمي، وهذا أعجب ما جرى لي في زمن ولايتي. # فقام والي مصر القديمة وقال: يا مولانا السلطان، وأما أنا فأعجب ما جرى لي في مدة ولايتي، أني شنقت عشرة لصوص وجعلت كل واحد على خشبة وحده، وأوصيت الحارسين أنهم يحفظونهم ولا يتركون الناس يأخذون أحدا منهم، فلما كان من الغد جئت لأنظرهم فنظرت مشنوقين على خشبة واحدة، فقلت للحارسين: من فعل هذا؟ وأين الخشبة التي كان عليها المشنوق الثاني؟ فأنكروا ذلك، فأردت أن أضربهم فقالوا: اعلم أيها الأمير أننا نمنا البارحة، فلما انتبهنا وجدنا مشنوقا واحدا سرق هو والخشبة التي كان عليها، فخفنا منك، وإذا برجل فلاح مسافر قد أقبل علينا ومعه حمار، فقبضنا عليه وقتلناه وشنقناه مكان الذي سرق على ms0901 هذه الخشبة. فتعجبت من ذلك وقلت لهم: وما كان مع الفلاح؟ فقالوا: كان معه خرج على الحمار. قلت لهم: وما فيه؟ قالوا: لا ندري. فقلت لهم: علي به. فأحضروه بين يدي فأمرت بفتحه، وإذا فيه رجل مقتول مقطع، فلما رأيته تعجبت من ذلك، وقلت في نفسي: سبحان الله، ما كان سبب شنق هذا الفلاح إلا ذنب هذا المقتول، وما ربك بظلام للعبيد. ### || حكاية اللص والصيرفي # ومما يحكى أن رجلا من الصيارف كان معه كيس ملآن ذهبا، وقد مر على اللصوص فقال واحد من الشطار: أنا أقدر على أخذ هذا الكيس. فقالوا له: كيف تصنع؟ فقال: انظروا. ثم تبعه إلى منزله، فدخل الصيرفي ورمى الكيس على الصفة وكان حاقنا، فدخل بيت الراحة لإزالة الضرورة، وقال للجارية: هاتي إبريق ماء. فأخذت الجارية الإبريق وتبعته إلى بيت الراحة، وتركت الباب مفتوحا، فدخل اللص وأخذ الكيس وذهب إلى أصحابه وأعلمهم بما جرى. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 345 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن اللص أخذ الكيس وذهب إلى أصحابه وأعلمهم بما جرى له مع الصيرفي والجارية، فقالوا له: والله إن الذي عملته شطارة، وما كل إنسان يقدر عليه، ولكن في هذا الوقت يخرج الصيرفي من بيت الراحة، فلا يجد الكيس، فيضرب الجارية ويعذبها عذابا أليما، فكأنك ما عملت شيئا تشكر عليه، فإن كنت شاطرا فخلص الجارية من الضرب والعذاب. فقال لهم: إن شاء الله تعالى أخلص الجارية والكيس. ثم إن اللص رجع إلى دار الصيرفي فوجده يعاقب الجارية لأجل الكيس، فدق عليه الباب، فقال له: من هذا؟ قال له: أنا غلام جارك الذي في القيسرية. فخرج إليه وقال له: ما شأنك؟ فقال له: إن سيدي يسلم عليك ويقول لك: قد تغيرت أحوالك كلها، كيف ترمي بمثل هذا الكيس على باب الدكان وتروح وتخليه؟ ولو لقيه أحد غريب كان أخذه وراح. ولولا أن سيدي رآه وحفظه لكان ضاع عليك. ثم أخرج الكيس وأراه إياه، فلما رآه الصيرفي قال: هذا ms0902 كيسي بعينه. ومد يده ليأخذه منه، فقال له: والله ما أعطيك إياه حتى تكتب ورقة لسيدي أنك تسلمت الكيس مني، فإني أخاف ألا يصدقني في أنك أخذت الكيس وتسلمته حتى تكتب لي ورقة وتختمها بختمك. فدخل الصيرفي ليكتب له ورقة بوصول الكيس كما ذكر له، فذهب اللص بالكيس إلى حال سبيله، وخلصت الجارية من العذاب. ### || حكاية والي قوص وقاطع الطريق # ومما يحكى أن علاء الدين والي قوص كان جالسا ذات ليلة من الليالي في بيته، وإذا بشخص حسن الصورة والمنظر، كامل الهيئة، قد أتاه في الليل ومعه صندوق على رأس خادم ووقف على الباب وقال لبعض غلمان الأمير: ادخل وأعلم الأمير أني أريد الاجتماع به من أجل سر. فدخل الغلام وأعلمه بذلك، فأمره بإدخاله، فلما دخل رآه الأمير عظيم الهيئة حسن الصورة، فأجلسه إلى جانبه وأكرم مثواه، وقال له: ما حاجتك؟ فقال له: أنا رجل من قطاع الطريق، وأريد التوجه والرجوع إلى الله تعالى على يديك، وأريد أن تساعدني على ذلك؛ لأني صرت في طرفك وتحت نظرك، ومعي هذا الصندوق فيه شيء قيمته نحو أربعين ألف دينار، فأنت أولى بها، وأعطني من خالص مالك ألف دينار حلالا أجعلها رأس مال، وأستعين بها على التوبة، وأستغني بها عن الحرام وأجرك على الله تعالى. ثم إنه فتح الصندوق ليرى الوالي ما فيه، وإذا به مصاغ وجواهر ومعادن وفصوص ولؤلؤ، فأدهشه ذلك وفرح به فرحا شديدا، وصاح على خازنداره وقال له: أحضر الكيس الفلاني. وكان فيه ألف دينار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 346 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوالي صاح على خازنداره وقال له: أحضر الكيس الفلاني. وكان فيه ألف دينار، فلما أحضر الخازندار ذلك الكيس أعطاه لذلك الرجل، فأخذه منه وشكره على فعله، ومضى إلى حال سبيله تحت الليل، فلما أصبح الصباح أحضر الوالي قيم الصاغة، فلما حضر أراه ذلك الصندوق وما فيه من المصاغ، فوجد جميع ذلك من القزير والنحاس، ورأى الجواهر والفصوص واللؤلؤ ms0903 كلها من الزجاج، فعظم ذلك على الوالي وأرسل في طلبه، فلم يقدر أحد على تحصيله. ### || حكاية زواج إبراهيم بن المهدي # ومما يحكى أن أمير المؤمنين المأمون قال لإبراهيم بن المهدي: حدثنا بأعجب ما رأيت. قال: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين، اعلم أني خرجت يوما للنزهة فانتهى بي المشي إلى موضع، فشممت فيه رائحة الطعام، فاشتاقت نفسي إليه ووقفت يا أمير المؤمنين متحيرا لا أقدر على المضي ولا على دخول ذلك الموضع، فرفعت بصري وإذا أنا بشباك، ومن خلفه كف ومعصم ما رأيت أحسن منهما، وطار عقلي عند رؤيتهما ونسيت رائحة الطعام بذلك الكف والمعصم، وأخذت في الحيلة على الوصول إلى ذلك الموضع، وإذا بخياط قريب من ذلك الموضع فتقدمت إليه وسلمت عليه، فرد علي السلام، فقلت: لمن هذه الدار؟ فقال: لرجل من التجار. فقلت له: ما اسمه؟ قال: اسمه فلان ابن فلان، وهو لا ينادم إلا التجار. فبينما نحن في الكلام إذ أقبل رجلان نبيلان ذكيان، فأعلمني أنهما أخص الناس بصحبته وأخبرني باسمهما، فحركت دابتي حتى لقيتهما وقلت لهما: جعلت فداكما قد استبطأكما أبو فلان. وسايرتهما حتى وصلنا إلى الباب، فدخلت ودخل الرجلان، فلما رآني صاحب الدار معهما لم يشك في أنني صاحبهما، فرحب بي وأجلسني في أرفع المواضع، ثم جاءوا بالمائدة، فقلت في نفسي: قد من الله علي ببلوغ الغرض من هذه الأطعمة، وبقي الكف والمعصم. ثم انتقلنا إلى المنادمة في موضع آخر، فرأيته محفوفا باللطائف، وجعل صاحب المنزل يتلطف بي ويقبل علي بالحديث لظنه أني ضيف لأضيافه، وهم كذلك يلاطفونني غاية الملاطفة لظنهم أنني صاحب رب المنزل، ولم يزل جميعهم في ملاطفتي حتى شربنا أقداحا، ثم خرجت علينا جارية كأنها غصن بان، وهي في غاية الظرف وحسن الهيئة، فأخذت العود وأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # أليس عجيبا أن بيتنا # يضمنا %~% وإياك لا تدنو ولا # تتكلم ~~سوى أعين تبدي سرائر # أنفس %~% وتقطيع أكباد على النار # تضرم ~~إشارة ألحاظ وغمز حواجب %~% وتكسير أجفان وكف تسلم # فهيجت بلابلي يا أمير المؤمنين ms0904 وأخذني الطرب من فرط جمالها ورقة شعرها الذي غنت به، فحسدتها على حسن صنعتها وقلت: بقي عليك شيء يا جارية. فرمت العود من يدها غضبا وقالت: متى كنتم تحضرون السفهاء في مجالسكم؟ فندمت على ما كان مني، ورأيت القوم قد أنكروا علي، فقلت: قد فاتني جميع ما أملت ولم أر حيلة لدفع اللوم عني، إلا أنني طلبت عودا وقلت: أنا أبين ما فاتها من الطريقة التي ضربت بها. فقال القوم: سمعا وطاعة. ثم أحضروا لي عودا، فأصلحت منه الأوتار وغنيت بهذه الأشعار: # هذا محبك مطويا على # كمده %~% صب مدامعه تجري على # جسده ~~له يد تسأل الرحمن # راجية %~% آماله ويد أخرى على كبده ~~يا من يرى هالكا من عشقه # تلفا %~% كانت منيته من عينه # ويده # فوثبت الجارية وانكبت على رجلي تقبلها وقالت: المعذرة إليك يا سيدي، والله ما علمت بمكانك ولا سمعت بمثل هذه الصناعة. ثم أخذ القوم في إكرامي وتبجيلي بعدما طربوا غاية الطرب، وسألني كل منهم الغناء، فغنيت نوبة مطربة، فصار القوم سكارى وذهبت عقولهم، فحملوا إلى منازلهم وبقي صاحب المنزل هو والجارية، فشرب معي أقداحا ثم قال: يا سيدي، ذهب عمري مجانا حيث لم أعرف مثلك قبل ذلك الوقت، فبالله يا سيدي من أنت حتى أعرف نديمي الذي من الله علي به في هذه الليلة؟ فأخذت أوري ولم أصرح له باسمي، وهو يقسم علي فأعلمته، فلما عرف اسمي وثب قائما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 347 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن إبراهيم بن المهدي قال: فلما عرف اسمي صاحب الدار وثب قائما على قدميه وقال: عجبت من أن يكون هذا الفضل إلا لمثلك، ولقد أهدى الزمان إلي يدا لا أقوم بشكرها، ولعل هذا منام وإلا فمتى طمعت أن تزورني الخلافة في منزلي وتنادمني ليلتي هذه؟ فأقسمت عليه أن يجلس فجلس وأخذ يسألني عن السبب في حضوري عنده بألطف معنى، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها وما سترت منها شيئا، وقلت: أما الطعام ms0905 فقد نلت منه بغيتي، وأما الكف والمعصم فلم أنل مرادي منهما. فقال: والكف والمعصم تنال مرادك منهما إن شاء الله تعالى. ثم قال: يا فلانة، قولي لفلانة أن تنزل. ثم جعل يستدعي جواريه واحدة بعد واحدة، ويعرض الجميع علي وأنا لا أرى صاحبتي إلى أن قال: والله يا سيدي ما بقي إلا أمي وأختي، ولكن والله لا بد من إنزالهما إليك وعرضهما عليك حتى تراهما. فعجبت من كرمه وسعة صدره، فقلت: جعلت فداك فأبدا بالأخت. قال: حبا وكرامة. ثم نزلت أخته فأراني يدها، فإذا هي صاحبة الكف والمعصم اللذين رأيتهما، فقلت: جعلت فداك، هذه الجارية هي التي رأيت كفها ومعصمها. فأمر الغلمان أن يحضروا الشهود في الوقت والساعة، فأحضروا الشهود ثم أحضر بدرتين من الذهب وقال للشهود: هذا مولانا سيدي إبراهيم بن المهدي عم أمير المؤمنين، خطب أختي فلانة وأشهدكم أني قد زوجتها له وقد أمهرها ببدرة. ثم قال: زوجتك أختي فلانة على المهر المسمى. فقلت: قبلت ذلك ورضيته. ثم دفع إحدى البدرتين إلى أخته، والأخرى إلى الشهود، ثم قال: يا مولانا، أريد أن أمهد لك بعض البيوت لتنام مع أهلك. فأحشمني ما رأيت من كرمه، واستحيت أن أخلو بها في داره، فقلت له: جهزها إلى منزلي. فوحقك يا أمير المؤمنين لقد حمل إلي من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا مع سعتها، ثم أولدتها هذا الغلام القائم بين يديك. فتعجب المأمون من كرم هذا الرجل وقال: لله دره، ما سمعت قط بمثله! وأمر إبراهيم بن المهدي بإحضار الرجل ليشاهده، فأحضره بين يديه واستنطقه، فأعجبه ظرفه وأدبه، فصيره من جملة خواصه، والله هو المعطي الوهاب. ### || حكايات الصدقة # ومما يحكى أن ملكا من الملوك قال لأهل مملكته: لئن تصدق أحد منكم بشيء لأقطعن يده. فأسكت الناس جميعا عن الصدقة، ولم يقدر أحد أن يتصدق على أحد، فاتفق أن سائلا جاء إلى امرأة يوما من الأيام، وقد أضر به الجوع وقال لها: تصدقي علي بشيء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما ms0906 كانت الليلة 348 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجل السائل قال للمرأة: تصدقي علي بشيء. فقالت: كيف أتصدق عليك والملك يقطع يد كل من تصدق؟ فقال: اسألك بالله تعالى أن تتصدقي علي. فلما سألها بالله رقت له وتصدقت عليه برغيفين، فوصل الخبر إلى الملك فأمر فإحضارها، فلما حضرت قطع يديها وتوجهت إلى دارها، ثم إن الملك بعد حين قال لأمه: إني أريد الزواج فزوجيني امرأة جميلة. قال: إن في جوارنا امرأة لم يوجد أحسن منها ولكن بها عيب شديد. قال: ما هو؟ قالت: مقطوعة اليدين. قال: أريد أن أنظرها. فأتت بها إليه، فلما نظرها افتتن بها، فتزوجها ودخل بها، وكانت تلك المرأة هي التي تصدقت على السائل برغيفين وقطع يديها من أجل ذلك، فلما تزوج بها حسدها ضرائرها، وكتبن إلى الملك يخبرنه عنها بأنها فاجرة وقد ولدت غلاما، فكتب الملك إلى أمه كتابا وأمرها فيه أن تخرج بها إلى الصحراء وتتركها هناك ثم ترجع، ففعلت أمه ذلك وخرجت بها إلى الصحراء ثم رجعت، فصارت تلك المرأة تبكي على ما جرى لها، وتنتحب انتحابا شديدا ما عليه من مزيد، فبينما هي تمشي والولد على عنقها إذ مرت على نهر، فبركت لتشرب من شدة العطش الذي لحقها من مشيها وتعبها وحزنها، فعندما طأطأت سقط الولد في الماء، فجلست تبكي على ولدها بكاء شديدا، فبينما هي تبكي إذ مر عليها رجلان فقالا لها: ما يبكيك؟ قالت لهما: كان لي ولد على عنقي فسقط في الماء. فقالا لها: أتحبين أن نخرجه لك؟ قالت: نعم. فدعوا الله تعالى فخرج الولد إليها سالما لم يصبه شيء. ثم قالا لها: أتحبين أن يرد الله يديك كما كانتا؟ قالت: نعم. فدعوا الله سبحانه وتعالى، فرجعت يداها أحسن مما كانتا عليه، ثم قالا لها: أتدرين من نحن؟ قالت: الله أعلم. قالا: نحن رغيفاك اللذان تصدقت بنا على السائل، وكانت الصدقة سببا لقطع يديك، فاحمدي الله تعالى الذي رد عليك يديك وولدك. فحمدت الله تعالى وأثنت عليه. # ومما يحكى ms0907 أنه كان في بني إسرائيل رجل عابد له عيال يغزلون القطن، فكان كل يوم يبيع الغزل ويشتري قطنا، وما خرج من الكسب يشتري به طعاما لعياله يأكلونه في ذلك اليوم، فخرج ذات يوم وباع الغزل، فلقيه أخ له فشكا إليه الحاجة، فدفع له ثمن الغزل ورجع إلى عياله من غير قطن ولا طعام، فقالوا له: أين القطن والطعام؟ فقال لهم: استقبلني فلان فشكا إلي الحاجة، فدفعت إليه ثمن الغزل. قالوا: وكيف نصنع وليس عندنا شيء نبيعه؟ وكان عندهم قصعة مكسورة وجرة، فذهب بهما إلى السوق فلم يشترهما أحد منه، فبينما هو في السوق إذ مر به رجل ومعه سمكة ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 349 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجل أخذ القصعة والجرة وذهب بهما إلى السوق، فلم يشترهما أحد منه، فبينما هو في السوق إذ مر به رجل ومعه سمكة منتنة منفوخة لم يشترها أحد منه، فقال له صاحب السمكة: أتبيعني كاسدك بكاسدي؟ قال: نعم. فدفع القصعة والجرة وأخذ منه السمكة وجاء بها إلى عياله، فقالوا له: ما تفعل بهذه السمكة؟ قال: نشويها ونأكلها إلى أن يشاء الله تعالى لنا برزقنا. فأخذوها وشقوا بطنها، فوجدوا فيه حبة لؤلؤ، فأخبروا بها الشيخ فقال: أنظروا إن كانت مثقوبة فهي لبعض الناس، وإن كانت غير مثقوبة فإنها رزق رزقكم الله تعالى به. فنظروا فإذا هي غير مثقوبة، فلما أصبح الصباح غدا بها إلى بعض إخوانه من أصحاب المعرفة بذلك، فقال: يا فلان من أين لك هذه اللؤلؤة؟ قال: رزق رزقنا الله تعالى به. قال: إنها تساوي ألف درهم، وأنا أعطي لك ذلك، ولكن اذهب بها إلى فلان فإنه أكثر مني مالا ومعرفة. فذهب بها إليه فقال: إنها تساوي سبعين ألف درهم لا أكثر من ذلك. ثم دفع له سبعين ألف درهم، ودعا بالحمالين فحملوا له المال حتى وصل إلى باب منزله، فجاءه سائل وقال له: أعطني مما أعطاك الله تعالى. فقال للسائل: قد كنا بالأمس ms0908 مثلك، خذ نصف هذا المال. فلما قسم المال شطرين وأخذ كل واحد شطره، قال له السائل: أمسك عليك مالك وخذه بارك الله لك فيه، وإنما أنا رسول ربك، بعثني إليك لأختبرك. فقال: لله الحمد والمنة. وما زال في أرغد عيش هو وعياله إلى الممات. ### || حكاية أبي حسان الزيادي والخراساني # ومما يحكى أن أبا حسان الزيادي قال: ضاق علي الحال في بعض الأيام ضيقا شديدا، حتى إنه قد ألح علي البقال والخباز وسائر المعاملين، فاشتد علي الكرب ولم أجد لي حيلة، فبينما أنا على تلك الحالة لا أدري كيف أصنع؟ إذ دخل علي غلام لي فقال: إن بالباب رجلا حاجيا يطلب الدخول عليك. فقلت: ائذن له. فدخل فإذا هو رجل خراساني، فسلم علي، فرددت عليه السلام، ثم قال لي: هل أنت أبو حسان الزيادي؟ قلت: نعم، وما حاجتك؟ قال: إني رجل غريب، وأريد الحج، ومعي جملة من المال، وإنه قد أثقلني حمله، وأريد أن أدع عندك هذه العشرة آلاف درهم إلى أن أقضي حجي وأرجع، فإن رجع الركب ولم ترني، فاعلم أنني قد مت، فالمال هبة مني إليك، وإن رجعت فهي لي. فقلت له: لك ذلك إن شاء الله تعالى. فأخرج جرابا، فقلت للغلام: ائتني بميزان. فأتى بميزان فوزنها وسلمها إلي وذهب إلى حال سبيله، فأحضرت المعاملين وقضيت ديني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 350 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا حسان الزيادي قال: أحضرت المعاملين وقضيت ما كان علي من الدين، وأنفقت واتسعت وقلت في نفسي: إلى أن يرجع يفتح الله علينا بشيء من عنده. فلما كان بعد يوم دخل الغلام علي وقال لي: إن صاحبك الخراساني بالباب. فقلت: ائذن له. فدخل ثم قال: إني كنت عازما على الحج، فجاءني خبر بوفاة والدي، وقد عزمت على الرجوع فأعطني المال الذي أودعتك إياه بالأمس. فلما سمعت منه هذا الكلام، حصل لي هم عظيم لم يحصل لأحد مثله قط، وتحيرت فلم أرد جوابا، فإن جحدته استحلفني ms0909 وكانت الفضيحة في الآخرة، وإن أخبرته بالتصرف فيه صاح وهتكني، فقلت له: عافاك الله، إن منزلي هذا ليس بحصين ولا حرز لذلك المال، وإني لما أخذت جرابك أرسلته إلى من هو عنده الآن، فعد علينا في الغد لتأخذه إن شاء الله تعالى. فانصرف عني وبت متحيرا من أجل رجوع الخراساني إلي، فلم يأخذني نوم في تلك الليلة ولم أقدر على غمض عيني، فقمت للغلام وقلت له: أسرج لي البغلة. قال: يا مولاي، إن هذا الوقت عتمة، ولم يمض من الليل شيء. فرجعت إلى فراشي فإذا النون ممتنع، فلم أزل أوقظ الغلام وهو يردني حتى طلع الفجر، فأسرج لي البغلة، فركبت وأنا لا أدري أين أذهب، فطرحت عنان على عاتقها وصرت مشغولا بالفكر والهموم، وهي تسير إلى الجانب الشرقي من بغداد. # فبينما أنا سائر وإذا أنا بقوم قد رأيتهم، فانحرفت عنهم وعدلت عن طريقهم إلى طريق أخرى فتبعوني، فلما رأوني بطيلسان تبادروا إلي وقالوا لي: أتعرف منزل أبي حسان الزيادي؟ فقلت لهم: هو أنا. قالوا: أجب أمير المؤمنين. فسرت معهم حتى دخلت على المأمون، فقال لي: من أنت؟ قلت: رجل من أصحاب القاضي أبي يوسف، من الفقهاء وأصحاب الحديث. فقال: بأي شيء تكنى؟ قلت: بأبي حسان الزيادي. قال: اشرح لي قصتك. فشرحت له خبري، فبكى بكاء شديدا وقال: ويحك، ما تركني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنام في هذه الليلة بسببك. فإني لما نمت أول الليل قال لي: أغث أبا حسان الزيادي. فانتبهت ولم أعرفك، ثم نمت فأتاني وقال لي: ويحك! أغث أبا حسان الزيادي. فانتبهت ولم أعرفك، ثم نمت فأتاني وقال لي: ويحك! أغث أبا حسان الزيادي. فما تجاسرت على النوم بعد ذلك، وسهرت الليل كله وقد أيقظت الناس وأرسلتهم في طلبك من كل جانب. ثم أعطاني عشرة آلاف درهم وقال: هذه للخراساني. ثم أعطاني عشرة آلاف درهم وقال: اتسع بهذه وأصلح بها أمرك. ثم أعطاني ثلاثين ألف درهم وقال: جهز نفسك بهذه، وإذا كان يوم الموكب فائتني حتى ms0910 أقلدك عملا. فخرجت والمال معي، فجئت إلى منزلي فصليت فيه الغداة، وإذا بالخراساني قد حضر. فأدخلته البيت وأخرجت له بدرة وقلت له: هذا مالك. قال: ليس هذا عين مالي. فقلت: نعم. فقال: ما سبب هذا؟ فقصصت عليه القصة، فبكى وقال: والله لو أصدقتني من أول الأمر ما طالبتك، وأنا الآن والله لا أقبل شيئا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 351 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخراساني قال للزيادي: والله لو أصدقتني من أول الأمر ما طالبتك، وأنا الآن والله لا أقبل شيئا من هذا المال، وأنت في حل منه. وانصرف من عندي، ثم أصلحت أمري وذهبت في يوم الموكب إلى باب المأمون، فدخلت عليه وهو جالس، فلما مثلت بين يديه استدناني وأخرج لي عهدا من تحت مصلاه وقال: هذا عهد بقضاء المدينة الشريفة من الجانب الغربي من باب السلام إلى ما لا نهاية له، وقد أجريت لك كذا وكذا في كل شهر. فاتق الله عز وجل وحافظ على عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم بك. فتعجب الناس من كلامه وسألوني عن معناه، فأخبرتهم بالقصة من أولها إلى آخرها، فشاع الخبر بين الناس، وما زال أبو حسان الزيادي قاضيا في المدينة الشريفة إلى أن مات في أيام المأمون، رحمة الله عليه. ### || حكاية الصديق عند الضيق # ومما يحكى أن رجلا كان ذا مال كثير، ففقد منه وصار لا يملك شيئا، فأشارت عليه زوجته أن يقصد بعض أصدقائه فيما يصلح به حاله، فقصد صديقا له وذكر له ضرورته له، فأقرضه خمسمائة دينار على أنه يتجر فيها، وكان في ابتداء حاله جوهريا، فأخذ الذهب ومضى إلى سوق الجواهر وفتح دكانه ليشتري ويبيع، فلما قعد في الدكان أتاه ثلاثة رجال وسألوه عن والده، فذكر لهم وفاته، فقالوا له: هل خلف أحدا من الذرية؟ قال: خلف العبد الذي بين أيديكم. قالوا: من يعرف أنك ولده؟ قال: أهل السوق. فقالوا له: اجمعهم حتى يشهدوا أنك ولده. فجمعهم وشهدوا بذلك، فأخرج ms0911 الثلاثة رجال خرجا فيه مقدار ثلاثين ألف دينار، وفيه جواهر ومعادن ثمينة، وقالوا: هذا كان عندنا أمانة لأبيك. ثم انصرفوا، فأتته امرأة وطلبت منه شيئا من ذلك الجوهر يساوي خمسمائة دينار، فاشترته منه بثلاثة آلاف دينار فباعه لها، ثم قام وأخذ الخمسمائة دينار التي كان اقترضها من صديقه وحملها إليه وقال له: خذ الخمسمائة دينار التي اقترضتها منك، فقد فتح الله علي ويسر لي. فقال له صديقه: إني أعطيتك إياها وخرجت عنها لله، فخذها وخذ هذه الورقة ولا تقرأها إلا وأنت في دارك، واعمل بما فيها. فأخذ المال والورقة وذهب إلى بيته، فلما فتحها وجد مكتوبا فيها هذه الأبيات: # إن الرجال الأولى جاءوك من # نسبي %~% أبي وعمي وخالي صالح بن # علي ~~كذاك ما بعته نقدا # لوالدتي %~% المال والجوهر المبعوث من # قبلي ~~وما أردت بهذا منك # منقصة %~% لكن لأكفيك مني ورطة # الخجل ### || حكاية إفلاس رجل من بغداد # ومما يحكى أن رجلا من بغداد كان صاحب نعمة وافرة ومال كثير، فنفد ماله وتغير حاله وصار لا يملك شيئا، ولا ينال قوته إلا بجهد جهيد، فنام ذات ليلة وهو مغمور مقهور، فرأى في منامه قائلا يقول له: إن رزقك بمصر فاتبعه وتوجه إليه. فسافر إلى مصر، فلما وصل إليها أدركه المساء فنام في مسجد، وكان بجوار المسجد بيت، فقدر الله تعالى أن جماعة من اللصوص دخلوا المسجد وتوصلوا منه إلى ذلك البيت، فانتبه أهل البيت على حركة اللصوص وقاموا بالصياح، فأغاثهم الوالي بأتباعه فهرب اللصوص، ودخل الوالي المسجد فوجد الرجل البغدادي نائما في المسجد، فقبض عليه وضربه بالمقارع ضربا مؤلما حتى أشرف على الهلاك وسجنه، فمكث ثلاثة أيام في السجن، ثم أحضره الوالي وقال له: من أي البلاد أنت؟ قال: من بغداد. قال له: وما حاجتك التي هي سبب في مجيئك إلى مصر؟ قال: إني رأيت في منامي قائلا يقول لي: إن رزقك بمصر فتوجه إليه. فلما جئت إلى مصر وجدت الرزق الذي أخبرني به؛ تلك المقارع التي نلتها منك. فضحك الوالي حتى ms0912 بدت نواجذه وقال له: يا قليل العقل، أنا رأيت ثلاث مرات في منامي قائلا يقول لي: إن بيتا في بغداد بخط كذا ووصفه كذا، بحوشه جنينة تحتها فسقية بها مال له جرم عظيم، فتوجه إليه وخذه، فلم أتوجه، وأنت من قلة عقلك سافرت من بلدة إلى بلدة من أجل رؤيا رأيتها وهي أضغاث أحلام. ثم أعطاه دراهم وقال له: استعن بها على عودك إلى بلدك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 352 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوالي أعطى البغدادي دراهم وقال له: استعن بها على عودك إلى بلدك. فأخذها وعاد إلى بغداد، وكان البيت الذي وصفه الوالي ببغداد هو بيت ذلك الرجل، فلما وصل إلى منزله حفر تحت الفسقية، فرأى مالا كثيرا ووسع الله عليه رزقه، وهذا اتفاق عجيب. ### || حكاية المتوكل ومحبوبة # ومما يحكى أنه كان في قصر أمير المؤمنين المتوكل على الله أربعة آلاف سرية؛ مائتان روميات، ومائتان مولدات وحبش، وقد أهدى عبيد بن طاهر إلى المتوكل أربعمائة جارية؛ مائتان بيض، ومئتان حبش ومولدات، وكان من جملة ذلك جارية من مولدات البصرة يقال لها محبوبة، وكانت فائقة في الحسن والجمال والظرف والدلال، وكانت تضرب بالعود وتحسن الغناء وتنظم الشعر وتكتب خطا جيدا، فافتتن بها المتوكل وكان لا يصبر عنها ساعة واحدة، فلما رأت ميله إليها تكبرت عليه وبطرت النعمة، فغضب عليها غضبا شديدا وهجرها، ومنع أهل القصر من كلامها، فمكثت على ذلك أياما، وكان المتوكل له ميل إليها، فأصبح ذات يوم وقال لجلسائه: إني رأيت في هذه الليلة في منامي كأني صالحت محبوبة. فقالوا له: نرجو من الله تعالى أن يكون ذلك يقظة. فبينما هو في الكلام وإذا بخادمة قد أقبلت وأسرت إلى المتوكل حديثا، فقام من المجلس ودخل دار الحريم. وكان الذي أسرته إليه أنها قالت له: سمعنا من حجرة محبوبة غناء وضربا بالعود، وما ندري سبب ذلك. فلما وصل إلى حجرتها سمعها تغني على العود، وتحسن الضربات وتنشد هذه الأبيات: # أدور ms0913 في القصر لا أرى أحدا %~% أشكو إليه ولا يكلمني ~~حتى كأني ارتكبت معصية %~% ليس لها توبة تخلصني ~~فهل لنا شافع إلى ملك %~% قد زارني في الكرى وصالحني ~~حتى إذا ما الصباح لاح لنا %~% عاد إلى هجره وقاطعني # فلما سمع المتوكل كلامها، تعجب من هذه الأبيات ومن هذا الاتفاق الغريب؛ حيث رأت محبوبة مناما موافقا لمنامه، فدخل عليها في الحجرة، فلما دخل حجرتها وأحست به، بادرت بالقيام إليه وانكبت على أقدامه وقبلتها وقالت: والله يا سيدي، لقد رأيت هذه الواقعة في منامي ليلة البارحة، فلما انتبهت من النوم نظمت هذه الأبيات. فقال لها المتوكل: والله إني رأيت مناما مثل ذلك. ثم إنهما تعانقا واصطلحا، وأقام عندها سبعة أيام بلياليها، وكانت محبوبة قد كتبت على خدها بالمسك اسم المتوكل، وكان اسمه جعفر، فلما رأى المتوكل اسمه مكتوبا بأعلى خدها بالمسك، أنشد يقول: # وكاتبة بالمسك في الخد # جعفرا %~% بنفسي من قد خط في الخد ما # أرى ~~لئن كتبت في الخد سطرا # بنانها %~% لقد أودعت قلبي من الخط # أسطرا ~~فيا من هداها في البرية # جعفر %~% سقى الله من سقيا شرابك # جعفرا # ولما مات المتوكل، سلاه جميع من كان له من الجواري إلا محبوبة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 353 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه لما مات المتوكل، سلاه جميع من كان له من الجواري إلا محبوبة، فإنها لم تزل حزينة عليه حتى ماتت ودفنت بجانبه رحمة الله عليهم أجمعين. # ![fig6](../Images/figure6.png) # وكانت امرأة تأتيه كل يوم بدينار يقارب وزنه وزن دينارين ونصف. ### || حكاية وردان الجزار والمرأة والدب # ومما يحكى أنه كان في زمن الحاكم بأمر الله رجل بمصر يسمى وردان، وكان جزارا في اللحم الضاني، وكانت امرأة تأتيه كل يوم بدينار يقارب وزنه وزن دينارين ونصف من الدنانير المصرية، وتقول له: أعطني خروفا. وتحضر معها حمالا بقفص، فيأخذ منها الدينار ويعطيها خروفا، فتحمله إلى الحمال وتأخذه وتروح به إلى مكانها، وفي ثاني يوم وقت الضحى تأتي. وكان ذلك الجزار يكتسب ms0914 منها كل يوم دينارا، وأقامت مدة طويلة على ذلك؛ فتفكر وردان الجزار ذات يوم في أمرها، وقال في نفسه: هذه المرأة كل يوم تشتري مني بدينار، ولم تغلط يوما واحدا، وتشتري مني بدراهم، فهذا أمر عجيب. ثم إن وردان سأل الحمال في غيبة المرأة فقال له: إلى أين تروح كل يوم مع هذه المرأة؟ فقال له: أنا في غاية العجب منها؛ فإنها كل يوم تحملني الخروف من عندك، وتشتري حوائج الطعام والفاكهة والشمع والنقل بدينار آخر، وتأخذ من شخص نصراني مروقتين نبيذا وتعطيه دينارا، وتحملني الجميع وأسير معها إلى بساتين الوزير، ثم تعصب عيني بحيث إني لا أنظر موضعا من الأرض أحط فيه قدمي، وتأخذ بيدي فما أعرف أين تذهب بي، ثم تقول: حط هنا. وعندها قفص آخر فتعطيني الفارغ، ثم تمسك يدي وتعود بي إلى الموضع الذي شدت عيني فيه بالعصابة، فتحلها وتعطيني عشرة دراهم. فقال له الجزار: الله يكون في عونها. ولكن ازداد فكرا في أمرها، وكثرت عنده الوساوس، وبات في قلق عظيم. ثم قال وردان الجزار: فلما أصبحت أتتني على العادة، وأعطتني الدينار، وأخذت الخروف وحملته إلى الحمال وراحت؛ فأوصيت صبيي على الدكان وتبعتها بحيث لا تراني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 354 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن وردان الجزار قال: فأوصيت صبيي على الدكان، وتبعتها بحيث لا تراني، ولم أزل أعاينها إلى أن خرجت من مصر، وأنا أتوارى خلفها حتى وصلت إلى بساتين الوزير، فاختفيت حتى عصبت عيني الحمال، وتبعتها من مكان إلى مكان إلى أن أتت الجبل، فوصلت إلى مكان فيه حجر كبير، وحطت القفص عن الحمال، فصبرت إلى أن عادت بالحمال ورجعت ونزعت جميع ما كان في القفص وغابت ساعة، فأتيت إلى ذلك الحجر فزحزحته ودخلت، فوجدت خلفه طابقا من نحاس مفتوحا ودرجا نازلة، فنزلت في تلك الدرج قليلا قليلا حتى وصلت إلى دهليز طويل كثير النور، فمشيت فيه حتى رأيت هيئة باب قاعة، فارتكنت في زوايا الباب، ms0915 فوجدت صفة بها سلالم خارج باب القاعة، فتعلقت فيها فوجدت صفة صغيرة بها طاقة تشرف على قاعة، فنظرت في القاعة فوجدت المرأة قد أخذت الخروف، وقطعت منه مطايبه، وعملته في قدر، ورمت الباقي إلى دب كبير عظيم الخلقة، فأكله عن آخره وهي تطبخ، فلما فرغت أكلت كفايتها، ووضعت الفاكهة والنقل، وحطت النبيذ، وصارت تشرب بقدح وتسقي الدب بطاسة من ذهب، حتى حصل لهما نشوة السكر، فنزعت لباسها ونامت، فقام الدب وواقعها وهي تعاطيه من أحسن ما يكون لبني آدم حتى فرغ وجلس، ثم وثب إليها وواقعها، ولما فرغ جلس واستراح، ولم يزل كذلك حتى فعل ذلك عشر مرات، ثم وقع كل منهما مغشيا عليه، وصارا لا يتحركان، فقلت في نفسي: هذا وقت انتهاز الفرصة، فنزلت ومعي سكين تبري العظم قبل اللحم، فلما صرت عندهما وجدتهما لا يتحرك فيهما عرق لما حصل لهما من المشقة، فجعلت السكين في منحر الدب واتكأت عليه حتى خلصته، وانعزلت رأسه عن بدنه، فصار له شخير عظيم مثل الرعد، فانتبهت المرأة مرعوبة، فلما رأت الدب مذبوحا وأنا واقف والسكين في يدي، زعقت زعقة عظيمة حتى ظننت أن روحها قد خرجت، وقالت لي: يا وردان، أيكون هذا جزاء الإحسان؟ فقلت لها: يا عدوة نفسها، هل عدمت الرجال حتى تفعلي هذا الفعل الذميم؟ فأطرقت رأسها إلى الأرض لا ترد جوابا، وتأملت الدب وقد نزعت رأسه عن جثته، ثم قالت: يا وردان، أي شيء أحب إليك؛ أن تسمع الذي أقوله لك ويكون سببا لسلامتك ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 355 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المرأة قالت: يا وردان، أي شيء أحب إليك؛ أن تسمع الذي أقوله لك ويكون سببا لسلامتك وغناك إلى آخر الدهر، أم تخالفني ويكون سببا لهلاكك؟ قلت: أختار أن أسمع كلامك، فحدثيني بما شئت. فقالت: اذبحني كما ذبحت هذا الدب، وخذ من هذا الكنز حاجتك، وتوجه إلى حال سبيلك. فقلت لها: أنا خير من هذا الدب، فارجعي إلى الله ms0916 تعالى وتوبي وأتزوج بك، ونعيش باقي عمرنا بهذا الكنز. قالت: يا وردان، إن هذا بعيد، كيف أعيش بعده؟ والله إن لم تذبحني لأتلفن روحك، فلا تراجعني تتلف، وهذا ما عندي من الرأي، والسلام. فقلت: أذبحك وتروحين إلى لعنة الله. ثم جذبتها من شعرها وذبحتها وراحت إلى لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وبعد ذلك نظرت في المحل فوجدت فيه من الذهب والفصوص واللؤلؤ ما لا يقدر على جمعه أحد من الملوك، فأخذت قفص الحمال وملأته على قدر ما أطيق، ثم سترته بقماشي الذي كان علي وحملته، وطلعت من الكنز وسرت، ولم أزل سائرا إلى باب مصر، وإذا بعشرة من جماعة الحاكم بأمر الله مقبلون، والحاكم خلفهم، فقال لي: يا وردان. قلت: لبيك أيها الملك. قال: هل قتلت الدب والمرأة؟ قلت: نعم. قال: حط عن رأسك، وطب نفسا، فجميع ما معك من المال لك لا ينازعك فيه أحد. فحططت القفص بين يديه، فكشفه ورآه وقال: حدثني بخبرهما، وإن كنت أعرفه كأنني حاضر معكم. فحدثته بجميع ما جرى وهو يقول: صدقت. فقال: يا وردان، قم سر بنا إلى الكنز. فتوجهت معه إليه، فوجد الطابق مغلقا، فقال: ارفعه يا وردان، فإن هذا الكنز لا يقدر أحد أن يفتحه غيرك، فإنه مرصود باسمك وصفتك. فقلت: والله لا أطيق فتحه. فقال: تقدم أنت على بركة الله. فتقدمت إليه وسميت الله تعالى، ومددت يدي إلى الطابق فارتفع كأنه أخف ما يكون، فقال الحاكم: انزل وأطلع ما فيه، فإنه لا ينزله إلا من هو باسمك وصورتك وصفاتك من حين وضع، وقتل هذا الدب وهذه المرأة على يديك وهو عندي مؤرخ، وكنت أنتظر وقوعه حتى وقع. قال وردان: فنزلت ونقلت له جميع ما في الكنز، ثم دعا بالدواب وحمله، وأعطاني قفصي بما فيه، فأخذته وعدت إلى بيتي، وفتحت لي دكانا في السوق، وهذا السوق موجود إلى الآن، ويعرف بسوق وردان. ### || حكاية بنت السلطان والقرد # ومما يحكى أيضا أنه كان لبعض السلاطين ابنة، وقد تعلق قلبها بحب عبد أسود، فافتض ms0917 بكارتها، وأولعت بالنكاح، فكانت لا تصبر عنه ساعة واحدة، فشكت أمرها إلى بعض القهرمانات، فأخبرتها أنه لا شيء ينكح أكثر من القرد. فاتفق أن قرادا مر تحت طاقتها بقرد كبير، فأسفرت عن وجهها ونظرت إلى القرد وغمزته بعيونها، فقطع القرد وثاقه وسلاسله وطلع لها، فخبأته في مكان عندها، وصار ليلا ونهارا على أكل وشرب وجماع، ففطن أبوها بذلك وأراد قتلها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 356 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السلطان لما فطن بأمر ابنته، وأراد قتلها شعرت بذلك؛ فتزيت بزي المماليك وركبت فرسا، وأخذت لها بغلا وحملته من الذهب والمعدن والقماش ما لا يوصف، وحملت القرد معها، وسارت حتى وصلت إلى مصر، فنزلت في بعض بيوت الصحراء، وصارت كل يوم تشتري لحما من شاب جزار، ولكن لا تأتيه إلا بعد الظهر وهي مصفرة اللون متغيرة الوجه، فقال الشاب في نفسه: لا بد لهذا المملوك من سبب عجيب. فلما جاءت على العادة وأخذت اللحم تبعها من حيث لا تراه، قال: ولم أزل خلفها من حيث لا تراني من محل إلى محل حتى وصلت إلى مكانها الذي بالصحراء ودخلت هناك، فنظرت إليها من بعض جهاته فرأيتها استقرت بمكانها، وأوقدت النار، وطبخت اللحم وأكلت كفايتها، وقدمت باقيه إلى القرد الذي معها فأكل كفايته، ثم إنها نزعت ما عليها من الثياب ولبست أفخر ما عندها من ملابس النساء، فعلمت أنها أنثى، ثم إنها أحضرت خمرا وشربت منه، وسقت القرد، ثم واقعها القرد نحو عشر مرات حتى غشي عليها، وبعد ذلك نشر القرد عليها ملاءة من حرير، وراح إلى محله؛ فنزلت إلى وسط المكان فأحس بي القرد وأراد افتراسي، فبادرته بسكين كانت معي فضربت بها كرشه، فانتبهت الصبية فزعة مرعوبة، فرأت القرد على هذه الحالة؛ فصرخت صرخة عظيمة حتى كادت أن تزهق روحها، ثم وقعت مغشيا عليها، فلما أفاقت من غشيتها قالت لي: ما حملك على ذلك؟ ولكن بالله عليك أن تلحقني به. فلا زلت ألاطفها، وأضمن ms0918 لها أني أقوم بما قام به القرد من كثرة النكاح إلى أن سكن روعها، وتزوجت بها، فعجزت عن ذلك ولم أصبر عليه؛ فشكوت حالي إلى بعض العجائز، وذكرت لها ما كان من أمرها، فالتزمت لي بتدبير هذا الأمر، وقالت لي: لا بد أن تأتيني بقدر وتملأه من الخل البكر، وتأتيني بقدر رطل من العود القرح. فأتيت لها بما طلبته، فوضعته في القدر ووضعت القدر على النار، وغلته غليانا قويا، ثم أمرتني بنكاح الصبية، فنكحتها إلى أن غشي عليها، فحملتها العجوز وهي لا تشعر، وألقت فرجها على فم القدر، فصعد دخانه حتى دخل فرجها، فنزل من فرجها شيء، فتأملته فإذا هو دودتان؛ إحداهما سوداء، والأخرى صفراء، فقالت العجوز: الأولى تربت من نكاح العبد، والثانية تربت من نكاح القرد. فلما أفاقت من غشيتها استمرت معي وهي لم تطلب النكاح، وقد صرف الله عنها تلك الحالة، وتعجبت من ذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 357 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاب قال: وقد صرف الله عنها تلك الحالة، وتعجبت من ذلك، فأخبرتها بالقصة. واستمرت معه في أرغد عيش وأحسن لذة، واتخذت عندها العجوز مكان والدتها، وما زالت هي وزوجها والعجوز في هناء وسرور إلى أن أتاهم هادم اللذات، ومفرق الجماعات؛ فسبحان الحي الذي لا يموت، وبيده الملك والملكوت. # ![fig7](../Images/figure7.png) # ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان ملك عظيم ذو خطر جسيم. ### || حكاية الفرس الطائر # ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان ملك عظيم ذو خطر جسيم، وكان له ثلاث بنات مثل البدور السافرة، والرياض الزاهرة، وولد ذكر كأنه القمر. فبينما الملك جالس على كرسي مملكته يوما من الأيام إذ دخل عليه ثلاثة من الحكماء، مع أحدهم طاوس من ذهب، ومع الثاني بوق من نحاس، ومع الثالث فرس من عاج وأبنوس، فقال لهم الملك: ما هذه الأشياء؟ وما منفعتها؟ فقال صاحب الطاوس: إن منفعة هذا الطاوس أنه كلما مضت ساعة من ليل أو نهار يصفق بأجنحته ويزعق. وقال صاحب ms0919 البوق: إنه إذا وضع هذا البوق على باب المدينة يكون كالمحافظ عليها، فإذا دخل إلى تلك المدينة عدو، يزعق عليه هذا البوق فيعرف ويمسك باليد. وقال صاحب الفرس: يا مولاي، إن منفعة هذه الفرس أنه إذا ركبها إنسان فإنها توصله إلى أي بلاد أراد. فقال الملك: لا أنعم عليكم حتى أجرب منافع هذه الصور. ثم إنه جرب الطاوس فوجده كما قال صاحبه، وجرب البوق فوجده كما قال صاحبه، فقال الملك للحكيمين: تمنيا علي. فقالا: نتمنى عليك أن تزوج كل واحد منا بنتا من بناتك. فأنعم الملك عليهما ببنتين من بناته، ثم تقدم الحكيم الثالث صاحب الفرس، وقبل الأرض بين يدي الملك وقال له: يا ملك الزمان، أنعم علي كما أنعمت على أصحابي. فقال له الملك: حتى أجرب ما أتيت به. فعند ذلك تقدم ابن الملك وقال: يا والدي، أنا أركب هذه الفرس وأجربها وأختبر منفعتها. فقال الملك: يا ولدي، جربها كما تحب. فقام ابن الملك وركب الفرس وحرك رجليه، فلم تتحرك من مكانها. فقال: يا حكيم، أين الذي ادعيته من سرعة سيرها؟ فعند ذلك جاء الحكيم إلى ابن الملك، وأراه لولب الصعود، وقال له: افرك هذا اللولب. ففركه ابن الملك، وإذا بالفرس قد تحرك، وطار بابن الملك إلى عنان السماء، ولم يزل طائرا به حتى غاب عن الأعين، فعند ذلك احتار ابن الملك في أمره، وندم على ركوبه الفرس، ثم قال: إن الحكيم قد عمل حيلة على هلاكي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم إنه جعل يتأمل في جميع أعضاء الفرس، فبينما هو يتأمل فيها إذ نظر إلى شيء مثل رأس الديك على كتف الفرس الأيمن، وكذلك الأيسر، فقال ابن الملك: ما أرى فيه أثرا غير هذين الزرين. ففرك الزر الذي على الكتف الأيمن، فازدادت به الفرس سيرا طالعة إلى الجو فتركه، ثم نظر إلى الكتف الأيسر فرأى ذلك الزر ففركه، فتناقصت حركات الفرس من الصعود إلى الهبوط، ولم تزل هابطة به إلى الأرض قليلا قليلا، وهو ms0920 محترس على نفسه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 358 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك لما فرك الزر الأيسر تناقصت حركات الفرس من الصعود إلى الهبوط، ولم تزل هابطة به إلى الأرض قليلا قليلا، وهو محترس على نفسه، فلما نظر ابن الملك ذلك وعرف منافع الفرس، امتلأ قلبه فرحا وسرورا، وشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه حيث أنقذه من الهلاك، ولم يزل هابطا طول نهاره؛ لأنه كان في حال صعوده بعدت عنه الأرض، وجعل يدور وجه الفرس كما يريد وهي هابطة به، وإذا شاء نزل بها، وإذا شاء طلع بها. فلما تم له من الفرس ما يريد، أقبل بها إلى جهة الأرض، وصار ينظر إلى ما فيها من البلاد والمدن التي لا يعرفها؛ لأنه لم يرها طول عمره، وكان من جملة ما رآه مدينة مبنية بأحسن البنيان، وهي في وسط أرض خضراء ناضرة ذات أشجار وأنهار، فتفكر في نفسه وقال: يا ليت شعري! ما اسم هذه المدينة؟ وفي أي الأقاليم هي؟ ثم إنه جعل يطوف حول تلك المدينة ويتأملها يمينا وشمالا، وكان النهار قد ولى، ودنت الشمس للمغيب، فقال في نفسه: إني لا أجد موضعا للمبيت أحسن من هذه المدينة، فأنا أبيت فيها هذه الليلة، وعند الصباح أتوجه إلى أهلي ومحل ملكي، وأعلم أهلي ووالدي بما جرى لي، وأخبره بما نظرت عيناي. وصار يفتش على موضع يأمن فيه على نفسه وعلى فرسه، ولا يراه أحد. # فبينما هو كذلك، وإذا به قد نظر في وسط المدينة قصرا شاهقا في الهواء، وقد أحاط بذلك القصر سور متسع بشرافات عاليات، فقال ابن الملك في نفسه: إن هذا الموضع مليح. وجعل يحرك الزر الذي يهبط به الفرس، ولم يزل هابطا به حتى نزل مستويا على سطح القصر، ثم نزل من فوق الفرس، وحمد الله تعالى، وجعل يدور حول الفرس ويتأملها ويقول: والله إن الذي عملك بهذه الصفة لحكيم ماهر، فإن مد الله تعالى في أجلي ms0921 وردني إلى بلادي وأهلي سالما، وجمع بيني وبين والدي؛ لأحسنن إلى هذا الحكيم كل الإحسان، ولأنعمن عليه غاية الإنعام. ثم جلس فوق سطح القصر حتى علم أن الناس قد ناموا، وكان قد أضر به الجوع والعطش؛ لأنه منذ فارق والده لم يأكل طعاما، فقال في نفسه: إن مثل هذا القصر لا يخلو من الرزق. فترك الفرس في مكان ونزل يتمشى لينظر شيئا يأكله، فوجد سلما فنزل منه إلى أسفل، فوجد ساحة مفروشة بالرخام؛ فتعجب من ذلك المكان ومن حسن بنيانه، ولكنه لم يجد في ذلك القصر حس حسيس، ولا أنس أنيس، فوقف متحيرا وصار ينظر يمينا وشمالا وهو لا يعرف أين يتوجه، ثم قال في نفسه: ليس لي أحسن من أن أرجع إلى المكان الذي فيه فرسي وأبيت عندها، فإذا أصبح الصباح ركبتها وسرت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 359 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك قال في نفسه: ليس لي أحسن من البيات عند فرسي، فإذا أصبح الصباح ركبتها وسرت. فبينما هو واقف يحدث نفسه بهذا الكلام إذ نظر إلى نور مقبل إلى ذلك المحل الذي هو فيه، فتأمل ذلك النور فوجده مع جماعة من الجواري، وبينهن صبية بهية، بقامة ألفية، تحاكي البدر الزاهر، كما قال فيها الشاعر: # جاءت بلا موعد في ظلمة # الغسق %~% كأنها البدر في داج من # الأفق ~~هيفاء ما في البرايا من # يشابهها %~% في بهجة الحسن أو في رونق # الخلق ~~ناديت لما رأت عيني # محاسنها %~% سبحان من خلق الإنسان من # علق ~~أعيذها من عيون الناس كلهم %~% بقل أعوذ برب الناس والفلق # وكانت تلك الصبية بنت ملك هذه المدينة، وكان أبوها يحبها حبا شديدا، ومن محبته إياها بنى لها هذا القصر، فكانت كلما ضاق صدرها تجيء إليه وجواريها وتقيم فيه يوما أو يومين أو أكثر، ثم تعود إلى سرايتها؛ فاتفق أنها قد أتت تلك الليلة من أجل الفرجة والانشراح، وصارت ماشية بين الجواري، ومعها خادم مقلد بسيف، فلما دخلوا ذلك ms0922 القصر فرشوا الفرش، وأطلقوا مجامر البخور، ولعبوا وانشرحوا. فبينما هم في لعب وانشراح، إذ هجم ابن الملك على ذلك الخادم، ولطمه لطمة فبطحه، وأخذ السيف من يده وهجم على الجواري اللاتي مع ابنة الملك، فشتتهن يمينا وشمالا، فلما نظرت ابنة الملك إلى حسنه وجماله قالت: لعلك أنت الذي خطبتني من والدي بالأمس وردك وزعم أنك قبيح المنظر، والله لقد كذب أبي حيث قال ذلك الكلام، فما أنت إلا مليح. وكان ابن ملك الهند قد خطبها من أبيها فرده؛ لأنه كان بشع المنظر، فظنت أنه هو الذي خطبها، ثم أقبلت عليه وعانقته وقبلته ورقدت هي وإياه، فقالت لها الجواري: يا سيدتي، هذا ما هو الذي خطبك من أبيك؛ لأن ذاك قبيح وهذا مليح، وما يصلح الذي خطبك من أبيك ورده أن يكون خادما لهذا، ولكن يا سيدتي إن هذا الفتى له شأن عظيم. ثم توجهت الجواري إلى الخادم المبطوح وأيقظنه، فوثب مرعوبا وفتش على سيفه فلم يجده بيده، فقالت له الجواري: إن الذي أخذ سيفك وبطحك جالس مع ابنة الملك. وكان ذلك الخادم قد وكله الملك بالمحافظة على ابنته خوفا عليها من نوائب الزمان وطوارق الحدثان؛ فقام ذلك الخادم وتوجه إلى الستر ورفعه، فرأى ابنة الملك جالسة مع ابن الملك وهما يتحدثان، فلما نظرهما الخادم قال لابن الملك: يا سيدي، هل أنت إنسي أم جني؟ فقال له ابن الملك: ويلك يا أنحس العبيد! كيف تجعل أولاد الملوك الأكاسرة من الشياطين الكافرة؟ ثم إنه أخذ السيف بيده وقال له: أنا صهر الملك، وقد زوجني بابنته، وأمرني بالدخول عليها. # فلما سمع الخادم منه ذلك الكلام قال له: يا سيدي، إن كنت من الإنس كما زعمت، فإنها ما تصلح إلا لك، وأنت أحق بها من غيرك. ثم إن الخادم توجه إلى الملك وهو صارخ، وقد شق ثيابه، وحثا التراب على رأسه، فلما سمع الملك صياحه قال له: ما الذي دهاك؟ فقد أرجفت فؤادي، أخبرني بسرعة وأوجز في الكلام. فقال له: أيها الملك أدرك ابنتك؛ ms0923 فإنها قد استولى عليها شيطان من الجن في زي الإنس، مصور بصورة أولاد الملوك، فدونك وإياه. فلما سمع الملك منه ذلك الكلام هم بقتله، وقال له: كيف تغافلت عن ابنتي حتى لحقها هذا العارض؟ ثم إن الملك توجه إلى القصر الذي فيه ابنته، فلما وصل إليه وجد الجواري قائمات، فقال لهن: ما الذي جرى لابنتي؟ فقلن له: أيها الملك، بينما نحن جالسات معها فلم نشعر إلا وقد هجم علينا هذا الغلام الذي كأنه بدر التمام، ولم نر قط أحسن منه وجها، وبيده سيف مسلول، فسألناه عن حاله فزعم أنك قد زوجته ابنتك، ونحن لا نعلم شيئا غير هذا، ولا نعرف هل هو إنسي أم جني، ولكنه عفيف أديب لا يتعاطى القبيح. فلما سمع الملك مقالتهن برد ما به، ثم إنه رفع الستر قليلا قليلا ونظر، فرأى ابن الملك جالسا مع ابنته يتحدثان، وهو في أحسن التصوير، ووجهه كالبدر المنير؛ فلم يقدر الملك أن يمسك نفسه من غيرته على ابنته، فرفع الستر ودخل وبيده سيف مسلول، وهجم عليهما كأنه الغول، فلما نظره ابن الملك قال لها: أهذا أبوك؟ قالت: نعم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 360 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك لما رأى الملك بيده سيف مسلول، وقد هجم عليهما كأنه الغول، قال لها: أهذا أبوك؟ قالت: نعم. فعند ذلك وثب قائما على قدميه، وتناول سيفه بيديه، وصاح على الملك صيحة منكرة فأدهشه، وهم أن يحمل عليه بالسيف، فعلم الملك أنه أوثب منه، فأغمد سيفه، ثم وقف حتى انتهى إليه ابن الملك فقابله بملاطفة، وقال له: يا فتى، هل أنت إنسي أم جني؟ فقال له ابن الملك: لولا أني أرعى ذمامك وحرمة ابنتك لسفكت دمك، كيف تنسبني إلى الشياطين، وأنا من أولاد الملوك الأكاسرة الذين لو شاءوا أخذوا ملكك، ولزلزلوك عن عزك وسلطانك، وسلبوا عنك جميع ما في أوطانك؟ فلما سمع الملك كلامه هابه، وخاف على نفسه منه، وقال له: إن كنت من ms0924 أولاد الملوك كما زعمت فكيف دخلت قصري بغير إذني، وهتكت حرمتي، ووصلت إلى بنتي، وزعمت أنك بعلها، وادعيت أني قد زوجتك بها؟ وأنا قد قتلت الملوك وأبناء الملوك حين خطبوها مني، ومن ينجيك من سطوتي، وأنا إن صحت على عبيدي وغلماني وأمرتهم بقتلك قتلوك في الحال؟ فمن يخلصك من يدي؟ فلما سمع ابن الملك منه ذلك الكلام قال للملك: إني لا أعجب منك ومن قلة بصيرتك، هل تطمع لابنتك في بعل أحسن مني؟ وهل رأيت أحدا أثبت جنانا، وأكثر مكافأة، وأعز سلطانا وجنودا وأعوانا مني؟ فقال له الملك: لا والله، ولكن وددت يا فتى أن تكون خاطبا لها على رءوس الأشهاد حتى أزوجك بها، وأما إذا زوجتك بها خفية فإنك تفضحني فيها. فقال له ابن الملك: لقد أحسنت في قولك، ولكن أيها الملك إذا اجتمع عبيدك وخدمك وجنودك علي وقتلوني كما زعمت، فإنك تفضح نفسك، وتبقى الناس فيك بين مصدق ومكذب، ومن الرأي عندي أن ترجع أيها الملك إلى ما أشير به عليك. فقال له الملك: هات حديثك. فقال له ابن الملك: الذي أحدثك به؛ إما أن تبارزني أنا وأنت خاصة، فمن قتل صاحبه كان أحق وأولى بالملك، وإما أن تتركني في هذه الليلة، وإذا كان الصباح فاخرج إلى عسكرك وجنودك وغلمانك وأخبرني بعدتهم. فقال له الملك: إن عدتهم أربعون ألف فارس غير العبيد الذين لي، وغير أتباعهم وهم مثلهم في العدد. فقال ابن الملك: إذا كان طلوع النهار فأخرجهم إلي، وقل لهم ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 361 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك قال له: إذا كان طلوع النهار فأخرجهم إلي، وقل لهم: هذا قد خطب مني ابنتي على شرط أن يبارزكم جميعا، وادعى أنه يغلبكم ويقهركم، وأنكم لا تقدرون عليه. ثم اتركني معهم أبارزهم، فإذا قتلوني فذلك أخفى لسرك وأصون لعرضك، وإن غلبتهم وقهرتهم فمثلي يرغب الملك في مصاهرته. فلما سمع الملك كلامه استحسن رأيه، وقبل رأيه مع ما استعظمه ms0925 من قوله، وما أهاله من أمره في عزمه على مبارزة جميع عسكره الذين وصفهم له، ثم جلسا يتحدثان، وبعد ذلك دعا الملك بالخادم وأمره أن يخرج من وقته وساعته إلى وزيره، ويأمره أن يجمع العساكر، ويأمرهم بحمل أسلحتهم، وأن يركبوا خيولهم؛ فسار الخادم إلى الوزير وأعلمه بما أمره به الملك، فعند ذلك طلب الوزير نقباء الجيش وأكابر الدولة، وأمرهم أن يركبوا خيولهم، ويخرجوا لابسين آلات الحرب. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر الملك، فإنه ما زال يتحدث مع الغلام حيث أعجبه حديثه وعقله وأدبه. فبينما هما يتحدثان وإذا بالصباح قد أصبح، فقام الملك وتوجه إلى تخته، وأمر جيشه بالركوب، وقدم لابن الملك فرسا جيدا من خيار خيله، وأمر أن تسرج له بعدة حسنة، فقال له: أيها الملك، إني ما أركب حتى أشرف على الجيش وأشاهدهم. فقال له الملك: الأمر كما تحب. ثم سار الملك والفتى بين يديه حتى وصلا إلى الميدان، فنظر الغلام إلى الجيش وكثرته ثم نادى الملك: يا معاشر الناس، إنه قد وصل إلي غلام يخطب ابنتي، ولم أر قط أحسن منه ولا أشد قلبا ولا أعظم بأسا منه، وقد زعم أنه يغلبكم ويقهركم وحده، ويدعي أنكم ولو بلغتم مائة ألف ما أنتم عنده إلا قليل، فإذا بارزكم فخذوه على أسنة رماحكم وأطراف صفاحكم، فإنه قد تعاطى أمرا عظيما. ثم إن الملك قال له: يا ابني، دونك وما تريد منهم. فقال له: أيها الملك، إنك ما أنصفتني، كيف أبارزهم وأنا مترجل وأصحابك ركاب خيل؟ فقال له: قد أمرتك بالركوب فأبيت، فدونك والخيل فاختر منها ما تريد. فقال له: لا يعجبني شيء من خيلك، ولا أركب إلا الفرس التي جئت راكبا عليها. فقال له الملك: وأين فرسك؟ فقال له: هي فوق قصرك. فقال له: في أي موضع في قصري؟ فقال: على سطح القصر. فلما سمع كلامه قال له: هذا أول ما ظهر من خبالك، يا ويلك! كيف تكون الفرس فوق السطح؟ ولكن في هذا الوقت ms0926 يظهر صدقك من كذبك. ثم إن الملك التفت إلى بعض خواصه وقال له: امض إلى قصري وأحضر الذي تجده فوق السطح. فصار الناس متعجبين من قول الفتى، ويقول بعضهم لبعض: كيف ينزل هذا الفرس من سلالم السطح؟ إن هذا شيء ما سمعنا بمثله. ثم إن الذي أرسله الملك إلى القصر صعد إلى أعلاه فرأى الفرس قائما، ولم ير أحسن منه، فتقدم إليه وتأمله فوجده من الأبنوس والعاج، وكان بعض خواص الملك طلع معه أيضا، فلما نظروا إلى الفرس تضاحكوا، وقالوا: وعلى مثل هذا الفرس يكون ما ذكره الفتى! فما نظنه إلا مجنونا، ولكن سوف يظهر لنا أمره. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 362 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خواص الملك لما نظروا الفرس تضاحكوا، وقالوا: وعلى مثل هذا الفرس يكون ما ذكره الفتى! فما نظنه إلا مجنونا، ولكن سوف يظهر لنا أمره، وربما يكون له شأن عظيم. ثم إنهم رفعوا الفرس على أيديهم، ولم يزالوا حاملين لها حتى وصلوا إلى قدام الملك، وأوقفوها بين يديه؛ فاجتمع عليها الناس ينظرون إليها، ويتعجبون من حسن صنعتها، وحسن سرجها ولجامها، واستحسنها الملك أيضا، وتعجب منها غاية العجب، ثم قال لابن الملك: يا فتى، أهذه فرسك؟ فقال: نعم أيها الملك هذه فرسي، وسوف ترى منها العجب. فقال له الملك: خذ فرسك واركبها. قال: لا أركبها إلا إذا بعد عنها العساكر، فأمر الملك العسكر الذين حوله أن يبعدوا عنها مقدار رمية السهم، فقال له: أيها الملك، ها أنا رائح أركب فرسي، وأحمل على جيشك فأفرقهم يمينا وشمالا، وأصدع قلوبهم. فقال له الملك: افعل ما تريد، ولا تبق عليهم، فإنهم لا يبقون عليك. ثم إن ابن الملك توجه إلى فرسه وركبها، واصطفت له الجيوش، وقال بعضهم لبعض: إذا وصل الغلام بين الصفوف نأخذه بأسنة الرماح، وشفار الصفاح. فقال واحد منهم: والله إنها مصيبة، كيف نقتل هذا الغلام صاحب الوجه المليح، والقد الرجيح؟ فقال واحد آخر: والله لن تصلوا إليه إلا ms0927 بعد أمر عظيم، وما فعل الفتى هذه الفعال إلا لما علم من شجاعة نفسه وبراعته. # فلما استوى ابن الملك على فرسه فرك لولب الصعود، فتطاولت إليه الأبصار لينظروا ماذا يريد أن يفعل، فماجت فرسه واضطربت حتى عملت أغرب حركات تعملها الخيل، وامتلأ جوفها بالهواء، ثم ارتفعت وصعدت إلى الجو، فلما رآه الملك قد ارتفع وصعد، نادى على جيشه وقال: ويلكم! خذوه قبل أن يفوتكم. فعند ذلك قال له وزراؤه ونوابه: أيها الملك، هل أحد يلحق الطير الطائر؟ وما هذا إلا ساحر عظيم قد نجاك الله منه، فاحمد الله تعالى على خلاصك من يده. فرجع الملك إلى قصره بعدما رأى من ابن الملك ما رأى، ولما وصل إلى قصره ذهب إلى ابنته، وأخبرها بما جرى له مع ابن الملك في الميدان، فوجدها كثيرة التأسف عليه وعلى فراقها له، ثم إنها مرضت مرضا شديدا، ولزمت الوساد؛ فلما رآها أبوها على تلك الحالة ضمها إلى صدره، وقبلها بين عينيها، وقال لها: يا بنتي، احمدي الله تعالى واشكريه حيث خلصنا من هذا الساحر الماكر. وجعل يكرر عليها ما رآه من ابن الملك، ويذكر لها صفة صعوده في الهواء، وهي لا تصغي إلى شيء من قول أبيها، واشتد بكاؤها ونحيبها، ثم قالت في نفسها: والله لا آكل طعاما، ولا أشرب شرابا، حتى يجمع الله بيني وبينه. فحصل لأبيها الملك هم عظيم من أجل ذلك، وشق عليه حال ابنته، وصار حزين القلب عليها، وكلما يلاطفها لا تزداد إلا شغفا به. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 363 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك صار حزين القلب على ابنته، وكلما يلاطفها لا تزداد إلا شغفا به. هذا ما كان من أمر الملك وابنته، وأما ما كان من أمر ابن الملك، فإنه لما صعد في الجو اختلى بنفسه، وتذكر حسن الجارية وجمالها، وكان قد سأل أصحاب الملك عن اسم المدينة واسم الملك واسم ابنته، وكانت تلك المدينة مدينة صنعاء. ثم إنه جد في ms0928 السير حتى أشرف على مدينة أبيه، ودار حول المدنية، ثم توجه إلى قصر أبيه، ونزل فوق السطح، وترك فرسه هناك، ونزل إلى والده ودخل عليه، فوجده حزينا كئيبا لأجل فراقه، فلما رآه والده قام إليه واعتنقه وضمه إلى صدره، وفرح به فرحا شديدا. ثم إنه لما اجتمع بوالده سأله عن الحكيم الذي عمل الفرس وقال: يا والدي، ما فعل الدهر به؟ فقال له والده: لا بارك الله في الحكيم، ولا في الساعة التي رأيته فيها؛ لأنه هو الذي كان سببا لفراقك منا، وهو مسجون يا ولدي من يوم غبت عنا. فأمر ابن الملك بالإفراج عنه وإخراجه من السجن، وإحضاره بين يديه؛ فلما حضر بين يدي الملك خلع عليه خلعة الرضا، وأحسن إليه غاية الإحسان، إلا أنه لم يزوجه ابنته؛ فغضب الحكيم من أجل ذلك غضبا شديدا، وندم على ما فعل، وعلم أن ابن الملك قد عرف سر الفرس وكيفية سيرها. # ![fig8](../Images/figure8.png) # ثم إن الفرس ارتفع وصعد إلى الجو، فنادى الملك على جيشه ليأخذوه. # ثم إن الملك قال لابنه: الرأي عندي أنك لا تقرب هذه الفرس بعد ذلك، ولا تركبها أبدا بعد يومك هذا؛ لأنك لا تعرف أحوالها، فأنت منها على غرور. وكان ابن الملك حدث أباه بما جرى له مع ابنه الملك صاحب تلك المدينة، وما جرى له مع أبيها، فقال له أبوه: لو أراد الملك قتلك لقتلك، ولكن في أجلك تأخير. ثم إن ابن الملك هاجت بلابله بحب الجارية ابنة الملك صاحب صنعاء، فقام إلى الفرس وركبها، وفرك لولب الصعود فطارت به في الهواء، وعلت به إلى عنان السماء، فلما أصبح الصباح افتقده أبوه فلم يجده، فطلع إلى أعلى القصر وهو ملهوف، فنظر إلى ابنه وهو صاعد في الهواء فتأسف على فراقه، وندم كل الندم حيث لم يأخذ الفرس ويخفي أمرها، ثم قال في نفسه: والله إن رجع إلي ولدي ما بقيت أخلي هذه الفرس؛ لأجل أن يطمئن قلبي على ولدي. ثم إنه عاد إلى بكائه ونحيبه. وأدرك شهرزاد الصباح ms0929 فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 364 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك عاد إلى بكائه ونحيبه من حزنه على ولده. هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر ابنه فإنه لم يزل سائرا في الجو حتى وقف على مدينة صنعاء، ونزل في المكان الذي كان فيه أولا، ومشى مستخفيا حتى وصل إلى محل ابنة الملك فلم يجدها لا هي ولا جواريها ولا الخادم الذي كان محافظا عليها؛ فعظم ذلك عليه، ثم إنه دار يفتش عليها في القصر، فوجدها في مجلس آخر غير محلها الذي اجتمع معها فيه، وقد لزمت الوساد، وحولها الجواري والدايات، فدخل عليهن وسلم عليهن، فلما سمعت الجارية كلامه قامت إليه واعتنقته وجعلت تقبله بين عينيه، وتضمه إلى صدرها؛ فقال لها: يا سيدتي، أوحشتني هذه المدة. فقالت له: أنت الذي أوحشتني، ولو طالت غيبتك عني لكنت هلكت بلا شك. فقال لها: يا سيدتي، كيف رأيت حالي مع أبيك وما صنع بي؟ ولولا محبتك يا فتنة العالمين لقتلته وجعلته عبرة للناظرين، ولكن أحبه من أجلك. فقالت له: كيف تغيب عني؟ وهل تطيب حياتي بعدك؟ فقال لها: أتطيعينني وتصغين إلى قولي؟ فقالت له: قل ما شئت فإني أجيبك إلى ما تدعوني إليه، ولا أخالفك في شيء. فقال لها: سيري معي إلى بلادي وملكي. فقالت له: حبا وكرامة. # فلما سمع ابن الملك كلامها فرح فرحا شديدا، وأخذ بيدها وعاهدها بعهد الله تعالى على ذلك، ثم صعد بها إلى أعلى سطح القصر وركب فرسه وأركبها خلفه، ثم ضمها إليه وشدها شدا وثيقا، وحرك لولب الصعود الذي في كتف الفرس فصعدت بهما إلى الجو، فعند ذلك زعقت الجواري، وأعلمن الملك أباها وأمها، فصعدا مبادرين إلى سطح القصر، والتفت الملك إلى الجو فرأى الفرس الأبنوس وهي طائرة بهما في الهواء؛ فعند ذلك انزعج الملك وزاد انزعاجه، وصاح وقال: يا ابن الملك، سألتك بالله أن ترحمني وترحم زوجتي ولا تفرق بيننا وبين بنتنا. فلم يجبه ابن الملك، ثم إن ابن ms0930 الملك ظن في نفسه أن الجارية ندمت على فراق أمها وأبيها، فقال لها: يا فتنة الزمان، هل لك أن أردك إلى أمك وأبيك؟ فقالت له: يا سيدي، والله ما مرادي ذلك، إنما مرادي أن أكون معك أينما تكون؛ لأنني مشغولة بمحبتك عن كل شيء حتى أبي وأمي. فلما سمع ابن الملك كلامها فرح بذلك فرحا شديدا، وجعل يسير الفرس بهما سيرا لطيفا لكيلا يزعجها، ولم يزل يسير بها حتى نظر إلى مرج أخضر، وفيه عين ماء جارية، فنزلا هناك وأكلا وشربا، ثم إن ابن الملك ركب فرسه وأردفها خلفه، وأوثقها بالرباط خوفا عليها وسار بها، ولم يزل سائرا بها في الهواء حتى وصل إلى مدينة أبيه فاشتد فرحه، ثم أراد أن يظهر للجارية محل سلطانه وملك أبيه، ويعرفها أن ملك أبيه أعظم من ملك أبيها، فأنزلها في بعض البساتين التي يتفرج فيها والده، وأدخلها في المقصورة المعدة لأبيه، وأوقف الفرس الأبنوس على باب تلك المقصورة، وأوصى الجارية بالمحافظة على الفرس، وقال لها: اقعدي ها هنا حتى أرسل إليك رسولي؛ فإني متوجه إلى أبي لأهيئ لك قصرا، وأظهر لك ملكي. ففرحت الجارية عندما سمعت منه هذا الكلام وقالت له: افعل ما تريد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 365 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية فرحت عندما سمعت من ابن الملك هذا الكلام، وقالت له: افعل ما تريد. ثم خطر ببالها أنها لا تدخل إلا بالتبجيل والتشريف كما يصلح لأمثالها، ثم إن ابن الملك تركها وسار حتى وصل إلى المدينة ودخل على أبيه، فلما رآه أبوه فرح بقدومه وتلقاه ورحب به. ثم إن ابن الملك قال لوالده: اعلم أنني قد أتيت ببنت الملك التي كنت أعلمتك بها، وقد تركتها خارج المدينة في بعض البساتين، وجئت أعلمك بها لأجل أن تهيئ الموكب وتخرج لملاقتها، وتظهر لها ملكك وجنودك وأعوانك. فقال له الملك: حبا وكرامة. ثم أمر من وقته وساعته أهل المدينة أن يزينوا المدينة بالزينة الحسنة، وركب ms0931 في أكمل هيبة وأحسن زينة هو وجميع عساكره وأكابر دولته، وسائر مملكته وخدمه، وأخرج ابن الملك من قصره الحلي والحلل، وما تدخره الملوك، وهيأ لها عمارة من الديباج الأخضر والأحمر والأصفر، وأجلس على تلك العمارة الجواري الهنديات والروميات والحبشيات، وأظهر من الذخائر شيئا عجيبا. ثم إن ابن الملك ترك العمارة بمن فيها وسبق إلى البستان، ودخل المقصورة التي تركها فيها وفتش عليها فلم يجدها، ولم يجد الفرس؛ فعند ذلك لطم على وجهه ومزق ثيابه، وجعل يطوف في البستان وهو مدهوش العقل، ثم بعد ذلك رجع إلى عقله وقال في نفسه: كيف علمت بسر هذا الفرس وأنا لم أعلمها بشيء من ذلك؟ ولعل الحكيم الفارسي الذي عمل الفرس قد وقع عليها، وأخذها جزاء ما عمله والدي معه. ثم إن ابن الملك طلب حراس البستان وسألهم عمن مر بهم، وقال لهم: هل نظرتم أحدا مر بكم ودخل هذا البستان؟ فقالوا: ما رأينا أحدا دخل هذا البستان سوى الحكيم الفارسي، فإنه دخل ليجمع الحشائش النافعة. فلما سمع كلامهم صح عنده أن الذي أخذ الجارية هو ذلك الحكيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 366 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك لما سمع كلامهم صح عنده أن الذي أخذ الجارية هو ذلك الحكيم، وكان بالأمر المقدر أن ابن الملك لما ترك الجارية في المقصورة التي في البستان وذهب إلى قصر أبيه ليهيئ أمره، دخل الحكيم الفارسي البستان ليجمع شيئا من الحشيش النافع، فشم رائحة المسك والطيب التي عبق منها المكان، وكان ذلك الطيب من رائحة ابنة الملك، فقصد الحكيم صوب تلك الرائحة حتى وصل إلى تلك المقصورة، فرأى الفرس التي صنعها بيده واقفة على باب المقصورة، فلما رأى الحكيم الفرس امتلأ قلبه فرحا وسرورا؛ لأنه كان كثير التأسف على الفرس حيث خرجت من يده، فتقدم إلى الفرس وافتقد جميع أجزائها فوجدها سالمة، ولما أراد أن يركبها ويسير قال في نفسه: لا بد أن أنظر إلى ما جاء به ms0932 ابن الملك وتركه مع الفرس ها هنا. فدخل المقصورة فوجد الجارية جالسة وهي كالشمس الضاحية في السماء الصاحية، فلما نظرها علم أنها جارية لها شأن عظيم، وقد أخذها ابن الملك وأتى بها على الفرس وتركها في تلك المقصورة، ثم توجه إلى المدينة ليجيء لها بموكب ويدخلها المدينة بالتبجيل والتشريف، فعند ذلك دخل الحكيم إليها وقبل الأرض بين يديها، فرفعت إليه طرفها ونظرت إليه، فوجدته قبيح المنظر جدا بشع الصورة، فقالت له: من أنت؟ فقال لها: يا سيدتي، أنا رسول ابن الملك، قد أرسلني إليك وأمرني أن أنقلك إلى بستان آخر قريب من المدينة. فلما سمعت الجارية منه ذلك الكلام قالت له: وأين ابن الملك؟ قال لها: هو في المدينة عند أبيه، وسيأتي إليك في هذه الساعة بموكب عظيم. فقالت له: يا هذا، وهل ابن الملك لم يجد أحدا يرسله إلي غيرك؟ فضحك الحكيم من كلامها وقال لها: يا سيدتي، لا يغرنك قبح وجهي وبشاعة منظري، فلو نلت مني ما ناله ابن الملك لحمدت أمري، وإنما خصني ابن الملك بالإرسال إليك لقبح منظري ومهول صورتي؛ غيرة منه عليك ومحبة لك، وإلا فعنده من المماليك والعبيد والغلمان والخدم والحشم ما لا يحصى. فلما سمعت الجارية كلامه دخل في عقلها وصدقته، وقامت معه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 367 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحكيم الفارسي لما أخبر الجارية بأحوال ابن الملك صدقت كلامه، ودخل في عقلها، وقامت معه ووضعت يدها في يده، ثم قالت له: يا والدي، ما الذي جئت لي به معك حتى أركبه؟ فقال: يا سيدتي، الفرس التي جئت عليها تركبينها. فقالت له: أنا لا أقدر على ركوبها وحدي. فتبسم الحكيم عندما سمع منها ذلك، وعلم أنه قد ظفر بها، فقال لها: أنا أركب معك بنفسي. ثم إنه ركب وأركب الجارية خلفه وضمها إليه، وشد وثاقها، وهي لا تعلم ما يريد بها، ثم إنه حرك لولب الصعود فامتلأ جوف الفرس بالهواء، وتحركت وماجت، ثم ms0933 ارتفعت صاعدة إلى الجو، ولم تزل سائرة بهما حتى غابت عن المدينة، فقالت له الصبية: يا هذا، أين الذي قلته عن ابن الملك حيث زعمت أنه أرسلك إلي؟ فقال لها الحكيم: قبح الله ابن الملك! فإنه خبيث لئيم. فقالت له: يا ويلك! كيف تخالف أمر مولاك فيما أمرك به؟ فقال لها: ليس هو مولاي، فهل تعرفين من أنا؟ فقالت له: لا أعرفك إلا بما عرفتني به عن نفسك. فقال لها: إنما كان إخباري لك بهذا الخبر حيلة مني عليك وعلى ابن الملك، ولقد كنت متأسفا طول عمري على هذه الفرس التي تحتك؛ فإنها صناعتي، وكان استولى عليها، والآن قد ظفرت بها وبك أيضا، وقد أحرقت قلبه كما أحرق قلبي، ولا يتمكن منها بعد ذلك أبدا، فطيبي قلبا وقري عينا، فأنا لك أنفع منه. # فلما سمعت الجارية كلامه لطمت على وجهها ونادت: يا أسفاه! لا حصلت حبيبي ولا بقيت عند أبي وأمي. وبكت بكاء شديدا على ما حل بها، ولم يزل الحكيم سائرا بها إلى بلاد الروم حتى نزل بها في مرج أخضر ذي أنهار وأشجار، وكان ذلك المرج بالقرب من مدينة، وفي تلك المدينة ملك عظيم الشأن، فاتفق في ذلك اليوم أن ملك تلك المدينة خرج إلى الصيد والنزهة، فجاز على ذلك المرج، فرأى الحكيم واقفا والفرس والجارية بجانبه، فلم يشعر الحكيم إلا وقد هجم عليه عبيد الملك وأخذوه هو والجارية والفرس، وأوقفوا الجميع بين يدي الملك، فلما نظر إلى قبح منظره وبشاعته، ونظر إلى حسن الجارية وجمالها، قال لها: يا سيدتي، ما نسبة هذا الشيخ منك؟ فبادر الحكيم بالجواب وقال: هي زوجتي وابنة عمي. فكذبته الجارية عندما سمعت قوله وقالت: أيها الملك، والله لا أعرفه ولا هو بعلي، بل أخذني بالحيلة. فلما سمع الملك مقالها أمر بضربه فضربوه حتى كاد أن يموت، ثم أمر الملك أن يحملوه إلى المدينة ويطرحوه في السجن، ففعلوا به ذلك. ثم إن الملك أخذ الجارية والفرس منه، ولكنه لم يعلم بأمر الفرس، ولا بكيفية ms0934 سيرها. # هذا ما كان من أمر الحكيم والجارية، وأما ما كان من أمر ابن الملك فإنه لبس ثياب السفر، وأخذ ما يحتاج إليه من المال، وسافر وهو في أسوأ حال، وسار مسرعا يقتص الأثر في طلبهما من بلد إلى بلد، ومن مدينة إلى مدينة، ويسأل عن الفرس الأبنوس، وكل من سمع منه خبر الفرس الأبنوس يتعجب منه ويستعظم قوله. فأقام على هذا الحال مدة من الزمان، ومع كثرة السؤال والتفتيش عليهما لم يقع لهما على خبر، ثم إنه سار إلى مدينة أبي الجارية وسأل عنها هناك، فلم يسمع لها بخبر، ووجد أباها حزينا على فقدها، فرجع وقصد بلاد الروم، وجعل يقتص أثرهما ويسأل عنهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 368 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك قصد بلاد الروم، وجعل يقتص أثرهما ويسأل عنهما، فاتفق أنه نزل في خان من الخانات فرأى جماعة من التجار جالسين يتحدثون، فجلس قريبا منهم، فسمع أحدهم يقول: يا أصحابي، لقد رأيت عجبا من العجائب. فقالوا له: وما هو؟ قال: إني كنت في بعض الجهات في مدينة كذا - وذكر اسم المدينة التي فيها الجارية - فسمعت أهلها يتحدثون بحديث غريب، وهو أن ملك المدينة خرج يوما من الأيام إلى الصيد والقنص، ومعه جماعة من أصحابه وأكابر دولته، فلما طلعوا إلى البرية جازوا على مرج أخضر فوجدوا هناك رجلا واقفا وإلى جانبه امرأة جالسة، ومعه فرس من أبنوس؛ فأما الرجل فإنه قبيح المنظر مهول الصورة جدا، وأما المرأة فإنها صبية ذات حسن وجمال، وبهاء وكمال، وقد واعتدال، وأما الفرس الأبنوس فإنها من العجائب التي لم ير الراءون أحسن منها ولا أجمل من صنعتها. فقال له الحاضرون: فما فعل الملك بهم؟ فقال: أما الرجل فإنه أخذه الملك وسأله عن الجارية فادعى أنها زوجته وابنة عمه، وأما الجارية فإنها كذبته في قوله فأخذها الملك منه، وأمر بضربه وطرحه في السجن، وأما الفرس الأبنوس فما لي بها علم. فلما سمع ابن الملك هذا ms0935 الكلام من التاجر دنا منه، وصار يسأله برفق وتلطف حتى أخبره باسم المدينة واسم ملكها، فلما عرف ابن الملك اسم المدينة واسم ملكها بات ليلته مسرورا. فلما أصبح الصباح خرج وسافر، ولم يزل مسافرا حتى وصل إلى تلك المدينة، فلما أراد أن يدخلها أخذه البوابون وأرادوا إحضاره قدام الملك ليسأله عن حاله، وعن سبب مجيئه إلى تلك المدينة، وعما يحسنه من الصنائع، وكانت هذه عادة الملك من سؤال الغرباء عن أحوالهم وصنائعهم، وكان وصول ابن الملك إلى تلك المدينة في وقت المساء، وهو وقت لا يمكن الدخول فيه على الملك ولا المشاورة عليه، فأخذه البوابون وأتوا به إلى السجن ليضعوه فيه، فلما نظر السجانون إلى حسنه وجماله لم يهن عليهم أن يدخلوه السجن، بل أجلسوه معهم خارج السجن. فلما جاءهم الطعام أكل معهم بحسب الكفاية، فلما فرغوا من الأكل جعلوا يتحدثون، ثم أقبلوا على ابن الملك وقالوا له: من أي البلاد أنت؟ فقال: أنا من بلاد فارس بلاد الأكاسرة. فلما سمعوا كلامه ضحكوا، وقال له بعضهم: يا كسروي، لقد سمعت حديث الناس وأخبارهم وشاهدت أحوالهم، فما رأيت ولا سمعت أكذب من هذا الكسروي الذي عندنا في السجن. فقال آخر: ولا رأيت أقبح من خلقته، ولا أبشع من صورته. فقال لهم ابن الملك: ما الذي بان لكم من كذبه؟ فقالوا: يزعم أنه حكيم، وكان الملك قد رآه في طريقه وهو ذاهب إلى الصيد، ومعه امرأة بديعة الحسن والجمال، والبهاء والكمال، والقد والاعتدال، ومعه أيضا فرس من الأبنوس الأسود ما رأينا قط أحسن منها؛ فأما الجارية فهي عند الملك وهو لها محب، ولكن تلك المرأة مجنونة، ولو كان ذلك الرجل حكيما كما يزعم لداواها، والملك مجتهد في علاجها، وغرضه مداواتها مما هي فيه، وأما الفرس الأبنوس فإنها في خزانة الملك، وأما الرجل القبيح المنظر الذي كان معها فإنه عندنا في السجن، فإذا جن عليه الليل يبكي وينتحب أسفا على نفسه، ولا يدعنا ننام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت ms0936 الليلة 369 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الموكلين بالسجن لما أخبروه بخبر الحكيم الفارسي الذي عندهم في السجن، وبما هو فيه من البكاء والنحيب، خطر بباله أن يدبر تدبيرا يبلغ به غرضه، فلما أراد البوابون النوم أدخلوه السجن، وأغلقوا عليه الباب، فسمع الحكيم يبكي وينوح على نفسه بالفارسية، ويقول في نوحه: الويل لي بما جنيت على نفسي وعلى ابن الملك، وبما فعلت بالجارية حيث لم أتركها ولم أظفر بمرادي، وذلك كله من سوء تدبيري؛ فإني طلبت لنفسي ما لا أستحقه، وما لا يصلح لمثلي، ومن طلب ما لا يصلح له وقع في مثل ما وقعت فيه. فلما سمع ابن الملك كلام الحكيم كلمه بالفارسية وقال له: إلى كم هذا البكاء والعويل، هل ترى أنه أصابك ما لم يصب غيرك؟ فلما سمع الحكيم كلامه أنس به، وشكا إليه حاله وما يجده من المشقة. فلما أصبح الصباح أخذ البوابون ابن الملك وأتوا به إلى ملكهم، وأعلموه أنه وصل إلى المدينة بالأمس في وقت لا يمكن الدخول فيه على الملك، فسأله الملك وقال له: من أي البلاد أنت؟ وما اسمك؟ وما صنعتك؟ وما سبب مجيئك إلى هذه المدينة؟ فقال ابن الملك: أما اسمي فإنه بالفارسية حرجة، وأما بلادي فهي بلاد فارس، وأنا من أهل العلم وخصوصا علم الطب؛ فإني أداوي المرضى والمجانين، ولهذا أطواف في الأقاليم والمدن لأستفيد علما على علمي، وإذا رأيت مريضا فإني أداويه، فهذه صنعتي. # فلما سمع الملك كلامه فرح به فرحا شديدا، وقال له: أيها الحكيم الفاضل، لقد وصلت إلينا في وقت الحاجة إليك. ثم أخبره بخبر الجارية وقال له: إن داويتها وأبرأتها من جنونها، فلك عندي جميع ما تطلبه. فلما سمع كلام الملك قال له: أعز الله الملك، صف لي كل شيء رأيته من جنونها، وأخبرني منذ كم يوم عرض لها هذا الجنون، وكيف أخذتها هي والفرس والحكيم؟ فأخبره بالخبر من أوله إلى آخره، ثم قال له: إن الحكيم في السجن. فقال له: أيها الملك السعيد، ما ms0937 فعلت بالفرس التي كانت معهما؟ فقال له: باقية عندي إلى الآن محفوظة في بعض المقاصير. فقال ابن الملك في نفسه: إن من الرأي عندي أن أتفقد الفرس وأنظرها قبل كل شيء، فإن كانت سالمة لم يحدث فيها أمر فقد تم لي كل ما أريده، وإن رأيتها قد بطلت حركاتها تحيلت بحيلة في خلاص مهجتي. ثم التفت إلى الملك وقال له: أيها الملك، ينبغي أن أنظر الفرس المذكورة لعلي أجد شيئا يعينني على برء الجارية. فقال له الملك: حبا وكرامة. ثم قام الملك وأخذ بيده ودخل معه إلى الفرس؛ فجعل ابن الملك يطوف حول الفرس ويتفقدها وينظر أحوالها، فوجدها سالمة لم يعبها شيء؛ ففرح ابن الملك بذلك فرحا شديدا، وقال: أعز الله الملك، إني أريد الدخول إلى الجارية حتى أنظر ما يكون منها، وأرجو الله أن يكون برؤها على يدي بسبب الفرس إن شاء الله تعالى. ثم أمر بالمحافظة على الفرس، ومضى به الملك إلى البيت الذي فيه الجارية، فلما دخل عليها ابن الملك وجدها تختبط وتنصرع على عادتها، ولم يكن بها جنون، وإنما تفعل ذلك حتى لا يقربها أحد، فلما رآها ابن الملك على هذه الحالة قال لها: لا بأس عليك يا فتنة العالمين. ثم إنه جعل يرفق بها ويلاطفها إلى أن عرفها بنفسه، فلما عرفته صاحت صيحة عظيمة حتى غشي عليها من شدة ما حصل لها من الفرح؛ فظن الملك أن هذه الصرعة من فزعها منه. # ثم إن ابن الملك وضع فمه على أذنها، وقال لها: يا فتنة العالمين، احقني دمي ودمك واصبري وتجلدي؛ فإن هذا موضع نحتاج فيه إلى الصبر وإتقان التدبير في الحيل حتى نتخلص من هذا الملك الجائر، ومن الحيلة أني أخرج إليه وأقول له: إن المرض الذي بها عارض من الجنون، وأنا أضمن لك برءها. وأشرط عليه أن يفك عنك القيد ويزول هذا العارض عنك، فإذا دخل إليك فكلميه بكلام مليح حتى يرى أنك برئت على يدي، فيتم لنا كل ما نريد. فقالت له: سمعا ms0938 وطاعة. ثم إنه خرج من عندها، وتوجه إلى الملك فرحا مسرورا، وقال: أيها الملك السعيد، قد عرفت بسعادتك داءها ودواءها، وقد داويتها لك، فقم الآن وادخل إليها، ولين كلامك لها، وترفق بها، وعدها بما يسرها؛ فإنه يتم لك كل ما تريد منها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 370 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك لما جعل نفسه حكيما، ودخل على الجارية وأعلمها بنفسه، أخبرها بالتدبير الذي يدبره، فقالت له: سمعا وطاعة. ثم خرج من عندها، وتوجه إلى الملك وقال له: قم ادخل إليها، ولين لها الكلام، وعدها بما يسرها؛ فإنه يتم لك كل ما تريد منها. فقام الملك ودخل عليها، فلما رأته قامت إليه وقبلت الأرض بين يديه ورحبت به؛ ففرح الملك بذلك فرحا شديدا، ثم أمر الجواري والخدم أن يقوموا بخدمتها، ويدخلوها الحمام ويجهزوا لها الحلي؛ فدخلوا إليها وسلموا عليها، فردت عليهم السلام بألطف منطق وأحسن كلام، ثم ألبسوها حللا من ملابس الملوك، ووضعوا في عنقها عقدا من الجواهر، وساروا بها إلى الحمام وخدموها، ثم أخرجوها من الحمام كأنها البدر التمام، ولما وصلت على الملك سلمت عليه، وقبلت الأرض بين يديه؛ فحصل للملك بها سرور عظيم، وقال لابن الملك: كل ذلك ببركتك زادنا الله من نفحاتك. فقال له: أيها الملك، إن تمام برئها وكمال أمرها أنك تخرج أنت وكل من معك من أعوانك وعسكرك إلى المحل الذي كنت وجدتها فيه، وتكون صحبتك الفرس الأبنوس التي كانت معها؛ لأجل أن أعقد عنها العارض هناك وأسجنه وأقتله، فلا يعود إليها أبدا. فقال له الملك: حبا وكرامة. ثم أخرج الفرس الأبنوس إلى المرج الذي وجدها فيه هي والجارية والحكيم الفارسي، وركب الملك مع جيشه، وأخذ الجارية صحبته، وهم لا يدرون ما يريد أن يفعل. فلما وصلوا إلى ذلك المرج أمر ابن الملك الذي جعل نفسه حكيما أن توضع الجارية والفرس بعيدا عن الملك والعساكر بمقدار مد البصر، وقال للملك: دستور عن إذنك، أنا أريد أن ms0939 أطلق البخور وأتلو العزيمة، وأسجن العارض هنا حتى لا يعود إليها أبدا، ثم بعد ذلك أركب الفرس الأبنوس وأركب الجارية خلفي؛ فإذا فعلت ذلك فإن الفرس تضطرب وتمشي حتى تصل إليك، فعند ذلك يتم الأمر فافعل بها بعد ذلك ما تريد. # فلما سمع الملك كلامه فرح فرحا شديدا، ثم إن ابن الملك ركب الفرس ووضع الصبية خلفه، وصار الملك وجميع عسكره ينظرون إليه، ثم إنه ضمها إليه وشد وثاقها، وبعد ذلك فرك ابن الملك لولب الصعود، فصعدت بهما الفرس في الهواء، والعساكر تنظر إليه حتى غاب عن أعينهم، ومكث الملك نصف يوم ينتظر عودته إليه فلم يعد، فيئس منه وندم ندما عظيما، وتأسف على فراق الجارية، ثم أخذ عسكره وعاد إلى مدينته. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر ابن الملك، فإنه قصد مدينة أبيه فرحا مسرورا، ولم يزل سائرا إلى أن نزل على قصره، وأنزل الجارية في القصر وأمن عليها، ثم ذهب إلى أبيه وأمه فسلم عليهما وأعلمها بقدوم الجارية، ففرحا بذلك فرحا شديدا. # هذا ما كان من أمر ابن الملك والفرس والجارية، وأما ما كان من أمر ملك الروم، فإنه لما عاد إلى مدينته احتجب في قصره حزينا كئيبا، فدخل عليه وزراؤه وجعلوا يسلونه ويقولون له: إن الذي أخذ الجارية ساحر، والحمد لله الذي نجاك من سحره ومكره. وما زالوا به حتى تسلى عنها. وأما ابن الملك فإنه عمل الولائم العظيمة لأهل المدينة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 371 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك عمل الولائم العظيمة لأهل المدينة، وأقاموا في الفرح شهرا كاملا، ثم دخل على الجارية، وفرحا ببعضهما فرحا شديدا. هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر والده، فإنه كسر الفرس الأبنوس، وأبطل حركاتها. ثم إن ابن الملك كتب كتابا إلى أبي الجارية، وذكر له فيه حالها، وأخبره أنه تزوج بها، وهي عنده في أحسن حال، وأرسله إليه مع رسول، وصحبته هدايا ms0940 وتحف نفيسة، فلما وصل الرسول إلى مدينة أبي الجارية، وهي صنعاء اليمن، أوصل الكتاب والهدايا إلى ذلك الملك، فلما قرأ الكتاب فرح فرحا شديدا، وقبل الهدايا، وأكرم الرسول. ثم جهز هدية لصهره ابن الملك، وأرسلها إليه مع ذلك الرسول؛ فرجع بها إلى ابن الملك، وأعلمه بفرح الملك أبي الجارية حين بلغه خبر ابنته، فحصل له سرور عظيم، وصار ابن الملك في كل سنة يكاتب صهره ويهاديه، ولم يزالوا كذلك حتى توفي الملك أبو الغلام، وتولى هو بعده في المملكة؛ فعدل في الرعية، وسار فيهم بسيرة مرضية؛ فدانت له البلاد وأطاعته العباد، واستمروا على هذه الحالة في ألذ عيش وأهنئه، وأرغده وأمرئه، إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، ومخرب القصور ومعمر القبور، فسبحان الحي الذي لا يموت، وبيده الملك والملكوت. ### || حكاية أنس الوجود والورد في الأكمام # ومما يحكى أيضا أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، ملك عظيم الشان، ذو عز وسلطان، وكان له وزير يسمى إبراهيم، وكانت له ابنة بديعة في الحسن والجمال، فائقة في البهجة والكمال، ذات عقل وافر وأدب باهر، إلا أنها تهوى المنادمة والراح والوجوه الملاح، ورقائق الأشعار ونوادر الأخبار، تدعو العقول إلى الهوى رقة معانيها، كما قال فيها بعض واصفيها: # كلفت بها فتانة الترك # والعرب %~% تجادلني في الفقه والنحو # والأدب ~~تقول: أنا المفعول بي # وخفضتني %~% لماذا؟ وهذا فاعل فلم # انتصب؟ ~~فقلت لها: نفسي وروحي لك # الفدا %~% ألم تعلمي أن الزمان قد # انقلب ~~وإن كنت يوما تنكرين # انقلابه %~% فها فانظري ما عقدة الرأس في # الذنب # وكان اسمها «الورد في الأكمام»، وسبب تسميتها بذلك فرط رقتها، وكمال بهجتها، وكان الملك محبا لمنادمتها لكمال أدبها، ومن عادة الملك أنه في كل عام يجمع أعيان مملكته ويلعب الكرة، فلما كان ذلك اليوم الذي يجمع فيه الناس للعب الكرة، جلست ابنة الوزير في الشباك لتتفرج؛ فبينما هم في اللعب إذ لاحت منها التفاتة، فرأت بين العسكر شابا لم يكن أحسن منه منظرا ولا أبهى طلعة؛ نير الوجه، ضاحك السن، ms0941 طويل الباع، واسع المنكب؛ فكررت فيه النظر مرارا فلم تشبع منه نظرا، فقالت لدايتها: ما اسم هذا الشاب المليح الشمائل الذي بين العسكر؟ فقالت لها: يا بنتي، الكل ملاح، فمن هو فيهم؟ فقالت لها: اصبري حتى أشير لك إليه. ثم أخذت تفاحة ورمتها عليه؛ فرفع رأسه فرأى ابنة الوزير في الشباك كأنها البدر في الأفلاك، فلم يرد إليه طرفه إلا وهو بعشقها مشغول الخاطر، فأنشد قول الشاعر: # أرماني القواس أم جفناك %~% فتكا بقلب الصب حين رآك ~~أأتاني السهم المفوق # برهة %~% من جحفل أم جاء من شباك # فلما فرغ اللعب قالت لدايتها: ما اسم هذا الشاب الذي أريته لك؟ قالت: اسمه أنس الوجود. فهزت رأسها ونامت في مرتبتها، وقدحت فكرتها، ثم صعدت الزفرات وأنشدت هذه الأبيات: # ما خاب من سماك أنس # الوجود %~% يا جامعا ما بين أنس وجود ~~يا طلعة البدر الذي وجهه %~% قد نور الكون وعم # الوجود ~~ما أنت إلا مفرد في الورى %~% سلطان ذي حسن وعندي شهود ~~حاجبك النون التي حررت %~% ومقلة كالصاد صنع الودود ~~وقدك الغصن الرطيب الذي %~% إذا دعي في كل شيء يجود ~~قد فقت فرسان الورى سطوة %~% وفقتهم أنسا وحسن وجود # فلما فرغت من شعرها كتبته في قرطاس، ولفته في خرقة من الحرير مطرزة بالذهب، ووضعته تحت المخدة، وكانت واحدة من داياتها تنظر إليها، فجاءتها وصارت تمارسها في الحديث حتى نامت، وسرقت الورقة من تحت المخدة وقرأتها؛ فعرفت أنها حصل لها وجد بأنس الوجود، وبعد أن قرأت الورقة وضعتها في مكانها. فلما استفاقت سيدتها الورد في الأكمام من نومها، قالت لها: يا سيدتي، إني لك من الناصحات، وعليك من الشفيقات، اعلمي أن الهوى شديد، وكتمانه يذيب الحديد، ويورث الأمراض والأسقام، وما على من يبوح بالهوى ملام. فقالت لها الورد في الأكمام: يا دايتي، وما دواء الغرام؟ قالت: دواؤه الوصال. قالت: وكيف يوجد الوصال؟ قالت: يا سيدتي، يوجد بالمراسلة ولين الكلام، وإكثار التحيات والسلام، فهذا يجمع بين الأحباب، وبه تسهل الأمور الصعاب، وإن كان لك أمر يا ms0942 مولاتي، فأنا أولى بكتم سرك وقضاء حاجتك وحمل رسالتك. فلما سمعت منها الورد في الأكمام ذلك الكلام، طار عقلها من الفرح، لكن أمسكت نفسها عن الكلام حتى تنظر عاقبة أمرها، وقالت في نفسها: إن هذا الأمر ما عرفه أحد مني، فلا أبوح به لهذه المرأة إلا بعد اختبارها. فقالت لها المرأة: يا سيدتي، إني رأيت في منامي كأن رجلا جاءني، وقال لي: إن سيدتك وأنس الوجود متحابان فمارسي أمرهما، واحملي رسائلهما، واقضي حوائجهما، واكتمي أمرهما وأسرارهما؛ يحصل لك خير كثير، وها أنا قد قصصت ما رأيت عليك، والأمر إليك. فقالت الورد في الأكمام لدايتها لما أخبرتها بالمنام ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 372 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الورد في الأكمام قالت لدايتها لما أخبرتها بالمنام الذي رأته: هل تكتمين الأسرار يا دايتي؟ فقالت: كيف لا أكتم الأسرار وأنا من خلاصة الأحرار؟ فأخرجت لها الورقة التي كتبت فيها الشعر، وقالت لها: اذهبي برسالتي هذه إلى أنس الوجود، وائتيني بجوابه. فأخذتها وتوجهت بها إلى أنس الوجود، فلما دخلت عليه قبلت يديه، وحيته بألطف كلام، ثم أعطته القرطاس، فقرأه وفهم معناه، ثم كتب في ظهره هذه الأبيات: # أعلل قلبي في الغرام وأكتم %~% ولكن حالي عن هواي يترجم ~~وإن فاض دمعي قلت جرح # بمقلتي %~% لئلا يرى حالي العذول فيفهم ~~وكنت خليا لست أعرف ما # الهوى %~% فأصبحت صبا والفؤاد متيم ~~رفعت إليكم قصتي أشتكي # بها %~% غرامي ووجدي كي ترقوا # وترحموا ~~وسطرتها من دمع عيني # لعلها %~% بما حل بي منكم إليكم # تترجم ~~رعى الله وجها بالجمال # مبرقعا %~% له البدر عبد والكواكب # تخدم ~~على حسن ذات ما رأيت مثيلها %~% ومن ميلها الأغصان عطفا # تعلم ~~وأسألكم من غير حمل مشقة %~% زيارتنا إن الوصال معظم ~~وهبت لكم روحي عسى تقبلونها %~% فلي الوصل خلد والصدود # جهنم # ثم طوى الكتاب وقبله وأعطاه لها، وقال لها: يا داية، استعطفي خاطر سيدتك. فقالت له: سمعا وطاعة. ثم أخذت منه المكتوب ورجعت إلى سيدتها، وأعطتها القرطاس، فقبلته ms0943 ورفعته فوق رأسها، ثم فتحته وقرأته وفهمت معناه، وكتبت في أسفله هذه الأبيات: # يا من تولع قلبه بجمالنا %~% اصبر لعلك في الهوى تحظى # بنا ~~لما علمنا أن حبك صادق %~% وأصاب قلبك ما أصاب فؤادنا ~~زدناك فوق الوصل وصلا مثله %~% لكن منع الوصل من حجابنا ~~لما يجن الليل من فرط # الهوى %~% تتوقد النيران في أحشائنا ~~وجفت مضاجعنا المنام وربما %~% قد برح التبريح في أجسامنا ~~الفرض في شرع الهوى كتم # الهوى %~% لا ترفعوا المسبول من # أستارنا ~~وقد انحشى مني الحشا بهوى # الرشا %~% يا ليته ما غاب عن أوطاننا # فلما فرغت من شعرها طوت القرطاس وأعطته للداية، فأخذته وخرجت من عند الورد في الأكمام بنت الوزير، فصادفها الحاجب وقال لها: أين تذهبين؟ فقالت: إلى الحمام. وقد انزعجت منه فوقعت منها الورقة حين خرجت من الباب وقت انزعاجها. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر الورقة، فإن بعض الخدم رآها مرمية في الطريق فأخذها، ثم إن الوزير خرج من باب الحريم وجلس على سريره، فقصده الخادم الذي التقط الورقة، فبينما الوزير جالس على سريره وإذا بذلك الخادم تقدم إليه وفي يده الورقة، وقال له: يا مولاي، إني وجدت هذه الورقة مرمية في الدار فأخذتها. فتناولها الوزير من يده وهي مطوية ففتحها، فرأى مكتوبا فيها الأشعار التي تقدم ذكرها، فقرأها وفهم معناها، ثم تأمل كتابتها فرآها بخط ابنته، فدخل على أمها وهو يبكي بكاء شديدا حتى ابتلت لحيته، فقالت له زوجته: ما أبكاك يا مولاي؟ فقال لها: خذي هذه الورقة، وانظري ما فيها. فأخذت الورقة وقرأتها، فوجدتها مشتملة على مراسلة من بنتها الورد في الأكمام إلى أنس الوجود؛ فجاءها البكاء لكنها غلبت على نفسها وكفكفت دموعها، وقالت للوزير: يا مولاي، إن البكاء لا فائدة فيه، وإنما الرأي الصواب أن نتبصر في أمر يكون فيه صون عرضك، وكتمان أمر بنتك. وصارت تسليه وتخفف عنه الأحزان، فقال لها: إني خائف على ابنتي من العشق؛ أما تعلمين أن السلطان يحب أنس الوجود محبة عظيمة؟ ولخوفي ms0944 من هذا الأمر سببان؛ الأول من جهتي، وهو أنها ابنتي، والثاني من جهة السلطان، وهو أن أنس الوجود محظي عند السلطان، وربما يحدث من هذا أمر عظيم، فما رأيك في ذلك؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 373 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير لما أخبر زوجته بخبر بنته، وقال لها: فما رأيك في ذلك؟ قالت له: اصبر علي حتى أصلي صلاة الاستخارة. ثم إنها صلت ركعتين سنة الاستخارة، فلما فرغت من صلاتها قالت لزوجها: إن في وسط بحر الكنوز جبلا يسمى جبل الثكلى - وسبب تسميته بذلك سيأتي - وذلك الجبل لا يقدر على الوصول إليه أحد إلا بالمشقة، فاجعل لها موضعا هناك. فاتفق الوزير مع زوجته على أنه يبني فيه قصرا منيعا ويجعلها فيه، ويضع عندها مئونتها عاما بعد عام، ويجعل عندها من يؤانسها ويخدمها، ثم جمع النجارين والبنائين والمهندسين، وأرسلهم إلى ذلك الجبل، وقد بنوا لها قصرا منيعا لم ير مثله الراءون. ثم هيأ الزاد والراحلة ودخل على ابنته في الليل وأمرها بالسير؛ فحس قلبها بالفراق، فلما خرجت ورأت هيئة الأسفار بكت بكاء شديدا، وكتبت على الباب تعرف أنس الوجود بما جرى لها من الوجد الذي تقشعر منه الجلود، ويذيب الجلمود، ويجري العبرات، والذي كتبته هذه الأبيات: # بالله يا دار إن مر الحبيب # ضحى %~% مسلما بإشارات المحبينا ~~أهديه منا سلاما زاكيا عطرا %~% لأنه ليس يدري أين أمسينا ~~ولست أدري إلى أين الرحيل # بنا %~% لما مضوا بي سريعا مستخفينا ~~في جنح ليل وطير الأيك قد # عكفت %~% على الغصون تباكينا وتنعينا ~~وقال عنها لسان الحال وا # حربا %~% من التفرق ما بين المحبينا ~~لما رأيت كئوس البعد قد # ملئت %~% والدهر من صرفها بالقهر # يسقينا ~~مزجتها بجميل الصبر معتذرا %~% وعنكم الآن ليس الصبر # مجدينا # فلما فرغت من شعرها ركبت، وساروا بها يقطعون البراري والقفار، والسهول والأوعار، حتى وصلوا إلى بحر الكنوز، ونصبوا الخيام على شاطئ البحر، ومدوا لها مركبا عظيمة، وأنزلوها فيها هي وعائلتها، وقد أمرهم أنهم إذا ms0945 وصلوا إلى الجبل، وأدخلوها في القصر هي وعائلتها يرجعون بالمركب، وبعد أن يطلعوا من المركب يكسرونها، فذهبوا وفعلوا جميع ما أمرهم به، ثم رجعوا وهم يبكون على ما جرى. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر أنس الوجود، فإنه قام من نومه وصلى الصبح، ثم ركب وتوجه إلى خدمة السلطان، فمر في طريقه على باب الوزير على جري العادة، لعله يرى أحدا من أتباع الوزير الذين كان يراهم، ونظر إلى الباب فرأى الشعر المتقدم ذكره مكتوبا عليه، فلما رآه غاب عن وجوده واشتعلت النار في أحشائه ورجع إلى داره، ولم يقر له قرار ولم يطاوعه اصطبار، ولم يزل في قلق ووجد إلى أن دخل الليل، فكتم أمره وتنكر وخرج في جوف الليل هائما على غير طريق، وهو لا يدري أين يسير؛ فسار الليل كله وثاني يوم إلى أن اشتد حر الشمس، وتلهبت الجبال، واشتد عليه العطش، فنظر إلى شجرة فوجد بجانبها جدول ماء يجري، فقصد تلك الشجرة وجلس في ظلها على شاطئ ذلك الجدول، وأراد أن يشرب فلم يجد للماء طعما في فمه، وقد تغير لونه، واصفر وجهه، وتورمت قدماه من المشي والمشقة؛ فبكى بكاء شديدا، وسكب العبرات وأنشد هذه الأبيات: # سكر العاشق في حب الحبيب %~% إن سألناه سؤالا لا يجيب ~~هائم في الحب صب تائه %~% طعم زاد عنده ليس يطيب ~~كيف يهنا العيش للصب الذي %~% فارق الأحباب ذا شيء عجيب ~~ذبت لما أن ذكا وجدي بهم %~% وجرى دمعي على خدي صبيب ~~هل أراهم أو أرى من ربعهم %~% أحدا يبرى به القلب الكئيب # فلما فرغ من شعره بكى حتى بل الثرى، ثم قام من وقته وساعته، وسار من ذلك المكان؛ فبينما هو سائر في البراري والقفار، إذ خرج عليه سبع رقبته مختنقة بشعره، ورأسه قدر القبة، وفمه أوسع من الباب، وأنيابه مثل أنياب الفيل، فلما رآه أنس الوجود أيقن بالموت، واستقبل القبلة وتشهد واستعد للموت، وكان قد قرأ في الكتب أن من خادع السبع انخدع له؛ لأنه ms0946 ينخدع بالكلام الطيب وينتخي بالمديح، فشرع يقول له: يا أسد الغابة، يا ليث الفضاء، يا ضرغام، يا أبا الفتيان، يا سلطان الوحوش، إنني عاشق مشتاق، وقد أتلفني العشق والفراق، وحين فارقت الأحباب، غبت عن الصواب، فاسمع كلامي، وارحم لوعتي وغرامي. فلما سمع الأسد مقالته تأخر عنه، وجلس مقعيا على ذنبه، ورفع رأسه إليه، وصار يلعب له بذنبه ويديه؛ فلما رأى أنس الوجود هذه الحركات، أنشد هذه الأبيات: # أسد البيداء هل تقتلني %~% قبلما ألقى الذي تيمني ~~لست صيدا لا ولا بي سمن %~% فقد من أهواه قد أسقمني ~~وفراق الحب أضنى مهجتي %~% فمثالي صورة في كفني ~~يا أبا الحارث يا ليث الوغى %~% لا تشمت عذلي في شجني ~~أنا صب مدمعي غرقني %~% وفراق الحب قد أقلقني ~~واشتغالي في دجى الليل بهم %~% عن وجودي في الهوى غيبني # فلما فرغ من شعره قام الأسد ومشى نحوه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 374 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أنس الوجود لما فرغ من شعره، قام الأسد ومشى نحوه بلطف وعيناه مغرغرتان بالدموع، ولما وصل إليه لحسه بلسانه ومشى قدامه، وأشار إليه أن اتبعني فتبعه، ولم يزل سائرا وهو خلفه ساعة من الزمان حتى طلع به فوق جبل، ثم نزل به من فوق ذلك الجبل، فرأى آثار المشي في البراري؛ فعرف أن ذلك أثر مشي القوم بالورد في الأكمام، فتبع الأثر ومشى فيه، فلما رآه الأسد تبع الأثر وعرف أنه أثر مشي القوم بمحبوبته، رجع الأسد إلى حال سبيله. وأما أنس الوجود فإنه لم يزل ماشيا في الأثر أياما وليالي حتى أقبل على بحر عجاج متلاطم بالأمواج، ووصل الأثر إلى شاطئ البحر وانقطع؛ فعلم أنهم ركبوا البحر وساروا فيه، وانقطع رجاؤه منهم هناك، فسكب العبرات وأنشد هذه الأبيات: # شط المزار وعنهم قل # مصطبري %~% وكيف أمشي لهم في لجة # البحر ~~أو كيف أصبر والأحشاء قد # تلفت %~% في حبهم وبدلت النوم # بالسهر ~~من يوم غابوا عن الأوطان # وارتحلوا %~% ومهجتي في لهيب أي مستعر ms0947 ~~سيحون جيحون دمعي كالفرات # جرى %~% ففيضه فائق الطوفان والمطر ~~تقرح الجفن من جري الدموع # به %~% وأحرق القلب بالنيران # والشرر ~~جيوش وجدي والأشواق قد # هجمت %~% وجيش صبري في إدبار منكسر ~~خاطرت بالروح بذلا في # محبته %~% وكانت الروح عندي أسهل # الخطر ~~لا آخذ الله عينا في الحمى # نظرت %~% ذاك الجمال الذي أبهى من # القمر ~~أصبحت منطرحا من أعين نجل %~% سهامها رشقت قلبي بلا وتر ~~وخادعتني بلين من معاطفها %~% كما تلين غصون البان في # الشجر ~~طمعت منهم بوصل أستعين به %~% على أمور الهوى والغم # والكدر ~~وصرت فيهم كما أمسيت # مكتئبا %~% وكل ما حل بي من فتنة # النظر # فلما فرغ من شعره بكى حتى وقع مغشيا عليه، واستمر في غشيته مدة مديدة، ثم أفاق من غشيته والتفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا في البرية، فخشي على نفسه من الوحوش فصعد على جبل عال. فبينما هو في ذلك الجبل إذ سمع صوت آدمي يتكلم في مغارة فصغى إليه، وإذا هو عابد قد ترك الدنيا واشتغل بالعبادة، فطرق عليه المغارة ثلاث مرات فلم يجبه العابد ولم يخرج إليه؛ فصعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات: # كيف السبيل إلى أن أبلغ # الأربا %~% وأترك الهم والتكدير # والتعبا ~~وكل هول من الأهوال شيبني %~% قلبا ورأسا مشيبا في زمان # صبا ~~ولم أجد لي معينا في الغرام # ولا %~% خلا يخفف عني الوجد # والنصبا ~~وكم أكابد في الأشواق من # وله %~% كأن دهري علي الآن قد قلبا ~~وا رحمتاه لصب عاشق قلق %~% كأس التفرق والهجران قد # شربا ~~فالنار في القلب والأحشاء قد # محيت %~% والعقل من لوعة التفريق قد # سلبا ~~ما كان أعظم يوما جئت # منزلهم %~% وقد رأيت على الأبواب ما # كتبا ~~بكيت حتى سقيت الأرض من # وله %~% لكن كتمت عن الدانين # والغربا ~~يا عابدا قد تغاضى في مغارته %~% كأنه ذاق طعم العشق # وانسلبا ~~وبعد هذا وهذا كله فإذا %~% بلغت قصدي فلا هما ولا تعبا # فلما فرغ من شعره، وإذا بباب المغارة قد انفتح، وسمع قائلا يقول: وا رحمتاه! فدخل الباب وسلم على العابد، فرد عليه ms0948 السلام وقال له: ما اسمك؟ قال: اسمي أنس الوجود. فقال له: ما سبب مجيئك إلى هذا المكان؟ فقص عليه قصته من أولها إلى آخرها، وأخبره بجميع ما جرى له؛ فبكى العابد وقال له: يا أنس الوجود، إن لي في هذا المكان عشرين عاما ما رأيت فيه أحدا إلا بالأمس؛ فإني سمعت بكاء وغواشا، فنظرت إلى جهة الصوت فرأيت ناسا كثيرين، وخياما منصوبة على شاطئ البحر، وأقاموا مركبا ونزل فيها قوم منهم، وساروا بها في البحر، ثم رجع بالمركب بعض من نزل فيها وكسروها، وتوجهوا إلى حال سبيلهم، وأظن أن الذين ساروا على ظهر البحر ولم يرجعوا هم الذين أنت في طلبهم يا أنس الوجود، وحينئذ همك عظيم، وأنت معذور، ولكن لا يوجد محب إلا وقد قاسى الحسرات. ثم أنشد العابد هذه الأبيات: # أنس الوجود خلي البال # تحسبني %~% والشوق والوجد يطويني # وينشرني ~~إني عرفت الهوى والعشق من # صغري %~% من حين كنت صبيا راضع # اللبن ~~مارسته زمنا حتى عرفت به %~% إن كنت تسأل عني فهو # يعرفني ~~شربت كأس الجوى من لوعة # وضنى %~% فصرت محوا به من رقة # البدن ~~قد كنت ذا قوة لكن وهى # جلدي %~% وجيش صبري بأسياف اللحاظ # فني ~~لا ترتجي في الهوى وصلا بغير # جفا %~% فالضد بالضد مقرون مدى # الزمن ~~قضى الغرام على العشاق # أجمعهم %~% إن السلو حرام حكمة الفطن # فلما فرغ العابد من إنشاد شعره، قام إلى أنس الوجود وعانقه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 375 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العابد لما فرغ من إنشاد شعره قام إلى أنس الوجود وعانقه، وتباكيا حتى دوت الجبال من بكائهما، ولم يزالا يبكيان حتى وقعا مغشيا عليهما، ثم أفاقا وتعاهدا على أنهما أخوان في الله تعالى، ثم قال العابد لأنس الوجود: أنا في هذه الليلة أصلي وأستخير الله لك على شيء تعمله. فقال له أنس الوجود: سمعا وطاعة. # هذا ما كان من أمر أنس الوجود، وأما ما كان من أمر الورد في الأكمام، فإنها لما ms0949 وصلوا بها إلى الجبل وأدخلوها القصر ورأته ورأت ترتيبه، بكت وقالت: والله إنك مكان مليح، غير أنك ناقص وجود الحبيب فيك. ورأت في تلك الجزيرة أطيارا، فأمرت بعض أتباعها أن ينصب لها فخا، ويصطاد به منها، وكل ما اصطاده يضعه في أقفاص من داخل القصر، ففعل ما أمرته به. ثم إنها قعدت في شباك القصر وتذكرت ما جرى لها، وزاد بها الغرام، والوجد والهيام؛ فسكبت العبرات وأنشدت هذه الأبيات: # يا لمن أشتكي الغرام الذي بي %~% وشجوني وفرقتي عن حبيبي ~~يا لهيبا بين الضلوع تلظى %~% لست مبديك خيفة من رقيبي ~~أصبح القد رق عود خلال %~% من بعاد وحرقة ونحيب ~~أين عين الحبيب حتى تراني %~% كيف أمسيت مثل حال السليب ~~قد تعدوا علي إذ حجبوني %~% في مكان لم يستطعه حبيبي ~~أسأل الشمس حمل ألف سلام %~% عند وقت الشروق ثم الغروب ~~لحبيب قد أخجل البدر حسنا %~% مذ تبدى بقامة كالقضيب ~~إن حكى الورد خده قلت فيه %~% ذلك الورد نوره من نصيبي ~~إن في ثغره لسلسال ريق %~% يجلب البرد عند حر اللهيب ~~كيف أسلوه وهو قلبي وروحي %~% مسقمي ممرضي حبيبي طبيبي # فلما جن عليها الظلام اشتد بها الغرام وتذكرت ما فات، فأنشدت هذه الأبيات: # جن الظلام وهاج الوجد # بالسقم %~% والشوق حرك ما عندي من # الألم ~~ولوعة البين في الأحشاء قد # سكنت %~% والفكر صيرني في حالة # العدم ~~والوجد أقلقني والشوق # أحرقني %~% والدمع باح بسر أي مكتتم ~~وليس لي حالة في الشوق # أعرفها %~% من رق عودي ومن ضعفي ومن # ألمي ~~جحيم قلبي من النيران قد # سعرت %~% ومن لظى حرها الأكباد في # نقم ~~ما كنت أملك نفسي أن # أودعهم %~% يوم الفراق فيا قهري ويا # ندمي ~~يا من يبلغهم ما حل بي # وكفى %~% أني صبرت على ما خط بالقلم ~~والله لا حلت عنهم في الهوى # أبدا %~% يمين شرع الهوى مبرورة # القسم ~~يا ليل سلم على الأحباب # مخبرهم %~% واشهد بعلمك أني فيك لم # أنم # هذا ما كان من أمر الورد في الأكمام، وأما ما كان من أمر أنس الوجود، ms0950 فإن العابد قال له: انزل إلى الوادي وائتني من النخيل بليف. فنزل وجاء له بليف، فأخذه العابد وفتله وجعله شنفا مثل أشناف التبن، وقال له: يا أنس الوجود، إن في جوف الوادي فرعا يطلع وينشف على أصوله، فانزل إليه واملأ هذا الشنف منه، واربطه وارمه في البحر واركب عليه، وتوجه به إلى وسط البحر لعلك تبلغ قصدك؛ فإن من لم يخاطر بنفسه لم يبلغ المقصود. فقال: سمعا وطاعة. ثم ودعه وانصرف من عنده إلى ما أمره به بعد أن دعا له العابد. ولم يزل أنس الوجود سائرا إلى جوف الوادي، وفعل كما قال له العابد، ولما وصل بالشنف إلى وسط البحر خرج عليه ريح فزفه بالشنف حتى غاب عن عين العابد، ولم يزل سابحا في لجة البحر ترفعه موجة وتحطه أخرى، وهو يرى ما في البحر من العجائب والأهوال، إلى أن رمته المقادير على جبل الثكلى بعد ثلاثة أيام، فنزل إلى البر مثل الفرخ الدائخ لهفان من الجوع والعطش؛ فوجد في ذلك المكان أنهارا جارية، وأطيارا مغردة على الأغصان، وأشجارا مثمرة صنوانا وغير صنوان؛ فأكل من الأثمار، وشرب من الأنهار، وقام يمشي فرأى بياضا على بعد، فمشى جهته حتى وصل إليه فوجده قصرا منيعا حصينا، فأتى باب القصر فوجده مقفولا، فجلس عنده ثلاثة أيام. فبينما هو جالس وإذا بباب القصر قد فتح وخرج منه شخص من الخدم، فرأى أنس الوجود قاعدا، فقال له: من أين أتيت؟ ومن أوصلك إلى هنا؟ فقال: من أصبهان، وكنت مسافرا في البحر بتجارة فانكسرت المركب التي كنت فيها، فرمتني الأمواج على ظهر هذه الجزيرة. فبكى الخادم وعانقه وقال: حياك الله يا وجه الأحباب، إن أصبهان بلادي، ولي فيها بنت عم كنت أحبها وأنا صغير، وكنت مولعا بها، فغزانا قوم أقوى منا وأخذوني في جملة الغنائم، وكنت صغيرا فقطعوا إحليلي ثم باعوني خادما، وها أنا في تلك الحالة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 376 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخادم ms0951 الذي خرج من قصر الورد في الأكمام حدث أنس الوجود بجميع ما حصل له، وقال له: إن القوم الذين أخذوني قطعوا إحليلي وباعوني خادما، وها أنا في تلك الحالة. وبعدما سلم عليه وحياه أدخله ساحة القصر، فلما دخل رأى بحيرة عظيمة، وحولها أشجار وأغصان، وفيها أطيار في أقفاص من فضة، وأبوابها من الذهب، وتلك الأقفاص معلقة على الأغصان، والأطيار فيها تناغي وتسبح الملك الديان، فلما وصل إلى أولها تأمله فإذا هو قمري، فلما رآه الطير مد صوته وقال: يا كريم. فغشي على أنس الوجود، فلما أفاق من غشيته صعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # أيها القمري هل مثلي تهيم %~% فاسأل المولى وغرد يا كريم ~~يا ترى نوحك هذا طرب %~% أو غرام منك في القلب مقيم ~~إن تنح وجدا لأحباب مضوا %~% إنني مضنى بهم دوما سقيم ~~أو فقدت الحب مثلي في الهوى %~% فالتجافي يظهر الوجد القديم ~~يا رعى الله محبا صادقا %~% لست أسلوه ولو عظمي رميم # فلما فرغ من شعره بكى حتى وقع مغشيا عليه، وحين أفاق من غشيته مشى حتى وصل إلى ثاني قفص فوجده فاختا، فلما رآه الفاخت غرد وقال: يا دايم أشكرك. فصعد أنس الوجود الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # وفاخت قد قال في نوحه %~% يا دايما شكرا على بلوتي ~~عسى لعل الله من فضله %~% يقضي بوصل الحب في سفرتي ~~ورب معسول اللمى زارني %~% فزادني عشقا على صبوتي ~~فقلت والنيران قد أضرمت %~% في القلب حتى أحرقت مهجتي ~~والدمع مسفوح يحاكي دما %~% قد فاض جاريه على وجنتي ~~ما ثم مخلوق بلا محنة %~% لكن لي صبرا على محنتي ~~بقدرة الله متى لمني %~% وقت الصفا يوما على سادتي ~~جعلت للعشاق مالي قرى %~% لأنهم قوم على سنتي ~~وأطلق الأطيار من سجنها %~% وأترك الأحزان من فرحتي # فلما فرغ من شعره تمشى إلى ثالث قفص فوجده هزارا، فزعق الهزار عند رؤيته؛ فلما سمعه أنشد هذه الأبيات: # إن الهزار لطيف الصوت # يعجبني %~% كأنه صوت صب في الغرام فني ~~وا رحمتاه على العشاق كم # قلقوا %~% من ليلة بالهوى ms0952 والشوق # والمحن ~~كأنهم من عظيم الشوق قد # خلقوا %~% بلا صباح ولا نوم من الشجن ~~لما جننت بمن أهواه قيدني %~% فيه الغرام ولما عاد قيدني ~~تسلسل الدمع من عيني فقلت # له %~% سلاسل الدمع قد طالت # فسلسلني ~~زاد اشتياقي وطال البعد # وانعدمت %~% كنوز صبري وفرط الوجد # أتلفني ~~إن كان الدهر صاف قام # يجمعني %~% بمن أحب وستر الله يشملني ~~قلعت ثوبي لحبي كي يرى # جسدي %~% بالصد والبعد والهجران كيف # ضني # فلما فرغ من شعره تمشى إلى رابع قفص فرآه بلبلا، فناح وغرد عند رؤية أنس الوجود؛ فلما سمع تغريده سكب العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # إن للبلبل صوتا في السحر %~% يشغل العاشق عن حسن الوتر ~~في الهوى أنس الوجود المشتكي %~% من غرام قد محا منه الأثر ~~كم سمعنا صوت ألحان محت %~% طربا صلد حديد وحجر ~~ونسيم الصبح قد يروي لنا %~% عن رياض يانعات بالزهر ~~فطربنا بسماع وشذا %~% من نسيم وطيور في السحر ~~وتذكرنا حبيبا غائبا %~% فجرى الدمع سيولا ومطر ~~ولهيب النار في أحشائنا %~% مضرم ذاك كجمر بالشرر ~~متع الله محبا عاشقا %~% من حبيب بوصال ونظر ~~إن للعشاق عذرا واضحا %~% ليس يدري العذر إلا ذو نظر # فلما فرغ من شعره مشى قليلا فرأى قفصا حسنا لم يكن هناك أحسن منه، فلما قرب منه وجده حمام الأيك، وهو اليمام المشهور من بين الطيور ينوح بالغرام، وفي عنقه عقد من جوهر بديع النظام، وتأمله فوجده ذاهلا باهتا في قفصه، فلما رآه بهذه الحالة أفاض العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # يا حمام الأيك أقريك السلام %~% يا أخا العشاق من أهل # الغرام ~~إنني أهوى غزالا أهيف %~% لحظه أقطع من حد الحسام ~~في الهوى أحرق قلبي والحشا %~% وعلا جسمي نحولي والسقام ~~ولذيذ الزاد قد حرمته %~% مثلما حرمت من طيب المنام ~~واصطباري وسلوي رحلا %~% والهوى بالوجد عندي قد أقام ~~كيف يهنا العيش لي من # بعدهم %~% وهمو روحي وقصدي والمرام # فلما فرغ أنس الوجود من شعره ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 377 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ms0953 أنس الوجود لما فرغ من شعره، كان حمام الأيك قد انتبه من ذهوله وسمع إنشاده، فصاح وناح، وأكثر التغريد والنواح، حتى كاد أن ينطق بالترنيمات، وأنشد عنه لسان الحال هذه الأبيات: # أيها العاشق قد ذكرتني %~% زمنا فيه شبابي قد فني ~~وحبيبا كنت أهوى شكله %~% ذا جمال فائق ومفتن ~~صوته من فوق أغصان النقى %~% عن سماع الناي وجدا ردني ~~نصب الصياد فخا صاده %~% قائلا لو للفضا يتركني ~~كنت أرجو أنه ذو رأفة %~% أو يراني عاشقا يرحمني ~~فرماه الله لما أنه %~% من حبيبي بالجفا أفرقني ~~وغرامي فيه أضحى زائدا %~% وبنار البعد قد أحرقني ~~يا رعى الله محبا عاشقا %~% مارس الحب وقاسى شجني ~~إذ يراني لابثا في قفصي %~% لحبيبي رحمة يطلقني # ثم إن أنس الوجود التفت إلى صاحبه الأصبهاني وقال له: ما هذا القصر؟ وما فيه؟ ومن بناه؟ قال له: بناه وزير الملك الفلاني لابنته خوفا عليها من عوارض الزمان، وطوارق الحدثان، وأسكنها فيه هي وأتباعها، ولا تفتحه إلا في كل سنة مرة لما تأتي إليهم مئونتهم. فقال في نفسه: قد حصل المقصود، ولكن المدة طويلة. # هذا ما كان من أمر أنس الوجود، وأما ما كان من أمر الورد في الأكمام، فإنها لم يهنأ لها شراب ولا طعام، ولا قعود ولا منام، فقامت وقد زاد بها الغرام، والوجد والهيام، ودارت في أركان القصر فلم تجد لها مصرفا؛ فسكبت العبرات، وأنشدت هذه الأبيات: # حبسوني عن حبيبي قسوة %~% وأذاقوني بسجني لوعتي ~~أحرقوا قلبي بنيران الهوى %~% حيث ردوا عن حبيبي نظرتي ~~حبسوني في قصور شيدت %~% في جبال خلقت في لجة ~~إن يكونوا قد أرادوا سلوتي %~% لم تزد في الحب إلا محنتي ~~كيف أسلو والذي بي كله %~% أصله في وجه حبي نظرتي ~~فنهاري كله في أسف %~% أقطع الليل بهم في فكرتي ~~وأنيسي ذكرهم في وحدتي %~% حين ألقى من لقاهم وحشتي ~~يا ترى هل بعد هذا كله %~% يرتضي الدهر لقلبي منيتي # فلما فرغت من شعرها طلعت إلى سطح القصر، وأخذت أثوابا بعلبكية، وربطت نفسها فيها، وتدلت حتى وصلت ms0954 إلى الأرض، وقد كانت لابسة أفخر ما عندها من اللباس، وفي عنقها عقد من الجواهر، وسارت في تلك البراري والقفار حتى وصلت إلى شاطئ البحر، فرأت صيادا في مركب دائرا في البحر يصطاد، فرماه الريح على تلك الجزيرة، فالتفت فرأى الورد في الأكمام في تلك الجزيرة، فلما رآها فزع منها وخرج بالمركب هاربا، فنادته وأكثرت إليه الإشارات، وأنشدت هذه الأبيات: # يا أيها الصياد لا تخش # الكدر %~% فإنني إنسية مثل البشر ~~أريد منك أن تجيب دعوتي %~% وتسمعن قولي بإسناد الخبر ~~فارحم وقاك الله حر صبوتي %~% إن أبصرت عيناك محبوبا نفر ~~فإنني أهوى مليحا وجهه %~% قد فاق وجه الشمس نورا # والقمر ~~والظبي لما أن رأى ألحاظه %~% قد قال إني عبده ثم اعتذر ~~قد كتب الحسن على وجنته %~% سطرا بديعا في المعاني مختصر ~~فمن رأى نور الهوى قد اهتدى %~% أما الذي ضل تعدى وكفر ~~عسى حبيبي أن يوفي بالمنى %~% فإن قلبي ذاب شوقا وانفطر # فلما سمع الصياد كلامها، بكى وأن واشتكى، وتذكر ما مضى له في صباه حين غلب عليه هواه، واشتد به الغرام وزاد به الوجد والهيام، وأحرقته نيران الصبابات، وأنشد هذه الأبيات: # بغرامي أي عذر واضح %~% سقيم أعضاء بدمع سافح ~~تلك عيني في الدجى ساهرة %~% من لقلب كزناد قادح ~~قد بلونا العشق من نشأتنا %~% وعرفنا ناقصا من راجح ~~ثم بعنا في الهوى أنفسنا %~% بوصال من حبيب نازح ~~ثم بالأرواح خاطرنا عسى %~% أن يكون البيع بيع الرابح ~~مذهب العشاق أن المشتري %~% وصل محبوب سما عن رابح # فلما فرغ من شعره أرسى مركبه على البر، وقال لها: انزلي في المركب حتى أعدي بك إلى أي موضع تريدين. فنزلت في المركب وعوم بها، فلما فارق البر بقليل هبت على المركب ريح من خلفها، فسارت المركب بسرعة حتى غاب البر عن أعينهما، وصار الصياد لا يعرف أين يذهب، ومكث اشتداد الريح مدة ثلاثة أيام، ثم سكنت الريح بإذن الله تعالى، ولم تزل المركب تسير بهما حتى وصلت إلى مدينة على شاطئ البحر. وأدرك شهرزاد الصباح ms0955 فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 378 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المركب لما وصلت بالصياد والورد في الأكمام إلى مدينة على شاطئ البحر، أراد الصياد أن يرسي مركبه على تلك المدينة، وكان فيها ملك عظيم السطوة يقال له درباس، وكان في ذلك الوقت جالسا هو وابنه في قصر مملكته، وصارا ينظران من شباك القصر فالتفتا إلى جهة البحر فرأيا تلك المركب، فتأملاها فوجدا فيها صبية كأنها البدر في أفق السماء، وفي أذنيها حلق من البلخش النفيس، وفي عنقها عقد من الجوهر النفيس، فعرف الملك أنها من بنات الأكابر والملوك، فنزل الملك من قصره وخرج من باب القيطون، فرأى المركب قد رست على الشاطئ، وكانت البنت نائمة، والصياد مشغولا بربط المركب، فأيقظها الملك من منامها فاستيقظت وهي تبكي، فقال لها الملك: من أين أنت؟ وابنة من أنت؟ وما سبب مجيئك هنا؟ فقالت له الورد في الأكمام: أنا ابنة إبراهيم، وزير الملك شامخ، وسبب مجيئي هنا أمر عجيب وشأن غريب. وحكت له جميع قصتها من أولها إلى آخرها، ولم تخف عنه شيئا، ثم صعدت الزفرات، وأنشدت هذه الأبيات: # ![fig9](../Images/figure9.png) # التفت الملك إلى البحر، فرأى المركب وفيها صبية كأنها البدر في أفق السماء. # قد قرح الدمع جفني فاقتضى # عجبا %~% من التكدر لما فاض وانسكبا ~~من أجل خل ثوى في مهجتي # أبدا %~% ولم أنل في الهوى من وصله # أربا ~~له محيا جميل باهر نضر %~% وفي الملاحة فاق الترك # والعربا ~~والشمس والبدر قد مالا # لطلعته %~% كالصب والتزما في حبه # الأدبا ~~وطرفه بعجيب السحر مكتحل %~% يريك قوسا لرمي السهم # منتصبا ~~يا من له حالتي كم جئت # معتذرا %~% ارحم محبا به صرف الهوى # لعبا ~~إن الهوى قد رماني في وسط # ساحتكم %~% ضعيف عزم ومنكم أرتجي حسبا ~~إن الكرام إذا ما حل # ساحتهم %~% مستحسب فحماهم يرفع # الحسبا ~~فاستر فضائح أهل العشق يا # أملي %~% وكن لوصلتهم يا سيدي سببا # فلما فرغت من شعرها حكت للملك قصتها من أولها إلى آخرها، ثم أفاضت العبرات وأنشدت هذه الأبيات: # عشنا ms0956 إلى أن رأينا في الهوى # عجبا %~% كل الشهور وفي الأمثال عش # رجبا ~~أليس من عجب أني ضحى # ارتحلوا %~% أوقدت من ماء دمعي في الحشا # لهبا ~~وإن أجفان عيني أمطرت # ورقا %~% وإن ساحة خدي أنبتت ذهبا ~~كأن ما انعق عنه من # معصفره %~% قميص يوسف غشوه دما كذبا # فلما سمع الملك كلامها تحقق وجدها وغرامها، فأخذته الشفقة عليها وقال لها: لا خوف عليك ولا فزع، قد وصلت إلى مرادك، فلا بد أن أبلغك ما تريدين، وأوصل إليك ما تطلبين، فاسمعي مني هذه الكلمات. ثم أنشد هذه الأبيات: # بنت الكرام بلغت القصد # والأربا %~% لك البشارات لا تخشي هنا # نصبا ~~اليوم أجمع أموالا وأرسلها %~% لشامخ صحب الفرسان والنجبا ~~نوافح المسك والديباج # أرسلها %~% وأرسل الفضة البيضاء # والذهبا ~~نعم وتخبره عني مكاتبتي %~% أني مريد له صهرا ومنتسبا ~~وأبذل اليوم جهدي في # معاونة %~% حتى يكون الذي تهوين # مقتربا ~~قد ذقت طعم الهوى دهرا # وأعرفه %~% وأعذر اليوم من كأس الهوى # شربا # فلما فرغ من شعره خرج إلى عسكره ودعا بوزيره، وحزم له مالا لا يحصى، وأمره أن يذهب بذلك إلى الملك شامخ، وقال له: لا بد أن تأتيني بشخص عنده اسمه أنس الوجود، وقل له: إنه يريد مصاهرتك بأن يزوج ابنته لأنس الوجود تابعك، فلا بد من إرساله معي حتى نعقد عقده عليها في مملكة أبيها. ثم إن الملك درباس كتب مكتوبا للملك شامخ بمضمون ذلك وأعطاه لوزيره، وأكد عليه في الإتيان بأنس الوجود، وقال له: إن لم تأتني به تكون معزولا عن مرتبتك. فقال له: سمعا وطاعة. ثم توجه بالهدية إلى الملك شامخ، فلما وصل إليه بلغه السلام عن الملك درباس، وأعطاه المكاتبة والهدية التي معه، فلما رآها الملك شامخ وقرأ المكاتبة ونظر اسم أنس الوجود، بكى بكاء شديدا، وقال للوزير المرسل إليه: وأين أنس الوجود؟ فإنه ذهب ولا نعلم مكانه، فأتني به وأنا أعطيك أضعاف ما جئت به من الهدية. ثم بكى وأن واشتكى، وأفاض العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # ردوا علي حبيبي %~% لا حاجة لي بمال ms0957 ~~ولا أريد هدايا %~% من جوهر ولآلي ~~قد كان عندي بدرا %~% سما بأفق جمال ~~وفاق حسا ومعنى %~% ولم يقس بغزال ~~وقده غصن بان %~% أثماره من دلال ~~وليس في الغصن طبع %~% يسبي عقول الرجال ~~ربيته وهو طفل %~% على مهاد الدلال ~~وإنني لحزين %~% عليه مشغول بالي # ثم التفت إلى الوزير الذي جاء بالهدية والرسالة وقال له: اذهب إلى سيدك، وأخبره أن أنس الوجود مضى له عام وهو غائب، وسيده لم يدر أين ذهب، ولا يعرف له خبرا. فقال له الوزير: يا مولاي، إن سيدي قال لي: إن لم تأتني به تكن معزولا عن الوزارة، ولا تدخل مدينتي. فكيف أذهب إليه بغيره؟ فقال الملك شامخ لوزيره إبراهيم: اذهب معه صحبة جماعة، وفتشوا على أنس الوجود في سائر الأماكن. فقال له: سمعا وطاعة. ثم أخذ جماعة من أتباعه، واستصحب وزير الملك درباس، وساروا في طلب أنس الوجود. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 379 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن إبراهيم وزير الملك شامخ أخذ جماعة من أتباعه، واستصحب وزير الملك درباس، وساروا في طلب أنس الوجود، فكانوا كلما مروا بعرب أو قوم يسألونهم عن أنس الوجود فيقولون لهم: هل مر بكم شخص اسمه كذا، وصفته كذا وكذا؟ فيقولون: لا نعلمه. وما زالوا يسألون في المدائن والقرى، ويفتشون في السهول والأوعار، والبراري والقفار، حتى وصلوا إلى شاطئ البحر، وطلبوا مركبا ونزلوا فيها، وساروا بها حتى أقبلوا على جبل الثكلى، فقال وزير الملك درباس لوزير الملك شامخ: لأي شيء سمي هذا الجبل بذلك الاسم؟ فقال له: لأنه نزلت به جنية في قديم الزمان، وكانت تلك الجنية من جن الصين، وقد أحبت إنسانا ووقع له فيها غرام، وخافت على نفسها من أهلها، فلما زاد بها الغرام فتشت في الأرض على مكان تخفيه فيه عن أهلها، فوجدت هذا الجبل منقطعا عن الإنس والجن، بحيث لا يهتدي إلى طريقه أحد لا من الإنس ولا من الجن، فاختطفت محبوبها ووضعته فيه، وصارت تذهب إلى أهلها وتأتيه ms0958 في خفية، ولم تزل على ذلك زمنا طويلا حتى ولدت منه في ذلك الجبل أطفالا متعددة، وكان كل من يمر على هذا الجبل من التجار المسافرين في البحر، يسمع بكاء الأطفال كبكاء المرأة التي ثكلت أولادها؛ أي فقدتهم، فيقول: هل هنا ثكلى؟ فتعجب وزير الملك درباس من ذلك الكلام، ثم إنهم ساروا حتى وصلوا إلى القصر وطرقوا الباب، فانفتح الباب وخرج لهم خادم فعرف إبراهيم وزير الملك شامخ فقبل يديه، ثم دخل القصر فوجد في فسحته رجلا فقيرا بين الخدامين، وهو أنس الوجود، فقال لهم: من أين هذا؟ فقالوا له: إنه رجل تاجر غرق ماله ونجا بنفسه وهو مجذوب. فتركه ثم مشى إلى داخل القصر فلم يجد لابنته أثرا، فسأل الجواري التي هناك فقلن له: ما عرفنا كيف راحت، ولا أقامت معنا سوى مدة يسيرة. فسكب العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # أيها الدار التي أطيارها %~% قد تغنت وازدهت أعتابها ~~كم أتاها الصب ينعى شوقه %~% ورآها فتحت أبوابها ~~ليت شعري أين ضاعت مهجتي %~% عند دار قد نأت أربابها ~~كان فيها كل شيء فاخرا %~% واستطابت واعتلت حجابها ~~وكسوها حللا من سندس %~% يا ترى أين غدت أصحابها # فلما فرغ من شعره بكى وأن واشتكى، وقال: لا حيلة في قضاء الله، ولا مفر مما قدره وقضاه. ثم طلع إلى سطح القصر فوجد الثياب البعلبكية مربوطة في شراريف القصر واصلة إلى الأرض، فعرف أنها قد نزلت من ذلك المكان، وراحت كالهائم الولهان، والتفت فرأى هناك طيرين غرابا وبومة؛ فتشاءم من ذلك، وصعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # أتيت إلى دار الأحبة راجيا %~% بآثارهم إطفاء وجدي ولوعتي ~~فلم أجد الأحباب فيها ولم # أجد %~% بها غير مشئومي غراب وبومة ~~وقال لسان الحال قد كنت # ظالما %~% وفرقت بين المغرمين # الأحبة ~~فذق طعم ما ذاقوه من ألم # الجوى %~% وعش أبدا ما بين دمع وحرقة # ثم نزل من فوق القصر وهو يبكي، وقد أمر الخفلما فرغت من شعرها حكت للملك دام أن يخرجوا إلى الجبل ويفتشوا على سيدتهم، ففعلوا ذلك فلم يجدوها. ms0959 هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر أنس الوجود، فإنه لما تحقق أن الورد في الأكمام قد ذهبت، صاح صيحة عظيمة، ووقع مغشيا عليه، واستمر في غشيته؛ فظنوا أنه أخذته جذبة من الرحمن، واستغرق في جمال هيئة الديان، ولما يئسوا من وجود أنس الوجود، واشتغل قلب الوزير إبراهيم بفقد بنته الورد في الأكمام، أراد وزير الملك درباس أن يتوجه إلى بلاده، وإن لم يفز من سفره بمراده، فأخذ يودعه الوزير إبراهيم والد الورد في الأكمام، فقال له وزير الملك درباس: إني أريد أن آخذ هذا الفقير معي، عسى الله تعالى أن يعطف علي قلب الملك ببركته لأنه مجذوب، ثم بعد ذلك أرسله إلى بلاد أصبهان؛ لأنها قريبة من بلادنا. فقال له: افعل ما تريد. ثم انصرف كل منهما متوجها إلى بلاده، وقد أخذ وزير الملك درباس أنس الوجود معه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 380 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن وزير الملك درباس أخذ أنس الوجود معه وهو مغشي عليه، وسار به ثلاثة أيام وهو في غشيته محمول على البغال، ولا يدري هل هو محمول أو لا، فلما أفاق من غشيته قال: في أي مكان أنا؟ فقالوا له: أنت صحبة وزير الملك درباس. ثم ذهبوا إلى الوزير وأخبروه أنه قد أفاق، فأرسل إليه ماء الورد والسكر، فسقوه وأنعشوه، ولم يزالوا مسافرين حتى قربوا من مدينة الملك درباس، فأرسل الملك إلى الوزير يقول له: إن لم يكن أنس الوجود معك فلا تأتني أبدا. فلما قرأ مرسوم الملك عسر عليه ذلك، وكان الوزير لا يعلم أن الورد في الأكمام عند الملك، ولا يعلم ما سبب إرسال الملك إياه إلى أنس الوجود، ولا يعلم ما سبب رغبته في مصاهرته، وأنس الوجود لا يعلم أين يذهبون به، ولا يعلم أن الوزير مرسل في طلبه، والوزير لا يعلم أن هذا هو أنس الوجود. فلما رأى الوزير أن أنس الوجود قد استفاق قال له: إن الملك أرسلني ms0960 في حاجة، وهي لم تقض، ولما علم بقدومي أرسل إلي مكتوبا يقول لي فيه: إن لم تكن الحاجة قد قضيت فلا تدخل مدينتي. فقال له: وما حاجة الملك؟ فحكى له جميع الحكاية، فقال له أنس الوجود: لا تخف، واذهب إلى الملك وخذني معك، وأنا أضمن لك مجيء أنس الوجود. ففرح الوزير بذلك وقال له: أحق ما تقول؟ فقال: نعم. فركب وأخذه معه وسار به إلى الملك، فلما وصلا إلى الملك قال له: أين أنس الوجود؟ فقال أنس الوجود: أيها الملك، أنا أعرف مكان أنس الوجود. فقربه إليه وقال له: في أي مكان هو؟ قال: في مكان قريب جدا، ولكن أخبرني ماذا تريد منه، وأنا أحضره بين يديك. فقال له: حبا وكرامة، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى خلوة. ثم أمر الناس بالانصراف، ودخل معه خلوة، وأخبره الملك بالقصة من أولها إلى آخرها، فقال له أنس الوجود: ائتني بثياب فاخرة وألبسني إياها، وأنا آتيك بأنس الوجود سريعا. فأتاه ببدلة فاخرة فلبسها وقال: أنا أنس الوجود، وكمد الحسود. ثم رمى القلوب باللحظات، وأنشد هذه الأبيات: # يؤانسني ذكر الحبيب بخلوتي %~% ويطرد عني في التباعد # وحشتي ~~وما لي غير الدمع عون # وإنما %~% إذا فاض من عيني يخفف # زفرتي ~~وشوقي شديد ليس يوجد مثله %~% وأمري عجيب في الهوى # والمحبة ~~فأقطع ليلي ساهر الجفن لم # أنم %~% وفي العشق أسعى بين نار # وجنة ~~وقد كان لي صبر جميل عدمته %~% وما منحتي في الحب إلا # بمحنتي ~~وقد رق جسمي من أليم # بعادهم %~% وغيرت الأشواق وصفي وصورتي ~~وأجفان عيني بالدموع # تقرحت %~% ولم أستطع أن أسكت الآن # دمعتي ~~وقد قل حيلي والفؤاد # عدمته %~% وكم ذا ألاقي لوعة بعد # لوعة ~~وقلبي ورأسي في المشيب # تشابها %~% على سادة في الحسن أحسن # سادة ~~على رغمهم كان التفرق # بيننا %~% وما قصدهم إلا لقائي # ووصلتي ~~فيا هل ترى بعد التقاطع # والنوى %~% يمتعني دهري بوصل أحبتي ~~ويطوي كتاب البعد من بعد # نشره %~% وتمحى براحات الوصال مشقتي ~~ويبقى حبيبي في الديار # منادمي %~% وتبدل أحزان بصفو سريرتي # فلما فرغ ms0961 من شعره، قال له الملك: والله إنكما لمحبان صادقان، وفي سماء الحسن كوكبان نيران، وأمركما عجيب، وشأنكما غريب. ثم حكى له حكاية الورد في الأكمام إلى آخرها، فقال له: وأين هي يا ملك الزمان؟ قال: هي عندي الآن. ثم أحضر الملك القاضي والشهود وعقد عقدها عليه، وأكرمه وأحسن إليه، ثم أرسل الملك درباس إلى الملك شامخ، وأخبره بجميع ما اتفق له من أمر أنس الوجود والورد في الأكمام؛ ففرح الملك شامخ بذلك غاية الفرح، وأرسل إليه مكتوبا مضمونه: «حيث حصل عقد العقد عندك، ينبغي أن يكون الفرح والدخول عندي.» ثم جهز الجمال والخيل والرجال، وأرسل في طلبهما، فلما وصلت الرسالة إلى الملك درباس مدهما بمال عظيم، وأرسلهما مع جملة من عسكره، فساروا بهما حتى دخلوا مدينتهما، وكان يوما مشهودا لم ير أعظم منه، وجمع الملك شامخ سائر المطربات من آلات المغاني، وعمل الولائم، ومكثوا على ذلك سبعة أيام، وفي كل يوم يخلع الملك شامخ على الناس الخلع السنية ويحسن إليهم. ثم إن أنس الوجود دخل على الورد في الأكمام فعانقها، وجلسا يبكيان من فرط الفرح والمسرات؛ فأنشدت الورد في الأكمام هذه الأبيات: # جاء السرور أزال الهم # والحزنا %~% ثم اجتمعنا وأكمدنا # حواسدنا ~~ونسمة الوصل قد هبت # معطرة %~% فأحيت القلب والأحشاء # والبدنا ~~وبهجة الأنس قد لاحت # خوالفها %~% وفي الخوافق قد دقت # بشائرنا ~~لا تحسبوا أننا باكون من # حزن %~% لكن فرحنا وقد فاضت # مدامعنا ~~فكم رأينا من الأهوال # وانصرفت %~% وقد صبرنا على ما هيج # الشجنا ~~فساعة من وصال قد نسينا بها %~% ما كان من شدة الأهوال # شيبنا # فلما فرغت من شعرها تعانقا، ولم يزالا متعانقين حتى وقعا مغشيا عليهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 381 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أنس الوجود والورد في الأكمام لما اجتمعا تعانقا، ولم يزالا متعانقين حتى وقعا مغشيا عليهما من لذة الاجتماع، فلما أفاقا من غشيتهما أنشد أنس الوجود هذه الأبيات: # ما أحيلاها لييلات الوفا %~% حيث أمسى لي حبيبي منصفا ~~وتوالى ms0962 الوصل فيما بيننا %~% وانفصال الهجر عنا قد وفى ~~وإلينا الدهر يسعى مقبلا %~% بعدما مال وعنا انحرفا ~~نصب السعد لنا أعلامه %~% وشربنا منه كأسا قد صفا ~~واجتمعنا وتشاكينا الأسى %~% ولييلات تقضت بالجفا ~~ونسينا ما مضى يا سادتي %~% وعفا الرحمن عما سلفا ~~ما ألذ العيش ما أطيبه %~% لم يزدني الوصل إلا شغفا # فلما فرغ من شعره تعانقا، واضطجعا في خلوتهما، ولم يزالا في منادمة وأشعار، ولطيف حكايات وأخبار، حتى غرقا في بحر الغرام، ومضت عليهما سبعة أيام، وهما لا يدريان ليلا من نهار؛ لفرط ما هما فيه من لذة وسرور، وصفو وحبور، فكأن السبعة أيام يوم واحد ليس له ثان، وما عرفا يوم الأسبوع إلا بمجيء آلات المغاني؛ فأكثرت الورد في الأكمام التعجبات، ثم أنشدت هذه الأبيات: # على غيظ الحواسد والرقيب %~% بلغنا ما نريد من الحبيب ~~وأسعفنا التواصل باعتناق %~% على الديباج والقز القشيب ~~وفرش من أديم قد حشونا %~% بريش الطير من شكل غريب ~~وعن شرب المدام قد اغتنينا %~% بريق الحب جل عن الضريب ~~ومن طيب الوصال فليس ندري %~% بأوقات البعيد من القريب ~~ليال سبعة مرت علينا %~% ولم نشعر بها كم من عجيب ~~فهنوني بأسبوع وقولوا %~% أدام الله وصلك بالحبيب # فلما فرغت من شعرها قبلها أنس الوجود ما ينوف عن المئات، ثم أنشد هذه الأبيات: # أتى يوم السرور مع التهاني %~% وجاء الحب من صد وقاني ~~فآنسني بطيب الوصل منه %~% ونادمني بألطاف المعاني ~~وأسقاني شراب الأنس حتى %~% ذهلت عن الوجود بما سقاني ~~طربنا وانشرحنا واضطجعنا %~% وصرنا في شراب مع أغاني ~~ومن فرط السرور فليس ندري %~% من الأيام أولها وثاني ~~هنيئا للمحب بطيب وصل %~% ووافاه السرور كما وفاني ~~ولا يدري لمر الصد طعما %~% وربي قد حباه كما حباني # فلما فرغ من شعره قاما وخرجا من مكانهما، وأنعما على الناس بالمال والخلع، وأعطيا ووهبا، ثم أمرت الورد في الأكمام أن يخلوا لها الحمام، وقالت لأنس الوجود: يا قرة عيني، قصدي أن أراك في الحمام ونكون بمفردنا من غير أحد معنا. وزادت بها المسرات فأنشدت هذه الأبيات: ms0963 # أيا من قد تملكني قديما %~% ولم يغن الحديث عن القديم ~~ويا من ليس لي عنه غناء %~% ولا أرجو سواه من نديم ~~إلى الحمام قم يا نور عيني %~% نرى الفردوس في وسط الجحيم ~~ونعبقها بعود الند حتى %~% يفوح الطيب في القطر العميم ~~ونصفح عن ذنوب الدهر طرا %~% ونشكر فضل مولانا الرحيم ~~وأنشد إذ أراك هناك فيها %~% هنيئا يا حبيبي بالنعيم # فلما فرغت من شعرها، قاما وذهبا إلى الحمام وتنعما فيه، ثم عادا إلى قصرهما وأقاما به في ألذ المسرات إلى أن أتاهما هادم اللذات، ومفرق الجماعات، فسبحان من لا يحول ولا يزول، وإليه كل الأمور تئول. ### || حكاية أبي نواس والغلمان الحسان # ومما يحكى أن أبا نواس خلا بنفسه يوما من الأيام، وهيأ مجلسا فاخرا وجمع فيه من أنواع الأطعمة وسائر الألوان كل ما تشتهي الشفة واللسان، ثم إنه خرج يمشي في طلب محبوب لائق بذلك المجلس وقال: يا إلهي وسيدي ومولاي، أسألك أن تسوق لي من يناسب ذلك المجلس ويصلح للمنادمة معي في هذا اليوم. فما استتم كلامه إلا وقد رأى ثلاثة من المرد الحسان، كأنهم من ولدان الجنان، إلا أن ألوانهم مختلفة ومحاسنهم في الإبداع مؤتلفة، وفي تثني معاطفهم تطمع الآمال، على حد قول من قال: # مررت بأمردين فقلت إني %~% أحبكما فقال الأمردان ~~أذو مال؟ فقلت وذو سخاء %~% فقال الأمردان الأمر دان # وكان أبو نواس يذهب هذا المذهب، ومع الملاح يلهو ويطرب، ويجتني ورد كل خد ناضر، كما قال الشاعر: # وشيخ كبير له صبوة %~% يحب الملاح ويهوى الطرب ~~غدا موصليا بأرض النقا %~% فما إن تذكر إلا حلب # فذهب إلى هؤلاء الغلمان وحياهم بالسلام، فقابلوه بأوفى تحية وإكرام، ثم أرادوا الانصراف إلى بعض الجهات، فحجزهم أبو نواس وأنشد هذه الأبيات: # فلا تسعوا إلى غيري %~% فعندي معدن الخير ~~وعندي قهوة تجلى %~% سباها راهب الدير ~~وعندي اللحم من ضأن %~% وأصناف من الطير ~~كلوا ذا واشربوا خمرا %~% عتيقا مذهب الضير ~~ونيكوا بعضكم بعضا %~% ودسوا بينكم أيري # فلما خدع الغلمان بأبياته مالوا إلى مرضاته وأجابوه. ms0964 وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 382 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا نواس لما خدع الغلمان بأبياته، مالوا إلى مرضاته وأجابوه بالسمع والطاعة، وذهبوا معه إلى منزله، فوجدوا جميع ما وصفه في شعره حاضرا في المجلس، فجلسوا وأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا وتحاكموا عند أبي نواس في أيهم أحسن بهجة وجمالا، وأقوم قدا واعتدالا. فأشار إلى أحدهم بعد تقبيله مرتين، ثم أنشد هذين البيتين: # بروحي أفدي خاله فوق خده %~% ومن أين هذا الخال أفديه # بالمال ~~تبارك من أخلى من الشعر # خده %~% وأسكن كل الحسن في ذلك # الخال # ثم أشار إلى الثاني بعد لثم الشفتين، وأنشد هذين البيتين: # ومعشوق له في الخد خال %~% كمسك فوق كافور نقي ~~تعجب ناظري لما رآه %~% فقال الخال صل على النبي # ثم أشار إلى الثالث بعد تقبيله عشر مرات، وأنشد هذه الأبيات: # أذاب التبر في كأس اللجين %~% فتى بالراح مخضوب اليدين ~~وطاف مع السقاة بكأس راح %~% وطافت مقلتاه بآخرين ~~مليح من بني الأتراك ظبي %~% يجاذب خصره جبلي حنين ~~لئن سكنت إلى الزوراء نفسي %~% فإن القلب بين محركين ~~هو يقتاده لديار بكر %~% وآخر نحو أرض الجامعين # وكان كل واحد من الغلمان قد شرب قدحين، فلما وصل الدور إلى أبي نواس أخذ القدح وأنشد هذين البيتين: # لا تشرب الراح إلا من يدي # رشأ %~% تحكيه في رقة المعنى # ويحكيها ~~إن المدامة لا يلتذ شاربها %~% حتى يكون نقي الخد ساقيها # ثم شرب كأسه ودار الدور، فلما وصل الدور إلى أبي نواس ثانيا، غلبت عليه المسرات فأنشد هذه الأبيات: # اجعل نديمك أقداحا تواصلها %~% من المدام وأتبعها بأقداح ~~من كف ألمى بديع الحسن # ريقته %~% بعد الهجوع كمسك أو كتفاح ~~لا تشرب الراح إلا من يدي # رشأ %~% تقبيل وجنته أشهى من الراح # فلما غلب السكر على أبي نواس ولم يعرف له يدا من رأس، مال على الغلمان بالبوس والعناق والتفاف الساق على الساق، ولم يبال بإثم ولا عار، وأنشد هذه الأشعار: # ما استكمل اللذات إلا فتى %~% يشرب والمرد ms0965 نداماه ~~هذا يغنيه وهذا إذا %~% أنعشه بالكأس حياه ~~وكلما احتاج إلى قبلة %~% من واحد أرشفه فاه ~~سقيا لهم قد طاب يومي بهم %~% وا عجبا ما كان أحلاه ~~نشربها صرفا وممزوجة %~% وشرطنا من نام نكناه # فبينما هم كذلك وإذا بطارق يطرق الباب، فأذنوا له في الدخول، فلما دخل وجدوه أمير المؤمنين هارون الرشيد، فقام له الجميع وقبلوا الأرض بين يديه، واستفاق أبو نواس من سكره لهيبة الخليفة، فقال له أمير المؤمنين: يا أبا نواس. فقال: لبيك يا أمير المؤمنين أيدك الله. قال له: ما هذا الحال؟ قال: يا أمير المؤمنين، لا شك أن الحال يغني عن السؤال. فقال له الخليفة: يا أبا نواس، قد استخرت الله تعالى ووليتك قاضي المعرصين. فقال أبو نواس: وهل تحب لي هذه الولاية يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك من دعوة تدعيها عندي؟ فاغتاظ منه أمير المؤمنين ثم ولى وتركهم وهو ممزوج بالغضب، فلما جن الليل بات أمير المؤمنين في غيظ شديد من أبي نواس، وبات أبو نواس في أسر الليالي بما هو فيه من البسط والانشراح، فلما أصبح الصباح وأضاء كوكبه ولاح، فض أبو نواس المجلس وصرف الغلمان، ولبس لبس الموكب وخرج من بيته متوجها إلى أمير المؤمنين، وكان من عادة أمير المؤمنين أنه إذا فض الديوان يدخل قاعة الجلوس، ثم يحضر فيها الشعراء والندماء وأرباب الآلات، ويجلس كل منهم في مرتبته لا يتعداها، فأتفق أن كان في ذلك اليوم نزل من الديوان إلى القاعة وأحضر ندماءه وأجلسهم في مراتبهم، فلما جاء أبو نواس وأراد أن يجلس في موضعه، دعا أمير المؤمنين بمسرور السياف وأمره أن ينزع عن أبي نواس ثيابه، ويشد على ظهره برذعة حمار، ويجعل في رأسه مقودا وفي دبره طفرا، ويدور به على مقاصير الجواري. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 383 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين أمر مسرور السياف أن ينزع عن أبي نواس ثيابه، ويشد على ظهره برذعة، ms0966 ويجعل في رأسه مقودا وفي دبره طفرا، ثم يدور به على مقاصير الجواري وعلى منازل الحريم وسائر المحلات، ليسخروا به، وبعد ذلك يقطع رأسه ويأتيه بها، فقال مسرور: سمعا وطاعة. وأخذ يفعل ما أمره به الخليفة ودار به على المقاصير، وكان عددها بعدد أيام السنة، وكان أبو نواس مضحكا وكل من رآه يعطيه مالا، فما رجع إلا وجبه ملآن مالا، فبينما هو على هذه الحالة وإذا بجعفر البرمكي مقبل، فدخل على الخليفة وكان غائبا في أمر مهم لأمير المؤمنين، فرأى أبا نواس في هذه الحالة فعرفه، فقال له: يا أبا نواس. فقال له: لبيك يا مولانا. قال له: أي ذنب فعلت حتى حصلت لك هذه العقوبة؟ فقال له أبو نواس: ما فعلت ذنبا إلا أني هاديت مولانا الخليفة بمحاسن أشعاري، فهاداني بمحاسن ملبوسه. فلما سمع أمير المؤمنين ذلك، ضحك ضحكا ناشئا عن قلب مملوء بالغيظ، وعفا عنه وأمر له ببدرة من المال. ### || من حكايات العشق ومكارم الأخلاق ### || حكاية عبد الله بن معمر ورجل من البصرة # ومما يحكى أن بعض أهل البصرة اشترى جارية فأدبها وأحسن أدبها وتعليمها، وكان يحبها غاية المحبة، وأنفق ماله على البسط والانشراح وهو معها، ولم يبق عنده شيء، وقد أضر به الفقر الشديد، فقالت له الجارية: يا سيدي، بعني لأنك محتاج إلى ثمني، وقد أشفقت على حالك مما أرى بك من الفقر، فلو بعتني وأنفقت ثمني لكان ذلك أصلح لك من بقائي عندك، ولعل الله تعالى يوسع عليك رزقك، فأجابها إلى ذلك من ضيق حاله، ثم أخذها ونزل بها السوق فعرضها الدلال على أمير البصرة وكان اسمه عبد الله بن معمر التيمي، فأعجبته فاشتراها بخمسمائة دينار، ودفع ذلك المبلغ إلى سيدها، فلما قبضه سيدها وأراد الانصراف، بكت الجارية وأنشدت هذين البيتين: # هنيئا لك المال الذي قد # حويته %~% ولم يبق لي غير الأسى # والتفكر ~~أقول لنفسي وهي في سوء # كربها %~% أقلي فقد بان الحبيب أو # اكثري # فلما سمعها سيدها صعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات: # إذا لم يكن ms0967 للأمر عندك # حيلة %~% ولم تجدي شيئا سوى الموت # فاعذري ~~أروح وأغدو والأوانس # ذكرهم %~% أناجي به قلبا شديد # التفكر ~~عليك سلام لا زيارة # بيننا %~% ولا وصل إلا أن يشاء ابن # معمر # فلما سمع عبد الله بن معمر شعرهما ورأى كآبتهما قال: والله كنت معينا على فراقكما وقد ظهر لي أنكما متحابان، فخذ المال والجارية أيها الرجل بارك الله لك فيهما، فإن افتراق الحبيبين من بعضهما صعب عليهما. فقبل الاثنان يده وانصرفا، وما زالا مجتمعين إلى أن فرق بينهما الموت، فسبحان من لا يدركه فوت. ### || حكاية العاشق العذري # ومما يحكى أنه كان في بني عذرة رجل ظريف وكان لا يخلو من العشق يوما واحدا، فاتفق له أنه أحب امرأة جميلة من الحي، فراسلها أياما وهي لا تزال تجفوه وتصد عنه إلى أن أضر به الغرام والوجد والهيام، فمرض مرضا شديدا ولزم الوساد وجفا الرقاد، وظهر للناس أمره واشتهر بالعشق ذكره. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 384 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجل لزم الوساد وجفا الرقاد، وظهر للناس أمره واشتهر بالعشق ذكره، وازداد سقمه وعظم ألمه حتى كاد أن يموت، ولم يزل أهله وأهلها يسألونها أن تزوره وهي تأبى، إلى أن أشرف على الموت فأخبروها بذلك، فرقت له وأنعمت عليه بالزيارة، فلما نظرها تحدرت عيناه بالدموع، وأنشد عن قلب مصدوع: # بعيشك إن مرت عليك جنازتي %~% وقد رفعت من فوق أعناق # أربع ~~أما تتبعين النعش حتى # تسلمي %~% على قبر ميت في الحفيرة # مودع # فلما سمعت كلامه بكت بكاء شديدا وقالت له: والله ما كنت أظن أنه بلغ بك الغرام إلى أن يلقيك بين أيدي الحمام، ولو علمت بذلك لساعدتك على حالك وتمتعت بوصالك. فلما سمع كلامها، صارت دموعه كالسحاب الماطر، وأنشد قول الشاعر: # دنت حين حال الموت بيني # وبينها %~% وجادت بوصل حين لا ينفع # الوصل # ثم شهق شهقة فمات، فوقعت عليه تلثمه وتبكي، ولم تزل تبكي حتى وقعت عنده مغشيا عليها، فلما أفاقت أوصت أهلها أنهم يدفنونها ms0968 في قبره إذا ماتت، ثم أجرت دمع العين وأنشدت هذين البيتين: # كنا على ظهرها والعيش في # رغد %~% والحي يزهو بنا والدار # والوطن ~~ففرق الدهر والتصريف # ألفتنا %~% وصار يجمعنا في بطنها الكفن # فلما فرغت من شعرها بكت بكاء شديدا، ولم تزل تبكي حتى وقعت مغشيا عليها، واستمرت في غشيتها ثلاثة أيام، وماتت ودفنت في قبره، وهذا من عجيب الاتفاق في المحبة. ### || حكاية بدر الدين وزير اليمن والشيخ # ومما يحكى أن الصاحب بدر الدين وزير اليمن كان له أخ بديع الجمال، وكان شديد الحرص عليه، فالتمس له من يعلمه فوجد شيخا ذا هيبة ووقار وعفة وديانة، فأسكنه بمنزل بجانب منزله وأقام على ذلك مدة أيام، وهو كل يوم يذهب من بيته إلى بيت الصاحب بدر الدين ليعلم أخاه ثم ينصرف إلى منزله، ثم إن الشيخ تعلق قلبه بحب ذلك الشاب وقوي به غرامه وهاجت بلابله، فشكا حاله يوما إلى الشاب، فقال له الشاب: ما حيلتي وأنا لا أستطيع مفارقة أخي ليلا ونهارا، فهو ملازم لي كما ترى. فقال له الشيخ: إن منزلي بجانب منزلكم، فيمكن إذا نام أخوك أن تقوم أنت تدخل الخلوة وتظهر للناس أنك تنام، ثم تأتي إلى حائط السطح وأنا أتناولك من وراء الجدار، فتجلس عندي لحظة ثم تعود من غير أن يشعر بك أخوك. فقال الشاب: سمعا وطاعة. فجهز الشيخ من التحف ما يليق بمقامه. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر الشاب، فإنه دخل الخلوة وصبر حتى أخذ أخوه في مضجعه، ومضت ساعة من الليل حتى استغرق أخوه في النوم، ثم قام وتمشى إلى الحائط فوجد الشيخ واقفا ينتظره، فناوله يده فأخذه ودخل به المجلس، وكانت تلك الليلة ليلة البدر، فجلسا وتنادما ودارت بينهما كاسات الراح، فأخذ الشيخ في الغناء وقد ألقى البدر شعاعه عليهما. فبينما هما في فرح وسرور، ولذة وحبور، وحظ يدهش العقل والطرف ويجل عن الوصف، إذ انتبه الصاحب بدر الدين من منامه فلم يجد أخاه، فقام فزعا فوجد الباب مفتوحا، ms0969 فطلع منه فسمع همس الكلام، فصعد من الحائط إلى السطح فوجد نورا ساطعا بالبيت، فنظر من خلف جدار فوجدهما والكأس دائر بينهما، فحس به الشيخ والكأس في يده، فأطرب بالنغمات وأنشد هذه الأبيات: # سقاني خمرة من ريق فيه %~% وحيا بالعذار وما يليه ~~وبات معانقي خدا لخد %~% مليح في الأنام بلا شبيه ~~وبات البدر مطلعا علينا %~% سلوه لا ينم على أخيه # فكان من لطافة الصاحب بدر الدين أنه لم سمع هذه الأبيات قال: والله لا أنم عليكما. ومضى وتركهما في أتم سرور. ### || حكاية العاشقين في مكتب التعليم # ومما يحكى أن غلاما وجارية كانا يقرآن في مكتب، فتعلق الغلام بحب الجارية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 385 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام تعلق بحب الجارية وأحبها حبا شديدا، فلما كان في بعض الأيام في ساعة غفلة الصبيان، أخذ الغلام لوح الجارية وكتب فيه هذين البيتين: # ماذا تقولين فيمن شفه سقم %~% من فرط حبك حتى صار حيرانا ~~يشكو الصبابة من وجد ومن # ألم %~% لا يستطيع لما في القلب # كتمانا # فلما أخذت الجارية لوحها رأت هذا الشعر مكتوبا فيه، فلما قرأته وفهمت معناه بكت رحمة له، وكتبت تحت خط الغلام هذين البيتين: # إذا رأينا محبا قد أضر به %~% حال الصبابة أوليناه إحسانا ~~ويبلغ القصد منا في محبته %~% ولو يكون علينا كل ما كانا # فاتفق أن الفقيه دخل عليهما فوجد اللوح على حين غفلة، فأخذه وقرأ ما فيه فرق لحالهما، وكتب في اللوح تحت كتابهما هذين البيتين: # صلي محبك لا تخشي معاقبة %~% إن المحب غدا في الحب # حيرانا ~~أما الفقيه فلا تخشى مهابته %~% فإنه قد بلي بالعشق # أزمانا # فاتفق أن سيد الجارية دخل المكتب في تلك الساعة، فوجد لوح الجارية فأخذه وقرأ ما فيه من كلام الجارية وكلام الشاب وكلام الفقيه، فكتب الآخر في اللوح تحت كتابة الجميع هذين البيتين: # لا فرق الله طول الدهر # بينكما %~% وظل واشيكما حيران تعبانا ~~أما الفقيه فلا والله ما # نظرت %~% عيناي أعرس ms0970 منه قط إنسانا # ثم إن سيد الجارية أرسل خلف القاضي والشهود، وكتب كتابها على الشاب في المجلس، وجعل لهما وليمة وأحسن إليهما إحسانا عظيما، وما زالا مجتمعين في هناء وسرور إلى أن أدركهما هادم اللذات ومفرق الجماعات. ### || حكاية المتلمس وزوجته أميمة # ومما يحكى أن المتلمس هرب من النعمان بن المنذر وغاب غيبة طويلة حتى ظنوا أنه مات، وكان له زوجة جميلة تسمى أميمة، فشار عليها أهلها بالزواج فأبت، فألحوا عليها لكثرة خطابها وغصبوها على الزواج، فأجابتهم إلى ذلك وهي كارهة، فزوجوها رجلا من قومها، وكانت تحب زوجها المتلمس محبة عظيمة، فلما كانت ليلة زفافها على ذلك الرجل الذي غصبوها على الزواج به، قدم زوجها المتلمس في تلك الليلة، فسمع في الحي صوت المزامير والدفوف ورأى علامات الفرح، فسأل من بعض الصبيان عن هذا الفرح فقالوا له: إن أميمة زوجة المتلمس زوجوها لفلان، وها هو داخل في هذه الليلة. فلما سمع المتلمس ذلك الكلام تحيل في الدخول مع جملة النساء، فوجدهما على منصتهما وقد تقدم إليها العريس، فتنفست الصعداء وبكت وأنشدت هذا البيت: # أيا ليت شعري والحوادث # جمة %~% بأي بلاد أنت يا متلمس؟ # وكان زوجها المتلمس من الشعراء المشهورين، فأجابها بقوله: # بأقرب دار يا أميمة # فاعلمي %~% وما زلت مشتاقا إذا الركب # عرسوا # فعند ذلك فطن العريس بهما، فخرج من بينهما بسرعة وهو ينشد قوله: # فكنت بخير ثم بت بضده %~% وضمكما بيت رحيب ومجلس # ثم تركهما وذهب، واختلى بها زوجها المتلمس، وما زالا في أطيب عيش وأصفاه وأرغده وأهناه، إلى أن فرق بينهما الممات، فسبحان من تقوم بأمره الأرض والسموات. ### || حكاية هارون الرشيد والسيدة زبيدة في البحيرة # ومما يحكى أن الخليفة هارون الرشيد كان يحب السيدة زبيدة محبة عظيمة، وبنى لها مكانا للتنزه، وعمل فيه بحيرة من الماء، وعمل لها سياجا من الأشجار، وأرسل إليها الماء من كل جانب، فالتفت عليها الأشجار حتى لو دخل أحد يغتسل في تلك البحيرة لم يره أحد من كثرة أوراق الشجر، فاتفق أن السيدة زبيدة دخلت ms0971 ذلك المكان يوما، وأتت إلى البحيرة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 386 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السيدة زبيدة لما دخلت ذلك المكان يوما، وأتت إلى البحيرة وتفرجت على حسنها، فأعجبها رونقها، والتفاف الأشجار عليها، وكان ذلك في يوم شديد الحر، فقلعت أثوابها ونزلت في البحيرة ووقفت، وكانت البحيرة لا تستر من يقف فيها، فجعلت تملأ الماء بإبريق من لجين، وتصب الماء على بدنها، فعلم الخليفة بذلك فنزل من قصره يتجسس عليها من خلف أوراق الأشجار، فرآها عريانة وقد بان منها ما كان مستورا، فلما أحست بأمير المؤمنين خلف أوراق الأشجار وعرفت أنه رآها عريانة، التفتت إليه ونظرته؛ فاستحت منه ووضعت يديها على فرجها، ففاض من بين يديها لفرط كبره وغلظه؛ فولى من ساعته وهو يتعجب من ذلك، وينشد هذا البيت: # نظرت عيني لحيني %~% وذكا وجدي لبيني # ولم يدر بعد ذلك ما يقول، فأرسل خلف أبي نواس يحضر، فلما حضر بين يديه قال له الخليفة: أنشدني شعرا أقول في أوله: نظرت عيني لحيني وذكا وجدي لبيني. فقال أبو نواس: سمعا وطاعة. وارتجل في أقرب اللحظات، وأنشد هذه الأبيات: # نظرت عيني لحيني %~% وذكا وجدي لبيني ~~من غزال قد سباني %~% تحت ظل السدرتين ~~سكب الماء عليه %~% بأباريق اللجين ~~نظرتني سترته %~% فاض من بين اليدين ~~ليتني كنت عليه %~% ساعة أو ساعتين # فتبسم أمير المؤمنين من كلامه وأحسن إليه، وانصرف من عنده مسرورا. ### || حكاية هارون الرشيد والشعراء الثلاثة # ومما يحكى أن أمير المؤمنين الرشيد قلق ذات ليلة قلقا شديدا، فقام يتمشى في جوانب قصره، فوجد جارية تتمايل من السكر، وكان يهوى تلك الجارية ويحبها محبة عظيمة، فلاعبها وجذبها إليه، فسقط رداؤها وانحل إزارها، فسألها الوصل، فقالت: امهلني إلى ليلة غد يا أمير المؤمنين، فإني غير متهيئة لك؛ لأنه لم يكن لي علم بحضورك. فتركها ومضى، فلما أقبل النهار وأشرقت من شمسه الأنوار، أرسل إليها غلاما يعرفها أن أمير المؤمنين حاضر إلى حجرتها، فأرسلت تقول له: كلام الليل يمحوه ms0972 النهار. فقال الرشيد لندمائه: أنشدوني شعرا فيه: «كلام الليل يمحوه النهار». فقالوا: سمعا وطاعة. ثم تقدم الرقاشي وأنشد هذه الأبيات: # أما والله لو تجدين وجدي %~% لولى معرضا عنك القرار ~~وقد تركتك صبا مستهاما %~% فتاة لا تزور ولا تزار ~~إذا وعدتك صدت ثم قالت %~% كلام الليل يمحوه النهار # وبعد ذلك تقدم أبو مصعب وأنشد هذه الأبيات: # متى تصحو وقلبك مستطار %~% ولم تهجع وقد منع # القرار ~~أما يكفيك أن العين عبرى %~% وفي الأحشاء آلام ونار ~~تبسم ضاحكا إذ قال عجبا %~% كلام الليل يمحوه النهار # ثم تقدم أبو نواس وأنشد هذه الأبيات: # تمادى الحب وانقطع # المزار %~% وجاهرنا فلم يغن الجهار ~~وليلة أقبلت في القصر # سكرى %~% ولكن زين السكر الوقار ~~وقد سقط الردا عن # منكبيها %~% من التخميش وانحل الإزار ~~وهز الريح أردافا ثقالا %~% وغصنا فيه رمان صغار ~~فقلت: عدي محبك وعد صدق %~% فقالت: في غد يصفو المزار ~~فجئت وقلت: أين الوعد؟ # قالت: %~% كلام الليل يمحوه النهار # فأمر الخليفة لكل واحد من الشعراء ببدرة من المال إلا أبا نواس، فإنه أمر بضرب عنقه وقال له: أنت كنت حاضرا معنا في القصر ليلا؟ فقال: والله ما نمت إلا في بيتي، وإنما استدللت بكلامك على مضمون الشعر، وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: @QUR@017 والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون . فعفا عنه وأمر له ببدرتين من المال، ثم انصرفوا من عنده. ### || حكاية مصعب بن الزبير وعائشة بنت طلحة # ومما يحكى عن مصعب بن الزبير أنه وجد عزة في المدينة وكانت من أعقل النساء، فقال لها: إني عزمت على زواج عائشة بنت طلحة، وأنا أحب منك أن تسيري إليها متأملة لخلقها. فسارت إليها ثم رجعت إلى مصعب وقالت له: رأيت وجها أحسن من العافية، لها عينان نجلاوان من تحتهما أنف أقنى، وخدان أسيلان، وفم كفم الرمانة، وعنق كإبريق فضة، وتحت ذلك صدر فيه نهدان كأنهما رمانتان، وتحت ذلك بطن أقب فيه سرة كأنها حق عاج، ولها عجيزة كدعص الرمل، ms0973 وفخذان ملفوفتان، وساقان كأنهما من المرمر عمودان، غير أني رأيت في رجلها كبرا وأنت تغيب عندها وقت الحاجة. فلما وصفتها عزة بتلك الصفات، تزوجها مصعب ودخل بها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 387 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عزة لما وصفت عائشة بنت طلحة بتلك الصفات تزوجها مصعب ودخل بها، ثم إن عزة دعت عائشة ونساء قريش إلى بيتها، فغنت عزة - ومصعب قائم - بهذين البيتين: # وثغر البنات له نكهة %~% لذيذ المقبل والمبتسم ~~وما ذقته غير ظني به %~% وبالظن يحكم فيها الحكم ![fig10](../Images/figure10.png) # فدخل زوجها، فحنت إليه وأتت من الحركات بالعجائب والغرائب. # وليلة دخول مصعب بها لم ينصرف عنها إلا بعد سبع مرات، فلقيته مولاة له حين أصبح، فقالت له: فديتك، كملت في كل شيء حتى في هذا. وقالت امرأة: كنت عند عائشة بنت طلحة فدخل زوجها فحنت إليه، فوقع عليها فشخرت ونخرت، وأتت من الحركات بالعجائب وبدائع الغرائب وأنا أسمع، فلما خرج من عندها قلت لها: كيف تفعلين هذا وأنا في بيتك مع شرفك ونسبك وحسبك؟ فقالت: إن المرأة تأتي لزوجها بكل ما تقدر عليه من المهيجات وغريب الحركات، فما الذي تنكرينه من ذلك؟ فقلت: أحب أن يكون ذلك ليلا. قالت: ذاك هكذا بالنهار، وبالليل أفعل أعظم منه؛ لأنه حين يراني تتحرك شهوته وتهيج عليه باءته، فيمد يده إلي فأطاوعه، فيكون ما ترين. ### || حكاية أبي الأسود والجارية الحولاء # وبلغني أن أبا الأسود اشترى جارية حولاء مولدة فأعجب بها، فذمها أهله عنده، فتعجب منهم وقلب الكفين وأنشد هذين البيتين: # يعيبونها عندي ولا عيب # عندها %~% سوى أن في العينين بعض # المآثر ~~فإن يك في العينين عيب # فإنها %~% مهفهفة الكشحين تحت # المآزر ### || حكاية هارون الرشيد والجواري # ومما يحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان ليلة بين جاريتين؛ مدنية وكوفية، فجعلت الكوفية تكبس يديه، والمدنية تكبس رجليه، وجعلت ترفع البضاعة، فقالت لها الكوفية: أراك قد انفردت دوننا برأس المال وحدك، فأعطيني نصيبي منه. فقالت المدنية: حدثني مالك عن هشام ms0974 بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحيا مواتا فهو له ولعقبه.» فاستغفلتها الكوفية ثم دفعتها وأخذته بيديها جميعا وقالت: حدثنا الأعمش عن خيثمة عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصيد لمن صاده لا لمن أثاره.» # وحكي أيضا أن هارون الرشيد رقد مع ثلاث جوار؛ مكية ومدنية وعراقية، فمدت المدنية يدها إلى ذكره وأنعظته فقام، فوثبت المكية وجذبته إليها، فقالت لها المدنية: ما هذا التعدي؟ حدثني مالك عن الزهري عن عبد الله بن سالم عن سعيد بن زيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له.» فقالت المكية: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيد لمن صاده لا لمن أثاره.» فدفعتهما العراقية عنه وقالت: هذا لي حتى تنقضي مخاصمتكما. ### || حكاية الطحان وزوجته # ومما يحكى أن رجلا كان عنده طاحون وله حمار يطحن عليه، وكان له زوجة سوء وهو يحبها وهي تكرهه، وكانت تحب جارا لها وهو يبغضها ويمتنع منها، فرأى زوجها في النوم قائلا يقول له: احفر في الموضع الفلاني من مدار الحمار بالطاحون تجد كنزا. فلما انتبه من منامه وحدث زوجته برؤياه وأمرها بكتمان السر، فأخبرت بذلك جارها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 388 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زوجة الطحان أخبرت جارها الذي تهواه بذلك لأجل أن تتقرب إليه، فعاهدها أن يأتيها ليلا، فأتاها ليلا وحفر في مدار الطاحون، فوجدا الكنز فاستخرجاه، فقال لها الجار: كيف نصنع بهذا؟ فقالت: نقسمه نصفين بالسوية، وتفارق أنت زوجتك وأنا أحتال في فراق زوجي، ثم تتزوج بي، فإذا اجتمعنا جمعنا المال كله على بعضه فيصير بأيدينا. فقال لها جارها: أنا أخاف أن يطغيك الشيطان فتأخذي غيري، فإن الذهب في المنزل كالشمس في الدنيا، والرأي السديد أن يكون المال كله عندي لتحرصي أنت على الخلاص من زوجك ms0975 والإتيان إلي. فقالت له: إني أيضا أخاف مثل ما تخاف أنت، ولا أسلم إليك نصيبي من هذا المال، فإني أنا التي قد دللتك عليه. فلما سمع منها هذا الكلام دعاه البغي إلى قتلها، فقتلها وألقاها في موضع الكنز، ثم أدركه النهار فعوقه عن مداراتها، فحمل المال وخرج؛ فاستيقظ الطحان من النوم فلم يجد زوجته، فدخل الطاحون وعلق حماره في الطاحون وصاح عليه فمشى ووقف، فضربه الطحان ضربا شديدا وكلما ضربه يتأخر؛ لأنه قد جفل من المرأة الميتة وصار لا يمكنه التقدم، كل ذلك والطحان لا يدري ما سبب توقف الحمار، فأخذ سكينا ونخسه نخسا كثيرا، فلم ينتقل من موضعه، فغضب منه وطعنه بها في خاصرته، فسقط الحمار ميتا. فلما طلع النهار رأى الطحان الحمار ميتا، ورأى زوجته ميتة ووجدها في موضع الكنز، اشتد غيظه على ذهاب الكنز وهلاك زوجته والحمار وحصل له هم عظيم؛ فهذا كله من إظهار سره لزوجته وعدم كتمانها له. ### || حكاية المغفل والشاطر # ومما يحكى أن أحد المغفلين كان سائرا وبيده مقود حماره وهو يجره خلفه، فنظره رجلان من الشطار، فقال واحد منهما لصاحبه: أنا آخذ هذا الحمار من هذا الرجل. فقال له: كيف تأخذه؟ فقال له: اتعبني وأنا أريك. فتبعه فتقدم ذلك الشاطر إلى الحمار، وفك منه المقود وأعطاه لصاحبه وحط المقود في رأسه، ومشى خلف المغفل حتى علم أن صاحبه ذهب بالحمار ثم وقف، فجره المغفل بالمقود فلم يمش، فالتفت إليه فرأى المقود في رأس رجل، فقال له: أي شيء أنت؟ فقال له: أنا حمارك ولي حديث عجيب، وهو أنه كان لي والدة عجوز صالحة جئت إليها في بعض الأيام وأنا سكران، فقالت لي: يا ولدي، تب إلى الله تعالى من هذه المعاصي. فأخذت العصا وضربتها بها، فدعت علي فمسخني الله تعالى حمارا، وأوقعني في يدك، فمكثت عندك هذا الزمان كله، فلما كان هذا اليوم تذكرتني أمي وحنن الله قلبها علي، فدعت لي فأعادني الله أدميا كما كنت. فقال الرجل: لا حول ولا قوة إلا ms0976 بالله العلي العظيم، بالله عليك يا أخي أن تجعلني في حل مما فعلته بك من الركوب وغيره. ثم خلى سبيله ومضى ورجع صاحب الحمار إلى داره وهو سكران من الهم والغم، فقالت له زوجته: ما الذي دهاك وأين الحمار؟ فقال لها: أنت ما عندك خبر بأمر الحمار، فأنا أخبرك به. ثم حكى لها الحكاية فقالت: يا ويلنا من الله تعالى، كيف مضى لنا هذا الزمان كله ونحن نستخدم بني آدم؟ ثم إنها تصدقت واستغفرت، وجلس الرجل في الدار مدة وهو من غير شغل، فقالت له زوجته: إلى متى هذا القعود في البيت من غير شغل؟ فامض إلى السوق واشتر لنا حمارا واشتغل عليه، فمضى إلى السوق ووقف عند الحمير، وإذا هو بحماره يباع، فلما عرفه تقدم إليه ووضع فمه على أذنه وقال له: ويلك يا مشئوم، لعلك رجعت إلى السكر وضربت أمك، والله ما بقيت أشتريك أبدا. ثم تركه وانصرف. ### || حكاية هارون الرشيد والسيدة زبيدة والقاضي # ومما يحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد آوى إلى فراشه ذات يوم في وقت الظهيرة، فلما رقي السرير الذي ينام عليه، وجد منيا طريا في فراشه، فهاله ذلك وانحرف مزاجه انحرافا شديدا، وحصل له غم زائد، فدعا السيدة زبيدة، فلما حضرت بين يديه قال لها: ما هذا الملقى على الفراش؟ فنظرت إليه ثم قالت له: هذا مني يا أمير المؤمنين. فقال لها: أصدقيني عن سبب هذا المني وإلا بطشت بك في الوقت. فقالت له: يا أمير المؤمنين والله لا أعلم لذلك سببا، وإني بريئة مما توهمته في. فطلب القاضي أبا يوسف وذكر له القصة وأراه المني، فرفع القاضي أبو يوسف رأسه إلى السقف، فرأى فيه فرجة، فقال: يا أمير المؤمنين إن للخفاش منيا كمني الرجال، وهذا مني خفاش. وطلب رمحا فأخذه بيده وطعن به في الفرجة، فوقع الخفاش فاندفع الوهم عن هارون الرشيد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 389 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن القاضي أبا يوسف لما ms0977 أخذ الرمح بيده وطعن به في الفرجة وقع الخفاش، فاندفع الوهم عن هارون الرشيد وظهرت براءة زبيدة، ثم إنها تفوهت بلسانها فرحا ببراءتها، وأقرت لأبي يوسف بجائزة وافرة، وكان عندها فاكهة عظيمة في غير أوانها، وتعلم بفاكهة أخرى في غير أوانها أيضا في البستان، فقالت له: يا إمام الدين، أي الفاكهتين أحب إليك؛ الفاكهة الحاضرة أم الغائبة؟ فقال: مذهبنا لا يحكم غائب، فإذا حضر يحكم عليه. فأحضرت له الفاكهتين فأكل من هذه ومن هذه. فقالت: ما الفرق بينهما؟ فقال: كلما أردت أن أشكر إحداهما، قامت علي الأخرى بحجتها. فلما سمع الرشيد كلامه ضحك وأعطاه الجائزة، وأعطته أيضا زبيدة الجائزة التي وعدته بها، وانصرف من عندهما مسرورا. فانظر فضيلة الإمام، وما حصل على يديه من براءة السيدة زبيدة وإظهار السبب. ### || حكاية الحاكم بأمر الله # ومما يحكى أن الحاكم بأمر الله كان راكبا في موكبه يوما من الأيام، فمر على بستان فرأى رجلا هناك وحوله عبيد وخدم، فاستسقاه ماء فسقاه، ثم قال: لعل أمير المؤمنين أن يكرمني بنزوله عندي في هذا البستان. فنزل الملك ونزل جيشه في ذلك البستان، فأخرج الرجل المذكور مائة بساط، ومائة نطع، ومائة وسادة، ومائة طبق من الفاكهة، ومائة جام ملآن حلوى، ومائة زبدية ملآى بالشربات السكرية، فاندهش عقل الحاكم بأمر الله من ذلك وقال له: أيها الرجل، إن خبرك عجيب! فهل علمت بمجيئنا فأعددت لنا هذا؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما علمت بمجيئكم وإنما أنا تاجر من جملة رعيتك، ولكن لي مائة محظية، فلما أكرمني أمير المؤمنين بنزوله عندي، أرسلت إلى كل واحدة منهن أن ترسل لي الغدا في البستان، فأرسلت كل واحدة منهن شيئا من فراشها، وزائد أكلها وشربها، فإن كل واحدة منهن ترسل لي في يوم طبق طعام، وطبق مبردات، وطبق فاكهة، وجاما ممتلئا حلوى، وزبدية شراب، وهذا غذائي في كل يوم لم أزد لك فيه شيئا. فسجد أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله تعالى وقال: الحمد لله الذي جعل في رعايانا من وسع ms0978 الله عليه حتى يطعم الخليفة وعسكره من غير استعداد لهم، بل من فاضل طعامه. ثم أمر له بما في بيت المال من الدراهم المضروبة في تلك السنة، فكانت ثلاثة آلاف ألف وسبعمائة ألف، ولم يركب حتى أحضرها وأعطاها لذلك الرجل وقال له: استعن بها على حالك، فإن مروءتك أكبر من ذلك. ثم ركب الملك وانصرف. ### || حكاية كسرى أنوشروان والصبية # ومما يحكى أن الملك العادل كسرى أنوشروان ركب يوما إلى الصيد، فانفرد عن عسكره خلف ظبي، فبينما هو ساع خلف الظبي، إذ رأى ضيعة قريبة منه، وكان قد عطش عطشا شديدا؛ فتوجه إلى تلك الضيعة، وقصد باب دار قوم في طريقه، فطلب ماء ليشرب، فخرجت له صبية فأبصرته ثم عادت إلى البيت، وعصرت له عودا واحدا من قصب السكر، ومزجت ما عصرته منه بالماء، ووضعته في قدح، ووضعت عليه شيئا من الطيب يشبه التراب، ثم سلمته إلى أنوشروان، فنظر في القدح فرأى فيه شيئا يشبه التراب، فجعل يشرب منه قليلا حتى انتهى إلى آخره، ثم قال للصبية: أيتها الصبية، نعم الماء ما أحلاه! لولا ذلك القذى الذي فيه فإنه كدره. فقالت الصبية: أيها الضيف، أنا عمدا ألقيت فيه ذلك القذى الذي كدره. فقال الملك: ولم فعلت ذلك؟ فقالت: لأني رأيتك شديد العطش، وخفت أن تشربه نهلة واحدة فيضرك، فلو لم يكن فيه قذى لكنت شربته بسرعة نهلة واحدة، وكان يضرك شربه على هذه الطريقة. فتعجب الملك العادل أنوشروان من كلامها وذكاء عقلها، وعلم أن ما قالته ناشئ عن ذكاء وفطنة وجودة عقل، فقال لها: من كم عود عصرت ذلك الماء؟ فقالت: من عود واحد. فتعجب أنوشروان وطلب جريدة الخراج الذي يحصل من تلك القرية، فرأى خراجها قليلا، فأضمر في نفسه أنه إذا عاد إلى تخته يزيد في خراج تلك القرية، وقال: قرية يكون في عود واحد منها هذا الماء، كيف يكون خراجها هذا القدر القليل؟ ثم إنه انصرف عن تلك القرية إلى الصيد، وفي آخر النهار رجع إليها، واجتاز على ذلك ms0979 الباب منفردا، وطلب الماء ليشرب، فخرجت له تلك الصبية بعينها، فرأته فعرفته، ثم عادت لتخرج له الماء فأبطأت عليه، فاستعجلها أنوشروان وقال: لأي شيء أبطأت؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 390 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك أنوشروان لما استعجل الصبية قال لها: لأي شيء أبطأت؟ فقالت له: لأنه لم يخرج من عود واحد قدر حاجتك، فعصرت ثلاثة أعواد، ولم يخرج منها مثل ما كان يخرج من عود واحد. فقال الملك أنوشروان: ما سبب ذلك؟ فقالت: سببه أن نية السلطان قد تغيرت. فقال لها: من أين جاءك هذا؟ فقالت: سمعنا من العقلاء أنه إذا تغيرت نية السلطان على قوم زالت بركتهم وقلت خيراتهم. فضحك أنوشروان، وأزال من نفسه ما كان أضمر لهم عليه، وتزوج بتلك الصبية حالا؛ حيث أعجبه فرط ذكائها وفطنتها، وحسن كلامها. ### || حكاية السقاء وزوجة الصائغ # ومما يحكى أنه كان بمدينة بخارى رجل سقاء يحمل الماء إلى دار رجل صائغ، ومضى له على تلك الحالة ثلاثون سنة، وكان لذلك الصائغ زوجة في غاية الحسن والجمال، والبهاء والكمال، موصوفة بالديانة والحفظ والصيانة، فجاء السقاء على عادته يوما وصب الماء في الجباب، وكانت المرأة قائمة في وسط الدار، فدنا منها السقاء وأخذ بيدها وفركها وعصرها، ثم مضى وتركها، فلما جاء زوجها من السوق قالت: إني أريد أن تعرفني أي شيء صنعت هذا اليوم في السوق مما يغضب الله تعالى. فقال الرجل: ما صنعت شيئا يغضب الله تعالى. فقالت المرأة: لا والله، إنك فعلت شيئا يغضب الله تعالى، وإن لم تحدثني بما صنعت وتصدقني في حديثك، لا أقعد في بيتك، ولا تراني ولا أراك. فقال: أخبرك بما فعلته في يومي هذا على وجه الصدق؛ اتفق أنني جالس في الدكان على عادتي إذ جاءتني امرأة إلى دكاني، وأمرتني أن أصوغ لها سوارا وانصرفت، فصغت لها سوارا من ذهب ورفعته، فلما حضرت أتيتها به، فأخرجت يدها ووضعت السوار في ساعدها؛ فتحيرت من بياض يدها وحسن زندها الذي ms0980 يسبي الناظر، وتذكرت قول الشاعر: # وسواعد تزهو بحسن أساور %~% كالنار تضرم فوق ماء جار ~~فكأنها والتبر محتاط # بها %~% ماء تمنطق معجبا بالنار # فأخذت يدها وعصرتها ولويتها. فقالت له المرأة: الله أكبر، لم فعلت هذا الجرم؟ إن ذلك الرجل السقاء الذي كان يدخل بيتنا منذ ثلاثين سنة ولم نر فيه خيانة، أخذ اليوم يدي وعصرها ولواها. فقال الرجل: نسأل الله الأمان أيتها المرأة، إني تائب مما كان مني فاستغفري الله لي. فقالت المرأة: غفر الله لنا ولك، ورزقنا حسن العاقبة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 391 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زوجة الصائغ قالت: غفر الله لنا ولك، ورزقنا حسن العاقبة. فلما كان الغد جاء الرجل السقاء وألقى نفسه بين يدي المرأة، وتمرغ على التراب واعتذر إليها، وقال: يا سيدتي، اجعليني في حل مما أغراني به الشيطان، حيث أضلني وأغواني. فقالت له المرأة: امض إلى حال سبيلك؛ فإن ذلك الخطأ لم يكن منك، وإنما كان سببه من زوجي؛ حيث فعل ما فعل في الدكان، فاقتص الله منه في الدنيا. # وقيل: إن الرجل الصائغ لما أخبرته زوجته بما فعل السقاء معها قال: دقة بدقة، ولو زدت لزاد السقا. فصار هذا الكلام مثلا سائرا بين الناس، فينبغي للمرأة أن تكون مع زوجها ظاهرا وباطنا، وتقنع منه بالقليل إن لم يقدر على الكثير، وتقتدي بعائشة الصديقة، وفاطمة الزهراء - رضي الله تعالى عنهما - لتكون مع حواشي السلف. ### || حكاية خسرو وشيرين والصياد # ومما يحكى أن خسرو وهو ملك من الملوك كان يحب السمك، فكان يوما جالسا في قاعته هو وشيرين زوجته، فجاء صياد ومعه سمكة كبيرة فأهداها لخسرو، فأعجبته تلك السمكة فأمر له بأربعة آلاف درهم، فقالت له شيرين: بئس ما فعلت. فقال: ولم؟ قالت: لأنك بعد هذا إذا أعطيت أحدا من حشمك هذا القدر يحتقره، ويقول: إنما أعطاني مثل القدر الذي أعطاه للصياد. وإن أعطيته أقل منه يقول: قد احتقرني وأعطاني أقل مما أعطى الصياد. فقال خسرو: لقد صدقت، ms0981 ولكن يقبح بالملوك أن يرجعوا في هبتهم، وقد فات هذا. فقالت شيرين: أنا أدبر لك أمرا في استرجاع العطية منه. فقال لها: وكيف ذلك؟ قالت له: إذا أردت ذلك فادع الصياد وقل له: هل هذه السمكة ذكرا أم أنثى؟ فإن قال: ذكر. فقل له: إنما أردنا أنثى. وإن قال: أنثى. فقل له: إنما أردنا ذكرا. فأرسل خلف الصياد فعاد، وكان الصياد صاحب ذكاء وفطنة، فقال له الملك خسرو: هل هذه السمكة ذكرا أم أنثى؟ فقبل الصياد الأرض وقال: هذه السمكة خنثى، لا ذكر ولا أنثى. فضحك خسرو من كلامه، وأمر له بأربعة آلاف درهم أخرى، فمضى الصياد إلى الخازندار وقبض منه ثمانية آلاف درهم، ووضعها في جراب كان معه وحملها على عنقه، وهم بالخروج، فوقع منه درهم واحد، فوضع الصياد الجراب عن كاهله وانحنى على الدرهم فأخذه، والملك وشيرين ينظران إليه، فقالت شيرين: أيها الملك، رأيت خسة هذا الرجل وسفالته؛ حيث سقط منه درهم لم يسهل عليه أن يتركه ليأخذه بعض غلمان الملك. فلما سمع الملك كلامها اشمأز من الصياد وقال: لقد صدقت يا شيرين. ثم إنه أمر بإعادة الصياد وقال له: يا ساقط الهمة لست بإنسان، كيف وضعت هذا المال عن كاهلك وانحنيت لأجل درهم، وبخلت أن تتركه في مكانه؟ فقبل الصياد الأرض وقال: أطال الله بقاء الملك، إنني لم أرفع ذلك الدرهم عن الأرض لخطره عندي، وإنما رفعته عن الأرض لأن على أحد وجهيه صورة الملك، وعلى وجهه الآخر اسمه، فخشيت أن يضع أحد رجله عليه بغير علم، فيكون ذلك استخفافا باسم الملك وصورته، فأكون أنا المؤاخذ بهذا الذنب. فتعجب الملك من قوله واستحسن ما ذكره، فأمر له بأربعة آلاف درهم أخرى، وأمر الملك مناديا أن ينادي في مملكته ويقول: لا ينبغي لأحد أن يقتدي برأي النساء، فمن اقتدى برأيهن خسر مع درهمه درهمين. ### || حكاية يحيى بن خالد والفقير # ومما يحكى أن يحيى بن خالد البرمكي خرج من دار الخلافة متوجها إلى داره، فرأى على باب الدار رجلا، ms0982 فلما قرب منه نهض الرجل قائما وسلم عليه وقال له: يا يحيى، أنا محتاج إلى ما في يدك، وقد جعلت الله وسيلتي إليك. فأمر يحيى أن يفرد له موضع في داره، وأمر خازنداره أن يحمل إليه في كل يوم ألف درهم، وأن يكون طعامه من خاص طعامه، فاستمر الرجل على ذلك الحال شهرا كاملا، فلما انقضى الشهر كان قد وصل إليه ثلاثون ألف درهم، فخاف الرجل أن يحيى يأخذ منه الدراهم لكثرتها، فانصرف خفية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 392 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجل أخذ الدراهم وانصرف خفية، فأخبروا يحيى بذلك، فقال: والله لو أقام عندي عمره وطول دهره لما منعته صلتي، ولا قطعت عنه إكرام ضيافتي. وفضائل البرامكة لا تحصى، ومناقبهم لا تستقصى، وخصوصا يحيى بن خالد؛ فإنه جم المفاخر كما قال فيه الشاعر: # سألت الندى هل أنت حر فقال: # لا %~% ولكنني عبد ليحيى بن خالد ~~فقلت شراء قال حاشا وإنما %~% توارثني من والد بعد والد ### || حكاية جعفر بن موسى ومحمد الأمين # ومما يحكى أن جعفر بن موسى الهادي كانت له جارية عوادة اسمها البدر الكبير، ولم يكن في زمانها أحسن منها وجها، ولا أعدل قدا، ولا ألطف معنى، ولا أعرف بصناعة الغناء وضرب الأوتار، وكانت في غاية الجمال ونهاية الظرف والكمال، فسمع بخبرها محمد الأمين ابن زبيدة، والتمس من جعفر أن يبيعها له، فقال له جعفر: أنت تعلم أنه لا يليق بمثلي بيع الجواري والمساومة على السراري، ولولا أنها تربية داري لأرسلتها هدية إليك ولم أبخل بها عليك. ثم إن محمدا الأمين ابن زبيدة توجه يوما لقصد الطرب إلى دار جعفر، فأحضر له ما يحسن حضوره بين الأحباب، وأمر جاريته البدر الكبير أن تغني له وتطربه، فأصلحت الآلات وغنت بأطيب النغمات، فأخذ محمد الأمين ابن زبيدة في الشراب والطرب، وأمر السقاة أن يكثروا الشراب على جعفر حتى يسكروه، ثم أخذ الجارية معه وانصرف إلى داره ولم يمد إليها يده. فلما ms0983 أصبح الصباح، أمر باستدعاء جعفر، فلما حضر قدم بين يديه الشراب، وأمر الجارية أن تغني له من داخل الستارة، فسمع جعفر صوتها فعرفها فاغتاظ لذلك، ولكن لم يظهر غيظا لشرف نفسه وعلو همته، ولم يبد تغيرا في منادمته؛ فلما انقضى مجلس الشراب أمر محمد الأمين ابن زبيدة بعض أتباعه أن يملأ الزورق الذي ركب فيه جعفر إليه من الدراهم والدنانير، وأصناف الجواهر واليواقيت، والثياب الفاخرة والأموال الباهرة، ففعل ما أمره به حتى إنه وضع في الزورق ألف بدرة، وألف درة، قيمة الدرة عشرون ألف درهم، ولم يزل يضع فيه أصناف التحف حتى استغاث الملاحون وقالوا: ما يقدر الزورق أن يحمل شيئا آخر. وأمر بحمله إلى دار جعفر، وهكذا همم الأكابر رحمهم الله. ### || حكاية سعيد بن سالم وابنا يحيى بن خالد # ومما يحكى أن سعيد بن سالم الباهلي قال: اشتد بي الحال في زمن هارون الرشيد واجتمع علي ديون كثيرة أثقلت ظهري، وعجزت عن قضائها وضاقت حيلي وبقيت متحيرا لا أدري ما أصنع؛ حيث عسر علي أداؤها إعسارا عظيما، واحتاطت ببابي أرباب الديون وتزاحم علي المطالبون، ولازمني الغرماء فضاقت حيلي وازدادت فكرتي، فلما رأيت الأمور متعسرة والأحوال متغيرة، قصدت عبد الله بن مالك الخزاعي والتمست منه أن يمدني برأيه ويرشدني إلى باب الفرج بحسن تدبيره، فقال عبد الله بن مالك الخزاعي: لا يقدر أحد على خلاصك من محنتك وهمك وضيقك وغمك غير البرامكة. فقلت: ومن يقدر على احتمال تكبرهم ويصبر على تجبرهم؟ فقال: تحمل ذلك لأجل إصلاح حالك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 393 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله بن مالك الخزاعي قال لسعيد بن سالم: تحمل ذلك لأجل إصلاح حالك. فنهضت من عنده ومضيت إلى الفضل وجعفر ولدي يحيى بن خالد، وقصصت عليهما قصتي، وأبديت لهما حالتي، فقالا: ساعدك الله بعونه، وأغناك عن خلقه بمنه، وأجزل لك عظيم خير، وقام لك بالكفاية دون غيره، إنه على ما يشاء قدير وبعباده خبير. فانصرفت ms0984 من عندهما ورجعت إلى عبد الله بن مالك ضيق الصدر، متحير الفكر، منكسر القلب، وأعدت عليه ما قالاه، فقال: ينبغي أن تقيم اليوم عندنا لننظر ما يقدره الله تعالى. فجلست عنده ساعة، وإذا بغلامي قد أقبل وقال: يا سيدي، إن ببابنا بغالا كثيرة بأحمالها، ومعها رجل يقول: أنا وكيل الفضل بن يحيى وجعفر بن يحيى. فقال عبد الله بن مالك: أرجو أن يكون الفرج قد أقبل عليك، فقم وانظر ما الشأن. فنهضت من عنده وأسرعت عدوا إلى بيتي، فرأيت ببابي رجلا معه رقعة مكتوب فيها: إنك لما كنت عندنا وسمعنا كلامك توجهنا بعد خروجك إلى الخليفة، وعرفناه أنه أفضى بك الحال إلى ذل السؤال، فأمرنا أن نحمل إليك من بيت المال ألف درهم، فقلنا له: هذه الدراهم يصرفها إلى غرمائه ويؤدي بها دينه، ومن أين يقيم وجه نفقاته؟ فأمر لك بثلاثمائة ألف درهم أخرى، وقد حمل إليك كل واحد منا من خالص ماله ألف ألف درهم، فصارت الجملة ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف درهم، تصلح بها أحوالك وأمورك. فانظر إلى هذا الكرم من هؤلاء الكرام رحمهم الله تعالى. ### || حكاية مكيدة امرأة مع زوجها # ومما يحكى أن امرأة فعلت مع زوجها مكيدة، وهي أن زوجها أتى لها بسمكة يوم الجمعة وأمرها بطبخها وإحضارها عقب صلاة الجمعة، وانصرف إلى أشغاله، فجاءها صديقها وطلبها لحضور عرس عنده، فامتثلت ووضعت السمكة في زير عندها وذهبت معه، وقعدت غائبة عن بيتها إلى الجمعة الثانية، وزوجها يفتش في البيوت ويسأل عنها، فلم يخبره أحد بخبرها، ثم حضرت يوم الجمعة الثانية وأخرجت له السمكة بالحياة، وجمعت عليه الناس وأخبرتهم بالقصة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 394 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المرأة لما جاءت لزوجها في الجمعة الثانية أخرجت السمكة من الزير حية، وجمعت عليه الناس، فأخبرهم بالقصة فكذبوه وقالوا له: لا يمكن أن السمكة تقعد بالحياة هذه المدة. وأثبتوا جنونه وسجنوه وصاروا يضحكون عليه، فأفاض دمع العين وأنشد هذين البيتين: ms0985 # عجوز تولت في القبائح # منصبا %~% على وجهها للفاحشات شهود ~~إذا طمثت قادت وإن طهرت # زنت %~% مدى الدهر تزني تارة وتقود ### || حكاية الإسرائيلية والشيخين # ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، امرأة صالحة في بني إسرائيل، وكانت تلك المرأة دينة عابدة تخرج كل يوم إلى المصلى، وكان بجانب تلك المصلى بستان، فإذا خرجت إلى المصلى تدخل ذلك البستان وتتوضأ منه، وكان في البستان شيخان يحرسانه، فتعلق الشيخان بتلك المرأة، وراوداها عن نفسها فأبت، فقالا لها: إن لم تمكنينا من نفسك، لنشهدن عليك بالزنا. فقالت لهما الجارية: الله يكفيني شركما. ففتحا باب البستان وصاحا؛ فأقبل عليهما الناس من كل مكان وقالوا: ما خبركما؟ فقالا: إنا وجدنا هذه الجارية مع شاب يفجر بها، وانفلت الشاب من أيدينا. وكان الناس في ذلك الوقت ينادون بفضيحة الزاني ثلاثة أيام ثم يرجمونه؛ فنادوا عليها ثلاثة أيام من أجل الفضيحة، وكان الشيخان في كل يوم يدنوان منها ويضعان أيديهما على رأسها، ويقولان لها: الحمد لله الذي أنزل بك نقمته. فلما أرادوا رجمها تبعهم دانيال، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وهذه أول معجزة له - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - ولم يزل تابعا لهم حتى لحقهم وقال: لا تعجلوا عليها بالرجم حتى أقضي بينهم. فوضعوا له كرسيا ثم جلس، وفرق بين الشيخين - وهو أول من فرق بين الشهود - فقال لأحدهما: ما رأيت؟ فذكر له ما جرى، فقال له: حصل ذلك في أي مكان في البستان؟ فقال: في الجانب الشرقي تحت شجرة الكمثرى. ثم سأل الثاني عما رأى فأخبره بما جرى، فقال له: في أي مكان في البستان؟ فقال: في الجانب الغربي تحت شجرة التفاح. كل هذا والجارية واقفة رافعة رأسها ويديها إلى السماء، وهي تدعو الله بالخلاص؛ فأنزل الله تعالى صاعقة من العذاب فأحرقت الشيخين، وأظهر الله تعالى براءة الجارية، وهذا أول ما جرى من المعجزات لنبي الله دانيال عليه السلام. ### || حكاية جعفر البرمكي والشيخ # ومما يحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد خرج يوما من الأيام ms0986 هو وأبو يعقوب النديم وجعفر البرمكي وأبو نواس، وساروا في الصحراء فرأوا شيخا متكئا على حمار له، فقال هارون الرشيد لجعفر: اسأل هذا الشيخ من أين هو؟ فقال له جعفر: من أين جئت؟ فقال: من البصرة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 395 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جعفرا البرمكي لما سأل الرجل وقال له: من أين جئت؟ قال: من البصرة. فقال له جعفر: وإلى أين سيرك؟ قال: إلى بغداد. قال له: وما تصنع فيها؟ قال: ألتمس دواء لعيني. فقال هارون الرشيد: يا جعفر مازحه. فقال: إذا مازحته أسمع منه ما أكره. فقال: بحقي عليك أن تمازحه. فقال جعفر للشيخ: إن وضعت لك دواء ينفعك ما الذي تكافئني به؟ فقال له: الله تعالى يكافئك عني بما هو خير لك من مكافأتي. فقال: أنصت إلي حتى أصف لك هذا الدواء الذي لا أصفه لأحد غيرك. فقال له: وما هو؟ قال له جعفر: خذ لك ثلاث أواق من هبوب الريح، وثلاث أواق من شعاع الشمس، وثلاث أواق من زهر القمر، وثلاث أواق من نور السراج، واجمع الجميع وضعها في الريح ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك ضعها في هون بلا قعر، ودقها ثلاثة أشهر، فإذا دققتها فضعها في جفنة مشقوقة، وضع الجفنة في الريح ثلاثة أشهر، ثم استعمل هذا الدواء في كل يوم ثلاثة دراهم عند النوم، واستمر على ذلك ثلاثة أشهر؛ فإنك تعافى إن شاء الله تعالى. فلما سمع الشيخ كلام جعفر، انسطح على حماره وضرط ضرطة منكرة، وقال: خذ هذه الضرطة مكافأة لك على وصفك هذا الدواء، فإذا استعملته ورزقني الله العافية، أعطيتك جارية تخدمك في حياتك خدمة يقطع الله بها أجلك، فإذا مت وعجل الله بروحك إلى النار، سخمت وجهك بخراها من حزنها عليك، وتندب وتلطم وتنوح، وتقول في نياحتها: يا ساقع الذقن، ما أسقع ذقنك! فضحك هارون الرشيد حتى استلقى على قفاه، وأمر لذلك الرجل بثلاثة آلاف درهم. ### || حكاية عمر بن الخطاب والشاب الحسن ms0987 # وحكى الشريف حسين بن ريان أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان جالسا في بعض الأيام للقضاء بين الناس، والحكم بين الرعايا، وعنده أكابر أصحابه من أهل الرأي والإصابة. فبينما هو جالس إذ أقبل عليه شاب من أحسن الشباب، نظيف الثياب، وقد تعلق به شابان من أحسن الشباب، وقد جذبه الشابان من طوقه، وأوقفاه بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ فنظر أمير المؤمنين إليهما وإليه، فأمرهما بالكف عنه وأدناه منه، وقال للشابين: ما قصتكما معه؟ فقالا: يا أمير المؤمنين، نحن أخوان شقيقان، وباتباع الحق حقيقان، كان لنا أب شيخ كبير حسن التدبير، معظم في القبائل، منزه عن الرذائل، معروف بالفضائل، ربانا صغارا وأولانا مننا كبارا ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 396 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشابين قالا لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إن أبانا كان معظما في القبائل، منزها عن الرذائل، معروفا بالفضائل، ربانا صغارا وأولانا مننا كبارا، جم المناقب والمفاخر، حقيقا بقول الشاعر: # قالوا أبو الصقر من شيبان قلت # لهم %~% كلا لعمري ولكن منه شيبان ~~فكم أب قد علا بابن ذوي شرف %~% كما علت برسول الله عدنان # فخرج يوما إلى حديقة له ليتنزه في أشجارها، ويقتطف يانع أثمارها، فقتله هذا الشاب، وعدل عن طريق الرشاد، ونسألك القصاص بما جناه، والحكم فيه بما أمر الله. فنظر عمر إلى الشاب نظرة مرهبة، وقال له: قد سمعت من هذين الغلامين الخطاب، فما تقول أنت في الجواب؟ وكان ذلك الغلام ثابت الجنان، جريء اللسان، قد خلع ثياب الهلع، ونزع لباس الجزع، فتبسم وتكلم بأفصح لسان، وحيا أمير المؤمنين بكلمات حسان، ثم قال: والله يا أمير المؤمنين لقد وعيت ما ادعياه، وصدقا فيما قالاه، حيث أخبرا بما جرى، وكان أمر الله قدرا مقدورا، ولكن سأذكر قصتي بين يديك، والأمر فيها إليك؛ اعلم يا أمير المؤمنين، أني من صميم العرب العرباء، الذين هم أشرف من تحت الجرباء، نشأت في منازل البادية فأصابت قومي سود السنين العادية، فأقبلت ms0988 إلى ظاهر هذه البلد بالأهل والمال والولد، وسلكت بعض طرائقها إلى المسير بين حدائقها، بنياق كريمة لدي، عزيزات علي، بينهن فحل كريم الأصل، كثير النسل، مليح الشكل، به يكثر منهن النتاج، ويمشي بينهن كأنه ملك عليه تاج، فندت بعض النياق إلى حديقة أبيهم، وقد ظهر من الحائط شجرها فتناولته بمشفرها فطردتها عن تلك الحديقة، وإذا بشيخ من خلال الحائط قد ظهر، وزفير غيظه يرمي بالشرر، وفي يده اليمنى حجر، وهو يتهادى كالليث إذا حضر، فضرب الفحل بذلك الحجر فقتله؛ لأنه أصاب مقتله؛ فلما رأيت الفحل قد سقط بجانبي، آنست أن قلبي قد توقدت فيه جمرات الغضب، فتناولت ذلك الحجر بعينه وضربته به، فكان سببا لحينه، ولقي سوء منقلبه، والمرء مقتول بما قتل به، وعند إصابته بالحجر صاح صيحة عظيمة، وصرخ صرخة أليمة، فأسرعت بالسير من مكاني، فأسرع هذان الشابان وأمسكاني، وإليك أحضراني، وبين يديك أوقفاني. # فقال عمر - رضي الله تعالى عنه: قد اعترفت بما اقترفت، وتعذر الخلاص، ووجب القصاص، ولات حين مناص. فقال الشاب: سمعا وطاعة لما حكم به الإمام، ورضيت بما اقتضته شريعة الإسلام، ولكن لي أخ صغير، كان له أب كبير، خصه قبل وفاته بمال جزيل، وذهب جليل، وسلم أمره إلي، وأشهد الله علي، وقال: هذا لأخيك عندك فاحفظه جهدك. فأخذت ذلك المال منه ودفنته، ولا أحد يعلم به إلا أنا، فإن حكمت الآن بقتلي ذهب المال، وكنت أنت السبب في ذهابه، وطالبك الصغير بحقه يوم يقضي الله بين خلقه، وإن أنت أنظرتني ثلاثة أيام، أقمت من يتولى أمر الغلام، وعدت وافيا بالذمام، ولي من يضمنني على هذا الكلام. فأطرق أمير المؤمنين رأسه، ثم نظر إلى من حضر، وقال: من يقوم لي بضمانه والعود إلى مكانه؟ فنظر الغلام إلى وجوه من في المجلس وأشار إلى أبي ذر دون الحاضرين، وقال: هذا يكفلني ويضمنني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 397 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاب لما أشار إلى أبي ذر وقال: هذا ms0989 يكفلني ويضمنني. قال عمر - رضي الله تعالى عنه: يا أبا ذر، أسمعت هذا الكلام، وتضمن لي حضور هذا الغلام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أضمنه إلى ثلاثة أيام. فرضي بذلك وأذن للغلام في الانصراف، فلما انقضت مدة الإمهال، وكاد وقتها أن يزول أو زال، ولم يحضر الشاب إلى مجلس عمر، والصحابة حوله كالنجوم حول القمر، وأبو ذر قد حضر، والخصمان ينتظران فقالا: أين الغريم يا أبا ذر؟ كيف رجوع من فروا؟ لكن نحن لا نبرح من مكاننا حتى تأتينا به للأخذ بثأرنا. فقال أبو ذر: وحق الملك العلام، إن انقضت الثلاثة أيام، ولم يحضر الغلام، وفيت بالضمان وسلمت نفسي للإمام. فقال عمر - رضي الله عنه: والله إن تأخر الغلام لأقضين في أبي ذر ما اقتضته شريعة الإسلام. فهملت عبرات الحاضرين، وارتفعت زفرات الناظرين، وعظم الضجيج، فعرض أكابر الصحابة على الشابين أخذ الدية، واغتنام الأثنية، فأبيا ولم يقبلا شيئا إلا الأخذ بالثأر. فبينما الناس يموجون ويضجون تأسفا على أبي ذر، إذ أقبل الغلام، ووقف بين يدي الإمام، وسلم عليه بأحسن سلام، ووجهه مشرق يتهلل، وبالعرق يتكلل، وقال له: قد أسلمت الصبي إلى أخواله، وعرفتهم بجميع أحواله، وأطلعتهم على مكان ماله، ثم اقتحمت هاجرة الحر، ووفيت وفاء الحر. فتعجب الناس من صدقه ووفائه، وإقدامه على الموت واجترائه، فقال له بعضهم: ما أكرمك من غلام! وأوفاك بالعهد والزمام! فقال الغلام: أما تحققتم أن الموت إذا حضر لا ينجو منه أحد؟ وإنما وفيت كي لا يقال: ذهب الوفاء من الناس. فقال أبو ذر: والله يا أمير المؤمنين لقد ضمنت هذا الغلام ولم أعرفه من أي قوم، ولا رأيته قبل ذلك اليوم، ولكن لما أعرض عمن حضر وقصدني وقال: هذا يضمنني ويكفلني. لم أستحسن رده، وأبت المروءة أن تخيب قصده؛ إذ ليس في إجابة القصد من بأس، كي لا يقال: ذهب الفضل من الناس. فعند ذلك قال الشابان: يا أمير المؤمنين، قد وهبنا لهذا الشاب دم أبينا؛ حيث بدل الوحشة بالإيناس، كي لا يقال: ذهب ms0990 المعروف من الناس. واستبشر الإمام بالعفو عن الغلام، وصدقه ووفائه بالذمام، واستكبر مروءة أبي ذر دون جلسائه، واستحسن اعتماد الشابين في اصطناع المعروف، وأثنى عليهما ثناء الشاكر، وتمثل بقول الشاعر: # من يصنع الخير بين الخلق يجز # به %~% لا يذهب الخير بين الله # والناس # ثم عرض عليهما أن يصرف إليهما دية أبيهما من بيت المال فقالا: إنما عفونا عنه ابتغاء وجه الله الكريم المتعال، ومن نيته كذا لا يتبع إحسانه منا ولا أذى. ### || حكاية المأمون والأهرام # ومما يحكى أن المأمون بن هارون الرشيد لما دخل مصر المحروسة أراد هدم الأهرام ليأخذ ما فيها، فلما حاول هدمها لم يقدر على ذلك، مع أنه اجتهد في هدمها وأنفق على ذلك أموالا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 398 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المأمون اجتهد في هدم الأهرام وأنفق على ذلك أموالا عظيمة، ولم يقدر على هدمها، وإنما فتح في أحدها طاقة صغيرة، ويقال: إن المأمون وجد في الطاقة التي فتحها من الأموال قدر الذي أنفقه على فتحها لا يزيد ولا ينقص، فتعجب المأمون من ذلك، ثم أخذ ما هناك ورجع عن تلك النية. والأهرام ثلاثة، وهي من عجائب الدنيا، لم يكن على وجه الأرض مثلها في إحكامها وإتقانها وعلوها، وذلك أنها مبنية بالصخور العظام، وكان البناءون الذين بنوها يثقبون الحجر من طرفيه ويجعلون فيه القضبان الحديد قائمة، ويثقبون الحجر الثاني وينزلونه فيه ويذيبون الرصاص ويجعلونه فوق القضيب بترتيب الهندسة، حتى إذا كمل بناؤها وصار ارتفاع كل هرم في الهواء مائة ذراع بالذراع المعهود في ذلك الوقت، وهي مربعة الأطراف من كل جانب، منحدرة الأعالي من أواخرها، مقدار الواحد منها ثلاثمائة ذراع. ويقول القدماء: إن في داخل الهرم الغربي ثلاثين مخزنا من حجارة الصوان، مملوءة بالجواهر النفيسة والأموال الجمة والتماثيل الغريبة، والآلات والأسحلة الفاخرة التي دهنت بالدهان المدبر بالحكمة، فلا تصدأ إلى يوم القيامة، وفيها الزجاج الذي ينطوي ولا ينكسر، وأصناف العقاقير المركبة والمياه المدبرة؛ وفي الهرم الثاني ms0991 أخبار الكهنة مكتوبة في ألواح من الصوان، لكل كاهن لوح من ألواح الحكمة، وموسوم في ذلك اللوح عجائب صناعته وأعماله، وفي الحيطان صور أشخاص كالأصنام تعمل بأيديها جميع الصناعات وهي قاعدة على المراتب، ولكل هرم منها خازن حارس عليها، وتلك الحراس يحفظونها على مر الزمان من طوارق الحدثان، وعجائب الأهرام حيرت أرباب البصائر والأبصار، وقد كثرت في وصفها الأشعار، ولم تحصل منه على طائل، فمن ذلك قول القائل: # همم الملوك إذا أرادوا ذكرها %~% من بعدهم فبألسن البنيان ~~أوما ترى الهرمين قد بقيا # ولم %~% يتغيرا بطوارق الحدثان # وقول الآخر: # انظر إلى الهرمين واسمع # منهما %~% ما يرويان عن الزمان الغابر ~~لو ينطقان لأخبرانا بالذي %~% فعل الزمان بأول وبآخر # وقول الآخر: # خليلي هل تحت السماء بناية %~% تضارع في إتقانها هرمي مصر ~~بناء يخاف الدهر منه وكل # من %~% على ظاهر الدنيا يخاف من # الدهر ~~تنزه طرفي في بديع بنائها %~% ولم يتنزه في المراد بها # فكري # وقول الآخر: # أين الذي الهرمان من # بنيانه %~% ما قومه ما يومه ما المصرع ~~تتخلف الآثار عن أصحابها %~% حينا ويدركها الممات فتصرع ### || حكاية اللص وتاجر القماش # ومما يحكى أن رجلا كان لصا وتاب إلى الله تعالى وحسنت توبته، وفتح له دكانا يبيع فيها القماش، ولم يزل على ذلك مدة من الزمان، فاتفق في بعض الأيام أنه أغلق دكانه ومضى إلى بيته، فجاء اللصوص المحتالين وتزيا بزي صاحب الدكان، وأخرج من كمه مفاتيح، وكان ذلك ليلا، وقال لحارس السوق: أشعل لي هذه الشمعة. فأخذها منه الحارس ومضى ليشعلها ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 399 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحارس أخذ منه الشمعة ومضى ليشعلها، ففتح اللص الدكان وأشعل شمعة أخرى كانت معه، فلما جاء الحارس وجده جالسا في الدكان ودفتر الحساب في يده، وهو ينظر إليه ويحسب بأصابعه، ولم يزل على تلك الحالة إلى وقت السحر، ثم قال للحارس: ائتني بجمال وجمله ليحمل لي بعض البضائع. فأتاه بجمال وجمله، فتناول أربع رزم من القماش ms0992 وناولها له، فحملها على الجمل، ثم أغلق الدكان وأعطى الحارس درهمين ومضى خلف الجمال والحارس معتقد أنه صاحب الدكان. فلما أصبح الصباح واتضح النهار، جاء صاحب الدكان فجعل الحارس يدعو له لأجل الدرهمين، فأنكر صاحب الدكان مقالته وتعجب منها، فلما فتح الدكان وجد سيلان الشمع ودفتر الحساب مطروحا، وتأمل في الدكان فوجد أربع رزم من القماش مفقودة، فقال للحارس: ما الخبر؟ فحكى له ما صنع بالليل ومقاولة الجمال على الرزم، فقال له: ائتني بالجمال الذي حمل القماش معك سحرا. فقال: سمعا وطاعة. ثم أتاه به فقال له: إلى أين حملت القماش سحرا؟ فقال له: إلى الموردة الفلانية، ووضعته في مركب فلان. فقال له: سر معي إليها. فمضى معه إليها وقال له: هذه المركب وهذا صاحبها. فقال للمراكبي: إلى أين حملت التاجر والقماش؟ فقال له: إلى المكان الفلاني، وأتاني بجمال فحمل القماش على جملة ومضى ولم أعرف إلى أين ذهب. فقال له: ائتني بالجمال الذي حمل من عندك القماش. فأتاه به فقال له: إلى أين حملت القماش من المركب مع التاجر؟ فقال: إلى موضع كذا. فقال له: سر معي إليه وأرني إياه. فمضى معه الجمال إلى مكان بعيد عن الشاطئ، وعرفه الخان الذي وضع فيه القماش، وأراه حاصل التاجر، فتقدم إلى الحاصل وفتحه، فوجد الأربع رزم القماش بحالها لم تنفك، فناولها إلى الجمال، وكان اللص قد وضع كساءه على القماش، فناوله صاحب القماش إلى الجمال أيضا، فحمل الجميع على الجمل ثم أغلق الحاصل وذهب مع الجمال، وإذا باللص واجهه، فتبعه إلى أن أنزل القماش في المركب، فقال له: يا أخي، أنت في وداعة الله وقد أخذت قماشك وما ضاع منه شيء، فأعطني الكساء. فضحك منه التاجر وأعطاه الكساء ولم يشوش عليه، وانصرف كل منهما إلى حال سبيله. ### || حكاية مسرور السياف وابن القاربي # ومما يحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد قلق ليلة من الليالي قلقا شديدا، فقال لوزيره جعفر بن يحيى البرمكي: إني أرقت في هذه الليلة وضاق صدري، ولم أعرف كيف ms0993 أصنع. وكان خادمه مسرور واقفا أمامه فضحك، فقال له الخليفة: ومم تضحك؟ أتضحك استخفافا بي أم جنونا منك؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 400 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن هارون الرشيد قال لمسرور السياف: أتضحك استخفافا بي أم جنونا منك؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، وحق قرابتك من سيد المرسلين، ما فعلت ذلك باختياري، ولكنني خرجت بالأمس أتمشى بظاهر القصر حتى وصلت إلى شاطئ الدجلة، فرأيت الناس مجتمعين فوقفت، فرأيت رجلا يضحك الناس يقال له ابن القاربي، فتذكرت الآن كلامه فغلب علي الضحك، وأطلب منك العفو يا أمير المؤمنين. فقال الخليفة: علي به في هذه الساعة. فخرج مسرور مسرعا إلى أن وصل إلى ابن القاربي وقال له: أجب أمير المؤمنين. فقال: سمعا وطاعة. فقال له مسرور: ولكن بشرط، أنك إذا دخلت عليه وأنعم عليك بشيء، يكون لك فيه الربع والبقية لي. فقال له ابن القاربي: بل لك النصف ولي النصف. فقال له مسرور: لا. فقال له ابن القاربي: لك الثلثان ولي الثلث. فأجابه مسرور إلى ذلك بعد جهد جهيد، ثم قام معه، فلما دخل على أمير المؤمنين حياه بتحية الخلافة ووقف بين يديه، فقال له أمير المؤمنين: إذا أنت لم تضحكني ضربتك بهذا الجراب ثلاث مرات. فقال ابن القاربي في نفسه: وما عسى أن تكون ثلاث ضربات بهذا الجراب، مع أن ضرب السياط لا يضرني. وظن أن الجراب فارغ، ثم تكلم بكلام يضحك المغتاظ وأتى بأنواع السخرية، فلم يضحك أمير المؤمنين ولم يتبسم، فتعجب ابن القاربي منه وضجر وخاف، فقال له أمير المؤمنين: الآن استحققت الضرب. ثم أخذ الجراب وضربه مرة، وكان فيه أربع زلطات، كل زلطة زنتها رطلان، فوقعت الضربة في رقبته فصرخ صرخة عظيمة، وتذكر الشرط الذي بينه وبين مسرور، فقال: العفو يا أمير المؤمنين، اسمع مني كلمتين. قال له: قل ما بدا لك. فقال: إن مسرور أشرط علي شرطا واتفقت معه عليه، وهو أن ms0994 ما حصل لي من إنعام أمير المؤمنين، يكون لي منه الثلث وله الثلثان، وما أجابني إلى ذلك إلا بعد جهد عظيم، فالآن لم تنعم علي إلا بالضرب، وهذه الضربة نصيبي والضربتان الباقيتان نصيبه، فأنا قد أخذت نصيبي، وها هو واقف يا أمير المؤمنين، فادفع له نصيبه. فلما سمع أمير المؤمنين كلامه ضحك حتى استلقى على قفاه، ودعا بمسرور فضربه ضربة فصاح وقال: يا أمير المؤمنين، يكفيني الثلث وأعطه الثلثين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 401 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مسرورا قال: يا أمير المؤمنين، يكفيني الثلث وأعطه الثلثين. فضحك عليهما وأمر لكل واحد منهما بألف دينار، وانصرفا مسرورين بما أنعم عليهما الخليفة. ### || حكاية هارون الرشيد وابنه # يحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان له ولد قد بلغ من العمر ستة عشر عاما، وكان معرضا عن الدنيا، وسالكا طريقة الزهاد والعباد، فكان يخرج إلى المقابر ويقول: قد كنتم تملكون الدنيا فما ذلك بمنجيكم، وقد صرتم إلى قبوركم، فيا ليت شعري ما قلتم وما قيل لكم؟ ويبكي بكاء الخائف الواجل، وينشد قول القائل: # تروعني الجنائز كل وقت %~% ويحزنني بكاء النائحات # فاتفق أن أباه مر عليه في بعض الأيام وهو في موكبه، وحوله وزراؤه وكبراء دولته وأهل مملكته، فرأوا ولد أمير المؤمنين وعلى جسده جبة من صوف، وعلى رأسه مئزر من صوف، فقال بعضهم لبعض: لقد فضح هذا الولد أمير المؤمنين بين الملوك، فلو عاتبه لرجع عما هو فيه. فسمع أمير المؤمنين كلامهم فكلمه في ذلك وقال له: يا بني، لقد فضحتني بما أنت عليه. فنظر إليه ولم يجبه، ثم نظر إلى طائر على شرفة من شرفات القصر، فقال له: أيها الطائر، بحق الذي خلقك أن تسقط على يدي. فانقض الطائر على يد الغلام، ثم قال له: ارجع إلى موضعك. فرجع إلى موضعه، ثم قال له: اسقط على يد أمير المؤمنين. فأبى أن يسقط على يده، فقال الغلام لأبيه أمير المؤمنين: أنت الذي فضحتني بين الأولياء ms0995 بحبك الدنيا، وقد عزمت على مفارقتك مفارقة لا أعود إليك بعدها إلا في الآخرة. ثم انحدر إلى البصرة فكان يعمل مع الفعلة في الطين، وكان لا يعمل في كل يوم إلا بدرهم ودانق، فيتقوت بالدانق ويتصدق بالدرهم. # قال أبو عامر البصري: وكان قد وقع في داري حائط فخرجت إلى موقف الفعلة لأنظر رجلا يعمل لي فيه، فوقعت عيني على شاب مليح ذي وجه صبيح، فجئت إليه وسلمت عليه وقلت له: يا حبيبي، أتريد الخدمة؟ فقال: نعم. فقلت: قم معي إلى بناء حائط. فقال لي: بشروط أشترطها عليك. قلت: يا حبيبي، ما هي؟ قال: الأجرة درهم ودانق، وإذا أذن المؤذن تتركني حتى أصلي مع الجماعة. قلت: نعم. ثم أخذته وذهبت به إلى المنزل فخدم خدمة لم أر مثلها، وذكرت له الغداء فقال: لا. فعلمت أنه صائم، فلما سمع الأذان قال لي: قد علمت الشرط. فقلت: نعم. فحل حزامه وتفرغ للوضوء، فتوضأ وضوءا لم أر أحسن منه، ثم خرج إلى الصلاة فصلى مع الجماعة، ثم رجع إلى خدمته، فلما أذن العصر توضأ وذهب إلى الصلاة، ثم عاد إلى الخدمة، فقلت له: يا حبيبي، قد انتهى وقت الخدمة، فإن خدمة الفعلة إلى العصر. فقال: سبحان الله، إنما خدمتي إلى الليل. ولم يزل يخدم إلى الليل فأعطيته درهمين، فلما رآهما قال: ما هذا؟ قلت: والله إن هذا بعض أجرتك لاجتهادك في خدمتي. فرمى بهما إلي وقال: لا أريد زيادة على ما كان بيني وبينك. فرغبته فلم أقدر عليه، فأعطيته درهما ودانقا وسار. # فلما أصبح الصباح بكرت إلى الموقف فلم أجده، فسألت عنه فقيل لي: إنه لا يأتي ها هنا إلا في يوم السبت فقط. فلما كان يوم السبت الثاني ذهبت إلى ذلك المكان فوجدته، فقلت له: باسم الله تفضل إلى الخدمة. فقال لي: على الشروط التي تعلمها. قلت: نعم. فذهبت به إلى داري ووقفت أنظره وهو لا يراني، فأخذ كفا من الطين ووضعه على الحائط، فإذا الحجارة يتركب بعضها على بعض، فقلت: هكذا أولياء ms0996 الله. فخدم يومه ذلك، وزاد فيه على ما تقدم، فلما كان الليل دفعت له أجرته فأخذها وسار. فلما جاء يوم السبت الثالث أتيت إلى الموقف فلم أجده، فسألت عنه فقيل لي: هو مريض وراقد في خيمة فلانة. وكانت تلك المرأة عجوزا مشهورة بالصلاح، ولها خيمة من قصب في الجبانة، فسرت إلى الخيمة ودخلتها، فإذا هو مضطجع على الأرض، وليس تحته شيء، وقد وضع رأسه على لبنة، ووجهه يتهلل نورا، فسلمت عليه فرد علي السلام، فجلست عند رأسه أبكي على صغر سنه وغربته، وتوفيقه لطاعة ربه، ثم قلت له: ألك حاجة؟ قال: نعم. قلت: وما هي؟ قال: إذا كان الغد تجيء إلي في وقت الضحى فتجدني ميتا، فتغسلني وتحفر قبري، ولا تعلم بذلك أحدا، وتكفنني في هذه الجبة التي علي بعد أن تفتقها، وتفتش جيبها وتخرج ما فيه وتحفظه عندك، فإذا صليت علي وواريتني في التراب فاذهب إلى بغداد، وارتقب الخليفة هارون الرشيد حتى يخرج، وادفع له ما تجده في جيبي، وأقرئه مني السلام. ثم تشهد وأثنى على ربه بأبلغ الكلمات، وأنشد هذه الأبيات: # بلغ أمانة من وافت # منيته %~% إلى الرشيد فإن الأجر في # ذاك ~~وقل غريب له شوق # لرؤيتكم %~% على تمادي الهوى والبعد # لباك ~~ما صده عنك بغض لا ولا # ملل %~% لأن قريته من لثم # يمناك ~~وإنما أبعدته عنك يا # أبتي %~% نفس لها عفة عن نيل # دنياك # ثم إن الغلام بعد ذلك اشتغل بالاستغفار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 402 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام بعد ذلك اشتغل بالاستغفار، والصلاة والسلام على سيد الأبرار، وتلاوة بعض الآيات، ثم أنشد هذه الأبيات: # يا والدي لا تغترر بتنعم %~% فالعمر ينفد والنعيم يزول ~~وإذا علمت بحال قوم ساءهم %~% فاعلم بأنك عنهم مسئول ~~وإذا حملت إلى القبور جنازة %~% فاعلم بأنك بعدها محمول # قال أبو عامر البصري: فلما فرغ الغلام من وصيته وإنشاده، ذهبت عنه وتوجهت إلى بيتي. فلما أصبح الصباح ذهبت إليه من الغد وقت الضحى فوجدته ms0997 قد مات رحمة الله عليه، فغسلته وفتقت جبته، فوجدت في جيبها ياقوتة تساوي آلافا من الدنانير، فقلت في نفسي: والله إن هذا الفتى زهد في الدنيا غاية الزهد. ثم بعد أن دفنته توجهت إلى بغداد، ووصلت إلى دار الخلافة، وصرت أترقب خروج الرشيد إلى أن خرج، فتعرضت له في بعض الطرق، ودفعت إليه الياقوتة، فلما رآها عرفها فخر مغشيا عليه، فقبض علي الخدمة، فلما أفاق قال للخدمة: أفرجوا عنه وأرسلوه برفق إلى القصر. ففعلوا ما أمرهم به، فلما دخل قصره طلبني وأدخلني محله، وقال لي: ما فعل صاحب هذه الياقوتة؟ فقلت له: قد مات. ووصفت له حاله، فجعل يبكي ويقول: انتفع الولد، وخاب الوالد. ثم نادى: يا فلانة. فخرجت امرأة، فلما رأتني أرادت أن ترجع فقال لها: تعالي، وما عليك منه. فدخلت وسلمت، فرمى إليها الياقوتة، فلما رأتها صرخت صرخة عظيمة، ووقعت مغشيا عليها. فلما أفاقت من غشيتها قالت: يا أمير المؤمنين، ما فعل الله بولدي؟ فقال لي: أخبرها بشأنه. وأخذته العبرة. فأخبرتها بشأنه فجعلت تبكي وتقول بصوت ضعيف: ما أشوقني إلى لقائك يا قرة عيني! ليتني كنت أسقيك إذا لم تجد ساقيا! ليتني كنت أؤانسك إذا لم تجد مؤانسا! ثم سكبت العبرات، وأنشدت هذه الأبيات: # أبكي غريبا أتاه الموت # منفردا %~% لم يلق إلفا له يشكو الذي # وجدا ~~من بعد عز وشمل كان # مجتمعا %~% أضحى فريدا وحيدا لا يرى أحدا ~~يبين للناس ما الأيام # تضمره %~% لم يترك الموت منا واحدا # أبدا ~~يا غائبا قد قضى ربي بغربته %~% وصار مني بعد القرب # مبتعدا ~~إن أيأس الموت من لقياك يا # ولدي %~% فإننا نلتقي يوم الحساب # غدا # فقلت: يا أمير المؤمنين، أهو ولدك؟ قال: نعم، وقد كان قبل ولايتي هذا الأمر يزور العلماء ويجالس الصالحين، فلما وليت هذا الأمر نفر مني، وباعد نفسه عني، فقلت لأمه: إن هذا الولد منقطع إلى الله تعالى، وربما تصيبه الشدائد ويكابد بالامتحان، فادفعي إليه هذه الياقوتة ليجدها وقت الاحتياج إليها. فدفعتها إليه وعزمت عليه أن يمسكها، فامتثل ms0998 أمرها وأخذها منها، ثم ترك لنا دنيانا وغاب عنا، ولم يزل غائبا حتى لقي الله - عز وجل - تقيا نقيا. ثم قال: قم فأرني قبره. فخرجت معه وجعلت أسير إلى أن أريته إياه، فجعل يبكي وينتحب حتى وقع مغشيا عليه. فلما أفاق من غشيته استغفر الله وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ودعا له بخير، ثم سألني الصحبة، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن لي في ولدك أعظم العظات. ثم أنشدت هذه الأبيات: # أنا الغريب فلا آوي إلى أحد %~% أنا الغريب وإن أمسيت في # بلدي ~~أنا الغريب فلا أهل ولا ولد %~% وليس لي أحد يأوي إلى أحد ~~إلى المساجد آوي بل وأعمرها %~% فما يفارقها قلبي مدى الأبد ~~فالحمد لله رب العالمين على %~% أفضاله ببقاء الروح في # الجسد ### || حكاية الفقيه والصبيان # ومما يحكى عن بعض الفضلاء أنه قال: مررت بفقيه في كتاب وهو يقرئ الصبيان، فوجدته في هيئة حسنة، وقماش مليح، فأقبلت عليه فقام إلي وأجلسني معه؛ فمارسته في القرآن والنحو والشعر واللغة، فإذا هو كامل في كل ما يراد منه، فقلت له: قوى الله عزمك، فإنك عارف بكل ما يراد منك. ثم عاشرته مدة، وكل يوم يظهر لي فيه حسن، فقلت في نفسي: إن هذا شيء عجيب من فقيه يعلم الصبيان، مع أن العقلاء اتفقوا على نقص عقل معلم الصبيان. ثم فارقته، وكنت كل أيام قلائل أتفقده وأزوره، فأتيت إليه في بعض الأيام على عادتي من زيارته، فوجدت الكتاب مغلوقا فسألت جيرانه فقالوا: إنه مات عنده ميت. فقلت في نفسي: وجب علينا أن نعزيه. فجئت إلى بابه وطرقته، فخرجت لي جارية وقالت: ما تريد؟ فقلت: أريد مولاك. فقالت: إن مولاي قاعد في العزاء وحده. فقلت لها: قولي له إن صديقك فلانا يطلب أن يعزيك. فراحت وأخبرته، فقال لها: دعيه يدخل. فأذنت لي في الدخول، فدخلت إليه فرأيته جالسا وحده ومعصبا رأسه، فقلت له: عظم الله أجرك، وهذا سبيل لا بد لكل أحد منه، فعليك بالصبر. ثم قلت له: من الذي مات ms0999 لك؟ فقال: أعز الناس علي، وأحبهم إلي. فقلت: لعله والدك. فقال: لا. قلت: والدتك. قال: لا. قلت: أخوك. قال: لا. قلت: أحد من أقاربك. قال: لا. قلت: فما نسبته إليك؟ قال: حبيبتي. فقلت في نفسي: هذا أول المباحث في قلة عقله. ثم قلت له: قد يوجد غيرها مما هو أحسن منها. فقال: أنا ما رأيتها حتى أعرف إن كان غيرها أحسن منها أم لا. فقلت في نفسي: وهذا مبحث ثان. فقلت له: وكيف عشقت من لا تراها؟ فقال: اعلم أني كنت جالسا في الطاقة، وإذا برجل عابر طريق يغني بهذا البيت: # يا أم عمرو جزاك الله # مكرمة %~% ردي علي فؤادي كالذي # كانا # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 403 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الفقيه قال: لما غنى الرجل المار في الطريق بالشعر الذي سمعته منه، قلت في نفسي: لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيا مثلها، ما كان الشعراء يتغزلون فيها. فتعلقت بحبها، فلما كان بعد يومين عبر ذلك الرجل وهو ينشد هذا البيت: # إذا ذهب الحمار بأم عمرو %~% فلا رجعت ولا رجع الحمار # فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها، ومضى لي ثلاثة أيام وأنا في العزاء. فتركته وانصرفت بعدما تحققت قلة عقله. # ومما يحكى من قلة عقل معلم الصبيان، أنه كان رجل فقيه في مكتب فدخل عليه رجل ظريف، وجلس عنده ومارسه، فرآه فقيها نحويا لغويا شاعرا أديبا فهيما لطيفا، فتعجب من ذلك وقال: إن الذين يعلمون الصبيان في المكاتب ليس لهم عقل كامل. فلما هم بالانصراف من عند الفقيه قال له: أنت ضيفي في هذه الليلة. فأجابه إلى الضيافة، وتوجه صحبته إلى منزله، فأكرمه وأتى له بالطعام، فأكلا وشربا، ثم جلسا بعد ذلك يتحدثان إلى ثلث الليل، وبعد ذلك جهز له الفراش وطلع إلى حريمه. فاضطجع الضيف وأراد النوم، وإذا بصراخ كثير ثار في حريمه، فسأل: ما الخبر؟ فقالوا له: إن الشيخ حصل له أمر عظيم، وهو في آخر رمق. فقال: طلعوني ms1000 له. فطلعوه له، ودخل عليه فرآه مغشيا عليه ودمه سائل، فرش الماء على وجهه فلما أفاق قال له: ما هذا الحال؟ أنت طلعت من عندي في غاية ما يكون من الحظ وأنت صحيح البدن، فما أصابك؟ فقال له: يا أخي، إني بعدما طلعت من عندك جلست أتذكر في مصنوعات الله تعالى، وقلت في نفسي: كل شيء خلقه الله للإنسان فيه نفع؛ لأن الله سبحانه خلق اليدين للبطش، والرجلين للمشي، والعينين للنظر، والأذنين للسماع، والذكر للجماع ... وهلم جرا، إلا هاتين البيضتين ليس لهما نفع، فأخذت موسى كان عندي وقطعتهما فحصل لي هذا الأمر. فنزل من عنده وقال: صدق من قال: إن كل فقيه يعلم الصبيان ليس له عقل كامل، ولو كان يعرف جميع العلوم. # وحكي أيضا أن أحد المجاورين كان لا يعرف الخط ولا القراءة، وإنما كان يحتال على الناس بحيل يأكل منها الخبز، فخطر بباله يوما من الأيام أنه يفتح له مكتبا ويقرئ فيه الصبيان؛ فجمع ألواحا وأوراقا مكتوبة، وعلقها في مكان، وكبر عمامته، وجلس على باب المكتب؛ فصار الناس يمرون عليه وينظرون إلى عمامته، وإلى الألواح والأوراق فيظنون أنه فقيه جيد، فيأتون إليه بأولادهم؛ فصار يقول لهذا اكتب، ولهذا اقرأ؛ فصار الأولاد يعلم بعضهم بعضا. فبينما هو ذات يوم جالس على باب المكتب على عادته، وإذا بامرأة مقبلة من بعيد وبيدها مكتوب، فقال في باله: لا بد أن هذه المرأة تقصدني لأقرأ لها المكتوب الذي معها، فكيف يكون عملي معها وأنا لا أعرف قراءة الخط؟ وهم بالنزول ليهرب منها فلحقته قبل أن ينزل، وقالت له: إلى أين؟ فقال لها: أريد أن أصلي الظهر وأعود. فقالت له: الظهر بعيد، فاقرأ لي هذا الكتاب. فأخذه منها وجعل أعلاه أسفله، وصار ينظر إليه، ويهز عمامته تارة، ويرقص حواجبه تارة أخرى، ويظهر غيظا، وكان زوج المرأة غائبا، والكتاب مرسل إليها من عنده، فلما رأت الفقيه على تلك الحالة قالت في نفسها: لا شك أن زوجي مات، وهذا الفقيه يستحي أن يقول لي إنه ms1001 مات. فقالت له: يا سيدي، إن كان مات فقل لي. فهز رأسه وسكت، فقالت له المرأة: هل أشق ثيابي؟ فقال لها: شقي. فقالت له: هل ألطم على وجهي؟ فقال لها: الطمي. فأخذت الكتاب من يده وعادت إلى منزلها، وصارت تبكي هي وأولادها، فسمع بعض جيرانها البكاء فسألوا عن حالها فقيل لهم: إنه جاءها كتاب بموت زوجها. فقال الرجل: إن هذا كلام كذب؛ لأن زوجها أرسل لي مكتوبا بالأمس يخبر فيه أنه طيب بخير وعافية، وأنه بعد عشرة أيام يكون عندها. فقام من ساعته وجاء إلى المرأة وقال لها: أين الكتاب الذي جاءك؟ فجاءت به إليه، فأخذه منها وقرأه، وإذا فيه: أما بعد، فإني طيب بخير وعافية، وبعد عشرة أيام أكون عندكم، وقد أرسلت إليكم ملحفة ومكمرة. فأخذت الكتاب وعادت به إلى الفقيه، وقالت له: ما حملك على الذي فعلته معي؟ وأخبرته بما قاله جارها من سلامة زوجها، وأنه أرسل إليها ملحفة ومكمرة، فقال لها: لقد صدقت، ولكن يا حرمة اعذريني؛ فإني كنت في تلك الساعة مغتاظا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 404 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المرأة قالت للفقيه: ما حملك على الذي فعلته معي؟ فقال لها: إني كنت في تلك الساعة مغتاظا مشغول الخاطر، ورأيت المكمرة ملفوفة في الملحفة، فظننت أنه مات وكفنوه. وكانت المرأة لا تعرف الحيلة، فقالت له: أنت معذور. وأخذت الكتاب منه وانصرفت. # ![fig11](../Images/figure11.png) # فخطر بباله يوما من الأيام أنه يفتح له مكتبا، ويقرئ فيه الصبيان. ### || حكاية ملك خرج متخفيا # وحكي أن ملكا من الملوك خرج مستخفيا ليطلع على أحوال رعيته، فوصل إلى قرية عظيمة فدخلها منفردا، وقد عطش، فوقف بباب دار من دور القرية وطلب ماء، فخرجت إليه امرأة جميلة بكوز ماء فناولته إياه فشرب، فلما نظر إليها افتتن بها فراودها عن نفسها، وكانت المرأة عارفة به، فدخلت به بيتها وأجلسته، وأخرجت له كتابا وقالت: انظر في هذا الكتاب إلى أن أصلح أمري وأرجع إليك. فجلس يطالع في الكتاب ms1002 وإذا فيه الزجر عن الزنا، وما أعده الله لأهله من العذاب؛ فاقشعر جلده وتاب الى الله، وصاح بالمرأة وأعطاها الكتاب وذهب. وكان زوج المرأة غائبا، فلما حضر أخبرته بالخبر فتحير، وقال في نفسه: أخاف أن يكون وقع غرض الملك فيها. فلم يتجاسر على وطئها بعد ذلك، ومكث على ذلك مدة، فأعلمت المرأة أقاربها بما حصل لها مع زوجها، فرفعوه إلى الملك، فلما مثلوا بين يديه قال أقارب المرأة: أعز الله الملك، إن هذا الرجل استأجر منا أرضا للزراعة فزرعها مدة، ثم عطلها فلا هو يتركها حتى نؤاجرها لمن يزرعها، ولا هو يزرعها، وقد حصل الضرر للأرض فنخاف فسادها بسبب التعطيل؛ لأن الأرض إذا لم تزرع فسدت. فقال الملك: ما الذي يمنعك من زرع أرضك؟ فقال: أعز الله الملك، إنه قد بلغني أن الأسد قد دخل الأرض فهبته ولم أقدر على الدنو منها، لعلمي أنه لا طاقة لي بالأسد، وأخاف منه. ففهم الملك القصة وقال له: يا هذا، إن أرضك لم يطأها الأسد، وأرضك طيبة الزرع فازرعها بارك الله لك فيها، فإن الأسد لا يعدو عليها. ثم أمر له ولزوجته بصلة حسنة وصرفهم. ### || حكاية عبد الرحمن المغربي وفرخ الرخ # ومما يحكى أن رجلا من أهل المغرب كان سافر الأقطار، وجاب القفار والبحار، فألقته المقادير في جزيرة وأقام فيها مدة طويلة، ثم رجع إلى بلده ومعه قصبة ريشة من جناح فرخ الرخ وهو في البيضة ولم يخرج منها إلى الوجود، وكانت تلك القصبة تسع قربة ماء، وقيل إن طول جناح فرخ الرخ حين خروجه من البيضة ألف باع، وكان الناس يتعجبون من تلك القصبة حين رأوها، وكان هذا الرجل اسمه عبد الرحمن المغربي، واشتهر بالصيني لكثرة إقامته هناك، وكان يحدث بالعجائب، منها ما ذكره من أنه سافر في بحر الصين ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 405 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الرحمن المغربي الصيني كان يحدث بالعجائب، منها ما ذكره من أنه سافر في بحر ms1003 الصين مع جماعة، فرأوا جزيرة على بعد، فرست بهم المركب على تلك الجزيرة فرأوها عظيمة واسعة، فخرج إليها أهل تلك السفينة ليأخذوا ماء وحطبا، ومعهم الفئوس والحبال والقرب وذلك الرجل معهم، فرأوا في الجزيرة قبة عظيمة بيضاء لماعة طولها مائة ذراع، فلما رأوها قصدوها ودنوا منها فوجدوها بيضة الرخ، فجعلوا يضربونها بالفئوس والحجارة والخشب حتى انشقت عن فرخ الرخ، فوجدوه كالجبل الشامخ، فنتفوا ريشه من جناحه ولم يقدروا على نتفها منه إلا بتعاونهم، مع أنه لم يتكامل خلف الريش في ذلك الفرخ، ثم أخذوا ما قدروا عليه من لحم الفرخ وحملوه معهم، وقطعوا أصل الريشة من حد القصبة وحلوا قلوع المركب، وسافروا طول الليل إلى طلوع الشمس، وكانت الريح مسعفة لتلك السفينة وهي سائرة بهم، فبينما هم كذلك إذ أقبل الرخ كالسحابة العظيمة، وفي رجليه صخرة كالجبل العظيم أكبر من السفينة، فلما حاذى السفينة وهو في الجو ألقى الصخرة عليها وعلى من بها من الناس، وكانت السفينة مسرعة في الجري فسبقت فوقعت الصخرة في البحر، وكان لوقوعها هول عظيم، وكتب الله لهم السلامة ونجاهم من الهلاك، وطبخوا ذلك اللحم وأكلوه، وكان فيهم مشايخ بيض اللحى، فلما أصبحوا وجدوا لحاهم قد اسودت ولم يشب بعد ذلك أحد من القوم الذين أكلوا من ذلك اللحم، وكانوا يقولون: إن سبب عود شبابهم إليهم وامتناع المشيب عنهم، أن العود الذي حركوا به القدر كان من شجرة النشاب، وبعضهم يقول: سبب ذلك لحم فرخ الرخ. وهذا من أعجب العجب. ### || حكاية عدي بن زيد والأميرة هند # ومما يحكى أن النعمان بن المنذر ملك العرب كان له بنت تسمى هندا، وقد خرجت في يوم الفصح وهو عيد النصارى لتتقرب في البيعة البيضاء، ولها من العمر أحد عشر عاما، وكانت أجمل بنات عصرها وزمانها، وفي ذلك اليوم كان عدي بن زيد قد قدم إلى الحيرة من عند كسرى بهدية إلى النعمان، فدخل البيعة البيضاء ليتقرب، وكان مديد القامة، حلو الشمائل، حسن العينين، نقي الخد، ومعه جماعة من قومه، ms1004 وكان مع هند بنت النعمان جارية تسمى مارية، وكانت مارية تعشق عديا، ولكنها لا يمكنها الوصول إليه، فلما رأته في البيعة قالت لهند: انظري إلى هذا الفتى، فهو والله أحسن من كل من تزين. قالت هند: ومن هو؟ قالت: عدي بن زيد. قالت هند بنت النعمان: أخاف أن يعرفني إن دنوت منه حتى أراه من قريب. قالت مارية: ومن أين يعرفك وما رآك قط؟ فدنت منه وهو يمازح الفتيان الذين معه، وقد برع عليهم بجماله وحسن كلامه وفصاحة لسانه، وما عليه من الثياب الفاخرة، فلما نظرت إليه افتتنت به واندهش عقلها وتغير لونها، فلما عرفت مارية ميلها إليه، قالت لها: كلميه. فكلمته وانصرفت، فلما نظر إليها وسمع كلامها افتتن بها، واندهش عقله، وارتجف قلبه، وتغير لونه، حتى أنكر عليه الفتيان، فأسر إلى بعضهم أن يتبعها ويكشف له خبرها، فمضى خلفها ثم عاد إليه وأخبره أنها هند بنت النعمان، فخرج من البيعة وهو لا يدري أين الطريق من شدة عشقه، ثم أنشد هذين البيتين: # يا خليلي زدتما تيسيرا %~% إن تؤما إلى البقاع مسيرا ~~عرجا لي على ديار لهند %~% ثم روحا وخبرا تخبيرا # فلما فرغ من شعره ذهب إلى مكانه، وبات ليلته قلقا لم يذق طعم النوم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 406 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عديا لما فرغ من شعره ذهب إلى بيته وبات ليلته قلقا لم يذق النوم، فلما أصبح تعرضت له مارية، فلما رآها هش لها وكان قبل ذلك لا يلتفت إليها، ثم قال لها: ما مرادك؟ قالت: إن لي حاجة إليك. قال: اذكريها، فوالله لا تسأليني شيئا إلا أعطيتك إياه. فأخبرته أنها تهواه وأن حاجتها إليه الخلوة، فسمح لها بذلك بشرط أن تحتال في هند وتجمع بينها وبينه، وأدخلها حانوت خمار في بعض دروب الحيرة وواقعها، ثم خرجت وأتت هند فقالت لها: أما تشتهين أن تري عديا؟ قالت: وكيف لي بذلك، وقد أقلقني الشوق إليه، ولا يقر لي قرار من ms1005 البارحة؟ فقالت: أنا أعده بمكان كذا أو كذا، وتنظرين إليه من القصر. فقالت هند: افعلي ما شئت. واتفقت معها على ذلك الموضع، فأتى عدي فأشرفت عليه، فلما رأته كادت أن تسقط من أعلاه، ثم قالت: يا مارية، إن لم تدخليه علي في هذه الليلة هلكت. ثم وقعت مغشيا عليها، فحملنها وصائفها وأدخلنها القصر، فبادرت مارية إلى النعمان وأخبرته بخبرها وأصدقته الحديث، وذكرت له: إنها هامت بعدي. وأعلمته أنه إن لم يزوجها به افتضحت وماتت من عشقه، ويكون ذلك عارا عليه بين العرب، وأنه لا حيلة في ذلك الأمر إلا تزويجها به؛ فأطرق النعمان ساعة يفكر في أمرها، واسترجع مرارا ثم قال: ويلك، وكيف الحيلة في تزويجها به، وأنا لا أحب أن أبتدئه بذلك الكلام؟ فقالت: هو أشد عشقا منها وأكثر رغبة فيها، فأنا أحتال في ذلك من حيث لا يعلم أنك عرفت أمره، ولا تفضح نفسك أيها الملك. ثم إنها ذهبت إلى عدي وأخبرته وقالت له: اصنع طعاما ثم ادع الملك إليه، فإذا أخذ منه الشراب فأخطبها منه، فإنه غير رادك. فقال: أخشى أن يغضبه ذلك فيكون سببا للعداوة بيننا. فقالت له: ما جئتك إلا بعدما فرغت من الحديث معه. وبعد ذلك رجعت إلى النعمان وقالت له: أطلب منه أن يضيفك في بيته. فقال لها: لا بأس. ثم إن النعمان بعد ذلك بثلاثة أيام سأله أن يتغدى عنده أصحابه، فأجابه إلى ذلك، ثم ذهب إليه النعمان فلما أخذ منه الشراب مأخذه، قام عدي فخطبها منه، فأجابه وزوجه إياها وضمها إليه بعد ثلاثة أيام، فمكثت عنده ثلاث سنين وهما في أرغد عيش وأهناه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 407 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عديا مكث مع هند بنت النعمان بن المنذر ثلاث سنين وهما في أرغد عيش وأهناه، ثم إن النعمان بعد ذلك غضب على عدي وقتله، فوجدت عليه هند وجدا عظيما، ثم إنها بنت لها ديرا في ظاهر الحيرة وترهبت فيه وجلست تندبه ms1006 وتبكيه حتى ماتت، وديرها معروف إلى الآن في ظاهر الحيرة. ### || حكاية دعبل الخزاعي والجارية وابن الوليد # ومما يحكى أن دعبل الخزاعي قال: كنت جالسا بباب الكرخ إذ مرت بي جارية لم أر أحسن منها ولا أعدل قدا، وهي تنثني في مشيتها وتسبي الناظرين بتثنيها، فلما وقع بصري عليها افتتنت بها وارتجف فؤادي، وآنست أنه قد طار قلبي من صدري، فأنشدت معرضا لها هذا البيت: # دموع عيني بها انفضاض %~% ونوم جفني به انقباض # فنظرت إلي واستدارت بوجهها، وأجابتني بسرعة بهذا البيت: # وذا قليل لمن دعته %~% بلحظها الأعين المراض # فأدهشتني بسرعة جوابها وحسن منطقها، فأنشدتها ثانيا هذا البيت: # فهل لمولاي عطف قلب %~% على الذي دمعه مفاض # فأجابتني بسرعة من غير توقف بهذا البيت: # إن كنت تهوى الوداد منا %~% فالود ما بيننا قراض # فما دخل في أذني قط أحلى من كلامها، ولا رأيت أبهج من وجهها، فعدلت بالشعر عن القافية امتحانا لها وعجبا بكلامها، فقلت لها هذا البيت: # أترى الزمان يسرنا بتلاق %~% ويضم مشتاقا إلى مشتاق # فتبسمت فما رأيت أحسن من فمها، ولا أحلى من ثغرها، وأجابتني بسرعة من غير توقف بهذا البيت: # ما للزمان وللتحكم # بيننا %~% أنت الزمان فسرنا بتلاق # فنهضت مسرعا وصرت أقبل يديها، وقلت لها: ما كنت أظن أن الزمان يسمح لي بمثل هذه الفرصة، فاتبعي أثري غير مأمورة ولا مستكرهة، بل بفضل منك تعطفا علي، ثم وليت وهي خلفي، ولم يكن إلي في ذلك الوقت منزل أرضاه لمثلها، وكان مسلم بن الوليد صديقا لي وله منزل حسن فقصدته، فلما قرعت عليه الباب خرج إلي فسلمت عليه وقلت: لمثل هذا الوقت تدخر الإخوان. فقال: حبا وكرامة، ادخل. فدخلنا فصادفنا عنده عسرة، فدفع لي منديلا وقال: اذهب به إلى السوق وبعه وخذ ما تحتاج إليه من طعام وغيره. فمضيت مسرعا إلى السوق وبعته وأخذت ما نحتاج إليه من طعام وغيره، ثم رجعت فرأيت مسلما قد خلا بها في سرداب، فلما أحس بي وثب إلي وقال لي: كافاك الله يا أبا علي ms1007 على جميل ما صنعت معي، ولقاك ثوابه وجعله حسنة في حسناتك يوم القيامة. ثم تناول مني الطعام والشراب، وأغلق الباب في وجهي، فغاظني قوله ولم أدر ما أصنع وهو قائم خلف الباب يهتز سرورا، فلما رآني على تلك الحالة قال: بحياتي يا أبا علي، من الذي أنشأ هذا البيت: # بت في درعها وبات رفيقي %~% جنب القلب طاهر الأطراف # فاشتد غيظي منه وقلت: هو منشئ هذا البيت: # من له في حزامه ألف قرن %~% قد أنافت على علو مناف # ثم جعلت أشتمه وأسبه على قبيح فعله وقلة مروءته، وهو ساكت لا يتكلم، فلما فرغت من سبي له، تبسم وقال: ويلك يا أحمق، إنما دخلت منزلي وبعت منديلي وأنفقت دراهمي، فعلى من تغضب يا قواد؟ ثم تركني وانصرف إليها، فقلت له: أما والله لقد صدقت في نسبتي إلى الحماقة والقوادة. وانصرفت عن بابه وأنا في هم شديد أجد أثره في قلبي إلى يومي هذا، ولم أظفر بها ولا سمعت لها خبرا. ### || حكاية إسحاق الموصلي والمغني # ومما يحكى أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: اتفق أنني ضجرت من ملازمة دار الخليفة والخدمة بها، فركبت وخرجت بكرة النهار، وعزمت على أن أطوف الصحراء وأتفرج، وقلت لغلماني: إذا جاء رسول الخليفة أو غيره فعرفوه أنني بكرت في بعض مهماتي، وأنكم لا تعرفون أين ذهبت. ثم مضيت وحدي وطفت في المدينة، وقد حمي النهار فوقفت في شارع يعرف بالحرم ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 408 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: لما حمي النهار وقفت في شارع يعرف بالحرم لأستظل من حر الشمس، وكان للدار جناح رحب بارز على الطريق، فلم ألبث حتى جاء خادم أسود يقود حمارا، فرأيت عليه جارية راكبة، وتحتها منديل مكلل بالجواهر، وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية بعده، ورأيت لها قواما حسنا، وطرفا فاترا، وشمائل ظريفة، فسألت عنها بعض المارين فقال لي: إنها مغنية. وقد تعلق بحبها قلبي عند نظري إليها، ms1008 وما قدرت أن أستقر على ظهر دابتي، ثم إنها دخلت الدار التي كنت واقفا على بابها، فجعلت أتفكر في حيلة أتوصل بها إليها. فبينما أنا واقف إذ أقبل رجلان شابان جميلان فاستأذنا فأذن لهما صاحب الدار، فنزلا ونزلت معهما، ودخلت صحبتهما، فظنا أن صاحب الدار دعاني، فجلسنا ساعة فأتى بالطعام فأكلنا، ثم وضع الشراب بين أيدينا، ثم خرجت الجارية وفي يدها عود فغنت وشربنا، وقمت لأقضي حاجة، فسأل صاحب المنزل الرجلين عني فأخبراه أنهما لا يعرفاني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ظريف فأجملوا عشرته. ثم جئت فجلست في مكاني، فغنت الجارية بلحن لطيف، وأنشدت هذين البيتين: # قل للغزالة وهي غير غزالة %~% والجؤذر المكحول غير # الجؤذر ~~لمذكر الخلوات غير مؤنث %~% ومؤنث الخطوات غير مذكر # فأدته أداء حسنا، وشرب القوم وأعجبهم ذلك. ثم غنت طرقا شتى بألحان غريبة، وغنت من جملتها طريقة هي لي، وأنشدت هذين البيتين: # الطلول الدوارس %~% فارقتها الأوانس ~~أوحشت بعد أنسها %~% فهي قفراء طامس # فكان أمرها أصلح فيها من الأولى. ثم غنت طرقا شتى بألحان غريبة من القديم والحديث، وغنت في أثنائها طريقة هي لي بهذين البيتين: # قل لمن صد عاتبا %~% ونأى عنك جانبا ~~قد بلغت الذي بلغ %~% ت وإن كنت لاعبا # فاستعدته منها لأصححه لها، فأقبل علي أحد الرجلين وقال: ما رأينا طفيليا أصفق وجها منك، أما ترضى بالتطفل حتى اقترحت؟ وقد صح فيك المثل: طفيلي ومقترح. فأطرقت حياء ولم أجبه، فجعل صاحبه يكفه عني فلا ينكف، ثم قاموا إلى الصلاة فتأخرت قليلا، وأخذت العود وشددت طرفيه وأصلحته إصلاحا محكما، وعدت إلى موضعي فصليت معهم، ولما فرغنا من الصلاة رجع ذلك الرجل إلى اللوم علي والتعنيف، ولج في عربدته وأنا صامت؛ فأخذت الجارية العود وجسته فأنكرت حاله وقالت: من جس عودي؟ فقالوا: ما جسه أحد منا. قالت: بلى والله لقد جسه حاذق متقدم في الصناعة؛ لأنه أحكم أوتاره، وأصلحه إصلاح حاذق في صنعته. فقلت لها: أنا الذي أصلحته. فقالت: بالله عليك أن تأخذه وتضرب عليه. فأخذته وضربت عليه طريقة ms1009 عجيبة صعبة، تكاد أن تميت الأحياء وتحيي الأموات، وأنشدت عليه هذه الأبيات: # وكان لي قلب أعيش به %~% فاكتوى بالنار واحترق ~~أنا لم أرزق محبتها %~% إنما للعبد ما رزق ~~إن يكن ما ذقت طعم هوى %~% ذاقه لا شك من عشق # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 409 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: لما فرغت من شعري لم يبق أحد من الجماعة إلا ووثب من موضعه، وجلسوا بين يدي وقالوا: بالله عليك يا سيدنا أن تغني لنا صوتا آخر. فقلت لهم: حبا وكرامة. ثم أحكمت الضربات، وغنيت بهذه الأبيات: # ألا من لقلب ذائب بالنوائب %~% أناخت به الأحزان من كل # جانب ~~حرام على رامي فؤادي بسهمه %~% دم الصب بين الحشا # والترائب ~~تبين يوم البين أن اقترابه %~% على البين من ضمن الظنون # الكواذب ~~أراق دما لولا الهوى ما # أراقه %~% فهل لدمي من ثائر ومطالب # فلما فرغ من شعره لم يبق أحد منهم إلا وقام على قدميه، ثم رمى بنفسه على الأرض من شدة ما أصابه من الطرب. قال: فرميت العود من يدي، فقالوا: بالله عليك ألا تفعل بنا هذا، وزدنا صوتا آخر زادك الله تعالى من نعمته. فقلت لهم: يا قوم، أزيدكم صوتا آخر وآخر وآخر، وأعرفكم من أنا، أنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، والله إني لأتيه على الخليفة إذا طلبني، وأنتم قد أسمعتموني غليظ ما أكره في هذا اليوم، فوالله لا نطقت بحرف ولا جلست معكم حتى تخرجوا هذا العربيد من بينكم. فقال له صاحبه: من هذا حذرتك، وخفت عليك. ثم أخذوا بيده وأخرجوه، فأخذت العود وغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي، ثم أسررت إلى صاحب الدار أن الجارية قد وقعت في قلبي، ولا صبر لي عنها. فقال الرجل: هي لك بشرط. فقلت: وما هو؟ قال: أن تقيم عندي شهرا، والجارية وما يتعلق بها من حلي وحلل لك. فقلت: نعم، أفعل ذلك. فأقمت عنده شهرا لا يعرف أحد أين أنا؟ والخليفة يفتش ms1010 علي في كل موضع، ولا يعرف لي خبرا. فلما انقضى الشهر سلم لي الجارية وما يتعلق بها من الأمتعة النفيسة، وأعطاني خادما آخر، فجئت بذلك إلى منزلي وكأني قد حزت الدنيا بأسرها من شدة فرحي بالجارية. ثم ركبت إلى المأمون من وقتي، فلما حضرت بين يديه قال لي: ويحك يا إسحاق! أين كنت؟ فأخبرته بخبري. فقال: علي بذلك الرجل في هذه الساعة. فدللتهم على داره، فأرسل إليه الخليفة، فلما حضر سأله عن القصة فأخبره بها، فقال له: أنت رجل ذو مروءة، والرأي أن تعان على مروءتك. فأمر له بمائة ألف درهم وقال لي: يا إسحاق أحضر الجارية. فأحضرتها فغنت له وأطربته، فحصل له منها سرور عظيم، فقال: قد جعلت عليها نوبة في كل يوم خميس، فتحضر وتغني من وراء الستارة. ثم أمر لها بخمسين ألف درهم، فوالله لقد ربحت وأربحت في تلك الركبة. ### || حكاية ثلاثة عشاق حزانى # ومما يحكى أن العتي قال: جلست يوما وعندي جماعة من أهل الأدب، فتذاكرنا أخبار الناس ونزع بنا الحديث إلى أخبار المحبين، فجعل كل منا يقول شيئا، وفي الجماعة شيخ ساكت، ولم يبق عند أحد منهم شيء إلا أخبر به، فقال ذلك الشيخ: هل أحدثكم حديثا لم تسمعوا مثله قط؟ قلنا: نعم. قال: اعلموا أنه كانت لي ابنة وكانت تهوى شابا، ونحن لا نعلم بها، وكان الشاب يهوى قينة، وكانت القينة تهوى ابنتي، فحضرت في بعض الأيام مجلسا فيه ذلك الشاب ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 410 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ قال: فحضرت في بعض الأيام مجلسا فيه ذلك الشاب والقينة، فغنت القينة بهذين البيتين: # علامات ذل الهوى %~% على العاشقين البكا ~~ولا سيما عاشق %~% إذا لم يجد مشتكى # فقال لها الشاب: أحسنت والله يا سيدتي، أفتأذني لي أن أموت؟ فقالت القينة من وراء الستر: نعم، إن كنت عاشقا فمت. فوضع الشاب رأسه على وسادة وأغمض عينه، فلما وصل القدح إليه حركناه فإذا هو ميت، فاجتمعنا عليه ms1011 وتكدر علينا السرور وتنكدنا وافترقنا من ساعتنا، فلما سرت إلى منزلي أنكر علي أهلي حيث انصرفت إليهم في غير الوقت المعتاد، فأخبرتهم بما كان من أمر الشاب لأعجبهم بذلك، فسمعت ابنتي كلامي فقامت من المجلس الذي أنا فيه ودخلت مجلسا آخر، فقمت خلفها ودخلت ذلك المجلس فوجدتها متوسدة على مثال ما وصفت من حال الشاب، فحركتها فإذا هي ميتة، فأخذنا في تجهيزها وغدونا بجنازتها وغدوا بجنازة الشاب، فلما صرنا في طريق الجبانة وإذا نحن بجنازة ثالثة، فسألنا عنها فإذا هي جنازة القينة؛ فإنها حين بلغها موت ابنتي فعلت مثل ما فعلت فماتت، فدفنا الثلاثة في يوم واحد، وهذا أعجب ما سمع من أخبار العشاق. ### || حكاية عشاق بني طي # ومما يحكى أن القاسم بن عدي حكى عن رجل من بني تميم أنه قال: خرجت في طلب ضالة، فوردت على مياه بني طي فرأيت بفريقين، أحدهما قريب من الآخر، وإذا في أحد الفريقين كلام مثل كلام أهل الفريق الآخر، فتأملت فرأيت في أحد الفريقين شابا قد نهكه المرض، وهو مثل الشن البالي، فبينما أنا أتأمله وإذا هو ينشد هذه الأبيات: # ألا ما للمليحة لا تعود %~% أبخل بالمليحة أم صدود ~~مرضت فعادني أهلي جميعا %~% فما لك لا تري فيمن يعود ~~فلو كنت المريضة جئت # أسعى %~% إليك ولم ينهنهني # الوعيد ~~عدمتك منهمو فبقيت وحدي %~% وفقد الإلف يا سكني شديد # فسمعت كلامه جارية من الفريق الآخر، فبادرت نحوه وتبعها أهلها، وجعلت تضاربهم؛ فأحس بها الشاب فوثب نحوها، فبادر إليه أهل فريقه وتعلقوا به، فجعل يجذب نفسه منهم وهي تجذب نفسها من فريقها حتى تخلصا، وقصد كل واحد منهما صاحبه حتى التقيا بين الفريقين وتعانقا، ثم خرا إلى الأرض ميتين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 411 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاب والشابة لما التقيا بين الفريقين وتعانقا، خرا إلى الأرض ميتين، فخرج شيخ من تلك الأخبية ووقف عليهما واسترجع وبكى بكاء شديدا ثم قال: رحمكما الله تعالى، والله لئن ms1012 كنتما لم تجمعا في حال حياتكما، لأجمعن بينكما بعد الموت. ثم أمر بتجهيزهما، فغسلا وكفنا في كفن واحد، وحفر لهما جدث واحد، وصلى عليهما الناس ودفنوهما في ذلك القبر، ولم يبق في الفريقين ذكر ولا أنثى إلا رأيته يبكي عليهما ويلطم، فسألت الشيخ عنهما فقال لي: هذه ابنتي وهذا ابن أخي، بلغ بهما الحب إلى ما رأيت. فقلت: أصلحهما الله، فهلا زوجتهما لبعضهما؟ قال: خشيت من العار والفضيحة، وقد وقعت الآن فيهما. وهذا من عجائب أخبار العشاق. ### || حكاية العاشق المجنون # ومما يحكى أن أبا العباس المبرد قال: قصدت البريد مع جماعة إلى حاجة، فمررنا بدير هرقل فنزلنا في ظله، فجاءنا رجل وقال: إن في الدير مجانين، فيهم رجل مجنون ينطق بالحكمة، فلو رأيتموه لتعجبتم من كلامه. فنهضنا جميعا ودخلنا الدير، فرأينا رجلا جالسا في مقصورة على نطع، وقد كشف رأسه وهو شاخص ببصره إلى الحائط، فسلمنا عليه فرد علينا السلام من غير أن ينظر إلينا بطرفه، فقال الرجل: أنشده شعرا؛ فإنه إذا سمع الشعر يتكلم. فأنشدت هذين البيتين: # يا خير من ولدت حواء من # بشر %~% لولاك لم تحسن الدنيا ولم # تطب ~~أنت الذي من أراك الله # صورته %~% نال الخلود فلم يهرم ولم # يشب # فلما سمع ذلك مني، استدار نحونا وأنشد هذه الأبيات: # الله يعلم أنني كمد %~% لا أستطيع أبث ما أجد ~~نفسان لي: نفس يضم لها %~% بلد وأخرى ضمها بلد ~~وأظن غائبتي كشاهدتي %~% وأظنها تجد الذي أجد # ثم قال: أحسنت في قولي أم أسأت؟ قلنا له: ما أسأت بل أحسنت وأجملت. فمد يده إلى حجر عنده فتناوله، فظننا أنه يرمينا به فهربنا منه، فجعل يضرب به صدره ضربا قويا ويقول: لا تخافوا وادنوا مني واسمعوا لي شيئا خذوه عني. فدنونا منه، فأنشد هذه الأبيات: # لما أناخوا قبيل الصبح # عيسهم %~% حث المطايا بالهوى الإبل ~~ومقلتي من خلال السجن # تنظرها %~% فقلت من لوعتي والدمع # ينهمل ~~يا حادي العيس عرج كي # أودعها %~% ففي الفراق وفي توديعها # الأجل ~~إني على العهد لم أنقض # مودتها ms1013 %~% يا ليت شعري بذاك العهد ما # فعلوا # ثم إنه نظر إلي وقال: هل عندك علم بما فعلوا؟ قلت: نعم، إنهم ماتوا رحمهم الله تعالى. فتغير وجهه ووثب قائما على قدميه وقال: كيف علمت موتهم؟ قلت: لو كانوا أحياء ما تركوك هكذا. فقال: صدقت والله، ولكنني أيضا لا أحب الحياة بعدهم. ثم ارتعدت فرائصه وسقط على وجهه، فتبادرنا إليه وحركناه فوجدناه ميتا، رحمة الله تعالى عليه، فتعجبنا من ذلك وأسفنا عليه أسفا شديدا، ثم جهزناه ودفناه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 412 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المبرد قال: لما سقط الرجل ميتا أسفنا عليه وجهزناه ودفناه، فلما رجعت إلى بغداد دخلت على المتوكل، فنظر آثار الدموع على وجهي فقال: ما هذا؟ فذكرت له القصة، فصعب عليه وقال: ما حملك على ذلك؟ والله لو علمت أنك غير حزين عليه لأخذتك به. ثم إنه حزن عليه بقية يومه. ### || حكاية إسلام الراهب # ومما يحكى أن أبا بكر بن محمد الأنباري قال: خرجت من الأنبار في بعض الأسفار إلى عمورية من بلاد الروم، فنزلت في أثناء الطريق بدير الأنوار في قرية قريبة من عمورية، فخرج إلي صاحب الدير الرئيس على الرهبان، وكان اسمه عبد المسيح، فأدخلني الدير فوجدت فيه أربعين راهبا، فأكرموني في تلك الليلة بضيافة حسنة، ثم رحلت عنهم في الغد، وقد رأيت من كثرة اجتهادهم وعبادتهم ما لم أره من غيرهم، فقضيت أربى من عمورية ثم رجعت إلى الأنبار. فلما كان في العام المقبل حججت إلى مكة، فبينما أنا أطوف حول البيت إذ رأيت عبد المسيح الراهب يطوف أيضا، ومعه خمسة نفر من أصحابه الرهبان، فلما تحققت معرفته تقدمت إليه وقلت له: هل أنت عبد المسيح الراهب؟ قال: بل أنا عبد الله الراغب. فجعلت أقبل شيبته وأبكي، ثم أخذت بيده وملت إلى جانب الحرم، وقلت له: أخبرني عن سبب إسلامك. فقال: إنه من أعجب العجائب، وذلك أن جماعة من زهاد المسلمين مروا بالقرية التي فيها ديرنا، ms1014 فأرسلوا شابا يشتري لهم طعاما، فرأى في السوق جارية نصرانية تبيع الخبز، وهي من أحسن النساء صورة، فلما نظر إليها افتتن بها وسقط على وجهه مغشيا عليه، فلما أفاق رجع إلى أصحابه وأخبرهم بما أصابه، وقال: امضوا إلى شأنكم، فلست بذاهب معكم. فعذلوه ووعظوه، فلم يلتفت إليهم، فانصرفوا عنه، ودخل القرية وجلس عند باب حانوت تلك المرأة، فسألته عن حاجته فأخبرها أنه عاشق لها، فأعرضت عنه، فمكث في موضعه ثلاثة أيام لم يطعم طعاما، بل صار شاخصا إلى وجهها، فلما رأته لا ينصرف عنها ذهبت إلى أهلها وأخبرتهم بخبره؛ فسلطوا عليه الصبيان، فرموه بالحجارة حتى رضوا أضلاعه وشجوا رأسه، وهو مع ذلك لا ينصرف، فعزم أهل القرية على قتله، فجاءني رجل منهم وأخبرني بحاله، فخرجت إليه فرأيته طريحا، فمسحت الدم عن وجهه وحملته إلى الدير وداويت جراحه، وأقام عندي أربعة عشر يوما، فلما قدر على المشي خرج من الدير. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 413 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الراهب عبد الله قال: فحملته إلى الدير وداويت جراحه، وأقام عندي أربعة عشر يوما، فلما قدر على المشي خرج من الدير إلى باب حانوت الجارية، وجلس ينظر إليها، فلما أبصرته قامت إليه وقالت له: والله لقد رحمتك، فهل لك أن تدخل في ديني، وأنا أتزوجك؟ فقال: معاذ الله أن أنسلخ من دين التوحيد، وأدخل في دين الشرك. فقالت: قم وادخل معي داري واقض مني أربك وانصرف راشدا. فقال: لا، ما كنت لأذهب عبادة اثنتي عشرة سنة بشهوة لحظة واحدة. فقالت: انصرف عني حينئذ. قال: لا يطاوعني قلبي. فأعرضت عنه بوجهها، ثم فطن به الصبيان فأقبلوا عليه يرمونه بالحجارة، فسقط على وجهه وهو يقول: @QUR@09 إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين . فخرجت من الدير وطردت عنه الصبيان، ورفعت رأسه عن الأرض، فسمعته يقول: اللهم اجمع بيني وبينها في الجنة. فحملته إلى الدير فمات قبل أن أصل به إليه، فخرجت به عن القرية وحفرت ms1015 له قبرا ودفنته. فلما دخل الليل وذهب نصفه، صرخت تلك المرأة وهي في فراشها صرخة، فاجتمع إليها أهل القرية وسألوها عن قصتها، فقالت: بينما أنا نائمة إذ دخل علي هذا الرجل المسلم، فأخذ بيدي وانطلق بي إلى الجنة، فلما صار بي إلى بابها منعني خازنها من دخولها، وقال: إنها محرمة على الكافرين. فأسلمت على يديه ودخلت معه، فرأيت فيها من القصور والأشجار ما لا يمكن أن أصفه لكم، ثم إنه أخذني إلى قصر من الجوهر، وقال لي: إن هذا القصر لي ولك، وأنا لا أدخله إلا بك، وبعد خمس ليال تكونين عندي فيه إن شاء الله تعالى. ثم مد يده إلى شجرة على باب ذلك القصر فقطف منها تفاحتين وأعطانيهما، وقال: كلي هذه، وأخفي الأخرى حتى يراها الرهبان. فأكلت واحدة فما رأيت أطيب منها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 414 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت: لما قطف التفاحتين أعطانيهما وقال: كلي هذه، وأخفي الأخرى حتى يراها الرهبان. فأكلت واحدة فما رأيت أطيب منها، ثم إنه أخذ بيدي، وخرج بي حتى أوصلني إلى داري، فلما استيقظت من منامي وجدت طعم التفاح في فمي، والتفاحة الثانية عندي. ثم أخرجت التفاحة فأشرقت في ظلام الليل كأنها كوكب دري، فجاءوا بالمرأة إلى الدير ومعها التفاحة؛ فقصت علينا الرؤيا وأخرجت لنا التفاحة، فلم نر شيئا مثلها في سائر فواكه الدنيا، فأخذت سكينا وشققتها على عدد أصحابي، فما رأينا ألذ من طعمها، ولا أطيب من ريحها. فقلنا: لعل هذا شيطان تمثل إليها ليغويها عن دينها. فأخذها أهلها وانصرفوا، ثم إنها امتنعت عن الأكل والشرب، فلما كانت الليلة الخامسة قامت من فراشها، وخرجت من بيتها، وتوجهت إلى قبر ذلك المسلم، وألقت نفسها عليه وماتت، ولم يعلم بها أهلها. فلما كان وقت الصباح أقبل على القرية شيخان مسلمان عليهما ثياب من الشعر، ومعهما امرأتان كذلك، فقالا: يا أهل القرية، إن لله تعالى عندكم ولية من أوليائه قد ماتت مسلمة، ونحن ms1016 نتولاها دونكم. فطلب أهل القرية تلك المرأة فوجدوها على القبر ميتة، فقالوا: هذه صاحبتنا قد ماتت على ديننا ونحن نتولاها. وقال الشيخان: إنها ماتت مسلمة، ونحن نتولاها. واشتد الخصام والنزاع بينهم، فقال أحد الشيخين: إن علامة إسلامها أن يجتمع رهبان الدير الأربعون ويجذبوها عن القبر، فإن قدروا على حملها من الأرض فهي نصرانية، وإن لم يقدروا على ذلك يتقدم واحد منا ويجذبها، فإن جاءت معه فهي مسلمة. فرضي أهل القرية بذلك، واجتمع الأربعون راهبا، وقوى بعضهم بعضا، وأتوها ليحملوها فلم يقدروا على ذلك، فربطنا في وسطها حبلا عظيما، وجذبناها فانقطع الحبل ولم تتحرك، فتقدم أهل القرية وفعلوا كذلك فلم تتحرك من موضعها، فلما عجزنا عن حملها بكل حيلة قلنا لأحد الشيخين: تقدم أنت واحملها. فتقدم إليها أحدهما، ولفها في ردائه وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم حملها في حضنه، وانصرف بها المسلمون إلى غار هناك فوضعوها فيه، وجاءت المرأتان فغسلتاها، وكفنتاها، ثم حملها الشيخان وصليا عليها، ودفناها إلى جانب قبره وانصرفا، ونحن نشاهد هذا كله. فلما خلا بعضنا ببعض قلنا: إن الحق أحق أن يتبع، وقد وضح الحق لنا بالمشاهدة والعيان، ولا برهان لنا على صحة الإسلام أوضح لنا مما رأيناه بأعيننا. ثم أسلمت وأسلم رهبان الدير جميعهم، وكذلك أهل القرية. ثم إنا بعثنا إلى أهل الجزيرة نستدعي فقيها يعلمنا شرائع الإسلام وأحكام الدين؛ فجاءنا رجل فقيه صالح، فعلمنا العبادة وأحكام الإسلام، ونحن اليوم على خير كثير، ولله الحمد والمنة. ### || حكاية أبي عيسى وعشقه لقرة العين # ومما يحكى أن عمرو بن مسعدة قال: كان أبو عيسى بن الرشيد أخو المأمون عاشقا لقرة العين جارية علي بن هشام، وكانت هي أيضا عاشقة له، ولكن كان أبو عيسى كاتما لهواه فلا يبوح به ولا يشكوه إلى أحد، ولم يطلع أحدا على سره، وكل ذلك من نخوته ومروءته، وكان يجتهد في ابتياعها من مولاها بكل حيلة فلم يقدر على ذلك، فلما عيل صبره واشتد وجده ms1017 وعجز عن الحيلة في أمرها، دخل على المأمون في يوم موسم بعد انصراف الناس من عنده وقال: يا أمير المؤمنين، إنك لو امتحنت فؤادك في هذا اليوم على حين غفلة منهم، لتعرف أهل المروءة من غيره، ومحل كل واحد منهم وقدر همته. وإنما قصد أبو عيسى بهذا الكلام أن يتصل بذلك إلى الجلوس مع قرة العين في دار مولاها، فقال المأمون: إن هذا الرأي صواب. ثم أمر أن يشدوا له زورقا اسمه الطيار، فقدموه له فركبه ومعه جماعة من خواصه، فأول قصر دخله قصر حميد الطويل الطوسي، ودخلوا عليه في القصر على حين غفلة منه، فوجده جالسا ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 415 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المأمون ركب هو وخواصه وساروا حتى وصلوا إلى قصر حميد الطويل الطوسي، فدخلوا قصره على حين غفلة فوجدوه جالسا على حصير، وبين يديه المغنيون وبأيديهم آلات المغاني من العيدان والنايات وغيرها، فجلس المأمون ساعة ثم حضر بين يديه طعام من لحوم الدواب ليس فيه شيء من لحوم الطير، فلم يلتفت المأمون إلى شيء من ذلك، فقال أبو عيسى: يا أمير المؤمنين، إنا دخلنا هذا المكان على حين غفلة، وصاحبه لم يعلم بقدومك، فقم بنا إلى مجلس هو معد لك يليق بك. فقام الخليفة هو وخواصه وصحبه أخوه أبو عيسى وتوجهوا إلى دار علي بن هشام، فلما علم بمجيئهم قابلهم أحسن مقابلة وقبل الأرض بين يدي الخليفة، ثم ذهب بهم إلى القصر وفتح مجلسا لم ير الراءون أحسن منه، أرضه وأساطينه وحيطانه مرخمة بأنواع الرخام، وهو منقوش بأنواع النقوش الرومية، وأرضه مفروشة بالحصر السندية، وعليها فرش بصرية، وتلك الفرش متخذة على طول المجلس وعرضه، فجلس المأمون ساعة وهو يتأمل البيت والسقف والحيطان، ثم قال: أطعمنا شيئا. فأحضر إليه من وقته وساعته قريبا من مائة لون من الدجاج، سوى ما معها من الطيور والثرائد والقلايا والبوارد، فلما أكل قال: أسقنا يا علي شيئا. فأحضر إليه نبيذا مثلثا مطبوخا ms1018 بالفواكه والأبازير الطيبة في أواني الذهب والفضة والبلور، والذي حضر بذلك النبيذ في المجلس غلمان كأنهم الأقمار، عليهم الملابس الإسكندرانية المنسوجة بالذهب، وعلى صدرهم بواط من البلور فيها ماء الورد الممسك، فتعجب المأمون مما رأى عجبا شديدا وقال: يا أبا الحسن. فوثب إلى البساط وقبله، ثم وقف بين يدي الخليفة وقال: لبيك يا أمير المؤمنين. فقال: أسمعنا شيئا من المغاني المطربة. فقال: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين. ثم قال لبعض أتباعه: أحضر الجواري المغنيات. فقال له: سمعا وطاعة. ثم غاب الخادم لحظة وحضر ومعه عشرة من الخدم يحملون عشرة كراسي من الذهب فنصبوها، وبعد ذلك جاءت عشر وصائف كأنهن البدور السافرة والرياض الزاهرة، وعليهم الديباج الأسود، وعلى رءوسهن تيجان الذهب، ومشين حتى جلسن على الكراسي، وغنين بأنواع الألحان، فنظر المأمون إلى جارية منهن، ففتن بظرفها وحسن منظرها، فقال لها: ما اسمك يا جارية؟ قالت: اسمي سجاح يا أمير المؤمنين. فقال لها: غني لنا يا سجاح. فأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # أقبلت أمشي على خوف مخالسة %~% مشي الذليل رأى شبلين قد # وردا ~~سيفي خضوع وقلبي مشغف وجل %~% أخشى العيون من الأعداء # والرصدا ~~حتى دخلت على خود منعمة %~% كظبية الدعص لما تفقد # الولدا # فقال لها المأمون: لقد أحسنت يا جارية، لمن هذا الشعر؟ قالت: لعمرو بن معديكرب الزبيدي، والغناء لمعبد. فشرب المأمون وأبو عيسى وعلي بن هشام، ثم انصرفت الجواري وجاءت عشر جوار أخرى، على كل واحدة منهن الوشي اليماني المنسوج بالذهب، فجلسن على الكراسي وغنين بأنواع الألحان، فنظر المأمون إلى وصيفة منهن كأنها مهاة رمل، فقال لها: ما اسمك يا جارية؟ فقالت: اسمي ظبية يا أمير المؤمنين. قال: غني لنا يا ظبية. فغردت بالشدقين وأنشدت هذين البيتين: # حور حرائر ما هممن بريبة %~% كظباء مكة صيدهن حرام ~~يحسبن من لين الحديث زوانيا %~% ويصدهن عن الخنا الإسلام # فلما فرغت من شعرها قال لها المأمون: لله درك ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 416 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ms1019 الجارية لما فرغت من إنشادها قال لها المأمون: لله درك، لمن هذا الشعر؟ قالت: لجرير، والغناء لابن سريج. فشرب المأمون ومن معه، ثم انصرفت الجواري وجاءت بعدهن عشر جوار أخرى كأنهن اليواقيت، وعليهن الديباج الأحمر المنسوج بالذهب المرصع بالدر والجوهر، وهن مكشوفات الرءوس، فجلسن على الكراسي وغنين بأنواع الألحان، فنظر إلى جارية منهن كأنها شمس النهار، فقال لها: ما اسمك يا جارية؟ قالت: اسمي فاتن يا أمير المؤمنين. فقال لها: غني لنا يا فاتن. فأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # أنعم بوصلك لي فهذا وقته %~% يكفي من الهجران ما قد ذقته ~~أنت الذي جمع المحاسن وجهه %~% لكن عليه تصبري فرقته ~~أنفقت عمري في هواك وليتني %~% أعطى وصالا بالذي أنفقته # فقال: لله درك يا فاتن، لمن هذا الشعر؟ فقالت: لعدي بن زيد، والطريقة قديمة. فشرب المأمون وأبو عيسى وعلي بن هشام، ثم انصرفت الجواري وجاءت بعدهن عشر من الجواري كأنهن الدراري، عليهن الوشي المنسوج بالذهب الأحمر، وفي أوساطهن المناطق المرصعة بالجوهر، فجلسن على الكراسي وغنين بأنواع الألحان، فقال المأمون لجارية منهن كأنها قضيب بان: ما اسمك يا جارية؟ قالت: اسمي رشا يا أمير المؤمنين. فقال: غني لنا يا رشا. فأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # وأحور كالغصن يشفي الجوى %~% ويحكي الغزال إذا ما رنا ~~شربت المدام على خده %~% ونازعته الكأس حتى انثنى ~~فبات ضجيعي وبتنا معا %~% وقلت لنفسي: هذا المنى # فقال لها المأمون: أحسنت يا جارية، زيدينا. فقامت الجارية وقبلت الأرض بين يديه، وغنت بهذا البيت: # خرجت تشهد الرفاق رويدا %~% في قميص مضمخ بالعبير # فطرب المأمون لذلك البيت طربا عظيما، فلما رأت الجارية طرب المأمون، صارت تردد الصوت بهذا البيت، ثم إن المأمون قال: قدموا الطيار. وأراد أن يركب ويتوجه، فقام علي بن هشام وقال: يا أمير المؤمنين عندي جارية اشتريتها بعشرة آلاف دينار قد أخذت مجامع قلبي، وأريد أن أعرضها على أمير المؤمنين، فإن أعجبته ورضيها فهي له، وإلا فيسمع منها شيئا. فقال الخليفة: علي بها. فخرجت جارية كأنها قضيب بان، لها ms1020 عينان فتانتان، وحاجبان كأنهما قوسان، وعلى رأسها تاج من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجوهر، تحته عصابة مكتوب عليها بالزبرجد هذا البيت: # جنية ولها جن تعلمها %~% رمي القلوب بقوس ما لها وتر # ومشت تلك الجارية كأنها غزال شارد وهي تفتن العابد، ولم تزل ماشية حتى جلست على الكرسي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 417 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية مشت كأنها غزال شارد وهي تفتن العابد، ولم تزل ماشية حتى جلست على الكرسي، فلما رآها المأمون تعجب من حسنها وجمالها، وجعل أبو عيسى يتوجع من فؤاده، واصفر لونه وتغير حاله، فقال له المأمون: ما لك يا أبا عيسى قد تغير حالك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، بسبب علة تعتريني في بعض الأوقات. فقال له الخليفة: أتعرف هذه الجارية قبل اليوم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، وهل يخفى القمر؟ ثم قال لها المأمون: ما اسمك يا جارية؟ قالت: اسمي قرة العين يا أمير المؤمنين. قال لها: غني لنا يا قرة العين. فغنت بهذين البيتين: # ظعن الأحبة عنك بالإدلاج %~% ولقد سروا سحرا مع الحجاج ~~ضربوا خيام العز حول # قبابهم %~% وتستروا بأكلة الديباج # فقال لها الخليفة: لله درك! لمن هذا الشعر؟ قالت: لدعبل الخزاعي، والطريقة لزرزور الصغير. فنظر إليها أبو عيسى وخنقته العبرة حتى تعجب منه أهل المجلس، فالتفتت الجارية إلى المأمون وقالت له: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في أن أغير الكلام. فقال لها: غني بما شئت. فأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب %~% جهارا فكن في الغيب أحفظ # للود ~~والغ أحاديث الوشاة فقلما %~% يحاول واش غير هجران ذي ود ~~وقد زعموا أن المحب إذا # دنا %~% يمل وأن البعد يشفي من # الوجد ~~بكل تداوينا فلم يشف ما # بنا %~% على أن قرب الدار خير من # البعد ~~على أن قرب الدار ليس # بنافع %~% إذا كان من تهواه ليس بذي # ود # فلما فرغت من شعرها قال أبو عيسى: يا أمير المؤمنين ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام ms1021 المباح. ### | فلما كانت الليلة 418 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قرة العين لما فرغت من شعرها قال أبو عيسى: يا أمير المؤمنين إذا افتضحنا استرحنا، أتأذن لي في جوابها؟ فقال له الخليفة: نعم، قل لها ما شئت. فكفكف دمع العين، وأنشد هذين البيتين: # سكت ولم أقل إني محب %~% وأخفيت المحبة عن ضميري ~~فإن ظهر الهوى في العين مني %~% فدانية من القمر المنير # فأخذت العود قرة العين، وأطربت بالنغمات وغنت هذه الأبيات: # لو كان ما تدعيه حقا %~% لما تعللت بالأماني ~~ولا تصبرت عن فتاة %~% بديعة الحسن والمعاني ~~لكن دعواك ليس منها %~% شيء سوى القول باللسان # فلما فرغت قرة العين من شعرها، جعل أبو عيسى يبكي وينتحب ويتوجع ويضطرب، ثم رفع رأسه إليها، وصعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات: # تحت ثيابي جسد ناحل %~% وفي فؤادي شغل شاغل ~~ولي فؤاد داؤه دائم %~% ومقلة مدمعها هاطل ~~وكلما سالمني عاقل %~% قام لحيني في الهوى عاذل ~~يا رب لا أقوى على كل ذا %~% موت وإلا فرج عاجل # فلما فرغ أبو عيسى من شعره، وثب علي بن هشام إلى رجله فقبلها وقال له: يا سيدي، قد استجاب الله دعاءك وسمع نجواك وأجابك إلى أخذها بجميع متعلقاتها من التحف واللطائف، إن لم يكون لأمير المؤمنين غرض فيها. فقال المأمون: ولو كان لنا غرض فيها لآثرنا أبا عيسى على أنفسنا، وساعدناه على قصده. ثم قام المأمون وركب في الطيار، وتخلف أبو عيسى لأخذ قرة العين، ثم أخذها وانصرف بها إلى منزله وهو منشرح الصدر، فانظر إلى مرؤة علي بن هشام. ### || حكاية الأمين وعمه إبراهيم بن المهدي # ومما يحكى أن الأمين أخا المأمون، دخل دار عمه إبراهيم بن المهدي، فرأى بها جارية تضرب بالعود، وكانت من أحسن النساء، فمال قلبه إليها، فظهر ذلك عليه لعمه إبراهيم، فلما ظهر له ذلك من حاله بعثها إليه مع ثياب فاخرة وجواهر نفيسة، فلما رآها الأمين ظن أن عمه إبراهيم بنى بها، فكره الخلوة بها من أجل ذلك، وقبل ما كان معها من الهدية ms1022 وردها إليه، فعلم إبراهيم بذلك الخبر من بعض الخدم، فأخذ قميصا من الوشي وكتب على ذيله بالذهب هذين البيتين: # لا والذي سجد الجباة له %~% ما لي بما تحت ذيلها خبر ~~ولا بفيها ولا هممت به %~% ما كان إلا الحديث والنظر # ثم ألبسها القميص وناولها عودا وبعثها إليه ثانيا، فلما دخلت عليه قبلت الأرض بين يديه، وأصلحت العود وغنت عليه بهذين البيتين: # هتكت الضمير برد التحف %~% وقد بان هجرك لي وانكشف ~~فإن كنت تحقد شيئا مضى %~% فهب للخلافة ما قد سلف # فلما فرغت من شعرها نظر إليها الأمين، فرأى ما على ذيل القميص فلم يملك نفسه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 419 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمين لما نظر إلى الجارية رأى ما على ذيل القميص، فلم يملك نفسه بل أدناها منه وقبلها وأفرد لها مقصورة من المقاصير، وشكر عمه إبراهيم على ذلك، وأنعم عليه بولاية الري. ### || حكاية المتوكل والفتح بن خاقان # ومما يحكى أن المتوكل شرب دواء، فجعل الناس يهدون إليه طرائف التحف وأنواع الهدايا، وأهدى إليه الفتح بن خاقان جارية بكرا ناهدا من أحسن نساء زمانها، وأرسل معها أناء بلور فيه شراب أحمر، وجاما أحمر مكتوبا عليه بالسواد هذه الأبيات: # إذا خرج الإمام من الدواء %~% وأعقب بالسلامة والشفاء ~~فليس له دواء غير شرب %~% بهذا الجام من هذا الطلاء ~~وفض الخاتم المهدى إليه %~% فهذا صالح بعد الدواء # فلما دخلت الجارية بما معها على الخليفة، كان عنده يوحنا الطبيب، فلما رأى الطبيب الأبيات تبسم وقال: والله يا أمير المؤمنين، إن الفتح أعرف مني بصناعة الطب، فلا يخالفه أمير المؤمنين فيما وصفه له. فقبل الخليفة رأي الطبيب واستعمل ذلك الدواء على مقتضى مضمون الأبيات، فشفاه الله وحقق ما رجاه. ### || حكاية في محاسن اختلاف الأجناس # ومما يحكى أن بعض الفضلاء قال: ما رأيت في النساء أذكى خاطرا، وأحسن فطنة، وأغزر علما، وأجود قريحة، وأظرف أخلاقا من امرأة واعظة من أهل بغداد يقال لها سيدة المشايخ؛ اتفق ms1023 أنها جاءت إلى مدينة حماة سنة إحدى وستين وخمسمائة، فكانت تعظ الناس على الكرسي وعظا شافيا، وكان يتردد على منزلها جماعة من المتفقهين وذوي المعارف والآداب يطارحونها مسائل الفقه، ويناظرونها في الخلاف؛ فمضيت إليها ومعي رفيق من أهل الأدب، فلما جلسنا عندها وضعت بين أيدينا طبقا من الفاكهة، وجلست هي خلف ستر، وكان لها أخ حسن الصورة قائما على رءوسنا في الخدمة، فلما أكلنا شرعنا في مطارحة الفقه؛ فسألتها مسألة فقهية مشتملة على خلاف بين الأئمة، فشرعت تتكلم في جوابها وأنا أصغي إليها، وجعل رفيقي ينظر إلى وجه أخيها، ويتأمل في محاسنه، ولا يصغي إليها، وهي تلحظه من وراء الستر. فلما فرغت من كلامها التفتت إليه وقالت: أظنك ممن يفضل الرجال على النساء. قال: أجل. قالت: ولم ذلك؟ قال: لأن الله فضل الذكر على الأنثى. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 420 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ أجابها بقوله: لأن الله فضل الذكر على الأنثى، وأنا أحب الفاضل وأكره المفضول. فضحكت، ثم قالت: أتنصفني في المناظرة إن ناظرتك في هذا المبحث؟ قال: نعم. قالت: فما الدليل على تفضيل الذكر على الأنثى؟ قال: المنقول والمعقول؛ أما المنقول فالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: @QUR@010 الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ، وقوله تعالى: @QUR@06 فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ، وقوله تعالى في الميراث: @QUR@09 وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين فالله - سبحانه وتعالى - فضل الذكر على الأنثى في هذه المواضع، وأخبر أن الأنثى على النصف من الذكر؛ لأنه أفضل منها. وأما في السنة؛ فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل دية المرأة على النصف من دية الرجل. وأما المعقول؛ فإن الذكر فاعل والأنثى مفعول بها، والفاعل أفضل من المفعول به. فقالت له: أحسنت يا سيدي، لكنك والله أظهرت حجتي عليك من لسانك، ونطقت ببرهان هو عليك لا لك؛ وذلك أن الله - سبحانه وتعالى - إنما فضل الذكر على الأنثى ms1024 بمجرد وصف الذكورية، وهذا لا نزاع فيه بيني وبينك، وقد يستوي في هذا الوصف الطفل والغلام والشاب والكهل والشيخ، لا فرق بينهم في ذلك، وإذا كانت الفضيلة إنما حصلت له بوصف الذكورية، فينبغي أن يميل طبعك وترتاح نفسك إلى الشيخ كما ترتاح إلى الغلام؛ إذ لا فرق بينهما في الذكورية، وإنما وقع الخلاف بيني وبينك في الصفات المقصودة من حسن العشرة والاستمتاع، وأنت لم تأت ببرهان على فضل الغلام على الأنثى في ذلك. فقال لها: يا سيدتي، أما علمت ما اختص به الغلام من اعتدال القد، وتوريد الخد، وملاحة الابتسام، وعذوبة الكلام؛ فالغلمان بهذا الاعتبار أفضل من النساء، والدليل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تديموا النظر إلى المرد، فإن فيهم لمحة من الحور العين.» وتفضيل الغلام على الجارية لا يخفى على أحد من الناس، وما أحسن قول أبي نواس: # أقل ما فيه من فضائله %~% أمنك من طمثه ومن حبله # وقول الشاعر: # قال الإمام أبو نواس وهو في %~% شرع الخلاعة والمجون يقلد ~~يا أمة تهوى العذار تمتعوا %~% من لذة في الخلد ليست توجد # ولأن الجارية إذ بالغ الواصف في وصفها، وأراد ترويجها بذكر محاسن أوصافها، شبهها بالغلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 421 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ قال: ولأن الجارية إذا بالغ الواصف في وصفها، وأراد ترويجها بذكر محاسن أوصافها، شبهها بالغلام لما له من المآثر، كما قال الشاعر: # غلامية الأرداف تهتز في # الصبا %~% كما اهتز في ريح الشمال قضيب # فلولا أن الغلام أفضل وأحسن لما شبهت به الجارية، واعلمي - صانك الله تعالى - أن الغلام سهل القياد، موافق على المراد، حسن العشرة والأخلاق، مائل عن الخلاف للوفاق، ولا سيما إن تنمنم عذاره، واخضر شاربه، وجرت حمرة الشبيبة في وجنته حتى صار كالبدر التمام، وما أحسن قول أبي تمام: # قال الوشاة بدا في الخد # عارضه %~% فقلت لا تكثروا ما ذاك عايبه ~~لما استقل بأرداف تجاذبه %~% واخضر ms1025 فوق جمان الدر # شاربه ~~وأقسم الورد أيمانا مغلظة %~% ألا تفارق خديه عجائبه ~~كلمته بجفون غير ناطقة %~% فكان من رده ما قال حاجبه ~~الحسن منه على ما كنت # تعهده %~% والشعر أحرزه ممن يطالبه ~~أحلى وأحسن ما كانت شمائله %~% إذ لاح عارضه واخضر شاربه ~~وصار من كان يلحى في محبته %~% إن يحك عني وعنه قال صاحبه # وقال الآخر وأجاد: # قال العواذل: ما هذا الغرام # به %~% أما ترى الشعر في خديه قد # نبتا ~~فقلت: والله لو أن المفند # لي %~% تأمل الرشد في عينيه ما # ثبتا ~~ومن أقام بأرض لا نبات بها %~% فكيف يرحل عنها والربيع # أتى # وقول الآخر: # قال العواذل عني قد سلا # كذبوا %~% من مسه الشوق لا يعروه # سلوان ~~ما كنت أسلو وورد الخد # منفرد %~% فكيف أسلو وحول الورد # ريحان # وقول الآخر: # ومهفهف ألحاظه وعذاره %~% يتعاضدان على قتال الناس ~~سفك الدماء بصارم من نرجس %~% كانت حمائل غمده من آس # وقول الآخر: # ما من سلافته سكرت وإنما %~% تركت سوالفه الأنام سكارى ~~حسد المحاسن بعضها حتى # اشتهت %~% كل المحاسن أن تكون عذارا # فهذه فضيلة في الغلمان لم تعطها النساء، وكفى بذلك للغلمان عليهن فخرا ومزية. فقالت له: عافاك الله تعالى، إنك قد شرطت على نفسك المناظرة، وقد تكلمت وما قصرت، واستدللت بهذه الأدلة على ما ذكرت، ولكن الآن قد حصحص الحق فلا تعدل عن سبيله، وإن لم تقنع بإجمال الدليل فأنا آتيك بتفصيله؛ بالله عليك أين الغلام من الفتاة؟ ومن يقيس السخل على المهاة؟ إنما الفتاة رخيمة الكلام، حسنة القوام، فهي كقضيب الريحان، بثغر كالأقحوان، وشعر كالأرسان، وخد كشقائق النعمان، ووجه كتفاح، وشفة كالراح، وثدي كالرمان، ومعاطف كالأغصان، وهي ذات قد معتدل، وجسم متجدل، وخد كحد السيف اللائح، وجبين واضح، وحاجبين مقرونين، وعينين كحلاوين، إن نطقت فاللؤلؤ الرطب يتناثر من فيها، وتجذب القلوب برقة معانيها، وإن تبسمت ظننت البدر يتلألأ من بين شفتيها، وإن رنت فالسيوف تسل من مقلتيها، إليها تنتهي المحاسن، وعليها مدار الظاعن والقاطن، ولها شفتان حمراوان ألين من الزبد، وأحلى مذاقا ms1026 من الشهد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 422 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المرأة الواعظة لما وصفت الفتاة قالت: ولها شفتان حمراوان ألين من الزبد، وأحلى مذاقا من الشهد. ثم قالت بعد ذلك: ولها صدر كجادة الفجاج، فيه ثديان كأنهما حقان من عاج، وبطن لطيف الكشح كالزهر الغض، وعكن قد انعطفت وانطوى بعضها على بعض، وفخذان ملتفان كأنهما من الدر عمودان، وأرداف تموج كأنها بحر من بلور أو جبال من نور، ولها قدمان لطيفتان، وكفان كأنهما سبائك العقبان، فيا مسكين أين الإنس من الجان؟ أما علمت أن الملوك القادة والأشراف السادة أبدا للنساء خاضعون، وعليهن في التلذذ معتمدون؟ وهن يقلن: قد ملكنا الرقاب وسلبنا الألباب، فالأنثى كم غني أفقرته، وعزيز أذلته، وشريف استخدمته، فالنساء قد فتن الأدباء، وهتكن الأنقياء، وأفقرن الأغنياء، وصيرن أهل النعيم أشقياء، ومع ذلك لا تزداد العقلاء لهن إلا محبة وإجلالا، ولا يعدون ذلك ضيما ولا إذلالا، فكم عبد قد عصى فيهن ربه وأسخط أباه وأمه! كل ذلك لغلبة هواهن على القلوب؛ أما علمت يا مسكين أن لهن تبنى القصور، وعليهن ترخى الستور، ولهن تشترى الجواري، وعليهن الدمع جار، ولهن يتخذ المسك الأذفر والحلي والعنبر، ولأجلهن تجمع العساكر وتعقد الدساكر، وتجمع الأرزاق وتضرب الأعناق؟ ومن قال إن الدنيا عبارة عن النساء كان صادقا. # وأما ما ذكرت من الحديث الشريف فهو حجة عليك لا لك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تديموا النظر إلى المرد فإن فيهم لمحة من الحور العين.» فشبه المرد بالحور العين، ولا شك أن المشبه به أفضل من المشبه، فلولا أن النساء أفضل وأحسن لما شبه بهن غيرهن. وأما قولك إن الجارية تشبه بالغلام، فليس الأمر كذلك، بل الغلام يشبه بالجارية فيقال: هذا الغلام كأنه جارية. وأما ما استدللت به من الأشعار فهي ناشئة عن شذوذ الطبيعة عند الاعتبار، وأما اللاطة العادون والفسقة المخالفون، الذين ذمهم الله تعالى في كتابه العزيز، وأنكر عليهم فعلهم الشنيع فقال: ms1027 @QUR@017 أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون ، فهؤلاء الذين يشبهون الجارية بالغلام؛ لغلوهم في الفسق والعصيان واتباع النفس والشيطان، حتى قالوا إنها تصلح للأمرين جميعا، عدولا منهم عن سلوك طريق الحق عند الناس، كما قال كبيرهم أبو نواس: # ممشوقة الخصر غلامية %~% تصلح للوطي والزاني # وأما ما ذكرته من حسن نبات العذار، واخضرار الشارب، وأن الغلام يزداد به حسنا وجمالا؛ فوالله لقد عدلت عن الطريق، وقلت غير التحقيق؛ لأن العذار يبدل حسنات الجمال بالسيئات. ثم أنشدت هذه الأبيات: # بدا الشعر في وجهه فانتقم %~% لعاشقه منه لما ظلم ~~ولم أر في وجهه كالدخا %~% ن إلا وسالفه كالحمم ~~إذا اسود فاضل قرطاسه %~% فما ظنكم بمكان القلم ~~فإن فضلوه على غيره %~% فما ذاك إلا لجهل الحكم # فلما فرغت من شعرها قالت للرجل: سبحان الله العظيم ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 423 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المرأة الواعظة لما فرغت من شعرها قالت للرجل: سبحان الله العظيم، كيف يخفى عليك أن كمال اللذة في النساء، وأن النعيم المقيم لا يكون إلا بهن؟ وذلك أن الله - سبحانه وتعالى - وعد الأنبياء والأولياء في الجنة بالحور العين، وجعلهن جزاء لأعمالهم الصالحة، ولو علم الله تعالى أن في غيرهن لذة الاستمتاع لجزاهم به، ووعدهم إياه، وقال صلى الله عليه وسلم: «حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب، وقرة عيني في الصلاة.» وإنما جعل الله الولدان خدما للأنبياء والأولياء في الجنة؛ لأن الجنة دار نعيم وتلذذ، ولا يكمل ذلك إلا بخدمة الولدان. وأما استعمالهم لغير الخدمة فهو من الخبال والوبال، وما أحسن قول الشاعر حيث قال: # لحاجة المرء في الأدبار # إدبار %~% والمائلون إلى الأحرار # أحرار ~~كم من ظريف لطيف بات ممتطيا %~% ردف الغلام فأضحى وهو عطار ~~تصفر أثوابه من ورس # فقحته %~% فيستبين لذاك الخزي والعار ~~لا يستطيع جحودا إذ تقذره %~% يوما وفي ثوبه للسلح آثار ~~كم بين ذاك ومن باتت # مطيته %~% حوراء ناظرها باللحظ سحار ms1028 ~~يقوم عنها وقد أهدت له # أرجا %~% تضوعت من غوالي طيبه الدار ~~ليس الغلام لها عدلا يقاس # بها %~% وهل يقاس بعود الند أقذار # ثم قالت: يا قوم، لقد أخرجتموني عن قانون الحياء ودائرة أحرار النساء، إلى ما لا يليق بالعلماء من اللغو والفحشاء، ولكن صدور الأحرار قبور الأسرار، والمجالس بالأمانات، وإنما الأعمال بالنيات، وأنا أستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم. ثم سكتت فلم تجبنا عن شيء بعد ذلك، فخرجنا من عندها مسرورين بما استفدناه من مناظرتها متأسفين على مفارقتها. ### || حكاية أبي سويد والعجوز الصبيحة # ومما يحكى أن أبا سويد قال: اتفق أنني أنا وجماعة من أصحابي دخلنا بستانا يوما من الأيام لنشتري شيئا من الفاكهة، فرأينا في جانب ذلك البستان عجوزا صبيحة الوجه غير أن شعر رأسها أبيض، وهي تسرحه بمشط من العاج، فوقفنا عندها فلم تحتفل بنا، ولم تغط رأسها، فقلت لها: يا عجوز، لو صبغت شعرك أسود لكنت أحسن من صبية، فما منعك من ذلك؟ فرفعت رأسها إلي ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 424 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا سويد قال: لما قلت للعجوز ذلك الكلام رفعت رأسها إلي، وحملقت العينين، وأنشدت هذين البيتين: # وصبغت ما صبغ الزمان فلم # يدم %~% صبغي ودامت صبغة الأيام ~~أيام أرفل في ثياب شبيبتي %~% وأناك من خلفي ومن قدامي # فقلت لها: لله درك من عجوز! ما أصدقك في اللهج بالحرام! وأكذبك في دعوى التوبة من الآثام. ### || حكاية علي بن طاهر والجارية مؤنس # ومما يحكى أن علي بن محمد بن عبد الله بن طاهر استعرض جارية اسمها مؤنس للشراء، وكانت فاضلة أديبة شاعرة، فقال لها: ما اسمك يا جارية؟ قالت: أعز الله الأمير، اسمي مؤنس. وكان قد عرف اسمها قبل ذلك، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه إليها، وأنشد هذا البيت: # ماذا تقولين فيمن شفه # سقم %~% من أجل حبك حتى صار # حيرانا # فقالت: أعز الله الأمير. وأنشدت هذا البيت: # إذا رأينا محبا قد أضر ms1029 # به %~% داء الصبابة أوليناه # إحسانا # فأعجبته، فاشتراها بسبعين ألف درهم، وأولدها عبيد الله بن محمد صاحب المآثر. ### || حكاية أبي العيناء عن امرأتين عاشقتين # وقال أبو العيناء: كان عندنا في الدرب امرأتان؛ إحداهما تعشق رجلا، والأخرى تعشق أمرد، فاجتمعتا ليلة على سطح إحداهما، وهو قريب من داري، وهما لا يعلمان بي، فقالت صاحبة الأمرد للأخرى: يا أختي، كيف تصبرين على خشونة اللحية حين تقع على صدرك وقت لثمك، وتقع شواربه على شفتيك وخديك؟ فقالت لها: يا رعناء، وهل يزين الشجر إلا ورقه، والخيار إلا زغبه؟ وهل رأيت في الدنيا أقبح من أقرع منتوف؟ أما علمت أن اللحية للرجل مثل الذوائب للمرأة؟ وما الفرق بين الخد واللحية؟ أما علمت أن الله - سبحانه وتعالى - خلق في السماء ملكا يقول: سبحان من زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب. فلولا أن اللحى كالذوائب في الجمال لما قرن بينهما. يا رعناء، ما لي أفرش نفسي تحت الغلام الذي يعاجلني إنزاله، ويسابقني انحلاله، وأترك الرجل الذي إذا شم ضم، وإذا أدخل أمهل، وإذا فرغ رجع، وإذا هز أجاد، وكلما خلص عاد. فاتعظت صاحبة الغلام بمقالها، وقالت: سلوت صاحبي ورب الكعبة. ### || حكاية علي المصري التاجر من بغداد # ومما يحكى أنه كان بمدينة مصر رجل تاجر، وكان عنده شيء كثير من مال ونقود وجواهر ومعادن وأملاك لا تحصى، وكان اسمه حسن الجوهري البغدادي، وقد رزقه الله بولد حسن الوجه، معتدل القد، مورد الخد، ذي بهاء وكمال وبهجة وجمال، فسماه عليا المصري، وقد علمه القرآن والعلم والفصاحة والأدب، وصار بارعا في كامل العلوم، وكان تحت يد والده في التجارة، فحصل لوالده مرض وزاد عليه الحال، فأيقن بالموت وأحضر ولده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 425 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التاجر الجوهري البغدادي لما مرض وأيقن بالموت أحضر ولده الذي اسمه علي المصري وقال له: يا ولدي، إن الدنيا فانية، والآخرة باقية، وكل نفس ذائقة الموت، والآن يا ولدي، قد قربت وفاتي وأريد أن أوصيك ms1030 وصية، إن عملت بها لم تزل آمنا سعيدا إلى أن تلقى الله تعالى، وإن لم تعمل بها فإنه يحصل لك تعب زائد وتندم على ما فرطت في وصيتي. فقال له: يا أبت، كيف لا أسمع ولا أعمل بوصيتك، مع أن طاعتك فرض علي، وسماع قولك علي واجب. فقال له: يا ولدي، إني خلفت لك أماكن ومحلات وأمتعة ومالا لا يحصى، بحيث إذا كنت تنفق منه في كل يوم خمسمائة دينار لم ينقص عليك شيء من ذلك، ولكن يا ولدي عليك بتقوى الله واتباع ما أمر به من الفرائض، وباتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما ورد عنه مما أمر به ونهى عنه في سنته، وكن مواظبا على فعل الخيرات، وبذل المعروف، وصحبة أهل الخير والصلاح والعلم، وعليك بالوصية بالفقراء والمساكين، وتجنب الشح والبخل وصحبة الأشرار وذوي الشبهات، وانظر لخدمك وعيالك بالرأفة، ولزوجتك أيضا فإنها من بنات الأكابر، وهي حامل منك لعل الله يرزقك منها بالذرية الصالحة. وما زال يوصيه ويبكي ويقول له: يا ولدي، اسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يخلصك من كل ضيق يحصل لك، ويدركك بالفرج القريب منه. فبكى الولد بكاء شديدا وقال: يا والدي، والله إني ذبت من هذا الكلام، كأنك تقول قول مودع. فقال له: نعم يا ولدي، أنا عارف بحالي، فلا تنس وصيتي. ثم إن الرجل صار يتشهد ويقرأ إلى أن حضر الوقت المعلوم، فقال لولده: ادن مني يا ولدي. فدنا منه فقبله وشهق، ففارقت روحه جسده وتوفي إلى رحمة الله تعالى، فحصل لولده غاية الحزن، وعلا الضجيج في بيته، واجتمع عليه أصحاب والده، فأخذ في تجهيزه وتشهيله وأخرجه خرجة عظيمة، وحملوا جنازته إلى الصلاة فصلوا عليه وانصرفوا بجنازته إلى المقبرة فدفنوه، وقرءوا عليه ما تيسر من القرآن العظيم ثم رجعوا إلى المنزل، فعزوا ولده وانصرف كل واحد منهم إلى حال سبيله، وعمل له ولده الجمع والختمات إلى تمام أربعين يوما، وهو مقيم في البيت لا يخرج إلا إلى المصلى، ومن يوم الجمعة إلى ms1031 الجمعة يزور والده، ولم يزل في صلاته وقراءته وعبادته مدة من الزمان، حتى دخل عليه أقرانه من أولاد التجار وسلموا عليه وقالوا له: إلى متى هذا الحزن الذي أنت فيه، وترك شغلك وتجارتك واجتماعك على أصحابك؟ وهذا أمر يطول عليك ويحصل لجسدك منه ضرر زائد. وحين دخلوا عليه كان صحبتهم إبليس اللعين يوسوس لهم، فصاروا يحسنون له أن يخرج معهم إلى السوق، وإبليس يغريه بموافقتهم إلى أن وافقهم على الخروج معهم من البيت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 426 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أولاد التجار لما دخلوا على التاجر علي المصري ابن التاجر حسن الجوهري، حسنوا له أن يخرج معهم إلى السوق، فوافقهم على ذلك لأمر يريده الله سبحانه وتعالى، وخرج معهم من البيت فقالوا له: اركب بغلتك وتوجه بنا إلى البستان الفلاني لنتفرج فيه ويذهب عنك الحزن والفكر. فركب بغلته وأخذ عبده معه وتوجه معهم إلى البستان الذي قصدوه، فلما صاروا في البستان ذهب واحد منهم وعمل لهم الغداء وأحضره في البستان، فأكلوا وانبسطوا وجلسوا يتحدثون إلى آخر النهار، ثم ركبوا وانصرفوا وسار كل منهم إلى منزله وباتوا. فلما أصبح الصباح جاءوا إليه وقالوا له: قم بنا. فقال لهم: إلى أين؟ فقالوا: إلى البستان الفلاني، فإنه أحسن من الأول وأنزه. فركب وتوجه معهم إلى البستان الذي قصدوه، فلما صاروا في البستان ذهب واحد منهم وعمل لهم الغداء وأحضره إلى البستان، وأحضر صحبته المدام المسكر، فأكلوا ثم أحضروا الشراب، فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا له: هذا الذي يذهب الحزن ويجلي السرور. ولم يزالوا يحسنونه له حتى غلبوا عليه، فشرب معهم، واستمروا في حديث وشرب إلى آخر النهار، ثم توجهوا إلى منازلهم، ولكن علي المصري حصل له دوخة من الشراب، فدخل على زوجته وهو بهذا الحال، فقالت له: ما بالك متغيرا؟ فقال: نحن اليوم كنا في حظ وانبساط، ولكن بعض أصحابنا جاء لنا بماء فشرب أصحابي وشربت معهم فحصلت لي هذه الدوخة. فقالت له ms1032 زوجته: يا سيدي، هل نسيت وصية والدك، وفعلت ما نهاك عنه من معاشرة أصحاب الشبهات؟ فقال لها: إن هؤلاء من أولاد التجار ولم يكونوا أصحاب شبهات، وإنما هم أصحاب حظ وانبساط. # وما زال كل يوم مع أصحابه على هذه الحالة، يتوجهون إلى محل بعد محل وهم في أكل وشرب، إلى أن قالوا له: قد فرغ دورنا وصار الدور عليك. فقال لهم: أهلا وسهلا ومرحبا. ولما أصبح أحضر كامل ما يحتاج إليه الحال من المأكل والمشرب أضعاف ما فعلوه، وأخذ معه الطباخين والفراشين والقهوجية، وتوجهوا إلى الروضة والمقياس، ومكثوا فيها شهرا كاملا على أكل وشرب وسماع وانبساط، فلما مضى الشهر رأى نفسه قد صرف جملة من المال لها صورة، فغره إبليس اللعين وقال له: لو صرفت كل يوم قدر الذي صرفته لم ينقص مالك. فلم يبال بصرف المال واستمر على هذا الحال مدة ثلاث سنوات، وزوجته تنصحه وتذكره بوصية والده، فلم يسمع كلامها إلى أن نفد المال الذي كان عنده من النقود جميعه، فصار يأخذ من الجواهر ويبيع ويصرف أثمانها إلى أن أنفدها، ثم أخذ في بيع البيوت والعقارات حتى لم يبق منها شيء، فلما نفدت صار يبيع في الضياع والبساتين واحدا بعد واحد، إلى أن ذهبت جميعها ولم يبق عنده شيء يملكه إلا البيت الذي هو فيه، فصار يقلع رخامه وأخشابه ويتصرف فيها إلى أن أفناها جميعها، ونظر في نفسه فلم يجد عنده شيئا يصرفه، فباع البيت وتصرف في ثمنه، ثم بعد ذلك جاءه الذي اشترى منه البيت وقال له: انظر لك محلا فإني محتاج إلى بيتي. فنظر في نفسه فلم يجد عنده شيئا يحتاج إلى بيت غير زوجته، وقد ولدت منه ولدا وبنتا، ولم يبق عنده خدم غير نفسه وعياله، فأخذ له قاعة في بعض الحيشان وسكن فيها بعد العز والدلال، وكثرة الخدم والمال، وصار لا يملك قوت يوم، فقالت له زوجته: من هذا كنت أحذرك وأقول لك: احفظ وصية والدك، فلم تسمع قولي، فلا حول ولا قوة إلا ms1033 بالله العلي العظيم، ومن أين تأكل الأولاد الصغار؟ فقم وطف على أصحابك أولاد التجار، لعلهم يعطونك شيئا نتقوت به في هذا اليوم، فقام وتوجه إلى أصحابه واحد بعد واحد، وكل من توجه إليه منهم يواري وجهه منه، ويسمعه ما يكره من الكلام المؤلم، ولم يعطه أحد منهم شيئا، فرجع إلى زوجته وقال لها: لم يعطوني شيئا. فقامت إلى جيرانها لتطلب منهم شيئا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 427 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زوجة علي المصري ابن التاجر حسن الجوهري لما رجع إليها زوجها من غير شيء، قامت إلى جيرانها لتطلب شيئا يتقوتون به في ذلك اليوم، فتوجهت إلى امرأة كانت تعرفها في الأيام السابقة، فلما دخلت عليها ورأت حالها، قامت وأخذتها بقبول وبكت وقالت لها: ما الذي أصابكم؟ فحكت لها جميع ما كان من زوجها، فقالت لها: مرحبا بك وأهلا وسهلا، فجميع ما تحتاجينه اطلبيه مني من غير مقابل. فقالت لها: جزاك الله خيرا. ثم أعطتها ما يكفيها هي وعيالها مؤنة شهر كامل، فأخذته وتوجهت إلى محلها، فلما رآها زوجها بكى وقال لها: من أين لك ذلك؟ فقالت له: من فلانة؟ فإني لما أخبرتها بما حصل لم تقصر في شيء وقالت لي: جميع ما تحتاجين إليه اطلبيه مني. فعند ذلك قال لها زوجها: حيث صار عندك هذا، فأنا متوجه إلى محل أقصده لعل الله تعالى يفرج عنا. وأخذ بخاطرها وقبل أولاده ثم خرج ولم يعرف أين يقصد، وما زال ماشيا حتى وصل إلى بولاق، فرأى مركبا مسافرة إلى دمياط، فرآه رجل كان بينه وبين أبيه صحبه، فسلم عليه وقال له: أين تريد؟ قال: أريد دمياط، فإن لي أصحابا أسأل عنهم وأزورهم ثم أرجع. فأخذه إلى بيته وأكرمه وعمل له زادا، وأعطاه شيئا من الدنانير، وأنزله في المركب المتوجهة إلى دمياط، فلما وصلوا إليها طلع من المركب ولم يعرف أين يقصد. # فبينما هو ماش إذ رآه رجل من التجار، فحن عليه وأخذه معه إلى ms1034 منزله، فمكث عنده مدة، وبعد ذلك قال في نفسه: وإلى متى هذا القعود في بيوت الناس؟ ثم طلع من بيت ذلك التاجر فرأى مركبا مسافرة إلى الشام، فعمل له الرجل الذي كان نازلا عنده زادا وأنزله في تلك المركب، وتوجهت بهم حتى وصلوا إلى ساحل الشام، فنزل من المركب وسافر حتى دخل دمشق، فبينما هو ماش في شوارعها إذ رآه رجل من أهل الخير، فأخذه إلى منزله فأقام عنده مدة، ثم بعد ذلك خرج فرأى قافلة متوجهة إلى بغداد، فخطر بباله أن يسافر مع تلك القافلة، ثم رجع إلى التاجر الذي كان مقيما عنده في منزله وأخذ خاطره وطلع مع القافلة، فحنن الله سبحانه وتعالى عليه رجل من التجار، فأخذه عنده وصار يأكل ويشرب معه إلى أن بقي بينهم وبين بغداد يوم واحد، فطلع على القافلة جماعة من قطاع الطريق، فأخذوا كامل ما معهم ولم ينج منهم إلا القليل، فسار كل واحد من القافلة يقصد محلا يأوي إليه، وأما علي المصري فإنه قصد بغداد، ثم وصل إليها عند غروب الشمس، وما حصل باب المدينة حتى رأى البوابين مرادهم أن يقفلوا الباب، فقال لهم: دعوني أدخل عندكم. فأدخلوه عندهم وقالوا له: من أين أتيت وإلى أين تسير؟ فقال: أنا رجل من مدينة مصر، ومعي تجارة وبغال وأحمال وعبيد وغلمان، فسبقتهم لكي أنظر لي محلا أحط فيه تجارتي، فلما سبقتهم وأنا راكب على بغلتي قابلني جماعة من قطاع الطريق فأخذوا بغلتي وحوائجي، وما نجوت منهم إلا وأنا على آخر رمق. فأكرموه وقالوا له: مرحبا بك، فبت عندنا إلى الصباح، ثم ننظر لك محلا يليق بك. ففتش في جيبه فرأى دينارا كان باقيا من الدنانير التي أعطاها له التاجر في بولاق، فأعطى ذلك الدينار لواحد من البوابين وقال له: خذ هذا واصرفه وائتنا بشيء نأكله. فأخذه وذهب إلى السوق وصرفه وجاء له بخبز ولحم مطبوخ، فأكل هو وإياهم ونام عندهم إلى الصباح. # ثم أخذه رجل من البوابين وتوجه إلى رجل من تجار بغداد ms1035 وحكى له حكايته، فصدقه ذلك الرجل وظن أنه تاجر ومعه أحمال، فأطلعه دكانه وأكرمه وأرسل إلى منزله، فأحضر له بدلة عظيمة من ملبوسه وأدخله الحمام. قال علي المصري ابن التاجر حسن الجوهري: فدخلت معه الحمام، وعند خروجنا أخذني وتوجه بي إلى منزله وأحضر لنا الغداء، فأكلنا وانبسطنا وقال لواحد من عبيده: يا مسعود، خذ سيدك واعرض عليه البيتين اللذين في المكان الفلاني، والذي يعجبه منهما أعطه مفتاحه وتعال. فتوجهت أنا والعبد حتى وصلنا إلى درب فيه ثلاثة بيوت بجانب بعضهما جديدة مقفولة، ففتح أول بيت وتفرجت عليه، وخرجنا وتوجهنا إلى الثاني ففتحه وتفرجت عليه، فقال لي: أيهما أعطيك مفتاحه؟ فقلت له: وهذا البيت الكبير لمن؟ قال: لنا. قلت له: افتحه لأجل أن نتفرج عليه. فقال: ليس لك حاجة به. فقلت له: لم ذلك؟ فقال: لأنه معمور، ولم يسكنه أحد إلا ويصبح ميتا، ولا نفتح بابه لإخراج الميت منه، بل نطلع على سطح أحد البيتين ونخرجه منه، فمن ذلك تركه سيدي وقال: أنا ما بقيت أعطيه لأحد. فقلت: افتحه لي حتى أتفرج عليه. وقلت في نفسي: هذا هو المطلوب، فأبيت فيه وأصبح ميتا وأرتاح من هذا الحال الذي أنا فيه. ففتحه ودخلته فرأيته بيتا عظيما لا مثيل له، فقلت للعبد: أنا ما أختار إلا هذا البيت، فأعطني مفتاحه. فقال لي العبد: لا أعطيك المفتاح حتى أشاور سيدي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 428 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العبد قال لي: لا أعطيك المفتاح حتى أشاور سيدي. ثم توجه إلى سيده وقال له: إن التاجر المصري يقول: ما أسكن إلا في البيت الكبير. فقام وجاء إلى علي المصري وقال له: يا سيدي، ليس لك بهذا البيت حاجة. فقال له علي المصري: ما أسكن إلا فيه، ولا أبالي بهذا القول. فقال له: أكتب بيني وبينك حجة أنه إذا حصل لك شيء لا علاقة لي بك. قال: كذلك. فأحضر شاهدا من المحكمة وكتب عليه حجة وأخذها عنده ms1036 وأعطاه المفتاح، فأخذه ودخل البيت، فأرسل إليه التاجر فرشا مع عبد، ففرشه له على المصطبة التي خلف الباب ورجع، ثم بعد ذلك قام علي المصري ودخل، فرأى بئرا في حوش البيت وعليها منطال، فأنزله في البئر وملأه وتوضأ منه وصلى فرضه وجلس قليلا، فجاء له العبد بالعشاء من بيت سيده، وجاء له بقنديل وشمعة وشمعدان وطشت وإبريق وقلة، ثم تركه وتوجه إلى بيت سيده، فأوقد الشمعة وتعشى وانبسط وصلى العشاء وقال في نفسه: قم اطلع فوق وخذ الفرش ونم هناك أحسن من هنا. فقام وأخذ الفرش وأطلعه فوق، فرأى قاعة عظيمة سقفها مذهب، وأرضها وحيطانها بالرخام الملون، ففرش فرشة وجلس يقرأ شيئا من القرآن العظيم، فلم يشعر إلا وشخص يناديه ويقول له: يا علي يا ابن حسن، هل أنزل عليك الذهب؟ قال له: وأين الذهب الذي تنزله؟ فما قال له ذلك حتى صب عليه ذهبا كالمنجنيق، ولم يزل الذهب منصبا حتى ملأ القاعة، فلما فرغ انصباب الذهب قال له: اعتقني حتى أتوجه إلى حال سبيلي، فقد فرغت خدمتي. فقال له علي المصري: أقسمت عليك بالله العظيم أن تخبرني عن سبب هذا الذهب؟ فقال له: إن هذا الذهب كان مرصودا عليك من قديم الزمن، وكان كل من دخل هذا البيت نأتيه ونقول له: يا علي يا ابن حسن، هل ننزل الذهب؟ فيخاف من كلامنا ويصرخ، فننزل له ونكسر رقبته ونروح، فلما جئت أنت وناديناك باسمك واسم أبيك، وقلنا لك: هل ننزل الذهب؟ قلت لنا: وأين الذهب؟ فعرفنا أنك صاحبه فأنزلناه، وبقي لك كنز في بلاد اليمن، فإذا سافرت وأخذته وأتيت إلى هنا كان أولى لك، وأريد منك أن تعتقني حتى أروح إلى حال سبيلي. فقال: والله ما أعتقك إلا إذا أتيتني بالذي في بلاد اليمن إلى هنا. فقال له: إذا أتيتك به هل تعتقني وتعتق خادم ذلك الكنز؟ فقال: نعم. قال له: احلف لي. فحلف له، وأراد أن يتوجه فقال له علي المصري: بقي لي عندك حاجة. قال: وما هي؟ قال: ms1037 لي زوجة وأولاد بمصر في المحل الفلاني ينبغي أن تأتيني بهم على راحة من غير ضرر. فقال له: آتيك بهم في موكب من تختروان، وخدم وحشم مع الكنز الذي نأتيك به من بلاد اليمن إن شاء الله تعالى. # ثم أخذ منه إجازة على ثلاثة أيام، ويكون جميع ذلك عنده وتوجه، فأصبح يدور في القاعة على محل يأوي فيه الذهب، فرأى رخامة على طرف ليوان القاعة وفيها لولب، فرك اللولب فانزاحت الرخامة وبان له باب ففتحه ودخل، فرأى خزنة كبيرة وفيها أكياس من القماش مخيطة، فصار يأخذ الأكياس ويملؤها من الذهب ويدخلها في الخزنة، إلى أن حول الذهب جميعه وأدخله الخزنة وقفل الباب وفرك اللولب، فرجعت الرخامة محلها، ثم قام ونزل وقعد على المصطبة التي وراء الباب، فبينما هو قاعد وإذا بطارق يطرق عليه الباب، فقام وفتحه فرآه عبد صاحب البيت، فلما رآه العبد جالسا رجع بسرعة إلى سيده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 429 # ![fig12](../Images/figure12.png) # ركبوا معهم ودخلوا المدينة في موكب عظيم. # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد صاحب البيت لما جاء وطرق الباب على علي المصري ابن التاجر حسن، فتح له الباب، فلما رآه جالسا رجع بسرعة إلى سيده ليبشره، فلما وصل إلى سيده قال له: يا سيدي، إن التاجر الذي سكن في البيت المعمور بالجن طيب بخير، وهو جالس على المصطبة التي وراء الباب. فقام سيده وهو فرحان وتوجه إلى ذلك البيت ومعه الفطور، فلما رآه عانقه وقبله بين عينيه وقال له: ما فعل الله بك؟ قال: خيرا، وما نمت إلا فوق في القاعة المرخمة. فقال له: هل أتاك شيء أو نظرت شيئا؟ قال: لا، وإنما قرأت ما تيسر من القرآن العظيم ونمت إلى الصباح، ثم قمت وتوضأت ونزلت وجلست على المصطبة. فقال: الحمد لله على السلامة. ثم قام من عنده وأرسل إليه عبيدا ومماليك وجواري وفرشا، فكنسوا البيت من فوق وتحت، وفرشوه له فرشا عظيما، وبقي عنده ثلاثة مماليك وثلاثة عبيد وأربع ms1038 جوار للخدمة، والباقي توجهوا إلى بيت سيدهم، ولما سمع بخبره التجار أرسلوا إليه هدايا من كل شيء نفيس، حتى من المأكول والمشروب والملبوس، وأخذوه عندهم في السوق وقالوا له: متى تجيء حملتك؟ فقال لهم: بعد ثلاثة أيام تدخل. فلما مضت الثلاثة أيام، جاء له خادم الكنز الأول الذي أنزل له الذهب من البيت وقال له: قم لاق الكنز الذي جئت لك به من اليمن، وحريمك وصحبتهم من جملة الكنز مال على صورة المتجر العظيم، وجميع ما معه من البغال والخيل والجمال والخدم والمماليك كلهم من الجان، وكان ذلك الخادم قد توجه إلى مصر فرأى زوجة علي وأولاده في هذه المدة صاروا في عري وجوع زائد، فحملهم من مكانهم في تختروان خارجا عن مصر، وألبسهم خلعا عظيمة من الخلع التي في كنز اليمن، فلما جاء إليه وأخبره بذلك الخبر، قام وتوجه إلى التجار وقال لهم: قوموا بنا نطلع خارج المدينة لنلاقي القافلة التي فيها متجرنا، وتشرفونا بحريماتكم لأجل ملاقاة حريمنا. فقالوا له: سمعا وطاعة. ثم أرسلوا أحضروا حريمهم وطلعوا جميعا وقعدوا في بستان من بساتين المدينة وجلسوا يتحدثون. # فبينما هم في الحديث وإذا بغبار قد ثار من كبد البر، فقاموا ينظرون ما سبب ذلك الغبار، فانكشف وبان عن بغال ورجال وعكامة وفراشين وضويه، وهم مقبلون في غناء ورقص إلى أنا أقبلوا، فتقدم مقدم العكامة إلى علي المصري ابن التاجر حسن الجوهري وقبل يده وقال له: يا سيدي، إننا تعوقنا في الطريق لأننا أردنا الدخول بالأمس فخفنا من قطاع الطريق، فمكثنا أربعة أيام ونحن مقيمون في محلنا إلى أن صرفهم الله تعالى عنا. فقام التجار وركبوا بغالهم وساروا مع القافلة، وتأخرت الحريمات عند حريم التاجر علي المصري إلى أن ركبوا معهم ودخلوا في موكب عظيم، وصار التجار يتعجبون من البغال المحملة بالصناديق، ونساء التجار يتعجبن من ملبس زوجة التاجر علي وملبس أولادها، ويقلن: إن هذه الملابس لا يوجد مثلها عند ملك بغداد ولا غيره من سائر الملوك والأكابر والتجار. ولم يزلوا سائرين ms1039 في موكبهم؛ الرجال مع التاجر علي المصري، والنساء مع حريمه، إلى أن دخلوا المنزل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 430 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنهم لم يزالوا سائرين في موكبهم؛ الرجال مع التاجر علي المصري، والنساء مع حريمه، حتى دخلوا المنزل ونزلوا، وأدخلوا البغال بأحمالها في وسط الحوش، ثم نزلوا الأحمال وخزنوها في الحواصل، وطلع الحريمات مع الحريم إلى القاعة، فرأوها مثل الروضة الغناء، مفروشة بالفرش العظيم، فجلسوا في حظ وسرور، واستمروا جالسين إلى وقت الظهر، فطلع الغداء لهم على أحسن ما يكون من أنواع الأطعمة والحلويات، فأكلوا وشربوا الشربات العظيمة، وتطيبوا بعدها بماء الورد والبخور، ثم أخذوا خاطره وانصرفوا إلى محلاتهم رجالا ونساء، ولما رجع التجار إلى أماكنهم صاروا يرسلون إليه الهدايا على قدر أحوالهم، وصار الحريمات يهادين الحريم إلى أن جاء لهم شيء كثير من جوار وعبيد ومماليك، ومن كامل الأصناف كالحبوب والسكر وغير ذلك من الخير الذي لا يحصى، وأما التاجر البغدادي صاحب البيت الذي هو فيه، فإنه أستمر مقيما عنده ولم يفارقه وقال له: خل العبيد والخدم يدخلون البغال وغيرها من البهائم في بيت من البيوت لأجل الراحة. فقال له: إنهم مسافرون في هذه الليلة إلى محل كذا. وأعطاهم إجازة بأن يخرجوا إلى خارج المدينة حتى يأتي الليل يسافرون، فما صدقوا أن يعيطهم الإجازة بذلك حتى آخذوا خاطره، وانصرفوا إلى ظاهر المدينة وطاروا في الهواء إلى أماكنهم. # وقعد التاجر علي مع صاحب البيت الذي هو فيه إلى ثلث الليل، ثم انفض مجلسهما وذهب صاحب البيت إلى محله، وطلع التاجر علي إلى حريمه وسلم عليهم وقال لهم: ما الذي جرى لكم بعدي في هذه المدة؟ فأخبرته زوجته بما قاسوه من الجوع والعري والتعب، فقال لها: الحمد لله على السلامة، وكيف جئتم؟ فقالت: يا سيدي، بينما أنا نائمة مع أولادي ليلة البارحة، فلم أشعر إلا والذي رفعني عن الأرض أنا وأولادي إلى أن صرنا طائرين في الهواء، ولكن لم يحصل لنا ضرر، ms1040 ولم نزل طائرين حتى نزلنا على الأرض في مكان على شكل حلة العرب، فرأينا هناك بغالا محملة وتختروانا على بغلتين كبيرتين، وحوله خدم من غلمان ورجال، فقلت لهم: من أنتم؟ وما هذه الأحمال؟ ونحن في أي مكان؟ فقالوا: نحن خدام التاجر علي المصري ابن التاجر حسن الجوهري، وقد أرسلنا نأخذكم ونوصلكم إليه في مدينة بغداد. فقلت لهم: وهل المسافة التي بيننا وبين بغداد بعيدة أم قريبة؟ فقالوا لي: قريبة، فما بيننا وبينها غير سواد الليل. ثم أركبونا في التختروان، فما أصبح الصباح إلا ونحن عندكم ولم يحصل لنا ضرر قط. فقال لها: ومن أعطاكم هذا الملبس؟ فقالت: مقدم القافلة؛ فتح صندوقا من الصناديق التي على البغال وأخرج منه هذه الحلل، فألبسني حلة وألبس أولادك كل واحد حلة، ثم قفل الصندوق الذي أخذ منه الحلل وأعطاني مفتاحه، وقال لي: احرصي عليه حتى تعطيه لزوجك. وها هو محفوظ عندي، ثم أخرجته له، فقال لها: هل تعرفين الصندوق؟ قالت: نعم أعرفه. فقام ونزل معها إلى الحواصل وأراها الصناديق، فقالت له: هذا هو الصندوق الذي أخذ منه الحلل. فأخذ المفتاح منها وحطه في القفل وفتحه، فرأى فيه حللا كثيرة، ورأى فيه مفاتيح كامل الصناديق، فأخذها منه وصار يفتح الصناديق صندوقا بعد ويتفرج على ما فيها من الجواهر والمعادن الكنوزية التي لم يوجد عند أحد من الملوك نظيرها، ثم قفلها وأخذ مفاتيحها وطلع هو وزوجته إلى القاعة وقال لها: هذا من فضل الله تعالى. ثم بعد ذلك أخذها وتوجه بها إلى الرخامة التي فيها اللولب، وفركه وفتح باب الخزنة ودخل هو وإياها وفرجها على الذهب الذي وضعه فيها، فقالت له: من أين جاءك هذا كله؟ فقال لها: جاءني من فضل ربي، فإني خرجت من عندك بمصر ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 431 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه لما فرج التاجر علي المصري زوجته على الذهب، قالت له: من أين جاءك هذا كله؟ فقال لها: جاءني من فضل ربي، فإني ms1041 خرجت من عندك بمصر وطلعت وأنا لا أدري أين أذهب، فتمشيت حتى وصلت إلى بولاق، فوجدت مركبا مسافرة إلى دمياط فنزلت فيها، فلما وصلت إلى دمياط قابلني رجل تاجر كان يعرف والدي فأخذني وأكرمني وقال لي: إلى أين تسافر؟ فقلت له: أريد أن أسافر إلى دمشق الشام، فإن لي فيها أصحابا. وحكى لها ما وقع له من أوله إلى آخره، فقالت له: يا سيدي، هذا كله ببركة دعاء والدك حين كان يدعو لك قبل موته ويقول: أسأل الله ألا يوقعك في شدة إلا ويدركك بالفرج القريب. فالحمد لله تعالى حيث أتاك بالفرج وعوض عليك بأكثر مما ذهب منك، فبالله عليك يا سيدي لا تعد إلى ما كنت فيه من عشرة أصحاب الشبه، وعليك بتقوى الله تعالى في السر والعلانية. وصارت توصيه، فقال لها: قبلت وصيتك، وأسال الله تعالى أن يبعد عنا أقران السوء، وأن يوفقنا لطاعته واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وصار هو وزوجه وأولاده في أرغد عيش، ثم إنه أخذ له دكانا في سوق التجار، ووضع فيه شيئا من الجواهر والمعادن المثمنة وجلس في الدكان وعنده أولاده ومماليكه، وصار أجل التجار في مدينة بغداد، فسمع بخبره ملك بغداد، فأرسل إليه رسولا بطلبه، فلما جاءه الرسول قال له: أجب الملك فإنه يطلبك. فقال: سمعا وطاعة. ثم جهز هدية للملك، فأخذ أربع صواني من الذهب الأحمر وملأها من الجواهر والمعادن التي لا يوجد مثلها عند الملوك، وأخذ الصواني وطلع بها إلى الملك. # فلما دخل عليه قبل الأرض بين يديه ودعا له بدوام العز والنعم وأحسن ما به تكلم، فقال له الملك: يا تاجر، قد آنست بلادنا. فقال له: يا ملك الزمان، إن العبد أتاك بهدية ويرجو من فضلك قبولها. ثم قدم الأربع صواني بين يديه، فكشف عنها الملك وتأملها، فرأى فيها شيئا من الجواهر لم يكن عنده مثله، وقيمته تساوي خزائن مال. فقال له: هديتك مقبولة يا تاجر، وإن شاء الله تعالى نجازيك بمثلها. فقبل يدي الملك وانصرف من ms1042 عنده، فأحضر الملك أكابر دولته وقال لهم: كم ملكا من الملوك خطب ابنتي؟ قالوا له: كثير. فقال لهم: هل أحد منهم هاداني بمثل هذه الهدية؟ فقالوا جميعا: لا، لأنه لا يوجد عند أحد منهم مثل هذا قط. فقال الملك: استخرت الله تعالى في أن أزوج ابنتي لهذا التاجر، فما تقولون؟ فقالوا له: الأمر كما ترى. فأمر الطواشية أن يحملوا الأربع صواني بما فيها ويدخلوها إلى سرايته، ثم اجتمع بزوجته ووضع الصواني بين يديها، فكشفت عنها فرأت فيها شيئا لم يكن عندها مثله ولا قطعة واحدة، فقالت له: من أي الملوك هذا؟ لعله من أحد الملوك الذين خطبوا بنتك. فقال: لا، وإنما هذا من رجل تاجر مصري جاء عندنا في هذه المدينة، فلما سمعت بقدومه أرسلت إليه رسولا يحضره لنا كي نصاحبه، لعلنا نجد عنده شيئا من الجواهر فنشتريه منه من أجل جهاز بنتنا، فامتثل أمرنا وجاء لنا بهذه الأربع صواني وقدمها لنا هدية، فرأيته شابا حسنا ذا مهابة وعقل كامل وشكل ظريف يكاد أن يكون من أبناء الملوك، فلما رأيته مال إليه قلبي وانشرح له صدري، وأحببت أن أزوجه بنتي، وقد عرضت الهدية على أرباب دولتي وقلت لهم: كم واحدا من الملوك خطب ابنتي؟ فقالوا: كثير. فقلت لهم: وهل جاءني أحد منهم بمثل ذلك؟ فقالوا كلهم: لا والله يا ملك الزمان، إنه لا يوجد عند أحد منهم مثل ذلك. فقلت لهم: إني استخرت الله تعالى في أن أزوجه ابنتي، فما تقولون؟ قالوا: الأمر كما تراه. فما تقولين أنت في جوابك؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 432 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ملك مدينة بغداد لما عرض الهدية على زوجته وأخبرها بشمائل التاجر علي الجوهري، وأنه يريد أن يزوجه ابنته، ثم قال لها: فما تقولين أنت في جوابك؟ قالت له: الأمر لله ولك يا ملك الزمان، والذي يريده الله هو الذي يكون. فقال: إن شاء الله تعالى لا نزوجها إلا لهذا الشاب. وبات تلك الليلة، ms1043 فلما أصبح الصباح طلع إلى ديوانه وأمر بإحضار التاجر علي المصري وكامل تجار بغداد، فحضروا جميعا، فلما تمثلوا بين يدي الملك أمرهم بالجلوس فجلسوا، ثم قال: أحضروا قاضي الديوان. فحضر بين يديه فقال له: يا قاضي، اكتب كتاب ابنتي على التاجر علي المصري. فقال علي المصري: العفو يا مولانا السلطان، لا يصح أن يكون صهر الملك تاجر مثلي. فقال الملك: قد أنعمت عليك بذلك وبالوزارة. ثم خلع عليه خلعة الوزراء في الحال، فعند ذلك جلس على كرسي الوزارة وقال: يا ملك الزمان، أنت أنعمت علي بذلك وقد تشرفت بإنعامك، ولكن اسمع لي كلمة أقولها لك. فقال: قل ولا تخف. قال: حيث صدر أمرك الشريف بزواج ابنتك، فينبغي أن يكون زواجها لولدي. فقال: هل لك ولد؟ قال: نعم. فقال الملك: أرسل إليه في هذه الساعة. فقال: سمعا وطاعة. ثم أرسل واحدا من مماليكه إلى ولده وأحضره، فلما حضر بين يدي الملك قبل الأرض بين يديه ووقف متأدبا، فنظر إليه الملك فرآه أجمل من بنته وأحسن منها قدا واعتدالا وبهجة وكمالا، فقال له: ما اسمك يا ولدي؟ فقال: يا مولانا السلطان اسمي حسن. وكان عمره حينئذ أربعة عشر عاما، فقال الملك للقاضي: اكتب كتاب بنتي حسن الوجود على حسن ابن التاجر علي المصري. فكتب كتابه عليها وتم الأمر على أحسن حال، وانصرف كل من في الديوان إلى سبيله، ونزل التجار خلف الوزير علي المصري إلى أن وصل إلى منزله وهو في منصب الوزارة، ثم هنوه بذلك وانصرفوا إلى حال سبيلهم. # ثم دخل الوزير علي المصري على زوجته، فرأته لابسا خلعة الوزارة، فقالت له: ما هذا؟ فحكى لها الحكاية من أولها إلى آخرها وقال لها: إن الملك زوج ابنته لحسن ولدي. ففرحت بذلك فرحا زائدا، ثم بات علي المصري تلك الليلة، ولما أصبح الصباح طلع الديوان، فلاقاه الملك ملاقاة حسنة وأجلسه إلى جانبه وقربه منه، وقال له: يا وزير، قصدنا أننا نقيم الفرح وندخل ابنك على بنتي. فقال: يا مولانا السلطان، ما تراه ms1044 حسنا فهو حسن. فأمر الملك بقيام الفرح وزينوا المدينة، واستمروا في إقامة الفرح ثلاثين يوما وهم في هناء وسرور، وفي تمام الثلاثين يوما دخل حسن ابن الوزير على بنت الملك وتمتع بحسنها وجمالها، وأما زوجة الملك فإنها حين رأت زوج ابنتها أحبته حبا شديدا، وكذلك فرحت بأمه فرحا زائدا. # ثم إن الملك أمر لحسن ابن الوزير بسراية، فبنوا له سراية عظيمة بسرعة، وسكن فيها ابن الوزير، وصارت أمه تقعد عنده أياما ثم تنزل إلى بيتها، فقالت زوجة الملك لزوجها: يا ملك الزمان، إن والدة حسن لا يمكنها أن تقعد عند ولدها وتترك الوزير، ولا يمكنها أن تقعد عند الوزير وتترك ولدها. فقال: صدقت. وأمر أن تبنى سراية ثالثة بجنب سراية حسن ابن الوزير، فبنوا سراية ثالثة في أيام قلائل، وأمر الملك أن ينقلوا حوائج الوزير إلى السراية، فنقلوها وسكن بها الوزير، وصارت الثلاث سرايات نافذات لبعضها، فإذا أراد الملك أن يتحدث مع الوزير يمشي له ليلا أو يرسل إليه يحضره، وكذلك حسن وأمه وأبوه، وما زالوا مع بعضهم في حالة مرضية وعيشة هنية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 433 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك والوزير وابنه ما زالوا مع بعضهم في حالة مرضية وعيشة هنية مدة من الزمان، ثم إن الملك حصل له ضعف وزاد سقمه، فأحضر أكابر دولته وقال لهم: إنه حصل لي مرض شديد وربما كان مرض الموت، وأحضرتكم لأشاوركم في أمر، فشوروا علي بما ترونه حسنا. فقالوا: إني صرت كبيرا وقد مرضت وأخاف على المملكة بعدي من الأعداء، وقصدي أن تتفقوا أنتم الجميع على واحد حتى أبايعه على المملكة في حياتي لكي ترتاحوا. فقالوا جميعا: نحن نرضى كلنا بزوج ابنتك حسن ابن الوزير علي، فإننا رأينا عقله وكماله وفهمه، وهو يعرف مقام الكبير والصغير. فقال لهم الملك: وهل رضيتم بذلك؟ قالوا: نعم. قال لهم: ربما تقولون ذلك بين يدي حياء مني، وفي خلفي تقولون غير ذلك! فقالوا جميعا: والله إن ms1045 كلامنا ظاهرا وباطنا واحد لا يتغير، وقد ارتضيناه بطيب قلوبنا وانشراح صدورنا. فقال لهم: إن كان الأمر كذلك فأحضروا قاضي الشرع الشريف، وسائر الحجاب والنواب وأرباب الدولة جميعا بين يدي في غد، ونتمم الأمر على أحسن حال. فقالوا له: سمعا وطاعة. ثم انصرفوا من عنده ونبهوا على كامل العلماء ووجهاء الناس من الأمراء. # فلما أصبح الصباح طلعوا إلى الديوان وأرسلوا إلى الملك يستأذنونه في الدخول عليه، فأذن لهم، فدخلوا وسلموا عليه وقالوا: نحن الجميع قد حضرنا بين يديك. فقال لهم الملك: يا أمراء بغداد، من ترضوا يكون عليكم ملكا بعدي لأجل أن أبايعه في حياتي قبل مماتي في حضوركم جميعا؟ فقالوا كلهم: قد اتفقنا على حسن ابن الوزير علي زوج ابنتك. فقال لهم: إن كان الأمر كذلك فقوموا جميعا وأحضروه بين يدي. فقاموا جميعا ودخلوا سرايته وقالوا له: قم بنا إلى الملك. فقال لهم: لأي شيء؟ فقالوا له: لأمر فيه صلاح لنا ولك. فقام معهم حتى دخلوا على الملك، فقبل حسن الأرض بين يديه، فقال له الملك: اجلس يا ولدي. فجلس، فقال له: يا حسن، إن الأمراء جميعا استرضوا عنك واتفقوا على أن يجعلوك ملكا عليهم من بعدي، وقصدي أن أبايعك في حياتي لأجل انفضاض الأمر. فعند ذلك قام حسن وقبل الأرض بين يدي الملك وقال له: يا مولانا الملك، إن في الأمراء من هو أكبر مني سنا وأعلى قدرا، فأقيلوني من ذلك الأمر. فقالت الأمراء جميعا: لا نرضى إلا أن تكون ملكا علينا. فقال لهم: إن أبي أكبر مني، وأنا وأبي شيء واحد ولا يصح تقديمي عليه. فقال له أبوه: أنا لا أرضى إلا بما رضي به إخواني، وقد رضوا بك واتفقوا عليك، فلا تخالف أمر الملك ولا أمر إخوانك. فأطرق حسن برأسه إلى الأرض حياء من الملك ومن أبيه، فقال لهم الملك: هل رضيتم به؟ قالوا: رضينا به. فقرءوا جميعا على ذلك فواتح سبع، ثم قال الملك: يا قاضي، اكتب حجة شرعية على هؤلاء الأمراء أنهم اتفقوا على ms1046 سلطنة حسن زوج بنتي، وأنه يكون عليهم ملكا. فكتب الحجة بذلك وأمضاها بعد أن بايعوه جميعا على الملك، وبايعه الملك وأمره بالجلوس على كرسي المملكة، فقاموا جميعا وقبلوا يدي الملك حسن ابن الوزير وأبدوا له الطاعة، فحكم في ذلك النهار حكما عظيما، وخلع على أرباب الدولة الخلع السنية، ثم انفض الديوان ودخل حسن على والد زوجته وقبل يديه، فقال له: يا حسن عليك بتقوى الله في الرعية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 434 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك حسن لما فرغ من الديوان دخل على والد زوجته وقبل يديه، فقال له: يا ولدي، عليك بتقوى الله في الرعية. فقال له: بدعائك لي يا والدي يحصل لي التوفيق. ثم دخل سرايته فلاقته زوجته هي وأمها وأتباعها وقبلوا يديه وقالوا له: يوم مبارك. وهنوه بالمنصب، ثم قام من سرايته ودخل سراية والده، وفرحوا فرحا زائدا بما أنعم الله به عليه من تقليد الملك، وأوصاه والده بتقوى الله والشفقة على الرعية، وبات تلك الليلة في فرح وسرور إلى الصباح، ثم صلى فرضه وختم ورده وطلع إلى الديوان، وطلع إليه كامل العسكر وأرباب المناصب، فحكم بين الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وولى وعزل، ولم يزل في الحكومة إلى آخر النهار، ثم انفض الديوان على أحسن حال، وانصرف العسكر وسار كل واحد منهم إلى حال سبيله. ثم قام ودخل السراية فرأى والد زوجته قد ثقل عليه الضعف، فقال له: لا بأس عليك. ففتح عينيه وقال له: يا حسن. قال: لبيك يا سيدي. قال له: أنا الآن قد قرب أجلي فكن متوصيا بزوجتك ووالدتها، وعليك بتقوى الله وبر والديك، واخش مهابة الملك الديان، واعلم بأن الله يأمر بالعدل والإحسان. فقال له الملك حسن: سمعا وطاعة. ثم إن الملك القديم أقام ثلاثة أيام بعد ذلك وتوفي إلى رحمة الله تعالى، فجهزوه وكفنوه وعملوا له القراءات والختمات إلى تمام الأربعين يوما، واستقل الملك حسن ابن الوزير بالملك، وفرحت به الرعية، ms1047 وكانت أيامه كلها سرورا، وما زال والده وزيرا كبيرا على ميمنته، وأتخذ له وزيرا آخر على ميسرته، واستقامت به الأحوال، ومكث ملكا في بغداد مدة مستطيلة، ورزق من بنت الملك ثلاثة أولاد ذكور، وتوارثوا المملكة من بعده، وصاروا في أرغد عيش وأهناه، إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، فسبحان من له الدوام وبيده النقض والإبرام. ### || حكاية رجل من الحجاج وامرأة عجوز # ومما يحكى أن رجلا من الحجاج نام نومة طويلة ثم انتبه، فلم ير للحجاج أثرا، فقام يمشي فضل عن الطريق، وصار يسير إلى أن رأى خيمة ورأى امرأة عجوزا على باب الخيمة، ووجد عندها كلبا نائما، فدنا من الخيمة ثم سلم على العجوز وطلب منها طعاما، فقالت: امض إلى ذلك الوادي واصطد من الحيات بقدر كفايتك لأشوي لك منها وأطعمك. فقال لها الرجل: أنا لا أجسر على أن أصطاد الحيات، وما أكلتها قط. فقالت العجوز: أنا أمضي معك وأتصيد منها، فلا تخف. ثم إنها مضت معه وتبعها الكلب، فاصطادت من الحيات بقدر الكفاية، وجعلت تشوي منها. قال: فلم ير الرجل الحاج من الأكل بدا، وخاف من الجوع والهزال، فأكل من تلك الحيات، ثم إنه عطش فطلب من العجوز ماء ليشرب، فقالت له: دونك والعين فاشرب منها. فمضى إلى العين فوجد ماءها مرا، ولم يجد له من شربه بدا، مع شدة مرارته؛ لما لحقه من العطش، فشرب ثم عاد للعجوز وقال لها: عجبا منك أيتها العجوز ومن مقامك بهذا الموضع ومكثك في هذا المكان! وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 435 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجل الحاج لما شرب من ماء العين المر لكثرة ما لحقه من العطش، ثم عاد للعجوز وقال لها: أعجب أيتها العجوز منك ومن مقامك بهذا الموضع واغتذائك بهذا الطعام وشربك من هذا الماء! قالت له العجوز: فكيف تكون بلادكم؟ قال لها: إن في بلادنا الدور الواسعة الرحبة، والفواكه اليانعة اللذيذة، والمياه الغزيرة العذبة، والأطعمة الطيبة، واللحوم السمينة، والغنم ms1048 الكثيرة، وكل شيء طيب، والخيرات الحسان اللاتي لا يكون مثلهن إلا في الجنة التي وصفها الله تعالى لعباده الصالحين. فقالت العجوز: قد سمعت هذا كله، فقل لي: هل يكون لكم من سلطان يحكم عليكم ويجور في حكمه وأنتم تحت يده؟ وإن أذنب أحد منكم أخذ أمواله وأتلفه؟ وإذا أراد أخرجكم من بيوتكم واستأصل شأفتكم؟ فقال لها الرجل: قد يكون ذلك. فقالت العجوز: إذا والله يكون ذلك الطعام اللطيف، والعيش الظريف، والنعم اللذيذة، مع الجور والظلم سما ناقعا، وتعود أطعمتنا مع الأمن درياقا نافعا؛ أما سمعت أن أجل النعيم بعد الإسلام الصحة والأمن، وإنما يكون هذا من عدل السلطان خليفة الله في أرضه وحسن سياسته، وكان من تقدم من السلاطين يحب أن يكون له أدني هيبة، بحيث إذا رأته الرعية خافوه، وسلطان هذا الزمان يحب أن يكون له أوفى سياسة وأتم هيبة؛ لأن الناس الآن ليسوا كالمتقدمين، وزماننا هذا زمان ذوي الوصف الذميم والخطب الجسيم؛ حيث اتصفوا بالسفاهة والقساوة، وانطووا على البغضاء والعداوة، وإذا كان السلطان والعياذ بالله تعالى بينهم ضعيفا أو غير ذي سياسة وهيبة، فلا شك في أن ذلك يكون سببا لخراب البلاد، وفي الأمثال: جور السلطان مائة سنة ولا جور الرعية بعضهم على بعض سنة واحدة. وإذا جارت الرعية سلط الله عليهم سلطانا جائرا وملكا قاهرا، كما ورد في الأخبار: أن الحجاج بن يوسف رفعت إليه في بعض الأيام قصة مكتوب فيها: اتق الله ولا تجر على عباد الله كل الجور. فلما قرأ القصة رقي المنبر وكان فصيحا، فقال: أيها الناس، إن الله تعالى سلطني عليكم بأعمالكم ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 436 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحجاج بن يوسف لما قرأ القصة، رقي المنبر وكان فصيحا، فقال: أيها الناس، إن الله تعالى سلطني عليكم بأعمالكم، فإن أنا مت فأنتم لا تخلصون من الجور مع هذه الأعمال السيئة؛ لأن الله تعالى خلق أمثالي خلقا كثيرا، وإذا لم أكن أنا، كان من ms1049 هو أكثر مني شرا وأعظم جورا وأشد سطوة، كما قال الشاعر في معنى ذلك: # وما من يد إلا يد الله فوقها %~% وما ظالم إلا سبيلي بأظلم # والجور يخاف منه، والعدل أصلح كل شيء. نسأل الله أن يصلح أحوالنا. ### || حكاية الجارية تودد # ومما يحكى أنه كان ببغداد رجل ذو مقدار، وكان موسرا بالمال والعقار، وهو من التجار الكبار، وقد وسع الله عليه دنياه، ولم يبلغه من الذرية ما يتمناه، ومضت عليه مدة من الزمان، ولم يرزق بإناث ولا ذكران، فكبر سنه، ورق عظمه، وانحنى ظهره، وكثر وهنه وهمه، فخاف ذهاب ماله ونسبه، إذا لم يكن له ولد يرثه ويذكر به؛ فتضرع إلى الله تعالى، وصام النهار وقام الليل، ونذر النذور لله تعالى الحي القيوم، وزار الصالحين، وأكثر التضرع إلى الله تعالى؛ فاستجاب الله له وقبل دعاه، ورحم تضرعه وشكواه، فما كان إلا قليل من الأيام حتى جامع إحدى نسائه، فحملت منه في ليلتها ووقتها وساعتها، وأتمت أشهرها ووضعت حملها، وجاءت بذكر كأنه فلقة قمر؛ فأوفى بالنذر شكرا الله - عز وجل - وأخرج الصدقات، وكسا الأرامل والأيتام. وليلة سابع الولادة سماه بأبي الحسن؛ فأرضعته المراضع، وحضنته الحواضن، وحملته المماليك والخدم إلى أن كبر ونشأ، وترعرع وانتشأ، وتعلم القرآن العظيم، وفرائض الإسلام وأمور الدين القويم، والخط والشعر والحساب، والرمي بالنشاب؛ فكان فريد دهره وأحسن أهل زمانه وعصره، ذا وجه مليح، ولسان فصيح، يتهادى تمايلا واعتدالا، ويتزاهى تدللا واختيالا، بخد أحمر، وجبين أزهر، وعذار أخضر، كما قال فيه بعض واصفيه: # بدا ربيع العذار للحدق %~% والورد بعد الربيع كيف # بقي ~~أما ترى النبت فوق عارضه %~% بنفسجا طالعا من الورق # فأقام مع أبيه برهة من الزمن في أحسن حال، وأبوه به فرح مسرور، إلى أن بلغ مبالغ الرجال، فأجلسه أبوه بين يديه يوما من الأيام، وقال له: يا ولدي، إنه قد قرب الأجل، وحانت وفاتي، ولم يبق غير لقاء الله عز وجل، وقد خلفت لك ما يكفيك إلى ولد الولد من المال المتين، والضياع والأملاك والبساتين؛ فاتق ms1050 الله تعالى يا ولدي فيما خلفته لك، ولا تتبع إلا من رفدك. فلم يكن إلا قليل حتى مرض الرجل ومات، فجهزه ولده أحسن تجهيز، ودفنه ورجع إلى منزله، وقعد للعزاء أياما وليالي، وإذا بأصحابه قد دخلوا عليه وقالوا له: من خلف مثلك ما مات، وكل ما فات فقد فات، وما يصلح العزاء إلا للبنات والنساء المخدرات. ولم يزالوا به حتى دخل الحمام، ودخلوا عليه وفكوا حزنه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 437 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا الحسن ابن الخواجا لما دخل عليه أصحابه الحمام وفكوا حزنه، نسي وصية أبيه، وذهل لكثرة المال، وظن أن الدهر يبقى معه على حال، وأن المال ليس له زوال؛ فأكل وشرب، ولذ وطرب، وخلع ووهب، وجاد بالذهب، ولازم أكل الدجاج، وفض ختام الزجاج، وقهقهة القناني، واستماع الأغاني، ولم يزل على هذا الحال إلى أن مال المال وقعد الحال، وذهب ما كان لديه، وسقط في يديه، ولم يبق له بعد أن أتلف ما أتلف، غير وصيفة خلفها له والده من جملة ما خلف، وكانت الوصيفة هذه ليس لها نظير في الحسن والجمال، والبهاء والكمال، والقد والاعتدال، وهي ذات فنون وآداب، وفضائل تستطاب، قد فاقت أهل عصرها وأوانها، وصارت أشهر من علم في افتنانها، وزادت على الملاح بالعلم والعمل، والتثني والميل مع كونها خماسية القد مقارنة للسعد، بجبينين كأنهما هلال شعبان، وحاجبين أزجين، وعينين كعيون غزلان، وأنف كحد الحسام، وخد كأنه شقائق النعمان، وفم كخاتم سليمان، وأسنان كأنها عقود الجمان، وسرة تسع أوقية دهن بان، وخصر أنحل من جسم من أضناه الهوى وأسقمه الكتمان، وردف أثقل من الكثبان، وبالجملة فهي في الجمال جديرة بقول من قال: # إن أقبلت فتنت بحسن # قوامها %~% أو أدبرت قتلت بصد فراقها ~~شمسية بدرية غصنية %~% ليس الجفا والبعد من # أخلاقها ~~جنات عدن تحت جيب قميصها %~% والبدر في فلك على أطواقها # كأنها البدر الطالع والغزال الراتع، بنت تسع وخمس، تخجل القمر والشمس، كما قال الشاعر البليغ ms1051 الماهر: # شبيهة البدر إذا ما مضى %~% خمس وخمس بعدها أربع ~~ما كان ذنبي حين صيرتني %~% شبيهه أول ما يطلع # صافية الأديم، عاطرة النسيم، كأنها خلقت من النور وتكونت من البلور، تورد منها الخد، واعتدل القوام والقد، كما قال فيها بعض واصفيها: # تختال بين معصفر ومدنر %~% ومغضض ومورد ومصندل ~~هي زهرة في روضة أو درة %~% في شمسه أو صورة في هيكل ~~هيفاء إن قال القوام لها: # انهضي %~% قالت روادفها: قفي وتمهلي ~~وإذا طلبت الوصل قال جمالها %~% جودي وقال دلالها: لا تفعلي ~~سبحان من جعل الملاحة حظها %~% ونصيب عاشقها كلام العذل # تسلب من يراها بحسن جمالها، وبريق ابتسامها، وترميه من عيونها بنبل سهامها، وهي مع هذا كله فصيحة الكلام حسنة النظام. فلما نفد جميع ماله، وتبين سوء حاله، ولم يبق معه غير هذه الجارية، أقام ثلاثة أيام وهو لم يذق طعم طعام، ولم يسترح في منام. فقالت له الجارية: يا سيدي، احملني إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 438 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت لسيدها: يا سيدي، احملني إلى هارون الرشيد الخامس من بني العباس، واطلب ثمني منه عشرة آلاف دينار، فإن استغلاني فقل له: يا أمير المؤمنين، وصيفتي أكثر من ذلك، فاختبرها يعظم قدرها في عينك؛ لأن هذه الجارية ليس لها نظير، ولا تصلح إلا لمثلك. ثم قالت له: إياك يا سيدي أن تبيعني بدون ما قلت لك من الثمن؛ فإنه قليل في مثلي. وكان سيد الجارية لا يعلم قدرها، ولا يعرف أنها ليس لها نظير في زمانها. ثم إنه حملها إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد وقدمها له، وذكر ما قالت، فقال لها الخليفة: ما اسمك؟ قالت: اسمي تودد. قال: يا تودد، ما تحسنين من العلوم؟ قالت: يا سيدي، إني أعرف النحو، والشعر، والفقه، والتفسير، واللغة، وأعرف فن الموسيقى، وعلم الفرائض، والحساب، والقسمة، والمساحة، وأساطير الأولين، وأعرف القرآن العظيم، وقد قرأته للسبع وللعشر وللأربع عشرة، وأعرف عدد سوره وآياته ms1052 وأحزابه وأنصافه وأرباعه وأثمانه وأعشاره، وسجداته وعدد أحرفه، وأعرف ما فيه من الناسخ والمنسوخ، والمدنية والمكية، وأسباب التنزيل، وأعرف الحديث الشريف دراية ورواية، المسند منه والمرسل، ونظرت في علوم الرياضة والهندسة، والفلسفة وعلم الحكمة والمنطق، والمعاني والبيان، وحفظت كثيرا من العلم، وتعلقت بالشعر، وضربت العود، وعرفت مواضع النغم فيه، ومواقع حركات أوتاره وسكناتها؛ فإن غنيت ورقصت فتنت، وإن تزينت وتطيبت قتلت، وبالجملة فإني وصلت إلى شيء لم يعرفه إلا الراسخون في العلم. # ![fig13](../Images/figure13.png) # وكان سيد الجارية لا يعلم قدرها، فحملها إلى أمير المؤمنين وقدمها له. # فلما سمع الخليفة هارون الرشيد كلامها على صغر سنها، تعجب من فصاحة لسانها، والتفت إلى مولاها، وقال: إني أحضر من يناظرها في جميع ما ادعته، فإن أجابت دفعت لك ثمنها وزيادة، وإن لم تجب فأنت أولى بها. فقال مولاها: يا أمير المؤمنين، حبا وكرامة. فكتب أمير المؤمنين إلى عامل البصرة بأن يرسل إليه إبراهيم بن سيار النظام، وكان أعظم أهل زمانه في الحجة والبلاغة والشعر والمنطق، وأمره أن يحضر القراء، والعلماء، والأطباء، والمنجمين، والحكماء، والمهندسين، والفلاسفة؛ وكان إبراهيم أعلم من الجميع. فما كان إلا قليل حتى حضروا دار الخلافة، وهم لا يعلمون الخبر، فدعاهم أمير المؤمنين إلى مجلسه، وأمرهم بالجلوس فجلسوا، ثم أمر أن تحضر الجارية تودد فحضرت، وأظهرت نفسها وهي كأنها كوكب دري، فوضع لها كرسي من ذهب، فسلمت ونطقت بفصاحة لسان، وقالت: يا أمير المؤمنين، مر من حضر من العلماء، والقراء، والأطباء، والمنجمين، والحكماء، والمهندسين، والفلاسفة؛ أن يناظروني. فقال لهم أمير المؤمنين: أريد منكم أن تناظروا هذه الجارية في أمر دينها، وأن تدحضوا حجتها في كل ما ادعته. فقالوا: السمع والطاعة لله، ولك يا أمير المؤمنين. فعند ذلك أطرقت الجارية وقالت: أيكم الفقيه العالم المقرئ المحدث؟ فقال أحدهم: أنا ذلك الرجل الذي طلبت. قالت له: اسأل عما شئت. قال لها: أنت قرأت كتاب الله العزيز، وعرفت ناسخه ومنسوخه، وتدبرت آياته وحروفه؟ قالت: نعم. فقال لها: أسألك عن الفرائض الواجبة، والسنن القائمة، فأخبريني أيتها الجارية ms1053 عن ذلك، ومن ربك؟ ومن نبيك؟ ومن إمامك؟ وما قبلتك؟ وما إخوانك؟ وما طريقتك؟ وما منهاجك؟ قالت: الله ربي، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي، والقرآن إمامي، والكعبة قبلتي، والمؤمنون إخواني، والخير طريقتي، والسنة منهاجي. فتعجب الخليفة من قولها، ومن فصاحة لسانها على صغر سنها، ثم قال لها: أيتها الجارية، أخبريني بم عرفت الله تعالى؟ قالت: بالعقل. قال: وما العقل؟ قالت: العقل عقلان؛ عقل موهوب، وعقل مكسوب ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 439 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت: العقل عقلان؛ موهوب ومكسوب؛ فالعقل الموهوب هو الذي خلقه الله - عز وجل - يهدي به من يشاء من عباده، والعقل المكسوب هو الذي يكسبه المرء بتأدبه وحسن معرفته. فقال لها: أحسنت. ثم قال: أين يكون العقل؟ قالت: يقذفه الله في القلب، فيصعد شعاعه في الدماغ حتى يستقر. قال لها: أحسنت. ثم قال: أخبريني بم عرفت النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بقراءة كتاب الله تعالى، وبالآيات والدلالات، والبراهين والمعجزات. قال: أحسنت، فأخبريني عن الفرائض الواجبة، والسنن القائمة. قالت: أما الفرائض الواجبة فخمس: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا؛ وأما السنن القائمة فهي أربع: الليل، والنهار، والشمس، والقمر، وهن يبنين العمر والأمل، وليس يعلم ابن آدم أنهن يهدمن الأجل. قال: أحسنت، فأخبريني ما شعائر الإيمان؟ قالت: شعائر الإيمان: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، واجتناب الحرام. قال: أحسنت، فأخبريني بأي شيء تقومين إلى الصلاة؟ قالت: بنية العبودية مقرة بالربوبية. قال: فأخبريني كم فرض الله عليك قبل قيامك على الصلاة؟ قالت: الطهارة، وستر العورة، واجتناب الثياب المتنجسة، والوقوف على مكان طاهر، والتوجه للقبلة، والقيام، والنية، وتكبيرة الإحرام. قال: أحسنت، فأخبريني بم تخرجين من بيتك إلى الصلاة؟ قالت: بنية العبادة. قال: فبأي نية تدخلين المسجد؟ قالت: بنية الخدمة. قال: فبماذا تستقبلين القبلة؟ قالت: بثلاث فرائض وسنة. قالت: ms1054 أحسنت، فأخبريني ما مبدأ الصلاة؟ وما تحليلها؟ وما تحريمها؟ قالت: مبدأ الصلاة الطهور، وتحريمها تكبيرة الإحرام، وتحليلها السلام من الصلاة. قال: فماذا يجب على من تركها؟ قالت: روي في الصحيح: «من ترك الصلاة عامدا متعمدا من غير عذر، فلا حظ له في الإسلام.» وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 440 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما ذكرت الحديث الشريف قال لها الفقيه: أحسنت، فأخبريني عن الصلاة ما هي؟ قالت: الصلاة صلة بين العبد وربه، وفيها عشر خصال: تنور القلب، وتضيء الوجه، وترضي الرحمن، وتغضب الشيطان، وتدفع البلاء، وتكفي شر الأعداء، وتكثر الرحمة، وتدفع النقمة، وتقرب العبد من مولاه، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي من الواجبات المفروضات المكتوبات، وهي عماد الدين. قال: أحسنت، فأخبريني ما مفتاح الصلاة؟ قالت: الوضوء. قال: فما مفتاح الوضوء؟ قالت: التسمية. قال: فما مفتاح التسمية؟ قالت: اليقين. قال: فما مفتاح اليقين؟ قالت: التوكل. قال: فما مفتاح التوكل؟ قالت: الرجاء. قال: فما مفتاح الرجاء؟ قالت: الطاعة. قال: فما مفتاح الطاعة؟ قالت: الاعتراف لله تعالى بالوحدانية والإقرار له بالربوبية. قال: أحسنت، فأخبريني عن فروض الوضوء. قالت: ستة أشياء على مذهب الإمام الشافعي محمد بن إدريس رضي الله عنه: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين، والترتيب؛ وسنته عشرة أشياء: التسمية، وغسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، والمضمضة، والاستنشاق، ومسح جميع الرأس، ومسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء جديد، وتخليل اللحية الكثة، وتخليل أصابع اليدين والرجلين، وتقديم اليمنى على اليسرى، والطهارة ثلاثا ثلاثا، والموالاة. فإذا فرغ من الوضوء قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛ فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قالها عقب كل وضوء، فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها ms1055 شاء.» # قال: أحسنت، فإذا أراد الإنسان الوضوء ماذا يكون عنده من الملائكة والشياطين؟ قالت: إذا تهيأ الإنسان للوضوء أتت الملائكة عن يمينه، والشياطين عن شماله؛ فإذا ذكر الله تعالى في ابتداء الوضوء فرت منه الشياطين، واستولت عليه الملائكة بخيمة من نور لها أربعة أطناب، مع كل طنب ملك يسبح الله تعالى ويستغفر له ما دام في إنصات أو ذكر، فإن لم يذكر الله - عز وجل - عند ابتداء الوضوء ولم ينصت، استولت عليه الشياطين، وانصرفت عنه الملائكة، ووسوس له الشيطان حتى يدخل عليه الشك والنقص في وضوئه؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: «الوضوء الصالح يطرد الشيطان، ويؤمن من جور السلطان.» وقال أيضا: «من نزلت عليه بلية وهو على غير وضوء، فلا يلومن إلا نفسه.» قال: أحسنت، فأخبريني عما يفعل الشخص إذا استيقظ من منامه. قالت: إذا استيقظ الشخص من منامه، فليغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما الإناء. قال: أحسنت، فأخبريني عن فروض الغسل وعن سننه؟ قالت: فروض الغسل: النية، وتعميم البدن بالماء؛ أي إيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة، وأما سننه: فالوضوء قبله، والتدليك، وتخليل الشعر، وتأخير غسل الرجلين في قول ... إلى آخر الغسل. قال: أحسنت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 441 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما أخبرت الفقيه عن فروض الغسل وسننه، قال: أحسنت، فأخبريني عن أسباب التيمم، وفروضه، وسننه. قالت: أما أسبابه فسبعة: فقد الماء، والخوف، والحاجة إليه، وإضلاله في رحله، والمرض، والجبيرة، والجراح. وأما فروضه فأربعة: النية، والتراب، وضربة للوجه، وضربة لليدين. وأما سننه: فالتسمية، وتقديم اليمنى على اليسرى. قال: أحسنت، فأخبريني عن شروط الصلاة، وعن أركانها، وعن سننها. قالت: أما شروطها فخمسة أشياء: طهارة الأعضاء، وستر العورة، ودخول الوقت يقينا أو ظنا، واستقبال القبلة، والوقوف على مكان طاهر. وأما أركانها: فالنية، وتكبيرة الإحرام، والقيام مع القدرة، وقراءة الفاتحة وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها على مذهب الإمام الشافعي، والركوع والطمأنينة فيه، والاعتدال والطمأنينة فيه، والسجود والطمأنينة فيه، والجلوس بين السجدتين ms1056 والطمأنينة فيه، والتشهد الأخير والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، والتسليمة الأولى، ونية الخروج من الصلاة في قول. وأما سننها: فالأذان، والإقامة، ورفع اليدين عند الإحرام، ودعاء الافتتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة بعد الفاتحة، والتكبيرات عند الانتقالات، وقول سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد، والجهر في موضعه، والإسرار في موضعه، والتشهد الأول والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، والصلاة على الآل في التشهد الأخير، والتسليمة الثانية. # قال: أحسنت، فأخبريني في ماذا تجب الزكاة؟ قالت: تجب في الذهب، والفضة، والإبل، والبقر، والشاء، والحنطة، والشعير، والدخن، والذرة، والفول، والحمص، والأرز، والزبيب، والتمر. قال: أحسنت، فأخبريني في كم تجب الزكاة في الذهب؟ قالت: لا زكاة فيما دون عشرين مثقالا، فإذا بلغت العشرين ففيها نصف مثقال، وما زاد فبحسابه. قال: فأخبريني في كم تجب الزكاة في الورق؟ قالت: ليس فيما دون مائتي درهم زكاة، فإذا بلغت المائتين ففيها خمسة دراهم، وما زاد فبحسابه. قال: أحسنت، فأخبريني في كم تجب الزكاة في الإبل؟ قالت: في كل خمس شاة إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض. قال: أحسنت، فأخبريني في كم تجب الزكاة في الشياه؟ قالت: إذا بلغت أربعين ففيها شاة. قال: أحسنت، فأخبريني عن الصوم وفروضه. قالت: أما فروض الصوم: فالنية، والإمساك عن الأكل والشرب والجماع وتعمد القي، وهو واجب على كل مكلف خال عن الحيض والنفاس، ويجب برؤية الهلال أو بإخبار عدل يقع في قلب المخبر صدقه، ومن واجباته تبييت النية. وأما سننه: فتعجيل الفطر، وتأخير السحور، وترك الكلام إلا في الخير والذكر وتلاوة القرآن. قال: أحسنت، فأخبريني عن شيء لا يفسد الصوم. قالت: الأدهان، والاكتحال، وغبار الطريق، وابتلاع الريق، وخروج المني بالاحتلام، والنظر لامرأة أجنبية، والفصادة والحجامة، هذا كله لا يفسد الصوم. قال: أحسنت، فأخبريني عن صلاة العيدين. قالت: ركعتان، وهما سنة من غير أذان ولا إقامة، ولكن يقول الصلاة جامعة، ويكبر في الأولى سبعا سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة القيام على ms1057 مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 442 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما أخبرت الفقيه عن صلاة العيدين قال لها: أحسنت، فأخبريني عن صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر. قالت: ركعتان بغير أذان ولا إقامة، يأتي في كل ركعة بقيامين، وركوعين، وسجودين، ويجلس ويتشهد ويسلم. قال: أحسنت، فأخبريني عن صلاة الاستسقاء. قالت: ركعتان بغير أذان ولا إقامة، ويتشهد ويسلم، ثم يخطب ويستغفر الله تعالى مكان التكبير في خطبتي العيدين، ويحول رداءه بأن يجعل أعلاه أسفله، ويدعو ويتضرع. قال: أحسنت، فأخبريني عن صلاة الوتر. قالت: الوتر أقله ركعة واحدة، وأكثره إحدى عشرة. قال: أحسنت، فأخبريني عن صلاة الضحى. قالت: الضحى أقلها ركعتان، وأكثرها اثنتا عشرة ركعة. قال: أحسنت، فأخبريني عن الاعتكاف. قالت: هو سنة. قال: فما شرطه؟ قالت: النية، وألا يخرج من المسجد إلا لحاجة، ولا يباشر النساء، وأن يصوم ويترك الكلام. قال: أحسنت، فأخبريني بماذا يجب الحج؟ قالت: بالبلوغ، والعقل، والإسلام، والاستطاعة، وهو واجب في العمر مرة واحدة قبل الموت. قال: فما فروض الحج؟ قالت: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير. قال: فما فروض العمرة؟ قالت: الإحرام بها، وطوافها، وسعيها. قال: فما فروض الإحرام؟ قالت: التجرد من المخيط، واجتناب الطيب، وترك حلق الرأس وتقليم الأظافر وقتل الصيد والنكاح. قال: فما سنن الحج؟ قالت: التلبية، وطواف القدوم والوداع، والمبيت بالمزدلفة وبمنى، ورمي الجمار. # قال: أحسنت، فما الجهاد؟ وما أركانه؟ قالت: أما أركانه؛ فخروج الكفار علينا، ووجود الإمام والعدة، والثبات عند لقاء العدو. وأما سننه؛ فهو التحريض على القتال لقوله تعالى: @QUR@07 يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال . قال: أحسنت، فأخبريني عن فروض البيع وسننه. قالت: أما فروض البيع؛ فالإيجاب والقبول، وأن يكون المبيع مملوكا منتفعا به مقدورا على تسليمه، وترك الربا. وأما سننه؛ فالإقالة، والخيار قبل التفرق لقوله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا.» قال: أحسنت، فأخبريني عن شيء لا يجوز بيع بعضه ببعض. قالت: ms1058 حفظت في ذلك حديثا صحيحا عن نافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع التمر بالرطب، والتين الرطب باليابس، والقديد باللحم، والزبد بالسمن، وكل ما كان من صنف واحد مأكول فلا يجوز بيع بعضه ببعض. فلما سمع الفقيه كلامها، وعرف أنها ذكية فطنة حاذقة، عالمة بالفقه والحديث والتفسير وغير ذلك، قال في نفسه: لا بد من أن أتحيل عليها حتى أغلبها في مجلس أمير المؤمنين. فقال لها: يا جارية، ما معنى الوضوء في اللغة؟ قالت: الوضوء في اللغة النظافة، والخلوص من الأدناس. قال: فما معنى الصلاة في اللغة؟ قالت: الدعاء بخير. قال: فما معنى الغسل في اللغة؟ قالت: التطهير. قال: فما معنى الصوم لغة؟ قالت: الإمساك. قال: فما معنى الزكاة لغة؟ قالت: الزيادة. قال: فما معنى الحج لغة؟ قالت: القصد. قال: فما معنى الجهاد؟ قالت: الدفاع. فانقطعت حجة الفقيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 443 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الفقيه لما انقطعت حجته قام قائما على قدميه وقال: اشهد علي يا أمير المؤمنين بأن الجارية أعلم مني بالفقه. فقالت له الجارية: أسألك عن شيء فأتني بجوابه سريعا إن كنت عارفا. قال: اسألي. قالت: فما سهام الدين؟ قال: هي عشرة: الأول الشهادة وهي الملة، الثاني الصلاة وهي الفطرة، الثالث الزكاة وهي الطهارة، الرابع الصوم وهو الجنة، الخامس الحج وهو الشريعة، السادس الجهاد وهو الكفاية، السابع والثامن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما الغيرة، التاسع الجماعة وهي الألفة، العاشر طلب العلم وهو الطريق الحميدة. قالت: أحسنت، وقد بقيت عليك مسألة، فما أصول الإسلام؟ قال: هي أربعة: صحة العقد، وصدق القصد، وحفظ الحد، والوفاء بالعهد. قالت: بقي مسألة أخرى، فإن أجبت وإلا أخذت ثيابك. قال: قولي يا جارية. قالت: فما فروع الإسلام؟ فسكت ساعة ولم يجب بشيء. فقالت: انزع ثيابك وأنا أفسرها لك. قال أمير المؤمنين: فسريها، وأنا أنزع لك ما عليه من الثياب. قالت: هي اثنان وعشرون فرعا: التمسك بكتاب الله ms1059 تعالى، والاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم، وكف الأذى، وأكل الحلال، واجتناب الحرام، ورد المظالم إلى أهلها، والتوبة، والفقه في الدين، وحب الخليل، واتباع التنزيل، وتصديق المرسلين، وخوف التبديل، والتأهب للرحيل، وقوة اليقين، والعفو عند القدرة، والقوة عند الضعف، والصبر عند المصيبة، ومعرفة الله تعالى، ومعرفة ما جاء به نبيه صلى الله عليه وسلم، ومخالفة اللعين إبليس، ومجاهدة النفس ومخالفتها، والإخلاص لله. فلما سمع أمير المؤمنين ذلك منها، أمر بنزع ثياب الفقيه وطيلسانه، فنزعهما ذلك الفقيه، وخرج مقهورا منها خجلا من بين يدي أمير المؤمنين. # ثم قام لها رجل آخر وقال: يا جارية، اسمعي مني مسائل قليلة. قالت له: قل. قال: فما صحة التسليم؟ قالت: القدر المعلوم، والجنس المعلوم، والأجل المعلوم. قال: أحسنت، فما فروض الأكل وسننه؟ قالت: فروض الأكل الاعتراف بأن الله تعالى رزقه وأطعمه وسقاه، والشكر لله تعالى على ذلك. قال: فما الشكر؟ قالت: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. قال: فما سنن الأكل؟ قالت: التسمية، وغسل اليدين، والجلوس على الورك الأيسر، والأكل بثلاث أصابع، والأكل مما يليك. قال: أحسنت، فأخبريني ما آداب الأكل؟ قالت: أن تصغر اللقمة، وتقل النظرة إلى جليسك. قال: أحسنت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 444 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما سئلت عن آداب الأكل وذكرت الجواب، قال لها الفقيه السائل: أحسنت، فأخبريني عن عقائد القلب وأضدادها. قالت: هي ثلاث، وأضدادها ثلاث؛ الأولى: اعتقاد الإيمان، وضدها مجانبة الكفر؛ والثانية: اعتقاد السنة، وضدها مجانبة البدعة؛ والثالثة: اعتقاد الطاعة، وضدها مجانبة المعصية. قال: أحسنت، فأخبريني عن شروط الوضوء. قالت: الإسلام، والتمييز، وطهور الماء، وعدم المانع الحسي، وعدم المانع الشرعي. قال: أحسنت، فأخبريني عن الإيمان. قالت: الإيمان ينقسم إلى تسعة أقسام: إيمان بالمعبود، وإيمان بالعبودية، وإيمان بالخصوصية، وإيمان بالقبضتين، وإيمان بالقدر، وإيمان بالناسخ، وإيمان بالمنسوخ، وأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره. قال: أحسنت، فأخبريني عن ثلاث تمنع ms1060 ثلاثا. قالت: نعم، روي عن سفيان الثوري أنه قال: ثلاث تذهب ثلاثا: الاستخفاف بالصالحين يذهب الآخرة، والاستخفاف بالملوك يذهب الروح، والاستخفاف بالنفقة يذهب المال. قال: أحسنت، فأخبريني عن مفاتيح السموات، وكم لها من باب؟ قالت: قال الله تعالى: @QUR@04 وفتحت السماء فكانت أبوابا ، وقال عليه الصلاة والسلام: «ليس يعلم عدة أبواب السماء إلا الذي خلق السماء، وما من أحد من بني آدم إلا وله بابان في السماء؛ باب ينزل منه رزقه، وباب يصعد منه عمله، ولا يغلق باب رزقه حتى ينقطع أجله، ولا يغلق باب عمله حتى تصعد روحه.» # قال: أحسنت، فأخبريني عن شيء، وعن نصف شيء، وعن لا شيء. قالت: الشيء هو المؤمن، ونصف الشيء هو المنافق، واللاشيء هو الكافر. قال: أحسنت، فأخبريني عن القلوب. قالت: قلب سليم، وقلب سقيم، وقلب منيب، وقلب نذير، وقلب منير؛ فالقلب السليم هو قلب الخليل، والقلب السقيم هو قلب الكافر، والقلب المنيب هو قلب المتقين الخائفين، والقلب النذير هو قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والقلب المنير هو قلب من يتبعه، وقلوب العلماء ثلاثة: قلب متعلق بالدنيا، وقلب متعلق بالآخرة، وقلب متعلق بمولاه. وقيل: إن القلوب ثلاثة: قلب معلق وهو قلب الكافر، وقلب معدوم وهو قلب المنافق، وقلب ثابت وهو قلب المؤمن. وقيل: هي ثلاثة: قلب مشروح بالنور والإيمان، وقلب مجروح من خوف الهجران، وقلب خائف من الخذلان. قال: أحسنت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 445 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما سألها الفقيه الثاني عن المسائل وأجابته، وقال لها: أحسنت. قالت: يا أمير المؤمنين، إنه قد سألني حتى عيي، وأنا أسأله مسألتين، فإن أتى بجوابهما فذاك، وإلا أخذت ثيابه وانصرف بسلام. فقال لها الفقيه: سليني عما شئت. قالت: فما تقول في الإيمان؟ قال: إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يكمل المرء من الإيمان حتى يكمل فيه خمس خصال: التوكل على الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، والرضا بقضاء الله، ms1061 وأن تكون أموره لله؛ فإنه من أحب الله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان.» قالت: فأخبرني عن فرض الفرض، وعن فرض في ابتداء كل فرض، وعن فرض يحتاج إليه كل فرض، وعن فرض يستغرق كل فرض، وعن سنة داخلة في الفرض، وعن سنة يتم بها الفرض. فسكت ولم يجب بشيء، فأمرها أمير المؤمنين بأن تفسرها، وأمره بأن ينزع ثيابه ويعطيها إياها، فعند ذلك قالت: يا فقيه، أما فرض الفرض فمعرفة الله تعالى، وأما الفرض في ابتداء كل فرض فهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأما الفرض الذي يحتاج إليه كل فرض فهو الوضوء، وأما الفرض المستغرق كل فرض فهو الغسل من الجنابة، وأما السنة الداخلة في الفرض فهي تخليل الأصابع، وتخليل اللحية الكثيفة، وأما السنة التي يتم بها الفرض فهي الاختتان. فعند ذلك تبين عجز الفقيه، وقام على قدميه وقال: أشهد الله يا أمير المؤمنين أن هذه الجارية أعلم مني بالفقه وغيره. ثم نزع ثيابه وانصرف مقهورا. # وأما حكايتها مع المقرئ، فإنها التفتت إلى من بقي من العلماء الحاضرين وقالت: أيكم الأستاذ المقرئ العالم بالقراءات السبع، والنحو، واللغة؟ فقام إليها المقرئ وجلس بين يديها، وقال لها: هل قرأت كتاب الله تعالى، وأحكمت معرفة آياته، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومكيه ومدنيه، وفهمت تفسيره، وعرفته على الروايات والأصول في القراءات؟ قالت: نعم. قال: أخبريني عن عدد سور القرآن، وكم فيه من عشر؟ وكم فيه من آية؟ وكم فيه من حرف؟ وكم فيه من سجدة؟ وكم فيه من نبي مذكور؟ وكم فيه من سورة مدنية؟ وكم فيه من سورة مكية؟ وكم فيه من طير؟ قالت: يا سيدي، أما سور القرآن فمائة وأربع عشرة سورة، المكي منها سبعون سورة، والمدني أربع وأربعون سورة، وأما أعشاره فستمائة عشر وواحد وعشرون عشرا، وأما الآيات فستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، وأما كلماته فتسعة وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة، وأما حروفه فثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وستمائة وسبعون حرفا، ms1062 وللقارئ بكل حرف عشر حسنات، وأما السجدات فأربع عشرة سجدة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 446 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما سألها المقرئ عن القرآن أجابته وقالت له: وأما الأنبياء الذين ذكرت أسماؤهم في القرآن فخمسة وعشرون نبيا، وهم: آدم، ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، واليسع، ويونس، ولوط، وصالح، وهود، وشعيب، وداود، وسليمان، وذو الكفل، وإدريس، وإلياس، ويحيى، وزكريا، وأيوب، وموسى، وهارون، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأما الطير فهن تسع. قال: ما اسمهن؟ قالت: البعوض، والنحل، والذباب، والنمل، والهدهد، والغراب، والجراد، والأبابيل، وطير عيسى - عليه السلام - وهو الخفاش. قال: أحسنت، فأخبريني أي سورة في القرآن أفضل؟ قالت: سورة البقرة. قال: فأي آية أعظم؟ قالت: آية الكرسي، وهي خمسون كلمة، مع كل كلمة خمسون بركة. قال: فأي آية فيها تسع آيات؟ قالت: قوله تعالى: @QUR@016 إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس (البقرة: 169) إلى آخر الآية. قال: أحسنت، فأخبريني أي آية أعدل؟ قالت: قوله تعالى: @QUR@013 إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي (النحل: 90) قال: فأي آية أطمع؟ قالت: قوله تعالى: @QUR@08 أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (المعارج: 38) قال: فأي آية أرجى؟ قالت: قوله تعالى: @QUR@022 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (الزمر: 53). # قال: أحسنت، فأخبريني بأي قراءة تقرئين؟ قالت: بقراءة أهل الجنة، وهي قراءة نافع. قال: فأي آية كذب فيها الأنبياء؟ قالت: قوله تعالى: @QUR@05 وجاءوا على قميصه بدم كذب (يوسف: 18) وهم إخوة يوسف. قال: فأخبريني أي آية صدق فيها الكفار؟ قالت: قوله تعالى: @QUR@015 وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب (البقرة: 113) وهم صدقوا جميعا. قال: فأي آية قالها الله لنفسه. قالت: قوله تعالى: @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذاريات: 56). قال: ms1063 فأي آية فيها قول الملائكة؟ قالت: قوله تعالى: @QUR@05 ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (البقرة: 30). قال: فأخبريني عن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وما جاء فيها. قالت: التعوذ واجب أمر الله به عند القراءة، والدليل عليه قوله تعالى: @QUR@08 فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (النحل: 98). قال: فأخبريني ما لفظ الاستعاذة؟ وما الخلاف فيها؟ قالت: منهم من يستعيذ بقوله أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ومنهم من يقول: أعوذ بالله القوي، والأحسن ما نطق به القرآن العظيم، ووردت به السنة، وكان صلى الله عليه وسلم إذا استفتح القرآن قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وروي عن نافع عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يصلي في الليل قال: «الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.» ثم يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن همزات الشياطين ونزعاتهم.» وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: «أول ما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم علمه الاستعاذة، وقال له: قل يا محمد: أعوذ بالله السميع العليم. ثم قل: بسم الله الرحمن الرحيم. ثم: @QUR@010 اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق (العلق: 1-2).» # فلما سمع المقرئ كلامها تعجب من لفظها وفصاحتها، وعلمها وفضلها، ثم قال لها: يا جارية، ما تقولين في قوله تعالى: @QUR@04 بسم الله الرحمن الرحيم (النمل: 1)، هل هي آية من آيات القرآن؟ قالت: نعم، آية من القرآن في النمل، وآية بين كل سورتين، والاختلاف في ذلك بين العلماء كثير. قال: أحسنت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 447 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما أجابت المقرئ وقالت: إن بسم الله الرحمن الرحيم فيها اختلاف كثير بين العلماء، قال: أحسنت، فأخبريني لم لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم في أول سورة براءة؟ قالت: لما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان بينه صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، وجه النبي صلى الله عليه ms1064 وسلم علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - في يوم موسم بسورة براءة، فقرأها عليهم ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. قال: فأخبريني عن فضل بسم الله الرحمن الرحيم، وبركتها. قالت: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما قرأت بسم الله الرحمن الرحيم على شيء إلا كان فيه البركة.» وعنه صلى الله عليه وسلم: «حلف رب العزة بعزته لا تسمى بسم الله الرحمن الرحيم على مريض إلا عوفي من مرضه.» وقيل: لما خلق الله العرش اضطرب اضطرابا عظيما، فكتب عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، فسكن اضطرابه. ولما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمنت من ثلاثة: من الخسف، والمسخ، والغرق.» وفضلها عظيم، وبركتها كثيرة يطول شرحها، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يؤتى برجل يوم القيامة فيحاسب فلا يلقى له حسنة، فيؤمر به إلى النار فيقول: إلهي ما أنصفتني. فيقول الله عز وجل: ولم ذلك؟ فيقول: يا رب، لأنك سميت نفسك الرحمن الرحيم، وتريد أن تعذبني بالنار. فقال الله جل جلاله: أنا سميت نفسي الرحمن الرحيم، امضوا بعبدي إلى الجنة برحمتي، وأنا أرحم الراحمين.» قال: أحسنت، فأخبريني عن أول بدء بسم الله الرحمن الرحيم. قالت: لما أنزل الله تعالى القرآن كتبوا: باسمك اللهم. فلما أنزل الله تعالى: @QUR@012 قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى (الإسراء: 110) كتبوا: باسم الله الرحمن. فلما نزل: @QUR@09 وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (البقرة: 163) كتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم. # فلما سمع المقرئ كلامها أطرق وقال في نفسه: إن هذا العجب عجيب، وكيف تكلمت هذه الجارية في أول بدء بسم الله الرحمن الرحيم، والله لا بد من أن أتحيل عليها لعلي أغلبها. ثم قال لها: يا جارية، هل أنزل الله القرآن جملة واحدة أم أنزله متفرقا؟ قالت: نزل به جبريل الأمين - عليه السلام - من عند رب العالمين على نبيه محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين، ms1065 بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، والأخبار والأمثال، في عشرين سنة آيات متفرقات على حسب الوقائع. قال: أحسنت، فأخبريني عن أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: في قول ابن عباس سورة العلق، وفي قول جابر بن عبد الله سورة المدثر، ثم أنزلت السور والآيات بعد ذلك. قال: فأخبريني عن آخر آية نزلت. قالت: آخر آية نزلت عليه آية الربا، وقيل: @QUR@05 إذا جاء نصر الله والفتح (النصر: 1). وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 448 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما أجابت المقرئ عن آخر آية نزلت في القرآن، قال لها: أحسنت، فأخبريني عن عدة الصحابة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: هم أربعة؛ أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وعثمان بن عفان، رضي الله عنهم أجمعين. قال: أحسنت، فأخبريني عن القراء الذين تؤخذ عنهم القراءات. قالت: هم أربعة؛ عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم بن عبد الله. قال: فما تقولين في قوله تعالى: @QUR@04 وما ذبح على النصب (المائدة: 3)؟ قالت: هي الأصنام التي تنصب وتعبد من دون الله تعالى، والعياذ بالله تعالى. قال: فما تقولين في قوله تعالى: @QUR@09 تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك (المائدة: 116)؟ قالت: تعلم حقيقتي وما عندي، ولا أعلم ما عندك، والدليل على هذا قوله: @QUR@04 إنك أنت علام الغيوب (المائدة: 116)، وقيل: تعلم عيني ولا أعلم عينك. قال: فما تقولين في قوله تعالى: @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم (المائدة: 87)؟ قالت: حدثني الشيخ - رحمه الله تعالى - عن الضحاك أنه قال: هم قوم من المسلمين قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونلبس المسوح، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة: إنها نزلت في جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن مصعب، وغيرهما، قالوا: نخصي أنفسنا، ونلبس الشعر، ونترهب. فنزلت هذه الآية. قال: فما تقولين ms1066 في قوله تعالى: @QUR@04 واتخذ الله إبراهيم خليلا ؟ قالت: الخليل المحتاج الفقير، وفي قول آخر هو المحب المنقطع إلى الله تعالى الذي ليس لانقطاعه اختلال. # فلما رآها المقرئ تمر في كلامها مر السحاب، ولم تتوقف في الجواب، قام على قدميه وقال: أشهد الله يا أمير المؤمنين أن هذه الجارية أعلم مني بالقراءات وغيرها. فعند ذلك قالت الجارية: أنا أسألك مسألة واحدة، فإن أتيت بجوابها فذاك، وإلا نزعت ثيابك. قال أمير المؤمنين: سليه. فقالت: ما تقول في آية فيها ثلاثة وعشرون كافا، وآية فيها ستة عشر ميما، وآية فيها مائة وأربعون عينا، وحزب ليس فيه جلالة؟ فعجز المقرئ عن الجواب، فقالت: انزع ثيابك. فنزع ثيابه، ثم قالت: يا أمير المؤمنين، إن الآية التي فيها ستة عشر ميما في سورة هود، وهي قوله تعالى: @QUR@08 قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك (هود: 48) الآية، وإن الآية التي فيها ثلاثة وعشرون كافا في سورة البقرة، وهي آية الدين، وإن الآية التي فيها مائة وأربعون عينا في سورة الأعراف، وهي قوله تعالى: @QUR@06 واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا (الأعراف: 155) لكل رجل عينان، وإن الحزب الذي ليس فيه جلالة هو سورة @QUR@04 اقتربت الساعة وانشق القمر (القمر: 1)، والرحمن، والواقعة. فعند ذلك نزع المقرئ ثيابه التي عليه، وانصرف خجلا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 449 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما غلبت المقرئ ونزع ثيابه وانصرف خجلا، تقدم إليها الطبيب الماهر وقال: فرغنا من علم الأديان فتيقظي لعلم الأبدان، وأخبريني عن الإنسان، وكيف خلقه؟ وكم في جسده من عرق؟ وكم من عظم؟ وكم من فقارة؟ وأين أول العروق؟ ولم سمي آدم آدم؟ قالت: سمي آدم لأدمته؛ أي سمرة لونه، وقيل: لأنه خلق من أديم الأرض؛ أي ظاهر وجهها، صدره من تربة الكعبة، ورأسه من تربة المشرق، ورجلاه من تربة المغرب. وخلق الله له سبعة أبواب في رأسه، وهي: العينان، والأذنان، والمنخران، والفم، وجعل له منفذين قبله ودبره، فجعل العينين حاسة النظر، ms1067 والأذنين حاسة السمع، والمنخرين حاسة الشم، والفم حاسة الذوق، وجعل اللسان ينطق بما في ضمير الإنسان، وخلق آدم مركبا من أربعة عناصر، وهي: الماء، والتراب، والنار، والهواء؛ فكانت الصفراء طبع النار وهي حارة يابسة، والسوداء طبع التراب وهو بارد يابس، والبلغم طبع الماء وهو بارد رطب، والدم طبع الهواء وهو حار رطب. وخلق في الإنسان ثلاثمائة وستين عرقا، ومائتين وأربعين عظما، وثلاثة أرواح: حيواني، ونفساني، وطبيعي، وجعل لكل منها حكما، وخلق الله له قلبا، وطحالا، ورئة، وستة أمعاء، وكبدا، وكليتين، وإليتين، ومخا، وعظما، وجلدا، وخمس حواس: سامعة، وباصرة، وشامة، وذائقة، ولامسة، وجعل القلب في الجانب الأيسر من الصدر، وجعل المعدة أمام القلب، وجعل الرئة مروحة للقلب، وجعل الكبد في الجانب الأيمن محاذية للقلب، وخلق ما دون ذلك من الحجاب والأمعاء، وركب ترائب الصدر وشبكها بالأضلاع. # قال: أحسنت، فأخبريني كم في رأس ابن آدم من بطن؟ قالت: ثلاثة بطون، وهي تشتمل على خمس قوى تسمى الحواس الباطنية، وهي: الحس المشترك، والخيال، والمتصرفة، والواهمة، والحافظة. قال: أحسنت، فأخبريني عن هيكل العظام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 450 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما قال لها الطبيب: أخبريني عن هيكل العظام. قالت: هو مؤلف من مائتين وأربعين عظمة، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: رأس، وجذع، وأطراف. أما الرأس: فتنقسم إلى جمجمة، ووجه؛ فالجمجمة مركبة من ثمانية عظام، ويضاف إليها عظميات السمع الأربع، والوجه ينقسم إلى فك علوي، وفك سفلي؛ فالعلوي يشتمل على إحدى عشرة عظمة، والسفلي عظمة واحدة، ويضاف إليه الأسنان، وهي اثنتان وثلاثون سنا، وكذا العظم اللامي. وأما الجذع فينقسم إلى سلسلة فقارية، وصدر وحوض، فالسلسلة مركبة من أربعة وعشرين عظمة تسمى الفقار، والصدر مركب من القفص والأضلاع التي هي أربع وعشرون ضلعا في كل جانب اثنتا عشرة، والحوض مركب من العظمين الحرقفيين والعجز والعصعص. وأما الأطراف فتنقسم إلى طرفين علويين، وطرفين سفليين؛ فالعلويان ينقسم كل منهما أولا: إلى منكب مركب من الكتف، والترقوة، وثانيا: إلى ms1068 عضد، وهو عظمة واحدة، وثالثا: إلى ساعد مركب من عظمتين هما: الكعبرة والزند، ورابعا: إلى كف ينقسم إلى رسغ، ومشط، وأصابع، فالرسغ مركب من ثمانية عظام مصفوفة صفين، كل منهما يشتمل على أربعة عظام، والمشط يشتمل على خمسة عظام، والأصابع عدتها خمس، كل منها مركب من ثلاثة عظام تسمى السلاميات، إلا الإبهام فإنها مركبة من اثنين فقط، والطرفان السفليان ينقسم كل منهما أولا: إلى فخذ هو عظمة واحدة، وثانيا: إلى ساق مركب من ثلاثة عظام: القصبة، والشظية، والرصفة، وثالثا: إلى قدم ينقسم كالكف إلى رسغ، ومشط، وأصابع، فالرسغ مركب من سبعة عظام مصفوفة صفين: الأول فيه عظمان، والثاني فيه خمسة، والمشط مركب من خمسة عظام، والأصابع عدتها خمس، كل منها مركبة من ثلاث سلاميات، إلا الإبهام فمن سلاميين فقط. # قال: أحسنت، فأخبريني عن أصل العروق؟ قالت: أصل العروق الوتين، ومنه تتشعب العروق، وهي كثيرة لا يعلم عددها إلا الذي خلقها، وقيل إنها ثلاثمائة وستون عرقا كما سبق، وقد جعل الله اللسان ترجمانا، والعينين سراجين، والمنخرين منشقين، واليدين جناحين. ثم إن الكبد فيه الرحمة، والطحال فيه الضحك، والكليتين فيهما المكر، والرئة مروحة، والمعدة خزانة، والقلب عماد الجسد، فإذا صلح القلب صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله. قال: أخبريني عن الدلالات والعلامات الظاهرة التي يستدل بها على المرض في الأعضاء الظاهرة والباطنة. قالت: نعم، إذا كان الطبيب ذا فهم نظر في أحوال البدن، استدل بجس اليدين على الصلابة والحرارة واليبوسة والبرودة والرطوبة، وقد توجد في المحسوس دلالات على الأمراض الباطنة كصفرة العينين فإنها تدل على اليرقان، وتحقف الظهر فإنه يدل على داء الرئة. قال: أحسنت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 451 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما وصفت للطبيب العلامات الظاهرة قال لها: أحسنت، فما العلامات الباطنة؟ قالت: إن الوقوف على الأمراض بالعلامات الباطنة يؤخذ من ستة قوانين: الأول من الأفعال، والثاني مما يستفرغ من البدن، والثالث من الوجع، والرابع من الموضع، والخامس ms1069 من الورم، والسادس من الأعراض. قال: أخبريني بم يصل الأذى إلى الرأس؟ قالت: بإدخال الطعام على الطعام قبل هضم الأول، والشبع على الشبع؛ فهو الذي أفنى الأمم، فمن أراد البقاء فليباكر بالغداء، ولا يتمس بالعشاء، وليقل من مجامعة النساء، وليخفف الردى؛ أي لا يكثر الفصد ولا الحجامة، وأن يجعل بطنه ثلاثة أثلاث: ثلث للطعام، وثلث للماء، وثلث للنفس؛ لأن مصران بني آدم ثمانية عشر شبرا، يجب أن يجعل ستة للطعام، وستة للشراب، وستة للنفس، وإذا مشى برفق كان أوفق له، وأجمل لبدنه، وأكمل لقوله تعالى: @QUR@05 ولا تمش في الأرض مرحا (الإسراء: 37). قال: أحسنت، فأخبريني ما علامة الصفراء، وماذا يخاف منها؟ قالت: تعرف بصفرة اللون، ومرارة الفم، والجفاف، وضعف الشهوة، وسرعة النبض، ويخاف صاحبها من الحمى المحرقة، والسرسام، والجمرة، واليرقان، والورم، وقروح الأمعاء، وكثرة العطش؛ فهذه علامات الصفراء. قال: أحسنت، فأخبريني عن علامات السوداء، وماذا يخاف على صاحبها إذا غلبت على البدن؟ قالت: إنها تتولد منها الشهوة الكاذبة، وكثرة الوسوسة، والهم والغم، فينبغي حينئذ أن تستفرغ، وإلا تولد منها الماليخوليا، والجذام، والسرطان، وأوجاع الطحال، وقروح الأمعاء. # قال: أحسنت، فأخبريني إلى كم جزء ينقسم الطب؟ قالت: ينقسم إلى جزأين؛ أحدهما علم تدبير الأبدان المريضة، والآخر كيفية ردها إلى حال صحتها. قال: فأخبريني عن وقت يكون شرب الأدوية فيه أنفع منه في غيره؟ قالت: إذا جرى الماء في العود، وانعقد الحب في العنقود، وطلع سعد السعود، فقد دخل وقت نفع شرب الدواء وطرد الداء. قال: فأخبريني عن وقت إذا شرب فيه الإنسان من إناء جديد يكون شرابه أهنأ وأمرأ منه في غيره، وتصعد له رائحة طيبة زكية. قالت: إذا صبر بعد أكل الطعام ساعة، فقد قال الشاعر: # لا تشربن من بعد أكلك # عاجلا %~% فتسوق جسمك للأذى بزمام ~~واصبر قليلا بعد أكلك ساعة %~% فعساك تظفر يا أخي بمرام # قال: فأخبريني عن طعام لا تتسبب عنه أسقام. قالت: هو الذي لا يطعم إلا بعد الجوع، وإذا طعم لا تمتلئ منه الضلوع، لقول جالينوس الحكيم: من ms1070 أراد إدخال الطعام فليبطئ، ثم لا يخطئ. ولنختم بقوله عليه الصلاة والسلام: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأصل كل داء البردة.» يعني التخمة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 452 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما قالت للحكيم: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء ...» الحديث. قال لها: فما تقولين في الحمام؟ قالت: لا يدخله شبعان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم البيت الحمام، ينظف الجسد، ويذكر النار.» قال: فأي الحمامات أحسن ماء؟ قالت: ما عذب ماؤه، واتسع فضاؤه، وطاب هواؤه، بحيث تكون أهويته أربعة: خريفي، وصيفي، وشتوي، وربيعي. قال: فأخبريني أي الطعام أفضل؟ قالت: ما صنعت النساء، وقل فيه الفناء، وأكلته بالهناء، وأفضل الطعام الثريد لقوله عليه الصلاة والسلام: «فضل الثريد على الطعام كفضل عائشة على سائر النساء.» قال: فأي الأدم أفضل؟ قالت: اللحم، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أفضل الأدم اللحم؛ لأنه لذة الدنيا والآخرة.» قال: فأي اللحم أفضل؟ قالت: الضأن، ويجتنب القديد؛ لأنه لا فائدة فيه. قال: فأخبريني عن الفاكهة. قالت: كلها في إقبالها، واتركها إذا انقضى زمانها. قال: فما تقولين في شرب الماء؟ قالت: لا تشربه شربا، ولا تعبه عبا فإنه يؤذيك صداعه، ويشوش عليك من الأذى أنواعه، ولا تشربه عقب خروجك من الحمام، ولا عقب الجماع، ولا عقب الطعام، إلا بعد مضي خمس عشرة درجة للشاب، وللشيخ بعد أربعين درجة، ولا عقب يقظتك من المنام. قال: أحسنت، فأخبريني عن شرب الخمر؟ قالت: أفلا يكفيك زاجرا ما جاء في كتاب الله تعالى حيث قال: @QUR@012 إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (المائدة: 90)، وقال تعالى: @QUR@014 يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما (البقرة: 219)، وقد قال الشاعر: # يا شارب الخمر أما تستحي %~% تشرب شيئا حرم الله ~~فخله عنك ولا تأته %~% ففيه حقا عنف الله # وقال آخر في المعنى: # شربت الإثم حتى زال عقلي %~% فبئس الشرب حيث العقل زالا # وأما ms1071 المنافع التي فيها، فإنها تفتت حصى الكلى، وتقوي الأمعاء، وتنفي الهم، وتحرك الكرم، وتحفظ الصحة، وتعين على الهضم، وتصح البدن، وتخرج الأمراض من المفاصل، وتنقي الجسم من الأخلاط الفاسدة، وتولد الطرب والفرح، وتقوي الغريزية، وتشد المثانة، وتقوي الكبد، وتفتح السدد، وتحمر الوجه، وتنقي الفضلات من الرأس والدماغ، وتبطئ بالمشيب، ولولا الله - عز وجل - حرمها، لم يكن على وجه الأرض ما يقوم مقامها؛ وأما الميسر فهو القمار. قال: فأي شيء من الخمر أحسن؟ قالت: ما كان بعد ثمانين يوما أو أكثر، وقد اعتصر من عنب أبيض، ولم يشبه ماء، ولا شيء على وجه الأرض مثلها. قال: فما تقولين في الحجامة؟ قالت: ذلك لمن كان ممتلئا من الدم، وليس به نقصان في دمه، فمن أراد الحجامة فليحتجم في نقصان الهلال في يوم هو بلا غيم ولا ريح ولا مطر، ويكون في السابع عشر من الشهر، وإن وافق يوم الثلاثاء كان أبلغ في النفع، ولا شيء أنفع من الحجامة للدماغ والعينين وتصفية الذهن. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 453 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما وصفت منافع الحجامة قال لها الحكيم: أخبريني عن أحسن الحجامة. قالت: أحسنها على الريق؛ فإنها تزيد في العقل وفي الحفظ، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان ما اشتكى إليه أحد وجعا في رأسه أو رجليه إلا قال له: احتجم. وإذا احتجم لا يأكل على الريق مالحا؛ فانه يورث الجرب، ولا يأكل على إثره حامضا. قال: فأي وقت تكره فيه الحجامة؟ قالت: يوم السبت والأربعاء، ومن احتجم فيهما فلا يلومن إلا نفسه، ولا يحتجم في شدة الحر، ولا في شدة البرد، وخيار أيامه أيام الربيع. # قال: أخبريني عن المجامعة. فلما سمعت ذلك أطرقت وطأطأت رأسها، واستحيت إجلالا لأمير المؤمنين، ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين ما عجزت بل خجلت، وإن جوابه على طرف لساني. قال لها: يا جارية تكلمي. قالت له: إن النكاح فيه فضائل مزيدة، وأمور حميدة، منها: أنه ms1072 يخفف البدن الممتلئ بالسوداء، ويسكن حرارة العشق، ويجلب المحبة، ويبسط القلب، ويقطع الوحشة، والإكثار منه في أيام الصيف والخريف أشد ضررا منه في أيام الشتاء والربيع. قال: فأخبريني عن منافعه. قالت: إنه يزيل الهم والوسواس، ويسكن العشق والغضب، وينفع القروح، هذا إذا كان الغالب على الطبع والبرودة واليبوسية، وإلا فالإكثار منه يضعف النظر، ويتولد منه وجع الساقين والرأس والظهر، وإياك إياك من مجامعة العجوز فإنها من القواتل، قال الإمام علي - كرم الله وجهه: «أربع يقتلن ويهرمن البدن: دخول الحمام على الشبع، وأكل المالح، والمجامعة على الامتلاء، ومجامعة المريضة؛ فإنها تضعف قوتك، وتسقم بدنك، والعجوز سم قاتل.» قال بعضهم: إياك أن تتزوج عجوزا، ولو كانت أكثر من قارون كنوزا. قال: فما أطيب الجماع؟ قالت: إذا كانت المرأة صغيرة السن، مليحة القد، حسنة الخد، كريمة الجد، بارزة النهد؛ فهي تزيدك قوة في صحة بدنك، وتكون كما قال فيها بعض واصفيها: # مهما لحظت علمت ما قد # تبتغي %~% وحيا بدون إشارة وبيان ~~وإذا نظرت إلى بديع جمالها %~% أغنت محاسنها عن البستان # قال: فأخبريني عن أي وقت يطيب فيه الجماع؟ قالت: إذا كان ليلا فبعد هضم الطعام، وإذا كان نهارا فبعد الغداء. قال: فأخبريني عن أفضل الفواكه. قالت: الرمان والأترج. قال: فأخبريني عن أفضل البقول. قالت: الهندبا. قال: فما أفضل الرياحين؟ قالت: الورد والبنفسج. قال: فأخبريني عن قرار مني الرجل. قالت: إن في الرجل عرقا يسقي سائر العروق، فيجتمع الماء من ثلاثمائة وستين عرقا، ثم يدخل في البيضة اليسرى دما أحمر، فينطبخ من حرارة مزاج بني آدم ماء غليظا أبيض، رائحته مثل رائحة الطلع. قال: أحسنت، فأخبريني عن طير يمني ويحيض. قالت: هو الخفاش؛ أي الوطواط. قال: فأخبريني عن شيء إذا حبس عاش، وإذا شم الهواء مات. قالت: هو السمك. قال: فأخبريني عن شجاع يبيض. قالت: الثعبان. فعجز الطبيب من كثرة سؤاله وسكت. فقالت الجارية: يا أمير المؤمنين، إنه سألني حتى عيي، وأنا أسأله مسألة واحدة، فإن لم يجب أخذت ثيابه حلالا لي. وأدرك شهرزاد ms1073 الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 454 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما قالت لأمير المؤمنين: إنه سألني حتى عيي، وأنا أسأله مسألة واحدة، فإن لم يجب أخذت ثيابه حلالا لي. قال لها الخليفة: سليه. فقالت له: ما تقول في شيء يشبه الأرض استدارة، ويواري عن العيون فقاره وقراره، قليل القيمة والقدر، ضيق الصدر والنحر، مقيد وهو غير آبق، موثق وهو غير سارق، مطعون لا في القتال، مجروح لا في النضال، يأكل الدهر مرة، ويشرب الماء كثرة، وتارة يضرب من غير جناية، ويستخدم لا من كفاية، مجموع بعد تفرقه، متواضع لا من تملقه، حامل لا لولد في بطنه، مائل لا يسند إلى ركنه، يتسخ فيتطهر، ويصلي فيتغير، يجامع بلا ذكر، ويصارع بلا حذر، يريح ويستريح، ويعض فلا يصيح، أكرم من النديم، وأبعد من الحميم، يفارق زوجته ليلا ويعانقها نهارا، مسكنه الأطراف في مساكن الأشراف. فسكت الطبيب ولم يجب بشيء، وتحير في أمره، وتغير لونه، وأطرق برأسه ساعة ولم يتكلم. فقالت: أيها الطبيب تكلم، وإلا فانزع ثيابك. فقام وقال: يا أمير المؤمنين، أشهد على أن هذه الجارية أعلم مني بالطب وغيره، ولا لي عليها طاقة. ونزع ما عليه من الثياب وخرج هاربا؛ فعند ذلك قال لها أمير المؤمنين: فسري لنا ما قلته. فقالت: يا أمير المؤمنين، هذا الزر والعروة. # وأما ما كان من أمرها مع المنجم فإنها قالت: من كان منكم منجما فليقم. فنهض إليها المنجم وجلس بين يديها، فلما رأته ضحكت وقالت: أنت المنجم الحاسب الكاتب؟ قال: نعم. قالت: اسأل عما شئت، وبالله التوفيق. قال: أخبريني عن الشمس، وطلوعها، وأفولها. قالت: اعلم أن الشمس تطلع من عيون وتأفل في عيون؛ فعيون الطلوع أجزاء المشارق، وعيون الأفول أجزاء المغارب، وكلتاهما مائة وثمانون جزءا، قال الله تعالى: @QUR@05 فلا أقسم برب المشارق والمغارب ، وقال تعالى: @QUR@013 هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب (يونس: 5)؛ فالقمر سلطان الليل، والشمس سلطان النهار، وهما مستبقان متداركان، قال ms1074 الله تعالى: @QUR@015 لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (يس: 40). قال: فأخبريني إذا جاء الليل كيف يكون النهار، وإذا جاء النهار كيف يكون الليل؟ قالت: @QUR@08 يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل . # قال: فأخبريني عن منازل القمر. قالت: منازل القمر ثمان وعشرون منزلة، وهن: الشرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرغ المقدم، والفرغ المؤخر، والرشاء؛ وهي مرتبة على حروف أبجد هوز إلى آخرها، وفيها سر غامض لا يعلمه إلا الله - سبحانه وتعالى - والراسخون في العلم، وأما قسمتها على البروج الاثني عشر فهي أن تعطي كل برج منزلتين وثلث منزلة، فتجعل الشرطين والبطين وثلث الثريا للحمل، وثلثي الثريا مع الدبران وثلثي الهقعة للثور، وثلث الهقعة مع الهنعة والذراع للجوزاء، والنثرة والطرف وثلث الجبهة للسرطان، وثلثيها مع الزبرة وثلثي الصرفة للأسد، وثلثها مع العواء والسماك للسنبلة، والغفر والزباني وثلث الإكليل للميزان، وثلثي الإكليل مع القلب وثلثي الشولة للعقرب، وثلثها مع النعائم والبلدة للقوس، وسعد الذبائح وسعد بلع وثلث سعد السعود للجدي، وثلثي سعد السعود مع سعد الأخبية وثلثي المقدم للدلو، وثلث المقدم مع المؤخر والرشاء للحوت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 455 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما عدت المنازل وقسمتها على البروج قال لها المنجم: أحسنت، فأخبريني عن الكواكب السيارة، وعن طبائعها، وعن مكثها في البروج، والسعد منها والنحس، وأين بيوتها وشرفها وسقوطها؟ قالت: المجلس ضيق، ولكن سأخبرك. أما الكواكب فسبعة، وهي: الشمس، والقمر، وعطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل. فالشمس حارة يابسة نحيسة بالمقارنة سعيدة بالمنظر، تمكث في كل برج ثلاثين يوما، والقمر بارد رطب سعيد يمكث في كل برج يومين وثلث يوم، وعطارد ممتزج سعد مع السعود، نحس مع النحوس، يمكث في كل برج سبعة عشر يوما ونصف يوم، والزهرة معتدلة ms1075 سعيدة تمكث في كل برج من البروج خمسة وعشرين يوما، والمريخ نحس يمكث في كل برج عشرة أشهر، والمشتري سعد يمكث في كل برج سنة، وزحل بارد يابس نحس يمكث في كل برج ثلاثين شهرا، والشمس بيتها الأسد وشرفها الحمل وهبوطها الدلو، والقمر بيته السرطان وشرفه الثور وهبوطه العقرب ووباله الجدي، وزحل بيته الجدي والدلو وشرفه الميزان وهبوطه الحمل ووباله السرطان والأسد، والمشتري بيته الحوت والقوس وشرفه السرطان وهبوطه الجدي ووباله الجوزاء والأسد، والزهرة بيتها الثور وشرفها الحوت وهبوطها الميزان ووبالها الحمل والعقرب، وعطارد بيته الجوزاء والسنبلة وشرفه السنبلة وهبوطه الحوت ووباله الثور، والمريخ بيته الحمل والعقرب وشرفه الجدي وهبوطه السرطان ووباله الميزان. # فلما نظر المنجم إلى حذقها وعلمها وحسن كلامها وفهمها، ابتغى له حيلة يخجلها بها بين يدي أمير المؤمنين، فقال لها: يا جارية، هل ينزل في هذا الشهر مطر؟ فأطرقت ساعة ثم تفكرت طويلا حتى ظن أمير المؤمنين أنها عجزت عن جوابه، فقال لها المنجم: لم لم تتكلمي؟ فقالت: لا أتكلم إلا إن أذن لي في الكلام أمير المؤمنين. فقال لها أمير المؤمنين: وكيف ذلك؟ قالت: أريد أن تعطيني سيفا أضرب به عنقه لأنه زنديق. فضحك أمير المؤمنين وضحك من حوله ثم قالت: يا منجم، خمسة لا يعلمها إلا الله تعالى، وقرأت: @QUR@027 إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (لقمان: 34). قال لها: أحسنت، وإني والله ما أردت إلا اختبارك. فقالت له: اعلم أن أصحاب التقويم لهم إشارات وعلامات ترجع إلى الكواكب بالنظر إلى دخول السنة وللناس فيها تجارب. قال: وما هي؟ قالت: إن لكل يوم من الأيام كوكبا يملكه، فإذا كان أول يوم من السنة يوم الأحد فهو للشمس، ويدل ذلك - والله أعلم - على الجور من الملوك والسلاطين والولاة وكثرة الوخم وقلة المطر، وأن تكون الناس في هرج عظيم، وتكون الحبوب طيبة إلا العدس فإنه يعطب، ويفسد العنب، ms1076 ويغلو الكتان، ويرخص القمح من أول طوبة إلى آخر برمهات، ويكثر القتال بين الملوك، ويكثر الخير في تلك السنة والله أعلم. قال: فأخبريني عن يوم الإثنين. قالت: هو للقمر، ويدل ذلك على صلاح ولاة الأمور والعمال، وأن تكون السنة كثيرة الأمطار وتكون الحبوب طيبة، ويفسد بذر الكتان، ويرخص القمح في شهر كيهك، ويكثر الطاعون ويموت نصف الدواب من الضأن والمعز، ويكثر العنب، ويقل العسل، ويرخص القطن، والله أعلم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 456 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما فرغت من بيان يوم الإثنين، قال لها: أخبريني عن يوم الثلاثاء. قالت: هو للمريخ، ويدل ذلك على موت كبار الناس، وكثرة الفناء، وإهراق الدماء، والغلاء في الحب، وقلة الأمطار، وأن يكون السمك قليلا، ويزيد في أيام وينقص في أيام، ويرخص العسل والعدس، ويغلو بذر الكتان في تلك السنة، وفيها يفلح الشعير دون سائر الحبوب، ويكثر القتال بين الملوك، ويكون الموت بالدم، ويكثر موت الحمير، والله أعلم. قال: فأخبريني عن يوم الأربعاء. قالت: هو لعطارد، ويدل ذلك على هرج عظيم يقع في الناس، وعلى كثرة العدو، وأن تكون الأمطار معتدلة، وأن يفسد بعض الزرع، وأن يكثر موت الدواب، وموت الأطفال، ويكثر القتل في البحر، ويغلو القمح من برمودة إلى مسرى، وترخص بقية الحبوب، ويكثر الرعد والبرق، ويغلو العسل، ويكثر طلع النخل، ويكثر الكتان والقطن، ويغلو الفجل والبصل، والله أعلم. قال: أخبريني عن يوم الخميس. قالت: هو للمشتري، ويدل ذلك على العدل في الوزراء، والصلاح في القضاة والفقراء وأهل الدين، وأن يكون الخير كثيرا، وتكثر الأمطار والثمار والأشجار والحبوب، ويرخص الكتان والقطن والعسل والعنب، ويكثر السمك، والله أعلم. قال: أخبريني عن يوم الجمعة؟ قالت: هو للزهرة، ويدل ذلك على الجور في كبار الجن، والتحدث بالزور والبهتان، وأن يكثر الندى، ويطيب الخريف في البلاد، ويكون الرخص في بلاد دون بلاد، ويكثر الفساد في البر والبحر، ويغلو بذر الكتان، ويغلو القمح في هاتور، ويرخص في أمشير، ويغلو ms1077 العسل، ويفسد العنب والبطيخ، والله أعلم. قال: فأخبريني عن يوم السبت. قالت: هو لزحل، ويدل ذلك على إيثار العبيد والروم، ومن لا خير فيه ولا في قربه، وأن يكون الغلاء والقحط كثيرا، ويكون الغيم كثيرا، ويكثر الموت في بني آدم، والويل لأهل مصر والشام من جور السلطان، وتقل البركة من الزرع، وتفسد الحبوب، والله أعلم. # ثم إن المنجم أطرق وطأطأ رأسه، فقالت: يا منجم، أسألك مسألة واحدة، فإن لم تجب أخذت ثيابك. قال لها: قولي. قالت: أين يكون مسكن زحل؟ قال: في السماء السابعة. قالت: فالمشتري؟ قال: في السماء السادسة. قالت: فالمريخ؟ قال: في السماء الخامسة. قالت: فالشمس؟ قال: في السماء الرابعة. قالت: فالزهرة؟ قال: في السماء الثالثة. قالت: فعطارد؟ قال: في السماء الثانية. قالت: فالقمر؟ قال: في السماء الأولى. قالت: أحسنت، وبقي عليك مسألة واحدة. قال: اسألي. قالت: فأخبرني عن النجوم إلى كم جزء تنقسم؟ فسكت ولم يحر جوابا. قالت: انزع ثيابك. فنزعها، ولما أخذتها قال لها أمير المؤمنين: فسري لنا هذه المسألة؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، هم ثلاثة أجزاء: جزء معلق بسماء الدنيا كالقناديل، وهو ينير الأرض، وجزء يرمى به الشياطين إذا استرقوا السمع، قال الله تعالى: @QUR@08 ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين (الملك: 5)، والجزء الثالث معلق بالهواء، وهو ينير البحار وما فيها. قال المنجم: بقي لنا مسألة واحدة، فإن أجابت أقررت لها. قالت: قل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 457 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه قال: أخبريني عن أربعة أشياء متضادة مترتبة على أربعة أشياء متضادة. قالت: هي الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، خلق الله من الحرارة النار، وطبعها حار يابس، وخلق من اليبوسة التراب، وطبعه بارد يابس، وخلق من البرودة الماء، وطبعه بارد رطب، وخلق من الرطوبة الهواء، وطبعه حار رطب، ثم خلق الله اثني عشر برجا، وهي: الحمل، الثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، وجعلها على أربع طبائع: ثلاثة نارية، وثلاثة ترابية، وثلاثة ms1078 هوائية، وثلاثة مائية؛ فالحمل والأسد والقوس نارية، والثور والسنبلة والجدي ترابية، والجوزاء والميزان والدلو هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مائية. فقام المنجم وقال: اشهدوا على أنها أعلم مني. وانصرف مغلوبا. # ثم قال أمير المؤمنين: أين الفيلسوف؟ فنهض إليها رجل وتقدم، وقال: أخبريني عن الدهر وحده وأيامه، وما جاء فيه. قالت: إن الدهر هو اسم واقع على ساعات الليل والنهار، وإنما هي مقادير جري الشمس والقمر في أفلاكهما، كما أخبر الله تعالى حيث قال: @QUR@018 وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (يس: 37-38). قال: فأخبريني عن ابن آدم كيف يصل إليه الكفر؟ قالت: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكفر في بني آدم يجري كما يجري الدم في عروقه، حيث يسب الدنيا والدهر، والليلة والساعة.» وقال عليه الصلاة والسلام: لا يسب أحدكم الدهر، فإن الدهر هو الله، ولا يسب أحدكم الدنيا فتقول: لا أعان الله من يسبني. ولا يسب أحدكم الساعة، فإن الساعة آتية لا ريب فيها، ولا يسب أحدكم الأرض فإنها آية؛ لقوله تعالى: @QUR@08 منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (طه: 55). قال: فأخبريني عن خمسة أكلوا وشربوا، وما خرجوا من ظهر ولا بطن. قالت: هم آدم، وشمعون، وناقة صالح، وكبش إسماعيل، والطير الذي رآه أبو بكر الصديق في الغار. قال: فأخبريني عن خمسة في الجنة لا من الإنس، ولا من الجن، ولا من الملائكة. قالت: ذئب يعقوب، وكلب أصحاب الكهف، وحمار العزيز، وناقة صالح، ودلدل النبي صلى الله عليه وسلم. # قال: أخبريني عن رجل صلى صلاة لا في الأرض ولا في السماء. قالت: هو سليمان حين صلى على بساطه وهو على الريح. قال: أخبريني عمن صلى صلاة الصبح، فنظر إلى أمة فحرمت عليه، فلما كان الظهر حلت له، فلما كان العصر حرمت عليه، فلما كان المغرب حلت له، فلما كان العشاء حرمت عليه، فلما كان الصبح حلت له. قالت: هذا رجل نظر إلى أمة غيره ms1079 عند الصبح وهي حرام عليه، فلما كان الظهر اشتراها فحلت له، فلما كان العصر أعتقها فحرمت عليه، فلما كان المغرب تزوجها فحلت له، فلما كان العشاء طلقها فحرمت عليه، فلما كان الصبح راجعها فحلت له. قال: أخبريني عن قبر مشى بصاحبه. قالت: هو حوت يونس بن متى حين ابتلعه. قال: أخبريني عن بقعة واحدة طلعت عليها الشمس مرة واحدة، ولا تطلع عليها بعد إلى يوم القيامة؟ قالت: البحر حين ضربه موسى بعصاه فانفلق اثني عشر فرقا على عدد الأسباط، وطلعت عليه الشمس، ولم تعد له إلى يوم القيامة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 458 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الفيلسوف قال بعد ذلك للجارية: أخبريني عن أول ذيل سحب على وجه الأرض. قالت: ذيل هاجر حياء من سارة، فصارت سنة في العرب. قال: أخبريني عن شيء يتنفس بلا روح. قالت: قوله تعالى: @QUR@03 والصبح إذا تنفس (التكوير: 18). قال: أخبريني عن حمام طائر أقبل على شجرة عالية، فوقع بعضه فوقها، وبعضه تحتها، فقالت التي فوق الشجرة للتي تحتها: إن طلعت منكن واحدة صرتن الثلث، وإن نزلت منا واحدة كنا مثلكن في العدد. قالت الجارية: كان الحمام اثنتي عشرة حمامة، فوقع منهن فوق الشجرة سبع، وتحتها خمس، فإذا طلعت واحدة صار الذي فوق قدر الذي تحت مرتين، ولو نزلت واحدة صار الذي تحت مساويا للذي فوق، والله أعلم. فتجرد الفيلسوف من ثيابه، وخرج هاربا. # وأما حكايتها مع النظام، فإن الجارية التفتت إلى العلماء الحاضرين، وقالت: أيكم المتكلم في كل فن وعلم؟ فقام إليها النظام وقال لها: لا تحسبيني كغيري. فقالت له: الأصح عندي أنك مغلوب؛ لأنك مدعي، والله ينصرني عليك حتى أجردك من ثيابك، فلو أرسلت من يأتيك بشيء تلبسه لكان خيرا لك. فقال: والله لأغلبنك وأجعلنك حديثا يتحدث به الناس جيلا بعد جيل. فقالت له الجارية: كفر عن يمينك. قال: أخبريني عن خمسة أشياء خلقها الله تعالى قبل خلق الخلق. قالت له: الماء، والتراب، والنوم، والظلمة، ms1080 والثمار. قال: أخبريني عن شيء خلقه الله بيد القدرة. قالت: العرش، وشجرة طوبى، وآدم، وجنة عدن، فهؤلاء خلقهم الله بيد قدرته، وسائر المخلوقات قال لهم الله: كونوا فكانوا. قال: أخبريني عن أبيك في الإسلام. قالت: محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فمن أبو محمد؟ قالت: إبراهيم خليل الله. قال: فما دين الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قال: فأخبريني ما أولك وما آخرك؟ قالت: أولي نطفة مذرة، وآخري جيفة قذرة، وأولي من التراب، وآخري التراب، قال الشاعر: # خلقت من التراب فصرت شخصا %~% فصيحا في السؤال وفي # الجواب ~~وعدت إلى التراب فصرت فيه %~% لأني قد خلقت من # التراب # قال: فأخبريني عن شيء أوله عود، وآخره روح. قالت: عصا موسى حين ألقاها في الوادي، فإذا هي حية تسعى بإذن الله تعالى. قال: فأخبريني عن قوله تعالى: @QUR@04 ولي فيها مآرب أخرى (طه: 18). قالت: كان يغرسها في الأرض فتزهو وتثمر، وتظله من الحر والبرد، وتحمله إذا عيي، وتحرس له الغنم إذا نام من السباع. قال: أخبريني عن أنثى من ذكر، وذكر من أنثى. قالت: حواء من آدم، وعيسى من مريم. قال: فأخبريني عن أربع نيران: نار تأكل وتشرب، ونار تأكل ولا تشرب، ونار تشرب ولا تأكل، ونار لا تأكل ولا تشرب. قالت: أما النار التي تأكل ولا تشرب فهي نار الدنيا، وأما النار التي تأكل وتشرب فهي نار جهنم، وأما النار التي تشرب ولا تأكل فهي نار الشمس، وأما النار التي لا تأكل ولا تشرب فهي نار القمر. قال: أخبريني عن المفتوح وعن المغلق. قالت: يا نظام، المفتوح هو المسنون، والمغلق هو المفروض. قال أخبريني عن قول الشاعر: # وساكن رمس طعمه عند رأسه %~% إذا ذاق من ذاك الطعام # تكلما ~~يقوم ويمشي صامتا متكلما %~% ويرجع للقبر الذي منه # قوما ~~وليس بحي يستحق كرامة %~% وليس بميت يستحق # الترحما # قالت له: هو القلم. قال: فأخبريني عن قول الشاعر حيث قال: # ململمة الجيبين مورودة # الدم %~% مخمرة الأذنين مفتوحة # الفم ~~لها صنم كالديك ms1081 ينقر جوفها %~% تساوي إذا قومتها نصف درهم # قالت: هي الدواة. قال: فأخبريني عن قول الشاعر حيث قال: # ألا قل لأهل العلم والعقل # والأدب %~% وكل فقيه ساد في الفهم # والرتب ~~ألا أنبئوني أي شيء رأيتمو %~% من الطير في أرض الأعاجم # والعرب ~~وليس له لحم وليس له دم %~% وليس له ريش وليس له زغب ~~ويؤكل مطبوخا ويؤكل باردا %~% ويؤكل مشويا إذا دس في # اللهب ~~ويبدو له لونان: لون كفضة %~% ولون ظريف ليس يشبهه # الذهب ~~وليس يرى حيا وليس بميت %~% ألا أخبروني إن هذا من # العجب # قالت: لقد أطلت السؤال في بيضة قيمتها فلس. قال: أخبريني كم كلمة كلم الله موسى؟ قالت: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كلم الله موسى ألف كلمة وخمسمائة وخمس عشرة كلمة. قال: أخبريني عن أربعة عشر كلموا رب العالمين. قالت: السموات السبع والأرضون السبع لما قالتا: @QUR@02 أتينا طائعين . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 459 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما قالت له الجواب قال لها: أخبريني عن آدم وأول خلقته. قالت: خلق الله آدم من طين، والطير من زبد، والزبد من بحر، والبحر من ظلمة، والظلمة من نور، والنور من حوت، والحوت من صخرة، والصخرة من ياقوتة، والياقوتة من ماء، والماء من القدرة؛ لقوله تعالى@QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (يس: 82). قال: فأخبريني عن قول الشاعر حيث قال: # وآكلة بغير فم وبطن %~% لها الأشجار والحيوانات # قوت ~~فإن أطعمتها انتعشت # وعاشت %~% ولو أسقيتها ماء تموت # قالت: هي النار. قال: فأخبريني عن قول الشاعر حيث قال: # خليلان ممنوعان من كل # لذة %~% يبيتان طول الليل # يعتنقان ~~هما يحفظان الأهل من كل # آفة %~% وعند طلوع الشمس # يفترقان # قالت: هما مصراعا الباب. قال: فأخبريني عن أبواب جهنم. قالت: سبعة، وهي ضمن بيتين من الشعر: # جهنم ولظى ثم الحطيم كذا %~% عد السعير وكل القول في # سقر ~~وبعد ذاك جحيم ثم هاوية %~% فذاك عدتهم في قول # مختصر # قال: فأخبريني ms1082 عن قول الشاعر حيث قال: # وذات ذوائب تنجر طولا %~% وراءها في المجيء وفي # الذهاب ~~بعين لم تذق للنوم طعما %~% ولا ذرفت لدمع ذي # انسكاب ~~ولا لبست مدى الأيام ثوبا %~% وتكسو الناس أنواع # الثياب # قالت: هي الإبرة. قال: فأخبريني عن الصراط ما هو، وما طوله، وما عرضه؟ قالت: أما طوله فثلاثة آلاف عام؛ ألف هبوط، وألف صعود، وألف استواء، وهو أحد من السيف، وأرق من الشعر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 460 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما وصفت له الصراط، قال: أخبريني كم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من شفاعة؟ قالت: له ثلاث شفاعات. قال لها: هل كان أبو بكر أول من أسلم؟ قالت: نعم. قال: إن عليا أسلم قبل أبي بكر. قالت: إن عليا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبع سنين، فأعطاه الله الهداية على صغر سنه، فما سجد لصنم قط. قال: فأخبريني، أعلي أفضل أم العباس؟ فعلمت أن هذه مكيدة لها، فإن قالت: علي أفضل من العباس، فما لها من عذر عند أمير المؤمنين! فأطرقت ساعة وهي تارة تحمر وتارة تصفر، ثم قالت: تسألني عن اثنين فاضلين لكل واحد منهما فضل، فارجع بنا إلى ما كنا فيه. فلما سمعها الخليفة هارون الرشيد استوى قائما على قدميه وقال لها: أحسنت ورب الكعبة يا تودد. فعند ذلك قال لها إبراهيم النظام: أخبريني عن قول الشاعر حيث قال: # مهفهفة الأذيال عذب # مذاقها %~% تحاكي القنا لكن بغير # سنان ~~ويأخذ كل الناس منها # منافعا %~% وتؤكل بعد العصر في # رمضان # قالت: قصب السكر. قال: فأخبريني عن مسائل كثيرة؟ قالت: وما هي؟ قال: ما أحلى من العسل؟ وما أحد من السيف؟ وما أسرع من السم؟ وما لذة ساعة؟ وما سرور ثلاثة أيام؟ وما أطيب يوم؟ وما فرحة جمعة؟ وما الحق الذي لا ينكره صاحب الباطل؟ وما سجن القبر؟ وما فرحة القلب؟ وما كيد النفس؟ وما موت الحياة؟ وما الداء الذي لا يداوى؟ وما العار ms1083 الذي لا ينجلي؟ وما الدابة التي لا تأوي إلى العمران، وتسكن الخراب، وتبغض بني آدم، وخلق فيها خلق من سبعة جبابرة؟ قالت له: اسمع جواب ما قلت، ثم انزع ثيابك حتى أفسر لك ذلك. قال لها أمير المؤمنين: فسري وهو ينزع ثيابه. قالت: أما ما هو أحلى من العسل فهو حب الأولاد البارين بوالديهم، وأما ما هو أحد من السيف فهو اللسان، وأما ما هو أسرع من السم فهو عين المعيان، وأما لذة ساعة فهو الجماع، وأما سرور ثلاثة أيام فهو النورة للنساء، وأما ما هو أطيب يوم فهو يوم الربح في التجارة، وأما فرحة جمعة فهو العروس، وأما الحق الذي لا ينكره صاحب الباطل فهو الميت، وأما سجن القبر فهو الولد السوء، وأما فرحة القلب فهي المرأة المطيعة لزوجها، وقيل اللحم حين ينزل على القلب، فإنه يفرح بذلك، وأما كيد النفس فهو العبد العاصي، وأما موت الحياة فهو الفقر، وأما الداء الذي لا يداوى فهو سوء الخلق، وأما العار الذي لا ينجلي فهو البنت السوء، وأما الدابة التي لا تأوي إلى العمران، وتسكن الخراب، وتبغض بني آدم، وخلق فيها خلق من سبعة جبابرة؛ فإنها الجرادة، رأسها كرأس الفرس، وعنقها كعنق الثور، وجناحها جناح النسر، ورجلها رجل الجمل، وذنبها ذنب الحية، وبطنها بطن العقرب، وقرنها قرن الغزال. # فتعجب الخليفة هارون الرشيد من حذقها وفهمها، ثم قال للنظام: انزع ثيابك. فقام وقال: أشهد على جميع من حضر هذا المجلس أنها أعلم مني، ومن كل عالم. ونزع ثيابه، وقال لها: خذيهم لا بارك الله لك فيهم. فأمر له أمير المؤمنين بثياب يلبسها، ثم قال أمير المؤمنين: يا تودد، بقي عليك شيء مما وعدت به وهو الشطرنج، وأمر بإحضار معلمي الشطرنج والكنجفة والنرد، فحضروا وجلس الشطرنجي معها، وصفت بينهما الصفوف، ونقل ونقلت، فما نقل شيئا إلا أفسدته عن قليل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 461 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما لعبت الشطرنج مع المعلم بحضرة ms1084 أمير المؤمنين هارون الرشيد، صارت كلما نقل نقلا أفسدته حتى غلبته، ورأى الشاه مات، فقال: أنا أردت أن أطعمك حتى تظني أنك عارفة، لكن صفي حتى أريك. فلما صفت الثاني قال في نفسه: افتح عينك وإلا غلبتك. وصار ما يخرج قطعة إلا بحساب، وما زال يلعب حتى قالت له: الشاه مات. فلما رأى ذلك منها دهش من حذقها وفهمها، فضحكت وقالت له: يا معلم، أنا أراهنك في هذه المرة الثالثة على أن أرفع لك الفرزان، ورخ الميمنة، وفرس الميسرة، وإن غلبتني فخذ ثيابي، وإن غلبتك أخذت ثيابك. قال: رضيت بهذا الشرط. ثم صفا الصفين، ورفعت الفرزان والرخ والفرس، وقالت له: انقل يا معلم. فنقل وقال: ما لي لا أغلبها بعد هذه الحطيطة. وعقد عقدا، وإذا هي نقلت نقلا قليلا إلى أن صيرت له فرزانا، ودنت منه، وقربت البيادق والقطع، وشغلته وأطعمته قطعة فقطعها، فقالت: الكيل كيل واف، والرز رز صاف، فكل حتى تزيد على الشبع، ما يقتلك يا ابن آدم إلا الطمع، أما تعلم أني أطعمك لأخدعك؟ انظر فهذا الشاه مات. ثم قالت له: انزع ثيابك. فقال لها: اتركي لي السراويل، وأجرك على الله. وحلف بالله ألا يناظر أحدا ما دامت تودد بمملكة بغداد، ثم نزع ثيابه وسلمها لها، وانصرف. # فجيء بلاعب النرد، فقالت له: إن غلبتك في هذا اليوم فماذا تعطيني؟ قال: أعطيك عشرة ثياب من الديباج القسطنطيني المطرز بالذهب، وعشر ثياب من المخمل، وألف دينار، وإن غلبتك فما أريد منك إلا أن تكتبي لي درجا بأني غلبتك. قالت له: دونك وما عولت عليه. فلعب فإذا هو قد خسر، وقام وهو يرطن بالإفرنجية، ويقول: ونعمة أمير المؤمنين إنها لا يوجد مثلها في سائر البلاد. ثم إن أمير المؤمنين دعا بأرباب آلات الطرب فحضروا، فقال لها أمير المؤمنين: هل تعرفين شيئا من آلات الطرب؟ قالت: نعم. فأمر بإحضار عود محكوك مدعوك، مجرود صاحبه بالهجران مكدود، قال فيه بعض واصفيه: # سقى الله أرضا أنبتت عود # مطرب %~% زكت منه أغصان وطابت مغارس ms1085 ~~تغنت عليه الطير والعود # أخضر %~% وغنت عليه الغيد والعود # يابس # فجيء بعود في كيس من الأطلس الأحمر له شرابة من الحرير المزعفر، فحلت الكيس وأخرجت العود، فإذا هو عليه منقوش: # وغصن رطيب عاد عودا لقينة %~% تحن إلى أترابها في المحافل ~~تغني فيتلو لحنها وكأنه %~% يلقنها إعراب لحن البلابل # فوضعته في حجرها، وأرخت عليه نهدها، وانحنت عليه انحناء والدة ترضع ولدها، وضربت عليه اثني عشر نغما حتى ماج المجلس من الطرب، وأنشدت تقول: # أقصروا هجركم وقلوا جفاكم %~% ففؤادي وحقكم ما سلاكم ~~وارحموا باكيا حزينا كئيبا %~% ذا غرام متيما في هواكم # فطرب أمير المؤمنين وقال: بارك الله فيك، ورحم من علمك. فقامت وقبلت الأرض بين يديه، ثم إن أمير المؤمنين أمر بإحضار المال، ودفع لمولاها مائة ألف دينار، وقال لها: يا تودد، تمني علي؟ قالت: تمنيت عليك أن تردني إلى سيدي الذي باعني. فقال لها: نعم. فردها إليه، وأعطاها خمسة آلاف دينار لنفسها، وجعل سيدها نديما له على طول الزمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 462 # قالت: أيها الملك السعيد، أن الخليفة أعطى الجارية خمسة آلاف دينار، وردها إلى مولاها، وجعله نديما له على طول الزمان، وأطلق له في كل شهر ألف دينار، وقعد مع جاريته تودد في أرغد عيش، فأعجب بها الملك من فصاحة هذه الجارية، ومن غزارة علمها وفهمها وفضلها في كامل العلوم. وانظر إلى مروءة أمير المؤمنين هارون الرشيد؛ حيث أعطى سيدها هذا المال، وقال لها: تمني علي. فتمنت عليه أن يردها إلى سيدها، فردها إليه وأعطاها خمسة آلاف دينار لنفسها، وجعل سيدها نديما له، فأين يوجد هذا الكرم بعد الخلفاء العباسيين - رحمة الله تعالى عليهم أجمعين؟ ### || حكاية الملك المغرور وملك الموت # ومما يحكى أيها الملك السعيد أن ملكا من الملوك المتقدمين أراد أن يركب يوما في جملة أهل مملكته، وأرباب دولته، ويظهر للخلائق عجائب زينته، فأمر أصحابه وأمراءه وكبراء دولته أن يأخذوا أهبة الخروج معه، وأمر خازن الثياب بأن يحضر له من أفخر ms1086 الثياب ما يصلح للملك في زينته، وأمر بإحضار خيله الموصوفة العتاق المعروفة، ففعلوا ذلك، ثم إنه اختار من الثياب ما أعجبه، ومن الخيل ما استحسنه، ثم لبس الثياب، وركب الجواد، وسار بالموكب والطوق المرصع بالجواهر، وأصناف الدر واليواقيت، وجعل يركض الحصان في عسكره، ويفتخر بتيهه وتجبره، فأتاه إبليس فوضع يده على منخره، ونفخ في أنفه نفخة الكبر والعجب، فزها وقال في نفسه: من في العالم مثلي؟ وطفق يتيه بالعجب والكبر، ويظهر الأبهة ويزهو بالخيلاء، ولا ينظر إلى أحد من تيهه وكبره وعجبه وفخره، فوقف بين يديه رجل عليه ثياب رثة، فسلم عليه، فرد عليه السلام، فقبض على عنان فرسه، فقال له الملك: ارفع يدك فإنك لا تدري بعنان من قد أمسكت. فقال له: إن لي إليك حاجة. فقال: اصبر حتى أنزل، واذكر حاجتك. فقال: إنها سر ولا أقولها إلا في أذنك. فمال بسمعه إليه فقال له: أنا ملك الموت، وأريد قبض روحك. فقال: امهلني بقدر ما أعود إلى بيتي، وأودع أهلي وأولادي وجيراني وزوجتي. فقال: كلا، لا تعود ولن تراهم أبدا، فإنه قد مضى أجل عمرك. فأخذ روحه وهو على ظهر فرسه، فخر ميتا، ومضى ملك الموت من هناك، فأتى رجلا صالحا قد رضي الله عنه فسلم عليه، فرد عليه السلام، فقال ملك الموت: أيها الرجل الصالح، إن لي إليك حاجة وهي سر. فقال له الرجل الصالح: اذكر حاجتك في أذني. فقال: أنا ملك الموت. فقال الرجل: مرحبا بك، الحمد لله على مجيئك، فإني كنت كثيرا أترقب وصولك إلي، ولقد طالت غيبتك عن المشتاق إلى قدومك. فقال له ملك الموت: إن كان لك شغل فاقضه. فقال له: ليس لي شغل أهم عندي من لقاء ربي عز وجل. فقال: كيف تحب أن أقبض روحك؟ فإني أمرت أن أقبضها كيف أردت واخترت. فقال: أمهلني حتى أتوضأ وأصلي، فإذا سجدت فاقبض روحي وأنا ساجد. فقال ملك الموت: إن ربي عز وجل أمرني ألا أقبض روحك إلا باختيارك كيف أردت، وأنا أفعل ما قلت. ms1087 فقام الرجل وتوضأ وصلى، فقبض ملك الموت روحه وهو ساجد، ونقله الله تعالى إلى محل الرحمة والرضوان والمغفرة. ### || حكاية الملك الغني وملك الموت # وحكي أن ملكا من الملوك كان قد جمع مالا عظيما لا يحصى عدده، واحتوى على أشياء كثيرة من كل نوع خلقه الله تعالى في الدنيا ليرفه نفسه، حتى إذا أراد أن يتفرغ لما جمعه من النعم الطائلة، بنى له قصرا عاليا مرتفعا شاهقا يصلح للملوك، ويكون بهم لائقا، ثم ركب عليه بابين محكمين، ورتب له الغلمان والأجناد والبوابين كما أراد، ثم أمر الطباخ في بعض الأيام أن يصنع له شيئا من أطيب الطعام، وجمع أهله وحشمه وأصحابه وخدمه ليأكلوا عنده، وينالوا رفده، وجلس على سرير مملكته وسيادته، واتكأ على وسادته، وخاطب نفسه وقال: يا نفس، قد جمعت لك نعم الدنيا بأسرها، فالآن تفرغي وكلي من هذه النعم مهنأة بالعمر الطويل، والحظ الجزيل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 463 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك لما حدث نفسه وقال لها: كلي من هذه النعم، مهنأة بالعمر الطويل والحظ الجزيل. لم يفرغ مما حدث به نفسه، حتى أتاه رجل من ظاهر القصر عليه ثياب رثة، وفي عنقه مخلاة معلقة على هيئة سائل يسأل الطعام، فجاء وطرق حلقة باب القصر طرقة عظيمة هائلة كادت تزلزل القصر وتزعج السرير، فخاف الغلمان، فوثبوا إلى الباب وصاحوا بالطارق، وقالوا له: ويحك! ما هذه الفعلة وسوء الأدب؟ اصبر حتى يأكل الملك، ونعطيك مما يفضل. فقال للغلمان: قولوا لصاحبكم يخرج إلي حتى يكلمني، فلي إليه حاجة، وشغل مهم، وأمر ملم. فقالوا: تنح أيها الضعيف، من أنت حتى تأمر صاحبنا بالخروج إليك؟ فقال لهم: عرفوه ذلك. فجاءوا إليه وعرفوه، فقال: هلا زجرتموه وجردتم عليه السلاح، ونهرتموه. ثم طرق الباب أعظم من الطرقة الأولى، فنهض الغلمان إليه بالعصي والسلاح، وقصدوه ليحاربوه، فصاح بهم صيحة، وقال: الزموا أماكنكم، فأنا ملك الموت. فرعبت قلوبهم، وذهبت عقولهم، وطاشت حلومهم، وارتعدت فرائصهم، وبطلت عن الحركة ms1088 جوارحهم، فقال لهم الملك: قولوا له يأخذ بدلا مني، وعوضا عني. فقال ملك الموت: لا آخذ بدلا، ولا أتيت إلا من أجلك، لأفرق بينك وبين النعم التي جمعتها والأموال التي حويتها وخزنتها. فعند ذلك تنفس الصعداء وبكى وقال: لعن الله المال الذي غرني وأضرني ومنعني عن عبادة ربي، وكنت أظن أنه ينفعني، فبقي اليوم حسرة علي ووبالا لدي، وها أنا أخرج صفر اليدين منه ويبقى لأعدائي. قال: فأنطق الله المال وقال: لأي سبب تلعنني؟ العن نفسك، فإن الله تعالى خلقني وإياك من تراب، وجعلني في يدك لتتزود مني لآخرتك، وتتصدق بي على الفقراء والمساكين والضعفاء، ولتعمر بي الربط والمساجد والجسور والقناطر، لأكون عونا لك في الدار الآخرة؛ وأنت جمعتني وخزنتني، وفي هواك أنفقتني، ولم تشكر لحقي بل كفرتني، فالآن تركتني لأعدائك وأنت بحسرتك وندامتك؛ فأي ذنب لي حتى تسبني؟ ثم إن ملك الموت قبض روحه وهو على سريره قبل أن يأكل الطعام، فخر ميتا ساقطا من فوق سريره، قال الله تعالى: @QUR@010 حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (الأنعام: 44). ### || حكاية ملك إسرائيلي جبار وملك الموت # ومما يحكى أن ملكا جبارا من ملوك بني إسرائيل كان في بعض الأيام جالسا على سرير مملكته، فرأى رجلا قد دخل عليه باب الدار، وله صورة منكرة، وهيئة هائلة، فاشمأز من هجومه عليه، وفزع من هيئته، فوثب في وجهه وقال: من أنت أيها الرجل؟ ومن أذن لك في الدخول علي، وأمرك بالمجيء إلى داري؟ فقال: أمرني صاحب الدار، وأنا لا يحجبني حاجب، ولا أحتاج في دخولي على الملوك إلى إذن، ولا أرهب سياسة سلطان، ولا كثرة أعوان، أنا الذي لا يقرعني جبار، ولا لأحد من قبضتي فرار، أنا هادم اللذات، ومفرق الجماعات. فلما سمع الملك هذا الكلام خر على وجهه، ودبت الرعدة في بدنه، ووقع مغشيا عليه، فلما أفاق قال: أنت ملك الموت؟ قال: نعم. قال: أقسمت عليك بالله إلا أمهلتني يوما واحدا لأستغفر من ذنبي، وأطلب العذر من ربي، وأرد الأموال ms1089 التي في خزائني إلى أربابها، ولا أتحمل مشقة حسابها، وويل عقابها. فقال ملك الموت: هيهات هيهات، لا سبيل إلى ذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 464 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ملك الموت قال للملك: هيهات هيهات، لا سبيل لك إلى ذلك، وكيف أمهلك وأيام عمرك محسوبة، وأنفاسك معدودة، وأوقاتك مثبوتة مكتوبة؟ فقال: أمهلني ساعة. فقال: إن الساعة في الحساب وقد مضت وأنت غافل، وانقضت وأنت ذاهل، وقد استوفيت أنفاسك، ولم يبق لك إلا نفس واحدة. فقال: من يكون عندي إذا نقلت إلى لحدي؟ قال: لا يكون عندك إلا عملك. فقال: ما لي عمل. قال: لا جرم أنه يكون مقيلك في النار، ومصيرك إلى غضب الجبار. ثم قبض روحه فخر ساقطا عن سريره، ووقع إلى الأرض، فحصل الضجيج في أهل مملكته، وارتفعت الأصوات، وعلا الصياح والبكاء، ولو علموا ما يصير إليه من سخط ربه لكان بكاؤهم عليه أكثر، وعويلهم أشد وأوفر. ### || حكاية إسكندر ذي القرنين # ومما يحكى أن إسكندر ذا القرنين اجتاز في سفره بقوم ضعفاء لا يملكون شيئا من أسباب الدنيا، وقد حفروا قبور موتاهم على أبواب دورهم، وكانوا في كل وقت يتعهدون تلك القبور ويكنسون التراب عنها وينظفونها ويزورونها، ويعبدون الله تعالى فيها، وليس لهم طعام إلا الحشيش ونبات الأرض؛ فبعث إليهم إسكندر ذو القرنين رجلا يستدعي ملكهم إليه، فلم يجبه وقال: ما لي إليه حاجة. فسار ذو القرنين إليه وقال: كيف حالكم وما أنتم عليه؟ فإني لا أرى لكم شيئا من ذهب ولا فضة، ولا أجد عندكم شيئا من نعيم الدنيا. فقال له: إن نعيم الدنيا لا يشبع منه أحد. فقال له إسكندر: لم حفرتم القبور على أبوابكم؟ فقال: لتكون نصب أعيننا، فننظر إليها ونجدد ذكر الموت ولا ننسى الآخرة، ويذهب حب الدنيا من قلوبنا فلا نشغل بها عن عبادة ربنا تعالى. فقال إسكندر: كيف تأكلون الحشيش؟ قال: لأنا نكره أن نجعل في بطوننا قبور الحيوانات، ولأن لذة الطعام لا تتجاوز ms1090 الحلق. ثم مد يده فأخرج قحفا من رأس آدمي، فوضعه بين يدي إسكندر وقال له: يا ذا القرنين، أتعلم من كان صاحب هذا؟ قال: لا. قال: كان صاحبه ملكا من ملوك الدنيا، فكان يظلم رعيته ويجور عليهم وعلى الضعفاء، ويستفرغ زمانه في جمع حطام الدنيا، فقبض الله روحه وجعل النار مقره وهذا رأسه. # ثم مد يده ووضع قحفا آخر بين يديه وقال له: أتعرف هذا؟ قال: لا. قال: هذا كان ملكا من ملوك الأرض، وكان عادلا في رعيته شفوقا على أهل ولايته وملكه، فقبض الله روحه وأسكنه جنته ورفع درجته. ووضع يده على رأس ذي القرنين وقال: ترى، أنت أي هذين الرأسين؟ فبكى ذو القرنين بكاء شديدا وضمه إلى صدره وقال له: إن أنت رغبت في صحبتي سلمت إليك وزراتي وقاسمتك في مملكتي. فقال الرجل: هيهات هيهات، ما لي رغبة في هذا. فقال له إسكندر: ولم ذلك؟ قال: لأن الخلق كلهم أعداؤك بسبب المال، والملك الذي أعطيته، وجميعهم أصدقائي في الحقيقة بسبب القناعة والصعلكة؛ لأنني ليس لي ملك ولا طمع في الدنيا، ولا لي إليها طلب ولا فيها أرب، وليس لي إلا القناعة فحسب. فضمه إسكندر إلى صدره وقبله بين عينيه وانصرف. ### || حكاية أنو شروان وتظاهره بالمرض # ومما يحكى أن الملك العادل أنو شروان أظهر يوما من الأيام أنه مريض، وأنفذ ثقاته وأمناءه وأمرهم أن يطوفوا أقطار مملكته وأكتاف ولايته، وأن يتطلبوا له لبنة عتيقة من قرية خربة ليتداوى بها، وذكر لأصحابه أن الأطباء وصفوا له ذلك؛ فطافوا أقطار مملكته وجميع ولايته وعادوا إليه فقالوا: ما وجدنا في جميع المملكة مكانا خربا ولا لبنة عتيقة. ففرح أنوشروان بهذا وشكر الله وقال: إنما أردت أن أجرب ولايتي وأختبر مملكتي، لأعلم هل بقي فيها موضع خرب لأعمره؟ وحيث إنه الآن لم يبق فيها مكان إلا وهو عامر، فقد تمت أمور المملكة وانتظمت الأحوال، ووصلت العمارة إلى درجة الكمال. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 465 # قالت: بلغني أيها ms1091 الملك السعيد، أن الملك لما رجع إليه أرباب دولته وقالوا له: ما وجدنا في جميع المملكة مكانا خربا. شكر الله وقال: الآن قد تمت أمور المملكة وانتظمت الأحوال، ووصلت العمارة إلى درجة الكمال. فاعلم أيها الملك أن أولئك الملوك القدماء ما كانت همتهم واجتهادهم في عمارة ولايتهم، إلا لعلمهم أنه كلما كانت الولاية أعمر كانت الرغبة أوفر، لأنهم كانوا يعلمون أن الذي قالته العلماء ونطقت به الحكماء صحيح لا ريب فيه، حيث قالوا: إن الدين بالملك، والملك بالجند، والجند بالمال، والمال بعمارة البلاد، وعمارة البلاد بالعدل في العباد. فما كانوا يوافقون أحدا على الجور والظلم، ولا يرضون لحشمهم بالتعدي، علما منهم أن الرعية لا تثبت على الجور، وأن البلاد والأماكن تخرب إذا استولى عليها الظالمون، ويتفرق أهلها ويهربون إلى ولايات غيرها. ويقع النقص في الملك، ويقل في البلاد الدخل، وتخلوا الخزائن من الأموال، ويتكدر عيش الرعايا لأنهم لا يحبون جائرا، ولا يزال دعاؤهم عليه متواترا، فلا يتمتع الملك بمملكته، وتسرع إليه دواعي مهلكته. # ![fig14](../Images/figure14.png) # ويحكى أن الملك العادل أنوشروان أظهر يوما من الأيام أنه مريض. ### || حكاية القاضي الإسرائيلي وزوجته # ومما يحكى أنه كان في بني إسرائيل قاض من قضاتهم، وكان له زوجة بديعة الجمال، كثيرة الصون والصبر والاحتمال، فأراد ذلك القاضي النهوض إلى زيارة بيت المقدس، فاستخلف أخاه على القضاء وأوصاه بزوجته، وكان أخوه قد سمع بحسنها وجمالها، فكلف بها، فلما سار القاضي توجه إليها، وراودها عن نفسها، فامتنعت واعتصمت بالورع، فأكثر الطلب عليها وهي تمتنع، فلما يئس منها خاف أن تخبر أخاه بصنيعه إذا رجع، فاستدعى بشهود زور يشهدون عليها بالزنا، ثم رفع مسألتها إلى ملك ذلك الزمان، فأمر برجمها، فحفروا لها حفرة وأقعدوها فيها، ورجمت حتى غطتها الحجارة، وقال: تكون الحفرة قبرها. فلما جن الليل صارت تئن من شدة ما نالها، فمر بها رجل يريد قرية، فلما سمع أنينها قصدها، فأخرجها من الحفرة، واحتملها إلى زوجته، وأمرها بمداواتها، فداوتها حتى شفيت، وكان للمرأة ولد فدفعته إليها، فصارت تكفله، ويبيت ms1092 معها في بيت ثان، فرآها أحد الشطار فطمع فيها، وأرسل يراودها عن نفسها، فامتنعت، فعزم على قتلها، فجاءها بالليل، ودخل عليها البيت وهي نائمة، ثم هوى بالسكين إليها، فوافق الصبي فذبحه، فلما علم أنه ذبح الصبي أدركه الخوف، فخرج من البيت وعصمها الله منه، ولما أصبحت وجدت الصبي مذبوحا، وجاءت أمه وقالت: أنت التي ذبحته. ثم ضربتها ضربا موجعا، وأرادت ذبحها، فجاء زوجها وأنقذها منها، وقال: والله لم تفعل ذلك. فخرجت المرأة فارة بنفسها لا تدري أين تتوجه، وكان معها بعض دراهم، فمرت بقرية والناس مجتمعون، ورجل مصلوب على جذع إلا أنه في قيد الحياة، فقالت: يا قوم، ما له؟ قالوا لها: أصاب ذنبا لا يكفره إلا قتله، وصدقة كذا وكذا من الدراهم. فقالت: خذوا الدراهم وأطلقوه. فتاب على يديها، ونذر على نفسه أن يخدمها لله تعالى حتى يتوفاه الله، ثم بنى لها صومعة أسكنها فيها، وصار يحتطب ويأيتها بقوتها، واجتهدت المرأة في العبادة حتى كان لا يأتيها مريض أو مصاب فتدعو له إلا شفي من وقته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 466 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المرأة لما صارت مقصودة للناس، وهي مقبلة على عبادتها في الصومعة، كان من قضاء الله تعالى أنه نزل بأخي زوجها الذي رجمها عاهة في وجهه، وأصاب المرأة التي ضربتها برص، وابتلي الشاطر بوجع أقعده، وقد جاء القاضي زوجها من حجه، وسأل أخاه عنها، فأخبره أنها ماتت، فأسف عليها، واحتسبها عند الله، ثم تسامعت الناس بالمرأة حتى كانوا يقصدون صومعتها من أطراف الأرض ذات الطول والعرض، فقال القاضي لأخيه: يا أخي، هلا قصدت هذه المرأة الصالحة؟ لعل الله يجعل لك على يديها شفاء. قال: يا أخي، احملني إليها. وسمع بها زوج المرأة التي نزل بها البرص فسار بها إليها، وسمع أهل الشاطر المقعد بخبرها فساروا به إليها أيضا، واجتمع الجميع عند باب صومعتها، وكانت ترى جميع من يأتي صومعتها من حيث لا يراها أحد، فانتظروا خادمها حتى ms1093 جاء ورغبوا إليه في أن يستأذن لهم في الدخول عليها ففعل، فانتقبت واستترت، ووقفت عند الباب تنظر زوجها وأخاه واللص والمرأة، وعرفتهم وهم لا يعرفونها، فقالت لهم: يا هؤلاء، إنكم ما تستريحون مما بكم حتى تعترفوا بذنوبكم، فإن العبد إذا اعترف بذنبه تاب الله عليه، وأعطاه ما هو متوجه فيه إليه. فقال القاضي لأخيه: يا أخي، تب إلى الله، ولا تصر على عصيانك، فإنه أنفع لخلاصك، ولسان الحال يقول هذا المقال: # اليوم يجمع مظلوم ومن ظلما %~% ويظهر الله سرا كان قد كتما ~~هذا مقام يذل المذنبون له %~% ويرفع الله من طاعاته لزما ~~ويظهر الحق مولانا وسيدنا %~% هذا وإن سخط العاصي وإن # رغما ~~يا ويح من جاهر المولى # وأسخطه %~% كأنه بعقاب الله ما علما ~~يا طالب العز إن العز ويحك # في %~% تقوى الإله فكن بالله # معتصما # قال: فعند ذلك قال أخو القاضي: الآن أقول الحق؛ إني فعلت بزوجتك ما هو كذا وكذا، وهذا ذنبي. فقالت البرصاء: وأنا كانت عندي امرأة، فنسبت إليها ما لم أعلمه، وضربتها عمدا، وهذا ذنبي. فقال المقعد: وأنا دخلت على امرأة لأقتلها بعد مراودتها عن نفسها، وامتناعها من الزنا، فذبحت صبيا كان بين يديها وهذا ذنبي. فقالت المرأة: اللهم كما أريتهم ذل المعصية، فأرهم عز الطاعة، إنك على كل شيء قدير. فشفاهم الله عز وجل. وجعل القاضي ينظر إليها ويتأملها، فسألته عن سبب النظر، فقال: كانت لي زوجة، ولولا أنها ماتت لقلت إنها أنت. فعرفته بنفسها، وجعلا يحمدان الله عز وجل على ما من عليهما به من جمع شملهما، ثم طفق كل من أخي القاضي واللص والمرأة يسألونها المسامحة، فسامحت الجميع، وعبدوا الله تعالى في ذلك المكان، مع لزوم خدمتها إلى أن فرق الموت بينهم. ### || حكاية امرأة مسافرة إلى الحج وابنها # ومما يحكى أن بعض السادة قال: بينما أنا أطوف بالكعبة في ليلة مظلمة، إذ سمعت صوتا ذا حنين ينطق عن قلب حزين، وهو يقول: يا كريم لطفك القديم، فإن قلبي على العهد مقيم. فتطاير قلبي لسماع ms1094 ذلك الصوت تطايرا أشرفت منه على الموت، فقصدت نحوه فإذا صاحبته امرأة فقلت: السلام عليك يا أمة الله. فقالت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فقلت: أسألك بالله العظيم ما العهد الذي قلبك عليه مقيم؟ فقالت: لولا قسمك بالجبار ما أطلعتك على الأسرار، انظر ما بين يدي، فنظر فإذا بين يديها صبي نائم يغط في نومه، فقالت: خرجت وأنا حامل بهذا الصبي لأحج هذا البيت، فركبت في سفينة فهالت علينا الأمواج، واختلفت علينا الرياح، وانكسرت بنا السفينة، فنجوت على لوح منها، ووضعت هذا الصبي وأنا على ذلك اللوح، فبينما هو في حجري، والأمواج تضربني ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 467 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت: لما انكسرت السفينة نجوت على لوح منها، ووضعت هذا الصبي وأنا على ذلك اللوح، فبينما هو في حجري والأمواج تضربني، إذ وصل إلي رجل من ملاحي السفينة، وحصل معي، وقال لي: والله لقد كنت أهواك وأنت في السفينة، والآن قد حصلت معك، فمكنيني من نفسك، وإلا قذفتك في هذا البحر. فقلت: ويحك! أما كان لك مما رأيت تذكرة وعبرة؟ فقال: إني رأيت مثل ذلك مرارا ونجوت، وأنا لا أبالي. فقلت: يا هذا، نحن في بلية نرجو السلامة منها بالطاعة لا بالمعصية، فألح علي فخفت منه، وأردت أن أخادعه، فقلت له: مهلا حتى ينام هذا الطفل. فأخذه من حجري وقذفه في البحر، فلما رأيت جرأته، وما فعل بالصبي طار قلبي، وزاد كربي، فرفعت رأسي إلى السماء وقلت: يا من يحول بين المرء وقلبه، حل بيني وبين هذا الأسد؛ إنك على كل شيء قدير. فوالله ما فرغت من كلامي إلا ودابة قد طلعت من البحر، فاختطفته من فوق اللوح، وبقيت وحدي، وزاد كربي وحزني إشفاقا على ولدي، فأنشدت وقلت: # قرة العين حبيبي ولدي %~% ضاع حيث الوجد أوهى # جلدي ~~وأرى جسمي غريقا وغدت %~% بالتياع الوجد تشوي كبدي ~~ليس لي في كربتي من فرج %~% غير ألطافك يا معتمدي ~~أنت يا ربي ترى ms1095 ما حل بي %~% من غرامي بفراقي ولدي ~~فاجمع الشمل وكن لي راحما %~% فرجائي فيك أقوى عددي # فبقيت على تلك الحالة يوما وليلة، فلما كان الصباح بصرت بقلاع سفينة تلوح من بعد، فما زالت الأمواج تقذفني والرياح تسوقني حتى وصلت إلى تلك السفينة التي كنت أرى قلاعها، فأخذني أهل السفينة ووضعوني فيها، فنظرت فإذا ولدي بينهم، فتراميت عليه وقلت: يا قوم، هذا ولدي، فمن أين كان لكم؟ قالوا: بينما نحن نسير في البحر إذ حبست السفينة، فإذا دابة كأنها المدينة العظيمة، وهذا الصبي على ظهرها يمص إبهامه فأخذناه. فلما سمعت منهم ذلك حدثتهم بقصتي، وما جرى لي، وشكرت لربي على ما أنالني، وعاهدته أن لا أبرح بيته، ولا أنثني عن خدمته، وما سألته بعد ذلك شيئا إلا أعطانيه. فمددت يدي إلى كيس النفقة، وأردت أن أعطيها، فقالت: إليك عني يا بطال، أفأحدثك بأفضاله، وكرم فعاله، وآخذ الرفد عن يد غيره، فلم أقدر على أن تقبل مني شيئا، فتركتها وانصرفت من عندها، وأنا أنشد وأقول هذه الأبيات: # وكم لله من لطف خفي %~% يدق خفاه عن فهم # الذكي ~~وكم يسرني من بعد عسر %~% وفرج لوعة القلب # الشجي ~~وكم هم تعانيه صباحا %~% فتعقبه المسرة # بالعشي ~~إذا ضاقت بك الأسباب يوما %~% فثق بالواحد الصمد # العلي ~~تشفع بالنبي فكل عبد %~% ينال إذا تشفع بالنبي # وما زالت في عبادة ربها ملازمة بيته إلى أن أدركها الموت. ### || حكاية العبد الأول المتعبد # ومما يحكى أن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: انحبس عنا المطر بالبصرة، فخرجنا نستقي مرارا فلم نر أثر الإجابة، فخرجت أنا وعطاء السلمي وثابت البناني ونجي البكاء ومحمد بن واسع وأيوب السختياني وحبيب الفارسي وحسان بن أبي سنان وعتبة الفلام وصالح المزني، حتى صرنا إلى المصلى، وخرجت الصبيان من المكاتب واستقينا فلم نر أثر الإجابة؛ فانتصف النهار وانصرف الناس وبقيت أنا وثابت البناني بالمصلى، فلما أظلم الليل بصرنا بأسود مليح الوجه، رقيق الساقين، عظيم البطن، قد أقبل، عليه مئزر من صوف، إذا قوم جميع ما ms1096 كان عليه لا يساوي درهمين؛ فجاء بماء فتوضأ، ثم أتى المحراب فصلى ركعتين خفيفتين، كان قيامه وركوعه وسجوده فيها سواء، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي، إلى كم ترد عبادك فيما لا ينقص ملكك؟ أنفد ما عندك أم فنيت خزائن ملكك؟ أقسمت عليك بحبك لي إلا سقيتنا غيثك الساعة. قال: فما تم الكلام حتى تغيمت السماء وجاءت بمطر كأفواه القرب، ولم نخرج من المصلى إلا ونحن نخوض في الماء للركب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 468 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه قال: فما تم كلامه حتى تغيمت السماء وجاءت بمطر كأفواه القرب، ولم نخرج من المصلى إلا ونحن نخوض في الماء للركب، وبقينا نتعجب من الأسود. قال مالك: فتعرضت له وقلت: ويحك يا أسود، أما تستحي مما قلت؟ فالتفت إلي وقال: ماذا قلت؟ فقلت له: قولك بحبك لي، وما يدريك أنه يحبك؟ فقال لي: تنح عني يا من اشتغل عن نفسه؛ فأين كنت أنا حين أيدني بالتوحيد وخصني بمعرفته؟ أفتراه أيدني بذلك إلا لمحبته لي. ثم قال: محبته لي على قدر محبتي له. فقلت له: قف علي قليلا يرحمك الله. فقال: إني مملوك وعلي فرض من طاعة مالكي الصغير. قال: فجعلنا نقفو أثره على البعد حتى دخل دار نخاس، وقد مضى من الليل نصفه، فطال علينا النصف الثاني فذهبنا. فلما كان الصباح أتينا النخاس وقلنا له: أعندك غلام تبيعه لنا لأجل الخدمة؟ قال: نعم، عندي نحو مائة غلام كلهم للبيع. قال: وجعل يعرض علينا غلاما بعد غلام، حتى عرض سبعين غلاما ولم أر صاحبي فيهم. فقال: ما عندي غير هؤلاء. فلما أردنا الخروج دخلت حجرة خربة خلف داره، فإذا الأسود قائم. فقلت: هو ورب الكعبة. فرجعت إلى النخاس وقلت: بعني هذا الغلام. قال: يا أبا يحيى، إنه غلام مشئوم نكد، ليس له في الليل همة إلا البكاء، وفي النهار إلا الندم. فقلت: لذلك أريده. قال: فدعاه فخرج وهو يتناعس. فقال لي: ms1097 خذه بما شئت بعد أن تبريني من عيوبه كلها. قال: واشتريته بعشرين دينارا وقلت: ما اسمه؟ قال: ميمون. فأخذت بيده وانطلقنا نريد به المنزل، فالتفت إلي وقال لي: يا مولاي الصغير، لماذا اشتريتني؟ فأنا والله لا أصلح لخدمة المخلوقين. فقلت له: إنما اشتريتك لأخدمك بنفسي وعلى رأسي. فقال لي: ولم ذلك؟ فقلت: ألست صاحبنا البارحة بالمصلى؟ فقال: وهل اطلعت علي؟ قلت: أنا الذي اعترضتك البارحة في الكلام. قال: فجعل يمشي حتى دخل مسجدا، فصلى ركعتين ثم قال: إلهي وسيدي ومولاي، سر كان بيني وبينك أطلعت عليه المخلوقين وفضحتني فيه بين العالمين، فكيف يطيب الآن عيشي وقد وقف على ما كان بيني وبينك غيرك؟ أقسمت عليك إلا ما قبضت روحي الساعة. ثم سجد، فانتظرته ساعة فلم يرفع رأسه، فحركته فإذا هو قد مات رحمة الله تعالى عليه. فمددت يديه ورجليه ونظرت إليه فإذا هو ضاحك وقد غلب البياض على السواد، ووجهه يستنير ويبدو متهللا. فبينما نحن نعجب من أمره، إذا بشاب قد أقبل من الباب وقال: السلام عليكم، عظم الله أجرنا وإياكم في أخينا ميمون، هاك الكفن فكفنوه فيه. فناولني ثوبين ما رأيت مثلهما قط، فكفناه فيهما. قال مالك: فقبره الآن يستسقى به وتطلب الحوائج من الله عز وجل لديه. وما أحلى ما قال بعضهم في هذا المعنى: # مجال قلوب العارفين بروضة %~% سماوية من دونها حجب # الرب ~~إذا شربوا فيها الرحيق # مزاجه %~% بتسنيم راح الأنس بالله من # قرب ~~سرى سرهم بين الحبيب # وبينهم %~% فأضحى مصونا عن سوى ذلك # القلب ### || حكاية المتعبد الإسرائيلي وزوجته # ومما يحكى أنه كان من بني إسرائيل رجل من خيارهم، وقد اجتهد في عبادة ربه، وزهد في دنياه، وأزالها عن قلبه، وكانت له زوجة مساعدة على شأنه، مطيعة له في كل زمانه، وكانا يعيشان من عمل الأطباق والمراوح، يعملان النهار كله، فإذا كان آخر النهار خرج الرجل بما عملاه في يده، ومشى به يمر على الأزقة والطرق، يلتمس مشتريا يبيع له ذلك، وكانا يديمان الصوم، فأصبحا في يوم ms1098 من الأيام وهما صائمان، وقد عملا يومهما ذلك، فلما كان آخر النهار، خرج الرجل على عادته، وبيده ما عملاه يطلب من يشتريه منه، فمر بباب أحد أبناء الدنيا، وأهل الرفاهية والجاه، وكان الرجل وضيء الوجه، جميل الصورة، فرأته امرأة صاحب الدار فعشقته، ومال قلبها إليه ميلا شديدا، وكان زوجها غائبا، فدعت خادمتها وقالت لها: لعلك تتحيلين على ذلك الرجل لتأتي به عندنا. فخرجت الخادمة، ودعته لتشتري منه ما بيده، وردته من طريقه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 469 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخادمة خرجت إلى الرجل ودعته، وقالت: ادخل فإن سيدتي تريد أن تشتري من هذا الذي بيدك شيئا بعد أن تختبره وتنظر إليه. فتخيل الرجل أنها صادقة في قولها، ولم ير في ذلك بأسا، فدخل وقعد كما أمرته، فأغلقت الباب عليه، وخرجت سيدتها من بيتها، وأمسكت جلابيبه وجذبته وأدخلته، وقالت له: كم ذا؟ أطلب خلوة منك، وقد عيل صبري من أجلك، وهذا البيت مبخر، والطعام محضر، وصاحب الدار غائب في هذه الليلة، وأنا قد وهبت لك نفسي، ولطالما طلبني الملوك والرؤساء وأصحاب الدنيا ولم ألتفت لأحد منهم. وطال أمرها في القول، والرجل لا يرفع رأسه من الأرض حياء من الله تعالى، وخوفا من أليم عقابه، كما قال الشاعر: # ![fig15](../Images/figure15.png) # أدخلته وقالت له: هذا البيت مبخر، والطعام محضر، وصاحب الدار غائب. # ورب كبيرة ما حال بيني %~% وبين ركوبها إلا # الحياء ~~وكان هو الدواء لها ولكن %~% إذا ذهب الحياء فلا # دواء # قال: وطمع الرجل في أن يخلص نفسه منها، فلم يقدر، فقال: أريد منك شيئا. قالت: وما هو؟ قال: أريد ماء طاهرا أصعد به إلى أعلى موضع في دارك لأقضي به أمرا، وأغسل به درنا مما لا يمكنني أن أطلعك عليه. فقالت: الدار متسعة، ولها خبايا وزوايا، وبيت الطهرة معد. قال: ما غرضي إلا الارتفاع. فقالت لخادمتها: اصعدي به إلى المنظرة العليا من الدار. فصعدت به إلى أعلى موضع فيها، ودفعت له آنية الماء ونزلت، ms1099 فتوضأ الرجل وصلى ركعتين، ونظر إلى الأرض ليلقي نفسه، فرآها بعيدة، فخاف ألا يصل إليها إلا وقد تمزق، ثم تفكر في معصية الله تعالى وعقابه، فهان عليه بذل نفسه وسفك دمه، فقال: إلهي وسيدي، ترى ما نزل بي، ولا يخفى عليك حالي، إنك على كل شيء قدير. ولسان الحال ينشد ويقول في المعنى: # أشار القلب نحوك والضمير %~% وسر السر أنت به خبير ~~وإني إن نطقت بكم أنادي %~% وفي وقت السكوت لكم أشير ~~أيا من لا يضاف إليه ثان %~% أتاك الواله الصب الفقير ~~ولي أمل تحققه ظنوني %~% ولي قلب كما تدري يطير ~~وبذل النفس أصعب ما يلاقي %~% فإن قدرته فهو اليسير ~~وإن تمنن وتمنحني خلاصي %~% فأنت عليه يا أملي قدير # ثم إن الرجل ألقى نفسه من أعلى المنظرة، فبعث الله إليه ملكا احتمله على جناحه، وأنزله إلى الأرض سالما دون أن يناله ما يؤذيه، فلما استقر بالأرض حمد الله عز وجل على ما أولاه من عصمته، وما أناله من رحمته، وسار دون شيء إلى زوجته، وكان قد أبطأ عنها، فدخل وليس معه شيء، فسألته عن سبب بطئه، وعما خرج به في يده، وما فعل به، وكيف رجع بدون شيء، فأخبرها بما عرض له من الفتنة، وأنه ألقى نفسه من ذلك الموضع فنجاه الله، فقالت زوجته: الحمد لله الذي صرف عنك الفتنة، وحال بينك وبين المحنة. ثم قالت: يا رجل، إن الجيران قد تعودوا منا أن نوقد تنورنا في كل ليلة، فإن رأونا الليلة دون نار علموا أننا بلا شيء، ومن شكر الله كتم ما نحن فيه من الخصاصة، ووصال صوم هذه الليلة باليوم الماضي، وقيامها لله تعالى. فقامت إلى التنور، وملأته حطبا، وأضرمته لتغالط به الجارات، وأنشدت تقول هذه الأبيات: # سأكتم ما بي من غرامي # وأشجاني %~% وأضرم ناري كي أغالط # جيراني ~~وأرضى بما أمضى من الحكم # سيدي %~% عساه يرى ذلي إليه # فيرضاني # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 470 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المرأة لما ms1100 أضرمت النار تغالط الجيران، نهضت هي وزوجها وتوضآ وقاما إلى الصلاة، فإذا امرأة من جارتها تستأذن في أن توقد من تنورهما، فقالا لها: شأنك والتنور. فلما دنت المرأة من التنور لتأخذ النار نادت: يا فلانة، أدركي خبزك قبل أن يحترق. فقالت امرأة الرجل لزوجها: أسمعت ما تقول هذه المرأة؟ فقال: قومي وانظري. فقامت وتوجهت للتنور، فإذا هو قد امتلأ من خبز نقي أبيض، فأخذت المرأة الأرغفة، ودخلت على زوجها وهي تشكر الله عز وجل على ما أولى من الخير العميم، والمن الجسيم، فأكلا من الخبز، وشربا من الماء، وحمدا الله تعالى، ثم قالت المرأة لزوجها: تعال ندع الله تعالى عساه أن يمن علينا بشيء يغنينا عن كد المعيشة، وتعب العمل، ويعيننا به على عبادته والقيام بطاعته. قال لها: نعم. فدعا الرجل ربه، وأمنت المرأة على دعائه، فإذا السقف قد انفرج، ونزلت ياقوتة أضاء البيت من نورها، فزادا شكرا وثناء، وسرا بتلك الياقوتة سرورا كثيرا، وصليا ما شاء الله تعالى. فلما كانا آخر الليل ناما، فرأت المرأة في منامها كأنها دخلت الجنة، وشاهدت منابر كثيرة مصفوفة، وكراسي منصوبة، فقالت: ما هذه المنابر، وما هذه الكراسي؟ فقيل لها: هذه منابر الأنبياء، وهذه كراسي الصديقين والصالحين. فقالت: وأين كرسي زوجي فلان؟ فقيل لها: هذا. فنظرت إليه فإذا في جانبه ثلم، فقالت: وما هذا الثلم؟ فقيل لها: هو ثلم الياقوتة النازلة عليكما من سقف بيتكما. فانتبهت من منامها وهي باكية حزينة على نقصان كرسي زوجها بين كراسي الصديقين، فقالت: أيها الرجل، ادع ربك أن يرد هذه الياقوتة إلى موضعها؛ فمكابدة الجوع والمسكنة في الأيام القلائل أهون من ثلم كرسيك بين أصحاب الفضائل. فدعا الرجل ربه، فإذا الياقوتة قد طارت صاعدة إلى السقف، وهما ينظران إليها، وما زالا على فقرهما وعبادتهما، حتى لقيا الله عز وجل. ### || حكاية الحجاج بن يوسف الثقفي والسجين المتعبد # ومما يحكى أن الحجاج بن يوسف الثقفي كان يتطلب رجلا من الأكابر، فلما حضر بين يديه قال: أي عدو الله قد أمكن ms1101 الله منك. ثم قال: احملوه إلى السجن وقيدوه بقيد ضيق ثقيل، وابنوا عليه بيتا لا يخرج منه، ولا يدخل إليه فيه أحد. فأمر بالرجل إلى السجن وأحضر الحداد والقيد، وكان الحداد إذا ضرب بمطرقته يرفع الرجل رأسه وينظر إلى السماء ويقول: ألا له الخلق والأمر. فلما فرغ منه بنى السجان عليه البيت وتركه فيه وحيدا فريدا؛ فداخله الوجد والذهول ولسان حاله ينشد ويقول: # يا مراد المريد أنت مرادي %~% وعلى فضلك العميم # اعتمادي ~~ليس يخفى عليك ما أنا # فيه %~% لحظة منك بغيتي # واقتصادي ~~سجنوني وبالغوا في # امتحاني %~% ويح نفسي لغربتي # وانفرادي ~~إن أكن مفردا فذكرك # أنسي %~% وسميري إذا منعت # رقادي ~~إن تكن راضيا فلست # أبالي %~% أنت تدري بما ترى في # فؤادي # فلما جن الليل أبقى السجان حرسه عنده وذهب إلى بيته، ولما أصبح جاء وتفقد الرجل فإذا القيد مطروح والرجل ليس له خبر؛ فخاف السجان وأيقن بالموت، فسار إلى منزله وودع أهله وأخذ كفنه وحنوطه في كمه ودخل على الحجاج؛ فلما وقف بين يديه شم الحجاج رائحة الحنوط فقال: ما هذا؟ قال: يا مولاي، أنا جئت به. قال: وما حملك على هذا؟ فأخبره بخبر الرجل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 471 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السجان لما أخبر الحجاج بخبر الرجل قال للرجل: ويحك! هل سمعته يقول شيئا؟ قال: نعم. كان إذا ضرب الحداد بالمطرقة ينظر إلى السماء ويقول: ألا له الخلق والأمر. فقال الحجاج: أوما علمت أن الذي ذكره وأنت حاضر، سرحه وأنت عنه غائب؟ وقد أنشد لسان الحال في هذا المعنى وقال: # يا رب كم من بلاء قد ذهبت # به %~% عني ولولاك لم أقعد ولم # أقم ~~فكم وكم من أمور لست # أحصرها %~% نجيتني من بلاها كم وكم # وكم ### || حكاية الحداد الذي يدخل يده في النار فلا تعدو عليه # وحكي أن رجلا من الصالحين بلغه أن بمدينة كذا وكذا حدادا يدخل يده في النار، ويأخذ الحديدة المحماة منها بها فلا تعدو عليه النار؛ ms1102 فقصد الرجل تلك البلدة يسأل عن الحداد، فدل عليه، فلما نظره وتأمله رآه يصنع ما قد وصف له، فأمهله حتى فرغ من عمله وأتاه وسلم عليه، وقال له: إني أريد أن أكون الليلة ضيفك. فقال: حبا وكرامة. فاحتمله إلى منزله وتعشى معه وناما جميعا، فلم ير له أثر قيام ولا عبادة، فقال في نفسه: لعله يستتر مني. فبات عنده ثانية وثالثة، فرآه لا يزيد على الفرض إلا السنن، ولا يقوم من الليل إلا القليل. فقال له: يا أخي، إني سمعت عما أكرمك الله به ورأيته باديا عليك، ثم نظرت إلى اجتهادك فلم أر منك عمل من تظهر عليه الكرامات؛ فمن أين لك هذا؟ قال: إني أحدثك بسببه؛ وذلك أني كنت تولعت بجارية وكنت بها كلفا، فراودتها عن نفسها كثيرا، فلم أقدر عليها لاعتصامها بالورع، فجاءت سنة قحط وجوع وشدة، فعدم الطعام وعظم الجوع، فبينما أنا قاعد إذ قرع الباب قارع، فخرجت، فإذا هي واقفة فقالت: يا أخي، أصابني جوع شديد وقد رفعت إليك رأسي لتطعمني لله. فقلت لها: أما تعلمين ما كان من حبك وما قاسيته من أجلك؟ فأنا لا أطعمك شيئا حتى تمكنيني من نفسك. فقالت: الموت ولا معصية الله. ثم رجعت وعادت بعد يومين، فقالت لي مثل مقالتها الأولى، وقلت مثل جوابي الأول؛ فدخلت وقعدت في البيت وقد أشرفت على الهلاك، فلما جعلت الطعام بين يديها، ذرفت عيناها وقالت: أطعمني لله عز وجل. فقلت لها: لا والله إلا أن تمكنيني من نفسك. فقالت: الموت خير لي من عذاب الله تعالى. وقامت وتركت الطعام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 472 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المرأة قالت للرجل حين أتاها بالطعام: أطعمني لله عز وجل. فقال: لا، إلا أن تمكنيني من نفسك. فقالت: الموت ولا عذاب الله. ثم قامت وتركت الطعام وخرجت ولم تأكل شيئا، وجعلت تقول هذه الأبيات: # أيا واحدا إحسانه شمل # الخلقا %~% بسمعك ما أشكو بعينك ما # ألقى ~~فقد صدمتني شدة ms1103 وخصاصة %~% ونازلني ما بعضه يمنع # النطقا ~~كأني ظمآن ترى الماء عينه %~% فلا عينه تروى ولا شربة # يسقى ~~تنازعني نفسي إلى نيل # أكلة %~% لذاذتها تفنى وعصيانها # يبقى # ثم إنها غابت يومين وأتت تقرع الباب، فخرجت فإذا الجوع قد قطع صوتها، فقالت لي: يا أخي، قد أعيتني الحيل ولا أقدر على إبداء وجهي لأحد من الناس غيرك، فهل تطعمني لله تعالى؟ فقلت: لا، إلا أن تمكنيني من نفسك. فدخلت وقعدت في البيت ولم يكن عندي طعام حاضر، فلما نضج الطعام وجعلته في القصعة، تداركني الله تعالى وقلت لنفسي: ويحك! هذه امرأة ناقصة عقل ودين تمتنع من الطعام، ولا قدرة لها على الصبر دونه لما نالها من الجوع، وهي ترد المرة بعد الأخرى وأنت لا تنثني عن معصية الله تعالى. فقلت: اللهم إني أتوب إليك مما خطر بنفسي. فقمت بالطعام ودخلت عليها وقلت لها: كلي ولا بأس عليك، فإنه لله عز وجل. فرفعت عينها إلى السماء وقالت: اللهم إن كان هذا صادقا فحرم عليه النار في الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. قال: فتركتها وقمت لأزيل النار من الكانون، وكان الوقت وقت فصل الشتاء والبرد، فوقعت جمرة على بدني، فلم أجد لها ألما بقدرة الله عز وجل، فوقع في نفسي أن دعوتها أجيبت؛ فأخذت الجمرة بكفي فلم تحرقني، فدخلت عليها وقلت: أبشري فإن الله قد أجاب دعوتك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 473 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحداد قال لها: أبشري فإن الله قد أجاب دعوتك. فألقت اللقمة من يدها وقالت: اللهم كما أريتني مرادي فيه وأجبت دعوتي له، فاقبض روحي إنك على كل شيء قدير. فقبض الله روحها تلك الساعة رحمة الله عليها. وأنشد لسان الحال في هذا المعنى وقال: # دعت فأجاب مولاها دعاها %~% وتاب على غوي قد دعاها ~~أراها سؤلها فيه امتنانا %~% وواتاها كما شاءت مناها ~~أتته لبابه ترجو نوالا %~% وتقصده لكرب قد عراها ~~فمال إلى غوايته وأهوى %~% لشهوته وأمل منتهاها ms1104 ~~ولم يعلم مراد الله فيه %~% وتوبته أتته وما نواها ~~قضايا الله أرزاق فمن لا %~% تتاح له وتأتيه أتاها ### || حكاية رجل إسرائيلي وسحابة # وحكي أنه كان في بني إسرائيل رجل من العباد المشهورين بالعبادة المعصومين الموصوفين بالزهادة، وكان إذا دعا ربه أجابه، وإذا سأل أعطاه وآتاه مناه، وكان سياحا في الجبال قوام الليل، وكان الله سبحانه وتعالى قد سخر له سحابة تسير معه حيث يسير، وتسكب عليه ماء منهمرا فيتوضأ منه ويشرب؛ فما زال على ذلك إلى أن اعتراه فتور في بعض الأوقات، فأزال الله عنه سحابته وحجب عنه إجابته؛ فكثر لذلك حزنه وطال كمده، وما زال يشتاق إلى زمن الكرامة الممنون بها عليه، ويتحسر ويتأسف ويتلهف؛ فنام ليلة من الليالي، فقيل له في نومه: إن شئت أن يرد الله عليك سحابتك، فاقصد الملك الفلاني في بلد كذا أو كذا، واسأله أن يدعو لك فإن الله سبحانه وتعالى يردها عليك ويسوقها إليك ببركة دعواته الصالحات. وأنشد يقول هذه الأبيات: # أقصد إلى الصالح الأمير %~% في خطبك الواقع # الكبير ~~فإن دعا الله جاء ما قد %~% سألت من وابل همير ~~لقد سما في الملوك قدرا %~% وجل فيهم عن النظير ~~وسوف تلقى لديه أمرا %~% يؤذن بالبشر # والسرور ~~فاقطع له البيد والفيافي %~% وواصل السير بالمسير # قال: فسار الرجل يقطع الأرض حتى دخل البلدة التي ذكرت له في المنام، فسأل عن الملك فدل عليه، فسار إلى قصره، فإذا عند باب القصر غلام قاعد على كرسي عظيم، وعليه كسوة هائلة، فوقف الرجل وسلم، فرد عليه السلام وقال: ما حاجتك؟ قال: أنا رجل مظلوم وقد جئت الملك أرفع قصتي إليه. قال: لا سبيل لك اليوم عليه؛ لأنه قد جعل لأهل المسائل في الأسبوع يوما يدخلون عليه فيه، وهو يوم كذا أو كذا، فسر راشدا حتى يأتي ذلك اليوم. فأنكر الرجل عليه تحجبه عن الناس وقال: كيف يكون هذا وليا من أولياء الله عز وجل، وهو على مثل هذا الحال؟ # وذهب ينتظر اليوم الذي قيل له عليه، فلما كان ذلك ms1105 اليوم الذي ذكره البواب دخلت، فوجدت عند الباب أناسا ينتظرون الإذن لهم في الدخول؛ فوقفت معهم إلى أن خرج وزير عليه ثياب هائلة، وبين يديه خدم وعبيد فقال: ليدخل أرباب المسائل. فدخلوا ودخلت في الجملة، فإذا الملك قاعد وبين يديه أرباب مملكته على قدر مقاديرهم ومراتبهم؛ فوقف الوزير وجعل يقدم واحدا بعد واحد حتى وصلت النوبة إلي، فلما قدمني الوزير نظر الملك إلي وقال: مرحبا بصاحب السحابة، أقعد حتى أفرع لك. فتحيرت من قوله واعترفت بمرتبته وفضله. فلما قضى بين الناس وفرغ منهم قام وقام الوزير وأرباب المملكة، ثم أخذ الملك بيدي وأدخلني إلى قصره، فوجدت عند باب القصر عبدا أسود وعليه ثياب هائلة، وفوق رأسه أسلحة، وعن يمينه وشماله دروع وقسي؛ فقام إلى الملك وسارع لأمره وقضاء حوائجه، ثم فتح باب القصر فدخل الملك ويدي في يده، فإذا بين يديه باب قصير ففتحه الملك بنفسه ودخل إلى خربة وبناء هائل، ثم دخل إلى بيت ليس فيه إلا سجادة وقدح للوضوء وشيء من الخوص؛ ثم جرد ثيابه التي كانت عليه، ولبس جبة خشنة من الصوف الأبيض، وجعل على رأسه قلنسوة من لبد، ثم قعد وأقعدني ونادى أن يا فلانة لزوجته، فقالت له: لبيك. قال لها: أتدرين من ضيفنا في هذا اليوم؟ قالت: نعم، هو صاحب السحابة. فقال لها: اخرجي لا عليك منه. قال: فإذا هي امرأة كأنها الخيال، ووجهها يتلألأ كالهلال، وعليها جبة صوف وقناع. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 474 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما نادى زوجته، خرجت ووجهها يتلألأ كالهلال، وعليها جبة خشنة من صوف وقناع، فقال الملك: يا أخي، أتريد أن تعرف خبرنا أم ندعو لك وتنصرف؟ قال: بل أريد أن أسمع خبركما فإنه الأشوق إلي. فقال له: إنه كان آبائي وأجدادي يتداولون المملكة ويتوارثونها كابرا عن كابر، إلى أن ماتوا ووصل الأمر إلي، فبغض الله ذلك لي؛ فأردت أن أسيح في الأرض وأترك أمر الناس لأنفسهم، ثم إني ms1106 خفت عليهم من دخول الفتنة وتضييع الشرائع وتشتيت شمل الدين، فتركت الأمر على ما كان عليه، وجعلت لكل رأس منهم جراية بالمعروف، ولبست ثياب الملك وأقعدت العبيد على الأبواب إرهابا لأهل الشر وذابا عن أهل الخير وإقامة للحدود؛ فإذا فرغت من ذلك كله دخلت منزلي وأزلت هذه الثياب ولبست ما ترى، وهذه ابنة عمي وافقتني على الزهادة وساعدتني على العبادة؛ فنعمل من هذا الخوص بالنهار ما نفطر به عند الليل، وقد مضى علينا ونحن على هذه الحالة نحو أربعين سنة، فأقم معنا يرحمك الله حتى نبيع خوصنا وتفطر معنا وتبيت عندنا ثم تنصرف بحاجتك إن شاء الله تعالى. قال: فلما كان آخر النهار، أتى غلام خماسي ودخل، فأخذ ما عملاه من الخوص وسار به إلى السوق، فباعه بقيراط واشترى به خبزا وفولا وأتى بهما، فأفطرت معهما ونمت عندهما؛ فقاما من نصف الليل يصليان ويبكيان، فلما كان السحر قال الملك: اللهم إن هذا عبدك يطلب منك أن ترد سحابته عليه، وأنت على ذلك قدير، اللهم أره إجابته واردد عليه سحابته. قال: وأمنت المرأة، فإذا السحابة قد نشأت في السماء. فقال لي: البشارة. فودعتهما وانصرفت، والسحابة تسير معي كما كانت. فأنا بعد ذلك لا أسأل الله تعالى بحرمتهما شيئا إلا أجابني، وأنشأت أقول هذه الأبيات: # وإن لربي صفوة من عبيده %~% قلوبهمو في روض حكمته # تجري ~~وأبدانهم قد أسكنت # حركاتها %~% لما في صدور القوم من خالص # السر ~~تراهم صموتا خاشعين لربهم %~% بحيث يرون الغيب بالغيب # كالجهر ### || حكاية المسلم الجريء والنصراني # وحكي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جهز جيشا من المسلمين تجاه العدو قبل الشام، فحاصروا حصنا من حصونهم حصارا شديدا، وكان في المسلمين رجلان أخوان قد آتاهما الله حدة وجراءة على العدو، وكان أمير ذلك الحصن يقول لأقياله ومن بين يديه من أبطاله: لو أن هذين المسلمين خطلا أو قتلا لكفيتكم من سواهما من المسلمين. قال: فما زالوا ينصبون لهما المصائد ويحتالون عليهما بالمكائد، ويجعلون المكامن ويكثرون الكوامن، إلى ms1107 أن أخذ أحدهما أسيرا وقتل الآخر شهيدا؛ فاحتمل المسلم الأسير إلى أمير ذلك الحصن، فلما نظر إليه قال: إن قتل هذا لمصيبة، وإن رجوعه إلى المسلمين لكريهة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 475 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العدو لما حملوا المسلم الأسير إلى أمير ذلك الحصن ونظر إليه قال: إن قتل هذا لمصيبة ورجوعه إلى المسلمين لكريهة، ووددت لو يدخل في دين النصرانية عونا وعضدا. فقال بطريق من بطارقته: أيها الأمير، أنا أفتنه حتى يرتد عن دينه؛ وذلك أن العرب تكثر الصبوة إلى النساء، ولي بنت لها جمال وكمال، فلو رآها لفتن بها. فقال: هو مسلم إليك فاحمله. فحمله إلى منزله، وألبس الصبية من الثياب ما زاد في زينتها وجمالها، وجاء بالرجل وأدخله المنزل، وأحضر الطعام ووقفت الصبية النصرانية بين يديه كالخادمة المطيعة لسيدها تنتظر أن يأمرها بأمر تمتثله؛ فلما رأى المسلم ما نزل به، اعتصم بالله تعالى وغض بصره واشتغل بعبادة ربه وقراءة القرآن، وكان له صوت حسن وقريحة مؤثرة في النفس، فأحبته الصبية النصرانية حبا شديدا، وكلفت به كلفا عظيما. وما زال كذلك سبعة أيام حتى صارت تقول: ليته يرضى بدخولي في الإسلام. ولسان حالها ينشد هذه الأبيات: # أتعرض عني والفؤاد لكم # يصبو %~% فداؤكمو نفسي ومثواكم # القلب ~~وإني لأرضى أن أفارق # فرقتي %~% وأترك دينا دونه الصارم # العضب ~~وأشهد أن الله لا رب غيره %~% بذا ثبت البرهان وارتفع # الريب ~~عسى أنه يقضي بوصله معرض %~% ويبرد قلبا شفه الشوق # والحب ~~فقد تفتح الأبواب بعد # تغلق %~% ويعطى الأماني من تداوله # الكرب # فلما عيل صبرها وضاق صدرها، ترامت بين يديه وقالت: أسألك بدينك إلا ما سمعت كلامي. فقال: وما كلامك؟ قالت: اعرض علي الإسلام. فعرضه عليها وأسلمت، ثم تطهرت وعلمها كيف تصلي؛ فلما فعلت ذلك قالت: يا أخي، إنما كان دخولي في الإسلام بسببك وابتغاء قربك. فقال لها: إن الإسلام يمنع من النكاح إلا بشاهدين عدلين ومهر وولي، وأنا لا أجد الشاهدين، ولا الولي، ولا ms1108 المهر، فلو تحيلت في خروجنا من هذا الوضع لرجوت الوصول إلى دار الإسلام، وأعاهدك على ألا يكون لي زوجة في الإسلام غيرك. فقالت: أنا أحتال لذلك. ثم دعت أباها وأمها وقالت لهما: إن هذا المسلم قد لان قلبه ورغب في الدخول إلى الدين، وأنا أوصله إلى ما يريد من نفسي. فقال: إن هذا لا يتفق لي في بلد قتل فيه أخي، فلو خرجت منه ليتسلى قلبي وفعلت ما هو المراد مني، ولا بأس أن تخرجاني معه إلى بلد أخرى، فإني ضامنة لكما وللملك ما تريدونه. قال: فمشى والدها إلى أميرهم وعرفه، فسر بذلك سرورا كبيرا، وأمر بإخراجهما معه إلى القرية التي ذكرت؛ فخرجا، فلما وصلا إلى القرية وبقيا يومهما، وجن الليل عليهما، أخذا في الرحيل وقطع السبيل، كما قال بعضهم شعرا: # وقالوا قد دنا منا رحيل %~% فقلت وكم أهدد # بالرحيل ~~وما لي غير جوب القفر شغل %~% وقطع الأرض ميلا بعد # ميل ~~لئن ظعن الأحبة نحو أرض %~% رجعت بها من أبناء # السبيل ~~وأجعل نحوهم شوقي دليلا %~% فتهديني الطريق بلا # دليل # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 476 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المسلم الأسير والصبية أقاما بتلك القرية التي دخلاها بقية يومهما، ولما جن عليهما الليل أخذا في الرحيل وقطع السبيل، وسارا ليلتهما تلك، وكان الشاب قد ركب جوادا سابقا وأردفها خلفه؛ فما زال يقطع الأرض حتى قرب الصباح، فمال بها عن الطريق وأنزلها وتوضأ وصليا الصبح. فبينما هما كذلك إذ سمعا قعقعة السلاح وصلصلة اللجم وكلام الرجال وحوافر الخيل، فقال لها: يا فلانة، هذا تبع النصارى قد أدركنا، فما تكون الحيلة والفرس قد كل ومل حتى لا يقدر أن يخطو باعا. فقالت له: ويحلك! أفزعت وخفت؟ قال: نعم. قالت: فأين ما كنت تحدثني به من قدرة ربك وغياثته مستغيثين؟ تعال نتضرع إليه وندعه لعله يغيثنا بغياثه ويتداركنا بلطفه سبحانه وتعالى. فقال: نعم والله ما قلت. فأخذا في التضرع إلى الله تعالى، وجعل ينشد ويقول هذا ms1109 الأبيات: # إني إليك مدى الساعات # محتاج %~% لو كان في مفرقي الإكليل # والتاج ~~وأنت حاجتي الكبرى فلو # ظفرت %~% بما أردت يدي لم يبق لي # حاج ~~وليس عندك شيء أنت مانعه %~% بل سيل جودك سيال # وثجاج ~~لكنني أنا محجوب بمعصيتي %~% ونور عفوك يا ذا الحلم # وهاج ~~يا فارج الهم فرج ما بليت # به %~% فمن سواك لهذا الهم # فراج # قال: فبينما هو يدعو والجارية تؤمن على دعائه، ووجيف الخيل يقرب منهما، إذ سمع الفتى كلام أخيه الشهيد المقتول وهو يقول: يا أخي، لا تخف ولا تخزن، فالوفد وفد الله وملائكته، أرسلهم إليكما ليشهدوا عليكما في التزويج، وإن الله تعالى قد باهى بكما ملائكته وأعطاكما أجر السعداء والشهداء، وطوى لكما الأرض، وإنك تصبح بجبال المدينة، فإذا اجتمعت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فاقرأ عليه السلام مني وقل له: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فلقد نصحت واجتهدت. ثم رفعت الملائكة أصواتها بالسلام عليه وعلى زوجته وقالوا: إن الله تعالى زوجها منك قبل أن يخلق أباكما آدم عليه السلام بألفي عام. قال: فغشيهما البشر والسرور والأمن والحبور، وزاد اليقين وثبتت هداية المتقين. ولما طلع الفجر وصليا الصبح، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يغلس بصلاة الصبح، وربما دخل المحراب وخلفه رجلان فيبتدئ الصلاة بسورة الأنعام وبسورة النساء، فينتبه الراقد ويتوضأ المتوضئ ويأتي البعيد، فما يتم الركعة الأولى إلا والمسجد قد امتلأ من الناس، فيصلي الركعة الثانية بسورة خفيفة يوجز فيها؛ فلما كان ذلك اليوم، صلى في أول ركعة بسورة خفيفة أوجز فيها وفي الثانية كذلك، فلما سلم نظر إلى أصحابه وقال: أخرجوا بنا لتلقي العروسين. فتعجب أصحابه ولم يفهموا كلامه، فتقدم وهم خلفه حتى خرج إلى باب المدينة. وكان الشاب عندما ظهر له النور ورأى أعلام المدينة، أقبل نحو الباب وزوجته خلفه، فلقيه عمر والمسلمون فسلموا عليه، فلما دخلوا المدينة أمر عمر رضي الله عنه أن تصنع وليمة، فحضر المسلمون وأكلوا، ودخل الشاب بعروسه ورزقه الله تعالى منها الأولاد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن ms1110 الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 477 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن تصنع وليمة، فحضر المسلمون وأكلوا، ودخل الشاب بعروسه ورزقه الله منها أولادا يقاتلون في سبيل الله، ويحفظون أنسابهم لفخرهم، وما أحسن ما قيل في هذا المعنى: # أراك على الأبواب تبكي # وتشتكي %~% وما لك دون الطالبين # جواب ~~أصابتك عين أم دهتك # ملمة %~% فصدك عن باب الحبيب # حجاب ~~صح اليوم يا مسكين والهج # بذكره %~% وتب مثل ما تاب الورى # وأنابوا ~~عسى مطر الغفران يغسل ما # مضى %~% ويهمي بأرباب الذنوب # ثواب ~~فقد يفلت المأسور وهو # مقيد %~% وتعتق من سجن العقاب # رقاب # وما زالوا في أرغد عيش وأتم سرور، إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات. ### || حكاية بنت الملك والطبيب # ومما يحكى أن سيدي إبراهيم بن الخواص رحمة الله عليه قال: طالبتني نفسي في وقت من الأوقات بالخروج إلى بلاد الكفار فكففتها، فلم تكتف وتكف، وعملت على نفي هذا الخاطر فلم ينتف، فخرجت أخترق ديارها، وأجول أقطارها، والعناية تكنفني، والرعاية تلحفني، لا ألقى نصرانيا إلا غض ناظره عني، وتباعد مني إلى أن أتيت مصرا من الأمصار، فوجدت عند بابها جماعة من العبيد عليهم الأسلحة، وبأيديهم مقاطع الحديد، فلما رأوني قاموا على القدم، وقالوا لي: أطبيب أنت؟ قلت: نعم. فقالوا: أجب الملك. واحتملوني إليه، فإذا هو ملك عظيم، ذو وجه وسيم، فلما دخلت عليه نظر إلي وقال: أطبيب أنت؟ قلت: نعم. فقال: احملوه إليها، وعرفوه بالشرط قبل دخوله عليها. فأخرجوني وقالوا لي: إن للملك ابنة قد أصابها إعلال شديد، وقد أعيا الأطباء علاجها، وما من طبيب دخل عليها وعالجها، ولم يفد طبه إلا قتله الملك، فانظر ماذا ترى؟ فقلت لهم: إن الملك ساقني إليها، فأدخلوني عليها، واحتملوني إلى بابها. فلما وصلت قرعوه، فإذا هي تنادي من داخل الدار: أدخلوا علي الطبيب صاحب السر العجيب. وأنشدت تقول: # افتحوا الباب فقد جاء # الطبيب %~% وانظروا نحوي فلي سر # عجيب ~~فلكم مقترب مبتعد %~% ولكم مبتعد وهو # قريب ~~كنت فيما ms1111 بينكم في غربة %~% فأراد الحق أنسي # بقريب ~~جمعتنا نسبة دينية %~% فتراءينا محب وحبيب ~~ودعاني للتلاقي إذ دعا %~% حجب العاذل عنا # والرقيب ~~فاتركوا عذلي وخلوا # لومكم %~% إنني يا ويحكم لست # أجيب ~~لست ألوي نحو فان غائب %~% إنما قصدي باق لا # يغيب # قال: فإذا شيخ كبير قد فتح الباب بسرعة وقال: ادخل. فدخلت، فإذا بيت مبسوط بأنواع الرياحين، وستر مضروب في زاويته، ومن خلفه أنين ضعيف يخرج من هيكل نحيف، فجلست بإزاء الستر، وأردت أن أسلم، فتذكرت قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق، فاضطروهم إلى أضيقه.» فأمسكت، فنادت من داخل الستر: أين سلام التوحيد والإخلاص يا خواص؟ قال: فتعجبت من ذلك، وقلت: من أين عرفتني؟ فقالت: إذا صفت القلوب والخواطر أعربت الألسن عن مخبآت الضمائر، وقد سألته البارحة أن يبعث إلي وليا من أوليائه، يكون لي على يديه الخلاص، فنوديت من زوايا بيتي: لا تحزني؛ إنا سنرسل إليك إبراهيم الخواص. فقلت لها: ما خبرك؟ فقالت لي: أنا منذ أربع سنين قد لاح لي الحق المبين، فهو المحدث والأنيس والمقرب والجليس، فرمقني قومي بالعيون، وظنوا بي الظنون، ونسبوني إلى الجنون، فما دخل علي طبيب منهم إلا أوحشني، ولا زائر إلا أدهشني، فقلت: ومن دلك على ما وصلت إليه؟ قالت: براهينه الواضحة، وآياته اللائحة، وإذا وضح لك السبيل شاهدت المدلول والدليل. قال: فبينما أنا أكلمها إذ جاء الشيخ الموكل بها، وقال لها: ما فعل طبيبك؟ قالت: عرف العلة، وأصاب الدواء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 478 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ الموكل بها لما دخل عليها قال لها: ما فعل طبيبك؟ قالت: عرف العلة، وأصاب الدواء. فظهر لي منه البشر والسرور، وقابلني بالبر والحبور، وسار إلى الملك وأخبره، فحضه الملك على إكرامي، فبقيت أختلف إليها سبعة أيام، فقالت: يا أبا إسحاق، متى تكون الهجرة إلى دار الإسلام؟ فقلت: كيف يكون خروجك؟ ومن يتجاسر عليه؟ فقالت: الذي أدخلك علي ms1112 وساقك إلي. فقلت: نعم ما قلت. فلما كان الغد خرجنا على باب الحصن، وحجب عنا العيون من أمره @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . قال: فما رأيت أصبر منها على الصيام والقيام، فجاورت بيت الله الحرام سبعة أعوام، ثم قضت نحبها، وكانت أرض مكة تربها، أنزل الله عليها الرحمات، ورحم من قال هذه الأبيات: # ولما أتوني بالطبيب وقد # بدت %~% دلائل من دمع سفوح ومن # سقم ~~نضا الثوب عن وجهي فلم ير # تحته %~% سوى نفس من غير روح ولا # جسم ~~فقال لهم ذا قد تعذر # برؤه %~% وللحب سر ليس يدرك # بالوهم ~~فقالوا إذا لم يعلم الناس ما # به %~% ولم يك تعريف بحد ولا # رسم ~~فكيف يكون الطب فيه # مؤثرا %~% دعوني فإني لست أحكم # بالوهم ### || حكاية النبي والفارس # وحكي أن نبيا من الأنبياء كان يتعبد في جبل مرتفع، وتحته عين ماء تجري؛ فكان بالنهار يقعد في أعلى الجبل من حيث لا تراه الناس وهو يذكر الله تعالى، وينظر إلى من يرد العين من الناس. فبينما هو ذات يوم قاعد ينظر إلى العين إذ بصر بفارس قد أقبل، ونزل عن فرسه ووضع جرابا كان في عنقه، واستراح وشرب من الماء، ثم راح وترك الجراب وكان فيه دنانير، وإذا رجل أقبل وأراد العين فأخذ الجراب بالمال وشرب من الماء وانصرف سالما. فجاء بعده رجل حطاب وهو حامل حزمة حطب ثقيلة على ظهره، وقعد على العين يشرب من الماء، فإذا الفارس الأول قد أقبل لهفان وقال للحطاب: أين الجراب الذي كان هنا؟ فقال: لا أدري له خبرا. فجذب الفارس سيفه وضرب الحطاب وقتله، وفتش في ثيابه فلم يجد شيئا، فتركه وسار إلى حال سبيله. فقال ذلك النبي: يا رب، واحد أخذ ألف دينار وآخر قتل مظلوما. فأوحى الله إليه أن اشتغل بعبادتك، فإن تدبير المملكة ليس من شأنك؛ إن والد هذا الفارس كان قد غصب ألف دينار من مال والد هذا الرجل، فمكنت الولد من مال أبيه، وإن الحطاب كان قد ms1113 قتل والد هذا الفارس، فمكنت الولد من القصاص. فقال ذلك النبي: لا إله إلا أنت سبحانك، أنت علام الغيوب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 479 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن النبي لما أوحى الله إليه أن اشتغل بعبادتك، وأخبره بحقيقة الأمر قال: لا إله إلا أنت سبحانك، أنت علام الغيوب. وأنشد بعضهم في هذا المعنى شعرا: # رأى النبي الذي قد كان # بالبصر %~% فصار يسأل عما كان من # خبر ~~إذ شاهدت عينه ما ليس # يفهمه %~% فقال: يا رب ما ذا والقتيل # بري ~~هذا أصاب الغنى من دون ما # تعب %~% وكان لما بدا في زي # مفتقر ~~وذاك قد صار ميتا بعد # عيشته %~% من غير ذنب جنى يا خالق # البشر ~~إن الدراهم كانت مال والد # من %~% رأيته قد أتى إرثا بلا # كدر ~~وكان قد قتل الحطاب والد # ذا %~% فاقتص منه ابنه إذ فاز # بالظفر ~~دع عنك يا عبدنا هذا فإن # لنا %~% في الخلق سر خفى عن حدة # النظر ~~سلم لأحكامنا واخضع # لعزتنا %~% فحكمنا قد جرى بالنفع # والضرر ### || حكاية الملاح والشيخ # ومما يحكى أن رجلا من الصالحين قال: كنت ملاحا بنيل مصر، أعبر من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي، فبينما أنا ذات يوم من الأيام قاعد في الزورق إذا بشيخ ذي وجه مشرق قد وقف علي وسلم، فرددت عليه السلام، فقال: تحملني لله تعالى. قلت: نعم. قال: وتطعمني لله. قلت: نعم. فصعد الزورق وعبرت به إلى الجانب الشرقي، وكان عليه مرقعة وبيده ركوة وعصا، فلما أراد النزول قال لي: إني أريد أن أحملك أمانة. قلت: وما هي؟ قال: إذا كان الغد وألهمت أن تأتيني وقت الظهر وأتيت ووجدتني تحت تلك الشجرة ميتا، فغسلني وكفني في الكفن الذي تجده تحت رأسي، وادفني بعد الصلاة علي في هذا الرمل، وأمسك المرقعة والركوة والعصا، فإذا جاءك من يطلبهن فادفعهن له. قال: فتعجبت من قوله وبت ليلتي تلك، ثم أصبحت أنتظر الوقت الذي ذكره لي. فلما جاء وقت الظهر نسيت كما قال، ms1114 ثم ألهمت قريب العصر، فسرت بسرعة فوجدته تحت الشجرة ميتا، ووجدت كفنا جديدا عند رأسه تفوح منه رائحة المسك؛ فغسلته وكفنته، وصليت عليه وحفرت له قبرا ودفنته، ثم عبرت النيل وجئت الجانب الغربي ليلا ومعي المرقعة والركوة والعصا. فلما لاح الصباح وفتح باب البلد، بصرت بشاب أصله شاطر كنت أعرفه، عليه ثياب رقيقة وفي يده أثر حناء، فأتى حتى وصل إلي فقال: أنت فلان؟ قلت: نعم. قال: هات الأمانة. قلت: وما هي؟ قال: المرقعة والركوة والعصا. فقلت: ومن لك بهن؟ قال: لا أدري، غير أني بت البارحة في عرس فلان، وسهرت أغني إلى أن جاء وقت الصبح، فنمت لأستريح فإذا شخص قد وقف علي وقال لي: إن الله تعالى قد قبض روح فلان الولي وأقامك مقامه، فسر إلى فلان المعدي وخذ منه مرقعته وركوته وعصاه، فإنه قد وضعها لك عنده. قال: فأخرجتها ودفعتها له، فنضا ثيابه ثم لبسها وسار وتركني؛ فبكيت لما حرمت من ذلك. فلما جن الليل علي نمت، فرأيت رب العزة تبارك وتعالى في المنام، فقال: يا عبدي، أثقل عليك أني مننت على عبد من عبادي بالرجوع إلي؟ إنما هو فضلي أوتيه من أشاء، وأنا على كل شيء قدير. فأنشدت هذه الأبيات: # ما للمحب مع الحبيب # مرام %~% كل اختيارك لو عرفت # حرام ~~إن شاء وصلك منة # وتعطفا %~% أو صد عنك فما عليه # ملام ~~إن لم تكن بصدوده # متلذذا %~% فادرج فما لك في المقام # مقام ~~أولم تميز قربه من # بعده %~% فلأنت خلف والهوى # قدام ~~إن كان ملكك الغرام # حشاشتي %~% أو قادني للقتل فيك # زمام ~~فاهجر وصد وصل فذلك # واحد %~% ليس الوقوف مع الحظوظ # يلام ~~ما القصد في حبي إليك سوى # الرضى %~% فإذا رأيت البعد فهو # قوام ### || حكاية إسرائيلي وملك الجزيرة # ومما يحكى أن رجلا من خيار بني إسرائيل كان كثير المال، وله ولد صالح مبارك، فحضرت الرجل الوفاة، فقعد ولده عند رأسه، وقال: يا سيدي، أوصني. فقال: يا بني، لا تحلف بالله بارا، ولا فاجرا. ثم مات الرجل، وبقي ms1115 الولد بعد أبيه، فتسامع به فساق بني إسرائيل، فكان الرجل يأتيه فيقول له: لي عند والدك كذا أو كذا، وأنت تعلم بذلك، أعطني ما في ذمته وإلا فاحلف. فيقف الولد مع الوصية، ويعطيه جميع ما طلبه، فما زالوا به حتى فني ماله، واشتد إقلاله، وكان للولد زوجة صالحة مباركة، وله منها ولدان صغيران، فقال لها: إن الناس قد أكثروا طلبي، وما دام معي ما أدفع به عن نفسي بذلته، والآن لم يبق لنا شيء، فإن طالبني مطالب امتحنت أنا وأنت، فالأولى أن نفوز بأنفسنا، ونذهب إلى موضع لا يعرفنا فيه أحد، ونعيش بين أظهر الناس. قال: فركب بها البحر وبولديه وهو لا يعرف أين يتوجه، والله يحكم لا معقب لحكمه، ولسان الحال يقول: # يا خارجا خوف العدى من # داره %~% واليسر قد وافاه عند # فراره ~~لا تجزعن من البعاد # فربما %~% عز الغريب بطول بعد # مزاره ~~لو قد أقام الدر في # أصدافه %~% ما كان تاج الملك بيت # قراره # قال: فانكسرت السفينة، وخرج الرجل على لوح، وخرجت المرأة على لوح، وخرج كل ولد على لوح، وفرقتهم الأمواج، فحصلت المرأة على بلدة، وحصل أحد الولدين على بلدة أخرى، والتقط الولد الآخر أهل سفينة في البحر، وأما الرجل فقذفته الأمواج إلى جزيرة منقطعة، فخرج إليها، فتوضأ من البحر، وأذن وأقام الصلاة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 480 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجل لما خرج إلى الجزيرة توضأ من البحر، وأذن وأقام الصلاة، فإذا قد خرج من البحر أشخاص بألوان مختلفة، فصلوا معه، ولما فرغ قام إلى شجرة في الجزيرة، فأكل من ثمرها، فزال عنه جوعه، ثم وجد عين ماء فشرب منها، وحمد الله عز وجل وبقي ثلاثة أيام يصلي، وتخرج أقوام يصلون مثل صلاته، وبعد مضي الأيام الثلاثة سمع مناديا يناديه: يا أيها الرجل الصالح البار بأبيه، المجل قدر ربه، لا تحزن إن الله عز وجل مخلف عليك ما خرج من يدك، فإن في هذه الجزيرة كنوزا وأموالا ms1116 ومنافع يريد الله أن تكون لها وارثا، وهي في موضع كذا وكذا من هذه الجزيرة، فاكشف عنها، وإنا لنسوق إليك السفن، فأحسن إلى الناس، وادعهم إليك، فإن الله عز وجل يميل قلوبهم إليك، فقصد ذلك الموضع من الجزيرة، وكشف الله تعالى له عن تلك الكنوز، وصارت أهل السفن ترد عليه، فيحسن إليهم إحسانا عظيما، ويقول لهم: لعلكم تدلون علي الناس، فإني أعطيهم كذا وكذا، وأجعل لهم كذا وكذا، فصار الناس يأتون من الأقطار والأماكن، وما مضت عليه عشر سنين إلا والجزيرة قد عمرت، والرجل صار ملكها لا يأوي إليه أحد إلا أحسن إليه، وشاع ذكره في الأرض بالطول والعرض، وكان ولده الأكبر قد وقع عند رجل علمه وأدبه، والآخر قد وقع عند رجل رباه، وأحسن تربيته، وعلمه طرق التجارة، والمرأة قد وقعت عند رجل من التجار ائتمنها على ماله، وعاهدها على ألا يخونها، وأن يعينها على طاعة الله عز وجل، وكان يسافر بها في السفينة إلى البلاد، ويستصحبها في أي موضع أراد، فسمع الولد الكبير بصيت ذلك الملك، فقصده وهو لا يعلم من هو، فلما دخل عليه أخذه وائتمنه على سره، وجعله كاتبا له، وسمع الولد الآخر بذلك الملك العادل الصالح، فقصده وسار إليه وهو لا يعلم من هو أيضا، فلما دخل عليه وكله على النظر في أموره، وبقيا مدة من الدهر في خدمته، وكل واحد منهم لا يعلم بصاحبه، وسمع الرجل التاجر الذي عنده المرأة بذلك الملك، وبره للناس وإحسانه إليهم، فأخذ جانبا من الثياب الفاخرة، ومما يستظرف من تحف البلاد، وأتى بسفينة والمرأة معه حتى وصل إلى شاطئ الجزيرة، ونزل إلى الملك، وقدم له هديته، فنظرها الملك وسر بها سرورا كثيرا، وأمر للرجل بجائزة سنية، وكان في الهدية عقاقير أراد الملك من التاجر أن يعرفها له بأسمائها، ويخبره بمصالحها، فقال الملك للتاجر: أقم الليلة عندنا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 481 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن التاجر لما قال له الملك: أقم ms1117 الليلة عندنا. قال: إن لي في السفينة وديعة عاهدتها أن لا أوكل أمرها إلى غيري، وهي امرأة صالحة تيمنت بدعائها، وظهرت لي البركة في آرائها، فقال الملك: سأبعث إليها أمناء يبيتون عليها، ويحرسون كل ما لديها. قال: فأجابه لذلك، وبقي عند الملك، ووجه الملك كاتبه ووكيله إليها، وقال لهما: اذهبا فاحرسا سفينة هذا الرجل الليلة إن شاء الله تعالى. قال: فسارا وصعدا إلى السفينة، وقعد هذا على مؤخرها، وهذا على مقدمها، وذكرا الله عز وجل برهة من الليل، ثم قال أحدهما للآخر: يا فلان، إن الملك قد أمرنا بالحراسة، ونخاف النوم، فتعال نتحدث بأخبار الزمان، وما رأيناه من الخير والامتحان، فقال الآخر: يا أخي، أما أنا فمن امتحاني أن فرق الدهر بيني وبين أبي وأمي وأخ لي كان اسمه كاسمك، والسبب في ذلك أنه ركب والدنا البحر من بلد كذا وكذا، فهاجت علينا الرياح، واختلفت فكسرت السفينة، وفرق الله شملنا. فلما سمع الآخر بذلك قال: وما كان اسم والدتك يا أخي؟ قال: فلانة. قال: وما اسم والدك؟ قال: فلان. فترامى الأخ على أخيه وقال له: أنت أخي والله حقا. وجعل كل واحد منهما يحدث أخاه بما جرى عليه في صغره، والأم تسمع الكلام، ولكنها كتمت أمرها وصبرت نفسها، فلما طلع الفجر قال أحدهما للآخر: سر يا أخي نتحدث في منزلي. قال: نعم. فسارا وأتى الرجل، فوجد المرأة في كرب شديد، فقال لها: ما دهاك؟ وما أصابك؟ قالت: بعثت إلي الليلة من أراداني بالسوء، وكنت منهما في كرب عظيم. فغضب التاجر وتوجه للملك، وأخبره بما فعل الأمينان، فأحضرهما الملك بسرعة، وكان يحبهما لما تحقق فيهما من الأمانة والديانة، ثم أمر بإحضار المرأة حتى تذكر ما كان منهما مشافهة، فجيء بها وأحضرت، وقال لها: أيتها المرأة، ماذا رأيت من هذين الأمينين؟ فقالت: أيها الملك، أسألك بالله العظيم رب العرش الكريم إلا ما أمرتهما أن يعيدا كلامهما الذي تكلما به البارحة. فقال لهما الملك: قولا ما قلتماه، ولا تكتما منه شيئا. فأعادا كلامهما، ms1118 وإذا بالملك قد قام من فوق سريره، وصاح صيحة عظيمة، وترامى عليهما واعتنقهما، وقال: والله أنتما ولداي حقا. فكشفت المرأة عن وجهها وقالت: أنا والله أمهما. فاجتمعوا جميعا وصاروا في ألذ عيش وأهناه، إلى أن أبادهم الموت، فسبحان من إذا قصده العبد نجاه، ولم يخيب ما أمله فيه ورجاه! وما أحسن ما قيل في المعنى: # لكل شيء من الأشياء ميقات %~% والأمر فيه أخي محو # وإثبات ~~لا تجزعن لأمر قد دهيت # به %~% فقد أتانا بيسر العسر # آيات ~~ورب ذي كربة باتت مضرتها %~% تبدو وباطنها فيه # المسرات ~~وكم مهان عيون الناس # تشنؤه %~% من الهوان تغشته # الكرامات ~~هذا الذي ناله كرب وكابده %~% ضر وحلت به في الوقت # آفات ~~وفرق الدهر منه شمل # ألفته %~% فكلهم بعد طول الجمع # أشتات ~~أعطاه مولاه خيرا ثم جاء # بهم %~% وفي الجميع إلى المولى # إشارات ~~سبحان من عمت الأكوان # قدرته %~% وأخبرت بتدانيه # الدلالات ~~فهو القريب ولكن لا # يكيفه %~% عقل وليست تدانيه # المسافات ### || حكاية أبي الحسن الدراج وأبي جعفر المجذوم # ومما يحكى أن أبا الحسن الدراج قال: كنت كثيرا ما آتي مكة زادها الله شرفا، وكان الناس يتبعونني لمعرفتي بالطريق وحفظ المناهل؛ فاتفق في عام من الأعوام أني أردت الوصول إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام، وقلت في نفسي: أنا عارف بالطريق فأذهب وحدي. ومشيت حتى وصلت إلى القادسية فدخلتها وأتيت المسجد، فرأيت رجلا مجذوبا قاعدا في المحراب، فلما رآني قال: يا أبا الحسن، أسألك الصحبة إلى مكة. فقلت في نفسي: إني فررت من الأصحاب وكيف أصحب المجذوبين؟ ثم قلت له: إني لا أصحب أحدا. فسكت عني. فلما أصبح الصباح مشيت في الطريق وحدي، ولم أزل منفردا حتى وصلت إلى العقبة ودخلت المسجد، فلما دخلته وجدت الرجل المجذوب في المحراب، فقلت في نفسي: سبحان الله! كيف سبقني هذا إلى ها هنا؟ فرفع رأسه إلي وتبسم وقال: يا أبا الحسن، يصنع للضعيف ما يتعجب منه القوي. فبت تلك الليلة متحيرا مما رأيت، فلما أصبحت سلكت الطريق وحدي، ms1119 فلما وصلت إلى عرفات وقصدت المسجد، إذا الرجل قاعد في المحراب؛ فتراميت عليه وقلت له: يا سيدي، أسألك الصحبة. وجعلت أقبل قدميه، فقال: ليس لي إلى ذلك سبيل. فجعلت أبكي وأنتحب لما حرمت من صحبته، فقال لي: هون عليك، فإنه لا ينفعك البكاء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 482 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا الحسن قال: لما رأيت الرجل المجذوب قاعدا في المحراب، تراميت عليه وقلت له: يا سيدي، أسألك الصحبة. وجعلت أقبل قدميه، فقال لي: ليس إلى ذلك سبيل. فجعلت أبكي وأنتحب لما حرمته من صحبته. فقال لي: هون عليك، فإنه لا ينفعك البكاء. وأجرى العبرات ثم أنشد هذه الأبيات: # أتبكي على بعدي ومنك جرى # البعد %~% وتطلب ردا حين لا يمكن # الرد ~~نظرت إلى ضعفي وظاهر علتي %~% وقلت سقيم لا يروح ولا # يغدو ~~ألم تر أن الله جل جلاله %~% يمن بلطف ما تخيله # العبد ~~لئن كنت في رأي العيون كما # ترى %~% وبالجسم من فرط الزمانة ما # يبدو ~~وليس معي زاد ليوصلني إلى %~% محل به يأتي إلى سيدي # الوفد ~~فلي خالق ألطافه بي خفية %~% وليس له ند ولا منه لي # بد ~~فسر سالما عني ودعني # وغربتي %~% فإن الغريب الفرد يؤنسه # الفرد # فانصرفت من عنده، وكنت بعد ذلك لا آتي منهلا إلا وجدته قد سبقني؛ فلما وصلت إلى المدينة غاب عني أثره وعمي علي خيره، فلقيت أبا يزيد البسطامي وأبا بكر الشبلي وطوائف الشيوخ، وأخبرتهم بقصتي وشكوت إليهم قضيتي، فقالوا: هيهات أن تنال بعد ذلك صحبته؛ هذا أبو جعفر المجذوب، بحرمته تستقي الأنواء، وببركته يستجاب الدعاء. فلما سمعت منهم هذا الكلام زاد شوقي إلى لقائه، وسألت الله أن يجمعني عليه، فبينما أنا واقف بعرفات إذا بجاذب يجذبني من خلفي، فالتفت إليه فإذا هو ذلك الرجل، فلما رأيته صحت صيحة عظيمة، ووقعت مغشيا علي؛ فلما أفقت ما وجدته، زاد وجدي لذلك وضاقت علي المسالك، وسألت الله تعالى رؤيته. فلم يكن إلا أيام قلائل وإذا به ms1120 يجذبني من خلفي، فالتفت إليه فقال: عزمت عليك أن تأتيني وتسأل حاجتك. فسألته أن يدعو لي ثلاث دعوات: الأولى أن يحبب الله إلي الفقر، والثانية ألا أبيت على رزق معلوم، والثالثة أن يرزقني النظر إلى وجهه الكريم. فدعا لي هذه الدعوات وغاب عني، وقد استجاب الله دعاءه لي؛ أما الأولى فإن الله حبب إلي الفقر، فوالله ما في الدنيا شيء هو أحب إلي منه. وأما الثانية فإني منذ كذا سنة ما بت على رزق معلوم، ومع ذلك لا يحوجني الله إلى شيء، وإني لأرجو أن يمن الله علي بالثالثة، ويكون قد أجاب فيها كما أجاب في الاثنتين قبلها، إنه كريم مفضال، ورحم الله من قال: # زي الفقير تبتل ووقار %~% ولباسه الخلقان # والأطمار ~~والاصفرار يزينه ولربما %~% بسرارها تتزين # الأقمار ~~قد شفه طول القيام بليله %~% ودموعه من جفنه مدرار ~~فأنيسه في داره تذكاره %~% وجليسه في ليله الجبار ~~إن الفقير به يغاث # الملتجي %~% وكذلك الأنعام # والأطيار ~~ولأجله يجري الإله بلاءه %~% وبفضله تتنزل # الأمطار ~~وإذا دعا يوما بكشف ملمة %~% هلك الظلوم وعطل # الجبار ~~فالخلق أجمعهم مريض مدنف %~% وهو الطبيب المشفق # المدرار ~~سيماه تبدو إن نظرت لوجهه %~% صفت القلوب ولاحت # الأنوار ~~يا راغبا عنهم ولم تر # فضلهم %~% حجبتك ويحك عنهم # الأوزار ~~ترجو لحاقهم وأنت مقيد %~% قد أخرتك عن المنى # أوزار ~~لو كنت تعرف قدرهم # لأجبتهم %~% وجرت لهم من جفنك # الأنهار ~~إني إلى المذكوم شم أزاهر %~% الثوب يعرف قدره # السمسار ~~فاسرع إلى مولاك واسأل # وصله %~% فعسى تساعد سعيك # الأقدار ~~وتراح من فرط التباعد # والقلى %~% وتنال ما تهوى وما # تختار ~~فجنيه رحب لكل مؤمل %~% وهو الإله الواحد # القهار ### || حكاية مغامرات حاسب كريم الدين # ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، حكيم من حكماء اليونان، وكان ذلك الحكيم يسمى دانيال، وكان له تلامذة وجنود، وكان حكماء اليونان يذعنون لأمره، ويعولون على علومه، ومع هذا لم يرزق ولدا ذكرا، فبينما هو ذات ليلة من الليالي يتفكر في نفسه ويبكي على عدم وجود ولد يرثه في علومه ms1121 من بعده، إذ خطر بباله أن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوة من إليه أناب، وأنه ليس على باب فضله بواب، ويرزق من يشاء بغير حساب، ولا يرد سائلا إذا سأله، بل يجزل الخير والإحسان له، فسأل الله تعالى الكريم أن يرزقه ولدا يخلفه من بعده، ويجزل له الإحسان من عنده، ثم رجع إلى بيته، وواقع زوجته، فحملت منه تلك الليلة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 483 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحكيم اليوناني رجع إلى بيته، وواقع زوجته، فحملت منه تلك الليلة، ثم بعد أيام سافر إلى مكان في مركب فانكسرت به المركب، وراحت كتبه في البحر، وطلع هو على لوح من تلك السفينة، وكان معه خمس ورقات بقيت من الكتب التي وقعت منه في البحر، فلما رجع إلى بيته وضع تلك الأوراق في صندوق، وقفل عليها، وكانت زوجته قد ظهر حملها، فقال لها: اعلمي أني قد دنت وفاتي، وقرب انتقالي من دار الفناء إلى دار البقاء، وأنت حامل فربما تلدين بعد موتي صبيا ذكرا، فإذا وضعته فسميه حاسب كريم الدين، وربيه أحسن التربية، فإذا كبر وقال لك: ما خلف لي أبي من الميراث؟ فأعطيه هذه الخمس ورقات، فإذا قرأها وعرف معناها يصير أعلم أهل زمانه. ثم إنه ودعها وشهق شهقة ففارق الدنيا وما فيها، رحمة الله تعالى عليه؛ فبكى عليه أهله وأصحابه، ثم غسلوه وأخرجوه خرجة عظيمة، ودفنوه ورجعوا، ثم إن زوجته بعد أيام قلائل وضعت ولدا مليحا، فسمته حاسب كريم الدين، كما أوصاها به، ولما ولدته أحضرت له المنجمون، فحسبوا طالعه، وناظره من الكواكب، ثم قالوا لها: اعلمي أيتها المرأة أن هذا المولود يعيش أياما كثيرة، ولكن بعد شدة تحصل له في مبدأ عمره، فإذا نجا منها فإنه يعطى بعد ذلك علم الحكمة. ثم مضى المنجمون إلى حال سبيلهم، فأرضعته اللبن سنتين، وفطمته، فلما بلغ خمس سنين حطته في المكتب ليتعلم شيئا من العلم، فلم يتعلم؛ فأخرجته من المكتب، وحطته في الصنعة ms1122 فلم يتعلم شيئا من الصنعة، ولم يطلع من يده شيء من الشغل، فبكت أمه من أجل ذلك، فقال لها الناس: زوجيه لعله يحمل هم زوجته، ويتخذ له صنعة، فقامت وخطبت بنتا وزوجته بها، ومكث على ذلك الحال مدة من الزمان، وهو لم يتخذ له صنعة قط. # ثم إنهم كان لهم جيران حطابون، فأتوا إلى أمه وقالوا لها: اشتري لابنك حمارا وحبلا وفأسا، ويروح معنا إلى الجبل، فنحتطب نحن وإياه، ويكون ثمن الحطب له ولنا، وينفق عليكم مما يخصه. فلما سمعت أمه ذلك من الحطابين فرحت فرحا شديدا، واشترت لابنها حمارا وحبلا وفأسا، وأخذته وتوجهت به إلى الحطابين، وسلمته إليهم، وأوصتهم عليه، فقالوا لها: لا تحملي هم هذا الولد؛ ربنا يرزقه، وهذا ابن شيخنا. ثم أخذوه معهم، وتوجهوا إلى الجبل، فقطعوا الحطب، وحملوا حميرهم وأتوا إلى المدينة وباعوا الحطب، وأنفقوا على عيالهم، ثم إنهم شدوا حميرهم، ورجعوا إلى الاحتطاب في ثاني يوم وثالث يوم، ولم يزالوا على هذه الحالة مدة من الزمان؛ فاتفق أنهم ذهبوا إلى الاحتطاب في بعض الأيام، فنزلت عليهم مطرة عظيمة، فهربوا إلى مغارة عظيمة ليداروا أنفسهم فيها من تلك المطرة، فقام من عندهم حاسب كريم الدين، وجلس وحده في مكان من تلك المغارة، وصار يضرب الأرض بالفأس، فسمع حس الأرض خالية من تحت الفأس، فلما عرف أنها خالية مكث يحفر ساعة، فرأى بلاطة مدورة، وفيها حلقة، فلما رأى ذلك فرح ونادى جماعته الحطابين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 484 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حاسب كريم الدين لما رأى البلاطة التي فيها الحلقة فرح ونادى جماعته، فحضروا إليه فرأوا تلك البلاطة، فتسارعوا إليها وقلعوها، فوجدوا تحتها بابا، ففتحوا الباب الذي تحت البلاطة، فإذا هو جب ملآن عسل نحل، فقال الحطابون لبعضهم: هذا جب ملآن عسلا، وما لنا إلا أن نروح المدينة، ونأتي بظروف، ونعبئ هذا العسل فيها، ونبيعه ونقتسم حقه، وواحد منا يقعد ليحفظه من غيرنا. فقال حاسب: أنا أقعد وأحرسه ms1123 حتى تروحوا وتأتوا بالظروف. فتركوا حاسب كريم الدين يحرس لهم الجب، وذهبوا إلى المدينة، وأتوا بظروف، وعبوها من ذلك العسل، وحملوا حميرهم، ورجعوا إلى المدينة، وباعوا ذلك العسل، ثم عادوا إلى الجب ثاني مرة؛ وما زالوا على هذه الحالة مدة من الزمان، وهم يبيعون في المدينة ويرجعون إلى الجب يعبون من ذلك العسل، وحاسب كريم الدين قاعد يحرس لهم الجب، فقالوا لبعضهم يوما من الأيام: إن الذي لقي جب العسل حاسب كريم الدين، وفي غد ينزل إلى المدينة، ويدعي علينا، ويأخذ ثمن العسل ويقول: أنا الذي لقيته، وما لنا خلاص من ذلك إلا أن ننزله في الجب ليعبي العسل الذي بقي فيه، ونتركه هناك فيموت كمدا، ولا يدري به أحد، فاتفق الجميع على هذا الأمر، ثم ساروا، وما زالوا سائرين حتى أتوا إلى الجب، فقالوا له: يا حاسب، انزل الجب، وعب لنا العسل الذي بقي فيه، فنزل حاسب في الجب وعبى لهم العسل الذي بقي فيه، وقال لهم: اسحبوني فما بقي فيه شيء. فلم يرد عليه أحد منهم جوابا، وحملوا حميرهم، وساروا إلى المدينة، وتركوه في الجب وحده، وصار يستغيث ويبكي ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، قد مت كمدا. # هذا ما كان من أمر حاسب كريم الدين، وأما ما كان من أمر الحطابين، فإنهم لما وصلوا إلى المدينة باعوا العسل، وراحوا إلى أم حاسب وهم يبكون، وقالوا لها: تعيش رأسك في ابنك حاسب. فقالت لهم: ما سبب موته؟ قالوا لها: إنا كنا قاعدين فوق الجبل، فأمطرت علينا السماء مطرا عظيما، فأوينا إلى مغارة لنتدارى فيها من ذلك المطر، فلم نشعر إلا وحمار ابنك هرب في الوادي، فذهب خلفه ليرده من الوادي، وكان فيه ذئب عظيم فافترس ابنك، وأكل الحمار، فلما سمعت أمه كلام الحطابين، لطمت على وجهها، وحثت التراب على رأسها، وأقامت عزاءه، وصار الحطابون يجيئون لها بالأكل والشرب في كل يوم. # هذا ما كان من أمر أمه، وأما ما كان من أمر الحطابين، فإنهم فتحوا لهم ms1124 دكاكين، وصاروا تجارا، ولم يزالوا في أكل وشرب وضحك ولعب. # وأما ما كان من أمر حاسب كريم الدين، فإنه صار يبكي وينتحب، فبينما هو قاعد في الجب على هذه الحالة، وإذا بعقرب كبير وقع عليه، فقام وقتله، ثم تفكر في نفسه وقال: إن الجب كان ملآن عسلا، فمن أين أتى العقرب؟ فقام ينظر المكان الذي وقع منه العقرب، وصار يلتفت يمينا وشمالا في الجب، فرأى المكان الذي وقع منه العقرب يلوح منه النور، فأخرج سكينا كانت معه، ووسع ذلك المكان حتى صار قدر الطاقة، وخرج منه، وتمشى ساعة في داخله، فرأى دهليزا عظيما، فمشى فيه فرأى بابا عظيما من الحديد الأسود، وعليه قفل من الفضة، وعلى ذلك القفل مفتاح من الذهب، فتقدم إلى ذلك الباب، ونظر من خلاله، فرأى نورا عظيما يلوح من داخله، فأخذ المفتاح وفتح الباب، وعبر إلى داخله، وتمشى ساعة حتى وصل إلى بحيرة عظيمة، فرأى في تلك البحيرة شيئا يلمع مثل الماء، فلم يزل يمشي حتى وصل إليه، فرأى تلا عاليا من الزبرجد الأخضر، وعليه تخت منصوب من الذهب مرصع بأنواع الجواهر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 485 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حاسب كريم الدين لما وصل إلى التل وجده من الزبرجد الأخضر، وعليه تخت منصوب من الذهب، مرصع بأنواع الجواهر، وحول ذلك التخت كراسي منصوبة، بعضها من الذهب وبعضها من الفضة، وبعضها من الزمرد الأخضر، فلما أتى إلى تلك الكراسي تنهد، ثم عدها فرآها اثني عشر ألف كرسي، فطلع على ذلك التخت المنصوب في وسط تلك الكراسي، وقعد عليه، وصار يتعجب من تلك البحيرة، وتلك الكراسي المنصوبة، ولم يزل متعجبا حتى غلب عليه النوم، فنام ساعة، وإذا هو يسمع نفخا وصفيرا، وهرجا عظيما، ففتح عينيه وقعد، فرأى على الكراسي حيات عظيمة، طول كل منها مائة ذراع، فحصل له من ذلك فزع عظيم، ونشف ريقه من شدة خوفه، ويئس من الحياة، وخاف خوفا عظيما، ورأى عين كل حية تتوقد ms1125 مثل الجمر، وهن فوق الكراسي، والتفت إلى البحيرة، فرأى فيها حيات صغارا، لا يعلم عددها إلا الله تعالى، وبعد ساعة أقبلت عليه حية عظيمة مثل البغل، وعلى ظهر تلك الحية طبق من الذهب، وفي وسط ذلك الطبق حية تضيء مثل البلور، ووجهها وجه إنسان، وهي تتكلم بلسان فصيح، فلما قربت من حاسب كريم الدين سلمت عليه، فرد عليها السلام، ثم أقبلت حية من تلك الحيات التي فوق الكراسي، ثم إن تلك الحية زعقت على تلك الحيات بلغاتها، فخرت جميع الحيات من فوق كراسيها، ودعين لها، وأشارت إليهن بالجلوس فجلسن، ثم إن الحية قالت لحاسب كريم الدين: لا تخف منا أيها الشاب؛ فإني أنا ملكة الحيات وسلطانتهن. # ![fig16](../Images/figure16.png) # وبعد ساعات أقبلت عليه حية عظيمة مثل البغل. # فلما سمع حاسب كريم الدين ذلك الكلام من الحية اطمأن قلبه، ثم إن الحية أشارت إلى تلك الحيات أن يأتوا بشيء من الأكل، فأتوا بتفاح وعنب ورمان، وفستق وبندق وجوز ولوز وموز، وحطوه قدام حاسب كريم الدين، ثم قالت له ملكة الحيات: مرحبا بك يا شاب، ما اسمك؟ فقال لها: اسمي حاسب كريم الدين. فقالت له: يا حاسب، كل من هذه الفواكه، فما عندنا طعام غيرها، ولا تخف منا أبدا. فلما سمع حاسب هذا الكلام من الحية، أكل حتى اكتفى، وحمد الله تعالى، فلما اكتفى من الأكل رفعوا السماط من قدامه، ثم بعد ذلك قالت له ملكة الحيات: أخبرني يا حاسب من أين أنت؟ ومن أين أتيت إلى هذا المكان؟ وما جرى لك؟ فحكى لها حاسب ما جرى لأبيه، وكيف ولدته أمه، وحطته في المكتب، وهو ابن خمس سنين، ولم يتعلم شيئا من العلم، وكيف حطته في الصنعة، وكيف اشترت أمه له الحمار، وصار حطابا، وكيف لقي جب العسل، وكيف تركه رفقاؤه الحطابون في الجب وراحوا، وكيف نزل عليه العقرب وقتله، وكيف وسع الشق الذي نزل منه العقرب، وطلع من الجب، وأتى إلى الباب الحديد وفتحه حتى وصل إلى ملكة الحيات التي يكلمها، ثم قال لها: ms1126 وهذه حكايتي من أولها إلى آخرها، والله أعلم بما يحصل لي بعد هذا كله. فلما سمعت ملكة الحيات حكاية حاسب كريم الدين من أولها إلى آخرها، قالت له: ما يحصل لك إلا كل خير. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 486 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ملكة الحيات لما سمعت حكاية حاسب كريم الدين من أولها إلى آخرها، قالت له: ما يحصل لك إلا كل خير، ولكن أريد منك يا حاسب أن تقعد عندي مدة من الزمان حتى أحكي لك حكايتي، وأخبرك بما جرى لي من العجائب. فقال لها: سمعا وطاعة فيما تأمرينني به. فقالت له: اعلم يا حاسب أنه كان بمدينة مصر ملك من بني إسرائيل، وكان له ولد اسمه بلوقيا، وكان هذا الملك عالما عابدا مكبا على قراءة كتب العلم، فلما ضعف وأشرف على الموت طلع له أكابر دولته ليسلموا عليه، فلما جلسوا عنده وسلموا عليه، قال لهم: يا قوم، اعلموا أنه قد دنا رحيلي من الدنيا إلى الآخرة، وما لي عندكم شيء أوصيكم به إلا ابني بلوقيا، فاستوصوا به. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. وشهق شهقة ففارق الدنيا رحمة الله عليه؛ فجهزوه وغسلوه ودفنوه، وأخرجوه خرجة عظيمة، وجعلوا ولده بلوقيا سلطانا عليهم، وكان ولده عادلا في الرعية، واستراحت الناس في زمانه، فاتفق في بعض الأيام أنه فتح خزائن أبيه ليتفرج فيها، ففتح خزانة من تلك الخزائن، فوجد فيها صورة باب، ففتحه ودخل، فإذا هي خلوة صغيرة، وفيها عمود من الرخام الأبيض، وفوقه صندوق من الأبنوس، فأخذه بلوقيا وفتحه فوجد فيه صندوقا آخر من الذهب، ففتحه فرأى فيه كتابا، ففتح الكتاب وقرأه، فرأى فيه صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه يبعث في آخر الزمان، وهو سيد الأولين والآخرين، فلما قرأ بلوقيا هذا الكتاب، وعرف صفات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تعلق قلبه بحبه، ثم إن بلوقيا جمع أكابر بني إسرائيل من الكهان والأحبار والرهبان، وأطلعهم على ذلك الكتاب، ms1127 وقرأه عليهم وقال لهم: يا قوم، ينبغي أن أخرج أبي من قبره وأحرقه. فقال له قومه: لأي شيء تحرقه؟ فقال لهم بلوقيا: لأنه أخفى عني هذا الكتاب ولم يظهره لي، وقد كان استخرجه من التوراة، ومن صحف إبراهيم، ووضع هذا الكتاب في خزائنه، ولم يطلع عليه أحدا من الناس. فقالوا له: يا ملكنا، إن أباك قد مات، وأمره مفوض إلى ربه، وهو الآن في التراب، ولا تخرجه من قبره. فلما سمع بلوقيا هذا الكلام من أكابر بني إسرائيل، عرف أنهم لا يمكنونه من أبيه، فتركهم ودخل على أمه وقال لها: يا أمي، إني رأيت في خزائن أبي كتابا فيه صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو نبي يبعث في آخر الزمان، وقد تعلق قلبي بحبه، وأنا أريد أن أسيح في البلاد حتى أجتمع به، فإنني إن لم أجتمع به مت غراما في حبه. ثم نزع ثيابه، ولبس عباءة وزربونا، وقال: لا تنسيني يا أمي من الدعاء. فبكت عليه أمه، وقالت له: كيف يكون حالنا بعدك؟ قال بلوقيا: ما بقي لي صبر أبدا، وقد فوضت أمري وأمرك إلى الله تعالى. ثم خرج سائحا نحو الشام، ولم يدر به أحد من قومه، وسار حتى وصل إلى ساحل البحر، فرأى مركبا فنزل فيها مع الركاب، وسارت بهم إلى أن أقبلوا على جزيرة، فطلع الركاب من المركب إلى تلك الجزيرة، وطلع معهم، ثم انفرد عنهم في الجزيرة، وقعد تحت شجرة، فغلب عليه النوم فنام، ثم إنه أفاق من نومه، وقام إلى المركب لينزل فيها، فرأى المركب قد أقلعت، ورأى في تلك الجزيرة حيات مثل الجمال، ومثل النخل، وهم يذكرون الله عز وجل ويصلون على محمد صلى الله عليه وسلم، ويصيحون بالتهليل والتسبيح، فلما رأى بلوقيا تعجب غاية العجب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 487 ### || حكاية مغامرات بلوقيا # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بلوقيا لما رأى الحيات يسبحون ويهللون، تعجب من ذلك غاية العجب، ثم إن الحيات لما رأت ms1128 بلوقيا اجتمعت عليه، وقالت له حية منهم: من تكون أنت؟ ومن أين أتيت؟ وما اسمك؟ وإلى أين رائح؟ فقال لها: اسمي بلوقيا، وأنا من بني إسرائيل، وخرجت هائما في حب محمد صلى الله عليه وسلم وفي طلبه، فمن تكونون أنتم أيها الخليقة الشريفة؟ فقالت له الحيات: نحن من سكان جهنم، وقد خلقنا الله تعالى نقمة على الكافرين. فقال لهم بلوقيا: وما الذي جاء بكم إلى هذا المكان؟ فقالت له الحيات: اعلم يا بلوقيا أن جهنم من كثرة غليانها تتنفس في السنة مرتين: مرة في الشتاء، ومرة في الصيف، واعلم أن كثرة الحر من شدة فيحها، ولما تخرج نفسها ترمينا من بطنها، ولما تسحب نفسها تردنا إليها. فقال لهم بلوقيا: هل في جهنم أكبر منكم؟ فقالت له الحيات: إننا ما نخرج مع تنفسها إلا لصغرنا، فإن في جنهم كل حية لو عبر أكبر ما فينا إلى أنفها لم تحس به. فقال لهم بلوقيا: أنتم تذكرون الله، وتصلون على محمد، ومن أين تعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا يا بلوقيا: إن اسم محمد مكتوب على باب الجنة، ولولاه ما خلق الله المخلوقات، ولا جنة ولا نارا، ولا سماء ولا أرضا؛ لأن الله لم يخلق جميع الموجودات إلا من أجل محمد صلى الله عليه وسلم، وقرن اسمه باسمه في كل مكان، ولأجل هذا نحن نحب محمدا صلى الله عليه وسلم. # فلما سمع بلوقيا هذا الكلام من الحيات زاد غرامه في حب محمد صلى الله عليه وسلم، وعظم اشتياقه إليه، ثم إن بلوقيا ودعهم وسار حتى وصل إلى شاطئ البحر، فرأى مركبا راسية في جنب الجزيرة، فنزل فيها مع ركابها، وسارت بهم، وما زالوا سائرين حتى وصلوا إلى جزيرة أخرى، فطلع عليها وتمشى ساعة، فرأى فيها حيات كبارا وصغارا لا يعلم عددها إلا الله تعالى، وبينهم حية بيضاء أبيض من البلور، وهي جالسة في طبق من الذهب، وذلك الطبق على ظهر حية مثل الفيل، وتلك الحية ملكة الحيات، وهي أنا يا حاسب. # ثم ms1129 إن حاسبا سأل ملكة الحيات، وقال لها: أي شيء جوابك مع بلوقيا؟ فقالت الحية: يا حاسب، اعلم أني لما نظرت إلى بلوقيا سلمت عليه، فرد علي السلام، وقلت له: من أنت؟ وما شأنك؟ ومن أين أقبلت؟ وإلى أين تذهب؟ وما اسمك؟ فقال: أنا من بني إسرائيل، واسمي بلوقيا، وأنا سائح في حب محمد صلى الله عليه وسلم وفي طلبه، فإني رأيت صفاته في الكتب المنزلة. ثم إن بلوقيا سألني، وقال لي: أي شيء أنت؟ وما شأنك؟ وما هذه الحيات التي حولك؟ فقلت له: يا بلوقيا، أنا ملكة الحيات، وإذا اجتمعت بمحمد صلى الله عليه وسلم فأقرئه مني السلام. ثم إن بلوقيا ودعني، ونزل في المركب حتى وصل إلى بيت المقدس، وكان في بيت المقدس رجل تمكن من جميع العلوم، وكان متقنا في علم الهندسة وعلم الفلك والحساب والسيمياء والروحاني، وكان يقرأ التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، وكان يقال له عفان، وقد وجد في كتاب عنده أن كل من لبس خاتم سيدنا سليمان انقادت له الإنس والجن والطير والوحش وجميع المخلوقات، ورأى في بعض الكتب أنه لما توفي سيدنا سليمان، حطوه في تابوت، وعدوا به سبعة أبحر، وكان الخاتم في أصبعه، ولا يقدر أحد من الإنس، ولا من الجن أن يأخذ ذلك الخاتم، ولا يقدر أحد من أصحاب المراكب أن يروح بمركب إلى ذلك المكان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 488 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عفانا وجد في بعض الكتب أنه لا يقدر أحد من الإنس ولا من الجن أن يأخذ الخاتم من أصبع سيدنا سليمان، ولا يقدر أحد من أصحاب المراكب أن يسافر بمركبه في السبعة أبحر التي عدوها بتابوته، ووجد في بعض الكتب أيضا أن بين الأعشاب عشبا، كل من أخذ منه شيئا وعصره وأخذ ماءه، ودهن به قدميه، فإنه يمشي على أي بحر خلقه الله تعالى، ولا تبتل قدماه، ولا يقدر أحد على تحصيل ذلك العشب إلا إذا كانت معه ملكة ms1130 الحيات. # ثم إن بلوقيا لما دخل بيت المقدس جلس في مكان يعبد الله تعالى، فبينما هو جالس يعبد الله إذ أقبل عليه عفان، وسلم عليه، فرد عليه السلام، ثم إن عفانا نظر إلى بلوقيا فرآه يقرأ في التوراة وهو جالس يعبد الله تعالى، فتقدم إليه وقال له: أيها الرجل، ما اسمك؟ ومن أين أتيت؟ وإلى أين تذهب؟ فقال له: اسمي بلوقيا، وأنا من مدينة مصر، خرجت سائحا في طلب محمد صلى الله عليه وسلم. فقال عفان لبلوقيا: قم معي إلى منزلي حتى أضيفك. فقال: سمعا وطاعة. فأخذ عفان بيد بلوقيا، وذهب به إلى منزله، وأكرمه غاية الإكرام، وبعد ذلك قال له: أخبرني يا أخي بخبرك، ومن أين عرفت محمدا صلى الله عليه وسلم حتى تعلق قلبك بحبه، وذهبت في طلبه، ومن دلك على هذا الطريق؟ فحكى له بلوقيا حكايته من الأول إلى الآخر، فلما سمع عفان كلامه كاد أن يذهب عقله، وتعجب من ذلك غاية العجب، ثم إن عفانا قال لبلوقيا: اجمعني على ملكة الحيات، وأنا أجمعك على محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن زمان مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بعيد، وإذا ظفرنا بملكة الحيات نحطها في قفص ونروح بها إلى الأعشاب التي في الجبال، وكل عشب جزنا عليه، وهي معنا ينطق ويخبر بمنفعته بقدرة الله تعالى، فإني قد وجدت عندي في الكتب أن في الأعشاب عشبا، كل من أخذه ودقه، وأخذ ماءه ودهن به قدميه، ومشى على أي بحر خلقه الله تعالى لم تبتل له قدم، فإذا أخذنا ملكة الحيات تدلنا على ذلك العشب، وإذا وجدناه نأخذه وندقه، ونأخذ ماءه، ثم نطلقها إلى حال سبيلها، وندهن بذلك الماء أقدامنا، ونعدي السبعة أبحر، ونصل إلى مدفن سيدنا سليمان، ونأخذ الخاتم من أصبعه، ونحكم كما حكم سيدنا سيلمان، ونصل إلى مقصودنا، وبعد ذلك ندخل بحر الظلمات، فنشرب من ماء الحياة، فيمهلنا الله إلى آخر الزمان، ونجتمع بمحمد صلى الله عليه وسلم. # فلما سمع بلوقيا هذا الكلام من عفان قال له: ms1131 يا عفان، أنا أجمعك بملكة الحيات، وأريك مكانها. فقام عفان وصنع له قفصا من حديد، وأخذ معه قدحين، وملأ أحدهما خمرا، وملأ الآخر لبنا، وسار عفان هو وبلوقيا أياما وليالي حتى وصلا إلى الجزيرة التي فيها ملكة الحيات، فطلع عفان وبلوقيا إلى الجزيرة، وتمشيا فيها، وبعد ذلك وضع عفان القفص، ونصب فيه فخا، ووضع فيه القدحين المملوءين خمرا ولبنا، ثم تباعدا عن القفص، واستخفيا ساعة، فأقبلت ملكة الحيات على القفص حتى قربت من القدحين، فتأملت فيهما ساعة، فلما شمت رائحة اللبن نزلت من فوق ظهر الحية التي هي فوقها، وطلعت من الطبق، ودخلت القفص، وأتت إلى القدح الذي فيه الخمر وشربت منه، فلما شربت من ذلك القدح داخت رأسها ونامت؛ فلما رأى ذلك عفان تقدم إلى القفص وقفله على ملكة الحيات، ثم أخذها هو وبلوقيا وسارا، فلما أفاقت رأت روحها في قفص من حديد، والقفص على رأس رجل وبجانبه بلوقيا، فلما رأت ملكة الحيات بلوقيا قالت له: هذا جزاء من لا يؤذي بني آدم. فرد عليها بلوقيا وقال لها: لا تخافي منا يا ملكة الحيات، فإنا لا نؤذيك أبدا، ولكن نريد منك أن تدلينا على عشب بين الأعشاب، كل من أخذه ودقه، واستخرج ماءه، ودهن به قدميه، ومشى على أي بحر خلقه الله تعالى لا تبتل قدماه، فإذا وجدنا ذلك العشب أخذناه، ونرجع بك إلى مكانك، ونطلقك إلى حال سبيلك. # ثم إن عفانا وبلوقيا سارا بملكة الحيات نحو الجبال التي فيها الأعشاب، ودارا بها على جميع الأعشاب، فصار كل عشب ينطق ويخبر بمنفعته بإذن الله تعالى، فبينما هما في هذا الأمر، والأعشاب تنطق يمينا وشمالا، وتخبر بمنافعها، وإذا بعشب نطق وقال: أنا العشب الذي كل من أخذني ودقني، وأخذ مائي، ودهن به قدميه، وجاز على أي بحر خلقه الله تعالى لم تبتل قدماه. فلما سمع عفان كلام العشب حط القفص من فوق رأسه، وأخذا من ذلك العشب ما يكفيهما، ودقاه وعصراه، وأخذا ماءه، وجعلاه في قزازتين وحفظاهما، والذي فضل منهما ms1132 دهنا به أقدامهما، ثم إن بلوقيا وعفانا أخذا ملكة الحيات، وسارا بها ليالي وأياما حتى وصلا إلى الجزيرة التي كانت فيها، ففتح عفان باب القفص، وخرجت منه ملكة الحيات، فلما خرجت قالت لهما: فما تصنعان بهذا الماء؟ فقالا لها: مرادنا أن ندهن به أقدامنا حتى نتجاوز السبعة أبحر، ونصل إلى مدفن سيدنا سليمان، ونأخذ الخاتم من أصبعه. فقالت لهما ملكة الحيات: هيهات أن تقدرا على أخذ الخاتم. فقالا لها: لأي شيء؟ فقالت لهما: لأن الله تعالى من على سليمان بإعطائه ذلك الخاتم، وخصه بذلك؛ لأنه قال: @QUR@013 رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ، فما لكما ولذلك الخاتم؟ ثم قالت لهما: لو أخذتما من العشب الذي كل من أكل منه لا يموت إلى النفخة الأولى، وهو بين تلك الأعشاب، لكان أنفع لكما من هذا الذي أخذتماه، فإنه لا يحصل لكما منه مقصودكما. فلما سمعا كلامهما ندما ندما عظيما، وسارا إلى حال سبيلهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 489 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بلوقيا وعفانا لما سمعا كلام ملكة الحيات ندما ندما عظيما، وسارا إلى حال سبيلهما. هذا ما كان من أمرهما، وأما ما كان من أمر ملكة الحيات، فإنها أتت إلى عساكرها، فرأتهم قد ضاعت مصالحهم، وضعف قويهم، وضعيفهم مات؛ فلما رأى الحيات ملكتهم بينهم فرحوا، والتموا حولها، وقالوا لها: ما خبرك؟ وأين كنت؟ فحكت لهم جميع ما جرى لها مع عفان وبلوقيا، ثم بعد ذلك جمعت جنودها، وتوجهت بهم إلى جبل قاف؛ لأنها كانت تشتي فيه، وتصيف في المكان الذي رآها فيه حاسب كريم الدين. ثم إن الحية قالت: يا حاسب، هذه حكايتي، وما جرى لي. فتعجب حاسب من كلام الحية، ثم قال لها: أريد من فضلك أن تأمري أحدا من أعوانك أن يخرجني إلى وجه الأرض، وأروح إلى أهلي. فقالت له ملكة الحيات: يا حاسب، ليس لك رواح من عندنا حتى يدخل الشتاء، وتروح معنا إلى جبل ms1133 قاف، وتتفرج فيه على تلال ورمل وأشجار، وأطيار تسبح الواحد القهار، وتتفرج على مردة عفاريت وجان ما يعلم عددها إلا الله تعالى. # فلما سمع حاسب كريم الدين كلام ملكة الحيات صار مهموما مغموما، ثم قال لها: أعلميني بعفان وبلوقيا، لما فارقاك وسارا، هل عديا السبعة بحور، ووصلا إلى مدفن سيدنا سليمان أم لا؟ وإذا كان وصلا إلى مدفن سيدنا سليمان، فهل قدرا على أخذ الخاتم أم لا؟ فقالت له: اعلم أن عفانا وبلوقيا لما فارقاني وسارا، دهنا أقدامهما من ذلك الماء، ومشيا على وجه البحر، وصارا يتفرجان على عجائب البحر، وما زالا سائرين من بحر إلى بحر حتى عديا السبعة أبحر، فلما عديا تلك البحار وجدا جبلا عظيما شاهقا في الهواء، وهو من الزمرد الأخضر، وفيه عين تجري، وترابه كله من المسك، فلما وصلا إلى ذلك المكان فرحا، وقالا: قد بلغنا مقصودنا. ثم سارا حتى وصلا إلى جبل عال، فمشيا فيه، فرأيا مغارة من بعيد في ذلك الجبل وعليها قبة عظيمة، والنور يلوح منها، فلما رأيا تلك المغارة قصداها حتى وصلا إليها، فدخلا فرأيا فيها تختا منصوبا من الذهب مرصعا بأنواع الجواهر، وحوله كراسي منصوبة لا يحصي لها عددا إلا الله تعالى، ورأيا السيد سليمان نائما فوق ذلك التخت، وعليه حلة من الحرير الأخضر مزركشة بالذهب، مرصعة بنفيس المعادن من الجواهر، ويده اليمنى على صدره، والخاتم في أصبعه، ونور الخاتم يغلب على نور تلك الجواهر التي في ذلك المكان. ثم إن عفانا علم بلوقيا أقساما وعزائم، وقال له: اقرأ هذه الأقسام، ولا تترك قراءتها حتى آخذ الخاتم. ثم تقدم عفان إلى التخت حتى قرب منه، وإذا بحية عظيمة طلعت من تحت التخت، وزعقت زعقة عظيمة، فارتعد ذلك المكان من زعقتها، وصار الشرر يطير من فمها، ثم إن الحية قالت لعفان: إن لم ترجع هلكت. فاشتغل عفان بالأقسام، ولم ينزعج من تلك الحية، فنفخت عليه الحية نفخة عظيمة كادت أن تحرق ذلك المكان، وقالت: ويلك إن لم ترجع أحرقتك. فلما سمع ms1134 بلوقيا هذا الكلام من الحية طلع من المغارة، وأما عفان فإنه لم ينزعج من ذلك، بل تقدم إلى السيد سليمان، ومد يده ولمس الخاتم، وأراد أن يسحبه من أصبع السيد سليمان، وإذا بالحية نفخت على عفان فأحرقته، فصار كوم رماد. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر بلوقيا، فإنه وقع مغشيا عليه من هذا الأمر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 490 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بلوقيا لما رأى عفانا احترق، وصار كوم رماد، وقع مغشيا عليه، وأمر الرب جل جلاله جبريل أن يهبط إلى الأرض قبل أن تنفخ الحية على بلوقيا، فهبط إلى الأرض بسرعة، فرأى بلوقيا مغشيا عليه، ورأى عفانا احترق من نفخة الحية، فأتى جبريل إلى بلوقيا، وأيقظه من غشيته، فلما أفاق سلم عليه جبريل، وقال له: من أين أتيتم على هذا المكان؟ فحكى له بلوقيا جميع حكايته من الأول إلى الآخر، ثم قال له: اعلم أنني ما أتيت إلى هذا المكان إلا بسبب محمد صلى الله عليه وسلم، فإن عفانا أخبرني أنه يبعث في آخر الزمان، ولا يجتمع به إلا من يعيش إلى ذلك الوقت، ولا يعيش إلى ذلك الوقت إلا من شرب من ماء الحياة، ولا يمكن ذلك إلا بحصول خاتم سليمان عليه السلام؛ فصحبته إلى هذا المكان، وحصل له ما حصل، وها هو قد احترق، وأنا لم أحترق، ومرادي أن تخبرني بمحمد أين يكون؟ فقال له جبريل: يا بلوقيا، اذهب إلى حال سبيلك، فإن زمان محمد بعيد. ثم ارتفع جبريل إلى السماء من وقته. # وأما بلوقيا فإنه صار يبكي بكاء شديدا، وندم على ما فعل، وتفكر قول ملكة الحيات: هيهات أن يقدر أحد على أخذ الخاتم. وتحير بلوقيا في نفسه وبكى، ثم إنه نزل من الجبل وسار، ولم يزل سائرا حتى قرب من شاطئ البحر، وقعد هناك ساعة يتعجب من تلك الجبال والبحار والجزائر، ثم بات تلك الليلة في ذلك الموضع، ولما أصبح الصباح دهن ms1135 قدميه من الماء الذي كانا أخذاه من العشب، ونزل البحر، وسار ماشيا فيه أياما وليالي وهو يتعجب من أهوال البحر وعجائبه وغرائبه، وما زال سائرا على وجه الماء حتى وصل إلى جزيرة كأنها الجنة، فطلع بلوقيا إلى تلك الجزيرة، وصار يتعجب منها ومن حسنها، وساح فيها فرآها جزيرة عظيمة، ترابها من الزعفران، وحصاها من الياقوت والمعادن الفاخرة، وسياجها الياسمين، وزرعها من أحسن الأشجار، وأبهج الرياحين وأطيبها، وفيها عيون جارية، وحطبها من العود القماري والعود القاقلي، وبوصها قصب السكر، وحولها الورد والنرجس والعبهر والقرنفل والأقحوان والسوس والبنفسج، وكل ذلك فيها أشكال وألوان، وأطيارها تناغي على تلك الأشجار، وهي مليحة الصفات، واسعة الجهات، كثيرة الخيرات، قد حوت جميع الحسن والمعاني، وتغريد أطيارها ألطف من رنات المثاني، وأشجارها باسقة، وأطيارها ناطقة، وأنهارها دافقة، وعيونها جارية، ومياهها حالية، وفيها الغزلان تمرح، والجآذر تسنح، والأطيار تناغي على تلك الأغصان، وتسلي العاشق الولهان، فتعجب بلوقيا من هذه الجزيرة، وعلم أنه قد تاه عن الطريق التي قد أتى منها أول مرة حين كان معه عفان، فساح في تلك الجزيرة وتفرج فيها إلى وقت المساء. # فلما أمسى عليه الليل طلع على شجرة عالية لينام فوقها، وصار يتفكر في حسن تلك الجزيرة، فبينما هو فوق الشجرة على تلك الحالة، وإذ بالبحر قد اختبط، وطلع منه حيوان عظيم، وصاح صياحا عظيما حتى انزعجت حيوانات تلك الجزيرة من صياحه، فنظر إليه بلوقيا وهو جالس على الشجرة، فرآه حيوانا عظيما، فصار يتعجب منه، فلم يشعر بعد ساعة إلا وطلع خلفه من البحر وحوش مختلفة الألوان، وفي يد كل وحش منها جوهرة تضيء مثل السراج، حتى صارت الجزيرة مثل النهار من ضياء الجواهر، وبعد ساعة أقبلت من الجزيرة وحوش لا يعلم عددها إلا الله تعالى، فنظر إليها بلوقيا فرآها وحوش الفلاة من سباع ونمور وفهود، وغير ذلك من حيوانات البر، ولم تزل وحوش البر مقبلة حتى اجتمعت مع وحوش البحر في جانب الجزيرة، وصاروا يتحدثون إلى الصباح. فلما أصبح الصباح افترقوا من بعضهم، ms1136 ومضى كل واحد منهم إلى حال سبيله، فلما رآهم بلوقيا خاف ونزل من فوق الشجرة، وسار إلى شاطئ البحر، ودهن قدميه من الماء الذي معه، ونزل البحر الثاني، وسار على وجه الماء ليالي وأياما حتى وصل إلى جبل عظيم، وتحت ذلك الجبل واد ما له آخر، وذلك الوادي حجارته من المغناطيس، ووحوشه سباع وأرانب ونمور، فطلع بلوقيا إلى ذلك الجبل وساح فيه من مكان إلى مكان حتى أمسى عليه المساء، فجلس تحت قنة من قنن ذلك الجبل بجانب البحر، وسار يأكل من السمك الناشف الذي يقذفه البحر. # فبينما هو جالس يأكل من ذلك السمك، وإذا بنمر عظيم أقبل على بلوقيا، وأراد أن يفترسه، فالتفت بلوقيا إلى ذلك النمر فرآه هاجما عليه ليفترسه، فدهن قدميه من الماء الذي معه، ونزل البحر الثالث هربا من ذلك النمر، وسار على وجه الماء في الظلام، وكانت ليلة سوداء ذات ريح عظيم، وما زال سائرا حتى أقبل على جزيرة، فطلع عليها، فرأى فيها أشجارا رطبة ويابسة، فأخذ بلوقيا من ثمر تلك الأشجار، وأكل وحمد الله تعالى، ودار فيها يتفرج إلى وقت المساء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 491 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بلوقيا دار يتفرج في تلك الجزيرة، ولم يزل دائرا يتفرج فيها إلى وقت المساء، فنام في تلك الجزيرة، ولما أصبح الصباح صار يتأمل في جهاتها، ولم يزل يتفرج فيها مدة عشرة أيام، وبعد ذلك توجه إلى شاطئ البحر، ودهن قدميه، ونزل في البحر الرابع، ومشى على وجه الماء ليلا ونهارا حتى وصل إلى جزيرة، فرأى أرضها من الرمل الناعم الأبيض، وليس فيها شيء من الشجر، ولا من الزرع، فتمشى فيها ساعة، فوجد وحشها الصقور وهي معششة في ذلك الرمل، فلما رأى ذلك دهن قدميه ونزل في البحر الخامس، وسار فوق الماء، وما زال سائرا ليلا ونهارا حتى أقبل على جزيرة صغيرة أرضها وجبالها مثل البلور، وفيها العروق التي يصنع منها الذهب، وفيها أشجار غريبة ما رأى ms1137 مثلها في سياحته، وأزهارها كلون الذهب، فطلع بلوقيا إلى تلك الجزيرة، وصار يتفرج فيها إلى وقت المساء، فلما جن عليه الظلام صارت الأزهار تضيء في تلك الجزيرة كالنجوم، فتعجب بلوقيا من هذه الجزيرة، وقال: إن الأزهار التي في هذه الجزيرة هي التي تيبس من الشمس، وتسقط على الأرض فتضربها الرياح، فتجتمع تلك الحجارة، وتصير إكسيرا، فيأخذونها ويصنعون منها الذهب. # ثم إن بلوقيا نام في تلك الجزيرة إلى وقت الصباح، وعند طلوع الشمس دهن قدميه من الماء الذي معه، ونزل البحر السادس، وسار ليالي وأياما حتى أقبل على جزيرة، فطلع عليها وتمشى فيها ساعة، فرأى فيها جبلين، وعليهما أشجار كثيرة، وثمار تلك الأشجار كرءوس الآدميين، وهي معلقة من شعورها، ورأى فيها أشجارا أخرى أثمارها طيور خضر، معلقة من أرجلها، وفيها أشجار تتوقد مثل النار، ولها فواكه مثل الصبار، وكل من سقطت عليه نقطة من تلك الفواكه احترق بها؛ ورأى بها فواكه تبكي، وفواكه تضحك، ورأى بلوقيا في تلك الجزيرة عجائب كثيرة. ثم إنه تمشى إلى شاطئ البحر، فرأى شجرة عظيمة، فجلس تحتها إلى وقت العشاء، فلما أظلم الظلام طلع فوق تلك الشجرة، وصار يتفكر في مصنوعات الله، فبينما هو كذلك وإذا بالبحر قد اختبط، وطلع منه بنات البحر، وفي يد كل واحدة منهن جوهرة تضيء مثل المصباح، وسرن حتى أتين تحت تلك الشجرة، وجلسن ولعبن، ورقصن وطربن، فصار بلوقيا يتفرج عليهن، وهن في هذه الحالة، ولم يزلن في لعب إلى الصباح، فلما أصبح نزلن البحر، فتعجب منهن بلوقيا، ونزل من فوق الشجرة، ودهن قدميه من الماء الذي معه، ونزل البحر السابع وسار، ولم يزل سائرا مدة شهرين وهو لا ينظر جبلا ولا جزيرة، ولا برا ولا واديا ولا ساحلا، حتى قطع ذلك البحر، وقاسى فيه جوعا عظيما، حتى صار يخطف السمك من البحر، ويأكله نيئا من شدة جوعه. # ولم يزل سائرا على هذه الحالة حتى انتهى إلى جزيرة أشجارها كثيرة، وأنهارها غزيرة، فطلع إلى تلك الجزيرة وصار يمشي فيها، ويتفرج يمينا ms1138 وشمالا، وكان ذلك في وقت الضحى، وما زال يتمشى حتى أقبل على شجرة تفاح، فمد يده ليأكل من تلك الشجرة، وإذا بشخص صاح عليه من تلك الشجرة، وقال له: إن تقربت إلى هذه الشجرة، وأكلت منها شيئا، قسمتك نصفين. فنظر بلوقيا إلى ذلك الشخص فرآه طويلا، طوله أربعون ذراعا بذراع أهل ذلك الزمان، فلما رآه بلوقيا خاف منه خوفا شديدا، وامتنع عن تلك الشجرة، ثم قال له بلوقيا: لأي شيء تمنعني من الأكل من هذه الشجرة؟ فقال له: لأنك ابن آدم، وأبوك آدم نسي عهد الله، فعصاه وأكل من الشجرة. فقال له بلوقيا: أي شيء أنت؟ ولمن هذه الجزيرة وهذه والأشجار؟ وما اسمك؟ فقال له الشخص: أنا اسمي شراهيا، وهذه الأشجار والجزيرة للملك صخر، وأنا من أعوانه، وقد وكلني على هذه الجزيرة. ثم إن شراهيا سأل بلوقيا وقال له: من أنت؟ ومن أين أتيت إلى هذه البلاد؟ فحكى له بلوقيا حكايته من الأول إلى الآخر، فقال له شراهيا: لا تخف. ثم جاء له بشيء من الأكل، فأكل بلوقيا حتى اكتفى، ثم ودعه وسار، ولم يزل سائرا مدة عشرة أيام، فبينما هو سائر في جبال ورمال إذ نظر غبرة عاقدة في الجو، فقصد بلوقيا صوب تلك الغبرة، فسمع صياحا وضربا وهرجا عظيما، فمشى بلوقيا نحو تلك الغبرة حتى وصل إلى واد عظيم طوله مسيرة شهرين، ثم تأمل بلوقيا في جهة ذلك الصياح، فرأى ناسا راكبين على خيل وهم يقتتلون مع بعضهم، وقد جرى الدم بينهم حتى صار مثل النهر، ولهم أصوات مثل الرعد، وفي أيديهم رماح وسيوف وأعمدة من الحديد، وقسي ونبال، وهم في قتال عظيم، فأخذه خوف شديد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 492 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بلوقيا لما رأى هؤلاء الناس بأيديهم السلاح وهم في قتال عظيم، أخذه خوف شديد، وتحير في أمره، فبينما هو كذلك وإذا هم رأوه، فلما رأوه امتنعوا عن بعضهم، وتركوا الحرب، ثم أتت إليه طائفة منهم، ms1139 فلما قربوا منه تعجبوا من خلقته، ثم تقدم إليه فارس منهم، وقال له: أي شيء أنت؟ ومن أين أتيت؟ وإلى أين رائح؟ ومن دلك على هذه الطريق حتى وصلت إلى بلادنا؟ فقال له: أنا من بني آدم، وجئت هائما في حب محمد صلى الله عليه وسلم، ولكني تهت عن الطريق. فقال له الفارس: نحن ما رأينا ابن آدم قط، ولا أتى إلى هذه الأرض. وصاروا يتعجبون منه، ومن كلامه، ثم إن بلوقيا سألهم وقال لهم: أي شيء أنتم أيها الخليقة؟ فقال له الفارس: نحن من الجان. فقال له بلوقيا: يا أيها الفارس، ما سبب القتال الذي بينكم؟ وأين مسكنكم؟ وما اسم هذا الوادي وهذه الأراضي؟ فقال له الفارس: نحن مسكننا الأرض البيضاء، وفي كل عام يأمرنا الله تعالى أن نأتي إلى هذه الأرض، ونغازي الجان الكافرين. فقال له بلوقيا: وأين الأرض البيضاء؟ فقال له الفارس: خلف جبل قاف بمسيرة خمسة وسبعين سنة، وهذه الأرض يقال لها أرض شداد بن عاد، ونحن أتينا إليها لنغازي فيها، وما لنا شغل سوى التسبيح والتقديس، ولنا ملك يقال له الملك صخر، وما يمكن إلا أن تروح معنا إليه حتى ينظرك ويتفرج عليك. # ثم إنهم ساروا وبلوقيا معهم حتى أتوا منزلهم، فنظر بلوقيا خياما عظيمة من الحرير الأخضر لا يعلم عددها إلا الله تعالى، ورأى بينها خيمة منصوبة من الحرير الأحمر، واتساعها مقدار ألف ذراع، وأطنابها من الحرير الأزرق، وأوتادها من الذهب والفضة، فتعجب بلوقيا من تلك الخيمة، ثم إنهم ساروا به حتى أقبلوا على الخيمة، فإذا هي خيمة الملك صخر، ثم دخلوا به حتى أتوا قدام الملك صخر، فنظر بلوقيا إلى الملك فرآه جالسا على تخت عظيم من الذهب الأحمر، مرصع بالدر والجوهر، وعلى يمينه ملوك الجان، وعلى يساره الحكماء والأمراء وأرباب الدولة وغيرهم، فلما رآه الملك صخر أمر أن يدخلوا به عنده، فدخلوا به عند الملك، فتقدم بلوقيا وسلم عليه وقبل الأرض بين يديه، فرد عليه الملك صخر السلام، ثم قال له: ادن ms1140 مني أيها الرجل. فدنا منه بلوقيا حتى صار بين يديه، فعند ذلك أمر الملك صخر أن ينصبوا له كرسيا بجانبه، فنصبوا له كرسيا بجانب الملك، ثم أمره الملك صخر أن يجلس على ذلك الكرسي، فجلس بلوقيا عليه. ثم إن الملك صخر سأل بلوقيا وقال له: أي شيء أنت؟ فقال له: أنا من بني آدم من بني إسرائيل. فقال له الملك صخر: احك لي حكايتك، وأخبرني بما جرى لك، وكيف أتيت إلى هذه الأرض؟ فحكى له بلوقيا جميع ما جرى له في سياحته من الأول إلى الآخر، فتعجب الملك صخر من كلامه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 493 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بلوقيا لما أخبر الملك صخر بجميع ما جرى له في سياحته من الأول إلى الآخر، تعجب من ذلك، ثم أمر الفراشين أن يأتوا بسماط، فأتوا بسماط ومدوه، ثم إنهم أتوا بصوان من الذهب الأحمر، وصوان من الفضة، وصوان من النحاس، وبعض الصواني فيها خمسون مسلاقة، وبعضها فيها عشرون جملا، وبعضها فيها خمسون رأسا من الغنم، وعدد الصواني ألف وخمسمائة صينية؛ فلما رأى بلوقيا ذلك تعجب غاية العجب، ثم إنهم أكلوا، وأكل بلوقيا معهم حتى اكتفى، وحمد الله تعالى، وبعد ذلك رفعوا الطعام، وأتوا بفواكه فأكلوا، ثم بعد ذلك سبحوا الله تعالى، وصلوا على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فلما سمع بلوقيا ذكر محمد تعجب، وقال للملك صخر: أريد أن أسألك بعض مسائل. فقال له الملك صخر: سل ما تريد. فقال له بلوقيا: يا ملك، أي شيء أنتم؟ ومن أين أصلكم؟ ومن أين تعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم حتى تصلون عليه وتحبوه؟ فقال له الملك صخر: يا بلوقيا، إن الله تعالى خلق النار سبع طبقات بعضها فوق بعض، وبين كل طبقة وطبقة مسيرة ألف عام، وجعل اسم الطبقة الأولى جهنم، وأعدها لعصاة المؤمنين الذين يموتون من غير توبة، واسم الطبقة الثانية لظى، وأعدها للكفار، واسم الطبقة الثالثة الجحيم، وأعدها ليأجوج ومأجوج، ms1141 واسم الرابعة السعير، وأعدها لقوم إبليس، واسم الخامسة سقر، وأعدها لتارك الصلاة، واسم السادسة الحطمة، وأعدها لليهود والنصارى، واسم السابعة الهاوية، وأعدها للمنافقين؛ فهذه السبع طبقات. فقال له بلوقيا: لعل جهنم أهون عذابا من الجميع؛ لأنها هي الطبقة الفوقانية. قال الملك صخر: نعم، هي أهون الجميع عذابا، ومع ذلك فيها ألف جبل من النار، وفي كل جبل سبعون ألف واد من النار، وفي كل واد سبعون ألف مدينة من النار، وفي كل مدينة سبعون ألف قلعة من النار، وفي كل قلعة سبعون ألف بيت من النار، وفي كل بيت سبعون ألف تخت من النار، وفي كل تخت سبعون ألف نوع من العذاب، وما في جميع طبقات النار يا بلوقيا أهون عذابا من عذابها؛ لأنها هي الطبقة الأولى، وأما الباقي فلا يعلم عددها فيه من أنواع العذاب إلا الله تعالى. # فلما سمع بلوقيا هذا الكلام من الملك صخر وقع مغشيا عليه، فلما أفاق من غشيته بكى وقال: يا ملك، كيف يكون حالنا؟ فقال له الملك صخر: يا بلوقيا، لا تخف، واعلم أن كل من كان يحب محمدا لم تحرقه النار، وهو معتوق لأجل محمد صلى الله عليه وسلم، وكل من كان على ملته تهرب منه النار، وأما نحن فخلقنا الله تعالى من النار، وأول ما خلق الله المخلوقات في جهنم خلق شخصين من جنوده؛ أحدهما اسمه خليت، والآخر اسمه مليت، وجعل خليت على صورة أسد، ومليت على صورة ذئب، وكان ذنب مليت على صورة الأنثى، ولونها أبلق، وذنب خليت على صورة ذكر وهو في هيئة حية، وذنب مليت في هيئة سلحفاة، وطول ذنب خليت مسيرة عشرين سنة، ثم أمر الله تعالى ذنبيهما أن يجتمعا مع بعضهما، ويتناكحا، فتوالد منهما حيات وعقارب ومسكنها في النار ليعذب الله بها من يدخلها، ثم إن تلك الحيات والعقارب تناسلوا وتكاثروا، ثم بعد ذلك أمر الله تعالى ذنبي خليت ومليت أن يجتمعا ويتناكحا ثاني مرة، فاجتمعا وتناكحا، فحمل ذنب مليت من ذنب خليت، فلما وضعت ولدت ms1142 سبعة ذكور، وسبع إناث، فتربوا حتى كبروا، فلما كبروا تزوج الإناث بالذكور، وأطاعوا والدهم إلا واحدا منهم عصى والده، فصار دودة، وتلك الدودة هي إبليس لعنه الله تعالى، وكان من المقربين، فإنه عبد الله تعالى حتى ارتفع إلى السماء، وتقرب من الرحمن، وصار رئيس المقربين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 494 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن إبليس كان عبد الله تعالى، وصار رئيس المقربين، ولما خلق الله تعالى آدم عليه السلام أمر إبليس بالسجود له، فامتنع من ذلك، فطرده الله تعالى ولعنه، فلما تناسل جاءت منه الشياطين، وأما الستة ذكور الذين قبلهم فهم الجان المؤمنون، ونحن من نسلهم، وهذا أصلنا يا بلوقيا. فتعجب بلوقيا من كلام الملك صخر، ثم إنه قال: يا ملك، أريد منك أن تأمر واحدا من أعوانك ليوصلني إلى بلادي. فقال له الملك صخر: ما نقدر أن نفعل شيئا من ذلك إلا إن أمرنا الله تعالى، ولكن يا بلوقيا إن شئت الذهاب من عندنا، فإني أحضر لك فرسا من خيلي، وأركبك على ظهرها، وآمرها أن تسير بك إلى آخر حكمي، فإذا وصلت إلى آخر حكمي يلاقيك جماعة ملك اسمه براخيا، فينظرون الفرس فيعرفونها، وينزلونك من فوقها، ويرسلونها إلينا، وهذا الذي نقدر عليه لا غير. # فلما سمع بلوقيا هذا الكلام بكى وقال للملك: افعل ما تريد. فأمر الملك أن يأتوا له بالفرس، فأتوا له بالفرس وأركبوه على ظهرها، وقالوا له: احذر أن تنزل من فوق ظهرها، أو تضربها في وجهها، فإن فعلت ذلك أهلكتك، بل استمر راكبا عليها مع السكون حتى تقف بك، فانزل عن ظهرها ورح إلى حال سبيلك. فقال لهم بلوقيا: سمعا وطاعة. ثم ركب الفرس، وسار في الخيام مدة طويلة، ولم يمر في سيره إلا على مطبخ الملك صخر، فنظر بلوقيا إلى قدور معلقة، في كل قدر خمسون جملا، والنار تلتهب من تحتها، فلما رأى بلوقيا تلك القدور وكبرها، تأملها وتعجب منها، وأكثر التعجب والتأمل فيها، فنظر إليه الملك ms1143 فرآه متعجبا من المطبخ، فظن الملك في نفسه أنه جائع، فأمر أن يجيئوا له بجملين مشويين، فجاءوا له بجملين مشويين وربطوهما خلفه على ظهر الفرس، ثم إنه ودعهم وسار حتى وصل إلى آخر حكم الملك صخر، فوقف الفرس، فنزل عنها بلوقيا ينفض تراب السفر من ثيابه، وإذا برجال أتوا إليه، ونظروا الفرس فعرفوها، فأخذوها وساروا وبلوقيا معهم حتى وصلوا إلى الملك براخيا، فلما دخل بلوقيا على الملك براخيا سلم عليه، فرد عليه السلام، ثم إن بلوقيا نظر إلى الملك فرآه جالسا في صيوان عظيم، وحوله عساكر وأبطال، وملوك الجان على يمينه وشماله، ثم إن الملك أمر بلوقيا أن يدنو منه، فتقدم بلوقيا إليه، فأجلسه الملك بجانبه، وأمر أن يأتوا بالسماط، فنظر بلوقيا إلى حال الملك براخيا، فرآه مثل حال الملك صخر، ولما حضرت الأطعمة أكلوا وأكل براقيا حتى اكتفى وحمد الله تعالى. ثم إنهم رفعوا الأطعمة وأتوا بالفاكهة فأكلوا، ثم إن الملك براخيا سأل بلوقيا وقال له: متى فارقت الملك صخر؟ فقال له: من مدة يومين. فقال الملك براخيا لبلوقيا: أتدري مسافة كم يوم سافرت في هذين اليومين؟ قال: لا. قال: مسيرة سبعين شهرا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 495 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك براخيا قال لبلوقيا: إنك سافرت في هذين اليومين مسيرة سبعين شهرا، ولكنك لما ركبت الفرس فزعت منك، وعلمت أنك ابن آدم، وأرادت أن ترميك عن ظهرها، فأثقلوها بهذين الجملين. فلما سمع بلوقيا هذا الكلام من الملك براخيا تعجب، وحمد الله تعالى على السلامة، ثم إن الملك براخيا قال لبلوقيا: أخبرني بما جرى لك، وكيف أتيت إلى هذه البلاد؟ فحكى له بلوقيا جميع ما جرى له، وكيف ساح وأتى إلى هذه البلاد، فلما سمع الملك كلامه تعجب منه، ومكث بلوقيا عنده مدة شهرين. # فلما سمع حاسب كلام ملكة الحيات تعجب غاية العجب، ثم قال لها: أريد من فضلك وإحسانك أن تأمري أحدا من أعوانك أن يخرجني إلى وجه الأرض ms1144 حتى أروح إلى أهلي. فقالت له ملكة الحيات: يا حاسب كريم الدين، اعلم أنك متى خرجت إلى وجه الأرض تروح إلى أهلك، ثم تدخل الحمام وتغتسل، وبمجرد ما تفرغ من غسلك أموت أنا؛ لأن ذلك يكون سببا لموتي. فقال حاسب: أنا أحلف لك ما أدخل الحمام طول عمري، وإذا وجب علي الغسل أغتسل في بيتي. فقالت له ملكة الحيات: لو حلفت لي مائة يمين ما أصدقك أبدا، فإن هذا لا يكون، واعلم أنك ابن آدم ما لك عهد؛ لإن أباك آدم قد عاهد الله ونقض عهده، وكان الله تعالى خمر طينته أربعين صباحا، وأسجد له ملائكته، وبعد ذلك نكث العهد ونسيه وخالف أمر ربه. # فلما سمع حاسب ذلك الكلام سكت وبكى، ومكث يبكي مدة عشرة أيام، ثم قال لها حاسب: أخبريني بالذي جرى لبلوقيا بعد قعوده شهرين عند الملك براخيا. فقالت له: اعلم يا حاسب أن بلوقيا بعد قعوده عند الملك براخيا ودعه، وسار في البراري ليلا ونهارا حتى وصل إلى جبل عال، فطلع ذلك الجبل فرأى فوقه ملكا عظيما جالسا على ذلك الجبل، وهو يذكر الله تعالى ويصلي على محمد، وبين يدي ذلك الملك لوح مكتوب فيه شيء أبيض، وشيء أسود، وهو ينظر في اللوح، وله جناحان؛ أحدهما ممدود بالمشرق، والآخر ممدود بالمغرب، فأقبل عليه بلوقيا وسلم عليه، فرد عليه السلام. ثم إن الملك سأل بلوقيا وقال له: من أنت؟ ومن أين أتيت؟ وإلى أين رائح؟ وما اسمك؟ فقال بلوقيا: أنا من بني آدم من قوم بني إسرائيل، وأنا سائح في حب محمد صلى الله عليه وسلم، واسمي بلوقيا. فقال: ما الذي جرى لك في مجيئك إلى هذه الأرض؟ فحكى له بلوقيا جميع ما جرى له، وما رأى في سياحته؛ فلما سمع الملك من بلوقيا ذلك الكلام تعجب منه، ثم إن بلوقيا سأل الملك وقال: أخبرني أنت الآخر بهذا اللوح، وأي شيء مكتوب فيه، وما هذا الأمر الذي أنت فيه، وما اسمك؟ فقال له الملك: أنا اسمي ميخائيل، وأنا ms1145 موكل بتصريف الليل والنهار، وهذا شغلي إلى يوم القيامة. فلما سمع بلوقيا ذلك الكلام تعجب منه، ومن صورة ذلك الملك، ومن هيبته، وعظم خلقته. # ثم إن بلوقيا ودع ذلك الملك، وسار ليلا ونهارا حتى وصل إلى مرج عظيم، فتمشى في ذلك المرج، فرأى فيه سبعة أنهر، ورأى أشجارا كثيرة؛ فتعجب بلوقيا من ذلك المرج العظيم، وسار في جوانبه، فرأى فيه شجرة عظيمة، وتحت تلك الشجرة أربعة ملائكة، فتقدم إليهم بلوقيا ونظر إلى خلقتهم، فرأى واحدا منهم صورته صورة بني آدم، والثاني صورته صورة وحش، والثالث صورته صورة طير، والرابع صورته صورة ثور، وهم مشغولون بذكر الله تعالى، ويقول كل منهم: إلهي وسيدي ومولاي، بحقك وبجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أن تغفر لكل مخلوق خلقته على صورتي وتسامحه؛ إنك على كل شيء قدير. فلما سمع بلوقيا منهم ذلك الكلام تعجب، وسار من عندهم ليلا ونهارا حتى وصل إلى جبل قاف، فطلع فوقه فرأى هناك ملكا عظيما، وهو جالس يسبح الله تعالى ويقدسه، ويصلي على محمد صلى الله عليه وسلم، ورأى ذلك الملك في قبض وبسط، وطي ونشر، فبينما هو في هذا الأمر إذ أقبل بلوقيا وسلم عليه، فرد الملك عليه السلام، وقال له: أي شيء أنت؟ ومن أين أتيت؟ وإلى أين رائح؟ وما اسمك؟ فقال بلوقيا: أنا من بني إسرائيل، من بني آدم، واسمي بلوقيا، وأنا سائح في حب محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن تهت في طريقي. وحكى له جميع ما جرى له، فلما فرغ بلوقيا من حكايته، سأل الملك وقال له: من أنت؟ وما هذا الجبل؟ وما هذا الشغل الذي أنت فيه؟ فقال له الملك: اعلم يا بلوقيا أن هذا جبل قاف المحيط بالدنيا، وكل أرض خلقها الله في الدنيا قبضتها في يدي، فإذا أراد الله تعالى بتلك الأرض شيئا من زلزلة، أو قحط، أو خصب، أو قتال، أو صلح، أمرني أن أفعله، فأفعل وأنا في مكاني، واعلم أن يدي قابضة بعروق الأرض. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت ms1146 عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 496 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك قال لبلوقيا: واعلم أن يدي قابضة بعروق الأرض. فقال بلوقيا للملك: هل خلق الله في جبل قاف أرضا غير هذه الأرض التي أنت فيها؟ قال الملك: نعم، خلق أرضا بيضاء مثل الفضة، وما يعلم قدر اتساعها إلا الله تعالى، وأسكنها ملائكة أكلهم وشربهم التسبيح والتقديس والإكثار من الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم، وفي كل ليلة جمعة يأتون إلى هذا الجبل، ويجتمعون ويدعون الله تعالى طول الليل إلى وقت الصباح، ويهدون ثواب ذلك التسبيح والتقديس والعبادات للمذنبين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكل من اغتسل غسل الجمعة، وهذا حالهم إلى يوم القيامة. # ثم إن بلوقيا سأل الملك وقال له: هل خلق الله جبالا خلف جبل قاف؟ فقال الملك: نعم، خلف جبل قاف جبل قدره مسيرة خمسمائة عام، وهو من الثلج والبرد، وهو الذي رد حر جهنم عن الدنيا، ولولا ذلك الجبل لاحترقت الدنيا من حر نار جهنم، وخلف جبل قاف أربعون أرضا، كل أرض منها قدر الدنيا أربعين مرة، منها ما هو من الذهب، ومنها ما هو من الفضة، ومنها ما هو من الياقوت، ولكل أرض من تلك الأراضي لون، وأسكن الله في تلك الأراضي ملائكة لا شغل لهم سوى التسبيح والتقديس، والتهليل والتكبير، ويدعون الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يعرفون حواء ولا آدم، ولا ليلا ولا نهارا؛ واعلم يا لوقيا أن الأراضي سبع طباق، بعضها فوق بعض، وخلق الله ملكا من الملائكة لا يعلم أوصافه ولا قدره إلا الله عز وجل، وهو حامل السبع أراضي على كاهله، وخلق الله تعالى تحت ذلك الملك صخرة، وخلق الله تعالى تحت تلك الصخرة نورا، وخلق الله تعالى تحت ذلك النور حوتا، وخلق الله تحت ذلك الحوت بحرا عظيما، وقد أعلم الله تعالى عيسى عليه السلام بذلك الحوت، فقال له: يا رب، أرني ذلك الحوت حتى أنظر إليه. فأمر الله تعالى ملكا ms1147 من الملائكة أن يأخذ عيسى ويروح به إلى الحوت حتى ينظره، فأتى ذلك الملك إلى عيسى عليه السلام وأخذه، وأتى به البحر الذي فيه الحوت، وقال له: انظر يا عيسى إلى الحوت. فنظر عيسى إلى الحوت فلم يره، فمر الحوت على عيسى مثل البرق، فلما رأى ذلك عيسى وقع مغشيا عليه، فلما أفاق أوحى الله إلى عيسى وقال له: يا عيسى، هل رأيت الحوت؟ وهل علمت طوله وعرضه؟ فقال عيسى: وعزتك وجلالك يا رب ما رأيته، ولكن مر علي نور عظيم قدره مسافة ثلاثة أيام، ولم أعرف ما شأن ذلك النور. فقال الله: يا عيسى، ذلك الذي مر عليك وقدره مسافة ثلاثة أيام إنما هو رأس النور، واعلم يا عيسى أنني في كل يوم أخلق أربعين حوتا مثل ذلك الحوت. فلما سمع ذلك الكلام تعجب من قدرة الله تعالى. # ثم إن بلوقيا سأل الملك وقال له: أي شيء خلق الله تحت البحر الذي فيه الحوت؟ فقال له الملك: خلق الله تحت البحر هواء عظيما، وخلق الله تحت الهواء نارا، وخلق الله تحت النار حية عظيمة اسمها فلق، ولولا خوف تلك الحية من الله تعالى لابتلعت جميع ما فوقها من الهواء والنار والملك وما حمله، ولم تحس بذلك الملك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 497 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال لبلوقيا في وصف الحية: ولولا خوفها من الله تعالى لابتلعت جميع ما فوقها من الهواء والنار، والملك وما حمله، ولم تحس بذلك، ولما خلق الله تعالى تلك الحية أوحى إليها أني أريد منك أن أودع عندك أمانة فاحفظيها. فقالت الحية: افعل ما تريد. فقال الله لتلك الحية: افتحي فاك. ففتحت فاها، فأدخل الله جهنم في بطنها، وقال لها: احفظي جهنم إلى يوم القيامة. فإذا جاء يوم القيامة، يأمر الله ملائكته أن يأتوا ومعهم سلاسل يقودون بها جهنم إلى المحشر، ويأمر الله تعالى جهنم أن تفتح أبوابها، فتفتحها ويطير منها شرر كبار أكثر من ms1148 الجبال. # فلما سمع بلوقيا ذلك الكلام من الملك بكى بكاء شديدا، ثم إنه ودع الملك، وسار إلى ناحية الغرب حتى أقبل على شخصين فرآهما جالسين، وعندهما باب عظيم مقفول، فلما قرب منهما رأى أحدهما صورته صورة أسد، والآخر صورته صورة ثور، فسلم عليهما بلوقيا، فردا عليه السلام، ثم إنهما سألاه وقالا له: أي شيء أنت؟ من أين أتيت؟ وإلى أين رائح؟ فقال لهما بلوقيا: أنا من بني آدم، وأنا سائح في حب محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن تهت عن طريقي. ثم إن بلوقيا سألهما، وقال لهما: أي شيء أنتما، وما هذا الباب الذي عندكما؟ فقالا له: نحن حراس هذا الباب الذي تراه، وما لنا شغل سوى التسبيح والتقديس والصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. فلما سمع بلوقيا هذا الكلام تعجب، وقال لهما: أي شيء داخل هذا الباب؟ فقالا: لا ندري. فقال لهما: بحق ربكما الجليل أن تفتحا لي هذا الباب حتى أنظر أي شيء داخله. فقالا له: ما نقدر أن نفتح هذا الباب، ولا يقدر على فتحه أحد من المخلوقين، إلا الأمين جبريل عليه السلام. # فلما سمع بلوقيا ذلك تضرع إلى الله تعالى، وقال: يا رب، ائتني بالأمين جبريل ليفتح لي هذا الباب حتى أنظر ما داخله. فاستجاب الله دعاءه، وأمر الأمين جبريل أن ينزل إلى الأرض، ويفتح باب مجمع البحرين حتى ينظره بلوقيا، فنزل جبريل إلى بلوقيا وسلم عليه، وأتى إلى ذلك الباب وفتحه. ثم إن جبريل قال لبلوقيا: ادخل إلى هذا الباب، فإن الله أمرني أن أفتحه لك. فدخل بلوقيا وسار فيه، ثم إن جبريل قفل الباب وارتفع إلى السماء، ورأى بلوقيا في داخل الباب بحرا عظيما، نصفه مالح، ونصفه حلو، وحول ذلك البحر جبلان، وهذان الجبلان من الياقوت الأحمر، وسار بلوقيا حتى أقبل على هذين الجبلين، فرأى فيهما ملائكة مشغولين بالتسبيح والتقديس، فلما رآهم بلوقيا سلم عليهم، فردوا عليه السلام، فسألهم بلوقيا عن البحر وعن هذين الجبلين، فقال له الملائكة: إن هذا مكان تحت العرش، ms1149 وإن هذا البحر يمد كل بحر في الدنيا، ونحن نقسم هذا الماء ونسوقه إلى الأراضي؛ المالح للأرض المالحة، والحلو للأرض الحلوة، وهذان الجبلان خلقهما ليحفظا هذا الماء، وهذا أمرنا إلى يوم القيامة. # ثم إنهم سألوه وقالوا له: من أين أقبلت، وإلى أين رائح؟ فحكى لهم بلوقيا حكايته من الأول إلى الآخر، ثم إن بلوقيا سألهم عن الطريق، فقالوا له: اطلع هنا على ظهر هذا البحر. فأخذ بلوقيا من الماء الذي معه، ودهن قدميه، وودعهم وسار على ظهر البحر ليلا ونهارا، فبينما هو سائر وإذا هو ينظر شابا مليحا سائرا على ظهر البحر، فأتى إليه وسلم عليه، فرد عليه السلام، ثم إن بلوقيا لما فارق الشاب رأى أربعة ملائكة سائرين على وجه البحر، وسيرهم مثل البرق الخاطف، فتقدم بلوقيا ووقف في طريقهم، فلما وصلوا إليه سلم عليهم بلوقيا، وقال لهم: أريد أن أسألكم بحق العزيز الجليل، ما اسمكم؟ ومن أين أنتم؟ وإلى أين تذهبون؟ فقال واحد منهم: أنا اسمي جبريل، والثاني اسمه إسرافيل، والثالث اسمه ميكائيل، والرابع اسمه عزرائيل، وقد ظهر في المشرق ثعبان عظيم، وذلك الثعبان خرب ألف مدينة، وأكل أهلها، وقد أمرنا الله تعالى أن نروح إليه ونمسكه ونرميه في جهنم. فتعجب منهم بلوقيا، ومن عظمهم، وسار على عادته ليلا ونهارا حتى وصل إلى جزيرة، فطلع عليها وتمشى فيها ساعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 498 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بلوقيا طلع إلى الجزيرة، وتمشى فيها ساعة، فرأى شابا مليحا، والنور يلوح من وجهه، فلما قرب منه بلوقيا رآه جالسا بين قبرين مبنيين، وهو ينوح ويبكي، فأتى إليه بلوقيا وسلم عليه، فرد عليه السلام، ثم إن بلوقيا سأل الشاب، وقال له: ما شأنك؟ وما اسمك؟ وما هذان القبران المبنيان اللذان أنت جالس بينهما؟ وما هذا البكاء الذي أنت فيه؟ فالتفت الشاب إلى بلوقيا، وبكى بكاء شديدا حتى بل ثيابه من دموعه، وقال لبلوقيا: اعلم يا أخي أن حكايتي عجيبة، وقصتي غريبة، وأحب ms1150 أن تجلس عندي حتى تحكي لي ما رأيت في عمرك، وما سبب مجيئك إلى هذا المكان، وما اسمك، وإلى أين رائح، وأحكي لك أنا الآخر حكايتي. فجلس بلوقيا عند الشاب وأخبره بجميع ما وقع له في سياحته من الأول إلى الآخر، وأخبره كيف مات والده وخلفه، وكيف فتح الخلوة ورأى فيها الصندوق، وكيف رأى الكتاب الذي فيه صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف تعلق قلبه به، وطلع سائحا في حبه، وأخبره بجميع ما وقع له إلى أن وصل إليه، ثم قال له: وهذه حكايتي بتمامها، والله أعلم، وما أدري بالذي يجري علي بعد ذلك. فلما سمع الشاب كلامه تنهد، وقال له: يا مسكين، أي شيء رأيت في عمرك؟ اعلم يا بلوقيا أني رأيت السيد سليمان في زمانه، ورأيت شيئا لا يعد ولا يحصى، وحكايتي عجيبة، وقصتي غريبة، وأريد منك أن تقعد عندي حتى أحكي لك حكايتي، وأخبرك بسبب قعودي هنا. # فلما سمع حاسب هذا الكلام من الحية تعجب، وقال: يا ملكة الحيات، بالله عليك أن تعتقيني، وتأمري أحد خدمك أن يخرجني إلى وجه الأرض، وأحلف لك يمينا أنني لا أدخل الحمام طول عمري. فقالت: إن هذا الأمر لا يكون، ولا أصدقك في يمينك. فلما سمع منها ذلك بكى، وبكت الحيات جميعا لأجله، وصارت تستشفع له عند الملكة، وتقول لها: نريد منك أن تأمري إحدانا أن تخرجه إلى وجه الأرض، ويحلف لك يمينا أنه لن يدخل الحمام طول عمره. وكانت ملكة الحيات اسمها يمليخا، فلما سمعت يمليخا منهن ذلك الكلام أقبلت على حاسب وحلفته، فحلف لها، ثم أمرت حية أن تخرجه إلى وجه الأرض، فأتته وأرادت أن تخرجه، فلما أتت تلك الحية لتخرجه قال لملكة الحيات: أريد منك أن تحكي لي حكاية الشاب الذي قعد عنده بلوقيا، ورآه جالسا بين القبرين. فقالت: اعلم يا حاسب أن بلوقيا جلس عند الشاب، وحكى له حكايته من أولها إلى آخرها لأجل أن يحكي له الآخر قصته، ويخبره بما جرى له في عمره، ويعرفه ms1151 سبب قعوده بين القبرين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 499 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بلوقيا لما حكى للشاب حكايته قال له الشاب: وأي شيء رأيت من العجائب يا مسكين؟ أنا رأيت السيد سليمان في زمانه، ورأيت عجائب لا تعد ولا تحصى، واعلم يا أخي أن أبي كان ملكا يقال له الملك طيغموس، وكان يحكم على بلاد كابل، وعلى بني شهلان، وهم عشرة آلاف بهلوان، كل بهلوان منهم يحكم على مائة مدينة، ومائة قلعة بأسوارها، وكان يحكم على سبعة سلاطين، ويحمل له المال من المشرق إلى المغرب، وكان عادلا في حكمه، وقد أعطاه الله تعالى كل هذا، ومن عليه بذلك الملك العظيم، ولم يكن له ولد، وكان مراده في عمره أن يرزقه الله ولدا ذكرا ليخلفه في ملكه بعد موته، فاتفق أنه طلب العلماء والمنجمين، وأرباب المعرفة والتقويم، يوما من الأيام، وقال لهم: انظروا طالعي، وهل يرزقني الله في عمري ولدا ذكرا فيخلفني في ملكي؟ ففتح المنجمون الكتب، وحسبوا طالعه وناظره من الكواكب، ثم قالوا له: اعلم أيها الملك أنك ترزق ولدا ذكرا، ولا يكون ذلك الولد إلا من بنت ملك خراسان. فلما سمع طيغموس ذلك منهم فرح فرحا شديدا، وأعطى المنجمين والحكماء مالا كثيرا لا يعد ولا يحصى، وذهبوا إلى حال سبيلهم، وكان عند الملك طيغموس وزير كبير، وكان بهلوانا عظيما، مقوما بألف فارس، وكان اسمه عين زار، فقال له: يا وزير، أريد منك أن تتجهز للسفر إلى بلاد خراسان، وتخطب لي بنت الملك بهروان ملك خراسان، وحكى الملك طيغموس لوزيره عين زار ما أخبره به المنجمون، فلما سمع الوزير ذلك الكلام من الملك طيغموس ذهب من وقته وساعته، وتجهز للسفر؛ ثم برز إلى خارج المدينة بالعساكر والأبطال والجيوش. # هذا ما كان من أمر الوزير، وأما ما كان من أمر الملك طيغموس، فإنه جهز ألفا وخمسمائة حمل من الحرير، والجواهر واللؤلؤ واليواقيت، والذهب والفضة والمعادن، وجهز شيئا كثيرا من آلة العرس وحملها على ms1152 الجمال والبغال، وسلمها إلى وزيره عين زار، وكتب له كتابا مضمونه: «أما بعد، فالسلام على الملك بهروان، واعلم أننا قد جمعنا المنجمين والحكماء وأرباب التقاويم، فأخبرونا أننا نرزق ولدا ذكرا، ولا يكون ذلك الولد إلا من بنتك، وها أنا قد جهزت لك الوزير عين زار، ومعه أشياء كثيرة من آلة العروس، وإني أقمت وزيري مقامي في هذه المسألة، ووكلته في قبول العقد، وأريد من فضلك أن تقضي للوزير حاجته، فإنها حاجتي، ولا تبدي في ذلك إهمالا ولا إمهالا، وما فعلته من الجميل فهو مقبول منك، والحذر من المخالفة في ذلك. واعلم يا ملك بهروان أن الله قد من علي بمملكة كابل، وملكني على بني شهلان، وأعطاني ملكا عظيما، وإذا تزوجت بنتك أكون أنا وأنت في الملك شيئا واحدا، وأرسل إليك في كل سنة ما يكفيك من المال، وهذا قصدي منك.» # ثم إن الملك طيغموس ختم الكتاب، وناوله لوزيره عين زار، وأمره بالسفر إلى بلاد خراسان، فسافر الوزير حتى وصل إلى قرب مدينة الملك بهروان، فأعلموه بقدوم وزير الملك طيغموس، فلما سمع الملك بهروان بذلك الكلام جهز أمراء دولته للملاقاة، وجهز معهم أكلا وشربا، وغير ذلك، وأعطاهم عليقا لأجل الخيل، وأمرهم بالسير إلى ملاقاة الوزير عين زار، فحملوا الأحمال، وساروا حتى أقبلوا على الوزير، وحطوا الأحمال، ونزلت الجيوش والعساكر، وسلم بعضهم على بعض، ومكثوا في ذلك المكان مدة عشرة أيام وهم في أكل وشرب، ثم بعد ذلك ركبوا وتوجهوا إلى المدينة، وطلع الملك بهروان إلى مقابلة وزير الملك طيغموس، وعانقه وسلم عليه، وأخذه وتوجه به إلى القلعة. ثم إن الوزير قدم الأحمال والتحف وجميع الأموال للملك بهروان، وأعطاه الكتاب، فأخذه الملك بهروان، وقرأه وعرف ما فيه، وفهم معناه، وفرح فرحا شديدا، ورحب بالوزير وقال له: أبشر بما تريد، ولو طلب الملك طيغموس روحي لأعطيته إياها. وذهب الملك بهروان من وقته إلى بنته وأمها وأقاربه، وأعلمهم بذلك الأمر واستشارهم فيه، فقالوا له: افعل ما شئت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ms1153 ### | فلما كانت الليلة 500 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك استشار البنت وأمها وأقاربها، فقالوا له: افعل ما تريد. ثم إن الملك بهروان رجع إلى الوزير عين زار، وأعلمه بقضاء حاجته، ومكث الوزير عند الملك بهروان مدة شهرين، ثم بعد ذلك قال الوزير للملك: إننا نريد منك أن تنعم علينا بما أتيناك فيه، ونروح إلى بلادنا. فقال الملك للوزير: سمعا وطاعة. ثم أمر بإقامة العرس وتجهيز الجهاز، ففعلوا ما أمرهم به، وبعد ذلك أمر بإحضار وزرائه، وجميع الأمراء من أكابر دولته، فحضروا جميعا، ثم أمر بإحضار الرهبان والقسيسين، فحضروا وعقدوا عقد البنت للملك طيغموس، وهيأ الملك بهروان آلة السفر، وأعطى بنته من الهدايا والتحف والمعادن ما يكل عنه الوصف، وأمر بفرش أزقة المدينة، وزينها بأحسن زينة، وسافر الوزير عين زار ببنت الملك بهروان إلى بلاده، فلما وصل الخبر إلى الملك طيغموس أمر بإقامة الفرح وزينة المدينة، ثم إن الملك طيغموس دخل على بنت الملك بهروان، وأزال بكارتها، فما مضت عليها أيام قلائل حتى علقت منه، ولما تمت أشهرها وضعت ولدا ذكرا مثل البدر في ليلة تمامه، فلما علم الملك طيغموس أن زوجته وضعت ولدا ذكرا مليحا، فرح فرحا شديدا، وطلب الحكماء والمنجمين وأرباب التقاويم، وقال لهم: أريد منكم أن تنظروا طالع هذا المولود، وناظره من الكواكب، وتخبروني بما يلقاه في عمره، فحسب الحكماء والمنجمون طالعه وناظره، فرأوا الولد سعيدا، ولكنه يحصل له في أول عمره تعب، وذلك عند بلوغه خمس عشرة سنة، فإن عاش بعدها رأى خيرا كثيرا، وصار ملكا عظيما أعظم من أبيه، وعظم سعده، وهلك ضده، وعاش عيشا هنيئا، وإن مات فلا سبيل إلى ما فات، والله أعلم. # فلما سمع الملك ذلك الخبر فرح فرحا شديدا، وسماه جانشاه، وسلمه للمراضع والدايات وأحسن تربيته، فلما بلغ من العمر خمس سنين علمه أبوه القراءة، وصار يقرأ في الإنجيل، وعلمه الحرب والطعن والضرب في أقل من سبع سنين، وجعل يركب للصيد والقنص، وصار بهلوانا عظيما كاملا في جميع آلات الفروسية، ms1154 وصار أبوه كلما سمع بفروسيته في جميع آلات الحرب فرح فرحا شديدا، فاتفق في يوم من الأيام أن الملك طيغموس أمر عسكره أن يركبوا للصيد والقنص، فطلعت العسكر والجيوش وركب الملك طيغموس هو وابنه جانشاه، وساروا إلى البراري والقفار، واشتغلوا بالصيد والقنص إلى عصر اليوم الثالث، فسنحت لجانشاه غزالة عجيبة اللون، وشردت قدامه، فلما نظر جانشاه إلى تلك الغزالة وهي شاردة قدامه تبعها، وأسرع في الجري وراءها وهي هاربة، فانتبذ سبعة مماليك من مماليك طيغموس، وذهبوا في إثر جانشاه، فلما نظروا إلى سيدهم وهو مسرع وراء تلك الغزالة، راحوا مسرعين وراءه وهم على خيل سوابق، وما زالوا سائرين حتى وصلوا إلى بحر، فتهاجم الجميع على الغزالة ليمسكوها قنصا، ففرت منهم الغزالة، وألقت نفسها في البحر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 501 ### || حكاية جانشاه ابن الملك طيغموس # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جانشاه هو ومماليكه لما هجموا على الغزالة ليمسكوها قنصا، فرت منهم ورمت نفسها في البحر، وكان في ذلك البحر مركب صياد، فنطت فيها الغزالة، فنزل جانشاه ومماليكه عن خيلهم إلى المركب، وقنصوا الغزالة، وأرادا أن يرجعوا إلى البر، وإذا بجانشاه ينظر إلى جزيرة عظيمة، فقال للمماليك الذين معه: إني أريد أن نذهب إلى الجزيرة. فقالوا له: سمعا وطاعة. وساروا بالمركب إلى ناحية الجزيرة حتى وصلوا إليها، فلما وصلوا إليها طلعوا فيها وصاروا يتفرجون عليها، ثم بعد ذلك عادوا إلى المركب ونزلوا فيها، وساروا والغزالة معهم قاصدين البر الذي أتوا منه، فأمسى عليهم المساء، وتاهوا في البحر، فهبت عليهم الريح، وأجرت المركب في وسط البحر، وناموا إلى وقت الصباح، ثم انتبهوا وهم لا يعرفون الطريق، ولم يزالوا سائرين في البحر. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر الملك طيغموس والد جانشاه، فإنه تفقد ابنه فلم يره، فأمر العسكر أن يروح كل جماعة منهم إلى طريق، فصاروا دائرين يفتشون عن ابن الملك طيغموس، وذهب جماعة منهم إلى البحر، فرأوا المملوك الذي خلوه ms1155 عند الخيل، فأتوه وسألوه عن سيده، وعن الستة المماليك، فأخبرهم المملوك بما جرى لهم، فأخذوا المملوك والخيل، ورجعوا على الملك وأخبروه بذلك الخبر، فلما سمع الملك بذلك الكلام بكى بكاء شديدا، ورمى التاج من فوق رأسه، وعض يديه ندما، وقام من وقته وكتب كتبا، وأرسلها إلى الجزائر التي في البحر، وجمع مائة مركب، وأنزل فيها عساكر، وأمرهم أن يدوروا في البحر، ويفتشوا على ولده جانشاه. ثم إن الملك أخذ بقية العساكر والجيوش، ورجع إلى المدينة، وصار في نكد شديد، ولما علمت والدة جانشاه بذلك، لطمت وجهها وأقامت عزاءه. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر جانشاه والمماليك الذين معه، فإنهم لم يزالوا تائهين في البحر، ولم يزل الرواد دائرين يفتشون عنهم في البحر مدة عشرة أيام، فما وجدوهم، فرجعوا إلى الملك وأعلموه بذلك، ثم إن جانشاه والمماليك الذين معه هب عليهم ريح عاصف، وساق المركب التي هم فيها حتى أوصلها إلى جزيرة، وطلع جانشاه والستة المماليك من المركب، وتمشوا في تلك الجزيرة حتى وصلوا إلى عين ماء جارية في وسط تلك الجزيرة، فرأوا رجلا جالسا على بعد قريبا من العين، فأتوه وسلموا عليه، فرد عليهم السلام، ثم إن الرجل كلمهم بكلام مثل صغير الطير، فلما سمع جانشاه كلام ذلك الرجل تعجب، ثم إن الرجل التفت يمينا وشمالا، وبينما هم يتعجبون من ذلك الرجل، إذا هو قد انقسم نصفين، وراح كل نصف في ناحية. وبينما هم كذلك إذ أقبل عليهم أصناف رجال لا تحصى ولا تعد، وأتوا من جانب الجبل، وساروا حتى وصلوا إلى العين، وصار كل واحد منقسما نصفين، ثم إنهم أتوا جانشاه والمماليك ليأكلوهم، فلما رآهم جانشاه يريدون أكلهم هرب منهم، وهربت معه المماليك، فتبعهم هؤلاء الرجال، فأكلوا من المماليك ثلاثة، وبقي ثلاثة مع جانشاه. # ثم إن جانشاه نزل في المركب ومعه الثلاثة المماليك، ودفعوا المركب إلى وسط البحر، وساروا ليلا ونهارا وهم لا يعرفون أين تذهب بهم المركب، ثم إنهم ذبحوا الغزالة، وصاروا يقتاتون منها، ms1156 فضربتهم الرياح، فنقلتهم إلى جزيرة أخرى، فنظروا إلى تلك الجزيرة، فرأوا فيها أشجارا وأنهارا، وأثمارا وبساتين، وفيها من جميع الفواكه، والأنهار تجري من تحت تلك الأشجار، وهي كأنها الجنة، فلما رأى جانشاه تلك الجزيرة أعجبته، وقال للمماليك: من فيكم يطلع هذه الجزيرة، وينظر لنا خبرها؟ فقال مملوك منهم: أنا أطلع وأكشف لكم عن خبرها، وأرجع إليكم. فقال جانشاه: هذا أمر لا يكون، وإنما تطلعون أنتم الثلاثة، وتكشفون لنا عن خبر هذه الجزيرة، وأنا قاعد لكم في المركب حتى ترجعوا. ثم إن جانشاه أنزل الثلاثة المماليك ليكشفوا عن خبر هذه الجزيرة، فطلع المماليك إلى الجزيرة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 502 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المماليك الثلاثة لما طلعوا إلى الجزيرة داروا فيها شرقا وغربا، فلم يجدوا فيها أحدا، ثم مشوا فيها إلى وسطها فرأوا على بعد قلعة من الرخام الأبيض، وبيوتها من البلور الصافي، وفي وسط تلك القلعة بستان فيه من جميع الفواكه اليابسة والرطبة ما يكل عنه الوصف، وفيه جميع المشموم، ورأوا في تلك القلعة أشجارا وأثمارا، وأطيارا تناغي على تلك الأشجار، وفيها بحيرة عظيمة، وبجانب البحيرة إيوان عظيم، وعلى ذلك الإيوان كراسي منصوبة، وفي وسط تلك الكراسي تخت منصوب من الذهب الأحمر، مرصع بأنواع الجواهر واليواقيت. فلما رأى المماليك حسن تلك القلعة وذلك البستان، داروا في تلك القلعة يمينا وشمالا فما رأوا فيها أحدا، ثم طلعوا من القلعة ورجعوا إلى جانشاه وأعلموه بما رأوه. فلما سمع جانشاه ابن الملك منهم ذلك الخبر قال لهم: إني لا بد لي من أن أتفرج في هذه القلعة. ثم إن جانشاه طلع من المركب وطلعت معه المماليك وساروا حتى أتوا القلعة ودخلوا فيها، فتعجب جانشاه من حسن ذلك المكان، ثم داروا يتفرجون في البستان، ويأكلون من تلك الفواكه، ولم يزالوا دائرين إلى وقت المساء، ولما أمسى عليهم المساء، أتوا إلى المنصوبة وجلس جانشاه على التخت المنصوب في الوسط، وصارت الكراسي منصوبة عن يمينه وشماله، ثم ms1157 إن جانشاه لما جلس على ذلك التخت صار يتفكر ويبكي على فراق تخت والده، وعلى فراق بلاده وأهله وأقاربه، وبكت حوله الثلاثة المماليك. فبينما هم في ذلك الأمر، وإذا بصيحة عظيمة من جانب البحر، فالتفتوا إلى جهة تلك الصيحة، فإذا هم قردة كالجراد المنتشرة، وكانت تلك القلعة والجزيرة للقردة، ثم إن هؤلاء القردة لما رأوا المركب التي أتى فيها جانشاه، خسفوها على شاطئ البحر، وأتوا جانشاه وهو جالس في القلعة. # قالت ملكة الحيات: كل هذا يا حاسب مما يحكيه الشاب الجالس بين القبرين لبلوقيا. فقال لها حاسب: وما فعل جانشاه مع القردة بعد ذلك؟ قالت له ملكة الحيات: لما طلع جانشاه وجلس على التخت، والمماليك عن يمينه وشماله، أقبل عليهم القردة، فأفزعوهم وأخافوهم خوفا عظيما، ثم دخلت جماعة من القردة، وتقدموا إلى أن قربوا من التخت الجالس عليه جانشاه، وقبلوا الأرض قدامه، ووضعوا أيديهم على صدورهم، ووقفوا قدامه ساعة، وبعد ذلك أقبلت جماعة منهم، ومعهم غزلان فذبحوها، وأتوا بها إلى القلعة وسلخوها، وقطعوا لحمها وشووها حتى طابت للأكل، وحطوها في صوان من الذهب والفضة، ومدوا السماط، وأشاروا إلى جانشاه وجماعته أن يأكلوا، فنزل جانشاه من فوق التخت وأكل، وأكلت معه القرود والمماليك، حتى اكتفوا من الأكل. ثم إن القرود رفعوا سماط الطعام وأتوا بفاكهة، فأكلوا منها وحمدوا الله تعالى، ثم إن جانشاه أشار إلى أكابر القرود، وقال لهم: ما شأنكم؟ ولمن هذا المكان؟ فقال له القرود بالإشارة: اعلم أن هذا المكان لسيدنا سليمان بن داود عليهما السلام، وكان يأتي إليه في كل سنة مرة يتفرج فيه، ويروح من عندنا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 503 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جانشاه أخبره القرود عن القلعة، وقالوا له: إن هذا المكان كان لسيدنا سليمان بن داود، وكان يأتي إليه في كل سنة يتفرج فيه ويروح من عندنا. ثم قال له القرود: اعلم أيها الملك أنك بقيت علينا سلطانا، ونحن في خدمتك، وكل واشرب، وكل ما ms1158 أمرتنا به نفعله. ثم قام القرود وقبلوا الأرض بين يديه، وانصرف كل واحد منهم إلى حال سبيله، ونام جانشاه فوق التخت، ونام المماليك حوله على الكراسي إلى وقت الصباح. ثم دخل عليه الأربعة وزراء الرؤساء على القرود وعساكرهم حتى امتلأ ذلك المكان، وصاروا حوله صفا بعد صف، وأتت الوزراء وأشاروا إلى جانشاه أن يحكم بينهم بالصواب، ثم صاح القرود على بعضهم وانصرفوا، وبقي منهم جانب قدام الملك جانشاه من أجل الخدمة، ثم بعد ذلك أقبل قرود معهم كلاب في صورة الخيل، وفي رأس كل كلب منهم سلسلة، فتعجب جانشاه من هذه الكلاب ومن عظم خلقتها. ثم إن وزراء القرود أشاروا لجانشاه أن يركب ويسير معهم، فركب جانشاه والثلاثة مماليك، وركب معهم عسكر القرود، وصاروا مثل الجراد المنتشر، وبعضهم راكب، وبعضهم ماش، فتعجب من أمورهم. ولم يزالوا سائرين إلى شاطئ البحر، فلما رأى جانشاه المركب التي كان راكبا فيها قد خسفت، التفت إلى وزرائه من القرود وقال لهم: أين المركب التي كانت هنا؟ فقالوا له: اعلم أيها الملك أنكم لما أتيتم إلى جزيرتنا، علمنا أنك تكون سلطانا علينا، وخفنا أن تهربوا منا إذ أتينا عندكم وتنزلوا المركب، فمن أجل ذلك خسفناها. # فلما سمع جانشاه هذا الكلام التفت إلى المماليك، وقال لهم: ما بقي لنا حيلة في الرواح من عند هؤلاء القرود، ولكن نصبر لما قدره الله تعالى. ثم ساروا، وما زالوا سائرين حتى وصلوا إلى شاطئ نهر، وفي جانب ذلك النهر جبل عال، فنظر جانشاه إلى ذلك الجبل، فرأى فيه غيلانا كثيرة، فالتفت إلى القرود وقال لهم: ما شأن هؤلاء الغيلان؟ فقال له القرود: اعلم أيها الملك أن هؤلاء الغيلان أعداؤنا، ونحن أتينا لنقاتلهم، فتعجب جانشاه من هؤلاء الغيلان، ومن عظم خلقتهم، وهم راكبون على الخيل، ورءوس بعضهم على صورة رءوس البقر، وبعضهم على صورة الجمال، فلما رأى الغيلان عسكر القرود هجموا عليهم، ووقفوا على شاطئ النهر، وصاروا يرجمونهم بشيء من الحجارة في صورة العواميد، وحصل بينهم حرب عظيمة؛ فلما رأى ms1159 جانشاه الغيلان غلبوا القرود، زعق على المماليك وقال لهم: أطلعوا القسي والنشاب، وارموا عليهم بالنبال حتى تقتلوهم، وتردوهم عنا. ففعل المماليك ما أمرهم به جانشاه حتى حصل للغيلان كرب عظيم، وقتل منهم خلق كثير، وانهزموا وولوا هاربين، فلما رأى القرود من جانشاه هذا الأمر، نزلوا في النهر وعدوه، وجانشاه معهم، وطرد الغيلان حتى غابوا عن أعينهم، وانهزموا وقتل منهم كثير، ولم يزل جانشاه والقرود سائرين حتى وصلوا إلى جبل عال، فنظر جانشاه إلى ذلك الجبل، فوجد فيه لوحا من المرمر مكتوبا فيه: «اعلم يا من دخل هذه الأرض، أنك تصير سلطانا على هؤلاء القرود، وما يتأتى لك رواح من عندهم إلا إن رحت من الدرب الشرقي بناحية الجبل، وطوله ثلاثة أشهر، وأنت سائر بين الوحوش والغيلان والمردة والعفاريت، وبعد ذلك تنتهي إلى البحر المحيط بالدنيا؛ أو رحت من الدرب الغربي، وطوله أربعة أشهر، وفي رأسه وادي النمل، فإذا وصلت إلى وادي النمل ودخلت فيه، فاحترز على نفسك من هذا النمل حتى تنتهي إلى جبل عال، وذلك الجبل يتوقد مثل النار، ومسيرته عشرة أيام.» فلما رأى جانشاه ذلك اللوح ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 504 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جانشاه لما رأى ذلك اللوح، قرأه ورأى فيه ما ذكرناه، ورأى في آخر الكلام: «ثم تنتهي إلى نهر عظيم وهو يجري، وجريانه يخطف البصر من شدة عزمه، وذلك النهر في كل سبت ييبس، وبجانبه مدينة أهلها كلهم يهود، ولدين محمد جحود، ما فيهم مسلم أبدا، وما في هذه الأرض إلا هذه المدينة، وما دمت مقيما عند القرود هم منصورون على الغيلان. واعلم أن هذا اللوح كتبه السيد سليمان بن داود عليهما السلام.» فلما قرأه جانشاه بكى بكاء شديدا، ثم التفت إلى مماليكه، وأعلمهم بما هو مكتوب على اللوح، وبعد ذلك ركب وركب حوله عساكر القرود، وصاروا فرحانين بالنصر على أعدائهم، ورجعوا إلى قلعتهم؛ ومكث جانشاه في القلعة سلطانا على القرود سنة ونصفا، ثم بعد ذلك ms1160 أمر جانشاه عساكر القرود أن يركبوا للصيد والقنص، فركبوا وركب معهم جانشاه ومماليكه، وساروا في البراري والقفار، ولم يزالوا سائرين من مكان إلى مكان حتى عرف وادي النمل، ورأى الأمارة المكتوبة في اللوح المرمر؛ فلما رأى ذلك أمرهم أن ينزلوا في ذلك المكان، فنزلوا ونزلت عساكر القرود، ومكثوا في أكل وشرب مدة عشرة أيام، ثم اختلى جانشاه بمماليكه ليلة من الليالي، وقال لهم: إني أريد أن نهرب ونروح إلى وادي النمل، ونسير إلى مدينة اليهود؛ لعل الله ينجينا من هؤلاء القرود، ونروح إلى حال سبيلنا. فقالوا له: سمعا وطاعة. # ثم إنه صبر حتى مضى من الليل شيء قليل، وقام وقامت معه المماليك، وتسلحوا بأسلحتهم، وحزموا أوساطهم بالسيوف والخناجر، وما أشبه ذلك من آلات الحرب، وخرج جانشاه هو ومماليكه وساروا من أول الليل إلى وقت الصبح، فلما انتبه القرود من نومهم لم يروا جانشاه ولا مماليكه، فعلموا أنهم هربوا منهم، فقامت جماعة من القرود وركبوا وساروا ناحية الدرب الشرقي، وجماعة ركبوا وساروا إلى وادي النمل. فبينما القرود سائرون إذ نظروا جانشاه والمماليك معه وهم مقبلون على وادي النمل، فلما رأوهم أسرعوا وراءهم، فلما نظرهم جانشاه هرب وهربت معه المماليك، ودخلوا وادي النمل، فما مضت ساعة من الزمان إلا والقرود قد هجمت عليهم، وأرادوا أن يقتلوا جانشاه هو ومماليكه، وإذا هم بنمل قد خرج من تحت الأرض مثل الجراد المنتشر، كل نملة منه قدر الكلب، فلما رأى النمل القرود هجم عليهم، وأكل منهم جماعة، وقتل من النمل جماعة كثيرة، لكن حصل النصر للنمل، وصارت النملة تأتي إلى القرد وتضربه فتقسمه نصفين، وصار العشرة قرود يركبون النملة الواحدة ويمسكونها ويقسمونها نصفين، ووقع بينهم حرب عظيم إلى وقت المساء، ولما أمسى الوقت هرب جانشاه هو والمماليك في بطن الوادي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 505 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه لما أقبل المساء هرب جانشاه هو ومماليكه في بطن الوادي إلى الصباح، فلما أصبح الصباح أقبل القرود على ms1161 جانشاه، فلما رآهم زعق على مماليكه، وقال لهم: اضربوهم بالسيوف. فسحب المماليك سيوفهم، وجعلوا يضربون القرود يمينا وشمالا، فتقدم قرد عظيم له أنياب مثل أنياب الفيل، وأتى إلى واحد من المماليك وضربه فقسمه نصفين، وتكاثرت القرود على جانشاه، فهرب إلى أسفل الوادي، ورأى هناك نهرا عظيما وبجانبه نمل عظيم، فلما رأى النمل جانشاه مقبلا عليه واحتاط به، وإذا بمملوك ضرب نملة بالسيف فقسمها نصفين، فلما رأت عساكر النمل ذلك تكاثروا على المملوك وقتلوه. فبينما هم في هذا الأمر وإذا بالقرود قد أقبلوا من فوق الجبل، وتكاثروا على جانشاه، فلما رأى جانشاه اندفاعهم عليه، نزع ثيابه ونزل النهر، ونزل معه المملوك الذي بقي، وعاما في الماء إلى وسط النهر، ثم إن جانشاه رأى شجرة على شاطئ النهر من الجهة الأخرى، فمد يده إلى غصن من أغصانها وتناوله، وتعلق به وطلع إلى البر، وأما المملوك فإنه غلب عليه التيار فأخذه وقطعه في الجبل، وصار جانشاه واقفا وحده في البر يعصر ثيابه وينشفها في الشمس، ووقع بين القرود والنمل قتال عظيم، ثم رجع القرود إلى بلادهم. # ![fig17](../Images/figure17.png) # فلما وصل رآه نهرا عظيما، وبجانبه مدينة عظيمة. # هذا ما كان من أمر القرود والنمل، وأما ما كان من أمر جانشاه، فإنه صار يبكي إلى وقت المساء، ثم دخل مغارة واستكن فيها، وقد خاف خوفا شديدا، واستوحش لفقد مماليكه، ثم نام في تلك المغارة إلى الصباح، ثم سار، ولم يزل سائرا ليالي وأياما وهو يأكل من الأعشاب، حتى وصل إلى الجبل الذي يتوقد مثل النار، فلما أتى إليه سار فيه حتى وصل إلى النهر الذي ينشف في كل يوم سبت، فلما وصل إلى ذلك النهر رآه نهرا عظيما، وبجانبه مدينة عظيمة، وهي مدينة اليهود التي رآها مكتوبة في اللوح، فأقام هناك إلى أن أتى يوم السبت ونشف النهر، ثم مشى من النهر حتى وصل إلى مدينة اليهود، فلم ير فيها أحدا، فمشى فيها حتى وصل إلى باب بيت ففتحه ودخله، فرأى أهله ساكتين لا يتكلمون أبدا، فقال ms1162 لهم: إني رجل غريب جائع. فقالوا له بالإشارة: كل واشرب ولا تتكلم. فقعد عندهم وأكل وشرب، ونام تلك الليلة، فلما أصبح الصباح سلم عليه صاحب البيت ورحب به، وقال له: من أين أتيت؟ وإلى أين رائح؟ فلما سمع جانشاه كلام ذلك اليهودي، بكى بكاء شديدا وحكى له قصته، وأخبره بمدينة أبيه، فتعجب اليهودي من ذلك وقال له: ما سمعنا بهذه المدينة قط، غير أننا كنا نسمع من قوافل التجار أن هناك بلادا تسمى بلاد اليمن. فقال جانشاه لليهودي: هذه البلاد التي يخبر بها التجار لا تبعد عن هذا المكان. فقال له اليهودي: إن تجار تلك القوافل يزعمون أن مدة سفرهم من بلادهم إلى هنا سنتان وثلاثة أشهر. فقال جانشاه لليهودي: ومتى تأتي القافلة؟ فقال له: تأتي في السنة القابلة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 506 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه لما سأل اليهودي عن مجيء القافلة قال له: تأتي في السنة القابلة. فلما سمع جانشاه كلامه بكى بكاء شديدا، وحزن على نفسه، وعلى مماليكه، وعلى فراق أمه وأبيه، وعلى ما جرى له في سفره، فقال له اليهودي: لا تبك يا شاب، واقعد عندنا حتى تأتي القافلة، ونحن نرسلك معها إلى بلادك. فلما سمع جانشاه ذلك الكلام، قعد عند اليهودي مدة شهرين، وصار في كل يوم يخرج إلى أزقة المدينة ويتفرج فيها، فاتفق أنه خرج على عادته يوما من الأيام، ودار في شوارع المدينة يمينا وشمالا، فسمع رجلا ينادي، ويقول: من يأخذ ألف دينار وجارية حسناء بديعة الحسن والجمال، ويعمل لي شغلا من وقت الصباح إلى وقت الظهر؟ فلم يجبه أحد. فلما سمع جانشاه كلام المنادي قال في نفسه: لولا أن هذا الشغل خطر ما كان صاحبه يعطي ألف دينار وجارية حسناء في شغل من الصبح إلى الظهر. ثم إن جانشاه تمشى إلى المنادي، وقال له: أنا أعمل هذا الشغل. فلما سمع المنادي من جانشاه هذا الكلام أخذه، وأتى به إلى بيت عال، فدخل ms1163 هو وجانشاه ذلك البيت فوجده بيتا عظيما، ووجد هناك رجلا يهوديا تاجرا جالسا على كرسي من الأبنوس، فوقف المنادي قدامه وقال له: أيها التاجر، إن لي ثلاثة شهور وأنا أنادي في المدينة، فلم يجبني أحد إلا هذا الشاب. فلما سمع التاجر كلام المنادي رحب بجانشاه وأخذه ودخل به إلى مكان نفيس، وأشار إلى عبيده أن يأتوا له بالطعام، فمدوا السماط، وأتوا بأنواع الأطعمة، فأكل التاجر وجانشاه، وغسلا أيديهما، وأتوا بالمشروب فشربا، ثم إن التاجر قام وأتى لجانشاه بكيس فيه ألف دينار، وأتى له بجارية بديعة الحسن والجمال، وقال له: خذ هذه الجارية وهذا المال في الشغل الذي تعمله. فأخذ جانشاه الجارية والمال، وأجلس الجارية بجانبه، وقال له التاجر: في غد اعمل لنا الشغل. # ثم ذهب التاجر من عنده، ونام جانشاه هو والجارية في تلك الليلة، ولما أصبح الصباح راح إلى الحمام، فأمر التاجر عبيده أن يأتوا له ببدلة من الحرير، فأتوا له ببدلة نفيسة من الحرير، وصبروا حتى خرج من الحمام، وألبسوه البدلة، وأتوا به إلى البيت، فأمر التاجر عبيده أن يأتوا بالحنك والعود والمشروب، فأتوا إليهما بذلك، فشربا ولعبا وضحكا إلى أن مضى من الليل نصفه، وبعد ذلك ذهب التاجر إلى حريمه، ونام جانشاه مع الجارية إلى وقت الصباح، ثم راح إلى الحمام، فلما رجع من الحمام جاء إليه التاجر، وقال: إني أريد أن تعمل لنا الشغل. فقال جانشاه: سمعا وطاعة. فأمر التاجر عبيده أن يأتوا ببغلتين، فأتوه ببغلتين، فركب بغلة وأمر جانشاه أن يركب البغلة الثانية فركبها، ثم إن جانشاه والتاجر سارا من وقت الصباح إلى وقت الظهر حتى وصلا إلى جبل عال ما له حد في العلو، فنزل التاجر من فوق ظهر البغلة، وأمر جانشاه أن ينزل، فنزل جانشاه، ثم إن التاجر ناول جانشاه سكينا وحبلا، وقال له: أريد منك أن تذبح هذه البغلة. فشمر جانشاه ثيابه، وأتى إلى البغلة، ووضع الحبل في أربعتها، ورماها على الأرض، وأخذ السكين وذبحها وسلخها، وقطع أربعتها ورأسها، وصارت كوم لحم؛ ms1164 فقال له التاجر: أمرتك أن تشق بطنها وتدخل فيه وأخيط عليك، وتقعد هناك ساعة من الزمان، ومهما تراه في بطنها فأخبرني به. فشق جانشاه بطن البغلة ودخله، وخاطه عليه التاجر، ثم تركه وبعد عنه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 507 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التاجر لما خاط بطن البغلة على جانشاه، تركه وبعد عنه، واستخفى في ذيل الجبل، وبعد ساعة نزل على البغلة طائر عظيم فاختطفها وطار، ثم حط بها أعلى الجبل، وأراد أن يأكلها، فحس جانشاه بالطائر، فشق بطن البغلة وخرج منها، فجفل الطائر لما رأى جانشاه، وطار وراح إلى حال سبيله، فقام جانشاه على قدميه وصار ينظر يمينا وشمالا، فلم ير أحدا إلا رجالا ميتة يابسة من الشمس، فلما رأى ذلك قال في نفسه: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم إنه نظر إلى أسفل الجبل، فرأى التاجر واقفا تحت الجبل ينظر إلى جانشاه، فلما رآه قال له: ارم لي من الحجارة التي حولك حتى أدلك على طريق تنزل منها. فرمى جانشاه من تلك الحجارة نحو مائتي حجر، وكانت تلك الحجارة من الياقوت والزبرجد والجواهر الثمينة، ثم إن جانشاه قال للتاجر: دلني على الطريق، وأنا أرمي لك مرة أخرى. فلم التاجر تلك الحجارة، وحملها على البغلة التي كان راكبها، وسار ولم يرد له جوابا، وبقي جانشاه فوق الجبل وحده، فصار يستغيث ويبكي، ثم مكث فوق الجبل ثلاثة أيام، وبعد الثلاثة أيام قام وسار في عرض الجبل مدة شهرين وهو يأكل من أعشاب الجبل، وما زال سائرا حتى وصل في سيره إلى طرف الجبل، فلما وصل إلى ذيل الجبل رأى واديا على بعد، وفيه أشجار وأثمار وأطيار تسبح الله الواحد القهار. # فلما رأى جانشاه ذلك الوادي فرح فرحا شديدا، فقصده، ولم يزل ماشيا ساعة من الزمان حتى وصل إلى شرم في الجبل ينزل منه السيل، فنزل منه، وسار حتى وصل إلى الوادي الذي رآه وهو على الجبل، فنزل الوادي وصار ms1165 يتفرج فيه يمينا وشمالا، وما زال يمشي ويتفرج حتى وصل إلى قصر عال شاهق في الهواء، فتقرب جانشاه من ذلك القصر حتى وصل إلى بابه، فرأى شيخا مليح الهيئة، يلمع النور من وجهه، وبيده عكاز من الياقوت، وهو واقف على باب القصر، فتمشى جانشاه حتى قرب منه وسلم عليه، فرد عليه السلام ورحب به، وقال له: اجلس يا ولدي. فجلس جانشاه على باب ذلك القصر، ثم إن الشيخ سأله وقال له: من أين أتيت إلى هذه الأرض؟ وابن آدم ما داسها قط، وإلى أين رائح؟ فلما سمع جانشاه كلام الشيخ بكى بكاء شديدا من كثرة ما قاساه، وخنقه البكاء، فقال له الشيخ: يا ولدي، اترك البكاء، فقد أوجعت قلبي. ثم قام الشيخ وأتى له بشيء من الأكل وحطه قدامه، وقال له: كل من هذا. فأكل جانشاه حتى اكتفى، وحمد الله تعالى. ثم إن الشيخ بعد ذلك سأل جانشاه، وقال له: يا ولدي، أريد منك أن تحكي لي حكايتك، وتخبرني بما جرى لك. فحكى له حكايته، وأخبره بجميع ما جرى له من أول الأمر إلى أن وصل إليه؛ فلما سمع كلامه تعجب منه عجبا شديدا، فقال جانشاه للشيخ: أريد منك أن تخبرني بصاحب هذا الوادي، ولمن هذا القصر العظيم؟ فقال الشيخ لجانشاه: اعلم يا ولدي أن هذا الوادي وما فيه، وذلك القصر وما حواه، للسيد سليمان بن داود عليهما السلام، وأنا اسمي الشيخ نصر ملك الطيور، واعلم أن السيد سليمان وكلني بهذا القصر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 508 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ نصر ملك الطيور قال لجانشاه: واعلم أن السيد سليمان وكلني بهذا القصر، وعلمني منطق الطير، وجعلني حاكما على جميع الطير الذي في الدنيا، وفي كل سنة يأتي الطير إلى هذا القصر وننظره ويروح، وهذا سبب قعودي في المكان. فلما سمع جانشاه كلام الشيخ نصر بكى بكاء شديدا، وقال له: يا والدي، كيف تكون حيلتي حتى أروح إلى بلادي؟ فقال له ms1166 الشيخ: اعلم يا ولدي أنك بالقرب من جبل قاف، وليس لك رواح من هذا المكان إلا إذا أتت الطيور، وأوصي عليك واحدا منها فيوصلك إلى بلادك، فاقعد عندي في هذا المكان وكل واشرب، وتفرج في هذه المقاصير حتى تأتي الطيور. فقعد جانشاه عند الشيخ، وصار يدور في الوادي، ويأكل من تلك الفواكه، ويتفرج ويضحك ويلعب، ولم يزل مقيما في ألذ عيش مدة من الزمان حتى قرب مجيء الطيور من أماكنها لزيارة الشيخ نصر؛ فلما علم الشيخ نصر بمجيء الطيور قام على قدميه، وقال لجانشاه: يا جانشاه، خذ هذه المفاتيح، وافتح المقاصير التي في هذا القصر، وتفرج على ما فيها إلا المقصورة الفلانية، فاحذر أن تفتحها، ومتى خالفتني وفتحتها ودخلتها لا يحصل لك خير أبدا. وأوصى جانشاه بهذه الوصية، وأكد عليه فيها، وسار من عنده لملاقاة الطيور، فلما نظرت الطيور الشيخ نصر أقبلت عليه، وقبلت يديه جنسا بعد جنس. # هذا ما كان من أمر الشيخ نصر، وأما ما كان من أمر جانشاه، فإنه قام على قدميه، وصار دائرا يتفرج على القصر يمينا وشمالا، وفتح جميع المقاصر التي في القصر، حتى وصل إلى المقصورة التي حذره الشيخ نصر من فتحها؛ فنظر إلى باب تلك المقصورة فأعجبه ورأى عليه قفلا من الذهب، فقال في نفسه: إن هذه المقصورة أحسن من جميع المقاصير التي في القصر، يا ترى ما يكون في هذه المقصورة حتى منعني الشيخ نصر من الدخول فيها؟ فلا بد لي من أن أدخل هذه المقصورة، وأنظر الذي فيها، وما كان مقدرا على العبد لا بد أن يستوفيه. ثم مد يده وفتح المقصورة ودخلها، فرأى فيها بحيرة عظيمة، وبجانب البحيرة قصر صغير، وهو مبني من الذهب والفضة والبلور، وشبابيكه من الياقوت، ورخامه من الزبرجد الأخضر والبلخش والزمرد والجواهر مرصعة في الأرض على هيئة الرخام، وفي وسط ذلك القصر فسقية من الذهب ملآنة بالماء، وحول تلك الفسقية وحوش وطيور مصنوعة من الذهب والفضة، يخرج من بطونها الماء، وإذا هب النسيم يدخل في آذانها ms1167 فتصفر كل صورة بلغتها، وبجانب الفسقية إيوان عظيم، وعليه تخت عظيم من الياقوت مرصع بالدر والجواهر، وعلى ذلك التخت خيمة منصوبة من الحرير الأخضر، مزركشة بالفصوص والمعادن الفاخرة، ومقدار سعتها خمسون ذراعا، وداخل تلك الخيمة مخدع فيه البساط الذي كان للسيد سليمان عليه السلام. ورأى جانشاه حول ذلك القصر بستانا عظيما، وفيه أشجار وأثمار وأنهار، وفي دائر القصر مزارع من الورد والريحان والنسرين، ومن كل مشموم، وإذا هبت الرياح على الأشجار تمايلت تلك الأغصان، ورأى جانشاه في ذلك البستان من جميع الأشجار رطبا ويابسا، وكل ذلك في تلك المقصورة، فلما رأى جانشاه هذا الأمر تعجب منه غاية العجب، وصار يتفرج في ذلك البستان وفي ذلك القصر على ما فيهما من العجائب والغرائب، ونظر إلى البحيرة فرأى حصاها من الفصوص النفيسة، والجواهر الثمينة، والمعادن الفاخرة، ورأى في تلك المقصورة شيئا كثيرا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 509 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جانشاه رأى في تلك المقصورة شيئا كثيرا، فتعجب منه، ثم تمشى حتى دخل القصر الذي في تلك المقصورة، وطلع على التخت المنصوب على الليوان بجانب الفسقية، ودخل الخيمة المنصوبة فوقه، ونام في تلك الخيمة مدة من الزمان، ثم أفاق وقام يتمشى حتى خرج من باب القصر، وجلس على كرسي قدام باب القصر وهو يتعجب من حسن ذلك المكان. # فبينما هو جالس إذ أقبل عليه من الجو ثلاثة طيور في صفة الحمام، ثم إن الطيور حطوا بجانب البحيرة، ولعبوا ساعة، وبعد ذلك نزعوا ما عليهم من الريش، فصاروا ثلاث بنات كأنهن الأقمار، ليس لهن في الدنيا شبيه، ثم نزلن البحيرة وسبحن فيها، ولعبن وضحكن، فلما رآهن جانشاه تعجب من حسنهن وجمالهن واعتدال قدودهن، ثم طلعن إلى البر ودرن يتفرجن في البستان، فلما رآهن جانشاه طلعن إلى البر كاد عقله أن يذهب، وقام على قدميه وتمشى حتى وصل إليهن، فلما قرب منهن سلم عليهن، فرددن عليه السلام، ثم إنه سألهن وقال لهن: من أنتن أيتها ms1168 السيدات الفاخرات؟ ومن أين أقبلتن؟ فقالت له الصغيرة: نحن أتينا من ملكوت الله تعالى؛ لنتفرج في هذا المكان. فتعجب من حسنهن، ثم قال للصغيرة: ارحميني وتعطفي علي وارثي لحالي، وما جرى لي في عمري. فقالت له: دع عنك هذا الكلام. فلما سمع جانشاه منها هذا الكلام بكى بكاء شديدا، واشتدت به الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # بدت لي في البستان بالحلل # الخضر %~% مفككة الأزرار محلولة # الشعر ~~فقلت لها: ما الاسم؟ قالت: أنا # التي %~% كويت قلوب العاشقين على # حجري ~~شكوت إليها ما لقيت من # الهوى %~% فقالت: إلى صخر شكوت ولم # تدر ~~فقلت لها: إن كان قلبك # صخرة %~% فقد أنبع الله الزلال من # الصخر # فلما سمع البنات هذا الشعر من جانشاه، ضحكن ولعبن وغنين وطربن، ثم إن جانشاه أتى إليهن بشيء من الفواكه، فأكلن وشربن، ونمن مع جانشاه تلك الليلة إلى الصباح، فلما أصبح الصباح لبسن البنات ثيابهن الريش، وصرن في هيئة الحمام، وطرن ذاهبات إلى حال سبيلهن؛ فلما رآهن جانشاه طائرات، وقد غبن عن عيونه، كاد عقله أن يطير معهن، وزعق زعقة عظيمة، ووقع مغشيا عليه، ومكث في غشيته طول ذلك اليوم. فبينما هو طريح على الأرض، وإذا بالشيخ نصر قد أتى من ملاقاة الطيور، وفتش على جانشاه ليرسله مع الطيور ويروح إلى بلاده، فلم يره، فعلم الشيخ نصر أنه دخل المقصورة، وقد كان الشيخ نصر قال للطيور: إن عندي ولدا صغيرا جاءت به المقادير من بلاد بعيدة إلى هذه الأرض، وأريد منكم أن تحملوه وتوصلوه إلى بلاده. فقالوا له: سمعا وطاعة. ولم يزل الشيخ نصر يفتش على جانشاه حتى أتى إلى باب المقصورة التي نهاه عن فتحها، فوجده مفتوحا، فدخل فرأى جانشاه مرميا تحت شجرة وهو مغشي عليه، فأتاه بشيء من المياه العطرية، ورشه على وجهه، فأفاق من غشيته، وصار يلتفت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 510 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ نصر لما رأى جانشاه مرميا تحت شجرة، أتاه بشيء من المياه العطرية، ms1169 ورشه على وجهه فأفاق من غشيته، وصار يلتفت يمينا وشمالا، فلم ير عنده أحدا سوى الشيخ نصر، فزادت به الحسرات، وأنشد هذه الأبيات: # تبدت كبدر التم في ليلة # السعد %~% منعمة الأطراف ممشوقة # القد ~~لها مقلة تسبي العقول # بسحرها %~% وثغر حكى الياقوت في حمرة # الورد ~~تحدر فوق الردف أسود # شعرها %~% فإياك إياك الحباب من # الجعد ~~لقد رقت الأعطاف منها # وقلبها %~% على صبها أقسى من الحجر # الصلد ~~وترسل سهم اللحظ من قوس # حاجب %~% يصيب ولم يخطئ ولو كان من # بعد ~~فيا حسنها قد فاق كل # ملاحة %~% وليس لها بين البرية من # ند # فلما سمع الشيخ نصر من جانشاه هذه الأشعار قال له: يا ولدي، أما قلت لك لا تفتح هذه المقصورة، ولا تدخلها؛ ولكن أخبرني يا ولدي بما رأيت فيها، واحك لي حكايتك، وعرفني ما جرى لك. فحكى له جانشاه حكايته، وأخبره بما جرى له مع الثلاث بنات وهو جالس، فلما سمع الشيخ نصر كلامه قال له: اعلم يا ولدي أن هذه البنات من بنات الجان، وفي كل سنة يأتين إلى هذا المكان فيلعبن وينشرحن إلى وقت العصر، ثم يذهبن إلى بلادهن. فقال له جانشاه: وأين بلادهن؟ فقال له الشيخ نصر: والله يا ولدي ما أعلم أين بلادهن. ثم إن الشيخ نصر قال له: قم معي، وقو نفسك حتى أرسلك إلى بلادك مع الطيور، وخل عنك هذا العشق. فلما سمع جانشاه كلام الشيخ نصر صرخ صرخة عظيمة، ووقع مغشيا عليه، فلما أفاق قال له: يا والدي، أنا لا أريد الرواح إلى بلادي حتى أجتمع بهؤلاء البنات، واعلم يا والدي أني ما بقيت أذكر أهلي ولو أموت بين يديك. ثم بكى وقال: أنا رضيت بأن أنظر وجه من عشقتها، ولو في السنة مرة واحدة. ثم صعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # ليت الخيال على الأحباب ما # طرق %~% وليت هذا الهوى للناس ما # خلق ~~لولا حرارة قلبي من # تذكركم %~% ما سال دمعي على خدي ولا # اندفق ~~أصبر القلب في يومي # وليلته %~% وصار جسمي بنار الحب ms1170 # محترقا # ثم إن جانشاه وقع على رجلي الشيخ نصر وقبلهما، وبكى بكاء شديدا، وقال له: ارحمني يرحمك الله، وأعني على بلوتي يعنك الله. فقال له الشيخ نصر: يا ولدي، والله لا أعرف هذه البنات، ولا أدري أين بلادهن، ولكن يا ولدي حيث تولعت بإحداهن، فاقعد عندي إلى مثل هذا العام؛ لأنهن يأتين في السنة القابلة مثل هذا اليوم، فإذا قربت الأيام التي يأتين فيها، فكن مستخفيا في البستان تحت شجرة، ولما ينزلن البحيرة ويسبحن فيها، ويلعبن ويبعدن عن ثيابهن، فخذ ثياب التي تريدها منهن، فإذا نظرنك يطلعن على البر ليلبسن ثيابهن، وتقول لك التي أخذت ثيابها بعذوبة كلام، وحسن ابتسام: أعطني ثيابي يا أخي حتى ألبسها، وأستتر بها. ومتى قبلت كلامها وأعطيتها ثيابها، فإنك لا تبلغ مرادك منها أبدا، بل تلبس ثيابها وتروح إلى أهلها، ولا تنظرها بعد ذلك أبدا؛ فإذا ظفرت بثيابها فاحفظها، وحطها تحت إبطك، ولا تعطها إياها حتى أرجع من ملاقاة الطيور، وأوفق بينك وبينها، وأرسلك إلى بلادك وهي معك، وهذا الذي أقدر عليه يا ولدي لا غير. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 511 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ نصر قال لجانشاه: احفظ ثياب التي تريدها، ولا تعطها إياها حتى أرجع من ملاقاة الطيور، وهذا الذي أقدر عليه يا ولدي لا غير. فلما سمع جانشاه كلام الشيخ نصر اطمأن قلبه، وقعد عنده إلى ثاني عام، وصار يعد الماضي من الأيام التي تأتي الطيور عقبها؛ فلما جاء ميعاد مجيء الطيور أتى الشيخ نصر إلى جانشاه، وقال له: اعمل بالوصية التي أوصيتك بها من أمر ثياب البنات، فإنني ذاهب إلى ملاقاة الطيور. فقال جانشاه: سمعا وطاعة لأمرك يا والدي. ثم ذهب الشيخ نصر إلى ملاقاة الطيور، وبعد ذهابه قام جانشاه وتمشى حتى دخل البستان، واختفى تحت شجرة بحيث لا يراه أحد، وقعد أول يوم وثاني يوم وثالث يوم فلم تأت إليه البنات، فقلق وصار في بكاء وأنين ناشئ عن قلب حزين، ولم ms1171 يزل يبكي حتى أغمي عليه، ثم بعد ساعة أفاق وجعل ينظر تارة إلى السماء، وتارة ينظر إلى الأرض، وتارة ينظر إلى البحيرة، وتارة ينظر إلى البر، وقلبه يرتجف من شدة العشق. فبينما هو على هذه الحالة إذ أقبل عليه من الجو ثلاثة طيور في صفة الحمام، ولكن كل حمامة قدر النسر، ثم إنهن نزلن بجانب البحيرة، وتلفتن يمينا وشمالا فلم يرين أحدا من الإنس، ولا من الجن، فنزعن ثيابهن ونزلن البحيرة، وصرن يلعبن ويضحكن وينشرحن، وهن عرايا كسبائك الفضة، ثم إن الكبيرة فيهن قالت لهن: أخشى يا أخواتي أن يكون أحد مختفيا لنا في هذا القصر. فقالت الوسطى منهن: يا أختي، إن هذا القصر من عهد سليمان، ما دخله إنس ولا جان. فقالت الصغيرة منهن وهي تضحك: والله يا أخواتي إن كان أحد مختفيا في هذا المكان، فإنه لا يأخذ إلا أنا. # ثم إنهن لعبن وضحكن، وقلب جانشاه يرتجف من فرط الغرام، وهو مختف تحت الشجرة ينظرهن، وهن لا ينظرنه، ثم إنهن سبحن في الماء حتى وصلن إلى وسط البحيرة، وبعدن عن ثيابهن، فقام جانشاه على قدميه وهو يجري كالبرق الخاطف، وأخذ ثياب البنت الصغيرة، وهي التي تعلق قلبه بها، وكان اسمها شمسة، فلما التفتت رأت جانشاه، فارتجفت قلوبهن، واستترن منه بالماء، وأتين إلى قرب البر، ثم نظرن إلى وجه جانشاه، فرأينه كأنه البدر في ليلة تمامه، فقلن له: من أنت؟ وكيف أتيت إلى هذا المكان وأخذت ثياب السيدة شمسة؟ فقال لهن: تعالين عندي حتى أحكي لكن ما جرى لي. فقالت السيدة شمسة: ما خبرك؟ ولأي شيء أخذت ثيابي؟ وكيف عرفتني من دون أخواتي؟ فقال لها جانشاه: يا نور عيني، اطلعي من الماء حتى أحكي لك حكايتي، وأخبرك بما جرى لي، وأعلمك بسبب معرفتي بك. فقالت له: يا سيدي، وقرة عيني، وثمرة فؤادي، أعطني ثيابي حتى ألبسها وأستتر بها، وأطلع عندك. فقال لي جانشاه: يا سيدة الملاح، ما يمكن أن أعطيك ثيابك، وأقتل نفسي من الغرام، فلا أعطيك ثيابك إلا ms1172 إذا أتى الشيخ نصر ملك الطيور. فلما سمعت السيدة شمسة كلام جانشاه قالت له: إن كنت لا تعطيني ثيابي، فتأخر عنا قليلا حتى تطلع أخواتي إلى البر، ويلبسن ثيابهن، ويعطينني شيئا أستتر به. فقال لها جانشاه: سمعا وطاعة. ثم تمشى من عندهن إلى القصر ودخله، فطلعت السيدة شمسة هي وأخواتها إلى البر، ولبسن ثيابهن. # ثم إن أخت السيدة شمسة الكبيرة أعطتها ثوبا من ثيابها لا يمكنها الطيران به، وألبستها إياه، ثم قامت السيدة شمسة وهي كالبدر الطالع، والغزال الراتع، وتمشت حتى وصلت إلى جانشاه، فرأته جالسا فوق التخت، فسلمت عليه، وجلست قريبا منه، وقالت له: يا مليح الوجه، أنت الذي قتلتني وقتلت نفسك، ولكن أخبرنا بما جرى لك حتى ننظر ما خبرك. فلما سمع جانشاه كلام السيدة شمسة، بكى حتى بل ثيابه من دموعه، فلما علمت أنه مغرم بحبها قامت على قدميها، وأخذته من يده وأجلسته بجانبها، ومسحت دموعه بكمها، وقالت له: يا مليح الوجه، دع عنك هذا البكاء، واحك لي ما جرى لك. فحكى لها جانشاه ما جرى له، وأخبرها بما رآه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 512 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السيدة شمسة قالت لجانشاه: احك لي ما جرى لك. فحكى لها جميع ما جرى له، فلما سمعت السيدة منه ذلك الكلام، تنهدت وقالت له: يا سيدي، إذا كنت مغرما بي، فأعطني ثيابي حتى ألبسها وأروح أنا وأخواتي إلى أهلي، وأعلمهم بما جرى لك في محبتي، ثم أرجع إليك وأحملك إلى بلادك. فلما سمع جانشاه منها هذا الكلام بكى بكاء شديدا وقال لها: أيحل لك من الله أن تقتليني ظلما؟ فقالت له: يا سيدي، بأي سبب أقتلك ظلما؟ فقال لها: لأنك متى لبست ثيابك ورحت من عندي، فإني أموت من وقتي. فلما سمعت السيدة شمسة كلامه ضحكت وضحك أخواتها، ثم قالت له: طب نفسا وقر عينا، فلا بد أن أتزوج بك. ومالت عليه، وعانقته وضمته إلى صدرها، وقبلته بين عينيه وفي ms1173 خده، وتعانقت هي وإياه ساعة من الزمان، ثم افترقا وجلسا فوق ذلك التخت، فقامت أختها الكبيرة، وخرجت من القصر إلى البستان، فأخذت شيئا من الفواكه والمشموم وأتت به إليهم، فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا وضحكوا ولعبوا، وكان جانشاه بديع الحسن والجمال، رشيق القد والاعتدال، فقالت له السيدة شمسة: يا حبيب، والله أنا أحبك محبة عظيمة، وما بقيت أفارقك أبدا. فلما سمع جانشاه كلامها انشرح صدره، وضحك سنه، واستمروا يضحكون ويلعبون. # فبينما هم في حظ وسرور، وإذا بالشيخ نصر قد أتى من ملاقاة الطيور، فلما أقبل عليهم نهض الجميع إليه قائمين على أقدامهم، وسلموا عليه وقبلوا يديه، فرحب بهم الشيخ نصر، وقال لهم: اجلسوا. فجلسوا، ثم إن الشيخ نصر قال للسيدة شمسة: إن هذا الشاب يحبك محبة عظيمة، فبالله عليك أن تتوصي به، فإنه من أكابر الناس، ومن أبناء الملوك، وأبوه يحكم على بلاد كابل، وقد حوى ملكا عظيما. فلما سمعت السيدة شمسة كلام الشيخ نصر قالت له: سمعا وطاعة لأمرك. ثم إنها قبلت يدي الشيخ نصر ووقفت قدامه، فقال لها الشيخ نصر: إن كنت صادقة في قولك، فاحلفي لي بالله إنك لا تخونينه ما دمت على قيد الحياة. فحلفت يمينا عظيما أنها لا تخونه أبدا، ولا بد أن تتزوج به، وبعد أن حلفت قالت: اعلم يا شيخ نصر أني لا أفارقه أبدا. فلما حلفت السيدة شمسة للشيخ نصر صدق يمينها، وقال لجانشاه: الحمد لله الذي وفق بينك وبينها. ففرح جانشاه بذلك فرحا شديدا، ثم قعد جانشاه هو والسيدة شمسة عند الشيخ نصر مدة ثلاثة أشهر في أكل وشرب ولعب وضحك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 513 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جانشاه هو والسيدة شمسة قعدا عند الشيخ نصر ثلاثة أشهر في أكل وشرب ولعب وحظ عظيم، وبعد الثلاثة أشهر قالت السيدة شمسة لجانشاه: إني أريد أن نروح إلى بلادك وتتزوج بي ونقيم فيها. فقال لها: سمعا وطاعة. ثم إن جانشاه شاور الشيخ نصر وقال ms1174 له: إننا نريد أن نروح إلى بلادي. وأخبره بما قالته السيدة شمسة، فقال لهما الشيخ نصر: اذهبا إلى بلادك، وتوص بها. فقال جانشاه: سمعا وطاعة. ثم إنها طلبت ثوبها، وقالت: يا شيخ نصر، مره أن يعطيني ثوبي حتى ألبسه. فقال له: يا جانشاه، أعطها ثيابها. فقال: سمعا وطاعة. ثم قام بسرعة ودخل القصر وأتى بثوبها، وأعطاه لها، فأخذته منه ولبسته، وقالت لجانشاه: اركب فوق ظهري، وغمض عينيك، وسد أذنيك حتى لا تسمع دوي الفلك الدوار، وأمسك في ثوبي الريش وأنت على ظهري بيديك، واحترس على نفسك من الوقوع. # فلما سمع جانشاه كلامها ركب على ظهرها، ولما أرادت الطيران قال لها الشيخ نصر: قفي حتى أصف لك بلاد كابل خوفا عليكما أن تغلطا في الطريق. فوقفت حتى وصف لها البلاد، وأوصاها بجانشاه، ثم ودعهما، وودعت السيدة شمسة أختيها، وقالت لهما: روحا إلى أهلكما؛ أعلماهم بما جرى لي مع جانشاه. ثم إنها طارت من وقتها وساعتها، وصارت في الجو مثل هبوب الريح والبرق اللائح، وبعد ذلك طارت أختاها وذهبتا إلى أهلهما، وأعلماهم بما جرى للسيدة شمسة مع جانشاه، ومن حين طارت السيدة شمسة لم تزل طائرة من وقت الضحى إلى وقت العصر، وجانشاه راكب على ظهرها، وفي وقت العصر لاح لها على بعد واد ذو أشجار وأنهار، فقالت لجانشاه: قصدي أن ننزل في هذا الوادي لنتفرج على ما فيه من الأشجار والنباتات هذه الليلة. فقال لها جانشاه: افعلي ما تريدين. فنزلت من الجو، وحطت في ذلك الوادي، ونزل جانشاه من فوق ظهرها، وقبلها بين عينيها، ثم جلسا بجانب نهر ساعة من الزمان، وبعد ذلك قاما على قدميهما، وصارا دائرين في الوادي يتفرجان على ما فيه، ويأكلان من تلك الأثمار، ولم يزالا يتفرجان في الوادي إلى وقت المساء، ثم أتيا إلى شجرة وناما عندها إلى الصباح. ثم قامت السيدة شمسة وأمرت جانشاه أن يركب على ظهرها، فقال جانشاه: سمعا وطاعة. ثم ركب على ظهرها وطارت به من وقتها وساعتها، ولم تزل طائرة من ms1175 الصبح إلى وقت الظهر. # فبينما هما سائران إذ نظرا الأمارات التي أخبرهما بها الشيخ نصر، فلما رأت السيدة شمسة تلك الأمارات، نزلت من أعلى الجو إلى مرج فسيح ذي زرع مليح، فيه غزلان راتعة، وعيون نابعة، وأثمار يانعة، وأنهار واسعة، فلما نزلت في ذلك المرج نزل جانشاه من فوق ظهرها، وقبلها بين عينيها، فقالت له: يا حبيبي وقرة عيني، أتدري ما المسافة التي سرناها؟ قال: لا. قالت: مسافة ثلاثين شهرا. فقال لها جانشاه: الحمد لله على السلامة. ثم جلس وجلست بجانبه، وقعدا في أكل وشرب ولعب وضحك. فبينما هما في هذا الأمر إذ أقبل عليهما مملوكان؛ أحدهما الذي كان عند الخيل لما نزل جانشاه في مركب الصياد، والثاني من المماليك الذين كانوا معه في الصيد والقنص؛ فلما رأيا جانشاه عرفاه، وسلما عليه، وقالا له: عن إذنك نتوجه إلى والدك، ونبشره بقدومك. فقال لهما جانشاه: اذهبا إلى أبي، وأعلماه بذلك، وأتيانا بالخيام، ونحن نقعد في هذا المكان سبعة أيام لأجل الراحة؛ حتى يجيء الموكب لملاقاتنا، وندخل في موكب عظيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 514 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه قال للمملوكين: اذهبا إلى أبي، وأعلماه بي، وأتيانا بالخيام، ونحن نقعد في هذا المكان سبعة أيام لأجل الراحة حتى يجيء الموكب لملاقاتنا، وندخل في موكب عظيم. فركب المملوكان خيلهما، وذهبا إلى أبيه وقالا له: البشارة يا ملك الزمان. فلما سمع الملك طيغموس كلام المملوكين، قال لهما: بأي شيء تبشراني؟ هل قدم ابني جانشاه؟ فقالا: نعم، إن ابنك جانشاه أتى من غيبته، وهو بالقرب منك في مرج الكراني. فلما سمع الملك كلام المملوكين، فرح فرحا شديدا ووقع مغشيا عليه من شدة الفرح، فلما أفاق أمر وزيره أن يخلع على المملوكين كل واحد خلعة نفيسة، ويعطي كل واحد منهما قدرا من المال، فقال له الوزير: سمعا وطاعة. ثم قام من وقته، وأعطى المملوكين ما أمره به الملك، وقال لهما: خذا هذا المال في نظير البشارة التي ms1176 أتيتما بها، سواء أكذبتما أم صدقتما. فقالا المملوكان: نحن ما نكذب، وكنا في هذا الوقت قاعدين عنده، وسلمنا عليه، وقبلنا يديه، وأمرنا أن نأتي له بالخيام، وهو يقعد في مرج الكراني سبعة أيام حتى تذهب الأمراء والوزراء وأكابر الدولة لملاقاته. ثم إن الملك قال لهما: كيف حال ولدي؟ فقالا له: إن ولدك معه حورية كأنه خرج بها من الجنة. فلما سمع الملك ذلك الكلام أمر بدق الكاسات والبوقات، فدقت البشائر، وأرسل الملك طيغموس المبشرين في جهات المدينة ليبشروا أم جانشاه، ونساء الأمراء والوزراء، وأكابر الدولة؛ فانتشر المبشرون في المدينة، وأعلموا أهلها بقدوم جانشاه، ثم تجهز الملك طيغموس بالعساكر والجيوش وتوجه إلى مرج الكراني. # فبينما جانشاه جالس والسيدة شمسة بجانبه، وإذا بالعساكر قد أقبلت عليهما، فقام جانشاه على قدميه، وتمشى حتى قرب منهم، فلما رأته العساكر عرفوه، ونزلوا عن خيلهم، وترجلوا إليه، وسلموا عليه، وقبلوا يديه، وما زال جانشاه سائرا والعساكر قدامه واحدا بعد واحد، حتى وصل إلى أبيه، فلما نظر الملك طيغموس ولده، رمى نفسه عن ظهر الفرس وحضنه، وبكى بكاء شديدا، ثم ركب وركب ابنه، والعساكر عن يمينه وشماله، وما زالوا سائرين حتى أتوا إلى جانب النهر، فنزلت العساكر والجيوش، ونصبوا الخيام والصواوين والبيارق، ودقت الطبول، وزمرت الزمور، وضربت الكاسات، وزعقت البوقات. ثم إن الملك طيغموس أمر الفراشين أن يأتوا بخيمة من الحرير الأحمر، وينصبوها للسيدة شمسة، ففعلوا ما أمرهم به، وقامت السيدة شمسة وقلعت ثوبها الريش، وتمشت حتى وصلت إلى تلك الخيمة وجلست فيها. فبينما هي جالسة، وإذا بالملك طيغموس وابنه جانشاه بجانبه أقبلا عليها، فلما رأت السيدة شمسة الملك طيغموس قامت على قدميها، وقبلت الأرض بين يديه، ثم جلس الملك، وأخذ ولده جانشاه عن يمينه، والسيدة شمسة عن شماله، ورحب بالسيدة شمسة، وسأل ابنه جانشاه وقال له: أخبرني بالذي وقع لك في هذه الغيبة. فحكى له جميع ما جرى من الأول إلى الآخر، فلما سمع الملك من ابنه هذا الكلام، تعجب عجبا شديدا، والتفت إلى السيدة شمسة ms1177 وقال: الحمد لله الذي وفقك حتى جمعت بيني وبين ابني، إن هذا لهو الفضل العظيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 515 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك طيغموس قال للسيدة شمسة: الحمد لله الذي وفقك حتى جمعت بيني وبين ولدي، إن هذا لهو الفضل العظيم، ولكن أريد منك أن تتمني علي ما تشتهينه حتى أفعله إكراما لك. فقالت له السيدة شمسة: تمنيت عليك عمارة قصر في وسط بستان، والماء يجري من تحته. فقال: سمعا وطاعة. فبينما هما في الكلام، وإذا بأم جانشاه أقبلت ومعها جميع نساء الأمراء والوزراء، ونساء أكابر المدينة جميعا، فلما رآها ولدها جانشاه خرج من الخيمة وقابلها، وتعانقا ساعة من الزمان، ثم إن أمه من فرط الفرح أجرت دمع العين، وأنشدت هذين البيتين: # هجم السرور علي حتى إنه %~% من فرط ما قد سرني # أبكاني ~~يا عين قد صار الدمع منك # سجية %~% تبكين من فرح ومن # أحزان # ثم شكيا لبعضهما ما قاسياه من البعد وألم الشوق، ثم انتقل والده إلى خيمته، وانتقل جانشاه هو وأمه إلى خيمته، وجلسا يتحدثان مع بعضهما، فبينما هما جالسان إذ أقبل المبشرون بقدوم السيدة شمسة، وقالوا لأم جانشاه: إن شمسة أتت إليك وهي ماشية تريد أن تسلم عليك. فلما سمعت أم جانشاه هذا الكلام، قامت على قدميها وقابلتها وسلمت عليها، وقعدتا ساعة من الزمان، ثم قامت أم جانشاه مع السيدة شمسة، وسارت هي وإياها ونساء الأمراء وأرباب الدولة، وما زلن سائرات حتى وصلن خيمة السيدة شمسة، فدخلنها وجلسن فيها. ثم إن الملك طيغموس أجزل العطايا، وأكرم الرعايا، وفرح بابنه فرحا شديدا، ومكثوا في ذلك المكان مدة عشرة أيام في أكل وشرب، وأهنى عيش، وبعد ذلك أمر الملك عساكره أن يرحلوا، ويتوجهوا إلى المدينة، ثم ركب الملك وركبت حوله العساكر والجيوش، وسارت الوزراء والحجاب عن يمينه وعن شماله، وما زالوا سائرين حتى دخلوا المدينة، وذهبت أم جانشاه هي والسيدة شمسة إلى منزلهم، وتزينت المدينة بأحسن زينة، ودقت البشائر ms1178 والكاسات، وزوقوا المدينة بالحلي والحلل، وفرشوا نفيس الديباج تحت سنابك الخيل، وفرح أرباب الدولة وأظهروا التحف، وانبهر المتفرجون، وأطعموا الفقراء والمساكين، وعملوا فرحا عظيما مدة عشرة أيام، وفرحت السيدة شمسة فرحا شديدا لما رأت ذلك. # ثم إن الملك طيغموس أرسل إلى البنائين والمهندسين وأرباب المعرفة، وأمرهم أن يعملوا له قصرا في ذلك البستان، فأجابوه بالسمع والطاعة، وشرعوا في تجهيز ذلك القصر؛ ثم إنهم أتموه على أحسن حال، وحين علم جانشاه بصدور الأمر ببناء القصر، أمر الصناع أن يأتوا بعمود من الرخام الأبيض، وأن ينقروه ويجوفوه، ويجعلوه على صورة صندوق، ففعلوا ما أمرهم به. ثم إن جانشاه أخذ ثوب السيدة شمسة الذي تطير به، وحطه في ذلك العمود، ودفنه في أساس القصر، وأمر البنائين أن يبنوا فوقه القناطر التي عليها القصر، ولما تم القصر فرشوه، وصار قصرا عظيما في وسط ذلك البستان، والأنهار تجري من تحته. ثم إن الملك طيغموس بعد ذلك عمل عرس جانشاه في تلك المدة، وصار فرحا عظيما لم يبق له نظير، وزفوا السيدة شمسة إلى جانشاه، وذهب كل واحد منهم إلى حال سبيله. ولما دخلت السيدة شمسة في ذلك القصر، شمت رائحة ثوبها الريش. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 516 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة شمسة لما دخلت ذلك القصر شمت رائحة ثوبها الريش الذي تطير به، وعرفت مكانه، وأرادت أخذه، فصبرت إلى نصف الليل حتى استغرق جانشاه في النوم، ثم قامت وتوجهت إلى العمود الذي عليه القناطر، وحفرت بجانبه حتى وصلت إلى العمود الذي فيه الثوب، وأزالت الرصاص الذي كان مسبوكا عليه، وأخرجت الثوب منه، ولبسته وطارت من وقتها، وجلست على أعلى القصر، وقالت لهم: أريد منكم أن تحضروا إلي جانشاه حتى أودعه. فأخبروا جانشاه بذلك، فذهب إليها فرآها فوق سطح القصر، وهي لابسة ثوبها الريش، فقال لها: كيف فعلت هذه الفعال؟ فقالت له: يا حبيبي، وقرة عيني، وثمرة فؤادي، والله إني أحبك محبة عظيمة، وقد فرحت فرحا شديدا ms1179 حيث أوصلتك إلى أرضك وبلادك، ورأيت أمك وأباك، فإن كنت تحبني كما أحبك فتعال عندي إلى قلعة جوهر تكني. ثم طارت من وقتها وساعتها، ومضت إلى أهلها. # فلما سمع جانشاه كلام السيدة شمسة وهي فوق سطح القصر، كاد يموت من الجزع، ووقع مغشيا عليه، فمضوا إلى أبيه وأعلموه بذلك، فركب أبوه وتوجه إلى القصر، ودخل على ولده فرآه مطروحا على الأرض، فبكى الملك طيغموس، وعلم أن ابنه مغرم بحب السيدة شمسة، فرش على وجهه ماء ورد، فأفاق، فرأى أباه عند رأسه، فبكى من فراق زوجته، فقال له أبوه: ما الذي جرى لك يا ولدي؟ فقال: اعلم يا أبي أن السيدة شمسة من بنات الجان، وأنا أحبها ومغرم بها، وقد عشقت جمالها، وكان عندي ثوب لها وهي ما تقدر أن تطير بدونه، وقد كنت أخذت ذلك الثوب وأخفيته في عمود على هيئة الصندوق، وسبكت عليه الرصاص، ووضعته في أساس القصر، فحفرت ذلك الأساس وأخذته، ولبسته وطارت، ثم نزلت على سطح القصر، وقالت: إني أحبك، وقد أوصلتك إلى أرضك وبلادك، واجتمعت بأبيك وأمك، فإن كنت أنت تحبني فتعال عندي في قلعة جوهر تكني. ثم طارت من سطح القصر، وراحت إلى حال سبيلها. فقال الملك طيغموس: يا ولدي، لا تحمل هما، فإننا نجمع أرباب التجارة والسياحين في البلاد، ونستخبرهم عن تلك القلعة، فإذا عرفناها نسير إليها ونذهب إلى أهل السيدة شمسة، ونرجو من الله تعالى أن يعطوك إياها وتتزوج بها. # ثم خرج الملك من وقته وساعته، وأمر وزراءه الأربعة، وقال لهم: اجمعوا كل من في المدينة من التجار والمسافرين، واسألوهم عن قلعة جوهر تكني، وكل من عرفها ودل عليها، فإني أعطيه خمسين ألف دينار. فلما سمع الوزراء ذلك الكلام قالوا له: سمعا وطاعة. ثم ذهبوا من وقتهم وساعتهم، وفعلوا ما أمرهم به الملك، وصاروا يسألون التجار والسياحين في البلاد عن قلعة جوهر تكني، فما أخبرهم بها أحد، فأتوا الملك وأخبروه بذلك؛ فلما سمع الملك كلامهم قام من وقته وساعته، وأمر أن يأتوا لابنه ms1180 جانشاه من السراري الحسان، والجواري ربات الآلات، والمحاظي المطربات بما لا يوجد مثله إلا عند الملوك؛ لعله يتسلى عن حب السيدة شمسة، فأتوه بما طلبه، ثم بعد ذلك أرسل الملك روادا وجواسيس إلى جميع البلاد والجزائر والأقاليم ليسألوا عن قلعة جوهر تكني، فسألوا عنها مدة شهرين، فما أخبرهم بها أحد، فرجعوا إلى الملك وأعلموه بذلك؛ فبكى بكاء شديدا، وذهب إلى ابنه فوجده جالسا بين السراري والمحاظي وربات آلات الطرب من الجنك والسنطير وغيرهما، وهو لا يتسلى بهن عن السيدة شمسة، فقال له: يا ولدي، ما وجدت من يعرف هذه القلعة، وقد أتيتك بأجمل منها. فلما سمع جانشاه ذلك الكلام بكى، وأفاض دمع العين، وأنشد هذين البيتين: # ترحل صبري والغرام مقيم %~% وجسمي من فرط الغرام # سقيم ~~متى تجمع الأيام شملي # بشمسة %~% وعظمي من حر الفراق # رميم # ثم إن الملك طيغموس كان بينه وبين ملك الهند عداوة عظيمة؛ فإن الملك طيغموس كان عدا عليه وقتل رجاله وسلب أمواله، وكان ملك الهند يقال له الملك كفيد، وله جيوش وعساكر وأبطال، وكان له ألف بهلوان، كل بهلوان منهم يحكم على ألف قبيلة، وكل قبيلة من تلك القبائل تشمل على أربعة آلاف فارس، وكان عنده أربعة وزراء، وتحته ملوك وأكابر وأمراء، وجيوش كثيرة، وكان يحكم على ألف مدينة، لكل مدينة ألف قلعة، وكان ملكا عظيما، شديد البأس، وعساكره قد ملأت جميع الأرض. فلما علم الملك كفيد ملك الهند أن الملك طيغموس اشتغل بحب ابنه، وترك الحكم والملك، وقلت من عنده العساكر، وصار في هم ونكد بسبب اشتغاله بحب ابنه، جمع الوزراء والأمراء وأرباب الدولة، وقال لهم: أما تعلمون أن الملك طيغموس قد هجم على بلادنا، وقتل أبي وإخوتي، ونهب أموالنا، وما منكم أحد إلا وقد قتل له قريبا، وأخذ له مالا، ونهب رزقه، وأسر أهله، وإني سمعت اليوم أنه مشغول بحب ابنه جانشاه، وقد قلت من عنده العساكر، وهذا وقت أخذ ثأرنا منه، فتأهبوا للسفر إليه، وجهزوا آلات الحرب للهجوم عليه، ولا تتهاونوا في هذا ms1181 الأمر، بل نسير إليه ونهجم عليه، ونقتله هو وابنه، ونملك بلاده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 517 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك كفيد ملك الهند أمر جيوشه وعساكره أن يركبوا على بلاد الملك طيغموس، وقال لهم: تأهبوا للسفر، وجهزوا آلات الحرب للهجوم عليه، ولا تتهاونوا في هذا الأمر، بل نسير إليه ونهجم عليه ونقتله هو وابنه، ونملك بلاده. فلما سمعوا منه ذلك الكلام قالوا: سمعا وطاعة. وأخذ كل واحد منهم في تجهيز عدته، واستمروا في تجهيز العدد والسلاح، وجمع العساكر ثلاثة أشهر، ولما تكاملت العساكر والجيوش والأبطال دقوا الكاسات، ونفخوا في البوقات، ونصبوا البيارق والرايات، ثم إن الملك كفيد خرج بالعساكر والجيوش، وسار حتى وصل إلى أطراف بلاد كابل، وهي بلاد الملك طيغموس، ولما وصلوا إلى تلك البلاد نهبوها، وفسقوا في الرعية، وذبحوا الكبار، وأسروا الصغار، فوصل الخبر إلى الملك طيغموس، فلما سمع بذلك الخبر اغتاظ غيظا شديدا، وجمع أكابر دولته، ووزراءه وأمراء مملكته، وقال لهم: اعلموا أن كفيد قد أتى ديارنا، ونزل بلادنا، ويريد قتالنا، ومعه جيوش وأبطال وعساكر لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، فما الرأي عندكم؟ فقالوا له: يا ملك الزمان، الرأي عندنا أننا نخرج إليه ونقاتله، ونرده عن بلادنا. فقال لهم الملك طيغموس: تجهزوا إلى القتال. ثم أخرج لهم من الزرد والدروع، والخوذ والسيوف، وجميع آلات الحرب، ما يردي الأبطال، ويتلف صناديد الرجال، فاجتمعت العساكر والجيوش والأبطال وتجهزوا للقتال، ونصبوا الرايات ودقت الكاسات ونفخ في البوقات، وضربت الطبول وزمرت الزمور، وسار الملك طيغموس بعساكره إلى ملاقاة الملك كفيد، وما زال الملك طيغموس سائرا بالعساكر والجيوش حتى قربوا من الملك كفيد، ثم نزل الملك طيغموس على واد يقال له وادي زهران، وهو في أطراف بلاد كابل. # ثم إن الملك طيغموس كتب كتابا وأرسله مع رسول من عسكره إلى الملك، مضمونه: «أما بعد، فالذي نعلم به الملك كفيد أنك ما فعلت إلا فعل الأوباش، ولو كنت ملكا ابن ملك ما فعلت ms1182 هذه الفعال، ولا كنت تجيء بلادي، وتنهب أموال الناس، وتفسق في رعيتي؛ أما علمت أن هذا كله جور منك، ولو علمت بأنك تتجارى على مملكتي لكنت أتيت قبل مجيئك بمدة، ومنعتك عن بلادي، ولكن إن رجعت وتركت الشر بيننا وبينك فبها نعمت، وإن لم ترجع فابرز إلي في حومة الميدان، وتجلد لدي في موقف الحرب والطعان.» ثم إنه ختم الكتاب وسلمه لرجل عامل من عسكره، وأرسل معه جواسيس يتجسسون له على الأخبار. ثم إن الرجل أخذ الكتاب وسار به حتى وصل إلى الملك كفيد، فلما قرب من مكانه رأى خياما منصوبة على بعد، وهي مصنوعة من الحرير الأطلس، ورأى رايات من الحرير الأزرق، ورأى بين الخيام خيمة عظيمة من الحرير الأحمر، وحول تلك الخيمة عسكر عظيم، وما زال سائرا حتى وصل إلى تلك الخيمة، فسأل عنها فقيل له: إنها خيمة الملك كفيد. فنظر الرجل إلى وسط الخيمة، فرأى الملك كفيد جالسا على كرسي مرصع بالجواهر، وعنده الوزراء والأمراء وأرباب الدولة؛ فلما رأى ذلك أظهر الكتاب في يده، فذهب إليه جماعة من عسكر الملك كفيد وأخذوا الكتاب منه، وأتوا به أمام الملك، فأخذه الملك، فلما قرأه وعرف معناه، كتب له جوابا مضمونه: «أما بعد، فالذي نعلم به الملك طيغموس أنه لا بد من أننا نأخذ الثأر، ونكشف العار، ونخرب الديار، ونهتك الأستار، ونقتل الكبار، ونأسر الصغار، وفي غد أبرز إلى القتال في الميدان حتى أريك الحرب والطعان.» ثم ختم الكتاب وسلمه لرسول الملك طيغموس، فأخذه وسار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 518 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك كفيد سلم جواب الكتاب الذي أرسله إليه الملك طيغموس لرسوله، فأخذه ورجع، فلما وصل إليه قبل الأرض بين يديه، ثم أعطاه الكتاب، وأخبره بما رآه، وقال له: يا ملك، إني رأيت فرسانا وأبطالا ورجالا لا يحصى لهم عدد، ولا ينقطع لهم مدد. فلما قرأ الكتاب وفهم معناه، غضب غضبا شديدا، وأمر وزيره عين زار أن يركب ومعه ms1183 ألف فارس، ويهجم على عسكر الملك كفيد في نصف الليل، وأن يخوضوا فيهم ويقتلوهم؛ فقال له الوزير عين زار: سمعا وطاعة. ثم ركب وركبت معه العساكر والجيوش، وساروا نحو الملك كفيد، وكان للملك كفيد وزير يقال له غطرفان، فأمره أن يركب ويأخذ معه خمسة آلاف فارس، ويذهب بهم إلى عسكر الملك طيغموس، ويهجموا عليهم ويقتلوهم، فركب الوزير غطرفان، وفعل ما أمره به الملك كفيد، وسار بالعسكر نحو الملك طيغموس، وما زالوا سائرين إلى نصف الليل حتى قطعوا نصف الطريق، فإذا الوزير غطرفان وقع في الوزير عين زار، فصاحت الرجال على الرجال، ووقع بنيهم شديد القتال، وما زال يقاتل بعضهم بعضا إلى وقت الصباح. # فلما أصبح الصباح، انهزمت عساكر الملك كفيد، وولوا هاربين إليه، فلما رأى ذلك غضب غضبا شديدا، وقال لهم: يا ويلكم، ما الذي أصابكم حتى فقدتم أبطالكم؟ فقالوا له: يا ملك الزمان، إنه لما ركب الوزير غطرفان، وسرنا نحو الملك طيغموس، لم نزل سائرين إلى أن نصفنا الليل، وقطعنا نصف الطريق، فقابلنا عين زار وزير الملك طيغموس، وأقبل علينا ومعه جيوش وأبطال، وكانت المقابلة بجنب وادي زهران، فما نشعر إلا ونحن في وسط العسكر، ووقعت العين على العين، وقاتلنا قتالا شديدا من نصف الليل إلى الصباح، وقد قتل خلق كثير، وصار الوزير عين زار يصيح في وجه الفيل ويضربه، فيجفل الفيل من شدة الضربة، ويدوس الفرسان، ويولي هاربا، وما بقي أحد ينظر أحدا من كثرة ما يطير من الغبار، وصار الدم يجري كالتيار، ولولا أننا أتينا هاربين لكنا قتلنا عن آخرنا. # فلما سمع الملك كفيد هذا الكلام، قال: لا باركت فيكم الشمس، بل غضبت عليكم غضبا شديدا. ثم إن الوزير عين زار رجع إلى الملك طيغموس، وأخبره بذلك، فهنأه الملك طيغموس بالسلامة، وفرح فرحا شديدا، وأمر بدق الكاسات، والنفخ في البوقات، ثم تفقد عسكره، فإذا هم قد قتل منهم مائتا فارس من الشجعان الشداد. ثم إن الملك كفيد هيأ عسكره وجنوده وجيوشه وأتى الميدان، واصطفوا صفا بعد صف، ms1184 فكملوا خمسة عشر صفا، كل صف عشرة آلاف فارس، وكان معه ثلاثمائة بهلوان يركبون على الأفيال، وقد انتخب الأبطال وصناديد الرجال، ونصب البيارق والرايات، ودقت الكاسات، ونفخ في البوقات، وبرز الأبطال طالبين القتال؛ وأما الملك طيغموس فإنه صف عسكره صفا بعد صف، فإذا هم عشرة صفوف، في كل صف عشرة آلاف فارس، وكان معه مائة بهلوان يركبون عن يمينه وشماله، ولما اصطفت الصفوف تقدم كل فارس موصوف، وتصادمت الجيوش، وضاق رحب الأرض عن الخيل، وضربت الطبول، وزمرت الزمور، ودقت الكاسات، ونفخ في البوقات، وصاح النفير، وصمت الآذان من صهيل الخيل في الميدان، وصاحت الرجال بأصواتهم، وانعقد الغبار على رءوسهم، واقتتلوا قتالا شديدا من أول النهار إلى أن أقبل الظلام، ثم افترقوا وذهبت العساكر إلى منازلهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 519 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العساكر افترقوا وذهبوا إلى منازلهم، فتفقد الملك كفيد عسكره، فإذا هم قد قتل منهم خمسة آلاف، فغضب غضبا شديدا، وتفقد الملك طيغموس عسكره فإذا هم قد قتل منهم ثلاثة آلاف فارس من خواص شجعانه، فلما رأى ذلك غضب غضبا شديدا. ثم إن الملك كفيد برز إلى الميدان ثانيا، وفعل كما فعل أول مرة، وكل واحد منهما يطلب النصر لنفسه، وصاح الملك كفيد على عسكره، وقال: هل فيكم من يبرز إلى الميدان، ويفتح لنا باب الحرب والطعان؟ فإذا بطل يقال له بركيك، قد أقبل راكبا على فيل، وكان بهلوانا عظيما، ثم تقدم ونزل من فوق ظهر الفيل، وقبل الأرض بين يدي الملك كفيد، واستأذنه في البراز، ثم ركب الفيل وساقه إلى الميدان، وصاح وقال: هل من مبارز؟ هل من مناجز؟ هل من مقاتل؟ فلما سمع ذلك الملك طيغموس التفت إلى عسكره، وقال لهم: من يبرز إلى هذا البطل منكم؟ فإذا فارس قد برز من بين الصفوف راكبا على جواد عظيم الخلقة، وسار حتى أقبل على الملك طيغموس، وقبل الأرض قدامه، واستأذنه في المبارزة، ثم توجه إلى بركيك، فلما أقبل ms1185 عليه قال له: من تكون أنت حتى تستهزأ بي، وتبرز إلي وحدك؟ وما اسمك؟ فقال له: اسمي غضنفر بن كمخيل. فقال له بركيك: كنت أسمع بك وأنا في بلادي، فدونك والقتال بين صفوف الأبطال. فلما سمع غضنفر كلامه سحب العود الحديد من تحت فخذه، وقد أخذ بركيك السيف في يده، وتقاتلا قتالا شديدا، ثم إن بركيك ضرب غضنفر بالسيف فأتت الضربة في خوذته، ولم يصبه منها ضرر، فلما رأى ذلك غضنفر، ضربه بالعود فاستوى لحمه بلحم الفيل، فأتاه شخص وقال له: من أنت حتى تقتل أخي؟ ثم أخذ نبلة في يده، وضرب بها غضنفر فأصابت فخذه، فسمرت الدرع فيه، فلما رأى ذلك غضنفر جرد السيف في يده، وضربه فقسمه نصفين، فنزل إلى الأرض يخور في دمه. # ثم إن غضنفر ولى هاربا نحو الملك طيغموس، فلما رأى ذلك الملك كفيد صاح على عسكره وقال لهم: انزلوا الميدان، وقاتلوا الفرسان. ونزل الملك طيغموس بعسكره وجيوشه، وقاتلوا قتالا شديدا وقد صهلت الخيل على الخيل، وصاحت الرجال على الرجال، وتجردت السيوف، وتقدم كل فارس موصوف، وحملت الفرسان على الفرسان، وفر الجبان من موقف الطعان، ودقت الكاسات، ونفخ في البوقات، فما تسمع الناس إلا ضجة صياح، وقعقعة سلاح، وهلك في ذلك الوقت من الأبطال من هلك، وما زالوا على هذا الحال إلى أن صارت الشمس في قبة الفلك. ثم إن الملك طيغموس انفرق بعسكره وجيوشه، وعاد لخيامه، وكذلك الملك كفيد. ثم إن الملك طيغموس تفقد رجاله فوجدهم قد قتل منهم خمسة آلاف فارس، وانكسرت منهم أربعة بيارق، فلما علم الملك طيغموس ذلك غضب غضبا شديدا؛ وأما الملك كفيد فإنه تفقد عسكره فوجدهم قد قتل منهم ستمائة فارس من خواص شجعانه، وانكسرت منهم تسعة بيارق، ثم ارتفع القتال من بينهم مدة ثلاثة أيام، وبعد ذلك كتب الملك كفيد كتابا، وأرسله مع رسول من عسكره إلى ملك يقال له فاقون الكلب، فذهب الرسول إليه، وكان كفيد يدعي أنه قريبه من جهة أمه. فلما علم الملك فاقون بذلك ms1186 جمع عسكره وجيوشه، وتوجه إلى الملك كفيد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 520 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك فاقون جمع عساكره وجيوشه، وتوجه إلى الملك كفيد، فبينما الملك طيغموس جالس في حظه إذ أتاه شخص، وقال له: إني رأيت غبرة ثائرة على بعد قد ارتفعت إلى الجو، فأمر الملك طيغموس جماعة من عسكره أن يكشفوا عن خبر تلك الغبرة، فقالوا: سمعا وطاعة. ثم ذهبوا ورجعوا وقالوا: أيها الملك، قد رأينا الغبرة وبعد ساعة ضربها الهواء وقطعها، وبان من تحتها بيارق، تحت كل بريق ثلاثة آلاف فارس، وساروا إلى ناحية الملك كفيد. ولما وصل الملك فاقون الكلب إلى الملك كفيد، سلم عليه وقال له: ما خبرك؟ وما هذا القتال الذي أنت فيه؟ فقال له الملك كفيد: أما تعلم أن الملك طيغموس عدوي وقاتل إخوتي وأبي؟ وأنا قد جئته لأقاتله، وآخذ بثأري منه. فقال الملك فاقون: باركت الشمس فيك. ثم إن الملك كفيد أخذ الملك فاقون الكلب وذهب به إلى خيمته، وفرح فرحا شديدا. هذا ما كان من أمر الملك طيغموس والملك كفيد. ### || حكاية جانشاه ابن الملك طيغموس # وأما ما كان من أمر الملك جانشاه، فإنه استمر شهرين وهو لم ينظر أباه، ولم يأذن بالدخول عليه لأحد من الجواري اللاتي كن في خدمته، فحصل له بذلك قلق عظيم، فقال لبعض أتباعه: ما خبر أبي حتى إنه لم يأتني؟ فأخبروه بما جرى لأبيه مع الملك كفيد، فقال: ائتوني بجوادي حتى أذهب إلى أبي. فقالوا له: سمعا وطاعة. وأتوه بالجواد، فلما حضر جواده قال في نفسه: أنا مشغول بنفسي، فالرأي أن آخذ فرسي وأسير إلى مدينة اليهود، وإذا وصلت إليها يهون الله علي بذلك التاجر الذي استأجرني للعمل، لعله يفعل بي مثل ما فعل أول مرة، وما يدري أحد أين تكون الخيرة! ثم إنه ركب وأخذ معه ألف فارس، وسار حتى صار الناس يقولون: إن جانشاه ذاهب إلى أبيه ليقاتل معه. وما زالوا سائرين إلى وقت المساء، ms1187 ثم نزلوا في مرج عظيم، وباتوا بذلك المرج، فلما ناموا، وعلم جانشاه أن عسكره ناموا كلهم، قام في خفية وشد وسطه، وركب جواده، وسار إلى طريق بغداد؛ لأنه كان سمع من اليهود أنه تأتيهم في كل سنتين قافلة من بغداد، وقال في نفسه: إذا وصلت إلى بغداد أسير مع القافلة حتى أصل إلى مدينة اليهود. وصممت نفسه على ذلك، وسار إلى حال سبيله، فلما استيقظ العساكر من نومهم، ولم يروا جانشاه ولا جواده، ركبوا وساروا يفتشون على جانشاه يمينا وشمالا، فلم يجدوا له خبرا، فرجعوا إلى أبيه وأعلموه بما فعل ابنه؛ فغضب غضبا شديدا، وكاد الشرار يطلع من فيه، ورمى بتاجه من فوق رأسه، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قد فقدت ولدي والعدو قبالتي. فقال له الملوك والوزراء: اصبر يا ملك الزمان، فما بعد الصبر إلا الخير. ثم إن جانشاه صار من أجل أبيه وفراق محبوبته حزينا مهموما، جريح القلب، قريح العين، سهران الليل والنهار. وأما أبوه فإنه لما علم بفقد جميع عساكره وجيوشه، رجع عن حرب عدوه، وتوجه إلى مدينته، ودخلها وغلق أبوابها، وحصن أسوارها، وصار هاربا من الملك كفيد، وصار كفيد في كل شهر يجيء المدينة طالبا القتال والخصام، ويقعد عليها سبع ليال وثمانية أيام، وبعد ذلك يأخذ عسكره ويرجع بهم إلى الخيام ليداووا المجروحين من الرجال. فأما أهل مدينة الملك طيغموس، فإنهم عند انصراف العدو عنهم يشتغلون بإصلاح السلاح، وتحصين الأسوار، وتهيئة المنجنيقات، ومكث الملك طيغموس والملك كفيد على هذه الحالة سبع سنين، والحرب مستمرة بينهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 521 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك طيغموس مكث هو والملك كفيد على هذه الحالة سبع سنين. هذا ما كان من أمرهما، وأما ما كان من أمر جانشاه، فإنه لم يزل سائرا يقطع البراري والقفار، وكلما وصل إلى بلد من البلاد، سأل عن قلعة جوهر تكني، فلم يخبره أحد بها، وإنما يقولون له: إننا لم نسمع بهذا الاسم ms1188 أصلا. ثم إنه سأل عن مدينة اليهود، فأخبره رجل من التجار أنها في أطراف بلاد المشرق، وقال له: في هذا الشهر، سر معنا إلى مدينة مزرقان وهي في الهند، ومن تلك المدينة نذهب إلى خراسان، ثم نسافر من هناك إلى مدينة شمعون، ومنها إلى خوارزم، وتبقى مدينة اليهود قريبة من خوارزم، فإن بينها وبينها مسافة سنة وثلاثة أشهر، فصبر جانشاه حتى سافرت القافلة، وسافر معها إلى أن وصل إلى مدينة مزرقان، ولما دخل تلك المدينة صار يسأل عن قلعة جوهر تكني فلم يخبره بها أحد، وسافرت القافلة وسافر معها إلى الهند، ودخل المدينة وسأل عن قلعة جوهر تكني، فلم يخبره بها أحد، وقالوا له: ما سمعنا بهذا الاسم أصلا. وقاسى في الطريق شدة عظيمة، وأهوالا صعبة، وجوعا وعطشا. # ثم سافر من الهند ولم يزل مسافرا حتى وصل إلى بلاد خراسان، وانتهى إلى مدينة شمعون، ودخلها وسأل عن مدينة اليهود، فأخبروه عنها ووصفوا له طريقها، فسافر أياما وليالي حتى وصل إلى المكان الذي هرب فيه من القردة، ثم مشى أياما وليالي حتى وصل إلى النهر الذي بجانب مدينة اليهود، وجلس على شاطئه، وصبر إلى يوم السبت حتى نشف بقدرة الله تعالى، فعدى منه وذهب إلى بيت اليهودي الذي كان فيه أول مرة، فسلم عليه هو وأهل بيته؛ ففرحوا به وأتوه بالأكل والشرب، ثم قالوا له: أين كانت غيبتك؟ فقال لهم: في ملك الله تعالى. ثم بات تلك الليلة عندهم، ولما كان الغد دار في المدينة يتفرج، فرأى مناديا ينادي ويقول: يا معاشر الناس، من يأخذ ألف دينار وجارية حسنة، ويعمل عندنا شغل نصف يوم؟ فقال جانشاه: أنا أعمل هذا الشغل. فقال له المنادي: اتبعني. فتبعه حتى وصل إلى بيت اليهودي التاجر الذي وصل إليه أول مرة، ثم قال المنادي لصاحب البيت: إن هذا الولد يعمل الشغل الذي تريد. فرحب به التاجر، وقال له: مرحبا بك، وأخذه ودخل به إلى الحريم، وأتاه بالأكل والشرب، فأكل جانشاه وشرب. ثم إن التاجر قدم له ms1189 الدنانير والجارية الحسنة، وبات معها تلك الليلة، ولما أصبح الصباح أخذ الدنانير والجارية وسلمها لليهودي الذي بات في بيته أول مرة، ثم رجع إلى التاجر صاحب الشغل، فركب معه وسارا حتى وصلا إلى جبل عال شاهق في العلو. # ثم إن التاجر أخرج حبلا وسكينا وقال لجانشاه: ارم هذه الفرس على الأرض. فرماها وكتفها بالحبل، وذبحها وسلخها، وقطع قوائمها ورأسها، وشق بطنها كما أمره التاجر، ثم قال التاجر لجانشاه: ادخل بطن هذا الفرس حتى أخيطه عليك، ومهما رأيته فيه فقل لي عليه، فهذا الشغل الذي أخذت أجرته. فدخل جانشاه بطن الفرس وخاطه عليه التاجر، ثم ذهب إلى محل بعيد عن الفرس واختفى فيه، وبعد ساعة أقبل طير عظيم ونزل من الجو، وخطف الفرس، وارتفع بها إلى عنان السماء، ثم نزل على رأس الجبل، فلما استقر على رأس الجبل أراد أن يأكل الفرس، فلما أحس به جانشاه شق بطن الفرس وخرج، فجفل الطير منه وطار إلى حال سبيله، فطلع جانشاه ونظر إلى التاجر، فرآه واقفا تحت الجبل مثل العصفور، فقال له: ما تريد أيها التاجر؟ فقال له: ارم لي بشيء من هذه الحجارة التي حواليك حتى أدلك على الطريق التي تنزل منها. فقال جانشاه: أنت الذي فعلت بي كيت وكيت من مدة خمس سنين، وقد قاسيت جوعا وعطشا، وحصل لي تعب عظيم، وشر كثير، وها أنت عدت بي إلى هذا المكان، وأردت هلاكي، والله لا أرمي لك بشيء. ثم إن جانشاه سار وقصد الطريق التي توصل إلى الشيخ نصر ملك الطيور. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 522 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه سار وقصد الطريق التي توصل إلى الشيخ نصر ملك الطيور، ولم يزل سائرا أياما وليالي وهو باكي العين، حزين القلب، وإذا جاع يأكل من نبات الأرض، وإذا عطش يشرب من أنهارها، حتى وصل إلى قصر السيد سليمان، فرأى الشيخ نصر جالسا على باب القصر، فأقبل عليه وقبل يديه، فرحب به الشيخ وسلم عليه، ms1190 ثم قال له: يا ولدي، ما خبرك حتى جئت هذا المكان؟ وكنت قد توجهت من هنا مع السيدة شمسة، وأنت قرير العين، منشرح الصدر. فبكى جانشاه، وحكى له ما جرى من السيدة شمسة لما طارت، وقالت له: إن كنت تحبني تعال عندي في قلعة جوهر تكني. فتعجب الشيخ نصر من ذلك، وقال: والله يا ولدي ما أعرفها وحق السيد سليمان، ولا سمعت بهذا الاسم طول عمري. فقال جانشاه: كيف أعمل وقد مت من العشق والغرام؟ فقال له الشيخ نصر: اصبر حتى تأتي الطيور، ونسألهم عن قلعة جوهر تكني؛ لعل أحدا منهم يعرفها. فاطمأن قلب جانشاه، ودخل القصر، وذهب إلى المقصورة المشتملة على البحيرة التي رأى فيها البنات الثلاث، ومكث عند الشيخ نصر مدة من الزمان. # فبينما هو جالس على عادته، إذ قال له الشيخ نصر: يا ولدي، إنه قد قرب مجيء الطير. ففرح جانشاه بذلك الخبر، ولم تمض إلا أيام قلائل حتى أقبلت الطيور، فجاء الشيخ جانشاه، وقال له: يا ولدي، تعلم هذه الأسماء وأقبل على الطيور. فجاءت وسلمت على الشيخ نصر نوعا بعد نوع، ثم سألها عن قلعة جوهر تكني، فقال كل منها: ما سمعت بهذه القلعة طول عمري. فبكى جانشاه، وتحسر ووقع مغشيا عليه، فطلب الشيخ نصر طيرا عظيما، وقال له: أوصل هذا الشاب إلى بلاد كابل. ووصف له البلاد وطريقها، فقال له: سمعا وطاعة. ثم ركب جانشاه على ظهره، وقال له: احترس على نفسك، وإياك أن تميل فتتقطع في الهواء، وسد أذنيك من الريح؛ لئلا يضرك جري الأفلاك، ودوي البحار. فقبل جانشاه ما قاله الشيخ نصر، ثم اقتلع الطير، وعلا به إلى الجو، وسار به يوما وليلة، ثم نزل به عند ملك الوحوش، واسمه شاه بدري، فقال الطير لجانشاه: قد تهنا عن البلاد التي وصفها لنا الشيخ نصر. وأراد أن يأخذ جانشاه ويطير به، فقال له جانشاه: اذهب إلى حال سبيلك، واتركني في هذه الأرض حتى أموت فيها، أو أصل إلى بلادي. فتركه الطير عند ملك الوحوش ms1191 شاه بدري، وذهب إلى حال سبيله. ثم إن شاه بدري سأله وقال له: يا ولدي، من أنت؟ ومن أين أقبلت مع هذا الطير العظيم؟ وما حكايتك؟ فحكى له جميع ما جرى له من الأول إلى الآخر، فتعجب ملك الوحوش من حكايته، وقال له: وحق السيد سليمان إني ما أعرف هذه القلعة، وكل من دلنا عليها نكرمه، ونرسلك إليها. فبكى جانشاه بكاء شديدا، وصبر مدة قليلة، وبعدها أتاه ملك الوحوش وهو شاه بدري، وقال له: قم يا ولدي، وخذ هذه الألواح، واحفظ الذي فيها، وإذا أتت الوحوش نسألها عن تلك القلعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 523 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شاه بدري ملك الوحوش قال لجانشاه: احفظ ما في هذه الألواح، وإذا جاءت الوحوش نسألها عن تلك القلعة، فما مضى غير ساعة حتى أقبلت الوحوش نوعا بعد نوع، وصاروا يسلمون على الملك شاه بدري، ثم إنه سألهم عن قلعة جوهر تكني، فقالوا له جميعا: ما نعرف هذه القلعة، ولا سمعنا بها. فبكى جانشاه، وتأسف على عدم ذهابه مع الطير الذي أتى به من عند الشيخ نصر، فقال له ملك الوحوش: يا ولدي، لا تحمل هما، إن لي أخا أكبر مني يقال له الملك شماخ، وكان أسيرا عند السيد سليمان؛ لأنه كان عاصيا عليه، وليس أحد من الجن أكبر منه هو والشيخ نصر، فلعله يعرف هذه القلعة، وهو يحكم على الجان الذين في هذه البلاد. ثم ركبه ملك الوحوش على ظهر وحش منها، وأرسل معه كتابا إلى أخيه بالوصية عليه، ثم إن ذلك الوحش سار من وقته وساعته، ولم يزل سائرا بجانشاه أياما وليالي حتى وصل إلى الملك شماخ، فوقف ذلك الوحش في مكان وحده بعيدا عن الملك، ثم نزل جانشاه من فوق ظهره، وصار يتمشى حتى وصل إلى حضرة الملك شماخ، فقبل يديه وناوله الكتاب، فقرأه وعرف معناه، ورحب به وقال له: والله يا ولدي إن هذه القلعة عمري ما سمعت بها، ولا ms1192 رأيتها. فبكى جانشاه وتحسر، فقال له الملك شمساخ: احك لي حكايتك، وأخبرني من أنت، ومن أين أتيت، وإلى أين تذهب؟ فأخبره بجميع ما جرى له من الأول إلى الآخر، فتعجب شماخ من ذلك، وقال له: يا ولدي، ما أظن أن السيد سليمان في عمره سمع بهذه القلعة ولا رآها، ولكن يا ولدي أنا أعرف راهبا في الجبل وهو كبير في العمر، وقد أطاعته جميع الطيور والوحوش والجان من كثرة أقسامه؛ لأنه ما زال يتلو الأقسام على ملوك الجن حتى أطاعوه قهرا عنهم من شدة تلك الأقسام والسحر الذي عنده، وجميع الطيور والوحوش تسير إلى خدمته، وها أنا قد كنت عصيت السيد سليمان فهو أسرني عنده، وما غلبني سوى هذا الراهب من شدة مكره وأقسامه وسحره، وقد بقيت في خدمته، واعلم أنه ساح في جميع البلاد والأقاليم، وعرف الطرق والجهات والأماكن والقلاع والمدائن، وما أظن أنه يخفى عليه مكان؛ فأنا أرسلك إليه لعله يدلك على هذه القلعة، وإن لم يدللك هو عليها فما يدلك عليها أحد؛ لأنه قد أطاعته الطيور والوحوش والجان، وكلهم يأتونه، ومن شدة سحره قد اصطنع له عكازة ثلاث قطع، فيغرزها في الأرض ويتلو القسم على القطعة الأولى من العكازة، فيخرج منها لحم، ويخرج منها دم، ويتلو القسم على القطعة الثانية فيخرج منها لبن، ويتلو القسم على القطعة الثالثة فيخرج منها قمح وشعير، وبعد ذلك يخرج العكازة من الأرض، ثم يذهب إلى ديره، وديره يسمى دير الماس، وهذا الراهب الكاهن يخرج من يده اختراع كل صنعة غريبة، وهو ساحر كاهن ماكر مخادع خبيث، واسمه يغموس، وقد حوى جميع الأقسام والعزائم، ولا بد من أن أرسلك إليه مع طير عظيم له أربعة أجنحة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 524 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شماخ قال لجانشاه: ولا بد من أن أرسلك إلى الراهب مع طير عظيم له أربعة أجنحة. ثم ركبه على ظهر طير عظيم له أربعة أجنحة، طول كل جناح ms1193 منها ثلاثون ذراعا بالهاشمي، وله أرجل مثل أرجل الفيل، لكنه لا يطير في السنة إلا مرتين، وكان عند الملك شماخ عون يقال له طمشون، كل يوم يختطف لهذا الطير بخنيتين من بلاد العراق، ويفسخهما له ليأكلهما، فلما ركب جانشاه على ظهر ذلك الطير، أمره شماخ أن يوصله إلى الراهب يغموس. فأخذه على ظهره، وسار به ليالي وأياما حتى وصل إلى جبل القلع ودير الماس، فنزل جانشاه عند ذلك الدير، فرأى يغموس الراهب داخل الكنيسة وهو يتعبد فيها، فتقدم جانشاه إليه، وقبل الأرض، ووقف بين يديه، فلما رآه الراهب قال له: مرحبا بك يا ولدي، يا غريب الديار، وبعيد المزار، أخبرني ما سبب مجيئك هذا المكان. فبكى جانشاه، وحكى له حكايته من الأول إلى الآخر؛ فلما سمع الراهب الحكاية تعجب منها غاية العجب، وقال له: والله يا ولدي عمري ما سمعت بهذه القلعة، ولا رأيت من سمع بها أو رآها، مع أني كنت موجودا على عهد نوح نبي الله، وحكمت من عهد نوح إلى زمن السيد سليمان بن داود على الوحوش والطيور والجن، وما أظن أن سليمان سمع بهذه القلعة، ولكن اصبر يا ولدي حتى تأتي الطيور والوحوش، وعون الجان، وأسألهم لعل أحدا منهم يخبرنا بها، ويأتينا بخبر عنها، ويهون الله تعالى عليك. # فقعد جانشاه مدة من الزمان عند الراهب، فبينما هو قاعد إذ أقبلت عليه الطيور والوحوش والجان أجمعون، وصار جانشاه والراهب يسألونهم عن قلعة جوهر تكني، فما أحد منهم قال أنا رأيتها أو سمعت بها، بل كان كل منهم يقول: لا رأيت هذه القلعة، ولا سمعت بها. فصار جانشاه يبكي وينوح ويتضرع إلى الله تعالى، وبينما هو كذلك إذا بطير قد أقبل آخر الطيور، وهو أسود اللون، عظيم الخلقة، ولما نزل من أعلى الجو جاء وقبل يدي الراهب، فسأله الراهب عن قلعة جوهر تكني، فقال له الطير: أيها الراهب، إننا كنا ساكنين خلف قاف بجبل البلور في بر عظيم، وكنت أنا وإخوتي فراخا صغارا، وأبي وأمي كانا يسرحان في ms1194 كل يوم يجيئان برزقنا، فاتفق أنهما سرحا يوما من الأيام، وغابا عنا سبعة أيام، فاشتد علينا الجوع، ثم أتيا في اليوم الثامن وهما يبكيان، فقلنا لهما: ما سبب غيابكما عنا؟ فقالا: إنه خرج علينا مارد فخطفنا، وذهب بنا إلى قلعة جوهر تكني، وأوصلنا إلى الملك شهلان، فلما رآنا الملك شهلان أراد قتلنا، فقلنا له: إن وراءنا فراخا صغارا، فأعتقنا من القتل. ولو كان أبي وأمي في قيد الحياة لكانا أخبراكم عن القلعة. فلما سمع جانشاه هذا الكلام بكى بكاء شديدا، وقال للراهب: أريد منك أن تأمر هذا الطير أن يوصلني إلى نحو وكر أبيه وأمه في جبل البلور خلف جبل قاف. فقال الراهب للطير: أيها الطير، أريد منك أن تطيع هذا الولد في جميع ما يأمرك به. فقال الطير للراهب: سمعا وطاعة لما تقول. ثم إن ذلك الطير أركب جانشاه على ظهره وطار، ولم يزل طائرا به أياما وليالي حتى أقبل على جبل البلور، ثم نزل به هناك، ومكث برهة من الزمان، ثم أركبه على ظهره وطار، ولم يزل طائرا به مدة يومين حتى وصل إلى الأرض التي فيها الوكر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 525 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الطير لم يزل طائرا بجانشاه مدة يومين حتى وصل به إلى الأرض التي فيها الوكر، ونزل به هناك، ثم قال له: يا جانشاه، هذا الوكر الذي كنا فيه. فبكى جانشاه بكاء شديدا، وقال للطير: أريد منك أن تحملني وتوصلني إلى الناحية التي كان أبوك وأمك يذهبان إليها ويجيئان منها بالرزق. فقال له الطير: سمعا وطاعة يا جانشاه. ثم حمله وطار به، ولم يزل طائرا سبع ليال وثمانية أيام حتى وصل به إلى جبل عال، ثم أنزله من فوق ظهره، وقال له: ما بقيت أعرف وراء هذا المكان أرضا. فغلب على جانشاه النوم، فنام في رأس ذلك الجبل، فلما أفاق من النوم رأى بريقا على بعد يملأ نوره الجو، فصار متحيرا في نفسه من ms1195 ذلك اللمعان والبريق، ولم يدر أنه لمعان القلعة التي هو يفتش عليها، وكان بينه وبينها مسيرة شهرين، وهي مبنية من الياقوت الأحمر، وبيوتها من الذهب الأصفر، ولها ألف برج مبنية من المعادن النفيسة التي تخرج من بحر الظلمات؛ ولهذا سميت قلعة جوهر تكني؛ لأنها من نفس الجواهر والمعادن، وكانت قلعة عظيمة، واسم ملكها شهلان، وهو أبو البنات الثلاث. # هذا ما كان من أمر جانشاه، وأما ما كان من أمر السيدة شمسة، فإنها لما هربت من عند جانشاه، وراحت عند أبيها وأمها وأهلها، أخبرتهم بما جرى لها مع جانشاه، وحكت لهم حكايته، وأعلمتهم أنه ساح في الأرض ورأى العجائب، وعرفتهم بمحبته لها ومحبتها له، وبما وقع بينهما. فلما سمع أبوها وأمها منها ذلك الكلام قالا لها: ما يحل لك من الله أن تفعلي معه هذا الأمر. ثم إن أباها حكى هذه المسألة لأعوانه من مردة الجان، وقال لهم: كل من رأى منكم إنسيا فليأتني به. وكانت السيدة شمسة أخبرت أمها أن جانشاه مغرم بها، وقالت لها: ولا بد من أنه يأتينا؛ لأني لما طرت من فوق قصر أبيه قلت له: إن كنت تحبني فتعال في قلعة جوهر تكني. # ثم إن جانشاه لما رأى ذلك البريق واللمعان قصد نحوه ليعرف ما هو، وكانت السيدة شمسة قد أرسلت عونا من الأعوان في شغل بناحية جبل قرموس، فبينما ذلك العون سائر إذ هو ينظر من بعيد شخص إنسي، فلما رآه أقبل نحوه وسلم عليه، فخاف جانشاه من ذلك العون، ولكنه رد عليه السلام، فقال له العون: ما اسمك؟ فقال له: اسمي جانشاه، وكنت قبضت على جنية اسمها السيدة شمسة؛ لأني تعلقت بحسنها وجمالها، وكنت أحبها محبة عظيمة، ثم إنها هربت مني بعد دخولها في قصر والدي. وحكى له جميع ما جرى له معها، وصار جانشاه يكلم المارد وهو يبكي، فلما نظر العون إلى جانشاه وهو يبكي أحرق قلبه، وقال له: لا تبك، فإنك قد وصلت إلى مرادك، واعلم أنها تحبك محبة عظيمة، وقد أعلمت ms1196 أباها وأمها بمحبتك لها، وكل من في القلعة يحبك لأجلها، فطب نفسا، وقر عينا. ثم إن المارد حمله على كاهليه، وسار به حتى وصل إلى قلعة جوهر تكني، وذهب المبشرون إلى الملك شهلان وإلى السيدة شمسة وإلى أمها، يبشرونهم بمجيء جانشاه، ولما جاءتهم البشائر بذلك فرحوا فرحا عظيما. ثم إن الملك شهلان أمر جميع الأعوان أن يلاقوا جانشاه، وركب هو وجميع الأعوان والعفاريت والمردة إلى ملاقاة جانشاه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 526 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهلان ركب هو وجميع الأعوان والعفاريت والمردة إلى ملاقاة جانشاه، فلما أقبل الملك أبو السيدة شمسة على جانشاه عانقه، ثم إن جانشاه قبل يدي الملك شهلان، وأمر له الملك بخلعة عظيمة من الحرير مختلفة الألوان، مطرزة بالذهب، مرصعة بالجوهر، ثم ألبسه التاج الذي ما رأى مثله أحد من ملوك الإنس، ثم أمر له بفرس عظيمة من خيل ملوك الجان، فركبها ثم ركب والأعوان عن يمينه وشماله، وسار هو والملك في موكب عظيم حتى أتوا باب القصر، فنزل الملك ونزل جانشاه في ذلك القصر، فرآه قصرا عظيما، حيطانه مبنية بالجواهر واليواقيت ونفيس المعدن، وأما البلور والزبرجد والزمرد فمرصع في الأرض؛ فصار يتعجب من ذلك ويبكي، والملك وأم السيدة شمسة يمسحان دموعه ويقولان له: قلل من البكاء ولا تحمل هما، واعلم أنك قد وصلت إلى مرادك. ثم إنه لما وصل إلى وسط المكان، لاقته الجواري الحسان والعبيد والغلمان، وأجلسوه في أحسن مكان ووقفوا في خدمته، وهو متحير في حسن ذلك المكان وحيطانه التي بنيت من جميع المعادن ونفيس الجواهر. # وانصرف الملك شهلان إلى محل جلوسه وأمر الجواري والغلمان أن يأتوه بجانشاه ليجلس عنده، فأخذوه ودخلوا به عليه، فقام الملك إليه وأجلسه على تخته بجانبه، ثم إنهم أتوا بالسماط، فأكلوا وشربوا، ثم غسلوا أيديهم، وبعد ذلك أقبلت عليه أم السيدة شمسة، فسلمت عليه ورحبت به، وقالت له: قد بلغت المقصود بعد التعب، ونامت عينك بعد السهر، والحمد لله ms1197 على سلامتك. ثم ذهبت من وقتها إلى بنتها السيدة شمسة، فأتت بها جانشاه؛ فلما أقبلت عليه السيدة شمسة سلمت عليه وقبلت يديه، وأطرقت برأسها خجلا منه، ومن أمها وأبيها، وأتى إخوتها الذين كانوا معها في القصر، وقبلوا يديه وسلموا عليه، ثم إن السيدة أم شمسة قالت له: مرحبا يا ولدي، ولكن بنتي شمسة قد أخطأت في حقك، ولا تؤاخذها بما فعلت معك لأجلنا. فلما سمع جانشاه منها ذلك الكلام صاح ووقع مغشيا عليه، فتعجب الملك منه. ثم إنهم رشوا وجهه بماء الورد الممزوج بالمسك والزباد، فأفاق ونظر إلى السيدة شمسة، وقال: الحمد لله الذي بلغني مرادي، وأطفأ ناري، حتى لم يبق في قلبي نار. فقالت له السيدة شمسة: سلامتك من النار، ولكن يا جانشاه أريد أن تحكي لي على ما جرى لك بعد فراقي، وكيف أتيت هذا المكان؟ مع أن أكثر الجان لا يعرفون قلعة جوهر تكني، ونحن عاصون على جميع الملوك، وما أحد عرف طريق هذا المكان، ولا سمع به. فأخبرها بجميع ما جرى له، وكيف أتى، وأعلمهم بما جرى لأبيه مع الملك كفيد، وأخبرهم بما قاساه في الطريق، وما رآه من الأهوال والعجائب، وقال لها: كل هذا من أجلك يا سيدتي شمسة. فقالت له أمها: قد بلغت المراد، والسيدة شمسة جارية نهديها إليك. فلما سمع ذلك جانشاه فرح فرحا شديدا، فقالت له: بعد ذلك إن شاء الله تعالى في الشهر القابل ننصب الفرح، ونعمل العرس ونزوجك بها، ثم تذهب بها إلى بلادك، ونعطيك ألف مارد من الأعوان، لو أذنت لأقل من فيهم أن يقتل الملك كفيد هو وقومه لفعل ذلك في لحظة، وفي كل عام نرسل إليك قوما، إذا أمرت واحدا منهم بإهلاك أعدائك جميعا أهلكهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 527 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أم السيدة شمسة قالت له: وفي كل عام نرسل إليك قوما إذا أمرت واحدا منهم بإهلاك أعدائك جميعا، أهلكهم عن آخرهم. ثم إن الملك شهلان ms1198 جلس فوق التخت، وأمر أرباب الدولة أن يعملوا فرحا عظيما، ويزينوا المدينة سبعة أيام ولياليها، فقالوا: سمعا وطاعة. ثم ذهبوا في ذلك الوقت، وأخذوا في تجهيز الأهبة للفرح، ومكثوا في التجهيز مدة شهرين، وبعد ذلك عملوا عرسا عظيما للسيدة شمسة حتى صار فرحا عظيما لم يكن مثله، ثم أدخلوا جانشاه على السيدة، واستمر معها مدة سنتين في ألذ عيش وأهناه، وأكل وشرب، ثم بعد ذلك قال للسيدة شمسة: إن أباك قد وعدنا بالذهاب، وأن نقعد هناك سنة، وهنا سنة. فقالت السيدة شمسة: سمعا وطاعة. ولما أمسى المساء دخلت على أبيها، وذكرت له ما قاله جانشاه، فقال لها: سمعا وطاعة. ولكن اصبرا إلى أول الشهر حتى نجهز لكما الأعوان، فأخبرت جانشاه بما قاله أبوها، وصبر المدة التي عينها، وبعد ذلك أذن الملك شهلان للأعوان أن يخرجوا في خدمة السيدة شمسة وجانشاه، حتى يوصلوهما إلى بلاد جانشاه، وقد جهز لهما تختا عظيما من الذهب الأحمر مرصعا بالدر والجوهر، فوقه خيمة من الحرير الأخضر، منقوشة بسائر الألوان، مرصعة بنفيس الجواهر، يحار في حسنها الناظر، فطلع جانشاه هو والسيدة شمسة فوق ذلك التخت، ثم انتخب من الأعوان أربعة ليحملوا ذلك التخت، فحملوه وصار كل واحد منهم في جهة من جهاته، وجانشاه والسيدة شمسة فوقه. # ثم إن السيدة شمسة ودعت أمها وأباها وإخوتها وأهلها، وقد ركب أبوها وسار مع جانشاه، وسارت الأعوان بذلك التخت، ولم يزل الملك شهلان سائرا معهم إلى وسط النهار، ثم حطت الأعوان ذلك التخت، ونزلوا وودعوا بعضهم، وصار الملك شهلان يوصي جانشاه على السيدة شمسة، ويوصي الأعوان عليهما، ثم أمر الأعوان أن يحملوا التخت، فودعت السيدة شمسة أباها، وكذلك ودعه جانشاه، وسارا ورجع أبوها، وكان أبوها قد أعطاها ثلاثمائة جارية من السراري الحسان، وأعطى جانشاه ثلاثمائة مملوك من أولاد الجان، ثم إنهم ساروا من ذلك الوقت بعد أن طلعوا جميعهم على ذلك التخت، والأعوان الأربعة قد حملته، وطارت به بين السماء والأرض، وصاروا يسيرون في كل يوم مسيرة ثلاثين شهرا، ولم ms1199 يزالوا سائرين على هذه الحالة مدة عشرة أيام، وكان في الأعوان عون يعرف بلاد كابل، فلما رآها أمرهم أن ينزلوا على المدينة الكبيرة في تلك البلاد، وكانت تلك المدينة مدينة الملك طيغموس، فنزلوا عليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 528 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأعوان نزلوا على مدينة الملك طيغموس، ومعهم جانشاه والسيدة شمسة، وكان الملك طيغموس قد انهزم من الأعداء، وهرب في مدينة، وصار في حصر عظيم، وضيق عليه الملك كفيد، وطلب الأمان من الملك كفيد فلم يؤمنه؛ فلما علم الملك طيغموس أنه لم يبق له حيلة في الخلاص من الملك كفيد، أراد أن يخنق روحه حتى يموت ويستريح من ذلك الهم والحزن، وقاد وودع الوزراء والأمراء ودخل بيته ليودع الحريم، وصار أهل مملكته في بكاء ونواح وعزاء وصياح. فبينما هو في ذلك الأمر إذا بالأعوان قد أقبلوا على القصر الذي في داخل القلعة، وأمرهم جانشاه أن ينزلوا بالتخت في وسط الديوان؛ ففعلوا ما أمرهم به جانشاه، ونزلت السيدة شمسة مع جانشاه والجواري والمماليك، فرأوا جميع أهل المدينة في حصر وضيق وكرب عظيم؛ فقال جانشاه للسيدة شمسة: يا حبيبة قلبي وقرة عيني، انظري إلى أبي، كيف هو في أسوأ حال. فلما رأت السيدة شمسة أباه وأهل مملكته في ذلك الحال، أمرت الأعوان أن يضربوا العسكر الذين حاصروهم ضربا شديدا ويقتلوهم، وقالت للأعوان: لا تبقوا منهم أحدا. ثم إن جانشاه أومأ إلى عون من الأعوان شديد البأس اسمه قراطش، وأمره أن يجيء بالملك كفيد مقيدا، ثم إن الأعوان ساروا إليه، وأخذوا ذلك التخت معهم، وما زالوا سائرين حتى حطوا التخت فوق الأرض، ونصبوا الخيمة على التخت، وصبروا إلى نصف الليل، ثم هجموا على الملك كفيد وعساكره، وساروا يقتلونهم، وصار الواحد يأخذ عشرة أو ثمانية، وهم على ظهر الفيل، ويطير بهم إلى الجو، ثم يبقيهم فيتمزقون في الهواء، وكان بعض الأعوان يضرب العساكر بالعمد الحديد. ثم إن العون الذي اسمه قراطش ذهب من وقته ms1200 إلى خيمة الملك كفيد، فهجم عليه وهو جالس فوق السرير، وأخذه وطار به إلى الجو، فزعق من هيبة ذلك العون، ولم يزل طائرا به حتى وضعه على التخت قدام جانشاه، فأمر الأعوان أن يقتلعوا التخت وينصبوه في الهواء، فلم ينتبه الملك كفيد إلا وقد رأى نفسه ما بين السماء والأرض، فصار يلطم وجهه ويتعجب من ذلك. # هذا ما كان من أمر الملك كفيد، وأما ما كان من أمر الملك طيغموس، فإنه لما رأى ابنه كاد يموت من شدة الفرح، وصاح صيحة عظيمة، ووقع مغمى عليه، فرشوا وجهه بماء الورد، فلما أفاق تعانق هو وابنه، وبكيا بكاء شديدا، ولم يعلم الملك طيغموس بأن الأعوان في قتال الملك كفيد، وبعد ذلك قامت السيدة شمسة، وتمشت حتى وصلت إلى الملك طيغموس أبي جانشاه، وقبلت يديه وقالت له: يا سيدي، اصعد إلى أعلى القصر، وتفرج على قتال أعوان أبي. فصعد الملك أعلى القصر، وجلس هو والسيدة شمسة يتفرجان على الأعوان؛ وذلك أنهم صاروا يضربون في العساكر طولا وعرضا، وكان منهم من يأخذ العمود الحديد، ويضرب به الفيل، فينهرس الفيل والذي على ظهره، حتى صارت الفيلة لا تتميز من الآدميين، ومنهم من يجيء جماعة وهم هاربون، فيصيح في وجوههم فيسقطون ميتين، ومنهم من يقبض على العشرين فارسا، ويقتلع بهم إلى الجو، ويلقيهم إلى الأرض، فيتقطعون قطعا؛ هذا وجانشاه ووالده والسيدة شمسة ينظرون إليهم، ويتفرجون على القتال. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 529 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن طيغموس هو وابنه جانشاه وزوجته السيدة شمسة، ارتقوا إلى أعلى القصر، وصاروا يتفرجون على قتال الأعوان مع عسكر الملك كفيد، وصار الملك كفيد ينظر إليهم وهو فوق التخت ويبكي، وما زال القتل في عسكره مدة يومين حتى قطعوا عن آخرهم. ثم إن جانشاه أمر الأعوان أن يأتوا بالتخت، وينزلوا به إلى الأرض في وسط قلعة الملك طيغموس، فأتوا به وفعلوا ما أمرهم به سيدهم الملك جانشاه. ثم إن الملك طيغموس أمر عونا ms1201 من الأعوان يقال له شموال، أن يأخذ الملك كفيد ويجعله في السلاسل والأغلال، ويسجنه في البرج الأسود، ففعل شموال ما أمره به، ثم إن الملك طيغموس أمر بضرب الكاسات وأرسل المبشرين إلى أم جانشاه، فذهبوا وأعلموها بأن ابنها أتى وفعل هذه الأفعال؛ ففرحت بذلك وركبت وأتت، فلما رآها جانشاه ضمها إلى صدره فوقعت مغشية عليها من شدة الفرح، فرشوا وجهها بماء الورد؛ فلما أفاقت عانقته وبكت من فرط السرور، ولما علمت السيدة شمسة بقدومها، قامت تتمشى حتى وصلت إليها وسلمت عليها وعانق بعضهما بعضا ساعة من الزمان، ثم جلستا تتحدثان، وفتح الملك طيغموس أبواب المدينة وأرسل المبشرين إلى جميع البلاد، فنشروا البشائر فيها، ووردت عليه الهدايا والتحف، وصار الأمراء والعساكر والملوك الذين في البلدان يأتون ليسلموا عليه ويهنوه بتلك النصرة وبسلامة ابنه. وما زالوا على هذا الحال والناس يأتونهم بالهدايا والتحف العظيمة مدة من الزمان. # ثم إن الملك عمل عرسا عظيما للسيدة شمسة مرة ثانية، وأمر بزينة المدينة، وجلاها على جانشاه بالحلي والحلل الفاخرة، ودخل جانشاه عليها وأعطاها مائة جارية من السراري الحسان لخدمتها. ثم بعد ذلك بأيام توجهت السيدة شمسة إلى الملك طيغموس، وتشفعت عنده في الملك كفيد، وقالت له: أطلقه ليرجع إلى بلاده، وإن حصل منه شر أمرت أحد الأعوان أن يخطفه، ويأتيك به. فقال لها: سمعا وطاعة. ثم أرسل إلى شموال أن يحضر إليه بالملك كفيد، فأتى به في السلاسل والأغلال، فلما قدم عليه وقبل الأرض بين يديه، أمر الملك أن يحلوه من تلك الأغلال، فحلوه منها؛ ثم أركبه على فرس عرجاء، وقال له: إن الملكة شمسة قد تشفعت فيك، فاذهب إلى بلادك، وإن عدت لما كنت عليه، فإنها ترسل إليك عونا من الأعوان فيأتي بك. فسار الملك كفيد إلى بلاده وهو في أسوأ حال. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 530 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك كفيد سار إلى بلده وهو في أسوأ حال، ثم إن جانشاه قعد هو وأبوه ms1202 والسيدة شمسة في ألذ عيش وأهناه، وأطيب سرور وأوفاه، وكل هذا يحكيه الشاب الجالس بين القبرين لبلوقيا، ثم قال له: وها أنا جانشاه الذي رأيت هذا كله يا أخي يا بلوقيا. فتعجب بلوقيا من حكايته، ثم إن بلوقيا السائح في حب محمد صلى الله عليه وسلم قال لجانشاه: يا أخي، وما شأن هذين القبرين؟ وما جلوسك بينهما؟ وما سبب بكائك؟ فرد عليه جانشاه، وقال له: اعلم يا بلوقيا أننا كنا في ألذ عيش وأهناه، وأطيب سرور وأوفاه، وكنا نقيم ببلادنا سنة، وبقلعة جوهر تكني سنة، ولا نسير إلا ونحن جالسون فوق التخت، والأعوان تحمله، وتطير به بين السماء والأرض. فقال له بلوقيا: يا أخي يا جانشاه، ما كان طول المسافة التي بين تلك القلعة وبين بلادكم؟ فرد عليه جانشاه وقال له: كنا نقطع في كل يوم مسافة ثلاثين شهرا، وكنا نصل إلى القلعة في عشرة أيام، ولم نزل على هذه الحالة مدة من من السنين، فاتفق أننا سافرنا على عادتنا حتى وصلنا إلى هذا المكان، فنزلنا فيه بالتخت لنتفرج على هذه الجزيرة، فجلسنا على شاطئ النهر، وأكلنا وشربنا، فقالت السيدة شمسة: إني أريد أن أغتسل في هذا النهر. ثم نزعت ثيابها، ونزع الجواري ثيابهن، ونزلن في النهر، وسبحن فيه، ثم إني تمشيت على شاطئ النهر، وتركت الجواري يلعبن فيه مع السيدة شمسة، فإذا بقرش عظيم من دواب البحر ضربها في رجلها من دون الجواري، فصرخت ووقعت ميتة من وقتها وساعتها، فطلعت الجواري من النهر هاربات إلى الخيمة من ذلك القرش. # ![fig18](../Images/figure18.png) # ثم نزعت ثيابها، ونزع الجواري ثيابهن، ونزلن في النهر وسبحن. # ثم إن بعض الجواري حملنها وأتين بها الخيمة وهي ميتة، فلما رأيتها ميتة وقعت مغشيا علي، فرشوا وجهي بالماء، فلما أفقت بكيت عليها، وأمرت الأعوان أن يأخذوا التخت، ويروحوا به إلى أهلها، ويعلموهم بما جرى لها؛ فراحوا إلى أهلها، وأعلموهم بما جرى لها، فلم يغب أهلها إلا قليلا حتى أتوا هذا المكان، فغسلوها وكفنوها، وفي هذا المكان دفنوها، وعملوا عزاءها، ms1203 وطلبوا أن يأخذوني معهم إلى بلادهم، فقلت لأبيها: أريد منك أن تحفر لي حفرة بجانب قبرها، واجعل تلك الحفرة قبرا لي، لعلي إذا مت أدفن فيها بجانبها. فأمر الملك شهلان عونا من الأعوان بذلك، ففعل لي ما أردته، ثم راحوا من عندي، وخلوني هنا أنوح وأبكي عليها، وهذه قصتي، وسبب قعودي بين هذين القبرين. ثم أنشد هذين البيتين: # ما الدار مذ غبتمو يا سادتي # دار %~% كلا ولا ذلك الجار الرضي # جار ~~ولا الأنيس الذي قد كنت # أعهده %~% فيها أنيس ولا الأنوار # أنوار # فلما سمع بلوقيا هذا الكلام من جانشاه تعجب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 531 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا لما سمع هذا الكلام من جانشاه تعجب وقال: والله إني كنت أظن أنني سحت ودرت طائفا في الأرض، والله إني نسيت الذي رأيته بما سمعته من قصتك. ثم إنه قال لجانشاه: أريد من فضلك وإحسانك يا أخي، أنك تدلني على طريق السلامة. فدله على الطريق، ثم ودعه وسار، وكل هذا الكلام تحكيه ملكة الحيات لحاسب كريم الدين، فقال لها حاسب كريم الدين: كيف عرفت هذه الأخبار؟ فقالت له: اعلم يا حاسب، أني كنت أرسلت إلى بلاد مصر حية عظيمة من مدة خمسة وعشرين عاما، وأرسلت معها كتابا بالسلام على بلوقيا لتوصله إليه، فراحت تلك الحية وأوصلته إلى بنت شموخ، وكان لها بنت في أرض مصر؛ فأخذت ذلك الكتاب وسارت حتى وصلت إلى مصر، وسألت الناس عن بلوقيا فدلوها عليه، فلما أتت ورأته، سلمت عليه وأعطته ذلك الكتاب؛ فقرأه وفهم معناه ثم قال للحية: هل أنت أتيت من عند ملكة الحيات؟ قالت: نعم. فقال لها: أريد أن أروح معك إلى ملكة الحيات لأن لي عندها حاجة. فقالت له: سمعا وطاعة. ثم أخذته وسارت به إلى بنتها وسلمت عليها، ثم ودعتها وخرجت من عندها وقالت له: أغمض عينيك. فأغمض عينيه وفتحهما، فإذا هو في الجبل الذي أنا فيه؛ فسارت به إلى الحية التي أعطتها ms1204 الكتاب، وسلمت عليها وقالت لها: هل أوصلت الكتاب إلى بلوقيا؟ قالت: نعم، أوصلته إليه وقد جاء معي، وها هو. فتقدم بلوقيا وسلم على تلك الحية وسألها عن ملكة الحيات، فقالت له: إنها راحت إلى جبل قاف بجنودها وعساكرها، وإنها حين يأتي الصيف تعود إلى هذه الأرض، وكلما ذهبت إلى جبل قاف وضعتني في موضعها حتى تأتي؛ فإن كان لك حاجة فأنا أقضيها لك. فقال لها بلوقيا: أريد منك أن تجيئي بالنبات الذي كل من دقه وشرب ماءه لا يضعف ولا يشيب ولا يموت. فقالت له تلك الحية: ما أجيء به حتى تخبرني بما جرى لك بعد مفارقتها، حيث رحت أنت وعفان إلى مدفن السيد سليمان. فأخبرها بلوقيا بقصته من أولها إلى آخرها، وأعلمها بما جرى لجانشاه وحكى لها حكايته، ثم قال لها: اقضي لي حاجتي حتى أروح إلى بلادي. فقالت الحية: وحق السيد سليمان ما أعرف طريق ذلك العشب. ثم إنها أمرت الحية التي جاءت به وقالت لها: أوصليه إلى بلاده. فقالت لها: سمعا وطاعة. ثم قالت له: أغمض عينيك. فأغمض عينيه وفتحهما، فرأى نفسه في الجبل المقطب، فسار حتى أتى منزله. # ثم إن ملكة الحيات لما عادت من جبل قاف توجهت إليها الحية التي أقامتها مقامها، وسلمت عليها وقالت لها: إن بلوقيا يسلم عليك. وحكت لها جميع ما أخبرها به بلوقيا مما رآه في سياحته ومن اجتماعه بجانشاه، ثم قالت ملكة الحيات لحاسب كريم الدين: وهذا الذي أخبرني بهذا الخبر يا حاسب. فقال لها حاسب: يا ملكة الحيات، أخبريني بما جرى لبلوقيا حين عاد إلى مصر. فقالت له: اعلم يا حاسب أن بلوقيا لما فارق جانشاه، سار ليالي وأياما حتى وصل إلى بحر عظيم، ثم إنه دهن قدميه من الماء الذي معه، ومشى على وجه الماء حتى وصل إلى جزيرة ذات أشجار وأنهار وأثمار كأنها الجنة، ودار في تلك الجزيرة، فرأى شجرة عظيمة ورقها مثل قلوع المراكب، فقرب من تلك الشجرة، فرأى تحتها سماطا ممدودا، وفيه جميع الألوان الفاخرة ms1205 من الطعام، ورأى على تلك الشجرة طيرا عظيما من اللؤلؤ والزمرد الأخضر، ورجلاه من الفضة، ومنقاره من الياقوت الأحمر، وريشه من نفيس المعادن، وهو يسبح الله تعالى، ويصلي على محمد صلى الله عليه وسلم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 532 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بلوقيا لما طلع الجزيرة ووجدها كالجنة، تمشى في جوانبها ورأى ما فيها من العجائب، ومن جملتها الطير الذي هو من اللؤلؤ والزمرد الأخضر، وريشه من نفيس المعدن، على تلك الحالة وهو يسبح الله تعالى، ويصلي على محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رأى بلوقيا ذلك الطائر العظيم قال له: من أنت؟ وما شأنك؟ فقال له: أنا من طيور الجنة، واعلم يا أخي أن الله تعالى أخرج آدم من الجنة، وأخرج معه أربع ورقات يستتر بها، فسقطن في الأرض، فواحدة منهن أكلها الدود فصار منها الحرير، والثانية أكلها الغزلان فصار منها المسك، والثالثة أكلها النحل فصار منها العسل، والرابع وقعت في الهند فصار منها البهار، وأما أنا فإني سحت في جميع الأرض إلى أن من الله علي بهذا المكان فمكثت فيه، وإنه في كل ليلة جمعة ويومها، تأتي الأولياء والقطاب الذين في الدنيا هذا المكان ويزورونه، ويأكلون من هذا الطعام، وهو ضيافة الله تعالى لهم، يضيفهم بها في كل ليلة جمعة ويومها، ثم بعد ذلك يرتفع السماط إلى الجنة، ولا ينقص أبدا، ولا يتغير، فأكل بلوقيا، ولما فرغ من الأكل وحمد الله تعالى فإذا الخضر عليه السلام قد أقبل، فقام بلوقيا إليه وسلم عليه، وأراد أن يذهب. فقال له الطير: اجلس يا بلوقيا في حضرة الخضر عليه السلام. فجلس بلوقيا، فقال له الخضر: أخبرني بشأنك، واحك لي حكايتك. فأخبره بلوقيا بجميع ما جرى له من الأول إلى الآخر، إلى أن أتاه ووصل إلى المكان الذي هو جالس فيه بين يدي الخضر، ثم قال له: يا سيدي، ما مقدار الطريق من هنا إلى مصر؟ فقال له: مسيرة خمسة وتسعين عاما. فلما ms1206 سمع بلوقيا هذا الكلام بكى، ثم وقع على يد الخضر وقبلها، وقال له: أنقذني من هذه الغربة وأجرك على الله؛ لأني قد أشرفت على الهلاك، وما بقيت لي حيلة. فقال له الخضر: ادع الله تعالى أن يأذن لي في أن أوصلك إلى مصر قبل أن تهلك. فبكى بلوقيا، وتضرع إلى الله تعالى، فتقبل الله دعاءه، وألهم الخضر عليه السلام أن يوصله إلى أهله، فقال الخضر عليه السلام لبلوقيا: ارفع رأسك؛ فقد تقبل الله دعاءك، وألهمني أن أوصلك إلى مصر، فتعلق بي، واقبض علي بيديك، وأغمض عينيك. فتعلق بلوقيا بالخضر عليه السلام وقبض عليه بيديه، وأغمض عينيه، وخطا الخضر عليه السلام خطوة، ثم قال لبلوقيا: افتح عينيك. ففتح عينيه فرأى نفسه واقفا على باب منزله، ثم إنه التفت ليودع الخضر عليه السلام فلم يجد له أثرا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 533 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا لما أوصله الخضر عليه السلام إلى باب منزله، فتح عينيه ليودعه فلم يجده، فدخل بيته، فلما رأته أمه صاحت صيحة عظيمة، ووقعت مغشية عليها من شدة الفرح، فرشوا وجهها بالماء حتى أفاقت، فلما أفاقت عانقته، وبكت بكاء شديدا، وصار بلوقيا يبكي وتارة يضحك، وأتاه أهله وجماعته، وجميع أصحابه، وصاروا يهنونه بالسلامة، وشاعت الأخبار في البلاد، وجاءته الهدايا من جميع الأقطار، ودقت الطبول، وزمرت الزمور، وفرحوا فرحا شديدا، ثم بعد ذلك حكى لهم بلوقيا حكايته، وأخبرهم بجميع ما جرى له، وكيف أتى به الخضر، وأوصله إلى باب منزله، فتعجبوا من ذلك، وبكوا حتى ملوا من البكاء. # وكل هذا تحكيه ملكة الحيات لحاسب كريم الدين، فتعجب حاسب كريم الدين من ذلك، وبكى بكاء شديدا، ثم قال لملكة الحيات: إني أريد الذهاب إلى بلادي. فقالت له ملكة الحيات: إني أخاف يا حاسب إذا وصلت إلى بلادك أن تنقض العهد، وتحنث في اليمين الذي حلفته، وتدخل الحمام. فحلف أيمانا أخرى وثيقة أنه لن يدخل الحمام طول عمره، فأمرت حية وقالت لها: ms1207 أخرجي حاسب كريم الدين إلى وجه الأرض. فأخذته الحية، وسارت به من مكان إلى مكان حتى أخرجته على وجه الأرض من سطح جب مهجور، ثم مشى حتى وصل إلى المدينة، وتوجه إلى منزله، وكان ذلك آخر النهار وقت اصفرار الشمس؛ ثم طرق الباب فخرجت أمه، وفتحت الباب، فرأت ابنها واقفا، فلما رأته صاحت من شدة فرحتها، وألقت نفسها عليه وبكت، فلما سمعت زوجته بكاها خرجت إليها، فرأت زوجها فسلمت عليه، وقبلت يديه، وفرح بعضهم ببعض فرحا عظيما، ودخلوا البيت، فلما استقر بهم الجلوس وقعد بين أهله، سأل عن الحطابين الذين كانوا يحطبون معه، وراحوا وخلوه في الجب، فقالت له أمه: إنهم أتوني وقالوا لي: إن ابنك أكله الذئب في الوادي. وقد صاروا تجارا، وأصحاب أملاك ودكاكين، واتسعت عليهم الدنيا، وهم في كل يوم يجيئوننا بالأكل والشرب، وهذا دأبهم إلى الآن. فقال لأمه: في غد روحي إليهم، وقولي لهم: قد جاء حاسب كريم الدين من سفره، فتعالوا وقابلوه وسلموا عليه. فلما أصبح الصباح راحت أمه إلى بيوت الحطابين، وقالت لهم ما وصاها به ابنها، فلما سمع الحطابون ذلك الكلام تغيرت ألوانهم، وقالوا لها: سمعا وطاعة. وقد أعطاها كل واحد منهم بدلة من الحرير مطرزة بالذهب، وقالوا لها: أعط ولدك هذه ليلبسها، وقولي له: إنهم في غد يأتون عندك. فقالت لهم: سمعا وطاعة. ثم رجعت من عندهم إلى ابنها، وأعلمته بذلك، وأعطته الذي أعطوها إياه. # هذا ما كان من أمر حاسب كريم الدين وأمه، وأما ما كان من أمر الحطابين، فإنهم جمعوا جماعة من التجار، وأعلموهم بما حصل منهم في حق حاسب كريم الدين، وقالوا لهم: كيف نصنع معه الآن؟ فقال لهم التجار: ينبغي لكل منكم أن يعطيه نصف ماله ومماليكه. فاتفق الجميع على هذا الرأي، وكل واحد أخذ نصف ماله معه، وذهبوا إليه جميعا، وسلموا عليه وقبلوا يديه، وأعطوه ذلك وقالوا له: هذا من بعض إحسانك، وقد صرنا بين يديك. فقبله منهم وقال لهم: قد راح الذي راح، وهذا مقدور من ms1208 الله تعالى، والمقدور يغلب المحذور. فقالوا له: قم بنا نتفرج في المدينة، وندخل الحمام. فقال لهم: أنا قد صدر مني يمين أنني لا أدخل الحمام طول عمري. فقالوا: قم بنا لبيوتنا حتى نضيفك. فقال لهم: سمعا وطاعة. ثم قام وراح معهم إلى بيوتهم، وصار كل واحد منهم يضيفه ليلة، ولم يزالوا على هذه الحالة مدة سبع ليال، وقد صار صاحب أموال وأملاك ودكاكين، واجتمع به تجار المدينة، فأخبرهم بجميع ما جرى له وما رآه، وصار من أعيان التجار، ومكث على هذا الحال مدة من الزمان. # فاتفق أنه خرج في يوم من الأيام يتمشى في المدينة، فرآه صاحب حمامي، وهو جائز على باب الحمام، ووقعت العين على العين، فسلم عليه وعانقه، وقال له: تفضل علي بدخول الحمام، وتكيس حتى أعمل لك ضيافة. فقال له: إنه صدر مني يمين أنني لا أدخل الحمام مدة عمري. فحلف الحمامي وقال له: نسائي الثلاث طالقات ثلاثا إن لم تدخل معي الحمام وتغتسل فيه. فتحير حاسب كريم الدين في نفسه، وقال: أتريد يا أخي أنك تيتم أولادي وتخرب بيتي، وتجعل الخطيئة في رقبتي. فارتمى الحمامي على رجل حاسب كريم الدين وقبلها، وقال له: أنا في جيرتك أن تدخل معي الحمام، وتكون الخطيئة في رقبتي أنا. واجتمع عملة الحمام، وكل من فيه على حاسب كريم الدين، وتداخلوا عليه، ونزعوا عنه ثيابه، وأدخلوه الحمام، فبمجرد ما دخل الحمام وقعد بجانب الحائط، وسكب على رأسه من الماء، أقبل عليه عشرون رجلا، وقالوا له: قم أيها الرجل من عندنا، فإنك غريم السلطان. وأرسلوا واحدا منهم إلى وزير السلطان، فراح الرجل وأعلم الوزير، فركب الوزير وركب معه ستون مملوكا، وساروا حتى أتوا الحمام، واجتمعوا بحاسب كريم الدين، وسلم عليه الوزير ورحب به، وأعطى الحمامي مائة دينار، وأمر أن يقدموا لحاسب حصانا ليركبه، ثم ركب الوزير وحاسب، وكذلك جماعة الوزير وأخذوه معهم، وساروا به حتى وصلوا إلى قصر السلطان، فنزل الوزير ومن معه، ونزل حاسب، وجلسوا في القصر، وأتوا بالسماط فأكلوا وشربوا، ms1209 ثم غسلوا أيديهم، وخلع عليه الوزير خلعتين، كل واحدة تساوي خمسة آلاف دينار، وقال له: اعلم أن الله قد من علينا بك، ورحمنا بمجيئك، فإن السلطان كان أشرف على الموت من الجذام الذي به، وقد دلت عندنا الكتب على أن حياته على يديك. # فتعجب حاسب من أمرهم، ثم تمشى الوزير وحاسب وخواص الدولة من أبواب القصر السبعة إلى أن دخلوا على الملك، وكان يقال له الملك كرزدان ملك العجم، وقد ملك الأقاليم السبعة، وكان في خدمته مائة سلطان يجلسون على كراسي من الذهب الأحمر، وعشرة آلاف بهلوان، كل بهلوان تحت يده مائة نائب ومائة جلاد، وبأيديهم السيوف والأطبار، فوجدوا ذلك الملك نائما، ووجهه ملفوف في منديل، وهو يئن من الأمراض، فلما رأى حاسب هذا الترتيب دهش عقله من هيئة الملك كرزدان، وقبل الأرض بين يديه، ودعا له، ثم أقبل عليه وزيره الأعظم، وكان يقال له الوزير شمهور، ورحب به وأجلسه على كرسي عظيم عن يمين الملك كرزدان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 534 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير شمهور أقبل على حاسب وأجلسه على كرسي عن يمين الملك كرزدان، وأحضروا السماط فأكلوا وشربوا، وغسلوا أيديهم، ثم بعد ذلك قام الوزير شمهور، وقام لأجله كل من في المجلس هيبة له، وتمشى إلى نحو حاسب كريم الدين، وقال له: نحن في خدمتك، وكل ما طلبت نعطيك، ولو طلبت نصف الملك أعطيناك إياه؛ لأن شفاء الملك على يديك. ثم أخذه من يده، وذهب به إلى الملك، فكشف حاسب عن وجه الملك، ونظر إليه فرآه في غاية المرض، فتعجب من ذلك، ثم إن الوزير نزل على يد حاسب وقبلها، وقال له: نريد منك أن تداوي هذا الملك، والذي تطلبه نعطيك إياه، وهذه حاجتنا عندك. فقال حاسب: نعم، إني ابن دانيال نبي الله، لكنني ما أعرف شيئا من العلم، فإنهم وضعوني في صنعة الطب ثلاثين يوما فلم أتعلم شيئا من تلك الصنعة، وكنت أود لو عرفت شيئا من ms1210 العلم وأداوي هذا الملك. فقال الوزير: لا تطل علينا الكلام، فلو جمعنا حكماء المشرق والمغرب ما يداوي الملك إلا أنت. فقال له حاسب: كيف أداويه وأنا ما أعرف داءه ولا دواءه؟ فقال له الوزير: إن دواء الملك عندك. قال له حاسب: لو كنت أعرف دواءه لداويته. فقال له الوزير: أنت تعرف دواءه معرفة جيدة، فإن دواءه ملكة الحيات، وأنت تعرف مكانها ورأيتها، وكنت عندها. # فلما سمع حاسب هذا الكلام، عرف أن سبب ذلك دخول الحمام، وصار يتندم حيث لا ينفعه الندم، وقال لهم: كيف ملكة الحيات وأنا لا أعرفها، ولا سمعت طول عمري بهذا الاسم؟ فقال الوزير: لا تنكر معرفتها، فإن عندي دليلا على أنك تعرفها، وأقمت عندها سنتين. فقال حاسب: أنا لا أعرفها، ولا رأيتها، ولا سمعت بهذا الخبر إلا في هذا الوقت منكم. فأحضر الوزير كتابا وفتحه، وصار يتحسب، ثم قال: إن ملكة الحيات تجتمع برجل ويمكث عندها سنتين، ويرجع من عندها، ويطلع على وجه الأرض، فإذا دخل الحمام تسود بطنه. ثم قال لحاسب: انظر إلى بطنك. فنظر إليها فرآها سوداء، فقال لهم حاسب: إن بطني سوداء من يوم ولدتني أمي. فقال له الوزير: أنا كنت وكلت على كل حمام ثلاثة مماليك لأجل أن يتعهدوا كل من يدخل الحمام، وينظروا إلى بطنه، ويعلموني به، فلما دخلت أنت الحمام نظروا إلى بطنك فوجدوها سوداء، فأرسلوا إلي خبرا بذلك، وما صدقنا أننا نجتمع بك في هذا اليوم، وما لنا عندك حاجة إلا أن ترينا الموضع الذي طلعت منه، وتروح إلى حال سبيلك، ونحن نقدر على إمساك ملكة الحيات، وعندنا من يأتينا بها. # فلما سمع حاسب هذا الكلام ندم على دخول الحمام ندما عظيما حيث لا ينفعه الندم، وصار الأمراء والوزراء يتدخلون على حاسب في أن يخبرهم بملكة الحيات حتى عجزوا، وهو يقول: لا رأيت هذا الأمر ولا سمعت به. فعند ذلك طلب الوزير الجلاد، فأتوه به، فأمره أن ينزع ثياب حاسب عنه، ويضربه ضربا شديدا، ففعل ذلك حتى عاين الموت ms1211 من شدة العذاب، وبعد ذلك قال له الوزير: إن عندنا دليلا على أنك تعرف مكان ملكة الحيات، فلأي شيء أنت تنكره؟ أرنا الموضع الذي خرجت منه، وابعد عنا، وعندنا الذي يمسكها، ولا ضرر عليك. ثم لاطفه وأقامه، وأمر له بخلعة مزركشة بالذهب والمعادن، فامتثل حاسب لأمر الوزير وقال له: أنا أريكم الموضع الذي خرجت منه. فلما سمع الوزير كلامه فرح فرحا شديدا، وركب هو والأمراء جميعا، وركب حاسب وسار قدام العساكر، وما زالوا سائرين حتى وصلوا إلى الجبل، ثم إنه دخل بهم إلى المغارة، وبكى وتحسر، ونزلت الأمراء والوزراء وتمشوا وراء حاسب حتى وصلوا إلى البئر الذي طلع منه، ثم تقدم الوزير وجلس وأطلق البخور، وأقسم وتلا العزائم، ونفث وهمهم؛ لأنه كان ساحرا ماكرا كاهنا يعرف علم الروحاني وغيره، ولما فرغ من عزيمته الأولى قرأ عزيمة ثانية وعزيمة ثالثة، وكلما فرغ البخور وضع غيره على النار، ثم قال: اخرجي يا ملكة الحيات. فإذا البئر قد غاض ماؤه، وانفتح فيها باب عظيم، وخرج منها صراخ عظيم مثل الرعد، حتى ظنوا أن ذلك البئر قد انهدم، ووقع جميع الحاضرين في الأرض مغشيا عليهم، ومات بعضهم، وخرج من ذلك البئر حية عظيمة مثل الفيل، يطير من عينيها ومن فيها الشرر مثل الجمر، وعلى ظهرها طبق من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجوهر، وفي وسط ذلك الطبق حية تضيء المكان، ووجهها كوجه إنسان، وتتكلم بأفصح لسان، وهي ملكة الحيات، والتفتت يمينا وشمالا فوقع بصرها على حاسب كريم الدين، فقالت له: أين العهد الذي عاهدتني به، واليمين الذي حلفته لي من أنك لا تدخل الحمام؟ ولكن لا تنفع حيلة من قدر، والذي على الجبين مكتوب ما منه مهروب، وقد جعل الله آخر عمري على يديك، وبهذا حكم الله، وأراد أن أقتل أنا والملك كرزدان يشفى من مرضه. ثم إن ملكة الحيات بكت بكاء شديدا، وبكى حاسب لبكائها، ولما رأى الوزير شمهور الملعون ملكة الحيات، مد يده إليها ليمسكها، فقالت له: امنع يدك يا ملعون، وإلا نفخت ms1212 عليك وصيرتك كوم رماد أسود. ثم صاحت على حاسب، وقالت له: تعال عندي وخذني بيدك، وحطني في هذه الصينية التي معكم، واحلمها على رأسك، فإن موتي على يدك مقدر من الأزل، ولا حيلة لك في دفعه. فأخذها حاسب وحطها في الصينية، وحملها على رأسه، وعادت البئر كما كانت، ثم ساروا وحاسب حامل الصينية التي هي فيها على رأسه. # فبينما هم في أثناء الطريق إذ قالت ملكة الحيات لحاسب كريم الدين سرا: يا حاسب، اسمع ما أقول لك من النصيحة، ولو كنت نقضت العهد، وحنثت في اليمين، وفعلت هذه الأفعال؛ لأن ذلك مقدور من الأزل. فقال لها: سمعا وطاعة، ما الذي تأمرينني به يا ملكة الحيات؟ فقالت له: إذا وصلت إلى بيت الوزير، فإنه يقول لك: اذبح ملكة الحيات، وقطعها ثلاث قطع. فامتنع من ذلك ولا تفعل، وقل له: أنا ما أعرف الذبح. لأجل أن يذبحني هو بيده ويعمل في ما يريد. فإذا ذبحني وقطعني يأتيه رسول من عند الملك كرزدان، ويطلبه إلى الحضور عنده، فيضع لحمي في قدر من النحاس، ويضع القدر فوق الكانون قبل الذهاب إلى الملك، ويقول لك: أوقد النار على هذا القدر حتى تطلع رغوة اللحم، فإذا طلعت الرغوة فخذها وحطها في قنينة، واصبر عليها حتى تبرد، واشربها أنت، فإذا شربتها لا يبقى في بدنك وجع، فإذا طلعت الرغوة الثانية فحطها عندك في قنينة ثانية حتى أجيء من عندك الملك، وأشربها من أجل مرض في صلبي. ثم إنه يعطيك القنينتين ويروح إلى الملك، فإذا راح إليه أوقد النار على القدر حتى تطلع الرغوة فخذها وحطها في قنينة واحفظها عندك وإياك أن تشربها، فإن شربتها لم يحصل لك خير، وإذا طلعت الرغوة الثانية فحطها في القنينة الثانية، واصبر حتى تبرد، واحفظها عندك حتى تشربها، فإذا جاء من عند الملك وطلب منك القنينة الثانية فأعطه الأولى، وانظر ما يجري له. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 535 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ملكة الحيات ms1213 أوصت حاسب كريم الدين بعدم الشرب من الرغوة الأولى، والمحافظة على الرغوة الثانية، وقالت له: إذا رجع الوزير من عند الملك وطلب منك القنينة الثانية فأعطه الأولى، وانظر ما يجري له، ثم بعد ذلك اشرب أنت الثانية، فإذا شربتها يصير قلبك بيت الحكمة، ثم بعد ذلك أطلع اللحم، وحطه في صينية من النحاس، وأعط الملك إياه ليأكله، فإذا أكله واستقر في بطنه، استر وجهه بمنديل واصبر عليه إلى وقت الظهر حتى تبرد بطنه، وبعد ذلك اسقه شيئا من الشراب، فإنه يعود صحيحا كما كان، ويبرأ من مرضه بقوة الله تعالى، واسمع هذه الوصية التي وصيتك بها، وحافظ عليها كل المحافظة. # وما زالوا سائرين حتى أقبلوا على بيت الوزير، فقال الوزير لحاسب: ادخل معي البيت. فلما دخل الوزير وحاسب، وتفرق العساكر، وراح كل منهم إلى حال سبيله، وضع حاسب الصينية التي فيها ملكة الحيات من فوق رأسه، ثم قال له الوزير: اذبح ملكة الحيات. فقال له حاسب: أنا لا أعرف الذبح، وعمري ما ذبحت شيئا، فإن كان لك غرض في ذبحها، فاذبحها أنت بيدك. فقام الوزير شمهور وأخذ ملكة الحيات من الصينية التي هي فيها وذبحها، فلما رأى حاسب ذلك بكى بكاء شديدا، فضحك شمهور منه، وقال له: يا ذاهب العقل، كيف تبكي من أجل ذبح حية؟ وبعد أن ذبحها الوزير قطعها ثلاث قطع، ووضعها في قدر من النحاس، ووضع القدر على النار، وجلس ينتظر نضج لحمها. فبينما هو جالس، إذا بمملوك أقبل عليه من عند الملك وقال له: إن الملك يطلبك في هذه الساعة. فقال له الوزبر: سمعا وطاعة. ثم قام وأحضر قنينتين لحاسب، وقال له: أوقد النار على هذا القدر حتى تخرج رغوة اللحم الأولى، فإذا خرجت فاكشطها من فوق اللحم، وحطها في إحدى هاتين القنينتين، واصبر عليها حتى تبرد واشربها أنت، فإذا شربتها صح جسمك، ولا يبقى في جسدك وجع ولا مرض، وإذا طلعت الرغوة الثانية فضعها في القنينة الأخرى، واحفظها عندك حتى أرجع من عند الملك وأشربها؛ ms1214 لأن في صلبي وجعا عساه يبرأ إذا شربتها. ثم توجه إلى الملك بعد أن أكد على حاسب في تلك الوصية، فصار حاسب يوقد النار تحت القدر حتى طلعت الرغوة الأولى، فكشطها وحطها في قنينة من الاثنتين، ووضعها عنده، ولم يزل يوقد النار تحت القدر حتى طلعت الرغوة الثانية، فكشطها وحطها في القنينة الأخرى، وحفظها عنده، ولما استوى اللحم أنزل القدر من فوق النار، وقعد ينتظر الوزير، فلما أقبل الوزير من عند الملك قال لحاسب: أي شيء فعلت؟ فقال له حاسب: قد انقضى الشغل. فقال له الوزير: ما فعلت في القنينة الأولى؟ قال له: شربت ما فيها في هذا الوقت. فقال له الوزير: أرى جسدك لم يتغير منه شيء. فقال له حاسب: إن جسدي من فوقي إلى قدمي أحس منه بأنه يشتعل مثل النار. فكتم الماكر الوزير شمهور الأمر عن حاسب خداعا، ثم إنه قال له: هات القنينة الثانية لأشرب ما فيها لعلي أشفى وأبرأ من هذا المرض الذي في صلبي. ثم إنه شرب ما في القنينة الأولى وهو يظن أنها الثانية، فلم يتم شربها حتى سقطت من يده، وتورم من ساعته، وصح فيه قول صاحب المثل: من حفر بئرا لأخيه وقع فيه. # فلما رأى حاسب ذلك الأمر تعجب منه، وصار خائفا من شرب القنينة الثانية، ثم تفكر وصية الحية، وقال في نفسه: لو كان ما في القنينة الثانية مضرا ما كان الوزير استخارها لنفسه. ثم إنه قال: توكلت على الله تعالى. وشرب ما فيها، ولما شرب فجر الله تعالى في قلبه ينابيع الحكمة، وفتح له عين العلم، وحصل على الفرح والسرور، وأخذ اللحم الذي كان في القدر، ووضعه في صينية من نحاس، وخرج به من بيت الوزير، ورفع رأسه إلى السماء، فرأى السموات السبع وما فيهن إلى سدرة المنتهى، ورأى كيفية دوران الفلك، وكشف الله له عن جميع ذلك، ورأى النجوم السيارة والثوابت، وعلم كيفية الكواكب، وشاهد هيئة البر والبحر، واستنبط من ذلك علم الهندسة، وعلم التنجيم، وعلم الهيئة، وعلم ms1215 الفلك، وعلم الحساب، وما يتعلق بذلك كله، وعرف ما يترتب على الكسوف والخسوف، وغير ذلك؛ ثم نظر إلى الأرض فعرف ما فيها من المعادن والنبات والأشجار، وعلم جميع ما لها من الخواص والمنافع، واستنبط من ذلك علم الطب، وعلم السيمياء، وعلم الكيمياء، وعرف صنعة الذهب والفضة، ولم يزل سائرا بذلك اللحم حتى وصل إلى قصر الملك كرزدان، ودخل عليه، وقبل الأرض بين يديه، وقال له: تسلم رأسك في وزيرك شمهور. فاغتاظ الملك غيظا شديدا بسبب موت وزيره، وبكى بكاء شديدا، وبكت عليه الوزراء والأمراء وأكابر الدولة. # ثم بعد ذلك قال الملك كرزدان: إن الوزير شمهور كان عندي في هذا الوقت وهو في غاية الصحة، ثم ذهب ليأتيني باللحم إن كان طاب طبخه، فما سبب موته في هذه الساعة؟ وأي شيء عرض له من العوارض؟ فحكى حاسب للملك جميع ما جرى لوزيره، من أنه شرب القنينة، وتورم وانتفخ بطنه ومات؛ فحزن عليه الملك حزنا شديدا، ثم قال لحاسب: كيف حالي بعد شمهور؟ فقال حاسب: لا تحمل هما يا ملك الزمان، فأنا أداويك في ثلاثة أيام، ولا أترك في جسمك شيئا من الأمراض. فانشرح صدر الملك كرزدان، وقال لحاسب: أنا مرادي أن أعافى من هذا البلاء، ولو بعد مدة من السنين. فقام حاسب وأتى بالقدر وحطه قدام الملك، وأخذ قطعة من لحم ملكة الحيات، وأطعمها للملك كرزدان، وغطاه ونشر على وجهه منديلا، وقعد عنده وأمره بالنوم؛ فنام من وقت الظهر إلى وقت المغرب حتى دارت قطعة اللحم في بطنه، ثم بعد ذلك أيقظه، وسقاه شيئا من الشراب، وأمره بالنوم، فنام الليل إلى وقت الصبح، ولما طلع النهار فعل معه مثل ما فعل بالأمس حتى أطعمه القطع الثلاث على ثلاثة أيام، فقب جلد الملك، وانقشر جميعه؛ فعند ذلك عرق الملك حتى جرى العرق من رأسه إلى قدمه وتعافى، وما بقي في جسده شيء من الأمراض. وبعد ذلك قال له حاسب: لا بد من دخول الحمام. ثم أدخله الحمام، وغسل جسده، وأخرجه فصار جسمه ms1216 مثل قضيب الفضة، وعاد لما كان عليه من الصحة، وردت له العافية أحسن ما كانت أولا، ثم إنه لبس أحسن ملبوسه، وجلس على التخت، وأذن لحاسب كريم الدين في أن يجلس معه، فجلس بجانبه، ثم أمر الملك بمد السماط، فمد فأكلا وغسلا أيديهما، وبعد ذلك أمر أن يأتوا بالمشروب فأتوا بما طلب فشربا، ثم بعد ذلك أتى جميع الأمراء والوزراء والعسكر وأكابر الدولة وعظماء رعيته، وهنوه بالعافية والسلامة، ودقوا الطبول وزينوا المدينة من أجل سلامة الملك، ولما اجتمعوا عنده للتهنئة قال لهم الملك: يا معشر الوزراء والأمراء وأرباب الدولة، هذا حاسب كريم الدين داواني من مرضي، اعلموا أنني قد جعلته وزيرا أعظم مكان الوزير شمهور. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 536 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال لوزرائه وأكابر دولته: إن الذي دواني من مرضي هو حاسب كريم الدين، وقد جعلته وزيرا أعظم مكان الوزير شمهور، فمن أحبه فقد أحبني، ومن أكرمه فقد أكرمني، ومن أطاعه فقد أطاعني. فقال له الجميع: سمعا وطاعة. ثم قاموا كلهم، وقبلوا حاسب كريم الدين، وسلموا عليه، وهنوه بالوزارة، ثم بعد ذلك خلع عليه الملك خلعة سنية منسوجة بالذهب الأحمر، مرصعة بالدر والجوهر، أقل جوهرة فيها تساوي خمسة آلاف دينار، وأعطاه ثلاثمائة مملوك، وثلاثمائة سرية تضيء مثل الأقمار، وثلاثمائة جارية من الحبش، وخمسمائة بغلة محملة من المال، وأعطاه من المواشي والغنم والجاموس والبقر ما يكل عنه الوصف، وبعد هذا كله أمر وزراءه وأمراءه، وأرباب دولته، وأكابر مملكته ومماليكه، وعموم رعيته؛ أن يهاوده، ثم ركب حاسب كريم الدين، وركب خلفه الوزراء والأمراء، وأرباب الدولة، وجميع العساكر، وساروا إلى بيته الذي أخلاه له الملك. ثم جلس على كرسي، وتقدمت إليه الأمراء والوزراء، وقبلوا يده، وهنوه بالوزارة، وصاروا كلهم في خدمته، وفرحت أمه بذلك فرحا شديدا، وهنته بالوزارة، وجاءه أهله وهنوه بالسلامة والوزارة، وفرحوا به فرحا شديدا، ثم بعد ذلك أقبل عليه أصحابه الحطابون، وهنوه بالوزارة، وبعد ذلك ركب وسار حتى ms1217 وصل إلى قصر الوزير شمهور، فختم على بيته، ووضع يده على ما فيه، وضبطه ثم نقله إلى بيته، وبعد أن كان لا يعرف شيئا من العلوم، ولا قراءة الخط، صار عالما بجميع العلوم بقدرة الله تعالى، وانتشر علمه وشاعت حكمته في جميع البلاد، واشتهر بالتبحر في علم الطب والهيئة والهندسة، والتنجيم والكيمياء والسيمياء والروحاني، وغير ذلك من العلوم. # ثم إنه قال لأمه يوما من الأيام: يا والدتي، إن أبي دانيال كان عالما فاضلا، فأخبريني بما خلفه من الكتب وغيرها، فلما سمعت أمه كلامه، أتته بالصندوق الذي كان أبوه قد وضع فيه الورقات الخمس الباقية من الكتب التي غرقت في البحر، وقالت له: ما خلف أبوك شيئا من الكتب إلا الورقات الخمس التي في هذا الصندوق. ففتح الصندوق وأخذ منه الورقات الخمس وقرأها، وقال لها: يا أمي، إن هذه الأوراق من جملة كتاب وأين بقيته؟ فقالت له: إن أباك كان قد سافر بجميع كتبه في البحر، فانكسرت به المركب، وغرقت كتبه، وأنجاه الله تعالى من الغرق، ولم يبق من كتبه إلا هذه الورقات الخمس، ولما جاء أبوك من السفر كنت حاملا بك، فقال لي: ربما تلدين ذكرا، فخذي هذه الأوراق، واحفظيها عندك، فإذا كبر الغلام وسأل عن تركتي، فأعطيه إياها وقولي له: إن أباك لم يخلف غيرها. وهذه إياها. ثم إن حاسب كريم الدين تعلم جميع العلوم، ثم بعد ذلك قعد في أكل وشرب، وأطيب معيشة، وأرغد عيش إلى أن أتاه هادم اللذات، ومفرق الجماعات. وهذا آخر ما انتهى إلينا من حديث حاسب بن دانيال رحمه الله تعالى، والله أعلم. ### || حكاية سندباد البحري # قالت: بلغني أنه كان في زمن الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد بمدينة بغداد رجل يقال له السندباد الحمال، وكان رجلا فقير الحال يحمل بأجرته على رأسه، فاتفق له أنه حمل في يوم من الأيام حملة ثقيلة، وكان ذلك اليوم شديد الحر، فتعب من تلك الحملة، وعرق واشتد عليه الحر، فمر على باب رجل تاجر قدامه كنس ورش، وهناك ms1218 هواء معتدل، وكان بجانب الباب مصطبة عريضة، فحط الحمال حملته على تلك المصطبة ليستريح ويشم الهواء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. # ### | فلما كانت الليلة 537 ### || حكاية سندباد البحري # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحمال لما حط حملته على تلك المصطبة ليستريح ويشم الهواء، خرج عليه من ذلك الباب نسيم رائق، ورائحة زكية، فاستلذ الحمال لذلك، وجلس على جانب المصطبة، فسمع في ذلك المكان نغم أوتار وعود، وأصواتا مطربة، وأنواع إنشاد معربة، وسمع أيضا أصوات طيور تناغي وتسبح الله تعالى باختلاف الأصوات وسائر اللغات؛ من قماري وهزار وشحارير وبلبل وفاخت وكيروان، فعند ذلك تعجب في نفسه، وطرب طربا شديدا، فتقدم إلى ذلك الباب فوجد داخل البيت بستانا عظيما، ونظر فيه غلمانا وعبيدا، وخدما وحشما، وشيئا لا يوجد إلا عند الملوك والسلاطين، وبعد ذلك هبت عليه رائحة أطعمة طيبة زكية من جميع الألوان المختلفة والشراب الطيب، فرفع طرفه إلى السماء، وقال: سبحانك يا رب يا خالق يا رازق، ترزق من تشاء بغير حساب، اللهم إني أستغفرك من جميع الذنوب، وأتوب إليك من العيوب، يا رب لا اعتراض عليك في حكمك وقدرتك، فإنك لا تسأل عما تفعل، وأنت على كل شيء قدير، سبحانك تغني من تشاء، وتفقر من تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، لا إله إلا أنت، ما أعظم وما أقوى سلطانك! وما أحسن تدبيرك! قد أنعمت على من تشاء من عبادك، فهذا المكان صاحبه في غاية النعمة، وهو متلذذ بالروائح اللطيفة، والمآكل اللذيذة، والمشارب الفاخرة في سائر الصفات، وقد حكمت في خلقك بما تريد، وما قدرته عليهم؛ فمنهم تعبان، ومنهم مستريح، ومنهم سعيد، ومنهم من هو مثلي في غاية التعب والذل. وأنشد يقول: # الظل من كل شيء شخصه %~% فظل الشقي كما هو # ظلي ~~وأصبحت في تعب زائد %~% وأمري عجيب وقد زاد # حملي ~~وغيري سعيد بلا شقوة %~% وما حمل الدهر يوما # كحملي ~~ينعم في عيشه دائما %~% ببسط وعز وشرب # وأكل ~~وكل الخلائق من نطفة %~% أنا مثل هذا وهذا ms1219 # كمثلي ~~ولكن شتان ما بيننا %~% وشتان ما بين خمر # وخل ~~ولست أقول عليك فرى %~% فأنت حكيم حكمت # بعدل # فلما فرغ السندباد الحمال من شعره ونظمه، أراد أن يحمل حملته ويسير؛ إذ قد طلع عليه من ذلك الباب غلام صغير السن، حسن الوجه، مليح القد، فاخر الملابس، فقبض على يد الحمال، وقال له: ادخل كلم سيدي، فإنه يدعوك. فأراد الحمال الامتناع من الدخول مع الغلام، فلم يقدر على ذلك؛ فحط حملته عند البواب في دهليز المكان ودخل مع الغلام داخل الدار؛ فوجد دارا مليحة، وعليها أنس ووقار، ونظر إلى مجلس عظيم، فنظر فيه من السادات الكرام، والموالي العظام، وفيه من جميع أصناف الزهر، وجميع أصناف المشموم، ومن أنواع النقل والفواكه، وشيئا كثيرا من أصناف الأطعمة النفيسة، وفيه مشروب من خواص دوالي الكروم، وفيه آلات السماع والطرب من أصناف الجواري الحسان، كل منهم في مقامه على حسب الترتيب، وفي صدر ذلك المجلس رجل عظيم محترم، قد لكزه الشيب في عوارضه، وهو مليح الصورة، حسن المنظر، وعليه هيبة ووقار، وعز وافتخار؛ فعند ذلك بهت السندباد الحمال، وقال في نفسه: والله إن هذا المكان من بقع الجنان، أو أنه يكون قصر ملك أو سلطان. ثم إنه تأدب وسلم عليهم، ودعا لهم، وقبل الأرض بين أيديهم، ووقف وهو منكس رأسه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 538 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد الحمال لما قبل الأرض بين أيديهم، وقف وهو منكس الرأس متخشع، فأذن له صاحب المكان بالجلوس، فجلس وقد قربه إليه، وصار يؤانسه بالكلام، ويرحب به، ثم إنه قدم له شيئا من أنواع الطعام المفتخر الطيب النفيس، فتقدم السندباد الحمال، وسمى وأكل حتى اكتفى وشبع، وقال: الحمد لله على كل حال. ثم إنه غسل يديه، وشكرهم على ذلك، فقال صاحب المكان: مرحبا بك، ونهارك مبارك، فما يكون اسمك؟ وما تعاني من الصنائع؟ فقال له: يا سيدي، اسمي السندباد الحمال، وأنا أحمل على رأسي أسباب الناس بالأجرة. فتبسم صاحب ms1220 المكان، وقال له: اعلم يا حمال أن اسمك مثل اسمي، فأنا السندباد البحري، ولكن يا حمال قصدي أن تسمعني الأبيات التي كنت تنشدها وأنت على الباب. فاستحى الحمال، وقال له: بالله عليك لا تؤاخذني، فإن التعب والمشقة، وقلة ما في اليد تعلم الإنسان قلة الأدب والسفه. فقال له: لا تستح؛ فأنت صرت أخي، فأنشد الأبيات، فإنها أعجبتني لما سمعتها منك، وأنت تنشدها على الباب. فعند ذلك أنشده الحمال تلك الأبيات فأعجبته، وطرب لسماعها، وقال له: يا حمال، اعلم أن لي قصة عجيبة، وسوف أخبرك بجميع ما صار لي، وما جرى لي من قبل أن أصير في هذه السعادة، وأجلس في هذا المكان الذي تراني فيه، فإني ما وصلت إلى هذه السعادة وهذا المكان إلا بعد تعب شديد، ومشقة عظيمة، وأهوال كثيرة، وكم قاسيت في الزمن الأول من التعب والنصب! وقد سافرت سبع سفرات، وكل سفرة لها حكاية عجيبة تحير الفكر، وكل ذلك بالقضاء والقدر، وليس من المكتوب مفر ولا مهرب. # الحكاية الأولى وهي أول السفرات؛ اعلموا يا سادة يا كرام أنه كان لي أب تاجر، وكان من أكابر الناس والتجار، وكان عنده مال كثير، ونوال جزيل، وقد مات وأنا ولد صغير، وخلف لي مالا وعقارا وضياعا، فلما كبرت وضعت يدي على الجميع، وقد أكلت أكلا مليحا، وشربت شربا مليحا، وعاشرت الشباب، وتجملت بلبس الثياب، ومشيت مع الخلان والأصحاب، واعتقدت أن ذلك يدوم لي وينفعني، ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان، ثم إني رجعت إلى عقلي، وأفقت من غفلتي، فوجدت مالي قد مال، وحالي قد حال، وقد ذهب جميع ما كان معي، ولم أستفق لنفسي إلا وأنا مرعوب مدهوش، وقد تفكرت حكاية كنت أسمعها سابقا؛ وهي حكاية سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام في قوله: «ثلاثة خير من ثلاثة: يوم الممات خير من يوم الولادة، وكلب حي خير من سبع ميت، والقبر خير من القصر.» ثم إني قمت وجمعت ما كان عندي من آثار وملبوس وبعته، ثم بعت عقاري ms1221 وجميع ما تملك يدي، فجمعت ثلاثة آلاف درهم، وقد خطر ببالي السفر إلى بلاد الناس، وتذكرت كلام بعض الشعراء حيث قال: # بقدر الكد تكتسب المعالي %~% ومن طلب العلا سهر # الليالي ~~يغوص البحر من طلب اللآلي %~% ويحظى بالسيادة # والنوال ~~ومن طلب العلا من غير كد %~% أضاع العمر في طلب # المحال # فعند ذلك هممت فقمت واشتريت لي بضاعة ومتاعا وأسبابا وشيئا من أغراض السفر، وقد سمحت لي نفسي بالسفر في البحر، فنزلت المركب، وانحدرت إلى مدينة البصرة مع جماعة من التجار، وسرنا في البحر مدة أيام وليال، وقد مررنا بجزيرة بعد جزيرة، ومن بحر إلى بحر، ومن بر إلى بر، وفي كل مكان مررنا به نبيع ونشتري ونقايض بالبضائع فيه، وقد انطلقنا في سير البحر إلى أن وصلنا إلى جزيرة كأنها روضة من رياض الجنة، فأرسى بنا صاحب المركب على تلك الجزيرة، ورمى مراسيها، ومد السقالة، فنزل جميع من كان في المركب في تلك الجزيرة، وقد عملوا لهم كوانين، وأوقدوا فيها النار، واختلفت أشغالهم، فمنهم من صار يطبخ، ومنهم من صار يغسل، ومنهم من صار يتفرج، وكنت أنا من جملة المتفرجين في جوانب الجزيرة، وقد اجتمعت الركاب على أكل وشرب، ولهو ولعب؛ فبينما نحن على تلك الحالة، وإذا بصاحب المركب واقف على جانبها، وصاح بأعلى صوته: يا ركاب السلامة، أسرعوا واطلعوا إلى المركب، وبادروا إلى الطلوع، واتركوا أسبابكم، واهربوا بأرواحكم، وفوزوا بسلامة أنفسكم من الهلاك، فإن هذه الجزيرة التي أنتم عليها ما هي جزيرة، وإنما هي سمكة كبيرة رست في وسط البحر، فبنى عليها الرمل فصارت مثل الجزيرة، وقد نبتت عليها الأشجار من قديم الزمان، فلما أوقدتم عليها النار أحست بالسخونة فتحركت، وفي هذا الوقت تنزل بكم في البحر فتغرقون جميعا، فاطلبوا النجاة لأنفسكم قبل الهلاك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 539 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ريس المركب لما صاح على الركاب وقال لهم: اطلبوا النجاة لأنفسكم قبل الهلاك، واتركوا الأسباب. وسمع الركاب كلام ذلك ms1222 الريس، فأسرعوا وبادروا بالطلوع إلى المركب، وتركوا الأسباب، وحوائجهم، ودسوتهم، وكوانينهم، فمنهم من لحق المركب، ومنهم من لم يلحقها، وقد تحركت تلك الجزيرة، ونزلت إلى قرار البحر بجميع ما كان عليها، وانطبق عليها البحر العجاج المتلاطم بالأمواج، وكنت أنا من جملة من تخلف في الجزيرة، فغرقت في البحر مع جملة من غرق، ولكن الله تعالى أنقذني ونجاني من الغرق، ورزقني بقصعة خشب كبيرة من التي كانوا يغسلون فيها، فمسكتها بيدي، وركبتها من حلاوة الروح، ورفصت في الماء برجلي مثل المجاديف، والأمواج تلعب بي يمينا وشمالا، وقد نشر الريس قلاع المركب، وسافر بالذين طلع بهم في المركب، ولم يلتفت لمن غرق منهم. وما زلت أنظر إلى ذلك المركب حتى خفي عن عيني، وأيقنت بالهلاك، ودخل علي الليل وأنا على هذه الحالة، فمكثت على ما أنا فيه يوما وليلة، وقد ساعدني الريح والأمواج إلى أن رست بي تحت جزيرة عالية، وفيها أشجار مطلة على البحر، فمسكت فرعا من شجرة عالية، وتعلقت به بعدما أشرفت على الهلاك، وتمسكت به إلى أن طلعت إلى الجزيرة، فوجدت في رجلي خدلا، وأثر أكل السمك في بطونهما، ولم أدر بذلك من شدة ما كنت فيه من الكرب والتعب، وقد ارتميت في الجزيرة وأنا مثل الميت، وغبت عن وجودي، وغرقت في دهشتي، ولم أزل على هذه الحالة إلى ثاني يوم، وقد طلعت الشمس علي، وانتبهت في الجزيرة، فوجدت رجلي قد ورمتا، فصرت حزينا على ما أنا فيه؛ فتارة أزحف، وتارة أحبو على ركبتي. وكان في الجزيرة فواكه كثيرة، وعيون من الماء العذب، فصرت آكل من تلك الفواكه، ولم أزل على هذه الحالة مدة أيام وليال، ولقد انتعشت نفسي، وردت لي روحي، وقويت حركتي، وصرت أتفكر وأمشي في جانب الجزيرة، وأتفرج بين الأشجار على ما خلق الله تعالى، وقد عملت لي عكازا من تلك الأشجار أتوكأ عليه. # ![fig1](../Images/figure1.png) # ليست جزيرة، وإنما هي سمكة كبيرة رست في وسط البحر، والآن تحركت. # ولم أزل على هذه الحالة إلى أن تمشيت يوما من ms1223 الأيام في جانب الجزيرة، فلاح لي شبح من بعيد، فظننت أنه وحش، أو أنه دابة من دواب البحر، فتمشيت إلى نحوه، ولم أزل أتفرج عليه، وإذا هو فرس عظيم المنظر، مربوط في جانب الجزيرة على شاطئ البحر، فدنوت منه فصرخ علي صرخة عظيمة، فارتعبت منه، وأردت أن أرجع، وإذ برجل خرج من تحت الأرض، وصاح علي وتبعني، وقال لي: من أنت؟ ومن أين جئت؟ وما سبب وصولك إلى هذا المكان؟ فقلت له: يا سيدي، اعلم أني رجل غريب، وكنت في مركب فغرقت أنا وبعض من كان فيها، فرزقني الله بقصعة خشب، فركبتها وعامت بي إلى أن رمتني الأمواج في هذه الجزيرة. فلما سمع كلامي أمسكني من يدي، وقال لي: امش معي. فسرت معه فنزل بي في سرداب تحت الأرض، ودخل بي إلى قاعة كبيرة تحت الأرض، وأجلسني في صدر تلك القاعة، وجاء لي بشيء من الطعام، وأنا كنت جائعا، فأكلت حتى شبعت واكتفيت، وارتاحت نفسي، ثم إنه سألني عن حالي، وما جرى لي، فأخبرته بجميع ما كان من أمري من المبتدأ إلى المنتهى، فتعجب من قصتي، فلما فرغت من حكايتي قلت: بالله عليك يا سيدي لا تؤاخذني، فأنا قد أخبرتك بحقيقة حالي، وما جرى لي، وأنا أشتهي منك أن تخبرني من أنت؟ وما سبب جلوسك في هذه القاعة التي تحت الأرض؟ وما سبب ربط هذه الفرس على جانب البحر؟ فقال لي: اعلم أننا جماعة متفرقون في هذه الجزيرة على جوانبها، ونحن سياس الملك المهرجان، وتحت أيدينا جميع خيوله، وفي كل شهر عند القمر نأتي بالخيل الجياد، ونربطها في هذه الجزيرة من كل بكر، ونختفي في هذه القاعة تحت الأرض حتى لا يرانا أحد، فيجيء حصان من خيول البحر على رائحة تلك الخيل، ويطلع على البر، فيلتفت فلا يرى أحدا، فيثب عليها ويقضي منها حاجته وينزل عنها، ويريد أخذها معه فلا تقدر أن تسير معه من الرباط، فيصيح عليها، ويضربها برأسه ورجليه ويصيح، فنسمع صوته، فنعلم أنه نزل عنها، فنطلع صارخين ms1224 عليه، فيخاف منا وينزل البحر والفرس تحمل منه وتلد مهرا أو مهرة تساوي خزنة مال، ولا يوجد لها نظير على وجه الأرض، وهذا وقت طلوع الحصان، وإن شاء الله تعالى آخذك معي إلى الملك المهرجان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 540 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السايس قال للسندباد البحري: آخذك معي إلى الملك المهرجان، وأفرجك على بلادنا، واعلم أنه لولا اجتماعك علينا ما كنت ترى أحدا في هذا المكان غيرنا، وكنت تموت كمدا، ولا يدري بك أحد، ولكن أنا أكون سبب حياتك ورجوعك إلى بلادك. فدعوت له وشكرته على فضله وإحسانه، فبينما نحن في هذا الكلام، وإذا بالحصان قد طلع من البحر، وصرخ صرخة عظيمة، ثم وثب على الفرس، فلما فرغ غرضه منها نزل عنها، وأراد أخذها معه فلم يقدر، ورفصت وصاحت عليه، فأخذ الرجل السايس سيفا بيده ودرقة، وطلع من باب تلك القاعة وهو يصيح على رفقته ويقول: اطلعوا إلى الحصان. ويضرب بالسيف على الدرقة، فجاء جماعة بالرماح صارخين، فجفل منهم الحصان، وراح إلى حال سبيله، ونزل في البحر مثل الجاموس، وغاب تحت الماء، فعند ذلك جلس الرجل قليلا، وإذا هو بأصحابه قد جاءوه، ومع كل واحد فرس يقودها، فنظروني عنده، فسألوني عن أمري، فأخبرتهم بما حكيته له، وقربوا مني، ومدوا السماط، وأكلوا وعزموا علي، فأكلت معهم. # ثم إنهم قاموا وركبوا الخيول، وأخذوني معهم، وركبوني على ظهر فرس وسافرنا، ولم نزل سائرين إلى أن وصلنا إلى مدينة الملك المهرجان، وقد دخلوا عليه وأعلموه بقصتي، فطلبني فأدخلوني عليه، وأوقفوني بين يديه، فسلمت عليه، فرد علي السلام، ورحب بي وحياني بإكرام، وسألني عن حالي، فأخبرته بجميع ما حصل لي، وبكل ما رأيته من المبتدأ إلى المنتهى، فعند ذلك تعجب مما وقع لي، وما جرى لي، وقال لي: يا ولدي، والله لقد حصل لك مزيد السلامة، ولولا طول عمرك ما نجوت من هذه الشدائد، ولكن الحمد لله على السلامة. ثم إنه أحسن إلي، وأكرمني وقربني ms1225 إليه، وصار يؤانسني بالكلام والملاطفة، وجعلني عنده عاملا في ميناء البحر، وكاتبا على كل مركب عبرت إلى البر، وصرت واقفا عنده لأقضي له مصالحه، وهو يحسن إلي وينفعني من كل جانب، وقد كساني كسوة مليحة فاخرة، وصرت مقدما عنده في الشفاعات، وقضاء مصالح الناس، ولم أزل عنده مدة طويلة، وأنا كلما أشق على جانب البحر أسأل التجار المسافرين والبحريين عن ناحية مدينة بغداد؛ لعل أحدا يخبرني عنها، فأروح معه إليها، وأعود إلى بلادي، فلا يعرفها أحد، ولا يعرف من يروح إليها، وقد تحيرت من ذلك، وسئمت من طول الغربة، ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان إلى أن جئت يوما من الأيام، ودخلت على الملك المهرجان، فوجدت عنده جماعة من الهنود، فسلمت عليهم، فردوا علي السلام ورحبوا بي، وقد سألوني عن بلادي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 541 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري قال: لما سألتهم عن بلادهم ذكروا لي أنهم أجناس مختلفة، فمنهم الشاكرية، وهم أشرف أجناسهم، لا يظلمون أحدا ولا يقهرونه، ومنهم جماعة تسمى البراهمة، وهم قوم لا يشربون الخمر أبدا، وإنما هم أصحاب حظ وصفاء، ولهو وطرب وجمال، وخيول ومواش، وأعلموني أن صنف اليهود يفترق على اثنتين وسبعين فرقة، فتعجبت من ذلك غاية العجب، ورأيت في مملكة المهرجان جزيرة من جملة الجزائر يقال لها كابل، يسمع فيها ضرب الدفوف والطبول طول الليل، وقد أخبرنا أصحاب الجزائر والمسافرون بأنهم أصحاب الجد والرأي، ورأيت في ذلك البحر سمكة طولها مائتا ذراع، ورأيت أيضا سمكا وجهه مثل وجه البوم، ورأيت في تلك السفرة كثيرا من العجائب والغرائب مما لو حكيته لكم لطال شرحه. # ولم أزل أتفرج على تلك الجزائر وما فيها إلى أن وقفت يوما من الأيام على جانب البحر، وفي يدي عكاز على جري عاداتي، وإذا بمركب كبيرة قد أقبلت وفيها تجار كثير، فلما وصلت إلى ميناء المدينة وفرضتها، طوى الريس قلوعها، وأرسوها على البر، ومد السقالة، وأطلع البحرية جميع ms1226 ما كان في تلك المركب إلى البر، وأبطئوا في تطليعه، وأنا واقف أكتب عليهم، فقلت لصاحب المركب: هل بقي في مركبك شيء؟ فقال: نعم يا سيدي، معي بضائع في بطن المركب، ولكن صاحبها غرق منا في البحر، في بعض الجزائر، ونحن قادمون في البحر، وصارت بضائعه معنا وديعة، فغرضنا أننا نبيعها، ونأخذ علما بثمنها لأجل أن نوصله إلى أهله في مدينة بغداد دار السلام. فقلت للريس: ما يكون اسم ذلك الرجل صاحب البضائع؟ فقال: اسمه السندباد البحري، وقد غرق منا في البحر. فلما سمعت كلامه حققت النظر فيه، فعرفته وصرخت عليه صرخة عظيمة، وقلت: يا ريس، اعلم أني أنا صاحب البضائع التي ذكرتها، وأنا السندباد البحري الذي نزلت من المركب في الجزيرة مع جملة من نزل من التجار، ولما تحركت السمكة التي كنا عليها وصحت أنت علينا طلع من طلع، وغرق الباقي، وكنت أنا من جملة من غرق، ولكن الله تعالى سلمني ونجاني من الغرق بقصعة كبيرة من التي كان الركاب يغسلون فيها، فركبتها وصرت أرفص برجلي، وساعدني الريح والموج إلى أن وصلت إلى هذه الجزيرة، فطلعت فيها وأعانني الله تعالى، واجتمعت بسياس الملك المهرجان، فحملوني معهم إلى أن أتوا بي إلى هذه المدينة، وأدخلوني عند الملك المهرجان، فأخبرته بقصتي فأنعم علي، وجعلني كاتبا على ميناء هذه المدينة، فصرت أنتفع بخدمته، وصار لي عنده قبول، وهذه البضائع التي معك بضائعي ورزقي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 542 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري حين قال للريس: هذه البضائع التي معك بضائعي ورزقي. قال الريس: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما بقي لأحد أمانة ولا ذمة. قال: فقلت له: يا ريس، ما سبب ذلك؟ وأنت سمعتني أخبرتك بقصتي. فقال الريس: لأنك سمعتني أقول: إن معي بضائع صاحبها غرق، فتريد أن تأخذها بلا حق، وهذا حرام عليك، فإننا رأيناه لما غرق، وكان معه جماعة من الركاب كثيرون، وما نجا منهم أحد، فكيف ms1227 تدعي أنت أنك صاحب البضائع؟ فقلت له: يا ريس، اسمع قصتي، وافهم كلامي يظهر لك صدقي، فإن الكذب سيمة المنافقين. # ثم إني حكيت للريس جميع ما كان مني من حين خرجت معه من مدينة بغداد إلى أن وصلنا تلك الجزيرة التي غرقنا فيها، وأخبرته ببعض أحوال جرت بيني وبينه، فعند ذلك تحقق الريس والتجار صدقي، فعرفوني وهنوني بالسلامة، وقالوا جميعا: والله ما كنا نصدق بأنك نجوت من الغرق، ولكن رزقك الله عمرا جديدا. ثم إنهم أعطوني البضائع، فوجدنا اسمي مكتوبا عليها، ولم ينقص منها شيء، ففتحتها وأخرجت منها شيئا نفيسا غالي الثمن، وحملته معي بحرية المركب، وطلعت به إلى الملك على سبيل الهدية، وأعلمت الملك بأن هذه المركب التي كنت فيها، وأخبرته أن بضائعي وصلت إلي بالتمام والكمال، وأن هذه الهدية منها، فتعجب الملك من ذلك الأمر غاية العجب، وظهر له صدقي في جميع ما قلته، وقد أحبني محبة شديدة، وأكرمني إكراما زائدا، وقد وهب لي شيئا كثيرا في نظير هديتي، ثم بعت حمولي وما كان معي من البضائع، وكسبت فيها شيئا كثيرا، واشتريت بضاعة وأسبابا ومتاعا من تلك المدينة، ولما أراد تجار المركب السفر، شحنت جميع ما كان معي في المركب، ودخلت عند الملك وشكرته على فضله وإحسانه، ثم إني استأذنته في السفر إلى بلادي وأهلي، فودعني وقد أعطاني شيئا كثيرا عند سفري من متاع تلك المدينة، وقد ودعته ونزلت المركب، وسافرنا بإذن الله تعالى، وخدمنا السعد، وساعدتنا المقادير. ولم نزل مسافرين ليلا ونهارا إلى أن وصلنا بالسلامة إلى مدينة البصرة، وطلعنا فيها، فأقمنا بها زمنا قليلا، وقد فرحت بسلامتي وعودي إلى بلادي، وبعد ذلك توجهت إلى مدينة بغداد دار السلام، ومعي من الحمول والمتاع والأسباب شيء كثير له قيمة عظيمة، ثم جئت إلى حارتي، ودخلت بيتي، وقد جاء جميع أهلي وأصحابي، ثم إني اشتريت لي خدما وحشما، ومماليك وسراري وعبيدا، حتى صار عندي شيء كثير، وقد اشتريت لي دورا وأماكن وعقارا أكثر من الأول. ثم إني عاشرت الأصحاب، ms1228 ورافقت الخلان، وصرت أكثر ما كنت عليه في الزمن الأول، وقد نسيت جميع ما كنت قاسيت من التعب والغربة والمشقة وأهوال السفر، واشتغلت باللذات والمسرات، والمآكل الطيبة والمشارب النفيسة، ولم أزل على هذه الحالة. وهذا ما كان في أول سفراتي، وفي غد إن شاء الله تعالى أحكي لكم الحكاية الثانية من السبع سفرات. # ثم إن السندباد البحري عشى السندباد البري عنده، وأمر له بمائة مثقال ذهبا، وقال له: آنستنا في هذا النهار. فشكره الحمال، وأخذ منه ما وهبه له، وانصرف إلى حال سبيله وهو متفكر فيما يقع وما يجري للناس، ويتعجب غاية العجب، ونام تلك الليلة في منزله، ولما أصبح الصباح جاء إلى بيت السندباد البحري ودخل عنده، فرحب به وأكرمه وأجلسه عنده، ولما حضر بقية أصحابه قدم لهم الطعام والشراب، وقد صفا لهم الوقت، وحصل لهم الطرب، فبدأ السندباد البحري بالكلام وقال: اعلموا يا إخواني أني كنت في ألذ عيش وأصفى سرور على ما تقدم ذكره لكم بالأمس. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 543 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما اجتمع عنده أصحابه قال لهم: إني كنت في ألذ عيش إلى أن خطر ببالي يوما من الأيام السفر إلى بلاد الناس، واشتاقت نفسي إلى التجارة، والتفرج في البلدان والجزائر، واكتساب المعاش، فهممت في ذلك الأمر، وقد أخرجت من مالي شيئا كثيرا اشتريت به بضائع وأسبابا تصلح للسفر، وحزمتها، وجئت إلى الساحل فوجدت مركبا مليحة جديدة، وله قلع قماش مليح، وهي كثيرة الرجال، زائدة العدة، ونزلت حمولي فيها أنا وجماعة من التجار، وقد سافرنا في ذلك النهار، وطاب لنا السفر، ولم نزل من بحر إلى بحر، ومن جزيرة إلى جزيرة، وكل محل رسينا عليه نقابل التجار، وأرباب الدولة، والبائعين والمشترين، ونبيع ونشتري ونقايض بالبضائع فيه. ولم نزل على هذه الحالة إلى أن ألقتنا المقادير على جزيرة مليحة كثيرة الأشجار، يانعة الأثمار، فائحة الأزهار، مترنمة الأطيار، صافية الأنهار، ولكن ليس بها ديار، ولا ms1229 نافخ نار، فأرسى بنا الريس على تلك الجزيرة، وقد طلع التجار والركاب إلى تلك الجزيرة يتفرجون على ما بها من الأشجار والأطيار، ويسبحون الله الواحد القهار، ويتعجبون من قدرة الملك الجبار، فعند ذلك طلعت إلى الجزيرة مع جملة من طلع، وجلست على عين ماء صاف بين الأشجار، وكان معي شيء من المأكل، فجلست في هذا المكان آكل ما قسم الله تعالى لي، وقد طاب لنا النسيم بذلك المكان، وصفا لي الوقت، فأخذتني سنة من النوم، فارتحت في ذلك المكان، وقد استغرقت في النوم، واستلذذت بذلك النسيم الطيب والروائح الزكية. # ثم إني قمت فلم أجد في ذلك المكان إنسيا ولا جنيا، وقد سارت المركب بالركاب، ولم يتذكرني منهم أحد لا من التجار، ولا من البحرية، فتركوني في الجزيرة، وقد التفت فيها يمينا وشمالا، فلم أجد بها أحدا غيري، فحصل عندي قهر شديد ما عليه من مزيد، وقد كادت مرارتي تنفقع من شدة ما أنا فيه من الغم والحزن والتعب، ولم يكن معي شيء من الدنيا، ولا من المأكل، ولا من المشرب، وصرت وحيدا، وقد تعبت في نفسي، وآيست من الحياة، وقلت: ما كل مرة تسلم الجرة، وإن كنت سلمت في المرة الأولى ولقيت من أخذني معه من الجزيرة إلى العمارة، ففي هذه المرة هيهات! هيهات! إن كنت أجد من يوصلني إلى بلاد العمار. # ثم إني صرت أبكي وأنوح على نفسي حتى تملكني القهر، ولمت نفسي على ما فعلته وعلى ما شرعت فيه من أمر السفر والتعب، من بعد ما كنت جالسا مرتاحا في دياري وبلادي وأنا مبسوط ومتهن بمأكول طيب ومشروب طيب وملبوس طيب، وما كنت محتاجا شيئا من المال ولا من البضائع. وصرت أتندم على خروجي من مدينة بغداد، وسفري في البحر من بعد ما قاسيت التعب في السفرة الأولى وأشرفت على الهلاك، وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقد صرت في حيز المجانين، وبعد ذلك قمت على حيلي، وتمشيت في الجزيرة يمينا وشمالا، وصرت لا أستطيع الجلوس في محل ms1230 واحد، ثم إني صعدت على شجرة عالية، وصرت أنظر من فوقها يمينا وشمالا، فلم أر غير سماء وماء، وأشجار وأطيار، وجزائر ورمال، وقد حققت النظر فلاح لي في الجزيرة شبح أبيض عظيم الخلقة، فنزلت من فوق الشجرة وقصدته، وصرت أمشي إلى ناحيته، ولم أزل سائرا إلى أن وصلت إليه، وإذا به قبة كبيرة بيضاء شاهقة في العلو كبيرة الدائرة، فدنوت منها، ودرت حولها، فلم أجد لها بابا، ولم أجد لي قوة ولا حركة إلى الصعود عليها من شدة النعومة، فعلمت مكان وقوفي، ودرت حول القبة أقيس دائرتها، فإذا هو خمسون خطوة وافية، فصرت متفكرا في الحيلة الموصلة إلى دخولها، وقد قرب زوال النهار، وغروب الشمس، وإذا بالشمس قد خفيت، والجو قد أظلم، واحتجبت الشمس عني، ظننت أنه جاء على الشمس غمامة، وكان ذلك في زمن الصيف، فتعجبت ورفعت رأسي، وتأملت في ذلك فرأيت طيرا عظيم الخلقة، كبير الجثة، عريض الأجنحة، طائرا في الجو، وهو الذي غطى عين الشمس وحجبها عن الجزيرة؛ فازددت من ذلك عجبا، ثم إني تذكرت حكاية ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 544 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما زاد تعجبه من الطائر الذي رآه في الجزيرة، تذكر حكاية أخبره بها قديما أهل السياحة والمسافرون؛ وهي أن في بعض الجزائر طيرا عظيم الخلقة يقال له الرخ، يزق أولاده بالأفيال، فتحققت أن القبة التي رأيتها إنما هي بيضة من بيض الرخ، ثم إني تعجبت من خلق الله تعالى. فبينما أنا على هذه الحالة، وإذا بذلك الطير نزل على تلك القبة، وحضنها بجناحيه، ومد رجليه من خلفه على الأرض، ونام عليها، فسبحان من لا ينام، فعند ذلك قمت فككت عمامتي من فوق رأسي، وثنيتها وفتلتها حتى صارت مثل الحبل، وتحزمت بها، وشددت وسطي، وربطت نفسي في رجلي ذلك الطائر، وشددتها شدا وثيقا، وقلت في نفسي: لعل هذا يوصلني إلى بلاد المدن والعمار، ويكون ذلك أحسن من جلوسي في هذه الجزيرة، وقد بت ms1231 تلك الليلة ساهرا؛ خوفا من أن أنام، فيطير بي على حين غفلة. فلما طلع الفجر وبان الصباح، قام الطائر من على بيضته، وصاح صيحة، واقتلع بي إلى الجو وهو يعلو ويرتفع حتى ظننت أنه وصل إلى عنان السماء، وبعد ذلك تنازل بي حتى نزل بي إلى الأرض، وحط على مكان مرتفع عال، فلما وصلت إلى الأرض أسرعت وفككت الرباط من رجليه، وأنا خائف منه، ولم يدر بي، ولم يحس بي، وبعدها فككت عمامتي منه، وخلصتها من رجليه، وأنا أنتفض، ومشيت في ذلك المكان، ثم إنه أخذ شيئا من على وجه الأرض في مخالبه، وطار إلى عنان السماء، فتأملته فإذا هو حية عظيمة الخلقة، كبيرة الجسم، قد أخذها وذهب بها إلى البحر، فتعجبت من ذلك. ثم إني تمشيت في ذلك المكان، فوجدت نفسي في مكان عال، وتحته واد كبير واسع عميق، وبجانبه جبل عظيم شاهق في العلو لا يقدر أحد أن يرى أعلاه من فرط علوه، وليس لأحد قدرة على الطلوع فوقه، فلمت نفسي على ما فعلته وقلت: يا ليتني مكثت في الجزيرة، فإنها أحسن من هذا المكان القفر؛ لأن الجزيرة كان يوجد فيها شيء آكله من أصناف الفواكه، وأشرب من أنهارها، وهذا المكان ليس فيه أشجار ولا أثمار ولا أنهار، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أنا كل ما أخلص من مصيبة أقع فيما هو أعظم منها وأشد. # ثم إني قمت وقويت نفسي، ومشيت في ذلك الوادي، فرأيت أرضه من حجر الماس الذي يثقبون به المعادن والجواهر، ويثقبون به الصيني والجزع، وهو حجر صلب يابس لا يعمل فيه الحديد ولا الصخر، ولا أحد يقدر أن يقطع منه شيئا، ولا أن يكسره إلا بحجر الرصاص، وكل ذلك الوادي حيات وأفاع، كل واحدة مثل النخلة، ومن عظم خلقتها لو جاءها فيل لابتلعته، وتلك الحيات يظهرن في الليل، ويختفين في النهار؛ خوفا من طير الرخ والنسر أن يختطفها، وبعد ذلك يقطعها، ولا أدري ما سبب ذلك؛ فأقمت بذلك الوادي، وأنا متندم ms1232 على ما فعلته، وقلت في نفسي: والله إني قد عجلت بالهلاك على نفسي، وقد ولى النهار علي فصرت أمشي في ذلك الوادي، وأتلفت على محل أبيت فيه، وأنا خائف من تلك الحيات، ونسيت أكلي وشربي ومعاشي، واشتغلت بنفسي، فلاح لي مغارة بالقرب مني، فمشيت فوجدت بابها ضيقا، فدخلتها ونظرت إلى حجر كبير عند بابها، فدفعته وسددت به باب تلك المغارة وأنا داخلها، وقلت في نفسي: إني أمنت لما دخلت في هذا المكان، وإن طلع علي النهار أطلع وأنظر ما تفعل القدرة. ثم التفت في داخل المغارة، فنظرت حية عظيمة نائمة في صدر المغارة على بيضها، فاقشعر بدني، وأقمت رأسي، وسلمت أمري للقضاء والقدر، وبت ساهرا طول الليل إلى أن طلع الفجر ولاح، فأزحت الحجر الذي سددت به باب المغارة، وخرجت منها وأنا مثل السكران دائخ من شدة السهر والجوع والخوف، وتمشيت في الوادي. فبينما أنا على هذه الحالة وإذا بذبيحة عظيمة قد سقطت قدامي، ولم أجد أحدا؛ فتعجبت من ذلك غاية العجب، وتفكرت حكاية كنت أسمعها من قديم الزمان من بعض التجار والمسافرين وأهل السياحة أن في جبال حجر الماس الأهوال العظيمة، ولا يقدر أحد أن يسلك إليه، ولكن التجار الذين يجلبونه يعملون حيلة في الوصول إليه، ويأخذون الشاة من الغنم ويذبحونها ويسلخونها، ويشرحون لحمها، ويرمونه على ذلك الجبل إلى أرض الوادي، فتنزل وهي طرية، فيلتصق بها شيء من هذه الحجارة، ثم تتركها التجار إلى نصف النهار، فتنزل الطيور من النسور والرخ إلى ذلك اللحم، وتأخذه في مخالبها، وتصعد إلى أعلى الجبل فتأتيها التجار، وتصيح عليها، فتطير من عند ذلك اللحم، ثم تتقدم التجار إلى ذلك اللحم وتخلص منه الحجارة اللاصقة به، ويتركون اللحم للطيور والوحوش، ويحملون الحجارة إلى بلادهم، ولا أحد يقدر أن يتوصل إلى مجيء حجر الماس إلا بهذه الحيلة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 545 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري صار يحكي لأصحابه جميع ما حصل له في جبل ms1233 الماس، ويخبرهم أن التجار لا يقدرون على مجيء شيء منه إلا بحيلة مثل التي ذكرها، ثم قال: فلما نظرت على تلك الذبيحة وتذكرت هذه الحكاية، قمت وجئت عند الذبيحة، فنقيت من هذه الحجارة شيئا كثيرا، وأدخلته في جيبي وبين ثيابي، وصرت أنقي وأدخل في جيوبي وحزامي وعمامتي وبين حوائجي، فبينما أنا على هذه الحالة وإذا بذبيحة كبيرة، فربطت نفسي عليها بعمامتي، ونمت على ظهري، وجعلتها على صدري، وأنا قابض عليها، فصارت عالية على الأرض، وإذا بنسر نزل على تلك الذبيحة وقبض عليها بمخالبه، واقتلع بها إلى الجو، وأنا معلق بها، ولم يزل طائرا إلى أن صعد بها إلى أعلى الجبل، وحط بها، وأراد أن ينهش منها، وإذا بصيحة عظيمة عالية من خلف ذلك النسر، وشيء يخبط بالخشب على ذلك الجبل، فجفل النسر وخاف وطار إلى الجو، ففككت نفسي من الذبيحة، وقد تلوثت ثيابي من دمها، ووقفت بجانبها، وإذا بذلك التاجر الذي صاح على النسر تقدم إلى الذبيحة فرآني واقفا، فلم يكلمني، وقد فزع مني وارتعب، وأتى الذبيحة وقلبها فلم يجد فيها شيئا، فصاح صيحة عظيمة وقال: وا خيبتاه! لا حول ولا قوة إلا بالله، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وهو يتندم ويخبط كفا على كف، ويقول: وا حسرتاه! أي شيء هذا الحال؟ فتقدمت إليه، فقال لي: من أنت؟ وما سبب مجيئك إلى هذا المكان؟ فقلت له: لا تخف ولا تخش؛ فإني إنسي من خيار الإنس، وكنت تاجرا ولي حكاية عظيمة، وقصة غريبة، وسبب وصولي إلى هذا الجبل وهذا الوادي له حكاية عجيبة، فلا تخف فلك ما يسرك مني، وأنا معي شيء كثير من حجر الماس، فأعطيك منه شيئا يكفيك، وكل قطعة معي أحسن من كل شيء يأتيك؛ فلا تجزع ولا تخف. فعند ذلك شكرني الرجل، ودعا لي، وتحدث معي، وإذا بالتجار سمعوا كلامي مع رفيقهم، فجاءوا إلي، وكان كل تاجر رمى ذبيحته، فلما قدموا علينا سلموا علي وهنوني بالسلامة، وأخذوني معهم، وأعلمتهم بجميع قصتي، وما قاسيته في سفرتي، وأخبرتهم بسبب ms1234 وصولي إلى هذه الوادي. # ثم إني أعطيت لصاحب الذبيحة التي تعلقت فيها شيئا كثيرا مما كان معي؛ ففرح بي، ودعا لي، وشكرني على ذلك، وقال لي التجار: والله إنه قد كتب لك عمر جديد، فما أحد وصل إلى هذا المكان قبلك ونجا منه، ولكن الحمد لله على سلامتك. وباتوا في مكان مليح أمان، وبت عنده وأنا فرحان غاية الفرح بسلامتي ونجاتي من وادي الحيات، ووصولي إلى بلاد العمار. ولما طلع النهار قمنا وسرنا على ذلك الجبل العظيم، وصرنا ننظر في ذلك الوادي حيات كثيرة، ولم نزل سائرين إلى أن أتينا بستانا في جزيرة عظيمة مليحة، وفيها شجر الكافور، كل شجرة منها يستظل تحتها مائة إنسان، وإذا أراد أحد أن يأخذ منه شيئا، يثقب من أعلى الشجرة بشيء طويل، ويتلقى ما ينزل منه؛ فيسيل منه ماء الكافور، ويقعد مثل الصمغ، وهو عسل ذلك الشجر، وبعد ذلك تيبس الشجرة، وتصير حطبا. وفي تلك الجزيرة صنف من الوحوش يقال له الكزكزان، يرعى فيها رعيا مثل ما يرعى البقر والجاموس في بلادنا، ولكن جسم ذلك الوحش أكبر من جسم الجمل، ويأكل العلق؛ وهو دابة عظيمة لها قرن واحد غليظ في وسط رأسها، طوله قدر عشرة أذرع، وفيه صورة إنسان، وفي تلك الجزيرة شيء من صنف البقر، وقد قال لنا البحريون المسافرون وأهل السياحة في الجبال والأراضي إن هذا الوحش المسمى بالكزكزان يحمل الفيل الكبير على قرنه، ويرعى به في الجزيرة والسواحل، ولا يشعر به، ويموت الفيل على قرنه، ويسيح دهنه من حر الشمس على رأسه، ويدخل في عينيه فيعمى فيرقد في جانب السواحل، فيجيء له طير الرخ فيحمله في مخالبه، ويروح به عند أولاده، ويزقهم به، وبما على قرنه، وقد رأيت في تلك الجزيرة شيئا كثيرا من صنف الجاموس ليس له عندنا نظير، وفي ذلك الوادي شيء كثير من حجر الماس الذي حملته معي، وخبأته في جيبي، وقايضوني عليه ببضائع ومتاع من عندهم، وحملوها لي معهم، وأعطوني دراهم ودنانير، ولم أزل سائرا معهم وأنا ms1235 أتفرج على بلاد الناس وعلى ما خلق الله، من واد إلى واد، ومن مدينة إلى مدينة، ونحن نبيع ونشتري إلى أن وصلنا إلى مدينة البصرة، وأقمنا بها أياما قلائل، ثم جئت إلى مدينة بغداد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 546 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما رجع من غيبته، ودخل مدينة بغداد دار السلام، وجاء إلى حارته، ودخل داره، ومعه من صنف حجر الماس شيء كثير، ومعه مال ومتاع، وبضائع لها صورة، وقد اجتمع بأهله وأقاربه، ثم تصدق ووهب وأعطى، وهادى جميع أهله وأصحابه، وصار يأكل طيبا، ويشرب طيبا، ويلبس لباسا مليحا، ويعاشر ويرافق، ونسي جميع ما كان قاساه، ولم يزل في هني عيش، وصفاء خاطر، وانشراح صدر، وهو في لعب وطرب، وصار كل من سمع بقدومه يجيء إليه، ويسأله عن حال السفر، وأحوال البلاد، فيخبره ويحكي له ما لقيه وما قاساه، فيتعجب من شدة ما قاساه، ويهنيه بالسلامة، وهذا آخر ما جرى له، وما اتفق له في السفرة الثانية. # ثم قال لهم: وفي غد إن شاء الله تعالى أحكي لكم حال السفرة الثالثة. فلما فرغ السندباد البحري من حكايته للسندباد البري، تعجبوا من ذلك، وتعشوا عنده، وأمر للسندباد بمائة مثقال ذهبا، فأخذها وتوجه إلى حال سبيله، وهو يتعجب مما قاساه السندباد البحري، وشكره ودعا له في بيته. ولما أصبح الصباح، وأضاء بنوره ولاح، قام السندباد الحمال، وصلى الصبح وجاء إلى بيت السندباد البحري كما أمره، ودخل إليه فصبح عليه، فرحب به وجلس معه حتى أتاه باقي أصحابه وجماعته، وقد أكلوا وشربوا، واستلذوا وطربوا وانشرحوا، فابتدأ السندباد البحري بالكلام وقال: السفرة الثالثة؛ اعلموا يا إخواني، واسمعوا مني حكايتها، فإنها أعجب من الحكايات المتقدمة قبل تاريخه، والله أعلم بغيبه وأحكم، إني فيما مضى وتقدم لما جئت من السفرة الثانية، وإني في غاية البسط والانشراح فرحان بالسلامة، وقد كسبت مالا كثيرا، كما حكيت لكم أمس تاريخه، وقد عوض الله علي جميع ما راح مني، ms1236 أقمت بمدينة بغداد مدة من الزمان، وأنا في غاية الحظ والصفاء، والبسط والانشراح، فاشتاقت نفسي إلى السفر والفرجة، وتشوقت إلى المتجر والكسب والفوائد، والنفس أمارة بالسوء، فهممت واشتريت شيئا كثيرا من البضائع المناسبة لسفر البحر، وقد حزمتها إلى السفر، وسافرت بها من مدينة بغداد إلى مدينة البصرة، وجئت إلى ساحل البحر، فرأيت مركبا عظيمة، وفيه تجار وركاب كثيرة، أهل خير وناس ملاح طيبون، أهل دين ومعروف وصلاح، فنزلت معهم في تلك المركب، وسافرنا على بركة الله تعالى بعونه وتوفيقه، وقد استبشرنا بالخير والسلامة، ولم نزل سائرين من بحر إلى بحر، ومن جزيرة إلى جزيرة، ومن مدينة إلى مدينة، وفي كل مكان مررنا عليه نتفرج ونبيع ونشتري ونحن في غاية الفرح والسرور، إلى أن كنا يوما من الأيام سائرين في وسط البحر العجاج المتلاطم بالأمواج، فإذا بالريس وهو على جانب المركب ينظر على نواحي البحر، ثم إنه لطم وجهه وطوى قلوع المركب، ورمى مراسيه، ونتف لحيته، ومزق ثيابه، وصاح صياحا عظيما، فقلنا له: يا ريس، ما الخبر؟ فقال: اعلموا يا ركاب السلامة أن الريح غلب علينا، وقد عسف بنا في وسط البحر، ورمتنا المقادير لسوء بختنا إلى جبل القرود، وما وصل إلى هذا المكان أحد وسلم منه قط، وقد أحس قلبي بهلاكنا أجمعين. # فما استتم قول الريس حتى جاءنا القرود، وقد احتاطوا بالمركب من كل جانب، وهم شيء كثير مثل الجراد المنتشر في المركب، وعلى البر؛ فخفنا إن قتلنا منها أحدا وضربناه، أو طردناه، أن يقتلونا لفرط كثرتهم، والكثرة تغلب الشجاعة، وبقينا خائفين منهم أن ينهبوا رزقنا ومتاعنا، وهم أقبح الوحوش، وعليهم شعور مثل اللبد الأسود، ورؤيتهم تفزع، ولا يفهم أحد لهم كلاما ولا خبرا، وهم مستوحشون من الناس، صفر العيون، سود الوجوه، صغار الخلقة، طول كل واحد منهم أربعة أشبار، وقد طلعوا على حبال المرساة، وقطعوها بأسنانهم، وقطعوا جميع حبال المركب من كل جانب، فمالت المركب من الريح، ورست على جبلهم، وصارت المركب في برهم، وقد قبضوا على جميع التجار ms1237 والركاب، وطلعوا إلى الجزيرة، وأخذوا المركب بجميع ما كان فيها، وراحوا بها إلى حال سبيلهم، وقد تركونا في الجزيرة، وخفيت عنا المركب ولا نعلم أين راحوا بها؟ # فبينما نحن في تلك الجزيرة نأكل من أثمارها وبقولها وفواكهها، ونشرب من الأنهار التي فيها، إذ لاح لنا بيت عامر في وسط تلك الجزيرة، فقصدناه ومشينا إليه، فإذا هو قصر مشيد الأركان، عالي الأسوار، له باب بدرفتين مفتوح، وهو من خشب الأبنوس، فدخلنا باب ذلك القصر فوجدنا له حضيرا واسعا مثل الحوش الواسع الكبير، وفي دائره أبواب كثيرة عالية في صدره ومصطبة عالية كبيرة، وفيها أواني طبيخ معلقة على الكوانين، وحواليها عظام كثيرة، ولم نر فيها أحدا، فتعجبنا من ذلك غاية العجب، وقد جلسنا في حضير ذلك القصر قليلا، ثم بعد ذلك نمنا، ولم نزل نائمين من ضحوة النهار إلى غروب الشمس، وإذا بالأرض قد ارتجت من تحتنا، وسمعنا دويا من الجو، وقد نزل علينا من أعلى القصر شخص عظيم الخلقة في صفة إنسان، وهو أسود اللون طويل القامة كأنه نخلة عظيمة، وله عينان كأنهما شعلتان من نار، وله أنياب مثل أنياب الخنازير، وله فم عظيم الخلقة مثل فم البئر، وله مشافر مثل الجمل مرخية على صدره، وله أذنان مثل الجرسين مرخيتان على أكتافه، وأظافر يديه مثل مخالب السبع؛ فلما نظرناه على هذه الحالة غبنا عن وجودنا، وقوي خوفنا، واشتد فزعنا، وصرنا مثل الموتى من شدة الخوف والجزع والفزع. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 547 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري ورفقته لما رأوا هذا الشخص الهائل الصورة، حصل لهم غاية الخوف والفزع، فلما نزل على الأرض جلس قليلا على المصطبة، ثم إنه قام وجاء عندنا، ثم إنه قبض على يدي من بين أصحابي التجار، ورفعني بيده عن الأرض، وجسني وقلبني، فصرت في يده مثل اللقمة الصغيرة، وصار يجسني مثل ما يجس الجزار ذبيحة الغنم، فوجدني ضعيفا من كثرة القهر، هزيلا من كثرة التعب والسفر، وليس ms1238 في شيء من اللحم، فأطلقني من يده، وأخذ واحدا غيري من رفقتي وقلبه كما قلبني، وجسه كما جسني وأطلقه، ولم يزل يجسنا ويقلبنا واحدا بعد واحد إلى أن وصل إلى ريس المركب الذي كنا فيه، وكان رجلا سمينا غليظا، عريض الأكتاف، صاحب قوة وشدة، فأعجبه وقبض عليه مثل ما يقبض الجزار على ذبيحته، ورماه على الأرض، ووضع رجله على رقبته، فقصف رقبته، وجاء بسيخ طويل فأدخله في حلقه حتى أخرجه من دبره، وأوقد نارا شديدة، وركب عليها ذلك السيخ الذي مشكوك فيه الريس، ولم يزل يقلبه على الجمر حتى استوى لحمه، وأطلعه من النار وحطه قدامه، وفسخه كما يفسخ الفرخة الرجل، وصار يقطع لحمه بأظافره، ويأكل منه، ولم يزل على هذه الحالة حتى أكل لحمه، ونهش عظمه، ولم يبق منه شيئا، ورمى باقي العظام في جنب القصر. ثم إنه جلس قليلا وانطرح ونام على تلك المصطبة، وصار يشخر مثل شخير الخروف أو البهيمة المذبوحة، ولم يزل نائما إلى الصباح، ثم قام وخرج إلى حال سبيله. فلما تحققنا بعده، تحدثنا مع بعضنا، وبكينا على أرواحنا، وقلنا: يا ليتنا غرقنا في البحر، أو أكلتنا القرود خير من شي الإنسان على الجمر، والله إن هذا الموت موت رديء، ولكن ما شاء الله كان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لقد متنا كمدا، ولم يدر بنا أحد، وما بقي لنا نجاة من هذا المكان. # ثم إننا قمنا وخرجنا إلى الجزيرة لننظر لنا مكانا نختفي فيه أو نهرب، وقد هان علينا أن نموت ولا يشوى لحمنا بالنار، فلم نجد مكانا نختفي فيه، وقد أدركنا المساء، فعدنا إلى القصر من شدة خوفنا، وجلسنا قليلا، وإذا بالأرض قد ارتجت من تحتنا، وأقبل علينا ذلك الشخص الأسود، وجاء عندنا، وصار يقلبنا واحدا بعد واحد مثل المرة الأولى، ويجسنا حتى أعجبه واحد، فقبض عليه، وفعل به مثل ما فعل بالريس في أول يوم، فشواه وأكله على تلك المصطبة، ولم يزل نائما في تلك الليلة وهو يشخر مثل ms1239 الذبيحة، فلما طلع النهار قام وراح إلى حال سبيله، وتركنا على جري عادته، فاجتمعنا ببعضنا وتحدثنا، وقلنا لبعضنا: والله أن نلقي أنفسنا في البحر ونموت غرقا خير من أن نموت حرقا؛ لأن هذه قتلة شنيعة. فقال واحد منا: اسمعوا كلامي، إننا نحتال عليه، ونرتاح من همه، ونريح المسلمين من عدوانه وظلمه. فقلت لهم: اسمعوا يا إخواني، إن كان ولا بد من قتله، فإننا نحول هذا الخشب، وننقل شيئا من هذا الحطب، ونعمل لنا فلكا مثل المركب، وبعد ذلك نحتال في قتله، وننزل في الفلك، ونروح في البحر إلى أي محل يريده الله، وإننا نقعد في هذا المكان حتى يمر علينا مركب فننزل فيه، وإن لم نقدر على قتله ننزل ونروح في البحر، ولو كنا نغرق فنرتاح من شينا على النار، ومن الذبح، وإن سلمنا سلمنا، وإن غرقنا متنا شهداء. فقالوا جميعا: والله هذا رأي سديد، وفعل رشيد. واتفقنا على هذا الأمر، وشرعنا في فعله، فنقلنا الأخشاب إلى خارج القصر، وصنعنا فلكا، وربطناه على جانب البحر، ونزلنا فيه شيئا من الزاد، وعدنا إلى القصر. # فلما كان وقت المساء، وإذا بالأرض قد ارتجت بنا، ودخل علينا الأسود وهو كأنه الكلب العقور، ثم قلبنا، وجسنا واحدا بعد واحد، فأخذ واحدا منا وفعل به مثل ما فعل بسابقه، وأكله ونام على المصطبة، وصار شخيره مثل الرعد، فنهضنا وقمنا، وأخذنا سيخين من حديد من الأسياخ المنصوبة، ووضعناهما في النار القوية حتى احمرا وصارا مثل الجمر، وقبضنا عليهما قبضا شديدا، وجئنا بهما إلى ذلك الأسود وهو نائم يشخر، ووضعناهما في عينيه، واتكأنا عليهما جميعا بقوتنا وعزمنا، فأدخلناهما في عينيه وهو نائم، فانطمستا، وصاح صيحة عظيمة، فارتعبت قلوبنا، ثم قام من فوق تلك المصطبة بعزمه، وصار يفتش علينا، ونحن نهرب منه يمينا وشمالا، ولم ينظرنا وقد عمي بصره؛ فخفنا منه مخافة شديدة، وأيقنا في تلك الساعة بالهلاك، وآيسنا من النجاة، فعند ذلك قصد الباب وهو يحسس، وخرج منه وهو يصيح، ونحن في غاية الرعب منه، وإذا بالأرض ms1240 ترتج من تحتنا من شدة صوته، فلما خرج من القصر تبعناه، وراح إلى حال سبيله، وهو يدور علينا، ثم إنه رجع ومعه أنثى أكبر وأوحش خلقة، فلما رأيناه والتي معه أفظع حالة منه، خفنا غاية الخوف، فلما رأونا أسرعنا ونهضنا فككنا الفلك الذي صنعناه، ونزلنا فيه ودفعناه في البحر، وكان مع كل واحد منهما صخرة عظيمة، وصارا يرجماننا بها إلى أن مات أكثرنا من الرجم، وبقي منا ثلاثة أشخاص؛ أنا واثنان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 548 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما نزل في الفلك هو وأصحابه، وصار يرجمهم الأسود ورفيقته، فمات أكثرهم، ولم يبق منهم إلا ثلاثة أشخاص، فطلع بهم الفلك إلى جزيرة. قال: فمشينا إلى آخر النهار، فدخل علينا الليل ونحن على هذه الحالة، فنمنا قليلا، واستيقظنا من منامنا، وإذا بثعبان عظيم الخلقة، كبير الجثة، واسع الجوف، قد أحاط بنا، وقصد واحدا منا فبلعه إلى أكتافه، ثم بلع باقيه، فسمعنا أضلاعه تتكسر في بطنه، وراح إلى حال سبيله، فتعجبنا من ذلك غاية العجب، وحزنا على رفيقنا، وصرنا في غاية الخوف على أنفسنا، وقلنا: والله هذا أمر عجيب، كل موت أشنع من سابقه، وكنا فرحنا بسلامتنا من الأسود، فما تمت الفرحة! لا حول ولا قوة إلا بالله، والله قد نجونا من الأسود ومن الغرق، فكيف تكون نجاتنا من هذه الآفة المشئومة؟ ثم إننا قمنا فمشينا في الجزيرة، وأكلنا من ثمرها، وشربنا من أنهارها، ولم نزل فيها إلى وقت المساء، فوجدنا شجرة عظيمة عالية فطلعناها، ونمنا فوقها، وقد طلعت أنا أعلى فروعها، فلما دخل الليل وأظلم الوقت، جاء الثعبان وتلفت يمينا وشمالا، ثم إنه قصد تلك الشجرة التي نحن عليها، ومشى حتى وصل إلى رفيقي، وبلعه حتى أكتافه، والتف به على الشجرة، فسمعت عظمه يتكسر في بطنه، ثم بلعه بتمامه وأنا أنظر بعيني. ثم إن الثعبان نزل من فوق تلك الشجرة، وراح إلى حال سبيله، ولم أزل على تلك الشجرة باقي ms1241 تلك الليلة، فلما طلع النهار وبان النور، نزلت من فوق الشجرة، وأنا مثل الميت من كثرة الخوف والفزع، وأردت أن ألقي بنفسي في البحر، وأستريح من الدنيا، فلم تهن علي روحي؛ لأن الروح عزيزة، فربطت خشبة عريضة على أقدامي بالعرض، وربطت واحدة مثلها على جنبي الشمال، ومثلها على جنبي اليمين، ومثلها على بطني، وربطت واحدة طويلة عريضة من فوق رأسي بالعرض، مثل التي تحت أقدامي، وصرت أنا في وسط هذا الخشب، وهو محتاط بي من كل جانب، وقد شددت ذلك شدا وثيقا، وألقيت نفسي بالجميع على الأرض، فصرت نائما بين تلك الأخشاب، وهي محيطة بي كالمقصورة. # ![fig2](../Images/figure2.png) # وإذا بثعبان عظيم الخلقة، كبير الجثة، واسع الجوف، قصد واحدا منا. # فلما أمسى الليل أقبل ذلك الثعبان على جري عادته، ونظر إلي وقصدني، فلم يقدر أن يبلعني وأنا على تلك الحالة، والأخشاب حولي من كل جانب، فدار الثعبان حولي، ولم يستطع الوصول إلي، وأنا أنظر بعيني، وقد صرت كالميت من شدة الخوف والفزع، وصار الثعبان يبعد عني ويعود إلي، ولم يزل على هذه الحالة، وكلما أراد الوصول إلي ليبتلعني تمنعه تلك الأخشاب المشدودة علي من كل جانب، ولم يزل كذلك من غروب الشمس إلى أن طلع الفجر، وبان النور وأشرقت الشمس، فمضى الثعبان إلى حال سبيله، وهو في غاية ما يكون من القهر والغيظ؛ فعند ذلك مددت يدي، وفككت نفسي من تلك الأخشاب، وأنا في حكم الأموات من شدة ما قاسيت من ذلك الثعبان، ثم إني قمت ومشيت في الجزيرة حتى انتهيت إلى آخرها، فلاحت مني التفاتة إلى ناحية البحر، فرأيت مركبا على بعد في وسط اللجة، فأخذت فرعا كبيرا من شجرة، ولوحت به إلى ناحيتهم، وأنا أصيح عليهم، فلما رأوني قالوا: لا بد أننا ننظر ما يكون هذا، لعله إنسان. ثم إنهم قربوا مني، وسمعوا صياحي عليهم، فجاءوا إلي، وأخذوني معهم في المركب، وسألوني عن حالي، فأخبرتهم بجميع ما جرى لي من أوله إلى آخره، وما قاسيته من الشدائد؛ فتعجبوا من ذلك غاية ms1242 العجب، ثم إنهم ألبسوني من عندهم ثيابا، وستروا عورتي، وبعد ذلك قدموا لي شيئا من الزاد، فأكلت حتى اكتفيت، وسقوني ماء باردا عذبا، فانتعش قلبي، وارتاحت نفسي، وحصل لي راحة عظيمة، وأحياني الله تعالى بعد موتي، فحمدت الله تعالى على نعمه الوافرة، وشكرته، وقد قويت همتي بعدما كنت أيقنت بالهلاك، حتى تخيل لي أن جميع ما أنا فيه منام. ولم نزل سائرين، وقد طاب لنا الريح بإذن الله تعالى إلى أن أشرفنا على جزيرة يقال لها جزيرة السلاهطة، فأوقف الريس المركب عليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 549 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المركب الذي نزل فيه السندباد البحري رسا على جزيرة، فنزل منه جميع التجار والركاب، وأطلعوا بضائعهم ليبيعوا ويشتروا. قال السندباد البحري: فالتفت إلي صاحب المركب وقال لي: اسمع كلامي أنت رجل غريب فقير، وقد أخبرتنا أنك قاسيت أهوالا كثيرة، ومرادي أنفعك بشيء يعينك على الوصول إلى بلادك، وتبقى تدعو لي. فقلت له: نعم، ولك مني الدعاء. فقال: اعلم أنه كان معنا رجل مسافر فقدناه، ولم نعلم هل هو بالحياة أم مات؟ ولم نسمع عنه خبرا، ومرادي أن أدفع لك حموله لتبيعها في هذه الجزيرة وتحفظها، ونعطيك شيئا في نظير تعبك وخدمتك، وما بقي منها نأخذه إلى أن نعود إلى مدينة بغداد، فنسأل عن أهله، وندفع إليهم بقيتها، وثمن ما بيع منها، فهل لك أن تتسلمها، وتنزل بها هذه الجزيرة، فتبيعها مثل التجار؟ فقلت: سمعا وطاعة لك يا سيدي، ولك الفضل والجميل. ودعوت له وشكرته على ذلك، فعند ذلك أمر الحمالين والبحرية بإخراج تلك البضائع إلى الجزيرة، وأن يسلموها إلي، فقال كاتب المركب: يا ريس، ما هذه الحمول التي أطلعها البحرية والحمالون؟ واكتبها باسم من من التجار؟ فقال: اكتب عليها اسم السندباد البحري الذي كان معنا، وغرق في الجزيرة، ولم يأتنا عنه خبر، فنريد أن هذا الغريب يبيعها، ويحمل ثمنها، ونعطيه شيئا منه نظير تعبه وبيعه، والباقي نحمله معنا حتى نرجع إلى ms1243 مدينة بغداد، فإن وجدناه أعطيناه إياه، وإن لم نجده ندفعه إلى أهله في مدينة بغداد. فقال الكاتب: كلامك مليح، ورأيك رجيح. # فلما سمعت كلام الريس وهو يذكر أن الحمول باسمي، قلت في نفسي: والله أنا السندباد البحري، وأنا غرقت في الجزيرة مع جملة من غرق. ثم إني تجلدت وصبرت إلى أن طلع التجار من المركب، واجتمعوا يتحدثون ويتذاكرون في أمور البيع والشراء، فتقدمت إلى صاحب المركب، وقلت له: يا سيدي، هل تعرف كيف كان صاحب الحمول التي سلمتها إلي لأبيعها؟ فقال لي: لا أعلم له حالا، ولكنه كان رجلا من مدينة بغداد يقال له السندباد البحري، وقد أرسينا على جزيرة من الجزائر، فغرق منا فيها خلق كثير، وفقد بجملتهم، ولم نعلم له خبرا إلى هذا الوقت. فعند ذلك صرخت صرخة عظيمة، وقلت له: يا ريس السلامة، اعلم أني أنا السندباد البحري لم أغرق، ولكن لما أرسيت على الجزيرة، وطلع التجار والركاب طلعت أنا مع جملة الناس، ومعي شيء آكله بجانب الجزيرة، ثم إني تلذذت بالجلوس في ذلك المكان، فأخذتني سنة من النوم فنمت وغرقت في النوم، ثم إني قمت فلم أجد المركب، ولم أجد أحدا عندي، وهذا المال مالي، وهذه البضائع بضائعي، وجميع التجار الذين يجلبون حجر الماس رأوني وأنا في جبل الماس، ويشهدون لي بأني أنا السندباد البحري كما أخبرتهم بقصتي، وما جرى لي معكم في المركب، وأخبرتهم بأنكم نسيتموني في الجزيرة نائما، وقمت فلم أجد أحدا، وجرى لي ما جرى. فلما سمع التجار والركاب كلامي اجتمعوا علي، فمنهم من صدقني، ومنهم من كذبني. # فبينما نحن كذلك، وإذا بتاجر من التجار حين سمعني أذكر وادي الماس نهض وتقدم عندي، وقال لهم: اسمعوا يا جماعة كلامي، إني لما كنت ذكرت لكم أعجب ما رأيت في أسفاري، لما ألقينا الذبائح في وادي الماس، وألقيت ذبيحتي معهم على جري عادتي، طلع في ذبيحتي رجل متعلق بها، ولم تصدقوني بل كذبتموني. فقالوا: نعم، حكيت لنا على هذا الأمر، ولم نصدقك. فقال لهم التاجر: ms1244 هذا الرجل الذي تعلق في ذبيحتي، وقد أعطاني شيئا من حجر الماس الغالي الثمن الذي لا يوجد نظيره، وعوضني أكثر ما كان يطلع لي في ذبيحتي، وقد استصحبته معي إلى أن وصلنا إلى مدينة البصرة، وبعد ذلك توجه إلى بلاده، وودعنا، ورجعنا إلى بلادنا، وهو هذا، وأعلمنا أن اسمه السندباد البحري، وقد أخبرنا بذهاب المركب وجلوسه في هذه الجزيرة، واعلموا أن هذا الرجل ما جاءنا هنا إلا لتصدقوا كلامي مما قلته لكم، وهذه البضائع كلها رزقه، فإنه أخبرنا بها في وقت اجتماعه علينا، وقد ظهر صدقه في قوله. فلما سمع الريس كلام ذلك التاجر قام على حيله، وجاء عندي، وحقق في النظر ساعة، وقال: ما علامة بضائعك؟ فقلت له: اعلم أن علامة بضائعي ما هو كذا وكذا. وقد أخبرته بأمر كان بيني وبينه لما نزلت معه المركب من البصرة، فتحقق أني أنا السندباد البحري فعانقني، وسلم علي، وهنأني بالسلامة، وقال لي: والله يا سيدي، إن قصتك عجيبة، وأمرك غريب، ولكن الحمد لله الذي جمع بيننا وبينك، ورد بضائعك ومالك عليك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 550 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما تبين للريس والتجار أنه هو بعينه، وقال له الريس: الحمد لله الذي رد بضائعك ومالك عليك. قال: فعند ذلك تصرفت في بضائعي بمعرفتي، وربحت بضائعي في تلك السفرة شيئا كثيرا، وفرحت بذلك فرحا عظيما، وهنأت نفسي بالسلامة وعود مالي إلي، ولم نزل نبيع ونشتري في الجزائر إلى أن وصلنا إلى بلاد السند، وقد بعنا فيها واشترينا، ورأيت في ذلك البحر شيئا من العجائب والغرائب لا يعد ولا يحصى، ومن جملة ما رأيت في ذلك البحر سمكة على صفة البقرة، وشيئا على صفة الحمير، ورأيت طيرا يخرج من صدف البحر ويبيض، ويفرخ على وجه الماء، ولا يطلع من البحر على وجه الأرض أبدا. وبعد ذلك لم نزل مسافرين بإذن الله تعالى، وقد طاب لنا الريح والسفر إلى أن وصلنا إلى البصرة، ms1245 وقد أقمت بها أياما قلائل، وبعد ذلك جئت إلى مدينة بغداد فتوجهت إلى حارتي، ودخلت بيتي، وسلمت على أهلي وأصحابي وأصدقائي، وقد فرحت بسلامتي وعودتي إلى بلادي وأهلي ومدينتي ودياري، وتصدقت ووهبت، وكسوت الأرامل والأيتام، وجمعت أصحابي وأحبابي، ولم أزل على هذه الحالة في أكل وشرب ولهو وضرب، وأنا آكل طيبا، وأشرب طيبا، وأعاشر وأخالط، وقد نسيت جميع ما كان جرى لي، وما قاسيت من الشدائد والأهوال، وكسبت شيئا في هذه السفرة لا يعد ولا يحصى، وهذا أعجب ما رأيته في هذه السفرة، وفي غد إن شاء الله تعالى تجيء إلي وأحكي لك حكاية السفرة الرابعة؛ فإنها أعجب من هذه السفرات. # ثم إن السندباد البحري أمر بأن يدفعوا إليه مائة مثقال من الذهب على جري عادته، وأمر بمد السماط فمدوه، وتعشى الجماعة، وهم يتعجبون من تلك الحكاية، وما جرى فيها، ثم إنهم بعد العشاء انصرفوا إلى حال سبيلهم، وقد أخذ السندباد الحمال ما أمر له به من الذهب، وانصرف إلى حال سبيله، وهو متعجب مما سمعه من السندباد البحري، وبات في بيته، ولما أصبح الصباح، وأضاء بنوره ولاح، قام السندباد الحمال، وصلى الصبح، وتمشى إلى السندباد البحري، وقد دخل إليه وسلم عليه، وتلقاه بالفرح والانشراح، وأجلسه عنده إلى أن حضر بقية أصحابه، وقد قدموا الطعام فأكلوا وشربوا وانبسطوا، فبدأهم بالكلام، وحكى لهم الحكاية الرابعة. # قال السندباد البحري: اعلموا يا إخواني أني لما عدت إلى مدينة بغداد، واجتمعت على أصحابي وأهلي، وصرت في أعظم ما يكون من الهناء والسرور والراحة، وقد نسيت ما كنت فيه لكثرة الفوائد، وغرقت في اللهو والطرب، ومجالسة الأحباب والأصحاب، وأنا في ألذ ما يكون من العيش، فحدثتني نفسي الخبيثة بالسفر إلى بلاد الناس، وقد اشتقت إلى مصاحبة الأجناس والبيع والمكسب، فهممت في ذلك الأمر، واشتريت بضاعة نفيسة تناسب البحر، وحزمت حمولة كثيرة زيادة عن العادة، وسافرت من مدينة بغداد إلى مدينة البصرة، ونزلت حمولتي في المركب، واصطحبت بجماعة من أكابر البصرة، وقد توجهنا إلى السفر وسارت ms1246 بنا المركب على بركة الله تعالى في البحر العجاج، المتلاطم بالأمواج، وطاب لنا السفر، ولم نزل على هذه الحالة مدة ليال وأيام من جزيرة إلى جزيرة، ومن بحر إلى بحر إلى أن خرجت علينا ريح مختلفة يوما من الأيام، فرمى الريس مراسي المركب، وأوقفها في وسط البحر؛ خوفا عليها من الغرق في وسط الإباحة، فبينما نحن على هذه الحالة ندعو ونتضرع إلى الله تعالى، إذ خرج علينا عاصف ريح شديد، مزق القلع، وقطعه قطعا، وغرق الناس، وجميع حمولهم، وما معهم من المتاع والأموال، وغرقت أنا بجملة من غرق، وعمت في البحر نصف نهار، وقد تخليت عن نفسي، فيسر الله تعالى لي قطعة لوح خشب من ألواح المركب، فركبتها أنا وجماعة من التجار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 551 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري بعد أن غرقت المركب، وطلع على لوح خشب هو وجماعة من التجار، قال: اجتمعنا على بعضنا، ولم نزل راكبين على ذلك اللوح، ونرفص بأرجلنا في البحر والأمواج والريح تساعدنا، فمكثنا على هذه الحالة يوما وليلة، فلما كان ثاني يوم ضحوة نهار، ثار علينا ريح وهاج البحر، وقوي الموج والريح، فرمانا الماء على جزيرة، ونحن مثل الموتى من شدة السهر والتعب والبرد، والجوع والخوف والعطش، وقد مشينا في جوانب تلك الجزيرة، فوجدنا فيها نباتا كثيرا، فأكلنا منه شيئا يسد رمقنا ويقيتنا، وبتنا تلك الليلة على جانب الجزيرة. # فلما أصبح الصباح، وأضاء بنوره ولاح، قمنا ومشينا في الجزيرة يمينا وشمالا، فلاح لنا عمارة على بعد، فسرنا في تلك الجزيرة قاصدين تلك العمارة التي رأيناها من بعد، ولم نزل سائرين إلى أن وقفنا على بابها، فبينما نحن واقفون هناك إذ خرج علينا من ذلك الباب جماعة عراة ولم يكلمونا، وقد قبضوا علينا، وأخذونا عند ملكهم، فأمرنا بالجلوس فجلسنا، وقد أحضروا لنا طعاما لم نعرفه ولا في عمرنا رأينا مثله، فلم تقبله نفسي ولم آكل منه شيئا دون رفقتي، وكان قلة أكلي منه ms1247 لطفا من الله تعالى حتى عشت إلى الآن. فلما أكل أصحابي من ذلك الطعام، ذهلت عقولهم وصاروا يأكلون مثل المجانين وتغيرت أحوالهم، وبعد ذلك أحضروا لهم دهن النارجيل فسقوهم منه، ودهنوهم منه، فلما شرب أصحابي من ذلك الدهن زاغت أعينهم في وجوههم، وصاروا يأكلون من ذلك الطعام بخلاف أكلهم المعتاد، فعند ذلك احترت في أمرهم، وصرت أتأسف عليهم، وقد صار عندي هم عظيم من شدة الخوف على نفسي من هؤلاء العرايا. وقد تأملتهم فإذا هم قوم مجوس، وملك مدينتهم غول، وكل من وصل إلى بلادهم أو رأوه أو صادفوه في الوادي والطرقات يجيئون به إلى ملكهم، ويطعمونه من ذلك الطعام، ويدهنونه بذلك الدهن؛ فيتسع جوفه لأجل أن يأكل كثيرا، ويذهل عقله، وتنطمس فكرته، ويصير مثل الأبله، فيزيدون له الأكل والشرب من ذلك الطعام والدهن حتى يسمن ويغلظ، فيذبحونه ويشوونه، ويطعمونه لملكهم. وأما أصحاب الملك، فيأكلون من لحم الإنسان بلا شي ولا طبخ. # فلما نظرت منهم ذلك الأمر، صرت في غاية الكرب على نفسي وعلى أصحابي، وقد صار أصحابي من فرط ما دهشت عقولهم لا يعلمون ما يفعل بهم، وقد سلموهم إلى شخص فصار يأخذهم كل يوم، ويخرج يرعاهم في تلك الجزيرة مثل البهائم، وأما أنا فقد صرت من شدة الخوف والجوع ضعيفا سقيم الجسم، وصار لحمي يابسا على عظمي، فلما رأوني على هذه الحالة تركوني ونسوني، ولم يتذكرني منهم أحد، ولا خطرت لهم على بال، إلى أن تحيلت يوما من الأيام، وخرجت من ذلك المكان، ومشيت في تلك الجزيرة، وبعدت عن ذلك المكان، فرأيت رجلا راعيا جالسا على شيء مرتفع في وسط البحر، فتحققته فإذا هو الرجل الذي سلموا إليه أصحابي ليرعاهم، ومعه شيء كثير من مثلهم؛ فلما نظر ذلك الرجل إلي، علم أني مالك عقلي ولم يصبني شيء مما أصاب أصحابي؛ فأشار إلي من بعيد وقال لي: ارجع إلى خلفك وامش في الطريق الذي على يمينك تسلك إلى الطريق السلطانية. فرجعت إلى خلفي كما أشار لي هذا الرجل، فنظرت ms1248 إلى طريق على يميني فسرت فيها، ولم أزل سائرا ساعة أجري من الخوف، وساعة أمشي على مهلي حتى أخذت راحتي، ولم أزل على هذه الحالة حتى خفيت عن عيون الرجل الذي دلني على الطريق وصرت لا أنظره ولا ينظرني، وغابت الشمس عني وأقبل الظلام؛ فجلست لأستريح وأردت النوم، فلم يأتني في تلك الليلة نوم من شدة الخوف والجوع والتعب. # فلما أنصف الليل، قمت ومشيت في الجزيرة، ولم أزل سائرا حتى طلع النهار، وأصبح الصباح، وأضاء بنوره ولاح، وطلعت الشمس على رءوس الروابي والبطاح، وقد تعبت وجعت وعطشت، فصرت آكل من الحشيش والنبات الذي في الجزيرة، ولم أزل آكل من ذلك النبات حتى شبعت، وانسد رمقي، وبعد ذلك قمت ومشيت في الجزيرة ولم أزل على هذه الحالة طول النهار والليل، وكلما أجوع آكل من النبات، ولم أزل على هذه الحالة مدة سبعة أيام بلياليها، فلما كانت صبيحة اليوم الثامن لاحت مني نظرة، فرأيت شبحا من بعيد، فسرت إليه، ولم أزل سائرا إلى أن حصلته بعد غروب الشمس، فحققت النظر فيه وأنا بعيد عنه، وقلبي خائف من الذي قاسيته أولا وثانيا، وإذا هم جماعة يجمعون حب الفلفل، فلما قربت منهم ونظروني تسارعوا إلي، وجاءوا عندي، وقد أحاطوا بي من كل جانب، وقالوا لي: من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ فقلت لهم: اعلموا يا جماعة أني رجل غريب مسكين. وأخبرتهم بجميع ما كان من أمري، وما جرى لي من الأهوال والشدائد، وما قاسيته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 552 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما رأى الجماعة الذين يجمعون الفلفل في الجزيرة وسألوه عن حاله، حكى لهم جميع ما جرى له، وما قاساه من الشدائد، فقالوا: والله هذا أمر عجيب، ولكن كيف خلاصك من السودان؟ وكيف مرورك عليهم في هذه الجزيرة وهم خلق كثيرون، ويأكلون الناس، ولا يسلم منهم أحد، ولا يقدر أن يجوز عليهم أحد؟ فأخبرتهم بما جرى لي معهم، وكيف أخذوا أصحابي، وأطعموهم الطعام ms1249 ولم آكل منه؛ فهنوني بالسلامة، وصاروا يتعجبون مما جرى لي، ثم أجلسوني عندهم حتى فرغوا من شغلهم، وأتوني بشيء من الطعام المليح، فأكلت منه وكنت جائعا، وارتحت عندهم ساعة من الزمان، وبعد ذلك أخذوني، ونزلوا بي في مركب، وجاءوا إلى جزيرتهم ومساكنهم، وقد عرضوني على ملكهم، فسلمت عليهم ورحب بي وأكرمني، وسألني عن حالي، فأخبرته بما كان من أمري، وما جرى لي، وما اتفق لي من يوم خروجي من مدينة بغداد إلى حين وصلت إليه، فتعجب ملكهم من قصتي وما اتفق لي غاية العجب، هو ومن كان حاضرا في مجلسه، ثم إنه أمرني بالجلوس عنده فجلست، وأمر بإحضار الطعام فأحضروه، فأكلت منه على قدر كفايتي، وغسلت يدي، وشكرت فضل الله تعالى وحمدته، وأثنيت عليه. # ثم إني قمت من عند ملكهم، وتفرجت في مدينته؛ فإذا هي مدينة عامرة كثيرة الأهل والمال، كثيرة الطعام والأسواق والبضائع والبائعين والمشترين؛ ففرحت بوصولي إلى تلك المدينة، وارتاح خاطري، واستأنست بأهلها، وصرت عندهم وعند ملكهم معززا مكرما، زيادة على أهل مملكته من عظماء مدينته، ورأيت جميع أكابرها وأصاغرها يركبون الخيول الجياد الملاح من غير سروج، فتعجبت من ذلك، ثم إني قلت للملك: لأي شيء يا مولاي لم تركب على سرج؟ فإن فيه راحة للراكب، وزيادة قوة. فقال لي: كيف يكون السرج؟ هذا شيء عمرنا ما رأيناه، ولا ركبنا عليه. فقلت له: هل لك أن تأذن لي أن أصنع لك سرجا تركب عليه، وتنظر حظه؟ فقال لي: افعل. فقلت له: أحضر لي شيئا من الخشب. فأمر لي بإحضار جميع ما طلبته؛ فعند ذلك طلبت نجارا شاطرا، وجلست عنده، وعلمته صنعة السرج، وكيف يعمله، ثم إني أخذت صوفا ونفشته، وصنعت منه لبدا، وأحضرت جلدا وألبسته للسرج وصقلته، ثم إني ركبت سيوره، وشددت شريحته، وبعد ذلك أحضرت الحداد، ووصفت له كيفية الركاب، فدق ركابا عظيما، وبردته، وبيضته بالقزدير، ثم إني شددت له أهدابا من الحرير، وبعد ذلك قمت وجئت بحصان من خيار خيول الملك، وشددت عليه ذلك السرج، وعلقت ms1250 فيه الركاب، وألجمته بلجام، وقدمته إلى الملك؛ فأعجبه ولاق بخاطره وشكرني، وركب عليه، وقد حصل له فرح شديد بذلك السرج، وأعطاني شيئا كثيرا في نظير عملي له. فلما نظرني وزيره عملت ذلك السرج، طلب مني واحدا مثله، فعملت له سرجا مثله، وقد صار أكابر الدولة وأصحاب المناصب يطلبون مني السروج، فأفعل لهم، وعلمت النجار صنعة السرج، والحداد صنعة الركاب، وصرنا نعمل السروج والركابات، ونبيعها للأكابر والمخاديم، وقد جمعت من ذلك مالا كثيرا، وصار لي عندهم مقام كبير، وحبوني محبة زائدة، وبقيت صاحب منزلة عالية عند الملك وجماعته، وعند أكابر البلد وأرباب الدولة، إلى أن جلست يوما من الأيام عند الملك وأنا في غاية السرور والعز. # فبينما أنا جالس قال لي الملك: اعلم يا هذا أنك صرت معززا مكرما عندنا، وواحدا منا، ولا نقدر على مفارقتك، ولا نستطيع خروجك من مدينتنا، ومقصودي منك شيء تطيعني فيه، ولا ترد قولي. فقلت له: وما الذي تريد مني أيها الملك؟ فإني لا أرد قولك؛ لأنه صار لك فضل وجميل وإحسان علي، والحمد لله أنا صرت من بعض خدامك. فقال: أريد أن أزوجك عندنا بزوجة حسنة، مليحة ظريفة، صاحبة مال وجمال، وتصير مستوطنا عندنا، وأسكنك عندي وفي قصري، فلا تخالفني، ولا ترد كلمتي. فلما سمعت كلام الملك استحييت منه وسكت، ولم أرد عليه جوابا من كثرة الحياء منه، فقال لي: لم لا ترد علي يا ولدي؟ فقلت له: يا سيدي، الأمر أمرك يا ملك الزمان. فأرسل من وقته وساعته، وأحضر القاضي والشهود، وزوجني في ذلك الوقت بامرأة شريفة القدر، عالية النسب، كثيرة المال والنوال، عظيمة الأصل، بديعة الجمال والحسن، صاحبة أماكن وأملاك وعقارات. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 553 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري بعد أن زوجه الملك وعقد له على امرأة عظيمة، قال: ثم إنه أعطاني بيتا عظيما مليحا بمفرده، وأعطاني خدما وحشما، ورتب له جرايات وجوامك، وصرت في غاية الراحة والبسط والانشراح، ونسيت جميع ما ms1251 حصل لي من التعب والمشقة والشدة، وقلت في نفسي: إذا سافرت إلى بلادي آخذها معي، وكل مقدر على الإنسان لا بد منه، ولم يعلم أحد بما يجري له، وقد أحببتها وأحبتني محبة عظيمة، ووقع الوفاق بيني وبينها، وقد أقمنا في ألذ عيش وأرغد مورد. ولم نزل على هذه الحالة مدة من الزمان، فأفقد الله تعالى زوجة جاري، وكان صاحبا لي، فدخلت إليه لأعزيه في زوجته، فرأيته في أسوأ حال، وهو مهموم تعبان السر والخاطر، فعند ذلك عزيته وسليته، وقلت له: لا تحزن على زوجتك، الله يعوضك خيرا بأحسن منها، ويكون عمرك طويلا إن شاء الله تعالى. فبكى بكاء شديدا، وقال لي: يا صاحبي، كيف أتزوج بغيرها؟ أو كيف يعوضني الله خيرا منها، وأنا بقي من عمري يوم واحد؟ فقلت له: يا أخي، ارجع لعقلك، ولا تبشر على روحك بالموت؛ فإنك طيب بخير وعافية. فقال لي صاحبي: وحياتك في غد تعدمني، وما بقيت عمرك تنظرني. فقلت له: وكيف ذلك؟ فقال لي: في هذا النهار يدفنون زوجتي، ويدفنوني معها في القبر، فإنها عادتنا في بلادنا، إذا ماتت المرأة يدفنون معها زوجها بالحياة، وإن مات الرجل يدفنون معه زوجته بالحياة، حتى لا يتلذذ أحد منهم بالحياة بعد رفيقه. فقلت له: بالله إن هذه العادة رديئة جدا، وما يقدر عليها أحد. # فبينما نحن في ذلك الحديث، وإذا بغالب أهل المدينة قد حضروا وصاروا يعزون صاحبي في زوجته، وفي نفسه، وقد شرعوا في تجهيزها على جري عادتهم، فأحضروا تابوتا، وحملوا فيه المرأة، وذلك الرجل معهم، وخرجوا بهما إلى خارج المدينة، وأتوا إلى مكان في جانب الجبل على البحر، وتقدموا على مكان، ورفعوا عنه حجرا كبيرا، فبان من تحت ذلك الحجر خرزة من حجر مثل خرزة البئر، فرموا تلك المرأة فيها، وإذا هو جب كبير تحت الجبل، ثم إنهم جاءوا بذلك الرجل، وربطوه تحت صدره في سلبة، وأنزلوه في ذلك الجب، وأنزلوا عنده كوز ماء عذب كبيرا، وسبعة أرغفة من الزاد، ولما نزلوه، فك نفسه من ms1252 السلبة، فسحبوا السلبة، وغطوا فم البئر بذلك الحجر مثلما كان، وانصرفوا إلى حال سبيلهم، وتركوا صاحبي عند زوجته في الجب، فقلت في نفسي: والله إن هذا الموت أصعب من الموت الأول. ثم إني جئت عند ملكهم وقلت له: يا سيدي، كيف تدفنون الحي مع الميت في بلادكم؟ فقال لي: اعلم أن هذه عادتنا في بلادنا، إذا مات الرجل ندفن معه زوجته، وإذا ماتت المرأة ندفن معها زوجها بالحياة حتى لا نفرق بينهما في الحياة، ولا في الممات، وهذه العادة عن أجدادنا. فقلت: يا ملك الزمان، وكذلك الرجل الغريب مثلي إذا ماتت زوجته عندكم تفعلون به مثل ما فعلتم بهذا؟ فقال لي: نعم، ندفنه معها، ونفعل به كما رأيت. فلما سمعت ذلك الكلام منه انشقت مرارتي من شدة الغم والحزن على نفسي، وذهل عقلي، وصرت خائفا أن تموت زوجتي قبلي فيدفنوني معها وأنا بالحياة. ثم إني سليت نفسي وقلت: لعلي أموت أنا قبلها، ولا يعلم أحد السابق من اللاحق. وصرت أتلهى في بعض الأمور، فما مضت مدة يسيرة بعد ذلك حتى مرضت زوجتي، وقد مكثت أياما قلائل وماتت، فاجتمع غالب الناس يعزونني، ويعزون أهلها فيها، وقد جاءني الملك يعزيني فيها على جري عادتهم. # ثم إنهم جاءوا لها بغاسلة فغسلوها، وألبسوها أفخر ما عندها من الثياب والمصاغ والقلائد والجواهر من المعادن، فلما ألبسوا زوجتي وحطوها في التابوت، وحملوها وراحوا بها إلى ذلك الجبل، ورفعوا الحجر عن فم الجب وألقوها فيه، تقدم جميع أصحابي وأهل زوجتي يودعونني في روحي، وأنا أصيح بينهم: أنا رجل غريب، وليس لي صبر على عادتكم. وهم لا يسمعون قولي، ولا يلتفتون إلى كلامي؛ ثم إنهم أمسكوني وربطوني بالغصب، وربطوا معي سبعة أقراص من الخبز، وماء عذب على جري عادتهم، وأنزلوني في ذلك البئر، فإذا هو مغارة كبيرة تحت ذلك الجبل، وقالوا لي: فك نفسك من الحبال. فلم أرض أن أفك نفسي، فرموا علي الحبال، ثم غطوا فم ذلك البئر بذلك الحجر الكبير الذي كان عليه، وراحوا إلى حال ms1253 سبيلهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 554 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما حطوه في المغارة مع زوجته التي ماتت، وردوا باب المغارة، وراحوا إلى حال سبيلهم، قال: وأما أنا فإني رأيت في تلك المغارة أمواتا كثيرة، ورائحتها منتنة كريهة، فلمت نفسي على ما فعلته، وقلت: والله إني أستحق جميع ما يجري لي، وما يقع لي. ثم إني صرت أعرف الليل من النهار، وصرت أتقوت باليسير، ولا آكل حتى يكاد أن يقطعني الجوع، ولا أشرب حتى يشتد بي العطش، وأنا خائف أن يفرغ ما عندي من الزاد والماء، وقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أي شيء بلاني بالزواج في هذه المدينة؟ وكلما أقول خرجت من مصيبة أقع في مصيبة أقوى منها، والله إن موتي هذا موت مشئوم، يا ليتني غرقت في البحر، أو مت في الجبال، كان أحسن لي من هذا الموت الرديء. ولم أزل على هذه الحالة ألوم نفسي، ونمت على عظام الأموات، واستعنت بالله، وصرت أتمنى الموت فلم أجده من شدة ما أنا فيه، ولم أزل على هذه الحالة حتى أحرق قلبي الجوع، وألهبني العطش، فقعدت وحسست على الخبز، وأكلت منه شيئا قليلا، وتجرعت عليه شيئا قليلا من الماء، ثم إني قمت وقفت على حيلي وصرت أمشي في جوانب تلك المغارة، فرأيتها متسعة الجوانب، خالية البطون، ولكن في أرضها أموات كثيرة، وعظام رميمة من قديم الزمان، فعند ذلك عملت لي مكانا في جانب المغارة بعيدا عن الموتى الطريين، وصرت أنام فيه، وقد قل زادي، ولم يبق معي إلا شيء يسير، وقد كنت آكل في كل يوم أو أكثر أكلة وأشرب شربة؛ خوفا من فراغ الماء والزاد من عندي قبل موتي. # ولم أزل على هذه الحالة إلى أن جلست يوما من الأيام. فبينما أنا جالس متفكر في نفسي كيف أفعل إذا فرغ زادي والماء من عندي، وإذا بالصخرة قد تزحزحت من مكانها، ونزل منه النور عندي، فقلت: يا ms1254 ترى ما الخبر؟ وإذا بالقوم واقفون على رأس البئر وقد نزلوا رجلا ميتا، وامرأة معه بالحياة، وهي تبكي وتصيح على نفسها، وقد نزلوا عندها شيئا كثيرا من الزاد والماء، فصرت أنظر المرأة وهي لم تنظرني، وقد غطوا فم البئر بالحجر، وانصرفوا إلى حال سبيلهم، فقمت أنا وأخذت في يدي قصبة رجل ميت، وجئت إلى المرأة وضربتها في وسط رأسها، فوقعت على الأرض مغشيا عليها، فضربتها ثانيا وثالثا فماتت، فأخذت خبزها وما معها، ورأيت عليها شيئا كثيرا من الحلي والحلل والقلائد والجواهر والمعادن، ثم إني أخذت الماء والزاد الذي مع المرأة، وقعدت في الموضع الذي كنت عملته في جانب المغارة لأنام فيه، وصرت آكل من ذلك الزاد شيئا قليلا على قدر ما يقوتني حتى لا يفرغ بسرعة فأموت من الجوع والعطش، وأقمت في تلك المغارة مدة من الزمان، وأنا كل من دفنوه أقتل من دفن معه بالحياة، وآخذ أكله وشربه أتقوت به، إلى أن كنت نائما يوما من الأيام فاستيقظت من منامي، وسمعت شيئا يكركب في جانب المغارة، فقلت: ما يكون هذا؟ ثم إني قمت ومشيت نحوه ومعي قصبة رجل ميت، فلما أحس بي فر وهرب مني، فإذا هو وحش، فتبعته إلى صدر المغارة، فبان لي نور من مكان صغير مثل النجمة، تارة يبان لي، وتارة يخفى عني، فلما نظرته قصدت نحوه، وبقيت كلما أتقرب منه يظهر لي نور منه ويتسع؛ فعند ذلك تحققت أنه خرق في تلك المغارة ينفذ للخلاء، فقلت في نفسي: لا بد أن يكون لهذا المكان حركة، إما أن يكون فما ثانيا مثل الذي نزلوني منه، وإما أن يكون تخريق من هذا المكان. # ثم إني تفكرت في نفسي ساعة من الزمان، ومشيت إلى ناحية النور، وإذا به نقب في ظهر الجبل من الوحوش نقبوه، وصاروا يدخلون منه إلى هذا المكان، ويأكلون الموتى حتى يشبعوا ويطلعوا من ذلك النقب، فلما رأيته هدأت واطمأنت نفسي، وارتاح قلبي، وأيقنت بالحياة بعد الممات، وصرت كأني في المنام، ثم إني عالجت حتى ms1255 طلعت من ذلك النقب، فرأيت نفسي على جانب البحر المالح فوق جبل عظيم، وهو قاطع بين البحرين، وبين الجزيرة والمدينة، ولا يستطيع أحد الوصول إليه، فحمدت الله تعالى وشكرته، وفرحت فرحا عظيما، وقوي قلبي. ثم إني بعد ذلك رجعت من النقب إلى تلك المغارة، ونقلت جميع ما فيها من الزاد والماء الذي كنت وفرته، ثم إني أخذت من ثياب الأموات، ولبست شيئا منها غير الذي كان علي، وأخذت مما عليهم شيئا كثيرا من أنواع العقود والجواهر، وقلائد اللؤلؤ، والمصاغ من الفضة والذهب المرصع بأنواع المعادن والتحف، وربطت في ثيابي ثياب الموتى، وطلعتها من النقب إلى ظهر الجبل، ووقفت على جانب البحر، وبقيت في كل يوم أنزل المغارة وأطلع عليها، وكل من دفنوه آخذ زاده وماءه وأقتله سواء كان ذكرا أو أنثى، وأطلع من ذلك النقب فأجلس على جانب البحر لأنتظر الفرج من الله تعالى بمركب تجوز علي، وصرت أنقل من تلك المغارة كل شيء رأيته من المصاغ، وأربطه في ثياب الموتى، ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 555 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري صار ينقل من تلك المغارة ما يلقاه فيها من المصاغ وغيره، ويجلس على جانب البحر مدة من الزمان، قال: فبينما أنا جالس يوما من الأيام على جانب البحر وأنا متفكر في أمري، وإذا بمركب جائز في وسط البحر العجاج المتلاطم بالأمواج، فأخذت في يدي ثوبا أبيض من ثياب الموتى، وربطته في عكاز، وجريت به على شاطئ البحر، وصرت أشير إليهم بذلك الثوب حتى لاحت منهم التفاتة، فرأوني وأنا في رأس الجبل، فجاءوا إلي وسمعوا صوتي، وأرسلوا إلي زورقا من عندهم وفيه جماعة من المركب، فلما قربوا مني قالوا: من أنت؟ وما سبب جلوسك في هذا المكان؟ وكيف وصلت إلى هذا الجبل؟ وما في عمرنا رأينا أحدا جاء إليه. فقلت لهم: إني رجل تاجر، غرقت المركب التي كنت فيها، فطلعت على لوح ومعي ms1256 حوائجي، وقد سهل الله علي بالطلوع إلى هذا المكان وحوائجي معي باجتهادي وشطارتي بعد تعب شديد. فأخذوني معهم في الزورق وحملوا جميع ما كنت أخذته من المغارة مربوطا في الثياب والأكفان، وساروا بي إلى أن طلعوني المركب عند الريس ومعي حوائجي؛ فقال لي الريس: يا رجل، كيف وصولك إلى هذا المكان وهو جبل عظيم ووراءه مدينة عظيمة، وأنا عمري أسافر في هذا البحر وأجوز على هذا الجبل، فلم أر أحدا فيه غير الوحوش والطيور؟ فقلت له: إني رجل تاجر، كنت في مركب كبيرة وقد انكسرت وغرق جميع أسبابي من هذا القماش والثياب كما تراها، فوضعتها على لوح كبير من ألواح المركب، فساعدتني القدرة والنصيب حتى طلعت على الجبل، وقد صرت أنتظر أحدا يجوز فيأخذني معه. ولم أخبرهم بما جرى لي في المدينة ولا في المغارة؛ خوفا أن يكون معهم أحد في المركب من تلك المدينة. # ثم إني طلعت لصاحب المركب شيئا كثيرا من مالي وقلت له: يا سيدي، أنت سبب نجاتي من هذا الجبل، فخذ هذا مني نظير جميلك الذي فعلته معي. فلم يقبله مني وقال لي: نحن لا نأخذ من أحد شيئا، وإذا رأينا غريقا على جانب البحر أو في الجزيرة نحمله معنا ونطعمه ونسقيه، وإن كان عريانا نكسوه، ولما نصل إلى بندر السلامة نعطيه شيئا من عندنا هدية، ونعمل معه المعروف والجميل لوجه الله تعالى. فعند ذلك دعوت له بطول العمر. ولم نزل مسافرين من جزيرة إلى جزيرة، ومن بحر إلى بحر، وأنا أرجو النجاة، وصرت فرحانا بسلامتي، وكلما أتفكر قعودي في المغارة مع زوجتي يغيب عقلي، وقد وصلنا بقدرة الله مع السلامة إلى مدينة البصرة، فطلعت إليها وأقمت فيها أياما قلائل، وبعدها جئت إلى مدينة بغداد، فجئت إلى حارتي ودخلت داري، وقابلت أهلي وأصحابي، وسألت عنهم؛ ففرحوا بسلامتي وهنوني، وقد خزنت جميع ما كان معي من الأمتعة في حواصلي، وتصدقت ووهبت وكسوت الأيتام والأرامل، وصرت في غاية البسط والسرور، وقد عدت لما كنت عليه من المعاشرة والمرافقة، ms1257 ومصاحبة الإخوان، واللهو والطرب، وهذا أعجب ما صار لي في السفرة الرابعة، ولكن يا أخي تعشى عندي، وخذ عادتك، وفي غد تجيء عندي فأخبرك بما كان لي وما جرى لي في السفرة الخامسة؛ فإنها أعجب وأغرب مما سبق. # ثم أمر له بمائة مثقال ذهبا، ومد السماط، وتعشى الجماعة، وانصرفوا إلى حال سبيلهم، وهم متعجبون غاية العجب، وكل حكاية أعظم من التي قبلها، وقد راح السندباد الحمال إلى منزله، وبات في غاية البسط والانشراح وهو متعجب، ولما أصبح الصباح، وأضاء بنوره ولاح، قام السندباد البري وصلى الصبح، وتمشى إلى أن دخل دار السندباد البحري وصبح عليه، فرحب به وأمره بالجلوس عنده حتى جاء بقية أصحابه، فأكلوا وشربوا، وتلذذوا وطربوا، ودارت بينهم المحادثة، فابتدأ السندباد البحري بالكلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 556 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري ابتدأ بالكلام فيما جرى له وما وقع له في الحكاية الخامسة، فقال: اعلموا يا إخواني أني لما رجعت من السفرة الرابعة، وقد غرقت في اللهو والطرب والانشراح، وقد نسيت جميع ما كنت لقيته، وما جرى لي وما قاسيته، من شدة فرحي بالمكسب والربح والفوائد، فحدثتني نفسي بالسفر، والتفرج في بلاد الناس وفي الجزائر، فقمت وهممت في ذلك الوقت، واشتريت بضاعة نفيسة تناسب البحر، وحزمت الحمول، وسرت من مدينة بغداد، وتوجهت إلى مدينة البصرة، ومشيت على جانب الساحل، فرأيت مركبا كبيرة عالية مليحة، فأعجبتني فاشتريتها، وكانت عدتها جديدة، واكتريت لها ريسا وبحرية، ونظرت عليها عبيدي وغلماني، وأنزلت فيها حمولي، وجاءني جماعة من التجار فنزلوا حمولهم فيها، ودفعوا إلي الأجرة، وسرنا ونحن في غاية الفرح والسرور، وقد استبشرنا بالسلامة والكسب، ولم نزل مسافرين من جزيرة إلى جزيرة، ومن بحر إلى بحر، ونحن نتفرج في الجزائر والبلدان، ونطلع إليها نبيع فيها ونشتري. # ولم نزل على هذه الحالة إلى أن وصلنا يوما من الأيام إلى جزيرة خالية من السكان، وليس فيها أحد، وهي خراب قفرا، وفيها قبة عظيمة بيضاء كبيرة ms1258 الحجم، فطلعنا نتفرج عليها، وإذا هي بيضة رخ كبيرة، فلما طلع التجار إليها وتفرجوا عليها، ولم يعلموا أنها بيضة رخ، ضربوها بالحجارة فكسرت، ونزل منها ماء كثير، وقد بان منها فرخ الرخ، فسحبوه منها وطلعوه من تلك البيضة وذبحوه، وأخذوا منه لحما كثيرا، وأنا في المركب ولم أعلم، ولم يطلعوني على ما فعلوه، فعند ذلك قال لي واحد من الركاب: يا سيدي، قم تفرج على هذه البيضة التي نحسبها قبة. فقمت لأتفرج عليها، فوجدت التجار يضربون البيضة، فصحت عليهم: لا تفعلوا هذا الفعل، فيطلع طير الرخ ويكسر مركبنا ويهلكنا. فلم يسمعوا كلامي، فبينما هم على هذه الحالة، وإذا بالشمس قد غابت عنا، والنهار أظلم، وصار فوقنا غمامة أظلم الجو منها، فرفعنا رءوسنا لننظر ما الذي حال بيننا وبين الشمس؟ فرأينا أجنحة الرخ هي التي حجبت عنا ضوء الشمس حتى أظلم الجو؛ وذلك لما جاء الرخ ورأى بيضته انكسرت، صاح علينا، فجاءت رفيقته وصارا حائمين على المركب يصرخان علينا بصوت أشد من الرعد، فصحت أنا على الريس والبحرية، وقلت لهم: ادفعوا المركب، واطلبوا السلامة قبل ما نهلك. فأسرع الريس، وطلع التجار، وحل المركب، وسرنا في تلك الجزيرة. # فلما رآنا الرخ سرنا في البحر، غاب عنا ساعة من الزمان، وقد سرنا وأسرعنا في السير بالمركب نريد الخلاص منهما، والخروج من أرضهما، وإذا بهما قد تبعانا، وأقبلا علينا، وفي رجلي كل واحد منهما صخرة عظيمة من الجبل، فألقى الصخرة التي كانت معه علينا، فجذب الريس المركب، وقد أخطأها نزول الصخرة بشيء قليل، فنزلت في البحر تحت المركب، فقامت بنا المركب وقعدت من عظم وقوعها في البحر، وقد رأينا قرار البحر من شدة عزمها. ثم إن رفيقة الرخ ألقت علينا الصخرة التي معها وهي أصغر من الأولى، فنزلت بالأمر المقدر على مؤخر المركب فكسرته، وطيرت الدفة عشرين قطعة، وقد غرق جميع ما كان في المركب في البحر، فصرت أحاول النجاة لحلاوة الروح، فقدر الله تعالى لي لوحا من ألواح المركب، فشبطت فيه وركبته، وصرت ms1259 أقدف عليه برجلي، والريح والموج يساعداني على السير، وكانت المركب غرقت بالقرب من جزيرة في وسط البحر، فرمتني المقادير بإذن الله تعالى إلى تلك الجزيرة، فطلعت عليها وأنا على آخر نفس، وفي حالة الموتى من شدة ما قاسيته من التعب والمشقة، والجوع والعطش، ثم إني انطرحت على شاطئ البحر ساعة من الزمان حتى ارتاحت نفسي، واطمأن قلبي، ثم مشيت في تلك الجزيرة فرأيتها كأنها روضة من رياض الجنة، أشجارها يانعة، وأنهارها دافقة، وطيورها مغردة، تسبح من له العزة والبقاء، وفي تلك الجزيرة شيء كثير من الأشجار والفواكه وأنواع الأزهار، فعند ذلك أكلت من الفواكه حتى شبعت، وشربت من تلك الأنهار حتى رويت، وحمدت الله تعالى على ذلك، وأثنيت عليه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 557 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما طلع من الغرق إلى الجزيرة، وأكل من فواكهها وشرب من أنهارها وحمد الله وأثنى عليه، قال: ولم أزل على هذه الحالة قاعدا في الجزيرة إلى أن أمسى المساء، وأقبل الليل، وأنا مثل القتيل مما حصل لي من التعب والخوف، ولم أسمع في تلك الجزيرة صوتا، ولم أر فيها أحدا، ولم أزل راقدا فيها إلى الصباح، ثم قمت على حيلي ومشيت بين تلك الأشجار، فرأيت ساقية على عين ماء جارية، وعند تلك الساقية شيخ جالس مليح، وذلك الشيخ مؤزر بإزار من ورق الأشجار، فقلت في نفسي: لعل هذا الشيخ طلع إلى هذه الجزيرة، وهو من الغرقاء الذين كسرت بهم المركب. ثم دنوت منه وسلمت عليه، فرد علي السلام بالإشارة ولم يتكلم، فقلت له: يا شيخ، ما سبب جلوسك في هذا المكان؟ فحرك رأسه وتأسف، وأشار لي بيده؛ يعني احملني على رقبتك، وانقلني من هذا المكان إلى جانب الساقية الثانية، فقلت في نفسي: أعمل مع هذا معروفا، وأنقله إلى هذا المكان الذي يريده، لعل ثوابه يحصل لي. فتقدمت إليه وحملته على أكتافي، وجئت إلى المكان الذي أشار لي إليه، وقلت له: انزل على ms1260 مهلك. فلم ينزل عن أكتافي، وقد لف رجليه على رقبتي، فنظرت إلى رجليه، فرأيتهما مثل جلد الجاموس في السواد والخشونة، ففزعت منه وأردت أن أرميه من فوق أكتافي، فقرط على رقبتي برجليه وخنقني بهما حتى اسودت الدنيا في وجهي، وغبت عن وجودي، ووقعت في الأرض مغشيا علي مثل الميت، فرفع ساقيه وضربني على ظهري وعلى أكتافي، فحصل لي ألم شديد، فنهضت قائما به وهو راكب على أكتافي، وقد تعبت منه، فأشار لي بيده أن أدخل بين الأشجار إلى أطيب الفواكه، وإذا خالفته يضربني برجليه ضربا أشد من ضرب الأسواط. ولم يزل يشير لي بيده إلى كل مكان أراده وأنا أمشي به إليه، وإن توانيت أو تمهلت يضربني، وأنا معه شبه الأسير، وقد دخلنا في وسط الجزيرة بين الأشجار، وصار يبول ويخري على أكتافي، ولا ينزل ليلا ولا نهارا، وإذا أراد النوم يلف رجليه على رقبتي وينام قليلا، ثم يقوم ويضربني فأقوم مسرعا به، ولا أستطيع مخالفته من شدة ما أقاسي منه، وقد لمت نفسي على ما كان مني من حمله والشفقة عليه. ولم أزل معه على هذه الحالة وأنا في أشد ما يكون من التعب، وقلت في نفسي: أنا فعلت مع هذا خيرا، فانقلب علي شرا، والله ما بقيت أفعل مع أحد خيرا طول عمري. وقد صرت أتمنى الموت من الله تعالى في كل وقت وكل ساعة من كثرة ما أنا فيه من التعب والمشقة. # ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان إلى أن جئت به يوما من الأيام إلى مكان في الجزيرة، فوجدت فيه يقطينا كثيرا، ومنه شيء يابس، فأخذت منه واحدة كبيرة يابسة، وفتحت رأسها وصفيتها ومشيت بها إلى شجرة العنب، فملأتها منها، وسددت رأسها، ووضعتها في الشمس، وتركتها مدة أيام حتى صارت خمرا صرفا، وصرت كل يوم أشرب منه لأستعين به على تعبي مع ذلك الشيطان المريد، وكلما سكرت منها تقوى همتي، فنظرني يوما من الأيام وأنا أشرب، فأشار لي بيده: ما هذا؟ فقلت له: هذا ms1261 شيء مليح يقوي القلب ويشرح الخاطر. ثم إني جريت به ورقصت بين الأشجار، وحصل لي نشوة من السكر، فصفقت وغنيت وانشرحت، فلما رآني على هذه الحالة، أشار لي أن أناوله اليقطينة ليشرب منها، فخفت منه وأعطيتها له، فشرب ما كان باقيا فيها، ورماها على الأرض، وقد حصل له طرب، فصار يهتز على أكتافي، ثم إنه سكر وغرق في السكر، وقد ارتخت جميع أعضائه وفرائصه، وصار يتمايل من فوق أكتافي، فلما علمت بسكره وأنه غاب عن الوجود، مددت يدي إلى رجليه، وفككتهما من رقبتي، ثم ملت به إلى الأرض، وألقيته عليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 558 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما ألقى الشيطان عن أكتافه على الأرض قال: فما صدقت أني خلصت نفسي ونجوت من ذلك الأمر الذي كنت فيه، ثم إني خفت منه أن يقوم من سكره ويؤذيني، وأخذت صخرة عظيمة من بين الأشجار وجئت إليه، فضربته على رأسه وهو نائم، فاختلط لحمه بدمه، وقد قتل، فلا رحمة الله عليه. وبعد ذلك مشيت في الجزيرة وقد ارتاح خاطري، وجئت إلى المكان الذي كنت فيه على ساحل البحر، ولم أزل في تلك الجزيرة آكل من أثمارها، وأشرب من أنهارها مدة من الزمان، وأنا أترقب مركبا تمر علي، إلى أن كنت جالسا يوما من الأيام متفكرا فيما جرى لي، وما كان من أمري، وأقول في نفسي: يا ترى، هل يبقيني الله سالما، ثم أعود إلى بلادي، وأجتمع بأهلي وأصحابي؟ وإذا بمركب قد أقبلت من وسط البحر العجاج المتلاطم بالأمواج، ولم تزل سائرة حتى رست على تلك الجزيرة، وطلع منها الركاب إلى الجزيرة، فمشيت إليهم، فلما نظروني أقبلوا علي كلهم مسرعين، واجتمعوا حولي وقد سألوني عن حالي، وما سبب وصولي إلى تلك الجزيرة، فأخبرتهم بأمري، وما جرى لي، فتعجبوا من ذلك غاية العجب، وقالوا لي: إن هذا الرجل الذي ركب على أكتافك يسمى شيخ البحر، وما أحد دخل تحت أعضائه وخلص منه إلا ms1262 أنت، والحمد لله على سلامتك. # ثم إنهم جاءوا إلي بشيء من الطعام، فأكلت حتى اكتفيت، وأعطوني شيئا من الملبوس لبسته، وسترت به عورتي، ثم أخذوني معهم في المركب وقد سرنا أياما وليالي، فرمتنا المقادير على مدينة عالية البناء، جميع بيوتها مطلة على البحر، وتلك المدينة يقال لها مدينة القرود، ولما يدخل الليل يأتي الناس الذين هم ساكنون في تلك المدينة، ويخرجون من هذه الأبواب التي على البحر، ثم ينزلون في زوارق ومراكب، ويبيتون في البحر خوفا من القرود أن تنزل عليهم في الليل من الجبال. فطلعت أتفرج في تلك المدينة، فسافرت المركب ولم أعلم، فندمت على طلوعي إلى تلك المدينة، وتذكرت رفقتي وما جرى لي مع القرود أولا وثانيا، فقعدت أبكي وأنا حزين، فتقدم إلي رجل من أصحاب هذه البلد وقال لي: يا سيدي، كأنك غريب في هذه الديار؟ فقلت له: نعم، أنا غريب ومسكين، وكنت في مركب قد رست على تلك المدينة، فطلعت منه لأتفرج في المدينة، وعدت إليها فلم أرها. فقال: قم وسر معنا وانزل الزورق، فإنك إن قعدت في المدينة ليلا أهلكتك القرود. فقلت له: سمعا وطاعة. وقمت من وقتي وساعتي ونزلت معهم في الزورق، ودفعوه من البر حتى أبعدوه عن ساحل البحر مقدار ميل، وباتوا تلك الليلة وأنا معهم. # فلما أصبح الصباح رجعوا بالزورق إلى المدينة، وطلعوا وراح كل واحد منهم إلى شغله، ولم تزل هذه عادتهم في كل ليلة، وكل من تخلف منهم في المدينة بالليل، جاء إليه القرود وأهلكوه، وفي النهار تطلع القرود إلى خارج المدينة فيأكلون من أثمار البساتين، ويرقدون في الجبال إلى وقت المساء، ثم يعودون إلى المدينة. وهذه المدينة في أقصى بلاد السودان، ومن أعجب ما وقع لي من أهل هذه المدينة، أن شخصا من الجماعة التي بت معهم في الزورق قال لي: يا سيدي، أنت غريب في هذه الديار، فهل لك صنعة تشتغل فيها؟ فقلت: لا والله يا أخي، ليس لي صنعة، ولست أعرف عمل شيء، وإنما أنا رجل تاجر ms1263 صاحب مال ونوال، وكان لي مركب ملكي مشحونة بأموال كثيرة وبضائع فكسرت في البحر، وغرق جميع ما كان فيها، وما نجوت من الغرق إلا بإذن الله، فرزقني الله بقطعة لوح ركبتها فكانت السبب في نجاتي من الغرق. فعند ذلك قام الرجل وأحضر لي مخلاة من قطن وقال لي: خذ هذه المخلاة واملأها حجارة زلط من هذه المدينة، واخرج مع جماعة من أهل المدينة وأنا أرفقك بهم وأوصيهم عليك، وافعل كما يفعلون؛ فلعلك أن تعمل بشيء تستعين به على سفرك وعودك على بلادك. ثم إن ذلك الرجل أخذني وأخرجني إلى خارج المدينة، فنقيت حجارة صغارا من الزلط، وملأت تلك المخلاة، وإذا بجماعة خارجين من المدينة فأرفقني بهم وأوصاهم علي، وقال لهم: هذا رجل غريب، فخذوه معكم وعلموه اللقط؛ فلعله يعمل بشيء يتقوت به، ويبقى لكم الأجر والثواب. فقالوا: سمعا وطاعة. ورحبوا بي وأخذوني معهم وساروا، وكل واحد منهم معه مخلاة مثل المخلاة التي معي مملوءة زلطا. # ولم نزل سائرين إلى أن وصلنا إلى واد واسع فيه أشجار كثيرة عالية لا يقدر أحد أن يطلع عليها، وفي ذلك الوادي قرود كثيرة، فلما رأتنا هذه القرود نفرت منا وطلعت تلك الأشجار، فصاروا يرجمون القرود بالحجارة التي معهم في المخالي، والقرود تقطع من ثمار تلك الأشجار، وترمي بها هؤلاء الرجال، فنظرت تلك الثمار التي ترميها القرود، وإذا هي جوز هندي، فلما رأيت ذلك العمل من القوم اخترت شجرة عظيمة عليها قرود كثيرة، وجئت إليها، وصرت أرجم هذه القرود، فتقطع من ذلك الجوز وترميني به، فأجمعه كما يفعل القوم، فما فرغت الحجارة من مخلاتي حتى جمعت شيئا كثيرا. فلما فرغ القوم من هذا العمل لموا جميع ما كان معهم، وحمل كل واحد منهم ما أطاقه، ثم عدنا إلى المدينة في باقي يومنا، فجئت إلى الرجل صاحبي الذي أرفقني بالجماعة وأعطيته جميع ما جمعت، وشكرت فضله، فقال لي: خذ هذا بعه وانتفع بثمنه. ثم أعطاني مفتاح مكان في داره، وقال لي: ضع في هذا المكان هذا ms1264 الذي بقي معك من الجوز، واطلع في كل يوم مع الجماعة مثل ما طلعت هذا اليوم، والذي تجيء به ميز منه الرديء وبعه، وانتفع بثمنه، واحفظه عندك في هذا المكان؛ فلعلك تجمع منه شيئا يعينك على سفرك. فقلت له: أجرك على الله تعالى. وفعلت مثل ما قال لي، ولم أزل في كل يوم أملأ المخلاة من الحجارة، وأطلع مع القوم، وأعمل مثل ما يعملون، وقد صاروا يتواصون بي، ويدلونني على الشجرة التي فيها الثمر الكثير. # ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان، وقد اجتمع عندي شيء كثير من الجوز الهندي الطيب، وبعت شيئا كثيرا، وكثر عندي ثمنه، وصرت أشتري كل شيء رأيته ولاق بخاطري، وقد صفا وقتي، وزاد في كل المدينة حظي، ولم أزل على هذه الحالة مدة؛ فبينما أنا واقف على جانب البحر، وإذا بمركب قد وردت إلى تلك المدينة، ورست على الساحل وفيها تجار معهم بضائع، فصاروا يبيعون ويشترون، ويقايضون على شيء من الجوز الهندي وغيره، فجئت عند صاحبي وأعلمته بالمركب التي جاءت، وأخبرته بأني أريد السفر إلى بلادي، فقال: الرأي لك. فودعته وشكرته على إحسانه إلي، ثم إني جئت عند المركب وقابلت الريس، واكتريت معه، ونزلت ما كان معي من الجوز وغيره في تلك المركب، وقد ساروا بالمركب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 559 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما نزل من مدينة القرود في المركب، وأخذ ما كان معه من الجوز الهندي وغيره، واكترى مع الريس قال: وقد ساروا بالمركب في ذلك اليوم، ولم نزل سائرين من جزيرة إلى جزيرة، ومن بحر إلى بحر، وكل جزيرة رسينا عليها أبيع فيها من ذلك الجوز وأقايض، وقد عوض الله علي بأزيد مما كان معي وضاع مني. وقد مررنا على جزيرة فيها شيء من القرفة والفلفل، وقد ذكر لنا جماعة أنهم نظروا على كل عنقود من عناقيد الفلفل ورقة كبيرة تظله، وتلقي عنه المطر إذا أمطرت، وإذا ارتفع عنه المطر ms1265 انقلبت الورقة عن العنقود ونزلت بجانبه. فأخذت معي من تلك الجزيرة شيئا كثيرا من الفلفل والقرفة مقايضة بالجوز. وقد مررنا على جزيرة العسرات، وهي التي فيها العود القماري، ومن بعدها على جزيرة أخرى مسيرتها خمسة أيام، وفيها العود الصيني وهو أغلى من القماري، وأهل تلك الجزيرة أقبح حالة ودينا من أهل جزيرة العود القماري، فإنهم يحبون الفساد وشرب الخمور، ولا يعلمون الآذان ولا أمر الصلاة. وجئنا بعد ذلك إلى معاطن اللؤلؤ، فأعطيت الغواصين شيئا من جوز الهند وقلت لهم: غوصوا على بختي ونصيبي. فغاصوا في تلك البركة، وقد طلعوا شيئا كثيرا من اللؤلؤ الكبير الغالي وقالوا لي: يا سيدي، والله إن بختك سعيد. فأخذت جميع ما طلعوه لي في المركب، وقد سرنا على بركة الله تعالى، ولم نزل سائرين إلى أن وصلنا البصرة، فطلعت فيها، وأقمت بها مدة يسيرة، ثم توجهت منها إلى مدينة بغداد، ودخلت حارتي، وجئت إلى بيتي، وسلمت على أهلي وأصحابي، وهنوني بالسلامة، وخزنت جميع ما كان معي من البضائع والأمتعة، وكسوت الأيتام والأرامل، وتصدقت ووهبت، وهاديت أهلي وأصحابي وأحبابي، وقد عوض الله علي بأكثر مما راح مني أربع مرات، وقد نسيت ما جرى لي، وما قاسيته من التعب بكثرة الربح والفوائد، وعدت لما كنت عليه في الزمن الأول من المعاشرة والصحبة، وهذا أعجب ما كان من أمري في السفرة الخامسة، ولكن تعشوا وفي غد تعالوا أخبركم بما كان في السفرة السادسة؛ فإنها أعجب من هذه. # فعند ذلك مدوا السماط وتعشوا، فلما فرغوا من العشاء أمر السندباد للحمال بمائة مثقال من الذهب، فأخذها وانصرف وهو متعجب من ذلك الأمر، وبات السندباد الحمال في بيته، ولما أصبح الصباح قام على حيله وصلى الصبح، ومشى إلى أن وصل إلى دار السندباد البحري، فدخل عليه، فأمره بالجلوس فجلس عنده، ولم يزل يتحدث معه حتى جاء بقية أصحابه، فتحدثوا ومدوا السماط، وأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا، وابتدأ السندباد البحري يحدثهم بحكاية السفرة السادسة، فقال لهم: اعلموا يا إخواني وأحبائي وأصحابي أني لما ms1266 جئت من تلك السفرة الخامسة، ونسيت ما كنت قاسيته بسبب اللهو والطرب والبسط والانشراح، وأنا في غاية الفرح والسرور، ولم أزل على هذه الحالة إلى أن جلست يوما من الأيام في حظ وسرور، وانشراح زائد، فبينما أنا جالس إذا بجماعة من التجار وردوا علي، وعليهم آثار السفر، فعند ذلك تذكرت أيام قدومي من السفر، وفرحي بلقاء أهلي وأصحابي وأحبابي، وفرحي بدخولي بلادي، فاشتاقت نفسي إلى السفر والتجارة، فعزمت على السفر، واشتريت لي بضائع نفيسة فاخرة تصلح للبحر، وحملت حمولي، وسافرت من مدينة بغداد إلى مدينة البصرة، فرأيت مركبا عظيمة فيها تجار وأكابر ومعهم بضائع نفيسة، فنزلت حمولي معهم في هذه المركب، وسرنا بالسلامة من مدينة البصرة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 560 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما جهز حموله، ونزلها في المركب من مدينة البصرة وسافر قال: ولم نزل مسافرين من مكان إلى مكان، ومن مدينة إلى مدينة ونحن نبيع ونشتري، ونتفرج على بلاد الناس، وقد طاب لنا السعد والسفر، واغتنمنا المعاش إلى أن كنا سائرين يوما من الأيام، وإذا بريس المركب صرخ وصاح ورمى عمامته، ولطم على وجهه، ونتف لحيته، ووقع في بطن المركب من شدة الغم والقهر، فاجتمع عليه جميع التجار والركاب، وقالوا له: يا ريس، ما الخبر؟ فقال لهم الريس: اعلموا يا جماعة أننا قد تهنا بمركبنا، وخرجنا من البحر الذي كنا فيه، ودخلنا بحرا لم نعرف طرقه، وإذا لم يقيض الله لنا شيئا يخلصنا من هذا البحر، هلكنا بأجمعنا، فادعوا الله تعالى أن ينجينا من هذا الأمر. # ثم إن الريس قام على حيله وصعد على الصاري، وأراد أن يحل القلوع، فقوي الريح على المركب، فردها على مؤخرها فانكسرت دفتها قرب جبل عال، فنزل الريس من الصاري وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا يقدر أحد أن يمنع المقدور، والله إننا قد وقعنا في مهلكة عظيمة، ولم يبق لنا منها مخلص ولا نجاة. فبكى جميع ms1267 الركاب على أنفسهم، وودع بعضهم بعضا لفراغ أعمارهم، وانقطع رجاؤهم، ومالت المركب على ذلك الجبل فانكسرت، وتفرقت ألواحها، فغرق جميع ما كان فيها، ووقع التجار في البحر، فمنهم من غرق، ومنهم من تمسك بذلك الجبل وطلع عليه، وكنت أنا من جملة مضن طلع على ذلك الجبل، وإذا فيه جزيرة كبيرة عندها كثير من المراكب المكسرة، وفيها أرزاق كثيرة على شاطئ البحر من الذي يطرحه من المراكب التي كسرت وغرق ركابها، وفيها شيء كثير يحير العقل والفكر من المتاع والأموال التي يلقيها البحر على جوانبها؛ فعند ذلك طلعت على تلك الجزيرة ومشيت فيها، فرأيت في وسطها عين ماء عذب جار خارج من تحت أول ذلك الجبل، وداخل في آخره من الجانب الثاني؛ فعند ذلك طلع الركاب على ذلك الجبل إلى آخر الجزيرة، وانتشروا فيها، وقد ذهلت عقولهم من ذلك، وصاروا مثل المجانين من كثرة ما رأوا في الجزيرة من الأمتعة والأموال التي على ساحل البحر. # وقد رأيت في وسط تلك العين شيئا كثيرا من أصناف الجواهر والمعادن، واليواقيت واللآلئ الكبار الملوكية، وهي مثل الحصى في مجاري الماء في تلك الغيطان، وجميع أرض تلك العين تبرق من كثرة ما فيها من المعادن وغيرها. ورأينا شيئا كثيرا في تلك الجزيرة من أعلى العود الصيني، والعود القماري، وفي تلك الجزيرة عين نابعة من صنف العنبر الخام، وهو يسيل مثل الشمع على جانب تلك العين من شدة حر الشمس، ويمتد على ساحل البحر، فتطلع الهوايش من البحر تبلعه، وتنزل به في البحر فيحمي في بطونها، فتقذفه من أفواهها في البحر، فيجمد على وجه الماء، فعند ذلك يتغير لونه وأحواله، فتقذفه الأمواج إلى جانب البحر، فيأخذه السياحون والتجار الذين يعرفونه فيبيعونه. وأما العنبر الخام الخالص من البلع، فإنه يسيل على جانب تلك العين، ويتجمد بأرضه، وإذا طلعت عليه الشمس يسيح وتبقى منه رائحة ذلك الوادي كله مثل المسك، وإذا زالت عنه الشمس يجمد. وذلك المكان الذي هو فيه هذا العنبر الخام لا يقدر أحد على دخوله ms1268 ولا يستطيع سلوكه، فإن الجبل محيط بتلك الجزيرة، ولا يقدر أحد على صعود ذلك الجبل. ولم نزل دائرين في تلك الجزيرة نتفرج على ما خلق الله تعالى فيها من الأرزاق ونحن متحيرون في أمرنا وفيما نراه، وعندنا خوف شديد، وقد جمعنا على جانب الجزيرة شيئا قليلا من الزاد، فصرنا نوفره ونأكل منه في كل يوم أو يومين أكلة واحدة، ونحن خائفون أن يفرغ الزاد منا فنموت كمدا من شدة الجوع والخوف، وكل من مات منا نغسله ونكفنه في ثياب وقماش من الذي يطرحه البحر على جانب الجزيرة، حتى مات منا خلق كثير، ولم يبق منا إلا جماعة قليلة؛ فضعفنا بوجع البطن من البحر، وأقمنا مدة قليلة، فمات جميع أصحابي ورفقائي واحدا بعد واحد، وكل من مات منهم ندفنه، وبقيت في تلك الجزيرة وحدي، وبقي معي زاد قليل بعد أن كان كثيرا، فبكيت على نفسي، وقلت: يا ليتني مت قبل رفقائي، وكانوا غسلوني ودفنوني، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 561 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما دفن رفقاءه جميعا، وصار في الجزيرة وحده قال: ثم إني قمت مدة يسيرة، ثم قمت حفرت لنفسي حفرة عميقة في جانب تلك الجزيرة، وقلت في نفسي: إذا ضعفت وعلمت أن الموت قد أتاني، أرقد في هذا القبر فأموت فيه، ويبقى الريح يسفي الرمل علي فيغطيني، وأصير مدفونا فيه، وصرت ألوم نفسي على قلة عقلي وخروجي من بلادي ومدينتي، وسفري إلى البلاد بعد الذي قاسيته أولا وثانيا وثالثا ورابعا وخامسا، ولا سفرة من الأسفار إلا وأقاسي فيها أهوالا وشدائد أشق وأصعب من الأهوال التي قبلها، وما أصدق بالنجاة والسلامة، وأتوب عن السفر في البحر، وعن عودي إليه، ولست محتاجا لمال وعندي شيء كثير، والذي عندي لا أقدر أن أفنيه، ولا أضيع نصفه في باقي عمري، وعندي ما يكفيني وزيادة. ثم إني تفكرت في نفسي وقلت: والله لا بد أن هذا ms1269 النهر له أول وآخر، ولا بد له من مكان يخرج منه إلى العمار، والرأي السديد عندي أن أعمل لي فلكا صغيرا على قدر ما أجلس فيه وأنزل وألقيه في هذا النهر، وأسير به، فإن وجدت خلاصا أخلص وأنجو بإذن الله تعالى، وإن لم أجد لي مخلصا أموت داخل هذا النهر أحسن من هذا المكان. وصرت أتحسر على نفسي، ثم إني قمت وسعيت فجمعت أخشابا من تلك الجزيرة من خشب العود الصيني والقماري، وشددتها على جانب البحر بحبال من حبال المراكب التي كسرت، وجئت بألواح متساوية من ألواح المراكب، ووضعتها في ذلك الخشب، وجعلت ذلك الفلك على عرض ذلك النهر أو أقل من عرضه، وشددته شدا طيبا مكينا، وقد أخذت معي من تلك المعادن والجواهر والأموال واللؤلؤ الكبير الذي مثل الحصى، وغير ذلك من الذي في تلك الجزيرة، وشيئا من العنبر الخام الخالص الطيب، ووضعته في ذلك الفلك، ووضعت فيه جميع ما جمعته من الجزيرة، وأخذت معي جميع ما كان باقيا من الزاد. ثم إني ألقيت ذلك الفلك في هذا النهر، وجعلت له خشبتين على جنبيه مثل المجاديف، وعملت بقول بعض الشعراء: # ترحل عن مكان فيه ضيم %~% وخل الدار تنعي من # بناها ~~فإنك واجد أرضا بأرض %~% ونفسك لم تجد نفسا # سواها ~~ولا تجزع لحادثة الليالي %~% فكل مصيبة يأتي # انتهاها ~~ومن كانت منيته بأرض %~% فليس يموت في أرض سواها ~~ولا تبعث رسولك في مهم %~% فما للنفس ناصحة سواها # وسرت بذلك الفلك في النهر، وأنا متفكر فيما يصير إليه أمري، ولم أزل سائرا إلى المكان الذي يدخل فيه النهر تحت ذلك الجبل، وأدخلت الفلك في ذلك المكان وقد صرت في ظلمة شديدة تحت الجبل، ولم يزل الفلك داخلا بي مع الماء إلى ضيق تحت الجبل، وصارت جوانب الفلك تحك في جوانب النهر، ورأسي تحك في سقف النهر، ولم أقدر على أني أعود منه، وقد لمت نفسي على ما فعلته بروحي وقلت: إن ضاق هذا المكان على الفلك قل أن يخرج منه ولا يمكن ms1270 عوده، فأهلك في هذا المكان كمدا بلا محالة. وقد انطرحت على وجهي في الفلك من ضيق النهر، ولم أزل سائرا ولا أعلم ليلا من نهار بسبب الظلمة التي أنا فيها تحت ذلك الجبل مع الفزع والخوف على نفسي من الهلاك. ولم أزل على هذه الحالة سائرا في ذلك النهر وهو يتسع تارة ويضيق أخرى، ولكن شدة الظلمة قد أتعبتني تعبا شديدا، فأخذتني سنة من النوم من شدة قهري، فنمت على وجهي في الفلك، ولم يزل سائرا بي وأنا نائم لا أدري بكثير ولا قليل. ثم إني استيقظت فوجدت نفسي في النور، ففتحت عيني فرأيت مكانا واسعا، وذلك الفلك مربوط على جزيرة، وحولي جماعة من الهنود والحبشة، فلما رأوني قمت نهضوا إلي وكلموني بلسانهم، فلم أعرف ما يقولون، وبقيت أظن أنه حلم، وأن هذا في المنام من شدة ما كنت فيه من الضيق والقهر؛ فلما كلموني ولم أعرف حديثهم، ولم أرد عليهم جوابا، تقدم إلي رجل منهم وقال لي بلسان عربي: السلام عليكم يا أخانا، من تكون أنت؟ ومن أين جئت؟ وما سبب مجيئك إلى هذا المكان؟ ونحن أصحاب الزرع والغيطان، وجئنا لنسقي غيطاننا وزرعنا فوجدناك نائما في الفلك، فأمسكناه وربطناه عندنا حتى تقوم على مهلك، فأخبرنا ما سبب وصولك إلى هذا المكان؟ فقلت له: بالله عليك يا سيدي ائتني بشيء من الطعام، فإني جائع، وبعد ذلك اسألني عما تريد. فأسرع وأتاني بالطعام، فأكلت حتى شبعت وارتحت وسكن روعي، وازداد شبعي، وردت لي روحي، فحمدت الله تعالى على كل حال، وفرحت بخروجي من ذلك النهر ووصولي إليهم، وأخبرتهم بجميع ما جرى لي من أوله إلى آخره، وما لقيته في ذلك النهار وضيقه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 562 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما طلع من الفلك على جانب الجزيرة، ورأى فيها جماعة من الهنود والحبشة، وارتاح من تعبه، سألوه عن خبره، فأخبرهم بقصته. ثم إنهم تكلموا مع بعضهم وقالوا: لا بد أن ms1271 نأخذه معنا، ونعرضه على ملكنا ليخبره بما جرى له. قال: فأخذوني معهم، وحملوا معي الفلك بجميع ما فيه من المال والنوال والجواهر والمعادن والمصاغ، وقد أدخلوني على ملكهم، وأخبروه بما جرى، فسلم علي ورحب بي، وسألني عن حالي، وما اتفق لي من الأمور، فأخبرته بجميع ما كان من أمري، وما لاقيته من أوله إلى آخره، فتعجب الملك من هذه الحكاية غاية العجب، وهنأني بالسلامة؛ فعند ذلك قمت وأطلعت من ذلك الفلك شيئا كثيرا من المعادن والجواهر والعود والعنبر الخام، وأهديته إلى الملك، فقبله مني، وأكرمني إكراما زائدا، وأنزلني في مكان عنده، وقد صاحبت أخيارهم وأكابرهم، وأعزوني معزة عظيمة، وصرت لا أفارق دار الملك، وصار الواردون إلى تلك الجزيرة يسألونني عن أمور بلادي، فأخبرهم بها، وكذلك أسألهم عن أمور بلادهم فيخبرونني بها، إلى أن سألني ملكهم يوما من الأيام عن أحوال بلادي، وعن أحوال حكم الخليفة في بلاد مدينة بغداد، فأخبرته بعدله في أحكامه، فتعجب من أموره وقال لي: والله إن الخليفة له أمور عقلية، وأحوال مرضية، وأنت قد حببتني فيه، ومرادي أن أجهز له هدية، وأرسلها معك إليه. فقلت: سمعا وطاعة يا مولانا، أوصلها إليه وأخبره أنك محب صادق. # ولم أزل مقيما عند ذلك الملك وأنا في غاية العز والإكرام، وحسن المعيشة مدة من الزمان إلى أن كنت جالسا يوما من الأيام في دار الملك، فسمعت بخبر جماعة من تلك المدينة أنهم جهزوا لهم مركبا يريدون السفر فيها إلى نواحي مدينة البصرة، فقلت في نفسي: ليس لي أوفق من السفر مع هؤلاء الجماعة. فأسرعت من وقتي وساعتي وقبلت يد ذلك الملك، وأعلمته بأن مرادي السفر مع الجماعة في المركب التي جهزوها؛ لأني اشتقت إلى أهلي وبلادي، فقال لي الملك: الرأي لك، وإن شئت الإقامة عندنا فعلى الرأس والعين، وقد حصل لنا أنسك. فقلت: والله يا سيدي لقد غمرتني بجميلك وإحسانك، ولكني قد اشتقت إلى أهلي وبلادي وعيالي. فلما سمع كلامي أحضر التجار الذين جهزوا المركب، وأوصاهم علي، وقد وهب لي ms1272 شيئا كثيرا من عنده، ودفع عني أجرة المركب، وأرسل معي هدية عظيمة إلى الخليفة هارون الرشيد بمدينة بغداد. # ثم إني ودعت الملك، وودعت جميع أصحابي الذين كنت أتردد عليهم، ثم نزلت المركب مع التجار وسرنا وقد طاب لنا الريح والسفر، ونحن متوكلون على الله سبحانه وتعالى. ولم نزل مسافرين من بحر إلى بحر، ومن جزيرة إلى جزيرة، إلى أن وصلنا بالسلامة بإذن الله تعالى إلى مدينة البصرة، فطلعت من المركب، ولم أزل مقيما بأرض البصرة أياما وليالي حتى جهزت نفسي وحملت حمولي، وتوجهت إلى مدينة بغداد دار السلام، فدخلت على الخليفة هارون الرشيد، وقدمت إليه تلك الهدية، وأخبرته بجميع ما جرى لي، ثم خزنت جميع أموالي وأمتعتي، ودخلت حارتي، وجاءني أهلي وأصحابي، وفرقت الهدايا على جميع أهلي، وتصدقت ووهبت، وبعد مدة من الزمان أرسل إلي الخليفة، فسألني عن سبب تلك الهدية، ومن أين هي؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، والله لا أعرف للمدينة التي هي منها اسما ولا طريقا، ولكن لما غرقت المركب الذي كنت فيه، طلعت على جزيرة، وقد صنعت لي فلكا ونزلت في نهر كان في وسط تلك الجزيرة. وأخبرته بما جرى لي في السفرة، وكيف كان خلاصي من ذلك النهر إلى تلك المدينة، وبما جرى لي فيها، وبسبب إرسالي الهدية؛ فتعجب الخليفة من ذلك غاية العجب، وأمر المؤرخين أن يكتبوا حكايتي، ويجعلوها في خزانته ليعتبر بها كل من رآها، ثم إنه أكرمني إكراما زائدا، وقد أقمت بمدينة بغداد على ما كنت عليه في الزمن الأول، ونسيت جميع ما جرى لي، وما قاسيته من أوله إلى آخره، ولم أزل في لذة عيش ولهو وطرب. وهذا ما كان من أمري في السفرة السادسة يا إخواني، وإن شاء الله تعالى في غد أحكي لكم حكاية السفرة السابعة، فإنها أعجب وأغرب من هذه السفرات. ثم إنه أمر بمد السماط، وتعشوا عنده، وأمر السندباد البحري للسندباد الحمال بمائة مثقال من الذهب، فأخذها وانصرف إلى حال سبيله، وانصرف الجماعة وهم متعجبون من ذلك غاية ms1273 العجب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 563 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما حكى حكاية سفرته السادسة، وراح كل واحد إلى حال سبيله، بات السندباد البري في منزله، ثم صلى الصبح وجاء إلى منزل السندباد البحري وأقبل الجماعة، فلما تكاملوا ابتدأ السندباد البحري بالكلام في حكاية السفرة السابعة، وقال: اعلموا يا جماعة أني لما رجعت من السفرة السادسة، وعدت لما كنت عليه في الزمن الأول من البسط والانشراح واللهو والطرب، أقمت على تلك الحالة مدة من الزمان، وأنا متواصل الهناء والسرور ليلا ونهارا، وقد حصل لي مكاسب كثيرة وفوائد عظيمة، فاشتاقت نفسي إلى الفرجة في البلاد، وإلى ركوب البحر وعشرة التجار وسماع الأخبار، فهممت في ذلك الأمر، وقد حزمت أحمالا بحرية من الأمتعة الفاخرة، وحملتها من مدينة بغداد إلى مدينة البصرة، فرأيت مركبا محضرة للسفر وفيها جماعة من التجار العظام، فنزلت معهم واستأنست بهم، وقد سرنا بسلامة وعافية قاصدين السفر، وقد طاب لنا الريح حتى وصلنا إلى مدينة تسمى مدينة الصين، ونحن في غاية الفرح والسرور، نتحدث مع بعضنا في أمر السفر والمتجر. # فبينما نحن على هذه الحالة، وإذا بريح عاصف هب من مقدم المركب، ونزل علينا مطر شديد حتى ابتللنا وابتلت حمولنا، فغطينا الحمول باللباد والخيش؛ خوفا على البضاعة من التلف بالمطر، وصرنا ندعو الله تعالى ونتضرع إليه في كشف ما نزل بنا مما نحن فيه، فعند ذلك قام ريس المركب وشد حزامه، وتشمر وطلع على الصاري، وصار يلتفت يمينا وشمالا، وبعد ذلك نظر إلى أهل المركب ولطم على وجهه، ونتف لحيته، فقلنا: يا ريس، ما الخبر؟ فقال لنا: اطلبوا من الله تعالى النجاة مما وقعنا فيه، وابكوا على أنفسكم، وودعوا بعضكم، واعلموا أن الريح قد غلب علينا ورمانا في آخر بحار الدنيا. ثم إن الريس نزل من فوق الصاري وفتح صندوقه، وأخرج منه كيس قطن وفكه، وأخرج منه ترابا مثل الرماد وبله بالماء، وصبر عليه قليلا، ثم شمه، ثم إنه ms1274 أخرج من ذلك الصندوق كتابا صغيرا وقرأ فيه، وقال لنا: اعلموا يا ركاب أن في هذا الكتاب أمرا عجيبا يدل على أن كل من وصل إلى هذه الأرض لم ينج منها، بل يهلك؛ فإن هذه الأرض تسمى إقليم الملوك، وفيها قبر سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام، وفيه حيات عظام الخلقة، هائلة المنظر، فكل مركب وصل إلى هذا الإقليم يطلع له حوت من البحر فيبتلعها بجميع ما فيها. # فلما سمعنا هذا الكلام من الريس تعجبنا غاية العجب من حكايته، فلم يتم الريس كلامه لنا حتى صارت المركب ترتفع بنا عن الماء ثم تنزل، وسمعنا صرخة عظيمة مثل الرعد القاصف؛ فارتعبنا منها وصرنا كالأموات، وأيقنا بالهلاك في ذلك الوقت، وإذا بحوت قد أقبل على المركب كالجبل العالي، ففزعنا منه، وقد بكينا على أنفسنا بكاء شديدا، وتجهزنا للموت، وصرنا ننظر إلى ذلك الحوت ونتعجب من خلقته الهائلة، وإذا بحوت قد أقبل علينا فما رأينا أعظم منه ولا أكبر، فعند ذلك ودعنا بعضنا ونحن نبكي على أرواحنا، وإذا بحوت ثالث قد أقبل وهو أكبر من الاثنين اللذين جاءانا قبله، فصرنا لا نعي ولا نعقل، وقد اندهشت عقولنا من شدة الخوف والفزع، ثم إن هذه الحيتان الثلاثة صاروا يدورون حول المركب، وقد أهوى الحوت الثالث ليبتلع المركب بكل ما فيها، وإذا بريح عظيم ثار فقامت المركب ونزلت على شعب عظيم فانكسرت، وتفرقت جميع الألواح، وغرقت جميع الحمول والتجار والركاب في البحر، فخلعت أنا جميع ما علي من الثياب، ولم يبق علي غير ثوب واحد، ثم عمت قليلا فلحقت لوحا من ألواح المركب وتعلقت به، ثم إني طلعت عليه وركبته وقد صارت الأمواج والأرياح تلعب بي على وجه الماء وأنا قابض على ذلك اللوح، والموج يرفعني ويحطني، وأنا في أشد ما يكون من المشقة والخوف والجوع والعطش، وصرت ألوم نفسي على ما فعلته، وقد تعبت نفسي بعد الراحة، وقلت لروحي: يا سندباد يا بحري، أنت لم تتب وكل مرة تقاسي فيها الشدائد والتعب، ولم تتب ms1275 عن سفر البحر، وإن تبت تكذب في التوبة، فقاس كل ما تلقاه؛ فإنك تستحق جميع ما يحصل لك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 564 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما غرق في البحر ركب لوحا من الخشب، وقال في نفسه: أستحق جميع ما يجري لي، وكل هذا مقدور علي من الله تعالى حتى أرجع عما أنا فيه من الطمع، وهذا الذي أقاسيه من طمعي؛ فإن عندي مالا كثيرا. ثم إنه قال: وقد رجعت لعقلي وقلت: إني في هذه السفرة قد تبت إلى الله تعالى توبة نصوحا عن السفر، وما بقيت عمري أذكره على لساني، ولا على بالي. ولم أزل أتضرع إلى الله تعالى وأبكي، ثم إني تذكرت في نفسي ما كنت فيه من الراحة والسرور واللهو والطرب والانشراح، ولم أزل على هذه الحال أول يوم وثاني يوم إلى أن طلعت على جزيرة عظيمة، وفيها شيء كثير من الأشجار والأنهار، فصرت آكل من ثمر تلك الأشجار، وأشرب من ماء تلك الأنهار حتى انتعشت، وردت لي روحي، وقويت همتي، وانشرح صدري، ثم مشيت في الجزيرة فرأيت في جانبها الثاني نهرا عظيما من الماء العذب، ولكن ذلك النهر يجري جريا قويا، فتذكرت أمر الفلك الذي كنت فيه سابقا، وقلت في نفسي: لا بد أني أعمل لي فلكا مثله؛ فلعلي أنجو من هذا الأمر، فإن نجوت به حصل المراد، وتبت إلى الله تعالى من السفر، وإن هلكت ارتاح قلبي من التعب والمشقة. # ثم إني قمت فجمعت أخشابا من تلك الأشجار من خشب الصندل العال الذي لا يوجد مثله، وأنا لا أدري أي شيء هو، ولما جمعت تلك الأخشاب تحيلت بأغصان ونبات من هذه الجزيرة، وفتلتها مثل الحبال، وشددت بها الفلك، وقلت: إن سلمت فمن الله. ثم إني نزلت في ذلك الفلك، وسرت به في ذلك النهر حتى خرجت من آخر الجزيرة، ثم بعدت عنها، ولم أزل سائرا أول يوم وثاني يوم وثالث يوم بعد مفارقة الجزيرة ms1276 وأنا نائم، ولم آكل في هذه المدة شيئا، ولكن إذا عطشت شربت من ذلك النهر، وصرت مثل الفرخ الدايخ من شدة التعب والجوع والخوف، حتى انتهى بي الفلك إلى جبل عال، والنهر داخل من تحته، فلما رأيت ذلك خفت على نفسي من الضيق الذي كنت فيه أول مرة في النهر السابق، وأردت أني أوقف الفلك وأطلع منه إلى جانب الجبل، فغلبني الماء فجذب الفلك وأنا فيه، ونزل به تحت الجبل، فلما رأيت ذلك أيقنت بالهلاك، وقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # ولم يزل الفلك سائرا مسافة يسيرة، ثم طلع إلى مكان واسع، وإذا هو واد كبير، والماء يهدر فيه، وله دوي مثل دوي الرعد، وجريان مثل جريان الريح، فصرت قابضا على ذلك الفلك بيدي وأنا خائف أن أقع من فوقه، والأمواج تلعب بي يمينا وشمالا في وسط ذلك المكان، ولم يزل الفلك منحدرا مع الماء الجاري في ذلك الوادي وأنا لا أقدر على منعه، ولا أستطيع الدخول به في جهة البر، إلى أن رسا بي على جانب مدينة عظيمة المنظر، مليحة البناء، فيها خلق كثير، فلما رأوني وأنا في ذلك الفلك منحدرا في وسط النهر مع التيار، رموا علي الشبكة والحبال في ذلك الفلك، ثم طلعوا الفلك من ذلك النهر إلى البر وقد سقطت بينهم وأنا مثل الميت من شدة الجوع والسهر والخوف، فتلقاني من بين هؤلاء الجماعة رجل كبير السن وهو شيخ عظيم، ورحب بي ورمى علي ثيابا كثيرة جميلة، فسترت بها عورتي، ثم إنه أخذني وسار بي وأدخلني الحمام، وجاء لي بالأشربة المنعشة والروائح الزكية، ثم بعد خروجنا من الحمام أخذني إلى بيته وأدخلني فيه؛ ففرح بي أهل بيته، ثم أجلسني في مكان ظريف، وهيأ لي شيئا من الطعام الفاخر، فأكلت حتى شبعت، وحمدت الله تعالى على نجاتي، وبعد ذلك قدم لي غلمانه ماء ساخنا، فغسلت يدي، وجاءتني جواريه بمناشف من الحرير، فنشفت يدي ومسحت فمي، ثم إن الشيخ قام من وقته وأخلى لي مكانا ms1277 منفردا وحده في جانب داره، وألزم غلمانه وجواريه بخدمتي وقضاء حاجتي وجميع مصالحي، فصاروا يتعهدونني، ولم أزل على هذه الحالة عنده في دار الضيافة ثلاثة أيام وأنا على أكل طيب، وشرب طيب، ورائحة طيبة، حتى ردت لي روحي، وسكن روعي، وهدأ قلبي، وارتاحت نفسي. # فلما كان اليوم الرابع تقدم إلي الشيخ وقال لي: آنستنا يا ولدي، والحمد لله على سلامتك، فهل لك أن تقوم معي إلى ساحل البحر وتنزل السوق، فتبيع البضاعة وتقبض ثمنها؟ لعلك تشتري بها شيئا تتجر فيه. فسكت قليلا، وقلت في نفسي: من أين معي بضاعة، وما سبب هذا الكلام؟ ثم قال الشيخ: يا ولدي، لا تهتم ولا تتفكر، فقم بنا إلى السوق، فإن رأينا من يعطيك في بضاعتك ثمنا يرضيك أقبضه لك، وإن لم يجئ فيها شيء يرضيك أحطها لك عندي في حواصلي حتى تجيء أيام البيع والشراء. فتفكرت في أمري، وقلت لعقلي: طاوعه حتى تنظر أي شيء تكون هذه البضاعة. ثم إني قلت له: سمعا وطاعة يا عم الشيخ، والذي تفعله فيه البركة، ولا يمكن مخالفتك في شيء. ثم إني جئت معه إلى السوق، فوجدته قد فك الفلك الذي جئت فيه وهو من خشب الصندل، وأطلق المنادي عليه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 565 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما ذهب مع الشيخ إلى شاطئ البحر، ورأى الفلك الذي جاء فيه من خشب الصندل مفكوكا، ورأى الدلال يدلل عليه، جاء التجار وفتحوا باب سعره، وتزايدوا فيه إلى أن بلغ ثمنه ألف دينار، وبعد ذلك توقف التجار عن الزيادة، فالتفت إلي الشيخ وقال: اسمع يا ولدي، هذا سعر بضاعتك في مثل هذه الأيام، فهل تبيعها بهذا السعر، أم تصبر وأنا أحطها لك عندي في حواصلي حتى يجيء أوان زيادتها في الثمن، فنبيعها لك؟ فقلت له: يا سيدي، الأمر أمرك فافعل ما تريد. فقال: يا ولدي، أتبيعني هذا الحطب بزيادة مائة دينار ذهبا فوق ما أعطى فيه التجار؟ فقلت ms1278 له: نعم بعتك وقبضت الثمن. فعند ذلك أمر غلمانه بنقل ذلك الخشب إلى حواصله، ثم إني رجعت معه إلى بيته، فجلسنا وعد لي جميع ثمن ذلك الحطب، وأحضر لي أكياسا، وحط المال فيها، وقفل عليها بقفل حديد وأعطاني مفتاحه، وبعد مدة أيام وليال قال الشيخ: يا ولدي، إني أعرض عليك شيئا، وأشتهي أن تطاوعني فيه. فقلت له: وما ذاك الأمر؟ فقال لي: اعلم أني بقيت رجلا كبير السن، ليس لي ولد ذكر، وعندي بنت صغيرة السن ظريفة الشكل عندها مال كثير وجمال، فأريد أن أزوجها لك، وتقعد معها في بلادنا، ثم إني أملكك جميع ما هو عندي وما تملكه يدي، فإني بقيت رجلا كبيرا وأنت تقوم مقامي. فسكت ولم أتكلم، فقال لي: أطعني يا ولدي في الذي أقوله لك؛ فإن مرادي لك الخير، فإن أطعتني زوجتك ابنتي، وتبقى مثل ولدي وجميع ما في يدي، وما هو ملكي يصير لك، وإن أردت التجارة والسفر إلى بلادك لا يمنعك أحد، وهذا مالك تحت يدك فافعل به ما تريده وما تختاره. فقلت له: والله يا عم الشيخ أنت صرت مثل والدي، وأنا قاسيت أهوالا كثيرة، ولم يبق لي رأي ولا معرفة، فالأمر أمرك في جميع ما تريده. # فعند ذلك أمر الشيخ غلمانه بإحضار القاضي والشهود، فأحضروهم وزوجني ابنته، وعمل لنا وليمة عظيمة، وفرحا كبيرا، وأدخلني عليها، فرأيتها في غاية الحسن والجمال، بقد واعتدال، وعليها شيء كثير من أنواع الحلي والحلل، والمعادن والمصاغ والعقود والجواهر الثمينة، وما قيمتها إلا ألوف الألوف من الذهب، ولا يقدر أحد على ثمنها. فلما دخلت عليها أعجبتني ووقعت المحبة بيننا، وأقمت معها مدة من الزمان وأنا في غاية الأنس والانشراح، وقد توفي والدها إلى رحمة الله تعالى، فجهزناه ودفناه، ووضعت يدي على ما كان معه، وصار جميع غلمانه غلماني، وتحت يدي في خدمتي، وولاني التجار مرتبته؛ فإنه كان كبيرهم، ولم يأخذ أحد منهم شيئا إلا بمعرفته وإذنه؛ لأنه شيخهم، وصرت أنا في مكانه. فلما خالطت أهل تلك المدينة وجدتهم ms1279 تنقلب حالتهم في كل شهر، فتظهر لهم أجنحة يطيرون بها إلى عنان السماء، ولا يبقى متخلفا في تلك المدينة غير الأطفال والنساء، فقلت في نفسي: إذا جاء رأس الشهر أسأل أحدا منهم، فلعلهم يحملوني معهم إلى أين يروحون. # فلما جاء رأس ذلك الشهر تغيرت ألوانهم، وانقلبت صورهم، فدخلت على واحد منهم وقلت له: بالله عليك أنك تحملني معك حتى أتفرج وأعود معكم. فقال لي: هذا شيء لا يمكن. فلم أزل أتداخل عليه حتى أنعم علي بذلك، وقد وافقتهم وتعلقت به، فطار بي في الهواء، ولم أعلم أحدا من أهل بيتي ولا من غلماني ولا من أصحابي، ولم يزل طائرا بي ذلك الرجل وأنا على أكتافه حتى علا بي في الجو، فسمعت تسبيح الأملاك في قبة الأفلاك، فتعجبت من ذلك، وقلت: سبحان الله والحمد لله. فلم أستتم التسبيح حتى خرجت نار من السماء كادت تحرقهم، فنزلوا جميعا، وقد ألقوني على جبل عال، وقد صاروا في غاية الغيظ مني، ورحلوا وخلوني، فصرت وحدي في ذلك الجبل، فلمت نفسي على ما فعلت، وقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أنا كلما أخلص من مصيبة أقع في مصيبة أقوى منها! ولم أزل في ذلك الجبل، ولا أعلم أين أذهب، وإذا بغلامين سائرين كأنهما قمران، وفي يد كل واحد منهما قضيب من ذهب يتعكز عليه، فتقدمت إليهما، وسلمت عليهما، فردا علي السلام، فقلت لهما: بالله عليكما من أنتما؟ وما شأنكما؟ فقالا لي: نحن من عباد الله تعالى. ثم إنهما أعطياني قضيبا من الذهب الأحمر الذي كان معهما، وانصرفا في حال سبيلهما وخلياني، فصرت أسير على رأس ذلك الجبل وأنا أتعكز بالعكاز، وأتفكر في أمر هذين الغلامين، وإذا بحية قد خرجت من تحت ذلك الجبل وفي فمها رجل بلعته إلى تحت سرته، وهو يصيح ويقول: من يخلصني يخلصه الله من كل شدة؟ فتقدمت إلى تلك الحية وضربتها بالقضيب الذهبي على رأسها، فرمت الرجل من فمها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت ms1280 الليلة 566 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما ضرب الحية بالقضيب الذهب الذي كان بيده، وألقت الرجل من فمها قال: فتقدم إلي الرجل وقال: حيث كان خلاصي على يديك من هذه الحية، فما بقيت أفارقك، وأنت صرت رفيقي في هذا الجبل. فقلت له: مرحبا. وسرنا في ذلك الجبل، وإذا بقوم أقبلوا علينا، فنظرت إليهم فإذا فيهم الرجل الذي كان حملني على أكتافه وطار بي، فتقدمت إليه واعتذرت له وتلطفت به، وقلت له: يا صاحبي، ما هكذا يفعل الأصحاب بأصحابهم! فقال لي الرجل: أنت الذي أهلكتنا بتسبيحك على ظهري. فقلت له: لا تؤاخذني، فإني لم يكن لي علم بهذا الأمر، ولكنني لا أتكلم بعد ذلك أبدا. فسمح بأخذي معه، ولكن شرط علي ألا أذكر الله ولا أسبحه على ظهره، ثم إنه حملني وطار بي مثل الأول حتى أوصلني إلى منزلي، فتلقتني زوجتي وسلمت علي، وهنتني بالسلامة وقالت لي: احترس من خروجك بعد ذلك مع هؤلاء الأقوام، ولا تعاشرهم؛ فإنهم إخوان الشياطين، ولا يعلمون ذكر الله تعالى. فقلت لها: كيف حال أبيك معهم؟ فقالت لي: إن أبي لم يكن منهم، ولم يعمل مثلهم، والرأي عندي حيث مات أبي أنك تبيع جميع ما عندنا وتأخذ بثمنه بضائع، ثم تسافر إلى بلادك وأهلك، وأنا أسير معك وليس لي حاجة بالقعود هنا في هذه المدينة بعد أمي وأبي. فعند ذلك صرت أبيع من متاع ذلك الشيخ شيئا بعد شيء وأنا أترقب أحدا يسافر من تلك المدينة، وأسير معه. # فبينما أنا كذلك وإذا بجماعة في المدينة قد أرادوا السفر ولم يجدوا لهم مركبا، فاشتروا خشبا وصنعوا لهم مركبا كبيرة، فاكتريت معهم ودفعت إليهم الأجرة بتمامها، ثم نزلت زوجتي وجميع ما كان معنا في المركب وتركنا الأملاك والعقارات، وسرنا ولم نزل سائرين في البحر من جزيرة إلى جزيرة، ومن بحر إلى بحر، وقد طاب لنا ريح السفر حتى وصلنا بالسلامة إلى مدينة البصرة، فلم أقم بها، بل اكتريت مركبا أخرى، ونقلت إليها جميع ما ms1281 كان معي، وتوجهت إلى مدينة بغداد، ثم دخلت حارتي، وجئت إلى داري، وقابلت أهلي وأصحابي وأحبابي، وخزنت جميع ما كان معي من البضائع في حواصلي، وقد حسب أهلي مدة غيابي عنهم في السفرة السابقة، فوجدوها سبعا وعشرين سنة حتى قطعوا الرجاء مني، فلما جئتهم وأخبرتهم بجميع ما كان من أمري وما جرى لي، صاروا كلهم يتعجبون من ذلك الأمر عجبا كبيرا، وقد هنوني بالسلامة، ثم إني تبت إلى الله تعالى عن السفر في البر والبحر بعد عدة السفرة السابقة التي هي غاية السفرات، وقاطعة الشهوات، وشكرت الله سبحانه وتعالى وحمدته، وأثنيت عليه حيث أعادني إلى أهلي وبلادي وأوطاني؛ فانظر يا سندباد يا بري ما جرى لي وما وقع لي، وما كان من أمري. فقال السندباد البري للسندباد البحري: بالله عليك لا تؤاخذني بما كان مني في حقك. ولم يزالوا في عشرة ومودة، مع بسط زائد وفرح وانشراح، إلى أن أتاهم هادم اللذات، ومفرق الجماعات، ومخرب القصور ومعمر القبور، وهو كأس الممات، فسبحان الحي الذي لا يموت. ### || حكاية مدينة النحاس # بلغني أيضا أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان بدمشق الشام، ملك من الخلفاء يسمى عبد الملك بن مروان، وكان جالسا يوم من الأيام وعنده أكابر دولته من الملوك والسلاطين، فوقعت بينهم مباحثة في حديث الأمم السالفة، وتذكروا أخبار سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام، وما أعطاه الله تعالى من الملك والحكم في الإنس والجن والطير والوحش وغير ذلك، وقالوا: قد سمعنا ممن كان قبلنا أن الله سبحانه وتعالى لم يعط أحدا مثل ما أعطى سيدنا سليمان، وأنه وصل إلى شيء لم يصل إليه أحد، حتى إنه كان يسجن الجن والمردة والشياطين في قماقم من النحاس، ويسبك عليهم بالرصاص، ويختم عليهم بخاتمه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 567 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة عبد الملك بن مروان لما تحدث مع أعوانه وأكابر دولته، وتذكروا سيدنا سليمان وما أعطاه الله من الملك، قال: إنه ms1282 وصل إلى شيء لم يصل إليه أحد، حتى إنه كان يسجن المردة والشياطين في قماقم من النحاس، ويسبك عليهم الرصاص، ويختم عليهم بخاتمه، وأخبر طالب أن رجلا نزل في مركب مع جماعة، وانحدروا إلى بلاد الهند، ولم يزالوا سائرين حتى طلع عليهم ريح، فوجههم ذلك الريح إلى أرض من أراضي الله تعالى، وكان ذلك في سواد الليل، فلما أشرق النهار خرج إليهم من مغارات تلك الأرض أقوام سود الألوان، عراة الأجساد، كأنهم وحوش لا يفقهون خطابا، لهم ملك من جنسهم، وليس منهم أحد يعرف العربية غير ملكهم، فلما رأوا المركب ومن فيها، خرج إليهم في جماعة من أصحابه فسلم عليهم، ورحب بهم، وسألهم عن دينهم، فأخبروه بحالهم، فقال لهم: لا بأس عليكم. وحين سألهم عن دينهم كان كل منهم على دين من الأديان، قبل ظهور الإسلام، وقبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فقال أهل المركب: نحن لا نعرف ما تقول، ولا نعرف شيئا من هذا الدين. فقال لهم الملك: إنه لم يصل إلينا أحد من بني آدم قبلكم. ثم إنه ضيفهم بلحم الطيور والوحوش والسمك؛ لأنه ليس لهم طعام غير ذلك، ثم إن أهل المركب نزلوا يتفرجون في تلك المدينة، فوجدوا بعض الصيادين أرخى شبكة في البحر ليصطاد سمكا، ثم رفعها فإذا فيها قمقم من نحاس مرصص مختوم عليه بخاتم سليمان بن داود عليهما السلام، فخرج به الصياد وكسره، فخرج منه دخان أزرق التحق بعنان السماء، فسمعنا صوتا منكرا يقول: التوبة التوبة يا نبي الله. ثم صار من ذلك الدخان شخص هائل المنظر مهول الخلقة، يلحق رأسه الجبل، ثم غاب عن أعينهم. فأما أهل المركب فكادت تنخلع قلوبهم، وأما السودان فلم يفكروا في ذلك، فرجع رجل إلى الملك وسأله عن ذلك، فقال له: اعلم أن هذا من الجن الذين كان سليمان بن داود إذا غضب عليهم سجنهم في هذه القماقم، ورصص عليهم ورماهم في البحر، فإذا رمى الصياد الشبكة تطلع بهذه القماقم في غالب الأوقات، فإذا كسرت يخرج منها ms1283 جني ويخطر بباله أن سليمان حي فيتوب، ويقول: التوبة يا نبي الله. فتعجب أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان من هذا الكلام، وقال: سبحان الله، لقد أوتي سليمان ملكا عظيما. وكان ممن حضر في ذلك المجلس النابغة الذبياني فقال: صدق طالب فيما أخبر به، والدليل على صدقه قول الحكيم الأول: # وفي سليمان إذ قال الإله # له %~% قم بالخلافة واحكم حكم # مجتهد ~~فمن أطاعك فأكرمه بطاعته %~% ومن أبى عنك فاحبسه إلى # الأبد # وكان يجعلهم في قماقم من النحاس، ويرميهم في البحر، فاستحسن أمير المؤمنين هذا الكلام وقال: والله إني لأشتهي أن أرى شيئا من هذه القماقم. فقال له طالب بن سهل: يا أمير المؤمنين، إنك قادر على ذلك وأنت مقيم في بلادك، فأرسل إلى أخيك عبد العزيز بن مروان أن يأتيك بها من بلاد الغرب، بأن يكتب إلى موسى أن يركب من بلاد الغرب إلى هذا الجبل الذي ذكرناه، ويأتيك من هذه القماقم بما تطلب، فإن البر متصل من آخر ولايته بهذا الجبل. فاستصوب أمير المؤمنين رأيه، وقال: يا طالب، صدقت فيما قلته، وأريد أن تكون أنت رسولي إلى موسى بن نصر في هذا الأمر، ولك الراية البيضاء وكل ما تريده من مال أو جاه أو غير ذلك، وأنا خليفتك في أهلك. قال: حبا وكرامة يا أمير المؤمنين. فقال له: سر على بركة الله تعالى وعونه. ثم أمر أن يكتبوا له كتابا لأخيه عبد العزيز نائبه في مصر، وكتابا آخر إلى موسى نائبه في بلاد الغرب يأمره بالسير في طلب القماقم السليمانية بنفسه، ويستخلف ولده على البلاد، ويأخذ معه الأدلة، وينفق المال وليستكثر من الرجال، ولا يلحقه في ذلك فترة، ولا يحتج بحجة، ثم ختم الكتابين وسلمهما إلى طالب بن سهل، وأمره بالسرعة، ونصب الرايات على رأسه. ثم إن الخليفة أعطاه الأموال والركاب والرجال ليكونوا أعوانا له في طريقه، وأمر بإجراء النفقة على بيته من كل ما يحتاج إليه، وتوجه طالب يطلب مصر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما ms1284 كانت الليلة 568 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن طالب بن سهل سار هو وأصحابه يقطعون البلاد من الشام إلى أن دخلوا مصر، فتلقاه أمير مصر وأنزله عنده وأكرمه غاية الإكرام في مدة إقامته عنده، ثم بعث معه دليلا إلى الصعيد الأعلى حتى وصلوا إلى الأمير موسى بن نصير، فلما علم به خرج إليه وتلقاه وفرح به، فناوله الكتاب فأخذه وقرأه وفهم معناه، ووضعه على رأسه، وقال: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين. ثم إنه اتفق رأيه على أن يحضر أرباب دولته فحضروا، فسألهم عما بدا له في الكتاب، فقالوا: أيها الأمير، إن أردت من يدلك على طريق ذلك المكان، فعليك بالشيخ عبد الصمد بن عبد القدوس الصمودي؛ فإنه رجل عارف، وقد سافر كثيرا، وهو خبير بالبراري والقفار والبحار وسكانها وعجائبها، والأرضين وأقطارها، فعليك به فإنه يرشدك إلى ما تريده. فأمر بإحضاره فحضر بين يديه، وإذا هو شيخ كبير قد أهرمه تداول السنين والأعوام، فسلم عليه الأمير موسى وقال له: يا شيخ عبد الصمد، إن مولانا أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد أمرنا بكذا وكذا، وأنا قليل المعرفة بتلك الأرض، وقد قيل لي إنك عارف بتلك البلاد والطرقات، فهل لك رغبة في قضاء حاجة أمير المؤمنين؟ فقال الشيخ: اعلم أيها الملك أن هذه الطريق وعرة، بعيدة الغيبة، قليلة المسالك. فقال له الأمير: كم مسير مسافتها؟ فقال: مسير سنتين وأشهر ذهابا، ومثلها مجيئا، وفيها شدائد وأهوال وغرائب وعجائب، وأنت رجل مجاهد، وبلادنا بالقرب من العدو، فربما تخرج النصارى في غيبتك، والواجب أن تستخلف في مملكتك من يدبرها. قال: نعم. فاستخلف ولده هارون عوضا عنه في مملكته، وأخذ عليه عهدا، وأمر الجنود ألا يخالفوه بل يطاوعوه في جميع ما يأمرهم به، فسمعوا كلامه وأطاعوه. # ![fig3](../Images/figure3.png) # وصلوا إلى قصر، وهو عبرة لمن اعتبر، فتقدم الأمير ومعه الشيخ. # وكان ولده هارون عظيم البأس هماما جليلا، وبطلا كميا، وأظهر له الشيخ عبد الصمد أن الموضع الذي فيه حاجة أمير المؤمنين مسير أربعة أشهر، وهو على ساحل البحر، ms1285 وكله منازل تتصل ببعضها، وفيها عشب وعيون، وقال: قد يهون الله علينا ذلك ببركتك يا نائب أمير المؤمنين. فقال الأمير موسى: هل تعلم أن أحدا من الملوك وطئ هذه الأرض قبلنا؟ قال له: نعم يا أمير المؤمنين، هذه الأرض لملك الإسكندرية داران الرومي. ثم ساروا، ولم يزالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى القصر، فقال: تقدم بنا إلى هذا القصر الذي هو عبرة لمن اعتبر. فتقدم الأمير موسى إلى القصر ومعه الشيخ عبد الصمد وخواص أصحابه حتى وصلوا إلى بابه فوجدوه مفتوحا، وله أركان طويلة ودرجات، وفي تلك الدرجات درجتان ممتدتان، وهما من الرخام الملون الذي لم ير مثله، والسقوف والحيطان منقوشة بالذهب والفضة والمعدن، وعلى الباب لوح مكتوب فيه باليوناني، فقال الشيخ عبد الصمد: هل أقرأه يا أمير؟ فقال له: تقدم واقرأ بارك الله فيك، فما حصل لنا في هذا السفر إلا بركتك. فقرأه، فإذا فيه شعر وهو: # قوم تراه بعد ما صنعوا %~% يبكي على الملك الذي # نزعوا ~~فالقصر فيه منتهى خبر %~% عن سادة في الترب قد # جمعوا ~~أبادهم موت وفرقهم %~% وضيعوا في الترب ما # جمعوا ~~كأنما حطوا رحالهمو %~% ليستريحوا فجأة رحلوا # قال: فبكى الأمير موسى حتى غشي عليه، وقال: لا إله إلا الله الحي الباقي بلا زوال. ثم إنه دخل القصر فتحير من حسنه وبنائه، ونظر إلى ما فيه من الصور والتماثيل، وإذا على الباب الثاني أبيات مكتوبة، فقال الأمير موسى: تقدم أيها الشيخ واقرأ. فتقدم وقرأ فإذا هي: # كم معشر في قبابها نزلوا %~% على قديم الزمان # وارتحلوا ~~فانظر إلى ما بغيرهم صنعت %~% حوادث الدهر إذ بهم # نزلوا ~~تقاسموا كل ما لهم جمعوا %~% وخلفوا بعد فارتحلوا ~~كم لابسوا نعمة وكم أكلوا %~% فأصبحوا في التراب قد # أكلوا # فبكى الأمير موسى بكاء شديدا، واصفرت الدنيا في وجهه، ثم قال: لقد خلقنا لأمر عظيم. ثم تأملوا القصر فإذا هو قد خلا من السكان، وعدم الأهل والقطان، دوره موحشات، وجهاته مقفرات، وفي وسطه قبة عالية شاهقة في الهواء، وحواليها أربعمائة قبر. قال: فدنا ms1286 الأمير موسى إلى تلك القبور، وإذا بقبر بينهم مبني بالرخام، منقوش عليه هذه الأبيات: # فكم قد وقفت وكم قد فتكت %~% وكم قد شهدت من # الكائنات ~~وكم قد أكلت وكم قد شربت %~% وكم قد سمعت من # الغانيات ~~وكم قد أمرت وكم قد نهيت %~% وكم من حصون ترى مانعات ~~فحاصرتها ثم فتشتها %~% وبينت منها حلي # الغانيات ~~ولكن بجهلي تعديت في %~% حصول أمان غدت فانيات ~~فحاسب لنفسك يا ذا الفتى %~% قبيل شرابك كأس الممات ~~فعما قليل يهال الثرى %~% عليك وأنت عديم الحياة # فبكى الأمير موسى ومن معه، ثم دنا من القبة فإذا لها ثمانية أبواب من خشب الصندل، بمسامير من الذهب مكوكبة بكواكب الفضة، مرصعة بالمعادن من أنواع الجواهر، مكتوب على الباب الأول هذه الأبيات: # ما قد تركت فما خلفته # كرما %~% بل القضاء وحكم في الورى # جار ~~فطال ما كنت مسرورا # ومغتبطا %~% أحمي حماي لمثل الضيغم # الضاري ~~لا أستقر ولا أسخى # بخردلة %~% شحا عليه ولو ألقيت في # النار ~~حتى رميت بأقدار مقدرة %~% من الإله العظيم الخالق # الباري ~~إن كان موتي محتوما على عجل %~% فلم أطق دفعه عني # بإكثاري ~~ولا جنودي التي جمعتها # نفعت %~% ولم يغثني صديق لي ولا # جاري ~~وطول عمري متعوب على سفر %~% تحت المنية في يسر # وإعسار ~~عادت لغيرك قبل الصبح # كاملة %~% وقد أتوك بحمال # وحفار ~~ويوم عرضك تلقى الله # منفردا %~% بحمل إثم وإجرام # وأوزار ~~فلا تغرنك الدنيا # بزينتها %~% وانظر إلى فعلها بالأهل # والجار # فلما سمع الأمير موسى هذه الأبيات بكى بكاء شديدا حتى غشي عليه، فلما أفاق دخل القبة فرأى فيها قبرا طويلا هائل المنظر، وعليه لوح من الحديد الصيني، فدنا منه الشيخ عبد الصمد وقرأه، فإذا فيه مكتوب: باسم الله الدائم الأبدي الأبد، باسم الله الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، باسم الله ذي العزة والجبروت، باسم الحي الذي لا يموت ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 569 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ عبد الصمد لما قرأ ما ذكرناه، ms1287 رأى بعده مكتوبا في اللوح: أما بعد، أيها الواصل إلى هذا المكان اعتبر بما ترى من حوادث الزمان، وطوارق الحدثان، ولا تغتر بالدنيا وزينتها، وزورها وبهتانها، وغرورها وزخرفها؛ فإنها ملاقة مكارة غدارة، أمورها مستعارة، تأخذ المعار من المستعير، فهي كأضغاث النائم، وحلم الحالم، كأنها أسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، يزخرفها الشيطان للإنسان إلى الممات، فهذه صفات الدنيا فلا تثق بها، ولا تمل إليها؛ فإنها تخون من استند إليها، وعول في أموره عليها، لا تقع في حبالها، ولا تتعلق بأذيالها، فإني ملكت أربعة آلاف حصان أحمر في دار، وتزوجت ألف بنت من بنات الملوك، نواهد أبكارا كأنهن الأقمار، ورزقت ألف ولد كأنهم الليوث العوابس، وعشت من العمر ألف سنة منعم البال والأسرار، وجمعت من الأموال ما يعجز عنه ملوك الأقطار، وكان ظني أن النعيم يدوم لي بلا زوال، فلم أشعر حتى نزل بنا هازم اللذات، ومفرق الجماعات، وموحش المنازل، ومخرب الدور العامرات، ومفني الكبار والصغار والأطفال والولدان والأمهات، وقد تركنا في هذا القصر مطمئنين حتى نزل بنا حكم رب العالمين، ورب السموات ورب الأرضين، فأخذتنا صيحة الحق المبين، فصار يموت منا كل يوم اثنان، حتى فني منا جماعة كثيرة، فلما رأيت الفناء قد خل ديارنا وقد حل بنا وفي بحر المنايا أغرقنا، أحضرت كاتبا وأمرته أن يكتب هذه الأشعار والمواعظ والاعتبارات، وقد جعلتها بالبيكار مسطرة على هذه الأبواب والألواح والقبور. # وقد كان لي جيش ألف ألف عنان أهل جلاد برماح وأزراد وسيوف حداد، وسواعد شداد، فأمرتهم أن يلبسوا الدروع السابغات، ويتقلدوا السيوف الباترات، ويعتقلوا الرماح الهائلات، ويركبوا الخيول الصافنات، فلما نزل بنا حكم رب العالمين، رب الأرض والسموات، قلت: يا معاشر الجنود والعساكر، هل تقدرون أن تمنعوا ما نزل بي من الملك القاهر؟ فعجزت العساكر والجنود عن ذلك وقالوا: كيف نحارب من لم يحجب عنه حاجب، صاحب الباب الذي ليس له بواب؟ فقلت لهم: أحضروا لي الأموال وهي ألف جب، في كل جب ألف قنطار من الذهب الأحمر، وفيها أصناف الدر ms1288 والجواهر، ومثلها من الفضة البيضاء والذخائر التي يعجز عنها ملوك الأرض. ففعلوا ذلك، فلما أحضروا المال بين يدي قلت لهم: هل تقدرون أن تنقذوني بهذه الأموال كلها وتشتروا لي بها يوما واحدا أعيشه؟ فلم يقدروا على ذلك، وصاروا مسلمين للقضاء والقدر، وصبرت لله على القضاء والبلاء حتى أخذ روحي وأسكنني ضريحي. وإن سألت عن اسمي، فإني كوش بن شداد بن عاد الأكبر، وفي ذلك اللوح مكتوب أيضا هذه الأبيات: # إن تذكروني بعد طول زماني %~% وتقلب الأيام # والحدثان ~~فأنا ابن شداد الذي ملك # الورى %~% والأرض أجمعها بكل # مكان ~~دانت لي الزمر الصعاب # بأسرها %~% والشام من مصر إلى # عدنان ~~قد كنت في عز أذل ملوكها %~% وتخاف أهل الأرض منء # سلطاني ~~وأرى القبائل والجحافل في # يدي %~% وأرى البلاد وأهلها # تخشاني ~~وإذا ركبت رأيت عدة # عسكري %~% فوق الصواهل ألف ألف # عنان ~~وملكت مالا ليس يحصر عده %~% أعددته لنوائب # الحدثان ~~وعزمت أن أفدي بمالي كله %~% روحي إلى حين من الأحيان ~~فأبى الإله سوى نفاذ مراده %~% فأنا الوحيد إذن من # الإخوان ~~وأتاني الموت المفرق # للورى %~% فنقلت من عز لدار # هوان ~~ولقد لقيت جميع ما قدمته %~% فأنا الرهين به وكنت # الجاني ~~فاربأ بنفسك أن تكون على # شفا %~% واحذر هديت طوارق # الحدثان # فبكى الأمير موسى حتى غشي عليه لما رأى من مصارع القوم. قال: فبينما هم يطوفون بنواحي القصر، ويتأملون في مجالسه ومنتزهاته، وإذا بمائدة على أربع قوائم من المرمر مكتوب عليها: قد أكل على هذه المائدة ألف ملك أعور، وألف ملك سليم العينين، كلهم فارقوا الدنيا، وسكنوا الأرماس والقبور. فكتب الأمير موسى ذلك كله، ثم خرج ولم يأخذ معه من القصر غير المائدة، وسار العسكر والشيخ عبد الصمد أمامهم يدلهم على الطريق، حتى مضى ذلك اليوم كله وثانيه وثالثه، وإذا هم برابية عالية، فنظروا إليها فإذا عليها فارس من نحاس، وفي رأس رمحه سنان عريض براق يكاد أن يخطف البصر، مكتوب عليه: أيها الواصل إلي، إن كنت لا تعرف الطريق الموصلة إلى مدينة النحاس، فافرك كف الفارس ms1289 فإنه يدور، ثم يقف، فأي جهة وقف إليها فاسلكها، ولا خوف عليك ولا حرج؛ فإنها توصلك إلى مدينة النحاس. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 570 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمير موسى لما فرك كف الفارس، دار كأنه البرق الخاطف، وتوجه إلى غير الجهة التي كانوا فيها، فتوجه القوم فيها وساروا، فإذا هي طريق حقيقة فسلكوها، ولم يزالوا سائرين يومهم وليلتهم حتى قطعوا بلادا بعيدة. فبينما هم سائرون يوما من الأيام، وإذا هم بعمود من الحجر الأسود وفيه شخص غائص في الأرض إلى إبطه، وله جناحان عظيمان، وأربع أياد؛ يدان منها كأيدي الآدميين، ويدان كأيدي السباع فيها مخالب، وله شعر في رأسه كأنه أذناب الخيل، وله عينان كأنهما جمرتان، وله عين ثالثة في جبهته كعين الفهد يلوح منها شرر النار، وهو أسود طويل، وينادي: سبحان ربي حكم علي بهذا البلاء العظيم والعذاب الأليم إلى يوم القيامة. فلما عاينه القوم طارت عقولهم، واندهشوا لما رأوا من صفته، وولوا هاربين، فقال الأمير موسى للشيخ عبد الصمد: ما هذا؟ قال: لا أدري ما هو. فقال: ادن منه وابحث عن أمره؛ فلعله يكشف عن أمره، ولعلك تطلع على خبره. فقال الشيخ عبد الصمد: أصلح الله الأمير، إنا نخاف منه. قال: لا تخافوا، فإنه مكفوف عنكم وعن غيركم بما هو فيه. فدنا منه الشيخ عبد الصمد وقال له: أيها الشخص، ما اسمك؟ وما شأنك؟ وما الذي جعلك في هذا المكان على هذه الصورة؟ فقال له: أما أنا فإني عفريت من الجن، واسمي داهش بن الأعمش، وأنا مكفوف ها هنا، بالعظمة محبوس، بالقدرة معذب إلى ما شاء الله عز وجل. قال الأمير موسى: يا شيخ عبد الصمد، اسأله ما سبب سجنه في هذا العمود؟ فسأله عن ذلك فقال له العفريت: إن حديثي عجيب؛ وذلك أنه كان لبعض أولاد إبليس صنم من العقيق الأحمر، وكنت موكلا به، وكان يعبده ملك من ملوك البحر جليل القدر عظيم الخطر، يقود من عساكر الجان ms1290 ألف ألف، يضربون بين يديه بالسيوف، ويجيبون دعوته في الشدائد، وكان الجان الذين يطيعونه تحت أمري وطاعتي، يتبعون قولي إذا أمرتهم، وكانوا كلهم عصاة عن سليمان بن داود عليهما السلام، وكنت أدخل في جوف الصنم فآمرهم وأنهاهم، وكانت ابنة ذلك الملك تحت ذلك الصنم كثيرة السجود له منهمكة على عبادته، وكانت أحسن أهل زمانها؛ ذات حسن وجمال وبهاء وكمال، فوصفتها لسليمان عليه السلام، فأرسل إلى أبيها يقول له: زوجني بنتك، واكسر صنمك العقيق، واشهد أن لا إله إلا الله وأن سليمان نبي الله، فإن أنت فعلت ذلك كان لك ما لنا، وعليك ما علينا، وإن أنت أبيت أتيتك بجنود لا طاقة لك بها، فاستعد للسؤال جوابا، والبس للموت جلبابا، فسوف أسير لك بجنود تملأ الفضاء، وتذرك كالأمس الذي مضى. فلما جاءه رسول سليمان عليه السلام، طغى وتجبر وتعاظم في نفسه وتكبر، ثم قال لوزرائه: ماذا تقولون في أمر سليمان بن داود؟ فإنه أرسل يطلب ابنتي، وأن أكسر صنمي العقيق، وأن أدخل في دينه. فقالوا: أيها الملك العظيم، هل يقدر سليمان أن يفعل بك ذلك وأنت في وسط هذا البحر العظيم؟ فإن هو سار إليك لا يقدر عليك؛ فإن مردة الجن يقاتلون معك، وتستعين عليه بصنمك الذي تعبده، فإنه يعينك عليه وينصرك، والصواب أن تشاور ربك في ذلك - ويعنون به الصنم العقيق الأحمر - وتسمع ما يكون جوابه، فإن أشار عليك أن تقاتله فقاتله وإلا فلا. فعند ذلك سار الملك من وقته وساعته، ودخل على صنمه بعد أن قرب القربان، وذبح الذبائح، وخر له ساجدا، وجعل يبكي ويقول شعرا: # يا رب إني عارف بقدرك %~% وها سليمان يروم كسرك ~~يا رب إني طالب لنصرك %~% فأمر فإني طائع لأمرك # ثم قال ذلك العفريت الذي نصفه في العمود للشيخ عبد الصمد ومن حوله يسمع: فدخلت أنا في جوف الصنم من جهلي، وقلة عقلي، وعدم اهتمامي بأمر سليمان، وجعلت أقول شعرا: # أما أنا فلست منه خائف %~% لأنني بكل أمر عارف ~~وإن يرد حربي فإني زاحف %~% وإنني ms1291 للروح منه زاحف # فلما سمع الملك جوابي له قوي قلبه، وعزم على حرب سليمان نبي الله عليه السلام، وعلى مقاتلته، فلما حضر رسول سليمان ضربه ضربا وجيعا، ورد عليه ردا شنيعا، وأرسل يهدده ويقول له مع الرسول: لقد حدثتك نفسك بالأماني، أتوعدني بزور الأقوال! فإما أن تسير إلي وإما أن أسير إليك. ثم رجع الرسول إلى سليمان وأعلمه بجميع ما كان من أمره، وما حصل له، فلما سمع نبي الله سليمان ذلك قامت قيامته، وثارت عزيمته، وجهز عساكره من الجن والإنس والوحوش والطير والهوام، وأمر وزيره الدمرياط ملك الجن أن يجمع مردة الجن من كل مكان، فجمع له من الشياطين ستمائة ألف ألف، وأمر آصف بن برخياء أن يجمع عساكره من الإنس، فكانت عدتهم ألف ألف أو يزيدون، وأعدوا العدة والسلاح، وركب هو وجنوده من الجن والإنس على البساط، والطير فوق رأسه طائر، والوحوش من تحت البساط سائرة، حتى نزل بساحته وأحاط بجزيرته، وقد ملأ الأرض بالجنود. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 571 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العفريت قال: لما نزل نبي الله سليمان عليه السلام بجيوشه حول الجزيرة، أرسل إلى ملكنا يقول له: ها أنا قد أتيت فاردد عن نفسك ما نزل، وإلا فادخل تحت طاعتي وقر برسالتي، واكسر صنمك، واعبد الواحد المعبود، وزوجني بنتك بالحلال، وقل أنت ومن معك: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سليمان نبي الله. فإن قلت ذلك كان لك الأمان والسلامة، وإن أبيت فلا يمنعك تحصنك مني في هذه الجزيرة؛ فإن الله تبارك وتعالى أمر الريح بطاعتي، فأمرها أن تحملني إليك بالبساط، وأجعلك عبرة ونكالا لغيرك. فجاءه الرسول وبلغه رسالة نبي الله سليمان عليه السلام، فقال له: ليس لهذا الأمر الذي طلبه مني سبيل، فأعلمه أني خارج إليه. فعاد الرسول إلى سليمان ورد عليه الجواب، ثم إن الملك أرسل إلى أهل أرضه وجمع له من الجن الذين كانوا تحت يده ألف ألف، وضم إليهم غيرهم ms1292 من المردة والشياطين الذين في جزائر البحار ورءوس الجبال، ثم جهز عساكره وفتح خزائن السلاح، وفرقها عليهم. # وأما نبي الله سليمان عليه السلام، فإنه رتب جنوده وأمر الوحوش أن تنقسم شطرين؛ على يمين القوم وعلى شمالهم، وأمر الطيور أن تكون في الجزائر، وأمرها عند الحملة أن تختطف أعينهم بمناقيرها، وأن تضرب وجوههم بأجنحتها، وأمر الوحوش أن تفترس خيولهم، فقالوا: السمع والطاعة لله ولك يا نبي الله. ثم إن سليمان نبي الله نصب له سريرا من المرمر مرصعا بالجوهر مصفحا بصفائح الذهب الأحمر، وجعل وزيره آصف بن برخيا على الجانب الأيمن، ووزيره الدمرياط على الجانب الأيسر، وملوك الإنس على يمينه، وملوك الجن على يساره، والوحوش والأفاعي والحيات أمامه، ثم زحفوا علينا زحفة واحدة، وتحارينا معه في أرض واسعة مدة يومين، ووقع بنا البلاء في اليوم الثالث، فنفذ فينا قضاء الله تعالى، وكان أول من حمل على سليمان أنا وجنودي، وقلت لأصحابي: الزموا مواطنكم حتى أبرز إليهم وأطلب قتال الدمرياط، وإذا به قد برز كأنه الجبل العظيم، ونيرانه تلتهب، ودخانه مرتفع، فأقبل ورماني بشهاب من نار فغلب سهمه على ناري، وصرخ علي صرخة عظيمة تخيلت منها أن السماء انطبقت علي، وانهزت لصوته الجبال، ثم أمر أصحابه فحملوا علينا حملة واحدة، وحملنا عليهم، وصرخ بعضنا على بعض، وارتفعت النيران وعلا الدخان، وكادت القلوب أن تنفطر، وقامت الحرب على ساق، وصارت الطيور تقاتل في الهواء والوحوش تقاتل في الثرى، وأنا أقاتل الدمرياط حتى أعياني وأعييته، ثم بعد ذلك ضعفت وخذلت أصحابي وجنودي، وانهزمت عشائري، وصاح نبي الله سليمان: خذوا هذا الجبار العظيم النحس الذميم. فحملت الإنس على الإنس، والجن على الجن، ووقعت بملكنا الهزيمة، وكنا لسليمان غنيمة، وحملت العساكر على جيوشنا، والوحوش حولهم يمينا وشمالا، والطيور فوق رءوسنا تخطف أبصار القوم تارة بمخالبها، وتارة بمناقيرها، وتارة تضرب بأجنحتها في وجوه القوم، والوحوش تنهش الخيول وتفترس الرجال، حتى صار أكثر القوم على وجه الأرض كجذوع النخل، وأما أنا فطرت من بين أيادي الدمرياط، فتبعني مسيرة ms1293 ثلاثة أشهر حتى لحقني، وقد وقعت كما تروني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 572 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجني الذي في العمود لما حكى لهم حكايته من أولها إلى أن سجن في العمود، قالوا له: أين الطريق الموصلة إلى مدينة النحاس؟ فأشار لنا إلى طريق المدينة، وإذا بيننا وبينها خمسة وعشرون بابا لا يظهر منها باب واحد، ولا يعرف له أثر، وسورها كأنه قطعة من جبل أو حديد صب في قالب، فنزل القوم ونزل الأمير موسى والشيخ عبد الصمد، واجتهدوا أن يعرفوا لها بابا، أو يجدوا لها سبيلا، فلم يصلوا إلى ذلك، فقال الأمير موسى: يا طالب، كيف الحيلة في دخول هذه المدينة؟ فلا بد أن نعرف لها بابا ندخل منه؟ فقال طالب: أصلح الله الأمير، ليسترح يومين أو ثلاثة وندبر الحيلة إن شاء الله تعالى في الوصول إليها والدخول فيها. قال: فعند ذلك أمر الأمير موسى بعض غلمانه أن يركب جملا، ويطوف حول المدينة لعله يطلع على أثر باب، أو موضع قصر في المكان الذي هم فيه نازلون، فركب بعض غلمانه وسار حولها يومين بلياليهما يجد السير ولا يستريح، فلما كان اليوم الثالث أشرف على أصحابه وهو مدهوش لما رأى من طولها وارتفاعها، ثم قال: أيها الأمير، إن أهون موضع فيها هذا الموضع الذي أنتم نازلون فيه. # ![fig4](../Images/figure4.png) # فلما طلعوا ذلك الجبل رأوا مدينة لم تر العيون أعظم منها. # ثم إن الأمير موسى أخذ طالب بن سهل والشيخ عبد الصمد وصعدوا على جبل مقابلها وهو مشرف عليها، فلما طلعوا ذلك الجبل رأوا مدينة لم تر العيون أعظم منها، قصورها عالية، وقبابها زاهية، ودورها عامرات، وأنهارها جاريات، وأشجارها مثمرات، ورياضها يانعات، وهي مدينة بأبواب منيعة خالية خامدة لا حس فيها ولا أنيس، يصفر البوم في جهاتها، ويحوم الطير في عرصاتها، وينعق الغراب في نواحيها وشوارعها، ويبكي على من كان فيها، فوقف الأمير موسى يتندم على خلوها من السكان، وخرابها من الأهل والقطان، وقال: سبحان ms1294 من لا تغيره الدهور والأزمان، خالق الخلق بقدرته. فبينما هو يسبح الله عز وجل إذ حانت منه التفاتة إلى جهة، وإذا فيها سبعة ألواح من الرخام الأبيض، وهي تلوح من البعد، فدنا منها فإذا هي منقوشة مكتوبة، فأمر أن تقرأ كتابتها، فتقدم الشيخ عبد الصمد وتأملها وقرأها، فإذا فيها وعظ واعتبار، وزجر لذوي الأبصار، مكتوب على اللوح الأول بالقلم اليوناني: «يا ابن آدم، ما أغفلك عن أمر هو أمامك، قد ألهتك عنه سنونك وأعوامك، أما علمت أن كأس المنية لك يترع، وعن قريب له تتجرع، فانظر لنفسك قبل دخولك رمسك، أين من ملك البلاد وأذل العباد، وقاد الجيوش؟ نزل بهم والله هادم اللذات، ومفرق الجماعات، ومخرب المنازل العامرات، فنقلهم من سعة القصور إلى ضيق القبور!» وفي أسفل اللوح مكتوب هذه الأبيات: # أين الملوك ومن بالأرض قد # عمروا %~% قد فارقوا ما بنوا فيها وما # عمروا ~~وأصبحوا رهن قبر بالذي # عملوا %~% عادوا رميما من بعد ما دثروا ~~أين العساكر ما ردت وما # نفعت %~% وأين ما جمعوا فيها وما # ادخروا ~~أتاهم أمر رب العرش في # عجل %~% لم ينجهم منه أموال ولا # وزر # فصعق الأمير موسى وجرت دموعه على خده، وقال: والله إن الزهد في الدنيا هو غاية التوفيق ونهاية التحقيق. ثم إنه أحضر دواة وقرطاسا، وكتب ما على اللوح الأول، ثم دنا من اللوح الثاني، وإذا عليه مكتوب: «يا ابن آدم، ما غرك بقديم الأزل، وما ألهاك عن حلول الأجل، ألم تعلم أن الدنيا دار بوار، وما لأحد فيها قرار، وأنت ناظر إليها، ومكب عليها؟ أين الملوك الذين عمروا العراق، وملكوا الآفاق؟ أين من عمروا أصفهان وبلاد خراسان؟ دعاهم داعي المنايا فأجابوه، وناداهم داعي الفناء فلبوه، وما نفعهم ما بنوا وشيدوا، ولا رد عنهم ما جمعوا وعددوا.» وفي أسفل اللوح مكتوب هذه الأبيات: # أين الذين بنوا لذاك # وشيدوا %~% غرفا به لم يحكها # بنيان ~~جمعوا العساكر والجيوش # مخافة %~% من ذل تقدير الإله # فهانوا ~~أين الأكاسرة المناع # حصنهم %~% تركوا البلاد كأنهم ما # كانوا # فبكى الأمير ms1295 موسى وقال: والله لقد خلقنا لأمر عظيم. ثم كتب ما عليه، ودنا من اللوح الثالث ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 573 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمير موسى دنا من اللوح الثالث فوجد فيه مكتوب: «يا ابن آدم، أنت بحب الدنيا لاه، وعن أمر ربك ساه، كل يوم من عمرك ماض، وأنت بذلك قانع وراض، فقدم الزاد ليوم الميعاد، واستعد لرد الجواب بين يدي رب العباد.» وفي أسفل اللوح مكتوب هذه الأبيات: # أين الذي عمر البلاد # بأسرها %~% سندا وهندا واعتدى # وتجبرا ~~والزنج والحبش استقادوا # لأمره %~% والنوب لما أن طغى # وتكبرا ~~لا تنتظر خيرا بما في قبره %~% هيهات أن تلقى لذلك # مخبرا ~~فدهته من ريب المنون # حوادث %~% لم ينجه من قصرها ما # عمرا # فبكى الأمير موسى بكاء شديدا، ثم دنا من اللوح الرابع فرأى مكتوبا عليه: «يا ابن آدم، كم يمهلك مولاك وأنت غائص في بحر لهوك؟ كل يوم خيره إليك حتى لا تموت. يا ابن آدم لا تغرنك أيامك ولياليك، وساعاتك الملهية وغفلاتها، واعلم أن الموت لك مراصد، وعلى كتفك صاعد، ما من يوم يمضي إلا صبحك صباحا ومساك مساء، فاحذر من هجمته، واستعد له، فكأني بك وقد سلبت طول حياتك، وضيعت لذات أوقاتك، فاسمع مقالي، وثق بمولى الموالي؛ ليس للدنيا ثبوت، إنما الدنيا كبيت العنكبوت.» ورأى في أسفل اللوح مكتوبا هذه الأبيات: # أين من أسس الذرى وبناها %~% وتولى مشيدها ثم على ~~أين أهل الحصون من سكنوها %~% كلهم عن تلك الصياصي # ولى ~~أصبحوا في القبور رهنا # ليوم %~% فيه كل السرائر تبلى ~~ليس يبقى سوى الإله تعالى %~% وهو ما زال للكرامة # أهلا # فبكى الأمير موسى، وكتب ذلك كله ونزل من فوق الجبل، وقد صور الدنيا بين عينيه، فلما وصل إلى العسكر أقاموا يومهم يدبرون الحيلة في دخول المدينة، فقال الأمير موسى لوزيره طالب بن سهل ولمن حوله من خواصه: كيف تكون الحيلة في دخول المدينة لننظر عجائبها؟ ولعلنا نجد فيها ما نتقرب به إلى أمير ms1296 المؤمنين. فقال طالب بن سهل: أدام الله نعمة الأمير، نعمل سلما ونصعد عليه لعلنا نصل إلى الباب من داخل. فقال الأمير موسى: هذا ما خطر ببالي وهو نعم الرأي. ثم إنه دعا بالنجارين والحدادين، وأمر أن يسووا الأخشاب، ويعملوا سلما مصفحا بصفائح الحديد، ففعلوه وأحكموه، وقعدوا في عمله شهرا كاملا، واجتمعت عليه الرجال فأقاموه وألصقوه بالسور، فجاء مساويا له كأنه قد عمل له قبل ذلك اليوم؛ فتعجب الأمير موسى منه، وقال: بارك الله فيكم، كأنكم قستوه عليه من حسن صنعتكم! ثم إن الأمير موسى قال للناس: من يطلع منكم على هذا السلم ويصعد فوق السور ويمشي عليه، ويتحايل في نزوله إلى أسفل المدينة لينظر كيف الأمر، ثم يخبرنا بكيفية فتح الباب؟ فقال أحدهم: أنا أصعد عليه أيها الأمير وأنزل أفتحه. فقال له الأمير موسى: اصعد بارك الله فيك. فصعد الرجل على السلم حتى صار في أعلاه، ثم إنه قام على قدميه وشخص إلى المدينة، وصفق بكفيه وصاح بأعلى صوته، وقال: أنت مليح. ورمى بنفسه من داخل المدينة فانهرس لحمه على عظمه، فقال الأمير موسى: هذا فعل العاقل، فكيف يكون فعل المجنون؟ إن كنا نفعل هكذا بجميع أصحابنا، لم يبق منهم أحد فنعجز عن قضاء حاجتنا وحاجة أمير المؤمنين، ارحلوا فلا حاجة لنا بهذه المدينة. # فقال بعضهم: لعل غير هذا أثبت منه. فصعد ثان وثالث ورابع وخامس، فما زالوا يصعدون من على ذلك السلم إلى السور واحدا بعد واحد، إلى أن راح منهم اثنا عشر رجلا، وهم يفعلون كما فعل الأول، فقال الشيخ عبد الصمد: ما لهذا الأمر غيري، وليس المجرب كغير المجرب. فقال له الأمير موسى: لا تفعل ذلك، ولا أمكنك من الطلوع إلى هذا السور؛ لأنك إذا مت كنت سببا لموتنا كلنا، ولم يبق منا أحد لأنك أنت دليل القوم. فقال له الشيخ عبد الصمد: لعل ذلك يكون على يدي بمشيئة الله تعالى. فاتفق القوم كلهم على صعوده. ثم إن الشيخ عبد الصمد قام ونشط نفسه وقال: بسم الله ms1297 الرحمن الرحيم. ثم إنه صعد على السلم وهو يذكر الله تعالى ويقرأ آيات النجاة، إلى أن بلغ أعلى السور، ثم إنه صفق بيديه وشخص ببصره، فصاح عليه القوم جميعا وقالوا: أيها الشيخ عبد الصمد، لا تفعل ولا تلق نفسك. وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن وقع الشيخ عبد الصمد هلكنا بأجمعنا. ثم إن الشيخ عبد الصمد ضحك ضحكا زائدا، وجلس ساعة طويلة يذكر الله تعالى ويتلو آيات النجاة، ثم إنه قام على حيله، ونادى بأعلى صوته: أيها الأمير، لا بأس عليكم، فقد صرف الله عز وجل عني كيد الشيطان ومكره، ببركة بسم الله الرحمن الرحيم. فقال له الأمير: ما رأيت أيها الشيخ؟ قال: لما حصلت أعلى السور رأيت عشر جوار كأنهن الأقمار، وهن ينادين ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 574 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ عبد الصمد قال: لما حصلت أعلى السور رأيت عشر جوار كأنهن الأقمار، وهن يشرن بأيديهن أن تعال إلينا، وتخيل لي أن تحتي بحرا من الماء، فأردت أن ألقي نفسي كما فعل أصحابنا، فرأيتهم موتى، فتماسكت عنهم، وتلوت شيئا من كتاب الله تعالى، فصرف الله عني كيدهن، وانصرفن عني، فلم أرم نفسي، ورد الله عني كيدهن وسحرهن، ولا شك أن هذا سحر ومكيدة صنعها أهل تلك المدينة ليردوا عنها كل من أراد أن يشرف عليها، ويروم الوصول إليها، وهؤلاء أصحابنا مطروحون موتى. ثم إنه مشى على السور إلى أن وصل إلى البرجين النحاس، فرأى لهما بابين من الذهب ولا قفل عليهما، وليس فيهما علامة للفتح، ثم وقف الشيخ ما شاء الله وتأمل فرأى في وسط الباب صورة فارس من نحاس له كف ممدود كأنه يشير به، وفيه خط مكتوب، فقرأه الشيخ عبد الصمد فإذا فيه: افرك المسمار الذي في سرة الفارس اثنتي عشرة فركة؛ فإن الباب ينفتح. فتأمل الفارس فإذا في سرته مسمار محكم متقن مكين، ففركه اثنتي عشرة فركة فانفتح الباب في الحال، وله صوت كالرعد، فدخل ms1298 منه الشيخ عبد الصمد، وكان رجلا فاضلا عالما بجميع اللغات والأقلام، فمشى إلى أن دخل دهليزا طويلا نزل منه على درجات، فوجد مكانا بدكك حسنة، وعليها أقوام موتى، وفوق رءوسهم التروس المكلفة والحسامات المرهفة، والقسي الموترة، والسهام المفوقة، وخلف الباب عمود من حديد، ومتاريس من خشب، وأقفال رقيقة، وآلات محكمة، فقال الشيخ عبد الصمد في نفسه: لعل المفاتيح عند هؤلاء القوم. ثم نظر بعينه وإذا هو بشيخ يظهر أنه أكبرهم سنا وهو على دكة عالية بين القوم الموتى، فقال الشيخ عبد الصمد: وما يدريك أن تكون مفاتيح هذه المدينة مع هذا الشيخ؟ ولعله بواب المدينة وهؤلاء من تحت يده. فدنا منه ورفع ثيابه، وإذا بالمفاتيح معلقة في وسطه، فلما رآها الشيخ عبد الصمد فرح فرحا شديدا، وقد كاد عقله أن يطير من الفرحة. # ثم إن الشيخ عبد الصمد أخذ المفاتيح ودنا من الباب وفتح الأقفال وجذب الباب والمتاريس والآلات، فانفتحت وانفتح الباب بصوت كالرعد لكبره وهوله وعظم آلاته، فعند ذلك كبر الشيخ وكبر القوم معه، واستبشروا وفرحوا، وفرح الأمير موسى بسلامة الشيخ عبد الصمد، وفتح باب المدينة، وقد شكره القوم على ما فعله، فبادر العسكر كلهم بالدخول من الباب، فصاح عليهم الأمير موسى وقال لهم: يا قوم، لا نأمن إذا دخلنا من أمر يحدث، ولكن يدخل النصف ويتأخر النصف. ثم إن الأمير موسى دخل من الباب ومعه نصف القوم وهم حاملون آلات الحرب، فنظر القوم إلى أصحابهم وهم ميتون فدفنوهم، ورأوا البوابين والخدم والحجاب والنواب راقدين فوق الفراش الحرير موتى كلهم، ودخلوا إلى سوق المدينة فنظروا سوقا عظيمة عالية الأبنية لا يخرج بعضها عن بعض، والدكاكين مفتحة والموازين معلقة، والنحاس مصفوفا، والخانات ملآنة من جميع البضائع، ورأوا التجار موتى على دكاكينهم، وقد يبست منهم الجلود، ونخرت منهم العظام، وصاروا عبرة لمن اعتبر. ونظروا إلى أربعة أسواق مستقلات دكاكينها مملوءة بالمال، فتركوها ومضوا إلى سوق الخز، وإذا فيها من الحرير والديباج ما هو منسوج بالذهب الأحمر والفضة البيضاء على اختلاف الألوان، ms1299 وأصحابه موتى رقود على أنطاع الأديم، يكادون أن ينطقوا، فتركوهم ومضوا إلى سوق الجواهر واللؤلؤ والياقوت، فتركوها ومضوا إلى سوق الصيارف، فوجدهم موتى وتحتهم أنواع الحرير والإبريسم، ودكاكينهم مملوءة من الذهب والفضة، فتركوهم ومضوا إلى سوق العطارين، فإذا دكاكينهم مملوءة بأنواع العطريات، ونوافح المسك والعنبر والعود والند والكافور وغير ذلك، وأهلها كلهم موتى، ولم يكن عندهم شيء من المأكول، فلما طلعوا من سوق العطارين وجدوا قريبا منه قصرا مزخرفا مبنيا متقنا، فدخلوه فوجدوا أعلاما منشورة وسيوفا مجردة وقسيا موترة، وتروسا معلقة بسلاسل من الذهب والفضة، وخوذا مطلية بالذهب الأحمر، وفي دهاليز ذلك القصر دكك من العاج المصفح بالذهب الوهاج والإبريسم، وعليها رجال قد يبست منهم الجلود على العظام، يحسبهم الجاهل نياما، ولكنهم من عدم القوت ماتوا وذاقوا الحمام، فعند ذلك وقف الأمير موسى يسبح الله تعالى ويقدسه، وينظر إلى حسن ذلك القصر، ومحكم بنائه، وعجيب صنعه بأحسن صفة وأتقن هندسة، وأكثر نقشه باللازورد الأخضر، مكتوب على دائره هذه الأبيات: # انظر إلى ما ترى يا أيها # الرجل %~% وكن على حذر من قبل # ترتحل ~~وقدم الزاد من خير تفز به # أبدا %~% فكل ساكن دار سوف # يرتحل ~~وانظر إلى معشر زانوا # منازلهم %~% فأصبحوا في الثرى رهنا بما # عملوا ~~بنوا فما نفع البنيان # وادخروا %~% لم ينجهم مالهم لما انقضى # الأجل ~~كم أملوا غير مقدور لهم # فمضوا %~% إلى القبور ولم ينفعهم # الأمل ~~واستنزلوا من أعالي عز # رتبتهم %~% لذل ضيق لحودا ساء ما # نزلوا ~~فجاءهم صارخ من بعد ما # دفنوا %~% أين الأسرة والتيجان # والحلل ~~أين الوجوه التي كانت # محجبة %~% من دونها تضرب الأستار # والمثل ~~فأفصح القبر عنهم حسب # سائلهم %~% أما الخدود فعنها الورد # منتقل ~~قد طال ما أكلوا يوما وما # شربوا %~% فأصبحوا بعد طيب الأكل قد # أكلوا # فبكى الأمير موسى حتى غشي عليه، وأمر بكتابة هذا الشعر، ودخل القصر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 575 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمير موسى دخل القصر فرأى حجرة كبيرة وأربع مجالس عالية ms1300 كبار متقابلة واسعة، منقوشة بالذهب والفضة، مختلفة الألوان، وفي وسطها فسقية كبيرة من المرمر، وعليها خيمة من الديباج، وفي تلك المجالس جهات، وفي تلك الجهات فساق مزخرفة وحيطان مرخمة ومجار تجري من تحت تلك المجالس، وتلك الأنهر الأربعة تجري وتجتمع في بحيرة عظيمة مرخمة باختلاف الألوان. ثم قال الأمير موسى للشيخ عبد الصمد: ادخل بنا هذه المجالس. فدخلوا المجلس الأول فوجدوه مملوءا من الذهب والفضة البيضاء واللؤلؤ والجواهر واليواقيت والمعادن النفيسة، ووجدوا فيها صناديق مملوءة من الديباج الأحمر والأصفر والأبيض. ثم إنهم انتقلوا إلى المجلس الثاني ففتحوا خزانة فيه، فإذا هي مملوءة بالسلاح وآلات الحرب من الخوذ المذهبة، والدروع الداودية، والسيوف الهندية، والرماح الخطية، والدبابيس الخوارزمية، وغيرها من أصناف آلات الحرب والكفاح. ثم انتقلوا إلى المجلس الثالث فوجدوا فيه خزائن عليها أقفال مغلقة، وفوقها ستارات منقوشة بأنواع الطراز، ففتحوا منها خزانة فوجدوها مملوءة بالسلاح المزخرف بأنواع الذهب والفضة والجواهر. ثم إنهم انتقلوا إلى المجلس الرابع فوجدوا فيه خزائن، ففتحوا منها خزانة فوجدوها مملوءة بآلات الطعام والشراب من أصناف الذهب والفضة، وسكارج البلور، والأقداح المرصعة باللؤلؤ الرطب، وكاسات العقيق وغير ذلك، فجعلوا يأخذون ما يصلح لهم من ذلك، ويحمل كل واحد من العسكر ما يقدر عليه. # فلما عزموا على الخروج من تلك المجالس رأوا هناك بابا من الساج متداخلا فيه العاج والأبنوس، وهو مصفح بالذهب الوهاج في وسط ذلك القصر، وعليه ستر مسبول من حرير منقوش بأنواع الطراز، وعليه أقفال من الفضة البيضاء تفتح بالحيلة بغير مفتاح، فتقدم الشيخ عبد الصمد إلى تلك الأقفال ففتحها بمعرفته وشجاعته وبراعته، فدخل القوم من دهليز مرخم، في جوانب ذلك الدهليز براقع عليها صور من أصناف الوحوش والطيور، وكل ذلك من ذهب أحمر وفضة بيضاء وأعينها من الدرر واليواقيت، تحير كل من رآها. ثم وصلوا إلى قاعة مصنوعة، فلما رآها الأمير موسى والشيخ عبد الصمد اندهشا من صنعتها. ثم إنهم عبروا فوجدوا قاعة مصنوعة من رخام مسقول منقوش بالجواهر، يتوهم الناظر أن في طريقه ماء ms1301 جاريا لو مر عليه أحد لزلق، فأمر الأمير موسى الشيخ عبد الصمد أن يطرح عليها شيئا حتى يتمكنوا أن يمشوا عليها، ففعل ذلك وتحيل حتى عبروا فوجدوا فيها قبة عظيمة مبنية بحجارة مطلية بالذهب الأحمر، لم يشاهد القوم في جميع ما رأوه أحسن منها، وفي وسط تلك القبة قبة عظيمة كبيرة من المرمر، بدائرها شبابيك منقوشة مرصعة بقضبان الزمرد لا يقدر عليها أحد من الملوك، وفيها خيمة من الديباج منصوبة على أعمدة من الذهب الأحمر، وفيها طيور أرجلها من الزمرد الأخضر، وتحت كل طير شبكة من اللؤلؤ الرطب مجللة على فسقية، وموضوع على الفسقية سرير مرصع بالدر والجواهر والياقوت، وعلى السرير جارية كأنها الشمس الضاحية، لم ير الراءون أحسن منها، وعليها ثوب من اللؤلؤ الرطب، وعلى رأسها تاج من الذهب الأحمر وعصابة من الجوهر، وفي عنقها عقد من الجوهر، وفي وسطه جواهر مشرقة، وعلى جبينها جوهرتان نورهما كنور الشمس، وهي كأنها ناظرة إليهم تتأملهم يمينا وشمالا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 576 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمير موسى لما رأى هذه الجارية تعجب غاية العجب من جمالها، وتحير من حسنها وحمرة خديها وسواد شعرها، يظن الناظر أنها بالحياة ولم تكن ميتة. فقالوا لها: السلام عليك أيتها الجارية. فقال له طالب بن سهل: أصلح الله شأنك، اعلم أن هذه الجارية ميتة لا روح فيها، فمن أين لها أن ترد السلام؟ ثم إن طالب بن سهل قال له: أيها الأمير، إنها صورة مدبرة بالحكمة، وقد قلعت عيناها بعد موتها وجعل تحتهما زئبق وأعيدتا مكانهما، فهما يلمعان كأنهما يحركهما الهدب، يخيل للناظر أنها ترمش بعينيها وهي ميتة. فقال الأمير موسى: سبحان الله الذي قهر العباد بالموت. # وأما السرير الذي عليه الجارية فله درج، وعلى الدرج عبدان أحدهما أبيض والآخر أسود، وبيد أحدهما آلة من البولاد، وبيد الآخر سيف مجوهر يخطف الأبصار، وبين يدي العبدين لوح من ذهب، وفيه كتابة تقرأ وهي: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد ms1302 لله خالق الإنسان وهو رب الأرباب، ومسبب الأسباب، باسم الله الباقي السرمدي، باسم الله مقدر القضاء والقدر. ويا ابن آدم ما أجهلك بطول الأمل، وما أسهاك عن حلول الأجل، أما علمت أن الموت لك قد دعاك، وإلى قبض روحك قد سعى؟ فكن على أهبة الرحيل، وتزود من الدنيا فستفارقها عن قليل، أين آدم أبو البشر؟ أين نوح وما نسل؟ أين الملوك الأكاسرة والقياصرة؟ أين ملوك الهند والعراق؟ أين ملوك الآفاق؟ أين العمالقة؟ أين الجبابرة؟ خلت منهم الديار وقد فارقوا الأهل والأوطان. أين ملوك العجم والعرب؟ ماتوا بأجمعهم وصاروا أمما. أين السادة ذوو الرتب؟ قد ماتوا جميعا. أين قارون وهامان؟ أين شداد بن عاد؟ أين كنعان وذو الأوتاد؟ قرضهم والله قارض الأعمار وأخلى منهم الديار، فهل قدموا الزاد ليوم المعاد، واستعدوا لجواب رب العباد؟ يا هذا إن كنت لا تعرفني، فأنا أعرفك باسمي ونسبي، أنا ترمز ابن بنت عمالقة الملوك، من الذين عدلوا في البلاد، ملكت ما لم يملكه أحد من الملوك، وأعدلت في القضية، وأنصفت بين الرعية، وأعطيت ووهبت، وقد عشت زمانا طويلا في سرور وعيش رغيد، وأعتقت الجواري والعبيد، حتى نزل بي طارق المنايا، وحلت بين يدي الرزايا، وذلك أنه قد تواترت علينا سبع سنين لم ينزل علينا ماء من السماء، ولا نبت لنا عشب على وجه الأرض، فأكلنا ما كان عندنا من القوت، ثم عطفنا على المواشي من الدواب، فأكلناها ولم يبق شيء، فحينئذ أحضرت المال واكتلته بمكيال وبعثته مع الثقات من الرجال، فطافوا به جميع الأقطار، ولم يتركوا مصرا من الأمصار في طلب شيء من القوت فلم يجدوه، ثم عادوا إلينا بالمال بعد طول الغيبة، فحينئذ أظهرنا أموالنا وذخائرنا، وأغلقنا أبواب الحصون التي بمدينتنا وسلمنا لحكم ربنا، وفوضنا أمرنا لمالكنا، فمتنا جميعا كما ترانا، وتركنا ما عمرنا وما ادخرنا، فهذا هو الخبر، وما بعد العين إلا الأثر.» وقد نظروا في أسفل اللوح فرأوا مكتوبا فيه هذه الأبيات: # بني آدم لا يهزأ بك الأمل %~% عن كل ما ادخرت ms1303 كفاك # تنتقل ~~أراك ترغب في الدنيا # وزينتها %~% وقد سعى قبلك الماضون # والأول ~~قد حصلوا المال من حل ومن # حرم %~% فلم يرد القضا لما انتهى # الأجل ~~قادوا العساكر أفواجا وقد # جمعوا %~% فخلفوا المال والبنيان # وارتحلوا ~~إلى قبور وضيق في الثرى # رقدوا %~% وقد أقاموا به رهنا بما # عملوا ~~كأنما الركب قد حطوا # رحالهم %~% في جمع ليل بدار ما بها # نزل ~~فقال صاحبها يا قوم ليس # لكم %~% فيها مقام فشدوا بعد ما # نزلوا ~~فكلهم خائف أضحى بها وجلا %~% ولا يطيب له حل # ومرتحل ~~فقدم الزاد من خير تسر # غدا %~% وليس إلا بتقوى ربك # العمل # فبكى الأمير موسى لما سمع هذا الكلام: «والله إن التقوى هي رأس الأمور والتحقيق والركن الوثيق، وإن الموت هو الحق المبين والوعد اليقين، وفيه يا هذا المرجع والمآب، واعتبر بمن سلف قبلك في التراب، وبادر إلى سبيل المعاد، أما ترى الشيب إلى القبر دعاك، وبياض شعرك على نفسك قد نعاك؟ فكن على يقظة الرحيل والحساب. يا ابن آدم، ما أقسى قلبك! فما غرك بربك؟ أين الأمم السالفة؟ العبرة لمن يعتبر، أين ملوك الصين أهل البأس والتمكين؟ أين عاد؟ أين شداد وما بنى وعمر؟ أين النمرود الذي طغى وتجبر؟ أين فرعون الذي جحد وكفر؟ كلهم قهرهم الموت على الأثر، فما أبقى صغيرا ولا كبيرا، ولا أنثى ولا ذكرا، قرضهم قارض الأعمار، ومكور الليل على النهار. اعلم أيها الواصل إلى هذا المكان ممن رآنا أنه لا يغتر بشيء من الدنيا وحطامها؛ فإنها غدارة مكارة، دار بوار وغرور، فطوبى لعبد ذكر ذنبه وخشي ربه وأحسن المعاملة، وقدم الزاد ليوم المعاد، فمن وصل إلى مدينتنا ودخلها وسهل الله عليه دخولها، فليأخذ من المال ما يقدر عليه، ولا يمس من فوق جسدي شيئا؛ فإنه ستر لعورتي وجهازي من الدنيا، فليتق الله ولا يسلب منه شيئا فيهلك نفسه. وقد جعلت ذلك نصيحة مني إليه، وأمانة مني لديه والسلام، فأسأل الله أن يكفيكم شر البلايا والسقام.» وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة ms1304 577 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأمير موسى لما سمع هذا الكلام بكى بكاء شديدا حتى غشي عليه، فلما أفاق كتب جميع ما رآه واعتبر بما شاهده، ثم قال لأصحابه: ائتوا بالأعدال واملئوها من هذه الأموال وهذه الأواني والتحف والجواهر. فقال طالب بن سهل للأمير موسى: أيها الأمير، أنترك هذه الجارية بما عليها وهو شيء لا نظير له، ولا يوجد في وقت مثله، وهو أوفى ما أخذت من الأموال، وأحسن هدية تتقرب بها إلى أمير المؤمنين. فقال الأمير موسى: يا هذا، ألم تسمع ما أوصت به الجارية في هذا اللوح، لا سيما وقد جعلته أمانة، وما نحن من أهل الخيانة. فقال الوزير طالب: وهل لأجل هذه الكلمات نترك هذه الأموال وهذه الجواهر وهي ميتة؟ فما تصنع بهذا وهو زينة الدنيا وجمال الأحياء؟ وثوب من القطن تستر به هذه الجارية ونحن أحق به منها. ثم دنا من السلم وصعد على الدرج حتى صار بين العمودين، وحصل بين الشخصين، وإذا بأحد الشخصين ضربه في ظهره، وضربه الآخر بالسيف الذي في يده، فرمى رأسه ووقع ميتا، فقال الأمير موسى: لا رحم الله لك مضجعا، لقد كان في هذه الأموال ما فيه كفاية، والطمع لا شك يزري بصاحبه. ثم أمر بدخول العساكر، فدخلوا وحملوا الجمال من تلك الأموال والمعادن، ثم إن الأمير موسى أمرهم أن يغلقوا الباب كما كان. # ثم ساروا على الساحل حتى أشرفوا على جبل عال مشرف على البحر، وفيه مغارات كثيرة، وإذا فيها قوم من السودان وعليهم نطوع، وعلى رءوسهم برانس من نطوع، لا يعرف كلامهم، فلما رأوا العسكر أجفلوا منهم وولوا هاربين إلى تلك المغارات ونساؤهم وأولادهم على أبواب المغارات، فقال الأمير موسى: يا شيخ عبد الصمد، ما هؤلاء القوم؟ فقال: هؤلاء طلبة أمير المؤمنين. فنزلوا وضربت الخيام وحطت الأموال، فما استقر بهم المكان حتى نزل ملك السودان من الجبل، ودنا من العسكر وكان يعرف العربية، فلما وصل إلى الأمير موسى سلم عليه، فرد عليه السلام وأكرمه، فقال ملك ms1305 السودان للأمير موسى: أنتم من الإنس أم من الجن؟ فقال الأمير موسى: أما نحن فمن الإنس، وأما أنتم فلا شك أنكم من الجن، لانفرادكم في هذا الجبل المنفرد عن الخلق، ولعظم خلقتكم. فقال ملك السودان: بل نحن قوم آدميون من أولاد حام بن نوح عليه السلام، وأما هذا البحر فإنه يعرف بالكركر. فقال له الأمير موسى: ومن أين لكم علم ولم يبلغكم نبي أوحي إليه في مثل هذه الأرض؟ فقال: اعلم أيها الأمير أنه يظهر لنا من هذا البحر شخص له نور تضيء له الآفاق، فينادي بصوت يسمعه البعيد والقريب: يا أولاد حام، استحوا ممن يرى ولا يرى، وقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنا أبو العباس الخضر. وكنا قبل ذلك نعبد بعضنا، فدعانا إلى عبادة رب العباد. ثم قال للأمير موسى: وقد علمنا كلمات نقولها. فقال الأمير موسى: وما تلك الكلمات؟ قال: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وما نتقرب إلى الله عز وجل إلا بهذه الكلمات ولا نعرف غيرها، وكل ليلة جمعة نرى نورا على وجه الأرض ونسمع صوتا يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، كل نعمة من الله فضل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فقال له الأمير موسى: نحن أصحاب ملك الإسلام عبد الملك بن مروان، وقد جئنا بسبب القماقم النحاس التي عندكم في بحركم، وفيها الشياطين محبوسة من عهد سليمان بن داود عليهما السلام، وقد أمر أن نأتيه بشيء منها يبصره ويتفرج عليه. فقال له ملك السودان: حبا وكرامة. # ثم أضافه بلحوم السمك، وأمر الغواصين أن يخرجوا من البحر شيئا من القماقم السليمانية، فأخرجوا لهم اثني عشر قمقما؛ ففرح الأمير موسى بها والشيخ عبد الصمد والعساكر لأجل قضاء حاجة أمير المؤمنين. ثم إن الأمير موسى وهب لملك السودان مواهب كثيرة، وأعطاه عطايا جزيلة، وكذلك ملك السودان أهدى إلى ms1306 الأمير موسى هدية من عجائب البحر على صفة الآدميين، وقال: إن ضيافتكم في هذه الثلاثة أيام من لحوم هذا السمك. فقال الأمير موسى: لا بد أن نحمل معنا شيئا حتى ينظر إليه أمير المؤمنين، فيطمئن خاطره بذلك أكثر من القماقم السليمانية. ثم ودعوه وساروا حتى وصلوا إلى بلاد الشام، فدخلوا على أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فحدثه الأمير موسى بجميع ما رآه، وما وقع له من الأشعار والأخبار والمواعظ، وأخبره بخبر طالب بن سهل، فقال له أمير المؤمنين: ليتني كنت معكم حتى أعاين ما عاينتم. ثم أخذ القماقم، وجعل يفتح قمقما بعد قمقم، والشياطين يخرجون منها ويقولون: التوبة يا نبي الله، وما نعود لمثل ذلك أبدا. فتعجب عبد الملك بن مروان من ذلك. وأما بنات البحر التي أضافهم بنوعها ملك السودان، فإنهم صنعوا لها حياضا من خشب وملئوها ماء، ووضعوها فيها فماتت من شدة الحر. ثم إن أمير المؤمنين أحضر الأموال، وقسمها بين المسلمين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 578 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان لما رأى القماقم وما فيها، تعجب من ذلك غاية العجب، وأمر بإحضار الأموال وقسمها بين المسلمين وقال: لم يعط الله أحدا مثل ما أعطى سليمان بن داود. ثم إن الأمير موسى سأل أمير المؤمنين أن يستخلف ولده مكانه على بلاده، وهو يتوجه إلى القدس الشريف يعبد الله فيه؛ فولى أمير المؤمنين ولده وتوجه هو إلى القدس الشريف ومات فيه. وهذا آخر ما انتهى إلينا من حديث مدينة النحاس على التمام، والله أعلم. ### || حكاية الملك وولده والجارية والوزراء السبعة # وقد بلغنا أيضا أنه في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، ملك من ملوك الزمان كان كثير الجند والأعوان، وصاحب جاه وأموال، ولكنه بلغ من العمر مدة ولم يرزق ولدا ذكرا، فلما قلق الملك توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى، وسأله بجاه الأنبياء والأولياء والشهداء من عباده المقربين أن يرزقه بولد ذكر ms1307 حتى يرث الملك من بعده، ويكون قرة عينه، ثم قام من وقته وساعته ودخل إلى قاعة جلوسه، وأرسل إلى بنت عمه فواصلها فصارت حاملة بإذن الله تعالى، فمكثت مدة حتى آن أوان وضعها، فولدت ولدا ذكرا وجهه مثل دورة القمر ليلة أربعة عشر، فتربى ذلك الغلام إلى أن بلغ من العمر خمس سنين، وكان عند ذلك الملك رجل حكيم من الحكماء الماهرين يسمى السندباد، فسلم إليه ذلك الغلام، فلما بلغ من العمر عشر سنين علمه الحكمة والأدب إلى أن صار ذلك الولد ليس أحد في هذا الزمان يناظره في العلم والأدب والفهم. فلما بلغ والده ذلك أحضر له جماعة من فرسان العرب يعلمونه الفروسية فمهر فيها، وصال وجال في حومة الميدان إلى أن فاق أهل زمانه وسائر أقرانه؛ ففي بعض الأيام نظر ذلك الحكيم في النجوم فرأى طالع الغلام، وأنه متى عاش سبعة أيام وتكلم بكلمة واحدة صار فيها هلاكه، فذهب الحكيم إلى الملك والده وأعلمه بالخبر، فقال له والده: فما يكون الرأي والتدبير يا حكيم؟ فقال له الحكيم: أيها الملك، الرأي والتدبير عندي أن تجعله في مكان نزهة وسماع آلات مطربة، يكون فيه إلى أن تمضي السبعة أيام. فأرسل الملك إلى جارية من خواصه، وكانت أحسن الجواري، فسلم إليها الولد وقال لها: خذي سيدك في القصر واجعليه عندك، ولا ينزل من القصر إلا بعد سبع أيام تمضي. فأخذته الجارية من يده وأجلسته في ذلك القصر. # وكان في القصر أربعون حجرة، وفي كل حجرة عشر جوار، وكل جارية معها آلة من آلات الطرب إذا ضربت واحدة منهن يرقص من نغمتها ذلك القصر؛ وحواليه نهر جار مزروع شاطئه بجميع الفواكه والمشموم. وكان ذلك الولد فيه من الحسن والجمال ما لا يوصف، فبات ليلة واحدة فرأته الجارية محظية والده، فطرق العشق قلبها، فلم تتمالك حتى رمت نفسها عليه، فقال لها الولد: إن شاء الله تعالى حين أخرج عند والدي أخبره بذلك فيقتلك. فتوجهت الجارية إلى الملك، ورمت نفسها عليه بالبكاء والنحيب، فقال ms1308 لها: ما خبرك يا جارية؟ كيف سيدك أما هو طيب؟ فقالت: يا مولاي، إن سيدي راودني عن نفسي، وأراد قتلي على ذلك، فمنعته وهربت منه، وما بقيت أرجع إليه ولا إلى القصر أبدا. فلما سمع والده ذلك الكلام حصل له غيظ عظيم، فأحضر عنده الوزراء وأمرهم بقتله، فقالوا لبعضهم: إن الملك صمم على قتل ولده، وإن قتله يندم عليه بعد قتله لا محالة؛ فإنه عزيز عنده، وما جاءه هذا الولد إلا بعد اليأس، ثم بعد ذلك يرجع عليكم باللوم، فيقول لكم: لم لم تدبروا لي تدبيرا يمنعني عن قتله؟ فاتفق رأيهم على أن يدبروا له تدبيرا يمنعه عن قتل ولده، فتقدم الوزير الأول وقال: أنا أكفيكم شر الملك في هذا اليوم. فقام ومضى إلى أن دخل على الملك وتمثل بين يديه، ثم استأذنه في الكلام فأذن له، فقال له: أيها الملك، لو قدر أنه كان لك ألف ولد لم تطع نفسك في أن تقتل واحدا منهم بقول جارية، إما أن تكون صادقة أو كاذبة، ولعل هذه مكيدة منها لولدك. فقال: وهل بلغك شيء من كيدهن أيها الوزير؟ قال: نعم. ### || حكاية الملك وزوجة وزيره # بلغني أيها الملك أنه كان ملك من ملوك الزمان مغرما بحب النساء، فبينما هو مختل في قصره يوما من الأيام، إذ وقعت عينه على جارية وهي في سطح بيتها، وكانت ذات حسن وجمال، فلما رآها لم يتمالك نفسه من المحبة، فسأل عن ذلك البيت، فقالوا له: هذا بيت وزيرك فلان. فقام من ساعته وأرسل إلى الوزير، فلما حضر بين يديه أمره أن يسافر إلى بعض جهات الملكة ليطلع عليها ثم يعود، فسافر الوزير كما أمره الملك، فبعد أن سافر تحايل الملك حتى دخل بيت الوزير، فلما رأته الجارية عرفته، فوثبت قائمة على قدميها وقبلت يديه ورجليه ورحبت به، ووقفت بعيدا عنه مشتغلة بخدمته، ثم قالت له: يا مولانا، ما سبب القدوم المبارك، ومثلي لا يكون له ذلك؟ فقال: سببه أن عشقك والشوق إليك أقدماني على ذلك. فقبلت ms1309 الأرض بين يديه ثانيا وقالت له: يا مولانا، أنا لا أصلح أن أكون جارية لبعض خدام الملك، فمن أين يكون لي عندك هذا الحظ حتى صرت عندك بهذه المنزلة؟ فمد الملك يده إليها، فقالت: هذا الأمر لا يفوتنا، ولكن اصبر أيها الملك وأقم عندي هذا اليوم كله حتى أصنع لك شيئا تأكله. قال: فجلس الملك على مرتبة وزيره، ثم نهضت قائمة، وأتته بكتاب فيه المواعظ والآداب ليقرأ فيه حتى تجهز له الطعام، فأخذه الملك وجعل يقرأ فيه، فوجد فيه من المواعظ والحكم ما زجره عن الزنا وكسر همته عن ارتكاب المعاصي. # فلما جهزت له الطعام قدمته بين يديه، وكانت عدة الصحون تسعين صحنا، فجعل الملك يأكل من كل صحن ملعقة والطعام أنواع مختلفة وطعمها واحد، فتعجب الملك من ذلك غاية العجب، ثم قال: أيتها الجارية، أرى هذه الأنواع كثيرة وطعمها واحد! فقالت له الجارية: أسعد الله الملك، هذا مثل ضربته لك لتعتبر به. فقال لها: وما سببه؟ فقالت: أصلح الله حال مولانا الملك، إن في قصرك تسعين محظية مختلفات الألوان وطعمهن واحد. فلما سمع الملك ذلك الكلام خجل منها وقام من وقته، وخرج من المنزل ولم يتعرض لها بسوء، ومن خجلته نسي خاتمه عندها تحت الوسادة، ثم توجه إلى قصره. فلما جلس الملك في قصره حضر الوزير ذلك الوقت وتقدم إلى الملك وقبل الأرض بين يديه، وأعلمه بحال ما أرسله إليه، ثم سار الوزير إلى أن دخل بيته وقعد على مرتبته، ومد يده تحت الوسادة فلقي خاتم الملك تحتها، فرفعه الوزير وحمله على قلبه، وانعزل عن الجارية مدة سنة كاملة ولم يكلمها وهي لا تعلم ما سبب غيظه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 579 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير انعزل عن الجارية مدة سنة كاملة ولم يكلمها وهي لا تعلم ما سبب غيظه، فلما طال بها المطال، ولم تعلم ما سبب ذلك، أرسلت إلى أبيها وأعلمته بما جرى لها معه من انعزاله عنها ms1310 مدة سنة كاملة. فقال لها أبوها: إني أشكوه حين يكون بحضرة الملك. فدخل يوما من الأيام فوجده بحضرة الملك وبين يديه قاضي العسكر، فادعى عليه فقال: أصلح الله تعالى حال الملك، إنه كان لي روضة حسنة غرستها بيدي، وأنفقت عليها مالي حتى أثمرت، وطاب جناها، فأهديتها لوزيرك هذا، فأكل منها ما طاب له، ثم رفضها ولم يسقها، فيبس زهرها، وذهب رونقها، وتغيرت حالتها. فقال الوزير: أيها الملك، صدق هذا في مقالته، إني كنت أحفظها وآكل منها، فذهبت يوما إليها، فرأيت أثر الأسد هناك، فخفت على نفسي منه، فعزلت نفسي عنها. ففهم الملك أن الأثر الذي وجده الوزير هو خاتم الملك الذي نسيه في البيت، فقال الملك عند ذلك لوزيره: ارجع أيها الوزير لروضتك وأنت آمن مطمئن، فإن الأسد لم يقربها، وقد بلغني أنه وصل إليها ولكن لم يتعرض لها بسوء وحرمة آبائي وأجدادي. فقال الوزير عند ذلك: سمعا وطاعة. ثم إن الوزير رجع إلى بيته، وأرسل إلى زوجته وصالحها ووثق بصيانتها. ### || حكاية التاجر وزوجته والدرة # وبلغني أيها الملك أيضا أن تاجرا كان كثير الأسفار، وكانت له زوجة جميلة يحبها ويغار عليها من كثرة المحبة، فاشترى لها درة، فكانت الدرة تعلم سيدها بما جرى في غيبته، فلما كان في بعض أسفاره تعلقت امرأة التاجر بغلام كان يدخل عليها فتكرمه وتواصله مدة غياب زوجها، فلما قدم زوجها من سفره أعلمته الدرة بما جرى، وقالت له: يا سيدي، غلام تركي كان يدخل على زوجتك في غيابك، فتكرمه غاية الإكرام. فهم الرجل بقتل زوجته، فلما سمعت زوجته ذلك قالت له: يا رجل، اتق الله وارجع إلى عقلك، هل يكون لطير عقل أو فهم؟ وإن أردت أن أبين لك ذلك لتعرف كذبها من صدقها، فامض هذه الليلة ونم عند بعض أصدقائك، فإذا أصبحت فتعال لها واسألها حتى تعلم هل تصدق هي فيما تقول أو تكذب؟ فقام الرجل وذهب إلى بعض أصدقائه فبات عنده، فلما كان الليلة عمدت زوجة الرجل إلى قطعة نطع غطت به قفص ms1311 الدرة، وجعلت ترش على ذلك النطع شيئا من الماء وتروح عليها بمروحة، وتقرب إليها السراج على صورة لمعان البرق، وصارت تدير الرحى إلى أن أصبح الصباح. # فلما جاء زوجها قالت له: يا مولاي، اسأل الدرة. فجاء زوجها إلى الدرة يحدثها ويسألها عن ليلتها الماضية، فقالت له الدرة: يا سيدي، ومن كان ينظر أو يسمع في الليلة الماضية؟ فقال لها: لأي شيء؟ فقالت: يا سيدي من كثرة المطر والريح والرعد والبرق. فقال لها: كذبت، إن الليلة التي مضت ما كان فيها شيء من ذلك. فقالت الدرة: ما أخبرتك إلا بما عاينت وشاهدت وسمعت. فكذبها في جميع ما قالته عن زوجته، وأراد أن يصالح زوجته فقالت: والله ما أصطلح حتى تذبح هذه الدرة التي كذبت علي. فقام الرجل إلى الدرة وذبحها، ثم أقام بعد ذلك مع زوجته مدة أيام قلائل، ثم رأى في بعض الأيام ذلك الغلام التركي وهو خارج من بيته، فعلم صدق قول الدرة وكذب زوجته، فندم على ذبح الدرة، ودخل من وقته وساعته على زوجته وذبحها، وأقسم على نفسه أنه لا يتزوج بعدها امرأة مدة حياته. وما أعلمتك أيها الملك إلا لتعلم أن كيدهن عظيم، والعجلة تورث الندامة. فرجع الملك عن قتل ولده. ### || حكاية القصار وولده # فلما كان في اليوم الثاني دخلت عليه الجارية وقبلت الأرض بين يديه، وقالت له: أيها الملك، كيف أهملت حقي، وقد سمع الملوك عنك أنك أمرت بأمر ثم نقضه وزيرك؟ وطاعة الملك من نفاذ أمره، وكل أحد يعلم عدلك وإنصافك، فأنصفني من ولدك، فقد بلغني أن رجلا قصارا كان يخرج كل يوم إلى شاطئ دجلة يقصر القماش، ويخرج معه ولده فينزل النهر ليعوم فيه مدة إقامته، ولم ينهه والده عن ذلك. فبينما هو يعوم يوما من الأيام إذ تعبت سواعده فغرق، فلما نظر إليه أبوه وثب عليه وترامى إليه، فلما أمسكه أبوه تعلق به ذلك الولد، فغرق الأب والابن جميعا، فكذلك أنت أيها الملك، إذا لم تنه ولدك وتأخذ حقي منه، أخاف عليك أن ms1312 يغرق كل منكما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 580 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما حكت للملك حكاية القصار وولده، وقالت: أخاف أن تغرق أنت وولدك أيضا. ### || حكاية اتهام غير عادل في زوجته # قالت: وكذلك بلغني من كيد الرجال أن رجلا عشق امرأة وكانت ذات حسن وجمال، وكان لها زوج يحبها وتحبه، وكانت تلك المرأة صالحة عفيفة، ولم يجد الرجل العاشق إليها سبيلا، فطال عليه الحال ففكر في الحيلة، وكان لزوج المرأة غلام رباه في بيته، وذلك الغلام أمين عنده، فجاء إليه ذلك العاشق وما زال يلاطفه بالهدية والإحسان إلى أن صار الغلام طوعا له فيما يطلبه منه، فقال له يوما من الأيام: يا فلان، أما تدخل بي منزلكم إذا خرجت سيدتك منه؟ فقال له: نعم. فلما خرجت سيدته إلى الحمام وخرج سيده إلى الدكان، جاء الغلام إلى صاحبه وأخذ بيده إلى أن أدخله المنزل، ثم عرض عليه جميع ما في المنزل، وكان العاشق مصمما على مكيدة يكيد بها المرأة، فأخذ بياض بيضه معه في إناء، ودنا من فراش الرجل وسكبه على الفراش من غير أن ينظر إليه الغلام، ثم خرج من المنزل ومضى إلى حال سبيله، ثم بعد ساعة دخل الرجل فأتى الفراش ليستريح عليه، فوجد فيه بللا فأخذه بيده، فلما رآه ظن في عقله أنه مني رجل، فنظر إلى الغلام بعين الغضب، ثم قال له: أين سيدتك؟ فقال له: ذهبت إلى الحمام وتعود في هذه الساعة. فتحقق ظنه وغلب على عقله أنه مني رجال، فقال للغلام: اخرج في هذه الساعة وأحضر سيدتك. # فلما حضرت بين يديه وثب قائما إليها وضربها ضربا عنيفا، ثم كتفها وأراد أن يذبحها، فصاحت على الجيران فأدركوها فقالت لهم: إن هذا الرجل يريد أن يذبحني ولا أعرف لي ذنبا. فقام عليه الجيران وقالوا له: ليس لك عليها سبيل، إما أن تطلقها وإما أن تمسكها بمعروف، فإننا نعرف عفافها، وهي جارتنا مدة طويلة، ولم نعلم عليها سوءا أبدا. ms1313 فقال: إني رأيت في فراشي منيا كمني الرجال، وما أدري ما سبب ذلك. فقام رجل من الحاضرين وقال له: أرني ذلك. فلما رآه الرجل قال: أحضر لي نارا ووعاء. فلما أحضر له ذلك أخذ البياض وقلاه على النار وأكل منه الرجل، وأطعمه للحاضرين، فتحقق الحاضرون أنه بياض بيض، فعلم الرجل أنه ظالم لزوجته وأنها بريئة من ذلك. ثم دخل عليه الجيران وصالحوه هو وإياها بعد أن طلقها، وبطلت حيلة ذلك الرجل فيما دبره من المكيدة لتلك المرأة وهي غافلة. فاعلم أيها الملك أن هذا من كيد الرجال. فأمر الملك بقتل ولده، فتقدم الوزير الثاني وقبل الأرض بين يديه، وقال له: أيها الملك، لا تعجل على قتل ولدك، فإن أمه ما رزقته إلا بعد يأس، ونرجو أن يكون ذخيرة في ملكك، وحافظا على مالك، فتصبر أيها الملك عليه، لعل له حجة يتكلم بها، فإن عجلت على قتله ندمت كما ندم الرجل التاجر. قال له الملك: وكيف كان ذلك؟ وما حكايته يا وزير؟ ### || حكاية التاجر البخيل والخبز # قال: بلغني أنه كان تاجر لطيف في مأكله ومشربه، فسافر يوما من الأيام إلى بعض البلاد، فبينما هو يمشي في أسواقها وإذا بعجوز معها رغيفان، فقال لها: هل تبيعيهما؟ فقالت له: نعم. فساومها بأرخص ثمن واشتراهما منها وذهب بهما إلى منزله، فأكلهما ذلك اليوم. فلما أصبح الصباح عاد إلى ذلك المكان، فوجد العجوز ومعها الرغيفان، فاشتراهما أيضا منها، ولم يزل كذلك مدة عشرين يوما، ثم غابت العجوز عنه فسأل عنها فلم يجد لها خبرا. فبينما هو ذات يوم من الأيام في بعض شوارع المدينة إذ وجدها، فوقف وسلم عليها وسألها عن سبب غيابها وانقطاع الرغيفين عنه، فلما سمعت العجوز كلامه تكاسلت عن رد الجواب، فأقسم عليها أن تخبره عن أمرها. فقالت له: يا سيدي، اسمع مني الجواب، وما ذلك إلا أني كنت أخدم إنسانا، وكانت به آكلة في صلبه، وكان عنده طبيب يأخذ الدقيق ويلته بسمن ويجعله على الموضع الذي فيه الوجع طول ليلته إلى ms1314 أن يصبح الصباح، فآخذ ذلك الدقيق وأجعله رغيفين وأبيعهما لك أو لغيرك، وقد مات ذلك الرجل فانقطع عني الرغيفان. فلما سمع التاجر ذلك الكلام قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 581 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما أخبرت التاجر بسبب الرغيفين قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولم يزل التاجر يتقيأ إلى أن مرض وندم، ولم يفده الندم. ### || حكاية امرأة مع العاشقين # وبلغني أيها الملك من كيد النساء أن رجلا كان يقف بالسيف على رأس ملك من الملوك، وكان لذلك الرجل جارية يهواها، فبعث إليها يوما من الأيام غلامه برسالة على العادة بينهما، فجلس الغلام عندها ولاعبها فمالت إليه وضمته إلى صدرها، فطلب منها المجامعة فطاوعته، فبينما هما كذلك، وإذا بسيد الغلام قد طرق الباب، فأخذت الغلام ورمته في طابق عندها، ثم فتحت الباب، فدخل وسيفه بيده، فجلس على فراش المرأة، فأقبلت عليه تمازجه وتلاعبه وتضمه إلى صدرها وتقبله، فقام الرجل إليها وجامعها، وإذا بزوجها يدق عليها الباب فقال لها: من هذا؟ قالت: زوجي. فقال لها: كيف أفعل؟ وكيف الحيلة في ذلك؟ فقالت له: قم سل سيفك وقف على الدهليز، ثم سبني واشتمني، فإذا دخل عليك زوجي فاذهب وامض إلى حال سبيلك. ففعل ذلك، فلما دخل زوجها رأى خازندار الملك واقفا وسيفه مسلول بيده، وهو يشتم زوجته ويهددها، فلما رآه الخازندار استحى وأغمد سيفه وخرج من البيت، فقال الرجل لزوجته: ما سبب ذلك؟ فقالت له: يا رجل، ما أبرك هذه الساعة التي أتيت فيها، قد أعتقت نفسا مؤمنة من القتل، وما ذاك إلا أنني كنت فوق السطح أغزل، وإذا بغلام قد دخل علي مطرودا ذاهب العقل وهو يلهث خوفا من القتل، وهذا الرجل مجرد سيفه وهو يسرع وراءه ويجد في طلبه، فوقع الغلام علي وقبل يدي ورجلي وقال: يا سيدتي، أعتقيني ممن يريد قتلي ظلما. فخبأته في ms1315 الطابق الذي عندنا، فلما رأيت هذا الرجل قد دخل وسيفه مسلول أنكرته منه حين طلبه مني، فصار يشتمني ويهددني كما رأيت، والحمد لله الذي ساقك لي، فإني كنت حائرة وليس عندي أحد ينقذني. فقال لها زوجها: نعم ما فعلت يا امرأة، أجرك على الله فيجازيك بفعلك خيرا. ثم إن زوجها ذهب إلى الطابق ونادى الغلام، وقال له: اطلع لا بأس عليك. فطلع من الطابق وهو خائف، والرجل يقول له: أرح نفسك لا بأس عليك. وصار يتوجع لما أصابه والغلام يدعو لذلك الرجل، ثم خرجا جميعا ولم يعلما بما دبرت هذه المرأة. فاعلم أيها الملك أن هذا من جملة كيد النساء، فإياك والركون إلى قولهن. فرجع الملك عن قتل ولده. # فلما كان اليوم الثالث، دخلت الجارية على الملك وقبلت الأرض بين يديه، وقالت له: أيها الملك، خذ لي حقي من ولدك، ولا ترجع إلى قول وزرائك، فإن وزراء اليوم لا خير فيهم، ولا تكن كالملك الذي ركن إلى قول وزير السوء من وزرائه. فقال لها الملك: وكيف كان ذلك؟ ### || حكاية ابن الملك والجارية الشنيعة المنظر # قالت: بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد، أن ملكا من الملوك كان له ولد يحبه ويكرمه غاية الإكرام، ويفضله على سائر أولاده، فقال له يوما من الأيام: يا أبتي، إني أريد أن أذهب إلى الصيد والقنص. فأمر بتجهيزه، وأمر وزيرا من وزرائه أن يخرج معه في خدمته، ويقضي له جميع مهماته في سفره، فأخذ ذلك الوزير جميع ما يحتاج إليه الولد في السفر، وخرج معهما الخدم والنواب والغلمان، وتوجهوا إلى الصيد حتى وصلوا إلى أرض مخضرة ذات عشب ومرعى ومياه، والصيد فيها كثير، فتقدم ابن الملك للوزير وعرفه بما أعجبه من النزه، فأقاموا بتلك الأرض مدة أيام، وابن الملك في أطيب عيش وأرغده. ثم أمرهم ابن الملك بالانصراف، فاعترضته غزالة قد انفردت عن رفقتها، فاشتاقت نفسه إلى اقتناصها وطمع فيها، فقال للوزير: إني أريد أن أتبع هذه الغزالة. فقال له الوزير: افعل ما بدا لك. ms1316 فتبعها الولد منفردا وحده، وطلبها طول النهار إلى أن أمسى الليل، فصعدت الغزالة إلى محل وعر، وأظلم على الولد الليل، وأراد الرجوع فلم يعرف أين يذهب، فبقي متحيرا في نفسه، وما زال راكبا على ظهر فرسه إلى أن أصبح الصباح ولم يلق فرجا لنفسه، ثم سار ولم يزل سائرا خائفا جائعا عطشانا وهو لا يدري أين يذهب، حتى انتصف عليه النهار، وحميت عليه الرمضاء، وإذا هو قد أشرف على مدينة عالية البنيان مشيدة الأركان، وهي قفراء خراب ليس فيها غير البوم والغراب. فبينما هو واقف عند تلك المدينة يتعجب من رسومها إذ لاحت منه نظرة، فرأى جارية ذات حسن وجمال تحت جدار من جدرانها وهي تبكي، فدنا منها وقال لها: من تكونين؟ فقالت له: أنا بنت التميمة ابنة الطياخ ملك الأرض الشهباء، خرجت ذات يوم من الأيام أقضي حاجة لي، فاختطفني عفريت من الجن، وطار بين السماء والأرض، فنزل عليه شهاب من نار فاحترق فسقطت ها هنا، ولي ثلاثة أيام بالجوع والعطش، فلما نظرتك طمعت في الحياة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 582 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك لما خاطبته بنت الملك الطياخ وقالت له: لما نظرتك طمعت في الحياة. أدرك ابن الملك عليها الرأفة، فأركبها وراءه على جواده، وقال لها: طيبي نفسا وقري عينا، إن ردني الله سبحانه وتعالى إلى قومي وأهلي أرسلتك إلى أهلك. ثم سار ابن الملك يلتمس الفرج، فقالت له الجارية التي وراءه: يا ابن الملك، أنزلني حتى أقضي حاجتي تحت هذا الحائط. فوقف وأنزلها ثم انتظرها، فتوارت في الحائط، ثم خرجت بأشنع منظر، فلما رآها ابن الملك اقشعر بدنه وطار عقله، وخاف منها وتغيرت حالته، ثم وثبت تلك الجارية فركبت وراء ظهره على الجواد وهي في صورة أقبح ما يكون من الصور، ثم قالت له: يا ابن الملك، ما لي أراك قد تغير وجهك؟ فقال لها: إني تذكرت أمرا أهمني. فقالت له: استعن عليه بجيوش أبيك وأبطاله. ms1317 فقال لها: إن الذي أهمني لا تزعجه الجيوش ولا يهتم بالأبطال. فقالت له: استعن عليه بمال أبيك وذخائره. فقال لها: إن الذي أهمني لا يقنع بالمال ولا بالذخائر. فقالت له: إنكم تزعمون أن لكم في السماء إلها يرى ولا يرى، وإنه قادر على كل شيء. فقال لها: نعم ما لنا إلا هو. قالت له: فادعوه لعله أن يخلصك مني. فرفع ابن الملك طرفه إلى السماء وأخلص بقلبه الدعاء وقال: اللهم إني استعنت بك على هذا الأمر الذي أهمني. وأشار بيده إليها، فسقطت على الأرض محرقة مثل الفحمة، فحمد الله وشكره. وما زال يجد في المسير والله سبحانه وتعالى يهون عليه السير ويدله في الطرق، إلى أن أشرف على بلاده، ووصل إلى ملك أبيه بعد أن كان قد يئس من الحياة، وكان ذلك كله برأي الوزير الذي سافر معه لأجل أن يهلكه في سفرته، فنصره الله تعالى. وإنما أخبرتك أيها الملك لتعلم أن وزراء السوء لا يصفون النية ولا يحسنون التوبة مع ملوكهم، فكن من ذلك الأمر على حذر. فأقبل عليها الملك وسمع كلامها، وأمر بقتل ولده، فدخل الوزير الثالث وقال: أنا أكفيكم شر الملك في هذا النهار. ثم إن ذلك الوزير دخل على الملك وقبل الأرض بين يديه، وقال له: أيها الملك، إني ناصحك وشفيق عليك وعلى دولتك، ومشير عليك برأي سديد، وهو ألا تعجل على قتل ولدك، وقرة عينك، وثمرة فؤادك، فربما كان ذنبه أمرا هينا قد عظمته عندك هذه الجارية. فقد بلغني أن أهل قريتين أفنوا بعضهم على قطرة عسل. فقال له الملك: وكيف ذلك؟ ### || حكاية قطرة العسل # فقال: اعلم أيها الملك أنه بلغني أن رجلا صيادا كان يصيد الوحوش في البرية، فدخل يوما من ذات الأيام كهفا من كهوف الجبل، فوجد فيه حفرة ممتلئة عسل نحل، فجمع شيئا من ذلك العسل في قربة كانت معه، ثم حملها على كتفه، وأتى بها إلى المدينة ومعه كلب صيد، وكان ذلك الكلب عزيزا عليه، فوقف الرجل الصياد على دكان زيات، ms1318 وعرض عليه العسل، فاشتراه صاحب الدكان، ثم فتح القربة وأخرج منها العسل لينظره، فقطرت من القربة قطرة عسل، فسقط عليها طير، وكان الزيات له قط فوثب على الطير، فرآه كلب الصياد فوثب على القط فقتله، فوثب الزيات على كلب الصياد فقتله، فوثب الصياد على الزيات فقتله، وكان للزيات قرية وللصياد قرية، فسمعوا بذلك، فأخذوا أسلحتهم وعددهم وقاموا على بعضهم بعضا، والتقى الصفان؛ فلم يزل السيف دائرا بينهم إلى أن مات خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. ### || حكاية امرأة والدرهم الضائع # وقد بلغني أيها الملك من جملة كيد النساء أن امرأة دفع لها زوجها درهما لتشتري به أرزا، فأخذت منه الدرهم وذهبت به إلى بياع الأرز، فأعطاها الأرز وجعل يلاعبها ويغامزها ويقول لها: إن الأرز لا يطيب إلا بالسكر، فإن أردته فادخلي عندي قدر ساعة. فدخلت المرأة عنده في الدكان، فقال بياع الأرز لعبده: زن لها بدرهم سكرا. وأعطاه سيده رمزا، فأخذ العبد المنديل من المرأة وفرغ منه الأرز، وجعل في موضعه ترابا، وجعل بدل السكر حجرا، وعقد المنديل وتركه عندها، فلما خرجت المرأة من عنده أخذت منديلها وانصرفت إلى منزلها وهي تحسب أن الذي في منديلها أرز وسكر. فلما وصلت إلى منزلها وضعت المنديل بين يدي زوجها، فوجد فيه ترابا وحجرا، فلما أحضرت القدر قال لها زوجها: هل نحن قلنا لك أن عندنا عمارة حتى جئت لنا بتراب وحجر؟ فلما نظرت إلى ذلك، علمت أن عبد البياع نصب عليها، وكانت قد أتت بالقدر في يدها، فقالت لزوجها: يا رجل، من شغل البال الذي أصابني ذهبت لأجيء بالغربال فجئت بالقدر. فقال لها زوجها: وأي شيء أشغل بالك؟ قالت له: يا رجل، إن الدرهم الذي كان معي سقط مني في السوق، فاستحييت من الناس أن أدور عليه، وما هان علي أن الدرهم يروح مني، فجمعت التراب من ذلك الموضع الذي وقع فيه الدرهم وأردت أن أغربله، وكنت رائحة أجيء بالغربال فجئت بالقدر. ثم ذهبت وأحضرت الغربال وأعطته لزوجها، وقالت له: ms1319 غربله فإن عينك أصح من عيني. فقعد الرجل يغربل في التراب إلى أن امتلأ وجهه وذقنه من الغبار وهو لا يدرك مكرها وما وقع منها. فهذا أيها الملك من جملة كيد النساء، وانظر إلى قول الله تعالى: @QUR@03 إن كيدكن عظيم ، وقوله سبحانه وتعالى: @QUR@05 إن كيد الشيطان كان ضعيفا . # فلما سمع الملك من كلام الوزير ما أقنعه وأرضاه وزجره عن هواه، وتأمل ما تلاه عليه من آيات الله، سطعت أنوار النصيحة على سماء عقله وخلده، ورجع عن تصميمه على قتل ولده، فلما كان اليوم الرابع دخلت الجارية على الملك وقبلت الأرض بين يديه وقالت له: أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد، قد أظهرت لك حقي عيانا، فظلمتني وأهملت مقاصصة غريمي لكونه ولدك ومهجة قلبك، وسوف ينصرني الله سبحانه وتعالى عليه كما نصر الله ابن الملك على وزير أبيه. فقال لها الملك: وكيف كان ذلك؟ ### || حكاية عين الماء المسحورة # فقالت له الجارية: بلغني أيها الملك أنه كان ملك من الملوك الماضية له ولد، ولم يكن له من الأولاد غيره، فلما بلغ ذلك الولد زوجه أبوه بابنة ملك آخر، وكانت جارية ذات حسن وجمال، وكان لها ابن عم قد خطبها من أبيها، ولم تكن راضية بزواجها منه، فلما علم ابن عمها أنها تزوجت بغيره أخذته الغيرة، فاتفق رأي ابن عم الجارية أن يرسل الهدايا إلى وزير الملك الذي تزوج بها ابنه، فأرسل إليه هدايا عظيمة، وأنفذ إليه أموالا كثيرة، وسأله أن يحتال على قتل ابن الملك بمكيدة تكون سببا لهلاكه، أو يتلطف به حتى يرجع عن زواج الجارية، وبعث يقول له: أيها الوزير، لقد حصل عندي من الغيرة على ابنة عمي ما حملني على هذا الأمر. فلما وصلت الهدايا إلى الوزير قبلها وأرسل إليه يقول: طب نفسا وقر عينا، فلك عندي كل ما تريده. # ثم إن الملك أبا الجارية أرسل إلى ابن الملك بالحضور إلى مكانه لأجل الدخول على ابنته، فلما وصل الكتاب إلى ابن الملك أذن له أبوه في المسير، وبعث معه ms1320 الوزير الذي جاءت له الهدايا، وأرسل معهما ألف فارس وهدايا ومحامل وسرادقات وخياما، فسار الوزير مع ابن الملك وفي ضميره أن يكيده بمكيدة، وأضمر له في قلبه السوء، فلما صاروا في الصحراء تذكر الوزير أن في هذا الجبل عينا جارية من الماء تعرف بالزهراء، وكل من شرب منها إذا كان رجلا يعود امرأة، فلما تذكر ذلك الوزير أنزل العسكر بالقرب منها، وركب الوزير جواده، ثم قال لابن الملك: هل لك أن تروح معي نتفرج على عين ماء في هذا المكان؟ فركب ابن الملك وسار هو ووزير أبيه وليس معهما أحد، وابن الملك لا يدري ما قد جرى له في الغيب، ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى تلك العين، فنزل ابن الملك من فوق جواده وغسل يديه وشرب منها، وإذا به قد صار امرأة، فلما عرف ذلك صرخ وبكى حتى غشي عليه، فأقبل عليه الوزير يتوجع لما أصابه، ويقول: ما الذي أصابك؟ فأخبره الولد، فلما سمع الوزير كلامه توجع له وبكى لما أصاب ابن الملك، ثم قال له: يعينك الله تعالى من هذا الأمر، كيف قد حلت بك هذه المصيبة، وعظمت بك تلك الرزية، ونحن سائرون بفرحة حيث تدخل على ابنة الملك، والآن لا أدري هل نتوجه إليها أم لا؟ والرأي لك، فما تأمرني به؟ فقال له الولد: ارجع إلى أبي، وأخبره بما أصابني، فإني لست أبرح من ها هنا حتى يذهب عني هذا الأمر، أو أموت بحسرتي. فكتب الولد كتابا لأبيه يعلمه بما جرى له، ثم أخذ الوزر الكتاب وانصرف راجعا إلى مدينة الملك، وترك العساكر والولد وما معه من الجيوش عنده وهو فرحان في الباطن بما فعل بابن الملك. # فلما دخل الوزير على الملك أعلمه بقضية ولده وأعطاه كتابه، فحزن الملك على ولده حزنا شديدا، ثم أرسل إلى الحكماء وأصحاب الأسرار أن يكشفوا له عن هذا الأمر الذي حصل لولده، فما أحد رد عليه جوابا، ثم إن الوزير أرسل إلى ابن عم الجارية يبشره بما حصل لابن الملك، فلما ms1321 وصل إليه الكتاب فرح فرحا شديدا، وطمع في زواج ابنة عمه، وأرسل إلى الوزير هدايا عظيمة وأموالا كثيرة، وشكره شكرا زائدا. وأما ابن الملك فإنه أقام على تلك العين مدة ثلاثة أيام بلياليها لا يأكل ولا يشرب، واعتمد فيما أصابه على الله سبحانه وتعالى الذي ما خاب من توكل عليه، فلما كان في الليلة الرابعة، وإذا هو بفارس على رأسه تاج، وهو في صفة أولاد الملوك، فقال له الفارس: من أتى بك أيها الغلام إلى ها هنا؟ فأعلمه الولد بما أصابه، وأنه كان مسافرا إلى زوجته ليدخل عليها، وأعلمه أن الوزير أتى به إلى عين الماء، فشرب منها فحصل له ما حصل. وكلما تحدث الغلام يغلبه البكاء فيبكي. # فلما سمع الفارس كلامه رثى لحاله وقال له: إن وزير أبيك هو الذي رماك في هذه المصيبة؛ لأن هذه العين لم يعلم بها أحد من البشر إلا رجل واحد. ثم إن الفارس أمره أن يركب معه فركب الولد، وقال له الفارس: امض معي إلى منزلي، فأنت ضيفي في هذه الليلة. فقال له الولد: أعلمني من أنت حتى أسير معك. فقال له: أنا ابن ملك الجان، وأنت ابن ملك الإنس، فطب نفسا وقر عينا بما يزيل همك وغمك، فهو علي هين. فسار معه الولد من أول النهار وأهمل جيوشه وعساكره، وما زال سائرا معه إلى نصف الليل، فقال له ابن ملك الجن: أتدري كم قطعنا في هذا الوقت؟ فقال له الغلام: لا أدري. فقال له ابن ملك الجن: قطعنا مسيرة سنة للمجد المسافر. فتعجب ابن الملك من ذلك، وقال له: كيف العمل والرجوع إلى أهلي؟ فقال له: ليس هذا من شأنك إنما هو من شأني، فحيث تبرأ من علتك تعود إلى أهلك في أسرع من طرفة العين، وذلك علي هين. فلما سمع الغلام من الجني هذا الكلام طار من شدة الفرح، وظن أنه أضغاث أحلام، وقال: سبحان القدير على أن يرد الشقي سعيدا. وفرح بذلك فرحا شديدا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام ms1322 المباح. ### | فلما كانت الليلة 583 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن ملك الجن قال لابن ملك الإنس: حيث تبرأ من علتك تعود إلى أهلك أسرع من طرفة عين. ففرح بذلك ولم يزالا سائرين إلى أن أصبح الصباح، وإذا هم بأرض مخضرة نضرة ذات أشجار باسقة، وأطيار ناطقة، ورياض فائقة، وقصور رايقة، فنزل ابن ملك الجن عن جواده وأمر الولد بالنزول فنزل، وأخذ بيده ودخلا في بعض تلك القصور؛ فنظر ابن الملك إلى ملك عال وسلطان له شأن، فأقام عنده ذلك اليوم في أكل وشرب إلى أن أقبل الليل، فقام ابن ملك الجن وركب جواده وركب ابن ملك الإنس معه وخرجا تحت الليل مجدين السير إلى أن أصبح الصباح، وإذا هما بأرض سوداء غير عامرة، ذات صخور وأحجار سود كأنها قطعة من جهنم؛ فقال له ابن ملك الإنس: ما يقال لهذه الأرض؟ فقال له: يقال لها الأرض الدهماء، لملك من ملوك الجن اسمه ذو الجناحين، لم يقدر أحد من الملوك أن يسطو عليه ولا يدخلها أحد إلا بإذنه، فقف في مكانك حتى نستأذنه. فوقف الشاب، ثم غاب عنه ساعة وعاد إليه وسارا. # ولم يزالا سائرين حتى انتهيا إلى عين ماء تسيل من جبال سود، فقال للشاب: انزل. فنزل الشاب من فوق جواده، ثم قال له: اشرب من هذه العين. فشرب منها الشاب، فعاد لوقته وساعته ذكرا كما كان أولا بقدرة الله تعالى؛ ففرح الشاب فرحا شديدا ما عليه من مزيد، ثم قال له: يا أخي، ما يقال لهذه العين؟ فقال له: يقال لها عين النساء، لا تشرب منه امرأة إلا صارت رجلا، فاحمد الله واشكره على العافية، واركب جوادك. فسجد ابن الملك شكرا لله تعالى، ثم ركب وسارا يجدان السير بقية يومهما حتى رجعا إلى أرض ذلك الجني، فبات الشاب عنده في أرغد عيش، ولم يزالا في أكل وشرب إلى أن جاء الليل، ثم قال له ابن ملك الجن: أتريد أن ترجع إلى أهلك في هذه الليلة؟ فقال: نعم أريد ms1323 ذلك؛ لأني محتاج إليه. فدعا ابن ملك الجان بعبد له من عبيد أبيه اسمه راجز، وقال له: خذ هذا الفتى من عندي واحمله على عاتقك، ولا تخل الصباح يصبح عليه إلا وهو عند صهره وزوجته. فقال له العبد: سمعا وطاعة، وحبا وكرامة. ثم غاب العبد عنه ساعة وأقبل وهو في صورة عفريت، فلما رآه الفتى طار عقله واندهش، فقال له ابن ملك الجن: لا بأس عليك، اركب جوادك واعل به فوق عاتقه. فقال الشاب: بل أركب أنا وأترك الجواد عندك. ثم نزل الشاب عن الجواد وركب على عاتقه، فقال له ابن ملك الجن: أغمض عينيك. فأغمض عينيه وطار به بين السماء والأرض، ولم يزل طائرا به، ولم يدر الشاب بنفسه، فما جاء ثلث الليل الأخير إلا وهو على قصر صهره، فلما نزل على قصره قال له العفريت: انزل. فنزل، وقال له: افتح عينيك، فهذا قصر صهرك وابنته. ثم تركه ومضى، فلما أضاء النهار وسكن الشاب من روعه نزل من فوق القصر، فلما نظره صهره قام إليه وتلقاه وتعجب حيث رآه فوق القصر، ثم قال له: إنا رأينا الناس تأتي من الأبواب وأنت تنزل من السماء؟ فقال له: قد كان الذي أراده الله سبحانه وتعالى. فتعجب الملك من ذلك وفرح بسلامته. # فلما طلعت الشمس أمر صهره وزيره أن يعمل الولائم العظيمة، فعمل الولائم واستقام العرس، ثم دخل على زوجته وأقام مدة شهرين، ثم ارتحل بها إلى مدينة أبيه. وأما ابن عم الجارية فإنه هلك من الغيرة والحسد لما دخل بها ابن الملك ونصره الله سبحانه وتعالى عليه وعلى وزير أبيه، ووصل إلى أبيه بزوجته على أتم حال وأكمل سرور، فتلقاه أبوه بعسكره ووزرائه. وأنا أرجو الله تعالى أن ينصرك على وزرائك أيها الملك، وأنا أسألك أن تأخذ حقي من ولدك. فلما سمع الملك ذلك منها أمر بقتل ولده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 584 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما حكت للملك وقالت: أسألك ms1324 أن تأخذ حقي من ولدك أمر بقتله، وكان ذلك في اليوم الرابع، فدخل على الملك الوزير الرابع، وقبل الأرض بين يديه، وقال: ثبت الله الملك وأيده، أيها الملك، تأن في هذا الأمر الذي عزمت عليه؛ لأن العاقل لا يعمل عملا حتى ينظر في عاقبته، وصاحب المثل يقول: «من لم يتدبر في العواقب، فما الدهر له بصاحب.» ومن عمل عملا بغير تثبت، أصابه ما أصاب الحمامي في زوجته. فقال له الملك: وما أصاب الحمامي في زوجته؟ ### || حكاية ولد الوزير وزوجة الحمامي # فقال له الوزير: بلغني أيها الملك أن حماميا كان يدخل عنده أكابر الناس ورؤساؤهم، فدخل عنده يوما من الأيام شاب حسن الصورة من أولاد الوزراء، وذلك الشاب سمين ضخم الجسم، فصار الحمامي واقفا في خدمته؛ فلما تجرد الشاب من ثيابه، لم ير ذكره الحمامي؛ لأنه غاب بين فخذيه من شدة السمن، ولم يظهر منه إلا مثل البندقة، فصار الحمامي يتأسف ويضرب يده على الأخرى، فلما رآه الشاب قال له: ما لك يا حمامي تتأسف؟ فقال له: يا سيدي، تأسفي عليك لأنك في حصر شديد، مع أنك في هذه النعمة والحسن والجمال العظيم، وليس معك شيء تتمتع به مثل الرجال. فقال له الشاب: صدقت فيما قلت، ولكن ذكرتني بشيء كنت غافلا عنه. فقال له الحمامي: وما هو؟ فقال له: تأخذ مني هذا الدينار وتحضر لي امرأة مليحة حتى أجرب نفسي فيها. فأخذ الحمامي الدينار وسار إلى زوجته وقال لها: يا امرأتي، قد دخل عندي في الحمام شاب من أولاد الوزراء، وهو كالبدر ليلة تمامه، وليس له ذكر مثل الرجال، وما معه إلا شيء يسير مثل البندقة، وقد تأسفت على شبابه، وإنه أعطاني هذا الدينار وسألني أن آتيه بامرأة يجرب نفسه فيها، وأنت أحق بالدينار، وما علينا في ذلك من بأس وأنا أستر عليك، فاقعدي معه ساعة تضحكين عليه وخذي هذا الدينار منه. فأخذت زوجة الحمامي منه ذلك الدينار. ثم إنها قامت وتزينت ولبست أفخر ملبوسها، وكانت مليحة زمانها، ثم إنها خرجت ms1325 مع زوجها إلى أن أدخلها على ابن الوزير في موضع خال، فلما حضرت عنده ورأته وجدته شابا حسنا جميل المنظر كأنه البدر في كماله، فاندهشت من حسنه وجماله. # ثم إن الشاب لما نظر إليها ذهل عقله ولبه من وقته، ومكث هو وإياها وقفلا عليهما الباب. ثم إن الشاب أخذ تلك الصبية وضمها إلى صدره وتعانقا، فانتشر من ذلك الشاب ذكر مثل ذكر الحمار، وركب على صدر زوجة الحمامي ساعة طويلة، وهي تبكي وتصرخ تحته وتهرج وتمرج، فصار الحمامي يناديها ويقول لها: يا أم محمد يكفيك، اخرجي قد طال النهار على ابنك الرضيع. فيقول لها الشاب: اخرجي إلى ابنك وتعالي. فتقول له: إن خرجت من عندك طلعت روحي، ومن قبل ابني، فأنا أتركه يموت من البكاء أو يتربى يتيما بلا أم. وما زالت عند الشاب إلى أن قضى حاجته منها عشر مرات، وزوجها قدام الباب ينادي ويصيح ويبكي ويتسغيث فلا يغاث، وما زال كذلك وهو يقول: قتلت نفسي. ولم يجد إلى زوجته وصولا، واشتد بالحمامي البلاء والغيرة، فطلع على أعلى الحمام وارتمى من فوقه فمات. # ![fig5](../Images/figure5.png) # فلما حضرت عنده رأته شابا حسنا جميل المنظر كأنه البدر، ولما نظر إليها ذهل عقله. ### || حكاية امرأة جميلة والشاب والعجوز # وبلغني أيضا أيها الملك من كيد النساء حكاية أخرى. قال له الملك: وما بلغك؟ فقال له: بلغني أيها الملك أن امرأة ذات حسسن وجمال، وبهاء وكمال، لم يكن لها نظير، فنظرها بعض الشبان الغاوين، فتعلق بها شاب وأحبها محبة عظيمة، وكانت تلك المرأة عفيفة عن الزنا، وليس لها فيه رغبة، فاتفق أن زوجها سافر يوما من الأيام إلى بعض البلاد، فصار الشاب كل يوم يرسل إليها مرات عديدة ولم تجبه، فقصد الشاب عجوزا كانت ساكنة بالقرب فسلم عليها، وقعد يشكو إليها ما أصابه من المحبة وما هو عليه من عشق المرأة، وأخبرها أنه مراده وصالها، فقالت له العجوز: أنا أضمن لك ذلك ولا بأس عليك، وأنا أبلغك ما تريد إن شاء الله تعالى. فلما سمع الشاب ms1326 كلامها دفع لها دينارا، ثم انصرف إلى حال سبيله. فلما أصبح الصباح دخلت العجوز على المرأة وجددت معها عهدا ومعرفة، وصارت العجوز تتردد إليها في كل يوم وتتغدى وتتعشى عندها، وتأخذ من عندها بعض الطعام إلى أولادها، وصارت تلك العجوز تلاعبها وتباسطها إلى أن أفسدت حالها، وصارت لا تقدر على مفارقة العجوز ساعة واحدة، فاتفق في بعض الأيام أن العجوز وهي خارجة من عند المرأة كانت تأخذ خبزا وتجعل فيه شحما وفلفلا، وتطعمه إلى كلبة مدة أيام، فجعلت الكلبة تتبعها من أجل الشفقة والحسنة، فأخذت لها يوما شيئا كثيرا من الفلفل والشحم وأطعمته للكلبة، فلما أكلته صارت عيناها تدمع من حرارة الفلفل، ثم تبعتها الكلبة وهي تبكي، فتعجبت منها الصبية غاية العجب، ثم قالت للعجوز: يا أمي، ما سبب بكاء هذه الكلبة؟ فقالت لها: يا بنتي هذه لها حكاية عجيبة، فإنها كانت صبية وكانت صاحبتي ورفيقتي، وكانت صاحبة حسن وجمال وبهاء وكمال، وكان قد تعلق بها شاب في الحارة، وزاد بها حبا وشغفا حتى لزم الوسادة، وأرسل إليها مرات عديدة لعلها ترق له وترحمه، فأبت، فنصحتها وقلت لها: يا بنتي، أطيعيه في جميع ما قاله وارحميه، واشفقي عليه. فما قبلت نصيحتي، فلما قل صبر هذا الشاب شكا لبعض أصحابه، فعملوا لها سحرا وقلبوا صورتها من صورة البشر إلى صورة الكلاب، فلما رأت ما حصل لها وما هي فيه من الأحوال وانقلاب الصورة، ولم تجد أحدا من المخلوقين يشفق عليها غيري، جاءتني إلى منزلي وصارت تستعطف بي وتقبل يدي ورجلي، وتبكي وتنتحب، فعرفتها وقلت لها: كثيرا ما نصحتك فلم يفدك نصحي شيئا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 585 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز صارت تحكي للمرأة خبر الكلبة وتعرفها عن حالها بمكر وخداع، لأجل موافقتها لغرض تلك العجوز، وجعلت تقول لها: لما جاءتني هذه الكلبة المسحورة وبكت قلت لها: كم نصحتك! ولكن يا بنتي لما رأيتها في هذه الحالة شفقت عليها وأبقيتها عندي، فهي ms1327 على هذه الحالة، وكلما تتفكر حالتها الأولى تبكي على نفسها. فلما سمعت الصبية كلام العجوز حصل لها رعب كبير، وقالت لها: يا أمي، والله إنك خوفتني بهذه الحكاية. فقالت لها العجوز: من أي شيء تخافين؟ فقالت لها: إن شابا مليحا متعلقا بحبي، وأرسل لي مرات وأنا أمتنع منه، وأنا اليوم أخاف أن يحصل لي مثل ما حصل لهذه الكلبة. فقالت لها العجوز: احذري يا بنتي أن تخالفي، فإني أخاف عليك كثيرا، وإذا كنت لم تعرفي محله فأخبريني بصفته وأنا أجيء به إليك، ولا تخل قلب أحد يتغير عليك. فوصفته لها وجعلت تتغافل وتريها أنها لم تعرفه، وقالت لها: لما أقوم وأسأل عنه. فلما خرجت من عندها ذهبت إلى الشاب وقالت له: طب نفسا قد لعبت بعقل الصبية فأنت في غد وقت الظهر تحضر وتقف لي عند رأس الحارة، حتى أجيء فآخذك وأذهب بك إلى منزلها وتنبسط عندها بقية النهار وطول الليل. ففرح الشاب فرحا شديدا وأعطاها دينارين وقال لها: لما أقضي حاجتي أعطي لك عشرة دنانير. فرجعت إلى الصبية وقالت لها: عرفته وكلمته في شأن ذلك فرأيته غضبانا عليك كثيرا وعازما على ضررك، فما زلت أستعطف بخاطره على حضوره في غد عند آذان الظهر. ففرحت الصبية فرحا شديدا وقالت لها: يا أمي، إن طاب خاطره وجاءني وقت الظهر أعطيكي عشرة دنانير. فقالت لها العجوز: لا تعرفي حضوره إلا مني. # فلما أصبح قالت لها العجوز: أحضري الغداء وتزيني والبسي أعز ما عندك حتى أذهب إليه وأجيء به إليك. فقامت تزين نفسها وتهيئ الطعام، وأما العجوز فإنها خرجت في انتظار الشاب فلم يأت، فدارت تفتش عليه فلم تقف له على خبر، فقالت في نفسها: كيف العمل؟ أيروح هذا الأكل الذي فعلته خسارة والوعد الذي وعدتني به من الدراهم؟ ولكن لم أخل هذه الحيلة تروح بلا شيء، بل أفتش لها على غيره، وأجيء به إليها. فبينما هي كذلك تدور في الشارع إذ نظرت شابا حسنا جميلا على وجهه أثر السفر، فتقدمت إليه وسلمت ms1328 عليه، وقالت له: هل لك في طعام وشراب وصبية مهيأة؟ فقال لها الرجل: وأين هذا؟ قالت: عندي في بيتي. فسار معها الرجل والعجوز وهي لا تعلم أنه زوج الصبية، حتى وصلت إلى البيت ودقت الباب، ففتحت لها الصبية الباب، فدخلت وهي تجري لتتهيأ بالملبوس والبخور، فأدخلته العجوز في قاعة الجلوس وهي في كيد عظيم، فلما دخلت المرأة عليه ووقع بصرها عليه، والعجوز قاعدة عنده، بادرت المرأة بالحيلة والمكيدة، ودبرت لها أمرا في الوقت والساعة، ثم سحبت الخف من رجلها وقالت لزوجها: ما هكذا العهد الذي بيني وبينك؟ فكيف تخونني وتفعل معي هذا الفعل؟ فإني لما سمعت بحضورك جربتك بهذه العجوز، فأوقعتك فيما حذرتك منه، وقد تحققت أمرك، وإنك نقضت العهد الذي بيني وبينك، وكنت قبل الآن أظن أنك طاهر حتى شاهدتك بعيني مع هذه العجوز، وأنك تتردد على النساء الفاجرات. وصارت تضربه بالخف على رأسه وهو يتبرأ من ذلك، ويحلف لها أنه ما خانها مدة عمره، ولا فعل فعلا مما اتهمته به، ولم يزل يحلف لها أيمانا بالله تعالى وهي تضربه وتبكي وتصرخ، وتقول: تعالوا إلي يا مسلمين. فيمسك فمها بيده وهي تعضه، وصار متذللا لها ويقبل يديها ورجليها، وهي لا ترضى عليه ولا تكف يدها عن صفعه. ثم إنها غمزت العجوز أن تمسك يدها عنه، فجاءتها العجوز وصارت تقبل يديها ورجليها إلى أن أجلستهما، فلما جلسا جعل الزوج يقبل يد العجوز ويقول لها: جزاك الله تعالى كل خير حيث خلصتني منها. فصارت العجوز تتعجب من حيلة المرأة وكيدها. وهذا أيها الملك من جملة مكر النساء وحيلهن وكيدهن، فلما سمعه الملك انتصح بحكايته، ورجع عن قتل ولده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 586 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير الرابع لما حكى الحكاية للملك رجع عن قتل ولده، فلما كان في اليوم الخامس دخلت الجارية على الملك وبيدها قدح فيه سم، واستغاثت ولطمت على خديها ووجهها، وقالت له: أيها الملك، إما أن تنصفني وتأخذ ms1329 حقي من ولدك وإلا أشرب هذا القدح السم وأموت، ويبقى ذنبي متعلقا بك إلى يوم القيامة، فإن وزراءك هؤلاء ينسبونني إلى الكيد والمكر، وليس في الدنيا أمكر منهم، أما سمعت أيها الملك حديث الصائغ مع الجارية؟ فقال لها الملك: ما جرى منهما يا جارية؟ ### || حكاية الصائغ والمغنية # فقالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان رجل صائغ مولعا بالنساء وشرب الخمر، فدخل يوما من الأيام عند صديق له، فنظر إلى حائط من حيطان بيته فرأى فيها صورة جارية منقوشة لم ير الراءون أحسن ولا أجمل ولا أظرف منها، فأكثر الصائغ من النظر إليها وتعجب من حسن هذه الصورة، ووقع حب هذه الصورة في قلبه إلى أن مرض وأشرف على الهلاك، فجاءه أحد أصدقائه يزوره، فلما جلس عنده سأله عن حاله وما يشكو منه، فقال له: يا أخي، إن مرضي كله وجميع ما أصابني من العشق؛ وذلك أني عشقت صورة منقوشة في حائط فلان أخي. فلامه ذلك الصديق وقال له: إن هذا من قلة عقلك، فكيف تعشق صورة في حائط لا تضر ولا تنفع، ولا تنظر ولا تسمع، ولا تأخذ ولا تمنع؟ فقال له: ما صورها المصور إلا على مثال امرأة جميلة. فقال له صديقه: لعل الذي صورها اخترعها من رأسه. فقال له: أنا في حبها ميت على كل حال، وإن كان لهذه الصورة شبيه في الدنيا فأنا أرجو الله تعالى أن يمدني بالحياة إلى أن أراه. فلما قام الحاضرون سألوا عمن صورها فوجدوه قد سافر إلى بلد من البلدان، فكتبوا له كتابا يشكون له فيه حال صاحبهم، ويسألونه عن تلك الصورة وما سببها؛ هل هو اخترعها من ذهنه، أو رأى لها شبيها في الدنيا؟ فأرسل إليهم: إني صورت هذه الصورة على شكل جارية مغنية لبعض الوزراء، وهي بمدينة كشمير بإقليم الهند. # فلما سمع الصائغ بالخبر وكان ببلاد الفرس، تجهز وسار متوجها إلى بلاد الهند، فوصل إلى تلك المدينة من بعد جهد جهيد، فلما دخل تلك المدينة واستقر فيها، ذهب يوما من ms1330 الأيام عند رجل عطار من أهل تلك المدينة، وكان ذلك العطار حاذقا فطنا لبيبا، فسأله الصائغ عن ملكهم وسيرته، فقال له العطار: أما ملكنا فعادل حسن السيرة، محسن لأهل دولته، منصف لرعيته، وما يكره في الدنيا إلا السحرة، فإذا وقع في يده ساحر أو ساحرة ألقاها في خارج المدينة، ويتركها بالجوع إلى أن يموتا. ثم سأله عن وزرائه؟ فذكر له سيرة كل وزير وما هو عليه، إلى أن انجر الكلام إلى الجارية المغنية، فقال له: عند الوزير الفلاني. فصبر بعد ذلك أياما حتى أخذ في تدبير الحيلة. فلما كان في ليلة ذات مطر ورعد ورياح عاصفة، ذهب الصائغ وأخذ معه عدة من اللصوص وتوجه إلى دار الوزير سيد الجارية، وعلق فيه السلالم بكلاليب، ثم طلع إلى أعلى القصر، فلما وصل إليه نزل إلى ساحته، فرأى جميع الجواري نائمات كل واحدة على سريرها، ورأى سريرا من المرمر عليه جارية كأنها البدر إذا أشرق في ليلة أربعة عشر، فقصدها وقعد عند رأسها، وكشف الستر عنها، فإذا عليها ستر من ذهب، وعند رأسها شمعة، وعند رجليها شمعة، كل شمعة منهما في شمعدان من الذهب الوهاج، وهاتان الشمعتان من العنبر، وتحت الوسادة حق من الفضة فيه جميع حليها، وهو مغطى عند رأسها. فأخرج سكينا وضرب بها كفل الجارية فجرحها جرحا واضحا، فانتبهت فزعة مرعوبة، فلما رأته خافت من الصياح فسكتت وظنت أنه يريد أخذ المال، فقالت له: خذ الحق والذي فيه، وليس بقتلي نفع، وأنا في جيرتك وفي حسبك، فتناول الرجل الحق بما فيه وانصرف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 587 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصائغ حين طلع قصر الوزير ضرب الجارية على كفلها فجرحها، وأخذ الحق الذي فيه حليها وانصرف، فلما أصبح الصباح لبس ثيابه وأخذ معه الحق الذي فيه الحلي، ودخل به على ملك تلك المدينة، ثم قبل الأرض بين يديه وقال: أيها الملك، إنني رجل ناصح لك وأنا من أرض خراسان، وقد أتيت مهاجرا ms1331 إلى حضرتك لما شاع من حسن سيرتك وعدلك في رعيتك، فأردت أن أكون تحت لوائك، وقد وصلت إلى هذه المدينة آخر النهار، فوجدت الباب مغلوقا فنمت من خارجه، فبينما أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت أربع نسوة إحداهن راكبة مكنسة، والأخرى راكبة مروحة، فعلمت أيها الملك أنهن سحرة يدخلن مدينتك، فدنت إحداهن مني ورفصتني برجلها، وضربتني بذنب ثعلب كان في يدها، فأوجعتني فأخذتني الحدة من الضرب فضربتها بسكين كانت معي، فأصابت كفلها وهي مولية شاردة، فلما جرحتها انهزمت قدامي فوقع منها هذا الحق بما فيه، فأخذته وفتحته فرأيت فيه هذا الحلي النفيس، فخذه فليس لي به حاجة؛ لأني رجل سائح في الجبال، وقد رفضت الدنيا عن قلبي، وزهدتها بما فيها، وإني قاصد وجه الله تعالى. ثم ترك الحق بين يدي الملك وانصرف. # فلما خرج من عند الملك فتح الملك ذلك الحق، وأخرج جميع الحلي منه، وصار يقلبه بيده فوجد فيه عقدا كان أنعم به على الوزير سيد الجارية، فدعا الملك بالوزير، فلما حضر بين يديه قال له: هذا العقد الذي أهديته إليك؟ فلما رآه الوزير عرفه وقال للملك: نعم، وأنا أهديته إلى جارية مغنية عندي. فقال له الملك: أحضر لي الجارية في هذه الساعة. فأحضرها، فلما حضرت الجارية بين يدي الملك، قال له: اكشف عن كفلها وانظر هل فيه جرح أم لا؟ فكشف الوزير عنه فرأى فيه جرح سكين، فقال الوزير للملك: نعم يا مولاي فيها الجرح. فقال الملك للوزير: هذه ساحرة كما قال لي الرجل الزاهد بلا شك ولا ريب. ثم أمر الملك بأن يجعلوها في جب السحرة، فأرسلوها إلى الجب في ذلك النهار، فلما جاء الليل وعرف الصائغ أن حيلته قد تمت جاء إلى حارس الجب وبيده كيس فيه ألف دينار، وجلس مع الحارس يتحدث إلى ثلث الليل الأول، ثم دخل مع الحارس في الكلام وقال له: اعلم يا أخي أن هذه الجارية بريئة من هذه البلية التي ذكروها عنها وأنا الذي أوقعتها. وقص عيه القصة من أولها ms1332 إلى آخرها، ثم قال له: يا أخي، خذ هذا الكيس فإن فيه ألف دينار، وأعطني الجارية أسافر بها إلى بلادي، فهذه الدنانير أنفع لك من حبس الجارية، واغتنم أجرنا ونحن الاثنان ندعو لك بالخير والسلامة. فلما سمع حكايته تعجب غاية العجب من هذه الحيلة وكيف تمت، ثم أخذ الحارس الكيس بما فيه وتركها له، وشرط عليه ألا يقيم بها في هذه المدينة ساعة واحدة، فأخذها الصائغ من وقته وسار، وجعل يجد في السير إلى أن وصل إلى بلاده وقد بلغ مراده. فانظر أيها الملك إلى كيد الرجال وحيلهم ووزرائك يردونك عن أخذ حقي، وفي غد أقف أنا وأنت بين يدي حاكم عادل فيأخذ حقي منك أيها الملك. # فلما سمع الملك كلامها أمر بقتل ولده، فدخل عليه الوزير الخامس وقبل الأرض بين يديه، ثم قال له: أيها الملك العظيم الشأن، تمهل ولا تعجل على قتل ولدك؛ فرب عجلة أعقبت ندامة، وأخاف عليك أن تندم ندامة الرجل الذي لم يضحك بقية عمره. فقال له الملك: وكيف ذلك أيها الوزير؟ ### || حكاية الرجل الحزين # قال: بلغني أيها الملك أنه كان رجل من ذوي البيوت والنعم، وكان ذا مال وخدم وعبيد وأملاك، فمات إلى رحمة الله تعالى وترك ولدا صغيرا، فلما كبر الولد أخذ في الأكل والشرب وسماع الطرب والأغاني، وتكرم وأعطى وأنفق الأموال التي خلفها له أبوه حتى ذهب المال جميعه ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 588 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الولد لما أذهب المال الذي خلفه له أبوه ولم يبق منه شيء، رجع إلى بيع العبيد والجواري والأملاك، وأنفق جميع ما كان عنده من مال أبيه وغيره، فافتقر حتى صار يشتغل مع الفعلة، فمكث على ذلك مدة سنة. فبينما هو جالس يوما من الأيام تحت حائط ينتظر من يستأجره، وإذا هو برجل حسن الوجه والثياب قد دنا من الشاب وسلم عليه، فقال له الولد: يا عم، هل أنت تعرفني قبل الآن؟ فقال له: لم أعرفك يا ms1333 ولدي أصلا، بل أرى آثار النعمة عليك وأنت في هذه الحالة. فقال له: يا عم، نفذ القضاء والقدر، فهل لك يا عم يا صبيح الوجه من حاجة تستخدمني فيها؟ فقال له: يا ولدي، أريد أن أستخدمك في شيء يسير. قال له الشاب: وما هو يا عم؟ فقال له: عندي عشرة من الشيوخ في دار واحدة، وليس عندنا من يقضي حاجتنا، ولك عندنا من المأكل والملبس ما يكفيك، فتقوم بخدمتنا، ولك عندنا ما يصل إليك من الخير والدراهم، ولعل الله يرد عليك نعمتك بسببنا. فقال له الشاب: سمعا وطاعة. ثم قال له الشيخ: لي عليك شرط. فقال له الشاب: وما هو شرطك يا عم؟ قال له: يا ولدي أن تكون كاتما لسرنا فيما ترانا عليه، وإذا رأيتنا نبكي فلا تسألنا عن سبب بكائنا. فقال له الشاب: نعم يا عم. فقال له الشيخ: يا ولدي، سر بنا على بركة الله تعالى. فقام الشاب خلف الشيخ إلى أن أوصله إلى الحمام فأدخله فيه، وأزال عن بدنه ما عليه من القشف، ثم أرسل الشيخ رجلا فأتى له بحلة حسنة من القماش فألبسه إياها، ومضى به إلى منزله عند جماعته، فلما دخل الشاب وجدها دارا عالية البنيان، مشيدة الأركان، واسعة بمجالس متقابلة وقاعات، في كل قاعة فسقية من الماء عليها طيور تغرد، وشبابيك تطل من كل جهة على بستان حسن في تلك الدار، فأدخله الشيخ في أحد المجالس فوجده منقوشا بالرخام الملون، ووجد سقفه منقوشا باللازورد والذهب الوهاج، وهو مفروش ببسط الحرير، ووجد فيه عشرة من الشيوخ قاعدين متقابلين، وهم لابسون ثياب الحزن يبكون وينتحبون، فتعجب الشاب من أمرهم وهم أن يسأل الشيخ، فتذكر الشرط فمنع لسانه. # ثم إن الشيخ سلم إلى الشاب صندوقا فيه ثلاثون ألف دينار، وقال له: يا ولدي أنفق علينا من هذا الصندوق وعلى نفسك بالمعروف، وأنت أمين، واحفظ ما استودعتك فيه. فقال الشاب: سمعا وطاعة. ولم يزل الشاب ينفق عليهم مدة أيام وليال، ثم مات واحد منهم فأخذه أصحابه وغسلوه ms1334 وكفنوه ودفنوه في روضة خلف الدار، ولم يزل الموت يأخذ منهم واحدا بعد واحد إلى أن بقي الشيخ الذي استخدم الشاب، فاستمر هو والشاب في تلك الدار وليس معهما ثالث، وأقاما على ذلك مدة من السنين. ثم مرض الشيخ، فلما يئس الشاب من حياته أقبل عليه وتوجع له، ثم قال له: يا عم، أنا خدمتكم ولا كنت أقصر في خدمتكم ساعة واحدة مدة اثنتي عشرة سنة، وإنما أنصح لكم وأخدمكم بجهدي وطاقتي. فقال له الشيخ: نعم يا ولدي، خدمتنا إلى أن توفيت هذه المشايخ إلى الله عز وجل، ولا بد لنا من الموت. فقال الشاب: يا سيدي، أنت على خطر وأريد منك أن تعلمني ما سبب بكائكم، ودوام انتحابكم وحزنكم وتحسركم؟ فقال له: يا ولدي، ما لك بذلك من حاجة، ولا تكلفني ما لا أطيق، فإني سألت الله تعالى ألا يبلي أحدا ببليتي، فإن أردت أن تسلم مما وقعنا فيه فلا تفتح ذلك الباب - وأشار إليه بيده، وحذره منه - وإن أردت أن يصيبك ما أصابنا فافتحه؛ فإنك تعلم سبب ما رأيت منا، لكونك تندم حيث لا ينفعك الندم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 589 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ الذي بقي من العشرة قال للشاب: احذر أن تفتح هذا الباب فتندم حيث لا ينفعك الندم. ثم تزايدت العلة على الشيخ فمات، فغسله الشاب بيده وكفنه ودفنه عند أصحابه، وقعد الشاب في ذلك الموضع وهو مختوم على ما فيه، وهو مع ذلك قلق متفكر فيما كان فيه الشيوخ. فبينما هو يتفكر يوما من الأيام في كلام الشيخ ووصيته له بعدم فتح الباب، إذ خطر بباله أنه ينظر إليه، فقام إلى تلك الجهة وفتش حتى رأى بابا لطيفا قد عشش عليه العنكبوت، وعليه أربعة أقفال من البولاد، فلما نظره تذكر ما حذره منه الشيخ فانصرف عنه، وصارت نفسه تراوده على فتح الباب وهو يمنعها مدة سبعة أيام، وفي اليوم الثامن غلبت عليه نفسه وقال: لا ms1335 بد أن أفتح ذلك الباب، وأنظر أي شيء يجري علي منه؛ فإن قضاء الله تعالى وقدره لا يرده شيء، ولا يكون أمر من الأمور إلا بإرادته. فنهض وفتح الباب بعد أن كسر الأقفال، فلما فتح الباب رأى دهليزا ضيقا، فجعل يمشي فيه مقدار ثلاث ساعات، وإذا به قد خرج على شاطئ نهر عظيم، فتعجب الشاب من ذلك، فصار يمشي على ذلك الشاطئ، وينظر يمينا وشمالا، وإذا بعقاب كبير قد نزل من الجو، فحمل ذلك الشاب في مخالبه، وطار بين السماء والأرض إلى أن أتى به إلى جزيرة في وسط البحر فألقاه فيها، وانصرف عنه ذلك العقاب، فصار الشاب متحيرا في أمره لا يدري أين يذهب. # فبينما هو جالس يوما من الأيام، وإذا بقلع مركب قد لاح له في البحر كالنجمة في السماء، فتعلق خاطر الشاب بالمركب؛ لعل نجاته تكون فيها، وصار ينظر إليها حتى وصلت إلى قربه، فلما وصلت رأى زورقا من العاج والأبنوس ومجاديفه من الصندل والعود، وهو مصفح جميعه بالذهب الوهاج، وفيه عشر من الجواري والأبكار كأنهن الأقمار، فلما نظره الجواري طلعن إليه من الزورق، وقبلن يديه، وقلن له: أنت الملك العريس. ثم تقدمت إليه جارية وهي كالشمس الضاحية في السماء الصاحية، وفي يدها منديل حرير فيه خلعة ملوكية، وتاج من الذهب مرصع بأنواع اليواقيت، فتقدمت عليه وألبسته وتوجته وحملنه على الأيدي إلى ذلك الزورق، فوجد فيه أنواعا من بسط الحرير الملون، ثم نشرن القلوع وسرن في لجج البحر. قال الشاب: فلما سرت معهن اعتقدت أن هذا منام، ولا أدرى أين يذهبن بي، فلما أشرفن على البر رأيت البر قد امتلأ بعساكر لا يعلم عدتهم إلا الله سبحانه وتعالى وهم متدرعون، ثم قدموا إلي خمسة من الخيل المسومة بسروج من ذهب مرصعة بأنواع اللآلئ والفصوص الثمينة، فأخذت منها فرسا فركبته والأربعة سارت معي، ولما ركبت انعقدت على رأسي الرايات والأعلام، ودقت الطبول وضربت الكاسات، ثم ترتبت العساكر ميمنة وميسرة، وسرت أتردد: هل أنا نائم أم يقظان؟ ولم أزل ms1336 سائرا ولا أصدق بما أنا فيه من الموكب، بل أظن أنه أضغاث أحلام، حتى أشرفنا على مرج أخضر فيه قصور وبساتين وأشجار، وأنهار وأزهار وأطيار تسبح الله الواحد القهار. فبينما هم كذلك وإذا بعسكر قد برز من بين تلك القصور والبساتين مثل السيل إذا انحدر إلى أن ملأ ذلك المرج، فلما دنوا مني وقفت تلك العساكر، وإذا بملك منهم قد تقدم بمفرده راكب بين يديه بعض خواصه مشاة، فلما قرب الملك من الشاب نزل عن جواده، فلما رأى الملك نزل عن جواده نزل هو الآخر، ثم سلما على بعضهما أحسن سلام، ثم ركبوا خيولهم، فقال الملك للشاب: سر بنا فإنك ضيفي. فسار معه الشاب وهم يتحدثون، والمواكب مرتبة وهي تسير بين أيديهما إلى قصر الملك، ثم نزلوا ودخلوا القصر جميعا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 590 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما أخذ الشاب سار هو وإياه بالموكب حتى دخلا القصر، ويد الشاب في يد الملك، ثم أجلسه على كرسي من الذهب وجلس عنده، فلما كشف ذلك الملك اللثام عن وجهه، وإذا هو جارية كالشمس الضاحية في السماء الصاحية؛ حسن وجمال وبهاء وكمال وعجب ودلال، فنظر الشاب إلى نعمة عظيمة وسعادة جسيمة، وصار الشاب متعجبا من حسنها وجمالها، ثم قالت له: اعلم أيها الملك أني ملكة هذه الأرض، وكل هذه العساكر التي رأيتها وجميع ما رأيته من فارس أو راجل فهن نساء ليس فيهن رجال، والرجال عندنا في هذه الأرض يحرثون ويزرعون ويحصدون، ويشتغلون بعمارة الأرض وعمارة البلاد ومصالح الناس من سائر الصناعات، وأما النساء فهن الحكام وأرباب المناصب والعساكر. فتعجب الشاب من ذلك غاية العجب، فبينما هم كذلك وإذا بالوزير قد دخل، وإذا هي عجوز شمطاء وهي محتشمة ذات هيبة ووقار، فقالت لها الملكة: أحضري لنا القاضي والشهود. فمضت العجوز لذلك، ثم عطفت الملكة على الشاب تنادمه وتؤانسه، وتزيل وحشته بكلام لطيف، ثم أقبلت عليه وقالت: أترضى أن أكون لك زوجة؟ فقام ms1337 وقبل الأرض بين يديها فمنعته، فقال لها: يا سيدتي، أنا أقل من الخدم الذين يخدمونك. فقالت له: أما ترى جميع ما نظرته من الخدم والعساكر والمال والخزائن والذخائر؟ فقال لها: نعم. فقالت له: جميع ذلك بين يديك تتصرف فيه بحيث تعطي وتهب ما بدا لك. ثم إنها أشارت إلى باب مغلق وقالت له: جميع ذلك تتصرف فيه إلا هذا الباب فلا تفتحه، وإذا فتحته تندم حيث لا ينفعك الندم. فما استتم كلامها إلا والوزيرة والقاضي والشهود معها. فلما حضروا وكلهن عجائز ناشرات الشعر على أكتافهن، وعليهن هيبة ووقار. قال: فلما حضرن بين يدي الملكة أمرتهن أن يعقدن العقد بالتزويج، فزوجنها الشاب وعملت الولائم وجمعت العساكر، فلما أكلوا وشربوا دخل عليها ذلك الشاب فوجدها بكرا عذراء، فأزال بكارتها، وأقام معها سبعة أعوام في ألذ عيش وأرغده وأهناه وأطيبه. # فتذكر ذات يوم من الأيام فتح الباب وقال: لولا أن يكون فيه ذخائر جليلة أحسن مما رأيت ما منعتني عنه. ثم قام وفتح الباب وإذا داخله الطائر الذي حمله من ساحل البحر وحطه في الجزيرة، فلما نظر ذلك الطائر قال له: لا مرحبا بوجه لا يفلح أبدا. فلما نظره وسمع كلامه هرب منه، فتبعه وخطفه بين السماء والأرض مسافة ساعة، وحطه في المكان الذي خطفه منه، ثم غاب عنه، فجلس مكانه، ثم رجع إلى عقله وتذكر ما نظره قبل ذلك من النعمة والعز والكرامة وركوب العسكر أمامه، والأمر والنهي، فجعل يبكي وينتحب، ثم أقام على ساحل البحر الذي وضعه فيه ذلك الطائر مدة شهرين وهو يتمنى أن يعود إلى زوجته. # فبينما هو ذات ليلة من الليالي سهران حزين متفكر، وإذا بقائل يقول وهو يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو ينادي: ما أعظم اللذات! هيهات هيهات أن يرجع إليك ما فات، فأكثر الحسرات. فلما سمعه ذلك الشاب يئس من لقاء تلك الملكة، ومن رجوع النعمة التي كان فيها إليه، ثم دخل الدار التي فيها المشايخ، وعلم أنهم قد جرى لهم مثل ما جرى له، ms1338 وهذا الذي كان سبب بكائهم وحزنهم، فعذرهم بعد ذلك. ثم إن الشاب أخذه الحزن والهم ودخل ذلك المجلس، وما زال يبكي وينوح، وترك المأكل والمشرب والروائح الطيبة والضحك إلى أن مات، ودفنوه بجانب المشايخ. فاعلم أيها الملك أن العجلة ليست محمودة، وإنما هي تورث الندامة، وقد نصحتك بهذه النصيحة. فلما سمع الملك ذلك الكلام اتعظ به وانتصح، ورجع عن قتل ولده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 591 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما سمع حكاية الوزير رجع عن قتل ولده، فلما كان في اليوم السادس دخلت الجارية على الملك وفي يدها سكين مسلولة، وقالت: اعلم يا سيدي أنك لم تقبل شكايتي وترع حقك وحرمتك فيمن تعدى علي، وهم وزراؤك الذين يزعمون أن النساء صاحبات حيل ومكر وخديعة، ويقصدون بذلك ضياع حقي، وإهمال الملك النظر في حقي، وها أنا أحقق بين يديك أن الرجال أمكر من النساء بحكاية ابن ملك من الملوك، حيث خلا بزوجة تاجر. فقال لها الملك: وأي شيء جرى له معها؟ ### || حكاية التاجر الغيور وابن الملك # فقالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان تاجر من التجار غيورا، وكان عنده زوجة ذات حسن وجمال، فمن كثرة خوفه وغيرته عليها لم يسكن بها في المدائن، وإنما عمل لها خارج المدينة قصرا منفردا وحده عن البنيان، وقد أعلى بنيانه وشيد أركانه وحصن أبوابه وأحكم أقفاله، فإذا أراد الذهاب إلى المدينة قفل الأبواب، وأخذ مفاتيحها معه وعلقها في رقبته، فبينما هو يوما من الأيام في المدينة إذ خرج ابن ملك تلك المدينة يتنزه خارجها ويتفرج على الفضاء، فنظر ذلك الخلاء وصار يتأمل فيه زمانا طويلا، فلاح لعينه ذلك القصر، فنظر فيه جارية عظيمة تطل من بعض طيقان القصر، فلما نظرها صار متحيرا في حسنها وجمالها، ويريد الوصول إليها فلم يمكنه ذلك، فدعا بغلام من غلمانه فأتاه بدواة وورقة، وكتب فيها شرح حاله من المحبة، وجعلها في سنان نشابة، ثم رمى النشابة داخل القصر، فنزلت عليها ms1339 وهي تمشي في بستان، فقالت لجارية من جواريها: أسرعي إلى هذه الورقة وناولينيها. وكانت تقرأ الخط، فلما قرأتها وعرفت ما ذكر لها من الذي أصابه من المحبة والشوق والغرام، كتبت له جواب ورقته، وذكرت له أنه قد وقع عندها من المحبة أكثر مما عنده. ثم طلت له من طاقة القصر فرأته، فألقت إليه الجواب واشتد بها الشوق، فلما نظر إليها جاء تحت القصر وقال لها: ارمي من عندك خيطا لأربط فيه هذا المفتاح حتى تأخذيه عندك. فرمت له خيطا، وربط فيه المفتاح، ثم انصرف إلى وزرائه، فشكا إليهم محبة تلك الجارية، وأنه قد عجز عن الصبر عنها، فقال له بعضهم: وما التدبير الذي تأمرني به؟ فقال له ابن الملك: أريد منك أن تجعلني في صندوق وتودعه عند هذا التاجر في قصره، وتجعل أن ذلك الصندوق لك حتى أبلغ أربي من تلك الجارية مدة أيام، ثم تسترجع ذلك الصندوق، فقال له الوزير: حبا وكرامة. # ثم إن ابن الملك لما توجه إلى منزله جعل نفسه داخل صندوق كان عنده وأغلق الوزير عليه، وأتى به إلى قصر التاجر، فلما حضر التاجر بين يدي الوزير قبل يديه، ثم قال له التاجر: لعل لمولانا الوزير خدمة أو حاجة نفوز بقضائها. فقال له الوزير: أريد منك أن تجعل هذا الصندوق في أعز مكان عندك. فقال التاجر للحمالين: احملوه. ثم أدخله التاجر في القصر، ووضعه في خزانة عنده، ثم بعد ذلك خرج إلى بعض أشغاله، فقامت الجارية إلى الصندوق وفتحته بالمفتاح الذي معها، فخرج منه شاب مثل القمر، فلما رأته لبست أحسن ملبوسها، وذهبت به إلى قاعة الجلوس وقعدت معه في أكل وشرب مدة سبعة أيام، وكلما يحضر زوجها تجعله في الصندوق وتقفل عليه. فلما كان في بعض الأيام سأل الملك عن ولده، فخرج الوزير مسرعا إلى منزل التاجر، وطلب منه الصندوق. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 592 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير لما حضر إلى منزل التاجر لطلب الصندوق، ms1340 جاء التاجر إلى قصره على خلاف العادة وهو مستعجل وطرق الباب، فحست به الجارية، فأخذت ابن الملك وأدخلته في الصندوق وذهلت عن قفله، فلما وصل التاجر إلى المنزل هو والحمالون، حملوا الصندوق من غطائه فانفتح، فنظروا فيه فإذا فيه ابن الملك راقدا، فلما رآه التاجر وعرفه خرج إلى الوزير وقال له: ادخل أنت وخذ ابن الملك، فلا يستطيع أحد منا أن يمسكه. فدخل الوزير وأخذه، ثم انصرفوا جميعا، فلما انصرفوا طلق التاجر الجارية وأقسم على نفسه ألا يتزوج أبدا. ### || حكاية الغلام ولغة الطير # وبلغني أيضا أيها الملك أن رجلا من الظرفاء دخل السوق، فوجد غلاما ينادى عليه للبيع، فاشتراه وجاء به إلى منزله، وقال لزوجته: استوصي به. فقام الغلام مدة من الزمان، فلما كان في بعض الأيام قال الرجل لزوجته: اخرجي غدا إلى البستان وتفرجي وتنزهي وانشرحي. فقالت: حبا وكرامة. فلما سمع الغلام ذلك عمد إلى طعام وجهزه في تلك الليلة، وإلى شراب ونقل وفاكهة، ثم توجه إلى البستان وجعل ذلك الطعام تحت شجرة، وجعل ذلك الشراب تحت شجرة، والفواكه والنقل تحت شجرة في طريق زوجة سيده. فلما أصبح الصباح أمر الرجل الغلام أن يتوجه مع سيدته إلى ذلك البستان، وأمر بما يحتاجون إليه من المأكل والمشرب والفواكه، ثم طلعت الجارية وركبت فرسا والغلام معها حتى وصلوا إلى ذلك البستان، فلما دخلوا أنعق غراب فقال له الغلام: صدقت. فقالت له سيدته: هل أنت عرفت ما يقول الغراب؟ فقال لها: نعم يا سيدتي. قالت له: فما يقول؟ قال لها: يا سيدتي، يقول إن تحت هذه الشجرة طعاما تعالوا كلوه. فقالت له: أراك تعرف لغات الطير. فقال لها: نعم. فتقدمت الجارية إلى تلك الشجرة فوجدت طعاما مجهزا، فلما أكلوه تعجبت منه غاية العجب، واعتقدت أنه يعرف لغات الطير. # فلما أكلوا ذلك الطعام تفرجوا في البستان، فنعق الغراب، فقال له الغلام: صدقت. فقالت له سيدته: أي شيء يقول؟ قال: يا سيدتي، يقول إن تحت الشجرة الفلانية كوز ماء ممسك وخمرا عتيقا. فذهبت هي ms1341 وإياه فوجدا ذلك، فتزايد عجبها وعظم الغلام عندها، فقعدت مع الغلام يشربان. فلما شربا مشيا في ناحية البستان، فنعق الغراب فقال له الغلام: صدقت. فقالت له سيدته: أي شيء يقول هذا الغراب؟ قال: يقول إن تحت الشجرة الفلانية فواكه ونقلا. فذهبا إلى تلك الشجرة فوجدا ذلك، فأكلا من تلك الفواكه والنقل، ثم مشيا في البستان فنعق الغراب، فأخذ الغلام حجرا ورماه به، فقالت: ما لك تضربه؟ وما الذي قاله؟ قال: يا سيدتي، إنه يقول كلاما ما أقدر أن أقوله لك. قالت: قل ولا تستح مني، أنا ما بيني وبينك شيء. فصار يقول: لا. وهي تقول: قل. ثم أقسمت عليه فقال لها: إنه يقول لي: افعل بسيدتك مثل ما يفعل بها زوجها. فلما سمعت كلامه ضحكت حتى استلقت على قفاها، ثم قالت له: حاجة هينة لا أقدر أن أخالفك فيها. ثم توجهت نحو شجرة من الأشجار، وفرشت تحتها الفرش، ونادته ليقضي لها حاجتها، وإذا بسيده خلفه ينظر إليه، فناداه وقال له: يا غلام، ما لسيدتك راقدة هنا تبكي؟ فقال: يا سيدي، وقعت من فوق شجرة فماتت، وما ردها عليك إلا الله سبحانه وتعالى، فرقدت ها هنا ساعة لتستريح. فلما رأت الجارية زوجها فوق رأسها قامت وهي متمرضة تتوجع وتقول: آه يا ظهري، يا جنبي، تعالوا إلي يا أحبابي ما بقيت أعيش. فصار زوجها مبهوتا، ثم نادى الغلام وقال له: هات لسيدتك الفرس وركبها. فلما ركبت أخذ الزوج بركابها والغلام بركابها الثاني، ويقول لها: الله يعافيك ويشفيك. وهذا أيها الملك من جملة حيل الرجال ومكرهم، فلا يردك وزراؤك عن نصرتي والأخذ بحقي. ثم بكت، فلما رأى الملك بكاءها، وهي عنده أعز جواريه، أمر بقتل ولده. فدخل عليه الوزير السادس وقبل الأرض بين يديه، وقال له: أعز الله تعالى الملك، إني ناصحك ومشير عليك بالتمهل في أمر ولدك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 593 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير السادس قال له: أيها الملك تمهل في ms1342 أمر ولدك، فإن الباطل كالدخان، والحق مشيد الأركان، ونور الحق يذهب ظلام الباطل، واعلم أن مكر النساء عظيم، وقد قال الله في كتابه العزيز: @QUR@03 إن كيدكن عظيم ، وقد بلغني حديث امرأة فعلت مع أرباب الدولة مكيدة ما سبقها بمثلها أحد قط. فقال الملك: وكيف كان ذلك؟ ### || حكاية امرأة والمعجبين الخمسة # قال الوزير: بلغني أيها الملك أن امرأة من بنات التجار كان لها زوج كثير الأسفار، فسافر زوجها إلى بلاد بعيدة وأطال الغيبة، فزاد عليها الحال، فعشقت غلاما ظريفا من أولاد التجار، وكانت تحبه ويحبها محبة عظيمة، ففي بعض الأيام تنازع الغلام مع رجل، فشكاه الرجل إلى والي تلك البلد فسجنه، فبلغ خبره زوجة التاجر معشوقته، فطار عقلها عليه، فقامت ولبست أفخر ملبوسها، ومضت إلى منزل الوالي فسلمت عليه ودفعت له ورقة تذكر فيها أن الذي سجنته وحبسته هو أخي فلان الذي تنازع مع فلان، والجماعة الذين شهدوا عليه قد شهدوا باطلا، وقد سجن في سجنك وهو مظلوم، وليس عندي من يدخل علي ويقوم بحالي غيره، وأسأل من فضل مولانا إطلاقه من السجن. فلما قرأ الوالي الورقة، نظر إليها فعشقها وقال لها: ادخلي المنزل حتى أحضره بين يدي، ثم أرسل إليك فتأخذينه. فقالت له: يا مولانا، ليس لي أحد إلا الله تعالى، وأنا امرأة غريبة لا أقدر على دخول منزل أحد. فقال لها الوالي: لا أطلقه لك حتى تدخلي المنزل وأقضي حاجتي منك. فقالت له: إن أردت ذلك، فلا بد أن تحضر عندي في منزلي وتقعد وتنام وتستريح نهارك كله. فقال لها: وأين منزلك؟ فقالت له: في الموضع الفلاني. # ثم خرجت من عنده، وقد اشتغل قلب الوالي. فلما خرجت دخلت على قاضي البلد وقالت له: يا سيدنا القاضي. قال لها: نعم. قالت له: انظر في أمري وأجرك على الله. فقال لها: من ظلمك؟ قالت له: يا سيدي، لي أخ وليس لي أحد غيره، وهو الذي كلفني الخروج إليك؛ لأن الوالي قد سجنه وشهدوا عليه بالباطل أنه ظالم، وإنما أطلب منك أن ms1343 تشفع لي فيه عند الوالي. فلما نظرها القاضي عشقها فقال لها: ادخلي المنزل عند الجواري واستريحي معنا ساعة ونحن نرسل إلى الوالي بأن يطلق أخاك، ولو كنا نعرف الدراهم التي عليه كنا دفعناها من عندنا لأجل قضاء حاجتنا؛ لأنك أعجبتنا من حسن كلامك. فقالت له: إذا كنت أنت يا مولانا تفعل ذلك فما نلوم الغير. فقال لها القاضي: إن لم تدخلي منزلنا فاخرجي إلى حال سبيلك. فقالت له: إن أردت ذلك يا مولانا، فيكون عندي في منزلي أستر وأحسن من منزلك، فإن فيه الجواري والخدم والداخل والخارج، وأنا امرأة ما أعرف شيئا من هذا الأمر، لكن الضرورة تحوج. فقال لها القاضي: وأين منزلك؟ فقالت له: في الموضع الفلاني. وواعدته على اليوم الذي واعدت فيه الوالي. # ثم خرجت من عند القاضي إلى منزل الوزير، فرفعت إليه قصتها وشكت إليه ضرورة أخيها، وأنه سجنه الوالي، فراودها الوزير عن نفسها، وقال لها: نقضي حاجة منك ونطلق لك أخاك. فقالت له: إن أردت ذلك فيكون عندي في منزلي، فإنه أستر لي ولك؛ لأن المنزل ليس بعيدا، وأنت تعرف ما نحتاج إليه من النظافة والظرافة. فقال لها الوزير: وأين منزلك؟ فقالت له: في الموضع الفلاني. وواعدته على ذلك اليوم. # ثم خرجت من عنده إلى ملك تلك المدينة، ورفعت إليه قصتها وسألته إطلاق أخيها، فقال لها: من حبسه؟ قالت له: حبسه الوالي. فلما سمع الملك كلامها رشقته بسهام العشق في قلبه، فأمرها أن تدخل معه القصر حتى يرسل إلى الوالي ويخلص أخاها. فقالت له: أيها الملك، هذا أمر يسهل عليك، إما باختياري وإما قهرا عني، فإن كان الملك أراد ذلك مني فإنه من سعد حظي، ولكن إذا جاء إلى منزلي يشرفني بنقل خطواته الكرام، كما قال الشاعر: # خليلي هل أبصرتما أو # سمعتما %~% زيارة من جلت مكارمه # عندي # فقال لها الملك: لا نخالف لك أمرا. فواعدته باليوم الذي واعدت فيه غيره وعرفته منزلها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 594 # قالت: بلغني أيها ms1344 الملك السعيد، أن المرأة لما أجابت الملك عرفته منزلها وواعدته على ذلك اليوم الذي واعدت فيه الوالي والقاضي والوزير، ثم خرجت من عنده فجاءت إلى رجل نجار، وقالت له: أريد منك أن تصنع لي خزانة بأربع طبقات بعضها فوق بعض، كل طبقة بباب يقفل عليها، وأخبرني بقدر أجرتك فأعطيكه. فقال لها: أربعة دنانير، وإن أنعمت علي أيتها السيدة المصونة بالوصال فهو الذي أريد، ولا آخذ منك شيئا. فقالت له: إن كان لا بد من ذلك فاعمل لي خمس طبقات بأقفالها. فقال لها: حبا وكرامة. وواعدته أن يحضر لها الخزانة في ذلك اليوم بعينه، فقال لها النجار: يا سيدتي، اقعدي حتى تأخذي حاجتك في هذه الساعة، وأنا بعد ذلك أجيء على مهلي. فقعدت عنده حتى عمل لها الخزانة بخمس طبقات، وانصرفت إلى منزلها فوضعتها في المحل الذي فيه الجلوس. ثم إنها أخذت أربعة ثياب وحملتها إلى الصباغ، فصبغ كل ثوب لونا، وكل لون خلاف الآخر، وأقبلت على تجهيز المأكول والمشروب والمشموم والفواكه والطيب، فلما جاء يوم الميعاد لبست أفخر ملبوسها، وتزينت وتطيبت، ثم فرشت المجلس بأنواع البسط الفاخرة، وقعدت تنتظر من يأتي، وإذا بالقاضي دخل عليها قبل الجماعة، فلما رأته قامت واقفة على قدميها وقبلت الأرض بين يديه، وأخذته وأجلسته على ذلك الفرش، ونامت معه ولاعبته، فأراد منها قضاء الحاجة فقالت له: يا سيدي، اخلع ثيابك وعمامتك، والبس هذه الغلالة الصفراء، واجعل هذا القناع على رأسك حتى نحضر بالمأكول والمشروب، وبعد ذلك تقضي حاجتك. فأخذت ثيابه وعمامته ولبس الغلالة والقناع، وإذا بطارق يطرق الباب، فقال لها القاضي: من هذا الذي يطرق الباب؟ فقالت له: هذا زوجي. فقال لها: وكيف العمل؟ وأين أروح أنا؟ فقالت له: لا تخف فإني أدخلك هذه الخزانة. فقال لها: افعلي ما بدا لك. فأخذته من يده وأدخلته في الطبقة السفلى وقفلت عليه. # ثم إنها خرجت إلى الباب وفتحته، وإذا هو الوالي، فلما رأته قبلت الأرض بين يديه وأخذته بيدها وأجلسته على ذلك الفراش، وقالت له: يا سيدي، ms1345 إن الموضع موضعك والمحل محلك، وأنا جاريتك، ومن بعض خدامك، وأنت تقيم هذا النهار كله عندي، فاخلع ما عليك من الملبوس، والبس هذا الثوب الأحمر فإنه ثوب النوم. وقد جعلت على رأسه خلفا من خرقة كانت عندها، فلما أخذت ثيابه أتت إليه في الفراش ولاعبته ولاعبها، فلما مد يده إليها قالت له: يا مولانا، هذا النهار نهارك، وما أحد يشاركك فيه، لكن من فضلك وإحسانك تكتب لي ورقة بإطلاق أخي من السجن حتى يطمئن خاطري. فقال لها: السمع والطاعة على الرأس والعين. وكتب كتابا إلى خازنداره يقول له فيها: ساعة وصول هذه المكاتبة إليك تطلق فلانا من غير إمهال ولا إهمال، ولا تراجع حاملها بكلمة. ثم ختمها وأخذتها منه، ثم أقبلت تلاعبه على الفراش، وإذا بطارق يطرق الباب، فقال لها: من هذا؟ قالت: زوجي. قال: وكيف أعمل؟ فقالت له: ادخل هذه الخزانة حتى أصرفه وأعود إليك. فأخذته وأدخلته في الطبقة الثانية وقفلت عليه، كل هذا والقاضي يسمع كلامها. # ثم خرجت إلى الباب وفتحته، وإذا هو الوزير قد أقبل، فلما رأته قبلت الأرض بين يديه وتلقته وخدمته، وقالت له: يا سيدي، لقد شرفتنا بقدومك في منزلنا يا مولانا، فلا أعدمنا الله هذه الطلعة. ثم أجلسته على الفراش وقالت له: اخلع ثيابك وعمامتك والبس هذه التخفيفة. فخلع ما كان عليه وألبسته غلالة زرقاء، وطرطورا أحمر وقالت له: يا مولانا، أما هذه ثياب الوزارة فخلها لوقتها، وأما في هذه الساعة فهذه ثياب المنادمة والبسط والنوم. فلما لبسها الوزير لاعبته على الفراش ولاعبها، وهو يريد قضاء الحاجة وهي تمنعه، وتقول له: يا سيدي هذا ما يفوتنا. فبينما هم في الكلام وإذا بطارق يطرق الباب، فقال لها: من هذا؟ فقالت له: زوجي. فقال لها: كيف التدبير؟ فقالت له: قم وادخل هذه الخزانة حتى أصرف زوجي وأعود إليك ولا تخف. ثم إنها أدخلته الطبقة الثالثة، وقفلت عليه، وخرجت ففتحت الباب، وإذا هو الملك قد دخل، فلما رأته قبلت الأرض بين يديه، وأخذت بيده، وأدخلته في صدر ms1346 المكان، وأجلسته على الفراش، وقالت: شرفتنا أيها الملك، ولو قدمنا لك الدنيا وما فيها ما تساوي خطوة من خطواتك إلينا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 595 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما دخل دار المرأة قالت له: لو أهدينا لك الدنيا وما فيها ما تساوي خطوة من خطواتك إلينا. فلما جلس على الفراش قالت له: أعطني إذنا حتى أكلمك كلمة واحدة. فقال لها: تكلمي مهما شئت. فقالت له: استرح يا سيدي، واخلع ثيابك وعمامتك. وكانت ثيابه في ذلك الوقت تساوي ألف دينار، فلما خلعها ألبسته ثوبا خلقا قيمته عشرة دراهم بلا زيادة، وأقبلت تؤانسه وتلاعبه، هذا كله والجماعة الذين في الخزانة يسمعون ما يحصل منهما، ولا يقدر أحد أن يتكلم، فلما مد الملك يده إلى عنقها، وأراد أن يقضي حاجته منها قالت له: هذا الأمر لا يفوتنا، وقد كنت قبل الآن وعدت خدمتك بهذا المجلس فلك عندي ما يسرك. فبينما هما يتحدثان وإذا بطارق يطرق الباب، فقال لها: من هذا؟ قالت له: زوجي. فقال لها: اصرفيه عنا كرما منه وإلا أطلع إليه أصرفه قهرا. فقالت له: لا يكون ذلك يا مولانا، بل اصبر حتى أصرفه بحسن معرفتي. فقال لها: وكيف أفعل أنا؟ فأخذته من يده وأدخلته في الطبقة الرابعة وقفلت عليه. # ثم خرجت إلى الباب ففتحته، وإذا هو النجار، فلما دخل وسلم عليها قالت له: أي شيء هذه الخزائن التي عملتها؟ فقال لها: ما لها يا سيدتي؟ فقالت له: إن هذه الطبقة ضيقة. فقال لها: يا سيدتي، هذه واسعة. فقالت له: ادخل وانظرها فإنها لا تسعك. فقال لها: هذه تسع أربعة. ثم دخل النجار، فلما دخل قفلت عليه الطبقة الخامسة. # ثم إنها قامت وأخذت ورقة الوالي ومضت بها إلى الخازندار، فلما أخذها وقرأها قبلها وأطلق لها الرجل عشيقها من الحبس، فأخبرته بما فعلته، فقال لها: وكيف نفعل؟ قالت له: نخرج من هذه المدينة إلى مدينة أخرى، وليس لنا بعد هذا الفعل إقامة هنا. ms1347 ثم جهزا ما كان عندهما وحملاه على الجمال، وسافرا من ساعتهما إلى مدينة أخرى. # ![fig6](../Images/figure6.png) # أتت إليه في الفراش ولاعبته ولاعبها. # وأما القوم فإنهم أقاموا في طبقات الخزانة ثلاثة أيام بلا أكل، فانحصروا؛ لأن لهم ثلاثة أيام لم يبولوا، فبال النجار على رأس السلطان، وبال السلطان على رأس الوزير، وبال الوزير على رأس الوالي، وبال الوالي على رأس القاضي، فصاح القاضي وقال: أي شيء هذه النجاسة؟ أما يكفينا ما نحن فيه حتى تبولوا علينا؟ فرفع الوالي صوته وقال: عظم الله أجرك أيها القاضي. فلما سمعه عرفه أنه الوالي. ثم إن الوالي رفع صوته وقال: ما بال هذه النجاسة؟ فرفع الوزير صوته وقال: عظم الله أجرك أيها الوالي. فلما سمعه الوالي عرف أنه الوزير، ثم إن الوزير رفع صوته وقال: ما بال هذه النجاسة؟ فرفع الملك صوته وقال: عظم الله أجرك أيها الوزير. ثم إن الملك لما سمع كلام الوزير عرفه، ثم سكت وكتم أمره، ثم إن الوزير قال: لعن الله هذه المرأة بما فعلت معنا، أحضرت جميع أرباب الدولة عندها ما عدا الملك. فلما سمعهم الملك قال لهم: اسكتوا فأنا أول من وقع في شبكة هذه العاهرة الفاجرة. فلما سمع النجار قولهم قال لهم: وأنا أي شيء ذنبي؟ قد عملت لها خزانة بأربعة دنانير ذهبا، وجئت أطلب الأجرة فاحتالت علي وأدخلتني هذه الطبقة وقفلتها علي. # ثم إنهم صاروا يتحدثون مع بعضهم، وسلوا الملك بالحديث، وأزالوا ما عنده من الانقباض، فجاء جيران ذلك المنزل فرأوه خاليا، فقال بعضهم لبعض: بالأمس كانت جارتنا زوجة فلان فيه، والآن لم نسمع في هذا الموضع صوت أحد ولا نرى فيه أنيسا، فاكسروا هذه الأبواب وانظروا حقيقة الأمر لئلا يسمع الوالي أو الملك فيسجننا فنكون نادمين على أمر لم نفعله قبل ذلك. ثم إن الجيران كسروا الأبواب ودخلوا فرأوا خزانة من خشب، ووجدوا فيها رجالا تئن من الجوع والعطش، فقالوا لبعضهم: هل جني في هذه الخزانة؟ فقال واحد منهم: نجمع لها حطبا ونحرقها بالنار. فصاح عليهم القاضي ms1348 وقال: لا تفعلوا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 596 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجيران لما أرادوا أن يحملوا الحطب ويحرقوا الخزانة صاح عليهم القاضي وقال: لا تفعلوا ذلك. فقال الجيران لبعضهم: إن الجن يتصورون ويتكلمون بكلام الإنس. فلما سمعهم القاضي قرأ شيئا من القرآن العظيم، ثم قال للجيران: ادنوا من الخزانة التي نحن فيها. فلما دنوا منها قال لهم: أنا فلان وأنتم فلان وفلان، ونحن هنا جماعة. فقال الجيران للقاضي: ومن جاء بك هنا فأعلمنا الخبر؟ فأعلمهم بالخبر من أوله إلى آخره، فأحضروا لهم نجارا ففتح للقاضي خزانته، وكذلك الوالي والوزير والملك والنجار، وكل منهم بالملبوس الذي عليه، فلما طلعوا نظر بعضهم لبعض وصار كل منهم يضحك على الآخر، ثم إنهم خرجوا وطلبوا المرأة فلم يقفوا لها على خبر، وقد أخذت جميع ما كان عليهم، فأرسل كل منهم إلى جماعته يطلب ثيابا، فأحضروا لهم ملبوسا، ثم خرجوا مستورين به عند الناس. فانظر يا مولانا الملك هذه المكيدة التي فعلتها هذه المرأة مع هؤلاء القوم. ### || حكاية الدعوات الثلاث # وقد بلغني أيضا أنه كان رجل يتمنى في عمره أن يرى ليلة القدر، فنظر ليلة من الليالي إلى السماء، فرأى الملائكة وأبواب السماء قد فتحت، ورأى كل شيء ساجدا في محله، فلما رأى ذلك قال لزوجته: يا فلانة، إن الله قد أراني ليلة القدر، ونذرت إن رأيتها أن أدعو ثلاث دعوات مستجابات، فأنا أشاورك فماذا أقول؟ فقالت المرأة: قل اللهم كبر لي أيري. فقال ذلك فصار ذكره مثل ضرف القرع، حتى صار ذلك الرجل لا يستطيع القيام به، وكانت زوجته إذا أراد أن يجامعها تهرب منه من موضع إلى موضع، فقال لها الرجل: كيف العمل؟ فهذه أمنيتك لأجل شهوتك؟ فقالت له: أنا ما أشتهي أن يبقى بهذا الطول. فرفع الرجل رأسه إلى السماء وقال: اللهم أنقذني من هذا الأمر وخلصني منه، فصار الرجل ممسوحا ليس له ذكر، فلما رأته زوجته قالت له: ليس لي بك حاجة ms1349 حيث صرت بلا ذكر. فقال لها: هذا كله من شؤم رأيك وسوء تدبيرك، كان لي عند الله ثلاث دعوات أنال بها خيري الدنيا والآخرة، فذهبت دعوتان وبقيت دعوة واحدة. فقالت: ادع الله تعالى أن يردك على ما كنت عليه أولا. فدعا ربه فعاد كما كان. فهذا أيها الملك بسبب سوء تدبير المرأة، وإنما ذكرت لك ذلك لتتحقق غفلة النساء، وسخافة عقولهن، وسوء تدبيرهن، فلا تسمع قولها وتقتل ولدك مهجة قلبك، وتمحو ذكرك من بعدك. فانتهى الملك عن قتل ولده. فلما كان اليوم السابع، حضرت الجارية صارخة بين يدي الملك وأضرمت نارا عظيمة، فأتوا بها قدام الملك ماسكين بأطرافها، فقال لها الملك: لماذا فعلت ذلك؟ قالت له: إن لم تنصفني من ولدك ألقيت نفسي في هذه النار، فقد كرهت الحياة، وقبل حضوري كتبت وصيتي وتصدقت بمالي، وعزمت على الموت، فتندم كل الندم كما ندم الملك على عذاب حارسة الحمام. فقال لها الملك: وكيف كان ذلك؟ ### || حكاية العقد المسروق # فقالت له الجارية: بلغني أيها الملك أن امرأة كانت عابدة زاهدة ناسكة، وكانت تدخل قصر ملك من الملوك يتبركون بها، وكان لها عندهم حظ عظيم، فدخلت يوما من الأيام ذلك القصر على جري عادتها، وجلست بجانب زوجة الملك فناولتها عقدا قيمته ألف دينار، وقالت لها: يا جارية، خذي هذا العقد عندك، واحرسيه حتى أخرج من الحمام فآخذه منك. وكان الحمام في القصر، فأخذته الجارية وجلست في موضع في منزل الملكة حتى تدخل الحمام الذي عندها في المنزل وتخرج، ثم وضعت ذلك العقد تحت السجادة وقامت تصلي، فجاء طير وأخذ ذلك العقد وجعله في شق من زوايا القصر، وقد خرجت الحارسة لحاجة تقضيها وترجع ولم تعلم بذلك، فلما خرجت زوجة الملك من الحمام طلبت العقد من تلك الحارسة فلم تجده، وجعلت تفتش عليه فلم تجد له خبرا ولم تقع له على أثر، فصارت الحارسة تقول: والله يا بنتي ما جاءني أحد، وحين أخذته وضعته تحت السجادة، ولم أعلم هل أحد من الخدم عاينه واستغفلني ms1350 وأنا في الصلاة وأخذه؟ والعلم في ذلك لله تعالى. فلما سمع الملك بذلك أمر زوجته أن تعذب الحارسة بالنار والضرب الشديد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 597 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما أمر زوجته أن تعذب الحارسة بالنار والضرب الشديد، عذبتها بأنواع العذاب، فلم تقر بشيء، ولم تتهم أحدا، فبعد ذلك أمر بسجنها وأن يجعلوها في القيود فحبست، ثم إن الملك جلس يوما من الأيام في وسط القصر والماء محدق به وزوجته بجانبه، فوقعت عينه على طير وهو يسحب ذلك العقد من شق من زوايا القصر، فصاح على جارية عنده فأدركت ذلك الطير وأخذت العقد منه، فعلم الملك أن الحارسة مظلومة، فندم على ما فعل معها، وأمر بإحضارها، فلما حضرت أخذ يقبل رأسها، ثم صار يبكي ويستغفر ويتندم على ما فعل معها، ثم أمر لها بمال جزيل، فأبت أن تأخذه، ثم سامحته وانصرفت من عنده، وأقسمت على نفسها أنها لن تدخل منزل أحد، وساحت في الجبال والأودية، وصارت تعبد الله تعالى إلى أن ماتت. ### || حكاية الحمامتين # وبلغني أيضا أيها الملك من كيد الرجال أن حمامتين ذكرا وأنثى جمعا قمحا وشعيرا في عشهما أيام الشتاء، فلما كان في زمن الصيف ضمر الحب ونقص، فقال الذكر للأنثى: أنت أكلت ذلك الحب. فصارت تقول: لا والله ما أكلت منه شيئا. فلم يصدقها على ذلك وضربها بأجنحته ونقرها بمنقاره إلى أن قتلها. فلما كان زمن البرد عاد الحب كما كان على حاله، فعلم الذكر أنه قتل زوجته ظلما وعدوانا، وندم حيث لا ينفعه الندم، فنام في جانبها ينوح عليها ويبكي تأسفا، وامتنع من الأكل والشرب وضعف ولم يزل ضعيفا إلى أن مات. ### || حكاية الأمير بهرام وجارية الملك الدتما # وبلغني أيضا من كيد الرجال والنساء حكاية أعجب من هؤلاء كلهم. فقال لها الملك: هات ما معك. فقالت: اعلم أيها الملك أن جارية من جواري الملك ليس لها نظير في زمانها في الحسن والجمال، والقد والاعتدال، والبهاء والدلال، ms1351 والأخذ بعقول الرجال، وكانت تقول: ليس لي نظير في زماني. وكان جميع أولاد الملوك يخطبونها فلم ترض أن تأخذ واحدا منهم، وكان اسمها الدتما. وكانت تقول: لا يتزوجني إلا من يقهرني في حومة الميدان والضرب والطعان، فإن غلبني أحد تزوجته بطيب قلبي، وإن غلبته أخذت فرسه وسلاحه وثيابه، وكتبت على جبهته: هذا عتيق فلانة. وكان أبناء الملوك يأتون إليها من كل مكان بعيد وقريب، وهي تغلبهم وتعيبهم، وتأخذ أسلحتهم وتسمهم بالنار؛ فسمع بها ابن ملك من ملوك العجم يقال له بهرام، فقصدها من مسافة بعيدة، واستصحب معه مالا وخيلا ورجالا، وذخائر من ذخائر الملوك حتى وصل إليها، فلما حضر عندها أرسل إلى والدها هدية سنية، فأقبل عليه الملك وأكرمه غاية الإكرام. ثم إنه أرسل إليه مع وزرائه أنه يريد أن يخطب بنته، فأرسل إليه والدها وقال له: يا ولدي، أما ابنتي الدتما فليس لي عليها حكم؛ لأنها أقسمت على نفسها أنها لا تتزوج إلا من يقهرها في حومة الميدان. فقال له ابن الملك: وأنا ما سافرت من مدينتي إلا على هذا الشرط. فقال له الملك: في غد تلتقي معها. # فلما جاء الغد أرسل والدها إليها واستأذنها، فلما سمعت تأهبت للحرب ولبست آلة حربها، وخرجت إلى الميدان فخرج ابن الملك إلى لقائها وعزم على حربها، فتسامعت الناس بذلك، فأتت من كل مكان، فحضروا في ذلك اليوم، وخرجت الدتما وقد لبست وتمنطقت وتنقبت، فبرز لها ابن الملك وهو في أحسن حالة وأتقن آلة من آلات الحرب، وأكمل عدة، فحمل كل واحد منهما على الآخر، ثم تجاولا طويلا واعتركا مليا، فنظرت منه من الشجاعة والفروسية ما لم تنظره من غيره، فخافت على نفسها أن يخجلها بين الحاضرين، وعلمت أنه لا محالة غالبها، فأرادت مكيدته وعملت له الحيلة، فكشفت عن وجهها، وإذا هو ضوء من البدر؛ فلما نظر إليها ابن الملك اندهش فيه وضعفت قوته وبطلت عزيمته، فلما نظرت ذلك منه حملت عليه واقتلعته من سرجه، وصار في يدها مثل العصفور في مخلب العقاب، ms1352 وهو ذاهل في صورتها لا يدري ما يفعل به، فأخذت جواده وسلاحه وثيابه، ووسمته بالنار، وأطلقت سبيله. فلما أفاق من غشيته مكث أياما لا يأكل ولا يشرب ولا ينام من القهر، وتمكن حب الجارية في قلبه، فصرف عبيده إلى والده، وكتب له كتابا أنه لا يقدر أن يرجع إلى بلده حتى يظفر بحاجته أو يموت دونها. فلما وصلت المكاتبة إلى والده حزن عليه، وأراد أن يبعث إليه بالجيوش والعساكر، فمنعه الوزراء من ذلك وصبروه. # ثم إن ابن الملك استعمل في حصول غرضه الحيلة، فجعل نفسه شيخا هرما، وقصد بستان بنت الملك؛ لأنها كانت أكثر أيامها تدخل فيه، فاجتمع ابن الملك بالخولي وقال له: إنني رجل غريب من بلاد بعيدة، وكنت مدة شبابي خولي وإلى الآن أحسن الفلاحة وحفظ النبات والمشموم ولا يحسنه أحد غيري. فلما سمعه الخولي فرح به غاية الفرح، فأدخله البستان ووصى عليه جماعة، فأخذ في الخدمة وتربية الأشجار، والنظر في مصالح أثمارها، فبينما هو كذلك يوما من الأيام وإذا بالعبيد قد دخلوا البستان ومعهم البغال عليها الفرش والأواني، فسأل عن ذلك فقالوا له: إن بنت الملك تريد أن تتفرج على ذلك البستان. فمضى وأخذ الحلي والحلل التي كانت معه من بلاده وجاء بها إلى البستان، وقعد فيه، ووضع قدامه شيئا من تلك الذخائر، وصار يرتعش ويظهر أن ذلك من الهرم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 598 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن ملك العجم لما جعل نفسه شيخا كبيرا وقعد في البستان، حط بين يديه الحلي والحلل، وأظهر أنه يرتعش من الكبر والهرم والضعف، فلما كان بعد ساعة حضر الجواري والخدم ومعهن ابنة الملك في وسطهن كأنها القمر بين النجوم، فأقبلن وجعلن يدرن في البستان، ويقطفن الأثمار ويتفرجن، فرأين رجلا قاعدا تحت شجرة من الأشجار، فقصدنه وهو ابن الملك، ونظرنه وإذا به شيخ كبير يرتعش بيديه ورجليه، وبين يديه حلي وذخائر من ذخائر الملوك، فلما نظرنه تعجبن من أمره، فسألنه عن ms1353 هذا الحلي ما يصنع به، فقال لهن: هذا الحلي أريد أن أتزوج به واحدة منكن. فتضاحكن عليه وقلن له: إذا تزوجت فما تصنع بها؟ فقال: كنت أقبلها قبلة واحدة وأطلقها. فقالت له ابنة الملك: قد زوجتك بهذه الجارية. فقام إليها وهو يتوكأ على عصا ويرتعش ويتعثر، فقبلها ودفع لها ذلك الحلي والحلل، ففرحت الجارية وتضاحكن عليه، ثم ذهبن إلى منازلهن. # ![fig7](../Images/figure7.png) # رأين رجلا قاعدا تحت شجرة، وإذا به شيخ كبير يرتعش. # فلما كان في اليوم الثاني دخلن البستان وجئن نحوه، فوجدنه جالسا في موضعه وبين يديه حلي وحلل أكثر من الأول، فقعدن عنده وقلن له: أيها الشيخ ما تصنع بهذا الحلي؟ فقال: أتزوج به واحدة منكن مثل البارحة. فقالت له ابنة الملك: قد زوجتك هذه الجارية. فقام إليها وقبلها وأعطاها ذلك الحلي والحلل وذهبن إلى منزلهن، فلما رأت ابنة الملك الذي أعطاه للجواري من الحلي والحلل، قالت في نفسها: أنا كنت أحق بذلك، وما علي بذلك من بأس. فلما أصبح الصباح خرجت من منزلها وحدها وهي في صورة جارية من الجواري، وأخفت نفسها إلى أن أتت عند الشيخ، فلما حضرت بين يديه قالت له: يا شيخ، أنا ابنة الملك هل تريد أن تتزوج بي؟ فقال لها: حبا وكرامة. وأخرج لها من الحلي والحلل ما هو أعلى قدرا وأغلى ثمنا، ثم دفعه إليها وقام ليقبلها وهي آمنة مطمئنة، فلما وصل إليها قبض عليها بشدة وضرب بها الأرض وأزال بكارتها، وقال لها: أما تعرفينني؟ فقالت له: من أنت؟ فقال لها: أنا بهرام ابن ملك العجم، قد غيرت صورتي وتغربت عن أهلي ومملكتي من أجلك. فقامت من تحته وهي ساكتة لا ترد عليه جوابا، ولا تبدي له خطابا مما أصابها، وقالت في نفسها: إن قتلته فما يفيد قتله. ثم تفكرت في نفسها وقالت: ما يسعني في ذلك إلا أن أهرب معه إلى بلاده. فجمعت مالها وذخائرها وأرسلت إليه وأعلمته بذلك لأجل أن يتجهز أيضا ويجمع ماله، وتعاهدا على ليلة يسافران فيها، ثم ركبا الخيل ms1354 الجياد وسارا تحت الليل، فما أصبح الصباح حتى قطعا بلادا بعيدة، ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى بلاد العجم، قرب مدينة أبيه، فلما سمع والده تلقاه بالعساكر والجنود، وفرح غاية الفرح، ثم بعد أيام قلائل أرسل إلى والد الدتما هدية سنية، وكتب له كتابا يخبره فيه أن ابنته عنده ويطلب جهازها، فلما وصلت الهدايا إليه تلقاها وأكرم من حضر بها غاية الإكرام، وفرح بذلك فرحا شديدا، ثم أولم الولائم، وأحضر القاضي والشهود، وكتب كتابها على ابن الملك، وخلع على الرسل الذين حضروا بالكتاب من عند ابن ملك العجم، وأرسل إلى ابنته جهازها، ثم أقام معها ابن ملك العجم حتى فرق الموت بينهما. فانظر أيها الملك كيد الرجال والنساء، وأنا لن أرجع عن حقي إلى أن أموت. فأمر الملك بقتل ولده، فدخل عليه الوزير السابع، فلما حضر بين يديه قبل الأرض وقال: أيها الملك، أملهني حتى أقول لك هذه النصيحة، فإن من صبر وتأنى أدرك الأمل ونال ما تمنى، ومن استعجل يحصل له الندم، وقد رأيت ما تعهرته هذه الجارية من حمل الملك على ركوب الأهوال، والمملوك المغمور من فضلك وإنعامك ناصح لك، وأنا أيها الملك أعرف من كيد النساء ما لا يعرفه أحد غيري، وقد بلغني من ذلك حديث العجوز وولد التاجر. فقال له الملك: وكيف كان ذلك يا وزير؟ ### || حكاية ابن التاجر والدار الحسن المليح # فقال له الوزير: بلغني أيها الملك أن تاجرا كان كثير المال، وكان له ولد يعز عليه، فقال الولد لوالده يوما من الأيام: يا والدي، أتمنى عليك أمنية تفرج عني بها. فقال له أبوه: وما هي يا ولدي حتى أعطيكها؟ ولو كانت نور عيني لأبلغك به مقصودك. فقال له الولد: أتمنى عليك أن تعطيني شيئا من المال أسافر به مع التجار إلى بلاد بغداد لأتفرج عليها، وأنظر قصور الخلفاء؛ لأن أولاد التجار وصفوا لي ذلك، وقد اشتقت أن أنظر إليها. فقال له والده: يا بني، من له صبر على غيبتك؟ فقال له الولد: أنا قلت ms1355 لك هذه الكلمة، ولا بد من السير إليها برضاء أو بغير رضاء، فقد وقع في نفسي وجد لا يزول إلا بالوصول إليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 599 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك قال لأبيه: لا بد من السفر والوصول إلى بغداد. فلما تحقق منه ذلك جهز له متجرا بثلاثين ألف دينار، وسفره مع التجار الذين يثق بهم، ووصى عليه التجار. ثم إن والده ودعه ورجع إلى منزله، وما زال الولد مسافرا مع رفقائه التجار إلى أن وصلوا إلى مدينة بغداد دار السلام، فلما بلغوها دخل الولد سوقها واكترى له دارا حسنة مليحة أذهلت عقله، وأدهشت ناظره، فيها الطيور تغرد، والمجالس يقابل بعضها بعضا، وأرضها مرخمة بالرخام الملون، وسقوفها مذهبة باللازورد المعدني، فسأل البواب عن مقدار أجرتها كم في الشهر؟ فقال له: عشرة دنانير. فقال له الولد: هل أنت تقول حقا أو تهزأ بي؟ فقال له البواب: والله لا أقول إلا حقا، فإن كل من سكن هذه الدار لا يسكنها إلا جمعة أو جمعتين. فقال له الولد: وما السبب في ذلك؟ فقال له: يا ولدي، كل من سكنها لا يخرج منها إلى مريضا أو ميتا، وقد اشتهرت هذه الدار بهذه الأشياء عند جميع الناس، فلم يقدم أحد على سكناها، وقد قلت أجرتها لهذا القدر. # فلما سمع الولد ذلك تعجب منه غاية العجب وقال: لا بد أن يكون لهذه الدار سبب من الأسباب حتى يحصل فيها ذلك المرض أو الموت. ثم تفكر الولد في نفسه واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وأزال ذلك الوهم من خاطره، وسكنها وباع واشترى، ومضى عليه مدة أيام وهو مقيم في الدار ولم يصبه شيء مما قاله ذلك البواب. فبينما هو جالس يوما من الأيام على باب الدار، إذ مرت عليه عجوز شمطاء كأنها الحية الرقطاء، وهي تكثر من التسبيح والتقديس، وتزيل الحجارة والأذى من الطريق، فرأت الولد جالسا على الباب، فنظرت إليه وتعجبت من أمره، فقال لها الولد: ms1356 يا امرأة، هل تعرفينني أو تشبهين علي؟ فلما سمعت كلامه هرولت إليه وسلمت عليه، وقالت له: كم لك ساكنا في هذه الدار؟ فقال لها: يا أمي مدة شهرين. فقالت: من هذا تعجبت، وأنا يا ولدي لا أعرفك ولا تعرفني ولا شبهت عليك، بل إني تعجبت من أنه لا أحد غيرك يسكنها إلا ويخرج منها ميتا أو مريضا، وما أشك في أنك يا ولدي مخاطر بشبابك، هل لا طلعت القصر ولا نظرت من المنظرة التي فيه؟ ثم إن العجوز مضت إلى حال سبيلها، فلما فارقته العجوز صار الولد متفكرا في كلامها، وقال في نفسه: أنا ما طلعت أعلى القصر ولا أعلم أن به منظرة. ثم دخل من وقته وساعته وجعل يطوف في أركان البيت حتى رأى في ركن منها بابا لطيفا معششا عليه العنكبوت بين الأشجار، فلما رآه الولد قال في نفسه: لعل العنكبوت ما عشش على هذا الباب إلا لأن المنية داخله. فتمسك بقول الله تعالى: @QUR@08 قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، ثم فتح ذلك الباب وطلع في سلم لطيف حتى وصل إلى أعلاه، فرأى منظرة، فجلس فيها يستريح ويتفرج، فنظر إلى موضع لطيف نظيف بأعلاه مقعد منيف يشرف على جميع بغداد، وفي ذلك المقعد جارية كأنها حورية، فأخذت بمجامع قلبه، وذهبت بعقله ولبه، وأورثته صبر أيوب وحزن يعقوب، فلما نظرها الولد وتأملها بالتحقيق قال في نفسه: لعل الناس يذكرون أنه لا يسكن هذه الدار واحد إلا مات أو مرض بسبب هذه الجارية، فيا ليت شعري كيف يكون خلاصي؟ فقد ذهب عقلي. # ثم نزل من أعلى القصر متفكرا في أمره، فجلس في الدار فلم يستقر له قرار حتى خرج وجلس على الباب متحيرا في أمره، وإذا بالعجوز ماشية وهي تذكر وتسبح في الطريق، فلما رآها الولد قام واقفا على قدميه، وبدأها بالسلام والتحية، وقال لها: يا أمي، كنت بخير وعافية حتى أشرت علي بفتح الباب، فرأيت المنظرة وفتحتها ونظرت من أعلاها فرأيت ما أدهشني، والآن أظن أني هالك، ms1357 وأنا أعلم أنه ليس لي طبيب غيرك. فلما سمعته ضحكت وقالت له: لا بأس عليك إن شاء الله تعالى. فلما كلمته بذلك الكلام قام الولد ودخل الدار وخرج لها وفي كمه مائة دينار، وقال لها: خذيها يا أمي وعامليني معاملة السادات للعبيد، وبالعجل أدركيني، وإذا مت فأنت المطالبة بدمي يوم القيامة. فقالت له العجوز: حبا وكرامة، وإنما أريد منك يا ولدي أن تساعدني بمعونة لطيفة فيها تبلغ مرادك. فقال لها: وما تريدين يا أمي؟ فقالت: أريد منك أن تعينني وتروح إلى سوق الحرير، وتسأل عن دكان أبي الفتح بن قيدام، فإذا دلوك عليه فاقعد على دكانه وسلم عليه، وقل له: أعطني القناع الذي عندك مرسوما بالذهب. فإنه ما عنده في دكانه أحسن منه، فاشتره منه يا ولدي بأغلى ثمن، واجعله عندك حتى أحضر إليك في غد إن شاء الله تعالى. # ثم إن العجوز انصرفت وبات الولد تلك الليلة يتقلب على جمر الغضا، فلما أصبح الصباح أخذ الولد في جيبه ألف دينار وذهب بها إلى سوق الحرير وسأل عن دكان أبي الفتح، فأخبره به رجل من التجار، فلما وصل إليه رأى بين يديه غلمانا وخدما وحشما، ورأى عليه وقارا وهو في سعة مال، ومن تمام نعمته تلك الجارية التي ما مثلها عند أبناء الملوك. ثم إن الولد لما نظره سلم عليه، فرد عليه السلام، ثم أمره بالجلوس فجلس عنده، فقال له الولد: يا أيها التاجر، أريد منك القناع الفلاني لأنظره. فأمر التاجر العبد أن يأتيه بربطة من الحرير من صدر الدكان، فأتاه بها ففتحها، وأخرج منها عدة قناعات، فتحير الولد من حسنها وأرى ذلك القناع بعينه، فاشتراه من التاجر بخمسين دينارا، وانصرف به مسرورا إلى داره. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 600 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الولد لما اشترى القناع من التاجر أخذه وانصرف به إلى داره، وإذا هو بالعجوز قد أقبلت، فلما رآها قام لها على قدميه وأعطاها ذلك القناع، ثم قالت له: ms1358 أحضر لي جمرة نار. فأحضر الولد النار، فقربت طرف القناع من الجمرة فأحرقت طرفه، ثم طوته كما كان وأخذته وانصرفت به إلى بيت أبي الفتح، فلما وصلت طرقت الباب، فلما سمعت الجارية صوتها قامت وفتحت لها الباب، وكان للعجوز صحبة بأم الجارية وهي تعرفها؛ وذلك بسبب أنها رفيقة أمها، فقالت لها الجارية: وما حاجتك يا أمي؟ إن والدتي خرجت من عندي إلى منزلها. فقالت لها العجوز: يا بنتي أنا عارفة أن أمك ليست عندك، وأنا كنت عندها في الدار، وما جئت إليك إلا خوف فوات وقت الصلاة، فأريد الوضوء عندك، فإني أعلم منك أنك نظيفة ومنزلك طاهر. فأذنت لها الجارية بالدخول عندها، فلما دخلت سلمت عليها ودعت لها، ثم أخذت الإبريق ودخلت بيت الخلاء، ثم توضأت وصلت في موضع، وقامت بعد ذلك للجارية وقالت لها: يا بنتي، أظن أن هذا الموضع الذي صليت فيه مشى فيه الخدم وأنه نجس، فانظري لي موضعا آخر لأصلي فيه، فإني أبطلت الصلاة التي صليتها. فأخذتها الجارية من يدها وقالت لها: يا أمي تعالي صلي على فرشي الذي يجلس عليه زوجي. فلما أوقفتها على الفراش قامت تصلي وتدعو وتركع، ثم غافلت الجارية وجعلت ذلك القناع تحت المخدة من غير أن تنظرها، ولما فرغت من الصلاة دعت لها وقامت فخرجت من عندها. # فلما كان آخر النهار، دخل التاجر زوجها فجلس على الفراش، فأتته بطعام فأكل منه كفايته وغسل يديه، ثم اتكأ على الوسادة وإذا بطرف القناع خارج من تحت المخدة، فأخرجه من تحتها، فلما نظره عرفه، فظن بالجارية الفحشاء، فناداها وقال لها: من أين لك هذا القناع؟ فحلفت له أيمانا وقالت له: إنه لم يأتني أحد غيرك. فسكت التاجر خوفا من الفضيحة، وقال في نفسه: متى فتحت هذا الباب افتضحت في بغداد؛ لأن ذلك التاجر كان جليس الخليفة. فلم يسعه إلا السكوت، ولم يخاطب زوجته بكلمة واحدة، وكان اسم الجارية محظية، فناداها وقال لها: قد بلغني أن أمك راقدة ضعيفة من وجع قلبها، وجميع النساء عندها ms1359 يتباكين عليها، وقد أمرتك أن تخرجي إليها. فمضت الجارية إلى أمها، فلما دخلت الدار وجدت أمها طيبة، فجلست ساعة وإذا بالحمالين قد أقبلوا عليها بنقل حوائجها من دار التاجر، فنقلوا جميع ما في الدار من الأمتعة، فلما رأت ذلك أمها قالت: يا بنتي، أي شيء جرى لك؟ فأنكرت منها ذلك، ثم بكت أمها وحزنت على فراق بنتها من ذلك الرجل. # ثم إن العجوز بعد مدة من الأيام جاءت إلى الجارية وهي في المنزل، فسلمت عليها باشتياق وقالت لها: ما لك يا بنتي يا حبيبتي قد شوشت فكري؟ ودخلت على أم الجارية فقالت لها: يا أختي، ما الخبر؟ وما حكاية البنت مع زوجها؟ فإنه قد بلغني أنه طلقها، فأي شيء لها من الذنب يوجب هذا كله؟ فقالت لها أم الجارية: لعل زوجها يرجع إليها ببركتك، فادعي لها يا أختي، فإنك صوامة قوامة طول ليلك. ثم إن البنت لما اجتمعت هي وأمها والعجوز في البيت وتحدثن مع بعضهن، قالت لها العجوز: يا ابنتي، لا تحملي هما، إن شاء الله تعالى أجمع بينك وبين زوجك في هذه الأيام. ثم خرجت إلى الولد وقالت له: هيئ لنا مجلسا مليحا، فإني آتيك بها في هذه الليلة. فنهض الولد وأحضر ما يحتجن إليه من الأكل والشرب، وقعد في انتظارهما، فجاءت العجوز إلى أم الجارية وقالت لها: يا أختي، عندنا فرح فأرسلي البنت معي لتتفرج ويزول ما بها من الهم والغم، ثم أرجع بها إليك مثل ما أخذتها من عندك. فقامت أم الجارية وألبستها أفخر ملبوسها وزينتها بأحسن الزينة من الحلي والحلل، وخرجت مع العجوز وذهبت أمها معها إلى الباب، وصارت توصي العجوز وتقول لها: احذري أن ينظرها أحد من خلق الله تعالى، فإنك تعلمين منزلة زوجها عند الخليفة، ولا تتعوقي وارجعي بها في أسرع وقت. فأخذتها العجوز إلى أن وصلت بها إلى منزل الولد، والجارية تظن أنه منزل العرس، فلما دخلت الدار ووصلت إلى قاعة الجلوس ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة ms1360 601 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما دخلت الدار ووصلت إلى قاعة الجلوس، وثب الولد إليها وعانقها وقبل يديها ورجليها، فاندهشت الجارية من حسن الولد، وتخيلت أن ذلك المكان، وجميع ما فيه من مشموم ومأكول ومشروب منام، فلما نظرت العجوز اندهاشها قالت لها: اسم الله عليك يا بنتي، فلا تخافي، وأنا قاعدة ولا أفارقك ساعة واحدة، وأنت تصلحين له وهو يصلح لك. فقعدت الجارية وهي في شدة الخجل، فلم يزل الولد يلاعبها ويضاحكها ويؤانسها بالأشعار والحكايات حتى انشرح صدرها وانبسطت، فأكلت وشربت، ولما طاب لها الشراب أخذت العود وغنت، ولحسن الولد مالت وحنت، فلما رأى الولد منها ذلك سكر من غير مدام، وهانت عليه روحه، وخرجت العجوز من عندهما، ثم أتتهما في الصباح وصبحت عليهما، ثم قالت للجارية: كيف كانت ليلتك يا سيدتي؟ فقالت لها: كانت طيبة بطول أياديك وحسن تعرضك. ثم قالت لها: قومي نروح إلى أمك. فلما سمع الولد كلام العجوز أخرج لها مائة دينار وقال لها: خليها عندي هذه الليلة. فخرجت العجوز من عندهما، ثم ذهبت إلى والدة الجارية وقالت لها: بنتك تسلم عليك، وأم العروسة قد حلفت عليها أنها تبيت عندها هذه الليلة. فقالت لها أمها: يا أختي، سلمي عليهما، وإذا كانت الجارية منشرحة لذلك فلا بأس ببياتها حتى تنبسط وتجيء على مهلها، فإني ما أخاف عليها إلا من القهر من جهة زوجها. # وما زالت العجوز تعمل لأم الجارية حيلة بعد حيلة إلى أن مكثت سبعة أيام، وكل يوم تأخذ من الولد مائة دينار، فلما مضت هذه الأيام قالت أم الجارية للعجوز: هات لي بنتي في هذه الساعة، فإن قلبي مشغول عليها، وقد طالت مدة غيبتها وتوهمت من ذلك. فخرجت العجوز من عندها غضبانة من كلامها، ثم جاءت إلى الجارية ووضعت يدها في يدها، ثم خرجتا من عند الولد وهو نائم على فراشه من سكر المدام إلى أن وصلتا إلى أم الجارية، فالتفتت أمها إليها ببسط وانشراح، وفرحت بها غاية الفرح، وقالت لها: يا ms1361 بنتي، إن قلبي مشغول بك، ووقعت في حق أختي بكلام أوجعتها به. فقالت لها: قومي وقبلي يديها ورجليها، فإنها كانت لي كالخادم في قضاء حاجتي، وإن لم تفعلي ما أمرتك به فما أنا بنتك ولا أنت أمي. فقامت من وقتها وصالحتها. ثم إن الولد قام من سكره فلم يجد الجارية؛ لكنه استبشر بما ناله لما بلغ مقصوده. # ثم إن العجوز ذهبت إلى الولد وسلمت عليه، وقالت له: ماذا رأيت من فعالي؟ فقال لها: نعم ما فعلته من الرأي والتدبير. ثم قالت له: تعال لنصلح ما أفسدنا، ونرد هذه الجارية إلى زوجها، فإننا كنا سبب الفراق بينهما. فقال لها: وكيف أفعل؟ قالت: تذهب إلى دكان التاجر وتقعد عنده وتسلم عليه، وأنا أفوت على الدكان، فلما تنظرني قم إلي من الدكان بسرعة واقبض علي واجذبني من ثيابي واشتمني، وخوفني وطالبني بالقناع، وقل للتاجر: أنت يا مولاي ما تعرف القناع الذي اشتريته منك بخمسين دينارا؟ فقد حصل يا سيدي أن جاريتي لبسته فاحترق منها موضع من طرفه، فأعطته جاريتي لهذه العجوز تعطيه لأحد يرفوه لها، فأخذته ومضت ولم أرها من ذلك اليوم. فقال لها الولد: حبا وكرامة. ثم إن الولد تمشى من وقته وساعته إلى دكان التاجر وجلس عنده ساعة، وإذا بالعجوز جائزة على الدكان، وبيدها سبحة تسبح بها، فلما رآها قام على رجليه من الدكان وجذبها من ثيابها وصار يشتمها ويسبها، وهي تكلمه بلطافة وتقول له: يا ولدي، أنت معذور. فاجتمع أهل السوق عليها وقالوا: ما الخبر؟ فقال: يا قوم، إنني اشتريت من هذا التاجر قناعا بخمسين دينارا، ولبسته الجارية ساعة واحدة، فقعدت تبخره فطارت شرارة فأحرقت طرفه، فدفعناه إلى هذه العجوز على أنها تعطيه لمن يرفوه وترده لنا، فمن ذلك الوقت ما رأيناها أبدا. فقالت العجوز: صدق هذا الولد، نعم إني أخذته ودخلت به بيتا من البيوت التي أدخلها على عادتي، فنسيته في موضع من تلك الأماكن، ولم أدر في أي موضع هو، وأنا امرأة فقيرة وخفت من صاحبه، فلم أواجهه. ms1362 كل هذا والتاجر زوج المرأة يسمع كلامها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 602 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الولد لما قبض على العجوز وكلمها من قبل القناع كما علمته، كان التاجر زوج المرأة يسمع الكلام من أوله إلى آخره، فلما اطلع التاجر على الخبر الذي دبرته هذه العجوز الماكرة مع الولد، قام التاجر على قدميه، ثم قال: الله أكبر، إني أستغفر الله العظيم من ذنوبي، وما توهمه خاطري. وحمد الله الذي كشف له عن الحقيقة، ثم أقبل التاجر وقال لها: هل تدخلين عندنا؟ فقالت له: يا ولدي، أنا أدخل عندك وعند غيرك لأجل الحسنة، ومن ذلك اليوم لم يعطني أحد خبر ذلك القناع. فقال لها التاجر: هل سألت أحدا عنه في بيتنا؟ فقالت له: يا سيدي، إنني رحت البيت وسألت فقالوا لي إن أهل البيت قد طلقها التاجر، فرجعت ولم أسأل أحدا بعد ذلك إلى هذا اليوم. فالتفت التاجر إلى الولد وقال له: أطلق سبيل هذه العجوز، فإن القناع عندي. وأخرجه من الدكان، وأعطاه للرفاه قدام الحاضرين، ثم بعد ذلك ذهب إلى زوجته، وأعطاها شيئا من المال، وراجعها إلى نفسه بعد أن بالغ في الاعتذار إليها، واستغفر الله وهو لا يدري بما فعلت العجوز. فهذا من جملة كيد النساء أيها الملك. ### || حكاية ابن الملك والجارية والعفريت # ثم قال الوزير: وقد بلغني أيضا أيها الملك أن بعض أولاد الملوك خرج منفردا بنفسه ليتفرج، فمر بروضة خضراء ذات أشجار وأثمار وأطيار وأنهار تجري خلال تلك الروضة، فاستحسن الولد ذلك الموضع وجلس فيه، وأخرج شيئا من النقل الذي كان معه، وجعل يأكل فيه، فبينما هو كذلك إذ رأى دخانا عظيما طالعا إلى السماء من ذلك المكان، فخاف ابن الملك وقام فصعد على شجرة من الأشجار واختفى فيها، فلما طلع فوقها رأى عفريتا طلع من وسط ذلك النهر، وعلى رأسه صندوق من الرخام، وعليه قفل، فوضعه في تلك الروضة، وفتح ذلك الصندوق فخرجت منه جارية كأنها الشمس الضاحية ms1363 في السماء الصاحية، وهي من الإنس، فأجلسها بين يديه يتفرج عليها، ثم حط رأسه على حجرها فنام، فأخذت رأسه وحطتها على الصندوق وقامت تتمشى، فلاح منها نظرة إلى تلك الشجرة، فرأت ابن الملك، فأومت إليه بالنزول، فامتنع من النزول، فأقسمت عليه وقالت له: إن لم تنزل وتفعل بي الذي أقوله لك نبهت العفريت من النوم وأعلمته، فيهلكك من ساعتك. فخاف الولد منها فنزل، فلما نزل قبلت يديه ورجليه، وراودته على قضاء حاجتها، فأجابها إلى سؤالها، فلما فرغ من قضاء حاجتها، قالت له: أعطني هذا الخاتم الذي بيدك. فأعطاها الخاتم فصرته في منديل حرير كان معها، وفيه عدة من الخواتم تفوق عن ثمانين، وجعلت ذلك الخاتم من جملتها، فقال لها ابن الملك: وما تصنعين بهذه الخواتم التي معك؟ فقالت له: إن هذا العفريت اختطفني من قصر أبي، وجعلني في هذا الصندوق، وقفل علي بقفل معه، ووضعني فيه على رأسه حيثما توجه، ولا يكاد يصبر عني ساعة واحدة من شدة غيرته علي، ويمنعني مما أشتهيه، فلما رأيت ذلك منه حلفت أني لا أمنع أحدا من وصالي، وهذه الخواتم التي معي على قدر عدد الرجال الذين واصلوني؛ لأن كل من واصلني آخذ خاتمه فأجعله في هذا المنديل. ثم قالت له: توجه إلى حال سبيلك لأنتظر أحدا غيرك، فإنه لا يقم في هذه الساعة. فما صدق الولد ابن الملك بذلك إلا وانصرف إلى حال سبيله حتى وصل إلى منزل أبيه، والملك لم يعلم بكيد الجارية لابنه، ولم تخف من ذلك، ولم تحسب له حسابا. # فلما سمع الملك أن خاتم ولده ضاع، أمر أن يقتل ذلك الولد، ثم قام من موضعه فدخل قصره، وإذا بالوزراء رجعوه عن قتل ولده، فلما كان ذات ليلة أرسل الملك إلى الوزراء يدعوهم فحضروا جميعا، فقام إليهم الملك وتلقاهم وشكرهم على ما كان منهم من مراجعته عن قتل ولده، وكذلك شكرهم الولد، وقال لهم: نعم ما دبرتم إلى والدي في بقاء نفسي، وسوف أجازيكم بخير إن شاء الله تعالى. ثم ms1364 إن الولد بعد ذلك أخبرهم بسبب ضياع خاتمه، فدعوا له بطول البقاء وعلو الارتقاء، ثم انصرفوا من المجلس. فانظر أيها الملك كيد النساء وما تفعله في الرجال. فرجع الملك عن قتل ولده. # فلما أصبح الصباح، جلس والده في اليوم الثامن فدخل عليه ولده ويده في يد مؤدبه السندباد، وقبل الأرض بين يديه، ثم تكلم بأفصح لسان، ومدح والده ووزراءه وأرباب دولته، وشكرهم وأثنى عليهم، وكان حاضرا بالمجلس العلماء والأمراء والجند وأشراف الناس، فتعجب الحاضرون من فصاحة ابن الملك وبلاغته وبراعته في نطقه. فلما سمع والده ذلك فرح به فرحا شديدا زائدا، ثم ناداه وقبله بين عينيه، ونادى مؤدبه السندباد وسأله عن سبب صمت ولده مدة السبعة أيام، فقال له المؤدب: يا مولانا، الإصلاح في أنه لا يتكلم، فإني خشيت عليه من القتل في تلك المدة، وكنت يا سيدي أعرف هذا الأمر يوم ولادته، فإني لما رأيت طالعه دلني على جميع ذلك، وقد زال عنه السوء بسعادة الملك. ففرح الملك بذلك، وقال لوزرائه: لو كنت قتلت ولدي هل يكون الذنب علي أو على الجارية أو على المؤدب السندباد؟ فسكت الحاضرون عن رد الجواب، فقال مؤدب الولد السندباد لولد الملك: رد الجواب يا ولدي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 603 ### || حكاية اللبن المسموم # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد لما قال لابن الملك: رد الجواب يا ولدي. قال ابن الملك: إني سمعت أن رجلا من التجار حل به ضيف في منزله، فأرسل جاريته لتشتري له من السوق لبنا في جرة، فأخذت اللبن في جرتها، وطلبت الرجوع إلى منزل سيدها، فبينما هي في الطريق إذ مرت عليها حدأة طائرة وفي مخلبها حية تعصرها به، فقطرت نقطة من الحية في الجرة، وليس عند الجارية خبر بذلك، فلما وصلت إلى المنزل أخذ السيد منها اللبن وشرب منه هو وضيوفه، فما استقر اللبن في جوفهم حتى ماتوا جميعا؛ فانظر أيها الملك لمن كان الذنب في هذه القضية؟ فقال أحد الحاضرين: ms1365 الذنب للجماعة الذين شربوا. وقال آخر: الذنب للجارية التي تركت الجرة مكشوفة من غير غطاء. فقال السندباد مؤدب الغلام: ما تقول أنت في ذلك يا ولدي؟ فقال ابن الملك: أقول إن القوم أخطئوا، ليس الذنب للجارية ولا للجماعة، وإنما آجال القوم فرغت مع أرزاقهم، وقدرت ميتتهم بسبب ذلك الأمر. فلما سمع الحاضرون تعجبوا منه غاية العجب، ورفعوا أصواتهم بالدعاء لابن الملك، وقالوا له: يا مولانا، قد تكلمت بجواب ليس له نظير، وأنت عالم أهل زمانك الآن. فلما سمعهم ابن الملك قال لهم: إني لست بعالم، وإن الشيخ الأعمى وابن الثلاث سنين، وابن الخمس سنين أعلم مني. فقال له الجماعة الحاضرون: حدثنا بحديث هؤلاء الثلاثة الذين هم أعلم منك يا غلام. ### || حكاية الأعمى وابن ثلاث وخمس سنين # فقال لهم ابن الملك: بلغني أنه كان تاجر من التجار كثير الأموال والأسفار إلى جميع البلدان، فأراد المسير على بعض البلدان، فسأل من جاء منها وقال لهم: أي بضاعة فيها كثيرة المكسب؟ فقالوا له: حطب الصندل، فإنه فيها يباع غاليا. فاشترى التاجر بجميع ما عنده من المال حطب صندل، وسافر إلى تلك المدينة، فلما وصل إليها كان قدومه إليها آخر النهار، وإذا بعجوز تسوق غنما لها، فلما رأت التاجر قالت له: من أنت أيها الرجل؟ فقال لها: أنا رجل تاجر غريب. فقالت له: احذر من أهل البلد، فإنهم قوم مكارون لصوص، وإنهم يخدعون الغريب ليظفروا به ويأكلوا ما كان معه، وقد نصحتك. ثم فارقته، فلما أصبح الصباح تلقاه رجل من أهل المدينة، فسلم عليه وقال له: يا سيدي، من أين قدمت؟ فقال له: قدمت من البلد الفلانية. قال له: ما حملت معك من التجارة؟ قال له: خشب صندل، فإني سمعت أن له قيمة عندكم. فقال له الرجل: لقد أخطأ من أشار عليك بذلك؛ فإننا لم نوقد تحت القدر إلا بذلك الحطب الصندل، فقيمته عندنا هو والحطب سواء. # فلما سمع التاجر كلام الرجل تأسف وندم وصار بين مصدق ومكذب، ثم نزل ذلك التاجر في بعض ms1366 حانات المدينة يقيد بالصندل تحت القدر، فلما رآه ذلك الرجل قال له: أتبيع هذا الصندل؟ كل صاع بما تريده نفسك. فقال له: بعتك. فحول الرجل ما عنده من الصندل في منزله، وقصد البائع أن يأخذ ذهبا بقدر ما يأخذ المشتري، فلما أصبح الصباح تمشى التاجر في المدينة، فلقيه رجل أزرق العينين من أهل تلك المدينة وهو أعور، فتعلق بالتاجر وقال له: أنت الذي أتلفت عيني فلا أطلقك أبدا. فأنكر التاجر ذلك وقال له: إن هذا الأمر لا يتم. فاجتمع الناس عليهما، وسألوا الأعور المهلة إلى غد ويعطيه ثمن عينه، فأقام الرجل التاجر له ضامنا حتى أطلقوه، ثم مضى التاجر وقد انقطع نعله من مجاذبة الرجل الأعور، فوقف على دكان الإسكافي ودفعه له، وقال له: أصلحه ولك عندي ما يرضيك. ثم انصرف عنه، وإذا بقوم قاعدين يلعبون فجلس عندهم من الهم والغم، فسألوه اللعب فلعب معهم، فأوقعوا عليه الغلب وغلبوه، وخيروه إما أن يشرب البحر، وإما أن يخرج من ماله جميعا، فقام التاجر وقال: أمهلوني إلى غد. ثم مضى التاجر وهو مغموم على ما فعل، ولا يدري كيف يكون حاله، فقعد في موضع متفكرا مغموما مهموما، وإذا بالعجوز جائزة عليه، فنظرت نحو التاجر فقالت له: لعل أهل المدينة ظفروا بك، فإني أراك مهموما من الذي أصابك. فحكى لها جميع ما جرى من أوله إلى آخره، قالت له: من الذي عمل عليك في الصندل؟ فإن الصندل عندنا قيمته كل رطل بعشرة دنانير، ولكن أنا أدبر لك رأيا أرجو به أن يكون لك فيه خلاص نفسك، وهو أن تسير نحو الباب الفلاني، فإن في ذلك الموضع شيخا أعمى مقعدا، وهو عالم عارف كبير خبير، وكل الناس تحضر عنده يسألونه عما يريدونه، فيشير إليهم بما يكون لهم فيه الصلاح؛ لأنه عارف بالمكر والسحر والنصب، وهو شاطر، فتجتمع الشطار عنده بالليل، فاذهب عنده واخف نفسك من غرمائك بحيث تسمع كلامهم ولا يرونك؛ فإنه يخبرهم بالغالبية والمغلوبة؛ لعلك تسمع منه حجة تخلصك من غرمائك. وأدرك شهرزاد ms1367 الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 604 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز قالت للتاجر: اذهب الليلة إلى العالم الذي يجتمع عليه أهل البلد واخف نفسك، لعلك تسمع منه حجة تخلصك من غرمائك. فانصرف التاجر من عندها إلى الموضع الذي أخبرته به وأخفى نفسه، ثم نظر إلى الشيخ وجلس قريبا منه، فما كان إلا ساعة وقد حضر جماعته الذين يتحاكمون عنده، فلما صاروا بين يدي الشيخ سلموا عليه وسلم بعضهم على بعض وقعدوا حوله، فلما رآهم التاجر وجد غرماءه الأربعة من جملة الذين حضروا، فقدم لهم الشيخ شيئا من الأكل فأكلوا، ثم أقبل كل واحد منهم يخبره بما جرى له في يومه، فتقدم صاحب الصندل وأخبر الشيخ بما جرى له في يومه، من أنه اشترى صندلا من رجل بغير قيمته، واستقر البيع بينهما على ملء صاع مما يحب، فقال له الشيخ: قد غلبك خصمك. فقال له: كيف يغلبني؟ قال الشيخ: فإذا قال لك أنا آخذ ملئه ذهبا أو فضة، فهل أنت تعطيه؟ قال: نعم أعطيه وأنا أكون الرابح. فقال له الشيخ: فإذا قال لك: أنا آخذ ملء صاع براغيث، النصف ذكور والنصف إناث، فماذا تصنع؟ فعلم أنه مغلوب. # ثم تقدم الأعور وقال: يا شيخ، إني رأيت اليوم رجلا أزرق العينين وهو غريب البلاد، فتقاويت عليه وتعلقت به وقلت له: أنت قد أتلفت عيني. وما تركته حتى ضمنه لي جماعة أنه يعود إلي ويرضيني في عيني. فقال له الشيخ: لو أراد غلبك لغلبك. قال: وكيف يغلبني؟ قال: يقول لك اقلع عينك وأنا أقلع عيني، ونزن كل منهما، فإن تساوت عيني بعينك فأنت صادق فيما ادعيته، ثم تغرم دية عينه وتكون أنت أعمى، ويكون هو بصيرا بعينه الثانية. فعلم أنه يغلبه بهذه الحجة. # ثم تقدم الإسكافي وقال له: يا شيخ، إني رأيت رجلا أعطاني نعله، وقال لي: أصلحه. فقلت له: ألن تعطيني الأجرة؟ فقال لي: أصلحه ولك عندي ما يرضيك. وأنا لا يرضيني إلا جميع ماله. فقال له الشيخ: ms1368 إذا أراد أخذ نعله منك ولا يعطيك شيئا أخذه. فقال له: وكيف ذلك؟ قال: يقول لك إن السلطان هزمت أعداؤه، وضعفت أضداده، وكثرت أولاده وأنصاره، أرضيت أم لا؟ فإن قلت: رضيت. أخذ نعله منك وانصرف، وإن قلت: لا. أخذ نعله وضرب به وجهك وقفاك. فعلم أنه مغلوب. # ثم تقدم الرجل الذي لعب معه بالمراهنة وقال له: يا شيخ، إني لقيت رجلا فراهنته وغلبته، فقلت له: إن شربت هذا البحر فأنا أخرج عن جميع مالي لك، وإن لم تشربه فاخرج عن جميع مالك لي. فقال له الشيخ: لو أراد غلبك لغلبك. فقال له: وكيف ذلك؟ قال: يقول لك أمسك لي فم البحر بيدك، وناوله لي وأنا أشربه. فلا تستطيع ويغلبك بهذه الحجة. # فلما سمع التاجر ذلك عرف ما يحتج به على غرمائه، ثم قاموا من عند الشيخ وانصرف التاجر إلى محله، فلما أصبح الصباح أتاه الذي راهنه على شرب البحر، فقال له التاجر: ناولني فم البحر وأنا أشربه. فلم يقدر فغلبه التاجر، وفدى الراهن نفسه بمائة دينار وانصرف. ثم جاءه الإسكافي وطلب منه ما يرضيه، فقال له التاجر: إن السلطان غلب أعداءه، وأهلك أضداده، وكثرت أولاده، أرضيت أم لا؟ قال له: نعم رضيت. فأخذ مركوبه بلا أجرة وانصرف. ثم جاءه الأعور وطلب منه دية عينه. فقال له التاجر: اقلع عينك وأنا أقلع عيني ونزنهما، فإن استوتا فأنت صادق فخذ دية عينك. فقال له الأعور: أمهلني. ثم صالح التاجر على مائة دينار وانصرف. ثم جاءه الذي اشترى الصندل فقال له: خذ ثمن صندلك. فقال له: أي شيء تعطيني؟ فقال له: قد اتفقنا على أن صاعا صندلا بصاع من غيره، فإن أردت خذ ملؤه ذهبا أو فضة. فقال له التاجر: أنا لا آخذ إلا ملؤه براغيث، النصف ذكور والنصف إناث. فقال له: أنا لا أقدر على شيء من ذلك. فغلبه التاجر وفدى المشتري نفسه منه بمائة دينار بعد أن رجع له صندله، وباع التاجر الصندل كيف أراد، وقبض ثمنه وسافر من تلك المدينة ms1369 إلى بلده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 605 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجل التاجر لما باع صندله وقبض ثمنه سافر من تلك المدينة إلى مدينته، ثم قال ابن الملك: وأما ابن الثلاث سنين، فإنه كان رجلا فاسقا مغرما بالنساء، قد سمع بامرأة ذات حسن وجمال، وهي ساكنة في مدينة غير مدينته، فسافر إلى المدينة التي هي فيها، وأخذ معه هدية، وكتب لها رقعة يصف لها شدة ما يقاسيه من الشوق والغرام، وقد حمله حبه إياها على المهاجرة إليها والقدوم عليها، فأذنت له في الذهاب إليها، فلما وصل إلى منزلها ودخل عليها قامت له على قدميها وقد تلقته بالإكرام والاحترام، وقبلت يديه وضيفته ضيافة لا مزيد عليها من المأكول والمشروب. وقد كان لها ولد صغير له من العمر ثلاث سنين، فتركته واشتغلت بطهي الطبائخ، فقال لها الرجل: قومي بنا ننام. فقالت له: إن ولدي قاعد ينظرنا. فقال لها: هذا ولد صغير لا يفهم ولا يعرف أن يتكلم. فقالت له: لو علمت معرفته ما تكلمت. فلما علم الولد أن الأرز استوى بكى بكاء شديدا، فقالت له أمه: ما يبكيك يا ولدي؟ فقال لها: اغرفي لي من الأرز، واجعلي لي فيه سمنا. فغرفت له وجعلت عليه السمن، فأكل الولد. ثم بكى ثانيا، فقالت له أمه: ما يبكيك يا ولدي؟ فقال لها: يا أماه اجعلي لي عليه سكرا. فقال له الرجل وقد اغتاظ منه: ما أنت إلا ولد مشئوم. فقال له الولد: والله ما مشئوم إلا أنت؛ حيث تعبت وسافرت من بلد إلى بلد في طلب الزنا، وأما أنا فبكائي من أجل شيء كان في عيني فأخرجته بالدموع، وأكلت بعد ذلك أرزا وسمنا وسكرا، وقد اكتفيت؛ فمن المشئوم منا؟ فلما سمعه الرجل خجل من كلام ذلك الولد الصغير، ثم أدركته الموعظة فتأدب من وقته وساعته ولم يتعرض لها بشيء وانصرف إلى بلده، ولم يزل تائبا إلى أن مات. # ثم قال ابن الملك: وأما ابن الخمس سنين، فإنه ms1370 بلغني أيها الملك أن أربعة من التجار اشتركوا في ألف دينار، وقد خلطوها بينهم وجعلوها في كيس واحد، فذهبوا بها ليشتروا بضاعة، فلقوا في طريقهم بستانا حسنا فدخلوه وتركوا الكيس عند حارسة ذلك البستان، فلما دخلوا تفرجوا في ناحية البستان، فأكلوا وشربوا وانشرحوا، فقال واحد منهم: أنا معي طيب، تعالوا نغسل رءوسنا من هذا الماء الجاري ونتطيب. قال آخر: نحتاج إلى مشط. قال آخر: نسأل الحارسة لعل أن يكون عندها مشط. فقام واحد منهم إلى الحارسة وقال لها: ادفعي لي الكيس. فقالت له: حتى تحضروا كلكم أو يأمرني رفقاؤك أن أعطيك إياه. وكان رفقاؤه في مكان بحيث تراهم الحارسة وتسمع كلامهم، فقال الرجل لرفقائه: ما هي راضية أن تعطيني شيئا. فقالوا لها: أعطيه. فلما سمعت كلامهم أعطته الكيس، فأخذه الرجل وخرج هاربا منهم، فلما أبطأ عليهم جاءوا إلى الحارسة، وقالوا لها: ما لك لم تعطه المشط؟ قالت لهم: ما طلب مني إلا الكيس، ولم أعطه إياه إلا بإذنكم، وخرج من هنا إلى حال سبيله. فلما سمعوا كلام الحارسة لطموا على وجوههم، وقبضوا عليها بأيديهم وقالوا لها: نحن ما أذناك إلا بإعطاء المشط. فقالت لهم: ما ذكر لي مشطا. فقبضوا عليها، ورفعوها إلى القاضي، فلما حضروا بين يديه قصوا عليه القصة، فألزم الحارسة بالكيس، وألزم بها جماعة من غرمائها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 606 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن القاضي لما ألزم الحارسة بالكيس وألزم بها جماعة من غرمائها، خرجت وهي حيرانة لم تعرف طريقا، فلقيها غلام له من العمر خمس سنين، فلما رآها الغلام وهي حيرانة قال لها: ما لك يا أماه؟ فلم ترد عليه جوابا، واستحقرته لصغر سنه، فكرر عليها الكلام أولا وثانيا وثالثا، فقالت له: إن جماعة دخلوا علي البستان ووضعوا عندي كيسا فيه ألف دينار، وشرطوا علي ألا أعطي أحدا الكيس إلا بحضرتهم كلهم، ثم دخلوا البستان يتفرجون ويتنزهون فيه، فخرج واحد منهم وقال لي: أعطني الكيس. فقلت له: حتى ms1371 يحضر رفقاؤك. فقال لي: قد أخذت الإذن منهم. فلم أرض أن أعطيه الكيس، فصاح على رفقائه وقال لهم: ما هي راضية أن تعطيني شيئا؟ فقالوا لي: أعطيه. وكانوا بالقرب مني، فأعطيته الكيس، فأخذه وخرج إلى حال سبيله، فاستبطأه رفقاؤه فخرجوا إلي وقالوا: لأي شيء لم تعطه المشط؟ فقلت لهم: ما ذكر لي مشطا، وما ذكر لي إلا الكيس. فقبضوا علي ورفعوني إلى القاضي، وألزمني بالكيس. فقال لها الغلام: أعطيني درهما آخذ به حلاوة، وأنا أقول لك شيئا يكون لك فيه الخلاص. فأعطته الحارسة درهما وقالت له: ما عندك من القول؟ فقال لها الغلام: ارجعي إلى القاضي وقولي له: كان بيني وبينهم أني لا أعطيهم الكيس إلا بحضرتهم الأربعة. قال: فرجعت الحارسة إلى القاضي وقالت له ما قاله لها الغلام، فقال لهم القاضي: أكان بينكم وبينها هكذا؟ قالوا: نعم. فقال لهم القاضي: أحضروا لي رفيقكم وخذوا الكيس. فخرجت الحارسة سالمة ولم يحصل لها ضرر، وانصرفت إلى حال سبيلها. # فلما سمع الملك كلام ولده والوزراء، ومن حضر ذلك المجلس، قالوا للملك: يا مولانا الملك، إن ابنك هذا أبرع أهل زمانه. فدعوا له وللملك، فضم الملك ولده إلى صدره وقبله بين عينيه، وسأله عن قضيته مع الجارية، فحلف ابن الملك بالله العظيم وبنبيه الكريم أنها هي التي راودته عن نفسه، فصدقه الملك في قوله، وقال له: قد حكمتك فيها إن شئت فاقتلها أو فافعل بها ما تشاء. فقال الولد لأبيه: انفها من المدينة. وقعد ابن الملك مع والده في أرغد عيش وأهناه، إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات. وهذا آخر ما انتهى إلينا من قصة الملك وولده والجارية والوزراء السبعة. ### || حكاية جودر الصياد وأخويه # وبلغني أيضا أن رجلا تاجرا اسمه عمر، قد خلف من الذرية ثلاثة أولاد: أحدهم يسمى سالما، والأصغر يسمى جودرا، والأوسط يسمى سليما، ورباهم إلى أن صاروا رجالا، ولكنه كان يحب جودرا أكثر من أخويه، فلما تبين لهما أنه يحب جودرا، أخذتهما الغيرة وكرها جودرا، فبان لأبيهما أنهما يكرهان ms1372 أخيهما، وكان والدهم كبير السن، وخاف أنه إذا مات يحصل لجودر مشقة من أخويه، فأحضر جماعة من أهله وأحضر جماعة قسامين من طرف القاضي وجماعة من أهل العلم، وقال: هاتوا لي مالي وقماشي. فأحضروا له جميع المال والقماش فقال: يا ناس، اقسموا هذا المال والقماش أربعة أقسام بالموضع الشرعي. فقسموه، فأعطى كل ولد قسما، وأخذ هو قسما وقال: هذا مالي وقسمته بينهم، ولم يبق لهم عندي ولا عند بعضهم شيء، فإذا مت لا يقع بينهم اختلاف؛ لأني قسمت بينهم الميراث في حال حياتي، وهذا المال الذي أخذته أنا فإنه يكون لزوجتي أم هذه الأولاد، فتستعين به على معيشتها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 607 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التاجر لما قسم ماله وقماشه أربعة أقسام، أعطى كل ولد من الأولاد الثلاثة قسما وأخذ هو القسم الرابع، وقال: هذا القسم يكون لزوجتي أم هذه الأولاد تستعين به على معيشتهم. ثم بعد مدة قليلة مات والدهم، فما أحد رضي بما فعل والدهم عمر، بل طلبوا الزيادة من جودر، وقالوا له: إن مال أبينا عندك. فترافع معهم إلى الحكام، وجاء المسلمون الذين كانوا حاضرين وقت القسيمة، وشهدوا بما علموا ومنعهم الحاكم عن بعضهم؛ فخسر جودر جانبا من المال، وخسر إخوته كذلك بسبب النزاع، فتركوه مدة ثم مكروا به ثانيا، فترافع معهم إلى الحكام فخسروا جملة من المال أيضا من أجل الحكام، وما زالوا يطلبون أذيته من ظالم إلى ظالم وهم يخسرون ويخسر حتى أطعموا جميع ما لهم للظالمين، وصار الثلاثة فقراء. ثم جاء أخواه إلى أمهم وضحكا عليها، وأخذا مالها وضرباها وطرداها، فجاءت إلى ابنها جودر وقالت له: قد فعل أخواك معي كذا وكذا، وأخذا مالي. وصارت تدعو عليهما، فقال لهما جودر: يا أمي لا تدعي عليهما؛ فالله يجازي كلا منهما بعمله، ولكن يا أمي أنا بقيت فقيرا وأخواي فقيران، والمخاصمة تحتاج لخسارة المال، واختصمت أنا وإياهما كثيرا بين يدي الحكام، ولم يفدنا ذلك شيئا، بل ms1373 خسرنا جميع ما خلفه لنا والدنا، وهتكنا الناس بسبب الشهادة؛ وهل بسببك أختصم وإياهم، ونترافع إلى الحكام؟ فهذا شيء لا يكون، إنما تقعدين عندي والرغيف الذي آكله أخليه لك، وادعي لي والله يرزقني برزقك، واتركيهما يلقيان من الله جزاء فعلهما، وتسلي بقول من قال: # إن يبغ ذو جهل عليك فخله %~% وارقب زمانا لانتقام الباغي ~~وتجنب الظلم الوخيم فلو # بغى %~% جبل على جبل لدك الباغي # وصار يطيب خاطر أمه حتى رضيت ومكثت عنده، فأخذ له شبكة وصار يذهب إلى البحر والبرك، وإلى كل مكان فيه ماء، وصار يذهب كل يوم إلى جهة، فصار يعمل يوما بعشرة ويوما بعشرين ويوما بثلاثين، ويصرفها على أمه، ويأكل طيبا، ويشرب طيبا، ولا صنعة ولا بيع ولا شراء لأخويه، ودخل عليهما الساحق والماحق والبلاء اللاحق، وقد ضيعا الذي أخذاه من أمهما، وصارا من الصعاليك المعاكيس عريانين، فتارة يأتيان إلى أمهما ويتواضعان لها زيادة، ويشكوان إليها الجوع، وقلب الوالدة رءوف، فتطعمهما عيشا معفنا، وإن كان هناك طبيخ بائت تقول لهما: كلاه سريعا وروحا قبل أن يأتي أخوكما، فإنه ما يهون عليه ويقسو قلبه علي وتفضحاني معه. فيأكلان باستعجال ويروحان، فدخلا على أمهما يوما من الأيام، فحطت لهما طبيخا وعيشا، فصار يأكلان وإذا بأخيهما جودر داخل، فاستحت أمه وخجلت منه، وخافت أن يغضب عليها، وأطرقت برأسها في الأرض حياء من ولدها، فتبسم في وجوههم وقال: مرحبا يا أخوي، نهار مبارك، ماذا جرى حتى زرتماني في هذا النهار المبارك؟ واعتنقهما ووادهما، وصار يقول: ما كان رجائي أن توحشاني ولا تجيئا عندي، ولا تطلا علي ولا على أمكما! فقالا: والله يا أخانا إننا اشتقنا إليك، ولا منعنا إلا الحياء مما جرى بيننا وبينك، ولكن ندمنا كثيرا، وهذا فعل الشيطان لعنه الله تعالى، ولا لنا بركة إلا أنت وأمنا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 608 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودرا لما دخل منزله ورأى إخوته رحب بهما وقال لهما: ما لي بركة إلا أنتما. ms1374 فقالت له أمه: يا ولدي بيض الله وجهك وكثر الله خيرك، وأنت الأكثر يا ولدي. فقال: مرحبا بكما، أقيما عندي والله كريم والخير عندي كثير. واصطلح معهما وباتا عنده وتعشيا معه. وثاني يوم فطرا وجودر حمل الشبكة وراح على باب الفتح وراح أخواه، فغابا إلى الظهر وأتيا، فقدمت لهما أمهم الغداء، وفي المساء أتى أخوهم وجاء باللحم والخضار وصاروا على هذه الحالة مدة شهر، وجودر يصطاد سمكا ويبيعه ويصرف ثمنه على أمه وأخويه، وهما يأكلان ويبرجسان. فاتفق يوما من الأيام أن جودر أخذ الشبكة إلى البحر فرماها وجذبها فطلعت فارغة، فطرحها ثانيا فطلعت فارغة، فقال في نفسه: هذا المكان ما فيه سمك. ثم انتقل إلى غيره ورمى فيه الشبكة فطلعت فارغة، ثم انتقل إلى غيره، ولم يزل ينتقل من الصباح إلى المساء ولم يصطد ولا صيرة واحدة، فقال: عجائب! هل السمك فرغ من البحر أو ما السبب؟ ثم حمل الشبكة على ظهره ورجع مغموما مقهورا حاملا هم أخويه وأمه، ولم يدر بأي شيء يعشيهم؛ فأقبل على طابونة فرأى الخلق على العيش مزدحمين، وبأيديهم الدراهم ولا يلتفت إليهم الخباز؛ فوقف وتحسر، فقال له الخباز: مرحبا بك يا جودر، هل تحتاج عيشا؟ فسكت، فقال له: إن لم يكن معك درهم فخذ كفايتك وعليك مهل. فقال له: أعطني بعشرة أنصاف عيشا. فقال له: خذ هذه عشرة أنصاف أخر، وفي غد هات لي بالعشرين سمكا. فقال: على الرأس والعين. فأخذ العيش والعشرة أنصاف أخذ بها لحمة وخضارا وقال: في غد يفرجها المولى. وراح إلى منزله وطبخت أمه الطعام وتعشى ونام، وثاني يوم أخذ الشبكة، فقالت له أمه: اقعد افطر. قال: افطري أنت وأخواي. ثم ذهب إلى البحر ورمى الشبكة فيه أولا وثانيا وثالثا وتنقل، وما زال كذلك إلى العصر ولم يقع له شيء، فحمل الشبكة ومشى مقهورا، وطريقه لا يكون إلا على الخباز، فلما وصل جودر رآه الخباز فعد له العيش والفضة، وقال له: تعال خذ ورح إن ما كان في اليوم يكون في ms1375 غد، فأراد أن يعتذر له فقال له: رح ما يحتاج لعذر، لو كنت اصطدت شيئا كان معك، فلما رأيتك فارغا علمت أنه ما حصل لك شيء، وإن كان في غد لم يحصل لك شيء، فتعال خذ عيشا ولا تستح وعليك مهل. # ![fig8](../Images/figure8.png) # فقال: عجائب! هل السمك فرغ من البحر أو ما السبب؟ # ثم إنه ثالث يوم تبع البرك إلى العصر فلم ير فيها شيئا، فراح إلى الخباز وأخذ منه العيش والفضة. وما زال على هذه الحالة مدة سبعة أيام، ثم إنه تضايق فقال في نفسه: رح اليوم إلى بركة قارون. ثم إنه أراد أن يرمي الشبكة فلم يشعر إلا وقد أقبل عليه مغربي راكب على بغلة وهو لابس حلة عظيمة، وعلى ظهر البغلة خرج مزركش، وكل ما على البغلة مزركش، فنزل من فوق ظهر البغلة وقال: السلام عليك يا جودر يا ابن عمر. فقال له: وعليك السلام يا سيدي الحاج. فقال له المغربي: يا جودر، إن لي عندك حاجة، فإن طاوعتني تنال خيرا كثيرا، وتكون بسبب ذلك صاحبي، وتقضي لي حوائجي. فقال له: يا سيدي الحاج، قل لي أي شيء في خاطرك، وأنا أطاوعك وما عندي خلاف. فقال له: اقرأ الفاتحة. فقرأها معه، وبعد ذلك أخرج له قيطانا من حرير، وقال له: كتفني وشد كتافي شدا قويا، وارمني في البركة، واصبر علي قليلا، فإن رأيتني أخرجت يدي من الماء مرتفعة قبل أن أبان فاطرح أنت الشبكة علي واجذبني سريعا، وإن رأيتني أخرجت رجلي فاعلم أني ميت فاتركني، وخذ البغلة والخرج وامض إلى سوق التجار، تجد يهوديا اسمه شميعة، فأعطه البغلة وهو يعطيك مائة دينار، فخذها واكتم السر ورح إلى حال سبيلك. فكتفه كتافا شديدا فصار يقول له: شد الكتاف. ثم إنه قال له: ادفعني إلى أن ترميني في البركة. فدفعه ورماه فغطس، ووقف ينتظره ساعة من الزمان، وإذا بالمغربي خرجت رجلاه، فعلم أنه مات، فأخذ البغلة وتركه وراح إلى سوق التجار، فرأى اليهودي جالسا على كرسي في باب الحاصل، فلما رأى ms1376 البغلة قال اليهودي: إن الرجل هلك. ثم قال: ما هلكه إلا الطمع. وأخذ منه البغلة وأعطاه مائة دينار، وأوصاه بكتم السر، فأخذ جودر الدنانير وراح، فأخذ ما يحتاج إليه من العيش من الخباز، وقال له: خذ هذا الدينار. فأخذه وحسب الذي له، وقال له: عندي بعد ذلك عيش يومين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 609 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخباز لما حاسب جودر على ثمن العيش وقال له: بقي لك عندي من الدينار عيش يومين. انتقل من عنده إلى الجزار وأعطاه دينارا آخر وأخذ اللحمة وقال له: خل عندك بقية الدينار تحت الحساب. وأخذ الخضار وراح، فرأى أخويه يطلبان من أمهم شيئا يأكلانه وهي تقول لهما: اصبرا حتى يأتي أخوكما، فما عندي شيء. فدخل عليهم وقال لهم: خذوا كلوا. فوقعوا على العيش مثل الغيلان، ثم إن جودر أعطى أمه بقية الذهب وقال: خذي يا أمي، وإذا جاء أخواي فأعطيهما ليشتريا ويأكلا في غيابي. وبات تلك الليلة، ولما أصبح أخذ الشبكة وراح إلى بركة قارون ووقف وأراد أن يطرح الشبكة، وإذا بمغربي آخر أقبل وهو راكب بغلة ومهيأ أكثر من الذي مات، ومعه خرج وحقان في الخرج في كل عين منه حق، وقال: السلام عليك يا جودر. فقال: عليك السلام يا سيدي الحاج. فقال: هل جاءك بالأمس مغربي راكب بغلة مثل هذه البغلة؟ فخاف وأنكر وقال: ما رأيت أحدا. خوفا أن يقول: راح إلى أين؟ فإن قال له غرق في البركة، ربما يقول أنت غرقته، فما وسعه إلا الإنكار، فقال له: يا مسكين هذا أخي وسبقني. قال: ما معي خبر. قال: أما كتفته أنت ورميته في البركة، وقال لك: إن خرجت يداي ارم علي الشبكة واسحبني بالعجل، وإن خرجت رجلاي أكون ميتا، وخذ أنت البغلة وأدها إلى اليهودي شميعة، وهو يعطيك مائة دينار؟ وقد خرجت رجلاه وأنت أخذت البغلة، وأديتها إلى اليهودي، وأعطاك مائة دينار؟ فقال: حيث إنك تعرف ذلك، فلأي شيء تسألني؟ قال: ms1377 مرادي أن تفعل بي كما فعلت بأخي. وأخرج له قيطانا من حرير وقال: كتفني وارمني، وإن جرى لي مثل ما جرى لأخي، فخذ البغلة وأدها إلى اليهودي وخذ منه مائة دينار. فقال له: تقدم. فتقدم فكتفه ودفعه، فوقع في البركة وغطس، فانتظره ساعة فطلعت رجلاه فقال: مات في داهية إن شاء الله. كل يوم يجيئني المغاربة وأنا أكتفهم ويموتون، ويكفيني من كل ميت مائة دينار. ثم إنه أخذ البغلة، فلما رآه اليهودي قال له: مات الآخر. قال له: تعيش رأسك. قال له: هذا جزاء الطماعين. وأخذ البغلة منه وأعطاه مائة دينار، فأخذها وتوجه إلى أمه، فأعطاها إياها، فقالت له: يا ولدي، من أين لك هذا؟ فأخبرها، فقالت له: ما بقيت تروح بركة قارون، فإني أخاف من المغاربة. فقال لها: يا أمي، أنا لا أرميهم إلا برضاهم، وكيف يكون العمل؟ هذه صنعة يأتينا منها كل يوم مائة دينار، وأرجع سريعا، فوالله لا أرجع عن ذهابي إلى بركة قارون حتى ينقطع أثر المغاربة ولا يبقى منهم أحد. # ثم إنه في اليوم الثالث راح ووقف، وإذا بمغربي راكب بغلة ومعه خرج، ولكنه مهيأ أكثر من الأولين، وقال: السلام عليك يا جودر يا ابن عمر. فقال في نفسه: من أين كلهم يعرفونني؟ ثم رد عليه السلام، فقال: هل جاز على هذا المكان مغاربة؟ قال له: اثنان. قال له: أين راحا؟ قال: كتفتهما ورميتهما في هذه البركة فغرقا، والعاقبة لك أنت الآخر. فضحك، ثم قال: يا مسكين، كل حي ووعده. ونزل عن البغلة وقال له: يا جودر، اعمل معي كما عملت معهما. وأخرج القيطان الحرير، فقال له جودر: أدر يديك حتى أكتفك، فإني مستعجل وراح علي الوقت. فأدار له يديه فكتفه ودفعه، فوقع في البركة ووقف ينتظره، وإذا بالمغربي أخرج له يديه، وقال له: ارم الشبكة يا مسكين. فرمى عليه الشبكة وجذبه، وإذا هو قابض في يديه سمكتين لونهما أحمر مثل المرجان، في كل يد سمكة، وقال له: افتح الحقين. ففتح له الحقين فوضع في ms1378 كل حق سمكة، وسد عليهما فم الحقين. ثم إنه حضن جودرا وقبله ذات اليمين وذات الشمال في خديه، وقال له: الله ينجيك من كل شدة، والله لولا أنك رميت علي الشبكة وأخرجتني، لكنت ما زلت قابضا على هاتين السمكتين وأنا غاطس في الماء حتى أموت، ولا أقدر أن أخرج من الماء. فقال له: يا سيدي الحاج، بالله عليك أن تخبرني بشأن اللذين غرقا أولا، وبحقيقة هاتين السمكتين، وبشأن اليهودي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 610 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودرا لما سأل المغربي، وقال له: أخبرني عن اللذين غرقا أولا. قال له: يا جودر، اعلم أن اللذين غرقا أولا أخواي؛ أحدهما اسمه عبد السلام، والثاني اسمه عبد الأحد، وأنا اسمي عبد الصمد، واليهودي أخونا اسمه عبد الرحيم، وما هو يهودي إنما هو مسلم مالكي المذهب، وكان والدنا علمنا حل الرموز، وفتح الكنوز والسحر، وصرنا نعالج حتى خدمتنا مردة الجن والعفاريت، ونحن أربعة إخوة، ووالدنا اسمه عبد الودود، ومات أبونا وخلف لنا شيئا كثيرا، فقسمنا الذخائر والأموال والأرصاد حتى وصلنا إلى الكتب فقسمناها، فوقع بيننا اختلاف في كتاب اسمه أساطير الأولين، ليس له مثيل ولا يقدر له أحد على ثمن، ولا يعادل بجواهر؛ لأنه مذكور فيه سائر الكنوز، وحل الرموز، وكان أبونا يعمل به ونحن نحفظ منه شيئا قليلا، وكل منا غرضه أن يملكه حتى يطلع على ما فيه، فلما وقع الخلاف بيننا، حضر مجلسنا شيخ أبينا الذي كان رباه وعلمه السحر والكهانة، وكان اسمه الكهين الأبطن، فقال لنا: هاتوا الكتاب. فأعطيناه الكتاب فقال: أنتم أولاد ولدي، ولا يمكن أن أظلم منكم أحدا، فليذهب من أراد أن يأخذ هذا الكتاب إلى معالجة فتح كنز الشمردل، ويأتيني بدائرة الفلك والمكحلة والخاتم والسيف؛ فإن الخاتم له مارد يخدمه اسمه الرعد القاصف، ومن ملك هذا الخاتم لا يقدر عليه ملك ولا سلطان، وإن أراد أن يملك به الأرض بالطول والعرض يقدر على ذلك؛ وأما السيف فإنه لو ms1379 جرد على جيش وهزه حامله لهزم الجيش، وإن قال له وقت هزه: اقتل هذا الجيش. فإنه يخرج من ذلك السيف برق من نار، فيقتل جميع الجيش؛ وأما دائرة الفلك، فإن الذي يملكها إن شاء أن ينظر جميع البلاد من المشرق إلى المغرب، فإنه ينظرها ويتفرج عليها وهو جالس، فأي جهة أرادها يوجهه الدائرة إليها، وينظر في الدائرة، فإنه يرى تلك الجهة وأهلها كأن الجميع بين يديه، وإذا غضب على مدينة ووجه الدائرة إلى قرص الشمس، وأراد احتراق تلك المدينة فإنها تحترق؛ وأما المكحلة فإن كل من اكتحل منها يرى كنوز الأرض. ولكن لي عليكم شرط، وهو أن كل من عجز عن فتح هذا الكنز، ليس له في الكتاب استحقاق، ومن فتح هذا الكنز وأتاني بهذه الذخائر الأربعة، فإنه يستحق أن يأخذ هذا الكتاب. # فرضينا بالشرط، فقال لنا: يا أولادي، اعلموا أن كنز الشمردل تحت حكم أولاد الملك الأحمر، وأبوكم أخبرني أنه كان عالج فتح ذلك الكنز، فلم يقدر ولكن هرب منه أولاد الملك الأحمر إلى بركة في أرض مصر تسمى بركة قارون، وعصوا في البركة، فلحقهم إلى مصر ولم يقدر عليهم بسبب انسيابهم في تلك البركة؛ لأنها مرصودة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 611 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الكهين الأبطن لما أخبر الأولاد بذلك الخبر قال لهم: ثم إنه رجع غلبان، ولم يقدر على فتح كنز الشمردل من أولاد الملك الأحمر، فلما عجز أبوكم عنهم جاءني، وشكا إلي، فضربت له تقويما، فرأيت أن هذا الكنز لا يفتح إلا على وجه غلام من أبناء مصر اسمه جودر بن عمر، فإنه يكون سببا في قبض أولاد الملك الأحمر، وذلك الغلام يكون صيادا، والاجتماع به يكون على بركة قارون، ولا ينفك ذلك الرصد إلا إذا كان جودر يكتف صاحب النصيب ويرميه في البركة، فيتحارب مع أولاد الملك الأحمر، وكل من كان له نصيب فإنه يقبض أولاد الملك الأحمر، والذي ليس له نصيب يهلك، وتظهر رجلاه من ms1380 الماء، والذي يسلم تظهر يداه، فيحتاج أن جودرا يرمي عليه الشبكة ويخرجه من البركة. فقال إخوتي: نحن نروح ولو هلكنا، وأنا قلت أروح أيضا، وأما أخونا الذي في هيئة يهودي فإنه قال: أنا ليس لي غرض. فاتفقنا معه على أنه يتوجه إلى مصر في صفة يهودي تاجر، حتى إذا مات منا أحد في البركة يأخذ البغلة والخرج منه ويعطيه مائة دينار، فلما أتاك الأول قتله أولاد الملك الأحمر، وقتلوا أخي الثاني، وأنا لم يقدروا علي فقبضتهم. فقال: أين الذين قبضتهم؟ فقال: أما رأيتهم قد حبستهم في الحقين؟ قال: هذا سمك. قال له المغربي: ليس هذا سمكا، إنما هم عفاريت بهيئة السمك، ولكن يا جودر اعلم أن فتح الكنز لا يكون إلا على وجهك، فهل تطاوعني وتروح معي إلى مدينة فاس ومكناس، ونفتح الكنز، وأعطيك ما تطلب؟ وأنت بقيت أخي في عهد الله، وترجع إلى عيالك مجبور القلب. فقال له: يا سيدي الحاج، أنا في رقبتي أمي وأخواي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 612 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودرا قال للمغربي: أنا في رقبتي أمي وأخواي، وأنا الذي أجري عليهم، وإن رحت معك فمن يطعمهم العيش؟ فقال له: هذه حجة بطالة، فإن كان من شأن المصروف، فنحن نعطيك ألف دينار، تعطي أمك إياها لتصرفها حتى ترجع إلى بلادك، وأنت إن غبت ترجع قبل أربعة أشهر. فلما سمع جودر بالألف دينار قال: هات يا حاج الألف دينار أتركها عند أمي وأروح معك. فأخرج له الألف دينار، فأخذها وراح إلى أمه، وأخبرها بما جرى بينه وبين المغربي، وقال لها: خذي هذا الألف دينار واصرفي منه عليك وعلى أخوي، وأنا مسافر مع المغربي إلى الغرب فأغيب أربعة أشهر، ويحصل لي خير كثير، فادعي لي يا والدتي. فقالت له: يا ولدي، توحشني وأخاف عليك. فقال: يا أمي، ما على من يحفظه الله بأس، والمغربي رجل طيب. وصار يشكر لها حاله، فقالت: الله يعطف قلبه عليك، رح معه يا ms1381 ولدي لعله يعطيك شيئا. فودع أمه وراح، ولما وصل عند المغربي عبد الصمد قال له: هل شاورت أمك؟ قال: نعم ودعت لي. فقال له: اركب ورائي. فركب على ظهر البغلة وسافرا من الظهر إلى العصر، فجاع جودر ولم ير مع المغربي شيئا يؤكل، فقال: يا سيدي الحاج، لعلك نسيت أن تجيء لنا بشيء نأكله في الطريق؟ فقال: هل أنت جائع؟ قال: نعم. فنزل من فوق ظهر البغلة هو وجودر، ثم قال: نزل الخرج. فنزله، ثم قال له: أي شيء تشتهي يا أخي؟ فقال له: أي شيء كان. قال له: بالله عليك أن تقول لي أي شيء تشتهي؟ قال: عيشا وجبنا. قال: يا مسكين، العيش والجبن ما هو مقامك، فاطلب شيئا طيبا. قال جودر: أنا عندي في هذه الساعة كل شيء طيب. فقال له: أتحب الفراخ المحمرة؟ قال: نعم. قال: أتحب الأرز بالعسل؟ قال: نعم. قال: أتحب اللون الفلاني واللون الفلاني ... حتى سمى له من الطعام أربعة وعشرين لونا، ثم قال في باله: هل هو مجنون؟ من أين يجيء لي بالأطعمة التي سماها، وما عنده مطبخ ولا طباخ؟ لكن قل له: يكفي. فقال له: يكفي، هل أنت تشهيني الألوان ولا أنظر شيئا؟ فقال المغربي: مرحبا بك يا جودر. وحط يده في الخرج، فأخرج صحنا من الذهب فيه فرختان محمرتان سخنتان، ثم حط يده ثاني مرة فأخرج صحنا من الذهب فيه كباب، ولا زال يخرج من الخرج حتى أخرج الأربعة والعشرين لونا التي ذكرها بالتمام والكمال، فبهت جودر، فقال له: كل يا مسكين. فقال: يا سيدي، أنت جاعل في هذا الخرج مطبخا وناسا تطبخ؟ فضحك المغربي وقال: هذا مرصود له خادم، لو نطلب في كل ساعة ألف لون يجيء بها الخادم، ويحضرها في الوقت. فقال: نعم هذا الخرج. # ثم إنهما أكلا حتى اكتفيا، والذي فضل كباه ورد الصحون فارغة في الخرج، وحط يده فأخرج إبريقا فشربا وتوضآ وصليا العصر، ورد الإبريق في الخرج، ثم إنه حط فيه الحقين، وحمله على تلك البغلة ms1382 وركب، وقال: اركب حتى نسافر. ثم إنه قال: يا جودر، هل تعلم ما قطعنا من مصر إلى هنا؟ قال له: والله لا أدري. فقال له: قطعنا مسيرة شهر كامل. قال: وكيف ذلك؟ قال له: يا جودر، اعلم أن البغلة التي تحتنا ماردة من مردة الجن، تسافر في اليوم مسافة سنة، ولكن من شأن خاطرك مشت على مهلها. ثم ركبا وسافرا إلى المغرب، فلما أمسيا أخرج من الخرج العشاء، وفي الصباح أخرج الفطور، وما زالا على هذه الحالة مدة أربعة أيام، وهما يسافران إلى نصف الليل، وينزلان فينامان ويسافران في الصباح، وجميع ما يشتهي جودر يطلبه من المغربي يخرجه له من الخرج، وفي اليوم الخامس وصلا إلى فاس ومكناس، ودخلا المدينة، فلما دخلا صار كل من قابل المغربي يسلم عليه ويقبل يده، وما زال كذلك حتى وصل إلى باب فطرقه، وإذا بالباب قد فتح وبان منه بنت كأنها القمر، فقال لها: يا رحمة يا بنتي، افتحي لنا القصر. قالت: على الرأس والعين يا أبتي. ودخلت تهز أعطافها، فطار عقل جودر وقال: ما هذه إلا بنت ملك. ثم إن البنت فتحت القصر، فأخذ الخرج من فوق البغلة، وقال لها: انصرف بارك الله فيك. وإذا بالأرض انشقت ونزلت البغلة، ورجعت الأرض كما كانت، فقال جودر: يا ستار، الحمد لله الذي نجانا فوق ظهرها. ثم إن المغربي قال: لا تعجب يا جودر، فإني قلت لك إن البغلة عفريت، لكن اطلع بنا القصر. فلما دخلا ذلك القصر اندهش جودر من كثرة الفرش الفاخر، ومما رأى فيه من التحف وتعاليق الجواهر والمعادن، فلما جلسا أمر البنت وقال: يا رحمة، هات البقجة الفلانية. فقامت وأقبلت ببقجة ووضعتها بين يدي أبيها، ففتحها وأخرج منها حلة تساوي ألف دينار، وقال له: البس يا جودر مرحبا بك. فلبس الحلة وصار كناية عن ملك من ملوك الغرب، ووضع الخرج بين يديه، ثم مد يده فيه، وأخرج منه أصحنا فيها ألوان مختلفة، حتى صارت سفرة فيها أربعون لونا، فقال: يا مولاي، تقدم ms1383 وكل ولا تؤاخذنا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 613 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المغربي لما أدخل جودر القصر مد له سفرة فيها أربعون لونا، وقال له: تقدم كل ولا تؤاخذنا نحن لا نعرف أي شيء تشتهي من الأطعمة، فقل لنا على ما تشتهي ونحن نحضره إليك من غير تأخير. فقال له: والله يا سيدي الحاج إني أحب سائر الأطعمة، ولا أكره شيئا، فلا تسألني عن شيء، فهات جميع ما يخطر ببالك. وناما على الأكل، ثم إنه أقام عنده عشرين يوما، كل يوم يلبسه حلة والأكل من الخرج، والمغربي لا يشتري شيئا من اللحم ولا عيشا ولا يطبخ، ويخرج كل ما يحتاجه من الخرج حتى أصناف الفاكهة. ثم إن المغربي في اليوم الحادي والعشرين، قال: يا جودر، قم بنا فإن هذا هو اليوم الموعود لفتح كنز الشمردل. فقام معه ومشيا إلى المدينة، ثم خرجا منها، فركب جودر بغلة وركب المغربي بغلة، ولم يزالا مسافرين إلى وقت الظهر، فوصلا إلى نهر ماء جار، فنزل عبد الصمد وقال: انزل يا جودر. فنزل، ثم إن عبد الصمد قال: هيا. وأشار للعبدين بيده، فأخذ البغلتين وراح كل عبد من طريق، ثم غابا قليلا، وقد أقبل أحدهما بخيمة فنصبها، وأقبل الثاني بفراش وفرشه في الخيمة ووضع في دائرها وسائد ومساند، ثم ذهب واحد منهم وجاء بالحقين اللذين فيهما السمكتان، والثاني جاء بالخرج، فقام المغربي وقال: تعال يا جودر. فأتى وجلس بجانبه، وأخرج المغربي من الخرج أصحن الطعام وتغديا، وبعد ذلك أخذ الحقين، ثم إنه عزم عليهما فصارا من داخل يقولان: لبيك يا كهين الدنيا ارحمنا. وهما يستغيثان وهو يعزم عليهما حتى تمزق الحقان فصارا قطعا، وتطايرت قطعهما، فظهر منهما اثنان مكتفان يقولان: الأمان يا كهين الدنيا، مرادك أن تعمل فينا أي شيء؟ فقال: مرادي أن أحرقكما، أو أنكما تعاهداني على فتح كنز الشمردل. فقالا: نعاهدك ونفتح لك الكنز، لكن بشرط أن تحضر جودر الصياد؛ فإن الكنز لا يفتح إلا ms1384 على وجهه، ولا يقدر أحد أن يدخل فيه إلا جودر بن عمر. فقال لهما: الذي تذكرانه قد جئت به، وهو ها هنا يسمعكما وينظركما. فعاهداه على فتح الكنز وأطلقهما. # ثم إنه أخرج قصبة وألواحا من العقيق الأحمر، وجعلها على القصبة، وأخذ مجمرة ووضع فيها فحما، ونفخها نفخة واحدة فأوقد فيها النار، وأحضر البخور وقال: يا جودر، أنا أتلو العزيمة وألقي البخور، فإذا ابتدأت في العزيمة لا أقدر أن أتكلم فتبطل العزيمة، ومرادي أن أعلمك كيف تصنع حتى تبلغ مرادك؟ فقال له: علمني. فقال له: اعلم أني متى عزمت وألقيت البخور نشف الماء من النهر، وبان لك باب من الذهب قدر باب المدينة بحلقتين من المعدن، فانزل إلى الباب واطرقه طرقة خفيفة واصبر مدة، واطرق الثانية طرقة أثقل من الأولى واصبر مدة، واطرقه ثلاث طرقات متتابعات وراء بعضها؛ فتسمع قائلا يقول: من يطرق باب الكنوز، وهو لم يعرف أن يحل الرموز؟ فقل: أنا جودر الصياد بن عمر. فيفتح لك الباب، ويخرج لك شخص بيده سيف، ويقول لك: إن كنت ذلك الرجل فمد عنقك حتى أرمي رأسك. فمد له عنقك ولا تخف، فإنه متى رفع يده بالسيف وضربك وقع بين يديك، وبعد مدة تراه شخصا من غير روح، وأنت لا تتألم بالضربة، ولا يجري عليك شيء، وأما إذا خالفته فإنه يقتلك؛ ثم إنك إذا أبطلت رصده بالامتثال، فادخل حتى ترى بابا آخر فاطرقه، يخرج لك فارس راكب على فرس، وعلى كتفه رمح، فيقول: أي شيء أوصلك إلى هذا المكان الذي لا يدخله أحد من الإنس ولا من الجن؟ ويهز عليك الرمح، فافتح له صدرك فيضربك ويقع في الحال، فتراه جسما من غير روح، وإن خالفت قتلك؛ ثم ادخل الباب الثالث يخرج لك آدمي، وفي يده قوس ونشاب، ويرميك بالقوس، فافتح له صدرك ليضربك ويقع قدامك جسما من غير روح، وإن خالفت قتلك؛ ثم ادخل الباب الرابع ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 614 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، ms1385 أن المغربي قال لجودر: ادخل الباب الرابع واطرقه يفتح لك ويخرج لك سبع عظيم الخلقة، ويهجم عليك ويفتح فمه يريك أنه يقصد أكلك، فلا تخف ولا تهرب منه، فإذا وصل إليك فأعطه يدك، فمتى عض على يدك فإنه يقع في الحال ولا يصيبك شيء؛ ثم ادخل الباب الخامس يخرج لك عبد أسود ويقول لك: من أنت؟ فقل له: أنا جودر. فيقول لك: إن كنت ذلك الرجل فافتح الباب السادس. فتقدم إلى الباب وقل: يا عيسى قل لموسى يفتح الباب. فيفتح الباب، فادخل تجد ثعبانين؛ أحدهما على الشمال، والآخر على اليمين، كل واحد منهما يفتح فاه ويهجمان عليك في الحال، فمد إليهما يديك فيعض كل واحد منهما في يد، وإن خالفت قتلاك. ثم ادخل إلى الباب السابع واطرقه تخرج لك أمك، وتقول لك: مرحبا يا بني، تقدم حتى أسلم عليك. فقل لها: خليك بعيدا عني واخلعي ثيابك. فتقول لك: يا بني، أنا أمك، ولي عليك حق الرضاعة والتربية كيف تعريني؟ فقل لها: إن لم تخلعي ثيابك قتلتك. وانظر جهة يمينك تجد سيفا معلقا في الحائط فخذه، واسحبه عليها وقل لها: اخلعي. فتصير تخادعك، وتتواضع إليك، فلا تشفق عليها، فكلما تخلع لك شيئا قل لها: اخلعي الباقي. ولم تزل تهددها بالقتل حتى تخلع لك جميع ما عليها وتسقط، وحينئذ قد حللت الرموز، وأبطلت الأرصاد، وقد أمنت على نفسك، فادخل تجد الذهب كيمانا داخل الكنز، فلا تعتن بشيء منه، وإنما ترى مقصورة في صدر الكنز وعليها ستارة، فاكشف الستارة فإنك ترى الكهين الشمردل راقدا على سرير من الذهب، وعلى رأسه شيء مدور يلمع مثل القمر، فهو دائرة الفلك، وهو مقلد بالسيف، وفي إصبعه خاتم، وفي رقبته سلسلة فيها مكحلة، فهات الأربع ذخائر، وإياك أن تنسى شيئا مما أخبرتك به، ولا تخالف فتندم ويخشى عليك. # ثم كرر عليه الوصية ثانيا وثالثا ورابعا حتى قال: حفظت، لكن من يستطيع أن يواجه هذه الأرصاد التي ذكرتها ويصبر على هذه الأهوال العظيمة؟ فقال له: يا جودر، لا ms1386 تخف، إنهم أشباح من غير أرواح. وصار يطمئنه، فقال جودر: توكلت على الله. ثم إن المغربي عبد الصمد ألقى البخور، وصار يعزم مدة وإذا بالماء قد ذهب، وبانت أرض النهر، وظهر باب الكنز، فنزل إلى الباب وطرقه، فسمع قائلا يقول: من يطرق أبواب الكنوز، ولم يعرف أن يحل الرموز؟ فقال: أنا جودر بن عمر. فانفتح الباب وخرج له الشخص وجرد السيف، وقال له: مد عنقك. فمد عنقه وضربه، ثم وقع، وكذلك الثاني إلى أن أبطل أرصاد السبعة أبواب، وخرجت أمه وقالت له: سلامات يا ولدي. فقال لها: أنت أي شيء؟ قالت: أنا أمك ولي عليك حق الرضاعة والتربية، وحملتك تسعة أشهر يا ولدي. فقال لها: اخلعي ثيابك. فقالت: أنت ولدي وكيف تعريني؟ قال لها: اخلعي ثيابك وإلا أرمي رأسك بهذا السيف. ومد يده فأخذ السيف وشهره عليها، وقال لها: إن لم تخلعي قتلتك. وطال بينها وبينه العلاج، ثم إنه لما أكثر عليها التهديد خلعت شيئا، فقال: اخلعي الباقي. وعالجها كثيرا حتى خلعت شيئا آخر، وما زال على هذه الحالة وهي تقول له: يا ولدي خابت فيك التربية. حتى لم يبق عليها شيء غير اللباس، فقالت: يا ولدي هل قلبك حجر فتفضحني بكشف العورة؟ يا ولدي، أما هذا حرام؟ فقال: صدقت فلا تخلعي اللباس. فلما نطق بهذه الكلمة صاحت وقالت: قد غلط فاضربوه. فنزل عليه ضرب مثل قطر المطر، واجتمعت عليه خدام الكنز، فضربوه علقة لم ينسها في عمره، ودفعوه فرموه خارج باب الكنز، وانغلقت أبواب الكنز كما كانت، فلما رموه خارج الباب أخذه المغربي في الحال، وجرت المياه كما كانت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 615 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودرا لما ضربه خدام الكنز ورموه خارج الباب وانغلقت الأبواب، وجرى النهر كما كان أولا، قام عبد الصمد المغربي، وقرأ على جودر حتى أفاق وصحا من سكرته، فقال له: أي شيء عملت يا مسكين؟ فقال له: أبطلت الموانع كلها، ووصلت إلى أمي ووقع ms1387 بيني وبينها معالجة طويلة، وصارت يا أخي تخلع ثيابها حتى لم يبق عليها إلا اللباس. فقالت لي: لا تفضحني، فإن كشف العورة حرام. فتركت لها اللباس شفقة عليها، وإذا بها صاحت وقالت: قد غلط فاضربوه. فخرج لي ناس لا أدري أين كانوا، ثم إنهم ضربوني علقة حتى أشرفت على الموت، ودفعوني ولم أدر بعد ذلك ما جرى لي. فقال له: أما قلت لك لا تخالف؟ قد أسأتني وأسأت نفسك، فلو خلعت لباسها كنا بلغنا المراد، ولكن حينئذ تقيم عندي إلى العام القابل لمثل هذا اليوم. ونادى العبدين في الحال، فحلا الخيمة وحملاها، ثم غابا قليلا ورجعا بالبغلتين، فركب كل واحد بغلة ورجعا إلى مدينة فاس، فأقام عنده في أكل طيب، وشرب طيب، وكل يوم يلبسه حلة فاخرة، إلى أن فرغت السنة وجاء ذلك اليوم، فقال له المغربي: هذا هو اليوم الموعود فامض بنا. قال له: نعم. فأخذه إلى خارج المدينة، فرأيا العبدين بالبغلتين، ثم ركبا إلى أن وصلا عند النهر، فنصب العبدان الخيمة وفرشاها، وأخرج السفرة فتغديا، وبعد ذلك أخرج القصبة والألواح مثل الأول، وأوقد النار وأحضر له البخور وقال له: يا جودر، مرادي أن أوصيك. فقال له: يا سيدي الحاج، إن كنت نسيت العلقة أكون نسيت الوصية. فقال له: هل أنت حافظ الوصية؟ قال: نعم. قال: احفظ روحك، ولا تظن أن المرأة أمك، وإنما هي رصد في صورة أمك، ومرادها أن تغلطك، وإن كنت أول مرة طلعت حيا فإنك في هذه المرة أن غلطت يرمونك مقتولا. قال: إن غلطت أستحق أن يحرقوني. # ثم إن المغربي وضع البخور وعزم فنشف النهر، فتقدم جودر إلى الباب وطرقه فانفتح، وأبطل الأرصاد السبعة إلى أن وصل إلى أمه، فقالت له: مرحبا يا ولدي. فقال لها: من أين أنا ولدك يا ملعونة؟ اخلعي. فجعلت تخادعه، وتخلع شيئا بعد شيء حتى لم يبق غير اللباس. فقال: اخلعي يا ملعونة. فخلعت اللباس، وصارت شبحا بلا روح، فدخل ورأى الذهب كيمانا، فلم يعتن بشيء، ثم أتى المقصورة ms1388 ورأى الكهين الشمردل راقدا متقلدا بالسيف، والخاتم في أصبعه، والمكحلة على صدره، ورأى دائرة الفلك فوق رأسه، فتقدم وفك السيف وأخذ الخاتم ودائرة الفلك والمكحلة وخرج. وإذا بنوبة دقت له وصار الخدام ينادون: هنيت بما أعطيت يا جودر. ولم تزل النوبة تدق إلى أن خرج من الكنز، ووصل إلى المغربي، فأبطل العزيمة والبخور، وقام وحضنه وسلم عليه، وأعطاه جودر الأربع ذخائر، فأخذها وصاح على العبدين، فأخذا الخيمة ورداها ورجعا بالبغلتين فركباهما، ودخل مدينة فاس، فأحضر الخرج وجعل يطلع منه الصحون، وفيها الألوان وكملت قدامه سفرة، وقال: يا أخي يا جودر، كل. فأكل حتى اكتفى وفرغ بقية الأطعمة في صحون غيرها، ورد الفوارغ في الخرج. # ثم إن المغربي عبد الصمد قال: يا جودر، أنت فارقت أرضك وبلادك من أجلنا، وقضيت حاجتنا، وصار لك علينا أمنية، فتمن ما تطلب، فإن الله تعالى أعطاك، ونحن السبب، فاطلب مرادك ولا تستح فإنك تستحق. فقال: يا سيدي، تمنيت على الله، ثم عليك، أن تعطيني هذا الخرج. قال: هات الخرج. فجاء به، قال: خذه فإنه حقك، ولو كنت تمنيت غيره لأعطيناك إياه، ولكن يا مسكين هذا ما يفيدك غير الأكل، وأنت تعبت معنا ونحن وعدناك أن نرجعك إلى بلادك مجبور الخاطر، والخرج هذا تأكل منه، ونعطيك خرجا آخر ملآنا من الذهب والجواهر، ونوصلك إلى بلادك فتصير تاجرا، واكس نفسك وعيالك، ولا تحتاج إلى مصروف، وكل أنت وعيالك من هذا الخرج؛ وكيفية العمل به أنك تمد يدك فيه وتقول: بحق ما عليك من الأسماء العظام يا خادم هذا الخرج، أن تأتيني باللون الفلاني. فإنه يأتيك بما تطلبه، ولو طلبت كل يوم ألف لون. ثم إنه أحضر عبدا ومعه بغلة، وملأ به خرجا عينا بالذهب، وعينا بالجواهر والمعادن، وقال له: اركب هذه البغلة والعبد يمشي قدامك، فإنه يعرفك الطريق إلى أن يوصلك إلى باب دارك، فإذا وصلت فخذ الخرجين وأعطه البغلة فإنه يأتي بها، ولا تظهر أحدا على سرك، واستودعناك الله. فقال له: كثر الله خيرك. وحط الخرجين ms1389 على ظهر البغلة وركب، والعبد مشى قدامه، وصارت البغلة تتبع العبد ذلك النهار وطول الليل، وثاني يوم في الصباح دخل من باب النصر، فرأى أمه قاعدة تقول: شيئا لله. فطار عقله، ونزل من فوق ظهر البغلة، ورمى روحه عليها، فلما رأته بكت، ثم إنه ركبها ظهر البغلة، ومشى في ركابها إلى أن وصل إلى البيت، فنزل أمه وأخذ الخرجين، وترك البغلة للعبد، فأخذها وراح لسيده لأن العبد شيطان والبغلة شيطان. # وأما ما كان من جودر، فإنه صعب عليه كون أمه تسأل، فلما دخل البيت قال لها: يا أمي، هل أخواي طيبان؟ قالت: طيبان. قال: لأي شيء تسألين في الطريق؟ قالت: يا ابني من جوعي. قال: أنا أعطيتك قبل ما أسافر مائة دينار في أول يوم، ومائة دينار ثاني يوم، وأعطيتك ألف دينار يوم أن سافرت! فقالت له: يا ولدي، قد مكرا بي وأخذاها مني. وقالا: مرادنا أن نشتري بها سببا. فأخذاها وطرداني، فصرت أسأل في الطريق من شدة الجوع. فقال: يا أمي، ما عليك بأس حيث جئت، فلا تحملي هما أبدا؛ هذا خرج ملآن ذهبا وجواهر والخير كثير. فقالت له: يا ولدي، أنت مسعد، الله يرضى عليك ويزيدك من فضله، قم يا بني هات لنا عيشا، فإني بائتة بشدة الجوع من غير عشاء. فضحك وقال لها: مرحبا بك يا أمي، فاطلبي أي شيء تأكلينه وأنا أحضره لك في هذه الساعة، ولا أحتاج لشرائه من السوق ولا لمن يطبخ. فقالت: يا ولدي، ما أنا ناظرة معك شيئا؟ فقال: معي في الخرج من جميع الألوان. فقالت: يا ولدي كل شيء حضر يسد. قال: صدقت، فعند عدم الموجود يقنع الإنسان بأقل الشيء، وأما إذا كان الموجود حاضرا؛ فإن الإنسان يشتهي أن يأكل من الشيء الطيب، وأنا عندي الموجود، فاطلبي ما تشتهين. قالت له: يا ولدي عيشا سخنا وقطعة جبن. فقال: يا أمي، ما هذا من مقامك؟ فقالت له: أنت تعرف مقامي، فالذي من مقامي أطعمني منه. فقال: يا أمي، أنت من مقامك اللحم ms1390 المحمر، والفراخ المحمرة، والأرز المفلفل، ومن مقامك المنبار المحشي، والقرع المحشي، والخروف المحشي، والضلع المحشي، والكنافة بالمكسرات والعسل النحل والسكر والقطايف والبقلاوة. # فظنت أمه أنه يضحك عليها ويسخر منها، فقالت له: يوه يوه، أي شيء جرى لك؟ هل أنت تحلم وإلا جننت؟ فقال لها: من أين علمت أني جننت؟ قالت له: لأنك تذكر لي جميع الألوان الفاخرة، فمن يقدر على ثمنها؟ ومن يعرف أن يطبخها؟ فقال لها: وحياتي لا بد أن أطعمك من جميع الذي ذكرته لك في هذه الساعة. فقالت له: ما أنا ناظرة شيئا. فقال لها: هاتي الخرج. فجاءت له بالخرج وجسته فرأته فارغا، وقدمته إليه، فصار يمد يديه، ويخرج صحونا ملآنة، حتى إنه أخرج لها جميع ما ذكره، فقالت له أمه: يا ولدي، إن الخرج صغير وكان فارغا وليس فيه شيء، وقد أخرجت منه هذا كله! فهذه الصحون أين كانت؟ فقال لها: يا أمي، اعلمي أن هذا الخرج أعطانيه المغربي وهو مرصود، وله خادم إذا أراد الإنسان شيئا وتلا عليه الأسماء وقال: يا خادم هذا الخرج هات لي اللون الفلاني؛ فإنه يحضره. فقالت له أمه: هل أمد يدي وأطلب منه؟ قال: مدي يدك. فمدت يدها وقالت: بحق ما عليك من الأسماء يا خادم هذا الخرج أن تجيء لي بضلع محشي. فرأت الصحن صار في الخرج، فمدت يدها فأخذته، فوجدت فيه ضلعا محشيا نفيسا، ثم طلبت العيش، وطلبت كل شيء أرادته من أنواع الطعام، فقال لها: يا أمي، بعد أن تفرغي من الأكل أفرغي بقية الأطعمة في صحون غير هذه الصحون، وأرجعي الفوارغ في الخرج؛ فإن الرصد على هذه الحالة، واحفظي الخرج. فنقلت الخرج وحفظته وقال لها: يا أمي، اكتمي السر وأبقيه عندك، وكلما احتجتي لشيء أخرجيه من الخرج وتصدقي، وأطعمي أخوي، سواء كان في حضوري أو في غيابي. # وجعل يأكل هو وإياها، وإذا بأخويه يدخلان عليه، وكان بلغهم الخبر من رجل من أولاد حارته وقال لهم: أخوكم أتى وهو راكب على بغلة وقدامه عبد، وعليه حلة ليس ms1391 لها نظير. فقالا لبعضهما: يا ليتنا ما كنا شوشنا على أمنا، لا بد أنها تخبره بما عملنا فيها، يا فضيحتنا منه. فقال واحد منهما: أمنا شفيقة، فإن أخبرته، فإن أخانا أشفق منها علينا، وإذا اعتذرنا إليه يقبل عذرنا. ثم دخلا عليه فقام لهما على الأقدام، وسلم عليهما غاية السلام، وقال لهما: اقعدا وكلا. فقعدا وأكلا وكانا ضعيفين من الجوع، فما زالا يأكلان حتى شبعا، فقال لهما جودر: يا أخوي، خذا بقية الطعام، وفرقاه على الفقراء والمساكين. فقالا له: يا أخانا، خله لنتعشى به. فقال لهما: وقت العشاء يأتيكما أكثر منه. فأخرجا بقية الأطعمة، وصار كل فقير جاز عليهما يقولان له: خذ وكل. حتى لم يبق شيء، ثم ردا الصحون، فقالا لأمه: حطيها في الخرج. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 616 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جودرا لما خلص أخواه من الغداء، قال لأمه: حطي الصحون في الخرج. وعند المساء دخل القاعة، وأخرج من الخرج سماطا أربعين لونا وطلع، فلما جلس بين أخويه قال لأمه: هاتي العشاء. فلما دخلت رأت الصحون ممتلئة، فحطت السفرة، ونقلت الصحون شيئا بعد شيء حتى كملت الأربعين صحنا، فتعشوا، وبعد العشاء قال: خذوا وأطعموا الفقراء والمساكين. فأخذوا بقية الأطعمة وفرقوها، وبعد العشاء أخرج لهم حلويات فأكلوا منها، والذي فضل منهم قال: أطعموه للجيران. وفي ثاني يوم الفطور كذلك، وما زالوا على هذه الحالة مدة عشرة أيام، ثم قال سالم لسليم: ما سبب هذا الأمر، إن أخانا يخرج لنا ضيافة في الصبح، وضيافة في الظهر، وضيافة في المغرب، وفي آخر الليل يخرج حلويات، وكل شيء فضل يفرقه على الفقراء، وهذا فعل السلاطين، ومن أين أتته هذه السعادة؟ ألا تسأل عن هذه الأطعمة المختلفة وعن هذه الحلويات؟ وكل شيء فضل يفرقه على الفقراء والمساكين، ولا نراه يشتري شيئا أبدا، ولا يوقد نارا، وليس له مطبخ ولا طباخ! فقال أخوه: والله لا أدري، ولكن هل تعرف من يخبرنا بحقيقة هذا الأمر؟ قال له: ms1392 لا يخبرنا إلا أمنا. فدبرا لهما حيلة ودخلا على أمهما في غياب أخيهما، وقالا: يا أمنا نحن جائعان. فقالت لهما: أبشرا. ودخلت القاعة فطلبت من خادم الخرج، وأخرجت لهما أطعمة سخنة، فقالا: يا أمنا، هذا الطعام سخن، وأنت لم تطبخي ولم تنفخي! فقالت لهما: إنها من الخرج. فقالا لها: أي شيء هذا الخرج؟ فقالت لهما: إن الخرج مرصود، والطلب من الرصد. وأخبرتهما بالخبر، وقالت لهما: اكتما السر. فقالا لها: السر مكتوم يا أمنا، ولكن علمينا كيفية ذلك. فعلمتهما وصارا يمدان أياديهما ويخرجان الشيء الذي يطلبانه، وأخوهما ما عنده خبر بذلك. فلما علما بصفة الخرج، قال سالم لسليم: يا أخي، إلى متى ونحن عند جودر في صفة الخدامين، ونأكل صدقته؟ ألا نعمل عليه حيلة ونأخذ هذا الخرج ونفوز به؟ فقال: كيف تكون الحيلة؟ قال: نبيع أخانا لرئيس بحر السويس. فقال له: وكيف نصنع حتى نبيعه؟ فقال: أروح أنا وأنت لذلك الرئيس ونعزمه مع اثنين من جماعته، والذي أقوله لجودر تصدقني عليه، وآخر الليل أريك ما أصنع. # ثم اتفقا على بيع أخيهما، وراحا بيت رئيس بحر السويس ودخل سالم وسليم على الرئيس، وقالا له: يا رئيس، جئناك في حاجة تسرك. فقال: خيرا؟ قالا له: نحن أخوان، ولنا أخ ثالث معكوس لا خير فيه، ومات أبونا، وخلف لنا جانبا من المال، ثم إننا قسمنا المال وأخذ هو ما نابه من الميراث، فصرفه في الفسق والفساد، ولما افتقر تسلط علينا وصار يشكونا إلى الظلمة، ويقول: أنتما أخذتما مالي، ومال أبي. وبقينا نترافع إلى الحكام وخسرنا المال، وصبر علينا مدة، واشتكانا ثانيا حتى أفقرنا، ولم يرجع عنا وقد قلقنا منه، والمراد أنك تشتريه منا. فقال لهما: هل تقدران أن تحتالا عليه وتأتياني به إلى هنا، وأنا أرسله سريعا إلى البحر؟ فقالا: ما نقدر أن نجيء به، ولكن أنت تكون ضيفنا، وهات معك اثنين من غير زيادة، فلما ينام نتعاون عليه نحن الخمسة فنقبضه ونجعل في فمه العقلة، وتأخذه تحت الليل، ونخرج به من البيت، وافعل ms1393 فيه ما شئت. فقال لهما: سمعا وطاعة، أتبيعانه بأربعين دينارا؟ فقالا له: نعم، وبعد العشاء تأتي الحارة الفلانية، فتجد واحدا منا ينتظركم. فقال لهما: روحا. # فقصدا جودرا وصبرا ساعة، ثم تقدم إليه سالم وقبل يده، فقال له: ما لك يا أخي؟ فقال له: اعلم أن لي صاحبا، وعزمني مرات عديدة في بيته في غيابك، وله علي ألف جميلة، ودائما يكرمني بعلم أخي، فسلمت عليه اليوم فعزمني، فقلت له: أنا ما أقدر أن أفارق أخي. فقال: هاته معك. فقلت: لا يرضى بذلك، ولكن إن كنت تضيفنا أنت وإخوتك. وكان أخواه جالسين عنده فعزمتهم، وقد ظننت أني أعزمهم ويمتنعون، فلما عزمته هو وأخويه، رضي وقال: انتظرني على باب الزاوية، وأنا أجيء بإخوتي. فأنا خائف أن يجيء ومستح منك، فهل تجبر خاطري وتضيفهم في هذه الليلة؟ وأنت خيرك كثير يا أخي، وإن كنت لم ترض، فأذن لي أن أدخلهم بيت الجيران. فقال له: لأي شيء تدخلهم بيت الجيران؟ فهل بيتنا ضيقا وما عندنا شيء نعشيهم به؟ عيب عليك أن تشاورني، ما لك إلا أطعمة طيبة وحلويات إلى أن يفضل عنهم، وإن جئت بناس وكنت أنا غائبا، فاطلب من أمك تخرج لك أطعمة بزيادة. رح هاتهم حلت علينا البركات. فقبل يده وراح، فقعد على باب الزاوية لبعد العشاء، وإذا بهم قد أقبلوا عليه، فأخذهم ودخل بهم البيت، فلما رآهم جودر قال لهم: مرحبا بكم. وأجلسهم، وعمل معهم صحبة، وهو لا يعلم ما في الغيب منهم. ثم إنه طلب العشاء من أمه، فجعلت تخرج من الخرج وهو يقول: هات اللون الفلاني. حتى صار قدامهم أربعون لونا، فأكلوا حتى اكتفوا، ورفعت السفرة، والبحرية يظنون أن هذا الإكرام من عند سالم، فلما مضى ثلث الليل أخرج لهم الحلويات، وسالم هو الذي يخدمهم، وجودر وسليم قاعدان إلى أن طلبوا المنام، فقام جودر ونام وناموا حتى غفل، فقاموا وتعاونوا عليه، فلم يفق إلا والعقلة في فمه، وكتفوه وحملوه، وخرجوا به من القصر تحت الليل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن ms1394 الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 617 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودرا لما أخذوه وحملوه وخرجوا به من القصر تحت الليل، أرسلوه إلى السويس، وحطوا في رجليه القيد، وأقام يخدم وهو ساكت، ولم يزل يخدم خدمة الأسارى والعبيد سنة كاملة. # هذا ما كان من أمر جودر، وأما ما كان من أمر أخويه، فإنهما لما أصبحا دخلا على أمهما وقالا لها: يا أمنا، إن أخانا جودر لم يستيقظ. فقالت لهما: أيقظاه. قالا لها: أين هو راقد؟ قالت لهما: عند الضيوف. قالا: لعله راح مع الضيوف ونحن نائمان يا أمي، كأن أخانا ذاق الغربة، ورغب في دخول الكنوز، وقد سمعناه يتكلم مع المغاربة، فيقولون له: نأخذك معنا ونفتح لك الكنز. فقالت: هل اجتمع مع المغاربة؟ قالا لها: أما كانوا ضيوفا عندنا؟ قالت: لعله راح معهم، ولكن الله يرشد طريقه، هذا مسعد لا بد أن يأتي بخير كثير. وبكت وعز عليها فراقه، فقالا لها: يا ملعونة، أتحبين جودرا كل هذه المحبة، ونحن إن غبنا أو حضرنا فلا تفرحي بنا، ولا تحزني علينا، أما نحن ولداك كما أن جودرا ابنك؟ فقالت: أنتما ولداي، ولكن أنتما شقيان، ولا لكما علي فضل، ومن يوم مات أبوكما ما رأيت منكما خيرا، وأما جودر فرأيت منه خيرا كثيرا وجبر خاطري وأكرمني، فيحق لي أن أبكي عليه؛ لأن خيره علي وعليكما. # فلما سمعا هذا الكلام شتماها وضرباها، ودخلا وصارا يفتشان على الخرج حتى عثرا به، وأخذا الجواهر من العين الأولى، والذهب من العين الثانية، والخرج المرصودة، فقالا لها: هذا مال أبينا. فقالت: لا والله إنما هو مال أخيكما جودر، جاء به من بلاد المغاربة. فقالا لها: كذبت، بل هذا مال أبينا نتصرف فيه. فقسماه بينهما، ووقع الاختلاف بينهما في الخرج المرصود، فقال سالم: أنا آخذه. وقال سليم: أنا آخذه. ووقعت بينهما المعاندة، فقالت أمهما: يا ولدي، الخرج الذي فيه الجواهر والذهب قسمتماه، وهذا لا ينقسم ولا يعادل بمال، وإن انقطع قطعتين بطل رصده، ولكن اتركاه عندي، وأنا أخرج ms1395 لكما ما تأكلانه في كل وقت، وأرضى بينكما باللقمة، وإن كسوتماني شيئا من فضلكما، وكل منكما يجعل له معاملة مع الناس، وأنتما ولداي وأنا أمكما، وخلونا على حالنا، ربما يأتي أخوكما خوف الفضيحة. فما قبلا كلامها وباتا يختصمان تلك الليلة، فسمعهما رجل قواص من أعوان الملك كان معزوما في بيت بجنب بيت جودر طاقته مفتوحة، فطل القواص من الطاقة، وسمع جميع الخصام وما قالوه من الكلام والقسمة، فلما أصبح الصباح دخل ذلك الرجل القواص على الملك - وكان اسمه شمس الدولة، وكان ملك مصر في ذلك العصر - فلما دخل عليه القواص أخبره بما قد سمعه، فأرسل الملك إلى أخوي جودر وجاء بهما ورماهما تحت العذاب، فأقرا وأخذ الخرجين منهما، ووضعهما في السجن. ثم إنه عين إلى أم جودر من الجرايات في كل يوم ما يكفيها. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر جودر، فإنه أقام سنة كاملة يخدم في السويس، وبعد السنة كانوا في المركب، فخرج عليهم ريح رمى المركب التي هم فيها على جبل فانكسرت، وغرق جميع ما فيها، ولم يحصل البر إلا جودر، والبقية ماتوا، فلما حصل البر سافر حتى وصل إلى نجع عرب، فسألوه عن حاله، فأخبرهم أنه كان بحريا في مركب، وحكى لهم قصته، وكان في النجع رجل تاجر من أهل جدة فحن عليه، وقال له: تخدم عندنا يا مصري، وأنا أكسوك وآخذك معي إلى جدة؟ فخدم عنده وسافر معه إلى أن وصلا إلى جدة، فأكرمه كثيرا. ثم إن سيده التاجر طلب الحج، فأخذه معه إلى مكة، فلما دخلاها راح جودر ليطوف في الحرم، فبينما هو يطوف وإذا هو بصاحبه المغربي عبد الصمد يطوف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 618 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودرا لما كان ماشيا بالطواف، وإذا هو بصاحبه المغربي عبد الصمد يطوف، فلما رآه سلم عليه وسأله عن حاله فبكى، ثم أخبره بما جرى له، فأخذه معه إلى أن دخل منزله وأكرمه وألبسه ms1396 حلة ليس لها نظير، وقال له: زال عنك الشر يا جودر. وضرب له تخت رمل، فبان له الذي جرى لأخويه، فقال له: اعلم يا جودر أن أخويك جرى لهما كذا وكذا، وهما محبوسان في سجن ملك مصر، ولكن مرحبا بك حتى تقضي مناسكك، ولا يكون إلا خيرا. فقال له: ائذن لي يا سيدي حتى أروح آخذ خاطر التاجر الذي أنا عنده وأجيء إليك. فقال: هل عليك مال؟ قال: لا. فقال: رح خذ بخاطره وتعال في الحال، فإن العيش له حق عند أولاد الحلال. فراح وأخذ بخاطر التاجر وقال له: إني اجتمعت على أخي. فقال له: رح هاته ونعمل له ضيافة. فقال له: ما يحتاج، فإنه من أصحاب النعم، وعنده خدم كثير. فأعطاه عشرين دينارا وقال له: أبرئ ذمتي. فودعه وخرج من عنده، فرأى رجلا فقيرا فأعطاه العشرين دينارا. ثم إنه ذهب إلى عبد الصمد المغربي فأقام عنده حتى قضيا مناسك الحج، وأعطاه الخاتم الذي أخرجه من كنز الشمردل، وقال له: خذ هذا الخاتم، فإنه يبلغك مرادك؛ لأن له خادما اسمه الرعد القاصف، فجميع ما تحتاج إليه من حوائج الدنيا فادعك الخاتم يظهر لك الخادم، وجميع ما تأمره به يفعله لك. ودعكه قدامه فظهر له الخادم، ونادى: لبيك يا سيدي، أي شيء تطلب فتعطى، فهل تعمر مدينة خربة أو تخرب مدينة عامرة، أو تقتل ملكا، أو تكسر عسكرا؟ فقال المغربي: يا رعد، هذا صار سيدك فاستوص به. ثم صرفه وقال: ادعك الخاتم يحضر بين يديك خادمه، فمره بما في مرادك، فإنه لا يخالفك، وامض إلى بلادك واحتفظ عليه، فإنك تكيد به أعداءك، ولا تجهل مقدار هذا الخاتم. فقال له: يا سيدي، عن إذنك أسير على بلادي. قال له: ادعك الخاتم يظهر لك الخادم، فاركب على ظهره، وإن قلت له أوصلني في هذا اليوم إلى بلادي فلا يخالف أمرك. # ثم ودع جودر عبد الصمد ودعك الخاتم، فحضر له الرعد القاصف، وقال له: لبيك اطلب تعط. فقال له: أوصلني إلى مصر في هذا ms1397 اليوم. فقال له: لك ذلك. وحمله وطار به من وقت الظهر إلى نصف الليل، ثم نزل به في وسع بيت أمه وانصرف، فدخل على أمه، فلما رأته قامت وبكت وسلمت عليه، وأخبرته بما جرى لأخويه من الملك، وكيف ضربهما وأخذ الخرج المرصود، والخرج الذهب والجواهر؛ فلما سمع جودر ذلك لم يهن عليه أخواه، فقال لأمه: لا تحزني على ما فاتك، ففي هذه الساعة أريك ما أصنع، وأجيء بأخوي. ثم إنه دعك الخاتم فحضر له الخادم وقال: لبيك، اطلب تعط. فقال له: أمرتك أن تجيء لي بأخوي من سجن الملك. فنزل إلى الأرض ولم يخرج إلا من وسط السجن، وكان سالم وسليم في أشد ضيق وكرب عظيم من ألم السجن، وصارا يتمنيان الموت، وأحدهما يقول للآخر: والله يا أخي قد طالت علينا المشقة، وإلى متى ونحن في هذا السجن؟ فالموت فيه راحة لنا. فبينما هما كذلك وإذا بالأرض قد انشقت وخرج لهما الرعد القاصف، وحمل الاثنين ونزل بهما في الأرض، فغشي عليهما من شدة الخوف، فلما أفاقا وجدا أنفسهما في بيتهما، ورأيا أخاهما جودر جالسا وأمه في جانبه، فقال لهما: سلامات يا أخوي، آنستماني. فطأطآ وجهيهما في الأرض، وصارا يبكيان، فقال لهما: لا تبكيا، فالشيطان والطمع ألجآكما إلى ذلك، وكيف تبيعاني؟ ولكني أتسلى بيوسف، فإنه فعل به إخوته أبلغ من فعلكم معي حيث رموه في الجب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 619 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودرا قال لأخويه: كيف فعلتما معي هذا الأمر؟ ولكن توبا إلى الله واستغفراه فيغفر لكما وهو الغفور الرحيم، وقد عفوت عنكما ومرحبا بكما، ولا بأس عليكما. وجعل يأخذ بخواطرهما حتى طيب قلوبهما، وصار يحكي لهما جميع ما قاساه في السويس، إلى أن اجتمع بالشيخ عبد الصمد وأخبرهما بالخاتم، فقالا: يا أخانا لا تؤاخذنا في هذه المرة، إن عدنا لما كنا فيه فافعل بنا مرادك. فقال: لا بأس عليكما، ولكن أخبراني بما فعل بكما الملك. فقال: ضربنا وهددنا وأخذ ms1398 الخرجين منا. فقال: أما يبالي؟ ودعك الخاتم فحضر له الخادم، فلما رآه أخواه خافا منه، وظنا أنه يأمر الخادم بقتلهما، فذهبا إلى أمهما وصارا يقولان: يا أمنا، نحن في عرضك يا أمنا اشفعي فينا. فقالت لهما: يا ولدي لا تخافا. ثم إنه قال للخادم: أمرتك أن تأتيني بجميع ما في خزانة الملك من الجواهر وغيرها، ولا تبق فيها شيئا، وتأتي بالخرج المرصود، وخرج الجواهر اللذين أخذهما الملك من أخوي. فقال: السمع والطاعة. وذهب في الحال وجمع ما في الخزانة وجاء بالخرجين بأمانتهما، ووضع جميع ما كان في الخزانة قدام جودر، وقال: يا سيدي، ما أبقيت في الخزانة شيئا. فأمر أمه أن تحفظ خرج الجواهر وحط الخرج المرصود قدامه، وقال للخادم: أمرتك أن تبني لي في هذه الليلة قصرا عاليا، وتزوقه بماء الذهب، وتفرشه فرشا فاخرا، ولا يطلع النهار إلا وأنت خالص من جميعه. فقال له: لك ذلك. ونزل في الأرض، وبعد ذلك أخرج جودر الأطعمة وأكلوا وانبسطوا وناموا. # وأما ما كان من أمر الخادم، فإنه جمع أعوانه وأمر ببناء القصر، فصار البعض منهم يقطع الأحجار والبعض يبني والبعض يبيض، والبعض ينقش والبعض يفرش، فما طلع النهار حتى تم انتظام القصر، ثم طلع الخادم إلى جودر، وقال: يا سيدي، إن القصر كمل وتم نظامه، فإن كنت تطلع تتفرج عليه فاطلع. فطلع هو وأمه وأخواه فرأوا هذا القصر ليس له نظير، يحير العقول من حسن نظامه، ففرح به جودر وكان على قارعة الطريق، ومع ذلك لم يتكلف عليه شيء، فقال لأمه: هل تسكنين في هذا القصر؟ فقالت: يا ولدي، أسكن. ودعت له، فدعك الخاتم وإذا بالخادم يقول: لبيك. فقال له: أمرتك أن تأتيني بأربعين جارية بيض ملاح، وأربعين جارية سود، وأربعين مملوكا، وأربعين عبدا. فقال: لك ذلك. وذهب مع أربعين من أعوانه إلى بلاد الهند والسند والعجم، وصاروا كلما رأوا بنتا جميلة يخطفونها أو غلاما يخطفونه، وأنفذ أربعين؛ فجاءوا بجوار سود ظراف وأربعين جاءوا بعبيد، وأتى الجميع دار جودر فملئوها، ثم عرضهم ms1399 على جودر فأعجبوه، فقال: هات لكل شخص حلة من أفخر الملبوس. قال: حاضر. وقال: هات حلة تلبسها أمي، وحلة ألبسها أنا. فأتى بالجميع، وألبس الجواري، وقال لهم: هذه سيدتكم فقبلوا يدها ولا تخالفوها، واخدموها بيضا وسودا. ولبس المماليك وقبلوا يد جودر، ولبس أخواه، وصار جودر كناية عن ملك وأخواه مثل الوزراء، وكان بيته واسعا فأسكن سالما وجواريه في جهة، وسليما وجواريه في جهة، وسكن هو وأمه في القصر الجديد، وصار كل منهم في محله مثل السلطان. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر خازندار الملك، فإنه أراد أن يأخذ بعض مصالح من الخزانة، فدخل فلم ير فيها شيئا، بل وجدها كقول من قال: # كانت خليات نحل وهي عامرة %~% لما خلا نحلها صارت خليات # فصاح صيحة عظيمة ووقع مغشيا عليه، فلما أفاق خرج من الخزانة وترك بابها مفتوحا، ودخل على الملك شمس الدولة وقال: يا أمير المؤمنين، الذي نعلمك به أن الخزانة فرغت في هذه الليلة. فقال الملك: ما صنعت بأموالي التي في خزانتي؟ فقال: والله ما صنعت فيها شيئا، ولا أدري ما سبب فراغها، بالأمس دخلتها فرأيتها ممتلئة، واليوم دخلتها فرأيتها فارغة ليس فيها شيء، والأبواب مغلقة ولا نقبت، ولا كسرت ضبتها، ولم يدخلها سارق. فقال له: هل راح منها الخرجان؟ فقال: نعم. فطار عقله من رأسه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 620 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن خازندار الملك لما دخل عليه وأعلمه أن ما في الخزانة ضاع، وكذلك الخرجان، طار عقله من رأسه، وقام على قدميه، ثم إنه قال للخازندار: امض قدامي. فمضى وتبعه الملك حتى أتيا الخزانة، فلم يجد فيها شيئا، فانقهر الملك وقال: من سطا على خزانتي ولم يخف من سطوتي؟ وغضب غضبا شديدا، ثم خرج ونصف الديوان، فجاءت أكابر العساكر وصار كل منهم يظن أن الملك غضبان عليه فقال: يا عساكر، اعلموا أن خزانتي انتهبت في هذه الليلة، ولم أعلم من فعل هذه الفعال وسطا علي، ms1400 ولم يخف مني؟ فقالوا: وكيف ذلك؟ فقال: اسألوا الخازندار. فسألوه، قال الخازندار: بالأمس كانت ممتلئة، واليوم دخلتها فرأيتها فارغة، ولم تنقب ولم يكسر بابها. فتعجب جميع العسكر من هذا الكلام، فلم يحصل رد الجواب من العسكر إلا والقواص الذي نم سابقا على سليم وسالم داخل على الملك، وقال: يا ملك الزمان، طول الليل، وأنا أتفرج على بنائين يبنون، فلما طلع النهار رأيت قصرا مبنيا ليس له نظير، فسألت فقيل لي: إن جودرا أتى وبنى هذا القصر وعنده مماليك وعبيد، وجاء بأموال كثيرة، وخلص أخويه من السجن وهو في داره كأنه سلطان. فقال الملك: انظروا السجن. فنظروه فلم يروا سالما وسليما، فرجعوا وأعلموه بما جرى، فقال الملك: بان غريمي، فالذي خلص سالما وسليما من السجن هو الذي أخذ مالي. فقال الوزير: يا سيدي، من هو؟ قال: أخوهم جودر، وأخذ الخرجين، ولكن يا وزير، أرسل لهم أميرا بخمسين رجلا يقبضون عليه وعلى أخويه، ويضعون الختم على جميع ماله، ويأتوني به حتى أشنقهم. وقد غضب غضبا شديدا وقال: هيا بالعجل ابعث لهم أميرا يأتيني بهم لأقتلهم. فقال له الوزير: احلم، فإن الله حليم لا يعجل على عبده إذا عصاه، فإن الذي يكون بنى قصرا في ليلة واحدة، كما قالوا لم يقس عليه أحد في الدنيا، وإني أخاف على الأمير أن يجري له مشقة من جودر، فاصبر حتى أدبر لك تدبيرا وتنظر حقيقة الأمر، والذي في مرادك أنت لاحقه يا ملك الزمان. فقال الملك: دبر لي تدبيرا يا وزير. قال له: أرسل له الأمير واعزمه، ثم إني أتقيد لك به، وأظهر له الود وأسأله عن حاله، وبعد ذلك ننظر إن كان عزمه شديدا نحتال عليه، وإن كان عزمه ضعيفا فاقبض عليه وافعل به مرادك. فقال الملك: أرسل اعزمه. فأمر أميرا اسمه الأمير عثمان أن يروح إلى جودر ويعزمه ويقول له: الملك يدعوك للضيافة. وقال له الملك: لا تجئ إلا به. # ![fig9](../Images/figure9.png) # فوصل الأمير عثمان إلى قصر جودر ومعه خمسون رجلا. # وكان ذلك الأمير أحمقا متكبرا ms1401 في نفسه، فلما نزل رأى قدام باب القصر طواشيا جالسا على كرسي في باب القصر، فلما وصل الأمير عثمان إلى القصر لم يقم له، وكأنه لم يكن مقبلا عليه أحد، ومع ذلك كان مع الأمير عثمان خمسون رجلا، فوصل الأمير عثمان وقال له: يا عبد، أين سيدك؟ قال: في القصر. وصار يكلمه وهو متكئ، فغضب الأمير عثمان وقال له: يا عبد النحس، أما تستحي مني وأنا أكلمك وأنت مضطجع مثل العلوق؟ فقال له: امش لا تكن كثير الكلام. فما سمع منه هذا الكلام حتى امتزج بالغضب وسحب الدبوس وأراد أن يضرب الطواشي ولم يعلم أنه شيطان، فلما رآه سحب الدبوس قام واندفع عليه، وأخذ منه الدبوس وضربه به أربع ضربات، فلما رآه الخمسون رجلا صعب عليهم ضرب سيدهم، فسحبوا السيوف وأرادوا أن يقتلوا العبد، فقال لهم: أتسحبون السيوف يا كلاب؟ وقام عليهم وصار كل من لطشه دبوسا يهشمه، ويغرقه في الدم، فانهزموا قدامه، وما زالوا هاربين وهو يضربهم إلى أن بعدوا عن باب القصر، ورجع وجلس على كرسيه ولم يبال بأحد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 621 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الطواشي لما شتت الأمير عثمان تابع الملك وجماعته إلى أن أبعدهم عن باب دار جودر، رجع وجلس على الكرسي عند باب القصر ولم يبال بأحد. وأما ما كان من أمر الأمير عثمان وجماعته، فإنهم رجعوا منهزمين مضروبين إلى أن وقفوا قدام الملك شمس الدولة، وأخبروه بما جرى لهم، وقال الأمير عثمان للملك: يا ملك الزمان، لما وصلت إلى باب القصر رأيت طواشيا جالسا في الباب على كرسي من الذهب، وهو متكبر، فلما رآني مقبلا عليه اضطجع بعد أن كان جالسا واحتقرني ولم يقم لي، فصرت أكلمه فيجيبني وهو مضطجع، فأخذتني الحدة وسحبت عليه الدبوس وأردت ضربه، فأخذ الدبوس مني وضربني به وضرب جماعتي وبطحهم، فهربنا من قدامه ولم نقدر عليه. فحصل للملك غيظ وقال: ينزل إليه مائة رجل. فنزلوا إليه وأقبلوا عليه، ms1402 فقام لهم بالدبوس، وما زال يضرب فيهم حتى هربوا من قدامه، ورجع وجلس على الكرسي، فرجع المائة رجل، ولما وصلوا إلى الملك أخبروه وقالوا له: يا ملك الزمان، هربنا من قدامه خوفا منه. فقال الملك: تنزل مائتان. فنزلوا فكسرهم، ثم رجعوا، فقال الملك للوزير: ألزمتك أيها الوزير أن تنزل بخمسمائة رجل وتأتيني بهذا الطواشي سريعا، وتأتي بسيده جودر وأخويه. فقال له: يا ملك الزمان، لا أحتاج لعسكر بل أروح إليه وحدي من غير السلاح. فقال له: رح وافعل الذي تراه مناسبا. فرمى الوزير السلاح ولبس حلة بيضاء، وأخذ في يده سبحة، ومشى وحده من غير ثان حتى وصل إلى قصر جودر، فرأى العبد جالسا، فلما رآه أقبل عليه من غير سلاح وجلس جنبه بأدب، ثم قال: السلام عليكم. فقال: وعليكم السلام يا أنسي، ما تريده؟ فلما سمعه يقول: يا أنسي. علم أنه من الجن، فارتعش من خوفه فقال له: يا سيدي، هل سيدك جودر هنا؟ قال: نعم في القصر. فقال له: يا سيدي، اذهب إليه وقل له: إن الملك شمس الدولة يدعوك، وعامل لك ضيافة ويقرئك السلام ويقول لك: شرف منزله وكل ضيافته. فقال له: قف أنت هنا حتى أشاوره. # فوقف الوزير مؤدبا وطلع المارد القصر وقال لجودر: اعلم يا سيدي أن الملك أرسل إليك أميرا فضربته، وكان معه خمسون رجلا فهزمتهم، ثم إنه أرسل مائة رجل فضربتهم، ثم أرسل مئتا رجل فهزمتهم، ثم أرسل إليك الوزير من غير سلاح يدعوك إليه لتأكل من ضيافته، فماذا تقول؟ فقال له: رح هات الوزير إلى هنا. فنزل من القصر وقال له: يا وزير، كلم سيدي. فقال: على الرأس. ثم إنه طلع ودخل على جودر، فرآه أعظم من الملك، جالسا على فراش لا يقدر الملك أن يفرش مثله، وتحير فكره من حسن القصر، ومن نقشه وفرشه، حتى كأن الوزير بالنسبة إليه فقير، فقبل الأرض ودعا له، فقال له: ما شأنك أيها الوزير؟ فقال له: يا سيدي، إن الملك شمس الدولة حبيبك يقرئك السلام، ms1403 ومشتاق إلى النظر لوجهك، وقد عمل لك ضيافة فهل تجبر خاطره؟ فقال جودر: حيث كان حبيبي فسلم عليه، وقل له يجيء هو عندي. فقال له: على الرأس. ثم أخرج الخاتم ودعكه، فحضر الخادم فقال له: هات لي حلة من خيار الملبوس. فأحضر له حلة فقال: البس هذه يا وزير. فلبسها، ثم قال له: رح أعلم الملك بما قلته. فنزل لابسا تلك الحلة التي لم يلبس مثلها، ثم دخل على الملك، وأخبره بحال جودر وشكر القصر وما فيه، وقال: إن جودرا عزمك. فقال: قوموا يا عسكر. فقاموا كلهم على الأقدام، وقال: اركبوا خيلكم وهاتوا لي جوادي حتى نروح إلى جودر. ثم إن الملك ركب وأخذ العساكر وتوجهوا إلى بيت جودر، وأما جودر فإنه قال للمارد: مرادي أن تجيء لنا من أعوانك بعفاريت في صفة الإنس يكونون عسكرا، ويقفون في ساحة البيت حتى يراهم الملك فيرعبونه ويفزعونه، فيرتجف قلبه، ويعلم أن سطوتي أعظم من سطوته. فأحضر مائتين في صفة عسكر متقلدين بالسلاح الفاخر وهم شداد غلاظ، فلما وصل الملك رأى القوم الشداد الغلاظ فخاف قلبه منهم، ثم إنه طلع القصر ودخل على جودر، فرآه جالسا جلسة لم يجلسها ملك ولا سلطان، فسلم عليه وتمنى بين يديه وجودر لم يقم له، ولم يعمل له مقاما، ولم يقل له اجلس، بل تركه واقفا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 622 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودرا لما دخل عليه الملك لم يقم له ولم يعتبره ولم يقل له اجلس، بل تركه واقفا حتى داخله الخوف، فصار لا يقدر أن يجلس ولا أن يخرج، وصار يقول في نفسه: لو كان خائفا مني ما كان تركني عن باله، وربما يؤذيني بسبب ما فعلت مع أخويه. ثم إن جودرا قال: يا ملك الزمان، ليس شأن مثلكم أن يظلم الناس ويأخذ أموالهم. فقال له: يا سيدي، لا تؤاخذني؛ فإن الطمع أحوجني إلى ذلك ونفذ القضاء، ولولا الذنب ما كانت المغفرة. وصار يعتذر إليه ms1404 على ما سلف منه، ويطلب منه العفو والسماح، حتى من جملة الاعتذار أنشده هذا الشعر: # يا أصيل الجدود سمح السجايا %~% لا تلمني فيما تحصل مني ~~إن تكن ظالما فعنك عفونا %~% أو أكن ظالما فعفوك عني # وما زال يتواضع بين يديه حتى قال له: عفا الله عنك. وأمره بالجلوس فجلس وخلع عليه ثياب الأمان، وأمر أخويه بمد السماط، وبعد أن أكلوا كسا جماعة الملك وأكرمهم، وبعد ذلك أمر الملك بالمسير فخرج من بيت جودر، وصار كل يوم يأتي إلى بيت جودر، ولا ينصب الديوان إلا في بيت جودر، وزادت بينهما العشرة والمحبة. ثم إنهم قاموا على هذه الحالة مدة، وبعد ذلك خلا بوزيره وقال له: يا وزير، أنا خائف أن يقتلني جودر ويأخذ الملك مني. فقال له: يا ملك الزمان، أما من قضية أخذ الملك فلا تخف، فإن حالة جودر التي هو فيها أعظم من حالة الملك، وأخذ الملك حطة في قدره، فإن كنت خائفا أن يقتلك فإن لك بنتا فزوجها له وتصير أنت وإياه حالة واحدة. فقال له: يا وزير، أنت تكون واسطة بيني وبينه. فقال له: اعزمه عندك، ثم إننا نسهر في قاعة، ومر بنتك أن تتزين بأفخر زينة، وتمر عليه من باب القاعة، فإنه متى رآها عشقها، فإذا فهمنا منه ذلك فأنا أميل عليه وأخبره أنها ابنتك، وأدخل وأخرج معه في الكلام بحيث إنه لم يكن عندك خبر بشيء من ذلك، حتى يخطبها منك، ومتى زوجته البنت صرت أنت وإياه شيئا واحدا، وتأمن منه، وإن مات ترث منه الكثير. فقال له: صدقت يا وزيري. وعمل الضيافة وعزمه، فجاء إلى سراية السلطان، وقعدوا في القاعة في أنس زائد إلى آخر النهار، وكان الملك أرسل إلى زوجته أن تزين البنت بأفخر زينة، وتمر بها على باب القاعة، فعملت كما قال ومرت بالبنت، فنظرها جودر، وكانت ذات حسن وجمال وليس لها نظير، فلما حقق جودر النظر فيها قال: آه. وتفككت أعضاؤه واشتد به العشق والغرام، وأخذه الوجد والهيام، واصفر لونه، فقال ms1405 له الوزير: لا بأس عليك يا سيدي، ما لي أراك متغيرا متوجعا؟ فقال: يا وزير، هذه البنت بنت من؟ فإنها سلبتني وأخذت عقلي. فقال: هذه بنت حبيبك الملك، فإن كانت أعجبتك أنا أتكلم مع الملك يزوجك إياها. فقال: يا وزير، كلمه وأنا وحياتي أعطيك ما تطلب، وأعطي الملك ما يطلبه في مهرها، ونصير أحبابا وأصهارا. فقال له الوزير: لا بد من حصول غرضك. ثم إن الوزير حدث الملك سرا، وقال له: يا ملك الزمان، إن جودرا حبيبك يريد القرب منك، وقد توسل بي إليك أن تزوجه ابنتك السيدة آسية، فلا تخيبني واقبل سياقي، ومهما تطلبه في مهرها يدفعه. فقال الملك: المهر قد وصلني، والبنت جارية في خدمته، وأنا أزوجه إياها، وله الفضل في القبول. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 623 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شمس الدولة لما قال له وزيره: إن جودرا يريد القرب منك بتزويجه ابنتك. قال له: المهر قد وصلني، والبنت جارية في خدمته، وله الفضل في القبول. وباتوا تلك الليلة، ثم أصبح الملك فنصب ديوانا، وأحضر فيه الخاص والعام، وحضر شيخ الإسلام، وجودر خطب البنت، وقال الملك: المهر قد وصل. وكتبوا الكتاب فأرسل جودر بإحضار الخرج الذي فيه الجواهر، وأعطاها للملك في مهر البنت، ودقت الطبول وغنت الزمور وانتظمت عقود الفرح ودخل على البنت، وصار هو والملك شيئا واحدا، وأقاما مع بعضهما مدة من الأيام، ثم مات الملك فصارت العساكر تطلب جودرا للسلطنة، ولم يزالوا يرغبونه وهو يمتنع منهم حتى رضي فجعلوه سلطانا، فأمر ببناء جامع على قبر الملك شمس الدولة، ورتب له الأوقاف وهو في خط البندقانيين. وكان بيت جودر في حارة اليمانية، فلما تسلطن بنى أبنية وجامعا، وقد سميت الحارة به وصار اسمها الجودرية، وأقام ملكا مدة وجعل أخويه وزيرين، سالما وزير ميمنته، وسليما وزير ميسرته، فأقاموا عاما واحدا من غير زيادة، ثم إن سالما قال لسليم: يا أخي إلى متى هذا الحال؟ فهل نقضي عمرنا كله ms1406 ونحن خادمان لجودر؟ ولا نفرح بسيادة ولا سعادة ما دام جودر حيا. قال: وكيف نصنع حتى نقتله ونأخذ منه الخاتم والخرج؟ فقال سليم لسالم: أنت أعرف مني، فدبر لنا حيلة لعلنا نقتله بها. فقال: إذا دبرت لك حيلة على قتله، هل ترضى أن أكون أنا سلطانا وأنت وزير ميمنة، ويكون الخاتم لي والخرج لك؟ قال: رضيت. فاتفقا على قتل جودر من شأن حب الدنيا والرئاسة. # ثم إن سليما وسالما دبرا حيلة لجودر وقالا له: يا أخانا، إن مرادنا أن نفتخر بك، فتدخل بيوتنا وتأكل ضيافتنا وتجبر خاطرنا. وصار يخادعانه ويقولان له: اجبر خاطرنا وكل ضيافتنا. فقال: لا بأس، فالضيافة في بيت من فيكم؟ قال سالم: في بيتي، وبعدما تأكل ضيافتي تأكل ضيافة أخي. قال: لا بأس. وذهب مع سليم إلى بيته، فوضع له الضيافة وحط فيها السم، فلما أكل تفتت لحمه مع عظمه، فقام سالم ليأخذ الخاتم من إصبعه، فعصى منه فقطع إصبعه بالسكين، ثم إنه دعك الخاتم فحضر له المارد وقال: لبيك فاطلب ما تريد. فقال له: امسك أخي واقتله، واحمل الاثنين المسموم والمقتول وارمهما قدام العسكر، فأخذ سليما وقتله، وحمل الاثنين وخرج بهما ورماهما قدام أكابر العسكر، وكانوا جالسين على السفرة في مقعد البيت يأكلون، فلما نظروا جودرا وسليما مقتولين، رفعوا أيديهم من الطعام وأزعجهم الخوف، وقالوا للمارد: من فعل بالملك والوزير هذه الفعال؟ فقال لهم: أخوهم سالم. وإذا بسالم أقبل عليهم وقال: يا عسكر، كلوا وانبسطوا، فإني ملكت الخاتم من أخي جودر، وهذا المارد خادم الخاتم قدامكم وأمرته بقتل أخي سليم حتى لا ينازعني في الملك؛ لأنه خائن وأنا أخاف أن يخونني، وهذا جودر صار مقتولا، وأنا بقيت سلطانا عليكم، هل ترضون بي؟ وإلا أدعك الخاتم فيقتلكم خادمه كبارا وصغارا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 624 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن سالما لما قال للعسكر: هل ترضون بي عليكم سلطانا؟ وألا أدعك الخاتم فيقتلكم كبارا وصغارا. قالوا له: رضينا بك ملكا ms1407 وسلطانا. ثم أمر بدفن أخويه ونصب الديوان وذهب ناس في تلك الجنازة وناس مشوا قدامه بالموكب، ولما وصلوا إلى الديوان، جلس على الكرسي، وبايعوه على الملك وبعد ذلك قال: أريد أن أكتب كتابي على زوجة أخي. فقالوا له: حتى تنقضي العدة. فقال لهم: أنا لا أعرف عدة ولا غيرها، وحياة رأسي لا بد أن أدخل عليها في هذه الليلة. فكتبوا له الكتاب وأرسلوا أعلموا زوجة جودر بنت الملك شمس الدولة، فقالت: دعوه ليدخل. فلما دخل عليها أظهرت له الفرح، وأخذته بالترحيب، وحطت له السم في الماء فأهلكته، ثم إنها أخذت الخاتم وكسرته حتى لا يملكه أحد وشقت الخرج، ثم أرسلت أخبرت شيخ الإسلام وأرسلت تقول لهم: اختاروا لكم ملكا يكون عليكم سلطانا. وهذا ما انتهى إلينا من حكاية جودر بالتمام والكمال. # ![fig10](../Images/figure10.png) # كان في قديم الزمان ملكا شجاعا وقرما مناعا، ولكنه شيخ هرم كبير. ### || حكاية عجيب وغريب # وبلغني أيضا أنه كان في قديم الزمان ملك من الملوك العظام يقال له الملك كندمر، وكان ملكا شجاعا وقرما مناعا، ولكنه شيخ هرم كبير، وقد رزقه الله تعالى في حال هرمه ولدا ذكرا، فسماه عجيبا لحسنه وجماله، وسلمه إلى القوابل والمرضعات والجواري والسراري حتى نشأ وكبر، حتى بلغ من العمر سبع سنين من الأعوام على التمام، فرتب له أبوه كاهنا من أهل ملته ودينه، فعلمه شريعتهم وكفرهم وما يحتاج إليه في مدة ثلاث سنين كوامل، إلى أن مهر وقويت عزيمته وصحت فكرته، وصار عارفا فصيحا فيلسوفا موصوفا، يناظر العلماء ويجالس الحكماء، فلما رأى أبوه ذلك منه أعجبه، ثم علمه ركوب الخيل والطعن بالرمح والضرب بالسيف إلى أن صار فارسا شجاعا، فما تم عمره عشر سنين حتى فاق أهل زمانه في جميع الأشياء، وعرف أبواب الحرب، فصار جبارا عنيدا وشيطانا مريدا، وكان إذا ركب للصيد والقنص يركب في ألف فارس، ويشن الغارات على الفوارس، ويقطع الطرق ويسبي بنات الملوك والسادات، وكثرت فيه لأبيه الشكايات، فصاح الملك على خمسة من العبيد، فحضروا فقال لهم: امسكوا هذا ms1408 الكلب. فهجم الغلمان على عجيب، وكتفوه وأمرهم بضربه فضربوه حتى غاب عن الوجود، وسجنه في قاعة لا يعرف فيها السماء من الأرض ولا الطول من العرض، فمكث ليلة محبوسا، فتقدم الأمراء إلى الملك وقبلوا الأرض بين يديه، وشفعوا في عجيب فأطلقه، فصبر عجيب على أبيه عشرة أيام ودخل عليه في الليل وهو نائم وضربه فرمى عنقه، فلما طلع النهار ركب عجيب على كرسي مملكة أبيه، وأمر رجاله أن يقفوا بين يديه، ويلبسوا البولاد، ويسحبوا سيوفهم، وأوقفهم ميمنة وميسرة، فلما دخل الأمراء والمقدمون وجدوا ملكهم مقتولا وابنه جالسا على كرسي مملكته، فتحيرت عقولهم، فقال لهم عجيب: يا قوم، لقد رأيتم ما حصل لملككم، فمن أطاعني أكرمته، ومن خالفني فعلت به مثله. # فلما سمعوا كلامه خافوا منه أن يبطش بهم، فقالوا له: أنت ملكنا وابن ملكنا. وقبلوا الأرض بين يديه، فشكرهم وفرح بهم وأمر بإخراج المال والقماش، ثم إنه خلع عليهم الخلع السنية وغمرهم بالمال، فحبوه كلهم وأطاعوه، وخلع على النواب ومشايخ العربان، العاصي والطائع، فدانت له البلاد وأطاعته العباد، وحكم وأمر ونهى مدة خمسة أشهر، ثم رأى في منامه رؤيا، فانتبه فزعا مرعوبا ولم يأخذه منام حتى أصبح الصباح، فجلس على الكرسي ووقفت الجنود بين يديه ميمنة وميسرة، ثم دعا بالمعبرين والمنجمين، فقال لهم: فسروا لي هذا المنام. فقالوا له: وما المنام الذي رأيته أيها الملك؟ فقال: رأيت كأن والدي قدامي وانكشف إحليله، وخرج منه شيء قدر النحلة، فكبر حتى صار كالسبع العظيم بمخالب مثل الخناجر وقد خفت منه، فبينما أنا باهت فيه إذ هم علي وضربني بمخالبه، فشق بطني، فانتبهت فزعا مرعوبا. فنظر المعبرون إلى بعضهم وتفكروا في رد الجواب ثم قالوا: أيها الملك العظيم، هذا المنام يدل على مولود لك من أبيك، وتقع العداوة بينك وبينه ويظهر عليك، فخذ حذرك منه بسبب هذا المنام. # فلما سمع عجيب كلام المعبرين قال: ليس لي أخ أخاف منه، فقولكم هذا كذب. فقالوا له: ما أخبرنا إلا بما علمنا. فنفر فيهم وضربهم وقام ms1409 ودخل قصر أبيه واختبر سراري أبيه، فوجد فيهن جارية لها سبعة أشهر، فأمر عبدين من عبيده وقال لهما: خذا هذه الجارية وامضيا بها إلى البحر وغرقاها. فأخذاها من يدها وذهبا بها إلى البحر، وأرادا أن يغرقاها، فنظرا إليها فوجداها بديعة الحسن والجمال، فقالا: لأي شيء نغرق هذه الجارية؟ وإنما نأخذها إلى الغابة ونعيش بها في تعريص عجيب. فأخذاها وسارا أياما وليالي حتى بعدا عن الديار، فتوجها بها إلى غابة كثيرة الأشجار والأثمار والأنهار، واتفق رأيهما على أن يقضوا غرضهما منها، وصار كل واحد منهما يقول: أنا أفعل قبلك. واختلفا مع بعضهما، فطلع عليهما ناس من السودان، فسلوا سيوفهم وحملوا على بعضهم، واشتد بينهم القتال والحرب والطعان، ولم يزالوا يحاربون العبدين حتى قتلوهما في أسرع من طرفة العين، وصارت الجارية تدور وحدها في الغابة وتأكل من أثمارها وتشرب من أنهارها، ولم تزل على هذه الحالة حتى وضعت غلاما أسمر نظيفا ظريفا، وسمته الغريب لغربته، وقطعت سرته ولفته في بعض ثيابها، وصارت ترضعه وهي حزينة القلب والفؤاد على ما كانت فيه من العز والدلال. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 625 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية صارت مقيمة في الغابة وهي حزينة القلب والفؤاد، وصارت ترضع ولدها مع ما حصل لها من غاية الحزن والخوف من وحدتها، فبينما هي في بعض الأيام على تلك الحالة، وإذا هي بفرسان ورجال مشاة ومعهم بزاة وكلاب صيد، وقد حملوا خيولهم من كركي وبلشون ووز عراقي وغطاس وطير ماء، ووحوش وأرانب وغزلان وبقر وحش، وفراخ النعام وتفه وذئاب وسباع، ثم دخل هؤلاء العربان في تلك الغابة، فوجدوا الجارية وابنها في حجرها ترضعه، فتقربوا منها وقالوا لها: هل أنت إنسية أو جنية؟ قالت: إنسية يا سادات العرب. فأعلموا أميرهم وكان اسمه مرداسا سيد بني قحطان، وقد خرج إلى الصيد في خمسمائة أمير من قومه وبني عمه، فلم يزالوا يصطادون حتى وصلوا إلى الجارية ونظروها، وأعلمتهم بما جرى من أوله إلى آخره، ms1410 فتعجب الملك من أمرها وصاح على قومه وبني عمه، فلم يزالوا يصطادون حتى وصلوا إلى بني قحطان، فأخذها وأفردها بمحل ووكل بها خمس جوار من أجل الخدمة، وقد أحبها حبا شديدا، وقد دخل عليها وواقعها فحملت على الدم، ولما انقضت شهورها وضعت غلاما ذكرا فسمته سهيم الليل، فتربى بين القوابل مع أخيه حتى نشأ ومهر في حجر الأمير مرداس، فسلمهما إلى فقيه فعلمهما أمر دينهما، وبعد ذلك سلمهما إلى شجعان العرب فعلموهما طعن الرمح وضرب السيف ورمي النشاب، فما كملا خمس عشرة سنة حتى تعلما ما يحتاجان إليه، وفاقا على كل شجيع في الحي، فكان غريب يحمل على ألف فارس وكذا أخوه سهيم الليل. # وكان لمرداس أعداء كثيرة، وكانت عربه أشجع العرب، فكلهم أبطال فرسان لا يصطلى لهم بنار، وكان بجواره أمير من أمراء العرب يقال له حسان بن ثابت، وهو صديقه، وقد خطب كريمة من كرام قومه، فدعا جميع أصحابه ومن جملتهم مرداس سيد بني قحطان، فأجاب وأخذ معه من قومه ثلاثمائة فارس، وترك أربعمائة فارس لحفظ الحريم، وسار حتى وصل إلى حسان، فتلقاه وأجلسه في أحسن مكان، وجاءت كل الفرسان لأجل العرس، وعمل لهم الولائم وفرح بعرسه، وانصرف العربان إلى منزلهم، فلما وصل مرداس إلى حيه رأى قتيلين مطروحين، والطير حائم عليهما يمينا وشمالا، فارتجف قلبه ودخل الحي فتلقاه غريب وهو متدرع بالزرد وهنأه بالسلامة، فقال مرداس: ما هذا الحال يا غريب؟ قال: هجم علينا الحمل بن ماجد وقومه في خمسمائة فارس. وكان السبب في هذه الوقعة أن الأمير مرداس كان له بنت تسمى مهدية، ما رأى الرائي أحسن منها، فسمع بها الحمل سيد بني نبهان، فركب في خمسمائة فارس وتوجه إلى مرداس وخطب مهدية، فلم يقبله ورده خائبا، فصار الحمل يرصد مرداسا حتى غاب وعزمه حسان، فركب في أبطاله وهجم على بني قحطان، فقتل جماعة من الفرسان، وهرب بقية الأبطال في الجبال، وكان غريب وأخوه قد ركبا في مائة خيال وخرجا للصيد والقنص، فما رجعا حتى انتصف ms1411 النهار، فوجدا الحمل وقومه ملكوا الحي وما فيه، وأخذوا بنات الحي وأخذ مهدية بنت مرداس وساقها مع السبي، فلما نظر غريب إلى هذا الحال، غاب عن الصواب وصاح على أخيه سهيم الليل وقال: يابن الملعونة، نهبوا حينا، وأخذوا حريمنا، فدونك والأعداء وخلاص السبي والحريم. فحمل سهيم وغريب بالمائة فارس على الأعداء، ولم يزدد غريب إلا غيظا، وصار يحصد الرءوس ويسقي الأبطال من المنون كئوسا، حتى وصل الحمل ونظر إلى مهدية وهي مسبية، فحمل على الحمل وطعنه، وعن جواده قلبه، فما جاء وقت العصر حتى قتل أكثر الأعداء، وانهزم الباقون، وخلص غريب السبي، ورجع إلى البيوت ورأس الحمل على رمحه، وهو ينشد هذه الأبيات: # أنا المعروف في يوم المجال %~% وجن الأرض تفزع من خيالي ~~ولي سيف إذا هزت يميني %~% تبادرت المنية من شمالي ~~ولي رمح إذا نظروا إليه %~% يروا فيه سنانا كالهلال ~~وأدعى بالغريب شجيع قومي %~% ولا أخشى إذا قلت رجالي # فما فرغ غريب من شعره حتى وصل مرداس، ونظر القتلى مطروحين والطير حائم عليهم يمينا وشمالا، فطار عقله وارتجف قلبه، فسلاه غريب وهنأه بالسلامة، وأخبره بجميع ما جرى للحي بعد غيابه، فشكره مرداس على ما فعل وقال: ما خابت التربية فيك يا غريب. ونزل مرداس في سرادقه، ووقفت الرجال حوله وصار أهل الحي يثنون على غريب ويقولون: يا أميرنا، لولا غريب ما سلم أحد من الحي. فشكره مرداس على ما فعل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 626 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مرداسا لما رجع إلى حيه وأقبل عليه رجاله، أثنوا على غريب، فشكره مرداس على فعله، ولما نظر غريب الحمل سبى مهدية خلصها منه وقتله، فرمت غريبا بسهام لحظها، فوقع في شرك هواها، وصار قلبه لا ينساها، وغرق في العشق والغرام، وفارقه لذيذ المنام، ولم يلتذ بشراب ولا طعام، وصار يركض جواده ويصعد الجبال وينشد الأشعار، ويرجع آخر النهار وقد لاح عليه آثار العشق والهيام، فأفشى سره لبعض أصحابه، فشاع في الحي جميعه ms1412 حتى وصل إلى مرداس، فبرق ورعد، وقام وقعد، وشخر ونخر، وسب الشمس والقمر، وقال: هذا جزاء من يربي أولاد الزنا، ولكن إن لم أقتل غريبا ركبني العار. ثم إنه استشار رجلا من عقلاء قومه في قتل غريب وأظهر سره عليه، فقال له: يا أمير، إنه بالأمس خلص بنتك من السبي، فإن كان لا بد من قتله فاجعله على يد غيرك، حتى لا يشك أحد فيك. فقال مرداس: دبر لي حيلة في قتله، فما أعرف قتله إلا منك. فقال: يا أمير، ارصده حتى يخرج إلى الصيد والقنص، وخذ معك مائة خيال، واكمن له في المغارة وغافله حتى ينتهي، فاحملوا عليه وقطعوه، وحينئذ تبرأ من عاره. فقال مرداس: هذا هو الصواب. # واختار مرداس من قومه مائة وخمسين فارسا عمالقة شداد، وأوصاهم وحرضهم على قتل غريب، ولم يزل يرقبه حتى خرج غريب ليصطاد وقد بعد في الأودية والجبال، فذهب بفرسانه الأنجاس، وكمنوا لغريب في طريقه حتى يرجع من الصيد فيخرجون عليه ليقتلوه. فبينما مرداس وقومه كامنون بين الأشجار، وإذا بخمسمائة من العمالقة هجموا عليهم فقتلوا منهم ستين وأسروا التسعين وكتفوا مرداسا، وكان السبب في ذلك أنه لما قتل الحمل وقومه انهزم الباقون، ولم يزالوا في هزيمتهم حتى وصلوا إلى أخيه وأعلموه بما جرى، فقامت قيامته وجمع العمالقة واختار منهم خمسمائة فارس، طول كل واحد منهم خمسون ذراعا، وتوجه لطلب ثأر أخيه، فوقع بمرداس هو وأبطاله، وجرى بينهم ما جرى. فلما أسروا مرداس وقومه، نزل أخو الحمل وقومه وأمرهم بالراحة وقال: يا قوم، إن الأصنام هونت علينا أخذ الثأر، فاحتفظوا على مرداس وقومه حتى أمضي بهم وأقتلهم أشنع قتلة. فنظر مرداس روحه مربوطا، وندم على ما فعل وقال: هذا جزاء البغي. ونام القوم فرحانين بالنصر، ومرداس وأصحابه مربوطون، وقد يئسوا من الحياة وأيقنوا بالوفاة. # هذا ما كان من أمر مرداس، وأما سهيم الليل فإنه دخل على أخته مهدية وهو مجروح، فقامت له وقبلت يديه وقالت له: لا شلت يداك ولا شمتت عداك، فلولا أنت ms1413 وغريب ما خلصنا من السبي والأعداء، واعلم يا أخي أن أباك ركب في مائة وخمسين فارسا وهو يريد قتل غريب، وقد علمت أن غريبا خسارة في القتل؛ لأنه صان عرضكم وخلص أموالكم. فلما سمع سهيم هذا الكلام صار الضياء في وجهه ظلاما، ولبس آلة حربه وركب جواده، وطلب المكان الذي يصطاد فيه أخوه، فوجده اصطاد شيئا كثيرا، فتقدم إليه وسلم عليه وقال: يا أخي، هل تسرح ولا تعلمني؟ فقال غريب: والله ما منعني من ذلك إلا أني رأيتك مجروحا، فقصدت راحتك. فقال سهيم: يا أخي، خذ حذرك من أبي. ثم حكى له ما جرى وأنه خرج في مائة وخمسين فارسا يريدون قتله، قال له غريب: الله يرمي كيده في نحره. ورجع غريب وسهيم طالبين الديار، فأمسى عليهما المساء وسارا على ظهور الخيل حتى وصلا الوادي الذي فيه القوم، وسمعا صهيل الخيل في ظلام الليل، فقال سهيم: يا أخي، هذا أبي وقومه كامنون في هذا الوادي، فتنح بنا عن هذا الوادي. وكان غريب قد نزل عن جواده وألقى لجامه لأخيه وقال له: قف مكانك حتى أعود إليك. وسار غريب حتى رأى القوم، فلم يجدهم من حيهم، وسمعهم يذكرون مرداسا ويقولون: ما نقتله إلا في أرضنا. فعرف أن مرداسا عمه مربوطا معهم فقال: وحياة مهدية ما أروح حتى أخلص أباها ولا أشوش عليها. ولم يزل يفتش على مرداس حتى وقع به وهو مربوط في الحبال، فقعد بجانبه وقال له: سلامتك يا عمي من هذا الذل والاعتقال. فلما نظر مرداس غريبا خرج عقله وقال: يا ولدي، أنا في جيرتك، فخلصني بحق التربية. فقال له غريب: إذا خلصتك تعطيني مهدية؟ فقال له: يا ولدي، وحق ما أعتقد هي لك على طول الزمان. فحله وقال له: امض نحو الخيل، فإن ولدك سهيم هناك. فعند ذلك انسل مرداس حتى وصل إلى ولده سهيم، ففرح به وهنأه بالسلامة، ولم يزل غريب يحل واحدا بعد واحد حتى حل التسعين فارسا، وصار الكل بعيدا عن الأعداء، وأرسل غريب إليهم ms1414 العدد والخيول وقال لهم: اركبوا وتفرجوا حول الأعداء وصيحوا، ويكون صياحكم: يا آل قحطان. وإذا صحا القوم فابعدوا عنهم وتفرقوا حولهم. وصبر غريب إلى الثلث الأخير من الليل وصاح: يا آل قحطان. وصاح قومه كذلك: يا آل قحطان. صيحة واحدة، فجاوبتهم الجبال حتى تخيل للأعداء أن القوم قد هجموا عليهم، فخطفوا سلاحهم جميعا ووقعوا في بعضهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 627 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن القوم لما انتبهوا من منامهم وسمعوا غريبا وقومه يصيحون ويقولون: يا آل قحطان. تخيل لهم أن آل قحطان هجموا عليهم، فحملوا سلاحهم ووقعوا في بعضهم قتلا، فتأخر غريب وقومه، ولم تزل الأعداء يقتلون بعضهم إلى أن طلع النهار، فحمل غريب ومرداس والتسعون بطلا على بقية الأعداء، فقتلوا منهم جملة وانهزم الباقون، وأخذ بنو قحطان الخيل الشاردة والعدد المهيأة وتوجهوا إلى حيهم، وما صدق مرداس أنه تخلص من الأعداء. ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى حيهم، فلاقاهم المقيمون وفرحوا بسلامتهم، ونزلوا في خيامهم ونزل غريب في خيمته، واجتمعت عليه شباب الحي وحياه الكبار والصغار، فلما نظر مرداس إلى غريب والشباب حوله، بغضه أكثر من الأول، والتفت إلى عشيرته وقال: قد زاد بغض غريب في قلبي، وما غمني إلا اجتماع هؤلاء حوله، وفي غد يطلب مني مهدية. فقال له المشير: يا أمير، اطلب منه ما لا يقدر عليه. ففرح مرداس وبات إلى الصباح، فجلس في مرتبته ودارت العرب حوله، وجاء غريب برجاله والشباب حوله، فأقبل على مرداس وقبل الأرض بين يديه، ففرح به وقام إليه وأجلسه بجنبه، فقال غريب: يا عم، قد وعدتني وعدا فأنجزه. فقال مرداس: يا ولدي، هي لك على طول المدى، ولكن أنت قليل المال. فقال غريب: يا عم، اطلب ما شئت حتى أغير على أمراء العرب في مواطنهم، وعلى الملوك في مدائنهم، وأجيء لك بمال يسد الخافقين. فقال مرداس: يا ولدي، إني حلفت بجميع الأصنام أني لا أعطي مهدية إلا لمن يأخذ لي ثأري، ويكشف ms1415 عني عاري. فقال غريب: قل لي يا عم ثأرك عند من من الملوك، حتى أسير إليه وأكسر تخته على رأسه؟ فقال مرداس: يا ولدي، قد كان لي ولد بطل من الأبطال، فخرج في مائة بطل لطلب الصيد والقنص، فسار من واد إلى واد، وقد بعد بين الجبال حتى وصل وادي الأزهار، وقصر حام بن شيث بن شداد بن خلد، وذلك المكان يا ولدي ساكن فيه رجل أسود طويل، طوله سبعون ذراعا يقاتل بالأشجار، فيقتلع الشجرة من الأرض ويقاتل بها، فلما وصل ولدي إلى ذلك الوادي، خرج عليه هذا الجبار فأهلكه هو والمائة فارس، فما سلم منهم إلا ثلاثة أبطال أتوا أخبرونا بما جرى، فجمعت الأبطال وسرت لقتاله فما قدرنا عليه، وأنا مقهور على ثأر ولدي، وقد حلفت أني لا أزوج ابنتي إلا لمن يأخذ ثأر ولدي. # فلما سمع غريب كلام مرداس قال: يا عم، أنا أسير إلى هذا العملاق وآخذ ثأر ولدك بعون الله تعالى. قال مرداس: يا غريب، إن ظفرت به تغنم منه ذخائر وأموالا لا تأكلها نيران. فقال غريب: اشهد لي بالزواج حتى يقوى قلبي وأسير في طلب رزقي. فاعترف وأشهد كبار الحي، وانصرف غريب وهو فرحان ببلوغ الآمال، ودخل على أمه وأخبرها بما تم له، فقالت له: يا ولدي، اعلم أن مرداسا يبغضك، وما بعثك لذلك الجبل إلا ليعدمني حسك، فخذني معك وارحل من ديار هذا الظالم. قال غريب: يا أمي، لا أرحل حتى أبلغ أملي وأقهر عدوي. وبات غريب حتى أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، فما ركب جواده حتى أقبل أصحابه الشباب، وكانوا مائتا فارس شداد وهم غارقون في السلاح، وصاحوا على غريب وقالوا له: سر بنا نعاونك ونؤانسك في طريقك. ففرح غريب بهم وقال لهم: جزاكم الله عنا خيرا. وقال لهم: سيروا يا أصحابي. فسار غريب بأصحابه أول يوم وثاني يوم، ثم نزلوا عند المساء تحت جبل شامخ، وعلقوا على خيولهم، فغاب غريب يتمشى في ذلك الجبل حتى وصل إلى مغار، فطلع منه نور، فسار ms1416 غريب إلى صدر المغار فوجد شيخا له من العمر ثلاثمائة وأربعون سنة، حاجباه غطيا عينيه، وشاربه غطى فمه، فلما نظر غريب إلى ذلك الشيخ هابه واستعظم خلقته، فقال له الشيخ: كأنك من الكفار يا ولدي، الذين يعبدون الأحجار دون الملك الجبار، خالق الليل والنهار والفلك الدوار؟ # فلما سمع غريب كلام الشيخ ارتعدت فرائصه وقال: يا شيخ، أين يكون هذا الرب حتى أعبده وأتملى برؤيته؟ قال الشيخ: يا ولدي، هذا الرب العظيم لا ينظره أحد في الدنيا، وهو يرى ولا يرى، وهو بالمنظر الأعلى، وهو حاضر في كل مكان بآثار صنعه، ومكون الأكوان ومدبر الزمان، خلق الإنس والجان، وبعث الأنبياء لهداية الخلق إلى طريق الصواب، فمن أطاعه أدخله الجنة، ومن عصاه أدخله النار. فقال غريب: يا عم، فما يقول من يعبد هذا الرب العظيم الذي هو على كل شيء قدير؟ قال الشيخ: يا ابني، إني من قوم عاد الذين طغوا في البلاد فكفروا، فأرسل الله إليهم نبيا اسمه هود فكذبوه، فأهلكهم بالريح العقيم، وكنت أنا آمنت مع جماعة من قومي، فسلمنا من العذاب، وحضرت قوم ثمود وما جرى لهم مع نبيهم صالح، وأرسل الله تعالى بعد صالح نبيا اسمه إبراهيم الخليل إلى نمرود بن كنعان، وجرى له معه ما جرى، ومات قومي الذين آمنوا، فصرت أعبد الله في هذا المغار، والله تعالى يرزقني من حيث لا أحتسب. فقال غريب: يا عم، ماذا أقول حتى أصير من حزب هذا الرب العظيم؟ قال له الشيخ: قل: لا إله إلا الله، إبراهيم خليل الله. فأسلم غريب قلبا ولسانا، فقال له الشيخ: ثبتت في قلبك حلاوة الإسلام والإيمان. ثم علمه شيئا من الفرائض وشيئا من الصحف، وقال له: ما اسمك؟ قال: اسمي غريب. قال له الشيخ: وأين تقصد يا غريب؟ فحكى له ما جرى من أوله إلى آخره حتى وصل إلى حديث غول الجبل الذي جاء في طلبه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 628 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ms1417 غريبا لما أسلم وحكى للشيخ جميع ما جرى له من أوله إلى آخره، حتى وصل إلى حديث غول الجبل الذي جاء في طلبه، قال له: يا غريب، هل أنت مجنون تسير إلى غول الجبل وحدك؟ فقال له: يا مولاي، معي مائتا فارس. فقال له الشيخ: يا غريب، ولو كان معك عشرة آلاف فارس ما تقدر عليه، فإن اسمه الغول، يأكل الناس، نسأل الله السلامة، وهو من أولاد حام، وأبوه هندي الذي عمر الهند وسمي به، وقد خلفه وسماه سعدان الغول، فكان يا ولدي جبارا وشيطانا مريدا، ما له مأكول إلا ابن آدم، فنهاه أبوه قبل موته عن ذلك، فما انتهى وزاد في الطغيان، فطرده أبوه بعد ذلك ونفاه من بلاد الهند بعد حروب وتعب عظيم، فجاء إلى هذه الأرض وتحصن بها وسكن فيها، وصار يقطع الطرق على الرائح والجائي، ويرجع إلى مسكنه بهذا الوادي، ورزق بخمسة أولاد غلاظ شداد، يحمل أحدهم على ألف بطل، وقد جمع أموالا وغنائم وخيلا وجمالا وبقرا وغنما قد سدت الوادي، وأنا خائف عليك منه، فاسأل الله تعالى أن ينصرك عليه بكلمة التوحيد، فإذا حملت على الكفار فقل: الله أكبر. فإنها تخذل من كفر. # ثم إن الشيخ أعطى غريبا عامودا من بولاد، وزنه مائة رطل، وفيه عشر حلقات، إذا هزه حامله طنت حلقاته مثل الرعد، وأعطاه سيفا مجوهرا من صاعقة، طوله ثلاثة أذرع، وعرضه ثلاثة أشبار، إذا ضرب به صخرة قدها نصفين، وأعطاه درعا وترسا ومصحفا وقال له: سر إلى قومك واعرض عليهم الإسلام. فخرج غريب وهو فرحان بالإسلام، وسار حتى وصل إلى قومه، فتلقوه بالسلام وقالوا له: ما أبطأك عنا؟ فحكى لهم جميع ما جرى له من أوله إلى آخره، وعرض عليهم الإسلام، فأسلموا جميعا وباتو إلى الصباح. فركب غريب وأتى الشيخ يودعه، فودعه وخرج وسار حتى وصل إلى قومه، وإذا بفارس وهو في الحديد غاطس لم يظهر منه غير آماق البصر، فحمل على غريب وقال له: اخلع ما عليك يا قطاعة العرب، وإلا رميتك ms1418 بالعطب. فحمل غريب عليه وجرى بينهم حرب يشيب المولود، ويذيب من هوله الحجر الجلمود، فكشف البدوي البرقع فإذا هو سهيم الليل أخو غريب من أمه ابن مرداس، وسبب خروجه وإتيانه إلى ذلك المحل، أن غريبا لما سار إلى غول الجبل كان سهيم غائبا، فلما رجع لم ينظر غريبا فدخل على أمه فوجدها تبكي، فسألها عن سبب بكائها، فأخبرته بما جرى من سفر أخيه، فما تمهل على نفسه ليستريح، فلبس آلة حربه وركب جواده وسار حتى وصل إلى أخيه، وجرى بينهما ما جرى. فلما كشف سهيم وجهه عرفه غريب وسلم عليه وقال: ما حملك على هذا؟ قال له: حتى عرفت طبقتي معك في الميدان، وقدري في الضرب والطعان. وسارا فعرض غريب على سهيم الإسلام فأسلم، ولم يزالوا سائرين حتى أشرفوا على الوادي، فلما نظر غول الجبل غبار القوم قال: يا أولادي، اركبوا وائتوني بهذه الغنيمة. فركبت الخمسة وساروا نحوهم، فلما رأى غريب الخمسة العمالقة قد هجموا عليهم، لكز جواده وقال: من أنتم؟ وما جنسكم؟ وما تريدون؟ فتقدم فلحون بن سعدان غول الجبل، وهو أكبر أولاده، وقال: انزلوا عن خيولكم، وكتفوا بعضكم حتى نسوقكم إلى أبينا يشوي بعضكم ويطبخ بعضكم، فإن له زمانا طويلا ما أكل آدميا. # فلما سمع غريب هذا الكلام حمل على فلحون، وهز العمود حتى طنت حلقاته مثل الرعد القاصف، فاندهش فلحون فضربه غريب بالعمود، وكانت ضربته خفيفة وقد وقعت بين أكتافه، فسقط مثل النخلة السحوق، فنزل سهيم وبعض القوم على فلحون وكتفوه. ثم إنهم وضعوا في رقبته حبلا وسحبوه مثل البقرة، فلما رأى إخوته أخاهم أسيرا حملوا على غريب، فأسر منهم أربعة والخامس فر هاربا حتى دخل على أبيه، فقال له أبوه: ما وراءك؟ وأين إخوتك؟ فقال له: أسرهم صبي ما خط عذاره، طوله أربعون ذراعا. فلما سمع غول الجبل كلام ابنه قال: لا طرحت الشمس فيكم من بركة. ثم إنه نزل من الحصن واقتلع شجرة عظيمة، وطلب غريب وقومه وهو راجل على قدميه؛ لأن الخيل لم تحمله ms1419 لعظم جثته، وتبعه ابنه وسارا حتى أشرفا على غريب، وحمل على القوم من غير كلام، وضرب بالشجرة فهشم خمسة رجال، وحمل على سهيم وضربه بشجرة فزاغ عنها وراحت خالية، فغضب الغول ورمى الشجرة من يده، وانقض على سهيم فخطفه مثل ما يخطف الباشق العصفور، فلما نظر غريب إلى أخيه وهو في يد الغول، صاح وقال: الله أكبر يا جاه إبراهيم الخليل ومحمد صلى الله عليه وسلم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 629 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن غريبا لما نظر أخاه وهو أسير في يد الغول صاح وقال: الله أكبر يا جاه إبراهيم الخليل ومحمد صلى الله عليه وسلم. ووجه جواده إلى غول الجبل، وهز العمود فطنت حلقاته وصاح: الله أكبر. وضرب غريب الغول بالعامود على صف أضلاعه، فوقع في الأرض مغشيا عليه، وانفلت سهيم من يديه، فما أفاق الغول إلا وهو مكتف مقيد، فلما نظره ابنه وهو أسير ولى هاربا، فساق غريب جواده خلفه ثم ضربه بالعامود بين أكتافه فوقع عن جواده، فكتفه عند إخوته وأبيه وأوثقوهم بالحبال وسحبوهم مثل الجمال، وساروا حتى وصلوا إلى الحصن، فوجدوه ملآنا بالخيرات والأموال والتحف، ووجد ألفا ومائتي أعجمي مربوطين مقيدين، فقعد غريب على كرسي غول الجبل، وكان أصله لصاص بن شيث بن شداد بن عاد، وأوقف سهيما أخاه على يمينه، ووقف أصحابه ميمنة وميسرة، وبعد ذلك أمر بإحضار غول الجبل وقال له: كيف رأيت روحك يا ملعون؟ فقال له: يا سيدي، في أقبح حال من الذل والخبال، أنا وأولادي مربوطون في الحبال مثل الجمال. فقال غريب: أريد أن تدخلوا في ديني وهو دين الإسلام، وتوحدوا الملك العلام، خالق الضياء والظلام، وخالق كل شيء، لا إله إلا هو الملك الديان، وتقروا بنبوة الخليل إبراهيم عليه السلام. فأسلم غول الجبل وأولاده وحسن إسلامهم، فأمر بحلهم فحلوهم من الرباط، فبكى سعدان الغول وأقبل على أقدام غريب يقبلها، وكذلك أولاده، فمنعهم من ذلك فوقفوا مع الواقفين، فقال غريب: يا سعدان. ms1420 فقال: لبيك يا مولاي. فقال: ما شأن هؤلاء الأعجام؟ فقال: يا مولانا هذا صيدي من بلاد العجم، وليسوا وحدهم. قال غريب: ومن معهم؟ قال: يا سيدي، معهم بنت الملك سابور ملك العجم، واسمها فخرتاج، ومعها مائة جارية كأنهن الأقمار. # فلما سمع غريب كلام سعدان تعجب وقال: كيف وصلت إلى هؤلاء؟ فقال: يا أمير، سرحت أنا وأولادي وخمسة عبيد من عبيدي، فما وجدنا في طريقنا صيدا، فتفرقنا في البراري والقفار فما وجدنا روحنا إلا في بلاد العجم، ونحن ندور على غنيمة نأخذها ولا نرجع خائبين، فلاحت لنا غبرة فأرسلنا عبدا من عبيدنا ليعرف الحقيقة، فغاب ساعة ثم عاد وقال: يا مولاي، هذه الملكة فخرتاج بنت الملك سابور ملك العجم والترك والديلم، ومعها ألفا فارس وهم سائرون. فقلت للعبد: بشرت بالخير، فليس غنيمة أعظم من هذه الغنيمة. ثم حملت أنا وأولادي على الأعجام، فقتلنا منهم ثلاثمائة فارس، وأسرنا ألفين ومائتين، وغنمنا بنت سابور وما معها من التحف والأموال، وجئنا بهم إلى هذا الحصن. فلما سمع غريب كلام سعدان قال: هل فعلت بالملكة فخرتاج معصية؟ قال: لا وحياة رأسك وحق هذا الدين الذي دخلت فيه. فقال غريب: قد فعلت حسنا يا سعدان؛ لأن أباها ملك الدنيا، ولا بد أن يجرد العساكر خلفها، ويخرب ديار الذين أخذوها، ومن لا يدري العواقب، ما الدهر له بصاحب. وأين هذه الجارية يا سعدان؟ فقال: قد أفردت لها قصرا هي وجواريها. فقال: أرني مكانها. فقال: سمعا وطاعة. # فقام غريب وسعدان الغول يمشيان حتى وصلا إلى قصر الملكة فخرتاج، فوجداها حزينة ذليلة تبكي بعد العز والدلال، فلما نظرها غريب ظن أن القمر منه قريب، فعظم الله السميع العليم، ونظرت فخرتاج إلى غريب فوجدته فارسا صنديدا، والشجاعة تلوح بين عينيه تشهد له لا عليه، فقامت له وقبلت يديه، وبعد يديه انكبت على رجليه، وقالت له: يا بطل الزمان، أنا في جيرتك، فأجرني من هذا الغول، فأنا خائفة أن يزيل بكارتي، وبعد ذلك يأكلني، فخذني أخدم جواريك. فقال غريب: لك الأمان ms1421 حتى تصلي إلى أبيك ومحل عزك. فدعت له بالبقاء وعز الارتقاء، فأمر غريب بحل الأعجام فحلوهم، والتفت إلى فخرتاج وقال لها: ما الذي أخرجك من قصرك إلى هذه البراري والقفار حتى أخذك قطاع الطريق؟ فقالت له: يا مولاي، إن أبي وأهل مملكته وبلاد الترك والديلم والمجوس يعبدون النار دون الملك الجبار، وعندنا في مملكتنا دير اسمه دير النار، وفي كل عيد تجتمع فيه بنات المجوس وعباد النار، ويقيمون فيه شهرا مدة عيدهم، ثم يعودون إلى بلادهم، فخرجت أنا وجواري على العادة، وأرسل معي أبي ألفي فارس يحفظونني، فخرج علينا هذا الغول فقتل بعضنا وأسر الباقي وحبسنا في هذا الحصن، وهذا ما جرى يا بطل الشجعان، كفاك الله نوائب الزمان. فقال غريب: لا تخافي، فأنا أوصلك إلى قصرك ومحل عزك. فدعت له وقبلت يديه ورجليه، ثم خرج من عندها وأمر بإكرامها، وبات تلك الليلة حتى أصبح الصباح، فقام وتوضأ وصلى ركعتين على ملة أبينا الخليل إبراهيم عليه السلام، وكذا الغول وأولاده وجماعة غريب كلهم صلوا خلفه، ثم التفت غريب إلى سعدان وقال له: يا سعدان، أما تفرجني على وادي الأزهار؟ قال: نعم يا مولاي. فقام سعدان وأولاده وغريب والملكة فخرتاج وجواريها وخرج الجميع، فأمر سعدان عبيده وجواريه أن يذبحوا ويطبخوا الغداء ويقدموه بين الأشجار، وكان عنده مائة وخمسون جارية وألف عبد يرعون الجمال والبقر والغنم، وسار غريب والقوم معه إلى وادي الأزهار، فلما رآه وجد شيئا صنوانا وغير صنوان، وأطيارا تغرد بالألحان على الأغصان، والهزار يرجع بأنغام الألحان، والقمري قد ملأ بصوته الأمكنة خلقة الرحمن. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 630 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن غريبا توجه هو وقومه والغول وقومه إلى وادي الأزهار، رأى فيه الطيور ومن جملتها القمري ملأ بصوته الأمكنة خلقة الرحمن، والبلبل يغرد بحسن صوته كالإنسان، والشجر يكل عن وصفه اللسان، والفاخت أضحى بصوته يهيم الإنسان، والمطوق تجاوبه الدرة بأفصح لسان، والأشجار المثمرة من كل فاكهة زوجان، والرمان حامض وحلو ms1422 على الأفنان، والمشمش لوزي وكافوري ولوز خراسان، والبرقوق يختلط بأشجار أغصان البان، والنارنج كأنه مشاعل النيران، والكباد مالت به الأغصان، والليمون دواء لكل قرفان، والحامض يشفي من علة اليرقان، والبلح على أمه أحمر وأصفر صنع الله العظيم الشان، وفي مثل هذا المكان يقول الشاعر الولهان: # وإذا ترنم طيره بغديره %~% يشتاقه الولهان في الأسحار ~~فكأنه الفردوس في نفحاته %~% ظل وفاكهة وماء جار # فأعجب غريبا هذا الوادي، فأمر أن ينصبوا فيه سرادق فخرتاج الكسروية، فنصبوه بين الأشجار وفرشوه بالفرش الفاخر، وقعد غريب وجاءهم الطعام، فأكلوا حتى اكتفوا، ثم قال غريب: يا سعدان. قال: لبيك يا مولاي. قال: هل عندك شيء من الخمر؟ قال: نعم، عندي صهريج ملآن بالعتيق. فقال: ائتنا بشيء منه. فأرسل عشرة من العبيد فجاءوا من الخمر بشيء كثير، فأكلوا وشربوا واستلذوا وطربوا، وطرب غريب وتذكر مهدية، فأنشد هذه الأبيات: # تذكرت أيام الوصال # بقربكم %~% فهيج قلبي بالغرام لهيب ~~فوالله ما فارقتكم بإرادتي %~% ولكن تصريف الزمان غريب ~~سلام وتسليم وألف تحية %~% عليكم وإني مدنف وكئيب # ولم يزالوا يأكلون ويشربون ويتفرجون ثلاثة أيام، ثم رجعوا إلى الحصن، ودعا غريب بسهيم أخيه فحضر، فقال له: خذ معك مائة فارس وسر إلى أبيك وأمك وقومك بني قحطان، فأت بهم إلى هذا المكان ليعيشوا فيه بقية الزمان، وأنا أسير إلى بلاد العجم بالملكة فخرتاج إلى أبيها، وأنت يا سعدان أقم أنت وأولادك في هذا الحصن حتى نعود إليك. قال له: ولم لم تأخذني معك إلى بلاد العجم؟ قال له: لأنك أسرت بنت سابور ملك العجم، وإن وقعت عينه عليك أكل من لحمك وشرب من دمك. فلما سمع غول الجبل ذلك ضحك ضحكا عاليا مثل الرعد القاصف وقال: يا مولاي وحياة رأسك، لو تجتمع علي العجم والديلم لأسقيتهم شراب العدم. فقال غريب: أنت كما تقول، ولكن اقعد في حصنك حتى أعود إليك. فقال: سمعا وطاعة. فرحل سهيم، وتوجه هو إلى بلاد العجم، ومعه قومه من بني قحطان، ومعه الملكة فخرتاج وقومها، وساروا قاصدين مدائن سابور ملك ms1423 العجم. # هذا ما كان من أمر هؤلاء، وأما ما كان من أمر الملك سابور، فإنه انتظر مجيء ابنته من دير النار فما عادت وفات الميعاد، فالتهبت في قلبه النار، وكان له أربعون وزيرا، وكان أكبرهم وأعرفهم وأعلمهم وزيرا اسمه ديدان، فقال له الملك: يا وزير، إن ابنتي أبطأت ولم يجئنا خبر عنها، وقد فات ميعاد مجيئها، فأرسل ساعيا إلى دير النار ليتحقق الأخبار. فقال: سمعا وطاعة. ثم خرج الوزير ونادى مقدم السعادة وقال له: سر من وقتك إلى دير النار. فخرج وسافر حتى وصل إلى دير النار، وسأل الرهبان عن بنت الملك فقالوا: ما رأيناها في هذا العام. فعاد على إثره حتى وصل إلى مدينة إسبانير ودخل على الوزير وأعلمه بما كان؛ فدخل الوزير على الملك سابور وأعلمه، فقامت قيامته ورمى تاجه في الأرض، ونتف لحيته، ووقع على الأرض مغشيا عليه، فرشوا عليه الماء فأفاق وهو باكي العين، حزين القلب، فأنشد قول الشاعر: # ولما دعوت الصبر بعدك # والبكا %~% أجاب البكا طوعا ولم يجب # الصبر ~~وإن كانت الأيام تفرق # بيننا %~% لتقتلنا بالغدر يا حبذا # الغدر # ثم دعا الملك بعشرة قواد وأمرهم أن يركبوا بعشرة آلاف فارس، وكل قائد يتوجه إلى إقليم ليفتشوا على الملكة فخرتاج، فركبوا وتوجه كل قائد وجماعته إلى إقليم، وأما أم فخرتاج فإنها لبست هي وجواريها السواد، وفرشوا الرماد، وقعدوا في البكاء والعديد. هذا ما جرى لهؤلاء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 631 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك سابور أرسل عسكره يفتشون على بنته، ولبست أمها وجواريها السواد. وأما ما كان من أمر غريب وما جرى له في طريقه من الأمر العجيب، فإنه سار عشرة أيام، وفي اليوم الحادي عشر ظهرت له غبرة وارتفعت إلى عنان السماء، فدعا غريب بالأمير الذي يحكم على العجم، فحضر فقال له: تحقق لنا خبر هذا الغبار الذي ظهر. فقال: سمعا وطاعة. ثم ساق جواده حتى دخل تحت الغبار فنظر القوم وسألهم، فقال واحد منهم: نحن ms1424 من بني هطال، وأميرنا الصمصام بن الجراح، ونحن دائرون على شيء ننهبه، وقومنا خمسة آلاف فارس. فرجع العجمي مسرعا بجواده حتى وصل إلى غريب وأخبره بالأمر، فصاح غريب على رجال بني قحطان وعلى العجم وقال: احملوا سلاحكم. فحملوه وساروا، فقابلتهم العربان وهم ينادون: الغنيمة! الغنيمة! فصاح غريب وقال: أخزاكم الله يا كلاب العرب. ثم حمل وصدمهم صدمة بطل صنديد وهو يقول: الله أكبر، يا لدين إبراهيم الخليل عليه السلام. ووقع بينهم القتال، وعظم النزال، ودار السيف وكثر القيل والقال، ولم يزالوا في حرب حتى ولى النهار وأقبل الظلام، فانفصلوا من بعضهم وتفقد غريب القوم، فوجد المقتول من بني قحطان خمسة رجال، ومن العجم ثلاثة وسبعين، ومن قوم الصمصام ما يزيد على خمسمائة فارس. ثم نزل الصمصام، ولم يطب له طعام ولا منام، ثم قال لقومه: عمري ما رأيت مثل قتال هذا الصبي؛ لأنه تارة يقاتل بالسيف وتارة بالعامود، ولكني أبرز له غدا في حومة الميدان، وأطلبه إلى مقام الضرب والطعان، وأقطع هؤلاء العربان. # أما غريب فإنه لما رجع إلى قومه لاقته الملكة فخرتاج باكية مرعوبة من هول ما جرى، وقبلت رجله في الركاب وقالت له: لا شلت يداك ولا شمتت عداك يا فارس الزمان، والحمد لله الذي سلمك في هذا النهار، واعلم أنني خائفة عليك من هذه العربان. فلما سمع غريب كلامها ضحك في وجهها وطيب قلبها وطمنها وقال لها: لا تخافي يا ملكة، فلو كانت الأعداء ملء هذه البيداء؛ لأفنيتهم بقوة العلي الأعلى. فشكرته ودعت له بالنصر على الأعداء. ثم إنها انصرفت إلى جواريها، ونزل غريب فغسل يديه وما عليه من دم الكفار، وباتوا يتحارسون إلى الصباح، ثم ركب الفريقان وطلبوا الميدان ومقام الحرب والطعان، فكان السابق للميدان غريب، فساق جواده حتى قرب من الكفار وصاح: هل من مبارز يخرج لي غير كسلان؟ فبرز إليه عملاق من العمالقة الشداد من نسل قوم عاد، ثم حمل على غريب وقال: يا قطاعة العرب، خذ ما جاءك وأبشر بالهلاك. وكان معه دبوس ms1425 حديد وزنه عشرون رطلا، فرفع يده وضرب غريبا، فزاغ عنه فغاص الدبوس في الأرض ذراعا، وقد انثنى العملاق مع الضربة، فضربه غريب بالعامود الحديد، فشق جبهته فخر صريعا وعجل الله بروحه إلى النار. # ثم إن غريبا صال وجال وطلب البراز، فبرز له ثان فقتله، وثالث وعاشر، وكل من برز له قتله، فلما نظر الكفار إلى قتال غريب وضربه، زاغوا منه وتأخروا عنه، ونظر أميرهم إليهم وقال: لا بارك الله فيكم، أنا أبرز له. فلبس آلة حربه وساق جواده حتى ساوى غريبا في حومة الميدان وقال له: ويلك يا كلب العرب، هل بلغ من قدرك أن تبارزني في الميدان وتقتل رجالي؟ فجاوبه غريب وقال: دونك والقتال، وخذ ثأر من قتل من الفرسان. فحمل الصمصام على غريب، فتلقاه بصدر رحيب وقلب عجيب، فتضارب الاثنان بالعمودين حتى حيرا الفريقين ورمقتهم كل عين، وقد جالا في الميدان وضربا بعضهما ضربتين؛ فأما غريب فإنه خيب ضربة الصمصام في الحرب والاصطدام، وأما الصمصام فسقطت عليه ضربة غريب فخسفت صدره وأوقعته في الأرض قتيلا، فحمل قومه على غريب حملة واحدة، وحمل غريب عليهم وصاح: الله أكبر، فتح ونصر وخذل من كفر بدين إبراهيم الخليل عليه السلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 632 # قال: بلغني أيها الملك السعيد، أن غريبا لما حمل عليه قوم الصمصام حملة واحدة، حمل عليهم وصاح: الله أكبر، فتح ونصر وخذل من كفر. فلما سمع الكفار ذكر الملك الجبار الواحد القهار الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، نظر بعضهم إلى بعض وقالوا: هذا الكلام الذي أرعد فرائضنا وأضعف هممنا وقصر أعمارنا، فما سمعنا في عمرنا أطيب من هذا الكلام. ثم إنهم قالوا لبعضهم: ارجعوا عن القتال حتى نسأل عن هذا الكلام. فرجعوا عن القتال ونزلوا عن الخيول، واجتمع كبارهم وتشاوروا وطلبوا المسير إلى غريب وقالوا: يمضي إليه منا عشرة. واختاروا عشرة من خيارهم فتوجهوا إلى خيام غريب، وأما غريب وقومه فإنهم نزلوا في خيامهم وتعجبوا من رجوع القوم ms1426 عن الحرب. فبينما هم كذلك وإذا بالعشرة رجال قد أقبلوا وطلبوا الحضور بين يدي غريب، وقبلوا الأرض ودعوا له بالعز والبقاء، فقال لهم: ما لكم رجعتم عن القتال؟ فقالوا: يا مولانا، أرعبتنا بالكلام الذي صحت به علينا؟ فقال لهم: ما تعبدون من المصائب؟ فقالوا: نعبد ودا وسواعا ويغوث أرباب قوم نوح. قال غريب: إنا لا نعبد إلا الله تعالى، خالق كل شيء ورازق كل حي، وهو الذي خلق السموات والأرض، وأرسى الجبال، وأنبع الماء من الأحجار، وأنبت الأشجار ورزق الوحوش في القفار، فهو الله الواحد القهار. فلما سمع القوم كلام غريب، انشرحت صدروهم بكلمة التوحيد وقالوا: إن هذا الإله رب عظيم، راحم رحيم. ثم قالوا: فما نقول حتى نصير مسلمين؟ قال غريب: قولوا لا إله إلا الله، إبراهيم خليل الله. فأسلم العشرة إسلاما صحيحا. ثم قال غريب: إن دليل حلاوة الإسلام في قلوبكم أن تمضوا إلى قومكم وتعرضوا عليهم الإسلام، فإن أسلموا أسلموا، وإن أبوا نحرقهم بالنار. فسار العشرة حتى وصلوا إلى قومهم وعرضوا عليهم دين الإسلام وشرحوا لهم طريق الحق والإيمان، فأسلموا قلبا ولسانا، وسعوا على الأقدام حتى وصلوا إلى غريب وقبلوا الأرض بين يديه، ودعوا له بالعز وعلو الدرجات وقالوا: يا مولانا، نحن صرنا عبيدك، فمرنا بما تريد، فإنا لك سامعون مطيعون، وما بقينا نفارقك؛ لأن الله هدانا على يديك. فجازاهم خيرا وقال لهم: امضوا إلى منازلكم وارتحلوا بأموالكم وأولادكم، واسبقونا على وادي الأزهار، وحصن صاصا بن شيث، حتى أشيع فخرتاج بنت الملك سابور ملك العجم وأعود إليكم. فقالوا: سمعا وطاعة. # ثم إنهم رحلوا من وقتهم وقصدوا حيهم وهم فرحون بالإسلام، وعرضوا الإسلام على عيالهم وأولادهم فأسلموا، ثم هدوا بيوتهم وأخذوا أموالهم ومواشيهم ورحلوا إلى وادي الأزهار، فخرج غول الجبل وأولاده واستقبل القوم، فكان غريب أوصاهم وقال لهم: إذا خرج إليكم غول الجبل وأراد أن يبطش بكم، فاذكروا الله تعالى خالق كل شيء، فإنه متى سمع ذكر الله تعالى يرجع عن القتال ويلقاكم بالترحيب. فلما خرج غول الجبل ms1427 بأولاده وأراد أن يبطش بهم، أعلنوا بذكر الله تعالى، فتلقاهم بأحسن ملتقى، وسألهم عن حالهم، فأخبروه بما جرى لهم مع غريب، ففرح بهم سعدان وأنزلهم وغمرهم بالإحسان. # هذا ما جرى لهم، وأما غريب فإنه رحل بالملكة فخرتاج وتوجه إلى مدينة إسبانير، فسار خمسة أيام، وفي اليوم السادس ظهر له غبار، فأرسل رجلا من الأعجام يتحقق له الأخبار، فسار إليه ثم عاد أسرع من الطير إذا طار، وقال: يا مولاي، هذا غبار ألف فارس من أصحابنا الذين أرسلهم الملك يفتشون على الملكة فخرتاج. فلما بلغ غريب ذلك، أمر أصحابه بالنزول وأن يضربوا الخيام، فنزلوا وضربوا خيامهم حتى وصل إليهم القادمون، فتلقاهم رجال الملكة فخرتاج وأخبروا طومان الحاكم عليهم، وأعلموه بالملكة فخرتاج. فلما سمع طومان بذكر الملك غريب دخل عليه وقبل الأرض بين يديه، وسأله عن حال الملكة، فأرسله إلى خيمتها، فدخل عليها وقبل يديها ورجليها وأخبرها بما جرى لأبيها وأمها، فأخبرته بجميع ما جرى لها، وكيف خلصها غريب من غول الجبل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 633 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة فخرتاج لما حكت لطومان جميع ما حصل لها من غول الجبل وأسرها، وكيف خلصها غريب وإلا كان أكلها، قالت: فواجب على أبي أن يعطيه نصف ملكه. ثم إنه قام طومان وقبل يدي غريب ورجليه، وشكر إحسانه وقال: عن إذنك يا مولاي، هل أرجع إلى مدينة إسبانير فأبشر الملك؟ فقال له: توجه وخذ منه البشارة. فسار طومان ورحل غريب بعده. فأما طومان فإنه جد في السير حتى أشرف على إسبانير المدائن، فطلع القصر وقبل الأرض قدام الملك سابور، فقال الملك: ما الخبر يا بشير الخير؟ فقال له طومان: ما أقول لك حتى تعطيني بشارتي. فقال له الملك: بشرني حتى أرضيك. فقال: يا ملك الزمان، أبشر بالملكة فخرتاج. فلما سمع سابور ذكر ابنته وقع مغشيا عليه، فرشوا عليه ماء الورد فأفاق وصاح على طومان وقال له: تقرب إلي وبشرني. فتقدم وشرح له ما جرى ms1428 للملكة فخرتاج، فلما سمع الملك ذلك الكلام خبط كفيه على بعضمها وقال: مسكينة يا فخرتاج. ثم إنه أمر لطومان بعشرة آلاف دينار، وأنعم عليه بمدينة أصبهان وأعمالها، ثم صاح على أمرائه وقال: اركبوا بأجمعكم حتى نلاقي الملكة فخرتاج. ودخل الخادم الخاص أعلم أمها وكامل الحريم، ففرحن بذلك وخلعت أمها على الخادم خلعة وأعطته ألف دينار، وسمع أهل المدينة بذلك فزينوا الأسواق والبيوت، وركب الملك طومان وساروا حتى رأوا غريبا، فترجل الملك سابور ومشى خطوات ليستقبل غريبا، وترجل غريب ومشى إليه واعتنقا وسلما على بعضهما، وانكب سابور على يدي غريب فقبلهما وشكر إحسانه، ونصبوا الخيام قبال الخيام، ودخل سابور على ابنته، فقامت له واعتنقته وصارت تحدثه بما جرى لها، وكيف خلصها غريب من قبضة غول الجبل، فقال لها أبوها: وحياتك يا سيدة الملاح إني أعطيه حتى أغمره بالعطاء. فقالت له: صاهره يا أبتي حتى يكون لك عونا على الأعداء، فإنه شجاع. وما قالت هذا الكلام إلا لأن قلبها تعلق بغريب، فقال: يا بنتي، أما تعلمين أن الملك خردشاه رمى الديباج، ووهب مائة ألف دينار، وهو ملك شيراز وأعمالها، وهو صاحب ملك وجنود وعساكر. فلما سمعت فخرتاج كلام أبيها قالت: يا أبتي، ما أريد ما ذكرت لي، وإن أكرهتني على ما لا أريد قتلت روحي. فخرج الملك وتوجه إلى غريب فقام له، وجلس سابور وصار لا يشبع نظره من غريب، وقال في نفسه: والله إن ابنتي معذورة حيث حبت هذا البدوي. # ثم حضر الطعام، فأكلوا وباتوا، ثم أصبحوا سائرين إلى أن وصلوا إلى المدينة، ودخل الملك وغريب ركابه في ركابه، وكان لهم يوم عظيم، ودخلت فخرتاج قصرها ومحل عزها، وتلقتها أمها وجواريها وقمن بالفرح والزغاريد، وجلس الملك سابور على كرسي مملكته، وأجلس غريبا على يمينه، ووقف الملوك والحجاب والأمراء والنواب والوزراء ميمنة وميسرة، وقد هنئوا الملك بابنته، فقال الملك لأرباب دولته: من أحبني يخلع على غريب. فوقع عليه خلع مثل المطر، وأقام غريب في الضيافة عشرة أيام، ثم أراد المسير فخلع عليه ms1429 الملك وحلف بدينه أنه لا يرحل إلا بعد شهر، فقال غريب: يا ملك، إني خطبت بنتا من بنات العرب، وأريد أن أدخل عليها. فقال الملك: أيتهما أحسن، أمخطوبتك أم فخرتاج؟ فقال غريب: يا ملك الزمان، أين العبد من المولى؟ فقال الملك: فخرتاج صارت جاريتك؛ لأنك خلصتها من مخالب الغول، وما لها بعل سواك. فقام غريب وقبل الأرض وقال: يا ملك الزمان، أنت ملك وأنا رجل فقير، وربما تطلب مهرا ثقيلا. فقال له الملك سابور: يا ولدي، اعلم أن الملك خردشاه صاحب شيراز وأعمالها خطبها وجعل لها مائة ألف دينار، وأنا قد اخترتك دون الناس أجمعين، وقد جعلتك سيف مملكتي وترس نقمتي. ثم التفت لكبراء قومه وقال: اشهدوا علي يا أهل مملكتي أني زوجت ابنتي فخرتاج لولدي غريب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 634 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك سابور ملك العجم قال لكبراء قومه: اشهدوا علي أني زوجت ابنتي فخرتاج لولدي غريب. فعند ذلك صافحه وصارت زوجته، فقال له غريب: اشرط علي مهرا أحمله إليك، فإن عندي في حصن صاصا مالا وذخائر لا تحصى. فقال سابور: يا ولدي، ما أريد منك مالا ولا ذخائر، ولا آخذ مهرها إلا رأس الجمرقان ملك الدشت ومدينة الأهواز. فقال: يا ملك الزمان، سوف أمضي وأجيء بقومي وأسير لعدوي وأخرب دياره. فجازاه الملك خيرا، وانفض القوم والأكابر، وظن الملك أن غريبا إذا توجه إلى الجمرقان ملك الدشت لا يعود أبدا. فلما أصبح الصباح ركب الملك وركب غريب وأمر العسكر بالركوب، فركبوا ونزلوا الميدان، فقال لهم الملك: العبوا بالرماح وفرحوا قلبي. فلعب أبطال العجم مع بعضهم، ثم قال غريب: يا ملك الزمان، مرادي أن ألعب مع فرسان العجم على شرط. فقال له: وما شرطك؟ قال له: ألبس ثوبا رفيعا على بدني، وآخذ رمحا بلا سنان، وأجعل عليه خرقة مغموسة بالزعفران، ويبرز لي كل شجاع ويظل رمحه بسنان، فإن غلبني فقد وهبته روحي، وإن غلبته علمت عليه في صدره، فيخرج ms1430 من الميدان. فصاح الملك على نقيب الجيش أن يقدم أبطال العجم، فانتخب ألفا ومائتين من ملوك العجم واختارهم أبطالا شجعانا، وقال لهم الملك بلسان العجم: كل من قتل هذا البدوي يتمنى علي حتى أرضيه. فتسابقوا إلى غريب وحملوا عليه، وقد بان الحق من الباطل والجد من المزاح، وقال: توكلت على الله إله إبراهيم الخليل، وإله كل شيء قدير، الذي لا يخفى عليه شيء، وهو الواحد القهار الذي لا تدركه الأبصار. فبرز له عملاق من أبطال العجم، فما أمهله في الثبات قدامه حتى علم عليه وملأ صدره بالزعفران، ولما ولى لطشه غريب بالرمح على رقبته فوقع في الأرض وحمله غلمانه من الميدان، فبرز له ثان فعلم عليه، وثالث ورابع وخامس، ولم يزل يبرز له بطل بعد بطل، حتى علم على الجميع ونصره الله تعالى عليهم، وطلعوا من الميدان وقدم لهم الطعام، فأكلوا وأحضروا الشراب وشربوا، فشرب غريب وطاش عقله، فقام يزيل ضرورة وأراد أن يعود فتاه ودخل في قصر فخرتاج، فلما رأته خرج عقلها وصاحت على جواريها وقالت: اخرجن إلى مواضعكن. فتفرقن وتوجهن إلى مواضعهن، ثم قامت وقبلت يد غريب وقالت: مرحبا بسيدي الذي أعتقني من الغول، فأنا جاريتك على الدوام. وجذبته إلى فراشها واعتنقته، فاشتدت شهوته وافتضها وبات عندها إلى الصباح. # هذا ما جرى، والملك يظن أن غريبا مضى، فلما أصبح الصباح دخل على الملك، فقام له وأجلسه بجانبه، ثم دخل الملوك وقبلوا الأرض ووقفوا ميمنة وميسرة، وصاروا يتحدثون في شجاعة غريب ويقولون: سبحان من أعطاه الشجاعة على صغر سنه. فبينما هم في الكلام إذ نظروا من شباك القصر غبار خيل مقبلة، فصاح الملك على السعاة وقال: ويلكم، ائتوني بخبر هذا الغبار. فسار فارس منهم حتى كشف الغبار وعاد وقال: أيها الملك، وجدنا تحت الغبار مائة فارس من الفرسان، أميرهم يقال له سهيم الليل. فلما سمع غريب هذا الكلام قال: يا مولاي، هذا أخي، كنت بعثته في حاجة وأنا خارج لألاقيه. ثم ركب غريب في قومه المائة فارس من بني ms1431 قحطان، وركب معه ألف من العجم، وسار في موكب عظيم، ولا عظمة إلا لله، ولم يزل غريب سائرا حتى وصل إليه، فترجل الاثنان واعتنقا ثم ركبا، فقال غريب: يا أخي، هل أوصلت قومك إلى حصن صاصا ووادي الأزهار؟ فقال: يا أخي، إن الكلب الغدار لما سمع أنك ملكت حصن غول الجبل، زاد به الضجر وقال: إن لم أرحل من هذه الديار يجيء غريب فيأخذ بنتي مهدية بلا صداق. ثم أخذ بنته وأخذ قومه وعياله وماله وقصد أرض العراق، ودخل الكوفة واحتمى بالملك عجيب، وهو طالب أن يعطيه ابنته مهدية. فلما سمع غريب كلام أخيه سهيم الليل كادت روحه أن تزهق من القهر وقال: وحق دين الإسلام، دين الخليل إبراهيم، وحق الرب العظيم، لأسيرن إلى أرض العراق، وأقيم الحرب فيها على ساق. ودخل المدينة وطلع غريب وأخوه سهيم الليل إلى قصر الملك وقبلوا الأرض، فقام الملك لغريب وسلم على سهيم، ثم إن غريبا أخبر الملك بما جرى، فأمر له بعشرة قواد، مع كل قائد عشرة آلاف فارس من شجعان العرب والعجم، فجهزوا حالهم في ثلاثة أيام، ثم رحل غريب وسار حتى وصل إلى حصن صاصا، فخرج له غول الجبل وأولاده ولاقوا غريبا، ثم ترجل سعدان وأولاده وقبلوا أقدام غريب في الركاب، وحكى لغول الجبل ما جرى، فقال: يا مولاي، اقعد في حصنك وأنا أسير بأولادي وأجنادي نحو العراق وأخرب مدينة الرستاق، وأجيء بجميع جنودها مربوطين بين يديك في أشد الوثاق. فشكره غريب وقال: يا سعدان، نسير كلنا. فجهز حاله وفعل ما أمره، وساروا كلهم وتركوا في الحصن ألف فارس يحفظونه ورحلوا قاصدين العراق. # هذا ما كان من أمر غريب، وأما ما كان من أمر مرداس، فإنه سار بقومه حتى وصل أرض العراق، وأخذ معه هدية حسنة، ومضى بها إلى الكوفة وأحضرها قدام عجيب، ثم قبل الأرض ودعا له بدعاء الملوك وقال: يا سيدي، إني أتيت مستجيرا بك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 635 # قالت: بلغني أيها ms1432 الملك السعيد، أن مرداسا لما طلع بين يدي عجيب قال له: إني أتيت مستجيرا بك. فقال: من ظلمك حتى أجيرك منه؟ ولو كان سابورا ملك العجم والترك والديلم. فقال مرداس: يا ملك الزمان، ما ظلمني إلا صبي ربيته في حجري، وقد وجدته في حجر أمه في واد، فتزوجت بأمه فجاءت مني بولد فسميته سهيم الليل وولدها اسمه غريب، فنشأ في حجري وطلع صاعقة محرقة وداهية عظيمة، فقتل حسان سيد بني نبهان، وأفنى الرجال وقهر الفرسان، وعندي بنت ما تصلح إلا لك، وقد طلبها مني فطلبت منه رأس غول الجبل، فسار له وبارزه وأسره وصار من جملة رجاله، وسمعت أنه أسلم وصار يدعو الناس إلى دينه، وخلص بنت سابور من الغول وملك حصن صاصا بن شيث بن شداد بن عاد، وفيه ذخائر الأولين والآخرين وكنوز السابقين، وقد سار يشيع بنت سابور وما يرجع إلا بأموال العجم. فلما سمع عجيب كلام مرداس اصفر لونه وتغير حاله وأيقن بهلاك نفسه، وقال: يا مرداس، وهل أم هذا الصبي عندك أو عنده؟ قال: عندي في خيامي. قال: فما اسمها؟ قال: اسمها نصرة. قال: هي إياها. فأرسل أحضرها فنظر عجيب إليها فعرفها فقال: يا ملعونة، أين العبدان اللذان أرسلتهما معك؟ قالت: قتلا بعضهما على شأني. فسل عجيب سيفه وضربها فشقها نصفين وسحبوها ورموها، ودخل في قلبه الوسواس فقال: يا مرداس، زوجني بنتك. فقال مرداس: هي من بعض جواريك، وقد زوجتك بها وأنا عبدك. فقال عجيب: مرادي أن أنظر إلى ابن الزانية غريب حتى أهلكه وأذيقه أصناف العذاب. وأمر لمرداس بثلاثين ألف دينار مهر ابنته، ومائة شقة من الحرير منسوجة بطراز الذهب مزركشة، ومائة مقطع بحاشية ومناديل وأطواق ذهب، ثم خرج مرداس بهذا المهر العظيم، فاجتهد في جهاز مهدية. # هذا ما جرى لهؤلاء، وأما ما كان من أمر غريب، فإنه سار حتى وصل إلى جزيرة، وهي أول بلاد العراق، وهي مدينة حصينة منيعة، فأمر غريب بالنزول عليها، فلما نظر أهل المدينة نزول العسكر عليهم، أغلقوا الأبواب وحصنوا ms1433 الأسوار وطلعوا الملك فأعلموه، فنظر من شرفات القصر فوجد عسكرا جرارا وكلهم أعجام فقال: يا قوم، ما يريدون هؤلاء الأعجام؟ فقالوا: لا ندري. وكان الملك اسمه الدامغ؛ لأنه كان يدمغ الأبطال في حومة الميدان، وكان من جملة أعوانه رجل شاطر كأنه شعلة نار اسمه سبع القفار، فدعاه الملك وقال له: امض إلى هذا العسكر وانظر أخبارهم وما يريدون منا وارجع عاجلا. فخرج سبع القفار كأنه الريح إذا سار حتى وصل إلى خيام غريب، فقام جماعة من العرب فقالوا: من أنت وما تريد؟ فقال: أنا قاصد ورسول من عند صاحب المدينة إلى صاحبكم. فأخذوه وشقوا به الخيام والمضارب والأعلام حتى وصلوا به إلى سرادق غريب، فدخلوا على غريب وأعلموه به فقال: ائتوني به. فأتوا به، فلما دخل قبل الأرض ودعا له بدوام العز والبقاء، قال له غريب: ما حاجتك؟ قال: أنا رسول صاحب مدينة الجزيرة الدامغ أخو الملك كندمر صاحب مدينة الكوفة وأرض العراق. فلما سمع غريب كلام الرسول جرت دموعه مدرارا، ونظر إلى الرسول وقال: ما اسمك؟ قال: اسمي سبع القفار. فقال له: امض إلى مولاك وقل له: إن صاحب هذه الخيام اسمه غريب بن كندمر صاحب الكوفة الذي قتله ابنه، وقد أتى إلى أخذ الثأر من عجيب الكلب الغدار. فخرج الرسول حتى وصل إلى الملك الدامغ وهو فرحان، ثم قبل الأرض، فقال الملك: ما وراءك يا سبع القفار؟ فقال: يا مولاي، إن صاحب هذا العسكر ابن أخيك. ثم حكى له جميع الكلام، فظن أنه في المنام وقال: يا سبع القفار. فقال له: نعم يا ملك. قال له: هل الذي قلته حق؟ قال له: وحياة رأسك إنه حق. فعند ذلك أمر كبار قومه بالركوب، فركبوا وركب الملك وساروا حتى وصلوا إلى الخيام، فلما علم غريب بحضور الملك الدامغ، خرج إليه ولاقاه واعتنق الاثنان وسلما على بعضهما، ورجع غريب بالملك إلى الخيام، وجلسا على مراتب العز، وفرح الدامغ بغريب ابن أخيه. ثم التفت الملك الدامغ إلى غريب وقال له: إن في ms1434 قلبي حسرة من ثأر أبيك، وما لي قدرة على الكلب أخيك؛ لأن عسكره كثير وعسكري قليل. فقال غريب: يا عم، ها أنا قد أتيت آخذ الثأر وأزيل العار وأخلي منه الديار. فقال الدامغ: يا ابن أخي، إن لك ثأرين؛ ثأر أبيك، وثأر أمك. فقال غريب: ما بال أمي؟ قال: قتلها عجيب أخوك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 636 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن غريبا لما سمع كلام عمه الدامغ حين قال له: إن أمك قتلها عجيب أخوك. قال غريب: يا عم، وما سبب قتلها؟ فحكى له ما جرى لأمه، وكيف زوج مرداس بنته بعجيب وهو يريد أن يدخل عليها؛ فلما سمع غريب كلام عمه، طار عقله من رأسه وغشي عليه حتى كاد أن يهلك، فلما صحا من غشيته صاح في عسكره وقال: اركبوا. فقال الدامغ: يا ابن أخي، اصبر حتى أهيئ حالي وأركب في رجالي وأسير معك في ركابك. فقال: يا عم، ما بقي لي صبر، فجهز حالك والحقني في الكوفة. ثم إن غريبا سار حتى وصل إلى مدينة بابل وقد ارتعب أهلها، وكان فيها ملك اسمه جمك، وكان تحت يده عشرون ألف فارس، واجتمع عنده من القرى خمسون ألف فارس، وضربوا الخيام قبال بابل، ثم كتب غريب كتابا وأرسله لصاحب بابل، فسار الرسول فلما وصل إلى المدينة صاح وقال: إني رسول. فسار بواب الباب متوجها إلى الملك جمك وأخبره بالرسول، فقال: ائتني به. فخرج وأتى بالرسول بين يديه، فقبل الأرض وأعطى جمكا الكتاب، ففكه وقرأه فإذا فيه: «الحمد لله رب العالمين، رب كل شيء ورازق كل حي وهو على كل شيء قدير، من عند غريب ابن الملك كندمر صاحب العراق وأرض الكوفة إلى جمك، فساعة وصول الكتاب إليك لا يكون جوابك إلا أن تكسر الأصنام، وتوحد الملك العلام، خالق النور والظلام، وخالق كل شيء وهو على كل شيء قدير، وإن لم تفعل ما أمرتك به جعلت اليوم عليك أشأم الأيام، والسلام على من ms1435 اتبع الهدى، وخشي عواقب الردى، وأطاع الملك الأعلى، رب الآخرة والأولى، الذي يقول للشيء كن فيكون.» # فلما قرأ الكتاب، ازرقت عيناه واصفر وجهه وصاح على الرسول وقال له: امض إلى صاحبك وقل له: غدا عند الصباح يكون الحرب والكفاح ويبان الجحجاح. فمضى الرسول وأعلم غريبا بما كان، فأمر غريب قومه بأخذ الأهبة للقتال، ثم أمر جمك بنصب الخيام قبال خيام غريب، وخرج عساكر مثل البحر الزاخر وباتوا على نية القتال، فلما أصبح الصباح ركبت الطائفتان واصطفتا صفوفا، ودقوا الكاسات ورمحوا على الصافنات، فملئوا الأرض والفلوات، وتقدمت الأبطال، وكان أول من برز إلى ميدان الحرب والنزال غول الجبل، وعلى كتفه شجرة هائلة، فصاح بين الفريقين وقال: أنا سعدان الغول. ونادى: هل من مبارز؟ هل من مناجز؟ لا يأتني كسلان ولا عاجز؟ ثم صاح على أولاده: يا ويلكم، فائتوني بالحطب والنار لأنني جائع. فصاحوا على عبيدهم، فجمعوا الحطب وأشعلوا النار في وسط الميدان، فبرز له رجل من الكفار عملاق من العمالقة العتاة، وعلى كتفه عمود مثل صاري مركب، فحمل على سعدان وقال: يا ويلك يا سعدان. فلما سمع كلام العملاق، ساءت منه الأخلاق، ولف الشجرة فزمرت في الهواء وضرب بها العملاق، فلاقى الضربة بالعمود، فنزلت الشجرة بثقلها مع عمود العملاق على دماغه فهشمته ووقع كالنخلة السحوق، فصاح سعدان على عبيده وقال: اسحبوا هذا العجل السمين واشووه سريعا. فأسرعوا وسلخوا العملاق وشووه وقدموه لسعدان الغول، فأكله ومرمش عظامه، فلما نظر الكفار إلى فعل سعدان بصاحبهم، اقشعرت جلودهم وأبدانهم، وانعكست أحوالهم، وتغيرت ألوانهم، وقالوا لبعضهم: كل من خرج لهذا الغول أكله ومرمش عظامه وأعدمه نسيم الدنيا. فتوقفوا عن القتال وقد فزعوا من الغول وأولاده، ثم ولوا هاربين وإلى بلدهم قاصدين. # فعند ذلك صاح غريب على قومه وقال: عليكم بالمنهزمين. فحمل العجم والعرب على ملك بابل وقومه، وأوقعوا فيهم ضرب السيف حتى قتلوا منهم عشرين ألفا وأزيد، وازدحموا في الباب فقتلوا منهم خلقا كثيرا ولم يقدروا على غلق الباب، فهجمت عليهم العرب والعجم، وأخذ سعدان ms1436 عمودا من بعض القتلى وهزه قدام القوم ونزل به في الميدان، ثم هجم على قصر الملك جمك فواجهه وضربه بالعمود فوقع على الأرض مغشيا عليه، وحمل سعدان على من في القصر فجعلهم هشيما، فعند ذلك صاحوا: الأمان الأمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 637 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن سعدان الغول لما هجم على قصر الملك جمك وهشم من فيه صاحوا: الأمان الأمان. فقال لهم سعدان: كتفوا ملككم. فكتفوه وحملوه وساقهم سعدان قدامه مثل الغنم، بعد فناء أكثر أهل المدينة بسيوف عسكر غريب، وأوقفهم قدام غريب، فلما أفاق جمك ملك بابل من غشيته وجد نفسه مربوطا، والغول يقول: الليلة أتعشى بهذا الملك جمك. فلما سمعه التفت إلى غريب وقال له: أنا في جيرتك. قال غريب: أسلم تسلم من الغول ومن عذاب الحي الذي لا يزول. فأسلم جمك قلبا ولسانا، فأمر غريب بحل كتافه، ثم عرض الإسلام على قومه فأسلموا جميعا، وقد وقفوا في خدمة غريب، ودخل جمك مدينته وأخرج الطعام والشراب وباتوا على بابل حتى أصبح الصباح، فأمر غريب بالرحيل وساروا حتى وصلوا إلى ميافارقين، فرأوها خالية من أهلها، وكان أصحابها قد سمعوا ما جرى لبابل، فأخلوا الديار وساروا حتى وصلوا إلى مدينة الكوفة، فأخبروا عجيبا بما جرى، فقامت قيامته وجمع أبطاله وأخبرهم بقدوم غريب، وأمرهم أن يأخذوا الأهبة لقتال أخيه، وقد أحصى قومه فكانوا ثلاثين ألف فارس وعشرة آلاف راجل، ثم طلب غيرهم للحضور؛ فحضر له خمسون ألفا من فارس وراجل، ثم ركب في عسكر جرار وسار خمسة أيام، فوجد عسكر أخيه نازلا بالموصل، فنصب خيامه قبال خيامهم، ثم كتب غريب كتابا والتفت إلى رجاله وقال: من فيكم يوصل هذا الكتاب إلى عجيب؟ فوثب سهيم قائما وقال: يا ملك الزمان، أنا أروح بكتابك وأجيء بجوابك. فأعطاه الكتاب وسار به حتى وصل إلى سرادق عجيب، فأخبروا عجيبا به، فقال: ائتوني به. فلما أحضروه بين يديه قال له: من أين جئت؟ قال: جئتك من عند ms1437 ملك العجم والعرب، صهر كسرى ملك الدنيا، وقد أرسل إليك كتابا فرد جوابه. فقال له عجيب: هات الكتاب. فأعطاه إياه ففكه وقرأه فوجد فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على الخليل إبراهيم، أما بعد؛ فساعة وصول الكتاب إليك توحد الملك الوهاب، مسبب الأسباب، ومسير السحاب، وتترك عبادة الأصنام، فإن أسلمت كنت أخي والحاكم علينا، وأترك لك ذنب أبي وأمي، ولا أؤاخذك بما فعلت، وإن لم تفعل ما أمرتك به قطعت عنقك وأخربت ديارك وعجلت عليك، وقد نصحتك والسلام على من اتبع الهدى، وأطاع الملك الأعلى.» # فلما قرأ عجيب كلام غريب وفهم ما فيه من التهديد، صارت عيناه في أم رأسه، وقرش على أضراسه واشتد غضبه، ثم مزق الكتاب ورماه، فصعب على سهيم فصاح على عجيب وقال له: شل الله يدك بما فعلت. فصاح عجيب على قومه وقال: امسكوا هذا الكلب وقطعوه بسيوفكم. فهجموا على سهيم، فسحب سهيم سيفه وبطش بهم، فقتل منهم ما يزيد على خمسين بطلا، ومرق سهيم حتى وصل إلى أخيه وهو غاطس في الدم، فقال له غريب: أي شيء هذا الحال يا سهيم؟ فحكى له ما جرى، فصاح غريب: الله أكبر. وامتزج بالغضب، ودق طبل الحرب، وركب الأبطال، واصطف الرجال، واجتمع الأقران ورقصوا الخيل في المجال، ولبس الرجال الحديد والزرد النضيد، وتقلدوا بالسيوف، واعتقلوا الرماح الطوال، وركب عجيب بقومه وحملت الأمم على الأمم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 638 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن غريبا لما ركب هو وقومه وركب عجيب هو وقومه، حملت الأمم على الأمم، وحكم قاضي الحرب وفي حكمه ظلم وختم على فمه ولم يتكلم، وجرى الدم وانسجم، ونقش على الأرض طرازا محكما، وشابت الأمم واشتد الحرب واحتدم، وزلت القدم، وثبت الشجاع واقتحم، وولى الجبان وانهزم، ولم يزالوا في حرب وقتال، حتى ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار، فدقوا كئوس الانفصال وانفرق بعضهم عن بعض، ورجعت كل طائفة إلى خيامها وباتوا. فلما أصبح الصباح، دقوا كئوس الحرب والكفاح، وقد ms1438 لبسوا آلة الحرب وتقلدوا بالسيوف الملاح، واعتقلوا سمر الرماح، وركبوا الجرد القداح، ونادوا: اليوم لا براح. واصطف العساكر مثل البحر الزاخر، فكان أول من فتح باب الحرب سهيم، فساق جواده بين الصفين، ولعب بالسيفين والرمحين، وقلب أبوابا في الحرب حتى حير أولي الألباب، ثم نادى: هل من مبارز؟ هل من مناجز؟ لا يأتني كسلان ولا عاجز؟ فبرز له فارس من الكفار، كأنه شعلة من نار، فما أمهله سهيم في الثبات قدامه حتى طعنه فألقاه؛ فبرز له الثاني فقتله، والثالث فمزقه، والرابع فأهلكه، ولم يزل كل من برز له قتله إلى نصف النهار، حتى قتل مائتي بطل، فعند ذلك صاح عجيب في قومه وأمرهم بالحملة، فحمل الأبطال على الأبطال، وعظم النزال، وكثر القيل والقال، ورنت السيوف الصقال، وفتكت الرجال بالرجال، وصاروا في أنحس حال، وجرى الدم وسال، وصارت الجماجم للخيل نعال، ولم يزالوا في ضرب شديد حتى ولى النهار، وأقبل الليل بالاعتكار، وانفصلوا من بعضهم، ومضوا إلى خيامهم، وباتوا إلى الصباح. ثم ركب الطائفتان وطلبوا الحرب والكفاح، وانتظر المسلمون غريبا يركب تحت الأعلام على جري عادته فما ركب، فذهب عبد سهيم إلى سرادق أخيه فلم يجده، فسأل الفراشين فقالوا: ما لنا به علم. فاغتم غما شديدا، وخرج وأعلم العسكر، فامتنعوا من الحرب وقالوا: إن غاب غريب يهلكنا عدوه. # وكان لغياب غريب أمر عجيب نذكره على الترتيب؛ وهو أنه لما رجع عجيب من حرب أخيه غريب، دعا رجلا من أعوانه يقال له سيار، وقال له: يا سيار، ما ادخرتك إلا لمثل هذا اليوم، وقد أمرتك أن تدخل عسكر غريب، وتصل إلى سرادق الملك، وتجيء بغريب وتريني شطارتك. فقال: سمعا وطاعة. ثم إن سيارا سار حتى تمكن من سرادق غريب، وقد أظلم الليل وانصرف كل إنسان إلى مرقده، هذا كله وسيار واقف بسبب الخدمة، فعطش غريب فطلب الماء من سيار، فقدم له كوز ماء وشغله بالبنج، فما فرغ غريب من الشرب حتى سبقت رأسه رجليه، فلفه في ردائه وحمله وسار به حتى دخل ms1439 خيام عجيب، ثم وقف بين يديه ورماه قدامه، فقال له: ما هذا يا سيار؟ قال له: هذا أخوك غريب. ففرح عجيب وقال له: باركت فيك الأصنام حله ونبهه. فنشقه بالخل فأفاق، وفتح عينيه فوجد نفسه مربوطا، وهو في خيمة غير خيمته، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فصاح عليه أخوه وقال له: أتجرؤ علي يا كلب وتطلب قتلي وتطالبني بثأر أبيك وأمك؟ فأنا اليوم ألحقك بهما وأريح الدنيا منك. فقال له غريب: يا كلب الكفار، سوف تنظر من تدور عليه الدوائر، ويقهره الملك القاهر، العالم بما في السرائر، الذي يتركك في جهنم معذبا جائرا، فارحم نفسك وقل معي: لا إله إلا الله، إبراهيم خليل الله. فلما سمع عجيب كلام غريب، شخر وسب إلهه الحجر، وأمر بإحضار السياف ونطع الدم، فنهض الوزير وقبل الأرض، وكان مسلما في الباطن كافرا في الظاهر وقال: يا ملك، أمهل لا تعجل حتى نعرف الغالب من المغلوب، فإن كنا غالبين فنحن متمكنون من قتله، وإن كنا مغلوبين يكون إبقاؤه في أيدينا قوة لنا. فقال الأمراء: صدق الوزير. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 639 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عجيبا لما أراد قتل غريب نهض الوزير وقال: لا تعجل، فإننا متمكنون من قتله. فأمر عجيب لأخيه بقيدين وغلين وجعله في خيمته وحرس عليه ألف بطل شدادا، وأصبح قوم غريب فاقدين ملكهم فلم يجدوه، فلما أصبح الصباح صاروا غنما من غير راع، فصاح سعدان الغول وقال: يا قوم، البسوا آلة حربكم وتوكلوا على ربكم، يدفع عنكم. فركب العرب والعجم خيولهم بعد أن لبسوا الحديد، وتسربلوا بالزرد النضيد، وبرزت السادات، وتقدم أصحاب الرايات، فعند ذلك برز غول الجبل وعلى كتفه عمود وزنه مائتا رطل، فجال وصال وقال: يا عبدة الأصنام، ابرزوا اليوم فإنه يوم الاصطدام، من عرفني فقد اكتفى شري، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أن سعدان غلام الملك غريب، هل من مبارز؟ هل من مناجز؟ لا يأتني اليوم ms1440 جبان ولا عاجز؟ فبرز له بطل من الكفار، كأنه شعلة من نار، فحمل على سعدان فتلقاه سعدان وضربه بالعمود، فكسر أضلاعه ووقع على الأرض ليس فيه روح، فصاح على أولاده وعبيده وقال لهم: أشعلوا النار فكل من وقع من الكفار اشووه وأصلحوا شأنه ونضجوه بالنار، وقدموه إلي حتى أتغدى به. ففعلوا ما أمرهم به وأطلقوا النار في وسط الميدان، وطرحوا ذلك المقتول في النار حتى استوى، فقدموه لسعدان، فنهش لحمه ومرمش عظمه، فلما نظر الكفار ما فعل غول الجبل، فزعوا فزعا شديدا، فصاح عجيب على قومه وقال: ويلكم، فاحملوا على هذا الغول واضربوه بسيوفكم وقطعوه. فحمل عشرون ألفا على سعدان ودارت حوله الرجال، ورشقوه بالنبال والنشاب، فصار فيه أربعة وعشرون جرحا، وجرى دمه على الأرض وصار وحده، فعند ذلك حملت أبطال المسلمين على المشركين، واستغاثوا برب العالمين، ولم يزالوا في حرب وقتال حتى فرغ النهار، فافترقوا من بعضهم وقد أسر سعدان وهو مثل السكران من نزيف الدم، وشدوا وثاقه وأضافوه إلى غريب. فلما نظر غريب إلى سعدان وهو أسير قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال له: يا سعدان، ما هذا الحال؟ فقال: يا مولاي، حكم الله سبحانه وتعالى بالشدة والفرج، ولا بد من هذا وهذا. قال: صدقت يا سعدان. وبات عجيب وهو فرحان وقال لقومه: اركبوا غدا واهجموا على عسكر المسلمين حتى لا يبقى منهم بقية. فقالوا: سمعا وطاعة. # وأما ما كان من أمر المسلمين، فإنهم باتوا وهم منهزمون باكون على ملكهم وعلى سعدان، فقال لهم سهيم: يا قوم، لا تهتموا، ففرج الله تعالى قريب. ثم صبر سهيم إلى نصف الليل، وتوجه إلى عسكر عجيب، ولم يزل يخترق المضارب والخيام حتى وجد عجيبا جالسا على سرير عزه والملوك حوله، كل هذا وسهيم في صفة فراش، وتقدم إلى الشمع الموقود وقطف زهرته وأشعله بالبنج الطيار، وخرج منه خارج السرادق، وصبر ساعة حتى طلع دخان البنج على عجيب وملوكه، فوقعوا على الأرض كأنهم موتى، فتركهم سهيم وأتى إلى ms1441 خيمة السجن، فوجد فيها غريبا وسعدان، ووجد عليها ألف بطل وقد غلبهم النعاس، فصاح عليهم سهيم وقال: ويلكم لا تناموا واحتفظوا على غريمكم وأوقدوا المشاعل. ثم أخذ سهيم مشعلا وأشعله بالحطب وملأه بنجا، ودار حول الخيمة، فطلع دخان البنج ودخل في خياشيمهم، فرقدوا جميعهم وتبنج جميع العسكر من دخان البنج فرقدوا، وكان مع سهيم الليل الخل في إسفنجة، فنشقهما حتى أفاقا وقد حلهما من السلاسل والأغلال، فنظرا إلى سهيم ودعوا له وفرحا به، ثم خرجوا وحملوا جميع السلاح من الحراس، وقال لهم: امضوا إلى عسكركم. فساروا ودخل سهيم إلى سرادق عجيب ولفه في برده وحمله وسار قاصدا خيام المسلمين، وقد ستر عليه الرب الرحيم حتى وصل إلى سرادق غريب وحل البردة، فنظر غريب إلى ما في البردة فوجده أخاه عجيبا وهو مكتف، فصاح: الله أكبر، فتح ونصر. ودعا غريب لسهيم وقال: يا سهيم نبهه. فتقدم وأعطاه الخل من الكندز، فأفاق من البنج وفتح عينيه، فوجد روحه مكتفا مقيدا، فأطرق رأسه إلى الأرض. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 640 # قال: بلغني أيها الملك السعيد، أن عجيبا لما قبضه سهيم وبنجه، جاء به عند أخيه غريب ونبهه، ففتح عينيه فوجد نفسه مكتفا مقيدا، فأطرق رأسه إلى الأرض، فقال له: يا ملعون، ارفع رأسك. فرفع رأسه فوجد نفسه بين عجم وعرب، وأخوه جالس على سرير ملكه ومحل عزه، فسكت ولم يتكلم، فصاح غريب وقال: أعروا هذا الكلب. فأعروه ونزلوا عليه بالسياط حتى أضعفوا جسمه وأخمدوا حسه، وحرس عليه مائة فارس، فلما فرغ غريب من عذاب أخيه، سمعوا التهليل والتكبير في خيام الكفار، وكان السبب في ذلك أن الملك الدامغ عم غريب، لما رحل غريب من عنده من الجزيرة أقام بعد رحيله عشرة أيام، ثم ارتحل بعشرين ألف فارس، وسار حتى صار قريبا من الوقعة، فأرسل ساعي ركابه يكشف له الأخبار، فغاب يوما ثم عاد وأخبر الملك الدامغ بما جرى لغريب مع أخيه، فصبر حتى أقبل الليل ثم كبر ms1442 على الكفار ووضع فيهم الصارم، فسمع غريب وقومه التكبير، فصاح غريب على أخيه سهيم الليل وقال له: اكشف لنا خبر هذا العسكر، وما سبب هذا التكبير؟ فذهب سهيم حتى قرب من الوقعة وسأل الغلمان، فأخبروه أن الملك الدامغ عم غريب وصل في عشرين ألف فارس وقال: وحق الخليل إبراهيم ما أترك ابن أخي، بل أعمل عمل الشجعان، وأردع القوم الكافرين، وأرضي الملك الجبار. ثم هجم بقومه في ظلام الليل على القوم الكفرة، فرجع سهيم إلى أخيه غريب وأخبره بما عمل عمه، فصاح على قومه وقال لهم: احملوا سلاحكم واركبوا خيولكم وساعدوا عمي. فركب العسكر وهجموا على الكفار ووضعوا فيهم الصارم البتار، فما أصبح الصباح حتى قتلوا من الكفار نحو خمسين ألفا، وأسروا نحو ثلاثين ألفا، وانهزم باقيهم في الأرض طولا وعرضا، ورجع المسلمون مؤيدين منصورين، وركب غريب ولاقى عمه الدامغ وسلم عليه وشكره على فعله، وقال الدامغ: يا ترى هذا الكلب وقع في هذه الوقعة؟ فقال غريب: يا عم، طب نفسا وقر عينا، واعلم أنه عندي مربوط. ففرح الدامغ فرحا شديدا، ودخلوا الخيام وترجل الملكان ودخلا السرادق فما وجدا عجيبا، فصاح غريب وقال: يا جاه إبراهيم الخليل عليه السلام. ثم قال: يا له من يوم عظيم ما أشنعه! وصاح على الفراشين وقال: يا ويلكم أين غريمي؟ فقالوا: لما ركبت وسرنا حولك لم تأمرنا بسجنه. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فقال له عمه: لا تعجل ولا تحمل هما، فأين يروح ونحن له في الطلب؟ # وكان السبب في هروب عجيب غلامه سيار، فإنه كان في العسكر كامنا، فما صدق بركوب غريب وما ترك في الخيام من يحرس غريمه، فصبر وأخذ عجيبا وحمله على ظهره، وتوجه إلى البر وعجيب مدهوش من ألم العذاب، ثم سار به يجد السير من أول الليل إلى ثاني يوم حتى وصل به إلى عين ماء عند شجرة تفاح، فنزله عن ظهره وغسل وجهه، ففتح عينيه فوجد سيارا، فقال له: يا سيار، رح بي الكوفة ms1443 حتى أفيق وأجمع الفرسان والجيوش والعساكر وأقهر بها عدوي، واعلم يا سيار أني جوعان. فنهض سيار إلى الغابة واصطاد فرخ نعام، وأتى به مولاه وذبحه وقطعه، وجمع الحطب وقدح الزناد وأشعل النار وشواه، وأطعمه وسقاه من العين، فردت روحه، ومضى سيار إلى بعض أحياء العرب وسرق منهم جوادا وأتى به عجيبا، فأركبه وقصد به الكوفة، فسارا أياما حتى وصلا قريبا من المدينة، فخرج النائب لملتقى الملك عجيب وسلم عليه، فوجده ضعيفا من العذاب الذي عذبه إياه أخوه، فدخل المدينة ودعا الملك بالحكماء فحضروا، فقال لهم: داووني في أقل من عشرة أيام. فقالوا: سمعا وطاعة. وجعل الحكماء يلاطفون عجيبا حتى شفي وتعافى من المرض الذي كان فيه ومن العذاب، ثم أمر وزيره أن يكتب الكتب إلى جميع النواب، فكتب واحدا وعشرين كتابا وأرسلهم إليهم، فجهزوا العساكر وقصدوا الكوفة مجدين السير. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 641 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عجيبا أرسل يحضر العسكر فقصدوا الكوفة وحضروا، وأما غريب فإنه صار متأسفا على هروب عجيب، وأرسل خلفه ألف بطل وفرقهم في جميع الطرق، فساروا يوما وليلة فلم يجدوا له خبرا، ثم رجعوا وأخبروا غريبا، فطلب أخاه سهيما فما وجده، فخاف عليه من نوائب الزمان واغتم غما شديدا. فبينما هو كذلك وإذا بسهيم داخل عليه، وقبل الأرض بين يديه، فقام غريب لما نظر إليه وقال: أين كنت يا سهيم؟ فقال له: يا ملك، قد وصلت إلى الكوفة فوجدت الكلب عجيبا وصل إلى محل عزه، وأمر الحكماء أن يداووه مما به، فداووه فتعافى وكتب الكتب وأرسلها لنوابه فأتوه بالعساكر. فأمر غريب عسكره بالرحيل، فهدوا الخيام وصاروا قاصدين الكوفة، فلما وصلوا إليها وجدوا لها عساكر مثل البحر الزاخر، ليس لها أول من آخر، فنزل غريب بعسكره مقابل عسكر الكفار، ونصبوا الخيام وأقاموا الأعلام، ودخل على الطائفتين الظلام، فأوقدوا النيران وتحارس الفريقان حتى طلع النهار، فقام الملك غريب توضأ وصلى ركعتين على ملة أبينا الخليل إبراهيم عليه السلام، ms1444 وأمر بدق طبول الحرب فدقت، والأعلام خفقت، والفرسان لدروعها لبست، ولخيولها ركبت، ولأنفسها أشهرت، ولميدان الحرب طلبت، فأول من فتح باب الحرب الملك الدامغ عم الملك غريب، وقد ساق جواده بين الصفين، واشتهر بين الفريقين، ولعب بالرمحين والسيفين، حتى حير الفرسان، وتعجب منه الفريقان، فصاح: هل من مبارز؟ لا يأتني كسلان ولا عاجز؟ أنا الملك الدامغ أخو الملك كندمر. فبرز له بطل من فوارس الكفار، كأنه شعلة نار، وحمل على الدامغ من غير كلام، فلاقاه الدامغ وطعنه في صدره، فخرج السنان من كتفه، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار. # وبرز له الثاني فقتله، والثالث فقتله، ولم يزل كذلك حتى قتل منهم ستة وسبعين رجلا أبطالا، فعند ذلك توقفت الرجال والأبطال عن المبارزة، فصاح الكافر عجيب على قومه وقال: ويلكم يا قوم، إن برزتم له جميعا واحدا بعد واحد، فإنه لا يبقي منكم أحدا قائما ولا قاعدا، فاحملوا عليه حملة واحدة حتى تتركوا الأرض منهم خالية ورءوسهم تحت حوافر الخيل مجندلة. فعند ذلك هزوا العلم المدهش، وانطبقت الأمم على الأمم، وسال الدم على الأرض وانسجم، وحكم قاضي الحرب وفي حكمه ما ظلم، وثبت الشجاع في مقام الحرب راسخ القدم، وولى الجبان وانهزم، وما صدق أن ينقضي النهار ويقبل الليل بجندس الظلام، ولم يزالوا في حرب وقتال وضرب نصال، حتى ولى النهار وأظلم الليل بالاعتكار؛ فعند ذلك دق الكفار طبل الانفصال، فما رضي غريب بل هجم على المشركين وتبعه المؤمنون الموحدون، فكم قطعوا رءوسا ورقابا، وكم مزقوا أيادي وأصلابا، وكم هشموا ركبا وأعصابا، وكم أهلكوا كهولا وشبابا، فما أصبح الصباح إلا وقد عزم الكفار على الهروب والرواح، وقد انهزموا عند انشقاق الفجر الوضاح، وتبعهم المسلمون إلى وقت الظهر وقد أسروا منهم ما يزيد عن عشرين ألفا، وقد أتوا بهم مكتفين، ونزل غريب على باب الكوفة وأمر مناديا أن ينادي في المدينة المذكورة بالأمان والاطمئنان، لمن يترك عبادة الأصنام ويوحد الملك العلام، خالق الآنام والضياء والظلام. فعند ذلك نادوا في شوارع المدينة ms1445 كما قال بالأمن، وأسلم كل من كان فيها كبارا وصغارا، وخرجوا كلهم جددوا إسلامهم قدام الملك غريب، وقد فرح بهم غاية الفرح واتسع صدره وانشرح. # ثم سأل عن مرداس وبنته مهدية، فأخبروه أنه كان نازلا خلف الجبل الأحمر، فعند ذلك أرسل إلى أخيه سهيم فحضر عنده فقال له: اكشف لي عن خبر أبيك. فركب جواده وما تأخر، وقد اعتقل رمحه الأسمر وما قصر، وسار متوجها إلى الجبل الأحمر، وفتش فما رأى له خبرا ولا لقومه أثرا، ورأى مكانهم شيخا من العرب كبير السن، حطيما من كثرة السنين، فسأله سهيم عن حال الرجال وأين مضوا؟ فقال له: يا ولدي، إن مرداسا لما سمع بنزول غريب على الكوفة خاف خوفا عظيما، وأخذ بنته وقومه وجميع جواريه وعبيده، وسار في تلك البراري والقفار، ولا أدري أين توجه. فلما سمع سهيم كلام الشيخ رجع إلى أخيه وأعلمه بذلك، فاغتم غما شديدا، وجلس على سرير ملك أبيه، وفتح خزائنه وفرق الأموال على جميع الأبطال، وأقام في الكوفة وأرسل الجواسيس تكشف أمر عجيب، وأمر بإحضار أرباب الدولة، فأتوه طائعين، وكذلك أهل المدينة، وخلع عليهم الخلع السنية وأوصاهم بالرعية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 642 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن غريبا لما خلع على أهل الكوفة وأوصاهم بالرعية، ركب في بعض الأيام إلى الصيد والقنص، وخرج في مائة فارس وسار إلى أن وصل إلى واد ذي أشجار وأثمار، كثير الأنهار والأطيار، ومرتع للظبي والغزلان، ترتاح إليه النفوس وتنعش روائحه من فترة العكوس، فأقاموا فيه ذلك اليوم، وكان يوما مزهرا، وباتوا فيه إلى الصباح، فصلى غريب ركعتين بعد الوضوء وحمد الله تعالى وشكره، وإذا بصراخ وهرج لهما طنين في ذلك المرج، فقال غريب لسهيم: اكشف لنا الأخبار. فمرق من وقته وسار حتى رأى أموالا منهوبة، وخيلا مجنوبة، وحريما مسبية وأولادا وصياحا، فسأل بعض الرعاة وقال لهم: أي شيء الخبر؟ قالوا: هذا حريم مرداس سيد بني قحطان وأمواله وأموال الحي الذي معه؛ فإن ms1446 الجمرقان بالأمس قتل مرداسا ونهب أمواله وسبى عياله، وأخذ أموال الحي جميعه؛ والجمرقان من دأبه شن الغارات وقطع الطرقات، وهو جبار عنيد ما تقدر عليه العربان ولا الملوك؛ لأنه شر مكان. # فلما سمع سهيم بقتل أبيه وسبي الحريم ونهب الأموال، عاد إلى أخيه غريب وأعلمه بذلك، فازداد نارا على نار وهاجت به الحمية لكشف العار وأخذ الثأر، فركب في قومه طالبين الفرصة، وسار إلى أن وصل إلى القوم فصاح على الرجال: الله أكبر على من طغى وبغى وكفر. وقتل منهم في حملة واحدة واحدا وعشرين بطلا، ثم وقف في حومة الميدان بقلب غير جبان وقال: أين الجمرقان؟ يبرز لي حتى أذيقه كأس الهوان وأخلي منه الأوطان. فما فرغ غريب من كلامه حتى برز الجمرقان كأنه جلة من الجلل، أو قطعة من جبل بالحديد مسربل، وكان عملاقا طويلا جدا، فصدم غريبا صدمة جبار عنيد من غير كلام ولا سلام، فحمل عليه غريب ولاقاه كالأسد الضاري، وكان مع الجمرقان عمود من الحديد الصيني ثقيل رزين، لو ضرب به جبلا لهدمه، فحمله في يده وضرب به غريبا على رأسه، فزاغ عنه غريب، فنزلت في الأرض فغاصت فيها نصف ذراع، ثم إن غريبا تناول الدبوس وضرب الجمرقان على مقبض كفه، فهرس أصابعه فوقع العمود من يده، فانحنى غريب من بحر سرجه وخطفه أسرع من البرق الخاطف، وضرب به الجمرقان على صف أضلاعه، فوقع على الأرض كالنخلة السحوق، فأخذه سهيم وأدار كتافه وسحبه بحبل، واندفعت فرسان غريب على فرسان الجمرقان، فقتلوا خمسين وولى الباقي هاربين، ولم يزالوا في هزيمتهم حتى وصلوا حيهم وأعلنوا بالصياح، فركب كل من في الحصن ولاقوهم وسألوهم عن الخبر، فأعلموهم بما كان، فلما سمعوا بأسر سيدهم تسابقوا إلى خلاصه وساروا قاصدين الوادي. # وكان الملك غريب لما أسر الجمرقان وهربت أبطاله، نزل عن جواده وأمر بإحضار الجمرقان، فلما حضر خضع له وقال: أنا في جيرتك يا فارس الزمان. فقال له غريب: يا كلب العرب، هل تقطع الطريق على عباد الله تعالى ولا ms1447 تخاف من رب العالمين؟ فقال له الجمرقان: يا سيدي، وما رب العالمين؟ قال غريب: يا كلب، وما تعبد من المصائب؟ قال له: يا سيدي، أعبد إلها من عجوة بالسمن والعسل، وفي بعض الأوقات آكله وأعمل غيره. فضحك غريب حتى استلقى على قفاه وقال: يا تعيس، ما يعبد إلا الله تعالى الذي خلقك وخلق كل شيء، ورزق كل حي، ولا يخفى عليه شيء، وهو على كل شيء قدير. فقال الجمرقان: وأين هذا الإله العظيم حتى أعبده؟ قال له غريب: يا هذا، اعلم أن ذلك الإله اسمه الله، وهو الذي خلق السموات والأرض، وأنبت الأشجار وأجرى الأنهار، وخلق الوحوش والأطيار، والجنة والنار، واحتجب عن الأبصار، يرى ولا يرى، وهو بالمنظر الأعلى، وهو الذي خلقنا ورزقنا سبحانه لا إله إلا هو. فلما سمع الجمرقان كلام غريب انفتحت مسامع قلبه واقشعر جلده وقال: يا مولاي، فما أقول حتى أصير منكم ويرضى علي هذا الرب العظيم؟ قال له: قل لا إله إلا الله إبراهيم الخليل رسول الله. فنطق الجمرقان بالشهادة، فكتب من أهل السعادة، فقال له: هل ذقت حلاوة الإسلام؟ قال: نعم. قال غريب: حلوا قيوده. فحلوها، فقبل الأرض قدام غريب وقبل رجل غريب، فبينما هم كذلك وإذا بغبار قد ثار حتى سد الأقطار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 643 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجمرقان لما أسلم قبل الأرض بين يدي غريب، فبينما هم كذلك وإذا بغبار قد ثار حتى سد الأقطار، فقال غريب: يا سهيم، اكشف لنا خبر هذا الغبار. فخرج مثل الطير إذا طار، وغاب ساعة ثم عاد وقال: يا ملك الزمان، هذا غبار بني عامر أصحاب الجمرقان. فقال له: اركب ولاق قومك واعرض عليهم الإسلام، فإن أطاعوك سلموا وإن أبوا أعملنا فيهم الحسام. فركب الجمرقان وساق جواده حتى لاقاهم وصاح عليهم، فعرفوه ونزلوا عن الخيل وأتوا على أقدامهم وقالوا: قد فرحنا بسلامتك يا مولانا. فقال: يا قوم، من أطاعني نجا، ومن خالفني قصمته بهذا الحسام. ms1448 فقالوا له: مرنا بما شئت، فإننا لا نخالف لك أمرا. قال: قولوا معي: لا إله إلا الله إبراهيم خليل الله. فقالوا: يا مولانا، من أين لك هذا الكلام؟ فحكى لهم ما جرى له مع غريب وقال لهم: يا قوم، أما تعلمون أني معادل بكم في حومة الميدان ومقام الحرب والطعان؟ وقد أسرني فرد إنسان وأذاقني الذل والهوان. فلما سمع قومه كلامه نطقوا بكلمة التوحيد، ثم توجه بهم الجمرقان إلى غريب وجددوا إسلامهم بين يديه، ودعوا له بالنصر والعز بعد أن قبلوا الأرض، ففرح بهم وقال لهم: امضوا إلى حيكم واعرضوا عليهم الإسلام. فقال الجمرقان وقومه: يا مولانا، ما بقينا نفارقك، ولكن نروح نجيء بأولادنا ونأتي إليك. فقال غريب: يا قوم، امضوا والحقوني في مدينة الكوفة. فركب الجمرقان وقومه حتى وصلوا حيهم وعرضوا على حريمهم وأولادهم الإسلام فأسلموا عن آخرهم، وهدوا البيوت والخيام، وساقوا الخيل والجمال والغنم وساروا إلى نحو الكوفة، وسار غريب، فلما وصل إلى الكوفة لاقاه الفرسان بموكب، ثم دخل قصر الملك وجلس على تخت أبيه، ووقفت الأبطال ميمنة وميسرة، ودخل عليه الجواسيس وأخبروه أن أخاه وصل إلى الجلند بن كركر صاحب مدينة عمان وأرض اليمن؛ فلما سمع غريب خبر أخيه صاح على قومه وقال: يا قوم، خذوا أهبتكم للسفر بعد ثلاثة أيام. وعرض على الثلاثين ألفا الذين أسروهم أول الوقعة الإسلام والسير معهم، فأسلم منهم عشرون ألفا وأبى عشرة آلاف فقتلهم، ثم قدم الجمرقان وقومه وقبلوا الأرض بين يديه وخلع عليهم الخلع السنية، وجعله مقدم الجيش وقال: يا جمرقان، اركب في كبار بني عمك وعشرين ألف فارس وسر في مقدم العسكر، واقصد بلاد الجلند بن كركر صاحب مدينة عمان. فقال: السمع والطاعة. فتركوا حريمهم وأولادهم في الكوفة ورحلوا. # ثم تفقد حريم مرداس، فوقعت عينه على مهدية وهي بين النساء، فوقع مغشيا عليه، فرشوا على وجهه ماء الورد، فلما أفاق اعتنقها ودخل بها قاعة الجلوس، ثم جلس معها وناما من غير زنى حتى أصبح الصباح، فخرج وجلس على سرير ms1449 ملكه وخلع على عمه الدامغ وجعله نائبا على العراق جميعه، وأوصاه على مهدية حتى يرجع من غزوة أخيه، فامتثل أمره، ثم رحل في عشرين ألف فارس وعشرة آلاف راجل، وسار متوجها إلى أرض عمان وبلاد اليمن، وكان عجيب قد وصل مدينة عمان بقومه وهم منهزمون، وقد ظهر لأهل عمان غبارهم، فنظر الجلند بن كركر ذلك الغبار، فأمر السعاة أن يكشفوا له الخبر، فغابوا ساعة ثم عادوا وأخبروه أن هذا غبار ملك يقال له عجيب صاحب العراق، فتعجب الجلند من مجيء عجيب إلى أرضه، فلما صح ذلك عنده قال لقومه: اخرجوا ولاقوه. فخرجوا ولاقوا عجيبا ونصبوا له الخيام على باب المدينة، وطلع عجيب إلى الجلند وهو باك حزين القلب، وكانت بنت عم عجيب زوجة الجلند وله أولاد منها، فلما نظر صهره وهو في هذه الحالة قال له: أعلمني ما خبرك؟ فحكى له جميع ما جرى له من أوله إلى آخره مع أخيه، وقال له: يا ملك، إنه يأمر الناس بعبادة رب السماء، وينهاهم عن عبادة الأصنام وغيرها من الآلهة. فلما سمع الجلند هذا الكلام طغى وبغى وقال: وحق الشمس ذات الأنوار، لا أبقي من قوم أخيك ديارا، فأين تركت القوم؟ وكم هم؟ قال: تركتهم بالكوفة، وهم خمسون ألف فارس. فصاح على قومه وعلى وزيره جوامرد وقال له: خذ معك سبعين ألف فارس، واذهب إلى المسلمين وائتني بهم بالحياة حتى أعاقبهم بأنواع العذاب. فركب جوامرد بالجيش قاصدا الكوفة أول يوم وثاني يوم إلى سابع يوم، فبينما هم سائرون إذ نزلوا على واد ذي أشجار وأنهار وأثمار، فأمر جوامرد قومه بالنزول. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 644 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جوامرد لما أرسله الجلند بالعسكر إلى الكوفة، مروا على واد ذي أشجار وأنهار، فأمر قومه بالنزول واستراحوا إلى نصف الليل، ثم أمرهم جوامرد أن يرحلوا، وركب جواده وسبقهم وسار إلى وقت السحر، ثم انحدروا إلى واد كبير الأشجار قد فاحت أزهاره، وترنمت أطياره، وتمايلت أغصانه، ms1450 فنفخ الشيطان في معاطفه، فأنشد هذه الأبيات: # أخوض بجيشي بحر كل عجاجة %~% أقود الأسارى باجتهادي # وقوتي ~~وتعلم فرسان البلاد بأنني %~% مهاب لدى الفرسان حامي # عشيرتي ~~سأسبي غريبا في القيود # مكبلا %~% وأرجع مسرورا وتكمل فرحتي ~~وألبس درعي ثم آخذ عدتي %~% وأمضي إلى الهيجاء في كل # وجهتي # فما فرغ جوامرد من شعره حتى خرج عليه من بين الأشجار فارس أشم المعاطس، في الحديد غاطس، فصاح على جوامرد وقال له: قف يا شلح العرب واشلح ثيابك وعدتك، وانزل عن جوادك وانج بنفسك. فلما سمع جوامرد هذا الكلام، صار الضياء في وجهه ظلاما، وسل حسامه وهجم على الجمرقان وقال له: يا شلح العرب، أتقطع الطريق علي وأنا مقدم جيش الجلند بن كركر، لأجيء بغريب وقومه مربوطين. فلما سمع الجمرقان هذا الكلام قال: ما أبرده على كبدي! ثم حمل جوامرد وهو ينشد هذه الأبيات: # أنا الفارس المعروف في حومة # الوغى %~% تخاف العدى من صارمي وسناني ~~أنا الجمرقان المرتجى # لكريهة %~% وتعلم فرسان الأنام طعاني ~~غريب أميري بل إمامي وسيدي %~% همام الوغى يوم التقى # الجمعان ~~إمام له دين وزهد وسطوة %~% يبيد العدى في حومة الميدان ~~ويدعو إلى دين الخليل مرتلا %~% على رغم أوثان الجحود مثاني # ثم إن الجمرقان لما سار بقومه من مدينة الكوفة، استمر على السير عشرة أيام، ثم نزلوا في الحادي عشر وأقاموا إلى نصف الليل، ثم أمرهم الجمرقان بالرحيل فرحلوا، وسار قدامهم وانحدر في ذلك الوادي، فسمع جوامرد وهو ينشد ما تقدم ذكره، فحمل عليه حملة أسد كاسر وضربه بالسيف فشقه نصفين، وصبر حتى أقبل المقدمون وأعلمهم بما جرى وقال: تفرقوا كل خمسة منكم تأخذ خمسة آلاف وتدور حول الوادي، وأنا ورجال بني عامر، فإذا وصلني أول الأعداء أحمل عليهم وأصيح: الله أكبر. فإذا سمعتم صياحي فاحملوا وكبروا واضربوا فيهم بالسيف. فقالوا: سمعا وطاعة. ثم داروا على أبطالهم وأعلموهم فتفرقوا في جهات الوادي عند انشقاق الفجر، وإذا بالقوم قد أقبلوا مثل قطيع الغنم وقد ملئوا السهل والجبل، فعند ذلك حمل الجمرقان وبنو عامر وصاحوا: ms1451 الله أكبر. فسمع المؤمنون والكفار، وصاح المسلمون من سائر الجهات: الله أكبر، فتح ونصر، وخذل من كفر. فأوبت الجبال والتلال، وكل يابس وأخضر يقول: الله أكبر. فاندهش الكفار وضرب بعضهم بعضا بالصارم البتار، وحمل المسلمون الأبرار كأنهم شعل النار، فما يرى إلا رأس طائر، ودم فاتر، وجبان حائر، ولم تظهر الوجوه إلا وقد فني ثلثا الكفار، وعجل الله بأرواحهم إلى النار وبئس القرار، وانهزم الباقون وتشتتوا في القفار، وتبعهم المسلمون يأسرون ويقتلون إلى نصف النهار، ثم رجعوا وقد أسروا سبعة آلاف، ولم يرجع من الكفار غير ستة وعشرين ألفا وأكثرهم مجروحون، ورجع المسلمون مؤيدين منصورين، وجمعوا الخيل والعدد والأثقال والخيام، وأرسلوها مع ألف فارس إلى الكوفة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 645 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجمرقان لما وقع بينه وبين جوامرد القتال، قتله وقتل قومه وأسر منهم خلقا كثيرا وأخذ أموالهم وخيلهم وأثقالهم، وأرسلها مع ألف فارس إلى الكوفة. وأما الجمرقان وعساكر الإسلام، فإنهم نزلوا عن الخيل وعرضوا الإسلام على الأسارى فأسلموا قلبا ولسانا، فحلوهم من الرباط وعانقوهم وفرحوا بهم، وقد سار الجمرقان في جيش عظيم وأراح قومه يوما وليلة، ثم رحل بهم عند الصباح قاصدا بلاد الجلند بن كركر، وسار الألف فارس بالغنيمة حتى وصلوا إلى الكوفة، وأعملوا الملك غريبا بما جرى، ففرح واستبشر والتفت إلى غول الجبل وقال له: اركب وخذ معك عشرين ألفا واتبع الجمرقان. فركب سعدان الغول وأولاده في عشرين ألف فارس وقصدوا مدينة عمان، ووصل المنهزمون من الكفار إلى المدينة وهم يبكون ويدعون بالويل والثبور، فاندهش الجلند بن كركر وقال لهم: ما مصيبتكم؟ فأخبروه بما جرى لهم، فقال لهم: ويلكم، وكم كانوا؟ فقالوا: يا ملك، كانوا عشرين علما، وكل علم تحته ألف فارس. فلما سمع الجلند هذا الكلام قال: لا طرحت الشمس فيكم بركة، يا ويلكم! أيغلبكم عشرون ألفا وأنتم سبعون ألف فارس، وجوامرد مقوم بثلاثة آلاف في حومة الميدان؟ ومن شدة غمه سل سيفه وصاح فيهم ms1452 وقال لمن حضر: عليكم بهم. فسل القوم سيوفهم على المنهزمين، فأفنوهم عن آخرهم ورموهم للكلاب، ثم بعد ذلك صاح الجلند على ابنه وقال له: اركب في مائة ألف فارس وامض إلى العراق وخربه على الإطلاق. وقد كان ابن الملك الجلند اسمه القورجان، ولم يكن في عسكر أبيه أفرس منه، وكان يحمل على ثلاثة آلاف فارس، فأخرج القورجان خيامه وابتدرت الأبطال وخرجت الرجال، وأخذوا أهبتهم ولبسوا عدتهم، ورحلوا يتلو بعضهم بعضا والقورجان قدام العسكر، وقد أعجب بنفسه وأنشد هذه الأبيات: # أنا القورجان وذكري اشتهر %~% قهرت أهالي الفلا والحضر ~~فكم فارس حين أرديته %~% يخور على الأرض مثل البقر ~~وكم من عساكر فرقتهم %~% ودحرجت هاماتهم كالأكر ~~فلا بد أني أغزو العراق %~% وأبدي دماء العدا كالمطر ~~وأسبي غريبا وأبطاله %~% فيضحوا نكالا لأهل النظر # ثم سار القوم اثني عشر يوما، فبينما هم سائرون وإذا هم بغبار قد ثار حتى سد الأفق، فصاح القورجان على السعاة وقال: ائتوني بخبر هذا الغبار. فساروا حتى عبروا تحت الأعلام وعادوا للقورجان وقالوا: يا ملك، إن هذا غبار المسلمين. ففرح وقال لهم: هل أحصيتموهم؟ فقالوا: عددنا من الأعلام عشرين علما. فقال: وحق ديني ما أجرد عليهم أحدا، وإنما أخرج لهم وحدي، وأجعل رءوسهم تحت حوافر الخيل. وكان هذا الغبار غبار الجمرقان، وقد نظر إلى عساكر الكفار فرآهم مثل البحر الزاخر، فأمر قومه بالنزول ونصب الخيام، فنزلوا وأقاموا الأعلام وهم يذكرون الملك العلام خالق النور والظلام، رب كل شيء الذي يرى ولا يرى، وهو بالمنظر الأعلى سبحانه وتعالى، لا إله إلا هو. ونزل الكفار ونصبوا خيامهم وقال لهم: خذوا أهبتكم، واحملوا عددكم، ولا تناموا إلا وأنتم بأسلحتكم، فإذا كان الثلث الأخير فاركبوا ودوسوا هذه الشرذمة القليلة. وكان جاسوس الجمرقان واقفا يسمع ما دبرته الكفار، فعاد وأخبر الجمرقان، فالتفت لأبطاله وقال: احملوا سلاحكم وإذا أقبل الليل ائتوني بالبغال والجمال، وائتوني بالجلاجل والقلاقل والأجراس، واجعلوها في أعناق الجمال والبغال. وكانت أكثر من عشرين ألف جمل وبغل، وصبروا على الكفار حتى دخلوا في المنام، ms1453 ثم أمر الجمرقان قومه بالركوب، وعلى الله توكلوا وطلبوا النصر من رب العالمين، ثم قال لهم: سوقوا الجمال والدواب نحو الكفار، وانخسوها بأسنة الرماح. ففعلوا ما أمرهم بسائر البغال والجمال، ثم هجموا على خيام الكفار، وقد قعقعت الجلاجل والقلاقل والأجراس، والمسلمون خلفهم وهم يقولون: الله أكبر. وقد طنت الجبال والتلال بذكر الملك المتعال، من له العظمة والجلال، وهجمت الخيل لما سمعت هذه الحيلة العظيمة، وداست الخيام والناس نيام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 646 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجمرقان لما هجم على الكفار بقومه وخيوله وجماله في الليل والناس نيام، قام المشركون مدهوشين، فخطفوا سلاحهم ووقعوا في بعضهم ضربا حتى قتل أكثرهم، وقد نظروا إلى بعضهم فلم يجدوا قتيلا من المسلمين، بل وجدوهم راكبين متسلحين، فعلموا أنها حيلة عملت عليهم، فصاح القورجان على بقية قومه وقال: يا بني الزواني، الذي أردنا أن نفعله بهم فعلوه بنا، وقد غلب مكرهم على مكرنا. فأرادوا أن يحملوا، وإذا بغبار قد ثار حتى سد الأقطار، فضربته الرياح فعلا وتسردق، وفى الجو تعلق، وبان من تحت الغبار لمعان الخود وبريق الزرد، وما معهم إلا كل بطل أمجد، قد تقلد بسيف مهند، وقد اعتقل برمح أملد، فلما نظر الكفار الغبار توقفوا عن القتال، وأرسلت كل طائفة ساعيا، فساروا تحت الغبار، ثم نظروا وعادوا فأخبروا أنهم مسلمون، وكان الجيش القادم الذي أرسله غريب غول الجبل، وكان هو سائرا قدام جيشه فوصل إلى عسكر المسلمين الأبرار، فعندها حمل الجمرقان وقومه وقد هجموا على الكفار كأنهم شعلة نار، وأعملوا فيهم السيف البتار، والرمح الرديني الخطار، واسود النهار وعميت الأبصار من كثرة الغبار، وثبت الشجاع الكرار، وهرب الجبان الفرار، وطلب البراري والقفار، وصار الدماء على الأرض كالتيار. # ولم يزالوا في حرب وقتال حتى فرغ النهار، وأقبل الليل بالاعتكار، ثم انفصل المسلمون من الكفار، ونزلوا في الخيام وأكلوا الطعام، وباتوا حتى ولى الظلام وأقبل النهار بالابتسام، ثم صلى المسلمون صلاة الصبح وركبوا للحرب، وكان ms1454 القورجان قد قال لقومه لما انفصلوا من الحرب، وقد وجدوا أكثرهم مجروحا، وقد فني منهم الثلثان بالسيف والسنان، فقال: يا قوم، غدا أبرز أنا لحومة الميدان، ومقام الحرب والطعان، وآخذ الشجعان في المجال. فلما أصبح الصباح، وأضاء بنوره ولاح، ركب الطائفتان وأكثروا الصياح، وشهروا السلاح ومدوا سمر الرماح، واصطفوا للحرب والكفاح، وكان أول من فتح باب الحرب القورجان بن الجلند بن كركر وقال: لا يأتني اليوم كسلان ولا عاجز. كل هذا والجمرقان وسعدان الغول تحت الأعلام، فبرز مقدم بني عامر وبارز القورجان في حومة الميدان، فحمل الاثنان كأنهما كبشان يتناطحان مدة من الزمان، بعد ذلك هجم القورجان على المقدم ومسكه من جلباب ذراعه وجذبه، فاقتلعه من سرجه، وقد خبطه في الأرض وأشغله بنفسه، فكتفه الكفار وساروا به إلى الخيام. ثم إن القورجان جال وصال وطلب النزال، فبرز له ثاني مقدم حتى أسر سبعة مقدمين قبل الظهر. ثم صاح الجمرقان صيحة دوى لها الميدان، وسمعها العسكران، وهجم على القورجان بقلب وجدان، وأنشد هذه الأبيات: # أنا الجمرقان قوي الجنان %~% جميع الفوارس تخشى قتالي ~~هدمت الحصون وخليتها %~% تنوح وتبكي لفقد الرجال ~~فيا قورجان طريق الهدى %~% عليك وفارق طريق الضلال ~~ووحد إلها رفيع السماء %~% ومجري البحور ومرسي الجبال ~~إذا أسلم العبد يأوي غدا %~% جنانا ويكفى أليم النكال # فلما سمع القورجان كلام الجمرقان، شخر ونخر وسب الشمس والقمر، وحمل على الجمرقان وهو ينشد هذه الأبيات: # أنا القورجان شجيع الزمان %~% وتفزع أسد الشرى من خيالي ~~ملكت القلاع وصدت السباع %~% وكل الفوارس تخشى قتالي ~~فيا جمرقان إذا لم تثق %~% بقولي فدونك بارز نزالي # فلما سمع الجمرقان كلامه، حمل عليه بقلب قوي وتضاربا بالسيوف حتى ضجت منهم الصفوف، وتطاعنا بالرماح وكثر بينهما الصياح، ولم يزالا في حرب وقتال حتى فات العصر وقد ولى النهار، ثم هجم الجمرقان على القورجان، وضربه بالعمود على صدره فألقاه على الأرض مثل جذع النخلة، فكتفه المسلمون وسحبوه بحبل مثل الجمال، فلما نظرت الكفار إلى سيدهم أسيرا، أخذتهم حمية الجاهلية، فحملوا على المسلمين يريدون ms1455 خلاص مولاهم، فقابلتهم أبطال المسلمين وتركتهم على الأرض مطروحين، وولى بقيتهم هاربين، وللنجاة طالبين، والسيف في قفاهم له طنين، فلم يزالوا خلفهم حتى شتتوهم في الجبال والقفار، ثم رجعوا عنهم إلى الغنيمة وكانت شيئا كثيرا، من خيل وخيام وغيرهما، وقد غنموا غنيمة يا لها من غنيمة! ثم توجهوا وعرض الجمرقان الإسلام على القورجان، وهدده وخوفه فلم يسلم، فقطعوا رقبته وحملوا رأسه على رمح، ثم رحلوا قاصدين مدينة عمان. # وأما ما كان من أمر الكفار، فإنهم أخبروا الملك بقتل ولده وهلاك العسكر، فلما سمع الجلند هذا الخبر، ضرب بتاجه الأرض ولطم على وجهه حتى طلع الدم من منخريه، ووقع على الأرض مغشيا عليه، فرشوا على وجهه ماء الورد، فأفاق وصاح على وزيره وقال له: اكتب الكتب إلى جميع النواب، ومرهم ألا يتركوا ضارب سيف ولا طاعنا برمح ولا حامل قوس إلا ويأتون بهم جميعا. فكتب الكتب وأرسلها مع السعاة، فتجهز النواب، وسار في عسكر جرار قدره مائة ألف وثمانون ألفا، فهيئوا الخيام والجمال وجياد الخيل، وأرادوا أن يرحلوا، وإذ بالجمرقان وسعدان الغول قد أقبلا في سبعين ألف فارس كأنهم ليوث عوابس، وكل منهم في الحديد غاطس؛ فلما نظر الجلند إلى المسلمين قد أقبلوا فرح وقال: وحق الشمس ذات الأنوار، ما أبقي من الأعداء ديارا ولا من يرد الأخبار، وأخرب العراق وآخذ ثأر ولدي الفارس المغوار، ولا تبرد لي نار. ثم التفت إلى عجيب وقال له: يا كلب العراق، هذه جلبتك لنا، فأنا وحق معبودي إن لم أنتصف من عدوي لأقتلنك أشر قتلة. فلما سمع عجيب هذا الكلام اغتم غما شديدا وصار يلوم نفسه، ثم صبر حتى نزل المسلمون ونصبوا خيامهم وأظلم الليل، وكان منعزلا عن الخيام مع من بقي من عشيرته، فقال لهم: يا بني عمي، اعلموا أنه لما أقبل المسلمون، فزعت منهم أنا والجلند غاية الفزع، وقد علمت أنه لم يقدر أن يحميني من أخي ولا من غيره، والرأي عندي أن ترحلوا بنا إذا نامت العيون، ونقصد الملك يعرب بن ms1456 قحطان؛ لأنه أكثر جندا وأقوى سلطانا. فلما سمع قومه هذا الكلام قالوا: هذا هو الصواب. فأمرهم أن يوقدوا النار على أبواب الخيام، ويرحلوا في حندس الظلام، ففعلوا ما أمرهم به وساروا، فما أصبحوا حتى قطعوا بلادا بعيدة. # ثم أصبح الجلند ومائتان وستون ألف مدرع غاطسين في الحديد والزرد النضيد، ودقوا كئوس الحرب واصطفوا للطعن والضرب، وركب الجمرقان وسعدان في أربعين ألف فارس أبطال شداد، تحت كل علم ألف فارس شداد جياد، مقدمون في الطراد، فاصطف العسكران وطلبا الضرب والطعان، وسحبا السيوف وأسنة المران، لشرب كأس المنون، وكان أول من فتح باب الحرب سعدان، وهو كأنه جبل صوان أو من مردة الجان، فبرز له بطل من الكفار فقتله ورماه في الميدان، وصاح على أولاده وغلمانه وقال: أشعلوا النار واشووا هذا القتيل. ففعلوا ما أمرهم به وقدموه له مشويا، فأكله ونهش عظمه، والكفار واقفون ينظرون من بعيد، فقالوا: يا للشمس ذات الأنوار! وفزعوا من قتال سعدان، فصاح الجلند في قومه وقال: اقتلوا هذا القرمان. فنزل له مقدم من الكفار فقتله سعدان، ولم يزل يقتل فارسا بعد فارس حتى قتل ثلاثين فارسا، فعندها توقف الكفار اللئام عن قتال سعدان وقالوا: من يقاتل الجان والغيلان؟ فصاح الجلند وقال: تحمل عليه مائة فارس وتأتيني به أسيرا أو قتيلا. فبرز مائة فارس وحملوا على سعدان وقصدوه بالسيوف والسنان، فتلقاهم بقلب أقوى من الصوان، وهو يوحد الملك الديان، الذي لا يشغله شأن عن شأن، وقال: الله أكبر. وضرب فيهم بالسيف حتى ألقى رءوسهم، فما جال فيهم غير جولة واحدة، فقتل منهم أربعة وسبعين وهرب الباقي، فصاح الجلند على عشرة مقدمين تحت كل مقدم ألف بطل وقال: ارموا جواده بالنبل حتى يقع من تحته فاقبضوه باليد. فحمل على سعدان عشرة آلاف فارس، فتلقاهم بقلب قوي، فنظر الجمرقان والمسلمون إلى الكفار وقد حملوا على سعدان، فكبروا وحملوا عليهم، فما وصلوا إلى سعدان حتى قتلوا جواده وأخذوه أسيرا، ولم يزالوا حاملين على الكفار حتى أظلم النهار، وعميت الأبصار، ورن السيف ms1457 البتار، وثبت كل فارس مغوار، ولحق الجبان والانبهار، وبقي المسلمون في الكفار كالشامة البيضاء في الثور الأسود. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 647 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحرب اشتد بين المسلمين والكفار حتى صار المسلمون في الكفار كالشامة البيضاء في الثور الأسود، ولم يزالوا في ضرب واصطدام حتى أقبل الظلام، وافترقوا من بعضهم وقد قتل من الكفار خلق كثير ما لهم عدد، ورجع الجمرقان وقومه وهم في غاية الحزن على سعدان، ولم يطب لهم طعام ولا منام، وتفقدوا قومهم فوجدوا المقتول منهم دون ألف، فقال الجمرقان: يا قوم، إني أبرز في حومة الميدان، ومقام الحرب والطعان، وأقتل أبطالهم وأسبي عيالهم وآخذهم أسارى، وأفدي بهم سعدان بإذن الملك الديان الذي لا يشغله شأن عن شأن. فطابت قلوبهم وفرحوا، ثم تفرقوا إلى خيامهم. وأما الجلند فإنه قام ودخل سرادقه، وجلس على سرير ملكه، ودارت قومه من حوله، ودعا بسعدان فأحضروه بين يديه، فقال له: يا كلب ويا أقل العرب ويا حمال الحطب، من قتل ولدي القورجان شجيع الزمان، قاتل الأقران ومجندل الأبطال؟ قال له سعدان: قتله الجمرقان مقدم عسكر الملك غريب سيد الفرسان، وأنا شويته وأكلته وكنت جائعا. فلما سمع الجلند كلام سعدان، صارت عيناه في أم رأسه، وأمر بضرب رقبته، فأتى السياف بهمته وتقدم لسعدان، فعند ذلك تمطع سعدان في الكتاف فقطعه، وهم على السياف وخطف السيف منه وضربه فرمى رأسه، وقصد الجلند فرمى روحه عن السرير وهرب، فوقع سعدان في الحاضرين فقتل منهم عشرين من خواص الملك، وهرب باقي المقدمين، وارتفع الصياح في عسكر الكفار، وهجم سعدان على الحاضرين من الكفار، وضرب فيهم يمينا وشمالا، فعند ذلك تفرقوا من بين يديه فأخلوا له الزقاق، ولم يزل سائرا يضرب في العدى بالسيف حتى خرج من الخيام وقصد خيام المسلمين، وسمع المسلمون ضجيج الكفار فقالوا: لعلهم جاءتهم نجدة. فبينما هم باهتون وإذا بسعدان قد أقبل عليهم، ففرحوا بقدومه فرحا شديدا، وكان أكثرهم به فرحا الجمرقان، ms1458 فسلم عليه وسلم عليه المسلمون وهنئوه بالسلامة. # هذا ما كان من أمر المسلمين، وأما ما كان من أمر الكفار فإنهم رجعوا وملكهم إلى السرادق بعد رواح سعدان، فقال لهم الملك: يا قوم، وحق الشمس ذات الأنوار، وحق ظلام الليل ونور النهار والكوكب السيار، ما كنت أظن أني أسلم من القتل في هذا النهار، ولو وقعت في يده لأكلني، ولا كنت أساوي عنده قمحا ولا شعيرا ولا حبة من الحبوب. فقالوا: يا ملك، ما رأينا من يعمل مثل هذا الغول؟ فقال لهم: يا قوم، إذا كان في غذ فاحملوا عددكم واركبوا خيولكم ودوسوهم تحت حوافر الخيل. وأما المسلمون فإنهم اجتمعوا وهم فرحون بالنصر وخلاص سعدان الغول، فقال الجمرقان: غدا في الميدان أريكم فعلي وما يليق بمثلي، وحق الخليل إبراهيم لأقتلنهم أشنع القتلات، ولأضربن فيهم بالبتار حتى يحير فيهم كل فهيم، ولكن قد نويت أني أحمل على الميمنة والميسرة، فإذا رأيتموني قد هجمت على الملك تحت الأعلام، فاحملوا خلفي بالاهتمام، ليقضي الله أمرا كان مفعولا. وبات الفريقان يتحارسان حتى طلع النهار، وبانت الشمس للنظار، وركب الفريقان أسرع من لمحة العين، وصاح غراب البين، ونظروا بعضهم بالعين، واصطفوا للحرب والقتال، فأول من فتح باب الحرب الجمرقان، فجال وصال وطلب النزال، فأراد الجلند أن يحمل بقومه، وإذا بغبار قد ثار حتى سد الأقطار، وأظلم النهار، وضربته الرياح الأربع، فتمزق وتقطع، وبان من تحته كل فارس أدرع وبطل سميدع، وسيوف تقطع ورماح تصدع، ورجال كأنهم السباع لا تخاف ولا تجزع، فلما نظر العسكران الغبار أمسكوا عن القتال وأرسلوا من يكشف لهم الأخبار، من أي قوم هؤلاء القادمون المثيرون لهذا الغبار؟ فسار السعاة وعبروا تحت الغبار وغابوا عن الأبصار، ثم عادوا بعد ساعة من النهار، فأما ساعي الكفار فإنه أخبرهم أن هؤلاء القادمين طائفة من المسلمين وملكهم غريب، وأما ساعي المسلمين فإنه رجع وأخبرهم بمجيء الملك غريب وقومه، ففرحوا بقدومه. ثم إنهم ساقوا خيلهم ولاقوا ملكهم، ونزلوا وقبلوا الأرض بين يديه وسلموا عليه. وأدرك شهرزاد الصباح ms1459 فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 648 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عسكر المسلمين لما حضر لهم الملك غريب، فرحوا فرحا شديدا، وقبلوا الأرض بين يديه وداروا حوله، فرحب بهم وفرح بسلامتهم، ووصلوا الخيام ونصبوا له السرادقات والأعلام، وجلس الملك غريب على سرير ملكه وأرباب دولته من حوله، فحكوا له جميع ما جرى لسعدان. وأما الكفار فإنهم اجتمعوا يفتشون على عجيب فلم يجدوه بينهم ولا في خيامهم، فأخبروا الجلند بن كركر بهروبه، فقامت عليه القيامة وعض على أصبعه وقال: وحق الشمس ذات الأنوار، إنه كلب غدار، هرب مع قومه الأشرار في البراري والقفار، ولكن ما بقي يدفع هذه الأعداء إلا القتال الشديد، فشدوا عزمكم وقووا قلوبكم، واحذروا من المسلمين. وأما الملك غريب فإنه قال لقومه: شدوا عزمكم وقووا قلوبكم، واستعينوا بربكم، واسألوه أن ينصركم على عدوكم. فقالوا: يا ملك، سوف تنظر ما نفعل في حومة الميدان، ومقام الحرب والطعان. وباتت الطائفتان حتى أصبح الصباح، وأضاء بنوره ولاح، وأشرقت الشمس على رءوس الربى والبطاح، فصلى غريب ركعتين على ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم كتب مكتوبا وأرسله مع أخيه سهيم إلى الكفار، فلما وصل إليهم قالوا له: ما تريد؟ قال لهم: أريد الحاكم عليكم. فقالوا: قف حتى نشاوره عليك. فوقف ثم شاوروا عليه الجلند وأخبروه بحاله، فقال: علي به. فأحضروه بين يديه، فقال له: من أرسلك؟ قال: الملك غريب الذي حكمه الله على العرب والعجم، فخذ كتابه ورد جوابه. # فأخذ الجلند الكتاب ففكه وقرأه فوجد: «بسم الله الرحمن الرحيم، الرب القديم الواحد العظيم، الذي هو بكل شيء عليم، رب نوح وصالح وهود وإبراهيم، ورب كل شيء، والسلام على من اتبع الهدى، وخشي عواقب الردى، وأطاع الملك الأعلى، واتبع طريق الهدى، واختار الآخرة على الأولى. أما بعد؛ يا جلند، فإنه لا يعبد إلا الله الواحد القهار، خالق الليل والنهار، والفلك الدوار، وأرسل الأنبياء الأبرار وأجرى الأنهار، ورفع السماء وبسط الأرض، وأنبت الأشجار ورزق الطير في الأوكار، ورزق الوحوش في القفار، ms1460 فهو الله العزير الغفار، الحليم الستار، الذي لا تدركه الأبصار، مكور الليل على النهار، الذي أرسل وأنزل الكتب. واعلم يا جلند أنه لا دين إلا دين إبراهيم الخليل، فاسلم تسلم من السيف البتار، وفي الآخرة من عذاب النار، وإن أبيت الإسلام فأبشر بالدمار، وخراب الديار وقطع الآثار، وأرسل إلي الكلب عجيبا لآخذ ثأر أبي وأمي.» # فلما قرأ الجلند الكتاب قال لسهيم: قل لمولاك إن عجيبا هرب هو وقومه، وما ندري أين ذهب، وأما الجلند فلا يرجع عن دينه، وغدا يكون الحرب بيننا، والشمس تنصرنا. فرجع سهيم لأخيه وأعلمه بما قد جرى، فباتوا حتى أصبح الصباح، ثم أخذ المسلمون آلة السلاح، وركبوا الخيل القراح، وأعلنوا بذكر الملك الفتاح، خالق الأجساد والأرواح، وأعلنوا بالتكبير، ودقوا طبول الحرب حتى ارتجت الأرض، وتكلم كل فارس جحجاح وبطل وقاح، وقصدوا الحرب حتى ارتجت الأرض، فأول من فتح باب الحرب الجمرقان، وساق جواده في حومة الميدان، ولعب بالسيف والنشاب حتى حير أولي الألباب، ثم صاح: هل من مبارز؟ هل من مناجز؟ لا يأتني اليوم كسلان ولا عاجز؟ أنا قاتل القورجان بن الجلند، فمن يبرز لأخذ الثأر؟ فلما سمع الجلند ذكر ولده، صاح على قومه وقال: يا أولاد الزواني، ائتوني بهذا الفارس الذي قتل ولدي حتى آكل لحمه وأشرب دمه. فحمل عليه مائة بطل، فقتل أكثرهم وهزم أميرهم، فلما نظر الجلند ما فعل الجمرقان، صاح على قومه وقال: احملوا عليه حملة واحدة. فهزوا العلم المدهش وانطبقت الأمم على الأمم، وحمل غريب بقومه والجمرقان، وتصادم الفريقان كأنهم بحران يلتقيان، فأعمل السيف اليماني والرمح حتى مزق الصدور والأبدان، ورأى الصفان ملك الموت بالعيان، وطلع الغبار إلى العنان، وصمت الآذان وخرس اللسان، وأحاط الموت من كل مكان، وثبت الشجاع وولى الجبان. ولم يزالوا في حرب وقتال، حتى ولى النهار ودقوا طبول الانفصال، وافترقوا من بعضهم ورجعت كل طائفة إلى خيامها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 649 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك غريبا لما ms1461 انقضى الحرب وافترقوا من بعضهم، ورجعت كل طائفة إلى خيامها، جلس على سرير ملكه ومحل سلطانه واصطف أصحابه حوله، فقال لقومه: أنا جزعت من القهر، وبهروب هذا الكلب عجيب، ولا أعرف أين مضى؟ وإن لم ألحقه وآخذ ثأري أموت من القهر. فتقدم أخاه سهيم الليل وقبل الأرض وقال: يا ملك، أنا أمضي إلى عسكر الكفار، وأكشف خبر الكلب الغدار عجيب. فقال غريب: سر وتحقق خبر هذا الخنزير. فتزيا سهيم بزي الكفار، ولبس لبسهم فصار كأنه منهم، ثم قصد خيام الأعداء فوجدهم نياما، وهم سكارى من الحرب والقتال، ولم يبق من القوم بلا نوم سوى الحراس، فعبر سهيم وهجم على السرادق، فوجد الملك نائما وما عنده أحد، فتقدم وشمه البنج الطيار، فكان كأنه ميت، وخرج فأحضر بغلا ولف الملك في ملاءة الفرش وحطه فوق البغل، وحط فوقه الحصير وسار حتى وصل إلى سرادق غريب ودخل على الملك؛ فأنكره الحاضرون وقالوا له: من أنت؟ فضحك سهيم وكشف وجهه فعرفوه، فقال له غريب: ما حملك يا سهيم؟ فقال له: يا ملك، هذا الجلند بن كركر. ثم حله فعرفه غريب وقال: يا سهيم، نبهه. فأعطاه الخل والكندز، فرمى البنج من أنفه وفتح عينيه، فوجد نفسه بين المسلمين فقال: أي شيء هذا المنام القبيح؟ ثم إنه أطبق عينيه ونام، فلكزه سهيم وقال له: افتح عينيك يا ملعون. ففتح عينيه وقال: أين أنا؟ فقال سهيم: أنت في حضرة الملك غريب بن كندمر ملك العراق. فلما سمع الجلند هذا الكلام قال: يا ملك أنا في جيرتك، واعلم أن ما لي ذنب، والذي أخرجنا نقاتل هو أخوك، ورمى بيننا وبينك وهرب. فقال غريب: وهل تعلم طريقه؟ فقال: لا، وحق الشمس ذات الأنوار ما أعلم أين سار. فأمر غريب بتقييده والمحافظة عليه، وتوجه كل مقدم إلى خيمته ورجع الجمرقان وقومه وقال: يا بني عمي، قصدي أن أعمل في هذه الليلة عملة أبيض بها وجهي عند الملك غريب؟ فقالوا له: افعل ما تشاء، فنحن لأمرك سامعون مطيعون. فقال: احملوا سلاحكم ms1462 وأنا معكم وخففوا خطوكم ولا تخلوا النمل يدري بكم، وتفرقوا حول خيام الكفار، فإذا سمعتم تكبيري فكبروا وصيحوا قائلين: الله أكبر. وتأخروا واقصدوا باب المدينة، ونطلب النصر من الله تعالى. # فاستعد القوم بالسلاح الكامل، وصبروا إلى نصف الليل وتفرقوا حول الكفار وصبروا ساعة، وإذا بالجمرقان ضرب بسيفه على ترسه وقال: الله أكبر. فدوى الوادي، وفعل قومه مثله وصاحوا: الله أكبر. حتى دوى لهم الوادي والجبال، والرمال والتلال وسائر الأطلال، فانتبه الكفار وقد اندهشوا ووقعوا في بعضهم، وقد دار السيف بينهم، وتأخر المسلمون وطلبوا أبواب المدينة، وقتلوا البوابين ودخلوا المدينة وملكوها بما فيها من مال وحريم. # هذا ما جرى للجمرقان، وأما الملك غريب فإنه سمع الصياح بالتكبير، فركب وركب العسكر عن آخرهم وتقدم سهيم حتى قرب من الوقعة، فنظر بني عامر والجمرقان قد شنوا الغارة على الكفار وأسقوهم كأس المنون، فرجع وأخبر أخاه بما كان، فدعا للجمرقان، ولم تزل الكفار نازلين في بعضهم بالصارم البتار، باذلين جهدهم حتى طلع النهار، وأضاء بنوره على الأقطار، فعند ذلك صاح غريب على قومه وقال: احملوا يا كرام وأرضوا الملك العلام. فحملت الأبرار على الفجار، ولعب السيف البتار، وجال الرمح الخطار في صدر كل منافق كفار، وأرادوا أن يدخلوا مدينتهم، فخرج لهم الجمرقان وبنو عمه وصادروهم بين جبلين محيطين، وقتلوا منهم خلقا ما لهم عدد، وتشتت الباقي في البراري والقفار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 650 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عسكر المسلمين لما حملوا على الكفار مزقوهم بالصارم البتار، وتشتتوا في البراري والقفار، ولم يزالوا خلف الكفار بالسيف حتى انتشروا في السهل والأوعار، ثم رجعوا إلى مدينة عمان، ودخل الملك غريب قصر الجلند، وجلس على كرسي مملكته، ودار أصحابه حوله ميمنة وميسرة، فدعا بالجلند فأسرعوا إليه وأحضروه بين يدي الملك غريب، فعرض عليه الإسلام فأبى، فأمر بصلبه على باب المدينة، ثم رموه بالنبال إلى أن صار مثل القنفذ، ثم إن غريبا خلع على الجمرقان وقال له: أنت صاحب ms1463 البلد وحاكمها وصاحب ربطها وحلها، فإنك فتحتها بسيفك ورجالك. فقبل الجمرقان رجل الملك غريب وشكره ودعا له بدوام النصر والعز والنعم. ثم إن غريبا فتح خزائن الجلند ونظر إلى ما فيها من الأموال، وبعد ذلك فرق على المقدمين والرجال أصحاب الرايات والقتال، وفرق على البنات والصبيان، وصار يفرق من الأموال مدة عشرة أيام، ثم إنه بعد ذلك كان نائما في بعض الليالي، فرأى في منامه رؤيا هائلة، فانتبه فزعا مرعوبا، ثم نبه أخاه سهيما وقال له: إني رأيت في منامي أني في واد، وذلك الوادي في مكان متسع، وقد انقض علينا من الطير جارحتان لم أر في عمري أكبر منهما، ولهما سيقان مثل الرماح، وقد هجما علينا ففزعنا منهما، فهذا الذي رأيته. فلما سمع سهيم هذا الكلام قال: يا ملك، هذا عدو كبير فاحترس على نفسك منه. فلم ينم غريب بقية الليلة. # فلما أصبح الصباح طلب جواده وركبه، فقال له سهيم: إلى أين تذهب يا أخي؟ فقال: أصبحت ضيق الصدر، فقصدي أن أسير عشرة أيام حتى ينشرح صدري. فقال له سهيم: خذ معك ألف بطل. فقال غريب: لا أسير إلا أنا وأنت لا غير. فعند ذلك ركب غريب وسهيم وقصدا الأودية والمروج، ولم يزالا سائرين من واد إلى واد، ومن مرج إلى مرج، حتى عبرا على واد كثير الأشجار والأثمار والأنهار فائح الأزهار، أطياره تغرد بالألحان على الأغصان، والهزار يرجع بطيب الألحان، والقمري قد ملأ بصوته المكان، والبلبل بحسه يوقظ الوسنان، والشحرور كأنه إنسان، والفاخت والمطوق تجاوبهما الدرة بأفصح لسان، والأشجار في أثمارها من كل مأكول وفاكهة زوجين، فأعجبهما ذلك الوادي فأكلا من أثماره وشربا من أنهاره، وقعدا تحت ظل أشجاره، فغلب عليهما النعاس فناما وسبحان من لا ينام. فبينما هما نائمان، وإذا بماردين شديدين قد انقضا عليهما وحط كل واحد منهما أحدهما على كاهله، وارتفعا إلى أعلى الجو حتى صارا فوق الغمام، فانتبه سهيم وغريب فوجدا أنفسهما بين السماء والأرض، ونظرا إلى من حملاهما وإذا هما ماردان، رأس أحدهما ms1464 رأس كلب، ورأس الآخر رأس قرد، وهو كالنخلة السحوق، ولهما شعر مثل أذناب الخيل، ومخالب مثل مخالب السباع؛ فلما نظر غريب وسهيم إلى ذلك الحال قالا: لا حول ولا قوة إلا بالله. # وكان السبب في ذلك أن ملكا من ملوك الجن اسمه مرعش، وكان له ولد اسمه صاعق يحب جارية من الجن اسمها نجمة، وكان صاعق ونجمة مجتمعين في ذلك الوادي وهما في صفة طيرين، وكان غريب وسهيم نظرا إلى صاعق ونجمة فظناهما طائرين، فرمياهما بنشاب فلم يصب إلا صاعق، فسال دمه، فحزنت نجمة على صاعق وخطفته وطارت خوفا أن يصيبها ما أصاب صاعقا، ولم تزل طائرة به حتى رمته على باب قصر أبيه، فحمله البوابون حتى رموه قدام أبيه، فلما نظر مرعش إلى ولده ورأى النبلة في ضلعه قال: وا ولداه! من فعل بك هذه الفعال حتى أخرب دياره وأعجل دماره؟ ولو كان أكبر ملوك الجان. فعند ذلك فتح عينيه وقال: يا أبتي، ما قتلني إلا رجل من الإنس بوادي العيون. فما فرغ من كلامه حتى طلعت روحه، فلطم أبوه حتى طلع الدم من فيه، وصاح على ماردين وقال لهما: سيرا إلى وادي العيون وائتياني بكل من فيه. فسافر الماردان حتى وصلا إلى وادي العيون، فرأيا غريبا وسهيما نائمين فخطفاهما وسارا بهما حتى وصلا بهما إلى مرعش، فلما انتبه سهيم وغريب من نومهما وجدا أنفسهما بين السماء والأرض، فقالا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 651 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الماردين لما خطفا غريبا وسهيما جاءا بهما إلى مرعش ملك الجن، ولما وضعاهما قدام مرعش وجداه جالسا على كرسي مملكته، وهو كالجبل العظيم وعلى جثته أربع رءوس: رأس سبع، ورأس فيل، ورأس نمر، ورأس فهد. فقدما غريبا وسهيما قدام مرعش وقالا: يا ملك، هذان اللذان وجدناهما في وادي العيون. فنظر إليها بعين الغضب وقد شخر ونخر وطار من أنفه الشرر، وقد خاف منه كل من ms1465 حضر. وقال: يا كلاب الإنس، قتلتما ولدي وأوقدتما النار في كبدي. فقال غريب: ومن هو ولدك الذي قتلناه؟ ومن هو الذي نظر ولدك؟ فقال: أما كنتما أنتما في وادي العيون، ونظرتما ولدي في صفة طير ورميتماه بعود نشاب فمات؟ فقال غريب: أنا لا أدري من قتله وحق الرب العظيم الواحد القديم، الذي هو بكل شيء عليم، وحق الخليل إبراهيم ما رأينا طيرا، ولا قتلنا وحشا ولا طيرا. فلما سمع مرعش كلام غريب حين حلف بالله وعظمته ونبيه الخليل إبراهيم، علم أنه مسلم، وكان مرعش يعبد النار دون الملك الجبار، فصاح على قومه وقال: ائتوني بربتي. فأتوه بتنور من ذهب، فوضعوه بين يديه وأشعلوه بالنار ورموا عليه العقاقير، فطلع له لهيب أخضر ولهيب أزرق ولهيب أصفر، فسجد له الملك والحاضرون. كل هذا وغريب وسهيم يوحدان الله تعالى ويكبرانه، ويشهدان أن الله على كل شيء قدير. فرفع الملك رأسه، فرأى غريبا وسهيما واقفين لا يسجدان، فقال: يا كلبان، ما لكما لا تسجدان؟ فقال غريب: ويلكم يا ملاعين، إن السجود لا يكون إلا للملك المعبود، مبرز الموجود من العدم إلى الوجود، ومنبع الماء من الحجر الجلمود، الذي حنن الولد على المولود، ولا يوصف بقيام ولا قعود، رب نوح وصالح وإبراهيم الخليل، وهو الذي خلق الجنة والنار، وخلق الأشجار والأثمار؛ فهو الله الواحد القهار. # فلما سمع مرعش هذا الكلام انقلبت عيناه في أم رأسه، وصاح على قومه وقال: كتفوا هذين الكلبين وقربوهما لربتي. فكتفوا سهيما وغريبا وأرادوا أن يرموهما في النار، وإذا بشرافة من شراريف القصر وقعت على التنور فانكسر وانطفأت النار، وصارت رمادا طائرا في الهواء، فقال غريب: الله أكبر، فتح ونصر وخذل من كفر، الله أكبر على من يعبد النار دون الملك الجبار. فعندها قال الملك: إنك ساحر وسحرت ربتي حتى جرى لها هذا الحال. فقال غريب: يا مجنون، لو كان للنار سر وبرهان، كانت منعت عن نفسها ما ضرها. فلما سمع مرعش هذا الكلام هدر وزمجر وسب النار، وقال: وحق ديني ms1466 ما أقتلكم إلا فيها. وأمر بحبسهما ودعا بمائة مارد وأمرهم أن يحملوا الحطب كثيرا وأن يطلقوا فيه النار، ففعلوا والتهبت نار عظيمة، ولم تزل مشتعلة إلى الصباح. ثم ركب مرعش على فيل في تخت من ذهب مرصع بالجواهر، وصارت حوله قبائل الجن وهم أصناف مختلفة، ثم أحضروا غريبا وسهيما، فلما رأيا لهيب النار استغاثا بالواحد القهار، خالق الليل والنهار، العظيم الشأن الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، ولم يزالا يتوسلان وإذا بسحابة طلعت من الغرب إلى الشرق، وأمطرت مثل البحر الزاخر فأطفأت النار؛ فخاف الملك والجند ودخلوا في قصرها، ثم التفت الملك إلى الوزير وأرباب الدولة وقال لهم: ما تقولون في هذين الرجلين؟ فقالوا: يا ملك، لولا أنهما على الحق ما جرى للنار هذه الفعال، ونحن نقول إنهما على الحق صادقان. قال الملك: قد بان لي الحق والطريقة الواضحة، فعبادة النار باطلة، فلو كانت ربة لمنعت عن نفسها المطر الذي أطفأها، والحجر الذي كسر تنورها وقد صارت رمادا، فأنا آمنت بالذي خلق النار والنور والظل والحرور، وأنتم ما تقولون؟ فقالوا: يا ملك، ونحن كذلك تابعون سامعون طائعون. ثم دعا بغريب فأحضره بين يديه، فقام له واعتنقه وقبله بين عينيه وقبل سهيما مثل ذلك، ثم إن الأجناد تزاحموا على غريب وسهيم يقبلون أيديهما ورأسهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 652 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مرعشا ملك الجن لما اهتدى هو وقومه للإسلام، أحضر غريبا وأخاه وقبلهما بين أعينهما، وكذلك أرباب دولته ازدحموا على تقبيل أيديهما ورأسهما. ثم إن الملك مرعشا جلس على كرسي مملكته، وأجلس غريبا عن يمينه وسهيما عن يساره وقال: يا إنسي، ما نقول حتى نصير مسلمين؟ فقال غريب: قولوا لا إله إلا الله، إبراهيم خليل الله. فأسلم الملك وقومه قلبا ولسانا، وقعد غريب يعلمهم الصلاة. ثم إن غريبا تذكر قومه فتنهد، فقال له ملك الجن: قد ذهب الغم وراح، وجاء البسط والانشراح. فقال له غريب: يا ملك، ms1467 إن لي أعداء كثيرة، وأنا خائف على قومي منهم. وحكى له ما جرى له مع أخيه عجيب من أوله إلى آخره. فقال له ملك الجن: يا ملك الإنس، أنا أبعث لك من يكشف خبر قومك، وما أخليك تروح حتى أتملى بوجهك. ثم دعا بماردين شديدين، أحدهما اسمه الكيلجان، والآخر اسمه القورجان، فلما حضر الماردان قبلا الأرض، فقال لهما: سيرا إلى اليمن واكشفا خبر جنودهما وعساكرهما. فقالا: سمعا وطاعة. ثم سار الماردان وطارا نحو اليمن. # هذا ما جرى لغريب وسهيم، وأما عسكر المسلمين فإنهم أصبحوا راكبين هم والمقدمون، وقصدوا قصر الملك غريب لأجل الخدمة، فقال لهم الخدم: إن الملك وأخاه ركبا سحرا وخرجا. فركب المقدمون وقصدوا الأودية والجبال، ولم يزالوا يقصون الأثر حتى وصلوا إلى وادي العيون، فوجدوا عدة غريب وسهيم مرمية، والجوادين يرعيان، فقال المقدمون: إن الملك فقد من هذا المكان، يا لجاه الخليل إبراهيم. ثم إنهم تفرقوا في الوادي والجبال ثلاثة أيام، فما ظهر لهم خبر، فأقاموا العزاء وطلبوا السعاة، وقالوا لهم: تفرقوا في الميدان والحصون والقلاع، واكشفوا خبر ملكنا. فقالوا: سمعا وطاعة. وقد تفرقوا وطلب كل واحد إقليما، ووصل لعجيب مع الجواسيس خبر أخيه أنه فقد ولم يقعوا له على خبر، ففرح عجيب بفقد أخيه غريب واستبشر، ودخل على الملك يعرب بن قحطان، وكان استجار به فأجاره وأعطاه مائتي ألف عملاق، وسار عجيب بعسكره حتى نزل على مدينة عمان، فخرج لهم الجمرقان وسعدان وقاتلاهم وقتل من المسلمين خلق كثير، ودخلوا المدينة وغلقوا الأبواب وحصنوا الأسوار، ثم أقبل الماردان الكيلجان والقورجان وقد نظرا المسلمين محصورين، فصبرا حتى أقبل الليل وأعملا في الكفار سيفين باترين من سيوف الجن، كل سيف طوله اثنا عشر ذراعا، لو ضرب به إنسان حجرا لقصمه، فحملا عليهم وهما يقولان: الله أكبر، فتح ونصر وخذل من كفر بدين الخليل إبراهيم. ثم إنهما بطشا بالكفار وأكثرا فهيم القتل، وخرجت النار من أفواههما ومناخيرهما، فبرز الكفار من سرادقهم فنظروا إلى أشياء عجيبة تقشعر منها الأبدان، واختبلوا وطارت عقولهم. ms1468 ثم إنهم خطفوا أسلحتهم وبطشوا ببعضهم، والماردان يحصدان في رقاب الكفار ويصيحان: الله أكبر، نحن غلمان الملك غريب صاحب الملك مرعش ملك الجان. ولم يزل السيف دائرا فيهم حتى انتصف الليل، وقد تخيل للكفار أن الجبال كلها عفاريت، فحملوا الخيام والثقل والمال على الجمال وقصدوا الذهاب، وكان أولهم هروبا عجيب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: يا أختي، ما أحسن هذا الكلام وأعذبه وأحلاه وأطيبه! فقالت لها: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت الليلة 653 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الكفار قصدوا الذهاب وكان أولهم هروبا عجيب، ثم قد اجتمع المسلمون وتعجبوا من هذا الأمر الذي جرى للكفار وخافوا من قبائل الجان، ولم يزل الماردان في أقفية الكفار حتى شتتوهم في البراري والقفار، وما سلم من الماردان سوى خمسين ألف عملاق من أصل مائتي ألف، وقد قصدوا بلادهم وهم منهزمون مجروحون وقالوا: يا عسكر، إن الملك غريبا سيدكم وأخاه يسلمان عليكم، وهما مستضافان عند الملك مرعش ملك الجان، وعن قريب يكونان عندكم. فلما سمع العساكر بخبر غريب وأنه طيب، فرحوا فرحا شديدا، وقالوا لهما: بشركما الله بالخير يا أرواحا كراما. ثم إن الماردين رجعا ودخلا على الملك غريب والملك مرعش فوجداهما جالسين، فأخبراهما بما جرى وما فعلا فجازياهما خيرا، وقد اطمأن قلب غريب، فعند ذلك قال الملك مرعش: يا أخي، مرادي أن أفرجك على أرضنا، وأريك مدينة يافث بن نوح عليه السلام. قال: يا ملك، افعل ما بدا لك. فدعا بجوادين لهما وركب هو وغريب وسهيم، وركب معه ألف مارد وساروا كأنهم قطعة جبل مشقوقة بالطول، فساروا يتفرجون على أودية وجبال حتى أتوا مدينة يافث بن نوح عليه السلام، فخرج أهل المدينة كبارا وصغارا ولاقوا مرعشا، فدخل في موكب عظيم، ثم إنه طلع إلى قصر يافث بن نوح وجلس على كرسي ملكه، وهو من المرمر مشبك بقضبان ms1469 الذهب، علوه عشر درج وهو مفروش بأنواع الحرير الملون، ولما وقف أهل المدينة قال لهم: يا ذرية يافث بن نوح، ما كان يعبد آباؤكم وأجدادكم؟ قالوا: إنا وجدنا آباءنا يعبدون النار فتبعناهم وأنت أخبر بذلك. قال: يا قوم، أنا رأيت النار مخلوقة من مخاليق الله تعالى الذي خلق كل شيء، فلما علمت ذلك أسلمت لله الواحد القهار، خالق الليل والنهار والفلك الدوار، الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، فأسلموا تسلموا من غضب الجبار، وفي الآخرة من عذاب النار. فأسلموا قلبا ولسانا، وأخذ مرعش بيد غريب وفرجه على قصر يافث وبنائه وما فيه من العجائب، ثم دخل دار السلاح وفرجه على سلاح يافث، فنظر غريب إلى سيف معلق في وتد من ذهب، فقال غريب: يا ملك، هذا لمن؟ قال: هذا سيف يافث بن نوح الذي كان يقاتل به الإنس والجن، صاغه الحكيم جردوم، وكتب على ظهره أسماء عظيمة، فلو ضرب به الجبل لهدمه، واسمه الماحق، ما نزل على شيء إلا محقه، ولا جني إلا دمره. # فلما سمع غريب كلامه وما ذكره في فضائل هذا السيف قال: مرادي أن أنظر هذا السيف؟ فقال مرعش: دونك وما تريد. فمد غريب يده وأخذ السيف وسحبه من جفيره، فسطع ودب الموت على حده وشعشع، وكان طوله اثني عشر شبرا، وعرضه ثلاثة أشبار، فأراد غريب أن يأخذه، فقال الملك مرعش: إن كنت تقدر أن تضرب به فخذه. فقال غريب: نعم. ثم أخذه في يده فصار في يده كالعصا، فتعجب الحاضرون من الإنس وقالوا: أحسنت يا سيد الفرسان. فقال له مرعش: ضع يدك على هذه الذخيرة التي بحسرتها ملوك الأرض، واركب حتى أفرجك. فركب وركب مرعش ومشت الإنس والجن في خدمته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: ما أحسن هذا الكلام وأطيبه وأحلاه وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت ms1470 الليلة 654 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك غريبا والملك مرعشا لما ركبا من مدينة يافث، والإنس والجن سائرون في خدمتهما، مشيا بين قصور ودور خاليات، وشوارع وأبواب مذهبات، ثم خرجا من أبواب المدينة وتفرجا في بساتين ذات أشجار مثمرات، وأنهار جاريات، وأطيار ناطقات، تسبح من له القدرة والبقاء، ولم يزالا يتفرجان حتى أقبل المساء، فرجعا وباتا في قصر يافث بن نوح، فلما وصلا قدمت لهما مائدة فأكلا، والتفت غريب لملك الجان وقال: يا ملك، إن قصدي الذهاب إلى قومي وجندي، فلم أعلم حالهم بعدي. فلما سمع مرعش كلام غريب قال له: يا أخي، والله ما مرادي فراقك، ولا أخليك تروح ولا بعد شهر كامل حتى أتملى برؤيتك. فما قدر أن يخالفه، فقعد شهرا كاملا في مدينة يافث، ثم أكل وشرب وأعطاه الملك مرعش هدايا من التحف والمعادن والجواهر والزمرد والبلخش وحجر الماس، وقطعا من ذهب وفضة، وكذلك مسك وعنبر، ومقاطع حرير منسوجة بالذهب، وعمل لغريب وسهيم خلعتين من الوشي منسوجتين بالذهب، وعمل لغريب تاجا مكللا بالدر والجوهر لا يعادل بأثمان، ثم عبى له ذلك كله في أعدال، ودعا بخمسمائة مارد وقال لهم: جهزوا حالكم إلى السفر في غد، حتى نؤدي الملك غريبا وسهيما إلى بلادهما. قالوا: سمعا وطاعة. وباتوا على نية السفر حتى أتى وقت السفر، وإذا هم بخيول وطبول ونفير تصيح حتى ملأت الأرض، وهم سبعون ألف مارد طيارة غواصة، وملكهم اسمه برقان، وكان لمجيء هذا الجيش سبب عظيم عجيب، وأمر مطرب غريب، سنذكره على التراتيب. # وكان برقان هذا صاحب مدينة العقيق وقصر الذهب، وكان يحكم على خمس قلل، كل قلة فيها خمسمائة ألف مارد، وهو وقومه يعبدون النار دون الملك الجبار، وكان هذا الملك ابن عم مرعش، وكان في قوم مرعش مارد كافر أسلم نفاقا، وغطس من بين قومه وسار حتى وصل إلى وادي العقيق، ودخل قصر الملك برقان وقبل الأرض بين يديه ودعا له بدوام العز والأنعام، ثم أخبره بإسلام مرعش، فقال له برقان: كيف ms1471 مرق من دينه؟ فحكى له جميع ما جرى، فلما سمع برقان كلامه شخر ونخر، وسب الشمس والقمر، والنار ذات الشرور، وقال: وحق ديني لأقتلن ابن عمي وقومه، وهذا الإنسي، ولا أترك منهم أحدا. ثم صاح على أرهاط الجن، واختار منهم سبعين ألف مارد، وسار بهم حتى وصل إلى مدينة جابرصا، وداروا حول المدينة كما ذكرنا، ونزل الملك برقان مقابل باب المدينة ونصب خيامه، فدعا مرعش بمارد وقال له: امض إلى هذا العسكر وانظر ما يريدون وائتني عاجلا. فمرق المارد حتى دخل خيام برقان، فتسارع إليه المردة وقالوا له: من أنت؟ قال: رسول مرعش. فأخذوه وأوقفوه بين يدي برقان، فسجد له وقال: يا مولاي، إن سيدي أرسلني إليكم لأنظر خبركم. فقال له: ارجع إلى سيدك وقل له: هذا ابن عمك برقان أتى يسلم عليك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: ما أحسن حديثك وأطيبه وأحلاه وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت الليلة 655 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المارد رسول مرعش لما دخل على برقان وقال له: إن سيدي أرسلني إليك لأنظر خبركم. قال له: ارجع إلى سيدك وقل له: إن ابن عمك برقان أتى يسلم عليك. فرجع المارد إلى مولاه وأخبره بذلك، فقال لغريب: اقعد على سريرك حتى أسلم على ابن عمي وأعود إليك. ثم ركب وسار قاصدا الخيام، وكان برقان عملها حيلة حتى يخرج مرعش ويقبض عليه، ثم أوقف حوله مردة وقال لهم: إذا رأيتموني حضنته فأمسكوه وكتفوه. فقالوا: سمعا وطاعة. ثم بعد ذلك وصل الملك مرعش ودخل سرادق ابن عمه، فقام إليه واعتنقه، فهجم عليه الجان وكتفوه وقيدوه، فنظر مرعش إلى برقان وقال له: ما هذا الحال؟ فقال له: يا كلب الجان، أتترك دينك ودين آبائك وأجدادك وتدخل في دين لا تعرفه؟ فقال له مرعش: يا ولد عمي، قد وجدت دين إبراهيم الخليل ms1472 هو الحق وغيره باطل. فقال: ومن أخبركم؟ قال: غريب ملك العراق، وهو عندي في أعز مكان. فقال له برقان: وحق النار والنور، والظل والحرور، لأقتلنكم جميعا. ثم سجنه، فلما نظر غلام مرعش ما حل بمولاه، ولى هاربا إلى المدينة وأعلم أرهاط الملك مرعش بما حصل لمولاه، فصاحوا وركبوا خيولهم، فقال غريب: ما الخبر؟ فأعلموه بما جرى، فصاح على سهيم وقال له: شد لي جوادا من الجوادين اللذين أعطانيهما الملك مرعش. فقال له: يا أخي، أتقاتل الجان؟ قال: نعم أقاتلهم بسيف يافث بن نوح، وأستعين برب الخليل إبراهيم عليه السلام، فهو رب كل شيء وخالقه. فشد له جوادا أشقر من خيل الجن كأنه حصن من الحصون، ثم أخذ آلة الحرب وخرج وركب وخرجت الأرهاط وهم لابسون الدروع، وركب برقان وقومه وتقاتل الفريقان، واصطف العسكران، وكان أول من فتح باب الحرب الملك غريب، فساق جواده في حومة الميدان، وجرد سيف يافث بن نوح عليه السلام، فخرج منه نور ساطع انبهرت منه عيون الجن أجمعين، ووقع في قلوبهم الرعب، فلعب غريب بالسيف حتى أذهل عقول الجان، ثم نادى: الله أكبر، أنا الملك غريب ملك العراق، لا دين إلا دين إبراهيم الخليل. # فلما سمع برقان كلام غريب قال: هذا الذي غير دين ابن عمي وأخرجه من دينه، فوحق ديني لا أقعد على سريري حتى أقطع رأس غريب وأخمد أنفاسه، وأرد ابن عمي وقومه إلى دينهم، ومن خالفني أهلكته. ثم ركب على فيل أبيض قرطاسي، كأنه برج مشيد، وصاح عليه وضربه بسنان من بولاد، فغرق في لحمه، فصرخ الفيل وقصد الميدان ومقام الحرب والطعان، حتى قرب من غريب، فقال له: يا كلب الإنس، ما أدخلك أرضنا حتى أفسدت ابن عمي وقومه وأخرجتهم من دين إلى دين؟ اعلم أن اليوم آخر أيامك من الدنيا. فلما سمع غريب هذا الكلام قال له: اخسأ يا أقل الجان. فسحب برقان حربة وهزها وضرب بها غريبا فأخطأه، فضربه بحربة ثانية فخطفها غريب من الهواء وهزها وأرسلها نحو الفيل، فدخلت في ms1473 جنبه وخرجت من الجانب الآخر، فوقع الفيل على الأرض قتيلا، وارتمى برقان كأنه نخلة سحوق، فما خلاه غريب يتحرك من مكانه حتى ضربه بسيف يافث بن نوح على جذع رقبته صفحا فغشي عليه، فاندفعت عليه المردة وأداروا أكتافه، فلما نظر قومه إلى ملكهم هجموا وأرادوا خلاصه، فحمل عليهم غريب، وحملت معه الجن المؤمنون، فلله در غريب لقد أرضى الرب المجيب، وأشفى الغليل بالسيف المطلسم، وكل من ضربه به قصمه، فما تطلع روحه حتى يصير في النار رمادا، وهجم المؤمنون على الجن الكافرين وتراموا بشهب النار، وعم الدخان، وغريب قد جال فيهم يمينا وشمالا فتفرقوا بين يديه، وقد وصل الملك غريب إلى سرادق الملك برقان، وكان إلى جانبه الكيلجان والقورجان، فصاح غريب عليهما وقال: حلا مولاكما. فحلاه وكسرا قيده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. قالت لها أختها: ما أحلى حديثك وأعذبه وألذه وأطيبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله ما أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت الليلة 656 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك غريبا لما صاح على الكيلجان والقورجان وقال لهما: حلا مولاكما. فحلاه وكسرا قيده، فقال لهما الملك مرعش: ائتياني بعدتي وجوادي الطيار. وكان عند الملك جوادان يطيران في الهواء، فأعطى غريبا واحدا وبقي عنده واحد، فأتوه به بعد أن لبس آلة الحرب وحمل مع غريب وطار بهما الجوادان وقومهما خلفهما وهما يصيحان: الله أكبر، الله أكبر. فأجابتهما الأرض والجبال والأودية والتلال، ورجعوا من خلفهم بعد أن قتلوا منهم خلقا كثيرا تزيد عن ثلاثين ألف مارد وشيطان، ودخلوا مدينة يافث وجلس الملكان على مراتب العز، وطلبا برقان فما وجداه؛ لأنهما حين أسراه اشتغلا عنه بالقتال، وقد سبقه عفريت من غلمانه فحله ومر به على قومه، فوجد البعض مقتولا والبعض هاربا، فطار به نحو السماء وحط على مدينة العقيق وقصر الذهب، وجلس الملك برقان على تخت مملكته، ووصل قومه إليه الذين فضلوا من القتل، فدخلوا ms1474 عليه وهنئوه بالسلامة، فقال: يا قوم، وأين السلامة وقد قتل عسكري، وأسروني وخرقوا حرمتي بين قبائل الجان؟ فقالوا: يا ملك، ما دامت الملوك تصيب وتصاب. قال لهم: لا بد من أن آخذ ثأري وأكشف عاري، وإلا أكون معيرة بين قبائل الجان. ثم إنه كتب الكتب وأرسل إلى قبائل الحصون فأتوه مذعنين مطيعين، فتفقدهم فوجدهم ثلاثمائة ألف وعشرين ألفا من المردة الجبارين والشياطين. فقالوا: أي حاجة لك؟ فقال: خذوا أهبتكم للسفر بعد ثلاثة أيام. فقالوا: سمعا وطاعة. # هذا ما كان من أمر الملك برقان، وأما ما كان من أمر الملك مرعش فإنه لما رجع وطلب برقان ولم يجده صعب عليه، وقال: لو كنا حفظناه بمائة مارد ما كان يهرب، ولكن أين يروح منا؟ ثم قال مرعش لغريب: اعلم يا أخي أن برقان غدار ما يقعد عن أخذ الثأر، ولا بد أن يجمع أرهاطه ويأتوا إلينا، وأنا قصدي أن ألحقه وهو ضعيف على إثر هزيمته. فقال غريب: هذا هو الرأي الصواب والأمر الذي لا يعاب. ثم قال مرعش لغريب: يا أخي، خل المردة يوصلونكم إلى بلادكم واتركوني أجاهد الكفار حتى تخف عني الأوزار. فقال غريب: لا وحق الحليم الكريم الستار، ما أروح هذه الديار حتى أفني جميع الجان الكفار، ويعجل الله بأرواحهم إلى النار وبئس القرار، ولا ينجو إلا من يعبد الله الواحد القهار، ولكن أرسل سهيما إلى مدينة عمان لعله يشفى من المرض. وكان سهيم ضعيفا، فصاح مرعش على المردة وقال لهم: احملوا سهيما وهذه الأموال والهدايا إلى مدينة عمان. فقالوا: سمعا وطاعة. فحملوا سهيما والهدايا وقصدوا بلاد الإنس، ثم كتب مرعش الكتب إلى حصونه وجميع عماله، فحضروا فكانت عدتهم مائة ألف وستين ألفا، فتجهزوا وساروا قاصدين بلاد العقيق وقصر الذهب، فقطعوا في يوم واحد مسيرة سنة، ودخلوا واديا فنزلوا فيه للراحة وباتوا حتى أصبح الصباح، وأرادوا أن يرحلوا وإذا بطلائع الجان قد طلعت، والجن قد صاحت، والتقى العسكران في ذلك الوادي، فحملوا على بعضهم وقد وقع القتل بينهم، واشتد النزال، ms1475 وعظم الزلزال، وساءت الأحوال، وجاء الجد وذهب المحال، وبطل القيل والقال، وقصرت الأعمار الطوال، وصارت الكفرة في الذل والخبال، وحمل غريب وهو يوحد الواحد المعبود المستعان، فقطع الرقاب وقد ترك الرءوس مدحرجة على التراب، فما أمسى المساء حتى قتل من الكفار نحو سبعين ألفا؛ فعند ذلك دقوا كئوس الانفصال وافترقوا من بعضهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: ما أطيب حديثك وأحسنه وأحلاه وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت الليلة 657 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العسكرين لما انفصلا من بعضهما وافترقا، نزل مرعش وغريب في خيامهما بعد أن مسحا سلاحهما، ثم حضر العشاء فأكلا وهنيا بعضهما بالسلامة، وقد قتل منهم أكثر من عشرة آلاف مارد. وأما برقان فإنه نزل في خيامه وهو ندمان على من قتل من الأعوان وقال: يا قوم، إن قعدنا نقاتل هذا القوم ثلاثة أيام أفنونا عن آخرنا. فقالوا: وما نفعل يا ملك؟ قال: نهجم عليهم في الليل وهم نيام، فما يبقى منهم من يرد الأخبار، فخذوا أهبتكم واهجموا على أعدائكم واحملوا حملة رجل واحد. فقالوا: سمعا وطاعة. ثم إنهم تجهزوا للهجوم، وكان فيهم مارد اسمه جندل، وكان قلبه لان للإسلام، فلما نظر الكفار وما عزموا عليه، مرق من بينهم ودخل على مرعش والملك غريب وأخبرهما بما دبر الكفار، فالتفت مرعش لغريب وقال له: يا أخي، ما يكون العمل؟ فقال: الليلة نهجم على الكفار ونشتتهم في البراري والقفار بقدرة الملك الجبار. ثم دعا بالمقدمين من الجان وقال لهم: احملوا آلة حربكم أنتم وقومكم، فإذا أسبل الظلام فانسلوا على أقدامكم مائة بعد مائة، وخلوا الخيام خالية واكمنوا بين الجبال، فإذا رأيتم الأعداء صاروا بين الخيام، فاحملوا عليهم من سائر الجهات، وقووا عزمكم واعتمدوا على ربكم، فإنكم تنصرون، وها أنا معكم. # فلما جاء الليل هجموا على الخيام وقد استغاثوا بالنار والنور، فلما وصلوا ms1476 بين الخيام هجم المؤمنون على الكفار وهم يستغيثون برب العالمين ويقولون: يا أرحم الراحمين، يا خالق الخلق أجمعين. حتى تركوهم حصيدا خامدين، فما أصبح الصباح إلا والكفار أشباح بلا أرواح، والذين فضلوا طلبوا البراري والبطاح، ورجع مرعش وغريب وهم منصورون مؤيدون ونهبوا أموال الكفار، وباتوا حتى أصبح الصباح وساروا طالبين مدينة العقيق وقصر الذهب. وأما برقان فإنه لما دار الحرب عليه وقتل أكثر قومه في ظلام الليل، ولى هاربا مع من بقي من قومه حتى وصل إلى مدينته ودخل قصره وجمع أرهاطه، وقال: يا بني، من كان عنده شيء فليأخذه ويلحقني في جبل قاف عند الملك الأزرق صاحب القصر الأبلق، فهو الذي يأخذ ثأرنا. فأخذوا حريمهم وأولادهم وأموالهم وقصدوا جبل قاف، ثم وصل مرعش وغريب إلى مدينة العقيق وقصر الذهب، فوجدوا الأبواب مفتوحة وليس فيها من يخبر بخبر، فأخذ مرعش غريبا يفرجه على مدينة العقيق وقصر الذهب، وكان أساسات صورها من الزمرد، وبابها من العقيق الأحمر، بمسامير من الفضة، وسقوف بيوتها وقصورها العود والصندل، فمشوا وتفرقوا في شوارعها وأزقتها حتى وصلوا إلى قصر الذهب، ولو يزالوا يدخلون من دهليز إلى دهليز، وإذا هم ببناء من البلخش الملوكي ورخامه زمرد وياقوت، ودخل مرعش وغريب في القصر فاندهشا من حسنه، ولم يزالا يدخلان من موضع إلى موضع حتى قطعا سبعة دهاليز، فلما وصلا إلى داخل القصر إذا هما بأربعة لواوين، كل ليوان لا يشبه الآخر، وفي وسط القصر فسقية من الذهب الأحمر وعليها صور سباع من الذهب، والماء يجري من أفواهها، فنظرا شيئا يحير الأفكار، والليوان الذي في الصدر مفروش بالبسط المنسوجة بالحرير الملون، وفيه كرسيان من الذهب الأحمر مرصعان بالدر والجوهر، فعند ذلك قعد مرعش وغريب على كرسي برقان، وعملا في قصر الذهب موكبا عظيما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: يا أختي، ما أحسن حديثك وألذه وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها ms1477 حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت الليلة 658 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مرعشا وغريبا جلسا على كرسي برقان وأوكبا موكبا عظيما، وبعد ذلك قال غريب لمرعش: أي شيء دبرت من الرأي؟ قال: يا ملك الإنس، قد أرسلت مائة فارس يكشفون لي خبر برقان في أي مكان هو حتى نسير خلفه. ثم قعدا في قصر الذهب ثلاثة أيام حتى وصل المردة ورجعوا خبروا أن برقان سار إلى جبل قاف، واستجار بالملك الأزرق فأجاره، فقال مرعش لغريب: ما تقول يا أخي؟ قال: إن لم نهجم عليهم يهجموا علينا. ثم أمر مرعش وغريب العسكر أن يأخذوا الأهبة للسفر بعد ثلاثة أيام؛ فأصلحوا أحوالهم وأرادوا أن يرحلوا، وإذا هم بالمردة الذين وصلوا سهيما والهدايا قد أقبلوا على غريب وقبلوا الأرض، فسألهم عن قومه فقالوا له: إن أخاك عجيبا لما هرب من الوقعة ذهب إلى يعرب بن قحطان، وقصد بلاد الهند ودخل على ملكها، وحكى له ما جرى له من أخيه واستجار به، فأجاره وأرسل كتبه إلى جميع عماله، فاجتمع عسكره مثل البحر الزاخر ما له أول من آخر، وهو عازم على خراب العراق. فلما سمع غريب كلامه قال: تعس الكفار، فإن الله تعالى ينصر الإسلام، وسوف أريهم ضربا وطعانا. ثم قال مرعش: يا ملك الإنس، وحق الاسم الأعظم لا بد أن أسير معك إلى ملكك وأهلك أعداءك وأبلغك هناك. فشكره غريب وباتوا على نية الرحيل، إلى أن أصبح الصباح، فرحلوا وصاروا قاصدين جبل قاف ومشوا يومهم، وبعد ذلك ساروا قاصدين القصر الأبلق ومدينة المرمر، وكانت هذه المدينة مبنية بالحجارة والمرمر، بناها بارق بن فاقع أبو الجن، وبنى القصر الأبلق، وسمي بذلك لأنه مبني بطوبة من فضة وطوبة من ذهب، ما بني مثله في سائر الأقطار. # ![fig11](../Images/figure11.png) # دخل «مرعش» و«غريب» قصرا من البلخش الملوكي، ورخامه زمرد وياقوت، فاندهشا. # فلما قربوا من مدينة المرمر، وبقي بينهم وبينها نصف يوم؛ نزلوا للراحة، فأرسل مرعش من يكشف له الأخبار، فغاب الساعي ثم عاد وقال له: يا ملك، ms1478 إن في مدينة المرمر من أرهاط الجن عدد أوراق الشجر وقطر المطر. فقال الملك مرعش: أي شيء يكون العمل يا ملك الإنس؟ فقال غريب: يا ملك، قسم قومك أربعة أقسام حول العسكر، ثم يقولون: الله أكبر. وبعد أن يصيحوا بالتكبير يتأخرون عنهم، ويكون ذلك الأمر في نصف الليل، وانظر ما يجري بين قبائل الجان. فأحضر مرعش قومه وفرقهم مثل ما قال غريب، فحملوا سلاحهم وصبروا حتى انتصف الليل، فساروا حتى داروا حول العسكر وصاحوا: الله أكبر، يا لدين الخليل إبراهيم عليه السلام. فانتبه الكفار مرعوبين من هذه الكلمة، وخطفوا سلاحهم ووقعوا في بعضهم، حتى لاح الفجر وقد فني أكثرهم وبقي أقلهم، فصاح غريب على الجن المؤمنين وقال: احملوا على من بقي من الكافرين، وها أنا معكم والله ناصركم. فحمل مرعش وصحبته غريب وجرد غريب سيفه الماحق الذي من سيوف الجن، فجدع الأنوف وهزم الصفوف، وقد ظفر ببرقان وضربه فأعدمه الحياة، ونزل مختضبا بدمائه، ثم فعل بالملك الأزرق كذلك. # فلما أضحى النهار لم يبق من الكفار ديار ولا من يرد الأخبار، ودخل مرعش وغريب القصر الأبلق فرأيا حيطانه طوبة من ذهب وطوبة من فضة، وأعتابه من البلور، وهو معقود بالزمرد الأخضر، وفيه فسقية وشاذروان مفروش بالحرير المزركش بشرائط الذهب المرصع بالجوهر، ووجدا أموالا لا تحصى ولا توصف، ثم دخلا قاعة الحريم فوجدا فيها حريما ظريفا، فنظر غريب إلى حريم الملك الأزرق فرأى في بناته بنتا ما رأى أحسن منها، وعليها بدلة تساوي ألف دينار، وحولها مائة جارية ترفع أذيالها بكلاليب من الذهب، وهي مثل القمر بين النجوم؛ فلما رأى غريب هذه البنت، طاش عقله وحار، فقال لبعض تلك الجواري: من تكون هذه الجارية؟ فقالوا له: هذه كوكب الصباح بنت الملك الأزرق. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: ما أطيب حديثك وأحسنه وأحلاه وأعذبه! فقالت لها: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ms1479 ### | فلما كانت الليلة 659 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن غريبا لما سأل بعض الجواري وقال: من هذه الجارية؟ فقالوا له: هذه كوكب الصباح بنت الملك الأزرق. فالتفت غريب للملك مرعش وقال: يا ملك الجان، مرادي أن أتزوج بهذه البنت؟ فقال له الملك مرعش: القصر وما فيه من الأموال والأولاد كسب يدك، ولولا أنت عملت الحيلة حتى أهلكت برقان والملك الأزرق وقومهما، لكانوا أهلكونا عن آخرنا، فالمال مالك وأهله عبيدك. فشكره غريب على حسن كلامه وتقدم إلى البنت ونظر إليها وحقق النظر فيها، فأحبها حبا شديدا، ونسي فخرتاج بنت الملك سابور ملك العجم والترك والديلم، ونسي مهدية. وكانت والدة هذه البنت بنت ملك الصين، خطفها الملك الأزرق من قصرها وافتضها، فعلقت منه وجاءت بهذه البنت، فمن حسنها وجمالها سماها كوكب الصباح، وهي سيدة الملاح، فماتت أمها وهي بنت أربعين يوما، فربتها القوابل والخدام حتى صار لها من العمر سبع عشرة سنة، فجرى هذا الأمر وقتل أبوها وحبها غريب حبا شديدا، وصافحها ودخل عليها من ليلته، فوجدها بكرا، وكانت تبغض أباها وقد فرحت بقتله، وقد أمر غريب أن يهدم القصر الأبلق، فهدموه وفرقه غريب على الجان، فناب غريبا إحدى وعشرون ألف طوبة من الذهب والفضة، ونابه من المال والمعادن ما لا يحصى ولا يعد. # ثم إن الملك مرعشا أخذ غريبا وفرجه على جبل قاف وعجائبه، وساروا قاصدين حصن برقان، فلما وصلوا إليه أخربوه وقسموا أمواله، وساروا إلى حصن مرعش فأقاموا فيه خمسة أيام، وطلب غريب الرواح إلى بلاده، فقال مرعش: يا ملك الإنس، أنا أسير في ركابك حتى أوصلك إلى بلادك؟ فقال غريب: لا وحق الخليل إبراهيم ما أخليك تتعب سرك، ولن آخذ من قومك سوى الكيلجان والقورجان. فقال مرعش: يا ملك، خذ عشرة آلاف فارس من الجن يكونون معك في خدمتك. فقال غريب: ما آخذ إلا ما أخبرتك به. فأمر مرعش ألف مارد أن يحملوا ما ناب غريبا من الغنيمة ويصحبوه إلى ملكه، وأمر الماردين الكيلجان والقورجان أن يكونا مع ms1480 غريب ويطيعاه، فقالا: سمعا وطاعة. ثم قال غريب للمردة: احملوا أنتم المال وكوكب الصباح. وأراد غريب أن يرحل بركب جواده الطيار، فقال مرعش: هذا الجواد يا أخي لا يعيش إلا في أرضنا، وإن وصل إلى أرض الإنس مات، ولكن عندي جواد يجري وما يوجد له مثيل في أرض العراق وجميع الآفاق. ثم أمر بإحضار الجواد فأحضروه، فلما نظره غريب حال بينه وبين عقله، ثم كبلوا الجواد وحمله الكيلجان وحمل القورجان ما أطاقه. # ثم إن مرعشا اعتنق غريبا وبكى على فراقه وقال له: يا أخي، إذا حصل لك ما لا طاقة لك به، فأرسل إلي وأنا آتيك بعسكر يخربون الأرض وما عليها. فشكره غريب على معروفه وحسن إسلامه، وسار الماردان بغريب والجواد يومين وليلة، وقد قطعا مسيرة خمسين سنة حتى قربوا من مدينة عمان، فنزلوا قريبا منها ليأخذوا الراحة، فالتفت غريب إلى الكيلجان وقال له: سر واكشف لي خبر قومي. فسار المارد ثم عاد وقال: يا ملك، إن على مدينتك عسكر الكفار مثل البحر الزخار، وقومك تقاتلهم وقد دقوا طبول الحرب، والجمرقان برز لهم إلى الميدان. فلما سمع غريب هذا الكلام صاح: الله أكبر. وقال: يا كيلجان شد لي الحصان وقدم عدتي والسنان، اليوم يظهر الفارس من الجبان في مقام الحرب والطعان. فقام الكيلجان وقد أحضر له ما طلب، فأخذ عدة الحرب وتقلد بسيف يافث بن نوح، وركب الجواد البحري وقصد العساكر والجنود، فقال الكيلجان والقورجان: أرح قلبك ودعنا نسير إلى الكفار فنشتتهم في البراري والقفار، حتى لا يبقى منهم ديار ولا نافخ نار، بعون الله العلي الجبار. فقال لهم غريب: وحق الخليل إبراهيم ما أخليكم تقاتلون إلا وأنا على ظهر جوادي. وقد كان لمجيء هذه العساكر سبب عجيب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 660 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن غريبا لما قال للكيلجان: سر واكشف لي خبر قومي. فرجع وقال: إن على مدينتك عسكرا كثيرا. وكان السبب في مجيئهم أن عجيبا لما أتى بعسكر ms1481 يعرب بن قحطان، وحاصر المسلمين، وخرج الجمرقان وسعدان وجاءهم الكيلجان والقورجان، وكسروا عساكر الكفار وهرب عجيب، قال: يا قوم، إن رجعتم إلى يعرب بن قحطان وقد قتل قومه يقول: يا قوم، لولا أنتم ما قتل قومي، فيقتلنا عن آخرنا، والرأي عندي أن تسيروا إلى بلاد الهند وندخل على الملك طركنان فيأخذ بثأرنا. فقال له قومه: سر بنا باركت النار فيك. فساروا أياما وليالي حتى وصلوا إلى مدينة الهند، واستأذنوا في الدخول على الملك طركنان، فأذن لعجيب في الدخول، فدخل وقبل الأرض ودعا له بدعاء الملوك وقال: يا ملك، أجرني أجارتك النار ذات الشرر، وحماك الدجى بالظلام المعتكر. فلما نظر ملك الهند إلى عجيب قال له: من أنت؟ وما تريد؟ قال له: أنا عجيب ملك العراق، وقد جار علي أخي، وقد تبع دين الإسلام وأطاعته العباد وقد ملك البلاد، ولم يزل يطردني من أرض إلى أرض، وها أنا أتيت إليك أستجير بك وبهمتك. فلما سمع ملك الهند كلام عجيب قام وقعد وقال: وحق النار لآخذن بثأرك ولا أدع أحدا يعبد غير النار. ثم إنه صاح على ولده وقال له: يا ولدي، هيئ حالك واذهب إلى العراق، وأهلك كل من فيها، واربط الذين لا يعبدون النار وعذبهم ومثل بهم ولا تقتلهم وائتني بهم عندي حتى أصنع في عذابهم أنواعا، وأذيقهم الهوان وأتركهم عبرة لمن اعتبر في هذا الزمان. ثم اختار معه ثمانين ألف مقاتل على الخيل، وثمانين ألف مقاتل على الزرافات، وبعث معهم عشرة آلاف فيل، كل فيل عليه تخت من الصندل مشبك بقضبان الذهب وصفائحه، ومساميره من الذهب والفضة، وفي كل تخت سرير من الذهب والزمرد، وأرسل معهم تخوت السلاح، في كل تخت ثماني رجال يقاتلون بسائر السلاح. # وكان ابن الملك شجاع الزمان ما له في شجاعته نظير، وكان اسمه رعد شاه، وجهز نفسه في عشرة أيام، وساروا مثل قطع الغمام مدة شهرين من الزمان حتى وصلوا مدينة عمان وداروا حولها، وعجيب فرحان ويظن أنه ينتصر، وقد خرج الجمرقان وسعدان وجميع ms1482 الأبطال في حومة الميدان، ودقت الطبول وصهلت الخيول، وأشرف على ذلك الكيلجان، ورجع أخبر الملك غريب وركب كما ذكرنا، وساق جواده ودخل بين الكفار ينتظر من يبرز له ويفتح باب الحرب، فبرز سعدان الغول وطلب البراز، فبرز له بطل من أبطال الهند فما أمهله سعدان في الثبات قدامه حتى ضربه بالعامود، فهشم عظمه وصار على الأرض ممدودا، فبرز له ثان فقتله، وثالث فجندله، ولم يزل سعدان يقتل حتى قتل ثلاثين بطلا، فعند ذلك برز له بطل من الهند اسمه بطاش الأقران، وكان فارس الزمان، يعد بخمسة آلاف فارس في الميدان للحرب والطعان، وهو عم الملك طركنان، فلما برز بطاش لسعدان قال له: يا شلح العرب، هل بلغ من قدرك أن تقتل ملوك الهند وأبطالها وتأسر فرسانها؟ اليوم آخر أيامك من الدنيا. فلما سمع سعدان هذا الكلام احمرت عيناه وهجم على بطاش فضربه بالعمود، فخابت الضربة ولف سعدان مع العمود فوقع على الأرض، فما أفاق إلا وهو مكتف مقيد، فسحبوه إلى خيامهم، فلما نظر الجمرقان إلى صاحبه أسيرا قال: يا لدين الخليل إبراهيم، ولكز جواده وحمل على بطاش الأقران فتجاولا ساعة، ثم هجم بطاش على الجمرقان فجذبه من جلبات ذراعه واقتلعه من سرجه ورماه على الأرض، فكتفوه وسحبوه إلى خيامهم، ولم يزل بطاش يبرز له مقدم حتى أسر من المسلمين أربعة وعشرين مقدما، فلما نظر المسلمون إلى ذلك، اغتموا غما شديدا، فلما نظر غريب ما حل بأبطاله، سحب من تحت ركبته عمودا من الذهب وزنه مائة وعشرون رطلا، وهو عمود برقان ملك الجان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: ما أحلى حديثك وأطيبه وأحلاه وأعذبه! فقالت لها: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت الليلة 661 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك غريبا لما نظر ما حل بأبطاله، سحب عمودا من الذهب كان لبرقان ملك الجان، ثم ساق جواده ms1483 البحري فجرى تحته مثل هبوب الريح، واندفع حتى صار في وسط الميدان وصاح: الله أكبر، فتح ونصر وخذل من كفر بدين إبراهيم الخليل. ثم حمل على بطاش وضربه بالعمود فوقع على الأرض، فالتفت نحو المسلمين ونظر إلى أخيه سهيم الليل وقال له: كتف هذا الكلب. فلما سمع سهيم كلام غريب اندفع على بطاش فشد وثاقه وأخذه وصار أبطال المسلمين يتعجبون من ذلك الفارس، وصار الكفار يقولون لبعضهم: من هذا الفارس الذي خرج من بينهم وأسر صاحبنا؟ كل هذا وغريب يطلب البراز، فبرز له مقدم من الهنود، فضربه غريب بالعمود فوقع على الأرض ممدودا، فكتفه الكيلجان والقورجان وسلماه إلى سهيم، ولم يزل غريب يأسر بطلا بعد بطل حتى أسر اثنين وخمسين بطلا مقدمين أعيانا وقد فرغ النهار، فدقوا طبول الانفصال وطلع غريب من الميدان وقصد عسكر المسلمين، وكان أول من لاقاه سهيم، فقبل رجله في الركاب وقال له: لا شلت يداك يا فارس الزمان، فأخبرنا من أنت من الشجعان؟ فعند ذلك رفع البرقع الزرد عن وجهه، فعرفه وقال سهيم: يا قوم، هذا ملككم وسيدكم غريب، وقد أتى من أرض الجان. فلما سمع المسلمون بذكر ملكهم، رموا أرواحهم عن ظهور الخيل وقدموا إليه وقبلوا رجليه في الركاب، وسلموا عليه وفرحوا بسلامته ودخلوا به إلى مدينة عمان، ونزل على كرسي مملكته، ودار قومه حوله في غاية الفرح، ثم قدموا الطعام فأكلوا، وبعد ذلك حكى لهم جميع ما جرى له في جبل قاف من قبائل الجان، فتعجبوا غاية العجب وحمدوا الله على سلامته. # وكان الكيلجان والقورجان لا يفارقان غريبا، ثم أمر غريب قومه بالانصراف إلى مراقدهم فتفرقوا إلى بيوتهم، ولم يبق عنده إلى الماردان، فقال لهما: هل تقدران أن تحملاني إلى الكوفة لأتملى بحريمي وترجعا بي في آخر الليل؟ فقالا: يا مولانا هذا أهون ما طلبت. وكان بين الكوفة وعمان ستون يوما للفارس المجد، فقال الكيلجان للقورجان: أنا أحمله في الذهاب وأنت تحمله في المجيء. فحمله الكيلجان وحاذاه القورجان، فما كان إلا ساعة حتى ms1484 وصلوا الكوفة وعدلوا به إلى باب القصر، فدخل على عمه الدامغ، فلما رآه قام له وسلم عليه ثم قال له: كيف حال زوجتي فخرتاج وزوجتي مهدية؟ قال: إنهما طيبتان بخير وعافية. ثم دخل الخادم فأخبر الحريم بمجيء غريب، ففرحوا وزلغطوا ووهبوا للخادم بشارته، ثم دخل الملك غريب فقاموا له وسلموا عليه، ثم بعد ذلك تحدثوا وحضر الدامغ فحكى له ما جرى له مع الجن، فتعجب الدامغ والحريم ونام بقية الليل مع فخرتاج إلى أن قرب الفجر، فخرج إلى الماردين وودع أهله وحريمه وعمه الدامغ، ثم ركب ظهر القورجان وحاذاه الكيلجان، فما انكشف الظلام إلا وهو في مدينة عمان، ولبس آلة حربه وكذلك قومه، وأمر بفتح الأبواب، وإذا بفارس قد وصل من عسكر الكفار ومعه الجمرقان وسعدان الغول والمقدمون المأسورون، وقد خلصهم ثم سلمهم لغريب ملك المسلمين، ففرح المسلمون بسلامتهم، ثم تدرعوا وركبوا وقد دقوا كئوس الحرب واعتدوا للطعن والضرب، وركب الكفار واصطفوا صفوفا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: ما أحسن هذا الحديث وأطيبه وأحلاه وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت الليلة 662 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عسكر المسلمين لما ركبوا في الميدان للحرب والطعان، فأول من فتح باب الحرب الملك غريب، وسحب سيفه الماحق وهو سيف يافث بن نوح عليه السلام، وساق جواده بين الصفين ونادى: من عرفني فقد اكتفى شري، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا الملك غريب ملك العراق واليمن، أنا غريب أخو عجيب. فلما سمع رعد شاه ابن ملك الهند كلام غريب، صاح على المقدمين وقال: ائتوني بعجيب. فأتوا به، فقال له: أنت تعلم بأن هذه الفتنة فتنتك وأنت كنت السبب فيها، وهذا أخوك في حومة الميدان ومقام الحرب والطعان، فاخرج له وائتني به أسيرا حتى أركبه على جمل بالمقلوب، وأمثل به حتى أصل إلى بلاد الهند. فقال له ms1485 عجيب: يا ملك، أرسل له غيري، فإني أصبحت ضعيفا. فلما سمع رعد شاه كلامه شخر ونخر وقال: وحق النار ذات الشرور، والنور والظل والحرور، إن لم تخرج إلى أخيك وتأتني به سريعا، قطعت رأسك وأخمدت أنفاسك. فخرج عجيب وساق جواده وقد شجع قلبه وقارب أخاه في حومة الميدان وقال له: يا كلب العرب، وأخس من دق طنب، أتضاهي الملوك؟ فخذ ما جاءك وأبشر بموتك. فلما سمع الملك غريب هذا الكلام قال له: من أنت من الملوك؟ قال له: أنا أخوك، فاليوم آخر أيامك من الدنيا. فلما تحقق غريب أنه أخوه عجيب صاح وقال: يا لثأر أبي وأمي! ثم أعطى الكيلجان سيفه، وحمل عليه وضربه بالدبوس ضربة جبار عنيد كادت أن تخرج أضلاعه، وقبضه من أطواقه وجذبه فاقتلعه من سرجه وضرب به الأرض، فاندفع عليه الماردان وشدا وثاقه ثم قاداه ذليلا حقيرا؛ كل هذا وغريب قد فرح بأسر عدوه، وأنشد قول الشاعر: # بلغت المراد وزال العنا %~% لك الحمد والشكر يا ربنا ~~نشأت ذليلا فقيرا حقيرا %~% فأعطاني الله كل المنى ~~ملكت البلاد قهرت العباد %~% فلولاك ما كنت يا ربنا # فلما نظر رعد شاه ما حل بعجيب من أخيه غريب، دعا بجواده ولبس آلة حربه وجلبابه، وخرج إلى الميدان وساق جواده إلى أن قارب الملك غريبا في مقام الحرب والطعان، وصاح عليه وقال: يا أخس العرب وحمال الحطب، بلغ من قدرك أن تأسر الملوك والأبطال؟ فانزل عن جوادك وكتف نفسك وقبل رجلي وأطلق أبطالي، وسر معي إلى ملكي وأنت مقيد مسلسل، حتى أعفو عنك وأجعلك شيخ بلادنا، تأكل فيها لقمة الخبز. فلما سمع غريب منه هذا الكلام ضحك حتى استلقى على قفاه وقال له: يا كلب أكلب، وذئب أجرب، سوف تنظر من تدور عليه الدوائر. ثم صاح على سهيم وقال له: ائتني بالأسارى. فأتاه بهم فضرب رقابهم، فعند ذلك حمل رعد شاه على غريب حملة صنديد، وصدمه صدمة جبار عنيد، ولم يزالا في كر وفر وصدام، حتى هجم الظلام، فدقوا طبول الانفصال. وأدرك ms1486 شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: ما أحسن هذا الحديث وأطيبه وأحلاه وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت الليلة 663 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنهم لما دقوا طبول الانفصال، وافترقا من بعضهما، ذهب كل ملك إلى موضعه فهنوهما بالسلامة، فقال المسلمون للملك غريب: ما هي عادتك يا ملك أن تطاول في القتال! فقال: يا قوم، قاتلت الأبطال والأفيال، فما رأيت أحسن ضربا من هذا البطل، وكنت أردت أن أسحب سيف يافث وأضربه فأهشم عظامه وأفني أيامه، ولكن طاولته ظنا مني أني آخذه أسيرا، ويكون له حظ في الإسلام. # هذا ما كان من أمر غريب، وأما ما كان من أمر رعد شاه، فإنه دخل السرادق وجلس على سريره، ودخل عليه كبراء قومه فسألوه عن خصمه فقال لهم: وحق النار ذات الشر، ما رأيت عمري مثل هذا البطل، وفي غد آخذه أسيرا وأقوده ذليلا حقيرا. وباتوا إلى الصباح، فدقوا طبول الحرب واعتدوا للطعن والضرب، وتقلدوا الصفاح، وأقاموا الصياح، وركبا الجرد القوارح، وخرجوا من الخيام فملئوا الأرض والآكام والبطاح والأماكن الفساح، وكان أول من فتح باب الحرب والطعان الفارس المقدام والأسد الضرغام الملك غريب، فجال وصال وقال: هل من مبارز؟ هل من مناجز؟ لا يخرج لي اليوم كسلان ولا عاجز. فما استتم كلامه حتى برز له رعد شاه وهو راكب على فيل كأنه قبة عظيمة، وعلى ظهر الفيل تخت مخرم بشرائط حرير، والفيال راكب بين آذان الفيل، وفي يده كلاب يضرب به الفيل، ويهتز يمينا وشمالا، فلما قرب الفيل من جواد غريب وقد نظر الجواد شيئا ما رآه قط فجفل منه، فنزل غريب عنه وسلمه للكيلجان وسحب سيفه الماحق وتقدم نحو رعد شاه ماشيا على أقدامه حتى صار قدام الفيل، وكان رعد شاه إذا رأى نفسه مغلوبا مع بطل من الأبطال يركب في تخت الفيل، ويأخذ معه شيئا اسمه ms1487 الوهق، وهو في هيئة الشبكة واسع من أسفل وضيق من فوق، وفي ذيله حلق وفيه قنب حرير، فيقصد الفارس والفرس ويضعه عليهما ويسحب القنب، فينزل عن الجواد راكبه، فيأخذه أسيرا وقد قهر الفرسان بهذا الشأن. فلما قارب غريب رفع يده بالوهق وفرشه على غريب، فانتشر عليه وسحبه فصار عنده على ظهر الفيل، وصاح على الفيل أن يرد إلى عسكره، وكان الكيلجان والقورجان ما يفارقان غريبا، فلما رأيا ما حل بصاحبهما أمسكا الفيل، كل هذا وغريب قد تمطع في الوهق فمزقه، وهجم الكيلجان والقورجان على رعد شاه وكتفاه وقاداه في حبل ليف، وقد حمل الناس على بعضهم كأنهم بحران يلتطمان أو جبلان يصطدمان، والغبار قد طلع إلى عنان السماء، وعاين العسكران العمى وقوي الحرب وسالت الدماء، ولم يزالوا في حرب شديد وطعن أكيد، وضرب ما عليه من مزيد، حتى ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار، فدقوا طبول الانفصال، وافترقوا من بعضهم. # وكان المسلمون حاضرين في ذلك اليوم، وقد قتل منهم جماعة كثيرة وجرح أكثرهم، وذلك من ركاب الفيلة والزرافات، فصعبوا على غريب، فأمر أن يداوى الجرحى، والتفت إلى كبار جماعته وقال: ما عندكم من الرأي؟ قالوا: يا ملك، ما ضرنا إلا الفيلة والزرافات، فلو سلمنا منهم كنا غلبناهم. فقال الكيلجان والقورجان: نحن الاثنان نسحب سيوفنا ونهجم عليهم فنقتل أكثرهم. فتقدم رجل من أهل عمان، وكان صاحب رأي عند الجلند وقال: يا ملك، ضمان هذا العسكر علي إذا طاوعتني وسمعت مني. فالتفت غريب إلى المقدمين وقال: مهما قاله لكم هذا المعلم فأطيعوه. فقالوا: سمعا وطاعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 664 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك غريبا لما قال للمقدمين: كل ما قاله لكم هذا المعلم فأطيعوه. قالوا: سمعا وطاعة. فاختار ذلك الرجل عشرة مقدمين وقال: ما تحت أيديكم من الأبطال؟ فقالوا: عشرة آلاف بطل. فأخذهم ودخل دار السلاح فأعطى خمسة آلاف منهم بندقيات وعلمهم كيفية الرمي بها، فلما لاح الفجر جهز الكفار أرواحهم وقدموا الفيلة ms1488 والزرافات، ورجالهم حاملون السلاح الكامل، وقدموا الوحوش وأبطالهم قدام العسكر، وركب غريب وأبطاله واصطفوا صفوفا، ودقت الكاسات وقدمت السادات، وتقدم الوحوش والفيلة، فصاح الرجل على الرماة، فاشتغلوا بالسهام والبندقيات، فخرج النبل والرصاص فدخلت في أضلاع الوحوش، فصاحت الوحوش وانقلبت على الأبطال والرجال وداستهم بأرجلها، ثم هجم المسلمون على الكفار وأحاطوا بهم من الشمال إلى اليمين، وداستهم الفيلة وشتتهم في البراري والقفار، وسار المسلمون في أقفيتهم بالسيوف المهندة، فما سلم من الفيلة والزرافات إلا القليل، ورجع الملك غريب وقومه فرحين بالنصر، فلما أصبحوا فرقوا الغنائم وقعدوا خمسة أيام. # ثم بعد ذلك جلس الملك غريب على كرسي المملكة، وطلب أخاه عجيبا وقال له: يا كلب، ما لك تحشد علينا الملوك، والقادر على كل شيء ينصرني عليك؟ فاسلم تسلم وأترك لك ثأر أبي وأمي من أجل ذلك، وأجعلك ملكا كما كنت وأكون أنا من تحت يدك. فلما سمع عجيب كلام غريب قال له: ما أفارق ديني. فجعله في قيد حديد ووكل به مائة عبد شديد، والتفت إلى رعد شاه وقال له: ما تقول في دين الإسلام؟ فقال: يا مولاي، أنا أدخل في دينكم، ولولا أنه دين صحيح مليح ما غلبتونا، امدد يدك وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن الخليل إبراهيم رسول الله. ففرح غريب بإسلامه وقال له: هل ثبتت في قلبك حلاوة الإيمان؟ قال: نعم يا مولاي. ثم قال له غريب: يا رعد شاه، هل تمضي إلى بلادك وملكك؟ فقال: يا ملك، يقتلني أبي لأني خرجت من دينه. فقال غريب: أنا أسير معك وأملكك الأرض حتى تطيعك البلاد والعباد بعون الله الكريم الجواد. فقبل يده ورجله، ثم أنعم على صاحب الرأي الذي هو سبب انهزام العدو وأعطاه أموالا كثيرة، والتفت إلى الكيلجان والقورجان وقال لهما: يا أرهاط الجن. قالا: لبيك. قال: مرادي أن تحملاني إلى بلاد الهند. فقالا: سمعا وطاعة. فأخذ معه الجمرقان وسعدان وحملهما القورجان، وحمل الكيلجان غريبا ورعد شاه، وقصدا أرض الهند. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، ms1489 فقالت لها أختها: ما أحسن حديثك وأطيبه وأحلاه وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت الليلة 665 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك غريبا والجمرقان وسعدان الغول ورعد شاه لما حملهم الماردان، وقصدا بهم أرض الهند، وكان المسير وقت الغروب، فما جاء آخر الليل إلا وهم في كشمير، فأنزلاهم في قصر وانحدروا من سلالم القصر، وكان طركنان بلغه الخبر من المنهزمين بما جرى لابنه وعسكره، وأنهم في هم عظيم، وأن ابنه لا ينام ولا يلتذ بشيء، فصار متفكرا في أمره وما جرى له، وإذا بالجماعة دخلوا عليه، فلما نظر الملك ابنه ومن معه بهت، وأخذه الفزع من المردة، والتفت إليه ابنه رعد شاه فقال له: إلى أين يا غدار، يا عابد النار، يا ويلك، فاترك عبادة النار واعبد الملك الجبار، خالق الليل والنهار، الذي لا تدركه الأبصار. فلما سمع أبوه هذا الكلام، كان معه دبوس حديد فرماه به، فخلا عنه ووقع في ركن القصر، فهدم ثلاثة أحجار وقال له: يا كلب، أهلكت العساكر وضيعت دينك وجئت تخرجني من ديني؟ فتلقاه غريب ولكمه في عنقه فرماه، فشد الكيلجان والقورجان وثاقه وهرب الحريم جميعا. ثم إنه جلس على كرسي مملكته وقال لرعد شاه: اعدل أباك. فالتفت إليه وقال له: يا شيخ الضلال، أسلم تسلم من النار ومن غضب الجبار. فقال طركنان: ما أموت إلا على ديني. فعند ذلك سحب غريب سيفه الماحق وضربه به، فوقع على الأرض شطرين، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار، ثم أمر بتعليقه على باب القصر، فعلقوه وجعلوا شطرا يمينا وشطرا شمالا، وباتوا حتى فرغ النهار، فأمر غريب رعد شاه أن يلبس بدلة الملك، فلبس وجلس على تخت أبيه، وقعد غريب عن يمينه، ووقف الكيلجان والقورجان والجمرقان وسعدان الغول يمينا وشمالا، وقال لهم الملك غريب: كل من دخل من الملوك اربطوه ولا تخلوا مقدما ينفلت من أيديكم. ms1490 فقالوا: سمعا وطاعة. # ثم بعد ذلك طلع المقدمون وقصدوا الملك لأجل الخدمة، فأول من طلع المقدم الكبير، فنظر الملك طركنان معلقا شطرين، فاندهش وحار ولحقه الانبهار، فهم عليه الكيلجان وجذبه من أطواقه فرماه وكتفه، ثم جذبه إلى داخل القصر، ثم ربطه وسحبه، فما طلعت الشمس حتى ربط ثلاثمائة وخمسين مقدما، وأوقفهم بين يدي غريب فقال لهم: يا قوم، هل نظرتم ملككم وهو معلق على باب القصر؟ فقالوا: من فعل به هذه الفعال؟ فقال غريب: أنا فعلت به ذلك بعون الله تعالى، ومن خالفني فعلت به مثله. فقالوا: ما تريد منا؟ فقال: أنا غريب ملك العراق، أنا الذي أهلكت أبطالكم، وإن رعد شاه دخل في دين الإسلام، وصار ملكا عظيما وحاكما عليكم، فأسلموا تسلموا، ولا تخالفوا تندموا. فنطقوا بالشهادة وكتبوا من أهل السعادة، فقال غريب: هل صحت في قلوبكم حلاوة الإيمان؟ قالوا: نعم. فأمر بحلهم فحلوهم، فخلع عليهم وقال لهم: امضوا إلى قومكم واعرضوا عليهم الإسلام، فمن أسلم فأبقوه ومن أبى فاقتلوه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، فقالت لها أختها: ما أحلى هذا الحديث وأطيبه وأعذبه! فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك؟ فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ### | فلما كانت الليلة 666 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك غريبا لما قال لعسكر رعد شاه: امضوا إلى قومكم واعرضوا عليهم دين الإسلام، فمن أسلم فأبقوه ومن أبى فاقتلوه، فمضوا وجمعوا رجالهم الذين تحت أيديهم ويحكمون عليهم وأعلموهم بما كان، ثم عرضوا عليهم الإسلام فأسلموا إلا قليلا فقتلوهم وأخبروا غريبا بذلك، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي هون علينا من غير قتال. وأقام غريب في كشمير الهند أربعين يوما حتى مهد البلاد، وأخرب بيوت النار وأماكنها، وبنى في مواضعها مساجد وجوامع، وقد حزم رعد شاه من الهدايا والتحف شيئا كثيرا لا يوصف وأرسله في المراكب، ثم ركب غريب على ظهر الكيلجان، وركب سعدان الجمرقان على ظهر ms1491 القورجان بعد أن ودعوا بعضهم، وساروا إلى آخر الليل، فما لاح الفجر إلا وهم في مدينة عمان، فتلقاهم قومهم وسلموا عليهم وفرحوا بهم، فلما وصل غريب إلى باب الكوفة أمر بإحضار أخيه عجيب، فأحضروه وأمر بصلبه، فأحضر له سهيم كلاليب من حديد، وجعلها في عراقيبه وعلقوه على باب الكوفة، ثم أمر برميه بالنبال، فرموه بها حتى صار كالقنفذ، ثم دخل الكوفة ودخل قصره وجلس على تخت ملكه، فحكم ذلك اليوم حتى فرغ النهار، ثم دخل على حريمه فقامت له كوكب الصباح واعتنقته وكذلك الجواري يهنئنه بالسلامة، ثم أقام عند كوكب الصباح ذلك اليوم وتلك الليلة. فلما أصبح الصباح قام واغتسل وصلى صلاة الصبح، وجلس على سرير ملكه وشرع في عرس مهدية، فذبح ثلاثة آلاف رأس من الغنم، وألفين من البقر، وألفا من المعز، وخمسمائة من الجمال، وأربعة آلاف من الدجاج، ومن الأرز كثيرا، ومن الخيل خمسمائة، وكان هذا العرس لم يعمل مثله في الإسلام في ذلك الزمان. ثم دخل غريب على مهدية وأزال بكارتها، وقعد في الكوفة عشرة أيام، ثم وصى عمه بالعدل في الرعية، وسار بحريمه وأبطاله حتى وصل إلى مراكب الهدايا والتحف، فغرقها بجميع ما فيها، واستغنت الأبطال بالأموال، ولم يزالوا في سيرهم حتى وصلوا إلى مدينة بابل، فخلع على أخيه سهيم الليل وجعله فيها سلطانا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 667 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك غريبا لما خلع على أخيه سهيم خلعة وجعله سلطانا فيها، أقام عنده عشرة أيام ثم رحل، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى حصن سعدان الغول، فاستراحوا خمسة أيام، ثم إن غريبا قال للكيلجان والقورجان: امضيا إلى إسبانير المدائن وادخلا قصر كسرى، واكشفا لي خبر فخرتاج، وهاتيا لي رجلا من أقارب الملك يخبرني بما جرى. فقالا: سمعا وطاعة. ثم إنهما سارا الاثنان إلى إسبانير المدائن، فبينما هما سائران بين السماء والأرض، وإذا هما بعسكر جرار مثل البحر الزاخر، فقال الكيلجان لقورجان: انزل بنا لنكشف خبر ms1492 هذا العسكر، فنزلا ومشيا بين العساكر، فوجداهم أعجاما، فسألا بعض الرجال: من هذا العسكر؟ وإلى أين سائرون؟ فقالوا لهما: إلى غريب نقتله ونقتل كل من معه. فلما سمعا هذا الكلام توجها إلى سرادق الملك المقدم عليهم وكان اسمه رستم، وصبرا حتى نام الأعجام في مراقدهم، ونام رستم على تخته، فحملوه بتخته وتجاوزا الحصن، فما جاء نصف الليل إلا وهم في خيام الملك غريب، فعند ذلك تقدما إلى باب السرادق وقالا: دستور. فلما سمع غريب ذلك الكلام جلس وقال: ادخلوا. فدخلا بذلك التخت ورستم راقد عليه، فقال لهم غريب: من يكون هذا؟ فقالا: هذا ملك من ملوك العجم، ومعه عسكر عظيم، وقد أتى يريد قتلك أنت وقومك، وقد جئناك به ليخبرك عما تريد. فقال غريب: ائتوني بمائة بطل. فأتوا بهم، فقال: اسحبوا سيوفكم وقفوا على رأس هذا العجمي. ففعلوا ما أمرهم به ونبهوه، ففتح عينيه فوجد على رأسه قبة من سيوف، فغمض عينيه وقال: أي شيء هذا المنام القبيح؟ فوكزه الكيلجان بذباب السيف فقعد، فقال له رستم: أين أنا؟ فقال: أنت في حضرة الملك غريب صهر ملك العجم، فما اسمك؟ وإلى أين تذهب؟ فلما سمع اسم غريب تفكر وقال في نفسه: هل أنا نائم أم يقظان؟ فضربه سهيم وقال له: لم لا ترد الكلام. فرفع رأسه وقال: من أتى بي من خيمتي وأنا بين رجالي؟ فقال غريب: جاء بك هذان الماردان. فلما نظر إلى الكيلجان والقورجان تغوط في لباسه، فهم عليه الماردان وقد كشرا عن أنيابهما وسحبا سيوفهما وقالا له: أما تتقدم تقبل الأرض قدام الملك غريب؟ فارتعب من الماردين وتحقق أنه غير نائم، فوقف على أقدامه وقبل الأرض وقال: باركت النار فيك، وطال عمرك يا ملك. فقال غريب: يا كلب العجم، النار ليست معبودا؛ لأنها تضر ولا تنفع إلا للطعام. فقال: فمن هو المعبود؟ فقال غريب: المعبود الذي خلقك وصورك وخلق السموات والأرض. فقال الأعجمي: فما أقول حتى أصير من حزب ذلك الرب وأدخل في دينكم؟ فقال غريب: تقول لا ms1493 إله إلا الله إبراهيم خليل الله. فنطق بالشهادة، فكتب من أهل السعادة وقال: اعلم يا مولاي أن صهرك الملك سابور طلب قتلك، وقد بعثني في مائة ألف، وأمرني ألا أبقي منكم أحدا. # فلما سمع غريب كلامه قال: أهذا جزائي حيث خلصت ابنته من الضيق ومن الردى؟ ولكن يجازيه الله بما أضمره، ولكن فما اسمك؟ قال: رستم مقدم سابور. فقال له غريب: وكذلك مقدم عسكري. ثم قال له: يا رستم، كيف حال الملكة فخرتاج؟ فقال له: تعيش رأسك يا ملك الزمان. فقال: ما سبب موتها؟ قال: يا مولاي، لما سرت إلى أخيك، أتت جارية للملك سابور صهرك وقالت له: يا سيدي، أأنت أمرت غريبا أن ينام عند سيدتي فخرتاج؟ قال: لا وحق النار. ثم إنه سحب سيفه ودخل عليها وقال لها: يا خبيثة، كيف خليت هذا البدوي ينام عندك، ولا أعطاك مهرا ولا عمل عرسا؟ قالت له: يا أبت، أنت أذنت له أن ينام عندي. فقال لها: هل قرب منك؟ فسكتت وأطرقت رأسها إلى الأرض. فصاح على القوابل والجواري وقال لهن: كتفن هذه العاهرة وابصرن فرجها. فكتفنها وأبصرن فرجها وقلن: يا ملك، قد ذهبت بكارتها. فحمل عليها وأراد قتلها، فقامت أمها ومنعت عنها وقالت: يا ملك، لا تقتلها فتبقى معيرة، ولكن احبسها في مخدع حتى تموت. فحبسها حتى هجم الليل، فأرسلها مع اثنين من خواصه وقال لهما: ابعدا بها وألقياها في بحر جيحون ولا تخبرا أحدا. ففعلا ما أمرهما وقد خفي ذكرها ومضى زمانها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 668 # قالت: بلغني أيها الملك، أن غريبا لما سأل عن فخرتاج أخبره رستم بخبرها، وأن أباها غرقها في البحر، فلما سمع غريب كلامه اسودت الدنيا في عينيه، وساءت أخلاقه وقال: وحق الخليل لأسيرن إلى هذا الكلب وأهلكه وأخرب دياره. ثم أرسل الكتب للجمرقان ولصاحب ميافارقين ولصاحب الموصل، ثم التفت إلى رستم وقال له: كم معك من العسكر؟ فقال له: معي ألف من فرسان العجم. فقال له: خذ ms1494 معك عشرة آلاف وسر إلى قومك وشاغلهم بالحرب، وأنا على إثرك. فركب رستم في عشرة آلاف فارس من عسكره، ثم سافر إلى قومه وقال في نفسه: إني أعمل عملا يبيض وجهي عند الملك غريب. فسار رستم سبعة أيام وقد قرب من عسكر العجم، وبقي بينه وبينهم نصف يوم، ففرق أربع فرق وقال لهم: دوروا حول العسكر وأوقعوا فيهم السيف. فقالوا: سمعا وطاعة. فركبوا من العشاء إلى نصف الليل حتى داروا حول العسكر، وكانوا آمنين بعد فقد رستم من بينهم، فهجم عليهم المسلمون وصاحوا: الله أكبر. فقام الأعجام من النوم، ودار فيهم الحسام، وزلت منهم الأقدام، وغضب عليهم الملك العلام، وعمل فيهم رستم مثل عمل النار في الحطب اليابس، فما فرغ الليل إلا وعسكر العجم ما بين قتيل وهارب ومجروح، وغنم المسلمون الثقل والخيام وخزائن الأموال والخيل والجمال، ثم نزلوا في خيام الأعجام واستراحوا حتى أقبل الملك غريب، ونظر ما فعل رستم وكيف دبر الحيلة وقتل الأعجام وكسر عسكرهم، فخلع عليه وقال له: يا رستم، أنت الذي كسرت العجم فجميع الغنيمة لك. فقبل يد الملك وشكره واستراحوا يومهم، ثم ساروا طالبين ملك العجم، ووصل المهزومون ودخلوا على الملك سابور، وشكوا له الويل والثبور وعظائم الأمور، فقال لهم سابور: ما الذي دهاكم؟ ومن بشره رماكم؟ فحكوا له ما جرى، وكيف هجم عليهم في ظلام الليل، فقال سابور: ومن الذي هجم عليكم؟ فقالوا: ما هجم إلا مقدم عسكرك؛ لأنه أسلم، وأما غريب فلم يأتنا. # فلما سمع الملك بذلك رمى تاجه على الأرض وقال: ما بقي لنا قيمة. ثم التفت إلى ولده وردشاه وقال: يا ولدي، ما لهذا الأمر إلا أنت. فقال وردشاه: وحياتك يا والدي لا بد من أن أجيء بغريب وكبراء قومه في الحبال، وأهلك كل من كان معه. وأحصى عسكره فوجدهم مائتي وعشرين ألفا، وباتوا على نية الرحيل، وقد أصبح الصباح وأرادوا أن يرحلوا وإذا هم بغبار قد ثار حتى سد الأقطار، وقد حجب أعين النظار، وكان الملك سابور راكبا لوداع ms1495 ولده، فلما نظر إلى هذا العجاج العظيم صاح على ساع وقال: اكشف لي خبر هذا الغبار. فراح وعاد ثم قال: يا مولاي، قد أتى غريب وأبطاله. فعند ذلك حطوا الأحمال واصطف الرجال للحرب والقتال، فلما أقبل غريب على إسبانير المدائن ونظر الأعجام وقد عزموا على الحرب والكفاح، ندب قومه وقال: احملوا باركت النار فيكم. فعندها هزوا العلم، وانطبقت العرب والعجم، والأمم على الأمم، وجرى الدم وانسجم، وعاينت النفوس العدم، وتقدم الشجاع وهجم، وولى الجبان وانهزم، ولم يزالوا في حرب وقتال، حتى ولى النهار، فدقوا طبول الانفصال، وافترقوا من بعضهم، وأمر الملك سابور أن ينصبوا الخيام على باب المدينة، وكذلك الملك غريب نصب خيامه قبال خيام الأعجام، ونزل كل واحد في خيامه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 669 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عسكر الملك غريب وعسكر الملك سابور لما انفصلوا من بعضهم ذهب كل واحد إلى خيامه حتى أصبح الصباح، ثم ركبوا الجرد القراح وأقاموا الصياح، وقد حملوا الرماح، ولبسوا عدة الكفاح، وتقدم كل بطل جحجاح، وليث وقاح، فأول من فتح باب الحرب رستم، فقدم جواده إلى وسط الميدان وصاح: الله أكبر، أنا رستم مقدم أبطال العرب والعجم، هل من مبارز؟ هل من مناجز؟ لا يبرز لي اليوم كسلان ولا عاجز. فبرز له طومان من العجم، وحمل على رستم، ورستم حمل عليه، ووقع بينهما حملات منكرات، فوثب رستم على غريمه وضربه بعمود كان معه وزنه سبعون رطلا، فخسف رأسه في صدره، فوقع على الأرض قتيلا، وفي دمه غريقا، فما هان ذلك على الملك سابور، فأمر قومه بالحملة، فحملوا على المسلمين واستغاثوا بالشمس ذات الأنوار، واستغاث المسلمون بالملك الجبار، وتكاثر العجم على العرب وسقوهم كأس العطب، فعند ذلك صاح غريب وتقدم بهمته، وسحب سيفه الماحق سيف يافث، وحمل على الأعجام، وكان الكيلجان والقورجان بركاب الملك غريب، ولم يزل مكرا بسيفه حتى وصل إلى رافع العلم، فضربه على رأسه صفحا، فوقع في الأرض مغشيا عليه، فأخذه ms1496 الماردان إلى خيامهم، فلما نظرت الأعجام العلم قد وقع ولوا هاربين، وإلى أبواب المدينة طالبين، فتبعهم المسلمون بالسيوف حتى وصلوا إلى الأبواب وازدحموا فيها، فمات منهم خلق كثير، ولم يقدروا على غلق الأبواب، فهجم رستم والجمرقان وسعدان وسهيم والدامغ والكيلجان والقورجان وجميع أبطال المسلمين وفرسان الموحدين، على الأعجام والمارقين في الأبواب، وجرى الدم من الكفار وفي الأزقة مثل التيار، فعند ذلك نادوا الأمان، فرفعوا السيف عنهم فرموا سلاحهم وعددهم وساقوهم سوق الغنم إلى خيامهم. # وكان غريب قد رجع إلى سرادقه وقلع سلاحه ولبس ثياب العز، بعدما اغتسل من دم الكفار، وقعد على تخت ملكه وطلب ملك العجم، فجاءوا به وأوقفوه بين يديه، فقال له: يا كلب العجم، ما حملك على ما فعلت بابنتك؟ كيف تراني لا أصلح لها بعلا؟ فقال: يا ملك، لا تؤاخذني بما فعلت، فإني ندمت وما واجهتك بالقتال إلا خوفا منك. فلما سمع غريب هذا الكلام أمر أن يسطحوه ويضربوه، ففعلوا ما أمرهم به حتى قطع الأنين، ثم أدخلوه عند المحبوسين، ثم دعا بالأعجام وعرض عليهم الإسلام، فأسلم منهم مائة وعشرون ألفا، والباقي راحوا على السيف، وأسلم كل من في المدينة من الأعجام، وركب غريب في موكب عظيم، ودخل إسبانير المدائن وجلس على كرسي سابور ملك العجم، وخلع ووهب وفرق الغنيمة والذهب وفرق على الأعاجم، فأحبوه ودعوا له بالنصر والعز والبقاء. ثم إن أم فخرتاج تذكرت بنتها وأقامت العزاء وامتلأ القصر بالصراخ والصياح، فسمعهم غريب فدخل عليهم وقال: ما خبركم؟ فتقدمت أم فخرتاج وقالت له: يا سيدي، إنك لما حضرت تذكرت ابنتي وقلت: لو كانت طيبة كانت فرحت بقدومك. فبكى غريب عليها وجلس على تخته وقال: ائتوني بسابور. فأتوا به وهو يحجل في القيود فقال له: يا كلب العجم، ما فعلت بابنتك؟ قال: أعطيتها لهذا وهذا وقلت لهما: غرقاها في بحر جيحون. فدعا غريب بالرجلين وقال لهما: هل ما ذكره هذا حق؟ قالا: نعم، ولكن يا ملك ما غرقناها، بل شفقنا عليها وتركناها على شاطئ جيحون، وقلنا ms1497 لها: اطلبي النجاة لنفسك ولا ترجعي إلى المدينة فيقتلك ويقتلنا معك، وهذا ما عندنا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 670 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الرجلين لما حكيا للملك غريب على قصة فخرتاج وقالا له: تركناها على شاطئ بحر جيحون. فلما سمع غريب منهم هذا، دعا بالمنجمين فحضروا، فقال لهم: اضربوا لي تخت رمل وانظروا حال فخرتاج، هل هي في قيد الحياة أو ماتت؟ فضربوا تخت رمل وقالوا: يا ملك الزمان، ظهر لنا أن الملكة في قيد الحياة، وقد جاءت بولد ذكر، وهما عند طائفة من الجان، ولكن تغيب عنك عشرين سنة، فاحسب كم لك في سفرتك؟ فحسب مدة الغيبة فكانت ثماني سنين، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وبعث رسلا إلى القلاع والحصون التي في حكم سابور، فأتوا طائعين. فبينما هو جالس في قصره إذ نظر غبارا ثار حتى سد الأقطار وأظلم الآفاق، فصاح على الكيلجان والقورجان وقال: ائتياني بخبر هذا الغبار. فسار الماردان ودخلا تحت الغبار وخطفا فارسا من الفرسان، وأتيا به إلى غريب وأوقفاه بين يديه وقالا له: اسأل هذا فإنه من العسكر. فقال له غريب: لمن هذا العسكر؟ فقال: يا ملك، إن هذا الملك وردشاه صاحب شيراز أتى يقاتلك. # وكان السبب في ذلك أن سابور ملك العجم لما وقعت الوقعة بينه وبين غريب، وجرى ما جرى، قد هرب ابن الملك سابور في شرذمة من عسكر أبيه، فسار حتى وصل إلى مدينة شيراز، ودخل على الملك وردشاه وقبل الأرض ودموعه نازلة على خدوده. فقال له: ارفع رأسك يا غلام وقل لي ما يبكيك؟ فقال: يا ملك، ظهر لنا ملك من العرب اسمه غريب، أخذ ملك أبي، وقتل الأعجام وسقاهم كأس الحمام. وحكى له ما جرى من غريب من أوله إلى آخره. فلما سمع وردشاه كلام ابن سابور قال: هل امرأتي طيبة؟ فقال له: أخذها غريب. فعند ذلك قال: وحياة رأسي ما بقيت أبقي على وجه الأرض بدويا ولا ms1498 مسلما. ثم كتب الكتب وأرسلها إلى نوابه فأقبلوا، فعدهم فوجدهم خمسة وثمانين ألفا، ثم فتح الخزائن وفرق على الرجال الدروع وآلات السلاح، وسار بهم حتى وصلوا إلى إسبانير المدائن ونزلوا جميعهم قبال باب المدينة، فتقدم الكيلجان والقورجان وقبلا ركبة غريب وقالا: يا مولانا، اجبر قلوبنا واجعل هذا العسكر من قسمنا. فقال لهما: دونكما وإياهم. فعند ذلك طار الماردان حتى نزلا على سرادق وردشاه، فوجداه على كرسي عزه، وابن سابور جالس على يمينه، والمقدمون حوله صفان، وهم يتشاورون على قتل المسلمين؛ فتقدم الكيلجان وخطف ابن سابور، والقورجان خطف وردشاه وسارا بهما إلى غريب، فأمر بضربهما حتى غابا عن الوجود، ثم عاد الماردان وسحبا سيفين، كل سيف لا يقدر أحد أن يحمله، وحطا في الكفار وعجل الله بأرواحهم إلى النار وبئس القرار، فلم تنظر الكفار سوى سيفين يلمعان ويحصدان الرجال حصد الزرع ولا يرون أحدا، ففاتوا خيامهم وساروا على مجرد الخيل، فتبعاهم يومين وقد أفنيا منهم خلقا كثيرا، ورجع الماردان فقبلا يد غريب، فشكرهما على ما فعلا وقال لهما: غنيمة الكفار لكما وحدكما لا يشارككما فيها أحد. فدعوا له وانصرفا ولما أموالهما واطمأنا في أوطانهما. هذا ما كان من أمر غريب وقومه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 671 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن غريبا بعدما هزم عسكر وردشاه أمر الكيلجان والقورجان أن يأخذا أموالهم غنيمة، ولم يشاركهما فيها أحد، فجمعا أموالهما وقعدا في أوطانهما، وأما الكفار فإنهم لم يزالوا في هزيمتهم حتى وصلوا إلى شيراز، وأقاموا العزاء على من قتل منهم، وكان للملك وردشاه أخ اسمه سيران الساحر، ليس في زمانه أسحر منه، وكان منعزلا عن أخيه في حصن من الحصون كثير الأشجار والأنهار والأطيار والأزهار، وكان بينه وبين مدينة شيراز نصف يوم، فسار القوم المنهزمون إلى الحصن ودخلوا على سيران الساحر وهم باكون صارخون، فقال لهم: ما أبكاكم يا قوم؟ فأعلموه بالخبر وكيف خطف الماردان أخاه وردشاه وابن سابور، فلما سمع سيران هذا الكلام صار ms1499 الضياء في وجهه ظلاما وقال: وحق ديني لأقتلن غريبا ورجاله، ولا أترك منهم ديارا ولا من يرد الأخبار. ثم إنه تلا كلمات وطلب الملك الأحمر، فحضر فقال له: امض إلى إسبانير المدائن واهجم على غريب وهو جالس على سريره. فقال له: سمعا وطاعة. # ثم إنه سار حتى وصل إلى الملك غريب، فلما رآه غريب سحب سيفه الماحق وحمل عليه، وكذلك الكيلجان والقورجان وقصدا عسكر الملك الأحمر، فقتلوا منهم خمسمائة وثلاثين، وجرحوا الملك الأحمر جرحا بالغا، فولى هاربا وولى قومه مجروحين، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا حصن الفواكه، ودخلوا على سيران الساحر وهم يدعون بالويل والثبور، فقالوا له: يا حكيم، إن غريبا معه سيف يافث بن نوح المطلسم، فكل من ضربه به قصمه، ومعه ماردان من جبل قاف قد أعطاه إياهما الملك مرعش، وهو الذي قتل برقان حين دخل جبل قاف، وقتل الملك الأزرق وأفنى من الجن شيئا كثيرا. فلما سمع الساحر كلام الملك الأحمر قال له: امض. فمضى إلى حال سبيله، ثم إن الساحر عزم وأحضر ماردا اسمه زعازع، وأعطاه قدر درهم بنج طيار وقال: امض إلى إسبانير المدائن واقصد قصر غريب، وتصور في صورة عصفور، وارصده حتى ينام ولا يبقى عنده أحد، فخذ البنج وحطه في أنفه وائتني به. فقال: سمعا وطاعة. وسار حتى وصل إلى إسبانير المدائن وقصد قصر غريب وهو في صورة عصفور، وقعد في طاقة من طيقان القصر، وصبر حتى دخل الليل وذهب الملوك إلى مراقدهم، ونام غريب على تخته، وصبر المارد حتى نام غريب، فنزل وأخرج البنج المطحون وذره في أنفه فخمدت أنفاسه، فلفه في ملاءة الفرش وحمله ومرق به مثل الريح العاصف، فما جاء نصف الليل إلا وهو في حصن الفواكه، ودخل به على سيران الساحر، فشكره على فعله وأراد أن يقتله وهو في حالة تبنيجه فنهاه رجل من قومه عن قتله وقال له: يا حكيم، إنك إن قتلته أخرب ديارنا الجان؛ لأن الملك مرعش صاحبه يحمل علينا بكل عفريت عنده. قال له: وما ms1500 نصنع به؟ فقال: ارمه في جيحون وهو مبنج، فلا يدري من رماه، ويغرق ولا يعلم به أحد. فأمر المارد أن يحمل غريبا ويرميه في جيحون. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 672 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المارد حمل غريبا وأتى به إلى جيحون، فأراد أن يرميه في جيحون فلم يهن عليه، فعمل رومس خشب وربطه بالحبال، ودفع الرومس بغريب في التيار، فأخذه التيار وراح. هذا ما كان من أمر غريب، وأما قومه فإنهم أصبحوا يقصدون خدمته فلم يجدوه، ووجدوا سبحته على تخته، وانتظروه أن يخرج فما خرج، فطلبوا الحاجب وقالو له: ادخل إلى الحريم وانظر الملك، فإنه ما له عادة أن يغيب إلى هذا الوقت. فدخل الحاجب وسأل من في الحريم فقالوا له: من البارحة ما رأيناه. فرجع إليهم الحاجب وأخبرهم بذلك، فتحيروا وقال بعضهم لبعض: ننظر أن يكون راح ليتنزه نحو البساتين. ثم إنهم سألوا البساتينية: هل الملك مر عليكم؟ فقالوا: ما رأيناه. فاغتموا وفتشوا جميع البساتين ورجعوا آخر النهار باكين، وطاف الكيلجان والقورجان يفتشان عليه في المدينة، فلم يعرفا له خبرا وعادا بعد ثلاثة أيام، فلبس القوم السواد، وشكوا لرب العباد، الذي يفعل ما أراد. # فهذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر غريب، فإنه صار ملقى على الرومس وهو يجري به في التيار خمسة أيام، ثم قذفه التيار في البحر المالح، فلعبت به الأمواج واختض باطنه فخرج منه البنج، ففتح عينيه فوجد نفسه في وسط البحر والأمواج تلعب به، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا ترى من فعل بي هذا الفعل؟ فبينما هو متحير في أمره، وإذا بمركب سائرة، فلوح للركاب بكمه فأتوه وأخذوه، ثم قالوا له: من تكون؟ ومن أي البلاد أنت؟ فقال لهم: أطعموني واسقوني حتى ترد لي روحي وأقول لكم من أنا. فأتوه بالماء والزاد، فأكل وشرب ورد الله عليه عقله، فقال: يا قوم، ما جنسكم؟ وما دينكم؟ فقالوا: نحن من الكرج، ms1501 ونعبد صنما اسمه منقاش. فقال لهم: تبا لكم ولمعبودكم يا كلاب، ما يعبد إلا الله الذي خلق كل شيء ويقول للشيء كن فيكون. فعندها قاموا عليه بقوة وجنون، وأرادوا القبض عليه وهو بلا سلاح، فصار كل من لكمه رماه وأعدمه الحياة، فبطح أربعين رجلا، فتكاثروا عليه وشدوا وثاقه وقالوا: ما نقتله إلا في أرضنا حتى نعرضه على الملك. ثم ساروا حتى وصلوا إلى مدينة الكرج. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 673 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أهل المركب لما قبضوا على غريب وكتفوه قالوا: ما نقتله إلا في أرضنا. ثم ساروا إلى مدينة الكرج، وكان الذي بناها عملاقا جبارا، وقد جعل على كل باب من أبوابها شخصا من نحاس بالحكمة، فإذا دخل المدينة أحد غريب يصيح ذلك الشخص بالبوق، فيسمعه كل من في المدينة، فيمسكونه ويقتلونه إن لم يدخل في دينهم، فلما دخل غريب صاح ذلك الشخص صيحة عظيمة، وصرخ حتى أفزع قلب الملك، فقام ودخل على صنمه فوجد النار والدخان يخرجان من فيه وأنفه وعينيه، وكان الشيطان دخل في الصنم ونطق على لسانه وقال: يا ملك، قد وقع لك واحد اسمه غريب، وهو ملك العراق، وهو يأمر الناس أن يتركوا دينهم ويعبدوا ربه، فإذا دخلوا عليك به فلا تبقه. فخرج الملك وجلس على تخته، وإذا بهم قد دخلوا بغريب، ثم أوقفوه بين يدي الملك وقالوا: يا ملك، قد وجدنا هذا الغلام كافرا بآلهتنا، ووجدناه غريقا. وحكوا له حكايات غريب، فقال: اذهبوا به إلى بيت الصنم الكبير وانحروه أمامه، لعله يرضى عنا. فقال الوزير: يا ملك، نحره ما هو مليح، فإنه يموت في ساعة. فقال: نحبسه ونجمع الحطب ونطلق فيه النار. فجمعوا الحطب وأطلقوا فيه النار إلى الصباح، وخرج الملك وخرج أهل المدينة وأمروا بإحضار غريب، فذهبوا إليه ليحضروه فلم يجدوه، فعادوا وأعلموا الملك بهروبه، فقال: وكيف هرب؟ قالوا: وجدنا السلاسل والقيود مرمية والأبواب مغلقة. فتعجب الملك وقال: هل هذا في السماء طار، أو ms1502 في الأرض غار؟ فقالوا: لا نعلم. ثم قال: أنا أمضي إلى إلهي وأساله عنه، فإنه يخبرني أين مضى. ثم إنه قام وقصد الصنم ليسجد له فلم يجده، فصار يمعك عينيه ويقول: هل أنت نائم أم يقظان؟ والتفت إلى وزيره وقال: يا وزير، أين إلهي وأين الأسير؟ وحق ديني يا كلب الوزراء لولا أنك أشرت علي بحرقه لكنت نحرته، فهو الذي سرق إلهي وهرب، ولا بد أن آخذ ثأره. ثم سحب سيفه وضرب الوزير فقطع رقبته. # وكان لرواح غريب والصنم سبب عجيب، وذلك أنه لما حبس غريبا في المخدع، قعد بجانب القبة التي فيها الصنم، فقام غريب لذكر الله تعالى وطلب من الله عز وجل، فسمعه المارد الموكل بالصنم الناطق على لسانه، فخشع قلبه وقال: يا خجلتاه من الذي يراني ولا أراه! ثم إنه تقدم إلى غريب وانكب على قدميه وقال: يا سيدي، ما الذي أقول حتى أصير من حزبك وأدخل في ملتك؟ قال: تقول لا إله إلا الله، إبراهيم خليل الله. فنطق المارد بالشهادة فكتب من أهل السعادة، وكان اسم المارد زلزال بن المزلزل، وأبوه من كبار ملوك الجان، ثم إنه حل غريبا من القيود وحمله الصنم وقصد الجو الأعلى. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 674 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المارد لما حمل غريبا وحمل الصنم، قصد الجو الأعلى. هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر الملك، فإنه لما دخل يسأل الصنم عن غريب لم يجده، وجرى ما جرى من أمر الوزير وقتله، فلما رأى جند الملك ما جرى، أنكروا عبادة الصنم وسحبوا سيوفهم وقتلوا الملك وحملوا على بعضهم، ودار السيف بينهم ثلاثة أيام حتى أفنوا بعضهم، ولم يبق سوى رجلين، فتقوى أحدهما على الآخر فقتله، ووثب الصبيان على ذلك الرجل فقتلوه، ودقوا في بعضهم حتى هلكوا عن آخرهم، وهجمت النساء والبنات وقصدوا القرى والحصون، وصارت المدينة خالية لا يسكنها إلا البوم. # هذا ما جرى لهم، وأما ما كان من ms1503 أمر غريب، فإنه لما حمله زلزال بن المزلزل وقصد به بلاده، وهي جزائر الكافور وقصر البلور والعجل المسحور، وكان الملك المزلزل عنده عجل أبلق قد ألبسه الحلي والحلل المنسوجة بالذهب الأحمر واتخذه إلها، فدخل المزلزل يوما هو وقومه على عجله فوجده منزعجا، فقال له: يا إلهي، ما الذي أزعجك؟ فصاح الشيطان في جوف العجل وقال: يا مزلزل، إن ابنك صبأ إلى دين الخليل إبراهيم، على يد غريب صاحب العراق. ثم حدثه بما جرى من أوله إلى آخره، فلما سمع كلام العجل خرج متحيرا، وجلس على كرسي مملكته وطلب أرباب دولته فحضروا، فحكى لهم ما سمعه من الصنم، فتعجبوا من ذلك وقالوا: ما نفعل يا ملك؟ قال: إذا حضر ولدي ورأيتموني أعتنقه فاقبضوه عليه. فقالوا: سمعا وطاعة. ثم بعد يومين دخل زلزال على أبيه ومعه غريب وصنم ملك الكرج، فلما دخل من باب القصر هجموا عليه وعلى غريب، وقبضوا عليهما وأوقفوهما قدام الملك المزلزل، فنظر لابنه بعين الغضب وقال له: يا كلب الجان، هل فارقت دينك ودين آبائك وأجدادك؟ قال له: دخلت في دين الحق، وأنت يا ويلك، فأسلم تسلم من غضب الملك الجبار، خالق الليل والنهار. فغضب الملك على ولده وقال له: يا ولد الزنا، أتواجهني بهذا الكلام؟ ثم إنه أمر بحبسه فحبسوه، ثم التفت إلى غريب وقال له: يا قطاعة الإنس، كيف لعبت بعقل ولدي وأخرجته من دينه؟ فقال غريب: أخرجته من الضلال إلى الهدى، ومن النار إلى الجنة، ومن الكفر إلى الإيمان. فصاح الملك على مارد اسمه سيار وقال له: خذ هذا الكلب وضعه في وادي النار حتى يهلك. وذلك الوادي من فرط حره والتهاب جمره، كل من نزل فيه هلك ولا يعيش ساعة، ومحيط بذلك الوادي جبل عال أملس ليس فيه منفذ، فتقدم الملعون سيار وحمل غريبا وطار به وقصد الربع الخراب من الدنيا حتى صار بينه وبين الوادي ساعة واحدة، وقد تعب العفريت بغريب فنزله في وادي ذي أشجار وأنهار وأثمار، فلما نزل المارد وهو تعبان، ms1504 نزل غريب من على ظهره وهو مكبل، وحين نام المارد من التعب وشخر، عالج غريب في قيده حتى حله، وأخذ حجرا ثقيلا وألقاه فوق رأسه، فهشم عظامه فهلك لوقته، ومضى غريب في ذلك الوادي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 675 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن غريبا لما قتل المارد مضى في ذلك الوادي فوجده في جزيرة في وسط البحر، وتلك الجزيرة واسعة وفيها جميع الفواكه مما تشتهيه الشفة واللسان، فصار غريب يأكل من أثمارها ويشرب من أنهارها، ومضت عليه فيها السنون والأعوام، وصار يأخذ من السمك ويأكل، ولم يزل على هذه الحالة منفردا وحده سبع سنين، فبينما هو ذات يوم جالس إذ نزل عليه من الجو ماردان، مع كل مارد رجل، وقد نظروا إلى غريب فقالوا له: ما تكون يا هذا؟ ومن أي القبائل أنت؟ وكان غريب قد طال شعره فحسبوه من الجن، فسألوه عن حاله فقال لهم: ما أنا من الجن. ثم أخبرهم بما جرى له من أوله إلى آخره. فحزنوا عليه، فقال عفريت منهما: استمر مكانك حتى نؤدي هذين الخروفين إلى ملكنا يتغدى بواحد ويتعشى بواحد، ونعود إليك ونؤديك إلى بلادك. فشكرهما غريب وقال لهما: أين الخروفان اللذان معكما؟ فقال: هذان الآدميان. فقال غريب: استجرت بإله إبراهيم الخليل، رب كل شيء وهو على كل شيء قدير. # ثم إنهما طارا وقعد غريب ينتظر المارد، فبعد يومين أتاه ذلك المارد بكسوة فستره وحمله وطار به إلى الجو الأعلى حتى غاب عن الدنيا، فسمع غريب تسبيح الملائك في الهواء، فأصاب المارد منهم سهم من نار، فهرب وقصد الأرض حتى بقي بينه وبين الأرض رمية رمح وقد قرب السهم منه وأدركه، فنهض غريب ونزل عن كاهله ولحقه السهم فصار رمادا، ولم يكن نزول غريب إلا في البحر، فغطس مقدار قامتين وطلع، فعام ذلك اليوم وليلته وثاني يوم حتى ضعفت نفسه وأيقن بالموت، فما جاء اليوم الثالث إلا وقد يئس من الحياة، فبان له جبل شامخ فقصده ms1505 وطلعه ومشى فيه، وتقوت من نبات الأرض واستراح يوما وليلة، ثم طلع من أعلى الجبل ونزل من خلفه وسار يومين، فوصل إلى مدينة ذات أشجار وأنهار وأسوار وأبراج، فلما وصل إلى أبواب المدينة قام إليه البوابون وقبضوا عليه وأتوا به إلى ملكتهم، وكان اسمها جانشاه، وكان لها من العمر خمسمائة سنة، وكل من دخل مدينتها يعرضونه عليها، فتأخذه وتراقده فلما يفرغ عمله تقتله، وقد قتلت ناسا كثيرا، فلما أتوا بغريب إليها أعجبها، فقالت له: ما اسمك؟ وما دينك؟ ومن أي البلاد أنت؟ فقال: اسمي غريب ملك العراق وديني الإسلام. فقالت له: اخرج من دينك في ديني وأنا أتزوج بك وأجعلك ملكا. فنظر غريب إليها بعين الغضب وقال لها: تبا لك ولدينك. صاحت عليه وقالت له: أتسب صنمي وهو من العقيق الأحمر، مرصع بالدر والجواهر؟ ثم إنها قالت: يا رجال، احبسوه في قبة الصنم لعله يلين قلبه. فحبسوه في قبة الصنم وقفلوا عليه الأبواب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 676 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنهم لما أخذوا غريبا وحبسوه في قبة الصنم، وأغلقوا عليه الأبواب ومضوا إلى حال سبيلهم، نظر غريب إلى الصنم وهو من العقيق الأحمر، وفي عنقه قلائد الدر والجوهر، فتقدم غريب إلى الصنم وحمله وضرب به الأرض فصار هشيما؛ ونام حتى طلع النهار. فلما أصبح الصباح جلست الملكة على سريرها وقالت: يا رجال، ائتوني بالأسير. فساروا إلى غريب وفتحوا القبة ودخلوا فوجدوا الصنم مكسورا، فلطموا على وجوههم حتى نزل الدم من آماق عيونهم، ثم تقدموا إلى غريب ليمسكوه، فلكم منهم واحدا فمات، وآخر فقتله حتى قتل خمسة وعشرين وهرب الباقي، فدخلوا على الملكة جانشاه وهم صارخون، فقالت لهم: ما الخبر؟ قالوا لها: إن الأسير كسر صنمك وقتل رجالك. وأخبروها بما كان، فرمت تاجها على الأرض وقالت: ما بقي للأصنام قيمة. ثم إنها ركبت في ألف بطل وقصدت بيت الصنم، فوجدت غريبا قد خرج من القبة وقد أخذ سيفا وصار يقتل الأبطال ويجندل ms1506 الرجال، فنظرت جانشاه إلى غريب وشجاعته وغرقت في محبته وقالت: ليس لي حاجة بالصنم، وما مرادي إلا هذا الغريب يرقد في حضني بقيمة عمري. # ثم إنها قالت لرجالها: ابعدوا عنه وانعزلوا. ثم إنها تقدمت وهمهمت، فوقف ذراع غريب وارتخت سواعده وسقط السيف من يده، فمسكوه وكتفوه ذليلا حقيرا متحيرا، ثم رجعت جانشاه وجلست على سرير ملكها، وأمرت قومها بالانصراف، واختلت به في المكان فقالت له: يا كلب العرب، أتكسر صنمي وتقتل رجالي؟ فقال لها: يا ملعونة، لو كان إلها لمنع عن نفسه؟ فقالت له: ضاجعني وأنا أترك لك ما صنعت؟ فقال لها: ما أفعل شيئا من ذلك. فقالت: وحق ديني لأعذبنك عذابا شديدا. ثم إنها أخذت ماء وعزمت عليه ورشته عليه فصار قردا، وصارت تطعمه وتسقيه، ثم حبسته في مخدع ووكلت به من يقوم به سنتين، ثم دعته يوما من الأيام فأحضرته إليها وقالت: أتسمع مني؟ فقال لها برأسه: نعم. ففرحت وخلصته من السحر وقدمت له الأكل، فأكل معها ولاعبها وقبلها فاطمأنت له، وأقبل الليل فرقدت وقالت له: قم اعمل شغلك. فقال لها: نعم. ثم ركب على صدرها وقبض على رقبتها فكسرها، ولم يقم عنها حتى خرجت روحها، ثم نظر إلى خزانة مفتوحة فدخلها، فوجد فيها سيفا مجوهرا ودرقة من الحديد الصيني، فلبس كامل العدة وصبر إلى الصباح، ثم خرج ووقف على باب القصر، فأقبل الأمراء وأرادوا أن يدخلوا إلى الخدمة، فوجدوا غريبا وهو لابس آلة الحرب، فقال لهم: يا قوم، اتركوا عبادة الأصنام واعبدوا الملك العلام، خالق الليل والنهار، رب الآنام ومحيي العظام، وخالق كل شيء وهو على كل شيء قدير. فلما سمع الكفار ذلك الكلام هجموا عليه، فحمل عليهم كأنه أسد كاسر، فجال فيهم وقتل خلقا كثيرا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 677 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن غريبا لما حمل على الكفار قتل منهم خلقا كثيرا، وهجم الليل وهم يتكاثرون عليه وكلهم سعوا له وأرادوا أن يأخذوه، وإذا هو بألف مارد ms1507 قد هجموا على الكفار بألف سيف ورئيسهم زلزال بن المزلزل، وهو في أولهم، فأعملوا فيهم السيف البتار، وأسقوهم كأس البوار، وعجل الله تعالى بأرواحهم إلى النار، ولم يبقوا من قوم جانشاه من يرد الأخبار، فصاح الأعوان: الأمان الأمان. وآمنوا بالملك الديان، الذي لا يشغله شأن عن شأن، مبيد الأكاسرة ومفني الجبابرة، ورب الدنيا والآخرة. ثم سلم زلزال على غريب وهنأه بالسلامة، فقال له غريب: من أعلمك بحالي؟ فقال: يا مولاي، لما حبسني أبي وأرسلك إلى وادي النار، أقمت في الحبس سنتين ثم أطلقني، فأقمت بعد ذلك ثم عدت إلى ما كنت عليه، فقتلت أبي وأطاعتني الجنود، ولي سنة وأنا أحكم عليهم، فنمت وأنت في خاطري فرأيتك في المنام وأنت تقاتل قوم جانشاه، فأخذت هؤلاء الألف مارد وأتيت إليك. # ![fig12](../Images/figure12.png) # ثم رجعت «جانشاه» وجلست على سرير ملكها، وأمرت قومها بالانصراف. # فتعجب غريب من هذا الاتفاق، ثم أخذ أموال جانشاه وأموال قومه ونصب على المدينة حاكما، وحملت المردة الأموال وغريبا وما باتوا ليلتهم إلا في مدينة زلزال، واستضيف غريب عند زلزال ستة أشهر، ثم أراد الرواح، فأحضر زلزال الهدايا وبعث ثلاثة آلاف مارد، فجاءوا بالمال من مدينة الكرج ووضعوه على أموال جانشاه، ثم أمرهم أن يحملوا الهدايا والأموال، وحمل زلزال غريبا وقصدوا مدينة إسبانير المدائن، فما جاء نصف الليل إلا وهم فيها، فنظر غريب فرأى المدينة محصورة محيطا بها عسكر جرار مثل البحر الزاخر، فقال غريب لزلزال: يا أخي، ما سبب هذه المحاصرة؟ ومن أين هذا العسكر؟ ثم نزل غريب على سطح القصر ونادى: يا كوكب الصباح، يا مهدية. فقامتا من نومهما مدهوشتين وقالتا: من ينادينا في هذا الوقت؟ قال: أنا مولاكما غريب صاحب الفعل العجيب. فلما سمع السيدتان كلام مولاهما فرحتا، وكذلك الجواري والخدم، ونزل غريب فترامين عليه وزلغطن، فدوى لهن القصر، فأتى المقدمون من مراقدهم وقالوا: ما الخبر؟ وطلعوا القصر وقالوا للطواشية: هل ولدت واحدة من الجواري؟ قالوا: لا، ولكن أبشروا فقد وصل إليكم الملك غريب. ففرح الأمراء وسلم غريب على ms1508 الحريم وخرج إلى أصحابه، فتراموا عليه وقبلوا يديه ورجليه، وحمدوا الله تعالى وأثنوا عليه، وقعد غريب على سريره ونادى أصحابه، فحضروا وجلسوا حوله، فسألهم عن العسكر النازلين عليهم، فقالوا: يا ملك، إن لهم ثلاثة أيام من حين نزلوا علينا ومعهم جن وإنس، وما ندري ما يريدون، وما وقع بيننا وبينهم قتال ولا كلام. فقال غريب: غدا نبعث إليهم كتابا وننظر ما يريدون. ثم قالوا: وملكهم اسمه مرادشاه، وتحت يده مائة ألف فارس، وثلاثة آلاف راجل، ومائتان من أرهاط الجان. وكان لمجيء هذا العسكر سبب عظيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 678 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كان لمجيء هذا العسكر ونزوله على مدينة إسبانير سبب عظيم، وذلك أنه لما بعث الملك سابور ابنته مع اثنين من قومه وقال لهم: غرقاها في جيحون. فخرجا بها وقالا لها: امض إلى حال سبيلك ولا تظهري لأبيك فيقتلنا ويقتلك. فهجت فخرتاج وهي حيرانة لا تعرف أين تتوجه وقالت: أين عينك يا غريب تنظر حالي والذي أنا فيه؟ ولم تزل سائرة من أرض إلى أرض، ومن واد إلى واد، حتى مرت بواد كثير الأشجار والأنهار، وفي وسطه حصن مبني، عالي البنيان، مشيد الأركان كأنه روضة من الجنان، فتنحت فخرتاج إلى الحصن ودخلته فوجدته مفروشا بالبسط الحرير، وفيه من أواني الذهب والفضة شيء كثير، ووجدت فيه مائة جارية من الجواري الحسان، فلما نظرت الجواري فخرتاج، قمن إليها وسلمن عليها وهن يحسبن أنها من جواري الجن، فسألنها عن حالها فقالت لهن: أنا بنت ملك العجم. وحكت لهم ما جرى لها، فلما سمعت الجواري هذا الكلام حزن عليها، ثم إنهن طيبن قلبها وقلن لها: طيبي نفسا، وقري عينا، ولك ما تأكلين وما تشربين وما تلبسين، وكلنا في خدمتك. فدعت لهن، ثم إنهن قدمن إليها الطعام فأكلت حتى اكتفت، وقالت فخرتاج للجواري: ومن صاحب هذا القصر والحاكم عليكم؟ قالوا: سيدنا الملك صلصال بن دال، وهو يأتي في كل شهر ليلة، ويصبح متوجها ليحكم ms1509 في قبائل الجان. # فأقامت عندهن فخرتاج خمسة أيام، فوضعت ولدا ذكرا مثل القمر، فقطعن سرته، وكحلن مقلته، وسمينه مرادشاه، فتربى في حجر أمه، وعن قليل أقبل الملك صلصال وهو راكب على فيل أبيض قرطاسي قدر البرج المشيد، وحوله طوائف الجان، ثم دخل القصر وتلقته المائة جارية وقبلن الأرض ومعهن فخرتاج، فنظر الملك فقال لجواريه: من تكون هذه الجارية؟ فقالوا له: بنت سابور ملك العجم والترك والديلم. فقال: من أتى بها إلى هذا المكان؟ فحكين له ما جرى لها، فحزن عليها وقال: لا تحزني واصبري حتى تربي ولدك ويكبر، ثم إني أسير إلى بلاد العجم وأقطع رأس أبيك من بين أكتافه، وأجلس لك ولدك على تخت العجم والترك والديلم. فقامت فخرتاج وقبلت يديه ودعت له، وقعدت تربي ولدها مع أولاد الملك، وصاروا يركبون الخيل ويسيرون إلى الصيد والقنص، فتعلم صيد الوحش وصيد السباع الضارية وظل يأكل من لحومها حتى صار قلبه من الحجر، فلما صار له من العمر خمسة عشر عاما، كبرت عنده نفسه، فقال لأمه: يا أماه، ومن هو أبي؟ فقالت: يا ولدي، أبوك غريب ملك العراق، وأنا بنت ملك العجم. ثم إنها حكت له ما جرى، فلما سمع كلامها قال: وهل أمر جدي بقتلك وقتل أبي؟ قالت: نعم. فقال لها: وحق ما لك علي من التربية لأسيرن إلى مدينة أبيك، وأقطع رأسه وأقدمها إلى حضرتك. ففرحت بقوله. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 679 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مرادشاه ابن فخرتاج، صار يركب مع المائتي مارد حتى إنه تربى معهم، وصاروا يشنون الغارات ويقطعون الطرقات، ولم يزالوا في سيرهم حتى أشرفوا على بلاد شيراز، فهجموا عليها، وهجم مرادشاه على قصر الملك، فرمى رأسه وهو على تخته، وقتل من جنده خلقا كثيرا، وصاح الباقي باللسان: الأمان الأمان. ثم إنهم قبلوا ركبة مرادشاه، فعدهم فوجدهم عشرة آلاف فارس، فركبوا في خدمته ثم ساروا إلى بلح، فقتلوا ملكها وأهلكوا جندها، وتملكوا أهلها وساروا إلى نورين، وقد ms1510 سار مرادشاه في ثلاثين ألف فارس، وقد خرج إليهم صاحب نورين طائعا، وقدم إليهم الأموال والتحف، وركب في ثلاثين ألف فارس وساروا قاصدين مدينة سمرقند العجم، فأخذوها وساروا إلى أخلاط فأخذوها، ثم ساروا ولم يصلوا إلى مدينة إلا أخذوها، وقد صار مرادشاه في جيش عظيم، والذي يأخذه من الأموال والتحف من المدائن يفرقه على الرجال، فحبوه لأجل شجاعته وكرمه. وقد وصل إلى إسبانير المدائن فقال: اصبروا حتى أحضر باقي عسكري وأقبض على جدي، وأحضره قدام أمي وأشفي قلبها بضرب عنقه. ثم إنه أرسل من يجيء بها، فلأجل هذا لم يحصل القتال ثلاثة أيام، وقد وصل غريب ومعه زلزال في أربعين ألف مارد، حاملين الأموال والهدايا، وسأل عن العسكر النازلين فقالوا: لا نعلم من أين هم، ولهم ثلاثة أيام لم يقاتلونا ولم نقاتلهم. ووصلت فخرتاج فاعتنقها ولدها مرادشاه وقال لها: اقعدي في خيمتك حتى أجيء لك بأبيك. فدعت له بالنصر من رب العالمين، رب السموات ورب الأرضين. # فلما أصبح الصباح ركب مرادشاه، والمائتا مارد على يمينه، وملوك الإنس على شماله، ودقوا طبول الحرب، فسمع غريب فركب وخرج ودعا قومه للحرب، ووقفت الجن على يمينه، والإنس على يساره، فبرز مرادشاه وهو غارق في عدة الحرب، فساق جواده يمينا وشمالا ثم نادى: يا قوم، لا يبرز لي إلا ملككم، فإن قهرني كان هو صاحب العسكرين، وإن قهرته قتلته مثل غيره. فلما سمع غريب كلام مرادشاه قال: اخسأ يا كلب العرب. ثم حملا على بعضهما، وتطاعنا بالرماح حتى تكسرت، وتضاربا بالسيوف حتى تثلمت، ولم يزالا في كر وفر وقرب وبعد حتى انتصف النهار، وقد وقعت الخيل من تحتهما، فنزلا على الأرض وقد قبضا بعضهما، فعند ذلك هجم مرادشاه على غريب وخطفه وعلقه، وأراد أن يضرب به الأرض، فقبض غريب على أذنيه وجدبهما بشدة، فحس مرادشاه أن السماء انطبقت على الأرض، فصاح بملء فمه وقال: أنا في جيرتك يا فارس الزمان. فكتفه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 680 # قالت: بلغني ms1511 أيها الملك السعيد، أن غريبا لما قبض على أذني مرادشاه وجذبهما فقال له: أنا في جيرتك يا فارس الزمان. فكتفه، فأراد المردة أصحاب مرادشاه أن يهجموا ويخلصوه، فحمل غريب بألف مارد وأرادوا أن يبطشوا بمردة مرادشاه، فصاحوا: الأمان الأمان. ورموا سلاحهم، فجلس غريب في سرادقه، وكان من الحرير الأخضر، مطرزا بالذهب الأحمر، مكللا بالدر والجوهر، ثم دعا بمرادشاه فأحضروه بين يديه وهو يحجل في القيود والأغلال، فلما نظر مرادشاه إلى غريب أطرق برأسه إلى الأرض من الحياء، فقال له غريب: يا كلب العرب، أي شيء وصفك حتى تركب وتضاهي الملوك؟ فقال: يا مولاي، لا تؤاخذني فإني معذور. قال له غريب: ما وجه عذرك؟ قال مرادشاه: يا مولاي، اعلم أني قد خرجت آخذ ثأر أبي وأمي من سابور ملك العجم، فإنه أراد قتلهما، فسلمت أمي وما أدري هل قتل أبي أم لا؟ فلما سمع غريب كلامه قال: والله إنك معذور، فمن هو أبوك؟ ومن هي أمك؟ وما اسم أبيك؟ وما اسم أمك؟ فقال: اسم أبي غريب ملك العراق، واسم أمي فخرتاج بنت سابور ملك العجم. فلما سمع غريب كلامه صرخ صرخة عظيمة ووقع مغشيا عليه، فرشوا عليه ماء الورد، فلما أفاق قال له: هل أنت ابن غريب من فخرتاج؟ قال: نعم. قال غريب: أنت فارس ابن فارس، حلوا القيود عن ولدي. فتقدم سهيم والكيلجان وحلا مرادشاه، واحتضن ولده وأجلسه في جانبه وقال له: أين أمك؟ قال: هي عندي في خيمتي. قال: ائتني بها. فركب مرادشاه إلى خيامه، فتلقاه أصحابه وفرحوا بسلامته، وسألوه عن حاله فقال: ما هذا وقت سؤال. ثم إنه دخل على أمه وحدثها بما جرى، ففرحت فرحا شديدا وأتى بها إلى أبيه، فتعانقا وفرحا ببعضهما، وأسلمت فخرتاج وأسلم مرادشاه، وعرضا على عسكرهما الإسلام فأسلموا جميعا قلبا ولسانا، وفرح غريب بإسلامهم، ثم أحضر الملك سابور ووبخه على فعاله هو وولده، وعرض عليهما الإسلام فأبيا، فصلبهما على باب المدينة. # ![fig13](../Images/figure13.png) # وأتى ب «فخرتاج» إلى أبيه «غريب»، فتعانقا وفرحا ببعضهما. # وزينوا المدينة وفرح ms1512 أهل المدينة وزينوها، وألبسوا مرادشاه التاج الكسروي، وجعلوه ملك العجم والترك والديلم، وبعث الملك غريب عمه الملك الدامغ ملكا على العراق، وقد أطاعته كل البلاد والعباد، وقعد غريب في مملكته يعدل في الرعية، وقد أحبه الخلق أجمعون. ولم يزالوا في أرغد عيش إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، فسبحان من يدوم عزه وبقاؤه، وعلى خلقه جلت آلاؤه. وهذا ما بلغنا من حكاية غريب وعجيب. ### || حكاية عتبة وريا # وحكي أيضا أن عبد الله بن معمر القيسي قال: حججت سنة إلى بيت الله الحرام، فلما قضيت حجي عدت إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما أنا ذات ليلة جالس في الروضة بين القبر والمنبر، إذ سمعت أنينا رقيقا بصوت رخيم، فأنصت إليه وإذا هو يقول: # أشجاك نوح حمائم السدر %~% فأهاج منك بلابل الصدر ~~أم ساء حالك ذكر غانية %~% أهدت إليك وساوس الفكر ~~يا ليلة طالت على دنف %~% يشكو الغرام وقلة الصبر ~~أسهرت من يصلى بحر جوى %~% متوقد كتوقد الجمر ~~فالبدر يشهد أنني كلف %~% صب بحب شبيهة البدر ~~ما كنت أحسب أنني كلف %~% حتى بليت وكنت لا أدري # ثم انقطع صوته ولم أدر من أين جاءني، فبقيت حائرا، وإذا به أعاد الأنين وأنشد يقول: # أشجاك من ريا خيال زائر %~% والليل مسود الذوائب # عاكر ~~واعتاد مقلتك الهوى # بسهاده %~% واهتاج مهجتك الخيال # الزائر ~~ناديت ليلي والظلام # كأنه %~% بحر تلاطم فيه موج زاخر ~~يا ليل طلت على محب ما # له %~% إلا الصباح مساعد ومؤازر ~~فأجابني لا تشكون إطالتي %~% إن الهوى لهو الهوان # الحاضر # قال: فنهضت إليه عند ابتداء الأبيات أقصد جهة الصوت، فما انتهى إلى آخر الأبيات إلا وأنا عنده، فرأيت غلاما في غاية الجمال لم ينبت عذاره، وقد خرق الدمع من وجنتيه خرقين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 681 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله بن معمر القيسي قال: فنهضت عند ابتداء الأبيات أقصد جهة الصوت، فما انتهى إلى آخر الأبيات إلا وأنا عنده، فرأيت ms1513 غلاما لم ينبت عذاره، وقد خرق الدمع من وجنتيه خرقين، فقلت له: نعمت غلاما. فقال: وأنت، فمن الرجل؟ قلت: عبد الله بن معمر القيسي. قال: أفلك حاجة؟ قلت له: كنت جالسا في الروضة، فما راعني هذه الليلة إلا صوتك، فبنفسي أفديك ما الذي تجده؟ قال: اجلس. فجلست، قال: أنا عتبة بن الجبان بن المنذر بن الجموح الأنصاري، عدوت إلى مسجد الأحزاب فبقيت راكعا وساجدا، ثم اعتزلت أتعبد، وإذا بنسوة يتهادين كالأقمار، وفي وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة، فوقفت علي وقالت: يا عتبة، ما تقول في وصل من يطلب وصلك؟ ثم تركتني وذهبت، فلم أسمع لها خبرا ولا وقعت لها على أثر، وها أنا حيران أنتقل من مكان إلى مكان. ثم صرخ وانكب على الأرض مغشيا عليه. ثم أفاق كأنما صبغت ديباجة خديه بورس، وأنشأ يقول هذه الأبيات: # أراكم بقلبي من بلاد بعيدة %~% تراكم تروني بالقلوب على # بعد ~~فؤادي وطرفي يأسفان عليكم %~% وعندكم روحي وذكركم عندي ~~ولست ألذ العيش حتى أراكم %~% ولو كنت في الفردوس أو جنة # الخلد # فقلت له: يا عتبة يا ابن أخي، تب إلى ربك واستغفر من ذنبك، فإن بين يديك هول الموقف. فقال: هيهات ما أنا سائل حتى يئوب القارظان. ولم أزل معه حتى طلع الفجر، فقلت له: قم بنا إلى المسجد. فجلسنا فيه حتى صلينا الظهر، وإذا بالنسوة قد أقبلن، وأما الجارية فليست فيهن، فقلن: يا عتبة، ما ظنك بطالبة وصلك؟ قال: وما بالها؟ قلن: أخذها أبوها وارتحل إلى السماوة. فسألتهن عن اسم الجارية فقلن: ريا بنت الغطريف السليمي. فرفع رأسه وأنشد هذين البيتين: # خليلي ريا قد أجد بكورها %~% وسارت إلى أرض السماوة # عيرها ~~خليلي إني قد غشيت من # البكا %~% فهل عند غيري عبرة # أستعيرها # فقلت له: يا عتبة، إني وردت بمال جزيل أريد به ستر أهل المروة، والله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضى، فقم بنا إلى مجلس الأنصار. فقمنا حتى أشرفنا على ملئهم، فسلمت عليهم فأحسنوا الرد، ثم قلت: أيها الملأ، ما ms1514 تقولون في عتبة وأبيه؟ فقالوا: من سادات العرب. قلت: اعلموا أنه رمي بداهية الهوى، فأريد منكم المساعدة إلى السماوة. قالوا: سمعا وطاعة. فركبنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على مكان بني سليم، فعلم الغطريف بمكاننا، فخرج مبادرا واستقبلنا وقال: حييتم يا كرام. فقلنا له: وأنت حييت، إنا لك أضياف. فقال: نزلتم بأكرم منزل رحب. فنزل ثم نادى: يا معشر العبيد، انزلوا. فنزلت العبيد، وفرشت الأنطاع والنمارق، وذبحت النعم والغنم. فقلنا: نحن لا نذوق طعامك حتى تقضي حاجتنا. قال: وما حاجتكم؟ قلنا: نخطب ابنتك الكريمة لعتبة بن الجبان بن المنذر، العالي الفخر، الطيب العنصر. فقال: يا إخواني، إن التي تخطبونها أمرها لنفسها، وأنا أدخل وأخبرها. ثم نهض مغضبا ودخل إلى ريا، فقالت: يا أبت، ما لي أرى الغضب بائنا عليك؟ فقال: ورد علي قوم من الأنصار يخطبونك مني؟ فقالت: سادات كرام، استغفر لهم النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فلمن الخطبة فيهم؟ فقال لها: لفتى يعرف بعتبة بن الجبان. قالت: سمعت عتبة هذا، إنه يفي بما وعد ويدرك ما طلب. فقال: أقسمت لا أزوجنك به أبدا، فقد نما إلي بعض حديثك معه. قالت: ما كان ذلك، ولكن أقسمت أن الأنصار لا يردون مردا قبيحا، فأحسن لهم الرد. قال: بأي شيء؟ قالت: أغلظ عليهم المهر، فإنهم يرجعون. قال: ما أحسن ما قلت! ثم خرج مبادرا فقال: إن فتاة الحي قد أجابت، ولكن تريد لها مهر مثلها، فمن القائم به؟ قال عبد الله: فقلت: أنا. قال: أريد لها ألف أسورة من الذهب الأحمر، وخمسة آلاف درهم من ضرب هجر، ومائة ثوب من الأبراد والحبر، وخمسة أكرشة من العنبر. قال: قلت لك ذلك، فهل أجبت؟ قال: أجبت. # فأنفذ عبد الله نفرا من الأنصار إلى المدينة المنورة، فأتوا بجميع ما ضمنه، وذبحت النعم والغنم، واجتمع الناس لأكل الطعام. قال: فأقمنا على هذا الحال أربعين يوما، ثم قال: خذوا فتاتكم. فحملناها على هودج وجهزها بثلاثين راحلة من التحف، ثم ودعنا وانصرف، وسرنا حتى بقي بيننا وبين المدينة ms1515 المنورة مرحلة. ثم خرجت علينا خيل تريد الغارة، وأحسب أنها من بني سليم، فحمل عليها عتبة بن الجبان، فقتل عدة رجال وانحرف وبه طعنة ثم سقط إلى الأرض، وأتتنا النصرة من سكان تلك الأرض، فطردوا عنا الخيل وقد قضى عتبة نحبه. وقلنا: وا عتبتاه! فسمعت الجارية ذلك، فألقت نفسها من فوق البعير، وانكبت عليه وجعلت تصيح بحرقة وتقول هذه الأبيات: # تصبرت لا كوني صبرت وإنما %~% أعلل نفسي أنها بك لاحقه ~~ولو أنصفت روحي لكانت إلى # الردى %~% أمامك من دون البرية سابقه ~~فما أحد بعدي وبعدك منصف %~% خليلا ولا نفس لنفس موافقه # ثم شهقت شهقة واحدة وانقضى نحبها، فحفرنا لهما قبرا واحدا، وواريناهما في التراب، ورجعت إلى ديار قومي وأقمت سبع سنين، ثم عدت إلى الحجاز ودخلت المدينة المنورة للزيارة، فقلت: والله لأعودن إلى قبر عتبة. فأتيت إليه فإذا هو عليه شجرة عالية، عليها عصائب حمر وصفر وخضر. فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ فقالوا: شجرة العروسين. فأقمت عند القبر يوما وليلة وانصرفت، وكان آخر العهد به رحمه الله تعالى. ### || حكاية طلاق هند بنت النعمان # وحكي أيضا أن هند بنت النعمان كانت أحسن نساء زمانها، فوصف للحجاج حسنها وجمالها، فخطبها وبذل لها مالا كثيرا وتزوج بها، وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف درهم، فلما دخل بها مكث معها مدة طويلة، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي تنظر وجهها في المرآة وتقول: # وما هند إلا مهرة # عربية %~% سلالة أفراس تحللها بغل ~~فإن ولدت أنثى فلله # درها %~% وإن ولدت بغلا فجاء به # البغل # فلما سمع الحجاج ذلك انصرف راجعا ولم يدخل عليها، ولم تكن علمت به، فأراد الحجاج طلاقها، فبعث إليها عبد الله بن طاهر يطلقها، فدخل عبد الله بن طاهر عليها، فقال لها: يقول لك الحجاج أبو محمد، كان تأخر لك عليه من الصداق مائتا ألف درهم، وهي هذه حضرت معي، ووكلني في الطلاق. فقالت: اعلم يا ابن طاهر أننا كنا معا، والله ما فرحت به يوما قط، وإن ms1516 تفرقنا والله لا أندم عليه أبدا، وهذه المائتا ألف درهم لك بشارة بخلاصي من كلب ثقيف. ثم بعد ذلك بلغ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان خبرها، ووصف له حسنها وجمالها، وقدها واعتدالها، وعذوبة ألفاظها، وتغزل ألحاظها، فأرسل إليها يخطبها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 682 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان لما بلغه حسن الجارية وجمالها، أرسل إليها يخطبها، فأرسلت إليه كتابا تقول فيه: بعد الثناء على الله، والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد؛ فاعلم يا أمير المؤمنين أن الكلب ولغ في الإناء. فلما قرأ كتابها أمير المؤمنين ضحك من قولها، وكتب لها قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعا إحداهن بالتراب.» وقال: اغسلي القذى عن محل الاستعمال. فلما رأت كتاب أمير المؤمنين لم يمكنها المخالفة، وكتبت إليه تقول: بعد الثناء على الله تعالى، اعلم يا أمير المؤمنين، إني لا أجري العقد إلا بشرط، فإن قلت: ما الشرط؟ أقول: أن يقود الحجاج محملي إلى بلدك التي أنت فيها، ويكون حافيا بملبوسه الذي هو لابسه. فلما قرأ عبد الملك الكتاب ضحك ضحكا عاليا شديدا، وأرسل إلى الحجاج يأمره بذلك، فلما قرأ الحجاج رسالة أمير المؤمنين أجاب، ولم يخالف وامتثل الأمر، ثم أرسل الحجاج إلى هند يأمرها بالتجهيز، فتجهزت في محمل، وجاء الحجاج في موكبه حتى وصل إلى باب هند، فلما ركبت المحمل وركب حولها جواريها وخدمها، ترجل الحجاج وهو حاف، وأخذ بزمام البعير يقوده وسار بها، فصارت تسخر منه وتهزأ به وتضحك عليه مع بلانتها وجواريها، ثم إنها قالت لبلانتها: اكشفي لي ستارة المحمل. فكشفتها حتى قابل وجهها وجهه؛ فضحكت عليه، فأنشد هذا البيت: # فإن تضحكي يا هند ربة # ليلة %~% تركتك فيها تسهرين نواحا # فأجابته بهذين البيتين: # وما نبالي إذا أرواحنا سلمت %~% بما فقدناه من مال ومن نشب ~~فالمال مكتسب والعز مرتجع %~% إذا اشتفى المرء من داء ومن # عطب ms1517 # ولم تزل تضحك وتلعب إلى أن قربت من بلد الخليفة، فلما وصلت إلى البلد رمت من يدها دينارا على الأرض، وقالت له: يا جمال، إنه قد سقط منا درهم فانظره، وناولنا إياه. فنظر الحجاج إلى الأرض، فلم ير إلا دينارا، فقال لها: هذا دينار. فقالت له: بل هو درهم. فقال لها: بل دينار. فقالت: الحمد لله الذي عوضنا بالدرهم الساقط دينارا، فناولنا إياه. فخجل الحجاج من ذلك، ثم إنه أوصلها إلى قصر أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، ودخلت عليه وكانت محظية عنده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 683 ### || حكاية خزيمة بن بشر وعكرمة الفياض # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كان في أيام أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك رجل يقال له: خزيمة بن بشر من بني أسد، كان له مروءة ظاهرة ونعمة وافرة وفضل وبر بالإخوان، فلم يزل على ذلك الحال حتى أقعده الدهر فاحتاج إلى إخوانه الذين كان يتفضل عليهم ويواسيهم، فواسوه حينا ثم ملوا به؛ فلما لاح له تغيرهم عليه ذهب إلى امرأته، وكانت ابنة عمه، فقال لها: يا ابنة عمي، قد رأيت من إخواني تغيرا وقد عزمت على أن ألزم بيتي إلى أن يأتيني الموت. فأغلق بابه عليه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد وصار حائرا، وكان يعرفه عكرمة الفياض الربعي متولي الجزيرة، فبينما هو في مجلسه إذ ذكر خزيمة بن بشر فقال عكرمة الفياض: ما حاله؟ فقالوا له: قد صار إلى أمر لا يوصف، وإنه أغلق بابه ولزم بيته. فقال عكرمة الفياض: إنما حصل له ذلك لشدة كرمه، وكيف لم يجد خزيمة بن بشر مواسيا ولا موافيا؟ فقالوا: إنه لم يجد شيئا من ذلك. فلما جاء الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس واحد، ثم أمر بإسراج دابته وخرج سرا من أهله وركب ومعه غلام من غلمانه يحمل المال، ثم سار حتى وقف بباب خزيمة، فأخذ الكيس من غلامه ثم أبعده عنه وتقدم إلى الباب فدفعه بنفسه، ms1518 فخرج إليه خزيمة، فناوله الكيس وقال له: أصلح بهذا شأنك. فأخذه فرآه ثقيلا، فوضعه عن يده ومسك بلجام الدابة وقال له: من أنت؟ جعلت نفسي فداك. فقال له عكرمة: يا هذا، ما جئتك في مثل هذا الوقت وأريد أن تعرفني؟ قال: فما أقيلك حتى تعرفني من أنت؟ فقال: أنا جابر عثرات الكرام. قال: فزدني. قال: لا. ثم مضى ودخل خزيمة بالكيس إلى ابنة عمه فقال لها: أبشري فقد أتى الله بالفرج القريب والخير، فإن كان هذا دراهم فإنها كثيرة، قومي فاسرجي. قالت: لا سبيل إلى السراج. فبات يلمسها بيده فيجد خشونة الدنانير فلا يصدق أنها دنانير. # وأما عكرمة فإنه رجع إلى منزله، فوجد امرأته قد تفقدته وسألت عنه فأخبرت بركوبه، فأنكرت ذلك عليه وارتابت منه وقالت له: إن والي الجزيرة لا يخرج بعد مدة من الليل منفردا عن غلمانه في سر من أهله إلا إلى زوجة أو سرية. فقال لها: علم الله أني ما خرجت في واحدة منهما. فقالت: أخبرني فيم خرجت؟ قال لها: ما خرجت من هذا الوقت إلا لأجل ألا يعلم به أحد. قالت: لا بد من إخباري. قال: هل تكتمينه إذا قلت لك؟ قالت: نعم. فأخبرها بالقصة على وجهها وما كان من أمره، ثم قال لها: أتحبين أن أحلف لك أيضا. قالت: لا، لا، فإن قلبي قد سكن وركن إلى ما ذكرت. # وأما خزيمة فإنه لما أصبح صالح الغرماء وأصلح حاله، ثم تجهز يريد سليمان بن عبد الملك، وكان نازلا يومئذ بفلسطين؛ فلما وقف ببابه واستأذن حجابه، دخل الحاجب فأخبره بمكانه، وكان مشهورا بالمروءة، وكان سليمان به عارفا فأذن له في الدخول، فلما دخل سلم عليه سلام الخلافة، فقال له سليمان بن عبد الملك: يا خزيمة، ما أبطأك عنا؟ قال: سوء الحال. قال: فما منعك من النهضة إلينا؟ قال: ضعفي يا أمير المؤمنين. قال: فيم نهضت الآن؟ قال له: اعلم يا أمير المؤمنين أني كنت في بيتي بعد مدة من الليل، وإذا برجل طرق الباب، وكان من ms1519 أمره كذا وكذا، وأخبره بقصته من أولها إلى آخرها. فقال سليمان: هل تعرف الرجل؟ فقال خزيمة: لا أعرفه يا أمير المؤمنين، وذلك أنه كان متكبرا وما سمعت من لفظه إلا قوله: أنا جابر عثرات الكرام. فتلهب وتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال: لو عرفناه لكافأناه على مروءته. ثم عقد لخزيمة بن بشر لواء، وجعله عاملا على الجزيرة عوضا عن عكرمة الفياض. فخرج خزيمة قاصدا الجزيرة، فلما قرب منها خرج عكرمة ولاقاه وخرج أهل الجزيرة في ملاقاته، فسلما على بعضهما ثم ساروا جميعا إلى أن دخل البلد، فنزل خزيمة دار الإمارة وأمر أن يؤخذ من عكرمة كفيلا وأن يحاسب، فحوسب فوجد عليه أموالا كثيرة فطالبه بأدائها. قال: ما لي إلى شيء من سبيل؟ قال: لا بد منها. قال: ليست عندي فاصنع ما أنت صانع. فأمر به إلى الحبس. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 684 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خزيمة أمر بحبس عكرمة الفياض. أرسل إليه يطالبه بما عليه، فأرسل يقول له: إني لست ممن يصون ماله بعرضه، فاصنع ما شئت. فأمر أن يكبل بالحديد ويسجن، فأقام شهرا أو أكثر حتى أضناه ذلك وأضر به حبسه، ثم بلغ ابنة عمه خبره واغتمت لذلك غاية الغم، ودعت مولاة لها كانت ذات عقل وافر ومعرفة وقالت لها: امضي في هذه الساعة إلى باب الأمير خزيمة بن بشر وقولي: إن عندي نصيحة. فإذا طلبها منك أحد فقولي: لا أقولها إلا للأمير. فإذا دخلت عليه فاسأليه الخلوة، فإذا اختليت به فقولي له: ما هذا الفعل الذي فعلته، ما كان جزاء جابر عثرات الكرام منك إلا أن كافأته بالحبس الشديد والضيق في الحديد. ففعلت الجارية ما أمرت به، فلما سمع خزيمة كلامها نادى بأعلى صوته: وا سوأتاه! وإنه لهو؟ قالت: نعم. فأمر من وقته بدابته فأسرجت ودعا بوجوه البلد، فجمعهم إليه وأتى بهم إلى باب الحبس وفتحه، ودخل خزيمة ومن معه، فرأوه قاعدا متغير الحال وقد أضناه الضرب ms1520 والألم. فلما نظر إليه عكرمة، أخجله ذلك فنكس رأسه، فأقبل خزيمة وانكب على رأسه فقبلها. فرفع عكرمة إليه رأسه وقال: ما أعقب هذا منك؟ قال: كريم أفعالك وسوء مكافأتي. قال: يغفر الله لنا ولك. ثم أمر خزيمة السجان أن يفك القيود عنه، وأمر أن توضع القيود في رجليه. فقال عكرمة: ماذا تريد؟ قال: أريد أن ينالني مثل ما نالك. فقال عكرمة: أقسم عليك بالله ألا تفعل. ثم خرجا جميعا حتى وصلا إلى دار خزيمة، فودعه عكرمة وأراد الانصراف، فمنعه خزيمة من ذلك. فقال عكرمة: ما تريد؟ قال: أريد أن أغير حالك، فإن حيائي من ابنة عمك أشد من حيائي منك. # ثم أمر بإخلاء الحمام، فأخلي ودخلا جميعا، فقام خزيمة وتولى خدمته بنفسه، ثم خرجا فخلع عليه خلعة نفيسة وأركبه وحمل معه مالا كثيرا، ثم سار معه إلى داره واستأذنه في الاعتذار إلى ابنة عمه، فاعتذر إليها، ثم سأل بعد ذلك أن يسير معه إلى سليمان بن عبد الملك، وكان يومئذ مقيما بالرمل، فأجابه إلى ذلك وسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك، فدخل الحاجب وأعلمه بقدوم خزيمة بن بشر، فراعه ذلك وقال: هل والي الجزيرة يقدم بغير أمرنا؟ ما هذا إلا لحادث عظيم. فأذن له في الدخول، فلما دخل قال له قبل أن يسلم عليه: ما وراءك يا خزيمة؟ قال له: الخير يا أمير المؤمنين. قال له: فما الذي أقدمك؟ قال: ظفرت بجابر عثرات الكرام، فأحببت أن أسرك به لما رأيت من تلهفك على معرفته وشوقك إلى رؤيته. قال: ومن هو؟ قال: عكرمة الفياض. فأذن له بالتقرب، فتقرب وسلم عليه بالخلافة، فرحب به وأدناه من مجلسه وقال له: يا عكرمة، ما كان خيرك له إلا وبالا عليك. ثم قال سليمان: اكتب حوائجك كلها جميعا وما تحتاج إليه في رقعة. ففعل ذلك، فأمر بقضائها من ساعته، وأمر له بعشرة آلاف دينار خلاف الحوائج التي كتبها، وعشرين تختا من الثياب زيادة على ما كتبه، ثم دعاه بقناة وعقد له لواء ms1521 على الجزيرة وأرمانية وأزربيجان، وقال له: أمر خزيمة إليك أن شئت أبقيته، وإن شئت عزلته. قال: بل أرده إلى محله يا أمير المؤمنين. ثم انصرفا من عنده جميعا، ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته. ### || حكاية يونس الكاتب والوليد بن سهل # وحكي أيضا أنه كان في مدة خلافة هشام بن عبد الملك رجل يسمى يونس الكاتب وكان مشهورا، فخرج مسافرا إلى الشام ومعه جارية في غاية الحسن والجمال، وكان عليها جميع ما تحتاج إليه، وكان قدر ثمنها مائة ألف درهم، فلما قرب من الشام نزلت القافلة على غدير ماء، ونزل هو بناحية من نواحيه، وأصاب من طعام كان معه، وأخرج ركوة كان فيها نبيذ. فبينما هو كذلك إذا بفتى حسن الوجه والهيبة على فرس أشقر، ومعه خادمان، فسلم عليه وقال له: أتقبل ضيفا؟ قال: نعم. فنزل عنده وقال له: اسقنا من شرابك فأسقاه. فقال: إن شئت أن تغني لنا صوتا. فغنى منشدا هذا البيت: # حوت من الحسن ما لم تحوه # بشر %~% فلذ لي في هواها الدمع # والسهر # فطرب طربا شديدا، وأسقاه مرارا حتى مال به السكر، ثم قال: قل لجاريتك أن تغني. فغنت منشدة هذا البيت: # حورية حار قلبي في # محاسنها %~% فلا قضيب ولا شمس ولا قمر # فطرب طربا شديدا وأسقاه مرارا. ولم يزل مقيما عنده إلى أن صليا العشاء ثم قال له: ما أقدمك على هذا البلد؟ قال: ما أقضي به ديني وأصلح به حالي. فقال له: أتبيعني هذه الجارية بثلاثين ألف درهم؟ قلت: ما أحوجني إلى فضل الله والمزيد منه. قال: أيقنعك فيها أربعون ألفا؟ قال: فيها قضاء ديني وأبقى صفر اليدين. قال: قد أخذناها بخمسين ألفا من الدراهم، ولك بعد ذلك كسوة ونفقة طريقك، وأشركك في حالي ما بقيت. فقال: قد بعتكها. قال: أفتثق بي أن أوصل إليك ثمنها في غد وأحملها معي، أو تكون عندك إلى أن أحمل ذلك إليك غدا؟ فحمله السكر والحياء مع الخشية منه على أن قال له: نعم، قد وثقت ms1522 بك، فخذها قد بارك الله لك فيها. فقال لأحد غلاميه: احملها على دابتك وارتدف وراءها وامض بها. ثم ركب فرسه وودعه وانصرف. فما هو إلا أن غاب عن البائع ساعة، فتفكر البائع في نفسه وعرف أنه أخطأ في بيعها وقال في نفسه: ماذا صنعت حتى أسلم جاريتي إلى رجل لا أعرفه ولا أدري من هو، وهب أني عرفته فمن أين الوصول إليه؟ ثم جلس متفكرا إلى أن صلى الصبح ودخل أصحابه دمشق وجلس هو حائرا لا يدري ما يفعل، واستمر جالسا حتى أحرقته الشمس وكره المقام، فهم بالدخول في دمشق ثم قال في نفسه: إن دخلت لم آمن أن الرسول يأتي فلا يجدني فأكون قد جنيت على نفسي جناية ثانية، فجلس في ظل جدار كان هناك. # فلما ولى النهار وإذا بأحد الخادمين اللذين كانا مع الغلام قد أقبل عليه، فلما رآه حصل له سرور عظيم، وقال في نفسه: ما أعرف أني سررت بشيء أعظم من سروري هذا الوقت بالنظر إلى الخادم. فلما جاءه الخادم قال له: يا سيدي، قد أبطأنا عليك. فلم يذكر له شيئا من الوله الذي كان به. ثم قال له الخادم: هل تعرف الرجل الذي أخذ الجارية؟ فقال له: لا. قال: هو الوليد بن سهل ولي العهد. فسكت عند ذلك ثم قال: قم فاركب. وكان معه دابة، فأركبه إياها وسارا إلى أن وصلا إلى دار فدخلاها، فلما رأته الجارية وثبت إليه وسلمت عليه، فقال لها: ما كان من أمرك مع من اشتراك؟ قالت: أنزلني في هذه الحجرة، وأمر لي بما أحتاج إليه. فجلس عندها ساعة، وإذا بخادم صاحب الدار قد جاء إليه ثم قال له: قم. فقام معه ودخل به على سيده، فوجده ضيفه بالأمس، ورآه جالسا على سريره. فقال لي: من أنت؟ فقال له: يونس الكاتب. قال: مرحبا بك، قد كنت والله أتشوق إلى رؤيتك، فإني كنت أسمع بخبرك، فكيف كان مبيتك في ليلتك؟ فقال له: بخير أعزك الله تعالى. ثم قال: لعلك ندمت على ما ms1523 كان منك البارحة، وقلت في نفسك: إني دفعت جاريتي إلى رجل لا أعرفه ولا أعرف اسمه ولا من أي البلاد هو؟ فقال له: معاذ الله أيها الأمير أن أندم عليها، ولو أهديتها إلى الأمير لكانت أقل ما يهدى إليه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 685 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن يونس الكاتب لما قال للوليد بن سهل: معاذ الله أن أندم، ولو أهديتها للأمير لكانت أقل ما يهدى إليه، وما هذه الجارية بالنسبة إلى مقامه؟ فقال له الوليد: والله إني ندمت على أخذها منك، وقلت: هذا رجل غريب لا يعرفني، وقد دهمته وسفهت عليه في استعجالي بأخذ الجارية، أفتذكر ما كان بيننا؟ قلت: نعم. قال: أتبيعني هذه الجارية بخمسين ألف درهم؟ قال: نعم. قال: هات يا غلام المال. فوضعه بين يديه فقال: يا غلام هات ألفا وخمسمائة دينار. فأتى بها ثم قال: هذا ثمن جاريتك فضمه إليك، وهذا الألف دينار لحسن ظنك بنا، وهذه الخمسمائة دينار لنفقة طريقك وما تبتاعه لأهلك، أرضيت؟ قال: رضيت. وقبلت يديه وقلت: والله قد ملأت عيني ويدي وقلبي. ثم قال الوليد: والله إني لم أخل بها ولا شبعت من غنائها، علي بها. فجاءت فأمرها بالجلوس فجلست، فقال لها: غني. فأنشدت هذا الشعر: # أيا من حاز كل الحسن طرا %~% ويا حلو الشمائل والدلال ~~جميع الحسن في ترك وعرب %~% وما في الكل مثلك يا غزالي ~~تعطف يا مليح على محب %~% بوعدك لو بطيف من خيال ~~حلالي فيك ذلي وافتضاحي %~% وطاب لمقلتي سهر الليالي ~~وما أنا فيك أول مستهام %~% فكم قبلي قتلت من الرجال ~~رضيتك لي من الدنيا نصيبا %~% وأنت أعز من روحي ومالي # فطرب طربا شديدا، وشكر حسن تأديبي لها وتعليمي إياها، ثم قال: يا غلام، قدم له دابة بسرجها وآلاتها لركوبه، وبغلا لحمل حوائجه. ثم قال: يا يونس، إذا بلغك أن هذا الأمر قد أفضى إلي فالحق بي، فوالله لأملأن بالخير يديك، ولأعلين قدرك ولأغنينك ما بقيت. فأخذت المال وانصرفت، ms1524 فلما أفضت إليه الخلافة سرت إليه، فوفى لي والله بوعده وزاده في إكرامي، وكنت معه على أسر حال وأسنى منزلة، وقد اتسعت أحوالي وكثرت أموالي، وصار لي من الضياع والأموال ما يكفيني إلى مماتي، ويكفي ورثتي من بعدي. ولم أزل معه حتى قتل رحمه الله تعالى. ### || حكاية هارون الرشيد والبنت البدوية # وحكي أيضا أن أمير المؤمنين هارون الرشيد مر في بعض الأيام، وصحبته جعفر البرمكي، وإذا هو بعدة بنات يسقين الماء، فعرج عليهن يريد الشرب، وإذا إحداهن التفتت إليه، وأنشدت هذه الأبيات: # قولي لطيفك ينثني %~% عن مضجعي وقت المنام ~~كي أستريح وتنطفي %~% نار تأجج في العظام ~~دنف تقلبه الأك %~% ف على بساط من سقام ~~أما أنا فكما علم %~% ت فهل لوصلك من دوام # فأعجب أمير المؤمنين ملاحتها وفصاحتها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 686 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين لما سمع هذه الأبيات من البنت أعجبته ملاحتها وفصاحتها، فقال لها: يا بنت الكرام، أهذا من مقولك أم من منقولك؟ قالت: من مقولي. قال: إذا كان كلامك صحيحا، فأمسكي المعنى وغيري القافية. فأنشدت تقول: # قولي لطيفك ينثني %~% عن مضجعي وقت الوسن ~~كي أستريح وتنطفي %~% نار تأجج في البدن ~~دنف تقلبه الأك %~% ف على بساط من شجن ~~أما أنا فكما علم %~% ت فهل لوصلك من ثمن # فقال لها: والآخر مسروق؟ قالت: بل كلامي. فقال: إن كان كلامك أيضا، فأمسكي المعنى وغيري القافية. فجعلت تقول: # قولي لطيفك ينثني %~% عن مضجعي وقت الرقاد ~~كي أستريح وتنطفي %~% نار تأجج في الفؤاد ~~دنف تقلبه الأك %~% ف على بساط من سهاد ~~أما أنا فكما علم %~% ت فهل لوصلك من سداد # فقال لها: والآخر مسروق؟ فقالت: بل كلامي. فقال لها: إن كان كلامك فأمسكي المعنى وغيري القافية. فقالت: # قولي لطيفك ينثني %~% عن مضجعي وقت الهجوع ~~كي أستريح وتنطفي %~% نار تأجج في الضلوع ~~دنف تقلبه الأك %~% ف على بساط من دموع ~~أما أنا فكما علم %~% ت فهل لوصلك من رجوع # فقال ms1525 لها أمير المؤمنين: من أي هذا الحي؟ قالت: من أوسطه بيتا وأعلاه عمودا. فعلم أمير المؤمنين أنها بنت كبير الحي، ثم قالت له: وأنت من أي رعاة الخيل؟ فقال: من أعلاها شجرة وأينعها ثمرة. فقبلت الأرض وقالت: أيدك الله يا أمير المؤمنين. ودعت له، ثم انصرفت مع بنات العرب، فقال الخليفة لجعفر: لا بد من زواجها. فتوجه جعفر إلى أبيها وقال له: إن أمير المؤمنين يريد ابنتك. فقال: حبا وكرامة تهدى جارية إلى حضرة مولانا أمير المؤمنين. ثم جهزها وحملها إليه وتزوجها، ودخل بها، فكانت عنده من أعز نسائه، وأعطى والدها ما يستره بين العرب من الأنعام، ثم بعد ذلك انتقل والدها إلى رحمة الله تعالى، فورد على الخليفة خبر وفاة أبيها، فدخل عليها وهو كئيب، فلما شاهدته وعليه الكآبة نهضت، ودخلت إلى حجرتها، وخلعت كل ما كان عليها من الثياب الفاخرة، ولبست الحداد وأقامت النعي عليه، فقيل لها: ما سبب هذا؟ فقالت: مات والدي. فمضوا إلى الخليفة، فأخبروه فقام وأتى إليها وسألها من أخبرك بهذا الخبر؟ قالت: وجهك يا أمير المؤمنين. قال: وكيف ذلك؟ قالت: لأني منذ استقررت عندك ما رأيتك هكذا إلا في هذه المرة، ولم يكن لي من أخاف عليه إلا والدي لكبره، وتعيش رأسك يا أمير المؤمنين. فتغرغرت عيناه بالدموع، وعزاها فيه، وأقامت مدة حزينة على والدها، ثم لحقت به رحمة الله عليهم أجمعين. ### || حكاية الأصمعي والبنات الثلاث # وحكي أيضا أن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرق أرقا شديدا في ليلة من الليالي، فقام من فراشه وتمشى من مقصورة إلى مقصورة، ولم يزل قلقا في نفسه قلقا زائدا، فلما أصبح قال: علي بالأصمعي. فخرج الطواشي إلى البوابين وقال: يقول لكم أمير المؤمنين أرسلوا لي الأصمعي. فلما حضر أعلم به أمير المؤمنين، فأمر بإدخاله وأجلسه ورحب به وقال له: يا أصمعي، أريد منك أن تحدثني بأجود ما سمعت من أخبار النساء وأشعارهن. فقال: سمعا وطاعة. لقد سمعت كثيرا، ولم يعجبني سوى ثلاثة أبيات أنشدهن ثلاث بنات. وأدرك شهرزاد ms1526 الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 687 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأصمعي قال لأمير المؤمنين: لقد سمعت كثيرا ولم يعجبني سوى ثلاثة أبيات أنشدهن ثلاث بنات. فقال: حدثني بحديثهن. فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أني أقمت سنة في البصرة، فاشتد علي الحر، فطلبت مقيلا أقيل فيه فلم أجد، فبينما أنا ألتفت يمينا وشمالا، وإذا بساباط مكنوس مرشوش وفيه دكة من خشب، وعليها شباك مفتوح يفوح منه رائحة المسك، فدخلت الساباط وجلست على الدكة وأردت الاضطجاع، فسمعت كلاما عذبا من جارية وهي تقول: يا أخواتي، إننا جلسنا يومنا هذا على وجه المؤانسة، فتعالين نطرح ثلاثمائة دينار، وكل واحدة منا تقول بيتا من الشعر، فكل من قالت البيت الأعذب الأملح كانت الثلاثمائة دينار لها. فقلن: حبا وكرامة. فقالت الكبرى بيتا وهو هذا: # عجبت له أن زار في النوم # مضجعي %~% ولو زارني مستيقظا كان # أعجبا # فقالت الوسطى بيتا وهو هذا: # وما زارني في النوم إلا # خياله %~% فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا # فقالت الصغرى بيتا وهو هذا: # بنفسي وأهلي من أرى كل # ليلة %~% ضجيعي ورياه من المسك # أطيبا # فقلت: إن كان لهذا المثال جمال فقد تم الأمر على كل حال. فنزلت من على الدكة وأردت الانصراف، وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه جارية وهي تقول: اجلس يا شيخ. فطلعت على الدكة ثانيا، وجلست، فدفعت لي ورقة، فنظرت فيها خطا في نهاية الحسن، مستقيم الألفات، مجوف الهاءات، مدور الواوات، مضمونها: نعلم الشيخ - أطال الله بقاءه - أننا ثلاث بنات أخوات، جلسن على وجه المؤانسة، وطرحنا ثلاثمائة دينار، وشرطنا أن كل من قالت البيت الأعذب الأملح كان لها الثلاثمائة دينار، وقد جعلناك الحكم في ذلك، فاحكم بما ترى والسلام. فقلت للجارية: علي بدواة وقرطاس، فغابت قليلا وخرجت إلي بدواة مفضضة وأقلام مذهبة، فكتبت هذه الأبيات: # أحدث عن خود تحدثن مرة %~% حديث امرئ قاس الأمور وجربا ~~ثلاث كبكرات الصباح صباحة %~% تملكن قلبا بالغرام معذبا ~~خلون وقد نامت عيون كثيرة %~% من الناس قد أعرضن عمن ms1527 # تجنبا ~~فبحن بما يخفين من داخل # الحشى %~% نعم واتخذن الشعر لهوا # وملعبا ~~فقالت عروب ذات تيه عزيزة %~% وتبسم عن عذب المقالة # أشنبا ~~عجبت له أن زار في النوم # مضجعي %~% ولو زارني مستيقظا كان # أعجبا ~~فلما انقضى ما زخرفت # بتضاحك %~% تنفست الوسطى وقالت تطربا ~~وما زارني في النوم إلا # خياله %~% فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ~~وأحسنت الصغرى وقالت مجيبة %~% بلفظ لها قد كان أشهى # وأعذبا ~~بنفسي وأهلي من أرى كل # ليلة %~% ضجيعي ورياه من المسك # أطيبا ~~فلما تدبرت الذي قلن # وانبرى %~% لي الحكم لم أترك لذي اللب # ملعبا ~~حكمت لصغراهن في الشعر # أنني %~% رأيت الذي قالت إلى الحق # أقربا # قال الأصمعي: ثم دفعت الورقة إلى الجارية، فلما صعدت عادت إلى القصر، وإذا برقص وصفق وقيامة قائمة، فقلت: ما بقي لي إقامة. فنزلت من فوق الدكة وأردت الانصراف، وإذا بالجارية تنادي وتقول: اجلس يا أصمعي. فقلت: ومن أعلمك أني الأصمعي؟ فقالت: يا شيخ، إن خفي علينا اسمك، فما خفي علينا نظمك. فجلست وإذا بالباب قد فتح، وخرجت منه الجارية الأولى وفي يدها طبق من فاكهة وطبق من حلوى، فتفكهت وتحليت، وشكرت صنيعها وأردت الانصراف، وإذا بالجارية تنادي وتقول: اجلس يا أصمعي. فرفعت بصري إليها، فنظرت كفا أحمر في كم أصفر، فخلته البدر يشرق من تحت الغمام، ورمت صرة فيها ثلاثمائة دينار، وقالت: هذا لي، وهو مني إليك هدية في نظير حكومتك. فقال له أمير المؤمنين: لم حكمت للصغرى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، إن الكبرى قالت: عجبت له أن زار في النوم مضجعي، وهو محجوب معلق على شرط قد يقع، وقد لا يقع؛ وأما الوسطى فقد مر بها طيف خيال في النوم، فسلمت عليه؛ وأما بيت الصغرى، فإنها ذكرت فيه أنها ضاجعته مضاجعة حقيقية، وشمت منه أنفاسا أطيب من المسك، وفدته بنفسها وأهلها، ولا يفدى بالنفس إلا من هو أعز منها. فقال الخليفة: أحسنت يا أصمعي. ودفع إليه ثلاثمائة دينار مثلها في نظير حكايته. ### || حكاية إبراهيم الموصلي وإبليس # وحكي أيضا ms1528 أن أبا إسحاق إبراهيم الموصلي قال: استأذنت الرشيد في أن يهب لي يوما من الأيام للانفراد بأهل بيتي وإخواني، فأذن لي في يوم السبت، فأتيت منزلي وأخذت في إصلاح طعامي وشرابي وما أحتاج إليه، وأمرت البوابين أن يغلقوا الأبواب، وألا يأذنوا لأحد في الدخول علي، فبينما أنا في مجلسي والحريم قد حففن بي، وإذا بشيخ ذي هيبة وجمال، وعليه ثياب بيض وقميص ناعم، وعلى رأسه طليسان وفي يده عكاز قبضته من فضة، وروائح الطيب تفوح منه حتى ملأت الدار والرواق، فدخلني غيظ عظيم بدخوله علي وهممت بطرد البوابين، فسلم علي بأحسن سلام، فرددت عليه وأمرته بالجلوس، فجلس وأخذ يحدثني بحديث العرب وأشعارها حتى ذهب ما بي من الغضب، وظننت أن غلماني تحروا مسرتي بإدخال مثله علي لأدبه وظرافته، فقلت له: هل لك في الطعام؟ فقال: لا حاجة لي فيه. فقلت له: وفي الشراب. قال: ذلك إليك. فشربت رطلا وسقيته مثله، ثم قال: يا أبا إسحاق، هل لك أن تغنينا شيئا، فنسمع من صنعتك ما قد فقت به العام والخاص؟ فغاظني قوله، ثم سهلت الأمر على نفسي، فأخذت العود وضربت وغنيت. فقال: أحسنت يا أبا إسحاق. ثم قال إبراهيم: فازددت غيظا وقلت: ما قنع بما فعله من دخوله بغير إذن واقتراحه علي حتى سماني باسمي مع جهل مخاطبتي. ثم قال: هل لك أن تزيد ونكافئك؟ فتحملت المشقة وأخذت العود فغنيت وتحفظت فيما غنيت، وقمت به قياما ما لقوله: ونكافئك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 688 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ لما قال لأبي إسحاق: هل لك أن تزيدني ونكافئك؟ قال أبو إسحاق: فتحملت المشقة وأخذت العود، فغنيت وتحفظت فيما غنيت وقمت به قياما تاما لقوله: ونكافئك. فطرب وقال: أحسنت يا سيدي. ثم قال: أتأذن لي في الغناء؟ قال: شأنك. واستضعفت عقله في أن يغني بحضرتي بعد الذي سمعه مني، فأخذ العود وجسه، فوالله لقد خلت العود أن ينطق بلسان عربي فصيح بصوت أغن مليح، ms1529 واندفع يغني هذه الأبيات: # ولي كبد مقروحة من يبيعني %~% بها كبدا ليست بذات قروح ~~أباها علي الناس لا # يشترونها %~% ومن يشتري ذا علة بصحيح ~~أئن من الشوق الذي بجوانحي %~% أنين غصيص بالشراب قريح # قال أبو إسحاق: فوالله لقد ظننت أن الأبواب والحيطان وكل ما في البيت تجيبه وتغني معه من حسن صوته، حتى خلت والله أني أسمع أعضائي وثيابي تجيبه، وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام ولا الحركة لما خالط قلبي، ثم غنى بهذه الأبيات: # ألا يا حمامات اللوى عدن # عودة %~% فإني من أصواتكن حزين ~~فعدن إلى أيك فكدن يمتنني %~% وكدت بأسراري لهن أبين ~~دعون فريقا بالهدير كأنما %~% شربن الحميا أو بهن جنون ~~فلم تر عيني مثلهن حمائم %~% بكين ولم تدمع لهن عيون # ثم غنى أيضا بهذه الأبيات: # ألا يا صبا نجد متى هجت من # نجد %~% فقد زادني مسراك وجدا على # وجدي ~~لقد هتفت ورقاء في رونق # الضحى %~% على فنن الأغصان بالبان # والرند ~~بكت مثل ما يبكي الوليد # صبابة %~% وأبدت من الأشواق ما لم أكن # أبدي ~~وقد زعموا أن المحب إذا # دنا %~% يمل وأن البعد يشفي من # الوجد ~~بكل تداوينا فلم يشف ما # بنا %~% على أن قرب الدار خير من # البعد ~~على أن قرب الدار ليس # بنافع %~% إذا كان من تهواه ليس بذي # ود # ثم قال: يا إبراهيم، غن هذا الغناء الذي سمعته وانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك. فقلت: أعده علي. فقال: لست تحتاج إلى إعادة، قد أخذته وفرغت منه. ثم غاب من بين يدي. فتعجبت منه وقمت إلى السيف وجذبته، ثم غدوت نحو باب الحريم فوجدته مغلقا، فقلت للجواري: أي شيء سمعتن؟ فقلن: سمعنا أطيب غناء وأحسنه. فخرجت متحيرا إلى باب الدار فوجدته مغلقا، فسألت البوابين عن الشيخ فقالوا لي: شيخ! فوالله ما دخل إليك اليوم أحد. فرجعت أتأمل أمره، فإذا هو قد هتف من جانب الدار فقال: لا بأس عليك يا أبا إسحاق، إنما أنا أبو مرة، قد كنت نديمك اليوم فلا تفزع. فركبت إلى الرشيد فأخبرته الخبر، ms1530 فقال: أعد الأصوات التي أخذتها منه. فأخذت العود وضربت، فإذا هي راسخة في صدري؛ فطرب بها الرشيد وجعل يشرب عليها، ولم يكن له انهماك على الشراب، وقال: ليته متعنا بنفسه يوما واحدا كما متعك. ثم أمر لي بصلة، فأخذتها وانصرفت. ### || عاشقان من بني عذرة # وحكي أيضا أن مسرور الخادم قال: أرق أمير المؤمنين هارون الرشيد ليلة أرقا شديدا، فقال لي: يا مسرور، من بالباب من الشعراء؟ فخرجت إلى الدهليز فوجدت جميل بن معمر العذري، فقلت له: أجب أمير المؤمنين. فقال: سمعا وطاعة. فدخلت ودخل معي إلى أن صار بين يدي هارون الرشيد، فسلم بسلام الخلافة، فرد عليه السلام وأمره بالجلوس، ثم قال له الرشيد: يا جميل، أعندك شيء من الأحاديث العجيبة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أيما أحب إليك؛ ما عاينته ورأيته، أو ما سمعته ووعيته؟ فقال: حدثني بما عاينته ورأيته. قال: نعم يا أمير المؤمنين، أقبل علي بكلك، وأصغ إلي بإذنيك. فعمد الرشيد إلى مخدة من الديباج الأحمر المزركش بالذهب، محشوة بريش النعام، فجعلها تحت فخذيه، ثم مكن منها مرفقيه، وقال: هلم بحديثك يا جميل. فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أني كنت مفتونا بفتاة محبا لها، وكنت أتردد إليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 689 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين هارون الرشيد لما اتكأ على مخدة من الديباج قال: هلم بحديثك يا جميل. فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أني كنت مفتونا بفتاة محبا لها، وكنت أتردد إليها إذ هي سؤلي وبغيتي من الدنيا، ثم إن أهلها رحلوا لقلة المرعى، فأقمت مدة لم أرها، ثم إن الشوق أقلقني وجذبني إليها، فحدثتني نفسي بالمسير إليها، فلما كان ذات ليلة من الليالي هزني الشوق إليها، فقمت وشددت رحلي على ناقتي وتعممت بعمامتي، ولبست أطماري، وتقلدت بسيفي، واعتقلت رمحي، وركبت ناقتي، وخرجت طالبا لها، وكنت أسرع في المسير، فسرت ذات ليلة وكانت ليلة مظلمة مدلهمة، وأنا مع ذلك أكابد هبوط الأودية وصعود الجبال، فأسمع زئير ms1531 الآساد وعي الذئاب وأصوات الوحوش من كل جانب، وقد ذهل عقلي وطاش لبي، ولساني لا يفتر عن ذكر الله تعالى. فبينما أنا أسير على هذا الحال إذ غلبني النوم، فأخذت بي الناقة على غير الطريق التي كنت فيها، وغلب علي النوم، وإذا أنا بشيء لطمني في رأسي، فانتبهت فزعا مرعوبا، وإذا بأشجار وأنهار، وأطيار على تلك الأغصان تغرد بلغاتها وألحانها، وأشجار تلك المرج مشتبك بعضها ببعض؛ فنزلت عن ناقتي وأخذت بزمامها في يدي، ولم أزل أتلطف في الخلاص إلى أن خرجت بها من تلك الأشجار إلى أرض فلاة، فأصلحت كورها واستويت راكبا على ظهرها، ولا أدري إلى أين أذهب، ولا إلى أي مكان تسوقني الأقدار، فمددت نظري في تلك البرية، فلاحت لي نار في صدرها، فوكزت ناقتي وصرت متوجها إليها حتى وصلت إلى تلك النار، فقربت منها وتأملت وإذا بخباء مضروب، ورمح مركوز، ودابة قائمة، وخيل واقفة، وإبل سائمة؛ فقلت في نفسي: يوشك أن يكون لهذا الخباء شأن عظيم، فإني لا أرى في تلك البرية سواه. # ثم تقدمت إلى جهة الخباء، وقلت: السلام عليكم يا أهل الخباء ورحمة الله وبركاته. فخرج إلي من الخباء غلام من أبناء التسع عشرة سنة، فكأنه البدر إذا أشرق والشجاعة بين عينيه، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أخا العرب، إني أظنك ضالا عن الطريق؟ فقلت: الأمر كذلك، أرشدني يرحمك الله. فقال: يا أخا العرب، إن بلدنا هذه مسبعة، وهذه الليلة مظلمة موحشة شديدة الظلمة والبرد، ولا آمن عليك من الوحش أن يفترسك، فانزل عندي على الرحب والسعة، فإذا كان الغد أرشدتك إلى الطريق. فنزلت عن ناقتي وعقلتها بفضل زمامها، ونزعت ما كان علي من الثياب، وتخففت وجلست ساعة، وإذا بالشاب قد عمد إلى شاة فذبحها، وإلى نار فأضرمها وأججها، ثم دخل الخباء وأخرج إبزارا ناعمة وملحا طيبا، وأقبل يقطع من ذلك اللحم قطعا، ويشويها على النار ويعطيني، ويتنهد ساعة ويبكي أخرى، ثم شهق شهقة عظيمة وبكى بكاء شديدا، وأنشد يقول هذه الأبيات: # لم ms1532 يبق إلا نفس هافت %~% ومقلة إنسانها باهت ~~لم يبق في أعضائه مفصل %~% إلا وفيه سقم ثابت ~~ودمعه جار وأحشاؤه %~% توقد لكنه ساكت ~~تبكي له أعداؤه رحمة %~% يا ويح من يرحمه الشامت # قال جميل: فعلمت عند ذلك يا أمير المؤمنين أن الغلام عاشق ولهان، ولا يعرف الهوى إلا من ذاق طعم الهوى. فقلت في نفسي: هل أسأله؟ ثم راجعت نفسي وقلت: كيف أتهجم عليه في السؤال وأنا في منزله؟ فردعت نفسي وأكلت من ذلك اللحم كفايتي. فلما فرغنا من الأكل قام الشاب ودخل الخباء، وأخرج طشتا وإبريقا حسنا، ومنديلا من الحرير وأطرافه مزركشة بالذهب الأحمر، وقمقما ممتلئا من ماء الورد الممسك، فتعجبت من ظرفه ورقة حاشيته، وقلت في نفسي: لم أعرف الظرف في البادية. ثم غسلنا أيدينا وتحدثنا ساعة، ثم قام ودخل الخباء، وفصل بيني وبينه بفاصل من الديباج الأحمر وقال: ادخل يا وجه العرب وخذ مضجعك، فقد لحقك في هذه الليلة تعب، وفي سفرتك هذه نصب مفرط. فدخلت وإذا أنا بفراش من الديباج الأخضر، فعند ذلك نزعت ما علي من الثياب، وبت ليلة لم أبت في عمري مثلها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 690 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جميلا قال: فبت ليلة لم أبت عمري مثلها؛ فكل ذلك وأنا متفكر في أمر هذا الشاب إلى أن جن الليل ونامت العيون، فلم أشعر إلا بصوت خفي لم أسمع ألطف منه، ولا أرق حاشية، فرفعت الفاصل المضروب بيننا، وإذا أنا بصبية لم أر أحسن منها وجها وهي في جانبه، وهما يبكيان ويتشاكيان ألم الهوى والصبابة والجوى وشدة اشتياقهما إلى التلاقي، فقلت: يا لله العجب من هذا الشخص الثاني! وحين دخلت هذا البيت لم أر فيه غير هذا الفتى وما عنده أحد، ثم قلت في نفسي: لا شك أن هذه من بنات الجن تهوى هذا الغلام، وقد تفرد بها في هذا المكان وتفردت به. ثم أمعنت النظر فيها فإذا هي أنسية عربية، إذا أسفرت عن وجهها ms1533 تخجل الشمس المضيئة، وقد أضاء الخباء من نور وجهها، فلما تحققت أنها محبوبته تذكرت غيرة المحب، فأرخيت الستر وغطيت وجهي ونمت. فلما أصبحت لبست ثيابي وتوضأت لصلاتي، وصليت ما كان علي من الفرض، ثم قلت له: يا أخا العرب، هل لك أن ترشدني إلى الطريق، وقد تفضلت علي؟ فنظر إلي وقال: على رسلك يا وجه العرب، إن الضيافة ثلاثة أيام، وما كنت بالذي يدعك إلا بعد ثلاثة أيام. # قال جميل: فأقمت عنده ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع جلسنا للحديث، فحادثته وسألته عن اسمه ونسبه فقال: أما نسبي فأنا من بني عذرة، وأما اسمي أنا فلان بن فلان، وعمي فلان. فإذا هو ابن عمي يا أمير المؤمنين، وهو من أشرف بيت من بني عذرة، فقلت: يا ابن العم، ما حملك على ما أراه منك من الانفراد في هذه البرية؟ وكيف تركت نعمتك ونعمة آبائك؟ وكيف تركت عبيدك وإماءك، وانفردت بنفسك في هذا المكان؟ فلما سمع يا أمير المؤمنين كلامي اغرورقت عيناه بالدموع والبكاء، ثم قال: يا ابن العم، إني كنت محبا لابنة عمي مفتونا بها، هائما بحبها، مجنونا في هواها لا أطيق الفراق عنها، فزاد عشقي لها فخطبتها من عمي، فأبى وزوجها لرجل من بني عذرة ودخل بها، وأخذها إلى المحلة التي هو فيها من العام الأول، فلما بعدت عني واحتجبت عن النظر إليها، حملتني لوعات الهوى وشدة الشوق والجوى على ترك أهلي ومفارقة عشيرتي وخلاني وجميع نعمتي، وانفردت بهذا البيت في هذه البرية، وألفت وحدتي. فقلت: وأين بيوتهم؟ قال: هي قريب في ذروة هذا الجبل، وهي كل ليلة عند نوم العيون وهدوء الليل تنسل من الحي سرا، بحيث لا يشعر بها أحد، فأقضي منها بالحديث وطرا، وتقضي هي كذلك، وها أنا مقيم على ذلك الحال أتسلى بها ساعة من الليل ليقضي الله أمرا كان مفعولا، أو يأتيني الأمر على رغم الحاسدين، أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. ثم قال جميل: فلما أخبرني الغلام يا أمير المؤمنين، غمني ms1534 أمره، وصرت من ذلك حيرانا لما أصابني من الغيرة، فقلت له: يا ابن العم، وهل لك أن أدلك على حيلة أشير بها عليك، وفيها إن شاء الله عين الصلاح وسبيل الرشد والنجاح، وبها يزيل الله عنك الذي تخشاه؟ فقال الغلام: قل لي يا ابن العم. فقلت له: إذا كان الليل وجاءت الجارية، فاطرحها على ناقتي، فإنها سريعة الرواح، واركب أنت جوادك وأنا أركب بعض هذه النياق، وأسير بكما الليلة جميعها، فما يصبح الصباح إلا وقد قطعت بكما براري وقفارا، أو تكون قد بلغت مرادك وظفرت بمحبوبة قلبك، وأرض الله واسعة فضاها، وأنا والله مساعدك ما حييت بروحي ومالي وسيفي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 691 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جميلا قال لابن عمه أن يأخذ الجارية ويذهبا بها في الليل، ويكون عونا له ومساعدا مدة حياته، فلما سمع ذلك قال: يا ابن العم، حتى أشاورها في ذلك، فإنها عاقلة لبيبة بصيرة بالأمور. قال جميل: فلما جن الليل وحان وقت مجيئها وهو ينتظرها في الوقت المعلوم، فأبطأت عن عادتها، فرأيت الفتى خرج من باب الخباء، وفتح وجعل يتنسم هبوب الريح الذي يهب من نحوها، وينشق رياها، وينشد هذين البيتين: # ريح الصبا تهدي إلي نسيم %~% من بلدة فيها الحبيب مقيم ~~يا ريح فيك من الحبيب علامة %~% أفتعلمين متى يكون قدوم؟ # ثم دخل الخباء وقعد ساعة زمانية وهو يبكي، ثم قال: يا ابن العم، إن لابنة عمي في هذه الليلة نبأ، وقد حدث لها حادث أو عاقها عني عائق. ثم قال لي: كن مكانك حتى آتيك بالخبر. ثم أخذ سيفه وترسه، ثم غاب عني ساعة من الليل، ثم أقبل وعلى يديه شيء يحمله، ثم صاح علي فأسرعت إليه، فقال: يا ابن العم، أتدري ما الخبر؟ فقلت: لا والله. فقال: لقد فجعت في ابنة عمي هذه الليلة؛ لأنها قد توجهت إلينا، فتعرض لها في طريقها أسد فافترسها، ولم يبق منها إلا ما ترى. ثم طرح ما كان ms1535 على يده فإذا هو مشاش الجارية، وما فضل من عظامها، ثم بكى بكاء شديدا ورمى القوس من يده، وأخذ كيسا على يده، ثم قال لي: لا تبرح إلى أن آتيك إن شاء الله تعالى. ثم سار فغاب عني ساعة، ثم عاد وبيده رأس أسد فطرحه من يده، ثم طلب ماء فأتيته به، فغسل فم الأسد، وجعل يقبله ويبكي، وزاد حزنه، وجعل ينشد هذه الأبيات: # ألا أيها الليث المعز # بنفسه %~% هلكت وقد هيجت لي بعدها # حزنا ~~وصيرتني فردا وقد كنت # إلفها %~% وصيرت بطن الأرض قبرا لها # هنا ~~أقول لدهر ساءني بفراقها %~% أعوذ بربي أن تريني لها # خدنا # ثم قال: يا ابن العم، سألتك بالله وبحق القرابة والرحم التي بيني وبينك أن تحفظ وصيتي، فستراني الساعة ميتا بين يديك، فإذا كان ذلك فغسلني وكفني أنا وهذا الفاضل من عظام ابنة عمي في هذا الثوب، وادفنا جميعا في قبر واحد، واكتب على قبرنا هذين البيتين: # كنا على ظهرها والعيش في # رغد %~% والشمل مجتمع والدار # والوطن ~~ففرق الدهر والتصريف # إلفتنا %~% وصار يجمعنا في بطنها الكفن # ثم بكى بكاء شديدا، ثم دخل الخباء وغاب عني ساعة وخرج، وصار يتنهد ويصيح، ثم شهق شهقة ففارق الدنيا، فلما رأيت ذلك منه عظم علي وكبر عندي حتى كدت ألحق به من شدة حزني عليه، ثم تقدمت إليه فأضجعته وفعلت به ما أمرني من العمل وكفنتهما جميعا، ودفنتهما جميعا في قبر واحد، وأقمت عند قبرهما ثلاثة أيام، ثم ارتحلت وأقمت سنتين أتردد إلى زيارتهما. وهذا ما كان من حديثهما يا أمير المؤمنين. فلما سمع الرشيد كلامه استحسنه، وخلع عليه، وأجازه جائزة حسنة. ### || حكاية الأعرابي وزوجته الوفية # وحكي أيضا أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين معاوية جلس يوما في مجلس له بدمشق وكان الموضع مفتوح الطيقان من الجهات الأربع، يدخل فيه النسيم من كل جانب، فبينما هو جالس ينظر إلى بعض الجهات، وكان يوما شديد الحر لا نسيم فيه، وكان ذلك في وسط النهار وقد اشتدت الهاجرة، إذ نظر إلى ms1536 رجل يمشي وهو يتلظى من حر التراب، ويحجل في مشيه حافيا، فتأمله وقال لجلسائه: هل خلق الله سبحانه وتعالى أشقى ممن يحتاج إلى الحركة في هذا الوقت وفي هذه الساعة مثل هذا؟ قال بعضهم: لعله يقصد أمير المؤمنين. فقال: والله لئن قصدني لأعطينه، وإن كان مظلوما لأنصرنه. يا غلام قف بالباب فإذا طلب الدخول علي هذا الأعرابي لا تمنعه من الدخول علي. فخرج فوافاه الأعرابي، فقال له: ما تريد؟ قال: أريد أمير المؤمنين. قال له: ادخل. فدخل وسلم عليه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 692 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخادم لما أذن للأعرابي في الدخول، دخل وسلم على أمير المؤمنين، فقال له معاوية: ممن الرجل؟ فقال: من بني تيم. قال: فما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ فقال: جئتك مشتكيا وبك مستجيرا. قال: ممن؟ قال: من مروان بن الحكم عاملك. ثم إنه أنشد وجعل يقول: # معاوي يا ذا الجود والحلم # والفضل %~% ويا ذا الندى والعلم والرشد # والنبل ~~أتيتك لما ضاق في الأرض # مذهبي %~% فيا غوث لا تقطع رجائي من # العدل ~~وجد لي بإنصاف من الجائر # الذي %~% بلاني بشيء كان أيسره قتلي ~~سباني سعاد وانبرى لخصومتي %~% وجار ولم يعدل وأفقدني # أهلي ~~وهم بقتلي غير أن منيتي %~% تأنت ولم أستكمل الرزق من # أجلي # فلما سمع معاوية إنشاده والنار تتوقد من فيه، قال له: أهلا وسهلا يا أخا العرب، اذكر قصتك وانبئ عن أمرك. فقال له: يا أمير المؤمنين، كان لي زوجة وكنت لها محبا وبها كلفا، وكنت قرير العين طيب النفس، وكانت لي جملة من الإبل، وكنت أستعين بها على قيام حالي، فأصابتنا سنة أذهبت الخف والحافر، وبقيت لا أملك شيئا، فلما قل ما بيدي وذهب مالي وفسد حالي، بقيت مهانا ثقيلا على الذي كان يرغب في زيارتي، فلما علم أبوها ما بي من سوء الحال وشر المآل، أخذها مني وجحدني وطردني وأغلظ علي، فأتيت إلى عاملك مروان بن الحكم راجيا لنصرته، فلما أحضر أباها ms1537 وسأله عن حالي قال: ما أعرفه قط. فقلت: أصلح الأمير إن رأى أن يحضر المرأة ويسألها عن قول أبيها تبين الحق. فبعث خلفها وأحضرها، فلما وقفت بين يديه وقعت منه موقع الإعجاب، فصار لي خصما وعلي منكرا، وأظهر لي الغضب وبعثني إلى السجن، فصرت كأنما نزلت من السماء، واستوى بي الريح في مكان سحيق. ثم قال لأبيها: هل لك أن تزوجها مني على ألف دينار وعشرة آلاف درهم، وأنا ضامن خلاصها من هذا الأعرابي؟ فرغب أبوها في البدل وأجابه إلى ذلك، فأحضرني ونظر إلي كالأسد الغضبان، وقال: يا أعرابي، طلق سعاد. قلت: لا أطلقها. فسلط جماعة من غلمانه، فصاروا يعذبونني بأنواع العذاب، فلم أجد لي بدا إلا طلاقها ففعلت، فأعادني إلى السجن فمكثت فيه إلى أن انقضت العدة، فتزوج بها وأطلقني، وقد جئتك راجيا وبك مستجيرا وإليك ملتجئا. وأنشد هذه الأبيات: # في القلب مني نار %~% والنار فيها استعار ~~والجسم مني سقيم %~% فيه الطبيب يحار ~~وفي فؤادي جمر %~% والجمر فيه شرار ~~والعين تهطل دمعا %~% ودمعها مدرار ~~وليس إلا بربي %~% وبالأمير انتصار # ثم اضطرب واصطكت أسنانه ووقع مغشيا عليه، وصار يتلوى كالحية المقتولة، فلما سمع معاوية كلامه وإنشاده قال: تعدى ابن الحكم في حدود الدين وظلم واجترى على حريم المسلمين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 693 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أمير المؤمنين معاوية لما سمع كلام الأعرابي قال: تعدى ابن الحكم في حدود الدين وظلم واجترى على حريم المسلمين. ثم قال: يا أعرابي، لقد أتيتني بحديث لم أسمع بمثله قط. ثم دعا بدواة وقرطاس وكتب إلى مروان بن الحكم: قد بلغني أنك تعديت على رعيتك في حدود الدين، وينبغي لمن يكون واليا أن يكف بصره عن شهواته، ويزجر نفسه عن لذاتها. ثم كتب بعد ذلك كلاما طويلا اختصرته، من جملته هذه الأبيات: # وليت ويحك أمرا لست تدركه %~% فاستغفر الله من فعل امرئ # زاني ~~وقد أتانا الفتى المسكين # منتحبا %~% يشكو إلينا ببين ثم أحزان ~~أعطي الإله ms1538 يمينا لا أكفرها %~% نعم وأبرء من ديني وإيماني ~~إن أنت خالفت فيما قد كتبت # به %~% لأجعلنك لحما بين عقباني ~~طلق سعاد وعجلها مجهزة %~% مع الكميت ومع نصر بن # ذبيان # ثم طوى الكتاب وطبعه بخاتمه، واستدعى الكميت ونصر بن ذبيان، وكان يستنهضهما في المهمات لأمانتهما؛ فأخذا الكتاب وسارا حتى قدما المدينة فدخلا على مروان بن الحكم وسلما عليه، وسلما إليه الكتاب، وأعلماه بصورة الحال. فصار مروان يقرؤه ويبكي، ثم قام إلى سعاد وأخبرها، ولم يسعه مخالفة معاوية، فطلقها بمحضر من الكميت ونصر بن ذبيان، وجهزهما وصبحتهما سعاد. ثم كتب مروان كتابا إلى معاوية يقول فيه: # لا تعجلن أمير المؤمنين # فقد %~% أوفي بنذرك في رفق وإحسان ~~وما أتيت حراما حين أعجبني %~% فكيف أدعى باسم الخائن # الزاني ~~وسوف تأتيك شمس لا نظير لها %~% عند الخليفة من إنس ومن # جان # وختم الكتاب ودفعه إلى الرسولين، فسارا حتى وصلا إلى معاوية وسلما إليه الكتاب، فقرأه وقال: لقد أحسن في الطاعة وأطنب في ذكر الجارية. ثم أمر بإحضارها، فلما رآها رأى صورة حسنة لم ير مثلها في الحسن والجمال، والقد والاعتدال، فخاطبها فوجدها فصيحة اللسان، حسنة البيان، فقال: علي بالأعرابي. فأتوا به وهو في حالة مزعجة من تغير الزمان عليه، فقال: يا أعرابي، هل لك عنها من سلوة وأعوضك عنها جواري نهدا وأبكارا، كأنهن أقمار، ومع كل جارية ألف دينار، وأجعل لك في بيت المال في كل سنة ما يكفيك ويغنيك؟ فلما سمع الأعرابي كلام معاوية شهق شهقة، فظن معاوية أنه قد مات، فلما قال له معاوية: ما بالك؟ قال: بشر بال وسوء حال، استجرت بعدلك من جور ابن الحكم، فبمن أستجير من جورك؟ وأنشد هذه الأبيات: # لا تجعلني فداك الله من ملك %~% كالمستجير من الرمضاء # بالنار ~~اردد سعاد على حيران مكتئب %~% يمسي ويصبح في هم وتذكار ~~أطلق وثاقي ولا تبخل علي # بها %~% فإن فعلت فإني غير كفار # ثم قال: والله يا أمير المؤمنين لو أعطيتني ما خولته من الخلافة، ما أخذته دون سعاد. وأنشد هذا ms1539 البيت: # أبى القلب في الحب إلا # سعادا %~% هواها غدا لي ريا وزادا # فقال معاوية: إنك مقر بأنك طلقتها، ومروان مقر بأنه طلقها، ونحن نخيرها، إن اختارت سواك زوجناها إياه، وإن اختارتك حولناها إليك. قال: افعل. فقال معاوية: ما تقولين يا سعاد، من أحب إليك؛ أمير المؤمنين في شرفه وعزه وقصوره وسلطانه وأمواله وما أبصرته عنده، أم مروان بن الحكم وعسفه وجوده، أم هذا الأعرابي وجوعه وفقره؟ فأنشدت هذين البيتين: # هذا وإن كان في جوع وأضرار %~% أعز عندي من قومي ومن جاري ~~وصاحب التاج أو مروان عامله %~% وكل ذي درهم عندي ودينار # ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان ولا لغدرات الأيام، وإن له صحبة قديمة لا تنسى، ومحبة لا تبلى، وأنا أحق من صبر معه في الضراء كما تنعمت معه في السراء. فتعجب معاوية من عقلها ومودتها وموافاتها، وأمر لها بعشرة آلاف درهم، ودفعها للأعرابي وأخذ زوجته وانصرف. ### || حكاية عاشقين من البصرة # وحكي أيضا أيها الملك السعيد، أن هارون الرشيد أرق ليلة، فوجه إلى الأصمعي، وإلى حسين الخليع، فأحضرهما وقال: حدثاني، وابدأ أنت يا حسين. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، خرجت في بعض السنين منحدرا إلى البصرة، ممتدحا محمد بن سليمان الربيعي بقصيدة، فقبلها وأمرني بالمقام، فخرجت ذات يوم إلى المريد، وجعلت المهالية طريقي، فأصابني حر شديد، فدنوت من باب كبير لأستسقي، وإذا أنا بجارية كأنها قضيب ينثني، وسناء العينين، زجاء الحاجبين، أسيلة الخدين، عليها قميص جلناري ورداء صنعاني، قد غلبت شدة بياض يديها حمرة قميصها، يتلألأ من تحت القميص ثديان كرمانتين، وبطن كطي القباطي بعكن كالقراطيس الناصعة المعقودة بالمسك محشوة، وهي يا أمير المؤمنين متقلدة بخرز من الذهب الأحمر، وهو بين نهديها وعلى صحن جبينها طرة كالسبج، ولها حاجبان مقرونان، وعينان نجلاوان، وخدان أسيلان، وأنف أقنى، تحته ثغر كاللؤلؤ وأسنان كالدر، وقد غلب عليها الطيب، وهي والهة حيرانة ذاهبة في الدهليز تروح وتجيء، تخطر على أكباد محبيها في مشيتها، وقد أخرست سيقانها أصوات خلاخيلها، فهي ms1540 كما قال فيها الشاعر: # كل جزء في محاسنها %~% مرسل من حسنها مثلا # فهبتها يا أمير المؤمنين، ثم دنوت منها لأسلم عليها، فإذا الدار والدهليز والشارع قد عبق بالمسك، فسلمت عليها فردت علي بلسان خاشع وقلب حزين بلهيب الوجد محترق، فقلت لها: يا سيدتي، إني شيخ غريب وأصابني عطش، أفتأمرين لي بشربة ماء تؤجرين عليها؟ قالت: إليك عني يا شيخ، فإني مشغولة عن الماء والزاد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 694 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت: إني مشغولة عن الماء والزاد. فقلت: لأي علة يا سيدتي؟ قالت: إني أعشق من لا ينصفني، وأريد من لا يريدني، ومع ذلك فإني ممتحنة بمراقبة الرقباء. قلت: وهل يا سيدتي على بسيطة الأرض من تريدينه ولا يريدك؟ قالت: نعم، وذلك لفضل ما ركب فيه من الجمال والكمال والدلال. قلت: وما وقوفك في هذا الدهليز؟ قالت: ها هنا طريقه، وهذا وقت اجتيازه. قلت لها: يا سيدتي، فهل اجتمعتما في وقت من الأوقات، وتحدثتما حديثا أوجب هذا الوجد؟ فتنفست الصعداء، وأرخت دموعها على خدها كطل سقط على ورد، ثم أنشدت هذين البيتين: # وكنا كغصني بانة فوق روضة %~% نشم جنى اللذات في عيشة # رغد ~~فأفرد هذا الغصن من ذاك # قاطع %~% فيا من رأى فردا يحن إلى # فرد # قلت: يا هذه، فما بلغ من عشقك لهذا الفتى؟ قالت: أرى الشمس على حيطان أهله، فأحسب أنها هو، وربما أراه بغتة فأبهت ويهرب الدم والروح من جسدي، وأبقى الأسبوع والأسبوعين بغير عقل. فقلت لها: اعذريني، فإني على مثل ما بك من الصبابة، مشتغل البال بالهوى وانتحال الجسم وضعف القوى، أرى بك من شحوب اللون ورقة البشرة ما يشهد بتباريح الهوى، وكيف لم يمسسك الهوى وأنت مقيمة في أرض البصرة؟ قالت: والله كنت قبل محبتي هذا الغلام في غاية الدلال، بهية الجمال والكمال، ولقد فتنت جميع ملوك البصرة حتى افتتن بي هذا الغلام. قلت: يا هذه، ما الذي فرق بينكما؟ قالت: نوائب الدهر، ولحديثي ms1541 وحديثه شأن عجيب؛ وذلك أني قعدت في يوم نيروز، ودعوت عدة من جواري البصرة، وفي تلك الجواري جارية سيران، وكان ثمنها عليه من عمان ثمانين ألف درهم، وكانت لي محبة وبي مولعة، فلما دخلت رمت نفسها علي وكادت تقطعني قرصا وعضا، ثم خلونا ننعم بالشراب إلى أن يتهيأ طعامنا ويتكامل سرورنا، وكانت تلاعبني وألاعبها، فتارة أنا فوقها وتارة هي فوقي، فحملها السكر على أن ضربت يدها إلى دكتي، فحلتها من غير ريبة كانت بيننا، ونزل سروالي بالملاعبة، فبينما نحن كذلك إذ دخل هو على حين غفلة، فرأى ذلك، فاغتاظ لذلك وانصرف عني انصراف المهرة العربية إذا سمعت صلاصل لجامها، فولى خارجا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 695 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت لحسين الخليع: إن محبوبي لما رأى ما ذكرت لك من ملاعبتي مع جارية سيران، خرج مغضبا مني، فأنا يا شيخ منذ ثلاث سنين لم أزل أعتذر إليه وأتلطف به وأستعطفه، فلا ينظر إلي بطرف، ولا يكتب إلي بحرف، ولا يكلم لي رسولا، ولا يسمع مني قليلا. قلت لها: يا هذه، أمن العرب هو أم من العجم؟ قالت: ويحك، هو من جملة ملوك البصرة. فقلت لها: أشيخ هو أم شاب؟ فنظرت إلي شزرا وقالت: إنك أحمق، هو مثل القمر ليلة البدر، أجرد أمرد، لا يعيبه شيء غير انحرافه عني. فقلت لها: ما اسمه؟ قالت: ما تصنع به؟ قلت: أجتهد في لقائه لتحصيل الوصال بينكما. قالت: على شرط أن تحمل إليه رقعة. قلت: لا أكره ذلك. فقالت: اسمه ضمرة بن المغيرة، ويكنى بأبي السخاء، وقصره بالمريد. ثم صاحت على من في الدار: هاتوا الدواة والقرطاس. وشمرت عن ساعدين كأنهما طوقان من فضة، وكتبت بعد التسمية: «سيدي، ترك الدعاء في صدر رقعتي ينبئ عن تقصيري، واعلم أن دعائي لو كان مستجابا ما فارقتني؛ لأني كثيرا ما دعوت ألا تفارقني وقد فارقتني، ولولا أن الجهد تجاوز بي جد التقصير لكان ما تكلفته خادمتك من ms1542 كتابة هذه الرقعة معينا لها مع يأسها منك؛ لعلمها أنك تترك الجواب، وأقصى مرادها سيدي نظرة إليك وقت اجتيازك في الشارع إلى الدهليز تحيي بها نفسا ميتة، وأجل من ذلك عندها أن تخط بخط يدك - بسطها الله بكل فضيلة - رقعة، وتجعلها عوضا عن تلك الخلوات التي كانت بيننا في الليالي الخاليات، التي أنت ذاكر لها سيدي، ألست لك محبة مدنفة؟ فإن أجبت إلى المسألة كنت لك شاكرة، ولله حامدة والسلام.» # فتناولت الكتاب وخرجت، وأصبحت غدوت إلى باب محمد بن سليمان، فوجدت مجلسا محتفلا بالملوك، ورأيت غلاما قد زان المجلس، وفاق على من فيه جمالا وبهجة قد رفعه الأمير فوقه، فسألت عنه فإذا هو ضمرة بن المغيرة، فقلت في نفسي: بالحقيقة حل بالمسكينة ما حل بها. ثم قمت وقصدت المريد، ووقفت على باب داره، فإذا هو قد ورد في موكب، فوثبت إليه وبالغت في الدعاء وناولته الرقعة، فلما قرأها وفهم معناها قال لي: يا شيخ، قد استبدلنا بها، فهل لك أن تنظر إلى البديل؟ قلت: نعم. فصاح على فتاة، وإذا هي جارية تخجل القمرين، ناهدة الثديين، تمشي مشية مستعجل من غير وجل، فناولها الرقعة وقال: أجيبي عنها. فلما قرأتها اصفر لونها حيث عرفت ما فيها وقالت: يا شيخ، استغفر الله مما جئت فيه. فخرجت يا أمير المؤمنين، وأنا أجر رجلي حتى أتيتها واستأذنت عليها ودخلت، فقالت: ما وراءك؟ قلت: البأس واليأس. قالت: ما عليك منه، فأين الله والقدرة. ثم أمرت لي بخمسمائة دينار وخرجت، ثم جزت على ذلك المكان بعد أيام، فوجدت غلمانا وفرسانا فدخلت، وإذا هم أصحاب ضمرة يسألونها الرجوع إليه، وهي تقول: لا والله لا نظرت له في وجه. فسجدت شكرا لله يا أمير المؤمنين شماتة بضمرة، وتقربت من الجارية فأبرزت لي رقعة، فإذا فيها بعد التسمية: «سيدتي، لولا إبقائي عليك - أدام الله حياتك - لوضعت شطرا مما حصل منك، وبسطت عذري في ظلامتك إياي؛ إذ كنت الجانية على نفسك ونفسي المظهرة لسوء العهد وقلة الوفاء والمؤثرة علينا غيرنا، فخالفت ms1543 هواي والله المستعان على ما كان من اختيارك والسلام.» وأوقفتني على ما حمله إليها من الهدايا والتحف، وإذا هو بمقدار ثلاثين ألف دينار، ثم رأيتها بعد ذلك وقد تزوج بها ضمرة، فقال الرشيد: لولا أن ضمرة سبقني إليها لكان لي معها شأن من الشئون. ### || إسحاق الموصلي وإبليس # وحكي أيضا أيها الملك أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: بينما أنا ذات ليلة في منزلي، وكان زمن الشتاء، وقد انتشرت السحب وتراكمت الأمطار تقطر كأفواه القرب، وامتنع الغادي والمقبل من المسير في الطرقات لما فيها من الأمطار والوحل، وأنا ضيق الصدر، حيث لم يأتني أحد من إخواني، ولم أقدر أن أسير إليهم من شدة الوحل والطين. فقلت لغلامي: أحضر لي ما أتشاغل به. فأحضر لي طعاما وشرابا، فتنغصت إذ لم يكن معي من يؤانسني. ولم أزل أتطلع من الطاقات وأراقب الطرقات حتى أقبل الليل، فتذكرت جارية لبعض أولاد المهدي كنت أهواها، وكانت عارفة بالغناء وتحريك آلات الملاهي، فقلت في نفسي: لو كانت الليلة عندنا لتم سروري وقصرت ليلتي مما أنا فيه من الفكر والقلق. وإذ بداق يدق الباب وهو يقول: أيدخل محبوب على الباب واقف؟ فقلت في نفسي: لعل غرس التمني قد أثمر. فقمت إلى الباب فإذا بصاحبتي وعليها مرط أخضر قد اتشحت به، وعلى رأسها وقاية من الديباج تقيها من المطر، وقد غرقت في الطين إلى ركبتيها وابتل ما عليها من الميازيب، وهي في قالب عجيب. فقلت لها: يا سيدتي، ما الذي أتى بك في مثل هذه الأوحال؟ فقالت: قاصدك جاءني ووصف ما عندك من الصبابة والشوق، فلم يسعني إلا الإجابة والإسراع نحوك. فتعجبت من ذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 696 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما أتت وطرقت باب إسحاق، خرج لها وقال: يا سيدتي، ما الذي أتى بك في هذه الأوحال؟ قالت له: قاصدك جاءني ووصف ما عندك من الصبابة والشوق، فلم يسعني إلا الإجابة والإسراع نحوك. فتعجبت من ذلك وكرهت ms1544 أني أقول لها لم أرسل إليك أحدا، فقلت: الحمد لله على جمع الشمل بعد ما قاسيت من ألم الصبر، ولو كنت أبطأت علي ساعة كنت أحق بالسعي إليك؛ لأني أشتاق إليك، كثير الصبابة نحوك. ثم قلت لغلامي: هات الماء. فأقبل بمسخنة فيها ماء حار حتى تصلح حالها، ثم أمرته أن يصب الماء على رجليها وتوليت غسلهما بنفسي، ثم دعوت ببدلة من أفخر الملبوس، فألبستها إياها بعد أن نزعت ما كان عليها وجلسنا، ثم استدعيت بالطعام فأبت، فقلت: هل لك في الشراب؟ قالت: نعم. فتناولت أقداحا ثم قالت: من يغن؟ فقلت: أنا يا سيدتي. فقالت: لا أحب. فقلت: بعض جواري. قالت: لا أريد. قلت: غن بنفسك. قالت: ولا أنا. قلت لها: فمن يغن لك؟ قالت: اخرج التمس من يغني لي. فخرجت طاعة لها إلا أني يائس ومتيقن ألا أجد أحدا في مثل هذا الوقت، فلم أزل ماشيا حتى بلغت الشارع، وإذا أنا بأعمى يخبط الأرض بعصاه وهو يقول: لا جزى الله من كنت عندهم خيرا، إن غنيت لم يسمعوا، وإن سكت استخفوا بي. فقلت له: أمغن أنت؟ قال: نعم. قلت له: فهل لك أن تتم ليلتك عندنا وتؤنسنا؟ قال: إن شئت خذ بيدي. فأخذت بيده وسرت إلى الدار وقلت لها: يا سيدتي، قد أتيت بمغن أعمى نلتذ به ولا يرانا. فقالت: علي به. فأدخلته وعزمت عليه بالطعام، فأكل أكلا لطيفا وغسل يديه، وقدمت إليه الشراب فشرب ثلاثة أقداح ثم قال: من تكن؟ قلت: إسحاق بن إبراهيم الموصلي. قال: لقد كنت أسمع بك، والآن فرحت بمنادمتك. فقلت: يا سيدي، فرحت بفرحك. ثم قال: غن لي يا إسحاق. فأخذت العود على سبيل المجون وقلت: السمع والطاعة. فلما أن غنيت وانقضى الصوت قال: يا إسحاق، قاربت أن تكون مغنيا. فصغرت إلى نفسي وألقيت العود من يدي، فقال: أما عندك من يحسن الغناء؟ قلت: عندي جارية. قال: مرها أن تغني. فقلت: هل تغني وأنت واثق بغنائها؟ قال: نعم. فغنت. قال: لا ما صنعت شيئا. فرمت ms1545 العود من يدها مغضبة وقالت: الذي عندنا جدنا به، فإن كان عندك شيء فتصدق به علينا. فقال: علي بعود لم تمسه يد. فأمرت الخادم فجاء بعود جديد، فجس العود وضرب في طريق لا أعرفها، واندفع يغني وينشد هذين البيتين: # سرى يقطع الظلماء والليل # عاكف %~% حبيب بأوقات الزيارة عارف ~~وما راعنا إلا سلام وقولها %~% أيدخل محبوب على الباب # واقف؟ # قال: فنظرت إلي الجارية شزرا وقالت: سر بيني وبينك ما يسعه صدرك ساعة وأودعته لهذا الرجل! فحلفت لها واعتذرت إليها، ثم أخذت أقبل يديها وأزغزغ ثدييها وأعض خديها حتى ضحكت. ثم التفت إلى الأعمى وقلت له: غن يا سيدي. فأخذ العود وغنى بهذين البيتين: # ألا ربما زرت الملاح وربما %~% لمست بكفي البنان # المخضبا ~~وزغزغت رمان الصدور ولم # أزل %~% أعضعض تفاح الخدود # المكببا # فقلت لها: يا سيدتي، من أعلمه بما نحن فيه؟ قالت: صدقت. ثم تجنبناه، فقال: إني حاقن. فقلت: يا غلام، خذ الشمعة وامض بين يديه. فخرج وأبطأ، فخرجنا في طلبه فلم نجده، فإذا الأبواب مغلقة والمفاتيح في الخزانة، فلا ندري أفي السماء صعد أم في الأرض هبط؟ فعلمت أنه إبليس وأنه قاد لي. ثم انصرفت فتذكرت قول أبي نواس حيث قال هذين البيتين: # عجبت من إبليس في كبره %~% وخبث ما أضمر في نيته ~~تاه على آدم في سجدة %~% وصار قوادا لذريته ### || حكاية عاشقين من أهل المدينة # وحكي أيضا أن إبراهيم بن إسحاق قال: كنت منقطعا إلى البرامكة، فبينما أنا يوما في منزلي وإذا ببابي يدق، فخرج غلامي وعاد وقال لي: على الباب فتى جميل يستأذن. فأذنت له، فدخل شاب عليه أثر السقم، فقال: إن لي مدة أحاول لقاءك ولي إليك حاجة. فقلت: ما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي وقال: أسألك أن تقبلها مني وتصنع لي لحنا في بيتين قلتهما. فقلت له: أنشدنيهما. فأنشد وجعل يقول ... وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 697 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن إبراهيم بن إسحاق لما دخل عليه الفتى، ms1546 ووضع بين يديه الدنانير وقال له: أسألك أن تقبلها وتصنع لي لحنا في بيتين قلتهما. فقال له: أنشدنيهما. فأنشد يقول: # بالله يا طرفي الجاني على # كبدي %~% لتطفئن بدمعي لوعة الحزن ~~الدهر من جملة العذال في # سكني %~% فلا أراه ولو أدرجت في كفني # قال: فصنعت له لحنا يشبه النوح، ثم غنيته فأغمي عليه حتى ظننت أنه مات، ثم أفاق وقال: أعد. فناشدته الله وقلت: أخشى أن تموت. قال: ليت ذلك لو كان. وما زال يخضع ويتضرع حتى رحمته وأعدته. فصعق صعقة أشد من الأولى فلم أشك في موته، وما زلت أنضح عليه من ماء الورد حتى أفاق وجلس، فحمدت الله على سلامته ووضعت دنانيره بين يديه وقلت له: خذ مالك وانصرف عني. فقال: لا حاجة لي به، ولك مثلها إن أعدت اللحن. فانشرح صدري إلى المال، فقلت له: أعيد ولكن بثلاثة شروط؛ أولها أن تقيم عندي وتأكل طعامي حتى تقوي نفسك، والثاني أن تشرب من الشراب ما يمسك قلبك، والثالث أن تحدثني بحديثك. ففعل ذلك ثم قال: إني رجل من أهل المدينة، خرجت متنزها وقد سلكت طريق العقيق مع إخوتي، فرأيت جارية مع فتيات كأنهن غصن جلله الندى، تنظر بعينين ما ارتد طرفهما إلا بنفس ملاحظتهما، فأظللن حتى فرغ النهار ثم انصرفن، وقد وجدت بقلبي جراحا بطيئة الاندمال؛ فعدت أتنسم أخبارها فلم أجد أحدا، فصرت أتتبعها في الأسواق، فلم أقع لها على خبر، ومرضت أسى وحكيت قصتي لذي قرابة لي، فقال: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع ما انقضت وستمطر السماء فتخرج حينئذ وأخرج أنا معك فأفعل مرادك. فاطمأنت نفسي بذلك إلى أن سال العقيق وخرج، فخرجت مع إخوتي وقرابتي فجلسنا في مجلسنا بعينه، فما لبثنا إلا والنسوة أقبلن كفرسي رهان، فقلت لجارية من أقاربي: قولي لهذه الجارية، يقول لك هذا الرجل: لقد أحسن من قال هذا البيت: # رمتني بسهم أفصد القلب # وانثنت %~% وقد عاودت جرحا به وندوبا # فمضت إليها وقالت لها ذلك، فقالت: قولي له: لقد أحسن من أجاب بهذا ms1547 البيت: # بنا مثل ما تشكو فصبرا # لعلنا %~% نرى فرجا يشفي القلوب قريبا # وأمسكت عن الكلام خوف الفضيحة وقمت منصرفا، فقامت لقيامي وتبعتها، فرأتني حتى عرفت منزلها، وصارت تسير إلي وأسير إليها حتى اجتمعنا، وكثر ذلك حتى شاع وظهر وعلم أبوها؛ فلم أزل مجتهدا في لقائها وشكوت ذلك إلى أبي، فجمع أهلنا ومضى إلى أبيها راغبا في خطبتها، فقال: لو بدا لي ذلك قبل أن يفضحها لفعلت، ولكن اشتهر ذلك فما كنت لأحقق قول الناس. # قال إبراهيم: فأعدت عليه الصوت، فعرفني منزله ثم انصرف، وكان بيننا عشرة. ثم جلس جعفر بن يحيى وحضرت على عادتي، فغنيته شعر الفتى، فطرب وشرب أقداحا وقال: ويلك! لمن هذا الصوت؟ فحدثته حديث الفتى، فأمرني بالركوب إليه وأن أجعله على ثقة من بلوغ إربه؛ فمضيت إليه فأحضرته، فاستعاده الحديث فحدثه، فقال: أنت في ذمتي حتى أزوجك إياها. فطابت نفسه وأقام معنا، فلما أصبح الصباح ركب جعفر إلى الرشيد وحدثه بذلك، فاستظرفه وأمر أن نحضر جميعا، فاستعاد الصوت وشرب عليه، ثم أمر بكتب كتاب إلى عامل الحجاز بإحضار أبي المرأة وأهلها مبجلا إلى حضرته، والإنفاق عليهم نفقة واسعة؛ فلم يمض إلا يسير حتى حضروا، فأشار الرشيد بإحضار الرجل بين يديه فحضر، وأمره بتزويج ابنته من الفتى وأعطاه مائة ألف دينار وانقلب إلى أهله. ولم يزل الشاب من ندماء جعفر حتى حدث ما حدث، فعاد الفتى بأهله إلى المدينة، فرحم الله تعالى أرواحهم أجمعين. ### || حكاية الملك الناصر ووزيره # وحكي أيضا أيها الملك السعيد، أن الوزير أبا عامر بن مروان كان قد أهدي إليه غلام من النصارى، لا تقع العيون على أحسن منه؛ فلمحه الملك الناصر فقال لسيده: من أين هذا؟ قال: هو من عند الله. فقال له: أتخوفنا بالنجوم وتأسرنا بالأقمار؟ فاعتذر إليه ثم احتفل في هدية بعثها إليه مع الغلام وقال له: كن داخلا في جملة الهدية، ولولا الضرورة ما سمحت بك نفسي. وكتب معه هذين البيتين: # أمولاي هذا البدر سار # لأفقكم %~% أرى الأفق أولى بالبدور من ms1548 # الأرض ~~فأرضيكم بالنفس وهي # نفيسة %~% ولم أر قبلي من بمهجته # يرضي # فحسن ذلك عند الناصر وأتحفه بمال جزيل وتمكن عنده. ثم بعد ذلك أهديت للوزير جارية من أجلاء نساء الدنيا، فخاف أن ينمي ذلك إلى الناصر فيطلبها فتكون كقصة الغلام؛ فاحتفل في هدية أعظم من الأولى وأرسلها مع الجارية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 698 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير أبا عامر لما أهديت إليه الجارية، خاف أن يصل خبرها إلى الملك الناصر وتكون قصتها مثل قصة الغلام؛ فاحتفل في هدية أعظم من الأولى وأرسلها وصحبتها الجارية، وكتب معها هذه الأبيات: # أمولاي هذي الشمس والبدر # أولا %~% تقدم إليها يلتقي القمران ~~قران لعمري بالسعادة ناطق %~% فدم منهما في كوثر وجنان ~~فما لهما والله في الحسن ثالث %~% وما لك في ملك البرية ثان # فتضاعفت مكانته عنده، ثم وشى به بعض أعدائه عند الناصر بأن عنده من الغلام بقية حرارة، وأنه لا يزال يلهج بذكره حين تحركه الشمول، فيقرع السن على إهداء الغلام. فقال الناصر: لا تحرك به لسانك وإلا أطرت رأسك. وكتب إليه على لسان الغلام ورقة فيها: يا مولاي، أنت تعلم أنك كنت لي على الانفراد، ولم أزل معك في نعيم، وأنا وإن كنت عند السلطان فإني أحب انفرادي بك، ولكنني أخشى من سطوة الملك؛ فتحيل في استدعائي منه. ثم بعثها مع غلام صغير وأوصاه أن يقول: هي من عند فلان، وإن الملك لم يكلمه قط. فلما أوقف عليها أبو عامر ودلس عليه الخادم أحس بالشربة، فكتب على ظهر الورقة هذه الأبيات: # أمن بعد إحكام التجارب # ينبغي %~% لذي الحزم أن يسعى إلى غابة # الأسد ~~ولا أنا ممن يغلب الحب # عقله %~% ولا جاهل ما يدعيه أولو # الحسد ~~فإن كنت روحي قد وهبتك # طائعا %~% وكيف ترد الروح إن فارقت # جسد # فلما وقف الناصر على الجواب، تعجب من فطنته ولم يعد إلى استماع واش فيه بعد ذلك. ثم قال له: كيف خلصت من الشرك؟ قال: لأن عقلي ms1549 بالهوى غير مشترك. والله أعلم. ### || حكاية دليلة المحتالة # وحكي أيضا أيها الملك السعيد، أنه كان في زمن خلافة هارون الرشيد رجل يسمى أحمد الدنف، وآخر اسمه حسن شومان، وكانا صاحبا مكر وحيل، ولهما أفعال عجيبة، فبسبب ذلك خلع الخليفة على أحمد الدنف خلعة وجعله مقدم الميمنة، وخلع على حسن شومان خلعة وجعله مقدم الميسرة، وجعل لكل واحد منهما جامكية في كل شهر ألف دينار، وكان لكل واحد منهما أربعون رجلا من تحت يده، وكان مكتوبا بأعلى: أحمد الدنف درك البر. فنزل أحمد الدنف ومعه حسن شومان، ومن تحت أيديهما راكبين، والأمير خالد الوالي بصحبتهم، والمنادي ينادي حسبما رسم الخليفة أنه: لا مقدم بغداد في الميمنة إلا المقدم أحمد الدنف، ولا مقدم بغداد في الميسرة إلا حسن شومان، وإنهما مسموعان الكلمة واجبان الحرمة، وكان في البلدة عجوز تسمى دليلة المحتالة، ولها بنت تسمى زينب النصابة، فسمعتا المناداة بذلك، فقالت زينب لأمها دليلة: انظري يا أمي، هذا أحمد الدنف جاء من مصر مطرودا، ولعب مناصف في بغداد إلى أن تقرب عند الخليفة، وبقي مقدم الميمنة، وهذا الولد الأقرع حسن شومان صار مقدم الميسرة، وله سماط في الغداة وسماط في العشي، ولهما جوامك لكل واحد منهما ألف دينار في كل شهر، ونحن قاعدون معطلون في هذا البيت، لا مقام لنا ولا حرمة، وليس لنا من يسأل عنا. وكان زوج دليلة مقدم بغداد سابقا، وكان له عند الخليفة في كل شهر ألف دينار، فمات عن بنتين؛ بنت متزوجة ومعها ولد يسمى أحمد اللقيط، وبنت عازبة تسمى زينب النصابة، وكانت دليلة صاحبة حيل وخداع ومناصف، وكانت تتحيل على الثعبان حتى تطلعه من وكره، وكان إبليس يتعلم منها المكر، وكان زوجها براج عند الخليفة، وكان له جامكية في كل شهر ألف دينار، وكان يربي حمام البطاقة الذي يسافر بالكتب والرسائل، وكان عند الخليفة كل طير لوقت حاجته أعز من واحد من أولاده، فقالت زينب لأمها: قومي اعملي حيلا ومناصف؛ لعل بذلك يشتهر لنا صيت في بغداد، ms1550 وتكون لنا جامكية أبينا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 699 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زينب النصابة لما قالت لأمها: قومي اعملي لنا حيلا ومناصف؛ لعل بذلك يشيع لنا صيت في بغداد، فتكون لنا جامكية أبينا، فقالت لها: وحياتك يا بنتي لألعب في بغداد مناصف أقوى من مناصف أحمد الدنف وحسن شومان. فقامت ضربت على وجهها لثاما، ولبست لباس الفقراء من الصوفية، ولبست لباسا نازلا لكعبها وجبة صوف، وتحزمت بمنطقة عريضة، وأخذت إبريقا وملأته ماء لرقبته، وحطت في فمه ثلاثة دنانير، وغطت فم الإبريق بليفة، وتقلدت بسبح قدر حملة حطب، وأخذت راية في يدها، وفيها شراميط حمر وصفر، وطلعت تقول: الله واللسان ناطق بالتسبيح، والقلب راكض في ميدان القبيح. وصارت تتلمح لمنصف تلعبه في البلد، فسارت من زقاق إلى زقاق حتى وصلت إلى زقاق مكنوس مرشوش، وبالرخام مفروش، فرأت بابا مقوصرا بعتبة من مرمر، ورجلا مغربيا بوابا واقفا بالباب، وكانت تلك الدار لرئيس الشاويشية عند الخليفة، وكان صاحب الدار ذا زرع وبلاد وجامكية واسعة، وكان يسمى حسن شر الطريق، وما سموه بذلك إلا لكون ضربته تسبق كلمته، وكان متزوجا بصبية مليحة وكان يحبها، وكانت ليلة دخلته بها حلفته أنه لا يتزوج عليها ولا يبيت في غير بيته، إلى أن طلع زوجها يوما من الأيام إلى الديوان، فرأى كل أمير معه ولد أو ولدان، وكان قد دخل الحمام ورأى وجهه في المرآة، فرأى بياض شعر ذقنه غطى سوادها، فقال في نفسه: هل الذي أخذ أباك لا يرزقك ولدا. ثم دخل على زوجته وهو مغتاظ، فقالت له: مساء الخير. فقال لها: روحي من قدامي، من يوم رأيتك ما رأيت خيرا. فقالت له: لأي شيء؟ فقال لها: ليلة دخلت عليك حلفتني أني ما أتزوج عليك، ففي هذا اليوم رأيت الأمراء كل واحد معه ولد، وبعضهم معه ولدان، فتذكرت الموت وأنا ما رزقت بولد ولا بنت، ومن لا ذكر له لا يذكر، وهذا سبب غيظي؛ فإنك عاقر لا ms1551 تحبلين مني. فقالت له: اسم الله عليك، أنا خرقت الأهوان من دق الصوف والعقاقير، وأنا ما لي ذنب والعاقة منك؛ لأنك بغل أفطس، وبيضك رائق لا يحبل ولا يجيء بأولاد. فقال لها: لما أرجع من السفر أتزوج عليك. فقالت له: نصيبي على الله. # ![fig14](../Images/figure14.png) # لبست لباس الفقراء، وأخذت راية في يدها، وسارت من زقاق إلى زقاق. # وطلع من عندها وندما على معايرة بعضهما، فبينما زوجته تطل من طاقتها وهي كأنها عروسة، كنز من المصاغ الذي عليها، وإذا بدليلة واقفة فرأتها، فنظرت عليها صيغة وثيابا مثمنة، فقالت لنفسها: يا دليلة، لا أصنع من أن تأخذي هذه الصبية من بيت زوجها، وتعريها من المصاغ والثياب، وتأخذي جميع ذلك. فوقفت وذكرت تحت شباك القصر، وقالت: الله الله. فرأت الصبية هذه العجوز وهي لابسة من الثياب البيض ما يشبه قبة من نور، متهيئة بهيئة الصوفية، وهي تقول: احضروا يا أولياء الله. فطلت نساء الحارة من الطيقان، وقالت: شيئا لله من المدد، هذه شيخة طالع من وجهها النور. فبكت خاتون زوجة الأمير حسن وقالت لجاريتها: انزلي قبلي يد الشيخ أبي علي البواب، وقولي له: خليه يدخل الشيخة لنتبرك بها. فنزلت وقبلت يده، وقالت: سيدتي تقول لك خل هذه الشيخة تدخل إلى سيدتي لنتبرك بها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 700 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما نزلت للبواب وقالت له: سيدتي تقول لك: خل هذه الشيخة تدخل لسيدتي لتتبرك بها؛ لعل بركتها تعم علينا. تقدم البواب وقبل يدها، فمنعته وقالت له: ابعد عني لئلا تنقض وضوئي، أنت الآخر مجذوب وملحوظ من الأولياء، الله يعتقك من هذه الخدمة يا أبا علي. وكان للبواب أجرة ثلاثة أشهر على الأمير، وكان معسرا ولم يعرف أن يخلصها من ذلك الأمير، فقال لها: يا أمي، اسقيني من إبريقك لأتبرك بك. فأخذت الإبريق من كنفها وبرمت به في الهواء، وهزت يدها حتى طارت الليفة من فم الإبريق، فنزلت الثلاثة دنانير على الأرض، فنظرها البواب والتقطها ms1552 وقال في نفسه: شيء لله، هذه الشيخة من أصحاب التصرف، فإنها كاشفت علي وعرفت أني محتاج للمصروف، فتصرفت لي في حصول ثلاثة دنانير من الهواء. ثم أخذها في يده وقال لها: خذي يا خالتي الثلاثة دنانير التي وقعت على الأرض من إبريقك. فقالت له العجوز: أبعدها عني، فإني من ناس لا يشتغلون بدنيا أبدا، خذها ووسع بها على نفسك عوضا عن الذي لك على الأمير. فقال: شيئا لله من المدد، وهذا من باب الكشف. # وإذا بالجارية قبلت يدها، وأطلعتها لسيدتها. فلما دخلت رأت سيدة الجارية كأنها كنز انفكت عنه الطلاسم، فرحبت بها وقبلت يدها، فقالت لها: يا بنتي، أنا ما جئتك إلا بمشورة. فقدمت لها الأكل، فقالت لها: يا بنتي، أنا ما آكل إلا من مأكل الجنة، وأديم صيامي فلا أفطر إلا خمسة أيام في السنة، ولكن يا بنتي أنا أنظرك مكدرة، ومرادي أن تقولي لي على سبب تكديرك. فقالت: يا أمي، في ليلة ما دخلت حلفت زوجي أنه لا يتزوج غيري، فرأى الأولاد فتشوق إليهم، فقال لي: أنت عاقر. فقلت له: أنت بغل لا تحبل. فخرج غضبان، وقال لي: لما أرجع من السفر أتزوج عليك، وأنا خائفة يا أمي أن يطلقني ويأخذ غيري، فإن له بلادا وزروعا وجامكية واسعة، فإذا جاء له أولاد من غيري يملكون المال والبلاد مني. فقالت لها: يا بنتي، هل أنت عمياء عن شيخي أبي الحملات؟ فكل من كان مديونا وزاره قضى الله دينه، وإن زارته عقيم فإنها تحبل. فقالت: يا أمي، أنا من يوم دخلت ما خرجت لا معزية ولا مهنئة. وقالت لها العجوز: يا بنتي، أنا آخذك معي وأزورك أبا الحملات، وارمي حملتك عليه، وانذري له عسى أنه يجيء زوجك من السفر ويجامعك، فتحبلي منه ببنت أو ولد، وكل شيء ولدته إن كان أنثى أو ذكرا يبقى درويش الشيخ أبي الحملات. فقامت الصبية ولبست مصاغها جميعه، ولبست أفخر ما كان عندها من الثياب، وقالت للجارية: ألقي نظرك على البيت. فقالت: سمعا وطاعة يا ms1553 سيدتي. # ثم نزلت فقابلها الشيخ أبو علي البواب، فقال لها: إلى أين يا سيدتي؟ فقالت له: أنا رائحة لأزور الشيخ أبا الحملات. فقال البواب: صوم العام يلزمني، إن هذه الشيخة من الأولياء وملآنة بالولاية، وهي يا سيدتي من أصحاب التصريف؛ لأنها أعطتني ثلاثة دنانير من الذهب الأحمر، وكاشفت علي من غير أن أسألها وعلمت أني محتاج. فخرجت العجوز والصبية زوجة الأمير حسن شر الطريق معها، والعجوز الدليلة المحتالة تقول للصبية: إن شاء الله يا بنتي لما تزورين الشيخ أبا الحملات يحصل لك جبر الخاطر، وتحبلين بإذن الله تعالى، ويحبك زوجك الأمير حسن ببركة هذا الشيخ، ولا يسمعك كلمة تؤذي خاطرك بعد ذلك. فقالت لها: أزوره يا أمي. ثم قالت العجوز في نفسها: إني أعريها وآخذ ثيابها والناس رائحة وغادية؟ فقالت لها: يا بنتي، إذا مشيت فامشي ورائي على قدر ما تنظرينني؛ لأن أمك صاحبة حمل كثيرة، وكل من كان عليه حملة يرميها علي، وكل من كان معه نذر يعطيه لي ويقبل يدي. فمشت الصبية وراءها بعيدا عنها، والعجوز قدامها إلى أن وصلتا سوق التجار، والخلخال يرن، والعقوص تشن، فمرت على دكان ابن تاجر يسمى سيدي حسن، وكان مليحا جد الإنبات بعارضيه، فرأى الصبية مقبلة، وصار يلحظها شزرا، فلما لحظت ذلك العجوز، غمزت الصبية وقالت لها: اقعدي على هذا الدكان حتى أجيء إليك. فامتثلت أمرها وقعدت قدام دكان ابن التاجر، فنظرها ابن التاجر نظرة أعقبته ألف حسرة، ثم أتته العجوز وسلمت عليه وقالت له: هل أنت اسمك سيدي حسن ابن التاجر محسن؟ فقال لها: نعم، من أعلمك باسمي؟ فقالت: دلني عليك أهل الخير، واعلم أن هذه الصبية بنتي وكان أبوها تاجرا، فمات وخلف لها مالا كثيرا وهي بالغة، وقالت العقلاء: اخطب لبنتك ولا تخطب لابنك. وعمرها ما خرجت إلا في هذا اليوم، وقد جاءت الإشارة، ونويت في سري أني أزوجك بها، وإن كنت فقيرا أعطيتك رأس مال وافتح لك عوض الدكان اثنين. فقال ابن التاجر في نفسه: قد سألت الله عروسة، ms1554 فمن علي بثلاثة أشياء؛ كيس وكس وكساء. ثم قال لها: يا أمي، نعم ما أشرت به علي، فإن أمي طالما قالت لي: أريد أن أزوجك. لم أرض بل أقول: أنا لا أتزوج إلا على نظر عيني. فقالت له: قم على قدميك واتبعني، وأنا أريها لك عريانة. فقام معها، وأخذ معه ألف دينار وقال في نفسه: ربما نحتاج شيئا نشتريه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 701 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز قالت لحسن ابن التاجر محسن: قم اتبعني وأنا أريها لك عريانة. فقام معها وأخذ معه ألف دينار، وقال في نفسه: ربما نحتاج إلى شيء فنشتريه، ونحط معلوم عقد العقد. ثم قالت له العجوز: كن ماشيا بعيدا عنها على قدر ما تنظرها بالعين. وقالت العجوز في نفسها: أين تروحين بابن التاجر وقد قفل دكانه، فتعريه هو والصبية؟ ثم مشت والصبية تابعة العجوز، وابن التاجر تابع الصبية، إلى أن أقبلت على مصبغة كان فيها واحد معلوم يسمى الحاج محمد، وكان مثل سكين القلاقسي يقطع الذكر والأنثى، يحب أكل التين والرمان، فسمع الخلخال يرن فرفع عينه، فرأى الصبية والغلام، وإذا بالعجوز قعدت عنده وسلمت عليه وقالت له: أنت الحاج محمد الصباغ؟ فقال لها: نعم أنا الحاج محمد، أي شيء تطلبين؟ فقالت له: أنا دلني عليك أهل الخير، فانظر هذه الصبية المليحة بنتي، وهذا الشاب الأمرد المليح ابني، وأنا ربيتهما وصرفت عليهما أموالا كثيرة، واعلم أن لي بيتا كبيرا خسعا وصلبته على خشب، وقال لي المهندس: اسكني في مطرح غيره ربما يقع عليك حتى تعمريه، وبعد ذلك ارجعي إليه واسكني فيه. فطلعت أفتش لي على مكان فدلني عليك أهل الخير، ومرادي أن أسكن عندك بنتي وابني. فقال الصباغ في نفسه: قد جاءتك زبدة على فطيرة. فقال لها: صحيح أن لي بيتا وقاعة وطبقة، ولكن أنا ما أستغني عن مكان منها للضيوف والفلاحين أصحاب النيلة. فقالت له: يا ابني، معظمه شهر أو شهران حتى نعمر البيت، ونحن ناس ms1555 غرباء، فاجعل مكان الضيوف مشتركا بيننا وبينك، وحياتك يا ابني إن طلبت أن ضيوفك تكون ضيوفنا، فمرحبا بهم، نأكل معهم وننام معهم. فأعطاها المفاتيح واحدا كبيرا وآخر صغيرا، ومفتاحا أعوج. وقال لها: المفتاح الكبير للبيت، والأعوج للقاعة، والصغير للطبقة. # فأخذت المفاتيح وتبعتها الصبية ووراءها ابن التاجر، إلى أن أقبلت على زقاق فرأت الباب ففتحته، ودخلت ودخلت الصبية، وقالت لها: يا بنتي، هذا بيت الشيخ أبي الحملات - وأشارت لها إلى القاعة - ولكن اطلعي الطبقة وحلي إزارك حتى أجيء إليك. فدخلت الصبية في الطبقة وقعدت، فأقبل ابن التاجر فاستقبلته العجوز وقالت له: اقعد في القاعة حتى أجيء إليك ببنتي لتنظرها. فدخل وقعد في القاعة، ودخلت العجوز على الصبية فقالت لها الصبية: أنا مرادي أن أزور أبا الحملات قبل أن يجيء الناس. فقالت لها: يا بنتي، يخشى عليك. فقالت لها: من أي شيء؟ فقالت لها: هناك ولدي أهبل لا يعرف صيفا من شتاء دائما عريان، وهو نقيب الشيخ، فإن دخلت بنت مثلك لتزور الشيخ يأخذ حلقها ويشرم أذنها ويقطع ثيابها الحرير، فأنت تقلعين صيغتك وثيابك لأحفظها لك حتى تزوري. فقلعت الصبية الصيغة والثياب، وأعطت العجوز إياها وقالت لها: إني أضعها لك على ستر الشيخ فتحصل لك البركة. ثم أخذتها العجوز وطلعت وخلتها بالقميص واللباس، وخبأتها في محل في السلالم، ثم دخلت على ابن التاجر فوجدته في انتظار الصبية، فقال لها: أين بنتك حتى أنظرها؟ فلطمت على صدرها، فقال لها: ما لك؟ فقالت له: لا عاش جار السوء، ولا كان جيران يحسدون لأنهم رأوك داخلا معي، فسألوني عنك فقلت: أنا خطبت لبنتي هذا العريس. فحسدوني عليك، فقالوا لبنتي: هل أمك تعبت من مؤنتك حتى تزوجك لواحد مبتل؟ فحلفت لها أني ما أخليها تنظرك إلا وأنت عريان. فقال: أعوذ بالله من الحاسدين. وكشف عن ذراعيه فرأتهما مثل الفضة، فقالت له: لا تخش من شيء، فإني أدعك تنظرها عريانة مثل ما تنظرك عريان. فقال لها: خليها تجيء لتنظرني. وقلع الفروة السمور والحياصة والسكين، وجميع الثياب حتى ms1556 صار بالقميص واللباس، وحط الألف دينار في الحوائج، فقالت له: هات حوائجك حتى أحفظها لك. وأخذتها ووضعتها على حوائج الصبية، وحملت جميع ذلك وخرجت به من الباب وقفلته عليهما، وراحت إلى حال سبيلها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 702 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما أخذت حوائج ابن التاجر وحوائج الصبية، وقفلت الباب عليهما، وراحت إلى حال سبيلها، أودعت الذي كان معها عند رجل عطار، وراحت إلى الصباغ فرأته قاعدا في انتظارها، فقال لها: إن شاء الله يكون البيت أعجبكم؟ فقالت: فيه بركة وأنا رائحة أجيء بالحمالين يحملون حوائجنا وفرشنا، وأولادي قد اشتهوا علي عيشا بلحم، فأنت تأخذ هذا الدينار، وتعمل لهما عيشا بلحم وتروح تتغدى معهم. فقال الصباغ: ومن يحرس المصبغة وحوائج الناس فيها؟ فقالت: صبيك. قال: وهو كذلك. ثم أخذ صحنا ومكبة معه وراح يعمل الغداء. # هذا ما كان من أمر الصباغ وله كلام يأتي، وأما ما كان من أمر العجوز فإنها أخذت من العطار حوائج الصبية وابن التاجر، ودخلت المصبغة وقالت لصبي الصباغ: الحق معلمك وأنا لا أبرح حتى تأتيا. فقال لها: سمعا وطاعة. ثم أخذت جميع ما فيها، وإذا برجل حمار حشاش له أسبوع وهو بطال، فقالت له العجوز: تعال يا حمار. فجاءها فقالت له: هل أنت تعرف ابن الصباغ؟ قال لها: أعرفه. قالت له: هذا مسكين قد أفلس وبقي عليه ديون، وكلما يحبس أطلقه، ومرادنا أن نثبت إعساره، وأنا رائحة أعطي الحوائج لأصحابها، ومرادي أن تعطيني الحمار حتى أحمل عليه الحوائج للناس، وخذ هذا الدينار كراه، وبعد أن أروح تأخذ الدسترة وتنزح بها الذي في الخوابي، ثم تكسر الخوابي والدنان لأجل إذا نزل كشف من طرف القاضي لا يجد شيئا في المصبغة. فقال لها: إن المعلم فضله علي، وأعمل شيئا لله. فأخذت الحوائج وحملتها فوق الحمار وستر عليها الستار، وعمدت إلى بيتها فدخلت على بنتها زينب، فقالت لها: قلبي عندك يا أمي، أي شيء عملت من المناصف؟ فقالت ms1557 لها: أنا لعبت أربع مناصف على أربعة أشخاص؛ ابن تاجر وامرأة شاويش وصباغ وحمار، وجئت لك بجميع حوائجهم على حمار الحمار. فقالت لها: يا أمي، ما بقيت تقدري أن تشقي في البلد من الشاويش الذي أخذت حوائج امرأته، وابن التاجر الذي عريته، والصباغ الذي أخذت حوائج الناس من مصبغته، والحمار صاحب الحمار. فقالت: آه يا بنتي، أنا ما أحسب إلا حساب الحمار، فإنه يعرفني. # وأما ما كان من أمر المعلم الصباغ، فإنه جهز العيش باللحم وحمله على رأس خادمه، وفات على المصبغة فرأى الحمار يكسر في الخوابي ولم يبق فيها قماش ولا حوائج، ورأى المصبغة خرابا فقال له: ارفع يدك يا حمار. فرفع يده وقال له الحمار: الحمد لله على السلامة يا معلم، قلبي عليك. فقال له: لأي شيء؟ وما حصل لي؟ فقال له: قد صرت مفلسا، وكتبوا حجة إعسارك. فقال له: من قال لك؟ فقال له: أمك قالت لي، وأمرتني بكسر الخوابي ونزح الدنان خوفا من الكشاف إذا جاء ربما يجد في المصبغة شيئا. فقال له: الله يخيب البعيد، إن أمي ماتت من منذ زمان. ودق صدره بيده وقال: يا ضياع مالي ومال الناس. فبكى الحمار وقال: يا ضيعة حماري. ثم قال للصباغ: هات لي حماري من أمك. فتعلق الصباغ بالحمار، وصار يلكمه ويقول: أحضر لي العجوز. فقال له: أحضر لي الحمار. فاجتمعت عليهما الخلائق. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 703 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصباغ تعلق بالحمار، والحمار تعلق بالصباغ، وتضاربا وصار كل منهما يدعي على صاحبه، فاجتمعت عليهم الخلائق، فقال واحد منهم: أي شيء الحكاية يا معلم محمد؟ قال له الحمار: أنا أحكي لكم الحكاية. وحدثهم بما جرى له، وقال: إني أظن أني مشكور عند المعلم. فلما رآني دق صدره وقال لي: أمي ماتت. وأنا الآخر أطلب حماري منه؛ لأنه عمل علي هذا المنصف لأجل أن يضيع حماري علي. فقالت الناس: يا معلم محمد، وهذه العجوز أنت تعرفها لأنك استأمنتها ms1558 على المصبغة والذي فيها؟ فقال: لا أعرفها، وإنما سكنت عندي في هذا اليوم هي وابنها وبنتها. فقال واحد: في ذمتي أن الحمار في عهدة الصباغ. فقيل له: ما أصله؟ فقال: لأن الحمار ما اطمأن وأعطى العجوز حماره إلا لما رأى الصباغ استأمن العجوز على المصبغة والذي فيها. فقال واحد: يا معلم، لما سكنتها عندك وجب عليك أنك تجيء له بحماره. ثم تمشوا قاصدين البيت ولهم كلام يأتي. # ![fig15](../Images/figure15.png) # فأخذت الحوائج وحملتها فوق الحمار، وستر عليها الستار. # وأما ابن التاجر فإنه انتظر مجيء العجوز فلم تجئ ببنتها، وأما الصبية فإنها انتظرت العجوز أن تجيء لها بإذن من ابنها المجذوب الذي هو نقيب الشيخ أبي الحملات فلم ترجع إليها؛ فقامت لتزوره، وإذا بابن التاجر يقول لها حين دخلت: تعالي أين أمك التي جاءت بي لأتزوج بك؟ فقالت: إن أمي ماتت، فهل أنت ابنها المجذوب نقيب الشيخ أبي الحملات؟ فقال: هذه ما هي أمي، هذه عجوز نصابة نصبت علي حتى أخذت ثيابي والألف دينار. فقالت له الصبية: وأنا الأخرى نصبت علي وجاءت بي لأزور أبا الحملات وأعرتني. فصار ابن التاجر يقول للصبية: أنا ما أعرف ثيابي والألف دينار إلا منك. والصبية تقول: أنا ما أعرف حوائجي وصيغتي إلا منك، فاحضر لي أمك. وإذا بالصباغ داخل عليهما، فرأى ابن التاجر عريانا والصبية عريانة، فقال: قولا لي أين أمكما؟ فحكت الصبية جميع ما وقع لها، وحكى ابن التاجر جميع ما جرى له. فقال الصباغ: يا ضياع مالي ومال الناس! وقال الحمار: يا ضياع حماري! أعطني يا صباغ حماري. فقال الصباغ: هذه عجوز نصابة، اطلعوا حتى أقفل الباب. فقال ابن التاجر: يكون عيبا عليك أن ندخل بيتك لابسين، ونخرج منه عريانين. فكساه وكسى الصبية وروحها بيتها. ولها كلام يأتي بعد قدوم زوجها من السفر. # وأما ما كان من أمر الصباغ، فإنه قفل المصبغة وقال لابن التاجر: اذهب بنا لنفتش على العجوز ونسلمها للوالي. فراح معه وصحبتهما الحمار، ودخلوا بيت الوالي وشكوا إليه، فقال لهما: يا ناس، أي ms1559 شيء خبركم؟ فحكوا له ما جرى، فقال لهم: وكم عجوز في البلد؟ روحوا وفتشوا عليها، وامسكوها وأنا أقررها لكم. فداروا يفتشون عليها. ولهم كلام يأتي. # وأما العجوز دليلة المحتالة، فإنها قالت لبنتها زينب: يا بنتي، أنا أريد أن أعمل منصفا. فقالت لها: يا أمي أخاف عليك، فقالت لها: أنا مثل سقط الفول عاص على الماء والنار. فقامت ولبست ثياب خادمة من خدام الأكابر، وطلعت تتلمح لمنصف تعمله، فمرت على زقاق مفروش فيه قماش، ومعلق فيه قناديل، وسمعت فيه مغانيا ونقر دفوف، ورأت جارية على كتفها ولد بلباس مطرز بالفضة، وعليه ثياب جميلة، وعلى رأسها طربوش مكلل باللؤلؤ، وفي رقبته طوق ذهب مجوهر، وعليه عباءة من قطيفة، وكان هذا البيت لشاه بندر التجار ببغداد، والولد ابنه، وله أيضا بنت بكر مخطوبة، وهم يعملون أملاكها في ذلك اليوم، وكان عند أمها جملة نساء مغنيات، فكلما تطلع أمه أو تنزل يشبط معها الولد، فنادت الجارية وقالت لها: خذي سيدك لاعبيه حتى ينفض المجلس. ثم إن العجوز دليلة لما دخلت رأت الولد على كتف الجارية، فقالت لها: أرى شيئا عند سيدتك اليوم من الفرح. فقالت: تعمل أملاك بنتها وعندها المغاني. فقالت في نفسها: يا دليلة، ما منصف إلا أخذ هذا الولد من هذه الجارية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 704 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما قالت لنفسها: يا دليلة، ما منصف إلا أخذ هذا الولد من هذه الجارية. قالت بعد ذلك: يا فضيحة الشوم. ثم طلعت من جيبها برقة صغيرة من الصفر مثل الدينار، وكانت الجارية غشيمة، ثم قالت العجوز للجارية: خذي هذا الدينار وادخلي لسيدتك وقولي لها: أم الخير فرحت لك وفضلك عليها، ويوم المحضر تجيء هي وبناتها وينعمن على المواشط بالنقوط. فقالت الجارية: يا أمي، وسيدي هذا كلما ينظر أمه يتعلق بها. فقالت: هاتيه معي حتى تروحي وتجيئي. فأخذت الجارية البرقة ودخلت، وأما العجوز فإنها أخذت الولد وراحت إلى زقاق، فقلعته الصيغة والثياب التي ms1560 عليه، وقالت لنفسها: يا دليلة، ما شطارة إلا مثل ما لعبت على الجارية وأخذته منها، أن تعملي منصفا وتجعليه رهنا على شيء بألف دينار. ثم ذهبت إلى سوق الجواهرجية، فرأت يهوديا صائغا وقدامه قفص ملآن صيغة، فقالت لنفسها: ما شطارة إلا أن تحتالي على هذا اليهودي وتأخذي منه صيغة بألف دينار، وتحطي الولد رهنا عنده عليها. فنظر اليهودي بعينه فرأى الولد مع العجوز، فعرف أنه ابن شاه بندر التجار، وكان اليهودي صاحب مال كثير، وكان يحسد جاره إذا باع بيعة ولم يبع هو، فقال لها: أي شيء تطلبين يا سيدتي؟ فقالت له: أنت المعلم عذرة اليهودي؟ - لأنها كانت سألت عن اسمه - فقال لها: نعم. فقالت له: أخت هذا الولد بنت شاه بندر التجار مخطوبة، وفي هذا اليوم عملوا أملاكها وهي محتاجة لصيغة، فأت لنا بزوجين خلاخيل ذهبا، وزوج أساور ذهبا، وحلق لؤلؤ وحياصة وخنجر وخاتم. فأخذت منه شيئا بألف دينار وقالت له: أنا آخذ هذا المصاغ على المشاورة، فالذي يعجبهم يأخذونه وآتي إليك بثمنه، وخذ هذا الولد عندك. فقال: الأمر كما تريدين. فأخذت الصيغة وراحت بيتها، فقالت لها بنتها: أي شيء فعلت من المناصف؟ فقالت: لعبت منصفا، فأخذت ابن شاه بندر التجار وأعريته، ثم رحت رهنته على مصالح بألف دينار، فأخذتها من يهودي. فقالت لها بنتها: ما بقيت تقدري أن تمشي في البلد. # وأما الجارية فإنها دخلت لسيدتها، وقالت: يا سيدتي، إن أم الخير تسلم عليك وفرحت لك، ويوم المحضر تجيء هي وبناتها ويعطين النقوط. فقالت لها سيدتها: وأين سيدك؟ فقالت لها: خليته عندها خوفا أن يتعلق بك، وأعطتني نقوطا للمغنيات. فقالت لرئيسة المغنيات: خذي نقوطك. فأخذته فوجدته برقة من الصفر، فقالت لها سيدتها: انزلي يا عاهرة انظري سيدك. فنزلت الجارية فلم تجد الولد ولا العجوز، فصرخت وانقلبت على وجهها، وتبدل فرحهم بحزن، وإذا بشاه بندر التجار أقبل، فحكت له زوجته جميع ما جرى، فطلع يفتش عليه، وصار كل تاجر يفتش من طريق، ولم يزل شاه بندر التجار يفتش حتى ms1561 رأى ابنه عريانا على دكان اليهودي، فقال له: هذا ولدي. فقال اليهودي: نعم. فأخذه أبوه ولم يسأل عن ثيابه لشدة فرحه به. # وأما اليهودي فإنه لما رأى التاجر أخذ ابنه، تعلق به وقال: الله ينصر فيك الخليفة. فقال له التاجر: ما بالك يا يهودي؟ فقال اليهودي: إن العجوز أخذت مني صيغة لبنتك بألف دينار، ورهنت هذا الولد عندي وما أعطيتها إلا لأنها تركت هذا الولد عندي رهنا على الذي أخذته، وما ائتمنتها إلا لكوني أعرف أن هذا الولد ولدك. فقال التاجر: إن بنتي لا تحتاج إلى صيغة، فاحضر لي ثياب الولد. فصرخ اليهودي وقال: أدركوني يا مسلمين، وإذا بالحمار والصباغ وابن التاجر دائرون يفتشون على العجوز، فسألوا التاجر واليهودي عن سبب خناقهما، فحكيا لهم ما حصل، فقالوا: إن هذه عجوز نصابة ونصبت علينا قبلكما. وحكوا جميع ما جرى لهم معها، فقال شاه بندر التجار: لما لقيت ولدي، الثياب فداه، وإن وقعت العجوز طلبت الثياب منها. فتوجه شاه بندر التجار بابنه لأمه، ففرحت بسلامته. # وأما اليهودي فإنه سأل الثلاثة وقال لهم: أين تذهبون أنتم؟ فقالوا له: إنا نريد أن نفتش عليها. فقال لهم: خذوني معكم. ثم قال لهم: هل فيكم من يعرفها؟ قال الحمار: أنا أعرفها. فقال لهم اليهودي: إن طلعنا سواء لا يمكن أن نجدها وتهرب منا، ولكن كل واحد منا يروح من طريق، ويكون اجتماعنا على دكان الحاج مسعود المزين المغربي. فتوجه كل واحد من طريق، وإذا هي طلعت لتعمل منصفا، فرآها الحمار فعرفها فتعلق بها، وقال لها: ويلك، ألك زمان على هذا الأمر؟ فقالت له: ما خبرك؟ قال لها: حماري هاتيه. فقالت له: استر ما ستر الله يا ابني، أنت طالب حمارك وإلا حوائج الناس؟ فقال: طالب حماري فقط. فقالت له: أنا رأيتك فقيرا وحمارك أودعته لك عند المزين المغربي، فقف بعيدا حتى أصل إليك وأقول له بلطافة أن يعطيك إياه. وتقدمت للمغربي، وقبلت يده وبكت، فقال لها: ما بالك؟ فقالت له: يا ولدي، انظر ولدي الذي واقف ms1562 كان ضعيفا واستهوى فأفسد الهواء عقله، وكان يقني الحمير، فإن قام يقول حماري، وإن قعد يقول حماري، وإن مشى يقول حماري، فقال لي حكيم من الحكماء: إنه اختل في عقله، ولا يطيبه إلا قلع ضرسين، ويكوى في أصداغه مرتين، فخذ هذا الدينار وناده وقل له: حمارك عندي. فقال المغربي: صوم العام يلزمني لأعطينه حماره في كفه. وكان عنده اثنان صنائعية، فقال لواحد منهما: رح احم مسمارين. ثم نادى الحمار، والعجوز راحت إلى حال سبيلها. فلما جاءه قال: إن حمارك عندي يا مسكين تعال خذه، وحياتي لأعطينك إياه في كفك. ثم أخذه ودخل به في قاعة مظلمة، وإذا بالمغربي لكمه فوقع، فسحبوه وربطوا يديه ورجليه، وقام المغربي قلع له ضرسين، وكواه على صدغه كيتين، ثم تركه، فقام وقال: يا مغربي، لأي شيء عملت معي هذا الأمر؟ فقال له: إن أمك أخبرتني أنك مختل العقل؛ لأنك هويت وأنت مريض، وإن قمت تقول حماري، وإن قعدت تقول حماري، وإن مشيت تقول حماري، وهذا حمارك في يدك. فقال له: تلقى من الله بسبب تقليعك أضراسي. فقال له: إن أمك قالت لي ... وحكى له جميع ما قالت، فقال: الله ينكد عليها. وذهب الحمار هو والمغربي يتخاصمان وترك الدكان، فلما رجع المغربي إلى دكانه لم يجد فيها شيئا، وكانت العجوز حين راح المغربي هو والحمار، أخذت جميع ما في دكانه وراحت لبنتها وحكت لها جميع ما وقع لها وما فعلت. # وأما المزين، فإنه لما رأى دكانه خالية تعلق بالحمار، وقال له: أحضر لي أمك؟ فقال له: ما هي أمي، وإنما هي نصابة نصبت على ناس كثير وأخذت حماري. وإذا بالصباغ واليهودي وابن التجار مقبلون، فرأوا المغربي متعلقا بالحمار والحمار مكويا في أصداغه، فقالوا له: ما جرى لك يا حمار؟ فحكى لهم جميع ما جرى، وكذلك المغربي حكى قصته؛ فقالوا له: إن هذه عجوز نصابة نصبت علينا. وحكوا له ما وقع؛ فقفل دكانه وراح معهم إلى بيت الوالي، وقالوا للوالي: ما نعرف حالنا ومالنا إلا منك. فقال ms1563 الوالي: وكم عجائز في البلد؟ هل فيكم من يعرفها؟ فقال الحمار: أنا أعرفها، ولكن أعطنا عشرة من أتباعك. فخرج الحمار بأتباع الوالي والباقي وراءهم، ورأى الحمار بالجميع، وإذا بالعجوز دليلة مقبلة فقبضها هو وأتباع الوالي، وراحوا بها إلى الوالي، فوقفوا تحت شباك القصر حتى يخرج الوالي. ثم إن أتباع الوالي ناموا من كثرة سهرهم مع الوالي، فجعلت العجوز نفسها نائمة، فنام الحمار ورفقاؤه كذلك، فانسلت منهم، ودخلت إلى حريم الوالي، فقبلت يد سيدة الحريم وقالت لها: أين الوالي؟ فقالت: نائم، أي شيء تطلبين؟ فقالت: إن زوجي يبيع الرقيق، فأعطاني خمسة مماليك أبيعهم وهو مسافر، فقابلني الوالي ففصلهم مني بألف دينار ومائتين لي، وقال لي: أوصليهم إلى البيت. فأنا جئت بهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 705 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما طلعت إلى حريم الوالي، قالت لزوجته: إن الوالي فصل مني المماليك بألف دينار ومائتي دينار لي، وقال لي: أوصليهم البيت. وكان الوالي عنده ألف دينار، وقال لزوجته: احفظيها حتى نشتري بها مماليك. فلما سمعت من العجوز هذا الكلام، تحققت من زوجها ذلك فقالت: وأين المماليك؟ قالت العجوز: يا سيدتي، هم نائمون تحت شباك القصر الذي أنت فيه. فطلت السيدة من الشباك فرأت المغربي لابسا لبس المماليك، وابن التاجر في صورة مملوك، والصباغ والحمار واليهودي في صورة المماليك الحليق، فقالت زوجة الوالي: هؤلاء كل مملوك أحسن من ألف دينار. ففتحت الصندوق وأعطت العجوز الألف دينار وقالت لها: اصبري حتى يقوم الوالي من النوم، ونأخذ لك منه المائتي دينار. فقالت لها: يا سيدتي، منهم مائة دينار لك تحت القلة الشربات التي شربتها، والمائة الأخرى احفظيها لي عندك حتى أحضر. ثم قالت: يا سيدتي، أطلعيني من باب السر. فطلعتها منه وستر عليها الستار، وراحت لبنتها، فقالت لها: يا أمي، ما فعلت؟ فقالت: يا بنتي، لعبت منصفا وأخذت هذا الألف دينار من زوجة الوالي، وبعت الخمسة لها: الحمار واليهودي والصباغ والمزين وابن التاجر، وجعلتهم مماليك، ms1564 ولكن يا بنتي ما علي أضر من الحمار، فإنه يعرفني. فقالت لها: يا أمي، اقعدي يكفي ما فعلت، فما كل مرة تسلم الجرة. # وأما الوالي، فإنه لما قام من النوم قالت له زوجته: فرحت لك بالخمسة مماليك الذين اشتريتهم من العجوز. فقال لها: أي مماليك؟ فقالت له: لأي شيء تنكر مني؟ إن شاء الله يصيرون مثلك أصحاب مناصب. فقال لها: وحياة رأسي ما اشتريت مماليك، من قال ذلك؟ فقالت: العجوز دليلة التي فصلتهم منها، وواعدتها أنك تعطيها حقهم ألف دينار ومائتين لها. فقال لها: وهل أعطيتها المال؟ قالت له: نعم، وأنا رأيت المماليك بعيني، كل واحد عليه بدلة تساوي ألف دينار، وأرسلت وصيت عليهم المقدمين. فنزل الوالي فرأى اليهودي والحمار والمغربي والصباغ وابن التاجر. فقال: يا مقدمين، أين الخمسة مماليك الذين اشتريناهم من العجوز بألف دينار؟ فقالوا: ما هنا مماليك، ولا رأينا إلا هؤلاء الخمسة الذين أمسكوا العجوز وقبضوا عليها، فنمنا كلنا، ثم إنها انسلت ودخلت الحريم وأتت الجارية تقول: هل الخمسة الذين جاءت بهم العجوز عندكم؟ فقلنا: نعم. فقال الوالي: والله إن هذا أكبر منصف. والخمسة يقولون: ما نعرف حوائجنا إلا منك. فقال لهم: إن العجوز صاحبتكم باعتكم لي بألف دينار. فقالوا: ما يحل من الله، نحن أحرار لا نباع، ونحن وإياك للخليفة. فقال لهم: ما عرف العجوز طريق البيت إلا أنتم، ولكن أنا أبيعكم للأغراب كل واحد بمائتي دينار. # فبينما هم كذلك وإذا بالأمير حسن شر الطريق جاء من سفره ورأى زوجته عريانة، وحكت له جميع ما جرى لها، فقال: أنا ما خصمي إلا الوالي. فدخل عليه وقال له: هل أنت تأذن للعجائز أن تدور في البلد وتنصب على الناس وتأخذ أموالهم؟ هذا عهدتك ولا أعرف حوائج زوجتي إلا منك. ثم قال للخمسة: ما خبركم؟ فحكوا جميع ما جرى، فقال لهم: أنت مظلومون. والتفت للوالي وقال له: لأي شيء تسجنهم؟ فقال له: ما عرف العجوز طريق بيتي إلا هؤلاء الخمسة حتى أخذت مالي الألف دينار وباعتهم للحريم. فقالوا: ms1565 يا أمير حسن، أنت وكيلنا في هذه الدعوة. ثم إن الوالي قال للأمير حسن: حوائج امرأتك عندي، وضمان العجوز علي، ولكن من يعرفها منكم؟ فقالوا كلهم: نحن نعرفها، أرسل معنا عشرة مقدمين ونحن نمسكها. فأعطاهم عشرة مقدمين، فقال لهم الحمار: اتبعوني فإني أعرفها بعيون زرق. وإذا بالعجوز دليلة مقبلة من زقاق، وإذا بهم قبضوها وساروا بها إلى بيت الوالي، فلما رآها الوالي قال: أين حوائج الناس؟ فقالت: لا أخذت ولا رأيت. فقال للسجان: احبسها عندك للغد. قال السجان: أنا لا آخذها ولا أسجنها مخافة أن تعمل منصفا وأصير أنا ملزما بها. فركب الوالي وأخذ العجوز والجماعة وخرج بهم إلى شاطئ دجلة، ونادى للمشاعلي وأمره بصلبها من شعرها، فسحبها المشاعلي في البكر، واستحفظ عليها عشرة من الناس، وتوجه الوالي لبيته إلى أن أقبل الظلام، وغلب النوم على المحافظين؛ وإذا برجل بدوي سمع رجل يقول لرفيقه: الحمد لله على السلامة، أين هذه الغيبة؟ فقال له: في بغداد، وتغديت زلابية بعسل. فقال البدوي: لا بد من دخولي بغداد، وآكل فيها زلابية بعسل. وكان عمره ما رآها ولا دخل بغداد. فركب حصانه، وسار وهو يقول لنفسه: الزلابية كلها زين، وذمة العرب ما آكل إلا زلابية بعسل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 706 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البدوي لما ركب حصانه، وأراد دخول بغداد، سار وهو يقول لنفسه: أكل الزلابية زين، وذمة العرب أنا لا آكل إلا زلابية بعسل. إلى أن وصل عند مصلب دليلة؛ فسمعته وهو يقول لنفسه هذا الكلام، فأقبل عليها وقال لها: أي شيء أنت؟ فقالت له: أنا في جيرتك يا شيخ العرب. فقال لها: إن الله قد أجارك، ولكن ما سبب صلبك؟ فقالت له: لي عدو زيات يقلي الزلابية، فوقفت أشتري منه شيئا، فبزقت فوقعت بزقتي على الزلابية، فاشتكاني للحاكم فأمر الحاكم بصلبي وقال: حكمت أنكم تأخذوا لها عشرة أرطال زلابية بعسل وتطعمونها إياها وهي مصلوبة، فإن أكلتها فحلوها، وإن لم تأكلها فخلوها مصلوبة، ms1566 وأنا نفسي ما تقبل الحلو. فقال البدوي: وذمة العرب ما جئت من النجع إلا لأجل الزلابية بالعسل، وأنا آكلها عوضا عنك. فقالت له: هذه ما يأكلها إلا الذي يتعلق موضعي. فانطبقت عليه الحيلة، فحلها وربطته موضعها بعدما قلعته الثياب التي كانت عليه، ثم إنها لبست ثيابه وتعممت بعمامته وركبت حصانه وراحت لبنتها، فقالت لها بنتها: ما هذا الحال؟ فقالت لها: صلبوني. وحكت لها ما وقع لها مع البدوي. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر المحافظين، فإنه لما صحا واحد منهم نبه جماعته، فرأوا النهار قد طلع، فرفع واحد منهم عينه، وقال: دليلة؟ فأجابه البدوي وقال: والله ما نأكل بليلة، هل أحضرتم الزلابية بالعسل؟ فقالوا: هذا رجل بدوي. فقالوا له: يا بدوي، أين دليلة؟ ومن فكها؟ فقال: أنا فككتها، ما تأكل الزلابية بالعسل غصبا؛ لأن نفسها لم تقبلها. فعرفوا أن البدوي جاهل بحالها، فلعبت عليه منصفا. وقالوا لبعضهم: هل نهرب أو نستمر حتى نستوفي ما كتبه الله علينا؟ وإذا بالوالي مقبل ومعه الجماعة الذين نصبت عليهم، فقال الوالي للمقدمين: قوموا فكوا دليلة. فقال البدوي: ما نأكل بليلة، هل أحضرتم الزلابية بعسل؟ فرفع الوالي عينه إلى المصلب، فرأى بدويا بدل العجوز، فقال للمقدمين: ما هذا؟ فقالوا: الأمان يا سيدي. فقال لهم: احكوا لي ما جرى. فقالوا: نحن كنا سهرنا معك في العسس، وقلنا دليلة منصوبة ونعسنا، فلما صحونا رأينا هذا البدوي مصلوبا ونحن بين يديك. فقال: يا ناس، هذه نصابة وأمان الله عليكم فحلوا البدوي. فتعلق البدوي بالوالي وقال: الله ينصر فيك الخليفة، أنا ما أعرف حصاني وثيابي إلا منك. فسأله الوالي، فحكى له البدوي قصته؛ فتعجب الوالي وقال له: لأي شيء حللتها؟ فقال له: ما عندي خبر أنها نصابة. فقال الجماعة: نحن ما نعرف حوائجنا إلا منك يا والي، فإننا سلمناها إليك، وصارت في عهدتك، ونحن وإياك إلى ديوان الخليفة. وكان حسن شر الطريق طلع الديوان، وإذا بالوالي والبدوي والخمسة مقبلون وهم يقولون: إننا مظلومون. فقال الخليفة: ms1567 من ظلمكم؟ فتقدم كل واحد منهم وحكى له ما جرى عليه، حتى الوالي قال: يا أمير المؤمنين، إنها نصبت علي، وباعت لي هؤلاء الخمسة بألف دينار مع أنهم أحرار. فقال الخليفة: جميع ما عدم لكم عندي. وقال للوالي: ألزمتك بالعجوز. فنفض الوالي طوقه وقال: لا ألتزم بذلك بعدما علقتها في المصلب، فلعبت على هذا البدوي حتى خلصها وعلقتها في موضعها وأخذت حصانه وثيابه. فقال الخليفة: هل ألزم بها من غيرك؟ فقال له: الزم بها أحمد الدنف، فإن له في كل شهر ألف دينار، ولأحمد الدنف من الأتباع واحد وأربعون، لكل واحد في كل شهر مائة دينار. فقال الخليفة: يا مقدم أحمد. قال له: لبيك يا أمير المؤمنين. قال له: ألزمتك بحضور العجوز. فقال: ضمانها علي. ثم إن الخليفة حجز الخمسة والبدوي عنده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 707 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة لما ألزم أحمد الدنف بإحضار العجوز قال له: ضمانها علي يا أمير المؤمنين. ثم نزل هو وأتباعه إلى القاعة، فقالوا لبعضهم: كيف يكون قبضنا إياها؟ وكم عجائز في البلد؟ فقال واحد منهم يقال له علي كتف الجمل لأحمد الدنف: على أي شيء تشاورون حسن شومان؟ وهل حسن شومان أمر عظيم؟ فقال حسن: يا علي، كيف تستقلني؟ والاسم الأعظم لن أرافقكم في هذه المرة. وقام غضبان. فقال أحمد الدنف: يا شبان، كل قيم يأخذ عشرة ويتوجه بهم إلى حارة ليفتشوا على دليلة. فذهب علي كتف الجمل بعشرة، وكذلك كل قيم، وتوجه كل جماعة إلى حارة، وقالوا قبل توجههم وافتراقهم: يكون اجتماعنا في الحارة الفلانية في الزقاق الفلاني. فشاع في البلدان: أحمد الدنف التزم بالقبض على دليلة المحتالة. فقالت زينب: يا أمي، إن كنت شاطرة تلعبي على أحمد الدنف وجماعته. فقالت: يا بنتي، أنا ما أخاف إلا من حسن شومان. فقالت البنت: وحياة مقصوصي لآخذن لك ثياب الواحد والأربعين. ثم قامت ولبست بدلة وتبرقعت، وأقبلت على واحد عطار له قاعة ببابين، فسلمت ms1568 عليه وأعطته دينارا، وقالت له: خذ هذا الدينار حلوان قاعتك، وأعطنيها إلى آخر النهار. فأعطاها المفاتيح وراحت أخذت فرشا على حمار الحمار، وفرشت القاعة، وحطت في كل ليوان سفرة طعام ومدام، ووقفت على الباب مكشوفة الوجه، وإذا بعلي كتف الجمل وجماعته مقبلون، فقبلت يده، فرآها صبية مليحة فحبها، فقال لها: أي شيء تطلبين؟ فقالت: هل أنت المقدم أحمد الدنف؟ فقال: لا، بل أنا من جماعته، واسمي علي كتف الجمل. فقالت لهم: أين تذهبون؟ فقال: نحن دائرون نفتش على عجوز نصابة أخذت أرزاق الناس، ومرادنا أن نقبض عليها. ولكن من أنت؟ وما شأنك؟ فقالت: إن أبي كان خمارا في الموصل، فمات وخلف لي مالا كثيرا، فجئت هذا البلد خوفا من الحكام، وسألت الناس من يحميني؟ فقالوا لي: ما يحميك إلا أحمد الدنف. فقال لها جماعته: اليوم تحتمين به. فقالت لهم: اقصدوا جبر خاطري بلقيمة وشربة ماء. فلما أجابوها أدخلتهم، فأكلوا وسكروا وحطت لهم البنج فبنجتهم وقلعتهم حوائجهم، ومثل ما عملت فيهم عملت في الباقي. # فدار أحمد الدنف يفتش على دليلة فلم يجدها، ولم ير من أتباعه أحدا إلى أن أقبل على الصبية، فقبلت يده، فرآها فحبها، فقالت له: أنت المقدم أحمد الدنف؟ فقال لها: نعم، ومن أنت؟ قالت: غريبة من الموصل، وأبي كان خمارا، ومات وخلف لي مالا كثيرا، وجئت به إلى هنا خوفا من الحكام، ففتحت هذه الخمارة فجعل الوالي علي قانونا، ومرادي أن أكون في حمايتك، والذي يأخذه الوالي أنت أولى به. فقال أحمد الدنف: لا تعطيه شيئا ومرحبا بك. فقالت له: اقصد جبر خاطري، وكل طعامي. فدخل وأكل وشرب مداما فانقلب من السكر، فبنجته وأخذت ثيابه وحملت الجميع على فرس البدوي، وحمار الحمار، وأيقظت عليا كتف الجمل وراحت. فلما أفاق رأى نفسه عريانا، ورأى أحمد الدنف والجماعة مبنجين، فأيقظهم بضد البنج، فلما أفاقوا رأوا أنفسهم عرايا. فقال أحمد الدنف: ما هذا الحال يا شباب؟ نحن دائرون نفتش عليها لنصطادها، فاصطادتنا هذه العاهرة، يا فرحة حسن شومان فينا، ولكن ms1569 نصبر حتى تدخل العتمة ونروح، وكان حسن شومان قال للنقيب: أين الجماعة؟ فبينما هو يسأله عنهم وإذا بهم قد أقبلوا وهم عرايا، فأنشد حسن شومان هذين البيتين: # والناس مشتبهون في إيرادهم %~% وتباين الأقوام في الإصدار ~~ومن الرجال معالم ومجاهل %~% ومن النجوم غوامض ودراري # فلما رآهم قال لهم: من لعب عليكم وعراكم؟ فقالوا: تعهدنا بعجوز نفتش عليها، ولا عرانا إلا صبية مليحة. فقال حسن شومان: نعم ما فعلت بكم. فقالوا: هل أنت تعرفها يا حسن؟ فقال: أعرفها وأعرف العجوز. فقالوا له: أي شيء تقول عند الخليفة؟ فقال شومان: يا دنف، انفض طوقك قدامه، فيقول الخليفة: من يتعهد بها؟ فإن قال لك: لأي شيء ما قبضت عليها؟ فقل: أنا ما أعرفها وألزم بها حسن شومان. فإن ألزمني بها فأنا أقبضها. وباتوا، فلما أصبحوا طلعوا إلى ديوان الخليفة، فقبلوا الأرض، فقال الخليفة: أين العجوز يا مقدم أحمد؟ فنفض طوقه، فقال له: لأي شيء؟ فقال: أنا ما أعرفها، وألزم بها شومان، فإنه يعرفها هي وبنتها. وقال: إنها ما عملت هذه الملاعب طمعا في حوائج الناس، ولكن لبيان شطارتها وشطارة بنتها لأجل أن ترتب لها راتب زوجها، ولبنتها مثل راتب أبيها، فشفع فيها شومان من القتل وهو يأتي بها. فقال الخليفة: وحياة أجدادي إن أعادت حوائج الناس، عليها الأمان وهي في شفاعته. فقال شومان: أعطني الأمان يا أمير المؤمنين. فقال له: هي في شفاعتك. وأعطاه منديل الأمان، فنزل شومان وراح إلى بيت دليلة، فصاح عليها فجاوبته بنتها زينب، فقال لها: أين أمك؟ فقالت: فوق. فقال لها: قولي لها تجيء بحوائج الناس وتذهب معي لتقابل الخليفة، وقد جئت لها بمنديل الأمان، فإن كانت لا تجيء بالمعروف لا تلوم إلا نفسها. فنزلت دليلة وعلقت المحرمة في رقبتها، وأعطته حوائج الناس على حمار الحمار، وفرس البدوي، فقال لها شومان: بقي ثياب كبيري وثياب جماعته. فقالت: والاسم الأعظم إني ما عريتهم. فقال: صدقت، ولكن هذا منصف بنتك زينب، وهذه جميلة عملتها معك. وسار وهي معه إلى ديوان الخليفة، فتقدم ms1570 حسن وعرض حوائج الناس على الخليفة، وقدم دليلة بين يديه، فلما رآها أمر برميها في بقعة الدم، فقالت: أنا في جيرتك يا شومان. فقام شومان وقبل أيادي الخليفة وقال له: العفو، أنت أعطيتها الأمان. فقال الخليفة: وهي في كرامتك، تعالي يا عجوز، ما اسمك؟ فقالت: اسمي دليلة. فقال: ما أنت إلا حيالة ومحتالة، فلقبت بدليلة المحتالة. ثم قال لها: لأي شيء عملت هذه المناصف وأتعبت قلوبنا؟ فقالت: أنا ما فعلت هذه المناصف بقصد الطمع في متاع الناس، ولكن سمعت بمناصف أحمد الدنف التي لعبها في بغداد، ومناصف حسن شومان، فقلت: أنا الأخرى أعمل مثلهما، وقد رددت حوائج الناس إليهم. فقام الحمار وقال: شرع الله بيني وبينها؛ فإنها ما كفاها أخذ حماري حتى سلطت علي المزين المغربي، فقلع أضراسي وكواني في أصداغي كيتين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 708 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحمار لما قام وقال: شرع الله بيني وبينها، ما كفاها أخذ حماري حتى سلطت علي المزين، فقلع أضراسي وكواني في أصداغي كيتين. أمر الخليفة للحمار بمائة دينار، وللصباغ بمائة دينار، وقال: انزل عمر مصبغتك. فدعوا للخليفة ونزلا، وأخذ البدوي حوائجه وحصانه، وقال: حرام علي دخول بغداد وأكل الزلابية بالعسل. وكل من كان له شيء أخذه، وانفضوا كلهم. وقال الخليفة: تمني علي يا دليلة. فقالت: إن أبي كان عندك حاكم البطاقة، وأنا ربيت حمام الرسائل، وزوجي كان مقدم بغداد، ومرادي استحقاق زوجي، ومراد بنتي استحقاق أبيها. فرسم لهما الخليفة بما أرادتاه، ثم قالت له: أتمنى عليك أن أكون بوابة الخان. وكان الخليفة قد عمل خانا بثلاثة أدوار ليسكن فيه التجار، وكان متدركا بالخان أربعون عبدا وأربعون كلبا، وكان الخليفة جاء بهم من ملك السليمانية حين عزله، وعمل للكلاب أطواقا، وكان في الخان عبد طباخ يطبخ الطعام للعبيد ويطعم الكلاب اللحم. فقال الخليفة: يا دليلة، أكتب عليك درك الخان، وإن ضاع منه شيء تكوني مطالبة به؟ فقالت: نعم، ولكن أسكن بنتي في القصر ms1571 الذي على باب الخان، فإن القصر له سطوح ولا تصح تربية الحمام إلا في الوسع. فأمر لها بذلك، وحولت بنتها جميع حوائجها في القصر الذي على باب الخان، وتسلمت الأربعين طيرا التي تحمل الرسائل؛ وأما زينب فإنها علقت الأربعين بدلة وبدلة أحمد الدنف عندها في القصر، وكان الخليفة جعل دليلة المحتالة رئيسة على الأربعين عبدا، وأوصاهم بإطاعتها، وجعلت محل قعودها خلف باب الخان، وصارت كل يوم تطلع الديوان لربما يحتاج الخليفة إلى إرسال بطاقة للبلاد، فلم تنزل من الديوان إلا آخر النهار، والأربعون عبدا واقفون يحرسون الخان، فإذا دخل الليل تطلق الكلاب لأجل أن تحرس الخان بالليل. هذا ما جرى لدليلة المحتالة في مدينة بغداد. ### || حكاية علي الزيبق المصري # وأما ما كان من أمر علي الزيبق المصري، فإنه كان شاطرا بمصر في زمن رجل يسمى صلاح المصري مقدم ديوان مصر، وكان له أربعون تابعا، وكان أتباع صلاح المصري يعملون مكائد للشاطر علي ويظنون أنه يقع فيها، فيفتشون عليه فيجدونه قد هرب كما يهرب الزيبق، فمن أجل ذلك لقبوه بالزيبق المصري. ثم إن الشاطر علي كان جالسا يوما من الأيام في قاعة بين أتباعه، فانقبض قلبه وضاق صدره، فرآه نقيب القاعة قاعدا عابس الوجه، فقال له: ما لك يا كبيري؟ إن ضاق صدرك فشق شقة في مصر، فإنه يزول عنك الهم إذا مشيت في أسواقها. فقام وخرج ليشق في مصر؛ فازداد غما وهما، فمر على خمارة، فقال لنفسه: أدخل وأسكر. فدخل فرأى في الخمارة سبعة صفوف من الخلق، فقال: يا خمار، أنا ما أقعد إلا وحدي. فأجلسه الخمار في طبقة وحده، وأحضر له المدام، فشرب حتى غاب عن الوجود، ثم طلع من الخمارة وسار في مصر، ولم يزل سائرا في شوارعها حتى وصل إلى الدرب الأحمر، وخلت الطريق قدامه من الناس هيبة له، فالتفت فرأى رجلا سقاء يسقي بالكوز، ويقول في الطريق: يا معوض، ما شراب إلا من زبيب، ولا وصال إلا من حبيب، ولا يجلس في الصدر إلا لبيب. فقال ms1572 له: تعال اسقني. فنظر إليه السقاء وأعطاه الكوز، فطل في الكوز وخضه وكبه على الأرض، فقال له السقاء: ما تشرب؟ فقال له: اسقني. فملأه فأخذه وخضه وكبه في الأرض، وثالث مرة كذلك. فقال له: إن كنت ما تشرب روح. فقال له: اسقني. فملأ الكوز وأعطاه إياه، فأخذه منه وشرب، ثم أعطاه دينارا، وإذا بالسقاء نظر إليه واستقل به، وقال له: أنعم بك، أنعم بك يا غلام، صغار قوم كبار قوم آخرين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 709 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاطر علي لما أعطى السقاء دينارا، نظر إليه واستقل به، وقال له: أنعم بك، أنعم بك، صغار قوم كبار قوم آخرين. فنهض الشاطر علي وقبض على جلابيب السقاء، وسحب عليه خنجرا مثمنا، كما قيل في هذين البيتين: # اضرب بخنجرك العنيد ولا # تخف %~% أحدا سوى من سطوة الخلاق ~~وتجنب الخلق الذميم ولا # تكن %~% أبدا بغير مكارم الأخلاق # فقال له: يا شيخ، كلمني بمعقول، فإن قربتك إن غلا ثمنها يبلغ ثلاثة دراهم، والكوزان اللذان دلقتهما على الأرض مقدار رطل من الماء. قال له: نعم. قال له: فأنا أعطيتك دينارا من الذهب، ولأي شيء تستقل بي؟ فهل رأيت أحدا أشجع مني أو أكرم مني؟ فقال له: رأيت أشجع منك وأكرم منك، فإنه ما دامت النساء تلد، ما على الدنيا شجاع ولا كريم. فقال له: من الذي رأيت أشجع مني وأكرم مني؟ فقال له: اعلم أن لي واقعة من العجب، وذلك أن أبي كان شيخ السقائين بالشربة في مصر، فمات وخلف لي خمسة جمال وبغلا ودكانا وبيتا، ولكن الفقير لا يستغني، وإذا استغنى مات، فقلت في نفسي: أنا أطلع الحجاز. فأخذت قطار جمال، وما زلت أقترض حتى صار علي خمسمائة دينار، وضاع مني جميع ذلك في الحج، فقلت في نفسي: إن رجعت إلى مصر تحبسني الناس على أموالهم. فتوجهت مع الحج الشامي حتى وصلت إلى حلب، وتوجهت من حلب إلى بغداد، ثم سألت عن شيخ السقائين ms1573 ببغداد، فدلوني عليه، فدخلت وقرأت له الفاتحة، فسألني عن حالي، فحكيت له جميع ما جرى لي، فأخلى لي دكانا وأعطاني قربة وعدة وسرحت على باب الله، وطفت في البلد، فأعطيت واحدا الكوز ليشرب فقال لي: لم آكل شيئا حتى أشرب عليه؛ لأنه عزمني بخيل في هذا اليوم، وجاءني بقلتين بين يديه، فقلت له: يابن الخسيس، هل أطعمتني شيئا حتى تسقيني عليه؟ فرح يا سقاء حتى آكل شيئا، وبعد ذلك اسقني. فجئت للثاني فقال: الله يرزقك. فصرت على هذا الحال إلى وقت الظهر، ولم يعطني أحد شيئا، فقلت: يا ليتني ما جئت إلى بغداد. وإذا أنا بناس يسرعون في الجري فتبعتهم، فرأيت موكبا عظيما منجرا اثنين اثنين، وكلهم بالطوقي والشدود والبرانس واللبد والبولاد، فقلت لواحد: هذا موكب من؟ فقال: موكب المقدم أحمد الدنف. فقلت له: أي شيء رتبته؟ فقال: مقدم الديوان ومقدم بغداد، وعليه درك البر، وله على الخليفة في كل شهر ألف دينار، ولكل واحد من أتباعه مائة دينار، حسن شومان له مثله ألف دينار، وهم نازلون من الديوان إلى قاعتهم. # وإذا بأحمد الدنف رآني، فقال: تعال اسقني. فملأت الكوز وأعطيته إياه، فخضه وكبه، وثاني مرة كذلك، وثالث مرة شرب رشفة مثلك، وقال لي: يا سقاء، من أين أنت؟ فقلت له: من مصر. فقال: حيا الله مصر وأهلها، وما سبب مجيئك إلى هذه المدينة؟ فحكيت له قصتي، وأفهمته أني مديون وهربان من الدين والعيلة، فقال: مرحبا بك. ثم أعطاني خمسة دنانير، وقال لأتباعه: اقصدوا وجه الله وأحسنوا إليه. فأعطاني كل واحد دينارا، وقال لي: يا شيخ، ما دمت في بغداد لك علينا ذلك كلما أسقيتنا. فصرت أتردد عليهم وصار يأتيني الخير من الناس، ثم بعد أيام أحصيت الذي اكتسبته منهم؛ فوجدته ألف دينار، فقلت في نفسي: صار رواحك إلى البلاد أصوب. فرحت له القاعة، وقبلت يديه، فقال: أي شيء تطلب؟ فقلت له: أريد السفر. وأنشدته هذين البيتين: # إقامات الغريب بكل أرض %~% كبنيان القصور على الرياح ~~هبوب الريح يهدم ما بناه ms1574 %~% لقد عزم الغريب على الرواح # وقلت له: إن القافلة متوجهة إلى مصر، ومرادي أن أروح إلى عيالي. فأعطاني بغلة ومائة دينار، وقال: غرضنا أن نرسل معك أمانة يا شيخ، فهل أنت تعرف أهل مصر؟ فقلت له: نعم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 710 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السقاء لما قال: إن أحمد الدنف أعطاني بغلة ومائة دينار، وقال: غرضنا أن نرسل معك أمانة، فهل أنت تعرف أهل مصر؟ قال السقاء: فقلت له نعم. فقال خذ هذا الكتاب وأوصله إلى علي الزيبق المصري، وقل له: كبيرك يسلم عليك، وهو الآن عند الخليفة. فأخذت منه الكتاب وسافرت حتى دخلت مصر، فرآني أرباب الديون، فأعطيتهم الذي علي، ثم عملت سقاء ولم أوصل الكتاب؛ لأني لم أعرف قاعة علي الزيبق المصري. فقال له: يا شيخ، طب نفسا وقر عينا، فأنا علي الزيبق المصري، أول صبيان المقدم أحمد الدنف، فهات الكتاب. فأعطاه إياه، فلما فتحه وقرأه رأى فيه هذين البيتين: # كتبت إليك يا زين الملاح %~% على ورق يسير مع الرياح ~~ولو أني أطير لطرت شوقا %~% وكيف يطير مقصوص الجناح؟ # وبعد، فالسلام من المقدم أحمد الدنف إلى أكبر أولاده علي الزيبق المصري، والذي نعلمك به أني تقصدت صلاح الدين المصري، ولعبت معه مناصف حتى دفنته بالحياة، وأطاعتني صبيانه ومن جملتهم علي كتف الجمل، وتوليت مقدم مدينة بغداد في ديوان الخليفة، ومكتوب على درك البر؛ فإن كنت ترعى العهد الذي بيني وبينك فأت عندي لعلك تلعب منصفا في بغداد يقربك من خدمة الخليفة، فيكتب لك جامكية وجراية ويعمر لك قاعة، هذا هو المرام والسلام. فلما قرأ الكتاب قبله وحطه على رأسه، وأعطى السقاء عشرة دنانير بشارة، ثم توجه إلى القاعة ودخل على صبيانه، وأعلمهم بالخبر، وقال لهم: أوصيكم ببعضكم. ثم قلع ما كان عليه ولبس مشلحا وطربوشا، وأخذ علبة فيها مزراق من عود القنا طوله أربعة وعشرون ذراعا، وهو معشق في بعضه، فقال له النقيب: أتسافر والمخزن قد فرغ؟ فقال ms1575 له: إذا وصلت إلى الشام أرسل إليكم ما يكفيكم. وسار إلى حال سبيله، فلحق ركبا مسافرا، فرأى فيه شاه بندر التجار ومعه أربعون تاجرا قد حملوا حمولهم وحمول شاه بندر التجار على الأرض، ورأى مقدمه رجلا شاميا، وهو يقول للبغالين: واحد منكم يساعدني. فسبوه وشتموه، فقال علي في نفسه: لا يحسن سفري إلا مع هذا المقدم. وكان علي أمردا مليحا، فتقدم إليه وسلم عليه، فرحب به وقال له: أي شيء تطلب؟ فقال له: يا عمي، رأيتك وحيدا وحمولتك أربعون بغلا، ولأي شيء ما جئت لك بناس يساعدونك؟ فقال: يا ولدي، قد اكتريت ولدين وكسيتهما، ووضعت لكل واحد في جيبه مائتي دينار، فساعداني إلى الخانكة وهربا. فقال له: وإلى أين تذهبون؟ قال: إلى حلب. فقال له: أنا أساعدك. فحملوا الحمول وساروا، وركب شاه بندر التجار بغلته وسار، ففرح المقدم الشامي بعلي وعشقه إلى أن أقبل الليل، فنزلوا وأكلوا وشربوا، فجاء وقت النوم، فحط علي جنبه على الأرض، وجعل نفسه نائما، فنام المقدم قريبا منه، فقام علي من مكانه وقعد على باب صيوان التاجر، فانقلب المقدم وأراد أن يأخذ عليا في حضنه فلم يجده، فقال في نفسه: لعله واعد واحدا فأخذه، ولكن أنا أولى، وفي غير هذه الليلة أحجزه. # وأما علي فإنه لم يزل على باب صيوان التاجر إلى أن قرب الفجر، فجاء ورقد عند المقدم، فلما استيقظ المقدم وجده فقال في نفسه: إن قلت له أين كنت يتركني ويروح، ولم يزل يخادعه إلى أن أقبلوا على مغارة فيها غابة، وفي تلك الغابة سبع كاسر، وكلما تمر قافلة يعملون القرعة بينهم، فكل من خرجت عليه القرعة يرمونه إلى السبع، فعملوا القرعة فلم تخرج إلا على شاه بندر التجار، وإذا بالسبع قطع عليهم الطريق ينتظر الذي يأخذه من القافلة، فصار شاه بندر التجار في كرب شديد، وقال للمقدم: الله يخيب كعبك وسفرتك، ولكن وصيتك بعد موتي أن تعطي أولادي حمولي. فقال الشاطر علي: ما سبب هذه الحكاية؟ فأخبروه بالقصة. فقال: ولأي شيء تهربون ms1576 من قط البر؟ فأنا ألتزم لكم بقتله. فراح المقدم إلى التاجر وأخبره فقال: إن قتله أعطيته ألف دينار. وقال بقية التجار: ونحن كذلك نعطيه. فقام علي وخلع المشلح، فبان عليه عدة من بولاد، فأخذ شريط بولاد وفرك لولبه، وانفرد قدام السبع وصرخ عليه، فهجم عليه السبع فضربه علي المصري بالسيف بين عينيه فقسمه نصفين، والمقدم والتاجر ينظرونه، وقال للمقدم: لا تخف يا عمي. فقال له: يا ولدي، أنا بقيت صبيك. فقام التاجر واحتضنه وقبله بين عينيه وأعطاه الألف دينار، وكل تاجر أعطاه عشرين دينارا، فحط جميع المال عند التاجر، وباتوا وأصبحوا عامدين إلى بغداد، فوصلوا إلى غابة الآساد ووادي الكلاب، وإذا فيه رجل بدوي عاص قاطع للطريق ومعه قبيلة، فطلع عليهم فولت الناس من بين أيديهم. فقال التاجر: ضاع مالي. وإذا بعلي أقبل عليهم وهو لابس جلدا ملآن جلاجل، وأطلع المزراق وركب عقله في بعضها، واختلس حصانا من خيل البدوي وركبه، وقال للبدوي: بارزني بالرمح! وهز الجلاجل، فجفلت فرس البدوي من الجلاجل، وضرب مزراق البدوي فكسره، وضربه على رقبته فرمى دماغه. فنظره قومه فانطبقوا على علي، فقال: الله أكبر. ومال عليهم فهزمهم وولوا هاربين، ثم رفع دماغ البدوي على رمح، وأنعم عليه التجار وسافروا حتى وصلوا إلى بغداد، فطلب الشاطر علي المال من التاجر فأعطاه إياه، فسلمه إلى المقدم وقال له: لما تروح مصر اسأل عن قاعتي، وأعط المال لنقيب القاعة. # ثم بات علي وأصبح دخل المدينة، وشق فيها وسأل عن قاعة أحمد الدنف، فلم يدله أحد عليها، ثم تمشى حتى وصل إلى ساحة النفض، فرأى أولادا يلعبون وفيهم ولد يسمى أحمد اللقيط. فقال علي: لا تأخذ أخبارهم إلا من صغارهم. فالتفت علي فرأى حلوانيا، فاشترى منه حلاوة وصاح على الأولاد، وإذا بأحمد اللقيط طرد الأولاد عنه، ثم تقدم هو وقال لعلي: أي شيء تطلب؟ قال له: أنا كان معي ولد ومات، فرأيته في المنام يطلب حلاوة فاشتريتها، فأريد أن أعطي لكل ولد قطعة، وأعطى أحمد اللقيط قطعة، فنظرها فرأى ms1577 فيها دينارا لاصقا بها، فقال له: رح أنا ما عندي فاحشة واسأل عني. فقال له: يا ولدي، ما يأخذ الكرى إلا شاطر، ولا يحط الكرى إلا شاطر، أنا درت في البلد أفتش على قاعة أحمد الدنف فلم يدلني عليها أحد، وهذا الدينار كراك وتدلني على قاعة أحمد الدنف. فقال له: أنا أروح أجري قدامك، وأنت تجري ورائي إلى أن أقبل على القاعة، فآخذ في رجلي حصوة، فأرميها على الباب فتعرفها. فجرى الولد وجرى علي وراءه، إلى أن أخذ الحصوة برجله ورماها على باب القاعة فعرفها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 711 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أحمد اللقيط لما جرى قدام الشاطر علي وأراه القاعة وعرفها، قبض على الولد، وأراد أن يخلص منه الدينار فلم يقدر، فقال له: رح تستاهل الإكرام؛ لأنك زكي كامل العقل والشجاعة، وإن شاء الله إن عملت مقدما عند الخليفة أجعلك من صبياني. فراح الولد. وأما علي الزيبق المصري فإنه أقبل على القاعة، وطرق الباب، فقال أحمد الدنف: يا نقيب افتح الباب، هذه طرقة علي الزيبق المصري. ففتح له الباب ودخل على أحد الدنف وسلم عليه وقابله بالعناق، وسلم عليه الأربعون، ثم إن أحمد الدنف ألبسه حلة، وقال له: إني لما ولاني الخليفة مقدما عنده، كسا صبياني، فأبقيت لك هذه الحلة. ثم أجلسوه في صدر المجلس بينهم، وأحضروا الطعام فأكلوا، والشراب فشربوا وسكروا إلى الصباح، ثم قال أحمد الدنف لعلي المصري: إياك أن تشق في بغداد، بل استمر جالسا في هذه القاعة. فقال له: لأي شيء؟ فهل جئت لأحبس؟ أنا ما جئت إلا لأجل أن أتفرج. فقال له: يا ولدي، لا تحسب أن بغداد مثل مصر، هذه بغداد محل الخلافة، وفيها شطار كثير، وتنبت فيها الشطارة كما ينبت البقل في الأرض. فأقام علي في القاعة ثلاثة أيام، فقال أحمد الدنف لعلي المصري: أريد أن أقربك عند الخليفة لأجل أن يكتب لك جامكية. فقال له: حتى يئين الأوان. فترك سبيله. # ![fig16](../Images/figure16.png) # كان ms1578 قاعدا في القاعة، فانقبض قلبه وضاق صدره. # ![fig17](../Images/figure17.png) # فطلبت منه زينب أن يقصد جبر قلبها، ومشت وتبعها من زقاق إلى زقاق. # ثم إن عليا كان قاعدا في القاعة يوما من الأيام، فانقبض قلبه وضاق صدره، فقال لنفسه: قم شق في بغداد ينشرح صدرك. فخرج وسار من زقاق إلى زقاق، فرأى في وسط السوق دكانا، فدخل وتغدى فيه، وطلع يغسل يديه، وإذا بأربعين عبدا بالشريطات البولاد واللبد، وهم سائرون اثنين اثنين، وآخر الكل دليلة المحتالة راكبة فوق بغلة، وعلى رأسها خوذة مطلية بالذهب وبيضة من بولاد وزردية، وما يناسب ذلك، وكانت دليلة نازلة من الديوان إلى الخان، فلما رأت علي الزيبق المصري تأملت فيه فرأته يشبه أحمد الدنف في طوله وعرضه، وعليه عباءة وبرنس وشريط من بولاد ونحو ذلك، والشجاعة لائحة عليه تشهد له ولا تشهد عليه، فسارت إلى الخان، واجتمعت ببنتها زينب، وأحضرت تخت رمل، فضربت الرمل فطلع لها اسمه علي المصري، وسعده غالب على سعدها وسعد بنتها زينب. فقالت لها: يا أمي أي شيء ظهر لك حين ضربت هذا التخت؟ فقالت: أنا رأيت اليوم شابا يشبه أحمد الدنف، وخائفة أن يسمع أنك أعريت أحمد الدنف وصبيانه، فيدخل الخان ويلعب معنا منصفا لأجل أن يخلص ثأر كبيره، وثأر الأربعين، وأظن أنه نازل في قاعة أحمد الدنف. فقالت لها بنتها زينب: أي شيء هذا؟ أظن أنك حسبت حسابه. ثم لبست بدلة من أفخر ما عندها، وخرجت تشق في البلد. فلما رآها الناس صاروا يتعشقون فيها، وهي توعد وتحلف وتسمع وتسطح، وسارت من سوق إلى سوق حتى رأت عليا المصري مقبلا عليها، فزاحمته بكتفها والتفتت، وقالت: الله يحيي أهل النظر. فقال لها: ما أحسن شكلك! لمن أنت؟ فقالت: للغندور الذي مثلك. فقال لها: هل أنت متزوجة أم عازبة؟ فقالت: متزوجة. فقال لها: عندي أم عندك؟ فقالت: أنا بنت تاجر، وزوجي تاجر، وعمري ما خرجت إلا في هذا اليوم، وما ذاك إلا أني طبخت طعاما وأردت أن آكل فما لقيت لي نفسا، ولما رأيتك ms1579 وقعت محبتك في قلبي، فهل يمكن أن تقصد جبر قلبي، وتأكل عندي لقمة؟ فقال لها: من دعي فليجب. # ومشت وتبعها من زقاق إلى زقاق، ثم قال في نفسه وهو ماش خلفها: كيف تفعل وأنت غريب؟ وقد ورد من زنى في غربته رده الله خائبا، ولكن ادفعها عنك بلطف. ثم قال: خذي هذا الدينار واجعلي الوقت غير هذا. فقالت له: والاسم الأعظم ما يمكن إلا أن تروح معي في هذا الوقت إلى البيت وأصافيك. فتبعها إلى أن وصلت باب دار عليها بوابة عالية والضبة مغلقة، فقالت له: افتح هذه الضبة. فقال لها: وأين مفتاحها؟ فقالت له: ضاع. فقال لها: كل من فتح ضبة بغير مفتاح يكون مجرما، وعلى الحاكم تأديبه، وأنا ما أعرف شيئا حتى أفتحها بلا مفتاح. فكشفت الإزار عن وجهها، فنظرها نظرة أعقبته ألف حسرة، ثم أسبلت إزارها على الضبة وقرأت عليها أسماء أم موسى ففتحتها بلا مفتاح، ودخلت فتبعها، فرأى سيوفا وأسلحة من البولاد، ثم إنها خلعت الإزار وقعدت معه، فقال لنفسه: استوف ما قدره الله عليك. ثم مال عليها ليأخذ قبلة من خدها، فوضعت كفها على خدها، وقالت له: ما صفاء إلا في الليل. وأحضرت سفرة طعام ومدام فأكلا وشربا، وقامت ملأت الإبريق من البئر وكبت على يديه فغسلهما. فبينما هما كذلك وإذا بها دقت على صدرها وقالت: إن زوجي كان عنده خاتم من ياقوت مرهون على خمسمائة دينار، فلبسته فجاء واسعا فضيقته بشمعة، فلما أدليت الدلو سقط الخاتم في البئر، ولكن التفت إلى جهة الباب حتى أتعرى، وأنزل البئر لأجيء به. فقال لها: عيب علي أن تنزلي وأنا موجود، فما ينزل إلا أنا. فقلع ثيابه، وربط نفسه في السلبة، وأدلته في البئر، وكان الماء فيه غزيرا، ثم قالت له: إن السلبة قد قصرت مني، ولكن فك نفسك وانزل. ففك نفسه ونزل في الماء وغطس فيه قامات، ولم يحصل قرار البئر، وأما هي فإنها لبست إزارها وأخذت ثيابه، وراحت إلى أمها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام ms1580 المباح. ### | فلما كانت الليلة 712 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عليا المصري لما نزل في البئر وأخذت ثيابه، راحت إلى أمها وقالت لها: قد عريت عليا المصري، وأوقعته في بئر الأمير حسن صاحب الدار، وهيهات أن يخلص. وأما الأمير حسن صاحب الدار، فإنه كان في وقتها غائبا في الديوان، فلما أقبل رأى بيته مفتوحا، فقال للسائس: لأي شيء ما أغلقت الضبة؟ فقال: يا سيدي، إني أغلقتها بيدي. فقال: وحياة رأسي إن بيتي قد دخله حرامي. ثم دخل الأمير حسن وتلفت في البيت فلم يجد أحدا، فقال للسائس: املأ الإبريق حتى أتوضأ. فأخذ السائس الدلو وأدلاه، فلما سحبه وجده ثقيلا، فطل في البئر فرأى شيئا قاعدا في السطل، فألقاه في البئر ثانيا، ونادى وقال: يا سيدي، قد طلع لي عفريت من البئر. فقال له الأمير حسن: رح هات أربعة فقهاء يقرءون القرآن عليه حتى ينصرف. فلما أحضر الفقهاء قال لهم: احتاطوا بهذا البئر واقرءوا على هذا العفريت. ثم جاء العبد والسائس وأنزلا الدلو، وإذا بعلي المصري تعلق به، وخبأ نفسه في الدلو، وصبر حتى صار قريبا منهم، ووثب من الدلو وقعد بين الفقهاء. فصاروا يلطشون بعضهم، ويقولون: عفريت عفريت. فرآه الأمير حسن غلاما إنسيا، فقال له: هل أنت حرامي؟ فقال: لا. فقال له: ما سبب نزولك في البئر؟ فقال له: أنا نمت واحتلمت، فنزلت لأغتسل في بحر الدجلة فغطست وجذبني الماء تحت الأرض حتى خرجت من هذه البئر. فقال له: قل الصدق. فحكى له جميع ما جرى له، فأخرجه من البيت بثوب قديم، فتوجه إلى قاعة أحمد الدنف وحكى له ما وقع له، فقال: أما قلت لك إن بغداد فيها نساء تلعب على الرجال؟ فقال علي كتف الجمل: بحق الاسم الأعظم أن تخبرني كيف تكون رئيس فتيان مصر وتعريك صبية؟ فصعب عليه ذلك وندم، فكساه أحمد الدنف بدلة غيرها. # ثم قال حسن شومان: هل أنت تعرف الصبية؟ فقال: لا. فقال له: هذه زينب بنت دليلة المحتالة بوابة خان الخليفة، فهل ms1581 وقعت في شبكتها يا علي؟ قال: نعم. فقال له: يا علي، إن هذه أخذت ثياب كبيرك وثياب جميع صبيانه. فقال: هذا عار عليكم. فقال له: وأي شيء مرادك؟ فقال: مرادي أن أتزوج بها. فقال له: هيهات، سل فؤادك عنها. فقال له: وما حيلتي في زواجها يا شومان؟ فقال: مرحبا بك إن كنت تشرب من كفي، وتمشي تحت رايتي، بلغت مرادك منها. فقال له: نعم. فقال له: يا علي، اقلع ثيابك. فقلع ثيابه وأخذ قدرا وغلى فيه شيئا مثل الزفت، ودهنه به، فصار مثل العبد الأسود، ودهن شفتيه وخديه وكحله بكحل أحمر، وألبسه ثياب خدام، وأحضر عنده سفرة كباب ومدام وقال له: إن في الخان عبدا طباخا، وأنت صرت شبيهه، ولا يحتاج من السوق إلا اللحمة والخضار، فتوجه إليه بلطف وكلمه بكلام العبيد وسلم عليه وقل له: زمان ما اجتمعت بك في البوظة. فيقول لك: أنا مشغول، في رقبتي أربعون عبدا أطبخ لهم سماطا في الغداء، وسماطا في العشاء، وأطعم الكلاب، وسفرة لدليلة وسفرة لبنتها زينب. ثم قل له: تعال نأكل كبابا ونشرب بوظة. وادخل وإياه القاعة وأسكره، ثم اسأله عن الذي يطبخه كم لون هو؟ وعن أكل الكلاب، وعن مفتاح المطبخ، وعن مفتاح الكرار، فإنه يخبرك؛ لأن السكران يخبر بجميع ما يكتمه في حال صحوه، وبعد ذلك بنجه والبس ثيابه، وخذ السكاكين في وسطك، وخذ مقطف الخضار واذهب إلى السوق واشتر اللحم والخضار، ثم ادخل المطبخ والكرار واطبخ الطبيخ، ثم اغرفه وخذ الطعام وادخل به على دليلة في الخان، وحط البنج في الطعام حتى تبنج الكلاب والعبيد ودليلة وبنتها زينب، ثم اطلع القصر وائت بجميع الثياب منه. وإن كان مرادك أن تتزوج بزينب تجيء معك بالأربعين طيرا التي تحمل الرسائل. # فطلع فرأى العبد الطباخ فسلم عليه، وقال له: زمان ما اجتمعنا بك في البوظة. فقال له: أنا مشغول بالطبيخ للعبيد والكلاب. فأخذه وأسكره وسأله عن الطبيخ كم لون هو؟ فقال له: كل يوم خمسة ألوان في الغداء، وخمسة ألوان في ms1582 العشاء، وطلبوا مني أمس لونا سادسا وهو الزردة، ولونا سابعا وهو طبيخ حب الرمان. فقال: وأي شيء حال السفرة التي تعملها؟ فقال: أؤدي سفرة إلى زينب، وبعدها سفرة لدليلة، وأعشي العبيد، وبعدهم أعشي الكلاب وأطعم كل واحد كفايته من اللحم، وأقل ما يكفيه رطل. وأنسته المقادير أن يسأله عن المفاتيح، ثم قلعه ثيابه ولبسها هو، وأخذ المقطف وراح السوق، فأخذ اللحم والخضار. وأدرك شهرزد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 713 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عليا الزيبق المصري لما بنج العبد الطباخ، أخذ السكاكين وحطها في حزامه، وأخذ مقطف الخضار، ثم ذهب إلى السوق واشترى اللحم والخضار، ثم رجع ودخل من باب الخان، فرأى دليلة قاعدة تنتقد الداخل والخارج، ورأى الأربعين عبدا مسلحين، فقوى قلبه، فلما رأته دليلة عرفته، فقالت له: ارجع يا رئيس الحرامية، أتعمل علي منصفا في الخان؟ فالتفت علي المصري وهو في صورة العبد إلى دليلة، وقال لها: ما تقولين يا بوابة؟ فقالت له: ماذا صنعت بالعبد الطباخ؟ وأي شيء فعلت فيه؟ فهل قتلته أو بنجته؟ فقال لها: أي عبد طباخ؟ فهل هناك عبد طباخ غيري؟ فقالت: تكذب، أنت علي الزيبق المصري. فقال لها بلغة العبيد: يا بوابة، هل المصرية بيضة أم سودة؟ أنا ما بقيت أخدم. فقال العبيد: ما لك يا بن عمنا؟ فقالت دليلة: هذا ما هو ابن عمكم، هذا علي الزيبق المصري، وكأنه بنج ابن عمكم أو قتله. فقالوا: هذا ابن عمنا سعد الله الطباخ. فقالت لهم: ما هو ابن عمكم، بل هو علي المصري وصبغ جلده. فقال لها: من علي؟ أنا سعد الله. فقالت: إن عندي دهان الاختبار. وجاءت بدهان فدهنت به ذراعه وحكته، فلم يطلع السواد. فقال العبيد: خليه يروح ليعمل لنا الغداء. فقالت لهم: إن كان هو ابن عمكم يعرف أي شيء طلبتم منه ليلة أمس، ويعرف كم لونا يطبخها في كل يوم. فسألوه عن الألوان وعما طلبوه ليلة أمس، فقال: عدس وأرز وشوربة ويخني وماء وردية، ms1583 ولون سادس وهو زردة، ولون سابع وهو حب الرمان، وفي العشاء مثلها. فقال العبيد: صدق. فقالت لهم: ادخلوا معه، فإن عرف المطبخ والكرار فهو ابن عمكم، وإلا فاقتلوه. وكان الطباخ قد ربى قطا، فكلما يدخل الطباخ يقف القط على باب المطبخ، ثم ينط على أكتافه إذا دخل، فلما دخل ورآه القط نط على أكتافه فرماه، فجرى قدامه إلى المطبخ، فلحظ أن القط ما وقف إلا على باب المطبخ، فأخذ المفاتيح فرأى مفتاحا عليه أثر الريش، فعرف أنه مفتاح المطبخ ففتحه وحط الخضار، وخرج فجرى القط قدامه وعمد إلى باب الكرار، فلحظ أنه الكرار، فأخذ المفاتيح ورأى مفتاحا عليه أثر الدهان، فعرف أنه مفتاح الكرار ففتحه، فقال العبيد: يا دليلة، لو كان غريبا ما عرف المطبخ والكرار، ولا عرف مفتاح كل مكان من بين المفاتيح، وإنما هذا ابن عمنا سعد الله. فقالت: إنما عرف الأماكن من القط، وميز المفاتيح من بعضها بالقرينة، وهذا الأمر لا يدخل علي. ثم إنه دخل المطبخ وطبخ الطعام وطلع سفرة إلى زينب، فرأى جميع الثياب في قصرها، ثم نزل وحط سفرة لدليلة وغدى العبيد وأطعم الكلاب، وفي العشاء كذلك، وكان الباب لا يفتح ولا يقفل إلا بشمس في الغداة والعشي. # ثم إن عليا قام ونادى في الخان: يا سكان، قد سهرت العبيد للحرس، وأطلقنا الكلاب، وكل من طلع فلا يلوم إلا نفسه. وكان علي أخر عشاء الكلاب وحط فيه السم، ثم قدمه إليها فلما أكلته ماتت، وبنج جميع العبيد ودليلة وبنتها زينب، ثم طلع فأخذ جميع الثياب وحمام البطاقة، وفتح الخان، وخرج وسار إلى أن وصل إلى القاعة، فرآه حسن شومان فقال له: أي شيء فعلت؟ فحكى له جميع ما كان، فشكره، ثم إنه قام ونزع ثيابه، وغلى له عشبا وغسله به، فعاد أبيض كما كان، وراح إلى العبد وألبسه ثيابه، وأيقظه من البنج، فقام العبد وذهب إلى الخضري، فأخذ الخضار ورجع إلى الخان. # هذا ما كان من أمر علي الزيبق المصري، وأما ما كان من ms1584 أمر دليلة المحتالة، فإنه طلع من طبقته رجل تاجر من السكان عندما لاح الفجر، فرأى باب الخان مفتوحا والعبيد مبنجة والكلاب ميتة، فنزل إلى دليلة فرآها مبنجة وفي رقبتها ورقة، ورأى عند رأسها أسفنجة فيها ضد البنج، فحطها على مناخير دليلة فأفاقت؛ فلما أفاقت قالت: أين أنا؟ فقال لها التاجر: أنا نزلت فرأيت باب الخان مفتوحا، ورأيتك مبنجة، وكذلك العبيد، وأما الكلاب فرأيتها ميتة. فأخذت الورقة فرأت فيها: ما عمل هذا العمل إلا علي المصري. فشممت العبيد وزينب بنتها ضد البنج وقالت: أما قلت لكم إن هذا علي المصري؟ ثم قالت للعبيد: اكتموا هذا الأمر. وقالت لبنتها: كم قلت لك إن عليا ما يخلي ثأره؟ وقد عمل هذا العمل في نظير ما فعلت معه، وكان قادرا أن يفعل معك شيئا غير هذا، ولكنه اقتصر على هذا إبقاء للمعروف وطلبا للمحبة بيننا. ثم إن دليلة خلعت لباس الفتوة ولبست لباس النساء، وربطت المحرمة في رقبتها وقصدت قاعة أحمد الدنف، وكان علي حين دخل بالثياب وحمام الرسائل، قام شومان وأعطى للنقيب حق أربعين حمامة، فاشتراها وطبخها بين الرجال، وإذا بدليلة تدق الباب، فقال أحمد الدنف: هذه دقة دليلة، قم افتح لها يا نقيب. فقام وفتح لها فدخلت دليلة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 714 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن النقيب لما فتح القاعة لدليلة دخلت، فقال لها شومان: ما جاء بك هنا يا عجوز النحس، وقد تحزبت أنت وأخوك زريق السماك؟ فقالت: يا مقدم، إن الحق علي، وهذه رقبتي بين يديك، ولكن الفتى الذي عمل معي هذا المنصف من هو منكم؟ فقال أحمد الدنف: هو أول صبياني. فقالت له: أنت سياق الله عليه أنه يجيء لي بحمام الرسائل وغيره، وتجعل ذلك إنعاما علي. فقال حسن شومان: الله يقابلك بالجزاء يا علي، لأي شيء طبخت ذلك الحمام؟ فقال علي: ليس عندي خبر أنه حمام الرسائل. ثم قال أحمد: يا نقيب هات نائبها. فأعطاها فأخذت قطعة من حمامة ms1585 ومضغتها، فقالت: هذا ما هو لحم طير الرسائل، فإني أعلفه حب المسك، ويبقى لحمه كالمسك. فقال لها شومان: إن كان مرادك أن تأخذي حمام الرسائل، فاقضي حاجة علي المصري. فقالت: أي شيء حاجته؟ فقال لها: أن تزوجيه بنتك زينب. فقالت: أنا ما أحكم عليها إلا بالمعروف. فقال حسن لعلي المصري: أعطها الحمام. فأعطاه إياه، فأخذته وفرحت به، فقال شومان: لا بد أن تروي علينا جوابا كافيا. فقالت: إن كان مراده أن يتزوج بها، فهذا المنصف الذي عمله هو شطارة، وما الشطارة إلا أن يخطبها من خالها المقدم زريق، فإنه وكيلها الذي ينادي: يا رطل سمك بجديدين. وقد علق في دكانه كيسا حط فيه من الذهب ألفين. فعندما سمعوها تقول ذلك قاموا وقالوا: ما هذا الكلام يا عاهرة، إنما أردت أن تعدمينا أخانا عليا المصري. ثم إنها راحت من عندهم إلى الخان، فقالت لبنتها: قد خطبك مني علي المصري. ففرحت لأنها أحبته لعفته عنها، وسألتها عما جرى، فحكت لها ما وقع وقالت: شرطت عليه أن يخطبك من خالك وأوقعته في الهلاك. # وأما علي المصري فإنه التفت إليهم، وقال: ما شأن زريق؟ وأي شيء يكون هو؟ فقالوا: هو رئيس فتيان أرض العراق، يكاد أن ينقب الجبل ويتناول النجم، ويأخذ الكحل من العين، وهو في هذا الأمر ليس له نظير، ولكنه تاب عن ذلك، وفتح دكان سماك، فجمع من السمك ألفي دينار ووضعها في كيس وربط في الكيس قيطانا من حرير، ووضع في القيطان جلاجل وأجراسا من نحاس، وربطه في وتد من داخل باب الدكان متصلا بالكيس، وكلما يفتح الدكان يعلق الكيس وينادي: أين أنتم يا شطار مصر ويا فتيان العراق ويا مهرة بلاد العجم؟ زريق السماك علق كيسا على وجه الدكان، كل من يدعي الشطارة ويأخذه بحيلة، فإنه يكون له. فتأتي الفتيان أهل الطمع، ويريدون أنهم يأخذونه فلم يقدروا؛ لأنه واضع تحت رجليه أرغفة من رصاص وهو يقلي ويوقد النار، فإذا جاء الطماع ليساهيه ويأخذه يضربه برغيف من رصاص فيتلفه أو يقتله، ms1586 فيا علي، إذا تعرضت له تكون كمن يلطم في الجنازة، ولا يعرف من مات، فما لك قدرة على مقارعته، فإنه يخشى عليك منه، ولا حاجة لك بزواجك زينب، ومن ترك شيئا عاش بلاه. فقال: هذا عيب يا رجال؛ فلا بد لي من أخذ الكيس، ولكن هاتوا لي لبس صبية. فأحضروا له لبس صبية، فلبسه وتحنى وأرخى لثاما، وذبح خروفا وأخذ دمه، وطلع المصران ونظفه وعقده من تحت وملأه بالدم، وربطه على فخذه ولبس عليه اللباس والخف، وعمل له نهدين من حواصل الطير وملأهما باللبن، وربط على بطنه بعض قماش، ووضع بينه وبين بطنه قطنا، وتحزم عليه بفوطة كلها نشاء، فصار كل من ينظره يقول: ما أحسن هذا الكفل! وإذا بحمار مقبل فأعطاه دينارا، وأركبه وسار به إلى جهة دكان زريق السماك، فرأى الكيس معلقا، ورأى الذهب ظاهرا منه، وكان زريق يقلي السمك، فقال: يا حمار، ما هذه الرائحة؟ فقال له: رائحة سمك زريق. فقال له: أنا امرأة حامل والرائحة تضرني، هات لي منه قطعة سمك. فقال الحمار لزريق: هل أصبحت تفوح الرائحة على النساء الحوامل؟ أنا معي زوجة الأمير حسن شر الطريق قد شمت الرائحة وهي حامل، فهات لها قطعة سمك؛ لأن الجنين تحرك في بطنها، فقال زريق: يا ستير، اللهم اكفنا شر هذا النهار. فأخذ قطعة سمك وأراد أن يقليها، فانطفأت النار، فدخل ليوقد النار، وكان علي المصري قاعدا، فاتكأ على المصران فقطعه؛ فساح الدم من بين رجليه، فقال: آه يا جنبي يا ظهري. فالتفت الحمار فرأى الدم سائحا، فقال لها: ما لك يا سيدتي؟ فقال له وهو في صورة المرآة: قد أسقطت الجنين. فطل زريق فرأى الدم، فهرب في الدكان وهو خائف، فقال له الحمار: الله ينكد عليك يا زريق، إن الصبية قد أسقطت الجنين، وإنك ما تقدر على زوجها، فلأي شيء أصبحت تفوح الرائحة؟ وأنا أقول لك: هات لها قطعة سمك ما ترضى. ثم أخذ الحمار حماره وتوجه إلى حال سبيله. وحين هرب زريق داخل الدكان مد ms1587 علي المصري يده إلى الكيس، فلما حصله خشخش الذهب الذي فيه وصلصلت الجلاجل والأجراس والحلق، فقال زريق: ظهر خداعك يا علق، أتعمل علي منصفا وأنت في صورة صبية؟ ولكن خذ ما جاءك. وضربه برغيف من رصاص فراح خائبا وحط في غيره. فقام عليه الناس وقالوا: هل أنت سوقي وإلا مضارب؟ فإن كنت سوقيا فنزل الكيس واكف الناس شرك. فقال لهم: باسم الله على الرأس. # وأما علي فإنه راح إلى القاعة فقال له شومان: ما فعلت؟ فحكى له جميع ما وقع له، ثم قلع لبس النساء وقال: يا شومان، أحضر لي ثياب سائس. فأحضرها له فأخذها ولبسها، ثم أخذ صحنا وخمسة دراهم، وراح لزريق السماك، فقال له: أي شيء تطلب يا أسطى؟ فأراه الدراهم في يده، فأراد زريق أن يعطي له من السمك الذي على الطبلية، فقال له: أنا ما آخذ إلا سمكا سخنا. فحط السمك في الطاجن وأراد أن يقليه؛ فانطفأت النار، فدخل ليوقدها فمد علي المصري يده ليأخذ الكيس، فحصل طرفه فخشخشت الأجراس والحلق والجلاجل، فقال له زريق: ما دخل علي منصفك ولو جئتني في صورة سائس، وأنا عرفتك من قبض يدك على الفلوس والصحن. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 715 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عليا المصري لما مد يده ليأخذ الكيس خشخشت الأجراس والحلق، فقال له زريق: ما دخل علي منصفك ولو جئتني في صورة سائس، فأنا عرفتك من قبض يدك على الفلوس والصحن. وضربه برغيف من رصاص، فراغ عنه علي المصري، فلم ينزل الرغيف الرصاص إلا في طاجن ملآن باللحم السخن، فانكسر ونزل بمرقته على كتف القاضي وهو سائر، ونزل الجميع في عب القاضي حتى وصل إلى محاشمه، فقال القاضي: يا محاشمي! ما أقبحك يا شقي؟ من عمل معي هذه العملة؟ فقال له الناس: يا مولانا، هذا ولد صغير رجم بحجر فوقع في الطاجن، ما دفع الله كان أعظم. ثم التفتوا فوجدوا الرغيف الرصاص، والذي رماه إنما هو زريق السماك، ms1588 فقاموا عليه وقالوا: ما يحل من الله يا زريق، نزل الكيس أحسن لك. فقال: إن شاء الله أنزله. # وأما علي المصري فإنه راح إلى القاعة، ودخل على الرجال، فقالوا له: أين الكيس؟ فحكى لهم جميع ما جرى له، فقالوا له: أنت أضعت ثلثي شطارته. فقلع ما عليه، ولبس بدلة تاجر، وخرج فرأى حاويا معه جراب فيه ثعابين وجربندية فيها أمتعته، فقال له: يا حاوي، مرادي أن تفرج أولادي وتأخذ إحسانا، فأتى به إلى القاعة وأطعمه وبنجه ولبس بدلته، وراح إلى زريق السماك، وأقبل عليه وزمر بالزمارة، فقال له: الله يرزقك. وإذا به طلع الثعابين ورماها قدامه، وكان زريق يخاف من الثعابين؛ فهرب منها داخل الدكان، فأخذ الثعابين ووضعها في الجراب ومد يده إلى الكيس، فحصل طرفه فشن الحلق والجلاجل والأجراس، فقال له: ما زلت تعمل علي المناصف حتى عملت حاويا؟ ورماه برغيف من رصاص، وإذا بواحد جندي سائر ووراءه السائس، فوقع الرغيف في رأس السائس فبطحه. فقال الجندي: من بطحه؟ فقال له الناس: هذا حجر نزل من السقيفة. فسار الجندي والتفتوا فرأوا الرغيف الرصاص، فقاموا عليه، وقالوا له: نزل الكيس. فقال: إن شاء الله أنزله في هذه الليلة. وما زال علي يلعب مع زريق حتى عمل معه سبعة مناصف ولم يأخذ الكيس، ثم إنه أرجع ثياب الحاوي ومتاعه إليه وأعطاه إحسانا، ورجع إلى دكان زريق، فسمعه يقول: أنا إن بيت الكيس في الدكان نقب عليه وأخذه، ولكن آخذه معي إلى البيت. ثم قام زريق وعزل الدكان ونزل الكيس وحطه في عبه، فتبعه علي إلى أن قرب من البيت، فرأى زريق جاره عنده فرح، فقال زريق في نفسه: حتى أروح البيت وأعطي زوجتي الكيس وألبس حوائجي، ثم أعود إلى الفرح. ومشى وعلي تابعه، وكان زريق متزوجا بجارية سوداء من معاتيق الوزير جعفر، ورزق منها بولد وسماه عبد الله، وكان يوعدها أنه يطاهر الولد بالكيس ويزوجه، ويصرفه في فرحه. ثم دخل زريق على زوجته وهو عابس الوجه، فقالت له: ما سبب عبوسك؟ ms1589 فقال لها: ربنا بلاني بشاطر لعب معي سبعة مناصف على أنه يأخذ الكيس، فما قدر أن يأخذه. فقالت: هاته حتى أدخره لفرح الولد. فأعطاها إياه. # وأما علي المصري فإنه تخبأ في مخدع، وصار يسمع ويرى، فقام زريق وقلع ما عليه ولبس بدلته، وقال لها: احفظي الكيس يا أم عبد الله، وأنا رائح إلى الفرح. فقالت له: نم لك ساعة. فنام، فقام علي ومشى على أطراف أصابعه وأخذ الكيس وتوجه إلى بيت الفرح ووقف يتفرج. وأما زريق فإنه رأى في منامه أن الكيس أخذه طائر، فأفاق مرعوبا وقال لأم عبد الله: قومي انظري الكيس. فقامت تنظره فما وجدته، فلطمت على وجهها، وقالت: يا سواد حظك يا أم عبد الله، الكيس أخذه الشاطر. فقال: والله ما أخذه إلا الشاطر علي، وما أحد غيره أخذ الكيس، ولا بد أني أجيء به. فقالت: إن لم تجئ به وإلا قفلت عليك الباب وتركتك تبيت في الحارة. فأقبل زريق على الفرح فرأى الشاطر عليا يتفرج، فقال: هذا الذي أخذ الكيس، ولكنه نازل في قاعة أحمد الدنف. فسبقه زريق إلى القاعة وطلع على ظهرها ونزل فرآهم نائمين، وإذا بعلي أقبل ودق الباب، فقال زريق: من بالباب؟ فقال: علي المصري. فقال له: هل جئت بالكيس؟ فظن أنه شومان، فقال له: جئت به فافتح الباب. فقال له: ما يمكن أن أفتح لك حتى أنظره، فإنه وقع بيني وبين كبيرك رهان. فقال له: مد يدك. فمد يده من جنب عقب الباب، فأعطاه الكيس، فأخذه زريق وطلع من الموضع الذي نزل منه، وراح إلى الفرح. وأما علي فإنه لم يزل واقفا على الباب، ولم يفتح له أحد، فطرق الباب طرقة مزعجة، فصحا الرجال وقالوا: هذه طرقة علي المصري. ففتح له النقيب وقال له: جئت بالكيس؟ فقال: يكفي مزاحا يا شومان أما أعطيتك إياه من جنب عقب الباب، وقلت لي: أنا حالف أني لا أفتح لك الباب حتى تريني الكيس. فقال: والله ما أخذته، وإنما زريق هو الذي أخذه منك. فقال له: ms1590 لا بد أني أجيء به. ثم خرج علي المصري متوجها إلى الفرح، فسمع الخلبوص يقول: شوبش يا أبا عبد الله، العاقبة عندك لولدك. فقال علي: أنا صاحب السعد. وتوجه إلى بيت زريق وطلع من فوق ظهر البيت ونزل، فرأى الجارية نائمة، فبنجها ولبس بدلتها، وأخذ الولد في حجره ودار يفتش، فرأى مقطفا فيه كعك العيد من بخل زريق، ثم إن زريقا أقبل إلى البيت وطرق الباب، فجاوبه الشاطر علي وجعل نفسه الجارية وقال له: من بالباب؟ فقال: أبو عبد الله. فقال: أنا حلفت ما أفتح لك الباب حتى تجيء بالكيس؟ فقال: جئت به. فقال: هاته قبل فتح الباب. فقال: أدلي المقطف وخذيه فيه. فأدلى المقطف فحطه فيه، ثم أخذه الشاطر علي وبنج الولد وأيقظ الجارية، ونزل من الموضع الذي طلع منه وقصد القاعة، فدخل على الرجال وأراهم الكيس والولد معه، فشكروه وأعطاهم الكعك فأكلوه، وقال: يا شومان، هذا الولد ابن زريق فاخفه عندك. فأخذه وأخفاه وأتى بخروف فذبحه وأعطاه للنقيب فطبخه قممة وكفنه، وجعله كالميت. # وأما زريق فإنه لم يزل واقفا على الباب، ثم دق الباب دقة مزعجة، فقالت له الجارية: هل جئت بالكيس؟ فقال لها: أما أخذته في المقطف الذي أدليته؟ فقالت: أنا ما أدليت مقطفا ولا رأيت كيسا ولا أخذته. فقال: والله إن الشاطر علي سبقني وأخذه. ونظر في البيت فرأى الكعك معدوما والولد مفقودا، فقال: وا ولداه! فدقت الجارية على صدرها وقالت: أنا وإياك للوزير، ما قتل ابني إلا الشاطر الذي يفعل معك المناصف، وهذا بسببك. فقال لها: ضمانه علي. ثم طلع زريق وربط المحرمة في رقبته وراح إلى قاعة أحمد الدنف ودق الباب، ففتح له النقيب ودخل على الرجال، فقال شومان: ما جاء بك؟ فقال: أنتم سياق على علي المصري ليعطيني ولدي وأسامحه في الكيس الذهب. فقال شومان: الله يقابلك يا علي بالجزاء، لأي شيء ما أعلمتني أنه ابنه؟ فقال زريق: أي شيء جرى عليه؟ فقال شومان: أطعمناه زبيبا فشرق ومات وهو هذا. فقال: وا ولداه! ms1591 ما أقول لأمه؟ ثم قام وفك الكفن فرآه قممة، فقال له: أطربتني يا علي. ثم إنهم أعطوه ابنه، فقال أحمد الدنف: أنت كنت معلقا الكيس لكل من كان شاطرا يأخذه، فإن أخذه شاطر يكون حقه، وإنه صار حق علي المصري. فقال: وأنا وهبته له. فقال له علي الزيبق المصري: اقبله من شأن بنت أختك زينب. فقال له: قبلته. فقالوا: نحن خطبناها لعلي المصري. فقال: أنا ما أحكم عليها إلا بالمعروف. ثم إنه أخذ ابنه وأخذ الكيس، فقال شومان: هل قبلت منا الخطبة؟ فقال: قبلتها ممن كان يقدر على مهرها. فقال له: وأي شيء مهرها؟ فقال: إنها حالفة ألا يركب صدرها إلا من يجيء لها ببدلة قمر بنت عذرة اليهودي، وباقي حوائجها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 716 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زريقا قال لشومان: إن زينب حالفة ألا يركب صدرها إلا الذي يجيء لها ببدلة قمر بنت عذرة اليهودي والتاج والحياصة والتاسومة الذهب. فقال علي المصري: إن لم أجئ ببدلتها في هذه الليلة لا حق لي في الخطبة. فقال له: يا علي، تموت إن عملت معها منصفا. فقال لهم: ما سبب ذلك؟ فقالوا له: إن عذرة اليهودي ساحر مكار غدار يستخدم الجن، وله قصر خارج المملكة حيطانه طوبة من ذهب وطوبة من فضة، وذلك القصر ظاهر للناس ما دام قاعدا فيه، ومتى خرج فإنه يختفي، ورزق ببنت اسمها قمر، وجاء لها بهذه البدلة من كنز، فيضع البدلة في صينية من الذهب ويفتح شبابيك القصر وينادي: أين شطار مصر وفتيان العراق ومهرة العجم؟ كل من أخذ البدلة تكون له. فحاوله بالمناصف سائر الفتيان فلم يقدروا أن يأخذوها، وسحرهم قرودا وحميرا. فقال علي: لا بد من أخذها، وتتجلى بها زينب بنت دليلة المحتالة. ثم توجه علي المصري إلى دكان اليهودي فرآه فظا غليظا، وعنده ميزان وصنج وذهب وفضة ومناقد، ورأى عنده بغلة، فقام اليهودي وقفل الدكان، وحط الذهب والفضة في كيسين، وحطهما في خرج وحطه ms1592 على البغلة وركب، وسار إلى أن وصل خارج البلد وعلي المصري وراءه وهو لم يشعر. ثم أطلع اليهودي ترابا من كيس في جيبه وعزم عليه ورشه في الهواء، فرأى الشاطر علي قصرا ما له نظير، ثم طلعت البغلة باليهودي في السلالم، وإذا بالبغلة عون يستخدمه اليهودي، فنزل الخرج عن البغلة، وراحت البغلة واختفت. وأما اليهودي فإنه قعد في القصر وعلي ينظر فعله، فأحضر اليهودي قصبة من ذهب، وعلق فيها صينية من ذهب بسلاسل من ذهب، وحط البدلة في الصينية، فرآها علي من خلف الباب، ونادى اليهودي أين شطار مصر وفتيان العراق ومهرة العجم؟ من أخذ هذه البدلة بشطارته فهي له. وبعد ذلك عزم فوضعت سفرة طعام فأكل، ثم رفعت السفرة بنفسها، وعزم مرة أخرى فوضعت بين يديه سفرة مدام فشرب، فقال علي: أنت لا تعرف أن تأخذ هذه البدلة إلا وهو يسكر. فجاءه من خلفه وسحب شريط البولاد في يده، فالتفت اليهودي وعزم وقال ليده: قفي بالسيف. فوقفت يده بالسيف في الهواء، فمد يده الشمال فوقفت في الهواء، وكذلك رجله اليمنى، وصار واقفا على رجل، ثم إن اليهودي صرف عنه الطلسم، فعاد علي المصري كما كان أولا. # ![fig18](../Images/figure18.png) # وركب عليه اليهودي واختفى القصر عن الأعين، وسار وهو راكبه. # ثم إن اليهودي ضرب تخت رمل، فطلع له أن اسمه علي الزيبق المصري؛ فالتفت إليه وقال له: تعال، من أنت؟ وما شأنك؟ فقال: أنا علي المصري، صبي أحمد الدنف، وقد خطبت زينب بنت دليلة المحتالة، وعملوا علي مهرها بدلة بنتك، فأنت تعطيها إلي إن أردت السلامة وتسلم. فقال له: بعد موتك، فإن ناسا كثيرا عملوا علي مناصف من شأن أخذ البدلة، فلم يقدروا أن يأخذوها مني، فإن كنت تقبل النصيحة تسلم بنفسك، فإنهم ما طلبوا منك البدلة إلا لأجل هلاكك، ولولا أني رأيت سعدك غالبا على سعدي لكنت رميت رقبتك. ففرح علي لكون اليهودي رأى سعده غالبا على سعده، فقال له: لا بد لي من أخذ البدلة وتسلم. فقال له: هل هذا مرادك ms1593 ولا بد؟ قال: نعم. فأخذ اليهودي طاسة، وملأها ماء وعزم عليها، وقال: اخرج من الهيئة البشرية إلى هيئة حمار. ورشه منها فصار حمارا بحوافر وآذان طوال، وصار ينهق مثل الحمير، ثم ضرب عليه دائرة فصارت عليه سورا، وصار اليهودي يسكر إلى الصباح، فقال له: أنا أركبك وأريح البغلة. # ثم إن اليهودي وضع البدلة والصينية والقصبة والسلاسل في خشخانة، ثم طلع وعزم عليه، فتبعه وحط على ظهره الخرج، وركب عليه، واختفى القصر عن الأعين وسار وهو راكبه إلى أن نزل على دكانه، وفرغ الكيس الذهب والكيس الفضة في المنقد قدامه. وأما علي فإنه مربوط في هيئة حمار، ولكنه يسمع ويعقل ولا يقدر أن يتكلم، وإذا برجل ابن تاجر جار عليه الزمن، فلم يجد له صنعة خفيفة إلا السقاية، فأخذ أساور زوجته وأتى إلى اليهودي وقال له: أعطني ثمن هذه الأساور لأشتري لي به حمارا؟ فقال اليهودي: تحمل عليه أي شيء؟ فقال له: يا معلم، أملأ عليه ماء من البحر وأقتات من ثمنه. فقال له اليهودي: خذ مني حماري هذا. فباع له الأساور وأخذ من ثمنها الحمار، وأعطاه اليهودي الباقي، وسار بعلي المصري وهو مسحور إلى بيته، فقال علي لنفسه: متى ما حط عليك الحمار الخشب والقربة، وذهب بك عشرة مشاوير أعدمك العافية وتموت. فتقدمت امرأة السقا تحط له عليقه، وإذا به لطشها بدماغه، فانقلبت على ظهرها ونط عليها ودق بفمه في دماغها، وأدلى الذي خلفه له الوالد، فصاحت فأدركها الجيران، فضربوه ورفعوه عن صدرها، وإذا بزوجها الذي أراد أن يعمل سقاء جاء إلى البيت، فقالت له: إما أن تطلقني وإما أن ترد الحمار إلى صاحبه. فقال لها: أي شيء جرى؟ فقالت له: هذا شيطان في صفة حمار، فإنه نط علي ولولا الجيران رفعوه من فوق صدري لفعل بي القبيح. فأخذه وراح إلى اليهودي، فقال له اليهودي: لأي شيء رددته؟ فقال له: هذا فعل مع زوجتي فعلا قبيحا. فأعطاه دراهمه وراح، وأما اليهودي فإنه التفت إلى علي وقال له: أتدخل باب المكر ms1594 يا مشئوم حتى ردك إلي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 717 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن اليهودي لما رد له السقاء الحمار أعطاه دراهمه، والتفت إلى علي المصري وقال: أتدخل باب المكر يا مشئوم حتى ردك إلي؟ ولكن حيثما رضيت أن تكون حمارا أنا أخليك فرجة للكبار والصغار، وأخذ الحمار وركبه وسار خارج البلد وأخرج الرماد وعزم عليه ورشه في الهواء، وإذا بالقصر ظهر، فطلع القصر ونزل الخرج من على ظهر الحمار، وأخذ كيسي المال، وأخرج القصبة، وعلق فيها الصينية بالبدلة، ونادى مثل ما ينادي كل يوم: أين الفتيان من جميع الأقطار؟ من يقدر أن يأخذ هذه البدلة؟ وعزم مثل الأول، فوضع له سماط فأكل، وعزم فحضر المدام بين يديه، فسكر وأخرج طاسة فيها ماء، وعزم عليها ورش منها على الحمار، وقال له: انقلب من هذه الصورة إلى صورتك الأولى. فعاد إنسانا كما كان أولا، فقال له: يا علي، اقبل النصيحة واكتف شري، ولا حاجة لك بزواج زينب وأخذ بدلة ابنتي، فإنها ما هي سهلة عليك، وترك الطمع أولى لك، وإلا أسحرك دبا أو قردا، أو أسلط عليك عونا يرميك خلف جبل قاف. فقال له: يا عذرة، أنا التزمت بأخذ البدلة، ولا بد من أخذها وتسلم وإلا أقتلك. فقال له: يا علي أنت مثل الجوز، لو لم تنكسر ما تؤكل. وأخذ طاسة فيها ماء وعزم عليها ورش منها عليه وقال: كن في صورة دب. فانقلب دبا في الحال، وحط الطوق في رقبته وربط فمه ودق له وتدا من حديد، وصار يأكل ويرمي له بعض لقم، ويكب عليه فضل الكأس. # فلما أصبح الصباح قام اليهودي ورفع الصينية والبدلة، وعزم على الدب فتبعه إلى دكانه، ثم قعد في الدكان وفرغ الذهب والفضة في المنقد، وربط السلسلة التي في رقبة الدب في الدكان، فصار علي يسمع ويعقل ولا يقدر أن ينطق، وإذا برجل تاجر أقبل على اليهودي وقال: يا معلم، أتبيعني هذا الدب؟ فإن لي زوجة وهي ms1595 بنت عمي، قد وصفوا لها أن تأكل لحم دب وتندهن بشحمه. ففرح اليهودي وقال في نفسه: أبيعه لأجل أن يذبحه ونرتاح منه. فقال علي في نفسه: والله إن هذا يريد أن يذبحني والخلاص عند الله. فقال اليهودي: هو من عندي إليك هدية. فأخذه التاجر ومر به على جزار، فقال له: هات العدة وتعال معي. فأخذ السكاكين وتبعه، ثم تقدم الجزار وربطه وصار يسن السكين، وأراد أن يذبحه، فلما رآه علي المصري قاصده، فر من بين يديه وطار بين السماء والأرض، ولم يزل طائرا حتى نزل في القصر عند اليهودي. # وكان السبب في ذلك أن اليهودي ذهب إلى القصر بعد أن أعطى التاجر الدب، فسألته بنته، فحكى لها جميع ما وقع، فقالت: أحضر عونا واسأله عن علي المصري، هل هو هذا أو رجل غيره يعمل منصفا؟ فعزم وأحضر عونا وسأله: هل هذا علي المصري أم هو رجل آخر يعمل منصفا؟ فاختطفه العون وجاء به وقال: هذا هو علي المصري بعينه، فإن الجزار كتفه وسن السكين، وشرع في ذبحه، فخطفته من بين يديه وجئت به. فأخذ اليهودي طاسة فيها ماء وعزم عليها ورشه منها، وقال له: ارجع إلى صورتك البشرية. فعاد كما كان أولا، فرأته قمر بنت اليهودي شابا مليحا، فوقعت محبته في قلبها، ووقعت محبتها في قلبه، فقالت له: يا مشئوم، لأي شيء تطلب بدلتي حتى يفعل بك أبي هذه الفعال؟ فقال: أنا التزمت بأخذها لزينب النصابة لأجل أن أتزوج بها. فقالت له: غيرك لعب مع أبي مناصف لأجل أخذ بدلتي، فلم يتمكن منها. ثم قالت له: اترك الطمع. فقال: لا بد لي من أخذها ويسلم أبوك وإلا أقتله. فقال لها أبوها: انظري يا بنتي هذا المشئوم كيف يطلب هلاك نفسه؟ ثم قال له: أنا أسحرك كلبا، وأخذ طاسة مكتوبة وفيها ماء وعزم عليها ورشه منها وقال له: كن في صورة كلب. فصار كلبا، وصار اليهودي يسكر هو وبنته إلى الصبح، ثم قام رفع البدلة والصينية وركب البغلة، وعزم على الكلب ms1596 فتبعه، وصارت الكلاب تنبح عليه، فمر على دكان سقطي، فقام السقطي منع عنه الكلاب فنام قدامه، والتفت اليهودي فلم يجده، فقام السقطي عزل دكانه، وراح بيته والكلب تابعه، فدخل السقطي داره فنظرت بنت السقطي فرأت الكلب، فغطت وجهها وقالت: يا أبي، أتجيء بالرجل الأجنبي فتدخله علينا؟ فقال: يا بنتي، هذا كلب. فقالت له: هذا علي المصري، سحره اليهودي. فالتفت إليه وقال له: أنت علي المصري؟ فأشار له برأسه نعم. فقال لها أبوها: لأي شيء سحره اليهودي؟ قالت له: بسبب بدلة بنته قمر، وأنا أقدر أن أخلصه. فقال: إن كان خيرا، فهذا وقته. فقالت: إن كان يتزوج بي خلصته. فأشار لها برأسه نعم، فأخذت طاسة مكتوبة، وعزمت عليها، وإذا بصرخة عظيمة والطاسة وقعت من يدها، فالتفتت فرأت جارية أبيها هي التي صرخت وقالت لها: يا سيدتي، أهذا هو العهد الذي بيني وبينك؟ وما أحد علمك هذا الفن إلا أنا، واتفقت معي أنك لا تفعلين شيئا إلا بمشورتي، والذي يتزوج بك يتزوجني، وتكون لي ليلة ولك ليلة؟ قالت: نعم. فلما سمع السقطي هذا الكلام من الجارية، قال لبنته: ومن علم هذه الجارية؟ قالت له: يا أبت، هي التي علمتني واسألها عن الذي علمها. فسأل الجارية، فقالت له: اعلم يا سيدي، أني لما كنت عند عذرة اليهودي، كنت أتسلل عليه وهو يتلو العزيمة، ولما يذهب إلى الدكان أفتح الكتب وأقرأ فيها، إلى أن عرفت علم الروحاني؛ فسكر اليهودي يوما من الأيام وطلبني للفراش، فأبيت وقلت: لا أمكنك من ذلك حتى تسلم. فأبى، فقلت له: سوق السلطان. فباعني لك، وأتيت إلى منزلك، فعلمت سيدتي، واشترطت عليها ألا تفعل منه شيئا إلا بمشورتي، والذي يتزوج بها يتزوجني، ولي ليلة ولها ليلة. وأخذت الجارية طاسة فيها ماء وعزمت عليها ورشت منها الكلب وقالت له: ارجع إلى صورتك البشرية. فعاد إنسانا كما كان أولا، فسلم عليه السقطي وسأله عن سبب سحره، فحكى له جميع ما وقع له. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة ms1597 718 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السقطي لما سلم على علي المصري، وسأله عن سبب سحره، وما وقع له، حكى له جميع ما جرى له. فقال له: أتكفيك بنتي والجارية؟ فقال: لا بد من أخذ زينب. وإذا بداق يدق الباب فقالت الجارية: من بالباب؟ فقالت: قمر بنت اليهودي، هل علي المصري عندكم؟ فقالت لها بنت السقطي: يا ابنة اليهودي، وإذا كان عندنا أي شيء تفعلين به؟ انزلي يا جارية افتحي لها الباب. ففتحت لها الباب فدخلت، فلما رأت عليا ورآها قال لها: ما جاء بك هنا يا بنت الكلب؟ فقالت: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فأسلمت وقالت له: هل الرجال في دين الإسلام يمهرون النساء أو النساء تمهر الرجال؟ فقال لها: الرجال يمهرون النساء. فقالت: وأنا جئت أمهر نفسي لك بالبدلة والقصبة والسلاسل، ودماغ أبي عدوك وعدو الله. ورمت دماغ أبيها قدامه، وقالت: هذه رأس أبي عدوك وعدو الله. # وسبب قتلها أباها أنه لما سحر عليا كلبا، رأت في المنام قائلا يقول لها: أسلمي. فأسلمت، فلما انتبهت عرضت على أبيها الإسلام فأبى، فلما أبى الإسلام بنجته وقتلته، فأخذ علي الأمتعة وقال للسقطي: في غد نجتمع عند الخليفة لأجل أن أتزوج بنتك والجارية. وطلع وهو فرحان قاصد القاعة ومعه الأمتعة، وإذا برجل حلواني يخبط على يديه ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الناس صار كدهم حراما لا يروح إلا في الغش، سألتك بالله أن تذوق هذه الحلاوة. فأخذ منه قطعة وأكلها فإذا فيها البنج، فبنجه وأخذ منه البدلة والقصبة والسلاسل، وحطها داخل صندوق الحلاوة وحمل الصندوق وطبق الحلاوة وسار، وإذا بقاض يصيح عليه ويقول له: تعال يا حلواني. فوقف وحط القاعدة والطبق فوقها وقال: أي شيء تطلب؟ فقال له: حلاوة وملبسا. ثم أخذ منهما في يده شيئا وقال: إن هذه الحلاوة والملبس مغشوشان. وأخرج القاضي حلاوة من عبه وقال للحلواني: انظر هذه الصنعة، ما أحسنها! فكل منها واعمل نظيرها. فأخذها ms1598 الحلواني فأكل منها، وإذا فيها البنج، فبنجه وأخذ القاعدة والصندوق والبدلة وغيرها، وحط الحلواني في القاعدة وحمل الجميع وتوجه إلى القاعة التي فيها الدنف، وكان القاضي حسن شومان، وسبب ذلك أن عليا لما التزم بالبدلة وخرج في طلبها، لم يسمعوا عنه خبرا فقال أحمد الدنف: يا شباب اطلعوا فتشوا على أخيكم علي المصري. فطلعوا يفتشون عليه في المدينة، فطلع حسن شومان في صفة قاض، فقابل الحلواني فعرف أنه أحمد اللقيط، فبنجه وأخذه، وصحبته البدلة، وسار به إلى القاعة. # وأما الأربعون فإنهم داروا يفتشون في شوارع البلد، فخرج علي كتف الجمل من بين أصحابه فرأى زحمة، وقصد الناس المزدحمين، فرأى عليا المصري بينهم مبنجا فأيقظه من البنج، فلما أفاق رأى الناس مجتمعين عليه، فقال علي كتف الجمل: أفق لنفسك. فقال: أين أنا؟ فقال له علي كتف الجمل وأصحابه: نحن رأيناك مبنجا، ولم نعرف من بنجك. فقال: بنجني واحد حلواني، وأخذ مني الأمتعة، ولكن أين ذهب؟ فقالوا له: ما رأينا أحدا، ولكن تعال رح بنا القاعة. فتوجهوا إلى القاعة ودخلوا فوجدوا أحمد الدنف، فسلم عليهم وقال: يا علي، هل جئت بالبدلة؟ فقال: جئت بها وبغيرها وجئت برأس اليهودي، وقابلني حلواني فبنجني وأخذها مني. وحكى له جميع ما جرى له، وقال له: لو رأيت الحلواني لجازيته. وإذا بحسن شومان طالع من مخدع، فقال له: هل جئت بالأمتعة يا علي؟ فقال له: جئت بها، وجئت برأس اليهودي، وقابلني حلواني فبنجني وأخذ البدلة وغيرها، ولم أعرف أين ذهب، ولو عرفت مكانه لنكيته؛ فهل تعرف أين ذهب ذلك الحلواني؟ فقال: أعرف مكانه. ثم قام وفتح له المخدع، فرأى الحلواني مبنجا فيه، فأيقظه من البنج، ففتح عينيه فرأى نفسه قدام علي المصري وأحمد الدنف والأربعين، فانصرع وقال: أين أنا؟ ومن قبضني؟ فقال شومان: أنا الذي قبضتك. فقال له علي المصري: يا ماكرا، تفعل هذه الفعال؟ وأراد أن يذبحه، فقال له حسن شومان: ارفع يدك، هذا صار صهرك. فقال: صهري؟! من أين؟ فقال له: هذا أحمد اللقيط ابن ms1599 أخت زينب. فقال علي: لأي شيء هكذا يا لقيط؟ فقال له: أمرتني به جدتي دليلة المحتالة، وما ذاك إلا أن زريقا السماك اجتمع بجدتي الدليلة المحتالة وقال لها: إن عليا المصري شاطر بارع الشطارة، ولا بد أن يقتل اليهودي ويجيء بالبدلة. فأحضرتني وقالت لي: يا أحمد هل تعرف عليا المصري؟ فقلت: أعرفه، وكنت أرشدته إلى قاعة أحمد الدنف. فقالت لي: رح انصب له شركك، فإن كان جاء بالأمتعة، فاعمل عليه منصفا وخذ منه الأمتعة. فطفت في شوارع المدينة حتى رأيت حلوانيا وأعطيته عشرة دنانير، وأخذت بدلته وحلاوته وعدته، وجرى ما جرى. # ثم إن عليا المصري قال لأحمد اللقيط: رح إلى جدتك وإلى زريق السماك، وأعلمهما بأني جئت بالأمتعة ورأس اليهودي، وقل لهما: غدا قابلاه في ديوان الخليفة، وخذا منه مهر زينب. ثم إن أحمد الدنف فرح بذلك، وقال: لا خابت فيك التربية يا علي. فلما أصبح الصباح، أخذ علي المصري البدلة والصينية والقصبة والسلاسل الذهب ورأس عذرة اليهودي على مزراق، وطلع إلى الديوان مع عمه وصبيانه، وقبلوا الأرض بين يدي الخليفة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 719 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عليا لما طلع الديوان مع عمه أحمد الدنف وصبيانه، قبلوا الأرض بين يدي الخليفة، فالتفت الخليفة فرأى شابا ما في الرجال أشجع منه، فسأل الرجال عنه، فقال أحمد الدنف: يا أمير المؤمنين، هذا علي الزيبق المصري رئيس فتيان مصر، وهو أول صبياني. فلما رآه الخليفة أحبه لكونه رأى الشجاعة لائحة بين عينيه تشهد له لا عليه؛ فقام علي ورمى دماغ اليهود بين يدي الخليفة، وقال له: عدوك مثل هذا يا أمير المؤمنين. فقال له الخليفة: دماغ من هذا؟ فقال له: دماغ عذرة اليهودي. فقال الخليفة: ومن قتله؟ فحكى له علي المصري ما جرى له من الأول إلى الآخر. فقال الخليفة: ما ظننت أنك قتلته؛ لأنه كان ساحرا؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، أقدرني ربي على قتله. فأرسل الخليفة الوالي إلى القصر، فرأى ms1600 اليهودي بلا رأس، فأخذه في تابوت وأحضره بين يدي الخليفة، فأمر بحرقه، وإذا بقمر بنت اليهودي أقبلت وقبلت الأرض بين يدي الخليفة، وأعلمته بأنها ابنة عذرة اليهودي، وأنها أسلمت، ثم جددت إسلامها ثانيا بين يدي الخليفة، وقالت له: أنت سياق على الشاطر علي الزيبق المصري أن يتزوجني. ووكلت الخليفة في زواجها بعلي، فوهب الخليفة لعلي المصري قصر اليهودي بما فيه، وقال له: تمن علي. فقال: تمنيت عليك أن أقف على بساطك وآكل من سماطك. فقال الخليفة: يا علي، هل لك صبيان؟ فقال: لي أربعون صبيا، ولكنهم في مصر. فقال الخليفة: أرسل إليهم ليجيئوا من مصر. ثم قال له الخليفة: يا علي، هل لك قاعة؟ قال: لا. فقال حسن شومان: قد وهبت له قاعتي بما فيها يا أمير المؤمنين. فقال الخليفة: قاعتك لك يا حسن. وأمر الخازندار أن يعطي المعمار عشرة آلاف دينار ليبني له قاعة بأربع لواوين وأربعين مخدعا لصبيانه. وقال الخليفة: يا علي، هل بقي لك حاجة نأمر لك بقضائها؟ فقال: يا ملك الزمان، أن تكون سياقا على الدليلة المحتالة أن تزوجني بنتها زينب، وتأخذ بدلة بنت اليهودي وأمتعتها في مهرها. فقبلت دليلة سياق الخليفة وأخذت الصينية والبدلة والقصبة والسلاسل الذهب، وكتبوا كتابها عليه، وكتبوا أيضا كتاب بنت السقطي والجارية وقمر بنت اليهودي عليه، ورتب له الخليفة جامكية، وجعل له سماطا في الغداء وسماطا في العشاء وجراية وعلوفة ومسموحا، وشرع علي المصري في الفرح حتى كمل مدة ثلاثين يوما. # ثم إن عليا المصري أرسل إلى صبيانه بمصر كتابا يذكر لهم فيه ما حصل له من الإكرام عند الخليفة، وقال لهم في المكتوب: لا بد من حضوركم لأجل أن تحصلوا الفرح؛ لأني تزوجت بأربع بنات. فبعد مدة يسيرة حضر صبيانه الأربعون، وحصلوا الفرح، فوطنهم في القاعة وأكرمهم غاية الإكرام، ثم عرضهم على الخليفة، فخلع عليهم. وجلت المواشط زينب بالبدلة على علي المصري، ودخل عليها فوجدها درة ما ثقبت، ومهرة لغيره ما ركبت، وبعدها دخل على الثلاث بنات فوجدهن كاملات الحسن ms1601 والجمال، ثم بعد ذلك اتفق أن عليا المصري سهر عند الخليفة ليلة من الليالي، فقال له الخليفة: مرادي يا علي أن تحكي لي جميع ما جرى لك من الأول إلى الآخر. فحكى له جميع ما جرى من الدليلة المحتالة وزينب النصابة وزريق السماك؛ فأمر الخليفة بكتابة ذلك، وأن يجعلوه في خزانة الملك؛ فكتبوا جميع ما وقع له وجعلوه من جملة السير لأمة خير البشر، ثم قعدوا في أرغد عيش وأهناه، إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || حكاية أردشير وحياة النفوس # ومما يحكى أيضا أيها الملك السعيد، أنه كان بمدينة شيراز ملك عظيم يسمى السيف الأعظم شاه، وكان قد كبر سنه ولم يرزق ولدا، فجمع الحكماء والأطباء وقال لهم: إني قد كبر سني وقد علمتم حالي وحال المملكة ونظامها، وإني خائف على الرعية من بعدي، وإلى الآن لم أرزق ولدا. فقالوا: نحن نصنع لك شيئا من العقاقير يكون فيه النفع إن شاء الله تعالى. فصنعوا له شيئا واستعمله، ثم واقع زوجته فحملت بإذن الله تعالى الذي يقول للشيء كن فيكون، فلما استكملت شهورها وضعت ولدا ذكرا مثل القمر فسماه أردشير، فكبر وانتشى وتعلم العلم والأدب إلى أن صار له من العمر خمس عشرة سنة. وكان بالعراق ملك يسمى الملك عبد القادر، وكان له بنت كالبدر الطالع، وكانت تسمى حياة النفوس، وكانت تبغض الرجال، فلا يكاد أحد أن يذكر الرجال بحضرتها، وقد خطبها من أبيها الملوك الأكاسرة، فيكلمها أبوها فتقول: لا أفعل هذا أبدا، وإن غصبتني عليه قتلت نفسي. فسمع ابن الملك أردشير بذكرها فأعلم والده بذلك، فنظر إلى حاله ورق له وصار كل يوم يوعده بزواجها، ثم أرسل وزيره إلى أبيها ليخطبها فأبى، فلما رجع الوزير من عند الملك عبد القادر أخبره بما اتفق له معه، وأعلمه بعدم قضاء حاجته، فصعب ذلك على الملك واغتاظ غيظا شديدا وقال: هل مثلي يرسل إلى أحد من الملوك في حاجة فلا يقضيها؟ ثم أمر مناديا أن ينادي في العسكر ms1602 بتبريز الخيام وكثرة الاهتمام، ولو بالقرض في النفقة، وقال: ما بقيت أرجع حتى أخرب ديار الملك عبد القادر، وأقتل رجاله، وأمحو آثاره، وأنهب أمواله. فلما بلغ ولده أردشير هذا الخبر، قام عن فراشه ودخل على أبيه الملك وقبل الأرض بين يديه وقال له: أيها الملك الأعظم، لا تكلف نفسك بشيء من هذا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 720 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك لما بلغه هذا الخبر، دخل على أبيه الملك وقبل الأرض بين يديه وقال له: أيها الملك الأعظم، لا تكلف نفسك بشيء من هذا، وتجرد هذه الأبطال وهذا العسكر وتنفق مالك، فإنك أقوى منه، ومتى جردت عليه هذا العسكر الذي معك أخربت دياره وبلاده، وقتلت رجاله وأبطاله، ونهبت أمواله ويقتل هو أيضا، فيبلغ ابنته ذلك مما حصل لأبيها وغيره من تحت رأسها، فتقتل نفسها وأنا أموت بسببها، ولا أعيش بعدها أبدا. فقال له الملك: فما يكون رأيك يا ولدي؟ قال له: أنا أتوجه في حاجتي بنفسي، وألبس لبس التجار وأتحيل في الوصول إليها، وأنظر كيف يكون قضاء حاجتي منها. فقال له أبوه: هل اخترت هذا الرأي؟ فقال له: نعم يا والدي. فدعا الملك بالوزير وقال له: سافر مع ولدي وثمرة فؤادي، وساعده على مقاصده، واحتفظ عليه ودبره برأيك الرشيد، فإنك معه عوضا عني. فقال الوزير: سمعا وطاعة. ثم إن الملك أعطى ولده ثلاثمائة ألف دينار من الذهب، وأعطاه جواهر وفصوصا ومصاغا ومتاعا وذخائر وما أشبه ذلك. ثم إن الولد دخل إلى والدته وقبل يديها وسألها الدعاء، فدعت له، ثم قامت من ساعتها وفتحت خزانتها وأخرجت له ذخائر وقلائد ومصاغا وملابس وتحفا، وجميع الشيء الذي كان مدخرا من عهد الملوك السالفة مما لا تعادله أموال. ثم أخذ معه من مماليكه وغلمانه ودوابه جميع ما يحتاج إليه في الطريق وغيره، وتزيا بزي التجار هو والوزير ومن معهما، وودع والدته وأهله وقرائبه وساروا يقطعون البراري والقفار آناء الليل والنهار، فلما طالت عليه الطريق ms1603 أنشد هذه الأبيات: # غرامي من الأشواق والسقم # زائد %~% وما لي على جور الزمان مساعد ~~أراعي الثريا والسماك إذا # بدا %~% كأني من فرط الصبابة عابد ~~أراقب نجم الصبح حتى إذا # أتى %~% أهيم بأشواقي ووجدي زائد ~~أحبكم لست أحب سواكم %~% سقيم فؤادي ساهر الجفن واجد ~~فإن عز ما أرجوه زاد بي # الضنا %~% وقل اصطباري بعدكم # والمساعد ~~صبرت إلى أن يجمع الله # شملنا %~% وتكمد من ذاك العدى # والحواسد # فلما فرغ من شعره غشي عليه ساعة، فرش الوزير عليه ماء الورد، فلما أفاق قال له: يابن الملك صبر نفسك، فإن الصبر عاقبته الفرج، وها أنت سائر إلى ما تريد. ولم يزل الوزير يلاطفه ويسليه إلى أن سكن روعه وجدوا في السير، فلما طالت على ابن الملك الطريق تذكر محبوبته، فأنشد هذه الأبيات: # طال البعاد وزاد الهم # والقلق %~% ومهجتي في لهيب النار تحترق ~~وشاب رأسي مما قد بليت به %~% من الغرام ودمع العين # يندفق ~~أقسمت يا منيتي يا منتهى # أملي %~% بخالق الخلق منها الغصن # والورق ~~سهلا حملت عذابا منك يا # قدري %~% فلم يطق حمله في الناس من # عشقوا ~~فاستخبروا الليل عني فهو # يخبركم %~% إن كان جفني طول الليل # ينطبق # فلما فرغ من إنشاد شعره بكى بكاء شديدا مما يلاقيه من شدة الغرام، فلاطفه الوزير وسلاه ووعده ببلوغ مناه، وساروا أياما قلائل حتى أشرفوا على المدينة البيضاء بعد طلوع الشمس، فقال الوزير لابن الملك: أبشر يا ابن الملك بكل خير، وانظر هذه المدينة البيضاء التي أنت طالبها. ففرح ابن الملك بذلك فرحا شديدا، وأنشد هذه الأبيات: # خليلي إني مغرم القلب # هائم %~% ووجدي مقيم والغرام ملازم ~~أنوح كما الثكلان أسهره # الأسى %~% إذا جن ليلي ليس في العشق # راحم ~~وإن هبت الأرياح من نحو # أرضكم %~% وجدت لها بردا على القلب # قادم ~~وتنهل أجفاني كغيم مواطر %~% ففي بحر دمعي ذا فؤادي عائم # فلما وصلا إلى المدينة البيضاء دخلاها وسألا عن خان التجار ومحل أرباب الأموال، فدلوهما عليه، فنزلا فيه وأخذا لهما ثلاثة حواصل، فلما أخذا المفاتيح فتحاها وأدخلا فيها ms1604 بضائعهما وأمتعتهما، وأقاما حتى استراحا، ثم قام الوزير يتحيل في أمر ابن الملك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 721 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير وابن الملك لما نزلا في الخان وأدخلا بضائعهما في الحواصل وأجلسا هناك غلمانهما، ثم أقاما حتى استراحا، قام الوزير يتحيل في أمر ابن الملك فقال له: قد خطر ببالي شيء وأظن أن فيه الصلاح لك إن شاء الله تعالي. فقال له: أيها الوزير الحسن التدبير، افعل ما خطر ببالك سدد الله رأيك. قال له الوزير: أريد أن أستكري لك دكانا في سوق البزازين وتقعد فيها؛ لأن كل أحد من الخاص والعام يحتاج إلى السوق، وأنا أظن أنك إذا جلست في الدكان ونظر إليك الناس بالعيون، تميل إليك القلوب فتقوى على نيل المطلوب؛ لأن صورتك جميلة وتميل إليك الخواطر وتبتهج بك النواظر. فقال له: افعل ما تختار وتريد. فعند ذلك نهض الوزير من ساعته ولبس أفخر ثيابه، وكذلك ابن الملك، وأخذ في جيبه كيسا فيه ألف دينار، ثم خرجا يمشيان في المدينة، فنظرت الناس إليهما وبهتوا في حسن ابن الملك وقالوا: سبحان من خلق هذا الشاب من ماء مهين، فتبارك الله أحسن الخالقين. وكثر الكلام فيه وقالوا: ما هذا بشرا، إن هذا إلا ملك كريم. ومن الناس من يقول: هل سها رضوان خازن الجنان عن باب الجنة فخرج منها هذا الغلام؟ وصارت الناس تتبعهما إلى سوق القماش حتى دخلا فيه ووقفا، فتقدم إليهما شيخ ذو هيبة ووقار، فسلم عليهما فردا عليه السلام، ثم قال لهما: يا سادتي، هل لكم من حاجة نتشرف بقضائها؟ قال له الوزير: ومن تكون أنت يا شيخ؟ قال: أنا عريف السوق. فقال له الوزير: اعلم يا شيخ أن هذا الشاب ولدي، وأنا أشتهي أن آخذ له دكانا في هذا السوق، ليجلس فيها ويتعلم البيع والشراء والأخذ والعطاء، ويتخلق بأخلاق التجار. قال العريف: سمعا وطاعة. ثم إن العريف أحضر لهما مفتاح دكان في الوقت والساعة، وأمر الدلالين ms1605 أن يكنسوها، فكنسوها ونظفوها وأرسل الوزير أحضر من أجل الدكان مرتبة عالية محشوة بريش النعام وعليها سجادة صغيرة، ودائرها مزركش بالذهب الأحمر، وأحضر أيضا مخدة وأحضر من المتاع والقماش الذي حضر معه ما يملأ الدكان. # فلما كان في اليوم الثاني، حضر الغلام وفتح الدكان وجلس على تلك المرتبة وأوقف قدامه مملوكين لابسين أحسن الملابس، وأوقف في أسفل الدكان عبدين من أحسن الحبوش، وقد أوصاه الوزير بكتمان سره عن الناس ليجد بذلك الإعانة على قضاء حوائجه، ثم تركه ومضى إلى المخازن، وأوصاه أن يعرفه بجميع ما يتفق له في الدكان يوما بيوم، فصار الغلام جالسا في دكانه كأنه البدر في تمامه، وكانت الناس تتسامع به وبحسنه، فيأتون إليه لغير حاجة ويحضرون السوق حتى ينظروا إلى حسنه وجماله، وقده واعتداله، ويسبحون الله تعالى الذي خلقه وسواه. وصار ذلك السوق لا يقدر أحد أن يشقه من فرط ازدحام الخلق عليه، وصار ابن الملك يتلفت يمينا وشمالا وهو متحير في أمره من الناس الذين هم باهتون له، ويترجى أن يعمل صحبة من أحد المقربين إلى الدولة؛ لعله أن يجلب إليه ذكر ابنة الملك، فلم يجد إلى ذلك سبيلا، وضاق صدره لذلك والوزير يمنيه في كل يوم بحصول مراده، ولم يزل على هذا الحال مدة مديدة. فبينما هو جالس في الدكان يوما من الأيام، وإذا بامرأة عجوز عليها حشمة وهيبة ووقار، وهي لابسة ثياب الصلاح وخلفها جاريتان كأنهما قمران، فوقفت على الدكان وتأملت الغلام ساعة وقالت: سبحان من خلق هذه الطلعة وأتقن هذه الصنعة. ثم إنها سلمت عليه فرد عليها السلام وأجلسها إلى جانبه، فقالت له: من أي البلاد أنت يا مليح الوجه؟ قال لها: أنا من نواحي الهند يا أمي، وقد جئت إلى هذه المدينة على سبيل الفرجة. فقالت له: كرمت من قادم. ثم قالت له: أي شيء عندك من البضائع والمتاع والقماش؟ أرني شيئا مليحا يصلح للملوك. فلما سمع كلامها قال: أتريدين المليح حتى أعرضه عليك؟ فإن عندي كل شيء يصلح لأربابه. قالت ms1606 له: يا ولدي، أنا أريد شيئا يكون غالي الثمن مليح الشكل، أغلى شيء يكون عندك. قال لها: لا بد أن تعلميني لمن تطلبين البضاعة؛ حتى أعرض عليك مقام الطالب. قالت: صدقت يا ولدي، أنا اريد شيئا لسيدتي حياة النفوس بنت الملك عبد القادر صاحب هذه الأرض وملك هذه البلاد. # فلما سمع ابن الملك كلامها، طار عقله فرحا وخفق قلبه، فمد يده إلى خلفه ولم يأمر مماليكه ولا عبيده، وأخرج صرة فيها مائة دينار ودفعها للعجوز وقال لها: هذه الصرة من أجل غسيل ثيابك. ثم مد يده إلى بقجة وأخرج منها حلة تساوي عشرة آلاف دينار وأكثر، وقال: هذا من جملة ما جئت به إلى أرضكم. فلما نظرت إليها العجوز أعجبتها وقالت: بكم هذه الحلة يا كامل الأوصاف؟ فقال: بغير ثمن. فشكرته وأعادت عليه القول، فقال: والله ما آخذ لها ثمنا بل هي هبة مني إليك إذا لم تقبله الملكة، ويكون ضيافة مني لك والحمد لله الذي جمع بيني وبينك، حتى إذا احتجت في بعض الأيام حاجة وجدتك معينة لي على قضائها. فتعجبت العجوز من حسن ذلك الكلام وكثرة كرمه وزيادة أدبه، فقالت له: ما الاسم يا سيدي؟ قال لها: أردشير. قالت: والله هذا اسم عجيب يسمى به أولاد الملوك، وأنت في زي بني التجار؟! قال لها: من محبة والدي إياي سماني بهذا الاسم، وليس الاسم يدل على شيء. # فتعجبت منه العجوز وقالت: يا ولدي، خذ ثمن بضاعتك. فحلف أنه لا يأخذ شيئا، ثم قالت العجوز: يا حبيبي، اعلم أن الصدق أعظم الأشياء، وما هذا الكرم الذي أنت تصنعه معي إلا من أجل أمر، فأعلمني بأمرك وضميرك لعل لك حاجة فأساعدك على قضائها. فعند ذلك حط يده في يدها وعاهدها على الكتمان، وحدثها بحديثه كله وأخبرها بمحبته لبنت الملك، وبما هو فيه من أجلها، فهزت العجوز رأسها وقالت: هذا هو الصحيح، ولكن يا ولدي قالت العقلاء في المثل السائر: إذا أردت أن تطاع، فاسأل عما لا يستطاع، وأنت يا ولدي اسمك ms1607 تاجر، ولو كان معك مفاتيح الكنوز لا يقال لك إلا تاجر، وإذا أردت أن تعطى درجة عالية عن درجتك، فاطلب بنت قاض أو بنت أمير، فلأي شيء يا ولدي ما تطلب إلا بنت ملك العصر والزمان؟ وهي بنت بكر عذراء لم تعلم شيئا من أمور الدنيا، ولا رأت في عمرها غير قصرها الذي هي فيه، ومع صغر سنها فإنها عاقلة لبيبة فطنة حاذقة، ذات عقل راجح وفعل صالح ورأي قادح، وإن أباها ما رزق إلا هي، وهي عنده أعز من روحه، وفي كل يوم يأتي إليها ويصيح عليها. وكل من في قصرها يخاف منها، ولا تظن يا ولدي أن أحدا يقدر أن يكلمها بشيء من هذا الكلام؛ فلا سبيل إلى ذلك. والله يا ولدي إن قلبي وجوارحي تحبك، ومرادي لو كنت مقيما عندها، ولكن أنا أعرفك بشيء لعل الله أن يجعل فيه شفاء قلبك، وأخاطر معك بروحي ومالي حتى أقضي لك حاجتك. فقال لها: وما هو يا أمي؟ قالت له: اطلب مني بنت وزير أو بنت أمير، فإن طلبت مني ذلك فأنا أجيبك إلى سؤالك؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يصعد من الأرض إلى السماء بوثبة واحدة. فقال لها الغلام بأدب وعقل: يا أمي، أنت امرأة عاقلة تعرفين مواقع الأمور، هل الإنسان إذا وجعته رأسه يربط يده؟ قالت: لا والله يا ولدي. قال: وهكذا إن قلبي ما يطلب أحدا سواها، ولم يقتلني غير هواها، والله إني من الهالكين إذا لم أجد لي إرشاد معين، فبالله عليك يا إمي أن ترحمي غربتي وانسكاب عبرتي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 722 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أردشير ابن الملك قال للعجوز: بالله عليك يا أمي أن ترحمي غربتي وانسكاب عبرتي. قالت له: والله يا ولدي إن قلبي يتقطع من أجل كلامك هذا، وليس في يدي حيلة أفعلها. قال: أريد من إحسانك أن تحملي مني هذه الورقة وتوصليها إليها وتقبلي لي يديها؟ فحنت عليه وقالت له: اكتب ms1608 فيها ما تريد وأنا أوصلها إليها. فلما سمع ذلك كاد أن يطير من الفرح، ودعا بدواة وقرطاس وكتب إليها هذه الأبيات: # يا حياة النفوس جودي بوصل %~% لمحب أذابه الهجران ~~كنت في لذة وفي طيب عيش %~% فأنا اليوم واله حيران ~~ولزمت السهاد في طول ليلي %~% وسميري بطوله أجنان ~~فارحمي عاشقا كئيبا معنى %~% منه شوقا تقرحت أجفان ~~قلبي القلب إن أحس بنشوة %~% فهو من قرقف الهوى نشوان # فلما فرغ من رقم الكتاب، طواه وقبله وأعطى العجوز إياه، ثم مد يده إلى الصندوق وأخرج لها صرة أخرى فيها مائة دينار، وأعطاها إياها وقال لها: فرقي هذه على الجواري. فامتنعت وقالت: والله يا ولدي ما أنا معك بسبب شيء من ذلك. فشكرها وقال: لا بد من ذلك. فأخذتها منه وقبلت يديه وانصرفت. فدخلت عليها وقالت: يا سيدتي، جئتك بشيء ما هو عند أهل مدينتنا، وهو من عند شاب مليح ما على وجه الأرض أحسن منه. قالت: يا دايتي، ومن أين الشاب؟ قالت: هو من نواحي الهند، أعطاني هذه الحلة المنسوجة بالذهب مرصعة بالدر والجوهر تساوي ملك كسرى وقيصر. فلما فتحتها أضاء القصر من نور تلك الحلة بسبب حسن صنعتها وكثرة الفصوص والجواهر التي فيها، فتعجب منها كل من في القصر، وتأملتها بنت الملك فلم تجد لها قيمة ولا ثمنا إلا خراج ملك أبيها عاما كاملا، فقالت للعجوز: يا دايتي، هل هذه الحلة من عنده أم من عند غيره؟ قالت: هي من عنده. قالت: يا دايتي، هل هذا التاجر من مدينتنا أم غريب؟ قالت: هو غريب يا سيدتي، وما نزل مدينتنا إلا عن قريب، وهو والله صاحب حشم وخدم، مليح الوجه، معتدل القد، كريم الأخلاق، واسع الصدر، ما رأيت أحسن منه إلا أنت. قالت بنت الملك: إن هذا الشيء عجيب، كيف تكون هذه الحلة التي لا يفي بثمنها مال مع تاجر من التجار؟ وما قدر ثمنها الذي أخبرك به يا دايتي؟ فقالت العجوز: والله يا سيدتي ما أخبرني بمقدار ثمنها، وإنما قال: لا آخذ لها ms1609 ثمنا، وإنما هي هدية مني لابنة الملك، فإنها لا تصلح لأحد غيرها. ورد الذهب الذي أرسلته معي وحلف أنه لا يأخذه وقال: هو لك إن لم تقبله الملكة. قالت بنت الملك: والله ما هذا إلا سماح عظيم وكرم جزيل، وأخشى من عاقبة أمره، ربما يؤدي إلى ضرر، فلأي شيء لم تسأليه يا دايتي إن كان له حاجة تقضيها له؟ فقالت: يا سيدتي، سألته وقلت له: هل لك حاجة؟ فقال لي حاجة، ولم يطلعني عليها، إلا أنه قد أعطاني هذه الورقة وقال لي: قدميها للملكة. فأخذتها منها وفتحتها وقرأتها إلى آخرها، فتغير حالها، وغاب صوابها، واصفر لونها، وقالت للعجوز: ويلك يا دايتي، ما يقال لهذا الكلب الذي يقول هذا الكلام لبنت الملك؟ وما المناسبة بيني وبين هذا الكلب حتى يكاتبني؟ والله العظيم رب زمزم والحطيم، لولا أني أخاف الله تعالى لأبعثن إلى هذا الكلب بتكتيف يديه، وشرم مناخيره، وقطع أنفه وأذنه، وأمثل به، وبعد هذا أصلبه على باب السوق الذي فيه دكانه. فلما سمعت العجوز الكلام، اصفر لونها، وارتعدت فرائصها، وانعقد لسانها، ثم قوت قلبها وقالت: خيرا يا سيدتي، وما في الورقة حتى أزعجك؟ هل هو غير قصة رفعها إليك تتضمن شكاية حاله من فقر أو ظلم يرجو بها إحسانك إليه أو كشف ظلامته؟ قالت: لا والله يا دايتي، بل هو شعر وكلام مستهجن، ولكن يا دايتي هذا الكلب ما يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون مجنونا ليس عنده عقل، وإما أن يكون قاصدا قتل نفسه أو مستعينا على مراده مني بذي قوة شديدة وسلطان عظيم، وإما أن يكون سمع بأني من بغايا هذه المدينة التي تبيت عند من يطلبها ليلة أو ليلتين، حتى يراسلني بالأشعار المستهجنة ليفسد عقلي بذلك الأمر. قالت لها العجوز: والله يا سيدتي، لقد صدقت، ولكن لا تعتني بهذا الكلب الجاهل، فأنت قاعدة في قصرك العالي المشيد المنيع الذي لا تعلوه الطيور ولا يمر عليه الهواء وهو حائر، ولكن اكتبي له كتابا ووبخيه فيه ولا تتركي ms1610 له شيئا من أنواع التوبيخ، وهدديه غاية التهديد، واعرضي عليه الموت وقولي له: من أين تعرفني حتى تكاتبني يا كلب التجار؟ يا من هو طول دهره مشتت في البراري والقفار على درهم يكتسبه أو دينار، والله إن لم تنتبه من رقدتك وتصح من سكرتك، لأصلبنك على باب السوق الذي فيه دكانك. قالت بنت الملك: إني أخاف إن كاتبته أن يطمع. قالت العجوز: وما مقداره؟ وما درجته حتى يطمع فينا؟ وإنما نكتب له لأجل أن ينقطع طمعه ويكثر خوفه. ولم تزل تتحيل على بنت الملك حتى أحضرت دواة وقرطاسا وكتبت إليه هذه الأبيات: # يا مدعي الحب والبلوى مع # السهر %~% تقضي الليالي في وجد وفي فكر ~~أتطلب الوصل يا مغرور من # قمر %~% وهل ينال المنى شخص من # القمر ~~إني نصحتك في الأقوال # مستمعا %~% أقصر فإنك بين الموت # والخطر ~~فإن رجعت إلى هذا السؤال # فقد %~% أتاك منا عذاب زائد الضرر ~~فكن أديبا لبيبا عاقلا فطنا %~% ها قد نصحتك في شعري وفي # خبري ~~وحق من خلق الأشياء من # عدم %~% وزان وجه السما بالأنجم # الزهر ~~لئن رجعت إلى ما أنت قائله %~% لأصلبنك في جذع من الشجر # ثم طوت الكتاب وأعطت العجوز إياه، فأخذته وسارت إلى أن وصلت إلى دكان الغلام فأعطته إياه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. # ### | فلما كانت الليلة 723 # قالت: بلغني إيها الملك السعيد، أن العجوز قد أخذت ما كتبته حياة النفوس وسارت إلى أن أعطت الغلام إياه وهو في دكانه، وقالت له: اقرأ جوابك واعلم أنها لما قرأت الكتاب اغتاظت غيظا عظيما، وما زلت ألاطفها بالحديث حتى ردت لك الجواب. فأخذ الكتاب بفرحة وقرأه وفهم معناه، فلما فرغ من قراءته بكى بكاء شديدا، فتألم قلب العجوز وقالت: يا ولدي، لا أبكى الله لك عينا، ولا أحزن لك قلبا، فأي شيء ألطف من هذا في جواب كتابك حين فعلت هذه الفعال؟ فقال: يا أمي، وماذا أفعل من الحيل ألطف من هذا، وهي ترسل تهددني بالقتل وبالصلب، وتنهاني عن مكاتبتها؟ وإني والله ms1611 أرى موتي خيرا من حياتي، ولكن أريد من فضلك أن تأخذي هذه الورقة وتوصليها إليها. فقالت له: اكتب وعلي رد الجواب، والله لأخاطرن معك بروحي في حصول مرادك، ولو هلكت في رضاك. فشكرها وقبل يديها وكتب إليها هذه الأبيات: # تهددوني بقتلي في محبتكم %~% والقتل لي راحة والموت مقدور ~~والموت أهنى لصب أن تطول به %~% حياته وهو مطرود ومنهور ~~فإن تزوروا محبا قل ناصره %~% فإن سعي الورى في الخير مشكور ~~وإن عزمتم على أمر فدونكم %~% قد صرت عبدا لكم والعبد مأسور ~~كيف السبيل ولا لي عنك مصطبر %~% فكيف هذا وقلب الصب مجبور ~~يا سادتي فارحموا في حبكم دنفا %~% فكل من يعشق الأحرار معذور # ثم طوى الكتاب وأعطى العجوز إياه وأعطاها صرتين فيهما مائتا دينار، فامتنعت من أخذهما، فحلف عليها، فأخذتهما وقالت: لا بد أنني أبلغك مناك على رغم أنف عداك. وسارت حتى دخلت على حياة النفوس وأعطتها الكتاب، فقالت لها: ما هذا يا دايتي؟ قد صرنا في مراسلة وأنت رائحة جائية، إني أخاف أن ينكشف خبرنا فنفضح. قالت العجوز: وكيف ذلك يا سيدتي؟ ومن يقدر أن يتكلم بهذا الكلام؟ فأخذت الكتاب منها وقرأته وفهمت معناه ودقت يدا على يد، وقالت: قد بلينا بهذا، ما عرفنا من أين جاءنا هذا الغلام! قالت العجوز: يا سيدتي، بالله عليك أن تكتبي له كتابا، ولكن أغلظي عليه القول وقولي له: إن أرسلت كتابا بعد ذلك ضربت عنقك. فقالت لها: يا دايتي، أنا أعرف أن هذا ما ينتهي على هذه الصورة والأليق عدم المكاتبة، وإن لم يرجع هذا الكلب بالتهديد السابق ضربت عنقه. قالت لها العجوز: اكتبي له كتابا وعرفيه بهذا الحال. فدعت بنت الملك بدواة وقرطاس وكتبت له تهدده بهذه الأبيات: # أيا غافلا عن حادثات الطوارق %~% ويا من إلى وصل له قلب عاشق ~~تأمل أيا مغرور هل تدرك السما %~% وهل أنت للبدر المنير بلاحق ~~سأصليك نارا ليس يخبو لهيبها %~% وتضحي قتيلا بالسيوف المواحق ~~فمن دونه يا صاح أبعد شقة %~% وأمر خفي فيه شيب المفارق ~~خذ ms1612 النصح مني ثم كف عن الهوى %~% وعن أمرك ارجع إنه غير لائق # ثم طوت الكتاب وأعطت العجوز إياه وهي في حال عجيب من أجل هذا الكلام، فأخذته العجوز وسارت حتى وصلت به إلى الغلام فناولته إياه، فأخذه منها وقرأه وأطرق برأسه إلى الأرض يخط بإصبعه ولم يتكلم، فقالت له العجوز: يا ولدي، ما لي أراك لا تبدي خطابا ولا ترد جوابا؟ قال لها: يا أمي، أي شيء أقول وهي تهددني وما تزداد إلا قسوة ونفورا؟ قالت: اكتب لها كتابا بما تريد وأنا أدافع عنك ولا يكون قلبك إلا طيبا، فلا بد أن أجمع بينكما. فشكر فضلها وقبل يديها وكتب إليها هذه الأبيات: # فلله قلب لا يلين لعاشق %~% وصب إلى وصل الأحبة شائق ~~وأجفان عين لا تزال قريحة %~% إذا جنها من حالك الليل غاسق ~~فمنوا وجدوا وارحموا وتصدقوا %~% على من ضناه العشق وهو مفارق ~~يقاسي طوال الليل وهو مسهد %~% حريقا وفي بحر المدامع غارق ~~فلا تقطعي أطماع قلبي لأنه %~% كئيب معنى وهو في الحب خافق # ثم طوى الكتاب وأعطى العجوز إياه وأعطاها ثلاثمائة وقال لها: هذه غسيل يدك. فشكرته وقبلت يديه وسارت حتى دخلت على بنت الملك وأعطتها الكتاب، فأخذته وقرأته إلى آخره ورمته من يدها ونهضت قائمة على رجليها، وتمشت على قبقاب من الذهب مرصع بالدر والجوهر حتى وصلت إلى قصر أبيها وعرق الغضب قائم بين عينيها، وما جسر أحد أن يسأل عن حالها، فلما وصلت إلى القصر سألت عن الملك والدها، فقال لها الجواري والمحاظي: يا سيدتي، إنه قد خرج إلى الصيد والقنص. فرجعت وهي مثل الأسد الضاري ولم تكلم أحدا إلا بعد ثلاث ساعات، وقد راق وجهها وسكن غيظها، فلما رأت العجوز أنها زال عنها ما عندها من الكدر والغيظ، تقدمت إليها وقبلت الأرض بين يديها وقالت لها: يا سيدتي، أين كانت هذه الخطوات الشريفة؟ قالت لها الملكة: إلى قصر أبي. قالت: يا سيدتي، أما كان أحد يقضي حاجتك؟ قالت: أنا ما رحت إلا لأجل أن أعلمه بما ms1613 جرى لي من كلب التجار، وأسلط عليه أبي فيمسكه ويمسك جميع من كان في سوقه ويصلبهم على دكاكينهم، ولا يدع أحدا من التجار الغرباء يقيم في مدينتنا. فقالت لها العجوز: وهل ما ذهبت إلى أبيك يا سيدتي إلا لهذا السبب؟ قالت لها: نعم، إلا أني ما وجدته حاضرا، بل رأيته غائبا في الصيد والقنص، وأنا منتظرة رجوعه. قالت العجوز: أعوذ بالله السميع العليم يا سيدتي، الحمد لله أنت أعقل الناس، وكيف تعلمين الملك بهذا الكلام الهذيان الذي لا ينبغي لأحد إفشاؤه؟ قالت: ولم ذلك؟ قالت العجوز: افرضي أنك لقيت الملك في قصره وعرفته بهذا الحديث، وأرسل خلف التجار وأمر بشنقهم على دكاكينهم ورآهم الناس، ألا يسألون عن ذلك ويقولون: ما سبب شنقهم؟ فيقال لهم في الجواب: إنهم أرسلوا ليفسدوا بنت الملك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 724 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز قالت لبنت الملك: افرضي أنك أعلمت الملك بذلك وأمر بشنق التجار، أليس يراهم الناس ويسألون: ما سبب شنقهم؟ فيقال لهم في الجواب: إنهم أرادوا أن يفسدوا بنت الملك، فيختلفون في نقل الحكايات عنك! فبعضهم يقول: قعدت عندهم عشرة أيام وهي غائبة عن قصرها حتى شبعوا منها. وبعضهم يقول غير ذلك، والعرض يا سيدتي مثل اللبن، أدنى غبار يدنسه، وكالزجاج إذا انصدع لا يلتئم، فإياك أن تخبري أباك أو غيره بهذا الأمر؛ لئلا ينهتك عرضك يا سيدتي، ولا يفيدك إخبار الناس شيئا أبدا، وميزي هذا الكلام بعقلك الراجح، فإن لم تجديه صحيحا فافعلي ما تريدين. فلما سمعت بنت الملك من العجوز هذا الكلام تأملته، فوجدته في غاية الصواب، فقالت لها: ما قلته يا دايتي صحيح، ولكن كان الغيظ طمس على قلبي. قالت العجوز: إن نيتك طيبة عند الله تعالى، حيث لم تخبري أحدا، ولكن بقي شيء آخر، وهو أننا لا نسكت عن قلة حياء هذا الكلب أخس التجار، فاكتبي له كتابا وقولي له: يا أخس التجار، لولا أني وجدت الملك غائبا لكنت ms1614 في هذه الساعة أمرت بصلبك أنت وجميع جيرانك، ولكن ما يفوتك من هذا الأمر شيء، وأنا أقسم بالله تعالى متى رجعت إلى مثل هذا الكلام قطعت أثرك من على وجه الأرض. وأغلظي عليه بالكلام حتى ترديه عن هذا الأمر، ونبهيه من غفلته. قالت لها بنت الملك: وهل يرجع عما هو فيه بهذا الكلام؟ قالت: وكيف لا يرجع وأنا أكلمه وأعرفه بما وقع. فدعت بدواة وقرطاس وكتبت إليه هذه الأبيات: # تعلقت الآمال منك بوصلنا %~% وتقصد منا أن تنال المآربا ~~وما يقتل الإنسان إلا غروره %~% ويوليه ما يبغيه منا المصائبا ~~فما أنت ذو بأس ولا لك عصبة %~% ولا كنت سلطانا ولا كنت نائبا ~~ولو كان هذا فعل من هو مثلنا %~% لعاد من الأهوال والحرب شائبا ~~ولكن سأعفو الآن عما جنيته %~% لعلك من ذا الحين ترجع تائبا # ثم قدمت الكتاب للعجوز وقالت لها: يا دايتي، انهي هذا الكلب لئلا أقطع رأسه وندخل في خطيئته. قالت لها العجوز: والله يا سيدتي ما أخلي له جنبا ينقلب عليه. وأخذت الكتاب وسارت به حتى وصلت إلى الغلام وسلمت عليه، فرد عليها السلام وناولته الكتاب، فأخذه وقرأه وهز رأسه وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقال: يا أمي، ما يكون عملي وقد قل صبري وضعف جلدي؟ فقالت له العجوز: يا ولدي، صبر نفسك لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، واكتب ما في نفسك وأنا أجيء إليك بالجواب، وطب نفسا وقر عينا، فلا بد أن أجمع بينك وبينها إن شاء الله تعالى. فدعا لها وكتب كتابا وضمنه هذه الأبيات: # إذا لم يكن لي في الهوى من يجيرني %~% وجور غرامي قاتلي ومميت ~~أقاسي لهيب النار من داخل الحشى %~% نهارا وليلي ليس فيه مبيت ~~فما لي لا أرجوك يا غاية المنى %~% وأرضى على ما بالغرام لقيت ~~سألت إله العرش يرزقني الرضا %~% لأني بحب الغانيات فنيت ~~ويقضي بوصل عاجل لي فأرتضي %~% لكوني بأهوال الغرام رميت # ثم طوى الكتاب وأعطى العجوز إياه، وأخرج لها صرة فيها أربعمائة دينار، فأخذت الجميع وانصرفت إلى ms1615 أن وصلت لبنت الملك وأعطتها الكتاب، فلم تأخذه منها وقالت لها: ما هذه الورقة؟ فقالت لها: يا سيدتي، هذه جواب الكتاب الذي أرسلته إلى هذا الكلب التاجر. قالت لها: هل نهيته كما عرفتك؟ قالت: نعم، وهذا جوابه. فأخذت الكتاب منها وقرأته إلى آخره ثم التفتت نحو العجوز وقالت: أين نتيجة كلامك؟ قالت: يا سيدتي، ما ذكره في جوابه من أنه رجع وتاب واعتذر عما مضى. قالت: لا والله بل زاد. قالت: يا سيدتي، اكتبي له كتابا وسوف يبلغك ما أفعل به. فقالت: ما لي حاجة بكتاب ولا جواب. قالت العجوز: لا بد من جواب حتى أزجره وأقطع أمله. قالت لها بنت الملك: اقطعي أمله من غير استصحاب كتاب. فقالت العجوز: لا بد في زجره وقطع أمله من استصحاب كتاب. فدعت بدواة وقرطاس وكتبت إليه هذه الأبيات: # طال العتاب ولم تمنعك معتبة %~% وكم بخط يدي بالشعر أنهاكا ~~اكتم هواك ولا تجهر به أبدا %~% وإن تخالف فإني لست أرعاكا ~~وإن رجعت إلى ما أنت قائله %~% فإنما جاء ناعي الموت ينعاكا ~~فعن قليل ترى الأرياح عاصفة %~% عليك والطير في البيداء تغشاكا ~~ارجع إلى خير أعمال تفز زمنا %~% فإن قصدت خنى أو فحش أرداك # فلما فرغت من كتابتها رمت الورقة من يدها بغيظ، فأخذتها العجوز وسارت حتى وصلت إلى الغلام فأخذها منها، فلما قرأها إلى آخرها علم أنها لم ترق له ولم تزدد إلا غيظا عليه، وأنه ما يصل إليها، فخطر بقلبه أنه يكتب جوابها ويدعو عليها، فكتب إليها هذه الأبيات: # يا رب بالخمسة الأشياخ تنقذني %~% من التي في هواها صرت في محن ~~وأنت تعلم ما بي من لهيب جوى %~% وفرط شوق إلى من ليس يرحمني ~~فلم ترق إلى ما قد بليت به %~% كم قد تجور على ضعفي وتظلمني ~~أهيم في غمرات الانقطاع لها %~% ولم أجد مسعفا يا قوم يسعفني ~~وكم أبيت وجنح الليل منسبل %~% أردد النوح في سري وفي علني ~~ولم أجد لي سلوا عن محبتكم %~% وكيف أسلو وصبري في الغرام فني ~~يا ms1616 طائر البين أخبرني فهل أمنت %~% من نائبات صروف الدهر والمحن؟ # ثم طوى الكتاب وأعطى العجوز إياه وأعطاها صرة فيها خمسمائة دينار، فأخذت الورقة وسارت حتى دخلت على بنت الملك وأعطتها الورقة، فلما قرأتها وفهمتها رمتها من يدها وقالت لها: عرفيني يا عجوز السوء، سبب جميع ما جرى لي منك ومن مكرك واستحسانك منه حتى كتبت لك ورقة بعد ورقة، ولم تزالي في حمل الرسائل بيننا حتى جعلت له معنا مكاتبات وحكايات، وفي كل وقت تقولين: أنا أكفيك شره وأقطع عنك كلامه. وما تقولين هذا الكلام إلا لأجل أن أكتب له كتابا وتصيرين بيننا رائحة غادية حتى هتكت عرضي، ويلكم يا خدام امسكوها. وأمرت الخدام بضربها، فضربوها إلى أن جرت دماؤها من جميع بدنها وغشي عليها، وأمرت الجواري أن يجروها فجروها من رجليها إلى آخر القصر، وأمرت أن تقف جارية عند رأسها، فإذا أفاقت من غشيتها تقول لها: إن الملكة حلفت يمينا أنك لا تعودين إلى هذا القصر ولا تدخلينه، فإن عدت إليه أمرت بقتلك جزما. فلما أفاقت من غشيتها بلغتها الجارية ما قالته الملكة فقالت: سمعا وطاعة. # ثم إن الجواري أحضرن لها قفصا وأمرن حمالا أن يحملها إلى بيتها، فحملها الحمال وأوصلها إلى بيتها، وأرسلن وراءها طبيبا وأمرنه أن يداويها بملاطفة حتى تبرأ، فامتثل الطبيب الأمر. فلما أفاقت ركبت وتوجهت عند الغلام، وكان قد حزن حزنا شديدا لانقطاعها عنه وصار متشوقا إلى أخبارها، فلما رآها قام إليها ناهضا وتلقاها وسلم عليها فوجدها متضعفة، فسألها عن حالها، فأخبرته بجميع ما جرى لها من الملكة، فصعب عليه ذلك الأمر ودق يدا على يد وقال: والله عسر علي ما جرى لك، لكن يا أمي ما سبب كون الملكة تبغض الرجال؟ فقالت: يا ولدي، اعلم أن لها بستانا مليحا، ما على وجه الأرض أحسن منه، فاتفق أنها كانت نائمة فيه ذات ليلة من الليالي، فبينما هي في لذيذ النوم إذ رأت في المنام أنها نزلت في البستان فرأت صيادا قد نصب شركا، ونثر حوله ms1617 قمحا وقعد على بعد منه ينظر ما يقع فيه من الصيد، فلم يكن إلا مقدار ساعة وقد اجتمعت الطيور لتلتقط القمح، فوقع طير ذكر في الشرك وصار يتخبط فيه، فنفرت الطيور عنه وأنثاه من جملتها، فلم تغب عنه غير ساعة لطيفة ثم عادت إليه وتقدمت إلى الشرك، وحاولت العين التي في رجل طيرها، ولم تزل تعالج فيها بمنقارها حتى قرضتها وخلصت طيرها، كل هذا والصياد قاعد ينعس، فلما أفاق نظر إلى الشرك فرآه قد انفسد، فأصلحه وجدد نثر القمح وقعد على بعد من الشرك، فبعد ساعة وإذا بالطيور قد اجتمعت عليه ومن جملتها الأنثى والذكر، فتقدمت الطيور لتلتقط الحب وإذا بالأنثى قد وقعت في الشرك وصارت تختبط فيه، فطار الحمام جمعيه عنها وطيرها الذي خلصته من جملة الطيور ولم يعد إليها، وكان الصياد غلب عليه النوم ولم يفق إلا بعد مدة مديدة، فلما أفاق من نومه وجد الطيرة وهي في الشرك، فقام وتقدم إليها وخلص رجليها من الشرك وذبحها؛ فانتبهت بنت الملك وهي مرعوبة وقالت: هكذا يفعل الرجال مع النساء، فالمرأة تشفق على الرجال وترمي روحها عليه وهو في المشقة، وبعد ذلك إذا قضى عليها المولى ووقعت في مشقة، فإنه يفوتها ولا يخلصها، ويضيع ما فعلته معه من المعروف، فلعن الله من يثق بالرجال؛ فإنهم ينكرون المعروف الذي يفعله معهم النساء. ثم إنها بغضت الرجال من ذلك اليوم. # فقال ابن الملك للعجوز: يا أمي، هل هي ما تخرج إلى الطريق أبدا؟ قالت: لا يا ولدي، إلا أن لها بستانا وهو نزهة من أحسن منتزهات الزمان، وفي كل عام عند انتهاء الأثمار فيه تنزل إليه وتتفرج فيه يوما واحدا، ولا تبيت إلا في قصرها، وما تنزل إلى البستان إلا من باب السر، وهو واصل إلى البستان، وأنا أريد أن أعلمك شيئا وإن شاء الله يكون فيه صلاح لك، فاعلم أنه بقي إلى أوان الثمر شهر واحد وتنزل تتفرج فيه، فمن يومنا هذا أوصيك أن تروح إلى خولي ذلك البستان وتعمل بينك ms1618 وبينه صحبة مودة، فإنه ما يدع أحدا من خلق الله تعالى يدخل هذا البستان؛ لكونه متصلا بقصر بنت الملك، فإذا نزلت بنت الملك، أكون قد أعلمتك قبل نزولها بيومين، فتروح أنت على جاري عادتك وتدخل البستان وتتحيل على بياتك فيه، فإذا نزلت بنت الملك تكون أنت مختفيا في بعض الأماكن. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 725 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز أوصت ابن الملك وقالت له: إن بنت الملك تنزل في البستان، وقبل نزولها بيومين أعلمك، فإذا نزلت تكون أنت فيه مختفيا في بعض الأماكن، فإذا رأيتها فاخرج لها، فإنها إذا رأتك تحبك، فإن المحبة تستر كل شيء. واعلم يا ولدي أنها لو نظرتك لافتتنت بحبك؛ لأنك جميل الصورة، فقر عينا وطب نفسا يا ولدي، فلا بد أن أجمع بينك وبينها. فقبل يدها وشكرها، ودفع إليها ثلاث شقات من الحرير الإسكندراني، وثلاث شقات من الأطلس ألوانهن مختلفة، ومع كل شقة تفصيلة من أجل القمصان، وخرقة من أجل السراويل، ومنديل من أجل العصابة، وثوب بعلبكي من أجل البطانة، حتى كمل لها ثلاث بدلات، كل بدلة أحسن من أختها، ودفع لها صرة فيها ستمائة دينار وقال لها: هذه من أجل الخياطة. فأخذت الجميع وقالت له: يا ولدي، أتحب أن تعرف طريق بيتي، وأنا أيضا أعرف مكانك؟ قال: نعم. فأرسل معها مملوكا ليعرف مكانها ويعرفها بيته، فلما توجهت العجوز، قام ابن الملك وأمر غلمانه أن يغلقوا الدكان وتوجه إلى الوزير وأعلمه بما جرى مع العجوز من أوله إلى آخره. # فلما سمع الوزير كلام ابن الملك قال له: يا ولدي، فإذا خرجت حياة النفوس، ولم يحصل لك منها إقبال، فما تفعل؟ قال: ما يصير في يدي حيلة غير أني أخرج من القول إلى الفعل، وأخاطر بنفسي معها وأخطفها من بين خدمها وأردفها الحصان، وأطلب بها عرض البر الأقفر، فإن سلمت حصل المراد، وإن عطبت فإني أستريح من هذه الحياة الذميمة. قال له الوزير: يا ولدي، أبهذا العقل ms1619 تعيش؟ كيف يكون سفرنا وبيننا وبين بلدنا مسافة بعيدة؟ وكيف تفعل هذه الفعال مع ملك من ملوك الزمان تحت يده مائة ألف عنان؟ وربما لا نأمن من أن يأمر بعض عساكره فتقطع علينا الطرق، وهذا ما هو مصلحة ولا يفعله عاقل. قال ابن الملك: فكيف يكون العمل أيها الوزير الحسن التدبير، فإني ميت لا محالة. قال له الوزير: اصبر إلى غد حتى نرى هذا البستان، ونعلم حاله وما يجري لنا مع الخولي الذي فيه. # فلما أصبح الصباح، نهض الوزير هو وابن الملك وأخذ في جيبه ألف دينار وتمشيا حتى وصلا إلى البستان، فرأياه عالي الحيطان، قوي الأركان، كثير الأشجار، غزير الأنهار، مليح الأثمار، قد فاحت أزهاره وترنمت أطياره كأنه روضة من رياض الجنان، ومن داخل الباب رجل شيخ كبير جالس على مصطبة. فلما رآهما وعاين هيبتهما، قام على قدميه بعد أن سلما عليه. فرد عليهما السلام وقال لهما: يا أسيادي، لعل لكما حاجة أتشرف بقضائها. قال له الوزير: اعلم يا شيخ، أننا قوم غرباء وقد حمي علينا الحر، ومنزلنا بعيد في آخر المدينة، وقصدنا من إحسانك أن تأخذ منا هذين الدينارين وتشتري لنا شيئا نأكله، وتفتح لنا باب هذا البستان وتقعدنا في مكان مظل، فيه ماء بارد لنتبرد به حتى تحضر لنا بالأكل فنأكل نحن وأنت، ونكون قد استرحنا ونروح إلى حال سبيلنا، ثم إن الوزير حط يده في جيبه فأخرج دينارين وحطهما في يد الخولي، وكان هذا الخولي عمره سبعون سنة وما نظر في يده شيئا من ذلك، فلما نظر الخولي الدينارين في يده، طار عقله وقام من وقته وفتح الباب وأدخلهما وأجلسهما تحت شجرة مثمرة كثيرة الظل وقال لهما: اجلسا في هذا المكان ولا تدخلا البستان أبدا؛ لأن فيه باب السر الموصل إلى قصر الملكة حياة النفوس. قالا له: ما ننتقل عن مكاننا أبدا. # ثم توجه الشيخ البستاني ليشتري لهما ما أمراه به، فغاب ساعة وأتى إليهما ومعه حمال على رأسه خروف مشوي وخبز، فأكلوا وشربوا جميعا وتحدثوا ms1620 ساعة، ثم تطلع الوزير والتفت يمينا وشمالا إلى جوانب البستان، فنظر في داخله قصرا عالي البنيان إلا أنه عتيق، قد تقشرت حيطانه من البياض وتهدمت أركانه. فقال الوزير: يا شيخ، هل هذا البستان ملكك أم أنت مستأجره؟ قال: يا مولاي، هو ليس ملكي ولا أنا مستأجره، وإنما أنا حارس فيه. قال له الوزير: فكم أجرتك؟ قال: يا سيدي، في كل شهر دينار، قال الوزير: إنهم ظلموك وخصوصا إن كنت صاحب عيال. قال الشيخ: والله يا سيدي، إن لي من العيال ثمانية أولاد وأنا. قال الوزير: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله لقد حملتني همك يا مسكين، لكن ما تقول فيمن يفعل معك خيرا لأجل هذه العيال التي معك؟ قال الشيخ: يا مولاي، مهما فعلته من الخير يكون لك ذخيرة عند الله تعالى. قال الوزير: اعلم يا شيخ أن هذا البستان مكان مليح وفيه هذا القصر، ولكنه عتيق خرب وأنا أريد أن أصلحه وأبيضه وأدهنه دهانا مليحا، حتى يصير هذا المكان أحسن ما يكون في هذا البستان، فإذا حضر صاحب البستان ووجده قد تعمر وصار مليحا، فإنه لا بد أن يسألك عن عمارته، فإن سألك فقل له: أنا يا مولاي عمرته لما رأيته خرابا لا ينتفع به أحد، ولا يقدر أن يقعد فيه؛ لأنه خرب داثر، فعمرته وصرفت عليه، فإذا قال لك: من أين لك المال الذي صرفته عليه؟ فقل له: من مالي لأجل بياض وجهي عندك ورجاء إنعامك. فلا بد أنه ينعم عليك في نظير ما صرفته في المكان، وفي غد أحضر البنائين والمبيضين والدهانين لأجل أن يصلحوا شأن هذا المكان وأعطيك ما وعدتك به. ثم أخرج من جيبه كيسا فيه خمسمائة دينار وقال له: خذ هذه الدنانير وأنفقها على عيالك ودعهم يدعون إلي وإلى ولدي هذا. فقال له ابن الملك: ما سبب ذلك؟ قال له الوزير: ستظهر لك نتيجته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 726 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ms1621 الوزير لما أعطى الشيخ البستاني الذي في البستان الخمسمائة دينار وقال له: خذ هذه الدنانير وأنفقها على عيالك ودعهم يدعون لي ولولدي هذا. فنظر الشيخ إلى ذلك الذهب، فخرج عقله وانطرح على قدمي الوزير يقبلهما، وصار يدعو له ولولده، ولما انصرفا من عنده قال لهما: إني لكما غدا في الانتظار، والله تعالى لا يفرق بيني وبينكما لا ليلا ولا نهارا. فلما كان في اليوم الثاني جاء الوزير إلى ذلك المكان وطلب عريف البنائين، فلما حضر بين يديه أخذه الوزير وتوجه به إلى البستان، فلما رآه الخولي فرح به، ثم إن الوزير أعطاه ثمن المئونة وما يحتاج إليه العملة في عمارة ذلك القصر، فبنوه وبيضوه ودهنوه، فقال الوزير للدهانين: يا أيها المعلمون، أصغوا إلى كلامي وافهموا قصدي ومرامي، واعلموا أن لي بستانا مثل هذا المكان كنت نائما فيه ليلة من الليالي، فرأيت في المنام أن صيادا نصب شركا ونثر حوله قمحا، فاجتمعت عليه الطيور لتلتقط القمح، فوقع طير ذكر في الشرك ونفرت عنه جميع الطيور ومن جملتها أنثى ذلك الذكر، ثم أن تلك الأنثى غابت ساعة وعادت إليه وحدها وقرضت العين التي في رجل ذكرها حتى خلصته، وكان الصياد في ذلك الوقت نائما، فلما أفاق من نومه وجد الشرك مختلا فأصلحه وجدد نثر القمح مرة ثانية، وقعد بعيدا عنه ينتظر وقوع صيد في ذلك الشرك، فتقدمت الطيور لتلتقط القمح، فتقدم الطير والطيرة من جملة الطير، فانشبكت الطيرة في الشرك ونفر الطير جميعه عنها وطيرها الذكر من جملة الطير ولم يعد إليها، فقام الصياد وأخذ الطيرة وذبحها. وأما الذكر فإنه لما نفر مع الطيور قد اختطفه جارح من الجوارح وذبحه وشرب دمه وأكل لحمه، وأنا أشتهي منكم أن تصوروا لي هذا المنام جميعه على صفات ما ذكرت لكم بالدهان الجيد، وتجعلوا ذلك منالا في تزاويق البستان وحيطانه وأشجاره وأطياره، وتصوروا مثال الصياد وشركه وصفة ما جرى للطير الذكر مع الجارح حين اختطفه، فإذا فعلتم ما شرحت لكم ونظرته وأعجبني، فإني أنعم عليكم ms1622 بما يسر خاطركم زيادة عن أجرتكم. # فلما سمع كلامه الدهانون اجتهدوا في الدهان وأتقنوه غاية الإتقان، فلما انتهى وخلص أطلعوا الوزير عليه، فأعجبه ونظر إلى تصوير المنام الذي وصفه للدهانين كأنه هو، فشكرهم وأنعم عليهم بجزيل الإنعام. ثم أتى ابن الملك على العادة ودخل ذلك القصر ولم يعلم بما فعله الوزير، فلما نظر إليه رأى صفة البستان والصياد والشرك والطيور والطير الذكر وهو بين مخالب الجارح وقد ذبحه وشرب دمه وأكل لحمه، فتحير عقله، ثم رجع إلى الوزير وقال: أيها الوزير الحسن التدبير، إني رأيت اليوم عجبا لو كتب بالإبر على مآقي البصر، لكان عبرة لمن اعتبر. قال: وما هو يا سيدي؟ قال: أما أخبرتك بالمنام الذي رأته بنت الملك، وأنه هو السبب في بغضها الرجال؟ قال: نعم. ثم قال: والله يا وزير لقد رأيته مصورا في جملة النقش بالدهان حتى كأني عاينته عيانا، ووجدت شيئا آخر خفي أمره على ابنة الملك فما رأته، وهو الذي عليه الاعتماد في نيل المراد. قال: وما هو يا ولدي؟ قال: وجدت الطير الذكر لما غاب عن طيرته حين وقعت في الشرك ولم يرجع إليها، قد قبض عليه جارح وذبحه وشرب دمه وأكل لحمه، فيا ليت بنت الملك كانت رأت المنام كله وقصته لآخره وعاينت الطير الذكر لما اختطفه الجارح، وهذا سبب عدم عوده إليها وتخليصها من الشرك. قال له الوزير: أيها الملك السعيد، والله إن هذا أمر عجيب وهو من الغرائب. وصار ابن الملك يتعجب من هذا الدهان، ويتأسف حيث لم تره ابنة الملك إلى آخره ويقول في نفسه: يا ليتها رأت هذا المنام إلى آخره، أو تراه جميعه مرة ثانية ولو في أضغاث الأحلام. قال الوزير: إنك كنت قلت لي: ما سبب عمارتك في هذا المكان؟ فقلت لك: سوف يظهر لك نتيجة ذلك، والآن قد ظهر لك نتيجته، وأنا الذي قد فعلت ذلك الأمر وأمرت الدهانين بتصوير المنام، وأن يجعلوا الطير الذكر في مخالب الجارح وقد ذبحه وشرب دمه وأكل لحمه، حتى ms1623 إذا نزلت بنت الملك ونظرت إلى هذا الدهان ترى صورة هذا المنام وتنظر إلى الطير وقد ذبحه الجارح، فتعذره وترجع عن بغضها الرجال. # فلما سمع ابن الملك هذا الكلام، قبل أيادي الوزير وشكره على فعله وقال له: مثلك يكون وزير الملك الأعظم، والله لئن بلغت قصدي ورجعت مسرورا إلى الملك، لأعلمنه بذلك حتى يزيدك في الإكرام ويعظم شأنك ويسمع كلامك. فقبل الوزير يده، ثم إنهما ذهبا إلى الشيخ البستاني وقالا له: انظر إلى هذا المكان وما أحسنه. قال الشيخ: كل هذا بسعادتكم. ثم قالا له: يا شيخ، إذا سألك أصحاب هذا المكان عن عمارة هذا القصر، فقل لهم: أنا عمرته من مالي. لأجل أن يحصل لك الخير والإنعام. فقال: سمعا وطاعة. وصار ابن الملك لا ينقطع عن ذلك الشيخ. # هذا ما جرى من الوزير وابن الملك، وأما ما كان من أمر حياة النفوس، فإنها لما انقطعت عنها الكتب والمراسلة وغابت عنها العجوز، فرحت فرحا شديدا واعتقدت أن الغلام سافر إلى بلاده، فلما كان في بعض الأيام حضر إليها طبق مغطى من عند أبيها، فكشفته فوجدت فيه فاكهة مليحة، فسألت وقالت: هل جاء أوان هذه الفاكهة؟ قالوا: نعم. قالت: يا ليتني تجهزت للفرجة في البستان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 727 # ![figure](../Images/figure1.png) # واجتهدوا في الدهان من الخارج، والتصوير في الداخل، ولما خلص أطلعوا الوزير عليه. # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بنت الملك لما أرسل إليها أبوها الفاكهة سألت وقالت: هل جاء أوان هذه الفاكهة؟ فقالوا لها: نعم. قالت: يا ليتنا نتجهز للفرجة في البستان. فقال لها جواريها: نعم الرأي يا سيدتي، والله لقد اشتقنا إلى ذلك البستان. قالت: كيف العمل؟ وفي كل سنة ما يفرجنا في البستان ويبين لنا اختلاف هذه الأغصان إلا الداية، وأنا قد ضربتها ومنعتها عني، وقد ندمت على ما كان مني في حقها؛ لأنها على كل حال دايتي ولها علي حق التربية، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فلما سمعت ms1624 الجواري ذلك الكلام من بنت الملك، نهضن جميعا وقبلن الأرض بين يديها وقلن لها: بالله عليك يا سيدتي أن تصفحي عنها وتأمري بإحضارها. قالت: والله إني عزمت على ذلك الأمر، فمن فيكم يروح لها؟ فإني قد جهزت لها خلعة سنية. فتقدم إليها جاريتان، إحداهما تسمى بلبل والأخرى تسمى سواد العين، وهما أكبر جواري بنت الملك وخواصها عندها، وهما ذاتا حسن وجمال، فقالتا: نحن نروح إليها أيتها الملكة. قالت: افعلا ما بدا لكما. فذهبتا إلى بيت الداية وطرقا عليها الباب ودخلا عليها، فلما عرفتهما تلقتهما بأحضانها ورحبت بهما، فلما استقر بهما الجلوس قالتا لها: يا داية، إن الملكة قد حصل منها العفو والرضى عنك. قالت الداية: لا كان ذلك أبدا ولو سقيت كئوس الردى، فهل نسيت تعزيري قدام من يحبني ومن يبغضني حين صبغت أثوابي بالدم وكدت أن أموت من شدة الضرب، وبعد ذلك سحبوني من رجلي مثل الكلب الميت حتى رموني خارج الباب؟ فوالله لا أرجع إليها أبدا ولا أملأ عيني من رؤيتها. فقال لها الجاريتان: لا تردي سعينا إليك خائبا، فأين إكرامك إيانا؟ فابصري من حضر عندك ودخل عليك، فهل تريدين أحدا أكبر منا منزلة عند بنت الملك؟ قالت: أعوذ بالله، أنا أعرف أن مقداري أقل منكما، لولا أن ابنة الملك عظمت قدري عند جواريها وخدمها، فكنت إذا غضبت على أكبر من فيهن تموت في جلدها. فقالت الجاريتان: إن الحال باق على عهده لم يتغير أبدا بل هو أكثر مما تعهدين، فإن بنت الملك وضعت نفسها لك وطلبت الصلح من غير واسطة. فقالت: والله لولا حضوركما عندي ما كنت أرجع إليها ولو أمرت بقتلي، فشكرتاها على ذلك. # ثم قامت من وقتها ولبست ثيابها وطلعت معهما وسرن جميعا حتى دخلت على بنت الملك، فلما دخلت عليها قامت على قدميها، فقالت لها الداية: الله يا بنت الملك، هل الخطأ مني أو منك؟ فقالت بنت الملك: الخطأ مني والعفو والرضى منك، والله يا دايتي إن قدرك عال عندي ولك علي حق التربية، ms1625 ولكن أنت تعلمين أن الله سبحانه وتعالى قسم للخلق أربعة أشياء: الخلق والعمر والرزق والأجل، وليس في قدرة الإنسان أن يرد القضاء، وإني ما ملكت نفسي ولا قدرت على رجوعها، وأنا يا دايتي ندمت على ما فعلت. فعند ذلك زال ما عند العجوز من الغيظ فنهضت وقبلت الأرض بين يديها، فدعت الملكة بخلعة سنية وأفرغتها عليها، ففرحت بتلك الخلعة فرحا شديدا والخدم والجواري واقفات بين يديها، فلما انتهى ذلك المجلس قالت لها: يا دايتي، كيف حال الفواكه وثمر غيطاننا؟ قالت: ولله يا سيدتي، نظرت غالب الفواكه في البلد، ولكن في هذا اليوم أفتش على هذه القضية وأرد لك الجواب. ثم نزلت من عندها وهي مكرمة في غاية الإكرام وسارت حتى أتت ابن الملك، فتلقاها بفرح وعانقها واستبشر بقدومها وانشرح خاطره؛ لأنه كان كثير الانتظار لرؤيتها، ثم إن العجوز حكت له على ما وقع لها مع بنت الملك، وأن بنت الملك مرادها أن تنزل إلى البستان في اليوم الفلاني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 728 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما أتت عند ابن الملك وأخبرته بما جرى لها مع الملكة حياة النفوس، وأنها تنزل البستان اليوم الفلاني، قالت له: هل فعلت ما أمرتك به من قضية بواب البستان؟ وهل وصل إليه شيء من إحسانك؟ قال لها: نعم، إنه صار صديقي وطريقه طريقي وفي خاطره لو يكون لي إليه حاجة. ثم أخبرها بما جرى له من أمر الوزير وتصويره المنام الذي رأته بنت الملك، وخبر الصياد والشرك والجارح، فلما سمعت العجوز هذا الكلام فرحت فرحا شديدا ثم قالت: بالله عليك أن تجعل وزيرك في وسط قلبك، فإن فعله يدل على رجاحة عقله؛ ولأنه أعانك على بلوغ مرادك، فانهض يا ولدي من ساعتك وادخل الحمام والبس أفخر الثياب، فما بقي لنا حيلة أكبر من هذه، واذهب إلى البواب واعمل عليه حيلة حتى يمكنك من بياتك في البستان، فلو أعطي ملء الأرض ذهبا ما يمكن أحدا ms1626 من الدخول في البستان، فإذا دخلت فاختف حتى لا تراك العيون، ولا تزل مختفيا حتى تسمعني أقول: يا خفي الألطاف أمنا مما نخاف. فاخرج من خبائك وأظهر حسنك وجمالك، وتوار في الأشجار فإن حسنك يخجل الأقمار حتى تنظرك الملكة حياة النفوس وتملأ قلبها وجوارحها بهواك، فتبلغ قصدك ومناك ويذهب همك. قال الغلام: سمعا وطاعة. وأخرج صرة فيها ألف دينار فأخذتها منه ومضت، وخرج ابن الملك من وقته وساعته ودخل الحمام وتنعم ولبس أفخر الثياب من لباس الملوك الأكاسرة، وتوشح بوشاح قد جمع فيه من أصناف الجواهر المثمنة، وتعمم بعمامة منسوجة بشرائط الذهب الأحمر مكللة بالدر والجوهر، وقد توردت وجنتاه واحمرت شفتاه، وغازلت أجفانه الغزلان وهو يتمايل كما النشوان، وعمه الحسن والجمال وفضح الأغصان قوامه الميال، ثم إنه حط في جيبه كيسا فيه ألف دينار وسار إلى أن أقبل على البستان ودق بابه، فأجابه البواب وفتح له الباب، فلما نظره فرح فرحا شديدا وسلم عليه أفخر السلام، ثم إنه وجد ابن الملك عابس الوجه فسأله عن حاله، فقال له: اعلم أيها الشيخ، أني عند والدي مكرم ولا وضع يده علي إلا في هذا اليوم، فوقع بيني وبينه كلام فشتمني ولطمني على وجهي وبالعصي ضربني وطردني، فصرت لا أعرف صديقا، فخفت من غدر الزمان وأنت تعرف أن غضب الوالدين ما هو قليل، وقد حضرت إليك يا عم، فإن والدي بك خبير وأريد من إحسانك أن أقيم في البستان إلى آخر النهار، وأبيت فيه إلى أن يصلح الله الشأن بيني وبين والدي. # فلما سمع كلامه توجع لما جرى له من والده، فقال له: يا سيدي، اتأذن لي أن أروح إلى والدك وأدخل عليه وأكون سببا في الصلح بينك وبينه؟ قال له الغلام: يا عم، إن والدي له أخلاق لا تطاق ومتى عارضته في الصلح وهو في حرارة خلقه لا يرجع إليك. قال الشيخ: سمعا وطاعة، ولكن يا سيدي امش معي إلى بيني فأبيتك بين أولادي وعيالي ولا ينكر أحد علينا. فقال له الغلام: ms1627 يا عم، ما أقيم إلا وحدي في حالة الغيظ. فقال الشيخ: يعز علي أن تنام وحدك في البستان وأنا لي بيت. قال: يا عم، لي في ذلك غرض حتى يزول العارض عني، وأنا أعلم أن في هذا الأمر رضاه، فيعطف علي خاطره. قال له الشيخ: فإن كان ولا بد فإني أحضر لك فراشا تنام عليه وغطاء تتغطى به. قال له: يا عم، لا بأس بذلك. فنهض الشيخ وفتح له باب البستان وأحضر له الفرش والغطاء، والشيخ لا يعلم أن بنت الملك تريد الخروج إلى البستان. # هذا ما كان من أمر ابن الملك، وأما ما كان من أمر الداية، فإنها لما ذهبت إلى بنت الملك وأخبرتها بأن الأثمار طابت على أشجارها، قالت لها: يا دايتي، انزلي معي إلى البستان لتتفرجي في غد إن شاء الله تعالى، ولكن أرسلي إلى الحارس وعرفيه أننا في غد نكون عنده في البستان، فأرسلت له الداية أن الملكة تكون عنده غدا في البستان، وأنه لا يترك في البستان سواقين ولا مرابعين، ولا يدع أحدا من خلق الله أجمعين يدخل البستان. فلما جاءه الخبر من عند بنت الملك، أصلح المجاري واجتمع بالغلام وقال له: إن بنت الملك صاحبة هذا البستان، ويا سيدي لك المعذرة والمكان مكانك وأنا ما أعيش إلا في إحسانك، غير أن لساني تحت قدمي، فأعرفك أن الملكة حياة النفوس تريد الخروج إلى البستان غدا في أول النهار، وقد أمرت أني لا أخلي أحدا في البستان يراها، وأريد من فضلك أن تخرج من البستان في هذا النهار، فإن الملكة لم تقم فيه سوى هذا اليوم إلى العصر، ويصير لك مدة الشهور والدهور والأعوام. قال له: يا شيخ، لعلك حصل لك من جهتنا ضرر؟ قال: لا والله يا مولاي، ما حصل لي من جهتك إلا الشرف. فقال له الغلام: إن كان الأمر كذلك فما يحل لك من جهتنا إلا كل خير، فإني أختفي في هذا البستان ولا يراني أحد حتى تروح بنت الملك إلى قصرها. قال ms1628 الخولي: يا سيدي، متى نظرت خيال بشر من خلق الله تعالى ضربت عنقي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 729 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ لما قال للغلام: إن بنت الملك متى رأت خيال بشر ضربت عنقي. قال له الغلام: أنا ما أخلي أحدا يراني جملة كافية، ولا شك أنك اليوم مقصر في النفقة على العيال. ومد يده إلى الكيس وأخرج منه خمسمائة دينار وقال له: خذ هذا الذهب وأنفقه على عيالك، فيطيب قلبك من جهتهم. فلما نظر الشيخ إلى الذهب هانت عليه نفسه، وأكد على ابن الملك في عدم الظهور في البستان، ثم تركه جالسا. # هذا ما كان من أمر الخولي وابن الملك، وأما ما كان من أمر بنت الملك، فإنه لما كان بكرة النهار دخل عليها خدامها، فأمرت بفتح باب السر الموصل إلى البستان الذي فيه القصر، ولبست حلة كسروية مرصعة باللؤلؤ والدر والجوهر، ولبست حلة ومن تحتها قميص لطيف مرصع بالياقوت، ومن تحت الجميع ما يعجز عن وصفه اللسان ويتحير فيه الجنان، وفي هواه يشجع الجبان، ومن فوق رأسها تاج من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجوهر، وهي تخطر في قبقاب من اللؤلؤ الرطب مصوغ من الذهب الأحمر مرصع بالفصوص والمعادن، وجعلت يدها على كتف العجوز، وأمرت بالخروج من باب السر. وإذا بالعجوز قد نظرت البستان فوجدته قد امتلأ من الخدم والجواري، وهن يأكلن الثمار ويعكرن الأنهار، ويردن التمتع باللعب والفرجة في هذا النهار، فقالت للملكة: إنك صاحبة العقل الوافر والفطنة الكاملة، وأنت تعلمين أنك غير محتاجة لهذه الخدم في البستان، ولو كنت خارجة من قصر أبيك لكان سيرهم معك احتراما لك، ولكنك يا سيدتي طالعة من باب السر إلى البستان بحيث لا يراك أحد من خلق الله تعالى. قالت لها: لقد صدقت يا دايتي، فكيف يكون العمل؟ ثم قالت لها العجوز: اؤمري الخدام أن ترجع، وما أخبرك بهذا إلا احتراما للملك. فأمرت الخدام بالرجوع. قالت الداية: بقي بقية من الخدام الذين ms1629 يبغون في الأرض الفساد، فاصرفيهم ولا تدعي معك غير جاريتين من الجواري لننشرح معهما. فلما نظرتها الداية قد صفى قلبها وراق لها الوقت قالت: الآن قد تفرجنا فرجة مليحة، فقومي بنا الآن إلى البستان. فقامت بنت الملك وجعلت يدها على كتف الداية وخرجت من باب السر، وجاريتاها يمشيان قدامها وهي تضحك عليهما وتتمايل في غلائلها، والداية تمشي قدامها وتريها الأشجار وتطعمها من الأثمار، وهي تروح من مكان إلى مكان. # ولم تزل سائرة بها إلى أن وصلت إلى ذلك القصر، فلما نظرته الملكة رأته جديدا، فقالت: يا دايتي، أما تنظرين هذا القصر قد عمرت أركانه وابيضت حيطانه؟ قالت الداية: والله يا سيدتي إني سمعت كلاما، وهو أن جماعة من التجار أخذ منهم الخولي قماشا وباعه، وأخذ بثمنه طوبا وجيرا وجبسا وحجرا وغير ذلك، فسألته ما فعل بذلك، فقال لي: عمرت به القصر الذي كان داثرا. ثم قال الشيخ: إن التجار طالبوني بحقهم الذي لهم علي فقلت: حتى تنزل بنت الملك إلى البستان وتنظر العمارة وتعجبها، فإذا طلعت أخذت منها ما تتفضل به علي وأعطيهم حقهم الذي لهم. فقلت له: ما حملك على ذلك؟ قال: رأيته قد وقع وتهدمت أركانه وتقشر بياضه، وما رأيت لأحد مروءة أن يعمره، فاقترضت في ذمتي وعمرته، وأرجو من ابنة الملك أن تعمل ما هي أهله. فقلت له: إن ابنة الملك كلها خير وعوض. وما فعل هذا كله إلا طمعا في إحسانك. قالت بنت الملك: والله لقد بناه عن مروءة وفعل فعل الأجواد، ولكن نادي لي الخازندارة. فنادت الداية الخازندارة فحضرت في الحال عند ابنة الملك، فأمرتها أن تعطي الخولي ألفي دينار، فأرسلت العجوز رسولا إلى الخولي، فلما وصل إليه الرسول قال له: واجب عليك امتثال أمر الملكة. # فلما سمع الخولي من الرسول هذا الكلام، ارتعدت مفاصله وضعفت قوته وقال في نفسه: لا شك أن ابنة الملك نظرت الغلام ولا يكون هذا اليوم علي إلا أشأم الأيام. فخرج حتى وصل إلى داره وأعلم زوجته وأولاده بذلك، وأوصى ms1630 وودعهم فتباكوا عليه، ثم إنه تمشى إلى أن وقف بين يدي ابنة الملك ووجهه مثل الكركم وهو يكاد أن يسقط من طوله، فعلمت العجوز منه ذلك، فأدركته بكلامها وقالت: يا شيخ، قبل الأرض شكرا لله تعالى وابتهل بالدعاء للملكة، فقد أعلمتها بما فعلت من عمارة القصر الداثر، ففرحت بذلك وقد أنعمت عليك في نظير ذلك بألفي دينار، فاقبضهما من الخازندارة وادع لها وقبل الأرض بين يديها وارجع إلى حالك. فلما سمع الخولي ذلك الكلام من الداية، قبض الألفي دينار وقبل الأرض بين يدي ابنة الملك ودعا لها، ثم عاد إلى منزله وفرحت عياله به ودعوا لمن كان سببا في هذا الأمر كله. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 730 # قالت: بلغني إيها الملك السعيد، أن الشيخ الحارس لما أخذ الألفي دينار من الملكة وعاد إلى منزله، فرحت عياله ودعوا لمن كان سببا في ذلك كله. هذا ما كان من أمر هؤلاء، وأما ما كان من أمر العجوز، فإنها قالت: يا سيدتي، لقد صار هذا المكان مليحا، وما رأيت قط أنصع من بياضه ولا أحسن من دهانه، يا ترى هل الأصلح ظاهره أو باطنه؟ وإلا عمل ظاهره بياضا وباطنه سوادا؟ فادخلي بنا حتى نتفرج على باطنه. فدخلت الداية وبنت الملك خلفها، فوجداه مدهونا ومزوقا من داخل بأحسن التزويق، فنظرت بنت الملك يمينا وشمالا إلى أن وصلت إلى صدر الإيوان، فشخصت إليه وأطالت النظر فيه، فعلمت الداية أن عينها لحظت تصوير ذلك المنام، فأخذت الجاريتين عندها حتى لا يشغلاها. فلما انتهت بنت الملك إلى رؤية تصوير المنام، التفتت إلى العجوز وهي متعجبة تدق يدا على يد وقالت: يا دايتي، تعالي انظري شيئا عجيبا لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر. قالت العجوز: وما هو يا سيدتي؟ قالت لها الملكة: ادخلي صدر الإيوان وانظري، وأي شيء تنظريه فعرفيني به. فدخلت العجوز وتأملت تصوير المنام وخرجت وهي متعجبة وقالت: والله يا سيدتي، إن هذا هو صورة البستان ms1631 والصياد والشرك وجميع ما رأيته في المنام، وما منع الذكر لما طار من أن يعود إلى أنثاه ويخلصها من شرك الصياد إلا مانع عظيم، فإني نظرته تحت مخالب الجارح، وقد ذبحه وشرب دمه ومزق لحمه وأكله، وهذا يا سيدتي سبب تأخيره عن العود إليها وتخليصها من الشرك، ولكن يا سيدتي إنما العجب من تصوير هذا المنام بالزواق، ولو كنت أنت أردت أن تفعلي ذلك لعجزت عن تصويره، والله إن هذا الشيء عجيب يؤرخ في السير، ولكن يا سيدتي لعل الملائكة الموكلين ببني آدم علموا أن الطير الذكر مظلوم، حيث ظلمناه ولمناه على عدم عوده، فأقاموا حجة الذكر وبينوا عذره، وها أنا قد رأيته في هذه الساعة بين مخالب الجارح وهو مذبوح. # قالت بنت الملك: يا دايتي، هذا الطير الذي جرى عليه القضاء والقدر، ونحن قد ظلمناه. قالت العجوز: يا سيدتي، بين يدي الله تعالى تلتقي الخصوم، ولكن يا سيدتي قد تبين لنا الحق ووضح لنا عذر الطير الذكر، ولولا أنه تعلقت به مخالب الجارح وذبحه وشرب دمه وأكل لحمه، ما تأخر عن الرجوع إلى الطيرة، بل كان يرجع إليها ويخلصها من الشرك، ولكن الموت ما فيه حيلة وخصوصا ابن آدم، فإنه يجوع نفسه ويطعم زوجته، ويعري نفسه ويكسوها، ويغضب أهله ويرضيها، ويعصي والديه ويطيعها، وهي تطلع على سره وخبيئته، ولا تصبر عنه ساعة واحدة، فلو غاب عنها ليلة واحدة لم تنم عينها ولم يكن عندها أعز منه، فتعزه أكثر من والديها، وإذا ناما يتعانقان ويجعل يده تحت عنقها وهي تجعل يدها تحت عنقه، كما قال الشاعر: # توسدتها زندي وبت ضجيعها %~% وقلت لليلي طل فقد أشرق البدر ~~فيا ليلة لم يخلق الله مثلها %~% فأولها حلو وآخرها مر # وبعد ذلك فهو يقبلها وتقبله، ومن جملة ما جرى لبعض الملوك مع زوجته أنها ضعفت وماتت، فدفن نفسه معها بالحياة ورضي لنفسه بالموت من محبته إياها، ومن فرط الألفة التي كانت بينهما. وكذلك جرى لبعض الملوك حين ضعف ومات، فلما قصدوا أن يدفنوه قالت ms1632 زوجته لأهلها: دعوني أدفن نفسي معه بالحياة وإلا أقتل نفسي وأبقى في ذمتكم، فلما علموا أنها لا ترجع عن ذلك تركوها، فرمت نفسها في القبر معه من كثرة محبتها إياه وشفقتها عليه. وما زالت العجوز تحدثها بحديث أخبار الرجال والنساء حتى زال ما كان في قلبها من بغض الرجال، فلما عرفت العجوز المودة التي تجددت عندها للرجال قالت: إنه آن أوان تفرجنا في البستان. فخرجتا من القصر يتمشيان بين الأشجار، فلاحت من ابن الملك التفاتة فوقعت عينه عليها ونظر إلى شكلها، واعتدال قدها، وتورد خدها، وسواد طرفها، وبارع ظرفها، وباهر جمالها، ووافر كمالها؛ فاندهش عقله، وشخص إليها بصره، وعدم في الغرام رشده، وتجاوز به العشق حده، واشتعلت بخدمتها جوارحه، والتهبت بنار العشق جوانحه، فغشي عليه ووقع على الأرض مغمى عليه. فلما أفاق وجدها غابت عن عينه، وتوارت منه في الأشجار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 731 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك أردشير لما كان مختفيا في البستان ونزلت بنت الملك هي والعجوز مشيا بين الأشجار، رآها ابن الملك فغشي عليه من شدة ما حصل له من العشق، فلما أفاق وجدها غابت عن عينه وتوارت منه في الأشجار، فتنهد من قلبه وأنشد هذه الأبيات: # ولما رأت عيني بديع جمالها %~% تمزق قلبي بالصبابة والوجد ~~فأصبحت مرميا طريحا على الثرى %~% وما علمت بنت المليك بما عندي ~~تثنت فأحمت قلب صب متيم %~% فبالله رقي وارحمي صادق الوجد ~~فيا رب قرب لي الوصال وأحظني %~% بمهجة قلبي، خشيتي ظلمة اللحد ~~أقبلها عشرا وعشرا وعشرة %~% تكون من المضنى الكئيب على الخد ![figure](../Images/figure2.png) # فصار كل واحد منهم كالسكران، واعتنقا وهما في غاية الاشتياق. # ولم تزل العجوز تفرج بنت الملك في البستان إلى أن وصلت إلى المكان الذي فيه ابن الملك، وإذا بالعجوز قالت: يا خفي الألطاف أمنا مما نخاف. فلما سمع ابن الملك الإشارة خرج من خبائه وتعجب في نفسه وتاه، وتمشى بين الأشجار بقد يخجل الأغصان، وتكلل جبينه بالعرق وصارت ms1633 وجنتاه كالشفق، فسبحان الله العظيم فيما خلق. فلاحت التفاتة من بنت الملك فنظرته، فلما رأته صارت شاخصة له ساعة طويلة، ورأت حسنه وجماله، وقده واعتداله، وعيونه التي تغازل الغزلان، وقامته التي تفضح غصون البان، فأذهل عقلها وسلب لبها ورشقها بسهام عينيه في قلبها، فقالت للعجوز: يا دايتي، من أين لنا هذا الغلام المليح القوام؟ قالت: أين هو يا سيدتي؟ قالت: ها هو قريب بين الأشجار. فصارت العجوز تتلفت يمينا وشمالا كأنه لم يكن عندها خبر به وقالت: ومن عرف هذا الشاب طريق هذا البستان؟ قالت لها حياة النفوس: ومن يعرفنا بخبر هذا الشاب؟ فسبحان من خلق الرجال! ولكن يا دايتي، هل أنت تعرفينه؟ قالت لها: يا سيدتي، هو الشاب الذي كان يراسلك معي. قالت لها بنت الملك وهي غريقة في بحر هواها ونار شوقها وجواها: يا دايتي، ما أحسن هذا الشاب! فإنه مليح الطلعة، وأظن أنه ما على وجه الأرض أحسن منه. # فلما علمت العجوز أن هواه ملكها قالت لها: أما قلت لك يا سيدتي إنه شاب مليح بوجه صبيح. قالت لها بنت الملك: يا دايتي، إن بنات الملوك لا يعرفن أحوال الدنيا، ولا يعرفن صفات من فيها، ولا عاشرن ولا أخذن ولا أعطين. يا دايتي، كيف الوصول إليه؟ وبأي حيلة أقبل بوجهي عليه؟ وماذا أقول له ويقول لي؟ قالت العجوز: أي شيء في يدي الآن من الحيلة؟ قد صرنا متحيرين في هذا الأمر من أجلك. قالت بنت الملك: يا دايتي، اعلمي أنه ما مات أحد بالغرام إلا أنا، فها أنا أيقنت بالممات من وقتي، وكل هذا من نار وجدي. فلما سمعت العجوز كلامها، ورأت في هواه غرامها قالت لها: يا سيدتي، أما حضوره عندك فلا سبيل إليه، وأنت معذورة في عدم رواحك إليه لأنك صغيرة، لكن قومي معي وأنا قدامك إلى أن تصلي إليه وأنا أكون مخاطبة له، فما يحصل لك خجل وهي لحظة عين، حتى يحصل الأنس بينكما. قالت الملكة: قومي قدامي فقضاء الله لا يرد. ثم قامت ms1634 الداية وبنت الملك حتى أقبلا على ابن الملك وهو جالس كأنه البدر في تمامه، فلما وصلتا إليه قالت له العجوز: انظر يا فتى من حضر بين يديك، وهي بنت ملك الزمان حياة النفوس، فاعرف قيمتها ومقدار مشيها إليك وقدومها عليك، قم تعظيما لها وتمثل قائما على قدميك. فنهض الغلام من وقته وساعته قائما على قدميه، ووقعت عينه في عينها، فصار كل واحد منهما كالسكران بغير مدام، وقد زاد بها شوقه وغرامه، ففتحت بنت الملك يديها وكذلك الغلام، واعتنقا وهما في غاية الاشتياق، فغلب عليهما الهوى والغرام، فغشي عليهما الاثنان، ووقعا على الأرض واستمرا ساعة طويلة، فخشيت العجوز من الهتيكة فأدخلتهما القصر وقعدت على بابه وقالت للجواري: اغتنموا الفرجة فإن الملكة نائمة. فرجع الجواري إلى الفرجة. ثم إنهما قاما من غشيتهما فوجدا أنفسهما داخل القصر، ثم قال الغلام: بالله عليك يا سيدة الملاح، هل هذا منام أم أضغاث أحلام؟ ثم اعتنقا الاثنان وسكرا من غير مدام، وتشاكيا لوعة الغرام، فأنشد الغلام هذه الأبيات: # الشمس من وجهها الوضاح طالعة %~% كذاك من وجنتيها حمرة الشفق ~~فإنه حيثما للناظرين بدا %~% يغيب منه حياء كوكب الأفق ~~وإن بدا بارق من ثغر مبسمها %~% لاح الصباح فأجلى غيهب الغسق ~~وإن تثني قواما من معاطفها %~% تغار منه غصون البان في الورق ~~عندي عن الكل ما يغني برؤيتها %~% أعيذها بإله الناس والفلق ~~أعارت البدر جزءا من محاسنها %~% ورامت الشمس تحكيها فلم تطق ~~من أين للشمس أعطاف تميس بها %~% من أين للبدر حسن الخلق والخلق ~~فمن يلمني وكلي في محبتها %~% ما بين مفترق فيها ومتفق ~~هي التي ملكت قلبي بلفتتها %~% فما الذي لقلوب العاشقين بقي # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 732 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الملك لما فرغ من شعره ضمته بنت الملك إلى صدرها وقبلت فاه وما بين عينيه، فعادت إليه روحه وصار يشكو إليها ما قاساه من شدة العشق وجور الغرام، وكثرة الشوق والهيام، وما جرى له من قسوة قلبها؛ ms1635 فلما سمعت كلامه قبلت يديه وقدميه، وكشفت رأسها فأظلم الديجور وأشرقت فيه البدور، وقالت: يا حبيبي وغاية مرادي، لا كان يوم الصدود ولا جعله الله بيننا يعود. فعندها تعانقا وتباكيا وأنشدت بنت الملك هذه الأبيات: # يا مخجل البدر وشمس النهار %~% حكمت في قتل محب فحار ~~بسيف لحظ قاطع في الحشا %~% وأين من سيف اللحاظ الفرار ~~وشبه قوس حاجباك ارتمى %~% منها بقلبي سهم وجد ونار ~~ومن جنى خديك لي جنة %~% فهل لقلبي عن جناها اصطبار ~~وقدك المايس غصن زها %~% من حمل هذا الغصن تجنى الثمار ~~جذبتني قهرا وأسهرتني %~% وقد خلعت في هواك العذار ~~أعانك الله بنور الضيا %~% وقرب البعد وأدنى المزار ~~فارحم فؤادا في هواك انكوى %~% وقلب مضنى بعلاك استجار # فلما فرغت من شعرها، فاض عليها الغرام، وهامت وبكت بدموع غزار سجام، فأحرقت قلب الغلام فتغنى في هواها وهام، وتقدم إليها وقبل يديها وبكى بكاء شديدا، ولم يزالا في عتاب ومنادمات وأشعار إلى أن أذن العصر، ولم يكن بينهما غير ذلك، فهما بالانصراف، فقالت له بنت الملك: يا نور عيني وحشاشة كبدي، هذا وقت الفراق فمتى يكون التلاق؟ قال الغلام وقد أصابه من كلامها سهام: والله لا أحب ذكر الفراق. ثم إنها خرجت من القصر، فالتفت إليها فوجدها تئن أنينا يذيب الحجر، وتبكي بدموع كالمطر، فغرق من العشق في بحر الهلكات، وأنشد هذه الأبيات: # أيا منية القلب زاد اشتغالي %~% لفرط هواك فكيف احتيالي ~~فوجهك كالصبح مهما بدا %~% وشعرك في اللون يحكي الليالي ~~وقدك غصن إذا ما انثنى %~% وقد حركته رياح الشمال ~~وألحاظ عينيك تحكي الظبا %~% إذا رمقتها كرام الرجال ~~وخصرك مضنى بردف ثقيل %~% فهذا ثقيل وهذاك بال ~~ومن خمر ريقك أحلى شراب %~% ومسك زكي وبرد الزلال ~~فيا ظبية الحي كفي الأسى %~% وجودي علي بطيف الخيال # فلما سمعت ذلك بنت الملك في وصفها، رجعت إليه واعتنقته بقلب حريق أضرم ناره الفراق، ولا يطفئه غير التقبيل والعناق، وقالت: إن صاحب المثل السائر يقول: الصبر على الحبيب ولا فقده. ولا بد أن أدبر حيلة ms1636 في الاجتماع. ثم ودعته وراحت وهي لا تدري أين تضع قدمها من شدة عشقها. ولم تزل سائرة حتى ألقت نفسها في مقصورتها، وأما الغلام فإنه قد زاد به الشوق والهيام، وحرم لذيذ المنام. ثم إن الملكة لم تذق طعاما، وفرغ صبرها وضعف جلدها، فلما أصبح الصباح طلبت الداية، فلما حضرت بين يديها وجدت حالها تغير، فقالت لها: لا تسألي عما أنا فيه؛ لأن جميع ما أنا فيه من يدك. ثم قالت لها: أين محبوب قلبي؟ قالت لها العجوز: يا سيدتي، ومتى فارقك؟ هل بعد عنك غير هذه الليلة؟ قالت لها: وهل يمكنني أن أصبر عنه ساعة واحدة؟ قومي تحيلي واجمعي بيني وبينه بسرعة، فإن روحي كادت أن تخرج. قالت لها الداية: طولي روحك يا سيدتي حتى أدبر لكما أمرا لطيفا لا يشعر به أحد. فقالت لها: والله العظيم إذا لم تأت به في هذا اليوم لأقولن للملك وأخبره أنك أفسدت حالي، فيبر عنقك. قالت العجوز: سألتك بالله أن تصبري علي، فإن هذا الأمر خطر. ولم تزل تخضع لها حتى صبرتها ثلاثة أيام، وبعد ذلك قالت لها: يا دايتي، إن الثلاثة أيام مقومة علي بثلاث سنين، فإن فات اليوم الرابع ولم تحضريه عندي سعيت في قتلك. فخرجت الداية من عندها وتوجهت إلى منزلها. # فلما كان صبح اليوم الرابع دعت بمواشط البلد، وطلبت منهم نقشا مليحا من أجل تزويق بنت بكر وتنقيشها وتكتيبها، فأحضرن إليها مطلوبها من أحسن ما يكون، ثم دعت بالغلام فحضر، وفتحت صندوقها وأخرجت منه بقجة فيها حلة من ثياب النساء تساوي خمسة آلاف دينار بعصابة مطرزة بأنواع الجواهر، وقالت: يا ولدي، أتحب أن تجتمع بحياة النفوس؟ قال لها: نعم. فأخرجت محفة وحففته بها وكحلته، ثم أعرته وركبت النقش على يديه من ظفره إلى كتفه، ومن مشط رجليه إلى فخذيه، وكتبت سائر جسده، فصار كأنه ورد أحمر على صفايح المرمر، ثم بعد مدة لطيفة غسلته ونظفته وأخرجت له قميصا ولباسا، ثم ألبسته تلك الحلة الكسروية وعصبته وقنعته وعلمته كيف ms1637 يمشي، وقالت له: قدم الشمال وأخر اليمين. ففعل ما أمرته به ومشى قدامها، فصار كأنه حورية خرجت من الجنة، ثم قالت له: قو قلبك فإنك قادم على قصر ملك، ولا بد أن يكون على باب القصر جنود وخدم، ومتى فزعت منهم أو حصل عندك وهم، تفرسوا فيك وعرفوك، فيحصل لنا الأذى وتروح أرواحنا، فإن لم يكن عندك مقدرة على ذلك فأعلمني. قال: إن هذا الأمر لا يروعني، فطيبي نفسا وقري عينا. فخرجت تمشي أمامه إلى أن وصلا إلى باب القصر وهو ملآن بالخدام، والتفتت العجوز إليه لتنظر هل حصل عنده وهم أم لا؟ فوجدته على حاله ولم يتغير، فلما وصلت العجوز نظر إليها رئيس الخدام فعرفها، ووجد خلفها جارية تتحير العقول في وصفها، فقال في نفسه: أما العجوز فهي الداية، وأما التي خلفها فما في أرضنا من يشبه شكلها ولا يقارب حسنها ولا ظرفها، إلا إن كانت الملكة حياة النفوس، ولكنها محجوبة لا تخرج أبدا، فيا ليت شعري كيف خرجت في الطريق؟ ويا ترى هل خرجت بإذن الملك أم بغير إذنه؟ فنهض قائما على قدميه حتى يكشف خبرها فتبعه نحو ثلاثين خادما، فلما نظرتهم العجوز طار عقلها وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، قد راحت أرواحنا في هذه الساعة بلا شك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 733 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما رأت رئيس الخدام مقبلا هو وغلمانه حصل لها غاية الخوف وقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، قد راحت أرواحنا في هذه الساعة بلا شك. فلما سمع رئيس الخدام من العجوز هذا الكلام، أدركه الوهم لما يعلمه من سطوة بنت الملك، وأن أباها تحت حكمها. ثم قال في نفسه: لعل الملك أمر الداية أن تأخذ ابنته لقضاء حاجة ولا تريد أن يعلم أحد بحالها، ومتى تعرضت لها يصير في نفسها شيء عظيم مني وتقول: إن هذا الطواشي واجهني ليكشف عن حالي. فتسعى في قتلي، فليس ms1638 لي بهذا الأمر حاجة. فولى راجعا ورجع الثلاثون خادما معه نحو باب القصر، وطردوا الخلق من عند باب القصر، فدخلت الداية وسلمت برأسها، فوقف الثلاثون خادما إجلالا لها وردوا عليها السلام. ثم دخلت ودخل ابن الملك خلفها، ولم يزالا داخلين من الأبواب حتى عدوا جميع الدركات، وستر عليهما الستار إلى أن وصلا إلى الباب السابع، وهو باب القصر الأكبر الذي فيه سرير الملك، ومنه يتوصل إلى مقاصير السراري وقاعات الحريم وقصر بنت الملك، فوقفت العجوز هناك وقالت: يا ولدي، ها نحن قد وصلنا إلى ها هنا، فسبحان من أوصلنا إلى هذا المكان، ويا ولدي، ما يتأتى لنا الاجتماع إلا في الليل، فإنه ستر على الخائف. قال لها: صدقت، فكيف الحيلة؟ قالت له: اختف في هذا المكان المظلم. فقعد في الجب وراحت العجوز إلى محل آخر وخلته فيه حتى ولى النهار، فحضرت إليه وأخرجته ودخلا من باب القصر، ولم يزالا داخلين حتى وصلا إلى مقصورة حياة النفوس، فطرقت الداية الباب فخرجت جارية صغيرة وقالت: من بالباب؟ فقالت الداية: أنا. فرجعت الجارية واستأذنت سيدتها في دخول الداية، فقالت لها: افتحي لها ودعيها تدخل هي ومن معها. فدخلا. # فلما أقبلا التفتت الداية إلى حياة النفوس، فوجدتها قد جهزت المجلس وصفت القناديل وفرشت المراتب واللواوين بالبسط، وحطت المساند وأوقدت الشموع على الشمعدانات الذهب والفضة، وحطت السماط والفواكه والحلويات، وأطلقت المسك والعود والعنبر، وقعدت بين القناديل والشموع، فصار ضوء وجهها يغلب ضوء الجميع. فلما نظرت الداية قالت لها: يا دايتي، أين محبوب قلبي؟ قالت لها: يا سيدتي، ما لقيته ولا وقعت عيني عليه، ولكن جئت لك بأخته شقيقته بين يديك. قالت لها: هل أنت مجنونة؟ ليس لي حاجة بأخته، فهل إذا وجع الإنسان رأسه ربط يده؟ قالت: لا والله يا سيدتي، ولكن انظري إليها فإن أعجبتك خليها عندك. وكشفت عن وجهها، فلما عرفته قامت على أقدامها وضمته إلى صدرها وضمها إلى صدره، ثم وقعا على الأرض مغشيا عليهما ساعة طويلة، فرشت عليهما الداية ماء الورد ms1639 فأفاقا، ثم إنها قبلته في فمه ما ينوف عن ألف قبلة، وأنشدت هذه الأبيات: # زارني محبوب قلبي في الغلس %~% قمت إجلالا له حتى جلس ~~قلت: يا سؤلي ويا كل المنى %~% زرتني في الليل ما خفت العسس ~~قال لي: خفت ولكن الهوى %~% آخذ للروح مني والنفس ~~فاعتنقنا والتزمنا ساعة %~% ها هنا امنن فلا تخش حرس ~~ثم قمنا ما بنا من ريبة %~% ننفض الأذيال ما فيها دنس # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 734 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حياة النفوس لما أتاها محبوبها في القصر، تعانقا وأنشدت أشعارا فيما يناسب ذلك، فلما فرغت من إنشادها قالت: هل هذا صحيح من كوني نظرتك في منزلي وأنت نديمي ومؤنسي؟ ثم قوي بها الهوى وأضرمها الجوى، حتى كاد أن يطير عقلها من الفرح به، فأنشدت هذه الأبيات: # بنفسي الذي قد زار في غسق الدجى %~% وكنت إلى ميعاده مترقبا ~~فما راعني إلا رخيم بكائه %~% فقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا ~~وقبلته في خده ألف قبلة %~% وعانقته ألفا وكان محجبا ~~وقلت: لقد نلت الذي كنت أرتجي %~% فلله حمد قد أحق وأوجبا ~~وبتنا كما شئنا بأحسن ليلة %~% إلى أن جلا من ليلنا الصبح غيهبا # فلما أصبح الصباح أدخلته في محل عندها لم يطلع عليه أحد إلى أن أتى الليل، فأطلعته وجلسا يتنادمان، فقال لها: قصدي أن أعود إلى دياري وأعلم أبي بأخبارك لأجل أن يجهز وزيره إلى أبيك فيخطبك منه. قالت: يا حبيبي، أخشى أن تروح إلى أرضك وحكمك فتلتهي عني وتسلى محبتي، أو أن أباك لا يوافقك على هذا الكلام فأموت أنا والسلام، والرأي السديد أن تكون أنت معي وفي قبضتي فتنظر إلى طلعتي وأنظر إلى طلعتك، حتى أدبر لك حيلة وأخرج أنا وأنت في ليلة فننزح إلى بلادك، فإني قطعت رجائي ويئست من أهلي. فقال لها: سمعا وطاعة. واستمرا على ما هما فيه من شرب الخمر. ثم إنه طاب لهما الشراب في ليلة من الليالي، فلم يهجعا ولم يناما إلى أن ms1640 لاح الفجر، وإذا بأحد الملوك أرسل إلى أبيها هدية ومن جملتها قلادة من الجوهر اليتيم، وهي تسعة وعشرون حبة لا تفي خزائن ملك بثمنها. ثم إن الملك قال: ما تصلح هذه القلادة إلا لبنتي حياة النفوس. والتفت إلى خادم كانت قلعت أضراسه لمقتضى ذلك، فناداه الملك وقال: خذ هذه القلادة وأوصلها إلى حياة النفوس وقل لها: إن أحد الملوك أرسلها هدية لأبيك ولا يوجد مال يفي لها بقيمة، فضعيها في عنقك. فأخذها الغلام وهو يقول: الله تعالى يجعلها آخر لبسها من الدنيا، لقد أعدمتني نفع أضراسي. # ثم إنه سار حتى وصل إلى باب المقصورة فوجد الباب مغلوقا والعجوز نائمة على الباب، فأيقظها فانتبهت مرعوبة وقالت له: ما حاجتك؟ قال لها: إن الملك أرسلني في حاجة إلى ابنته. قالت: إن المفتاح ما هو حاضر، رح إلى أن أحضر المفتاح. قال لها: ما أقدر أن أروح للملك. فراحت العجوز لأجل أن تحضر المفتاح فأدركها الخوف، فطلبت النجاة لنفسها. فلما أبطأت على الخادم خاف من إبطائه على الملك، فحرك الباب وهزه فانكسر القفيز وانفتح الباب فدخل، ولم يزل داخلا إلى أن وصل إلى الباب السابع، فلما دخل المقصورة وجدها مفروشة بفرش عظيم وهناك شموع وقناني، فتعجب الخادم من ذلك الأمر وتمشى إلى أن وصل إلى التخت وعليه ستر من الإبريسم، وعليه شبكة من الجوهر، فكشف الستر عنه فوجد بنت الملك وهي راقدة وفي حضنها شاب أحسن منها، فعظم الله تعالى الذي خلقه من ماء مهين، ثم قال: ما أحسن هذه الفعال ممن تبغض الرجال؟ ومن أين وصلت إلى هذا؟ وأظنها ما قلعت أضراسي إلا من أجله. ثم إنه رد الستر إلى مكانه وخرج طالبا الباب، فانتبهت مرعوبة ونظرت للخادم كافور ونادته فلم يجبها، فنزلت ولحقته وأخذت ذيله ووضعته على رأسها وقبلت رجليه، وقالت له: استر ما ستر الله. فقال: الله لا يستر عليك ولا على من يستر عليك، أنت قلعت أضراسي وتقولين لي: لا يذكر لي أحد شيئا من صفات الرجال. وانفلت منها ms1641 وخرج وهو يجري وقفل عليهما الباب، وحط عليه خادما يحرسه ودخل على الملك، فقال له الملك: هل أعطيت القلادة لحياة النفوس؟ فقال الخادم: والله إنك تستحق أكثر من هذا كله. فقال الملك: وما حصل؟ قل لي وأسرع في الكلام. قال: لا أقول لك إلا في خلوة بيني وبينك. فقال له: قل بلا خلوة. فقال الخادم: أعطني الأمان. فرمى له منديل الأمان، فقال الخادم: أيها الملك، دخلت على الملكة حياة النفوس فوجدتها في مجلس مفروش، وهي نائمة وفي حضنها شاب، فقفلت عليهما الباب وحضرت بين يديك. فلما سمع الملك كلامه، نهض قائما وأخذ سيفا في يده وصاح على رئيس الخدام وقال له: خذ معك صبيانك وادخل على حياة النفوس وهاتها هي ومن معها، وهما على التخت نائمان وغطوهما بغطائهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 735 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما أمر الخادم أن يأخذ صبيانه ويتوجهوا إلى حياة النفوس ويأتوا بها هي ومن معها بين يديه، خرج الخادم ومن معه ودخلوا فوجدوا حياة النفوس واقفة على أقدامها والبكاء والعويل قد أذابها، وكذلك ابن الملك، فقال رئيس الخدام للغلام: اضطجع على السرير كما كنت وكذلك ابنة الملك. فخشيت بنت الملك عليه وقالت له: ما هذا وقت المخالفة. فاضطجع الاثنان وحملوهما إلى أن أوصلوهما بين يدي الملك، فلما كشف الملك عنهما نهضت ابنة الملك على أقدامها، فنظر لها الملك وأراد أن يضرب عنقها، فسبق الغلام ورمى نفسه في صدر الملك وقال: أيها الملك، ليس لها ذنب، الذنب مني أنا، فاقتلني قبلها. فقصده ليقتله فرمت حياة النفوس نفسها على أبيها وقالت: اقتلني أنا ولا تقتله، فإنه ابن الملك الأعظم صاحب جميع الأرض في طولها والعرض. # فلما سمع الملك الكلام كلام ابنته، التفت إلى وزيره وكان محضر سوء وقال له: ما تقول يا وزير في هذا الأمر؟ قال الوزير: الذي أقوله: كل من وقع في هذا الأمر يحتاج للكذب، وما لهما إلا ضرب أعناقهما بعد أن تعذبهما ms1642 بأنواع العذاب. فعندها دعا الملك بسياف نقمته فجاء ومعه صبيانه، فقال الملك: خذوا هذا العلق واضربوا عنقه، وبعده هذه الفاجرة، واحرقوهما ولا تشاوروني في أمرهما مرة ثانية. فعند ذلك حط السياف يده في ظهرها ليأخذها، فصاح الملك عليه ورجمه بشيء كان في يده كاد أن يقتله وقال له: يا كلب، كيف تكون حليما عند غضبي؟ حط يدك في شعرها وجرها منه حتى تقع على وجهها. ففعل كما أمره الملك وسحبها على وجهها، وكذلك الغلام، إلى أن وصل بهما إلى محل الدم، وقطع من ذيل ثوبه وعصب عينيه، وجرد سيفه وكان ماضيا، وأخر بنت الملك ترجيا أن تقع فيها شفاعة، وقد اشتغل بالغلام ولعب السيف ثلاث مرات وجميع العسكر يتباكون ويدعون الله أن يحصل لهما شفاعة، فرفع السياف يده وإذا بغبار قد ثار حتى ملأ الأقطار. وكان السبب في ذلك أن الملك أبا الغلام لما أبطأ عليه خبر ولده، تجهز في عسكر عظيم وتوجه بنفسه للبحث عن ولده. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر الملك عبد القادر، فإنه لما ظهر ذلك الغبار قال: يا قوم ما الخبر؟ وما هذا الغبار الذي غشي الأبصار؟ فنهض الوزير الأكبر ونزل من بين يديه متوجها إلى ذلك الغبار ليعرف حقيقة أمره، فوجد خلقا كالجراد لا يحصى لهم عدد ولا ينفذ لهم مدد، قد ملئوا الجبال والأودية والتلال، فعاد الوزير إلى الملك وأخبره بالقضية، فقال الملك للوزير: انزل واعرف لنا خبر هذا العسكر، وما السبب في مجيئهم إلى بلادنا؟ واسأل عن قائد هذا الجيش وبلغه مني السلام واسأله: ما سبب حضوره؟ فإن كان يقصد قضاء حاجة ساعدناه، وإن كان له ثأر عند أحد الملوك ركبنا معه، وإن كان يريد هدية هاديناه، فإن هذا عدد عظيم وجيش جسيم، ونخشى على أرضنا من سطوته. فنزل الوزير ومشى بين الخيام والجنود والأعوان، ولم يزل ماشيا من أول النهار إلى قرب المغرب حتى وصل إلى أصحاب السيوف المذهبة والخيام المكوكبة، ثم وصل من بعدهم إلى الأمراء ms1643 والوزراء والحجاب والنواب. ولم يزل يتمشى إلى أن وصل إلى السلطان، فرآه ملكا عظيما، فلما رآه أرباب الدولة صاحوا عليه: قبل الأرض. فقبل الأرض وقام، فصاحوا عليه ثانيا وثالثا إلى أن رفع رأسه وقصد أن يقوم من طوله من شدة الهيبة، فلما تمثل بين يدي الملك قال: أدام الله أيامك، وأعز سلطانك، ورفع قدرك أيها الملك السعيد وبعد، فإن الملك عبد القادر يسلم عليك ويقبل الأرض بين يديك، ويسألك في أي المهمات أتيت؟ فإن كنت قاصدا أخذ ثأر من الملوك ركب في خدمتك، وإن كنت قاصدا غرضا يمكنه قضاؤه قام بخدمتك في شأنه. قال له الملك: أيها الرسول، اذهب إلى صاحبك وقل له: إن الملك الأعظم له ولد غاب عنه مدة، وقد أبطأت عليه أخباره، وانقطعت عنه آثاره، فإن كان في هذه المدينة أخذه وارتحل عنكم، وإن كان جرى عليه أمر من الأمور وارتمى عندكم بمحظور، فإن والده يخرب دياركم وينهب أموالكم ويقتل رجالكم ويسبي نساؤكم، فارجع إلى صاحبك سرعة وعرفه بذلك من قبل أن يحل به البلاء. قال: سمعا وطاعة. ثم قصد الانصراف فصاح عليه الحجاب: قبل الأرض، قبل الأرض. فقبلها عشرين مرة، فما قام إلا وروحه في أنفه. ثم خرج من مجلس الملك، ولم يزل سائرا وهو متفكر في أمر هذا الملك وكثرة جيوشه إلى أن وصل إلى الملك عبد القادر وهو مقطوف اللون في غاية الوجل مرتعد الفرائص، ثم عرفه بما اتفق له. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 736 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير لما رجع من عند الملك الأعظم، وأخبر الملك عبد القادر بما وقع له وهو مقطوف اللون ترتعد فرائصه من شدة الوجل، قال له الملك عبد القادر وقد داخله الوسواس والمخافة على نفسه وعلى الناس: يا وزير، من يكون ولد هذا الملك؟ قال: إن ولده هو الذي أمرت بقتله، والحمد لله الذي لم يعجل قتله، فإن أباه كان يخرب ديارنا وينهب أموالنا. فقال له الملك: انظر رأيك ms1644 الفاسد حيث أشرت علينا بقتله، فأين الغلام ولد هذا الملك الهمام؟ قال له: أيها الملك الهمام، إنك قد أمرت بقتله. فلما سمع هذا الكلام اندهش عقله، وصاح من صميم قلبه ورأسه: ويلكم، أدركوا السياف لئلا يوقع عليه القتل. ففي الوقت أحضروا السياف، فلما حضر قال له: يا ملك الزمان، قد ضربت عنقه كما أمرتني. فقال له: يا كلب، إن صح ذلك لا بد أن ألحقك به. قال: أيها الملك، إنك أمرتني بقتله من غير أن أشاورك فيه مرة ثانية. قال الملك: كنت في غيظي، فتكلم الحق قبل تلف روحك. قال له: أيها الملك، هو في قيد الحياة. ففرح الملك واطمأن قلبه وأمر بإحضاره. فلما حضر بين يديه نهض له قائما على قدميه، وقبل فاه وقال له: يا ولدي، أستغفر الله العظيم مما وقع مني في حقك، فلا تتكلم بما يحط قدري عند والدك الملك الأعظم. قال الغلام: يا ملك الزمان، وأين الملك الأعظم؟ قال له: لقد جاء بسببك. قال الغلام: وحق حرمتك ما أبرح من بين يديك حتى أبرئ عرضي وعرض بنتك مما نسبنا إليه، وهي بكر عذراء، فاطلب الدايات القوابل لتكشف عليها بين يديك، فإن وجدت بكارتها زالت فقد أبحتك دمي، وإن كانت عذراء فأظهر براءة عرضي وعرضها. فدعا القوابل، فلما كشفن عليها وجدنها عذراء، فأخبرن الملك بذلك وطلبن منه الإنعام، فأنعم عليهم وخلع ما كان عليه، وكذلك أنعم على جميع من في الحريم، وأخرجوا طاسات الطيب فطيبوا أرباب الدولة وفرحوا غاية الفرح. # ثم إن الملك اعتنق الغلام وعامله بالتعظيم والإكرام، وأمر بإدخاله الحمام مع خاصته من الخدام، فلما خرج أفرغ عليه خلعة سنية وتوجه بتاج من الجوهر ووشحه بوشاح من الإبريسم مزركش بالذهب الأحمر، مرصع بالدر والجوهر، وأركبه فرسا من أحسن الخيل بسرج من الذهب مرصع بالدر والجوهر، وأمر أرباب ورؤساء مملكته بالركوب في خدمته إلى أن يصل إلى أبيه. ثم أوصى الغلام أن يقول لأبيه الملك الأعظم: إن الملك عبد القادر تحت أمرك، سامع مطيع لك في ms1645 جميع ما تأمره وتنهاه. فقال الغلام: لا بد من ذلك. ثم ودعه وسار متوجها إلى أبيه، فلما نظر إليه أبوه طار عقله من الفرح، ثم نهض له قائما على قدميه ومشى له خطوات وعانقه، وشاع الفرح والسرور في عسكر الملك الأعظم، ثم حضر جميع الوزراء والحجاب، وجميع الجند والقواد، وقبلوا الأرض بين يديه وفرحوا بقدومه، وكان لهم في الفرح يوم عظيم، وأباح ابن الملك لمن معه وغيرهم من مدينة الملك عبد القادر أن يتفرجوا على ما عليه عساكر الملك الأعظم، ولا يعارضهم أحد حتى يروا كثرة جنوده وقوة سلطانه، فصار كل من دخل سوق البزازين ونظر الغلام قبل ذلك وهو جالس في المكان، يتعجب منه كيف رضي لنفسه ذلك مع شرف نفسه وعظيم منزلته! ولكن أحوجه إلى ذلك حبه وميله لبنت الملك. وشاعت الأخبار بكثرة عساكره، فبلغ ذلك حياة النفوس فأشرفت من أعلى القصر ونظرت إلى الجبال، فرأتها امتلأت بعساكر وجيوش، وكانت في قصر أبيها مسجونة تحت الأمر حتى يعلموا ما يأمر به الملك في شأنها، إما بالرضى والإطلاق، وإما بالقتل والإحراق. # فلما رأت حياة النفوس هذه العساكر وعلمت أنها عساكر أبيه، خافت أن ابن الملك ينساها ويلتهي عنها بأبيه، ثم يرحل عنها فيقتلها أبوها، فأرسلت إليه الجارية التي كانت عندها في المقصورة برسم الخدمة، وقالت لها: امضي إلى أردشير ابن الملك ولا تخافي، فإذا وصلت إليه فقبلي الأرض بين يديه وعرفيه بنفسك وقولي له: إن سيدتي تسلم عليك وإنها الآن محبوسة في قصر أبيها تحت الأمر، فإما أن يقصد العفو عنها، وإما أن يقصد قتلها، وتسألك أنك لا تنساها ولا تتركها، فإنك اليوم ذو مقدرة، ومهما أشرت إليه لا يقدر أحد أن يخالف أمرك، فإن حسن عندك أن تخلصها من أبيها وتأخذها عندك كان من فضلك، فإنها قد تحملت هذه المكاره من أجلك، وإن لم يحسن عندك ذلك حيث فرغ غرضك منها، فقل لوالدك الملك الأعظم لعله يشفع لها عند أبيها، ولا يرحل حتى يطلقها من أبيها، ويأخذ عليه ms1646 العهد والميثاق ألا يفعل بها سوءا ولا يتعمد قتلها، وهذا آخر الكلام ولا أوحش الله منك والسلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 737 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية حين أرسلتها حياة النفوس إلى أردشير ابن الملك الأعظم، وصلت إليه وأخبرته بكلام سيدتها، فلما سمع منها هذا الكلام بكى بكاء شديدا وقال لها: اعلمي أن حياة النفوس سيدتي وأنا عبد هواها وأسيرها، ولا نسيت ما كان بيننا ولا مرارة يوم الفراق، فقولي لها بعد أن تقبلي قدميها: إني أحدث أبي في أمرها، ويرسل وزيره الذي خطبك منه أولا يخطبك، فإنه لم يقدر أن يخالف، فإن أرسل إليك أبوك ليشاورك في ذلك، فلا تخالفي، فإني لا أروح بلادي إلا بك. فرجعت الجارية إلى سيدتها وقبلت يديها وبلغتها رسالته، فلما سمعت ذلك الكلام بكت من شدة الفرح وحمدت الله تعالى. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر الغلام فإنه اختلى بأبيه في الليل وسأله عن حاله وما جرى له، فحدثه بجميع ما جرى من أوله إلى آخره، فقال له: ما تريد أن أفعل لك يا ولدي؟ فإن أردت إتلافه أخربت دياره ونهبت أمواله وهتكت حريمه. فقال له: لا أريد ذلك يا أبي، فإنه لم يفعل معي شيئا يوجب ذلك، بل أريد اتصالي بها وأريد من إحسانك أن تجهز هدية وتقدمها لأبيها، ولكن تكون هدية نفيسة وترسلها مع وزيرك صاحب الرأي السديد. فقال له أبوه: سمعا وطاعة. ثم إن أباه قصد ما ادخره من قديم الزمان، وأخرج منه كل شيء نفيس ثم عرضه على ولده فأعجبه، ثم دعا بالوزير وأرسل ذلك صحبته وأمره أن يسير بذلك إلى الملك عبد القادر، ويخطب منه بنته لابنه ويقول له: اقبل هذه الهدية ورد له الجواب. فسار الوزير متوجها إلى الملك عبد القادر، وكان الملك عبد القادر حزينا من وقت فارق الغلام، ولم يزل مشغول الخاطر متوقعا خراب ملكه وأخذ ضياعه، وإذا بالوزير قد أقبل عليه وسلم وقبل ms1647 الأرض بين يديه، فقام له الملك على الأقدام وقابله بالإكرام، فأسرع الوزير ووقع على قدميه وقبلهما وقال له: العفو يا ملك الزمان، إن مثلك لا يقوم لمثلي، وأن أقل عبيد الخدام، واعلم أيها الملك أن ابن الملك تكلم مع أبيه وعرفه ببعض فضلك عليه وإحسانك له، فشكرك الملك على ذلك، وقد جهز لك صحبة خادمك الذي بين يديك هدية، وهو يقرئك السلام ويخصك بالتحية والإكرام. فلما سمع الملك منه ذلك لم يصدقه من شدة خوفه حتى تقدمت إليه الهدية، فلما عرضت عليه وجدها هدية لا يفي بقدرها مال، ولا يقدر ملك من ملوك الأرض على مثلها، فصغرت نفسه عنده؛ فعند ذلك نهض الملك قائما على قدميه، وحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقد شكر الملك ذلك الغلام. # ثم قال له الوزير: أيها الملك الكريم، أصغ لكلامي، واعلم أن الملك الأعظم قد ورد عليك واختار القرب منك، وقد جئتك قاصدا راغبا في بنتك السيدة المصونة والجوهرة المكنونة حياة النفوس وزواجها بولده أردشير، فإن أجبت لهذا الأمر وكنت به راضيا فاتفق معي على صداقها. فلما سمع منه ذلك الكلام قال: سمعا وطاعة، أما من جهتي أنا فليس عندي مخالفة، وهو أحب ما يكون عندي، وأما من جهة البنت فإنها بالغة رشيدة وأمرها بيد نفسها، واعلم أن ذلك الأمر راجع إلى البنت، فإنها بالاختيار إلى نفسها. ثم إنه التفت إلى رئيس الخدام وقال له: امض إلى بنتي وعرفها بهذه الأحوال. فقال رئيس الخدام: سمعا وطاعة. ثم إنه مشى حتى طلع قصر الحريم ودخل على بنت الملك وقبل يديها وأخبرها بما ذكره الملك، ثم قال لها: ما تقولين أنت في جواب هذا الكلام؟ فقالت: سمعا وطاعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 738 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن رئيس خدام الحريم لما أخبر بنت الملك بخطبتها لابن الملك الأعظم قالت: سمعا وطاعة. فلما سمع رئيس خدام الحريم هذا الكلام رجع إلى الملك وأعلمه الجواب، ففرح بذلك فرحا شديدا، ثم إنه ms1648 دعا بخلعة سنية وأفرغها على الوزير، وأمر له بعشرة آلاف دينار وقال له: أوصل الجواب إلى الملك، واستأذنه لي في أن أنزل إليه. فقال الوزير: سمعا وطاعة. ثم إن الوزير خرج من عند الملك عبد القادر ومشى حتى وصل إلى الملك الأعظم، وأوصل إليه الجواب وبلغه ما معه من الكلام، ففرح الملك بذلك، وأما ابن الملك فإنه قد طار عقله من الفرح، واتسع صدره وانشرح. ثم أذن الملك الأعظم بأن الملك عبد القادر ينزل إليه ويقابله، فلما كان في اليوم الثاني، ركب الملك عبد القادر وحضر عند الملك الأعظم فتلقاه ورفع مكانه وحياه، وجلس هو وإياه، ووقف ابن الملك بين أيديهما. ثم قام خطيب من خاصة الملك عبد القادر وخطب خطبة بليغة، وهنأ ابن الملك بما قد حصل له من بلوغ مراده بتزويجه بالملكة سيدة بنات الملوك. ثم إن الملك الأعظم بعد جلوس الخطيب أمر بإحضار صندوق مملوء بالدر والجوهر وخمسين ألف دينار، وقال للملك عبد القادر: إني وكيل عن ولدي في جميع ما استقر عليه الأمر. فاعترف الملك عبد القادر بقبض الصداق، ومن جملته خمسون ألف دينار من أجل فرح بنته سيدة بنات الملوك حياة النفوس، وبعد هذا الكلام أحضروا القضاة والشهود، وكتبوا كتاب بنت الملك عبد القادر على ابن الملك الأعظم أردشير، وكان يوما مشهودا، وفرح فيه سائر المحبين واغتاظ به سائر المبغضين والحاسدين. ثم إنهم عملوا الولائم والدعوات، وبعد ذلك دخل عليها ابن الملك فوجدها درة ما ثقبت، ومهرا لغيره ما ركبت، فريدة مصونة وجوهرة مكنونة، وظهر ذلك لأبيها. # ثم إن الملك الأعظم سأل ولده: هل بقي في نفسه حاجة قبل الرحيل؟ قال: نعم أيها الملك، اعلم أني أريد الانتقام من الوزير الذي أساءنا، والطواشي الذي افترى الكذب علينا. فبعث الملك الأعظم إلى الملك عبد القادر في الحال، يطلب منه ذلك الوزير والطواشي فأرسلهما إليه، فلما حضرا بين يديه أمر بشنقهما على باب المدينة، ثم أقاموا بعد ذلك مدة يسيرة وطلبوا من الملك عبد القادر إذنا لابنته ms1649 أن تتجهز للسفر، فجهزها أبوها وأركبوا ابنه الملك في تخت من الذهب الأحمر، مرصع بالدر والجوهر، تجره الخيل الجياد، وأخذت معها جميع جواريها وخدمها، وعادت الداية إلى مكانها بعد هروبها وصارت على عادتها، وركب الملك الأعظم وولده وركب الملك عبد القادر وجميع أهل مملكته لوداع صهره وابنته، وكان يوما يعد من أحسن الأيام. فلما بعدوا عن الديار حلف الملك الأعظم على صهره أن يرجع إلى بلاده، فودعه ورجع إلى دياره بعد أن ضمه إلى صدره وقبله بين عينيه، وشكره على فضله وإحسانه، وأوصاه على ابنته. وبعد وداع الملك الأعظم وولده رجع إلى ابنته وعانقها، ثم قبلت يديه وبكيا في موقف الوداع، ثم رجع إلى مملكته وسار ابن الملك الأعظم هو وزوجته ووالده إلى أن وصلوا إلى أرضهم وجددوا فرحهم، ثم أقاموا في ألذ عيش وأهناه، وأرغده وأحلاه، إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، ومخرب القصور ومعمر القبور، وهذا آخر القصة. ### || حكاية جلناز وبدر باسم # ومما يحكى أيها الملك السعيد، أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، في أرض العجم، ملك يقال له شهرمان، وكان مستقره خراسان، وكان عنده مائة سرية، ولم يرزق منهن في طول عمره بذكر ولا أنثى، فتذكر ذلك يوما من الأيام وصار يتأسف حيث مضى غالب عمره ولم يرزق بولد ذكر يرث الملك من بعده كما ورثه هو عن آبائه وأجداده، فحصل له بسبب ذلك غاية الغم والقهر الشديد. فبينما هو جالس يوما من الأيام إذ دخل عليه بعض مماليكه وقال له: يا سيدي، إن على الباب جارية مع تاجر لم ير أحسن منها. فقال لهم: علي بالتاجر والجارية. فأتاه بالتاجر والجارية، فلما رآها وجدها تشبه الرمح الرديني، وهي ملفوفة في إزار من حرير مزركش بالذهب؛ فكشف التاجر عن وجهها فأضاء المكان من حسنها، وارتخى لها سبع ذوائب حتى وصلت إلى خلاخلها كأذيال الخيل، وهي بطرف كحيل، وردف ثقيل، وخصر نحيل، تشفي سقام العليل، وتطفئ نار الغليل، كما قال الشاعر في المعنى هذه الأبيات: # كلفت ms1650 بها وقد تمت بحسن %~% وكملها السكينة والوقار ~~فلا طالت ولا قصرت ولكن %~% روادفها يضيق بها الإزار ~~قوام بين إيجاز وبسط %~% فلا طول يعاب ولا اقتصار ~~وشعر يسبق الخلخال منها %~% ولكن وجهها أبدا نهار # فتعجب الملك من رؤيتها وحسنها، وجمالها وقدها واعتدالها، وقال للتاجر: يا شيخ، بكم هذه الجارية؟ قال التاجر: يا سيدي اشتريتها بألفي دينار من التاجر الذي كان ملكها قبلي، ولي ثلاث سنين مسافرا بها، فتكلفت إلى أن وصلت إلى هذا المكان ثلاثة آلاف دينار، وهي هدية مني إليك. فخلع عليه الملك خلعة سنية، وأمر له بعشرة آلاف دينار، فأخذها وقبل يدي الملك، وشكر فضله وإحسانه وانصرف. ثم إن الملك سلم الجارية إلى المواشط، وقال لهن: أصلحن أحوال هذه الجارية وزينها، وافرشن لها مقصورة وأدخلنها فيها، وأمر حجابه أن ينقلوا إليها جميع ما تحتاج إليه، وكانت المملكة التي هو مقيم فيها على جانب البحر، وكانت مدينته تسمى المدينة البيضاء، فأدخلوا الجارية في مقصورة، وكانت تلك المقصورة لها شبابيك تطل على البحر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 739 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما أخذ الجارية وسلمها للمواشط، وقال لهن: أصلحن شأنها وأدخلنها في مقصورة، وأمر حجابه أن يغلقوا عليها جميع الأبواب بعد أن ينقلوا لها جميع ما تحتاج إليه، فأدخلوها في مقصورة، وكانت تلك المقصورة لها شبابيك تطل على البحر. ثم إن الملك دخل على الجارية فلم تقم له ولم تفكر فيه، فقال الملك: كأنها كانت عند قوم لم يعلموها الأدب. ثم إنه التفت إلى تلك الجارية، فرآها بارعة في الحسن والجمال، والقد والاعتدال، ووجهها كأنه دائرة القمر عند تمامه، أو الشمس الضاحية في السماء الصاحية، فتعجب من حسنها وجمالها، وقدها واعتدالها، فسبح الله الخالق جلت قدرته. ثم إن الملك تقدم إلى الجارية وجلس بجانبها، وضمها إلى صدره وأجلسها على فخذه، ومص رضاب ثغرها، فوجده أحلى من الشهد. ثم إنه أمر بإحضار الموائد من أفخر الطعام، وفيها من سائر الألوان، فأكل الملك ms1651 وصار يلقمها حتى شبعت وهي لم تتكلم بكلمة واحدة، فصار الملك يحدثها ويسألها عن اسمها وهي ساكتة لم تنطق بكلمة، ولم ترد عليه جوابا، ولم تزل مطرقة برأسها إلى الأرض، وكان الحافظ لها من غضب الملك عليها فرط حسنها وجمالها، والدلال الذي كان لها، فقال الملك في نفسه: سبحان الله خالق هذه الجارية! ما أظرفها إلا أنها لا تتكلم! ولكن الكمال لله تعالى. ثم إن الملك سأل الجواري هل تكلمت؟ فقلن له: من حين قدومها إلى هذا الوقت لم تتكلم بكلمة واحدة، ولم نسمع لها خطابا. فأحضر الملك بعض الجواري والسراري، وأمرهن أن يغنين لها وينشرحن معها لعلها أن تتكلم، فلعبت الجواري والسراري قدامها بسائر الملاهي واللعب وغير ذلك، وغنين حتى طرب كل من في المجلس، والجارية تنظر إليهن وهي ساكتة، ولم تضحك ولم تتكلم، فضاق صدر الملك، ثم إنه صرف الجواري، واختلى بتلك الجارية. # ثم إنه خلع ثيابه وخلع ثيابها، ونظر إلى بدنها فرآه كأنه سبيكة فضة فأحبها محبة عظيمة، ثم قام الملك وأزال بكارتها فوجدها بنتا بكرا، ففرح فرحا شديدا، وقال في نفسه: يالله العجب، كيف تكون جارية مليحة القوام والمنظر، وأبقاها التجار بكرا على حالها؟ ثم إنه مال إليها بالكلية ولم يلتفت إلى غيرها، وهجر جميع سراريه والمحاظي، وأقام معها سنة كاملة كأنها يوم واحد وهي لم تتكلم. فقال لها يوما من الأيام وقد زاد عشقه بها والغرام: يا منية النفوس، إن محبتك عندي عظيمة، وقد هجرت من أجلك جميع الجواري والسراري والنساء والمحاظي، وجعلتك نصيبي من الدنيا، وقد طولت روحي عليك سنة كاملة، وأسأل الله تعالى من فضله أن يلين قلبك لي فتكلميني، وإن كنت خرساء فأعلميني بالإشارة حتى أقطع العشم من كلامك، وأرجو الله سبحانه أن يرزقني منك بولد ذكر يرث ملكي من بعدي، فإني وحيد فريد ليس لي من يرثني، وقد كبر سني، فبالله عليك إن كنت تحبينني أن تردي علي الجواب. فأطرقت الجارية رأسها إلى الأرض وهي تتفكر، ثم إنها رفعت رأسها، وتبسمت ms1652 في وجه الملك، فتخيل للملك البرق قد ملأ المقصورة وقالت: أيها الملك الهمام والأسد الضرغام، قد استجاب الله دعاءك، وإني حامل منك، وقد آن أوان الوضع، ولكن لا أعلم هل الجنين ذكر أم أنثى؟ ولولا أني حملت منك ما كلمتك كلمة واحدة. # فلما سمع الملك كلامها تهلل وجهه بالفرح والانشراح، وقبل رأسها ويديها من شدة الفرح، وقال: الحمد لله الذي من علي بأمرين كنت أتمناهما؛ الأول: كلامك. والثاني: إخبارك بالحمل مني. ثم إن الملك قام من عندها وخرج وجلس على كرسي مملكته وهو في الانشراح الزائد، وأمر الوزير أن يخرج للفقراء والمساكين والأرامل وغيرهم مائة ألف دينار شكرا لله تعالى وصدقة عنه، ففعل الوزير ما أمره به الملك. ثم إن الملك دخل بعد ذلك إلى الجارية، وجلس عندها وحضنها، وضمها إلى صدره، وقال لها: يا سيدتي ومالكة رقي، لماذا السكوت، ولك عندي سنة كاملة ليلا ونهارا، قائمة نائمة، ولم تكلميني في هذه السنة إلا في هذا النهار، فما سبب سكوتك؟ فقالت الجارية: اسمع يا ملك الزمان، واعلم أني مسكينة غريبة مكسورة الخاطر فارقت أمي وأهلي. فلما سمع الملك كلامها عرف مرادها، فقال لها: أما قولك مسكينة فليس لهذا الكلام محل، فإن جميع ملكي ومتاعي وما أنا فيه في خدمتك، وأنا أيضا صرت مملوكك، وأما قولك فارقت أمي وأهلي وأخي، فأعلميني في أي مكان هم، وأنا أرسل إليهم وأحضرهم عندك. فقالت له: اعلم أيها الملك السعيد أن اسمي جلناز البحرية، وكان أبي من ملوك البحر ومات، وخلف لنا الملك، فبينما نحن فيه إذ تحرك علينا ملك من الملوك، وأخذ الملك من أيدينا، ولي أخ يسمى صالح، وأمي من نساء البحر، فتنازعت أنا وأخي فحلفت أن أرمي نفسي عند رجل من أهل البر، فخرجت من البحر وجلست على طرف جزيرة في القمر، فجاز بي رجل فأخذني وذهب بي إلى منزله وراودني عن نفسي، فضربته على رأسه فكاد أن يموت، فخرج بي وباعني لهذا الرجل الذي أخذتني منه، وهو رجل جيد صالح صاحب ms1653 دين وأمانة ومروءة، ولولا أن قلبك حبني فقدمتني على جميع سراريك، ما كنت قعدت عندك ساعة واحدة، وكنت رميت نفسي إلى البحر من هذا الشباك، وأروح إلى أمي وجماعتي، وقد استحيت أن أسير إليهم وأنا حامل منك، فيظنون بي سوءا، ولا يصدقونني - ولو حلفت لهم - إذا أخبرتهم أنه اشتراني ملك بدراهمه، وجعلني نصيبه من الدنيا، واختص بي عن زوجاته وسائر ما ملكت يمينه، وهذه قصتي والسلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 740 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جلناز البحرية لما سألها الملك شهرمان حكت له قصتها من أولها إلى آخرها، فلما سمع كلامها شكرها وقبلها بين عينيها، وقال لها: والله يا سيدتي ونور عيني إني لا أقدر على فراقك ساعة واحدة، وإن فارقتني مت من ساعتي، فكيف يكون الحال؟ فقالت: يا سيدي، قد قرب أوان ولادتي، ولا بد من حضور أهلي لأجل أن يباشروني؛ لأن نساء البر لا يعرفن طريقة ولادة بنات البحر، وبنات البحر لا يعرفن طريقة ولادة بنات البر، فإذا حضر أهلي أنقلب معهم وينقلبون معي. فقال لها الملك: وكيف يمشون في البحر ولا يبتلون؟ فقالت: إنا نمشي في البحر كما تمشون أنتم في البر، ببركة الأسماء المكتوبة على خاتم سليمان بن داود عليهما السلام، ولكن أيها الملك إذا جاء أهلي وإخواتي، فإني أعلمهم أنك اشتريتني بمالك، وفعلت معي الجميل والإحسان، فينبغي أن تصدق كلامي عندهم ويشاهدون حالك بعيونهم، ويعلمون أنك ملك ابن ملك. فعند ذلك قال الملك: يا سيدتي، افعلي ما بدا لك مما تحبين؛ فإني مطيع لك في جميع ما تفعلينه. فقالت الجارية: اعلم يا ملك الزمان إنا نسير في البحر وعيوننا مفتوحة، وننظر ما فيه وننظر الشمس والقمر والنجوم والسماء كأنها على وجه الأرض، ولا يضرنا ذلك، واعلم أيضا أن في البحر طوائف كثيرة وأشكالا مختلفة من سائر الأجناس التي في البر، واعلم أيضا أن جميع ما في البر بالنسبة لما في البحر شيء قليل جدا. فتعجب الملك من ms1654 كلامها. # ![figure](../Images/figure3.png) # ثم خرج خمس جوار كأنهن الأقمار، وعليهن شبه من الجارية «جلناز». # ثم إن الجارية أخرجت من كتفها قطعتين من العود القماري، وأخذت منهما جزءا وأوقدت مجمرة النار، وألقت ذلك الجزء فيها وصفرت صفرة عظيمة، وصارت تتكلم بكلام لا يفهمه أحد، فطلع دخان عظيم والملك ينظر، ثم قالت للملك: يا مولاي، قم واختف في مخدع حتى أريك أخي وأمي وأهلي من حيث لا يرونك؛ فإني أريد أن أحضرهم وتنظر في هذا المكان في هذا الوقت العجب، وتتعجب مما خلق الله تعالى من الأشكال المختلفة والصور الغريبة. فقام الملك من وقته وساعته ودخل مخدعا، وصار ينظر ما تفعل، فصارت تبخر وتعزم إلى أن أزبد البحر واضطرب، وخرج منه شاب مليح الصورة بهي المنظر، كأنه البدر في تمامه، بجبين أزهر وخد أحمر، وشعر كأنه الدر والجوهر، وهو أشبه الخلق بأخته، ولسان الحال في حقه ينشد هذين البيتين: # البدر يكمل كل شهر مرة %~% وجمال وجهك كل يوم يكمل ~~وحلوله في قلب برج واحد %~% ولك القلوب جميعهن المنزل # ثم خرج من البحر عجوز شمطاء، ومعها خمس جوار كأنهن الأقمار، وعليهن شبه من الجارية التي اسمها جلناز. ثم إن الملك رأى الشاب والعجوز والجواري يمشين على وجه الماء حتى قدموا على الجارية، فلما قربوا من الشباك ونظرتهم جلناز قامت لهم، وقابلتهم بالفرح والسرور، فلما رأوها عرفوها ودخلوا عندها وعانقوها وبكوا بكاء شديدا، ثم قالوا لها: يا جلناز، كيف تتركينا أربع سنين ولم نعلم المكان الذي أنت فيه؟ والله إنها ضاقت علينا الدنيا من شدة فراقك، ولا نلتذ بطعام ولا شراب يوما من الأيام، ونحن نبكي بالليل والنهار من فرط شوقنا إليك. ثم إن الجارية صارت تقبل يد الشاب أخيها ويد أمها، وكذلك بنات عمها، وجلسوا عندها ساعة وهم يسألونها عن حالها وما جرى لها، وعما هي فيه، فقالت لهم: اعلموا أني لما فارقتكم وخرجت من البحر، جلست على طرف جزيرة، فأخذني رجل وباعني لرجل تاجر، فأتى بي التاجر إلى هذه المدينة وباعني لملكها بعشرة آلاف ms1655 دينار، ثم إنه احتفل بي وترك جميع سراريه ونسائه ومحاظيه من أجلي، واشتغل بي عن جميع ما عنده وما في مدينته. # ![figure](../Images/figure4.png) # فلما رفع بصره نحو الشجرة، وقعت عينه في عين «جوهرة». # فلما سمع أخوها كلامها قال: الحمد لله الذي جمع شملنا بك، لكن قصدي يا أختي أن تقومي وتروحي معنا إلى بلادنا وأهلنا. فلما سمع الملك كلام أخيها، طار عقله خوفا على الجارية أن تقبل كلام أخيها، ولا يقدر هو أن يمنعها مع أنه مولع بحبها، فصار متحيرا شديد الخوف من فراقها. وأما الجارية جلناز فإنها لما سمعت كلام أخيها قالت: والله يا أخي إن الرجل الذي اشتراني ملك هذه المدينة وهو ملك عظيم، ورجل عاقل كريم، جيد في غاية الجود وقد أكرمني، وهو صاحب مروءة ومال كثير، وليس له ولد ذكر ولا أنثى، وقد أحسن إلي وصنع معي كل خير، ومن يوم ما جئته إلى هذا الوقت ما سمعت منه كلمة رديئة تسوء خاطري، ولم يزل يلاطفني ولا يفعل شيئا إلا بمشاورتي، وأنا عنده في أحسن الأحوال وأتم النعم، وأيضا متى فارقته يهلك فإنه لا يقدر على فراقي أبدا ولا ساعة واحدة، وإن فارقته أنا الأخرى مت من شدة محبتي إياه، بسبب فرط إحسانه لي مدة مقامي عنده، فإنه لو كان أبي حيا لما كان لي مقام عنده مثل مقامي عند هذا الملك العظيم الجليل المقدار، وقد رأيتموني حاملة منه، والحمد لله الذي جعلني بنت ملك البحر، وزوجي أعظم ملوك البر، ولم يقطع الله تعالى بي وعوضني خيرا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 741 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جلناز البحرية لما حكت لأخيها جميع حكايتها، وقالت: إن الله تعالى لم يقطع بي وعوضني خيرا، وإن الملك ليس له ولد ذكر ولا أنثى، وأطلب من الله تعالى أن يرزقني بولد ذكر يكون وارثا عن هذا الملك العظيم ما خوله الله تعالى من هذه العمارات والقصور والأملاك. فلما سمع أخوها وبنات عمها كلامها، قرت ms1656 أعينهم بذلك الكلام وقالوا لها: يا جلناز، أنت تعلمين بمنزلتك عندنا وتعرفين محبتنا إياك، وتتحققين أنك أعز الناس جميعا عندنا، وتعتقدين أن قصدنا لك الراحة من غير مشقة ولا تعب، فإن كنت في غير راحة فقومي معنا إلى بلادنا وأهلنا، وإن كنت مرتاحة هنا في معزة وسرور، فهذا هو المراد والمنى؛ فإننا لا نريد إلا راحتك على كل حال. فقالت جلناز: والله إني في غاية الراحة والهناء والعز والمنى. فلما سمع الملك منها ذلك الكلام فرح واطمأن قلبه، وشكرها على ذلك، وازداد فيها حبا ودخل حبها في صميم قلبه، وعلم منها أنها تحبه كما يحبها، وأنها تريد القعود عنده حتى ترى ولده منها. # ثم إن الجارية التي هي جلناز البحرية أمرت جواريها أن يقدمن الموائد والطعام من سائر الألوان، وكانت جلناز هي التي باشرت الطعام في المطبخ، فقدمت لهم الجواري بالطعام والحلويات والفواكه. ثم إنها أكلت هي وأهلها، وبعد ذلك قالوا لها: يا جلناز، إن سيدك رجل غريب منا، وقد دخلنا بيته من غير إذنه، ولم يعلم بنا وأنت تشكرين لنا فضله، وأيضا أحضرتي لنا طعامه فأكلنا، ولم نجتمع به ولم نره ولم يرنا، ولا حضر عندنا ولا أكل معنا حتى يكون بيننا وبينه خبز وملح. وامتنعوا كلهم من الأكل واغتاظوا عليها، وصارت النار تخرج من أفواههم كالمشاعل؛ فلما رأى الملك ذلك طار عقله من شدة الخوف منهم، ثم إن جلناز قامت إليهم وطيبت خاطرهم، ثم بعد ذلك تمشت إلى أن دخلت المخدع الذي فيه الملك سيدها وقالت له: يا سيدي، هل رأيت وسمعت شكري لك وثنائي عليك عند أهلي، وسمعت ما قالوا لي من أنهم يريدون أن يأخذوني معهم إلى أهلنا وبلادنا. فقال لها الملك: سمعت ورأيت، جزاك الله عنا خيرا، والله ما علمت قدر محبتي عندك إلا في هذه الساعة المباركة، ولم أشك في محبتك إياي. فقالت له: يا سيدي، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وأنت قد أحسنت إلي، وتكرمت علي بجلائل النعم، وأراك تحبني غاية المحبة، وعملت ms1657 معي كل جميل، واخترتني على جميع من تحب وتريد، فكيف يطيب قلبي على فراقك والرواح من عندك؟ وكيف يكون ذلك وأنت تحسن وتتفضل علي؟ فأريد من فضلك أن تأتي وتسلم على أهلي، وتراهم ويروك، ويحصل الصفاء والود بينكم، ولكن اعلم يا ملك الزمان أن أخي وأمي وبنات عمي قد أحبوك محبة عظيمة لما شكرتك لهم، وقالوا: ما نروح إلى بلادنا من عندك حتى نجتمع بالملك ونسلم عليه. فيريدون أن ينظروك ويأتنسوا بك. فقال لها الملك: سمعا وطاعة، فإن هذا هو مرادي. # ثم إنه قام من مقامه وسار إليهم وسلم عليهم بأحسن سلام؛ فبادروا إليه بالقيام وقابلوه أحسن مقابلة، وجلس معهم في القصر، وأكل معهم على المائدة، وأقام معهم مدة ثلاثين يوما. ثم بعد ذلك أرادوا التوجه إلى بلادهم ومحلهم، فأخذوا بخاطر الملك والملكة جلناز البحرية، ثم ساروا من عندهما بعد أن أكرمهم الملك غاية الإكرام. وبعد ذلك استوفت جلناز أيام حملها وجاء أوان الوضع، فوضعت غلاما كأنه البدر في تمامه، فحصل للملك بذلك غاية السرور؛ لأنه ما رزق بولد ولا بنت في عمره، فأقاموا الأفراح والزينة مدة سبعة أيام، وهم في غاية السرور والهناء، وفي اليوم السابع حضرت أم الملكة جلناز، وأخوها وبنات عمها الجميع لما علموا أن جلناز قد وضعت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 742 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جلناز لما وضعت وجاء إليها أهلها، قابلهم الملك وفرح بقدومهم، وقال لهم: أنا قلت ما أسمي ولدي حتى تحضروا وتسموه أنتم بمعرفتكم. فسموه بدر باسم، واتفقوا جميعا على هذا الاسم، ثم إنهم عرضوا الغلام على خاله صالح، فحمله على يديه، وقام به من بينهم، وتمشى في القصر يمينا وشمالا، ثم خرج به من القصر ونزل به البحر المالح، ومشى حتى خفي عن عين الملك، فلما رآه الملك أخذ ولده وغاب عنه في قاع البحر، يئس منه وصار يبكي وينتحب، فلما رأته جلناز على هذه الحالة، قالت له: يا ملك الزمان، لا تخف ms1658 ولا تحزن على ولدك؛ فأنا أحب ولدي أكثر منك، وإن ولدي مع أخي فلا تبال من البحر ولا تخش عليه من الغرق، ولو علم أخي أنه يحصل للصغير ضرر ما فعل الذي فعله، وفي هذه الساعة يأتيك بولدك سالما إن شاء الله تعالى. فلم يكن غير ساعة إلا والبحر قد اختبط واضطرب، وطلع منه خال الصغير، ومعه ابن الملك سالما، وطار من البحر إلى أن وصل إليهم والصغير على يديه وهو ساكت ووجهه كالقمر في ليلة تمامه. # ثم إن خال الصغير نظر إلى الملك، وقال له: لعلك خفت على ولدك ضررا لما نزلت به في البحر وهو معي؟ فقال: نعم يا سيدي خفت عليه، وما ظننت أنه يسلم منه قط. فقال له: يا ملك البر، إنا كحلناه بكحل نعرفه، وقرأنا عليه الأسماء المكتوبة على خاتم سليمان بن داود عليهما السلام، فإن المولود إذا ولد عندنا صنعنا به ما ذكرت لك، فلا تخف عليه من الغرق، ولا الخنق، ولا من سائر البحار إذا نزل فيها، ومثلما تمشون أنتم في البر نمشي نحن في البحر. ثم أخرج من جيبه محفظة مختومة، ففض ختامها ونثرها، فنزل منها جواهر منظومة من سائر أنواع اليواقيت والجواهر، وثلاثمائة قضيب من الزمرد، وثلاثمائة قصبة من الجواهر الكبار التي هي قدر بيض النعام، نورها أضوأ من نور الشمس والقمر، وقال: يا ملك الزمان، هذه الجواهر واليواقيت هدية مني إليك؛ لأننا ما أتيناك بهدية قط؛ لأننا ما كنا نعلم موضع جلناز ولا نعرف لها أثرا ولا خبرا، فلما رأيناك اتصلت بها، وقد صرنا كلنا شيئا واحدا أتيناك بهذه الهدية، وبعد كل قليل من الأيام نأتيك بمثلها إن شاء الله تعالى؛ لأن هذه الجواهر واليواقيت عندنا أكثر من الحصى في البر، ونعرف جيدها ورديئها وجميع طرقها ومواضعها، وهي سهلة علينا. فلما نظر الملك إلى تلك الجواهر واليواقيت اندهش عقله، وحار لبه، وقال: والله إن جوهرة من هذه الجواهر تعادل ملكي. ثم إن الملك شكر فضل صالح البحري، ونظر إلى الملكة ms1659 جلناز، وقال لها: أنا استحيت من أخيك؛ لأنه تفضل علي وهاداني بهذه الهدية السنية التي يعز عنها أهل الأرض. فشكرت جلناز أخاها على ما فعل، فقال أخوها: يا ملك الزمان، لك علينا حق قد سبق، وشكرك علينا قد وجب؛ لأنك قد أحسنت إلى أختي، ودخلنا منزلك، وأكلنا زادك، وقد قال الشاعر: # فلو قبل مبكاها بكيت صبابة %~% بسعدي شفيت النفس قبل التندم ~~ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا %~% بكاها فقلت الفضل للمتقدم # ثم قال صالح: ولو وقفنا في خدمتك يا ملك الزمان ألف سنة على وجوهنا، ما قدرنا أن نكافئك، وكان ذلك في حقك قليل. فشكره الملك شكرا بليغا، وأقام صالح عند الملك هو وأمه وبنات عمه أربعين يوما، ثم إن صالحا أخا جلناز قام وقبل الأرض بين يدي الملك زوج أخته، فقال له: ما تريد يا صالح؟ فقال صالح: يا ملك الزمان، قد تفضلت علينا والمراد من إحسانك أن تتصدق علينا وتعطينا إذنا، فإننا قد اشتقنا إلى أهلنا وبلادنا وأقاربنا وأوطاننا، ونحن ما بقينا ننقطع عن خدمتك، ولا عن أختي ولا عن ابن أختي، فوالله يا ملك الزمان ما يطيب لقلبي فراقكم، ولكن كيف نعمل ونحن قد ربينا في البحر، وما يطيب لنا البر؟ فلما سمع الملك كلامه نهض قائما على قدميه، وودع صالحا البحري وأمه وبنات عمه، وتباكوا للفراق، ثم قالوا له: عن قريب نكون عندكم ولا نقطعكم أبدا، وبعد كل قليل من الأيام نزوركم. ثم إنهم طاروا وقصدوا البحر حتى صاروا فيه وغابوا عن العين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 743 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أقارب جلناز البحرية لما ودعوا الملك وجلناز تباكوا من أجل فراقهم، ثم إنهم طاروا ونزلوا في البحر وغابوا عن العين، فأحسن الملك إلى جلناز وأكرمها إكراما زائدا، ونشأ الصغير منشأ حسنا، وكان خاله وجدته وخالته وبنات عم أمه بعد كل قليل من الأيام يأتون محل الملك، ويقيمون عنده الشهر والشهرين، ثم يرجعون إلى أماكنهم، ولم يزل ms1660 الولد يزداد بزيادة السن حسنا وجمالا، إلى أن صار عمره خمسة عشر عاما، وكان فريدا في كماله وقده واعتداله، وقد تعلم الخط والقراءة والأخبار والنحو واللغة والرمي بالنشاب، وتعلم اللعب بالرمح وتعلم الفروسية، وسائر ما يحتاج إليه أولاد الملوك، ولم يبق أحد من أولاد أهل المدينة من الرجال والنساء إلا وله حديث بمحاسن ذلك الصبي؛ لأنه كان بارع الجمال والكمال، متصفا بمضمون قول الشاعر: # كتب العذار بعنبر في لؤلؤ %~% سطرين من سبج على تفاح ~~القتل في الحدق المراض إذا رنت %~% والسكر في الوجنات لا في الراح # فكان الملك يحبه محبة عظيمة، ثم إن الملك أحضر الوزير والأمراء وأرباب الدولة وأكابر المملكة، وحلفهم الأيمان الوثيقة أنهم يجعلون بدر باسم ملكا عليهم بعد أبيه، فحلفوا له الأيمان الوثيقة، وفرحوا بذلك. وكان الملك محسنا في حق العالم، وكان لطيف الكلام محضر خير لا يتكلم إلا بما فيه المصلحة للناس. ثم إن الملك ركب في ثاني يوم هو وأرباب الدولة، وسار الأمراء وجميع العساكر، مشوا في المدينة ورجعوا، فلما قاربوا القصر ترجل الملك في خدمة ولده، وصار هو وسائر الأمراء وأرباب الدولة يحملون الغاشية قدامه، فصار كل واحد من الأمراء وأرباب الدولة يحمل الغاشية ساعة، فلم يزالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى دهليز القصر وهو راكب ثم ترجل، فحضنه أبوه هو والأمراء وأجلسوه على سرير الملك، ووقف أبوه وكذلك الأمراء قدامه. ثم إن بدر باسم حكم بين الناس، وعزل الظالم وولى العادل، واستمر في الحكومة إلى قريب الظهر، ثم قام عن سرير الملك، ودخل على أمه جلناز البحرية وعلى رأسه التاج وهو كأنه القمر، فلما رأته أمه والملك بين يديه قامت إليه وقبلته وهنأته بالسلطنة ودعت له ولوالده بطول البقاء والنصر على الأعداء، فجلس عند والدته واستراح، ولما كان وقت العصر ركب والأمراء بين يديه حتى وصل إلى الميدان ولعب بالسلاح إلى وقت العشاء مع أبيه وأرباب دولته، ثم رجع إلى القصر والناس جميعهم بين يديه، وصار في كل يوم يركب إلى الميدان، وإذا ms1661 رجع يقعد للحكومة بين الناس وينصف بين الأمير والفقير، ولم يزل كذلك مدة سنة كاملة، وبعد ذلك صار يركب للصيد والقنص ويدور في البلدان والأقاليم التي تحت حكمه، وينادي بالأمان والاطمئنان ويفعل ما تفعل الملوك، وكان أوحد أهل زمانه في العز والشجاعة والعدل بين الناس. فاتفق أن والد الملك بدر باسم مرض يوما من الأيام، فخفق قلبه وأحس بالانتقال إلى دار البقاء، ثم ازداد به المرض حتى أشرف على الموت، فأحضر ولده، ووصاه بالرعية، ووصاه بوالدته، وبسائر أرباب دولته، وبجميع الأتباع وحلفهم، وعاهدهم على طاعة ولده ثاني مرة، واستوثق منهم بالأيمان، ثم مكث بعد ذلك أياما قلائل وتوفي إلى رحمة الله تعالى، فحزن عليه ولده بدر باسم وزوجته جلناز والأمراء والوزراء وأرباب الدولة، وعملوا له تربة ودفنوه فيها، ثم إنهم قعدوا في عزائه شهرا كاملا، وأتى صالح أخو جلناز وأمها وبنات عمها، وعزوهم في الملك، وقالوا: يا جلناز، إن كان الملك مات فقد خلف هذا الغلام الماهر، ومن خلف مثله ما مات، وهذا هو العديم النظير الأسد الكاسر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 744 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أخا جلناز صالحا وأمها وبنات عمها قالوا لها: إن كان الملك قد مات، فقد خلف هذا الغلام العديم النظير، الأسد الكاسر، والقمر الزاهر. ثم إن أرباب الدولة والأكابر دخلوا على الملك بدر باسم، وقالوا له: يا ملك، لا بأس بالحزن على الملك، ولكن الحزن لا يصلح إلا للنساء، فلا تشغل خواطرك وخاطرنا بالحزن على والدك، فإنه قد مات وخلفك، ومن خلف مثلك ما مات. ثم إنهم لاطفوه وسلوه، وبعد ذلك أدخلوه الحمام، فلما خرج من الحمام لبس بدلة فاخرة منسوجة من الذهب مرصعة بالجواهر والياقوت، ووضع تاج الملك على رأسه وجلس على سرير ملكه، وقضى أشغال الناس وأنصف الضعيف من القوي، وأخذ للفقير حقه من الأمير، فأحبه الناس حبا شديدا، ولم يزل كذلك مدة سنة كاملة، وبعد كل مدة قليلة تزوره أهله البحرية، فطاب عيشه ms1662 وقرت عينه. ولم يزل على هذه الحالة مدة مديدة، فاتفق أن خاله دخل ليلة من الليالي على جلناز وسلم عليها، فقامت له واعتنقته وأجلسته إلى جانبها، وقالت له: يا أخي، كيف حالك وحال والدتي وبنات عمي؟ فقال لها: يا أختي، إنهم طيبون بخير وحظ عظيم، وما ينقص عليهم إلا النظر إلى وجهك. ثم إنها قدمت له شيئا من الأكل فأكل، ودار الحديث بينهما، وذكروا الملك بدر باسم وحسنه وجماله، وقده واعتداله، وفروسيته وعقله وأدبه، وكان الملك بدر باسم متكئا، فلما سمع أمه وخاله يذكرانه ويتحدثان في شأنه، أظهر أنه نائم وصار يسمع حديثهما، فقال صالح لأخته جلناز: إن عمر ولدك سبعة عشر عاما، ولم يتزوج، ونخاف أن يجري له أمر ولم يكن له ولد، فأريد أن أزوجه بملكة من ملكات البحر تكون في حسنه وجماله. فقالت جلناز: اذكرهن لي فإني أعرفهن. فصار يعدهن لها واحدة بعد واحدة، وهي تقول: ما أرضى هذه لولدي ولا أزوجه إلا بمن تكون مثله في الحسن والجمال والعقل والدين والأدب والمروءة والملك والحسب والنسب. فقال لها: ما بقيت أعرف واحدة من بنات الملوك البحرية، وقد عددت لك أكثر من مائة بنت وأنت ما يعجبك واحدة منهن، ولكن انظري يا أختي هل ابنك نائم أم لا؟ فجسته فوجدت عليه آثار النوم، فقالت له: إنه نائم، فما عندك من الحديث؟ وما قصدك بنومه؟ فقال لها: يا أختي، اعلمي أني قد تذكرت بنتا من بنات البحر تصلح لابنك، وأخاف أن أذكرها فيكون ولدك منتبها فيتعلق قلبه بمحبتها، وربما لا يمكننا الوصول إليها، فيتعب هو ونحن وأرباب دولته، ويصير لنا شغل بذلك، وقد قال الشاعر: # العشق أول ما يكون مجاجة %~% فإذا تحكم صار بحرا واسعا # فلما سمعت أخته كلامه، قالت له: قل لي ما شأن هذه البنت؟ وما اسمها؟ فأنا أعرف بنات البحر من ملوك وغيرهم، فإذا رأيتها تصلح له خطبتها من أبيها، ولو أني أصرف جميع ما تملكه يدي عليها، فأخبرني بها، ولا تخش شيئا فإن ولدي نائم. ms1663 فقال: أخاف أن يكون يقظان، وقد قال الشاعر: # عشقته عندما أوصافه ذكرت %~% والأذن تعشق قبل العين أحيانا # فقالت له جلناز: قل وأوجز ولا تخف يا أخي. فقال: والله يا أختي ما يصلح لابنك إلا الملكة جوهرة بنت الملك السمندل، وهي مثله في الحسن والجمال، والبهاء والكمال، ولا يوجد في البحر ولا في البر ألطف ولا أحلى شمائل منها؛ لأنها ذات حسن وجمال، وقد واعتدال، وخد أحمر وجبين أزهر، وشعر كأنه الجوهر، وطرف أحور، وردف ثقيل، وخصر نحيل، ووجه جميل، إن التفتت تخجل المها والغزلان، وإن خطرت يغار غصن البان، وإذا أسفرت تخجل الشمس والقمر وتسبي كل من نظر، عذبة المراشف لينة المعاطف. فلما سمعت كلام أخيها قالت له: صدقت يا أخي، والله إني رأيتها مرارا عديدة، وكانت صاحبتي ونحن صغار، وليس لنا اليوم معرفة ببعضنا لموجب البعد، ولي اليوم ثمانية عشر عاما ما رأيتها، والله ما يصلح لولدي إلا هي. فلما سمع بدر باسم كلامهما، وفهم ما قالاه من أوله إلى آخره في وصف البنت التي ذكرها صالح، وهي جوهرة بنت الملك السمندل، عشقها بالسماع، وأظهر لهم أنه نائم، وصار في قلبه من أجلها لهيب النار، وغرق في بحر لا يدرك له ساحل ولا قرار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 745 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك بدر باسم لما سمع كلام خاله صالح وأمه جلناز في وصف بنت الملك السمندل، صار في قلبه من أجلها لهيب النار، وغرق في بحر لا يدرك له ساحل ولا قرار. ثم إن صالحا نظر إلى أخته جلناز وقال: والله يا أختي ما في ملوك البحر أحمق من أبيها، ولا أقوى سطوة منه، فلا تعلمي ولدك بحديث هذه الجارية حتى نخطبها له من أبيها، فإن أنعم بإجابتها حمدنا الله تعالى، وإن ردنا ولم يزوجها لابنك نستريح ونخطب غيرها. فلما سمعت جلناز كلام أخيها صالح، قالت: نعم الرأي الذي رأيته. ثم إنهما سكتا وباتا تلك الليلة والملك بدر باسم ms1664 في قلبه لهيب النار من عشق الملكة جوهرة، وكتم حديثه، ولم يقل لأمه ولا لخاله شيئا من خبرها، مع أنه صار من حبها على مقالي الجمر. فلما أصبحوا دخل الملك هو وخاله الحمام واغتسلا، ثم خرجا وشربا الشراب وقدموا بين أيديهم الطعام، فأكل الملك بدر باسم وأمه وخاله حتى اكتفوا، ثم غسلوا أيديهم، وبعد ذلك قام صالح على قدميه، وقال للملك بدر باسم وأمه جلناز: عن إذنكما، قد عزمت على الرواح إلى الوالدة، فإن لي عندكم مدة أيام، وخاطرهم مشغول علي، وهم في انتظاري. فقال الملك بدر باسم لخاله صالح: اقعد عندنا هذا اليوم. فامتثل كلامه، ثم إنه قال: قم بنا يا خالي واخرج بنا إلى البستان، فذهبا إلى البستان وصارا يتفرجان ويتنزهان فجلس الملك بدر باسم تحت شجرة مظلة، وأراد أن يستريح وينام، فتذكر ما قاله خاله صالح من وصف الجارية، وما فيها من الحسن والجمال؛ فبكى بدموع غزار، وأنشد هذين البيتين: # لو قيل لي ولهيب النار متقد %~% والنار في القلب والأحشاء تضطرم ~~أهم أحب إليك أن تشاهدهم %~% أم شربة من زلال الماء قلت هم # ثم شكا وأن وبكى، وأنشد هذين البيتين: # من مجيري من عشق ظبية أنس %~% ذات وجه كالشمس بل هو أجمل ~~كان قلبي من حبها مستريحا %~% فتلظى بحب بنت السمندل # فلما سمع خاله صالح مقاله، دق يدا على يد وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم قال له: هل سمعت يا ولدي ما تكلمت به أنا وأمك من حديث الملكة جوهرة وذكرنا لأوصافها؟ فقال بدر باسم: نعم يا خالي، وعشقتها على السماع حين سمعت ما قلتم من الكلام، وقد تعلق قلبي بها وليس لي صبر عنها. فقال له: يا ملك، دعنا نرجع إلى أمك ونعلمها بالقضية، واستأذنها في أني آخذك معي وأخطب لك الملكة جوهرة، ثم نودعها وأرجع أنا وأنت؛ لأني أخاف إن أخذتك وسرت من غير إذنها أن تغضب علي ويكون الحق معها؛ لأني أكون ms1665 السبب في فراقكما كما أني كنت السبب في افتراقها منا، وتبقى المدينة بلا ملك، وليس عندهم من يسوسهم وينظر أحوالهم، فيفسد عليك أمر المملكة، ويخرج الملك من يدك. فلما سمع بدر باسم كلام خاله صالح قال له: اعلم يا خالي أني متى رجعت إلى أمي وشاورتها في ذلك لم تمكني من ذلك، فلا أرجع إليها ولا أشاورها أبدا. وبكى قدام خاله وقال له: أروح معك ولا أعلمها ثم أرجع. فلما سمع صالح كلام ابن أخته حار في أمره، وقال: استعنت بالله تعالى على كل حال. ثم إن خاله صالحا لما رأى ابن أخته على هذه الحالة، وعلم أنه لا يحب أن يرجع إلى أمه، بل يروح معه؛ أخرج من إصبعه خاتما منقوشا عليه أسماء من أسماء الله تعالى، وناول الملك بدر باسم إياه، وقال له: اجعل هذا في إصبعك تأمن من الغرق ومن غيره، ومن شر دواب البحر وحيتانه. فأخذ الملك بدر باسم الخاتم من خاله صالح وجعله في إصبعه، ثم إنهما غطسا في البحر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 746 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك بدر باسم وخاله صالحا لما غطسا في البحر سارا، ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى قصر صالح فدخلاه، فرأته جدته أم أمه وهي قاعدة، وعندها أقاربها، فلما دخلا عليهم قبلا أيديهم، فلما رأته جدته قامت إليه واعتنقته وقبلت ما بين عينيه، وقالت له: قدوم مبارك يا ولدي، كيف خلفت أمك جلناز؟ قال لها: طيبة بخير وعافية، وهي تسلم عليك وعلى بنات عمها. ثم إن صالحا أخبر أمه بما وقع بينه وبين أخته جلناز، وأن الملك بدر باسم عشق الملكة جوهرة بنت الملك السمندل على السماع، وقص لها القصة من أولها إلى آخرها، وقال: أنه ما أتى إلا ليخطبها من أبيها ويتزوجها. فلما سمعت جدة الملك بدر باسم كلام صالح اغتاظت عليه غيظا شديدا، وانزعجت واغتمت، وقالت له: يا ولدي، لقد أخطأت بذكر الملكة جوهرة بنت الملك السمندل ms1666 قدام ابن أختك؛ لأنك تعلم أن الملك السمندل أحمق جبار قليل العقل، شديد السطوة، بخيل بابنته جوهرة على خطابها، فإن سائر ملوك البحر خطبوها منه، فأبى ولم يرض بأحد منهم، بل ردهم وقال لهم: ما أنتم أكفاء لها في الحسن ولا في الجمال ولا في غيرهما. ونخاف أن نخطبها من أبيها، فيردنا كما رد غيرنا، ونحن أصحاب مروءة فنرجع مكسورين الخاطر. فلما سمع صالح كلام أمه قال لها: يا أمي، كيف يكون العمل؟ فإن الملك بدر باسم قد عشق هذه البنت لما ذكرتها لأختي جلناز، وقال: لا بد أن نخطبها من أبيها ولو أبذل جميع ملكي، وزعم أنه إن لم يتزوج بها يموت فيها عشقا وغراما. # ثم إن صالحا قال لأمه: اعلمي أن ابن أختي أحسن وأجمل منها، وأن أباه كان ملك العجم بأسرهم وهو الآن ملكهم، ولا تصلح جوهرة إلا له، وقد عزمت على أني آخذ جواهر من يواقيت وغيرها وأحمل هدية تصلح له، وأخطبها منه، فإن احتج علينا بأنه ملك فهو أيضا ملك ابن ملك، وإن احتج علينا بالجمال فهو أجمل منها، وإن احتج علينا بسعة المملكة فهو أوسع مملكة منها ومن أبيها، وأكثر أجنادا وأعوانا، فإن ملكه أكبر من ملك أبيها، ولا بد أن أسعى في قضاء حاجة ابن أختي، ولو أن روحي تذهب؛ لأني كنت سبب هذه القضية، ومثلما رميته في بحار عشقها، أسعى في زواجه بها، والله تعالى يساعدني على ذلك. فقالت له أمه: افعل ما تريد، وإياك أن تغلظ عليه الكلام إذا كلمته، فإنك تعرف حماقته وسطوته، وأخاف أن يبطش بك؛ لأنه لا يعرف قدر أحد. فقال لها: السمع والطاعة. ثم إنه نهض وأخذ معه جرابين ملآنين من الجواهر واليواقيت، وقضبان الزمرد، ونفائس المعادن من سائر الأحجار، وحملهما لغلمانه، وسار بهم هو وابن أخته إلى قصر الملك السمندل، واستأذن في الدخول عليه، فأذن له؛ فلما دخل قبل الأرض بين يديه وسلم بأحسن سلام، فلما رآه الملك السمندل قام إليه وأكرمه غاية الإكرام، وأمره بالجلوس ms1667 فجلس، فلما استقر به الجلوس، قال له الملك: قدوم مبارك، أوحشتنا يا صالح، ما حاجتك حتى إنك أتيت إلينا؟ فأخبرني بحاجتك حتى أقضيها لك. فقام وقبل الأرض ثاني مرة، وقال: يا ملك الزمان، حاجتي إلى الله وإلى الملك الهمام، والأسد الضرغام الذي بمحاسن ذكره سارت الركبان، وشاع خبره في الأقاليم والبلدان بالجود والإحسان، والعفو والصفح والامتنان. ثم إنه فتح الجرابين، وأخرج منهما الجواهر وغيرها، ونثرها قدام الملك السمندل، وقال له: يا ملك الزمان، عساك تقبل هديتي، وتتفضل علي وتجبر قلبي بقبولها مني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 747 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن صالحا لما قدم الهدية إلى الملك السمندل، وقال له: القصد من الملك أن يتفضل علي، ويجبر قلبي بقبولها مني. قال له الملك السمندل: لأي سبب أهديت لي هذه الهدية؟ قل لي قصتك وأخبرني بحاجتك، فإن كنت قادرا على قضائها قضيتها لك في هذه الساعة ولا أحوجك إلى تعب، وإن كنت عاجزا عن قضائها فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فقام وقبل الأرض ثلاث مرات، وقال: يا ملك الزمان، إن حاجتي أنت قادر على قضائها، وهي تحت حوزك وأنت مالكها، ولم أكلف الملك مشقة، ولم أكن مجنونا حتى أخاطب الملك في شيء لا يقدر عليه، فبعض الحكماء قال: إذا أردت أن تطاع فسل عما يستطاع. فأما حاجتي التي جئت في طلبها، فإن الملك حفظه الله قادر عليها. فقال له الملك: اسأل حاجتك، واشرح قضيتك واطلب مرادك. فقال له: يا ملك الزمان، اعلم أني قد أتيتك خاطبا راغبا في الدرة اليتيمة، والجوهرة المكنونة، الملكة جوهرة بنت مولانا، فلا تخيب أيها الملك قاصدك. فلما سمع الملك كلامه، ضحك حتى استلقى على قفاه استهزاء به، وقال: يا صالح، كنت أحسبك رجلا عاقلا وشابا فاضلا لا تسعى إلا بسداد، ولا تنطق إلا برشاد، وما الذي أصاب عقلك ودعاك إلى هذا الأمر العظيم، والخطر الجسيم، حتى إنك تخطب بنات الملوك أصحاب البلدان والأقاليم؟ وهل بلغ من قدرك ms1668 أنك انتهيت إلى هذه الدرجة العالية؟ وهل نقص عقلك إلى هذه الغاية حتى تواجهني بهذا الكلام؟ فقال صالح: أصلح الله الملك، إني لم أخطبها لنفسي، ولو خطبتها لنفسي كنت كفؤا لها، بل أكثر؛ لأنك تعلم أن أبي ملك من ملوك البحر، وإن كنت اليوم ملكنا، ولكن أنا ما خطبتها إلا للملك بدر باسم صاحب أقاليم العجم، وأبوه الملك شهرمان، وأنت تعرف سطوته، وإن زعمت أنك ملك عظيم فالملك بدر باسم ملك أعظم، وإن ادعيت أن ابنتك جميلة فالملك بدر باسم أجمل منها، وأحسن صورة وأفضل حسبا ونسبا، فإنه فارس زمانه، فإن أجبت إلى ما سألتك تكن يا ملك الزمان قد وضعت الشيء في محله، وإن تعاظمت علينا فإنك ما أنصفتنا، ولا سلكت بنا الطريق المستقيم، وأنت تعلم أيها الملك أن هذه الملكة جوهرة بنت مولانا الملك لا بد لها من الزواج، فإن الحكيم يقول: لا بد للبنت من الزواج أو القبر. فإن كنت عزمت على زواجها، فإن ابن أختي أحق بها من سائر الناس. # فلما سمع الملك كلام صالح، اغتاظ غيظا شديدا، وكاد عقله أن يذهب، وكادت روحه أن تخرج من جسده، وقال له: يا كلب الرجال، وهل مثلك يخاطبني بهذا الكلام، وتذكر ابنتي في المجالس وتقول: إن ابن أختك جلناز كفء لها، فمن هو أنت؟ ومن هي أختك؟ ومن هو ابنها؟ ومن هو أبوه؟ حتى تقول لي هذا الكلام وتخاطبني بهذا الخطاب، فهل أنتم بالنسبة إلينا إلا كلاب؟ ثم صاح على غلمانه، وقال: يا غلمان، خذوا رأس هذا العلق. فأخذوا السيوف وجردوها، وطلبوه فولى هاربا، ولباب القصر طالبا، فلما وصل إلى باب القصر رأى أولاد عمه وقرابته وعشيرته وغلمانه، وكانوا أكثر من ألف فارس غارقين في الحديد، والزرد النضيد، وبأيديهم الرماح، وبيض الصفاح، فلما رأوا صالحا على تلك الحالة، قالوا له: ما الخبر؟ فحدثهم بحديثه، وكانت أمه قد أرسلتهم إلى نصرته، فلما سمعوا كلامه علموا أن الملك أحمق شديد السطوة، فترجلوا عن خيولهم، وجردوا سيوفهم، ودخلوا على الملك السمندل، ms1669 فرأوه جالسا على كرسي مملكته غافلا عن هؤلاء، وهو شديد الغيظ على صالح، ورأوا خدامه وغلمانه وأعوانه غير مستعدين، فلما رآهم وبأيديهم السيوف مجردة صاح على قومه، وقال: يا ويلكم، خذوا رءوس هؤلاء الكلاب، فلم تكن غير ساعة حتى انهزم قوم الملك السمندل، وركنوا إلى الفرار، وكان صالح وأقاربه قد قبضوا على الملك السمندل وكتفوه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 748 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن صالحا وأقاربه كتفوا الملك السمندل، ثم إن جوهرة لما انتبهت علمت أن أباها قد أسر، وأن أعوانه قد قتلوا، فخرجت من القصر هاربة إلى بعض الجزائر، ثم إنها قصدت شجرة عالية واختفت فوقها، ولما اقتتلت هاتان الطائفتان فر بعض غلمان الملك السمندل هاربين، فرآهم بدر باسم فسألهم عن حالهم، فأخبروه بما وقع. فلما سمع أن الملك السمندل قبض عليه، ولى هاربا وخاف على نفسه، وقال في قلبه: إن هذه الفتنة كانت من أجلي، وما المطلوب إلا أنا. فولى هاربا، وللنجاة طالبا، وصار لا يدري أين يتوجه، فساقته المقادير إلى تلك الجزيرة التي فيها جوهرة بنت الملك السمندل، فأتى عند الشجرة وانطرح مثل القتيل، وأراد الراحة بانطراحه ولا يعلم أن كل مطلوب لم يسترح، ولا يعلم أحد ما خفي له في الغيب من التقادير، فلما رفع بصره نحو الشجرة، وقعت عينه في عين جوهرة، فنظر إليها فرآها كأنها القمر إذا أشرق، فقال: سبحان خالق هذه الصورة البديعة، وهو خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير، سبحان الله العظيم الخالق البارئ المصور، والله إن صدقني حذري تكون هذه جوهرة بنت الملك السمندل، وأظنها لما سمعت بوقوع الحرب بينهما هربت، وأتت إلى هذه الجزيرة، واختفت فوق هذه الشجرة، وإن لم تكن هذه الملكة جوهرة فهذه أحسن منها. ثم إنه صار متفكرا في أمرها وقال في نفسه: أقوم أمسكها وأسألها عن حالها، فإن كانت هي فإني أخطبها من نفسها، وهذا هو بغيتي. فانتصب قائما على قدميه، وقال لجوهرة: يا غاية المطلوب، ms1670 من أنت؟ ومن أتى بك إلى هذا المكان؟ فنظرت جوهرة إلى بدر باسم، فرأته كأنه البدر إذا ظهر من تحت الغمام الأسود، وهو رشيق القوام مليح الابتسام، فقالت له: يا مليح الشمائل، أنا الملكة جوهرة بنت الملك السمندل، وقد هربت في هذا المكان؛ لأن صالحا وجنده تقاتلوا مع أبي وقتلوا جنده وأسروه هو وبعض جنده، فهربت أنا خوفا على نفسي. ثم إن الملكة جوهرة قالت للملك بدر باسم: وأنا ما أتيت إلى هذا المكان إلا هاربة خوفا من القتل، ولم أدر ما فعل الزمان بأبي. # فلما سمع الملك بدر باسم كلامها، تعجب غاية العجب من هذا الاتفاق الغريب، وقال: لا شك أني نلت غرضي بأسر أبيها. ثم إنه نظر إليها وقال لها: انزلي يا سيدتي، فإني قتيل هواك وأسرتني عيناك، وعلى شأني وشأنك كانت هذه الفتنة وهذه الحروب، واعلمي أني أنا الملك بدر باسم ملك العجم، وأن صالحا هو خالي، وهو الذي أتى إلى أبيك وخطبك منه، وأنا قد تركت ملكي لأجلك، واجتماعنا في هذا الوقت من عجائب الاتفاق، فقومي وانزلي عندي حتى أروح أنا وأنت إلى قصر أبيك وأسأل خالي صالحا في إطلاقه، وأتزوج بك في الحلال. فلما سمعت جوهرة كلام بدر باسم، قالت في نفسها: على شأن هذا العلق اللئيم، كانت هذه القضية وأسر أبي، وقتل حجابه وحشمه، وتشتت أنا عن قصري، وخرجت مسبية إلى تلك الجزيرة؟ فإن لم أعمل معه حيلة أتحصن بها منه تمكن مني ونال غرضه؛ لأنه عاشق والعاشق مهما كان فعله لا يلام عليه فيه. ثم إنها خادعته بالكلام ولين الخطاب، وهو لا يدري ما أضمرته له من المكائد، وقالت له: يا سيدي ونور عيني، هل أنت الملك بدر باسم ابن الملكة جلناز؟ فقال لها: نعم يا سيدتي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 749 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جوهرة بنت الملك السمندل قالت للملك بدر باسم: هل أنت يا سيدي الملك بدر باسم ابن الملكة جلناز؟ قال ms1671 لها: نعم يا سيدتي. فقالت: قطع الله أبي وأزال ملكه عنه، ولا جبر له قلبا، ولا رد له غربة إن كان يريد أحسن منك وأحسن من هذه الشمائل الظريفة، والله إنه قليل العقل والتدبير. ثم قالت له: يا ملك الزمان، لا تؤاخذ أبي بما فعل، وإن كنت أحببتني شبرا، فأنا أحببتك ذراعا، وقد وقعت في شرك هواك، وصرت من جملة قتلاك، وقد انتقلت المحبة التي كانت عندك وصارت عندي، وما بقي عندك منها إلا معشار ما عندي. ثم إنها نزلت من فوق الشجرة وقربت منه وأتت إليه واعتنقته وضمته إلى صدرها وصارت تقبله، فلما رأى الملك بدر باسم فعلها ازدادت محبته لها، واشتد غرامه بها، وظن أنها عشقته، ووثق بها وصار يضمها ويقبلها، ثم إنه قال لها: يا ملكة، والله لم يصف لي خالي صالح ربع معشار ما أنت عليه من الجمال، ولا ربع قيراط من أربعة وعشرين قيراطا. ثم إن جوهرة ضمته إلى صدرها وتكلمت بكلام لا يفهم، وتفلت في وجهه، وقالت له: اخرج من هذه الصورة البشرية إلى صورة طائر أحسن الطيور، أبيض الريش، أحمر المنقار والرجلين. فما تم كلامها حتى انقلب الملك بدر باسم إلى صورة طائر أحسن ما يكون من الطيور، وانتفض ووقف على رجليه، وصار ينظر إلى جوهرة، وكان عندها جارية من جواريها تسمى مرسينة، فنظرت إليها وقالت: والله لولا أخاف من كون أبي أسيرا عند خاله لقتلته، فلا جزاه الله خيرا، فما أشأم قدومه علينا، فهذه الفتنة كلها من تحت رأسه، ولكن يا جارية خذيه واذهبي به إلى الجزيرة المعطشة، واتركيه هناك حتى يموت عطشانا. فأخذته الجارية وأوصلته إلى الجزيرة وأرادت الرجوع من عنده، ثم قالت في نفسها: والله إن صاحب هذا الحسن والجمال لا يستحق أن يموت عطشانا. ثم إنها أخرجته من الجزيرة المعطشة، وأتت به إلى جزيرة كثيرة الأشجار والأثمار والأنهار، فوضعته فيها ورجعت إلى سيدتها، وقالت لها: قد وضعته في الجزيرة المعطشة. # هذا ما كان من أمر بدر باسم، وأما ما ms1672 كان من أمر صالح خال الملك بدر باسم، فإنه لما احتوى على الملك السمندل وقتل أعوانه وخدمه وصار تحت أسره، قد طلب جوهرة بنت الملك فلم يجدها، فرجع إلى قصره عند أمه وقال: يا أمي، أين ابن أختي الملك بدر باسم؟ فقالت: يا ولدي، والله ما لي به علم ولا أعرف أين ذهب، فإنه لما بلغه أنك تقاتلت مع الملك السمندل، وجرت بينكم الحروب والقتال، فزع وهرب. فلما سمع صالح كلام أمه حزن على ابن أخته وقال: يا أمي، والله إننا قد فرطنا في الملك بدر باسم، وأخاف أن يهلك أو يقع به أحد من جنود الملك السمندل، أو تقع به ابنة الملك جوهرة، فيحصل لنا من أمه خجل، ولا يحصل لنا منها خير؛ لأني قد أخذته بغير إذنها. ثم إنه بعث خلفه الأعوان والجواسيس إلى جهة البحر وغيره، فلم يقفوا له على خبر، فرجعوا أعلموا الملك صالحا بذلك فزاد همه وغمه، وقد ضاق صدره على الملك بدر باسم. # هذا ما كان من أمر الملك بدر باسم وخاله صالح، وأما ما كان من أمر أمه جلناز البحرية، فإنها لما نزل ابنها بدر باسم مع خاله صالح انتظرته فلم يرجع إليها، وأبطأ خبره عنها، فقعدت أياما عديدة في انتظاره، ثم إنها قامت ونزلت في البحر وأتت أمها، فلما نظرتها أمها قامت إليها وقبلتها واعتنقتها، وكذلك بنات عمها، ثم إنها سألت أمها عن الملك بدر باسم، فقالت لها: يا بنتي، قد أتى هو وخاله، ثم إن خاله قد أخذ يواقيت وجواهر وتوجه بها هو وإياه إلى الملك السمندل وخطب ابنته، فلم يجبه وشدد على أخيك في الكلام، فأرسلت إلى أخيك نحو ألف فارس، ووقعت الحرب بينهم وبين الملك السمندل، فنصر الله أخاك عليه، وقتل أعوانه وجنوده، وأسر الملك السمندل، فبلغ ذلك الخبر ولدك، فكأنه خاف على نفسه فهرب من عندنا بغير اختيارنا، ولم يعد إلينا بعد ذلك ولم نسمع له خبرا. ثم أن جلناز سألتها عن أخيها صالح، فأخبرتها أنه جالس على ms1673 كرسي المملكة في محل الملك السمندل، وقد أرسل إلى جميع الجهات بالتفتيش على ولدك، وعلى المملكة جوهرة. فلما سمعت جلناز كلام أمها، حزنت على ولدها حزنا شديدا، واشتد غضبها على أخيها صالح لكونه أخذ ولدها، ونزل به البحر من غير إذنها. ثم إنها قالت: يا أمي، إني خائفة على الملك الذي لنا؛ لأني أتيتكم، وما أعلمت أحدا من أهل المملكة، وأخشى إن أبطأت عليهم أن يفسد الملك علينا، وتخرج المملكة من أيدينا، والرأي السديد أني أرجع وأسوس المملكة إلى أن يدبر الله لنا أمر ولدي، ولا تنسوا ولدي ولا تتهاونوا في أمره، فإنه إن حصل له ضرر هلكت لا محالة؛ لأني لا أرى الدنيا إلا به، ولا ألتذ إلا بحياته. فقالت: حبا وكرامة يا بنتي، لا تسألي على ما عندنا من فراقه وغيبته. ثم إن أمها أرسلت من يفتش عليه، ورجعت أمه حزينة القلب باكية العين إلى المملكة، وقد ضاقت بها الدنيا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 750 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة جلناز لما رجعت من عند أمها إلى مملكتها، قد ضاق صدرها، واشتد أمرها. هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر الملك بدر باسم، فإنه لما سحرته الملكة جوهرة وأرسلته مع جاريتها إلى الجزيرة المعطشة، وقالت لها: دعيه فيها يموت عطشانا، لم تضعه الجارية إلا في جزيرة خضراء مثمرة ذات أشجار وأنهار، فصار يأكل من الثمار ويشرب من الأنهار، ولم يزل كذلك مدة أيام وليال، وهو في صورة طائر لا يعرف أين يتوجه، ولا كيف يطير. فبينما هو ذات يوم من الأيام في تلك الجزيرة إذ أتى هناك صياد من الصيادين ليصطاد شيئا يتقوت به، فرأى الملك بدر باسم وهو في صورة طائر أبيض الريش، أحمر المنقار والرجلين، يسبي الناظر ويدهش الخاطر، فنظر إليه الصياد فأعجبه وقال في نفسه: إن هذا الطائر مليح، وما رأيت طيرا مثله في حسنه ولا في شكله. ثم إنه رمى الشبكة عليه واصطاده، ms1674 ودخل به المدينة وقال في نفسه: إني أبيعه وآخذ ثمنه. فقابله واحد من أهل المدينة وقال له: بكم هذا الطائر يا صياد؟ فقال له الصياد: إذا اشتريته فماذا تعمل به؟ قال: أذبحه وآكله. فقال له الصياد: من يطيب قلبه أن يذبح هذا الطائر ويأكله؟ إني أريد أن أهديه إلى الملك فيعطيني أكثر من المقادر الذي تعطينيه أنت في ثمنه، ولا يذبحه بل يتفرج عليه وعلى حسنه وجماله؛ لأني في طول عمري وأنا صياد ما رأيت مثل في صيد البحر ولا في صيد البر، وأنت إن رغبت فيه فما نهاية ما تعطيني في ثمنه؟ درهما! وأنا والله العظيم لا أبيعه. # ثم إن الصياد ذهب به إلى دار الملك، فلما رآه الملك أعجبه حسنه وجماله وحمرة منقاره ورجليه، فأرسل إليه خادما ليشتريه منه، فأتى الخادم إلى الصياد، وقال له: أتبيع هذا الطائر؟ قال: لا، بل هو للملك هدية مني إليه. فأخذه الخادم وتوجه به إلى الملك، وأخبره بما قاله؛ فأخذه الملك، وأعطى الصياد عشرة دنانير، فأخذها وقبل الأرض وانصرف، وأتى الخادم بالطائر إلى قصر الملك، ووضعه في قفص مليح وعلقه وحط عنده ما يأكل وما يشرب، فلما نزل الملك قال للخادم: أين الطائر؟ أحضره حتى أنظره، والله إنه مليح. فأتى به الخادم ووضعه بين يدي الملك، وقد رأى الأكل عنده لم يأكل منه شيئا، فقال الملك: والله لا أدري ما يأكل حتى أطعمه. ثم أمر بإحضار الطعام فأحضرت الموائد بين يديه، فأكل الملك من ذلك، فلما نظر الطير إلى اللحم والطعام والحلويات والفواكه أكل من جميع ما في السماط الذي قدام الملك، فبهت له الملك، وتعجب من أكله، وكذلك الحاضرون. ثم قال الملك لمن حوله من الخدام والمماليك: عمري ما رأيت طيرا يأكل مثل هذا الطير. ثم أمر الملك أن تحضر زوجته لتتفرج عليه، فمضى الخادم ليحضرها، فلما رآها قال لها: يا سيدتي، إن الملك يطلبك لأجل أن تتفرجي على هذا الطير الذي اشتراه، فإننا لما حضرنا بالطعام طار من القفص، وسقط ms1675 على المائدة، وأكل من جميع ما فيها، فقومي يا سيدتي تفرجي عليه، فإنه مليح النظر، وهو أعجوبة من أعاجيب الزمان. فلما سمعت كلام الخادم أتت بسرعة، فلما نظرت إلى الطير وتحققته غطت وجهها، وولت راجعة، فقام الملك وراءها وقال لها: لأي شيء غطيت وجهك، وما عندك غير الجواري والخدام التي في خدمتك وزوجك؟ فقالت له: أيها الملك، إن هذا الطير ليس بطائر، وإنما هو رجل مثلك. فلما سمع الملك كلام زوجته قال لها: تكذبين، ما أكثر ما تمزحين! كيف يكون غير طائر؟ فقالت له: والله ما مزحت معك، وما قلت لك إلا حقا، إن هذا الطير هو الملك بدر باسم ابن الملك شهرمان صاحب بلاد العجم، وأمه جلناز البحرية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 751 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زوجة الملك لما قالت للملك: إن هذا ليس بطائر، وإنما هو رجل مثلك، وهو الملك بدر باسم ابن الملك شهرمان وأمه جلناز البحرية، قال لها: وكيف صار إلى هذا الشكل؟ قالت له: إنه قد سحرته الملكة جوهرة بنت الملك السمندل. ثم حدثته بما جرى له من أوله إلى آخره، وأنه قد خطب جوهرة من أبيها، فلم يرض أبوها بذلك، وأن خاله صالحا اقتتل هو والملك السمندل، وانتصر صالح عليه وأسره. فلما سمع الملك كلام زوجته تعجب غاية العجب، وكانت هذه الملكة زوجته أسحر أهل زمانها. فقال لها الملك: بحياتي عليك أن تحليه من سحره، ولا تخليه معذبا قطع الله تعالى يد جوهرة، ما أقبحها! وما أقل دينها وأكثر خداعها ومكرها! قالت له زوجته: قل له: يا بدر باسم ادخل هذه الخزانة. فأمره الملك أن يدخل الخزانة. فلما سمع كلام الملك دخل الخزانة، فقامت زوجة الملك وسترت وجهها، وأخذت في يدها طاسة ماء، ودخلت الخزانة وتكلمت على الماء بكلام لا يفهم، وقالت له: بحق هذه الأسماء العظام والآيات الكرام، وبحق الله تعالى خالق السموات والأرض، ومحيي الأموات، وقاسم الأرزاق والآجال، أن تخرج من هذه الصورة ms1676 التي أنت فيها، وترجع إلى الصورة التي خلقك الله عليها. فلم يتم كلامها حتى انتفض نفضة، ورجع إلى صورته، فرآه الملك شابا مليحا ما على وجه الأرض أحسن منه. # ثم إن الملك بدر باسم لما نظر إلى هذه الحالة قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، سبحان خالق الخلائق، ومقدر أرزاقهم وآجالهم. ثم إنه قبل يدي الملك ودعا له بالبقاء، وقبل الملك رأس بدر باسم وقال له: يا بدر باسم، حدثني بحديثك من أوله إلى آخره. فحدثه الملك بحديثه ولم يكتم منه شيئا، فتعجب الملك من ذلك، ثم قال له: يا بدر باسم، قد خلصك الله من السحر، فما الذي اقتضاه رأيك؟ وما تريد أن تصنع؟ قال له: يا ملك الزمان، أريد من إحسانك أن تجهز لي مركبا وجماعة من خدامك، وجميع ما أحتاج إليه، فإن لي زمانا طويلا وأنا غائب، وأخاف أن تروح المملكة مني، وما أظن أن والدتي بالحياة من أجل فراقي، والغالب على ظني أنها ماتت من حزنها علي؛ لأنها لا تدري ما جرى لي، ولا تعرف هل أنا حي أم ميت، وأنا أسألك أيها الملك أن تتم إحسانك علي بما طلبته منك. فلما نظر الملك إلى حسنه وجماله وفصاحته، أجابه وقال له: سمعا وطاعة. ثم إنه جهز له مركبا ونقل فيه ما يحتاج إليه، وسير معه جماعة من خدامه، فنزل في المركب بعد أن ودع الملك، وساروا في البحر وساعدهم الريح. ولم يزالوا سائرين مدة عشرة أيام متوالية، ولما كان اليوم الحادي عشر هاج البحر هيجانا شديدا، وصار المركب يرتفع وينخفض، ولم تقدر البحرية أن يمسكوه، ولم يزالوا على هذه الحالة والأمواج تلعب بهم حتى قربوا إلى صخرة من صخر البحر، فوقعت تلك الصخرة على المركب، فانكسر وغرق جميع من كان فيه إلا الملك بدر باسم، فإنه ركب على لوح من الألواح بعد أن أشرف على الهلاك. ولم يزل ذلك اللوح يجري به في البحر، ولا يدري إلى أين هو ذاهب، وليس له حيلة في ms1677 منع اللوح، بل سار اللوح به مع الماء والريح. # ولم يزل كذلك مدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع طلع به اللوح على ساحل البحر، فوجد هناك مدينة بيضاء مثل الحمامة الشديدة البياض، وهي مبنية في الجزيرة التي على ساحل البحر، لكنها عالية الأركان، مليحة البنيان، رفيعة الحيطان، والبحر يضرب في سورها. فلما عاين الملك بدر باسم تلك الجزيرة التي فيها هذه المدينة، فرح فرحا شديدا، وكان قد أشرف على الهلاك من الجوع والعطش، فنزل من فوق اللوح وأراد أن يصعد إلى المدينة، فأتت إليه بغال وحمير وخيول عدد الرمل، فصاروا يضربونه ويمنعونه أن يطلع من البحر إلى المدينة. ثم إنه عام خلف تلك المدينة، وطلع إلى البر، فلم يجد هناك أحدا، فتعجب وقال: يا ترى، لمن هذه المدينة؟ وهي ليس لها ملك، ولا فيها أحد، ومن أين هذه البغال والحمير والخيول التي منعتني من الطلوع؟ وصار متفكرا في أمره وهو ماش، وما يدري أين يذهب. ثم بعد ذلك رأى شيخا بقالا، فلما رآه الملك بدر باسم سلم عليه فرد عليه السلام، ونظر إليه الشيخ فرآه جميلا، فقال له: يا غلام، من أين أقبلت؟ ومن أوصلك إلى هذه المدينة؟ فحدثه بحديثه من أوله إلى آخره، فتعجب منه وقال له: يا ولدي، أما رأيت أحدا في طريقك؟ فقال له: يا والدي، إنما أتعجب من هذه المدينة حيث كانت خالية من الناس. فقال له الشيخ: يا ولدي، اطلع إلى الدكان لئلا تهلك. فطلع بدر باسم، وقعد في الدكان، فقام الشيخ وجاء له بشيء من الطعام، وقال له: يا ولدي، ادخل في داخل الدكان، فسبحان من سلمك من هذه الشيطانة. فخاف الملك بدر باسم خوفا شديدا، ثم أكل من طعام الشيخ حتى اكتفى، وغسل يده، ونظر إلى الشيخ وقال له: يا سيدي، ما سبب هذا الكلام؟ فقد خوفتني من هذه المدينة، ومن أهلها. فقال له الشيخ: يا ولدي، اعلم أن هذه المدينة مدينة السحرة، وبها ملكة ساحرة كأنها شيطانة، وهي كاهنة سحارة مكارة غدارة، ms1678 والتي تنظرها من الخيل والبغال والحمير، هؤلاء كلهم مثلك ومثلي من بني آدم، لكنهم غرباء؛ لأن كل من يدخل هذه المدينة وهو شاب مثلك، تأخذه هذه الكافرة الساحرة، وتقعد معه أربعين يوما، وبعد الأربعين يوما تسحره فيصير بغلا أو فرسا أو حمارا من هذه الحيوانات التي نظرتها على جانب البحر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 752 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ البقال لما حكى للملك بدر باسم، وأخبره بحال الملكة السحارة، قال له: إن كل أهل هذه المدينة قد سحرتهم، وإنك لما أردت الطلوع إلى البحر خافوا عليك أن تسحرك مثلهم، فقالوا لك بالإشارة: لا تطلع لئلا تراك الساحرة. شفقة عليك، فربما تعمل فيك مثلما عملت فيهم، وقال له: إنها قد ملكت هذه المدينة من أهلها بالسحر، واسمها الملكة لاب، وتفسيره بالعربي تقويم الشمس. فلما سمع الملك بدر باسم ذلك الكلام من الشيخ خاف خوفا شديدا، وصار يرتعد مثل القصبة الريحية، وقال له: أنا ما صدقت أني خلصت من البلاء الذي كنت فيه من السحر، حتى ترميني المقادير في مكان أقبح منه؟ فصار متفكرا في حاله وما جرى له. فلما نظر إليه الشيخ رآه قد اشتد خوفه، فقال له: يا ولدي، قم واجلس على عتبة الدكان، وانظر إلى تلك الخلائق وإلى لباسهم وألوانهم، وما هم فيه من السحر، ولا تخف فإن الملكة وكل من في المدينة يحبني ويراعيني، ولا يرجفون لي قلبا، ولا يتعبون لي خاطرا. فلما سمع الملك بدر باسم كلام الشيخ خرج وقعد على باب الدكان يتفرج، فجازت عليه الناس، فنظر إلى عالم لا يحصى عدده، فلما نظره الناس تقدموا إلى الشيخ وقالوا له: يا شيخ، هل هذا أسيرك وصيدك في هذه الأيام؟ فقال لهم: هذا ابن أخي، وسمعت أن أباه قد مات، فأرسلت خلفه وأحضرته لأطفئ نار شوقي به. فقالوا له: إن هذا شاب مليح الشباب، ولكن نحن نخاف عليه من الملكة لاب لئلا ترجع عليك بالغدر، وتأخذه منك؛ لأنها ms1679 تحب الشباب الملاح. فقال لهم الشيخ: إن الملكة لا تعصي أمري، وهي تراعيني وتحبني، وإذا علمت أنه ابن أخي لا تتعرض له ولا تسوءني فيه ولا تشوش خاطري به. فأقام الملك بدر باسم عند الشيخ مدة أشهر في أكل وشرب، وحبه الشيخ محبة عظيمة. # ثم إن بدر باسم كان جالسا على دكان الشيخ ذات يوم على جري عادته، وإذا بألف خادم وبأيديهم السيوف مجردة وعليهم أنواع الملابس، وفي وسطهم المناطق المرصعة بالجواهر، وهم راكبون الخيول العربية متقلدون السيوف الهندية، وقد جاءوا على دكان الشيخ وسلموا عليه ثم مضوا، وجاء بعدهم ألف جارية كأنهن الأقمار، وعليهن أنواع الملابس من الحرير الأطلس مطرزة بطرازات الذهب مرصعة بأنواع الجواهر، وكلهن متقلدات الرماح، وفي وسطهن جارية راكبة على فرس عربية عليها سرج من الذهب مرصع بأنواع الجواهر واليواقيت، ولم يزلن سائرات حتى وصلن إلى دكان الشيخ وسلمن عليه، ثم توجهن، وإذا بالملكة لاب قد أقبلت في موكب عظيم، وما زالت مقبلة إلى أن وصلت إلى دكان الشيخ، فرأت الملك بدر باسم وهو جالس على الدكان كأنه بدر في تمامه، فلما رأته الملكة لاب حارت في حسنه وجماله، واندهشت وصارت ولهانة به، ثم أقبلت على الدكان ونزلت وجلست عند الملك بدر باسم وقالت للشيخ: من أين لك هذا المليح؟ فقال: هذا ابن أخي جاءني عن قريب. فقالت: دعه يكون الليلة عندي لأتحدث أنا وإياه. قال لها: أتأخذينه مني ولا تسحرينه؟ قالت: نعم. قال: احلفي لي. فحلفت أنها لا تؤذيه ولا تسحره، ثم أمرت أن يقدموا له فرسا مليحا مسرجا ملجما بلجام من ذهب، وكل ما عليه ذهب مرصع بالجواهر، ووهبت للشيخ ألف دينار وقالت له: استعن به. ثم إن الملكة لاب أخذت الملك بدر باسم، وراحت به وهو كأنه البدر في ليلة أربعة عشر، وسار معها، وصار الناس كلما نظروا إليه وإلى حسنه وجماله يتوجعون عليه، ويقولون: والله إن هذا الشاب لا يستحق أن تسحره هذه الملعونة. والملك بدر باسم يسمع كلام الناس، ولكنه ساكت ms1680 وقد سلم أمره إلى الله تعالى، ولم يزالوا سائرين إلى القصر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 753 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك بدر باسم لم يزل سائرا هو والملكة لاب وأتباعها إلى أن وصلوا إلى باب القصر، ثم ترجل الأمراء والخدام وأكابر الدولة، وقد أمرت الحجاب أن يأمروا أرباب الدولة كلهم بالانصراف، فقبلوا الأرض وانصرفوا، ودخلت الملكة والخدام والجواري في القصر، فلما نظر الملك بدر باسم إلى القصر، رأى قصرا لم ير مثله قط، وحيطانه مبنية بالذهب، وفي وسط القصر بركة عظيمة غزيرة الماء في بستان عظيم، فنظر الملك بدر باسم إلى البستان، فرأى فيه طيورا تناغي بسائر اللغات والأصوات المفرحة والمحزنة، وتلك الطيور من سائر الأشكال والألوان، فنظر الملك بدر باسم إلى ملك عظيم، فقال: سبحان الله من كرمه وحلمه يرزق من يعبد غيره، فجلست الملكة في شباك يشرف على البستان، وهي على سرير من العاج وفوق السرير فرش عال، وجلس الملك بدر باسم إلى جانبها فقبلته وضمته إلى صدرها، ثم أمرت الجواري بإحضار مائدة، فحضرت مائدة من الذهب الأحمر مرصعة بالدر والجوهر، وفيها من سائر الأطعمة، فأكلا حتى اكتفيا وغسلا أيديهما، ثم أحضرت الجواري أواني الذهب والفضة والبلور، وأحضرت أيضا جميع أجناس الأزهار وأطباق النقل. ثم إنها أمرت بإحضار مغنيات، فحضر عشر جوار كأنهن الأقمار بأيديهن سائر آلات الملاهي. ثم إن الملكة ملأت قدحا وشربته، وملأت آخر وناولت الملك بدر باسم إياه فأخذه وشربه، ولم يزالا كذلك يشربان حتى اكتفيا، ثم أمرت الجواري أن يغنين، فغنين بسائر الألحان، وتخيل للملك بدر باسم أنه يرقص به القصر طربا، فطاش عقله وانشرح صدره، ونسي الغربة وقال: إن هذه الملكة شابة مليحة ما بقيت أروح من عندها أبدا؛ لأن ملكها أوسع من ملكي، وهي أحسن من الملكة جوهرة، ولم يزل يشرب معها إلى أن أمسى المساء، وأوقدت القناديل والشموع، وأطلقوا البخور، ولم يزالا يشربان إلى أن سكرا والمغنيات يغنين، فلما سكرت الملكة لاب قامت ms1681 من موضعها، ونامت على سرير، وأمرت الجواري بالانصراف، ثم أمرت الملك بدر باسم بالنوم إلى جانبها، فنام معها في أطيب عيش إلى أن أصبح الصباح. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 754 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة لما قامت من النوم دخلت الحمام الذي في القصر، والملك بدر باسم صحبتها، واغتسلا، فلما خرجا من الحمام أفرغت عليه أجمل القماش، وأمرت بإحضار آلات الشراب، فأحضرتها الجواري فشربا. ثم إن الملكة قامت وأخذت بيد الملك بدر باسم وجلسا على الكرسي، وأمرت بإحضار الطعام فأكلا وغسلا أيديهم، ثم قدمت الجواري لهما أواني الشراب والفواكه والأزهار والنقل، ولم يزالا يأكلان ويشربان والجواري تغني باختلاف الألحان إلى المساء، ولم يزالا في أكل وشرب وطرب مدة أربعين يوما. ثم قالت له: يا بدر باسم، هل هذا المكان أطيب أم دكان عمك البقال؟ قال لها: والله يا ملكة إن هذا طيب، وذلك أن عمي رجل صعلوك يبيع الباقلا. فضحكت من كلامه، ثم إنهما رقدا في أطيب حال إلى الصباح. فانتبه الملك بدر باسم من نومه، فلم يجد الملكة لاب بجانبه، فقال: يا ترى، أين راحت؟ وصار مستوحشا من غيبتها ومتحيرا في أمره، وقد غابت عنه مدة طويلة ولم ترجع، فقال في نفسه: أين ذهبت؟ ثم إنه لبس ثيابه وصار يفتش عليها فلم يجدها، فقال في نفسه: لعلها ذهبت إلى البستان. فمضى إلى البستان فرأى فيه نهرا جاريا، وبجانبه طيرة بيضاء، وعلى شاطئ ذلك النهر شجرة، وفوقها طيور مختلفة الألوان، فصار ينظر إلى الطيور والطيور لا تراه، وإذا بطائر أسود نزل على تلك الطيرة البيضاء فصار يزقها زق الحمام، ثم إن الطير الأسود وثب على تلك الطيرة ثلاث مرات، ثم بعد ساعة انقلبت تلك الطيرة في صورة بشر فتأملها وإذا هي الملكة لاب، فعلم أن الطير الأسود إنسان مسحور وهي تعشقه، وتسحر نفسها طيرة ليجامعها، فأخذته الغيرة واغتاظ على الملكة لاب من أجل الطير الأسود. # ثم إنه رجع إلى مكانه ونام على ms1682 فراشه، وبعد ساعة رجعت إليه، وصارت الملكة لاب تقبله وتمزح معه، وهو شديد الغيظ عليها، فلم يكلمها كلمة واحدة، فعلمت ما به وتحققت أنه رآها حين صارت طيرة، وكيف واقعها ذلك الطير، فلم تظهر له شيئا، بل كتمت ما بها. فلما قضى حاجتها قال لها: يا ملكة، أريد أن تأذني لي في الرواح إلى دكان عمي، فإني قد تشوقت إليه ولي أربعون يوما ما رأيته. فقالت له: رح إليه ولا تبطئ علي؛ فإني ما أقدر أن أفارقك، ولا أصبر عنك ساعة واحدة. فقال لها: سمعا وطاعة. ثم إنه ركب ومضى إلى دكان الشيخ البقال، فرحب به وقام إليه وعانقه، وقال له: كيف أنت مع هذه الكافرة؟ فقال له: كنت طيبا في خير وعافية، إلا أنها كانت في هذه الليلة نائمة في جانبي، فاستيقظت فلم أرها، فلبست ثيابي ودرت أفتش عليها إلى أن أتيت إلى البستان ... وأخبره بما رآه من النهر والطيور التي كانت فوق الشجرة، فلما سمع الشيخ كلامه قال له: احذر منها واعلم أن الطيور التي كانت على الشجرة كلهم شباب غرباء عشقتهم وسحرتهم طيورا، وذلك الطير الأسود الذي رأيته كان من جملة مماليكها، وكانت تحبه محبة عظيمة، فمد عينه إلى بعض الجواري فسحرته في صورة طير أسود. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 755 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بدر باسم لما حكى للشيخ البقال جميع حكاية الملكة لاب وما رآه منها، أعلمه الشيخ أن الطيور التي على الشجر كلها شباب غرباء وسحرتهم، وكذلك الطير الأسود كان من مماليكها، وسحرته في صورة طير أسود، وكلما اشتاقت إليه تسحر نفسها طيرة ليجامعها؛ لأنها تحبه محبة عظيمة، ولما علمت أنك علمت بحالها أضمرت لك السوء ولا تصفى لك، ولكن ما عليك بأس منها ما دمت أراعيك أنا فلا تخف، فإني رجل مسلم واسمي عبد الله، وما في زماني أسحر مني، ولكني لا أستعمل السحر إلا عند اضطراري إليه، وكثيرا ما أبطل سحر هذه الملعونة، وأخلص ms1683 الناس منها ولا أبالي بها؛ لأنها ليس لها علي سبيل، بل هي تخاف مني خوفا شديدا، وكذلك كل من كان في المدينة ساحرا مثلها على هذا الشكل يخافون مني، وكلهم على دينها يعبدون النار دون الملك الجبار، فإذا كان غد تعال عندي وأعلمني بما تعمله معك، فإنها في هذه الليلة تسعى في هلاكك، وأنا أقول لك على ما تفعله معها حتى تتخلص من كيدها. # ثم إن الملك بدر باسم ودع الشيخ ورجع إليها، فوجدها جالسة في انتظاره، فلما رأته قامت إليه وأجلسته ورحبت به وجاءت له بأكل وشرب فأكلا حتى اكتفيا، ثم غسلا أيديهما، ثم أمرت بإحضار الشراب فحضر، وصارا يشربان إلى نصف الليل، ثم مالت عليه بالأقداح وصارت تعاطيه حتى سكر وغاب عن حسه وعقله. فلما رأته كذلك قالت له: بالله عليك وبحق معبودك إن سألتك عن شيء فهل تخبرني عنه بالصدق، وتجيبني إلى قولي؟ فقال لها وهو في حالة السكر: نعم يا سيدتي. قالت له: يا سيدي ونور عيني، لما استيقظت من نومك ولم ترني وفتشت علي وجئتني في البستان ورأيت الطير الأسود الذي وثب علي، فأنا أخبرك بحقيقة هذا الطائر، إنه كان من مماليكي وكنت أحبه محبة عظيمة، فتطلع يوما لجارية من جواري فحصلت لي غيرة، وسحرته في صورة طير أسود، وأما الجارية فإني قتلتها، وإني اليوم لم أصبر عنه ساعة واحدة، وكلما اشتقت إليه أسحر نفسي طيرة وأروح إليه لينط علي، ويتمكن مني كما رأيت، أما أنت لأجل هذا مغتاظ مني؟ مع أني وحق النار والنور والظل والحرور قد ازددت فيك محبة، وجعلتك نصيبي من الدنيا. فقال وهو سكران: إن الذي فهمته من غيظي بسبب ذلك صحيح، وليس لغيظي سبب غير ذلك. فضمته وقبلته، وأظهرت له المحبة ونامت ونام الآخر بجانبها. # فلما كان نصف الليل قامت من الفراش، والملك بدر باسم منتبه وهو يظهر أنه نائم، وصار يسرق النظر وينظر ما تفعل، فوجدها قد أخرجت من كيس أحمر شيئا أحمر، وغرسته في وسط القصر، فإذا هو ms1684 صار نهرا يجري مثل البحر، وأخذت كبشة شعير بيدها وبذرتها فوق التراب، وسقته من هذا الماء فصار زرعا مسنبلا، فأخذته وطحنته دقيقا، ثم وضعته في موضع ورجعت نامت عند بدر باسم إلى الصباح. فلما أصبح الصباح قام الملك بدر باسم وغسل وجهه، ثم استأذن الملكة في الرواح إلى الشيخ فأذنت له، فذهب إلى الشيخ وأعلمه بما جرى منها، وما عاين، فلما سمع الشيخ كلامه ضحك، وقال: والله إن هذه الكافرة الساحرة قد مكرت بك، ولكن لا تبال بها أبدا. ثم أخرج له قدر رطل سويقا، وقال له: خذ هذا معك، واعلم أنها إذا رأته تقول لك: ما هذا؟ وما تعمل به؟ فقل لها: زيادة الخير خير. وكل منه، فإذا أخرجت هي سويقها، وقالت لك: كل من هذا السويق. فأرها أنك تأكل منه وكل من هذا، وإياك أن تأكل من سويقها شيئا، ولو حبة واحدة، فإن أكلت منه ولو حبة واحدة، فإن سحرها يتمكن منك فتسحرك، وتقول لك: اخرج من هذه الصورة البشرية. فتخرج من صورتك إلى أي صورة أرادت، وإذا لم تأكل منه، فإن سحرها يبطل ولا يضرك منه شيء، فتخجل هي غاية الخجل وتقول لك: إنما أنا أمزح معك. وتقر لك بالمحبة والمودة، وكل ذلك نفاق ومكر منها، فأظهر لها أنت المحبة، وقل لها: يا سيدتي ويا نور عيني، كلي من هذا السويق وانظري لذته. فإذا أكلت منه ولو حبة واحدة، فخذ في كفك ماء واضربه في وجهها، وقل لها: اخرجي من هذه الصورة البشرية إلى أي صورة أردت. ثم خلها وتعال إلي حتى أدبر لك أمرا. # ثم ودعه بدر باسم، وسار إلى أن طلع القصر ودخل عليها، فلما رأته قالت له: أهلا وسهلا ومرحبا. ثم قامت له وقبلته وقالت له: أبطأت علي يا سيدي. فقال لها: كنت عند عمي. ورأى عندها سويقا، فقال لها: وقد أطعمني عمي من هذا السويق. فقالت له: إن عندنا سويقا أحسن منه. ثم إنها حطت سويقه في صحن وسويقها في صحن آخر، وقالت ms1685 له: كل من هذا، فإنه أطيب من سويقك. فأظهر لها أنه يأكل منه، فلما علمت أنه أكل منه أخذت في يدها ماء ورشته به، وقالت له: اخرج من هذه الصورة يا علق يا لئيم، وكن في صورة بغل أعور قبيح المنظر. فلم يتغير، فلما رأته على حاله لم يتغير، قامت له وقبلته بين عينيه، وقالت له: يا محبوبي، إنما كنت أمزح معك، فلا تتغير علي بسبب ذلك. فقال لها: والله يا سيدتي ما تغيرت عليك أصلا، بل أعتقد أنك تحبينني، فكلي من سويقي هذا. فأخذت منه لقمة وأكلتها، فلما استقرت في بطنها اضطربت، فأخذ الملك بدر باسم في كفه ماء ورشها به في وجهها، وقال لها: اخرجي من هذه الصورة البشرية إلى صورة بغلة زرزورية. فما نظرت نفسها إلا وهي في تلك الحالة، فصارت دموعها تنحدر على خديها، وصارت تمرغ خديها على رجليه، فقام يلجمها فلم تقبل اللجام، فتركها وذهب إلى الشيخ وأعلمه بما جرى، فقام الشيخ وأخرج له لجاما وقال له: خذ هذا اللجام وألجمها به. فأخذه وأتى عندها، فلما رأته تقدمت إليه، وحط اللجام في فمها وركبها، وخرج من القصر، وتوجه إلى الشيخ عبد الله، فلما رآها قام لها وقال لها: أخزاك الله تعالى يا ملعونة. ثم قال له الشيخ: يا ولدي، ما بقي لك في هذه البلد إقامة، فاركبها وسر بها إلى أي مكان شئت، وإياك أن تسلم اللجام إلى أحد. فشكره الملك بدر باسم وودعه وسار. # ولم يزل سائرا ثلاثة أيام، ثم أشرف على مدينة فلقيه شيخ مليح الشيبة، فقال له: يا ولدي، من أين أقبلت؟ قال: من مدينة هذه الساحرة. قال له: أنت ضيفي في هذه الليلة. فأجابه وسار معه في الطريق، وإذا بامرأة عجوز كلما نظرت البغلة بكت وقالت: لا إله إلا الله، إن هذه البغلة تشبه بغلة ابني التي ماتت، وقلبي متشوش عليها، فبالله عليك يا سيدي أن تبيعني إياها. فقال لها: والله يا أمي، ما أقدر أن أبيعها. قالت له: بالله عليك ms1686 لا ترد سؤالي، فإن ولدي إن لم أشتر له هذه البغلة ميت لا محالة. ثم إنها أطنبت عليه في السؤال، فقال: ما أبيعها إلا بألف دينار. وقال بدر باسم في نفسه: من أين لهذه العجوز تحصيل ألف دينار. فعند ذلك أخرجت من حزامها ألف دينار، فلما نظر الملك بدر باسم إلى ذلك قال لها: يا أمي، إنما أنا أمزح معك، وما أقدر أن أبيعها. فنظر إليه الشيخ، وقال له: يا ولدي، إن هذه البلد ما يكذب فيها أحد، وكل من كذب في هذه البلد قتلوه. فنزل الملك بدر باسم من فوق البغلة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 756 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك بدر باسم لما نزل من فوق البغلة وسلمها إلى المرأة العجوز، أخرجت اللجام من فمها وأخذت في يدها ماء ورشتها به، وقالت: يا بنتي، اخرجي من هذه الصورة إلى الصورة التي كنت عليها. فانقلبت في الحال وعادت إلى صورتها الأولى، وأقبلت كل واحدة منهما على الأخرى وتعانقتا، فعلم الملك بدر باسم أن هذه العجوز أمها وقد تمت الحيلة عليه، فأراد أن يهرب، وإذا بالعجوز صفرت صفرة عظيمة فتمثل بين يديها عفريت كأنه الجبل العظيم، فخاف الملك بدر باسم ووقف، فركبت العجوز على ظهره وأردفت بنتها خلفها، وأخذت الملك بدر باسم قدامها، وطار بهم العفريت، فما مضى عليهم غير ساعة ووصلوا إلى قصر الملكة لاب، فلما جلست على كرسي الملكة التفتت إلى الملك بدر باسم، وقالت له: يا علق، قد وصلت إلى هذا المكان ونلت ما تمنيت، وسوف أريك ما أعمل بك وبهذا الشيخ البقال، فكم أحسنت له وهو يسوءني، وأنت ما وصلت إلى مرادك إلا بواسطته. ثم أخذت ماء ورشته به، وقالت له: اخرج من هذه الصورة التي أنت فيها إلى صورة طير قبيح المنظر أقبح ما يكون من الطيور. فانقلب في الحال وصار طيرا قبيح المنظر، فجعلته في قفص وقطعت عنه الأكل والشرب، فنظرت إليه جارية فرحمته، وصارت تطعمه ms1687 وتسقيه وبغير علم الملكة. # ثم إن الجارية وجدت سيدتها غافلة في يوم من الأيام، فخرجت وتوجهت إلى الشيخ البقال وأعلمته بالحديث وقالت له: إن الملكة لاب عازمة على هلاك ابن أخيك. فشكرها الشيخ وقال لها: لا بد أن آخذ المدينة منها وأجعلك ملكتها عوضا عنها. ثم صفر صفرة عظيمة، فخرج له عفريت له أربعة أجنحة، فقال له: خذ هذه الجارية وامض بها إلى مدينة جلناز البحرية وأمها فراشة، فإنهما أسحر من يوجد على وجه الأرض. وقال للجارية: إذا وصلت إلى هناك فأخبريهما بأن الملك بدر باسم في أسر الملكة لاب. فحملها العفريت وطار بها، فلم يكن إلا ساعة حتى نزل بها على قصر الملكة جلناز البحرية، فنزلت الجارية من فوق سطح القصر ودخلت على الملكة جلناز، وقبلت الأرض وأعلمتها بما قد جرى لولدها من أول الأمر إلى آخره، فقامت إليها جلناز وأكرمتها وشكرتها ودقت البشائر في المدينة، وأعلمت أهلها وأكابر دولتها بأن الملك بدر باسم وجد. # ثم إن جلناز البحرية وأمها فراشة وأخاها صالحا أحضروا جميع قبائل الجان وجنود البحر؛ لأن ملوك الجان قد أطاعوهم بعد أسر الملك السمندل، ثم إنهم طاروا في الهواء ونزلوا على مدينة الساحرة، ونهبوا القصر وقتلوا جميع من كان فيه، ونهبوا المدينة وقتلوا جميع من كان فيها من الكفرة في طرفة عين، وقالت للجارية: أين ابني؟ فأخذت الجارية القفص وأتت به بين يديها، وأشارت إلى الطائر الذي فيه وقالت: هذا ولدك. فأخرجته الملكة جلناز من القفص، ثم أخذت بيدها ماء ورشته به، وقالت له: اخرج من هذه الصورة إلى الصورة التي كنت عليها. فلم يتم كلامها حتى انتفض وصار بشرا كما كان، فلما رأته أمه على صورته الأصلية قامت إليه واعتنقته، فبكى بكاء شديدا، وكذلك خاله صالح وجدته فراشة وبنات عمه، وصاروا يقبلون يديه ورجليه. ثم إن جلناز أرسلت خلف الشيخ عبد الله وشكرته على فعله الجميل مع ابنها، وزوجته بالجارية التي أرسلها إليها بأخبار ولدها، ودخل بها، ثم جعلته ملك تلك المدينة، وأحضرت ما ms1688 بقي من أهل المدينة من المسلمين وبايعتهم للشيخ عبد الله وعاهدتهم وحلفتهم أن يكونوا في طاعته وفي خدمته، فقالوا: سمعا وطاعة. # ثم إنهم ودعوا الشيخ عبد الله وساروا إلى مدينتهم، فلما دخلوا قصرهم تلقاهم أهل مدينتهم بالبشائر والفرح، وزينوا المدينة ثلاثة أيام لشدة فرحهم بملكهم بدر باسم، وفرحوا فرحا شديدا. ثم بعد ذلك قال الملك بدر باسم لأمه: يا أمي، ما بقي إلا أني أتزوج ويجتمع شملنا ببعضنا أجمعين. فقالت: يا ولدي، نعم الرأي الذي رأيته، ولكن اصبر حتى نسأل على من يصلح لك من بنات الملوك. فقالت جدته فراشة وبنات عمه وخاله: نحن يا بدر باسم كلنا في الوقت نساعدك على ما تريد. ثم إن كل واحدة منهن نهضت ومضت تفتش في البلاد، وكذلك جلناز البحرية بعثت جواريها على أعناق العفاريت وقالت لهن: لا تتركن مدينة ولا قصرا من قصور الملوك حتى تتأملن جميع من فيه من البنات الحسان. فلما رأى الملك بدر باسم اعتناءهن بهذا الأمر، قال لأمه جلناز: يا أمي، اتركي هذا الأمر، فإنه ليس يرضيني إلا جوهرة بنت الملك السمندل؛ لأنه جوهرة كاسمها. فقالت أمه: قد عرفت مقصودك. ثم أرسلت في الحال من يأتيها بالملك السمندل، ففي الوقت أحضروه بين يديها، ثم أرسلت إلى بدر باسم، فلما جاء باسم أعلمته بمجيء السمندل، فدخل عليه، فلما رآه الملك السمندل مقبلا قام له وسلم عليه ورحب به. ثم إن الملك بدر باسم خطب منه بنته جوهرة، فقال له: هي في خدمتك وجاريتك وبين يديك. ثم إن الملك السمندل أرسل بعض أصحابه إلى بلاده وأمرهم بإحضار بنته جوهرة، وأن يعلموها أن أباها عند الملك بدر باسم ابن جلناز البحرية، فطاروا في الهواء وغابوا ساعة ثم جاءوا ومعهم الملكة جوهرة، فلما عاينت أباها تقدمت إليه واعتنقته، فنظر إليها وقال: يا بنتي، اعلمي أنني قد زوجتك بهذا الملك الهمام، والأسد الضرغام، الملك بدر باسم ابن الملكة جلناز، وأنه أحسن أهل زمانه وأجملهم وأرفعهم قدرا وأشرفهم حسبا، ولا يصلح إلا لك ولا ms1689 تصلحين إلا له. فقالت له: يا أبي، أنا ما أقدر أن أخالفك، فافعل ما تريد، فقد زال الهم والتنكيد، وأنا له من جملة الخدام. فعند ذلك أحضروا القضاة والشهود، وكتبوا كتاب الملك بدر باسم ابن الملكة جلناز البحرية على الملكة جوهرة، وأهل المدينة زينوها، وأطلقوا البشائر وأطلقوا كل من في الحبوس، وكسا الملك الأرامل والأيتام، وخلع على أرباب الدولة والأمراء والأكابر، ثم أقاموا الفرح العظيم، وعملوا الولائم، وأقاموا في الأفراح مساء وصباحا مدة عشرة أيام، وجلوها على الملك بدر باسم بتسع خلع، ثم خلع الملك بدر باسم على الملك السمندل، ورده إلى بلاده وأهله وأقاربه. ولم يزالوا في ألذ عيش وأهنأ أيام، يأكلون ويشربون ويتنعمون، إلى أن أتاهم هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وهذا آخر حكايتهم رحمة الله عليهم أجمعين. ### || حكاية سيف الملوك وبديعة الجمال # واعلم أيها الملك السعيد، أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، ملك من ملوك العجم اسمه محمد بن سبائك، وكان يحكم على بلاد خراسان، وكان في كل عام يغزو بلاد الكفار في الهند والسند والصين، والبلاد التي وراء النهر وغير ذلك من العجم وغيرها، وكان ملكا عادلا شجاعا كريما جوادا، وكان ذلك الملك يحب المنادمات والروايات والأشعار والأخبار والحكايات والأسمار وسير المتقدمين، وكان كل من يحفظ حكاية غريبة ويحكيها له ينعم عليه، وقيل إنه كان إذا أتاه رجل غريب بسمر غريب، وتكلم بين يديه واستحسنه وأعجبه كلامه، يخلع عليه خلعة سنية، ويعطيه ألف دينار، ويركبه فرسا مسرجا ملجما، ويكسوه من فوق إلى أسفل، ويعطيه عطايا عظيمة، فيأخذها الرجل وينصرف لحال سبيله. فاتفق أنه أتاه رجل كبير بسمر غريب، فتحدث بين يديه فاستحسنه، وأعجبه كلامه، فأمر له بجائزة سنية ومن جملتها ألف دينار خراسانية، وفرس بعدة كاملة، ثم بعد ذلك شاعت هذه الأخبار عن هذا الملك في جميع البلدان، فسمع به رجل يقال له التاجر حسن، وكان كريما جوادا عالما شاعرا فاضلا، وكان عند ذلك الملك وزير حسود محضر سوء لا يحب الناس جميعا؛ لا غنيا ms1690 ولا فقيرا، وكان كلما ورد على ذلك الملك أحد وأعطاه شيئا يحسده ويقول: إن هذا الأمر يفني المال ويخرب الديار، وإن الملك دأبه هذا الأمر. ولم يكن ذلك الكلام إلا حسدا وبغضا من ذلك الوزير. # ثم إن الملك سمع بخبر التاجر حسن، فأرسل إليه وأحضره، فلما حضر بين يديه قال له: يا تاجر حسن، إن الوزير خالفني وعاداني من أجل المال الذي أعطيه للشعراء والندماء وأرباب الحكايات والأشعار، وإني أريد منك أن تحكي لي حكاية مليحة وحديثا غريبا بحيث لم أكن سمعت مثله قط، فإن أعجبني حديثك أعطيتك بلادا كثيرة بقلاعها، وأجعلها زيادة على إقطاعك، وأجعل مملكتي كلها بين يديك، وأجعلك كبير وزرائي تجلس على يميني، وتحكم في رعيتي، وإن لم تأتني بما قلت لك أخذت جميع ما في يدك وطردتك من بلادي. فقال التاجر حسن: سمعا وطاعة لمولانا الملك، لكن يطلب منك المملوك أن تصبر عليه سنة، ثم أحدثك بحديث ما سمعت مثله في عمرك ولا سمع غيرك بمثله ولا بأحسن منه قط. فقال الملك: قد أعطيتك مهلة سنة كاملة. ثم دعا بخلعة سنية فألبسه إياها وقال له: الزم بيتك ولا تركب ولا ترح ولا تجئ مدة سنة كاملة حتى تحضر بما طلبته منك، فإن جئت بذلك فلك الإنعام الخاص، وأبشر بما وعدتك به، وإن لم تجئ بذلك فلا أنت منا ولا نحن منك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 757 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك محمد بن سبائك لما قال للتاجر حسن: إن جئتني بما طلبته منك فلك الإنعام الخاص، وأبشر بما وعدتك به، وإن لم تجئني بذلك فلا أنت منا ولا نحن منك. فقبل التاجر حسن الأرض بين يديه وخرج، ثم اختار من مماليكه خمسة أنفس كلهم يكتبون ويقرءون، وهم فضلاء عقلاء أدباء من خواص مماليكه، وأعطى كل واحد خمسة آلاف دينار، وقال لهم: أنا ما ربيتكم إلا لمثل هذا اليوم، فأعينوني على قضاء غرض الملك، وأنقذوني من يده. فقالوا له: ms1691 وما الذي تريد أن تفعل؟ فأرواحنا فداؤك. قال لهم: أريد أن يسافر كل واحد منكم إلى إقليم، وأن تستقصوا على العلماء والأدباء والفضلاء، وأصحاب الحكايات الغريبة والأخبار العجيبة، وابحثوا لي عن قصة سيف المملوك، وتأتوني بها، وإذا لقيتموها عند أحد فرغبوه في ثمنها، ومهما طلب من الذهب والفضة فأعطوه إياه، ولو طلب منكم ألف دينار فأعطوه المتيسر وعدوه بالباقي، وأتوني بها، ومن وقع منكم بهذه القصة وأتاني بها، فإني أعطيه الخلع السنية والنعم الوفية، ولم يكن عندي أعز منه. ثم إن التاجر حسن قال لواحد منهم: رح أنت إلى بلاد الهند والسند وأعمالها وأقاليمها. وقال للآخر: رح أنت إلى بلاد العجم والصين وأقاليمها. وقال للآخر: رح أنت إلى بلاد خراسان وأعمالها وأقاليمها. وقال للآخر: رح أنت إلى بلاد المغرب وأقطارها وأقاليمها وأعمالها وجميع أطرافها. وقال للآخر وهو الخامس: رح أنت إلى بلاد الشام ومصر وأعمالها وأقاليمها. ثم إن التاجر اختار لهم يوما سعيدا وقال لهم: سافروا في هذا اليوم واجتهدوا في تحصيل حاجتي ولا تتهاونوا ولو كان فيها بذل الأرواح. فودعوه وساروا وكل واحد منهم ذهب إلى الجهة التي أمره بها، فمنهم أربعة أنفس غابوا أربعة أشهر وفتشوا ولم يجدوا شيئا، فضاق صدر التاجر حسن لما رجع إليه الأربعة مماليك، وأخبروه أنهم فتشوا المدائن والبلاد والأقاليم على مطلوب سيدهم، فلم يجدوا شيئا منه. وأما المملوك الخامس، فإنه سافر إلى أن دخل بلاد الشام ووصل إلى مدينة دمشق، فوجدها مدينة طيبة أمينة ذات أشجار وأنهار وأثمار وأطيار، تسبح الله الواحد القهار، الذي خلق الليل والنهار، فأقام فيها أياما وهو يسأل عن حاجة سيده فلم يجبه أحد، ثم إنه أراد أن يرحل منها ويسافر إلى غيرها، وإذا هو بشاب يجري ويتعثر في أذياله، فقال له المملوك: ما بالك تجري وأنت مكروب؟ وإلى أين تقصد؟ فقال له: هنا شيخ كل يوم يجلس على كرسي في مثل هذا الوقت، ويحدث حكايات وأخبارا وأسمارا ملاحا لم يسمع أحد مثلها، وأنا أجري حتى أجد لي موضعا ms1692 قريبا، وأخاف أني لا أحصل لي موضعا من كثرة الخلق. فقال له المملوك: خذني معك. فقال له الفتى: أسرع في مشيتك. فغلق بابه، وأسرع في السير معه حتى وصل إلى الموضع الذي يحدث فيه الشيخ بين الناس، فرأى ذلك الشيخ صبيح الوجه، وهو جالس على كرسي يحدث الناس، فجلس قريبا منه وصغى ليسمع حديثه، فلما جاء وقت غروب الشمس فرغ الشيخ من الحديث، وسمع الناس ما تحدث به وانفضوا من حوله، فعند ذلك تقدم إليه المملوك وسلم عليه، فرد عليه وزاده في التحية والإكرام، فقال له المملوك: إنك يا سيدي الشيخ رجل مليح محتشم، وحديثك مليح، وأريد أن أسألك عن شيء. فقال له: اسأل عما تريد. فقال له المملوك: هل عندك قصة سمر سيف الملوك وبديعة الجمال؟ فقال له الشيخ: وممن سمعت هذا الكلام؟ ومن الذي أخبرك بذلك؟ فقال المملوك: أنا ما سمعت ذلك من أحد، ولكن أنا من بلاد بعيدة وجئت قاصدا لهذه القصة، فمهما طلبت من ثمنها أعطيك إن كانت عندك وتنعم وتتصدق علي بها، وتجعلها من مكارم أخلاقك صدقة عن نفسك، ولو أن روحي في يدي وبذلتها لك فيها لطاب خاطري بذلك. فقال له الشيخ: طب نفسا وقر عينا وهي تحضر لك، ولكن هذا سمر لا يتحدث به أحد على قارعة الطريق، ولا أعطي هذه القصة لكل أحد. فقال له المملوك: بالله يا سيدي لا تبخل علي بها، واطلب مهما أردت. فقال له الشيخ: إن كنت تريد هذه القصة فأعطني مائة دينار، وأنا أعطيك إياها، ولكن بخمسة شروط. فلما عرف أنها عند الشيخ، وأنه سمح له بها، فرح فرحا شديدا وقال له: أعطيك مائة دينار ثمنها وعشرة جعالة، وآخذها بالشروط التي ذكرتها. فقال له الشيخ: رح هات الذهب وخذ حاجتك. فقام المملوك، وقبل يدي الشيخ وراح إلى منزله فرحا مسرورا، وأخذ في يده مائة دينار وعشرة، ووضعها في كيس كان معه، فلما أصبح الصباح قام ولبس ثيابه، وأخذ الدنانير وأتى بها إلى الشيخ، فرآه جالسا على باب ms1693 داره، فسلم عليه فرد عليه السلام، فأعطاه المائة دينار وعشرة، فأخذها منه الشيخ وقام ودخل داره وأدخل المملوك وأجلسه في مكان وقدم له دواة وقلما وقرطاسا، وقدم له كتابا وقال له: اكتب الذي أنت طالبه من هذا الكتاب من قصة سمر سيف الملوك. فجلس المملوك يكتب هذه القصة إلى أن فرغ من كتابتها، ثم قرأها على الشيخ وصححها، وبعد ذلك قال له الشيخ: اعلم يا ولدي أن أول شرط أنك لا تقول هذه القصة على قارعة الطريق، ولا عند النساء والجواري، ولا عند العبيد والسفهاء، ولا عند الصبيان، وإنما تقرؤها عند الأمراء والملوك والوزراء، وأهل المعرفة من المفسرين وغيرهم. فقبل المملوك الشروط، وقبل يدي الشيخ وودعه، وخرج من عنده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 758 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مملوك حسن لما نقل القصة من كتاب الشيخ الذي بالشام، وأخبره بالشروط وودعه، وخرج من عنده وسافر في يومه فرحانا مسرورا، ولم يزل مجدا في السير من كثرة الفرح الذي حصل له بسبب تحصيله لقصة سمر سيف الملوك حتى وصل إلى بلاده، وأرسل تابعه يبشر التاجر ويقول له: إن مملوكك قد وصل سالما وبلغ مراده ومقصوده. وحين وصل المملوك إلى مدينة سيده وأرسل إليه البشير لم يبق من الميعاد الذي بين الملك وبين التاجر حسن غير عشرة أيام، ودخل على سيده التاجر وأخبره بما حصل له، ففرح فرحا عظيما واستراح المملوك في مكان خلوته، وأعطى سيده الكتاب الذي فيه قصة سيف الملوك وبديع الجمال. فلما رأى سيده ذلك خلع على المملوك جميع ما كان عليه من ملابسه وأعطاه عشرة من الخيل الجياد، وعشرة من الجمال، وعشرة من البغال، وثلاثة عبيد ومملوكين. ثم إن التاجر أخذ القصة وكتبها بخطه مفسرة، وطلع إلى الملك وقال له: أيها الملك السعيد، إني جئت بسمر وحكايات مليحة نادرة لم يسمع مثلها أحد قط. فلما سمع الملك كلام التاجر حسن أمر في وقته وساعته بأن يحضر كل أمير عاقل، وكل ms1694 عالم فاضل، وكل أديب وشاعر ولبيب، وجلس التاجر حسن وقرأ هذه السيرة عند الملك، فلما سمعها الملك وكل من كان حاضرا تعجبوا واستحسنوها، وكذلك استحسنها الذين كانوا حاضرين ونثروا عليه الذهب والفضة والجواهر، ثم أمر الملك للتاجر حسن بخلعة سنية من أفخر ملبوسه، وأعطاه مدينة كبيرة بقلاعها وضياعها، وجعله من أكابر وزرائه وأجلسه على يمينه، ثم أمر الكتاب أن يكتبوا هذه القصة بالذهب ويجعلوها في خزائنه الخاصة، وصار الملك كلما ضاق صدره يحضر التاجر حسن فيقرؤها. # ومضمون هذه القصة أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، في مصر ملك يسمى عاصم بن صفوان، وكان ملكا سخيا جوادا صاحب هيبة ووقار، وكان له بلاد كثيرة وقلاع وحصون وجيوش وعساكر، وكان له وزير يسمى فارس بن صالح، وكانوا جميعا يعبدون الشمس والنار دون الملك الجبار الجليل القهار. ثم إن هذا الملك صار شيخا كبيرا قد أضعفه الكبر والسقم والهرم؛ لأنه عاش مائة وثمانين سنة، ولم يكن له ولد ذكر ولا أنثى، وكان بسبب ذلك في هم وغم ليلا ونهارا، فاتفق أنه كان جالسا يوما من الأيام على سرير ملكه والأمراء والوزراء والمقدمون وأرباب الدولة في خدمته على جري عادتهم، وعلى قدر منازلهم، وكل من دخل عليه من الأمراء ومعه ولد أو ولدان يحسده الملك ويقول في نفسه: كل واحد مسرور فرحان بأولاده، وأنا ما لي ولد، وفي غد أموت وأترك ملكي وتختي وضياعي وخزائني وأموالي، وتأخذها الغرباء، وما يذكرني أحد قط ولا يبقى لي ذكر في الدنيا. ثم إن الملك عاصم استغرق في بحر الفكر، ومن كثرة توارد الأحزان والأفكار على قلبه، بكى ونزل من فوق تخته وجلس على الأرض يبكي ويتضرع، فلما رآه الوزير والجماعة الحاضرون من أكابر الدولة فعل بنفسه ذلك، صاحوا على الناس وقالوا لهم: اذهبوا إلى منازلكم واستريحوا حتى يفيق الملك مما هو فيه. فانصرفوا ولم يبق غير الملك والوزير، فلما أفاق الملك قبل الوزير الأرض بين يديه وقال له: يا ملك الزمان، ما سبب هذا البكاء؟ ms1695 فأخبرني بمن عاداك من الملوك وأصحاب القلاع أو من الأمراء وأرباب الدولة، وعرفني بمن يخالفك أيها الملك حتى نكون كلنا عليه ونأخذ روحه من بين جنبيه. فلم يتكلم الملك ولم يرفع رأسه. ثم إن الوزير قبل الأرض بين يديه ثانيا وقال له: يا ملك الزمان، أنا مثل ولدك وعبدك، وقد ربيتني، فأنا لم أعرف سبب غمك وهمك وجزعك وما أنت فيه، فمن يعرف غيري ويقوم مقامي بين يديك؟ فأخبرني بسبب هذا البكاء والحزن. فلم يتكلم ولم يفتح فاه، ولم يرفع رأسه، وما زال يبكي ويصوت بصوت عال وينوح بنواح زائد ويتأوه، والوزير صابر له. ثم بعد ذلك قال له الوزير: إن لم تقل لي ما سبب ذلك وإلا قتلت نفسي بين يديك من ساعتي، وأنت تنظر ولا أراك مهموما. ثم إن الملك عاصما رفع رأسه ومسح دموعه، وقال: يا أيها الوزير الناصح، خلني بهمي وغمي، فالذي في قلبي من الأحزان يكفيني. فقال له الوزير: قل لي أيها الملك ما سبب هذا البكاء، لعل الله يجعل الفرج على يدي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 759 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير لما قال للملك عاصم: قل لي ما سبب هذا البكاء، لعل الله يجعل لك الفرج على يدي. قال له الملك: يا وزير، إن بكائي ما هو على مال ولا على خيل ولا على شيء، ولكن أنا بقيت رجلا كبيرا وصار عمري نحو مائة وثمانين سنة، ولا رزقت ولدا ذكرا ولا أنثى، فإذا مت يدفنوني، ثم ينمحي رسمي وينقطع اسمي، ويأخذ الغرباء تختي وملكي، ولا يذكرني أحد أبدا. فقال الوزير: يا ملك الزمان، أنا أكبر منك بمائة سنة ولا رزقت بولد قط، ولم أزل ليلا ونهارا في هم وغم، وكيف نفعل أنا وأنت؟ ولكن سمعت بخبر سليمان بن داود عليهما السلام، وأن له ربا عظيما قادرا على كل شيء، فينبغي أن أتوجه إليه بهدية وأقصده في أن يسأل ربه لعله يرزق كل واحد منا بولد. ms1696 ثم إن الوزير تجهز للسفر وأخذ هدية فاخرة وتوجه بها إلى سليمان بن داود عليهما السلام. # هذا ما كان من أمر الوزير، وأما ما كان من أمر سليمان بن داود عليهما السلام، فإن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه وقال: يا سليمان، إن ملك مصر أرسل إليك وزيره الكبير بالهدايا والتحف وهي كذا وكذا، فأرسل إليه وزيرك آصف بن برخيا لاستقباله بالإكرام والزاد في موضع الإقامات، فإذا حضر بين يديك فقل له: إن الملك أرسلك تطلب كذا وكذا، وإن حاجتك كذا وكذا، ثم اعرض عليه الإيمان. فحينئذ أمر سليمان وزيره آصف أن يأخذ معه جماعة من حاشيته للقائهم بالإكرام والزاد الفاخر في موضع الإقامات، فخرج آصف بعد أن جهز جميع اللوازم إلى لقائهم، وسار حتى وصل إلى فارس وزير ملك مصر، فاستقبله وسلم عليه وأكرمه هو ومن معه إكراما زائدا، وصار يقدم إليهم الزاد والعلوفات في مواضع الإقامات، وقال لهم: أهلا وسهلا ومرحبا بالضيوف القادمين، فأبشروا بقضاء حاجتكم، وطيبوا نفسا، وقروا عينا، وانشرحوا صدورا. فقال الوزير في نفسه: من أخبرهم بذلك؟ ثم إنه قال لآصف بن برخيا: ومن أخبركم بنا وبأغراضنا يا سيدي؟ فقال له آصف: إن سليمان بن داود عليهما السلام هو الذي أخبرنا بهذا. فقال الوزير فارس: ومن أخبر سيدنا سليمان؟ قال له: أخبره رب السموات والأرض وإله الخلق أجمعين. فقال له الوزير فارس: ما هذا إلا إله عظيم. فقال له آصف بن برخيا: وهل أنتم لا تعبدونه؟ فقال فارس وزير ملك مصر: نحن نعبد الشمس ونسجد لها. فقال له آصف: يا وزير فارس، إن الشمس كوكب من جملة الكواكب المخلوقة لله سبحانه وتعالى، وحاشا أن تكون ربا؛ لأن الشمس تظهر أحيانا وتغيب أحيانا، وربنا حاضر لا يغيب، وهو على كل شيء قدير. # ثم إنهم سافروا قليلا حتى وصلوا إلى قرب تخت ملك سليمان بن داود عليهما السلام، فأمر سليمان بن داود عليهما السلام جنوده من الإنس والجن وغيرهما أن يصطفوا في طريقهم صفوفا، فوقفت وحوش البحر والفيلة والنمور ms1697 والفهود جميعا، واصطفوا في الطريق صفين، وكل جنس انحازت أنواعه وحدها، وكذلك الجان، كل منهم ظهر للعيون من غير خفاء على صورة هائلة مختلفة الأحوال، فوقفوا جميعا صفين، والطيور نشرت أجنحتها على الخلائق لتظلهم، وصارت الطيور تناغي بعضها بسائر اللغات وبسائر الألحان. فلما وصل أهل مصر إليهم هابوهم ولم يجسروا على المشي، فقال لهم آصف: ادخلوا بينهم وامشوا ولا تخافوا منهم، فإنهم رعايا سليمان بن داود وما يضركم منهم أحد. ثم إن آصف دخل بينهم، فدخل وراءه الخلق أجمعون، ومن جملتهم جماعة وزير ملك مصر وهم خائفون، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى المدينة فأنزلوهم في دار الضيافة وأكرموهم غاية الإكرام، وأحضروا لهم الضيافات الفاخرة مدة ثلاثة أيام، ثم أحضروهم بين يدي سليمان نبي الله عليه السلام، فلما دخلوا عليه أرادوا أن يقبلوا الأرض بين يديه، فمنعهم من ذلك سليمان بن داود وقال: لا ينبغي أن يسجد إنسان على الأرض إلا لله عز وجل خالق الأرض والسموات وغيرهما، ومن أراد منكم أن يقف فليقف، ولكن لا يقف أحد منكم في خدمتي. فامتثلوا، وجلس الوزير فارس وبعض خدامه، ووقف في خدمته بعض الأصاغر، فلما استقر بهم الجلوس مدوا لهم الأسمطة، فأكل العالم والخلق أجمعون من الطعام حتى اكتفوا. ثم إن سليمان أمر وزير مصر أن يذكر حاجته لتقضى، وقال له: تكلم ولا تخف شيئا مما جئت بسببه، فإنك ما جئت إلا لقضاء حاجة، وأنا أخبرك بها، وهي كذا وكذا، وأن ملك مصر الذي أرسلك اسمه عاصم، وقد صار شيخا كبيرا هرما ضعيفا، ولم يرزقه الله تعالى بولد ذكر ولا أنثى، فصار في الغم والهم والفكر ليلا ونهارا، حتى اتفق له أنه جلس على كرسي مملكته يوما من الأيام ودخل عليه الأمراء والوزراء وأكابر دولته، فرأى بعضهم له ولدان وبعضهم له ولد، وبعضهم له ثلاثة أولاد، وهم يدخلون ومعهم أولادهم ويقفون في الخدمة، فتذكر في نفسه وقال من فرط حزنه: يا ترى من يأخذ مملكتي بعد موتي؟ وهل يأخذها إلا رجل غريب، ms1698 وأصير أنا كأني لم أكن؟ فغرق في بحر الفكر بسبب هذا، ولم يزل متفكرا حزينا حتى فاضت عيناه بالدموع، فغطى وجهه بالمنديل وبكى بكاء شديدا، ثم قام من فوق سريره وجلس على الأرض يبكي وينتحب، ولم يعلم ما في قلبه إلا الله تعالى، وهو جالس على الأرض. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 760 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام، لما أخبر الوزير فارسا بما حصل للملك من الحزن والبكاء، وما حصل بينه وبين وزيره فارس من أوله إلى آخره، قال بعد ذلك للوزير فارس: هل هذا الذي قلته لك يا وزير صحيح؟ فقال الوزير فارس: يا نبي الله، إن الذي قلته حق وصدق، ولكن يا نبي الله، لما كنت أتحدث أنا والملك في هذه القضية، لم يكن عندنا أحد قط ولم يشعر بخبرنا أحد من الناس، فمن أخبرك بهذه الأمور كلها؟ قال له: أخبرني ربي الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فحينئذ قال الوزير فارس: يا نبي الله، ما هذا إلا رب كريم عظيم على كل شيء قدير. ثم أسلم الوزير فارس هو ومن معه، ثم قال نبي الله سليمان للوزير: إن معك كذا وكذا من التحف والهدايا. قال الوزير: نعم. فقال له سليمان: قد قبلت منك الجميع، ولكني وهبتها لك فاسترح أنت ومن معك في المكان الذي نزلتم فيه حتى يزول عنكم تعب السفر، وفي غد إن شاء الله تعالى نقضي حاجتك على أتم ما يكون بمشيئة الله تعالى، رب الأرض والسماء وخالق الخلق أجمعين. # ثم إن الوزير فارسا ذهب إلى موضعه، وتوجه إلى السيد سليمان ثاني يوم، فقال له نبي الله سليمان: إذا وصلت إلى الملك عاصم بن صفوان، واجتمعت أنت وهو فاطلعا فوق الشجرة الفلانية واقعدا ساكتين، فإذا كان بين الصلاتين، وقد برد حر القائلة، فانزلا إلى أسفل الشجرة وانظرا هناك تجدا ثعبانين يخرجان، رأس أحدهما كرأس القرد، ورأس الآخر كرأس العفريت، فإذا رأيتماهما ms1699 فارمياهما بالنشاب واقتلاهما، ثم ارميا من جهة رأسيهما قدر شبر واحد، ومن جهة ذيليهما كذلك، فتبقى لحومهما، فاطبخاهما، وأتقنا طبخهما وأطعماهما زوجتيكما، وناما معهما تلك الليلة، فإنهما يحملان بإذن الله تعالى بأولاد ذكور. ثم إن سليمان عليه السلام أحضر خاتما وسيفا وبقجة فيها قباءان مكللان بالجواهر، وقال: يا وزير فارس، إذا كبر ولداكما وبلغا مبلغ الرجال فأعطيا كل واحد منهما قباء من هذين القباءين. ثم قال للوزير: باسم الله، قضى الله تعالى حاجتك، وما بقي لك إلا أن تسافر على بركة الله تعالى، فإن الملك ليلا ونهارا ينتظر قدومك وعينه دائما تلاحظ الطريق. # ثم إن الوزير فارسا تقدم لنبي الله سليمان بن داود عليهما السلام وودعه، وخرج من عنده بعد أن قبل يديه، وسافر بقية يومه وهو فرحان بقضاء حاجته، وجد في السفر ليلا ونهارا، ولم يزل مسافرا حتى وصل إلى قرب مصر، فأرسل بعض خدامه ليعلم الملك عاصما بذلك، فلما سمع الملك عاصم بقدومه وقضاء حاجته، فرح فرحا شديدا هو وخواصه وأرباب مملكته وجميع جنوده، وخصوصا بسلامة الوزير فارس. فلما تلاقى الملك هو والوزير، ترجل الوزير وقبل الأرض بين يديه وبشر الملك بقضاء حاجته على أتم الوجوه، وعرض عليه الإيمان والإسلام، فأسلم الملك عاصم وقال للوزير فارس: رح بيتك واسترح هذه الليلة، واسترح أيضا جمعة من الزمان، وادخل الحمام وبعد ذلك تعال عندي حتى أخبرك بشيء نتدبر فيه. فقبل الوزير الأرض وانصرف هو وحاشيته وغلمانه وخدمه إلى داره واستراح ثمانية أيام، ثم بعد ذلك توجه إلى الملك وحدثه بجميع ما كان بينه وبين سليمان بن داود عليهما السلام، ثم إنه قال للملك: قم وحدك وتعال معي. فقام هو والوزير وأخذا قوسين ونشابين، وطلعا فوق الشجرة وقعدا ساكتين إلى أن مضى وقت القائلة، ولم يزالا إلى قرب العصر، ثم نزلا ونظرا فرأيا ثعبانين خرجا من أسفل تلك الشجرة، فنظرهما الملك وأحبهما؛ لأنهما أعجباه حين رآهما بالأطواق الذهب، وقال: يا وزير، إن هذين الثعبانين مطوقان بالذهب، والله إن هذا شيء عجيب، ms1700 خلنا نمسكهما ونجعلهما في قفص ونتفرج عليهما. فقال الوزير: هذان خلقهما الله لمنفعتهما، فارم أنت واحدا بنشابة، وأرمي أنا واحدا بنشابة. فرمى الاثنان عليهما بالنشاب، فقتلاهما وقطعا من جهة رأسيهما شبرا، ومن جهة ذنبيهما شبرا ورمياها، ثم ذهبا بالباقي إلى بيت الملك، وطلبا الطباخ، وأعطياه ذلك اللحم وقالا له: اطبخ هذا اللحم طبخا مليحا بالتقلية والأبازير، وأغرقه في زبديتين وهاتهما وتعال هنا في الوقت الفلاني والساعة الفلانية ولا تبطئ. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 761 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك والوزير لما أعطيا الطباخ لحم الثعبانين، وقالا له: اطبخه واغرفه في زبديتين وهاتهما هنا، ولا تبطئ. أخذ الطباخ اللحم وذهب به إلى المطبخ وطبخه، وأتقن طبخه بتقلية عظيمة، ثم غرفه في زبديتين وأحضرهما بين يدي الملك والوزير، فأخذ الملك زبدية والوزير زبدية وأطعماهما لزوجتيهما، وباتا تلك الليلة معهما، فبإرادة الله سبحانه وتعالى وقدرته ومشيئته حملتا في تلك الليلة، فمكث الملك بعد ذلك ثلاثة أشهر، وهو متشوش الخاطر يقول في نفسه: يا ترى، هل هذا الأمر صحيح أم غير صحيح؟ ثم إن زوجته كانت جالسة يوما من الأيام فتحرك الولد في بطنها، فعلمت أنها حامل، فتوجعت وتغير لونها، وطلبت واحدا من الخدام الذين عندها وهو أكبرهم، وقالت: اذهب إلى الملك في أي موضع يكون، وقل له: يا ملك الزمان، أبشرك أن سيدتنا ظهر حملها والولد قد تحرك في بطنها. فخرج الخادم سريعا وهو فرحان، فرأي الملك وحده ويده على خده، وهو متفكر في ذلك، فأقبل عليه الخادم وقبل الأرض بين يديه، وأخبره بحمل زوجته، فلما سمع كلام الخادم نهض قائما على قدميه، ومن شدة فرحه قبل يد الخادم ورأسه، وخلع ما كان عليه وأعطاه إياه، وقال لمن كان حاضرا في مجلسه: من كان يحبني فلينعم عليه. فأعطوه من الأموال والجواهر واليواقيت والخيل والبغال والبساتين شيئا لا يعد ولا يحصى. # ثم إن الوزير دخل في ذلك الوقت على الملك وقال: يا ملك الزمان، أنا في ms1701 هذه الساعة كنت قاعدا في البيت وحدي، وأنا مشغول الخاطر متفكر في شأن الحمل، وأقول في نفسي: يا ترى هل هو حق؟ وإن خاتون تحبل أم لا؟ وإذا بالخادم دخل علي، وبشرني بأن زوجتي خاتون حامل، وأن الولد قد تحرك في بطنها وتغير لونها، فمن فرحتي خلعت ما كان علي من القماش وأعطيت الخادم إياه، وأعطيته ألف دينار وجعلته كبير الخدام. ثم إن الملك عاصما قال: يا وزير، إن الله تبارك وتعالى أنعم علينا بفضله وإحسانه وجوده وامتنانه، وبالدين القويم، وأكرمنا بكرمه وفضله، وقد أخرجنا من الظلمات إلى النور، وأريد أن أفرج على الناس وأفرحهم. فقال الوزير: افعل ما تريد؟ فقال: يا وزير، انزل في هذا الوقت، وأخرج كل من كان في الحبس من أصحاب الجرائم، ومن عليهم ديون، وكل من وقع منه ذنب، بعد ذلك نجازيه بما يستحقه، ونرفع عن الناس الخراج ثلاث سنوات، وانصب في دائر هذه المدينة مطبخا حول الحيطان، ومر الطباخين أن يعلقوا عليه جميع أنواع القدور، وأن يطبخوا سائر أنواع الطعام، ويداوموا الطبخ بالليل والنهار، وكل من كان في هذه المدينة وما حولها من البلاد البعيدة والقريبة يأكلون ويشربون ويحملون إلى بيوتهم، ومرهم أن يفرحوا ويزينوا المدينة سبعة أيام، ولا يقفلوا حوانيتهم ليلا ولا نهارا. # فخرج الوزير من وقته وساعته وفعل ما أمره به الملك عاصم، وزينوا المدينة والقلعة والأبراج أحسن الزينة، ولبسوا أحسن ملبوس، وصار الناس في أكل وشرب ولعب وانشراح إلى أن حصل الطلق لزوجة الملك بعد انقضاء أيامها، فوضعت ولدا ذكرا كالقمر ليلة تمامه فسماه سيف الملوك، وكذلك زوجة الوزير وضعت ولدا كالصباح، فسماه ساعدا. فلما بلغا رشدهما صار الملك عاصم كلما ينظرهما يفرح بهما الفرح الشديد، فلما صار عمرهما عشرين سنة طلب الملك وزيره فارسا في خلوة، وقال له: يا وزير، قد خطر ببالي أمر أريد أن أفعله ولكن أستشيرك فيه. فقال له الوزير: مهما خطر ببالك فافعله، فإن رأيك مبارك. فقال الملك عاصم: يا وزير، أنا صرت رجلا كبيرا شيخا ms1702 هرما؛ لأني طعنت في السن، وأريد أن أقعد في زاوية لأعبد الله تعالى، وأعطي ملكي وسلطنتي لولدي سيف الملوك؛ فإنه صار شابا مليحا كامل الفروسية والعقل والأدب والحشمة والرياسة، فما تقول أيها الوزير في هذا الرأي؟ فقال الوزير: نعم الرأي الذي رأيته، وهو رأي مبارك سعيد، فإذا فعلت أنت هذا فأنا الآخر أفعل مثلك، ويكون ولدي ساعد وزيرا له؛ لأنه شاب مليح ذو معرفة ورأي، ويصير الاثنان مع بعضهما، ونحن ندبر شأنهما ولا نتهاون في أمرهما، بل ندلهما على الطريق المستقيم. # ثم قال الملك عاصم لوزيره: اكتب الكتب وأرسلها مع السعاة إلى جميع الأقاليم والبلاد والحصون والقلاع التي تحت أيدينا، ومر أكابرها أن يكونوا في الشهر الفلاني حاضرين في ميدان الفيل. فخرج الوزير فارس من وقته وساعته، وكتب إلى جميع العمال وأصحاب القلاع، ومن كان تحت حكم الملك عاصم، أن يحضروا جميعهم في الشهر الفلاني، وأمر أن يحضر كل من في المدينة من قاص ودان، ثم إن الملك عاصما بعد مضي غالب تلك المدة أمر الفراشين أن يضربوا القباب في وسط الميدان، وأن يزينوها بأفخر الزينة، وأن ينصبوا التخت الكبير الذي لا يقعد عليه الملك إلا في الأعياد، ففعلوا في الحال جميع ما أمرهم به ونصبوا التخت، وخرجت النواب والحجاب والأمراء، وخرج الملك وأمر أن ينادى في الناس: باسم الله ابرزوا إلى الميدان. فبرز الأمراء والوزراء وأصحاب الأقاليم والضياع إلى ذلك الميدان، ودخلوا في خدمة الملك على جري عادتهم، واستقروا كلهم في مراتبهم، فمنهم من قعد ومنهم من وقف إلى أن اجتمعت الناس جميعهم، وأمر الملك أن يمدوا السماط فمدوه وأكلوا وشربوا ودعوا للملك. # ثم أمر الملك الحجاب أن ينادوا في الناس بعدم الذهاب، فنادوا وقالوا في المناداة: لا يذهب منكم أحد حتى يسمع كلام الملك. ثم رفعوا الستور، فقال الملك: من أحبني فليمكث حتى يسمع كلامي. فقعد الناس جميعهم مطمئني النفوس بعد أن كانوا خائفين، ثم قام الملك على قدميه وحلفهم ألا يقوم أحد من مقامه، وقال لهم: أيها ms1703 الأمراء والوزراء وأرباب الدولة، كبيركم وصغيركم، ومن حضر من جميع الناس، هل تعلمون أن هذه المملكة لي وراثة عن آبائي وأجدادي؟ قالوا له: نعم أيها الملك، كلنا نعلم ذلك. فقال لهم: أنا وأنتم كنا كلنا نعبد الشمس والقمر، ورزقنا الله تعالى الإيمان، وأنقذنا من الظلمات إلى النور، وهدانا الله سبحانه وتعالى إلى دين الإسلام، واعلموا أني الآن صرت رجلا كبيرا شيخا هرما عاجزا، وأريد أن أجلس في زاوية أعبد الله تعالى فيها، وأستغفره من الذنوب الماضية، وهذا ولدي سيف الملوك حاكم، وتعرفون أنه شاب مليح فصيح خبير بالأمور عاقل فاضل عادل، فأريد في هذه الساعة أن أعطيه مملكتي وأجعله ملكا عليكم عوضا عني، وأجلسه سلطانا في مكاني، وأتخلى أنا لعبادة الله تعالى في زاوية، وابني سيف الملوك يتولى الملك ويحكم بينكم؛ فأي شيء قلتم كلكم بأجمعكم؟ فقاموا كلهم وقبلوا الأرض بين يديه، وأجابوا بالسمع والطاعة، وقالوا: يا ملكنا وحامينا، لو أقمت علينا عبدا من عبيدك لأطعناه وسمعنا قولك وامتثلنا أمرك، فكيف بولدك سيف الملوك؟ قبلناه ورضيناه على العين والرأس. فقام الملك عاصم بن صفوان، ونزل من فوق سريره، وأجلس ولده على التخت الكبير، ورفع التاج من فوق رأس نفسه، ووضعه فوق رأس ولده، وشد وسطه بمنطقة الملك، وجلس الملك عاصم على كرسي مملكته بجانب ولده، فقام الأمراء والوزراء وأكابر الدولة وجميع الناس، وقبلوا الأرض بين يديه وصاروا وقوفا يقولون لبعضهم: هو حقيق بالملك، وهو أولى به من الغير. ونادوا بالأمان، ودعوا له بالنصر والإقبال. ونثر سيف الملوك الذهب والفضة على رءوس الناس أجمعين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 762 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك عاصما لما أجلس ولده سيف الملوك على التخت، ودعا له كامل الناس بالنصر والإقبال، نثر الذهب والفضة على رءوس الناس أجمعين، وخلع الخلع ووهب وأعطى، ثم بعد لحظة قام الوزير فارس وقبل الأرض وقال: يا أمراء، يا أرباب الدولة، هل تعرفون أني وزير ووزارتي قديمة قبل أن يتولى الملك ms1704 عاصم بن صفوان، وهو الآن قد خلع نفسه من الملك وولى ولده عوضا عنه؟ قالوا: نعم، نعرف وزارتك أبا عن جد. فقال: والآن أخلع نفسي وأولي ولدي ساعدا هذا، فإنه عاقل فطن خبير، فأي شيء تقولون بأجمعكم؟ فقالوا: لا يصلح وزيرا للملك سيف الملوك إلا ولدك ساعد، فإنهما يصلحان لبعضهما. فعند ذلك قام الوزير فارس وقلع عمامة الوزارة ووضعها فوق رأس ولده ساعد، وحط دواة الوزراء قدامه أيضا، وقالت الحجاب والأمراء: إنه يستحق الوزارة. فعند ذلك قام الملك عاصم والوزير فارس وفتحا الخزائن، وخلعا الخلع السنية على الملوك والأمراء والوزراء وأكابر الدولة والناس أجمعين، وأعطيا النفقة والأنعام، وكتبا لهم المناشير الجديدة والمراسيم بعلامة سيف الملوك وعلامة الوزير ساعد ابن الوزير فارس، وأقام الناس في المدينة جمعة، وبعدها كل منهم سافر إلى بلاده ومكانه. # ثم إن الملك عاصما أخذ ولده سيف الملوك وساعدا ولد الوزير، ثم دخلوا المدينة وطلعوا القصر، وأحضروا الخازندار وأمروه بإحضار الخاتم والسيف والبقجة، وقال الملك عاصم: يا ولدي، تعاليا كل واحد منكما يختار من هذه الهدية شيئا ويأخذه. فأول من مد يده سيف الملوك فأخذ البقجة والخاتم، ومد ساعد يده فأخذ السيف والمهر، وقبلا يدي الملك، وذهبا إلى منزليهما. فلما أخذ سيف الملوك البقجة لم يفتحها ولم ينظر ما فيها، بل رماها فوق التخت الذي ينام عليه بالليل هو وساعد وزيره، وكان من عادتهما أن يناما مع بعضهما. ثم إنهما فرشا لهما فراش النوم، ورقد الاثنان مع بعضهما على فراشهما والشموع تضيء عليهما، واستمرا إلى نصف الليل، ثم انتبه سيف الملوك من نومه، فرأى البقجة عند رأسه، فقال في نفسه: يا ترى أي شيء في هذه البقجة التي أهداها لنا الملك من التحف؟ فأخذها وأخذ الشمعة ونزل من فوق التخت وترك ساعدا نائما، ودخل الخزانة وفتح البقجة فرأى فيها قباء من شغل الجان، ففتح القباء وفرده فوجد على البطانة التي من داخل في جهة ظهر القباء صورة بنت منقوشة بالذهب، ولكن جمالها شيء عجيب، فلما رأى هذه ms1705 الصورة طار عقله من رأسه، وصار مجنونا بعشق تلك الصورة، ووقع في الأرض مغشيا عليه، وصار يبكي وينتحب ويلطم على وجهه وصدره ويقبلها، ثم أنشد هذين البيتين: # الحب أول ما يكون مجاجة %~% تأتي به وتسوقه الأقدار ~~حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى %~% جاءت أمور لا تطاق كبار # ولم يزل سيف الملوك ينتحب ويبكي ويلطم على وجهه وصدره حتى انتبه الوزير ساعد، وتأمل الفرش فلم ير سيف الملوك، فرأى شمعة، فقال في نفسه: أين راح سيف الملوك؟ ثم أخذ الشمعة وقام يدور في القصر جميعه حتى وصل إلى الخزانة التي فيها سيف الملوك، فرآه وهو يبكي بكاء شديدا وينتحب، فقال له: يا أخي، لأي سبب هذا البكاء؟ أي شيء جرى لك؟ فحدثني وأخبرني بسبب ذلك. وسيف الملوك لم يكلمه ولم يرفع رأسه، بل يبكي وينتحب ويدق يده على صدره. فلما رآه ساعد على هذه الحالة قال: أنا وزيرك وأخوك وتربيت أنا وإياك، وإن لم تبين لي أمورك وتطلعني على سرك، فعلى من تخرج سرك وتطلعه عليه؟ ولم يزل ساعد يتضرع ويقبل الأرض ساعة زمانية، وسيف الملوك لم يلتفت إليه، ولم يكلمه كلمة واحدة، بل يبكي. فلما راع ساعدا حاله وأعياه أمره، خرج من عنده وأخذ سيفا ودخل الخزانة التي فيها سيف الملوك، وحط ذبابه على صدر نفسه وقال لسيف الملوك: انتبه يا أخي، إن لم تقل لي أي شيء جرى، قتلت روحي ولا أراك في هذه الحال. فعند ذلك رفع سيف الملوك رأسه إلى وزيره ساعد، وقال له: يا أخي، أنا استحييت أن أقول لك وأخبرك بالذي جرى لي. فقال له ساعد: سألتك بالله رب الأرباب، ومعتق الرقاب، ومسبب الأسباب، الواحد التواب، الكريم الوهاب، أن تقول لي ما الذي جرى لك ولا تستحي مني؛ فأنا عبدك ووزيرك، ومشيرك في الأمور كلها. فقال سيف الملوك: تعال انظر إلى هذه الصورة. فلما رأى ساعد تلك الصورة تأمل فيها ساعة زمانية، ورأى مكتوبا على رأس الصورة باللؤلؤ المنظوم: هذه الصورة صورة بديعة الجمال بنت ms1706 شماخ بن شاروخ ملك من ملوك الجان المؤمنين، الذين هم نازلون في مدينة بابل، وساكنون في بستان إرم بن عاد الأكبر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 763 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن سيف الملوك ابن الملك عاصم، والوزير ساعدا ابن الوزير فارس لما قرآ الكتابة التي على القباء، ورأيا فيها صورة بديعة الجمال بنت شماخ بن شاروخ ملك بابل، من ملوك الجان المؤمنين النازلين بمدينة بابل، الساكنين في بستان إرم بن عاد الأكبر؛ قال الوزير ساعد للملك سيف الملوك: يا أخي، أتعرف من صاحبة هذه الصورة من النساء حتى تفتش عليها؟ فقال سيف الملوك: لا والله يا أخي ما أعرف صاحبة هذه الصورة. فقال ساعد: تعال اقرأ هذه الكتابة. فتقدم سيف الملوك، وقرأ الكتابة التي على التاج وعرف مضمونها، فصرخ من صميم قلبه وقال: آه آه! فقال له ساعد: يا أخي، إن كانت صاحبة هذه الصورة موجودة، واسمها بديعة الجمال وهي في الدنيا، فأنا أسرع في طلبها من غير مهلة حتى تبلغ مرادك، فبالله يا أخي أن تترك البكاء لأجل أن تدخل أهل الدولة في خدمتك، فإذا كان ضحوة النهار فاطلب التجار والفقراء والسواحين والمساكين واسألهم عن صفات هذه المدينة، لعل أحدا ببركة الله سبحانه وتعالى وعونه يدلنا عليها وعلى بستان إرم. # فلما أصبح الصباح، قام سيف الملوك وطلع فوق التخت وهو معانق للقباء؛ لأنه صار لا يقوم ولا يقعد ولا يأتيه نوم إلا وهو معه، فدخلت عليه الأمراء والوزراء والجنود وأرباب الدولة، فلما تم الديوان وانتظم الجمع قال الملك سيف الملوك لوزيره ساعد: ابرز لهم، وقل لهم إن الملك حصل له تشويش، والله ما بات البارحة إلا وهو ضعيف. فطلع الوزير ساعد وأخبر الناس بما قال الملك، فلما سمع الملك عاصم ذلك لم يهن عليه ولده، فعند ذلك دعا بالحكماء والمنجمين، ودخل بهم على ولده سيف الملوك، فنظروا إليه ووصفوا له الشراب، واستمر موضعه مدة ثلاثة أشهر، فقال الملك عاصم للحكماء الحاضرين وهو ms1707 مغتاظ عليهم: ويلكم يا كلاب، هل عجزتم كلكم عن مداواة ولدي؟ فإن لم تداووه في هذه الساعة أقتلكم جميعا. فقال رئيسهم الكبير: يا ملك الزمان، إننا نعلم أن هذا ولدك، وأنت تعلم أننا لا نتساهل في مداواة الغريب، فكيف بمداواة ولدك؟ ولكن ولدك به مرض صعب، إن شئت معرفته نذكره لك ونحدثك به. قال الملك عاصم: أي شيء ظهر لكم من مرض ولدي؟ فقال له الحكيم الكبير: يا ملك الزمان، إن ولدك الآن عاشق ويحب من لا سبيل إلى وصاله. فاغتاظ الملك عليهم وقال: من أين علمتم أن ولدي عاشق؟ ومن أين جاء العشق لولدي؟ فقالوا له: اسأل أخاه ووزيره ساعدا، فإنه هو الذي يعلم حاله. فعند ذلك قام الملك عاصم ودخل في خزانة وحده، ودعا بساعد وقال له: اصدقني بحقيقة مرض أخيك. فقال له: ما أعلم حقيقته. فقال الملك للسياف: خذ ساعدا واربط عينيه واضرب رقبته. فخاف ساعد على نفسه، وقال: يا ملك الزمان، اعطني الأمان. فقال له: قل لي ولك الأمان. فقال له ساعد: إن ولدك عاشق. فقال له الملك: ومن معشوقه؟ فقال ساعد: بنت ملك من ملوك الجان، فإنه رأى صورتها في قباء من البقجة التي أهداها إليكم سليمان نبي الله. # فعند ذلك قام الملك عاصم ودخل على ابنه سيف الملوك، وقال له: يا ولدي، أي شيء دهاك؟ وما هذه الصورة التي عشقتها؟ ولأي شيء لم تخبرني؟ فقال سيف الملوك: يا أبت، كنت أستحيي منك، وما كنت أقدر أن أذكر لك، ولا أقدر أن أظهر أحدا على شيء منه أبدا، والآن قد علمت بحالي، فانظر كيف تعمل في مداواتي. فقال له أبوه: كيف تكون الحيلة؟ لو كانت هذه من بنات الإنس كنا دبرنا حيلة في الوصول إليها، ولكن هذه من بنات ملوك الجان، ومن يقدر عليها إلا إذا كان سليمان بن داود؟ فإنه هو الذي يقدر على ذلك، ولكن يا ولدي قم في هذه الساعة، وقو روحك، واركب ورح إلى الصيد والقنص واللعب في الميدان، واشتغل بالأكل ms1708 والشرب، واصرف الهم والغم عن قلبك، وأنا أجيء لك بمائة بنت من بنات الملوك، وما لك حاجة ببنات الجان التي ليس لنا قدرة عليهم، ولا هم من جنسنا. فقال له: أنا ما أتركها ولا أطلب غيرها. فقال له: كيف يكون العمل يا ولدي؟ فقال له ابنه: احضر لنا جميع التجار والمسافرين والسواحين في البلاد لنسألهم عن ذلك، لعل الله يدلنا على بستان إرم، وعلى مدينة بابل. فأمر الملك عاصم أن يحضر كل تاجر في المدينة، وكل غريب فيها، وكل رئيس في البحر، فلما حضروا سألهم عن مدينة بابل وعن جزيرتها وعن بستان إرم، فما أحد منهم عرف هذه الصفة، ولا أخبر عنها بخبر، وعند انفضاض المجلس قال واحد منهم: يا ملك الزمان، إن كنت تريد أن تعرف ذلك فعليك ببلاد الصين، فإنها مدينة كبيرة، ولعل أحدا منها يدلك على مقصودك. # ثم إن سيف الملوك قال: يا أبي، جهز لي مركبا للسفر إلى بلاد الصين. فقال له أبوه الملك عاصم: يا ولدي، اجلس أنت على كرسي مملكتك واحكم في الرعية، وأنا أسافر إلى بلاد الصين وأمضي إلى هذا الأمر بنفسي. فقال سيف الملوك: يا أبي، إن هذا الأمر متعلق بي وما، يقدر أحد أن يفتش عليه مثلي، وأي شيء يجري إذا كنت تعطيني إذنا بالسفر، وأتغرب مدة من الزمان؟ فإن وجدت لها خبرا حصل المراد، وإن لم أجد لها خبرا يكون في السفر انشراح صدري، ونشاط خاطري، ويهون أمري بسبب ذلك، وإن عشت رجعت إليك سالما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 764 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن سيف الملوك قال لوالده الملك عاصم: جهز لي مركبا لأسافر فيها إلى بلاد الصين حتى أفتش على مقصودي، فإن عشت رجعت إليك سالما. فنظر الملك إلى ابنه فلم ير له حيلة غير أنه يعمل له الذي يرضيه، فأعطاه إذنا بالسفر، وجهز له أربعين مركبا وعشرين ألف مملوك غير الأتباع، وأعطاه أموالا وخزائن وكل شيء يحتاج إليه من آلات ms1709 الحرب، وقال له: سافر يا ولدي في خير وعافية وسلامة، وقد استودعتك عند من لا تخيب عنده الودائع. فعند ذلك ودعه أبوه وأمه، وشحنت المراكب بالماء والزاد والسلاح والعساكر، ثم سافروا. ولم يزالوا مسافرين حتى وصلوا إلى مدينة الصين، فلما سمع أهل الصين أنه وصل إليهم أربعون مركبا مشحونة بالرجال والعدد والسلاح والذخائر، اعتقدوا أنهم أعداء جاءوا إلى قتالهم وحصارهم، فقفلوا أبواب المدينة وجهزوا المنجنيقات، فلما سمع الملك سيف الملوك ذلك أرسل إليهم مملوكين من مماليكه الخواص، وقال لهم: امضوا إلى ملك الصين، وقولوا له: إن هذا سيف الملوك ابن الملك عاصم، جاء إلى مدينتك ضيفا ليتفرج في بلادك مدة من الزمان، ولا يقاتل ولا يخاصم، فإن قبلته نزل عندك، وإن لم تقبله رجع ولا يشوش عليك ولا على أهل مدينتك. # فلما وصل المماليك إلى المدينة قالوا لأهلها: نحن رسل الملك سيف الملوك. ففتحوا لهم الباب، وذهبوا بهم وأحضروهم عند ملكهم، وكان اسمه قعفوشاه، وكان بينه وبين الملك عاصم قبل تاريخه معرفة، فلما سمع أن الملك القادم عليه هو سيف الملوك ابن الملك عاصم، خلع على الرسل وأمر بفتح الأبواب وجهز الضيافات، وخرج بنفسه مع خواص دولته وجاء إلى سيف الملوك وتعانقا، وقال له: أهلا وسهلا ومرحبا بمن قدم علينا، وأنا مملوكك ومملوك أبيك ومدينتي بين يديك، وكل ما تطلبه يحضر إليك. وقدم له الضيافات والزاد في مواضع الإقامات، وركب الملك سيف الملوك وساعد وزيره ومعهما خواص دولتهما وبقية العساكر، وساروا في ساحل البحر إلى أن دخلوا المدينة، وضربت الكاسات ودقت البشائر، وأقاموا فيها مدة أربعين يوما في ضيافات حسنة. # ثم بعد ذلك قال له: يا ابن أخي، كيف حالك؟ هل أعجبتك بلادي؟ فقال له سيف الملوك: أدام الله تعالى تشريفها بك أيها الملك. فقال الملك قعفوشاه: ما جاء بك إلا حاجة طرأت لك، وأي شيء تريده من بلادي فأنا أقضيه لك. فقال له سيف الملوك: إن حديثي عجيب، وهو أني عشقت صورة بديعة الجمال. فبكى ملك الصين رحمة له ms1710 وشفقة عليه، وقال له: وما تريد الآن يا سيف الملوك؟ فقال له: أريد منك أن تحضر لي جميع السواحين والمسافرين، ومن له عادة بالأسفار حتى أسألهم عن صاحبة هذه الصورة، لعل أحدا منهم يخبرني بها. فأرسل الملك قعفوشاه النواب والحجاب والأعوان، وأمرهم أن يحضروا جميع من في البلاد من السواحين والمسافرين، فأحضروهم وكانوا جماعة كثيرة، فاجتمعوا عند الملك قعفوشاه، ثم سأل الملك سيف الملوك عن مدينة بابل، وعن بستان إرم، فلم يرد عليه أحد منهم جوابا. فتحير الملك سيف الملوك في أمره، ثم بعد ذلك قال واحد من الرؤساء البحرية: أيها الملك، إن أردت أن تعلم هذه المدينة وذلك البستان، فعليك بالجزائر التي في بلاد الهند. فعند ذلك أمر سيف الملوك أن يحضروا المركب، ففعلوا ونقلوا فيها الماء والزاد وجميع ما يحتاجون إليه، وركب سيف الملوك وساعد وزيره بعد أن ودعوا الملك قعفوشاه، وسافروا في البحر مدة أربعة أشهر في ريح طيبة سالمين مطمئنين، فاتفق أن خرج عليهم ريح في يوم من الأيام، وجاءهم الموج من كل مكان، ونزلت عليهم الأمطار وتغير البحر من شدة الريح، ثم ضربت المراكب بعضها بعضا من شدة الريح، فانكسرت جميعها وكذلك الزوارق الصغيرة، وغرقوا جميعهم وبقي سيف الملوك مع جماعة من مماليكه في زروق صغير. # ثم سكت الريح وسكن بقدرة الله تعالى، وطلعت الشمس ففتح سيف الملوك عينه، فلم ير شيئا من المراكب، ولم ير غير السماء والماء، وهو ومن معه في الزورق الصغير، فقال لمن معه من مماليكه: أين المراكب والزوارق الصغيرة؟ وأين أخي ساعد؟ فقالوا له: يا ملك الزمان، لم يبق مراكب ولا زوارق، ولا من فيها، فإنهم غرقوا كلهم وصاروا طعما للسمك. فصرخ سيف الملوك، وقال كلمة لا يخجل قائلها وهي: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصار يلطم على وجهه، وأراد أن يرمي نفسه في البحر، فمنعه المماليك وقالوا له: يا ملك، أي شيء يفيدك من هذا؟ فأنت الذي فعلت بنفسك هذه الفعال، ولو سمعت كلام أبيك ما ms1711 كان جرى عليك من هذا شيء، ولكن كل هذا مكتوب من القدم بإرادة بارئ النسم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 765 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن سيف الملوك لما أراد أن يرمي نفسه في البحر منعته المماليك، وقالوا له: أي شيء يفيدك من هذا؟ فأنت الذي فعلت بنفسك هذه الفعال، ولكن هذا شيء مكتوب من القدم بإرادة بارئ النسم، حتى يستوفي العبد ما كتب الله عليه، وقد قال المنجمون لأبيك عند ولادتك: إن ابنك هذا تجري عليه الشدائد كلها، وحينئذ ليس لنا حيلة إلا الصبر حتى يفرج الله علينا الكرب الذي نحن فيه. فقال سيف الملوك: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا مفر من قضاء الله تعالى ولا مهرب. ثم إنه تنهد وأنشد هذه الأبيات: # تحيرت والرحمن لا شك في أمري %~% وأدركني الوسواس من حيث لا أدري ~~سأصبر حتى يعلم الناس أنني %~% صبرت على شيء أمر من الصبر ~~وما طعم صاب الصبر صبري وإنما %~% صبرت على شيء أحر من الجمر ~~وما حيلتي في الأمر هذا وإنما %~% أفوض أحوالي إلى صاحب الأمر # ثم غرق في بحر الأفكار، وجرت دموعه على خده كالمدرار، ونام ساعة من النهار، ثم استفاق وطلب شيئا من الأكل، فأكل حتى اكتفى ورفعوا الزاد من قدامه والزورق سائر بهم، ولم يعلموا إلى أي جهة يتوجه بهم، ولم يزل يسير بهم مع الأمواج والرياح ليلا ونهارا مدة مديدة من الزمان، حتى فرغ منهم الزاد، وذهلوا عن الرشاد، وصاروا في أشد ما يكون من الجوع والعطش والقلق، وإذا بجزيرة قد لاحت لهم على بعد، فصارت الرياح تسوقهم إلى أن وصلوا إليها وأرسوا عليها، وطلعوا من الزورق وتركوا فيه واحدا، ثم توجهوا إلى تلك الجزيرة، فرأوا فيها فواكه كثيرة من سائر الألوان، فأكلوا منها حتى اكتفوا، وإذا بشخص جالس بين تلك الأشجار، طويل الوجه، رؤيته عجيبة، أبيض اللحية والبدن، فنادى بعض المماليك باسمه وقال له: لا تأكل من هذه الفواكه؛ لأنها لم ms1712 تستو وتعال عندي حتى أطعمك من هذه الفواكه المستوية. فنظر إليه المملوك وظن أنه من جملة الغرقى الذين غرقوا وطلع على هذه الجزيرة، ففرح برؤيته غاية الفرح ومشى حتى وصل قريبا منه، وذلك المملوك لا يعلم الذي قدر عليه في الغيب، وما هو مسطر على جبينه، فلما صار ذلك المملوك قريبا منه وثب عليه ذلك الرجل لأنه مارد، وركب فوق أكتافه ولف إحدى رجليه على رقبته، والأخرى أرخاها على ظهره، وقال له: امش ما بقي لك مني خلاص، وأنت بقيت حماري. فصاح ذلك المملوك على رفقائه وصار يبكي ويقول: وا سيداه! اخرجوا وانجوا بأنفسكم من هذه الغابة واهربوا؛ لأن واحدا من سكانها ركب فوق أكتافي، وإن البقية يطلبونكم ويريدون أن يركبوكم مثلي. # فلما سمعوا ذلك الكلام الذي قاله المملوك، هربوا كلهم ونزلوا في الزورق، فتبعوهم في البحر وقالوا لهم: أين تذهبون؟ تعالوا اقعدوا عندنا ولنركب فوق ظهوركم ونطعمكم ونسقيكم وتبقوا حميرنا. فلما سمعوا منهم هذا الكلام أسرعوا بالسير في البحر إلى أن بعدوا عنهم وتوجهوا متوكلين على الله تعالى. ولم يزالوا كذلك مدة شهر حتى بانت لهم جزيرة أخرى، فطلعوا في تلك الجزيرة فرأوا فيها فواكه مختلفة الأنواع، فاشتغلوا بأكل الفواكه، وإذا هم بشيء في الطريق يلوح على بعد، فلما قربوا منه نظروا إليه فرأوه بشع المنظر مرميا مثل عامود من فضة، فلكزه مملوك برجله وإذا هو شخص طويل العينين، مشقوق الرأس، وهو مختف تحت إحدى أذنيه؛ لأنه كان إذا نام يحط أذنه تحت رأسه ويتغطى بالأذن الأخرى. ثم خطف ذلك المملوك الذي لكزه وراح به في وسط الجزيرة، فإذا هي كلها غيلان يأكلون بني آدم. ثم إن ذلك المملوك صاح على رفقائه وقال لهم: فوزوا بأنفسكم فإن هذه الجزيرة جزيرة الغيلان، يأكلون بني آدم ويريدون أن يقطعوني ويأكلوني. فلما سمعوا هذا الكلام ولوا معرضين، ونزلوا من البر إلى الزورق، ولم يجمعوا من هذه الفواكه شيئا. وساروا مدة أيام، فاتفق أنه ظهرت لهم يوما من الأيام جزيرة أخرى، فلما وصلوا ms1713 إليها وجدوا فيها جبلا عاليا، فطلعوا في ذلك الجبل فرأوا فيه غابة كثيرة الأشجار وهم جياع، فاشتغلوا بأكل الفواكه، فلم يشعروا إلا وقد خرج لهم من بين الأشجار أشخاص هائلة المنظر طوال، طول كل واحد منهم خمسون ذراعا، وأنيابه خارجة من فمه مثل أنياب الفيل، وإذا هم بشخص جالس على قطعة لباد أسود فوق صخرة من الحجر وحواليه الزنوج، وهم جماعة كثيرة واقفون في خدمته، فجاء هؤلاء الزنوج وأخذوا سيف الملوك ومماليكه وأوقفوهم بين يدي ملكهم، وقالوا: إنا لقينا هذه الطيور بين الأشجار. وكان الملك جائعا، فأخذ من المماليك اثنين وذبحهما وأكلهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 766 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الزنوج لما أخذوا الملك سيف الملوك ومماليكه، وأوقفوهم بين يدي ملكهم، وقالوا له: يا ملك، إنا لقينا هذه الطيور بين الأشجار. فأخذ ملكهم مملوكين، وذبحهما وأكلهما، فلما رأى سيف الملوك هذا الأمر خاف على نفسه وبكى، ثم أنشد هذين البيتين: # ألف الحوادث مهجتي وألفتها %~% بعد التنافر والكريم ألوف ~~ليس الهموم علي صنفا واحدا %~% عندي بحمد الله منه ألوف # ثم تنهد وأنشد أيضا هذين البيتين: # رماني الدهر بالأرزاء حتى %~% فؤادي في غشاء من نبال ~~فصرت إذا أصابتني سهام %~% تكسرت النصال على النصال # فلما سمع الملك بكاءه وتعديده قال: إن هؤلاء طيور مليحة الصوت والنغمة، قد أعجبتني أصواتهم، فاجعلوا كل واحد منهم في قفص. فحطوا كل واحد منهم في قفص، وعلقوهم على رأس الملك ليسمع أصواتهم، وصار سيف الملوك ومماليكه في الأقفاص، والزنوج يطعمونهم ويسقونهم، وهم ساعة يبكون، وساعة يضحكون، وساعة يتكلمون، وساعة يسكتون، كل هذا وملك الزنوج يتلذذ بأصواتهم. ولم يزالوا على تلك الحالة مدة من الزمان، وكان للملك بنت متزوجة في جزيرة أخرى، فسمعت أن أباها عنده طيور لها أصوات مليحة، فأرسلت جماعة إلى أبيها تطلب منه شيئا من الطيور، فأرسل إليها أبوها سيف الملوك وثلاثة مماليك في أربعة أقفاص مع القاصد الذي جاء في طلبهم، فلما وصلوا إليها ونظرتهم أعجبوها، ms1714 فأمرت أن يطلعوهم في موضع فوق رأسها، فصار سيف الملوك يتعجب مما جرى له، ويتفكر ما كان فيه من العز، وصار يبكي على نفسه والمماليك الثلاثة يبكون على أنفسهم، كل هذا وبنت الملك تعتقد أنهم يغنون. وكانت عادة بنت الملك إذا وقع عندها أحد من بلاد مصر أو من غيرها وأعجبها، يصير له عندها منزلة عظيمة، وكان بقضاء الله تعالى وقدره أنها لما رأت سيف الملوك أعجبها حسنه وجماله وقده واعتداله، فأمرت بإكرامهم. # واتفق أنها اختلت يوما من الأيام بسيف الملوك وطلبت منه أن يجامعها، فأبى سيف الملوك ذلك، وقال لها: يا سيدتي، أنا رجل غريب وبحب الذي أهواه كئيب، وما أرضى بغير وصاله. فصارت بنت الملك تلاطفه وتراوده، فامتنع منها، ولم تقدر أن تدنو منه، ولا أن تصل إليه بحال من الأحوال، فلما أعياها أمره غضبت عليه وعلى مماليكه، وأمرتهم أن يخدموها وينقلوا إليها الماء والحطب، فمكثوا على هذه الحالة أربع سنوات، فأعيا سيف الملوك ذلك الحال وأرسل يتشفع عند الملكة عسى أن تعتقهم ويمضوا إلى حال سبيلهم، ويستريحوا مما هم فيه، فأرسلت أحضرت سيف الملوك وقالت: إن وافقتني على غرضي أعتقتك من الذي أنت فيه، وتروح لبلادك سالما غانما. وما زالت تتضرع إليه وتأخذ بخاطره فلم يجبها إلى مقصودها، فأعرضت عنه مغضبة، وصار سيف الملوك والمماليك عندها في الجزيرة على تلك الحالة، وعرف أهلها أنهم طيور بنت الملك فلم يتجاسر أحد من أهل المدينة على أن يضرهم بشيء، وصار قلب بنت الملك مطمئنا عليهم، وتحققت أنهم ما بقي لهم خلاص من هذه الجزيرة، فصاروا يغيبون عنها اليومين والثلاثة، ويدورون في البرية ليجمعوا الحطب من جوانب الجزيرة، ويأتوا به إلى مطبخ بنت الملك، فمكثوا على هذه الحالة خمس سنوات، فاتفق أن سيف الملوك قعد هو ومماليكه يوما من الأيام على ساحل البحر يتحدثون فيما جرى، فالتفت سيف الملوك فرأى نفسه في هذا المكان هو ومماليكه، فتذكر أمه وأباه وأخاه ساعدا، وتذكر العز الذي كان فيه، فبكى وزاد في البكاء ms1715 والنحيب، وكذلك المماليك بكوا مثله. # ثم قال المماليك: يا ملك الزمان، إلى متى نبكي والبكاء لا يفيد؟ وهذا أمر مكتوب على جباهنا بتقدير الله عز وجل، وقد جرى القلم بما حكم، وما ينفعنا إلا الصبر؛ لعل الله سبحانه وتعالى الذي ابتلانا بهذه الشدة يفرجها عنا. فقال لهم سيف الملوك: يا إخوتي، كيف نعمل في خلاصنا من هذه الملعونة؟ ولا أرى لنا خلاصا إلا أن يخلصنا الله منها بفضله، ولكن خطر ببالي أننا نهرب ونستريح من هذا التعب. فقالوا له: يا ملك الزمان، أين نروح من هذه الجزيرة، وهي كلها غيلان يأكلون بني آدم؟ وكل موضع توجهنا إليه وجدونا فيه، فإما أن يأكلونا وإما أن يأسرونا ويردونا إلى موضعنا، وتغضب علينا بنت الملك. فقال سيف الملوك: أنا أعمل لكم شيئا، لعل الله تعالى يساعدنا به على الخلاص، ونخلص من هذه الجزيرة. فقالوا له: كيف تعمل؟ فقال: نقطع من هذه الأخشاب الطوال ونفتل من قشرها حبالا، ونربط بعضها في بعض ونجعلها فلكا ونرميه في البحر، ونملؤه من تلك الفاكهة ونعمل له مجاديف وننزل فيه، لعل الله تعالى أن يجعل لنا به فرجا، فإنه على كل شيء قدير، وعسى الله أن يرزقنا الريح الطيب الذي يوصلنا إلى بلاد الهند ونخلص من هذه الملعونة. فقالوا له: هذا رأي حسن. وفرحوا به فرحا شديدا، وقاموا في الوقت والساعة يقطعون الأخشاب لعمل الفلك، ثم فتلوا الحبال لربط الأخشاب في بعضها، واستمروا على تلك مدة شهر، وكل يوم في آخر النهار يأخذون شيئا من الحطب، ويروحون به إلى مطبخ بنت الملك، ويجعلون بقية النهار لأشغالهم في صنع الفلك إلى أن أتموه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 767 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن سيف الملوك ومماليكه لما قطعوا الأخشاب من الجزيرة وفتلوا الحبال، ربطوا الفلك الذي عملوه، فلما فرغوا من عمله رموه في البحر، ووسقوه من الفواكه التي في الجزيرة من تلك الأشجار، وتجهزوا في آخر يومهم، ولم يعلموا أحدا بما فعلوا، ms1716 ثم ركبوا في ذلك الفلك، وساروا في البحر مدة أربعة أشهر، ولم يعلموا أين يذهب بهم، وفرغ منهم الزاد، وصاروا في أشد ما يكون من الجوع والعطش، وإذا بالبحر قد أرغى وأزبد، وطلع له أمواج عالية، فأقبل عليهم تمساح هائل، ومد يده وخطف مملوكا من المماليك وبلعه، فلما رأى سيف الملوك ذلك التمساح فعل بالمملوك ذلك الفعل، بكى بكاء شديدا، وصار في الفلك هو والمملوك الباقي وحدهما، وبعدا عن مكان التمساح وهما خائفان، ولم يزالا كذلك حتى ظهر لهما يوما من الأيام جبل عظيم هائل عال شاهق في الهواء، ففرحا به، وظهر لهما بعد ذلك جزيرة، فجدا في السير إليها وهما مستبشران بدخولهما الجزيرة. فبينما هما على تلك الحال، وإذا بالبحر قد هاج وعلت أمواجه وتغيرت حالاته، فرفع تمساح رأسه ومد يده، فأخذ المملوك الذي بقي من مماليك سيف الملوك وبلعه، فصار سيف الملوك وحده حتى وصل إلى الجزيرة، وصار يعالج إلى أن صعد فوق الجبل، ونظر فرأى غابة، فدخل الغابة ومشى بين الأشجار، وصار يأكل من الفواكه، فرأى الأشجار قد طلع فوقها ما يزيد عن عشرين قردا كبارا، كل واحد منهم أكبر من البغل، فلما رأى سيف الملوك هذه القرود حصل له خوف شديد، ثم نزلت القرود واحتاطوا به من كل جانب، وبعد ذلك ساروا أمامه، وأشاروا إليه أن يتبعهم، ومشوا فمشى سيف الملوك خلفهم، وما زالوا سائرين وهو تابعهم حتى أقبلوا على قلعة عالية البنيان مشيدة الأركان، فدخلوا تلك القلعة ودخل سيف الملوك وراءهم، فرأى فيها من سائر التحف والجواهر والمعادن ما يكل عنه وصفه اللسان، ورأى في تلك القلعة شابا لا نبات بعارضيه، لكنه طويل زائد الطول. فلما رأى سيف الملوك ذلك الشاب استأنس به، ولم يكن في تلك القلعة غير ذلك الشاب من البشر. # ثم إن الشاب لما رأى سيف الملوك أعجبه غاية الإعجاب، فقال له: ما اسمك؟ ومن أي البلاد أنت؟ وكيف وصلت إلى هنا؟ فأخبرني بحديثك، ولا تكتم منه شيئا. فقال له سيف الملوك: ms1717 أنا والله ما وصلت إلى هنا بخاطري، ولا كان هذا المكان مقصودي، وأنا لا أقدر أن أسير من مكان إلى مكان حتى أنال مطلوبي. فقال له الشاب: وما مطلوبك؟ فقال له سيف الملوك: أنا من بلاد مصر واسمي سيف الملوك، وأبي اسمه الملك عاصم بن صفوان ... ثم إنه حكى له ما جرى له من أول الأمر إلى آخره؛ فقام ذلك الشاب في خدمة سيف الملوك وقال: يا ملك الزمان، أنا كنت في مصر وسمعت بأنك سافرت إلى بلاد الصين، وأين هذه البلاد من بلاد الصين؟ إن هذا لشيء عجيب وأمر غريب. فقال له سيف الملوك: كلامك صحيح، ولكن سافرت بعد ذلك من بلاد الصين إلى بلاد الهند، فخرج علينا ريح وهاج البحر وكسرت جميع المراكب التي كانت معي. وذكر له جميع ما جرى له إلى أن قال: وقد وصلت إليك في هذا المكان. فقال له الشاب: يا ابن الملك، يكفي ما جرى لك من هذه الغربة وشدائدها، والحمد لله الذي أوصلك إلى هذا المكان، فاقعد عندي لآنس بك إلى أن أموت وتكون أنت ملكا على هذا الإقليم، فإن فيه هذه الجزيرة التي لا يعرف لها حد، وإن هذه القرود أصحاب صنائع وكل شيء طلبته تجده ها هنا. فقال سيف الملوك: يا أخي، ما أقدر أن أقعد في مكان حتى تقضى حاجتي، ولو أطوف جميع الدنيا وأسأل عن غرضي، لعل الله يبلغني مرادي أو يكون سعيي إلى مكان فيه أجلي فأموت. # ثم إن الشاب التفت إلى قرد وأشار إليه، فغاب القرد ساعة ثم أتى ومعه قرود مشدودة الوسط بالفوط الحرير، وقدموا السماط ووضعوا فيه نحو مائة صحفة من الذهب والفضة، وفيها من سائر الأطعمة، وصارت القرود واقفة على عادة الأتباع بين يدي الملوك. ثم أشار للحجاب بالقعود، فقعدوا ووقف الذي عادته الخدمة، ثم أكلوا حتى اكتفوا، ثم رفعوا السماط وأتوا بطشوت وأباريق من الذهب فغسلوا أيديهم، ثم جاءوا بأواني الشراب نحو أربعين آنية، كل آنية فيها نوع من الشراب، فشربوا وتلذذوا ms1718 وأطربوا وطاب لهم وقتهم، وجميع القرود يرقصون ويلعبون وقت اشتغال الآكلين بالأكل. فلما رأى سيف الملوك ذلك تعجب منهم، ونسي ما جرى له من الشدائد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 768 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن سيف الملوك لما رأى فعل القرود ورقصهم، تعجب منهم ونسي ما جرى له من الغربة وشدائدها، فلما كان الليل أوقدوا الشموع ووضعوها في الشمعدانات الذهب والفضة، ثم أتوا بأواني النقل والفاكهة فأكلوا، ولما جاء وقت النوم فرشوا لهم الفرش وناموا. فلما أصبح الصباح قام الشاب على عادته، ونبه سيف الملوك وقال له: أخرج رأسك من هذا الشباك، وانظر أي شيء هذا الواقف تحت الشباك. فنظر فرأى قرودا ملأت الفلا الواسع والبرية كلها، وما يعلم عدد تلك القرود إلا الله تعالى. فقال سيف الملوك: هؤلاء قرود كثيرون قد ملئوا الفضاء، ولأي شيء اجتمعوا في هذا الوقت؟ فقال له الشاب: إن هذه عادتهم، وجميع ما في الجزيرة قدامي، وبعضهم جاء من سفر يومين أو ثلاثة أيام، فإنهم يأتون في كل يوم سبت ويقفون هنا حتى أنتبه من منامي، وأخرج رأسي من هذا الشباك، فحين يبصرونني يقبلون الأرض بين يدي، ثم ينصرفون إلى أشغالهم. وأخرج رأسه من الشباك حتى رأوه، فلما نظروه قبلوا الأرض بين يديه وانصرفوا. # ثم إن سيف الملوك قعد عند الشاب مدة شهر كامل، وبعد ذلك ودعه وسافر، فأمر الشاب نفرا من القرود نحو المائة قرد بالسفر معه، فسافروا في خدمة سيف الملوك مدة سبعة أيام حتى أوصلوه إلى آخر جزائرهم، ثم ودعوه ورجعوا إلى أماكنهم. وسافر سيف الملوك وحده في الجبال والتلال والبراري والقفار مدة أربعة أشهر، يوم يجوع ويوم يشبع، ويوم يأكل من الحشيش، ويوم يأكل من ثمر الأشجار، وصار يتندم على ما فعل بنفسه وعلى خروجه من عند ذلك الشاب، وأراد أن يرجع إليه على أثره، فرأى شبحا أسود يلوح على بعد، فقال في نفسه: هل هذه بلدة سوداء أم كيف الحال؟ ولكن لا أرجع ms1719 حتى أنظر أي شيء هذا الشبح. فلما قرب منه رآه قصرا عالي البنيان، وكان الذي بناه يافث بن نوح عليه السلام، وهو القصر الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز، وبقوله: @QUR@04 وبئر معطلة وقصر مشيد ، ثم إن سيف الملوك جلس على باب القصر وقال في نفسه: يا ترى، ما شأن داخل هذا القصر؟ ومن فيه من الملوك؟ فمن يخبرني بحقيقة الأمر؟ وهل سكانه من الإنس أو من الجن؟ فقعد يتفكر ساعة زمانية، ولم يجد أحدا يدخله ولا يخرج منه، فقام يمشي وهو متوكل على الله حتى دخل القصر، وعد في طريقه سبعة دهاليز، فلم ير أحدا، ونظر على يمينه ثلاثة أبواب، وقدامه باب عليه ستارة مسبولة، فتقدم إلى ذلك الباب ورفع الستارة بيده، ومشى داخل الباب، وإذا هو بإيوان كبير مفروش بالبسط الحرير، وفي صدر ذلك الإيوان تخت من الذهب، وعليه بنت جالسة وجهها مثل القمر، وعليها ملبوس الملوك وهي كالعروس في ليلة زفافها، وتحت التخت أربعون سماطا وعليها صحاف الذهب والفضة وكلها ملآنة بالأطعمة الفاخرة. فلما رآها سيف الملوك أقبل عليها وسلم، فردت عليه السلام وقالت له: هل أنت من الإنس أو من الجن؟ فقال: أنا من خيار الإنس، فإني ملك ابن ملك. فقالت له: أي شيء تريد؟ دونك وهذا الطعام، وبعد ذلك حدثني بحديثك من أوله إلى آخره؟ وكيف وصلت إلى هذا الموضع؟ # فجلس سيف الملوك على السماط، وكشف المكبة عن السفرة، وكان جائعا، وأكل من تلك الصحاف حتى شبع، وغسل يده وطلع على التخت، وقعد عند البنت، فقالت له: من أنت؟ وما اسمك؟ ومن أين جئت؟ ومن أوصلك إلى هنا؟ فقال لها سيف الملوك: أما أنا فحديثي طويل. فقالت له: قل لي من أين أنت؟ وما سبب مجيئك إلى هنا؟ وما مرادك؟ فقال لها: أخبريني أنت ما شأنك؟ وما اسمك؟ ومن جاء بك إلى هنا؟ ولأي شيء أنت قاعدة في هذا المكان وحدك؟ فقالت له البنت: أنا اسمي دولة خاتون بنت ملك الهند، وأبي ساكن في مدينة ms1720 سرنديب، ولأبي بستان مليح كبير ما في الهند وأقطارها أحسن منه، وفيه حوض كبير، فدخلت في ذلك البستان يوما من الأيام مع جواري وتقربت أنا وجواري، ونزلنا في ذلك الحوض وصرنا نلعب وننشرح، فلم أشعر إلا وشيء مثل السحاب نزل علي وخطفني من بين جواري، وطار بي بين السماء والأرض، وهو يقول: يا دولة خاتون، لا تخافي وكوني مطمئنة القلب. ثم طار بي مدة قليلة، وبعد ذلك أنزلني هذا القصر، ثم انقلب من وقته وساعته، فإذا هو شاب مليح حسن الشباب نظيف الثياب، وقال لي: أتعرفينني؟ فقلت: لا يا سيدي. فقال: أنا ابن الملك الأزرق ملك الجان، وأبي ساكن في قلعة القلزم، وتحت يده ستمائة ألف من الجن الطيارة والغواصين، واتفق لي أنى كنت عابرا في طريق ومتوجها إلى حال سبيلي، فرأيتك وعشقتك، ونزلت عليك وخطفتك من بين الجواري، وجئت بك إلى هذا القصر المشيد، وهو موضعي ومسكني، فلا أحد يصل إليه قط لا من الجن ولا من الإنس، ومن الهند إلى هنا مسير مائة وعشرين سنة، فتحققي أنك لا تنظرين بلاد أبيك وأمك أبدا، فاقعدي عندي في هذا المكان مطمئنة القلب والخاطر، وأنا أحضر بين يديك كل ما تطلبينه. ثم بعد ذلك عانقني وقبلني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 769 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البنت قالت لسيف الملوك: ثم إن ابن ملك الجان بعد أن أخبرني عانقني وقبلني وقال لي: اقعدي هنا ولا تخافي من شيء. ثم تركني وغاب ساعة وبعد ذلك أتى ومعه هذا السماط والفرش والبسط، ولكن يجيئني في كل يوم ثلاثاء على هذه الحالة، وعند مجيئه يأكل ويشرب معي ويعانقني ويقبلني، وأنا بنت بكر على الحالة التي خلقني الله تعالى عليها ولم يفعل بي شيئا. وأبي اسمه تاج الملوك ولم يعلم لي بخبر، ولم يقع لي على أثر، وهذا حديثي فحدثني أنت بحديثك. فقال لها سيف الملوك: إن حديثي طويل وأخاف إن حدثتك يطول الوقت علينا فيجيء العفريت. فقالت ms1721 له: إنه لم يسافر من عندي إلا قبل دخولك بساعة، ولن يأتي إلا في يوم الثلاثاء، فاقعد واطمئن وطيب خاطرك، وحدثني بما جرى لك من الأول إلى الآخر. فقال سيف الملوك: سمعا وطاعة. # ثم ابتدأ بحديثه حتى أكمله من الأول إلى الآخر، فلما وصل إلى حكاية بديعة الجمال تغرغرت عيناها بالدموع الغزار وقالت: ما هو ظني فيك يا بديعة الجمال، آه من الزمان يا بديعة الجمال، أما تذكرينني ولا تقولين أختي دولة خاتون أين راحت! ثم إنها زادت في البكاء وصارت تتأسف حيث لم تذكرها بديعة الجمال، فقال لها سيف الملوك: يا دولة خاتون، إنك إنسية وهي جنية، فمن أين تكون هذه أختك؟ فقالت له: إنها أختي من الرضاع، وسبب ذلك أن أمي نزلت تتفرج في البستان فجاءها الطلق فولدتني في البستان، وكانت أم بديعة الجمال في البستان هي وأعوانها، فجاءها الطلق فنزلت في طرف البستان وولدت بديعة الجمال، وأرسلت بعض جواريها إلى أمي تطلب منها طعاما وحوائج للولادة، فبعثت إليها أمي ما طلبته وعزمت عليها، فقامت وأخذت بديعة الجمال معها، وأتت إلى أمي فأرضعت أمي بديعة الجمال، ثم أقامت أمها وهي معها عندنا في البستان مدة شهرين، وبعد ذلك سافرت إلى بلادها وأعطت أمي حاجة وقالت لها: إذا احتجت إلي أجيئك في وسط البستان. وكانت تأتي بديعة الجمال مع أمها في كل عام ويقيمان عندنا مدة من الزمان، ثم يرجعان إلى بلادهما، فلو كنت أنا عند أمي يا سيف الملوك ونظرتك عندنا في بلادنا، ونحن مجتمع شملنا مثل العادة، كنت أتحيل عليها بحيلة حتى أوصلك إلى مرادك، ولكن أنا في هذا المكان ولا يعرفون خبري، فلو عرفوا خبري وعلموا أني هنا كانوا قادرين على خلاصي من هذا المكان، ولكن الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، وأي شيء أعمل؟ # فقال سيف الملوك: قومي وتعالي معي نهرب ونسير إلى حيث يريد الله تعالى. فقالت له: لا نقدر على ذلك، والله لو هربنا مسيرة سنة لجاء بنا هذا الملعون في ساعة ويهلكنا. فقال ms1722 سيف الملوك: أنا أختفي في موضع وإذا جاز علي أضربه بالسيف فأقتله. فقالت له: ما تقدر أن تقتله إلا إن قتلت روحه. فقال لها سيف الملوك: وروحه في أي مكان؟ فقالت: أنا سألته عنها مرات عديدة فلم يقر لي بمكانها، فاتفق أني ألححت عليه يوما من الأيام فاغتاظ مني، وقال لي: كم تسألينني عن روحي! ما سبب سؤالك عن روحي؟ فقلت له: يا حاتم، أنا ما بقي لي أحد غيرك إلا الله، وأنا ما دمت بالحياة لم أزل معانقة لروحك، وإن كنت أنا ما أحفظ روحك وأحطها في وسط عيني، فكيف تكون حياتي بعدك؟ وإذا عرفت روحك حفظتها مثل عيني اليمين. فعند ذلك قال لي: إني حين ولدت أخبر المنجمون أن هلاك روحي يكون على يد واحد من أولاد الملوك الإنسية، فأخذت روحي ووضعتها في حوصلة عصفور، وحبست العصفور في حق، ووضعت الحق في علبة، ووضعت العلبة في داخل سبع علب، ووضعت العلب في قلب سبع صناديق، ووضعت الصناديق في طابق من رخام في جانب هذا البحر المحيط؛ لأن هذا الجانب بعيد عن بلاد الإنس، وما يقدر أحد من الإنس أن يصل إليه، وها أنا قلت لك، ولا تقولي لأحد على هذا فإنه سر بيني وبينك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 770 # ![figure](../Images/figure5.png) # ضحك وقال لي: عمري ما رأيت حمارا مثلك. # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن دولة خاتون لما أخبرت سيف الملوك بروح الجني الذي خطفها، وبينت له ما قاله الجني إلى أن قال لها: وهذا سر بيننا. قالت له: من أحدثه به، وما يأتيني أحد غيرك حتى أقول له؟ ثم والله إنك جعلت روحك في حصن حصين عظيم لا يصل إليه أحد، فكيف يصل إلى ذلك أحد من الإنس؟ حتى لو فرض المحال وقدر الله مثل ما قال المنجمون فكيف يكون أحد من الإنس يصل إلى هذا؟ فقال: ربما كان أحد منهم في إصبعه خاتم سليمان بن داود عليهما السلام، ويأتي إلى هنا ويضع ms1723 يده بهذا الخاتم على وجه الماء، ثم يقول: بحق هذه الأسماء إن روح فلان تطلع. فيطلع التابوت فيكسره، والصناديق كذلك والعلب، ويخرج العصفور من الحق ويخنقه فأموت أنا. فقال سيف الملوك: هو أنا ابن الملك، وهذا خاتم سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في إصبعي، فقومي بنا إلى شاطئ هذا البحر حتى نبصر هل كلامه هذا كذب أم صدق؟ فعند ذلك قام الاثنان ومشيا إلى أن وصلا إلى البحر، ووقفت دولة خاتون على جانب البحر، ودخل سيف الملوك في الماء إلى وسطه وقال: بحق ما في هذا الخاتم من الأسماء والطلاسم، وبحق سليمان عليه السلام، أن تخرج روح فلان ابن الملك الأزرق الجني. فعند ذلك هاج البحر وطلع التابوت فأخذه سيف الملوك، وضربه على الحجر فكسره وكسر الصناديق والعلب، وأخرج العصفور من الحق وتوجها إلى القصر، وطلعا فوق التخت، وإذا بغبرة هائلة وشيء عظيم طائر وهو يقول: أبقني يا ابن الملك ولا تقتلني واجعلني عتيقك وأنا أبلغك مقصودك. فقالت له دولة خاتون: قد جاء الجني فاقتل العصفور لئلا يدخل هذا الملعون القصر ويأخذه منك ويقتلك ويقتلني بعدك. فعند ذلك خنق العصفور فمات فوقع الجني على الأرض كوم رماد أسود. فقالت خاتون: قد خلصنا من يد هذا الملعون وكيف نعمل؟ فقال سيف الملوك: المستعان بالله تعالى الذي بلانا، فإنه يدبرنا ويعيننا على خلاصنا مما نحن فيه. # ثم قام سيف الملوك وقلع من أبواب القصر نحو عشرة أبواب، وكانت تلك الأبواب من الصندل والعود، ومساميرها من الذهب والفضة، ثم أخذا حبالا كانت هناك من الحرير والإبريسم، وربط الأبواب بعضها في بعض، وتعاون هو ودولة خاتون إلى أن وصلا بها إلى البحر ورمياها فيه بعد أن صارت فلكا، وربطوه على الشاطئ، ثم رجعا إلى القصر وحملا الصحاف الذهب والفضة وكذلك الجواهر واليواقيت والمعادن النفيسة، ونقلا جميع ما في القصر من الذي خف حمله وغلا ثمنه، وحطاه في ذلك الفلك وركبا فيه متوكلين على الله تعالى الذي من توكل عليه كفاه ولا يخيبه، وعملا ms1724 لهما خشبتين على هيئة المجاديف، ثم حلا الحبال، وتركا الفلك يجري بهما في البحر، ولم يزالا سائرين على تلك الحالة مدة أربعة أشهر حتى فرغ منهما الزاد، واشتد عليهما الكرب وضاقت أنفسهما، فطلبا من الله أن يرزقهما النجاة مما هما فيه. # وكان سيف الملوك في مدة سيرهما، إذا نام يجعل دولة خاتون خلف ظهره، فإذا انقلب كان السيف بينهما. فبينما هما على تلك الحالة ليلة من الليالي، فاتفق أن سيف الملوك كان نائما ودولة خاتون يقظانة، وإذا بالفلك مال إلى طرف البر وجاء إلى مينا، وفي تلك المينا مراكب، فنظرت دولة خاتون المراكب وسمعت رجلا يتحدث مع البحرية، وكان الذي يتحدث رئيس الرؤساء وكبيرهم، فلما سمعت دولة خاتون صوت الرئيس علمت أن هذا البر مينا مدينة من المدن، وأنهما وصلا إلى العمار؛ ففرحت فرحا شديدا ونبهت سيف الملوك من النوم وقالت له: قم واسأل هذا الريس عن اسم هذه المدينة وعن هذه المينا. فقام سيف الملوك وهو فرحان وقال له: يا أخي، ما اسم هذه المدينة؟ وما يقال لهذه المينا؟ وما اسم ملكها؟ فقال له الريس: يا صاقع الوجه، يا بارد اللحية، إذا كنت لا تعرف هذه المينا، ولا هذه المدينة، فكيف جئت إلى هنا؟ فقال سيف الملوك: أنا غريب وقد كنت في سفينة من سفن التجار، فانكسرت وغرقت بجميع ما فيها وطلعت على لوح فوصلت إلى هنا، فسألتك، والسؤال ما هو عيب. فقال الريس: هذه مدينة عمارية، وهذه المينا تسمى مينا كمين البحرين. فلما سمعت دولة خاتون هذا الكلام فرحت فرحا شديدا، وقالت: الحمد لله. فقال سيف الملوك: ما الخبر؟ فقالت: يا سيف الملوك، أبشر بالفرج القريب، فإن ملك هذه المدينة عمي أخو أبي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 771 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن دولة خاتون لما قالت لسيف الملوك: أبشر بالفرج القريب، فإن ملك هذه المدينة عمي أخو أبي، واسمه عالي الملوك. ثم قالت له: اسأله وقل له: هل سلطان هذه ms1725 المدينة عالي الملوك طيب؟ فسأله عن ذلك، فقال له الريس وهو مغتاظ منه: أنت تقول عمري ما جئت إلى هنا، وإنما أنا رجل غريب فمن عرفك باسم صاحب المدينة؟ ففرحت دولة خاتون وعرفت الريس، وكان اسمه معين الدين وهو من رؤساء أبيها، وإنما خرج ليفتش عليها حين فقدت فلم يجدها، ولم يزل دائرا حتى وصل إلى مدينة عمها، ثم قالت لسيف الملوك: قل له: يا ريس معين الدين تعال كلم سيدتك. فناداه بما قالته له، فلما سمع الريس كلام سيف الملوك اغتاظ غيظا شديدا، وقال له: يا كلب، من أنت وكيف عرفتني؟ ثم قال لبعض البحرية: ناولوني عصا من الشوم حتى أروح إلى هذا النحس وأكسر رأسه. فأخذ العصا وتوجه إلى جهة سيف الملوك، فرأى الفلك ورأى فيه شيئا عجيبا بهيجا فاندهش عقله، ثم تأمل وحقق النظر فرأى دولة خاتون وهي جالسة مثل فلقة القمر، فقال له الريس: ما الذي عندك؟ فقال له: عندي بنت تسمى دولة خاتون. فلما سمع الريس هذا الكلام وقع مغشيا عليه حين سمع باسمها وعرف أنها سيدته وبنت ملكه، فلما أفاق ترك الفلك وما فيه وتوجه إلى المدينة وطلع قصر الملك فاستأذن عليه، فدخل الحاجب إلى الملك، وقال: إن الريس معين جاء إليك ليبشرك. فأذن له بالدخول، فدخل على الملك وقبل الأرض بين يديه وقال له: يا ملك، عندك البشارة، فإن بنت أخيك دولة خاتون وصلت إلى المدينة طيبة بخير، وهي في الفلك وصحبتها شاب مثل القمر ليلة تمامه. # فلما سمع الملك خبر بنت أخيه فرح وخلع على الريس خلعة سنية، وأمر من ساعته أن يزينوا المدينة لسلامة بنت أخيه، وأرسل إليها وأحضرها عنده هي وسيف الملوك، وسلم عليهما وهنأهما بالسلامة، ثم إنه أرسل إلى أخيه ليعلمه بأن ابنته وجدت وهي عنده. ثم إنه لما وصل إليه الرسول تجهز واجتمعت العساكر، وسافر تاج الملوك أبو دولة خاتون حتى وصل إلى أخيه عالي الملوك، واجتمع ببنته دولة خاتون وفرحوا فرحا شديدا، وقعد تاج الملوك عند أخيه ms1726 جمعة من الزمان، ثم إنه أخذ بنته وكذلك سيف الملوك وسافروا حتى وصلوا إلى سرنديب بلاد أبيها، واجتمعت دولة خاتون بأمها وفرحوا بسلامتها وأقاموا الأفراح، وكان ذلك يوما عظيما لا يرى مثله، وأما الملك فإنه أكرم سيف الملوك وقال له: يا سيف الملوك، إنك فعلت معي ومع ابنتي هذا الخير كله، وأنا لا أقدر أن أكافئك عليه، وما يكافئك إلا رب العالمين، ولكن أريد منك أن تقعد على التخت في موضعي وتحكم في بلاد الهند، فإني قد وهبت لك ملكي وتختي وخزائني وخدمي، وجميع ذلك يكون هبة مني لك. # فعند ذلك قام سيف الملوك، وقبل الأرض بين يدي الملك وشكره، وقال له: يا ملك الزمان، قد قبلت جميع ما وهبته لي، وهو مردود مني إليك هدية أيضا، وأنا يا ملك الزمان ما أريد مملكة ولا سلطنة، وما أريد إلا أن الله تعالى يبلغني مقصودي. فقال له الملك: هذه خزائني بين يديك يا سيف الملوك، مهما طلبته منها فخذه، ولا تشاورني فيه وجزاك الله عني كل خير. فقال سيف الملوك: أعز الله الملك، لا حظ لي في الملك ولا في المال حتى أبلغ مرادي، ولكن غرضي الآن أن أتفرج في هذه المدينة وأنظر شوارعها وأسواقها. فأمر تاج الملوك أن يحضروا له فرسا من جياد الخيل، فأحضروا له فرسا مسرجا ملجما من جياد الخيل، فركبها وطلع إلى السوق وشق في شوارع المدينة. فبينما هو ينظر يمينا وشمالا إذ رأى شابا ومعه قباء وهو ينادي عليه بخمسة عشر دينارا، فتأمله فوجده يشبه أخاه ساعدا، وفي نفس الأمر هو بعينه إلا أنه تغير لونه وحاله من طول الغربة ومشقات السفر فلم يعرفه، ثم قال لمن حوله: هاتوا هذا الشاب لأستخبره. فأتوا به إليه، فقال: خذوه وأوصلوه إلى القصر الذي أنا فيه وخلوه عندكم إلى أن أرجع من الفرجة. فظنوا أنه قال لهم خذوه وأوصلوه إلى السجن، وقالوا: لعل هذا مملوك من مماليكه هرب منه. فأخذوه وأوصلوه إلى السجن وقيدوه وتركوه قاعدا، فرجع سيف الملوك ms1727 من الفرجة وطلع القصر ونسي أخاه ساعدا، ولم يذكره له أحد، فصار ساعد في السجن، ولما خرجوا بالأسارى إلى أشغال العمارات أخذوا ساعدا معهم، وصار يشتغل مع الأسارى وكثر عليه الوسخ، ومكث ساعد على هذه الحالة مدة شهر وهو يتذكر في أحواله، ويقول في نفسه: ما سبب سجني؟ # وقد اشتغل سيف الملوك بما هو فيه من السرور وغيره، فاتفق أن سيف الملوك جلس يوما من الأيام وتذكر أخاه ساعدا، فقال للمماليك الذين كانوا معه: أين المملوك الذي كان معكم في اليوم الفلاني؟ فقالوا: أما قلت لنا أوصلوه إلى السجن؟ فقال سيف الملوك: أنا ما قلت لكم هذا الكلام، وإنما قلت لكم أوصلوه إلى القصر الذي أنا فيه. ثم إنه أرسل الحجاب إلى ساعد فأتوا به وهو مقيد، ثم فكوه من قيده وأوقفوه بين يدي سيف الملوك، فقال له: يا شاب، من أي البلاد أنت؟ فقال له: أنا من مصر، واسمي ساعد بن الوزير فارس. فلما سمع سيف الملوك كلامه نهض من فوق التخت وألقى نفسه عليه، وتعلق برقبته، ومن فرحه صار يبكي بكاء شديدا، وقال: يا أخي ساعد، الحمد لله حيث عشت ورأيتك، فأنا أخوك سيف الملوك ابن الملك عاصم. فلما سمع ساعد كلام أخيه وعرفه، تعانقا مع بعضهما وتباكيا، فتعجب الحاضرون منهما، ثم أمر سيف الملوك أن يأخذوا ساعدا ويذهبوا به إلى الحمام، فذهبوا به إلى الحمام وعند خروجه من الحمام ألبسوه ثيابا فاخرة وأتوا به إلى مجلس سيف الملوك، فأجلسه معه على التخت، ولما علم تاج الملوك فرح فرحا شديدا باجتماع سيف الملوك وأخيه ساعد، وحضر وجلس الثلاثة يتحدثون فيما جرى لهم من الأول إلى الآخر. # ثم إن ساعدا قال: يا أخي، يا سيف الملوك، لما غرقت المركب وغرقت المماليك طلعت أنا وجماعة من المماليك على لوح خشب، وسار بنا في البحر مدة شهر كامل، ثم بعد ذلك رمانا الريح بقدرة الله تعالى على جزيرة، فطلعنا عليها ونحن جياع، فدخلنا بين الأشجار وأكلنا من الفواكه، واشتغلنا بالأكل، فلم ms1728 نشعر إلا وقد خرج علينا أقوام مثل العفاريت، فوثبوا علينا وركبوا فوق أكتافنا وقالوا لنا: امشوا بنا، فأنتم صرتم حميرنا. فقلت للذي ركبني: ما أنت؟ ولأي شيء ركبتني؟ فلما سمع مني هذا الكلام لف رجله على رقبتي حتى كدت أن أموت، وضرب ظهري برجله الأخرى، فظننت أنه قطع ظهري، فوقعت في الأرض على وجهي وما بقي عندي قوة بسبب الجوع والعطش؛ فحيث وقعت عرف أني جائع، فأخذ بيدي وأتى بي إلى شجرة كثيرة الأثمار وهي من الكمثرى، فقال لي: كل من هذه الشجرة حتى تشبع. فأكلت من تلك الشجرة حتى شبعت، وقمت أمشي بغير اختياري، فما مشيت غير قليل حتى ولى ذلك الشخص وركب فوق أكتافي، فصرت ساعة أمشي، وساعة أجري، وساعة أهرول، وهو راكب يضحك ويقول: عمري ما رأيت حمارا مثلك. # فاتفق أننا جمعنا شيئا من عناقيد العنب يوما من الأيام ثم وضعناه في حفرة بعد أن دسناه بأرجلنا، فصارت تلك الحفرة بركة كبيرة، فصبرنا مدة وأتينا إلى تلك الحفرة فوجدنا الشمس قد ضربت ذلك الماء فصار خمرا. فبقينا نشرب منه ونسكر فتحمر وجوهنا ونغني ونرقص من نشوة السكر. فقالوا: ما الذي يحمر وجوهكم ويصيركم ترقصون وتغنون؟ فقلنا لهم: لا تسألون عن هذا، وما تريدون بالسؤال عنه؟ فقالوا: أخبرونا حتى نعرف حقيقة الأمر. فقلنا: عصير العنب. فذهبوا بنا إلى واد ولم نعرف له طولا من عرض، وفي ذلك الوادي كروم من العنب لا يعرف أولها من آخرها، وكل عنقود من العناقيد التي فيها قدر عشرين رطلا، وكله داني القطوف. فقالوا لنا: اجمعوا من هذه. فجمعنا منه شيئا كثيرا، ورأيت هناك حفرة كبيرة أكبر من الحوض الكبير، فملأناها عنبا ودسناه بأرجلنا وفعلنا كما فعلنا أول مرة، فصار خمرا وقلنا لهم: هذا بلغ حد الاستواء، فأي شيء تشربون به؟ فقالوا لنا: إنه كان عندنا حمير مثلكم فأكلناهم وبقيت رءوسهم، فاسقونا في جماجمهم. فأسقيناهم فسكروا ثم رقدوا، وكانوا نحو المائتين، فقلنا لبعضنا: أما يكفي هؤلاء أن يركبونا حتى يأكلونا أيضا! فلا حول ms1729 ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولكن نحن نقوي عليهم السكر ثم نقتلهم ونستريح منهم، ونخلص من أيديهم. فنبهناهم وصرنا نملأ لهم تلك الجماجم ونسقيهم، فيقولون: هذا مر. فقلنا لهم: لأي شيء تقولون هذا مر؟ وكل من قال ذلك إن لم يشرب منه عشر مرات فإنه يموت من يومه. فخافوا من الموت، وقالوا لنا: اسقونا تمام العشر مرات. فلما شربوا بقية العشر مرات سكروا وزاد عليهم السكر، وهمدت قوتهم، فجررناهم من أيديهم، ثم إننا جمعنا من حطب تلك الكروم شيئا كثيرا، وجعلنا حولهم وفوقهم، وأوقدنا النار في الحطب ووقفنا من بعيد ننظر ما يكون منهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 772 # قالت بلغني أيها الملك السعيد، أن ساعدا قال: لما أوقدت النار في الحطب أنا ومن معي من المماليك، وصارت الغيلان في وسطها، وقفنا من بعيد لننظر ما يكون منهم، ثم قدمنا إليهم بعد أن خمدت النار فرأيناهم صاروا كوم رماد، فحمدنا الله تعالى الذي خلصنا منهم وخرجنا من تلك الجزيرة، وطلبنا ساحل البحر، ثم افترقنا من بعضنا؛ فأما أنا واثنان من المماليك فمشينا حتى وصلنا إلى غابة كبيرة كثيرة الأشجار فاشتغلنا بالأكل، وإذا بشخص طويل القامة طويل اللحية طويل الأذنين، بعينين كأنهما مشعلان، وقدامه غنم كثير يرعاها، وعنده جماعة أخر في كيفيته، فلما رآنا استبشر وفرح ورحب بنا وقال: أهلا وسهلا، تعالوا عندي حتى أذبح لكم شاة من هذه الأغنام وأشويها وأطعمكم. فقلنا له: وأين موضعك؟ فقال: قريب من هذا الجبل، فاذهبوا إلى هذه الجهة حتى تروا مغارة فادخلوا فيها، فإن فيها ضيوفا كثيرا مثلكم، فروحوا واقعدوا معهم حتى نجهز لكم الضيافة. فاعتقدنا أن كلامه حق، فسرنا إلى تلك الجهة، ودخلنا تلك المغارة فرأينا الضيوف الذين فيها كلهم عميانا، فحين دخلنا عليهم قال واحد منهم: أنا مريض. وقال الآخر: أنا ضعيف. فقلنا لهم: أي شيء هذا القول الذي تقولونه؟ وما سبب ضعفكم ومرضكم؟ فقالوا: من أنتم؟ فقلنا لهم: نحن ضيوف. قالوا لنا: ما الذي ms1730 أوقعكم في يد هذا الملعون؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا غول يأكل بني آدم، وقد أعمانا ويريد أن يأكلنا. فقلنا لهم: كيف أعماكم هذا الغول؟ فقالوا: إنه في هذا الوقت يعميكم مثلنا. فقلنا لهم: وكيف يعمينا؟ فقالوا لنا: إنه يأتيكم بأقداح من اللبن ويقول لكم: أنتم تعبتم من السفر، فخذوا هذا اللبن واشربوا منه. فحين تشربون منه تصيرون مثلنا. # فقلت في نفسي: ما بقي لنا خلاص إلا بحيلة. فحفرت حفرة في الأرض وجلست عليها، ثم بعد ساعة دخل الملعون الغول علينا ومعه أقداح من اللبن، فناولني قدحا وناول من معي كل واحد قدحا، وقال لنا: أنتم جئتم من البر عطاشى، فخذوا هذا اللبن واشربوا منه حتى أشوي لكم اللحم. فأما أنا فأخذت القدح وقربته من فمي ودلقته في الحفرة وصحت: آه، قد راحت عيني وعميت. وأمسكت عيني بيدي، وصرت أبكي وأصيح وهو يضحك ويقول: لا تخف. وأما الاثنان رفيقاي فإنهما شربا اللبن فعميا، فقام الملعون من وقته وساعته وغلق باب المغارة وقرب مني وجس أضلاعي فوجدني هزيلا، وما علي شيء من اللحم، فجس غيري فرآه سمينا ففرح، ثم ذبح ثلاثة أغنام وسلخها وجاء بأسياخ من الحديد، ووضع فيها لحم الأغنام ووضعها على النار وشواه وقدمه إلى رفيقي، فأكلا وأكل معهما، ثم جاء بزق ملآن خمرا وشربه ورقد على وجهه وشخر. فقلت في نفسي: إنه غرق في النوم وكيف أقتله؟ ثم تذكرت الأسياخ، فأخذت منها سيخين ووضعتهما في النار، وصبرت عليهما حتى صارا مثل الجمر، ثم قمت وشددت وسطي ونهضت على أقدامي، وأخذت السيخين الحديد بيدي وتقربت من الملعون وأدخلتهما في عينيه واتكأت عليهما بقوتي، فنهض من حلاوة الروح قائما على قدميه وأراد أن يمسكني بعد أن عمي، فهربت منه داخل المغارة وهو يسعى خلفي، فقلت للعميان الذين عنده: كيف العمل مع هذا الملعون؟ فقال واحد منهم: يا ساعد، انهض واصعد إلى الطاقة. وأخذت السيف وأتيت عند ذلك الرجل، فقال: خذه واضربه في وسطه فإنه يموت في ms1731 الحال. فقمت وجريت خلفه وقد تعب من الجري، فجاء إلى العميان ليقتلهم، فجئت إليه وضربته بالسيف في وسطه، فصار نصفين، فصاح علي وقال لي: يا رجل، حيث أردت قتلي فاضربني ضربة ثانية. فهممت أن أضربه ضربة ثانية، فقال الذي دلني على السيف: لا تضربه ضربة ثانية؛ فإنه لا يموت بل يعيش ويهلكنا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 773 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ساعدا قال: لما ضربت الغول بالسيف قال لي: يا رجل، حيث ضربتني وأردت قتلي، فاضربني ضربة ثانية. فهممت أن أضربه، فقال لي الذي دلني على السيف: لا تضربه ضربة ثانية، فإنه لا يموت بل يعيش ويهلكنا. فامتثلت أمر ذلك الرجل ولم أضربه، فمات الملعون، فقال لي الرجل: قم افتح المغارة ودعنا نخرج منها، لعل الله يساعدنا ونستريح من هذا الموضع. فقلت له: ما بقي علينا ضرر، بل نستريح ونذبح من هذه الأغنام ونشرب من هذا النبيذ؛ لأن البر طويل. فأقمنا في هذا المكان مدة شهرين ونحن نأكل من هذه الأغنام ومن هذه الفواكه، فاتفق أننا جلسنا على شاطئ البحر يوما من الأيام، فرأينا مركبا كبيرة تلوح في البحر على بعد، فأشرنا إلى أهلها وصحنا عليهم، فخافوا من ذلك الغول، وكانوا يعرفون أن هذه الجزيرة فيها غول يأكل الآدميين فطلبوا الهروب، فأشرنا إليهم بفاضل عمائمنا وقربنا منهم وصرنا نصيح عليهم، فقال واحد من الركاب وكان حديد البصر: يا معاشر الركاب، إني أرى هذه الأشباح آدميين مثلنا وليس عليهم زي الغيلان. ثم إنهم ساروا جهتنا قليلا إلى أن قربوا منا، فلما تحققوا أننا آدميون، سلموا علينا فرددنا عليهم السلام وبشرناهم بقتل الغول الملعون فشكرونا. # ثم إننا تزودنا من الجزيرة بشيء من الفواكه فيها، ثم نزلنا المركب وسارت بنا في ريح طيبة مدة ثلاثة أيام، وبعد ذلك سارت علينا ريح وازداد ظلام الجو، فما كان غير ساعة واحدة حتى جذب الريح المركب إلى جبل فانكسرت وتمزقت ألواحها، فقدر الله العظيم أني تعلقت بلوح منها ms1732 وركبته، فسار بي يومين وقد أتت ريح طيبة، فصرت فوق اللوح أجدف برجلي ساعة زمانية حتى أوصلني الله تعالى إلى البر بالسلامة، فطلعت إلى هذه المدينة وقد صرت غريبا فريدا وحيدا لا أدري ما أصنع، وقد أضر بي الجوع وحصل لي الجهد الأكبر، فأتيت إلى سوق المدينة وقد تواريت وقلعت هذا القباء، وقلت في نفسي: أبيعه وآكل بثمنه حتى يقضي الله ما هو قاض. ثم إني يا أخي أخذت القباء في يدي والناس ينظرونه ويتزايدون في ثمنه، حتى أتيت أنت ونظرتني وأمرت بي إلى القصر، فأخذني الغلمان وسجنوني، ثم إنك تذكرتني بعد هذه المدة فأحضرتني عندك، وقد أخبرتك بما جرى لي، والحمد لله على الاجتماع. # فلما سمع سيف الملوك وتاج الملوك أبو دولة خاتون حديث الوزير ساعد، تعجبا من ذلك عجبا شديدا، وقد أعد تاج الملوك أبو دولة قانون مكانا مليحا لسيف الملوك وأخيه ساعد، وصارت دولة خاتون تأتي لسيف الملوك وتشكره وتتحدث معه على إحسانه، فقال الوزير ساعد: أيتها الملكة، المراد منك المساعدة على بلوغ غرضه. فقالت: نعم أسعى في مراده حتى يبلغ مراده إن شاء الله تعالى. ثم التفتت إلى سيف الملوك، وقالت له: طب نفسا وقر عينا. # هذا ما كان من أمر سيف الملوك ووزيره ساعد، وأما ما كان من أمر الملكة بديعة الجمال، فإنها وصلت إليها الأخبار برجوع أختها دولة خاتون إلى أبيها ومملكتها، فقالت: لا بد من زيارتها والسلام عليها في زينة بهية وحلى وحلل، فتوجهت إليها، فلما قربت من مكانها قابلتها الملكة دولة خاتون، وسلمت عليها وعانقتها وقبلتها بين عينيها، وهنتها الملكة بديعة الجمال بالسلامة، ثم جلستا تتحدثان، فقالت بديعة الجمال لدولة خاتون: أي شيء جرى لك في الغربة؟ فقالت دولة خاتون: يا أختي، لا تسأليني عما جرى لي من الأمور، يا ما تقاسي الخلائق من الشدائد. فقالت لها بديعة الجمال: وكيف ذلك؟ قالت: يا أختي، إني كنت في القصر المشيد، وقد احتوى علي فيه ابن الملك الأزرق ... ثم حدثتها ببقية الحديث من أوله ms1733 إلى آخره، وحديث سيف الملوك وما جرى له في القصر، وما قاسى من الشدائد والأهوال حتى وصل إلى القصر المشيد، وكيف قتل ابن الملك الأزرق، وكيف قلع الأبواب وجعلها فلكا وعمل لها مجاديف، وكيف دخل إلى ها هنا؛ فتعجبت بديعة الجمال، ثم قالت: والله يا أختي، إن هذا من أغرب العجائب، وأريد أن أخبرك بأصل حكايته لكن يمنعني الحياء من ذلك. فقالت لها بديعة الجمال: ما سبب الحياء، وأنت أختي ورفيقتي، وبيني وبينك شيء كثير، وأنا أعرف أنك ما تطلبين لي إلا الخير، فمن أي شيء تستحيين مني؟ فأخبريني بما عندك ولا تستحي مني، ولا تخفي مني شيئا من ذلك. فقالت لها دولة خاتون: إنه نظر صورتك في القباء الذي أرسله أبوك إلى سليمان بن داود عليهما السلام، فلم يفتحه ولم ينظر ما فيه، بل أرسله إلى الملك عاصم بن صفوان ملك مصر في جملة الهدايا والتحف التي أرسلها إليه، والملك عاصم أعطاه لولده سيف الملوك قبل أن يفتحه، فلما أخذه سيف الملوك فتحه وأراد أن يلبسه فرأى فيه صورتك، فعشقها وخرج في طلبك، وقاسى هذه الشدائد كلها من أجلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 774 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن دولة خاتون أخبرت بديعة الجمال بأصل محبة سيف الملوك لها وعشقه إياها، وأن سببها القباء الذي فيه صورتها، وحين عاين الصورة خرج من ملكه هائما، وغاب عن أهله من أجلها، وقالت لها: إنه قاسى من الأهوال ما قاساه من أجلك. فقالت بديعة الجمال وقد احمر وجهها وخجلت من دولة خاتون: إن هذا شيء لا يكون أبدا، فإن الإنس لا يتفقون مع الجان. فواصلت دولة خاتون تصف لها سيف الملوك، وحسن صورته وسيرته وفروسيته، ولم تزل تثني عليه وتذكر لها صفاته حتى قالت: يا أختي، لأجل الله تعالى ولأجلي، تحدثي معه ولو كلمة واحدة. فقالت بديعة الجمال: إن هذا الكلام الذي تقولينه لا أسمعه، ولا أطيعك فيه. وكأنها لم تسمع منه شيئا، ولم يقع ms1734 في قلبها شيء من محبة سيف الملوك وحسن صورته وسيرته وفروسيته. # ثم إن دولة خاتون صارت تتضرع لها، وتقبل رجليها، وتقول: يا بديعة الجمال، بحق اللبن الذي رضعناه أنا وأنت، وبحق النقش الذي على خاتم سليمان عليه السلام، أن تسمعي كلامي هذا، فإني تكلفت له في القصر المشيد بأني أريه وجهك، فبالله عليك أن تريه صورتك مرة واحدة لأجل خاطري، وأنت الأخرى تنظرينه. وصارت تبكي لها وتتضرع إليها وتقبل يديها ورجليها حتى رضيت وقالت: لأجلك أريه وجهي مرة واحدة. فعند ذلك طاب قلب دولة خاتون وقبلت يديها ورجليها وخرجت، وجاءت إلى القصر الأكبر الذي في البستان وأمرت الجواري أن يفرشنه وينصبن فيه تختا من الذهب، ويجعلن أواني الشراب مصفوفة. ثم إن دولة خاتون قامت ودخلت على سيف الملوك وساعد وزيره وهما جالسان في مكانهما، وبشرت سيف الملوك ببلوغ إربه وحصول مراده وقالت له: توجه إلى البستان أنت وأخوك وادخلا القصر، واختفيا عن أعين الناس بحيث لا ينظركما أحد ممن في القصر، حتى أجيء أنا وبديعة الجمال. فقام سيف الملوك وساعد وتوجها إلى المكان الذي دلتهما عليه دولة خاتون، فلما دخلاه رأيا تختا من الذهب منصوبا وعليه الوسائد، وهناك الطعام والشراب فجلسا ساعة من الزمان، ثم إن سيف الملوك تذكر معشوقته فضاق صدره، وهاج عليه الشوق والغرام، فقام ومشى حتى خرج من دهليز القصر، فتبعه أخوه ساعد، فقال له: يا أخي، اقعد أنت مكانك ولا تتبعني حتى أجيء إليك. فقعد ساعد ونزل سيف الملوك ودخل البستان وهو سكران من خمر الغرام، حيران من فرط العشق والهيام، وقد هزه الشوق، وغلب عليه الوجد، فأنشد هذه الأبيات: # يا بديع الجمال ما لي سواك %~% فارحميني إني أسير هواك ~~أنت سؤلي ومنيتي وسروري %~% قد أبى القلب أن يحب سواك ~~ليت شعري هل قد علمت بكائي %~% طول ليلي مسهد الجفن باكي ~~فأمري النوم أن يلم بجفني %~% فعسى في المنام أني أراك ~~فاعطفي في الهوى على مستهام %~% أنقذيه من مهلكات جفاك ~~زادك الله بهجة وسرورا %~% وجميع العدى ms1735 تكون فداك ~~يحشر العاشقون تحت لوائي %~% وجميع الملاح تحت لواك # ثم بكى وأنشد أيضا هذين البيتين: # بديعة الحسن أضحت بغيتي أبدا %~% لأنها في ضمير القلب أسراري ~~فإن نطقت فنطقي في محاسنها %~% وإن سكت ففيها عقد إضماري # ثم بكى بكاء شديدا وأنشد أيضا هذه الأبيات: # وفي كبدي نار يزيد وقودها %~% وأنتم مرادي والغرام يطول ~~أميل إليكم لا أميل لغيركم %~% وأرجو رضاكم والمحب حمول ~~لكي ترحموا من أنحل الحب جسمه %~% وأضعفه والقلب منه عليل ~~فرقوا وجودوا وأنعموا وتفضلوا %~% فلم أنتقل عنكم ولست أحول # ثم بكى وأنشد أيضا هذين البيتين: # وصلتني الهموم وصل هواك %~% وجفاني الرقاد مثل جفاك ~~وحكى لي الرسول أنك غضبى %~% يا كفى الله شر ما هو حاك # ثم إن ساعدا استبطأه فخرج من القصر يفتش عليه في البستان، فرآه ماشيا في البستان متحيرا وهو ينشد هذين البيتين: # والله والله العظيم وحق من %~% يتلو من القرآن سورة فاطر ~~ما جال طرفي في محاسن من أرى %~% إلا وشخصك يا بديع مسامري # ثم اجتمع سيف الملوك وساعد أخوه وصارا يتفرجان في البستان، ويأكلان من الفواكه. هذا ما كان من أمر ساعد وسيف الملوك، وأما ما كان من أمر دولة خاتون، فإنها لما أتت هي وبديعة الجمال إلى القصر دخلتا فيه بعد أن أتحفه الخدام بأنواع الزينة، وفعلوا فيه جميع ما أمرتهم به دولة خاتون، وقد أعدوا لبديعة الجمال تختا من الذهب لتجلس عليه، فلما رأت بديعة الجمال ذلك التخت جلست عليه، وكان بجانبها طاقة تشرف على البستان، وقد أتت الخدام بأنواع الطعام الفاخر، فأكلت بديعة الجمال هي ودولة خاتون، وصارت دولة خاتون تلقمها حتى اكتفت، ثم دعت بأنواع الحلويات فأحضرها الخدام وأكلتا منها بحسب الكفاية وغسلتا أيديهما. ثم إنها هيأت الشراب وآلات المدام، وصفت الأباريق والكاسات، وصارت دولة خاتون تملأ وتسقي بديعة الجمال، ثم تملأ الكأس وتشرب هي. ثم إن بديعة الجمال نظرت من الطاقة التي بجانبها إلى ذلك البستان، ورأت ما فيه من الأثمار والأغصان، فلاحت منها التفاتة إلى جهة سيف الملوك، ms1736 فرأته وهو دائر في البستان وخلفه الوزير ساعد، وسمعت سيف الملوك ينشد الأشعار وهو يذرف الدموع الغزار، فلما نظرته أعقبتها تلك النظرة ألف حسرة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 775 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بديعة الجمال لما رأت سيف الملوك وهو دائر في البستان، نظرته نظرة أعقبتها ألف حسرة، فالتفتت إلى دولة خاتون وقد لعب الخمر بأعطافها، وقالت لها: يا أختي، من هذا الشاب الذي أراه في البستان وهو حائر ولهان كئيب؟ فقالت لها دولة خاتون: هل تأذنين في حضوره عندنا حتى نراه؟ قالت لها: إن أمكنك أن تحضريه فأحضريه. فعند ذلك نادته دولة خاتون، وقالت له: يا ابن الملك، اصعد إلينا وأقدم بحسنك وجمالك علينا. فعرف سيف الملوك صوت دولة خاتون فصعد إلى القصر، فلما وقع نظره على بديعة الجمال خر مغشيا عليه، فرشت عليه دولة خاتون قليلا من ماء الورد فأفاق من غشيته، ثم نهض وقبل الأرض قدام بديعة الجمال، فبهتت من حسنه وجماله، فقالت دولة خاتون: اعلمي أيتها الملكة أن هذا سيف الملوك الذي كانت نجاتي بقضاء الله تعالى على يديه، وهو الذي جرى عليه كامل المشقات من أجلك، وقصدي أن تشمليه بنظرك. فقالت بديعة الجمال وقد ضحكت: ومن يفي بالعهود حتى يفي بها هذا الشاب؟ لأن الإنس ليس لهم مودة. فقال سيف الملوك: أيتها الملكة، إن عدم الوفاء لا يكون عندي أبدا، وما كل الخلق سواء. ثم إنه بكى بين يديها وأنشد هذه الأبيات: # أيا بديع الجمال إنني شبح %~% مضنى أهيم بطرف ساحر جان ~~بحق ما جمعت خداك من ملح %~% من أبيض وشقيق أحمر قان ~~لا تنقمي بنكال الهجر من دنف %~% فإن جسمي من طول النوى فان ~~هذا مرادي وهذا منتهى أملي %~% والوصل قصدي على تقدير إمكان # ثم إنه بكى بكاء شديدا وتحكم عنده العشق والهيام، فصار يسلم عليها بهذه الأبيات: # سلام عليكم من محب متيم %~% وكل كريم للكريم جميل ~~سلام عليكم لا عدمت خيالكم %~% ولم يخل منكم مجلس ms1737 ومقيل ~~أغار عليكم لست أذكر اسمكم %~% وكل حبيب للحبيب يميل ~~فلا تقطعوا حسناتكم عن محبكم %~% فإن الأسى يرديه وهو عليل ~~أراعي النجوم الزهر وهي تروعني %~% وليلي في فرط الغرام يطول ~~ولم يبق لي صبر ولا لي حيلة %~% فأي كلام في السؤال أقول ~~عليكم سلام في ساعة الجفا %~% سلام من الولهان وهو حمول # ثم إنه من كثرة وجده وغرامه أنشد أيضا هذه الأبيات: # إن كان قصدي غيركم يا سادتي %~% لا نلت منكم بغيتي وإرادتي ~~من ذا الذي حاز الجمال سواكم %~% حتى تقوم الآن فيه قيامتي ~~هيهات أن أسلو الهوى وأنا الذي %~% أفنيت فيكم مهجتي وحشاشتي # فلما فرغ من شعره بكى بكاء شديدا، فقالت له بديعة الجمال: يا ابن الملك، إني أخاف أن أقبل عليك بالكلية فلا أجد منك إلفة ولا محبة، فإن الإنس ربما كان خيرهم قليلا وغدرهم جليلا، واعلم أن السيد سليمان بن داود عليهما السلام أخذ بلقيس بالمحبة، فلما رأى غيرها أحسن منها أعرض عنها. فقال لها سيف الملوك: يا عيني ويا روحي، ما خلق الله كل الإنس سواء، وأنا إن شاء الله أفي بالعهد، وأموت تحت أقدامك، وسوف تبصرين ما أفعل موافقا لما أقول، والله على ما أقول وكيل. فقالت له بديعة الجمال: اقعد واطمئن واحلف لي على قدر دينك، ونتعاهد على أننا لا نخون بعضنا، ومن خان صاحبه ينتقم الله تعالى منه. فلما سمع سيف الملوك منها ذلك الكلام، قعد ووضع كل منهما يده في يده صاحبه وتحالفا أن كلا منهما لا يختار على صاحبه أحدا من الإنس ولا من الجن. ثم إنهما تعانقا ساعة زمانية وتباكيا من شدة فرحهما، وغلب الوجد على سيف الملوك فأنشد هذه الأبيات: # بكيت غراما واشتياقا ولوعة %~% على شأن من يهواه قلبي ومهجتي ~~وبي زادت الآلام من طول هجركم %~% وباعي قصير عن تقارب نسبتي ~~وحزني مما ضاق عنه تجلدي %~% يوضح للؤام بعض بليتي ~~وقد ضاق بعد الاتساع حقيقة %~% مجال اصطباري لا بحولي وقوتي ~~فيا هل ترى قد يجمع الله شملنا %~% وتبرى من ms1738 الآلام والسقم غصتي # وبعد أن تحالفت بديعة الجمال هي وسيف الملوك، قام سيف الملوك يمشي، وقامت بديعة الجمال تمشي أيضا ومعها جارية حاملة شيئا من الأكل، وحاملة أيضا قنانية ملآنة خمرا، ثم قعدت بديعة الجمال ووضعت الجارية بين يديها الأكل والمدام، فلم يمكثا غير ساعة إلا وسيف الملوك قد أقبل، فلاقته بالسلام وتعانقا وقعدا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 776 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بديعة الجمال لما أحضرت الطعام والشراب، وجاء سيف الملوك فلاقته بالسلام، ثم قعدا يأكلان ويشربان ساعة، فقالت بديعة الجمال: يا ابن الملك، إذا دخلت بستان إرم ترى خيمة كبيرة منصوبة، وهي من أطلس أحمر وبطانتها من حرير أخضر، فادخل الخيمة وقو قلبك؛ فإنك ترى عجوزا جالسة على تخت من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجوهر، فإذا دخلت فسلم عليها بأدب واحتشام، وانظر إلى جهة التخت تجد تحته نعالا منسوجة بقضبان الذهب مزركشة بالمعادن، فخذ تلك النعال وقبلها وضعها على رأسك، ثم حطها تحت إبطك اليمنى وقف قدام العجوز وأنت ساكت مطرق الرأس، فإذا سألتك وقالت لك: من أين جئت؟ وكيف وصلت إلى ها هنا؟ ومن عرفك هذا المكان؟ ومن شأن أي شيء أخذت هذه النعال؟ فاسكت أنت حتى تدخل جاريتي هذه وتتحدث معها وتستعطفها عليك وتسترضي خاطرها بالكلام، لعل الله تعالى يعطف قلبها عليك وتجيبك إلى ما تريد. ثم إنها نادت تلك الجارية، وكانت اسمها مرجانة، وقالت لها: بحق محبتي أن تقضي هذه الحاجة في هذا اليوم، ولا تتهاوني في قضائها، وإن قضيتها في هذا اليوم فأنت حرة لوجه الله تعالى، ولك الإكرام، ولا يكون عندي أعز منك، ولا أظهر سري إلا عليك. فقالت لها: يا سيدتي ونور عيني، قولي لي ما حاجتك حتى أقضيها لك على رأسي وعيني. فقالت لها: أن تحملي هذا الإنسي على أكتافك وتوصليه إلى بستان إرم عند جدتي أم أبي، وتوصليه إلى خيمتها وتحتفظي عليه، وإذا دخلت الخيمة أنت وإياه ورأيته أخذ النعال وخدمها وقالت ms1739 له: من أين أنت؟ ومن أي طريق أتيت؟ ومن أوصلك إلى هذا المكان؟ ومن شأن أي شيء أخذت هذه النعال؟ وأي شيء حاجتك حتى أقضيها لك؟ فعند ذلك ادخلي بسرعة وسلمي عليها وقولي لها: يا سيدتي، أنا الذي جئت به هنا، وهو ابن ملك مصر، وهو الذي راح إلى القصر المشيد وقتل ابن الملك الأزرق وخلص الملكة دولة خاتون، وأوصلها إلى أبيها سالمة، وقد أوصلته إليك لأجل أن يخبرك ويبشرك بسلامتها فتنعمي عليه. ثم بعد ذلك قولي لها: يا سيدتي، إنه كامل العرض والمروءة والشجاعة، وهو صاحب مصر وملكها، وقد حوى سائر الخصال الحميدة. # فإذا قالت لك: أي شيء حاجته؟ فقولي لها: إن سيدتي تسلم عليك وتقول لك: إلى متى وهي قاعدة في البيت عازبة بلا زواج؟ فقد طالت عليها المدة، فما مرادكم بعدم زواجها؟ ولأي شيء ما تزوجينها في حياتك وحياة أمها مثل البنات؟ فإذا قالت لك: كيف نعمل في زواجها؟ فإن كانت هي تعرف أحدا ووقع في خاطرها أحد تخبرنا عنه ونحن نعمل لها على مرادها على غاية ما يمكن. فعند ذلك قولي لها: يا سيدتي، إن بنتك تقول لك: أنتم كنتم تريدون تزويجي بسليمان عليه السلام، وصورتم له صورتي في القباء، فلم يكن له نصيب في وقد أرسل القباء إلى ملك مصر، فأعطاه لولده، فرأى صورتي منقوشة فيه، فعشقني وترك ملك أبيه وأمه وأعرض عن الدنيا وما فيها، وخرج هائما في الدنيا على وجهه، وقاسى أكبر الشدائد والأهوال من أجلي. # ثم إن الجارية حملت سيف الملوك، وقالت له: غمض عينيك. ففعل، فطارت به إلى الجو، ثم بعد ساعة قالت له: يا ابن الملك، افتح عينيك. ففتح عينيه فنظر البستان، وهو بستان إرم، فقالت له الجارية مرجانة: ادخل يا سيف الملوك هذه الخيمة. فذكر الله سيف الملوك ودخل ومد عينيه بالنظر في البستان، فرأى العجوز قاعدة على التخت، وفي خدمتها الجواري، فقرب منها بأدب واحتشام، وأخذ النعال وقبلها وفعل ما وصفته له بديعة الجمال، فقالت له العجوز: من ms1740 أنت؟ ومن أين أقبلت؟ ومن أي البلاد أنت؟ ومن جاء بك إلى هذا المكان؟ ولأي شيء أخذت هذه النعال وقبلتها؟ ومتى قلت لي على حاجة ولم أقضها لك؟ فعند ذلك دخلت الجارية مرجانة، وسلمت عليها بأدب واحتشام، ثم تحدثت بحديث بديعة الجمال الذي قالته لها. فلما سمعت العجوز هذا الكلام صرخت عليها واغتاظت منها، وقالت: من أين يحصل بين الإنس والجن اتفاق؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 777 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما سمعت الكلام من الجارية اغتاظت غيظا شديدا وقالت: من أين للإنس مع الجن اتفاق؟ فقال سيف الملوك: أنا أتفق معك وأكون غلامك وأموت على حبك وأحفظ عهدك ولا أنظر غيرك، وسوف تنظرين صدقي وعدم كذبي وحسن مروءتي معك إن شاء الله تعالى. ثم إن العجوز تفكرت ساعة زمانية ورأسها مطرق، ثم رفعت رأسها وقالت: أيها الشاب المليح، هل تحفظ العهد والميثاق؟ فقال لها: نعم وحق من رفع السماء وبسط الأرض على الماء، إني أحفظ العهد. فعند ذلك قالت العجوز: أنا أقضي لك حاجتك إن شاء الله تعالى، ولكن رح في الساعة إلى البستان، وتفرج فيه وكل من الفواكه التي لا نظير لها ولا في الدنيا مثلها، حتى أبعث إلى ولدي شهيال فيحضر، وأتحدث معه في شأن ذلك، ولا يكون إلا خيرا إن شاء الله تعالى؛ لأنه لا يخالفني ولا يخرج عن أمري، وأزوجك بنته بديعة الجمال؛ فطب نفسا فإنها تكون زوجة لك يا سيف الملوك. فلما سمع سيف الملوك منها ذلك الكلام شكرها وقبل يديها ورجليها وخرج من عندها متوجها إلى البستان. وأما العجوز فإنها التفتت إلى تلك الجارية وقالت لها: اطلعي فتشي على ولدي شهيال، وانظريه في أي الأقطار والأماكن وأحضريه عندي. فراحت الجارية وفتشت على الملك شهيال فاجتمعت به، وأحضرته عند أمه. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر سيف الملوك، فإنه صار يتفرج في البستان، وإذا بخمسة من الجان، وهم من قوم الملك ms1741 الأزرق قد نظروه، فقالوا: من أين هذا؟ ومن جاء به إلى هذا المكان، ولعله الذي قتل ابن الملك الأزرق؟ ثم إنهم قالوا لبعضهم: إنا نحتال عليه بحيلة ونسأله ونستخبر منه. ثم صاروا يتمشون قليلا قليلا إلى أن وصلوا إلى سيف الملوك في طرف البستان، وقعدوا عنده وقالوا له: أيها الشاب المليح، ما قصرت في قتل ابن الملك الأزرق وخلاص دولة خاتون منه، فإنه كلب غدار قد مكر بها، ولولا أن الله قيضك لها ما خلصت أبدا، وكيف قتلته؟ فنظر إليهم سيف الملوك، وقال لهم: قد قتلته بهذا الخاتم الذي في إصبعي. فثبت عندهم أنه هو الذي قتله، فقبض اثنان على يديه، واثنان على رجليه، والآخر قبض على فمه حتى لا يصيح فيسمعه قوم الملك شهيال فينقذوه من أيديهم. ثم إنهم حملوه وطاروا به، ولم يزالوا طائرين حتى نزلوا عند ملكهم، وأوقفوه بين يديه وقالوا: يا ملك الزمان، قد جئناك بقاتل ولدك. فقال: وأين هو؟ قالوا: هذا. فقال له الملك الأزرق: هل قتلت ولدي وحشاشة كبدي ونور بصري بغير حق وبغير ذنب فعله معك؟ فقال له سيف الملوك: نعم، أنا قتلته، ولكن لظلمه وعدوانه؛ لأنه كان يأخذ أولاد الملوك ويذهب بهم إلى البئر المعطلة والقصر المشيد ويفرق بينهم وبين أهليهم، ويفسق فيهم، وقتلته بهذا الخاتم الذي في إصبعي، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار. فثبت عند الملك الأزرق أن هذا هو قاتل ولده بلا شك، فعند ذلك دعا بوزيره وقال له: هذا قاتل ولدي ولا محالة من غير شك، فماذا تشير علي في أمره؟ فهل أقتله أقبح قتلة، أو أعذبه أصعب عذاب، أو كيف أعمل؟ فقال الوزير الأكبر: اقطع منه عضوا. وقال آخر: اضربه كل يوم ضربا شديدا. وقال آخر: اقطعوا وسطه. وقال آخر: اقطعوا أصابعه جميعا وأحرقوها بالنار. وقال آخر: اصلبوه. وصار كل واحد منهم يتكلم بحسب رأيه. # وكان عند الملك الأزرق أمير كبير له خبرة بالأمور ومعرفة بأحوال الدهور، فقال له: يا ملك الزمان، إني أقول لك كلاما ms1742 ما، والرأي لك في سماع ما أشير به عليك. وكان هو مشير مملكته ورئيس دولته، وكان الملك يسمع كلامه، ويعمل برأيه ولا يخالفه في شيء، فقام على قدميه وقبل الأرض بين يديه، وقال له: يا ملك الزمان، إذا أشرت عليك برأي في شأن هذا الأمر، فهل تتبعه وتعطيني الأمان؟ فقال له الملك: بين رأيك وعليك الأمان. فقال: يا ملك، إن أنت قتلت هذا ولم تقبل نصحي ولم تتعقل كلامي، فإن قتله في هذا الوقت غير صواب؛ لأنه تحت يدك وفي حماك وأسيرك، ومتى طلبته وجدته وتفعل به ما تريد، فاصبر يا ملك الزمان، فإن هذا قد دخل بستان إرم وتزوج بديعة الجمال بنت الملك شهيال، وصار منهم واحدا، وجماعتك قبضوا عليه وأتوا به إليك، وما أخفى حاله منهم ولا منك، فإن قتلته فإن الملك شهيال يطلب ثأره منك ويعاديك ويأتيك بالعسكر من أجل بنته، ولا مقدرة لك على عسكره، وليس لك به طاقة. فسمع منه ذلك، وأمر بسجنه. # هذا ما جرى لسيف الملوك، وأما ما كان من أمر السيدة بديعة الجمال، فإنها لما اجتمعت بوالدها شهيال أرسلت الجارية تفتش على سيف الملوك، فلم تجده، فرجعت إلى سيدتها وقالت: ما وجدته في البستان. فأرسلت إلى عملة البستان، وسألتهم عن سيف الملوك، فقالوا: نحن رأيناه قاعدا تحت شجرة، وإذا بخمسة أشخاص من جماعة الملك الأزرق نزلوا عنده وتحدثوا معه، ثم إنهم حملوه وسدوا فمه وطاروا به وراحوا. فلما سمعت العجوز ذلك الكلام، لم يهن عليها واغتاظت غيظا شديدا، وقامت على أقدامها وقالت لابنها الملك شهيال: كيف تكون ملكا وتجيء جماعة الملك الأزرق إلى بستاننا، ويأخذون ضيفنا ويروحون به سالمين وأنت بالحياة، وكذلك أمه؟ وصارت تحرضه وتقول: لا ينبغي أن يتعدى علينا أحد في حياتك. فقال لها: يا أمي، إن هذا الإنسي قتل ابن الملك الأزرق وهو جني، فرماه الله في يده فكيف أذهب وأعاديه من أجل الإنسي؟ فقالت له أمه: اذهب إليه واطلب منه ضيفنا، فإن كان بالحياة وسلمه إليك فخذه وتعال، ms1743 وإن كان قتله فامسك الملك الأزرق بالحياة هو وأولاده وحريمه، وكل من يلوذ به من أتباعه، وائتني بهم بالحياة حتى أذبحهم بيدي وأخرب دياره، وإن لم تفعل ما أمرتك به لا أجعلك في حل من لبني، والتربية التي ربيتها لك تكون حراما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 778 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز قالت لابنها شهيال: اذهب إلى الملك الأزرق وانظر سيف لملوك، فإن كان باقيا بالحياة فهاته وتعال، وإن كان قتله فامسكه هو وأولاده وحريمه، وكل من يلوذ به وائتني بهم بالحياة حتى أذبحهم بيدي، وأخرب ملكه، وإن لم تذهب إليه وتفعل ما أمرتك به، فلا أجعلك في حل من لبني، وتكون تربيتك حراما. فعند ذلك قام الملك شهيال وأمر عسكره بالخروج، وتوجه إليه كرامة لأمه ورعاية لخاطرها وخواطر أحبابها ولأجل شيء كان مقدرا في الأزل. ثم إن شهيال سافر بعسكره ولم يزالوا مسافرين حتى وصلوا إلى الملك الأزرق وتلاقى العسكران، فانكسر الملك الأزرق هو وعسكره ومسكوا أولاده كبارا وصغارا، وأرباب دولته وأكابرها، وربطوهم وأحضروهم بين يدي الملك شهيال، فقال له: يا أزرق، أين سيف الملوك الإنسي الذي هو ضيفي؟ فقال له الملك الأزرق: يا شهيال، أنت جني وأنا جني، وهل لأجل إنسي قتل ولدي تفعل هذه الفعال؟ وهو قاتل ولدي وحشاشة كبدي وراحة روحي، وكيف عملت هذه الأعمال كلها وأهرقت دم كذا وكذا ألف جني؟ فقال له: خل عنك هذا الكلام، فإن كان هو بالحياة فأحضره وأنا أعتقك وأعتق كل من قبضت عليه من أولادك، وإن كنت قتلته، فأنا أذبحك أنت وأولادك. فقال له الملك الأزرق: يا ملك، هل هذا أعز عليك من ولدي؟ فقال له الملك شهيال: إن ولدك ظالم لكونه يخطف أولاد الناس وبنات الملوك ويضعهم في القصر المشيد والبئر المعطلة ويفسق فيهم. فقال له الملك الأزرق: إنه عندي، ولكن أصلح بيننا وبينه. فأصلح بينهم وخلع عليهم وكتب بين الملك الأزرق وبين سيف الملوك حجة من جهة قتل ولده، ms1744 وتسلمه الملك شهيال وضيفهم ضيافة مليحة، وأقام الملك الأزرق عنده هو وعسكره ثلاثة أيام، ثم أخذ سيف الملوك وأتى به إلى أمه، ففرحت به فرحا شديدا، وتعجب شهيال من حسن سيف الملوك وكماله وجماله، وحكى له سيف الملوك حكايته من أولها إلى آخرها وما وقع له مع بديعة الجمال. # ثم إن الملك شهيال قال: يا أمي، حيث رضيت بذلك فسمعا وطاعة لكل أمر فيه رضاؤك، فخذيه وروحي به إلى سرنديب، واعملي هناك فرحا عظيما، فإنه شاب مليح وقاسى الأهوال من أجلها. ثم إنها سافرت هي وجواريها إلى أن وصلن إلى سرنديب، ودخلن البستان الذي لأم دولة خاتون، ونظرته بديعة الجمال بعد أن مضين إلى الخيمة واجتمعن، وحدثتهن العجوز بما جرى له من الملك الأزرق، وكيف كان أشرف على الموت في سجن الملك الأزرق، وليس في الإعادة إفادة. ثم إن الملك سيف الملوك قال له: يا ملك العفو، أنا أطلب منك حاجة وأخاف أن تردني عنها خائبا. فقال له تاج الملوك: والله لو طلبت روحي ما منعتها عنك لما فعلت من الجميل. فقال سيف الملوك: أريد أن تزوج دولة خاتون بأخي ساعد، حتى نصير كلنا غلمانك. فقال تاج الملوك: سمعا وطاعة. ثم إنه جمع أكابر دولته ثانيا، وعقد عقد بنته دولة خاتون على ساعد، ولما خلصوا من كتب الكتاب نثروا الذهب والفضة، وأمر أن يزينوا المدينة، ثم أقاموا الفرح ودخل سيف الملوك على بديعة الجمال، ودخل ساعد على دولة خاتون في ليلة واحدة. ولم يزل سيف الملوك يختلي ببديعة الجمال أربعين يوما، فقالت له في بعض الأيام: يا ابن الملك، هل بقي في قلبك حسرة على شيء؟ فقال سيف الملوك: حاش لله، قد قضيت حاجتي وما بقي في قلبي حسرة أبدا، ولكن قصدي الاجتماع بأبي وأمي بأرض مصر، وأنظر هل استمروا طيبين أم لا؟ فأمرت جماعة من خدمها أن يوصلوه هو وساعدا إلى أرض مصر، فوصلوهم إلى أهلهم بأرض مصر، واجتمع سيف الملوك بأبيه وأمه، وكذلك ساعد، وقعدا عندهم جمعة، ثم ms1745 إن كلا منهما ودع أباه وأمه وسارا إلى مدينة سرنديب، وصارا كلما اشتاقا إلى أهلهما يروحان ويرجعان. وعاش سيف الملوك هو وبديعة الجمال في أطيب عيش وأهنأه، وكذلك ساعد مع دولة خاتون، إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، فسبحان الحي الذي لا يموت، وخلق الخلق وقضى عليهم بالموت، وهو أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء. ### || حكاية حسن الصائغ # ومما حكي أيضا أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجل تاجر من التجار مقيم بأرض البصرة، وكان ذلك التاجر له ولدان ذكران، وكان عنده مال كثير، فقدر الله السميع العليم أن التاجر توفي إلى رحمة الله تعالى وترك تلك الأموال، فأخذ ولداه في تجهيزه ودفنه، وبعد ذلك اقتسما الأموال بينهما بالسوية، وأخذ كل واحد منهما قسمه وفتحا لهما دكانين؛ أحدهما نحاس، والثاني صائغ، فبينما الصائغ جالس في دكانه يوما من الأيام، إذا برجل أعجمي ماش في السوق بين الناس، حتى مر على دكان الولد الصائغ، فنظر إلى صنعته وتأملها بمعرفته فأعجبته، وكان اسم الولد الصائغ حسن، فهز الأعجمي رأسه وقال: والله إنك صائغ مليح. وصار ينظر إلى صناعته وهو ينظر إلى كتاب عتيق كان بيده والناس مشغولون بحسنه وجماله وقده واعتداله، فلما كان وقت العصر خلت الدكان من الناس، فعند ذلك أقبل الرجل الأعجمي عليه وقال له: يا ولدي، أنت شاب مليح، ما هذا الكتاب؟ وأنا ما لي ابن، وقد عرفت صنعة ما في الدنيا أحسن منها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 779 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجمي لما أقبل على حسن الصائغ قال له: يا ولدي، أنت شاب مليح، ما هذا الكتاب؟ وأنا ما لي ابن، وقد عرفت صنعة ما في الدنيا أحسن منها، وقد سألني خلق كثير من الناس في شأن تعليمها، فما رضيت أن أعلمها أحدا منهم، ولكن قد سمحت نفسي أن أعلمك إياها، وأجعلك ولدي وأجعل بينك وبين الفقر حجابا، وتستريح من هذه الصنعة والتعب في المطرقة والفحم ms1746 والنار. فقال له حسن: يا سيدي، ومتى تعلمني؟ فقال: في غد آتيك وأصنع لك من النحاس ذهبا خالصا بحضرتك. ففرح حسن وودع الأعجمي وسار إلى والدته، فدخل وسلم عليها وأكل معها وهو مدهوش بلا وعي ولا عقل، فقالت له أمه: ما بالك يا ولدي؟ احذر أن تسمع كلام الناس، خصوصا الأعجام فلا تطاوعهم في شيء، فإن هؤلاء غشاشون يعملون صنعة الكيمياء، وينصبون على الناس ويأخذون أموالهم ويأكلونها بالباطل. فقال لها: يا أمي، نحن ناس فقراء وما عندنا شيء يطمع فيه حتى ينصب علينا، وقد جاءني رجل أعجمي لكنه شيخ صالح عليه أثر الصلاح، وإنما هو قد حننه الله علي. فسكتت أمه على غيظ، وصار ولدها مشغول القلب ولم يأخذه نوم في تلك الليلة من شدة فرحه بقول الأعجمي له. # ![figure](../Images/figure6.png) # فقطع النحاس قطعا صغارا ورماه في البودقة ونفخ عليه. # فلما أصبح الصباح قام وأخذ المفاتيح وفتح الدكان، وإذا بالأعجمي قد أقبل عليه، فقام له وأراد حسن أن بقبل يديه، فامتنع ولم يرض بذلك وقال: يا حسن، عمر البودقة، وركب الكير. ففعل ما أمره به الأعجمي وأوقد الفحم، فقال له الأعجمي: يا ولدي، هل عندك نحاس؟ قال: عندي طبق مكسور. فأمره أن يتكئ عليه بالكاز ويقطعه قطعا صغارا، ففعل كما قال له وقطعه قطعا صغارا، ورماه في البودقة ونفخ عليه بالكير حتى صار ماء، فمد الأعجمي يده إلى عمامته وأخرج منها ورقة ملفوفة وفتحها وذر منها شيئا في البودقة مقدار نصف درهم، وذلك الشيء يشبه الكحل الأصفر، وأمر حسنا أن ينفخ عليه بالكير، ففعل مثل ما أمره حتى صار سبيكة ذهب، فلما نظر حسن إلى ذلك اندهش وتحير عقله من الفرح الذي حصل له، وأخذ السبيكة وقلبها، وأخذ المبرد وبردها؛ فرآها ذهبا خالصا من عال العال، فطار عقله واندهش من شدة الفرح، ثم انحنى على يد الأعجمي ليقبلها، فقال له: خذ هذه السبيكة وانزل بها إلى السوق وبعها واقبض ثمنها سريعا ولا تتكلم. فنزل حسن إلى السوق وأعطى السبيكة إلى الدلال، فأخذها ms1747 منه وحكها فوجدها ذهبا خالصا، ففتحوا بابها بعشرة آلاف درهم، وقد تزايد فيها التجار فباعها بخمسة عشر ألف درهم، وقبض ثمنها ومضى إلى البيت وحكى لأمه جميع ما فعل، وقال لأمه: يا أمي، إني قد تعلمت هذه الصنعة. فضحكت عليه وقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 780 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا الصائغ لما حكى لأمه ما فعل الأعجمي، وقال لها: إني قد تعلمت هذه الصنعة. قالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وسكتت على غيظ منها. ثم إن حسنا أخذ من جهله هونا وذهب به إلى الأعجمي وهو قاعد في الدكان ووضعه بين يديه، فقال له: يا ولدي، ما تريد أن تصنع بهذا الهون؟ قال: ندخله النار ونعمله سبائك ذهب. فضحك الأعجمي وقال له: يا ولدي، هل أنت مجنون حتى تنزل السوق بسبيكتين في يوم واحد؟ أما تعلم أن الناس ينكرون علينا وتروح أرواحنا؟ ولكن يا ولدي إذا علمتك هذه الصنعة لا تعملها في السنة إلا مرة واحدة، فهي تكفيك من السنة إلى السنة. قال: صدقت يا سيدي. ثم إنه قعد في الدكان وركب البودقة، ورمى الفحم في النار، فقال له الأعجمي: يا ولدي، ماذا تريد؟ قال: علمني هذه الصنعة. فضحك الأعجمي وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أنت يا ابني قليل العقل ما تصلح لهذه الصنعة قط، هل أحد في عمره يتعلم هذه الصنعة على قارعة الطريق أو في الأسواق؟ فإن اشتغلنا بها في هذا المكان يقول الناس علينا إن هؤلاء يصنعون الكيمياء، فتسمع بنا الحكام فتروح أرواحنا، فإن كنت يا ولدي تريد أن تتعلم هذه الصنعة، فاذهب معي إلى بيتي. فقام حسن وأغلق الدكان وتوجه مع الأعجمي، فبينما هو في الطريق إذ تذكر قول أمه وحسب في نفسه ألف حساب، ووقف وأطرق برأسه إلى الأرض ساعة زمانية، فالتفت الأعجمي فرآه واقفا، فضحك وقال له: هل أنت مجنون؟ ms1748 كيف أضمر لك في قلبي الخير وأنت تحسب أني أضرك؟ ثم قال له الأعجمي: إن كنت خائفا من ذهابك معي إلى بيتي، فأنا أروح معك إلى بيتك وأعلمك هناك. فقال له حسن: نعم يا عم. فقال له: امش قدامي. فسار حسن قدامه إلى منزله، وسار الأعجمي خلفه إلى أن وصل منزله، فدخل حسن إلى داره فوجد والدته، فأعلمها بحضور الأعجمي معه والأعجمي واقف على الباب، ففرشت لهما البيت ورتبته، فلما فرغت من أمرها راحت، ثم إن حسنا أذن للأعجمي أن يدخل فدخل. # ثم إن حسنا أخذ في يده طبقا وذهب به إلى السوق ليجيء فيه بشيء يأكله، فخرج وجاء بأكل وأحضره بين يديه وقال له: كل يا سيدي لأجل أن يصير بيننا خبز وملح، والله تعالى ينتقم ممن يخون الخبز والملح. فقال له: صدقت يا ولدي. ثم تبسم وقال: يا ولدي، من يعرف قدر الخبز والملح؟ ثم تقدم الأعجمي وأكل مع حسن حتى اكتفيا، ثم قال له الأعجمي: يا ولدي يا حسن، هات لنا شيئا من الحلوى. فمضى حسن إلى السوق وأحضر عشر قبات من الحلوى، وفرح حسن بكلام الأعجمي. فلما قدم له الحلوى أكل منها وأكل معه حسن، ثم قال له الأعجمي: جزاك الله خيرا يا ولدي، مثلك من يصاحبه الناس ويظهرونه على أسرارهم ويعلمونه ما ينفعه. ثم قال الأعجمي: يا حسن، أحضر العدة. فما صدق حسن بهذا الحديث، وقد خرج مثل المهر إذا انطلق من الربيع حتى أتى إلى الدكان، وأخذ العدة ورجع ووضعها بين يديه، فأخرج الأعجمي قرطاسا من الورق وقال: يا حسن، وحق الخبز والملح لولا أنت أعز من ولدي ما أطلعتك على هذه الصنعة، وما بقي معي شيء من هذا الإكسير إلا هذا القرطاس، ولكن تأمل حين أركب العقاقير وأضعها قدامك، واعلم يا ولدي يا حسن أنك تضع على كل عشرة أرطال نحاسا نصف درهم من هذا الذي في الورقة، فتصير العشرة أرطال ذهبا خالصا إبريزا. ثم قال له: يا ولدي يا حسن، إن في ms1749 هذه الورقة ثلاثة أوراق بالوزن المصري، وبعد أن يفرغ ما في هذه الورقة أعمل لك غيره. فأخذ حسن الورقة، فرأى فيها شيئا أصفر أنعم من الأول، فقال: يا سيدي، ما اسم هذا؟ وأين يوجد؟ وفي أي شيء يعمل؟ فضحك الأعجمي وطمع في حسن وقال له: عن أي شيء تسأل؟ اعمل وأنت ساكت. وأخرج طاسة من البيت وقطعها وألقاها في البودقة، ورمى عليها قليلا من الذي في الورقة، فصارت سبيكة من الذهب الخالص. # فلما رأى حسن ذلك فرح فرحا شديدا، وصار متحيرا في عقله مشغولا بتلك السبيكة، فأخرج الأعجمي صرة من رأسه بسرعة وقطعها ووضعها في قطعة من الحلوى وقال له: يا حسن، أنت بقيت ولدي وصرت عندي أعز من روحي ومالي، وعندي بنت أزوجك بها. فقال حسن: أنا غلامك، ومهما فعلته معي كان عند الله تعالى. فقال الأعجمي: يا ولدي، طول بالك وصبر نفسك فيحصل لك الخير. ثم ناوله القطعة الحلوى، فأخذها وقبل يده ووضعها في فمه وهو لا يعلم ما له في الغيب، ثم بلع القطعة الحلوى فسبقت رأسه رجليه، وغاب عن الدنيا؛ فلما رآه الأعجمي وقد حل به البلاء، فرح فرحا شديدا وقام على أقدامه، وقال له: وقعت يا علق يا كلب العرب، لي أعوام كثيرة أفتش عليك حتى حصلتك يا حسن. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 781 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا الصائغ لما أكل القطعة الحلوى التي أعطاها له الأعجمي ووقع منها على الأرض مغشيا عليه، فرح الأعجمي وقال له: لي أعوام كثيرة وأنا أفتش عليك حتى حصلتك. ثم إن الأعجمي شد وسطه وكتف حسنا وربط رجليه على يديه، وأخذ صندوقا وأخرج منه الحوائج التي كانت فيه، ووضع حسنا فيه وقفله عليه، وفرغ صندوقا آخر وحط فيه جميع المال الذي عند حسن، وسبائك الذهب التي عملها أولا وثانيا وقفله، ثم خرج يجري إلى السوق، وأحضر حمالا حمل الصندوقين، وتقدم إلى المركب الرأسية، وكانت تلك المركب مهيأة للأعجمي، وريسها منتظر ms1750 له، فلما نظرته بحريتها أتوا إليه وحملوا الصندوقين ووضعوهما في المركب، وصرخ الأعجمي على الريس وعلى جميع البحرية وقال لهم: قوموا قد انقضت الحاجة، وبلغنا المراد. فصرخ الريس على البحرية وقال لهم: أقلعوا المراسي وحلوا القلوع. وسارت المركب بريح طيبة. # هذا ما كان من أمر الأعجمي وحسن، وأما ما كان من أمر أم حسن، فإنها انتظرته إلى العشاء فلم تسمع له صوتا ولا خبرا جملة كافية، فجاءت إلى البيت فرأته مفتوحا ولم تر فيه أحدا ولم تجد الصناديق ولا المال، فعرفت أن ولدها قد فقد ونفذ فيه القضاء، فلطمت على وجهها وشقت أثوابها، وصاحت وولولت وصارت تقول: وا ولداه! وا ثمرة فؤاداه! ثم أنشدت هذه الأبيات: # لقد قل صبري ثم زاد تململي %~% وزاد نحيبي بعدكم وتعللي ~~ولا صبر لي والله بعد فراقكم %~% وكيف اصطباري بعد فرقة مأملي ~~وبعد حبيبي كيف ألتذ بالكرى %~% ومن ذا الذي يهنى بعيش التذلل ~~رحلت فأوحشت الديار وأهلها %~% وكدرت من صفوي مشارب منهلي ~~وكنت معيني في الشدائد كلها %~% وعزي وجاهي في الورى وتوسلي ~~فلا كان يوم كنت فيه مباعدا %~% عن العين إلا أن أراك تعود لي # ثم إنها صارت تبكي وتنوح إلى الصباح، فدخل عليها الجيران وسألوها عن ولدها، فأخبرتهم بما جرى له مع الأعجمي، واعتقدت أنها لا تراه بعد ذلك أبدا، وجعلت تدور في البيت وتبكي. فبينما هي دائرة في البيت إذ رأت سطرين مكتوبين على الحائط، فأحضرت فقيها فقرأهما لها، فإذا فيهما: # سرى طيف ليلي عندما غلب الكرى %~% سحيرا وصحبي في الفلاة رقود ~~فلما انتبهنا للخيال الذي سرى %~% بدا الجو قفرا والمزار بعيد # فلما سمعت أم حسن هذه الأبيات صاحت وقالت: نعم يا ولدي، إن الدار قفراء والمزار بعيد. ثم إن الجيران ودعوها بعد أن دعوا لها بالصبر وجمع الشمل قريبا وانصرفوا، ولم تزل أم حسن تبكي آناء الليل وأطراف النهار، وبنت في وسط البيت قبرا، وكتبت عليه اسم حسن وتاريخ فقده، وكانت لا تفارق ذلك القبر، ولم يزل ذلك دأبها من حين فارقها ms1751 ولدها. هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر ولدها حسن مع الأعجمي، فإن الأعجمي كان مجوسيا، وكان يبغض المسلمين كثيرا، وكلما قدر على أحد من المسلمين يهلكه، وهو خبيث لئيم كيماوي كما قال فيه الشاعر: # هو الكلب وابن الكلب والكلب جده %~% ولا خير في كلب تناسل من كلب # وكان اسم ذلك الملعون بهرام المجوسي، وكان له في كل سنة واحد من المسلمين يأخذه ويذبحه على مطلب، فلما تمت حيلته على حسن الصائغ، وسار به من أول النهار إلى الليل، رست المركب على بر إلى الصباح، فلما طلعت الشمس وسارت المركب، أمر الأعجمي عبيده وغلمانه أن يحضروا له الصندوق الذي فيه حسن فأحضروه له، ففتحه وأخرجه منه ونشقه بالخل ونفخ في أنفه ذرورا فعطس وتقايا البنج، وفتح عينيه ونظر يمينا وشمالا، فوجد نفسه في وسط البحر والمركب سائرة والأعجمي قاعد عنده؛ فعلم أنها حيلة عملت عليه قد عملها الملعون المجوسي، وأنه وقع في الأمر الذي كانت أمه تحذره منه، فقال كلمة لا يخجل قائلها وهي: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم الطف بي في قضائك، وصبرني على بلائك يا رب العالمين. ثم التفت إلى الأعجمي وكلمه بكلام رقيق، وقال له: يا والدي، ما هذه الفعال؟ وأين الخبز والملح واليمين التي حلفتها لي؟ فنظر إليه وقال له: يا كلب، هل مثلي يعرف خبزا وملحا؟ وأنا قد قتلت مثلك ألف صبي إلا صبيا، وأنت تمام الألف. وصاح عليه، فسكت وعلم أن سهم القضاء نفذ فيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 782 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا لما رأى نفسه وقع مع الأعجمي الملعون، كلمه بكلام رقيق فلم يفده، بل صاح عليه، فسكت وعلم أن سهم القضاء نفذ فيه، فعند ذلك أمر الملعون بحل كتافه، ثم سقوه قليلا من الماء والمجوسي يضحك ويقول: وحق النار والنور، والظل والحرور، ما كنت أظن أنك تقع في شبكتي، ولكن ms1752 النار قوتني عليك وأعانتني على قبضك حتى أقضي حاجتي وأرجع وأجعلك قربانا لها حتى ترضى عني. فقال حسن: قد خنت الخبز والملح. فرفع المجوسي يده وضربه ضربة، فوقع وعض الأرض بأسنانه وغشي عليه وجرت دموعه على خده. ثم أمر المجوسي أن يوقدوا له نارا، فقال له حسن: ما تصنع بها؟ فقال له: هذه النار صاحبة النور والشرر، وهي التي أعبدها، فإن كنت تعبدها مثلي فأنا أعطيك نصف مالي وأزوجك بنتي. فصاح حسن عليه وقال له: ويلك، إنما أنت مجوسي كافر تعبد النار دون الملك الجبار، خالق الليل والنهار، وما هذه إلا مصيبة في الأديان. فعند ذلك غضب المجوسي، وقال: أما توافقني يا كلب العرب وتدخل في ديني؟ فلم يوافقه حسن على ذلك، فقام المجوسي الملعون وسجد للنار وأمر غلمانه أن يرموا حسنا على وجهه، فرموه على وجهه، وصار المجوسي يضربه بسوط مضفور من جلد حتى شرح جوانبه وهو يستغيث فلا يغاث، ويستجير فلا يجيره أحد، فرفع طرفه إلى الملك القهار، وتوسل إليه بالنبي المختار، وقد عدم الاصطبار، وجرت دموعه على خديه كالأمطار، وأنشد هذين البيتين: # صبرا لحكمك يا إلهي في القضا %~% أنا صابر إن كان في هذا رضا ~~جاروا علينا واعتدوا وتحكموا %~% فعساك بالإحسان تغفر ما مضى # ثم إن المجوسي أمر العبيد أن يقعدوه، وأمر أن يأتوا إليه بشيء من المأكول والمشروب، فأحضروه فلم يرض أن يأكل ولا يشرب، وصار المجوسي يعذبه ليلا ونهارا مسافة الطريق وهو صابر يتضرع إلى الله عز وجل، وقد قسا قلب المجوسي عليه، ولم يزالوا سائرين في البحر مدة ثلاثة أشهر، وحسن معه في العذاب، فلما كملت الثلاثة أشهر أرسل الله تعالى على المركب ريحا، فاسود البحر وهاج بالمركب من كثرة الريح، فقال الريس والبحرية: هذا والله كله ذنب هذا الصبي الذي له ثلاثة أشهر في العقوبة مع هذا المجوسي، وهذا ما يحل من الله تعالى. ثم إنهم قاموا على المجوسي وقتلوا غلمانه وكل من معه، فلما رآهم المجوسي قتلوا الغلمان أيقن بالهلاك وخاف على ms1753 نفسه، وحل حسنا من كتافه وقلعه ما كان عليه من الثياب الرثة وألبسه غيرها وصالحه، ووعده أن يعلمه الصنعة ويرده إلى بلده، وقال له: يا ولدي، لا تؤاخذني بما فعلت معك. فقال له حسن: كيف بقيت أركن إليك؟ فقال له: يا ولدي، لولا الذنب ما كانت المغفرة، وأنا ما فعلت معك هذه الفعال إلا لأجل أن أنظر صبرك، وأنت تعلم أن الأمر كله بيد الله. ففرحت البحرية والريس بخلاصه، ودعا لهم حسن وحمد الله تعالى وشكره، فسكنت الرياح وانكشفت الظلمة، وطاب الريح والسفر. # ثم إن حسنا قال للمجوسي: يا أعجمي، إلى أين تتوجه؟ قال: يا ولدي، أتوجه إلى جبل السحاب الذي فيه الإكسير الذي نعمله كيميائيا. وحلف له المجوسي بالنار والنور أنه ما بقي لحسن عنده ما يخيفه، فطاب قلب حسن وفرح بكلام المجوسي وصار يأكل معه ويشرب وينام ويلبسه من ملبوسه، ولم يزالوا مسافرين مدة ثلاثة أشهر أخر، وبعد ذلك رست المركب على بر طويل كله حصى أبيض وأصفر وأزرق وأسود، وغير ذلك من جميع الألوان، فلما رست المركب نهض الأعجمي قائما وقال: يا حسن، قم اطلع فإننا قد وصلنا إلى مطلوبنا ومرادنا. فقام حسن وطلع مع الأعجمي وأوصى المجوسي الريس على مصالحه، ثم مشى حسن مع المجوسي إلى أن بعدا عن المركب وغابا عن الأعين، ثم قعد المجوسي وأخرج من جيبه طبلا نحاسا وزخمة من حرير منقوشة بالذهب وعليها طلاسم، وضرب الطبل، فلما فرغ ظهرت غبرة من ظهر البرية، فتعجب حسن من فعله وخاف منه، وندم على طلوعه معه وتغير لونه، فنظر إليه المجوسي وقال له: ما لك يا ولدي؟ وحق النار والنور ما بقي عليك خوف مني، ولولا أن حاجتي ما تقضى إلا على اسمك ما كنت أطلعتك من المركب، فأبشر كل خير، وهذه الغبرة غبرة شيء نركبه، فيعيننا على قطع هذه البرية، ويسهل علينا مشقتها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 783 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأعجمي قال: إن هذه ms1754 الغبرة غبرة شيء نركبه، فيعيننا على قطع هذه البرية ويسهل علينا مشقتها، فما كان إلا قليل حتى انكشفت الغبرة عن ثلاث نجائب؛ فركب الأعجمي واحدة، وركب حسن واحدة، وحملا زادهما على الثالثة، وسارا سبعة أيام، ثم انتهيا إلى أرض واسعة، فلما نزلا في تلك الأرض نظرا إلى قبة معقودة على أربعة أعمدة من الذهب الأحمر، فنزلا من فوق النجائب ودخلا تحت القبة وأكلا وشربا واستراحا، فلاحت التفاتة من حسن فرأى شيئا عاليا، فقال له حسن: ما هذا يا عم؟ فقال المجوسي: هذا قصر. فقال له حسن: أما تقوم ندخله لنستريح فيه ونتفرج عليه؟ فذهب المجوسي وقال له: لا تذكر لي هذا القصر، فإن فيه عدوي ووقعت لي حكاية ليس هذا وقت إخبارك بها. ثم دق الطبل فأقبلت النجائب، فركبا وسارا سبعة أيام، فلما كان اليوم الثامن قال المجوسي: يا حسن، ما الذي تنظره؟ فقال حسن: أنظر سحابا وغماما بين المشرق والمغرب. فقال له المجوسي: ما هذا سحاب ولا غمام، وإنما هو جبل عظيم شاهق ينقسم عليه السحاب، وليس هناك سحاب يكون فوقه من فرط علوه وعظم ارتفاعه، وهذا الجبل هو المقصود لي وفوقه حاجتنا، ولأجل هذا جئت بك معي وحاجتي تقضى على يديك. فعند ذلك يئس حسن من الحياة، ثم قال للمجوسي: بحق معبودك، وبحق ما تعتقده من دينك، أي شيء الحاجة التي جئت بي من أجلها؟ فقال له: إن صنعة الكيمياء لا تصلح إلا بحشيش ينبت في المحل الذي يمر به السحاب وينقطع عليه، وهو هذا الجبل، والحشيش فوقه، فإذا حصلنا الحشيش أريك أي شيء هذه الصنعة. فقال له حسن من خوفه: نعم يا سيدي. وقد يئس من الحياة، وبكى لفراق أمه وأهله ووطنه، وندم على مخالفته أمه وأنشد هذين البيتين: # تأمل صنع ربك كيف تأتي %~% لك السراء مع فرج قريب ~~ولا تيأس إذا ما نلت خطبا %~% فكم في الخطب من لطف عجيب # ولم يزالوا سائرين إلى أن وصلا إلى ذلك الجبل ووقفا تحته، فنظر حسن فوق ذلك الجبل ms1755 قصرا، فقال للمجوسي: ما هذا القصر؟ فقال المجوسي: هذا مسكن الجان والغيلان والشياطين. ثم إن المجوسي نزل من فوق نجيبه وأمره بالنزول، وقام إليه وقبل رأسه وقال: لا تؤاخذني بما فعلته معك، فأنا أحفظك عند طلوعك القصر، وينبغي أنك لا تخونني في شيء من الذي تحضره منه، وأكون أنا وأنت فيه سواء. فقال له: السمع والطاعة. ثم إن الأعجمي فتح جرابا وأخرج منه طاحونا وأخرج منه أيضا مقدارا من القمح وطحنه على تلك الطاحون، وعجن منه ثلاثة أقراص، وأوقد النار وخبز الأقراص، ثم أخرج الطبل النحاس والزخمة المنقوشة ودق الطبل، فحضرت النجائب، فاختار منها نجيبا وذبحه وسلخ جلده، ثم التفت إلى حسن وقال له: اسمع يا ولدي يا حسن ما أوصيك به. قال: نعم. قال: ادخل في هذا الجلد وأخيط عليك وأطرحك على الأرض، فتأتي طيور الرخم فتحملك وتطير بك إلى أعلى الجبل، وخذ هذه السكين معك، فإذا فرغت من طيرانها وعرفت أنها حطتك فوقه، فشق بها الجلد واخرج فإن الطير يخاف منك ويطير عنك، وطل لي من فوق الجبل وكلمني حتى أخبرك بالذي تعمله. ثم هيأ له الثلاثة أقراص وركوة فيها ماء وحطها معه في الجلد، وبعد ذلك خيطه عليه، ثم بعد عنه، فجاء طير الرخم حمله وطار به إلى أعلى الجبل ووضعه هناك، فلما عرف حسن أن الرخم وضعه على الجبل، شق الجلد وخرج منه وكلم المجوسي، فلما سمع المجوسي كلامه فرح ورقص من شدة الفرح وقال له: امض إلى ورائك ومهما رأيته فأعلمني به. فمضى حسن فرأى رمما كثيرة وعندهم حطب كثير، فأخبره بجميع ما رآه، فقال له: هذا هو المقصود والمطلوب، فخذ من الحطب ست حزم وارمها لي، فإنها هي التي نعملها كيمياء. فرمى له الست حزم، فلما رأى المجوسي تلك الحزم قد وصلت عنده قال لحسن: يا علق، قد انقضت الحاجة التي أردتها منك، وإن شئت فدم على هذا الجبل أو ألق نفسك على الأرض حتى تهلك. ثم مضى المجوسي، فقال حسن: لا حول ولا ms1756 قوة إلا بالله العلي العظيم، قد مكر بي هذا الكلب. ثم قعد ينوح على نفسه وأنشد هذه الأبيات: # إذا أراد الله أمرا بامرئ %~% وكان ذا عقل وسمع وبصر ~~أصم أذنيه وأعمى قلبه %~% وسل منه عقله سل الشعر ~~حتى إذا أنفذ فيه حكمه %~% رد إليه عقله ليعتبر ~~فلا تقل فيما جرى كيف جرى %~% فكل شيء بقضاء وقدر # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 784 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المجوسي لما طلع حسن الجبل ورمى له حاجته من فوقه وبخه، ثم تركه وسار، فقال حسن: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قد مكر بي هذا الكلب الملعون. ثم إنه وقف على قدميه والتفت يمينا وشمالا، ثم مضى فوق الجبل وأيقن في نفسه بالموت، وصار يتمشى حتى وصل إلى الطرف الآخر من الجبل، فرأى بجنب الجبل بحرا أزرق متلاطم الأمواج قد أزبد، وكل موجة منه كالجبل العظيم؛ فقعد وقرأ ما تيسر من القرآن، وسأل الله تعالى أن يهون عليه، إما بالموت وإما بالخلاص من هذه الشدائد، ثم صلى على نفسه صلاة الجنازة ورمى نفسه في البحر، فحملته الأمواج على سلامة الله تعالى إلى أن طلع من البحر سالما بقدرة الله تعالى؛ ففرح وحمد الله تعالى وشكره، ثم قام يمشي ويفتش على شيء يأكله، فبينما هو كذلك وإذا هو بالمكان الذي كان فيه هو وبهرام المجوسي، ثم مشى ساعة فإذا هو بقصر عظيم شاهق في الهواء فدخله، فإذا هو القصر الذي كان سأل عنه المجوسي وقال له: إن هذا القصر فيه عدوى. فقال حسن: والله لا بد من دخولي هذا القصر، لعل الفرج يحصل لي فيه. فلما جاءه رأى بابه مفتوحا، فدخل من الباب فرأى مصطبة في الدهليز، وعلى المصطبة بنتان كالقمرين بين أيديهما رقعة شطرنج، وهما يلعبان، فرفعت واحدة منهما رأسها إليه وصاحت من فرحتها وقالت: والله إن هذا آدمي، وأظنه الذي جاء به بهرام المجوسي في هذه السنة. فلما سمع حسن كلامها، رمى نفسه ms1757 بين أيديهما وبكى بكاء شديدا وقال: يا سيداتي، هو أنا ذلك المسكين. فقالت البنت الصغرى لأختها الكبرى: اشهدي علي يا أختي أن هذا أخي في عهد الله وميثاقه، وأني أموت لموته وأحيا لحياته، وأفرح لفرحه وأحزن لحزنه. ثم قامت له وعانقته وقبلته، وأخذته من يده ودخلت به القصر وأختها معها وقلعته ما كان عليه من الثياب الرثة، وأتت له ببدلة من ملابس الملوك وألبسته إياها وهيأت له الطعام من سائر الألوان وقدمته له، وقعدت هي وأختها وأكلتا معه وقالتا له: حدثنا بحديثك مع الكلب الفاجر الساحر من حين وقعت في يده إلى حين خلصت منه، ونحن نحدثك بما جرى لنا معه من أول الأمر إلى آخره، حتى تصير على حذر إذا رأيته. # فلما سمع حسن منهما هذا الكلام، ورأى الإقبال منهما عليه؛ اطمأنت نفسه، ورجع له عقله وصار يحدثهما بما جرى له معه من الأول إلى الآخر، فقالتا له: هل سألته عن هذا القصر؟ قال: نعم سألته فقال لي: لا أحب سيرته؛ فإن هذا القصر للشياطين والأبالسة. فغضبت البنتان غضبا شديدا وقالتا: هل جعلنا هذا الكافر شياطين وأبالسة؟ فقال لهما حسن: نعم. فقالت الصغيرة أخت حسن: والله لأقتلنه أقبح قتلة وأعدمنه نسيم الدنيا. فقال حسن: وكيف تصلين إليه وتقتلينه؟ قالت: هو في بستان يسمى المشيد، ولا بد لي من قتله قريبا. فقالت لها أختها: صدق حسن وكل ما قاله عن هذا الكلب صحيح، ولكن حدثيه بحديثنا كله حتى يبقى في ذهنه. فقالت البنت الصغيرة: اعلم يا أخي أننا من بنات الملوك، وأبونا ملك من ملوك الجان العظام الشأن، وله جنود وأعوان وخدم من المردة، ورزقه الله تعالى بسبع بنات من امرأة واحدة، ولحقه من الحماقة والغيرة وعزة النفس ما لا مزيد عليه، حتى إنه لم يزوجنا لأحد من الرجال، ثم إنه أحضر وزراءه وأصحابه وقال لهم: هل أنتم تعرفون لي مكانا لا يطرقه طارق لا من الإنس ولا من الجن، ويكون كثير الأشجار والأثمار والأنهار؟ فقالوا له: ما الذي تصنع ms1758 به يا ملك الزمان؟ فقال: أريد أن أجعل فيه بناتي السبعة. فقالوا له: يا ملك، يصلح لهن قصر جبل السحاب الذي كان أنشأه عفريت من الجن المردة الذين تمردوا على عهد سليمان عليه السلام، فلما هلك لم يسكنه أحد بعده لا من الجن ولا من الإنس؛ لأنه منقطع لا يصل إليه أحد، وحوله الأشجار والأثمار والأنهار، وحوله ماء جار أحلى من الشهد وأبرد من الثلج، ما شرب منه أحد به برص أو جذام أو غيرهما إلا عوفي من وقته وساعته. فلما سمع والدنا بذلك، أرسلنا إلى هذا القصر، وأرسل معنا العساكر والجنود، وجمع لنا ما نحتاج فيه إليه، وكان إذا أراد الركوب يضرب الطبل، فيحضر له جميع الجنود، فيختار ما يركبه منهم وينصرف الباقون، فإذا أراد والدنا أننا نحضر عنده، أمر أتباعه من السحرة بإحضارنا، فيأتوننا ويأخذوننا ويوصلوننا بين يديه حتى يأتنس بنا ونقضي أغراضنا منه، ثم يرجعوننا إلى مكاننا، ونحن لنا خمس أخوات ذهبن يتصيدن في هذه الفلاة، فإن فيها من الوحوش ما لا يعد ولا يحصى، وكل اثنتين منا عليهما نوبة في القعود لتسوية الطعام، فجاءت النوبة علينا أنا وأختي هذه، فقعدنا لنسوي لهن الطعام، وكنا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا شخصا آدميا يؤانسنا، فالحمد لله الذي أوصلك إلينا، فطب نفسا وقر عينا، ما عليك بأس. # ففرح حسن وقال: الحمد لله الذي هدانا إلى طريق الخلاص وحنن علينا القلوب. ثم قامت وأخذته من يده وأدخلته مقصورة وأخرجت منها من القماش والفرش ما لا يقدر عليه واحد من المخلوقات، ثم بعد ساعة حضر أخواتهما من الصيد والقنص، فأخبرتاهن بحديث حسن، ففرحن به ودخلن عليه في المقصورة وسلمن عليه وهنينه بالسلامة. ثم أقام عندهن في أطيب عيش وأهنى سرور، وصار يخرج معهن إلى الصيد والقنص ويذبح الصيد واستأنس حسن بهن، ولم يزل معهن على هذه الحالة حتى صح جسده وبرئ من الذي كان به، وقوي جسمه، وغلظ وسمن بسبب ما هو فيه من الكرامة، وقعوده عندهن في ذلك الموضع، ms1759 وهو يتفرج ويتفسح معهن في ذلك القصر المزخرف وفي جميع البساتين والأزهار، وهن يأخذن بخاطره ويؤانسنه بالكلام، وقد زالت عنه الوحشة وزادت البنات به فرحا وسرورا، وكذلك هو فرح بهن أكثر مما فرحن به. ثم إن أخته الصغيرة حدثت أخواتها بحديث بهرام المجوسي، وأنه جعلهن شياطين وأبالسة وغيلانا، فحلفن لها أنه لا بد من قتله. فلما كان العام الثاني، حضر الملعون ومعه شاب مليح مسلم كأنه القمر، وهو مقيد بقيد ومعذب غاية العذاب، فنزل به تحت القصر الذي دخل فيه حسن على البنات، وكان حسن جالسا على النهر تحت الأشجار، فلما رآه حسن خفق قلبه وتغير لونه وضرب بكفيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 785 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا الصائغ لما رأى المجوسي، خفق قلبه وتغير لونه وضرب بكفيه، وقال للبنات: بالله يا أخواتي، أعنني على قتل هذا الملعون، فها هو قد حضر في قبضتكن ومعه شاب مسلم أسير من أولاد الناس الأكابر، وهو يعذبه بأنواع العذاب الأليم، وقصدي أن أقتله وأشفي فؤادي منه، وأريح هذا الشاب من عذابه وأربح الثواب، ويرجع الشاب المسلم إلى وطنه، فيجتمع شمله مع إخوانه وأهله وأحبابه، ويكون ذلك صدقة عنكن وتفزن بالأجر من الله تعالى. فقال له البنات: السمع والطاعة لله ولك يا حسن. ثم إنهن ضربن لهن لثامات ولبسن آلات الحرب، وتقلدن السيوف، وأحضرن لحسن جوادا من أحسن الخيل، وهيأنه بعدة كاملة وسلحنه سلاحا مليحا، ثم ساروا جميعا؛ فوجدوا المجوسي قد ذبح جملا وسلخه وهو يعاقب الشاب ويقول له: ادخل هذا الجلد. فجاء حسن من خلفه والمجوسي ما عنده علم به، ثم صاح عليه فأذهله، ثم تقدم إليه وقال له: أمسك يدك يا ملعون، يا عدو الله وعدو المسلمين، يا كلب يا غدار، يا عابد النار يا سالك طريق الفجار، أتعبد النار والنور وتقسم بالظل والحرور؟! فالتفت المجوسي فرأى حسنا، فقال له: يا ولدي، كيف تخلصت؟ ومن أنزلك إلى الأرض؟ فقال له حسن: خلصني الله ms1760 الذي جعل قبض روحك على يد أعدائك، كما عذبتني طول الطريق يا كافر يا زنديق، قد وقعت في الضيق، وزغت عن الطريق، فلا أم تنفعك ولا أخ ولا صديق ولا عهد وثيق. إنك قلت: من يخون العيش والملح ينتقم الله منه. وأنت خنت الخبز والملح، فأوقعك الله في قبضتي وصار خلاصك مني بعيدا. فقال له المجوسي: والله يا ولدي أنت أعز من روحي ومن نور عيني. فتقدم إليه حسن وعجل عليه بضربة على عاتقه، فخرج السيف يلمع من علائقه، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار. # ثم إن حسنا أخذ الجراب الذي كان معه وفتحه، وأخرج الطبل منه والزخمة وضرب بها على الطبل، فجاءت النجائب مثل البرق إلى حسن، فحل الشاب من وثاقه وأركبه نجيبا، وحمل له الباقي زادا وماء وقال له: توجه إلى مقصدك. فتوجه بعد أن خلصه الله من الضيق على يد حسن. ثم إن البنات لما رأين حسنا ضرب رقبة المجوسي، فرحن به فرحا شديدا، ودرن حوله وتعجبن من شجاعته، ومن شدة بأسه، وشكرنه على ما فعل وهنأنه بالسلامة، وقلن له: يا حسن، لقد فعلت فعلا أشفيت به الغليل، وأرضيت به الملك الجليل. وسار هو والبنات إلى القصر، وأقام معهن وهو في أكل وشرب ولعب وضحك، وطابت له الإقامة عندهن ونسي أمه. # فبينما هو معهن في ألذ عيش إذ قد طلعت عليهم غبرة عظيمة من صدر البرية أظلم لها الجو، فقالت له البنات: قم يا حسن وادخل مقصورتك واختف وإن شئت فادخل البستان وتوارى بين الشجر والكروم فما عليك باس. ثم إنه قام ودخل واختفى في مقصورته وأغلقها عليه من داخل القصر، وبعد ساعة انكشف الغبار وبان من تحته عسكر جرار مثل البحر العجاج، مقبلا من عند الملك أبي البنات، فلما وصل العسكر أنزلنهم أحسن منزل، وضيفنهم ثلاثة أيام، وبعد ذلك سألتهم البنات عن حالهم وعن خبرهم، فقالوا: إننا جئنا من عند الملك في طلبكن. فقلن لهم: وما يريد الملك منا؟ قال: إن بعض الملوك يعمل فرحا، ms1761 ويريد أن تحضرن ذلك الفرح لتتفرجن. فقالت لهم البنات: وكم نغيب عن موضعنا؟ فقالوا: مدة الرواح والمجيء وإقامة شهرين. فقامت البنات ودخلن القصر على حسن وأعلمنه بالحال، وقلن له: إن هذا الموضع موضعك، وبيتنا بيتك، فطب نفسا وقر عينا، ولا تخف ولا تحزن، فإنه لا أحد يقدر أن يجيء إلينا في هذا المكان، فكن مطمئن القلب منشرح الخاطر حتى نحضر إليك، وهذه مفاتيح مقاصيرنا معك، ولكن يا أخانا نسألك بحق الأخوة أنك لا تفتح هذا الباب، فإنه ليس لك بفتحه حاجة. ثم إنهن ودعنه وانصرفن صحبة العساكر، وقعد حسن في القصر وحده، ثم إنه ضاق صدره وفرغ صبره وزاد كربه، واستوحش وحزن لفراقهن حزنا عظيما، وضاق عليه القصر مع اتساعه، فلما رأى نفسه وحيدا متوحشا تذكرهن وأنشد هذه الأبيات: # ضاق الفضاء جميعه في ناظري %~% وتكدرت منه جميع خواطري ~~مذ سارت الأحباب صفوي بعدهم %~% كدر ودمعي فائض بمحاجري ~~والنوم فارق مقلتي لفراقهم %~% وتكدرت مني جميع سرائري ~~أترى الزمان يعود يجمع شملنا %~% ويعود لي إلفي بهم ومسامري # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 786 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا بعد ذهاب البنات من عنده، قعد في القصر وحده؛ فضاق صدره من أجل فراقهن، ثم إنه صار يذهب وحده إلى الصيد في البراري، فيأتي به ويذبحه ويأكل وحده، وزادت به الوحشة والقلق من انفراده، فقام ودار في القصر وفتش جميع جهاته، وفتح مقاصير البنات فرأى فيها من الأموال ما يذهب عقول الناظرين، وهو لا يلتذ بشيء من ذلك بسبب غيبتهن، والتهبت في قلبه النار من أجل الباب الذي أوصته أخته بعدم فتحه، وأمرته أنه لا يقربه ولا يفتحه أبدا، فقال في نفسه: ما أوصتني أختي بعدم فتح هذا الباب إلا لكونه فيه شيء تريد ألا يطلع عليه أحد، والله إني لأقوم وأفتحه وأنظر ما فيه ولو كان فيه المنية. فأخذ المفتاح وفتحه، فلم ير فيه شيئا من المال، ولكنه رأى سلما في صدر المكان معقودا بحجر من ms1762 جزع يماني، فرقي على ذلك السلم، وصعد إلى أن وصل إلى سطح القصر، فقال في نفسه: هذا الذي منعتني عنه! ودار فوقه، فأشرف على مكان تحت القصر مملوء بالمزارع والبساتين والأشجار والأزهار والوحوش والطيور، وهي تغرد وتسبح الله الواحد القهار، وصار يتأمل في تلك المنتزهات، فرأى بحرا عجاجا متلاطما بالأمواج. ولم يزل دائرا حول ذلك القصر يمينا وشمالا حتى انتهى إلى قصر على أربعة أعمدة، فرأى فيه مقعدا منقوشا بسائر الأحجار كالياقوت والزمرد والبلخش وأصناف الجواهر، وهو مبني طوبة من ذهب، وطوبة من فضة، وطوبة من ياقوت، وطوبة من زمرد أخضر، وفي وسط ذلك القصر بحيرة ملآنة بالماء، وعليها مكعب من الصندل وعود الند وهو مشبك بقضبان الذهب الأحمر والزمرد الأخضر، ومزركش بأنواع الجواهر واللؤلؤ التي كل حبة منه قدر بيضة الحمامة، وعلى جانب البحيرة تخت من العود الند مرصع بالدر والجوهر، مشبك بالذهب الأحمر، وفيه من سائر الفصوص الملونة والمعادن النفيسة، وهي في الترصيع يقابل بعضها بعضا، وحوله الأطيار تغرد بلغات مختلفة، وتسبح الله تعالى بحسن أصواتها واختلاف لغاتها، وهذا القصر لم يملك مثله كسرى ولا قيصر؛ فاندهش حسن لما رأى ذلك وجلس فيه ينظر ما حوله. # فبينما هو جالس فيه وهو يتعجب من حسن صنعته ومن بهجة ما حواه من الدر والياقوت، وما فيه من سائر الصناعات، ومتعجب أيضا من تلك المزارع والأطيار التي تسبح الله الواحد القهار، ويتأمل في آثار من قدرة الله تعالى على عمارة هذا القصر، فإنه عظيم الشأن، وإذا هو بعشرة طيور قد أقبلوا من جهة البر وهم يقصدون ذلك القصر وتلك البحيرة، فعرف حسن أنهم يقصدون البحيرة ليشربوا من مائها، فاستتر منهم خوفا أن ينظروه فيفروا منه. ثم إنهم نزلوا على شجرة عظيمة مليحة وداروا حولها، ونظر منهم طيرا عظيما مليحا وهو أحسن ما فيهم، والبقية محتاطون به وهم في خدمته، فتعجب حسن من ذلك وصار ذلك الطير ينقر التسعة بمنقاره ويتعاظم عليهم وهم يهربون منه، وحسن واقف يتفرج عليهم من بعيد. ثم ms1763 إنهم جلسوا على السرير وشق كل طير منهم جلده بمخالبه وخرج منه، فإذا هو ثوب من ريش، وقد خرج من الثياب عشر بنات أبكار يفضحن بحسنهن بهجة الأقمار، فلما تعرين من ثيابهن نزلن كلهن في البحيرة واغتسلن، وصرن يلعبن ويتمازحن، وصارت الطيرة الفائقة عليهن ترميهن وتغطسهن فهربن منها، ولم يقدرن أن يمددن أيديهن إليها، فلما نظرها حسن غاب عن صوابه وسلب عقله، وعرف أن البنات ما نهينه عن فتح هذا الباب إلا لهذا السبب، فشغف حسن بها حبا لما رأى من حسنها وجمالها وقدها واعتدالها، وهي في لعب ومزاح ومراشة بالماء، وحسن واقف ينظر إليهن ويتحسر؛ حيث لم يكن معهن، وقد حار عقله من حسن الجارية الصغيرة، وتعلق قلبه بشرك محبتها ووقع في شرك هواها، والعين ناظرة وفي القلب نار محرقة، والنفس أمارة بالسوء، فبكى حسن شوقا لحسنها وجمالها، وانطلقت في قلبه النيران من أجلها، وزاد به لهيب لا يطفأ شرره، وغرام لا يخفى أثره. ثم بعد ذلك طلعت البنات من تلك البحيرة، وحسن واقف ينظر إليهن وهن لا ينظرنه، وهو يتعجب من حسنهن وجمالهن ولطف معانيهن وظرف شمائلهن، فحانت منه التفاتة فنظر حسن إلى الجارية الكبيرة وهي عريانة، فبان له ما بين فخذيها، وهو قبة عظيمة مدورة بأربعة أركان كأنه طاسة من فضة أو من بلور، يذكر قول الشاعر: # ولما كشفت الثوب عن سطح كسها %~% وجدت به ضيقا كخلقي وأرزاقي ~~فأولجت فيها نصفه فتنهدت %~% فقلت: لم هذا؟ فقالت: على الباقي # فلما خرجن من الماء لبست كل واحدة ثيابها وحليها، وأما الجارية الكبيرة فإنها لبست حلة خضراء، ففاقت بجمالها ملاح الآفاق، وزهت ببهجة وجهها على بدور الإشراق، وفاقت على الغصون بحسن التثني، وأذهلت العقول بوهم التجني، وهي كما قال الشاعر: # وجارية في نشاط بدت %~% ترى الشمس من خدها مستعاره ~~أتت في قميص لها أخضر %~% كخضر الغصون على جلناره ~~فقلت لها: ما اسم هذا اللباس؟ %~% فقالت كلاما مليح العباره ~~شققنا مرائر أحبابنا %~% ففاح نسيم يشق المراره # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن ms1764 الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 787 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا لما رأى البنات قد خرجن من البحيرة، والكبيرة فيهن أخذت عقله بحسنها وجمالها، أنشد تلك الأبيات. ثم إن البنات لما لبسن ثيابهن جلسن يتحدثن ويتضاحكن وحسن واقف ينظر إليهن وهو غريق في بحر عشقه وتائه في فكره، وهو يقول في نفسه: والله ما قالت لي أختي لا تفتح هذا الباب إلا من شأن هؤلاء البنات، وخوفا من أن أتعلق بإحداهن. ثم إنه صار ينظر في محاسن هذه الجارية وكانت أجمل ما خلق الله في وقتها، وقد فاقت بحسنها جميع البشر، لها فم كأنه خاتم سليمان، وشعر أسود من الليل الصدود على الكئيب الولهان، وغرة كهلال عيد رمضان، وعيون تحاكي عيون الغزلان، وأنف أقنى كثير اللمعان، وخدان كأنهما شقائق النعمان، وشفتان كأنهما مرجان، وأسنان كأنهما لؤلؤ منظوم في قلائد العقيان، وعنق كسبيكة فضة فوق قامة كغصن البان، وبطن طيات وأركان يبتهل فيه العاشق الولهان، وسرة تسع أوقية مسك طيب الأردان، وأفخاذ غلاظ سمان كأنها عواميد رخام، أو مخدتين محشوتين من ريش النعام، وبينهما شيء كأنه أعظم العقبان، وأرنب مقطوش الأذان وله سطوح وأركان، وهذه الصبية فاقت بحسنها وقدها على غصون البان، وعلى قضيب الخيزران، وهي كما قال الشاعر الولهان: # وخوداء أضحى ريقها حاكي الشهد %~% لها مقلة أمضى من الصارم الهندي ~~وتخجل غصن البان من حركاتها %~% إذا ابتسمت فالبرق من ثغرها تبدي ~~وقايست بالورد المصفف خدها %~% فصدت وقالت من يقايس بالورد ~~وشبه بالرمان نهدي فما استحى %~% ومن أين للرمان غصن حوى نهدي ~~وحق جمالي والعيون ومهجتي %~% وجنة وصلي والتنهد في الصدر ~~لئن عاد للتشبيه حقا حرمته %~% لذيذ وصالي ثم أقليه بالصد ~~يقولون في البستان ورد مصفف %~% وما ورده خدي ولا غصنه قدي ~~إذا كان مثلي في البساتين عنده %~% فماذا الذي قد جاء يطلبه عندي # ثم إن البنات لم يزلن في ضحك ولعب وهو واقف على قدميه ينظر إليهن، ونسي الأكل والشرب إلى أن قرب العصر، فقالت الصبية لصواحبها: يا ms1765 بنات الملوك، إن الوقت أمسى علينا وبلادنا بعيدة، ونحن قد سئمنا المقام هنا، فقمن لنروح محلنا. فقامت كل واحدة منهن ولبست ثوبها الريش، فلما اندرجن في ثيابهن صرن طيورا كما كن أولا، وطرن كلهن سوية، وتلك الصبية في وسطهن، فيئس حسن منهن وأراد أن يقوم وينزل، فلم يقدر أن يقوم، وصار دمعه يجري على خده، ثم اشتد به الغرام فأنشد هذه الأبيات: # حرمت وفاء العهد إن كنت بعدكم %~% عرفت لذيذ النوم كيف يكون ~~ولا أغمضت عيناي بعد فراقكم %~% ولا لذ لي بعد الرحيل سكون ~~يخيل لي في النوم أني أراكم %~% فيا ليت أحلام المنام يقين ~~وإني لأهوى النوم من غير حاجة %~% لعل لقاكم في المنام يكون # ثم إن حسنا مشى قليلا وهو لا يهتدي إلى الطريق حتى نزل إلى أسفل القصر، ولم يزل يزحف إلى أن وصل إلى باب المخدع، فدخل وأغلقه عليه واضطجع عليلا لا يأكل ولا يشرب، وهو غريق في بحر أفكاره، فبكى وناح نفسه إلى الصباح. فلما أصبح الصباح أنشد هذه الأبيات: # فطارت طيور بالعشاء وصاحوا %~% ومن مات وجدا ما عليه جناح ~~أسر حديث العشق ما أمكن البقا %~% وإن غلب الشوق الشديد يباح ~~سرى طيف من يحكي بطلعته الضحى %~% وليس لليلي في الغرام صباح ~~أنوح عليهم والخليون نوم %~% وقد لعبت بي في الغرام رياح ~~سمحت بدمعي ثم مالي ومهجتي %~% وعقلي وروحي والسماح رباح ~~وأقبح أنواع المكاره والأذى %~% إذا كان من عند الملاح كفاح ~~يقولون وصل الغانيات محرم %~% وسفك دماء العاشقين مباح ~~وما حيلة المضنى سوى بذل نفسه %~% يجود بها هل في الغرام مزاح ~~أصيح اشتياقا للحبيب ولوعة %~% وغاية جهد المستهام نواح # فلما طلعت الشمس فتح باب المخدع، وطلع إلى المكان الذي كان فيه أولا، وجلس في مكان قبال المنظرة إلى أن أقبل الليل، فلم يحضر أحد من الطيور وهو جالس في انتظارهم، فبكى بكاء شديدا حتى غشي عليه، ووقع على الأرض مطروحا، فلما أفاق من غشيته زحف ونزل إلى أسفل القصر، وقد أقبل الليل وضاقت عليه الدنيا ms1766 بأسرها، وما زال يبكي وينوح على نفسه طول ليله إلى أن أتى الصباح، وطلعت الشمس على الروابي والبطاح، وهو لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، ولا يقر له قرار، وفي نهاره حيران، وفي ليله سهران مدهوش سكران، من الفكر الذي هو فيه ومن شدة الغرام، وأنشد قول الشاعر الولهان: # أمخجلة الشمس المنيرة في الضحى %~% وفاضحة الأغصان من حيث لا تدري ~~ترى تسمح الأيام منك بعودة %~% وتخمد نيران توقد في صدري ~~ويجمعنا عند اللقاء تعانق %~% وخدك في خدي ونحرك في نحري ~~فمن قال إن الحب فيه حلاوة %~% ففي الحب أيام أمر من الصبر # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 788 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا الصائغ لما زاد عشقه أنشد الأشعار وهو في القصر وحده، ولم يجد من يؤانسه، فبينما هو في شدة ولهه، وإذا هو بغبرة قد طلعت من البر، فقام يجري إلى أسفل واختفى، وعرف أن أصحاب القصر قد أتوا، فلم يكن غير ساعة إلا والعسكر قد نزلوا وداروا بالقصر، ونزلت السبع بنات ودخلن القصر، فنزعن سلاحهن وما كان عليهن من آلات الحرب. وأما البنت الصغيرة أخته فإنها لم تنزع ما عليها من آلة الحرب، بل جاءت إلى مقصورة حسن فلم تره، ففتشت عليه فوجدته في مخدع من المخادع وهو ضعيف نحيل، قد كل جسمه ورق عظمه واصفر لونه، وغابت عيناه في وجهه من قلة الأكل والشرب، ومن كثرة الدموع بسبب تعلقه بالصبية وعشقه لها، فلما رأته أخته الجنية على هذه الحالة اندهشت وغاب عنها عقلها، فسألته عن حاله وما هو فيه وأي شيء أصابه، وقالت له: أخبرني يا أخي حتى أتحيل لك في كشف ضرك، وأكون فداءك. فبكى بكاء شديدا، وأنشد يقول: # محب إذا ما بان عنه حبيبه %~% فليس له إلا الكآبة والضر ~~فباطنه سقم وظاهره جوى %~% وأوله ذكر وآخره فكر # فلما سمعت أخته منه ذلك تعجبت من فصاحته، ومن بلاغة قوله، ومن حسن لفظه، ومجاوبته لها بالشعر، فقالت له: يا أخي، ms1767 متى وقعت في هذا الأمر الذي أنت فيه؟ ومتى حصل لك؟ فإني أراك تتكلم بالأشعار وترخي الدموع الغزار، فبالله عليك يا أخي وحرمة الحب الذي بيننا أن تخبرني بحالك، وتطلعني على سرك، ولا تخف مني شيئا مما جرى لك في غيابنا، فإنه قد ضاق صدري، وتكدر عيشي بسببك. فتنهد وأرخى الدموع مثل المطر، وقال: أخاف يا أختي إذا أخبرتك أنك لم تساعديني على مطلوبي، وتتركينني أموت كمدا بغصتي. فقالت: لا والله يا أخي ما أتخلى عنك، ولو كانت روحي تروح. فحدثها بما جرى له، وما عاينه حين فتح الباب، وأخبرها أن سبب الضرر والبلاء عشق الصبية التي رآها ومحبته لها، وأن له عشرة أيام لم يستطعم بطعام ولا شراب. ثم إنه بكى بكاء شديدا وأنشد هذين البيتين: # ردوا الفؤاد والهناء إلى الحشى %~% والمقلتين إلى الكرى ثم اهجروا ~~أزعمتم أن الليالي غيرت %~% عهد الهوى لا كان من يتغير # فبكت أخته لبكائه ورقت لحاله ورحمت غربته، ثم قالت له: يا أخي، طب نفسا وقر عينا، فأنا أخاطر بنفسي معك وأبذل روحي في رضائك، وأدبر لك حيلة ولو كان فيها ذهاب نفائسي ونفسي، حتى أقضي غرضك إن شاء الله تعالى، ولكن أوصيك يا أخي بكتمان السر عن أخواتي، فلا تظهر حالك على واحدة منهن لئلا تروح روحي وروحك، وإن سألنك عن فتح الباب، فقل لهن: ما فتحته أبدا، ولكن أنا مشغول القلب من أجل غيابكن عني، ووحشتي إليكن، وقعودي في القصر وحدي. فقال لها: نعم، هذا هو الصواب. ثم أنه قبل رأسها وطاب خاطره وانشرح صدره، وكان خائفا من أخته بسبب فتح الباب، فردت إليه روحه بعد أن كان مشرفا على الهلاك من شدة الخوف. ثم إنه طلب من أخته شيئا يأكله، فقامت وخرجت من عنده، ثم دخلت على أخواتها وهي حزينة باكية عليه، فسألنها عن حالها فأخبرتهن أن خاطرها مشغول على أخيها، وأنه مريض وله عشرة أيام ما نزل في بطنه زاد أبدا، فسألنها عن سبب مرضه، فقالت لهن: سببه غيابنا عنه ms1768 حيث أوحشناه، فإن هذه الأيام التي غبناها عنه كانت عليه أطول من ألف عام، وهو معذور لأنه غريب ووحيد ونحن تركناه وحده وليس عنده من يؤانسه ولا من يطيب خاطره، وهو شاب صغير على كل حال، وربما تذكر أهله وأمه، وهي امرأة كبيرة، فظن أنها تبكي عليه آناء الليل وأطراف النهار ولم تزل حزينة عليه، وكنا نسليه بصحبتنا له. # فلما سمع أخواتها كلامها بكين من شدة التأسف عليه، وقلن لها: والله إنه معذور. ثم خرجن إلى العسكر وصرفنهم، ودخلن على حسن فسلمن عليه ورأينه قد تغيرت محاسنه، واصفر لونه، وانتحل جسمه، فبكين شفقة عليه وقعدن عنده وآنسنه وطيبن قلبه بالحديث، وحكين له جميع ما رأين من العجائب والغرائب، وما جرى للعريس مع العروسة. ثم إن البنات أقمن عنده مدة شهر كامل وهن يؤانسنه ويلاطفنه، وهو كل يوم يزداد مرضا على مرضه، وكلما رأينه على هذه الحالة يبكين عليه بكاء شديدا وأكثرهن بكاء البنت الصغيرة. ثم بعد الشهر اشتاقت البنات إلى الركوب للصيد والقنص، فعزمن على ذلك وسألن أختهن الصغيرة أن تركب معهن، فقالت لهن: والله يا أخواتي ما أقدر أن أخرج معكن وأخي على هذه الحالة حتى يتعافى ويزول عنه ما هو فيه من الضرر، بل أجلس عنده لأعلله، فلما سمعن كلامها شكرنها على مروءتها، وقلن لها: كل ما تفعلينه مع هذا الغريب تؤجرين عليه. ثم تركنها عنده في القصر، وركبن وأخذن معهن زاد عشرين يوما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 789 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البنات لما ركبن ورحن إلى الصيد والقنص، تركن أختهن الصغرى قاعدة عند حسن في القصر، فلما بعدن عن القصر عرفت أختهن أنهن قطعن مسافة بعيدة، فأقبلت على أخيها وقالت له: يا أخي، قم أرني هذا الموضع الذي رأيت فيه البنات. فقال: باسم الله على الرأس. وفرح بقولها وأيقن ببلوغ مقصوده، ثم إنه أراد أن يقوم معها ويريها المكان، فلم يقدر على المشي، فحملته في حضنها وجاءت به ms1769 إلى القصر، فلما صار فوقه أراها الموضع الذي رأى فيه البنات، وأراها المقعد وبركة الماء، فقالت له أخته: صف لي يا أخي حالهن كيف جئن. فوصف لها ما رأى منهن، وخصوصا البنت التي تعلق بها، فلما سمعت وصفها عرفتها؛ فاصفر وجهها وتغير حالها، فقال لها: يا أختي، قد اصفر وجهك، وتغيرت حالتك. فقالت له: يا أخي، اعلم أن هذه الصبية بنت ملك من ملوك الجان العظام الشأن، قد ملك أبوها إنسا وجانا، وسحرة وكهانا، وأرهاطا وأعوانا، وأقاليم وبلدانا كثيرة، وأموالا عظاما، وأبونا نائب من جملة نوابه، فلا يقدر عليه أحد من كثرة عساكره، واتساع مملكته وكثرة ماله، وقد جعل لأولاده البنات اللاتي رأيتهن مسيرة سنة كاملة طولا وعرضا، وقد زاد على ذلك القطر نهر عظيم محيط به، فلا يقدر أحد أن يصل إلى ذلك المكان لا من الإنس ولا من الجان، وله من البنات الضاربات بالسيوف الطاعنات بالرماح خمسة وعشرون ألفا، كل واحدة منهن إذا ركبت جوادها ولبست آلة حربها تقاوم ألف فارس من الشجعان، وله سبع من البنات فيهن من الشجاعة والفروسية ما في أخواتهن وأزيد، وقد ولى على هذا القطر الذي عرفتك به ابنته الكبرى، وهي أكبر أخواتها، وفيها من الشجاعة والفروسية والخداع والمكر والسحر ما تغلب به جميع أهل مملكتها. وأما البنات اللاتي معها فهن أرباب دولتها وأعوانها وخواصها من ملكها، وهذه الجلود الريش التي يطرن بها إنما هي صنعة سحرة الجان، وإذا أردت أن تملك هذه الصبية وتتزوج بها فاقعد هنا وانتظرها؛ لأنهن يحضرن على رأس كل شهر في هذا المكان، فإذا رأيتهن قد حضرن فاختف، وإياك أن تظهر فتروح أرواحنا جميعا، فاعرف الذي أقوله لك واحفظه في ذهنك، واقعد في مكان يكون قريبا منهن، بحيث إنك تراهن وهن لا يرينك، فإذا قلعن ثيابهن فألق نظرك على الثوب الريش الذي هو للكبيرة التي في مرادك، وخذه ولا تأخذ شيئا غيره، فإنه هو الذي يوصلها إلى بلادها، فإنك إذا ملكته ملكتها، وإياك أن تخدعك وتقول: يا من ms1770 سرق ثوبي، رده علي وها أنا عندك وبين يديك وفي حوزتك. فإنك إن أعطيتها إياه قتلتك وتخرب علينا القصور، وتقتل أبانا، فاعرف حالك كيف تكون. فإذا رأى أخواتها أن ثوبها قد سرق طرن وتركنها قاعدة وحدها، فادخل عليها وامسكها من شعرها واجذبها، فإذا جذبتها إليك فقد ملكتها وصارت في حوزتك، فاحتفظ بعد هذا بالثوب الريش، فإنه ما دام عندك فهي في قبضتك وأسرك؛ لأنها لا تقدر أن تطير إلى بلادها إلا به، فإذا أخذتها فاحملها وانزل بها إلى مقصورتك، ولا تبين لها أنك أخذت الثوب. # فلما سمع حسن كلام أخته، اطمأن قلبه وسكن روعه وزال ما به من الألم، ثم انتصب قائما على قدميه وقبل رأس أخته، وبعد ذلك قام ونزل من فوق القصر هو وأخته وناما ليلتهما وهو يعالج نفسه إلى أن أصبح الصباح. فلما طلعت الشمس قام وفتح الباب وطلع إلى فوق وقعد، ولم يزل قاعدا إلى العشاء فطلعت له أخته بشيء من الأكل والشرب، وغيرت ثيابه ونام، ولم تزل معه على هذه الحالة في كل يوم إلى أن هل الشهر، فلما رأى الهلال صار يرتقبهم، فبينما هو كذلك وإذا بهن قد أقبلن عليه مثل البرق، فلما رآهن اختفى في مكان بحيث يراهن وهن لا يرينه، فنزلت الطيور وقعدت كل طيرة منهن في مكان وقطعن ثيابهن، وكذلك البنت التي يحبها، وكان ذلك في مكان قريب من حسن، ثم نزلت البحيرة مع أخواتها؛ فعند ذلك قام حسن ومشى قليلا وهو مختف وستر الله عليه، فأخذ الثوب ولم تنظره واحدة منهن، بل كن يلعبن مع بعضهن، فلما فرغن طلعن ولبست كل واحدة منهن ثوبها الريش، فجاءت محبوبته لتلبس ثوبها فلم تجده، فصاحت ولطمت على وجهها وشقت ثيابها، فأقبل عليها أخواتها وسألنها عن حالها، فأخبرتهن أن ثوبها الريش قد فقد، فبكين وصرخن ولطمن على وجوههن، وحين أمسى عليهن الليل لم يقدرن أن يقعدن عندها، فتركنها فوق القصر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 790 # قالت: بلغني أيها ms1771 الملك السعيد، أن حسنا لما أخذ ثوب البنت طلبته فلم تجده، وطار أخواتها وتركنها وحدها، فلما رآهن حسن طرن وغبن عنها أصغى إليها، فسمعها تقول: يا من أخذ ثوبي وأعراني، سألتك أن ترده علي وتستر عورتي، فلا أذاقك الله حسرتي. فلما سمع حسن هذا الكلام منها، سلب عقله في عشقها، وازدادت محبته لها، ولم يطق أن يصبر عنها، فقام من مكانه وصار يجري حتى هجم عليها وأمسكها، ثم جذبها إليه ونزل بها إلى أسفل القصر، وأدخلها مقصورته ورمى عليها عباءته وهي تبكي وتعض على يديها، فأغلق عليها الباب وراح لأخته وأعلمها أنه حصلها وظفر بها، ونزل بها إلى مقصورته، وقال لها: إنها الآن قاعدة تبكي وتعض على يديها. فلما سمعت أخته كلامه قامت وتوجهت إلى المقصورة ودخلت عليها، فرأتها تبكي وهي حزينة، فقبلت الأرض بين يديها، ثم سلمت عليها، فقالت لها الصبية: يا بنت الملك، أهكذا تفعل الناس مثلكم هذه الفعال الرديئة مع بنات الملوك؟ وأنت تعرفين أن أبي ملك عظيم، وأن ملوك الجان تفزع منه وتخاف من سطوته، وعنده من السحرة والحكماء والكهان والشياطين والمردة من لا طاقة لأحد عليه، وتحت يده خلق لا يعلم عددهم إلا الله، وكيف يصح لكم يا بنات الملوك أن تأوين رجال الإنس عندكن وتطلعنهم على أحوالنا وأحوالكن؟ وإلا فمن أين أن يصل هذا الرجل إلينا؟ فقالت لها أخت حسن: يا بنت الملك، إن هذا الإنسي كامل المروءة، وليس قصده أمرا قبيحا، وإنما هو يحبك، وما خلقت النساء إلا للرجال، ولولا أنه يحبك ما مرض لأجلك، وكادت روحه أن تزهق في هواك. وحكت لها جميع ما أخبرها به حسن من عشقه لها، وكيف عملت البنات في طيرهن واغتسالهن، وأنه لم يعجبه من جميعهن غيرها؛ لأن كلهن جوار لها، وأنها كانت تغطسهن في البحيرة، وليست واحدة منهن تقدر أن تمد يدها إليها. # فلما سمعت كلامها يئست من الخلاص، فعند ذلك قامت أخت حسن وخرجت من عندها وأحضرت لها بدلة فاخرة، فألبستها إياها وأحضرت لها شيئا ms1772 من الأكل والشرب، فأكلت هي وإياها، وطيبت قلبها وسكنت روعها، ولم تزل تلاطفها بلين ورفق وتقول لها: ارحمي من نظرك نظرة فأصبح قتيلا في هواك. ولم تزل تلاطفها وترضيها وتحسن لها القول والعبارة وهي تبكي إلى أن طلع الفجر، فطابت نفسها وأمسكت عن بكائها لما علمت أنها وقعت ولم يمكن خلاصها، وقالت لأخت حسن: يا بنت الملك، بهذا حكم الله على ناصيتي من غربتي وانقطاعي عن بلدي وأهلي وإخوتي، فصبر جميل على ما قضاه ربي. ثم إن أخت حسن أخلت لها مقصورة في القصر لم يكن هناك أحسن منها، ولم تزل عندها تسليها وتطيب خاطرها حتى رضيت وانشرح صدرها وضحكت، وزال ما عندها من الكدر وضيق الصدر من فراق الأهل والأوطان وفراق أخواتها وأبويها وملكها. ثم إن أخت حسن خرجت إليه وقالت له: قم ادخل عليها في مقصورتها، وقبل يديها ورجليها. فدخل وفعل ذلك، ثم قبل ما بين عينيها، وقال لها: يا سيدة الملاح، وحياة الأرواح ونزهة الناظرين، كوني مطمئنة القلب، أنا ما أخذتك إلا لأجل أن أكون عبدك إلى يوم القيامة، وأختي هذه جاريتك، وأنا يا سيدتي ما قصدي إلا أن أتزوجك بسنة الله ورسوله، وأسافر إلى بلادي وأكون أنا وأنت في مدينة بغداد، وأشتري لك الجواري والعبيد، ولي والدة من خيار النساء تكون في خدمتك، وليس هناك بلاد أحسن من بلادنا، وكل ما فيها أحسن مما في غيرها من سائر البلاد، وأهلها وناسها ناس طيبون بوجوه صباح. # فبينما هو يخاطبها ويؤانسها وهي لا تخاطبه بحرف واحد، وإذا بداق يدق باب القصر، فخرج حسن ينظر من بالباب، وإذا هن البنات قد حضرن من الصيد والقنص، ففرح بهن وتلقاهن وحياهن فدعين له بالسلامة والعافية، ودعا لهن هو الآخر. ثم نزلن عن خيولهن ودخلن القصر، ودخلت كل واحدة منهن في مقصورتها، ونزعت ما كان عليها من الثياب الرثة ولبست قماشا مليحا، وخرجن إلى الصيد والقنص، فاصطدن شيئا كثيرا من الغزلان وبقر الوحوش والأرانب والسباع والضباع وغير ذلك، وقدمن منه شيئا إلى ms1773 الذبح، وتركن الباقي عندهن في القصر، وحسن واقف بينهن مشدود الوسط يذبح لهن، وهن يلعبن وينشرحن وقد فرحن بذلك فرحا شديدا. فلما فرغن من الذبح قعدن يعملن شيئا ليتغدين به، فتقدم حسن إلى البنت الكبيرة وقبل رأسها، وصار يقبل رأسهن واحدة بعد واحدة، فقلن له: لقد أكثرت التنازل إلينا يا أخانا، وعجبنا من فرط توددك إلينا، وأنت رجل آدمي ونحن من الجن. فدمعت عيونه وبكى بكاء شديدا، فقلن: ما الخبر؟ وما يبكيك؟ فقد كدرت عيشنا ببكائك في هذا اليوم! كأنك اشتقت إلى والدتك وإلى بلادك؛ فإن كان الأمر كذلك فنجهزك ونسافر بك إلى وطنك وأحبابك؟ فقال لهن: والله ما مرادي فراقكن. فقلن له: وحينئذ من شوش عليك منا حتى تكدرت؟ فخجل أن يقول ما شوش علي إلا عشق الصبية خيفة أن ينكرن عليه، فسكت ولم يعلمهن بشيء من حاله، فقامت أخته وقالت لهن: إنه اصطاد طيرة من الهواء، ويريد منكن أن تعنه على تأهيلها. فالتفتن إليه وقلن له: نحن كلنا بين يديك ومهما طلبته فعلناه، لكن قص علينا خبرك ولا تكتم عنا شيئا من حالك. فقال لأخته: قصي خبري عليهن، فإني أستحي منهن ولا أقدر أن أقابلهن بهذا الكلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 791 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا قال لأخته: قصي عليهن قصتي فإني أستحي، ولا أقدر أن أقابلهن بهذا الكلام. فقالت أخته لهن: يا أخواتي، إننا لما سافرنا وخلينا هذا المسكن وحده، ضاق عليه القصر وخاف أن يدخل عليه أحد، وأنتن تعرفن أن عقول بني آدم خفيفة، ففتح الباب الموصل إلى سطح القصر حين ضاق صدره وصار منفردا وحده، وطلع فوقه وقعد هناك، وأشرف على الوادي وصار يطل على جهة الباب خوفا أن يقصد أحد القصر، فبينما هو جالس يوما من الأيام وإذا بالعشر طيور قد أقبلن عليه قاصدات القصر، ولم يزلن سائرات حتى جلسن على البحيرة التي فوق المنظرة، فنظر إلى الطيرة التي هي أحسنهن، وهي تنقرهن وما فيهن ms1774 واحدة تقدر أن تمد يدها إليها، ثم جعلن مخالبهن في أطواقهن، فشققن الثياب الريش وخرجن منها، وصارت كل واحدة منهن صبية مثل البدر ليلة تمامه، ثم خلعن ما عليهن وحسن واقف ينظر إليهن، ونزلن الماء وصرن يلعبن والصبية الكبيرة تغطسهن وليس منهن واحدة تقدر أن تمد يدها إليها، وهي أحسنهن وجها وأعدلهن قدا وأنظفهن لباسا، ولم يزلن على هذه الحالة إلى أن قرب العصر، ثم طلعن من البحيرة ولبسن ثيابهن ودخلن في القماش الريش والتففن فيه وطرن، فاشتغل فؤاده واشتعل قلبه بالنار من أجل الطيرة الكبيرة، وندم لأنه لم يسرق قماشها الريش، فمرض وأقام فوق القصر ينتظرها، فامتنع من الأكل والشرب والنوم، ولم يزل كذلك حتى لاح الهلال، فبينما هو قاعد وإذا بهن قد أقبلن على عادتهن، فقلعن ثيابهن ونزلن البحيرة، فسرق ثوب الكبيرة، فلما عرف أنها لم تقدر أن تطير إلا به أخذه وأخفاه خيفة أن يطلعن عليه فيقتلنه، ثم صبر حتى طرن، فقام وقبضها ونزل بها من فوق القصر. # فقلن لها أخواتها: وأين هي؟ قالت لهن: هي عنده في المخدع الفلاني. فقلن: صفيها لنا يا أختي. فقالت: هي أحسن من القمر ليلة تمامه، ووجهها أضوأ من الشمس، وريقها أحلى من الشراب، وقدها أرشق من القضيب، ذات طرف أحور، ووجه أقمر، وجبين أزهر، وصدر كأنه جوهر، ونهدين كأنهما رمانتان، وخدين كأنهما تفاحتان، وبطن مطوي الأعكان، وسرة كأنها حق عاج بالمسك ملآن، وساقين كأنهما من المرمر عمودان، تأخذ القلوب بطرف كحيل، ودقة خصر نحيل، وردف ثقيل، وكلام يشفي الغليل، مليحة القوام، حسنة الابتسام كأنها بدر التمام. # فلما سمعت البنات هذه الأوصاف التفتن إلى حسن وقلن له: أرنا إياها. فقام معهن وهو ولهان إلى أن أتى بهن إلى المخدع الذي فيه بنت الملك، وفتحه ودخل وهن خلفه، فلما رأينها وعاين جمالها، قبلن الأرض بين يديها، وتعجبن من حسن صورتها وظرف معانيها، وسلمن عليها وقلن لها: والله يا بنت الملك الأعظم إن هذا شيء عظيم، ولو سمعتي بوصف هذا الإنسي عند النساء ms1775 لكنت تتعجبين منه طول دهرك، وهو متعلق بك غاية التعلق، إلا أنه يا بنت الملك لم يطلب فاحشة، وما طلبك إلا في الحلال، ولو علمنا أن البنات تستغني عن الرجال لكنا منعناه عن مطلوبه، مع أنه لم يرسل إليك رسولا بل أتى إليك بنفسه، وأخبرنا أنه أحرق الثوب الريش، وإلا كنا أخذناه منه. ثم إن واحدة من البنات اتفقت هي وإياها وتوكلت في العقد، وعقدت عقدها على حسن، وصافحها ووضع يده في يدها وزوجتها له بإذنها، وعملن في فرحها ما يصلح لبنات الملوك، وأدخلته عليها، فقام حسن وفتح الباب وكشف الحجاب وفض ختمها، وتزايدت محبته فيها، وتعاظم وجده شغفا بها، وحيث حصل مطلوبه هنأ نفسه وأنشد هذه الأبيات: # قوامك فتان وطرفك أحور %~% ووجهك من ماء الملاحة يقطر ~~تصورت في عيني أجل تصور %~% فنصفك ياقوت وثلثك جوهر ~~وخمسك من مسك وسدسك عنبر %~% وأنت شبيه الدر بل أنت أزهر ~~وما ولدت حواء مثلك واحدا %~% ولا في جنان الخلد مثلك آخر ~~فإن شئت تعذيبي فمن سنن الهوى %~% وإن شئت أن تعفو فأنت مخير ~~فيا زينة الدنيا ويا غاية المنى %~% فمن ذا الذي عن حسن وجهك يصبر # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 792 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا لما دخل على بنت الملك وأزال بكارتها، التذ بها لذة عظيمة، وزادت محبته لها ووجده بها، فأنشد فيها الأبيات المذكورة. وكانت البنات واقفات على الباب، فلما سمعن الشعر قلن لها: يا بنت الملك، أسمعت قول هذا الإنسي؟ كيف تلوميننا وقد أنشد الشعر في هواك؟ فلما سمعت ذلك انبسطت وانشرحت وفرحت. ثم إن حسنا أقام معها مدة أربعين يوما في حظ وسرور ولذة وحبور، والبنات تجدد له كل يوم فرحا ونعمة وهدايا وتحفا، وهو بينهن في سرور وانشراح، وطاب لبنت الملك القعود بينهن ونسيت أهلها. ثم بعد الأربعين يوما كان حسن نائما، فرأى والدته حزينة عليه، وقد رقت عظامها، وانتحل جسمها، واصفر لونها، وتغير حالها، وكان هو في حالة حسنة، ms1776 فلما رأته على هذه الحالة قالت له: يا ولدي يا حسن، كيف تعيش في الدنيا منعما وتنساني؟ فانظر لحالي بعدك، وأنا ما أنساك، ولا لساني يترك ذكرك حتى أموت، وقد عملت لك قبرا عندي في الدار حتى لا أنساك أبدا، أترى أعيش يا ولدي وأنظرك عندي ويعود شملنا مجتمعا كما كان؟ فانتبه حسن من نومه وهو يبكي وينوح، ودموعه تجري على خديه مثل المطر، وصار حزينا كئيبا لا ترتفع دموعه ولم يجئه نوم، ولم يقر له قرار، ولم يبق عنده اصطبار. فلما أصبح دخلت عليه البنات وصبحن عليه، وانشرحن معه على عادتهن، فلم يلتفت إليهن، فسألن زوجته عن حاله، فقالت لهن: ما أدري. فقلن لها: اسأليه عن حاله. فتقدمت إليه وقالت له: ما الخبر يا سيدي؟ فتنهد وتضجر وأخبرها بما رآه في منامه، ثم أنشد هذين البيتين: # قد بقينا موسوسين حيارى %~% نطلب القرب ما إليه سبيل ~~فدواهي الهوى تزيد علينا %~% ومقام الهوى علينا ثقيل # فأخبرتهن زوجته بما قاله لها، فلما سمعت البنات الشعر رققن لحاله، وقلن له: تفضل باسم الله، ما نقدر أن نمنعك من زيارتها، بل نساعدك على زيارتها بكل ما نقدر عليه، ولكن ينبغي أن تزورنا ولا تنقطع عنا، ولو في كل سنة مرة واحدة. فقال لهن: سمعا وطاعة. فقامت البنات من وقتهن وعملن له الزاد، وجهزن له العروسة بالحلي والحلل وكل شيء غال يعجز عنه الوصف، وهيأن له تحفا تعجز عن حصرها الأقلام. ثم إنهن ضربن الطبل فجاءت النجائب إليهن من كل مكان، فاخترن منها ما يحمل جميع ما جهزنه، وأركبن الجارية وحسنا، وحملن إليهما خمسة وعشرين تختا من الذهب وخمسين من الفضة، ثم سرن معهما ثلاثة أيام، فقطعن فيها مسافة ثلاثة أشهر، ثم إنهن ودعنهما وأردن الرجوع عنهما، فاعتنقته أخته الصغيرة، وبكت حتى غشي عليها، فلما أفاقت أنشدت هذين البيتين: # لا كان يوم الفراق أصلا %~% لم يبق في المقلتين نوما ~~شتت منا ومنك شملا %~% وهد منا قوى وجسما # فلما فرغت من شعرها ودعته وأكدت عليه أنه ms1777 إذا وصل إلى بلده واجتمع بأمه واطمأن قلبه لا يقطعها من الزيارة في كل ستة أشهر مرة، وقالت له: إذا أهمك أمرا وخفت مكروها، فدق طبل المجوسي فتحضر لك النجائب واركب وارجع إلينا ولا تتخلف عنا. فحلف لها على ذلك، ثم أقسم عليهم أن يرجعن بعد أن ودعنه وحزن على فراقه، وأكثرهن حزنا أخته الصغيرة، فإنها لم يستقر لها قرار ولم يطاوعها اصطبار، وصارت تبكي ليلا ونهارا. هذا ما كان منهن، وأما ما كان من أمر حسن، فإنه سار طول الليل والنهار يقطع مع زوجته البراري والقفار، والأودية والأوعار، في الهواجر والأسحار، وكتب الله لهما السلامة، فسلما ووصلا إلى مدينة البصرة، ولم يزالا سائرين حتى أناخا على باب داره نجائبهما، ثم صرف النجائب وتقدم إلى الباب ليفتحه، فسمع والدته وهي تبكي بصوت رقيق من كبد ذاقت عذاب الحريق، وهي تنشد هذه الأبيات: # وكيف يذوق النوم من عدم الكرى %~% ويسهر ليلا والأنام رقود ~~وقد كان ذا مال وأهل وعزة %~% فأضحى غريب الدار وهو وحيد ~~له جمرة بين الضلوع وأنة %~% وشوق شديد ما عليه مزيد ~~تولى عليه الوجد والوجد حاكم %~% ينوح بما يلقاه وهو جليد ~~وحالته في الحب تخبر أنه %~% حزين كئيب والدموع شهود # فبكى حسن لما سمع والدته تبكي وتندب، ثم طرق الباب طرقة مزعجة، فقالت أمه: من بالباب؟ فقال لها: افتحي. ففتحت الباب ونظرت إليه، فلما عرفته خرت مغشيا عليها، فما زال يلاطفها إلى أن أفاقت، فعانقها وعانقته وقبلته، ثم نقل حوائجه ومتاعه إلى داخل الدار، والجارية تنظر إلى حسن وأمه. ثم إن أم حسن لما اطمأن قلبها وجمع الله شملها بولدها، أنشدت هذه البيات: # رق الزمان لحالتي %~% ورثى لطول تحرقي ~~وأنالني ما أشتهي %~% وأزال خصما أتقي ~~فلأصفحن عما جنى %~% من الذنوب السبق ~~حتى جنايته بما %~% فعل المشيب بمفرقي # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 793 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن والدة حسن قعدت هي وإياه يتحدثان، وصارت تقول له: كيف حالك يا ولدي مع ms1778 الأعجمي؟ فقال لها: يا أمي، ما كان أعجميا بل كان مجوسيا يعبد النار دون الملك الجبار. ثم إنه أخبرها بما فعل به من أنه سافر به وحطه في جلد الجمل وخيطه عليه، وحملته الطيور وحطته فوق الجبل، وأخبرها بما رآه فوق الجبل من الخلائق الميتين الذين كان يحتال عليهم المجوسي ويتركهم فوق الجبل بعد أن يقضوا حاجته، وكيف رمى روحه في البحر من فوق الجبل وسلمه الله تعالى وأوصله إلى قصر البنات، ومؤاخاة البنت له وقعوده عند البنات، وكيف أوصل الله المجوسي إلى المكان الذي هو فيه، وأخبرها بعشق الصبية وكيف اصطادها، وبقصتها كلها إلى أن جمع الله شملهما ببعضهما. فلما سمعت أمه حكايته تعجبت وحمدت الله تعالى على عافيته وسلامته، ثم قامت إلى تلك الحمول فنظرتها وسألته عنها، فأخبرها بما فيها، ففرحت فرحا عظيما، ثم تقدمت إلى الجارية تحدثها وتؤانسها، فلما وقعت عينها عليها اندهش عقلها من ملاحتها، وفرحت وتعجبت من حسنها وجمالها وقدها واعتدالها، ثم قالت له: يا ولدي، الحمد لله على السلامة وعلى رجوعك سالما. ثم إن أمه قعدت جنب الصبية وآنستها وطيبت خاطرها، ثم نزلت في بكرة النهار إلى السوق فاشترت عشر بدلات أفخر ما في المدينة من الثياب، وأحضرت لها الفرش العظيم، وألبست الصبية وجملتها بكل شيء مليح، ثم أقبلت على ولدها وقالت: يا ولدي، نحن بهذا المال لا نقدر أن نعيش في هذه المدينة، وأنت تعرف أننا ناس فقراء والناس يتهموننا بعمل الكيمياء، فقم بنا نسافر إلى مدينة بغداد دار السلام لنقيم في حرم الخليفة، وتقعد أنت في دكان فتبيع وتشتري وتتقي الله عز وجل، فيفتح عليك بهذا المال. # فلما سمع حسن كلامها استصوبه، وقام من وقته وخرج من عندها وباع البيت، وأحضر النجائب وحمل عليها جميع أمواله وأمتعته وأمه وزوجته وسار، ولم يزل سائرا إلى أن وصل إلى الدجلة، فاكترى مركبا لبغداد ونقل فيها جميع ماله وحوائجه ووالدته وزوجته وكل ما كان عنده، ثم ركب المركب فسارت بهم المركب في ريح طيبة مدة ms1779 عشرة أيام حتى أشرفوا على بغداد، فلما أشرفوا عليها فرحوا ودخلت بهم المركب المدينة، فطلع من وقته وساعته إلى المدينة واكترى مخزنا في بعض الخانات، ثم نقل حوائجه من المركب إليه، وطلع وأقام ليلة في الخان. فلما أصبح غير ما عليه من الثياب، فلما رآه الدلال سأله عن حاجته وعما يريد، فقال: أريد دارا تكون مليحة واسعة. فعرض عليه الدور التي عنده فأعجبته دار كانت لبعض الوزراء، فاشتراها منه بمائة ألف دينار من الذهب وأعطاه الثمن، ثم عاد إلى الخان الذي نزل فيه ونقل جميع ماله وحوائجه إلى الدار، ثم خرج إلى السوق وأخذ ما تحتاج إليه الدار من آنية وفرش وغير ذلك، واشترى خدما، ومن جملتها عبد صغير للدار، وأقام مطمئنا مع زوجته في ألذ عيش وسرور مدة ثلاث سنين، وقد رزق منها بغلامين سمى أحدهما ناصرا والآخر منصورا. # وبعد هذه المدة تذكر أخواته البنات وتذكر إحسانهن إليه، وكيف ساعدنه على مقصوده؛ فاشتاق إليهن وخرج إلى أسواق المدينة فاشترى منها شيئا من حلي وقماش نفيس ونقل ما رأين مثله قط ولا يعرفنه، فسألته أمه عن سبب اشتراء تلك التحف، فقال لها: إني عزمت على أن أسافر إلى أخواتي اللاتي فعلن معي كل جميل، ورزقي الذي أنا فيه من خيرهن وإحسانهن إلي، فإني أريد أن أسافر إليهن وأنظرهن وأعود قريبا إن شاء الله تعالى. فقالت له: يا ولدي، لا تغب علي. فقال لها: اعلمي يا أمي كيف تكونين مع زوجتي، وهذا ثوبها الريش في صندوق مدفون في الأرض، فاحرصي عليه لئلا تقع عليه فتأخذه وتطير هي وأولادها ويروحون، وأبقى لا أقع لهم على خبر فأموت كمدا من أجلهم، واعلمي يا أمي أني أحذرك من أن تذكري ذلك لها، واعلمي أنها بنت ملك الجان، وما في ملوك الجان أكبر من أبيها ولا أكثر منه جنودا ولا مالا، واعلمي أنها سيدة قومها وأعز ما عند أبيها، فهي عزيزة النفس جدا؛ فاخدميها أنت بنفسك ولا تمكنيها من أن تخرج من الباب أو تطل ms1780 من الطاقة أو من حائط، فإني أخاف عليها من الهواء إذا هب، وإذا جرى عليها أمر من أمور الدنيا، فأنا أقتل روحي من أجلها. فقالت أمه: أعوذ بالله من مخالفتك يا ولدي، هل أنا مجنونة حتى توصيني بهذه الوصية وأخالفك فيها؟ سافر يا ولدي وطب نفسا، وسوف تحضر في خير وتنظرها إن شاء الله تعالى وتخبرك بما جرى لها مني، ولكن يا ولدي لا تقعد غير مسافة الطريق. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 794 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا لما أراد السفر إلى البنات، وصى أمه على زوجته حسب ما ذكرنا، وكانت زوجته بالأمر المقدر تسمع كلامه لأمه، وهما لا يعرفان ذلك. ثم إن حسنا قام وخرج إلى خارج المدينة ودق الطبل، فحضرت له النجائب فحمل عشرين من تحف العراق وودع والدته وزوجته وأولاده، وكان عمر واحد من ولديه سنة، وعمر الآخر سنتين. ثم إنه رجع إلى والدته وأوصاها ثانيا، ثم إنه ركب وسافر إلى أخواته، ولم يزل مسافرا ليلا ونهارا في أودية وجبال وسهول وأوعار مدة عشرة أيام، وفي اليوم الحادي عشر وصل إلى القصر ودخل على أخواته ومعه الذي أحضره إليهن، فلما رأينه فرحن به وهنأنه بالسلامة، وأما أخته فإنها زينت القصر ظاهره وباطنه. ثم إنهن أخذن الهدية وأنزلنه في مقصورة مثل العادة، وسألنه عن والدته وعن زوجته، فأخبرهن أنها ولدت منه ولدين. ثم إن أخته الصغيرة لما رأته طيبا بخير فرحت فرحا شديدا وأنشدت هذا البيت: # وأسأل الريح عنكم كلما خطرت %~% وغيركم في فؤادي قط ما خطر ![figure](../Images/figure7.png) # فلما قلعت ثيابها صار النساء جميعا ينظرن إليها ويسبحن الله. # ثم إنه أقام عندهن في الضيافة والكرامة مدة ثلاثة أشهر، وهو في فرح وسرور وغبطة وحبور وصيد وقنص. هذا ما كان من حديثه، وأما ما كان من حديث أمه وزوجته، فإنه لما سافر حسن أقامت زوجته يوما وثانيا مع أمه، وقالت لها في اليوم الثالث: سبحان الله، هل أقعد معه ثلاث سنين ما ms1781 أدخل الحمام؟ وبكت، فرقت أمه لحالها وقالت لها: يا بنتي، نحن هنا غرباء وزوجك ما هو في البلد، فلو كان حاضرا كان يقوم بخدمتك، أما أنا فلا أعرف أحدا، ولكن يا بنتي أسخن لك الماء وأغسل رأسك في حمام البيت. فقالت لها: يا سيدتي، لو قلت هذا القول لبعض الجواري كانت طلبت البيع في السوق وما كانت تقعد عندكم، ولكن يا سيدتي إن الرجال معذورون، فإن عندهم غيرة وعقولهم تقول لهم: إن المرأة إذا خرجت من بيتها ربما تعمل فاحشة، والنساء يا سيدتي ما كلهن سواء، وأنت تعرفين أن المرأة إذا كان لها غرض في شيء، ما يغلبها أحد ولا يقدر أن يحرص عليها ولا يصونها ولا يمنعها من الحمام ولا غيره، ولا من أن تعمل كل ما تختاره. ثم إنها بكت ودعت على نفسها، وصارت تعدد على نفسها وغربتها، فرقت لحالها أم زوجها وعلمت أن كل ما قالته لا بد منه، فقامت وهيأت حوائج الحمام التي يحتاجان إليها، وأخذتها وراحت إلى الحمام. # فلما دخلتا الحمام قلعتا ثيابهما، فصار النساء جميعا ينظرن إليها ويسبحن الله عز وجل، ويتأملن فيما خلق من الصورة البهية، وصار كل من جاز من النساء على الحمام يدخل ويتفرج عليها، وشاع في البلد ذكرها وازدحم النساء عليها، وصار الحمام لا ينشق من كثرة النساء اللاتي فيه؛ فاتفق بسبب ذلك الأمر العجيب أنه حضر إلى الحمام في ذلك اليوم جارية من جواري أمير المؤمنين هارون الرشيد يقال لها تحفة العوادة، فرأت النساء في زحمة والحمام لا ينشق من كثرة النساء والبنات، فسألت عن الخبر فأخبرنها بالصبية، فجاءت عندها ونظرت إليها وتأملت فيها، فتحير عقلها من حسنها وجمالها، وسبحت الله جل جلاله على ما خلق من الصور الملاح، ولم تدخل ولم تغتسل وإنما صارت قاعدة وباهتة في الصبية إلى أن فرغت الصبية من الغسل وخرجت لبست ثيابها، فزادت حسنا على حسنها. فلما خرجت من الحرارة قعدت على البساط والمساند، وصارت النساء ناظرات إليها، فالتفتت إليهن وخرجت، فقامت تحفة ms1782 العوادة جارية الخليفة وخرجت معها حتى عرفت بيتها وودعتها ورجعت إلى قصر الخليفة، وما زالت سائرة حتى وصلت بين أيادي السيدة زبيدة وقبلت الأرض بين يديها، فقالت السيدة زبيدة: يا تحفة، ما سبب إبطائك في الحمام؟ فقالت: يا سيدتي، رأيت أعجوبة ما رأيت مثلها في الرجال ولا في النساء، وهي التي شغلتني وأدهشت عقلي وحيرتني، حتى إنني ما غسلت رأسي. فقالت: وما هي يا تحفة؟ قالت: يا سيدتي، رأيت جارية في الحمام معها ولدان صغيران كأنهما قمران ما رأى أحد مثلها، لا قبلها ولا بعدها، وليس مثل صورتها في الدنيا بأسرها، وحق نعمتك يا سيدتي إن عرفت بها أمير المؤمنين قتل زوجها وأخذها منه؛ لأنه لا يوجد مثلها واحدة من النساء، وقد سألت عن زوجها فقالوا إن زوجها رجل تاجر اسمه حسن البصري، وتبعتها من الحمام إلى أن دخلت بيتها، فرأيته بيت الوزير الذي له بابان؛ باب من جهة البحر وباب من جهة البر، وأنا أخاف يا سيدتي أن يسمع بها أمير المؤمنين فيخالف الشرع ويقتل زوجها ويتزوج بها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 795 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جارية أمير المؤمنين لما رأت زوجة حسن البصري ووصفت حسنها للسيدة زبيدة، قالت: يا سيدتي، إني أخاف أن يسمع بها أمير المؤمنين فيخالف الشرع ويقتل زوجها ويتزوج بها. فقالت السيدة زبيدة: ويلك يا تحفة، هل بلغت هذه الجارية من الحسن والجمال أن أمير المؤمنين يبيع دينه بدنياه ويخالف الشرع لأجلها؟ والله لا بد لي من النظر إلى هذه الصبية، فإن لم تكن كما ذكرت أمرت بضرب عنقك يا فاجرة، إن في سراية أمير المؤمنين ثلاثمائة وستين جارية بعدد أيام السنة، ما فيهن واحدة بالصفات التي تذكرينها. فقالت: يا سيدتي، لا والله ولا في بغداد بأسرها مثلها، بل ولا في العجم، ولا في العرب، ولا خلق الله عز وجل مثلها. فعند ذلك دعت السيدة زبيدة بمسرور، فحضر وقبل الأرض بين يديها، فقالت له: يا مسرور، ms1783 اذهب إلى دار الوزير التي ببابين؛ باب على البحر وباب على البر، وائت بالصبية التي هناك هي وأولادها والعجوز التي عندها بسرعة ولا تبطئ. فقال مسرور: السمع والطاعة. # ثم خرج من بين يديها وسار حتى وصل إلى باب الدار، فطرق الباب فخرجت له العجوز أم حسن، وقالت: من بالباب؟ فقال لها: مسرور خادم أمير المؤمنين. ففتحت الباب ودخل، فسلم عليها وسلمت عليه وسألته عن حاجته، فقال لها: إن السيدة زبيدة بنت القاسم زوجة أمير المؤمنين هارون الرشيد السادس من بني العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم تدعوك إليها أنت وزوجة ابنك وأولادها، فإن النساء أخبرنها عنها وعن حسنها. فقالت أم حسن: يا مسرور، نحن ناس غرباء، وزوج البنت ولدي وما هو في البلد، ولم يأمرني بالخروج أنا ولا هي لأحد من خلق الله تعالى، وأنا أخاف أن يجري أمر ويحضر ولدي فيقتل روحه، فمن إحسانك يا مسرور ألا تكلفنا ما لا نطيق. فقال مسرور: يا سيدتي، لو علمت أن في هذا خوفا عليكم ما كلفتكم الرواح، وإنما مراد السيدة أن تنظرها وترجع، فلا تخالفي تندمي، وكما آخذكم أردكم إلى هنا سالمين إن شاء الله تعالى. فما قدرت أم حسن أن تخالفه، فدخلت وهيأت الصبية وأخرجتها هي وأولادها، وساروا خلف مسرور وهو قدامهم إلى قصر الخليفة، فطلع بهم حتى أوقفهم قدام السيدة زبيدة؛ فقبلوا الأرض بين يديها ودعوا لها، والصبية مستورة الوجه، فقالت لها السيدة زبيدة: أما تكشفين عن وجهك لأنظره؟ فقبلت الصبية الأرض بين يديها وأسفرت عن وجه يخجل البدر في أفق السماء، فلما نظرتها السيدة زبيدة شخصت إليها وسرحت فيها البصر، وأضاء القصر من نورها وضوء وجهها، واندهشت زبيدة من حسنها، وكذلك كل من في القصر، وصار كل من رآها مجنونا لا يقدر أن يكلم أحدا. # ثم إن السيدة زبيدة قامت وأوقفت الصبية وضمتها إلى صدرها وأجلستها معها على السرير، وأمرت أن يزينوا القصر، ثم أمرت بأن يحضروا لها بدلة من أفخر الملبوس، وعقدا من أنفس الجواهر، وألبست ms1784 الصبية إياهما وقالت لها: يا سيدة الملاح، إنك أعجبتني وملأت عيني، أي شيء عندك من الذخائر؟ فقالت الصبية: يا سيدتي، لي ثوب ريش لو لبسته بين يديك لرأيت من أحسن الصنائع ما تتعجبين منه، ويتحدث بحسنه كل من يراه جيلا بعد جيل. فقالت: وأين ثوبك هذا؟ قالت: هو عند أم زوجي فاطلبيه لي منها. فقالت السيدة زبيدة: يا أمي، بحياتي عندك أن تنزلي وتأتي لها بثوبها الريش حتى تفرجنا على الذي تعمله وخذيه ثانيا. فقالت العجوز: يا سيدتي، هذه كذابة، هل رأينا أحدا من النساء له ثوب من الريش؟ فهذا لا يكون إلا للطيور. فقالت الصبية للسيدة زبيدة: وحياتك يا سيدتي، لي عندها ثوب ريش وهو في صندوق مدفون في الخزانة التي في الدار. فقلعت السيدة زبيدة من عنقها عقد جوهر يساوي خزائن كسرى وقيصر، وقالت لها: يا أمي، خذي هذا العقد. وناولتها إياه وقالت لها: بحياتي أن تنزلي وتأتي بذلك الثوب لنتفرج عليه، وخذيه بعد ذلك. فحلفت لها أنها ما رأت هذا الثوب ولا تعرف له طريقا، فصرخت السيدة زبيدة على العجوز وأخذت منها المفتاح، ونادت مسرورا فحضر فقالت له: خذ هذا المفتاح واذهب إلى الدار، وافتحها وادخل الخزانة التي بابها كذا وكذا، وفي وسطها صندوق فأطلعه واكسره، وهات الثوب الريش الذي فيه، وأحضره بين يدي. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 796 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السيدة زبيدة لما أخذت المفتاح من أم حسن وأعطته لمسرور، وقالت له: خذ هذا المفتاح وافتح الخزانة الفلانية، وأطلع منها الصندوق واكسره، وأطلع منه الثوب الريش الذي فيه وأحضره بين يدي. قال: سمعا وطاعة. ثم إنه تناول المفتاح من يد السيدة زبيدة وسار، فقامت معه العجوز أم حسن وهي باكية العين ندمانة على مطاوعة الجارية ورواحها الحمام معها، ولم تكن الصبية طلبت الحمام إلا مكيدة. ثم إن العجوز دخلت هي ومسرور وفتحت باب الخزانة، فدخل وأخرج الصندوق وأخرج منه القميص الريش ولفه معه في فوطة، وأتى ms1785 به إلى السيدة زبيدة، فأخذته وقلبته وقد تعجبت من حسن صناعته، ثم ناولته لها وقالت لها: هل هذا ثوبك الريش؟ قالت: نعم يا سيدتي. ومدت الصبية يدها إليه وأخذته منها وهي فرحانة. ثم إن الصبية تفقدته فرأته صحيحا كما كان عليها، ولم يضع منه ريشة، ففرحت به وقامت من جنب السيدة زبيدة وأخذت القميص وفتحته، وأخذت أولادها في حضنها واندرجت فيه، وصارت طيرة بقدرة الله عز وجل؛ فتعجبت السيدة زبيدة من ذلك، وكذلك كل من حضر، وصار الجميع يتعجبون من فعلها. ثم إن الصبية تمايلت وتمشت ورقصت ولعبت، وقد شخص لها الحاضرون وتعجبوا من فعلها، ثم قالت لهم بلسان فصيح: يا سادتي، هل هذا مليح؟ فقال لها الحاضرون: نعم يا سيدة الملاح، كل ما فعلته مليح. ثم قالت لهم: وهذا الذي أعمله أحسن منه يا سادتي. وفتحت أجنحتها وطارت بأولادها وصارت فوق القبة، ووقفت على سطح القاعة فنظروا إليها بالأحداق، وقالوا لها: والله إن هذه صنعة غريبة مليحة ما رأيناها قط. ثم إن الصبية لما أرادت أن تطير إلى بلادها تذكرت حسنا، وقالت: اسمعوا يا ساداتي. وأنشدت هذه الأبيات: # يا من خلا عن ذي الديار وسار %~% نحو الحبائب مسرعا فرارا ~~أتظن أني في نعيم بينكم %~% والعيش منكم لم يكن أكدارا ~~لما أسرت وصرت في شرك الهوى %~% جعل الهوى سجني وشط مزارا ~~لما اختفى ثوبي تيقن أنني %~% لم أدع فيه الواحد القهارا ~~قد صار يوصي أمه بحفاظه %~% في مخدع وعدا علي وجار ~~فسمعت ما قالوه ثم حفظته %~% ورجوت خيرا زائدا مدرارا ~~فرواحي الحمام كان وسيلة %~% حتى غدت في العقول حيارى ~~وتعجبت عرس الرشيد لبهجتي %~% إذ شاهدتني يمنة ويسارا ~~ناديت يا امرأة الخليفة إن لي %~% ثوبا من الريش العلي فخارا ~~لو كان فوقي تنظرين عجائبا %~% تمحو العنا وتبدد الأكدارا ~~فاستفسرت عرس الخليفة أين ذا %~% فأجبت في دار الذي قد دارى ~~فانقض مسرور وحضره لها %~% وإذا به قد أشرق الأنوارا ~~فأخذته من كفه وفتحته %~% ورأيت منه الجيب والأزرارا ~~فدخلت فيه ثم أولادي معي ms1786 %~% وفردت أجنحتي وطرت فرارا ~~يا أم زوجي أخبريه إذا أتى %~% إن حب وصلي فليفارق دارا # فلما فرغت من شعرها قالت لها السيدة زبيدة: أما تنزلين عندنا حتى نتملى بحسنك يا سيدة الملاح؟ فسبحان من أعطاك الفصاحة والصباحة! قالت: هيهات أن يرجع ما فات. ثم قالت لأم حسن الحزين المسكين: والله يا سيدتي يا أم حسن، إنك توحشينني، فإذا جاء ولدك وطالت عليه أيام الفراق، واشتهى القرب والتلاق، وهزته أرياح المحبة والأشواق، فليجئني إلى جزائر واق. ثم طارت هي وأولادها وطلبت بلادها، فلما رأت أم حسن ذلك بكت ولطمت وجهها وانتحبت حتى غشي عليها، فلما أفاقت قالت لها السيدة زبيدة: يا سيدتي الحاجة، ما كنت أعرف أن هذا يجري، ولو كنت أخبرتني به ما كنت أتعرض لك، وما عرفت أنها من الجن الطيارة إلا في هذا الوقت، ولو عرفت أنها على هذه الصفة ما كنت مكنتها من لبس الثوب، ولا كنت أخليها تأخذ أولادها، ولكن يا سيدتي اجعليني في حل. فقالت العجوز، وما وجدت في يدها حيلة: أنت في حل. ثم خرجت من قصر الخلافة، ولم تزل سائرة حتى دخلت بيتها، وصارت تلطم على وجهها حتى غشي عليها، فلما أفاقت من غشيتها استوحشت إلى الصبية وإلى أولادها وإلى رؤية ولدها، فأنشدت هذه الأبيات: # يوم الفراق بعادكم أبكاني %~% أسفا لبعدكم عن الأوطان ~~ناديت من ألم الفراق بحرقة %~% والدمع قرح بالبكا أجفاني ~~هذا الفراق فهل لنا من عودة %~% فلقد أزال فراقكم كتماني ~~يا ليتهم عادوا إلى حسن الوفا %~% فلعل إن عادوا يعود زماني # ثم قامت وحفرت في البيت ثلاثة قبور، وأقبلت عليها بالبكاء آناء الليل وأطراف النهار، وحين طالت غيبة ولدها وزاد بها القلق والشوق والحزن، أنشدت هذه الأبيات: # خيالك بين طابقة الجفون %~% وذكرك في الخوافق والسكون ~~وحبك قد جرى في العظم مني %~% كجري الماء في ثمر الغصون ~~ويوم لا أراك يضيق صدري %~% وتعذرني العواذل في شجوني ~~أيا من قد تملكني هواه %~% وزاد على محبته جنوني ~~خف الرحمن في وكن رحيما %~% هواك أذاقني ms1787 ريب المنون # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 797 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أم حسن صارت تبكي آناء الليل وأطراف النهار لفراق ولدها وزوجته وأولاده. هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر ولدها حسن، فإنه لما وصل إلى البنات حلفن عليه أن يقيم عندهن ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك جهزن له المال وهيأن له عشرة أحمال؛ خمسة من الذهب، وخمسة من الفضة، وهيأن له من الزاد حملا واحدا، وسفرنه وخرجن معه، فحلف عليهن أن يرجعن، فأقبلن على عناقه من أجل التوديع، فتقدمت إليه البنت الصغيرة وعانقته وبكت حتى غشي عليها، وأنشدت هذين البيتين: # متى تنطفي نار الفراق بقربكم %~% ونقضي على الفرقة ونبقى كما كنا ~~لقد راعني يوم الفراق وضرني %~% وقد زادني التوديع يا سادتي وهنا # ثم تقدمت البنت الثانية وعانقته، وأنشدت هذين البيتين: # وداعك مثل وداع الحياة %~% وفقدك يشبه فقد النديم ~~وبعدك نار كوت مهجتي %~% وقربك عندي أرض النعيم # ثم تقدمت الثالثة وعانقته، وأنشدت هذين البيتين: # ما تركنا الوداع يوم افترقنا %~% عن ملال ولا لوجه قبيح ~~أنت روحي على الحقيقة قطعا %~% كيف أختار أن أودع روحي # ثم تقدمت البنت الرابعة وعانقته، وأنشدت هذين البيتين: # لم يبكني إلا حديث فراقه %~% لما أسر به إلي مودعي ~~هو ذلك القول الذي أودعته %~% في مسمعي أجريته من مدمعي # ثم تقدمت البنت الخامسة وعانقته، وأنشدت هذين البيتين: # لا ترحلن فعنكم ليس لي جلد %~% كيما أودعكم توديع مرتحل ~~ولا من الصبر ما ألقى الفراق به %~% ولا من الدمع ما أذري على طلل # ثم تقدمت البنت السادسة وعانقته، وأنشدت هذين البيتين: # قد قلت مذ سار السفين بهم %~% والشوق ينهب مهجتي نهبا ~~لو كان لي ملك أصول به %~% لأخذت كل سفينة غصبا # ثم تقدمت البنت السابعة وعانقته، وأنشدت هذين البيتين: # إذا رأيت الوداع فاصبر %~% ولا يهولنك البعاد ~~ترقب العود عن قريب %~% فإن هجرت الوداع عادوا # ثم إن حسنا ودعهن وبكى إلى أن غشي عليه بسبب فراقهم، وأنشد هذه الأبيات: ms1788 # ولقد جرت يوم الفراق سوامحي %~% دررا نظمت عقودها من أدمعي ~~وحدا بهم حادي الركاب فلم أجد %~% جلدا ولا صبرا ولا قلبي معي ~~ودعتهم ثم انثنيت بحسرة %~% وتركت أنس معاهدي والأربع ~~فرجعت لا در الطريق ولم تطب %~% نفسي سوى أني أراك بمرجعي ~~يا صاحبي أنصت لأخبار الهوى %~% حاشى لقلبك أن أقول ولا يعي ~~يا نفس مذ فارقتهن ففارقي %~% طيب الحياة وفي البقا لا تطمعي # ثم إنه جد في المسير ليلا ونهارا حتى وصل إلى بغداد دار السلام وحرم الخلافة العباسية، ولم يدر بالذي جرى بعد سفره، فدخل الدار على والدته ليسلم عليها، فرآها قد انتحل جسمها ورق عظمها من كثرة النوح والسهر والبكاء والعويل، حتى صارت مثل الخلال، ولم تقدر أن ترد الكلام، فصرف النجائب وتقدم إليها، فلما رآها على تلك الحالة قام في الدار وفتش على زوجته وعلى أولاده، فلم يجد لهم أثرا، ثم إنه نظر في الخزانة فوجدها مفتوحة والصندوق مفتوحا، ولم يجد فيه الثوب؛ فعند ذلك عرف أنها تمكنت من الثوب الريش وأخذته وطارت، وأخذت أولادها معها، فرجع إلى أمه فرآها قد أفاقت من غشيتها، فسألها عن زوجته وعن أولاده، فبكت وقالت: يا ولدي، عظم الله أجرك فيهم، وهذه قبورهم الثلاثة. فلما سمع كلام أمه صرخ صرخة عظيمة، وخر مغشيا عليه، واستمر كذلك من أول النهار إلى الظهر، فازدادت أمه غما على غمها، وقد يئست من حياته، فلما أفاق بكى ولطم على وجهه، وشق ثيابه وصار دائرا في الدار متحيرا، ثم إنه أنشد هذين البيتين: # شكا ألم الفراق الناس قبلي %~% وروع بالنوى حي وميت ~~وأما مثل ما ضمت ضلوعي %~% فإني لا سمعت ولا رأيت # فلما فرغ من شعره أخذ سيفه وسله، وجاء إلى أمه وقال لها: إن لم تعلميني بحقيقة الحال ضربت عنقك وقتلت روحي. فقالت له: يا ولدي، لا تفعل ذلك وأنا أخبرك. ثم قالت له: أغمد سيفك واقعد حتى أحدثك بالذي جرى. فلما أغمد سيفه وجلس إلى جانبها أعادت عليه القصة من أولها إلى آخرها، وقالت ms1789 له: يا ولدي، لولا أني رأيتها بكت على طلب الحمام، وخفت منك أن تجيء وتشكو إليك فتغضب علي، ما كنت ذهبت بها إليه، ولولا أن السيدة زبيدة غضبت علي وأخذت مني المفتاح قهرا ما كنت أخرجت الثوب، ولو كنت أموت. ويا ولدي، أنت تعرف أن يد الخلافة لا تطاولها يد، فلما أحضروا لها الثوب أخذته وقلبته وكانت تظن أنه فقد منه شيء، فوجدته لم يصبه شيء، ففرحت وأخذت أولادها وشدتهم في وسطها، ولبست الثوب الريش بعدما قلعت لها السيدة زبيدة كل ما عليها إكراما لها ولجمالها، فلما لبست الثوب الريش انتفضت وصارت طيرة، ومشت في القصر وهم ينظرون إليها ويتعجبون من حسنها وجمالها، ثم طارت وصارت فوق القصر، وبعد ذلك نظرت إلي وقالت لي: إذا جاء ولدك وطالت عليه ليالي الفراق، واشتهى القرب مني والتلاق، وهزته أرياح المحبة والأشواق، فليفارق وطنه ويذهب إلى جزائر واق. هذا ما كان من حديثها في غيبتك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 798 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسنا لما سمع كلام أمه حين حكت له جميع ما فعلت زوجته وقتما طارت، صرخ صرخة عظيمة ووقع مغشيا عليه، ولم يزل كذلك إلى آخر النهار، فلما أفاق لطم على وجهه وصار يتقلب على الأرض مثل الحية، فقعدت أمه تبكي عند رأسه إلى نصف الليل، فلما أفاق من غشيته بكى بكاء عظيما وأنشد هذه الأبيات: # قفوا وانظروا حال الذي تهجرونه %~% لعلكم بعد الجفا ترحمونه ~~فإن تنظروه تنكروه لسقمه %~% كأنكم والله لا تعرفونه ~~وما هو إلا ميت في هواكم %~% يعد من الأموات إلا أنينه ~~ولا تحسبوا أن التفرق هين %~% يعز على المشتاق والموت دونه # فلما فرغ من شعره قام وجعل يدور في البيت، وينوح ويبكي وينتحب مدة خمسة أيام، ولم يذق فيها طعاما ولا شرابا، فقامت إليه أمه وحلفته وأقسمت عليه أن يسكت من البكاء، وهو لا يقبل كلامها، وما زال يبكي وينتحب وأمه تسليه وهو لا يسمع منها شيئا، ثم أنشد ms1790 هذه الأبيات: # أكذا يجازى ود كل قرين %~% أم هذه شيم الظباء العين ~~أفما بيوت النحل بين شفاههم %~% منضوضة أو حانة الزرجون ~~قصوا علي حديث من قتل الهوى %~% إن التأسي روح كل حزين ~~ووراء ذياك المصلى مورد %~% حصباؤه من لؤلؤ مكنون ~~لو كنت زرقاء اليمامة ما رأت %~% من بارق حيا على جيرون ~~ترمي بعينيك الفجاج مقلبا %~% ذات الشمال بها وذات يمين # وما زال حسن على هذه الحالة يبكي إلى الصباح، ثم إنه أغفت عيناه فرأى زوجته حزينة وهي تبكي، فقام من نومه وهو صارخ وأنشد هذين البيتين: # خيالك عندي ليس يبرح ساعة %~% جعلت له في القلب أشرف موضع ~~ولولا رجاء الوصل ما عشت لحظة %~% ولولا خيال الطيف لم أتهجع # فلما أصبح الصباح زاد نحيبه وبكاؤه، ولم يزل باكي العين، حزين القلب، ساهر الليل، قليل الأكل، واستمر على هذه الحالة مدة شهر كامل، فلما مضى ذلك الشهر خطر بباله أنه يسافر إلى أخواته لأجل أن يساعدنه على قصده من حصولها، فأحضر النجائب ثم حمل هجينة من تحف العراق وركب واحدة منها، ثم أوصى والدته على البيت وأودع جميع حوائجه إلا قليلا أبقاه في الدار، ثم سار متوجها إلى أخواته لعله أن يجد عندهن مساعدة على اجتماع زوجته. ولم يزل سائرا حتى وصل إلى قصر البنات في جبل السحاب، فلما دخل عليهن قدم إليهن الهدايا، ففرحن بها وهنأنه بالسلامة، وقلن له: يا أخانا، ما سبب مجيئك بسرعة، وما لك غير شهرين؟ فبكى وأنشد هذه الأبيات: # أرى النفس في فكر لفقد حبيبها %~% فلا تتهنى بالحياة وطيبها ~~سقامي داء ليس يعرف طبه %~% وهل يبرئ الأسقام غير طبيبها ~~فيا مانعي طيب المنام تركتني %~% أسائل عنك الريح عند هبوبها ~~قريبة عهد من حبيبي وقد حوى %~% محاسن تدعو مقلتي لصبيبها ~~فيا أيها الشخص الملم بأرضه %~% عسى نفحة تحيي القلوب بطيبها # فلما فرغ من شعره صرخ صرخة عظيمة وخر مغشيا عليه، وقعدت البنات حوله يبكين عليه حتى أفاق من غشيته، فلما أفاق أنشد هذين البيتين: # عسى ولعل الدهر يلوي ms1791 عنانه %~% ويأتي بحبي والزمان غيور ~~ويسعدني دهري فتقضى حوائجي %~% وتحصل من بعد الأمور أمور # فلما فرغ من شعره بكى حتى غشي عليه، فلما أفاق أنشد هذين البيتين: # بالله يا منتهى سقمي وأمراضي %~% هل أنت راض فإني في الهوى راض ~~أتهجرين بلا ذنب ولا سبب %~% فواصلي وارحمي من هجرك الماضي # فلما فرغ من شعره بكى حتى غشي عليه، فلما أفاق أنشد هذه الأبيات: # هجر المنام وواصل التسهيد %~% والعين بالدمع المصون تجود ~~تبكي بدمع كالعقيق صبابة %~% يربو على طول المدى ويزيد ~~أهدى إلي الشوق يا أهل الهوى %~% نارا لها بين الضلوع وقود ~~وإذا ذكرتك لم تفض لي دمعة %~% إلا وفيها بارق ورعود # فلما فرغ من شعره بكى حتى غشي عليه، فلما أفاق من غشيته أنشد هذه الأبيات: # أفي العشق والتبريح دنتم كما دنا %~% وهل ودنا منكم كما ودكم منا ~~ألا قاتل الله الهوى ما أمره %~% فيا ليت شعري ما يريد الهوى منا ~~وجوهكم الحسناء إن شطت النوى %~% تمثل في أبصارنا أينما كنا ~~فقلبي مشغول بتذكار حيكم %~% ويطربني صوت الحمام إذا غنى ~~ألا يا حماما بات يدعو أليفه %~% لقد زدتني شوقا وأصحبتني حزنا ~~تركت جفوني لا تمل من البكا %~% على سادة غابوا برؤيتهم عنا ~~أحن إليهم كل وقت وساعة %~% وأشتاقهم في الليل والليل قد جن # فلما سمعت كلامه أخته، خرجت إليه فرأته راقدا مغشيا عليه، فصرخت ولطمت وجهها، فسمعها أخواتها فخرجن إليها، فرأين حسنا راقدا مغشيا عليه، فاحتطن به وبكين عليه، ولم يخف عليهن حين رأينه ما حل به من الوجد والهيام والشوق والغرام، فسألنه عن حاله، فبكى وأخبرهن بما جرى له في غيابه حيث طارت زوجته وأخذت أولادها معها، فحزن عليها وسألنه عن الذي قالت عندما راحت، قال: يا أخواتي إنها قالت لوالدتي: قولي لولدك إذا جاء وطالت عليه ليالي الفراق، واشتهى القرب مني والتلاق، وهزته أرياح المحبة والأشواق، فليجئني إلى جزائر واق. فلما سمعن كلامه تغامزن وتذكرن، وصارت كل واحدة تنظر إلى أختها وحسن ينظرهن، ثم أطرقن برءوسهن إلى الأرض ساعة، ms1792 وبعد ذلك رفعنها وقلن: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم قلن له: امدد يدك إلى السماء، فإن وصلت إلى السماء تصل إلى زوجتك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 799 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن البنات لما قلن لحسن: امدد يدك إلى السماء، فإن وصلت إليها تصل إلى زوجتك وأولادك. جرت دموعه على خديه مثل المطر حتى بلت ثيابه، وأنشد هذه الأبيات: # قد هيجتني الخدود الحمر والحدق %~% وفارق الصبر لما أقبل الأرق ~~بيض نواعم أضنت بالجفا جسدي %~% لم يبق منه لأبصار الورى رمق ~~حور تميس كغزلان النقا سفرت %~% عن بهجة لو رآها الأوليا علقوا ~~يمشين مثل نسيم الروض في سمر %~% بعشقهن عراني الهم والقلق ~~علقت منهن آمالي بغانية %~% قلبي لها بلظى النيران يحترق ~~خوداء ناعمة الأطراف مايسة %~% في وجهها الصبح بل في شعرها الغسق ~~قد هيجتني وكم في الحب من بطل %~% قد هيجته جفون البيض والحدق # فلما فرغ من شعره بكى وبكت البنات لبكائه، وأخذتهن الشفقة والغيرة عليه، وصرن يتلطفن به ويصبرنه ويدعين له بجمع الشمل، فأقبلت عليه أخته وقالت له: يا أخي، طب نفسا وقر عينا، واصبر تبلغ مرادك، فمن صبر وتأنى نال ما تمنى، والصبر مفتاح الفرج؛ فقد قال الشاعر: # دع المقادير تجري في أعنتها %~% ولا تبيتن إلا خالي البال ~~ما بين غمضة عين وانتباهتها %~% يغير الله من حال إلى حال # ثم قالت له: قو قلبك واشدد عزمك، فإن ابن عشرة لا يموت وهو في تسعة، والبكاء والغم والحزن تمرض وتسقم، واقعد عندنا حتى تستريح، وأنا أتحيل لك في الوصول إلى زوجتك وأولادك إن شاء الله تعالى. فبكى بكاء شديدا وأنشد هذين البيتين: # لئن عوفيت من مرض بجسمي %~% فما عوفيت من مرض بقلبي ~~وليس دواء أمراض التصابي %~% سوى وصل الحبيب مع المحب # ثم جلس إلى جانب أخته وصارت تحدثه وتسليه وتسأله عن الذي كان سببا في رواحها، فأخبرها عن سبب ذلك، فقالت له: والله يا أخي إني أردت أن أقول ms1793 لك أحرق الثوب الريش، فأنساني الشيطان ذلك. وصارت تحدثه وتلاطفه، فلما طال عليه الأمر وزاد به القلق، أنشد هذه الأبيات: # تمكن من قلبي حبيب ألفته %~% وليس لما قد قدر الله مدفع ~~من العرب قد حاز الملاحة كلها %~% غزال ولكن في فؤادي يرتع ~~لئن عز صبري في هواه وحيلتي %~% بكيت على أن البكا ليس ينفع ~~مليح له سبع وسبع كأنه %~% هلال له خمس وخمس وأربع # فلما نظرت أخته إلى ما هو فيه من الوجد والهيام، وتباريح الهوى والغرام، قامت إلى أخواتها وهي باكية العين حزينة القلب، وبكت بين أيديهن ورمت نفسها عليهن، وقبلت أقدامهن وسألتهن مساعدة أخيها على قضاء حاجته، واجتماعه بأولاده وزوجته، وعاهدتهن على أن يدبرن أمرا يوصله إلى جزائر واق. وما زالت تبكي بين يدي أخواتها حتى أبكتهن وقلن لها: طيبي قلبك، فإننا مجتهدات في اجتماعه بأهله إن شاء الله. ثم إنه أقام عندهن سنة كاملة وعينه لم تمسك عن الدموع، وكان لأخواته عم أخو والدهن شقيقه، وكان اسمه عبد القدوس، وكان يحب البنت الكبيرة محبة كثيرة، وكان في كل سنة يزورها مرة واحدة ويقضي حوائجها، وكانت البنات قد حدثنه بحديث حسن وما وقع له مع المجوسي، وكيف قدر على قتله، ففرح عمهن بذلك ودفع للبنت الكبيرة صرة فيها بخور، وقال لها: يا بنت أخي، إذا أهمك أمر ونالك مكروه، أو عرضت لك حاجة، فألقي هذا البخور في النار واذكريني فإني أحضر لك بسرعة وأقضي حاجتك. وكان هذا الكلام في أول يوم من السنة، فقالت تلك البنت لبعض أخواتها: إن السنة مضت بتمامها وعمي لم يحضر، قومي اقدحي الزناد وائتيني بعلبة البخور. فقامت البنت وهي فرحانة وأحضرت علبة البخور وفتحتها وأخذت منها شيئا يسيرا وناولته لأختها، فأخذته ورمته في النار وذكرت عمها، فما فرغ البخور إلا وغبرة قد ظهرت من صدر الوادي، ثم بعد ساعة انكشف الغبار فبان من تحته شيخ راكب على فيل وهو يصيح من تحته، فلما نظرته البنات صار يشير إليهن بيديه ورجليه، ثم بعد ساعة ms1794 وصل إليهن فنزل عن الفيل ودخل عليهن، فعانقنه وقبلن يديه وسلمن عليه، ثم إنه جلس وصارت البنات يتحدثن معه ويسألنه عن غيابه، فقال: إني كنت في هذا الوقت جالسا أنا وزوجة عمكن فشممت البخور، فحضرت إليكن على هذا الفيل، فما تريدين يا بنت أخي؟ فقالت: يا عم، إننا اشتقنا إليك وقد مضت السنة، وما عادتك أن تغيب عنا أكثر من سنة. فقال لهن: إني كنت مشغولا وكنت عزمت على أن أحضر إليكن غدا. فشكرنه ودعون له وقعدن يتحدثن معه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 800 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البنات لما قعدن يتحدثن مع عمهن، قالت له البنت الكبيرة: يا عمي، إننا كنا حدثناك بحديث حسن البصري الذي جاء به بهرام المجوسي، وكيف قتله، وحدثناك بالصبية بنت الملك الأكبر التي أخذها، وما قاسى من الأمور الصعاب والأهوال، وكيف اصطاد بنت الملك وتزوج بها، وكيف سافر بها إلى بلاده. قال: نعم، فما حدث له بعد هذا؟ قالت له: إنها غدرت به وقد رزق منها بولدين، فأخذتهما وسافرت بهما إلى بلادها وهو غائب، وقالت لأمه: إذا حضر ولدك وطالت عليه ليالي الفراق، وأراد مني القرب والتلاق، وهزته أرياح المحبة والاشتياق، فليجئني إلى جزائر واق. فحرك رأسه وعض على إصبعه، ثم أطرق رأسه إلى الأرض، وصار ينكت في الأرض بإصبعه، ثم التفت يمينا وشمالا وحرك رأسه، وحسن ينظره وهو متوار عنه، فقالت البنات لعمهن: رد علينا الجواب، فقد تفتتت منا الأكباد. فهز رأسه إليهن وقال لهن: يا بناتي، لقد أتعب هذا الرجل نفسه، ورمى روحه في هول عظيم وخطر جسيم، فإنه لا يقدر أن يقبل على جزائر واق. فعند ذلك نادت البنات حسنا، فخرج إليهن وتقدم إلى الشيخ عبد القدوس وقبل يده وسلم عليه، ففرح به وأجلسه بجانبه، فقالت البنات لعمهن: يا عم، بين لأخينا حقيقة ما قلته. فقال له: يا ولدي، اترك عنك هذا العذاب الشديد، فإنك لا تقدر أن تصل إلى جزائر واق، ولو ms1795 كان معك الجن الطيارة والنجوم السيارة؛ لأن بينك وبين الجزائر سبعة أودية، وسبعة بحار، وسبعة جبال عظام، وكيف تقدر أن تصل إلى هذا المكان؟ ومن يوصلك إليه؟ بالله عليك أن ترجع من قريب ولا تتعب سرك. # فلما سمع حسن كلام الشيخ عبد القدوس بكى حتى غشي عليه، وقعدت البنات حوله يبكين لبكائه، وأما البنت الصغيرة فإنها شقت ثيابها ولطمت على وجهها حتى غشي عليها؛ فلما رآهم الشيخ عبد القدوس على هذه الحالة من الهم والوجد والحزن، رق لهم وأخذته الرأفة عليهم، فقال: اسكتوا. ثم قال لحسن: طيب قلبك وأبشر بقضاء حاجتك إن شاء الله تعالى. ثم قال: يا ولدي، قم وشد حيلك واتبعني. فقام حسن على حيله بعد أن ودع البنات وتبعه، وقد فرح بقضاء حاجته. ثم إن الشيخ عبد القدوس استدعى الفيل فحضر، فركبه وأردف حسنا خلفه وسار به مدة ثلاثة أيام بلياليها مثل البرق الخاطف، حتى وصل إلى جبل عظيم أزرق، وحجارته كلها زرق، وفي ذلك الجبل مغارة وعليها باب من الحديد الصيني، فأخذ الشيخ بيد حسن وأنزله، ثم نزل الشيخ وأطلق الفيل، ثم تقدم إلى باب المغارة وطرقه فانفتح الباب وخرج إليه عبد أسود أجرود كأنه عفريت، وبيده اليمنى سيف والأخرى ترس من بولاد، فلما نظر الشيخ عبد القدوس رمى السيف والترس من يده وتقدم إلى الشيخ عبد القدوس وقبل يده، ثم أخذ الشيخ بيد حسن ودخل هو وإياه وقفل العبد الباب خلفهما، فرأى حسن المغارة كبيرة واسعة جدا ولها دهليز معقود، ولم يزالوا سائرين مقدار ميل، ثم انتهى بهم السير إلى فلاة عظيمة، وتوجهوا إلى ركن فيه بابان عظيمان مسبوكان من النحاس الأصفر، ففتح الشيخ عبد القدوس بابا منهما ودخل ورده، وقال لحسن: اقعد على هذا الباب واحذر أن تفتحه وتدخل حتى أدخل وأرجع إليك عاجلا. # فلما دخل الشيخ غاب مدة ساعة فلكية، ثم خرج ومعه حصان مسرج ملجم، إن سار طار، وإن طار لم يلحقه غبار، فقدمه الشيخ لحسن وقال: اركب. ثم إن الشيخ فتح ms1796 الباب الثاني فبان منه برية واسعة، فركب حسن الحصان وخرج الاثنان من الباب وسارا في تلك البرية، فقال الشيخ لحسن: يا ولدي، خذ هذا الكتاب وسر على هذا الحصان إلى الموضع الذي يوصلك إليه، فإذا نظرته وقف على باب مغارة مثل هذه، فانزل عن ظهره واجعل عنانه في قربوص السرج وأطلقه، فإنه يدخل المغارة فلا تدخل معه وقف على باب المغارة مدة خمسة أيام ولا تضجر، فإنه في اليوم السادس يخرج إليك شيخ أسود، عليه لباس أسود، وذقنه بيضاء طويلة نازلة إلى سرته، فإذا رأيته فقبل يديه وأمسك ذيله واجعله على رأسك وابك بين يديه حتى يرحمك، فإنه يسألك عن حاجتك، فإذا قال لك: ما حاجتك؟ فادفع إليه هذا الكتاب، فإنه يأخذه منك ولا يكلمك ويدخل ويخليك، فقف مكانك خمسة أيام أخر ولا تضجر، وفي اليوم السادس انتظره فإنه يخرج إليك، فإن خرج إليك بنفسه فاعلم أن حاجتك تقضى، وإن خرج إليك أحد من غلمانه، فاعلم أن الذي خرج إليك يريد قتلك والسلام. واعلم يا ولدي أن كل من خاطر بنفسه أهلك نفسه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 801 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ عبد القدوس لما أعطى حسنا الكتاب أعلمه بما يتحصل له وقال له: إن كل من خاطر بنفسه أهلك نفسه، فإن كنت تخاف على نفسك فلا تلق بها إلى الهلاك، وإن كنت لا تخاف فدونك وما تريد، فقد بينت لك الأمور، وإن شئت الرواح لصواحبك فهذا الفيل حاضر، فإنه يسير بك إلى بنات أخي وهن يوصلنك إلى بلادك ويرددنك إلى وطنك، ويرزقك الله خيرا من هذه البنت التي تعلقت بها. فقال حسن للشيخ: وكيف تطيب لي الحياة من غير أن أبلغ مرادي؟ والله إني لا أرجع أبدا حتى أبلغ حبيبتي أو تدركني منيتي. ثم بكى وأنشد هذه الأبيات: # على فقد حبي مع تزايد صبوتي %~% وقفت أنادي بانكساري وذلتي ~~وقبلت ترب الربع شوقا لأجله %~% ولم يجدني إلا تزايد حسرتي ~~رعى الله ms1797 من بانوا وفي القلب ذكرهم %~% فواصلت آلامي وفارقت لذتي ~~يقولون لي صبرا وقد رحلوا به %~% وقد أضرموا يوم الترحل زفرتي ~~وما راعني إلا الوداع وقوله %~% إذا غبت فاذكرني ولا تنس صحبتي ~~لمن ألتجي من أرتجي بعد فقدهم %~% وكانوا رجائي في رخائي وشدتي ~~فوا حسرتي لما رجعت مودعا %~% وسر عداك المبغضون برجعتي ~~فوا أسفا هذا الذي كنت حاذرا %~% ويا لوعتي زيدي لهيبا بمهجتي ~~فإن غاب أحبابي فلا عيش بعدهم %~% وإن رجعوا يا فرحتي ومسرتي ~~فوالله لم ينفض دمعي من البكا %~% على فقدهم بل عبرة بعد عبرة # فلما سمع الشيخ عبد القدوس إنشاده وكلامه، علم أنه لا يرجع عن مراده، وأن الكلام لا يؤثر فيه، وتيقن أنه لا بد أن يخاطر بنفسه ولو تلفت مهجته، فقال: اعلم يا ولدي أن جزائر واق سبع جزائر، فيها عسكر عظيم، وذلك العسكر كله بنات أبكار، وسكان الجزائر الجوانية شياطين ومردة وسحرة وأرهاط مختلفة، وكل من دخل أرضهم لا يرجع، وما وصل إليهم أحد قط ورجع، فبالله عليك أن ترجع إلى أهلك من قريب، واعلم أن البنت التي قصدتها بنت ملك هذه الجزائر كلها، وكيف تقدر أن تصل إليها؟ فاسمع مني يا ولدي، ولعل الله يعوضك خيرا منها. فقال حسن: والله يا سيدي، لو قطعت في هواها إربا إربا، ما ازددت إلا حبا وطربا، ولا بد من رؤية زوجتي وأولادي، والدخول في جزائر واق، وإن شاء الله تعالى ما أرجع إلا بها وبأولادي. فقال له الشيخ عبد القدوس: حينئذ لا بد لك من السفر؟ فقال: نعم، وإنما أريد منك الدعاء بالإسعاف والإعانة، لعل الله يجمع شملي بزوجتي وأولادي عن قريب. ثم بكى من عظم شوقه، وأنشد هذه الأبيات: # أنتم مرادي وأنتم أحسن البشر %~% أحلكم في محل السمع والبصر ~~ملكتم القلب مني وهو منزلكم %~% وبعدكم سادتي أصبحت في كدر ~~فلا تظنوا انتقالي عن محبتكم %~% فحبكم صير المسكين في حذر ~~غبتم فغاب سروري بعد غيبتكم %~% وأصبح الصفو عندي غاية الكدر ~~تركتموني أراعي النجم من ألم %~% أبكي بدمع يحاكي ms1798 هاطل المطر ~~يا ليل طلت على من بات في قلق %~% من شدة الوجد يرعى طلعة القمر ~~إن جزت يا ريح حيا فيه قد نزلوا %~% بلغ سلامي لهم فالعمر في قصر ~~وقل لهم بعض ما لاقيت من ألم %~% إن الأحبة لا يدرون عن خبري # فلما فرغ حسن من شعره بكى بكاء شديدا حتى غشي عليه، فلما أفاق قال له الشيخ عبد القدوس: يا ولدي، إن لك والدة فلا تذقها ألم فقدك. فقال حسن للشيخ: والله يا سيدي ما بقيت أرجع إلا بزوجتي أو تدركني منيتي. ثم بكى وناح، وأنشد هذه الأبيات: # وحق الهوى ما غير البعد عهدكم %~% وما أنا ممن للعهود يخون ~~وعندي من الأشواق ما لو شرحته %~% إلى الناس قالوا قد عراه جنون ~~فوجد وحزن وانتحاب ولوعة %~% ومن حاله هذا فكيف يكون # فلما فرغ من شعره علم الشيخ أنه لا يرجع عما هو فيه، ولو ذهبت روحه، فناوله الكتاب ودعا له وأوصاه بالذي يفعله، وقال له: إني قد أكدت لك في الكتاب على أبي الرويش بن بلقيس بنت معين، فهو شيخي ومعلمي، وجميع الإنس والجن يخضعون له ويخافون منه. ثم قال له: توجه على بركة الله. فتوجه وأرخى عنان الحصان، فطار به أسرع من البرق، ولم يزل حسن مسرعا بالحصان مدة عشرة أيام، حتى نظر أمامه شبحا عظيما أسود من الليل قد سد ما بين المشرق والمغرب، فلما قرب حسن منه صهل الحصان تحته، فاجتمعت خيول كثيرة مثل المطر لا يحصى لها عدد، ولا يعرف لها مدد، وصارت تتمسح في الحصان، فخاف حسن منها وفزع، ولم يزل سائرا والخيول حوله إلى أن وصل إلى المغارة التي وصفها له الشيخ عبد القدوس، فوقف الحصان على بابها، فنزل حسن من فوقه ووضع عنانه في سرجه، فدخل الحصان المغارة ووقف حسن على الباب كما أمره الشيخ عبد القدوس، وصار متفكرا في عاقبة أمره كيف تكون، حيران ولهان لا يعلم الذي يجري له. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 802 ms1799 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسنا لما نزل من فوق ظهر الحصان، وقف على باب المغارة متفكرا في عاقبة أمره كيف يكون، لا يعلم الذي يجري له، ولم يزل واقفا على باب المغارة خمسة أيام بلياليها وهو سهران حزنان متفكر حيث فارق الأهل والأوطان والأصحاب والخلان، باكي العين حزين القلب، ثم إنه تذكر والدته وتفكر فيما يجري له، وفي فراق زوجته وأولاده وفيما قاساه، فأنشد هذه الأبيات: # لديكم دواء القلب والقلب ذاهب %~% ومن سفح أجفاني دموع سواكب ~~فراق وحزن واشتياق وغربة %~% وبعد عن الأوطان والشوق غالب ~~وما أنا إلا عاشق ذو صبابة %~% ببعد الذي يهوى دهته المصائب ~~فإن كان عشقي قد رماني بنكبة %~% فأي كريم لم تصبه النوائب # فلم يفرغ حسن من شعره إلا والشيخ أبو الرويش قد خرج له، وهو أسود وعليه لباس أسود، فلما نظره حسن عرفه بالصفات التي أخبره بها الشيخ عبد القدوس، فرمى نفسه عليه ومرغ خديه على قدميه، ومسك رجله وحطها على رأسه وبكى قدامه، فقال الشيخ أبو الرويش: ما حاجتك يا ولدي؟ فمد يده بالكتاب وناوله للشيخ أبي الرويش، فأخذه منه ودخل المغارة ولم يرد عليه جوابا، فقعد حسن في موضعه على الباب مثلما قال له الشيخ عبد القدوس، وهو يبكي، وما زال قاعدا مكانه مدة خمسة أيام وقد ازداد به القلق، واشتد به الخوف ولازمه الأرق، فصار يبكي ويتضجر من ألم البعاد وكثرة السهاد، ثم أنشد هذه الأبيات: # سبحان جبار السماء %~% إن المحب لفي عناء ~~من لم يذق طعم الهوى %~% لم يدر ما جهد البلاء ~~لو كنت أحبس عبرتي %~% لوجدت أنهار الدماء ~~كم من صديق قد قسا %~% قلبا وأولع بالشقاء ~~فإذا تعطف لامني %~% فأقول ما بي من بكاء ~~لك قد ذهبت لأرتدي %~% فأصاب عيني ردائي ~~بكت الوحوش لوحشتي %~% وكذاك سكان الهواء # ولم يزل حسن يبكي إلى أن لاح الفجر، وإذا بالشيخ أبي الرويش قد خرج إليه وهو لابس لباسا أبيض، وأومأ إليه بيده أن يدخل، فدخل حسن فأخذه الشيخ من يده ودخل ms1800 به المغارة، ففرح وأيقن أن حاجته قد قضيت. ولم يزل الشيخ سائرا وحسن معه مقدار نصف نهار، ثم وصلا إلى باب مقنطر عليه باب من البولاد، ففتح الباب ودخل هو وحسن في دهليز معقود بحجارة من المجزع المنقوش بالذهب، ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى قاعة كبيرة مرخمة واسعة، وفي وسطها بستان فيه من سائر الأشجار والأزهار والأثمار، والأطيار على الأشجار تناغي وتسبح الله الملك القهار، وفي القاعة أربعة لواوين يقابل بعضها بعضا، وفي كل ليوان مجلس فيه فسقية، وعلى كل ركن من أركان كل فسقية صورة سبع من الذهب، وفي كل مجلس كرسي وعليه شخص جالس وبين يديه كتب كثيرة جدا، وبين أيديهم مجامر من ذهب فيها نار وبخور، وكل شيخ منهم بين يديه طلبة يقرءون عليه الكتب. فلما دخلا عليهم قاموا إليهما وعظموهما، فأقبل عليهم وأشار لهم أن يصرفوا الحاضرين فصرفوهم، وقام الأربعة مشايخ وجلسوا بين يدي الشيخ أبي الرويش وسألوه عن حال حسن، فعند ذلك أشار الشيخ أبو الرويش إلى حسن وقال له: حدث الجماعة بحديثك وبجميع ما جرى لك من أول الأمر إلى آخره. فعند ذلك بكى حسن بكاء شديدا وحدثهم بحديثه، فلما فرغ حسن من حديثه صاحت المشايخ كلهم، وقالوا: هل هذا هو الذي أطلعه المجوسي إلى جبل السحاب بالنسور وهو في جلد الجمل؟ فقال لهم حسن: نعم. فأقبلوا على الشيخ أبي الرويش وقالوا له: يا شيخنا، إن بهرام تحيل في طلوعه على الجبل، وكيف نزل؟ وما الذي رآه فوق الجبل من العجائب؟ فقال الشيخ أبو الرويش: يا حسن، حدثهم كيف نزلت، وأخبرهم بالذي رأيته من العجائب. فأعاد عليهم ما جرى له من أوله إلى آخره، وكيف ظفر به وقتله، وكيف غدرت به زوجته وأخذت أولاده وطارت، وبجميع ما قاساه من الأهوال والشدائد؛ فتعجب الحاضرون مما جرى له، ثم أقبلوا على الشيخ أبي الرويش وقالوا له: يا شيخ الشيوخ، والله إن هذا الشاب مسكين، فعساك أن تساعده على خلاص زوجته وأولاده. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت ms1801 عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 803 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا لما حكى للمشايخ قصته قالوا للشيخ أبي الرويش: هذا الشاب مسكين، فعساك أن تساعده على خلاص زوجته وأولاده. فقال الشيخ أبو الرويش: يا إخواني، إن هذا أمر عظيم خطر، وما رأيت أحدا يكره الحياة غير هذا الشاب، وأنتم تعرفون أن جزائر واق صعبة الوصول، ما وصل إليها أحد إلا خاطر بنفسه، وتعرفون قوتهم وأعوانهم، وأنا حالف إني ما أدوس لهم أرضا ولا أتعرض لهم في شيء، وكيف يصل هذا إلى بنت الملك الأكبر؟ ومن يقدر أن يوصله إليها أو يساعده على هذا الأمر؟ فقالوا: يا شيخ الشيوخ، إن هذا الرجل أتلفه الغرام، وقد خاطر بنفسه وحضر إليك بكتاب أخيك الشيخ عبد القدوس، فحينئذ يجب عليك مساعدته. فقام حسن وقبل قدم أبي الرويش، ورفع ذيله ووضعه على رأسه وبكى، وقال له: سألتك بالله أن تجمع بيني وبين أولادي وزوجتي، ولو كان في ذلك ذهاب روحي ومهجتي. فبكى الحاضرون لبكائه، وقالوا للشيخ أبي الرويش: اغتنم أجر هذا المسكين وافعل معه جميلا لأجل أخيك الشيخ عبد القدوس. فقال: إن هذا الشاب مسكين ما يعرف الذي هو قادم عليه، ولكن نساعده على قدر الطاقة. ففرح حسن لما سمع كلامه، وقبل يديه وقبل أيادي الحاضرين واحدا بعد واحد، وسألهم المساعدة، فعند ذلك أخذ أبو الرويش ورقة ودواة وكتب كتابا وختمه وأعطاه لحسن، ودفع له خريطة من الأدم، فيها بخور وآلات نار من زناد وغيره، وقال له: احتفظ بهذه الخريطة، ومتى وقعت في شدة فبخر بقليل منه واذكرني، فإني أحضر عندك وأخلصك منها. # ثم أمر بعض الحاضرين أن يحضر له عفريتا من الجن الطيارة في ذلك الوقت فحضر، فقال له الشيخ: ما اسمك؟ قال: عبدك دهنش بن فقطش. فقال له أبو الرويش: ادن مني. فدنا منه، فوضع الشيخ أبو الرويش فاه على أذن العفريت وقال له كلاما، فحرك العفريت رأسه، ثم قال الشيخ لحسن: يا ولدي، قم اركب على كتف هذا العفريت ms1802 دهنش الطيار، فإذا رفعك إلى السماء وسمعت تسبيح الملائكة في الجو، فلا تسبح فتهلك أنت وهو. فقال حسن: لا أتكلم أبدا. ثم قال له الشيخ: يا حسن، إذا سار بك فإنه يضعك ثاني يوم في وقت السحر على أرض بيضاء نقية مثل الكافور، فإذا وضعك هناك فامش عشرة أيام وحدك حتى تصل إلى باب المدينة، فإذا وصلت إليها فادخل واسأل عن ملكها، فإذا اجتمعت به فسلم عليه وقبل يده وأعطه هذا الكتاب، ومهما أشار به إليك فافهمه. فقال حسن: سمعا وطاعة. وقام مع العفريت، وقام المشايخ ودعوا له ووصوا العفريت عليه. # فلما حمله العفريت على عاتقه ارتفع به إلى عنان السماء، ومشى به يوما وليلة حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء، فلما كان الصبح وضعه في أرض بيضاء مثل الكافور وتركه وانصرف، فلما أدرك حسن أنه على الأرض، ولم يكن عنده أحد، سار في الليل والنهار مدة عشرة أيام إلى أن وصل إلى باب المدينة، فدخلها وسأل عن الملك فدلوه عليه، وقالوا: إن اسمه الملك حسون ملك أرض الكافور، وعنده من العساكر والجنود ما يملأ الأرض في طولها والعرض. فاستأذن فأذن له، فلما دخل عليه وجده ملكا عظيما، فقبل الأرض بين يديه، فقال له الملك: ما حاجتك؟ فقبل حسن الكتاب وناوله إياه، فأخذه وقرأه ثم حرك رأسه ساعة، ثم قال لبعض خواصه: خذ هذا الشاب وأنزله في دار الضيافة. فأخذه وسار حتى أنزله هناك، فأقام بها مدة ثلاثة أيام في أكل وشرب، وليس عنده إلا الخادم الذي معه، فصار ذلك الخادم يحدثه ويؤانسه ويسأله عن خبره، وكيف وصل إلى هذه الديار، فأخبره بجميع ما حصل له وكل ما هو فيه. # وفي اليوم الرابع أخذه الغلام وأحضره بين يدي الملك، فقال له: يا حسن، أنت قد حضرت عندي تريد أن تدخل جزائر واق كما ذكر لنا شيخ الشيوخ، يا ولدي أنا أرسلك في هذه الأيام، إلا أن في طريقك مهالك كثيرة وبراري معطشة كثيرة المخاوف، ولكن اصبر ولا يكون إلا خيرا، ms1803 فلا بد أن أتحيل وأوصلك إلى ما تريد إن شاء الله تعالى. واعلم يا ولدي أن هنا عسكرا من الديلم يريدون الدخول في جزائر واق، مهيئين بالسلاح والخيل والعدد، وما قدروا على الدخول، ولكن يا ولدي لأجل شيخ الشيوخ أبي الرويش ابن بنت اللعين إبليس ما أقدر أن أردك إليه إلا مقضي الحاجة، وعن قريب تأتي إلينا مراكب من جزائر واق، وما بقي لها إلا القليل، فإذا حضرت واحدة منها أنزلتك فيها وأوصي البحرية عليك ليحفظوك ويرسلوك إلى جزائر واق، وكل من سألك عن حالك وخبرك فقل له: أنا صهر الملك حسون صاحب أرض الكافور. وإذا رست المركب على جزائر واق، وقال لك الريس: اطلع البر. فاطلع ترى دككا كثيرة في جميع جهات البر، فاختر لك دكة واقعد تحتها ولا تتحرك، فإذا جن الليل ورأيت عسكر النساء قد أحاط بالبضائع، فمد يدك وامسك صاحبة هذه الدكة التي أنت تحتها واستجر بها، واعلم يا ولدي أنها إذا جارتك قضيت حاجتك فتصل إلى زوجتك وأولادك، وإن لم تجرك فاحزن على نفسك وايئس من الحياة، وتيقن بهلاك نفسك. واعلم يا ولدي أنك مخاطر بنفسك، ولا أقدر لك على شيء غير هذا والسلام. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 804 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسنا لما قال له الملك حسون هذا الكلام وأوصاه بالذي ذكرناه، وقال له: أنا لا أقدر لك على شيء غير هذا. قال له بعد ذلك: واعلم أنه لولا حصلت لك عناية من رب السماء ما وصلت إلى هنا. فلما سمع حسن كلام الملك حسون بكى حتى غشي عليه، فلما أفاق أنشد هذين البيتين: # لا بد لي من مدة محتومة %~% فإذا انقضت أيامها مت ~~لو صارعتني الأسد في غاباتها %~% لقهرتها ما دام لي وقت # فلما فرغ حسن من شعره قبل الأرض بين يدي الملك وقال له: أيها الملك العظيم، وكم بقي من الأيام حتى تأتي المراكب؟ قال: مدة شهر، ويمكثون هنا لبيع ما فيها مدة ms1804 شهرين، ثم يرجعون إلى بلادهم، فلا تترج سفرك فيها إلا بعد ستة أشهر كاملة. ثم إن الملك أمر حسنا أن يذهب إلى دار الضيافة، وأمر أن يحمل إليه كل ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وملبوس من الذي يناسب الملوك، فأقام في دار الضيافة شهرا، وبعد الشهر حضرت المراكب، فخرج الملك والتجار وأخذ حسنا معه إلى المراكب، فرأى مركبا فيها خلق كثير مثل الحصى ما يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، وتلك المركب في وسط البحر، ولها زوارق صغار تنقل ما فيها من البضائع إلى البر، فأقام حسن عندهم حتى نزع أهلها البضائع منها إلى البر، وباعوا واشتروا، وما بقي للسفر إلا ثلاثة أيام، فأحضر الملك حسنا بين يديه وجهز له ما يحتاج إليه، وأنعم عليه إنعاما عظيما، ثم بعد ذلك استدعى ريس تلك المركب وقال له: خذ هذا الشاب معك في المركب، ولا تعلم به أحدا، وأوصله إلى جزائر واق، واتركه هناك ولا تأت به. فقال الريس: سمعا وطاعة. # ثم إن الملك أوصى حسنا وقال له: لا تعلم أحدا من الذين معك في المركب بشيء من حالك، ولا تطلع أحدا على قصتك فتهلك. قال: سمعا وطاعة. ثم ودعه بعد أن دعا له بطول البقاء والدوام، والنصر على جميع الحساد والأعداء، وشكره الملك على ذلك ودعا له بالسلامة وقضاء حاجته، ثم سلمه للريس، فأخذه وحطه في صندوق وأنزله في قارب، ولم يطلعه في المركب إلا والناس مشغولون في نقل البضائع، وبعد ذلك سافرت المراكب، ولم تزل مسافرة مدة عشرة أيام، فلما كان اليوم الحادي عشر وصلوا إلى البر، فطلعه الريس من المركب، فلما طلع من المركب إلى البر رأى فيه دككا لا يعلم عددها إلا الله، فمشى حتى وصل إلى دكة ليس لها نظير واختفى تحتها، فلما أقبل الليل جاء خلق كثير من النساء كالجراد المنتشر، وهن ماشيات على أقدامهن وسيوفهن مشهورة في أيديهن، ولكنهن غائصات في الزرد، فلما رأت النساء البضائع اشتغلن بها، ثم بعد ذلك جلسن لأجل الاستراحة، فجلست ms1805 واحدة منهن على الدكة التي تحتها حسن، فأخذ حسن طرف ذيلها وحطه فوق رأسه، ورمى نفسه عليها وصار يقبل يديها وقدميها وهو يبكي، فقالت له: يا هذا، قم واقفا قبل أن يراك أحد فيقتلك. فعند ذلك خرج حسن من تحت الدكة ونهض قائما على قدميه وقبل يديها وقال لها: يا سيدتي، أنا في جيرتك. ثم بكى وقال لها: ارحمي من فارق أهله وزوجته وأولاده، وبادر إلى الاجتماع بهم، وخاطر بروحه ومهجته، فارحميني وأيقني أنك تؤجرين على ذلك بالجنة، وإن لم تقبليني فأسألك بالله العظيم الستار أن تستري علي. فصارت التاجرة شاخصة له وهو يكلمها، فلما سمعت كلامه ونظرت تضرعه رحمته ورق قلبها إليه، وعلمت أنه ما خاطر بنفسه وجاء إلى هذا المكان إلا لأمر عظيم، فعند ذلك قالت لحسن: يا ولدي، طب نفسا، وقر عينا، وطيب قلبك وخاطرك، وارجع إلى مكانك واختف تحت الدكة كما كنت أولا إلى الليلة التالية؛ يفعل الله ما يريده. ثم ودعته ودخل حسن تحت الدكة كما كان. # ثم إن العساكر بتن يوقدن الشموع الممزوجة بالعود الند والعنبر الخام إلى الصباح، فلما طلع النهار رجعت المراكب إلى البر، واشتغل التجار بنقل البضائع والأمتعة إلى أن أقبل الليل وحسن مختف تحت الدكة باكي العين حزين القلب، ولم يعلم بالذي قدر له في الغيب، فبينما هو كذلك إذا أقبلت عليه المرأة التاجرة التي كان استجار بها وناولته زردية وسيفا وحياصة مذهبة ورمحا، ثم انصرفت عنه خوفا من العسكر، فلما رأى ذلك علم أن التاجرة ما أحضرت له هذه العدة إلا ليلبسها، فقام حسن ولبس الزردية، وشد الحياصة على وسطه، وتقلد بالسيف تحت إبطه، وأخذ الرمح بيده وجلس على تلك الدكة ولسانه لم يغفل عن ذكر الله تعالى، بل يطلب منه الستر. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 805 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسنا لما أخذ السلاح الذي أعطته إياه الصبية التاجرة التي استجار بها وقالت له: اجلس تحت الدكة ولا تخل أحدا ms1806 يفهم حالك. تقلد به، ثم جلس فوق الدكة ولسانه لم يغفل عن ذكر الله، وصار يطلب من الله الستر، فبينما هو جالس إذا أقبلت المشاعل والفوانيس والشموع، وأقبلت عساكر النساء، فقام حسن واختلط بالعسكر وصار كواحدة منهن، فلما قرب طلوع الفجر توجهت العساكر وحسن معهن حتى وصلن إلى خيامهن، ودخلت كل واحدة خيمتها، فدخل حسن خيمة واحدة منهن، وإذا هي خيمة صاحبته التي كان استجار بها، فلما دخلت خيمتها ألقت سلاحها وقلعت الزردية والنقاب، وألقى حسن سلاحه فنظر إلى صاحبته فوجدها زرقاء العينين كبيرة الأنف، وهي داهية من الدواهي، أقبح ما يكون في الخلق، بوجه أجدر، وحاجب أمعط، وأسنان مكسرة، وخدود معجرة، وشعر شائب، وفم بالريالة سائل، وهي كما قال في مثلها الشاعر: # لها في زوايا الوجه تسع مصائب %~% فواحدة منهن تبدي جهنما ~~بوجه بشيع ثم ذات قبيحة %~% كصورة خنزير تراه مرمرما # وهي بذات معطاء كحية رقطاء، فلما نظرت العجوز إلى حسن تعجبت وقالت: كيف وصل هذا إلى هذه الديار؟ وفي أي المراكب حضر؟ وكيف سلم؟ وصارت تسأله عن حاله وتتعجب من وصوله، فعند ذلك وقع حسن على قدميها، ومرغ وجهه على رجليها، وبكى حتى غشي عليه، فلما أفاق أنشد هذه الأبيات: # متى الأيام تسمح بالتلاقي %~% وتجمع شملنا بعد الفراق ~~وأحظى بالذي أرضاه منهم %~% عتابا ينقضي والود باق ~~لو ان النيل يجري مثل دمعي %~% لما خلى على الدنيا شراقي ~~وفاض على الحجاز وأرض مصر %~% كذاك الشام مع أرض العراق ~~وذاك لأجل صدك يا حبيبي %~% ترفق بي وواعد بالتلاقي # فلما فرغ من شعره أخذ ذيل العجوز ووضعه فوق رأسه وصار يبكي ويستجير بها، فلما رأت العجوز احتراقه ولوعته وتوجعه وكربته، حن قلبها إليه وأجارته وقالت له: لا تخف أبدا. ثم سألته عن حاله، فحكى لها جميع ما جرى له من المبتدأ إلى المنتهى، فتعجبت العجوز من حكايته وقالت له: طيب قلبك وطيب خاطرك، ما بقي عليك خوف، وقد وصلت إلى مطلوبك وقضاء حاجتك إن شاء الله تعالى. ففرح حسن بذلك فرحا ms1807 شديدا، ثم إن العجوز أرسلت إلى قواد العسكر أن يحضرن، وكان ذلك آخر يوم من الشهر، فلما حضرن بين يديها قالت لهن: اخرجن ونادين في جميع العسكر أن يخرجن في غد بكرة النهار ولا تتخلف واحدة منهن، فإن تخلفت واحدة راحت روحها، فقلن لها: سمعا وطاعة. ثم خرجن ونادين في جميع العسكر بالرحيل في غد بكرة النهار، ثم عدن وأخبرنها بذلك، فعلم حسن أنها هي رئيسة العسكر وصاحبة الرأي فيه، وهي المقدمة عليه. # ثم إن حسنا لم يقلع السلاح من فوق بدنه في ذلك النهار، وكان اسم تلك العجوز التي هو عندها شواهي وتكنى بأم الدواهي، فما فرغت العجوز من أمرها ونهيها إلا وقد طلع الفجر، فخرج العسكر جميعه من أماكنه ولم تخرج العجوز معهن، فلما سار العسكر وخلت منه الأماكن، قالت شواهي لحسن: ادن مني يا ولدي. فدنا منها ووقف بين يديها، فأقبلت عليه وقالت له: ما السبب في مخاطرتك بنفسك ودخولك إلى هذه البلاد؟ وكيف رضيت نفسك بالهلاك؟ فأخبرني بالصحيح عن جميع شأنك ولا تخف عني منه شيئا، ولا تخف فإنك قد صرت في عهدي، وقد أجرتك ورحمتك ورثيت لحالك، فإن أخبرتني بالصدق أعنتك على قضاء حاجتك، ولو كان فيها رواح الأرواح وهلاك الأشياخ، وحيث وصلت إلي ما بقي عليك بأس، ولا أخلي أحدا يصل إليك بسوء أبدا من كل ما في جزائر واق. # فحكى لها قصته من أولها إلى آخرها، وعرفها بشأن زوجته وبالطيور، وكيف اصطادها من بين العشرة، وكيف تزوج بها، ثم أقام معها حتى رزق منها بولدين، وكيف أخذت أولادها وطارت حين عرفت طريق الثوب الريش، ولم يخف من حديثه شيئا من أوله إلى يومه الذي هو فيه. فلما سمعت العجوز كلامه حركت رأسها وقالت له: سبحان الله الذي سلمك وأوصلك إلى هنا وأوقعك عندي، ولو كنت وقعت عند غيري كانت روحك راحت، ولم تقض لك حاجة، ولكن صدق نيتك ومحبتك وفرط شوقك إلى زوجتك وأولادك هو الذي أوصلك إلى حصول بغيتك، ولولا أنك لها ms1808 محب وبها ولهان، ما كنت خاطرت بنفسك هذه المخاطرة، والحمد لله على السلامة. وحينئذ يجب علينا أن نقضي لك حاجتك ونساعدك على مطلوبك، حتى تنال بغيتك عن قريب إن شاء الله تعالى، ولكن اعلم يا ولدي أن زوجتك في الجزيرة السابعة من جزائر واق، ومسافة ما بيننا وبينها سبعة أشهر ليلا ونهارا، فإننا نسير من هنا حتى نصل إلى أرض يقال لها أرض الطيور، فمن شدة صياح الطيور وخفقان أجنحتها لا يسمع بعضنا كلام بعض. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 806 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز قالت لحسن: إن زوجتك في الجزيرة السابعة، وهي الجزيرة الكبيرة من جزائر واق، ومسافة ما بيننا وبينها سبعة أشهر، فإننا نسير من هنا إلى أرض الطيور، ومن شدة طيرانها وخفقان أجنحتها لا يسمع بعضنا كلام بعض، ثم نسير في تلك الأرض مدة أحد عشر يوما ليلا ونهارا، ثم بعد ذلك نخرج منها إلى أرض يقال لها أرض الوحوش، فمن شدة صياح السباع والضباع والوحوش وعي الذئاب وزئير الأسود، لا نسمع شيئا، فنسير في تلك الأرض مدة عشرين يوما، ثم نخرج منها إلى أرض يقال لها أرض الجن، فمن شدة صياح وصعود النيران، وتطاير الشرار والدخان من أفواههم، وتصاعد زفراتهم وتمردهم؛ يسدون الطريق قدامنا، وتصم آذاننا وتغشى أبصارنا، حتى لا نسمع ولا نرى، ولا يمكن أن يلتفت منا أحد إلى خلفه فيهلك، ويضع الفارس في ذلك المكان رأسه على قربوص سرجه ولا يرفعها مدة ثلاثة أيام، وبعد ذلك يقابلنا جبل عظيم ونهر جار متصلان بجزائر واق، واعلم يا ولدي أن جميع هذا العسكر بنات أبكار، والحاكم علينا من الملوك امرأة من جزائر واق السبع، ومسيرة تلك السبع جزائر سنة كاملة للراكب المجد في السير، وعلى شاطئ هذا النهر جبل يسمى جبل واق، وهذا الاسم علم على شجرة أغصانها تشبه رءوس بني آدم، فإذا طلعت عليها الشمس تصيح تلك الرءوس جميعا وتقول في صياحها: واق واق سبحان الملك الخلاق. ms1809 فإذا سمعنا صياحها نعلم أن الشمس قد طلعت، وكذلك إذا غربت الشمس تصيح تلك الرءوس وتقول في صياحها أيضا: واق واق سبحان الملك الخلاق. فنعلم أن الشمس قد غربت، ولا يقدر أحد من الرجال أن يقيم عندنا ولا يصل إلينا ولا يطأ أرضنا، وبيننا وبين الملكة التي تحكم على هذه الأرض مسافة شهر من هذا البر، وجميع الرعية التي في ذلك البر تحت يد تلك الملكة، وتحت يدها أيضا قبائل الجان المردة والشياطين، وتحت يدها من السحرة ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، فإن كنت تخاف أرسلت معك من يوصلك إلى الساحل، وأجيء بالذي يحملك معه في مركب ويوصلك إلى بلادك، وإن كان يطيب على قلبك الإقامة معنا فلا أمنعك، وأنت عندي في عيني حتى تقضي حاجتك إن شاء الله تعالى. فقال لها: يا سيدتي، ما بقيت أفارقك حتى أجتمع بزوجتي أو تذهب روحي. فقالت له: هذا أمر يسير، فطيب قلبك وسوف تصل إلى مطلوبك إن شاء الله تعالى، ولا بد أن أطلع الملكة عليك حتى تكون مساعدة لك على بلوغ قصدك. فدعا لها حسن وقبل يديها ورأسها، وشكرها على فعلها وفرط مروءتها، وسار معها وهو متفكر في عاقبة أمره وأهوال غربته، فصار يبكي وينتحب وجعل ينشد هذه الأبيات: # من مكان الحبيب هب نسيم %~% فتراني من فرط وجدي أهيم ~~إن ليل الوصال صبح مضيء %~% ونهار الفراق ليل بهيم ~~ووداع الحبيب صعب شديد %~% وفراق الأنيس خطب جسيم ~~لست أشكو جفاه إلا إليه %~% لم يكن في الورى صديق حميم ~~وسلوي عنكم محال فإني %~% ليس يسلي قلبي عذول ذميم ~~يا وحيد الجمال عشقي وحيد %~% يا عديم المثال قلبي عديم ~~كل من يدعي المحبة فيكم %~% ويهاب الملام فهو ملوم # ثم إن العجوز أمرت بدق طبل الرحيل، وسار العسكر وسار حسن صحبة العجوز وهو من الغرق في بحر الأفكار يتضجر وينشد الأشعار، والعجوز تصبره وتسليه، وهو لا يفيق ولا يعي ما إليه تلقيه، ولم يزالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى أول جزيرة من الجزائر ms1810 السبع وهي جزيرة الطيور، فلما دخلوها ظن حسن أن الدنيا قد انقلبت من شدة الصياح، وأوجعته رأسه، وطاش عقله، وعمي بصره، وانسدت أذناه، وخاف خوفا شديدا وأيقن بالموت، وقال في نفسه: إذا كانت هذه أرض الطيور، فكيف تكون أرض الوحوش؟ فلما رأته العجوز المسماة بشواهي على هذه الحالة، ضحكت عليه وقالت له: يا ولدي، إذا كان هذا حالك من أول جزيرة، فكيف بك إذا وصلت إلى بقية الجزائر؟ فسأل الله وتضرع إليه، وطلب منه أن يعينه على ما بلاه به، وأن يبلغه مناه. # ولم يزالوا سائرين حتى قطعوا أرض الطيور، وخرجوا منها ودخلوا في أرض الجان، فلما رآها حسن خاف وندم على دخوله فيها معهم، ثم استعان بالله تعالى وسار معهم، فعند ذلك خلصوا من أرض الجان ووصلوا إلى النهر، فنزلوا تحت جبل عظيم شاهق ونصبوا خيامهم على شاطئ النهر، ووضعت العجوز لحسن دكة من المرمر، مرصعة بالدرر والجوهر، وسبائك الذهب الأحمر، على جنب النهر فجلس عليها، وتقدمت العساكر فعرضتهم عليه، ثم بعد ذلك نصبوا خيامهم حوله واستراحوا ساعة، ثم أكلوا وشربوا وناموا مطمئنين؛ لأنهم وصلوا إلى بلادهم، وكان حسن واضعا على وجهه لثاما بحيث لا يظهر منه غير عينيه، وإذا بجماعة من البنات مشين إلى قرب خيمة حسن، ثم قلعن ثيابهن ونزلن في النهر، فصار حسن ينظر إليهن وهن يغتسلن، فصرن يلعبن وينشرحن ولا يعلمن أنه ناظر إليهن؛ لأنهن ظنن أنه من بنات الملوك؛ فاشتد على حسن وتره حيث كان ينظر إليهن وهن مجردات من ثيابهن، وقد رأى ما بين أفخاذهن أنواعا مختلفة، ما بين ناعم مقبقب وسمين مربرب، وغليظ المشافر وكامل وبسيط ووافر، ووجوههن كالأقمار، وشعورهن كليل على نهار؛ لأنهن من بنات الملوك. ثم إن العجوز نصبت له سريرا وأجلسته فوقه، فلما خلصن طلعن من النهر وهن متجردات كالقمر ليلة البدر، وقد اجتمع جميع العسكر قدام حسن؛ لأن العجوز أمرت أن ينادى في جميع العسكر أن يجتمعن قدام خيمته ويتجردن من ثيابهن، وينزلن في النهر ويغتسلن فيه، لعل ms1811 زوجته أن تكون فيهن فيعرفها، وصارت العجوز تسأله عنهن طائفة بعد طائفة فيقول: ما هي في هؤلاء يا سيدتي. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 807 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز كانت تسأل حسنا عن البنات طائفة بعد طائفة، لعله يعرف زوجته من بينهن، وكلما سألته عن طائفة يقول: ما هي في هؤلاء يا سيدتي. ثم بعد ذلك تقدمت جارية في آخر الناس، وفي خدمتها ثلاثون خادمة كلهن نواهد أبكار، فنزعن ثيابهن ونزلن معها في النهر، فصارت تتدلل عليهن وترميهن في البحر وتغطسهن، ولم تزل معهن على هذا الحال ساعة زمانية، ثم طلعن من النهر وقعدن، فقدمن إليها مناشف من حرير مزركشة بالذهب، فأخذتها وتنشفت بها، ثم قدمن إليها ثيابا وحللا وحليا من عمل الجن، فأخذتها ولبستها وقامت تخطر بين العسكر هي وجواريها، فلما رآها حسن طار قلبه وقال: هذه أشبه الناس بالطيرة التي رأيتها في البحيرة في قصر أخواتي البنات، وكانت تتدلل على أتباعها مثلها. فقالت العجوز: يا حسن، هل هذه زوجتك؟ فقال: لا وحياتك يا سيدتي ما هذه زوجتي، ولا عمري رأيتها، وما في جميع البنات التي رأيتهن في هذه الجزيرة مثل زوجتي، ولا مثل قدها واعتدالها وحسنها وجمالها. فقالت: صفها لي وعرفني بجميع أوصافها حتى تكون في ذهني، فإني أعرف كل بنت في جزائر واق؛ لأني نقيبة عسكر البنات والحاكمة عليهن، وإن وصفتها لي عرفتها وتحيلت لك في أخذها. فقال لها حسن: إن زوجتي صاحبة وجه مليح وقد رجيح، أسيلة الخد قائمة النهد، دعجاء العينين ضخمة الساقين، بيضاء الأسنان حلوة اللسان، ظريفة الشمائل كأنها غصن مائل، بديعة الصفة حمراء الشفة، بعيون كحال وشفايف رقاق، على خدها الأيمن شامة، وعلى بطنها من تحت سرتها علامة، وجهها منير كقمر مستدير، وخصرها نحيل وردفها ثقيل، وريقها يشفي العليل كأنه الكوثر أو السلسبيل. فقالت العجوز: زدني في أوصافها بيانا زادك الله فيها افتتانا. فقال لها حسن: إن زوجتي ذات وجه جميل، وخد أسيل، وعنق طويل، ms1812 وطرف كحيل، وخدود كالشقيق، وفم كخاتم عقيق، وثغر لامع البريق، يغني عن الكأس والإبريق، قد ركبت في هيكل اللطافة، وبين فخذيها تخت الخلافة، ما مثل حرمه بين المشاعر، كما قال في حقه الشاعر: # اسم الذي حيرني %~% حروفه مشتهرة ~~أربعة في خمسة %~% وستة في عشرة # ثم بكى حسن وغنى بهذا الموال: # وجدي بكم وجد هندي ضيع القصعة %~% أو وجد ساع وفي رجله اليمنى قصعة ~~أو وجد مضنى عليل بجروح متسعة %~% أو وجد من حرر السبعة على العشرين # فأطرقت العجوز برأسها إلى الأرض ساعة من الزمان، ثم رفعت رأسها إلى حسن وقالت: سبحان الله العظيم الشأن، إني بليت بك يا حسن، فيا ليتني ما كنت عرفتك؛ لأن المرأة التي وصفتها لي هي زوجتك بعينها، فإني قد عرفتها بصفاتها، وهي بنت الملك الأكبر الكبيرة التي تحكم على جزائر واق بأسرها، فافتح عينك وتدبر أمرك، وإن كنت نائما فانتبه، فإنه لا يمكنك الوصول إليها أبدا، وإن وصلت إليها لا تقدر على تحصيلها؛ لأن بينك وبينها مثل ما بين السماء والأرض، فارجع يا ولدي من قريب ولا ترم نفسك في الهلاك وترميني معك، فإني أظن أنه ليس لك فيها نصيب، وارجع من حيث أتيت لئلا تروح أرواحنا. وخافت على نفسها وعليه. فلما سمع حسن كلام العجوز بكى بكاء شديدا حتى غشي عليه، فما زالت العجوز ترش على وجهه الماء حتى أفاق من غشيته، وصار يبكي حتى بل ثيابه بالدموع من عظم ما لحقه من الهم والغم من كلام العجوز، وقد يئس من الحياة، ثم قال للعجوز: يا سيدتي، وكيف أرجع بعد أن وصلت إلى هنا؟ وما كنت أظن في نفسي أنك تعجزين عن تحصيل غرضي، خصوصا وأنت نقيبة عسكر البنات والحاكمة عليهن؟ فقالت: بالله عليك يا ولدي أن تختار لك بنتا من هؤلاء البنات، وأنا أعطيك إياها عوضا عن زوجتك لئلا تقع في يد الملوك، فلا يبقى لي في خلاصك حيلة، فبالله عليك أن تسمع مني وتختار لك واحدة من هؤلاء البنات غير تلك البنت، ms1813 وترجع إلى بلادك من قريب سالما، ولا تجرعني غصتك، والله لقد رميت نفسك في بلاء عظيم وخطر جسيم لا يقدر أحد أن يخلصك منه. فعند ذلك أطرق حسن رأسه وبكى بكاء شديدا، وأنشد هذه الأبيات: # فقلت لعذلي لا تعذلوني %~% لغير الدمع ما خلقت جفوني ~~مدامع مقلتي طفحت ففاضت %~% على خدي وأحبابي جفوني ~~دعوني في الهوى قد رق جسمي %~% لأني في الهوى أهوى جنوني ~~ويا أحباب قد زاد اشتياقي %~% إليكم ما لكم لا ترحموني ~~جفوتم بعد ميثاق وعهد %~% وخنتم صحبتي وتركتموني ~~ويوم البين لما قد رحلتم %~% سقيت من الصدود شراب هون ~~فيا قلبي عليهم ذب غراما %~% وجودي بالمدامع يا عيوني # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 808 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما قالت لحسن: بالله عليك يا ولدي أن تسمع مني كلامي، وتختار لك واحدة من هؤلاء البنات غير زوجتك وترجع إلى بلادك من قريب سالما. فأطرق رأسه وبكى بكاء شديدا، وأنشد الأبيات المذكورة، فلما فرغ من شعره بكى حتى غشي عليه، فما زالت العجوز ترش الماء على وجهه حتى أفاق من غشيته، ثم أقبلت عليه وقالت: يا سيدي، ارجع إلى بلادك، فإني متى سافرت بك إلى المدينة راحت روحك وروحي؛ لأن الملكة إذا علمت بذلك تلومني على دخولي بك إلى بلادها وجزائرها التي لم يصلها أحد من أولاد بني آدم، وتقتلني حيث حملتك معي، وأطلعتك على هؤلاء الأبكار اللاتي رأيتهن في البحر، مع أنه لم يمسهن فحل ولم يقربهن بعل. فحلف حسن أنه ما نظر إليهن نظر سوء قط، فقالت له: يا ولدي، ارجع إلى بلادك وأنا أعطيك من المال والذخائر والتحف ما تستغني به عن جميع النساء، فاسمع كلامي وارجع من قريب ولا تخاطر بنفسك فقد نصحتك. فلما سمع حسن كلامها بكى ومرغ خديه على قدميها وقال: يا سيدتي ومولاتي وقرة عيني، كيف أرجع بعدما وصلت إلى هذا المكان ولم أنظر من أريد؟ وقد قربت من دار الحبيب، وترجيت اللقاء عن قريب، ms1814 ولعله أن يكون لي في الاجتماع نصيب. ثم أنشد هذه الأبيات: # يا ملوك الجمال رفقا بأسرى %~% لجفون تملكت ملك كسرى ~~قد غلبتم روائح المسك طيبا %~% وبهرتم محاسن الورد زهرا ~~ونسيم النعيم حيث حللتم %~% فالصبا من هناك تعبق نشرا ~~عاذلي كف عن ملامي ونصحي %~% إنما جئت بالنصيحة نكرا ~~ما على صبوتي من العذل واللو %~% م إذا لم تحط بذلك خبرا ~~أسرتني العيون وهي مراض %~% ورمتني في الحب عنفا وقهرا ~~أنثر الدمع حين أنظم شعري %~% هاك مني الحديث نظما ونثرا ~~حمرة الخد قد أذابت فؤادي %~% فتلظت مني الجوارح جمرا ~~خبراني متى تركت حديثي %~% فبأي الحديث أشرح صدرا ~~طول عمري في هوى الغيد ولكن %~% يحدث الله بعد ذلك أمرا # فلما فرغ حسن من شعره، رقت له العجوز ورحمته، وأقبلت عليه وطيبت خاطره، وقالت له: طب نفسا وقر عينا، وأخل فكرك من الهم، والله لأخاطرن معك بروحي حتى تبلغ مقصودك أو تدركني منيتي. فطاب قلب حسن وانشرح صدره، وجلس يتحدث مع العجوز إلى آخر النهار، فلما أقبل الليل تفرقت البنات كلهن؛ فمنهن من دخلت قصرها في البلد، ومنهن من باتت في الخيام. ثم إن العجوز أخذت حسنا معها ودخلت به البلد، فأخلت له مكانا وحده لئلا يطلع عليه أحد فيعلم الملكة به فتقتله وتقتل من أتى به، ثم صارت تخدمه بنفسها وتخوفه من سطوة الملك الأكبر أبي زوجته، وهو يبكي بين يديها ويقول: يا سيدتي، قد اخترت الموت لنفسي وكرهت الدنيا، إن لم أجتمع بزوجتي وأولادي، فأنا أخاطر بروحي، إما أن أبلغ مرادي وإما أن أموت. # فصارت العجوز تتفكر في كيفية وصاله واجتماعه بزوجته، وكيف تكون الحيلة في أمر هذا المسكين الذي رمى روحه في الهلاك، ولم ينزجر عن قصده بخوف ولا غيره، وقد سلا نفسه، وصاحب المثل يقول: العاشق لا يسمع كلام خلي. وكانت تلك البنت ملكة الجزيرة التي هم نازلون فيها، وكان اسمها نور الهدى، وكان لهذه الملكة سبع أخوات بنات أبكار مقيمات عند أبيهن الملك الأكبر، الذي هو حاكم على السبع ms1815 جزائر وأقطار واق، وكان تخت ذلك الملك في المدينة التي هي أكبر مدن ذلك البر، وكانت بنته الكبيرة وهي نور الهدى هي الحاكمة على تلك المدينة التي فيها حسن وعلى سائر أقطارها. ثم إن العجوز لما رأت حسنا محترقا على الاجتماع بزوجته وأولاده، قامت وتوجهت إلى قصر الملكة نور الهدى، فدخلت عليها وقبلت الأرض بين يديها، وكان للعجوز فضل عليها؛ لأنها ربت بنات الملك جميعهن، ولها على الجميع سلطنة، وهي مكرمة عندهن عزيزة عند الملك. # فلما دخلت العجوز على الملكة نور الهدى، قامت لها وعانقتها وأجلستها جنبها، وسألتها عن سفرتها، فقالت لها: والله يا سيدتي إنها كانت سفرة مباركة، وقد استصحبت لك معي هدية سأحضرها بين يديك. ثم قالت لها: يا بنتي، يا ملكة العصر والزمان، إني قد أتيت معي بشيء عجيب وأريد أن أطلعك عليه لأجل أن تساعديني على قضاء حاجته. فقالت لها: وما هو؟ فأخبرتها بحكاية حسن من أولها إلى آخرها وهي ترتعد كالقصبة في مهب الريح العاصف، حتى وقعت بين يدي بنت الملك، وقالت لها: يا سيدتي، قد استجار بي شخص على الساحل كان مختفيا تحت الدكة فأجرته، وأتيت به معي بين عسكر البنات وهو حامل السلاح بحيث لا يعرفه أحد، وأدخلته البلد. ثم قالت لها: وقد خوفته من سطوتك وعرفته ببأسك وقوتك، وكلما أخوفه يبكي وينشد الأشعار ويقول لي: لا بد من رؤية زوجتي وأولادي، أو أموت ولا أرجع إلى بلادي من غيرهم. وقد خاطر بنفسه وجاء إلى جزائر واق، ولم أر عمري آدميا أقوى قلبا منه، ولا أشد بأسا، إلا أن الهوى قد تمكن منه غاية التمكن. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 809 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما حكت للملكة نور الهدى حكاية حسن، قالت لها: وما رأيت أقوى قلبا منه، إلا أن الهوى قد تمكن منه غاية التمكن. فلما سمعت الملكة كلامها وفهمت قصة حسن، غضبت غضبا شديدا وأطرقت رأسها إلى الأرض ساعة، ثم رفعت رأسها ms1816 ونظرت إلى العجوز وقالت لها: يا عجوز النحس، هل بلغ من خبثك أنك تحملين الذكور وتأتين بهم معك إلى جزائر واق، وتدخلين بهم علي ولم تخافي من سطوتي؟ وحق رأس الملك لولا ما لك علي من التربية لقتلتك أنت وإياه في هذه الساعة أقبح قتلة، حتى يعتبر المسافرون بك يا ملعونة؛ لئلا يفعل أحد مثل ما فعلت من هذه الفعلة العظيمة التي لم يقدر أحد عليها، ولكن اخرجي وأحضريه في هذه الساعة حتى أنظره. فخرجت العجوز من بين يديها وهي مدهوشة لا تدري أين تذهب وتقول: كل هذه المصيبة ساقها الله لي من هذه الملكة على يد حسن. ومضت إلى أن دخلت على حسن فقالت له: قم كلم الملكة يا من آخر عمره قد دنا. فقام معها ولسانه لا يفتر عن ذكر الله تعالى ويقول: اللهم الطف بي في قضائك، وخلصني من بلائك. فسارت به حتى أوقفته بين يدي الملكة نور الهدى، وأوصته العجوز في الطريق بما يتكلم به معها، فلما تمثل بين يدي نور الهدى رآها ضاربة لثاما، فقبل الأرض بين يديها وسلم عليها، وأنشد هذين البيتين: # أدام الله عزك في سرور %~% وخولك الإله بما حباك ~~وزادك ربنا عزا ومجدا %~% وأيدك القدير على عداك # فلما فرغ من شعره أشارت الملكة إلى العجوز أن تخاطبه قدامها لتسمع مجاوبته، فقالت العجوز: إن الملكة ترد عليك السلام وتقول لك: ما اسمك؟ ومن أي البلاد أنت؟ وما اسم زوجتك وأولادك الذين جئت من أجلهم؟ وما اسم بلادك؟ فقال لها وقد ثبت جنانه وساعدته المقادير: يا ملكة العصر والأوان، ووحيدة الدهر والزمان، أما أنا فاسمي حسن الكثير الحزن، وبلدي البصرة، وأما زوجتي فلا أعرف لها اسما، وأما اسم أولادي فواحد اسمه ناصر، والآخر منصور. فلما سمعت الملكة كلامه وحديثه قالت: فمن أين أخذت أولادها؟ فقال لها: يا ملكة، من مدينة بغداد من قصر الخلافة. فقالت له: وهل قالت لكم شيئا عندما طارت؟ قال: إنها قالت لوالدتي: إذا جاء ولدك وطالت عليه أيام الفراق، واشتهى ms1817 القرب والتلاق، وهزته رياح الاشتياق، فليجئني إلى جزائر واق. فحركت الملكة نور الهدى رأسها، ثم قالت له: إنها لو كانت ما تريدك ما قالت لأمك هذا الكلام، ولولا أنها تريدك وتشتهي قربك ما كانت أعلمتك بمكانها ولا طلبتك إلى بلادها. فقال حسن: يا سيدة الملوك، والحاكمة على كل ملك وصعلوك، الذي جرى أخبرتك به وما أخفيت منه شيئا، وأنا أستجير بالله وبك ألا تظلميني، فارحميني واربحي أجري وثوابي، وساعديني على الاجتماع بزوجتي وأولادي، وردي لهفتي وقري عيني بأولادي، وأسعفيني برؤيتهم. ثم بكى وحن واشتكى، وأنشد هذين البيتين: # ![figure](../Images/figure8.png) # أمرت الملكة ألا تبقى بنت في المدينة حتى تطلع القصر وتمر أمامه. # لأشكرنك ما ناحت مطوقة %~% جهدي وإن كنت لا أقضي الذي وجب ~~فما تقلبت في نعماء سابقة %~% إلا وجدتك فيها الأصل والسبب # فأطرقت الملكة نور الهدى رأسها إلى الأرض وحركته زمانا طويلا، ثم رفعته وقالت له: قد رحمتك ورثيت لك، وقد عزمت على أن أعرض عليك كل بنت في المدينة وفي بلاد جزيرتي، فإن عرفت زوجتك سلمتها إليك، وإن لم تعرفها قتلتك وصلبتك على باب دار العجوز. فقال لها حسن: قبلت ذلك منك يا ملكة الزمان. ثم أنشد هذه الأبيات: # أقمتم غرامي في الهوى وقعدتم %~% وأسهرتم جفني القريح ونمتم ~~وعاهدتموني أنكم لن تماطلوا %~% فلما أخذتم بالقياد غدرتم ~~عشقتكم طفلا ولم أدر ما الهوى %~% فلا تقتلوني إنني متظلم ~~أما تتقون الله في قتل عاشق %~% يبيت يراعي النجم والناس نوم ~~فبالله يا قومي إذا مت فاكتبوا %~% على لوح قبري: إن هذا متيم ~~لعل فتى مثلي أضر به الهوى %~% إذا ما رأى قبري علي يسلم # فلما فرغ من شعره قال: رضيت بالشرط الذي شرطته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. فعند ذلك أمرت الملكة نور الهدى ألا تبقى بنت في المدينة حتى تطلع القصر وتمر أمامه، ثم إن الملكة أمرت العجوز شواهي أن تنزل بنفسها إلى المدينة، وتحضر كل بنت كانت في المدينة إلى الملكة في قصرها، وصارت الملكة تدخل البنات على حسن مائة ms1818 بعد مائة، حتى لم يبق في المدينة بنت إلا وقد عرضتها على حسن، فلم ير زوجته فيهن، فسألته الملكة وقالت له: هل رأيتها في هؤلاء؟ فقال لها: وحياتك يا ملكة ما هي فيهن. فاشتد غضب الملكة عليه وقالت للعجوز: ادخلي وأخرجي كل من كن في القصر واعرضيهن عليه. فلما عرضت عليه كل من في القصر، لم ير زوجته فيهن وقال للملكة: وحياة رأسك يا ملكة ما هي فيهن. فغضبت وصرخت على من حولها وقالت: خذنه واسحبنه على وجهه فوق الأرض، واضربن عنقه؛ لئلا يخاطر بنفسه أحد بعده ويطلع على حالنا، ويجوز علينا في بلادنا، ويطأ أرضنا وجزائرنا. فسحبنه على وجهه وطرحن ذيله فوقه وغمضن عينيه، ووقفن بالسيوف على رأسه ينتظرن الإذن، فعند ذلك تقدمت شواهي إلى الملكة وقبلت الأرض بين يديها، ومسكت ذيلها ورفعته فوق رأسها وقالت لها: يا ملكة، بحق التربية لا تعجلي عليه، خصوصا وأنت تعرفين أن هذا المسكين غريب قد خاطر بنفسه، وقاسى أمورا ما قاساها أحد قبله، ونجاه الله تعالى عز وجل من الموت لطول عمره، وقد سمع بعدلك فدخل بلادك وحماك، فإن قتلته تنتشر الأخبار عنك مع المسافرين بأنك تبغضين الأغراب وتقتلينهم، وهو على كل حال تحت قهرك، ومقتول سيفك إن لم تظهر زوجته في بلدك، وأي وقت تشتهين حضوره فأنا قادرة على رده إليك، وأيضا فأنا ما أجرته إلا طمعا في كرمك بسبب ما لي عليك من التربية، حتى ضمنت له أنك توصلينه إلى بغيته؛ لعلمي بعدلك وشفقتك، ولولا أني أعلم منك هذا ما كنت أدخلته بلدك، وقلت في نفسي: إن الملكة تتفرج عليه وعلى ما يقوله من الأشعار والكلام المليح الفصيح الذي يشبه الدر المنظوم، وهذا قد دخل بلادنا وأكل زادنا، فوجب حقه علينا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 810 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة نور الهدى لما أمرت غلمانها بأخذ حسن وضرب عنقه، صارت العجوز تأخذ بخاطرها وتقول لها: إنه دخل بلادنا وأكل زادنا، فوجب ms1819 حقه علينا، خصوصا وقد وعدته بالاجتماع بك، وأنت تعرفين أن الفراق صعب، وتعرفين أن الفراق قتال، خصوصا فراق الأولاد، وما بقي علينا من النساء واحدة إلا أنت، فأريه وجهك. فتبسمت الملكة وقالت: من أين له أن يكون زوجي وخلف مني أولادا حتى أريه وجهي. ثم أمرت بحضوره، فأدخلوه عليها وأوقفوه بين يديها، فكشفت وجهها، فلما رآه حسن صرخ صرخة عظيمة وخر مغشيا عليه، فلم تزل العجوز تلاطفه حتى أفاق، فلما أفاق من غشيته أنشد هذه الأبيات: # يا نسيما هب من أرض العراق %~% في زوايا أرض من قد قال واق ~~بلغ الأحباب عني أنني %~% مت من طعم الهوى المر المذاق ~~يا أهيل الحب منوا واعطفوا %~% ذاب قلبي من تباريح الفراق # فلما فرغ من شعره قام ونظر الملكة وصاح صيحة عظيمة كاد منها القصر أن يسقط على من فيه، ثم وقع مغشيا عليه، فما زالت العجوز تلاطفه حتى أفاق وسألته عن حاله، فقال: إن هذه الملكة إما زوجتي، وإما أشبه الناس بزوجتي. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 811 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما سألته عن حاله قال لها: إن هذه الملكة إما زوجتي، وإما أشبه الناس بزوجتي. فقالت الملكة للعجوز: ويلك يا داية، إن هذا الغريب مجنون أو مختل؛ لأنه ينظر في وجهي ويحملق عينيه. فقالت لها العجوز: يا ملكة، إن هذا معذور فلا تؤاخذيه، فإنه يقال في المثل: مريض الهوى ما له دواء، وهو والمجنون سواء. ثم إن حسنا بكى بكاء شديدا، وأنشد هذين البيتين: # أرى آثارهم فأذوب شوقا %~% وأسكب في مواطنهم دموعي ~~وأسأل من بفرقتهم بلاني %~% يمن علي منهم بالرجوع # ثم إن حسنا قال للملكة: والله ما أنت زوجتي، ولكنك أشبه الناس بها. فضحكت الملكة نور الهدى حتى استلقت على قفاها ومالت على جنبها، ثم قالت: يا حبيبي، تمهل على روحك وميزني وجاوبني عن الذي أسألك عنه، ودع عنك الجنون والحيرة والذهول، فإنه قد قرب لك الفرج. فقال حسن: يا سيدة الملوك، ms1820 وملجأ كل غني وصعلوك، إني حين نظرتك جننت؛ لأنك إما زوجتي وإما أشبه الناس بزوجتي، فاسأليني الآن عما تريدين. فقالت: أي شيء في زوجتك يشبهني؟ فقال: يا سيدتي، جميع ما فيك من الحسن والجمال والظرف والدلال، كاعتدال قوامك وعذوبة كلامك، وحمرة خدودك وبروز نهودك، وغير ذلك يشبهها. ثم إن الملكة التفتت إلى شواهي أم الدواهي وقالت لها: يا أمي، أرجعيه إلى موضعه الذي كان فيه عندك، واخدميه أنت بنفسك حتى أتفحص عن أمره، فإن كان هذا الرجل صاحب مروءة بحيث يحفظ الرفق الصحبة والود، وجب علينا مساعدته على قضاء حاجته، خصوصا وقد نزل أرضنا وأكل طعامنا، مع ما تحمله من مشقات الأسفار ومكابدة أهوال الأخطار، ولكن إذا أوصلته إلى بيتك، فأوصي عليه أتباعك وارجعي إلي بسرعة، وإن شاء الله تعالى لا يكون إلا خيرا. فعند ذلك خرجت العجوز وأخذت حسنا ومضت به إلى منزلها، وأمرت جواريها وخدمها وحشمها بخدمته، وأمرتهم أن يحضروا له جميع ما يحتاج إليه، وألا يقصروا في حقه، ثم عادت إلى الملكة بسرعة، فأمرتها أن تحمل سلاحها وتأخذ معها ألف فارس من الشجعان، فامتثلت العجوز شواهي أمرها، ولبست دروعها وأحضرت الألف فارس، ولما وقفت بين يديها وأخبرتها بإحضار الألف فارس، أمرتها أن تسير إلى مدينة الملك الأكبر أبيها، وتنزل عند بنته منار السنا أختها، وتقول لها: ألبسي ولديك الدرعين اللذين عملتهما لهما، وأرسليهما إلى خالتهما فإنها مشتاقة إليهما. وقالت لها: أوصيك يا أمي بكتمان أمر حسن، فإذا أخذتهما فقولي لها: إن أختك تستدعيك إلى زيارتها. فإذا أعطتك ولديها وخرجت بهما قاصدة الزيارة، فاحضري بهما سريعا وخليها تحضر على مهلها، وتعالي من طريق غير الطريق التي تجيء منها، ويكون سفرك ليلا ونهارا، واحذري أن يطلع على هذا الأمر أحد أبدا، ثم إني أحلف بجميع الأقسام إن طلعت أختي زوجته، وظهر أن ولديها ولداه، لا أمنعه من أخذها ولا من سفرها معه بأولادها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 812 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، ms1821 أن الملكة قالت: إني أحلف بالله، وأقسم جميع الأقسام أنها إن طلعت زوجته لا أمنعه من أخذها، بل أساعده على أخذها وعلى سفرها معه إلى بلاده. فوثقت العجوز بكلامها، ولم تعلم بما أضمرته في نفسها، وقد أضمرت العاهرة في نفسها أنها إن لم تكن زوجته ولا أولادها يشبهونه تقتله. ثم إن الملكة قالت للعجوز: يا أمي، إن صدق حزري تكون زوجته أختي منار السنا، والله أعلم، فإن هذه الصفات صفاتها، وجميع الأوصاف التي ذكرها من الجمال البارع والحسن الباهر لا توجد في أحد غير أخواتي، خصوصا الصغيرة. ثم إن العجوز قبلت يدها ورجعت إلى حسن وأعلمته بما قالته الملكة، فطار عقله من الفرح وقام إلى العجوز وقبل رأسها، فقالت له: يا ولدي، لا تقبل رأسي وقبلني في فمي، واجعل هذه القبلة حلاوة السلامة، وطب نفسا وقر عينا، ولا يكن صدرك إلا منشرحا، ولا تستكره تقبيلي في فمي؛ فإني أنا السبب في اجتماعك بها، فطيب قلبك وخاطرك ولا تكن إلا منشرح الصدر، قرير العين، مطمئن النفس. ثم ودعته وانصرفت، فأنشد حسن هذين البيتين: # لي في محبتكم شهود أربع %~% وشهود كل قضية اثنان ~~خفقان قلبي واضطراب جوارحي %~% ونحول جسمي وانعقاد لساني # ثم أنشد أيضا هذين البيتين: # شيئان لو بكت الدماء عليهما %~% عيناي حتى تؤذنا بذهاب ~~لم يقضيا المعشار من حقيهما %~% شرخ الشباب وفرقة الأحباب # ثم إن العجوز حملت سلاحها وأخذت معها ألف فارس حاملين السلاح، وتوجهت إلى تلك الجزيرة التي فيها أخت الملكة، وسارت إلى أن وصلت إلى أخت الملكة، وكان بين مدينة نور الهدى وبين مدينة أختها ثلاثة أيام، فلما وصلت شواهي إلى المدينة وطلعت إلى أخت الملكة منار السنا، سلمت عليها وبلغتها السلام من أختها نور الهدى، وأخبرتها باشتياقها إليها وإلى أولادها، وعرفتها أن الملكة نور الهدى تعتب عليها بسبب عدم زيارتها إياها، فقالت لها الملكة منار السنا: الحق علي لأختي، وأنا مقصرة بعدم زيارتي لها ولكن أزورها الآن. ثم أمرت بتبريز خيامها إلى خارج المدينة، وأخذت لأختها معها ما ms1822 يصلح لها من الهدايا والتحف. ثم إن الملك أباها نظر من طيقان القصر فرأى الخيام منصوبة، فسأل عن ذلك، فقالوا له: إن الملكة منار السنا نصبت خيامها بتلك الطريق؛ لأنها تريد زيارة أختها نور الهدى. فلما سمع الملك بذلك جهز لها عسكرا يوصلها إلى أختها، وأخرج من خزائنه من الأموال ومن المأكل والمشرب ومن التحف والجواهر، ما يعجز عنه الوصف، وكانت بنات الملك السبع أشقاء من أب واحد وأم واحدة إلا الصغيرة، وكان اسم الكبيرة نور الهدى، والثانية نجم الصباح، والثالثة شمس الضحى، والرابعة شجرة الدر، والخامسة قوت القلوب، والسادسة شرف البنات، والسابعة منار السنا، وهي الصغيرة فيهن وهي زوجة حسن، وكانت أختهن من أبيهن فقط. ثم إن العجوز تقدمت وقبلت الأرض بين يدي منار السنا، فقالت لها منار السنا: هل لك حاجة يا أمي؟ فقالت لها: إن الملكة نور الهدى أختك تأمرك أن تغيري لولديك وتلبسيهما الدرعين اللذين فصلتهما لهما، وأن ترسليهما معي إليها، فآخذهما وأسبق بهما وأكون المبشرة بقدومك عليها. فلما سمعت منار السنا كلام العجوز أطرقت رأسها إلى الأرض وقد تغير لونها، ولم تزل مطرقة زمانا طويلا، ثم حركت رأسها ورفعتها إلى العجوز وقالت لها: يا أمي، قد ارتجف فؤادي وخفق قلبي عندما ذكرت ولدي، فإنهما من حين ولادتهما لم ينظر أحد وجهيهما من الجن والبشر، لا أنثى ولا ذكر، وأنا أغار عليهما من النسيم إذا سرى. فقالت لها العجوز: أي شيء هذا الكلام يا سيدتي؟! أتخافين عليهما من أختك؟ وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 813 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما قالت للسيدة منار السنا: أي شيء هذا الكلام يا سيدتي؟ أتخافين عليهما من أختك؟ سلامة عقلك، وإن خالفت الملكة في هذا الأمر لا يمكنك المخالفة، فإنها تعتب عليك، ولكن يا سيدتي ولداك صغيران، وأنت معذورة في الخوف عليهما، والمحب مولع بسوء الظن، ولكن يا بنتي أنت تعلمين شفقتي ومحبتي لك ولولديك، وقد ربيتكن قبلهما، وأنا أتسلمهما وآخذهما وأفرش ms1823 لهما خدي، وأفتح قلبي وأجعلهما في داخله، ولا أحتاج إلى الوصية عليهما في هذا الأمر، فطيبي نفسا وقري عينا، وأرسليهما لها، وأكثر ما أسبقك به يوم واحد أو يومان. ولم تزل تلح عليها حتى لان جانبها وخافت من غيظ أختها، ولم تدر ما هو مخبأ لها في الغيب، فسمحت بإرسالهما مع العجوز، ثم إنها دعت بهما وحمتهما وهيأتهما وغيرت لهما وألبستهما الدرعين وسلمتهما للعجوز، فأخذتهما وسارت بهما مثل الطير على غير الطريق التي تسير فيها أمهما، مثل ما أوصتها الملكة نور الهدى، ولم تزل تجد في السير وهي خائفة عليهما إلى أن وصلت بهما إلى مدينة الملكة نور الهدى، فعدت بهما البحر ودخلت المدينة وتوجهت بهما إلى الملكة نور الهدى خالتهما، فلما رأتهما فرحت بهما وعانقتهما وضمتهما إلى صدرها، وأجلست واحدا على فخذها الأيمن والثاني على فخذها الأيسر، ثم التفتت إلى العجوز وقالت لها: أحضري الآن حسنا، فأنا قد أعطيته أماني وأجرته من حسامي، وقد تحصن بداري ونزل في جواري، بعد أن قاسى الأهوال والشدائد، وتعدى أسباب الموت التي همها متزايد، مع أنه إلى الآن لم يسلم من شرب كأسه وقطع أنفاسه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 814 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة نور الهدى لما أمرت العجوز بإحضار حسن، قالت لها: إنه قاسى الأهوال والشدائد، وتعدى أسباب الموت التي همها متزايد، مع أنه إلى الآن لم يسلم من شرب كأسه وقطع أنفاسه. فقالت لها العجوز: إذا أحضرته بين يديك، فهل تجمعين بينه وبينهما؟ وإن لم يظهر أنهما ولداه تعفي عنه وترديه إلى بلاده؟ فلما سمعت الملكة كلامها غضبت غضبا شديدا وقالت: ويلك يا عجوز النحس! إلى متى هذه المخادعة في شأن هذا الرجل الغريب الذي تجاسر علينا، وكشف سترنا، واطلع على أحوالنا؟ هل يظن أنه يجيء أرضنا، وينظر وجوهنا، ويوسخ أعراضنا، ويرجع إلى بلاده سالما؟ فيفضح أحوالنا في بلاده وبين أهله، وتبلغ أخبارنا سائر الملوك في أقطار الأرض، وتسافر التجار بأخبارنا في ms1824 جميع الجهات، ويقولون: إنسي دخل جزائر واق، وعدى بلاد السحرة والكهنة، وتخطى أرض الجان وأرض الوحوش والطيور ورجع سالما؟ فهذا لا يكون أبدا، وأنا أقسم بخالق السماء وبانيها، وساطح الأرض وداحيها، وخالق الخلق ومحصيها، إن لم يكونا ولديه لأقتلنه، وأنا التي أضرب عنقه بيدي. ثم إنها صرخت على العجوز فوقعت من الخوف، وأغرت عليها الحاجب وعشرين مملوكا وقالت لهم: امضوا مع هذه العجوز وائتوني بالصبي الذي عندها في بيتها بسرعة. فخرجت العجوز مجرورة مع الحاجب والمماليك، وقد اصفر لونها وارتعدت فرائصها، ثم سارت إلى منزلها ودخلت على حسن، فلما دخلت عليه قام إليها وقبل يديها وسلم عليها، فلم تسلم عليه وقالت له: قم كلم الملكة، أما قلت لك ارجع إلى بلادك ونهيتك عن هذا كله فما سمعت قولي؟ وقلت لك أعطيك شيئا لا يقدر عليه أحد وارجع إلى بلادك من قريب، فما أطعتني ولا سمعت مني، بل خالفتني واخترت الهلاك لي ولك، فدونك وما اخترت، فإن الموت قريب، قم كلم هذه الفاجرة العاهرة الظالمة الغاشمة. فقام حسن وهو مكسور الخاطر، حزين القلب خائف ويقول: يا سلام سلم، اللهم الطف بي فيما قدرته علي من بلائك، واسترني يا أرحم الراحمين. وقد يئس من الحياة وتوجه مع العشرين مملوكا والحاجب والعجوز، فدخلوا على الملكة بحسن، فوجد ولديه ناصرا ومنصورا جالسين في حجرها وهي تلاعبهما وتؤنسهما، فلما وقع نظره عليهما عرفهما، وصرخ صرخة عظيمة ووقع على الأرض مغشيا عليه من شدة الفرح بولديه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 815 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا لما وقع نظره على ولديه عرفهما، وصرخ صرخة عظيمة ووقع على الأرض مغشيا عليه، فلما أفاق عرف ولديه وعرفاه، فحركتهما المحبة الغريزية فتخلصا من حجر الملكة ووقفا عند حسن، وأنطقهما الله عز وجل بقولهما: يا أبانا. فبكت العجوز والحاضرون رحمة لهما وشفقة عليهما، وقالوا: الحمد لله الذي جمع شملكما بأبيكما. فلما أفاق حسن من غشيته عانق ولديه، ثم بكى حتى غشي عليه، ms1825 فلما أفاق من غشيته أنشد هذه الأبيات: # وحقكم إن قلبي لم يطق جلدا %~% على الفراق ولو كان الوصال ردى ~~يقول لي طيفكم إن اللقاء غدا %~% وهل أعيش على رغم العداة غدا ~~وحقكم سادتي من يوم فرقتكم %~% ما لذ لي طيب عيش بعدكم أبدا ~~وإن قضى الله نحبي في محبتكم %~% أموت في حبكم من أعظم الشهدا ~~وظبية في زوايا القلب مرتعها %~% وشخصها كالكرى عن مقلتي شردا ~~إن أنكرت في مجال الشرع سفك دمي %~% فإنه فوق خديها لقد شهدا # فلما تحققت الملكة أن الصغيرين ولدا حسن، وأن أختها السيدة منار السنا زوجته التي جاء في طلبها، غضبت عليها غضبا شديدا ما عليه من مزيد. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 816 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة نور الهدى لما تحققت أن الصغيرين ولدا حسن، وأن أختها منار السنا زوجته التي جاء في طلبها، غضبت عليها غضبا شديدا ما عليه من مزيد، وصرخت في وجه حسن فغشي عليه، فلما أفاق من غشيته أنشد هذه الأبيات: # بعدتم وأنتم أقرب الناس في الحشا %~% وغبتم وأنتم في الفؤاد حضور ~~فوالله ما قد ملت عنكم لغيركم %~% وإني على جور الزمان صبور ~~تمر الليالي في هواكم وتنقضي %~% وفي القلب مني زفرة وسعير ~~وكنت فتى لا أرتضي البعد ساعة %~% فكيف وقد مرت علي شهور ~~أغار إذا هبت عليك نسيمة %~% وإني على الغيد الملاح غيور # فلما فرغ حسن من شعره خر مغشيا عليه، فلما أفاق رآهم قد أخرجوه مسحوبا على وجهه، فقام يمشي ويتعثر في أذياله، وهو لا يصدق بالنجاة مما قاساه منها، فعز ذلك على العجوز شواهي ولم تقدر أن تخاطب الملكة في شأنه من قوة غضبها، فلما خرج حسن من القصر صار متحيرا لا يعرف أين يروح ولا أين يجيء ولا أين يذهب، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يجد من يحدثه ويؤانسه، ولا من يسليه ولا من يستشيره، ولا من يقصده ويلجأ إليه، فأيقن بالهلاك؛ لأنه لا يقدر على السفر، ولا ms1826 يعرف من يسافر معه، ولا يعرف الطريق ولا يقدر أن يجوز على وادي الجان وأرض الوحوش وجزائر الطيور؛ فيئس من الحياة، ثم بكى على نفسه حتى غشي عليه، فلما أفاق تفكر أولاده وزوجته وقدومها على أختها، وتفكر فيما يجري لها مع الملكة أختها، ثم ندم على حضوره في هذه الديار، وعلى كونه لم يسمع كلام أحد، فأنشد هذه الأبيات: # دعوا مقلتي تبكي على فقد من أهوى %~% فقد عز سلواني وزادت بي البلوى ~~فكأس صروف البين صرفا شربتها %~% فمن ذا على فقد الأحبة قد يقوى ~~بسطتم بساط العتب بيني وبينكم %~% ألا يا بساط العتب عنا متى تطوى ~~سهرت ونمتم إذ زعمتم بأنني %~% سلوت هواكم إذ سلوت عن السلوى ~~ألا إن قلبي مولع بوصالكم %~% وأنتم أطبائي حفظتم من الأدوا ~~ألم تنظروا ما حل بي من صدودكم %~% ذللت لمن يسوى ومن لم يكن يسوى ~~كتمت هواكم والغرام يذيعه %~% وقلبي بنيران الهوى أبدا يكوى ~~فرقوا لحالي وارحموني لأنني %~% أقمت على الميثاق في السر والنجوى ~~فيا هل ترى الأيام تجمعني بكم %~% فأنتم منى قلبي وروحي لكم تهوى ~~فؤادي جريح بالفراق فليتكم %~% تفيدوننا عن حبكم خبرا يروى # ثم إنه لما فرغ من شعره لم يزل ذاهبا إلى أن خرج إلى ظاهر المدينة، فوجد النهر فسار على جانبه وهو لا يعلم أين يتوجه. # هذا ما كان من أمر حسن، وأما ما كان من أمر زوجته منار السنا، فإنها أرادت الرحيل في اليوم الثاني بعد اليوم الذي رحلت فيه العجوز، فبينما هي عازمة على الرحيل، إذ دخل عليها حاجب الملك أبيها وقبل الأرض بين يديها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 817 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن منار السنا بينما هي عازمة على الرحيل، إذ دخل عليها حاجب الملك أبيها وقبل الأرض بين يديها وقال لها: يا ملكة، إن أباك الملك الأكبر يسلم عليك ويدعوك إليه. فنهضت متوجهة مع الحاجب إلى أبيها تنظر حاجته، فلما رآها أبوها أجلسها إلى جانبه فوق السرير، وقال ms1827 لها: يا بنتي، اعلمي أني رأيت في هذه الليلة رؤيا وأنا خائف عليك منها، وخائف أن يصل لك من سفرك هذا هم طويل. فقالت له: لأي شيء يا أبتي؟ وأي شيء رأيت في المنام؟ قال: رأيت كأني دخلت كنزا، فرأيت فيه أموالا عظيمة وجواهر ويواقيت كثيرة، وكأنه لم يعجبني من ذلك الكنز جميعه ولا من تلك الجواهر جميعها إلا سبع حبات، وهي أحسن ما فيه، فاخترت من السبع جواهر واحدة وهي أصغرها وأحسنها وأعظمها نورا، وكأني أخذتها في كفي لما أعجبني حسنها وخرجت بها من الكنز، فلما خرجت من بابه فتحت يدي وأنا فرحان وقبلت الجوهرة، وإذا بطائر غريب قد أقبل من بلاد بعيدة ليس من طيور بلادنا قد انقض علي من السماء، وخطف الجوهرة من يدي ورجع بها إلى المكان الذي أتيت بها منه، فلحقني الهم والحزن والضيق، وفزعت فزعا عظيما أيقظني من المنام، فانتبهت وأنا حزين متأسف على تلك الجوهرة، فلما انتبهت من النوم دعوت بالمعبرين والمفسرين وقصصت عليهم منامي، فقالوا لي: إن لك سبع بنات تفقد الصغيرة منهن، وتؤخذ منك قهرا بغير رضاك. وأنت يا بنتي أصغر بناتي وأعزهن عندي وأكرمهن علي، وها أنت مسافرة إلى أختك، ولا أعلم ما يجري عليك منها، فلا تروحي وارجعي إلى قصرك. فلما سمعت منار السنا كلام أبيها خفق قلبها وخافت على ولديها، وأطرقت برأسها إلى الأرض ساعة، ثم رفعته إلى أبيها وقالت له: أيها الملك، إن الملكة نور الهدى قد هيأت لي ضيافة، وهي في انتظار قدومي عليها ساعة بعد ساعة، ولها أربع سنين ما رأتني، وإن قعدت عن زيارتها تغضب علي، ومعظم قعودي عندها شهر زمان وأحضر عندك، ومن هذا الذي يطرق بلادنا ويصل إلى جزائر واق؟ ومن يقدر أن يصل إلى الأرض البيضاء والجبل الأسود ويصل إلى جزيرة الكافور وقلعة الطيور؟ وكيف يقطع وادي الطيور، ثم وادي الوحوش، ثم وادي الجان، ثم يدخل جزائرنا؟ ولو دخل إليها غريب لغرق في بحار الهلكات، فطب نفسا وقر عينا من شأن ms1828 سفري، فإنه لا قدرة لأحد على أن يدوس أرضنا. ولم تزل تستعطفه حتى أنعم عليها بالإذن في المسير. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 818 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنها لم تزل تستعطفه حتى أنعم عليها بالإذن في المسير، ثم إنه أمر ألف فارس أن يسافروا معها ليوصلوها إلى النهر، ثم يقيموا مكانهم حتى تصل إلى مدينة أختها فتدخل قصر أختها، وأمرهم أن يقيموا عندها حتى يأخذوها ويحضروا بها إلى أبيها، وأوصاها أبوها أن تقعد عند أختها يومين ثم تعود بسرعة، فقالت: سمعا وطاعة. ثم إنها نهضت وخرجت وخرج معها أبوها وودعها، وقد أثر كلام أبيها في قلبها، فخافت على أولادها، ولا ينفع التحصن بالحذر من هجوم القدر، فجدت في السير ثلاثة أيام بلياليها حتى وصلت إلى النهر وضربت خيامها على ساحله، ثم عدت النهر ومعها بعض غلمانها وحاشيتها ووزرائها، ولما وصلت إلى مدينة الملكة نور الهدى طلعت القصر ودخلت عليها، فرأت ولديها يبكون عندها ويصيحون: يا أبانا. فجرت الدموع من عيونها وبكت، ثم ضمت ولديها إلى صدرها وقالت لهما: هل رأيتما أباكما؟ فلا كانت الساعة التي فارقته فيها، ولو عرفت أنه في دار الدنيا لكنت وصلتكما إليه. ثم ناحت على نفسها وعلى زوجها وعلى بكاء ولديها، وأنشدت هذه الأبيات: # أأحبابنا إني على البعد والجفا %~% أحن إليكم حيث كنتم وأعطف ~~وطرفي إلى أوطانكم متلفت %~% وقلبي على أيامكم متلهف ~~وكم ليلة بتنا على غير ريبة %~% محبين يهنينا الوفى والتلطف # فلما رأتها أختها قد ضمت ولديها وقالت: أنا التي فعلت بنفسي وبولدي هكذا وأخربت بيتي. فلم تسلم عليها أختها نور الهدى، بل قالت لها: يا عاهرة، من أين لك هذان الولدان؟ هل تزوجت بغير علم أبيك أو زنيت؟ فإن كنت زنيت وجب تنكيلك، وإن كنت تزوجت من غير علمنا، فلأي شيء فارقت زوجك وأخذت ولديك وفرقت بينهما وبين أبيهما وجئت بلادنا؟ وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 819 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، ms1829 أن الملكة نور الهدى قالت لأختها منار السنا: وإن كنت تزوجت من غير علمنا، فلأي شيء فارقت زوجك وأخذت ولديك وفرقت بينهما وبين أبيهما، وجئت بلادنا وقد أخفيت ولديك عنا؟ أتظنين أننا لا ندري بذلك، والله تعالى علام الغيوب قد أظهر لنا أمرك، وكشف حالك وبين عوراتك. ثم بعد ذلك أمرت أعوانها أن يمسكوها فقبضوا عليها، فكتفتها وقيدتها بالقيود الحديد وضربتها ضربا وجيعا، حتى شرحت جسدها وصلبتها من شعرها ووضعتها في سجن، وكتبت كتابا إلى الملك الأكبر أبيها تخبره بخبرها وتقول له: إنه قد ظهر في بلادنا رجل من الإنس، وأختي منار السنا تدعي أنها تزوجته في الحلال، وجاءت منه بولدين وقد أخفتهما عنا وعنك، ولم تظهر على نفسها شيئا إلى أن أتانا ذلك الرجل الذي من الإنس، وهو يسمى حسنا، وأخبرنا أنه تزوج بها وقعدت عنده مدة طويلة من الزمان، ثم أخذت ولديها وراحت من غير علمه، وأخبرت والدته عند رواحها وقالت لها: قولي لولدك إذا حصل له اشتياق أن يجيئني إلى جزائر واق. فقبضنا على ذلك الرجل عندنا، وأرسلت إليها العجوز شواهي تحضرها عندي هي وولديها، فجهزت نفسها وحضرت، وقد كنت أمرت العجوز أن تحضر لي ولديها أولا، فتسبق بهما إلي قبل حضورها، فجاءت العجوز بالولدين قبل حضورها، فأرسلت إلى الرجل الذي ادعى أنها زوجته، فلما دخل علي ورأى الولدين عرفهما، فتحققت أن الولدين ولداه وأنها زوجته، وعلمت أن كلام الرجل صحيح ولم يكن عنده عيب، ورأيت أن القبح والعيب عند أختي، فخفت من هتك عرضنا عند أهل جزائرنا، فلما دخلت علي هذه الفاجرة الخائنة، غضبت عليها وضربتها ضربا وجيعا وصلبتها من شعرها، وقد أعلمتك بخبرها والأمر أمرك، فالذي تأمرنا به نفعله، وأنت تعلم أن هذا الأمر فيه هتيكة لنا وعيب في حقنا وحقك، وربما يسمع أهل الجزائر بذلك فنصير بينهم مثلة، فينبغي أن ترد لنا جوابا سريعا. # ثم أعطت المكتوب للرسول، وسار به إلى الملك، فقرأه الملك الأكبر واغتاظ غيظا شديدا على ابنته منار السنا، وكتب إلى ms1830 ابنته نور الهدى مكتوبا يقول لها فيه: أنا قد فوضت أمرها إليك وحكمتك في دمها، فإن كان الأمر كما ذكرت فاقتليها ولا تشاوريني في أمرها. فلما وصل إليها كتاب أبيها وقرأته، أرسلت إلى منار السنا وأحضرتها بين يديها وهي غريقة في دمها، مكتفة بشعرها، مقيدة بقيد ثقيل من حديد وعليها اللباس الشعر، ثم أوقفوها بين يدي الملكة، فوقفت حقيرة ذليلة، فلما رأت نفسها في هذه المذلة العظيمة والهوان الشديد، تفكرت ما كانت فيه من العز وبكت بكاء شديدا وأنشدت هذين البيتين: # يا رب إن العدى يسعون في تلفي %~% ويزعمون بأني لست بالناجي ~~وقد رجوتك في إبطال ما صنعوا %~% يا رب أنت ملاذ الخائف الراجي # ثم بكت بكاء شديدا حتى وقعت مغشيا عليها، فلما أفاقت أنشدت هذين البيتين: # ألف الحوادث مهجتي وألفتها %~% بعد التنافر والكريم ألوف ~~ليس الهموم علي صنفا واحدا %~% عندي بحمد الله منه ألوف # ثم أنشدت أيضا هذين البيتين: # ولرب نازلة يضيق بها الفتى %~% ذرعا وعند الله منها المخرج ~~ضاقت فلما استحكمت حلقاتها %~% فرجت وكنت أظنها لا تفرج # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 820 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملكة نور الهدى لما أمرت بإحضار أختها الملكة منار السنا، أوقفوها بين يديها وهي مكتفة، فأنشدت الأشعار السابقة، ثم إن أختها أحضرت لها سلما من خشب ومدتها عليه، وأمرت أن يربطوها على ظهرها فوق السلم، ومدت سواعدها وربطتها في الحبال، ثم كشفت رأسها ولفت شعرها على السلم الخشب وقد انتزعت الشفقة عليها من قلبها، فلما رأت منار السنا نفسها في هذه الحالة من الذل والهوان، صاحت وبكت فلم يغثها أحد، فقالت لها: يا أختي، كيف قسا قلبك علي، فما ترحمينني ولا ترحمين هذين الطفلين الصغيرين؟ فلما سمعت هذا الكلام ازدادت قسوتها وشتمتها وقالت لها: يا عاشقة، يا عاهرة، لا رحم الله من يرحمك، كيف أشفق عليك يا خائنة؟ فقالت لها منار السنا وهي مشبوحة: احتسبت عليك برب السماء فيما تسبينني به وأنا بريئة منه، ms1831 والله ما زنيت وإنما تزوجته في الحلال، وربي يعلم هل قولي صحيح أم لا، وقلبي قد غضب عليك من شدة قسوة قلبك علي، فكيف ترمينني بالزنا من غير علم؟ ولكن ربي يخلصني منك، وإن كان الذي قد قذفتني به من الزنا حقا فسيعاقبني الله عليه. فتفكرت أختها في نفسها حين سمعت كلامها، وقالت لها: كيف تخاطبينني بهذا الكلام؟ ثم قامت لها وضربتها حتى غشي عليها، فرشوا على وجهها الماء حتى أفاقت وقد تغيرت محاسنها من شدة الضرب، ومن قوة الرباط ومن فرط ما حصل لها من الإهانة، ثم أنشدت هذين البيتين: # وإذا جنيت جناية %~% وأتيت شيئا منكرا ~~أنا تائب عما مضى %~% وأتيتكم مستغفرا # فلما سمعت شعرها نور الهدى غضبت غضبا شديدا وقالت لها: أتتكلمين يا عاهرة قدامي بالشعر، وتستعذرين من الذي فعلته من الكبائر؟ وكان مرادي أن ترجعي لزوجك حتى أشاهد فجورك وقوة عينك؛ لأنك تفتخرين بالذي وقع منك من الفجور والفحش والكبائر. ثم إنها أمرت الغلمان أن يحضروا لها الجريد فأحضروه، فقامت وشمرت عن ساعديها ونزلت عليها بالضرب من رأسها إلى قدميها، ثم دعت بسوط مضفور، لو ضرب به الفيل لهرول مسرعا، فنزلت بذلك السوط على ظهرها وبطنها وجميع أعضائها حتى غشي عليها، فلما رأت العجوز شواهي ذلك من الملكة، خرجت هاربة من بين يديها وهي تبكي وتدعو عليها، فصاحت على الخدم وقالت لهم: ائتوني بها. فتجاروا عليها ومسكوها وأحضروها بين يديها، فأمرت برميها على الأرض وقالت للجواري: اسحبوها على وجهها وأخرجوها. فسحبوها وأخرجوها من بين يديها. # هذا ما كان من أمر هؤلاء، وأما ما كان من أمر حسن، فإنه قام متجلدا ومشى في شاطئ النهر واستقبل البرية وهو حيران مهموم، وقد يئس من الحياة وصار مدهوشا لا يعرف الليل من النهار لشدة ما أصابه، وما زال يمشي إلى أن قرب من شجرة فوجد عليها ورقة معلقة، فتناولها حسن بيده ونظرها، فإذا مكتوب فيها هذه الأبيات: # دبرت أمرك عندما %~% كنت الجنين ببطن أمك ~~وعليك قد حننتها %~% حتى لقد جادت ms1832 بضمك ~~وأنا لكافؤك الذي %~% يأتي بهمك أو بغمك ~~فاضرع إلينا ناهضا %~% نأخذ بكفك في مهمك # فلما فرغ من قراءة الورقة أيقن بالنجاة من الشدة، وظفره بجمع الشمل، ثم مشى خطوتين فوجد نفسه وحيدا في موضع قفر ذي خطر لا يجد فيه أحدا يستأنس به، فطار قلبه من الوحدة والخوف، وارتعدت فرائصه من هذا المكان المخوف، وأنشد هذه الأبيات: # نسيم الصبا إن جزت أرض أحبتي %~% فبلغهم عني جزيل سلامي ~~وقل لهم إني رهين صبابة %~% وإن غرامي فوق كل غرام ~~عسى عطفة منهم يهب نسيمها %~% فيحيا بها صب رميم عظام # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 821 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسنا لما قرأ الورقة أيقن بالنجاة من الشدة، وتحقق الظفر بجمع الشمل، ثم قام ومشى خطوتين فوجد نفسه وحيدا في موضع ذي خطر، ولم يكن عنده أحد يؤانسه، فبكى بكاء شديدا، وأنشد الأشعار التي ذكرناها، ثم مشى على جانب النهر خطوتين، فوجد ولدين صغيرين من أولاد السحرة والكهان، وبين أيديهما قضيب من النحاس منقوش بالطلاسم، وبجانب القضيب طاقية من الأدم بثلاثة تروك منقوش عليها بالبولاد أسماء وخواتم، والقضيب والطاقية مرميان على الأرض والولدان يختصمان ويتضاربان عليهما حتى سال الدم بينهما، وهذا يقول: ما يأخذ القضيب إلا أنا. والآخر يقول: ما يأخذ القضيب إلا أنا. فدخل حسن بينهما وخلصهما من بعضهما وقال لهما: ما سبب هذه المخاصمة؟ فقالا له: يا عم احكم بيننا، فإن الله تعالى ساقك إلينا لتقضي بيننا بالحق. فقال: قصا علي حكايتكما وأنا أحكم بينكما. فقالا له: نحن الاثنان أخوان شقيقان، وكان أبونا من السحرة الكبار، وكان مقيما في مغارة في هذا الجبل، ثم مات وخلف لنا هذه الطاقية وهذا القضيب، وأخي يقول: ما يأخذ القضيب إلا أنا. وأنا أقول: ما يأخذه إلا أنا. فاحكم بيننا وخلصنا من بعضنا. فلما سمع حسن كلامهما قال لهما: ما الفرق بين القضيب والطاقية؟ وما مقدارهما؟ فإن القضيب بحسب الظاهر يساوي ستة جدد، والطاقية تساوي ثلاثة جدد. ms1833 فقالا له: أنت ما تعرف فضلهما. فقال لهما: أي شيء فضلهما؟ قالا له: في كل منهما سر عجيب، وهو أن القضيب يساوي خراج جزائر واق بأقطارها، والطاقية كذلك. فقال لهما حسن: يا ولدي، بالله اكشفا لي عن سرهما. فقالا له: يا عم إن سرهما عظيم؛ لأن أبانا عاش مائة وخمسا وثلاثين سنة يعالج تدبيرهما حتى أحكمهما غاية الإحكام، وركب فيهما السر المكنون، واستخدمهما الاستخدامات الغريبة ونقشهما على مثل الفلك الدائر، وحل بهما جميع الطلسمات، وعندما فرغ من تدبيرهما أدركه الموت الذي لا بد لكل أحد منه؛ فأما الطاقية فإن سرها أن كل من وضعها على رأسه اختفى عن أعين الناس جميعا، فلا ينظره أحد ما دامت على رأسه، وأما القضيب فإن سره أن كل من ملكه يحكم على سبع طوائف من الجن، والجميع يخدمون ذلك القضيب، فكلهم تحت أمره وحكمه، وكل من ملكه وصار في يده إذا ضرب به الأرض خضعت له ملوكها، وتكون جميع الجن في خدمته. # فلما سمع حسن هذا الكلام أطرق برأسه إلى الأرض ساعة، ثم قال في نفسه: والله إنني لمنصور بهذا القضيب وبهذه الطاقية إن شاء الله تعالى، فإنا أحق بهما منهما، ففي هذه الساعة أتحيل على أخذهما منهما لأستعين بهما على خلاصي وخلاص زوجتي وأولادي من هذه الملكة الظالمة، ونسافر من هذا المكان المظلم الذي ما لأحد من الإنس خلاص منه ولا مفر، ولعل الله ما ساقني لهذين الغلامين إلا لأستخلص منهما القضيب والطاقية. # ثم رفع رأسه إلى الغلامين وقال لهما: إن شئتما فصل القضية فأنا امتحنكما، فمن غلب رفيقه يأخذ القضيب ومن عجز يأخذ الطاقية، فإن امتحنتكما وميزت بينكما عرفت ما يستحقه كل منكما. فقالا له: يا عم، وكلناك في امتحاننا، والحكم بيننا بما تختار. فقال لهما حسن: هل تسمعان مني وترجعان إلى قولي؟ فقالا له: نعم. فقال لهما حسن: أنا آخذ حجرا وأرميه فمن سبق منكما إليه وأخذه قبل رفيقه يأخذ القضيب، ومن تأخر ولم يلحقه يأخذ الطاقية. فقالا: قبلنا منك هذا ms1834 الكلام ورضينا به. ثم إن حسنا أخذ حجرا ورماه بعزمه فغاب عن العيون، فتسارع الغلامان نحوه، فلما بعدا أخذ حسن الطاقية ولبسها، وأخذ القضيب في يده وانتقل من موضعه لينظر صحة قولهما في شأن سر أبيهما، فسبق الولد الصغير إلى الحجر وأخذه ورجع به إلى المكان الذي فيه حسن، فلم ير له أثرا، فصاح على أخيه وقال له: أين الرجل الحاكم بيننا؟ فقال: لا أراه ولم أعرف هل طلع إلى السماء العليا أو نزل إلى الأرض السفلى. ثم إنهما فتشا عليه فلم ينظراه وحسن واقف في مكانه، فشتما بعضهما وقالا: قد راح القضيب والطاقية لا لي ولا لك، وكان أبونا قال لنا هذا الكلام بعينه، ولكنا نسينا ما أخبرنا به. ثم إنهما رجعا على أعقابهما، ودخل حسن المدينة وهو لابس الطاقية وفي يده القضيب، فلم يره أحد من الناس، ثم دخل القصر وطلع إلى الموضع الذي فيه شواهي ذات الدواهي، فدخل عليها وهو لابس الطاقية فلم تره، ومشى حتى تقرب من رف كان فوق رأسها وعليه زجاج وصيني، فحركه بيده فوقع الذي فوقه على الأرض، فصاحت شواهي ذات الدواهي ولطمت على وجهها، ثم قامت وأرجعت الذي وقع إلى مكانه وقالت في نفسها: والله ما أظن إلا أن الملكة نور الهدى أرسلت إلي شيطانا فعمل معي هذه العملة، فأنا أسأل الله أن يخلصني منها ويسلمني من غضبها، فيا رب إذا كان هذا فعلها القبيح من الضرب مع أختها وهي عزيزة عند أبيها، فكيف يكون فعلها مع الغريب مثلي إذا غضبت عليه؟ وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 822 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز ذات الدواهي لما قالت: إذا كانت الملكة نور الهدى تفعل هذه الفعال مع أختها، فكيف يكون حال الغريب معها إذا غضبت عليه؟ ثم قالت: أقسمت عليك أيها الشيطان بالحنان المنان، العظيم الشأن القوي السلطان، خالق الإنس والجان، وبالنقش الذي على خاتم سليمان بن داود عليهما السلام، أن تكلمني وتجيبني. فأجابها حسن وقال ms1835 لها: ما أنا شيطان، أنا حسن الولهان الهائم ثم الحيران. ثم قلع الطاقية من فوق رأسه فظهر للعجوز وعرفته، فأخذته واختلت به وقالت له: أي شيء حصل لك في عقلك حتى عبرت إلى هنا؟ رح اختف، فإن هذه الفاجرة صنعت بزوجتك ما صنعت من العذاب وهي أختها، فكيف إذا وقعت بك؟ ثم حكت له جميع ما وقع لزوجته، وما هي فيه من الضيق والعقوبة والعذاب، وكذلك حكت له ما وقع لها من العذاب، ثم قالت له: إن الملكة ندمت حيث أطلقتك، وقد أرسلت إليك من يحضرك لها وتعطيه من الذهب قنطارا، وتجله في رتبتي عندها، وحلفت إن أرجعوك قتلتك وتقتل زوجتك وولديك. ثم إن العجوز بكت وأظهرت لحسن ما فعلته الملكة بها، فبكى حسن وقال: يا سيدتي، كيف الخلاص من هذه الديار ومن هذه الملكة الظالمة؟ وما الحيلة التي توصلني إلى أن أخلص زوجتي وولدي، ثم أرجع بهم إلى بلادي؟ فقالت له العجوز: ويلك انج بنفسك. فقال: لا بد لي من خلاصها وخلاص ولادي منها قهرا عنها. فقالت له العجوز: وكيف تخلصهم قهرا عنها؟ رح واختف يا ولدي حتى يأذن الله تعالى. ثم إن حسنا أراها القضيب النحاس والطاقية، فلما رأتهما العجوز فرحت بهما فرحا شديدا وقالت له: سبحان من يحيي العظام وهي رميم، والله يا ولدي ما كنت أنت وزوجتك إلا من الهالكين، والآن يا ولدي قد نجوت أنت وزوجتك وولداك؛ لأني أعرف القضيب وأعرف صاحبه، فإنه كان شيخي الذي علمني السحر، وكان ساحرا عظيما مكث مائة وخمسا وثلاثين سنة حتى أتقن هذا القضيب وهذه الطاقية، فلما انتهى من إتقانهما أدركه الموت الذي لا بد منه، وسمعته يقول لولديه: يا ولدي، هذان ما هما من نصيبكما، وإنما يأتي شخص غريب الديار يأخذهما منكما قهرا ولا تعرفان كيف يأخذهما. فقالا: يا أبانا، عرفنا كيف يصل إلى أخذهما؟ فقال: لا أعرف ذلك. فكيف وصلت يا ولدي لأخذهما؟ فحكى لها كيف أخذهما من الولدين. فلما حكى لها فرحت بذلك وقالت له: يا ms1836 ولدي، كما ملكت زوجتك وولديك، اسمع مني ما أقول لك عليه؛ أنا ما بقي لي عند هذه الفاجرة إقامة بعدما تجاسرت علي ونكلتني، وأنا راحلة من عندها إلى مغارة السحرة لأقيم عندهم وأعيش معهم إلى أن أموت، وأنت يا ولدي البس الطاقية وخذ القضيب في يدك وادخل على زوجتك وولديك في المكان الذي هم فيه، واضرب الأرض بالقضيب وقل: يا خدام هذه الأسماء. تطلع إليك خدامه، فإن طلع لك أحد من رءوس القبائل فأمره بما تريد وتختار. ثم إنه ودعها وخرج ولبس الطاقية وأخذ القضيب معه ودخل المكان الذي فيه زوجته، فرآها في حالة العدم مصلوبة على السلم، وشعرها مربوط فيه، وهي باكية العين حزينة القلب في أسوأ حال، لا تدري طريقة لخلاصها، وولداها تحت السلم يلعبان، وهي تنظرهما وتبكي عليهما وعلى نفسها بسبب ما جرى لها مما أصابها، وهي تقاسي من العذاب والضرب المؤلم أشد النكال، فلما رآها في أسوأ الحالات سمعها تنشد هذه الأبيات: # لم يبق إلا نفس هافت %~% ومقلة إنسانها باهت ~~ومغرم تضرم أحشاؤه %~% بالنار إلا أنه ساكت ~~يرثي له الشامت مما رأى %~% يا ويح من يرثي له الشامت # ثم إن حسنا لما رأى ما هي فيه من العذاب والذل والهوان، بكى حتى غشي عليه، فلما أفاق ورأى ولديه وهما يلعبان وقد غشي على أمهما من كثرة التألم، كشف الطاقية عن رأسه فصاحا: يا أبانا. فغطى رأسه، واستفاقت أمهما من غشيتها على صياحهما، فلم تنظر زوجها، وإنما نظرت ولديها وهما يبكيان ويصيحان: يا أبانا. فبكت لما سمعتهما يذكران أباهما ويبكيان، وانكسر قلبها وتقطعت أحشاؤها، ونادت من كبد قد تصدع وقلب موجع: أين أنتما وأين أبوكما؟ ثم تذكرت أوقات اجتماع شملهم، وتذكرت ما جرى عليها بعد فراقه، فبكت بكاء شديدا حتى جرحت دموعها خديها وبلت الأرض، وصارت خدودها غريقة في دموعها من كثرة البكاء، وليس لها يد مطلوقة حتى تمسح دموعها بها عن خدودها، وشبع الذباب من جلدها، ولم تجد لها مساعدا غير البكاء والتسلي بإنشاد الأشعار، فأنشدت ms1837 هذه الأبيات: # وذكرت يوم البين بعد مودعي %~% فجرت دموعي أنهرا في مرجعي ~~وحدا بهم حادي الركاب فلم أجد %~% صبرا ولا جلدا ولا قلبي معي ~~ورجعت لا أدري الطريق ولم أفق %~% من لوعتي وتولعي وتوجعي ~~وأضر ما بي في رجوعي شامت %~% قد جاءني في صورة المتخشع ~~يا نفس إذ بعد الحبيب ففارقي %~% طيب الحياة وفي البقا لا تطمعي ~~يا صاحبي أنصت لأخبار الهوى %~% حاشا لقلبك أن أقول ولا يعي ~~أروي الغرام مسلسلا بعجائب %~% وغرائب حتى كأني الأصمعي # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 823 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا لما دخل على زوجته رأى ولديه وسمعها تنشد الأبيات التي ذكرناها، وقد التفتت يمينا وشمالا لترى سبب صياح ولديها وندائهما لأبيهما، فلم تر أحدا، ولما لم تر أحدا تعجبت من ذكر ولديها لأبيهما في هذا الوقت. هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر حسن فإنه لما سمع شعرها بكى حتى غشي عليه، وجرت دموعه على خديه مثل المطر، ودنا من الولدين وكشف الطاقية، فلما رأياه عرفاه وصاحا بقولهما: يا أبانا. فبكت أمهما حين سمعتهما يذكران أباهما وقالت: لا حيلة في قدر الله. وقالت في نفسها: يا للعجب! ما سبب ذكرهما لأبيهما في هذا الوقت وندائهما له؟ ثم بكت وأنشدت هذه الأبيات: # خلت الديار من السراج الطالع %~% يا مقلتي جودي بفيض الأدمع ~~رحلوا فكيف تصبري من بعدهم %~% أقسمت ما قلبي ولا صبري معي ~~يا راحلين وفي الفؤاد محلهم %~% هل بعد ذا يا سادتي من مرجع ~~ما ضر لو رجعوا وفزت بأنسهم %~% ورثوا لفيض مدامعي وتوجعي ~~أجروا سحائب مقلتي يوم النوى %~% عجبا ولم يطفأ تضرم أضلعي ~~وطمعت أن يبقوا فعاندني البقا %~% فيهم وخيب بالتفرق مطمعي ~~بالله يا أحبابنا عودوا لنا %~% فلقد كفى ما قد جرى من أدمعي # فلم يطق حسن الصبر دون أن يكشف الطاقية عن رأسه، فنظرته زوجته، فلما عرفته زعقت زعقة أزعجت جميع من في القصر، ثم قالت له: كيف وصلت إلى هنا؟ ms1838 هل من السماء نزلت أو من الأرض طلعت؟ ثم تغرغرت عيونها بالدموع، فبكى حسن، فقالت له: يا رجل، ما هذا وقت بكاء ولا وقت عتاب، قد نفذ القضاء وعمي البصر وجرى القلم بما حكم الله في القدم، فبالله عليك، من أي مكان جئت رح واختف لئلا ينظرك أحد فيعلم أختي بذلك فتذبحني وتذبحك. فقال لها حسن: يا سيدتي وسيدة كل ملكة، أنا خاطرت بروحي وجئت إلى هنا، فإما أن أموت، وإما أن أخلصك من الذي أنت فيه وأسافر أنا وأنت وولدي إلى بلادي على رغم أنف هذه الفاجرة أختك. فلما سمعت كلامه تبسمت وضحكت وصارت تحرك رأسها زمانا طويلا وقالت له: هيهات يا روحي أن يخلصني أحد مما أنا فيه إلا الله تعالى، ففز بنفسك وارحل ولا ترم روحك في الهلاك، فإن لها عسكرا جرارا ما قدر أحد أن يقابله، وهب أنك أخذتني وخرجت، فكيف تصل إلى بلادك وتخلص من هذه الجزائر وصعوبة هذه الأماكن؟ وقد رأيت في الطريق الذي نظرته من العجائب والغرائب والأهوال والشدائد ما لا يخلص منه أحد من الجن المتمردة؛ فرح من قريب ولا تزدني هما على همي، ولا غما على غمي، ولا تدعي أنك تخلصني من هذا، فمن يوصلني إلى بلادك في هذه الأودية والأرض المعطشة والأماكن المهلكة؟ فقال لها حسن: وحياتك يا نور عيني ما أخرج من هنا ولا أسافر إلا بك. فقالت له: يا رجل، كيف تقدر على هذا الأمر؟ أي شيء جنسك؟ فإنك لا تعرف الذي تقوله، ولو كنت تحكم على جان وعفاريت وسحرة وأرهاط وأعوان، فإنه لا يقدر أحد أن يتخلص من هذه الأماكن؛ ففز أنت بنفسك سالما، وخلني لعل الله يحدث بعد الأمور أمورا. فقال لها حسن: يا سيدة الملاح، أنا ما جئت إلا لأخلصك بهذا القضيب وبهذه الطاقية. # ثم حكى لها حكايته مع الولدين، فبينما هو في الحديث وإذا بالملكة دخلت عليهما فسمعت حديثهما، فلما رأى الملكة لبس الطاقية، فقالت لأختها: يا فاجرة، من الذي كنت تتحدثين معه؟ فقالت ms1839 لها: ومن عندي يكلمني غير هذين الطفلين؟ فأخذت السوط وصارت تضربها به وحسن واقف ينظر، ولم تزل تضربها حتى غشي عليها، ثم أمرت بنقلها من ذلك المحل إلى محل آخر، فحلوها وخرجوا بها إلى محل غيره، وخرج حسن معهم إلى المكان الذي أوصلوها إليه، ثم ألقوها مغشيا عليها ووقفوا ينظرون إليها، فلما أفاقت من غشيتها أنشدت هذه الأبيات: # ولقد ندمت على تفرق شملنا %~% ندما أفاض الدمع من أجفاني ~~ونذرت إن عاد الزمان يلمنا %~% ما عدت أذكر فرقة بلساني ~~وأقول للحساد موتوا حسرة %~% والله إني قد بلغت أماني ~~طفح السرور علي حتى إنه %~% من فرط ما قد سرني أبكاني ~~يا عين ما بال البكا لك عادة %~% تبكين في فرح وفي أحزان # فلما فرغت من شعرها خرج من عندها الجواري، فعند ذلك قلع حسن الطاقية فقالت له زوجته: انظر يا رجل ما حل بي، هذا كله إلا لكوني عصيتك وخالفت أمرك وخرجت من غير إذنك، فبالله عليك يا رجل لا تؤاخذني بذنبي، واعلم أن المرأة ما تعرف قيمة الرجل حتى تفارقه، وأنا أذنبت وأخطأت، ولكن أستغفر الله العظيم مما وقع مني، وإن جمع الله شملنا لا أعصي لك أمرا بعد ذلك أبدا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 824 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زوجة حسن اعتذرت إليه وقالت له: لا تؤاخذني بذنبي، وأنا أستغفر الله العظيم. فقال لها حسن وقد أوجعه قلبه عليها: أنت ما أخطأت وما أخطأ إلا أنا؛ لأني سافرت وخليتك عند من لا يعرف قدرك ولا يعرف لك قيمة ولا مقدارا، واعلمي يا حبيبة قلبي وثمرة فؤادي ونور عيني أن الله سبحانه أقدرني على تخليصك، فهل تحبين أن أوصلك إلى ديار أبيك وتستوفي عنده ما قدره الله عليك، أم تسافرين إلى بلادنا عن قريب حيث حصل لك الفرج؟ فقالت له: ومن يقدر على تخليصي إلا رب السماء؟ فرح بلادك وخل عنك الطمع، فإنك لا تعرف أخطار هذه الديار، وإن لم تطعني فسوف تنظر. ms1840 ثم إنها أنشدت هذه الأبيات: # علي وعندي ما تريد من الرضا %~% فما لك غضبانا علي ومعرضا ~~وما قد جرى حاشا الذي كان بيننا %~% من الود أن ينسى قديما وينقض ~~وما برح الواشي لنا متجنبا %~% فلما رأى الإعراض منا تعرض ~~فإني بحسن الظن منك لواثق %~% وإن جهل الواشي وقال وحرض ~~علينا فسر الحب سوف نصونه %~% ولو كان سيف العذل باللوم منتضى ~~أظل نهاري كله متشوقا %~% لعل بشيرا منك يقبل بالرضا # ثم بكت هي وولداها، فسمع الجواري بكاءهم فدخلن عليهم فوجدن الملكة منار السنا تبكي هي وولداها، ولم ينظرن حسنا عندهم، فبكت الجواري رحمة لهم ودعون على الملكة نور الهدى، فصبر حسن إلى أن أقبل الليل وذهب الحرس الموكلون بها إلى مراقدهم، ثم بعد ذلك قام وشد وسطه وجاء إلى زوجته وحلها وقبل رأسها وضمها إلى صدره، وقبل ما بين عينيها وقال لها: ما أطول شوقنا إلى ديارنا واجتماع شملنا هناك! فهل اجتماعنا هذا في المنام أم في اليقظة؟ ثم إنه حمل ولده الكبير وحملت هي الولد الصغير وخرجا من القصر وقد أسبل الله عليهما الستر وسارا، فلما وصلا إلى خارج القصر وقفا عند الباب الذي يقفل على سراية الملكة، فلما صارا هناك رأياه مقفولا، فقال حسن: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم إنهما يئسا من الخلاص، فقال حسن: يا مفرج الكروب. ودق يدا على يد وقال: كل شيء حسبته ونظرت في عاقبته إلا هذا، فإنه إذا طلع علينا النهار يأخذوننا، وكيف تكون الحيلة في هذا الأمر؟ ثم إن حسنا أنشد هذين البيتين: # حسنت ظنك بالأيام إذ حسنت %~% ولم تخف سوء ما يأتي به القدر ~~وسالمتك الليالي فاغتررت بها %~% وعند صفو الليالي يحدث الكدر # ثم بكى حسن وبكت زوجته لبكائه ولما هي فيه من الإهانة وآلام الزمان، فالتفت حسن إلى زوجته وأنشد هذين البيتين: # يعاندني دهري كأني عدوه %~% وفي كل يوم بالكريهة يلقاني ~~وإن رمت خيرا جاء دهري بضده %~% إذا ما صفا يوما تكدرني ms1841 الثاني # وأنشد أيضا هذين البيتين: # تنكر لي دهري ولم يدر أنني %~% أعز وأن النائبات تهون ~~وبات يريني الخطب كيف اعتداؤه %~% وبت أريه الصبر كيف يكون # فقالت له زوجته: والله ما لنا فرج إلا أن نقتل أرواحنا ونستريح من هذا التعب العظيم، وإلا نصبح نقاسي العذاب الأليم. فبينما هما في الكلام وإذا بقائل يقول من خارج الباب: والله ما أفتح لك يا سيدتي منار السنا وزوجك حسن، إلا إن تطاوعاني فيما أقوله لكما. فلما سمعا هذا الكلام منه سكتا وأرادا الرجوع إلى المكان الذي كانا فيه، وإذا بقائل يقول: ما لكما سكتما ولم تردا على الجواب؟ فعرفا صاحب القول، وهي العجوز شواهي ذات الدواهي، فقالا لها: مهما تأمرينا به نعمله، ولكن افتحي لنا الباب، فإن أولا هذا الوقت ما هو وقت كلام. فقالت لهما: والله ما أفتح لكما حتى تحلفا لي أنكما تأخذاني معكما ولا تتركاني عند هذه العاهرة، ومهما أصابكما أصابني، وإن سلمتما سلمت، وإن عطبتما عطبت، فإن هذه الفاجرة المساحقة تحتقرني، وفي كل ساعة تنكلني من أجلكما، وأنت يا بنتي تعرفين مقداري. فلما عرفاها اطمأنا بها وحلفا لها بالأيمان التي تثق بها، فلما حلفا لها بما تثق فتحت لهما الباب وخرجا، فلما خرجا وجداها راكبة على زير رومي من فخار أحمر، وفي حلق الزير حبل من ليف وهو يتقلب من تحتها، ويجري جريا أقوى من جري المهر النجدي، فتقدمت قدامهما وقالت لهما: اتبعاني ولا تفزعا من شيء، فإني أحفظ أربعين بابا من السحر، أقل باب منها أجعل به هذه المدينة بحرا عجاجا متلاطما بالأمواج، وأسحر كل بنت فيها فتصير سمكة، وكل ذلك أعمله قبل الصبح، ولكني كنت لا أقدر أن أفعل شيئا من ذلك الشر خوفا من الملك أبيها ورعاية لأخوتها؛ لأنهم مستعزون بكثرة الأعوان والأرهاط والخدم، ولكن سوف أريكما عجائب سحري، فسيرا بنا على بركة الله تعالى وعونه. فعند ذلك فرح حسن هو وزوجته وأيقنا الخلاص. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 825 # قالت: ms1842 بلغني أيها الملك السعيد أن حسنا وزوجته والعجوز شواهي لما طلعوا من القصر وأيقنوا بالخلاص، خرجوا إلى ظاهر المدينة فأخذ حسن القضيب بيده وضرب به الأرض وقوى جنانه، وقال: يا خدم هذه الأسماء، احضروا لي وأطلعوني على إخوانكم. وإذا بالأرض قد انشقت وخرج منها عشرة عفاريت، كل عفريت منهم رجلاه في تخوم الأرض ورأسه في السحاب، فقبلوا الأرض بين يدي حسن ثلاث مرات، وقالوا كلهم بلسان واحد: لبيك يا سيدنا والحاكم علينا، بأي شيء تأمرنا؟ فنحن لأمرك سامعون ومطيعون، إن شئت نيبس لك البحار، وننقل لك الجبال من أماكنها. ففرح حسن بكلامهم وبسرعة جوابهم، فشجع قلبه وقوى جنانه وعزمه وقال لهم: من أنتم؟ وما اسمكم؟ ولمن تنسبون من القبائل؟ ومن أي طائفة أنتم؟ ومن أي قبيلة؟ ومن أي رهط؟ فقبلوا الأرض ثانيا وقالوا بلسان واحد: نحن سبعة ملوك، كل ملك منا يحكم على سبع قبائل من الجن والشياطين والمردة، فنحن سبعة ملوك نحكم على تسع وأربعين قبيلة من سائر طوائف الجن والشياطين والمردة والأرهاط والأعوان الطيارة والغواصة، وسكان الجبال والبراري والقفار وعمار البحار، فأمرنا بما تريد فنحن لك خدام وعبيد، وكل من ملك هذا القضيب ملك رقابنا جميعا ونصير تحت طاعته. فلما سمع حسن كلامهم فرح فرحا عظيما، وكذلك زوجته والعجوز، فعند ذلك قال حسن للجان: أريد منكم أن تطلعوني على رهطكم وجنودكم وأعوانكم. فقالوا: يا سيدنا، إذا أطلعناك على رهطنا نخاف عليك وعلى من معك؛ لأنهم جند كثيرة مختلفة الصور والخلق والألوان والوجوه والأبدان، فمنا رءوس بلا أبدان، ومنا أبدان بلا رءوس، ومنا من هو على صفة الوحوش، ومنا من هو على صفة السباع، ولكن إن شئت ذلك فلا بد لنا من أن نعرض عليك أولا من هو على صفة الوحوش، ولكن يا سيدي ما تريد منا في هذا الوقت؟ فقال لهم حسن: أريد منكم أن تحملوني أنا وزوجتي وهذه المرأة الصالحة في هذه الساعة إلى مدينة بغداد. فلما سمعوا كلامه أطرقوا رءوسهم، فقال لهم حسن: لم لا تجيبون؟ ms1843 فقالوا بلسان واحد: أيها السيد الحاكم علينا، إننا من عهد السيد سليمان بن داود عليهما السلام، وكان حلفنا أننا لا نحمل أحدا من بني آدم على ظهورنا، فنحن من ذلك الوقت ما حملنا أحدا من بني آدم على أكتافنا ولا على ظهورنا، ولكن نحن في هذه الساعة نشد لك من خيول الجن ما يبلغك بلادك أنت ومن معك. فقال لهم حسن: وكم بيننا وبين بغداد؟ فقالوا له: مسافة سبع سنين للفارس المجد. فتعجب حسن من ذلك وقال لهم: كيف جئت أنا إلى هنا فيما دون السنة؟ فقالوا له: أنت قد حنن الله عليك قلوب عباده الصالحين، ولولا ذلك ما كنت تصل إلى هذه الديار والبلاد ولا تراها بعينك أبدا؛ لأن الشيخ عبد القدوس الذي أركبك الفيل وأركبك الجواد الميمون، قطع بك في الثلاثة أيام ثلاث سنين للفارس المجد في السير، وأما الشيخ أبو الرويش الذي أعطاك لدهنش، فإنه قد قطع بك في اليوم والليلة مسافة ثلاثة سنين، وهذا من بركة الله العظيم؛ لأن الشيخ أبا الرويش من ذرية آصف بن برخيا، وهو يحفظ اسم الله الأعظم، ومن بغداد إلى قصر البنات سنة؛ فهذه هي السبع سنين. فلما سمع حسن كلامه تعجب عجبا عظيما وقال: سبحان الله مهون العسير، وجابر الكسير، ومقرب البعيد، ومذل كل جبار عنيد، الذي هون علي كل أمر، وأوصلني إلى هذه الديار، وسخر لي هؤلاء العالم وجمع شملي بزوجتي وولدي، فما أدري هل أنا نائم أم يقظان؟ وهل أنا صاح أم سكران؟ ثم التفت إليهم وقال لهم: إذا أركبتموني خيولكم ففي كم يوم تصل بنا إلى بغداد؟ فقالوا: تصل بك فيما دون السنة، بعد أن تقاسي الأمور الصعاب والشدائد والأهوال، وتقطع أودية معطشة وقفارا موحشة وبراري ومهالك كثيرة، ولا نأمن عليك يا سيدي من أهل هذه الجزائر. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 826 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجان قالوا لحسن: لا نأمن عليك يا سيدي من أهل هذه الجزائر، ولا ms1844 من شر الملك الأكبر، ولا من هذه السحرة والكهنة، فربما يقهروننا ويأخذونكم منا ونبتلى بهم، وكل من بلغه الخبر بعد ذلك يقول لنا: أنتم الظالمون، كيف قدمتم على الملك الأكبر وحملتم الإنس من بلاده، وحملتم أيضا ابنته معكم؟ ولو كنت معنا وحدك لهان علينا الأمر، ولكن الذي أوصلك إلى هذه الجزائر قادر أن يوصلك إلى بلادك، ويجمع شملك بأمك قريبا غير بعيد، فاعزم وتوكل على الله، ولا تخف فنحن بين يديك حتى نوصلك إلى بلادك. فشكرهم حسن على ذلك وقال لهم: جزاكم الله خيرا. ثم قال لهم: عجلوا بالخيل. فقالوا: سمعا وطاعة. ثم دقعوا الأرض بأرجلهم فانشقت فغابوا فيها ساعة، ثم حضروا وإذا بهم قد طلعوا ومعهم ثلاث أفراس مسرجة ملجمة، وفي مقدم كل سرج خرج في إحدى عينيه ركوة ملآنة ماء، والعين الأخرى ملآنة زادا، ثم قدموا الخيل فركب حسن جوادا وأخذ ولدا قدامه، وركبت زوجته الجواد الثاني وأخذت ولدا قدامها، ثم نزلت العجوز من فوق الزير وركبت الجواد الثالث وساروا، ولم يزالوا سائرين طول الليل حتى أصبح الصباح، فعرجوا عن الطريق وقصدوا الجبل وألسنتهم لا تفتر عن ذكر الله، وساروا النهار كله تحت الجبل، فبينما هم سائرون إذ نظر حسن إلى جبل قدامه مثل العامود، وهو طويل كالدخان المتصاعد إلى السماء، فقرأ شيئا من القرآن وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فصار ذلك السواد يظهر كلما تقربوا منه، فلما دنوا منه وجدوه عفريتا رأسه كالقبة العظيمة، وأنيابه كالكلاليب، ومنخراه كالإبريق، وأذناه كالأدراق، وفمه كالمغارة، وأسنانه كعواميد الحجارة، ويداه كالمداري، ورجلاه كالصواري، ورأسه في السحاب، وقدمه في تخوم الأرض تحت التراب؛ فلما نظر حسن إلى العفريت انحنى وقبل الأرض بين يديه، فقال له: يا حسن، لا تخف مني، أنا رئيس عمار هذه الأرض، وهذه أول جزيرة من جزائر واق، وأنا مسلم موحد بالله، وسمعت بكم وعرفت قدومكم، ولما اطلعت على حالكم اشتهيت أن أرحل من بلاد السحرة إلى أرض غيرها تكون خالية من السكان، بعيدة من الإنس والجان، أعيش فيها ms1845 منفردا وحدي، وأعبد الله حتى يدركني أجلي، فأردت أن أرافقكم وأكون دليلكم حتى تخرجوا من هذه الجزائر، وأنا ما أظهر إلا بالليل، فطيبوا قلوبكم من جهتي، فإنني مسلم مثلما أنتم مسلمون. فلما سمع حسن كلام العفريت فرح فرحا شديدا وأيقن بالنجاة، ثم التفت إليه وقال له: جزاك الله خيرا، فسر معنا على بركة الله. فسار العفريت قدامهم وصاروا يتحدثون ويلعبون، وقد طابت قلوبهم وانشرحت صدورهم، وصار حسن يحكي لزوجته جميع ما جرى له وما قاساه، ولم يزالوا سائرين طول الليل. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 827 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنهم لم يزالوا سائرين طول الليل إلى الصباح، والخيل تسير بهم كالبرق الخاطف، فلما طلع النهار مد كل واحد يده في خرجه وأخرج منه شيئا وأكله، وأخرج ماء وشربه، ثم جدوا في السير، ولم يزالوا سائرين والعفريت أمامهم وقد عرج بهم عن الطريق إلى طريق أخرى غير مسلوكة على شاطئ البحر، وما زالوا يقطعون الأودية والقفار مدة شهر كامل، وفي اليوم الحادي والثلاثين طلعت عليهم غبرة سدت الأقطار وأظلم منها النهار، فلما نظرها حسن لحقه الاصفرار، وقد سمعوا ضجات مزعجة، فالتفتت العجوز إلى حسن وقالت له: يا ولدي، هذه عساكر جزائر واق قد لحقونا، وفي هذه الساعة يأخذوننا قبضا باليد. فقال لها حسن: ما أصنع يا أمي؟ فقالت له: اضرب الأرض بالقضيب. ففعل فطلع إليه السبعة ملوك وسلموا عليه وقبلوا الأرض بين يديه وقالوا له: لا تخف ولا تحزن. ففرح حسن بكلامهم وقال: أحسنتم يا سادة الجن والعفاريت، هذا وقتكم. فقالوا له: اطلع أنت وزوجتك وولداك ومن معك فوق الجبل وخلونا نحن وإياهم؛ لأننا نعرف أنكم على الحق وهم على الباطل، وينصرنا الله عليهم. فنزل حسن هو وزوجته وولداه والعجوز عن ظهور الخيل، وصرفوا الخيل وطلعوا على طرف الجبل. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 828 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسنا صعد هو وزوجته وولداه والعجوز على طرف ms1846 الجبل بعد أن صرفوا الخيل، ثم بعد ذلك أقبلت الملكة نور الهدى بعساكر ميمنة وميسرة، ودارت عليهم النقباء وصفوهم جملة جملة، وقد التقى العسكران، وتصادم الجمعان، والتهبت النيران، وأقدمت الشجعان، وفر الجبان، ورمت الجن من أفواهها لهيب الشرر إلى أن أقبل الليل المعتكر، فافترق الجمعان وانفصل الفريقان، ولما نزلوا عن خيولهم واستقروا على الأرض أشعلوا النيران، وطلع السبعة ملوك إلى حسن وقبلوا الأرض بين يديه، فأقبل عليهم وشكرهم ودعا لهم بالنصر، وسألهم عن حالهم مع عسكر الملكة نور الهدى، فقالوا له: إنهم لا يثبتون معنا غير ثلاثة أيام، فنحن كنا اليوم ظافرين بهم، وقد قبضنا منهم مقدار ألفين، وقتلنا منهم خلقا كثيرا لا يحصى عددهم، فطب نفسا وانشرح صدرا. ثم إنهم ودعوه ونزلوا إلى عسكرهم يحرسونه، وما زالوا يشعلون النيران إلى أن طلع الصباح، وأضاء بنوره ولاح، فركبت الفرسان الخيل القراح، وتضاربوا بمرهفات الصفاح، وتطاعنوا بسمر الرماح، وباتوا على ظهور الخيل وهم يلتطمون التطام البحار، واستعر بينهم في الحرب لهيب النار، ولم يزالوا في نضال وسباق حتى انهزمت عساكر واق، وانكسرت شوكتهم وانحطت همتهم، وزلت أقدامهم وأينما هربوا فالهزيمة قدامهم، فولوا الأدبار وركبوا إلى الفرار، وقتل أكثرهم وأسرت الملكة نور الهدى، هي وكبار مملكتها وخواصها. # فلما أصبح الصباح حضر الملوك السبعة بين يدي حسن ونصبوا له سريرا من المرمر مصفحا بالدر والجوهر، فجلس فوقه ونصبوا عنده سريرا آخر للسيدة منار السنا زوجته، وذلك السرير من العاج المصفح بالذهب الوهاج، ونصبوا جنبه سريرا آخر للعجوز شواهي ذات الدواهي، ثم إنهم قدموا الأسارى بين يدي حسن ومن جملتهم الملكة نور الهدى، وهي مكتفة اليدين مقيدة الرجلين، فلما رأتها العجوز قالت لها: ما جزاؤك يا فاجرة يا ظالمة إلا من يجوع كلبتين ويربطهما معك في أذناب الخيل، ويسوقهما إلى البحر حتى يتمزق جلدك، وبعد ذلك يقطع من لحمك ويطعمك؛ كيف فعلت بأختك هذه الفعال يا فاجرة؟ مع أنها تزوجت في الحلال بسنة الله ورسوله؛ لأنه لا رهبانية في الإسلام، والزواج من سنن المرسلين ms1847 عليهم السلام، وما خلقت النساء إلا للرجال. فعند ذلك أمر حسن بقتل الأسارى جميعهم، فصاحت العجوز وقالت: اقتلوهم ولا تبقوا منهم أحدا. فلما رأت الملكة منار السنا أختها في هذه الحالة وهي مقيدة مأسورة، بكت عليها وقالت لها: يا أختي، ومن هذا الذي أسرنا في بلادنا وغلبنا؟ فقالت لها: هذا أمر عظيم، إن هذا الرجل الذي اسمه حسن قد ملكنا وحكمه الله فينا، وفي سائر ملكنا، وتغلب علينا وعلى ملوك الجن. فقالت لها أختها: ما نصره الله عليكم ولا قهركم ولا أسركم إلا بهذه الطاقية والقضيب. فتحققت أختها ذلك، وعرفت أنه خلصها بهذا السبب، فتضرعت لأختها حتى حن قلبها عليها، ثم قالت لزوجها حسن: ما تريد أن تفعل بأختي؟ فها هي بين يديك، وهي ما فعلت مكروها حتى تؤاخذها به. فقال لها: كفى تعذيبها إياك مكروها. فقالت له: كل مكروه فعلته معي كانت معذورة فيه، وأما أنت فإنك قد أحرقت قلب أبي بفقدي، فكيف يكون حاله بعد أختي؟ فقال لها حسن: الرأي رأيك مهما أردته فافعليه. فعند ذلك أمرت الملكة منار السنا بحل الأسارى جميعهم، فحلوهم لأجل أختها، وكذلك أختها، وبعد ذلك أقبلت على أختها وعانقتها وصارت تبكي هي وإياها، ولم يزالا كذلك ساعة زمانية، ثم قالت الملكة نور الهدى لأختها: يا أختي، لا تؤاخذيني بما فعلته معك. فقالت لها السيدة منار السنا: يا أختي، إن هذا كان مقدرا علي. ثم جلست هي وأختها على السرير يتحدثان، وبعد ذلك أصلحت منار السنا بين العجوز وبين أختها على أحسن ما يكون وطابت قلوبهما، ثم إن حسنا صرف العسكر الذين كانوا في خدمة القضيب، وشكرهم على ما فعلوه من نصره على أعدائه. # ثم إن السيدة منار السنا حكت لأختها جميع ما جرى لها مع زوجها حسن، وجميع ما جرى له وما قاساه من أجلها، وقالت لها: يا أختي، من كانت هذه الفعال فعاله، وهذه القوة قوته، وقد أيده الله تعالى بشدة البأس حتى دخل بلادنا وأخذك وأسرك وهزم عسكرك، وقهر أباك الملك ms1848 الأكبر الذي يحكم على ملوك الجن، يجب ألا يفرط في حقه. فقالت لها أختها: والله يا أختي لقد صدقت فيما أخبرتني به من العجائب التي قاساها هذا الرجل، وهل كل هذا من أجلك يا أختي؟ وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 829 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السيدة منار السنا لما أخبرت أختها بأوصاف حسن قالت لها: والله إن هذا الرجل ما يفرط فيه، خصوصا بسبب مروءته، وهل كل هذا من أجلك؟ قالت: نعم. ثم إنهم باتوا يتحدثون إلى الصباح، فلما طلعت الشمس أرادوا الرحيل، فودع بعضهم بعضا، وودعت منار السنا العجوز بعدما أصلحت بينها وبين أختها نور الهدى؛ فعند ذلك ضرب حسن الأرض بالقضيب، فطلع له خدامه وسلموا عليه وقالوا له: الحمد لله على هدوء سرك، فأمرنا بما تريد حتى نعمله لك في أسرع من لمح البصر. فشكرهم على قولهم وقال لهم: جزاكم الله خيرا. ثم إنه قال لهم: شدوا لنا جوادين من أحسن الخيل. ففعلوا ما أمرهم به في الوقت وقدموا له جوادين مسرجين، فركب حسن جوادا منهما وأخذ ولده الكبير قدامه، وركبت زوجته الجواد الآخر وأخذت ولدها الصغير قدامها، وركبت الملكة نور الهدى هي والعجوز، وتوجه الجميع إلى بلادهم، فسار حسن هو وزوجته يمينا، وسارت الملكة نور الهدى هي والعجوز شمالا، ولم يزل حسن سائرا هو وزوجته وولداه مدة شهر كامل، وبعد الشهر أشرفوا على مدينة فوجدوا حولها أثمارا وأنهارا، فلما وصلوا إلى تلك الأشجار نزلوا عن ظهور الخيل وأرادوا الراحة، ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هم بخيول كثيرة قد أقبلت عليهم، فلما رآهم حسن قام على رجليه وتلقاهم، وإذا هم الملك حسون صاحب أرض الكافور وقلعة الطيور، فعند ذلك تقدم حسن إلى الملك وقبل يديه وسلم عليه، ولما رآه الملك ترجل عن ظهر جواده، وجلس هو وحسن على الفرش تحت الأشجار، بعد أن سلم على حسن وهنأه بالسلامة، وفرح به فرحا شديدا، وقال له: يا حسن، أخبرني بما جرى لك من أوله ms1849 إلى آخره. فأخبره حسن بجميع ذلك، فتعجب منه الملك حسون وقال له: يا ولدي، ما وصل أحد إلى جزائر واق ورجع منها أبدا إلا أنت، فأمرك عجيب، ولكن الحمد لله على السلامة. # ثم بعد ذلك قام الملك وركب وأمر حسنا أن يركب ويسير معه ففعل، ولم يزالوا سائرين إلى أن أتوا إلى المدينة، فدخلوا دار الملك، فنزل الملك حسون ونزل حسن هو وزوجته وولداه في دار الضيافة، فلما نزلوا أقاموا عنده ثلاثة أيام في أكل وشرب وطرب، ثم بعد ذلك استأذن حسن الملك حسون في السفر إلى بلاده، فأذن له فركب هو وزوجته وولداه، وركب الملك معهم وساروا عشرة أيام، فلما أراد الملك الرجوع ودع حسنا، وسار حسن هو وزوجته وولداه، ولم يزالوا سائرين مدة شهر كامل، فلما كان بعد الشهر أشرفوا على مغارة كبيرة أرضها من النحاس الأصفر، فقال حسن لزوجته: انظري هذه المغارة هل تعرفينها؟ قالت: نعم. قال: إن فيها شيخا يسمى أبا الرويش، وله علي فضل كبير؛ لأنه هو الذي كان سببا في المعرفة بيني وبين الملك حسون. وصار يحدث زوجته بخبر أبي الرويش، وإذا بالشيخ أبي الرويش قد خرج من باب المغارة، فلما رآه حسن نزل عن جواده وقبل يديه، فسلم عليه الشيخ أبو الرويش وهنأه بالسلامة، وفرح به وأخذه ودخل به المغارة وجلس هو وإياه، وصار يحدث الشيخ أبا الرويش بما جرى له في جزائر واق، فتعجب الشيخ أبو الرويش غاية العجب، وقال: يا حسن، كيف خلصت زوجتك وولديك؟ فحكى له حكاية القضيب والطاقية، فلما سمع الشيخ أبو الرويش تلك الحكاية تعجب وقال: يا حسن يا ولدي، لولا هذا القضيب وهذه الطاقية ما كنت خلصت زوجتك وولديك. فقال له حسن: نعم يا سيدي. فبينما هما في الكلام، وإذا بطارق يطرق باب المغارة، فخرج الشيخ أبو الرويش وفتح الباب، فوجد الشيخ عبد القدوس قد أتى وهو راكب فوق الفيل، فتقدم الشيخ أبو الرويش وسلم عليه واعتنقه، وفرح به فرحا عظيما وهنأه بالسلامة، وبعد ذلك قال الشيخ ms1850 أبو الرويش لحسن: احك للشيخ عبد القدوس جميع ما جرى لك يا حسن. فشرع حسن يحكي للشيخ جميع ما جرى له من أوله إلى آخره، إلى أن وصل إلى حكاية القضيب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 830 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسنا شرع يحكي للشيخ عبد القدوس والشيخ أبي الرويش - وهم في المغارة يتحدثون - جميع ما جرى له من أوله إلى آخره، إلى أن وصل إلى حكاية القضيب والطاقية، فقال الشيخ عبد القدوس لحسن: يا ولدي، أما أنت فقد خلصت زوجتك وولديك، ولم يبق لك حاجة بهما، وأما نحن فإننا كنا السبب في وصولك إلى جزائر واق، وقد عملت معك الجميل لأجل بنات أخي، وأنا أسألك من فضلك وإحسانك أن تعطيني القضيب، وتعطي الشيخ أبا الرويش الطاقية. فلما سمع حسن كلام الشيخ عبد القدوس أطرق رأسه إلى الأرض واستحى أن يقول ما أعطيهما لكما، ثم قال في نفسه: إن هذين الشيخين قد فعلا معي جميلا عظيما، وهما اللذان كانا السبب في وصولي إلى جزائر واق، ولولاهما ما وصلت إلى هذه الأماكن ولا خلصت زوجتي وولدي، ولا حصلت على هذا القضيب وهذه الطاقية. ثم رفع رأسه وقال: نعم أنا أعطيهما لكما، ولكن يا سادتي إني أخاف من الملك الأكبر والد زوجتي أن يأتيني بعساكر إلى بلادنا، فيقاتلوني ولا أقدر على دفعهم إلا بالقضيب والطاقية. فقال الشيخ عبد القدوس لحسن: يا ولدي، لا تخف، فنحن نبقى لك جاسوسا وردا في هذا الموضع، وكل من أتى إليك من عند والد زوجتك ندفعه عنك، ولا تخف من شيء أصلا جملة كافية، فطب نفسا وقر عينا وانشرح صدرا ما عليك بأس. فلما سمع حسن كلام الشيخ، أخذه الحياء وأعطى الطاقية للشيخ أبي الرويش، وقال للشيخ عبد القدوس: اصحبني إلى بلادي وأنا أعطيك القضيب. ففرح الشيخان بذلك فرحا شديدا، وجهزا لحسن من الأموال والذخائر ما يعجز عنه الوصف، ثم أقام عندهما ثلاثة أيام، وبعد ذلك طلب السفر، فتجهز الشيخ ms1851 عبد القدوس للسفر معه، فلما ركب حسن دابة وأركب زوجته دابة، صفر الشيخ عبد القدوس، وإذا بفيل عظيم قد أقبل يهرول بيديه ورجليه من صدر البرية، فأخذه الشيخ عبد القدوس وركبه وسار هو وحسن وزوجته وولداه، وأما الشيخ أبو الرويش فإنه دخل المغارة. وما زال حسن وزوجته وولداه والشيخ عبد القدوس سائرين يقطعون الأرض بالطول والعرض، والشيخ عبد القدوس يدلهم على الطريق السهلة والمنافذ القريبة حتى قربوا من الديار، وفرح حسن بقربه من ديار والدته ورجوع زوجته وولديه إليه، وحين وصل حسن إلى تلك الديار بعد هذه الأهوال الصعبة، حمد الله تعالى على ذلك، وشكره على نعمته وفضله، وأنشد هذه الأبيات: # لعل الله يجمعنا قريبا %~% فنصبح في مكانفة العناق ~~وأخبركم بأعجب ما جرى لي %~% وما لاقيت من ألم الفراق ~~وأشفي مقلتي نظرا إليكم %~% فإن القلب أصبح في اشتياق ~~خبأت لكم حديثا في فؤادي %~% لأخبركم به عند التلاقي ~~أعاتبكم على ما كان منكم %~% عتابا ينقضي والود باق # فلما فرغ حسن من شعره نظر، وإذا هم قد لاحت لهم القبة الخضراء والفسقية والقصر الأخضر، ولاح لهم جبل السحاب من بعيد، فقال لهم الشيخ عبد القدوس: يا حسن، أبشر بالخير، فأنت الليلة ضيف عن بنات أخي. ففرح حسن بذلك فرحا شديدا وكذلك زوجته، ثم إنهم نزلوا عند القبة واستراحوا وأكلوا وشربوا، ثم ركبوا وساروا حتى قربوا من القصر، فلما أشرفوا عليه خرجت لهم بنات أخي الشيخ عبد القدوس وتلقينهم وسلمن عليهم وعلى عمهم، وسلم عليهم عمهم، وقال لهم: يا بنات أخي، ها أنا قد قضيت حاجة أخيكم حسن، وساعدته على خلاص زوجته وولديه. فتقدم إليه البنات وعانقنه وفرحن به وهنأنه بالسلامة والعافية وجمع الشمل بزوجته وولديه، وكان عندهن يوم عيد. ثم تقدمت أخت حسن الصغيرة وعانقته وبكت بكاء شديدا، وكذلك حسن بكى معها على طول الوحشة، ثم شكت له ما تجده من ألم الفراق وتعب سرها، وما قاسته من فراقه، وأنشدت هذين البيتين: # وما نظرت من بعد بعدك مقلتي %~% إلى أحد إلا وشخصك ms1852 ماثل ~~وما غمضت إلا رأيتك في الكرى %~% كأنك بين الجفن والعين نازل ![figure](../Images/figure9.png) # وجمع حسن بزوجته وأولاده، وكان عندهم يوم عيد. # فلما فرغت من شعرها فرحت فرحا شديدا، فقال لها حسن: يا أختي، أنا ما أشكر أحدا في هذا الأمر إلا أنت من دون سائر الأخوات، فالله تعالى يكون لك بالعون والعناية. ثم إنه حدثها بجميع ما جرى له في سفره من أوله إلى آخره، وما قاساه وما اتفق له مع أخت زوجته، وكيف خلص زوجته وولديه، وحدثها بما رآه من العجائب والأهوال الصعاب، حتى إن أختها كانت أرادت أن تذبحه وتذبحها وتذبح ولديهما، وما سلمهم منها إلا الله تعالى. ثم حكى لها حكاية القضيب والطاقية، وأن الشيخ أبا الرويش والشيخ عبد القدوس طلباهما منه، وأنه ما أعطاهما لهما إلا من شأنها؛ فشكرته على ذلك ودعت له بطول البقاء، فقال: والله ما أنسى كل ما فعلته معي من الخير من أول الأمر إلى آخره. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 831 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسنا لما اجتمع بالبنات حكى لأخته جميع ما قاساه وقال لها: أنا ما أنسى الذي فعلته معي من أول الزمان إلى آخره. فالتفتت أخته إلى زوجته منار السنا وعانقتها وضمت ولديها إلى صدرها، ثم قالت لها: يا بنت الملك الأكبر، أما في قلبك رحمة حتى فرقت بينه وبين ولديه وحرقت قلبه عليهما؟ فهل كنت تريدين بهذا الفعل أن يموت؟ فضحكت وقالت: بهذا حكم الله سبحانه وتعالى، ومن خادع الناس خدعه الله. ثم أحضروا شيئا من الأكل والشرب وأكلوا جميعا وشربوا وانشرحوا، ثم إنه أقام عندهم عشرة أيام في أكل وشرب وفرح وسرور، ثم بعد العشرة أيام تجهز حسن للسفر، فقامت أخته وجهزت له من المال والتحف ما يعجز عنه الوصف، ثم ضمته إلى صدرها لأجل الوداع وعانقته، فأشار إليها حسن وأنشد هذه الأبيات: # ما سلوة العشاق إلا بعيد %~% وما فراق الحب إلا شديد ~~وما الجفا والبعد إلا عناء %~% وما قتيل ms1853 الحب إلا شهيد ~~ما أطول الليل على عاشق %~% قد فارق الخل وأمسى فريد ~~دموعه تجري على خده %~% يقول يا للدمع هل من مزيد # ثم إن حسنا أعطى الشيخ عبد القدوس القضيب، ففرح به فرحا شديدا وشكر حسنا على ذلك، وبعد أن أخذه منه ركب ورجع إلى محله، ثم ركب حسن هو وزوجته وأولاده من قصر البنات، ثم خرجوا معه يودعنه، وبعد ذلك رجعن، ثم توجه حسن إلى بلاده فسار في البر الأقفر مدة شهرين وعشرة أيام حتى وصل إلى مدينة بغداد دار السلام، فجاء إلى داره من باب السر الذي يفتح إلى جهة الصحراء والبرية، وطرق الباب، وكانت والدته من طول غيبته قد هجرت المنام ولزمت الحزن والبكاء والعويل حتى مرضت وصارت لا تأكل طعاما ولا تلتذ بمنام، بل تبكي في الليل والنهار، ولا تفتر عن ذكر ولدها وقد يئست من رجوعه إليها، فلما وقف على الباب وسمعها تبكي وتنشد هذه الأبيات: # بالله يا سادتي طبوا مريضكم %~% فجسمه ناحل والقلب مكسور ~~فإن سمحتم بوصل منكم كرما %~% فالصب من نعم الأحباب مغمور ~~لا بأس من قربكم فالله مقتدر %~% أن يجمع الشمل فالإحسان تقدير # فلما فرغت من شعرها سمعت ولدها حسنا ينادي على الباب: يا أماه، إن الأيام قد سمحت بجمع الشمل. فلما سمعت كلامه عرفته، فجاءت إلى الباب وهي ما بين مصدق ومكذب، فلما فتحت الباب رأت ولدها واقفا هو وزوجته وولداه معه، فصاحت من شدة الفرح ووقعت في الأرض مغشيا عليها، فما زال حسن يلاطفها حتى أفاقت وعانقته ثم بكت، وبعد ذلك نادت غلمانه وعبيده وأمرتهم أن يدخلوا جميع ما معه في الدار، فأدخلوا الأحمال في الدار، ثم دخلت زوجته وولداه فقامت لها أمه وعانقتها وقبلت رأسها وقبلت قدميها، وقالت لها: يا ابنة الملك الأكبر، إن كنت أخطأت في حقك، فها أنا أستغفر الله العظيم. ثم التفتت إلى ابنها وقالت له: يا ولدي، ما سبب هذه الغيبة الطويلة؟ فلما سألته عن ذلك أخبرها بجميع ما جرى له من أوله إلى ms1854 آخره، فلما سمعت كلامه صرخت صرخة عظيمة ووقعت في الأرض مغشيا عليها من ذكر ما جرى لولدها، فلم يزل يلاطفها حتى أفاقت وقالت له: يا ولدي، والله لقد فرطت في القضيب والطاقية، فلو كنت احتفظت عليهما وأبقيتهما لكنت ملكت الأرض بطولها والعرض، ولكن الحمد لله يا ولدي على سلامتك أنت وزوجتك وولديك. وباتوا في أهنأ ليلة وأطيبها، فلما أصبح الصباح غير ما عليه من الثياب، ولبس بدلة من أحسن القماش، ثم خرج إلى السوق وصار يشتري العبيد والجواري والقماش والشيء النفيس من الحلي والحلل والفراش، ومن الأواني المثمنة التي لا يوجد مثلها إلا عند الملوك، ثم اشترى الدور والبساتين والعقارات وغير ذلك، ثم أقام هو وولداه وزوجته ووالدته في أكل وشرب ولذة، ولم يزالوا في أرغد عيش وأهنأه حتى أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، فسبحان ذي الملك والملكوت، وهو الحي الباقي الذي لا يموت. ### || خليفة الصياد # ومما يحكى أيضا أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، بمدينة بغداد رجل صياد يسمى خليفة، وكان ذلك الرجل فقير الحال صعلوكا لم يتزوج في عمره قط، فاتفق له يوما من الأيام أنه أخذ شبكته ومضى بها إلى البحر مثل عادته ليصطاد قبل الصيادين، فلما وصل إلى البحر تحزم وتشمر، ثم تقدم إلى البحر ونشر شبكته ورماها أول مرة وثاني مرة، فلم يطلع فيها شيء، ولم يزل يرميها إلى أن رماها عشر مرات فلم يطلع فيها شيء أبدا، فضاق صدره وتحير فكره في أمره وقال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو، الحي القيوم، وأتوب إليه، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، الرزق على الله عز وجل، وإذا أعطى الله عبدا لا يمنعه أحد، وإذا منع عبدا لا يعطيه أحد. ثم إنه من كثرة ما حصل له من الغم أنشد هذين البيتين: # إذا رماك الدهر يوما بنكبة %~% فهيئ لها صبرا وأوسع لها صدرا ~~فإن إله العالمين بجوده %~% سيعقب بعد العسر من ms1855 فضله يسرا # ثم جلس ساعة يتفكر في أمره وهو مطرق برأسه إلى الأرض، وبعد ذلك أنشد هذه الأبيات: # اصبر على حلو الزمان ومره %~% واعلم بأن الله بالغ أمره ~~فلرب ليل في الهموم كدمل %~% عالجته حتى ظفرت بفجره ~~ولقد تمر الحادثات على الفتى %~% وتزول حتى لا تعود لفكره # ثم قال في نفسه: أرمي هذه المرة الأخرى وأتوكل على الله لعله لا يخيب رجائي. ثم إنه تقدم ورمى الشبكة على طول باعه في البحر، وطوى حبلها وصبر عليها ساعة زمانية، ثم بعد ذلك سحبها فوجدها ثقيلة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 832 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خليفة الصياد لما رمى شبكته في البحر مرارا ولم يطلع له فيها شيء، تفكر في نفسه وأنشد الأبيات السابقة ثم قال في نفسه: أرمي هذه المرة الأخرى وأتوكل على الله، لعله لا يخيب رجائي. فقام ورمى الشبكة وصبر عليها ساعة زمانية ثم سحبها فوجدها ثقيلة، فلما عرف أنها ثقيلة مارسها بلطف وسحبها حتى طلعت إلى البر، وإذا فيها قرد أعور أعرج، فلما رآه خليفة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، أي شيء هذا النجس المنجوس والطالع المنحوس؟ ما الذي حصل لي في هذا النهار المبارك؟ ولكن هذا كله بتقادير الله تعالى. ثم إنه أخذ القرد وربطه في حبل وتقدم إلى شجرة طالعة على ساحل البحر وربط فيها القرد، وكان معه سوط فأخذه في يده ورفعه في الهواء وأراد أن ينزل به على القرد، فأنطق الله هذا القرد بلسان فصيح، وقال له: يا خليفة، أمسك يدك ولا تضربني، وخلني مربوطا في هذه الشجرة، ورح إلى البحر وارم شبكتك وتوكل على الله، فإنه يأتيك برزقك. فلما سمع خليفة كلام القرد أخذ الشبكة وتقدم إلى البحر ورماها، وأرخى لها الحبل ثم سحبها فوجدها أثقل من المرة الأولى، فلم يزل يعالج فيها حتى طلعت إلى البر، وإذا فيها قرد آخر مفلج الثنايا، مكحل العينين، مخضب اليدين، وهو ms1856 يضحك وفي وسطه ثوب خلق، فقال خليفة: الحمد لله الذي أبدل بسمك البحر القرود. ثم أتى إلى ذلك القرد المربوط في الشجرة وقال له: انظر يا مشئوم، ما أقبح ما أشرت به علي! فما أوقعني في القرد الثاني إلا أنت، فإنك لما صبحتني بعرجك وعورك أصبحت غلبان تعبان لا أملك درهما ولا دينارا. ثم إنه أخذ مسوقة في يده ولفها في الهواء ثلاث مرات، وأراد أن ينزل بها على القرد، فاستغاث منه وقال له: سألتك بالله أن تعفو عني لأجل صاحبي هذا، واطلب منه حاجتك فإنه يدلك على ما تريد. فرمى خليفة المسوقة وعفا عنه. # ثم أتى إلى القرد الثاني ووقف عنده، فقال له القرد: يا خليفة، هذا الكلام ما يفيدك شيئا إلا إذا سمعت مني ما أقوله لك، فإن سمعت مني وطاوعتني ولم تخالفني كنت أنا السبب في غناك. فقال له خليفة: ما الذي تقوله لي حتى أطيعك فيه؟ فقال له: خلني مربوطا مكاني ورح إلى البحر وارم شبكتك حتى أقول لك أي شيء تفعله بعد هذا. فأخذ خليفة الشبكة ومضى إلى البحر ورماها وصبر عليها ساعة، ثم سحبها فوجدها ثقيلة، فما زال يعالج فيها حتى طلعها إلى البر، وإذا فيها قرد آخر، إلا أن هذا القرد أحمر، وفي وسطه ثياب زرق، وهو مخضب اليدين والرجلين، مكحل العينين؛ فلما نظره خليفة قال: سبحان الله العظيم، سبحان مالك الملك، إن هذا اليوم مبارك من أوله إلى آخره؛ لأن طالعه سعيد بوجه القرد الأول، والصحيفة تظهر من عنوانها، فهذا اليوم يوم قرود، ولم يبق في البحر ولا سمكة، ونحن ما خرجنا اليوم إلا لنصطاد القرود، والحمد لله الذي بدل بالسمك القرود. # ثم التفت إلى القرد الثالث وقال له: أي شيء تكون أنت الآخر يا مشئوم؟ فقال له: هل أنت لا تعرفني يا خليفة؟ قال: لا. قال: أنا قرد أبي السعادات اليهودي الصيرفي. فقال له خليفة: وأي شيء تصنع له؟ فقال له: أصبحه من أول النهار فيكسب خمسة دنانير، وأمسيه في آخر ms1857 النهار فيكتسب خمسة دنانير. فالتفت خليفة إلى القرد الأول وقال له: انظر يا مشئوم، ما أحسن قرود الناس! وأما أنت فتصبحني بعرجك وعورك وشؤم طلعتك، فأصير فقيرا مفلسا جائعا. ثم إنه أخذ المسوقة ولفها في الهواء ثلاث مرات وأراد أن ينزل بها عليه، فقال له قرد أبي السعادات: اتركه يا خليفة وارفع يدك وتعال عندي حتى أقول لك أي شيء تعمل. فرمى خليفة المسوقة من يده وتقدم إليه وقال له: على أي شيء تقول لي يا سيد القرود كلها؟ فقال له: خذ الشبكة وارمها في البحر، وخلني أنا وهؤلاء القرود قاعدين عندك، ومهما طلع لك فيها فهاته وتعال عندي وأنا أخبرك بما يسرك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 833 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قرد أبي السعادات لما قال لخليفة: خذ شبكتك وارمها في البحر، وكل شيء طلع لك فيها هاته وتعال عندي حتى أخبرك بما يسرك. قال له خليفة: سمعا وطاعة. ثم إنه إخذ الشبكة وطواها على كتفه وأنشد هذه الأبيات: # ![figure](../Images/figure10.png) # ثم إنه أخذ مسوقة وأراد أن ينزل بها على القرد، فاستغاث منه وطلب العفو. # إذا ضاق صدري أستعين بخالقي %~% قدير على تيسير كل عسير ~~فقبل ارتداد الطرف من لطف ربنا %~% فكاك أسير وانجبار كسير ~~فسلم إلى الله الأمور جميعها %~% فإفضاله يدريه كل بصير # ثم أنشد أيضا هذين البيتين: # أنت الذي قد رميت الناس في تعب %~% تنفي الهموم وأسباب البليات ~~لا تطمعني بشيء لست أدركه %~% كم طامع فات تحصيل الإرادات # فلما فرغ خليفة من شعره تقدم إلى البحر ورمى فيه الشبكة وصبر عليها ساعة ثم سحبها، وإذا فيها حوت سمك كبير الرأس، وذنبه كأنه مغرفة، وعيناه كأنهما ديناران، فلما رآه خليفة فرح به؛ لأنه ما اصطاد نظيره في عمره، فأخذه وهو متعجب منه وأتى به إلى قرد أبي السعادات اليهودي، وهو كأنه قد ملك الدنيا بحذافيرها، فقال له: ما تريد أن تصنع بهذا يا خليفة؟ وأي شيء تعمل في قردك؟ فقال له خليفة: ms1858 أنا أخبرك يا سيد القرود كلها بما أفعله؛ اعلم أني قبل كل شيء أتدبر في هلاك هذا الملعون قردي وأتخذك عوضا عنه، وأطعمك في كل يوم ما تشتهيه. فقال له القرد: حيث إنك قد اخترتني فأنا أقول لك كيف تفعل أنت، ويكون فيه صلاح حالك إن شاء الله تعالى، فافهم ما أقوله لك، وهو أنك تهيئ لي أنا الآخر حبلا وتربطني به في شجرة، ثم تتركني وتذهب إلى وسط الرصيف وتطرح شبكتك في بحر الدجلة، وإذا طرحتها فاصبر عليها قليلا واسحبها، فإنك تجد فيها سمكة ما رأيت أظرف منها طول عمرك، فهاتها وتعال عندي وأنا أقول لك كيف تفعل بعد ذلك. # فعند ذلك قام خليفة من وقته وساعته وطرح الشبكة في بحر الدجلة وسحبها، فرأى فيها سمكة بيضاء قدر الخروف، ما رأى مثلها في طول عمره، وهي أكبر من الحوت الأول، فأخذها وذهب بها إلى القرد. فقال له القرد: هات لك قدرا من الحشيش الأخضر واجعل نصفه في قفة، وحط السمكة عليها وغطها بالنصف الآخر واتركنا مربوطين، ثم احمل القفة على كتفك وادخل بها في مدينة بغداد، وكل من كلمك أو سألك فلا ترد عليه جوابا حتى تدخل سوق الصيارف، فتجد في صدر السوق دكان المعلم أبي السعادات اليهودي شيخ الصيارف، وتراه قاعدا على مرتبة ووراءه مخدة وبين يديه صندوقان؛ واحد للذهب والآخر للفضة، وعنده مماليك وعبيد وغلمان، فتقدم إليه وحط القفة قدامه وقل له: يا أبا السعادات، إني قد خرجت اليوم إلى الصيد وطرحت الشبكة على اسمك، فبعث الله تعالى هذه السمكة. فيقول: هل أريتها لغيري؟ فقل له: لا والله. فيأخذها منك ويعطيك دينارا فرده عليه، فيعطيك دينارين فردهما عليه، وكلما يعطيك شيئا رده عليه ولو أعطاك وزنها ذهبا فلا تأخذ منه شيئا؛ فيقول لك: قل لي ما تريد؟ فقل له: والله ما أبيعها إلا بكلمتين. فإذا قال لك: وما هما الكلمتان؟ فقل له: قم على رجليك وقل: اشهدوا يا من حضر في السوق أني أبدلت قرد خليفة الصياد ms1859 بقردي، وأبدلت قسمه بقسمي، وبخته ببختي، وهذا ثمنها وما لي حاجة بالذهب. فإذا فعل معك ذلك، فأنا كل يوم أصبحك وأمسيك، وتبقى كل يوم تكسب عشرة دنانير ذهبا، ويصير أبو السعادات اليهودي يصبحه قرده هذا الأعور الأعرج، فيبليه الله كل يوم بغرامة يغرمها، ولا يزال كذلك حتى يفتقر ويصير لا يملك شيئا أبدا؛ فاسمع مني ما أقوله لك تسعد وترشد. # فلما سمع خليفة الصياد كلام القرد قال له: قبلت ما أشرت به علي يا ملك القرود كلها، وأما هذا المشئوم لا بارك الله فيه، فإني لا أدري أي شيء أعمل معه. فقال له: سيبه في الماء وسيبني أنا الآخر. فقال: سمعا وطاعة. ثم تقدم إلى القرود وحلها وتركها، فنزلت في البحر، وتقدم خليفة إلى السمكة وأخذها وغسلها، وجعل تحتها حشيشا أخضر في المقطف وغطاها بحشيش أيضا، وحملها على كتفه وسار يغني بهذا الموال: # سلم أمورك إلى رب السما تسلم %~% وافعل جميلا يطل عمرك ولا تندم ~~ولا تعاشر لأرباب التهم تتهم %~% وصن لسانك لا تشتم به تشتم # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 834 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خليفة الصياد لما فرغ من مغانيه، حمل القفة على كتفه وسار، ولم يزل سائرا إلى أن دخل مدينة بغداد، فلما دخلها عرفه الناس فصاروا يصبحون عليه ويقولون: أي شيء معك يا خليفة؟ وهو لا يلتفت إلى أحد منهم حتى وصل إلى سوق الصيارف، وفات الدكاكين كما أوصاه القرد، ثم نظر إلى ذلك اليهودي فرآه جالسا في الدكان والغلمان في خدمته، وهو كأنه ملك من ملوك خراسان؛ فلما رآه خليفة عرفه، فمشى حتى وقف بين يديه، فرفع اليهودي إليه رأسه فعرفه وقال له: أهلا بك يا خليفة، ما حاجتك؟ وما الذي تريد؟ فإن كان أحد كلمك أو خاصمك فقل لي حتى أروح معك إلى الوالي، فيأخذ لك حقك منه. فقال: لا وحياة رأسك يا قيم اليهود، ما كلمني أحد، وإنما أنا سرحت اليوم من بيتي على بختك، ومضيت ms1860 إلى البحر ورميت شبكتي في الدجلة فطلعت هذه السمكة. ثم فتح المقطف ورمى السمكة قدام اليهودي، فلما رآها اليهودي استحسنها وقال: وحق التوراة والشعر والكلمات إني كنت نائما البارحة، فرأيت في المنام كأني بين يدي العذراء وهي تقول لي: اعلم يا أبا السعادات أني قد أرسلت إليك هدية مليحة. فلعل الهدية هذه السمكة من غير شك. # ثم إنه التفت إلى خليفة وقال له: بحق دينك هل رآها أحد غيري؟ فقال له خليفة: لا والله، وحق أبي بكر الصديق يا قيم اليهود ما رآها أحد غيرك. فالتفت اليهودي إلى أحد غلمانه وقال له: تعال خذ هذه السمكة ورح بها إلى البيت، وخل سعادة تجهزها وتقلي وتشوي إلى حين أقضي شغلي وأجيء. فقال له خليفة أيضا: رح يا غلام خل امرأة المعلم تقلي منها وتشوي منها. فقال الغلام: سمعا وطاعة يا سيدي. ثم إنه أخذ السمكة وذهب بها إلى البيت، وأما اليهودي فإنه مد يده بدينار وناوله لخليفة الصياد وقال له: خذ هذا لك يا خليفة واصرفه على عيالك. فلما نظره خليفة في كفه قال: سبحان مالك الملك. وكأنه ما نظر شيئا من الذهب في عمره، وأخذ الدينار ومشى قليلا، ثم إنه تذكر وصية القرد، فرجع ورمى له الدينار وقال له: خذ ذهبك وهات سمك الناس، هل أنت عندك الناس سخرية؟ فلما سمع اليهودي كلامه ظن أنه يلعب معه، فناوله دينارين على الدينار الأول، فقال له خليفة: هات السمكة بلا لعب، هل أنت تعرف أني أبيع السمك بهذا الثمن؟ فمد اليهودي يده إلى اثنين آخرين وقال له: خذ هذه الخمسة دنانير حق السمكة واترك الطمع. فأخذها خليفة في يده وتوجه بها وهو فرحان، وصار ينظر إلى الذهب ويتعجب منه ويقول: سبحان الله، ليس مع خليفة بغداد مثل ما معي في هذا اليوم. # ولم يزل سائرا حتى وصل إلى رأس السوق، ثم تذكر كلام القرد والوصية التي أوصاه بها، فرجع إلى اليهودي ورمى له الذهب؛ فقال له: ما لك يا خليفة؟ أي شيء ms1861 تطلب؟ أتأخذ صرف دنانيرك دراهم؟ فقال له: لا أريد دراهم ولا دنانير، وإنما أريد أن تعطيني سمك الناس. فغضب اليهودي وصرخ عليه وقال له: يا صياد، أتجيء لي بسمكة لا تساوي دينارا وأعطيك فيها خمسة دنانير فلا ترضى؟ هل أنت مجنون؟ قل لي: بكم تبيعها؟ فقال له خليفة: أنا لا أبيعها بفضة ولا بذهب، وما أبيعها إلا بكلمتين تقولهما لي. فلما سمع اليهودي قوله كلمتين، قامت عيناه في أم رأسه وضاقت أنفاسه، وقرط على أضراسه وقال له: يا فظاعة المسلمين، هل تريد أن أفارق ديني لأجل سمكتك، وتفسد علي ملتي وعقيدتي التي وجدت عليها آبائي من قبلي؟ وصاح على غلمانه فحضروا بين يديه، فقال لهم: ويلكم، دونكم هذا النحس، قطعوا بالصك قفاه، وأكثروا من الضرب أذاه. فنزلوا عليه بالضرب، وما زالوا يضربونه حتى وقع تحت الدكان، فقال لهم اليهودي: خلوا عنه حتى يقوم. فقام خليفة على حيله كأنه لم يكن به شيء، فقال له اليهودي: قل لي أي شيء تريده في ثمن هذه السمكة وأنا أعطيك إياه؟ فإنك ما نلت منا خيرا في هذه الساعة. فقال خليفة: لا تخف علي يا معلم من الضرب؛ لأني آكل ضربا قدر عشرة حمير. فضحك اليهودي من كلامه وقال له: بالله عليك قل لي أي شيء تريد وأنا وحق ديني أعطيك إياه. فقال له: لا يرضيني منك في ثمن هذه السمكة إلا كلمتان. فقال له اليهودي: أظن أنك تطلب مني أن أسلم. فقال له خليفة: والله يا يهودي، إن أسلمت فإسلامك لا ينفع المسلمين ولا يضر اليهود، وإن بقيت على كفرك فكفرك لا يضر المسلمين ولا ينفع اليهود، ولكن الذي أطلبه منك أن تقوم على قدميك وتقول: اشهدوا علي يا أهل السوق أني قد أبدلت بقردي قرد خليفة الصياد، وبحظي في الدنيا حظه، وببختي بخته. فقال اليهودي: إن كان هذا الأمر مرادك فهو علي هين. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 835 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن اليهودي قال ms1862 لخليفة الصياد: إن كان هذا الأمر مرادك فهو علي هين. ثم قام اليهودي من وقته وساعته ووقف على قدميه وقال مثل ما قال له خليفة الصياد، وبعد ذلك التفت إليه وقال له: هل بقي لك عندي شيء؟ فقال الصياد: لا. فقال له اليهودي: مع السلامة. فنهض خليفة من وقته وساعته، وأخذ قفته وشبكته وجاء إلى بحر الدجلة ورمى الشبكة، ثم سحبها فوجدها ثقيلة، فما طلعها إلا بعد جهد، فلما طلعها رآها ملآنة بالسمك من جميع الأصناف، فجاءت له امرأة ومعها طبق، فأعطته دينارا فأعطاها به سمكا، وجاء إليه خادم آخر وأخذ بدينار، وهكذا حتى باع سمكا بعشرة دنانير، ولم يزل يبيع في كل يوم بعشرة دنانير إلى نهاية عشرة أيام حتى جمع مائة دينار ذهبا. # وكان لذلك الصياد بيت من داخل ممر التجار، فبينما هو نائم في بيته ليلة من الليالي، إذ قال في نفسه: يا خليفة، إن الناس كلهم يعرفون أنك رجل فقير صياد، وقد حصل معك مائة دينار من الذهب، فلا بد أن أمير المؤمنين هارون الرشيد يسمع بخبرك من أحد الناس، فربما يحتاج إلى مال فيرسل إليك، ويقول لك: إني محتاج إلى مبلغ من الدنانير، وقد بلغني أن عندك مائة دينار فأقرضني إياها. فأقول: يا أمير المؤمنين، أنا رجل فقير، والذي أخبرك أن عندي مائة دينار كذب علي، وليس معي ولا عندي شيء من ذلك. فيسلمني إلى الوالي ويقول له: جرده من ثيابه وعاقبه بالضرب حتى يقر ويأتي بالمائة دينار التي عنده. فالرأي الصواب الذي يخلصني من هذه الورطة أني أقوم في هذه الساعة وأعاقب نفسي بالسوط لأكون قد تمرنت على الضرب. وقال له حشيشه: قم تجرد من ثيابك. فقام من وقته وساعته وتجرد من ثيابه، وأخذ في يده سوطا كان عنده، وكان عنده مخدة من جلد، فصار يضرب على تلك المخدة ضربة وعلى جلده ضربة ويقول: آه آه، والله إن هذا كلام باطل يا سيدي، وإنهم يكذبون علي، وأنا رجل فقير صياد وليس معي شيء من ms1863 حطام الدنيا. # فسمع الناس خليفة الصياد وهو يعاقب نفسه ويضرب فوق المخدة بالسوط، ولوقع الضرب على جسده وعلى المخدة دوي في الليل، ومن جملة من سمعه التجار، فقالوا: يا ترى ما لهذا المسكين يصيح ونسمع وقع الضرب نازلا عليه؟ فكأن اللصوص قد نزلوا عليه وهم الذين يعاقبونه؛ فعند ذلك قاموا كلهم على حس الضرب والصياح، وخرجوا من منازلهم وجاءوا إلى بيت خليفة فرأوه مقفولا، فقالوا لبعضهم: ربما يكون اللصوص نزلوا عليه من وراء القاعة، فينبغي أن نطلع من السطوح. فطلعوا السطوح ونزلوا من الممرق فرأوه عريانا وهو يعاقب نفسه، فقالوا له: ما لك يا خليفة؟ أي شيء خبرك؟ فقال: اعلموا يا جماعة أني حصلت بعض دنانير، وأنا خائف أن يرفع أمري إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد، فيحضرني بين يديه ويطلب مني تلك الدنانير، وإذا أنكرت أخاف أن يعاقبني؛ فها أنا أعاقب نفسي وأجعل ذلك تمرينا لنفسي على ما يأتي. فضحك عليه التجار وقالوا له: اترك هذه الفعال لا بارك الله فيك ولا في الدنانير التي جاءتك، فقد أقلقتنا في هذه الليلة وأزعجت قلوبنا. فبطل خليفة الضرب عن نفسه ونام إلى الصباح، فلما قام من النوم وأراد أن يذهب إلى شغله، تفكر في أمر المائة دينار التي حصلت معه، وقال في نفسه: إذا تركتها في البيت يسرقها اللصوص، وإن وضعتها في كمر على وسطي، فربما ينظرها أحد فيترصدني حتى أنفرد في مكان خال عن الناس فيقتلني ويأخذهم مني، ولكن أنا أفعل شيئا من الحيل وهو مليح نافع جدا. ثم إنه نهض من وقته وساعته وخيط له جيبا في طوق جبته، وربط المائة دينار في صرة ووضعها في ذلك الجيب الذي عمله، ثم قام وأخذ شبكته وقفته وعصاه وسار حتى وصل إلى بحر الدجلة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 836 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خليفة الصياد لما وضع المائة دينار في جيبه، أخذ قفته وعصاه وشبكته وذهب إلى بحر الدجلة ورمى شبكته فيه، ثم سحبها ms1864 فلم يطلع له شيء، فانتقل من ذلك الموضع إلى موضع غيره ورمى شبكته فيه، فلم يطلع له شيء، ولم يزل ينتقل من مكان إلى مكان حتى بعد عن المدينة مسافة نصف يوم وهو يرمي الشبكة ولا يطلع له شيء؛ فقال في نفسه: والله إني ما بقيت أرمي شبكتي في الماء إلا هذه المرة، فإما عليها وإما بها. فطرح الشبكة بقوة عزمه لشدة غيظه، فطارت الصرة التي فيها المائة دينار من طوقه ووقعت في وسط البحر وراحت في قوة التيار، فرمى الشبكة من يده وتجرد من ثيابه وتركها على البر ونزل في البحر وغطس خلف الصرة، ولم يزل يغطس ويطلع نحو مائة مرة حتى ضعفت قوته، فلم يقع بتلك الصرة. فلما يئس منها طلع إلى البر، فلم يجد سوى العصا والشبكة والقفة، وطلب ثيابه فلم يقع لها على أثر؛ فقال في نفسه أهجن ما يضرب به المثل: «لا تكمل الحجة إلا بنيك الجمل.» ثم إنه فرد الشبكة والتف فيها، وأخذ العصا في يده والقفة على كتفه وسار يهرول مثل الجمل الهائم، يجري يمينا وشمالا وخلفا وأماما، أشعث أغبر كالعفريت المتمرد إذا انطلق من السجن السليماني. # هذا ما كان من أمر خليفة الصياد، وأما ما كان من أمر الخليفة هارون الرشيد فإنه كان له صاحب جوهري يقال له ابن القرناص، وقد كان جميع الناس والتجار والدلالين والسماسرة يعرفون أن ابن القرناص تاجر الخليفة، وجميع ما يباع في مدينة بغداد من التحف وغيرها من الأمور المثمنة لا يباع حتى يعرض عليه، ومن جملة ذلك المماليك والجواري. فبينما ذلك التاجر- الذي هو ابن القرناص - جالس في دكانه يوما من الأيام، وإذا بشيخ الدلالين قد أقبل عليه ومعه جارية ما رأى الراءون مثلها، وهي في غاية من الحسن والجمال والقد والاعتدال، ومن جملة محاسنها أنها تعرف في جميع العلوم والفنون، وتنظم الأشعار وتضرب على جميع آلات الطرب؛ فاشتراها ابن القرناص الجوهري بخمسة آلاف دينار ذهبا، وكساها بألف دينار، وأتى بها إلى أمير المؤمنين، فباتت عنده تلك ms1865 الليلة واختبرها الخليفة في كل فن، فرآها عارفة بجميع العلوم والصنائع، ليس لها في عصرها نظير، وكان اسمها قوت القلوب، وهي كما قال الشاعر: # أردد الطرف فيها كلما سفرت %~% وفي تمنعها للطرف ردات ~~تحكي الغزال بجيد كلما التفتت %~% وللغزال كما قد قيل لفتات # وأين هذا من قول الآخر: # من لي بأسمر تروي عن معاطفه الس %~% مر الرشاق عوال سمهريات ~~ساجي الجفون حريري العذار له %~% في قلب عاشقه المضنى مقامات # فلما أصبح الصباح أرسل الخليفة هارون الرشيد إلى ابن القرناص الجوهري، فلما حضر رسم له بعشرة آلاف دينار ثمن تلك الجارية، ثم إن الخليفة اشتغل قلبه بتلك الجارية المسماة بقوت القلوب، وترك السيدة زبيدة بنت القاسم وهي بنت عمه، وترك جميع المحاظي وقعد شهرا كاملا لم يخرج من عند تلك الجارية إلا لصلاة الجمعة، ثم يعود إليها على الفور؛ فعظم ذلك على أرباب الدولة، فشكوا هذا الأمر إلى الوزير جعفر البرمكي، فصبر الوزير على أمير المؤمنين حتى كان يوم الجمعة، فدخل الجامع واجتمع بأمير المؤمنين وحكى له جميع ما وقع له من القصص التي تتعلق بالعشق الغريبة؛ لأجل أن يستخرج ما عنده، فقال له الخليفة: يا جعفر، والله إن ذلك الأمر ليس باختياري، ولكن قلبي تعلق في شرك الهوى، وما أدري كيف يكون العمل. فقال له الوزير جعفر: اعلم يا أمير المؤمنين أن هذه المحظية قوت القلوب قد صارت تحت أمرك ومن جملة خدمك، وما تملكه اليد تزهده النفس، وأنا أخبرك بشيء آخر، وهو أن أحسن ما تفتخر به الملوك وأبناء الملوك هو الصيد والقنص واغتنام اللهو والفرص، فإذا فعلت ذلك ربما تشتغل به عنها وربما تنساها. فقال له الخليفة: نعم ما قلته يا جعفر، فامض بنا على الفور في هذه الساعة إلى الصيد. فلما انقضت صلاة الجمعة خرجا من الجامع وركبا من وقتهما وساعتهما وسارا إلى الصيد والقنص. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 837 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة هارون الرشيد طلع هو ms1866 وجعفر إلى الصيد والقنص، وسارا حتى وصلا إلى البرية، وقد كان أمير المؤمنين هو والوزير جعفر راكبين على بلغتين، فتشاغلا في الحديث مع بعضهما وسبقهما العسكر، وقد حما عليهما الحر فقال الرشيد: يا جعفر، إني قد لحقني العطش الشديد. ثم إن الرشيد مد نظره فرأى زوالا على كوم عال، فقال للوزير: هل أنت ناظر ما أنا ناظره؟ فقال له الوزير: نعم يا أمير المؤمنين، أنظر زوالا على كوم عال، وهو إما حارس بستان أو حارس مقات، وعلى كل حال فلا تخلو جهته من الماء. ثم قال الوزير: أنا أمضي إليه وآتيك بالماء من عنده. فقال الرشيد: إن بغلتي أسرع من بغلتك، فقف أنت هنا من أجل العسكر، وأنا أروح بنفسي وأشرب من عند هذا الشخص وأعود. ثم إن الرشيد ساق بغلته، فخرجت مثل الريح في المسير أو مثل الماء في الغدير، ولم تزل منطلقة به حتى وصل إلى ذلك الزوال في مقدار لمح البصر، فلم يجد ذلك الزوال إلا خليفة الصياد؛ فرآه الرشيد وهو عريان ملتف بالشبكة وعيناه من غاية الاحمرار كأنهما مشاعل النار، بصورة هائلة وقامة مائلة، وهو أشعث أغبر كأنه عفريت أو غضنفر، فسلم عليه الرشيد، فرد عليه السلام وهو غضبان، ومن نفسه تلتهب النيران. فقال له الرشيد: يا رجل، هل عندك شيء من الماء؟ فقال له خليفة: يا هذا، هل أنت أعمى أو مجنون؟ فدونك بحر الدجلة، فإنه وراء هذا الكوم. فدار الرشيد من خلف الكوم ونزل إلى بحر الدجلة وشرب وسقى بغلته، ثم طلع من وقته وساعته ورجع إلى خليفة الصياد. فقال له: ما شأنك يا رجل واقفا هنا؟ وما صنعتك؟ فقال له خليفة: إن هذا السؤال أعجب وأغرب من سؤالك عن الماء، أما ترى آلة صنعتي على كتفي؟ فقال له الرشيد: كأنك صياد. فقال له: نعم. فقال له الرشيد: فأين جبتك؟ وأين شملتك؟ وأين حرامك؟ وأين ثيابك؟ وقد كانت الحوائج التي راحت من خليفة مثل التي ذكرها له سواء بسواء؛ فلما سمع خليفة ذلك الكلام ms1867 من الخليفة، ظن في نفسه أنه هو الذي أخذ ثيابه من على شاطئ البحر، فنزل خليفة من وقته وساعته من فوق الكوم أسرع من البرق الخاطف، وقبض على لجام بغلة الخليفة وقال له: يا رجل، هات لي حوائجي وخل عنك اللعب والمزاح. فقال له الخليفة: أنا والله ما رأيت ثيابك ولا أعرفها. وقد كان الرشيد له خدود كبار وفم صغير، فقال له خليفة: لعل صنعتك أنك مغن أو زمار، ولكن هات لي ثيابي بالتي هي أحسن وإلا أضربك بهذه العصا حتى تبول على نفسك وتلوث ثيابك. # ثم إن الخليفة لما عاين العصا مع خليفة قال في نفسه: والله أنا ما أحمل من هذا الصعلوك نصف ضربة بهذه العصا. وكان على الرشيد قباء من أطلس فقلعه، وقال لخليفة: يا رجل، خذ هذا القباء عوضا عن ثيابك. فأخذه خليفة وقلبه وقال: إن ثيابي تساوي عشرة مثل هذه العباءة المزوقة. فقال الرشيد: البسه حتى أجيء لك بثيابك. فأخذه خليفة ولبسه فرآه طويلا عليه، وقد كان مع خليفة سكين مربوطة في أذن القفة، فأخذها وقطع بها ذيل القباء مقدار ثلثه حتى صار لتحت ركبته، ثم إنه التفت إلى الرشيد وقال له: بحق الله عليك يا زمار أن تخبرني عن قدر جامكيتك في كل شهر عند أستاذك في صنعة المزمار. فقال له الخليفة: جامكيتي في كل شهر عشرة دنانير ذهبا. فقال له خليفة: والله يا مسكين لقد حملتني همك، والله إن العشرة دنانير أكتسبها في كل يوم؛ فهل تريد أن تكون معي في خدمتي وأنا أعلمك صنعة الصيد وأشاركك في المكسب؟ فتعمل في كل يوم بخمسة دنانير، وتكون غلامي وأحميك من أستاذك بهذه العصا؟ فقال له الرشيد: رضيت بذلك. فقال له: انزل الآن من فوق ظهر الحمارة واربطها حتى تبقى تنفعنا في حمل السمك، وتعال حتى أعلمك الصيد في هذه الساعة. فعند ذلك نزل الرشيد عن ظهر بغلته وربطها وشمر أذياله في دور منطقته؛ فقال له خليفة: يا زامر، امسك هذه الشبكة كذا، واعملها على ms1868 ذراعك كذا، وارميها في بحر الدجلة كذا. فقوى الرشيد قلبه وفعل مثل ما أراه خليفة ورمى الشبكة في البحر وسحبها، فما قدر أن يطلعها، فجاء إليه خليفة وسحبها معه فلم يقدر على تطليعها. فقال له خليفة: يا زامر النحس، إن كنت أخذت عباءتك عوضا عن ثيابي في المرة الأولى، ففي هذه المرة آخذ حمارتك في شبكتي إن رأيتها تقطعت، وأضربك حتى تنساب على روحك. فقال له الرشيد: أسحب أنا وأنت معا. فسحبها الاثنان معا، فما قدرا أن يطلعا تلك الشبكة إلا بالمشقة، فلما أطلعاها نظراها، فإذا هي ملآنة من جميع أنواع السمك ومن سائر ألوانه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 838 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خليفة الصياد لما طلع الشبكة هو والخليفة، رأياها ملآنة من جميع أصناف السمك، فقال له خليفة: والله يا زمار إنك قبيح، ولكن إذا عانيت الصيد تكون صيادا عظيما، فالرأي الصواب أنك تركب حمارتك وتروح إلى السوق وتأتي بفردين، وأنا أحفظ هذا السمك حتى تحضر ونحمله أنا وأنت على ظهر حمارتك، وعندي الميزان والأرطال وجميع ما نحتاج إليه، فنأخذ الجميع معنا، وليس عليك إلا أن تمسك الميزان وتقبض الأثمان، فإن معنا سمكا يساوي عشرين دينارا، فأسرع بمجيء الفردين ولا تبطئ. فقال له الخليفة: سمعا وطاعة. ثم تركه وترك السمك وساق بغلته وهو في غاية الفرح، ولم يزل يضحك على ما جرى له مع الصياد حتى وصل إلى جعفر، فلما رآه جعفر قال له: يا أمير المؤمنين، لعلك لما رحت إلى الشرب وجدت بستانا طيبا، فدخلته وتفرجت فيه وحدك. فلما سمع الرشيد كلام جعفر ضحك. # ثم إن جميع البرامكة قاموا وقبلوا الأرض بين يديه وقالوا له: يا أمير المؤمنين، أدام الله عليك الأفراح وأذهب عنك الأقراح، ما سبب تأخيرك حين ذهبت إلى الشرب؟ وما الذي جرى لك؟ فقال لهم الخليفة: لقد جرى لي حديث غريب، وأمر مطرب عجيب. ثم أعاد عليهم حديث خليفة الصياد وما جرى له معه من قوله ms1869 أنت سرقت ثيابي، ومن كونه أعطاه قباءه، ومن كون الصياد قطع القباء لما رآه طويلا. فقال جعفر: والله يا أمير المؤمنين، لقد كان في خاطري أني أطلب القباء منك، ولكن أروح في هذه الساعة إلى الصياد وأشتريها منه. فقال له الخليفة: والله لقد قطع ثلثها من جهة ذيلها وأتلفها، ولكن يا جعفر قد كللت من صيدي في البحر؛ لأني قد اصطدت سمكا كثيرا، وهو على شاطئ البحر عند معلمي خليفة، فإنه واقف هناك ينتظرني حتى أرجع إليه وآخذ له فردين، ثم أروح أنا وإياه إلى السوق فنبيعه ونقسم ثمنه. فقال له: يا أمير المؤمنين، وأنا أجيء إليكم بالذي يشتري منكم. فقال له الخليفة: يا جعفر، وحق آبائي الطاهرين إن كل من جاء لي بسمكة من السمك الذي قدام خليفة الذي علمني الصيد أعطيه فيها دينارا ذهبا. فنادى المنادي في العسكر أن اطلعوا واشتروا سمكا لأمير المؤمنين؛ فطلع المماليك وقصدوا شاطئ البحر. فبينما خليفة ينتظر أمير المؤمنين حتى يحضر له فردين، وإذا بالمماليك قد انقضت عليه مثل العقبان، وأخذوا السمك ووضعوه في مناديل مزركشة من الذهب، وصاروا يتضاربون عليه. فقال خليفة: لا شك أن هذا السمك من سمك الجنة. ثم أخذ سمكتين بيده اليمنى وسمكتين بيده اليسرى ونزل في الماء لحلقه وصار يقول: يا الله، بحق هذا السمك، إن عبدك الزمار شريكي يجيء في هذه الساعة. وإذا بعبد قد أقبل عليه، وكان ذلك العبد مقدما على جميع العبيد الذين كانوا عند الخليفة، وكان سبب تأخيره عن المماليك أن جواده وقف يبول في الطريق، فلما وصل عند خليفة وجد السمك لم يبق منه شيء قليل ولا كثير؛ فنظر يمينا وشمالا، فرأى خليفة الصياد واقفا في الماء ومعه السمك، فعند ذلك قال له: يا صياد تعال. فقال له الصياد: رح بلا فضول. فتقدم إليه الخادم وقال له: هات هذا السمك وأنا أعطيك الثمن. قال خليفة الصياد للخادم: هل أنت قليل العقل، أنا لا أبيعه. فسحب عليه الدبوس، فقال له خليفة: لا تضرب يا ms1870 شقي، فالأنعام خير من الدبوس. ثم إنه رمى إليه السمك، فأخذه الخادم وجعله في منديله وحط يده في جيبه، فلم يجد ولا درهما واحدا. فقال: يا صياد، إن بختك مشئوم، وأنا والله ما معي شيء من الدراهم، ولكن في غد تعال في دار الخلافة وقل دلوني على الطواشي صندل، فيدلك الخدام علي، فإذا جئتني هناك يحصل لك الذي فيه النصيب، فتأخذه وتروح إلى حال سبيلك. فعند ذلك قال خليفة: إن هذا اليوم مبارك، وبركته ظاهرة من أوله. # ثم إنه أخذ شبكته على كتفه ومشى حتى دخل بغداد، ومشى في الأسواق فرأى الناس خلعة الخليفة عليه، وصاروا ينظرون إليه حتى دخل الحارة، وكان دكان خياط أمير المؤمنين على باب الحارة، فنظر الخياط خليفة الصياد وعليه خلعة تساوي ألف دينار من ملابس الخليفة، فقال: يا خليفة، من أين لك هذه الفرجية؟ فقال له خليفة: وأي شيء لك في الفضول؟ أنا أخذتها من الذي علمته الصيد وصار غلامي، وعفوت عنه في قطع يده؛ لأنه سرق ثيابي، وأعطاني هذه العباءة عوضا عنها. فعلم الخياط أن الخليفة قد عبر عليه وهو يصطاد، ومزح معه وأعطاه الفرجية. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 839 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخياط علم أن الخليفة قد عبر على خليفة الصياد وهو يصطاد، وقد مزح معه وأعطاه الفرجية، ثم توجه الصياد إلى بيته. هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر الخليفة هارون الرشيد، فإنه ما طلع إلى الصيد والقنص إلا لأجل ما يشتغل عن الجارية قوت القلوب، وكانت زبيدة لما سمعت بالجارية واشتغال الخليفة بها أخذها ما يأخذ النساء من الغيرة، حتى امتنعت عن الطعام والشراب وهجرت لذيذ المنام، وصارت تنتظر غياب الخليفة أو سفره حتى تنصب لقوت القلوب شرك المكائد، فلما علمت أن الخليفة خرج إلى الصيد والقنص، أمرت الجواري أن يفرشن الدار، وأكثرت من الزينة والافتخار، ووضعت الأطعمة والحلويات، وعملت من جملة ذلك طبقا صينيا فيه حلاوة من ألطف ms1871 ما يكون، ووضعت فيه البنج وبنجته، ثم إنها أمرت بعض الخدام أن يمضي إلى الجارية قوت القلوب، ويدعوها إلى زاد السيدة زبيدة بنت القاسم زوجة أمير المؤمنين ويقول لها: إن زوجة أمير المؤمنين قد شربت اليوم دواء، وقد سمعت بطيب نغمك، فاشتهت أن تتفرج على شيء من صناعتك. فقالت: سمعا وطاعة لله وللسيدة زبيدة. ثم إنها نهضت قائمة من وقتها وساعتها، ولم تعلم بما هو مخبوء لها في الغيب، وأخذت معها ما تحتاج من الآلات وسارت مع الخادم، ولم تزل سائرة حتى دخلت على السيدة زبيدة. فلما دخلت عليها قبلت الأرض بين يديها مرارا عديدة، ثم نهضت قائمة على قدميها وقالت: السلام على الستر الرفيع والجناب المنيع، والسلالة العباسية والبضعة النبوية، بلغك الله الإقبال والسلام في الأيام والأعوام. ثم وقفت من جملة الجواري والخدام، فعند ذلك رفعت إليها السيدة زبيدة رأسها ونظرت إلى حسنها وجمالها، فرأت جارية أسيلة الخدود، رمانية النهود، بوجه أقمر، وجبين أزهر، وطرف أحور، قد سكنت جفونها فتورا، وابتهج وجهها نورا، كأن الشمس تطلع من غرتها، وظلام الليل من طرتها، والمسك يفوح من نكهتها، والأزهار تزهو من بهجتها، والقمر يبدو من جبينها، والغصن يميل من قدها، كأنها البدر التام قد أشرق في جنح الظلام، وقد تغزلت عيناها، وتقوس حاجباها، وصيغت من المرجان شفتاها، تذهل بحسنها كل من نظرها، وتسحر بطرفها كل من رآها، جل من خلقها وكملها وسواها؛ وهي كما قال الشاعر فيمن ضاهاها: # إذا غضبت رأيت الناس قتلى %~% وإن رضيت فأرواح تعود ~~لها من طرفها لحظات سحر %~% تميت بها وتحيي من تريد ~~وتسبي العالمين بمقلتيها %~% كأن العالمين لها عبيد # ثم إن السيدة زبيدة قالت لها: أهلا وسهلا ومرحبا بك يا قوت القلوب، اجلسي حتى تفرجينا على أشغالك وحسن صناعتك. فقالت: سمعا وطاعة. ثم جلست ومدت يدها وأخذت الدف الذي قال فيه بعض واصفيه هذه الأبيات: # أيا ذا الطار قلبي طار شوقا %~% ويصرخ من جواه وأنت تضرب ~~فلم تأخذ سوى قلب جريح %~% على توقيعك الإنسان يرغب ~~فقل ms1872 قولا ثقيلا أو خفيفا %~% ولحن ما تشاء فأنت تطرب ~~وطب واخلع عذارك يا محب %~% وقم وارقص ومل واعجب وعجب # ثم ضربت ضربا كثيرا وغنت حتى أوقفت الطير وهاج بهم المكان، ثم حطت الدف وأخذت الشبابة التي قيل فيها هذا البيت: # لها أعين إنسانها بأصابع %~% يشير إلى لحن صحيح بلا شكل # وكما قال الشاعر أيضا هذا البيت: # إذا أنهت إلى القصد الأغاني %~% يطيب الوقت من طرب بوصل # ثم إنها حطت الشبابة بعد أن طرب بها كل من حضر، ثم أخذت العود الذي قال فيه الشاعر: # وغصن رطيب عاد عودة قينة %~% يحن إليه الأكرمون الأفاضل ~~تجس وتبلزه لفرط ذكائها %~% بأنملها ما أتقنته السلاسل # فشدت أوتاره وعركت آذانه، وحطته في حجرها وانحنت عليه انحناء الوالدة على ولدها، فكأن الشاعر قال فيها وفي عودها هذه الأبيات: # قد أفصحت بالوتر الأعجمي %~% وأفهمت من لم يكن فاهم ~~وخبرت أن الهوى قاتل %~% يودي بعقل الرجل المسلم ~~جارية لله من كفها %~% مصور ينطق عن ذي فم ~~قد حبست بالعود مجرى الهوى %~% حبس الطبيب العدل مجرى الدم # ثم ضربت أربع عشرة طريقة، وغنت نوية كاملة حتى أذهلت الناظرين وأطربت السامعين، ثم أنشدت هذين البيتين: # قدم عليك مبارك %~% فيه السرور يجرد ~~إقباله متواتر %~% ونعيمه لا ينفد # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 840 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قوت القلوب لما غنت الأشعار وضربت على الأوتار بين يدي السيدة زبيدة، كادت أن تعشقها وقالت في نفسها: ما يلام ابن عمي الرشيد في عشقها. ثم إن الجارية قبلت الأرض بين يدي زبيدة وقعدت، فقدموا لها الطعام، ثم قدموا الحلو وقدموا الصحن الذي فيه البنج فأكلت منه، فما استقرت الحلوى في جوفها حتى انقلب رأسها وانطرحت على الأرض نائمة، فقالت السيدة زبيدة للجواري: ارفعنها إلى بعض المقاصير حتى أطلبها. فقلن لها: سمعا وطاعة. ثم قالت لبعض الخدام: اعمل لنا صندوقا وأتني به. ثم أمرت أن يعمل صورة قبر ويشيعوا أن الجارية قد شرقت وماتت، ونبهت على ms1873 خواصها أن كل من قال إنها بالحياة تضرب رقبته. وإذا بالخليفة قد أتى في تلك الساعة من الصيد والقنص، وأول ما سأل سأل عن الجارية، فتقدم إليه بعض خدمه وقد كانت أوصته السيدة زبيدة أنه إذا سأله الخليفة عنها يقول له إنها ماتت، فقبل الأرض بين يديه وقال له: يا سيدي تعيش رأسك، وتيقن أن قوت القلوب غصت بالطعام فماتت. فقال الخليفة: لا بشرك الله بالخير يا عبد السوء. ثم قام ودخل القصر، فسمع بموتها من كل من في القصر، فقال: أين قبرها؟ فأتوا به إلى التربة وأروه القبر الذي عمل تزويرا وقالوا له: هذا قبرها. فلما نظره صاح واعتنق القبر وبكى وأنشد هذين البيتين: # بالله يا قبر هل زالت محاسنها %~% وهل تغير ذاك المنظر النضر ~~يا قبر ما أنت لا روض ولا أفق %~% فكيف يجمع فيك الغصن والقمر # ثم إن الخليفة بكى عليها بكاء شديدا، ومكث هناك ساعة زمانية ثم قام من عند القبر وهو في غاية الحزن، فعلمت السيدة زبيدة أن حيلتها قد تمت، فقالت للخادم: هات الصندوق. فأحضره بين يديها، فأحضرت الجارية ووضعتها فيه وقالت للخادم: اجتهد في بيع الصندوق واشترط على من يشتريه أن يشتريه وهو مقفول، ثم تصدق بثمنه. فأخذه الخادم وخرج من عندها وامتثل أمرها. # هذا ما كان من أمر هؤلاء، وأما ما كان من أمر خليفة الصياد، فإنه لما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، قال: ليس لي شغل في هذا اليوم أحسن من رواحي إلى الطواشي الذي قد اشترى مني السمك، فإنه واعدني أن أروح إليه في دار الخلافة. ثم إن خليفة خرج من داره قاصدا دار الخلافة، فلما وصل إليها وجد المماليك والعبيد والخدم قياما وقعودا، فتأملهم وإذا بالخادم الذي أخذ منه السمك جالس والمماليك في خدمته، فصاح عليه غلام من المماليك، فالتفت إليه الخادم لينظر من هو وإذا هو بالصياد، فلما عرف الصياد أنه رآه وتحقق ذاته، قال له: ما قصرت يا شقير، هكذا تكون أصحاب الأمانات. فلما سمع الخادم كلامه، ms1874 ضحك عليه وقال له: والله لقد صدقت يا صياد. ثم إن الخادم صندل أراد أن يعطيه شيئا، فمد يده إلى جيبه وإذا بصياح عظيم، فرفع الخادم رأسه لينظر ما الخبر، وإذا بالوزير جعفر البرمكي خارج من عند الخليفة، فلما رآه الخادم نهض إليه قائما ومشى بين يديه وصارا يتحدثان وهما ماشيان حتى طال الوقت، فوقف خليفة الصياد مدة والخادم لم يلتفت إليه، فلما طال وقوفه تعرض إليه الصياد وهو بعيد عنه وأشار إليه بيده وقال: يا سيدي شقير، خليني أروح. فسمعه الخادم واستحى أن يرد عليه بسبب حضور الوزير جعفر، وصار الخادم يتحدث مع الوزير ويتشاغل عن الصياد، فقال خليفة: يا مماطل، قبح الله كل ثقيل وكل من يأخذ متاع الناس ويتثاقل عليهم، أنا دخيلك يا سيدي كرش النخال أن تعطيني الذي لي لأجل أن أروح. فسمعه الخادم فاستحى من جعفر، ورآه أيضا جعفر وهو يشير بيديه ويتحدث مع الخادم، ولكنه لم يعرف ما يقوله له، فقال للخادم وقد أنكر عليه: يا طواشي، أي شيء يطلب منك هذا السائل المسكين؟ فقال له صندل الخادم: أما تعرف هذا يا مولانا الوزير؟ فقال الوزير جعفر: والله ما أعرفه، ومن أين أعرف هذا وأنا ما رأيته إلا في هذه الساعة؟ فقال له الخادم: يا مولانا هذا الصياد الذي نهبنا سمكه من شاطئ الدجلة، وكنت أنا ما لحقت شيئا واستحييت أن أرجع إلى أمير المؤمنين بلا شيء وكل المماليك قد أخذوا، فلما وصلت إليه وجدته واقفا في وسط البحر يدعو الله ومعه أربع سمكات، فقلت له: هات ما معك وخذ حقه. فلما أعطاني السمك أدخلت يدي في جيبي وأردت أن أعطيه شيئا، فما رأيت فيه شيئا. فقلت له: تعال إلي في القصر وأنا أعطيك شيئا تستعين به على فقرك. فجاءني في هذا اليوم، فمددت يدي وأردت أن أعطيه شيئا فجئت أنت، فقمت في خدمتك واشتغلت بك عنه، فطال عليه الأمر؛ فهذه قصته وهذا سبب وقوفه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت ms1875 الليلة 841 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن صندلا الطواشي لما حكى لجعفر البرمكي حكاية خليفة الصياد، قال له بعد ذلك: فهذه قصته وهذا سبب وقوفه. فلما سمع الوزير كلام الطواشي تبسم منه وقال: يا طواشي، كيف جاء هذا الصياد في وقت حاجته ولم تقضها له؟ أما تعرفه يا رئيس الطواشية؟ قال: لا. قال: هذا معلم أمير المؤمنين وشريكه، وقد أصبح اليوم مولانا الخليفة ضيق الصدر حزين القلب مشتغل البال، وما له شيء يشرح صدره إلا هذا الصياد، فلا تخله يروح حتى أشاور عليه الخليفة وأحضره بين يديه، فلعل الله يفرج ما به ويسليه على فقد قوت القلوب بسبب حضوره، فيعطيه شيئا يستعين به، فتكون أنت السبب في ذلك. فقال له الخادم: يا مولاي، افعل ما تريد، فالله تعالى يبقيك ركنا لدولة أمير المؤمنين، أدام الله ظلها وحفظ فرعها وأصلها. ثم إن الوزير جعفر نهض متوجها إلى الخليفة، والخادم أمر المماليك أنهم لا يفارقون الصياد. فقال خليفة الصياد عند ذلك: ما أجمل إحسانك يا شقير! قد صار الطالب مطلوبا؛ لأني جئت لأطلب مالي فحبسوني على البواقي. فلما دخل جعفر على الخليفة وجده قاعدا وهو مطرق برأسه إلى الأرض، ضيق الصدر كثير الفكر، يترنم بقول الشاعر: # تكلفني السلوان عنها عواذلي %~% وما لي على قلبي إذا لم يطع أمري ~~وكيف يكون الصبر عن حب طفلة %~% على حبها في الهجر لا يجدني صبري ~~ولم أنسها والكأس قد دار بيننا %~% وقد مال بي من خمر ألحاظها سكري # فلما صار جعفر بين يدي الخليفة قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، وحامي حرمة الدين، وابن عم سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين. فرفع الخليفة رأسه وقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فقال جعفر: عن إذن أمير المؤمنين يتكلم خادمه ولا حرج عليه. فقال الخليفة: ومتى كان عليك حرج في الكلام وأنت سيد الوزراء؟ تكلم بما تريد. فقال له الوزير جعفر: إني خرجت يا مولانا من بين يديك أريد داري، فرأيت أستاذك ومعلمك وشريكك ms1876 خليفة الصياد واقفا بالباب، وهو متغير عليك ويشتكي منك ويقول: سبحان الله، قد علمته الصيد وذهب ليأتيني بفردين فلم يعد إلي، وما هذا شأن الشركة ولا شأن المعلمين. فإن كان لك غرض في الشركة فلا بأس، وإلا فعرفه ليشارك غيرك. فلما سمع الخليفة كلامه تبسم وزال ما كان عنده من ضيق الصدر، ثم قال لجعفر: بحياتي عليك، أحق ما تقوله من أن الصياد واقف بالباب؟ قال جعفر: وحياتك يا أمير المؤمنين إنه واقف بالباب. فعند ذلك قال الخليفة: يا جعفر، والله لأسعين في قضاء حقه، فإن يرد الله له على يدي شقاوة نالها، وإن يرد له على يدي سعادة نالها. # ثم إن الخليفة أخذ ورقة وقطعها قطعا وقال: يا جعفر، اكتب بيدك عشرين قدرا من دينار إلى ألف دينار، ومراتب الولاية والإمارات من أقل العمل إلى الخلافة، وعشرين صنفا من أنواع النكال من أقل التعزير إلى القتل. فقال جعفر: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين. ثم كتب الأوراق بيده كما أمره الخليفة، ثم بعد ذلك قال الخليفة: يا جعفر، أقسم بحق آبائي الطاهرين واتصالي بحمزة وعقيل، إني أريد أن أحضر خليفة الصياد وآمره أن يأخذ ورقة من هذه الأوراق لا يعرف ما فيها إلا أنا وأنت، فأي شيء كان فيها ملكته له، ولو كان فيها الخلافة نزعت نفسي منها وملكته إياها، ولا أبخل بها عليه، وإن كان فيها شنق أو قطع أو هلاك فعلته به، فاذهب وأتني به. فلما سمع جعفر هذا الكلام قال في نفسه: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربما يطلع لهذا المسكين شيء بإتلافه فأكون أنا السبب، ولكن الخليفة قد حلف وما بقي إلا أنه يدخل، ولا يكون إلا ما يريده الله. ثم توجه إلى خليفة الصياد وقبض على يده وأراد الدخول به، فطار عقل خليفة من رأسه وقال في نفسه: أي شيء عبثي حتى جئت إلى هذا العبد النحس شقير، فجمع بيني وبين كرش النخال؟ ثم إن جعفر لم يزل سائرا به والمماليك خلفه ms1877 وقدامه وهو يقول: ما كفى الحبس حتى يكون هؤلاء خلفي وقدامي فيحرموني أن أهرب؟ ولم يزل جعفر سائرا به حتى قطع سبعة دهاليز، ثم قال الخليفة: ويلك يا صياد، إنك تقف بين يدي أمير المؤمنين وحامي الدين. ثم رفع الستر الأكبر، فوقعت عين خليفة الصياد على الخليفة وهو جالس على سريره، وأرباب الدولة قيام في خدمته، فلما عرفه تقدم إليه وقال: أهلا وسهلا يا زمار، ما يصح منك أن تعمل صيادا ثم تتركني قاعدا أحرس السمك وتروح ولا تجيء، فما شعرت إلا والمماليك قد أقبلوا على دواب مختلفة الألوان، فخطفوا السمك مني وأنا واقف وحدي، وهذا كله من تحت رأسك، فلو كنت جئت بالأفراد سريعا كنا بعنا منه بمائة دينار، ولكن أنا جئت في طلب حقي فحبسوني، وأنت من حبسك في هذا الموضع؟ فتبسم الخليفة ثم رفع طرف الستارة وأخرج رأسه من تحتها وقال له: تقدم وخذ لك ورقة من هذه الأوراق. فقال خليفة الصياد لأمير المؤمنين: أنت كنت صيادا وأراك اليوم منجما، ولكن من كثرت صنائعه كثر فقره. فقال جعفر: خذ الورقة بسرعة من غير كلام وامتثل ما أمرك به أمير المؤمنين. فتقدم خليفة الصياد ومد يده وقال: هيهات إن كان هذا الزمار يرجع غلامي ويصطاد معي. ثم أخذ الورقة وناولها للخليفة وقال: يا زمار، أي شيء طلع لي فيها لا تخف منه شيئا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 842 # قلت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خليفة الصياد لما أخذ ورقة من الأوراق وناولها للخليفة قال له: يا زمار، أي شيء طلع لي فيها لا تخف منه شيئا. فأخذها الخليفة بيده وناولها للوزير جعفر وقال له: اقرأ ما فيها. فنظر إليها جعفر وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فقال الخليفة: خير خير يا جعفر، ما رأيت فيها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، طلع في الورقة: يضرب الصياد مائة عصا. فأمر الخليفة بضربه مائة عصا، فامتثلوا أمره وضربوا خليفة مائة عصا، ثم قام ms1878 وهو يقول: لعن الله هذا اللعب يا كرش النخال، هل الحبس والضرب من جملة اللعب؟ فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، إن هذا المسكين جاء إلى البحر وكيف يرجع عطشانا؟ نرجو من صدقات أمير المؤمنين أن يأخذ له ورقة أخرى، فلعله يطلع له فيها شيء فيرجع به ليستعين به على فقره. فقال الخليفة: والله يا جعفر إن أخذ ورقة وطلع له فيها قتل لأقتلنه، فتكون أنت السبب. فقال جعفر: إن كان يموت فإنه يستريح. فقال له خليفة الصياد: لا بشرك الله بالخير، هل أنا ضيقت عليكم بغداد حتى تطلبوا قتلي؟ فقال جعفر: خذ لك ورقة، واستخر الله تعالى. فمد يده وأخذ ورقة وأعطاها لجعفر، فأخذها منه وقرأها وسكت. فقال له الخليفة: ما لك سكت يا ابن يحيى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه طلع في الورقة لا يعطى الصياد شيئا. فقال الخليفة: ما له رزق عندنا، قل له يروح من وجهي. فقال جعفر: بحق آبائك الطاهرين أن تخليه يأخذ الثالثة لعله يطلع له فيها رزق. فقال الخليفة: دعه يأخذ له ورقة لا شيء غيرها. فمد يده وأخذ الورقة الثالثة، وإذا فيها يعطى الصياد دينارا، فقال جعفر لخليفة: طلبت لك السعادة فما أراد الله لك إلا هذا الدينار. فقال خليفة: كل مائة عصا بدينار خير كثير، لا أصح الله لك بدنا. فضحك الخليفة وأخذ جعفر بيد خليفة وخرج به. # ![figure](../Images/figure11.png) # وفتح الصندوق وإذا هو بجارية كأنها حورية استفاقت وفتحت عينيها. # فلما وصل إلى الباب رآه صندل الخادم فقال له: تعال يا صياد أنعم علينا مما أعطاك أمير المؤمنين وهو يمزح معك. فقال له خليفة: والله صدقت يا شقير، وهل تريد أن تقاسمني يا أسود الجلد، وقد أكلت مائة عصا وأخذت دينارا واحدا؟ أنت في حل منه. ثم رمى الدينار للخادم وخرج ودموعه تجري على صحن خده، فلما نظره الخادم وهو على تلك الحالة عرف أنه صادق، فرجع إليه وصاح على الغلمان أن ردوه، فردوه، فمد يده إلى جيبه فأخرج منه كيسا أحمر، ففتحه ونفضه، ms1879 وإذا فيه مائة دينار من الذهب وقال: يا صياد، خذ هذا الذهب حق سمكك وامض إلى حال سبيلك. فعند ذلك فرح خليفة الصياد وأخذ المائة دينار ودينار الخليفة وخرج وقد نسي الضرب، ولما أراد الله تعالى إنفاذ ما قضاه، عبر خليفة الصياد في سوق الجواري، فرأى حلقة كبيرة وفيها خلق كثير، فقال خليفة في نفسه: أي شيء هؤلاء الناس؟ ثم تقدم وشق بين الناس من تجار وغيرهم. فقال التجار: وسعوا للناخوذة زليط. فوسعوا له فنظر خليفة وإذا بشيخ قائم على رجليه وبين يديه صندوق وعليه خادم جالس، والشيخ ينادي ويقول: يا تجار، يا أرباب الأموال، من يخاطر ويبادر بالعطاء لهذا الصندوق المجهول من دار السيدة زبيدة بنت القاسم زوجة أمير المؤمنين الرشيد بكم عليكم بارك الله فيكم. فقال واحد من التجار: والله إن هذه مخاطرة، فأنا أقول كلاما وما علي فيه ملام، هو علي بعشرين دينارا. فقال آخر: بخمسين دينارا. ثم تزايد التجار فيه إلى أن وصل مائة دينار، فقال المنادي: هل عندكم زيادة يا تجار؟ فقال خليفة الصياد: علي بمائة دينار ودينار. فلما سمع التجار كلام خليفة حسبوه يلعب، فضحكوا عليه وقالوا: يا طواشي، بع إلى خليفة بالمائة دينار ودينار. فقال الطواشي: والله ما أبيعه إلا له، خذ يا صياد بارك الله لك فيه وهات الذهب. فأخرج خليفة الذهب وسلمه إلى الخادم ووقعت المعاقدة. ثم إن الخادم تصدق بالذهب وهو في موضعه، ورجع إلى القصر وأعلم السيدة زبيدة بما فعل، ففرحت بذلك. # ثم إن خليفة الصياد حمل الصندوق على كتفه، فلم يقدر على حمله لعظم ثقله، فحمله على رأسه وأتى به إلى الحارة ووضعه عن رأسه وكان قد تعب، فقعد يتفكر فيما جرى له وصار يقول في نفسه: يا ليت شعري ما في هذا الصندوق. ثم فتح باب داره وعالج في الصندوق حتى أدخله داره، وبعد ذلك عالج أن يفتحه فلم يقدر، فقال في نفسه: أي شيء حصل في عقلي حتى اشتريت هذا الصندوق؟ فلا بد من كسره وأنظر ms1880 ما فيه. ثم عالج القفل فلم يقدر، فقال في نفسه: أنا أخليه إلى غد. ثم طلب أن ينام، فلم يجد موضعا ينام فيه؛ لأن الصندوق جاء على قياس البيت، فطلع ونام فوقه، واستمر ساعة وإذا بشيء يتحرك، ففزع خليفة وفر عنه النوم وقد طار عقله. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 843 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خليفة الصياد لما نام على الصندوق استمر ساعة، وإذا بشيء يتحرك، ففزع وطار عقله وقام من النوم وقال: كأن فيه جن، الحمد لله الذي ما جعلني فتحته؛ لأني لو كنت فتحته لقاموا علي في الظلام وأهلكوني ولم يحصل لي منهم خير. ثم إنه رجع ونام وإذا بالصندوق يتحرك ثاني مرة أكثر من الأول، فنهض خليفة قائما وقال: هذه نوبة أخرى لكنها مزعجة. ثم بادر إلى سراج فلم يجده، ولم يكن معه ما يشتري به سراجا، فخرج من البيت وصاح: يا أهل الحارة. وكان أكثر أهل الحارة نائمين، فانتبهوا على صياحه وقالوا: ما لك يا خليفة؟ فقال: الحقوني بسراج، فإن الجن خرجوا علي. فضحكوا عليه وأعطوه سراجا، فأخذه ودخل به بيته وضرب قفل الصندوق بحجر فكسره وفتح الصندوق، وإذا هو بجارية كأنه حورية، وهي نائمة في الصندوق وكانت مبنجة، وقد تقيأت البنج في تلك الساعة فاستفاقت وفتحت عينيها وحست بالضيق فتحركت، فلما رآها خليفة نهض إليها وقال: بالله يا سيدتي، من أين أنت؟ ففتحت عينها وقالت: هات لي ياسمينا ونرجسا. فقال خليفة: ما هنا إلا تمر حناء. فاستفاقت في نفسها ونظرت خليفة فقالت له: أي شيء أنت؟ ثم إنها قالت: وأين أنا؟ قال لها: أنت في بيتي. قالت: أما أنا في قصر الخليفة هارون الرشيد؟ فقال لها: أي شيء الرشيد يا مجنونة؟ ما أنت إلا جاريتي، وفي هذا اليوم اشتريتك بمائة دينار ودينار، وجئت بك إلى بيتي، وكنت في هذا الصندوق نائمة. # فلما سمعت الجارية كلامه قالت له: ما اسمك؟ قال: اسمي خليفة، ما بال نجمي قد سعد وأنا ms1881 أعرف نجمي غير ذلك! فضحكت وقالت: دعني من هذا الكلام، هل عندك شيء يؤكل؟ فقال: والله ولا شيء يشرب، وأنا والله لي يومان ما أكلت شيئا، وأنا الآن محتاج إلى لقمة. فقالت له: أما معك دراهم؟ فقال: الله يحفظ هذا الصندوق الذي أفقرني؛ لأني أوردت ما كان معي فيه وبقيت مفلسا. فضحكت عليه الجارية وقالت: قم اطلب من جيرانك شيئا آكله فإني جائعة. فقام خليفة وخرج من البيت وصاح: يا أهل الحارة. وقد كانوا راقدين فانتبهوا وقالوا: ما لك يا خليفة؟ فقال: يا جيراني أنا جائع، وما عندي شيء آكله. فنزل له واحد برغيف، وآخر بكسرة، وآخر بقطعة جبن، وآخر بخيارة، فامتلأ حجره ودخل البيت وحط الجميع بين يديها وقال لها: كلي. فضحكت عليه وقالت له: كيف آكل من هذا ولا عندي كوز ماء أشرب منه؟ فأخاف أن أشرق بلقمة فأموت. فقال خليفة: أنا أملأ لك هذه الجرة. ثم أخذ الجرة وخرج في وسط الحارة وصاح: يا أهل الحارة. فقالوا له: ما مصيبتك في هذه الليلة يا خليفة؟ فقال لهم: أنتم أعطيتموني فأكلت، ولكن عطشت فاسقوني. فنزل له هذا بكوز، وهذا بإبريق، وهذا بقلة، فملأ الجرة ودخل بها البيت وقال لها: يا سيدتي، ما بقي لك حاجة. فقالت: صحيح، ما بقي لي حاجة في هذه الساعة. فقال لها: كلميني وحدثيني بحديثك. فقالت: ويلك، إن كنت لم تعرفني فأنا أعرفك بنفسي؛ أنا قوت القلوب جارية الخليفة هارون الرشيد، وقد غارت مني السيدة زبيدة وبنجتني ووضعتني في هذا الصندوق. ثم قالت: الحمد لله الذي كان هذا الأمر السهل ولم يكن غيره، ولكن ما جرى لي هذا إلا من أجل سعادتك، فلا بد أن تأخذ من الخليفة الرشيد مالا كثيرا يكون سببا في غنائك. فقال لها خليفة: أما هو الرشيد الذي كنت في قصره محبوسا؟ قالت: نعم. قال: والله ما رأيت أبخل منه ذلك الزمار القليل الخير والعقل، فإنه ضربني أمس مائة عصا، وأعطاني دينارا واحدا، مع أني علمته الصيد وشاركته فغدر بي. ms1882 فقالت له: دع عنك هذا الكلام القبيح، وافتح عينك، وعليك بالأدب إذا رأيته بعد هذا المرة، فإنك تبلغ مرادك. فلما سمع كلامها كان كأنه نائم واستيقظ، وكشف الله عن بصيرته لأجل سعادته. فقال لها: على الرأس والعين. ثم قال لها: باسم الله نامي. فقامت ونامت ونام هو بعيدا عنها إلى الصباح. # فلما أصبحت طلبت منه دواة وورقة، فأحضرهما لها، فكتبت إلى التاجر الذي هو صاحب الخليفة تخبره بحالها وما جرى لها من أنها عند خليفة الصياد، وقد اشتراها، ثم دفعت له الورقة وقالت له: خذ هذه الورقة وامض بها إلى سوق الجواهر، واسأل عن دكان ابن القرناص الجوهري وأعطه هذه الورقة ولا تتكلم. فقال لها خليفة: سمعا وطاعة. ثم إنه أخذ الورقة من يدها ومضى بها إلى سوق الجواهر، وسأل عن دكان ابن القرناص فأرشدوه إليه، فأتاه وسلم عليه، فرد عليه السلام واحتقره في عينه وقال له: أي حاجة لك؟ فناوله الورقة، فأخذها ولم يقرأها لظنه أنه صعلوك يطلب منه صدقة. فقال لبعض غلمانه: أعطه نصف درهم. فقال له خليفة: لا حاجة لي بالصدقة، ولكن اقرأ الورقة. فأخذ الورقة وقرأها، ففهم ما فيها، فلما عرف ما فيها قبلها ووضعها على رأسه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 844 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن القرناص لما قرأ الورقة وفهم ما فيها قبلها ووضعها على رأسه ونهض قائما وقال له: يا أخي، أين بيتك؟ فقال له خليفة: وما تريد ببيتي؟ فهل مرادك أن تروح إليه وتسرق جاريتي؟ فقال له: لا، بل أشتري لك شيئا تأكله أنت وإياها. فقال له: بيتي في الحارة الفلانية. فقال له: أحسنت، لا أعطاك الله عافية يا مندبور. ثم صاح على عبدين من عبيده وقال لهما: امضيا مع هذا الرجل إلى دكان محسن الصيرفي وقولا له: يا محسن، أعط هذا ألف دينار من الذهب وارجعا به إلي بسرعة. فمضى العبدان مع خليفة إلى دكان الصيرفي وقالا له: يا محسن، أعط هذا الرجل ms1883 ألف دينار من الذهب. فأعطاه إياها، فأخذها خليفة ورجع مع العبدين إلى دكان سيدهما، فوجدوه راكبا زرزورية تساوي ألف دينار والمماليك والغلمان حوله، وفي جنب بغلته بغلة مثلها مسرجة ملجمة، فقال لخليفة: باسم الله اركب هذه البغلة. فقال خليفة: أنا لا أركب، والله إني أخاف أن ترميني. فقال له التاجر ابن القرناص: والله لا بد من ركوبك. فتقدم خليفة ليركبها، فركبها مقلوبا ومسك ذنبها وصرخ، فرمته على الأرض فضحكوا عليه، ثم قام وقال: أما قلت لك ما أركب هذا الحمار الكبير؟ ثم إن ابن القرناص ترك خليفة في السوق وراح إلى أمير المؤمنين وأعلمه بالجارية، ثم رجع ونقلها إلى بيته، ثم إن خليفة ذهب إلى البيت لينظر الجارية، فرأى أهل الحارة مجتمعين وهم يقولون: إن خليفة اليوم مرهوب بالكلية، يا ترى هذه الجارية من أين له؟ فقال واحد منهم: هذا قواد مجنون، لعله وجدها في الطريق سكرانة فحملها وأتى بها إلى بيته، وما غاب إلا لأنه عرف ذنبه. # فبينما هم في الكلام، وإذا بخليفة أقبل عليهم فقالوا له: أي شيء حالك يا مسكين؟ أما تعرف أي شيء جرى لك؟ فقال: لا والله. فقالوا: في هذه الساعة جاء مماليك وأخذوا جاريتك وطلبوك فما وجدوك. فقال خليفة: كيف أخذوا جاريتي؟ فقال واحد: لو كان وقع كانوا قتلوه. فلم يتلفت خليفة إليهم، بل رجع يجري إلى دكان ابن القرناص، فرآه راكبا فقال له: والله ما يصح منك، فإنك شاغلتني وأرسلت مماليكك فأخذوا جاريتي. فقال: يا مجنون، تعال وأنت ساكت. ثم أخذه وأتى به إلى دار مليحة البناء، فدخل به هناك، فنظر الجارية قاعدة فيها على سرير من ذهب، وحولها عشر جوار كأنهن الأقمار، فلما رآها ابن القرناص قبل الأرض بين يديها، فقالت له: ما فعلت بسيدي الجديد الذي اشتراني بجميع ما يملك؟ فقال لها: يا سيدتي، أعطيته ألف دينار من الذهب. وحكى لها خبر خليفة من أوله إلى آخره، فضحكت وقالت: لا تؤاخذه فإنه رجل عامي. ثم قالت: وهذه ألف دينار أخرى هبة ms1884 مني إليه، وإن شاء الله تعالى يأخذ من الخليفة ما يغنيه. # فبينما هم في الحديث، وإذا بخادم من عند الخليفة قد أقبل يطلب قوت القلوب؛ لأنه علم أنها في بيت أبي القرناص، وحين علم ذلك لم يصبر عنها فأمر بإحضارها، فلما توجهت إليه أخذت خليفة معها وذهبت حتى أقبلت على الخليفة، فلما وصلت إليه قبلت الأرض بين يديه، فقام إليها وسلم عليها ورحب بها وسألها كيف كان حالها مع من اشتراها. فقالت له: إنه رجل يسمى خليفة الصياد وها هو واقف بالباب، وقد ذكر لي أن له مع مولانا أمير المؤمنين محاسبة من أجل الشركة التي كانت بينه وبينه في الصيد. فقال: هل هو واقف؟ قالت: نعم. فأمر بإحضاره، فحضر وقبل الأرض بين يدي الخليفة ودعا له بدوام العز والنعم، فتعجب الخليفة منه وضحك عليه وقال له: يا صياد، هل كنت أمس شريكي حقيقة؟ ففهم خليفة كلام أمير المؤمنين فقوى قلبه وثبت جنانه وقال له: وحق من أنعم عليك بخلافة ابن عمك، ما أعلمها على أي حالة، وما كان مني غير النظر والحديث. ثم أعاد عليه جميع ما جرى له من الأول إلى الآخر، وصار الخليفة يضحك عليه. ثم إنه حدثه بحديث الخادم وما جرى له معه، وكيف أعطاه المائة دينار على الدينار الذي أخذه من الخليفة، وحدثه أيضا بدخوله السوق واشترائه الصندوق بالمائة دينار وهو لا يعلم ما فيه، وحكى له جميع الحكاية من المبتدأ إلى المنتهى؛ فضحك عليه الخليفة وانشرح صدره وقال له: نحن على ما تريد يا موصل الحق إلى أهله. ثم سكت، وبعد ذلك أمر له الخليفة بخمسين ألف دينار ذهبا، وخلعة سنية من ملابس الخلفاء الكبار وبغلة، وأهدى إليه عبيدا من السودان يخدمونه، وصار كأنه بعض الملوك الموجودة في ذلك الزمان، وقد فرح الخليفة بقدوم جاريته، وعلم أن هذا كله من فعال السيدة زبيدة بنت عمه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 845 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة فرح ms1885 برجوع قوت القلوب، وعرف أن هذا كله من فعال السيدة زبيدة بنت عمه، فزاد غضبه عليها وهجرها مدة من الزمان، وصار لا يدخل عليها ولا يميل إليها؛ فلما تحققت ذلك، حصل لها من غيظه هم عظيم، واصفر لونها بعد الاحمرار، فلما أعياها الصبر أرسلت إلى ابن عمها أمير المؤمنين تعتذر إليه وتقر بذنبها، وقد أنشدت هذه الأبيات: # أميل إلى ما كان منكم من الرضا %~% لأطفئ مني حسرة وتأسفا ~~أيا سادتي رقوا لفرط صبابتي %~% فهذا الذي لاقيته منكم كفا ~~لقد عيل صبري بعدكم يا أحبتي %~% وكدرتم العيش الذي كان قد صفا ~~حياتي إذا أوفيتم بعهودكم %~% وموتي إذا لم تسمحوا لي بالوفا ~~هبوا أنني أذنبت ذنبا فسامحوا %~% فوالله ما أحلى الحبيب إذا عفا # فلما وصلت مراسلة السيدة زبيدة إلى أمير المؤمنين وقرأها، عرف أنها اعترفت بذنبها وأرسلت تعتذر إليه مما فعلت، فقال في نفسه: إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم. وأرسل إليها رد الجواب عن مراسلتها مشتملا على الرضا والسماح والعفو عما مضى، فحصل لها الفرح العظيم. ثم إن الخليفة رتب لخليفة في كل شهر خمسين دينارا جائزة له، وصار له عند الخليفة منزلة عظيمة ومقام عال وحرمة واحتشام. ثم إن خليفة قبل الأرض بين يدي أمير المؤمنين عند خروجه وخرج يمشي ويتبختر، فلما وصل إلى الباب نظر إليه الخادم الذي أعطاه المائة دينار، فعرفه وقال له: يا صياد، من أين لك هذا كله؟ فحدثه بما جرى له من أوله إلى آخره؛ ففرح الخادم بذلك حيث كان هو السبب في غنائه، وقال له: أما تعطيني إنعاما من هذا المال الذي صار لك؟ فمد خليفة يده إلى جيبه، فطلع منه كيسا فيه ألف دينار من الذهب وناوله للخادم، فقال له الخادم: خذ مالك بارك الله لك فيه. وتعجب من مروءته وسماحة نفسه على فقره. ثم إن خليفة خرج من عند الخادم وهو راكب على البغلة، والخدام ماسكة كفلها وهو سائر إلى أن أتى إلى الخان والناس يتفرجون عليه ويتعجبون لما ms1886 حصل له من العز، فتقدم إليه الناس بعدما نزل من فوق البغلة وسألوه عن سبب تلك السعادة، فأخبرهم بما جرى له من الأول إلى الآخر. ثم إنه اشترى دارا مليحة الأركان، وأنفق عليها جملة من المال حتى صارت كاملة المعاني، وسكن في تلك الدار وصار ينشد هذين البيتين: # انظر لدار شبه دار النعيم %~% الهم تنفيه وتشفي السقيم ~~قد جعلت بنيانها للعلا %~% والخير فيها كل وقت مقيم # ثم إنه لما استقر في داره خطب له بنتا من بنات أعيان أهل المدينة، من البنات الحسان، ودخل بها وحصل له غاية الأنس والحظ الزائد والانبساط، وصار في نعمة زائدة وسعادة كاملة، فلما رأى نفسه في ذلك النعيم، شكر الله سبحانه وتعالى على ما أعطاه من النعمة الوافرة والمكارم المتواترة، وصار لربه حامدا حمد الشاكرين مترنما بقول الشاعر: # لك الحمد يا من فضله متواتر %~% ويا من له جود عميم وغامر ~~لك الحمد مني فاقبل الحمد إنني %~% لجودك والإحسان والفضل ذاكر ~~لقد جدت إنعاما علي ومنة %~% وفضلا وإحسانا فها أنا شاكر ~~وكل الورى من بحر جودك ناهل %~% وأنت لهم عند الشدائد ناصر ~~وخولتنا يا رب آثار نعمة %~% وأسبغتها يا من لذنبي غافر ~~بجاه الذي قد جاء للناس رحمة %~% نبي كريم صادق القول طاهر ~~عليه صلاة الله ثم سلامه %~% وأنصاره والآل ما زار زائر ~~وأصحابه الغر الكرام أولي النهى %~% مدى الدهر ما غنى على الأيك طائر # ثم إن خليفة صار يتردد على الخليفة هارون الرشيد مع القبول عنده، وصار الرشيد يشمله بإحسانه وجوده، ولم يزل خليفة في أتم نعمة وسرور وعز وحبور، وفي نعمة زائدة ورفعة متصاعدة، وعيشة طيبة هنية ولذة صافية مرضية، إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، فسبحان من له العز والبقاء، وهو حي دائم لا يموت أبدا. ### || مسرور وزين المواصف # ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجل تاجر اسمه مسرور، وكان ذلك الرجل من أحسن أهل زمانه، كثير المال مرفه الحال، ولكنه كان يحب النزهة في الرياض والبساتين، ms1887 ويلتهي بهوى النساء الملاح، فاتفق أنه كان نائما في ليلة من الليالي فرأى في نومه أنه في روضة من أحسن الرياض، وفيها أربعة طيور ومن جملتهما حمامة بيضاء مثل الفضة المجلية، فعجبته تلك الحمامة وصار في قلبه منها وجد عظيم، وبعد ذلك رأى أنه نزل عليه طائر عظيم خطف تلك الحمامة من يده؛ فعظم ذلك عليه، ثم بعد ذلك انتبه من نومه فلم يجد الحمامة، فصار يعالج أشواقه إلى الصباح، فقال في نفسه: لا بد أن أروح اليوم إلى من يفسر لي هذا المنام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 846 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مسرور التاجر لما انتبه من نومه، صار يعالج أشواقه إلى الصباح، فلما أصبح الصباح قال: لا بد أن أروح اليوم إلى من يفسر لي هذا المنام. فقام وصار يمشي يمينا وشمالا إلى أن بعد عن منزله، فلم يجد من يفسر له هذا المنام، ثم بعد ذلك طلب الرجوع إلى منزله، فبينما هو في الطريق إذ خطر بباله أنه يميل إلى دار من دور التجار، وكانت تلك الدار لبعض الأغنياء، فلما وصل إليها وإذا به يسمع بها صوت أنين من كبد حزين، وهو ينشد هذه الأبيات: # نسيم الصبا هبت لنا من رسومها %~% معطرة يشفي العليل شميمها ~~وقفت بأطلال دوارس سائلا %~% وليس يجيب الدمع إلا رميمها ~~فقلت نسيم الريح بالله خبري %~% هل الدار هذي قد يعود نعيمها ~~وأحظى بظبي مال بي لين قده %~% وأجفانه الوسنى ضناني سقيمها # فلما سمع مسرور ذلك الصوت نظر في داخل البيت، فرأى روضة من أحسن الرياض، في باطنها ستر من ديباج أحمر مكلل بالدر والجوهر، وعليه من وراء الستر أربع جوار بينهن صبية دون الخماسية وفوق الرباعية، كأنها البدر المنير والقمر المستدير، بعينين كحيلتين، وحاجبين مقرونين، وفم كأنه خاتم سليمان، وشفتين وأسنان كالدر والمرجان، وهي تسلب العقول بحسنها وجمالها وقدها واعتدالها، فلما رآها مسرور دخل الدار وبالغ في الدخول حتى وصل إلى الستر، فرفعت رأسها إليه ms1888 ونظرته، فعند ذلك سلم عليها فردت عليه السلام بعذوبة الكلام، فلما نظرها وتأملها طاش عقله وذهب قلبه، ونظر إلى الروضة وكانت من الياسمين والمنثور والبنفسج والورد والنارنج، وجميع ما يكون فيها من المشموم، وقد توشحت جميع الأشجار بالأثمار، والماء منحدر من أربعة لواوين يقابل بعضها بعضا، فتأمل في الليوان الأول فرأى مكتوبا على دائره بالزنجفر الأحمر هذان البيتان: # ألا يا دار لم يدخلك حزن %~% ولم يغدر بصاحبك الزمان ~~فنعم الدار تأوي كل ضيف %~% إذا ما الضيف ضاق به المكان # ثم تأمل في الليوان الثاني، فرأى مكتوبا في دائره بالذهب الأحمر هذه الأبيات: # لاحت عليك ثياب السعد يا دار %~% ما غردت في غصون الروض أطيار ~~ودام فيك عبيرات معطرة %~% وتنقضي بك للأحباب أوطار ~~وعاش أهلك في عز وفي نعم %~% ما لاح نجم على العلياء سيار # ثم تأمل في الليوان الثالث، فرأى مكتوبا في دائره باللازورد الأزرق هذان البيتان: # بقيت في العز والإقبال يا دار %~% ما جن ليل وما قد لاح أنوار ~~في بابك السعد يأوي كل من دخلوا %~% والخير منك لمن وافاك مدرار # ثم تأمل الليوان الرابع، فرأى مكتوبا في دائره بالمدار الأصفر هذا البيت: # هذه روضة وهذا غدير %~% مجلس طيب ورب غفور # وفي تلك الروضة طيور من قرى وحمام وبلبل ويمام، وكل طير يغرد بصوته، والصبية تتمايل في حسنها وجمالها وقدها واعتدالها يفتتن بها كل من رآها، ثم قالت: أيها الرجل، ما الذي أقدمك على دار غير دارك، وعلى جوار غير جواريك من غير إجازة أصحابها؟ فقال لها: يا سيدتي، رأيت هذه الروضة فأعجبني حسن اخضرارها وفيح أزهارها وترنم أطيارها، فدخلتها لأتفرج فيها ساعة من الزمان وأروح إلى حال سبيلي. فقالت له: حبا وكرامة. فلما سمع مسرور التاجر كلامها، ونظر إلى طرفها ورشاقة قدها، تحير من حسنها وجمالها، ومن لطافة الروضة والطير؛ فطار عقله من ذلك وصار متحيرا في أمره، وأنشد هذه الأبيات: # قمر تبدى في بديع محاسن %~% بين الربا والروح والريحان ~~والآس والنسرين ثم بنفسج %~% فاحت روائحه من الأغصان ms1889 ~~يا روضة كملت بحسن صفاتها %~% وحوت جميع الزهر والأفنان ~~فالبدر يجلو تحت ظل غصونها %~% والطير تنشد أطيب الألحان ~~قمريها وهزارها ويمامها %~% وكذا البلابل هيجت أشجاني ~~وقف الغرام بمهجتي متحيرا %~% في حسنها كتحير السكران # فلما سمعت زين المواصف شعر مسرور، نظرت له نظرة أعقبته ألف حسرة، وسلبت بها عقله ولبه، وأجابته على شعره بهذه الأبيات: # لا ترتجي وصل التي علقتها %~% واقطع مطامعك التي أملتها ~~وذر الذي ترجوه إنك لم تطق %~% صد التي في الغانيات عشقتها ~~تجني على العشاق ألحاظي ولم %~% يعظم علي مقالة قد قلتها # فلما سمع مسرور كلامها تجلد وصبر، وكتم أمرها في سره وتنكر، وقال في نفسه: ما للبلية إلا الصبر. ثم داموا على ذلك إلى أن هجم الليل، فأمرت بحضور المائدة فحضرت بين أيديهما وفيها من سائر الألوان، من السمان وأفراخ الحمام ولحوم الضأن، فأكلا حتى اكتفيا، ثم أمرت برفع الموائد فرفعت، وحضرت آلات الغسل فغسلا أيديهما، ثم أمرت بوضع الشمعدانات فوضعت وجعل فيها شمع الكافور، ثم بعد ذلك قالت زين المواصف: والله إن صدري ضيق في هذه الليلة لأني محمومة. فقال لها مسرور: شرح الله صدرك، وكشف غمك. فقالت: يا مسرور، أنا معودة بلعب الشطرنج، فهل تعرف فيه شيئا؟ قال: نعم، أنا عارف به. فقدمته بين أيديهما، وإذا هو من الأبنوس مقطع بالعاج، له رقعة مرموقة بالذهب الوهاج، وحجارته من در وياقوت. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 847 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنها لما أمرت بإحضار الشطرنج أحضروه بين أيديهما، فلما رآه مسرور حار فكره، فالتفتت إليه زين المواصف وقالت له: هل أنت تريد الحمر أم البيض؟ فقال: يا سيدة الملاح وزين الصباح، خذي أنت الحمر لأنها ملاح ولمثلك أملح، ودعي لي الحجارة البيض. فقالت: رضيت بذلك. فأخذت الحمر وصفتها مقابلة البيض، ومدت يديها إلى القطع تنقل في أول الميدان، فنظر إلى أناملها فرآها كأنها من عجين، فاندهش مسرور من حسن أناملها ولطف شمائلها، فالتفتت إليه وقالت له: يا مسرور، لا ms1890 تندهش واصبر واثبت. فقال لها: يا ذات الحسن الذي فضح الأقمار، إذا نظرك المحب كيف يكون له اصطبار؟ فبينما هو كذلك وإذا هي تقول له: الشاه مات. فغلبته عند ذلك وعلمت زين المواصف أنه بحبها مجنون، فقالت له: يا مسرور، لا ألعب معك إلا برهن معلوم وقدر مفهوم. فقال لها: سمعا وطاعة. فقالت له: احلف لي وأحلف لك أن كلا منا لا يغدر صاحبه. فتحالفا معا على ذلك، فقالت له: يا مسرور، إن غلبتك أخذت منك عشرة دنانير، وإن غلبتني لم أعطك شيئا. فظن أنه يغلبها فقال لها: يا سيدتي، لا تحنثي في يمينك، فإني أراك أقوى مني في اللعب. فقالت له: رضيت بذلك. وصارا يلعبان ويتسابقان بالبيادق وألحقتهم بالأفراس وصفتهم وقرنتهم بالرخاخ، وسمحت النفس بتقديم الأفراس، وكان على رأس زين المواصف وشاح من الديباج الأزرق، فوضعته عن رأسها وشمرت عن معصم كأنه عامود من نور، ومرت بكفها على القطع الحمر، وقالت له: خذ حذرك. فاندهش مسرور وطار عقله وذهب لبه، ونظر إلى رشاقتها ورقة معانيها، فاحتار وأخذه الانبهار، فمد يده إلى البيض فراحت إلى الحمر، فقالت: يا مسرور، أين عقلك؟ الحمر لي والبيض لك. فقال لها: إن من ينظر إليك ليس يملك عقله. فلما نظرت زين المواصف إلى حاله أخذت منه البيض وأعطته الحمر، فلعب بها فغلبته. # ولم يزل يلعب معها وهي تغلبه ويدفع لها في كل مرة عشرة دنانير، فلما عرفت زين المواصف أنه مشغول بهواها، قالت: يا مسرور، ما بقيت تنال مرادك إلا إذا كنت تغلبني كما هو شرطك، ولا بقيت ألعب معك في كل مرة إلا بمائة دينار. فقال لها: حبا وكرامة. فصارت تلاعبه وتغلبه وتكرر ذلك، وهو في كل مرة يدفع لها المائة دينار، وداما على ذلك إلى الصباح، وهو لم يغلبها قط، فنهض قائما على أقدامه، فقالت له: ما الذي تريد يا مسرور؟ قال: أمضي إلى منزلي وآتي بمال لعلي أبلغ آمالي. فقالت له: افعل ما تريد مما بدا لك. فمضى إلى منزله وأتاها ms1891 بالمال جميعه، فلما وصل إليها أنشد هذين البيتين: # رأيت طيرا قد تربى في المنام %~% في روض أنس زهره ذو ابتسام ~~لكنه لما بدا لي صدته %~% منك الوفا تأويل هذا المنام # فلما حضر عندها مسرور بجميع ماله، صار يلعب معها وهي تغلبه، ولم يقدر أن يغلبها بدور واحد، ولم يزالا كذلك ثلاثة أيام حتى أخذت منه جميع ماله؛ فلما نفد ماله قالت له: يا مسرور، ما الذي تريد؟ قال: ألاعبك على دكان العطارة. قالت له: كم تساوي تلك الدكان؟ قال: خمسمائة دينار. فلعب بها خمسة أشواط فغلبته، ثم لعب معها على الجواري والعقارات والبساتين والعمارات، فأخذت منه ذلك كله وجميع ما يملكه، وبعد ذلك التفتت إليه وقالت له: هل بقي معك شيء من المال تلعب به؟ فقال لها: وحق من أوقعني معك في شرك المحبة، ما بقيت يدي تملك شيئا من المال وغيره، لا قليلا ولا كثيرا. فقالت له: يا مسرور، كل شيء يكون أوله رضا لا يكون آخره ندامة، فإن كنت ندمت فخذ مالك واذهب عنا إلى حال سبيلك، وأنا أجعلك في حل من قبلي. فقال مسرور: وحق من قضى علينا بهذه الأمور، لو أردت أخذ روحي لكانت قليلة في رضاك، فما أعشق أحدا سواك. فقالت له: يا مسرور، حينئذ اذهب وأحضر القاضي والشهود، واكتب لي جميع الأملاك والعقارات. فقال: حبا وكرامة. ثم نهض قائما في الوقت والساعة، وأتى بالقاضي والشهود وأحضرهم عندها، فلما رآها القاضي طار عقله وذهب لبه وتبلبل خاطره من حسن أناملها، وقال لها: يا سيدتي، لا أكتب الحجة إلا بشرط أن تشتري العقارات والجواري والأملاك وتصير كلها تحت تصرفك وفي حيازتك. فقالت: قد اتفقنا على ذلك، فاكتب لي حجة بأن ملك مسرور وجواريه وما تملكه يده ينقل إلى ملك زين المواصف بثمن جملته كذا وكذا. فكتب القاضي ووضع الشهود خطوطهم على ذلك، وأخذت الحجة زين المواصف. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 848 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما ms1892 أخذت الحجة من القاضي مشتملة على أن جميع ما كان ملكا لمسرور صار ملكا لها، قالت له: يا مسرور، اذهب إلى حال سبيلك. فالتفتت إليه جاريتها هبوب وقالت له: أنشدنا شيئا من الأشعار. فأنشد في شأن لعب الشطرنج هذه الأبيات: # أشكو الزمان وما قد حل بي وجرى %~% وأشتكي الخسر والشطرنج والنظرا ~~في حب جارية غيداء ناعمة %~% ما مثلها في الورى أنثى ولا ذكرا ~~ففوقت لي سهاما من لواحظها %~% وقدمت لي جيوشا تغلب البشرا ~~حمرا وبيضا وفرسانا مصادمة %~% فبارزتني وقالت لي خذ الحذرا ~~وأهملتني إذا مرت أناملها %~% في جنح ليل بهيم يشبه الشعرا ~~لم أستطع لخلاص البيض أنقلها %~% والوجد صير مني الدمع منهمرا ~~بياذق ورخوخ مع فرازنة %~% كرت فأدبر جيش البيض منكسرا ~~لقد رمتني بسهم من لواحظها %~% فصار قلبي بذاك السهم منفطرا ~~وخيرتني بين العسكرين معا %~% فاخترت تلك الجيوش البيض مقتمرا ~~وقلت هذي جيوش البيض تصلح لي %~% قالت تصبر بفكري أنقل الحجرا ~~ولاعبتني على رهن رضيت به %~% ولم أكن عن رضاها أبلغ الوطرا ~~يا لهف قلبي ويا شوقي ويا حزني %~% على وصال فتاة تشبه القمرا ~~ما القلب في حرق كلا ولا أسف %~% على عقاري ولكن يألف النظرا ~~وصرت حيران مبهوتا على وجل %~% أعاتب الدهر فيما تم لي وجرى ~~قالت فما لك مبهوتا فقلت لها %~% هل شارب الخمر قد يصحو إذا سكرا ~~إنسية سلبت عقلي بقامتها %~% إن لان منها فؤاد يشبه الحجرا ~~أطمعت نفسي وقلت اليوم أملكها %~% على الرهان ولا خوفا ولا حذرا ~~لا زال يطمع قلبي في تواصلها %~% حتى بقيت على الحالين مفتقرا ~~هل يرجع الصب عن عشق أضر به %~% ولو غدا في بحار الوجد منحدرا ~~فأصبح العبد لا مال يقلبه %~% أسير شوق ووجد ما قضى وطرا # فلما سمعت زين المواصف هذه الأبيات تعجبت من فصاحة لسانه، وقالت له: يا مسرور، دع عنك هذا الجنون، وارجع إلى عقلك وامض إلى حال سبيلك، فقد أفنيت مالك وعقارك في لعب الشطرنج ولم تحصل غرضك، وليس لك جهة من الجهات توصلك إليه. فالتفت مسرور ms1893 إلى زين المواصف وقال لها: يا سيدتي، اطلبي أي شيء ولك كل ما تطلبينه، فإني أجيء به إليك وأحضره بين يديك. فقالت: يا مسرور، ما بقي معك شيء من المال! فقال لها: يا منتهى الآمال، إذا لم يكن عندي شيء من المال تساعدني الرجال. فقالت له: هل الذي يعطي يصير مستعطيا؟ فقال لها: إن لي قرائب وأصحابا، ومهما طلبته يعطوني إياه. فقالت له: أريد منك أربع نوافح من المسك الأدفر، وأربعة أوان من الغالية، وأربعة أرطال من العنبر، وأربعة آلاف دينار، وأربعمائة حلة من الديباج الملوكي المزركش، فإن كنت يا مسرور تأتي بذلك الأمر، أبحث لك الوصال. فقال لها: هذا علي هين يا مخجلة الأقمار. ثم إن مسرورا خرج من عندها ليأتيها بذلك الذي طلبته منه، فأرسلت خلفه هبوب الجارية حتى تنظر قدره عند الناس الذين ذكرهم لها، فبينما هو يمشي في شوارع المدينة إذ لاحت منه التفاتة، فرأى هبوب على بعد، فوقف إلى أن لحقته، فقال لها: يا هبوب، إلى أين ذاهبة؟ فقالت له: إن سيدتي أرسلتني خلفك من أجل كذا وكذا. وأخبرته بما قالته لها زين المواصف من أوله إلى آخره. فقال: والله يا هبوب إن يدي لا تملك شيئا من المال. قالت له: فلأي شيء وعدتها؟ فقال: كم من وعد لا يفي به صاحبه، والمطل في الحب لا بد منه. فلما سمعت هبوب ذلك منه قالت له: يا مسرور، طب نفسا وقر عينا، والله لأكونن سببا في اتصالك بها. # ثم إنها تركته ومشت، وما زالت ماشية إلى أن وصلت إلى سيدتها، فبكت بكاء شديدا وقالت لها: يا سيدتي، والله إنه رجل كبير المقدار محترم عند الناس. فقالت لها سيدتها: لا حيلة في قضاء الله تعالى، إن هذا الرجل ما وجد عندنا قلبا رحيما لأننا أخذنا ماله، ولم يجد عندنا مودة ولا شفقة في الوصال، وإن ملت إلى مراده أخاف أن يشيع الأمر. فقالت لها هبوب: يا سيدتي، ما سهل علينا حاله وأخذ ماله، ولكن ما عندك إلا ms1894 أنا وجاريتك سكوب، فمن يقدر أن يتكلم منا فيك ونحن جواريك؟ فعند ذلك أطرقت برأسها إلى الأرض، فقال لها الجواري: يا سيدتي، الرأي عندنا أن ترسلي خلفه وتنعمي عليه، ولا تدعيه يسأل أحدا من اللئام، فما أمر السؤال! فقبلت كلام الجواري، ودعت بدواة وقرطاس، وكتبت إليه هذه الأبيات: # دنا الوصل يا مسرور فابشر بلا مطل %~% إذا اسود جنح الليل فلتأت بالفعل ~~ولا تسأل الأنذال في المال يا فتى %~% فقد كنت في سكري وقد رد لي عقلي ~~فمالك مردود عليك جميعه %~% وزدتك يا مسرور من فوقه وصلي ~~لأنك ذو صبر وفيك حلاوة %~% على جور محبوب جفاك بلا عدل ~~فبادر لتغنم وصلنا ولك الهنا %~% ولا تعط إهمالا فيدري بنا أهلي ~~هلم إلينا مسرعا غير مبطئ %~% وكل من ثمار الوصل في غيبة البعل # ثم إنها طوت الكتاب وأعطته لجاريتها هبوب، فأخذته ومضت به إلى مسرور، فوجدته يبكي وينشد قول الشاعر: # وهب على قلبي نسيم من الجوى %~% ففتت الأكباد من فرط لوعتي ~~لقد زاد وجدي بعد بعد أحبتي %~% وفاضت جفوني في تزايد عبرتي ~~وعندي من الأوهام ما إن أبح به %~% لصم الحصى والصخر لانت بسرعة ~~ألا ليت شعري هل أرى ما يسرني %~% وأحظى بما أرجوه من نيل بغيتي ~~وتطوى ليالي الصد من بعد هجرها %~% وأبرأ مما داخل القلب خلتي # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 849 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مسرورا لما زاد به الهيام، صار ينشد الأشعار وهو في غاية الشوق، فبينما هو يترنم بتلك الأبيات ويرددها؛ إذ سمعته هبوب فطرقت عليه الباب، فقام وفتح لها فدخلت وناولته الكتاب، فأخذه وقرأه وقال لها: يا هبوب، ما وراءك من أخبار سيدتك؟ فقالت: يا سيدي، إن في هذا الكتاب ما يغني عن رد الجواب، وأنت من ذوي الألباب. ففرح مسرور فرحا شديدا وأنشد هذين البيتين: # ورد الكتاب فسرنا مضمونه %~% وسررت أني في الفؤاد أصونه ~~وازددت شوقا عندما قبلته %~% فكأنما در الهوى مكنونه # ثم إنه كتب كتابا جوابا لها وأعطاه ms1895 لهبوب، فأخذته وأتت به إلى زين المواصف، فلما وصلت إليها به صارت تشرح لها محاسنه، وتذكر أوصافه وكرمه، وصارت مساعدة له على جمع شمله بها، فقالت لها زين المواصف: يا هبوب، إنه أبطأ عن الوصول إلينا. فقالت لها هبوب: إنه سيأتي سريعا. فلم تستتم كلامها وإذا به قد أقبل وطرق الباب، ففتحت له وأخذته وأجلسته عند سيدتها زين المواصف، فسلمت عليه ورحبت به وأجلسته إلى جانبها، ثم قالت لجاريتها هبوب: هات له بدلة من أحسن ما يكون. فقامت هبوب وأتت ببدلة مذهبة، فأخذتها وأفرغتها عليه، وأفرغت على نفسها بدلة أيضا من أفخر الملابس، ووضعت على رأسها سبيكة من اللؤلؤ الرطب، وربطت على السبيكة عصابة من الديباج مكللة بالدر والجوهر واليواقيت، وأرخت من تحت العصابة سالفتين، ووضعت في كل سالفة ياقوتة حمراء مرقومة بالذهب الوهاج، وأرخت شعرها كأنه الليل الداجي، وتبخرت بالعود وتعطرت بالمسك والعنبر، فقالت لها جاريتها هبوب: الله يحفظك من العين. فصارت تمشي وتتبختر في خطواتها وتتعطف، فأنشدت الجارية من بديع شعرها هذه الأبيات: # خجلت غصون البان من خطواتها %~% وسطت على العشاق من لحظاتها ~~قمر تبدى في غياهب شعرها %~% كالشمس تشرق في دجى وفراتها ~~طوبى لمن باتت تليه بحسنها %~% ويموت فيها حالفا بحياتها # فشكرتها زين المواصف، ثم إنها أقبلت على مسرور وهي كالبدر المشهور، فلما رآها مسرور نهض قائما على قدميه، وقال: إن صدقني ظني، فما هي إنسية وإنما هي من عرائس الجنة. ثم إنها دعت بالمائدة فحضرت، وإذا مكتوب على أطراف المائدة هذه الأبيات: # عج بالملاعق في ربع السكاريج %~% ولذ بنوع القلايا والطياهيج ~~عليه ... ما زلت أعشقها %~% مع الفراخ ... والفراريج ~~لله در الكباب الذي يزهو بحمرته %~% والبقل يغمس في خل السكاريج ~~نعم الأرز بألبان الحليب غدت %~% فيه الكفوف إلى حد الدماليج ~~يا لهف قلبي على لونين من سمك %~% لدى رغيفين من خبز التواريج # ثم إنهم أكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا، ورفعت سفرة الطعام وقدموا سفرة المدام، ودار بينهم الكأس والطاس، وطابت لهم الأنفاس، وملأ الكأس مسرور وقال: يا من ms1896 أنا عبدها وهي سيدتي. ثم صار يترنم بإنشاد هذه الأبيات: # عجبت لعيني إن تمل لملالها %~% بحسن فتاة أشرقت بجمالها ~~وليس لها في عصرها من مشابه %~% للطف معانيها وحسن خصالها ~~ويحسد غصن البان لين قوامها %~% إذا خطرت في حلة باعتدالها ~~بوجه منير يخجل البدر في الدجى %~% وفرق حكى في النور ضوء هلالها ~~إذا خطرت في الأرض يعبق نشرها %~% نسيما يرى في سهلها وجبالها # فلما فرغ مسرور من شعره قالت: يا مسرور، كل من تمسك بدينه وقد أكل خبزنا وملحنا، وجب حقه علينا، فخل عنك هذه الأمور، وأنا أرد عليك أملاكك وجميع ما أخذناه منك. فقال: يا سيدتي، أنت في حل مما تذكرينه، وإن كنت غدرت في اليمين التي بيني وبينك فأنا أروح وأصير مسلما. فقالت لها جاريتها هبوب: يا سيدتي، أنت صغيرة السن وتعرفين كثيرا، وأنا أستشفع عندك بالله العظيم، فإن لم تطيعيني في أمري وتجبري خاطري، لا أنام الليلة عندك في الدار. فقالت لها: يا هبوب، لا يكون إلا ما تريدينه، قومي جددي لنا مجلسا آخر. فنهضت الجارية هبوب وجددت مجلسا وزينته وعطرته بأحسن العطر كما تحب وتختار، وجهزت الطعام وأحضرت المدام، ودار بينهم الكأس والطاس، وطابت منهم الأنفاس. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 850 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما أمرت جاريتها هبوب بتجديد مجلس الأنس، قامت وجددت الطعام والمدام، ودار بينهم الكأس والطاس، وطابت منهم الأنفاس، فقالت زين المواصف: يا مسرور، قد آن أوان اللقاء والتداني، فإن كنت لحبنا تعاني، فأنشد لنا شعرا بديع المعاني. فأنشد مسرور هذه القصيدة: # أسرت وفي قلبي لهيب تضرما %~% بحبل وصال في الفراق تصرما ~~أحب فتاة قد قلبي قوامها %~% وقد سلبت عقلي بخد تنعما ~~لها الحاجب المقرون والطرف أحور %~% وثغر يحاكي البرق حين تبسما ~~لها من سنين العمر عشر وأربع %~% ودمعي حكى في حب هاتيك عندما ~~فعاينتها ما بين نهر وروضة %~% بوجه يفوق البدر في أفق السما ~~وقفت لها شبه الأسير مهابة %~% وقلت سلام الله ms1897 يا ساكن الحمى ~~فردت سلامي عند ذلك رغبة %~% بلطف حديث مثل در تنظما ~~وحين رأت قولي لديها تحققت %~% مرامي وصار القلب منها مصمما ~~وقالت أما هذا الكلام جهالة %~% فقلت لها كفي عن الصب التلوما ~~فإن تقبليني اليوم فالخطب هين %~% فمثلك معشوق ومثلي متيما ~~فلما تيقنت المرام تبسمت %~% وقالت ورب خالق الأرض والسما ~~يهودية أقسى التهود دينها %~% وما أنت إلا للنصارى ملازما ~~فكيف ترى وصلي ولست بملتي %~% فمن رام هذا الفعل أصبح نادما ~~أتلعب بالدينين هل حل في الهوى %~% لتصبح مثلي بالملام مكلما ~~وتمضي بهذا الأمر في كل وجهة %~% وتبقى على ديني ودينك مجرما ~~فإن كنت تهواني تهود محبة %~% وصير سوى وصلي عليك محرما ~~وتحلف بالإنجيل قولا محققا %~% لتحفظ سري في هواك وتكتما ~~وأحلف بالتوراة أيمان صادق %~% بأني على العهد الذي قد تقدما ~~حلفت على ديني وشرعي ومذهبي %~% وحلفتها مثلي يمينا معظما ~~وقلت لها ما الإسم يا غاية المنى %~% فقالت أنا زين المواصف في الحمى ~~فناديت يا زين المواصف إنني %~% بحبك مشغوف فعيني المتيما ~~وعاينت من تحت اللثام جمالها %~% فصرت كئيبا سيئ الحال مغرما ~~فما زلت تحت الستر أخضع شاكيا %~% كثير غرام في الفؤاد تحكما ~~فلما رأت حالي وفرط تولهي %~% جلت لي وجها ضاحكا متبسما ~~وهب لنا ريح الوصال وعطرت %~% نوافح عطر المسك جيدا ومعصما ~~وقد عبقت منها الأماكن كلها %~% وقبلت من فيها رحيقا ومبسما ~~ومالت كغصن البان تحت غلائل %~% وحللت وصلا كان قبل محرما ~~نعمنا جميعا والقمير سميرنا %~% بضم ولثم وارتشاف من اللمى ~~وما زينة الدنيا سوى من تحبه %~% يكون قريبا منك كي تتنعما ~~فلما تجلى الصبح قامت وودعت %~% بوجه جميل فائق قمر السما ~~وقد أنشدت عند الوداع ودمعها %~% ودمعي على الخدين درا منظما ~~فإن أنس ما أنسى عهودا قطعتها %~% وحسن الليالي واليمين المعظما # فعند ذلك طربت زين المواصف وقالت: يا مسرور، ما أحسن معانيك! ولا عاش من يعاديك. ثم دخلت المقصورة ودعت بمسرور، فدخل عندها واحتضنها وعانقها وقبلها، وبلغ منها ما ظن أنه محال، وفرح بما نال من طيب ms1898 الوصال، فعند ذلك قالت له زين المواصف: يا مسرور، إن مالك حرام علينا حلال لك؛ لأننا قد صرنا أحبابا. ثم إنها ردت عليه جميع ما أخذته من الأموال، وقالت له: يا مسرور، هل لك من روضة تأتي إليها ونتفرج عليها؟ قال: نعم يا سيدتي، لي روضة ليس لها نظير. ثم مضى إلى منزله وأمر جواريه أن يصنعن طعاما فاخرا، وأن يهيئن مجلسا حسنا وصحبة عظيمة، ثم إنه دعاها إلى منزله، فحضرت هي وجواريها فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا، ودار بينهم الكأس والطاس، وطابت منهم الأنفاس، وخلا كل حبيب بحبيبه، فقالت له: يا مسرور، إنه خطر ببالي شعر رقيق أريد أن أقوله على العود. فقال لها: قوليه. فأخذت العود بيدها وأصلحت شأنه وحركت أوتاره وحسنت النغمات، وأنشدت تقول هذه الأبيات: # قد مال بي طرب من الأوتار %~% وصفا الصبوح لنا لدى الأسحار ~~والحب يكشف عن فؤاد متيم %~% فبدا الهوى بتهتك الأستار ~~مع خمرة رقت بحسن صفاتها %~% كالشمس تجلى في يد الأقمار ~~في ليلة جاءت لنا بسرورها %~% تمحو بصفو شائب الأكدار # فلما فرغت من شعرها قالت له: يا مسرور، أنشدنا شيئا من أشعارك، ومتعنا بفواكه أثمارك. فأنشد هذين البيتين: # طربنا على بدر يدير مدامة %~% ونغمة عود في رياض مقامنا ~~وغنت قماريها ومالت غصونها %~% سحيرا وفي أنحائها غاية المنى # فلما فرغ من شعره، قالت له زين المواصف: أنشد لنا شعرا فيما وقع لنا، إن كنت مشغولا بحبنا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 851 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف قالت لمسرور: إن كنت مشغولا بحبنا فأنشد لنا شعرا فيما وقع لنا. فقال: حبا وكرامة. وأنشد هذه القصيدة: # قف واستمع ما جرى لي %~% في حب هذا الغزال ~~ريم رماني بنبل %~% ولحظه قد غزا لي ~~فتنت عشقا وإني %~% في الحب ضاق احتيالي ~~هويت ذات دلال %~% محجوبة بالنصال ~~أبصرتها وسط روض %~% وقدها ذو اعتدال ~~سلمت قالت سلاما %~% لما صغت لمقالي ~~سألت ما الإسم قالت %~% اسمي وفاق جمالي ~~سميت زين المواصف %~% فقلت ms1899 رقي لحالي ~~فإن عندي غراما %~% هيهات صب مثالي ~~قالت فإن كنت تهوى %~% وطامعا في وصالي ~~أريد مالا جزيلا %~% يفوق كل نوال ~~أريد منك ثيابا %~% من الحرير غوال ~~وربع قنطار مسك %~% برسم ليل وصالي ~~ولؤلؤا وعقيقا %~% من النفيس الغالي ~~وفضة ونضارا %~% من الحلي الحالي ~~أظهرت صبرا جميلا %~% على عظيم اشتغالي ~~فأنعمت لي بوصل %~% في ليلة ذي هلال ~~إن لامني الغير فيها %~% أقول يا للرجال ~~لها شعور طوال %~% واللون لون الليالي ~~وخدها فيه ورد %~% مثل اللظى في اشتعال ~~وجفنها فيه سيف %~% ولحظها كالنبال ~~وثغرها فيه خمر %~% وريقها كالزلال ~~كأنه عقد در %~% حوى نظام اللآلي ~~وجيدها جيد ظبي %~% مليحة في كمال ~~وصدرها كرخام %~% ونهدها كالقلالي ~~وبطنها فيه طي %~% معطر بالغوالي ~~وتحت ذلك شيء %~% له انتهت آمالي ~~مربب وسمين %~% مكلثم يا موالي ~~كأنه تخت ملك %~% عليه أعرض حالي ~~بين العمودين تلقى %~% مصاطبا بتعال ~~لكنه فيه وصف %~% يدهي عقول الرجال ~~له شفاه كبار %~% ونقرة كالبغال ~~يبدو بحمرة عين %~% ومشفر كالجمال ~~إذا أتيت إليه %~% بهمة في الفعال ~~تلقاه حر الملاقي %~% بقوة وحقالي ~~يرد كل شجاع %~% محلول عزم القتال ~~وتارة تلتقيه %~% بلحية في مطال ~~ينبيك عنه مليح %~% ذو بهجة وجمال ~~كمثل زين المواصف %~% مليحة في الكمال ~~أتيت ليلا إليها %~% ونلت شيئا حلالي ~~وليلة بت معها %~% فاقت جميع الليالي ~~لما أتى الصبح قامت %~% ووجهها كالهلال ~~تهز منها قواما %~% هز الرماح العوالي ~~وودعتني وقالت %~% متى تعود الليالي ~~فقلت يا نور عيني %~% إذا أردت تعالي # فطربت زين المواصف من هذه القصيدة طربا عظيما، وحصل لها غاية الانشراح وقالت: يا مسرور، قد دنا الصباح، ولم يبق إلا الرواح خوفا من الافتضاح. فقال: حبا وكرامة. ثم نهض قائما على قدميه وأتى بها إلى أن أوصلها إلى منزلها، ومضى إلى محله وبات وهو متفكر في محاسنها، فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، هيأ لها هدية فاخرة، وأتى بها إليها وجلس عندها، وأقاما على ذلك مدة أيام وهما في أرغد عيش وأهنئه، ثم إنه ورد عليها في بعض الأيام كتاب من عند زوجها، مضمونه ms1900 أنه يصل إليها عن قريب، فقالت في نفسها: لا سلمه الله ولا أحياه؛ لأنه إن وصل إلينا تكدر علينا عيشنا، يا ليتني كنت يئست منه. فلما أتى إليها مسرور جلس يتحدث معها على العادة، فقالت له: يا مسرور، قد ورد علينا كتاب من عند زوجي، مضمونه أنه يصل إلينا من سفره عن قريب، فكيف يكون العمل وما لأحد منا عن صاحبه صبر؟ فقال لها: لست أدري ما يكون، بل أنت أخبر وأدرى بأخلاق زوجك، ولا سيما أنت من أعقل النساء، صاحبة الحيل التي تحتال بشيء تعجز عن مثله الرجال. فقالت: إنه رجل صعب، وله غيرة على أهل بيته، ولكن إذا قدم من سفره وسمعت بقدومه فأقدم عليه وسلم عليه واجلس إلى جانبه وقل له: يا أخي، أنا رجل عطار. واشتر منه شيئا من أنواع عطارة، وتردد عليه مرارا، وأطل معه الكلام، ومهما أمرك به فلا تخالفه فيه، فلعل ما أحتال به يكون مصادفا. فقال لها: سمعا وطاعة. وخرج مسرور من عندها وقد اشتعلت في قلبه نار المحبة، فلما وصل زوجها إلى الدار فرحت بوصوله ورحبت به وسلمت عليه، فنظر في وجهها فرأى فيه لون الاصفرار، وكانت غسلت وجهها بالزعفران، وعملت فيه بعض حيل النساء، فسألها عن حالها، فذكرت له أنها مريضة من وقت ما سافر، هي والجواري، وقالت له: إن قلوبنا مشغولة عليك لطول غيابك. وصارت تشكو إليه مشقة الفراق وتبكي بدمع مهراق، وتقول: لو كان معك رفيق، ما حمل قلبي هذا الهم كله، فبالله عليك يا سيدي ما بقيت تسافر إلا برفيق، ولا تقطع عني أخبارك لأجل أن أكون مطمئنة القلب والخاطر عليك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 852 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما قالت لزوجها: لا تسافر إلا برفيق، ولا تقطع عني أخبارك لأجل أن أكون مطمئنة القلب والخاطر عليك. قال لها: حبا وكرامة، والله إن أمرك رشيد، ورأيك سديد، وحياتك على قلبي ما يكون إلا ما تريدينه. ثم ms1901 إنه خرج بشيء من بضاعته إلى دكانه وفتحها وجلس يبيع في السوق، فبينما هو في دكانه وإذا بمسرور قد أقبل وسلم عليه وجلس إلى جانبه وصار يحييه، ومكث يتحدث معه ساعة، ثم أخرج كيسا وحله وأخرج منه ذهبا ودفعه إلى زوج زين المواصف، وقال له: أعطني بهذه الدنانير شيئا من أنواع العطارة لأبيعه في دكاني. فقال له: سمعا وطاعة. ثم أعطاه الذي طلبه وصار مسرور يتردد عليه أياما، فالتفت إليه زوج زين المواصف وقال له: أنا مرادي رجل أشاركه في المتجر. فقال له مسرور: أنا الآخر مرادي رجل أشاركه في المتجر؛ لأن أبي كان تاجرا في بلاد اليمن، وخلف لي مالا عظيما وأنا خائف على ذهابه. فالتفت إليه زوج زين المواصف وقال له: هل لك أن تكون رفيقا لي وأكون لك رفيقا وصاحبا وصديقا في السفر والحضر، وأعلمك البيع والشراء والأخذ والعطاء؟ فقال له مسرور: حبا وكرامة. # ![figure](../Images/figure12.png) # فطلب منه زوج «زين المواصف» أن يكون له رفيقا في السفر والحضر. # ثم إنه أخذه وأتى به إلى منزله وأجلسه في الدهليز، ودخل إلى زوجته زين المواصف وقال لها: إني رافقت رفيقا ودعوته إلى الضيافة، فجهزي لنا ضيافة حسنة. ففرحت زين المواصف وعرفت أنه مسرور، فجهزت وليمة فاخرة وصنعت طعاما حسنا من فرحتها بمسرور، حيث تم تدبير حيلتها. فلما حضر مسرور في دار زوج زين المواصف قال: اخرجي معي إليه ورحبي به وقولي له آنستنا. فغضبت زين المواصف وقالت له: أتحضرني قدام رجل غريب أجنبي؟ أعوذ بالله، ولو قطعتني قطعا ما أحضر قدامه. فقال لها زوجها: لأي شيء تستحيين منه وهو نصراني ونحن يهود ونصير أصحابا؟ فقالت: أنا ما أشتهي أن أحضر قدام الرجل الأجنبي الذي ما نظرته عيني قط ولا أعرفه. فظن زوجها أنها صادقة في قولها، ولم يزل يعالجها حتى قامت وتلفلفت وأخذت الطعام وخرجت إلى مسرور ورحبت به؛ فأطرق رأسه إلى الأرض كأنه مستح، فنظر الرجل إلى إطراقه وقال: لا شك أن هذا زاهد. فأكلوا كفايتهم، ثم رفعوا الطعام وقدموا ms1902 المدام، فجلست زين المواصف قبال مسرور، وصارت تنظره وينظرها إلى أن مضى النهار، فانصرف مسرور إلى منزله والتهبت في قلبه النار، وأما زوج زين المواصف فإنه صار متفكرا في لطف صاحبه وفي حسنه. فلما أقبل الليل قدمت إليه زوجته طعاما ليتعشى كعادته، وكان عنده في الدار طير هزار، إذا جلس يأكل يأتي إليه ذلك الطير ويأكل معه ويرفرف على رأسه، وكان ذلك الطير قد ألف مسرورا فصار يرفرف عليه كلما جلس على الطعام، فحين غاب مسرور وحضر صاحبه لم يعرفه ولم يقرب منه، فصار متفكرا في أمر ذلك الطير وفي بعده عنه. وأما زين المواصف فإنها لم تنم، بل صار قلبها مشغولا بمسرور، واستمر ذلك الأمر إلى ثاني ليلة وثالث ليلة، ففهم اليهودي أمرها ونقد عليها وهي مشغولة البال، فأنكر عليها. وفي رابع ليلة انتبه من منامه نصف الليل، فسمع زوجته تلهج في منامها بذكر مسرور وهي نائمة في حضنه، فأنكر ذلك عليها وكتم أمره. # فلما أصبح الصباح ذهب إلى دكانه وجلس فيها، فبينما هو جالس وإذا بمسرور قد أقبل وسلم عليه، فرد عليه السلام وقال: مرحبا يا أخي. ثم قال له: إني مشتاق إليك. وجلس يتحدث معه ساعة زمانية، ثم قال له: قم يا أخي معي إلى منزلي حتى نعقد المؤاخاة. فقال مسرور: حبا وكرامة. فلما وصلا إلى المنزل تقدم اليهودي وأخبر زوجته بقدوم مسرور، وأنه يريد أن يتجر هو وإياه ويؤاخيه، وقال لها: هيئي لنا مجلسا حسنا، ولا بد أنك تحضرين معنا وتنظرين المؤاخاة. فقالت له: بالله عليك لا تحضرني قدام هذا الرجل الغريب، فما لي غرض أن أحضر قدامه. فسكت عنها وأمر الجواري أن تقدم الطعام والشراب، ثم إنه استدعى الطير الهزار، فنزل في حجر مسرور ولم يعرف صاحبه؛ فعند ذلك قال له: يا سيدي، ما اسمك؟ قال: اسمي مسرور. والحال أن زوجته طول الليل تلهج في منامها بهذا الاسم. ثم رفع رأسه فنظرها وهي تشير إليه وتغمزه بحاجبها، فعرف أن الحيلة قد تمت عليه، فقال: يا ms1903 سيدي، أمهلني حتى أجيء بأولاد عمي يحضرون المؤاخاة. فقال له مسرور: افعل ما بدا لك. فقام زوج زين المواصف وخرج من الدار وجاء من وراء المجلس. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 853 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زوج زين المواصف قال لمسرور: أمهلني حتى أجيء بأولاد عمي ليحضروا عقد المؤاخاة بيني وبينك. ثم إنه مشى وجاء من وراء المجلس ووقف، وكان هناك طاقة تشرف عليهما، فجاء إليها وصار ينظرهما منها وهما لا ينظرانه، وإذا بزين المواصف قالت لجاريتها سكوب: أين راح سيدك؟ قالت: إلى خارج الدار. فقالت لها: أغلقي الباب ومكنيه بالحديد، ولا تفتحي له حتى يدق الباب بعد أن تخبريني. قالت لها الجارية: وهو كذلك. كل ذلك وزوجها يعاين حالهم، ثم إن زين المواصف أخذت الكأس وطيبته بماء الورد وسحيق المسك وجاءت إلى مسرور، فقام لها وتلقاها وقال لها: والله إن ريقك أحلى من هذا الشراب. وصارت تسقيه ويسقيها، وبعد ذلك رشته بماء الورد من فوقه إلى قدمه حتى فاحت روائحه في المجلس، كل ذلك وزوجها ينظر إليهما ويتعجب من شدة الحب الذي بينهما، وقد امتلأ قلبه غيظا مما قد رآه، ولحقه الغضب وغار غيرة عظيمة؛ فأتى إلى الباب فوجده مغلقا، فطرقه طرقا قويا من شدة غيظه، فقالت الجارية: يا سيدتي، قد جاء سيدي. فقالت: افتحي له الباب، فلا رده الله بسلامة. فمضت سكوب إلى الباب وفتحته، فقال لها: ما لك تغلقين الباب؟ فقالت: هكذا في غيابك، لم يزل مغلقا ولا يفتح ليلا ولا نهارا. فقال: أحسنت، فإنه يعجبني ذلك. ثم دخل على مسرور وهو يضحك، ولكنه كتم أمره وقال: يا مسرور، دعنا من المؤاخاة في هذا اليوم ونتآخى في يوم آخر غير هذا اليوم. فقال: سمعا وطاعة، افعل ما تريد. فعند ذلك مضى مسرور إلى منزله، وصار زوج زين المواصف متفكرا في أمره ولا يدري ما يصنع، وصار خاطره في غاية التكدير، وقال في نفسه: حتى الهزار أنكرني، والجواري أغلقت الأبواب في ms1904 وجهي وملن إلى غيري. ثم إنه صار من شدة قهره يردد إنشاده هذه الأبيات: # لقد عاش مسرور زمانا منعما %~% بلذة أيام وعيش تصرما ~~تعاندني الأيام فيمن أحبه %~% وقلبي بنيران يزيد تضرما ~~صفا لك دهر بالمليحة قد مضى %~% ولا زلت في ذاك الجمال مهيما ~~لقد عاينت عيناي حسن جمالها %~% فأصبح قلبي في هواها متيما ~~لقد طالما قد أرشفتني مع الرضا %~% بعذب ثناياها رحيقا على ظما ~~فما لك يا طير الهزار تركتني %~% وصرت على العذال صبحا مسلما ~~وقد أبصرت عيني أمورا عجيبة %~% تنبه أجفاني إذا كن نوما ~~رأيت حبيبي قد أضاع مودتي %~% وطير هزاري لم يكن لي محوما ~~وحق إله العالمين الذي إذا %~% أراد قضاء في الخليقة أبرما ~~لأفعل ما يستوجب الظالم الذي %~% بجهل دنا من وصلها وتقدما # فلما سمعت زين المواصف شعره ارتعدت فرائصها، واصفر لونها، وقالت لجاريتها: هل سمعت هذا الشعر؟ فقالت الجارية: ما سمعته في عمري قال مثل هذا الشعر، ولكن دعيه يقول ما يقول. فلما تحقق زوجها أن هذا الأمر صحيح، صار يبيع في كل ما تملكه يده، وقال في نفسه: إن لم أغربهما عن أوطانهما فلن يرجعا عما هما فيه أبدا. فلما باع جميع أملاكه كتب كتابا مزورا، ثم قرأه عليها وادعى أن هذا الكتاب جاءه من عند أولاد عمه، يتضمن طلب زيارته لهم هو وزوجته، فقالت: وكم نقيم عندهم؟ قال: اثني عشر يوما. فأجابته إلى ذلك وقالت له: هل آخذ معي بعض جواري؟ قال: خذي منهن هبوب وسكوب، ودعي هنا خطوب. ثم هيأ لهن هودجا مليحا، وعزم على الرحيل بهن، فأرسلت زين المواصف إلى مسرور: إن فات الميعاد الذي بيننا ولم نأت، فاعلم أنه قد عمل علينا حيلة ودبر لنا مكيدة، وأبعدنا عن بعضنا، فلا تنس العهود والمواثيق التي بيننا، فإني أخاف من حيله ومكره. ثم إن زوجها جهز حاله للسفر، وأما زين المواصف فإنها صارت تبكي وتنتحب ولا يقر لها قرار في ليل ولا نهار، فلما رأى زوجها ذلك لم ينكر عليها، فلما رأت زين ms1905 المواصف أن زوجها لا بد له من السفر، لمت قماشها ومتاعها وأودعت جميع ذلك عند أختها، وأخبرتها بما جرى لها وودعتها وخرجت من عندها وهي تبكي، ثم رجعت إلى بيتها فرأت زوجها قد أحضر الجمال، وصار يضع عليها الأحمال، وهيأ لزين المواصف أحسن الجمال. فلما رأت زين المواصف أنه لا بد من فراقها لمسرور تحيرت، فاتفق أن زوجها قد خرج لبعض أشغاله، فخرجت إلى الباب الأول وكتبت عليه هذه الأبيات. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 854 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما رأت زوجها أحضر الجمال، وعلمت بالسفر تحيرت، فاتفق أن زوجها خرج لبعض أشغاله، فخرجت إلى الباب الأول وكتبت عليه هذه الأبيات: # ألا يا حمام الدار بلغ سلامنا %~% من الصب للمحبوب عند فراقنا ~~وبلغه أني لا أزال حزينة %~% ندمت على ما كان من طيب وقتنا ~~كما أن حبي لا يزال متيما %~% حزينا على ما قد مضى من سرورنا ~~قضينا زمانا بالمسرة والهنا %~% وفزنا بوصل ليلنا ونهارنا ~~فلم نستفق إلا وأصبح صائحا %~% علينا غراب البين ينعى فراقنا ~~رحلنا وخلينا الديار بلاقع %~% فيا ليتنا لم نخل تلك المساكنا # ثم أتت إلى الباب الثاني وكتبت عليه هذه الأبيات: # أيا واصلا للباب بالله فانظرا %~% جمال حبيبي في الدياجي وأخبرا ~~بأني باك إن تذكرت وصله %~% ولا ينفد الدمع الذي بالبكا جرى ~~فإن لم تجد صبرا على ما أصابني %~% فضع قرب أجمالي التراب وغبرا ~~وسافر إلى شرق البلاد وغربها %~% وعش صابرا فالله للأمر قدرا # ثم أتت إلى الباب الثالث وبكت بكاء شديدا، وكتبت عليه هذه الأبيات: # رويدك يا مسرور إن زرت دارها %~% فأعبر إلى الأبواب واقرأ سطورها ~~ولا تنس عهد الود إن كنت صادقا %~% فكم طعمت حلو الليالي ومرها ~~فبالله يا مسرور لا تنس قربها %~% فقد تركت فيك الهنا وسرورها ~~ألا وابك أيام الوصال وطيبها %~% وأنت متى ما جئت أرخت ستورها ~~فسافر قصيات البلاد لأجلنا %~% وخض بحرها واستقص عنا برورها ~~لقد ذهبت عنا ليالي وصالنا %~% وفرط ظلام ms1906 الهجر أطفأ نورها ~~رعى الله أياما مضت ما أسرها %~% بروض الأماني إذ قطفنا زهورها ~~فهلا استمرت مثل ما كنت أرتجي %~% أبى الله إلا وردها وصدورها ~~فهل ترجع الأيام تجمع شملنا %~% وأوفي إذا وافت لربي نذورها ~~وكن عالما أن الأمور بكف من %~% يخط على لوح الجبين سطورها # ثم بكت بكاء شديدا ورجعت إلى الدار تبكي وتنتحب، وصارت تتذكر ما مضى وقالت: سبحان الله الذي حكم علينا بهذا. ثم زاد تأسفها على مفارقة الأحباب وعلى فراق الديار، وأنشدت هذه الأبيات: # عليك سلام الله يا منزلا خلا %~% لقد قضت الأيام فيك سرورها ~~ألا يا حمام الدار لا زلت نائحا %~% لمن فارقت أقمارها وبدورها ~~رويدك يا مسرور فابك لفقدنا %~% لقد فقدت عيني لفقدك نورها ~~ولو نظرت عيناك يوم رحيلنا %~% ونيران قلبي زاد دمعي سعيرها ~~ولا تنس ذاك العهد في ظل روضة %~% حوت شملنا فيها وأرخت ستورها # ثم حضرت بين يدي زوجها، فحملها على الهودج الذي صنعه لها، فلما أن صارت على ظهر البعير أنشدت هذه الأبيات: # عليك سلام الله يا منزلا خلا %~% وقد طال ما زدنا هناك تجملا ~~فليت زماني في ذراك تصرمت %~% لياليه حتى في الصبابة أقتلا ~~جزعت على بعدي وشوقي لموطن %~% شغفت به لم أدر ما قد تحصلا ~~فيا ليت شعري هل أرى فيه عودة %~% تروق كما راقت لنا فيه أولا # فقال لها زوجها: يا زين المواصف، لا تحزني على فراق منزلك، فإنك تعودين إليه عن قريب. وصار يطيب خاطرها ويلاطفها، ثم ساروا حتى خرجوا إلى ظاهر البلد واستقبلوا الطريق، وعلمت أن الفراق قد تحقق فعظم ذلك عليها. كل هذا ومسرور قاعد في منزله متفكر في أمره وأمر محبوبته، فأحس قلبه بالفراق، فنهض قائما على قدميه من وقته وساعته، وسار حتى جاء إلى منزلها، فرأى الباب مقفولا، ورأى الأبيات التي كتبتها زين المواصف، فقرأ ما على الباب الأول، فلما قرأه وقع على الأرض مغشيا عليه. ثم أفاق من غشيته، وفتح الباب الأول ودخل إلى الباب الثاني فرأى ما كتبته، وكذلك الثالث، فلما ms1907 قرأ جميع هذه الكتابة زاد به الغرام والشوق والهيام، فخرج في إثرها يسرع في خطاه حتى لحق بالركب، فرآها في آخره وزوجها في أوله لأجل حوائجه، فلما رآها تعلق بالهودج باكيا حزينا من ألم الفراق، وأنشد هذه الأبيات: # ليت شعري بأي ذنب رمينا %~% بسهام الصدود طول السنينا ~~يا منى القلب جئت للدار يوما %~% عندما ازددت في هواك شجونا ~~فرأيت الديار قفرا يبابا %~% فشكوت النوى وزدت أنينا ~~وسألت الجدار عن كل قصدي %~% أين راحوا وصار قلبي رهينا ~~قال ساروا عن المنازل حتى %~% صيروا الوجد في الفؤاد كمينا ~~قد كتبت على الجدار سطورا %~% فعل أهل الوفا من العالمينا # فلما سمعت زين المواصف هذا الشعر علمت أنه مسرور. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 855 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما سمعت منه هذا الشعر علمت أنه مسرور، فبكت هي وجواريها، ثم قالت له: يا مسرور، سألتك بالله أن ترجع عنا لئلا يراك ويراني زوجي. فلما سمع مسرور ذلك غشي عليه، فلما أفاق ودعا بعضهما وأنشد هذه الأبيات: # نادى الرحيل سحيرا في الدجى الهادي %~% قبل الصباح وهبت نسمة النادي ~~شدوا المطايا وجدوا في ترحلهم %~% وأسرع الركب لما زمزم الحادي ~~وعطروا أرضهم من كل ناحية %~% وعجلوا سيرهم في ذلك الوادي ~~تملكوا مهجتي عشقا وقد رحلوا %~% وغادروني على آثارهم غادي ~~يا جيرة مقصدي أن لا أفارقهم %~% حتى بللت الثرى من دمعي الغادي ~~يا ويح قلبي وويحي بعدما صنعت %~% يد الفراق على رغمي بأكبادي # وما زال مسرور ملازما للركب وهو يبكي وينتحب، وهي تستعطفه في أن يرجع قبل الصباح خشية الافتضاح، فتقدم إلى الهودج وودعها ثاني مرة وغشي عليه ساعة زمانية، فلما أفاق وجدهم سائرين، فالتفت نحو سيرهم وشم ريح القبول، وصار يترنم بإنشاد هذه الأبيات: # ما هب ريح القرب للمشتاق %~% إلا شكا من لوعة الأشواق ~~هبت عليه نسمة سحرية %~% ما فاق إلا وهو في الآفاق ~~ملقى على فرش السقام من الضنى %~% يبكي الدماء بدمعه المهراق ~~من جيرة رحلوا ms1908 وقلبي معهم %~% بين الركاب يساق بالسواق ~~والله ما في القرب هبت نسمة %~% إلا وقفت لها على الأحداق # ثم رجع مسرور إلى الدار وهو في غاية الاشتياق، فرآها خالية من الأطناب، موحشة من الأحباب، فبكى حتى بل الثياب وغشي عليه، وكادت أن تخرج روحه من جسده، فلما أفاق أنشد هذين البيتين: # يا ربع رق لذلتي وخضوعي %~% ونحول جسمي وانهمال دموعي ~~وانشر إلينا من عبير نسيمهم %~% أرجا لتشفي خاطري الموجوع # فلما رجع مسرور إلى منزله صار متحيرا من أجل ذلك، باكي العين، ولم يزل على هذا الحال مدة عشرة أيام. # هذا ما كان من أمر مسرور، وأما ما كان من أمر زين المواصف فإنها عرفت أن الحيلة قد تمت عليها، فإن زوجها ما زال سائرا بها مدة عشرة أيام، ثم أنزلها في بعض المدن، فكتبت زين المواصف كتابا لمسرور وناولته لجاريتها هبوب، وقالت: أرسلي هذا الكتاب إلى مسرور ليعرف كيف تمت الحيلة علينا، وكيف غدر بنا اليهودي. فأخذت الجارية منها الكتاب وأرسلته إلى مسرور، فلما وصل إليه عظم عليه هذا الخطاب، فبكى حتى بل التراب، وكتب كتابا وأرسله إلى زين المواصف وختمه بهذين البيتين: # كيف الطريق إلى أبواب سلوان %~% وكيف يسلو الذي في حر نيران ~~ما كان أطيب أوقات لهم سلفت %~% فليت منها لدينا بعض أحيان # فلما وصل الكتاب إلى زين المواصف أخذته وقرأته وأعطته لجاريتها هبوب وقالت لها: اكتمي خبره. فعلم زوجها أنهما يتراسلان، فأخذ زين المواصف وجواريها وسافر بهن مسافة عشرين يوما، ثم نزل بهن في بعض المدن. هذا ما كان من أمر زين المواصف، وأما ما كان من أمر مسرور فإنه صار لا يهنأ له نوم ولا يقر له قرار، ولم يكن له اصطبار، ولم يزل كذلك إذ هجعت عيناه في بعض الليالي فرأى في منامه أن زين المواصف قد جاءت إليه في الروضة وصارت تعانقه، فانتبه من نومه فلم يرها، فطار عقله وذهل لبه وهملت عيناه بالدموع، وقد أصبح قلبه في غاية الولوع، فأنشد هذه الأبيات: # سلام على ms1909 من زار في النوم طيفها %~% فهيج أشواقي وزاد غرامي ~~وقد قمت من ذاك المنام مولعا %~% برؤية طيف زارني بمنامي ~~فهل تصدق الأحلام فيمن أحبه %~% وتشفي غليلي في الهوى وسقامي ~~فطورا تعاطيني وطورا تضمني %~% وطورا تواسيني بطيب كلام ~~ولما تقضى في المنام عتابنا %~% وصارت عيوني بالدموع دوامي ~~رشفت رضابا من لماها كأنه %~% رحيق أرى رياه مسك ختام ~~عجبت لما قد كان في النوم بيننا %~% وقد نلت منها منيتي ومرامي ~~وقد قمت من ذاك المنام ولم أجد %~% من الطيف إلا لوعتي وغرامي ~~فأصبحت كالمجنون حين رأيتها %~% وأمسيت سكرانا بغير مدام ~~ألا يا نسيم الريح بالله بلغي %~% تحية أشواقي لهم وسلامي ~~وقولي لهم ذاك الذي تعهدونه %~% سقته صروف الدهر كأس حمام # ثم إنه توجه إلى منزلها، وما زال يبكي حتى وصل إليه، فنظر إلى المكان فوجده خاليا، ورأى خيالها يلوح قدامه وكأن شخصها أمامه، فاشتعلت نيرانه وزادت أحزانه ووقع مغشيا عليه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 856 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مسرورا لما رأى في المنام زين المواصف وهي تعانقه فرح غاية الفرح، ثم انتبه من النوم وراح إلى دارها، فرأى الدار خالية، فزادت أحزانه ووقع مغشيا عليه، فلما أفاق جعل ينشد هذه الأبيات: # تنشقت منهم فائح العطر والبان %~% فرحت بقلب زائد الوجد ولهان ~~أعالج أشواقي كئيبا متيما %~% بربع خلا عن حسن أنسي وخلاني ~~فأمرضني بالبين والوجد والأسى %~% وذكرني العهد القديم بخلاني # فلما فرغ من شعره سمع غرابا ينعق على جانب الدار، فبكى وقال: سبحان الله، لا ينعق الغراب إلا على الدار الخراب. ثم تجسر وتنهد وأنشد هذه الأبيات: # ما للغراب بدار الحب يبكيها %~% والنار تحرق أحشائي وتكويها ~~على زمان تقضى في محبتهم %~% قد راح قلبي ضياعا في مهاويها ~~أموت وجدا ونار الشوق في كبدي %~% وأكتب الكتب ما لي من يؤديها ~~وا حسرتي لضنى جسمي وقد رحلت %~% حبيبتي يا ترى تأتي لياليها ~~فيا نسيم الصبا إن زرتها سحرا %~% سلم عليها وقف بالدار حييها # وقد كان لزين ms1910 المواصف أخت تسمى نسيما، وكانت تنظر إليه من مكان عال، فلما رأته على تلك الحالة بكت وتحسرت وأنشدت هذه الأبيات: # كم ذا التردد في الأوطان تبكيها %~% والدار تندب بالأحزان بانيها ~~كان السرور بها من قبل أن رحلت %~% سكانها وشموس أشرقت فيها ~~أين البدور التي كانت طوالعة %~% محت صروف الردى أبهى معانيها ~~دع ما مضى من ملاح كنت تألفها %~% وانظر عسى ترجع الأيام تبديها ~~لولاك ما رحلت سكانها أبدا %~% ولا رأيت غرابا في أعاليها # فبكى مسرور بكاء شديدا لما سمع هذا الكلام، وفهم الشعر والنظام، وكانت أختها تعرف ما هما عليه من العشق والغرام، والوجد والهيام، فقالت له: بالله عليك يا مسرور، كف عن هذا المنزل لئلا يشعر بك أحد فيظن أنك تأتي من أجلي؛ لأنك رحلت أختي وتريد أن ترحلني أنا الأخرى، وأنت تعرف أنه لولا أنت ما خلت الديار من سكانها، فتسل عنها واتركها، فقد مضى ما مضى. فلما سمع مسرور ذلك من أختها بكى بكاء شديدا، وقال لها: يا نسيم، لو قدرت أن أطير لطرت شوقا إليها، فكيف أتسلى عنها؟ فقالت: ما لك حيلة إلا الصبر. فقال لها: سألتك بالله أن تكتبي لها كتابا من عندك وتردي لنا جوابا ليطيب خاطري، وتنطفئ النار التي في ضمائري. فقالت: حبا وكرامة. ثم أخذت دواة وقرطاسا، وصار مسرور يصف لها شدة شوقه وما يكابده من ألم الفراق، ويقول: إن هذا الكتاب عن لسان الهائم الحزين، المفارق المسكين، الذي لا يقر له قرار في ليل ولا في نهار، بل يبكي بدموع غزار، قد قرحت الدموع أجفانه، وأضرمت في كبده أحزانه، وطال تأسفه وكثر تلهفه، مثل طير فقد إلفه وعجل تلفه، فيا أسفي من مفارقتك، ويا لهفي على معاشرتك! لقد ضر جسمي النحول، ودمعي صار في همول، وضاقت علي الجبال والسهول، فأمسيت من فرط وجدي أقول: # وجدي على تلك المنازل باق %~% زادت إلى سكانها أشواقي ~~وبعثت نحوكم حديث صبابتي %~% وبكأس حبكم سقاني الساقي ~~وعلى رحيلكم وبعد دياركم %~% جرت الجفون بدمعها المهراق ~~يا حادي ms1911 الأظعان عرج بالحمى %~% فالقلب مني زائد الإحراق ~~واقرأ سلامي للحبيب وقل له %~% ما إن له غير اللمى من راق ~~أودى الزمان به فشتت شمله %~% ورمى حشاشته بسهم فراق ~~بلغ لهم وجدي وشدة لوعتي %~% من بعد فرقتهم وما أنا لاق ~~قسما بحبكم يمينا إنني %~% أوفي لكم بالعهد والميثاق ~~ما ملت قط ولا سلوت هواكم %~% كيف السلو لعاشق مشتاق ~~فعليكم مني السلام تحية %~% ممزوجة بالمسك في الأوراق # فتعجبت أختها نسيم من فصاحة لسانه وحسن معانيه ورقة أشعاره، فرقت له وختمت الكتاب بالمسك الأدفر، وبخرته بالندى والعنبر، وأوصلته إلى بعض التجار وقالت له: لا تسلم هذا إلا لأختي أو جاريتها هبوب. فقال: حبا وكرامة. فلما وصل الكتاب إلى زين المواصف عرفت أنه من إملاء مسرور، وعرفت نفسه فيه بلطف معانيه، فقبلته ووضعته على عينيها، وأجرت الدموع من جفنيها، ولم تزل تبكي حتى غشي عليها. فلما أفاقت دعت بدواة وقرطاس، وكتبت له جواب الكتاب، ووصفت شوقها وغرامها ووجدها، وما هي فيه من الحنين إلى الأحباب، وشكت حالها إليه وما نالها من الوجد عليه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 857 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما كتبت جواب الكتاب لمسرور، قالت له فيه: إن هذا كتاب إلى سيدي ومالك رقي ومولاي، وصاحب سري ونجواي. أما بعد، فقد أقلقني السهر وزاد بي الفكر، وما لي على بعدك مصطبر، يا من حسنه يفوق الشمس والقمر، فالشوق أقلقني والوجد أهلكني، وكيف لا أكون كذلك وأنا مع الهالكين، فيا بهجة الدنيا وزينة الحياة، هل لمن انقطعت أنفاسه أن يطيب كأسه؟ لأنه لا هو مع الأحياء ولا مع الأموات. ثم أنشدت هذه الأبيات: # كتابك يا مسرور قد هيج البلوى %~% فوالله ما لي عنك صبر ولا سلوى ~~ولما قرأت الخط حنت جوارحي %~% ومن ماء دمعي والجوى لم أزل أروى ~~ولو كنت طيرا طرت في جنح ليلة %~% فلم أدر طعم المن بعدك والسلوى ~~حرام علي العيش من بعد بعدكم %~% فإني على حر التفرق لا ms1912 أقوى # ثم تربت الكتاب بسحيق المسك والعنبر، وختمته وأرسلته مع بعض التجار وقالت له: لا تسلمه إلا لأختي نسيم. فلما وصل إلى أختها نسيم أوصلته إلى مسرور، فقبله ووضعه على عينيه وبكى حتى غشي عليه. # ![figure](../Images/figure13.png) # فمرت «زين المواصف» على دير في الطريق، وفيه راهب كبير، فنزلت عنده. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر زوج زين المواصف، فإنه لما علم بالمراسلات بينهما، صار يرحل بها وبجاريتيها من محل إلى محل، فقالت له زين المواصف: سبحان الله، إلى أين تسير بنا وتبعدنا عن الأوطان؟ قال: إلى أن أقطع بكم سنة حتى لا يصل إليكن مراسلات من مسرور، وأنظر كيف أخذتن جميع مالي وأعطيتنه لمسرور؟ فكل شيء ضاع لي آخذه منكن، وأنظر هل ينفعكن مسرور ويقدر على خلاصكن من يدي؟ ثم إنه مضى إلى الحداد وصنع لهن ثلاثة قيود من الحديد، وأتى بها إليهن ونزع ما كان عليهن من الثياب الحرير، وألبسهن ثيابا من الشعر، وصار يبخرهن بالكبريت، ثم جاء إليهن بالحداد وقال له: ضع هذه القيود في أرجل هؤلاء الجواري. فأول ما قدم زين المواصف، فلما رآها الحداد غاب صوابه وعض على أنامله وطار عقله من رأسه وزاد غرامه، وقال لليهودي: ما ذنب هؤلاء الجواري؟ فقال: إنهن جواري وسرقن مالي وهربن مني. فقال له الحداد: خيب الله ظنك، والله لو كانت هذه الجارية عند قاضي القضاة وأذنبت كل يوم ألف ذنب لا يؤاخذها، وأيضا لا يظهر عليها علامة السرقة، ولا يقدر على وضع الحديد في رجليها. ثم سأله ألا يقيدها، وصار يستشفع عنده في عدم تقييدها. فلما نظرت الحداد وهو يستشفع لها عنده قالت لليهودي: سألتك بالله لا تخرجني قدام هذا الرجل الغريب. فقال لها: وكيف خرجت قدام مسرور؟ فلم ترد له جوابا، ثم قبل شفاعة الحداد ووضع في رجليها قيدا صغيرا، وقيد الجواري بالقيود الثقيلة. وكان لزين المواصف جسم ناعم لا يتحمل الخشونة، فلم تزل لابسة ثياب الشعر هي وجواريها ليلا ونهارا إلى أن انتحلت جسومهن وتغيرت ms1913 ألوانهن. وأما الحداد فإنه وقع في قلبه لزين المواصف عشق عظيم، فسار إلى منزله وهو بأشد الحسرات، وجعل ينشد هذه الأبيات: # شلت يمينك يا قين بما وثقت %~% تلك القيود على الأقدام والعصب ~~قيدت أقدام مولاة منعمة %~% أنيسة خلقت من أعجب العجب ~~لو كنت تنصف ما كانت خلاخلها %~% من الحديد وقد كانت من الذهب ~~ولو رأى حسنها قاضي القضاة رثى %~% لها وأجلسها تيها على الركب # وكان قاضي القضاة مارا على دار الحداد وهو يترنم بإنشاد هذه الأبيات، فأرسل إليه، فلما حضر قال: يا حداد، من هذه التي تلهج بذكرها وقلبك مشغول بحبها؟ فنهض الحداد قائما على قدميه بين يدي القاضي وقبل يده، وقال: أدام الله أيام مولانا القاضي وفسح في عمره، أنها جارية صفتها كذا وكذا. وصار يصف له الجارية وما هي فيه من الحسن والجمال، والقد والاعتدال، والظرف والكمال، وأنها بوجه جميل، وخصر نحيل، وردف ثقيل. ثم أخبره بما هي فيه من الذل والحبس والقيود وقلة الزاد، فقال القاضي: يا حداد، دلها علينا وأوصلها إلينا حتى نأخذ لها حقها؛ لأن هذه الجارية صارت متعلقة برقبتك، وإن كنت لا تدلها علينا فإن الله يجازيك يوم القيامة. فقال الحداد: سمعا وطاعة. ثم إنه توجه من وقته وساعته إلى دار زين المواصف، فوجد الباب مغلقا، وسمع كلاما رخيما من كبد حزين؛ لأن زين المواصف كانت في ذلك الوقت تنشد هذه الأبيات: # قد كنت في وطني والشمل مجتمع %~% والحب يملأ لي بالصفو أقداحا ~~دارت علينا بما نهواه من طرب %~% فليس تنكر إمساء وإصباحا ~~لقد قضينا زمانا كان ينعشنا %~% كأسا وعودا وقانونا وأفراحا ~~ففرق الدهر والتصريف إلفتنا %~% والحب ولى ووقت الصفو قد راح ~~فليت عنا غراب البين منزجر %~% وليت فجر وصالي في الهوى لاح # فلما سمع الحداد هذا الشعر والنظام، بكى بدمع كدمع الغمام، ثم طرق الباب عليهن، فقلن: من بالباب؟ فقال لهن: أنا الحداد. ثم أخبرهن بما قاله القاضي، وأنه يريد حضورهن لديه وإقامة الدعوى بين يديه، حتى يخلص لهن حقهن. وأدرك شهرزاد الصباح، ms1914 فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 858 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحداد لما أخبر زين المواصف بكلام القاضي، وأنه يريد حضورهن لديه وإقامة الدعوة بين يديه، ويقتص لهن من غريمهن حتى يخلص لهن حقهن، قالت للحداد: كيف نروح إليه والباب مغلوق علينا، والقيود في أرجلنا، والمفاتيح مع اليهودي؟ قال لهن الحداد: أنا أعمل للأقفال مفاتيح وأفتح بها الباب والقيود. قالت: فمن يعرفنا بيت القاضي؟ فقال الحداد: أنا أصفه لكن. فقالت زين المواصف: وكيف نمضي عند القاضي ونحن لابسات ثياب الشعر المبخرة بالكبريت؟ فقال لهن الحداد: إن القاضي لا يعيبكن وأنتن في هذه الحالة. ثم نهض الحداد من وقته وساعته وصنع مفاتيح للأقفال، ثم فتح الباب وفتح القيود وحلها من أرجلهن وأخرجهن ودلهن على بيت القاضي. # ثم إن جاريتها هبوب نزعت ما كان على سيدتها من الثياب الشعر، وذهبت بها إلى الحمام وغسلتها وألبستها ثياب الحرير، فرجع لونها إليها، ومن تمام السعادة أن زوجها كان في وليمة عند بعض التجار، فتزينت زين المواصف بأحسن الزينة ومضت إلى بيت القاضي، فلما نظرها القاضي وقف قائما على قدميه، فسلمت عليه بعذوبة كلام وحلاوة ألفاظ، ورشقته في ضمن ذلك بسهام الألحاظ، وقالت له: أدام الله مولانا القاضي، وأيد به المتقاضي. ثم أخبرته بأمر الحداد وما فعل معها من فعل الأجواد، وبما صنع بها اليهودي من العذاب الذي يدهش الألباب، وأخبرته أنه قد زاد بهن الهلاك، ولم يجدن لهن من فكاك. فقال القاضي: يا جارية، ما اسمك؟ قالت: اسمي زين المواصف، وجاريتي هذه اسمها هبوب. فقال لها القاضي: إن اسمك وافق مسماه، وطابق لفظه معناه. فتبسمت ولفت وجهها، فقال لها القاضي: يا زين المواصف، ألك بعل أم لا؟ قالت: ما لي بعل. قال: وما دينك؟ قالت: ديني الإسلام وملة خير الأنام. فقال لها: أقسمي بالشريعة ذات الآيات والعبر، أنك على ملة خير البشر. فأقسمت له وتشهدت، فقال لها القاضي: كيف انقضى شبابك مع هذا اليهودي؟ فقالت له: اعلم أيها القاضي أدام الله ms1915 أيامك بالتراضي، وبلغك آمالك وختم بالصالحات أعمالك، أن أبي خلف لي بعد وفاته خمسة عشر ألف دينار، وجعلها في يد هذا اليهودي ليتجر فيها، والكسب بيننا وبينه، ورأس المال ثابت بالبينة الشرعية، فعندما مات أبي طمع اليهودي في وطلبني من أمي ليتزوج بي، فقالت له أمي: كيف أخرجها من دينها وأجعلها يهودية؟ فوالله لأعرفن الدولة بك. فخاف ذلك اليهودي من كلامها وأخذ المال وهرب إلى مدينة عدن، وعندما سمعنا به أنه في مدينة عدن جئنا في طلبه، فلما اجتمعنا عليه في تلك المدينة، ذكر لنا أنه يتاجر في البضائع ويشتري بضاعة بعد بضاعة فصدقناه، ولم يزل يخادعنا حتى حبسنا وقيدنا وعذبنا أشد العذاب، ونحن غرباء وما لنا معين إلا الله تعالى ومولانا القاضي. # فلما سمع القاضي هذه الحكاية قال لجاريتها هبوب: هل هذه سيدتك وأنتن غرباء وليس لها بعل؟ قالت: نعم. قال: زوجيني بها وأنا يلزمني العتق والصيام والحج والصدقة إن لم أخلص لكن حقكن من هذا الكلب، بعد أن أجازيه بما فعل. فقالت هبوب: لك السمع والطاعة. فقال القاضي: روحي طيبي قلبك وقلب سيدتك، وفي غد إن شاء الله تعالى أرسل إلى هذا الكافر وأخلص لكن حقكن منه، وتنظرين العجب في عذابه. فدعت له الجارية وانصرفت من عنده وخلته في كرب وهيام، وشوق وغرام. وبعد أن انصرفت من عنده هي وسيدتها، سألتا عن دار القاضي الثاني فدلوهما عليه، فلما حضرتا لديه أعلمتاه بذلك، وكذلك الثالث والرابع، حتى رفعت أمرها إلى القضاة الأربعة، وكل واحد يسألها أن تتزوج به، فتقول له: نعم. ولم يعرف بعضهم خبر بعض، فصار كل واحد يطمع فيها، ولم يعلم اليهودي بشيء من ذلك؛ لأنه في دار الوليمة. # فلما أصبح الصباح نهضت جاريتها وأفرغت عليها حلة من أفخر الملابس، ودخلت بها على القضاة الأربعة في مجلس الحكم، فلما رأت القضاة حاضرين أسفرت عن وجهها، ورفعت قناعها، وسلمت عليهم، فردوا عليها السلام وعرفها كل واحد منهم، وكان أحدهم يكتب فوقع القلم من يده، وأحدهم كان يتحدث فتلجلج ms1916 لسانه، وأحدهم كان يحسب فغلط في حسابه، فعند ذلك قالوا لها: يا ظريفة الخصال، لا يكن قلبك إلا طيبا، فلا بد من أن نخلص لك حقك ونبلغك مرادك. فدعت لهم، ثم ودعتهم وانصرفت. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 859 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن القضاة قالوا لزين المواصف: يا ظريفة الخصال وبديعة الجمال، لا يكن قلبك إلا طيبا بقضاء غرضك وبلوغ مرادك. فدعت لهم، ثم ودعتهم وانصرفت. هذا كله واليهودي مقيم عند أصحابه في الوليمة، وليس له علم بذلك، وصارت زين المواصف تدعو ولاة الأحكام وأرباب الأقلام لينصروها على هذا الكافر المرتاب، ويخلصوها من أليم العذاب. ثم بكت وأنشدت هذه الأبيات: # يا عين سحي الدمع كالطوفان %~% فعسى بدمعي تنطفي أحزاني ~~من بعد لبسي للحرير مطرزا %~% أضحى لباسي ملبس الرهبان ~~قد صار كبريتا بخور ملابسي %~% شتان بين الند والريحان ~~لو كنت يا مسرور تعلم حالنا %~% ما كنت ترضى ذلتي وهواني ~~وهبوبي في قيد الحديد أسيرة %~% مع كافر بالواحد الديان ~~وزهدت أحوال اليهود ودينهم %~% واليوم ديني أشرف الأديان ~~وسجدت للرحمن سجدة مسلم %~% وتبعت شرع محمد ببيان ~~مسرور لا تنس المودة بيننا %~% واحفظ وثيق العهد والإيمان ~~أبدلت ديني في هواك وإنني %~% من فرط حبي لم يزل كتماني ~~بادر إلينا إن حفظت ودادنا %~% حفظ الكرام ولا تكن متواني # ثم إنها كتبت كتابا يتضمن جميع ما عمله معها اليهودي من الأول إلى الآخر، وسطرت فيه الأشعار، ثم طوت الكتاب وناولته لجاريتها هبوب وقالت لها: احفظي هذا الكتاب في جيبك حتى نرسله إلى مسرور. فبينما هما كذلك وإذا باليهودي قد دخل عليهما، فرآهما فرحانتين فقال: ما لي أراكما فرحانتين؟ هل جاءكما كتاب من عند صديقكما مسرور؟ فقالت له زين المواصف: نحن ما لنا معين عليك إلا الله سبحانه وتعالى، فإنه هو الذي يخلصنا من جورك، وإن لم تردنا إلى بلادنا وأوطاننا، فنحن في غد نترافع وإياك إلى حاكم هذه المدينة وقاضيها. فقال اليهودي: ومن خلص القيود من أرجلكما؟ ولكن لا ms1917 بد أن أصنع لكل واحدة منكن قيدا قدره عشرة أرطال، وأطوف بكن حول المدينة. فقالت له هبوب: جميع ما نويته لنا ستقع فيه إن شاء الله كما أبعدتنا عن أوطاننا، وفي غد نقف وإياك قدام حاكم المدينة. واستمروا على ذلك إلى الصباح، ثم نهض اليهودي وجاء إلى الحداد ليصنع قيودا لهن، فعند ذلك قامت زين المواصف هي وجواريها وأتت إلى دار الحكم ودخلتها، فرأت القضاة فسلمت عليهم، فرد عليها جميع القضاة السلام، ثم قال قاضي القضاة لمن حوله: إن هذه الجارية زهراوية، وكل من رآها حبها وخضع لحسنها وجمالها. ثم إن القاضي أرسل معها من الرسل أربعة وكانوا أشرافا، وقال لهم: أحضروا غريمها في أسوأ حال. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر اليهودي، فإنه لما صنع لهن القيود توجه إلى المنزل فلم يجدهن فيه، فاحتار في أمره، فبينما هو كذلك وإذا بالرسل قد تعلقوا به وضربوه ضربا شديدا وجروه سحبا على وجهه حتى أتوا به إلى القاضي، فلما رآه القاضي صرخ في وجهه وقال: ويلك يا عدو الله، هل وصل من أمرك أنك فعلت ما فعلت، وأبعدت هؤلاء عن أوطانهن، وسرقت مالهن وتريد أن تجعلهن يهودا؟ فكيف تريد تكفير المسلمين؟ فقال اليهودي: يا مولاي، إن هذه زوجتي. فلما سمع القضاة منه هذا الكلام صاحوا كلهم، وقالوا: ارموا هذا الكلب على الأرض، وانزلوا على وجهه بنعالكم واضربوه ضربا وجيعا، فإن ذنبه لا يغفر. فنزعوا عنه ثيابه الحرير، وألبسوه ثيابا من الشعر، وألقوه على الأرض، ونتفوا لحيته، وضربوه ضربا وجيعا على وجهه بالنعال، ثم أركبوه على حمار وجعلوا وجهه إلى كفله، وأمسكوه ذيل الحمار في يده، وطافوا به حول المدينة حتى جرسوه في سائر البلد، ثم عادوا به إلى القاضي وهو في ذل عظيم، فحكم عليه القضاة الأربعة بأن تقطع يداه ورجلاه، وبعد ذلك يصلب؛ فاندهش الملعون من ذلك القول وغاب عقله وقال: يا ساداتي القضاة، ما تريدون مني؟ فقالوا له: قل إن هذه الجارية ما هي زوجتي، ms1918 وإن المال مالها، وأنا تعديت عليها وشتتها عن أوطانها. فأقر بذلك وكتبوا بإقراره حجة، وأخذوا منه المال ودفعوه إلى زين المواصف وأعطوها الحجة وخرجت، فصار كل من رأى حسنها وجمالها متحيرا في عقله، وظن كل واحد من القضاة أنها يئول أمرها إليه، فلما وصلت إلى منزلها جهزت أمرها من جميع ما تحتاج إليه، وصبرت إلى أن دخل الليل، فأخذت ما خف حمله وغلا ثمنه، وسارت هي وجواريها في ظلام الليل، ولم تزل سائرة مسافة ثلاثة أيام ولياليها. هذا ما كان من أمر زين المواصف، وأما ما كان من أمر القضاة، فإنهم بعد ذهابها أمروا بحبس اليهودي زوجها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 860 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن القضاة أمروا بحبس اليهودي زوج زين المواصف، فلما أصبح الصباح صار القضاة والشهود ينتظرون أن تحضر عندهم زين المواصف، فلم تحضر عند أحد منهم، ثم إن القاضي الذي ذهبت إليه أولا قال: أنا أريد اليوم أن أتفرج على خارج المدينة لأن لي حاجة هناك. ثم ركب بغلته وأخذ غلامه وصار يطوف في أزقة المدينة طولا وعرضا، ويفتش على زين المواصف فلم يقع لها على خبر، فبينما هو كذلك إذ وجد باقي القضاة دائرين، وكل واحد منهم يظن أنه ليس بينها وبين غيره ميعاد، فسألهم ما سبب ركوبهم ودورانهم في أزقة المدينة، فأخبروه بشأنهم، فرأى حالهم كحاله وسؤالهم كسؤاله، ثم صار الجميع يفتشون عليها، فلم يقعوا لها على خبر، فانصرف كل واحد منهم إلى منزله مريضا، ورقدوا على فرش الضنى. ثم إن قاضي القضاة تذكر الحداد فأرسل إليه، فلما حضر بين يديه قال: يا حداد، هل تعرف شيئا من خبر الجارية التي دللتها علينا؟ فوالله إن لم تطلعني عليها ضربتك بالسياط. فلما سمع الحداد كلام القاضي أنشد هذين البيتين: # إن التي ملكتني في الهوى ملكت %~% مجامع الحسن حتى لم تدع حسنا ~~رنت غزالا وفاحت عنبرا وبدت %~% شمسا وماجت غديرا وانثنت غصنا # ثم إن الحداد قال: والله يا ms1919 مولاي من حين انصرفت من الحضرة الشريفة ما نظرتها عيني قط، وقد ملكت لبي وعقلي، وصار فيها حديثي وشغلي، وقد مضيت إلى منزلها فلم أجدها، ولم أر أحدا يخبرني عن شأنها، فكأنها غطست في قرار الماء أو عرج بها إلى السماء. فلما سمع القاضي كلامه شهق شهقة كادت روحه أن تخرج منها، ثم قال: والله ما كان لنا حاجة برؤيتها. فانصرف الحداد ووقع القاضي على فرشه، وصار من أجلها في ضنى، وكذا الشهود وباقي القضاة الأربعة، وصارت الحكماء تتردد عليهم، وما بهم من مرض يحتاج إلى الطبيب. ثم إن وجهاء الناس دخلوا على القاضي الأول فسلموا عليه واستخبروه عن حاله، فتنهد وباح بما في ضميره، وأنشد هذه الأبيات: # كفوا الملام كفاني مؤلم السقم %~% واستعذروا قاضيا يقضي على الأمم ~~من كان يعذلني في الحب يعذرني %~% ولا يلم فقتيل الحب لم يلم ~~فقاضيا كنت والأقدار تسعدني %~% على المراتب في حظي وفي قلمي ~~حتى رميت بسهم لا طبيب له %~% من طرف جارية جاءت لسفك دمي ~~ما مثل مسلمة تشكو ظلامتها %~% وثغرها كيتيم الدر منتظم ~~نظرت تحت محياها وقد سفرت %~% بدرا بدا تحت جنح الليل في الظلم ~~وجها منيرا وثغرا باسما عجبا %~% قد عمها الحسن من فرق إلى قدم ~~والله ما نظرت عيني كطلعتها %~% من البرية في عرب ولا عجم ~~يا حسن ما وعدتني وهي قائلة: %~% إذا وعدت أفي يا قاضي الأمم ~~هذا مقامي وهذا ما بليت به %~% لا تسألوا عن شجوني يا أولي الهمم # فلما فرغ القاضي من هذه الأبيات بكى بكاء شديدا، ثم إنه شهق شهقة ففارقت روحه جسده، فلما رأوا ذلك غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، وكتبوا على قبره هذه الأبيات: # كملت صفات العاشقين لمن غدا %~% في القبر مقتول الحبيب وصده ~~قد كان هذا للبرية قاضيا %~% ويراعه سجن الحسام بغمده ~~فقضى عليه الحب لم نر قبله %~% مولى تذلل في الأنام لعبده # ثم إنهم ترحموا عليه وانصرفوا إلى القاضي الثاني ومعهم الطبيب، فلم يجدوا به ضررا ولا ألما يحتاج إلى طبيب، فسألوه ms1920 عن حاله وشغل باله، فعرفهم بقضيته، فلاموه وعنفوه على تلك الحالة، فأجابهم مترنما بهذه الأبيات: # بليت بها ومثلي لا يلام %~% رميت بنبلة من كف رام ~~أتتني امرأة تدعى هبوبا %~% تعد الدهر عاما بعد عام ~~ومعها طفلة أبدت محيا %~% يفوق البدر في جنح الظلام ~~فبينت المحاسن وهي تشكو %~% وأدمع جفنها ذات انسجام ~~سمعت كلامها ونظرت فيها %~% فأضنتني بثغر ذي ابتسام ~~وقد رحلت بقلبي حين راحت %~% وخلتني رهينا في غرامي ~~فهذي قصتي فارثوا لحالي %~% وحطوا قاضيا غيري غلامي # ثم إنه شهق شهقة، ففارقت روحه جسده، فجهزوه ودفنوه وترحموا عليه. ثم توجهوا إلى القاضي الثالث، فوجدوه مريضا وحصل له ما حصل للثاني، وكذلك الرابع، فوجدوا الجميع مرضى بحبها، ووجدوا الشهود أيضا مرضى بحبها، فإن كل من رآها مات بحبها، وإن لم يمت عاش يكابد لوعة الغرام. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 861 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أهل المدينة وجدوا جميع القضاة والشهود مرضى بحبها، فإن كل من رآها مات بعشقها، وإن لم يمت عاش يكابد لوعة الغرام من شدة حبها، رحمهم الله أجمعين. هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر زين المواصف، فإنها جدت في السير مدة أيام حتى قطعت مسافة بعيدة، فاتفق أنها خرجت هي وجواريها فمرت على دير في الطريق وفيه راهب كبير اسمه دانس، وكان عنده أربعون بطريقا، فلما رأى جمال زين المواصف نزل إليها وعزم عليها، وقال لها: استريحوا عندنا عشرة أيام ثم سافروا. فنزلت عنده هي وجواريها في ذلك الدير، فلما نزلت ورأى حسنها وجمالها أفسدت عقيدته وافتتن بها، وصار يرسل إليها البطارقة واحدا بعد واحد لأجل أن يؤلفها، فصار كل من أرسله إليها يقع في حبها ويراودها عن نفسها له، وهي تتعذر وتتمنع. ولم يزل دانس يرسل إليها واحدا بعد واحد، حتى أرسل إليها الأربعين بطريقا، وكل واحد حين يراها يتعلق بعشقها ويكثر من ملاطفتها ويراودها عن نفسها، ولا يذكر لها اسم دانس، فتمتنع من ذلك وتجاوبهم ms1921 بأغلظ جواب. فلما فرغ صبر دانس واشتد غرامه، قال في نفسه: إن صاحب المثل يقول: ما حك جسمي غير ظفري، ولا سعى في مرامي مثل أقدامي. ثم نهض قائما على قدميه وصنع طعاما مفتخرا وحمله ووضعه بين يديها، وكان ذلك في اليوم التاسع من العشرة أيام التي اتفق معها على إقامتها عنده لأجل الاستراحة، فلما وضعه بين يديها قال: تفضلي باسم الله، خير الزاد ما حصل. فمدت يدها وقالت: بسم الله الرحمن الرحيم. وأكلت هي وجواريها، فلما فرغت من الأكل قال لها: يا سيدتي، أريد أن أنشدك أبياتا من الشعر. قالت له: قل. فأنشد هذه الأبيات: # ملكت قلبي بألحاظ ووجنات %~% وفي هواك غدا نثري وأبياتي ~~أتتركين محبا مغرما دنفا %~% يعالج العشق حتى في المنامات ~~لا تتركيني صريعا والها فلقد %~% تركت أشغال ديري بعد لذاتي ~~يا غادة جوزت في الحب سفك دمي %~% رفقا بحالي وعطفا في شكياتي # فلما سمعت زين المواصف شعره، أجابته عن شعره بهذين البيتين: # يا طالب الوصل لا يغررك بي أمل %~% اكفف سؤالك عني أيها الرجل ~~لا تطمع النفس فيما لست تملكه %~% إن المطامع مقرون بها الوجل # فلما سمع شعرها رجع إلى صومعته وهو متفكر في نفسه، ولم يدر كيف يصنع في أمرها، ثم بات تلك الليلة في أسوأ حال، فلما جن الليل قامت زين المواصف وقالت لجواريها: قوموا بنا فإننا لا نقدر على أربعين رجلا رهبانا، وكل واحد يراودني عن نفسي. فقالت لها الجواري: حبا وكرامة. ثم إنهن ركبن دوابهن وخرجن من باب الدير ليلا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 862 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما خرجت هي وجواريها من الدير ليلا، لم يزلن سائرات، وإذا هن بقافلة سائرة فاختلطن بها، وإذا بالقافلة من مدينة عدن التي كانت فيها زين المواصف، فسمعت أهل القافلة يتحدثون بخبر زين المواصف ويذكرون أن القضاة والشهود ماتوا في حبها، وولى أهل المدينة قضاة وشهودا غيرهم، وأطلقوا زوج زين المواصف من الحبس، فلما ms1922 سمعت زين المواصف هذا الكلام التفتت إلى جواريها وقالت لجاريتها هبوب: ألا تسمعين هذا الكلام؟ فقالت لها جاريتها: إذا كان الرهبان الذين عقيدتهم أن الترهب عن النساء عبادة، قد افتتنوا في هواك، فكيف حال القضاة الذين عقيدتهم أنه لا رهبانية في الإسلام؟ ولكن امض بنا إلى أوطاننا ما دام أمرنا مكتوما. ثم إنهن سرن وبالغن في السير. # هذا ما كان من أمر زين المواصف وجواريها، وأما ما كان من أمر الرهبان، فإنهم لما أصبح الصباح أتوا إلى زين المواصف لأجل السلام، فرأوا المكان خاليا فأخذهم المرض في أجوافهم، ثم إن الراهب الأول مزق ثيابه وصار ينشد هذه الأبيات: # ألا يا أصيحابي تعالوا فإنني %~% مفارقكم عما قليل وراحل ~~فإن فؤادي فيه آلام لوعة %~% وقلبي به من زفرة الحب قاتل ~~لأجل فتاة قد أتت نحو أرضنا %~% لها البدر في أفق السماء يعادل ~~فراحت وخلتني قتيل جمالها %~% طريح سهام صادفتها مقاتل # ثم إن الراهب الثاني أنشد هذه الأبيات: # يا راحلين بمهجتي رفقا على %~% مسكينكم وتعطفوا بالمرجع ~~راحوا فراحت راحتي من بعدهم %~% ونأوا وطيب حديثهم في مسمعي ~~شطوا فشط مزارهم يا ليتهم %~% منوا علينا في المنام بمرجع ~~أخذوا فؤادي عندما رحلوا وقد %~% تركوا جميعي في سوافح أدمعي # ثم إن الراهب الثالث أنشد هذه الأبيات: # يصوركم قلبي وعيني ومسمعي %~% فقلبي لكم مأوى وكلي بأجمعي ~~وذكركم أحلى من الشهد في فمي %~% ويجري كمجرى الروح في كل أضلعي ~~وصيرتموني كالخلال من الضنى %~% وأغرقتموني في الغرام بمدمعي ~~دعوني أراكم في المنام لعلكم %~% تريحوا خدودي من تباريح أدمعي # ثم إن الراهب الرابع أنشد هذين البيتين: # خرس اللسان وقل فيك كلامي %~% والحب منه توجعي وسقامي ~~يا بدر تم في السماء محله %~% قد زاد فيك تولهي وهيامي # ثم إن الراهب الخامس أنشد هذه الأبيات: # أهوى قمرا عادل القد رشيق %~% والخصر نحيل شاكي الضرر ~~وريقه شبه سلاف ورحيق %~% والردف ثقيل لاهي البشر ~~والقلب غدا بالغرام حريق %~% والصب قتيل بين السمر ~~والدمع على الخد قان كعقيق %~% في الخد يسيل مثل المطر # ثم إن ms1923 الراهب السادس أنشد هذه الأبيات: # يا متلفي في الحب فرط صدوده %~% يا غصن بان لاح نجم سعوده ~~أشكو إليك كآبتي وصبابتي %~% يا محرقي في نار ورد خدوده ~~هل مثل صب فيك غادر نسكه %~% وغدا عديم ركوعه وسجوده # ثم إن الراهب السابع أنشد هذه الأبيات: # سجن الفؤاد ودمع عيني أطلقا %~% والوجد جدده وصبري مزقا ~~حلو الشمائل ما أمر صدوده %~% يرمي الفؤاد بسهمه عند اللقا ~~يا عاذلي أقصر وتب عما مضى %~% ما أنت في خبر الغرام مصدقا # وهكذا باقي البطارقة والرهبان كلهم يبكون وينشدون الأشعار، وأما كبيرهم دانس فإنه زاد به البكاء والعويل، ولم يجد لوصالها من سبيل، ثم إنه صار يترنم بإنشاد هذه الأبيات: # عدمت اصطباري يوم سار أحبتي %~% وفارقني من كان سؤلي ومنيتي ~~فيا حادي الأظعان رفقا بعيسهم %~% عسى أن يمنوا بالرجوع لدارتي ~~جفا جفن عيني النوم بعد فراقهم %~% وجددت أحزاني وفارقت لذتي ~~إلى الله أشكو ما ألاقي بحبها %~% لقد أنحلت جسمي وأودت بقوتي # ثم إنهم لما يئسوا منها أجمع رأيهم على أنهم يصورون صورتها عندهم، واتفقوا على ذلك إلى أن أتاهم هادم اللذات. هذا ما كان من أمر هؤلاء الرهبان أصحاب الدير، وأما ما كان من أمر زين المواصف، فإنها سارت تقصد محبوبها مسرورا، ولم تزل سائرة إلى أن وصلت إلى منزلها، وفتحت الأبواب ودخلت الدار، ثم أرسلت إلى أختها نسيم، فلما سمعت أختها بذلك فرحت فرحا شديدا وأحضرت لها الفراش ونفيس القماش، ثم إنها فرشت لها وألبستها وأرخت الستور على الأبواب، وأطلقت العود والند والعنبر والمسك والأدفر حتى عبق المكان من تلك الرائحة، وصار أعظم ما يكون. ثم إن زين المواصف لبست أفخر قماشها وتزينت أحسن الزينة، كل ذلك جرى ومسرور لم يعلم بقدومها، بل كان في هم شديد، وحزن ما عليه من مزيد. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 863 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما دخلت دارها أتت لها أختها بالفراش والقماش، وفرشت لها وألبستها أفخر الثياب، كل ذلك ms1924 جرى ومسرور لم يعلم بقدومها، بل كان في هم شديد، وحزن ما عليه من مزيد. ثم جلست زين المواصف تتحدث مع جواريها اللاتي تخلفن عن السفر معها، وذكرت لهن جميع ما وقع لها من الأول إلى الآخر، ثم إنها التفتت إلى هبوب وأعطتها دراهم، وأمرتها أن تذهب وتأتي لها بشيء تأكله هي وجواريها، فذهبت وأتت بالذي طلبته من الأكل والشرب، فلما انتهى أكلهن وشربهن أمرت هبوب أن تمضي إلى مسرور وتنظر أين هو وتشاهد ما هو فيه من الأحوال، وكان مسرور لا يقر له قرار، ولا يمكنه اصطبار، فلما زاد عليه الوجد والغرام، والعشق والهيام، صار يتسلى بإنشاد الأشعار، ويذهب إلى الدار ويقبل الجدار، فاتفق أنه مضى إلى محل التوديع، وصار ينشد هذا الشعر البديع: # أخفيت ما ألقاه منه وقد ظهر %~% والنوم من عيني تبدل بالسهر ~~ناديت لما قد سبت قلبي الفكر %~% يا دهر لا تبق علي ولا تذر # لو كان سلطان المحبة منصفي %~% ما كان نومي من عيوني قد نفي ~~يا سادتي رقوا لصب مدنف %~% وارثوا لحال كبير قوم زل في # لج العواذل فيك ما طاوعتهم %~% وسددت كل مسامعي وكتمتهم ~~وحفظت ميثاق الذين أحبهم %~% قالوا عشقت مفارقا فأجبتهم # ثم إنه رجع إلى منزله وقعد يبكي، فغلب عليه النوم، فرأى في منامه كأن زين المواصف أتت إلى الدار، فانتبه من نومه وهو يبكي، ثم سار متوجها إلى منزل زين المواصف وهو ينشد هذه الأبيات: # أأسلوا التي في الحب قد ملكت أسري %~% وقلبي على نار أحر من الجمر ~~عشقت التي أشكو إلى الله بعدها %~% وصرف الليالي والحوادث من دهري ~~متى الملتقى يا غاية القلب والمنى %~% وأحظى بجمع الشمل يا طلعة البدر # وكان آخر ما أنشد من الشعر وهو ماش في زقاق زين المواصف، فشم منه الروائح الزكية، فهاج لبه وفارق صدره قلبه، وتضرم غرامه وزاد هيامه، وإذا بهبوب متوجهة إلى قضاء حاجة، فرآها وهي مقبلة من صدر الزقاق، فلما رآها فرح فرحا شديدا، فلما رأته هبوب أتت إليه وسلمت عليه وبشرته ms1925 بقدوم سيدتها زين المواصف، وقالت له: إنها أرسلتني في طلبك إليها. ففرح بذلك فرحا شديدا ما عليه من مزيد، ثم أخذته ورجعت به إليها، فلما رأته زين المواصف نزلت له من فوق سريرها وقبلته وقبلها، وعانقته وعانقها، ولم يزالا يقبلان بعضهما ويتعانقان حتى غشي عليهما زمنا طويلا من شدة المحبة والفراق، فلما أفاقا من غشيتهما أمرت جاريتها هبوب بإحضار قلة مملوءة من شراب السكر، وقلة مملوءة من شراب الليمون، فأحضرت لها الجارية جميع ما طلبته، ثم أكلوا وشربوا، وما زالوا كذلك إلى أن أقبل الليل، فصاروا يذكرون الذي جرى لهم من أوله إلى آخره. ثم إنها أخبرته بإسلامها، ففرح وأسلم هو أيضا، وكذلك جواريها وتابوا إلى الله تعالى، فلما أصبح الصباح أمرت بإحضار القاضي والشهود وأخبرتهم أنها عازبة، وقد وفت العدة ومرادها الزواج بمسرور، فكتبوا كتابها وصاروا في ألذ عيش. # هذا ما كان من أمر زين المواصف، وأما ما كان من أمر زوجها اليهودي، فإنه حين أطلقه أهل المدينة من السجن، سافر منها متوجها إلى بلاده، ولم يزل مسافرا حتى صار بينه وبين المدينة التي فيها زين المواصف ثلاثة أيام، فأخبرت بذلك زين المواصف، فدعت بجاريتها هبوب وقالت لها: امض إلى مقبرة اليهود واحفري قبرا وضعي عليه الرياحين ورشي حوله الماء، وإن جاء اليهودي وسألك عني فقولي له: إن سيدتي ماتت من قهرها عليك، ومضى لموتها مدة عشرين يوما. فإن قال: أريني قبرها. فخذيه إلى القبر وتحيلي على دفنه فيه بالحياة. فقالت: سمعا وطاعة. ثم إنهم رفعوا الفراش وأدخلوه في مخدع، ومضت إلى بيت مسرور، فقعد هو وإياها في أكل وشرب، ولم يزالوا كذلك حتى مضت الثلاثة أيام. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر زوجها، فإنه لما أقبل من السفر، دق الباب، فقالت هبوب: من بالباب؟ فقال: سيدك. ففتحت له الباب، فرأى دموعها تجري على خدها، فقال لها: ما يبكيك؟ وأين سيدتك؟ فقالت له: إن سيدتي ماتت بسبب قهرها عليك. فلما سمع منها ذلك الكلام تحير ms1926 في أمره وبكى بكاء شديدا، ثم قال لها: يا هبوب، أين قبرها؟ فأخذته ومضت به إلى المقبرة وأرته القبر الذي حفرته، فعند ذلك بكى بكاء شديدا ثم أنشد هذين البيتين: # شيئان لو بكت الدماء عليهما %~% عيناي حتى يؤذنا بذهاب ~~لم يقضيا المعشار من حقيهما %~% شرخ الشباب وفرقة الأحباب # ثم بكى بكاء شديدا وأنشد هذه الأبيات: # أواه وا أسفي قد خانني جلدي %~% ومن فراق حبيبي مت بالكمد ~~يا ما دهاني من بعد الحبيب ويا %~% تقطيع قلبي على ما قدمته يدي ~~يا ليتني قد كتمت السر في زمني %~% ولم أبح بغرام هاج في كبدي ~~قد كنت في عيشة مرضية رغد %~% وصرت من بعدها في الذل والنكد ~~فيا هبوب لقد هيجت لي شجنا %~% بموت من كان من دون الورى سندي ~~زين المواصف لا كان الفراق ولا %~% كان الذي فارقت روحي به جسدي ~~لقد ندمت على نقض العهود وقد %~% عاتبت نفسي على التفريط في عمدي # فلما فرغ من شعره بكى وأن واشتكى، فخر مغشيا عليه، فلما غشي عليه أسرعت هبوب بجره ووضعه في القبر وهو بالحياة ولكنه مدهوش، ثم سدت عليه ورجعت إلى سيدتها وأعلمتها بهذا الخبر، ففرحت بذلك فرحا شديدا وأنشدت هذين البيتين: # الدهر أقسم لا يزال مكدري %~% حنثت يمينك يا زمان فكفر ~~مات العذول ومن هويت مواصلي %~% فانهض إلى داعي السرور وشمر # ثم إنهم أقاموا مع بعضهم على الأكل والشرب، واللهو واللعب والطرب، إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات ومميت البنين والبنات. ### || حكاية علي نور الدين ومريم # ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، رجل تاجر بالديار المصرية يسمى تاج الدين، وكان من أكابر التجار ومن الأمناء الأحراء، إلا أنه كان مولعا بالسفر إلى جميع الأقطار، ويحب السير في البراري والقفار، والسهول والأوعار وجزائر البحار، في طلب الدرهم والدينار، وكان له عبيد ومماليك وخدم وجوار، وطالما ركب الأخطار، وقاسى في السفر ما يشيب الأطفال الصغار، وكان أكثر التجار في ذلك الزمان مالا، وأحسنهم مقالا، صاحب خيول وبغال، وبخاتي ms1927 وجمال، وغرائر وأعدال، وبضائع وأموال، وأقمشة عديمة المثال، من شدود حمصية، وثياب بعلبكية، ومقاطع سندسية، وثياب مرزوية، وتفاصيل هندية، وأزرار بغدادية، وبرانس مغربية، ومماليك تركية، وخدم حبشية، وجوار رومية، وغلمان مصرية، وكانت غرائر أحماله من الحرير؛ لأنه كان كثير الأموال بديع الجمال، مائس الأعطاف شهي الانعطاف، كما قال فيه بعض واصفيه: # وتاجر عاينت عشاقه %~% والحرب فيما بينهم ثائر ~~فقال: ما للناس في ضجة؟ %~% قلت: على عينك يا تاجر # وقال آخر في وصفه وأجاد، وأتى فيه بالمراد: # وتاجر في وصله زارنا %~% والقلب من ألحاظه حائر ~~فقال لي: ما لك في حيرة؟ %~% قلت: على عينك يا تاجر # وكان لذلك التاجر ولد ذكر يسمى علي نور الدين، كأنه البدر إذا بدر في ليلة أربعة عشر، بديع الحسن والجمال، ظريف القد والاعتدال، فجلس ذلك الصبي يوما من الأيام في دكان والده على جري عادته، للبيع والشراء والأخذ والعطاء، وقد دارت حوله أولاد التجار، فصار هو بينهم كأنه القمر بين النجوم، بجبين أزهر وخد أحمر، وعذار أخضر وجسم كالمرمر، كما قال فيه الشاعر: # ومليح قال: صفني %~% أنت في الحسن رجيح ~~قلت قولا باختصار: %~% كل ما فيك مليح # وكما قال فيه بعض واصفيه: # له خال على صفحات خد %~% كنقطة عنبر في صحن مرمر ~~وألحاظ بأسياف تنادي %~% على عاصي الهوى الله أكبر # فعزمه أولاد التجار وقالوا له: يا سيدي نور الدين، نشتهي في هذا اليوم أننا نتفرج وإياك في البستان الفلاني. فقال لهم: حتى أشاور والدي، فإني لا أقدر أن أروح إلا بإجازته. فبينما هم في الكلام وإذا بوالده تاج الدين قد أتى، فنظر إليه وقال: يا أبي، إن أولاد التجار قد عزموني لأجل أن أتفرج أنا وإياهم في البستان الفلاني، فهل تأذن لي في ذلك؟ فقال: نعم يا ولدي. ثم إنه أعطاه شيئا من المال وقال: توجه معهم. فركب أولاد التجار حميرا وبغالا، وركب نور الدين بغلة وسار معهم إلى بستان فيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وهو مشيد الأركان رفيع البنيان، له باب مقنطر كأنه ms1928 إيوان، وباب سماوي يشبه أبواب الجنان، وبوابه اسمه رضوان، وفوقه مائة مكعب عنب من سائر الألوان، الأحمر كأنه مرجان، والأسود كأنه أنوف السودان، والأبيض كأنه بيض الحمام، وفيه الخوخ والرمان، والكمثرى والبرقوق والتفاح، كل هذه الأنواع مختلفة الألوان، صنوان وغير صنوان. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 864 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أولاد التجار لما دخلوا البستان رأوا فيه كامل ما تشتهي الشفة واللسان، ووجدوا العنب مختلف الألوان، صنوانا وغير صنوان، كما قال فيه الشاعر: # عنب طعمه كطعم الشراب %~% حالك لونه كلون الغراب ~~بين أوراقه زها فتراه %~% كبنان النساء بين الخضاب # وكما قال فيه الشاعر أيضا: # عناقيد حكت، لما تدلت %~% على قضبانها، جسمي نحولا ~~حكت عسلا وماء في إناء %~% وعادت بعد حصرمها شمولا # ثم انتهوا إلى عريشة البستان، فرأوا رضوان بواب البستان جالسا في تلك العريشة كأنه رضوان خازن الجنان، ورأوا مكتوبا على باب العريشة هذان البيتان: # سقى الله بستانا تدلت قطوفه %~% فمالت بها الأغصان من شدة الشرب ~~إذا رقصت أغصانه بيد الصبا %~% تنقطها الأنواء باللؤلؤ الرطب # ورأوا مكتوبا في داخل العريشة هذان البيتان: # ادخل بنا يا صاح في روضة %~% تجلو عن القلب صدى همه ~~نسيمها يعثر في ذيله %~% وزهرها يضحك في كمه # وفي ذلك البستان فواكه ذات أفنان، وأطيار من جميع الأصناف والألوان، مثل فاخت وبلبل وكروان، وقمري وحمام، يغرد على الأغصان، وأنهارها بها الماء الجاري، وقد راقت تلك المجاري، بأزهارها وأثمار ذات لذات، كما قال فيه الشاعر هذين البيتين: # سرت النسيم على الغصون فشابهت %~% خودا تعثر في جميل ثيابها ~~وحكت جداولها السيوف إذا انتضت %~% أيدي الفوارس من غلاف قرابها # وكما قال فيه الشاعر أيضا: # والنهر مد على الغصون ولم يزل %~% أبدا يمثل شخصها في قلبه ~~حتى إذا فطن النسيم سرى لها %~% من غيرة فأمالها من قربه # وأشجار ذلك البستان عليها من كل فاكهة زوجان، وفيه من الرمان ما يشبه أكر القيروان، كما قال فيه الشاعر وأجاد: # ورمان رقيق القشر يحكي %~% نهود البكر ms1929 إذ برزت فحولا ~~إذا قشرته يبدو لدينا %~% من الياقوت ما بهر العقولا # وكما قال فيه الشاعر: # ململمة تبدي لقاصد جوفها %~% يواقيت حمرا في معاطف عبقري ~~ورمانة شبهتها إذ رأيتها %~% بنهد العذارى أو بقبة مرمر ~~وفيها شفاء للمريض وصحة %~% وفيها حديث للنبي المطهر ~~وفيها يقول الله جل جلاله %~% مقالا بليغا في الكتاب المسطر # وفي ذلك البستان تفاح سكري ومسكي يدهش الناظر، كما قال فيه الشاعر: # تفاحة جمعت لونين قد حكيا %~% خدي حبيب ومحبوب قد اجتمعا ~~لاحا على الغصن كالضدين من عجب %~% فذاك أسود والثاني به لمعا ~~تعانقا فبدا واش فراعهما %~% فاحمر ذا خجلا واصفر ذا ولعا # وفي ذلك البستان مشمش لوزي وكافوري، وجيلاني وعنتابي، كما قال فيه الشاعر: # والمشمش اللوزي يحكي عاشقا %~% جاء الحبيب له فحير لبه ~~وكفاه من صفة المتيم ما به %~% يصفر ظاهره ويكسر قلبه # وقال فيه آخر وأجاد: # انظر إلى المشمش في زهره %~% حدائق يجلو سناها الحدق ~~كالأنجم الزهر إذا ما زهت %~% الغصن يزهو بها في الورق # وفي ذلك البستان برقوق وقراصيا وعناب، تشفي السقيم من الأوصاب، والتين فوق أغصانه ما بين أحمر وأخضر يحير العقول النواظر، كما قال فيه الشاعر: # كأنما التين يبدو منه أبيضه %~% مع أخضر بين أوراق من الشجر ~~أبناء روم على أعلى القصور وقد %~% جن الظلام بهم باتوا على حذر # وقال آخر وأجاد: # أهلا بتين جاءنا %~% منضدا على طبق ~~كسفرة مضمومة %~% قد جمعت بلا حلق # وقال آخر وأجاد: # أنعم بتين طاب طعما واكتسى %~% حسنا وقارب منظرا من مخبر ~~يبدي تعاطيه إذا ما ذقته %~% ريح الأقاح وطيب طعم السكر ~~وحكى إذا ما صب في أطباقه %~% أكرا صنعن من الحرير الأخضر # وما أحسن قول بعضهم: # قالوا وقد ألفت نفسي تفكهها %~% بغير فاكهة في حبها هاموا ~~لأي شيء تحب التين قلت لهم %~% للتين قوم وللجميز أقوام # وأحسن منه قول الآخر: # التين يعجبني عن كل فاكهة %~% لما استوى والتوى في غصنه الزاهي ~~كأنه عابد والسحب ماطرة %~% فاضت مدامعه من خشية الله # وفي ذلك البستان من الكمثرى الطوري والحلبي ms1930 والرومي، ما هو مختلف الألوان، صنوان وغير صنوان. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 865 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أولاد التجار لما نزلوا البستان رأوا فيه من الفواكه ما ذكرناه، ووجدوا فيه من الكمثرى الطوري والحلبي والرومي، ما هو مختلف الألوان، صنوان وغير صنوان، ما بين أصفر وأخضر يدهش الناظر، كما قال فيه الشاعر: # يهنيك كمثرى غدا لونها %~% لون محب زائد الصفرة ~~شبيهة بالبكر في خدرها %~% والوجه منها مسبل السترة # وفي ذلك البستان من الخوخ السلطاني ما هو مختلف الألوان من أصفر وأحمر، كما قال فيه الشاعر: # كأنما الخوخ في روضه %~% وقد بدا حمرة العندم ~~بنادق من ذهب أصفر %~% قد خضبت وجهها بالدم # وفي ذلك البستان من اللوز الأخضر ما هو شديد الحلاوة يشبه الجمار، ولبه من داخل ثلاثة أثواب، صنعة الملك الوهاب، كما قيل فيه: # ثلاثة أثواب على جسد رطب %~% مخالفة الأشكال من صنعة الرب ~~تريه الردى في ليله ونهاره %~% وإن يكن المسجون فيها بلا ذنب # وقال آخر وأجاد: # أما ترى اللوز حين تظهره %~% من الأفانين كف معتطف ~~وقشره قد جلا القلوب لنا %~% كأنه الدر من داخل الصدف # وأحسن منه قول الآخر: # يا حسن لوز أخضر %~% أصفر ملء اليد ~~كأنما زبيره %~% نبت عذار الأمرد ~~وقد غدت قلوبه %~% من مزدوج ومفرد ~~كأنها لؤلؤة %~% تصان في زبرجد # وقال آخر وأجاد: # ما أبصرت عيناي مثل اللوز في %~% حسناته لما بدت أنواره ~~الرأس منه باشتعال شائب %~% حين انتشى واخضر منه عذاره # وفي ذلك البستان النبق مختلف الألوان، صنوان وغير صنوان، كما قال فيه بعض واصفيه هذا الشعر: # انظر إلى النبق في الأغصان منتظما %~% كمشمش معجب يزهو على القضب ~~كأن صفرته للناظرين غدت %~% تحكي جلاجل قد صيغت من الذهب # وقال آخر وأجاد: # وسدرة كل يوم %~% من حسنها في فنون ~~كأنما النبق فيها %~% وقد بدا للعيون ~~جلاجل من نضار %~% قد علقت في غصون # وفي ذلك البستان النارنج كأنه خولجان، كما قال فيها الشاعر الولهان: # وحمراء ملء الكف تزهو بحسنها ms1931 %~% فظاهرها نار وباطنها ثلج ~~ومن عجب ثلج مع النار لم يذب %~% ومن عجب نار وليس لها وهج # وقال بعضهم وأجاد: # وأشجار نارنج كأن ثمارها %~% إذا ما بدت للناظر المتفرس ~~خدود نساء قد تبرجن زينة %~% بأيام عيد في غلائل سندس # وقال الآخر وأجاد: # كأن ربى النارنج أذهبت الصبا %~% وأضحت به الأغصان وهي تميد ~~خدود عليها بهجة الحسن أقبلت %~% عليها بأوقات السلام خدود # وقال آخر وأجاد: # وشادن قلنا له صف لنا %~% بستاننا هذا ونارنجنا ~~فقال لي: بستانكم طلعتي %~% ومن جنى النارنج نارا جنى # وفي ذلك البستان الأترج لونه كلون التبر، وقد حط من أعلى مكان، وتدلى في الأغصان كمال فيه كأنه سبائك العقبين، وقد قال فيه الشاعر الولهان: # أما ترى أيكة الأترج مثمرة %~% يخشى عليها إذا مالت من العطب ~~كأنها عندما مر النسيم بها %~% غصن تحمل قضبانا من الذهب # وفي ذلك البستان الكباد منسدل في أغصانه كنهود أبكار تشبه الغزلان، وهو على غاية المراد، كما قال فيه الشاعر وأجاد: # وكبادة بين الرياض نظرتها %~% على غصن رطب كقامة أغيد ~~إذا سبلتها الريح مالت كأكرة %~% بدت ذهبا في صولجان زبرجد # وفي ذلك البستان الليمون ذاكي الرائحة يشبه بيض الدجاج، ولكن صفرته زينة مجانية، وريحه يزهو لجانيه، كما قال فيه بعض واصفيه: # أما ترى الليمون لما بدا %~% يأخذ إشراقه بالعيان ~~كأنه بيض دجاج وقد %~% لطخه المخمس بالزعفران # وفي ذلك البستان من سائر الفواكه والرياحين، والخضراوات والمشمومات من الياسمين والفاغية والفلفل والسنبل العنبري والورد بسائر أنواعه، ولسان الحمل والآس وكامل الرياحين من جميع الأجناس، وذلك البستان من غير تشبيه كأنه قطعة من الجنان لرائيه، إذا دخله العليل خرج منه كالأسد الغضبان، ولا يقدر على وصفه اللسان، لما فيه من العجائب والغرائب التي لا توجد إلا في الجنان، كيف لا واسم بوابه رضوان، لكن بين المقامين شتان. فلما تفرج أولاد التجار في ذلك البستان، جلسوا بعد التفرج والتنزه على ليوان من لواوينه، وأجلسوا نور الدين في وسط الإيوان. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت ms1932 الليلة 866 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أولاد التجار لما جلسوا في الليوان، أجلسوا نور الدين في وسط الإيوان، على نطع من الأديم المزركش، متكئا على مخدة محشوة بريش النعام، وظهارتها مدورة سنجابية، ثم ناولوه مروحة من ريش النعام، مكتوبا عليها هذان البيتان: # ومروحة معطرة النسيم %~% تذكر طيب أوقات النعيم ~~وتهدي طيبها في كل وقت %~% إلى وجه الفتى الحر الكريم # ثم إن هؤلاء الشبان خلعوا ما كان عليهم من العمائم والثياب، وجلسوا يتحدثون ويتنادمون ويتجاذبون أطراف الكلام بينهم، وكل منهم يتأمل في نور الدين وينظر إلى حسن صورته، وبعد أن اطمأن بهم الجلوس ساعة من الزمان، أقبل عليهم عبد وعلى رأسه سفرة طعام، فيها أوان من الصيني والبلور؛ لأن بعض أولاد التجار كان وصى أهل بيته بها قبل خروجه إلى البستان. وكانت تلك السفرة مما درج وطار، وسبح في البحار، كالقطا والسمان وأفراخ الحمام، وشياه الضأن وألطف السمك، فلما وضعت تلك السفرة بينهم تقدموا وأكلوا بحسب الكفاية، ولما فرغوا من الأكل قاموا عن الطعام وغسلوا أيديهم بالماء الصافي والصابون الممسك، وبعد ذلك نشفوا أيديهم بالمناديل المنسوجة بالحرير والقصب، وقدموا لنور الدين منديلا مطرزا بالذهب الأحمر، فمسح به يديه، وجاءت القهوة فشرب كل منهم مطلوبه، ثم جلسوا للحديث، وإذا بخولي البستان ذهب وجاء بسل مملوءة بالورد، وقال: ما تقولون يا سادتنا في المشموم؟ فقال بعض أولاد التجار: لا بأس به، خصوصا الورد فإنه لا يرد. فقال البستاني: نعم، لكن عادتنا إننا لا نعطي الورد إلا بالمنادمة، فمن أراد أخذه فليأت بشيء من الشعر يناسب المقام. وكان أولاد التجار عشرة أشخاص، فقال واحد منهم: نعم، أعطني وأنا أنشدك شيئا من الشعر يناسب المقام. فناوله حزمة من الورد، فأخذها وأنشد هذه الأبيات: # للورد عندي محل %~% لأنه لا يمل ~~كل الرياحين جند %~% وهو الأمير الأجل ~~إن غاب عزوا وتاهوا %~% حتى إذا جاء ذلوا # ثم ناول الثاني حزمة ورد، فأخذها وأنشد هذين البيتين: # دونك يا سيدي وردة %~% يذكرك المسك أنفاسها ~~كغادة أبصرها عاشق %~% غطت ms1933 بأكمامها رأسها # ثم ناول الثالث حزمة ورد، فأخذها وأنشد هذين البيتين: # ورد نفيس تسر القلب رؤيته %~% تحكي روائحه ما طاب من ند ~~قد ضمه الغصن في أوراقه طربا %~% كقبلة بفم من غير ما صد # ثم ناول الرابع حزمة ورد، فأخذها وأنشد هذين البيتين: # أما ترى دوحة الورد التي ظهرت %~% لها بدائع قد ركبن في قضب ~~كأنهن يواقيت يطوف بها %~% زبرجد قد حوى شيئا من الذهب # ثم ناول الخامس حزمة ورد، فأخذها وأنشد هذين البيتين: # قضب الزبرجد قد حملن وإنما %~% أثمارهن سبائك العقيان ~~وكأن وقع القطر من أوراقه %~% دمع بكته فواتر الأجفان # ثم ناول السادس حزمة ورد، فأخذها وأنشد هذين البيتين: # يا وردة لبديع الحسن قد جمعت %~% وأودع الله فيها لطف أسرار ~~كأنها خد محبوب ونقطه %~% لدى التواصل مشتاق بدينار # ثم ناول السابع حزمة ورد، فأخذها وأنشد هذين البيتين: # قلت للورد ما لشوكك يؤذي %~% كل من مسه سريع الجراح ~~قال لي: معشر الرياحين جندي %~% أنا سلطانها وشوكي سلاحي # ثم ناول الثامن حزمة ورد، فأخذها وأنشد هذين البيتين: # رعى الله وردا غدا أصفرا %~% بهيا نضيرا يحاكي النضارا ~~وحسن غصون به أثمرت %~% حملن منه شموسا صغارا # ثم ناول التاسع حزمة ورد، فأخذها وأنشد هذين البيتين: # شجرات ورد أصفر جذبت %~% في قلب كل متيم طربا ~~عجبا لها من دوحة سقيت %~% ماء اللجين فأثمرت ذهبا # ثم ناول العاشر حزمة ورد، فأخذها وأنشد هذين البيتين: # ألم تر أن جند الورد يزهو %~% بصفر من مطالعه وحمر ~~وقد شبهته والشوك فيه %~% نصال زمرد في ترس تبر # فلما استقر الورد في أيديهم أحضر البستاني سفرة المدام، فوضع بينهم صينية مزركشة بالذهب الأحمر، وأنشد يقول هذين البيتين: # هتف الفجر بالسنا فاسق خمرا %~% عانسا تجعل الحليم سفيها ~~لست أدري من لطفها وصفاها %~% أبكأس ترى أم الكأس فيها # ثم إن خولي البستان ملأ وشرب، ودار الدور إلى أن وصل إلى نور الدين ابن التاجر تاج الدين، فملأ خولي البستان كأسا وناوله إياه، فقال نور الدين: أنت تعرف أن هذا شيء لا أعرفه ms1934 ولا شربته قط؛ لأن فيه إثما كبيرا، وقد حرمه في كتابه الرب القدير. فقال خولي البستان: يا سيدي نور الدين، إن كنت ما تركت شربه إلا من أجل الإثم، فإن الله سبحانه وتعالى كريم حليم غفور رحيم، يغفر الذنب العظيم، ورحمته وسعت كل شيء، ورحمة الله على بعض الشعراء حيث قال: # كن كيف شئت فإن الله ذو كرم %~% وما عليك إذا أذنبت من باس ~~إلا اثنتين فلا تقربهما أبدا %~% الشرك بالله والإضرار بالناس # ثم قال واحد من أولاد التجار: بحياتي عليك يا سيدي نور الدين أن تشرب هذا القدح. وتقدم شاب آخر وحلف عليه بالطلاق، وآخر وقف بين يديه على أقدامه، فاستحى نور الدين وأخذ القدح من خولي البستان وشرب منه جرعة، ثم بصقها، وقال: هذا مر. فقال له الشاب خولي البستان: يا سيدي نور الدين، لولا أنه مر ما كانت فيه هذه المنافع، ألم تعلم أن كل حلو إذا أكل على سبيل التداوي يجده الآكل مرا؟ وأن هذه الخمرة منافعها كثيرة؟ فمن جملة منافعها أنها تهضم الطعام، وتصرف الهم والغم، وتزيل الأرياح وتروق الدم، وتصفي اللون وتنعش البدن، وتشجع الجبان وتقوي همة الرجل على الجماع، ولو كنا ذكرنا منافعها كلها لطال علينا شرح ذلك، وقد قال بعض الشعراء: # شربنا وعفو الله من كل جانب %~% وداويت أسقامي برشفي للكاس ~~وما غرني فيها وأعرف إثمها %~% سوى قوله: فيها منافع للناس # ثم إن خولي البستان نهض قائما على أقدامه من وقته وساعته، وفتح مخدعا من مخادع ذلك الإيوان، وأخرج منه قمع سكر مكرر وكسر منه قطعة كبيرة ووضعها لنور الدين في القدح، وقال له: يا سيدي، إن كنت هبت شرب الخمر من مرارته، فاشرب الآن فقد حلا. فعند ذلك أخذ نور الدين القدح وشربه، ثم ملأ الكأس واحد من أولاد التجار وقال: يا سيدي نور الدين، أنا عبدك. وكذا الآخر قال: أنا خدامك. وقام الآخر وقال: من أجل خاطري. وقام الآخر وقال: بالله عليك يا سيدي نور الدين اجبر بخاطري. ولم يزل ms1935 العشرة أولاد التجار بنور الدين إلى أن أسقوه العشرة أقداح، كل واحد قدحا. وكان نور الدين باطنه بكر، عمره ما شرب خمرا قط إلا في تلك الساعة، فدار الخمر في دماغه، وقوي عليه السكر فوقف على حيله، وقد ثقل لسانه واستعجم كلامه، وقال: يا جماعة، والله أنتم ملاح، وكلامكم مليح، ومكانكم مليح، إلا أنه يحتاج إلى سماع طيب، فإن الشراب بلا سماع عدمه أولى من وجوده، كما قال فيه الشاعر هذين البيتين: # أدرها بالكبير وبالصغير %~% وخذها من يد القمر المنير ~~ولا تشرب بلا طرب فإني %~% رأيت الخيل تشرب بالصفير # فعند ذلك نهض الشاب صاحب البستان وركب بغلة من بغال أولاد التجار وغاب، ثم عاد ومعه صبية مصرية كأنها لية طرية، أو فضة نقية، أو دينار في صينية، أو غزال في برية، بوجه يخجل الشمس المضيئة، وعيون بلبلية وحواجب كأنها قسي محنية، وخدود وردية وأسنان لؤلئية، ومراشف سكرية وعيون مرخية، ونهود عاجية وبطن خماصية، وأعكان مطوية وأرداف كأنهن مخدات محشية، وفخذين كالجداول الشامية، وبينهما شيء كأنه صرة في بقجة مطوية، كما قيل فيها هذه الأبيات: # ولو أنها للمشركين تعرضت %~% رأوا وجهها من دون أصنامهم ربا ~~ولو أنها في الشرق لاحت لراهب %~% لخلى سبيل الشرق واتبع الغربا ~~ولو تفلت في البحر والبحر مالح %~% لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا # وقال آخر هذه الأبيات: # أبهى من البدر كحلاء العيون بدت %~% كظبية قنصت أشبال آساد ~~أرخت عليها الليالي من ذوائبها %~% بيتا من الشعر لم يشدد بأوتاد ~~من ورد وجنتها النيران ما اتقدت %~% إلا بأفئدة ذابت وأكباد ~~فلو رآها حسان العصر قمن لها %~% على الرءوس وقلن: الفضل للبادي # وما أحسن قول بعض الشعراء: # ثلاثة منعتها عن زيارتنا %~% خوف الرقيب وخوف الحاسد الحنق ~~ضوء الجبين ووسواس الحلي وما %~% حوت معاطفها من عنبر عبق ~~هب الجبين بفضل الكم تستره %~% والحلي تنزعه ما حيلة العرق # وتلك الصبية كأنها البدر إذا بدر في ليلة أربعة عشر، وعليها بدلة زرقاء بقناع أخضر فوق جبين أزهر، تدهش العقول وتحير أرباب المعقول. ms1936 وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 867 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خولي البستان لما جاء لهم بالصبية التي ذكرنا أنها في غاية من الحسن والجمال، ورشاقة القد والاعتدال، كأنها المرادة بقول الشاعر: # أقبلت في غلالة زرقاء %~% لازوردية كلون السماء ~~فتحققت في الغلالة منها %~% قمر الصيف في ليالي الشتاء # وما أحسن قول الآخر وأجوده: # جاءت مبرقعة فقلت لها اسفري %~% عن وجهك القمر المنير الأزهري ~~قالت أخاف العار قلت لها اقصري %~% بحوادث الأيام لا تتحيري ~~رفعت نقاب الحسن عن وجناتها %~% فتساقط البلور فوق الجوهر ~~ولقد هممت بقتلها من حبها %~% كيما تكون خصيمتي في المحشر ~~ونكون أول عاشقين تخاصما %~% يوم القيامة عند رب أكبر ~~وأقول طول في الحساب وقوفنا %~% حتى يطول إلى الحبيبة منظري # ثم إن الشاب خولي البستان قال لتلك الصبية: اعلمي يا سيدة الملاح وكل كوكب لاح، أننا ما قصدنا بحضورك في هذا المكان إلا أن تنادمي هذا الشاب المليح الشمائل، سيدي نور الدين، فإنه لم يأت محلنا إلا في هذا اليوم. فقالت له الصبية: ليتك كنت أخبرتني لأجل أن أجيء بالذي كان معي. فقال لها: يا سيدتي، أنا أروح وأجيء به إليك. فقالت الصبية: افعل ما بدا لك. فقال لها: أعطيني أمارة. فأعطته منديلا، فعند ذلك خرج سريعا وغاب ساعة زمانية، ثم عاد ومعه كيس أخضر من حرير أطلس بشكلين من الذهب، فأخذته الصبية منه وحلته ونفضته، فنزل من اثنتان وثلاثون قطعة خشب، ثم ركبت الخشب في بعضه على صورة ذكر في أنثى، وأنثى في ذكر، وكشفت عن معاصمها وأقامته، فصار عودا محكوكا مجرودا صنعة الهنود، ثم انحنت عليه تلك الصبية انحناء الوالدة على ولدها وزغزغته بأنامل يدها، فعند ذلك أن العود ورن، ولأماكنه القديمة قد حن، وقد تذكر المياه التي قد سقته، والأرض التي نبت منها وتربى فيها، وتذكر النجارين الذين قطعوه، والدهانين الذين دهنوه، والتجار الذين جلبوه، والمراكب التي حملته، فصرخ وصاح وعدد وناح، وكأنها سألته عن ذلك كله فأجابها بلسان الحال ms1937 منشدا هذه الأبيات: # لقد كنت عودا للبلابل منزلا %~% أميل بها وجدا وفرعي أخضر ~~ينوحون من فوقي تعلمت نوحهم %~% ومن أجل ذاك النوح سري مجهر ~~رماني بلا ذنب على الأرض قاطعي %~% وصيرني عودا نحيلا كما تروا ~~وقد ضر بي بالأنامل مخبر %~% بأني قتيل في الأنام مصبر ~~فمن أجل هذا صار كل منادم %~% إذا ما رأى نوحي يهيم ويسكر ~~وقد حنن المولى علي قلوبهم %~% وقد صرت في أعلى الصدور أصدر ~~تعانق قدي كل من فاق حسنها %~% وكل غزال ناعس الطرف أحور ~~فلا فرق الله المهيمن بيننا %~% ولا عاش محبوب يصد ويهجر # ثم سكتت الصبية ساعة، وبعد ذلك أخذت ذلك العود في حجرها وانحنت عليه انحناء الوالدة على ولدها، وضربت عليه طرقا عديدة، ثم عادت إلى طريقتها الأولى، وأنشدت هذه الأبيات: # لو أنهم جنحوا للصب أو زاروا %~% لحط عنه من الأشواق أوزار ~~وعندليب على غصن يشاجره %~% كأنه عاشق شطت به الدار ~~قم وانتبه فليالي الوصل مقمرة %~% كأنها باجتماع الشمل أسحار ~~واليوم في غفلة عنا حواسدنا %~% وقد دعتنا إلى اللذات أوتار ~~أما ترى أربعا في اللحظ قد جمعت %~% آس وورد ومنثور وأنوار ~~واليوم قد جمعت للحظ أربعة %~% صب وخل ومشروب ودينار ~~فاظفر بحظك في الدنيا فلذتها %~% تفنى وتبقى روايات وأخبار # فلما سمع نور الدين من الصبية هذه الأبيات، نظر إليها بعين المحبة حتى كاد لا يملك نفسه من شدة الميل إليها، وهي الأخرى كذلك؛ لأنها نظرت إلى الجماعة الحاضرين من أولاد التجار كلهم وإلى نور الدين، فرأته بينهم كالقمر بين النجوم؛ لأنه كان رخيم اللفظ والدلال، كامل القد والاعتدال، والبهاء والجمال، ألطف من النسيم وأرق من التسنيم، كما قيل فيه هذه الأبيات: # قسما بوجنته وباسم ثغره %~% وبأسهم قد رانها من سحره ~~وبلين معطفه ونبل لحاظه %~% وبياض غرته وأسود شعره ~~وبحاجب حجب الكرى عن ناظري %~% وسطا علي بنهيه وبأمره ~~وعقارب قد أرسلت من صدغه %~% وسعت لقتل العاشقين بهجره ~~وبورد خديه وآس عذاره %~% وعقيق مبسمه ولؤلؤ ثغره ~~وبغصن قامته الذي هو مثمر %~% رمانه يزهو جناه بصدره ms1938 ~~وبردفه المريخ في حركاته %~% وسكونه وبدقة في خصره ~~وحرير ملبسه وخفة ذاته %~% وبما حواه من الجمال بأسره ~~إن الشذا قد فاح من أنفاسه %~% والريح يروي طيبها عن نشره ~~وكذلك الشمس المنيرة دونه %~% وكذا الهلال قلامة من ظفره # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 868 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن نور الدين لما سمع كلام تلك الصبية وشعرها، أعجبه نظامها، وكان قد مال من السكر، فجعل يمدحها ويقول: # عوادة مالت بنا %~% في نشوة المتنبذ ~~قالت لنا أوتارها %~% أنطقنا الله الذي # فلما تكلم نور الدين بهذا الكلام، وأنشد هذا الشعر والنظام، نظرت له تلك الصبية بعين المحبة، وزادت فيه عشقا وغراما، وقد صاحت متعجبة من حسنه وجماله، ورشاقة قده واعتداله، فلم تملك نفسها بل احتضنت العود ثانيا، وأنشدت هذه الأبيات: # يعاتبني على نظري إليه %~% ويهجرني وروحي في يديه ~~ويبعدني ويعلم ما بقلبي %~% كأن الله قد أوحى إليه ~~كتبت مثاله في وسط كفي %~% وقلت لناظري عول عليه ~~فلا عيني ترى منه بديلا %~% ولا قلبي يصبرني لديه ~~فيا قلبي نزعتك من فؤادي %~% لأنك في العداوة من بنيه ~~إذا ما قلت يا قلبي تسلى %~% يجاوبني فيا لك من كريه # فلما أنشدت الصبية تلك الأبيات، تعجب نور الدين من حسن شعرها وبلاغة كلامها، وعذوبة لفظها وفصاحة لسانها، فطار عقله من شدة الغرام، والوجد والهيام، ولم يقدر أن يصبر عنها ساعة من الزمان، بل مال إليها وضمها إلى صدره، فانطبقت الأخرى عليه وصارت بكليتها لديه، وقبلته بين عينيه، وقبل هو فاهها بعد ضم القوام، ولعب معها في التقبيل زق الحمام، فالتفتت له وفعلت معه مثل ما فعل معها، فهام الحاضرون وقاموا على أقدامهم، فاستحى نور الدين ورفع يده عنها. ثم إنها أخذت عودها وضربت عليه طرائق عديدة، ثم عادت إلى الطريقة الأولى وأنشدت هذه الأبيات: # قمر يسل من الجفون إذا انثنى %~% غضبا ويهزأ بالغزال إذا رنا ~~ملك محاسنه البديعة جنده %~% ولدى الطعان قوامه يحكي القنا ~~لو أن رقة خصره في قلبه %~% ما ms1939 جار قط على المحب ولا جنى ~~يا قلبه القاسي ورقة خصره %~% هلا انتقلت إلى هنا من ها هنا ~~يا عاذلي في حبه كن عاذري %~% فلك البقاء بحسنه ولي الفنا # فلما سمع نور الدين حسن كلامها وبديع نظامها، مال إليها من الطرب، ولم يملك عقله من شدة العجب، ثم إنه أنشد هذه الأبيات: # لقد خلتها شمس الضحى فتخيلت %~% ولكن لهيب الحر منها بمهجتي ~~وماذا عليها لو أشارت فسلمت %~% علينا بأطراف البنان وأومت ~~رأى وجهها اللاحي فقال وتاه في %~% محاسنها اللاتي عن الحسن أجلت ~~أهذي التي قد همت شوقا بحبها %~% فإنك معذور فقلت هي التي ~~رمتني بسهم اللحظ عمدا وما رثت %~% لحالي وذلي وانكساري وغربتي ~~فأصبحت مسلوب الفؤاد متيما %~% أنوح وأبكي طول يومي وليلتي # فلما فرغ نور الدين من شعره، تعجبت الصبية من فصاحته ولطافته، وأخذت عودها وضربت عليه بأحسن حركاتها، وأعادت جميع النغمات، ثم أنشدت هذه الأبيات: # وحياة وجهك يا حياة الأنفس %~% لا حلت عنك يئست أم لم أيأس ~~فلئن جفوت فإن طيفك واصل %~% أو غبت عن عيني فذكرك مؤنسي ~~يا موحشا طرفي وتعلم أنني %~% أبدا بغير هواك لم أستأنس ~~خداك من ورد وريقك قهوة %~% هلا سمحت بها بهذا المجلس # فعند ذلك طرب نور الدين من إنشاد تلك الصبية غاية الطرب، وتعجب منها غاية العجب، ثم أجابها عن شعرها بهذه الأبيات: # ما أسفرت عن محيا الشمس في الغسق %~% إلا لتحجب بدر التم في الأفق ~~ولا بدت لعيون الصبح طرتها %~% إلا وعوذت ذاك الفرق بالفلق ~~خذ عن مجاري دموعي في تسلسلها %~% وارو حديث الهوى من أقرب الطرق ~~ورب رامية بالنبل قلت لها %~% مهلا بنبلك إن القلب في فرق ~~إن كان دمعي لبحر النيل نسبته %~% فإن ودك منسوب إلى الملق ~~قالت: فهات جميع المال قلت: خذي %~% قالت: ونومك أيضا قلت: من حدقي # فلما سمعت الصبية كلام نور الدين وحسن فصاحته، طار قلبها واندهش لبها، وقد احتوى على مجامع قلبها، فضمته إلى صدرها وصارت تقبله تقبيلا كزق الحمام، وكذلك الآخر قابلها بتقبيل متلاحق، ولكن ms1940 الفضل للسابق. وبعد أن فرغت من التقبيل، أخذت العود وأنشدت هذه الأبيات: # ويلاه ويلي من ملامة عاذلي %~% أشكوه أم أشكو إليه تململي ~~يا هاجري ما كنت أحسب أنني %~% ألقى الإهانة في هواك وأنت لي ~~عنفت أرباب الصبابة بالجوى %~% وأبحت فيك لعاذليك تذللي ~~بالأمس كنت ألوم أرباب الهوى %~% واليوم أعذر كل صب مبتل ~~وإن اعترتني من فراقك شدة %~% أصبحت أدعو الله باسمك يا علي # فلما فرغت تلك الصبية من شعرها، أنشدت أيضا هذين البيتين: # قد قالت العشاق إن لم يسقنا %~% من ريقه ورحيق فيه السلسل ~~ندع إله العالمين يجيبنا %~% ويقول فيه الكل منا يا علي # فلما سمع نور الدين من تلك الصبية هذا الكلام، والشعر والنظام، تعجب من فصاحة لسانها، وشكرها على ظرافة افتنانها. فلما سمعت الصبية ثناء نور الدين عليها قامت من وقتها وساعتها على قدميها، وخلعت جميع ما كان عليها من ثياب ومصاغ، وتجردت من ذلك كله، ثم جلست على ركبتيها وقبلته بين عينيه، وعلى شامتي خديه، ووهبت له جميع ذلك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 869 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصبية وهبت كل ما كان عليها لنور الدين، وقالت له: اعلم يا حبيب قلبي أن الهدية على مقدار هاديها. فقبل ذلك منها نور الدين، ثم رده عليها وقبلها في فمها وخديها وعينيها، فلما انقضى ذلك ولم يدم إلا الحي القيوم، رازق الطاووس والبوم، قام نور الدين من ذلك المجلس ووقف على قدميه، فقالت له الصبية: إلى أين يا سيدي؟ فقال لها: إلى بيت والدي. فحلف عليه أولاد التجار أنه ينام عندهم، فأبى وركب بغلته، ولم يزل سائرا حتى وصل إلى بيت والده، فقامت له أمه وقالت له: يا ولدي، ما سبب غيابك إلى هذا الوقت؟ والله إنك قد شوشت علي وعلى والدك بغيابك عنا، وقد اشتغل خاطرنا عليك. ثم إن أمه تقدمت إليه لتقبله في فمه، فشمت منه رائحة الخمر. فقالت: يا ولدي، كيف بعد الصلاة والعبادة صرت تشرب الخمر، وتعصي ms1941 من له الخلق والأمر؟ فبينما هما في الكلام وإذا بوالده قد أقبل، ثم إن نور الدين ارتمى في الفراش ونام، فقال أبوه: ما لنور الدين هكذا؟ قالت له أمه: كأن رأسه أوجعه من هواء البستان. فعند ذلك تقدم له والده ليسأله عن وجعه ويسلم عليه، فشم منه رائحة الخمر، وكان ذلك التاجر المسمى تاج الدين لا يحب من يشرب الخمر، فقال له: ويلك يا ولدي، هل بلغ بك السفه إلى هذا الحد حتى تشرب الخمر؟ فلما سمع نور الدين كلام والده رفع يده في سكره ولطمه بها، فجاءت اللطمة بالأمر المقدر على عين والده اليمنى، فسالت على خده فوقع على الأرض مغشيا عليه، واستمر في غشيته ساعة فرشوا عليه ماء الورد، فلما أفاق من غشيته أراد أن يضربه فمنعته أمه، فحلف بالطلاق من أمه أنه إذا أصبح الصباح لا بد من قطع يده اليمنى. فلما سمعت أمه كلام والده ضاق صدرها وخافت على ولدها، ولم تزل تداري والده وتأخذ بخاطره إلى أن غلب عليه النوم، فصبرت إلى أن طلع القمر وأتت إلى ولدها وقد زال عنه السكر، فقالت له: يا نور الدين، ما هذا الفعل القبيح الذي فعلته مع والدك؟ فقال لها: وما الذي فعلته مع والدي؟ فقالت: إنك لطمته بيدك على عينه اليمنى، فسالت على خده، وقد حلف بالطلاق إنه إذا أصبح الصباح، فلا بد أن يقطع يدك اليمنى. فندم نور الدين على ما وقع منه حيث لا ينفعه الندم، فقالت له أمه: يا ولدي، إن هذا الندم لا ينفعك، وإنما ينبغي لك أن تقوم في هذا الوقت وتهرب وتطلب النجاة لنفسك، وتختفي عند خروجك حتى تصل إلى أحد من أصحابك، وانتظر ما يفعل الله، فإنه يغير حالا بعد حال. # ثم إن أمه فتحت صندوق المال وأخرجت منه كيسا فيه مائة دينار، وقالت له: يا ولدي، خذ هذه الدنانير واستعن بها على مصالح حالك، فإذا فرغت منك يا ولدي فأرسل أعلمني حتى أرسل إليك غيرها، وإذا راسلتني فأرسل إلي ms1942 أخبارك سرا، ولعل الله أن يقدر لك فرجا وتعود إلى منزلك. ثم إنها ودعته وبكت بكاء شديدا ما عليه من مزيد، فعند ذلك أخذ نور الدين كيس الدنانير من أمه، وأراد أن يخرج، فرأى كيسا كبيرا قد نسيته أمه بجنب الصندوق فيه ألف دينار، فأخذه نور الدين، ثم ربط الاثنين على وسطه وخرج من الزقاق، وتوجه إلى جهة بولاق قبل الفجر. # فلما أصبح الصباح، وقامت الخلائق توحد الملك الفتاح، وخرج كل واحد منهم إلى مقصده ليحصل ما قسم الله له، كان نور الدين وصل إلى بولاق، فصار يمشي على ساحل البحر، فرأى مركبا سقالتها ممدودة، والناس تطلع فيها وتنزل منها، ومراسيها ربع مدقوقة في البر، ورأى البحرية واقفين، فقال لهم نور الدين: إلى أين أنتم مسافرون؟ فقالوا له: إلى مدينة إسكندرية. فقال لهم نور الدين: خذوني معكم. فقالوا له: أهلا وسهلا ومرحبا بك يا شاب يا مليح. فعند ذلك نهض نور الدين من وقته وساعته، ومضى إلى السوق واشترى ما يحتاج إليه من زوادة وفرش وغطاء، ثم رجع إلى المركب، وكانت تلك المركب تجهزت للسفر، فلما نزل نور الدين في المركب لم تمكث إلا قليلا وسارت من وقتها وساعتها، ولم تزل تلك المركب سائرة حتى وصلت إلى مدينة رشيد، فلما وصلوا إلى هناك رأى نور الدين زورقا صغيرا سائرا إلى إسكندرية، فنزل فيه وعدى الخليج، ولم يزل سائرا إلى أن وصل إلى قنطرة تسمى قنطرة الجامي، فطلع نور الدين من ذلك الزورق ودخل من باب يقال له باب السدرة، وقد ستر الله عليه فلم ينظره أحد من الواقفين في الباب، فمشى نور الدين حتى دخل مدينة إسكندرية. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 870 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن نور الدين لما دخل مدينة إسكندرية، رآها مدينة حصينة الأسوار حسنة المنتزهات، تلذ لسكانها وترغب في إيطانها، قد ولى عنها فصل الشتاء ببرده، وأقبل عليه فصل الربيع بورده، وازدهت أزهارها وأورقت أشجارها، وأينعت أثمارها وتدفقت أنهارها، ms1943 وهي مدينة مليحة الهندسة والقياس، وأهلها أجناد من خيار الناس، إذا غلقت أبوابها أمنت أصحابها، وهي كما قيل فيها هذه الأبيات: # قد قلت يوما لخل %~% له مقال فصيح ~~إسكندرية صفها %~% فقال: ثغر مليح ~~قلت: وفيها معاش؟ %~% فقال: إن هب ريح # وقال بعض الشعراء: # إسكندرية ثغر %~% رضابه يستطاب ~~ما أحسن الوصل فيها %~% إن لم يصبها غراب # فمشى نور الدين في تلك المدينة، ولم يزل ماشيا فيها إلى أن وصل إلى سوق النجارين، ثم إلى سوق الصرافين، ثم إلى سوق النقلية، ثم إلى سوق الفكهانية، ثم إلى سوق العطارين، وهو يتعجب من تلك المدينة؛ لأن وصفها قد شاكل اسمها، فبينما هو يمشي في سوق العطارين، وإذا برجل كبير السن نزل من دكانه وسلم عليه، ثم أخذه من يده ومضى به إلى منزله، فرأى نور الدين زقاقا مليحا مكنوسا مرشوشا، قد هب عليه النسيم وراق، وظللته من الأشجار أوراق، وفي ذلك الزقاق ثلاث دور، وفي صدر ذلك الزقاق دار أساسها راسخ في الماء، وجدرانها شاهقة إلى عنان السماء، قد كنسوا الساحة التي قدامها ورشوها، ويشم روائح الأزهار قاصدوها، يقابلها النسيم كأنه من جنات النعيم، فأول ذلك الزقاق مكنوس مرشوش، وآخره بالرخام مفروش، فدخل الشيخ بنور الدين إلى تلك الدار، وقدم له شيئا من المأكول وأكل هو وإياه، فلما فرغا من الأكل قال له الشيخ: متى كان القدوم من مدينة مصر إلى هذه المدينة؟ فقال له: يا والدي، في هذه الليلة. قال له: ما اسمك؟ قال: علي نور الدين. فقال له الشيخ: يا ولدي يا نور الدين، يلزمني الطلاق ثلاثا إنك ما دمت في هذه المدينة لا تفارقني، وأنا أخلي لك موضعا تسكن فيه. فقال له نور الدين: يا سيدي الشيخ، زدني بك معرفة. فقال له: يا ولدي، اعلم أني دخلت مصر في بعض السنين بتجارة، فبعتها فيها واشتريت متجرا آخر، فاحتجت إلى ألف دينار، فوزنها عني والدك تاج الدين من غير معرفة له بي، ولم يكتب علي بها منشورا، وصبر علي بها إلى ms1944 أن رجعت إلى هذه المدينة وأرسلتها إليه مع بعض غلماني ومعها هدية، وقد رأيتك وأنت صغير، وإن شاء الله تعالى أجازيك ببعض ما فعل والدك معي. # فلما سمع نور الدين هذا الكلام أظهر الفرح والابتسام، وأخرج الكيس الذي فيه الألف دينار، وأعطاه لذلك الشيخ وقال له: خذ هذا وديعة عندك حتى أشتري به شيئا من البضائع لأتجر فيه. ثم إن نور الدين أقام في مدينة إسكندرية مدة أيام، وهو يتفرج كل يوم في شارع من شوارعها، ويأكل ويشرب ويلتذ ويطرب، إلى أن فرغت منه المائة دينار التي كانت معه برسم النفقة، فأتى إلى الشيخ العطار ليأخذ منه شيئا من الألف دينار وينفقه، فلم يجده في الدكان، فجلس في دكانه ينتظره إلى أن يعود، وصار يتفرج على التجار ويتأمل ذات اليمين وذات الشمال، فبينما هو كذلك وإذا بأعجمي قد أقبل على السوق وهو راكب على بغلة، وخلفه جارية كأنها فضة نقية، أو بلطية في فسقية، أو غزالة في برية، بوجه يخجل الشمس المضيئة، وعيون بابلية، ونهود عاجية، وأسنان لؤلئية، وبطن خماصية، وأعطاف مطوية، وسيقان كأطراف لية، كاملة الحسن والجمال، ورشيقة القد والاعتدال، كما قال فيها بعض واصفيها: # كأنها مثل ما تهواه قد خلقت %~% في رونق الحسن لا طول ولا قصر ~~الورد من خدها يحمر من خجل %~% والغصن من قدها يزهو به الثمر ~~البدر طلعتها والمسك نكهتها %~% والغصن قامتها ما مثلها بشر ~~كأنها أفرغت من ماء لؤلؤة %~% في كل جارحة من حسنها قمر # ثم إن الأعجمي نزل عن بغلته وأنزل الصبية، وصاح على الدلال، فحضر بين يديه فقال له: خذ هذه الجارية، وناد عليها في السوق. فأخذها الدلال ونزل بها إلى وسط السوق وغاب ساعة، ثم عاد ومعه كرسي من الأبنوس مزركش بالعاج الأبيض، فوضعه الدلال على الأرض وأجلس عليه تلك الصبية، ثم كشف القناع عن وجهها، فبان من تحته وجه كأنه ترس ديلمي أو كوكب دري، وهي كأنها البدر إذا بدر في ليلة أربعة عشر، بغاية الجمال الباهر كما قال الشاعر: ms1945 # قد عارض البدر جهلا حسن صورتها %~% فراح منكسفا وانشق بالغضب ~~وسرحة البان إن قيست بقامتها %~% تبت يدا من غدت حمالة الحطب # وما أحسن قول الشاعر: # قل للمليحة في الخمار المذهب %~% ماذا فعلت بعابد مترهب ~~نور الخمار ونور وجهك تحته %~% هزما بضوئهما جيوش الغيهب ~~وإذا أتى طرفي ليسرق نظرة %~% في الخد حراس رمته بكوكب # فعند ذلك قال الدلال للتجار: كم دفعتم في درة الغواص وفليتة القناص؟ فقال له تاجر من التجار: علي بمائة دينار. وقال آخر: بمائتين. وقال آخر: بثلاثمائة. ولم يزل التجار يتزايدون في تلك الجارية إلى أن أوصلوا ثمنها إلى تسعمائة وخمسين دينارا، وتوقف البيع على الإيجاب والقبول. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 871 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التجار صاروا يتزايدون في الجارية إلى أن بلغ ثمنها تسعمائة وخمسين دينارا، فعند ذلك أقبل الدلال على الأعجمي سيدها، وقال له: إن جاريتك بلغ ثمنها تسعمائة وخمسين دينارا، فهل نبيع ونقبض لك الثمن؟ فقال الأعجمي: هل هي راضية بذلك؟ فإني أحب مراعاة خاطرها؛ لأني ضعفت في هذه السفرة، وخدمتني هذه الجارية غاية الخدمة، فحلفت أني لا أبيعها إلا لمن تشتهي وتريد، وجعلت بيعها بيدها فشاورها، فإن قالت رضيت، فبعها لمن أرادته، وإن قالت لا، فلا تبعها. فعند ذلك تقدم الدلال إليها وقال لها: يا سيدة الملاح، اعلمي أن سيدك قد جعل بيعك بيدك، وقد بلغ ثمنك تسعمائة وخمسين دينارا، أفتأذنين أن أبيعك؟ فقالت الجارية للدلال: أرني الذي يريد أن يشتريني قبل انعقاد البيع. فعند ذلك جاء الدلال بها إلى رجل من التجار، وهو شيخ كبير هرم، فنظرت إليه الجارية ساعة زمانية، وبعد ذلك التفتت إلى الدلال وقالت له: يا دلال، هل أنت مجنون أو مصاب في عقلك؟ فقال لها الدلال: لأي شيء يا سيدة الملاح تقولين لي هذا الكلام؟ فقالت له الجارية: أيحل لك من الله أن تبيع مثلي لهذا الشيخ الهرم الذي قال في شأن زوجته هذه الأبيات: # تقول لي وهي غضبى من ms1946 تدللها %~% وقد دعتني إلى شيء فما كانا ~~إن لم تنكني نيك المرء زوجته %~% فلا تلمني إذا أصبحت قرنانا ~~كأن أيرك شمع من رخاوته %~% فكلما عركته راحتي لانا # وقال في أيره أيضا: # لي أير ينام لؤما وشؤما %~% كلما نلت من حبيب وصالا ~~وإذا ما غدوت في البيت فردا %~% طلب الطعن وحده والنزالا # وقال في أيره أيضا: # ولي أير سوء كثير الجفا %~% يعامل باللؤم من يكرمه ~~إذا نمت قام وإن قمت نام %~% فلا رحم الله من يرحمه # فلما سمع شيخ التجار من تلك الصبية هذا الهجو القبيح، اغتاظ غيظا شديدا ما عليه من مزيد، وقال للدلال: يا أنحس الدلالين، ما جئت لنا في السوق إلا بجارية مشئومة تتجارى علي وتهجوني بين التجار. فعند ذلك أخذها الدلال وانصرف عنه وقال لها: يا سيدتي، لا تكوني قليلة الأدب، إن هذا الشيخ الذي هجوته هو شيخ السوق ومحتسبه، وصاحب مشورة التجار. فضحكت وأنشدت هذين البيتين: # يصلح للحكام في عصرنا %~% وذاك للحكام مما يجب ~~الشنق للوالي على بابه %~% والضرب بالدرة للمحتسب # ثم إن تلك الجارية قالت للدلال: والله يا سيدي، أنا لا أباع لهذا الشيخ، فبعني إلى غيره؛ لأنه ربما خجل مني فيبيعني إلى آخر، فأصير ممتهنة، ولا ينبغي لي أن أدنس نفسي بالامتهان، وقد علمت أن أمر بيعي مفوض إلي. فقال لها الدلال: سمعا وطاعة. ثم توجه بها إلى رجل من التجار الكبار، فلما وصل بها إلى ذلك الرجل قال لها: يا سيدتي، هل أبيعك إلى سيدي شريف الدين هذا بتسعمائة وخمسين دينارا؟ فنظرت إليه الجارية فرأته شيخا، ولكن لحيته مصبوغة، فقالت للدلال: هل أنت مجنون أو مصاب في عقلك حتى تبيعني إلى هذا الشيخ الفاني؟ فهل أنا من كتكت المشاق أو من مهلهل الأخلاق حتى تطوف بي على شيخ بعد شيخ؟ وكلاهما كجدار آيل إلى السقوط، أو عفريت محقه النجم بالهبوط؛ أما الأول فإنه ناطق فيه لسان الحال بقول من قال: # طلبت قبلتها في الثغر قائلة %~% لا والذي أوجد الأشياء من عدم ~~ما كان ms1947 لي في بياض الشيب من أرب %~% أفي الحياة يكون القطن حشو فمي # وما أحسن قول الشاعر: # قالوا بياض الشعر نور ساطع %~% يكسو الوجوه مهابة وضياء ~~حتى بدا وخط المشيب بمفرقي %~% فوددت أن لا أعدم الظلماء ~~لو أن لحية من يشيب صحيفة %~% بمعاده ما اختارها بيضاء # وأحسن منه قول الآخر: # ضيف ألم برأسي غير محتشم %~% السيف أحسن فعلا منه باللمم ~~أبعد بعدت بياضا لا بياض له %~% لأنت أسود في عيني من الظلم # وأما الآخر فإنه ذو عيب وريب، ومسود وجه الشيب، قد أتى في خضاب شيبه بأقبح مين، وأنشد لسان حاله هذين البيتين: # قالت أراك خضبت الشيب قلت لها %~% كتمته عنك يا سمعي ويا بصري ~~فقهقهت ثم قالت إن ذا عجب %~% تكاثر الغش حتى صار في الشعر # وما أحسن قول الشاعر: # يا من يخضب بالسواد مشيبه %~% كي يستقر له الشباب ويحصل ~~ها فاختضب بسواد حظي مرة %~% ولك الضمان بأنه لا ينصل # فلما سمع الشيخ الذي صبغ لحيته من تلك الجارية هذا الكلام، اغتاظ غيظا شديدا ما عليه من مزيد، وقال للدلال: يا أنحس الدلالين، ما جئت في هذا اليوم سوقنا إلا بجارية سفيهة تسفه على كل من في السوق واحدا بعد واحد، وتهجوهم بالأشعار والكلام الفشار. ثم إن ذلك التاجر نزل من دكانه وضرب الدلال على وجهه، فأخذها الدلال ورجع بها وهو غضبان وقال: والله إني ما رأيت عمري جارية أقل حياء منك، وقد قطعت رزقي ورزقك في هذا النهار، وقد بغضني من أجلك جميع التجار. فرآهما في الطريق رجل من التجار، فزاد في ثمنها عشرة دنانير، وكان اسم ذلك التاجر شهاب الدين، فاستأذن الدلال الجارية في البيع، فقالت: أرني إياه حتى أنظر إليه، وأسأله عن حاجة، فإن كانت تلك الحاجة في بيته فأنا أباع له، وإلا فلا. فخلاها الدلال واقفة، ثم تقدم إليه وقال له: يا سيدي شهاب الدين، اعلم أن هذه الجارية قالت لي إنها تسألك عن حاجة، فإن كانت عندك فإنها تباع لك، وها أنت قد سمعت ما ms1948 قالته لأصحابك من التجار. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 872 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الدلال قال للتاجر: إنك سمعت ما قالته هذه الجارية لأصحابك التجار، وأنا والله خائف أن أجيء بها إليك، فتعمل معك مثل ما عملت مع جيرانك، وأبقى أنا معك مفضوحا، فإن أذنت لي في المجيء بها أجيء بها إليك. فقال: ائتني بها. فقال الدلال: سمعا وطاعة. ثم ذهب الدلال وأتى بالجارية إليه، فنظرته الجارية وقالت له: يا سيدي شهاب الدين، هل في بيتك مدورات محشوة بقطاعة فرو السنجاب؟ فقال لها: نعم يا سيدة الملاح، عندي في البيت عشرة مدورات محشوة بقطاعة فرو السنجاب، فبالله عليك، ما تصنعين بهذه المدورات؟ فقالت: أصبر عليك حتى ترقد، وأجعلها على فمك وأنفك حتى تموت. ثم إنها التفتت إلى الدلال وقالت له: يا أخس الدلالين، كأنك مجنون حتى تعرضني من منذ ساعة على اثنين من الشيوخ، في كل واحد منهما عيبان، وبعد ذلك تعرضني على سيدي شهاب الدين، وفيه ثلاثة عيوب؛ الأول أنه قصير، والثاني أن أنفه كبير، والثالث أن لحيته طويلة، وقد قال فيه بعض الشعراء: # ما رأينا ولا سمعنا بشخص %~% مثل هذا بين الخلائق أجمع ~~فله لحية ذراع وأنف %~% طول شبر وقامة طول أصبع # وقال بعضهم أيضا: # منارة الجامع في وجهه %~% كرقة الخنصر في الخاتم ~~لو دخل العالم في أنفه %~% أصبحت الدنيا بلا عالم # فلما سمع التاجر شهاب الدين من الجارية ذلك الكلام، نزل من الدكان وأخذ بطوق الدلال وقال له: يا أنحس الدلالين، كيف تأتي إلينا بجارية توبخنا وتهجونا واحدا بعد واحد بالأشعار والكلام الفشار؟ فعند ذلك أخذها الدلال وذهب من بين يديه وقال لها: والله طول عمري وأنا في هذه الصناعة، ما رأيت جارية أقل أدبا منك، ولا أنحس علي من نجمك؛ لأنك قطعت رزقي في هذا اليوم، ولا ربحت منك إلا الصفع على القفا والأخذ بالطوق. ثم إن الدلال وقف بتلك الجارية أيضا على تاجر صاحب عبيد وغلمان، وقال لها: ms1949 أتباعين لهذا التاجر سيدي علاء الدين؟ فنظرته فوجدته أحدب، فقالت: إن هذا أحدب، وقد قال فيه الشاعر: # قصرت مناكبه وطال فقاره %~% فحكاه شيطان يصادف كوكبا ~~وكأنه قد ذاق أول درة %~% وأحس ثانية فصار معجبا # وقال فيه بعض الشعراء أيضا: # لما ارتقى أحدكم بغلة %~% صار بها بين الورى مثلة ~~أماله الضحك فلا تعجبوا %~% إن جفلت من تحته البغلة # وكما قال فيه بعض الشعراء: # ولرب أحدب زاد في حدباته %~% قبحا فقاطبة العيون تمجه ~~فكأنه غصن تقلص يابس %~% ولواه من طول المدى أترجه # فعند ذلك أسرع الدلال إليها وأخذها وأتى بها إلى تاجر آخر وقال لها: أتباعين لهذا؟ فنظرت إليه فوجدته أعمش، فقالت: إن هذا أعمش، كيف تبيعني له، وقد قال فيه بعض الشعراء: # رمد به أمراضه %~% هدت قوى لحيته ~~يا قوم قوموا فانظروا %~% هذا القذى في عينه # فعند ذلك أخذها الدلال وأتى بها إلى تاجر آخر وقال لها: أتباعين لهذا؟ فنظرت إليه فرأت لحيته كبيرة. فقالت للدلال: ويلك، إن هذا الرجل كبش، ولكن طلع ذيله في حلقه، كيف تبيعني له يا أنحس الدلالين؟ أما سمعت أن كل طويل الذقن قليل العقل، وعلى قدر طول اللحية يكون نقصان العقل، وهذا الأمر مشهور بين العقلاء، كما قال بعض الشعراء: # ما رجل طالت له لحية %~% فزادت اللحية في هيبته ~~إلا وما ينقص من عقله %~% يكون طولا زاد في لحيته # وكما قال فيه بعض الشعراء أيضا: # لنا صديق له لحية %~% طولها الله بلا فائدة ~~كأنها بعض ليالي الشتاء %~% طويلة مظلمة باردة # فعند ذلك أخذها الدلال ورجع، فقالت له: أين تتوجه بي؟ فقال لها: إلى سيدك الأعجمي، وكفانا ما جرى لنا بسببك في هذا النهار، وقد تسببت في منع رزقي ورزقه بقلة أدبك. ثم إن الجارية نظرت في السوق والتفتت يمينا وشمالا، وخلفا وأماما، فوقع نظرها بالأمر المقدر على نور الدين علي المصري، فرأته شابا مليحا نقي الخد، رشيق القد، وهو ابن أربع عشرة سنة، بديع الحسن والجمال، والظرف والدلال، كأنه البدر إذا بدا في ليلة أربعة ms1950 عشر، بجبين أزهر، وخد أحمر، وعنق كالمرمر، وأسنان كالجوهر، وريق أحلى من السكر، كما قال فيه بعض واصفيه: # بدت لتحاكي حسنه وجماله %~% بدور وغزلان فقلت لها قفي ~~رويدك يا غزلان لا تتشبهي %~% بهذا ويا أقمار لا تتكلفي # وما أحسن قول بعض الشعراء: # ومهفهف من شعره وجبينه %~% تغدو الورى في ظلمة وضياء ~~لا تنكروا الخال الذي في خده %~% كل الشقيق بنقطة سوداء # فلما نظرت تلك الجارية إلى نور الدين حال بينها وبين عقلها، ووقع في خاطرها موقعا عظيما، وتعلق قلبها بمحبته. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 873 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما رأت عليا نور الدين تعلق قلبها بمحبته، فالتفتت إلى الدلال وقالت له: هل هذا الشاب التاجر الذي هو جالس بين التجار وعليه الفرجية الجوخ العودي، ما زاد في ثمني شيئا؟ فقال لها الدلال: يا سيدة الملاح، إن هذا شاب غريب مصري، ووالده من أكابر التجار بمصر، وله الفضل على جميع تجارها وأكابرها، وله مدة يسيرة في هذه المدينة، وهو مقيم عند رجل من أصحاب أبيه، ولم يتكلم فيك بزيادة ولا نقصان. فلما سمعت الجارية كلام الدلال، نزعت من إصبعها خاتم ياقوت مثمنا، وقالت للدلال: وصلني عند هذا الشاب المليح، فإن اشتراني كان هذا الخاتم لك في نظير تعبك في هذا اليوم معنا. ففرح الدلال وتوجه بها إلى نور الدين، فلما صارت عنده تأملته فرأته كأنه بدر التمام؛ لأنه ظريف الجمال، رشيق القد والاعتدال، كما قال فيه بعض واصفيه: # صفا في وجهه ماء الجمال %~% ومن ألحاظه رمي النبال ~~ويشرق كل صب إن سقاه %~% بمر صدوده من وصل حال ~~فغرته وقامته وعشقي %~% كمال في كمال في كمال ~~وإن غلائل الأثواب منه %~% مزررة على طوق الهلال ~~ومقلته وخالاه ودمعي %~% ليال في ليال في ليال ~~وحاجبه وطلعته وجسمي %~% هلال في هلال في هلال ~~وطافت مقلتاه بكأس خمر %~% على العشاق إن مر حيالي ~~وأرشفني على ظمأ زلالا %~% بباسم ثغره يوم الوصال ~~فقتلي عنده ودمي لديه %~% حلال ms1951 في حلال في حلال # ثم إن الجارية نظرت إلى نور الدين وقالت له: يا سيدي، بالله عليك أما أنا مليحة؟ فقال لها: يا سيدة الملاح، وهل في الدنيا أحسن منك؟! فقالت له الجارية: ولأي شيء رأيت التجار كلهم زادوا في ثمني، وأنت ساكت ما تكلمت بشيء، ولا زدت في ثمني دينارا واحدا، كأنني ما عجبتك يا سيدي؟ فقال لها: يا سيدتي، لو كنت في بلدي كنت أشتريك بجميع ما تملكه يدي من المال. فقالت له: يا سيدي، أنا ما قلت لك اشترني على غير مرادك، ولكن لو زدت في ثمني شيئا لجبرت بخاطري، ولو كنت لا تشتريني لأجل أن تقول التجار لولا أن هذه الجارية مليحة ما زاد فيها هذا التاجر المصري؛ لأن أهل مصر لهم خبرة بالجواري. فعند ذلك استحى نور الدين من كلام الجارية الذي ذكرته، واحمر وجهه وقال للدلال: كم بلغ ثمن هذه الجارية؟ قال: بلغ ثمنها تسعمائة وخمسين دينارا غير الدلالة، وأما قانون السلطان فإنه على البائع. فقال نور الدين للدلال: خلها علي بالألف دينار دلالة وثمنا. فبادرت الجارية وتركت الدلال وقالت: بعت نفسي لهذا الشاب المليح بألف دينار. فسكت نور الدين، فقال واحد: بعناه. وقال آخر: يستأهل. وقال آخر: ملعون ابن ملعون من يزود ولا يشتري. وقال آخر: والله إنهما يصلحان لبعضهما. فلم يشعر نور الدين إلا والدلال أحضر القضاة والشهود، وكتبوا عقد البيع والشراء في ورقة وناولها لنور الدين، وقال: تسلم جاريتك، الله يجعلها مباركة عليك، فهي ما تصلح إلا لك، ولا تصلح أنت إلا لها. وأنشد الدلال هذين البيتين: # أتته السعادة منقادة %~% إليه تجرجر أذيالها ~~فلم تك تصلح إلا له %~% ولم يك يصلح إلا لها # فعند ذلك استحى نور الدين من التجار، وقام من وقته وساعته ووزن الألف دينار التي كان وضعها وديعة عند العطار صاحب أبيه، وأخذ الجارية وأتى بها إلى البيت الذي أسكنه فيه العطار، فلما دخلت الجارية البيت رأت فيه خلق بساط ونطعا عتيقا، فقالت له: يا سيدي، هل أنا ms1952 ما لي منزلة عندك، ولا أستحق أن توصلني إلى بيتك الأصلي الذي فيه مصالحك؟ ولأي شيء ما دخلت بي عند أبيك؟ فقال لها نور الدين: والله يا سيدة الملاح، إن هذا بيتي الذي أنا فيه، ولكنه ملك لشيخ عطار من أهل هذه المدينة، وقد أخلاه لي وأسكنني فيه، وقد قلت لك إنني غريب، وإنني من أولاد مدينة مصر. فقالت له الجارية: يا سيدي، أقل البيوت يكفي إلى أن نرجع إلى بلدك، ولكن يا سيدي بالله عليك أن تقوم وتأتي لنا بشيء من اللحم المشوي والمدام والنقل والفاكهة. فقال لها نور الدين: والله يا سيدة الملاح، ما كان عندي من المال غير الألف دينار الذي وزنته في ثمنك، ولا أملك غير تلك الدنانير شيئا من المال، وكان معي بعض دراهم صرفتها بالأمس. فقالت له: أما لك في هذه المدينة صديق تقترض منه خمسين درهما وتأتيني بها حتى أقول لك أي شيء تفعل بها؟ فقال لها: ما لي صديق سوى العطار. ثم ذهب من وقته وتوجه إلى العطار وقال له: السلام عليك يا عم. فرد عليه السلام وقال: يا ولدي، أي شيء اشتريت بالألف دينار في هذا اليوم؟ فقال له: اشتريت بها جارية. فقال له: يا ولدي، هل أنت مجنون حتى تشتري جارية واحدة بألف دينار؟ يا ليت شعري، ما جنس هذه الجارية؟ فقال نور الدين: يا عم، إنها جارية من أولاد الإفرنج. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. # ### | فلما كانت الليلة 874 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن نور الدين قال للشيخ العطار: إنها جارية من أولاد الإفرنج. فقال له الشيخ: اعلم يا ولدي أن خيار أولاد الإفرنج عندنا في هذه المدينة ثمنه مائة دينار، ولكن والله يا ولدي قد عملت عليك حيلة في هذه الجارية، فإن كنت أحببتها فبت عندها في هذه الليلة، واقض غرضك منها، وأصبح انزل بها السوق وبعها ولو كنت تخسر فيها مائتي دينار، وقدر أنك غرقت في البحر أو طلع عليك اللصوص في الطريق. فقال ms1953 نور الدين: كلامك صحيح، ولكن يا عم أنت تعرف أنه ما كان معي غير الألف دينار التي اشتريت بها الجارية، ولم يبق معي شيء أنفقه ولا درهم واحد، وإني أريد من فضلك وإحسانك أن تقرضني خمسين درهما أنفقها إلى غد، فأبيع الجارية وأردها لك من ثمنها. فقال الشيخ: أعطيك يا ولدي على الرأس. ثم وزن له خمسين درهما وقال له: يا ولدي، أنت شاب صغير السن، وهذه الجارية مليحة وربما تعلق بها قلبك، فما يهون عليك أن تبيعها وأنت ما تملك شيئا تنفقه، فتفرغ منك هذه الخمسون درهما فتأتيني فأقرضك أول مرة، وثاني مرة، وثالث مرة إلى عشر مرات، فإذا أتيتني بعد ذلك فلا أرد عليك السلام الشرعي، وتضيع محبتنا مع والدك. ثم ناوله الشيخ خمسين درهما، فأخذها نور الدين وأتى بها إلى الجارية، فقالت له: يا سيدي، رح السوق في هذه الساعة وهات لنا بعشرين درهما حريرا ملونا خمسة ألوان، وهات لنا بالثلاثين الأخرى لحما وخبزا وفاكهة وشرابا ومشموما. فعند ذلك ذهب نور الدين إلى السوق واشترى منه كل ما طلبته تلك الجارية، وأتى به إليها، فقامت من وقتها وساعتها وشمرت عن يدها وطبخت طعاما وأتقنته غاية الإتقان، ثم قدمت له الطعام فأكل وأكلت معه حتى اكتفيا، ثم قدمت المدام وشربت هي وإياه، ولم تزل تسقيه وتؤانسه إلى أن سكر ونام، فقامت الجارية من وقتها وساعتها وأخرجت من بقجتها جرابا من أديم طائفي وفتحته وأخرجت منه مسمارين، وقعدت عملت شغلها إلى أن فرغ، فصار زنارا مليحا فلفته في خرقة بعد صقله وتنظيفه وجعلته تحت المخدة، ثم قامت تعرت ونامت بجانب نور الدين وكبسته، فانتبه من نومه فوجد بجانبه صبية كأنها فضة نقية، أنعم من الحرير وأطرى من اللية، وهي أشهر من علم وأحسن من حمر النعم، خماسية القد قاعدة النهد، بحواجب كأنها قسي السهام، وعيون كأنها عيون غزلان، وخدود كأنها شقائق النعمان، وبطن خميصة الأعكان، وسرة تسع أوقية من دهن البان، وفخذين كأنهما مخدتان محشوتان من ريش النعام، وبينهما ms1954 شيء يكل عن وصفه اللسان، وتنسكب عند ذكره العبرات، فكأن الشاعر قصدها بهذه الأبيات: # فمن شعرها ليل ومن فرقها فجر %~% ومن خدها ورد ومن ريقها خمر ~~ومن وصلها مأوى ومن هجرها لظى %~% ومن ثغرها در ومن وجهها بدر # وما أحسن قول بعض الشعراء: # بدت قمرا وماست غصن بان %~% وفاحت عنبرا ورنت غزالا ~~كأن الحزن مشغوف بقلبي %~% فساعة هجرها يجد الوصالا ~~لها وجه يفوق على الثريا %~% ونور جبينها فاق الهلالا # وقال بعضهم أيضا: # سفرن بدورا وانجلين أهلة %~% ومسن غصونا والتفتن جآذرا ~~وفيهن كحلاء العيون لحسنها %~% تود الثريا أن تكون لها ثرى # فعند ذلك التفت نور الدين من وقته وساعته إلى تلك الجارية وضمها إلى صدره، ومص شفتها الفوقية بعد أن مص التحتية، ثم زرق اللسان بين الشفتين وقام إليها، فوجدها درة ما ثقبت، ومطية ما ركبت، فأزال بكارتها ونال منها الوصال، وانعقدت بينهما المحبة بلا انفكاك ولا انفصال، وتابع في خدها تقبيلا كوقع الحصى في الماء، ورهزا كطعن الرماح في مغارة الشعواء؛ لأن نور الدين كان مشتاقا إلى اعتناق الحور، ومص الثغور، وحل الشعور، وضم الخصور، وعض الخدود، وركوب النهود، مع حركات مصرية، وغنج يمانية، وشهيق حبشية، وفتور هندية، وغلمة نوبية، وتضجر ريفية، وأنين دمياطية، وحرارة صعيدية، وفترة إسكندرية، وكانت هذه الجارية جامعة لهذه الخصال مع فرط الجمال والدلال، كما قال فيها الشاعر: # هذي التي أنا طول الدهر ناسيها %~% فلا جنحت إلى من ليس يدنيها ~~كأنها البدر في تكوين صورتها %~% سبحان خالقها سبحان باريها ~~إن كان ذنبي عظيما في محبتها %~% فليس لي توبة يوما أرجيها ~~قد صيرتني حزينا ساهرا دنفا %~% والقلب قد حار فكرا في معانيها ~~وأنشدت بيت شعر ليس يعرفه %~% إلا فتى لقوافي الشعر يرويها ~~لا يعرف الشوق إلا من يكابده %~% ولا الصبابة إلا من يعانيها # ثم نام نور الدين هو وتلك الجارية إلى الصباح في لذة وانشراح. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 875 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن نور الدين لما نام هو ms1955 وتلك الجارية إلى الصباح في لذة وانشراح، لابسين حلل العناق المحكمة الأزرار، آمنين طوارق الليل والنهار، وقد باتا على أحسن حال، ولم يخشيا في الوصال كثرة القيل والقال، كما قال فيهما الشاعر المفضال: # زر من تحب ودع مقالة حاسد %~% ليس الحسود على الهوى بمساعد ~~لم يخلق الرحمن أحسن منظرا %~% من عاشقين على فراش واحد ~~متعانقين عليهما حلل الرضا %~% متوسدين بمعصم وبساعد ~~وإذا تآلفت القلوب على الهوى %~% فالناس تضرب في حديد بارد ~~يا من يلوم على الهوى أهل الهوى %~% هل تستطيع صلاح قلب فاسد ~~وإذا صفا لك من زمانك واحد %~% نعم الصديق وعش بذاك الواحد # فلما أصبح الصباح وأضاء بنور ولاح، انتبه نور الدين من نومه، فرآها أحضرت الماء فاغتسل هو وإياها وأدى ما عليه من الصلاة لربه، ثم أتته بما تيسر من المأكول والمشروب فأكل وشرب، ثم أدخلت الجارية يدها تحت المخدة وأخرجت الزنار الذي صنعته بالليل وناولته إياه، وقالت له: يا سيدي، خذ هذا الزنار. فقال لها: من أين هذا الزنار؟ فقالت له: يا سيدي، هو الحرير الذي اشتريته البارحة بالعشرين درهما، فقم واذهب به إلى سوق العجم وأعطه للدلال لينادي عليه، ولا تبعه إلا بعشرين دينارا سالمة ليدك. فقال لها نور الدين: يا سيدة الملاح، هل شيء بعشرين درهما يباع بعشرين دينارا يعمل في ليلة واحدة؟ قالت له الجارية: يا سيدي، أنت ما تعرف قيمة هذا، ولكن اذهب به إلى السوق وأعطه للدلال، فإذا نادى عليه الدلال ظهرت لك قيمته. فعند ذلك أخذ نور الدين الزنار من الجارية وأتى به إلى سوق الأعاجم، وأعطى الزنار للدلال وأمره أن ينادي عليه، وقعد نور الدين على مصطبة دكان، فغاب الدلال عنه ساعة، ثم أتى إليه وقال له: يا سيدي، قم اقبض ثمن زنارك، فقد بلغ عشرين دينارا سالمة ليدك. فلما سمع نور الدين كلام الدلال، تعجب غاية العجب واهتز من الطرب، وقام ليقبض العشرين دينارا وهو ما بين مصدق ومكذب، فلما قبضها ذهب من ساعته واشترى بها كلها حريرا من ms1956 سائر الألوان لتعمله الجارية كله زنانير، ثم رجع إلى البيت وأعطاها الحرير، وقال لها: اعمليه كله زنانير، وعلميني أيضا حتى أعمل معك، فإني طول عمري ما رأيت صنعة أحسن من هذه الصنعة، ولا أكثر مكسبا منها قط، وإنها والله أحسن من التجارة بألف مرة. فضحكت الجارية من كلامه وقالت له: يا سيدي نور الدين، امض إلى صاحبك العطار واقترض منه ثلاثين درهما، وفي غد ادفعها له من ثمن الزنار هي والخمسين درهما التي اقترضتها منه قبلها. فقام نور الدين وأتى إلى صاحبه العطار وقال له: يا عم، أقرضني ثلاثين درهما، وفي غد إن شاء الله تعالى أجيء لك بالثمانين درهما جملة واحدة. فعند ذلك وزن له الشيخ العطار ثلاثين درهما، فأخذها نور الدين وأتى بها إلى السوق، واشترى بها لحما وخبزا ونقلا وفاكهة ومشموما كمل فعل بالأمس، وأتى بها إلى الجارية، وكان اسم تلك الجارية مريم الزنارية، فلما أخذت اللحم قامت من وقتها وساعتها وهيأت طعاما فاخرا ووضعته قدام سيدها نور الدين، ثم بعد ذلك هيأت سفرة المدام وتقدمت تشرب هي وإياه وصارت تملأ وتسقيه وهو يملأ ويسقيها، فلما لعب المدام بعقلهما أعجبها حسن لطافته ورقة معانيه، فأنشدت هذين البيتين: # أقول لأهيف حيا بكأس %~% لها من مسك نكهته ختام ~~أمن خديك تعصر؟ قال: كلا %~% متى عصرت من الورد المدام؟ # ولم تزل تلك الجارية تنادم نور الدين وينادمها، وتعطيه الكأس والطاس، وتطلب أن يملأ لها ويسقيها ما تطيب به الأنفاس، وإذا وضع يده عليها تتمنع منه دلالا، وقد زادها السكر حسنا وجمالا، فأنشد هذين البيتين: # وهيفاء تهوى الراح قالت لصبها %~% بمجلس أنس وهو يخشى ملالها ~~إذا لم تدر كأس المدام وتسقني %~% أبيتك مهجورا فخاف ملالها # ولم يزالا كذلك إلى أن غلب عليه السكر ونام، فقامت هي من وقتها وساعتها وعملت شغلها في الزنار على جري عادتها، ولما فرغت أصلحته ولفته في ورقة، ثم نزعت ثيابها ونامت بجانبه إلى الصباح. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 876 # قالت: ms1957 بلغني أيها الملك السعيد، أن مريم الزنارية لما فرغت من شغل الزنار أصلحته ولفته في ورقة، ونزعت ثيابها ونامت بجانبه إلى الصباح، وكان بينهما ما كان من الوصال، ثم قام نور الدين وقضى شغله وناولته الزنار، وقالت له: امض به إلى السوق وبعه بعشرين دينارا كما بعت نظيره بالأمس. فعند ذلك أخذه ومضى به إلى السوق وباعه بعشرين دينارا وأتى إلى العطار ودفع له الثمانين درهما، وشكر فضله ودعا له، فقال: يا ولدي، هل أنت بعت الجارية؟ فقال نور الدين: كيف أبيع روحي من جسدي؟ ثم إنه حكى له الحكاية من المبتدأ إلى المنتهى، وأخبره بجميع ما جرى له، ففرح الشيخ العطار بذلك فرحا شديدا ما عليه من مزيد، وقال له: والله يا ولدي، إنك قد فرحتني، وإن شاء الله أنت بخير دائما، فإني أود لك الخير لمحبتي لوالدك وبقاء صحبتي معه. # ثم إن نور الدين فارق الشيخ العطار وراح من وقته وساعته إلى السوق واشترى اللحم والفاكهة والشراب، وجميع ما يحتاج إليه على جري العادة، وأتى به إلى تلك الجارية، ولم يزل نور الدين هو والجارية في أكل وشرب ولعب وانشراح وود ومنادمة مدة سنة، وهي تعمل في كل ليلة زنارا، ويصبح يبيعه بعشرين دينارا ينفق منها ما يحتاج إليه، والباقي يعطيه لها تحفظه عندها إلى وقت الحاجة إليه، وبعد السنة قالت له الجارية: يا سيدي نور الدين، إذا بعت الزنار في غد، فخذ لي من حقه حريرا ملونا ستة ألوان، فإنه قد خطر ببالي أن أصنع لك منديلا تجعله على كتفك، ما فرحت بمثله أولاد التجار ولا أولاد الملوك. فعند ذلك خرج نور الدين إلى السوق وباع الزنار، واشترى الحرير الملون كما ذكرت له الجارية وجاء به إليها، فقعدت مريم الزنارية تصنع في المنديل جمعة كاملة؛ لأنها كلما فرغت من زنار في ليلة تعمل في المنديل شيئا إلى أن خلصته، ثم ناولته لنور الدين فجعله على كتفه، وصار يمشي به في السوق، فصار التجار والناس وأكابر البلد يقفون ms1958 عنده صفوفا ليتفرجوا على حسنه، وعلى ذلك المنديل وحسن صنعته، فاتفق أن نور الدين كان نائما ذات ليلة من الليالي، فانتبه من منامه فوجد جاريته تبكي بكاء شديدا، وتنشد هذه الأبيات: # دنا فراق الحبيب واقتربا %~% وا حربا للفراق وا حربا ~~تفتت مهجتي فوا أسفي %~% على ليال مضت لنا طربا ~~لا بد أن ينظر الحسود لنا %~% بعين سوء ويبلغ الأربا ~~فما علينا أضر من حسد %~% ومن عيون الوشاة والرقبا # فقال لها نور الدين: يا سيدتي مريم، ما لك تبكين؟ فقالت له: أبكي من ألم الفراق، فقد أحس قلبي به. فقال لها: يا سيدة الملاح، ومن الذي يفرق بيننا، وأنا الآن أحب الخلق إليك وأعشقهم لك؟ فقالت له: إن عندي أضعاف ما عندك، ولكن حسن الظن بالليالي يوقع الناس في الأسف، ولقد أحسن الشاعر حيث قال: # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت %~% ولم تخف سوء ما يأتي به القدر ~~وسالمتك الليالي فاغتررت بها %~% وعند صفو الليالي يحدث الكدر ~~وفي السماء نجوم لا عداد لها %~% وليس يكلف إلا الشمس والقمر ~~وكم على الأرض من خضراء يابسة %~% وليس يرجم إلا ما له ثمر ~~أما ترى البحر تعلو فوقه جيف %~% وتستقر بأقصى قاعه الدرر # ثم قالت: يا سيدي نور الدين، إذا كنت تحرص على عدم الفراق، فخذ حذرك من رجل إفرنجي أعور العين اليمنى، وأعرج الرجل الشمال، وهو شيخ أغبر الوجه مكلثم اللحية؛ لأنه هو الذي يكون سببا لفراقنا، وقد رأيته أتى في تلك المدينة، وأظن أنه ما جاء إلا في طلبي. فقال لها نور الدين: يا سيدة الملاح، إن وقع بصري عليه قتلته ومثلت به. فقالت له مريم: يا سيدي، لا تقتله ولا تكلمه، ولا تبايعه ولا تشاريه، ولا تعامله ولا تجالسه ولا تماشيه، ولا تتحدث معه بكلام قط، وادع الله أن يكفينا شره ومكره. فلما أصبح الصباح أخذ نور الدين الزنار وذهب به إلى السوق وجلس على مصطبة دكان يتحدث هو وأولاد التجار، فأخذته سنة من النوم، فنام على مصطبة الدكان، فبينما هو نائم ms1959 وإذا بذلك الإفرنجي مر على ذلك السوق في تلك الساعة، ومعه سبعة من الإفرنج، فرأى نور الدين نائما على مصطبة الدكان ووجهه ملفوف بذلك المنديل، وطرفه في يده، فقعد الإفرنجي عنده وأخذ طرف المنديل وقلبه في يده، واستمر يقلب فيه ساعة، فأحس به نور الدين فأفاق من النوم، فرأى الإفرنجي الذي وصفته الجارية بعينه جالسا عند رأسه، فصرخ عليه نور الدين صرخة عظيمة أرعبته، فقال له الإفرنجي: لأي شيء تصرخ علينا؟ هل نحن أخذنا منك شيئا؟ فقال له نور الدين: والله يا ملعون لو كنت أخذت مني شيئا لكنت ذهبت بك إلى الوالي. فقال له الإفرنجي: يا مسلم، بحق دينك وما تعتقده أن تخبرني من أين لك هذا المنديل؟ فقال له نور الدين: هو شغل والدتي. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 877 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الإفرنجي لما سأل نور الدين عن الذي عمل المنديل قال له: إن هذا المنديل شغل والدتي عملته لي بيدها. فقال له الإفرنجي: أتبيعه لي وتأخذ ثمنه مني؟ فقال له نور الدين: والله يا ملعون لا أبيعه لك ولا لغيرك، فإنها ما عملته إلا على اسمي، ولم تعمل غيره. فقال له: بعه لي وأنا أعطيك ثمنه في هذه الساعة خمسمائة دينار، ودع التي عملته تعمل لك غيره أحسن منه. فقال له نور الدين: أنا ما أبيعه أبدا؛ لأنه لا نظير له في هذه المدينة. فقال له الإفرنجي: يا سيدي، وهل تبيعه بستمائة دينار من الذهب الخالص؟ ولم يزل يزيده مائة بعد مائة إلى أن أوصله إلى تسعمائة دينار. فقال له نور الدين: يفتح الله، علي بغير بيعه، أنا ما أبيعه ولا بألفي دينار ولا بأكثر أبدا. ولم يزل ذلك الإفرنجي يرغب نور الدين بالمال في ذلك المنديل إلى أن أوصله إلى ألف دينار، فقال له جماعة من التجار الحاضرين: نحن بعناك هذا المنديل، فادفع ثمنه. فقال نور الدين: أنا ما أبيعه والله. فقال له تاجر من التجار: اعلم ms1960 يا ولدي أن هذا المنديل قيمته مائة دينار إن كثرت ووجد له راغب، وأن هذا الإفرنجي دفع فيه ألف دينار جملة، فربحك تسعمائة دينار، فأي ربح تريد أكثر من هذا الربح؟ فالرأي عندي أنك تبيع هذا المنديل وتأخذ الألف دينار، وتقول للتي عملته لك تعمل لك غيره أو أحسن منه، واربح أنت الألف دينار من هذا الإفرنجي الملعون عدو الدين. فاستحى نور الدين من التجار وباع الإفرنجي المنديل بألف دينار، ودفع له الثمن في الحضرة، وأراد نور الدين أن ينصرف ويمضي إلى جاريته مريم ليبشرها بما كان من أمر الإفرنجي، فقال الإفرنجي: يا جماعة التجار، احجزوا نور الدين فإنكم وإياه ضيوفي في هذه الليلة، فإن عندي بتية خمر رومي من معتق الخمر، وخروفا سمينا، وفاكهة ونقلا ومشموما، فأنتم تؤانسوننا في هذه الليلة، ولا يتأخر منكم أحد. فقال التاجر: يا سيدي نور الدين، نشتهي أن تكون معنا في مثل هذه الليلة لنتحدث وإياك، فمن فضلك وإحسانك أن تكون معنا، فنحن وإياك ضيوف عند هذا الإفرنجي؛ لأنه رجل كريم. ثم إنهم حلفوا عليه بالطلاق، ومنعوه بالغصب عن الرواح إلى بيته، ثم قاموا من وقتهم وساعتهم وقفلوا الدكاكين، وأخذوا نور الدين معهم وراحوا مع الإفرنجي إلى قاعة مطيبة رحيبة بليوانين، فأجلسهم فيها ووضع بين أيديهم سفرة غريبة الصنع بديعة العمل، فيها صورة كاسر ومكسور، وعاشق ومعشوق، وسائل ومسئول، ثم وضع الإفرنجي على تلك السفرة الأواني النفيسة من الصيني والبلور، وكلها مملوءة بنفائس النقل والفاكهة والمشموم، ثم قدم لهم الإفرنجي بتية ملآنة بالخمر الرومي المعتق، وأمر بذبح خروف سمين. # ثم إن الإفرنجي أوقد النار وصار يشوي من ذلك اللحم ويطعم التجار ويسقيهم من ذلك الخمر، ويغمزهم على نور الدين أن ينزلوا عليه بالشراب، فلم يزالوا يسقونه حتى سكر وغاب عن وجوده، فلما رآه الإفرنجي مستغرقا في السكر قال: آنستنا يا سيدي نور الدين في هذه الليلة، فمرحبا بك، ثم مرحبا بك. وصار الإفرنجي يؤانسه بالكلام، ثم تقرب منه وجلس بجانبه وسارقه في الحديث ساعة ms1961 زمانية، ثم قال له: يا سيدي نور الدين، هل تبيعني جاريتك التي اشتريتها بحضرة هؤلاء التجار بألف دينار من مدة سنة، وأنا أعطيك في ثمنها الآن خمسة آلاف دينار؟ فأبى نور الدين ولم يزل ذلك الإفرنجي يطعمه ويسقيه ويرغبه في المال، حتى أوصل الجارية إلى عشرة آلاف دينار؛ فقال نور الدين وهو في سكره قدام التجار: بعتك إياها، هات العشرة آلاف دينار. ففرح الإفرنجي بذلك القول فرحا شديدا، وأشهد عليه التجار وباتوا في أكل وشرب وانشراح إلى الصباح. # ثم صاح الإفرنجي على غلمانه وقال لهم: ائتوني بالمال. فأحضروا له المال، فعد لنور الدين العشرة آلاف دينار نقدا وقال له: يا سيدي نور الدين، تسلم هذا المال ثمن جاريتك التي بعتها لي الليلة بحضرة هؤلاء التجار المسلمين. فقال نور الدين: يا ملعون، أنا ما بعتك شيئا، وأنت تكذب علي وليس عندي جوار. فقال له الإفرنجي: قد بعتني جاريتك، وهؤلاء التجار يشهدون عليك بالبيع. فقال التجار كلهم: نعم يا نور الدين، أنت بعته جاريتك قدامنا، ونحن نشهد عليك أنك بعته إياها بعشرة آلاف دينار، قم اقبض الثمن وسلم إليه الجارية، والله يعوضك خيرا منها، أتكره يا نور الدين أنك اشتريت جارية بألف دينار ولك سنة ونصف تتمتع بحسنها وجمالها، وتتلذذ في كل يوم وليلة بمنادمتها ووصالها، وبعد ذلك ربحت من هذه الجارية تسعة آلاف دينار فوق ثمنها الأصلي، وفي كل يوم تعمل لك منديلا تبيعه بعشرين دينارا، وبعد ذلك كله تنكر البيع وتستقل الربح؟ أي ربح أكثر من هذا الربح؟ وأي مكسب أكثر من هذا المكسب؟ فإن كنت تحبها، فها أنت قد شبعت منها في هذه المدة، فاقبض الثمن واشتر غيرها أحسن منها، أو نزوجك بنتا من بناتنا بمهر أقل من نصف هذا الثمن، وتكون البنت أجمل منها، ويصير معك باقي المال رأس مال في يدك. ولم يزل التجار يتكلمون مع نور الدين بالملاطفة والمخادعة إلى أن قبض العشرة آلاف دينار ثمن الجارية، وأحضر الإفرنجي من وقته وساعته القضاة والشهود، فكتبوا له ms1962 حجة باشتراء الجارية التي اسمها مريم الزنارية من نور الدين. # هذا ما كان من أمر نور الدين، وأما ما كان من أمر مريم الزنارية، فإنها قعدت تنتظر سيدها جميع ذلك اليوم إلى المغرب، ومن المغرب إلى نصف الليل، فلم يعد إليها سيدها، فجزعت وصارت تبكي بكاء شديدا، فسمعها الشيخ العطار وهي تبكي، فأرسل إليها زوجته، فدخلت عليها فرأتها تبكي، فقالت لها: يا سيدتي، ما لك تبكين؟ فقالت لها: يا أمي، إني قعدت أنتظر مجيء سيدي نور الدين، فما جاء إلى هذا الوقت، وأنا خائفة أن يكون أحد عمل عليه حيلة من أجلي لأجل أن يبيعني، فدخلت عليه الحيلة وباعني. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 878 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مريم الزنارية قالت لزوجة العطار: أنا خائفة أن يكون أحد عمل على سيدي حيلة من شأني لأجل أن يبيعني، فدخلت عليه الحيلة وباعني. فقالت لها زوجة العطار: يا سيدتي مريم، لو أعطوا سيدك فيك ملء هذه القاعة ذهبا لم يبعك لما أعرفه من محبته لك، ولكن يا سيدتي مريم ربما يكون جماعة أتوا من مدينة مصر من عند والدته، فعمل لهم عزومة في المحل الذي هم نازلون فيه، واستحى أن يأتي بهم إلى هذا المحل لأنه لا يسعهم، أو لأن مرتبتهم أقل من أن يجيء بهم إلى البيت، أو أحب أن يخفي أمرك عنهم، فبات عندهم إلى الصباح ويأتي إن شاء الله تعالى إليك في غد بخير، فلا تحملي نفسك هما ولا غما يا سيدتي، فهذا سبب غيابه عنك في هذه الليلة، وها أنا أبيت عندك في هذه الليلة وأسليك إلى أن يأتي إليك سيدك. ثم إن زوجة العطار صارت تلاهي مريم وتسليها بالكلام إلى أن ذهب الليل كله، فلما أصبح الصباح نظرت مريم سيدها نور الدين وهو داخل من الزقاق، وذلك الإفرنجي وراءه وجماعة التجار حواليه، فلما رأتهم مريم ارتعدت فرائصها واصفر لونها، وصارت ترتعد كأنها سفينة في وسط بحر مع شدة الريح، ms1963 فلما رأتها امرأة العطار قالت لها: يا سيدتي مريم، ما لي أراك قد تغير حالك، واصفر وجهك، وزاد بك الذبول؟ فقالت لها الجارية: يا سيدتي، والله إن قلبي قد أحس بالفراق وبعد التلاقي. ثم إن الجارية تأوهت بتصاعد الزفرات، وأنشدت هذه الأبيات: # لا تركنن إلى الفرا %~% ق فإنه مر المذاق ~~الشمس عند غروبها %~% تصفر من ألم الفراق ~~وكذاك عند شروقها %~% تبيض من فرح التلاقي # ثم إن مريم الزنارية بكت بكاء شديدا ما عليه مزيد، وتيقنت الفراق وقالت لزوجة العطار: يا سيدتي، أما قلت لك إن سيدي نور الدين قد عملت عليه حيلة من أجل بيعي؟ فما أشك أنه باعني في هذه الليلة لهذا الإفرنجي، وقد كنت حذرته منه، ولكن لا ينفع حذر من قدر؛ فقد بان لك صدق قولي. فبينما هي وزوجة العطار في الكلام، وإذا بسيدها نور الدين قد دخل عليها في تلك الساعة، فنظرت إليه الجارية فرأته قد تغير لونه، وارتعدت فرائصه، ويلوح على وجهه أثر الحزن والندامة، فقالت له: يا سيدي نور الدين، كأنك بعتني؟ فبكى بكاء شديدا وتأوه وتنفس الصعداء، وأنشد هذه الأبيات: # هي المقادير فما يغني الحذر %~% إن كنت أخطأت فما أخطا القدر ~~فإذا أراد الله أمرا بامرئ %~% وكان ذا عقل وسمع وبصر ~~أصم أذنيه وأعمى عينه %~% وسل منه عقله سل الشعر ~~حتى إذا أنفذ فيه حكمه %~% رد إليه عقله ليعتبر ~~فلا تقل فيما جرى كيف جرى %~% فكل شيء بقضاء وقدر # ثم إن نور الدين اعتذر إلى الجارية وقال لها: والله يا سيدتي مريم، إنه قد جرى القلم بما الله حكم، والناس قد عملوا علي حيلة من أجل بيعك، فدخلت علي الحيلة فبعتك وقد فرطت فيك أعظم تفريط، ولكن عسى من حكم بالفراق أن يمن بالتلاقي. فقالت له: قد حذرتك من هذا وكان في وهمي. ثم ضمته إلى صدرها وقبلته ما بين عينيه، وأنشدت هذه الأبيات: # وحق هواكم ما سلوت ودادكم %~% ولو تلفت روحي هوى وتشوقا ~~أنوح وأبكي كل يوم وليلة %~% كما ناح قمري على ms1964 شجر النقا ~~تنغص عيشي بعدكم يا أحبتي %~% متى غبتم عني فما لي ملتقى # فبينما هما على هذه الحالة، وإذا بالإفرنجي قد طلع عليهما وتقدم ليقبل أيادي السيدة مريم، فلطمته بكفها على خده وقالت له: ابعد يا ملعون، فما زلت ورائي حتى خدعت سيدي، ولكن يا ملعون إن شاء الله تعالى لا يكون إلا خيرا. فضحك الإفرنجي من قولها، وتعجب من فعلها، واعتذر إليها وقال لها: يا سيدتي مريم، أي شيء ذنبي أنا؟ وإنما سيدك نور الدين هذا هو الذي باعك برضا نفسه وطيب خاطره، وإنه وحق المسيح لو كان يحبك ما فرط فيك، ولولا أنه فرغ غرضه منك ما باعك، وقد قال بعض الشعراء: # من ملني فليمض عني عامدا %~% إن عدت أذكره فلست براشد ~~ما ضاقت الدنيا علي بأسرها %~% حتى تراني راغبا في زاهد # وقد كانت هذه الجارية بنت ملك إفرنجة، وهي مدينة واسعة الجهات كثيرة الصنائع والغرائب والبنات، تشبه مدينة القسطنطينية، وقد كان لخروج تلك الجارية من مدينة أبيها حديث غريب وأمر عجيب، نسوقه على الترتيب حتى يطرب السامع ويطيب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 879 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن لخروج مريم الزنارية من عند أبيها وأمها سببا عجيبا وأمرا غريبا؛ وذلك أنها تربت عند أبيها وأمها في العز والدلال، وتعلمت الفصاحة والكتابة والحساب والفروسية والشجاعة، وتعلمت جميع الصنائع مثل الزركشة والخياطة والحياكة وصنعة الزنار والعقادة، ورمي الذهب على الفضة، والفضة على الذهب، وتعلمت جميع صنائع الرجال والنساء حتى صارت فريدة زمانها ووحيدة عصرها وأوانها، وقد أعطاها الله عز وجل من الحسن والجمال والظرف والكمال، ما فاقت به على جميع أهل عصرها، فخطبها ملوك الجزائر من أبيها، وكل من خطبها منه يأبى أن يزوجها له؛ لأنه كان يحبها حبا عظيما، ولا يقدر على فراقها ساعة واحدة، ولم يكن عنده بنت غيرها، وكان معه من الأولاد الذكور كثير، ولكنه كان مشغوفا بحبها أكثر منهم؛ فاتفق أنها مرضت في بعض السنين مرضا شديدا حتى ms1965 أشرفت على الهلاك، فنذرت على نفسها أنها إذا عوفيت من هذا المرض تزور الدير الفلاني الذي في الجزيرة الفلانية، وكان ذلك الدير معظما عندهم، وينذرون له النذور ويتبركون به، فلما عوفيت مريم من مرضها أرادت أن توفي بنذرها الذي نذرته على نفسها لذلك الدير، فأرسلها والدها ملك إفرنجة إلى ذلك الدير في مركب صغير، وأرسل معها بعضا من بنات أكابر المدينة ومن البطارقة لأجل خدمتها، فلما قربت من الدير خرج مركب من مراكب المسلمين المجاهدين في سبيل الله، فأخذوا جميع ما في تلك المركب من البطارقة والبنات والأموال والتحف، فباعوا ما أخذوه من مدينة القيروان، فوقعت مريم في يد رجل أعجمي تاجر من التجار، قد كان ذلك الأعجمي عنينا لا يأتي النساء، ولم تنكشف له عورة على امرأة فجعلها للخدمة، ثم إن ذلك الأعجمي مرض مرضا شديدا حتى أشرف على الهلاك، وطال عليه المرض مدة شهور، فخدمته مريم وبالغت في خدمته إلى أن عافاه الله من مرضه، فتذكر ذلك الأعجمي منها الشفقة والحنية عليه والقيام بخدمته، فأراد أن يكافئها على ما فعلته معه من الجميل، فقال لها: تمني علي يا مريم. فقالت: يا سيدي، تمنيت عليك ألا تبيعني إلا لمن أريده وأحبه. فقال لها: نعم، لك علي ذلك، والله يا مريم ما أبيعك إلا لمن تريدينه، وقد جعلت بيعك بيدك. ففرحت فرحا شديدا، وكان الأعجمي قد عرض عليها الإسلام فأسلمت، وعلمها العبادات فتعلمت من ذلك الأعجمي في تلك المدة أمر دينها، وما وجب عليها، وحفظها القرآن وما تيسر من العلوم الفقهية والأحاديث النبوية، فلما دخل بها مدينة إسكندرية باعها لمن أرادته، وجعل بيعها بيدها كما ذكرنا، فأخذها علي نور الدين كما أخبرنا. # هذا ما كان من سبب خروجها من بلادها، وأما ما كان من أمر أبيها ملك إفرنجة، فإنه لما بلغه أمر ابنته ومن معها، قامت عليه القيامة وأرسل خلفها المراكب، وصحبتهم البطارقة والفرسان والرجال الأبطال، فلم يقعوا لها على خبر بعد التفتيش في جزائر المسلمين، ورجعوا إلى أبيها بالويل ms1966 والثبور وعظائم الأمور؛ فحزن عليها أبوها حزنا شديدا، فأرسل وراءها ذلك الأعوار اليمين والأعرج الشمال؛ لأنه كان أعظم وزرائه، وكان جبارا عنيدا ذا حيل وخداع، وأمره أن يفتش عليها في جميع بلاد المسلمين ويشتريها ولو بملء مركب ذهبا، ففتش عليها ذلك الملعون في جزائر البحار وسائر المدن، فلم يقع لها على خبر، إلى أن وصل إلى مدينة إسكندرية وسأل عنها، فوقع على خبرها عند نور الدين علي المصري، فجرى له معه ما جرى، وعمل عليه الحيلة حتى اشتراها منه كما ذكرنا بعد الاستدلال عليها بالمنديل الذي لا يحسن صنعته غيرها، وكان قد وصى التجار واتفق معهم على خلاصها بالحيلة، فلما صارت عنده مكثت في بكاء وعويل، فقال لها: يا سيدتي مريم، خلي عنك هذا الحزن والبكاء، وقومي معي إلى مدينة أبيك ومحل مملكتك، ومنزل عزك ووطنك، لتكوني بين خدمك وغلمانك، واتركي هذا الذل وهذه الغربة، ويكفي ما قد حصل لي من التعب والسفر من أجلك وصرف الأموال، فإن لي في السفر والتعب وصرف الأموال نحو سنة ونصف، وقد أمرني والدك أن أشتريك ولو بملء مركب ذهبا. # ثم إن وزير ملك إفرنجة صار يقبل قدميها ويتخضع لها، ولم يزل يكرر تقبيل يديها وقدميها ويزداد غضبها عليه كلما فعل ذلك أدبا معها، وقالت له: يا ملعون، الله تعالى لا يبلغك ما في مرادك. ثم قدم إليها الغلمان في تلك الساعة بغلة بسرج مزركش، وأركبوها عليها، ورفعوا فوق رأسها سحابة من حرير بعواميد من ذهب وفضة، وصار الإفرنج يمشون حولها حتى طلعوا بها من باب البحر وأنزلوها في قارب صغير، وصاروا يجدفون بها إلى أن أوصلوها إلى المركب الكبير وأنزلوها فيه؛ فعند ذلك نهض الوزير الأعور وقال لبحرية المركب: ارفعوا الصاري. فرفعوه من وقتهم وساعتهم، ونشروا القلوع والأعلام، ونشروا القطن والكتان، وأعملوا المجاديف، وسافر بهم ذلك المركب. هذا كله ومريم تنظر ناحية إسكندرية حتى غابت عن عينها، فصارت تبكي في سرها بكاء شديدا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة ms1967 880 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن وزير ملك إفرنجة لما سافر بهم المركب وفيه مريم الزنارية، صارت تنظر إلى ناحية إسكندرية حتى غابت عن عينها، فبكت وانتحبت وسكبت العبرات، وأنشدت هذه الأبيات: # أيا منزل الأحباب هل لك عودة %~% إلينا وما علمي بما الله صانع ~~فسارت بنا سفن الفراق وأسرعت %~% وطرفي قريح قد محته المدامع ~~لفرقة خل كان غاية مقصدي %~% به يشتفى سقمي وتمحى المواجع ~~ألا يا إلهي كن عليه خليفتي %~% فعندك يوما لا تضيع الودائع # ولم تزل مريم كلما تذكرته تبكي وتنوح، فأقبل عليها البطارقة يلاطفونها، فلم تقبل منهم كلاما، بل شغلها داعي الوجد والغرام، ثم إنها بكت وأنت واشتكت، وأنشدت هذه الأبيات: # لسان الهوى في مهجتي لك ناطق %~% يخبر عني أنني لك عاشق ~~ولي كبد جمر الهوى قد أذابها %~% وقلبي جريح من فراقك خافق ~~وكم أكتم الحب الذي قد أذابني %~% فجفني قريح والدموع سوابق # ولم تزل مريم على هذه الحالة لا يقر لها قرار، ولا يطاوعها اصطبار مدة سفرها. هذا ما كان من أمرها هي والوزير الأعور، وأما ما كان من أمر نور الدين علي المصري ابن التاجر تاج الدين، فإنه بعد نزول مريم المركب وسفرها، ضاقت عليه الدنيا وصار لا يقر له قرار، ولا يطاوعه اصطبار، فتوجه إلى القاعة التي كان مقيما بها هو ومريم، فرآها في وجهه سوداء مظلمة، ورأى العدة التي كانت تشتغل عليها الزنانير، وثيابها التي كانت على جسدها، فضمها إلى صدره وبكى، وفاضت من جفنه العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # ترى هل يعود الشمل بعد تشتتي %~% وبعد توالي حسرتي وتلفتي ~~فهيهات ما قد كان ليس براجع %~% فيا هل ترى أحظى بوصل حبيبتي ~~ويا هل ترى قد يجمع الله شملنا %~% ويذكر أحبابي عهود مودتي ~~ويحفظ ودي من بجهلي أضعته %~% ويرعى عهودي ثم سالف صحبتي ~~فما أنا إلا ميت بعد بعدهم %~% وهل ترتضي الأحباب يوما منيتي ~~فيا أسفي إن كان يجدي تأسفي %~% لقد ذبت وجدا من تزايد حسرتي ~~وضاع زمان كان فيه تواصلي %~% فيا هل ترى ms1968 دهري يجود بمنيتي ~~فيا قلب زد وجدا ويا عين أهملي %~% دموعا ولا تبقي الدموع بمقلتي ~~ويا بعد أحبابي وفقد تصبري %~% وقد قل أنصاري وزادت بليتي ~~سألت إلهي أن يتمم فرحتي %~% بعود حبيبي والوصال كعادتي # ثم إن نور الدين بكى بكاء شديدا ما عليه من مزيد، ونظر إلى زوايا القاعة وأنشد هذين البيتين: # أرى آثارهم فأذوب شوقا %~% وأجري في مواطنهم دموعي ~~وأسأل من قضى بالبعد عنهم %~% يمن علي يوما بالرجوع # ثم إن نور الدين نهض من وقته وساعته، وقفل باب الدار وخرج يجري إلى البحر، وصار يتأمل في موضع المركب الذي سافر بمريم، ثم بكى وصعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات: # سلام عليكم ليس لي عنكم غنى %~% وإني على الحالين في القرب والبعد ~~أحن إليكم كل وقت وساعة %~% وأشتاقكم شوق العطاش إلى الورد ~~وعندكم سمعي ولبي وناظري %~% وتذكاركم عندي ألذ من الشهد ~~فيا أسفي لما استقلت ركابكم %~% وحادت بكم تلك السفينة عن قصدي # ثم إن نور الدين ناح وبكى، وأن وحن واشتكى، ونادى: يا مريم، يا مريم، هل كانت رؤيتي لك في المنام أم أضغاث أحلام؟ ولما زادت به الحسرات أنشد هذه الأبيات: # فهل بعد هذا البعد عيني تراكم %~% وأسمع من قرب الديار نداكم ~~وتجمعنا الدار التي أنست بنا %~% وأعطى منى قلبي وأنتم مناكم ~~خذوا لعظامي أين سرتم محفة %~% وأين حللتم فادفنوني حذاكم ~~فلو كان لي قلبان عشت بواحد %~% وأترك قلبا مغرما في هواكم ~~ولو قيل لي ماذا على الله تشتهي %~% لقلت رضا الرحمن ثم رضاكم # فبينما نور الدين على هذه الحالة يبكي ويقول: يا مريم، يا مريم. وإذا بشيخ قد طلع من مركب وأقبل عليه، فرآه يبكي وينشد هذين البيتين: # يا مريم الحسن عودي إن لي مقلا %~% سحائب المزن تجري من سواكبها ~~واستخبري عذلي دون الأنام تري %~% أجفان عيني غرقى في كواكبها # فقال له الشيخ: يا ولدي، كأنك تبكي على الجارية التي سافرت البارحة مع الإفرنجي. فلما سمع نور الدين كلام الشيخ خر مغشيا عليه ساعة زمانية، ثم أفاق وبكى بكاء ms1969 شديدا ما عليه من مزيد، وأنشد هذه الأبيات: # فهل بعد هذا البعد يرجى وصالها %~% ولذة أنسي قد يعود كمالها ~~فإن بقلبي لوعة وصبابة %~% ويزعجني قيل الوشاة وقالها ~~أقيم نهاري باهتا متحيرا %~% وفي الليل أرجو أن يزور خيالها ~~فوالله لا أسلو عن العشق ساعة %~% وكيف ونفسي في الوشاة ملالها ~~منعمة الأطراف مهضومة الحشا %~% لها مقلة في القلب مني نبالها ~~يحاكي قضيب البان في الروض قدها %~% ويخجل ضوء الشمس حسنا جمالها ~~ولولا أخاف الله جل جلاله %~% لقلت لذات الحسن: جل جلالها # فلما نظر ذلك الشيخ إلى نور الدين ورأى جماله وقده واعتداله، وفصاحة لسانه ولطف افتتانه، حزن قلبه عليه ورق لحاله، وكان ذلك الشيخ رئيس مركب مسافرة إلى مدينة تلك الجارية، وفيها مائة تاجر من تجار المسلمين المؤمنين؛ فقال له: اصبر ولا يكون إلا خير، فإن شاء الله سبحانه وتعالى أوصلك إليها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 881 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ الريس لما قال لنور الدين: أنا أوصلك إليها إن شاء الله تعالى. قال له نور الدين: متى السفر؟ قال الريس: قد بقي لنا ثلاثة أيام ونسافر في خير وسلامة. فلما سمع نور الدين كلام الريس فرح فرحا شديدا وشكر فضله وإحسانه، وبعد ذلك تذكر أيام الوصال واجتماع الشمل بجاريته العديمة المثال، فبكى بكاء شديدا، وأنشد هذه الأبيات: # فهل يجمع الرحمن لي ولكم شملا %~% وهل أبلغ المقصود يا سادتي أم لا ~~ويسمح صرف الدهر منكم بزورة %~% وأطبق أجفاني على ذاتكم بخلا ~~ولو كان وصلكم يباع اشتريته %~% بروحي ولكني أرى وصلكم أغلى # ثم إن نور الدين طلع من وقته وساعته وتوجه إلى السوق، وأخذ منه جميع ما يحتاج إليه من الزاد وأدوات السفر، وأقبل على ذلك الريس، فلما رآه قال له: يا ولدي، ما هذا الذي معك؟ قال: زوادتي وما أحتاج إليه في السفر. فضحك الريس من كلامه وقال له: يا ولدي، هل أنت رائح تتفرج على عمود السواري؟ إن بينك وبين مقصدك مسيرة ms1970 شهرين إذا طاب الريح وصفت الأوقات. ثم إن ذلك الشيخ أخذ من نور الدين شيئا من الدراهم، وطلع إلى السوق واشترى له جميع ما يحتاج إليه في السفر على قدر كفايته، وملأ له بتية ماء حلوا، ثم أقام نور الدين في المركب ثلاثة أيام إلى أن تجهز التجار وقضوا مصالحهم ونزلوا في المركب، ثم حل الريس قلوعها وساروا مدة واحد وخمسين يوما، وبعد ذلك خرج عليهم القراصن قطاع الطريق، فنهبوا المركب وأسروا جميع من فيها، وأتوا بهم إلى مدينة إفرنجة وعرضوهم على الملك، وكان نور الدين من جملتهم، فأمر الملك بحبسهم، وفي وقت نزولهم من عند الملك إلى الحبس، وصل الغراب الذي فيه الملكة مريم الزنارية مع الوزير الأعور، فلما وصل الغراب إلى المدينة طلع الوزير إلى الملك وبشره بوصول ابنته مريم الزنارية سالمة، فدقوا البشائر وزينوا المدينة بأحسن زينة، وركب الملك في جميع عسكره وأرباب دولته، وتوجهوا إلى البحر ليقابلوها، فلما وصلت المركب طلعت ابنته مريم فعانقها وسلم عليها وسلمت عليه، وقدم لها جوادا فركبته، فلما وصلت إلى القصر قابلتها أمها وعانقتها وسلمت عليها وسألتها عن حالها، وهل هي بكر مثل ما كانت عندهم سابقا أو صارت امرأة ثيبا؟ فقالت لها مريم: يا أمي، بعد أن يباع الإنسان في بلاد المسلمين من تاجر إلى تاجر ويصير محكوما عليه، كيف يبقى بنتا بكرا؟ إن التاجر الذي اشتراني هددني بالضرب وغصبني وأزال بكارتي وباعني لآخر، وآخر باعني لآخر. فلما سمعت أمها منها هذا الكلام، صار الضياء في وجهها ظلاما، ثم أعادت على أبيها هذا الكلام، فصعب ذلك عليه وكبر أمره لديه، وعرض حالها على أرباب دولته وبطارقته، فقالوا له: أيها الملك، إنها تنجست من المسلمين، وما يطهرها إلا ضرب مائة رقبة من المسلمين. فعند ذلك أمر بإحضار الأسارى الذين في الحبس، فأحضروهم جميعا بين يديه ومن جملتهم نور الدين، فأمر الملك بضرب رقابهم، فأول من ضربوا رقبته ريس المركب، ثم ضربوا رقاب التجار واحدا بعد واحد، حتى لم يبق إلا نور ms1971 الدين، فشرطوا ذيله وعصبوا عينيه وقدموه إلى نطع الدم، وأرادوا أن يضربوا رقبته، وإذا بامرأة عجوز أقبلت على الملك في تلك الساعة وقالت له: يا مولاي، أنت كنت نذرت لكل كنيسة خمسة أسارى من المسلمين، إن رد الله بنتك مريم، لأجل أن يساعدوا في خدمتها، والآن قد وصلت إليك بنتك السيدة مريم، فأوف بنذرك الذي نذرته. فقال لها الملك: يا أمي، وحق المسيح والدين الصحيح، لم يبق عندي من الأسارى غير هذا الأسير الذي يريدون قتله، فخذيه معك يساعدك في خدمة الكنيسة إلى أن يأتي إلينا أسارى من المسلمين، فأرسل إليك أربعة آخرين، ولو كنت سبقت قبل أن يضربوا رقاب هؤلاء الأسارى لأعطيناك كل ما تريدينه. فشكرت العجوز صنيع الملك ودعت له بدوام العز والبقاء والنعم، ثم تقدمت العجوز من وقتها وساعتها إلى نور الدين وأخرجته من نطع الدم، ونظرت إليه فرأته شابا لطيفا ظريفا رقيق البشرة، ووجهه كأنه البدر إذا بدر في ليلة أربعة عشر، فأخذته ومضت به إلى الكنيسة وقالت له: يا ولدي، اقلع ثيابك التي عليك فإنها لا تصلح إلا لخدمة السلطان. ثم إن العجوز جاءت لنور الدين بجبة من صوف أسود، ومئزر من صوف أسود، وسير عريض، فألبسته تلك الجبة وعممته بالمئزر، وشدت وسطه بالسير، وأمرته أن يخدم الكنيسة، فخدم الكنيسة مدة سبعة أيام، فبينما هو كذلك وإذا بتلك العجوز قد أقبلت عليه وقالت له: يا مسلم، خذ ثيابك الحرير والبسها، وخذ هذه العشرة دراهم واخرج في هذه الساعة لتتفرج في هذا اليوم، ولا تقف هنا ساعة واحدة لئلا تروح روحك. فقال لها نور الدين: يا أمي، أي شيء الخبر؟ فقالت له العجوز: اعلم يا ولدي، أن بنت الملك السيدة مريم الزنارية تريد أن تدخل الكنيسة في هذا الوقت لأجل أن تزورها وتتبرك بها وتقرب لها قربانا حلاوة السلامة بسبب خلاصها من بلاد المسلمين، وتوفي لها النذر التي نذرتها إن نجاها المسيح، ومعها أربعمائة بنت، ما واحدة منهن إلا كاملة في الحسن والجمال، ومن جملتهن بنت ms1972 الوزير وبنات الأمراء وأرباب الدولة، وفي هذه الساعة يحضرون، وربما يقع نظرهن عليك في هذه الكنيسة فيقطعنك بالسيوف. فعند ذلك أخذ نور الدين من العجوز العشرة دراهم بعد أن لبس ثيابه وخرج إلى السوق، وصار يتفرج في شوارع المدينة حتى عرف جهاتها وأبوابها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 882 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن نور الدين لما لبس ثيابه أخذ العشرة دراهم من العجوز، ثم خرج إلى السوق وغاب ساعة حتى عرف جهات المدينة، ثم رجع إلى الكنيسة فرأى مريم الزنارية بنت ملك إفرنجة قد أقبلت على الكنيسة ومعها أربعمائة بنت نواهد أبكار كأنهن الأقمار، ومن جملتهن بنت الوزير الأعور وبنات الأمراء وأرباب الدولة، وهي تمشي بينهن كأنها القمر بين النجوم، فلما وقع نظر نور الدين عليها لم يتمالك نفسه، بل صرخ من صميم قلبه وقال: يا مريم، يا مريم. فلما سمعت البنات صياح نور الدين وهو ينادي يا مريم، هجمن عليه وجردن بيض الصفاح مثل الصواعق، وأردن قتله في تلك الساعة، فالتفتت مريم وتأملته فعرفته غاية المعرفة، فقالت للبنات: اتركن هذا الشاب فإنه مجنون بلا شك؛ لأن علامة الجنون لائحة على وجهه. فلما سمع نور الدين من السيدة مريم هذا الكلام كشف رأسه وحملق عينيه، وأشاح بيديه وعوج رجليه، وأخرج الزبد من فيه وشدقيه، فقالت السيدة مريم: أما قلت لكن إن هذا مجنون. أحضرنه عندي وابعدن عنه حتى أسمع ما يقول، فإني أعرف كلام العرب وأنظر حاله، وهل داء جنونه يقبل المداواة أم لا. فعند ذلك حمله البنات وجئن به بين يديها، ثم بعدن عنه، فقالت له: هل جئت إلى هنا من أجلي، وخاطرت بنفسك وعملت نفسك مجنونا؟ فقال لها نور الدين: يا سيدتي، أما سمعت قول الشاعر: # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم %~% ما لذة العيش إلا للمجانين ~~هاتوا جنوني وهاتوا من جننت به %~% فإن وفى بجنوني لا تلوموني # فقالت له مريم: والله يا نور الدين، إنك الجاني على نفسك، فإني حذرتك ms1973 من هذا قبل وقوعه، فلم تقبل قولي وتبعت هوى نفسك، وأنا ما أخبرتك لا من باب الكشف ولا من باب الفراسة ولا من باب الرؤية في المنام، وإنما هو من باب المشاهدة والعيان؛ لأني رأيت الوزير الأعور، فعرفت أنه ما دخل في هذه البلدة إلا في طلبي. فقال لها نور الدين: يا سيدتي مريم، نعوذ بالله من زلة العاقل. ثم تزايد بنور الدين الحال فأنشد هذا المقال: # هب لي جناية من زلت به القدم %~% قد يشمل العبد من ساداته كرم ~~حسب المسيء بذنب من جنايته %~% فرط الندامة إذ لا ينفع الندم ~~فعلت ما يقتضي التأديب معترفا %~% فأين ما يقتضيه العفو والكرم # ولم يزل نور الدين هو والسيدة مريم الزنارية في عتاب يطول شرحه، وكل منهما يحكي لصاحبه ما جرى له، وينشدان الأشعار ودموعهما تجري على خدودهما شبه البحار، ويشكوان لبعضهما شدة الهوى وأليم الوحدة والجوى، إلى أن لم يبق لأحدهما قوة على الكلام، وكان النهار قد ولى وأقبل الظلام، وقد كان على السيدة مريم حلة خضراء مزركشة بالذهب الأحمر، مرصعة بالدر والجوهر، فزاد حسنها وجمالها وظرف معانيها، وقد أجاد من قال فيها: # تبدت كبدر التم في الحلل الخضر %~% مفككة الأزرار محلولة الشعر ~~فقلت لها: ما الإسم؟ قالت: أنا التي %~% كويت قلوب العاشقين على الجمر ~~أنا الفضة البيضاء والذهب الذي %~% يفك به المأسور من شدة الأسر ~~فقلت لها: إن الصدود أذابني %~% فقالت: أتشكو لي وقلبي من صخر ~~فقلت لها: إن كان قلبك صخرة %~% فقد أنبع الله الزلال من الصخر # فلما جن الليل أقبلت السيدة مريم على البنات وقالت لهن: هل أغلقتن الباب؟ فقلن لها: قد أغلقناه. فعند ذلك أخذت السيدة مريم البنات وأتت بهن إلى مكان يقال له «مكان السيدة مريم العذراء أم النور»؛ لأن النصارى يزعمون أن روحانيتها وسرها في ذلك المكان، فصار البنات يتبركن به ويطفن في الكنيسة كلها، ولما فرغن من زيارتها التفتت السيدة مريم إليهن وقالت لهن: إني أريد أن أدخل وحدي في هذه الكنيسة وأتبرك بها، ms1974 فإنه حصل لي اشتياق إليها بسبب طول غيبتي في بلاد المسلمين، وأما أنتن فحيث فرغتن من الزيارة، فنمن حيث شئتن. فقلن لها: حبا وكرامة، وافعلي أنت ما تريدينه. ثم إنهن تفرقن عنها في الكنيسة ونمن، فعند ذلك استغفلتهن مريم وقامت تفتش على نور الدين، فرأته في ناحية جالسا على مقالي الجمر وهو في انتظارها، فلما أقبلت عليه قام لها على قدميه وقبل يديها، فجلست وأجلسته في جانبها، ثم نزعت ما كان عليها من الحلي والحلل ونفيس القماش، وضمت نور الدين إلى صدرها وجعلته في حضنها، ولم تزل هي وإياه في بوس وعناق، ونغمات خاق باق، وهما يقولان: ما أقصر ليل التلاقي، وما أطول يوم الفراق، وينشدان قول الشاعر: # يا ليلة الوصل وبكر الدهر %~% بل أنت غرة الليالي الغر ~~قد جئتني بالصبح وقت العصر %~% هل كنت كحلا في عيون الفجر # يا ليلة الهجر وما أطولها %~% آخرها مواصل أولها ~~كحلقة مفرغة ما إن لها %~% من طرف والحشر أيضا قبلها # فبينما هما في هذه اللذة العظيمة والفرحة العميمة، وإذا بغلام من الغلمان النفيسة يضرب الناقوس فوق سطح الكنيسة، ليقيم من عبادتهم الشعائر، وهو كما قال الشاعر: # رأيته يضرب الناقوس قلت له: %~% من علم الظبي ضربا بالنواقيس ~~وقلت للنفس: أي الضرب يؤلمك %~% ضرب النواقيس أم ضرب النوى قيسي # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 883 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مريم الزنارية ما زالت هي ونور الدين في لذة وطرب إلى أن طلع الغلام النواقيسي فوق سطح الكنيسة وضرب الناقوس، فقامت من وقتها وساعتها ولبست ثيابها وحليها، فشق ذلك على نور الدين وتكدر وقته، فبكى وسكب العبرات، وأنشد هذه الأبيات: # لا زلت ألثم ورد خد غض %~% وأعض ذاك مبالغا في العض ~~حتى إذا طبنا ونام رقيبنا %~% وعيونه مالت لنحو الغمض ~~ضربت نواقيس فشبه مثلها %~% بمؤذن يدعو صلاة الفرض ~~قامت على عجل للبس ثيابها %~% من خوف نجم رقيبنا المنقض ~~وتقول: يا سؤلي ويا كل المنى %~% جاء الصباح بوجهه المبيض ~~أقسمت ms1975 لو أعطيت يوم ولاية %~% وبقيت سلطانا شديد القبض ~~لهدمت أركان الكنائس كلها %~% وقتلت كل مقسس في الأرض # ثم إن السيدة مريم ضمت نور الدين إلى صدرها، وقبلت خده وقالت له: يا نور الدين، كم يوما لك في هذه المدينة؟ فقال: سبعة أيام. فقالت له: هل سرت في هذه المدينة وعرفت طرقها ومخارجها وأبوابها التي من ناحية البر والبحر؟ قال: نعم. قالت: وهل تعرف طريق صندوق النذر الذي في الكنيسة؟ قال: نعم. قالت له: حيث كنت تعرف ذلك كله، إذا كانت الليلة القابلة ومضى ثلث الليل الأول، فاذهب في تلك الساعة إلى صندوق النذر وخذ منه ما تريد وتشتهي، وافتح باب الكنيسة الذي فيه الخوخة التي توصل إلى البحر، فإنك تجد سفينة صغيرة فيها عشرة رجال بحرية، فمتى رآك الريس يمد يديه إليك، فناوله يدك فإنه يطلعك في السفينة، فاقعد عنده حتى أجيء إليك، والحذر ثم الحذر من أن يلحقك النوم في تلك الليلة، فتندم حيث لا ينفعك الندم. ثم إن السيدة مريم ودعت نور الدين وخرجت من عنده في تلك الساعة ونبهت جواريها وسائر البنات من نومهن، وأخذتهن وأتت إلى باب الكنيسة ودقته، ففتحت العجوز الباب، فلما طلعت منه رأت الخدام والبطارقة وقوفا، فقدموا لها بغلة فركبتها وأرخوا عليها ناموسية من الحرير، وأخذ البطارقة بزمام البغلة ووراءها البنات، واحتاط بها الجاووشية وبأيديهم السيوف مسلولة، وساروا بها إلى أن وصلوا إلى قصر أبيها. # هذا ما كان من أمر مريم الزنارية، وأما ما كان من أمر نور الدين المصري، فإنه لم يزل مختفيا وراء الستارة التي كان مستترا خلفها هو ومريم إلى أن طلع النهار، وانفتح باب الكنيسة وكثرت الناس فيها، فاختلط بالناس وجاء إلى تلك العجوز قيمة الكنيسة، فقالت له: أين كنت راقدا في هذه الليلة؟ قال: في محل داخل المدينة كما أمرتني. فقالت له العجوز: إنك فعلت الصواب يا ولدي، ولو كنت بت الليلة في الكنيسة كانت قتلتك أقبح قتلة. فقال لها نور الدين: الحمد لله الذي نجاني من شر ms1976 هذه الليلة. ولم يزل نور الدين يقضي شغله في الكنيسة إلى أن مضى النهار وأقبل الليل بدياجي الاعتكار، فقام نور الدين وفتح صندوق النذر وأخذ منه ما خف حمله وغلا ثمنه من الجواهر، ثم صبر إلى أن مضى ثلث الليل الأول وقام ومشى إلى باب الخوخة التي توصل إلى البحر، وهو يطلب الستر من الله، ولم يزل يمشي إلى أن وصل إلى الباب وفتحه وخرج من تلك الخوخة وراح إلى البحر، فوجد السفينة راسية على شاطئ البحر بجوار الباب، ووجد الريس شيخا كبيرا ظريفا، لحيته طويلة وهو واقف في وسطها على رجليه، والعشرة رجال واقفون قدامه، فناوله نور الدين يده كما أمرته مريم، فأخذه من يده وجذبه من البحر، فصار في وسط السفينة، فعند ذلك صاح الشيخ الريس على البحرية وقال لهم: اقلعوا مرساة السفينة من البر، وعوموا بنا قبل أن يطلع النهار. فقال واحد من العشرة البحرية: يا سيدي الريس، كيف نعوم والملك أخبرنا أنه في غد يركب السفينة في هذا البحر ليطلع على ما فيه؛ لأنه خائف على ابنته مريم من سراق المسلمين؟ فصاح عليهم الريس وقال: ويلكم يا ملاعين، هل بلغ من أمركم أنكم تخالفونني وتردون كلامي؟ ثم إن ذلك الشيخ الريس سل سيفه من غمده وضرب به ذلك المتكلم على عنقه، فخرج السيف يلمع من رقبته، فقال له واحد: وأي شيء عمل صاحبنا من الذنوب حتى تضرب رقبته؟ فمد يده إلى السيف وضرب به عنق هذا المتكلم، ولم يزل ذلك الريس يضرب أعناق البحرية واحدا بعد واحد حتى قتل العشرة ورماهم على شاطئ البحر، ثم التفت إلى نور الدين وصاح عليه صيحة عظيمة أرعبته، وقال له: انزل اقلع الوتد. فخاف نور الدين من ضرب السيف ونهض قائما ووثب إلى البر وقلع الوتد، ثم طلع في السفينة أسرع من البرق الخاطف، وصار الريس يقول له: افعل كذا وكذا، ودور كذا وكذا، وانظر في النجوم، ونور الدين يفعل جميع ما يأمره به الريس وقلبه خائف مرعوب، ثم رفع ms1977 شراع المركب وسارت بهما في البحر العجاج المتلاطم الأمواج. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 884 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشيخ الريس لما رفع شراع المركب توجه بالمركب هو ونور الدين في البحر العجاج، وقد طاب لهما الريح، كل ذلك ونور الدين ماسك بيده الراجع وهو غريق في بحر الأفكار، ولم يزل مستغرقا في الفكر ولم يعلم بما هو مخبوء له في الغيب، وكلما نظر إلى الريس ارتعب قلبه ولم يعلم بالجهة التي يتوجه إليها الريس، بل صار مشغولا في فكر ووسواس إلى أن تضحى النهار، فعند ذلك نظر نور الدين إلى الريس، فرآه قد أخذ لحيته الطويلة بيده وجذبها، فطلعت من موضعها في يده، وتأملها نور الدين فوجدها لحية كانت ملصقة زورا، ثم تأمل نور الدين في ذات الريس ودقق نظره فيها، فرآه السيدة مريم معشوقته ومحبوبة قلبه، وكانت قد تحيلت بتلك الحيلة حتى قتلت الريس، وسلخت وجهه بلحيته وأخذت جلده وركبته على وجهها؛ فتعجب نور الدين من فعلها وشجاعتها، ومن قوة قلبها، وقد طار عقله من الفرح، واتسع صدره وانشرح وقال لها: مرحبا يا منيتي وسؤلي وغاية مطلبي. ثم إن نور الدين هزه الشوق والطرب، وأيقن ببلوغ الأمل والأرب، فردد صوته بأطيب النغمات، وأنشد هذه الأبيات: # قل لقوم هم لعشقي جهلوا %~% في حبيب ما إليه وصلوا ~~عن غرامي بين قومي فاسألوا %~% قد حلا نظمي ورق الغزل # ذكرهم عندي يزيل السقما %~% عن فؤادي ويزيح الألما ~~زاد شوقي وهيامي عندما %~% أصبح القلب كئيبا مغرما # أنا لا أقبل فيهم لومه %~% لا ولا أقصد عنهم سلوه ~~لكن الحب رماني حسره %~% أشعلت منه بقلبي جمره # من عجيب قد أباحوا سقمي %~% مع سهادي طول ليل مظلم ~~كيف راموا بالتجافي عدمي %~% واستحلوا في الهوى سفك دمي # يا ترى من ذا الذي أوصاكم %~% بالتجافي عن فتى يهواكم ~~ولعمري والذي أنشاكم %~% إن يقل عذل قولا عنكم # لا أزاح الله عني عللا %~% لا ولا شاف لقلبي غللا ~~يوم أشكو من هواكم مللا ms1978 %~% أنا لا أرضى سواكم بدلا # لي فؤاد لم يحل عن حبكم %~% لو يعاني حسرة من صدكم ~~سخط هذا والرضا من عندكم %~% ما تشاءوا فافعلوا في عبدكم ![figure](../Images/figure1.png) # الريح معتدل والمركب سائرة بنور الدين والسيدة مريم إلى مدينة إسكندرية. # فلما فرغ نور الدين من شعره تعجبت منه السيدة مريم غاية العجب، وشكرته على قوله، وقالت له: من هذه حالته ينبغي أن يسلك مسالك الرجال، ولا يفعل فعل الأندال والأرذال، وقد كانت السيدة مريم قوية القلب، تعرف بأحوال سير المراكب في البحر المالح، وتعرف الأهواء واختلافها، وتعرف جميع طرق البحر، فقال لها نور الدين: والله يا سيدتي، لو أطلت علي هذا الأمر لمت من شدة الخوف والفزع، خصوصا مع نار الوجد والاشتياق وأليم عذاب الفراق. فضحكت من كلامه وقامت من وقتها وساعتها وأخرجت شيئا من المأكول والمشروب، فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا، بعد ذلك أخرجت من اليواقيت والجواهر وأصناف المعادن والذخائر الغالية وأنواع الذهب والفضة ما خف حمله وغلا ثمنه، من الذي جاءت به وأخرجته من قصر أبيها وخزائنه، وعرضت ذلك على نور الدين، ففرح به غاية الفرح، كل ذلك والريح معتدل والمركب سائرة، ولم يزالوا سائرين حتى أشرفوا على مدينة إسكندرية وشاهدوا أعلامها القديمة والجديدة، وشاهدوا عمود السواري. فلما وصلوا إلى المينا، طلع نور الدين من وقته وساعته على تلك السفينة وربطها في حجر من أحجار القصارين، وأخذ معه شيئا من الذخائر التي جاءت بها الجارية معها، وقال للسيدة مريم: اقعدي يا سيدتي في السفينة حتى أطلع بك إلى إسكندرية مثل ما أحب وأشتهي. فقالت له: ولكن ينبغي أن يكون ذلك بسرعة؛ لأن التراخي في الأمور يورث الندامة. فقال لها: ما عندي تراخ. فقعدت مريم في السفينة وتوجه نور الدين إلى بيت العطار صاحب أبيه ليستعير لها من زوجته نقابا وحبرة وخفا وإزارا كعادة نساء إسكندرية، ولم يعلم بما لم يكن له في حساب من تصرفات الدهر أبي العجب العجاب. # هذا ما كان من أمر نور الدين ومريم الزنارية، وأما ما كان من ms1979 أمر أبيها ملك إفرنجة، فإنه لما أصبح الصباح تفقد ابنته مريم فلم يجدها، فسأل عنها من جواريها وخدمها فقالوا له: يا مولانا، إنها خرجت بالليل وراحت إلى الكنيسة، وبعد ذلك لم نعرف لها خبرا. فبينما الملك يتحدث مع الجواري والخدم في تلك الساعة، وإذا بصرختين عظيمتين تحت القصر دوى لهما المكان؛ فقال الملك: ما الخبر؟ فقالوا له: أيها الملك، إنه وجد عشرة رجال مقتولون على ساحل البحر، وسفينة الملك قد فقدت، ورأينا باب الخوخة الذي في الكنيسة من جهة البحر مفتوحا، والأسير الذي كان في الكنيسة يخدمها قد فقد. فقال الملك: إن كانت سفينتي التي في البحر فقدت فبنتي مريم فيها بلا شك ولا ريب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 885 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ملك إفرنجة لما فقدت ابنته مريم جاءوا له بالخبر وقالوا له: إن سفينتك فقدت. فقال: إن كانت سفينتي قد فقدت فابنتي مريم فيها بلا شك ولا ريب. ثم إن الملك دعا من وقته وساعته بريس المينا وقال له: وحق المسيح والدين الصحيح إن لم تلحق سفينتي في هذه الساعة بعسكر وتأتيني بها وبمن فيها لأقتلنك أشنع قتلة، وأمثل بك. ثم صرخ عليه الملك، فخرج من بين يديه وهو يرتعد، وطلب العجوز من الكنيسة وقال لها: ما كنت تسمعين من الأسير الذي كان عندك في شأن بلاده؟ ومن أي البلاد هو؟ فقالت له: كان يقول أنا من مدينة إسكندرية. فلما سمع الريس كلام العجوز، رجع من وقته وساعته إلى المينا وصاح على البحرية وقال لهم: تجهزوا وحلوا القلوع. ففعلوا ما أمرهم به وسافروا، ولم يزالوا مسافرين ليلا ونهارا حتى أشرفوا على مدينة إسكندرية في الساعة التي طلع فيها نور الدين من السفينة وترك فيها السيدة مريم، وكان من جملة الإفرنج الوزير الأعور الذي كان اشتراها من نور الدين، فرأوا السفينة مربوطة فعرفوها، فربطوا مراكبهم بعيدا عنها وأتوا إليها في مركب صغير من مراكبهم يعوم على ذراعين من الماء، وفي ms1980 ذلك المركب مائة مقاتل، ومن جملتهم الوزير الأعور الأعرج؛ لأنه كان جبارا عنيدا، وشيطانا مريدا، ولصا محتالا لا يقدر أحد على احتياله، يشبه أبا محمد البطال؛ ولم يزالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى تلك السفينة، فهجموا عليها وحملوا حملة واحدة، فلم يجدوا فيها أحدا إلا السيدة مريم، فأخذوها هي والسفينة التي هي فيها بعد أن طلعوا على الشاطئ وأقاموا زمنا طويلا، ثم عادوا من وقتهم وساعتهم إلى مراكبهم وقد فازوا ببغيتهم من غير قتال ولا شهر سلاح، ورجعوا قاصدين بلاد الروم، وسافروا وقد طاب لهم الريح، ولم يزالوا مسافرين على حماية إلى أن وصلوا إلى مدينة إفرنجة، وطلعوا بالسيدة مريم إلى أبيها وهو في تخت مملكته؛ فلما نظر إليها أبوها قال لها: ويلك يا خائنة، كيف تركت دين الآباء والأجداد وحصن المسيح الذي عليه الاعتماد، واتبعت دين الإسلام الذي قام بالسيف على رغم الصليب والأصنام؟ فقالت له مريم: أنا ما لي ذنب؛ لأني خرجت في الليل إلى الكنيسة لأزور السيدة مريم وأتبرك بها، فبينما أنا في غفلة وإذا بسراق المسلمين قد هجموا علي وسدوا فمي وشدوا وثاقي، وحطوني في السفينة وسافروا بي إلى بلادهم، فخادعتهم وتكلمت معهم في دينهم إلى أن فكوا وثاقي، وما صدقت أن رجالك أدركوني وخلصوني، وأنا وحق المسيح والدين الصحيح، وحق الصليب ومن صلب عليه، قد فرحت بفكاكي من أيديهم غاية الفرح، واتسع صدري وانشرح، حيث خلصت من أسر المسلمين. فقال لها أبوها: كذبت يا فاجرة يا عاهرة، وحق ما في محكم الإنجيل من منزل التحريم والتحليل، لا بد لي من أن أقتلك أقبح قتلة، وأمثل بك أشنع مثلة، أما كفاك الذي فعلته في الأول ودخل علينا محالك، حتى رجعت إلينا ببهتانك؟ ثم إن الملك أمر بقتلها وصلبها على باب القصر، فدخل عليه الوزير الأعور في تلك الساعة وكان مغرما بحبها قديما وقال له: أيها الملك، لا تقتلها وزوجني بها، وأنا أحرص عليها غاية الحرص، وما أدخل عليها حتى أبني لها قصرا من الحجر الجلمود، وأعلي ms1981 بنيانه حتى لا يستطيع أحد من السارقين الصعود على سطحه، وإذا فرغت من بنيانه ذبحت على بابه ثلاثين من المسلمين، وأجعلهم قربانا للمسيح عني وعنها. فأنعم عليه الملك بزواجها، وأذن للقسيسين والرهبان والبطارقة أن يزوجوها له، فزوجوها للوزير الأعور، وأذن أن يشرعوا لها في بنيان قصر مشيد يليق بها، فشرعت العمال في العمل. # هذا ما كان من أمر الملكة مريم وأبيها والوزير الأعور، وأما ما كان من أمر نور الدين والشيخ العطار، فإن نور الدين لما توجه إلى العطار صاحب أبيه واستعار من زوجته إزارا ونقابا وخفا وثيابا كثياب نساء إسكندرية، ورجع بها إلى البحر وقصد السفينة التي فيها السيدة مريم، فوجد الجو قفرا والمزار بعيدا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 886 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن نور الدين لما وجد الجو قفرا والمزار بعيدا، صار قبله حزينا، فبكى بدمع متواتر، وأنشد قول الشاعر: # سرى طيف سعدى طارقا فاستفزني %~% سحيرا وصحبي في الفلاة رقود ~~فلما انتبهنا للخيال الذي سرى %~% أرى الجو قفرا والمزار بعيد # فمشى نور الدين على شاطئ البحر يتلفت يمينا وشمالا، فرأى ناسا مجتمعين على الشاطئ وهم يقولون: يا مسلمين، ما بقي لمدينة إسكندرية حرمة حتى صار الإفرنج يدخلونها ويخطفون من فيها ويعودون إلى بلادهم على هينة، ولا يخرج وراءهم أحد من المسلمين ولا من العساكر المغازين؟! فقال لهم نور الدين: ما الخبر؟ فقالوا له: يا ولدي، إن مركبا من مراكب الإفرنج فيه عساكر هجموا في تلك الساعة على تلك المينا، وأخذوا سفينة كانت راسية هنا بمن فيها، وراحوا على حماية إلى بلادهم. فلما سمع نور الدين كلامهم وقع مغشيا عليه، فلما أفاق سألوه عن قضيته، فأخبرهم بخبره من الأول إلى الآخر، فلما فهموا خبره صار كل منهم يشتمه ويسبه ويقول له: لأي شيء ما تخرجها إلا بإزار ونقاب؟ وسار كل واحد من الناس يقول له كلاما مؤلما، ومنهم من يقول: خلوه في حاله يكفيه ما جرى له. وصار كل واحد يوجعه ms1982 بالكلام ويرميه بسهام الملام حتى وقع مغشيا عليه، فبينما الناس مع نور الدين على تلك الحالة، وإذا بالشيخ العطار مقبلا فرأى الناس مجتمعين، فتوجه إليهم ليعرف الخبر، فرأى نور الدين راقدا بينهم وهو مغشي عليه، فقعد عند رأسه ونبهه، فلما أفاق قال له: يا ولدي، ما هذا الحال الذي أنت فيه؟ فقال له: يا عم، إن الجارية التي كانت راحت مني قد جئت بها من مدينة أبيها في مركب، وقاسيت ما قاسيت في المجيء بها، فلما وصلت بها إلى هذه المدينة ربطت السفينة في البر وتركت الجارية فيها، وذهبت إلى منزلك وأخذت من زوجتك مصالح للجارية لأطلعها بها إلى المدينة، فجاء الإفرنج وأخذوا السفينة والجارية فيها، وراحوا على حماية حتى وصلوا إلى مراكبهم. # فلما سمع الشيخ العطار من نور الدين هذا الكلام، صار الضياء في وجهه ظلاما، وتأسف على نور الدين تأسفا عظيما، وقال له: يا ولدي، لأي شيء ما أخرجتها من السفينة إلى المدينة من غير إزار؟ ولكن في هذا الوقت ما ينفع الكلام، قم يا ولدي واطلع معي إلى المدينة، لعل الله يرزقك بجارية أحسن منها، فتتسلى بها عنها، والحمد لله الذي ما خسرك فيها شيئا، بل حصل لك الربح فيها، واعلم يا ولدي أن الاتصال والانفصال بيد الملك المتعال. فقال له نور الدين: والله يا عم إني ما أقدر أن أسلاها أبدا، ولا أترك طلبها ولو سقيت من أجلها كأس الردى. فقال له العطار: يا ولدي، وأي شيء في ضميرك تريد أن تفعله؟ فقال له: نويت أن أرجع إلى بلاد الروم، وأدخل إلى مدينة إفرنجة، وأخاطر بنفسي، فإما عليها وإما لها. فقال له: يا ولدي، إن في الأمثال السائرة: «ما كل مرة تسلم الجرة.» وإن كانوا ما فعلوا بك في المرة الأولى شيئا، ربما يقتلونك في هذه المرة، لا سيما وقد عرفوك حق المعرفة. فقال نور الدين: يا عم، دعني أسافر وأقتل في هواها سريعا ولا أقتل بتركها صبرا وتحسرا. # وكان بمصادفة القدر مركب راس في المينا ms1983 مجهز للسفر وركابه، قد قضى جميع أشغاله، وفي تلك الساعة قلعوا أوتاده، فنزل فيه نور الدين وسافر ذلك المركب مدة أيام، وقد طاب لركابه الوقت والريح، فبينما هم سائرون وإذا بمركب من مراكب الإفرنج دائر في البحر العجاج، لا يرون مركبا إلا يأسرونه خوفا على بنت الملك من سراق المسلمين، وإذا أخذوا مركبا يوصلون جميع من فيه إلى ملك إفرنجة، فيذبحهم ويوفي بهم نذره الذي كان نذره من أجل ابنته مريم، فرأوا المركب الذي فيه نور الدين فأسروه وأخذوا كل من كان فيها وأتوا بهم إلى الملك أبي مريم، فلما أوقفوهم بين يديه وجدهم مائة رجل من المسلمين، فأمر بذبحهم في الوقت والساعة، ومن جملتهم نور الدين، فذبحوهم كلهم ولم يبق منهم غير نور الدين، وكأن الجلاد قد أخره شفقة عليه لصغر سنه ورشاقة قده، فلما رآه الملك عرفه حق المعرفة، فقال: أما أنت نور الدين الذي كنت عندنا في المرة الأولى قبل هذه المرة؟ فقال له: ما كنت عندكم، وليس اسمي نور الدين، وإنما اسمي إبراهيم. فقال له الملك: تكذب، بل أنت نور الدين الذي وهبتك للعجوز القيمة على الكنيسة لتساعدها في خدمة الكنيسة. فقال نور الدين: يا مولاي، أنا اسمي إبراهيم. فقال له الملك: إن العجوز قيمة الكنيسة إذا حضرت ونظرتك تعرف هل أنت نور الدين أم غيره. فبينما هم في الكلام وإذا بالوزير الأعور الذي تزوج بنت الملك قد دخل في تلك الساعة وقبل الأرض بين أيادي الملك، وقال له: أيها الملك، اعلم أن القصر قد فرغ بنيانه، وأنت تعرف أني نذرت للمسيح إذا فرغت من بنائه أن أذبح على بابه ثلاثين من المسلمين، وقد أتيتك لآخذ من عندك ثلاثين مسلما فأذبحهم وأوفي بهم نذر المسيح، ويكونوا في ذمتي على سبيل القرض، ومتى جاءني أسارى أعطيتك بدلهم. فقال الملك: وحق المسيح والدين الصحيح، ما بقي عندي غير هذا الأسير. وأشار إلى نور الدين، وقال له: خذه واذبحه في هذه الساعة حتى أرسل إليك البقية إذا جاءني أسارى ms1984 من المسلمين. فعند ذلك قام الوزير الأعور وأخذ نور الدين ومضى به إلى القصر ليذبحه على عتبة بابه، فقال له الدهانون: يا مولانا، بقي علينا من الدهان شغل يومين، فاصبر علينا وأخر ذبح هذا الأسير حتى نفرغ من الدهان، عسى أن يأتي إليك بقية الثلاثين فتذبح الجميع دفعة واحدة، وتوفي بنذرك في يوم واحد. فعند ذلك أمر الوزير بحبس نور الدين. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 887 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير لما أمر بحبس نور الدين أخذوه مقيدا جائعا عطشانا يتحسر على نفسه وقد نظر الموت بعينه، وكان بالأمر المقدر والقضاء المبرم للملك حصانان أخوان شقيقان، أحدهما اسمه سابق والآخر اسمه لاحق، وكانت بحسرة تحصيل واحد منهما الملوك الأكاسرة، وكان أحدهما أشهب نقيا، والآخر أدهم كالليل الحالك، وكان ملوك الجزائر جميعا يقولون: كل من سرق لنا حصانا من هذين الحصانين نعطيه جميع ما يطلبه من الذهب الأحمر والدر والجوهر، فلم يقدر أحد على سرقة واحد من هذين الحصانين، فحصل لأحدهما مرض في عينيه، فأحضر الملك جميع البياطرة لدوائه فعجزوا عنه كلهم، فدخل على الملك الوزير الأعور الذي تزوج ابنته، فرآه مهموما من قبل ذلك الحصان، فأراد أن يزيل همه فقال: أيها الملك، أعطني هذا الحصان وأنا أداويه. فأعطاه له، فنقله إلى الإصطبل الذي محبوس فيه نور الدين، فلما فارق هذا الحصان أخاه، صاح صيحة عظيمة وصهل حتى أزعج الناس من الصياح، فعرف الوزير أنه ما حصل منه هذا الصياح إلا لفراقه من أخيه، فراح وأعلم الملك بذلك، فلما تحقق الملك كلامه قال: إذا كان ذلك حيوانا ولم يصبر على فراق أخيه، فكيف بذوي العقول؟ ثم أمر الغلمان أن ينقلوا الحصان عند أخيه بدار الوزير زوج مريم، وقال لهم: قولوا للوزير إن الملك يقول لك إن الحصانين إنعام منه عليك لأجل خاطر ابنته مريم. # فبينما نور الدين نائم في الإصطبل وهو مقيد مكبل، إذ نظر الحصانين فوجد على عيني أحدهما غشاوة، وكان عنده ms1985 بعض معرفة بأحوال الخيل وممارسة دوائها، فقال في نفسه: هذا والله وقت فرصتي، فأقوم وأكذب على الوزير وأقول له أنا أداوي هذا الحصان، وأعمل له شيئا يتلف عينيه فيقتلني وأستريح من هذه الحياة الذميمة. ثم إن نور الدين انتظر الوزير إلى أن دخل الإصطبل ينظر الحصانين، فلما دخل قال له نور الدين: يا مولاي، أي شيء يكون لي عليك إذا أنا داويت لك هذا الحصان، وأعمل له شيئا يطيب عينيه؟ فقال له الوزير: وحياة رأسي إن داويته أعتقك من الذبح، وأخليك تتمنى علي. فقال له: يا مولاي، مر بفك قيدي. فأمر الوزير بإطلاقه، فنهض نور الدين وأخذ زجاجا بكرا وسحقه، وأخذ جيرا بلا طفي وخلطه بماء البصل، ثم وضع الجميع في عيني الحصان وربطهما، وقال في نفسه: الآن تغور عيناه فيقتلوني وأستريح من هذه العيشة الذميمة. # ثم إن نور الدين نام تلك الليلة بقلب خال من وسواس الهم، وتضرع إلى الله تعالى وقال: يا رب، في علمك ما يغني عن السؤال. فلما أصبح الصباح وأشرقت الشمس على الروابي والبطاح، جاء الوزير إلى الإصطبل وفك الرباط عن عيني الحصان ونظر إليهما، فرآهما أحسن عيون ملاح بقدرة الملك الفتاح. فقال له الوزير: يا مسلم، ما رأيت في الدنيا مثلك في حسن معرفتك، وحق المسيح والدين الصحيح إنك أعجبتني غاية الإعجاب، فإنه عجز عن دواء هذا الحصان كل بيطار في بلادنا. ثم تقدم إلى نور الدين وحل قيده بيده، ثم ألبسه حلة سنية وجعله ناظرا على خيله، ورتب له مرتبات وجرايات، وأسكنه في طبقة على الإصطبل، وكان في القصر الجديد الذي بناه للسيدة مريم شباك مطل على بيت الوزير وعلى الطبقة التي فيها نور الدين، فقعد نور الدين مدة أيام يأكل ويشرب، ويتلذذ ويطرب، ويأمر وينهى على خدمة الخيل، وكل من غاب منهم ولم يعلق على الخيل المربوطة على الطوالة التي فيها خدمته، يرميه ويضربه ضربا شديدا، ويضع في رجليه القيد الحديد. وفرح الوزير بنور الدين غاية الفرح، واتسع صدره وانشرح، ولم يدر ms1986 ما يئول أمره إليه. وكان نور الدين كل يوم ينزل إلى الحصانين ويمسحهما بيده لما يعلم من معزتهما عند الوزير ومحبته لهما، وكان للوزير الأعور بنت بكر في غاية الجمال، كأنها غزال شارد وغصن مائد، فاتفق أنها كانت جالسة ذات يوم من الأيام في الشباك المطل على بيت الوزير، وعلى المكان الذي فيه نور الدين، إذ سمعت نور الدين يغني ويسلي نفسه على المشقات، بإنشاد هذه الأبيات: # يا عاذلا أصبح في ذاته %~% منعما يزهو بلذاته ~~لو عضك الدهر بآفاته %~% لقلت من ذوق مراراته ~~آه من العشق وحالاته %~% أحرق قلبي بحراراته ~~لكن سلمت اليوم من غدره %~% ومن تناهيه ومن جوره ~~فلا تلم من حار في أمره %~% وقال من فرط صباباته ~~آه من العشق وحالاته %~% أحرق قلبي بحراراته ~~كن عاذر العشاق في حالهم %~% ولا تكن عونا على عذلهم ~~إياك أن تشتد في حبلهم %~% مجرعا من مر لوعاته ~~آه من العشق وحالاته %~% أحرق قلبي بحراراته ~~قد كنت من قبلك بين العباد %~% كمثل من بات خلي الفؤاد ~~لم أعرف العشق وطعم السهاد %~% حتى دعاني لمقاماته ~~آه من العشق وحالاته %~% أحرق قلبي بحراراته ~~لم يدر ما العشق وما ذله %~% إلا الذي أسقمه طوله ~~وضاع منه في الهوى عقله %~% وشربه من مر جرعاته ~~آه من العشق وحالاته %~% أحرق قلبي بحراراته ~~كم عين صب في الدجى أسهر %~% وأحرم الجفن لذيذ الكرى ~~وكم أسال دمعه أنهرا %~% تجري على الخد بلوعاته ~~آه من العشق وحالاته %~% أحرق قلبي بحراراته ~~كم في الورى من مغرم مستهام %~% سهران من وجد بعيد المنام ~~ألبسه ثوب الضنى والسقام %~% من قد نفى عنه مناماته ~~آه من العشق وحالاته %~% أحرق قلبي بحراراته ~~كم قل صبري وبرى أعظمي %~% وسال دمعي منه كالعندم ~~مهفهف أمر من مطعمي %~% ما كان حلوا في مذاقاته ~~آه من العشق وحالاته %~% أحرق قلبي بحراراته ~~مسكين من في الناس مثلي عشق %~% وبات في جنح الليالي أرق ~~إن عام في بحر التجافي غرق %~% يشكو من العشق وزفراته ~~آه من العشق وحالاته %~% أحرق قلبي بحراراته ~~من ms1987 ذا الذي بالعشق لم يبتل %~% ومن نجا من كيده الأسهل ~~ومن يعش منه بعيش الخلي %~% وأين من فاز براحاته ~~آه من العشق وحالاته %~% أحرق قلبي بحراراته ~~يا رب دبر من به قد بلي %~% واكفله نعم أنت من كافل ~~وارزقه منك بالثبات الجلي %~% والطف به في كل آفاته ~~آه من العشق وحالاته %~% أحرق قلبي بحراراته # فلما استتم نور الدين أقصى كلامه، وفرغ من شعره ونظامه، قالت في نفسها بنت الوزير: وحق المسيح والدين الصحيح، إن هذا المسلم شاب مليح، ولكنه لا شك عاشق مفارق، فيا ترى هل معشوق هذا الشاب مليح مثله؟ وهل عنده مثل ما عنده أم لا؟ فإن كان معشوقه مليحا مثله يحق له إسالة العبرات وشكوى الصبابات، وإن كان غير مليح فقد ضيع عمره في الحسرات، وحرم طعم اللذات. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 888 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بنت الوزير قالت في نفسها: فإن كان معشوقه مليحا يحق له إسالة العبرات، وإن كان غير مليح فقد ضيع عمره في الحسرات. وكانت مريم الزنارية زوجة الوزير قد نقلت إلى القصر أمس ذلك اليوم، وعلمت منها بنت الوزير ضيق الصدر، فعزمت أن تذهب إليها وتحدثها بخبر هذا الغلام، وما سمعت منه من النظام، فما استتمت الفكر في هذا الكلام، حتى أرسلت خلفها السيدة مريم زوجة أبيها لأجل أن تؤانسها بالحديث، فذهبت إليها فرأت صدرها ضيقا ودموعها جارية على خدها، وهي تبكي بكاء شديدا ما عليه من مزيد، تكفكف العبرات وتنشد هذه الأبيات: # مضى عمري وعمر الوجد باق %~% وصدري ضاق من فرط اشتياقي ~~وقلبي ذاب من ألم الفراق %~% يؤمل عود أيام التلاقي # أقلوا اللوم عن مسلوب قلب %~% نحيل الجسم من شوق وكرب ~~ولا ترموا هواه بسهم عتب %~% فما في الكون أشقى من محب # فقالت بنت الوزير للسيدة مريم: ما لك أيتها الملكة ضيقة الصدر مشتتة الفكر؟ فلما سمعت السيدة مريم كلام بنت الوزير تذكرت ما فات من عظيم اللذات، وأنشدت هذين البيتين: # سأصبر ms1988 توطينا على هجر صاحبي %~% وأرسل در الدمع نثرا على نثر ~~عسى فرج يأتي به الله إنه %~% طوى كل يسر تحت جانحة العسر # فقالت لها بنت الوزير: أيتها الملكة، لا تضيقي صدرا وقومي معي في هذه الساعة إلى شباك القصر، فإن عندنا في الإصطبل شابا مليحا رشيق القوام حلو الكلام كأنه عاشق مفارق. فقالت لها السيدة مريم: بأي علامة عرفت أنه عاشق مفارق؟ فقالت لها بنت الوزير: أيتها الملكة، عرفت ذلك بإنشاده القصائد والأشعار آناء الليل وأطراف النهار. فقالت السيدة مريم في نفسها: إن كان قول بنت الوزير بيقين، فهذه صفات الكئيب المسكين علي نور الدين، فيا هل ترى هو ذلك الشاب الذي ذكرته بنت الوزير؟ ثم إن السيدة مريم زاد بها العشق والهيام، والوجد والغرام، فقامت من وقتها وساعتها ومشت مع بنت الوزير إلى الشباك ونظرت منه، فرأت محبوبها وسيدها نور الدين، ودققت النظر فيه فعرفته حق المعرفة، ولكنه سقيم من كثرة عشقه لها ومحبته إياها، ومن نار الوجد وألم الفراق والوله والاشتياق، قد زاد به النحول فصار ينشد ويقول: # القلب مملوك وعيني جاريه %~% ليس لها سحابة مجاريه ~~بين بكائي وسهادي والجوى %~% والنوح والحزن على أحبابيه ~~وا حرقتي وا حسرتي وا لوعتي %~% تكاملت أعدادها ثمانيه ~~وتابعتها خمسة في خمسة %~% ألا قفوا واستمعوا مقاليه ~~ذكر وفكر وزفير وضنى %~% وفرط شوق واشتغال باليه ~~في محنة وغربة وصبوة %~% ولهفة وفرحة ترانيه ~~قل اصطباري واحتمالي للجوى %~% لما نأى صبري دنا محاليه ~~قد زاد في قلبي تباريح الجوى %~% يا سائلا عن نار قلبي ما هيه ~~ما بال دمعي موقدا في مهجتي %~% فنار قلبي لا تزال حاميه ~~أصبحت في طوفان دمعي غارقا %~% ومن لظى هذا الهوى في هاويه # فلما رأت السيدة مريم سيدها نور الدين وسمعت بليغ شعره وبديع نثره، وتحققت أنه هو، ولكنها كتمت أمرها عن بنت الوزير وقالت لها: وحق المسيح والدين الصحيح، ما كنت أحسب أن عندك خبرا بضيق صدري. ثم نهضت من وقتها وساعتها وقامت من الشباك ورجعت إلى مكانها، ومضت بنت ms1989 الوزير إلى شغلها، ثم صبرت السيدة مريم ساعة زمانية ورجعت إلى الشباك وجلست فيه، وصارت تنظر إلى سيدها نور الدين وتتأمل في لطفه ورقة معانيه، فرأته كالبدر إذا بدر في ليلة أربعة عشر، لكنه دائم الحسرات جاري العبرات؛ لأنه تذكر ما فات، فأنشد هذه الأبيات: # أملت وصل أحبتي ما نلته %~% أبدا ومر العيش قد واصلته ~~دمعي يحاكي البحر في جريانه %~% وإذا رأيت عواذلي كفكفته ~~آه على داع دعا بفراقنا %~% لو نلت منه لسانه لقطعته ~~لا عتب للأيام في أفعالها %~% مزجت بصرف المر ما جرعته ~~فلمن أسير إلى سواكم قاصدا %~% والقلب في عرصاتكم خلفته ~~من منصفي من ظالم متحكم %~% يزداد ظلما كلما حكمته ~~ملكته روحي ليحفظ ملكه %~% فأضاعني وأضاع ما ملكته ~~أنفقت عمري في هواه وليتني %~% أعطى وصالا بالذي أنفقته ~~يا أيها الرشأ الملم بمهجتي %~% يكفي من الهجران ما قد ذقته ~~أنت الذي جمع المحاسن وجهه %~% لكن عليه تصبري فرقته ~~أحللته قلبي فحل به البلا %~% إني لراض بالذي أحللته ~~وجرت دموعي مثل بحر زاخر %~% لو كنت أعرف مسلكا لسلكته ~~وخشيت خوفا أن أموت بحسرة %~% ويفوت مني كل ما أملته # فلما سمعت مريم من نور الدين العاشق المفارق المسكين إنشاد هذه الأشعار، حصل عندها من كلامه إشعار، فأفاضت دموع العين وأنشدت هذين البيتين: # تمنيت من أهوى فلما لقيته %~% ذهلت فلم أملك لسانا ولا طرفا ~~وكنت معدا للعتاب دفاترا %~% فلما اجتمعنا ما وجدت ولا حرفا # فلما سمع نور الدين كلام السيدة مريم عرفها، فبكى بكاء شديدا وقال: والله إن هذه نغمة السيدة مريم الزنارية بلا شك ولا ريب ولا رجم الغيب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 889 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن نور الدين لما سمعها تنشد الأشعار قال في نفسه: إن هذه نغمة السيدة مريم بلا شك ولا ريب ولا رجم غيب، فيا ترى هل ظني صحيح وأنها هي بعينها أم غيرها؟ ثم إن نور الدين زادت به الحسرات، فتأوه وأنشد هذه الأبيات: # لما رآني لائمي ms1990 في الهوى %~% صادفت حبي في مكان رحيب ~~ولم أفه بالعتب عند اللقا %~% ورب عتب فيه برء الكئيب ~~فقال: ما هذا السكوت الذي %~% صدك عن رد الجواب المصيب؟ ~~فقلت: يا من قد غدا جاهلا %~% بحال أهل العشق كالمستريب ~~علامة العاشق في عشقه %~% سكوته عند لقاء الحبيب # فلما فرغ من شعره أحضرت السيدة مريم دواة وقرطاسا، وكتبت فيه بعد البسملة الشريفة: «أما بعد، فسلام الله عليك ورحمته وبركاته، وأخبرك أن الجارية مريم تسلم عليك، وهي كثيرة الشوق إليك، وهذه مراسلتها إليك، فساعة وقوع هذه الورقة بين يديك، انهض من وقتك وساعتك واهتم بما تريده منك غاية الاهتمام، والحذر كل الحذر من المخالفة ومن أن تنام، فإذا مضى ثلث الليل الأول، فإن تلك الساعة من أسعد الأوقات، فلا يكون لك فيها شغل إلا أن تشد الفرسين وتخرج بهما خارج المدينة، وكل من قال لك: أين أنت رائح؟ فقل له: أنا رائح أسيرهما. فإذا قلت ذلك لا يمنعك أحد، فإن أهل هذه المدينة واثقون بقفل الأبواب.» # ثم إن السيدة مريم لفت الورقة في منديل حرير ورمتها إلى نور الدين من الشباك، فأخذها وقرأها وفهم ما فيها وعرف أنه خط السيدة مريم، فقبلها ووضعها بين عينيه، وتذكر ما حصل له معها من طيب الوصال، فأسال دمع العين وأنشد هذين البيتين: # أتاني كتاب منكم جنح ليلة %~% فهيجني شوقا إليكم وأبراني ~~وذكرني عيشا مضى بوصالكم %~% فسبحان ربي بالتفرق أبلاني # ثم إن نور الدين لما جن عليه الليل، اشتغل بإصلاح الحصانين، وصبر حتى مضى من الليل ثلثه الأول، ثم قام من وقته وساعته إلى الحصانين، ووضع عليهما سرجين من أحسن السروج، وخرج بها من باب الإصطبل وقفل الباب وسار بهما إلى باب المدينة، وجلس ينتظر السيدة مريم. # هذا ما كان من أمر نور الدين، وأما ما كان من أمر الملكة مريم، فإنها ذهبت من وقتها وساعتها إلى المجلس الذي هو معد لها في ذلك القصر، فوجدت الوزير الأعور جالسا في ذلك المجلس متكئا على مخدة محشوة من ريش ms1991 النعام، وهو مستح أن يمد يده إليها أو يخاطبها، فلما رأته ناجت ربها في قلبها وقالت: اللهم لا تبلغه مني أربا، ولا تحكم علي بالنجاسة بعد الطهارة. ثم أقبلت عليه وأظهرت له المودة، وجلست في جانبه ولاطفته وقالت له: يا سيدي، ما هذا الإعراض عنا؟ هل هو منك تيه ودلال علينا؟ ولكن صاحب المثل السائر يقول: «إذا بار السلام سلمت القعود على القيام.» فإن كنت يا سيدي ما تجيء عندي وتخاطبني، أجيء أنا عندك وأخاطبك. فقال لها الوزير: الفضل والجميل لك يا ملكة الأرض في الطول والعرض، وهل أنا إلا من بعض خدامك وأقل غلمانك؟ وإنما أنا مستح أن أتهجم على مخاطبتك الفخيمة أيتها الدرة اليتيمة، ووجهي منك في الأرض. فقالت له: دعنا من هذا الكلام وآتنا بالمأكل والمشرب. فعند ذلك صاح الوزير على جواريه وخدمه، وأمرهم بإحضار المأكل والمشرب، فقدموا له سفرة فيها ما درج وطار وسبح في البحار، من قطا وسمان وأفراخ الحمام، ورضيع الضأن وإوز سمين، وفيها دجاج محمر وفيها سائر الأشكال والألوان. فمدت السيدة مريم يدها إلى السفرة وأكلت وصارت تلقم الوزير وتبوسه في فمه، وما زالا يأكلان حتى اكتفيا من الأكل، ثم غسلا أيديهما، وبعد ذلك رفع الخدم سفرة الطعام وأحضروا سفرة المدام، فصارت مريم تملأ وتشرب وتسقيه، وقامت بخدمته حق القيام حتى كاد أن يطير قلبه من الفرح، واتسع صدره وانشرح، فلما غاب عقله عن الصواب، وتمكن منه الشراب، مدت يدها إلى جيبها وأخرجت منه قرصا من البنج البكر المغربي، الذي إذا شم منه الفيل أدنى رائحة نام من العام إلى العام، كانت أعدته لهذه الساعة، ثم غافلت الوزير وفركته في القدح وملأته وأعطته إياه، فطار عقله من الفرح وما صدق أنها تناوله إياه، فأخذ القدح وشربه، فما استقر في جوفه حتى خر صريعا على الأرض في الحال، فقامت السيدة مريم على قدميها وعمدت إلى خرجين كبيرين وملأتهما مما خف حمله وغلا ثمنه، من الجواهر واليواقيت وأصناف المعادن المثمنة، ثم حملت معها شيئا من ms1992 المأكل والمشرب، ولبست آلة الحرب والكفاح من العدة والسلاح، وأخذت معها لنور الدين ما يسره من الملابس الملوكية الفاخرة وأهبة السلاح القاهرة، ثم إنها رفعت الخرجين على أكتافها وخرجت من القصر، وكانت ذات قوة وشجاعة، وتوجهت إلى نور الدين. هذا ما كان من أمر مريم، وأما ما كان من أمر نور الدين ... وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 890 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مريم لما خرجت من القصر توجهت إلى نور الدين، وكانت ذات قوة وشجاعة. هذا ما كان من أمر مريم، وأما ما كان من أمر نور الدين العاشق المسكين، فإنه قعد على باب المدينة ينتظرها ومقاود الحصانين في يده، فأرسل الله عز وجل عليه النوم، فنام وسبحان من لا ينام، وكانت ملوك الجزائر في ذلك الزمان يبذلون المال رشوة على سرقة هذين الحصانين أو واحد منهما، وكان موجودا في تلك الأيام عبد أسود تربى في الجزائر يعرف بسرقة الخيل، فصار ملوك الإفرنج يرشونه بمال كثير لأجل أن يسرق أحد الحصانين، ووعدوه أنه إن سرق الحصانين يعطوه جزيرة كاملة، ويخلعوا عليه خلعا سنية، وقد كان لذلك العبد زمان طويل يدور في مدينة إفرنجة وهو متخف، فلم يقدر على أخذ الحصانين وهما عند الملك، فلما وهبهما للوزير الأعور ونقلهما إلى إصطبله، فرح العبد فرحا شديدا وطمع في أخذهما وقال: وحق المسيح والدين الصحيح لأسرقنهما. # ثم إن العبد خرج في تلك الليلة قاصدا ذلك الإصطبل ليسرق الحصانين، فبينما هو ماش في الطريق؛ إذ لاحت منه التفاتة فرأى نور الدين نائما ومقاود الحصانين في يده، فنزع المقاود من رأسيهما وأراد أن يركب واحدا ويسوق الآخر قدامه، وإذا بالسيدة مريم قد أقبلت وهي حاملة الخرجين على كتفها، فظنت أن العبد هو نور الدين، فناولته أحد الخرجين فوضعه على الحصان، ثم ناولته الثاني فوضعه على الحصان الآخر وهو ساكت وهي تظن أنه نور الدين، ثم إنها خرجت من باب المدينة والعبد ساكت، فقالت له: يا سيدي نور الدين، ms1993 ما لك ساكت؟ فالتفت العبد إليها وهو مغضب وقال لها: أي شيء تقولين يا جارية؟ فسمعت بربرة العبد، فعرفت أنها غير لغة نور الدين، فرفعت رأسها إليه ونظرته فوجدت له مناخير كالإبريق، فلما نظرته صار الضياء في وجهها ظلاما. فقالت له: من تكون يا شيخ بني حام؟ وما اسمك بين الأنام؟ فقال لها: يا بنت اللئام، أنا اسمي مسعود سراق الخيل والناس نيام. فما ردت عليه بشيء من الكلام، بل جردت من وقتها الحسام وضربته على عاتقه، فطلع يلمع من علائقه، فوقع صريعا على الأرض يختبط في دمه، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار. # فعند ذلك أخذت السيدة مريم الحصانين وركبت واحدا منهما، وقبضت الآخر بيدها ورجعت على عقبها تفتش على نور الدين، فلقيته راقدا في المكان الذي واعدته بالاجتماع فيه، والمقاود في يده وهو نائم يغط في نومه، ولم يعرف يديه من رجليه، فنزلت عن ظهر الحصان ولكزته بيدها، فانتبه من نومه مرعوبا، وقال لها: يا سيدتي، الحمد لله على مجيئك سالمة. فقالت له: قم اركب هذا الحصان وأنت ساكت. فقام وركب الحصان والسيدة مريم ركبت الحصان الثاني، وخرجا من المدينة وسارا ساعة زمانية، وبعد ذلك التفتت مريم إلى نور الدين وقالت له: أما قلت لك لا تنم؟ فإنه لا أفلح من ينام. فقال: يا سيدتي، أنا ما نمت إلا من برد فؤادي بميعادك، وأي شيء جرى يا سيدتي؟ فأخبرته بحكاية العبد من المبتدأ إلى المنتهى، فقال لها نور الدين: الحمد لله على السلامة، ثم جدا في إسراع المسير، وقد أسلما أمرهما إلى اللطيف الخبير، وصارا يتحدثان حتى وصلا إلى العبد الذي قتلته السيدة مريم، فرآه مرميا في التراب كأنه عفريت، فقالت مريم لنور الدين: انزل جرده من ثيابه وخذ سلاحه. فقال لها: يا سيدتي، والله أنا لا أقدر أن أنزل عن ظهر الحصان ولا أقف عنده ولا أتقرب منه. وتعجب نور الدين من خلقته، وشكر السيدة مريم على فعلها، وتعجب من شجاعتها وقوة قلبها، ثم سارا ولم ms1994 يزالا سائرين سيرا عنيفا بقية الليل إلى أن أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، وانتشرت الشمس على الروابي والبطاح، فوصلا إلى مرج أفيح فيه الغزلان تمرح، وقد اخضرت منه الجوانب وتشكلت فيه الأثمار من كل جانب، وأزهاره كبطون الحيات والطيور فيه عاكفات، وجداوله تجري مختلفة الصفات، كما قال فيه الشاعر وأجاد، ووفى بالمراد: # وقاني لفحة الرمضاء واد %~% وفاه مضاعف النبت العميم ~~نزلنا دوحة فحنا علينا %~% حنو المرضعات على الفطيم ~~وأرشفنا على ظمأ زلالا %~% ألذ من المدامة للنديم ~~يصد الشمس أنى واجهتنا %~% فيحجبها ويأذن للنسيم ~~تروع حصاه حالية العذارى %~% فتلمس جانب الدر النظيم # وكما قال الآخر: # وإذا ترنم طيره وغديره %~% يشتاقه الولهان في الأسحار ~~فكأنه الفردوس في أكنافه %~% ظل وفاكهة وماء جار # فعند ذلك نزلت السيدة مريم هي ونور الدين ليستريحا في ذلك الوادي. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 891 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السيدة مريم ونور الدين لما نزلا في ذلك الوادي أكلا من أثماره، وشربا من أنهاره، وأطلقا الحصانين يأكلان في المرعى، فأكلا وشربا من ذلك الوادي، وجلس نور الدين هو ومريم يتحدثان ويتذكران حكايتهما وما جرى لهما، وكل منهما يشكو لصاحبه ما لاقاه من ألم الفراق، وما قاساه من البعد والاشتياق، فبينما هما كذلك وإذا بغبار قد ثار حتى سد الأقطار، وسمعا صهيل الخيل وقعقعة السلاح، وكان السبب في ذلك أن الملك لما زوج ابنته للوزير ودخل عليها في تلك الليلة وأصبح الصباح، أراد الملك أن يصبح عليها كما جرت به العادة عند الملوك في بناتهم، فقام وأخذ معه أقمشة الحرير ونثر الذهب والفضة ليتخاطفها الخدمة والمواشط، ولم يزل الملك يتمشى هو وبعض الغلمان إلى أن وصل إلى القصر الجديد، فوجد الوزير مرميا على الفرش لا يعرف رأسه من رجليه، فالتفت الملك في القصر يمينا وشمالا فلم ير ابنته فيه، فتكدر حاله واشتغل باله وأمر بإحضار الماء السخن والخل البكر والكندر، فلما أحضروا له ذلك خلطها ببعضها وسعط الوزير بهم، ثم هزه ms1995 فخرج البنج من جوفه كقطع الجبن. ثم إن الملك سعط الوزير بذلك ثاني مرة فانتبه، فسأله عن حاله وعن حال ابنته مريم، فقال له: أيها الملك الأعظم، لا علم لي بها، غير أنها أسقتني قدحا من الخمر بيدها، فمن ذلك الوقت ما عرفت روحي إلا في هذه الساعة، ولا أعلم ما كان من أمرها. فلما سمع الملك كلام الوزير، صار الضياء في وجهه ظلاما، وسحب السيف وضرب به الوزير على رأسه، فخرج يلمع من أضراسه، ثم إن الملك أرسل من وقته وساعته إلى الغلمان والسياس، فلما حضروا طلب منهم الحصانين، فقالوا له: أيها الملك، إن الحصانين فقدا في هذه الليلة، وكبيرنا فقد معهما أيضا، فإننا أصبحنا وجدنا الأبواب كلها مفتوحة. فقال الملك: وحق ديني وما يعتقده يقيني، ما أخذ الحصانين إلا ابنتي هي والأسير الذي كان يخدم الكنيسة، وكان قد أخذها في المرة الأولى، وعرفته حق المعرفة ولم يخلصه من يدي إلا هذا الوزير الأعور، وقد جوزي بفعله. # ثم إن الملك دعا في الوقت بأولاده الثلاثة، وكانوا أبطالا شجعانا، كل واحد منهم يقوم بألف فارس في حومة الميدان، ومقام الضرب والطعان، ثم صاح الملك عليهم وأمرهم بالركوب، فركبوا وركب الملك بجملتهم مع خواص بطارقته وأرباب دولته وأكابرهم، وصاروا يتبعون أثرهما، فلحقوهما في ذلك الوادي، فلما رأتهم مريم نهضت وركبت جوادها، وتقلدت بسيفها وحملت آلة سلاحها، وقالت لنور الدين: ما حالك؟ وكيف قلبك في القتال والحرب والنزال؟ فقال لها: إن ثباتي في النزال مثل ثبات الوتد في النخال. ثم أنشد وقال: # يا مريم اطرحي أليم عتابي %~% لا تقصدي قتلي وطول عذابي ~~من أين لي أني أكون محاربا %~% إني لأفزع من نعيق غراب ~~وإذا نظرت الفار أفزع خيفة %~% وأبول من خوفي على أثوابي ~~أنا لا أحب الطعن إلا خلوة %~% والكس يعرف سطوة الأزباب ~~هذا هو الرأي السديد وما يرى %~% من دون هذا الرأي غير صواب # فلما سمعت مريم من نور الدين هذا الكلام والشعر والنظام، أظهرت له الضحك والابتسام، وقالت له: يا ms1996 سيدي نور الدين، استقم مكانك وأنا أكفيك شرهم، ولو كانوا عدد الرمل. ثم إنها تهيأت من وقتها وساعتها، وركبت ظهر جوادها، وأطلقت من يدها طرف العنان، وأدارت من الرمح جهة السنان، فخرج ذلك الحصان من تحتها كأنه الريح الهبوب، أو الماء إذا اندفق من ضيق الأنبوب، وقد كانت مريم أشجع أهل زمانها وفريدة عصرها وأوانها؛ لأن أباها علمها وهي صغيرة الركوب على ظهر الخيل، وخوض بحار الحرب في ظلام الليل، وقالت لنور الدين: اركب جوادك وكن خلف ظهري، وإذا انهزمنا فاحرص على نفسك من الوقوع، فإن جوادك ما يلحقه لاحق. فلما نظر الملك إلى ابنته مريم، عرفها غاية المعرفة والتفت إلى ولده الأكبر وقال له: يا برطوط، يا ملقب برأس القلوط، إن هذه أختك مريم لا شك فيها ولا ريب، قد حملت علينا وطلبت حربنا وقتالنا، فابرز إليها واحمل عليها، وحق المسيح والدين الصحيح إنك إن ظفرت بها لا تقتلها حتى تعرض عليها دين النصارى، فإن رجعت إلى دينها القديم فارجع بها أسيرة، وإن لم ترجع إليه فاقتلها أقبح قتلة، ومثل بها أشنع مثلة، وكذلك هذا الملعون الذي معها مثل به أقبح مثلة. فقال له برطوط: السمع والطاعة. ثم برز لأخته مريم من وقته وساعته، وحمل عليها فلاقته وحملت عليه ودنت منه وتقربت إليه، فقال لها برطوط: يا مريم، أما يكفي ما جرى منك حيث تركت دين الآباء والأجداد، واتبعت دين السياحين في البلاد؟ (يعني دين الإسلام)، ثم قال: وحق المسيح والدين الصحيح، إن لم ترجعي إلى دين آبائك وأجدادك من الملوك، وتسلكي فيه أحسن السلوك، لأقتلنك شر قتلة وأمثل بك أقبح مثلة. فضحكت مريم من كلام أخيها وقالت: هيهات هيهات أن يعود ما فات، أو يعيش من مات، بل أجرعك أشد الحسرات، أنا والله لست براجعة عن دين محمد بن عبد الله الذي عم هداه، فإنه هو الدين الحق، فلا أترك الهدى ولو سقيت كئوس الردى. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 892 # قالت: بلغني ms1997 أيها الملك السعيد، أن مريم قالت لأخيها: هيهات هيهات أن أرجع عن دين محمد بن عبد الله، الذي عم هداه، فإنه دين الهدى، ولو سقيت كئوس الردى. فلما سمع الملعون برطوط من أخته هذا الكلام، صار الضياء في وجهه ظلاما، وعظم ذلك عليه وكبر لديه، والتهب بينهما القتال، واشتد الحرب والنزال، وغاص الاثنان في الأودية العراض الطوال، وصبرا على الشدائد وشخصت لهما الأبصار، فأخذهما الانبهار، ثم جالا مليا واعتركا طويلا، وصار برطوط كلما يفتح لأخته مريم بابا من الحرب، تبطله عليه وتسده بحسن صناعتها وقوة براعتها ومعرفتها وفروسيتها، ولم يزالا على تلك الحالة حتى انعقد على رأسيهما الغبار، وغاب الفارسان عن الأبصار، ولم تزل مريم تحاوله وتسد عليه طريقه حتى كل وبطلت همته، واضمحل عزمه وضعفت قوته، فضربته بالسيف على عاتقه فخرج من علائقه، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار. # ثم إن مريم جالت في حومة الميدان وموقف الحرب والطعان، وطلبت البراز وسألت الإنجاز. وقالت: هل من مقاتل؟ هل من مناجز؟ لا يبرز لي اليوم كسلان ولا عاجز، لا يبرز لي إلا أبطال أعداء الدين لأسقيهم كأس العذاب المهين، يا عبدة الأوثان وذوي الكفر والطغيان، هذا يوم تبيض فيه وجوه أهل الإيمان، وتسود وجوه أهل الكفر بالرحمن. فلما رأى الملك ولده الكبير قد قتل، لطم على وجهه وشق أثوابه، وصاح على ولده الوسطاني وقال له: يا برطوس، يا ملقب بخرء السوس، ابرز يا ولدي بسرعة إلى قتال أختك مريم، وخذ منها ثأر أخيك برطوط، وائتني بها أسيرة ذليلة حقيرة. فقال له: يا أبت، السمع والطاعة. ثم إنه برز لأخته مريم وحمل عليها، فلاقته وحملت عليه، فتقاتلت هي وإياه قتالا شديدا أشد من القتال الأول، فرأى أخوها الثاني نفسه عاجزا عن قتالها، فأراد الفرار والهروب، فلم يمكنه ذلك من شدة بأسها؛ لأنها كلما ركن إلى الفرار تقربت منه ولاصقته وضايقته، ثم ضربته بالسيف على رقبته، فخرج يلمع من لبه، وألحقته بأخيه. # وبعد ذلك جالت في حومة الميدان وموقف الحرب والطعان، ms1998 وقالت: أين الفرسان والشجعان؟ أين الوزير الأعور الأعرج صاحب الدين الأعوج؟ فعند ذلك صاح أبوها بقلب جريح، وطرف من الدمع قريح، وقال: إنها قتلت ولدي الأوسط، وحق المسيح والدين الصحيح. ثم إنه صاح على ولده الصغير وقال له: يا فسيان، يا ملقب بسلح الصبيان، اخرج يا ولدي إلى قتال أختك وخذ منها ثأر أخويك وصادمها، إما لك أو عليك، وإن ظفرت بها فاقتلها أقبح قتلة. فعند ذلك برز لها أخوها الصغير وحمل عليها، فنهضت إليه ببراعتها، وحملت عليه بحسن صناعتها وشجاعتها ومعرفتها بالحرب وفروسيتها، وقالت له: يا عدو الله وعدو المسلمين، لألحقنك بأخويك وبئس مثوى الكافرين. ثم إنها جذبت سيفها من غمده وضربته، فقطعت عنقه وذراعيه وألحقته بأخويه، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار. فلما رأى البطارقة والفرسان الذين كانوا راكبين مع أبيها أولاده الثلاثة قد قتلوا وكانوا أشجع أهل زمانهم، وقع في قلوبهم الرعب من السيدة مريم وأدهشتهم الهيبة، ونكسوا رءوسهم إلى الأرض وأيقنوا بالهلاك والدمار، والذل والبوار، واحترقت قلوبهم من الغيظ بلهيب النار، فولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار. # فلما نظر الملك إلى أولاده وقد قتلوا، وإلى عساكره وقد انهزموا، أخذته الحيرة والانبهار، واحترق قلبه بلهيب النار، وقال في نفسه: إن السيدة مريم قد استقلت بنا، وإن جازفت بنفسي وبرزت إليها وحدي، ربما غلبت علي وقهرتني فتقتلني أشنع قتلة، وتمثل بي أقبح مثلة كما قتلت إخوتها؛ لأنها لم يبق لها فينا رجاء، ولا لنا في رجوعها طمع، والرأي عندي أن أحفظ حرمتي وأرجع إلى مدينتي. ثم إن الملك أرخى عنان فرسه، ورجع إلى مدينته، فلما استقر في قصره انطلقت في قلبه النار من أجل قتل أولاده الثلاثة، وانهزام عسكره وهتك حرمته، فما استقر نصف ساعة حتى طلب أرباب دولته وكبراء مملكته، وشكا إليهم فعل ابنته مريم معه، من قتلها لإخوتها، وما لاقاه من القهر والحزن، واستشارهم، فأشاروا عليه كلهم أن يكتب كتابا إلى خليفة الله في أرضه أمير المؤمنين هارون الرشيد، ويعلمه بهذه القضية. فكتب إلى الرشيد مكتوبا ms1999 مضمونه: «بعد السلام على أمير المؤمنين، إن لنا بنتا اسمها مريم الزنارية، قد أفسدها علينا أسير من أسرى المسلمين اسمه نور الدين علي ابن التاجر تاج الدين المصري، وأخذها ليلا وخرج بها إلى ناحية بلاده، وأنا أسأل من فضل مولانا أمير المؤمنين أن يكتب إلى سائر بلاد المسلمين بتحصيلها وإرسالها إلينا مع رسول أمين.» وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 893 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ملك إفرنجة لما كتب إلى الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد كتابا يتضرع إليه فيه بطلب ابنته مريم، ويسأله من فضله أن يكتب إلى سائر بلاد المسلمين بتحصيلها وإرسالها مع رسول أمين، من خدام حضرة أمير المؤمنين، ومن جملة مضمون ذلك الكتاب: «إننا نجعل لكم في نظير مساعدتكم لنا على هذا الأمر، نصف مدينة رومة الكبرى لتبنوا فيها مساجد للمسلمين، ويحمل إليكم خراجها.» وبعد أن كتب الكتاب برأي أهل مملكته وكبراء دولته، طواه ودعا بوزيره الذي جعله وزيرا مكان الوزير الأعور، وأمره أن يختم الكتاب بختم الملك، وكذلك ختمه أرباب دولته بعد أن وضعوا خطوط أيديهم فيه، ثم قال لوزيره: إن أتيت بها فلك عندي إقطاع أميرين، وأخلع عليك خلعة بطرزين. ثم ناوله الكتاب وأمره أن يسافر إلى مدينة بغداد دار السلام، ويوصل الكتاب إلى أمير المؤمنين من يده إلى يده. ثم سافر الوزير بالمكتوب، وسار يقطع الأودية والقفار حتى وصل إلى مدينة بغداد، فلما دخلها مكث فيها ثلاثة أيام حتى استقر واستراح، ثم سأل عن قصر أمير المؤمنين هارون الرشيد فدلوه عليه، فلما وصل إليه طلب إذنا من أمير المؤمنين في الدخول عليه، فأذن له في ذلك، فدخل عليه وقبل الأرض بين يديه، وناوله الكتاب الذي من ملك إفرنجة، وصحبته من الهدايا والتحف العجيبة ما يليق بأمير المؤمنين، فلما فتح الخليفة المكتوب وقرأه وفهم مضمونه، أمر وزراءه من وقته أن يكتبوا المكاتيب إلى سائر بلاد المسلمين، ففعلوا ذلك وبينوا في المكاتيب صفة مريم وصفة نور الدين، واسمه واسمها، وأنهما ms2000 هاربان، فكل من وجدهما فليقبض عليهما ويرسلهما إلى أمير المؤمنين، وحذروهم من أن يعطوا في ذلك إمهالا أو إهمالا أو غفلة، ثم ختمت الكتب وأرسلت مع السعاة إلى العمال، فبادروا في امتثال الأمر، وساروا يفتشون في سائر البلاد على من يكون بهذه الصفة. # هذا ما كان من أمر هؤلاء الملوك وأتباعهم، وأما ما كان من أمر نور الدين المصري ومريم الزنارية بنت ملك إفرنجة، فإنهما ركبا بعد انهزام الملك وعساكره من وقتهما وساعتهما، وسارا إلى بلاد الشام، وقد ستر عليهما الستار، فوصلا إلى مدينة دمشق، وكانت الطوالع التي أرسلها الخليفة قد سبقتهما إلى دمشق بيوم، فعلم أمير دمشق أنه مأمور بالقبض عليهما متى وجدهما ليحضرهما بين يدي الخليفة، فلما كان يوم دخولهما إلى دمشق، أقبل عليهما الجواسيس فسألوهما عن اسمهما، فأخبراهم بالصحيح، وقصا عليهم قصتهما وجميع ما جرى عليهما، فعرفوهما وقبضوا عليهما، وأخذوهما وساروا بهما إلى أمير دمشق، فأرسلهما إلى الخليفة بمدينة بغداد دار السلام، فلما وصلوا إليها استأذنوا في الدخول على أمير المؤمنين هارون الرشيد، فأذن لهم، فلما دخلوا عليه قبلوا الأرض بين يديه، وقالوا له: يا أمير المؤمنين، إن هذه مريم الزنارية بنت ملك إفرنجة، وهذا نور الدين ابن التاجر تاج الدين المصري الأسير، الذي أفسدها على أبيها وسرقها من بلاده ومملكته، وهرب بها إلى دمشق، فوجدناهما وقت دخولهما دمشق وسألناهما عن اسميهما فأجابانا بالصحيح، فعند ذلك أتينا بهما وأحضرناهما بين يديك. فنظر أمير المؤمنين إلى مريم فرآها رشيقة القد والقوام، فصيحة الكلام، مليحة أهل زمانها، فريدة عصرها وأوانها، حلوة اللسان، ثابتة الجنان، قوية القلب، فلما وصلت إليه قبلت الأرض بين يديه ودعت له بدوام العز والنعم، وزوال البؤس والنقم، فأعجب الخليفة حسن قوامها وعذوبة ألفاظها وسرعة جوابها، فقال لها: هل أنت مريم الزنارية بنت ملك إفرنجة؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين وإمام الموحدين، وحامي حومة الدين وابن عم سيد المرسلين. فعند ذلك التفت الخليفة فرأى عليا نور الدين، شابا مليحا حسن الشكل كأنه البدر المنير في ليلة ms2001 تمامه، فقال له الخليفة: هل أنت علي نور الدين الأسير ابن التاجر تاج الدين المصري؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين وعمدة القاصدين. فقال الخليفة: كيف أخذت هذه الصبية من مملكة أبيها وهربت بها؟ فصار نور الدين يحدث الخليفة بجميع ما جرى له من أول الأمر إلى آخره، فلما فرغ من حديثه تعجب الخليفة من ذلك غاية العجب، وأخذه من التعجب فرط الطرب، وقال: ما أكثر ما يقاسيه الرجال! وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 894 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة هارون لما سأل نور الدين عن قصته، أخبره بجميع ما جرى له من المبتدأ إلى المنتهى، فتعجب الخليفة من ذلك غاية العجب وقال: ما أكثر ما يقاسيه الرجال! ثم إنه التفت إلى السيدة مريم وقال لها: يا مريم، اعلمي أن والدك ملك إفرنجة قد كاتبنا في شأنك، فما تقولين؟ قالت: يا خليفة الله في أرضه، وقائما بسنة نبيه وفرضه، خلد الله عليك النعم، وأجارك من البؤس والنقم، أنت خليفة الله في أرضه، إني قد دخلت دينكم لأنه هو الدين القويم الصحيح، وتركت ملة الكفرة الذين يتكذبون على المسيح، وقد صرت مؤمنة بالله الكريم، ومصدقة بما جاء به رسوله الرحيم، أعبد الله سبحانه وتعالى وأوحده، وأسجد خاضعة إليه وأمجده، وأنا قائلة بين يدي الخليفة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون؛ فهل في وسعك يا أمير المؤمنين أن تقبل كتاب ملك الملحدين، وترسلني إلى بلاد الكافرين، الذين يشركون بالملك العلام، ويعظمون الصليب ويعبدون الأصنام، ويعتقدون إلهية عيسى وهو مخلوق؟ فإن فعلت بي ذلك يا خليفة الله، أتعلق بأذيالك يوم العرض على الله، وأشكوك إلى ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. فقال أمير المؤمنين: يا مريم، معاذ الله أن أفعل ذلك أبدا، كيف أرد امرأة مسلمة موحدة ms2002 بالله ومصدقة برسوله، إلى ما نهى الله عنه ورسوله؟ فقالت مريم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال لها أمير المؤمنين: يا مريم، بارك الله فيك، وزادك هداية إلى الإسلام، وحيث كنت مسلمة موحدة بالله، فقد صار لك علينا حق واجب، وهو أنني لا أفرط فيك أبدا، ولو بذل لي من أجلك ملء الأرض جواهر وذهبا؛ فطيبي نفسا وقري عينا وانشرحي صدرا، ولا يكن خاطرك إلا طيبا، فهل رضيت أن يكون هذا الشاب علي المصري لك بعلا وتكوني له أهلا؟ فقالت مريم: يا أمير المؤمنين، كيف لا أرضى أن يكون لي بعلا، وقد اشتراني بماله وأحسن إلي غاية الإحسان، ومن تمام إحسانه أنه خاطر بروحه من أجلي مرات عديدة. فزوجها به مولانا أمير المؤمنين، وعمل لها مهرا وأحضر القاضي والشهود وأكابر دولته يوم زواجها عند كتب الكتاب، وكان يوما مشهودا. # ثم بعد ذلك التفت أمير المؤمنين من وقته وساعته إلى وزير ملك الروم، وكان حاضرا في تلك الساعة وقال له: هل سمعت كلامها؟ كيف أرسلها إلى أبيها الكافر وهي مسلمة موحدة؟ وربما ساءها وأغلظ عليها، خصوصا وقد قتلت أولاده، فأتحمل أنا ذنبها يوم القيامة، وقد قال الله تعالى: @QUR@07 ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ، فارجع إلى ملكك وقل له: ارجع عن هذا الأمر ولا تطمع فيه. وكان ذلك الوزير أحمق، فقال للخليفة: يا أمير المؤمنين، وحق المسيح والدين الصحيح، إني لا يمكنني الرجوع دون مريم ولو كانت مسلمة؛ لأني لو رجعت إلى أبيها دونها يقتلني. فقال الخليفة: خذوا هذا الملعون واقتلوه. وأنشد هذا البيت: # هذا جزاء من عصى %~% من فوقه وعصانيه # ثم أمر بضرب عنق الوزير الملعون وحرقه، فقالت السيدة مريم: يا أمير المؤمنين، لا تنجس سيفك بدم هذا الملعون. ثم جردت سيفها وضربته به، فأطاحت رأسه عن جثته، فذهب إلى دار البوار ومأواه جهنم وبئس القرار، فتعجب الخليفة من صلابة ساعدها وقوة جنانها، ثم خلع على نور الدين خلعة سنية، وأفرد لهما مكانا ms2003 في قصره هي ونور الدين ورتب لهما المرتبات والجوامك والعلوفات، وأمر بأن ينقل إليهما جميع ما يحتاجان إليه من الملابس والمفارش والأواني النفيسة، وأقاما في بغداد مدة من الزمان، وهما في أرغد عيش وأهناه. # وبعد ذلك اشتاق نور الدين إلى أمه وأبيه، فعرض الأمر على الخليفة وطلب منه إذنا في التوجه إلى بلاده وزيارة أقاربه، ودعا بمريم وأحضرها بين يديه، فأجازه بالتوجه وأتحفه بالهدايا والتحف المثمنة، وأوصى مريم ونور الدين ببعضهما، ثم أمر بالمكاتيب إلى أمراء مصر المحروسة وعلمائها وكبرائها بالوصية على نور الدين هو ووالديه وجاريته، وإكرامهم غاية الإكرام. فلما وصلت الأخبار إلى مصر، فرح التاجر تاج الدين بعود ولده نور الدين، وكذلك أمه فرحت بذلك غاية الفرح، وخرج للقائه الأكابر والأمراء وأرباب الدولة، من أجل وصية الخليفة، فلاقوا نور الدين، وكان لهم يوم مشهود مليح عجيب، اجتمع فيه المحب والمحبوب، واتصل الطالب بالمطلوب، وصارت الولائم كل يوم على واحد من الأمراء، وفرحوا بهم الفرح الزائد، وأكرموهم الإكرام المتصاعد. فلما اجتمع نور الدين بوالدته ووالده، فرحوا ببعضهم غاية الفرح، وزال عنهم الهم والترح، وكذلك فرحوا بالسيدة مريم وأكرموها غاية الإكرام، ووصلت إليهم الهدايا والتحف من سائر الأمراء والتجار العظام، وصاروا كل يوم في انشراح جديد وسرور أعظم من سرور العيد. ولم يزالوا في فرح ولذات، ونعم جزيلة مطربات، وأكل وشرب وفرح وسرور مدة من الزمان، إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، ومخرب الدور والقصور ومعمر بطون القبور، فانتقلوا من الدنيا بالممات، وصاروا في عداد الأموات، فسبحان الحي الذي لا يموت، وبيده مقاليد الملك والملكوت. ### || حكاية الأمير شجاع الدين والمرأة الإفرنجية # ومما يحكى أيضا أن الأمير شجاع الدين محمد متولي القاهرة قال: بتنا عند رجل من بلاد الصعيد فضيفنا وأكرمنا، وكان ذلك الرجل أسمر شديد السمرة وهو شيخ كبير، وكان له ولاد صغار بيض، بياضهم مشرب بحمرة، فقلنا: يا فلان، ما بال أولادك هؤلاء بيضا وأنت شديد السمرة؟ فقال: هؤلاء أمهم إفرنجية، أخذتها ولي معها حديث عجيب. فقلنا له: ms2004 أتحفنا به. فقال: نعم، اعلموا أني قد كنت زرعت كتانا في هذه البلدة وقلعته ونفضته وصرفت عليه خمسمائة دينار، ثم أردت بيعه فلم يجئ لي منه شيء أكثر من ذلك. فقالوا لي: اذهب به إلى عكاء لعلك تربح فيه ربحا عظيما. وكانت عكاء ذلك الوقت في يد الإفرنج، فذهبت به إلى عكاء وبعت بعضه صبرا إلى ستة أشهر، فبينما أنا أبيع إذ مرت بي امرأة إفرنجية، وعادة نساء الإفرنج أن تمشي في السوق بلا نقاب، فأتت لتشتري مني كتانا، فرأيت من جمالها ما بهر عقلي، فبعت لها شيئا وتساهلت في الثمن، فأخذته وانصرفت، ثم عادت إلي بعد أيام فبعت لها شيئا وتساهلت معها أكثر من المرة الأولى، فكررت مجيئها لي وعرفت أني أحبها، وكان عادتها أن تمشي مع عجوز، فقلت للعجوز التي معها: إني قد شغفت بحبها، فهل تتحيلين لي في الاتصال بها؟ فقالت: أتحيل لك في ذلك، ولكن هذا السر لا يخرج من بين ثلاثتنا، أنا وأنت وهي، ومع ذلك لا بد من أن تبذل مالا. فقلت لها: إذا ذهبت روحي باجتماعي عليها فما هو كثير. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 895 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما أجابت ذلك الرجل، قالت له: ولكن هذا السر لا يخرج من بين ثلاثتنا، أنا وأنت وهي، ولا بد من أن تبذل مالا. فقال لها: إذا ذهبت روحي باجتماعي عليها فما هو كثير. واتفق الحال على أن يدفع لها خمسين دينارا وتجيء إليه، فجهز الخمسين دينارا وسلمها للعجوز. فلما أخذت الخمسين دينارا قالت له: هيئ لها موضعا في بيتك وهي تجيء إليك في هذه الليلة. ثم قال: فمضيت وجهزت ما قدرت عليه من مأكل ومشرب وشمع وحلوى، وكانت داري مطلة على البحر، وكان ذلك في زمن الصيف، ففرشت على سطح الدار، وجاءت الإفرنجية فأكلنا وشربنا، وجن الليل فنمنا تحت السماء والقمر يضيء علينا، وسرنا ننظر خيال النجوم في البحر؛ فقلت في نفسي: أما تستحي من ms2005 الله عز وجل وأنت غريب وتحت السماء وعلى البحر وتعصي الله تعالى مع نصرانية، وتستوجب عذاب النار؟ اللهم إني أشهدك أني قد عففت عن هذه النصرانية في هذه الليلة حياء منك وخوفا من عقابك. # ثم إني نمت إلى الصبح وقامت في السحر وهي غضبى ومضت إلى مكانها، ومشيت أنا إلى حانوتي فجلست فيه، وإذا هي قد عبرت علي هي والعجوز وهي مغضبة وكأنها القمر، فهلكت وقلت في نفسي: من هو أنت حتى تترك هذه الجارية؟ هل أنت السري السقطي، أو بشر الحافي، أو الجنيد البغدادي، أو الفضيل بن عياض؟ ثم لحقت العجوز وقلت لها: ارجعي إلي بها. فقالت العجوز: وحق المسيح ما ترجع إليك إلا بمائة دينار. فقلت: أعطيك مائة دينار. ثم أعطيتها المائة دينار وجاءت إلي ثاني مرة، فلما صارت عندي رجعت إلى تلك الفكرة، فعففت عنها وتركتها لله تعالى، ثم مضيت ومشيت إلى موضعي. ثم عبرت علي العجوز وهي غضبى، فقلت لها: ارجعي بها إلي. فقالت: وحق المسيح، ما بقيت تفرح بها عندك إلا بخمسمائة دينار وتموت كمدا. فارتعدت لذلك، وعزمت أن أغرم ثمن الكتان جميعه وأفدي نفسي بذلك، فما شعرت إلا والمنادي ينادي ويقول: يا معاشر المسلمين، إن الهدنة التي بيننا وبينكم قد انقضت، وقد أمهلنا من هنا من المسلمين جمعة ليقضوا أشغالهم وينصرفوا إلى بلادهم. فانقطعت عني وأخذت في تحصيل ثمن الكتان الذي اشتراه مني الناس مؤجلا والمقايضة على ما بقي منه، وأخذت معي بضاعة حسنة، وخرجت من عكاء وأنا في قلبي من الإفرنجية ما فيه من شدة المحبة والعشق؛ لأنها أخذت قلبي ومالي. # ثم خرجت وسرت حتى وصلت دمشق وبعت البضاعة التي أخذتها من عكاء بأقصى ثمن لانقطاع وصولها بسبب انقضاء مدة الهدنة، ومن الله سبحانه وتعالى علي بكسب جيد، وصرت أتجر في جواري السبي ليذهب ما بقلبي من الإفرنجية، ولازمت التجارة فيهن، فمضت علي ثلاث سنوات وأنا بتلك الحالة، وجرى للملك الناصر مع الإفرنج ما جرى من الوقائع ونصره الله عليهم وأسر جميع ملوكهم ms2006 وفتح بلاد الساحل بإذن الله تعالى، فاتفق أنه جاء رجل وطلب مني جارية للملك الناصر، وكان عندي جارية حسناء فعرضتها عليه، فاشتراها له مني بمائة دينار، فأوصلني تسعين دينارا وبقي لي عشرة دنانير، فلم يجدوها في خزنته ذلك اليوم؛ لأنه أنفق الأموال جميعها في حرب الإفرنج، فأخبروه بذلك، فقال الملك: امضوا به إلى خزنة السبي وخيروه بين بنات الإفرنج ليأخذ واحدة منهن في العشرة دنانير. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 896 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك الناصر لما قال: خيروه في واحدة منهن ليأخذها في العشرة دنانير التي له، أخذوني وتوجهوا بي إلى خزنة السبي، فنظرت ما فيها وتأملت في جميع السبي فرأيت الجارية الإفرنجية التي كنت تعلقت بها وعرفتها حق المعرفة، وكانت امرأة فارس من فرسان الإفرنج، فقلت: أعطوني هذه. فأخذتها ومضيت إلى خيمتي وقلت لها: أتعرفينني؟ قالت: لا. قلت: أنا صاحبك الذي كنت أتاجر في الكتان، وقد جرى لي معك ما جرى، وأخذت مني الذهب وقلت: ما بقيت تنظرني إلا بخمسمائة دينار، وقد أخذتك ملكا بعشرة دنانير. فقالت: هذا سر دينك الصحيح، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فأسلمت وحسن إسلامها، فقلت في نفسي: والله لا أفضي إليها إلا بعد عتقها وإطلاع القاضي. فرحت إلى ابن شداد وحكيت له ما جرى وعقد لي عليها، ثم بعد ذلك بت معها فحملت، ثم رحل العسكر وأتينا دمشق، فما كان إلا أيام قلائل وأتى رسول الملك يطلب الأسارى والسبي باتفاق وقع بين الملوك، فرد كل من كان أسيرا من النساء والرجال، ولم يبق إلا المرأة التي عندي، فقالوا: إن امرأة الفارس فلان لم تحضر. وسألوا عنها وألحوا في السؤال والكشف، فأخبروا بأنها عندي، فطلبوها مني، فحضرت وأنا في شدة الوله وقد تغير لوني. فقالت لي: ما لك، وما الذي أصابك؟ فقلت: جاء رسول الملك يأخذ الأسارى جميعهم وطلبوك مني. فقالت: لا بأس عليك، أوصلني إلى الملك وأنا أعرف ms2007 الذي أقوله بين يديه. قال: أخذتها وأحضرتها قدام السلطان الملك الناصر، ورسول ملك الإفرنج جالس على يمينه. وقلت: هذه المرأة التي عندي. فقال لها الملك الناصر والرسول: أتروحين إلى بلادك أم إلى زوجك؟ فقد فك الله أسرك أنت وغيرك. فقالت للسلطان: أنا قد أسلمت وحملت وها بطني كما ترون، وما بقيت الإفرنج تنتفع بي. فقال الرسول: أيما أحب إليك، أهذا المسلم أم زوجك الفارس فلان؟ فقالت له كما قالت للسلطان. فقال الرسول لمن معه من الإفرنج: هل سمعتم كلامها؟ قالوا: نعم. ثم قال لي الرسول: خذ امرأتك وامض بها. فمضيت بها، ثم إنه أرسل خلفي عاجلا وقال: إن أمها أرسلت إليها معي وديعة وقالت: إن بنتي أسيرة وهي عريانة، ومرادي أن توصل إليها هذا الصندوق، فخذه وسلمه إليها. فتسلمت الصندوق ومضيت به إلى الدار وأعطيته لها، ففتحته فرأت فيه قماشها بعينه ووجدت الصرتين الذهب والخمسين دينارا والمائة دينار، فرأيت الجميع برباطي لم يتغير منها شيء، وحمدت الله تعالى، وهؤلاء الأولاد منها، وهي تعيش إلى الآن، وهي التي عملت لكم هذا الطعام. فتعجبنا من حكايته وما حصل له من الحظ، والله أعلم. ### || حكاية الفتى البغدادي والجارية # ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان رجل بغدادي من أولاد أهل النعم، ورث عن أبيه مالا جزيلا، وكان يعشق جارية فاشتراها وكانت تحبه كما يحبها، ولم يزل ينفق عليها إلى أن ذهب جميع ماله ولم يبق منه شيء، فطلب شيئا من أسباب المعاش يتعيش فيه فلم يقدر، وكان ذلك الفتى في أيام غناه يحضر مجالس العارفين بصناعة الغناء، فبلغ فيها الغاية القصوى، فاستشار أحد إخوانه فقال له: أنا لا أعرف لك صنعة أحسن من أن تغني أنت وجاريتك، فتأخذ على ذلك المال الكثير وتأكل وتشرب. فكره ذلك هو والجارية، فقالت له جاريته: قد رأيت لك رأيا. قال: وما هو؟ قالت: تبيعني ونخلص من هذه الشدة أنا وأنت، وأكون في نعمة، فإن مثلي لا يشتريه إلا ذو نعمة، وبذلك أكون سببا في رجوعي إليك. فأطلعها ms2008 إلى السوق، فكان أول من رآها رجل هاشمي من أهل البصرة، وكان ذلك الرجل أديبا ظريفا كريم النفس، فاشتراها بألف وخمسمائة دينار، قال ذلك الفتى صاحب الجارية: فلما قبضت الثمن ندمت وبكيت أنا والجارية، وطلبت الإقالة فلم يرض، فوضعت الدنانير في الكيس وأنا لا أدري أين أذهب؛ لأن بيتي موحش منها، وحصل لي من البكاء واللطم والنحيب ما لم يحصل لي قط، فدخلت بعض المساجد وقعدت أبكي فيه، واندهشت حتى صرت لا أعلم بنفسي، فنمت وتركت الكيس تحت رأسي كالمخدة، فلم أشعر إلا وإنسان قد جذبه من تحت رأسي ومضى يهرول، فانتبهت فزعا مرعوبا فلم أجد الكيس، فقمت أجري خلفه وإذا برجلي مربوطة في حبل، فوقعت على وجهي وصرت أبكي وألطم، وقلت في نفسي: فارقتك روحك وضاع مالك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 897 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ذلك الفتى لما ضاع منه الكيس قال: قلت في نفسي: فارقتك روحك وضاع مالك. وزاد بي الحال فجئت إلى الدجلة وحملت ثوبي على وجهي وألقيت نفسي في البحر، ففطن بي الحاضرون وقالوا: إن ذلك لعظيم هم حصل له. فرموا أرواحهم خلفي وأطلعوني وسألوني عن أمري، فأخبرتهم بما حصل لي فتأسفوا لذلك، ثم جاءني شيخ منهم وقال: قد ذهب مالك وكيف تتسبب في ذهاب روحك فتكون من أهل النار؟ قم معي حتى أرى منزلك. ففعلت ذلك، فلما وصلنا إلى منزلي قعد عندي ساعة حتى سكن ما بي، فشكرته على ذلك، ثم انصرف، فلما خرج من عندي كدت أن أقتل روحي فتذكرت الآخرة والنار، فخرجت من بيتي هاربا إلى أحد الأصدقاء، فأخبرته بما جرى لي، فبكى رحمة لي وأعطاني خمسين دينارا وقال: اقبل رأيي واخرج في هذه الساعة من بغداد، واجعل هذه نفقة لك، إلى أن يشتغل قلبك عن حبها وتسلو عنها، وأنت من أولاد أهل الإنشاء والكتابة، وخطك جيد، وأدبك بارع، فاقصد من شئت من العمال واطرح نفسك عليه، لعل الله يجمعك بجاريتك. فسمعت منه وقد ms2009 قوي عزمي وزال عني بعض همي، وعزمت على أني أقصد أرض واسط؛ لأن لي بها أقارب؛ فخرجت إلى ساحل البحر فرأيت سفينة راسية والبحرية ينقلون إليها أمتعة وقماشا فاخرا، فسألتهم أن يأخذوني معهم، فقالوا: إن هذه السفينة لرجل هاشمي ولا يمكننا أخذك على هذه الصورة. فرغبتهم في الأجرة، فقالوا: إن كان ولا بد فاقلع هذه الثياب الفاخرة التي عليك، والبس ثياب الملاحين واجلس معنا كأنك واحد منا. فرجعت واشتريت شيئا من ثياب الملاحين ولبسته وجئت إلى السفينة، وكانت متوجهة إلى البصرة، فنزلت معهم، فما كان إلا ساعة حتى رأيت جاريتي بعينها ومعها جاريتان يخدمانها، فسكن ما كان عندي من الغيظ وقلت في نفسي: ها أنا أراها وأسمع غناءها إلى البصرة. فما أسرع أن جاء الهاشمي راكبا ومعه جماعة، فنزلوا في تلك السفينة وانحدرت بهم، وأخرج الطعام فأكل هو والجارية، وأكل الباقون في وسط السفينة، ثم قال الهاشمي للجارية: كم هذا التمنع عن الغناء ولزوم الحزن والبكاء؟ ما أنت أول من فارق من يحب! فعلمت ما كان عندها من أمر حبي، ثم ضرب ساترا على الجارية في جانب السفينة، واستدعى الذين كانوا في ناحيتي وجلس معهم خارج الستارة، فسألت عنهم فإذا هم إخوته، ثم أخرج لهم ما يحتاجون إليه من الخمر والنقل، ولم يزالوا يحثون الجارية على الغناء إلى أن استدعت العود وأصلحته، وأخذت تغني فأنشدت هذين البيتين: # بان الخليط بمن أحب فأدلجوا %~% وعن السرى بمناي لم يتحرجوا ~~والصب بعد أن استقل ركابهم %~% جمر الغضا في قلبه يتأجج # ثم غلبها البكاء ورمت العود وقطعت الغناء، فتنغص القوم ووقعت أنا مغشيا علي، فظن القوم أني قد صرعت، فصار بعضهم يقرأ في أذني، ولم يزالوا يلاطفونها ويطلبون منها الغناء إلى أن أصلحت العود وأخذت تغني، فأنشدت هذين البيتين: # فوقفت أندب ظاعنين تحملوا %~% هم في الفؤاد وإن نأوا وترحلوا ~~ووقفت بالأطلال أسأل عنهم %~% والدار قفر والمنازل بلقع # ثم وقعت مغشيا عليها وارتفع البكاء من الناس، وصرخت أنا ووقعت مغشيا علي، وضج الملاحون مني، فقال ms2010 بعض غلمان الهاشمي: كيف حملتم هذا المجنون؟ ثم قال بعضهم لبعض: إذا وصلتم إلى بعض القرى فأخرجوه وأريحونا منه. فحصل لي من ذلك هم عظيم وعذاب أليم، فتجلدت غاية التجلد وقلت في نفسي: لا حيلة لي في الخلاص من أيديهم، إلا إذا أعلمتها بمكاني من السفينة لتمتنع من إخراجي. ثم سرنا حتى وصلنا إلى قرب ضيعة، فقال صاحب السفينة: اصعدوا بنا إلى الشاطئ. فطلع القوم وكان ذلك وقت المساء، فقمت حتى صرت خلف الستارة، وأخذت العود وغيرت الطرق طريقة بعد طريقة، وضربت على الطريقة التي قد تعلمتها مني، ثم رجعت إلى موضعي من السفينة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 898 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الفتى قال: ثم رجعت إلى موضعي من السفينة، وبعد ذلك نزل القوم من الشاطئ ورجعوا إلى مواضعهم في السفينة، وقد انبسط القمر على البر والبحر، فقال الهاشمي للجارية: بالله عليك لا تنغصي علينا عيشنا. فأخذت العود وجسته بيدها وشهقت، فظنوا أن روحها قد خرجت، ثم قالت: والله إن أستاذي معنا في هذه السفينة. فقال الهاشمي: والله لو كان معنا ما ضيعته من معاشرتنا؛ لأنه ربما كان يخفف ما بك فننتفع بغنائك، ولكن كونه في السفينة أمر بعيد. فقالت: لا أقدر على ضرب العود وتقليب الأهوية ومولاي معنا. قال الهاشمي: نسأل الملاحين؟ فقالت: افعل. فسألهم وقال: هل حملتم معكم أحدا؟ فقالوا: لا. فخفت أن ينقطع السؤال فضحكت وقلت: نعم، أنا أستاذها وعلمتها حين كنت سيدها. فقالت: والله إن هذا كلام مولاي. فجاءني الغلمان وأخذوني إلى الهاشمي، فلما رآني عرفني فقال: ويحك، ما هذا الذي أنت فيه؟ وما أصابك حتى صرت في هذه الحالة؟ فحكيت له ما جرى من أمري وبكيت، وعلا نحيب الجارية من خلف الستارة، وبكى الهاشمي هو وإخوته بكاء شديدا رأفة بي، ثم قال: والله ما دنوت من هذه الجارية ولا وطئتها، ولا سمعت لها غناء إلا اليوم، وأنا رجل قد وسع الله علي، وإنما وردت بغداد لسماع ms2011 الغناء وطلب أرزاقي من أمير المؤمنين، وقد بلغت الأمرين، ولما أردت الرجوع إلى وطني قلت في نفسي: أسمع شيئا من غناء بغداد. فاشتريت هذه الجارية ولم أعلم أنكما على هذه الحالة، فأنا أشهد الله على أن هذه الجارية إذا وصلت إلى البصرة أعتقها وأزوجك إياها، وأجري لكما ما يكفيكما وزيادة، ولكن على شرط أني إذا أردت السماع يضرب لها ستارة وتغني من خلف الستارة، وأنت من جملة إخواني وندمائي. ففرحت بذلك، ثم إن الهاشمي أدخل رأسه في الستارة وقال لها: أيرضيك ذلك؟ فأخذت تدعو له وتشكره، ثم استدعى غلاما له وقال له: خذ بيد هذا الشاب وانزع ثيابه وألبسه ثيابا فاخرة، وبخره وقدمه إلينا. فأخذني الغلام وفعل بي ما أمره سيده، وقدمني إليه، فوضع بين يدي الشراب مثل ما وضعه بين أيديهما، ثم اندفعت الجارية تغني بأحسن النغمات وتنشد هذه الأبيات: # عيروني بأن سكبت دموعي %~% حين جاء الحبيب للتوديع ~~لم يذوقوا طعم الفراق ولا ما %~% أحرقت لوعة الأسى من ضلوعي ~~إنما يعرف الغرام كئيب %~% ساقط القلب بين تلك الربوع # قال: فطرب القوم من ذلك طربا شديدا، وزاد فرح الفتى بذلك، ثم أخذ العود من الجارية وضرب به على أحسن النغمات، وأنشد هذه الأبيات: # اسأل العرف إن سألت كريما %~% لم يزل يعرف الغنى واليسارا ~~فسؤال الكريم يورث عزا %~% وسؤال اللئيم يورث عارا ~~وإذا لم يكن من الذل بد %~% فالق بالذل إن سألت الكبارا ~~ليس إجلالك الكريم بذل %~% إنما الذل أن تجل الصغارا # ففرح القوم بي وزاد فرحهم، ولم يزالوا في فرح سرور، وأنا أغني ساعة والجارية ساعة إلى أن جئنا إلى بعض السواحل، فرست السفينة هناك وصعد كل من فيها وصعدت أنا أيضا، وكنت سكران، فقعدت أبول فغلبني النوم فنمت، ورجعت الركاب إلى السفينة وانحدرت بهم، ولم يعلموا بي؛ لأنهم كانوا سكارى وكنت دفعت النفقة إلى الجارية، ولم يبق معي شيء، ووصلوا إلى البصرة ولم أنتبه إلا من حر الشمس، فقمت في ذلك والتفت فما رأيت أحدا، ونسيت أن أسأل الهاشمي ms2012 عن اسمه، وأين داره بالبصرة، وبأي شيء يعرف، وبقيت حيران وكأن ما كنت فيه من الفرح بلقاء الجارية منام، ولم أزل متحيرا حتى اجتاز بي مركب عظيم، ونزلت فيه ودخلت البصرة، وما كنت أعرف بها أحدا ولا أعرف بيت الهاشمي، فجئت إلى بقال وأخذت منه دواة وورقة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 899 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البغدادي صاحب الجارية لما دخل البصرة وصار حيران وهو لا يعرف أحدا ولا يعرف دار الهاشمي، قال: فجئت إلى بقال وأخذت منه دواة وورقة، وقعدت أكتب، فاستحسن خطي ورأى ثوبي دنسا، فسألني عن أمري، فأخبرته أني غريب فقير. فقال: أتقيم عندي ولك في كل يوم نصف درهم، وأكلك وكسوتك، وتضبط لي حساب دكاني؟ فقلت له: نعم. وأقمت عنده وضبطت أمره، ودبرت له دخله وخرجه، فلما كان بعد شهر رأى الرجل دخله زائدا وخرجه ناقصا، فشكرني على ذلك، ثم إنه جعل لي في كل يوم درهما إلى أن حال الحول، فدعاني أن أتزوج بابنته ويشاركني في الدكان، فأجبته إلى ذلك ودخلت بزوجتي ولزمت الدكان، إلا أني منكسر الخاطر والقلب ظاهر الحزن، وكان البقال يشرب ويدعوني إلى ذلك، فأمتنع حزنا، فاستمررت على تلك الحالة مدة سنتين، فبينما أنا في الدكان وإذا بجماعة معهم طعام وشراب، فسألت البقال عن القضية فقال: هذا يوم المتنعمين، يخرج فيه أهل الطرب واللعب والفتيان من ذوي النعمة إلى شاطئ البحر، يأكلون ويشربون بين الأشجار على نهر الأيلة. فدعتني نفسي إلى الفرجة على هذا الأمر، وقلت في نفسي: لعلي إذا شاهدت هؤلاء الناس أجتمع بمن أحب. فقلت للبقال: إني أريد ذلك. فقال: شأنك والخروج معهم. ثم جهز لي طعاما وشرابا وسرت حتى وصلت إلى نهر الأيلة، فإذا الناس منصرفون، فأردت الانصراف معهم، وإذا بريس السفينة التي كان فيها الهاشمي والجارية بعينه وهو سائر في نهر الأيلة، فصحت عليهم فعرفني هو ومن معه، وأخذوني عندهم وقالوا لي: هل أنت حي؟ وعانقوني وسألوني عن قصتي فأخبرتهم ms2013 بها، فقالوا لي: إنا ظننا أنه قوي عليك السكر، وغرقت في الماء. فسألتهم عن حال الجارية فقالوا: إنها لما علمت بفقدك، مزقت ثيابها وأحرقت العود وأقبلت على اللطم والنحيب، فلما رجعنا مع الهاشمي إلى البصرة قلنا لها: اتركي هذا البكاء والحزن. فقالت: أنا ألبس السواد وأجعل لي قبرا في جانب هذه الدار، فأقيم عند ذلك القبر وأتوب عن الغناء. فمكناها من ذلك وهي في تلك الحالة إلى الآن. # ثم أخذوني معهم، فلما وصلت إلى الدار رأيتها على تلك الحالة، فلما رأتني شهقت شهقة عظيمة حتى ظننت أنها ماتت، فاعتنقتها عناقا طويلا، ثم قال لي الهاشمي: خذها. فقلت: نعم، ولكن أعتقها كما وعدتني وزوجني بها. ففعل ذلك ودفع إلينا أمتعة نفيسة وثيابا كثيرة وفرشا وخمسمائة دينار، وقال: هذا مقدار ما أردت إجراءه لكما في كل شهر، ولكن بشرط المنادمة وسماع الجارية. ثم أخلى لنا دارا وأمر بأن ينقل إليها جميع ما نحتاج إليه، فلما توجهت إلى تلك الدار وجدتها قد غمرت بالفرش والقماش، وحملت إليها الجارية. ثم إنني جئت إلى البقال وأخبرته بجميع ما حصل لي وسألته أن يجعلني في حل من طلاق ابنته من غير ذنب، ودفعت إليها مهرها وما يلزمني، وأقمت مع الهاشمي على ذلك سنتين، وصرت صاحب نعمة عظيمة، وعادت لي حالتي التي كنت فيها أنا والجارية في بغداد، وقد فرج الله الكريم عنا، وأسبغ جزيل النعم علينا، وجعل مآل صبرنا إلى الظفر بالمراد؛ فله الحمد في المبدأ والمعاد، والله أعلم. ### || حكاية الملك جليعاد والشماس # ومما يحكى أيضا أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، ملك من بلاد الهند، وكان ملكا عظيما طويل القامة، حسن الصورة، حسن الخلق، كريم الطبائع، محسنا للفقراء، محبا للرعية ولجميع أهل دولته، وكان اسمه جليعاد، وكان تحت يده في مملكته اثنان وسبعون ملكا، ولبلاده ثلاثمائة وخمسون قاضيا، وكان له سبعون وزيرا، وقد جعل على كل عشرة من عسكره رئيسا، وكان أكبر وزرائه شخص يقال له شماس، وكان عمره اثنتين وعشرين سنة، وكان ms2014 حسن الخلق والطباع، لطيفا في كلامه، لبيبا في جوابه، حاذقا في جميع أموره، حكيما مدبرا رئيسا مع صغر سنه، عارفا بكل حكمة وأدب، وكان الملك يحبه محبة عظيمة، ويميل إليه لمعرفته بالفصاحة والبلاغة وأحوال السياسة، ولما أعطاه الله من الرحمة وخفض الجناح للرعية. # وكان ذلك الملك عادلا في مملكته، حافظا لرعيته، مواصلا كبيرهم وصغيرهم بالإحسان وما يليق بهم من الرعاية والعطايا والأمان والطمأنينة، ومخففا للخراج عن كامل الرعية، وكان محبا لهم كبيرا وصغيرا، ومعاملا لهم بالإحسان إليهم والشفقة عليهم، وأتى في حسن سيرته بينهم بما لم يأت به أحد قبله، ومع هذا كله لم يرزقه الله تعالى بولد، فشق ذلك عليه وعلى أهل مملكته، فاتفق أن الملك كان مضطجعا في ليلة من الليالي وهو مشغول الفكر في عاقبة أمر مملكته، ثم غلب عليه النوم، فرأى في منامه كأنه يصب ماء في أصل شجرة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 900 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك رأى في منامه كأنه يصب ماء في أصل شجرة، وحول تلك الشجرة أشجار كثيرة، وإذا بنار قد خرجت من تلك الشجرة، وأحرقت جميع ما كان حولها من الأشجار، فعند ذلك انتبه الملك من منامه فزعا مرعوبا، واستدعى أحد غلمانه وقال له: اذهب بسرعة وائتني بشماس الوزير عاجلا. فذهب الغلام إلى شماس وقال له: إن الملك يدعوك في هذه الساعة؛ لأنه انتبه من نومه مرعوبا، فأرسلني إليك لتحضر عنده عاجلا. فلما سمع شماس كلام الغلام قام من وقته وساعته، وتوجه إلى الملك ودخل عليه، فرآه قاعدا على فراشه، فسجد بين يديه داعيا له بدوام العز والنعم، وقال له: لا أحزنك الله أيها الملك، ما الذي أقلقك في هذه الليلة؟ وما سبب طلبك إياي بسرعة؟ فأذن له الملك بالجلوس فجلس، وصار الملك يقص عليه ما رأى قائلا: إني رأيت في ليلتي هذه مناما هالني، وهو كأني أصب ماء في أصل شجرة، وحول تلك الشجرة أشجار كثيرة، فبينما أنا في هذه الحالة ms2015 وإذا بنار خرجت من أصل تلك الشجرة، وأحرقت جميع ما حولها من الأشجار، ففزعت من ذلك وأخذني الرعب، فانتبهت عند ذلك وأرسلت دعوتك لكثرة معرفتك، ولما أعلمه من اتساع علمك وغزارة فهمك. # فأطرق شماس رأسه ساعة، ثم تبسم، فقال له الملك: ماذا رأيت يا شماس؟ أصدقني الخبر ولا تخف عني شيئا. فأجابه شماس وقال له: أيها الملك، إن الله تعالى خولك وأقر عينك، وأمر هذه الرؤيا يئول إلى كل خير، وهو أن الله تعالى يرزقك ولدا ذكرا يكون وارثا للملك عنك من بعد طويل عمرك، غير أنه يكون فيه شيء لا أحب تفسيره في هذا الوقت؛ لأنه غير موافق لتفسيره. ففرح الملك بذلك فرحا عظيما، وزاد سروره وذهب عنه فزعه وطابت نفسه وقال: إن كان الأمر كذلك من حسن تأويل المنام، فكمل لي تأويله إذا جاء الوقت الموافق لكمال تأويله، فالذي لا ينبغي تأويله الآن ينبغي أن تؤوله لي إذا آن أوانه لأجل أن يكمل فرحي؛ لأني لا أبتغي بذلك غير رضا الله سبحانه وتعالى. فلما رأى شماس من الملك أنه مصمم على تمام تفسيره، احتج له بحجة دافع بها عن نفسه، فعند ذلك دعا الملك بالمنجمين وجميع المعبرين للأحلام الذين في مملكته، فحضروا جميعا بين يديه وقص عليهم ذلك المنام وقال لهم: أريد منكم أن تخبروني بصحة تفسيره. فتقدم واحد منهم وأخذ إذنا من الملك بالكلام، فلما أذن له قال: اعلم أيها الملك أن وزيرك شماسا ليس بعاجز عن تفسير ذلك، وإنما هو احتشم منك وسكن روعك، ولم يظهر لك جميع التأويل بالكلية، ولكن إذا أذنت لي بالكلام تكلمت. فقال له الملك: تكلم أيها المفسر بلا احتشام، واصدق في كلامك. فقال المفسر: اعلم أيها الملك أنه يظهر منك غلام يكون وارثا للملك عنك بعد طول حياتك، ولكنه لا يسير في الرعية بسيرك، بل يخالف رسومك ويجور على رعيتك، ويصيبه ما أصاب الفأر مع السنور، فاستعاذ بالله تعالى. فقال الملك: وما حكاية السنور والفأر؟ ### || حكاية السنور والفأر # فقال المفسر: أطال ms2016 الله عمر الملك، إن السنور - وهو القط - سرح ليلة من الليالي إلى شيء يفترسه في بعض الغيطان، فما وجد شيئا وضعف من شدة البرد والمطر اللذين صارا في تلك الليلة، فأخذ يحتال لنفسه بشيء، فبينما هو دائر على تلك الحالة، إذ رأى وكرا في أسفل شجرة، فدنا منه وصار يشمشم ويدندن حتى أحس أن داخل الوكر فأرا، فحاوله وهم بالدخول عليه لكي يأخذه، فلما أحس به الفأر أعطاه قفاه، وصار يزحف على يديه ورجليه لكي يسد باب الوكر عليه، فعند ذلك صار السنور يصوت صوتا ضعيفا ويقول له: لم تفعل ذلك يا أخي، وأنا ملتجئ إليك لتفعل معي رحمة، بأن تقرني في وكرك هذه الليلة؟ لأني ضعيف الحال من كبر سني وذهاب قوتي، ولست أقدر على الحركة، وقد توغلت في هذا الغيط هذه الليلة، وكم دعوت بالموت على نفسي لكي أستريح، وها أنا على بابك طريح من البرد والمطر، وأسألك بالله من صدقتك أن تأخذ بيدي وتدخلني عندك وتأويني في دهليز وكرك؛ لأني غريب ومسكين، وقد قيل: من آوى بمنزله غريبا مسكينا، كان مأواه الجنة يوم الدين. فأنت يا أخي حقيق بأن تكسب أجري وتأذن لي في أن أبيت عندك هذه الليلة إلى الصباح، ثم أروح إلى حال سبيلي. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 901 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السنور قال للفأر: ائذن لي أن أبيت عندك هذه الليلة، ثم أروح إلى حال سبيلي. فلما سمع الفأر كلام السنور قال له: كيف تدخل وكري وأنت لي عدو بالطبع، ومعاشك من لحمي؟ وأخاف أن تغدر بي لأن ذلك من شيمتك؛ لأنه لا عهد لك، وقد قيل: لا ينبغي الأمان للرجل الزاني على المرأة الحسناء، ولا للفقير العائل على المال، ولا للنار على الحطب، وليس بواجب علي أن استأمنك على نفسي، وقد قيل: عداوة الطبع كلما ضعف صاحبها كانت أقوى. فأجاب السنور قائلا بأخمد صوت وأسوأ حال: إن الذي قلته من المواعظ حق ولست أنكر ms2017 عليك، ولكن أسألك الصفح عما مضى من العداوة الطبيعية التي بيني وبينك؛ لأنه قد قيل: من صفح عن مخلوق مثله، صفح خالقه عنه. وقد كنت قبل ذلك عدوا لك، وها أنا اليوم طالب صداقتك، وقد قيل: إذا أردت أن يكون عدوك لك صديقا، فافعل معه خيرا. وأنا يا أخي أعطيك عهد الله وميثاقه أني لا أضرك أبدا، ومع هذا ليس لي قدرة على ذلك، فثق بالله وافعل خيرا واقبل عهدي وميثاقي. فقال الفأر: كيف أقبل عهد من تأسست العداوة بيني وبينه، وعادته أن يغدر بي؟ ولو كانت العداوة بيننا على شيء من الأشياء غير الدم، لهان علي ذلك، ولكنها عداوة طبيعية بين الأرواح، وقد قيل: من استأمن عدوه على نفسه، كان كمن أدخل يده في فم الأفعى. فقال السنور وهو ممتلئ غيظا: قد ضاق صدري وضعفت نفسي، وها أنا في النزع، وعن قليل أموت على بابك، ويبقى إثمي عليك؛ لأنك قادر على نجاتي مما أنا فيه، وهذا آخر كلامي معك. فحصل للفأر خوف من الله تعالى، ونزلت في قلبه الرحمة، وقال في نفسه: من أراد المعونة من الله تعالى على عدوه، فليصنع معه رحمة وخيرا، وأنا متوكل على الله في هذا الأمر، وأنقذ هذا السنور من الهلاك لأكسب أجره. # فعند ذلك خرج الفأر إلى السنور وأدخله في وكره سحبا، فأقام عنده إلى أن اشتد واستراح وتعافى قليلا، فصار يتأسف على ضعفه وذهاب قوته وقلة أصدقائه، فصار الفأر يترفق به ويأخذ بخاطره، ويتقرب منه ويسعى حوله، وأما السنور فإنه زحف إلى الوكر حتى ملك المخرج خوفا أن يخرج منه الفأر، فلما أراد الخروج قرب من السنور على عادته، فلما صار قريبا منه قبض عليه وأخذه بين أظافره، وصار يعضه وينثره ويأخذه في فمه، ويرفعه عن الأرض ويرميه ويجري وراءه، وينهشه ويعذبه، فعند ذلك استغاث الفأر وطلب الخلاص من الله، وجعل يعاتب السنور ويقول: أين العهد الذي عاهدتني به؟ وأين أقسامك التي أقسمت بها؟ أهذا جزائي منك وقد أدخلتك وكري واستأمنتك على ms2018 نفسي؟ ولكن صدق من قال: من أخذ عهدا من عدوه، فلا يبتغ لنفسه نجاة. ومن قال: من أسلم نفسه لعدوه، كان مستوجبا لنفسه الهلاك. ولكن توكلت على خالقي، فهو الذي يخلصني منك. # فبينما هو على تلك الحالة مع السنور وهو يريد أن يهجم عليه ويفترسه، وإذا برجل صياد معه كلاب جارحة معودة بالصيد، فمر منهم كلب على باب الوكر، فسمع فيه معركة كبيرة، فظن أن فيه ثعلبا يفترس شيئا، فاندفع الكلب منحدرا ليصطاده، فصادف السنور فجذبه إليه، فلما وقع السنور بين يدي الكلب، التهى بنفسه وأطلق الفأر حيا ليس فيه جرح، وأما هو فإنه خرج به الكلب الجارح بعد أن قطع عصبه ورماه ميتا، وصدق في حقهما قول من قال: من رحم رحم آجلا، ومن ظلم ظلم عاجلا. # هذا ما جرى لهما أيها الملك، فلذلك لا ينبغي لأحد أن ينقض عهد من استأمنه، ومن غدر وخان يحصل له مثل ما حصل للسنور؛ لأنه كما يدين الفتى يدان، ومن يرجع إلى الخير ينل الثواب، ولكن لا تحزن أيها الملك ولا يشق عليك ذلك؛ لأن ولدك بعد ظلمه وعسفه، ربما يعود إلى حسن سيرتك، وإن هذا العالم الذي هو وزيرك شماس أحب ألا يكتم عليك شيئا فيما رمزه إليك، وذلك رشد منه؛ لأنه قد قيل: أكثر الناس خوفا أوسعهم علما وأغبطهم خيرا. # فأذعن الملك عند ذلك، وأمر لهم بإكرام جزيل، ثم صرفهم وقام ودخل مكانه وصار يتفكر في عاقبة أمره، فلما كان الليل أفضى إلى بعض نسائه، وكانت أكرمهن عنده وأحبهن إليه، فراقدها، فلما مضى لها نحو أربعة أشهر تحرك الحمل في بطنها، ففرحت بذلك فرحا شديدا، وأعلمت الملك بذلك فقال: صدقت رؤياي والله المستعان. ثم إنه أنزلها أحسن المنازل، وأكرمها غاية الإكرام، وأعطاها إنعاما جزيلا وخولها بشيء كثير، وبعد ذلك دعا بأحد الغلمان وأرسله ليحضر شماسا، فلما حضر حدثه الملك بما صار من حمل زوجته وهو فرحان قائلا: قد صدقت رؤياي واتصل رجائي، فلعل ذلك الحمل يكون ولدا ذكرا، ويكون وارثا ms2019 لملكي، فما تقول يا شماس في ذلك؟ فسكت شماس ولم ينطق بجواب، فقال له الملك: ما لي أراك لا تفرح لفرحي، ولا ترد لي جوابا؟ يا ترى هل كاره لهذا الأمر يا شماس؟ فسجد عند ذلك شماس بين يدي الملك وقال: أيها الملك أطال الله عمرك، ما الذي ينفع المستظل بشجرة إذا كانت النار تخرج منها؟ وما لذة شارب الخمر الصافي إذا حصل له بها الشرق؟ وما فائدة الناهل من الماء العذب البارد إذا غرق فيه؟ وإنما أنا عبد لله ولك أيها الملك، ولكن قد قيل ثلاثة أشياء لا ينبغي للعاقل أن يتكلم في شأنها إلا إذا تمت: المسافر حتى يرجع من سفره، والذي في الحرب حتى يقهر عدوه، والمرأة الحامل حتى تضع حملها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 902 ### || حكاية الناسك المدفوق على رأسه السمن # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير شماسا لما قال للملك: ثلاثة أشياء لا ينبغي للعاقل أن يتكلم في شأنها إلا إذا تمت. قال له بعد ذلك: فاعلم أيها الملك أن المتكلم في شأن شيء لم يتم مثل الناسك المدفوق على رأسه السمن. فقال له الملك: وكيف حكاية الناسك؟ وما جرى له؟ فقال له: أيها الملك إنه كان إنسان ناسك عند شريف من أشراف بعض المدن، وكان للناسك جراية في كل يوم من رزق ذلك الشريف، وهي ثلاثة أرغفة مع قليل من السمن والعسل، وكان السمن في ذلك البلد غاليا، وكان الناسك يجمع الذي يجيء إليه في جرة عنده حتى ملأها وعلقها فوق رأسه خوفا واحتراسا، فبينما هو ذات ليلة من الليالي جالس على فراشه وعصاه في يده؛ إذ عرض له فكر في أمر السمن وغلائه، فقال في نفسه: ينبغي أن أبيع هذا السمن الذي عندي جميعه، وأشتري بثمنه نعجة وأشارك عليها أحدا من الفلاحين، فإنها في أول عام تلد ذكرا وأنثى، وثاني عام تلد أنثى وذكرا، ولا تزال هذه الغنم تتوالد ذكورا وإناثا حتى تصير شيئا كثيرا، وأقسم ms2020 حصتي بعد ذلك وأبيع فيها ما شئت، وأشتري الأرض الفلانية وأنشئ فيها غيطا، وأبني فيها قصرا عظيما، وأقتني ثيابا وملبوسا، وأشتري عبيدا وجواري، وأتزوج بنت التاجر الفلاني، وأعمل عرسا ما صار مثله قط، وأذبح الذبائح وأعمل الأطعمة الفاخرة والحلويات والملبسات وغيرها، وأجمع فيها أهل الملاعب والفنون وآلات السماع، وأجهز الأزهار والمشمومات وأصناف الرياحين، وأدعو الأغنياء والفقراء والعلماء والرؤساء وأرباب الدولة، وكل من طلب شيئا أحضرته إليه، وأجهز أنواع المآكل والمشارب، وأطلق مناديا ينادي: من يطلب شيئا يناله. وبعد ذلك أدخل على عروستي بعد جلائها، وأتمتع بحسنها وجمالها، وآكل وأشرب وأطرب، وأقول لنفسي: قد بلغت مناك. وأستريح من النسك والعبادة، وبعد ذلك تحمل زوجتي وتلد غلاما ذكرا، أفرح به وأعمل له الولائم وأربيه في الدلال، وأعلمه الحكمة والأدب والحساب، وأشهر اسمه بين الناس وأفتخر به عند أرباب المجالس، وآمره بالمعروف فلا يخالفني، وأنهاه عن الفاحشة والمنكر، وأوصيه بالتقوى وفعل الخير، وأعطيه العطايا الحسنة السنية، فإن رأيته لزم الطاعة زدته عطايا صالحة، وإن رأيته مال إلى المعصية أنزل عليه بهذه العصا. ورفعها ليضرب بها ولده، فأصابت جرة السمن التي فوق رأسه فكسرتها، فعند ذلك نزلت بشقفاتها عليه، وساح السمن على رأسه وعلى ثيابه وعلى لحيته، وصار عبرة. # فلأجل ذلك أيها الملك لا ينبغي للإنسان أن يتكلم على شيء قبل أن يصير. فقال له الملك: لقد صدقت فيما قلت، ونعم الوزير أنت، لكونك بالصدق نطقت وبالخير أشرت، ولقد صارت رتبتك عندي على ما تحب ولم تزل مقبولا. فسجد شماس لله وللملك، ودعا له بدوام النعم وقال له: أدام الله أيامك وأعلى شأنك، واعلم أنني لست أكتم عنك شيئا لا في السر ولا في العلانية، ورضاك رضاي وغضبك غضبي، وليس لي فرح إلا بفرحك، ولا يمكنني أن أبيت وأنت ساخط علي؛ لأن الله تعالى رزقني بكل خير بإكرامك إياي، فأسأل الله تعالى أن يحرسك بملائكته، ويحسن ثوابك عند لقائه. فابتهج الملك عند ذلك، ثم قام شماس وانصرف من عند الملك، ثم بعد مدة وضعت ms2021 زوجة الملك غلاما ذكرا، فنهض المبشرون إلى الملك وبشروه بغلامه، ففرح بذلك فرحا شديدا، وشكر الله شكرا جزيلا وقال: الحمد لله الذي رزقني ولدا بعد اليأس، وهو الشفوق الرءوف على عباده. ثم إن الملك كتب إلى سائر أهل مملكته ليعلمهم بالخبر ويدعوهم إلى منزله، فحضر له الأمراء والرؤساء والعلماء وأرباب الدولة الذين تحت أمره. # هذا ما كان من أمر الملك، وأما ما كان من أمر ولده؛ فإنه قد دقت البشائر والأفراح في سائر المملكة، وأقبل أهلها إلى الحضور من سائر الأقطار، وأقبل أهل العلوم والفلسفة والأدباء والحكماء ودخلوا جميعهم إلى الملك، ووصل كل منهم إلى حد مقامه، ثم أشار إلى الوزراء السبعة الكبار الذين رئيسهم شماس أن يتكلم كل واحد منهم على قدر ما عنده من الحكمة في شأن ما هو بصدده، فابتدأ رئيسهم الوزير شماس واستأذن في الكلام فأذن له، فقال: الحمد لله الذي أنشأنا من العدم إلى الوجود، المنعم على عباده الملوك، أهل العدل والإنصاف، بما أولاهم من الملك والعمل الصالح، وبما أجراه على أيديهم لرعيتهم من الرزق، وخصوصا ملكنا الذي أحيا به موات بلادنا، بما أسداه الله علينا من النعم، ورزقنا من سلامته برخاء العيش والطمأنينة والعدل، فأي ملك يصنع بأهل مملكته ما صنع هذا الملك بنا، من القيام بمصالحنا، وأداء حقوقنا، وإنصاف بعضنا من بعض، وقلة الغفلة عنا، ورد مظالمنا؟ ومن فضل الله على الناس أن يكون ملكهم متعهدا لأمورهم، وحافظا من عدوهم؛ لأن العدو غاية قصده أن يقهر عدوه، وأن يملكه في يده، وكثير من الناس يقدمون أولادهم إلى الملوك خدما، فيصيرون عندهم بمنزلة العبيد لأجل أن يمنعوا عنهم الأعداء، وأما نحن فلم يطأ بلادنا أعداء في زمن ملكنا، لهذه النعمة الكبرى والسعادة العظمى التي لم يقدر الواصفون على وصفها، وإنما هي فوق ذلك؛ وأنت أيها الملك حقيق بأنك أهل لهذه النعمة العظيمة، ونحن تحت كنفك وفي ظل جناحك، أحسن الله ثوابك وأدام بقاءك؛ لأننا كنا قبل ذلك نجد في الطلب من الله تعالى أن ms2022 يمن علينا بالإجابة، ويبقيك لنا ويعطيك ولدا صالحا تقر به عيناك، والله سبحانه وتعالى قد تقبل منا واستجاب دعاءنا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 903 ### || حكاية السمك في غدير الماء # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير شماسا قال للملك: إن الله تعالى قد تقبل منا واستجاب دعاءنا، وآتانا الفرج القريب مثل ما آتى بعض السمك في غدير الماء. فقال الملك: وما حكاية السمك؟ وكيف ذلك؟ فقال شماس: اعلم أيها الملك أنه كان في بعض الأماكن غدير ماء، وكان فيه بعض سمكات، فعرض لذلك الغدير أنه قل ماؤه وصار ينضم بعضه إلى بعض، ولم يبق من الماء ما يسعفها، فكادت أن تهلك وقالت: ما عسى أن يكون من أمرنا؟ وكيف نحتال؟ ومن نستشيره في نجاتنا؟ فقامت سمكة منهن وكانت أكبرهن عقلا وسنا، وقالت: ما لنا حيلة في خلاصنا إلا الطلب من الله، ولكن نلتمس الرأي من السرطان، فإنه أكبرنا، فهلموا بنا إليه لننظر ما يكون من رأيه؛ لأنه أكثر منا معرفة بحقائق الكلام. فاستحسنوا رأيها وجاءوا بأجمعهم إلى السرطان، فوجدوه رابضا في موضعه وليس عنده علم ولا خبر مما هم فيه، فسلموا عليه وقالوا له: يا سيدنا، أما يعنيك أمرنا وأنت حاكمنا ورئيسنا؟ فأجابهم السرطان قائلا: وعليكم السلام، ما الذي بكم؟ وما تريدون؟ فقصوا عليه قصتهم وما دهاهم من أمر نقص الماء، وأنه متى نشف حصل لهم الهلاك، ثم قالوا له: وقد جئناك منتظرين رأيك وما يكون فيه النجاة؛ لأنك كبيرنا وأعرف منا. فعند ذلك أطرق رأسه مليا، ثم قال: لا شك أن عندكم نقص عقل ليأسكم من رحمة الله تعالى وكفالته بأرزاق خلائقه جميعا، ألم تعلموا أن الله سبحانه وتعالى يرزق عباده بغير حساب، وقدر أرزاقهم قبل أن يخلق شيئا من الأشياء، وجعل لكل شخص عمرا محدودا ورزقا مقسوما بقدرته الإلهية، فكيف نحمل هم شيء هو في الغيب مسطور؟ والرأي عندي أنه لم يكن أحسن من الطلب من الله تعالى، فينبغي أن كل واحد ms2023 منا يصلح سريرته مع ربه في سره وعلانيته، ويدعو الله أن يخلصنا وينقذنا من الشدائد؛ لأن الله تعالى لا يخيب رجاء من توكل عليه، ولا يرد طلب من توسل إليه، فإذا أصلحنا أحوالنا استقامت أمورنا، وحصل لنا كل خير ونعمة، وإذا جاء الشتاء وغمر أرضنا بدعاء صالحنا، فلا يهدم الخير الذي بناه، فالرأي أن نصبر وننتظر ما يفعله الله بنا، فإن كان يحصل لنا موت على العادة استرحنا، وإن كان يحصل لنا ما يوجب الهروب هربنا ورحلنا من أرضنا إلى حيث يريد الله. فأجاب السمك جميعه من فم واحد: صدقت يا سيدنا، جزاك الله عنا خيرا. وتوجه كل واحد منهم إلى موضعه، فما مضى إلا أيام قلائل وأتاهم الله بمطر شديد حتى ملأ محل الغدير زيادة عما كان أولا. وهكذا نحن أيها الملك كنا يائسين من أن يكون لك ولد، وحيث من الله علينا وعليك بهذا الولد المبارك، فنسأل الله تعالى أن يجعله ولدا مباركا، وأن تقر به عينك ويجعله خليفة صالحا، ويرزقنا منه مثل ما رزقنا منك، فإن الله تعالى لا يخيب من قصده، ولا ينبغي لأحد أن يقطع رجاءه من رحمة الله. # ثم قام الوزير الثاني وسلم على الملك، فأجابه الملك قائلا: وعليكم السلام. فقال ذلك الوزير: إن الملك لا يسمى ملكا إلا إذا أعطى وعدل وحكم وأكرم وأحسن سيرته مع رعيته بإقامة الشرائع والسنن المألوفة بين الناس، وأنصف بعضهم من بعض، وحقن دماءهم وكف الأذى عنهم، ويكون موصوفا بعدم الغفلة عن فقرائهم، وإسعاف أعلاهم وأدناهم، وإعطائهم الحق الواجب لهم حتى يصيروا جميعا داعين له ممتثلين لأمره؛ لأنه لا شك أن الملك الذي بهذه الصفة محبوب عند الرعية، مكتسب من الدنيا علاها، ومن الآخرة شرفها ورضا خالقها، ونحن معاشر العبيد معترفون لك أيها الملك بأن جميع ما وصفناه عندك كما قيل: خير الأمور أن يكون ملك الرعية عادلا، وحكيمها ماهرا، وعالمها خبيرا عاملا بعلمه، ونحن الآن متنعمون بهذه السعادة، وكنا قبل ذلك قد وقعنا في اليأس من حصول ms2024 ولد لك يرث ملكك، ولكن الله جل اسمه لم يخيب رجاءك وقبل دعاءك لحسن ظنك به، وتسليم أمرك إليه، فنعم الرجاء رجاؤك، وقد صار فيك ما صار للغراب والحية. فقال الملك: وكيف ذلك؟ وما حكاية الغراب والحية؟ ### || حكاية الغراب والحية # فقال الوزير: اعلم أيها الملك أنه كان غراب ساكنا في شجرة هو وزوجته في أرغد عيش إلى أن بلغا زمان تفريخهما وكان زمن القيظ، فخرجت حية من وكرها وقصدت تلك الشجرة فتعلقت بفروعها إلى أن صعدت إلى عش الغراب وربضت فيه ومكثت مدة أيام الصيف، وصار الغراب مطرودا لا يجد له فرصة ولا موضعا يرقد فيه. فلما انقضت أيام الحر ذهبت الحية إلى موضعها، فقال الغراب لزوجته: نشكر الله تعالى الذي نجانا وخلصنا من هذه الآفة، ولو كنا حرمنا من الزاد في هذه السنة؛ لأن الله تعالى لا يقطع رجاءنا، فنشكره على ما من علينا من السلامة وصحة أبداننا، وليس لنا اتكال إلا عليه، وإذا أراد الله وعشنا إلى العام القابل عوض الله علينا نتاجنا. فلما كان وقت تفريخهما خرجت الحية من موضعها وقصدت الشجرة، فبينما هي متعلقة ببعض أغصانها وهي قاصدة عش الغراب على العادة، وإذا بحدأة قد انقضت عليها وضربتها في رأسها فخدشتها، فعند ذلك سقطت الحية على الأرض مغشيا عليها وطلع عليها النمل فأكلها، وصار الغراب مع زوجته في سلامة وطمأنينة، وفرخا أولادا كثيرة وشكرا الله على سلامتهما وعلى حصول الأولاد. ونحن أيها الملك يجب علينا شكر الله على ما أنعم به عليك وعلينا بهذا المولود المبارك السعيد بعد اليأس وقطع الرجاء، أحسن الله ثوابك وعاقبة أمرك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 904 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير الثاني لما فرغ من كلامه ختمه بقوله: أحسن الله ثوابك وعاقبة أمرك. ثم قام الوزير الثالث وقال: أبشر أيها الملك العادل بالخير العاجل والثواب الآجل؛ لأن كل من يحبه أهل الأرض يحبه أهل السماء، والله تعالى قسم لك المحبة وجعلها في قلوب ms2025 أهل مملكتك، فله الشكر والحمد منا ومنك، لكي يزيد نعمته عليك وعلينا بك، واعلم أيها الملك إن الإنسان لا يستطيع شيئا إلا بأمر الله تعالى، وإنه هو المعطي، وكل خير عند شخص إليه ينتهي، قسم النعم على عبيده كما يحب؛ فمنهم من أعطاه مواهب كثيرة، ومنهم من شغله بتحصيل القوت، ومنهم من جعله رئيسا، ومنهم من جعله زاهدا في الدنيا راغبا إليه؛ لأنه هو الذي قال: أنا الضار النافع، أشفي وأمرض، وأغني وأفقر، وأميت وأحيي، وبيدي كل شيء وإلي المصير، فواجب على جميع الناس شكره، وأنت أيها الملك من السعداء الأبرار كما قيل: إن أسعد الأبرار من جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة، ويقنع بما قسم الله له ويشكره على ما أقامه، ومن تعدى وطلب غير ما قدر الله له وعليه، يشبه حمار الوحش والثعلب. قال الملك: وما حديثهما؟ ### || حكاية حمار الوحش والثعلب # قال الوزير: اعلم أيها الملك أن ثعلبا كان يخرج كل يوم من وطنه ويسعى على رزقه، فبينما هو ذات يوم في بعض الجبال وإذا بالنهار قد انقضى وقصد الرجوع، فاجتمع على ثعلب رآه ماشيا وصار كل منهما يحكي لصاحبه حكايته مع ما افترسه، فقال أحدهما: إنني بالأمس وقعت في حمار وحش، وكنت جائعا وكان لي ثلاثة أيام ما أكلت، ففرحت بذلك وشكرت الله تعالى الذي سخره لي، ثم إني عمدت إلى قلبه فأكلته وشبعت، ثم رجعت إلى وطني ومضى علي ثلاثة أيام لم أجد شيئا آكله، ومع ذلك أنا شبعان إلى الآن. فلما سمع الثعلب الحكاية حسده على شبعه وقال في نفسه: لا بد لي من أكل قلب حمار الوحش. فترك الأكل أياما حتى انهزل وأشرف على الموت وقصر سعيه واجتهاده وربض في وطنه، فبينما هو في وطنه ذات يوم من الأيام، وإذا بصيادين ماشيين قاصدين الصيد، فوقع لهما حمار وحش، فأقاما النهار كله في إثره طردا، ثم إن أحدهما رماه بسهم مشعب فأصابه ودخل جوفه واتصل بقلبه فقتله مقابل وكر الثعلب المذكور، فأدركه الصيادان فوجداه ms2026 ميتا، فأخرجا السهم الذي أصابه في قلبه فلم يخرج إلا العود وبقي السهم مشعبا في بطن حمار الوحش. # فلما كان المساء خرج الثعلب من وطنه وهو يتضجر من الضعف والجوع، فرأى حمار الوحش على بابه طريحا، ففرح فرحا شديدا حتى كاد يتضجر من الضعف والجوع فرأى حمار الوحش على بابه طريحا، ففرح فرحا شديدا حتى كاد أن يطير من الفرح، فقال: الحمد لله الذي يسر لي شهوتي من غير تعب؛ لأني كنت لا أومل أني أصيب حمار وحش ولا غيره، ولعل الله أوقع هذا وساقه إلي في موضعي. ثم وثب عليه وشق بطنه وأدخل رأسه وصار يجول بفمه في أمعائه إلى أن وجد القلب فالتقمه بفمه وابتلعه، فلما صار داخل حلقه اشتبك شعب السهم في عظم رقبته ولم يقدر على إدخاله في بطنه ولا على إخراجه من حلقه وأيقن بالهلاك. فلهذا أيها الملك ينبغي للإنسان أن يرضى بما قسمه الله له ويشكر نعمه عليه ولا يقطع رجاءه من مولاه، وها أنت أيها الملك بحسن نيتك وإسداء معروفك رزقك الله ولدا بعد اليأس، فنسأل الله تعالى أن يرزقه عمرا طويلا وسعادة دائمة ويجعله خلفا مباركا موفيا بعهدك من بعدك بعد طول عمرك. ثم قام الوزير الرابع وقال: إن الملك إذا كان فهيما عالما بأبواب الحكمة ... وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 905 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير الرابع لما قام وقال: إن الملك إذا كان فهيما عالما بأبواب الحكمة والأحكام والسياسة، مع صلاح النية والعدل في الرعية، وإكرام من يجب إكرامه وتوقير من يجب توقيره، والعفو عند القدرة فيما لا بد منه، ورعاية الرؤساء والمرءوسين، والتخفيف عنهم والإنعام عليهم، وستر عوراتهم والوفاء بعهدهم؛ كان حقيقا بالسعادة الدنيوية والأخروية، فإن ذلك مما يعيذه منهم ويعينه على ثبات ملكه ونصرته على أعدائه وبلوغ مأموله، مع زيادة نعمة الله عليه وتوفيقه لشكره والفوز بعنايته؛ وإن الملك إذا كان بخلاف ذلك، فإنه لم يزل في مصائب وبلايا هو وأهل ms2027 مملكته، لكون جوره على الغريب والقريب، ويصير فيه ما صار لابن الملك السائح. فقال الملك: وكيف كان ذلك؟ ### || حكاية ابن الملك السائح # فقال الوزير: اعلم أيها الملك أنه كان في بلاد الغرب ملك جائر في حكمه، ظالم غاشم عاسف مضيع لرعاية رعيته ومن يدخل في مملكته، فكان لا يدخل في مملكته أحد إلا ويأخذ عمالة منه أربعة أخماس ماله ويبقون له الخمس لا غير، فقدر الله أنه كان له ولد سعيد موفق، فلما رأى أحوال الدنيا غير مستقيمة، تركها وخرج سائحا عابدا لله تعالى من صغره، ورفض الدنيا وما فيها، وخرج في طاعة الله تعالى يسرح في البراري والقفار ويدخل المدن، ففي بعض الأيام دخل تلك المدينة، فلما وقف على المحافظين أخذوه وفتشوه، فلم يروا معه شيئا سوى ثوبين؛ أحدهما جديد والآخر عتيق، فنزعوا منه الجديد وتركوا له العتيق بعد الإهانة والتحقير، فصار هو يشكو ويقول: ويحكم أيها الظالمون، أنا رجل فقير وسائح، وما عسى أن ينفعكم من هذا الثوب؟ وإذا لم تعطوه لي ذهبت للملك وشكوتكم إليه. فأجابوه قائلين: إننا فعلنا ذلك بأمر الملك، فما بدا لك أن تفعله فافعله. فصار السائح يمشي إلى أن وصل بلاد الملك وأراد الدخول، فمنعه الحجاب، فرجع وقال في نفسه: ما لي إلا أني أرصده حتى يخرج وأشكو إليه حالي وما أصابني. فبينما هو على تلك الحالة ينتظر خروج الملك، إذ سمع أحد الأجناد يخبر عنه، فأخذ يتقدم قليلا قليلا حتى وقف قبال الباب، فما شعر إلا والملك خارج، فعارضه السائح ودعا له بالنصر، وأخبره بما وقع له من المحافظين وشكا إليه حاله، وأخبره أنه رجل من أهل الله، رفض الدنيا وخرج طالبا رضاء الله تعالى، فصار سائحا في الأرض، وكل من وفد عليه من الناس أحسن إليه بما أمكنه، وصار يدخل كل مدينة وكل قرية وهو على هذه الحالة. ثم قال: فلما دخلت هذه المدينة ترجيت أن يفعل بي أهلها مثل ما يفعل بغيري من السائحين، فعارضني أتباعك ونزعوا أحد أثوابي وألهبوني ms2028 ضربا، فانظر في شأني وخذ بيدي وخلص لي ثوبي، وأنا لا أقيم بهذه المدينة ساعة واحدة. فأجابه الملك الظالم قائلا: من أشار عليك بدخولك هذه المدينة وأنت غير عالم بما يفعل ملكها؟ فقال: بعد أن آخذ ثوبي افعل بي مرادك. فلما سمع ذلك الملك الظالم من السائح هذا الكلام، حصل عنده تغير مزاج، فقال: أيها الجاهل، نزعنا عنك ثوبك لكي تذل، وحيث وقع منك مثل هذا الصياح عندي، فأنا أنزع نفسك منك. ثم أمر بسجنه. # فلما دخل السجن جعل يندم على ما وقع منه من الجواب، وعنف نفسه حيث لم يترك ذلك ويفوز بروحه. فلما كان نصف الليل قام وصلى صلاة مطولة وقال: يا الله، إنك أنت الحكم العادل، تعلم بحالي وما انطوى عليه أمري مع هذا الملك الجائر، وأنا عبدك المظلوم أسألك من فيض رحمتك أن تنقذني من يد هذا الملك الظالم وتحل به نقمتك؛ لأنك لا تغفل عن ظلم كل ظالم، فإن كنت تعلم أنه ظلمني فاحلل نقمتك عليه في هذه الليلة، وأنزل به عذابك؛ لأن حكمك عدل وأنت غياث كل ملهوف، يا من له القدرة والعظمة إلى آخر الدهر. فلما سمع السجان دعاء هذا المسكين، صار جميع ما فيه من الأعضاء مرعوبا، فبينما هو كذلك وإذا بنار اتقدت في القصر الذي فيه الملك، فأحرقت جميع ما فيه حتى باب السجن، ولم يخلص سوى السجان والسائح، فانطلق السائح وسار هو والسجان ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى غير تلك المدينة، وأما مدينة الملك الظالم فإنها احترقت عن آخرها بسبب جور ملكها. وأما نحن أيها الملك السعيد فما نمسي ونصبح إلا ونحن داعون لك، وشاكرون الله تعالى على فضله بوجودك، مطمئنين بعدلك وحسن سيرتك، وكان عندنا غم كثير لعدم وجود ولد لك يرث ملكك؛ خوفا أن يصير علينا ملك غيرك من بعدك، والآن قد أنعم الله تعالى بكرمه علينا وأزال عنا الغم وأتانا بالسرور بوجود هذا الغلام المبارك، فنسأل الله تعالى أن يجعله خليفة صالحا، ويرزقه العز والسعادة الباقية ms2029 والخير الدائم. ثم قام الوزير الخامس وقال: تبارك الله العظيم ... وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 906 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير الخامس قال: تبارك الله العظيم، مانح العطايا الصالحة والمواهب السنية؛ وبعد، فإنا تحققنا أن الله ينعم على من يشكره ويحافظ على دينه، وأنت أيها الملك السعيد الموصوف بهذه المناقب الجليلة والعدل والإنصاف بين رعيتك بما يرضي الله تعالى، فلأجل ذلك أعلى الله شأنك وأسعد أيامك، ووهبك هذه العطية الصالحة التي هي هذا الولد السعيد بعد اليأس، وصار لنا بذلك الفرح الدائم والسرور الذي لا ينقطع؛ لأننا قبل ذلك كنا في هم شديد وغم زائد بسبب عدم وجود ولد لك، وفي أفكار فيما أنت منطو عليه من عدلك ورأفتك بنا، وخوفا أن يقضي الله عليك بالموت ولم يكن لك من يخلفك ويرث الملك من بعدك، فيختلف رأينا ويقع بيننا الشقاق، ويصير بيننا ما صار للغراب. فقال الملك: وما حكاية الغراب؟ ### || حكاية الغراب # فأجابه الوزير قائلا: اعلم أيها الملك السعيد، أنه كان في بعض البراري واد متسع، وكان به أنهار وأشجار وأثمار، وبه أطيار تسبح الله الواحد القهار، خالق الليل والنهار، وكان من جملة الطيور غربان، وكانوا في أطيب عيش، وكان المقدم عليهم والحاكم بينهم غراب رءوف بهم شفوق عليهم، وكانوا معه في أمان وطمأنينة، ومن حسن تصريفهم فيما بينهم لم يكن أحد من الطيور يقدر عليهم، فاتفق أن مقدمهم توفي وجاءه الأمر المحتوم على سائر الخلق، فحزنوا عليه حزنا شديدا، ومن زيادة حزنهم أنه لم يكن فيهم أحد مثله يقوم مقامه، فاجتمعوا جميعا وأتمروا فيما بينهم على من يقوم عليهم بحيث يكون صالحا؛ فطائفة منهم اختارت غرابا وقالوا: إن هذا يصلح أن يكون ملكا علينا، وآخرون اختلفوا فيه ولم يريدوه، فوقع بينهم الشقاق والجدال، وعظمت الفتنة بينهم، وبعد ذلك حصل بينهم توافق وتعاهدوا على أن يناموا تلك الليلة ولا يبكر أحد إلى السروح في طلب المعيشة غدا، بل يصبرون جميعا إلى الصباح، وعند ms2030 الفجر يكونون مجتمعين في موضع واحد، ثم ينظرون إلى كل طير يسبق في الطيران، وقالوا: إنه هو الذي يكون مختارا عندنا للملك، فنجعله ملكا علينا ونوليه أمرنا. فرضوا كلهم بذلك وعاهد بعضهم بعضا، واتفقوا على هذا العهد. فبينما هم على ذلك الحال إذ طلع باز، فقالوا له: يا أبا الخير، نحن اخترناك واليا علينا لتنظر في أمرنا، فرضي الباز بما قالوه، وقال لهم: إن شاء الله تعالى سيكون لكم مني خير عظيم. ثم إنهم بعدما ولوه عليهم صار كل يوم إذا سرح وسرح الغربان يستفرد بأحدهم ويضربه، ويأكل دماغه وعينيه ويترك الباقي، ولم يزل يفعل معهم هكذا حتى فطنوا به، فرأوا غالبهم قد هلك، فأيقنوا بالهلاك وقال بعضهم لبعض: كيف نصنع وقد هلك أكثرنا، وما انتبهنا حتى هلك أكابرنا؟ فينبغي لنا أن نتحفظ لأنفسنا. فلما أصبحوا نفروا منه وتفرقوا من حوله. ونحن الآن نخشى أن يقع لنا مثل هذا، ويصير علينا ملك غيرك، ولكن قد من الله علينا بهذه النعمة ووجهك إلينا، ونحن واثقون الآن بالصلاح، وجمع الشمل والأمن والأمانة والسلامة في الوطن، فتبارك الله العظيم، وله الحمد والشكر والثناء الجميل، وبارك الله للملك ولنا معشر الرعية، ورزقنا وإياه السعادة العظمى، وجعله سعيد الوقت قائم الجد. # ثم قام الوزير السادس وقال: هنأك الله أيها الملك بأحسن الهناء في الدنيا والآخرة، فقد تقدم من قول المتقدمين أن من صلى وصام وقام بحقوق الوالدين وعدل في حكمه، لقي ربه وهو راض عنه، وقد وليت علينا فعدلت، فكنت بذلك سعيد الحركات، فنسأل الله تعالى أن يجزل ثوابك ويأجرك على إحسانك، وقد سمعت ما قال هذا العالم فيما نتخوف من حرمان حظنا بعدم الملك، وبوجود ملك آخر لا يكون نظيره، فيعظم اختلافنا بعده ويقع البلاء في الاختلاف، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا، فالواجب علينا أن نبتهل إلى الله تعالى بالدعاء لعله يهب للملك ولدا سعيدا ويجعله وارثا للملك بعده. ثم بعد ذلك ربما كان الذي يحبه الإنسان من الدنيا ويشتهيه مجهول العاقبة له، ms2031 وحينئذ لا ينبغي للإنسان أن يسأل ربه أمرا لا يدري عاقبته؛ لأنه ربما كان ضرر ذلك أقرب إليه من نفعه، فيكون هلاكه في مطلوبه، ويصيبه مثل ما أصاب الحاوي وزوجته وأولاده وأهل بيته. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 907 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير السادس لما قال للملك: إن الإنسان لا ينبغي له أن يسأل ربه شيئا لا يدري عاقبته؛ لأنه ربما كان ضرر ذلك أقرب إليه من نفعه، فيكون هلاكه في مطلوبه، ويصيبه ما أصاب الحاوي وأولاده وزوجته وأهل بيته. فقال الملك: وما حكاية الحاوي وأولاده وزوجته وأهل بيته؟ ### || حكاية الحاوي وأولاده وزوجته وأهل بيته # فقال الوزير: اعلم أيها الملك أنه كان إنسان حاويا، وكان يربي الحيات، وهذه كانت صنعته، وكان عنده سلة كبيرة فيها ثلاث حيات لم يعلم بها أهل بيته، وكان كل يوم يخرج يدور بها في المدينة، ويتسبب بها لتحصيل رزقه ورزق عياله، ويرجع عند المساء إلى بيته ويضع الأحناش في السلة سرا، وعند الصباح يأخذها ويدور بها في المدينة، فكان هذا دأبه على الدوام، ولم يعرف أهل بيته بما في السلة، فاتفق أنه لما عاد الحاوي إلى بيته على جري عادته، سألته زوجته وقالت له: ما في هذه السلة؟ فقال لها الحاوي: وما مرادك منها؟ أليس الزاد عندكم كثيرا زائدا؟ فاقنعي بما قسم الله لك ولا تسألي عن غيره. فسكتت عنه تلك المرأة وصارت تقول في نفسها: لا بد لي أن أفتش هذه السلة وأعرف ما فيها. وصممت على ذلك وأعلمت أولادها، وأكدت عليهم أن يسألوا والدهم عن تلك السلة ويلحوا عليه في السؤال لأجل أن يخبرهم، فعند ذلك تعلق خاطر الأولاد بأن فيها شيئا يؤكل، فصار الأولاد كل يوم يطلبون من أبيهم أن يريهم ما في السلة، وكان أبوهم يدافعهم ويراضيهم وينهاهم عن هذا السؤال، فمضت لهم مدة وهم على ذلك الحال، وأمهم تحثهم على ذلك، ثم اتفقوا معها على أنهم لا يذوقون طعاما ولا يشربون شرابا ms2032 لوالدهم حتى يبلغهم طلبتهم ويفتح لهم السلة. # فبينما هم كذلك ذات ليلة، إذ حضر الحاوي ومعه شيء كثير من الأكل والشرب، فقعد ودعاهم ليأكلوا معه، فأبوا الحضور إليه وبينوا له الغيظ، فجعل يلاطفهم بالكلام الحسن ويقول لهم: انظروا ماذا تريدون حتى أجيء به إليكم أكلا أو شربا أو ملبوسا. فقالوا له: يا والدنا، ما نريد منك إلا فتح هذه السلة لننظر ما فيها، وإلا قتلنا أنفسنا. فقال لهم: يا أولادي، ليس لكم فيها خير، وإنما فتحها ضرر لكم. فعند ذلك ازدادوا غيظا، فلما رآهم على هذه الحالة أخذ يهددهم ويشير لهم بالضرب إن لم يرجعوا عن تلك الحالة، فلم يزدادوا إلا غيظا ورغبة في السؤال، فعند ذلك غضب عليهم وأخذ عصا ليضربهم بها، فهربوا قدامه في الدار، وكانت السلة حاضرة لم يخفها الحاوي في مكان، فخلت المرأة الرجل مشغولا بالأولاد وفتحت السلة بسرعة لكي تنظر ما فيها، وإذا بالحيات قد خرجت من السلة ولدغت المرأة أولا فقتلتها، ثم دارت في الدار وأهلكت الكبار والصغار، ما عدا الحاوي، فترك الحاوي الدار وخرج. فلما تحققت ذلك أيها الملك السعيد، علمت أن الإنسان ليس له أن يتمنى شيئا لم يرده الله تعالى، بل يطيب نفسا بما قدره الله له وأراده، وها أنت أيها الملك مع غزارة علمك وجودة فهمك، أقر الله عينك بحضور ولد لك بعد اليأس وطيب قلبك، ونحن نسأل الله تعالى أن يجعله من الخلفاء العادلين المرضين لله تعالى والرعية. # ثم قام الوزير السابع وقال: أيها الملك، إني قد علمت وتحققت ما ذكره لك إخوتي هؤلاء الوزراء العلماء الحكماء، وما تكلموا به في حضرتك أيها الملك، وما وصفوه من عدلك وحسن سيرتك، وما تميزت به عمن سواك من الملوك، حيث فضلوك عنهم، وذلك من بعض الواجب علينا أيها الملك، وأما أنا فأقول: الحمد لله الذي تولاك لنعمته، وأعطاك صلاح الملك برحمته، وأعانك وإيانا على أن نزيده شكرا وما ذاك إلا بوجودك، وما دمت فينا لم نتخوف جورا ولا نبغي ظلما، ولا ms2033 يستطيع أحد أن يستطيل علينا مع ضعفنا، وقد قيل: إن أحسن الرعايا من كان ملكهم عادلا، وشرهم من كان ملكهم جائرا. وقيل أيضا: السكنى مع الأسود الكواسر ولا السكنى مع السلطان الجائر. فالحمد لله تعالى على ذلك حمدا دائما؛ حيث أنعم علينا بوجودك، ورزقك هذا الولد المبارك بعد اليأس والطعن في السن؛ لأن أجمل العطايا في الدنيا الولد الصالح، وقد قيل: من لا ولد له، لا عاقبة له ولا ذكر. وأنت بقويم عدلك وحسن ظنك بالله تعالى أعطيت هذا الولد السعيد، فجاءك هذا الولد المبارك منة من الله تعالى علينا وعليك، بحسن سيرتك وجميل صبرك، وصار فيك ذلك مثل ما صار في العنكبوت والريح. فقال الملك: وما حكاية العنكبوت والريح؟ وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 908 ### || حكاية العنكبوت والريح # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك قال للوزير: وما حكاية العنكبوت والريح؟ فقال الوزير: اعلم أيها الملك أن عنكبوتة تعلقت في باب متنح عال وعملت لها بيتا وسكنت فيه بأمان، وكانت تشكر الله تعالى الذي يسر لها هذا المكان وآمن خوفها من الهوام، فمكثت على هذا الحال مدة من الزمان، وهي شاكرة لله على راحتها واتصال رزقها، فامتحنها خالقها بأن أخرجها لينظر شكرها وصبرها، فأرسل إليها ريحا عاصفا شرقية فحملتها ببيتها ورمتها في البحر، فجرتها الأمواج إلى البر، فعند ذلك شكرت الله تعالى على سلامتها وجعلت تعاتب الريح قائلة لها: أيتها الريح، لم فعلت بي ذلك؟ وما الذي حصل لك من الخير في نقلي من مكاني إلى هنا؟ وقد كنت آمنة مطمئنة في بيتي بأعلى ذلك الباب؟ فقالت لها الريح: انتهي عن العتاب، فإني سأرجع بك وأوصلك إلى مكانك كما كنت أولا. فلبثت العنكبوتة صابرة على ذلك راجية أن ترجع إلى مكانها حتى ذهبت ريح الشمال ولم ترجع بها، وهبت ريح الجنوب فمرت بها واختطفتها وطارت بها إلى جهة ذلك البيت، فلما مرت به عرفته فتعلقت به. ونحن نسأل الله الذي أثاب الملك على وحدته ms2034 وصبره ورزقه هذا الغلام بعد يأسه وكبر سنه، ولم يخرجه من هذه الدنيا حتى رزقه قرة عين، ووهب له ما وهب من الملك والسلطان، فرحم رعيته وأولاهم نعمته. فقال الملك: الحمد لله فوق كل حمد، والشكر له فوق كل شكر، لا إله إلا هو خالق كل شيء، الذي عرفنا بنور آثاره وجلال عظمته، يؤتي الملك والسلطان من يشاء من عباده في بلاده؛ لأنه ينتخب منهم من يشاء ليجعله خليفة ووكيلا على خلقه، ويأمره فيهم بالعدل والإنصاف وإقامة الشرائع والسنن، والعمل بالحق والاستقامة في أمورهم على ما أحب وأحبوا، فمن عمل منهم بما أمر الله كان لحظه مصيبا ولأمر ربه مطيعا، فيكفيه هول دنياه ويحسن جزاءه في أخراه، إنه لا يضيع أجر المحسنين؛ ومن عمل منهم بغير ما أمر الله أخطأ خطأ بليغا، وعصى ربه وآثر دنياه على أخراه، فليس له في الدنيا مآثر ولا في الآخرة نصيب؛ لأن الله لا يمهل أهل الجور والفساد ولا يهمل أحدا من العباد، وقد ذكر وزراؤنا هؤلاء أن من عدلنا بينهم وحسن تصرفنا معهم، أنعم علينا وعليهم بالتوفيق لشكره المستوجب لمزيد إنعامه، وكل واحد منهم قال ما ألهمه الله في ذلك، وبالغوا في الشكر لله تعالى والثناء عليه بسبب نعمته وفضله، وأنا أشكر الله لأني إنما أنا عبد مأمور، وقلبي بيده ولساني تابع له، راض بما حكم الله علي وعليهم بأي شيء صار؛ وقد قال كل واحد منهم ما خطر بباله من أمر هذا الغلام، وذكروا ما كان من متجدد النعمة علينا حين بلغت من السن حدا يغلب معه اليأس وضعف اليقين، والحمد لله الذي نجانا من الحرمان واختلاف الحكام كاختلاف الليل والنهار، وقد كان ذلك إنعاما عظيما عليهم وعلينا، فنحمد الله تعالى الذي رزقنا هذا الغلام سميعا مطيعا، وجعله وارثا من الخلافة محلا رفيعا، نسأله من كرمه وحلمه أن يجعله سعيد الحركات موفقا للخيرات، حتى يصير ملكا وسلطانا على رعيته بالعدل والإنصاف، حافظا لهم من هلكات الاعتساف، بمنه وكرمه وجوده. # فلما فرغ الملك ms2035 من كلامه، قام الحكماء والعلماء وسجدوا لله وشكروا الملك وقبلوا يديه، وانصرف كل واحد منهم إلى بيته، فعند ذلك دخل الملك بيته وأبصر الغلام، ودعا له وسماه وردخان، فلما مضى له من العمر اثنتا عشرة سنة، أراد الملك أن يعلمه العلوم، فبنى له قصرا في وسط المدينة وبنى فيه ثلاثمائة وستين مقصورة، وجعل الغلام فيه، ورتب له ثلاثة من الحكماء والعلماء وأمرهم ألا يغفلوا عن تعليمه ليلا ولا نهارا، وأن يجلسوا معه في كل مقصورة يوما، ويحرصوا على ألا يكون علم إلا ويعلمونه إياه، حتى يصير بجميع العلوم عارفا، ويكتبون على باب كل مقصورة ما يعلمونه له فيها من أصناف العلوم، يرفعون إليه في كل سبعة أيام ما عرفه من العلوم. # ثم إن العلماء أقبلوا على الغلام وصاروا لا يفترون عن تعليمه ليلا ولا نهارا، ولا يؤخرون عنه شيئا مما عندهم من العلوم، فظهر للغلام من ذكاء العقل وجودة الفهم وقبول العلم ما لم يظهر لأحد قبله، وجعلوا يرفعون للملك في كل أسبوع مقدار ما تعلمه ولده وأتقنه، فكان الملك يستظهر من ذلك علما حسنا وأدبا جميلا، وقال العلماء: إننا ما رأينا قط من أعطي فهما مثل هذا الغلام، فبارك الله لك فيه ومتعك بحياته. فلما أتم الغلام مدة اثنتي عشرة سنة حفظ من كل علم أحسنه، وفاق جميع العلماء والحكماء الذين في زمانه، فأتى به العلماء إلى الملك والده وقالوا له: أقر الله عينيك أيها الملك بهذا الولد السعيد، وقد أتيناك به بعد أن تعلم كل علم، حتى لم يكن أحد من علماء الوقت وحكمائه بلغ ما بلغه. ففرح الملك بذلك فرحا شديدا، وزاد في شكر الله تعالى وخر ساجدا له عز وجل، وقال: الحمد لله على نعمه التي لا تحصى. ثم دعا بشماس الوزير وقال له: اعلم يا شماس أن العلماء قد أتوني وأخبروني أن ابني هذا قد تعلم كل علم، ولم يبق من العلوم علم إلا وقد علموه له حتى فاق من تقدمه في ذلك، فما تقول ms2036 يا شماس؟ فسجد عند ذلك لله عز وجل وقبل يدي الملك وقال: أبت الياقوتة ولو كانت في الجبل الأصم، إلا أن تكون مضيئة كالسراج، وابنك هذا جوهرة، فما تمنعه حداثته من أن يكون حكيما والحمد لله على ما أولاه، وأنا إن شاء الله تعالى في غد أسأله وأستنطقه بما عنده في مجمع أجمعه له من خواص العلماء والأمراء. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 909 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك جليعاد لما سمع كلام شماس أمر جهابذة العلماء وأذكياء الفضلاء ومهرة الحكماء أن يحضروا إلى قصر الملك في غد، فحضروا جميعا، فلما اجتمعوا على باب الملك أذن لهم بالدخول، ثم حضر شماس الوزير وقبل يدي ابن الملك، فقام ابن الملك وسجد للشماس، فقال له الشماس: ليس يجب على شبل الأسد أن يسجد لأحد من الوحوش، ولا ينبغي أن يقترن النور بالظلام. قال الغلام: إن شبل الأسد لما رأى وزير الملك سجد له. فعند ذلك قال شماس: أخبرني ما الدائم المطلق وما كوناه؟ وما الدائم من كونيه؟ قال الغلام: أما الدائم المطلق فهو الله عز وجل؛ لأنه أول بلا ابتداء، وآخر بلا انتهاء، وأما كوناه فالدنيا والآخرة، وأما الدائم من كونيه فهو نعيم الآخرة. قال شماس: صدقت فيما قلت وقبلته منك، غير أني أحب أن تخبرني من أين علمت أن أحد الكونين هو الدنيا وثانيهما هو الآخرة؟ قال الغلام: لأن الدنيا خلقت ولم يكن من شيء كائن، فآل أمرها إلى الكون الأول، غير أنها عرض سريع الزوال متوجب الجزاء على الأعمال، وذلك يستدعي إعادة الفاني، فالآخرة هي الكون الثاني. قال شماس: صدقت فيما قلت وقبلته منك، غير أني أحب أن تخبرني من أين علمت أن نعيم الآخرة هو الدائم من الكونين؟ قال الغلام: علمت ذلك من أنها دار الجزاء على الأعمال التي أعدها الباقي بلا زوال. قال شماس: أخبرني أي أهل الدنيا أحمد عملا؟ قال الغلام: من يؤثر آخرته على دنياه. قال شماس: ومن الذي ms2037 يؤثر آخرته على دنياه؟ فقال الغلام: من كان يعلم أنه في دار منقطعة، وأنه ما خلق إلا للفناء، وأنه بعد الفناء يحاسب، وأنه لو كان في هذه الدنيا أحد مخلد أبدا، لا يؤثر الدنيا على الآخرة. قال شماس: أخبرني هل تستقيم آخرة بغير دنيا؟ قال الغلام: من لم يكن له دنيا فلا آخرة له، ولكن رأيت الدنيا وأهلها والمعاد الذي هم صائرون إليه كمثل أهل هؤلاء الضياع الذين ابتنى لهم أمير بيتا ضيقا وأدخلهم فيه، وأمرهم بعمل يعملونه، وضرب لكل واحد منهم أجلا ووكل به شخصا، فمن عمل منهم ما أمر به أخرجه الشخص الموكل به من ذلك الضيق، ومن لم يعمل ما أمر به وقد انقضى الأجل المضروب له عوقب؛ فبينما هم كذلك إذ رشح لهم من شقوق البيت عسل، فلما أكلوا من العسل وذاقوا طعمه وحلاوته، توانوا في العمل الذي أمروا به ونبذوه وراء ظهورهم، وصبروا على ما هم فيه من الضيق والغم، مع ما علموا من تلك العقوبة التي هم صائرون إليها، وقنعوا بتلك الحلاوة اليسيرة، وصار الموكل بهم لا يدع أحدا منهم إذا جاء أجله إلا ويخرجه من ذلك البيت، فعرفنا أن الدنيا دار تتحير فيها الأبصار، وتسرب لأهلها فيها الآجال، فمن وجد الحلاوة القليلة التي تكون في الدنيا وأشغل نفسه بها، كان من الهالكين؛ حيت آثر أمر دنياه على آخرته، ومن يؤثر آخرته على دنياه ولم يلتفت إلى تلك الحلاوة القليلة، كان من الفائزين. # قال شماس: قد سمعت ما ذكرت من أمر الدنيا والآخرة وقبلت ذلك منك، ولكني قد رأيتهما مسلطتين على الإنسان، فلا بد له من إرضائهما معا وهما مختلفتان، فإن أقبل العبد على طلب المعيشة، فذلك إضرار بروحه في المعاد، وإن أقبل على الآخرة، كان ذلك إضرارا بجسده، وليس له سبيل إلى إرضاء المتخالفين معا. ### || حكاية الملكين # قال الغلام: إنه من حصل المعيشة في الدنيا تقويه على الآخرة، فإني رأيت أمر الدنيا والآخرة مثل ملكين: عادل وجائر، وكانت أرض الملك الجائر ذات أشجار ms2038 وأثمار ونبات، وكان ذلك الملك لا يدع أحدا من التجار إلا أخذ ماله وتجارته، وهم صابرون على ذلك لما يصيبون من خصب تلك الأرض في المعيشة؛ وأما الملك العادل فإنه بعث رجلا من أهل أرضه وأعطاه مالا وافرا، وأمره أن ينطلق إلى أرض الملك الجائر ليبتاع به جواهر منها، فانطلق ذلك الرجل بالمال حتى دخل تلك الأرض، فقيل للملك: إنه جاء إلى أرضك رجل تاجر ومعه مال كثير يريد أن يبتاع به جواهر منها. فأرسل إليه وأحضره وقال له: من أنت؟ ومن أين أتيت؟ ومن جاء بك إلى أرضي؟ وما حاجتك؟ فقال له: إني من أرض كذا وكذا، وإن ملك تلك الأرض أعطاني مالا وأمرني أن أبتاع له به جواهر من هذه الأرض، فامتثلت أمره وجئت. فقال له الملك: ويحك! أما علمت صنعي بأهل أرضي من أني آخذ مالهم في كل يوم؟ فكيف تأتيني بمالك وها أنت مقيم في أرضي منذ كذا وكذا؟ فقال له التاجر: إن المال ليس لي منه شيء، وإنما هو أمانة تحت يدي حتى أوصله إلى صاحبه. فقال له: إني لست بتاركك تأخذ معيشتك من أرضي حتى تفدي نفسك بهذا المال جميعه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 910 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك الجائر قال للتاجر الذي يريد أن يشتري الجواهر من أرضه: لا يمكن أن تأخذ معاشا من أرضي حتى تفدي نفسك بهذا المال أو تهلك. فقال الرجل في نفسه: قد وقعت بين ملكين، وقد علمت أن جور هذا الملك عام على كل من أقام بأرضه، فإن لم أرضه كان هلاكي وذهاب المال لا بد منهما ولم أصب حاجتي، وإن أعطيته جميع المال كان هلاكي عند الملك صاحب المال لا بد منه، وليس لي حيلة سوى أني أعطيه من هذا المال جزءا يسيرا، وأرضيه به وأدفع عن نفسي وعن هذا المال الهلاك، وأصيب من خصب هذه الأرض قوت نفسي حتى أبتاع ما أريد من الجواهر، وأكون قد أرضيته ms2039 بما أعطيته، وآخذ نصيبي من أرضه هذه وأتوجه إلى صاحب المال بحاجته، فإني أرجو من عدله وتجاوزه ما لا أخاف معه عقوبة فيما أخذه هذا الملك من المال، خصوصا إذا كان يسيرا. ثم إن التاجر دعا الملك وقال له: أيها الملك، أنا أفتدي نفسي وهذا المال بجزء صغير من منذ دخلت أرضك حتى أخرج منها. فقبل الملك منه ذلك وخلى سبيله سنة، فاشترى الرجل بماله جميعه جواهر وانطلق إلى صاحبه. فالملك العادل مثال للآخرة، والجواهر التي بأرض الملك الجائر مثال للحسنات والعمل الصالح، والرجل صاحب المال مثال لمن طلب الدنيا، والمال الذي معه مثال لحياة الإنسان، فلما رأيت ذلك علمت أنه ينبغي لمن يطلب المعيشة في الدنيا ألا يخلي يوما عن طلب الآخرة، فيكون قد أرضى الدنيا بما ناله من خصب الأرض، وأرضى الآخرة بما يصرف من حياته في طلبها. # قال شماس: فأخبرني هل الجسد والروح سواء في الثواب والعقاب، أم إنما يختص بالعقاب صاحب الشهوات وفاعل الخطيئات؟ قال الغلام: قد يكون الميل إلى الشهوات والخطيئات موجبا للثواب بحبس النفس عنها والتوبة منها، والأمر بيد من يفعل ما يشاء، وبضدها تتميز الأشياء، على أن المعاش لا بد منه للجسد، ولا جسد إلا بالروح، وطهارة الروح بإخلاص النية في الدنيا والالتفات إلى ما ينفع في الآخرة، فهما فرسا رهان ورضيعا لبان، ومشتركان في الأعمال، وباعتبار النية تفصيل الإجمال، وكذلك الجسد والروح مشتركان في الأعمال، وفي الثواب والعقاب. ### || حكاية الأعمى والمقعد # وذلك مثل الأعمى والمقعد اللذين أخذهما رجل صاحب بستان، وأدخلهما بستانه وأمرهما ألا يفسدا فيه ولا يصنعا فيه أمرا يضر به، فلما طابت أثمار البستان قال المقعد للأعمى: ويحك! إني أرى أثمارا طيبة وقد اشتهيتها، ولست أقدر على القيام إليها لآكل منها، فقم أنت لأنك صحيح الرجلين وأتنا منها بما نأكل. فقال الأعمى: ويحك! قد ذكرتها لي، وقد كنت عنها غافلا، ولست أقدر على ذلك لأني لست أبصرها، فما الحيلة في تحصيل ذلك؟ فبينما هما كذلك إذ أتاهما الناظر على البستان، ms2040 وكان رجلا عالما، فقال له المقعد: ويحك يا ناظر! إنا قد اشتهينا شيئا من هذه الثمار ونحن كما ترى؛ أنا مقعد وصاحبي هذا أعمى لا يبصر شيئا، فما حيلتنا؟ فقال لهما الناظر: ويحكما! ألستما تعلمان ما قد عاهدكما عليه صاحب البستان من أنكما لا تتعرضان لشيء مما يؤثر فيه الفساد؟ فانتهيا ولا تفعلا. فقالا له: لا بد لنا من أن نصيب من هذه الثمار ما نأكله، فأخبرنا بما عندك من الحيلة. فلما لم ينتهيا عن رأيهما، قال لهما: الحيلة في ذلك أن يقوم الأعمى ويحملك أيها المقعد على ظهره ويدنيك من الشجرة التي تعجبك أثمارها، حتى إذا أدناك منها تجني أنت ما أصبت من الثمار. فقام الأعمى وحمل المقعد، وجعل المقعد يهديه إلى السبيل حتى أدناه إلى شجرة، فصار المقعد يأخذ منها ما أحب، ولم يزل ذلك دأبهما حتى أفسدا ما في البستان من الشجر، وإذا بصاحب البستان قد جاء وقال لهما: ويحكما! ما هذه الفعال؟ ألم أعاهدكما على ألا تفسدا في هذا البستان؟ فقالا له: قد علمت أننا لا نقدر أن نصل إلى شيء من الأشياء لأن أحدنا مقعد لا يقوم، والآخر أعمى لا يبصر ما بين يديه، فما ذنبنا؟ فقال لهما صاحب البستان: لعلكما تظنان أني لست أدري كيف صنعتما وكيف أفسدتما في بستاني؟ كأني بك أيها الأعمى قد قمت وحملت المقعد على ظهرك، وصار يهديك السبيل حتى أوصلته إلى الشجرة. ثم إنه أخذهما وعاقبهما عقوبة شديدة وأخرجهما من البستان؛ فالأعمى مثال للجسد لأنه لا يبصر إلا بالنفس، والمقعد مثال للنفس التي لا حركة لها إلا بالجسد، وأما البستان فإنه مثال للعمل الذي يجازى به العبد، والناظر مثال للعقل الذي يأمر بالخير وينهى عن الشر، فالجسد والروح مشتركان في الثواب والعقاب. قال له شماس: صدقت وقد قبلت قولك هذا، فأخبرني أي العلماء عندك أحمد؟ قال الغلام: من كان بالله عالما وينفعه علمه. قال شماس: ومن ذلك؟ قال الغلام: من يلتمس رضا ربه ويتجنب سخطه. قال: فأيهم أفضل؟ قال ms2041 الغلام: من كان بالله أعلم. قال شماس: فمن أشدهم اختبارا؟ قال: من كان على العمل بالعلم صبارا. قال شماس: أخبرني من أرقهم قلبا؟ قال: أكثرهم استعدادا للموت وذكرا، وأقلهم أملا؛ لأن من أدخل على نفسه طوارق الموت كان مثل الذي ينظر في المرآة الصافية، فإنه يعرف الحقيقة، ولا تزداد المرآة إلا صفاء وبريقا. قال شماس: أي الكنوز أحسن؟ قال: كنوز السماء. قال: فأي كنوز السماء أحسن؟ قال: تعظيم الله وتحميده. قال: فأي كنوز الأرض أفضل؟ قال: اصطناع المعروف. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 911 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير شماس لما قال لابن الملك: أي كنوز الأرض أفضل؟ قال له: اصطناع المعروف. قال: صدقت وقد قبلت قولك هذا، فأخبرني عن الثلاثة المختلفة: العلم والرأي والذهن، وعن الذي يجمع بينها؟ قال الغلام: إنما العلم من التعلم، وأما الرأي فإنه من التجارب، وأما الذهن فإنه من التفكر، وثباتها واجتماعها في العقل، فمن اجتمعت فيه هذه الثلاث خصال كان كاملا، ومن جمع إليهن تقوى الله كان مصيبا. قال شماس: صدقت وقد قبلت منك ذلك، فأخبرني عن العالم العليم ذي الرأي السديد والفطنة الوقادة والذهن الفائق الرائق، هل يغيره الهوى والشهوة عن هذه الحالات التي ذكرت؟ قال الغلام: إن هاتين الخصلتين إذا دخلتا على الرجل غيرتا علمه وفهمه ورأيه وذهنه، وكان مثل العقاب الكاسر الذي عن القنص محاذر، المقيم في السماء لفرط حذقه، فبينما هو كذلك إذ نظر رجلا صيادا قد نصب شركه، فلما فرغ الرجل من نصب الشرك وضع فيه قطعة لحم، فعند ذلك أبصر العقاب قطعة اللحم، فغلب عليه الهوى والشهوة حتى نسي ما شاهد من الشرك ومن سوء الحال لكل من وقع من الطير، فانقض من جو السماء حتى وقع على قطعة اللحم، فاشتبك في الشرك، فلما جاء الصياد رأى العقاب في شركه فتعجب عجبا شديدا وقال: أنا نصبت شركي ليقع فيه حمام أو نحوه من الطيور الضعيفة، فكيف وقع فيه هذا العقاب؟ وقد ms2042 قيل: إن الرجل العاقل إذا حمله الهوى والشهوة على أمر، يتدبر عاقبة ذلك الأمر بعقله فيمتنع مما حسناه، ويقهر بعقله شهوته وهواه، فإذا حمله الهوى والشهوة على أمر، ينبغي أن يجعل عقله مثل الفارس الماهر في فروسيته، إذا ركب الفرس الأرعن فإنه يجذبه باللجام الشديد حتى يستقيم ويمضي معه على ما يريد، وأما من كان سفيها لا علم له ولا رأي عنده، والأمور مشتبهة عليه والهوى والشهوة مسلطان عليه، فإنه يعمل بشهوته وهواه فيكون من الهالكين، ولا يكون في الناس أسوأ حالا منه. # قال شماس: صدقت فيما قلت وقد قبلت ذلك منك، فأخبرني متى يكون العلم نافعا، والعقل لوبال الهوى والشهوة دافعا؟ قال الغلام: إذا صرفهما صاحبهما في طلب الآخرة؛ لأن العقل والعلم كليهما نافعان، ولكن ليس ينبغي لصاحبهما أن يصرفهما في طلب الدنيا إلا بمقدار ما يصيب به قوته منها، ويدفع عن نفسه شرها ويصرفهما في عمل الآخرة. قال: فأخبرني ما أحق أن يلزم الإنسان ويشغل به قلبه؟ قال: العمل الصالح. قال: فإذا فعل الرجل ذلك شغله عن معاشه، فكيف يفعل في المعيشة التي لا بد له منها؟ قال الغلام: إن نهاره أربع وعشرون ساعة، فينبغي له أن يجعل منها جزءا واحدا في طلب المعيشة، وجزءا واحدا للدعة والراحة، ويصرف الباقي في طلب العلم؛ لأن الإنسان إذا كان عاقلا وليس عنده علم، فإنما هو كالأرض المجدبة التي ليس فيها موضع للعمل والغرس والنبات؛ فإذا لم تهيأ للعمل وتغرس، لا ينفع فيها ثمر، وإذا هيئت للعمل وغرست أنبتت ثمرا حسنا؛ كذلك الإنسان بغير علم لا نفع به حتى يغرس فيه العلم، فإذا غرس فيه العلم أثمر. قال شماس: فأخبرني عن العلم بغير عقل ما شأنه؟ قال: كعلم البهيمة التي تعلمت أوان مطعمها ومشربها وأوان يقظتها ولا عقل لها. قال شماس: قد أوجزت في الإجابة عن ذلك، ولكن قد قبلت منك هذا الكلام، فأخبرني كيف ينبغي أن أتوقى السلطان؟ قال الغلام: لا تجعل له عليك سبيلا. قال: وكيف أستطيع ألا أجعل ms2043 له علي سبيلا وهو مسلط علي وزمام أمري بيده؟ قال الغلام: إنما سلطانه عليك بحقوقه التي قبلك، فإذا أعطيته حقه فلا سلطان له عليك. قال شماس: ما حق الملك على الوزير؟ قال: النصيحة والاجتهاد في السر والعلانية، والرأي السديد، وكتم سره، وألا يخفي عنه شيئا مما هو حقيق بالاطلاع عليه، وقلة الغفلة عما قلده إياه من قضاء حوائجه، وطلب رضاه بكل وجه، واجتناب سخطه عليه. قال شماس: فأخبرني ما الذي يفعله الوزير مع الملك؟ قال الغلام: إذا كنت وزيرا للملك وأحببت أن تسلم منه، فليكن سمعك وكلامك له فوق ما يؤمله منك، وليكن طلبك منه الحاجة على قدر منزلتك عنده، واحذر أن تنزل نفسك منزلة لم يرك لها أهلا، فيكون ذلك منك مثل الجراءة عليه. ### || حكاية الأسد والصياد # فإذا اغتررت بحلمه ونزلت نفسك منزلة لم يرك لها أهلا، تكون مثل الصياد الذي يصطاد الوحوش فيسلخ جلودها لحاجته إليها ويطرح لحومها، فجعل الأسد يأتي إلى ذلك المكان فيأكل من تلك الجيفة، فلما كثر تردده إلى ذلك المحل، استأنس بالصياد وألفه، وأقبل الصياد يرمي إليه ويمسح يده على ظهره وهو يلعب بذيله، فعندما رأى الصياد سكون الأسد له واستئناسه به وتذلله إليه، قال في نفسه: إن هذا الأسد قد خضع إلي وملكته، وما أرى إلا أني أركبه وأسلخ جلده مثل غيره من الوحوش، فتجاسر الصياد ووثب على ظهر الأسد وطمع فيه، فلما رأى الأسد ما صنع الصياد، غضب غضبا شديدا، ثم رفع يده وضرب الصياد فدخلت مخالبه في أمعائه، ثم طرحه تحت قوائمه ومزقه تمزيقا؛ فمن ذلك علمت أنه ينبغي للوزير أن يكون عند الملك على حسب ما يرى من حاله، ولا يتجاسر عليه لفضل رأيه فيتغير الملك عليه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 912 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام ابن الملك جليعاد قال لشماس الوزير: ينبغي للوزير أن يكون عند الملك على حسب ما يرى من حاله، ولا يتجاسر عليه لفضل رأيه، فيتغير الملك ms2044 عليه. قال شماس: فأخبرني ما الذي يتزين به الوزير عند الملك؟ قال الغلام: أداء الأمانة التي فوض إليه أمرها من النصيحة وسداد الرأي وتنفيذه لأوامره. قال له شماس: أما ما ذكرت من أن حق الملك على الوزير أن يجتنب سخطه ويفعل ما يقتضي رضاه ويهتم بما قلده إياه، فإنه أمر واجب، ولكن أخبرني ما الحيلة إذا كان الملك إنما رضاه بالجور وارتكاب الظلم والعسف؟ فما حيلة الوزير إذا هو ابتلي بعشرة ذلك الملك الجائر؟ فإنه إن أراد أن يصرفه عن هواه وشهوته ورأيه، فلا يقدر على ذلك، وإن هو تابعه على هواه وحسن له رأيه، حمل وزر ذلك وصار للرعية عدوا، فما تقول في هذا؟ فأجابه الغلام قائلا: إن ما ذكرت أيها الوزير من الوزر والإثم، إنما هو إذا تابعه على ما ارتكبه من الخطأ، ولكن يجب على الوزير إذا شاوره الملك في مثل هذا أن يبين له طريق العدل والإنصاف، ويحذره من الجور والاعتساف، ويعرفه حسن السيرة في الرعية، ويرغبه فيما في ذلك من الثواب، ويحذره مما يلزمه من العقاب، فإن مال وعطف إلى كلامه حصل المراد، وإلا فلا حيلة له إلا بمفارقته إياه بطريقة لطيفة؛ لأن في المفارقة لكل واحد منهما الراحة. قال الوزير: فأخبرني ما حق الملك على الرعية؟ وما حق الرعية على الملك؟ قال: الذي يأمرهم به يعملونه بنية خالصة، ويطيعونه فيما يرضيه ويرضي الله ورسوله، وحق الرعية على الملك حفظ أموالهم وصون حريمهم، كما أن للملك على الرعية السمع والطاعة، وبذل الأنفس دونه، وإعطاءه واجب حقه، وحسن الثناء عليه بما أولاهم من عدله وإحسانه. قال شماس: قد بينت لي ما سألتك عنه من حق الملك والرعية، فأخبرني هل بقي للرعية شيء على الملك غير ما قلت؟ قال الغلام: نعم، حق الرعية على الملك أوجب من حق الملك على الرعية، وهو أن ضياع حقهم عليه أضر من ضياع حقه عليهم؛ لأنه لا يكون هلاك الملك وزوال ملكه ونعمته إلا من ضياع حق الرعية، فمن تولى ملكا ms2045 يجب عليه أن يلازم ثلاثة أشياء، وهي: إصلاح الدين، وإصلاح الرعية، وإصلاح السياسة، فبملازمة هذه الثلاثة يدوم ملكه. قال: فأخبرني كيف ينبغي أن يستقيم في إصلاح الرعية؟ قال: بأداء حقهم وإقامة سنتهم، واستعمال العلماء والحكماء لتعليمهم وإنصاف بعضهم من بعض، وحقن دمائهم، والكف عن أموالهم، وتخفيف الثقل عنهم، وتقوية جيوشهم. قال: فأخبرني ما حق الوزير على الملك؟ قال الغلام: ليس على الملك حق لأحد من الناس أوجب من الحق الواجب عليه للوزير لثلاث خصال؛ الأولى: للذي يصيبه معه عند خطأ الرأي والانتفاع العام للملك والرعية عند سداد الرأي. والثانية: ليعلم الناس حسن منزلة الوزير عند الملك، فتنظر إليه الرعية بعين الإجلال والتوقير وخفض الجناح. والثالثة: أن الوزير إذا شاهد ذلك من الملك والرعية، دفع عنهم ما يكرهونه ووفى لهم بما يحبونه. قال شماس: قد سمعت جميع ما قلته لي من صفات الملك والوزير والرعية وقبلته منك، فأخبرني ما ينبغي لحفظ اللسان عن الكذب والسفاهة وسب العرض والإفراط في الكلام؟ قال الغلام: ينبغي للإنسان ألا يتكلم إلا بالخير والحسنات، ولا ينطق في شأن ما لا يعنيه، ويترك النميمة ولا ينقل عن أحد حديثا سمعه منه لعدوه، ولا يطلب لصديقه ولا لعدوه ضرورة عند سلطانه، ولا يعبأ بمن يرتجي خيره ويتقي شره إلا الله تعالى؛ لأنه هو الضار النافع على الحقيقة، ولا يذكر لأحد عيبا ولا يتكلم بجهل لئلا يلزمه الوزر والإثم من الله والبغض بين الناس، واعلم أن الكلام مثل السهم إذا نفذ لا يقدر أحد على رده، وليحذر أن يودع سره عند من يفشيه، فربما يقع في ضرر إفشائه بعد أن يكون على ثقة من الكتمان، وأن يكون مخفيا لسره عن صديقه أكثر من إخفائه عن عدوه، فإن كتمان السر عن جميع الناس من أداء الأمانة. قال شماس: فأخبرني عن حسن الخلق مع الأهل والأقارب؟ قال الغلام: إنه لا راحة لبني آدم إلا بحسن الخلق، ولكن ينبغي أن يصرف إلى الأهل ما يستحقونه، وإلى إخوانه ما يجب لهم. قال: فأخبرني ms2046 ما الذي يجب أن يصرفه إلى الأهل؟ قال: أما الذي يصرفه للوالدين، فخفض الجناح، وحلاوة اللسان، ولين الجانب، والإكرام والوقار، وأما الذي يصرفه للإخوان فالنصيحة، وبذل المال، ومساعدتهم على أسبابهم، والفرح لفرحهم، والإغضاء عما يقع منهم من الهفوات، فإذا عرفوا منه ذلك قابلوه بأعز ما عندهم من النصيحة، وبذلوا الأنفس دونه، فإذا كنت من أخيك على ثقة، فابذل له ودك وكن مساعدا له على جميع أموره. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 913 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام ابن الملك جليعاد لما سأله الوزير شماس عن المسائل المتقدمة ورد له أجوبتها، قال له الوزير شماس: إني أرى الإخوان صنفين: إخوان ثقة، وإخوان معاشرة، أما إخوان الثقة فإنه يجب لهم ما وصفت، فأسألك عن غيرهم من إخوان المعاشرة. قال الغلام: أما إخوان المعاشرة فإنك تصيب منهم لذة وحسن خلق وحلاوة لفظ وحسن معاشرة، فلا تقطع منهم لذاتك، بل ابذل مثل ما يبذلونه لك، وعاملهم بمثل ما يعاملونك به من طلاقة الوجه وعذوبة اللسان، فيطيب عيشك ويكون كلامك مقبولا عندهم. # قال شماس: قد عرفنا هذه الأمور كلها، فأخبرني عن الأرزاق المقدرة للخلق من الخالق، هل هي مقسومة بين الناس والحيوان، لكل واحد رزق إلى تمام أجله؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يحمل طالب المعيشة على ارتكاب المشقة في طلب ما عرف أنه إن كان مقدرا له فلا بد من حصوله، وإن لم يرتكب مشقة السعي، وإن لم يكن مقدرا له فلا يتحصل له ولو سعى إليه غاية السعي؟ فهل يترك السعي ويكون على ربه متوكلا ولجسده ونفسه مريحا؟ قال الغلام: إنا قد رأينا لكل واحد رزقا مقسوما وأجلا محتوما، ولكن لكل رزق طريق وأسباب، فصاحب الطلب يصيب في طلبه الراحة بترك الطلب، ومع ذلك لا بد من طلب الرزق، غير أن الطالب على ضربين: إما أن يصيب، وإما أن يحرم. فراحة المصيب في الحالتين إصابة رزقه، وكون عاقبة طلبه حميدة. وراحة المحروم في ثلاث خصال: ms2047 الاستعداد لطلب رزقه، والتنزه عن أن يكون كلا على الناس، والخروج عن عهدة الملامة. قال شماس: أخبرني عن باب طلب المعيشة؟ قال الغلام: يستحل الإنسان ما أحله الله، ويحرم ما حرمه الله عز وجل. # وانقطع بينهما الكلام لما وصلا إلى هذا الحد، ثم قام شماس هو ومن حضر من العلماء وسجدوا للغلام وعظموه وبجلوه، وضمه أبوه إلى صدره، ثم بعد ذلك أجلسه على سرير الملك وقال: الحمد لله الذي رزقني ولدا تقر به عيناي في حياتي. ثم قال الغلام لشماس ومن حضر من العلماء: أيها العالم صاحب المسائل الروحانية، إن لم يكن فتح الله علي من العلم إلا بشيء قليل، فإني قد فهمت قصدك في قبولك مني ما أتيت به جوابا عما سألتني، سواء كنت فيه مصيبا أو مخطئا، ولعلك صفحت عن خطئي، وأنا أريد أن أسألك عن شيء عجز عنه رأيي، وضاق منه ذرعي، وكل عن وصفه لساني؛ لأنه أشكل علي إشكال الماء الصافي في الإناء الأسود، فأحب منك أن تشرحه لي حتى لا يكون شيء منه مبهما على مثلي فيما يستقبل، مثل إبهامه علي فيما مضى؛ لأن الله كما جعل الحياة بالماء، والقوة بالطعام، وشفاء المريض بمداواة الطبيب؛ جعل شفاء الجاهل بعلم العالم، فأنصت إلى كلامي. قال شماس: أيها المضيء العقل، صاحب المسائل الصالحة، ومن شهد له العلماء كلهم بالفضل لحسن تفضيلك للأشياء وتقسيمك إياها، وحسن إصابتك في إجابتك عما سألتك عنه، قد علمت أنك لست تسألني عن شيء إلا وأنت في تأويله أصوب رأيا وأصدق مقالا؛ لأن الله قد آتاك من العلم ما لم يؤت أحدا من الناس، فأخبرني عن هذه الأشياء التي تريد أن تسألني عنها؟ قال الغلام: أخبرني عن الخالق جلت قدرته، من أي الأشياء خلق الخلق؟ ولم يكن قبل ذلك شيء، وليس يرى في هذه الدنيا شيء إلا مخلوق من شيء، والبارئ تبارك وتعالى قادر على أن يخلق الأشياء من لا شيء، ولكن اقتضت إرادته مع كمال القدرة والعظمة، أنه لم يخلق شيئا إلا ms2048 من شيء. قال الوزير شماس: أما صناع الآلات من الفخار وغيره من الصنائع، فلا يقدرون على ابتداع شيء إلا من شيء؛ إذ هم مخلوقون، وأما الخالق الذي صنع العالم بهذه الصنعة العجيبة، فإن شئت أن تعرف قدرته تبارك وتعالى على إيجاد الأشياء، فأطل الفكر في أصناف الخلق، فإنك ستجد آيات وعلامات دالة على كمال قدرته، وأنه قادر على أن يخلق الأشياء من لا شيء، بل أوجدها بعد العدم المحض؛ لأن العناصر التي هي مادة الأشياء كانت عدما محضا، وقد أوضحت لك ذلك حتى لا تكون في شك منه، ويبين ذلك آية الليل والنهار، فإنهما يتعاقبان حتى إذا ذهب النهار وجاء الليل، خفي علينا النهار ولم نعرف له مقرا، وإذا ذهب الليل بظلمته ووحشته جاء النهار ولم نعرف لليل مقرا، وإذا أشرقت علينا الشمس لا نعرف أين يطوى نورها، وإذا غربت لم نعرف مستقر غروبها، وأمثال ذلك من أفعال الخالق - عز اسمه وجلت قدرته - كثيرة مما يحير أفكار الأذكياء من المخلوقات. # قال الغلام: أيها العالم، إنك عرفتني من قدرة الخالق ما لا يستطاع إنكاره، ولكن أخبرني كيف إيجاده لخلقه؟ قال شماس: إنما الخلق مخلوق بكلمته التي هي موجودة قبل الدهر، وبها خلق جميع الأشياء. قال الغلام: إن الله تعاظم اسمه وارتفعت قدرته، إنما أراد إيجاد الخلق قبل وجودهم. قال شماس: وبإرادته خلقهم بكلمته، فلولا أن له نطقا وأظهر كلمة، لم تكن الخليقة موجودة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 914 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام لما سأل شماسا عن المسائل المتقدمة، أجابه عنها، ثم قال له: يا بني، إنه لا يخبرك أحد من الناس بغير ما قلته إلا بتحريف الكلام الوارد في الشرائع عن موضعه، وصرف الحقائق عن وجوهها، ومن ذلك قولك: إن الكلمة لها استطاعة، أعوذ بالله من هذه العقيدة، بل قولنا في الله عز وجل: إنه خلق الخلق بكلمته، معناه أنه تعالى واحد في ذاته وصفاته، وليس معناه أن كلمة الله لها قدرة، ms2049 بل القدرة صفة لله، كما أن الكلام وغيره من صفات الكمال صفات لله تعالى شأنه وعز سلطانه، فلا يوصف هو دون كلمته، ولا توصف كلمته دونه، فالله جل ثناؤه خلق بكلمته جميع خلقه، وبغير كلمته لم يخلق شيئا، وإنما خلق الأشياء بكلمته الحق، فبالحق نحن مخلوقون. قال الغلام: قد فهمت من أمر الخالق وعزة كلمته ما ذكرت، وقبلت ذلك منك بفهم، ولكني سمعتك تقول: إنما خلق الخلق بكلمته الحق، والحق ضد الباطل، فمن أين عرض الباطل؟ وكيف يمكن عروضه للحق حتى يشتبه به ويلتبس على المخلوقين، فيحتاجون إلى الفصل بينهما؟ وهل الخالق عز وجل محب لهذا الباطل أم باغض له؟ فإن قلت إنه محب للحق وبه خلق خلقه، وباغض للباطل، فمن أين دخل هذا الذي يبغضه الخالق على ما يحبه وهو الحق؟ قال شماس: إن الله لما خلق الإنسان بالحق، ولم يكن الإنسان محتاجا إلى توبة، حتى دخل الباطل على الحق الذي هو مخلوق به، بسبب الاستطاعة التي جعلها الله في الإنسان وهي الإرادة والميل المسمى بالكسب، فلما دخل الباطل على الحق بهذا الاعتبار التبس الباطل بالحق بسبب إرادة الإنسان واستطاعته والكسب الذي هو الجزء الاختياري مع نصف طبيعة الإنسان، فخلق الله له التوبة لتصرف عنه ذلك الباطل وتثبته على الحق، وخلق له العقوبة إن هو أقام على ملابسة الباطل. # قال الغلام: فأخبرني ما سبب عروض هذا الباطل للحق حتى التبس به؟ وكيف وجبت العقوبة على الإنسان حتى احتاج إلى التوبة؟ قال شماس: إن الله لما خلق الإنسان بالحق جعله محبا له، ولم يكن له عقوبة ولا توبة، واستمر كذلك حتى ركب الله فيه النفس التي هي من كمال الإنسانية مع ما هي مطبوعة عليه من الميل إلى الشهوات، فنشأ من ذلك عروض الباطل والتباسه بالحق الذي خلق الإنسان به وطبع على حبه، فلما صار الإنسان إلى هذه الغاية زاغ عن الحق بالمعصية، ومن زاغ عن الحق إنما يقع في الباطل. قال الغلام: إن الحق إنما دخل عليه الباطل بالمعصية ms2050 والمخالفة. قال شماس: وهو كذلك؛ لأن الله يحب الإنسان، ومن زيادة محبته له خلق الإنسان محتاجا إليه، وذلك هو الحق بعينه، ولكن ربما استرخى الإنسان عن ذلك بسبب ميل النفس إلى الشهوات، ومال إلى الخلاف، فصار إلى ذلك الباطل بالمعصية التي بها عصى ربه فاستوجب العقوبة، وبإزاحة الباطل عنه بتوبته ورجوعه إلى محبة الحق، استوجب الثواب. # قال الغلام: أخبرني عن مبدأ المخالفة مع أن الخلق مرجعهم جميعا إلى أن وجد بني آدم، وقد خلقه الله بالحق، فكيف جلب المعصية لنفسه؟ ثم قرنت معصيته بالتوبة بعد تركيب النفس فيه لتكون عاقبته الثواب أو العقاب، ونحن نرى بعض الخلق مقيما على المخالفة، مائلا إلى ما لا يحبه، مخالفا لمقتضى أصل خلقته من حب الحق، مستوجبا لسخط ربه عليه، ونرى بعضهم مقيما على رضا خالقه وطاعته مستوجبا للرحمة والثواب؛ فما سبب الاختلاف الحاصل بينهم؟ قال شماس: إن أول نزول هذه المعصية بالخلق إنما كان بسبب إبليس الذي كان أشرف ما خلق الله جل اسمه من الملائكة والإنس والجن، وكان مطبوعا على المحبة لا يعرف غيرها، فلما انفرد بهذا الأمر داخله العجب والعظمة والتجبر والتكبر عن الإيمان والطاعة لأمر خالقه، فرده الله دون الخلائق جميعهم، وأخرجه من المحبة وصير مثواه إلى نفسه في المعصية، فحين علم أن الله جل اسمه لا يحب المعصية، ورأى آدم وما هو فيه من ذلك الحق والمحبة والطاعة لخالقه، داخله الحسد فاستعمل الحيلة في صرفه لآدم عن الحق، ليكون مشتركا معه في الباطل، فلزم آدم العقوبة لميله إلى المعصية التي زينها له عدوه وانقياده إلى هواه؛ حيث خالف وصية ربه بسبب عروض الباطل، ولما علم الخالق - جل ثناؤه وتقدست أسماؤه - ضعف الإنسان وسرعة ميله إلى عدوه وتركه الحق، جعل له الخالق برحمته التوبة لينهض بها من ورطة الميل إلى المعصية، ويحمل سلاح التوبة فيقهر به عدوه إبليس وجنوده، ويرجع إلى الحق الذي هو مطبوع عليه، فلما نظر إبليس أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه قد جعل له أمدا ممتدا، ms2051 بادر إلى الإنسان بالمحاربة، وأدخل عليه الحيل ليخرجه من نعمة ربه ويجعله شريكا له في السخط الذي استوجبه هو وجنوده، فجعل الله جل ثناؤه للإنسان استطاعة للتوبة، وأمره أن يلزم الحق ويداوم عليه، ونهاه عن المعصية والخلاف، وألهمه أن له على الأرض عدوا محاربا لا يفتر عنه ليله ولا نهاره؛ فبذلك استحق الإنسان ثوابا إن لازم الحق الذي جبلت طبيعته على حبه، وعقابا إن غلبته نفسه ومالت به إلى الشهوات. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 915 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام لما سأل شماس عن المسائل المتقدمة وأجابه عنها، قال له بعد ذلك: أخبرني بأي قوة استطاع الخلق أن يخالفوا خالقهم وهو في غاية العظمة كما وصفت، مع أنه لا يقهره شيء ولا يخرج عن إرادته، ألا ترى أنه قادر على صرف خلقه عن هذه المعصية وإلزامهم المحبة دائما؟ قال شماس: إن الله تعالى جل اسمه عادل منصف رءوف بأهل محبته، قد بين لهم طريق الخير ومنحهم الاستطاعة والقدرة على فعل ما أرادوا من الخير، فإن عملوا بخلاف ذلك صاروا إلى الهلاك والمعصية. قال الغلام: إذا كان الخالق هو الذي منحهم الاستطاعة وهم بسببها قادرون على فعل ما أرادوا، فلأي شيء لم يحل بينهم وبين ما يريدون من الباطل حتى يردهم إلى الحق؟ قال شماس: ذلك لعظيم رحمته وباهر حكمته؛ لأنه كما سبق منه لإبليس السخط ولم يرحمه كذلك، سبقت منه لآدم الرحمة بالتوبة فرضي عنه بعد سخطه عليه. قال الغلام: هذا هو الحق بعينه؛ لأنه هو المجازي لكل أحد على عمله، وليس خالق غير الله له القدرة على كل شيء. ثم قال الغلام: هل خلق الله ما يحب وما لا يحب، أم إنما خلق ما يحب لا غيره؟ قال شماس: قد خلق كل شيء ولم يرض إلا ما يحب. قال الغلام: ما بال هذين الشيئين، أحدهما يرضي الله ويوجب الثواب لصاحبه، والآخر يغضب الله فيحل العذاب بصاحبه؟ قال شماس: بين لي هذين ms2052 الأمرين وفهمني إياهما حتى أتكلم في شأنهما. قال الغلام: هما الخير والشر المركبان في الجسم والروح. قال شماس: أيها العاقل، أراك قد علمت أن الخير والشر من الأعمال التي يعملها الجسد والروح، فسمي الخير منهما خيرا لكونه فيه رضا الله، وسمي الشر شرا لكونه فيه سخط الله، وقد وجب عليك أن تعرف الله وترضيه بفعل الخير؛ لأنه أمرنا بذلك ونهانا عن فعل الشر. # قال الغلام: إني أرى هذين الشيئين، أعني الخير والشر، إنما يعملهما الحواس الخمس المعروفة في جسد الإنسان، وهي محل الذوق الناشئ عنه الكلام والسمع والبصر والشم واللمس، فأحب أن تعرفني هل هذه الحواس الخمس خلقت للخير جميعا أم للشر؟ قال شماس: افهم أيها الإنسان بيان ما سألت عنه، وهو الحجة الواضحة، وضعها في ذهنك وأشربها قلبك، وهو أن الخالق تبارك وتعالى خلق الإنسان بالحق، وطبعه على حبه ولم يصدر منه مخلوق إلا بالقدرة العلية المؤثرة في كل حادث، ولا ينسب تبارك وتعالى إلا إلى الحكم بالعدل والإنصاف والإحسان، وقد خلق الإنسان لمحبته وركب فيه النفس المطبوعة على الميل إلى الشهوات، وجعل له الاستطاعة، وجعل هذه الحواس الخمس سببا للنعيم أو الجحيم. قال الغلام: وكيف ذلك؟ قال شماس: لأنه خلق اللسان للنطق، واليدين للعمل، والرجلين للمشي، والبصر للنظر، والأذنين للسماع، وقد أعطى كل واحدة من هذه الحواس استطاعة وهيجها على العمل والحركة، وأمر كل واحدة منها ألا تعمل إلا برضائه، والذي يرضيه من النطق الصدق وترك ما هو ضده الذي هو الكذب؛ ومما يرضيه من البصر صرف النظر إلى ما يحبه الله، وترك ضده وهو صرف النظر إلى ما يكرهه الله، كالنظر إلى الشهوات؛ ومما يرضيه من السمع ألا يستمع إلا إلى الحق كالموعظة وما في كتب الله، وترك ضده وهو أن يسمع ما يوجب سخط الله؛ ومما يرضيه من اليدين ألا يقبضا ما خولهما الله، بل يصرفاه على وجه يرضيه، وترك ضده وهو الإمساك أو صرف ما خولهما الله في معصية؛ ومما يرضيه من الرجلين أن يكون ms2053 سعيهما في الخير كقصد التعليم، وترك ضده وهو أن يمشيا في غير سبيل الله، وما سوى ذلك من الشهوات التي يعملها الإنسان، فإنه يصدر من الجسد بأمر الروح؛ ثم الشهوة التي تصدر من الجسد نوعان: شهوة التناسل وشهوة البطن، فالذي يرضي الله من شهوة التناسل أنها لا تكون إلا حلالا، وسخطه أن تكون حراما، وأما شهوة البطن فالأكل والشرب، والذي يرضي الله من ذلك ألا يتعاطى منه كل أحد إلا ما أحله له، قليلا كان أو كثيرا، ويحمد الله ويشكره، والذي يغضب الله منه أن يتناول ما ليس له بحق، وما سوى ذلك من هذه الأحكام باطل. وقد عملت أن الله خلق كل شيء ولا يرضى إلا بالخير، وأمر كل عضو من أعضاء الجسد أن يفعل ما أوجبه عليه؛ لأنه هو العليم الحكيم. # قال الغلام: فأخبرني هل سبق في علم الله جلت قدرته أن آدم سبب للأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها حتى كان من أمره ما كان، وبذلك خرج من الطاعة إلى المعصية؟ قال شماس: نعم أيها العالم، قد سبق ذلك في علم الله تعالى قبل أن يخلق آدم، وبيان ذلك ودليله ما تقدم له من التحذير عن الأكل وإعلامه بأنه إذا أكل منها يكون عاصيا، وذلك من طريق العدل والإنصاف لئلا يكون لآدم حجة يحتج بها على ربه، فلما أن سقط في الورطة والهفوة وعظمت عليه المعيرة والمعتبة، جرى ذلك في نسله من بعده، فبعث الله تعالى الأنبياء والرسل وأعطاهم كتبا، فأعلمونا بالشرائع وبينوا لنا ما فيها من المواعظ والأحكام، وفصلوه لنا وأوضحوا لنا السبيل الموصل، وبينوا لنا ما يجب أن نفعله وما يجب أن نتركه، فنحن مسلطون بالاستطاعة؛ فمن عمل بهذه الحدود فقد أصاب وربح، ومن تعدى هذه الحدود وعمل بغير هذه الوصايا فقد خالف وخسر في الدارين، وهذه سبيل الخير والشر، فقد علمت أن الله قادر على جميع الأشياء، وما خلق الشهوات لنا إلا برضائه وإرادته، وأمرنا أن نأخذها على وجه الحلال لتكون لنا خيرا، ms2054 وإذا استعملناها على وجه الحرام فإنها تكون لنا شرا، فما أصابنا من حسنة فمن الله تعالى، وما أصابنا من سيئة فمن أنفسنا معاشر المخلوقين لا من الخالق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 916 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام ابن الملك جليعاد لما سأل الوزير شماسا عن هذه المسائل ورد له أجوبتها، قال له: ما وصفته لي مما ينسب إلى الله تعالى ومما ينسب إلى خلقه فقد فهمته، فأخبرني عن هذا الأمر الذي حير عقلي فرط التعجب منه، فأني عجبت من ولد بني آدم وغفلتهم عن الآخرة وتركهم الذكرى لها ومحبتهم للدنيا، وقد علموا أنهم يتركونها ويخرجون منها وهم صاغرون. قال شماس: نعم، فإن الذي تراه من تغيرها وغدرها بأهلها دليل أنه لا يدوم لصاحب النعيم نعيمه، ولا لصاحب البلاء بلاؤه، فليس يأمن صاحبها تغيرها وإن كان قادرا عليها ومغتبطا بها، فلا بد أن يتغير حاله ويسرع إليه الانتقال، وليس الإنسان منها على ثقة، ولا ينتفع بما هو فيه من زخرفها؛ وحيث عرفنا ذلك عرفنا أن أسوأ الناس حالا من اغتر بها وسها عن الآخرة، وأن ذلك النعيم الذي قد أصابه لا يعادل ذلك الخوف والمشقة والأهوال التي تحصل له بعد الانتقال منها، وعلمنا أنه لو كان العبد يعلم ما يصيبه عند حضور الموت وفراقه ما هو فيه من اللذات والنعيم، لكان رفض الدنيا وما فيها وتيقنا أن الآخرة خير لنا وأنفع. قال الغلام: أيها العالم، قد زالت هذه الظلمة التي كانت على قلبي بمصباحك المضيء، وأرشدتني إلى السبيل التي سلكتها من اتباع الحق، وأعطيتني سراجا أنظر به. # فعند ذلك قام أحد الحكماء الذين كانوا بالحضرة وقال: إنه إذا كان زمان الربيع، فلا بد أن يطلب الأرنب مع الفيل مرعى، وقد سمعت منكما أشياء من المسائل والتفاسير ما لم أر أني أسمعه أبدا، فدعاني ذلك إلى أن أسألكما عن شيء، فأخبراني ما خير مواهب الدنيا؟ قال الغلام: صحة ms2055 الجسم، ورزق حلال، وولد صالح. قال: فأخبراني ما الكبير وما الصغير؟ قال الغلام: أما الكبير فهو ما صبر له أصغر منه، وأما الصغير فهو ما صبر لأكبر منه. قال: فأخبراني ما الأربعة أشياء التي تجتمع الخلائق فيها؟ قال الغلام: تجتمع الخلائق في الطعام والشراب، ولذة النوم، وشهوة النساء، وفي سكرات الموت. قال: فما الثلاثة أشياء لا يقدر أحد على تنحية القباحة عنها؟ قال الغلام: الحماقة، وخسة الطبع، والكذب. قال: فأي الكذب أحسن مع أنه كله قبيح؟ قال الغلام: الكذب الذي يضع عن صاحبه الضرر ويجر نفعا. قال: وأي الصدق قبيح، وإن كان كله حسنا؟ قال الغلام: كبر الإنسان بما عنده وإعجابه به. قال: وما أقبح القبيح؟ قال الغلام: إذا أعجب الإنسان بما ليس عنده. قال: فأي الرجال أحمق؟ قال الغلام: من كان ليس له همة إلا في شيء يضعه في بطنه. # قال شماس: أيها الملك، أنت ملكنا، ولكن نحب أن تعهد لولدك بالملك من بعدك، ونحن الخول والرعية. فعند ذلك حث الملك من حضر من العلماء والناس على أن ما سمعوه منه يحفظونه ويعملون به، وأمرهم أن يمتثلوا أمر ابنه، فإنه جعله ولي عهده من بعده ليكون خليفة على ملك والده، وأخذ العهد على جميع أهل مملكته من العلماء والشجعان والشيوخ والصبيان وبقية الناس ألا يتخلفوا عليه ولا ينكثوا عليه أمره. # فلما أتى على ابن الملك سبع عشرة سنة، مرض الملك مرضا شديدا حتى أشرف على الموت، فلما أيقن الملك أن الموت قد نزل به، قال لأهله: هذا داء الموت قد نزل بي، فادعوا لي أقاربي وولدي، واجمعوا لي أهل مملكتي، حتى لا يبقى منهم أحد إلا ويحضر. فخرجوا ونادوا الناس القريبين، وأجهروا بالنداء للناس البعيدين حتى حضروا بأجمعهم ودخلوا على الملك، ثم قالوا له: كيف أنت أيها الملك؟ وكيف ترى لنفسك من مرضك هذا؟ قال لهم الملك: إن مرضي هذا هو الذي فيه القاضية، وقد نفذ السهم بما قدره الله تعالى علي، وأنا الآن في آخر يوم من أيام ms2056 الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة. ثم قال لابنه: ادن مني. فدنا منه الغلام وهو يبكي بكاء شديدا حتى كاد أن يبل فراشه، والملك قد دمعت عيناه، وبكى كل من حضر، ثم قال الملك لولده: لا تبك يا ابني، فإني لست بأول من جرى له هذا المحتوم؛ لأنه سائر على جميع ما خلقه الله، فاتق الله واعمل خيرا يسبقك إلى الموضع الذي تقصده جميع الخلائق، ولا تطع الهوى واشغل نفسك بذكر الله في قيامك وقعودك ويقظتك ونومك، واجعل الحق نصب عينك، وهذا آخر كلامي معك والسلام. وأدرك شهر زاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 917 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك جليعاد لما أوصى ولده بهذه الوصية، وعهد له الملك من بعده، قال الغلام لأبيه: قد علمت يا أبتي أني لم أزل لك مطيعا، ولوصيتك حافظا، ولأمرك منفذا، ولرضاك طالبا، وأنت لي نعم الأب؛ فكيف أخرج بعد موتك عما ترضى به، وأنت بعد حسن تربيتي مفارق لي، ولا أقدر على ودك علي؟ فإذا حفظت وصيتك صرت بها سعيدا، وصار لي النصيب الأكبر. فقال له الملك وهو في غاية الاستغراق من سكرات الموت: يا بني، الزم عشر خصال ينفعك الله بها في الدنيا والآخرة، وهن: إذا اغتظت فاكظم غيظك، وإذا بليت فاصبر، وإذا نطقت فاصدق، وإذا وعدت فأوف، وإذا حكمت فاعدل، وإذا قدرت فاعف، وأكرم قوادك، واصفح عن أعدائك، وابذل معروفك لعدوك، وكف أذاك عنه. والزم أيضا عشر خصال أخرى ينفعك الله بها في أهل مملكتك، وهي: إذا قسمت فاعدل، وإذا عاقبت بحق فلا تجر، وإذا عاهدت فأوف بعهدك، واقبل النصح، واترك اللجاجة، والزم الرعية بالاستقامة على الشرائع والسنن الحميدة، وكن حاكما عادلا بين الناس حتى يحبك كبيرهم وصغيرهم ويخافك عاتيهم ومفسدهم. ثم قال للحاضرين من العلماء والأمراء الذين كانوا حاضرين عهده لولده بالملك من بعده: إياكم ومخالفة أمر ملككم، وترك الاستماع لكبيركم؛ فإن في ذلك هلاكا لأرضكم، وتفريقا لجمعكم، وضررا لأبدانكم، وتلفا لأموالكم، فتشمت بكم أعداؤكم، ms2057 وها أنتم علمتهم ما عاهدتموني عليه، فهكذا يكون عهدكم مع هذا الغلام، والميثاق الذي بيني وبينكم يكون أيضا بينكم وبينه، وعليكم بالسمع والطاعة لأمره؛ لأن في ذلك صلاح أحوالكم، واثبتوا معه على ما كنتم معي فتستقيم أموركم ويحسن حالكم، وها هو ذا ملككم وولي نعمتكم والسلام. # ثم بعد هذا اشتدت به سكرات الموت والتجم لسانه، فضم ابنه إليه وقبله وشكر الله، ثم قضى نحبه وطلعت روحه، فناح عليه جميع رعيته وأهل مملكته، ثم إنهم كفنوه ودفنوه بإكرام وتبجيل وإعظام، ثم رجعوا والغلام معهم فألبسوه حلة الملك وتوجوه بتاج والده، وألبسوه الخاتم في أصبعه وأجلسوه على سرير الملك، فسار الغلام فيهم بسيرة أبيه من الحلم والعدل والإحسان مدة يسيرة، ثم تعرضت له الدنيا وجذبته بشهواتها، فاستغنم لذاتها، وأقبل على زخارف أمورها، وترك ما كان قلده به أبوه من المواثيق، ونبذ الطاعة لوالده وأهمل مملكته، ومشى فيما فيه هلاكه، واشتد به حب النساء، فصار لا يسمع بامرأة حسناء إلا ويرسل إليها ويتزوج بها، فجمع من النساء عددا أكثر مما جمع سليمان بن داود ملك بني إسرائيل، وصار يختلي كل يوم بطائفة منهن، ويستمر مع من يختلي بهن شهرا كاملا، لا يخرج من عندهن ولا يسأل عن ملكه ولا عن حكمه، ولا ينظر في مظلمة من يشكو إليه من رعيته، وإذا كاتبوه فلا يرد لهم جوابا، فلما رأوا منه ذلك وعاينوا ما هو منطو عليه من ترك النظر في أمورهم، وإهماله لأمور دولته وأمور رعيته، تحققوا أنهم عن قليل يحل بهم البلاء، فشق ذلك عليهم وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، فقال بعضهم لبعض: امشوا بنا إلى شماس كبير وزرائه، نقص عليه أمرنا ونعرفه ما يكون من أمر هذا الملك لينصحه، وإلا فعن قليل يحل بنا البلاء، فإن هذا الملك قد أدهشته الدنيا بلذاتها، وختنته بأشطانها. فقاموا وأتوا شماسا وقالوا له: أيها العالم الحكيم، إن هذا الملك قد أدهشته الدنيا بلذاتها، وختنته بأشطانها، فأقبل على الباطل وسعى في فساد مملكته، وبفساد المملكة تفسد العامة ms2058 ويصير أمرنا إلى الهلاك، وسببه أننا نمكث شهرا وأياما ما نراه، ولا يبرز إلينا من عنده أمر لا للوزير ولا لغيره، ولا يمكن أن ترفع إليه حاجة، ولا ينظر في حكومة، ولا يتعهد حال أحد من رعيته لغفلته عنهم، وإننا قد أتينا إليك لنخبرك بحقيقة الأمور لأنك أكبرنا وأكمل منا، وليس ينبغي أن يكون بلاء في أرض أنت مقيم بها؛ لأنك أقدر أحد على إصلاح هذا الملك؛ فانطلق وكلمه لعله يقبل كلامك ويرجع إلى الله. # فقام شماس ومضى إلى حيث اجتمع بمن يمكنه الوصول إليه وقال له: أيها الولد الجيد، أسألك أن تستأذن لي في الدخول على الملك؛ لأن عندي أمرا أريد أنظر وجهه وأخبره به، وأسمع ما يجيبني به عنه. فأجاب الغلام قائلا: والله يا سيدي، من منذ شهر لم يأذن لأحد في الدخول عليه ولا أنا، فطول هذه المدة ما رأيت له وجها، ولكن أدلك على من يستأذنه لك، وهو أنك تتعلق بالوصيف الفلاني الذي يقوم على رأسه ويأخذ له الطعام من المطبخ، فإذا خرج إلى المطبخ ليأخذ الطعام أسأله عما بدا لك، فإنه يفعل لك ما تريد. فانطلق شماس إلى باب المطبخ وجلس قليلا، وإذا بالوصيف قد أقبل وأراد الدخول في المطبخ، فكلمه شماس قائلا له: يا بني أحب أن أجتمع بالملك لأخبره بكلام يخصه، فمن فضلك إذا فرغ من غدائه وطابت نفسه أن تكلمه لي وتأخذ لي منه إذنا بالدخول عليه، لكي أكلمه بما يليق به. فقال الوصيف: سمعا وطاعة. فلما أخذ الوصيف الطعام وتوجه به إلى الملك وأكل منه، فلما طابت نفسه قال له الوصيف: إن شماسا واقف بالباب يريد منك الإذن في الدخول عليك ليعلمك بأمور تختص بك. ففزع الملك وارتاب من ذلك، وأمر الوصيف بإدخاله عليه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 918 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما أمر الوصيف بإدخال شماس عليه، خرج الوصيف إلى شماس ودعاه إلى الدخول، فلما دخل على الملك خر لله ms2059 ساجدا وقبل يدي الملك ودعا له، فقال الملك: ما أصابك يا شماس حتى طلبت الدخول علي؟ فقال له: إن لي مدة لم أر وجه سيدي الملك، وقد اشتقت إليك كثيرا، فها أنا شاهدت طلعتك وجئت إليك بكلام أذكره لك أيها الملك المؤيد بكل نعمة. فقال له: قل ما بدا لك. فقال شماس: اعلم أيها الملك أن الله تعالى رزقك من العلم والحكمة على حداثة سنك ما لم يرزقه أحدا من الملوك قبلك، وأن الله تمم لك ذلك بالملك، وأن الله يحب أنك لا تخرج عما خولك إياه إلى غيره بسبب عصيانك له، فلا تحاربه بذخائرك، بل ينبغي أن تكون لوصاياه حافظا ولأموره طائعا؛ لأني قد رأيتك منذ أيام قلائل نسيت أباك ووصيته، ورفضت عهده وأضعت نصحه وكلامه، وزهدت عدله وأحكامه، ولم تذكر نعمة الله عليك ولم تقيدها بشكره. قال الملك: وكيف ذلك؟ وما سببه؟ قال شماس: سببه أنك تركت تعهد أمور مملكتك، وما قلدك الله إياه من أمور رعيتك، وأقبلت على النفس فيما حسنته لك من قليل شهوات الدنيا، وقد قيل: إن إصلاح الملك والدين والرعية مما ينبغي للملك أن يحافظ عليه. والرأي عندي أيها الملك أن تحسن النظر في عاقبتك، فإنك تجد السبيل الواضح الذي فيه النجاة، ولا تقبل على اللذة القليلة الفانية الموصلة إلى ورطة الهلاك، فيصيبك ما أصاب صياد السمك. فقال له الملك: وكيف كان ذلك؟ # قال شماس: قد بلغني أن صيادا قد أتى إلى نهر ليصطاد منه على عادته، فلما وصل إلى النهر ومشى على الجسر أبصر سمكة عظيمة، فقال في نفسه: ليس لي حاجة بالمقام ها هنا، فأنا أمشي وأتبع هذه السمكة إلى حيث تذهب حتى آخذها، وهي تغنيني عن الصيد مدة أيام، فتعرى من ثيابه ونزل خلف السمكة فأخذه جريان الماء إلى أن ظفر بالسمكة وقبض عليها، ثم التفت فوجد نفسه بعيدا عن الشاطئ، فلما رأى ما قد صنع به جريان الماء لم يترك السمكة ويرجع، بل خاطر بنفسه وقبض عليها بيده، وترك جسده ms2060 سابحا مع جريان الماء، فما زال يسحبه الماء إلى أن رماه في وسط دوامة لا يدخلها أحد ويخلص منها، فصار يصيح ويقول: أنقذوا الغريق! فأتاه ناس من المحافظين على البحر وقالوا له: ما شأنك؟ وما دهاك حتى ألقيت نفسك في هذا الخطر العظيم؟ فقال لهم: أنا الذي تركت السبيل الواضح الذي فيه النجاة وأقبلت على الهوى والهلكة. فقالوا: يا هذا، كيف تركت سبيل النجاة وأدخلت نفسك في هذه الهلكة؟ وأنت تعرف من قديم أنه ما دخل ها هنا أحد وسلم، فما الذي منعك عن رمي ما في يدك ونجاة نفسك، فكنت تنقذ روحك ولا تقع في هذا الهلاك الذي لا نجاة منه. والآن ليس أحد منا ينقذك من هذه الهلكة. فقطع الرجل الرجاء من حياته وفقد ما كان بيده مما حملته نفسه عليه، وهلك هلاكا عظيما. وما ضربت لك أيها الملك هذا المثل إلا لأجل أن تدع هذا الأمر الحقير الذي فيه اللهو عن مصالحك، وتنظر فيما أنت متقلده من سياسة رعيتك والقيام بنظام ملكك، حتى لا يرى أحد فيك عيبا. قال الملك: فما الذي تأمرني به؟ قال شماس: إذا كان في غد وأنت بخير وعافية، فائذن للناس بالدخول عليك وانظر في أحوالهم واعتذر إليهم، ثم عدهم من نفسك بالخير وحسن السيرة. فقال الملك: يا شماس، إنك تكلمت بالصواب، وإني فاعل ما نصحتني به في غد إن شاء الله تعالى. # فخرج شماس من عنده وأعلم الناس بكل ما ذكره، فلما أصبح الصباح خرج الملك من حجابه وأذن للناس في الدخول عليه، وصار يعتذر إليهم ووعدهم أن يصنع لهم ما يحبون، فرضوا بذلك وانصرفوا وصار كل واحد إلى منزله. ثم إن إحدى نساء الملك وكانت أحبهن إليه وأكرمهن عنده قد دخلت عليه، فرأته متغير اللون متفكرا في أموره بسبب ما سمعه من كبير وزرائه، فقالت له: ما لي أراك أيها الملك قلق النفس؟ هل تشتكي شيئا؟ فقال لها: لا، وإنما استغرقتني اللذات عن شئوني، فما لي ولهذه الغفلة عن أحوالي وعن ms2061 أحوال رعيتي؟ وإن استمررت على ذلك فعن قليل يخرج ملكي من يدي. فأجابته قائلة: إني أراك أيها الملك مع عمالك ووزرائك مغشوشا، فإنهم إنما يريدون نكايتك وكيدك، حتى لا تحصل لك من ملكك هذه اللذة، ولا تغنم نعيما ولا راحة، بل يريدون أن تقضي عمرك في أن تدفع المشقة عنهم، حتى إن عمرك يفنى بالنصب والتعب، وتكون مثل الذي قتل نفسه لإصلاح غيره، أو تكون مثل الفتى واللصوص. فقال الملك: وكيف كان ذلك؟ فقالت: ذكروا أن سبعة من اللصوص خرجوا ذات يوم يسرقون على عادتهم، فمروا على بستان فيه جوز رطب، فدخلوا ذلك البستان، وإذا هم بولد صغير واقف بينهم، فقالوا له: يا فتى، هل لك أن تدخل معنا هذا البستان وتطلع هذه الشجرة وتأكل من جوزها كفايتك، وترمي لنا منها جوزا؟ فأجابهم الفتى إلى ذلك ودخل معهم. وأدرك شهر زاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 919 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الفتى لما أجاب اللصوص ودخل معهم، قال بعضهم لبعض: انظروا إلى أخفنا وأصغرنا فأصعدوه. فقالوا: ما نرى فينا ألطف من هذا الفتى. فلما أصعدوه قالوا: يا فتى، لا تلمس من الشجرة شيئا لئلا يراك أحد فيؤذيك. فقال الفتى: وكيف أفعل؟ فقالوا له: اقعد في وسطها وحرك كل غصن منها تحريكا قويا حتى يتناثر ما فيه فنلتقطه، وإذا فرغ ما فيها ونزلت إلينا فخذ نصيبك مما التقطناه. فلما صعد الفتى على الشجرة صار يحرك كل غصن وحده والجوز يتناثر منه واللصوص يجمعونه، فبينما هم كذلك وإذا بصاحب الشجرة واقف عندهم وهم على ذلك الحال، فقال لهم: ما لكم ولهذه الشجرة؟ فقالوا له: لم نأخذ منها شيئا، غير أننا مررنا بها فرأينا هذا الولد فوقها، فاعتقدنا أنه صاحبها فطلبنا منه أن يطعمنا منها، فهز بعض الأغصان حتى انتثر منها الجوز، ونحن ما لنا ذنب. فقال صاحب الشجرة للغلام: فما تقول أنت؟ فقال: كذب هؤلاء، ولكن أنا أقول لك الحق، وهو أننا أتينا جميعا إلى هنا، فأمروني ms2062 بالصعود على هذه الشجرة لأهز الأغصان كي ينتثر عليهم الجوز، فامتثلت أمرهم. فقال صاحب الشجرة: لقد ألقيت نفسك في بلاء عظيم، وهل انتفعت بأكل شيء منها؟ فقال الغلام: ما أكلت منها شيئا. فقال له صاحب الشجرة: لقد علمت الآن حماقتك وجهلك، وهو أنك سعيت في تلف نفسك لإصلاح غيرك. ثم قال للصوص: ما لي عليكم سبيل، امضوا إلى حال سبيلكم. وقبض على الولد وعاقبه. وهكذا وزراؤك وأهل دولتك، يريدون أن يهلكوك لإصلاح أمرهم، ويفعلوا بك مثل ما فعل اللصوص بالفتى. فقال الملك: حقا ما قلته، ولقد صدقت في خبرك، فأنا لا أخرج إليهم ولا أترك لذاتي. ثم بات مع زوجته في أرغد عيش إلى أن أصبح الصباح. # فلما أصبح الصباح قام الوزير وجمع أرباب الدولة مع من حضر معهم من الرعية، ثم جاءوا إلى باب الملك مستبشرين فرحين، فلم يفتح لهم الباب ولم يخرج إليهم ولم يأذن لهم بالدخول عليه، فلما يئسوا من ذلك قالوا لشماس: أيها الوزير الفاضل والحكيم، أما ترى حال هذا الصبي الصغير السن القليل العقل الذي قد جمع إلى ذنوبه الكذب؟ فانظر وعده لك كيف أخلفه ولم يوف بما وعد، وهذا ذنب يجب أن تضيفه إلى ذنوبه، ولكن نرجو أن تدخل إليه ثانيا وتنظر ما السبب في تأخيره ومنعه عن الخروج، فإنا غير منكرين على طباعه الذميمة مثل هذا الأمر، فإنه بلغ غاية القساوة. ثم إن شماسا توجه إليه ودخل عليه وقال: السلام عليك أيها الملك، ما لي أراك قد أقبلت على شيء يسير من اللذة، وتركت الأمر الكبير الذي ينبغي الاعتناء به؟ وكنت مثل الذي له ناقة وهو منطو على لبنها، فألهاه حسن لبنها عن ضبط زمامها، فأقبل يوما على حلبها ولم يعتن بزمامها، فلما أحست الناقة بترك الزمام، جذبت نفسها وطلبت الفضاء، فصار الرجل فاقد اللبن والناقة، مع أن ضرر ما لقيه أكثر من نفعه؛ فانظر أيها الملك فيما فيه صلاح نفسك ورعيتك، فإنه ليس ينبغي للرجل أن يديم الجلوس على باب المطبخ من ms2063 أجل حاجته إلى الطعام، ولا ينبغي له أن يكثر الجلوس مع النساء من أجل ميله إليهن، وكما أن الرجل يبتغي من الطعام ما يدفع ألم الجوع، ومن الشراب ما يدفع ألم العطش، كذلك ينبغي للرجل العاقل أن يكتفي من هذه الأربع والعشرين ساعة بساعتين مع النساء في كل نهار، ويصرف الباقي في مصالح نفسه وفي مصالح رعيته، ولا يطيل المكث مع النساء ولا الخلوة بهن أكثر من ساعتين، فإن ذلك فيه مضرة لعقله وبدنه؛ لأنهن لا يأمرن بخير ولا يرشدن إليه، ولا ينبغي أن يقبل منهن قولا ولا فعلا، وقد بلغني أن ناسا كثيرة هلكوا بسبب نسائهم، فمنهم رجل هلك من اجتماعه بزوجته لكونه أطاعها فيما أمرته. فقال الملك: وكيف كان ذلك؟ # قال شماس: زعموا أن رجلا كان له زوجة وكان يحبها وكانت مكرمة عنده، فكان يسمع قولها ويعمل برأيها، وكان له بستان غرسه بيده جديدا، فكان يأتي إليه في كل يوم ليصلحه ويسقيه، فقالت له زوجته يوما من الأيام: أي شيء غرست في بستانك؟ فقال لها: كل ما تحبينه وتريدينه، وها أنا مجتهد في إصلاحه وسقيه. فقالت له: هل لك أن تأخذني وتفرجني فيه حتى أراه وأدعو لك دعوة صالحة، فإن دعائي مستجاب. فقال: نعم، أمهليني حتى آتي إليك في غد وآخذك. فلما أصبح الرجل أخذ زوجته معه وتوجه بها إلى البستان ودخلا فيه، وفي حال دخولهما نظر إليهما اثنان من الشباب على بعد، فقال أحدهما للآخر: إن هذا الرجل زان وإن هذه المرأة زانية، وما دخلا هذا البستان إلا ليزنيا فيه. فتبعاهما لينظرا ما يكون من أمرهما، فأما الشابان فإنهما وقفا على جانب البستان، وأما الرجل وزوجته فإنهما لما دخلا البستان واستقرا فيه، قال الرجل لزوجته: ادعي لي الدعوة التي وعدتني بها. فقالت: لا أدعو لك حتى تقوم بحاجتي التي تبتغيها النساء من الرجال. فقال لها: ويحك أيتها المرأة! أما كان مني في البيت كفاية؟ وها هنا أخاف على نفسي من الفضيحة، وربما أشغلتني عن مصالحي، أما تخافين ms2064 أن يرانا أحد؟ قالت: فلا نبالي من ذلك؛ لأننا لم نرتكب فاحشة ولا حراما، وأما سقي هذا البستان ففيه مهلة، وأنت قادر على سقيه في أي وقت أردت. ولم تقبل منه عذرا ولا حجة، وألحت عليه في طلب النكاح، فعند ذلك قام ونام معها، فعندما أبصرهما الشابان المذكوران وثبا عليهما وأمسكاهما وقالا لهما: لا نطلقكما؛ لأنكما من الزناة، وإن لم نواقع المرأة نرفع أمركما إلى الحاكم. فقال لهما الرجل: ويحكما! إن هذه زوجتي وأنا صاحب البستان. فما سمعا له كلاما بل نهضا على المرأة، فعند ذلك صاحت واستغاثت بزوجها قائلة له: لا تدع الرجال يفضحونني. فأقبل نحوهما وهو يستغيث، فرجع إليه واحد منهما وضربه بخنجره فقتله، وأتيا المرأة وفضحاها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 920 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاب لما قتل زوج المرأة رجع الشابان إلى المرأة وفضحاها، وإنما قلنا لك هذا أيها الملك لتعلم أنه ليس ينبغي للرجل أن يسمع من امرأة كلاما، ولا يطيعها في أمر ولا يقبل لها رأيا في مشورة، فإياك أن تلبس ثوب الجهل بعد ثوب الحكمة والعلم، أو تتبع الرأي الفاسد بعد معرفتك للرأي الرشيد النافع، فلا تتبع لذة يسيرة مصيرها إلى الفساد ومآلها إلى الخسران الزائد الشديد. فلما سمع الملك ذلك من شماس قال له: أنا في غد أخرج إليهم إن شاء الله تعالى. فخرج شماس إلى الحاضرين من كبراء المملكة وأعلمهم بما قال الملك، فبلغ المرأة ما قاله شماس فدخلت على الملك وقالت له: إنما الرعية عبيد للملك، والآن رأيت أنك أيها الملك عبد لرعيتك، بحيث تهابهم وتخاف شرهم، وهم إنما يريدون أن يختبروا باطنك، فإن وجدوك ضعيفا تهاونوا بك، وإن وجدوك شجاعا هابوك، وكذلك يفعل وزراء السوء بملكهم؛ لأن حيلهم كثيرة، وقد أوضحت لك حقيقة كيدهم، فإن وافقتهم على ما يريدون أخرجوك من أمرك إلى مرادهم، ولم يزالوا ينقلونك من أمر إلى أمر حتى يوقعوك في الهلكة، ويكون مثلك مثل التاجر واللصوص. فقال ms2065 الملك: وكيف كان ذلك؟ # قالت: بلغني أنه كان تاجر له مال كثير، فانطلق بتجارة ليبيعها في بعض المدن، فلما انتهى إلى المدينة اكترى له بها منزلا ونزل فيه، فنظره لصوص كانوا يراقبون التجار لسرقة متاعهم، فانطلقوا إلى منزل ذلك التاجر واحتالوا في الدخول عليه، فلم يجدوا لهم سبيلا إلى ذلك، فقال لهم رئيسهم: أنا أكفيكم أمره. ثم إنه انطلق فلبس ثياب الأطباء، وجعل على عاتقه جرابا فيه شيء من الدواء، وأقبل ينادي: من يحتاج إلى طبيب؟ حتى وصل إلى منزل ذلك التاجر، فرآه جالسا على غدائه، فقال له: أتريد لك طبيبا؟ فقال: لست محتاجا إلى طبيب، ولكن اقعد وكل معي. فقعد اللص مقابله وجعل يأكل معه، وكان ذلك التاجر جيد الأكل، فقال اللص في نفسه: لقد وجدت فرصتي. ثم التفت إلى التاجر وقال له: لقد وجب علي نصيحتك لما حصل لي من إحسانك، وليس يمكن أن أخفي عليك نصيحة، وهو أني أراك رجلا كثير الأكل، وهذا سببه مرض في معدتك، فإن لم تبادر بالسعي على دوائك وإلا آل أمرك إلى الهلاك. فقال التاجر: إن جسمي صحيح، ومعدتي سريعة الهضم، وإن كنت جيد الأكل فليس ببدني مرض ولله الحمد والشكر. فقال له اللص: إنما ذلك بحسب ما يظهر لك، وإلا فقد عرفت أن في باطنك مرضا خفيا، فإن أنت أطعتني فداو نفسك. فقال التاجر: وأين أجد من يعرف دوائي؟ فقال له اللص: إنما المداوي هو الله، ولكن الطبيب مثلي يعالج المريض على قدر إمكانه. فقال له التاجر: أرني الآن دوائي وأعطني منه شيئا. فأعطاه سفوفا فيه صبر كثير وقال له: استعمل هذا في هذه الليلة. فأخذه منه، ولما كان الليل تعاطى منه شيئا، فرآه صبرا كريه الطعم، فلم ينكر منه شيئا، فلما تعاطاه وجد منه خفة في تلك الليلة. فلما كانت الليلة الثانية جاء اللص ومعه دواء فيه صبر أكثر من الأول، فأعطاه منه شيئا، فلما تعاطاه أسهله تلك الليلة، ولكنه صبر على ذلك ولم ينكره. فلما رأى اللص أن التاجر ms2066 اعتنى بقوله واستأمنه على نفسه وتحقق أنه لا يخالفه، انطلق وجاءه بدواء قاتل وأعطاه له، فأخذه منه التاجر وشربه، فعندما شرب ذلك الدواء نزل ما كان في بطنه، وتقطعت أمعاؤه وأصبح ميتا، فقام اللصوص وأخذوا جميع ما كان للتاجر. وإني أيها الملك ما قلت لك هذا إلا لأجل أنك لا تقبل من هذا المخادع كلاما، فيلحقك أمورا تهلك بها نفسك. فقال الملك: صدقت فأنا لا أخرج إليهم. # فلما أصبح الصباح اجتمع الناس وجاءوا إلى باب الملك وقعدوا أكثر النهار حتى يئسوا من خروجه، ثم رجعوا إلى شماس وقالوا له: أيها الفيلسوف الحكيم والماهر العليم، أما ترى هذا الولد الجاهل لا يزداد إلا كذبا علينا؟ وأن إخراج الملك من يده واستبدال غيره به فيه الصواب، فتنتظم بذلك أحوالنا وتستقيم أمورنا؟ ولكن ادخل إليه ثالثا وأعلمه أنه لا يمنعنا من القيام عليه ونزع الملك منه إلا إحسان والده إلينا، وما أخذه علينا من العهود والمواثيق، ونحن مجتمعون في غد عن آخرنا بسلاحنا ونهدم باب هذا الحصن، فإن خرج إلينا وصنع لنا ما نحب، فلا بأس وإلا دخلنا عليه وقتلناه، وجعلنا الملك في يد غيره. فانطلق الوزير شماس ودخل على الملك وقال له: أيها الملك المنهمك في شهواته ولهوه، ما هذا الذي تصنعه بنفسك؟ فيا هل ترى من يغريك على هذا؟ فإن كنت أنت الجاني على نفسك، فقد زال ما نعهده لك من الصلاحية والحكمة والفصاحة، فليت شعري من الذي حولك ونقلك من العلم إلى الجهل، ومن الوفاء إلى الجفاء، ومن اللين إلى القسوة، ومن قبولك مني إلى إعراضك عني، فكيف أنصحك ثلاث مرات ولا تقبل نصيحتي؟! وأشير عليك بالصواب وتخالف مشورتي؟! فأخبرني ما هذه الغفلة؟ وما هذا اللهو؟ ومن أغراك عليه؟ اعلم أن أهل مملكتك قد تواعدوا على أنهم يدخلون عليك ويقتلونك ويعطون ملكك لغيرك، فهل لك قوة على جميعهم والنجاة من أيديهم؟ أو تقدر على حياة نفسك بعد قتلها؟ فإن كنت أعطيت هذا كله، أمنت من قبله فلا حاجة لك بكلامي، ms2067 وإن كانت حاجتك إلى الدنيا والملك فأفق لنفسك واضبط ملكك، وأظهر للناس قوة بأسك وأعلمهم بأعذارك، فإنهم يريدون انتزاع ما في يدك وتسليمه إلى غيرك، وقد عزموا على العصيان والمخالفة، وصار دليل ذلك ما يعلمونه من صغر سنك، ومن انكبابك على اللهو والشهوات، فإن الحجارة إذا طال مكثها في الماء متى أخرجت منه وضرب بعضها بعضا انقدحت منها النار، والآن رعيتك خلق كثير، وهم يتوازرون عليك ويريدون نقل الملك منك إلى غيرك، ويبلغون فيك ما يريدون من هلاكك، ويكون مثلك مثل الثعلب والذئب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 921 ### || حكاية الثعلب والذئب # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير شماسا قال للملك: ويبلغون فيك ما يريدون من هلاكك، ويكون مثلك مثل الثعلب والذئب. فقال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أن جماعة من الثعالب خرجوا ذات يوم يطلبون ما يأكلون، فبينما هم يجولون في طلب ذلك، وإذا هم بجمل ميت، فقالوا في أنفسهم: قد وجدنا ما نعيش به زمانا طويلا، ولكن نخاف أن يبغي بعضنا على بعض، ويميل القوي بقوته على الضعيف فيهلك الضعيف منا، فينبغي لنا أن نطلب حكما يحكم بيننا ونجعل له نصيبا، فلا يكون للقوي سلطة على الضعيف، فبينما هم يتشاورون في شأن ذلك، وإذا بذئب أقبل عليهم، فقال بعضهم لبعض: إن أصاب رأيكم فاجعلوا هذا الذئب حكما بيننا؛ لأنه أقوى الناس وأبوه سابقا كان سلطانا علينا، ونحن نرجو من الله أن يعدل بيننا. ثم إنهم توجهوا إليه وأخبروه بما صار إليه رأيهم وقالوا: لقد حكمناك بيننا لأجل أن تعطي كل واحد منا ما يقوته في كل يوم على قدر حاجته، لئلا يبغي قوينا على ضعيفنا فيهلك بعضنا بعضا. فأجابهم الذئب إلى قولهم وتعاطى أمورهم، وقسم عليهم في ذلك اليوم ما كفاهم. # فلما كان من الغد قال الذئب في نفسه: إن قسمة هذا الجمل بين هؤلاء العاجزين لا يعود علي منها شيء إلا الجزء الذي جعلوه لي، وإن أكلته وحدي فهم لا ms2068 يستطيعون لي ضرا، مع أنهم غنم لي ولأهل بيتي، فمن الذي يمنعني عن أخذ هذا لنفسي؟ ولعل الله مسببه لي بغير جميلة منهم! فالأحسن لي أن أختص به دونهم، ومن هذا الوقت لا أعطيهم شيئا. فلما أصبح الثعالب جاءوا إليه على العادة يطلبون منه قوتهم، فقالوا له: يا أبا سرحان، أعطنا مئونة يومنا. فأجابهم قائلا: ما بقي عندي شيء أعطيه لكم. فذهبوا من عنده على أسوأ حال، ثم قالوا: إن الله أوقعنا في هم عظيم مع هذا الخائن الخبيث الذي لا يتقي الله ولا يخافه، وليس لنا حول ولا قوة. ثم قال بعضهم لبعض: إنما حمله على هذا الأمر ضرورة الجوع، فدعوه اليوم يأكل حتى يشبع وفي غد نذهب إليه. فلما أصبحوا توجهوا إليه وقالوا له: يا أبا سرحان، إنما وليناك علينا لأجل أن تدفع لكل واحد منا قوته وتنصف الضعيف من القوي، وإذا فرغ تجتهد لنا في تحصيل غيره، ونصير دائما تحت كنفك ورعايتك، وقد مسنا الجوع ولنا يومان ما أكلنا، فأعطنا مئونتنا وأنت في حل من جميع ما تتصرف فيه من دون ذلك. فلم يرد عليهم جوابا، بل ازداد قسوة، فراجعوه فلم يرجع، فقال بعضهم لبعض: ليس لنا حيلة إلا أننا ننطلق إلى الأسد ونرمي أنفسنا عليه، ونجعل له الجمل، فإن أحسن لنا بشيء منه كان من فضله، وإلا فهو أحق به من هذا الخبيث. ثم انطلقوا إلى الأسد وأخبروه بما حصل لهم مع الذئب، ثم قالوا له: نحن عبيدك، وقد جئناك مستجيرين بك لتخلصنا من هذا الذئب ونصير لك عبيدا. فلما سمع الأسد كلام الثعالب أخذته الحمية وغار لله تعالى، ومضى معهم إلى الذئب، فلما رأى الذئب الأسد مقبلا طلب الفرار من قدامه، فجرى الأسد خلفه وقبض عليه ومزقه قطعا، ومكن الثعالب من فريستهم؛ فمن هذا عرفنا أنه لا ينبغي لأحد من الملوك أن يتهاون في أمر رعيته، فاقبل نصيحتي وصدق القول الذي قلته لك، واعلم أن أباك قبل وفاته قد أوصاك بقبول النصيحة، وهذا آخر كلامي ms2069 معك والسلام. فقال الملك: إني سامع منك، وفي غد إن شاء الله تعالى أطلع إليهم. فخرج شماس من عنده وأخبرهم بأن الملك قبل نصيحته ووعده أنه في غد يخرج إليهم. # فلما سمعت زوجة الملك ذلك الكلام منقولا عن شماس وتحققت أنه لا بد من خروج الملك إلى الرعية، أقبلت على الملك مسرعة وقالت له: ما أكثر تعجبي من إذعانك وطاعتك لعبيدك؟ أما تعلم أن وزراءك هؤلاء عبيدك؟ فلأي شيء رفعتهم هذه الرفعة العظيمة حتى أوهمتهم أنهم هم الذين أعطوك هذا الملك ورفعوك هذه الرفعة، وأنهم أعطوك العطايا مع أنهم لم يقدروا أن يفعلوا معك أدنى مكروه، فكان من حقك عدم الخضوع لهم، بل من حقهم الخضوع لك وتنفيذ أمورك، فكيف تكون مرعوبا منهم هذا الرعب العظيم؟ وقد قيل إذا لم يكن قلبك مثل الحديد، لا تصلح أن تكون ملكا، وهؤلاء غرهم حلمك حتى تجاسروا عليك ونبذوا طاعتك، مع أنه ينبغي أن يكونوا مقهورين على طاعتك، مجبورين على الانقياد إليك؛ فإن أنت سارعت لقبول كلامهم وأهملتهم على ما هم فيه، وقضيت لهم أدنى حاجة على غير مرادك، ثقلوا عليك وطمعوا فيك، وتصير لهم هذه عادة، فإن أطعتني لا ترفع لأحد منهم شأنا، ولا تقبل لأحد منهم كلاما، ولا تطمعهم في التجاسر عليك، فتصير مثل الراعي واللص. فقال لها الملك: وكيف كان ذلك؟ ### || حكاية الراعي واللص # قالت: زعموا أنه كان رجل راعي غنم، وكان محافظا على رعايتها، فأتاه لص ذات ليلة يريد أن يسرق من غنمه شيئا، فرآه محافظا عليها لا ينام ليلا ولا يغفل نهارا، فصار يحاوله طول ليله فلم يظفر منه بشيء، فلما أعيته الحيلة انطلق إلى البرية واصطاد أسدا وسلخ جلده وحشاه تبنا، ثم أتى به ونصبه على محل عال في البرية، بحيث يراه الراعي ويتحققه، ثم أقبل اللص على الراعي وقال له: إن هذا الأسد قد أرسلني إليك يطلب عشاء من هذا الغنم. فقال له الراعي: وأين الأسد؟ فقال له اللص: ارفع بصرك ها هو واقف. فرفع الراعي ms2070 رأسه فرأى صورة الأسد، فلما رآها ظن أنها أسد حقيقة، ففزع منها فزعا شديدا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 922 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الراعي لما رأى صورة الأسد ظن أنها أسد حقيقة، ففزع منها فزعا شديدا، وأخذه الرعب وقال للص: يا أخي، خذ ما شئت ليس عندي مخالفة، فأخذ اللص من الغنم حاجته وازداد طمعه في الراعي بسبب شدة خوفه، فصار كل قليل يأتي إليه ويرعبه ويقول له: إن الأسد يحتاج إلى كذا وقصده أن يفعل كذا. ثم يأخذ من الغنم كفايته، ولم يزل اللص مع الراعي على هذه الحالة حتى أفنى غالب الغنم. وإنما قلت لك هذا الكلام أيها الملك لئلا يغتر كبراء دولتك هؤلاء بحلمك ولين جانبك، فيطمعوا فيك، والرأي السديد أن يكون موتهم أقرب مما يفعلونه بك. فقبل الملك قولها وقال: إني قبلت منك هذه النصيحة، ولست مطيعا لمشورتهم ولا خارجا إليهم. # فلما أصبح الصباح اجتمع الوزراء وأكابر الدولة ووجهاء الناس، وحمل كل واحد منهم سلاحه معه وتوجهوا إلى بيت الملك ليهجموا عليه ويقتلوه ويولوا غيره، فلما وصلوا إلى بيت الملك سألوا البواب أن يفتح لهم الباب، فلم يفتح لهم، فأرسلوا ليحضروا نارا فيحرقوا بها الأبواب ثم يدخلوا، فسمع البواب منهم هذا الكلام، فانطلق بسرعة وأعلم الملك أن الخلق مجتمعون على الباب، وقال له: إنهم سألوني أن أفتح لهم فأبيت، فأرسلوا ليحضروا نارا فيحرقوا بها الأبواب، ثم يدخلوا عليك ويقتلوك، فماذا تأمرني؟ فقال الملك في نفسه: إني وقعت في الهلكة العظيمة. ثم أرسل خلف المرأة فحضرت، فقال: إن شماسا لم يخبرني بشيء إلا وقد وجدته صحيحا، وقد حضر الخاص والعام من الناس يريدون قتلي وقتلكم، ولما لم يفتح لهم البواب أرسلوا ليحضروا النار يحرقون الأبواب فيحترق البيت ونحن داخله، فماذا تشيرين علينا؟ فقالت له المرأة: لا بأس عليك ولا يهولنك أمرهم، فإن هذا الزمان يقوم فيه السفهاء على ملوكهم. فقال لها الملك: فما تشيرين به علي لأفعله؟ وما الحيلة ms2071 في هذا الأمر؟ فقالت: الرأي عندي أنك تعصب رأسك بعصابة وتظهر أنك مريض، ثم ترسل إلى الوزير شماس فيحضر إليك ويرى حالك الذي أنت فيه، فإذا حضر فقل له: قد أردت الخروج إلى الناس في هذا اليوم، فمنعني هذا المرض، فاخرج إلى الناس وأخبرهم بما أنا فيه، وأخبرهم أني في غد أخرج إليهم وأقضي حوائجهم وأنظر في أحوالهم ليطمئنوا ويسكن غيظهم، وإذا أصبحت فاستدع بعشرة من عبيد أبيك، يكونون من أهل البأس والقوة، وتكون آمنا على نفسك منهم، ويكونون سامعين لقولك طائعين لأمرك كاتمين لسرك حافظين لودك، ثم أوقفهم على رأسك وأمرهم ألا يمكنوا أحدا من الدخول عليك إلا واحدا بعد واحد، فإذا دخل واحد فقل لهم: خذوه واقتلوه. وإذا اتفقوا معك على ذلك، فأصبح ناصبا كرسيك في ديوانك وافتح بابك، فإنهم إذا رأوك فتحت الباب طابت نفوسهم، وأتوا لك بقلب سليم واستأذنوا في الدخول عليك، فأذن لهم في الدخول واحدا بعد واحد كما قلت لك، وافعل بهم مرادك، ولكن ينبغي أن تبدأ بقتل شماس الكبير أولهم، فإنه هو الوزير الأعظم، وهو صاحب الأمر، فاقتله أولا، ثم بعد ذلك اقتل الجميع واحدا بعد واحد، ولا تبق منهم من تعرف أنه ينكث لك عهدا، وكذلك كل من تخاف صولته؛ فإنك إذا فعلت بهم ذلك، فإنهم لا يبقى لهم قوة عليك، وتستريح منهم الراحة الكلية، ويصفو لك الملك وتعمل ما تحب، واعلم أنه لا حيلة لك أنفع من هذه الحيلة. فقال لها الملك: إن رأيك هذا سديد، وأمرك فيه رشيد، فلا بد أن أعمل ما ذكرت. # ثم أمر بعصابة فشد بها رأسه وتضاعف وأرسل إلى شماس، فلما حضر بين يديه قال له: يا شماس، قد علمت أني لك محب ولرأيك مطيع، وأنت لي كالأخ والوالد دون كل أحد، وتعرف أني أقبل منك جميع ما أمرتني به، وقد كنت أمرتني بالخروج إلى الرعية والجلوس لأحكامهم، وتحققت أنها نصيحة منك لنا، وقد أردت الخروج إليهم بالأمس فعرض لي هذا المرض، ولست أستطيع الجلوس، وقد ms2072 بلغني أن أهل المملكة متنغصون من عدم خروجي إليهم، وهموا أن يفعلوا بي ما لا يليق من شرهم، فإنهم غير عالمين بما أنا فيه من المرض، فاخرج إليهم وأعلمهم بحالي وما أنا فيه، واعتذر إليهم عني، فإني تابع لما يقولون وفاعل ما يحبون، فأصلح هذا الأمر واضمن لهم عني ذلك، فإنك نصيح لي ولوالدي من قبلي، وعادتك الإصلاح بين الناس، وإن شاء الله تعالى في غد أخرج إليهم، ولعل مرضي أن يزول عني في هذه الليلة ببركة صالح نيتي، وما أضمرته لهم من الخير في سريرتي. فسجد شماس لله ودعا للملك وقبل يديه وفرح بذلك، وخرج إلى الناس وأخبرهم بما سمعه من الملك ونهاهم عما أرادوه، وأعلمهم بالعذر وسبب امتناع الملك عن الخروج، وأخبرهم أنه وعده في غد بالخروج إليهم، وأنه يصنع لهم ما يحبون، فانصرفوا عند ذلك إلى منازلهم. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 923 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن شماسا خرج إلى الدولة وقال لهم: إن الملك في غد يخرج إليكم ويصنع لكم ما تحبون. فانصرفوا إلى منازلهم. هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر الملك، فإنه بعث إلى العشرة عبيد الجبابرة الذين اختارهم من جبابرة أبيه، وكانوا ذوي عزم جليد وبأس شديد، وقال لهم: قد علمتم ما كان لكم عند والدي من الحظوة ورفعة الشأن والإحسان إليكم، مع لطفه بكم وإكرامه إياكم، فأنا أنزلكم بعده عندي في درجة أرفع من تلك الدرجة، وسأعرفكم سبب ذلك وأنتم في أمان الله مني، ولكن أسألكم عن مسألة، هل تكونون معي فيها طائعين لأمري فيما أقوله لكم، كاتمين لسري عن جميع الناس، ولكم مني الإحسان فوق ما تريدون حيث امتثلتم أمري؟ فأجابه العشرة من فم واحد وكلام متوارد قائلين: جميع ما تأمرنا به يا سيدنا نحن به عاملون، ولا نخرج عما تشير به علينا مطلقا، وأنت ولي أمرنا. فقال لهم: أحسن الله لكم، فأنا الآن أعرفكم سبب اختصاصكم بمزيد الإكرام عندي؛ هو ms2073 أنكم قد علمتم ما كان يفعله أبي بأهل مملكته من الإكرام، وما عاهدهم عليه من أمري وإقرارهم له بأنهم لا ينكثون لي عهدا ولا يخالفون أمري، وقد نظرتم ما كان منهم بالأمس حيث اجتمعوا جميعا حولي يريدون قتلي، وأنا أريد أن أصنع بهم أمرا؛ وذلك أني نظرت ما كان منهم بالأمس، فرأيت أنه لا يزجرهم عن مثله إلا نكالهم، فلا بد أن أوكلكم بقتل من أشير لكم بقتله سرا حتى أدفع الشر والبلاء عن بلادي بقتل أكابرهم ورؤسائهم، وطريقة ذلك أني أقعد في هذا المقعد في هذه المقصورة في غد، وآذن لهم بالدخول علي واحدا بعد واحد، وأن يدخلوا من باب ويخرجوا من آخر، فقفوا أنتم العشرة بين يدي فاهمين لإشارتي، وكلما يدخل واحد فخذوه وادخلوا به هذا البيت واقتلوه وأخفوا جثته. فقالوا: سمعا لقولك وطاعة لأمرك. فعند ذلك أحسن إليهم وصرفهم وبات. # فلما أصبح طلبهم، وأمر بنصب السرير، ثم لبس ثياب الملك وأخذ في يده كتاب القضاء وأمر بفتح الباب ففتح، وأوقف العشرة عبيد بين يديه، ونادى المنادي: من كان له حكومة فليحضر إلى بساط الملك. فأتى الوزراء والقواد والحجاب ووقف كل واحد في مرتبته، ثم أمر بالدخول واحدا بعد واحد، فدخل شماس الوزير أولا كما هي عادة الوزير الأكبر، فلما دخل واستقر قدام الملك لم يشعر إلا والعشرة عبيد محتاطون به وأخذوه وأدخلوه البيت وقتلوه، وأقبلوا على باقي الوزراء، ثم العلماء، ثم الصلحاء، فصاروا يقتلونهم واحدا بعد واحد حتى فرغوا من الجميع، ثم دعا بالجلادين وأمرهم بحط السيف فيمن بقي منهم من أهل الشجاعة وقوة البأس، فلم يتركوا أحدا ممن يعرفون أن له شهامة إلا قتلوه، ولم يتركوا إلا سفلة الناس ورعاعهم، ثم طردوهم ولحق كل واحد منهم بأهله، ثم بعد ذلك اختلى الملك بلذاته وأعطى نفسه شهواتها، واتبع البغي والجور والظلم حتى سبق من تقدمه من أهل الشر، وكانت بلاد هذا الملك معدن الذهب والفضة والياقوت والجواهر، وجميع من حوله من الملوك يحسدونه على هذه المملكة ويتوقعون ms2074 له البلاء، فقال في نفسه بعض الملوك المجاورين له: إني ظفرت بما كنت أريد من أخذ هذه المملكة من يد هذا الولد الجاهل، بسبب ما حصل من قتله لأكابر دولته وأهل الشجاعة والنجدة الذين كانوا في أرضه، فهذا هو وقت الفرصة وانتزاع ما في يده لكونه صغيرا، ولا دراية له بالحرب ولا رأي له، ولم يبق عنده من يرشده ولا يعضده، فأنا اليوم أفتح معه باب الشر، وهو أني أكتب له كتابا وأعبث به فيه، وأبكته على ما حصل منه، وأنظر ما يكون من جوابه. # فكتب له مكتوبا مضمونه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فقد بلغني ما فعلت بوزرائك وعلمائك وجبابرتك، وما أوقعت نفسك فيه من البلاء حتى لم يبق لك طاقة ولا قوة على دفع من يصول عليك حين طغيت وأفسدت، وإن الله قد أعطاني النصر عليك وظفرني بك، فاسمع كلامي وامتثل أمري وابن لي قصرا منيعا في وسط البحر، وإن لم تقدر على ذلك فاخرج من بلادك وفز بنفسك، فإني باعث إليك من أقصى الهند اثني عشر كردوسا، كل كردوس اثنا عشر ألف مقاتل، فيدخلون بلادك، وينهبون أموالك، ويقتلون رجالك، ويسبون حريمك، وأجعل قائدهم بديعا وزيري وآمره أن يرسخ عليها محاصرا إلى أن يملكها، وقد أمرت هذا الغلام المرسل إليك أنه لا يقيم عندك غير ثلاثة أيام، فإن امتثلت أمري نجوت، وإلا أرسلت إليك ما ذكرته لك.» ثم ختم الكتاب وأعطاه للرسول، فسار به حتى وصل إلى تلك المدينة ودخل على الملك وأعطاه الكتاب، فلما قرأه الملك ضعفت قوته وضاق صدره، والتبس عليه أمره وتحقق الهلاك، ولم يجد من يستشيره ولا من يستعين به ولا من ينجده، فقام ودخل على زوجته وهو متغير اللون، فقالت له: ما شأنك أيها الملك؟ فقال لها: لست اليوم بملك ولكني عبد للملك. ثم فتح الكتاب وقرأه عليها، فلما سمعته أخذت في البكاء والنحيب وشقت ثيابها، فقال لها الملك: هل عندك شيء من الرأي والحيلة في هذا الأمر العسير؟ فقالت له: وما ms2075 عند النساء من الحيلة في الحروب؟ والنساء لا قوة لهن ولا رأي لهن، وإنما القوة والحيلة للرجال في مثل هذا الأمر. فلما سمع الملك منها ذلك الكلام حصل له غاية الندم والتأسف والكآبة على ما فرط منه في حق جماعته ورؤساء دولته. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 924 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما سمع من زوجته ذلك الكلام حصل له غاية الندم والتأسف على ما فرط منه من قتل وزرائه وأشراف رعيته، وتمنى الموت لنفسه قبل أن يرد عليه مثل هذا الخبر الفظيع، ثم قال لنسائه: لقد وقع لي منكن ما وقع للدراج مع السلاحف. فقلن له: وكيف كان ذلك؟ فقال الملك: زعموا أن سلاحف كانت في جزيرة من الجزائر، وكانت تلك الجزيرة ذات أشجار وأثمار وأنهار، فاتفق أن دراجا اجتاز بها يوما، وقد أصابه الحر والتعب، فلما أضر به ذلك حط من طيرانه في تلك الجزيرة التي بها تلك السلاحف، فلما رأى السلاحف التجأ إليها ونزل عندها، وكانت السلاحف ترعى في جهات الجزيرة، ثم ترجع إلى مكانها، فلما رجعت من مسارحها إلى مكانها رأت الدراج فيه، فلما رأته أعجبها وزينه الله لها، فسبحت خالقها وأحبت هذا الدراج حبا شديدا وفرحت به، ثم قال بعضها لبعض: لا شك أن هذا أحسن الطيور. فصارت كلها تلاطفه وتجنح إليه، فلما رأى منها عين المحبة مال إليها واستأنس بها، وصار يطير إلى أي جهة أراد وعند المساء يرجع إلى المبيت عندها، فإذا أصبح الصباح يطير إلى حيث أراد، وصارت هذه عادته واستمر على هذا الحال مدة من الزمان، فلما رأت السلاحف أن غيابه عنها يوحشها وتحققت أنها لا تراه إلا في الليل، وإذا أصبح طار مبادرا ولا تشعر به مع زيادة حبها له، قال بعضها لبعض: إن هذا الدراج قد أحببناه وصار لنا صديقا، وما بقي لنا قدرة على فراقه، فما يكون من الحيلة الموصلة إلى إقامته عندنا دائما؛ لأنه إذا طار يغيب عنا النهار ms2076 كله ولا نراه إلا في الليل؟ فأشارت عليها واحدة قائلة: استريحوا يا أخواتي وأنا أجعله لا يفارقنا طرفة عين. فقال لها الجميع: إن فعلت ذلك صرنا لك كلنا عبيدا. # فلما حضر الدراج من مسرحه وجلس بينهم، تقربت منه السلحفاة المحتالة ودعت له وهنأته بالسلامة، وقالت له: يا سيدي، اعلم أن الله قد رزقك منا المحبة، وكذلك أودع قلبك محبتنا، وصرت لنا في هذا القفر أنيسا، وأحسن أوقات المحبين إذا كانوا مجتمعين، والبلاء العظيم في البعد والفراق، ولكنك تتركنا عند طلوع الفجر ولا تعود إلينا إلا عند الغروب، فيصير عندنا وحشة زائدة، وقد شق علينا ذلك كثيرا ونحن في وجد عظيم لهذا السبب. فقال لها الدراج: نعم، أنا عندي محبة لكن، واشتياق عظيم إليكن، زيادة على ما عندكن، وفراقكن ليس سهلا عندي، ولكن ما بيدي حيلة في ذلك لكوني طيرا بأجنحة، فلا يمكنني المقام معكن دائما؛ لأن هذا ليس من طبعي، فإن الطير ذا الأجنحة ليس له مستقر إلا في الليل لأجل النوم، وإذا أصبح طار وسرح في أي موضع أعجبه. فقالت له السلحفاة: صدقت، ولكن ذو الأجنحة في غالب الأوقات لا راحة له، لكونه لا يناله من الخير ربع ما يحصل له من المشقة، وغاية المقصود للشخص الرفاهية والراحة، ونحن قد جعل الله بيننا وبينك المحبة والألفة، ونخشى عليك ممن يصطادك من أعدائك فتهلك ونحرم من رؤية وجهك. فأجابها الدراج قائلا: صدقت، ولكن ما عندك من الرأي والحيلة في أمري؟ فقالت له: الرأي عندي أن تنتف سواعدك التي تسرع بطيرانك، وتقعد عندنا مستريحا، وتأكل من أكلنا وتشرب من شربنا في هذه السرحة الكثيرة الأشجار اليانعة الأثمار، ونقيم نحن وأنت في هذا الموضع المخصب، ويتمتع كل منا بصاحبه. فمال الدراج إلى قولها وقصد الراحة، ثم نتف ريشه واحدة بعد واحدة حكم ما استحسنه من رأي السلحفاة، واستقر عندهن عائشا معهن، ورضي باللذة اليسيرة والطرب الزائل. # فبينما هم على تلك الحالة، وإذا بابن عرس قد مر عليه، فرمقه بعينه وتأمله، فرآه مقصوص ms2077 الجناح لا يستطيع النهوض، فلما رآه على تلك الحالة فرح به فرحا شديدا وقال في نفسه: إن هذا الدراج سمين اللحم قليل الريش. ثم دنا منه ابن عرس وافترسه، فصاح الدراج وطلب النجدة من السلاحف، فلم ينجدنه بل تباعدن عنه وانكمشن في بعضهن لما رأين ابن عرس قابضا عليه، وحيث رأين ابن عرس يعذبه خنقهن البكاء عليه، فقال لهن الدراج: هل عندكن شيء غير البكاء؟ فقلن له: يا أخانا، ليس لنا قوة ولا طاقة ولا حيلة في أمر ابن عرس. فحزن الدراج عند ذلك وقطع الرجاء من حياة نفسه، وقال لهن: ليس لكن ذنب، إنما الذنب لي حيث أطعتكن ونتفت أجنحتي التي أطير بها، فأنا أستحق الهلاك لمطاوعتي لكن، ولا ألومكن في شيء. وأنا الآن لا ألومكن أيتها النساء بل ألوم نفسي وأؤدبها؛ حيث لم أتذكر أنكن سبب الهفوة التي حصلت من أبينا آدم، ولأجلها خرج من الجنة، ونسيت أنكن أصل كل شر، فأطعتكن بجهلي وخطأ رأيي وسوء تدبيري، وقتلت وزرائي وحكام مملكتي الذين كانوا إلي نصحاء في كل الأمور، وكانوا عزتي وقوتي على كل أمر أهمني، فأنا الآن لم أجد عوضا عنهم، ولا أرى أحدا يقوم مقامهم، وقد وقعت في الهلاك العظيم. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 925 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لام نفسه وقال: أنا الذي أطعتكن بجهلي، وقتلت وزرائي ولم أجد عوضا عنهم يقوم مقامهم، وإن لم يفتح الله علي بمن له رأي سديد يرشدني إلى ما فيه خلاصي وقعت في الهلكة العظيمة. ثم إنه قام ودخل مرقده بعد أن نعى الوزراء والحكماء قائلا: يا ليت هؤلاء الأسود عندي في هذا الوقت ولو ساعة واحدة، حتى أعتذر إليهم وأنظرهم وأشكو إليهم أمري وما حصل بي بعدهم. ولم يزل غريقا في بحر الهم طول نهاره ولا يأكل ولا يشرب، فلما جن الليل قام وغير لباسه ولبس ثيابا رديئة، وتنكر وخرج يسوح في المدينة لعله يسمع من أحد كلمة يرتاح بها، ms2078 فبينما هو يطوف في الشوارع، وإذا هو بغلامين مختليين بأنفسهما، جالسين بجانب حائط وهما مستويان في السن، عمر كل واحد منهما اثنتا عشرة سنة، فسمعهما يتحدثان مع بعضهما، فدنا منهما الملك بحيث يسمع كلامهما ويفهمه، فسمع واحد منهما يقول للآخر: اسمع يا أخي ما حكاه لي والدي ليلة أمس من أجل ما وقع له في زرعه ويبسه قبل أوانه بسبب عدم المطر وكثرة البلاء الحاصل في هذه المدينة. فقال له الآخر: أتعرف ما سبب هذا البلاء؟ قال له: لا، فإن كنت تعرفه أنت فاذكره لي. فأجابه قائلا: نعم، أعرفه وأخبرك به؛ اعلم أن أحد أصحاب والدي قال لي: إن ملكنا قد قتل وزراءه وعظماء دولته من غير ذنب جنوه، بل من أجل حبه للنساء وميله إليهن، وإن الوزراء نهوه عن ذلك فلم ينته وأمر بقتلهم طاعة لنسائه، حتى إنه قتل شماسا والدي وزيره ووزير والده من قبله، وكان صاحب مشورته، ولكن سوف تنظر ما يفعل الله به بسبب ذنوبه فسينتقم لهم منه. فقال الغلام: وما عسى أن يفعل الله به بعد هلاكهم؟ قال له: اعلم أن ملك الهند الأقصى قد استخف بملكنا وبعث إليه كتابا يوبخه فيه ويقول له: ابن لي قصرا في وسط البحر، وإن لم تفعل ذلك فأنا أرسل إليك اثني عشر كردوسا، كل كردوس فيه مائة ألف مقاتل، وأجعل قائد هذه العساكر بديعا وزيري فيأخذ ملكك ويقتل رجالك ويسبيك مع حريمك. فلما جاء رسول ملك الهند الأقصى بهذا الكتاب أمهله ثلاثة أيام، واعلم يا أخي أن ذلك الملك جبار عنيد ذو قوة وبأس شديد، وفي مملكته خلق كثير، وإن لم يحتل ملكنا فيما يمنعه منه وقع في الهلكة، وبعد هلاك ملكنا يأخذ هذا الملك أرزاقنا ويقتل رجالنا ويسبي حريمنا. # فلما سمع الملك منهما هذا الكلام زاد اضطرابا ومال إليهما وقال في نفسه: إن هذا الغلام لحكيم لكونه أخبر عن شيء لم يبلغه مني، فإن الكتاب الذي جاء من ملك أقصى الهند عندي، والسر معي ولم يطلع أحد ms2079 على هذا الخبر غيري، فكيف علم هذا الغلام به؟ ولكن أنا ألتجئ إليه وأكلمه وأسأل الله أن يكون خلاصنا لديه. ثم إن الملك دنا من الغلام بلطف وقال له: أيها الولد الحبيب، ما هذا الذي ذكرته من أجل ملكنا؟ فإنه قد أساء كل الإساءة في قتل وزرائه وكبراء دولته، لكنه في الحقيقة قد أساء إلى نفسه ورعيته، وأنت صدقت فيما قلته، ولكن عرفني أيها الولد من أين عرفت أن ملك الهند الأقصى كتب إلى ملكنا كتابا ووبخه فيه، وقال له هذا الكلام الصعب الذي قلته؟ قال له الغلام: قد علمت هذا من قول القدماء: إنه ليس يخفى على الله خافية، والخلق من بني آدم فيهم روحانية تظهر لهم الأسرار الخفية. فقال له: صدقت يا ولدي، لكن هل لملكنا حيلة أو تدبير يدفع به عن نفسه وعن مملكته هذا البلاء العظيم؟ فأجاب الغلام قائلا: نعم، إذا أرسل الملك إلي وسألني ماذا يصنعه ليدفع به عدوه وينجو من كيده، أخبرته بما فيه نجاته بقوة الله تعالى. قال له الملك: ومن يعلم الملك بذلك حتى يرسل إليك ويدعوك؟ فأجابه قائلا: إني سمعت عنه أنه يفتش على أهل الخبرة والرأي الرشيد، وإذا أرسل إلي سرت معهم إليه وعرفته بما فيه صلاحه ودفع البلاء عنه، وإن أهمل هذا الأمر العسير واشتغل بلهوه مع نسائه، وأردت أني أعلمه بما فيه نجاته وتوجهت إليه من تلقاء نفسي، فإنه يأمر بقتلي مثل أولئك الوزراء، وتكون معرفتي به سببا لهلاكي، وتستقل الناس بي ويستنقصون عقلي، وأكون من مضمون قول من قال: من كان علمه أكثر من عقله هلك ذلك العالم بجهله. # فلما سمع الملك كلام الغلام تحقق حكمته وتبين فضيلته وتيقن أن النجاة تحصل له ولرعيته على يديه، فعند ذلك أعاد الملك الكلام على الغلام وقال له: من أين أنت؟ وأين بيتك؟ فقال له الغلام: إن هذه الحائط توصل إلى بيتنا. فتعهد الملك ذلك المكان، ثم إنه ودع الغلام ورجع إلى مملكته مسرورا، فلما استقر في بيته لبس ثيابه ms2080 ودعا بالطعام والشراب، ومنع عنه النساء وأكل وشرب وشكر الله تعالى وطلب منه النجاة والمعونة والمغفرة والعفو عما فعل بعلماء دولته ورؤسائهم، ثم تاب إلى الله توبة خالصة، وافترض على نفسه الصوم والصلاة الكثيرة بالنذر، ودعا بأحد غلمانه الخواص ووصف له مكان الغلام، وأمره أن ينطلق إليه ويحضره بين يديه برفق، فمضى ذلك العبد إلى الغلام وقال له: الملك يدعوك لخير يصل إليك من قبله، ويسألك سؤالا ثم تعود في خير إلى منزلك. فأجاب الغلام قائلا: وما حاجة الملك التي دعاني من أجلها؟ قال له الخادم: إن حاجة مولاي التي دعاك من أجلها هي سؤال وجواب. فقال له الغلام: ألف سمع وألف طاعة لأمر الملك. ثم سار معه حتى وصل إلى الملك، فلما صار بين يديه سجد لله ودعا للملك بعد أن سلم عليه، فرد الملك عليه السلام وأمره بالجلوس فجلس. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 926 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام لما جاء إلى الملك وسلم عليه أمره بالجلوس فجلس، فقال له: هل تعرف من تكلم معك بالأمس؟ قال الغلام: نعم. قال له: فأين هو؟ فأجابه بقوله: هو الذي يكلمني في هذا الوقت. فقال له الملك: لقد صدقت أيها الحبيب. ثم أمر الملك بوضع كرسي بجانب كرسيه وأجلسه عليه وأمر بإحضار أكل وشرب، ثم امتزجا في الحديث إلى أن قال الملك للغلام: إنك أيها الوزير حدثتني بالأمس حديثا وذكرت فيه أن معك حيلة تدفع بها عنا كيد ملك الهند، فما هي الحيلة؟ وكيف التدبير في دفع شره عنا؟ فأخبرني لكي أجعلك أول من يتكلم معي في الملك وأصطفيك وزيرا لي، وأكون تابعا لرأيك في كل ما أشرت به علي، وأجيزك جائزة سنية. فقال له الغلام: جائزتك لك أيها الملك، والمشورة والتدبير عند نسائك اللاتي أشرن عليك بقتل والدي شماس مع بقية الوزراء. فلما سمع الملك منه ذلك خجل وتنهد وقال: أيها الولد الحبيب، وهل شماس والدك كما ذكرت؟ فأجابه الغلام قائلا: إن ms2081 شماسا والدي حقا، وأنا ولده صدقا. فعند ذلك خشع الملك ودمعت عيناه واستغفر الله وقال: أيها الغلام، إني فعلت ذلك بجهلي وسوء تدبير النساء وكيدهن عظيم، ولكن أسألك أن تكون مسامحا لي، وإني جاعلك في موضع أبيك وأعلى مقاما من مقامه، وإذا زالت هذه النقمة النازلة بنا طوقتك بطوق الذهب، وأركبتك أعز مركوب، وأمرت المنادي أن ينادي قدامك قائلا: هذا الولد العزيز صاحب الكرسي الثاني بعد الملك. وأما ما ذكرت من أمر النساء، فإني أضمرت الانتقام منهن وجعلته في الوقت الذي يريده الله تعالى، فأخبرني بما عندك من التدبير ليطمئن قلبي. فأجابه الغلام قائلا: أعطني عهدا أنك لا تخالف رأيي فيما أذكره لك، وأن أكون مما أخشاه في أمان. فقال له الملك: هذا عهد الله بيني وبينك، إني لا أخرج عن كلامك وإنك عندي صاحب المشورة، ومهما أمرتني به فعلته، والشاهد بيني وبينك على ما أقول هو الله تعالى. # فعند ذلك انشرح صدر الغلام واتسع عنده مجال الكلام فقال: أيها الملك، إن التدبير والحيلة عندي أنك تنظر الوقت الذي يحضر لك فيه الساعي طالب الجواب بعد المهلة التي أمهلته إياها، فإذا حضر بين يديك وطلب الجواب، فادفعه عنك وأمهله إلى يوم آخر، فعند ذلك يعتذر إليك أن ملكه حدد عليه أياما معلومة ويراجعك في كلامك، فاطرحه وأمهله إلى يوم آخر ولا تعين له ذلك اليوم؛ فيخرج من عندك غضبانا ويتوجه إلى وسط المدينة ويتكلم جهرا بين الناس ويقول: يا أهل المدينة، إني ساعي ملك الهند الأقصى، وهو صاحب بأس شديد وعزم يلين الحديد، قد أرسلني بكتاب إلى ملك هذه المدينة وحدد لي أياما وقال: إن لم تحضر عقب الأيام التي حددتها لك حلت بك نقمتي، وها أنا جئت إلى ملك هذه المدينة وأعطيته الكتاب، فلما قرأه أمهلني ثلاثة أيام، ثم يعطيني جواب ذلك الكتاب، فأجبته إلى ذلك لطفا به ورعاية لخاطره، وقد مضت الثلاثة أيام وأتيت أطلب منه الجواب، فأمهلني إلى يوم آخر، وأنا ليس عندي صبر، فها أنا منطلق ms2082 إلى سيدي ملك الهند الأقصى وأخبره بما وقع لي، وأنتم أيها القوم شاهدون بيني وبينه. فعند ذلك يبلغك كلامه فأرسل إليه وأحضره بين يديك وكلمه بلطف وقل له: أيها الساعي لإتلاف نفسه، ما الذي حملك على ملامتنا بين رعيتنا؟ لقد استحققت منا التلف عاجلا، ولكن قالت القدماء: العفو من شيم الكرام. واعلم أن تأخير الجواب عنك ليس عجزا منا، وإنما هو لزيادة أشغالنا وقلة تفرغنا لكتابة جواب ملككم. ثم اطلب الكتاب واقرأه ثانيا، وبعد أن تفرغ من قراءته أكثر من الضحك وقل له: هل معك كتاب غير هذا الكتاب فنكتب جوابا له أيضا؟ فيقول لك: ليس معي كتاب غير هذا الكتاب. فأعد عليه القول ثانيا، فيقول لك: ليس معي غيره أصلا. فقل له: إن ملككم هذا معدوم العقل حيث ذكر في هذا الكتاب كلاما ما يريد به تقويم نفوسنا لأجل أن نتوجه بعسكرنا إليه فنغزو بلاده ونأخذ مملكته، ولكن لا نؤاخذه في هذه المرة على إساءة أدبه بهذا المكتوب؛ لأنه قاصر العقل ضعيف الحزم، فالمناسب لمقدرتنا أننا ننذره أولا ونحذره من أن يعود لمثل هذه الهذيانات، فإن خاطر بنفسه وعاد إلى مثلها استحق البلاء عاجلا، وأظن أن الملك الذي أرسلك جاهل أحمق غير مفكر في العواقب، وليس له وزير عاقل سديد الرأي يستشيره، ولو كان عاقلا لاستشار وزيرا قبل أن يرسل إلينا مثل هذا الكلام السخرية، ولكن له عندي جواب مثل كتابه وأزيد، وأنا أدفع كتابه لبعض صبيان المكتب ليجيبه. ثم أرسل إلي واطلبني، فإذا حضرت بين يديك فأذن لي بقراءة الكتاب ورد جوابه. # فعند ذلك انشرح صدر الملك واستحسن رأي الغلام، وأعجبته حيلته، فأنعم عليه وخوله رتبة والده وصرفه مسرورا، فلما انقضت الثلاثة أيام التي جعلها مهلة للساعي، جاء الساعي ودخل على الملك وطلب الجواب، فأمهله الملك إلى يوم آخر، فخرج الساعي إلى آخر البساط وتكلم بكلام غير لائق مثلما قال الغلام، ثم خرج إلى السوق وقال: يا أهل هذه المدينة، إني رسول ملك الهند الأقصى إلى ملككم، جئته ms2083 برسالة وهو يماطلني في جوابها، وقد انقضت المدة التي حددها لي ملكنا، ولم يبق لملككم عذر، فأنتم تكونون شهداء على ذلك. فلما بلغ الملك هذا الكلام أرسل إلى ذلك الساعي وأحضره بين يديه وقال له: أيها الساعي في إتلاف نفسه، ألست ناقلا كتابا من ملك إلى ملك وبينهما أسرار، فكيف تخرج بين الناس وتظهر أسرار الملوك على العامة؟! لقد استحققت منا القصاص، ولكن نحن نتحمل ذلك لأجل عود جوابك لهذا الملك الأحمق، والأنسب ألا يرد له جوابا عنا إلا أقل صبيان المكتب. ودعا بحضور ذلك الغلام فحضر، ولما دخل على الملك والساعي حاضر، سجد لله ودعا للملك بدوام العز والبقاء، فعند ذلك رمى الملك الكتاب للغلام وقال له: اقرأ هذا الكتاب واكتب جوابه بسرعة. فأخذ الغلام الكتاب وقرأه وتبسم بالضحك وقال للملك: هل إرسالك خلفي لأجل جواب هذا الكتاب؟ فقال له: نعم. فأجاب: بمزيد السمع والطاعة. وأخرج الدواة والقرطاس وكتب ... وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 927 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام لما أخذ الكتاب وقرأه، أخرج في الوقت دواة وقرطاسا، وكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من فاز بالأمان ورحمة الرحمن. أما بعد، فإني أعلمك أيها المدعو ملكا كبيرا اسما لا رسما، أنه قد وصل إلينا كتابك وقرأناه وفهمنا ما فيه من الخرافات وغريب الهذيانات، فتحققنا جهلك وبغيك علينا، وقد مددت يديك إلى ما لا تقدر عليه، ولولا أن الرأفة أخذتنا على خلق الله والرعية لما تأخرنا عنك، وأما رسولك فإنه خرج إلى السوق ونشر أخبار كتابك على الخاص والعام فاستحق منا القصاص، ولكن أبقيناه رحمة منا له لكونه معذورا معك، ولم نترك قصاصه وقارا لك، فأما ما ذكرته في كتابك من قتلي لوزرائي وعلمائي وكبراء مملكتي فإن ذلك حق، ولكن لسبب قام عندي، وما قتلت من العلماء واحدا إلا وعندي من جنسه ألف أعلم منه وأفهم وأعقل، وليس عندي طفل إلا وهو ممتلئ من العلوم، وعندي عوضا عن كل واحد من ms2084 المقتولين من فضلاء نوعه ما لا أقدر أن أحصيه، وكل واحد من عسكري يقاوم كردوسا من عسكرك؛ وأما من جهة المال، فإن عندي معمل الذهب والفضة، وأما المعادن فإنها عندي كقطع الحجارة، وأما أهل مملكتي فإني لا أقدر أن أصف لك حسنهم وجمالهم وغناهم، فكيف تجاسرت علينا وقلت لنا: ابن لي قصرا في وسط البحر؟ فإن هذا أمر عجيب، ولعله ناشئ عن سخافة عقلك؛ لأنه لو كان لك عقل لكنت فحصت عن دفعات الأمواج وحركات الرياح وأنا أبني لك القصر؛ وأما زعمك أنك تظفر بي، فحاشا لله من ذلك، كيف يبغي علينا مثلك ويظفر بملكنا؟ بل إن الله تعالى أظفرني بك لكونك متعديا وباغيا علي بغير حق، فاعلم أنك قد استوجبت العذاب من الله ومني، ولكن أنا أخاف الله فيك وفي رعيتك، ولا أركب عليك إلا بعد النذارة، فإن كنت تخشى الله فعجل لي بإرسال خراج هذه السنة، وإلا لأرجع عن الركوب عليك ومعي ألف ألف ومائة ألف مقاتل كلهم جبابرة بأفيال فأسردهم حول وزيرنا وآمره أن يقيم على محاصرتك ثلاث سنوات نظير الثلاثة أيام التي أمهلتها لقاصدك، وأتملك مملكتك بحيث لا أقتل منها أحدا غير نفسك، ولا أسبي منها غير حريمك.» ثم صور الغلام في المكتوب صورته وكتب بجانبها: «إن هذا الجواب كتبه أصغر أولاد الكتاب.» ثم ختمه وسلمه إلى الملك، فأعطاه الملك للساعي، فأخذه الساعي وقبل يدي الملك ومضى من عنده شاكرا لله تعالى وللملك على حلمه عليه، وانطلق وهو يتعجب مما رأى من حذق الغلام. # فلما وصل إلى ملكه وكان دخوله عليه في اليوم الثالث بعد الثلاثة أيام المحدودة له، وكان الملك في ذلك الوقت ناصب الديوان بسبب تأخير الساعي عن المدة المحدودة له، فلما دخل عليه سجد بين يديه، ثم أعطاه الكتاب، فأخذه وسأل الساعي عن سبب إبطائه، وعن أحوال الملك وردخان، فقص عليه القصة وحكى له جميع ما نظره بعينه وسمعه بأذنه، فاندهش عقل الملك وقال للساعي: ويحك! ما هذه الأخبار التي تخبرني بها عن ms2085 مثل هذا الملك؟ فأجابه الساعي قائلا: أيها الملك العزيز، ها أنا بين يديك فافتح الكتاب واقرأه يظهر لك الصدق من الكذب. فعند ذلك فتح الملك الكتاب وقرأه ونظر فيه صورة الغلام الذي كتبه، فأيقن بزوال ملكه وتحير فيما يكون من أمره، ثم التفت إلى وزرائه وعظماء دولته وأخبرهم بما جرى وقرأ عليهم الكتاب، فارتاعوا لذلك وارتعبوا رعبا عظيما، وصاروا يسكنون روع الملك بكلام من ظاهر اللسان وقلوبهم تتمزق من الخفقان، ثم إن بديعا الوزير الكبير قال: اعلم أيها الملك أن الذي يقوله إخوتي من الوزراء لا فائدة فيه، والرأي عندي أنك تكتب لهذا الملك كتابا وتعتذر إليه فيه، وتقول له: «أنا محب لك ولوالدك من قبلك، وما أرسلنا إليك الساعي بهذا الكتاب إلا على طريق الامتحان لك لننظر عزائمك وما عندك من الشجاعة والأمور العلمية والرموز الخفية، وما أنت منطو عليه من الكمالات الكلية، ونسأل الله تعالى أن يبارك لك في مملكتك، ويشيد حصون مدينتك، ويزيد في سلطانك حيثما كنت حافظا لنفسك، فتتم أمور رعيتك.» وأرسله له مع ساع آخر. فقال الملك: والله العظيم إن في هذا لعجبا عظيما، كيف يكون هذا ملكا عظيما معتدا للحرب بعد قتله لعلماء مملكته وأصحاب رأيه ورؤساء جنده، وتكون مملكته عامرة بعد ذلك، ويخرج منها هذه القوة العظيمة؟! وأعجب من هذا أن صغار مكاتبها يردون عن ملكها مثل هذا الجواب! لكن أنا بسوء طمعي أشعلت هذه النار علي وعلى أهل مملكتي، ولا أدري ما يطفئها إلا رأي وزيري هذا. # ثم إنه جهز هدية ثمينة وخدما وحشما كثيرة، وكتب كتابا مضمونه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، أيها الملك العزيز وردخان ولد الأخ العزيز جليعاد رحمه الله وأبقاك، لقد حضر لنا جواب كتابنا، فقرأناه وفهمنا ما فيه، فرأينا فيه ما يسرنا وهذا غاية طلبنا لك من الله، ونسأله أن يعلي شأنك ويشيد أركان مملكتك، وينصرك على أعدائك الذين يريدون بك السوء، واعلم أيها الملك أن أباك كان لي أخا، وبيني وبينه عهود ومواثيق مدة حياته، ms2086 وما كان يرى منا إلا خيرا، وكنا نحن كذلك لا نرى منه إلا خيرا، ولما توفي وجلست أنت على كرسي مملكته، حصل عندنا غاية الفرح والسرور، ولما بلغنا ما فعلت بوزرائك وأكابر دولتك، خشينا أن يصل خبر ذلك إلى ملك غيرنا فيطمع فيك، وكنا نظن أنك في غفلة عن مصالحك وحفظ حصونك، مهملا لأمور مملكتك، فكاتبناك بما ننبهك به، فلما رأيناك قد رددت لنا مثل هذا الجواب، اطمأن قلبنا عليك، متعك الله بمملكتك، وجعلك معانا على شأنك والسلام.» ثم جهز له الهدية وأرسلها إليه مع مائة فارس. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 928 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ملك الهند الأقصى لما جهز الهدية إلى الملك وردخان أرسلها له مع مائة فارس، فساروا إلى أن أقبلوا على الملك وردخان وسلموا عليه، ثم أعطوه الكتاب فقرأه وفهم معناه، ثم أنزل رئيس المائة فارس في محل يصلح له وأكرمه، وقبل الهدية منه وشاع خبرها عند الناس، وفرح الملك بذلك فرحا شديدا، ثم أرسل إلى الغلام ابن شماس وأحضره بين يديه وأكرمه، وأرسل إلى رئيس المائة فارس، ثم طلب الكتاب الذي أحضره من ملكه وأعطاه للغلام، ففتحه وقرأه فسر الملك بذلك سرورا كبيرا، وصار يعاتب رئيس المائة فارس وهو يقبل يديه ويعتذر إليه ويدعو له بدوام البقاء وخلود النعم عليه، فشكره الملك على ذلك وأكرمه إكراما زائدا، وأعطاه وأعطى جميع من معه ما يليق بهم، وجهز معهم هدايا، وأمر الغلام أن يكتب رد الجواب، فعند ذلك كتب الغلام الجواب وأحسن الخطاب وأوجز في باب الصلح، وذكر أدب الرسول ومن معه من الفرسان، فلما تمم الكتاب عرضه على الملك، فقال له الملك: اقرأه أيها الولد العزيز لكي نعرف ما كتب فيه. فعند ذلك قرأ الغلام بحضرة المائة فارس، فأعجب الملك هو وكل من حضر نظامه ومعناه، ثم ختمه الملك وسلمه إلى رئيس المائة فارس وصرفه، وأرسل معه من عسكره طائفة توصلهم إلى أطراف بلادهم. # هذا ما كان من ms2087 أمر الملك والغلام، وأما ما كان من أمر رئيس المائة فارس، فإنه اندهش عقله مما رآه من أمر الغلام ومعرفته، وشكر الله تعالى على قضاء مصلحته بسرعة وعلى قبول الصلح، ثم إنه سار إلى أن وصل إلى ملك أقصى الهند وقدم إليه الهدايا والتحف، وأوصل إليه العطايا وناوله الكتاب وأخبره بما نظر، ففرح الملك بذلك فرحا شديدا، وشكر الله تعالى وأكرم رئيس المائة فارس، وشكر همته على فعله، ورفع درجته، وصار من ذلك الوقت في أمن وأمان وطمأنينة وزيادة انشراح. # هذا ما كان من أمر ملك أقصى الهند، وأما ما كان من أمر الملك وردخان، فإنه استقام مع الله ورجع عن طريقته الرديئة، وتاب إلى الله توبة خالصة عما كان فيه، وترك النساء جملة ومال بكليته إلى صلاح مملكته والنظر بخوف الله إلى رعيته، وجعل ولد شماس وزيرا عوضا عن والده، وصاحب الرأي المقدم عنده في المملكة، وكاتما لسره، وأمر بزينة مدينته سبعة أيام وكذلك بقية المدائن، ففرحت الرعية بذلك وزال الخوف والرعب عنهم، واستبشروا بالعدل والإنصاف، وابتهلوا بالدعاء للملك والوزير الذي أزال عنه وعنهم هذا الغم، وبعد ذلك قال الملك للوزير: ما الرأي عندك في إتقان المملكة وإصلاح الرعية ورجوعها إلى ما كانت عليه أولا من وجود الرؤساء والمدبرين؟ فعند ذلك أجابه الوزير قائلا: أيها الملك العزيز الشأن، الرأي عندي أنك قبل كل شيء تبتدئ بقطع أمر المعاصي من قلبك، وتترك ما كنت فيه من اللهو والعسف والاشتغال بالنساء؛ لأنك إن رجعت إلى أصل المعاصي تكون الضلالة الثانية أشد من الأولى. فقال الملك: وما هي أصل المعاصي التي ينبغي أن أقلع عنها؟ فأجابه ذلك الوزير الصغير السن الكبير العقل قائلا: أيها الملك الكبير، اعلم أن أصل المعصية اتباع هوى النساء، والميل إليهن وقبول رأيهن وتدبيرهن؛ لأن محبتهن تغير العقول الصافية وتفسد الطباع السليمة، والشاهد على قولي من دلائل واضحة لو تفكرت فيها وتتبعت وقائعها بإمعان النظر، لوجدت لك ناصحا من نفسك واستغنيت عن قولي جملة، فلا تشغل قلبك بذكرهن ms2088 واقطع من ذهنك رسمهن؛ لأن الله تعالى أمر بعدم الإكثار منهن على يد نبيه موسى، حتى قال أحد الملوك الحكماء لولده: يا ولدي، إذا استقمت في الملك من بعدي، فلا تستكثر من النساء لئلا يضل قلبك ويفسد رأيك بالجملة، فالاستكثار منهن يفضي إلى حبهن، وحبهن يفضي إلى فساد الرأي، والبرهان على ذلك ما جرى لسيدنا سليمان بن داود عليهما السلام، الذي خصه الله بالعلم والحكمة والملك العظيم، ولم يعط أحدا من الملوك التي تقدمت مثل ما أعطاه، فكانت النساء سببا لهفوة والده، ومثل هذا كثير أيها الملك، وإنما ذكرت لك سليمان لتعرف أنه ليس لأحد أن يملك مثل ما ملك حتى أطاعه جميع ملوك الأرض. واعلم أيها الملك أن محبة النساء أصل كل شر، وليس لإحداهن رأي، فينبغي للإنسان أن يقتصر منهن على قدر الضرورة، ولا يميل إليهن كل الميل، فإن ذلك يوقعه في الفساد والهلكة، فإن أطعت قولي أيها الملك استقامت لك جميع أمورك، وإن تركته ندمت حيث لا ينفعك الندم. فأجابه الملك قائلا: لقد تركت ما كنت فيه من فرط الميل إليهن. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 929 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك وردخان لما قال لوزيره: إني قد تركت ما كنت فيه من الميل إليهن، وأعرضت عن الاشتغال بالنساء جميعا، ولكن ماذا أصنع فيهن جزاء على ما فعلن؟ لأن قتل شماس والدك كان من كيدهن، ولم يكن ذلك مرادي، ولا عرفت كيف جرى لي في عقلي حتى وافقتهن على قتله. ثم تأوه وصاح قائلا: وا أسفاه على فقد وزيري وسداد رأيه وحسن تدبيره، وعلى فقد نظرائه من الوزراء ورؤساء المملكة وحسن آرائهم الرشيدة. فأجابه الوزير قائلا: اعلم أيها الملك أن الذنب ليس للنساء وحدهن؛ لأنهن مثل بضاعة مستحسنة تميل إليها شهوات الناظرين، فمن اشتهى واشترى باعوه، ومن لم يشتر لم يجبره أحد على الشراء، ولكن الذنب لمن اشترى، وخصوصا إذا كان عرفا بمضرة تلك البضاعة، وقد حذرتك ووالدي من قبلي ms2089 كان يحذرك ولم تقبل منه نصيحة. فأجابه الملك: إنني أوجبت على نفسي الذنب كما قلت أيها الوزير، ولا عذر لي إلا التقادير الإلهية. فقال الوزير: اعلم أيها الملك أن الله تعالى خلقنا وخلق لنا استطاعة، وجعل لنا إرادة واختيارا، فإن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل، ولم يأمرنا الله بفعل ضرر لئلا يلزمنا ذنب، فيجب علينا حساب فيما يكون فعله صوابا؛ لأنه تعالى لا يأمرنا إلا بالخير على سائر الأحوال، وإنما ينهانا عن الشر، ولكن نحن بإرادتنا نفعل ما نفعله، صوابا كان أو خطأ. فقال له الملك: صدقت، وإنما كان خطئي مني لميلي إلى الشهوات، وقد حذرت نفسي من ذلك مرارا، وحذرني والدك شماس مرارا، فغلبت نفسي على عقلي، فهل عندك شيء يمنعني عن ارتكاب هذا الخطأ حتى يكون عقلي غالبا على شهوات نفسي؟ فأجاب الوزير: نعم، إني أرى شيئا يمنعك من ارتكاب هذا الخطأ، وهو أنك تنزع عنك ثوب الجهل وتلبس ثوب العدل، وتعصي هواك وتطيع مولاك، وترجع إلى سيرة الملك العادل أبيك، وتعمل ما يجب عليك من حقوق الله تعالى وحقوق رعيتك، وتحافظ على دينك وعلى رعيتك وعلى سياسة نفسك وعلى عدم قتل رعيتك، وتنظر في عواقب الأمور، وتنزل عن الظلم والجور والبغي والفساد، وتستعمل العدل والإنصاف والخضوع، وتمتثل أوامر الله تعالى وتلازم الشفقة على خليقته الذين استخلفك عليهم، وتواظب على ما يوجب دعاءهم لك؛ لأنك إذا دام لك ذلك صفا وقتك وعفا الله برحمته عنك، وجعلك مهابا عند كل من يراك، وتتلاشى أعداؤك ويهزم الله تعالى جيوشهم، وتصير عند الله مقبولا، وعند خلقه مهابا محبوبا. # فقال له الملك: لقد أحييت فؤادي ونورت قلبي بكلامك الحلو، وجليت عين بصيرتي بعد العمى، وأنا عازم على أن أفعل جميع ما ذكرته لي بمعونة الله تعالى، وأترك ما كنت عليه من البغي والشهوات، وأخرج نفسي من الضيق إلى السعة، ومن الخوف إلى الأمن، وينبغي أن تكون بذلك فرحا مسرورا؛ لأني صرت لك ابنا مع كبر سني، وصرت أنت لي والدا حبيبا ms2090 على صغر سنك، وصار من الواجب علي بذل المجهود فيما تأمرني به، وأنا أشكر فضل الله تعالى وفضلك، فإن الله تعالى أولاني بك من النعم وحسن الهداية وسداد الرأي ما يدفع همي وغمي، وقد حصلت سلامة رعيتي على يديك بشرف معرفتك وحسن تدبيرك، فأنت الآن مدبر لملكي، لا أتشرف عليك بسوى الجلوس على الكرسي، وكل ما تفعله جائز علي ولا راد لكلمتك وإن كنت صغير السن؛ لأنك كبير العقل كثير المعرفة، فأشكر الله الذي يسرك لي حتى هديتني إلى سبيل الاستقامة بعد الاعوجاج المهلك. # قال الوزير: أيها الملك السعيد، اعلم أنه لا فضل لي عليك في بذل النصيحة لك؛ لأن قولي من بعض ما يلزمني حيث كنت غريس نعمتك، وليس هكذا أنا وحدي، بل والدي من قبلي مغمور بجزيل نعمتك، فنحن الجميع مقرون بجميلك وفضلك، فكيف لا نقر بذلك وأنت أيها الملك راعينا وحاكمنا ومحارب عنا أعداءنا، ومتول حفظنا وحارسنا وباذل جهدك في سلامتنا؟ وإننا لو بذلنا أرواحنا في طاعتك لم نقم بواجب شكرك، ولكن نتضرع إلى الله تعالى الذي ولاك علينا وحكمك فينا، ونسأله أن يهب لك العمر الطويل، ويمنحك النجاح في جميع أعمالك، ولا يمتحنك بمحنة في زمانك، ويبلغك مرادك ويجعلك مهابا إلى حين مماتك، ويبسط بالكرم سواعدك حتى تقود كل عالم وتقهر كل معاند، ويوجد بك في مملكتك كل عالم وشجاع، وينزع منها كل جاهل وجبان، ويرفع عن رعيتك الغلاء والبلاء، ويزرع بينهم الألفة والمحبة، ويمتعك من الدنيا بفلاحها، ومن الآخرة بصلاحها، بمنه وكرمه وخفي لطفه، آمين؛ إنه على كل شيء قدير، وليس عليه أمر عسير، وإليه المرجع والمصير. فلما سمع الملك منه هذا الدعاء، حصل عنده غاية الفرح ومال إليه كل الميل، وقال له: اعلم أيها الوزير أنك صرت عندي في مقام الأخ والولد، وليس يفصلني عنك إلا الموت، وجميع ما تملكه يدي لك التصرف فيه، وإن لم يكن لي خلف تجلس على تختي عوضا عني، فأنت أولى من جميع أهل مملكتي، فأوليك ملكي بحضرة أكابر ms2091 مملكتي، وأجعلك ولي عهدي من بعدي إن شاء الله تعالى. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 930 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك وردخان قال لابن شماس الوزير: سوف أستخلفك عني وأجعلك ولي عهدي من بعدي، وأشهد على ذلك أكابر مملكتي بعون الله تعالى. ثم بعد ذلك دعا بكاتبه فحضر بين يديه، فأمره أن يكتب إلى سائر كبراء دولته بالحضور إليه، وأجهر بالنداء في مدينته للحاضرين الخاص والعام، وأمر أن يجتمع الأمراء والقواد والحجاب وسائر أرباب الخدم إلى حضرة الملك، وكذلك العلماء والحكماء، وعمل الملك ديوانا عظيما وسماطا لم يعمل مثله قط، وعزم جميع الناس من الخاص والعام، فاجتمع الجميع على حظ وأكل وشرب مدة شهر، وبعد ذلك كسا جميع حاشيته وفقراء مملكته، وأعطى العلماء عطايا وافرة، فاختار جملة من العلماء والحكماء بمعرفة ابن شماس وأدخلهم عليه، وأمره أن ينتخب منهم سبعة ليجعلهم وزراء من تحت كلمته، ويكون هو الرئيس عليهم؛ فعند ذلك اختار الغلام ابن شماس منهم أكبرهم سنا وأكملهم عقلا وأكثرهم دراية وأسرعهم حفظا، ورأى من بهذه الصفات ستة أشخاص، فقدمهم إلى الملك وألبسهم ثياب الوزراء وكلمهم قائلا: أنتم تكونون وزرائي تحت طاعة ابن شماس، وجميع ما يقوله لكم أو يأمركم به وزيري هذا ابن شماس لا تخرجوا عنه أبدا، ولو كان هو أصغركم سنا لأنه أكبركم عقلا. ثم إن الملك أجلسهم على كراسي مزركشة على عادة الوزراء، وأجرى إليهم الأرزاق والنفقات، ثم أمرهم أن ينتخبوا من أكابر الدولة الذين اجتمعوا عنده في الوليمة من يصلح لخدمة المملكة من الأجناد، ليجعل منهم رؤساء ألوف ورؤساء مئين ورؤساء عشرات، ورتب لهم المرتبات وأجرى إليهم الأرزاق على عادة الكبراء، ففعلوا ذلك في أسرع وقت، وأمرهم أيضا أن ينعموا على بقية من حضر بالإنعامات الجزيلة، وأن يصرفوا كل واحد إلى أرضه بعز وإكرام، وأمر عماله بالعدل في الرعية وأوصاهم بالشفقة على الفقراء والأغنياء، وأمر بإسعافهم من الخزنة على قدر درجاتهم، فدعا له الوزراء بدوام العز والبقاء، ms2092 ثم إنه أمر بزينة المدينة ثلاثة أيام شكرا لله تعالى على ما حصل له من التوفيق. # هذا ما كان من أمر الملك ووزيره ابن شماس في ترتيب المملكة وأمرائها وعمالها، وأما ما كان من أمر النساء المحظيات من السراري وغيرهن، اللاتي كن سببا لقتل الوزراء وفساد المملكة بحيلهن وخداعهن، فإنه لما انصرف جميع من كان في الديوان من المدينة والقرى إلى محله واستقامت أمورهم، أمر الملك الوزير الصغير السن الكبير العقل الذي هو ابن شماس أن يحضر بقية الوزراء، فلما حضروا جميعا بين يدي الملك اختلى بهم وقال لهم: اعلموا أيها الوزراء أني كنت حائدا عن الطريق المستقيم، مستغرقا في الجهل، معرضا عن النصيحة، ناقضا للعهود والمواثيق، مخالفا لأهل النصح، وسبب ذلك كله ملاعبة هؤلاء النساء وخداعهن إياي، وزخرفة كلامهن وباطلهن لي وقبولي لذلك؛ لأني كنت أظن أن كلامهن نصح بسبب عذوبته ولينه، فإذا هو سم قاتل، والآن قد تقرر عندي أنهن لم يردن لي إلا الهلاك والتلف، فقد استحققن العقوبة والجزاء مني على جهة العدل، حتى أجعلهن عبرة لمن اعتبر، لكن فما الرأي السديد في إهلاكهن؟ فأجابه الوزير ابن شماس قائلا: أيها الملك العظيم الشأن، إنني قلت لك أولا أن الذنب ليس مختصا بالنساء وحدهن، بل هو مشترك بينهن وبين الرجال الذين يطيعونهن، لكن النساء يستوجبن الجزاء على كل حال لأمرين: الأول تنفيذ قولك لكونك الملك الأعظم، والثاني لتجاسرهن عليك وخداعهن لك، ودخولهن فيما لا يعنيهن وما لا يصلحن للتكلم فيه، فهن أحق بالهلاك، ولكن كفاهن ما هو نازل بهن، ومن الآن اجعلهن بمنزلة الخدم، والأمر إليك في ذلك وغيره. # ثم إن أحد الوزراء أشار على الملك بما قاله ابن شماس، وأحد الوزراء تقدم إلى الملك وسجد له وقال: أدام الله أيام الملك، إن كان لا بد أن تفعل بهن فعلة لهلاكهن، فافعل ما أقوله لك. فقال الملك: ما الذي تقوله لي؟ فقال له: أن تأمر إحدى محاظيك بأن تأخذ النساء اللاتي خدعنك وتدخلهن البيت الذي حصل فيه قتل ms2093 الوزراء والحكماء، وتسجنهن هناك، وتأمر أن يعطى لهن قليل من الطعام والشراب قدر ما يمسك أبدانهن، ولا يؤذن إليهن في الخروج من ذلك الموضع أصلا، وكل من ماتت بنفسها تبقى بينهن على حالها إلى أن يمتن عن آخرهن، وهذا أقل جزائهن؛ لأنهن كن سببا لهذه الفتنة العظيمة، بل وأصل جميع البلايا والفتن التي وقعت في الزمان، وصدق عليهن قول القائل: إن من حفر بئرا لأخيه وقع فيها، ولو طالت سلامته. فقبل الملك رأيه وفعل كما قال له، وأرسل خلف أربع محظيات جبارات وسلم إليهن النساء، وأمرهن أن يدخلنهن محل القتلى ويسجنهن فيه، وأجرى لهن طعاما دنيئا قليلا وشرابا رديئا، فكان من أمرهن أنهن حزن حزنا عظيما، وندمن على ما فرط منهن، وتأسفن تأسفا كثيرا، وأعطاهن الله جزاءهن في الدنيا من الخزي، وأعد لهن العذاب في الآخرة، ولم يزلن في ذلك الموضع المظلم المنتن الرائحة، وفي كل يوم تموت ناس منهن حتى هلكن عن آخرهن، وشاع خبر هذه الواقعة في جميع البلاد والأقطار، وهذا ما انتهى إليه أمر الملك ووزرائه ورعيته، والحمد لله مفني الأمم ومحيي الرمم، المستحق للتجليل والإعظام والتقديس على الدوام. ### || حكاية أبي قير وأبي صير # ومما يحكى أيضا أن رجلين كانا في مدينة الإسكندرية، وكان أحدهما صباغا واسمه أبو قير، وكان الثاني مزينا واسمه أبو صير، وكانا جارين لبعضهما في السوق، وكان دكان المزين في جانب دكان الصباغ، وكان الصباغ نصابا كذابا صاحب شر قوي، كأنما صدغه منحوت من الجلمود أو مشتق من عتبة كنيسة اليهود، لا يستحي من عيبة يفعلها بين الناس، وكان من عادته أنه إذا أعطاه أحد قماشا ليصبغه يطلب منه الكراء أولا، ويوهمه أنه يشتري به أجزاء ليصبغ بها، فيعطيه الكراء مقدما، فإذا أخذه منه يصرفه على أكل وشرب، ثم يبيع القماش الذي أخذه بعد ذهاب صاحبه ويصرف ثمنه في الأكل والشرب وغير ذلك، ولا يأكل إلا طيبا من أفخر المأكول، ولا يشرب إلا من أجود ما يذهب العقول، فإذا أتاه صاحب القماش يقول ms2094 له: في غد تجيء لي من قبل الشمس فتلقى حاجتك مصبوغة. فيروح صاحب الحاجة ويقول في نفسه: يوم من يوم قريب. ثم يأتيه في ثاني يوم على الميعاد فيقول له: تعال في غد، فإني أمس ما كنت فاضيا؛ لأنه كان عندي ضيوف فقمت بواجبهم حتى راحوا، وفي غد قبل الشمس تعال خذ قماشك مصبوغا. فيروح ويأتيه في ثالث يوم فيقول له: إني كنت أمس معذورا؛ لأن زوجتي ولدت بالليل، وطول النهار وأنا أقضي مصالح، ولكن في غد من كل بد تعال خذ حاجتك مصبوغة. فيأتي له على الميعاد فيطلع له بحيلة أخرى من حيث كان ويحلف له. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 931 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصباغ صار كلما أتى له صاحب الشيء يطلع له بحيلة من حيث كان ويحلف له، ولم يزل يعده ويخلف إذا جاءه، حتى يقلق الزبون ويقول له: كم تقول لي في غد! أعطني حاجتي فإني لا أريد صباغا. فيقول: والله يا أخي أنا مستح منك، ولكن أخبرك بالصحيح والله يؤذي كل من يؤذي الناس في أمتعتهم. فيقول له: أخبرني ماذا حصل؟ فيقول: أما حاجتك فإني صبغتها صبغا ليس له نظير، ونشرتها على الحبل فسرقت ولا أدري من سرقها. فإن كان صاحب الحاجة من أهل الخير، يقل له: يعوض الله علي. وإن كان من أهل الشر يستمر معه في هتيكة وجرسة، ولا يحصل منه على شيء ولو اشتكاه إلى الحاكم، ولم يزل يفعل هذه الفعال حتى شاع ذكره بين الناس، وصار الناس يحذر بعضهم بعضا من أبي قير، ويضربون به الأمثال، وامتنعوا عنه جميعا، وصار لا يقع معه إلا الجاهل بحاله، ومع ذلك لا بد له كل يوم من جرسة وهتيكة من خلق الله، فحصل له كساد بهذا السبب، فصار يأتي إلى دكان جاره المزين أبي صير ويقعد في داخلها قصاد المصبغة، فإن رأى أحدا جاهلا بحاله واقفا على باب المصبغة ومعه شيء يريد صبغه، يقم من دكان ms2095 المزين ويقول: ما لك يا هذا؟ فيقول له: خذ اصبغ لي هذا الشيء. فيقول له: أي لون تطلبه؟ لأنه مع هذه الخصال الذميمة كان يخرج من يده أن يصبغ سائر الألوان، ولكنه لم يصدق مع أحد قط، والشقاوة غالبة عليه، ثم يأخذ الحاجة منه ويقول له: هات الكراء لقدام وفي غد تعال خذها. فيعطيه الأجرة ويروح، وبعد أن يتوجه صاحب الشيء إلى حال سبيله، يأخذ هو ذلك الشيء ويذهب إلى السوق فيبيعه ويشتري بثمنه اللحم والخضار والدخان والفاكهة وما يحتاج إليه، وإذا رأى أحدا واقفا على الدكان من الذين أعطوه حاجة ليصبغها، فلا يظهر إليه ولا يريه نفسه، ودام على هذه الحالة سنين. # فاتفق له في يوم من الأيام أنه أخذ حاجة من رجل جبار، ثم باعها وصرف ثمنها، وصار صاحبها يجيء إليه في كل يوم فلم يره في الدكان؛ لأنه متى رأى أحدا له عنده شيء يهرب منه في دكان المزين أبي صير، فلما لم يجده ذلك الجبار في دكانه وأعياه ذلك، ذهب إلى القاضي وأتاه برسول من طرفه وسمر باب الدكان بحضرة جماعة من المسلمين وختمه؛ لأنه لم ير فيها غير بعض مواجير مكسرة، ولم يجد فيها شيئا يقوم مقام حاجته، ثم أخذ الرسول المفتاح وقال للجيران: قولوا له يجيء بحاجة هذا الرجل ويأتي ليأخذ مفتاح دكانه. ثم ذهب الرجل والرسول إلى حالهما، فقال أبو صير لأبي قير: ما داهيتك؟ فإن كل من جاء لك بحاجة تعدمه إياها، أين راحت حاجة هذا الرجل الجبار؟ قال: يا جاري، إنها سرقت مني. قال أبو صير: عجائب، كل من أعطاك حاجة يسرقها منك لص، هل أنت معاد جميع اللصوص؟ ولكن أظن أنك تكذب، فأخبرني بقصتك. قال: يا جاري، ما أحد سرق مني شيئا. فقال أبو صير: وما تفعل في متاع الناس؟ فقال له: كل من أعطاني حاجة أبيعها وأصرف ثمنها. فقال له: أبو صير أيحل لك هذا من الله؟ قال له أبو قير: إنما أفعل هذا من الفقر؛ لأن صنعتي كاسدة، ms2096 وأنا فقير وليس عندي شيء. ثم صار يذكر له الكساد وقلة السبب، وصار أبو صير يذكر له كساد صنعته أيضا ويقول: أنا أسطى ليس لي نظير في هذه المدينة، ولكن لا يحلق عندي أحد لكوني رجلا فقيرا، وكرهت هذه الصنعة يا أخي. فقال له أبو قير الصباغ: وأنا أيضا كرهت صنعتي من الكساد، ولكن يا أخي ما الداعي لإقامتنا في هذه البلدة؟ فأنا وأنت نسافر منها نتفرج في بلاد الناس، وصنعتنا في أيدينا رائجة في جميع البلاد، فإذا سافرنا نشم الهواء ونرتاح من هذا الهم العظيم. وما زال أبو قير يحسن السفر لأبي صير حتى رغب في الارتحال، ثم إنهما اتفقا على السفر. وأدرك شهر زاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 932 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا قير ما زال يحسن السفر لأبي صير حتى رغب في الارتحال، ثم إنهما اتفقا على السفر، وفرح أبو قير بأن أبا صير رغب في أن يسافر، وأنشد قول الشاعر: # تغرب عن الأوطان في طلب العلا %~% وسافر ففي الأسفار خمس فوائد ~~تفرج هم واكتساب معيشة %~% وعلم وآداب وصحبة ماجد ~~وإن قيل في الأسفار غم وكربة %~% وتشتيت شمل وارتكاب شدائد ~~فموت الفتى خير له من حياته %~% بدار هوان بين واش وحاسد ![figure](../Images/figure2.png) # فنزل «أبو قير» و«أبو صير» في غليون في البحر، وسافرا في ذلك النهار. # وحين عزما على السفر قال أبو قير لأبي صير: يا جاري نحن صرنا أخوين، ولا فرق بيننا، فينبغي أن نقرأ الفاتحة على أن عاملنا يكتسب ويطعم بطالنا، ومهما فضل نضعه في صندوق، فإذا رجعنا إلى الإسكندرية نقسمه بيننا بالحق والإنصاف. قال أبو صير: وهو كذلك. وقرأ الفاتحة على أن العامل يكتسب ويطعم البطال، ثم إن أبا صير قفل الدكان وأعطى المفاتيح لصاحبها، وأبو قير ترك المفتاح عند رسول القاضي وترك الدكان مقفولة مختومة، وأخذا مصالحها وأصبحا مسافرين، ونزلا في غليون في البحر المالح وسافرا في ذلك النهار، وحصل لهما إسعاف، ومن تمام سعد المزين أن جميع ms2097 من كان في الغليون لم يكن معهم أحد من المزينين، وكان فيه مائة وعشرون رجلا غير الريس والبحرية، ولما حلوا قلوع الغليون قام المزين وقال للصباغ: يا أخي، هذا بحر نحتاج فيه إلى الأكل والشرب، وليس معنا إلا قليل من الزاد، وربما يقول لي أحد: تعال يا مزين احلق لي. فأحلق له برغيف وبنصف فضة أو بشربة ماء، فأنتفع بذلك أنا وأنت. فقال له الصباغ: لا بأس. ثم حط رأسه ونام، وقام المزين وأخذ عدته والطاسة ووضع على كتفه خرقة تغني عن الفوطة؛ لأنه فقير وشق بين الركاب، فقال له واحد: تعال يا أسطى احلق لي. فحلق له، فلما حلق لذلك الرجل أعطاه نصف فضة، فقال له المزين: يا أخي، ليس لي حاجة بهذا النصف الفضة، ولو كنت أعطيتني رغيفا كان أبرك في هذا البحر؛ لأن لي رفيقا وزادنا شيء قليل. فأعطاه رغيفا وقطعة جبن، وملأ له الطاسة ماء حلوا، فأخذ ذلك وأتى إلى أبي قير وقال له: خذ هذا الرغيف وكله بالجبن، واشرب ما في الطاسة. فأخذ ذلك منه وأكل وشرب. # ثم إن أبا صير المزين بعد ذلك حمل عدته وأخذ الخرقة على كتفه والطاسة في يده، وشق في الغليون بين الركاب، فحلق لإنسان برغيفين، ولآخر بقطعة جبن، ووقع عليه الطلب، وصار كل من يقول له: احلق لي يا أسطى. يشرط عليه رغيفين ونصف فضة، وليس في الغليون مزين غيره، فما جاء المغرب حتى جمع ثلاثين رغيفا وثلاثين نصف فضة، وصار عنده جبن وزيتون وبطارخ، وصار كلما يطلب حاجة يعطونه إياها، حتى صار عنده شيء كثير، وحلق للقبطان وشكا له قلة الزاد في السفر، فقال له القبطان: مرحبا بك، هات رفيقك في كل ليلة وتعشيا عندي، ولا تحملا هما ما دمتما مسافرين معنا. ثم رجع إلى الصباغ فرآه لم يزل نائما فأيقظه، فلما أفاق أبو قير رأى عند رأسه شيئا كثيرا من عيش وجبن وزيتون وبطارخ، فقال له: من أين لك ذلك؟ فقال: من فيض الله تعالى. فأراد أن ms2098 يأكل، فقال له أبو صير: لا تأكل يا أخي من هذا واتركه ينفعنا في وقت آخر، واعلم أني حلقت للقبطان وشكوت إليه قلة الزوادة، فقال لي: مرحبا بك، هات رفيقك كل ليلة وتعشيا عندي. فأول عشائنا عند القبطان في هذه الليلة. فقال له أبو قير: أنا دائخ من البحر ولا أقدر أن أقوم من مكاني، فدعني أتعشى من هذا الشيء، ورح أنت وحدك عند القبطان. فقال له: لا بأس بذلك. ثم جلس يتفرج عليه وهو يأكل، فرآه يقطع اللقمة كما يقطع الحجار من الجبل، ويبتلعها ابتلاع الفيل الذي له أيام ما أكل، ويلتهم اللقمة قبل ازدراد التي قبلها، ويحملق عينيه فيما بين يديه حملقة الغول، وينفخ نفخ الثور الجائع على التبن والفول، وإذا بنوتي جاء وقال: يا أسطى، يقول لك القبطان: هات رفيقك وتعال للعشاء. فقال أبو صير لأبي قير: أتقوم بنا؟ فقال له: أنا لا أقدر على المشي. فراح المزين وحده، فرأى القبطان جالسا وقدامه سفرة فيها عشرون لونا أو أكثر، وهو وجماعته ينتظرون المزين ورفيقه، فلما رآه القبطان قال له: أين رفيقك؟ فقال له: يا سيدي، إنه دائخ من البحر. فقال له القبطان: لا بأس عليه، ستزول عنه الدوخة، تعال أنت تعش معنا، فإني كنت في انتظارك. ثم إن القبطان عزل صحن كباب وحط فيه من كل لون، فصار يكفي عشرة، وبعد أن تعشى المزين قال له القبطان: خذ هذا الصحن معك إلى رفيقك. فأخذه أبو صير وأتى إلى أبي قير، فرآه يطحن بأنيابه فيما عنده من الأكل مثل الجمل، ويلحق اللقمة باللقمة على عجل، فقال له أبو صير: أما قلت لك لا تأكل، فإن القبطان خيره كثير؟ فانظر أي شيء بعث إليك لما أخبرته بأنك دائخ. فقال له: هات. فناوله الصحن فأخذه منه وهو ملهوف عليه وعلى غيره من الأكل مثل الكلب الكاشر أو السبع الكاسر، أو الرخ إذا انقض على الحمام، أو الذي كاد أن يموت من الجوع ورأى شيئا من الطعام، وصار يأكل، فتركه أبو ms2099 صير وراح إلى القبطان وشرب القهوة هناك، ثم رجع إلى أبي قير، فرآه قد أكل جميع ما في الصحن ورماه فارغا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 933 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا صير لما رجع إلى أبي قير رآه قد أكل كل ما في الصحن ورماه فارغا، فأخذه وأوصله إلى بعض أتباع القبطان ورجع إلى أبي قير ونام إلى الصباح، فلما كان ثاني الأيام صار أبو صير يحلق، وكلما جاء له شيء يعطيه لأبي قير، وأبو قير يأكل ويشرب، وهو قاعد لا يقوم إلا لإزالة الضرورة، وكل ليلة يأتي له بصحن ملآن من عند القبطان، واستمرا على هذه الحالة عشرين يوما، حتى رسا الغليون على ميناء مدينة، فطلعا من الغليون ودخلا تلك المدينة، وأخذا لهما حجرة في خان وفرشها أبو صير، واشترى جميع ما يحتاجان إليه وجاء بلحم وطبخه، وأبو قير نائم من حين دخل الحجرة، ولم يستيقظ حتى أيقظه أبو صير ووضع السفرة بين يده، فلما أفاق أكل وبعد ذلك قال له: لا تؤاخذني فإني دائخ. ثم نام، واستمرا على هذه الحالة أربعين يوما، وكل يوم يحمل المزين العدة ويدور في المدينة، فيعمل بالذي فيه النصيب، ويرجع فيجد أبا قير نائما، فينبهه وحين ينتبه يقبل على الأكل بلهفة، فيأكل أكل من لا يشبع ولا يقنع، ثم ينام، ولم يزل كذلك مدة أربعين يوما أخرى، وكلما يقول له أبو صير: أجلس أرتاح، واخرج تفسح في المدينة، فإنها فرجة وبهجة وليس لها نظير في المدائن. يقول له أبو قير الصباغ: لا تؤاخذني فإني دائخ. فلا يرضى أبو صير المزين أن يكدر خاطره ولا يسمعه كلمة تؤذيه، وفي اليوم الحادي والأربعين مرض المزين ولم يقدر أن يسرح، فسخر بواب الخان، فقضى لهما حاجتهما وأتى لهما بما يأكلان وما يشربان، كل ذلك وأبو قير يأكل وينام، وما زال المزين يسخر بواب الخان في قضاء حاجته مدة أربعة أيام، وبعد ذلك اشتد المرض على المزين حتى غاب ms2100 عن الوجود من شدة مرضه، وأما أبو قير فإنه أحرقه الجوع، فقام وفتش في ثياب أبي صير، فرأى معه مقدارا من الدراهم، فأخذه وقفل باب الحجرة على أبي صير ومضى ولم يعلم أحدا، وكان البواب في السوق فلم يره حين خروجه. # ثم إن أبا قير عمد إلى السوق وكسا نفسه ثيابا نفيسة، وصار يدور في المدينة ويتفرج، فرآها مدينة ما وجد مثلها في المدائن، وجميع ملبوسها أبيض وأزرق من غير زيادة، فأتى إلى صباغ فرأى جميع ما في دكانه أزرق، فأخرج له محرمة وقال له: يا معلم، خذ هذه المحرمة وأصبغها، وخذ أجرتك. فقال له: إن أجرة صبغ هذه عشرون درهما. فقال له: نحن نصبغ هذه في بلادنا بدرهمين. فقال: رح اصبغها في بلادكم، وأما أنا فلا أصبغها إلا بعشرين درهما لا تنقص عن هذا القدر شيئا. فقال له أبو قير: أي لون تريد صبغها؟ قال له الصباغ: أصبغها زرقاء. قال له أبو قير: أنا مرادي أن تصبغها لي حمراء. قال له: لا أدري صباغ الأحمر. قال: خضراء. قال: لا أدري صباغ الأخضر. قال: صفراء. قال له: لا أدري صباغ الأصفر. وصار أبو قير يعدد له الألوان لونا بعد لون، فقال له الصباغ: نحن في بلادنا أربعون معلما لا يزيدون واحدا ولا ينقصون واحدا، وإذا مات منا واحد نعلم ولده، وإن لم يخلف ولدا نبقى ناقصين واحدا، والذي له ولدان نعلم واحدا منهما، فإن مات علمنا أخاه، وصنعتنا هذه مضبوطة ولا نعرف أن نصبغ غير الأزرق من غير زيادة. فقال له أبو قير الصباغ: اعلم أني أنا صباغ، وأعرف أن أصبغ سائر الألوان، ومرادي أن تخدمني عندك بالأجرة، وأنا أعلمك جميع الألوان لأجل أن تفتخر بها على كل طائفة الصباغين. فقال له: نحن لا نقبل غريبا يدخل في صنعتنا أبدا. فقال له: وإذا فتحت لي مصبغة وحدي؟ فقال له: لا يمكنك ذلك أبدا. فتركه وتوجه إلى الثاني، فقال له كما قال له الأول، ولم يزل ينتقل من صباغ إلى صباغ ms2101 حتى طاف على الأربعين معلما، فلم يقبلوه لا أجيرا ولا معلما، فتوجه إلى شيخ الصباغين وأخبره، فقال له: إننا لا نقبل غريبا يدخل في صنعتنا. فحصل عند أبي قير غيظ عظيم، وطلع يشكو إلى ملك تلك المدينة وقال له: يا ملك الزمان، أنا غريب وصنعتي الصباغة، وجرى لي مع الصباغين ما هو كذا وكذا، وأنا أصبغ الأحمر ألوانا مختلفة كوردي وعنابي، والأخضر ألوانا مختلفة كزرعي وفستقي وجناح الدرة، والأسود ألوانا مختلفة كفحمي وكحلي، والأصفر ألوانا مختلفة كنارنجي ... وصار يذكر له سائر الألوان، ثم قال: يا ملك الزمان، كل الصباغين الذين في مدينتك لا يخرج من أيديهم أن يصبغوا شيئا من هذه الألوان، ولا يعرفون إلا صبغ الأزرق، ولم يقبلوني أن أكون عندهم معلما ولا أجيرا. فقال له الملك: قد صدقت في ذلك، ولكن أنا أفتح لك مصبغة وأعطيك رأس مال وما عليك منهم، وكل من تعرض لك شنقته على باب دكانه. ثم أمر البنائين وقال لهم: امضوا مع هذا المعلم وشقوا أنتم وإياه في المدينة، وأي مكان أعجبه فأخرجوا صاحبه منه، سواء كان دكانا أو خانا أو غير ذلك، وابنوا له مصبغة على مراده، ومهما أمركم به فافعلوه ولا تخالفوه فيما يقول. ثم إن الملك ألبسه بدلة مليحة، وأعطاه ألف دينار وقال له: اصرفها على نفسك حتى تتم البناية. وأعطاه مملوكين من أجل الخدمة، وحصانا بعدة مزركشة، فلبس البدلة وركب الحصان وصار كأنه أمير، وأخلى له الملك بيتا وأمر بفرشه، ففرشوه له. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 934 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك أخلى بيتا لأبي قير وأمر بفرشه، ففرشوه له وسكن فيه وركب في ثاني يوم وشق في المدينة والمهندسون قدامه، ولم يزل يتأمل حتى أعجبه مكان فقال: هذا المكان طيب. فأخرجوا صاحبه منه وأحضروه إلى الملك، فأعطاه ثمن مكانه زيادة على ما يرضيه، ودارت فيه البناية وصار أبو قير يقول للبنائين: ابنوا كذا وكذا، وافعلوا كذا وكذا. حتى بنوا له مصبغة ms2102 ليس لها نظير، ثم حضر إلى الملك وأخبره بأن المصبغة تم بناؤها، وإنما يحتاج لثمن من أجل إدارتها، فقال له الملك: خذ هذه الأربعة آلاف دينار واجعلها رأس مال، وأرني ثمرة مصبغتك. فأخذها ومضى إلى السوق، فرأى النيلة كثيرة، وليس لها ثمن، فاشترى جميع ما يحتاج إليه من حوائج الصباغة، ثم إن الملك أرسل إليه خمسمائة شقة من القماش، فدور الصبغ فيها وصبغها من سائر الألوان، ثم نشرها قدام باب المصبغة، فلما مر الناس عليها رأوا شيئا عجيبا عمرهم ما رأوا مثله، فازدحمت الخلائق على باب المصبغة، وصاروا يتفرجون ويسألونه ويقولون له: يا معلم، ما اسم هذه الألوان؟ فيقول لهم: هذا أحمر، وهذا أصفر، وهذا أخضر ... ويذكر لهم أسامي الألوان، فصاروا يأتونه بشيء من القماش ويقولون له: اصبغ لنا مثل هذا وهذا، وخذ ما تطلب. ولما فرغ من صبغ قماش الملك، أخذه وطلع به إلى الديوان، فلما رأى الملك ذلك الصبغ فرح به وأنعم عليه إنعاما زائدا، وصار جميع العسكر يأتون إليه بالقماش ويقولون له: اصبغ لنا هكذا. فيصبغ لهم على أغراضهم ويرمون عليه بالذهب والفضة، ثم إنه شاع ذكره وسميت مصبغته مصبغة السلطان، ودخل عليه الخير من كل باب، وجميع الصباغين لم يقدر أحد منهم أن يتكلم معه، وإنما كانوا يأتونه ويقبلون يديه ويعتذرون إليه مما سبق منهم في حقه، ويعرضون أنفسهم عليه ويقولون له: اجعلنا خدما عندك. فلم يرض أن يقبل واحدا منهم، وصار عنده عبيد وجوار، وجمع مالا كثيرا. # ![figure](../Images/figure3.png) # فقبضوا عليه، وقام أبو قير وأخذ عصا وضربه على ظهره، ثم على بطنه. # هذا ما كان من أمر أبي قير، وأما ما كان من أمر أبي صير، فإنه لما قفل عليه أبو قير باب الحجرة بعد أن أخذ دراهمه، وراح وخلاه وهو مريض غائب عن الوجود، فصار مرميا في تلك الحجرة والباب مقفول عليه، واستمر كذلك ثلاثة أيام، فانتبه بواب الخان إلى باب الحجرة، فرآه مقفولا ولم ير أحدا من هذين الاثنين إلى المغرب، ولم يعلم لهما خبرا، ms2103 فقال في نفسه: لعلهما سافرا ولم يدفعا أجرة الحجرة، أو ماتا أو ما خبرهما؟ ثم إنه أتى إلى باب الحجرة فرآه مقفولا، وسمع أنين المزين في داخلها، ورأى المفتاح في الضبة، ففتح الباب ودخل، فرأى المزين يئن، فقال له: لا بأس عليك، أين رفيقك؟ فقال له: والله إني ما أفقت من مرضي إلا في هذا اليوم، وصرت أنادي وما أحد يرد علي جوابا، بالله عليك يا أخي أن تنظر الكيس تحت رأسي، وتأخذ منه خمسة أنصاف وتشتري لي بها شيئا أقتات به، فإني في غاية الجوع. فمد يده وأخذ الكيس فرآه فارغا، فقال للمزين: إن الكيس فارغ ما فيه شيء. فعرف أبو صير المزين أن أبا قير أخذ ما فيه وهرب، فقال له: أما رأيت رفيقي؟ فقال له: من مدة ثلاثة أيام ما رأيته، وما كنت أظن إلا أنك سافرت أنت وإياه. فقال له المزين: ما سافرنا، وإنما طمع في فلوسي فأخذها وهرب حين رآني مريضا. ثم إنه بكى وانتحب، فقال له بواب الخان: لا بأس عليك، وهو يلقى فعله من الله. # ثم إن بواب الخان راح وطبخ له شوربة، وغرف له صحنا وأعطاه إياه، ولم يزل يتعهده مدة شهرين وهو يكلفه من كيسه حتى عرق وشفاه الله من المرض الذي كان به، ثم قام على أقدامه وقال لبواب الخان: إن أقدرني الله تعالى جازيتك على ما فعلت من الخير، ولكن لا يجازي إلا الله من فضله. فقال له بواب الخان: الحمد لله على العافية، أنا ما فعلت معك ذلك إلا ابتغاء وجه الله الكريم. ثم إن المزين خرج من الخان وشق في الأسواق، فأتت به المقادير إلى السوق الذي فيه مصبغة أبي قير، فرأى الأقمشة ملونة بالصباغ منشورة في باب المصبغة، والخلائق مزدحمة يتفرجون عليها، فسأل رجلا من أهل المدينة وقال له: ما هذا المكان؟ وما لي أرى الناس مزدحمين؟ فقال له المسئول: إن هذه مصبغة السلطان التي أنشأها لرجل غريب اسمه أبو قير، وكلما صبغ ثوبا نجتمع عليه ms2104 ونتفرج على صبغه؛ لأن بلادنا ما فيها صباغون يعرفون صبغ هذه الألوان، وجرى له مع الصباغين الذين في البلد ما جرى، وأخبره بما جرى بين أبي قير وبين الصباغين، وأنه شكاهم إلى السلطان، فأخذ بيده وبنى له هذه المصبغة وأعطاه كذا وكذا، وأخبره بكل ما جرى، ففرح أبو صير وقال في نفسه: الحمد لله الذي فتح عليه وصار معلما، والرجل معذور لعله التهى عنك بالصنعة ونسيك، ولكن أنت عملت معه معروفا وأكرمته وهو بطال، فمتى رآك فرح بك وأكرمك في نظير ما أكرمته. ثم إنه تقدم إلى جهة باب المصبغة، فرأى أبا قير جالسا على مرتبة عالية فوق مصطبة في باب المصبغة، وعليه بدلة من ملابس الملوك، وقدامه أربعة عبيد وأربعة مماليك بيض لابسين أفخر الملابس، ورأى الصنائعية عشرة عبيد واقفين يشتغلون؛ لأنه حين اشتراهم علمهم صنعة الصباغة، وهو قاعد بين المخدات كأنه وزير أعظم أو ملك أفخم، لا يعمل شيئا بيده، وإنما يقول لهم افعلوا كذا وكذا، فوقف أبو صير قدامه وهو يظن أنه إذا رآه يفرح به ويسلم عليه ويكرمه ويأخذ بخاطره، فلما وقعت العين في العين، قال له أبو قير: يا خبيث، كم مرة وأنا أقول لك لا تقف في باب هذا الدولاب؟ هل مرادك أن تفضحني مع الناس يا حرامي؟ أمسكوه. فجرت خلفه العبيد وقبضوا عليه، وقام أبو قير على حيله وأخذ عصا وقال: ارموه. فرموه فضربه على ظهره مائة، ثم قلبوه فضربه على بطنه مائة وقال له: يا خبيث يا خائن، إن نظرتك بعد هذا اليوم واقفا على باب هذه المصبغة، أرسلتك إلى الملك في الحال فيسلمك إلى الوالي ليرمي عنقك، امش لا بارك الله لك. فذهب من عنده مكسور الخاطر بسبب ما حصل له من الضرب والترذيل، فقال الحاضرون لأبي قير الصباغ: أي شيء عمل هذا الرجل؟ فقال لهم: إنه حرامي يسرق أقمشة الناس. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 935 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا قير ضرب ms2105 أبا صير وطرده وقال للناس: إن هذا حرامي يسرق أقمشة الناس، فإنه سرق مني كم مرة من القماش، وأنا أقول في نفسي سامحه الله فإنه رجل فقير، ولم أرض أن أشوش عليه، وأعطي الناس ثمن أقمشتهم وأنهاه بلطف فلم ينته، فإن رجع مرة غير هذه المرة أرسلته إلى الملك، فيقتله ويريح الناس من أذاه، فصار الناس يشتمونه بعد ذهابه. هذا ما كان من أمر أبي قير، وأما ما كان من أمر أبي صير، فإنه رجع إلى الخان وجلس يتفكر فيما فعل به أبو قير، ولم يزل جالسا حتى برد عليه الضرب، ثم خرج وشق في أسواق المدينة، فخطر بباله أن يدخل الحمام، فسأل رجلا من أهل المدينة وقال له: يا أخي، من أين طريق الحمام؟ فقال: وما يكون الحمام؟ فقال له: موضع تغتسل فيه الناس ويزيلون ما عليهم من الأوساخ، وهو من أطيب طيبات الدنيا. فقال له: عليك بالبحر. قال: أنا مرادي الحمام. قال له: نحن لم نعرف الحمام، كيف يكون؟ فإننا كلنا نروح إلى البحر حتى الملك إذا أراد أن يغتسل فإنه يروح إلى البحر. فلما علم أبو صير أن المدينة ليس فيها حماما وأهلها لا يعرفون الحمام ولا كيفيته، مضى إلى ديوان الملك ودخل عليه وقبل الأرض بين يديه ودعا له وقال له: أنا رجل غريب البلاد وصنعتي حمامي، فدخلت مدينتك وأردت الذهاب إلى الحمام، فما رأيت فيها ولا حماما واحدا، والمدينة التي تكون بهذه الصفة الجميلة كيف تكون من غير حمام؟ مع أنه من أحسن نعيم الدنيا. فقال له الملك: أي شيء يكون الحمام؟ فصار يحكي له أوصاف الحمام وقال له: لا تكون مدينتك كاملة إلا إذا كان بها حمام. فقال له الملك: مرحبا بك. وألبسه بدله ليس لها نظير، وأعطاه حصانا وعبدين، ثم أنعم عليه بأربع جوار ومملوكين، وهيأ له دارا مفروشة وأكرمه أكثر من الصباغ، وأرسل معه البنائين وقال لهم: الموضع الذي يعجبه ابنوا له فيه حماما. فأخذهم وشق بهم في وسط المدينة حتى أعجبه ms2106 مكان، فأشار لهم عليه فدوروا فيه البناية، وصار يرشدهم إلى كيفيته حتى بنوا له حماما ليس له نظير، ثم أمرهم بنقشه فنقشوه نقشا عجيبا حتى صار بهجة للناظرين، ثم طلع إلى الملك وأخبره بفراغ بناء الحمام ونقشه، وقال له: إنه ليس ناقصا غير الفرش. فأعطاه الملك عشرة آلاف دينار، فأخذها وفرش الحمام وصف فيه الفوط على الحبال، وصار كل من مر على باب الحمام يشخص له ويحتار فكره في نقشه، وازدحمت الخلائق على ذلك الشيء الذي ما رأوا مثله في عمرهم، وصاروا يتفرجون عليه ويقولون: أي شيء هذا؟ فيقول لهم أبو صير: هذا حمام. فيتعجبون منه، ثم إنه سخن الماء ودور الحمام وعمل سلسبيلا في الفسقية يأخذ عقل كل من رآه من أهل المدينة، وطلب من الملك عشرة مماليك دون البلوغ، فأعطاه عشرة مماليك مثل الأقمار، فصار يكيسهم ويقول لهم: افعلوا مع الزبائن هكذا. ثم أطلق البخور وأرسل مناديا ينادي في المدينة ويقول: يا خلق الله، عليكم بالحمام، فإنه يسمى حمام السلطان. فأقبلت عليه الخلائق وجعل يأمر المماليك أن يغسلوا أجساد الناس، وصار الناس ينزلون المغطس ويطلعون، وبعد طلوعهم يجلسون في الليوان والمماليك تكبسهم مثل ما علمهم أبو صير، واستمر الناس يدخلون الحمام ويقضون حاجتهم منه، ثم يخرجون بلا أجرة مدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع عزم الملك على الذهاب إلى الحمام، فركب هو وأكابر دولته وتوجهوا إلى الحمام، فقلع ودخل، فدخل أبو صير وكبس الملك، وأخرج من جسده الوسخ مثل الفتائل، وصار يريه له، ففرح الملك وصار لوضع يده على بدنه صوت من النعومة والنظافة، وبعد أن غسل جسده مزج له ماء الورد بماء المغطس، فنزل الملك في المغطس، ثم خرج وجسده قد ترطب فحصل له نشاط عمره ما رآه، ثم بعد ذلك أجلسه في الليوان وصار المماليك يكبسونه والمباخر تفوح بالعود الند، فقال الملك: يا معلم، أهذا هو الحمام؟ قال: نعم. فقال له: وحياة رأسي إن مدينتي ما صارت مدينة إلا بهذا الحمام. ثم قال له: أنت تأخذ ms2107 على كل رأس أي شيء أجرة؟ قال أبو صير: الذي تأمر لي به آخذه. فأمر له بألف دينار، وقال له: كل من اغتسل عندك خذ منه ألف دينار. فقال: العفو يا ملك الزمان، إن الناس ليسوا سواء، بل فيهم الغني وفيهم الفقير، وإذا أخذت من كل واحد ألف دينار يبطل الحمام، فإن الفقير لا يقدر على الألف دينار. قال الملك: وكيف تفعل في الأجرة؟ قال: اجعل الأجرة بالمروءة؛ فكل من يقدر على شيء وسمحت به نفسه يعطيه، فنأخذ من كل إنسان على قدر حاله، فإن الأمر إذا كان كذلك تأتي إلينا الخلائق، والذي يكون غنيا يعطي على قدر مقامه، والذي يكون فقيرا يعطي على قدر ما تسمح به نفسه، فإذا كان الأمر كذلك يدور الحمام ويبقى له شأن عظيم، وأما الألف دينار فإنها عطية الملك، ولا يقدر عليها كل أحد. فصدق عليه أكابر الدولة وقالوا: هذا هو الحق يا ملك الزمان، أتحسب أن الناس كلهم مثلك أيها الملك العزيز؟ قال الملك: إن كلامكم صحيح، ولكن هذا رجل غريب فقير، وإكرامه واجب علينا، فإنه عمل في مدينتنا هذا الحمام الذي عمرنا ما رأينا مثله، ولا تزينت مدينتنا وصار لها شأن إلا به، فإذا أكرمناه بزيادة الأجرة ما هو كثير. فقالوا: إذا كنت تكرمه فأكرمه من مالك، وإكرام الفقير من الملك بقلة أجرة الحمام لأجل أن تدعو لك الرعية، وأما الألف دينار فنحن أكابر دولتك ولا تسمح أنفسنا بإعطائها، فكيف تسمح بذلك نفوس الفقراء؟ فقال الملك: يا أكابر دولتي، كل منكم يعطيه في هذه المرة مائة دينار ومملوكا وجارية وعبدا. فقالوا: نعم نعطيه ذلك، ولكن بعد هذا اليوم كل من دخل لا يعطيه إلا ما تسمح به نفسه. فقال: لا بأس بذلك. فجعل الأكابر يعطيه كل واحد منهم مائة دينار وجارية ومملوكا وعبدا، وكان عدد الأكابر الذين اغتسلوا مع الملك في هذا اليوم أربعمائة نفس. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 936 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه ms2108 كان عدد الأكابر الذين اغتسلوا مع الملك في ذلك اليوم أربعمائة نفس، فصار جملة ما أعطوه من الدنانير أربعين ألف دينار، ومن المماليك أربعمائة مملوك، ومن العبيد أربعمائة عبد، ومن الجواري أربعمائة جارية، وناهيك بهذه العطية، وأعطاه الملك عشرة آلاف دينار، وعشرة مماليك، وعشر جواري، وعشرة عبيد، فتقدم أبو صير وقبل الأرض بين أيادي الملك، وقال له: أيها الملك السعيد صاحب الرأي الرشيد، أي مكان يسعني بهذه المماليك والجواري والعبيد؟ فقال له الملك: أنا ما أمرت دولتي بذلك إلا لأجل أن تجمع لك مقدارا عظيما من المال؛ لأنك ربما تفكرت بلادك وعيالك، واشتقت إليهم وأردت السفر إلى أوطانك، فتكون أخذت من بلادنا مقدارا جسيما من المال تستعين به على وقتك في بلادك. قال: يا ملك الزمان أعزك الله، إن هذه المماليك والجواري والعبيد الكثيرة شأن الملوك، ولو كنت أمرت لي بمال نقد لكان خيرا لي من هذا الجيش، فإنهم يأكلون ويشربون ويلبسون، ومهما حصلته من المال لا يكفيهم في الإنفاق عليهم. فضحك الملك وقال: والله إنك قد صدقت، فإنهم صاروا عسكرا جرارا، وأنت ليس لك مقدرة على الإنفاق عليهم، ولكن أتبيعهم لي كل واحد بمائة دينار؟ فقال: بعتك إياهم بهذا الثمن. فأرسل الملك إلى الخازندار ليحضر له المال، فأحضره وأعطاه ثمن الجميع بالتمام والكمال، ثم بعد ذلك أنعم بهم على أصحابهم، وقال: كل من يعرف عبده أو جاريته أو مملوكه، فليأخذه فإنهم هدية إليكم. فامتثلوا أمر الملك وأخذ كل واحد منهم ما يخصه، فقال له أبو صير: أراحك الله يا ملك الزمان كما أرحتني من هؤلاء الغيلان، الذين لا يقدر أن يشبعهم إلا الله. فضحك الملك من كلامه وصدق عليه، ثم أخذ أكابر دولته وذهب من الحمام إلى سرايته، وبات تلك الليلة أبو صير وهو يصرد الذهب ويضعه في الأكياس ويختم عليه، وكان عنده عشرون عبدا وعشرون مملوكا وأربع جوار برسم الخدمة، فلما أصبح الصباح فتح الحمام وأرسل مناديا ينادي ويقول: كل من دخل الحمام واغتسل، فإنه يعطي ما تسمح ms2109 به نفسه وما تقتضيه مروءته. وقعد أبو صير عند الصندوق وهجمت عليه الزبائن، وصار كل من طلع يحط الذي يهون عليه، فما أمسى المساء حتى امتلأ الصندوق من خير الله تعالى. # ثم إن الملكة طلبت دخول الحمام، فلما بلغ أبا صير ذلك، قسم النهار من أجلها قسمين، وجعل من الفجر إلى الظهر قسم الرجال، ومن الظهر إلى المغرب قسم النساء، ولما أتت الملكة أوقف جارية خلف الصندوق، وكان علم أربع جوار البلانة حتى صرن بلانات ماهرات، فلما دخلت الملكة أعجبها ذلك وانشرح صدرها، وحطت ألف دينار، وشاع ذكره في المدينة، وصار كل من دخل يكرمه سواء كان غنيا أو فقيرا، فدخل عليه الخير من كل باب، وتعرف بأعوان الملك، وصار له أصحاب وأحباب، وصار الملك يأتي إليه في الجمعة يوما ويعطيه ألف دينار، وبقية أيام الجمعة للأكابر والفقراء، وصار يأخذ بخاطر الناس ويلاطفهم غاية الملاطفة، فاتفق أن قبطان الملك دخل عليه في الحمام يوما من الأيام، فقلع أبو صير ودخل معه وصار يكبسه ولاطفه ملاطفة زائدة، ولما خرج من الحمام عمل له الشربات والقهوة، فلما أراد أن يعطيه شيئا حلف أنه لا يأخذ منه شيئا، فحمل القبطان جميله لما رأى من مزيد لطفه به وإحسانه إليه، وصار متحيرا فيما يهديه إلى ذلك الحمامي في نظير إكرامه له. # هذا ما كان من أمر أبي صير، وأما ما كان من أمر أبي قير، فإنه سمع جميع الخلائق يلهجون بذكر الحمام، وكل منهم يقول: إن هذا الحمام نعيم الدنيا بلا شك، إن شاء الله يا فلان تدخل بنا غدا هذا الحمام النفيس. فقال أبو قير في نفسه: لا بد أن أروح مثل الناس، وأنظر هذا الحمام الذي أخذ عقول الناس. ثم إنه لبس أفخر ما كان عنده من الملابس، وركب بغلة وأخذ معه أربعة عبيد وأربعة مماليك يمشون خلفه وقدامه، وتوجه إلى الحمام، ثم إنه نزل في باب الحمام، فلما صار عند الباب شم رائحة العود والند، ورأى ناسا داخلين وناسا خارجين، ورأى ms2110 المساطب ملآنة من الأكابر والأصاغر، فدخل الدهليز فرآه أبو صير، فقام إليه وفرح به، فقال له أبو قير: هل هذا شرط أولاد الحلال؟ وأنا فتحت لي مصبغة وبقيت معلم البلد، وتعرفت بالملك وصرت في سعادة وسيادة، وأنت لا تأتي عندي ولا تسأل عني، ولا تقول أين رفيقي؟ وأنا عجزت وأنا أفتش عليك وأبعث عبيدي ومماليكي يفتشون عليك في الخانات وفي سائر الأماكن، فلا يعرفون طريقك، ولا أحد يخبرهم بخبرك. فقال له أبو صير: أما جئت إليك وجعلتني لصا وضربتني وهتكتني بين الناس؟ فاغتم أبو قير وقال: أي شيء هذا الكلام؟ هل هو أنت الذي ضربتك؟ فقال أبو صير: نعم هو أنا. فحلف له أبو قير ألف يمين أنه ما عرفه، وقال: إنما كان واحد شبيهك يأتي في كل يوم ويسرق قماش الناس، فظننت أنك هو. وصار يتندم ويضرب كفا على كف ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قد أسأناك، ولكن يا ليتك عرفتني بنفسك وقلت أنا فلان، فالعيب عندك لكونك لم تعرفني بنفسك، خصوصا وأنا مدهوش من كثرة الأشغال. فقال له أبو صير: سامحك الله يا رفيقي، وهذا الشيء كان مقدرا في الغيب والجبر على الله، ادخل اقلع ثيابك واغتسل وانبسط. فقال له: بالله عليك أن تسامحني يا أخي. فقال له: أبرأ الله ذمتك وسامحك، فإنه كان أمرا مقدرا علي في الأزل. ثم قال له أبو قير: ومن أين لك هذه السيادة؟ فقال له: الذي فتح عليك فتح علي، فإني طلعت إلى الملك وأخبرته بشأن الحمام، فأمر لي ببنائه. فقال له أبو قير: وكما أنك معرفة الملك فأنا الآخر معرفته. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 937 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا قير لما تعاتب هو وأبو صير قال له: كما أنت معرفة الملك أنا الآخر معرفته، وإن شاء الله تعالى أنا أخليه يحبك ويكرمك زيادة على هذا الإكرام من أجلي، فإنه لم يعرف أنك رفيقي، فأنا أعرفه بأنك رفيقي وأوصيه ms2111 عليك. فقال له: ما أحتاج إلى وصية، فإن المحنن موجود، وقد أحبني الملك هو وجميع دولته، وأعطاني كذا وكذا وأخبره بالخبر. ثم قال له: اقلع ثيابك خلف الصندوق وادخل الحمام، وأنا أدخل معك لأجل أن أكبسك. فخلع ما عليه ودخل الحمام ودخل معه أبو صير وكبسه وصبنه وألبسه واشتغل به حتى خرج، فلما خرج أحضر له الغداء والشربات، وصار جميع الناس يتعجبون من كثرة إكرامه له، ثم بعد ذلك أراد أبو قير أن يعطيه شيئا، فحلف أنه لا يأخذ منه شيئا وقال له: استح من هذا الأمر وأنت رفيقي وليس بيننا فرق. ثم إن أبا قير قال لأبي صير: يا رفيقي، والله إن هذا الحمام عظيم، ولكن صنعتك فيه ناقصة. فقال له: وما نقصها؟ فقال له: الدواء الذي هو عقد الزرنيخ والجير الذي يزيل الشعر بسهولة، فاعمل هذا الدواء، فإذا أتى الملك فقدمه إليه وعلمه كيف يسقط به الشعر، فيحبك حبا شديدا ويكرمك. فقال له: صدقت، إن شاء الله أصنع ذلك. ثم إن أبا قير خرج وركب بغلته وذهب إلى الملك ودخل عليه وقال له: أنا ناصح لك يا ملك الزمان. فقال له: وما نصيحتك؟ فقال: بلغني خبر وهو أنك بنيت حماما. قال: نعم، قد أتاني رجل غريب فأنشأته له كما أنشأت لك هذه المصبغة، وهو حمام عظيم، وقد تزينت مدينتي به. وصار يذكر له محاسن ذلك الحمام، فقال له أبو قير: وهل دخلته؟ قال: نعم. قال: الحمد لله الذي نجاك من شر هذا الخبيث عدو الدين وهو الحمامي. فقال له الملك: وما شأنه؟ قال أبو قير: اعلم يا ملك الزمان أنك إن دخلته بعد هذا اليوم فإنك تهلك. فقال له: لأي شيء؟ فقال له: إن الحمامي عدوك وعدو الدين، فإنه ما حملك على إنشاء هذا الحمام إلا لأن مراده أن يدخل عليك فيه السم، فإنه صنع لك شيئا، وإذا دخلته يأتيك به ويقول لك: هذا دواء، كل من دهن به تحته يرمي الشعر منه بسهولة، وليس هو بدواء بل ms2112 هو داء عظيم وسم قاتل، وإن هذا الخبيث قد وعده سلطان النصارى أنه إن قتلك يفك له زوجته وأولاده من الأسر، فإن زوجته وأولاده مأسورون عند سلطان النصارى، وكنت مأسورا معه في بلادهم، ولكن أنا فتحت مصبغة وصبغت لهم ألوانا فاستعطفوا علي قلب الملك، فقال لي الملك: أي شيء تطلب؟ فطلبت منه العتق، فأعتقني وجئت إلى هذه المدينة ورأيته في الحمام، فسألته وقلت له: كيف كان خلاصك وخلاص زوجتك وأولادك؟ فقال: لم أزل أنا وزوجتي وأولادي مأسورين، حتى إن ملك النصارى عمل ديوانا، فحضرت في جملة من حضر وكنت واقفا من جملة الناس، فسمعتهم فتحوا مذاكرة الملوك إلى أن ذكروا ملك هذه المدينة، فتأوه ملك النصارى وقال: ما قهرني في الدنيا إلا ملك المدينة الفلانية، فكل من تحيل لي على قتله، فإني أعطيه كل ما يتمنى. فتقدمت أنا إليه وقلت له: إذا تحيلت لك على قتله هل تعتقني أنا وزوجتي وأولادي؟ فقال لي: نعم، أعتقكم وأعطيك كل ما تتمنى. ثم إني اتفقت أنا وإياه على ذلك، وأرسلني في غليون إلى هذه المدينة، وطلعت إلى هذا الملك فبنى لي هذا الحمام، وما بقي علي إلا أن أقتله وأروح إلى ملك النصارى وأفدي أولادي وزوجتي وأتمنى عليه. فقلت: وما الحيلة التي دبرتها في قتله حتى تقتله؟ قال لي: هي حيلة سهلة أسهل ما يكون، فإنه يأتي إلي في هذا الحمام، وقد اصطنعت له شيئا فيه سم، فإذا جاء أقول له: خذ هذا الدواء وادهن به تحتك، فإنه يسقط الشعر. فيأخذه ويدهن به تحته فيلعب السم فيه يوما وليلة، حتى يسري إلى قلبه فيهلكه والسلام. فلما سمعت منه هذا الكلام خفت عليك؛ لأن خيرك علي، وقد أخبرتك بذلك. # فلما سمع الملك هذا الكلام غضب غضبا شديدا وقال للصباغ: اكتم هذا السر. ثم طلب الرواح إلى الحمام حتى يقطع الشك باليقين، فلما دخل الملك الحمام تعرى أبو صير على جري عادته، وتقيد بالملك وكبسه، وبعد ذلك قال له: يا ملك الزمان، إني عملت دواء ms2113 لتنظيف الشعر التحتاني. فقال له: أحضره لي. فأحضره بين يديه فرأى رائحته كريهة، فصح عنده أنه سم، فغضب وصاح على الأعوان وقال: أمسكوه. فقبض عليه الأعوان وخرج الملك وهو ممتزج بالغضب، ولا أحد يعرف سبب غضبه، ومن شدة غضب الملك لم يخبر أحدا ولم يتجاسر أحد على أن يسأله. ثم إنه لبس وطلع الديوان، ثم أحضر أبا صير بين يديه وهو مكتف، ثم طلب القبطان فحضر، فلما حضر القبطان قال له الملك: خذ هذا الخبيث وحطه في زكيبة، وحط في الزكيبة قنطارين جيرا من غير طفي، واربط فمها عليه هو والجير، ثم ضعها في الزورق وتعال تحت قصري، فتراني جالسا في شباكه، وقل لي: هل أرميه؟ فأقول لك: ارمه. فإذا قلت لك ذلك فارمه حتى ينطفئ الجير عليه لأجل أن يموت غريقا حريقا. فقال: سمعا وطاعة. ثم أخذه من قدام الملك إلى جزيرة قبال قصر الملك، وقال لأبي صير: يا هذا، أنا جئت عندك مرة واحدة في الحمام فأكرمتني، وقمت بواجبي وانبسطت منك كثيرا، وحلفت أنك لم تأخذ مني أجرة، وأنا قد أحببتك محبة شديدة، فأخبرني ما قضيتك مع الملك؟ وأي شيء صنعت معه من المكاره حتى غضب عليك وأمرني أن تموت هذه الموتة الرديئة؟ فقال له: والله ما عملت شيئا، وليس عندي علم بذنب فعلته معه يستوجب هذا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 938 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن القبطان لما سأل أبا صير عن سبب غضب الملك عليه، قال له: والله يا أخي ما عملت معه شيئا قبيحا يستوجب هذا. فقال له القبطان: إن لك عند الملك مقاما عظيما ما ناله أحد قبلك، وكل ذي نعمة محسود، فلعل أحدا حسدك على هذه النعمة ورمى في حقك بعض كلام عند الملك، حتى إن الملك غضب عليك هذا الغضب، ولكن مرحبا بك وما عليك من بأس، فكما أنك أكرمتني من غير معرفة بيني وبينك، فأنا أخلصك، ولكن إذا خلصتك تقيم عندي في هذه الجزيرة ms2114 حتى يسافر من هذه المدينة غليون إلى ناحية بلادك، فأرسلك معه. فقبل أبو صير يد القبطان وشكره على ذلك، ثم إنه أحضر الجير ووضعه في زكيبة ووضع فيها حجرا كبيرا قدر الرجل، وقال: توكلت على الله. ثم إن القبطان أعطى أبا صير شبكة وقال له: ارم هذه الشبكة في البحر لعلك تصطاد شيئا من السمك؛ لأن سمك مطبخ الملك مرتب علي في كل يوم، وقد اشتغلت عن الصيد بهذه المصيبة التي أصابتك، فأخاف أن تأتي غلمان الطباخ ليطلبوا السمك فلا يجدوه، فإن كنت تصطاد شيئا فإنهم يجدونه حتى أروح أعمل الحيلة تحت القصر، وأجعل أني رميتك. فقال له أبو صير: أنا أصطاد ورح أنت والله يعينك. فوضع الزكيبة في الزورق، وسار إلى أن وصل تحت القصر، فرأى الملك جالسا في الشباك، فقال: يا ملك الزمان هل أرميه؟ فقال له: ارمه. وأشار بيده، وإذا بشيء برق، ثم سقط في البحر، وإذا بالذي سقط في البحر خاتم الملك، وكان مرصودا بحيث إذا غضب الملك على أحد وأراد قتله يشير عليه باليد اليمنى التي فيها الخاتم، فيخرج من الخاتم بارقة فتصيب الذي يشير عليه، فيقع رأسه من بين كتفيه، وما أطاعته العساكر ولا قهر الجبابرة إلا بسبب هذا الخاتم، فلما وقع الخاتم من إصبعه كتم أمره ولم يقدر أن يقول خاتمي وقع في البحر؛ خوفا من العسكر أن يقوموا عليه فيقتلوه، فسكت. # هذا ما كان من أمر الملك، وأما ما كان من أمر أبي صير، فإنه بعد ذهاب القبطان أخذ الشبكة وطرحها في البحر وسحبها، فطلعت ملآنة سمكا، ثم طرحها ثانية فطلعت ملآنة سمكا أيضا، ولم يزل يطرحها وهي تطلع ملآنة سمكا حتى صار قدامه كوم كبير من السمك. فقال في نفسه: والله إن لي مدة طويلة ما أكلت السمك. ثم إنه نقى له سمكة كبيرة سمينة وقال: لما يأتي القبطان أقول له يقلي لي هذه السمكة لأتغذى بها. ثم إنه ذبحها بسكين كانت معه، فعلقت السكين في نخشوشها، فرأى خاتم الملك فيه؛ ms2115 لأنها كانت ابتلعته، ثم ساقتها القدرة إلى تلك الجزيرة، ووقعت في الشبكة، فأخذ الخاتم ولبسه في خنصره وهو لا يعلم ما فيه من الخواص، وإذا بغلامين من خدام الطباخ أتيا لطلب السمك، فلما صارا عند أبي صير قالا: يا رجل، أين راح القبطان؟ فقال: لا أدري. وأشار بيده اليمنى، وإذا برأسي الغلامين وقعا من بين أكتافهما حين أشار إليهما وقال: لا أدري. فتعجب أبو صير من ذلك وجعل يقول: يا ترى من قتلهما؟ وصعبا عليه وصار يتفكر في ذلك، وإذا بالقبطان أقبل فرأى كوما كبيرا من السمك، ورأى الاثنين مقتولين، ورأى الخاتم في إصبع أبي صير، فقال له: يا أخي، لا تحرك يدك التي فيها الخاتم، فإنك إن حركتها قتلتني. فتعجب من قوله لا تحرك يدك التي فيها الخاتم، لأنك إن حركتها قتلتني، فلما وصل له القبطان قال: من قتل هذين الغلامين؟ قال له أبو صير: والله يا أخي لا أدري. قال: صدقت، ولكن أخبرني عن هذا الخاتم من أين وصل إليك؟ قال: رأيته في نخشوش هذه السمكة. قال: صدقت، فإني رأيته نازلا يبرق من قصر الملك حتى سقط في البحر وقت أن أشار إليك وقال لي: ارمه. فإنه لما أشار رميت الزكيبة، وكان سقط من إصبعه ووقع في البحر فابتعلته هذه السمكة، وساقها الله إليك حتى اصطدتها فهذا نصيبك، ولكن هل تعرف خواص هذا الخاتم؟ قال أبو صير: لا أدري له خواص. فقال القبطان: اعلم أن عسكر ملكنا ما أطاعوه إلا خوفا من هذا الخاتم؛ لأنه مرصود، فإذا غضب الملك على أحد وأراد قتله، يشير به عليه فيقع رأسه من بين كتفيه، فإن بارقة تخرج من هذا الخاتم ويتصل شعاعها بالمغضوب عليه فيموت لوقته. فلما سمع أبو صير هذا الكلام فرح فرحا شديدا، وقال للقبطان: ردني إلى المدينة. فقال له القبطان: أردك؛ فإني ما بقيت أخاف عليك من الملك، فإنك متى أشرت بيدك وأضمرت على قتله، فإن رأسه تقع بين يديك، ولو كنت تطلب قتل الملك وجميع العسكر فإنك ms2116 تقتلهم من غير عاقة. ثم أنزله في الزورق وتوجه به إلى المدينة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 939 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن القبطان لما أنزل أبا صير في الزورق توجه به إلى المدينة، فلما وصل إليها طلع إلى قصر الملك، ثم دخل الديوان، فرأى الملك جالسا والعسكر بين يديه وهو في غم عظيم من شأن الخاتم، ولم يقدر أن يخبر أحدا من العسكر بضياع الخاتم، فلما رآه الملك قال له: أما رميناك في البحر؟ كيف فعلت حتى خرجت منه؟ فقال له: يا ملك الزمان، لما أمرت برميي في البحر، أخذني قبطانك وسار بي إلى جزيرة، وسألني عن سبب غضبك علي وقال لي: أي شيء صنعت مع الملك حتى أمر بموتك؟ فقلت له: والله ما أعلم أني عملت معه شيئا قبيحا. فقال لي: إن لك مقاما عظيما عند الملك، فلعل أحدا حسدك ورمى فيك كلاما عند الملك حتى غضب عليك، ولكن أنا جئتك في حمامك فأكرمتني، ففي نظير إكرامك إياي في حمامك أنا أخلصك وأرسلك إلى بلادك. ثم حط في الزورق حجرا عوضا عني ورماه في البحر، ولكن حين أشرت له علي وقع الخاتم من يدك في البحر، فابتلعته سمكة وكنت أنا في الجزيرة أصطاد سمكا، فطلعت تلك السمكة في جملة السمك، فأخذتها وأردت أن أشويها، فلما فتحت جوفها رأيت الخاتم فيه، فأخذته وجعلته في إصبعي، فأتاني اثنان من خدام المطبخ وطلبا السمك، فأشرت إليهما وأنا لا أدري خاصية الخاتم، فوقع رأساهما، ثم أتى القبطان فعرف الخاتم وهو في إصبعي، وأخبرني برصده، فأتيت به إليك؛ لأنك عملت معي معروفا وأكرمتني غاية الإكرام، وما عملته معي من الجميل لم يضع عندي، وهذا خاتمك فخذه وإن كنت فعلت معك شيئا يوجب القتل، فعرفني بذنبي واقتلني، وأنت في حل من دمي. ثم خلع الخاتم من إصبعه وناوله للملك، فلما رأى الملك ما فعل أبو صير من الإحسان، أخذ الخاتم منه وتمتم به، وردت له روحه، وقام على ms2117 أقدامه واعتنق أبا صير، وقال: يا رجل، أنت من خواص أولاد الحلال، فلا تؤاخذني وسامحني مما صدر مني في حقك، ولو كان أحد غيرك ملك هذا الخاتم ما كان أعطاني إياه. فقال: يا ملك الزمان، إن أردت أن أسامحك فعرفني بذنبي الذي أوجب غضبك علي حتى أمرت بقتلي. فقال له: والله إنه ثبت عندي أنك بريء، وليس لك ذنب في شيء، حيث فعلت هذا الجميل، وإنما الصباغ قد قال لي كذا وكذا. وأخبره بما قاله الصباغ، فقال له أبو صير: والله يا ملك الزمان، أنا لا أعرف ملك النصارى ولا عمري رحت بلاد النصارى، ولا خطر ببالي أني أقتلك، ولكن هذا الصباغ كان رفيقي وجاري في مدينة إسكندرية، وضاق بنا العيش هناك، فخرجنا منها لضيق المعاش وقرأنا مع بعضنا فاتحة على أن العامل يطعم البطال، وجرى لي معه كذا وكذا. وأخبره بجميع ما قد جرى له مع أبي قير الصباغ، وكيف أخذ دراهمه وفاته ضعيفا في الحجرة التي في الخان، وأن بواب الخان كان ينفق عليه وهو مريض حتى شفاه الله، ثم طلع وسرح في المدينة بعدته على العادة، فبينما هو في الطريق إذا رأى مصبغة عليها ازدحام، فنظر في باب المصبغة فرأى أبا قير جالسا على مصطبة هناك، فدخل ليسلم عليه، فوقع له منه ما وقع من الضرب والإساءة، وادعى عليه أنه حرامي وضربه ضربا مؤلما. وأخبر الملك بجميع ما جرى له من أوله إلى آخره، ثم قال: يا ملك الزمان، هو الذي قال لي اعمل الدواء وقدمه للملك، فإن الحمام كامل من جميع الأمور إلا أن هذا الدواء مفقود منه، واعلم يا ملك الزمان أن هذا الدواء لا يضر، ونحن نصنعه في بلادنا وهو من لوازم الحمام، وأنا كنت نسيته، فلما أتاني الصباغ وأكرمته ذكرني به وقال لي اعمل الدواء، وأرسل يا ملك الزمان هات بواب الخان الفلاني وصنائعية المصبغة، واسأل الجميع عما أخبرتك به. فأرسل الملك إلى بواب الخان وإلى صنائعية المصبغة، فلما حضر الجميع سألهم فأخبروه ms2118 بالواقع، فأرسل إلى الصباغ وقال: هاتوه حافيا مكشوف الرأس مكتفا، وكان الصباغ جالسا في بيته مسرورا بقتل أبي صير، فلم يشعر إلا وأعوان الملك هجموا عليه وأوقعوا الضرب في قفاه، ثم كتفوه وحضروا به قدام الملك، فرأى أبا صير جالسا في جنب الملك وبواب الخان وصنائعية المصبغة واقفين أمامه، فقال له بواب الخان: أما هذا رفيقك الذي سرقت دراهمه وتركته عندي في الحجرة ضعيفا، وفعلت معه ما هو كذا وكذا. وقال له صنائعية المصبغة: أما هذا الذي أمرتنا بالقبض عليه وضربناه؟ فتبين للملك قباحة أبي قير، وأنه يستحق ما هو أشد من تشديد منكر ونكير، فقال الملك: خذوه وجرسوه في المدينة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 940 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما سمع كلام بواب الخان وصنائعية المصبغة تحقق عنده خبث أبي قير، فأقام عليه النكير، وقال لأعوانه: خذوه وجرسوه في المدينة وحطوه في زكيبة وارموه في البحر. فقال أبو صير: يا ملك الزمان، شفعني فيه، فإني سامحته من جميع ما فعل بي. فقال الملك: إن كنت سامحته في حقك، فأنا لا يمكن أن أسامحه في حقي. ثم صاح وقال: خذوه وجرسوه. وبعد ذلك وضعوه في زكيبة ووضعوا معه الجير ورموه في البحر، فمات غريقا حريقا، وقال الملك: يا أبا صير تمن علي تعط. قال له: تمنيت عليك أن ترسلني إلى بلادي، فإني ما بقي لي رغبة في القعود ها هنا. فأعطاه شيئا كثيرا زيادة على ماله ونواله ومواهبه، ثم أنعم عليه بغليون مشحون بالخيرات، وكان بحريته مماليك، فوهبهم له أيضا، بعد أن عرض عليه أن يجعله وزيرا فما رضي، ثم ودع الملك وسافر وجميع ما في الغليون ملكه، حتى النواتية مماليكه، وما زال سائرا حتى وصل إلى أرض إسكندرية، ورسوا على جانب إسكندرية وخرجوا إلى البر، فرأى مملوك من مماليكه زكيبة في جانب البر، فقال: يا سيدي، إن في جنب شاطئ البحر زكيبة كبيرة ثقيلة، وفمها مربوط، ولا أدري ما فيها. ms2119 فأتى أبو صير وفتحها، فرأى فيها أبا قير قد دفعه البحر إلى جهة إسكندرية، فأخرجه ودفنه بالقرب من إسكندرية، وعمل له مزارا ووقف عليه أوقافا، وكتب على باب الضريح هذه الأبيات: # المرء يعرف في الأنام بفعله %~% وفعائل الحر الكريم كأصله ~~لا تستغب فتستغاب فربما %~% من قال شيئا قيل فيه بمثله ~~وتجنب الفحشاء لا تنطق بها %~% ما دمت في جد الكلام وهزله ~~فالكلب إن حفظ المكارم يقتنى %~% وغدا الهزبر مسلسلا من جهله ~~والبحر تعلو فوقه جيف الفلا %~% والدر منبوذ بأسفل رمله ~~ما كان عصفور يزاحم باشقا %~% إلا لطيشته وخفة عقله ~~في الجو مكتوب على صحف الهوى %~% من يفعل المعروف فاز بمثله ~~إياك تجني سكرا من حنظل %~% فالشيء يرجع في المذاق لأصله # ثم إن أبا صير أقام مدة وتوفاه الله، فدفنوه بجوار قبر رفيقه أبي قير، ومن أجل ذلك سمي هذا المكان بأبي قير وأبي صير، واشتهر الآن بأنه أبو قير، وهذا ما بلغنا من حكايتهما، فسبحان الباقي على الدوام، وبإرادته تصرف الليالي والأيام. ### || حكاية عبد الله البحري وعبد الله البري # ومما يحكى أيضا أنه كان رجل صياد اسمه عبد الله، وكان كثير العيال، وله تسعة أولاد وأمهم، وكان فقيرا جدا لا يملك إلا الشبكة، وكان يروح كل يوم إلى البحر ليصطاد، فإذا اصطاد قليلا يبيعه وينفقه على أولاده بقدر ما رزقه الله، وإن اصطاد كثيرا يطبخ طبخة طيبة ويأخذ فاكهة، ولم يزل يصرفه حتى لا يبقى معه شيء ويقول في نفسه: رزق غد يأتي في غد. فلما وضعت زوجته صاروا عشرة أشخاص، وكان الرجل في ذلك اليوم لا يملك شيئا أبدا، فقالت له زوجته: يا سيدي، انظر لي شيئا أتقوت به. فقال لها: ها أنا سارح على بركة الله تعالى إلى البحر في هذا اليوم على بخت هذا المولود الجديد، حتى ننظر سعده. فقالت له: توكل على الله. فأخذ الشبكة وتوجه إلى البحر، ثم إنه رمى الشبكة على بخت ذلك الطفل الصغير وقال: اللهم اجعل رزقه يسيرا غير عسير، وكثيرا غير ms2120 قليل. وصبر عليها مدة ثم سحبها، فخرجت ممتلئة عفشا ورملا وحصى وحشيشا، ولم ير فيها شيئا من السمك لا كثيرا ولا قليلا، فرماها ثاني مرة وصبر عليها، ثم سحبها فلم ير فيها سمكا، فرمى ثالثا ورابعا وخامسا فلم يطلع فيها سمك، فانتقل إلى مكان آخر وجعل يطلب رزقه من الله تعالى، ولم يزل على هذه الحالة إلى آخر النهار، فلم يصطد ولا صيرة، فعتجب في نفسه وقال: هل هذا المولود خلقه الله تعالى من غير رزق؟ فهذا لا يكون أبدا؛ لأن الذي شق الأشداق تكفل لها بالأرزاق، فالله تعالى كريم رزاق. ثم إنه حمل الشبكة ورجع مكسور الخاطر وقلبه مشغول بعياله، فإنه تركهم بغير أكل ولا سيما زوجته نفساء، وما زال يمشي وهو يقول في نفسه: كيف العمل؟ وماذا أقول للأولاد في هذه الليلة؟ ثم إنه وصل قدام فرن خباز، فرأى عليه زحمة، وكان الوقت وقت غلاء، وفي تلك الأيام لا يوجد عند الناس من المئونة إلا قليل، والناس يعرضون الفلوس على الخباز وهو لا ينتبه لأحد منهم من كثرة الزحام، فوقف ينظر ويشم رائحة العيش السخن، فصارت نفسه تشتهيه من الجوع، فنظر إليه الخباز وصاح عليه وقال: تعال يا صياد. فتقدم إليه، فقال له: أتريد عيشا؟ فسكت، فقال له: تكلم ولا تستح فالله كريم، إن لم يكن معك دراهم فأنا أعطيك وأصبر عليك حتى يجيئك الخير. فقال له: يا معلم، ما معي دراهم، لكن أعطني عيشا كفاية عيالي وارهن عندك هذه الشبكة إلى غد. فقال له: يا مسكين، إن هذه الشبكة دكانك وباب رزقك، فإذا رهنتها بأي شيء تصطاد؟ فأخبرني بالقدر الذي يكفيك. قال: بعشرة أنصاف فضة. فأعطاه خبزا بعشرة أنصاف، ثم أعطاه عشرة أنصاف فضة وقال له: خذ هذه العشرة أنصاف واطبخ لك بها طبخة، فيبقى عندك عشرون نصف فضة، وفي غد هات لي بها سمكا، وإن لم يحصل لك شيء تعال خذ عيشك وعشرة أنصاف، وأنا أصبر عليك حتى يأتيك الخير. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام ms2121 المباح. ### | فلما كانت الليلة 941 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخباز قال للصياد: خذ ما تحتاج إليه وأنا أصبر عليك حتى يأتيك الخير، وبعد ذلك هات بما أستحقه عندك سمكا. فقال له: آجرك الله تعالى وجزاك عني كل خير. ثم أخذ العيش والعشرة أنصاف فضة وراح مسرورا، واشترى له ما تيسر ودخل على زوجته، فرآها قاعدة تأخذ بخاطر الأولاد وهم يبكون من الجوع وتقول لهم: في هذا الوقت يأتي أبوكم بما تأكلونه. فلما دخل عليهم حط لهم العيش، فأكلوا وأخبر زوجته بما حصل له، فقالت له: الله كريم. وفي ثاني يوم حمل شبكته وخرج من داره وهو يقول: أسألك يا رب أن ترزقني في هذا اليوم بما يبيض وجهي مع الخباز. فلما وصل إلى البحر صار يطرح الشبكة ويجذبها، فلم يخرج فيها سمك، ولم يزل كذلك إلى آخر النهار ولم يحصل شيء، فرجع وهو في غم عظيم، وكان طريق بيته على فرن الخباز، فقال في نفسه: من أين أروح إلى داري؟ ولكن أسرع خطاي حتى لا يراني الخباز. فلما وصل إلى فرن الخباز رأى زحمة، فأسرع في المشي من حيائه من الخباز حتى لا يراه، وإذا بالخباز وقع بصره عليه فصاح وقال: يا صياد، تعال خذ عيشك ومصروفك، فإنك نسيت. قال: لا والله ما نسيت، وإنما استحيت منك، فإني لم أصطد سمكا في هذا اليوم. فقال له: لا تستح، أما قلت لك على مهلك حتى يأتيك الخير؟ ثم أعطاه العيش والعشرة أنصاف وراح إلى زوجته وأخبرها بالخبر، فقالت له: الله كريم، إن شاء الله يأتيك الخير وتوفيه حقه. ولم يزل على هذه الحالة مدة أربعين يوما، وهو في كل يوم يروح إلى البحر من طلوع الشمس إلى غروبها ويرجع بلا سمك، ويأخذ عيشا ومصروفا من الخباز، ولم يذكر له السمك يوما من الأيام ولم يهمله مثل الناس، بل يعطيه العشرة أنصاف والعيش، وكلما يقول له: يا أخي حاسبني. يقول له: رح ما هذا وقت الحساب حتى يأتيك الخير فأحاسبك. ms2122 فيدعو له ويذهب من عنده شاكرا له، وفي اليوم الحادي والأربعين قال لامرأته: مرادي أن أقطع هذه الشبكة وأرتاح من هذه المعيشة. فقالت له: لأي شيء؟ قال لها: كأن رزقي انقطع من البحر، فإلى متى هذا الحال؟ والله إني ذبت حياء من الخباز، فأنا ما بقيت أروح إلى البحر حتى لا أجوز على فرنه، فإنه ليس لي طريق إلا على فرنه، وكلما جزت عليه يناديني ويعطيني العيش والعشرة أنصاف، وإلى متى وأنا أتداين منه؟ قالت له: الحمد لله تعالى الذي عطف قلبه عليك فيعطيك القوت، وأي شيء تكره من هذا؟ قال: بقي له قدر عظيم من الدراهم، ولا بد أنه يطلب حقه. قالت له زوجته: هل آذاك بكلام؟ قال: لا، ولم يرض أن يحاسبني ويقول لي: حتى يأتيك الخير. قالت: فإذا طالبك قل له: حتى يأتي الخير الذي نرتجيه أنا وأنت. فقال لها: متى يجيء الخير الذي نرتجيه؟ قالت له: الله كريم. قال: صدقت. # ثم حمل شبكته وتوجه إلى البحر وهو يقول: يا رب ارزقني ولو بسمكة واحدة حتى أهديها إلى الخباز. ثم إنه رمى الشبكة في البحر ثم سحبها فوجدها ثقيلة، فما زال يعالج فيها حتى تعب تعبا شديدا، فلما أخرجها رأى فيها حمارا ميتا منفوخا ورائحته كريهة، فسئمت نفسه، ثم خلصه من الشبكة وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قد عجزت وأنا أقول لهذه المرأة ما بقي لي رزق في البحر، دعيني أترك هذه الصنعة، وهي تقول لي الله كريم سيأتيك الخير، فهل هذا الحمار الميت هو الخير؟ ثم إنه حصل له غم شديد، وتوجه إلى مكان آخر ليبعد عن رائحة الحمار، وأخذ الشبكة ورماها وصبر عليها ساعة زمانية، ثم جذبها فرآها ثقيلة، فلم يزل يعالج فيها حتى خرج الدم من كفيه، فلما أخرج الشبكة رأى فيها آدميا، فظن أنه عفريت من عفاريت السيد سليمان الذين كان يحبسهم في قماقم النحاس ويرميهم في البحر، فلما انكسر القمقم من طول السنين خرج منه ذلك العفريت وطلع ms2123 في الشبكة، فهرب منه وصار يقول: الأمان الأمان يا عفريت سليمان. فصاح عليه الآدمي من داخل الشبكة وقال: تعال يا صياد لا تهرب مني، فإني آدمي مثلك، فخلصني لتنال أجري. فلما سمع كلامه الصياد اطمأن قلبه وجاءه، وقال له: ما أنت عفريت من الجن؟ قال: لا، إنما أنا إنسي مؤمن بالله ورسوله. قال له: ومن رماك في البحر؟ قال له: أنا من أولاد البحر، كنت دائرا فرميت علي الشبكة، ونحن أقوام مطيعون لأحكام الله، ونشفق على خلق الله تعالى، ولولا أني أخاف وأخشى أن أكون من العاصين لقطعت شبكتك، ولكن رضيت بما قدر الله علي، وأنت إذا خلصتني تصير مالكا لي، وأنا أصير أسيرك، فهل لك أن تعتقني ابتغاء وجه الله تعالى، وتعاهدني وتبقى صاحبي؟ أجيئك كل يوم في هذا المكان وأنت تأتيني وتجيء لي معك بهدية من ثمار البر، فإن عندكم عنبا وتينا وبطيخا وخوخا ورمانا وغير ذلك، وكل شيء تجيء به إلي مقبول منك، ونحن عندنا مرجان ولؤلؤ وزبرجد وزمرد وياقوت وجواهر، فأنا أملأ لك المشنة التي تجيء لي فيها بالفاكهة معادن من جواهر البحر، فما تقول يا أخي في هذا الكلام؟ قال له الصياد: الفاتحة بيني وبينك على هذا الكلام. فقرأ كل منهما الفاتحة وخلصه من الشبكة، ثم قال له الصياد: ما اسمك؟ قال: اسمي عبد الله البحري، فإذا أتيت إلى هذا المكان ولم ترني فناد وقل: أين أنت يا عبد الله يا بحري؟ فأكون عندك في الحال. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 942 # ![figure](../Images/figure4.png) # فلما أخرج الشبكة رأى فيها آدميا، فظن أنه عفريت من العفاريت. # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله البحري قال له: إذا أتيت إلى هذا المكان ولم ترني فناد وقل: أين أنت يا عبد الله يا بحري؟ فأكون عندك في الحال. وأنت ما اسمك؟ فقال الصياد: اسمي عبد الله. قال: أنت عبد الله البري وأنا عبد الله البحري، فقف هنا حتى أروح وآتيك بهدية. فقال له: سمعا ms2124 وطاعة. فراح عبد الله البحري في البحر، فعند ذلك ندم عبد الله البري على كونه خلصه من الشبكة، وقال في نفسه: من أين أعرف أنه يرجع إلي؟ وإنما هو ضحك علي حتى خلصته، ولو أبقيته كنت أفرج عليه الناس في المدينة وآخذ عليه الدراهم من جميع الناس وأدخل به بيوت الأكابر! فصار يتندم على إطلاقه ويقول لنفسه: راح صيدك من يدك! فبينما هو يتأسف على خلاصه من يده، وإذا بعبد الله البحري رجع إليه ويداه مملوءتان لؤلؤا ومرجانا وزمردا وياقوتا وجواهر، وقال له: خذ يا أخي، ولا تؤاخذني؛ فإنه ما عندي مشنة كنت أملؤها لك. فعند ذلك فرح عبد الله البري وأخذ منه الجواهر وقال له: كل يوم تأتي إلى هذا المكان قبل طلوع الشمس. ثم ودعه وانصرف ودخل البحر. وأما الصياد فإنه دخل المدينة وهو فرحان، ولم يزل ماشيا حتى وصل إلى فرن الخباز، وقال له: يا أخي، قد أتانا الخير فحاسبني. قال له: ما يحتاج إلى حساب، إن كان معك شيء فأعطني، وإن لم يكن معك شيء فخذ عيشك ومصروفك ورح إلى أن يأتيك الخير. فقال له: يا صاحبي، قد أتاني الخير من فيض الله، وقد بقي لك عندي جملة كثيرة، ولكن خذ هذا. وكبش له كبشة من لؤلؤ ومرجان وياقوت وجواهر، وكانت تلك الكبشة نصف ما معه، فأعطاها للخباز وقال له: أعطني شيئا من المعاملة أصرفه في هذا اليوم حتى أبيع هذه المعادن. فأعطاه كل ما كان تحت يده من الدراهم وجميع ما في المشنة التي كانت عنده من الخبز. وفرح الخباز بتلك المعادن وقال للصياد: أنا عبدك وخدامك. وحمل جميع العيش الذي عنده على رأسه ومشى خلفه إلى البيت، فأعطى العيش لزوجته وأولاده، ثم راح إلى السوق وجاء باللحم والخضار وسائر أصناف الفاكهة، وترك الفرن وأقام طول ذلك اليوم وهو يتعاطى خدمة عبد الله البري ويقضي له مصالحه. فقال له الصياد: يا أخي، أتعبت نفسك! قال له الخباز: هذا واجب علي؛ لأني صرت خدامك، وإحسانك قد ms2125 غمرني. فقال له: أنت صاحب الإحسان علي في الضيق والغلاء. وبات معه تلك الليلة على أكل طيب. ثم إن الخباز صار صديقا للصياد، وأخبر زوجته بوقعته مع عبد الله البحري، ففرحت وقالت له: اكتم سرك لئلا تتسلط عليك الحكام. فقال لها: إن كتمت سري عن جميع الناس فلا أكتمه عن الخباز. # ثم إنه أصبح في ثاني يوم وكان قد ملأ مشنة فاكهة من سائر الأصناف في وقت المساء، ثم حملها قبل الشمس وتوجه إلى البحر، وحطها على جنب الشاطئ، وقال: أين أنت يا عبد الله يا بحري؟ وإذا به يقول له: لبيك! وخرج إليه، فقدم له الفاكهة، فحملها ونزل بها وغطس في البحر، وغاب ساعة زمانية، ثم خرج ومعه المشنة ملآنة من جميع أصناف المعادن والجواهر، فحملها عبد الله البري على رأسه وذهب بها، فلما وصل إلى فرن الخباز قال له: يا سيدي، قد خبزت لك أربعين كف شريك وأرسلتها إلى بيتك، وها أنا أخبز العيش الخاص، فمتى خلص أوصله إلى البيت وأروح لأجيء لك بالخضار واللحم. فكبش له من المشنة ثلاث كبشات، وأعطاه إياها وتوجه إلى البيت وحط المشنة، وأخذ من كل صنف من أصناف الجواهر جوهرة نفيسة، ثم ذهب إلى سوق الجواهر ووقف على دكان شيخ السوق وقال: اشتر مني هذه الجواهر. فقال له: أرني إياها. فأراه إياها، فقال له: هل عندك غير هذا؟ قال: عندي مشنة ممتلئة. قال: أين بيتك؟ قال له: في الحارة الفلانية. فأخذ منه الجواهر وقال لأتباعه: أمسكوه؛ فإنه هو الحرامي الذي سرق مصالح الملكة زوجة السلطان. ثم أمرهم أن يضربوه، فضربوه وكتفوه، وقام الشيخ هو وجميع أهل سوق الجواهر وصاروا يقولون: مسكنا الحرامي. وبعضهم يقول: ما سرق متاع فلان إلا هذا الخبيث. وبعضهم يقول: ما سرق جميع ما في بيت فلان إلا هو. وبعضهم يقول كذا، وبعضهم يقول كذا. كل ذلك وهو ساكت ولم يرد على أحد منهم جوابا، ولم يبد له خطابا، حتى أوقفوه قدام الملك، فقال الشيخ: يا ملك الزمان، لما ms2126 سرق عقد الملكة أرسلت أعلمتنا وطلبت منا وقوع الغريم، فاجتهدت أنا من دون الناس وأوقعت لك الغريم، وها هو بين يديك، وهذه الجواهر خلصناها من يده. فقال الملك للطواشي: خذ هذه المعادن وأرها للملكة، وقل لها: هل هذا متاعك الذي ضاع من عندك؟ فأخذها الطواشي ودخل بها قدام الملكة، فلما رأتها تعجبت منها وأرسلت تقول للملك: إني رأيت عقدي في مكاني، وهذا ما هو متاعي، ولكن هذه الجواهر أحسن من جواهر عقدي، فلا تظلم الرجل. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 943 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زوجة الملك لما أرسلت تقول له: هذا ما هو متاعي، ولكن هذه الجواهر أحسن من جواهر عقدي، فلا تظلم الرجل، وإن كان يبيعها فاشترها منه لبنتك أم السعود؛ لنضعها لها في عقد. فلما رجع الطواشي وأخبر الملك بما قالته الملكة، لعن شيخ الجوهرية هو وجماعته لعنة عاد وثمود، فقالوا: يا ملك الزمان، إنا كنا نعرف أن هذا الرجل صياد فقير، فاستكثرنا ذلك عليه، وقد ظننا أنه سرقها. فقال: يا قبحاء، أتستكثرون النعمة على مؤمن؟! فلأي شيء لم تسألوه؟ ربما رزقه الله تعالى بها من حيث لا يحاسب! فكيف تجعلونه حراميا وتفضحونه بين العالم؟ اخرجوا، لا بارك الله فيكم! فخرجوا وهم خائفون. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر الملك، فإنه قال: يا رجل، بارك الله لك فيما أنعم به عليك، وعليك الأمان، ولكن أخبرني بالصحيح، من أين لك هذه الجواهر؟ فإني ملك ولا يوجد عندي مثلها. فقال: يا ملك الزمان، أنا عندي مشنة ممتلئة منها، وهو أن الأمر كذا وكذا. وأخبره بصحبته لعبد الله البحري، وقال له: إنه قد صار بيني وبينه عهد على أنني كل يوم أملأ له المشنة فاكهة وهو يملؤها لي من هذه الجواهر. فقال له: يا رجل، هذا نصيبك، ولكن المال يحتاج إلى الجاه، فأنا أدفع عنك تسلط الناس عليك في هذه الأيام، ولكن ربما عزلت أو مت وتولى غيري، فإنه ms2127 يقتلك من أجل حب الدنيا والطمع، فمرادي أن أزوجك ابنتي وأجعلك وزيري، وأوصي لك بالملك من بعدي حتى لا يطمع فيك أحد بعد موتي. ثم إن الملك قال: خذوا هذا الرجل وأدخلوه الحمام. فأخذوه وغسلوا جسده وألبسوه ثيابا من ثياب الملوك، وأخرجوه قدام الملك فجعله وزيرا له، وأرسل السعاة وأصحاب النوبة وجميع نساء الأكابر إلى بيته، فألبسوا زوجته ملابس نساء الملوك هي وأولادها، وأركبوها في تختروان، ومشت قدامها جميع نساء الأكابر والعساكر والسعاة وأصحاب النوبة، وأتوا بها إلى بيت الملك والطفل الصغير في حضنها، وأدخلوا أولادها الكبار على الملك، فأكرمهم وأخذهم على حجره، وأجلسهم في جانبه، وهم تسعة أولاد ذكور. وكان الملك معدوم الذرية، ما رزق غير تلك البنت التي اسمها أم السعود. أما الملكة فإنها أكرمت زوجة عبد الله البري، وأنعمت عليها وجعلتها وزيرة عندها، وأمر الملك بكتب كتاب عبد الله البري على ابنته، وجعل مهرها جميع ما كان عنده من الجواهر والمعادن. وفتحوا باب الفرح، وأمر الملك أن ينادى بزينة المدينة من أجل فرح ابنته. وفي اليوم الثاني بعد أن دخل على بنت الملك وأزال بكارتها، طل الملك من الشباك فرأى عبد الله حاملا على رأسه مشنة ممتلئة فاكهة، فقال له: ما هذا الذي معك يا نسيبي؟ وإلى أين تذهب؟ فقال: إلى صاحبي عبد الله البحري. فقال له: يا نسيبي، ما هذا وقت الرواح إلى صاحبك! فقال: أخاف أن أخلف معه الميعاد فيعدني كذابا ويقول لي: إن الدنيا ألهتك عني. قال: صدقت، رح إلى صاحبك، أعانك الله. فمشى في البلد وهو متوجه إلى صاحبه، وكانت الناس قد عرفته، فصار يسمع الناس يقولون: هذا نسيب الملك رايح يبدل الأثمار بالجواهر. والذي يكون جاهلا به ولا يعرفه يقول: يا رجل، بكم الرطل؟ تعال بعني. فيقول له: انتظرني حتى أرجع إليك. ولا يغم أحدا. ثم راح واجتمع بعبد الله البحري وأعطاه الفاكهة، وأبدلها له بالجواهر. # ولم يزل على هذه الحالة، وفي كل يوم يمر على فرن الخباز فيراه مقفولا، ودام على ms2128 ذلك مدة عشرة أيام، فلما لم ير الخباز ورأى فرنه مقفولا قال في نفسه: إن هذا شيء عجيب! يا ترى أين راح الخباز؟! ثم إنه سأل جاره فقال له: يا أخي، أين جارك الخباز؟ فما فعل الله به؟ قال: يا سيدي، إنه مريض لا يخرج من بيته. قال له: أين بيته؟ قال له: في الحارة الفلانية. فعمد إليه وسأل عنه، فلما طرق الباب طل الخباز من الطاقة فرأى صاحبه الصياد وعلى رأسه مشنة ممتلئة، فنزل إليه وفتح له الباب ورمى روحه عليه، وعانقه وقال له: كيف حالك يا صاحبي؟ فإني كل يوم أمر على الفرن فأراه مقفولا، ثم سألت جارك فأخبرني أنك مريض، فسألت عن البيت لأجل أن أراك. فقال له الخباز: جزاك الله عني كل خير، فليس بي مرض، وإنما بلغني أن الملك أخذك لأن بعض الناس كذب عليه وادعى أنك حرامي، فخفت أنا وقفلت الفرن واختفيت. قال: صدقت. ثم إنه أخبره بقصته وما وقع له مع الملك وشيخ سوق الجواهر، وقال: إن الملك قد زوجني ابنته وجعلني وزيره. ثم قال له: خذ ما في هذه المشنة نصيبك، ولا تخف. ثم خرج من عنده بعد أن أذهب عنه الخوف، وراح إلى الملك بالمشنة فارغة، فقال له الملك: يا نسيبي، كأنك ما اجتمعت برفيقك عبد الله البحري في هذا اليوم! فقال: رحت، والذي أعطاه لي أعطيته إلى صاحبي الخباز؛ فإن له علي جميلا. قال: من يكون هذا الخباز؟ قال: إنه رجل صاحب معروف، وجرى لي معه في أيام الفقر ما هو كذا وكذا، ولم يهملني يوما ولا كسر خاطري. قال الملك: ما اسمه؟ قال: اسمه عبد الله الخباز، وأنا اسمي عبد الله البري، وصاحبي اسمه عبد الله البحري. قال الملك: وأنا اسمي عبد الله، وعبيد الله كلهم إخوان، فأرسل إلى صاحبك الخباز هاته لنجعله وزير ميسرة. فأرسل إليه، فلما حضر بين يدي الملك ألبسه بدلة وزير وجعله وزير الميسرة، وجعل عبد الله البري وزير الميمنة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن ms2129 الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 944 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك جعل عبد الله البري نسيبه وزير الميمنة وعبد الله الخباز وزير الميسرة، واستمر عبد الله على تلك الحالة سنة كاملة، وهو في كل يوم يأخذ المشنة ممتلئة فاكهة ويرجع بها ممتلئة جواهر ومعادن، ولما فرغت الفواكه من البساتين صار يأخذ زبيبا ولوزا وبندقا وجوزا وتينا وغير ذلك، وجميع ما يأخذه له يقبله منه ويرد له المشنة ممتلئة جواهر على عادته، فاتفق يوما من الأيام أنه أخذ المشنة ممتلئة نقلا على عادته، فأخذها منه وجلس عبد الله البري على الشاطئ وجلس عبد الله البحري في الماء قرب الشاطئ، وصارا يتحدثان مع بعضهما، ويتداولان الكلام بينهما، حتى انجرا إلى ذكر المقابر، فقال البحري: يا أخي، إنهم يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم مدفون عندكم في البر، فهل تعرف قبره؟ قال: نعم. قال له: في أي مكان هو؟ قال له: في مدينة يقال لها طيبة. قال: وهل تزوره الناس أهل البر؟ قال: نعم. قال: هنيئا لكم يا أهل البر بزيارة هذا النبي الكريم الرءوف الرحيم، الذي من زاره استوجب شفاعته. وهل أنت زرته يا أخي؟ قال: لا؛ لأني كنت فقيرا ولا أجد ما أنفقه في الطريق، وما استغنيت إلا من حين عرفتك وتصدقت علي بهذا الخير، ولكن قد وجبت علي زيارته بعد أن أحج بيت الله الحرام، وما منعني عن ذلك إلا محبتك؛ فإني لا أقدر أن أفارقك يوما واحدا. فقال له: وهل تقدم محبتي على زيارة قبر محمد صلى الله عليه وسلم الذي يشفع فيك يوم العرض على الله، وينجيك من النار وتدخل الجنة بشفاعته؟ وهل من أجل حب الدنيا تترك زيارة قبر نبيك محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا والله، إن زيارته مقدمة عندي على كل شيء، ولكن أريد منك إجازة أن أزوره في هذا العام. قال: أعطيك الإجازة بزيارته، وإذا وقفت على قبره فأقرئه مني السلام، وعندي أمانة، فادخل معي في البحر حتى آخذك إلى ms2130 مدينتي وأدخلك بيتي وأضيفك وأعطيك الأمانة لتضعها على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقل له: يا رسول الله، إن عبد الله البحري يقرئك السلام، وقد أهدى إليك هذه الهدية، وهو يرجو منك الشفاعة من النار. فقال له البري: يا أخي، أنت خلقت في الماء، ومسكنك الماء، وهو لا يضرك، فهل إذا خرجت منه إلى البر يحصل لك ضرر؟ قال: نعم، ينشف بدني، وتهب علي نسمات البر فأموت. قال له: وأنا كذلك، خلقت في البر، ومسكني البر، فإذا دخلت البحر يدخل الماء في جوفي ويخنقني فأموت. قال له: لا تخف من ذلك؛ فإني آتيك بدهن تدهن به جسمك، فلا يضرك الماء ولو كنت تقضي بقية عمرك وأنت دائر في البحر، وتنام وتقوم في البحر ولا يضرك شيء. قال: إذا كان الأمر كذلك فلا بأس، هات لي الدهان حتى أجربه. قال: وهو كذلك. ثم أخذ المشنة ونزل في البحر وغاب قليلا، ثم رجع ومعه شحم مثل شحم البقر، لونه أصفر كلون الذهب، ورائحته زكية، فقال له عبد الله البري: ما هذا يا أخي؟ فقال له: هذا شحم كبد صنف من أصناف السمك يقال له الدندان، وهو أعظم أصناف السمك خلقة، وهو أشد أعدائنا علينا، وصورته أكبر صورة توجد عندكم من دواب البر، ولو رأى الجمل أو الفيل لابتلعه. فقال له: يا أخي، وما يأكل هذا المشئوم؟ فقال له: يأكل من دواب البحر، أما سمعت أنه يقال في المثل: مثل سمك البحر القوي يأكل الضعيف؟! قال: صدقت، ولكن هل عندكم من هذا الدندان في البحر كثير؟ قال: عندنا شيء لا يحصيه إلا الله تعالى. قال عبد الله البري: إني أخاف إذا نزلت معك أن يصادفني هذا النوع فيأكلني. قال له عبد الله البحري: لا تخف؛ فإنه متى رآك عرف أنك ابن آدم فيخاف منك ويهرب، ولا يخاف من أحد في البحر مثل ما يخاف من ابن آدم؛ لأنه متى أكل ابن آدم مات من وقته وساعته؛ فإن شحم ابن آدم سم قاتل ms2131 لهذا النوع، ونحن ما نجمع شحم كبده إلا من أجل ابن آدم إذا وقع في البحر غريقا، فإنه تتغير صورته وربما تمزق لحمه فيأكله الدندان لظنه أنه من حيوان البحر فيموت، فنعثر به ميتا فنأخذ شحم كبده وندهن به أجسامنا وندور في البحر، فأي مكان كان فيه ابن آدم إذا كان فيه مائة أو مائتان أو ألف أو أكثر من ذلك النوع وسمعوا صيحة ابن آدم، فإن الجميع يموتون لوقتهم من صيحته مرة واحدة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 945 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله البحري قال لعبد الله البري: وإذا سمع ألف من هذا النوع أو أكثر من ابن آدم صيحة واحدة يموتون لوقتهم ولا يقدر أحد منهم أن ينتقل من مكانه. فقال عبد الله البري: توكلت على الله. ثم قلع ما كان عليه من الملبوس، وحفر في شاطئ البحر ودفن ثيابه، وبعد ذلك دهن جسمه من فرقه إلى قدمه بهذا الدهن، ثم نزل في الماء وغطس وفتح عينيه فلم يضره الماء، فمشى يمينا وشمالا، ثم جعل إن شاء يعلو وإن شاء ينزل إلى القرار، ورأى ماء البحر مخيما عليه مثل الخيمة ولا يضره، فقال له عبد الله البحري: ماذا ترى يا أخي؟ قال له: أرى خيرا يا أخي، وقد صدقت فيما قلت؛ فإن الماء ما ضرني. قال له: اتبعني. فتبعه، وما زالا يمشيان من مكان إلى مكان وهو يرى أمامه وعن يمينه وعن شماله جبالا من الماء، فصار يتفرج عليها وعلى أصناف السمك وهي تلعب في البحر، البعض كبير والبعض صغير، وفيه شيء يشبه الجاموس، وشيء يشبه البقر، وشيء يشبه الكلاب، وشيء يشبه الآدميين، وكل نوع قرب منه يهرب حين يرى عبد الله البري، فقال للبحري: يا أخي، ما لي أرى كل نوع قربنا منه يهرب منا؟ فقال له: مخافة منك؛ لأن جميع ما خلقه الله يخاف من ابن آدم. وما زال يتفرج على عجائب البحر حتى وصلا إلى جبل ms2132 عال، فمشى عبد الله البري بجانب ذلك الجبل، فلم يشعر إلا وصيحة عظيمة، فالتفت فرأى شيئا أسود منحدرا عليه من ذلك الجبل، وهو قدر الجمل أو أكبر، وصار يصيح، فقال له: ما هذا يا أخي؟ قال له البحري: هذا الدندان؛ فإنه نازل في طلبي، مراده أن يأكلني، فصح عليه يا أخي قبل أن يصل إلينا فيخطفني ويأكلني. فصاح عليه عبد الله البري وإذا هو وقع ميتا، فلما رآه ميتا قال: سبحان الله وبحمده، أنا لا ضربته بسيف ولا بسكين! كيف هذه العظمة التي فيها هذا المخلوق ولم يحمل صيحتي، بل مات؟ فقال له عبد الله البحري: لا تعجب، فوالله يا أخي، لو كان من هذا النوع ألف أو ألفان لم يحملوا صيحة ابن آدم. # ![figure](../Images/figure5.png) # أقبلت عليه ولها وجه مثل القمر، وشعر طويل، وخصر نحيل، لكنها عريانة ولها ذنب. # ثم مشيا إلى مدينة فرأيا أهلها جميعا بنات وليس فيهن ذكور، فقال: يا أخي، ما هذه المدينة؟ وما هذه البنات؟ فقال له: هذه مدينة البنات؛ لأن أهلها من بنات البحر. قال: هل فيهن ذكور؟ قال: لا. قال: وكيف يحبلن ويلدن من غير ذكور؟! قال: إن ملك البحر ينفيهن إلى هذه المدينة، وهن لا يحبلن ولا يلدن، وإنما كل واحدة غضب عليها من بنات البحر يرسلها إلى هذه المدينة ولا تقدر أن تخرج منها، فإن خرجت منها فإن كل ما رآها من دواب البحر يأكلها، وأما غير هذه المدينة ففيه رجال وبنات. قال له: هل في البحر مدن غير هذه المدينة؟ قال له: كثير. قال: وهل عليكم سلطان في البحر؟ قال له: نعم. قال له: يا أخي، إني رأيت في البحر عجائب كثيرة. قال له: وأي شيء رأيت من العجائب؟ أما سمعت صاحب المثل يقول: عجائب البحر أكثر من عجائب البر؟! قال: صدقت. ثم إنه صار يتفرج على هذه البنات، فرأى لهن وجوها مثل الأقمار، وشعورا مثل شعور النساء، ولكن لهن أياد وأرجل في بطونهن، ولهن أذناب مثل أذناب السمك، ثم إنه فرجه ms2133 على أهل تلك المدينة، وخرج به ومشى قدامه إلى مدينة أخرى، فرآها ممتلئة خلائق؛ إناثا وذكورا، صورهم مثل صور البنات ولهم أذناب، ولكن ليس عندهم بيع ولا شراء مثل أهل البر، وليسوا لابسين، بل الكل عرايا مكشوفو العورة، فقال له: يا أخي، إني أرى الإناث والذكور مكشوفي العورة! فقال له: لأن أهل البحر لا قماش عندهم. فقال له: يا أخي، كيف يصنعون إذا تزوجوا؟ فقال له: هم لا يتزوجون، بل كل من أعجبته أنثى يقضي مراده منها. قال له: إن هذا شيء حرام! ولأي شيء لا يخطبها ويمهرها ويقيم لها فرحا ويتزوجها بما يرضي الله ورسوله؟! قال له: ليس كلنا ملة واحدة، فإن فينا مسلمين موحدين، وفينا نصارى ويهودا وغير ذلك، والذي يتزوج منا خصوص المسلمين. فقال: أنتم عريانون ولا عندكم بيع ولا شراء، فأي شيء يكون مهر نسائكم؟ هل تعطونهن جواهر ومعادن؟ قال له: إن الجواهر أحجار ليس لها عندنا قيمة، وإنما الذي يريد أن يتزوج يجعلون عليه شيئا معلوما من أصناف السمك يصطاده قدر ألف أو ألفين أو أكثر أو أقل بحسب ما يحصل عليه الاتفاق بينه وبين أبي الزوجة. فلما يحضر المطلوب يجتمع أهل العريس وأهل العروسة ويأكلون الوليمة، ثم يدخلونه على زوجته، وبعد ذلك يصطاد من السمك ويطعمها، وإذا عجز تصطاد هي وتطعمه. قال: وإن زنا بعضهم ببعض كيف يكون الحال؟ قال: إن الذي يثبت عليه هذا الأمر، إن كانت أنثى ينفوها إلى مدينة البنات، فإذا كانت حاملا من الزنا فإنهم يتركونها إلى أن تلد، فإن ولدت بنتا ينفوها معها وتسمى زانية بنت زانية، ولم تزل بنتا حتى تموت، وإن كان المولود ذكرا فإنهم يأخذونه إلى الملك سلطان البحر فيقتله. فتعجب عبد الله البري من ذلك. # ثم إن عبد الله البحري أخذه إلى مدينة أخرى وبعدها أخرى وهكذا، وما زال يفرجه حتى فرجه على ثمانين مدينة، وكل مدينة يرى أهلها لا يشبهون أهل غيرها من المدن، فقال له: يا أخي، هل بقي في البحر مدائن؟ قال: ms2134 وأي شيء رأيت من مدائن البحر وعجائبه؟ وحق النبي الكريم الرءوف الرحيم لو كنت فرجتك ألف عام كل يوم على ألف مدينة، وأريتك في كل مدينة ألف أعجوبة، ما أريتك قيراطا من أربعة وعشرين قيراطا من مدائن البحر وعجائبه، وإنما فرجتك على ديارنا وأرضنا لا غير. فقال له: يا أخي، حيث كان الأمر كذلك يكفيني ما تفرجت عليه، فإني سئمت من أكل السمك، ومضى لي في صحبتك ثمانون يوما، وأنت لا تطعمني صباحا ومساء إلا سمكا طريا، لا مشويا ولا مطبوخا. فقال له: أي شيء يكون المطبوخ والمشوي؟ قال له عبد الله البري: نحن نشوي السمك في النار ونطبخه ونجعله أصنافا ونصنع منه أنواعا كثيرة. فقال له البحري: ومن أين تأتي لنا النار؟ فنحن لا نعرف المشوي ولا المطبوخ ولا غير ذلك. فقال له البري: نحن نقليه بالزيت والشيرج. فقال له البحري: ومن أين لنا الزيت والشيرج ونحن في هذا البحر لا نعرف شيئا مما ذكرته؟ قال: صدقت، ولكن يا أخي قد فرجتني على مدائن كثيرة ولم تفرجني على مدينتك. قال له: أما مدينتي فإننا فتناها بمسافة، وهي قريبة من البر الذي أتينا منه، وإنما تركت مدينتي وجئت بك إلى هنا لأني قصدت أن أفرجك على مدائن البحر. قال له: يكفيني ما تفرجت عليه، ومرادي أن تفرجني على مدينتك. قال له: وهو كذلك. ثم رجع به إلى مدينته، فلما وصل إليها قال له: هذه مدينتي. فرآها مدينة صغيرة عن المدائن التي تفرج عليها، ثم دخل المدينة ومعه عبد الله البحري إلى أن وصل إلى مغارة. قال له: هذا بيتي، وكل بيوت هذه المدينة كذلك؛ مغارات كبار وصغار في الجبال، وكذلك جميع مدائن البحر على هذه الصفة، فإن كل من أراد أن يصنع له بيت يروح إلى الملك ويقول له: مرادي أن أتخذ بيتا في المكان الفلاني. فيرسل الملك معه طائفة من السمك يسمون النقارين، ويجعل كراهم شيئا معلوما من السمك، ولهم مناقير تفتت الحجر الجلمود، فيأتون إلى الجبل الذي أراده ms2135 صاحب البيت وينقرون فيه البيت، وصاحب البيت يصطاد لهم من السمك ويلقمهم حتى تتم المغارة، فيذهبون وصاحب البيت يسكنه. وجميع أهل البحر على هذه الحالة، لا يتعاملون مع بعضهم إلا بالسمك، وكلهم سمك. ثم قال له: ادخل. فدخل، فقال عبد الله البحري: يا بنتي. وإذا ببنته أقبلت عليه ولها وجه مدور مثل القمر، ولها شعر طويل ثقيل وطرف كحيل وخصر نحيل، لكنها عريانة ولها ذنب، فلما رأت عبد الله البري مع أبيها قالت له: يا أبي، ما هذا الأزعر الذي جئت به معك؟ فقال لها: يا بنتي، هذا صاحبي البري الذي كنت أجيء لك من عنده بالفاكهة البرية، تعالي سلمي عليه. فتقدمت وسلمت عليه بلسان فصيح وكلام بليغ، فقال لها أبوها: هاتي زادا لضيفنا الذي حلت علينا بقدومه البركة. فجاءت له بسمكتين كبيرتين، كل واحدة منهما مثل الخروف، فقال له: كل. فأكل غصبا عنه من الجوع؛ لأنه سئم من أكل السمك وليس عندهم شيء غير السمك. فما مضى حصة إلا وامرأة عبد الله البحري أقبلت، وهي جميلة الصورة ومعها ولدان، ولد في يده فرخ سمك يقرش فيه كما يقرش الإنسان في الخيارة. فلما رأت عبد الله البري مع زوجها قالت: أي شيء هذا الأزعر؟ وتقدم الولدان وأختهما وأمهم وصاروا ينظرون إلى دبر عبد الله البري ويقولون: إي والله، إنه أزعر! ويضحكون عليه. فقال له عبد الله البري: يا أخي، هل أنت جئت بي لتجعلني سخرية لأولادك وزوجتك؟! وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 946 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله البري قال لعبد الله البحري: يا أخي، هل أنت جئت بي لتجعلني سخرية لأولادك وزوجتك؟! فقال له عبد الله البحري: العفو يا أخي؛ فإن الذي لا ذنب له غير موجود عندنا، وإذا وجد واحد من غير ذنب يأخذه السلطان ليضحك عليه، ولكن يا أخي لا تؤاخذ هؤلاء الأولاد الصغار والمرأة، فإن عقولهم ناقصة. ثم صرخ عبد الله البحري على عياله وقال لهم: اسكتوا. فخافوا ms2136 وسكتوا، وجعل يأخذ بخاطره. فبينما هو يتحدث معه، وإذا بعشرة أشخاص كبار شداد غلاظ أقبلوا عليه وقالوا: يا عبد الله، إنه بلغ الملك أن عندك أزعر من زعر البر. فقال لهم: نعم، وهو هذا الرجل، فإنه صاحبي أتاني ضيفا، ومرادي أن أرجعه إلى البر. قالوا له: إننا لا نقدر أن نروح إلا به، فإن كان مرادك كلاما فقم وخذه واحضر به قدام الملك، والذي تقوله لنا قله للملك. فقال عبد الله البحري: يا أخي، العذر واضح، ولا يمكننا مخالفة الملك، ولكن امض معي للملك وأنا أسعى في خلاصك منه إن شاء الله، ولا تخف؛ فإنه متى رآك عرف أنك من أولاد البر، ومتى علم أنك بري فلا بد أنه يكرمك ويردك إلى البر. فقال عبد الله البري: الرأي رأيك، فأنا أتوكل على الله وأمشي معك. ثم أخذه ومضى به إلى أن وصل إلى الملك، فلما رآه الملك ضحك وقال: مرحبا بالأزعر. وصار كل من كان حول الملك يضحك عليه ويقول: إي والله، إنه أزعر! فتقدم عبد الله البحري إلى الملك وأخبره بأحواله، وقال له: هذا من أولاد البر وصاحبي، وهو لا يعيش بيننا؛ لأنه لا يحب أكل السمك إلا مقليا أو مطبوخا، والمراد أنك تأذن لي في أن أرده إلى البر. فقال له الملك: حيث كان الأمر كذلك، لا يعيش عندنا، فقد أذنت لك في أن ترده إلى مكانه بعد الضيافة. ثم إن الملك قال: هاتوا الضيافة. فأتوا له بسمك أشكالا وألوانا، فأكل امتثالا لأمر الملك، ثم قال له الملك: تمن علي. فقال عبد الله البري: أتمنى أن تعطيني جواهر. فقال: خذوه إلى دار الجوهر ودعوه ينقي ما يحتاج إليه. فأخذه صاحبه إلى دار الجوهر ونقى على قدر ما أراد، ثم رجع به إلى مدينته وأخرج له صرة وقال له: خذ هذه أمانة أوصلها إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذها وهو لا يعلم ما فيها، ثم خرج معه ليوصله إلى البر، فرأى في طريقه غناء وفرحا وسماطا ممدودا ms2137 من السمك، والناس يأكلون ويغنون وهم في فرح عظيم، فقال عبد الله البري لعبد الله البحري: ما لهؤلاء الناس في فرح عظيم؟ هل عندهم عرس؟ فقال البحري: ليس عندهم عرس، وإنما مات عندهم ميت. فقال له: أنتم إذا مات عندكم ميت تفرحون له وتغنون وتأكلون؟! قال: نعم. وأنتم يا أهل البر ماذا تفعلون؟ قال البري: إذا مات عندنا ميت نحزن عليه ونبكي، والنساء يلطمن وجوههن ويشققن جيوبهن حزنا على من مات. فحملق عبد الله البحري عينيه في عبد الله البري وقال له: هات الأمانة! فأعطاها له، ثم أخرجه إلى البر وقال: قد قطعت صحبتك وودك، فبعد هذا اليوم لا تراني ولا أراك. فقال له: لماذا هذا الكلام؟ فقال له: أما أنتم يا أهل البر أمانة الله؟ فقال البري: نعم. قال: لا يهون عليكم أن الله يأخذ أمانته، بل تبكون عليها! وكيف أعطيك أمانة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأنتم إذا أتاكم المولود تفرحون به مع أن الله يضع فيه الروح أمانة، فإذا أخذها كيف تصعب عليكم وتبكون وتحزنون؟ فما لنا في رفقتكم حاجة. ثم تركه وراح إلى البحر. # ثم إن عبد الله البري لبس حوائجه وأخذ جواهره وتوجه إلى الملك، فتلقاه باشتياق وفرح به وقال له: كيف أنت يا نسيبي؟ وما سبب غيابك عني هذه المدة؟ فأخبره بقصته وما رآه من العجائب في البحر، فتعجب الملك من ذلك، ثم أخبره بما قاله عبد الله البحري، فقال له: هل أنت الذي أخطأت في خبرك بهذا الخبر؟ ثم إنه استمر مدة من الزمان وهو يروح إلى جانب البحر ويصيح على عبد الله البحري، فلم يرد عليه، ولم يأت إليه، فقطع عبد الله البري الرجاء منه، وأقام هو والملك نسيبه وأهلهما في أسر حال وحسن أعمال حتى أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات وماتوا جميعا. فسبحان الحي الذي لا يموت، ذي الملك والملكوت، وهو على كل شيء قدير، وبعباده لطيف خبير. ### || حكاية هارون الرشيد وأبي الحسن العماني # ومما يحكى أيضا أن الخليفة هارون الرشيد ms2138 أرق ذات ليلة أرقا شديدا فاستدعى مسرورا فحضر، فقال: ائتني بجعفر بسرعة. فمضى وأحضره، فلما وقف بين يديه قال: يا جعفر، إنه قد اعتراني في هذه الليلة أرق فمنع عني النوم، ولا أعلم ما يزيله عني. قال: يا أمير المؤمنين، قد قالت الحكماء: النظر إلى المرآة ودخول الحمام واستعمال الغناء يزيل الهم والفكر. فقال: يا جعفر، إني فعلت هذا كله فلم يزل عني شيئا، وأنا أقسم بآبائي الطاهرين إن لم تتسبب فيما يزيل عني ذلك لأضربن عنقك. قال: يا أمير المؤمنين، هل تفعل ما أشير به عليك؟ قال: وما الذي تشير به علي؟ قال: أن تنزل بنا في زورق وتنحدر به في بحر الدجلة مع الماء إلى محل يسمى قرن الصراط، لعلنا نسمع ما لم نسمع، أو ننظر ما لم ننظر، فإنه قد قيل: تفريج الهم بواحد من ثلاثة أمور: أن يرى الإنسان ما لم يكن رآه، أو يسمع ما لم يكن سمعه، أو يطأ أرضا لم يكن وطئها. فلعل ذلك يكون سببا لزوال القلق عنك يا أمير المؤمنين. فعند ذلك قام الرشيد من موضعه وصحبته جعفر وأخوه الفصل وإسحاق النديم وأبو نواس وأبو دلف ومسرور السياف. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 947 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة لما قام من موضعه وصحبته جعفر وباقي جماعته، دخلوا حجرة الثياب ولبسوا كلهم ملابس التجار، وتوجهوا إلى الدجلة ونزلوا في زورق مزركش بالذهب، وانحدروا مع الماء حتى وصلوا إلى الموضع الذي يريدونه، فسمعوا صوت جارية تغني على العود وتنشد هذه الأبيات: # أقول له وقد حضر العقار %~% وقد غنى على الأيك الهزار ~~إلى كم ذا التأني عن سرور %~% أفق ما العمر إلا مستعار ~~فخذها من يدي خل عزيز %~% بجفنيه فتور وانكسار ~~زرعت بخده وردا طريا %~% فأثمر في السوالف جلنار ~~وتحسب موضع التخميش فيه %~% رمادا خامدا والخد نار ~~يقول لي العذول تسل عنه %~% فما عذري وقد نم العذار ![figure](../Images/figure6.png) # ونزلوا في الزورق حتى وصلوا إلى الموضع، فسمعوا صوت ms2139 جارية تغني. # فلما سمع الخليفة هذا الصوت قال: يا جعفر، ما أحسن هذا الصوت! قال جعفر: يا مولانا، ما طرق سمعي أطيب ولا أحسن من هذا الغناء، ولكن يا سيدي إن السماع من وراء جدار نصف سماع، فكيف بالسماع من خلف ستر؟ فقال: انهض بنا يا جعفر حتى نتطفل على صاحب هذه الدار؛ لعلنا نرى المغنية عيانا. قال جعفر: سمعا وطاعة. فصعدوا من المركب واستأذنوا في الدخول، وإذا بشاب مليح المنظر عذب الكلام فصيح اللسان قد خرج إليهم وقال: أهلا وسهلا يا سادة المنعمين علي، ادخلوا بالرحب والسعة. فدخلوا وهو بين أيديهم، فرأوا الدار بأربعة أوجه، وسقفها بالذهب، وحيطانها منقوشة باللازورد، وفيها إيوان به سدلة جميلة وعليها مائة جارية كأنهن أقمار، فصاح عليهن فنزلن عن أسرتهن، ثم التفت رب المنزل إلى جعفر وقال: يا سيدي، أنا ما أعرف منكم الجليل من الأجل، باسم الله ليتفضل منكم من هو أعلى في الصدر، ويجلس إخوانه كل واحد في مرتبته. فجلس كل واحد في منزلته، وقام مسرور في الخدمة بين أيديهم، ثم قال لهم صاحب المنزل: يا أضيافي، عن إذنكم، هل أحضر لكم شيئا من المأكول؟ قالوا له: نعم. فأمر الجواري بإحضار الطعام، فأقبل أربع جوار مشدودات الأوساط بين أيديهن مائدة وعليها من غرائب الألوان، مما درج وطار وسبح في البحار، من قطا وسمان وأفراخ وحمام، ومكتوب على حواشي السفرة من الأشعار ما يناسب المجلس، فأكلوا على قدر كفايتهم، ثم غسلوا أيديهم، فقال الشاب: يا سادتي، إن كان لكم حاجة فأخبرونا بها حتى نتشرف بقضائها. قالوا: نعم، فإننا ما جئنا منزلك إلا لأجل صوت سمعناه من وراء حائط دارك، فاشتهينا أن نسمعه ونعرف صاحبته، فإن رأيت أن تنعم علينا بذلك كان من مكارم أخلاقك، ثم نعود من حيث جئنا. فقال: مرحبا بكم. ثم التفت إلى جارية سوداء وقال: أحضري سيدتك فلانة. فذهبت الجارية ثم جاءت ومعها كرسي فوضعته، ثم ذهبت ثانيا وأتت ومعها جارية كأنها البدر في تمامه، فجلست على الكرسي. ثم إن ms2140 الجارية السوداء ناولتها خرقة من أطلس، فأخرجت منها عودا مرصعا بالجواهر واليواقيت وملاويه من الذهب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 948 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما أقبلت جلست على الكرسي وأخرجت العود من الخريطة، وإذا هو مرصع بالجواهر واليواقيت وملاويه من الذهب، فشدت أوتاره لرنات المزاهر، وهي كما قال فيها وفي عودها الشاعر: # حضنته كالأم الشفيقة بابنها %~% في حجرها وجلا عليه ملاويه ~~ما حركت يدها اليمين لجسه %~% إلا وأصلحت اليسار ملاويه # ثم ضمت العود إلى صدرها وانحنت عليه انحناء الوالدة على ولدها، وجست أوتاره فاستغاث كما يستغيث الصبي بأمه، ثم ضربت عليه وجعلت تنشد هذه الأبيات: # جاد الزمان بمن أحب فأعتبا %~% يا صاحبي فأدر كئوسك واشربا ~~من خمرة ما مازجت قلب امرئ %~% إلا وأصبح بالمسرة مطربا ~~قام النسيم بحملها في كأسها %~% أرأيت بدر التم يحمل كوكبا ~~كم ليلة سامرت فيها بدرها %~% من فوق دجلة قد أضاء الغيهبا ~~والبدر يجنح للغروب كأنما %~% قد مد فوق الماء سيفا مذهبا # فلما فرغت من شعرها بكت بكاء شديدا، وصاح كل من في الدار بالبكاء حتى كادوا أن يهلكوا، وما منهم أحد إلا وغاب عن وجوده ومزق أثوابه ولطم على وجهه لحسن غنائها. فقال الرشيد: إن غناء هذه الجارية يدل على أنها عاشقة مفارقة. فقال سيدها: إنها ثاكلة لأمها وأبيها. فقال الرشيد: ما هذا بكاء من فقد أباه وأمه، وإنما هو شجو من فقد محبوبه. وطرب الرشيد من غنائها، وقال لإسحاق: والله، ما رأيت مثلها. فقال إسحاق: يا سيدي، إني لأعجب منها غاية العجب، ولا أملك نفسي من الطرب. وكان الرشيد مع ذلك كله ينظر إلى صاحب الدار ويتأمل في محاسنه وظرف شمائله، فرأى في وجهه أثر اصفرار، فالتفت إليه وقال له: يا فتى. فقال: لبيك يا سيدي. فقال له: هل تعلم من نحن؟ قال: لا. فقال له جعفر: أتحب أن نخبرك عن كل واحد باسمه؟ فقال: نعم. فقال جعفر: هذا أمير المؤمنين وابن عم سيد المرسلين. ms2141 وذكر له بقية أسماء الجماعة، وبعد ذلك قال الرشيد: أشتهي أن تخبرني عن هذا الاصفرار الذي في وجهك؛ هل هو مكتسب أو أصلي من حين ولادتك؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن حديثي غريب وأمري عجيب، لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر. قال: أعلمني به؛ لعل شفاك يكون على يدي. قال: يا أمير المؤمنين، أرعني سمعك وأخل لي ذرعك. قال: هات فحدثني، فقد شوقتني إلى سماعه. فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أني رجل تاجر من تجار البحر، وأصلي من مدينة عمان، وكان أبي تاجرا كثير المال، وكان له ثلاثون مركبا تعمل في البحر، أجرتها في كل عام ثلاثون ألف دينار، وكان رجلا كريما، وعلمني الخط وجميع ما يحتاج إليه الشخص، فلما حضرته الوفاة دعاني وأوصاني بما جرت به العادة، ثم توفاه الله تعالى إلى رحمته وأبقى الله أمير المؤمنين. وكان لأبي شركاء يتجرون في ماله ويسافرون في البحر، فاتفق في بعض الأيام أني كنت قاعدا في منزلي مع جماعة من التجار، إذ دخل علي غلام من غلماني وقال: يا سيدي، إن بالباب رجلا يطلب الإذن في الدخول عليك. فأذنت له، فدخل وهو حامل على رأسه شيئا مغطى، فوضعه بين يدي وكشفه، فإذا فيه فواكه بغير أوان وملح وطرائف ليست في بلادنا، فشكرته على ذلك وأعطيته مائة دينار، وانصرف شاكرا، ثم فرقت ذلك على كل من كان حاضرا من الأصحاب، ثم سألت التجار: من أين هذا؟ فقالوا: إنه من البصرة. وأثنوا عليه وصاروا يصفون حسن البصرة، وأجمعوا على أنه ليس في البلاد أحسن من بغداد ومن أهلها، وصاروا يصفون بغداد وحسن أخلاق أهلها، وطيب هوائها، وحسن تركيبها، فاشتاقت نفسي إليها، وتعلقت آمالي برؤيتها، فقمت وبعت العقارات والأملاك، وبعت المراكب بمائة ألف دينار، وبعت العبيد والجواري، وجمعت مالي فصار ألف ألف دينار غير الجواهر والمعادن، واكتريت مركبا وشحنته بأموالي وسائر متاعي، وسافرت به أياما وليالي حتى جئت إلى البصرة، فأقمت بها مدة، ثم استأجرت سفينة ونزلت ما لي فيها، ms2142 وسرنا منحدرين أياما قلائل حتى وصلنا إلى بغداد، فسألت أين تسكن التجار؟ وأي موضع أطيب للسكان؟ فقالوا: في حارة الكرخ. فجئت إليها واستأجرت دارا في درب يسمى الزعفران، ونقلت جميع ما لي إلى تلك الدار، وأقمت فيها مدة، ثم توجهت في بعض الأيام إلى الفرجة ومعي شيء من المال، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة، فأتيت إلى جامع يسمى جامع المنصور تقام فيه الجمعة، وبعد أن خلصنا من الصلاة خرجت مع الناس إلى موضع يسمى قرن الصراط، فرأيت في ذلك المكان موضعا عاليا جميلا وله روشن مطل على الشاطئ، وهناك شباك، فذهبت في جملة الناس إلى ذلك المكان، فرأيت شيخا جالسا وعليه ثياب جميلة وتفوح منه رائحة طيبة، وقد سرح لحيته فافترقت على صدره فرقتين كأنها قضب من لجين، وحوله أربع جوار وخمسة غلمان، فقلت لشخص: ما اسم هذا الشيخ؟ وما صنعته؟ فقال: هذا طاهر بن العلاء وهو صاحب الفتيان، كل من دخل عنده يأكل ويشرب وينظر إلى الملاح. فقلت له: والله إن لي زمانا أدور على مثل هذا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 949 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاب لما قال: والله إن لي زمانا وأنا أدور على مثل هذا. ثم قال: فتقدمت إليه يا أمير المؤمنين وسلمت عليه وقلت له: يا سيدي، إن لي عندك حاجة. فقال: ما حاجتك؟ قلت: أشتهي أن أكون ضيفك في هذه الليلة. فقال: حبا وكرامة. ثم قال: يا ولدي، عندي جوار كثيرة، منهن من ليلتها بعشرة دنانير، ومنهن من ليلتها بأربعين دينارا، ومنهن من ليلتها بأكثر، فاختر من تريد. فقلت: أختار التي ليلتها بعشرة دنانير. ثم وزنت له ثلاثمائة دينار عن شهر، فسلمني لغلام، فأخذني ذلك الغلام وذهب بي إلى الحمام في القصر، وخدمني خدمة حسنة، فخرجت من الحمام، وأتى بي إلى مقصورة وطرق الباب، فخرجت له جارية، فقال لها: خذي ضيفك. فتلقتني بالرحب والسعة، ضاحكة مستبشرة، وأدخلتني دارا عجيبة مزركشة بالذهب، فتأملت في تلك الجارية فرأيتها ms2143 كالبدر ليلة تمامه، وفي خدمتها جاريتان كأنهما كوكبان، ثم أجلستني وجلست بجانبي، ثم أشارت إلى الجواري فأتين بمائدة فيها من أنواع اللحوم من دجاج وسمان وقطا وحمام، فأكلنا حتى اكتفينا، وما رأيت في عمري ألذ من ذلك الطعام، فلما أكلنا رفعت تلك المائدة وأحضرت مائدة الشراب والمشموم والحلوى والفواكه، وأقمت عندها شهرا على هذا الحال، فلما فرغ الشهر دخلت الحمام وجئت إلى الشيخ وقلت له: يا سيدي، أريد التي ليلتها بعشرين دينارا، فقال: زن الذهب. فمضيت وأحضرت الذهب، فوزنت له ستمائة دينار عن شهر، فنادى غلاما وقال له: خذ سيدك. فأخذني وأدخلني الحمام، فلما خرجت أتى بي إلى باب مقصورة وطرقه، فخرجت منه جارية، فقال لها: خذي ضيفك. فتلقتني بأحسن ملتقى، وإذا حولها أربع جوار، ثم أمرت بإحضار الطعام، فحضرت مائدة عليها من سائر الأطعمة، فأكلت، ولما فرغت من الأكل ورفعت المائدة، أخذت العود وغنت بهذه الأبيات: # أيا نفحات المسك من أرض بابل %~% بحق غرامي أن تؤدي رسائلي ~~عهدت بهاتيك الأراضي منازلا %~% لأحبابنا أكرم بها من منازل ~~وفيها التي في حبها كل عاشق %~% تغنى ولم يرتد منها بطائل # فأقمت عندها شهرا، ثم جئت إلى الشيخ وقلت: أريد صاحبة الأربعين دينارا. فقال: زن لي الذهب. فوزنت له عن شهر ألفا ومائتي دينار، ومكثت عندها شهرا كأنه يوم واحد لما رأيت من حسن المنظر وحسن العشرة، ثم جئت إلى الشيخ وكنا قد أمسينا، فسمعت ضجة عظيمة وأصواتا عالية، فقلت له: ما الخبر؟ فقال لي الشيخ: إن هذه الليلة عندنا أشهر الليالي، وجميع الخلائق يتفرجون على بعضهم فيها، فهل لك أن تصعد على السطح وتتفرج على الناس؟ فقلت: نعم. وطلعت على السطح فرأيت ستارة حسنة، ووراء الستارة محل عظيم وفيه سدلة وعليها فرش مليح، وهناك صبية تدهش الناظرين حسنا وجمالا وقدا واعتدالا، وبجانبها غلام يده على عنقها وهو يقبلها وتقبله، فلما رأيتهما يا أمير المؤمنين لم أملك نفسي ولم أعرف أين أنا لما بهرني من حسن صورتها، فلما نزلت سألت الجارية التي أنا ms2144 عندها وأخبرتها بصفتها، فقالت: ما لك وما لها؟ فقلت: والله، إنها أخذت عقلي! فتبسمت وقالت: يا أبا الحسن، ألك فيها غرض؟ فقلت: إي والله، فإنها تملكت قلبي ولبي. فقالت: هذه ابنة طاهر بن العلاء، وهي سيدتنا، وكلنا جواريها. أتعرف يا أبا الحسن بكم ليلتها ويومها؟ قلت: لا. قالت: بخمسمائة دينار، وهي حسرة في قلوب الملوك. فقلت: والله لأذهبن مالي كله على هذه الجارية. وبت أكابد الغرام طول ليلي، فلما أصبحت دخلت الحمام ولبست أفخر ملبوس من ملابس الملوك، وجئت إلى أبيها وقلت: يا سيدي، أريد التي ليلتها بخمسمائة دينار. فقال: زن الذهب. فوزنت له عن كل شهر خمسة عشر ألف دينار، فأخذها، ثم قال للغلام: اعمد به إلى سيدتك فلانة، فأخذني وأتى بي إلى دار لم تر عيني أظرف منها على وجه الأرض، فدخلتها فرأيت الصبية جالسة، فلما رأيتها أدهشت عقلي بحسنها يا أمير المؤمنين، وهي كالبدر في ليلة أربعة عشر. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 950 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاب لما حدث أمير المؤمنين بصفات الجارية قال له: وهي كالبدر في ليلة أربعة عشر، ذات حسن وجمال، وقد واعتدال، وألفاظ تفضح رنات المزاهر، كأنها المقصودة بقول الشاعر: # قالت وقد لعب الغرام بعطفها %~% في جنح ليل سابل الأحلاك ~~يا ليل هل لي في دجاك مسامر %~% أو هل لهذا الكس من نياك ~~ضربت عليه بكفها وتنهدت %~% كتنهد الأسف الحزين الباكي ~~والثغر بالمسواك يظهر حسنه %~% والأير للأكساس كالمسواك ~~يا مسلمون أما تقوم أيوركم %~% ما فيكم أحد يغيث الشاكي ~~فانقض من تحت الغلائل قائما %~% أيري وقال لها: أتاك أتاك ~~وحللت عقد إزارها فتفزعت %~% من أنت؟ قلت: فتى أجاب نداك ~~وغدوت أرهسها بمثل ذراعها %~% رهس اللطيف يضر بالأوراك ~~حتى إذا ما قمت بعد ثلاثة %~% قالت: هناك النيك؟ قلت: هناك # وما أحسن قول الآخر: # ولو أنها للمشركين تعرضت %~% لباءوا بها من دون أصنامهم ربا ~~ولو تفلت في البحر والبحر مالح %~% لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا ~~ولو ms2145 أنها في الشرق لاحت لراهب %~% لخلى سبيل الشرق واتبع الغربا # وما أحسن قول الآخر: # نظرت إليها نظرة فتحيرت %~% دقائق فكري في بديع صفاتها ~~فأوحى إليها الوهم أني أحبها %~% فأثر ذاك الوهم في وجناتها # فسلمت عليها فقالت: أهلا وسهلا ومرحبا. وأخذت بيدي يا أمير المؤمنين وأجلستني إلى جانبها. فمن فرط الاشتياق بكيت مخافة الفراق، وأسبلت دمع العين، وأنشدت هذين البيتين: # أحب ليالي الهجر لا فرحا بها %~% عسى الدهر يأتي بعدها بوصال ~~وأكره أيام الوصال لأنني %~% أرى كل شيء معقبا بزوال # ثم إنها صارت تؤانسني بلطف الكلام، وأنا غريق في بحر الغرام، خائف في القرب ألم الفراق من فرط الوجد والاشتياق، وتذكرت لوعة النوى والبين فأنشدت هذين البيتين: # فكرت ساعة وصلها في هجرها %~% فجرت مدامع مقلتي كالعندم ~~فطفقت أمسح مقلتي في جيدها %~% من عادة الكافور إمساك الدم # ثم أمرت بإحضار الأطعمة، فأقبلت أربع جوار نهد أبكار، فوضعن بين أيدينا من الأطعمة والفاكهة والحلوى والمشموم والمدام ما يصلح للملوك، فأكلنا يا أمير المؤمنين وجلسنا على المدام وحولنا الرياحين في مجلس لا يصلح إلا للملك، ثم جاءتها يا أمير المؤمنين جارية بخريطة من الإبريسم، فأخذتها وأخرجت منها عودا فوضعته في حجرها، وجست أوتاره فاستغاث كما يستغيث الصبي بأمه، وأنشدت هذين البيتين: # لا تشرب الراح إلا من يدي رشأ %~% تحكيه في رقة المعنى ويحكيها ~~إن المدامة لا يلتذ شاربها %~% حتى يكون نقي الخد ساقيها # فأقمت يا أمير المؤمنين عندها على هذه الحالة مدة من الزمان حتى نفد جميع مالي، فتذكرت وأنا جالس معها مفارقتها، فنزلت دموعي على خدي كالأنهار، وصرت لا أعرف الليل من النهار، فقالت: لأي شيء تبكي؟ فقلت لها: يا سيدتي، من حين جئت إليك وأبوك يأخذ مني في كل ليلة خمسمائة دينار، وما بقي عندي شيء من المال، وقد صدق الشاعر حيث قال: # الفقر في أوطاننا غربة %~% والمال في الغربة أوطان # فقالت: اعلم أن أبي من عادته أنه إذا كان عنده تاجر وافتقر فإنه يضيفه ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك يخرجه فلا ms2146 يعود إلينا أبدا، ولكن اكتم سرك وأخف أمرك وأنا أعمل حيلة في اجتماعي بك إلى ما شاء الله، فإن لك في قلبي محبة عظيمة. واعلم أن جميع مال أبي تحت يدي، وهو لا يعرف قدره، فأنا أعطيك في كل يوم كيسا فيه خمسمائة دينار، وأنت تعطيه لأبي وتقول له: ما بقيت أعطي الدراهم إلا يوما بيوم. وكلما دفعته إليه فإنه يدفعه إلي وأنا أعطيه لك، ونستمر هكذا إلى ما شاء الله. فشكرتها على ذلك وقبلت يدها، ثم أقمت عندها يا أمير المؤمنين على هذه الحالة مدة سنة كاملة، فاتفق في بعض الأيام أنها ضربت جاريتها ضربا وجيعا، فقالت لها: والله لأوجعن قلبك كما أوجعتني. ثم مضت تلك الجارية إلى أبيها وأعلمته بأمرنا من أوله إلى آخره، فلما سمع طاهر بن العلاء كلام الجارية قام من ساعته ودخل علي وأنا جالس مع ابنته، وقال لي: يا فلان! قلت له: لبيك. قال: عادتنا أنه إذا كان عندنا تاجر وافتقر أننا نضيفه عندنا ثلاثة أيام، وأنت لك سنة عندنا تأكل وتشرب وتفعل ما تشاء. ثم التفت إلى غلمانه وقال: اخلعوا ثيابه. ففعلوا وأعطوني ثيابا رديئة قيمتها خمسة دراهم، ودفعوا إلي عشرة دراهم، ثم قال لي: اخرج، فأنا لا أضربك ولا أشتمك، واذهب إلى حال سبيلك، وإن أقمت في هذه البلدة كان دمك هدرا. فخرجت يا أمير المؤمنين برغم أنفي، ولا أعلم أين أذهب، وحل في قلبي كل هم في الدنيا، وأشغلني الوسواس، وقلت في نفسي: كيف أجيء في البحر بمائة ألف ألف من جملتها ثمن ثلاثين مركبا ويذهب هذا كله في دار هذا الشيخ النحس، وبعد ذلك أخرج من عنده عريانا مكسور القلب؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! ثم أقمت في بغداد ثلاثة أيام لم أذق طعاما ولا شرابا، وفي اليوم الرابع رأيت سفينة متوجهة إلى البصرة، فنزلت فيها واستكريت مع صاحبها إلى أن وصلت البصرة، فدخلت السوق وأنا في شدة الجوع، فرآني رجل بقال، فقام إلي وعانقني؛ لأنه كان ms2147 صاحبا لي ولأبي من قبلي، وسألني عن حالي، فأخبرته بجميع ما جرى لي، فقال: والله ما هذه فعال عاقل! ومع هذا الذي جرى لك فأي شيء في ضميرك تريد أن تفعله؟ فقلت له: لا أدري ماذا أفعل. فقال: أتجلس عندي وتكتب خرجي ودخلي، ولك في كل يوم درهمان زيادة على أكلك وشربك؟ فأجبته إلى ذلك وأقمت عنده يا أمير المؤمنين سنة كاملة أبيع وأشتري إلى أن صار معي مائة دينار، فاستأجرت غرفة على شاطئ البحر؛ لعل مركبا يأتي ببضاعة فأشتري بالدنانير بضاعة وأتوجه بها إلى بغداد. فاتفق في بعض الأيام أن المركب جاء، وتوجه إليه جميع التجار يشترون، فرحت معهم، وإذا برجلين قد خرجا من بطن المركب ونصبا لهما كرسيين وجلسا عليهما، ثم أقبل التجار عليهما لأجل الشراء، فقالا لبعض الغلمان: أحضروا البساط. فأحضروه وجاء واحد بخرج فأخرج منه جرابا وفتحه وكبه على البساط، وإذا به يخطف البصر لما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان والياقوت والعقيق من سائر الألوان. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 951 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاب لما أخبر الخليفة بقضية التجار، وبالجراب وما فيه من سائر أنواع الجواهر قال: يا أمير المؤمنين، ثم إن واحدا من الرجلين الجالسين على الكراسي التفت إلى التجار وقال لهم: يا معاشر التجار، أنا ما أبيع في يومي هذا لأني تعبان. فتزايدت التجار في الثمن حتى بلغ مقداره أربعمائة دينار، فقال لي صاحب الجراب وكان بيني وبينه معرفة قديمة: لماذا لم تتكلم ولم تزود مثل التجار؟ فقلت له: والله يا سيدي ما بقي عندي شيء من الدنيا سوى مائة دينار. واستحييت منه ودمعت عيني، فنظر إلي وقد عسر عليه حالي، ثم قال للتجار: اشهدوا علي أني بعت جميع ما في الجراب من أنواع الجواهر والمعادن لهذا الرجل بمائة دينار، وأنا أعرف أنه يساوي كذا وكذا ألف دينار، وهو هدية مني إليه. فأعطاني الخرج والجراب والبساط وجميع ما عليه من الجواهر، فشكرته على ذلك، وجميع ms2148 من حضر من التجار أثنوا عليه، ثم أخذت ذلك ومضيت به إلى سوق الجواهر، وقعدت أبيع وأشتري، وكان من جملة هذه المعادن قرص تعويذ صنعة المعلمين، زنته نصف رطل، وكان أحمر شديد الحمرة، وعليه أسطر مثل دبيب النمل من الجانبين، ولم أعرف منفعته، فبعت واشتريت مدة سنة كاملة، ثم أخذت قرص التعويذ وقلت: هذا له عندي مدة لا أعرفه ولا أعرف منفعته. فدفعته إلى الدلال فأخذه ودار به، ثم عاد وقال: ما دفع فيه أحد من التجار سوى عشرة دراهم. فقلت: ما أبيعه بهذا القدر! فرماه في وجهي وانصرف، ثم عرضته للبيع يوما آخر فبلغ ثمنه خمسة عشر درهما، فأخذته من الدلال مغضبا، ورميته عندي. # فبينما أنا جالس يوما، إذ أقبل علي رجل فسلم علي وقال لي: عن إذنك، هل أقلب ما عندك من البضائع؟ قلت: نعم. وأنا يا أمير المؤمنين مغتاظ من كساد قرص التعويذ، فقلب الرجل البضاعة ولم يأخذ منها سوى قرص التعويذ، فلما رآه يا أمير المؤمنين قبل يده وقال: الحمد لله! ثم قال: يا سيدي، أتبيع هذا؟ فازداد غيظي وقلت له: نعم. فقال لي: كم ثمنه؟ فقلت له: كم تدفع أنت فيه؟ قال: عشرين دينارا. فتوهمت أنه يستهزئ بي، فقلت: اذهب إلى حال سبيلك. فقال لي: هو بخمسين دينار. فلم أخاطبه، فقال: بألف دينار. هذا كله يا أمير المؤمنين وأنا ساكت ولم أجبه، وهو يضحك من سكوتي ويقول: لأي شيء لم ترد علي؟ فقلت له: اذهب إلى حال سبيلك. وأردت أن أخاصمه وهو يزيد ألفا بعد ألف، ولم أرد عليه حتى قال: أتبيعه بعشرين ألف دينار؟ وأنا أظن أنه يستهزئ بي، فاجتمع علينا الناس وكل منهم يقول لي: بعه، وإن لم يشتر فنحن الكل عليه، ونضربه ونخرجه من البلد. فقلت له: هل أنت تشتري أو تستهزئ؟ فقال: هل أنت تبيع أو تستهزئ؟ قلت له: أبيع. قال: هو بثلاثين ألف دينار، خذها وأمض البيع. فقلت للحاضرين: اشهدوا عليه، ولكن بشرط أن تخبرني ما فائدته، وما نفعه. قال: ms2149 أمض البيع وأنا أخبرك بفائدته ونفعه. فقلت: بعتك. فقال: الله على ما أقول وكيل. ثم أخرج الذهب وقبضني إياه، وأخذ قرص التعويذ ووضعه في جيبه، ثم قال لي: هل رضيت؟ قلت: نعم. فقال: اشهدوا عليه أنه أمضى البيع وقبض الثمن ثلاثين ألف دينار. ثم إنه التفت إلي وقال لي: يا مسكين، والله لو أخرت البيع لزدناك إلى مائة ألف دينار، بل إلى ألف ألف دينار. فلما سمعت يا أمير المؤمنين هذا الكلام نفر الدم من وجهي، وعلا عليه هذا الاصفرار الذي أنت تنظره من ذلك اليوم. ثم قلت له: أخبرني ما سبب ذلك؟ وما نفع هذا القرص؟ فقال: اعلم أن ملك الهند له بنت لم ير أحسن منها، وبها داء الصداع، فأحضر الملك أرباب الأقلام وأهل العلوم والكهان، فلم يرفعوا عنها ذلك، فقلت له - وكنت حاضرا بالمجلس: أيها الملك، أنا أعرف رجلا يسمى سعد الله البابلي، ما على وجه الأرض أعرف منه بهذه الأمور، فإن رأيت أن ترسلني إليه فافعل. فقال: اذهب إليه. فقلت له: أحضر إلي قطعة من العقيق. فأحضر لي قطعة كبيرة من العقيق ومائة ألف دينار وهدية، فأخذت ذلك وتوجهت إلى بلاد بابل، فسألت عن الشيخ فدلوني عليه، ودفعت له المائة ألف دينار والهدية، فأخذ ذلك مني، ثم أخذ القطعة العقيق وأحضر حكاكا فعملها هذا التعويذ، ومكث الشيخ سبعة أشهر يرصد النجم حتى اختار وقتا للكتابة وكتب عليه هذه الطلاسم التي تنظرها، ثم جئت به إلى الملك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 952 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاب قال لأمير المؤمنين: إن الرجل قال لي: أخذت هذا التعويذ وجئت به إلى الملك، فلما وضعه على ابنته برئت من ساعتها، وكانت مربوطة في أربع سلاسل، وكل ليلة تبيت عندها جارية فتصبح مذبوحة، فمن حين وضع عليها هذا التعويذ برئت لوقتها، وفرح الملك بذلك فرحا شديدا، وخلع علي وتصدق بمال كثير، ثم وضعه في عقدها، فاتفق أنها نزلت يوما في مركب هي ms2150 وجواريها تتنزه في البحر، فمدت جارية يدها إليها لتلاعبها، فانقطع العقد وسقط في البحر، فعاد من ذلك الوقت العارض لابنة الملك، فحصل للملك ما حصل من الحزن، فأعطاني مالا كثيرا وقال لي: اذهب إلى الشيخ ليعمل لها تعويذا عوضا عنه، فسافرت إليه فوجدته قد مات، فرجعت إلى الملك وأخبرته، فبعثني أنا وعشرة أنفس نطوف في البلاد لعلنا نجد لها دواء، فأوقعني الله به عندك. فأخذه مني يا أمير المؤمنين وانصرف، فكان ذلك الأمر سببا للاصفرار الذي في وجهي. # ثم إني توجهت إلى بغداد ومعي جميع مالي، وسكنت في الدار التي كنت فيها، فلما أصبح الصباح لبست ثيابي وجئت إلى بيت طاهر بن العلاء لعلي أرى من أحبها؛ فإن حبها لم يزل يتزايد في قلبي. فلما وصلت إلى داره رأيت الشباك قد انهدم، فسألت غلاما وقلت له: ما فعل الله بالشيخ؟ فقال: يا أخي، إنه قدم عليه في سنة من السنين رجل تاجر يقال له أبو الحسن العماني، فأقام مع ابنته مدة من الزمان، ثم بعدما ذهب ماله أخرجه الشيخ من عنده مكسور الخاطر، وكانت الصبية تحبه حبا شديدا، فلما فارقها مرضت مرضا شديدا حتى بلغت الموت، وعرف أبوها بذلك فأرسل خلفه في البلاد، وقد ضمن لمن يأتي به مائة ألف دينار، فلم يره أحد، ولم يقع له على أثر، وهي إلى الآن مشرفة على الموت. قلت: وكيف حال أبيها؟ قال: باع الجواري من عظم ما أصابه. فقلت له: هل أدلك على أبي الحسن العماني؟ فقال: بالله عليك يا أخي أن تدلني عليه. فقلت له: اذهب إلى أبيها وقل له: البشارة عندك؛ فإن أبا الحسن العماني واقف على الباب. فذهب الرجل يهرول كأنه بغل انطلق من طاحون، ثم غاب ساعة وجاء وصحبته الشيخ، فلما رآني رجع إلى داره وأعطى الرجل مائة ألف دينار، فأخذها وانصرف وهو يدعو لي، ثم أقبل الشيخ وعانقني وبكى وقال: يا سيدي، أين كنت في هذه الغيبة؟ قد هلكت ابنتي من أجل فراقك، فادخل معي إلى المنزل. ms2151 فلما دخلت سجد شكرا لله تعالى وقال: الحمد لله الذي جمعنا بك. ثم دخل لابنته وقال لها: قد شفاك الله من هذا المرض. فقالت: يا أبت، ما أبرأ من مرضي إلا إذا نظرت وجه أبي الحسن. فقال: إذا أكلت أكلة ودخلت الحمام جمعت بينكما. فلما سمعت كلامه قالت: أصحيح ما تقول؟ قال لها: والله العظيم إن الذي قلته صحيح. فقالت: والله إن نظرت وجهه فما أحتاج إلى أكل. فقال لغلامه: أحضر سيدك. فدخلت، فلما نظرت إلي يا أمير المؤمنين وقعت مغشيا عليها، فلما أفاقت أنشدت هذا البيت: # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما %~% يظنان كل الظن أن لا تلاقيا # ثم استوت جالسة وقالت: والله يا سيدي ما كنت أظن أني أرى وجهك إلا إن كان مناما. ثم إنها عانقتني وبكت، وقالت: يا أبا الحسن، الآن آكل وأشرب. فأحضروا الطعام والشراب، ثم صرت عندهم يا أمير المؤمنين مدة من الزمان وعادت لما كانت عليه من الجمال، ثم إن أباها استدعى بالقاضي والشهود وكتب كتابها علي، وعمل وليمة عظيمة، وهي زوجتي إلى الآن. # ثم إن ذلك الفتى قام من عند الخليفة ورجع إليه بغلام بديع الجمال، بقد ذي رشاقة واعتدال، وقال له: قبل الأرض بين أيادي أمير المؤمنين. فقبل الأرض بين يدي الخليفة، فتعجب الخليفة من حسنه وسبح خالقه، ثم إن الرشيد انصرف هو وجماعته وقال: يا جعفر، ما هذا إلا شيء عجيب، ما رأيت ولا سمعت بأغرب منه! فلما جلس الرشيد في دار الخلافة قال: يا مسرور. قال: لبيك يا سيدي. قال: اجعل في هذا الإيوان خراج البصرة وخراج بغداد وخراج خراسان. فجمعه فصار مالا عظيما لا يحصي عدده إلا الله. ثم قال الخليفة: يا جعفر. قال: لبيك. قال: أحضر لي أبا الحسن. قال: سمعا وطاعة. ثم أحضره، فلما حضر قبل الأرض بين يدي الخليفة وهو خائف أن يكون طلبه له بسبب خطأ وقع منه وهو عنده بمنزله، فقال الرشيد: يا عماني. قال له: لبيك يا أمير المؤمنين، خلد الله نعمه عليك. ms2152 فقال: اكشف هذه الستارة. وكان الخليفة أمرهم أن يضعوا مال الثلاثة أقاليم ويسبلوا عليه الستارة. فلما كشف العماني الستارة عن الإيوان اندهش عقله من كثرة المال، فقال الخليفة: يا أبا الحسن، أهذا المال أكثر أم الذي فاتك من قرص التعويذ؟ فقال: بل هذا يا أمير المؤمنين أكثر بأضعاف كثيرة. قال الرشيد: اشهدوا يا من حضر أني وهبت هذا المال لهذا الشاب. فقبل الأرض واستحى وبكى من شدة الفرح بين يدي الرشيد، فلما بكى جرى الدمع من عينه على خده، فرجع الدم إلى محله، فصار وجهه كالبدر ليلة تمامه، فقال الخليفة: لا إله إلا الله، سبحان من يغير حالا بعد حال وهو باق لا يتغير! ثم أتى بمرآة وأراه وجهه فيها، فلما رآه سجد شكرا لله تعالى، ثم أمر الخليفة أن يحمل إليه المال، وسأله أنه لا ينقطع عنه لأجل المنادمة. فصار يتردد إليه إلى أن توفي الخليفة إلى رحمة الله تعالى، فسبحان الحي الذي لا يموت ذي الملك والملكوت. ### || حكاية إبراهيم وجميلة # ومما يحكى أيضا أيها الملك السعيد، أن الخصيب صاحب مصر كان له ولد ولم يكن في زمانه أحسن منه، وكان من خوفه عليه لا يمكنه من الخروج إلا لصلاة الجمعة، فمر وهو خارج من صلاة الجمعة على رجل كبير وعنده كتب كثيرة، فنزل عن فرسه وجلس عنده، وقلب الكتب وتأملها، فرأى فيها صورة امرأة تكاد أن تنطق، ولم ير أحسن منها على وجه الأرض، فسلبت عقله وأدهشت لبه، فقال له: يا شيخ، بعني هذه الصورة. فقبل الأرض بين يديه، ثم قال: يا سيدي، بغير ثمن. فدفع له مائة دينار، وأخذ الكتاب الذي فيه هذه الصورة وصار ينظر إليها ويبكي ليله ونهاره، وامتنع من الطعام والشراب والمنام، وقال في نفسه: لو سألت الكتبي عن صانع هذه الصورة من هو لربما أخبرني، فإن كانت صاحبتها في الحياة توصلت إليها، وإن كانت صورة مطلقة تركت التولع بها، ولا أعذب نفسي بشيء لا حقيقة له. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ms2153 ### | فلما كانت الليلة 953 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاب لما قال في نفسه: لو سألت الكتبي عن هذه الصورة لربما أخبرني، فإن كانت صورة مطلقة تركت التولع بها، ولا أعذب نفسي بشيء لا حقيقة له. فلما كان يوم الجمعة مر على الكتبي، فنهض إليه قائما، فقال له: يا عم، أخبرني من صنع هذه الصورة؟ قال: يا سيدي، صنعها رجل من أهل بغداد يقال له أبو القاسم الصندلاني، في حارة الكرخ، وما أعلم صورة من هي. فقام الغلام من عنده ولم يعلم بحاله أحدا من أهل مملكته، ثم صلى الجمعة وعاد إلى البيت، فأخذ جرابا وملأه من الجواهر والذهب، وقيمة الجواهر ثلاثون ألف دينار، ثم صبر إلى الصباح وخرج ولم يعلم أحدا، ولحق قافلة فرأى بدويا، فقال له: يا عم، كم بيني وبين بغداد؟ فقال له: يا ولدي، أين أنت وأين بغداد؟! بينك وبينها مسيرة شهرين. فقال له: يا عم، إن وصلتني إلى بغداد أعطيتك مائة دينار، وهذه الفرس التي تحتي وقيمتها ألف دينار. فقال له البدوي: الله على ما تقول وكيل، ولكن لا تنزل في هذه الليلة إلا عندي. فأجابه إلى قوله وبات عنده، فلما لاح الفجر أخذه البدوي ثم سار به سريعا في طريق قريب؛ طمعا في تلك الفرس التي وعده بها، وما زالا سائرين حتى وصلا إلى حيطان بغداد، فقال له البدوي: الحمد لله على السلامة يا سيدي، هذه بغداد. ففرح الغلام فرحا شديدا، ونزل عن الفرس وأعطاها للبدوي هي والمائة دينار، ثم أخذ الجراب وسار يسأل عن حارة الكرخ، وعن محل التجار، فساقه القدر إلى درب فيه عشر حجر، خمس تقابل خمسا، وفي صدر الدرب باب بمصراعين، له حلقة من فضة، وفي الباب مصطبتان من الرخام مفروشتان بأحسن الفرش، وفي إحداهما رجل جالس وهو مهاب حسن الصورة، وعليه ثياب فاخرة، وبين يديه خمسة مماليك كأنهم أقمار. فلما رأى الغلام ذلك عرف العلامة التي ذكرها له الكتبي، فسلم على الرجل، فرد عليه السلام ورحب به، وأجلسه ms2154 وسأله عن حاله، فقال له الغلام: أنا رجل غريب، وأريد من إحسانك أن تنظر لي في هذا الدرب دارا لأسكن فيها. فصاح الرجل وقال: يا غزالة. فخرجت إليه جارية وقالت: لبيك يا سيدي. فقال: خذي معك بعض خدم واذهبوا إلى حجرة ونظفوها وافرشوها وحطوا فيها جميع ما يحتاج إليه من آنية وغيرها لأجل هذا الشاب الحسن الصورة. فخرجت الجارية وفعلت ما أمرها به، ثم أخذه الشيخ وأراه الدار، فقال له الغلام: يا سيدي، كم أجرة هذه الدار؟ فقال له: يا صبيح الوجه، أنا ما آخذ منك أجرة ما دمت فيها. فشكره على ذلك. # ثم إن الشيخ نادى جارية أخرى، فخرجت جارية كأنها الشمس، فقال لها: هاتي الشطرنج. فأتت به، ففرش المملوك الرقعة وقال الشيخ للغلام: أتلعب معي؟ قال: نعم. فلعب معه مرات والغلام يغلبه، فقال: أحسنت يا غلام، ولقد كملت صفاتك، والله ما في بغداد من يغلبني، وقد غلبتني أنت. ثم بعد أن هيئوا الدار بالفرش وسائر ما يحتاج إليه، سلم إليه المفاتيح وقال له: يا سيدي، ألا تدخل منزلي وتأكل عيشي فنتشرف بك؟ فأجابه الغلام إلى ذلك، ومشى معه، فلما وصلا إلى الدار رأى دارا حسنة جميلة مزركشة بالذهب، وفيها من جميع التصاوير، وفيها من أنواع الفرش والأمتعة ما يعجز عن وصفه اللسان. ثم صار يحييه وأمر بإحضار الطعام، فأتوا بمائدة من شغل صنعاء اليمن، فوضعت، وأتوا بالطعام ألوانا غريبة لم يوجد أفخر منها ولا ألذ، فأكل الغلام حتى اكتفى، ثم غسل يديه، وصار الغلام ينظر إلى الدار والفرش، ثم التفت إلى الجراب الذي كان معه فلم يره، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أكلت لقمة تساوي درهما أو درهمين فذهب مني جراب فيه ثلاثون ألف دينار، ولكن استعنت بالله. ثم سكت ولم يقدر أن يتكلم. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 954 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام لما رأى الجراب مفقودا حصل له غم كبير، فسكت ولم يقدر أن ms2155 يتكلم، فقدم الشيخ الشطرنج وقال للغلام: هل تلعب معي؟ قال: نعم. فلعب فغلبه الشيخ، فقال الغلام: أحسنت. ثم ترك اللعب وقام، فقال له: ما لك يا غلام؟ فقال: أريد الجراب. فقام وأخرجه له وقال: ها هو يا سيدي، هل ترجع إلى اللعب معي؟ قال: نعم. فلعب معه فغلبه الغلام، فقال الرجل: لما اشتغل فكرك بالجراب غلبتك، فلما جئت به إليك غلبتني. ثم قال له: يا ولدي، أخبرني من أي البلاد أنت؟ فقال: من مصر. فقال له: وما سبب مجيئك إلى بغداد؟ فأخرج له الصورة وقال: اعلم يا عم أني ولد الخصيب صاحب مصر، وقد رأيت هذه الصورة عند رجل كتبي فسلبت عقلي، فسألت عن صانعها فقيل لي: إن صانعها رجل من بغداد بحارة الكرخ يقال له أبو القاسم الصندلاني، بدرب يعرف بدرب الزعفران، فأخذت معي شيئا من المال وجئت وحدي ولم يعلم بحالي أحد، وأريد من تمام إحسانك أن تدلني عليه حتى أسأله عن سبب تصويره لهذه الصورة، وصورة من هي، ومهما أراده مني فإني أعطيه إياه. فقال: والله يا ابني إني أنا أبو القاسم الصندلاني، وهذا أمر عجيب! كيف ساقتك المقادير إلي؟ فلما سمع الغلام كلامه قام إليه وعانقه وقبل رأسه ويديه، وقال له: بالله عليك أن تخبرني بصورة من هي؟ فقال: سمعا وطاعة. ثم قام وفتح خزانة وأخرج منها عدة كتب كان صور فيها هذه الصورة، وقال: اعلم يا ولدي أن صاحبة هذه الصورة ابنة عمي، وهي في البصرة، وأبوها حاكم البصرة يقال له أبو الليث، وهي يقال لها جميلة، وما على وجه الأرض أجمل منها، ولكنها زاهدة في الرجال، ولم تقدر أن تسمع ذكر رجل في مجلسها، وقد ذهبت إلى عمي بقصد أنه يزوجني بها، وبذلت له الأموال فلم يجبني إلى ذلك، فلما علمت ابنته بذلك اغتاظت وأرسلت إلي كلاما من جملته أنها قالت: إن كان لك عقل فلا تقم بهذه البلدة وإلا تهلك ويكون ذنبك في عنقك. وهي جبارة من الجبابرة، فخرجت من البصرة وأنا منكسر ms2156 الخاطر، وعملت هذه الصورة في الكتب وفرقتها في البلاد؛ لعلها تقع في يد غلام حسن الصورة مثلك فيتحيل في الوصول إليها؛ لعلها تعشقه، وأكون قد أخذت عليه العهد أنه إذا تمكن منها يريني إياها ولو نظرة من بعيد. فلما سمع إبراهيم بن الخصيب كلامه أطرق رأسه ساعة وهو يتفكر، فقال له الصندلاني: يا ولدي، إني ما رأيت ببغداد أحسن منك، وأظن أنها إذا نظرتك تحبك، فهل يمكنك إذا اجتمعت بها وظفرت بها أن تريني إياها ولو نظرة من بعيد؟ فقال: نعم. فقال: إذا كان الأمر كذلك فأقم عندي إلى أن تسافر. فقال: لا أقدر على المقام؛ فإن في قلبي من عشقها نارا زائدة. فقال له: اصبر حتى أجهز لك مركبا في ثلاثة أيام لتذهب فيه إلى البصرة. فصبر حتى جهز له مركبا ووضع فيه كل ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وغير ذلك. وبعد الثلاثة أيام قال للغلام: تجهز للسفر؛ فقد جهزت لك مركبا فيه سائر ما تحتاج إليه، والمركب ملكي، والملاحون من أتباعي، وفي المركب ما يكفيك إلى أن تعود، وقد وصيت الملاحين أن يخدموك إلى أن ترجع بالسلامة. فنهض الغلام ونزل في المركب، وودعه وسار حتى وصل إلى البصرة، فأخرج الغلام مائة دينار للملاحين، فقالوا له: نحن أخذنا الأجرة من سيدنا. فقال لهم: خذوها إنعاما وأنا لا أخبره بذلك. فأخذوها منه ودعوا له. # ثم دخل الغلام البصرة وسأل: أين مسكن التجار؟ فقالوا له: في خان يسمى خان حمدان. فمشى حتى وصل إلى السوق الذي فيه الخان، فامتدت إليه الأعين بالنظر من فرط حسنه وجماله. ثم دخل الخان مع رجل ملاح وسأل عن البواب، فدلوه عليه، فرآه شيخا كبيرا مهابا، فسلم عليه، فرد عليه السلام، فقال: يا عم، هل عندك حجرة ظريفة؟ قال: نعم. ثم أخذه هو والملاح وفتح لهما حجرة ظريفة مزركشة بالذهب، وقال: يا غلام، إن هذه الحجرة تصلح لك. فأخرج الغلام دينارين وقال له: خذ هذين حلوان المفتاح. فأخذهما ودعا له وأمر الغلام الملاح بالذهاب إلى ms2157 المركب، ثم دخل الحجرة، فاستمر عنده بواب الخان وخدمه، وقال له: يا سيد، حصل لنا بك السرور. فأعطاه الغلام دينارا وقال له: هات لنا به خبزا ولحما وحلوى وشرابا. فأخذه وذهب إلى السوق ورجع إليه، وقد اشترى ذلك بعشرة دراهم وأعطاه الباقي، فقال له الغلام: اصرفه على نفسك. ففرح بواب الخان بذلك فرحا عظيما. ثم إن الغلام أكل مما طلبه قرصا واحدا بقليل من الأدم، وقال لبواب الخان: خذ هذا إلى أهل منزلك. فأخذه وذهب به إلى أهل منزله، وقال لهم: ما أظن أن أحدا على وجه الأرض أكرم من الغلام الذي سكن عندنا في هذا اليوم ولا أحلى منه، فإن دام عندنا حصل لنا الغنى. ثم إن بواب الخان دخل على إبراهيم فرآه يبكي، فقعد وصار يكبس رجليه، ثم قبلهما وقال: يا سيدي، لأي شيء تبكي، لا أبكاك الله؟ فقال: يا عم، أريد أن أشرب أنا وأنت في هذه الليلة. فقال له: سمعا وطاعة. فأخرج له خمسة دنانير وقال له: اشتر لنا بها فاكهة وشرابا. ثم دفع له خمسة دنانير أخرى وقال له: اشتر لنا بهذه نقلا ومشموما وخمس دجاجات سمان، وأحضر لي عودا. فخرج واشترى له ما أمره به، وقال لزوجته: اصنعي هذا الطعام، وصفي لنا هذا الشراب، وليكن ما تصنعينه جيدا؛ فإن هذا الغلام قد عمنا بإحسانه. فصنعت زوجته ما أمرها به على غاية المراد، ثم أخذه ودخل به على إبراهيم ابن السلطان. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 955 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بواب الخان لما صنعت زوجته الطعام والشراب أخذه ودخل به على ابن السلطان، فأكلا وشربا وطربا، فبكى الغلام وأنشد هذين البيتين: # يا صاحبي لو بذلت الروح مجتهدا %~% وجملة المال والدنيا وما فيها ~~وجنة الخلد والفردوس أجمعها %~% بساعة الوصل كان القلب شاريها # ثم شهق شهقة عظيمة وخر مغشيا عليه، فتنهد بواب الخان، فلما أفاق قال له بواب الخان: يا سيدي، ما يبكيك؟ ومن هي التي تريدها بهذا الشعر؟ ms2158 فإنها لا تكون إلا ترابا لأقدامك. فقام الغلام وأخرج بقجة من أحسن ملابس النساء، وقال له: خذ هذه إلى حريمك. فأخذها منه ودفعها إلى زوجته، فأتت معه ودخلت على الغلام، فإذا هو يبكي، فقالت له: فتت أكبادنا، فعرفنا بأي مليحة تريدها، وهي لا تكون إلا جارية عندك. فقال: يا عم، اعلم أني أنا ابن الخصيب صاحب مصر، وأني متعلق بجميلة بنت الليث العميد. فقالت زوجة بواب الخان: الله الله يا أخي أن تترك هذا الكلام لئلا يسمع بنا أحد فنهلك؛ فإنه ما على وجه الأرض أجبر منها ولا يقدر أحد أن يذكر لها اسم رجل؛ لأنها زاهدة في الرجال. فيا ولدي، اعدل عنها لغيرها. فلما سمع كلامها بكى بكاء شديدا، فقال له بواب الخان: ما لي سوى روحي، فأنا أخاطر بها في هواك، وأدبر لك أمرا فيه بلوغ مرادك. ثم خرجا من عنده، فلما أصبح الصباح دخل الحمام ولبس حلة من ملبوس الملوك، وإذا ببواب الخان هو وزوجته قدما عليه وقالا له: يا سيدي، اعلم أن هنا رجلا خياطا أحدب، وهو خياط السيدة جميلة، فاذهب إليه وأخبره بحالك، فعساه يدلك على ما فيه وصولك إلى أغراضك. فقام الغلام وقصد دكان الخياط الأحدب، فدخل عليه فوجد عنده عشرة مماليك كأنهم الأقمار، فسلم عليهم فردوا عليه السلام، وفرحوا به وأجلسوه وتحيروا في محاسنه وجماله، فلما رآه الأحدب اندهش عقله من حسن صورته، فقال له الغلام: أريد أن تخيط لي جيبي. فتقدم الخياط وأخذ فتلة من الحرير وخاطه، وكان الغلام قد فتق جيبه عمدا، فلما خاطه أخرج له خمسة دنانير وأعطاها له، وانصرف إلى حجرته، فقال الخياط: أي شيء عملته لهذا الغلام حتى أعطاني الخمسة دنانير؟! ثم بات ليلته يفكر في حسنه وكرمه، فلما أصبح الصباح ذهب إلى دكان الخياط الأحدب، ثم دخل وسلم عليه، فرد عليه السلام وأكرمه ورحب به، فلما جلس، قال للأحدب: يا عم، خيط لي جيبي، فإنه فتق ثانيا. فقال له: يا ولدي، على الرأس والعين. ثم تقدم وخاطه، ms2159 فدفع له عشرة دنانير، فأخذها وصار مبهوتا من حسنه وكرمه، ثم قال: والله يا غلام، إن فعلك هذا لا بد له من سبب، وما هذا خبر خياطة جيب، ولكن أخبرني عن حقيقة أمرك، فإن كنت عشقت واحدا من هؤلاء الأولاد، فوالله ما فيهم أحسن منك، وكلهم تراب أقدامك، وها هم عبيدك بين يديك، وإن كان غير هذا فأخبرني. فقال: يا عم، ما هذا محل الكلام، فإن حديثي عجيب وأمري غريب. قال: فإذا كان الأمر كذلك فقم بنا في خلوة. # ثم نهض الخياط وأخذ بيده ودخل معه حجرة في داخل الدكان، وقال له: يا غلام، حدثني. فحدثه بأمره من أوله إلى آخره، فبهت من كلامه وقال: يا غلام، اتق الله في نفسك، فإن التي ذكرتها جبارة زاهدة في الرجال، فاحفظ يا أخي لسانك، وإلا فإنك تهلك نفسك. فلما سمع الغلام كلامه بكى بكاء شديدا، ولزم ذيل الخياط وقال: أجرني يا عم، فإني هالك، وقد تركت ملكي وملك أبي وجدي وصرت في البلاد غريبا وحيدا، ولا صبر لي عنها. فلما رأى الخياط ما حل به رحمه وقال: يا ولدي، ما عندي إلا نفسي، فأخاطر بها في هواك، فإنك قد جرحت قلبي، ولكن في غد أدبر لك أمرا يطيب به قلبك. فدعا له وانصرف إلى الخان، فحدث بواب الخان بما قاله الأحدب، فقال له: قد فعل معك جميلا. فلما أصبح الصباح لبس الغلام أفخر ثيابه، وأخذ معه كيسا فيه دنانير، وأتى إلى الأحدب فسلم عليه وجلس، ثم قال له: يا عم، أنجز وعدي. فقال له: قم في هذه الساعة وخذ ثلاث دجاجات سمان وثلاث أواق من السكر النبات، وكوزين لطيفين واملأهما شرابا، وخذ قدحا وضع ذلك في كارة، وانزل بعد صلاة الصبح في زورق مع ملاح وقل له: أريد أن تذهب بي تحت البصرة. فإن قال لك: ما أقدر أن أعدي أكثر من فرسخ، فقل له: الرأي لك. فإذا عدى فرغبه بالمال حتى يوصلك، فإذا وصلت فأول بستان تراه فإنه بستان السيدة جميلة، ms2160 فإذا رأيته فاذهب إلى بابه تر درجتين عاليتين عليهما فرش من الديباج، وجالس عليهما رجل أحدب مثلي، فاشك إليه حالك، وتوسل به، فعساه أن يرثي لحالك ويوصلك إلى أن تنظرها ولو نظرة من بعيد، وما بيدي حيلة غير هذا. وأما إذا لم يرث لحالك فقد هلكت أنا وأنت، وهذا ما عندي من الرأي، والأمر إلى الله تعالى. فقال الغلام: استعنت بالله، ما شاء الله كان ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قام من عند الخياط الأحدب وذهب إلى حجرته، وأخذ ما أمره به في كارة لطيفة، ثم إنه لما أصبح جاء إلى شاطئ الدجلة، وإذا هو برجل ملاح نائم، فأيقظه وأعطاه عشرة دنانير وقال له: عدني إلى تحت البصرة. فقال له: يا سيدي، بشرط أني لا أعدي أكثر من فرسخ، وإن تجاوزته شبرا هلكت أنا وأنت. فقال له: الرأي لك. فأخذه وانحدر به، فلما قرب من البستان قال: يا ولدي، من هنا ما أقدر أن أعدي، فإن تعديت هذا الحد هلكت أنا وأنت. فأخرج له عشرة دنانير أخرى وقال له: خذ هذه النفقة لتستعين بها على حالك. فاستحى منه وقال: سلمت الأمر لله تعالى. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 956 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الغلام لما أعطى للملاح العشرة دنانير الأخرى أخذها وقال: سلمت الأمر لله تعالى. وانحدر به، فلما وصل إلى البستان نهض الغلام من فرحته، ووثب من الزورق وثبة مقدار رمية رمح، ورمى نفسه، فرجع الملاح هاربا، ثم تقدم الغلام فرأى جميع ما وصفه له الأحدب من البستان، ورأى بابه مفتوحا، وفي الدهليز سرير من العاج جالس عليه رجل أحدب لطيف المنظر، عليه ثياب مذهبة، وفي يده دبوس من فضة مطلي بالذهب. فنهض الغلام مسرعا وانكب على يده وقبلها، فقال له: من أنت؟ ومن أين أتيت؟ ومن أوصلك إلى ها هنا يا ولدي؟ وكان ذلك الرجل لما رأى إبراهيم بن الخصيب انبهر من جماله، فقال له إبراهيم: يا عم، أنا ms2161 صبي جاهل غريب. ثم بكى، فرق له وأصعده على السرير، ومسح له دموعه وقال له: لا بأس عليك، إن كنت مديونا قضى الله دينك، وإن كنت خائفا آمن الله خوفك. فقال: يا عم، ما بي خوف ولا علي دين، ومعي مال جزيل بحمد الله وعونه. فقال له: يا ولدي، ما حاجتك حتى خاطرت بنفسك وجمالك إلى محل فيه الهلاك؟ فحكى له حكايته، وشرح له أمره، فلما سمع كلامه أطرق رأسه ساعة إلى الأرض وقال: هل الذي دلك علي الخياط الأحدب؟ قال له: نعم. قال: هذا أخي، وهو رجل مبارك. ثم قال: يا ولدي، لولا أن محبتك نزلت في قلبي ورحمتك لهلكت أنت وأخي وبواب الخان وزوجته. ثم قال: اعلم أن هذا البستان ما على وجه الأرض مثله، وأنه يقال له بستان اللؤلؤة، وما دخله أحد مدة عمري إلا السلطان وأنا وصاحبته جميلة، وأقمت فيه عشرين سنة، فما رأيت أحدا جاء إلى هذا المكان، وكل أربعين يوما تأتي في المركب إلى ها هنا وتصعد بين جواريها في حلة أطلس، تحمل أطرافها عشر جوار بكلاليب من الذهب إلى أن تدخل، فلم أر منها شيئا، ولكن أنا ما لي إلا نفسي فأخاطر بها من أجلك. فعند ذلك قبل الغلام يده، فقال له: اجلس عندي حتى أدبر لك أمرا. ثم أخذ بيد الغلام وأدخله البستان. # فلما رأى إبراهيم ذلك البستان ظن أنه الجنة ورأى الأشجار ملتفة، والنخيل باسقة، والمياه متدفقة، والأطيار تناغي بأصوات مختلفة، ثم ذهب به إلى قبة وقال له: هذه التي تقعد فيها السيدة جميلة. فتأمل تلك القبة فوجدها من أعجب المتنزهات، وفيها سائر التصاوير بالذهب واللازورد، وفيها أربعة أبواب يصعد إليها بخمس درج، وفي وسطها بركة ينزل إليها بدرج من الذهب، وتلك الدرج مرصعة بالمعدن، وفي وسط البركة سلسبيل من الذهب فيه صور كبار وصغار، والماء يخرج من أفواهها، فإذا صفقت الصور عند خروج الماء بأصوات مختلفة تخيل لسامعها أنه في الجنة. وحول القبة ساقية قواديسها من الفضة، وهي مكسوة بالديباج، ms2162 وعلى يسار الساقية شباك من الفضة مطل على برج أخضر فيه من سائر الوحوش والغزلان والأرانب، وعلى يمينها شباك مطل على ميدان فيه من سائر الطيور، وكلها تغرد بأصوات مختلفة تدهش السامع. فلما رأى الغلام ذلك أخذه الطرب، وقعد في باب البستان وقعد البستاني بجانبه، فقال له: كيف ترى بستاني؟ فقال له الغلام: هو جنة الدنيا. فضحك البستاني، ثم قام وغاب عنه ساعة وعاد ومعه طبق فيه دجاج وسمان ومأكول مليح وحلوى من السكر، فوضعه بين يدي الغلام وقال له: كل حتى تشبع. قال إبراهيم: فأكلت حتى اكتفيت. فلما رآني أكلت فرح وقال: والله، هكذا شأن الملوك أولاد الملوك. ثم قال: يا إبراهيم، أي شيء معك في هذه الكارة؟ فحللتها بين يديه، فقال: احملها معك، فإنها تنفعك إذا حضرت السيدة جميلة، فإنها إذا جاءت لا أقدر أن أدخل لك بما تأكل. ثم قام وأخذ بيدي وأتى بي إلى مكان قبال قبة جميلة، فعمل عريشة بين الأشجار وقال: اصعد هنا، فإذا جاءت فإنك تنظرها وهي لا تنظرك، وهذا أكثر ما عندي من الحيلة، وعلى الله الاعتماد، فإذا غنت فاشرب على غنائها، فإذا ذهبت فارجع من حيث جئت إن شاء الله مع السلامة. فشكره الغلام وأراد أن يقبل يده، فمنعه. ثم إن الغلام وضع الكارة في العريشة التي عملها له، ثم قال له البستاني: يا إبراهيم، تفرج في البستان، وكل من أثماره، فإن ميعاد حضور صاحبتك في غد. فصار إبراهيم يتنزه في البستان ويأكل من أثماره، وبات ليلته عنده، فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، صلى إبراهيم الصبح، وإذا بالبستاني جاءه وهو مصفر اللون، وقال له: قم يا ولدي واصعد إلى العريشة، فإن الجواري قد أتين ليفرشن المكان، وهي تأتي بعدهن. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 957 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخولي لما دخل على إبراهيم بن الخصيب في البستان قال له: قم يا ولدي اصعد إلى العريشة، فإن الجواري قد أتين ليفرشن المكان، وهي ms2163 تأتي بعدهن، واحذر من أن تبصق أو تمخط أو تعطس، فنهلك أنا وأنت. فقام الغلام وصعد إلى العريشة، وذهب الخولي وهو يقول: رزقك الله السلامة يا ولدي. فبينما الغلام قاعد، وإذا بخمس جوار أقبلن لم ير مثلهن أحد، فدخلن القبة وقلعن ثيابهن وغسلن القبة ورششنها بماء الورد، وأطلقن العود والعنبر وفرشن الديباج، وأقبل بعدهن خمسون جارية ومعهن آلات الطرب، وجميلة بينهن من داخل خيمة حمراء من الديباج، والجواري رافعات أذيال الخيمة بكلاليب من الذهب حتى دخلت القبة، فلم ير الغلام منها ولا من أثوابها شيئا، فقال في نفسه: والله إنه ضاع جميع تعبي، ولكن لا بد لي من أن أصبر حتى أنظر كيف يكون الأمر. فقدمت الجواري الأكل والشرب، ثم أكلن وغسلن أيديهن، ونصبن لها كرسيا فجلست عليه، ثم ضربن بآلات الملاهي جميعهن، وغنين بأصوات مطربة لا مثل لها، ثم خرجت عجوز قهرمانة فصفقت ورقصت، فجذبها الجواري، وإذا بالستر قد رفع وخرجت جميلة وهي تضحك، فرآها إبراهيم وعليها الحلي والحلل، وعلى رأسها تاج مرصع بالدر والجوهر، وفي جيدها عقد من اللؤلؤ، وفي وسطها منطقة من قبضان الزبرجد وحبالها من الياقوت واللؤلؤ، فقام الجواري وقبلن الأرض بين يديها وهي تضحك، قال إبراهيم بن الخصيب: فلما رأيتها غبت عن وجودي، واندهش عقلي وتحير فكري بما بهرني من جمال لم يكن على وجه الأرض مثله، ووقعت مغشيا علي، ثم أفقت باكي العينين وأنشدت هذين البيتين: # أراك فلا أرد الطرف كي لا %~% تكون حجاب رؤيتك الجفون ~~ولو أني نظرت بكل لحظ %~% لما استوفت محاسنك العيون # فقالت العجوز للجواري: ليقم منكن عشر يرقصن ويغنين. فلما رآهن إبراهيم قال في نفسه: أشتهي أن ترقص السيدة جميلة. فلما انتهى رقص العشر جوار أقبلن حولها وقلن: يا سيدتنا، نشتهي أن ترقصي في هذا المجلس ليتم سرورنا بذلك؛ لأننا ما رأينا أطيب من هذا اليوم. فقال إبراهيم بن الخصيب في نفسه: لا شك أن أبواب السماء قد فتحت واستجاب الله دعائي. ثم قبل الجواري أقدامها وقلن لها: والله ما ms2164 رأينا صدرك مشروحا مثل هذا اليوم. فما زلن يرغبنها حتى قلعت أثوابها وصارت بقميص من نسيج الذهب مطرز بأنواع الجواهر، وأبرزت نهودا كأنهن الرمان، وأسفرت عن وجه كالبدر ليلة تمامه، فرأى إبراهيم من الحركات ما لم ير في عمره مثلها، ولما أتت في رقصها بأسلوب غريب وابتداع عجيب حتى أنستنا رقص الحبب في الكئوس، وأذكرتنا ميل العمائم عن الرءوس، وهي كما قال فيها الشاعر: # ![figure](../Images/figure7.png) # فخرجت جميلة وعليها الحلي والحلل ومعها الجواري، فلما رآها إبراهيم اندهش عقله. # كما اشتهت خلقت حتى إذا اعتدلت %~% في قالب الحسن لا طول ولا قصر ~~كأنها خلقت من ماء لؤلؤة %~% في كل جارحة من حسنها قمر # وكما قال الآخر: # وراقص مثل غصن البان قامته %~% تكاد تذهب روحي من تنقله ~~لا يستقر له في رقصه قدم %~% كأنما نار قلبي تحت أرجله # قال إبراهيم: فبينما أنا أنظر إليها؛ إذ لاحت منها التفاتة إلي فرأتني، فلما نظرتني تغير وجهها، فقالت لجواريها: غنوا أنتم حتى أجيء إليكن. ثم عمدت إلى سكين قدر نصف ذراع، وأخذتها وأتت نحوي، ثم قالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فلما قربت مني غبت عن الوجود، فلما رأتني ووقع وجهها في وجهي وقعت السكين من يدها وقالت: سبحان مقلب القلوب! ثم قالت لي: يا غلام، طب نفسا، ولك الأمان مما تخاف. فصرت أبكي وهي تمسح دموعي بيدها وقالت: يا غلام، أخبرني من أنت؟ وما جاء بك إلى هذا المكان؟ فقبلت الأرض بين يديها ولزمت ذيلها، فقالت: لا بأس عليك، فوالله ما ملأت عيني من ذكر غيرك، فقل لي من أنت؟ قال إبراهيم: فحدثتها بحديثي من أوله إلى آخره، فتعجبت من ذلك وقالت لي: يا سيدي، أناشدك الله، هل أنت إبراهيم بن الخصيب؟ قلت: نعم. فانكبت علي وقالت: يا سيدي، أنت الذي زهدتني في الرجال؛ لأنني لما سمعت أنه وجد في مصر صبي لم يكن على وجه الأرض أجمل منه، هويتك بالوصف، وتعلق قلبي بحبك لما بلغني عنك من الجمال الباهر، وصرت فيك كما ms2165 قال الشاعر: # أذني لقد سبقت في عشقه بصري %~% والأذن تعشق قبل العين أحيانا # فالحمد لله الذي أراني وجهك، والله لو كان أحد غيرك لكنت صلبت البستاني وبواب الخان والخياط ومن يلوذ بهم. ثم قالت لي: كيف أحتال على شيء تأكله من غير اطلاع جواري؟ فقلت لها: إن معي ما نأكل وما نشرب. ثم حللت الكارة بين يديها، فأخذت دجاجة وصارت تلقمني وألقمها، فلما رأيت ذلك منها توهمت أنه منام، ثم قدمت الشراب فشربنا، كل ذلك وهي عندي والجواري تغني، وما زلنا كذلك من الصبح إلى الظهر، ثم قامت وقالت: قم الآن هيئ لك مركبا وانتظرني في المحل الفلاني حتى أجيء إليك، فما بقي لي صبر على فراقك. فقلت: يا سيدتي، إن معي مركبا، وهي ملكي، والملاحون في إجارتي، وهم في انتظاري. فقالت: هذا هو المراد. ثم مضت إلى الجواري. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 958 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السيدة جميلة لما مضت إلى الجواري قالت لهن: قمن بنا لنروح إلى قصرنا. فقلن لها: كيف نقوم في هذه الساعة وعادتنا أننا نقعد ثلاثة أيام؟ فقالت: إني أجد في نفسي ثقلا عظيما كأني مريضة، وأخاف أن يثقل علي ذلك. فقلن لها: سمعا وطاعة. فلبسن ثيابهن، ثم توجهن إلى الشاطئ ونزلن في الزورق، وإذا بالبستاني قد أقبل على إبراهيم وما عنده علم بالذي جرى له، فقال: يا إبراهيم، ما لك حظ في التلذذ برؤيتها؛ فإن من عادتها أن تقيم هنا ثلاثة أيام، وأنا أخاف أن تكون رأتك. فقال إبراهيم: ما رأتني ولا رأيتها ولا خرجت من القبة. قال: صدقت يا ولدي، فإنها لو رأتك لكنا هلكنا، ولكن اقعد عندي حتى تأتي في الأسبوع الثاني وتراها وتشبع من النظر إليها. فقال إبراهيم: يا سيدي، إن معي مالا وأخاف عليه، وورائي رجال فأخاف أن يستغيبوني. فقال: يا ولدي، إنه يعز علي فراقك. ثم عانقه وودعه. ثم إن إبراهيم توجه إلى الخان الذي كان نازلا فيه، وقابل بواب ms2166 الخان وأخذ ماله، فقال له بواب الخان: خبر خير إن شاء الله. فقال له إبراهيم: إني ما وجدت إلى حاجتي سبيلا، وأريد أن أرجع إلى أهلي. فبكى بواب الخان وودعه وحمل أمتعته ووصله إلى المركب، وبعد ذلك توجه إلى المحل الذي قالت له عليه وانتظرها فيه، فلما جن الليل إذا بها قد أقبلت عليه وهي في زي رجل شجاع بلحية مستديرة ووسط مشدود بمنطقة، وفي إحدى يديها قوس ونشاب، وفي الأخرى سيف مجرد، وقالت له: هل أنت ابن الخصيب صاحب مصر؟ فقال لها إبراهيم: هو أنا. فقالت له: وأي علق أنت حتى جئت تفسد بنات الملوك؟ قم كلم السلطان. قال إبراهيم: فوقعت مغشيا علي، وأما الملاحون فإنهم ماتوا في جلودهم من الخوف. فلما رأت ما حل بي خلعت تلك اللحية ورمت السيف وحلت المنطقة، فرأيتها هي السيدة جميلة، فقلت لها: والله إنك قطعت قلبي. # ثم قلت للملاحين: أسرعوا في سير المركب. فحلوا الشراع وأسرعوا في السير، فما كان إلا أيام قلائل حتى وصلنا إلى بغداد، وإذا بمركب واقفة على جانب الشط، فلما رآنا الملاحون الذين فيها صاحوا على الملاحين الذين معنا وصاروا يقولون: يا فلان، ويا فلان، نهنيكم بالسلامة. ثم دفعوا مركبهم على مركبنا فنظرنا فإذا فيها أبو القاسم الصندلاني، فلما رآنا قال: إن هذا هو مطلوبي، امضوا في وداعة الله، وأنا أريد التوجه إلى غرض. وكان بين يديه شمعة، ثم قال لي: الحمد لله على السلامة، هل قضيت حاجتك؟ قلت: نعم. فقرب الشمعة منا، فلما رأته جميلة تغير حالها، واصفر لونها، ولما رآها الصندلاني قال: اذهبوا في أمان الله، أنا رايح إلى البصرة في مصلحة للسلطان، ولكن الهدية لمن حضر. ثم أحضر علبة من الحلويات ورماها في مركبنا، وكان فيها البنج. فقال إبراهيم: يا قرة عيني، كلي من هذا. فبكت وقالت: يا إبراهيم، أتدري من هذا؟ قلت: نعم، هذا فلان. قالت: إنه ابن عمي، وكان سابقا خطبني من والدي، فما رضيت به، وهو متوجه إلى البصرة، فربما يعرف أبي ms2167 بنا. فقلت: يا سيدتي، هو لا يصل إلى البصرة حتى نصل نحن إلى الموصل - ولم يعلما بما هو مخبوء لهما في الغيب - فأكلت شيئا من الحلاوة، فما نزلت جوفي حتى ضربت الأرض برأسي، فلما كان وقت السحر عطست فخرج البنج من منخري، وفتحت عيني فرأيت نفسي عريانا مرميا في الخراب، فلطمت على وجهي وقلت في نفسي: إن هذه حيلة عملها علي الصندلاني! فصرت لا أدري أين أذهب وما علي سوى سروال، فقمت وتمشيت قليلا، وإذا بالوالي أقبل علي ومعه جماعة بسيوف ومطارق، فخفت، فرأيت حماما خربا، فتواريت فيه، فعثرت رجلي في شيء، فوضعت يدي عليه فتلوثت بالدم، فمسحتها في سروالي ولم أعلم ما هو، ثم مددت يدي إليه ثانيا فجاءت على القتيل، وطلعت رأسه في يدي فرميتها وقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم دخلت زاوية من زوايا الحمام، وإذا بالوالي وقف على باب الحمام وقال: ادخلوا هذا المكان وفتشوا. فدخل منهم عشرة بالمشاعل، فمن خوفي دخلت وراء حائط، فتأملت ذلك المقتول فرأيته صبية ووجهها كالبدر، ورأسها في ناحية وجثتها في ناحية، وعليها ثياب ثمينة، فلما رأيتها وقعت الرجفة في قلبي، ودخل الوالي وقال: فتشوا جهات الحمام. فدخلوا الموضع الذي أنا فيه، فنظرني رجل منهم فجاءني وبيده سكين طولها نصف ذراع، فلما قرب مني قال: سبحان الله خالق هذا الوجه الحسن! يا غلام، من أين أنت؟ ثم أخذ بيدي وقال: يا غلام، لأي شيء قتلت هذه المقتولة؟ فقلت: والله ما قتلتها، وما أعرف من قتلها، وما دخلت هذا المكان إلا فزعا منكم. وأخبرته بقصتي وقلت له: بالله عليك لا تظلمني، فإني مشغول بنفسي. فأخذني وقدمني إلى الوالي، فلما رأى على يدي أثر الدم، قال: هذا لا يحتاج إلى بينة، فاضربوا عنقه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 959 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن الخصيب قال: فلما قدموني إلى الوالي ورأى على يدي أثر الدم، قال: هذا لا يحتاج إلى بينة، فاضربوا ms2168 عنقه. فلما سمعت هذا الكلام بكيت بكاء شديدا، وجرت مني دموع العين، وأنشدت هذين البيتين: # مشيناها خطى كتبت علينا %~% ومن كتبت عليه خطى مشاها ~~ومن كانت منيته بأرض %~% فليس يموت في أرض سواها # ثم شهقت شهقة فوقعت مغشيا علي، فرق لي قلب الجلاد وقال: والله ما هذا وجه قتل! فقال الوالي: اضربوا عنقه. فأجلسوني في نطع الدم وشدوا على عيني غطاء، وأخذ السياف سيفه واستأذن الوالي وأراد أن يضرب عنقي، فصحت: وا غربتاه! وإذا بخيل قد أقبلت وقائل يقول: دعوه، امنع يدك يا سياف. وكان لذلك سبب عجيب وأمر غريب، وهو أن الخصيب صاحب مصر كان قد أرسل حاجبه إلى الخليفة هارون الرشيد ومعه هدايا وتحف، وصحبته كتاب يذكر له فيه: إن ولدي قد فقد من منذ سنة، وقد سمعت أنه ببغداد، والمقصود من إنعام خليفة الله أن يفحص عن خبره ويجتهد في طلبه ويرسله إلي مع الحاجب. فلما قرأ الخليفة الكتاب أمر الوالي أن يبحث عن حقيقة خبره، فلم يزل الوالي والخليفة يسألان عنه حتى قيل له بالبصرة، فأخبر الخليفة بذلك، فكتب الخليفة كتابا وأعطاه للحاجب المصري، وأمره أن يسافر إلى البصرة ويأخذ معه جماعة من أتباع الوزير. فمن حرص الحاجب على ولد سيده خرج من ساعته فوجد الغلام في نطع الدم مع الوالي، فلما رأى الوالي الحاجب وعرفه ترجل إليه، فقال له الحاجب: ما هذا الغلام؟ وما شأنه؟ فأخبره بالخبر، فقال الحاجب والحال أنه لم يعرف أنه ولد السلطان: إن وجه هذا الغلام وجه من لا يقتل. وأمره بحل وثاقه، فحله، فقال: قدمه إلي. فقدمه إليه، وكان قد ذهب جماله من شدة ما قاساه من الأهوال، فقال له الحاجب: أخبرني بقضيتك يا غلام. وما شأن هذه المقتولة معك؟ فلما نظر إبراهيم إلى الحاجب عرفه، فقال له: ويلك! أما تعرفني؟! أما أنا إبراهيم ابن سيدك؟ فلعلك جئت في طلبي. فأمعن الحاجب فيه النظر فعرفه غاية المعرفة، فلما عرفه انكب على أقدامه، فلما رأى الوالي ما حصل من الحاجب اصفر ms2169 لونه، فقال له الحاجب: ويلك يا جبار! هل كان مرادك أن تقتل ابن سيدي الخصيب صاحب مصر؟ فقبل الوالي ذيل الحاجب وقال له: يا مولاي، من أين أعرفه؟ وإنما رأيناه على هذه الصفة، ورأينا الصبية مقتولة بجانبه. فقال له: ويلك! إنك لا تصلح للولاية، هذا غلام له من العمر خمسة عشر عاما، وما قتل عصفورا، فكيف يقتل قتيلا؟ هلا أمهلته وسألته عن حاله! ثم قال الحاجب والوالي: فتشوا على قاتل الصبية. فدخلوا الحمام ثانيا فرأوا قاتلها، فأخذوه وأتوا به إلى الوالي، فأخذه وتوجه به إلى دار الخلافة وأعلم الخليفة بما جرى، فأمر الرشيد بقتل قاتل الصبية، ثم أمر بإحضار ابن الخصيب، فلما تمثل بين يديه تبسم الرشيد وقال له: أخبرني بقصتك وما جرى لك. فحدثه بحديثه من أوله إلى آخره، فعظم ذلك عنده، فنادى مسرورا السياف وقال: اذهب في هذه الساعة واهجم على دار أبي القاسم الصندلاني، وائتني به وبالصبية. فمضى من ساعته وهجم على داره، فرأى الصبية في وثاق من شعرها، وهي في حالة التلف، فحلها مسرور وأتى بها وبالصندلاني، فلما رآها الرشيد تعجب من جمالها، ثم التفت إلى الصندلاني وقال: خذوه واقطعوا يديه اللتين ضرب بهما هذه الصبية، واصلبوه وسلموا أمواله وأملاكه إلى إبراهيم. ففعلوا ذلك، فبينما هم كذلك وإذا بأبي الليث عامل البصرة والد السيدة جميلة قد أقبل عليهم يستغيث بالخليفة من إبراهيم بن الخصيب صاحب مصر، ويشكو إليه أنه أخذ ابنته، فقال له الرشيد: إنه كان سببا في خلاصها من العذاب والقتل. وأمر بإحضار ابن الخصيب، فلما حضر قال لأبي الليث: ألا ترضى أن يكون هذا الغلام ابن سلطان مصر بعلا لابنتك؟ فقال: سمعا وطاعة لله ولك يا أمير المؤمنين. فدعا الخليفة بالقاضي والشهود وزوج الصبية بإبراهيم بن الخصيب، ووهب له جميع أموال الصندلاني وجهزه إلى بلاده، وعاش معها في أتم سرور وأوفى حبور إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، فسبحان الحي الذي لا يموت! ### || حكاية أبي الحسن الخراساني # ومما يحكى أيضا أيها الملك السعيد، ms2170 أن المعتضد بالله كان عالي الهمة شريف النفس، وكان له ببغداد ستمائة وزير، وما كان يخفى عليه من أمور الناس شيء، فخرج يوما هو وابن حمدون يتفرجان على الرعايا، ويسمعان ما يتجدد من أخبار الناس، فحمي عليهما الحر والهجير، وقد انتهيا إلى زقاق لطيف في شارع، فدخلا ذلك الزقاق، فرأيا في صدر الزقاق دارا حسنة شامخة البناء، تفصح عن صاحبها بلسان الثناء، فقعدا على الباب يستريحان فخرج من تلك الدار خادمان كالقمرين في ليلة أربعة عشر، فقال أحدهما لصاحبه: لو استأذن اليوم ضيف؛ لأن سيدي لم يأكل إلا مع الضيفان، وقد صرنا إلى هذا الوقت ولم أر أحدا. فتعجب الخليفة من كلامهما، وقال: إن هذا دليل على كرم صاحب الدار، ولا بد أن ندخل داره وننظر مروءته، ويكون ذلك سببا في نعمة تصل إليه منا. ثم قال للخادم: استأذن سيدك في قدوم جماعة أغراب. وكان الخليفة في ذلك الزمان إذا أراد الفرجة على الرعية تنكر في زي التجار، فدخل الخادم على سيده وأخبره، ففرح وقام وخرج إليهما بنفسه، وإذا به جميل الوجه حسن الصورة، وعليه قميص نيسابوري ورداء مذهب، وهو مضمخ بالطيب، وفي يده خاتم من الياقوت، فلما رآهما قال: أهلا وسهلا بالسادة المنعمين علينا غاية الإنعام بقدومهم. فلما دخلا تلك الدار رأياها تنسي الأهل والأوطان، كأنها قطعة من الجنان. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 960 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة لما دخل الدار هو ومن معه ورأياها تنسي الأهل والأوطان، كأنها قطعة من الجنان، ومن داخلها بستان فيه من سائر الأشجار، وهي تدهش الأبصار، وأماكنها مفروشة بنفائس الفرش، فجلسوا وجلس المعتضد يتأمل الدار والفرش، فقال ابن حمدون: فنظرت إلى الخليفة فرأيت وجهه قد تغير، وكنت أعرف من وجهه حال الرضا والغضب، فلما رأيته قلت في نفسي: يا ترى ما باله حتى غضب؟ ثم جاءوا بطشت من الذهب، فغلسنا أيدينا، ثم جاءوا بسفرة من الحرير وعليها مائدة من الخيزران، فلما انكشفت الأغطية عن ms2171 الأواني رأينا طعاما كزهر الربيع في عز الأوان صنوانا وغير صنوان، ثم قال صاحب الدار: باسم الله يا سادتنا، والله إن الجوع قد أمضني، فأنعموا علي بالأكل من هذا الطعام كما هو أخلاق الكرام. وصار صاحب الدار يفسخ الدجاج ويضعه بين أيدينا ويضحك، وينشد الأشعار ويورد الأخبار ويتكلم بلطائف ما يليق بالمجلس. قال ابن حمدون: فأكلنا وشربنا، ثم نقلنا إلى مجلس آخر يدهش الناظرين، تفوح منه الروائح الزكية، ثم قدم لنا سفرة فاكهة جنية، وحلويات شهية، فزادت أفراحنا وزالت أتراحنا. قال ابن حمدون: ومع ذلك لم يزل الخليفة في عبوس، ولم يتبسم لما فيه فرح النفوس، مع أن عادته أنه يحب اللهو والطرب ودفع الهموم، وأنا أعرف أنه غير حسود ولا ظلوم، فقلت في نفسي: يا ترى ما سبب عبوسه وعدم زوال بؤسه؟ # ثم جاءوا بطبق الشراب ومجمع شمل الأحباب، وأحضروا الشراب المروق وبواطي الذهب والبلور والفضة، وضرب صاحب الدار على باب مقصورة بقضيب من الخيزران، وإذا بباب المقصورة قد فتح وخرج منه ثلاث جوار نهد أبكار، وجوههن كالشمس في رابعة النهار، وتلك الجواري ما بين عوادة وجنكية ورقاصة، ثم قدم لنا النقل والفواكه. قال ابن حمدون: فضرب بيننا وبين الثلاث جوار ستارة من الديباج، وشراريبها من الإبريسم، وحلقاتها من الذهب، فلم يلتفت الخليفة إلى هذا جميعه، وصاحب الدار لم يعلم من هو الذي عنده. فقال الخليفة لصاحب الدار: شريف أنت؟ قال: لا يا سيدي، إنما أنا رجل من أولاد التجار، أعرف بين الناس بأبي الحسن علي بن أحمد الخراساني. فقال له الخليفة: أتعرفني يا رجل؟ قال: والله يا سيدي لم يكن لي معرفة بأحد من جنابكم. فقال له ابن حمدون: يا رجل، هذا أمير المؤمنين المعتضد بالله حفيد المتوكل على الله. فقام الرجل وقبل الأرض بين يدي الخليفة وهو يرتعد من خوفه، وقال: يا أمير المؤمنين، بحق آبائك الطاهرين، إن كنت رأيت مني تقصيرا أو قلة أدب بحضرتك أن تعفو عني. فقال الخليفة: أما ما صنعته معنا من الإكرام ms2172 فلا مزيد عليه، وأما ما أنكرته عليك هنا، فإن أصدقتني حديثه واستقر ذلك بعقلي نجوت مني، وإن لم تعرفني حقيقته أخذتك بحجة واضحة، وعذبتك عذابا لم أعذب أحدا مثله. قال: معاذ الله أن أحدث بالمحال، وما الذي أنكرته علي يا أمير المؤمنين؟ فقال الخليفة: أنا من حين دخلت الدار وأنا أنظر إلى حسنها وأوانيها وفراشها وزينتها، حتى ثيابك، فإذا عليها اسم جدي المتوكل على الله. قال: نعم، اعلم يا أمير المؤمنين - أيدك الله - أن الحق شعارك والصدق رداؤك، ولا قدرة لأحد على أن يتكلم بغير الصدق في حضرتك. فأمره بالجلوس فجلس، فقال له: حدثني. فقال: اعلم يا أمير المؤمنين - أيدك الله بنصره وحفك بلطائف أمره - أنه لم يكن ببغداد أحد أيسر مني ولا من أبي، ولكن أخل لي ذهنك وسمعك وبصرك حتى أحدثك بسبب ما أنكرته علي. فقال له الخليفة: قل حديثك. # فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أنه كان أبي بسوق الصيارف والعطارين والبزازين، وكان له في كل سوق حانوت ووكيل وبضائع من سائر الأصناف، وكان له حجرة داخل الدكان التي بسوق الصيارف لأجل الخلوة فيها، وجعل الدكان لأجل البيع والشراء، وكان ماله يكثر عن العد، ويزيد عن الحد، ولم يكن له ولد غيري، وكان محبا لي وشفوقا علي، فلما حضرته الوفاة دعاني وأوصاني بوالدتي وبتقوى الله تعالى، ثم مات رحمه الله تعالى وأبقى أمير المؤمنين، فاشتغلت باللذات وأكلت وشربت، ثم اتخذت الأصحاب والأصدقاء، وكانت أمي تنهاني عن ذلك وتلومني عليه، فلم أسمع منها كلاما حتى ذهب المال جميعه وبعت العقارات، ولم يبق لي شيء غير الدار التي أنا فيها، وكانت دارا حسنة يا أمير المؤمنين، فقلت لأمي: أريد أن أبيع الدار. فقالت: يا ولدي، إن بعتها تفتضح، ولا تعرف لك مكانا تأوي إليه. فقلت: هي تساوي خمسة آلاف دينار، فأشتري من جملة ثمنها دارا بألف دينار، ثم أتجر بالباقي. فقالت: أتبيعني هذه الدار بهذا المقدار؟ قلت: نعم. فجاءت إلى طابق وفتحته وأخرجت منه إناء من الصيني فيه خمسة آلاف ms2173 دينار، فتخيل لي أن الدار كلها ذهب. فقالت لي: يا ولدي، لا تظن أن هذا المال مال أبيك، والله يا ولدي إنه من مال أبي، وكنت ادخرته لوقت الحاجة إليه؛ فإني كنت في زمن أبيك غنية عن الاحتياج إلى هذا المال. فأخذت المال منها يا أمير المؤمنين وعدت لما كنت عليه من المأكل والمشرب والصحبة حتى نفدت الخمسة آلاف دينار، ولم أقبل من أمي كلاما ولا نصيحة، ثم قلت لها: مرادي أن أبيع الدار. فقالت: يا ولدي، قد نهيتك عن بيعها لعلمي أنك محتاج إليها، فكيف تريد بيعها ثانيا؟ فقلت لها: لا تطيلي علي الكلام، فلا بد من بيعها. فقالت: بعني إياها بخمسة عشر ألف دينار، بشرط أن أتولى أمورك بنفسي. فبعتها لها بذلك المبلغ على أن تتولى أموري بنفسها، فطلبت وكلاء أبي وأعطت كل واحد منهم ألف دينار، وجعلت المال تحت يدها، والأخذ والعطاء معها، وأعطتني بعضا من المال لأتجر فيه، وقالت لي: اقعد أنت في دكان أبيك. ففعلت ما قالت أمي يا أمير المؤمنين، وجئت إلى الحجرة التي في سوق الصيارف، وجاء أصحابي وصاروا يشترون مني وأبيع لهم، وطاب لي الربح وكثر مالي، فلما رأتني أمي على تلك الحالة الحسنة أظهرت لي ما كان مدخرا عندها من جوهر ومعدن ولؤلؤ وذهب، ثم عادت لي أملاكي التي كان وقع فيها التفريط، وكثر مالي كما كان، ومكثت على هذه الحال مدة، وجاء وكلاء أبي فأعطيتهم البضائع. # ثم بنيت حجرة ثانية من داخل الدكان، فبينما أنا قاعد فيها على عادتي يا أمير المؤمنين، وإذا بجارية قد أقبلت علي، لم تر العيون أجمل منها منظرا، فقالت: هذه حجرة أبي الحسن علي بن أحمد الخراساني؟ قلت لها: نعم. قالت: أين هو؟ فقلت: هو أنا. ولكن اندهش عقلي من فرط جمالها يا أمير المؤمنين. ثم إنها جلست وقالت لي: قل لغلامك يزن لي ثلاثمائة دينار. فأمرته أن يزن لها ذلك المقدار، فوزنه لها فأخذته وانصرفت وأنا ذاهل العقل. فقال لي غلامي: أتعرفها؟ قلت: لا ms2174 والله. قال: فلم قلت لي: زن لها؟ فقلت: والله إني لم أدر ما أقول مما بهرني من حسنها وجمالها. فقام الغلام وتبعها من غير علمي، ثم رجع وهو يبكي وبوجهه أثر ضربة، فقلت له: ما بالك؟ فقال: إني تبعت الجارية لأنظر أين تذهب، فلما أحست بي رجعت وضربتني هذه الضربة، فكادت أن تتلف عيني. ثم مكثت شهرا لم أرها ولم تأت، وأنا ذاهل العقل في هواها يا أمير المؤمنين. فلما كان آخر الشهر، وإذا بها جاءت وسلمت علي، فكدت أن أطير فرحا، فسألتني عن خبري وقالت: لعلك قلت في نفسك: ما شأن هذه المحتالة؟ كيف أخذت مالي وانصرفت؟ فقلت: والله يا سيدتي إن مالي وروحي ملك لك. فأسفرت عن وجهها وجلست لتستريح والحلي والحلل تلعب على وجهها وصدرها، ثم قالت لي: زن لي ثلاثمائة دينار. فقلت: سمعا وطاعة. ثم وزنت لها الدنانير، فأخذتها وانصرفت، فقلت للغلام: اتبعها. فتبعها، ثم عاد لي وهو مبهوت. ومضت مدة وهي لم تأت، فبينما أنا جالس في بعض الأيام، وإذا بها قد أقبلت علي وتحدثت ساعة، ثم قالت لي: زن لي خمسمائة دينار؛ فإني قد احتجت إليها. فأردت أن أقول لها: على أي شيء أعطيك مالي؟ فمنعني فرط الغرام من الكلام، وأنا يا أمير المؤمنين كلما رأيتها ترتعد مفاصلي ويصفر لوني وأنسى ما أريد أن أقول وأصير كما قال الشاعر: # فما هو إلا أن أراها فجاءة %~% فأبهت حتى لا أكاد أجيب # ثم وزنت لها الخمسمائة دينار، فأخذتها وانصرفت، فقمت وتبعتها بنفسي إلى أن وصلت إلى سوق الجواهر، فوقفت على إنسان فأخذت منه عقدا، والتفتت فرأتني، فقالت: زن لي خمسمائة دينار. فلما نظرني صاحب العقد قام إلي وعظمني، فقلت له: أعطها العقد وثمنه علي. فقال: سمعا وطاعة. فأخذت العقد وانصرفت. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 961 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا الحسن الخراساني قال: فقلت له أعطها العقد وثمنه علي. فأخذت العقد وانصرفت، فتبعتها حتى جاءت إلى الدجلة، ونزلت ms2175 في مركب، فأوميت إلى الأرض لأقبلها بين يديها، فذهبت وضحكت، ومكثت واقفا أنظرها إلى أن دخلت قصرا، فتأملته فإذا هو قصر الخليفة المتوكل، فرجعت يا أمير المؤمنين وقد حل بقلبي كل هم في الدنيا، وكانت قد أخذت مني ثلاثة آلاف دينار، فقلت في نفسي: قد أخذت مالي وسلبت عقلي، وربما تلفت نفسي في هواها! ثم رجعت إلى داري، وقد حدثت أمي بجميع ما جرى لي، فقالت لي: يا ولدي، إياك أن تتعرض لها بعد ذلك فتهلك! فلما رحت إلى دكاني جاءني وكيلي الذي بسوق العطارين، وكان شيخا كبيرا، فقال لي: يا سيدي، ما لي أراك متغير الحال يظهر عليك أثر الكآبة؟ فحدثني بخبرك. فحدثته بجميع ما جرى لي معها، فقال لي: يا ولدي، إن هذه من جواري قصر أمير المؤمنين، وهي محظية الخليفة، فاحتسب المال لله تعالى ولا تشغل نفسك بها، وإذا جاءتك فاحذر أن تتعرض لك، وأعلمني بذلك حتى أدبر لك أمرا لئلا يحصل لك تلف. ثم تركني وذهب وفي قلبي لهيب النار. فلما كان آخر الشهر وإذا بها قد أقبلت علي، ففرحت بها غاية الفرح، فقالت لي: ما حملك على أنك تبعتني؟ فقلت لها: حملني على ذلك فرط الوجد الذي بقلبي. وبكيت بين يديها، فبكت رحمة لي وقالت: والله ما في قلبك شيء من الغرام إلا وفي قلبي أكثر منه، ولكن كيف أعمل؟ والله ما لي من سبيل غير أني أراك في كل شهر مرة. ثم دفعت إلي ورقة وقالت: خذ هذه إلى فلان الفلاني، فإنه وكيلي، واقبض منه ما فيها. فقلت: ليس لي حاجة بمال، ومالي وروحي فداك. فقالت: سوف أدبر لك أمرا يكون فيه وصولك إلي، وإن كان فيه تعب لي. ثم ودعتني وانصرفت. # فجئت إلى الشيخ العطار وأخبرته بما جرى لي، فجاء معي إلى دار المتوكل، فرأيتها هي المكان الذي دخلت فيه الجارية، فصار الشيخ العطار متحيرا في حيلة يفعلها، ثم التفت فرأى خياطا قبال الشباك المطل على الشاطئ وعنده صناع. فقال: بهذا تنال مرادك، ms2176 ولكن افتق جيبك وتقدم إليه وقل له أن يخيطه لك، فإذا خاطه فادفع له عشرة دنانير. فقلت له: سمعا وطاعة. ثم توجهت إلى ذلك الخياط وأخذت معي شقتين من الديباج الرومي وقلت له: فصل هاتين أربعة ملابس؛ اثنين فرجية واثنين غير فرجية. فلما فرغ من تفصيل الملابس وخياطتها أعطيته أجرتها زيادة عن العادة بكثير، ثم مد يده إلي بتلك الملابس فقلت: خذها لك ولمن حضر عندك. وصرت أقعد عنده وأطيل القعود معه، ثم فصلت عنده غيرها وقلت له: علقه على وجه الدكان لمن ينظره فيشتريه. ففعل، وصار كل من خرج من قصر الخليفة وأعجبه شيء من الملابس وهبته له حتى البواب. فقال لي الخياط يوما من الأيام: أريد يا ولدي أن تصدقني حديثك؛ لأنك فصلت عندي مائة حلة ثمينة، وكل حلة تساوي جملة من المال، ووهبت غالبها للناس، وهذا ما هو فعل تاجر؛ لأن التاجر يحاسب على الدرهم، وما مقدار رأس مالك حتى تعطي هذه العطايا؟ وما يكون مكسبك في كل عام؟ فأخبرني خبرا صحيحا حتى أعاونك على مرادك. ثم قال: أناشدك الله، أما أنت عاشق؟ قلت: نعم. فقال: لمن؟ قلت: لجارية من جواري قصر الخليفة. فقال: قبحهن الله! كم يفتن الناس! ثم قال لي: فهل تعرف اسمها؟ قلت: لا. فقال: صفها لي. فوصفتها له. فقال: ويلاه! هذه عوادة الخليفة المتوكل المحظية عنده، لكن لها مملوك فاجعل بينك وبينه صداقة لعله يكون سببا في اتصالك بها. # فبينما نحن في الحديث، وإذا بالمملوك مقبل من باب الخليفة وهو كأنه القمر في ليلة أربعة عشر، وبين يدي الثياب التي خاطها لي الخياط، وكانت من الديباج من سائر الألوان، فصار ينظر إليها ويتأمل، ثم أقبل علي فقمت إليه وسلمت عليه، فقال: من أنت؟ فقلت: رجل من التجار. قال: أتبيع هذه الثياب؟ قلت: نعم. فأخذ منها خمسة وقال: بكم هذه الخمسة؟ فقلت: هي هدية مني إليك، عقد صحبة بيني وبينك. ففرح بها، ثم جئت إلى بيتي وأخذت له ملبوسا مرصعا بالجواهر واليواقيت قيمته ثلاثة ms2177 آلاف دينار، وتوجهت به إليه، فقبله مني، ثم أخذني ودخل بي حجرة في داخل القصر وقال لي: ما اسمك بين التجار؟ فقلت له: رجل منهم. فقال: قد رابني أمرك. فقلت: لماذا؟ قال: لأنك أهديت لي شيئا كثيرا ملكت به قلبي، وقد صح عندي أنك أبو الحسن الخراساني الصيرفي. فبكيت يا أمير المؤمنين، فقال لي: لم تبكي؟ فوالله إن التي تبكي من أجلها عندها من الغرام بك أكثر مما عندك من الغرام بها وأعظم، وقد شاع عند جميع جواري القصر خبرها معك. ثم قال لي: وأي شيء تريد؟ فقلت: أريد أنك تساعدني على بليتي. فوعدني إلى غد، فمضيت إلى داري، فلما أصبحت توجهت إليه ودخلت حجرته، فلما جاء قال: اعلم أنها لما فرغت من خدمتها عند الخليفة بالأمس ودخلت حجرتها حدثتها بحديثك جميعه، وقد عزمت على الاجتماع بك، فاقعد عندي إلى آخر النهار. فقعدت عنده، فلما جن الليل إذا بالمملوك أتى ومعه قميص منسوج من الذهب، وحلة من حلل الخليفة، فألبسني إياها وبخرني، فصرت أشبه الخليفة، ثم أخذني إلى محل فيه الحجر صفين من الجانبين، وقال لي: هذه حجر الجواري الخواص، فإذا مررت عليها فضع على كل باب من الأبواب حبة من الفول؛ لأن من عادة الخليفة أن يفعل هكذا في كل ليلة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 962 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المملوك لما قال لأبي الحسن: فإذا مررت عليها فضع على كل باب من الأبواب حبة من الفول؛ لأن من عادة الخليفة أن يفعل هكذا إلى أن تأتي إلى الدرب الثاني الذي على يدك اليمنى، فترى حجرة عتبة بابها من المرمر، فإذا وصلت إليها فمسها بيدك، وإن شئت فعد الأبواب فهي كذا وكذا بابا، فادخل الباب الذي علامته كذا وكذا، فتراك صاحبتك وتأخذك عندها، وأما خروجك فإن الله يهون علي فيه، ولو أخرجك في صندوق. ثم تركني ورجع، وصرت أمشي وأعد الأبواب وأضع على كل باب حبة فول، فلما صرت في وسط ms2178 الحجر سمعت ضجة عظيمة، ورأيت ضوء شموع، وأقبل ذلك الضوء نحوي حتى قرب مني، فتأملته فإذا هو الخليفة وحوله الجواري ومعهن الشمع، فسمعت واحدة منهن تقول لصاحبتها: يا أختي، هل نحن لنا خليفتان؟ إن الخليفة قد جاز حجرتي وشممت منه رائحة العطر والطيب، ووضع حبة الفول على حجرتي كعادته، وفي هذه الساعة أرى ضوء شموع الخليفة وها هو مقبل معه! فقالت: إن هذا أمر عجيب؛ لأن التزيي بزي الخليفة لا يجسر عليه أحد! ثم قرب الضوء مني فارتعدت أعضائي، وإذا بخادم يصيح على الجواري ويقول: ها هنا. فانعطفوا إلى حجرة من الحجر ودخلوا، ثم خرجوا ومشوا حتى وصلوا إلى بيت صاحبتي، فسمعت الخليفة يقول: هذه حجرة من؟ فقالوا: هذه حجرة شجرة الدر. فقال: نادوها. فنادوها فخرجت وقبلت أقدام الخليفة. فقال لها: أتشربين الليلة؟ فقالت: إن لم يكن لحضرتك والنظر إلى طلعتك فلا أشرب؛ فإنني لا أميل إلى الشراب في هذه الليلة. فقال للخادم: قل للخازن يدفع لها العقد الفلاني. ثم أمر بالدخول إلى حجرتها، فدخلت بين يديه الشموع، وإذا بجارية أمامهم وضوء وجهها غالب على ضوء الشمعة التي بيدها، فقربت مني وقالت: من هذا؟ ثم قبضت علي وأخذتني إلى حجرة من الحجر وقالت لي: من أنت؟ فقبلت الأرض بين يديها وقلت لها: أناشدك الله يا مولاتي أن تحقني دمي وترحميني وتتقربي إلى الله بإنقاذ مهجتي. وبكيت فزعا من الموت، فقالت: لا شك أنك لص. فقلت: لا والله، ما أنا لص، فهل ترين علي أثر اللصوص؟ فقالت: أصدقني خبرك وأنا أجعلك في أمان. فقلت: أنا عاشق جاهل أحمق، قد حملتني الصبابة وجهلي على ما ترين مني حتى وقعت في هذه الورطة. فقالت: قف هنا حتى أجيء إليك. ثم خرجت وجاءتني بثياب جارية من جواريها، وألبستني تلك الثياب في تلك الزاوية وقالت: اخرج خلفي. فخرجت خلفها حتى وصلت إلى حجرتها وقالت: ادخل هنا. فدخلت حجرتها، فجاءت بي إلى سرير وعليه فرش عظيم وقالت: اجلس لا بأس عليك، أما أنت أبو الحسن الخراساني ms2179 الصيرفي؟ قلت: بلى. قالت: قد حقن الله دمك إن كنت صادقا ولم تكن لصا؛ فإنك تهلك لا سيما وأنت في زي الخليفة ولباسه وبخوره، وأما إن كنت أبا الحسن الخراساني الصيرفي فإنك قد أمنت، ولا بأس عليك؛ لأنك صاحب شجرة الدر التي هي أختي، فإنها لا تقطع ذكرك أبدا، وتخبرنا كيف أخذت منك المال ولم تتغير، وكيف جئت خلفها إلى الشاطئ وأوميت لها إلى الأرض تعظيما، وفي قلبها منك النار أكثر مما في قلبك منها، ولكن كيف وصلت إلى ها هنا؟ أبأمرها أم بغير أمرها؟ بل خاطرت بنفسك! وما مرادك من الاجتماع بها؟ فقلت: والله يا سيدتي إني أنا الذي خاطرت بنفسي، وما غرضي من الاجتماع بها إلا النظر والاستماع لحديثها. فقالت: أحسنت. فقلت: يا سيدتي، الله شهيد على ما أقول، إن نفسي لم تحدثني في شأنها بمعصية. فقالت: بهذه النية نجاك الله ووقعت رحمتك في قلبي. ثم قالت لجاريتها: يا فلانة، امضي إلى شجرة الدر وقولي لها: إن أختك تسلم عليك وتدعوك، فتفضلي عندها في هذه الليلة على جري عادتك؛ فإن صدرها ضيق. فتوجهت إليها ثم عادت وأخبرتها أنها تقول: متعني الله بطول حياتك وجعلني فداك، والله لو دعوتني إلى غير هذا ما توقفت، لكن يضرني صداع الخليفة، وأنت تعلمين منزلتي عنده. فقالت للجارية: ارجعي إليها وقولي لها: إنه لا بد من حضورك لسر بينك وبينها. فتوجهت إليها الجارية، وبعد ساعة جاءت مع الجارية ووجهها يضيء كأنه البدر، فقابلتها واعتنقتها وقالت: يا أبا الحسن، اخرج إليها وقبل يديها. وكنت في مخدع في داخل الحجرة، فخرجت إليها يا أمير المؤمنين، فلما رأتني ألقت نفسها علي وضمتني إلى صدرها، وقالت لي: كيف صرت بلباس الخليفة وزينته وبخوره؟ ثم قالت: حدثني بما جرى لك. فحدثتها بما جرى لي وبما قاسيته من خوف وغيره، فقالت: يعز علي ما قاسيته من أجلي، والحمد لله الذي جعل العاقبة إلى السلامة، وتمام السلامة دخولك في منزلي ومنزل أختي. ثم أخذتني إلى حجرتها وقالت لأختها: إني قد ms2180 عاهدته ألا أجتمع معه في الحرام، ولكن كما خاطر بنفسه وارتكب هذا الهول لأكونن أرضا لوطء قدميه وترابا لنعليه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 963 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية قالت لأختها: إني قد عاهدته أني لا أجتمع معه في الحرام، ولكن كما خاطر بنفسه وارتكب هذه الأهوال لأكونن أرضا لوطء قدميه وترابا لنعليه. فقالت لها أختها: بهذه النية نجاه الله تعالى. فقالت: سوف ترين ما أصنع حتى أجتمع معه في الحلال، فلا بد أن أبذل مهجتي في التحيل على ذلك. فبينما نحن في الحديث، وإذا بضجة عظيمة، فالتفتنا فرأينا الخليفة قد جاء يريد حجرتها من كثرة ما هو كلف بها. فأخذتني يا أمير المؤمنين وحطتني في سرداب وطبقته علي، وخرجت تقابل الخليفة فلاقته، ثم جلس، فوقفت بين يديه وخدمته، ثم أمرت بإحضار الشراب، وكان الخليفة يحب جارية اسمها البنجة، وهي أم المعتز بالله، وكانت تلك الجارية قد هجرته وهجرها، فلعز الحسن والجمال لا تصالحه، والمتوكل لعزة الخلافة والملك لا يصالحها، ولا يكسر نفسه لها، مع أن في قلبه منها لهيب النار، ولكنه تشاغل عنها بنظرائها من الجواري والدخول إليهن في حجراتهن. وكان يحب غناء شجرة الدر، فأمرها بالغناء، فأخذت العود وشدت الأوتار وغنت بهذه الأشعار: # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها %~% فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر ~~هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى %~% وزرتك حتى قيل ليس له صبر ~~فيا حبها زدني جوى كل ليلة %~% ويا سلوة الأيام موعدك الحشر ~~لها بشر مثل الحرير ومنطق %~% رخيم الحواشي لا هراء ولا نذر ~~وعينان قال الله كونا فكانتا %~% فعولان بالألباب ما تفعل الخمر # فلما سمعها الخليفة طرب طربا شديدا، وطربت أنا يا أمير المؤمنين في السرداب، ولولا لطف الله تعالى لصحت وافتضحنا، ثم أنشدت أيضا هذه الأبيات: # أعانقه والنفس بعد مشوقة %~% إليه وهل بعد العناق تدان ~~وألثم فاه كي تزول حرارتي %~% فينشد ما ألقى من الهيمان ~~كأن فؤادي ليس يشفي غليله %~% سوى أن يرى الروحين ms2181 يمتزجان # فطرب الخليفة وقال: تمني علي يا شجرة الدر. فقالت: أتمنى عليك عتقي يا أمير المؤمنين لما فيه من الثواب. فقال: أنت حرة لوجه الله تعالى. فقبلت الأرض بين يديه. فقال: خذي العود وقولي لنا شيئا في شأن جاريتي التي أنا متعلق بهواها والناس تطلب رضاي وأنا أطلب رضاها. فأخذت العود وأنشدت هذين البيتين: # أيا ربة الحسن التي أذهبت نسكي %~% على كل أحوالي فلا بد لي منك ~~فإما بذل وهو أليق بالهوى %~% وإما بعز وهو أليق بالملك # فطرب الخليفة وقال: خدي العود وغني شعرا يتضمن شرح حالي مع ثلاث جوار ملكن قيادي ومنعن رقادي وهن: أنت وتلك الجارية الهاجرة وأخرى لا أسميها ليس لها مناظرة. فأخذت العود وأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: # ملك الثلاث الآنسات عناني %~% وحللن من قلبي أعز مكان ~~ما لي تطاوعني البرية كلها %~% وأطيعهن وهن في عصياني ~~ما ذاك إلا أن سلطان الهوى %~% وبه غلبن أعز من سلطاني # فتعجب الخليفة من موافقة هذا الشعر لحاله غاية العجب، ومال به إلى مصالحة الجارية الهاجرة الطرب، ثم خرج وقصد حجرتها، فسبقت جارية وأخبرتها بقدوم الخليفة، فاستقبلته وقبلت الأرض بين يديه، ثم قبلت قدميه، فصالحها وصالحته. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر شجرة الدر، فإنها جاءت إلي وهي فرحانة وقالت: إني صرت حرة بقدومك المبارك، ولعل الله يعينني على ما أدبره حتى أجتمع بك في الحلال. فقلت: الحمد لله. فبينما نحن في الحديث، وإذا بخادمها قد دخل علينا، فحدثناه بما جرى لنا، فقال: الحمد لله الذي جعل آخره خيرا، ونسأل الله أن يتم ذلك بخروجك سالما. فبينما نحن في الحديث، وإذا بالجارية أختها قد جاءت، وكان اسمها فاتر، فقالت: يا أختي، كيف نعمل حتى نخرجه من القصر سالما؛ فإن الله تعالى من علي بالعتق وصرت حرة ببركة قدومه. فقالت لها: ليس لي حيلة في خروجه إلا بأن ألبسه ثياب النساء. ثم جاءت ببدلة من ثياب النساء فألبستنيها، ثم خرجت يا أمير المؤمنين في ذلك الوقت، فلما ms2182 جئت إلى وسط القصر وإذا بأمير المؤمنين جالس والخدم بين يديه، فنظر إلي وأنكرني غاية الإنكار، وقال لحاشيته: أسرعوا وائتوني بهذه الجارية. فلما أتوا بي رفعوا نقابي، فلما رآني عرفني، وسألني، فأخبرته بالخبر ولم أخف عليه شيئا، فلما سمع حديثي تفكر في أمري، ثم قام من وقته وساعته ودخل حجرة شجرة الدر، فقال: كيف تختارين علي بعض أولاد التجار؟ فقبلت الأرض بين يديه وحدثته بحديثها من أوله إلى آخره على وجه الصدق، فلما سمع كلامها رحمها ورق قلبه لها، وعذرها في العشق وأحواله، ثم انصرف، ودخل عليها خادمها وقال: طيبي نفسا، إن صاحبك لما حضر بين يدي الخليفة سأله فأخبره كما أخبرته حرفا بحرف. ثم رجع الخليفة وأحضرني بين يديه وقال لي: ما حملك على التجاري على دار الخلافة؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، حملني على ذلك جهلي والصبابة والإقبال على عفوك وكرمك. ثم بكيت وقبلت الأرض بين يديه. فقال: عفوت عنكما. ثم أمرني بالجلوس، فجلست، فدعا بالقاضي أحمد بن أبي دؤاد وزوجني بها، وأمر بحمل جميع ما عندها إلي، وزفوها في حجرتها، وبعد ثلاثة أيام خرجت ونقلت جميع ذلك إلى بيتي، فجميع ما تنظره يا أمير المؤمنين في بيتي وتنكره كله من جهازها. # ثم إنها قالت لي يوما من الأيام: اعلم أن المتوكل رجل كريم، وأخاف أن يتذكرنا أو يذكرنا عنده أحد من الحساد، فأريد أن أعمل شيئا يكون فيه الخلاص من ذلك. قلت: وما هو؟ قالت: أريد أن أستأذنه في الحج والتوبة من الغناء. فقلت لها: نعم الرأي الذي أشرت إليه. فبينما نحن في الحديث، وإذا برسول الخليفة قد جاءني في طلبها؛ لأنه كان يحب غناءها، فمضت وخدمته. فقال لها: لا تنقطعي عنا. فقالت: سمعا وطاعة. فاتفق أنها ذهبت إليه في بعض الأيام، وكان قد أرسل إليها على جري العادة، فلم أشعر إلا وقد جاءت من عنده ممزقة الثياب باكية العين، ففزعت من ذلك وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! وتوهمت أنه أمر بالقبض علينا، فقلت لها: هل المتوكل ms2183 غضب علينا؟ فقالت: وأين المتوكل؟ إن المتوكل قد انقضى حكمه وانمحى رسمه. فقلت: أخبريني بحقيقة الأمر. فقالت: إنه كان جالسا وراء الستارة يشرب وعنده الفتح بن خاقان وصدقة بن صدقة، فهجم عليه المنتصر هو وجماعة من الأتراك فقتله، وانقلب السرور بالشرور، والحظ الجميل بالبكاء والعويل، فهربت أنا والجارية وسلمنا الله. ثم قمت في الحال يا أمير المؤمنين وانحدرت إلى البصرة، وجاءني الخبر بعد ذلك بوقوع الحرب بين المنتصر والمستعين، فخفت فنقلت زوجتي وجميع مالي إلى البصرة. وهذه حكايتي يا أمير المؤمنين لا زدتها حرفا ولا نقصتها حرفا. فجميع ما نظرته في بيتي يا أمير المؤمنين مما عليه اسم جدك المتوكل هو من نعمته علينا؛ لأن أصل نعمتنا من أصولك الأكرمين، وأنتم أهل النعم ومعدن الكرم. ففرح الخليفة بذلك فرحا شديدا، وتعجب من حديثه، ثم أخرجت للخليفة الجارية وأولادي منها فقبلوا الأرض بين يديه، فتعجب من جمالهم، واستدعى بدواة وكتب لنا برفع الخراج عن أملاكنا عشرين سنة. ففرح الخليفة واتخذه نديما إلى أن فرق الدهر بينهم وسكنوا القبور بعد القصور، فسبحان الملك الغفور! ### || حكاية قمر الزمان وزوجة الجوهري # ومما يحكى أيضا أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان رجل تاجر اسمه عبد الرحمن، قد رزقه الله بنتا وولدا، فسمى البنت كوكب الصباح؛ لشدة حسنها وجمالها، وسمى الولد قمر الزمان لشدة حسنه، ولما نظر ما أعطاهما الله من الحسن والجمال والبهاء والاعتدال خاف عليهما من أعين الناظرين وألسنة الحاسدين ومكر الماكرين وتحيل الفاسقين، فحجبهما عن الناس في قصر مدة أربع عشرة سنة، ولم يرهما أحد غير والديهما وجارية تتعاطى خدمتهما، وكان والدهما يقرأ القرآن كما أنزله الله، وكذلك أمهما تقرأ القرآن، فصارت الأم تقرئ بنتها والرجل يقرئ ولده حتى حفظا القرآن، وتعلما الخط والحساب والفنون والآداب من أبيهما وأمهما، ولم يحتاجا إلى معلم، فلما بلغ الولد مبلغ الرجال قالت للتاجر زوجته: إلى متى وأنت حاجب ولدك قمر الزمان عن أعين الناس؟ أهو بنت أو غلام؟ فقال لها: غلام. قالت: حيث كان ms2184 غلاما لم لم تأخذه معك إلى السوق وتقعده في الدكان حتى يعرف الناس ويعرفوه لأجل أن يشتهر عندهم أنه ابنك، وتعلمه البيع والشراء؟ وربما يحصل لك أمر فيكون الناس قد عرفوا أنه ولدك، فيضع يده على مخلفاتك، وأما إذا مت على هذه الحالة وقال للناس: أنا ابن التاجر عبد الرحمن. فإنهم لا يصدقونه، بل يقولون له: ما رأيناك ولا نعرف أن له ولدا. وتأخذ أموالك الحكام ويصير ولدك محروما، وكذلك البنت، مرادي أن أشهرها عند الناس؛ لعل أحدا كفوا لها يخطبها فنزوجها له ونفرح بها. فقال لها: مخافة عليهما من أعين الناس. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 964 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زوجة التاجر لما قالت له ذلك الكلام، قال لها: مخافة عليهما من أعين الناس؛ لأني محب لهما، والمحب شديد الغيرات، وقد أحسن من قال هذه الأبيات: # أغار عليك من نظري ومني %~% ومنك ومن مكانك والزمان ~~ولو أني وضعتك في عيوني %~% دواما ما سئمت من التداني ~~ولو واصلتني في كل يوم %~% إلى يوم القيامة ما كفاني # فقالت له زوجته: توكل على الله، ولا بأس على من يحفظه الله، وخذه في هذا اليوم معك إلى الدكان. ثم إنها ألبسته بدلة من أفخر الملابس، فصار فتنة للناظرين وحسرة في قلوب العاشقين، وأخذه أبوه معه ومضى به إلى السوق، فصار كل من رآه يفتتن به ويتقدم إليه ويبوس يده ويسلم عليه، وصار أبوه يشتم الناس حيث تبعوه لقصد الفرجة، وصار البعض من الناس يقول: إن الشمس قد طلعت في المحل الفلاني وأشرقت في السوق. والبعض يقول: مطلع البدر في الجهة الفلانية. والبعض يقول: ظهر هلال العيد على عباد الله. وصاروا يلمحون إلى الولد بالكلام ويدعون له، وقد حصل لأبيه خجل من كلام الناس، ولا يقدر أن يمنع أحدا منهم عن الكلام، وصار يشتم أمه ويدعو عليها؛ لأنها هي التي كانت سببا في خروجه. والتفت أبوه فرأى الخلائق مزدحمين عليه خلفه وقدامه، وهو ماش إلى أن ms2185 وصل إلى الدكان، ففتح الدكان وجلس وأجلس ولده قدامه، والتفت إلى الناس فرآهم قد سدوا الطريق، وصار كل من مر به من رائح وغاد يقف قدام الدكان وينظر إلى ذلك الوجه الجميل، ولا يقدر أن يفارقه. وانعقد عليه إجماع النساء والرجال متمثلين بقول من قال: # خلقت الجمال لنا فتنة %~% وقلت لنا يا عبادي اتقون ~~فأنت جميل تحب الجمال %~% فكيف عبادك لا يعشقون # فلما رأى التاجر عبد الرحمن الناس مزدحمين عليه وواقفين صفوفا نساء ورجالا لديه، شاخصين لولده، خجل غاية الخجل وصار متحيرا في أمره، ولم يدر ماذا يصنع. فلم يشعر إلا ورجل درويش من السياحين وعليه شعار عباد الله الصالحين قد أقبل عليه من طرف السوق، ثم تقدم إلى الغلام وصار ينشد الأشعار ويرخي الدموع الغزار، فلما رأى قمر الزمان جالسا كأنه قضيب البان، نابت على كثيب من الزعفران، أفاض دمع العين وأنشد هذين البيتين: # رأيت غصنا على كثيب %~% شبيه بدر إذا تلالا ~~فقلت: ما الاسم؟ قال: لولو %~% فقلت: لي لي. فقال: لالا # ثم إن الدرويش صار يمشي الهوينا ويمسح شيبته بيده اليمنى، فانشق لهيبته قلب الزحام، فلما نظر إلى الغلام اندهش منه العقل والنظر، وانطبق عليه قول الشاعر: # فبينما ذاك المليح في محل %~% من وجهه هلال عيد الفطر طل ~~إذا بشيخ ذي وقار قد أهل %~% يمشي ولكن مشيه على مهل # قد مارس الأيام والليالي %~% وخاض في الحرام والحلال ~~وهام بالنساء والرجال %~% ورق حتى صار كالخلال # وكان في ذا الفن أعجميا %~% الشيخ عنده يرى صبيا ~~وفي محبة النساء عذريا %~% في الخصلتين ماهرا غويا # يهيم بالحسنا ويهوى الحسنا %~% ويندب الربع ويبكي الدمنا ~~تخاله من فرط شوق غصنا %~% مع الصبا إلى هناك أو هنا # وكان في فن الهوى خبيرا %~% مستيقظا في أمره بصيرا ~~وجاب منه السهل والعسيرا %~% وعانق الظبية والغريرا # ثم تقدم إلى الولد وأعطاه عرق ريحان، فمد أبوه يده إلى جيبه وأخرج له ما تيسر من الدراهم، وقال: خذ نصيبك يا درويش واذهب إلى حال سبيلك. فأخذ منه الدراهم وجلس على ms2186 مصطبة الدكان قدام الولد، وصار ينظر إلى الولد ويبكي ويتحسر حسرات متتابعة ودموعه كالعيون النابعة، فصارت الناس تنظر إليه وتعترض عليه، وبعضهم يقول: كل الدراويش فساق. وبعضهم يقول: إن الدرويش في قلبه من عشق للولد احتراق. وأما أبوه فإنه لما عاين هذا الحال قام وقال: قم يا ولدي حتى نقفل الدكان ونروح إلى بيتنا، ولا يتبقى لنا في هذا اليوم بيع ولا شراء، الله تعالى يجازي أمك بما فعلت معنا؛ فإنها هي التي تسببت في هذا كله. ثم قال: يا درويش، قم حتى أقفل الدكان. فقام الدرويش وقفل التاجر دكانه وأخذ ولده ومشى. فتبعهما الدرويش والناس إلى أن وصلا إلى منزلهما، فدخل الولد المنزل، والتفت التاجر إلى الدرويش وقال له: ما تريد يا درويش؟ وما لي أراك تبكي؟ فقال: يا سيدي، أريد أن أكون ضيفك في هذه الليلة، والضيف ضيف الله تعالى. فقال: مرحبا بضيف الله، ادخل يا درويش. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 965 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الدرويش لما قال للتاجر والد قمر الزمان: أنا ضيف الله. فقال له التاجر: مرحبا بضيف الله، ادخل يا درويش. وقال التاجر في نفسه: إن كان هذا الدرويش عاشقا للولد وطلب منه فاحشة فلا بد أن أقتله في هذه الليلة، وأخفي قبره، وإن كان ما عنده فساد، فإن الضيف يأكل نصيبه. ثم إنه أدخل الدرويش هو وقمر الزمان في قاعة وقال سرا لقمر الزمان: يا ولدي، اجلس بجانب الدرويش وناغشه ولاعبه بعد أن أخرج من عندكما، فإن طلب منك فسادا فأنا أكون ناظرا لكما من الطاقة المطلة على القاعة، فأنزل إليه وأقتله. ثم إن الولد لما اختلى به الدرويش في تلك القاعة قعد بجانب الدرويش، فصار الدرويش ينظر إليه ويتحسر ويبكي، وإذا كلمه الولد يرد عليه برفق وهو يرتعش ويلتفت إلى الولد ويتنهد ويبكي، إلى أن أتى العشاء، فصار يأكل وعينه من الولد ولا يفتر عن البكاء، فلما مضى ربع الليل وفرغ الحديث وجاء وقت ms2187 النوم، قال أبو الولد: يا ولدي، تقيد بخدمة عمك الدرويش ولا تخالفه. وأراد أن يخرج، فقال له الدرويش: يا سيدي، خذ ولدك معك أو نم عندنا. قال: لا، وها هو ولدي نائم عندك، ربما تشتهي نفسك شيئا فولدي يقضي حاجتك ويقوم بخدمتك. ثم خرج وخلاهما وقعد في قاعة ثانية فيها طاقة تطل على القاعة التي هما فيها. # هذا ما كان من أمر التاجر، وأما ما كان من أمر الولد، فإنه تقدم إلى الدرويش، وصار يناغشه ويعرض نفسه عليه، فاغتاظ الدرويش وقال له: ما هذا الكلام يا ولدي؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! اللهم إن هذا منكر لا يرضيك، ابعد عني يا ولدي! ثم قام الدرويش من مكانه وقعد بعيدا عن الولد، فتبعه الولد ورمى روحه عليه وقال له: لأي شيء يا درويش تحرم نفسك من لذة وصالي وأنا قلبي يحبك؟ فازداد غيظ الدرويش وقال له: إن لم تمتنع عني ناديت أباك وأخبره بخبرك! فقال له: إن أبي يعرف أنني بهذه الصفة، ولا يمكن أن يمنعني، فاجبر بخاطري، لأي شيء تمتنع عني؟ أما أعجبتك؟ فقال له: والله يا ولدي ما أفعل ذلك ولو قطعت بالسيوف البواتر. وأنشد قول الشاعر: # إن قلبي يهوى الملاح ذكورا %~% وإناثا ولست بالمتواني ~~بل أراهم أصائلا وبكورا %~% لم أكن لائطا ولا أنا زاني # ثم بكى وقال له: قم افتح لي الباب حتى أروح إلى حال سبيلي، أنا ما بقيت أنام في هذا المكان. ثم قام على قدميه، فتعلق به الولد وصار يقول له: انظر لإشراق وجهي وحمرة خدي ولين معاطفي ورقة شفايفي. ثم كشف له عن ساق تخجل الخمر والساقي، ورنا إليه بلحظ يعجز السحر والراقي، وكان بديع الجمال رخيم الدلال كما قال فيه بعض من قال: # لم أنسه مذ قام يكشف عامدا %~% عن ساقه كاللؤلؤ البراق ~~لا تعجبوا من أن تقوم قيامتي %~% إن القيامة يوم كشف الساق # ثم بين له الغلام صدره وصار يقول له: انظر إلى نهودي، فإنها أحسن من نهود البنات، وريقي أحلى من ms2188 السكر النبات، فدع الورع والزهادة وخلنا من النسك والعبادة، واغتنم وصالي وتمل بجمالي، ولا تخف من شيء أبدا، وعليك الأمان من الردى، واترك هذه البلادة فإنها بئست العادة. وصار يريه ما خفي من محاسنه ويبديه ويثني عنان عقله بتثنيه، والدرويش يلفت وجهه ويقول: أعوذ بالله! استح يا ولدي، إن هذا شيء حرام لا أفعله ولا في المنام. فشدد عليه الغلام، فانفلت منه الدرويش واستقبل القبلة وصار يصلي، فلما رآه يصلي تركه حتى صلى ركعتين وسلم وأراد أن يتقدم إليه فنوى الصلاة ثاني مرة، وصلى ركعتين، ولم يزل يفعل هكذا ثالثا ورابعا وخامسا. فقال له الولد: وما هذه الصلاة؟ وهل مرادك أن تطير على السحاب؟ أضعت حظنا وأنت طول الليل في المحراب. ثم إن الغلام ارتمى عليه وصار يبوسه بين عينيه. فقال له: يا ولدي، اخز عنك الشيطان، وعليك بطاعة الرحمن. فقال له: إن لم تفعل بي ما أريد أنادي أبي وأقول له إن الدرويش يريد أن يفعل بي الفاحشة، فيدخل عليك ويضربك حتى يكسر عظمك على لحمك. كل هذا وأبوه ينظر بعينه ويسمع بأذنه، فثبت عند أبي الولد أن الدرويش ما عنده فساد، وقال في نفسه: لو كان هذا الدرويش مفسودا ما كان يتحمل هذه المشقة كلها. ثم إن الولد صار يحاول الدرويش، وكلما نوى الصلاة قطعها عليه حتى اغتاظ الدرويش غاية الغيظ، وأغلظ على الولد وضربه، فبكى الولد، فدخل عليه أبوه ومسح دموعه وأخذ بخاطره، وقال للدرويش: يا أخي، حيث كنت على هذه الحالة، لأي شيء تبكي وتتحسر حين رأيت ولدي؟ هل لهذا من سبب؟ قال له: نعم. فقال له: أنا لما رأيتك تبكي عند رؤيته ظننت فيك السوء، فأمرت الولد بهذا الأمر حتى أجربك، وأضمرت أني إذا رأيتك تطلب منه فاحشة أدخل عليك وأقتلك، فلما رأيت ما وقع منك عرفت أنك من الصلاح على غاية، ولكن بالله عليك أن تخبرني بسبب بكائك. فتنهد الدرويش وقال له: يا سيدي، لا تحرك علي ساكن الجراح. فقال: لا بد أن تخبرني. ms2189 فقال: اعلم أنني درويش سياح في البلاد والأقطار؛ لأعتبر بآثار خالق الليل والنهار، فاتفق أنني دخلت مدينة البصرة في يوم جمعة ضحوة النهار ... وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 966 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الدرويش لما قال للتاجر: اعلم أنني درويش سياح، فاتفق أني دخلت مدينة البصرة في يوم جمعة ضحوية النهار، فرأيت الدكاكين مفتوحة وفيها من سائر الأصناف والبضائع والمأكول والمشروب، وهي خالية ليس فيها رجل ولا امرأة ولا بنت ولا ولد، وليس في الشوارع والأسواق كلاب ولا قطط ولا حس حسيس ولا إنس، فتعجبت من ذلك وقلت: يا ترى، أين راح أهل هذه المدينة بقططهم وكلابهم؟ وما فعل الله بهم؟ وكنت جائعا فأخذت عيشا سخنا من فرن خباز ودخلت دكان زيات وبسست العيش بالسمن والعسل، وأكلت، وطلعت دكان شربات فشربت ما أردت، ورأيت القهوة مفتوحة فدخلتها ورأيت فيها البكارج على النار ممتلئة بالقهوة، وليس فيها أحد فشربت كفايتي، وقلت: إن هذا الشيء عجيب! كأن أهل هذه المدينة أتاهم الموت فماتوا كلهم في هذه الساعة، أو خافوا من شيء نزل بهم فهربوا وما قدروا أن يقفلوا دكاكينهم. فبينما أنا أفكر في هذا الأمر، وإذا بصوت نوبة تدق، فخفت واختفيت حصة من الزمان، وصرت أنظر من خلال الخروق، فرأيت جواري كأنهن الأقمار وقد مشين في السوق زوجا زوجا من غير غطاء، بل مكشوفات الوجوه، وهن أربعون زوجا بثمانين جارية، ورأيت وليدة راكبة على جواد لا يقدر أن ينقل أقدامه مما عليه وعليها من الذهب والفضة والجواهر، وتلك الوليدة مكشوفة الوجه من غير غطاء وهي مزينة بأفخر الزينة ولابسة أفخر الملبوس، وفي عنقها عقد من الجوهر، وفي صدرها قلائد من الذهب، وفي يديها أساور تضيء كالنجوم، وفي رجليها خلاخل من الذهب مرصعة بالمعادن، والجواري قدامها وخلفها وعن يمينها وشمالها، وبين يديها جارية مقلدة بسيف عظيم قبضته من زمرد وعلائقه من ذهب مرصع بالجواهر، فلما وصلت تلك الصبية إلى الجهة التي قدامي حبست عنان الجواد وقالت: ms2190 يا بنات، إني قد سمعت حس شيء في داخل هذا الدكان، ففتشنه لئلا يكون فيه أحد مستخف ومراده أن يتفرج علينا ونحن مكشوفات الوجوه. ففتشن الدكان الذي قدام القهوة التي أنا مستخف فيها، وبقيت أنا خائفا، فرأيتهن قد خرجن برجل وقلن لها: يا سيدتنا، قد رأينا هنا رجلا، وها هو بين يديك. فقالت للجارية التي معها السيف: ارمي عنقه. فتقدمت إليه الجارية وضربت عنقه، ثم تركنه مطروحا على الأرض ومضين. ففزعت أنا لما رأيت هذه الحالة، ولكن تعلق قلبي بعشق الصبية، وبعد ساعة ظهر الناس وصار كل من كان له دكان يدخلها، ودرجت الناس في الأسواق والتموا على المقتول يتفرجون عليه، فخرجت أنا من المكان الذي كنت فيه سرا، ولم ينتبه لي أحد، ولكن تملك قلبي عشق تلك الصبية، فصرت أتجسس عليها سرا، فلم يخبرني أحد عنها بخبر. ثم إني خرجت من البصرة وفي قلبي من عشقها حسرة، فلما رأيت ابنك هذا رأيته أشبه الناس بتلك الصبية، فأذكرني بها وهيج علي نار الغرام، وأضرم بقلبي لهيبا، وهذا سبب بكائي. ثم إنه بكى بكاء شديدا ما عليه من مزيد، وقال: يا سيدي، بالله عليك أن تفتح لي الباب حتى أذهب إلى حال سبيلي. ففتح له الباب وخرج. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر قمر الزمان، فإنه لما سمع كلام الدرويش اشتغل باله بعشق تلك الصبية، وتمكن منه الغرام، وهاج به الوجد والهيام، فلما أصبح الصباح قال لأبيه: كل أولاد التجار يسافرون البلاد لتحصيل المراد، وليس منهم واحد إلا وأبوه يجهز له بضاعة فيسافر بها ويربح فيها. ولأي شيء يا أبي لم تجهز لي تجارة حتى أسافر بها وأنظر سعدي؟ فقال له: يا ولدي، إن التجار مقلون من المال، فيسفرون أولادهم من أجل الفوائد والمكاسب وجلب الدنيا، وأما أنا فعندي أموال كثيرة، وليس عندي طمع، فكيف أغربك وأنا لا أقدر على فراقك ساعة؟ خصوصا وأنت فريد في الجمال والحسن والكمال وأخاف عليك. فقال له: يا أبي، لا يمكن ms2191 إلا أن تجهز لي متجرا لأسافر به، وإلا أغافلك وأهرب ولو من غير مال ولا تجارة، وإن أردت تطييب خاطري فجهز لي بضاعة حتى أسافر وأتفرج على بلاد الناس. فلما رآه أبوه متعلقا بالسفر أخبر زوجته بهذا الخبر وقال لها: إن ولدك يريد أن أجهز له متجرا ليسافر به إلى بلاد الغربة، مع أن الغربة كربة. فقالت له زوجته: ماذا يضرك من ذلك؟ إن هذه عادة أولاد التجار؛ فكلهم يتفاخرون بالأسفار والمكاسب. فقال لها: إن غالب التجار فقراء يطلبون كثرة المال، وأما أنا فمالي كثير. فقالت له: زيادة الخير لا تضر، وإن كنت أنت لا تسمح له بذلك فأنا أجهز له متجرا من مالي. فقال التاجر: إني أخاف عليه من الغربة؛ لأنها بئست الكربة. قالت: لا بأس بالاغتراب الذي فيه الاكتساب، وإلا يذهب ولدنا ونطلبه فلا نراه ونفتضح بين الناس. فقبل التاجر كلام زوجته وجهز متجرا لولده بتسعين ألف دينار، وأعطته أمه كيسا فيه أربعون فصا من ثمين الجواهر، أقل قيمة الواحد خمسمائة دينار، وقالت: يا ولدي، احتفظ بهذه الجواهر فإنها تنفعك. فأخذ قمر الزمان جميع ذلك وسافر إلى البصرة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 967 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان أخذ جميع ذلك وسافر إلى البصرة، وكان وضع الجواهر في كمر وشده على وسطه، ولم يزل مسافرا حتى لم يبق بينه وبين البصرة إلا مرحلة واحدة، فخرج عليه العرب وعروه وقتلوا رجاله وخدمه، فرقد بين قتيلين ولطخ روحه بالدم، فظن العرب أنه مقتول، فتركوه ولم يتقرب منه أحد، ثم أخذوا أمواله وراحوا، فلما راح العرب إلى حال سبيلهم قام قمر الزمان من بين القتلى ومشى وهو لا يملك شيئا غير الفصوص التي على حزامه، ولم يزل سائرا حتى دخل البصرة، فاتفق أن دخوله كان في يوم جمعة، وكانت المدينة خالية من الناس كما أخبر الدرويش، فرأى الأسواق خالية والدكاكين مفتوحة وهي ممتلئة بالبضائع، فأكل وشرب وصار يتفرج. فبينما هو كذلك إذ ms2192 سمع النوبة تدق، فاختفى في دكان إلى أن جاءت البنات، فتفرج عليهن، ولما رأى الصبية راكبة أخذه العشق والغرام وملكه الوجد والهيام، حتى صار لا يستطيع القيام. وبعد حصة من الزمان ظهرت الناس وملأت الأسواق، فذهب إلى السوق وتوجه إلى رجل جوهري، وأخرج له حجرا من الأربعين يساوي ألف دينار، فباعه له ورجع إلى محله، ثم بات تلك الليلة، فلما أصبح الصباح غير حوائجه ودخل الحمام وطلع كأنه البدر التمام. ثم باع أربعة فصوص بأربعة آلاف دينار، وصار يتفرج في شوارع البصرة وهو لابس أفخر الملابس حتى وصل إلى سوق، فرأى فيه رجلا مزينا، فدخل عنده وحلق رأسه وعمل معه صحبة، ثم قال: يا والدي، أنا غريب البلاد، وبالأمس دخلت هذه المدينة فرأيتها خالية من السكان وما فيها أحد من إنس ولا جان، ثم إني رأيت بناتا وبينهن صبية راكبة في موكب ... وأخبره بما رأى، فقال له: يا ولدي، هل أخبرت غيري بهذا الخبر؟ قال: لا. فقال له: يا ولدي، إياك أن تذكر هذا الكلام قدام أحد غيري، فإن كل الناس لا يكتمون الكلام والأسرار، وأنت ولد صغير فأخاف عليك أن ينتقل الكلام من ناس إلى ناس حتى يصل إلى أصحابه فيقتلوك، واعلم يا ولدي أن هذا الذي رأيته ما أحد رآه ولا يعرفه في غير هذه المدينة، وأما أهل البصرة فإنهم يموتون بهذه الحسرة، وفي كل يوم جمعة عند ضحوة النهار يحبسون الكلاب والقطط ويمنعونها عن المشي في الأسواق، وجميع أهل المدينة يدخلون الجوامع ويغلقون عليهم الأبواب، ولا يقدر أحد منهم أن يمر في السوق، ولا أن يطل من طاقة، ولا يعرف أحد ما سبب هذه البلية، ولكن يا ولدي في هذه الليلة أسأل زوجتي عن سببها؛ فإنها داية تدخل بيوت الأكابر وتعرف أخبار هذه المدينة، فإن شاء الله تعالى تأتي عندي في غد وأنا أخبرك بما تخبرني به. فكبش كبشة من الذهب وقال: يا والدي، خذ هذا الذهب وأعطه لزوجتك، فإنها صارت أمي. وكبش كبشة ثانية وقال: خذ ms2193 هذا لك. فقال المزين: يا ولدي، اجلس مكانك حتى أروح إلى زوجتي وأسألها وأجيء إليك بالخبر الصحيح. # ثم تركه في الدكان وراح إلى زوجته وأخبرها بشأن الغلام، وقال لها: مرادي أن تخبريني بحقيقة أمر هذه المدينة حتى أخبر بها هذا الشاب التاجر؛ فإنه متولع بالاطلاع على حقيقة أمرها من امتناع الناس والحيوانات عن الأسواق في ضحوة يوم الجمعة، وأظن أنه عاشق وهو كريم سخي، فإذا أخبرناه يحصل لنا منه خير كثير. فقالت له: رح هاته وقل له: تعال كلم أمك زوجتي، فإنها تقرئك السلام وتقول لك: إن الحاجة مقضية. فذهب إلى الدكان فرأى قمر الزمان قاعدا ينتظره، فأخبره بالخبر وقال له: يا ولدي، اذهب بنا إلى أمك زوجتي، فإنها تقول لك: إن الحاجة مقضية. ثم أخذه وسار به حتى دخل على زوجته، فرحبت به وأجلسته، ثم إنه أخرج مائة دينار وأعطاها لها وقال لها: يا أمي، أخبريني عن هذه الصبية من تكون؟ فقالت: يا ولدي، اعلم أن سلطان البصرة قد جاءته جوهرة من عند ملك الهند، فأراد أن يثقبها، فأحضر جميع الجوهرجية وقال لهم: أريد منكم أن تثقبوا لي هذه الجوهرة، والذي يثقبها له علي تمنية، فمهما تمناه أعطيته له، وإن كسرها فإني أرمي رأسه. فخافوا وقالوا: يا ملك الزمان، إن الجوهر سريع العطب، وقل أن يثقبه أحد ويسلم؛ لأن الغالب عليه الكسر، فلا تحملنا ما لا نطيق، فنحن لا يخرج من أيدينا أن نثقب هذه الجوهرة، وإنما شيخنا أخبر منا. فقال الملك: ومن شيخكم؟ قالوا له: المعلم عبيد، وهو أخبر منا بهذه الصناعة، وعنده أموال كثيرة، وله معرفة جيدة، فأرسل إليه وأحضره بين يديك، وأمره أن يثقب لك هذه الجوهرة. فأرسل إليه وأمره بثقبها، وشرط عليه الشرط المذكور، فأخذها وثقبها على مزاج الملك، فقال له: تمن علي يا معلم. فقال: يا ملك الزمان، أمهلني إلى غد. والسبب في ذلك أنه أراد أن يشاور زوجته، وكانت زوجته تلك الصبية التي رأيتها في الموكب، وكان يحبها محبة شديدة، ومن عظم محبته ms2194 لها أنه كان لا يفعل شيئا إلا إذا شاورها فيه، ولأجل ذلك أمهل التمنية حتى يشاورها. فلما أتى إليها قال لها: إني ثقبت للملك جوهرة وأعطاني تمنية، وقد أمهلتها حتى أشاورك، فأي شيء تريدين حتى أتمناه؟ قالت: نحن عندنا أموال لا تأكلها النيران، ولكن إن كنت تحبني فتمن على الملك أنه ينادي في شوارع البصرة أن أهلها يدخلون الجوامع يوم الجمعة قبل الصلاة بساعتين، ولا يبق في البلد كبير ولا صغير حتى يكون في المسجد أو في البيت، وتقفل عليهم أبواب المساجد والبيوت ويتركون دكاكين البلد مفتوحة، وأنا أركب بجواري وأشق في المدينة ولا ينظرني أحد من طاقة ولا من شباك، وكل من عثرت به قتلته. فراح إلى الملك وتمنى عليه هذه الأمنية، فأعطاه ما تمناه، ونادى بين أهل البصرة ... وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 968 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك لما أعطى الجوهري ما تمناه، ونادى بين أهل البصرة بما تمناه، قالوا: إننا نخاف على البضائع من القطط والكلاب. فأمر الملك بحبسها في ذلك اليوم حتى تخرج الناس من صلاة الجمعة، وصارت تلك الجارية تخرج في كل يوم جمعة قبل الصلاة بساعتين وتركب بجواريها في شوارع البصرة، ولا يقدر أحد أن يمر في السوق ولا أن يطل من طاقة ولا من شباك. فهذا هو السبب، وقد عرفتك بالجارية، ولكن يا ولدي هل مرادك معرفة خبرها أو مرادك الاجتماع بها؟ فقال: يا أمي، مرادي الاجتماع بها. فقالت: أخبرني بما عندك من الذخائر الفاخرة. فقال: يا أمي، عندي من ثمين المعادن أربعة أصناف؛ صنف ثمن كل واحد منه خمسمائة دينار، وصنف ثمن كل واحد منه سبعمائة دينار، وصنف ثمن كل واحد منه ثمانمائة دينار، وصنف ثمن كل واحد منه ألف دينار. قالت له: وهل تسمح نفسك بأربعة منها؟ قال: نفسي تسمح بالجميع. قالت: قم يا ولدي من غير مطرود، وأخرج منها فصا يكون ثمنه خمسمائة دينار، واسأل عن دكان المعلم عبيد شيخ الجوهرية، واذهب ms2195 إليه تره جالسا في دكانه وعليه ثياب فاخرة وتحت يده الصناع، فسلم عليه واجلس على الدكان وأخرج الفص وقل له: يا معلم، خذ هذا الحجر وصغه لي خاتما بالذهب، ولا تجعله كبيرا، بل اجعله قدر مثقال من غير زيادة، واصنعه صنعا جيدا. ثم أعطه عشرين دينارا وأعط الصناع كل واحد دينارا، واقعد عنده حصة وتحدث معه، وإذا أتاك سائل فأعطه دينارا، وأظهر الكرم حتى يتولع بمحبتك، ثم قم من عنده ورح إلى منزلك وبت هناك، فإذا أصبحت فهات معك مائة دينار وأعطها لأبيك فإنه فقير. قال: وهو كذلك. ثم خرج من عندها وذهب إلى الوكالة وأخذ فصا ثمنه خمسمائة دينار، وعمد به إلى سوق الجواهر وسأل عن دكان المعلم عبيد شيخ الجوهرية، فدلوه على دكانه، فلما وصل إلى الدكان رأى شيخ الجوهرية رجلا مهابا، وعليه ثياب فاخرة وتحت يده أربعة صناع، فقال لهم: السلام عليكم. فرد عليه السلام ورحب به وأجلسه، فلما جلس أخرج له الفص وقال له: يا معلم، أريد منك أن تصوغ لي هذا الحجر خاتما بالذهب، ولكن اجعله قدر مثقال من غير زيادة، وصغه صياغة طيبة. ثم أخرج له عشرين دينارا وقال له: خذ هذه في نظير نقشه، والأجرة باقية. ثم أعطى كل صانع دينارا، فأحبه الصناع وأحبه المعلم عبيد، وقعد يتحدث معه، وصار كل من أتاه من السائلين يعطيه دينارا، فتعجبوا من كرمه. ثم إن المعلم عبيد كان عنده عدة في بيته مثل العدة التي في الدكان، وكان من عادته أنه إذا أراد أن يصنع شيئا غريبا يشغله في بيته، حتى إن الصناع لا يتعلمون منه الصنعة الغريبة. وكانت الصبية زوجته تجلس قدامه، فإذا كانت قدامه ونظر إليها فإنه يصنع كل شيء غريب في صناعته، بحيث لا يليق إلا بالملوك. فقعد يصنع هذا الخاتم صنعة عجيبة في البيت، فلما رأته زوجته قالت له: ما مرادك أن تصنع بهذا الفص؟ قال: أريد أن أصوغه خاتما بالذهب، فإن ثمنه خمسمائة دينار. فقالت له: لمن؟ قال: لغلام تاجر جميل ms2196 الصورة له عيون تجرح وخدود تقدح، وله فم كخاتم سليمان، ووجنتان كشقائق النعمان، وشفايف حمر كالمرجان، وله عنق مثل أعناق الغزلان، وهو أبيض مشرب بحمرة، ظريف لطيف كريم، فعل كذا وكذا. وصار تارة يصف لها حسنه وجماله، وتارة يصف لها كرمه وكماله، وما زال يذكر لها محاسنه وكرم أخلاقه حتى عشقها فيه، ولم يكن أحد أعرص من الذي يصف لزوجته إنسانا بالحسن والجمال وفرط سخائه بالمال! فلما فاض بها الغرام قالت له: هل يوجد فيه شيء من محاسني؟ فقال لها: جميع محاسنك كلها فيه، وهو شبيهك في الصفة، وربما كان عمره قدر عمرك، ولولا أني أخاف على خاطرك لقلت: إنه أحسن منك بألف مرة. فسكتت، ولكن التهبت نار محبته في قلبها. ثم إن الصايغ لم يزل يتحدث في تعداد محاسنه حتى فرغ من صياغة هذا الخاتم، ثم ناوله لها فلبسته، فجاء على قدر إصبعها، فقالت له: يا سيدي، إن قلبي حب هذا الخاتم، وأشتهي أنه يكون لي ولا أنزعه من إصبعي. فقال لها: اصبري، فإن صاحبه كريم، وأنا أطلب أن أشتريه منه، فإن باعني إياه جئت به إليك، وإن كان عنده حجر آخر أشتريه لك وأصوغه مثله. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 969 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجوهري قال لزوجته: اصبري، فإن صاحبه كريم وأنا أطلب أن أشتريه منه، فإن باعني إياه جئت به إليك، وإن كان عنده حجر آخر أشتريه وأصوغه لك مثله. # هذا ما كان من أمر الجوهري وزوجته، وأما ما كان من أمر قمر الزمان فإنه بات في منزله، فلما أصبح أخذ مائة دينار وأتى إلى العجوز زوجة المزين وقال لها: خذي هذه المائة دينار. فقالت له: أعطها لأبيك. فأعطاها له، ثم إنها قالت له: هل فعلت كما قلت لك؟ قال: نعم. قالت له: قم وتوجه الآن إلى شيخ الجوهرية، فإذا أعطاك الخاتم فضعه في رأس إصبعك وانزعه بسرعة وقل له: يا معلم، أخطأت، إن الخاتم جاء ضيقا. فيقول لك: ms2197 يا تاجر، هل أكسره وأصوغه واسعا؟ فقل له: لا أحتاج إلى كسره وصياغته ثانيا، ولكن خذه وأعطه لجارية من جواريك. وأخرج له حجرا آخر يكون ثمنه سبعمائة دينار وقل له: خذ هذا الحجر صغه لي، فإنه أحسن من ذلك. وأعطه ثلاثين دينارا وأعط لكل صانع دينارين وقل له: هذه الدنانير في نظير نقشه، والأجرة باقية. ثم ارجع إلى منزلك وبت هناك وتعال في الصباح ومعك مائتا دينار وأنا أكمل لك بقية الحيلة. ثم إنه ذهب إلى الجوهري فرحب به وأجلسه على الدكان، فلما جلس قال له: قضيت الحاجة؟ قال: نعم. وأخرج له الخاتم، فأخذه وحطه في رأس إصبعه، ثم نزعه سريعا وقال له: أخطأت يا معلم! ورماه له وقال له: إنه ضيق على إصبعي. فقال له الجوهري: يا تاجر، هل أوسعه؟ قال: لا، ولكن خذه إحسانا وألبسه لإحدى جواريك، فإن ثمنه تافه؛ لأنه خمسمائة دينار، فلا يحتاج إلى صياغته ثانيا. ثم أخرج له فصا آخر ثمنه سبعمائة دينار وقال له: اصنع هذا. ثم أعطاه ثلاثين دينارا وأعطي كل صانع دينارين. فقال له: يا سيدي، لما نصوغ الخاتم نأخذ أجرته. قال: هؤلاء في نظير نقشه، والأجرة باقية. ثم تركه ومضى، فاندهش الجوهري من شدة كرم قمر الزمان وكذلك الصناع. ثم إن الجوهري ذهب إلى زوجته وقال لها: يا فلانة، ما رأت عيني أكرم من هذا الشاب، وأنت بختك طيب؛ لأنه أعطاني الخاتم بلا ثمن وقال لي: أعطه لبعض جواريك. وحكى لها القصة، ثم قال لها: أظن أن هذا الولد ما هو من أولاد التجار، وإنما هو من أولاد الملوك والسلاطين. وصار كلما مدحه تزداد فيه غراما ووجدا وهياما. ثم لبست الخاتم والجوهري صاغ له الثاني أوسع من الأول بقليل، فلما فرغ من صناعته لبسته في إصبعها من داخل الخاتم الأول، ثم قالت: يا سيدي، انظر، ما أحسن الخاتمين في إصبعي! فأشتهي أن يكون الخاتمان لي. فقال لها: اصبري، لعلي أشتري الثاني لك. ثم بات، فلما أصبح أخذ الخاتم وتوجه إلى الدكان. ms2198 # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر قمر الزمان فإنه أصبح متوجها إلى العجوز زوجة المزين، وأعطاها مائتي دينار، فقالت له: توجه إلى الجوهري، فإذا أعطاك الخاتم فضعه في إصبعك وانزعه سريعا وقل: أخطأت يا معلم، إن الخاتم جاء واسعا، والمعلم الذي يكون مثلك إذا أتاه مثلي بشغل ينبغي له أن يأخذ القياس، فلو كنت أخذت قياس إصبعي ما أخطأت! وأخرج له حجرا آخر يكون ثمنه ثمانمائة دينار وقل له: خذ هذا اصنعه، وأعط هذا الخاتم إلى جارية من جواريك. ثم أعطه أربعين دينارا، وأعط كل صانع ثلاثة دنانير وقل له: هذا في نظير نقشه، وأما الأجرة فإنها باقية. وانظر ماذا يقول لك، ثم تعال ومعك ثلاثمائة دينار وأعطها لأبيك يستعين بها على وقته؛ فإنه رجل فقير الحال. فقال: سمعا وطاعة. ثم إنه توجه إلى الجوهري فرحب به وأجلسه، ثم أعطاه الخاتم فوضعه في إصبعه ونزعه بسرعة وقال له: ينبغي للمعلم الذي مثلك إذا أتاه مثلي بشغل أن يأخذ قياسه، فلو كنت أخذت قياس إصبعي ما أخطأت، ولكن خذه وأعطه لإحدى جواريك. ثم أخرج له حجرا ثمنه ثمانمائة دينار وقال له: خذ هذا واصنعه لي خاتما على قدر إصبعي. فقال: صدقت والحق معك. فأخذ القياس وأخرج له أربعين دينارا وقال له: خذ هذه في نظير نقشه والأجرة باقية. فقال له: يا سيدي، كم أجرة أخذناها منك، فإحسانك علينا كثير! فقال له: لا بأس. ثم إنه تحدث معه حصة وصار كلما يمر به سائل يعطيه دينارا، وبعد ذلك تركه وانصرف. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر الجوهري فإنه توجه إلى بيته وقال لزوجته: ما أكرم هذا الشاب التاجر! فما رأيت أكرم منه ولا أجمل منه ولا أحلى من لسانه! وصار يذكر لها محاسنه وكرمه ويبالغ في مدحه، فقالت له: يا عديم الذوق، حيث كنت تعرف فيه هذه الصفات، وقد أعطاك خاتمين مثمنين ينبغي لك أن تعزمه وتعمل له ضيافة وتتودد إليه، فإذا رأى منك ms2199 المودة وجاء منزلنا ربما تنال منه خيرا كثيرا، وإن كنت لا تسمح له بضيافة، فاعزمه وأنا أعمل له الضيافة من عندي. فقال لها: هل أنت تعرفين أنني بخيل حتى تقولي هذا الكلام؟! قالت له: ما أنت بخيل ولكنك عديم الذوق، فاعزمه في هذه الليلة ولا تجئ بدونه، وإن امتنع فاحلف عليه بالطلاق وأكد عليه. فقال لها: على الرأس والعين. ثم إنه صاغ الخاتم ونام وأصبح في ثالث يوم متوجها إلى الدكان وجلس فيها. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر قمر الزمان فإنه أخذ ثلاثمائة دينار وتوجه إلى العجوز وأعطاها لزوجها، فقالت له: ربما يعزم عليك في هذا اليوم، فإذا عزم عليك وبت عنده فمهما جرى لك فأخبرني به في الصباح، وهات معك أربعمائة دينار وأعطها لأبيك. فقال: سمعا وطاعة. وصار كلما فرغت منه الدراهم يبيع من الأحجار، ثم إنه توجه إلى الجوهري فقام له وأخذه بالأحضان وسلم عليه، وعقد معه صحبة، ثم إنه أخرج له الخاتم فرآه على قدر إصبعه. فقال له: بارك الله فيك يا سيد المعلمين، إن الصياغة موافقة، ولكن الفص ليس على مرادي. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 970 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان لما قال للجوهري: إن الصياغة موافقة، ولكن الفص ليس على مرادي؛ لأن عندي أحسن منه، فخذه وأعطه لإحدى جواريك. وأخرج له غيره وأخرج له مائة دينار وقال له: خذ أجرتك، ولا تؤاخذنا فإننا أتعبناك. فقال له: يا تاجر، إن الذي تعبنا فيه قد أعطيتنا إياه، وتفضلت علينا بشيء كثير، وأنا قلبي تعلق بحبك، ولا أقدر على فراقك، فبالله عليك أن تكون ضيفي في هذه الليلة وتجبر بخاطري. فقال: لا بأس، ولكن لا بد أن أتوجه إلى الخان لأجل أن أوصي أتباعي وأخبرهم بأنني غير بائت في الخان حتى لا ينتظروني. فقال له: أنت نازل في أي خان؟ قال: في الخان الفلاني. فقال: أجيء إليك هناك. فقال: لا بأس. ثم إن الجوهري ms2200 توجه إلى ذلك الخان قبل المغرب خوفا من غضب زوجته عليه إن دخل البيت بدونه، ثم إنه أخذه ودخل به في بيته، وجلسا في قاعة ليس لها نظير، وكانت الصبية رأته حين دخوله فافتتنت به، ثم صارا يتحدثان إلى أن جاء العشاء، فأكلا وشربا وبعد ذلك جاءت القهوة والشربات، ولم يزل يسامره إلى وقت العشاء فصليا الفريضة، ثم دخلت عليهما جارية ومعها فنجانان من المشروب، فلما شربا غلب عليهما النوم فناما، ثم جاءت الصبية فرأتهما نائمين، فنظرت في وجه قمر الزمان فاندهش عقلها من جماله، وقالت: كيف ينام من عشق الملاح؟ ثم قلبته على قفاه وركبت على صدره، ومن شدة غيظها من غرامه نزلت على خدوده بعلقة بوس حتى أثر ذلك في خده، فاشتدت حمرته وزهت وجنته، ونزلت على شفته بالمص، ولم تزل تمص شفته حتى خرج الدم من فمها، ومع ذلك لم تنطفئ نارها، ولم يرو أوارها. ولم تزل معه بين بوس وعناق والتفاف ساق على ساق حتى أشرق جبين الصباح، وتبلج الفجر ولاح، ثم وضعت في جيبه أربعة عواشق وتركته وراحت، وبعد ذلك أرسلت جاريتها بشيء مثل النشوق فوضعته في مناخيرهما، فعطسا وأفاقا، فقالت لهما الجارية: اعلموا يا أسيادي أن الصلاة وجبت، فقوموا لصلاة الصبح. وأتت لهما بالطشت والإبريق، ثم قال قمر الزمان: يا معلم، إن الوقت جاء، وقد تجاوزنا الحد في النوم. فقال الجوهري للتاجر: يا صاحبي، إن نوم هذه القاعة ثقيل، كلما أنام فيها يجري لي هذا الأمر. فقال: صدقت. ثم إن قمر الزمان أخذ يتوضأ، فلما وضع الماء على وجهه أحرقته خدوده وشفته. فقال: عجائب! إذا كان هواء القاعة ثقيلا واستغرقنا في النوم فما بال خدودي وشفتي تحرقني؟! ثم قال: يا معلم، إن خدودي وشفتي تحرقني. فقال: أظن أن هذا من أكل الناموس. فقال: عجائب! وهل يجري لك فيها مثلي؟ قال: لا، ولكن إذا كان عندي ضيف مثلك يصبح يشكو من قرص الناموس، ولا يكون ذلك إلا إذا كان الضيف مثلك أمرد، وأما إذا كان ms2201 ملتحيا فلا يعف عليه الناموس، وما منع الناموس عني إلا لحيتي، كأن الناموس لا يهوى أصحاب اللحى. فقال له: صدقت. # ثم إن الجارية جاءت لهما بالفطور، فأفطرا وخرجا وراح قمر الزمان إلى العجوز، فلما رأته قالت له: إني أرى آثار الحظ على وجهك، فأخبرني بما رأيت. قال: ما رأيت شيئا، وإنما تعشيت أنا وصاحب المحل في قاعة وصلينا العشاء، ثم نمنا، فما أفقنا إلا الصبح. فضحكت وقالت: ما هذا الأثر الذي في خدك وعلى شفتك؟ قال لها: إن ناموس القاعة فعل معي هذه الفعال. فقالت: صدقت، وهل جرى لصاحب البيت مثل ما جرى لك؟ قال: لا، ولكنه أخبرني أن ناموس تلك القاعة لا يضر أصحاب اللحى، ولا يعف إلا على المرد، وكلما يكون عنده ضيف، فإن كان أمرد يصبح يشكو من قرص الناموس، وإن كان ملتحيا فلا يجري له شيء من ذلك. فقالت: صدقت، فهل رأيت شيئا غير هذا؟ قال: رأيت في جيبي أربعة عواشق. قالت: أرني إياها. فأعطاها لها، فأخذتها وضحكت وقالت: إن معشوقتك قد وضعت هذه العواشق في جيبك. قال: وكيف ذلك؟ قالت: إنها تقول لك بالإشارة: لو كنت عاشقا ما نمت، فإن الذي يعشق لا ينام، ولكن أنت لم تزل صغيرا ولا يليق بك إلا اللعب بهذه العواشق، فما حملك على عشق الملاح؟ وقد جاءتك في الليل فرأتك نائما فقطعت خدودك بالبوس، وحطت لك هذه الأمارة، ولكنها لا يكفيها منك ذلك، بل لا بد أن ترسل إليك زوجها فيعزم عليك في هذه الليلة، فإذا رحت معه فلا تنم عاجلا، وهات معك خمسمائة دينار وتعال أخبرني بما حصل، وأنا أكمل لك الحيلة. قال لها: سمعا وطاعة. ثم توجه إلى الخان. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر زوجة الجوهري فإنها قالت لزوجها: هل راح الضيف؟ قال: نعم، ولكن يا فلانة إن الناموس شوش عليه في هذه الليلة وقطع خدوده وشفته، وأنا استحيت منه. فقالت: هذه عادة ناموس قاعتنا؛ فإنه لا يهوى إلا المرد، ولكن اعزمه ms2202 في الليلة الآتية. فتوجه إليه في الخان الذي هو فيه وعزمه وأتى به إلى القاعة، فأكلا وشربا وصليا العشاء، فدخلت عليهما الجارية وأعطت كل واحد فنجانا. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 971 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية دخلت عليهما وأعطت كل واحد فنجانا، فشربا وناما، فأتت الصبية وقالت له: يا علق، كيف تنام وتدعي أنك عاشق، والعاشق لا ينام؟ ثم ركبت على صدره ولا زالت نازلة عليه ببوس وعض ومص وهراش إلى الصباح، ثم حطت له في جيبه سكينا وأرسلت جاريتها عند الصباح فنبهتهما، وخدوده كأنها ملتهبة بالنار من شدة الاحمرار وشفاهه كالمرجان بسبب المص والتقبيل. فقال له الجوهري: لعل الناموس شوش عليك. قال: لا، لأنه لما عرف النكتة ترك الشكاية، ثم إنه رأى السكين في جيبه فسكت، ولما أفطر وشرب القهوة خرج من عند الجوهري وتوجه إلى الخان، وأخذ خمسمائة دينار وذهب إلى العجوز، وأخبرها بما رأى، وقال لها: إني نمت غصبا عني، ولما أصبحت ما رأيت شيئا غير سكين في جيبي. فقالت له: الله يحميك منها في الليلة القابلة، إنها تقول لك: إن نمت مرة أخرى ذبحتك. وأنت معزوم عندهم الليلة القابلة، فإن نمت ذبحتك. فقال: وكيف يكون العمل؟ فقالت: أخبرني بما تأكله وما تشربه قبل النوم. قال: نتعشى على عادة الناس، ثم تدخل علينا جارية بعد العشاء وتعطي كل واحد منا فنجانا، فمتى شربت فنجاني نمت ولا أفيق إلا في الصباح. فقالت له: إن الداهية في الفنجان، فخذه منها ولا تشربه حتى يشرب سيدها ويرقد، وحين تعطيه لك الجارية قل لها: اسقيني ماء. فتذهب لتجيء إليك بالقلة فكب الفنجان خلف المخدة واجعل روحك نائما، فلما ترجع إليك بالقلة تظن أنك نمت بعد أن شربت الفنجان، فتروح عنك، وبعد حصة يظهر لك الحال، وإياك أن تخالف أمري. فقال: سمعا وطاعة. ثم توجه إلى الخان. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر زوجة الجوهري، فإنها قالت لزوجها: إكرام الضيف ms2203 ثلاث ليال، فاعزمه مرة ثالثة. فتوجه إليه وعزمه وأخذه ودخل به إلى القاعة، فلما تعشيا وصليا العشاء وإذا بالجارية دخلت وأعطت كل واحد فنجانا، فشرب سيدها ورقد، وأما قمر الزمان فإنه لم يشرب، فقالت له الجارية: أما تشرب يا سيدي؟ فقال لها: أنا عطشان، هاتي القلة. فذهبت لتجيء إليه بالقلة، فكب الفنجان خلف المخدة ورقد، فلما رجعت الجارية رأته راقدا، فأخبرت سيدتها بذلك وقالت: إنه لما شرب الفنجان رقد. فقالت الصبية في نفسها: إن موته أحسن من حياته. ثم أخذت سكينا ماضية ودخلت عليه وهي تقول: ثلاث مرات وأنت لم تلحظ الإشارة يا أحمق! الآن أشق بطنك. فلما رآها مقبلة عليه وفي يدها السكين فتح عينيه وقام ضاحكا، فقالت له: ما فهم هذه الإشارة من فطنتك، بل بدلالة ماكر، فأخبرني من أين لك هذه المعرفة؟ قال: من عجوز، وجرى لي معها كذا وكذا ... وأخبرها بالخبر. فقالت له: في غد اخرج من عندنا ورح إلى العجوز وقل لها: هل بقي معك من الحيل زيادة عن هذا المقدار؟ فإن قالت لك: معي. فقل لها: اجتهدي في الوصول إليها جهارا. وإن قالت: ما لي مقدرة وهذا آخر ما معي، فاتركها عن بالك وفي ليلة غد يأتي إليك زوجي ويعزمك، فتعال معه وأخبرني وأنا أعرف بقية التدبير. فقال: لا بأس. # ثم بات معها بقية الليلة على ضم وعناق وأعمال حرف الجر باتفاق، واتصال الصلة بالموصول، وزوجها كتنوين الإضافة معزول، ولم يزالا على هذه الحالة إلى الصباح، ثم قالت له: أنا ما يكفيني منك ليلة ولا يوم ولا شهر ولا سنة، وإنما قصدي أن أقيم معك بقية العمر، ولكن اصبر حتى أعمل لك مع زوجي حيلا تحير ذوي الألباب ونبلغ بها الآراب، وأدخل عليه الشك حتى يطلقني وأتزوج بك وأروح معك إلى بلادك، وأنقل جميع ماله وذخائره عندك، وأتحيل لك على خراب دياره ومحو آثاره، ولكن اسمع كلامي وطاوعني فيما أقوله لك ولا تخالفني. فقال لها: سمعا وطاعة، وما عندي خلاف. فقالت له: رح إلى ms2204 الخان، وإن جاء زوجي وعزمك فقل له: يا أخي، إن ابن آدم ثقيل، ومتى أكثر الترداد اشمأز منه الكريم والبخيل، وكيف أروح عندك كل ليلة وأرقد أنا وأنت في القاعة؟ فإن كنت أنت لا تغتاظ مني فربما يغتاظ حريمك مني بسبب منعك عنهن، فإن كان مرادك عشرتي فخذ لي بيتا بجانب بيتك، وتبقى أنت تارة تسهر عندي إلى وقت النوم، وأنا تارة أسهر عندك إلى وقت النوم، ثم أروح إلى منزلي وأنت تدخل مع حريمك، وهذا الرأي أحسن من حجبك عن حريمك كل ليلة. فإنه بعد ذلك يأتي إلي ويشاورني فأشير عليه أن يخرج جارنا، فإن البيت الذي هو ساكن فيه بيتنا، والجار ساكن بالكرا، ومتى أتيت البيت يهون الله علينا بقية تدبيرنا. ثم إنها قالت له: رح الآن وافعل كما أمرتك. فقال لها: سمعا وطاعة. ثم تركته وراحت وهو جعل روحه نائما، وبعد مدة أتت الجارية فنبهتهما، فلما أفاق الجوهري قال: يا تاجر، لعل الناموس شوش عليك. قال: لا. فقال الجوهري: لعلك اعتدت عليه. ثم إنهما أفطرا وشربا القهوة وخرجا إلى أشغالهما، وتوجه قمر الزمان إلى العجوز وأخبرها بما جرى. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 972 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان لما توجه إلى العجوز وأخبرها بما جرى وقال لها: إنها قالت لي كذا وكذا، وقلت لها كذا وكذا، فهل عندك أكثر من هذا التدبير حتى توصليني إلى الاجتماع بها جهارا؟ فقالت: يا ولدي، إلى هنا انتهى تدبيري وفرغت حيلي. فعند ذلك تركها وتوجه إلى الخان، ولما أصبح الصباح توجه إليه الجوهري عند المساء وعزمه. فقال له: لا يمكن أني أروح معك. فقال له: لماذا وأنا أحببتك وما بقيت أقدر على فراقك؟ فبالله عليك أن تمضي معي. فقال له: إن كان مرادك طول العشرة معي ودوام الصحبة بيني وبينك فخذ لي بيتا بجانب بيتك، وإن شئت تسهر عندي وأنا أسهر عندك، وعند النوم يروح كل منا إلى بيته وينام فيه. فقال ms2205 له: إن عندي بيتا بجانب بيتي، وهو ملكي، فامض معي في هذه الليلة وفي غد أخليه لك. فمضى معه وتعشيا وصليا العشاء، وشرب زوجها الفنجان الذي فيه العمل فرقد، وفنجان قمر الزمان لا غش فيه، فشربه ولم يرقد، فجاءته وقعدت تسامره إلى الصباح وزوجها مرمي مثل الميت. ثم إنه صحا من النوم على العادة وأرسل أحضر الساكن وقال له: يا رجل، أخل لي بيتي فإني قد احتجت إليه. فقال له: على الرأس والعين. فأخلاه له وسكن فيه قمر الزمان ونقل جميع مصالحه فيه. وفي تلك الليلة سهر الجوهري عند قمر الزمان، ثم راح إلى بيته، وفي ثاني يوم أرسلت الصبية إلى معماري ماهر، فأحضرته وأرغبته بالمال حتى عمل لها سردابا من قصرها يوصل إلى قمر الزمان، وجعل له طابقا تحت الأرض، فما يشعر قمر الزمان إلا وهي داخلة عليه ومعها كيسان من المال. فقال لها: من أين جئت؟ فأرته السرداب وقالت له: خذ هذين الكيسين من ماله. وقعدت تهارشه وتلاعبه إلى الصباح، ثم قالت له: انتظرني حتى أروح له وأنبهه ليذهب إلى دكانه وآتي لك. فقعد ينتظرها وانصرفت لزوجها وأيقظته، وتوضأ وصلى وذهب إلى الدكان، وبعد ذهابه أخذت أربعة أكياس وراحت إلى قمر الزمان من السرداب وقالت له: خذ هذا المال. وجلست عنده، ثم انصرف كل منهما إلى حال سبيله، فتوجهت إلى بيتها وتوجه قمر الزمان إلى السوق، ولما رجع في وقت المغرب رأى عنده عدة أكياس وجواهر وغير ذلك، ثم إن الجوهري جاءه في بيته وأخذه إلى القاعة، وسهر فيها هو وإياه، فدخلت الجارية على العادة وأسقتهما، فرقد سيدها، وقمر الزمان ما أصابه شيء لأن فنجانه سالم لا غش فيه، ثم أقبلت إليه الصبية وجلست تلاعبه، وصارت الجارية تنقل المصالح إلى بيته من السرداب، ولم يزالوا على هذه الحالة إلى الصباح، ثم إن الجارية نبهت سيدها وأسقتهما القهوة، وكل منهما راح إلى حال سبيله، وفي ثالث يوم أخرجت له سكينا كانت لزوجها وهي صياغته بيده وكلفها خمسمائة دينار، لم ms2206 يوجد لها مثيل في حسن الصياغة، ومن كثرة ما طلبها منه الناس وضعها في صندوق ولم تسمح نفسه ببيعها لأحد من المخلوقين، ثم قالت له: خذ هذه السكين وحطها في حزامك، ورح إلى زوجي واجلس عنده وأخرجها من حزامك وقل له: يا معلم، انظر هذه السكين، فإني اشتريتها في هذا اليوم، وأخبرني هل أنا مغلوب فيها أو غالب؟ فإنه يعرفها ويستحي أن يقول لك: هذه سكيني، فإن قال لك: من أين اشتريتها؟ وبكم أخذتها؟ فقل له: رأيت اثنين من اللاوندية يتقاتلان مع بعضهما، فقال واحد منهما للآخر: أين كنت؟ قال: كنت عند صاحبتي، وكلما أجتمع معها تعطيني دراهم، وفي هذا اليوم قالت لي: إن يدي لا تطول دراهم في هذا الوقت، ولكن خذ هذه السكين فإنها سكين زوجي، فأخذتها منها ومرادي بيعها، فأعجبتني السكين، ولما سمعته يقول ذلك قلت له: أتبيعها لي؟ فقال: اشتر. فأخذتها منه بثلاثمائة دينار. فيا ترى هل هي رخيصة أو غالية؟ وانظر ما يقول لك، ثم تحدث معه مدة وقم من عنده وتعال إلي بسرعة فتراني قاعدة في فم السرداب أنتظرك، فأعطني السكين. فقال لها: سمعا وطاعة. ثم أخذ تلك السكين وحطها في حزامه وراح إلى دكان الجوهري، فسلم عليه، فرحب به وأجلسه، فرأى السكين في حزامه فتعجب وقال في نفسه: إن هذه سكيني، ومن أوصلها إلى هذا التاجر؟ وصار يفكر في نفسه ويقول: يا ترى هي سكيني أو سكين تشابهها؟ وإذا بقمر الزمان أخرجها وقال: يا معلم، خذ هذه السكين تفرج عليها. فلما أخذها من يده عرفها حق المعرفة، واستحى أن يقول هذه سكيني. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 973 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجوهري لما أخذ السكين من قمر الزمان عرفها، واستحى أن يقول هذه سكيني، ثم قال له: من أين اشتريتها؟ فأخبره بما أوصته به الصبية. فقال له: هذه بهذا الثمن رخيصة؛ لأنها تساوي خمسمائة دينار. واتقدت النار في قلبه وارتبطت أياديه عن الشغل في صنعته، ms2207 وصار يتحدث معه وهو غريق في بحر الأفكار، وكلما كلمه الغلام خمسين كلمة يرد عليه بكلمة واحدة، وصار قلبه في عذاب وجسمه في اضطراب، وتكدر منه الخاطر وصار كما قال الشاعر: # لم أدر قولا إذا حبوا مكالمتي %~% أو كلموني يروني غائب الفكر ~~غرقان في بحر فكر لا قرار له %~% لا أفرق الناس أنثاها من الذكر # فلما رآه تغيرت حالته قال له: لعلك مشغول في هذه الساعة. ثم قام من عنده وتوجه إلى البيت بسرعة، فرآها واقفة في باب السرداب تنتظره، فلما رأته قالت له: هل فعلت كما أمرتك؟ قال: نعم. قالت له: ما قال لك؟ قال لها: قال لي إنها رخيصة بهذا الثمن؛ لأنها تساوي خمسمائة دينار، ولكن تغيرت أحواله فقمت من عنده ولم أدر ما جرى له بعد ذلك. فقالت: هات السكين وما عليك منه. ثم أخذت السكين وحطتها في موضعها وقعدت. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر الجوهري فإنه بعد ذهاب قمر الزمان من عنده التهبت بقلبه النار، وكثر عنده الوسواس وقال في نفسه: لا بد أن أقوم وأتفقد السكين وأقطع الشك باليقين. فقام وأتى البيت ودخل على زوجته وهو ينفخ مثل الثعبان، فقالت له: ما لك يا سيدي؟ فقال لها: أين سكيني؟ قالت: في الصندوق. ثم دقت صدرها بيدها وقالت: يا همي، لعلك تخاصمت مع أحد فأتيت تطلب السكين لتضربه بها! قال لها: هاتي أريني إياها. قالت: حتى تحلف أنك لا تضرب بها أحدا. فحلف لها، ففتحت الصندوق وأخرجتها له، فصار يقلبها ويقول: إن هذا شيء عجيب! ثم إنه قال لها: خذيها وحطيها في مكانها. قالت له: أخبرني ما سبب ذلك؟ قال لها: إني رأيت مع صاحبنا سكينا مثلها ... وأخبرها بالخبر كله، ثم قال لها: ولما رأيتها في الصندوق قطعت الشك باليقين. فقالت له: لعلك ظننت بي سوءا وجعلتني صاحبة اللاوندي وأعطيته السكين؟! فقال لها: نعم، إني شككت في هذا الأمر، ولكن لما رأيت السكين ارتفع الشك من قلبي. فقالت له: يا رجل، ms2208 أنت ما بقي فيك خير. فصار يعتذر إليها حتى أرضاها، ثم خرج وتوجه إلى دكانه، وفي ثاني يوم أعطت قمر الزمان ساعة زوجها، وكان صنعها بيده، ولم يكن عند أحد مثلها، ثم إنها قالت له: رح إلى دكانه واجلس عنده وقل له: إن الذي رأيته بالأمس رأيته في هذا اليوم وفي يده ساعة، وقال لي: أتشتري هذه الساعة؟ فقلت له: من أين لك هذه الساعة؟ قال: كنت عند صاحبتي فأعطتني إياها. فاشتريتها منه بثمانية وخمسين دينارا، فانظر هل هي رخيصة بهذا الثمن أو غالية؟ وانظر ما يقول لك، وإذا قمت من عنده فأتني بسرعة وأعطني إياها. فراح إليه قمر الزمان وفعل معه ما أمرته به، فلما رآها الجوهري قال: هذه تساوي سبعمائة دينار! وداخله الهم، ثم إن الغلام تركه وراح إلى الصبية وأعطاها تلك الساعة، وإذا بزوجها دخل ينفخ وقال لها: أين ساعتي؟ قالت له: ها هي حاضرة. قال لها: هاتيها. فأتت له بها، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فقالت له: يا رجل، ما أنت بلا خبر، فأخبرني بخبرك. فقال لها: ماذا أقول؟ إني تحيرت في هذه الحالات. ثم أنشد هذه الأبيات: # تحيرت والرحمن لا شك في أمري %~% وحاقت بي الأحزان من حيث لا أدري ~~سأصبر حتى يعلم الصبر أنني %~% صبرت على شيء أمر من الصبر ~~وما مثل مر الصبر صبري وإنما %~% صبرت على شيء أحر من الجمر ~~وما الأمر أمري في المراد وإنما %~% أمرت بحسن الصبر من صاحب الأمر # ثم قال: يا امرأة، إني رأيت مع التاجر صاحبنا أولا سكيني، وقد عرفتها لأن صياغتها اختراع من عقلي، وليس يوجد مثلها، وأخبرني بأخبار تغم القلب، وأتيت فرأيتها، ورأيت معه الساعة ثانيا وصياغتها أيضا اختراع من عقلي، وليس يوجد مثلها في البصرة، وأخبرني أيضا بأخبار تغم القلب، فتحيرت في عقلي وما بقيت أعرف ما جرى لي. فقالت له: مقتضى كلامك أني أنا خليلة ذلك التاجر وصاحبته وأعطيته مصالحك وجوزت خيانتي، فجئت تسألني، ولو كنت ما رأيت السكين ms2209 والساعة عندي كنت أثبت خيانتي! لكن يا رجل، حيث إنك ظننت بي هذا الظن ما بقيت أواكلك في زاد ولا أشاربك في ماء بعد هذا، فإني كرهتك كراهة التحريم. فصار يأخذ بخاطرها حتى أرضاها، ثم خرج وتندم على مقابلتها بهذا الكلام، وتوجه إلى دكانه وجلس. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 974 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجوهري لما خرج من عند زوجته صار يتندم على هذا الكلام، ثم ذهب إلى الدكان وجلس معه في الدكان، وصار في قلق شديد، وفكر ما عليه من مزيد، وهو ما بين مصدق ومكذب. وعند المساء أتى إلى البيت وحده، ولم يأت بقمر الزمان معه، فقالت له الصبية: أين التاجر؟ قال: في منزله. قالت: هل بردت الصحبة التي بينك وبينه؟ قال: والله إني كرهته مما جرى منه. فقالت له: قم هاته من شأن خاطري. فقام ودخل عليه بيته فرأى حوائجه منشورة فيه فعرفها، فاتقدت النار في قلبه وصار يتنهد. فقال قمر الزمان: ما لي أراك في فكر؟ فاستحى أن يقول له: إن حوائجي عندك! من أوصلها إليك؟ وإنما قال له: حصل عندي تشويش، ولكن قم بنا إلى البيت لنتسلى هناك. فقال: دعني في محلي، فلا أروح معك. فحلف عليه وأخذه، ثم تعشى معه وسهرا تلك الليلة، وصار يتحدث معه وهو غريق في بحر الأفكار، وإذا تكلم الغلام التاجر مائة كلمة يرد عليه الجوهري بكلمة واحدة، ثم دخلت عليهما الجارية بفنجانين على العادة، فلما شربا رقد التاجر ولم يرقد الغلام؛ لأن فنجانه غير مغشوش، ثم دخلت الصبية على قمر الزمان وقالت له: كيف رأيت هذا القرنان الذي هو في غفلته سكران، ولا يعرف مكائد النسوان؟ فلا بد أن أخدعه حتى يطلقني، ولكن في غد أتهيأ بهيئة جارية وأروح خلفك إلى الدكان، وقل له: يا معلم، إني دخلت اليوم خان اليسيرجية فرأيت هذه الجارية فاشتريتها بألف دينار. فانظرها لي هل هي رخيصة بهذا الثمن أو غالية؟ ثم اكشف له عن وجهي ms2210 ونهودي وفرجه علي، ثم خذني وارجع بي إلى منزلك، وأنا أدخل بيتي من السرداب حتى أنظر آخر أمرنا معه. ثم إنهما أمضيا ليلتهما على أنس وصفاء ومنادمة وهراش وبسط وانشراح إلى الصباح، وبعد ذلك ذهبت إلى مكانها وأرسلت الجارية فأيقظت سيدها وقمر الزمان، فقاما وصليا الصبح وأفطرا وشربا القهوة وخرج الجوهري إلى دكانه وقمر الزمان دخل بيته، وإذا بالصبية خرجت له من السرداب وهي بصفة جارية، وكان أصلها جارية، ثم توجه إلى دكان الجوهري ومشت خلفه، ولم يزل ماشيا وهي خلفه حتى وصل بها إلى دكان الجوهري، فسلم عليه وجلس وقال: يا معلم، إني دخلت اليوم خان اليسيرجية بقصد الفرجة فرأيت هذه الجارية في يد الدلال، فأعجبتني فاشتريتها بألف دينار، وقصدي أن تتفرج عليها وتنظرها هل هي رخيصة بهذا الثمن أم لا؟ وكشف له عن وجهها فرآها زوجته وهي لابسة أفخر ملبوسها ومتزينة بأحسن الزينة ومكحلة ومخضبة كما كانت تتزين قدامه في بيته، فعرفها حق المعرفة بوجهها وملبوسها وصيغتها؛ لأنه صاغها بيده، ورأى الخواتم التي صاغها جديدا لقمر الزمان في إصبعها، وتحقق عنده أنها زوجته من سائر الجهات. فقال لها: ما اسمك يا جارية؟ قالت: حليمة. وزوجته اسمها حليمة، فذكرت له الاسم بعينه، فتعجب من ذلك، وقال له: بكم اشتريتها؟ قال: بألف دينار. قال: إنك أخذتها بلا ثمن؛ لأن الألف دينار أقل من ثمن الخواتم وملبسها ومصاغها بلا شيء. فقال له: بشرك الله بالخير، وحيث أعجبتك فأنا أذهب بها إلى بيتي. فقال: افعل مرادك. فأخذها وراح إلى بيته ونزلت من السرداب وقعدت في قصرها. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر الجوهري، فإن النار اشتعلت في قلبه، وقال في نفسه: أنا أروح أنظر زوجتي، فإن كانت في البيت تكون هذه الجارية شبيهتها، وجل من ليس له شبيه، وإن لم تكن زوجتي في البيت تكون هي من غير شك. ثم إنه قام يجري إلى أن دخل البيت، فرآها قاعدة بملبسها وزينتها التي رآها بها في الدكان، فضرب يدا ms2211 على يد وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فقالت له: يا رجل، هل حصل لك جنون؟ أو ما خبرك؟ فما هذه عادتك، لا بد أن يكون لك أمر من الأمور. فقال لها: إذا كان مرادك أن أخبرك فلا تغتمي. فقالت له: قل. قال: التاجر صاحبنا اشترى جارية قدها مثل قدك، وطولها مثل طولك، واسمها مثل اسمك، وملبسها مثل ملبسك، وهي تشبهك في جميع صفاتك، وفي إصبعها خواتم مثل خواتمك، ومصاغها مثل مصاغك، فلما فرجني عليها ظننت أنها أنت، وقد تحيرت في أمري، ليتنا ما رأينا هذا التاجر ولا صاحبناه ولا جاء من بلاده ولا عرفناه؛ فإنه كدر عيشتي بعد الصفاء، وكان سببا في الجفاء بعد الوفاء، وأدخل الشك في قلبي. فقالت له: طل في وجهي لعلي أكون أنا التي كنت معه والتاجر صاحبي، وقد تلبست بصفة جارية واتفقت معه على أن يفرجك علي حتى يكيدك. فقال: أي شيء هذا الكلام؟! أنا ما أظن بك أن تفعلي مثل هذه الفعال. وكان ذلك الجوهري مغفلا عن مكايدة النساء وما يفعلن مع الرجال، ولم يسمع بقول من قال: # طحا بك قلب في الحسان طروب %~% بعيد الشباب عصر حان مشيب ~~يكلفني ليلي وقد شط وليها %~% وعادت عواد بيننا وخطوب ~~وإن تسألوني بالنساء فإنني %~% خبير بأدواء النساء طبيب ~~إذا شاب رأس المرء أو قل ماله %~% فليس له من ودهن نصيب # وقول الآخر: # اعص النساء فتلك الطاعة الحسنة %~% فلن يفوز فتى يعطي النسا رسنه ~~يعقنه عن كمال في فضائله %~% ولو سعى طالبا للعلم ألف سنه # وقول الآخر: # إن النساء شياطين خلقن لنا %~% نعوذ بالله من كيد الشياطين ~~ومن بهن رماه العشق مبتليا %~% قد ضيع الحزم من دنيا ومن دين # ثم قالت له: ها أنا قاعدة في قصري، ورح أنت إليه في هذه الساعة واطرق الباب واحتل على الدخول عليه بسرعة، فإذا دخلت ورأيت الجارية عنده تكون جاريته تشبهني، وجل من ليس له شبيه، وإن لم تر الجارية عنده أكون أنا الجارية التي رأيتها ms2212 معه، ويكون ظنك بي السوء محققا. فقال: صدقت. ثم تركها وخرج، فقامت هي ونزلت من السرداب، وقعدت عند قمر الزمان وأخبرته بذلك، وقالت له: افتح الباب بسرعة وفرجه علي. فبينما هما في الكلام، وإذا بالباب يطرق، فقال: من بالباب؟ قال: أنا صاحبك؛ فإنك فرجتني على الجارية في السوق وفرحت لك بها، ولكن ما كملت فرحتي بها، فافتح الباب وفرجني عليها. قال: لا بأس بذلك. ثم فتح له الباب فرأى زوجته قاعدة، فقامت وقبلت يده ويد قمر الزمان، وتفرج عليها وتحدث معه مدة، فرآها لا تتميز عن زوجته بشيء. فقال: يخلق الله ما يشاء. ثم إنه خرج وكثر في قلبه الوسواس، ورجع إلى بيته فرأى زوجته جالسة؛ لأنها سبقته من السرداب حين خرج من الباب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 975 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصبية سبقت زوجها من السرداب حين خرج من الباب، ثم قعدت في قصرها، فلما دخل عليها زوجها، قالت له: أي شيء رأيت؟ قال: رأيتها عند سيدها وهي تشبهك. فقالت: توجه إلى دكانك وحسبك سوء الظن، فما بقيت تظن بي سوءا. فقال لها: الأمر كذلك، فلا تؤاخذيني بما صدر مني. قالت: سامحك الله. ثم قبلها ذات اليمين وذات الشمال، وراح إلى دكانه، فنزلت من السرداب إلى قمر الزمان ومعها أربعة أكياس، وقالت له: جهز حالك لسرعة السفر، واستعد لتحميل المال بلا إمهال، حتى أفعل لك ما عندي من الحيل. فطلع واشترى بغالا وحمل أحمالا وجهز تختروانا واشترى مماليك وخدما، وأخرج الجميع من البلد وما بقي له عاقة، وأتى وقال: إني تممت أموري. فقالت له: وأنا الأخرى قد نقلت بقية ماله وجميع ذخائره عندك، وما خليت له قليلا ولا كثيرا ينتفع به، وكل هذا محبة فيك يا حبيب قلبي، فأنا أفديك ألف مرة بزوجي، ولكن ينبغي أن تذهب إليه وتودعه وتقول له: أنا أريد السفر بعد ثلاثة أيام، وجئت لأودعك، فاحسب ما انجمل لك عندي من أجرة البيت حتى أورده لك ms2213 وتبرئ ذمتي. وانظر ما يكون من جوابه، وارجع إلي وأخبرني، فإني عجزت وأنا أحتال عليه وأغيظه لأجل أن يطلقني، فما أراه إلا متعلقا بي، وما بقي لنا أحسن من السفر إلى بلادك. فقال لها: يا حبذا، إن صحت الأحلام. ثم راح إلى دكانه وجلس عنده وقال: يا معلم، أنا مسافر بعد ثلاثة أيام، وما جئت إلا لأودعك، والمراد أنك تحسب ما انجمل لك عندي من أجرة البيت حتى أعطيه لك وتبرئ ذمتي. فقال له: ما هذا الكلام؟ إن فضلك علي، والله ما آخذ منك شيئا من أجرة البيت، وحلت البركات، ولكنك توحشنا بسفرك، ولولا أنه يحرم علي لتعرضت لك ومنعتك عن عيالك وبلادك. ثم ودعه وتباكيا بكاء شديدا ما عليه من مزيد، وقفل الدكان من ساعته وقال في نفسه: ينبغي أن أشيع صاحبي. وصار كلما راح يقضي حاجة يروح معه، وإذا دخل بيت قمر الزمان يجدها فيه، وتقف بين أيديهما وتخدمهما، وإذا رجع إلى بيته يراها قاعدة هناك. ولم يزل يراها في بيته إذا دخله ويراها في بيت قمر الزمان إذا دخله مدة الثلاثة أيام، ثم إنها قالت له: إني نقلت جميع ما عنده من الذخائر والأموال والفروش، ولم يبق عنده إلا الجارية التي تدخل عليكما بالشراب، ولكني لا أقدر على فراقها؛ لأنها قريبتي وعزيزة عندي وكاتمة لسري، ومرادي أن أضربها وأغضب عليها، وإذا أتى زوجي أقول له: أنا ما بقيت أقبل هذه الجارية ولا أقعد أنا وإياها في بيت، فخذها وبعها. فيأخذها ليبيعها، فاشترها أنت حتى نأخذها معنا. فقال: لا بأس. ثم إنها ضربتها، فلما دخل زوجها رأى الجارية تبكي، فسألها عن سبب بكائها، فقالت: إن سيدتي ضربتني. فدخل وقال: ما فعلت هذه الجارية الملعونة حتى ضربتها؟ فقالت له: يا رجل، إني أقول لك كلمة واحدة، أنا ما بقيت أقدر أن أنظر هذه الجارية، فخذها وبعها، وإلا فطلقني. فقال: أبيعها ولا أخالف لك أمرا. ثم إنه أخذها معه وهو خارج إلى الدكان، ومر بها على قمر الزمان، وكانت زوجته ms2214 بعد خروجه بالجارية مرقت من السرداب بسرعة إلى قمر الزمان، فأدخلها في التختروان قبل أن يصل إليه الشيخ الجوهري. فلما وصل إليه ورأى قمر الزمان الجارية معه، قال له: ما هذه؟ قال: جاريتي التي كانت تسقينا الشراب، ولكنها خالفت سيدتها فغضبت عليها وأمرتني أن أبيعها. فقال: إنها حيث بغضتها سيدتها ما بقي لها قعود عندها، ولكن بعها لي حتى أشم رائحتك فيها، وأجعلها خادمة لجاريتي حليمة. فقال: لا بأس، خذها. فقال له: بكم؟ فقال: أنا لا آخذ منك شيئا؛ لأنك تفضلت علينا. فقبلها منه وقال للصبية: قبلي يد سيدك. فبرزت له من التختروان وقبلت يده، ثم ركبت في التختروان وهو ينظر إليها، ثم قال له قمر الزمان: أستودعك الله يا معلم عبيد، أبرئ ذمتي. فقال له: أبرأ الله ذمتك، وحملك بالسلامة إلى عيالك. وودعه وتوجه إلى دكانه وهو يبكي، وقد عز عليه فراق قمر الزمان؛ لكونه كان رفيقا له، والرفيق له حق، ولكنه فرح بزوال الوهم الذي حصل عنده من أمر زوجته؛ حيث سافر ولم يتحقق ما ظنه في زوجته. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر قمر الزمان، فإن الصبية قالت له: إن أردت السلامة فسافر بنا على غير طريق معهودة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 976 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان لما سافر، قالت له الصبية: إن أردت السلامة فسافر بنا على غير طريق معهودة. فقال: سمعا وطاعة. ثم سلك طريقا غير الطريق التي تعهد الناس المشي فيها. ولم يزل مسافرا من بلاد إلى بلاد حتى وصل إلى حدود قطر مصر، ثم كتب كتابا وأرسله إلى والده مع ساع، وكان والده التاجر عبد الرحمن قاعدا في السوق بين التجار، وفي قلبه من فراق ولده لهيب النار؛ لأنه من يوم توجه ما أتاه من عنده خبر. فبينما هو كذلك، وإذا بالساعي مقبل وقال: يا سادتي، من فيكم اسمه التاجر عبد الرحمن؟ فقالوا له: ما تريد منه؟ قال لهم: ms2215 إن معي كتابا من عند ولده قمر الزمان، وقد فارقته عند العريش. ففرح وانشرح، وفرح له التجار وهنوه بالسلامة، ثم أخذ الكتاب وقرأه، فرآه من عند قمر الزمان إلى التاجر عبد الرحمن، وبعد السلام عليك وعلى جميع التجار، فإن سألتم عنا فلله الحمد والمنة، وقد بعنا واشترينا وكسبنا، ثم قدمنا بالصحة والسلامة والعافية. فعند ذلك فتح باب الفرح وعمل الولائم وأكثر الضيافات والعزائم، وأحضر آلات الطرب، وأتى في الفرح بأنواع العجب، فلما وصل ولده الصالحية، خرج إلى مقابلته أبوه وجميع التجار، فقابلوه واعتنقه والده وضمه إلى صدره وبكى حتى أغمي عليه، ولما أفاق قال له: يوم مبارك يا ولدي؛ حيث جمعنا بك المهيمن القادر. ثم أنشد قول الشاعر: # وقرب الحبيب تمام السرور %~% وكأس الهناء علينا يدور ~~فأهلا وسهلا يلي مرحبا %~% بنور الزمان وبدر البدور # ثم أفاض من شدة الفرح دمع العين، وأنشد هذين البيتين: # قمر الزمان يلوح في إسفاره %~% إشراقه إذ جاء من أسفاره ~~فشعوره في اللون ليل غيابه %~% لكن شروق الشمس من أزراره # ثم إن التجار تقدموا إليه وسلموا عليه، فرأوا معه أحمالا كثيرة وخدما وتختروانا، وهو في دائرة واسعة، فأخذوه ودخلوا به البيت، فلما خرجت الصبية من التختروان رآها أبوه فتنة لمن يراها، ففتحوا لها قصرا عاليا كأنه كنز نحلت عنه الطلاسم، ولما رأتها أمه افتتنت بها وظنت أنها ملكة من زوجات الملوك، وفرحت بها وسألتها، فقالت لها: أنا زوجة ولدك. قالت: حيث تزوج بك ينبغي لنا أننا نقيم لك فرحا عظيما حتى نفرح بك وبولدي. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر التاجر عبد الرحمن، فإنه بعد انفضاض الناس ورواح كل واحد إلى حال سبيله، اجتمع بولده وقال له: يا ولدي، ما تكون هذه الجارية عندك؟ وبكم اشتريتها؟ فقال له: يا والدي، إنها ليست جارية، وإنما هي التي كانت سبب غربتي. قال والده: وكيف ذلك؟ قال: إنها التي كان يصفها لنا الدرويش ليلة ما بات عندنا، فإن آمالي تعلقت بها من ذلك الوقت، ولا ms2216 طلبت السفر إلا من أجلها حتى تعريت في الطريق وأخذت العرب أموالي، وما دخلت البصرة إلا وحدي، وحصل لي كذا وكذا ... وصار يحكي لوالده من المبتدأ إلى المنتهى. فلما فرغ من حديثه قال له: يا ولدي، وبعد ذلك كله هل تزوجتها؟! قال: لا، ولكن وعدتها أن أتزوج بها. قال له: هل مرادك الزواج بها؟ قال: إن كنت تأمرني أفعل ذلك، وإلا فلا أتزوجها. قال له: إن تزوجت بها أكون بريئا منك في الدنيا والآخرة، وأغضب عليك غضبا شديدا! كيف تتزوج بها وهي عملت هذه الفعال مع زوجها؟ وكما عملتها مع زوجها على شأنك تعمل معك مثلها على شأن غيرك؛ فإنها خائنة، والخائن ليس له أمان. فإن كنت تخالفني أكون غضبانا عليك، وإن سمعت كلامي أفتش لك على بنت أحسن منها، تكون طاهرة زاكية، فأزوجك بها ولو كنت أنفق عليها جميع مالي، وأعمل لك فرحا ليس له نظير، وأفتخر بك وبها، وإذا قال الناس: فلان تزوج بنت فلان، أحسن من أن يقولوا تزوج جارية معدومة النسب والحسب. وصار يرغب ولده في عدم زواجها، ويذكر له في شأن ذلك عبارات ونكتا وأشعارا وأمثالا ومواعظ، فقال قمر الزمان: يا والدي، حيث كان الأمر كذلك، فلا علاقة لي بزواجها. فلما قال قمر الزمان ذلك الكلام قبله أبوه بين عينيه، وقال له: أنت ولدي حقا، وحياتك يا ولدي لا بد لي من أن أزوجك بنتا ليس لها نظير. ثم إن التاجر عبد الرحمن حط زوجة عبيد الجوهري وجاريتها في قصر عال، وقفل عليهما، وقيد بهما جارية سوداء توصل لهما أكلهما وشربهما، وقال لها: أنت وجاريتك تستمران محبوستين في هذا القصر حتى أنظر لكما من يشتريكما وأبيعكما له، وإن خالفت قتلتك أنت وجاريتك؛ فإنك خائنة ولا خير فيك. فقالت له: افعل مرادك؛ فإني أستحق جميع ما تفعله معي. ثم قفل عليهما الباب ووصى عليهما حريمه، وقال: لا يطلع عندهما أحد ولا يكلمهما غير الجارية السوداء التي تعطيهما أكلهما وشربهما من طاقة القصر. فقعدت هي وجاريتها تبكي ms2217 وتتندم على ما فعلت بزوجها. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر التاجر عبد الرحمن، فإنه أرسل الخطاب يخطبون بنتا ذات حسب ونسب لولده، فلا زلن يفتشن، وكلما رأين واحدة يسمعن بأحسن منها، حتى دخلن بيت شيخ الإسلام، فرأين بنته لم يكن لها نظير في مصر، وهي ذات حسن وجمال، وقد واعتدال؛ لأنها أحسن من زوجة عبيد الجوهري بألف طبقة. فأخبرته بها، فذهب هو والأكابر إلى والدها وخطبوها منه، وكتبوا الكتاب وعملوا لها فرحا عظيما، ثم عمل الولائم وعزم في أول يوم الفقهاء، فعملوا مولدا شريفا. وثاني يوم عزم التجار تماما، ثم دقت الطبول وزمرت الزمور وزينت الحارة والخط بالقناديل، وفي كل ليلة تأتي سائر أرباب الملاعب ويلعبون بأنواع اللعب، وكل يوم يعمل ضيافة لصنف من أصناف الناس حتى عزم العلماء والأمراء والصناجق والحكام، ولم يزل الفرح قائما مدة أربعين يوما، وكل يوم يقعد التاجر ويستقبل الناس، وولده يقعد بجانبه ليتفرج على الناس وهم يأكلون من السماط. وكان فرحا ليس له نظير. وفي آخر يوم عزم الفقراء والمساكين، غريبا وقريبا، فصاروا يأتون زمرا ويأكلون، والتاجر جالس وابنه بجنبه. فبينما هم كذلك، وإذا بالشيخ عبيد زوج الصبية داخل في جملة الفقراء وهو عريان تعبان، وعلى وجهه أثر السفر، فلما رآه قمر الزمان عرفه، فقال لأبيه: انظر يا أبي إلى هذا الرجل الفقير الذي دخل من الباب. فنظر إليه فرآه رث الثياب وعليه خلق جلباب يساوي درهمين، وفي وجهه اصفرار يعلوه غبار، وهو مثل مقاطيع الحجاج، ويئن أنين المريض المحتاج، ويمشي بتهافت في مشيه ذات اليمين وذات الشمال، وتحقق فيه قول من قال: # الفقر يزري بالفتى دائما %~% كما اصفرار الشمس عند المغيب ~~يمر بين الناس مستخفيا %~% وإن خلا يبكي بدمع صبيب ~~وإن يغب فليس يعنى به %~% وما له عند حضور نصيب ~~والله ما الإنسان في أهله %~% إذا ابتلى بالفقر إلا غريب # ويقول الآخر: # يمشي الفقير وكل شيء ضده %~% والأرض تغلق دونه أبوابها ~~وتراه ممقوتا وليس بمذنب %~% ويرى العداوة لا ms2218 يرى أسبابها ~~حتى الكلاب إذا رأت ذا نعمة %~% أومت إليه وحركت أذنابها ~~وإذا ترى يوما فقيرا بائسا %~% نبحت عليه وكشرت أنيابها # وما أحسن قول الشاعر: # إذا صحب الفتى عزا وسعدا %~% تحامته المكاره والخطوب ~~وواصله الحبيب بغير وعد %~% طفيليا وقاد له الرقيب ~~وعد الناس ضرطته غناء %~% وقالوا إن فسا قد فاح طيب # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 977 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التاجر عبد الرحمن لما قال له ولده: انظر إلى هذا الرجل الفقير. قال: يا ولدي، من هذا؟ قال له: هذا المعلم عبيد الجوهري زوج المرأة المحبوسة عندنا. فقال له: هذا الذي كنت تحدثني عنه؟ قال: نعم، وقد عرفته معرفة جيدة. وكان السبب في مجيئه أنه لما ودع قمر الزمان توجه إلى دكانه، فجاءته دقة شغل فأخذها واشتغلها في بقية النهار، وعند المساء قفل الدكان وذهب إلى البيت، ووضع يده على الباب فانفتح، فدخل فلم ير زوجته ولا الجارية، ورأى البيت في أسوأ الحال، منطبقا عليه قول من قال: # كانت خليات نحل وهي عامرة %~% لما خلا نحلها عادت خليات ~~كأنها اليوم بالسكان ما عمرت %~% أو غال سكانها فصل المنيات # فلما رأى الدار خالية التفت يمينا وشمالا، ثم دار فيه مثل المجنون، فلم يجد أحدا، وفتح خزينته فلم يجد فيها شيئا من ماله ولا من ذخائره، فعند ذلك فاق من سكرته وتنبه من غشيته، وعرف أن زوجته هي التي كانت تتقلب عليه بالحيل حتى غدرته، فبكى على ما حصل له، ولكنه كتم أمره حتى لا يشمت به أحد من أعدائه، ولا يتكدر أحد من أحبابه، وعلم أنه إذا باح بالسر لا يناله إلا الهتيكة والتعنيف من الناس، وقال في نفسه: يا فلان، اكتم ما حصل لك من الخبال والوبال، وعليك بالعمل بقول من قال: # إذا كان صدر المرء بالسر ضيقا %~% فصدر الذي يستودع السر أضيق # ثم إنه قفل بيته وقصد الدكان ووكل بها صانعا من صناعه، وقال له: إن الغلام التاجر صاحبي عزم علي ms2219 أن أروح معه على مصر بقصد الفرجة، وحلف أنه ما يرحل حتى يأخذني معه بحريمي، وأنت يا ولدي وكيلي في الدكان، وإن سألكم عني الملك فقولوا له: توجه بحريمه إلى بيت الله الحرام. ثم باع بعض مصالحه واشترى له جمالا وبغالا ومماليك، واشترى له جارية وحطها في تختروان وخرج من البصرة بعد عشرة أيام، فودعه أحبابه وسافر والناس لا يظنون إلا أنه أخذ زوجته وتوجه إلى الحج. وفرحت الناس وقد أنقذهم الله من حبسهم في المساجد والبيوت في كل يوم جمعة، وصار بعض الناس يقول: لا رده الله إلى البصرة مرة أخرى حتى لا نحبس في المساجد والبيوت في كل يوم جمعة؛ لأن هذه الخصلة أورثت أهل البصرة حسرة عظيمة. وبعضهم يقول: أظنه لا يرجع من سفره بسبب دعاء أهل البصرة عليه. وبعضهم يقول: إن رجع لا يرجع إلا منكس الحال. وفرح أهل البصرة بسفره فرحا عظيما بعد أن كانوا في حسرة عظيمة حتى ارتاحت قططهم وكلابهم، فلما أتى يوم الجمعة نادى المنادي في البلد على العادة بأنهم يدخلون المساجد قبل صلاة الجمعة بساعتين أو يستخفون في البيت، وكذلك القطط والكلاب، فضاقت صدورهم، فاجتمعوا جميعا وتوجهوا إلى الديوان ووقفوا بين يدي الملك وقالوا له: يا ملك الزمان، إن الجوهري أخذ حريمه وسافر إلى حج بيت الله الحرام، وزال السبب الذي كنا نحبس لأجله. فبأي سبب نحبس الآن؟ فقال الملك: كيف سافر هذا الخائن ولم يعلمني؟! لكن إذا جاء من سفره لا يكون إلا خيرا، روحوا إلى دكاكينكم وبيعوا واشتروا؛ فقد ارتفعت عنكم هذه الحالة. # هذا ما كان من أمر الملك وأهل البصرة، وأما ما كان من أمر المعلم عبيد الجوهري، فإنه سافر عشرة مراحل فحل به ما حل بقمر الزمان قبل دخوله البصرة، وطلعت عليه عرب بغداد فعروه وأخذوا ما كان معه، وجعل روحه ميتا حتى خلص، وبعد ذهاب العرب قام ومشى وهو عريان إلى أن دخل بلدا، فحنن الله عليه أهل الخير، فستروا عورته بقطع من الثياب الخلقة، وصار ms2220 يسأل ويتقوت من بلد إلى بلد حتى وصل إلى مصر المحروسة، فأحرقه الجوع فدار يسأل في الأسواق، فقال له رجل من أهل مصر: يا فقير، عليك ببيت الفرح، كل واشرب، فإن هناك في هذا اليوم سماط الفقراء والغرباء. فقال: لا أعرف طريق الفرح. فقال له: اتبعني وأنا أريه لك. فتبعه إلى أن وصل إلى البيت. فقال له: هذا هو بيت الفرح، فادخل ولا تخف، فما على باب الفرح من حجاب. فلما دخل رآه قمر الزمان فعرفه وأخبر به أباه. ثم إن التاجر عبد الرحمن قال لولده: يا ولدي، اتركه في هذه الساعة، ربما يكون جائعا، فدعه يأكل حتى يشبع ويسكن روعه وبعد ذلك نطلبه. فصبرا عليه حتى أكل واكتفى وغسل يديه وشرب القهوة والشربات السكر الممزوجة بالمسك والعنبر، وأراد أن يخرج، فأرسل خلفه والد قمر الزمان، فقال له الرسول: تعال يا غريب كلم التاجر عبد الرحمن. فقال: ما يكون هذا التاجر؟ فقال له: صاحب الفرح. فرجع وظن أنه يعطيه إحسانا، فلما أقبل التاجر رأى صاحبه قمر الزمان، فغاب عن الوجود من الحياء منه، وقام له قمر الزمان على الأقدام، وأخذه بالأحضان، وسلم عليه، وتباكيا بكاء شديدا، ثم إنه أجلسه بجانبه. فقال له أبوه: يا عديم الذوق، ما هذا شأن ملاقاة الأصحاب! أرسله أولا إلى الحمام، وأرسل إليه بدلة تليق به، وبعد ذلك اقعد معه وتحدث أنت وإياه. فصاح على بعض الخدام وأمرهم أن يدخلوه الحمام، وأرسل إليه بدلة من خاص الملبوس تساوي ألف دينار وأكثر من ذلك المبلغ، وغسلوا جسده وألبسوه البدلة، فصار كأنه شاه بندر التجار. وكان الحاضرون سألوا قمر الزمان عنه حين غيابه في الحمام وقالوا: من هذا؟ ومن أين تعرفه؟ فقال: هذا صاحبي، وقد أنزلني في بيته، وله علي إحسان لا يحصى؛ فإنه أكرمني إكراما زائدا، وهو من أهل السعادة والسيادة، وصنعته جوهري ليس له نظير، وملك البصرة يحبه حبا كثيرا، وله عنده مقام عظيم وكلام نافذ. وصار يبالغ لهم في مدحه ويقول: إنه فعل معي كذا ms2221 وكذا، وأنا صرت في حياء منه، ولا أدري ما أجازيه به في مقابلة ما صنعه معي من الإكرام. ولم يزل يثني عليه حتى عظم قدره عند الحاضرين، وصار مهابا في أعينهم. فقالوا: نحن كلنا نقوم بواجبه وإكرامه من شأنك، ولكن مرادنا أن نعرف ما سبب مجيئه إلى مصر؟ وما سبب خروجه من بلاده؟ وما فعل الله به حتى صار في هذه الحالة؟ فقال لهم: يا ناس، لا تتعجبوا، إن ابن آدم تحت القضاء والقدر، وما دام في هذه الدنيا لا يسلم من الآفات، وقد صدق من قال هذه الأبيات: # الدهر يفترس الرجال فلا تكن %~% ممن تطيشه المناصب والرتب ~~واحذر من الزلات واجتنب الأسى %~% واعلم بأن الدهر شيمته العطب ~~كم نعمة زالت بأصغر نقمة %~% ولكل شيء في تقلبه سبب # اعلموا أني أنا دخلت البصرة في أسوأ من هذه الحالة، وأشد من هذا النكال؛ لأن هذا الرجل دخل مصر مستور العورة بالخلقان، وأما أنا فإني دخلت بلاده مكشوف العورة، يد من خلف ويد من قدام، ولا نفعني إلا الله وهذا الرجل العزيز، والسبب في ذلك أن العرب عروني وأخذوا جمالي وبغالي وأحمالي وقتلوا غلماني ورجالي، ورقدت بين القتلى فظنوا أني ميت، فذهبوا وفاتوني، وبعد ذلك قمت ومشيت عريانا إلى أن دخلت البصرة، فقابلني هذا الرجل وكساني وأنزلني في بيته وقواني بالمال، وجميع ما أتيت به معي ليس إلا من خير الله وخيره. فعندما سافرت أعطاني شيئا كثيرا ورجعت إلى بلادي مجبور الخاطر، وفارقته وهو في سيادة وسعادة، فلعله حدث له بعد ذلك نكبة من نكبات الزمان أوجبت له فراق الأهل والأوطان، وجرى له في الطريق مثل ما جرى لي، ولا عجب في ذلك، ولكن ينبغي لي الآن أن أجازيه على ما صنع معي من كريم الفعال، وأعمل بقول من قال: # يا محسنا بالزمان ظنا %~% هل تدري ما يفعل الزمان ~~ما شئت فاصنع جميل فعل %~% كما يدين الفتى يدان # فبينما هم في هذا الكلام وأمثاله، وإذا بالمعلم عبيد مقبل عليهم كأنه شاه بندر ms2222 التجار، فقام إليه الجميع وسلموا عليه وأجلسوه في الصدر، وقال له قمر الزمان: يا صاحبي، نهارك مبارك سعيد، لا تحك لي على شيء جرى علي قبلك، فإن كان العرب عروك وأخذوا منك مالا، فإن المال فدى الأبدان، فلا تغم نفسك، فإني دخلت بلادك عريانا، وقد كسوتني وأكرمتني ولك علي الإحسان الكثير فأنا أجازيك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 978 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن قمر الزمان لما قال للمعلم عبيد الجوهري: إني دخلت بلادك عريانا، وقد كسوتني ولك علي الإحسان الكثير، فأنا أجازيك وأفعل معك كما فعلت معي، بل أكثر من ذلك، فطب نفسا وقر عينا. وصار يأخذ بخاطره ومنعه من الكلام لئلا يذكر زوجته وما فعلت معه، ولم يزل يعظه بمواعظ وأمثال وأشعار ونكت وحكايات وأخبار ويسليه، حتى لحظ الجوهري ما أشار عليه قمر الزمان من الكتمان، فكتم ما عنده وتسلى بما سمعه من الأخبار والنوادر، وأنشد قول الشاعر: # في جبهة الدهر سطر لو نظرت له %~% أبكاك مضمونه من مقلتيك دما ~~ما سلم الدهر باليمنى على أحد %~% إلا ويسراه تسقيه الردى كظما # ثم إن قمر الزمان ووالده التاجر عبد الرحمن أخذا الجوهري ودخلا به في قاعة الحريم، واختليا به، فقال له التاجر عبد الرحمن: نحن ما منعناك من الكلام إلا خوفا من الفضيحة في حقك وحقنا، ولكن نحن الآن في خلوة، فأخبرني بما جرى بينك وبين زوجتك وولدي. فأخبره بالقضية من المبتدأ إلى المنتهى، فلما فرغ من قصته، قال له: هل الذنب من زوجتك أو من ولدي؟ قال له: والله إن ولدك ما عنده ذنب؛ لأن الرجال لها الطمع في النساء، والنساء عليهن أن يمتنعن من الرجال، فالعيب عند زوجتي التي خانتني وفعلت معي هذه الفعال. فقام التاجر واختلى بولده وقال له: يا ولدي، إننا اختبرنا زوجته وعرفنا أنها خائنة، ومرادي الآن أن أختبره وأعرف هل هو صاحب عرض ومروءة أو هو ديوث؟ فقال له: وكيف ذلك؟ فقال: مرادي أن أحمله على الصلح ms2223 مع زوجته، فإن رضي بالصلح وسامحها فإني أضربه بالسيف فأقتله، وبعد ذلك أقتلها هي وجاريتها؛ لأن لا خير في حياة الديوث والزانية، وإن نفر منها فإني أزوجه أختك وأعطيه بأكثر من ماله الذي أخذته منه. ثم إنه رجع إليه وقال له: يا معلم، إن معاشرة النساء تحتاج إلى طول البال، ومن كان يهواهن فإنه يحتاج إلى سعة الصدر؛ لأنهن يعربدن في الرجال ويؤذينهم لعزتهن عليهم بالحسن والجمال، فيستعظمن أنفسهن ويستحقرن الرجال، ولا سيما إذا بانت لهن المحبة من بعولهن، فيقابلنهم بالتيه والدلال وكريه الفعال من جميع الجهات، فإن كان الرجل يغضب كلما رأى من زوجته ما يكره فلا يحصل بينه وبينها عشرة، ولا يوافقهن إلا من كان واسع البال كثير الاحتمال، وإن لم يتحمل الرجل زوجته ويقابل إساءتها بالسماح فإنه لا يحصل له في عشرتها نجاح، وقد قيل في حقهن: لو كن في السماء لمالت إليهن أعناق الرجال. ومن قدر وعفى كان أجره على الله. وهذه المرأة زوجتك ورفيقتك، وطالت عشرتها معك، فينبغي أن يكون عندك لها السماح، وهذا في العشرة من علامات النجاح. والنساء ناقصات عقل ودين، وهي إن أساءت فإنها قد تابت، وإن شاء الله لا ترجع إلى فعل ما كانت تفعله أولا. فالرأي عندي أنك تصطلح أنت وإياها، وأنا أرد لك أكثر من مالك، وإن أقمت عندي فمرحبا بك وبها، وليس لكما إلا ما يسركما، وإن كنت تطلب التوجه إلى بلادك فأنا أعطيك ما يرضيك. وها هو التختروان حاضر فركب زوجتك وجاريتها فيه وسافر إلى بلادك، والذي يجري بين الرجل وزوجته كثير، فعليك بالتيسير، ولا تسلك سبيل التعسير. فقال الجوهري: يا سيدي، وأين زوجتي؟ فقال له: ها هي في هذا القصر، فاطلع إليها واستوص بها من شأني، ولا تشوش عليها، فإن ولدي لما جاء بها وطلب زواجها منعته، وحططتها في هذا القصر وقفلت عليها الباب وقلت في نفسي: ربما يجيء زوجها فأسلمها إليه؛ لأنها جميلة الصورة، والتي مثل هذه لا يمكن زوجها أن يفوتها، والذي حسبته حصل ms2224 والحمد لله تعالى على اجتماعك بزوجتك. وأما من جهة ابني فإني خطبت له وزوجته غيرها، وهذه الولائم والضيافات من أجل فرحه، وفي هذه الليلة دخلته على زوجته. وها هو مفتاح القصر الذي فيه زوجتك، فخذه وافتح الباب وادخل على زوجتك وجاريتك وانبسط معها، ويأتيكم الأكل والشرب، ولا تنزل من عندها حتى تشبع منها. فقال له: جزاك الله عني كل خير يا سيدي. ثم أخذ المفتاح وطلع فرحانا، فظن التاجر أن هذا الكلام أعجبه، وأنه رضي به، فأخذ السيف وتبعه من خلفه بحيث لم يره، ثم وقف ينظر ما يحصل بينه وبين زوجته. # هذا ما كان من أمر التاجر عبد الرحمن، وأما ما كان من أمر الجوهري، فإنه دخل على زوجته فرآها تبكي بكاء شديدا بسبب أن قمر الزمان تزوج بغيرها، ورأى الجارية تقول لها: كم نصحتك يا سيدتي وقلت لك إن هذا الغلام لا ينالك منه خير فاتركي عشرته، فما سمعت كلامي حتى نهبت جميع مال زوجك وأعطيته له، وبعد ذلك فارقت مكانك وتعلقت في هواه وجئت معه في هذه البلاد، وبعد ذلك رماك من باله وتزوج بغيرك، ثم جعل آخر تعلقك به الحبس. فقالت لها: اسكتي يا ملعونة، فإنه وإن تزوج بغيري لا بد أن أخطر يوما على باله، فأنا لا أسلو مسامرته، وأنا على كل حال أتسلى بقول من قال: # يا سادتي هل يخطرن ببالكم %~% من ليس يخطر غيركم في باله ~~حاشاكم أن تغفلوا عن حال من %~% هو غافل في حالكم عن حاله # فلا بد أن يتذكر عشرتي وصحبتي ويسأل عني، وأنا لا أرجع عن محبته، ولا أحول عن هواه ولو مت في السجن؛ فإنه حبيبي وطبيبي، وعشمي فيه أن يرجع إلي ويعمل معي انبساطا. فلما سمعها زوجها تقول هذا الكلام دخل عليها وقال لها: يا خائنة، إن عشمك فيه مثل عشم إبليس في الجنة! كل هذه العيوب فيك وأنا ما عندي خبر؟! ولو علمت أن فيك عيبا من هذه العيوب ما كنت قنيتك عندي ساعة واحدة، ولكن ms2225 حيث تيقنت فيك ذلك ينبغي أن أقتلك ولو قتلوني فيك يا خائنة. ثم قبض عليها بيديه الاثنتين وأنشد هذين البيتين: # يا ملاحا أذهبتم صدق ودي %~% بالتجني ولم تراعوا حقوقا ~~كم بكم صبوة علقت ولكن %~% بعد هذا الأسى كرهت العلوقا # ثم اتكأ على زمارة حلقها وكسرها، فصاحت الجارية: وا سيدتاه! فقال لها: يا عاهرة، العيب كله منك؛ حيث كنت تعرفين أن فيها هذه الخصلة ولم تخبريني. ثم قبض على الجارية وخنقها، كل ذلك حصل والتاجر ماسك السيف بيده وهو واقف خلف الباب يسمع بأذنه ويرى بعينه. ثم إن عبيدا الجوهري لما خنقهما في قصر التاجر كثرت عليه الأوهام، وخاف عاقبة الأمر، وقال في نفسه: إن التاجر إذا علم أني قتلتهما في قصره لا بد أنه يقتلني، ولكن أسأل الله أن يجعل قبض روحي على الإيمان. وصار متحيرا في أمره ولم يدر ماذا يفعل. فبينما هو كذلك، وإذا بالتاجر عبد الرحمن دخل عليه وقال له: لا بأس عليك، إنك تستأهل السلامة، وانظر هذا السيف الذي في يدي، فإني كنت ضامرا على أن أقتلك إن صالحتها ورضيت عليها وأقتل الجارية، وحيث فعلت هذه الفعال فمرحبا بك، ثم مرحبا، وما جزاؤك إلا أن أزوجك ابنتي أخت قمر الزمان. ثم إنه أخذه ونزل به وأمر بإحضار الغاسلة، وشاع الخبر أن قمر الزمان ابن التاجر عبد الرحمن جاء بجاريتين معه من البصرة فماتتا، فصار الناس يعزونه ويقولون له: تعيش رأسك وعوض الله عليك. ثم غسلوهما وكفنوهما ودفنوهما ولم يعرف أحد حقيقة الأمر. # هذا ما كان من أمر عبيد الجوهري وزوجته وجاريته، وأما ما كان من أمر التاجر عبد الرحمن، فإنه أحضر شيخ الإسلام وجميع الأكابر وقال: يا شيخ الإسلام، اكتب كتاب بنتي كوكب الصباح على المعلم عبيد الجوهري، ومهرها قد وصلني بالتمام والكمال. فكتب الكتاب وسقاهم الشربات وجعلوا الفرح واحدا، وزفوا بنت شيخ الإسلام زوجة قمر الزمان وأخته كوكب الصباح زوجة المعلم عبيد الجوهري في تختروان واحد في ليلة واحدة. وفي المساء زفوا قمر الزمان والمعلم ms2226 عبيدا سواء، وأدخلوا قمر الزمان على بنت شيخ الإسلام، وأدخلوا المعلم عبيدا على بنت التاجر عبد الرحمن، فلما دخل عليها رآها أحسن من زوجته وأجمل منها بألف طبقة، ثم إنه أزال بكارتها، ولما أصبح دخل الحمام مع قمر الزمان، ثم أقام عندهم مدة في فرح وسرور. وبعد ذلك اشتاق إلى بلاده، فدخل على التاجر عبد الرحمن وقال: يا عم، إني اشتقت إلى بلادي، ولي فيها أملاك وأرزاق، وكنت أقمت فيها صانعا من صناعي وكيلا عني، وفي خاطري أن أسافر إلى بلادي لأبيع أملاكي وأرجع إليك، فهل تأذن لي في التوجه إلى بلادي من أجل ذلك؟ فقال له: يا ولدي، قد أذنت لك، ولا لوم عليك في هذا الكلام، فإن حب الوطن من الإيمان، والذي ما له خير في بلاده ما له خير في بلاد الناس، وربما أنك إذا سافرت بغير زوجتك ودخلت بلادك يطيب لك فيها القعود وتصير متحيرا بين رجوعك إلى زوجتك وقعودك في بلادك، فالرأي الصواب أن تأخذ زوجتك معك، وبعد ذلك إن شئت الرجوع إلينا فارجع أنت وزوجتك، ومرحبا بك وبها؛ لأننا ناس لا نعرف طلاقا، ولا تتزوج منا امرأة مرتين، ولا نهجر إنسانا بطرا. فقال: يا عم، أخاف أن ابنتك لا ترضى بالسفر معي إلى بلادي. فقال له: يا ولدي، نحن ما عندنا نساء تخالف بعولهن، ولا نعرف امرأة تغضب على بعلها. فقال له: بارك الله فيكم وفي نسائكم. ثم إنه دخل على زوجته وقال لها: أنا مرادي السفر إلى بلادي فما تقولين؟ قالت: إن أبي لا زال يحكم علي ما دمت بكرا، وحيث تزوجت فقد صار الحكم كله في يد بعلي فإني لا أخالفه. فقال لها: بارك الله فيك وفي أبيك، ورحم الله بطنا حملك وظهرا ألقاك. ثم بعد ذلك قطع علائقه وأخذ في أسباب السفر، فأعطاه عمه شيئا كثيرا، وودعا بعضهما، ثم أخذ زوجته وسافر، ولم يزل مسافرا حتى دخل البصرة، فخرجت لملاقاته الأقارب والأصحاب وهم يظنون أنه كان في الحجاز، وصار بعض الناس ms2227 فرحانا بقدومه وبعضهم مغموما لرجوعه إلى البصرة، وقال الناس لبعضهم: إنه يضيق علينا في كل جمعة بحسب العادة، ويحبسنا في الجوامع والبيوت وحتى يحبس قططنا وكلابنا. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر ملك البصرة، فإنه لما علم بقدومه غضب عليه وأرسل إليه وأحضره بين يديه، وعنفه وقال له: كيف تسافر ولم تعلمني بسفرك؟ فهل كنت عاجزا عن شيء أعطيه لك لتستعين به على الحج إلى بيت الله الحرام؟ فقال له: العفو يا سيدي، والله ما حججت، ولكن جرى لي كذا وكذا ... وأخبره بما جرى له مع زوجته ومع التاجر عبد الرحمن المصري، وكيف زوجه ابنته، إلى أن قال له: وقد جئت بها إلى البصرة. فقال له: والله، لولا أني أخاف من الله تعالى لقتلتك وتزوجت بهذه البنت الأصيلة من بعدك، ولو كنت أنفق عليها خزائن الأموال؛ لأنها لا تصلح إلا للملوك، ولكن جعلها الله من نصيبك، وبارك لك فيها، فاستوص بها خيرا. ثم إنه أنعم على الجوهري، ونزل من عنده وقعد معها خمس سنوات، وبعد ذلك توفي إلى رحمة الله تعالى، فخطبها الملك، فما رضيت وقالت: أيها الملك، أنا ما وجدت في طائفتي امرأة تزوجت بعد بعلها، فأنا لا أتزوج أحدا بعد بعلي، فلا أتزوجك ولو كنت تقتلني. فأرسل يقول لها: هل تطلبين التوجه إلى بلادك؟ فقالت: إذا فعلت خيرا تجازى به. فجمع لها جميع أموال الجوهري، وزادها من عنده على قدر مقامه، ثم أرسل معها وزيرا من وزرائه مشهورا بالخير والصلاح، وأرسل معه خمسمائة فارس، فسار بها ذلك الوزير حتى أوصلها إلى أبيها، وأقامت من غير زواج حتى ماتت ومات الجميع. وإذا كانت هذه المرأة ما رضيت أن تبدل زوجها بعد موته بسلطان، كيف تستوي بمن تبدله في حال حياته بغلام مجهول الأصل والنسب؟ وخصوصا إذا كان ذلك في السفاح وعلى غير طريق سنة النكاح! ومن ظن أن النساء كلهن سواء، فإن داء جنونه ليس له دواء. فسبحان من له الملك والملكوت، وهو الحي الذي ms2228 لا يموت. ### || حكاية عبد الله بن فاضل وأخويه # ومما يحكى أيضا أيها الملك السعيد، أن الخليفة هارون الرشيد تفقد خراج البلاد يوما من الأيام، فرأى خراج جميع الأقطار والبلاد جاء إلى بيت المال إلا خراج البصرة، فإنه لم يأت في ذلك العام، فنصب ديوانا لهذا السبب، وقال: علي بالوزير جعفر. فحضر بين يديه، فقال له: إن خراج جميع الأقطار جاء إلى بيت المال إلا خراج البصرة، فإنه لم يأت منه شيء. فقال: يا أمير المؤمنين، لعل نائب البصرة حصل له أمر ألهاه عن إرسال الخراج. فقال: إن مدة حضور الخراج عشرون يوما، فما عذره في هذه المدة حتى لم يرسل الخراج أو يرسل بإقامة العذر؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، إن شئت أرسلنا إليه مرسالا. فقال: أرسل له أبا إسحاق الموصلي النديم. فقال: سمعا وطاعة لله ولك يا أمير المؤمنين. ثم إن الوزير جعفر نزل إلى داره وأحضر أبا إسحاق الموصلي النديم، وكتب له خطا شريفا، وقال له: امض إلى عبد الله بن فاضل نائب مدينة البصرة، وانظر ما الذي ألهاه عن إرسال الخراج، ثم تسلم منه خراج البصرة بالتمام والكمال، وائتني به سريعا، فإن الخليفة تفقد خراج الأقطار فوجده قد وصل إلا خراج البصرة، وإن رأيت الخراج غير حاضر واعتذر إليك بعذر فهاته معك ليخبر الخليفة بالعذر من لسانه. فأجاب بالسمع والطاعة، وأخذ خمسة آلاف فارس من عسكر الوزير وسافر حتى وصل إلى مدينة البصرة، فعلم بقدومه عبد الله بن فاضل، فخرج بعسكره إليه ولاقاه ودخل به البصرة وطلع به قصره، وبقية العسكر نزلوا في الخيام خارج البصرة، وقد عين لهم ابن فاضل جميع ما يحتاجون إليه، ولما دخل أبو إسحاق الديوان وجلس على الكرسي أجلس عبد الله بن فاضل بجانبه، وجلس الأكابر حوله على قدر مراتبهم، ثم بعد السلام قال له ابن فاضل: يا سيدي، هل لقدومك علينا من سبب؟ قال: نعم، إنما جئت لطلب الخراج، فإن الخليفة سأل عنه، ومدة وروده قد مضت. فقال: يا سيدي، يا ms2229 ليتك ما تعبت ولا تحملت مشقة السفر، فإن الخراج حاضر بالتمام والكمال، وقد كنت عازما على أن أرسله في غد، ولكن حيث أتيت فأنا أسلمه إليك بعد ضيافتك ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أحضر الخراج بين يديك، ولكن وجب علينا الآن أننا نقدم إليك هدية من بعض خيرك وخير أمير المؤمنين. فقال له: لا بأس بذلك. ثم إنه فض الديوان ودخل به قصرا في داره ليس له نظير، ثم قدم له ولأصحابه سفرة الطعام، فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا، ثم رفعت المائدة وغسلت الأيادي وجاءت القهوة والشربات، وقعدوا في المنادمة إلى ثلث الليل، ثم فرشوا له سريرا من العاج مرصعا بالذهب الوهاج، فنام عليه ونام نائب البصرة على سرير آخر بجانبه، فغلب السهر على أبي إسحاق رسول أمير المؤمنين، وصار يفكر في بحور الشعر والنظام؛ لأنه من خواص ندماء الخليفة، وكان له باع عظيم في الأشعار ولطائف الأخبار، ولم يزل سهرانا في إنشاء الشعر إلى نصف الليل، فبينما هو كذلك، وإذا بعبد الله بن فاضل قام وشد حزامه وفتح دولابا، وأخذ منه سوطا، وأخذ شمعة مضيئة وخرج من باب القصر وهو يظن أن أبا إسحاق نائم. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 979 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله بن فاضل لما خرج من باب القصر وهو يظن أن أبا إسحاق النديم نائم، فلما خرج تعجب أبو إسحاق وقال في نفسه: إلى أين يذهب عبد الله بن فاضل بهذا السوط؟ فلعل مراده أن يعذب أحدا، ولكن لا بد لي من أن أتبعه وأنظر ما يصنع في هذه الليلة. ثم إن أبا إسحاق قام وخرج وراءه قليلا قليلا، بحيث إنه لم يره، فرأى عبد الله فتح خزانة وأخرج منها مائدة فيها أربعة أصحن من الطعام، وخبزا وقلة فيها ماء، ثم إنه حمل المائدة والقلة ومشى، فتبعه أبو إسحاق مستخفيا إلى أن دخل قاعة، فوقف أبو إسحاق خلف باب القاعة من داخل، وصار ينظر من خلال ذلك ms2230 الباب، فرأى هذه القاعة واسعة ومفروشة فرشا فاخرا، وفي وسط تلك القاعة سرير من العاج مصفح بالذهب، وذلك السرير مربوط فيه كلبان في سلسلتين من الذهب، ثم إنه رأى عبد الله حط المائدة على جانب في مكان وشمر عن أياديه وفك الكلب الأول، فصار يتلوى في يده ويضع وجهه في الأرض كأنه يقبل الأرض بين يديه ويعوي عواء خفيفا بصوت ضعيف، ثم إنه كتفه ورماه على الأرض وسحب السوط ونزل به عليه وضربه ضربا وجيعا من غير شفقة، وهو يتلوى بين يديه ولا يجد له خلاصا. ولم يزل يضربه بذلك السوط حتى قطع الأنين وغاب عن الوجود، ثم إنه أخذه وربطه في مكانه، وبعد ذلك أخذ الكلب الثاني وفعل به كما فعل بالأول، ثم إنه أخرج محرمة وصار يمسح لهما دموعهما ويأخذ بخاطرهما ويقول: لا تؤاخذني، والله ما هذا بخاطري، ولا يسهل علي، ولعل الله يجعل لكما من هذا الضيق فرجا ومخرجا. ويدعو لهما. وحصل كل هذا وأبو إسحاق النديم واقف يسمع بأذنه ويرى بعينه، وقد تعجب من هذه الحالة. ثم إنه قدم لهما سفرة الطعام، وصار يلقمهما بيده حتى شبعا، ومسح لهما أفواههما وحمل القلة وسقاهما، وبعد ذلك حمل المائدة والقلة والشمعة وأراد أن يخرج، فسبقه أبو إسحاق وجاء إلى سريره ونام، ولم يره ولم يعرف أنه تبعه واطلع عليه. ثم إن عبد الله وضع السفرة والقلة في الخزانة ودخل القاعة وفتح الدولاب ووضع السوط في محله، وقلع حوائجه ونام. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر أبي إسحاق، فإنه بات بقية تلك الليلة يفكر في شأن هذا الأمر، ولم يأته نوم من كثرة العجب، وصار يقول في نفسه: يا ترى ما سبب هذه القضية؟! ولم يزل يتعجب إلى الصباح، ثم قاموا وصلوا الصبح وانحط لهم الفطور، فأكلوا وشربوا القهوة وطلعوا إلى الديوان، واشتغل أبو إسحاق بهذه النكتة طول النهار، ولكنه كتمها ولم يسأل عبد الله عنها. وثاني ليلة فعل بالكلبين كذلك، فضربهما ثم صالحهما وأطعمهما ms2231 وسقاهما، وتبعه أبو إسحاق فرآه فعل بهما كأول ليلة، وكذلك ثالث ليلة. ثم إنه أحضر الخراج إلى أبي إسحاق النديم في رابع يوم، فأخذه وسافر ولم يبد له شيئا، ولم يزل مسافرا حتى وصل إلى بغداد، وسلم الخراج إلى الخليفة. ثم إن الخليفة سأله عن سبب تأخير الخراج، فقال له: يا أمير المؤمنين، رأيت عامل البصرة قد جهز الخراج وأراد إرساله، ولو تأخرت يوما لقابلني في الطريق. لكن رأيت من عبد الله بن فاضل عجبا، عمري ما رأيت مثله يا أمير المؤمنين. فقال الخليفة: وما هو يا أبا إسحاق؟ قال: رأيت ما هو كذا وكذا. وأخبره بما فعله مع الكلبين، وقال له: رأيته ثلاث ليال متواليات وهو يعمل هذا العمل، فيضرب الكلبين وبعد ذلك يصالحهما ويأخذ بخاطرهما ويطعمهما وأنا أتفرج عليه بحيث لا يراني. فقال له الخليفة: فهل سألته عن السبب؟ فقال له: لا وحياة رأسك يا أمير المؤمنين. فقال الخليفة: يا أبا إسحاق، أمرتك أن ترجع إلى البصرة وتأتيني بعبد الله بن فاضل وبالكلبين. فقال: يا أمير المؤمنين، دعني من هذا، فإن عبد الله بن فاضل أكرمني إكراما زائدا، وقد اطلعت على هذه الحالة اتفاقا من غير قصد، فأخبرتك بها، فكيف أرجع إليه وأجيء به؟ فإن رجعت إليه لا ألقى لي وجها حياء منه، فاللائق إرسال غيري إليه بخط يدك فيأتيك به وبالكلبين. فقال له: إن أرسلت له غيرك فربما ينكر هذا الأمر ويقول: ما عندي كلاب، وأما إذا أرسلتك أنت وقلت له: إني رأيتك بعيني، فإنه لا يقدر على إنكار ذلك؛ فلا بد من ذهابك إليه وإتيانك به وبالكلبين، وإلا فلا بد من قتلك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 980 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة هارون الرشيد قال لأبي إسحاق: لا بد من ذهابك إليه وإتيانك به وبالكلبين، وإلا فلا بد من قتلك. فقال له أبو إسحاق: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصدق من قال: آفة الإنسان ms2232 من اللسان. فأنا الجاني على نفسي حيث أخبرتك، ولكن اكتب خطا شريفا وأنا أذهب إليه وآتيك به. فكتب له خطا شريفا وتوجه به إلى البصرة، فلما دخل على عامل البصرة قال له: كفانا الله شر رجوعك يا أبا إسحاق! فما لي أراك رجعت سريعا؟ لعل الخراج ناقص فلم يقبله الخليفة. فقال: يا أمير عبد الله، ليس رجوعي من أجل نقص الخراج، فإنه كامل وقبله الخليفة، ولكن أرجو منك عدم المؤاخذة؛ فإني أخطأت في حقك، وهذا الذي وقع مني مقدر من الله تعالى. فقال له: وما وقع منك يا أبا إسحاق؟ أخبرني، فإنك حبيبي وأنا لا أؤاخذك. فقال له: اعلم أني لما كنت عندك اتبعتك ثلاث ليال متواليات وأنت تقوم كل ليلة في نصف الليل وتعذب الكلاب وترجع، فتعجبت من ذلك واستحييت أن أسألك عنه، ثم إني أخبرت الخليفة بخبرك اتفاقا من غير قصد، فألزمني بالرجوع إليك، وهذا خط يده، ولو كنت أعلم أن الأمر يحوج إلى ذلك ما كنت أخبرته، ولكن جرى القدر بذلك. وصار يعتذر إليه، فقال له: حيث أخبرته فأنا أصدق خبرك عنده لئلا يظن بك الكذب؛ فإنك حبيبي، ولو أخبر غيرك كنت أنكرت ذلك وكذبته، فها أنا أروح معك وآخذ الكلبين معي، ولو كان في ذلك تلف نفسي وانقضاء أجلي. فقال له: الله يسترك كما سترت وجهي عند الخليفة. # ثم إنه أخذ هدية تليق بالخليفة، وأخذ الكلبين في جنازير من الذهب، وحمل كل كلب على جمل، وسافروا إلى أن وصلوا إلى بغداد، ودخل على الخليفة فقبل الأرض بين يديه، فأذن له بالجلوس، فجلس وأحضر الكلبين بين يديه. فقال الخليفة: ما هذان الكلبان يا أمير عبد الله؟ فصار الكلبان يقبلان الأرض بين يديه ويحركان أذنابهما ويبكيان كأنهما يشكوان إليه. فتعجب الخليفة من ذلك وقال له: أخبرني بخبر هذين الكلبين، وما سبب ضربك لهما وإكرامهما بعد الضرب. فقال له: يا خليفة الله، ما هذان كلبان، وإنما هما رجلان شابان ذوا حسن وجمال وقد واعتدال، وهما أخواي وولدا أمي وأبي. ms2233 فقال الخليفة: وكيف كانا آدميين وصارا كلبين؟ قال: إن أذنت لي يا أمير المؤمنين أخبرك بحقيقة الخبر. فقال: أخبرني، وإياك والكذب، فإنه صفة أهل النفاق، وعليك بالصدق فإنه سفينة النجاة وسيمة الصالحين. فقال له: اعلم يا خليفة الله أني إذا أخبرتك بخبرهما يكونان هما الشاهدان علي، فإن كذبت يكذباني وإن صدقت يصدقان. فقال له: هذان من الكلاب لا يقدران على نطق ولا جواب! فكيف يشهدان لك أو عليك؟ فقال لهما: يا أخوي، إذا أنا تكلمت كلاما كذبا فارفعا رءوسكما وحملقا أعينكما، وإذا تكلمت صدقا فنكسا رءوسكما وغضا أعينكما. ثم إنه قال: اعلم يا خليفة الله أنا نحن ثلاثة أخوة، أمنا واحدة وأبونا واحد، وكان اسم أبينا فاضل، وما سمي بهذا الاسم إلا لكون أمه وضعت ولدين توءمين في بطن واحد، فمات أحدهما من وقته وساعته، وفضل الثاني فسماه أبوه فاضلا، ثم رباه وأحسن تربيته إلى أن كبر، فزوجه أمنا، ومات، فوضعت أخي هذا أولا فسماه منصورا، وحملت ثاني مرة ووضعت أخي هذا فسماه ناصرا، وحملت ثالث مرة ووضعتني فسماني عبد الله، وربانا حتى كبرنا وبلغنا مبلغ الرجال، فمات وخلف لنا بيتا ودكانا ملآنا قماشا ملونا من سائر أنواع القماش الهندي والرومي والخراساني وغير ذلك، وخلف لنا ستين ألف دينار، فلما مات أبونا غسلناه وعملنا له مشهدا عظيما ودفناه وذهب لرحمة مولاه، وعملنا له عتاقة وختمات، وتصدقنا عليه إلى تمام الأربعين يوما، ثم إني بعد ذلك جمعت التجار وأشراف الناس وعملت لهم يوما عظيما، وبعدما أكلوا قلت لهم: يا تجار، إن الدنيا فانية والآخرة باقية، وسبحان الدائم بعد فناء خلقه، هل تعلمون لأي شيء جمعتكم في هذا اليوم المبارك عندي؟ قالوا: سبحان الله علام الغيوب. فقلت لهم: إن أبي مات عن جملة من المال، وأنا خائف أن يكون عليه تبعة لأحد من دين أو رهن أو غير ذلك، ومرادي خلاص ذمة أبي من حقوق الناس. فمن كان له عليه شيء فليقل: إن لي عليه كذا وكذا. وأنا أورده له لأجل براءة ms2234 ذمة أبي. فقال لي التجار: يا عبد الله، إن الدنيا لا تغني عن الآخرة، ولسنا أصحاب باطل، وكل منا يعرف الحلال من الحرام، ونخاف من الله تعالى ونتجنب أكل مال اليتيم، ونعلم أن أباك - رحمة الله عليه - كان دائما يبقي ماله عند الناس ولا يخلي في ذمته شيئا إلى أحد، ونحن دائما نسمعه وهو يقول: أنا خائف من متاع الناس. ودائما كان يقول في دعائه: إلهي، أنت ثقتي ورجائي، فلا تمتني وعلي دين. وكان من جملة طباعه أنه إذا كان لأحد عليه شيء فإنه يدفعه له من غير مطالبة، وإذا كان له على أحد شيء فإنه لا يطالبه ويقول له: على مهلك. وإن كان فقيرا يسامحه ويبرئ ذمته، وإن لم يكن فقيرا ومات يقول: سامحه الله مما لي عنده. ونحن كلنا نشهد أنه ليس لأحد عنده شيء. فقلت: بارك الله فيكم. # ثم إني التفت إلى أخوي هذين وقلت لهما: إن أبانا ليس عليه لأحد شيء، وقد خلف لنا هذا المال والقماش والبيت والدكان، ونحن ثلاثة أخوة، كل منا يستحق ثلث هذا الشيء، فهل نتفق على عدم القسمة ويستمر مالنا مشتركا بيننا ونأكل سواء ونشرب سواء؟ أو نقسم القماش والأموال ويأخذ كل واحد منا حصته؟ فقالا: نقسم ويأخذ كل واحد منا حصته. ثم التفت إلى الكلبين وقال لهما: هل جرى ذلك يا أخوي؟ فنكسا رأسيهما وغضا عيونهما كأنهما قالا نعم. ثم إنه قال: فأحضرت قساما من طرف القاضي يا أمير المؤمنين، فقسم بيننا المال والقماش وجميع ما خلفه لنا أبونا، وجعلوا البيت والدكان من قسمي في نظير بعض ما أستحقه من الأموال، ورضينا بذلك، وصار البيت والدكان في قسمي، وهما أخذا قسمهما مالا وقماشا. ثم إني فتحت الدكان وحططت فيه القماش، واشتريت بجانب من المال الذي خصني زيادة على البيت والدكان قماشا حتى ملأت الدكان وقعدت أبيع وأشتري. وأما أخواي فإنهما اشتريا قماشا واكتريا مركبا وسافرا في البحر إلى بلاد الناس، فقلت: الله يساعدهما، وأنا رزقي يأتيني، وليس للراحة قيمة. ودمت ms2235 على ذلك مدة سنة كاملة، ففتح الله علي وصرت أكتسب مكاسب كثيرة حتى صار عندي مثل الذي خلفه لنا أبونا، فاتفق لي يوما من الأيام أنني كنت جالسا في الدكان وعلي فروتان؛ إحداهما سمور والأخرى سنجاب؛ لأن ذلك الوقت كان في فصل الشتاء، في أوان اشتداد البرد. فبينما أنا كذلك، وإذا بأخوي قد أقبلا علي وعلى بدن كل واحد منهما قميص خلق من غير زيادة، وشفاههما بيض من البرد وهما ينتفضان. فلما رأيتهما عسر علي ذلك وحزنت عليهما. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 981 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله بن فاضل لما قال للخليفة: فلما رأيتهما ينتفضان عسر علي ذلك وحزنت عليهما وطار عقلي من رأسي، فقمت إليهما واعتنقتهما وبكيت على حالهما، وخلعت على واحد منهما الفروة السمور وعلى الآخر الفروة السنجاب، وأدخلتهما الحمام، وأرسلت إلى كل واحد منهما في الحمام بدلة تاجر ألفي. وبعدما اغتسلا لبس كل واحد منهما بدلته، ثم أخذتهما إلى البيت فرأيتهما في غاية الجوع، فوضعت لهما سفرة الأطعمة، فأكلا وأكلت معهما، ولاطفتهما وأخذت بخاطرهما. ثم التفت إلى الكلبين وقال لهما: هل جرى ذلك يا أخوي؟ فنكسا رأسيهما وغضا عيونهما. ثم إنه قال: يا خليفة الله، ثم إني سألتهما وقلت لهما: ما الذي جرى لكما؟ وأين أموالكما؟ فقالا: سافرنا في البحر ودخلنا مدينة تسمى مدينة الكوفة، وصرنا نبيع القطعة القماش التي ثمنها علينا نصف دينار بعشرة دنانير، والتي بدينار بعشرين دينارا، وكسبنا مكاسب عظيمة، واشترينا من قماش العجم الشقة الحرير بعشرة دنانير، وهي تساوي في البصرة أربعين دينارا، ودخلنا مدينة تسمى الكرخ، فبعنا واشترينا وكسبنا مكاسب كثيرة، وصار عندنا أموال كثيرة. وجعلا يذكران لي البلاد والمكاسب، فقلت لهما: حيث رأيتما هذا الفرح والخير، فما لي أراكما رجعتما عريانين؟ فتنهدا وقالا: يا أخانا، ما حل بنا إلا عين صائبة، والسفر ما له أمان؛ فلما جمعنا تلك الأموال والخيرات وسقنا متاعنا في مركب وسافرنا في البحر بقصد التوجه إلى مدينة ms2236 البصرة، وقد سافرنا ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع رأينا البحر قام وقعد وأرغى وأزبد وتحرك وهاج، وتلاطم بالأمواج، وصار الموج يقدح الشرار كلهيب النار، واختلفت علينا الأرياح، والتطمت بنا المركب في سن جبل فانكسرت وغرقنا، وراح جميع ما كان معنا في البحر، وصرنا نخبط على وجه الماء يوما وليلة، فأرسل الله لنا مركبا أخرى فأخذتنا ركابها وصرنا من بلاد إلى بلاد ونحن نسأل ونتقوت مما نحصله بالسؤال، وقاسينا الكرب العظيم، وصرنا نقلع من حوائجنا ونبيع ونتقوت حتى قربنا من البصرة، وما وصلنا إلى البصرة حتى شربنا ألف حسرة، ولو كنا سلمنا بما كان معنا كنا أتينا بأموال تضاهي أموال الملك، ولكن هذا مقدر من الله علينا. فقلت لهما: يا أخوي، لا تحملا هما؛ فإن المال فداء الأبدان، والسلامة غنيمة، وحيث كتبكم الله من السالمين فهذا غاية المنى، وما الفقر والغنى إلا كطيف خيال، ولله در من قال: # إذا سلمت هام الرجال من الردى %~% فما المال إلا مثل قص الأظافر # ثم قلت لهما: يا أخوي، نحن نقدر أن أبانا قد مات في هذا اليوم وخلف لنا جميع هذا المال الذي عندي، وقد طابت نفسي على أننا نقسمه بيننا بالسوية. ثم أحضرت قساما من طرف القاضي، وأحضرت له جميع مالي، فقسمه بيننا وأخذ كل منا ثلث المال، فقلت لهما: يا أخوي، بارك الله للإنسان في رزقه إذا كان في بلده، فكل واحد منكما يفتح له دكانا ويقعد فيه لتعاطي الأسباب، والذي له شيء في الغيب لا بد أن يحصله. ثم سعيت لكل واحد منهما في فتح دكان، وملأته له بالبضائع، وقلت لهما: بيعا واشتريا واحفظا أموالكما، ولا تصرفا منها شيئا، وجميع ما يلزم لكما من أكل وشرب وغيرهما يكون من عندي، ثم قمت بإكرامهما، وصارا يبيعان ويشتريان في النهار، وعند المساء يبيتان في بيتي. ولم أدعهما يصرفان شيئا من أموالهما، وكلما جلست معهما للحديث يمدحان الغربة ويذكران محاسنها ويصفان ما حصل لهما فيها من المكاسب، ويغرياني على أن أوافقهما على التغرب في ms2237 بلاد الناس. ثم قال للكلبين: هل جرى ذلك يا أخوي؟ فنكسا رأسيهما وغضا عيونهما تصديقا له. # ثم قال: يا خليفة الله، فما زالا يرغبانني ويذكران لي كثرة الربح والمكاسب في الغربة، ويأمرانني بالسفر معهما حتى قلت لهما: لا بد أن أسافر معكما من أجل خاطركما. ثم إني عقدت الشركة بيني وبينهما، وحملنا قماشا من سائر الأصناف النفيسة، واكترينا مركبا وشحناه بالبضائع من أنواع المتاجر، ونزلنا في ذلك المركب جميع ما نحتاج إليه، ثم سافرنا من مدينة البصرة في البحر العجاج المتلاطم بالأمواج، الذي الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود. ولا زلنا مسافرين حتى طلعنا إلى مدينة من المدائن، فبعنا واشترينا وظهر لنا كثرة المكسب، ثم رحلنا منها إلى غيرها، ولم نزل نرحل من بلد إلى بلد ومن مدينة إلى مدينة ونحن نبيع ونشتري حتى صار عندنا مال جسيم وربح عظيم، ثم إننا وصلنا إلى جبل فألقى الريس المرساة وقال لنا: يا ركاب، اطلعوا إلى البر تنجوا من هذا اليوم، وفتشوا فيه لعلكم تجدون ماء. فخرج جميع من في المركب، وخرجت أنا بجملتهم وصرنا نفتش على الماء، وتوجه كل منا في جهة، وصعدت أنا على أعلى الجبل. فبينما أنا سائر إذ رأيت حية بيضاء تسعى هاربة، ووراءها ثعبان أسود يسعى خلفها وهو مشوه الخلقة هائل المنظر. ثم إن الثعبان لحقها وضايقها ومسكها من رأسها ولف ذيله على ذيلها، فصاحت، فعرفت أنه مفتر عليها، فأخذتني الشفقة عليها وتناولت حجرا من الصوان قدر خمسة أرطال أو أكثر وضربت به الثعبان، فجاء في رأسه فدقها، فما أشعر إلا وتلك الحية انقلبت وصارت بنتا شابة ذات حسن وجمال، وبهاء وكمال، وقد واعتدال، كأنها البدر المنير. فأقبلت علي وقبلت يدي، ثم قالت لي: سترك الله بسترين؛ ستر من العار في الدنيا، وستر من النار في الآخرة يوم الموقف العظيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ثم قالت: يا إنسي، أنت قد سترت عرضي وصار لك علي الجميل ووجب علي جزاؤك. ms2238 ثم أشارت بيدها إلى الأرض فانشقت ونزلت فيها، ثم انطبقت عليها الأرض فعرفت أنها من الجن. وأما الثعبان، فإن النار اتقدت فيه وأحرقته وصار رمادا، فتعجبت من ذلك، ثم إني رجعت إلى أصحابي وأخبرتهم بما رأيت، وبتنا تلك الليلة، وعند الصباح قلع الريس الخطاف ونشر القلوع وطوى الأطراف، ثم سافرنا حتى غاب البر عنا. ولم نزل مسافرين مدة عشرين يوما ولم نر برا ولا طيرا، وفرغ ماؤنا. فقال الريس: يا ناس، إن الماء الحلو قد فرغ منا. فقلنا: نطلع البر لعلنا نجد ماء. فقال: والله، إني تهت عن الطريق ولا أعرف طريقا يوديني إلى جهة البر. فحصل لنا غم شديد، وبكينا ودعونا الله تعالى أن يهدينا إلى الطريق، ثم بتنا تلك الليلة في أسوأ حال، ولله در من قال: # وكم ليلة بت في كربة %~% يكاد الرضيع لها أن يشيب ~~فما أصبح الصبح إلا أتى %~% من الله نصر وفتح قريب # فلما أصبح الصباح وأشرق بنوره ولاح، رأينا جبلا عاليا، فلما رأينا ذلك الجبل فرحنا واستبشرنا به، ثم إننا وصلنا إلى ذلك الجبل، فقال الريس: يا ناس، اطلعوا البر حتى نفتش على ماء. فطلعنا كلنا نفتش على ماء، فلم نر فيه ماء، فحصل لنا مشقة بسبب قلة وجود الماء، ثم إني صعدت على أعلى ذلك الجبل فرأيت خلفه دائرة واسعة مسافة سير ساعة أو أكثر، فناديت أصحابي فأقبلوا علي، فلما أتوا قلت لهم: انظروا إلى هذه الدائرة التي خلف هذا الجبل، فإني أرى فيها مدينة عالية البنيان مشيدة الأركان ذات أسوار وبروج، ورواب ومروج، وهي من غير شك لا تخلو من الماء والخيرات، فسيروا بنا نمض إلى هذه المدينة ونجئ منها بالماء، ونشتري ما نحتاج إليه من الزاد واللحم والفاكهة ونرجع. فقالوا: نخاف أن يكون أهل هذه المدينة كفارا مشركين أعداء الدين، فيقبضوا علينا ونكون أسرى تحت أيديهم أو يقتلونا ونكون قد تسببنا في قتل أنفسنا حيث أوقعنا أنفسنا في الهلاك وسوء الارتباك، والمغرور غير مشكور؛ لأنه على خطر من الأسواء، كما ms2239 قال فيه بعض الشعراء: # ما دامت الأرض أرضا والسماء سما %~% ليس المغر بمحمود وإن سلما # فنحن لا نغر بأنفسنا. فقلت لهم: يا ناس، لا حكم لي عليكم، ولكن آخذ أخوي وأتوجه إلى هذه المدينة. فقال لي أخواي: نحن نخاف من هذا الأمر، ولا نروح معك. فقلت: أما أنا فقد عزمت على الذهاب إلى هذه المدينة، وتوكلت على الله ورضيت بما قدر الله علي، فانتظراني حتى أذهب إليها وأرجع إليكما. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 982 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله قال: فانتظراني حتى أذهب إليها وأرجع إليكما. ثم تركتهما ومشيت حتى وصلت إلى باب تلك المدينة، فرأيتها مدينة عجيبة البناء غريبة الهندسة، أسوارها عالية وأبراجها محصنة وقصورها شاهقة وأبوابها من الحديد الصيني، وهي مزخرفة منقوشة تدهش العقول. فلما دخلت من الباب رأيت دكة من الحجر، وهناك رجل قاعد عليها وفي ذراعه سلسلة من النحاس الأصفر، وفي تلك السلسلة أربعة عشر مفتاحا، فعرفت أن ذلك الرجل بواب المدينة، والمدينة لها أربعة عشر بابا. ثم إني دنوت منه وقلت له: السلام عليكم. فلم يرد علي السلام، فسلمت عليه ثانيا وثالثا، فلم يرد علي الجواب، فوضعت يدي على كتفه وقلت له: يا هذا، لأي شيء لم ترد السلام؟ هل أنت نائم أو أصم أو غير مسلم حتى تمنع رد السلام؟ فلم يجبني ولم يتحرك، فتأملت فيه فرأيته حجرا، فقلت: إن هذا شيء عجيب، هذا الحجر مصور بصورة ابن آدم ولم ينقص عنه غير النطق! ثم تركته ودخلت المدينة، فرأيت رجلا واقفا في الطريق، فدنوت منه وتأملته فرأيته حجرا! ثم إني لم أزل ماشيا في شوارع تلك المدينة وكلما رأيت إنسانا أدنو منه وأتأمله فأجده حجرا. وقابلت امرأة عجوزا على رأسها عقدة ثياب مهيأة للغسيل، فدنوت منها وتأملتها فرأيتها من الحجر، والعقدة الثياب التي على رأسها من الحجر. ثم إني دخلت السوق فرأيت زياتا ميزانه منصوب وقدامه أصناف البضائع من الجبن وغيره وكل ذلك من الحجر. ms2240 ثم إني رأيت سائر المتسببين جالسين في الدكاكين وبعض الناس واقف وبعض الناس جالس، ورأيت رجالا ونساء وصبيانا وكل ذلك من الحجر، ثم دخلت سوق التجار فرأيت كل تاجر جالسا في دكانه، والدكان كان ممتلئا بأنواع البضائع، وكل ذلك من الحجر، ولكن الأقمشة كنسيج العنكبوت، فصرت أتفرج عليها، وكلما مسكت ثوبا من القماش يصير بين يدي هباء منثورا! # ![figure](../Images/figure8.png) # توجهت من ذلك الديوان إلى ديوان النساء، فرأيتهم أيضا من حجر. # ورأيت صناديق، ففتحت واحدا فوجدت فيه ذهبا في أكياس، فمسكت الأكياس فذابت في يدي والذهب لم يزل على حاله، فحملت منه على قدر ما أطيقه، وصرت أقول في نفسي: لو حضر أخواي معي لأخذا من الذهب كفايتهما وتمتعا من هذه الذخائر التي لا أصحاب لها. وبعد ذلك دخلت دكانا آخر فرأيت فيه أكثر من ذلك، ولكن ما بقيت أقدر أن أحمل غير ما حملت. ثم إني خرجت من ذلك السوق إلى سوق آخر، ثم منه إلى سوق آخر وهكذا، ولا زلت أتفرج على مخلوقات مختلفة الأشكال وكلها من الحجارة، حتى الكلاب والقطط من الحجارة! ثم إني دخلت سوق الصاغة فرأيت فيه رجالا جالسين في الدكاكين، والبضائع عندهم بعضها في أيديهم وبعضها في أقفاص، فلما رأيت ذلك يا أمير المؤمنين رميت ما كان معي من الذهب وحملت من المصاغ ما أطيق حمله، وخرجت من سوق الصاغة إلى سوق الجواهر، فرأيت الجوهرية جالسين في دكاكينهم وقدام كل واحد منهم قفص ملآن بأنواع المعادن كالياقوت والألماس والزمرد والبلخش وغير ذلك من سائر الأصناف، وأصحاب الدكاكين أحجار، فرميت ما كان معي من المصاغ وحملت من الجواهر ما أطيق حمله، وبقيت أتندم حيث لم يكن أخواي معي حتى يأخذا من تلك الجواهر ما أراداه. ثم إني خرجت من سوق الجواهر فمررت على باب كبير مزخرف مزين بأحسن زينة، ومن داخل الباب دكك، وجالس على تلك الدكك خدام وجند وأعوان وعساكر وحكام وهم لابسون أفخر الملابس، وكلهم أحجار، فلمست واحدا منهم فتناثرت ملابسه على بدنه مثل نسيج ms2241 العنكبوت. ثم إني مشيت في ذلك الباب فرأيت سراية ليس لها نظير في بنائها وإحكام صنايعها، ورأيت في تلك السراية ديوانا مشحونا بالأكابر والوزراء والأعيان والأمراء وهم جالسون على كراسي وكلهم أحجار، ثم إني رأيت كرسيا من الذهب الأحمر مرصعا بالدر والجواهر، وجالس فوقه آدمي عليه أفخر الملابس، وعلى رأسه تاج كسروي مكلل بنفيس الجواهر التي لها شعاع مثل شعاع النهار، فلما وصلت إليه رأيته من الحجر، ثم إني توجهت من ذلك الديوان إلى باب الحريم، ودخلت فيه فرأيت ديوانا من النساء، ورأيت في ذلك الديوان كرسيا من الذهب الأحمر مرصعا بالدر والجواهر وجالس فوقه امرأة ملكة وعلى رأسها تاج مكلل بنفيس الجواهر وحولها نساء مثل الأقمار جالسات على كراسي ولابسات أفخر الملابس الملونة بسائر الألوان، وواقف هناك طواشية أيديهم على صدورهم كأنهم واقفون من أجل الخدمة، وذلك الديوان يدهش عقول الناظرين بما فيه من الزخرفة وغريب النقش وعظيم الفرش، ومعلق فيه أبهج التعاليق من البلور الصافي، وفي كل قدرة من البلور جوهرة يتيمة لا يفي بثمنها مال، فرميت ما معي يا أمير المؤمنين وصرت آخذ من هذه الجواهر، وحملت منها على قدر ما أطيق وبقيت متحيرا فيما أحمله وفيما أتركه؛ لأني رأيت ذلك المكان كأنه كنز من كنوز المدن. ثم إني رأيت بابا صغيرا مفتوحا وفي داخله سلالم، فدخلت ذلك الباب وطلعت أربعين سلما، فسمعت إنسانا يتلو القرآن بصوت رخيم، فمشيت جهة ذلك الصوت حتى وصلت إلى باب القصر، فرأيت ستارة من الحرير مصفحة بشرائط من الذهب ومنظوم فيها اللؤلؤ والمرجان والياقوت وقطع الزمرد، والجواهر فيه تضيء كضوء النجوم، والصوت خارج من تلك الستارة، فدنوت من الستارة ورفعتها، فظهر لي باب قصر مزخرف يحير الأفكار، فدخلت من ذلك الباب فرأيت قصرا كأنه كنز على وجه الدنيا، ومن داخله بنت كأنها الشمس الضاحية في وسط السماء الصاحية، وهي لابسة أفخر الملابس ومتحلية بأنفس ما يكون من الجواهر، مع أنها بديعة الحسن والجمال، بقد واعتدال، وظرف وكمال، وخصر نحيل، وردف ثقيل، ms2242 وريق يشفي العليل، وأجفان ذات اعتدال، كأنها المرادة بقول من قال: # سلام على ما في الثياب من القد %~% وما في بساتين الخدود من الورد ~~كأن الثريا علقت في جبينها %~% وباقي نجوم الليل في الصدر كالعقد ~~فلو لبست ثوبا من الورد خالصا %~% لأدمى مجاني جسمها ورق الورد ~~ولو تفلت في البحر والبحر مالح %~% لأصبح طعم البحر أحلى من الشهد ~~ولو واصلت شيخا كبيرا على عصا %~% لأصبح ذاك الشيخ مفترس الأسد # ثم إنه قال: يا أمير المؤمنين، لما رأيت تلك البنت شغفت بها حبا، وتقدمت إليها فرأيتها جالسة على مرتبة عالية وهي تتلو كتاب الله عز وجل حفظا على ظهر قلبها، وصوتها كأنه صرير أبواب الجنان إذا فتحها رضوان، والكلام خارج من بين شفتيها يتناثر كالجواهر، ووجهها ببديع المحاسن زاه وزاهر، كما قال في مثلها الشاعر: # يا مطربا بلغاته وصفاته %~% قد زاد فيك تشوقي وتشوفي ~~شيئان فيك ذوبا أهل الهوى %~% نغمات داود وصورة يوسف # فلما سمعت نغماتها في تلاوة القرآن العظيم، وقد قرأ قلبي من فاتك لحظاتها: سلام قولا من رب رحيم، تلجلجت في الكلام ولم أحسن السلام، واندهش مني العقل والناظر، وصرت كما قال الشاعر: # ما هزني الشوق حتى تهت عن كلمي %~% وما دخلت الحمى إلا لسفك دمي ~~ولا سمعت كلاما من عواذلنا %~% إلا لأشهد من أهواه في الكلم # ثم تجلدت على هول الغرام وقلت لها: السلام عليك أيتها السيدة المصونة والجوهرة المكنونة، أدام الله قوائم سعدك ورفع دعائم مجدك. فقالت: وعليك مني السلام والتحية والإكرام يا عبد الله يا ابن فاضل، أهلا وسهلا ومرحبا بك يا حبيبي وقرة عيني. فقلت لها: يا سيدتي، من أين علمت اسمي؟ ومن تكونين أنت؟ وما شأن أهل هذه المدينة حتى صاروا أحجارا؟ فمرادي أن تخبريني بحقيقة الأمر، فإني تعجبت من هذه المدينة ومن أهلها ومن كونها لم يوجد فيها أحد إلا أنت. فبالله عليك أن تخبريني بحقيقة ذلك على وجه الصدق. فقالت لي: اجلس يا عبد الله وأنا إن شاء الله تعالى أحدثك وأخبرك ms2243 بحقيقة أمري وبحقيقة أمر هذه المدينة وأهلها على التفصيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فجلست إلى جانبها، فقالت لي: اعلم يا عبد الله - يرحمك الله - أنني بنت ملك هذه المدينة، ووالدي هو الذي رأيته جالسا في الديوان على الكرسي العالي، والذين حوله أكابر دولته وأعيان مملكته. وكان أبي ذا بطش شديد، ويحكم على ألف ألف ومائة ألف وعشرين ألف جندي وعدة أمراء، دولته أربعة وعشرون ألفا، كلهم حكام وأصحاب مناصب، وتحت طاعته من المدن ألف مدينة غير البلدان والضياع والحصون والقلاع والقرى، وأمراء العربان الذين تحت يده ألف أمير، كل أمير يحكم على عشرين ألف فارس، وعنده من الأموال والذخائر والمعادن والجواهر ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 983 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بنت ملك مدينة الأحجار قالت: يا عبد الله، إن أبي كان عنده من الأموال والذخائر ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وكان يقهر الملوك ويبيد الأبطال والشجعان في الحرب وحومة الميدان، وتخشاه الجبابرة وتخضع له الأكاسرة، ومع ذلك كان كافرا مشركا بالله يعبد الصنم دون مولاه، وجميع عساكره كفار يعبدون الأصنام دون الملك العلام. فاتفق أنه كان يوما من الأيام جالسا على كرسي مملكته وحوله أكابر دولته، فلم يشعر إلا وقد دخل عليه شخص فأضاء الديوان من نور وجهه، فنظر إليه أبي فرآه لابسا حلة خضراء، وهو طويل القامة وأياديه نازلة إلى تحت ركبتيه، وعليه هيبة ووقار، والنور يلوح من وجهه. فقال لأبي: يا باغي! يا مفتري! إلى متى وأنت مغرور بعبادة الأصنام وتترك عبادة الملك العلام؟ قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأسلم أنت وقومك ودع عنك عبادة الأصنام؛ فإنها لا تنفع ولا تشفع، ولا يعبد بحق إلا الله رافع السموات بغير عماد وباسط الأرضين رحمة للعباد. فقال له: من أنت أيها الرجل الجاحد لعبادة الأصنام حتى تتكلم بهذا الكلام؟ أما تخشى أن ms2244 تغضب عليك الأصنام؟ فقال له: إن الأصنام أحجار لا يضرني غضبها ولا ينفعني رضاها، فأحضر لي صنمك الذي أنت تعبده وأمر كل واحد من قومك أن يحضر صنمه، فإذا حضر جميع أصنامكم فادعوهم ليغضبوا علي وأنا أدعو ربي أن يغضب عليهم، وتنظرون غضب الخالق من غضب المخلوق؛ فإن أصنامكم قد صنعتموها أنتم وتلبست بها الشياطين، وهم الذين يكلمونكم من داخل بطون الأصنام، فأصنامكم مصنوعة وإلهي صانع، ولا يعجزه شيء، فإن ظهر لكم الحق فاتبعوه، وإن ظهر لكم الباطل فاتركوه. فقالوا له: ائتنا ببرهان ربك حتى نراه! فقال: ائتوني ببراهين أربابكم. فأمر الملك كل من كان يعبد ربا من الأصنام أن يأتي به، فأحضر جميع العساكر أصنامهم في الديوان. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمري، فإني كنت جالسة في داخل ستارة تشرف على ديوان أبي، وكان لي صنم من زمردة خضراء جسمه قدر جسم ابن آدم، فطلبه أبي فأرسلته إليه في الديوان، فوضعوه في جانب صنم أبي، وكان صنم أبي من الياقوت وصنم الوزير من جوهر الألماس، وأما أكابر العساكر والرعية فبعض أصنامهم من البلخش، وبعضها من العقيق، وبعضها من المرجان، وبعضها من العود القماري، وبعضها من الأبنوس، وبعضها من الفضة، وبعضها من الذهب، وكل واحد منهم له صنم على قدر ما تسمح به نفسه. وأما رعاع العساكر والرعية فبعض أصنامهم من الصوان، وبعضها من الخشب، وبعضها من الفخار، وبعضها من الطين، وكل الأصنام مختلفة الألوان ما بين أصفر وأحمر وأخضر وأسود وأبيض. ثم قال ذلك الشخص لأبي: ادع صنمك وهؤلاء الأصنام تغضب علي. فصفوا تلك الأصنام ديوانا وجعلوا صنم أبي على كرسي من الذهب، وصنمي إلى جانبه في الصدر، ثم رتبوا الأصنام كل منها في مرتبة صاحبه الذي يعبده، وقام أبي وسجد لصنمه وقال له: يا إلهي، أنت الرب الكريم، وليس في الأصنام أكبر منك، وأنت تعلم أن هذا الشخص أتاني طاعنا في ربوبيتك مستهزئا بك، ويزعم أن له إلها أقوى منك، ويأمرنا أن نترك عبادتك ms2245 ونعبد إلهه، فاغضب عليه يا إلهي. وصار يطلب من الصنم والصنم لا يرد عليه جوابا ولا يخاطبه بخطاب. فقال له: يا إلهي، ما هذه عادتك؛ لأنك كنت تكلمني إذا كلمتك، فما لي أراك ساكتا لا تتكلم؟ هل أنت غافل أو نائم؟ فانتبه وانصرني وكلمني. ثم هزه بيده فلم يتكلم، ولم يتحرك من مكانه. فقال ذلك الشخص لأبي: ما لي أرى صنمك لا يتكلم؟ قال له: أظن أنه غافل أو نائم. فقال له: يا عدو الله، كيف تعبد إلها لا ينطق وليس له قدرة على شيء، ولا تعبد إلهي الذي هو قريب مجيب، وحاضر لا يغيب، ولا يغفل ولا ينام، ولا تدركه الأوهام، يرى ولا يرى وهو على كل شيء قدير؟ وإلهك عاجز لا يقدر على دفع الضرر عن نفسه، وقد كان ملتبسا به شيطان رجيم يضلك ويغويك، وقد ذهب الآن شيطانه، فاعبد الله واشهد أنه لا إله إلا هو ولا معبود سواه، وأنه لا يستحق العبادة غيره، ولا خير إلا خيره. وأما إلهك هذا فإنه لا يقدر على دفع الشر عن نفسه، فكيف يقدر على دفعه عنك؟ فانظر بعينك عجزه. ثم تقدم وصار يصكه على رقبته حتى وقع على الأرض. فغضب الملك وقال للحاضرين: إن هذا الجاحد قد صك إلهي فاقتلوه. فأرادوا القيام ليضربوه فلم يقدر أحد منهم أن يقوم من مكانه، فعرض عليهم الإسلام فلم يسلموا، فقال: أريكم غضب ربي؟ فقالوا: أرنا. فبسط يديه وقال: إلهي وسيدي، أنت ثقتي ورجائي، فاستجب دعائي على هؤلاء القوم الفجار الذين يأكلون خيرك ويعبدون غيرك، يا حق يا جبار يا خالق الليل والنهار، أسألك أن تقلب هؤلاء القوم أحجارا؛ فإنك قادر ولا يعجزك شيء وأنت على كل شيء قدير. فمسخ الله أهل هذه المدينة أحجارا. وأما أنا، فإني حين رأيت برهانه أسلمت وجهي لله فسلمت مما أصابهم. ثم إن ذلك الشخص دنا مني وقال: سبقت لك من الله السعادة، ولله في ذلك إرادة. وصار يعلمني، وأخذت عليه العهد والميثاق، وكان عمري سبع سنين ms2246 في ذلك الوقت، وفي هذا الوقت صار عمري ثلاثين عاما. # ثم إني قلت له: يا سيدي، جميع ما في هذه المدينة وجميع أهلها صاروا أحجارا بدعوتك الصالحة، وقد نجوت أنا حين أسلمت على يديك، فأنت شيخي، فأخبرني باسمك ومدني بمددك وتصرف لي في شيء أقتات منه. فقال لي: اسمي أبو العباس الخضر. ثم غرس لي شجرة من الرمان بيده، فكبرت وأورقت وأزهرت وأثمرت رمانة واحدة في الحال، فقال: كلي مما رزقك الله تعالى، واعبديه حق عبادته. ثم علمني شروط الإسلام وشروط الصلاة وطريق العبادة، وعلمني تلاوة القرآن، وصار لي ثلاثة وعشرون عاما وأنا أعبد الله في هذا المكان، وفي كل يوم تطرح لي هذه الشجرة رمانة فآكلها وأقتات بها من الوقت إلى الوقت، والخضر عليه السلام يأتيني كل جمعة، وهو الذي عرفني باسمك وبشرني بأنك سوف تأتيني في هذا المكان، وقد قال لي: إذا أتاك فأكرميه وأطيعي أمره ولا تخالفيه، وكوني له أهلا ويكون لك بعلا، واذهبي معه حيث شاء. فلما رأيتك عرفتك، وهذا هو خبر هذه المدينة وأهلها والسلام. # ثم إنها أرتني شجرة الرمان وفيها رمانة، فأكلت نصفها وأطعمتني نصفها، فما رأيت أحلى ولا أزكى ولا أطعم من تلك الرمانة، ثم قلت لها: هل رضيت بما أمرك به شيخك الخضر عليه السلام بأن تكوني لي أهلا وأكون لك بعلا وتذهبي معي إلى بلادي وأمكث بك في مدينة البصرة؟ فقالت: نعم، إن شاء الله تعالى، فإني سميعة لقولك مطيعة لأمرك من غير خلاف. ثم إني أخذت عليها العهد الوثيق، وأدخلتني إلى خزانة أبيها وأخذنا منها على قدر ما استطعنا حمله، وخرجنا من تلك المدينة ومشينا حتى وصلنا إلى أخوي، فرأيتهما يفتشان علي، فقالا لي: أين كنت؟ فإنك أبطأت علينا وقلبنا مشغول بك. وأما رئيس المركب فإنه قال لي: يا تاجر عبد الله، إن الريح طاب لنا من مدة وأنت عوقتنا عن السفر. فقلت له: لا ضرر في ذلك، ولعل التأخير خير؛ لأن غيابي لم يكن فيه غير الإصلاح، وقد حصل ms2247 لي فيه بلوغ الآمال، ولله در من قال: # وما أدري إذا يممت أرضا %~% أريد الخير أيهما يليني ~~هل الخير الذي أنا أبتغيه %~% أم الشر الذي هو يبتغيني # ثم قلت لهم: انظروا ما حصل لي في هذه الغيبة! وفرجتهم على ما معي من الذخائر، وأخبرتهم بما رأيت في مدينة الحجر، وقلت لهم: لو كنتم أطعتموني ورحتم معي كان يحصل لكم من هذا شيء كثير. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 984 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله بن فاضل قال لهم ولأخويه: لو رحتم معي لحصل لكم من هذا خير كثير. فقالوا له: والله، لو رحنا ما كنا نسترجي أن ندخل على ملك المدينة. فقلت لأخوي: لا بأس عليكما، فالذي معي يكفينا جميعا، وهذا نصيبنا. ثم إني قسمت ما معي أقساما على قد الجميع، وأعطيت لأخوي والريس، وأخذت مثل واحد منهم، وأعطيت ما تيسر للخدامين والنوتية، ففرحوا ودعوا لي ورضوا بما أعطيته لهم إلا أخوي، فإنهما تغيرت أحوالهما ولاجت عيونهما، فلحظت أن الطمع تمكن منهما، فقلت لهما: يا أخوي، أظن أن الذي أعطيته لكما لم يقنعكما، ولكن أنا أخوكما وأنتما أخواي ولا فرق بيني وبينكما، ومالي ومالكما شيء واحد، وإذا مت لا يرثني غيركما. وصرت آخذ بخاطرهما، ثم إني أنزلت البنت في الغليون وأدخلتها في الخزنة، وأرسلت لها شيئا تأكله، وقعدت أتحدث أنا وأخواي، فقالا لي: يا أخانا، ما مرادك تفعل بهذه البنت البديعة الجمال؟ فقلت لهما: مرادي أن أكتب كتابي عليها إذا دخلت البصرة، وأعمل فرحا عظيما وأدخل بها هناك. فقال أحدهما: يا أخي، اعلم أن هذه الصبية بديعة الحسن والجمال، وقد وقعت محبتها في قلبي، فمرادي أن تعطيها لي فأتزوج بها أنا. وقال الثاني: وأنا الآخر كذلك، فأعطها لي لأتزوج بها. فقلت لهما: يا أخوي، إنها قد أخذت علي عهدا وميثاقا أني أتزوج بها، فإذا أعطيتها لواحد منكما أكون ناقضا للعهد الذي بيني وبينها، وربما يحصل لها كسر خاطر؛ لأنها ما أتت معي ms2248 إلا على شرط أني أتزوج بها، فكيف أزوجها لغيري؟ وأما من جهة أنكما تحبانها، فأنا أحبها أكثر منكما، على أنها لقطتي، وكوني أعطيها لواحد منكما هذا شيء لا يكون أبدا، ولكن إذا دخلنا مدينة البصرة بالسلامة، أنظر لكما بنتين من خيار بنات البصرة وأخطبهما لكما وأدفع المهر من مالي، وأجعل الفرح واحدا، وندخل نحن الثلاثة في ليلة واحدة، وأعرضا عن هذه البنت؛ فإنها من نصيبي. فسكتا، وقد ظننت أنهما رضيا بما قلت لهما. ثم إننا سافرنا متوجهين إلى أرض البصرة، وصرت أرسل إليها ما تأكل وما تشرب وهي لا تخرج من خزنة المركب، وأنا أنام بين أخوي على ظهر الغليون. ولم نزل مسافرين على هذه الحالة مدة أربعين يوما حتى بانت لنا مدينة البصرة، ففرحنا بإقبالنا عليها وأنا راكن إلى أخوي ومطمئن بهما، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، فنمت تلك الليلة. # فبينما أنا مستغرق في النوم لم أشعر إلا وأنا محمول بين أيادي أخوي هذين؛ واحد قابض علي من سيقاني والآخر من يدي؛ لكونهما اتفقا على تغريقي في البحر من شأن تلك البنت. فلما رأيت روحي محمولا بين أيديهما قلت: يا أخوي، لأي شيء تفعلان معي هذه الفعال؟ فقالا: يا قليل الأدب، كيف تبيع خاطرنا ببنت؟ فنحن نرميك في البحر من أجل ذلك. ثم رموني فيه. ثم إنه التفت إلى الكلبين وقال: أحق ما قلته يا أخوي أم لا؟ فنكسا رأسيهما وصارا يعويان كأنهما يصدقان قوله. فتعجب الخليفة من ذلك. # ثم قال: يا أمير المؤمنين، فلما رموني في البحر وصلت إلى القرار، ثم نفضني الماء على وجه البحر، فما أشعر إلا وطائر كبير قدر الآدمي نزل علي وخطفني وطار بي في الجو الأعلى، ففتحت عيني فرأيت روحي في قصر مشيد الأركان عالي البنيان منقوش بالنقوشات الفاخرة، وفيه تعاليق الجواهر من سائر الأشكال والألوان، وفيه جوار واقفة واضعة الأيادي على الصدور، وإذا بامرأة جالسة بينهن على كرسي من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجوهر، وعليها ملابس لا يقدر الإنسان أن يفتح ms2249 عينه فيها من شدة ضياء الجواهر، وفي وسطها حزام من الجواهر لا يفي بثمنه مال، وعلى رأسها تاج ثلاث دورات يحير العقول والأفكار ويخطف القلوب والأبصار. ثم إن الطير الذي كان خطفني انتفض فصار صبية كأنها الشمس المضيئة، فأمعنت النظر فيها فإذا هي التي كانت في الجبل بصفة حية وكان الثعبان يقاتلها ولف ذيله على ذيلها، وأنا حين رأيت الثعبان قهرها وغلب عليها قتلته بالحجر. فقالت لها المرأة التي هي جالسة على الكرسي: لأي شيء جئت هنا بهذا الإنسي؟ فقالت لها: يا أمي، إن هذا هو الذي كان سببا في ستر عرضي بين بنات الجان. ثم قالت لي: هل تعرف من أنا؟ قلت: لا. قالت: أنا التي كنت في الجبل الفلاني وكان الثعبان الأسود يقاتلني ويريد هتك عرضي وأنت قتلته. فقلت: إنما رأيت مع الثعبان حية بيضاء. فقالت: أنا التي كنت حية بيضاء، ولكني بنت الملك الأحمر ملك الجان، واسمي سعيدة، وهذه الجالسة هي أمي واسمها مباركة، زوجة الملك الأحمر، والثعبان الذي كان يقاتلني ويريد هتك عرضي هو وزير الملك الأسود واسمه درفيل، وهو قبيح الخلقة. واتفق أنه لما رآني عشقني، ثم إنه خطبني من أبي، فأرسل إليه أبي يقول له: وما مقدارك يا قطاعة الوزراء حتى تتزوج بنات الملوك؟! فاغتاظ من ذلك وحلف يمينا أنه لا بد أن يفضح عرضي كيدا في أبي، وصار يقفو أثري، ويتبعني أينما رحت، ومراده أن يفضح عرضي، وقد وقع بينه وبين أبي حروب عظيمة ومشقات جسيمة، ولم يقدر عليه أبي لكونه جبارا مكارا. ثم إن أبي كلما ضايقه وأراد أن يظفر به يهرب منه، وقد عجز أبي وصرت أنا في كل يوم أنقلب أشكالا وألوانا، وكلما أنقلب في صفة ينقلب هو في صفة ضدها، وكلما هربت إلى أرض يشم رائحتي ويلحقني في تلك الأرض حتى قاسيت منه مشقة عظيمة، ثم انقلبت في صفة حية وذهبت إلى ذلك الجبل، فانقلب في صفة ثعبان وتبعني فيه، فوقعت في يده وعالجني وعالجته حتى أتعبني وركب علي، ms2250 وكان مراده أن يفعل بي ما يشتهيه، فأتيت أنت وضربته بالحجر فقتلته، وأنا انقلبت بنتا وأريتك روحي وقلت لك: إنه صار لك علي جميل لا يضيع إلا مع أولاد الزنا. فلما رأيت أخويك فعلا بك هذه المكيدة، ورمياك في البحر، بادرت إليك وخلصتك من الهلاك، ووجب لك الإكرام من أمي وأبي. ثم إنها قالت: يا أمي، أكرميه في نظير ما ستر عرضي. فقالت: مرحبا بك يا إنسي، فإنك فعلت معنا جميلا وتستحق عليه الإكرام. وأمرت لي ببدلة كنوزية تساوي جملة من المال، وأعطتني جملة من الجواهر والمعادن، ثم إنها قالت: خذوه وأدخلوه على الملك. فأخذوني وأدخلوني على الملك في الديوان، فرأيته جالسا على كرسي وبين يديه المردة والأعوان، فلما رأيته زاغ بصري مما رأيته عليه من الجواهر، فلما رآني قام على الأقدام وقامت العساكر إجلالا له، ثم حياني ورحب بي وأكرمني غاية الإكرام، وأعطاني مما عنده من الخيرات. وبعد ذلك قال لبعض أتباعه: خذوه إلى بنتي توصله إلى المكان الذي جاءت منه. فأخذوني وذهبوا إلى سعيدة بنته، فحملتني، ثم طارت بي وبما معي من الخيرات. # هذا ما كان من أمري وأمر سعيدة، وأما ما كان من أمر ريس الغليون، فإنه أفاق على الخبطة حين رموني في البحر، فقال: ما الذي وقع في البحر؟ فبكى أخواي وصارا يخبطان على صدورهما ويقولان: يا ضيعة أخينا! فإنه أراد أن يزيل ضرورة في جانب الغليون فوقع في البحر! ثم إنهما وضعا أيديهما على مالي، ووقع بينهما الاختلاف من جهة البنت، وصار كل واحد منهما يقول: ما يأخذها غيري! واستمرا على الخصام مع بعضهما ولم يتذكرا أخاهما ولا غرقه، وزال حزنهما عليه. فبينما هما في هذه الحالة، وإذا بسعيدة نزلت بي في وسط الغليون. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 985 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله بن فاضل قال: فبينما هما في هذه الحالة، وإذا بسعيدة نزلت بي في وسط الغليون، فرآني أخواي فعانقاني وفرحا بي وصارا يقولان: ms2251 يا أخانا، كيف حالك فيما جرى لك؟ إن قلبنا مشغول عليك. فقالت سعيدة: لو كان قلبكما عليه أو كنتما تحبانه ما كنتما رميتماه في البحر وهو نائم، ولكن اختارا لكما موتة تموتانها. وقبضت عليهما وأرادت قتلهما، فصاحا وقالا: في عرضك يا أخانا! فصرت أتداخل عليها وأقول لها: أنا واقع في عرضك، لا تقتلي أخوي! وهي تقول: لا بد من قتلهما؛ إنهما خائنان. فما زلت ألاطفها وأتعطفها حتى قالت: من شأن خاطرك لا أقتلهما، ولكن أسحرهما. ثم أخرجت طاسة وحطت فيها ماء من ماء البحر، وتكلمت عليها بكلام لا يفهم، وقالت: اخرجا من الصورة البشرية إلى الصورة الكلبية. ثم رشتهما بالماء فانقلبا كلبين كما تراهما يا خليفة الله. ثم التفت إليهما وقال: أحق ما قلته يا أخوي؟ فنكسا رأسيهما كأنهما يقولان: صدقت. ثم قال: يا أمير المؤمنين، وبعد أن سحرتهما كلبين قالت لمن كان في الغليون: اعلموا أن عبد الله بن فاضل هذا صار أخي، وأنا أشق عليه كل يوم مرة أو مرتين، وكل من خالفه منكم أو عصى أمره وآذاه باليد أو اللسان فإني أفعل به ما فعلت بهذين الخائنين وأسحره كلبا حتى ينقضي عمره وهو في صورة الكلب ولا يجد له خلاصا. فقال لها الجميع: يا سيدتنا، نحن كلنا عبيده وخدمه ولا نخالفه. ثم إنها قالت لي: إذا دخلت البصرة فتفقد جميع ما لك، فإن كان نقص منه شيء فأعلمني وأنا أجيء لك به من أي شخص كان ومن أي مكان كان، ومن كان آخذا له أسحره كلبا. ثم بعد أن تخزن أموالك حط في رقبة كل واحد من هذين الخائنين غلا واربطهما في ساق السرير، واجعلهما في سجن وحدهما، وكل ليلة في نصف الليل انزل إليهما واضرب كل واحد منهما علقة حتى يغيب عن الوجود، وإن مضت ليلة ولم تضربهما فإني أجيء إليك وأضربك علقة وبعد ذلك أضربهما. فقلت لها: سمعا وطاعة. ثم إنها قالت لي: اربطهما في الحبال حتى تدخل البصرة. فحططت في رقبة كل واحد منهما ms2252 حبلا، ثم ربطتهما في الصاري، وتوجهت هي إلى حال سبيلها. وفي ثاني يوم دخلنا البصرة وطلع التجار لمقابلتي، وسلموا علي ولم يسأل أحد عن أخوي، وإنما صاروا ينظرون إلى الكلاب ويقولون لي: يا فلان، ماذا تصنع بهذين الكلبين اللذين جئت بهما معك؟ فأقول لهم: إني ربيتهما في هذه السفرة وجئت بهما معي. فيضحكون عليهما ولم يعرفوا أنهما أخواي. # ![figure](../Images/figure9.png) # فلما رأيت الملك وهو جالس على العرش وبين يديه المردة، زاغ بصري مما رأيته. # ثم إني حططتهما في خزنة والتهيت تلك الليلة في توزيع الأحمال التي فيها القماش والمعادن، وكان عندي التجار لأجل السلام، فاشتغلت بهم ولم أضربهما، ولم أربطهما بالسلاسل، ولم أعمل معهما ضررا، ثم نمت، فما أشعر إلا وقد أتتني سعيدة بنت الملك الأحمر وقالت لي: أما قلت لك حط في رقابهما السلاسل واضرب كل واحد منهما علقة؟! ثم إنها قبضت علي وأخرجت السوط وضربتني علقة حتى غبت عن الوجود، وبعد ذلك ذهبت إلى المكان الذي فيه أخواي وضربت كل واحد منهما علقة بالسوط حتى أشرف على الموت، وقالت: كل ليلة اضرب كل واحد منهما علقة مثل هذه العلقة، وإن مضت ليلة ولم تضربهما فأنا أضربك. فقلت: يا سيدتي، في غد أحط السلاسل في رقابهما، والليلة الآتية أضربهما ولا أرفع الضرب عنهما ليلة واحدة. فأكدت علي في الوصية بضربهما. # فلما أصبح الصباح لم يهن علي أن أضع السلاسل في رقابهما، فذهبت إلى صائغ وأمرته أن يعمل لهما غلين من الذهب، فعملهما وجئت بهما ووضعتهما في رقابهما وربطتهما كما أمرتني. وفي ثاني ليلة ضربتهما قهرا عني، وكانت هذه الحركة في مدة خلافة المهدي الخامس من بني العباس، وقد اصطحبت معه بإرسال الهدايا، فقلدني ولاية وجعلني نائبا في البصرة، ودمت على هذه الحالة مدة من الزمان. ثم إني قلت في نفسي: لعل غيظها قد برد. فتركتهما ليلة من غير ضرب، فأتتني وضربتني علقة لم أنس حرارتها بقية عمري. فمن ذلك الوقت لم أقطع عنهما الضرب مدة خلافة المهدي، ولما توفي المهدي توليت ms2253 أنت بعده وأرسلت إلي تقرير الاستمرار على مدينة البصرة، وقد مضى لي اثنا عشر عاما وأنا في كل ليلة أضربهما قهرا عني، وبعدما أضربهما آخذ بخاطرهما وأعتذر إليهما وأطعمهما وأسقيهما وهما محبوسان، ولم يعلم بهما أحد من خلق الله تعالى حتى أرسلت إلي أبا إسحاق النديم من أجل الخراج، فاطلع على سري ورجع إليك فأخبرك، فأرسلته ثانيا تطلبني وتطلبهما، فأجبت بالسمع والطاعة وأتيت بهما بين يديك، ولما سألتني عن حقيقة الأمر أخبرتك بالقصة، وهذه حكايتي. # فعند ذلك تعجب الخليفة هارون الرشيد من حال هذين الكلبين، ثم قال: وهل أنت في هذه الحالة سامحت أخويك مما صدر منهما في حقك وعفوت عنهما أم لا؟ فقال: يا سيدي، سامحهما الله وأبرأ ذمتهما في الدنيا والآخرة، وأنا محتاج لكونهما يسامحانني؛ لأنه مضى لي اثنا عشر عاما وأنا أضربهما كل ليلة علقة. فقال له الخليفة: يا عبد الله، إن شاء الله تعالى أنا أسعى في خلاصهما ورجوعهما آدميين كما كانا أولا، وأصلح بينكم وتعيشون بقية أعماركم إخوة متحابين، وكما أنك سامحتهما يسامحانك، فخذهما وانزل إلى منزلك، وفي هذه الليلة لا تضربهما، وفي غد ما يكون إلا الخير. فقال له: يا سيدي، وحياة رأسك، إن تركتهما ليلة واحدة من غير ضرب تأتيني سعيدة وتضربني، وأنا ما لي جسد يتحمل ضربا! فقال له: لا تخف، فأنا أعطيك خط يدي، فإذا أتتك سعيدة فأعطها الورقة، فإذا قرأتها وعفت عنك كان الفضل لها، وإن لم تطع أمري كان أمرك إلى الله، ودعها تضربك علقة وقدر أنك نسيتهما من الضرب ليلة وضربتك بهذا السبب، وإذا حصل ذلك وخالفتني، فإن كنت أنا أمير المؤمنين فإني أعمل خلاصي معها. ثم إن الخليفة كتب لها قطعة ورقة مقدار إصبعين، وبعدما كتبها ختمها وقال: يا عبد الله، إذا أتتك سعيدة فقل لها: إن الخليفة ملك الإنس أمرني بعدم ضربهما، وكتب لي هذه الورقة، وهو يقرئك السلام. وأعطها المرسوم ولا تخش بأسا. ثم أخذ عليه العهد والميثاق أنه لا يضربهما. فأخذهما وراح بهما إلى ms2254 منزله، وقال في نفسه: يا ترى، ما الذي يصنعه الخليفة في حق بنت سلطان الجن إذا كانت تخالفه وتضربني في هذه الليلة؟ ولكن أنا أصبر على ضربي علقة وأريح أخوي في هذه الليلة ولو كان يحصل لي من أجلهما العذاب. ثم إنه تفكر في نفسه وقال له عقله: لولا أن الخليفة مستند إلى سند عظيم ما كان يمنعك عن ضربهما. ثم إنه دخل منزله ونزع الأغلال من رقاب أخويه وقال: توكلت على الله. وصار يأخذ بخاطرهما ويقول لهما: لا بأس عليكما، فإن الخليفة السادس من بني العباس قد تكفل بخلاصكما، وأنا قد عفوت عنكما، وإن شاء الله تعالى يكون الأوان قد آن وتخلصان في هذه الليلة المباركة، فأبشرا بالهناء والسرور. فلما سمعا هذا الكلام صارا يعويان مثل عواء الكلاب. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 986 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله بن فاضل قال لأخويه: أبشرا بالهنا والسرور. فلما سمعا هذا الكلام صارا يعويان مثل عواء الكلاب، ويمرغان خدودهما على أقدامه كأنهما يدعوان له ويتواضعان بين يديه، فحزن عليها وصار يملس بيده على ظهورهما إلى أن جاء وقت العشاء، فلما وضعوا السفرة قال لهما: اجلسا. فجلسا يأكلان معه على السفرة، فصار أعوانه باهتين يتعجبون من أكله مع الكلاب ويقولون: هل هو مجنون أو مختل العقل؟! كيف يأكل نائب مدينة البصرة مع الكلاب وهو أكبر من وزير؟! أما يعلم أن الكلب نجس؟! وصاروا ينظرون إلى الكلبين وهما يأكلان معه أكل الحشمة، ولا يعلمون أنهما أخواه، وما زالوا يتفرجون على عبد الله والكلبين حتى فرغوا من الأكل. ثم إن عبد الله غسل يديه فمد الكلبان أيديهما وصارا يغسلان، وكل من كان واقفا صار يضحك ويتعجب ويقولون لبعضهم: عمرنا ما رأينا الكلاب تأكل وتغسل أيديها بعد أكل الطعام! ثم إنهما جلسا على المراتب بجنب عبد الله بن فاضل، ولم يقدر أحد أن يسأله عن ذلك، واستمر الأمر هكذا إلى نصف الليل، ثم صرف الخدام وناموا ونام ms2255 كل كلب على سرير، وصار الخدام يقولون لبعضهم: إنه نام ونام معه الكلبان! وبعضهم يقول: حيث أكل مع الكلاب على السفرة فلا بأس إذا ناموا معه، وما هذا إلا حال المجانين! ثم إنهم لم يأكلوا مما بقي في السفرة من الطعام شيئا، وقالوا: كيف نأكل فضلة الكلاب؟! ثم أخذوا السفرة بما فيها ورموها وقالوا: إنها نجسة. # هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر عبد الله بن فاضل، فإنه لم يشعر إلا والأرض قد انشقت وطلعت سعيدة وقالت: يا عبد الله، لأي شيء ما ضربتهما في هذه الليلة؟ ولأي شيء نزعت الأغلال من أعناقهما؟ هل فعلت ذلك عنادا لي واستخفافا بأمري؟ ولكن أنا الآن أضربك وأسحرك كلبا مثلهما. فقال لها: يا سيدتي، أقسمت عليك بالنقش الذي على خاتم سليمان بن داود عليهما السلام أن تحلمي علي حتى أخبرك بالسبب، ومهما أردته بي فافعليه. فقالت له: أخبرني. فقال لها: أما سبب عدم ضربهما، فإن ملك الإنس الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد أمرني ألا أضربهما في هذه الليلة، وقد أخذ علي مواثيق وعهود ذلك، وهو يقرئك السلام، وأعطاني مرسوما بخط يده وأمرني أن أعطيك إياه، فامتثلت أمره وأطعته، وطاعة أمير المؤمنين واجبة، وها هو المرسوم فخذيه واقرئيه، وبعد ذلك افعلي مرادك. فقالت: هاته. فناولها المرسوم ففتحته وقرأته، فرأت مكتوبا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من ملك الإنس هارون الرشيد إلى بنت الملك الأحمر سعيدة. أما بعد، فإن هذا الرجل قد سامح أخويه وأسقط حقه عنهما، وقد حكمت عليهما بالصلح، وإذا وقع الصلح ارتفع العقاب، فإن اعترضتمونا في أحكامنا اعترضناكم في أحكامكم، وخرقنا قانونكم، وإن امتثلتم أمرنا ونفذتم أحكامنا فإننا ننفذ أحكامكم. وقد حكمت عليك بعدم التعرض لهما، فإن كنت تؤمنين بالله ورسوله فعليك بطاعة ولي الأمر، وإن عفوت عنهما فأنا أجازيك بما يقدرني عليه ربي، وعلامة الطاعة أن ترفعي سحرك عن هذين الرجلين حتى يقابلاني في غد خالصين، وإن لم تخلصيهما فأنا أخلصهما قهرا عنك بعون الله تعالى.» فلما قرأت ms2256 ذلك الكتاب قالت: يا عبد الله، لا أفعل شيئا حتى أذهب إلى أبي وأعرض عليه مرسوم ملك الإنس وأرجع إليك بالجواب بسرعة. ثم أشارت بيدها إلى الأرض فانشقت ونزلت فيها، فلما ذهبت صار قلب عبد الله فرحا وقال: أعز الله أمير المؤمنين. # ثم إن سعيدة دخلت على أبيها وأخبرته بالخبر، وعرضت عليه مرسوم أمير المؤمنين، فقبله ووضعه على رأسه، ثم قرأه وفهم ما فيه وقال: يا بنتي، إن أمر ملك الأنس علينا ماض، وحكمه فينا نافذ، ولا نقدر أن نخالفه، فامضي إلى الرجلين وخلصيهما في هذه الساعة، وقولي لهما: أنتما في شفاعة ملك الإنس. فإنه إن غضب علينا أهلكنا عن آخرنا، فلا تحملينا ما لا نطيق. فقالت له: يا أبت، إذا غضب علينا ملك الإنس فماذا يصنع بنا؟ فقال لها: يا بنتي، إنه يقدر علينا من وجوه؛ الأول: أنه من البشر، فهو مفضل علينا، والثاني: أنه خليفة الله، والثالث: أنه مصر على ركعتي الفجر، فلو اجتمعت عليه طوائف الجن من السبع أرضين لا يقدرون أن يصنعوا به مكروها، فإنه إن غضب علينا يصلي ركعتي الفجر ويصيح علينا صيحة واحدة فنجتمع بين يديه طائعين ونصير كالغنم بين يدي الجزار، إن شاء يأمرنا بالرحيل من أوطاننا إلى أرض موحشة لا نستطيع المكث فيها، وإن شاء هلاكنا أمرنا بهلاك أنفسنا فيهلك بعضنا بعضا. فنحن لا نقدر على مخالفة أمره، فإن خالفنا أمره أحرقنا جميعا، وليس لنا مفر من بين يديه، وكذلك كل عبد داوم على ركعتي الفجر، فإن حكمه نافذ فينا، فلا تتسببي في هلاكنا من أجل رجلين، بل امضي وخلصيهما قبل أن يحيق بنا غضب أمير المؤمنين. فرجعت إلى عبد الله بن فاضل وأخبرته بما قال أبوها، وقالت له: قبل لنا أيادي أمير المؤمنين واطلب لنا رضاه. ثم إنها أخرجت الطاسة ووضعت فيها الماء وعزمت عليها وتكلمت بكلمات لا تفهم، ثم رشتهما بالماء وقالت: اخرجا من الصورة الكلبية إلى الصورة البشرية. فعادا بشرين كما كانا أولا، وانفك عنهما رصد السحر وقالا: أشهد ms2257 أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. ثم إنهما وقعا على يد أخيهما وعلى رجليه يقبلانهما ويطلبان منه السماح، فقال لهما: سامحاني أنتما. ثم إنهما تابا توبة نصوحا وقالا: قد غرنا إبليس اللعين وأغوانا الطمع، وربنا جازانا بما نستحقه، والعفو من شيم الكرام. وصارا يستعطفان أخاهما ويبكيان ويتندمان على ما وقع منهما. ثم إنه قال لهما: ما فعلتما بزوجتي التي جئت بها من مدينة الحجر؟ فقالوا: لما أغوانا الشيطان ورميناك في البحر وقع الخلاف بيننا، وصار كل منا يقول: أنا أتزوج بها. فلما سمعت كلامنا ورأت اختلافنا وعرفت أننا رميناك في البحر طلعت من الخزنة وقالت: لا تختصما من أجلي، فإني لست لواحد منكما، إن زوجي راح البحر وأنا أتبعه. ثم إنها رمت روحها في البحر وماتت. فقال: إنها ماتت شهيدة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم إنه بكى عليها بكاء شديدا، وقال لهما: لا يصح منكما أن تفعلا معي هذه الفعال وتعدماني زوجتي. فقالا: إننا أخطأنا وربنا جازانا على فعلنا، وهذا شيء قدره الله علينا قبل أن يخلقنا. فقبل عذرهما. ثم إن سعيدة قالت: أيفعلان معك كل هذه الفعال وأنت تعفو عنهما؟! فقال: يا أختي، من قدر وعفا كان أجره على الله. فقالت: خذ حذرك منهما؛ فإنهما خائنان. ثم ودعته وانصرفت. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 987 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله لما حذرته سعيدة من أخويه ودعته وانصرفت إلى حال سبيلها، فبات عبد الله بقية تلك الليلة هو وأخواه على أكل وشرب وبسط وانشراح صدر. فلما أصبح الصباح أدخلهما الحمام، وعند خروجهما من الحمام ألبس كل واحد منهما بدلة تساوي جملة من المال، ثم إنه طلب سفرة طعام، فقدموها بين يديه، فأكل هو وأخواه، فلما نظرهما الخدام وعرفوا أنهما أخواه سلموا عليهما وقالوا للأمير عبد الله: يا مولانا، هناك الله باجتماعك على أخويك العزيزين، وأين كانا في هذه المدة؟ فقال لهم: هما اللذان رأيتموهما ms2258 في صورة كلبين، والحمد لله الذي خلصهما من السجن والعذاب الأليم. ثم إنه أخذهما وتوجه إلى ديوان الخليفة هارون الرشيد، ودخل بهما عليه وقبل الأرض بين يديه، ودعا له بدوام العز والنعم، وإزالة البؤس والنقم. فقال له الخليفة: مرحبا بك يا أمير عبد الله، أخبرني بما جرى لك. فقال: يا أمير المؤمنين، أعز الله قدرك، إني لما أخذت أخوي وذهبت بهما إلى منزلي اطمأننت عليهما بسببك؛ حيث تكفلت بخلاصهما، وقلت في نفسي: إن الملوك لا يعجزون عن أمر يجتهدون فيه؛ فإن العناية تساعدهم. ثم نزعت الأغلال من رقابهما وتوكلت على الله، وأكلت أنا وإياهما على السفرة، فلما رآني أتباعي آكل معهما وهما في صورة كلبين استخفوا عقلي، وقالوا لبعضهم: لعله مجنون، كيف يأكل نائب البصرة مع الكلاب وهو أكبر من الوزير؟! ورموا ما فضل من السفرة وقالوا: لا نأكل ما بقي من الكلاب. وصاروا يسفهون رأيي، وأنا أسمع كلامهم ولا أرد عليهم جوابا لعدم معرفتهم أنهما أخواي، ثم صرفتهم. وعندما جاء وقت النوم وطلبت النوم فما أشعر إلا والأرض قد انشقت وخرجت سعيدة بنت الملك الأحمر وهي غضبانة علي وعيناها مثل النار ... ثم أخبر الخليفة بجميع ما وقع منها ومن أبيها، وكيف أخرجتهما من الصورة الكلبية إلى الصورة البشرية، ثم قال: وها هما بين يديك يا أمير المؤمنين. فالتفت الخليفة فرآهما شابين كالقمرين، فقال الخليفة: جزاك الله عني خيرا يا عبد الله حيث أعلمتني بفائدة ما كنت أعلمها، إن شاء الله لا أترك صلاة هاتين الركعتين قبل طلوع الفجر ما دمت حيا. ثم إنه عنف أخوي عبد الله بن فاضل على ما سلف منهما في حقه، فاعتذرا قدام الخليفة، فقال لهم: تصافحوا وسامحوا بعضكم، وعفا الله عما سلف. ثم التفت إلى عبد الله وقال: يا عبد الله، اجعل أخويك معينين لك، وتوص بهما. وأوصاهما بطاعة أخيهما، ثم أنعم عليهم وأمرهم بالارتحال إلى مدينة البصرة بعد أن أعطاهم إنعاما جزيلا، فنزلوا من ديوان الخليفة مجبورين، وفرح الخليفة بهذه الفائدة التي استفادها ms2259 من هذه الحركة؛ وهي المداومة على صلاة ركعتين قبل الفجر، وقال: صدق من قال: مصائب قوم عند قوم فوائد. # هذا ما كان من أمرهم مع الخليفة، وأما ما كان من أمر عبد الله بن فاضل، فإنه سافر من مدينة بغداد ومعه أخواه بالإعزاز والإكرام ورفع المقام إلى أن دخلوا مدينة البصرة، فخرج الأكابر والأعيان لملاقاتهم، وزينوا لهم المدينة وأدخلوهم بموكب ليس له نظير، وصار الناس يدعون له وهو ينثر الذهب والفضة، وصار جميع الناس ضاجين بالدعاء له، ولم يلتفت أحد إلى أخويه، فدخلت الغيرة والحسد في قلبيهما، ومع ذلك كان عبد الله يداريهما مداراة العين الرمداء، وكلما داراهما لا يزدادان إلا بغضا له وحسدا فيه. وقد قيل في هذا المعنى: # وداريت كل الناس لكن حاسدي %~% مداراته شطت وعز نوالها ~~وكيف يداري المرء حاسد نعمة %~% إذا كان لا يرضيه إلا زوالها # ثم إنه أعطى كل واحد منهما سرية ليس لها نظير، وجعلهما بخدم وحشم وجوار وعبيد سود وبيض من كل نوع أربعين، وأعطى كل واحد منهما خمسين جوادا من الخيل الجياد، وصار لهما جماعة وأتباع. ثم إنه عين لهما الخراج ورتب لهما الرواتب وجعلهما معينين له، وقال لهما: يا أخوي، أنا وأنتما سواء، ولا فرق بيني وبينكما. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 988 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله رتب لأخويه الرواتب وجعلهما معينين له، وقال لهما: يا أخوي، أنا وأنتما سواء ولا فرق بيني وبينكما؛ فالحكم بعد الله والخليفة لي ولكما، فاحكما في البصرة في غيابي وحضوري، وحكمكما نافذ، ولكن عليكما بتقوى الله في الأحكام، وإياكما والظلم؛ فإنه إن دام دمر، وعليكما بالعدل فإنه إن دام عمر، ولا تظلما العباد فيدعوا عليكما وخبركما يصل إلى الخليفة فتحصل فضيحة في حقي وحقكما، فلا تتعرضا لظلم أحد، والذي تطمعان فيه من أموال الناس خذاه من مالي زيادة على ما تحتاجان إليه، ولا يخفى عليكما ما ورد في الظلم من محكم الآيات، ولله در من قال ms2260 هذه الأبيات: # الظلم في نفس الفتى كامن %~% وليس إلا العجز يخفيه ~~ذو العقل لا ينهض في حاجة %~% حتى يرى الوقت يوافيه ~~لسان من يعقل في قلبه %~% وقلب من يجهل في فيه ~~من لم يكن أكبر من عقله %~% يقتله أصغر ما فيه ~~أصل الفتى خاف ولكنه %~% من فعله يظهر خافيه ~~من لم يكن عنصره طيبا %~% لا يظهر الطيب من فيه ~~من قلد الأحمق في فعله %~% كان لذي الجهل مساويه ~~ومن أطلع الناس على سره %~% تنبهت له أعاديه ~~يكفي الفتى ما كان من شأنه %~% وتركه ما ليس يعنيه # ثم إنه صار يعظ أخويه ويأمرهما بالعدل وينهاهما عن الظلم، حتى ظن أنهما أحباه بسبب بذل النصيحة لهما، ثم إنه ركن إليهما وبالغ في إكرامهما، ومع إكرامه لهما ما ازدادا إلا حسدا له وبغضا فيه. ثم إن أخويه ناصرا ومنصورا اجتمعا مع بعضهما، فقال ناصر لمنصور: يا أخي، إلى متى ونحن تحت طاعة أخينا عبد الله وهو في هذه السيادة والإمارة؟ وبعدما كان تاجرا صار أميرا، وبعدما كان صغيرا صار كبيرا، ونحن لم نكبر ولم يبق لنا قدر ولا قيمة، وها هو ضحك علينا وعملنا معينين له، ما معنى ذلك؟ أليس أننا خدمته ومن تحت طاعته؟ وما دام طيبا لا ترتفع درجتنا ولم يبق لنا شأن، فلا يتم غرضنا إلا إن قتلناه وأخذنا أمواله، ولا يمكن أخذ هذه الأموال إلا بعد هلاكه؛ فإذا قتلناه نسود ونأخذ جميع ما في خزائنه من الجواهر والمعادن والذخائر، وبعد ذلك نقسمها بيننا، ثم نهيئ هدية للخليفة ونطلب منه منصب الكوفة، وأنت تكون نائب البصرة، وأنا أكون نائب الكوفة، أو أنك تكون نائب الكوفة وأنا أكون نائب البصرة، ويبقى لكل واحد منا صورة وشأن، ولكن لا يتم لنا ذلك إلا إذا أهلكناه. فقال منصور: إنك صادق فيما قلت، ولكن ماذا نصنع معه حتى نقتله؟ فقال: نعمل ضيافة عند أحدنا، ونعرفه فيها ونخدمه غاية الخدمة، ثم نساهره بالكلام ونحكي له حكايات ونكتا ونوادر إلى أن يذوب قلبه من السهر، ثم ms2261 نفرش له حتى يرقد؛ فإذا رقد نبرك عليه وهو نائم فنخنقه ونرميه في البحر ونصبح نقول: إن أخته الجنية أتته وهو قاعد يتحدث بيننا وقالت له: يا قطاعة الإنس، ما مقدارك حتى تشكوني إلى أمير المؤمنين؟ أتظن أننا نخاف منه؟ فكما أنه ملك نحن ملوك، وإن لم يلزم أدبه في حقنا قتلناه أقبح قتلة، ولكن بقيت أنا أقتلك حتى ننظر ما يخرج من يد أمير المؤمنين. ثم خطفته وشقت الأرض ونزلت به، فلما رأينا ذلك غشي علينا، ثم استفقنا ولم ندر ما حصل له، وبعد ذلك نرسل إلى الخليفة ونعلمه؛ فإنه يولينا مكانه، وبعد مدة نرسل إلى الخليفة هدية سنية ونطلب منه حكم الكوفة، وواحد منا يقيم في البصرة والآخر يقيم بالكوفة، وتطيب لنا البلاد ونقهر العباد ونبلغ المراد. فقال له: نعم ما أشرت به يا أخي. # ثم اتفقا على قتل أخيهما، وصنع ناصر ضيافة وقال لأخيه عبد الله: يا أخي، اعلم أني أنا أخوك، ومرادي أنك تجبر بخاطري أنت وأخي منصور وتأكلان ضيافتي في بيتي حتى أفتخر بك ويقال: إن الأمير عبد الله أكل ضيافة أخيه ناصر؛ لأجل أن يحصل لي بذلك جبر خاطر. فقال له عبد الله: لا بأس يا أخي، ولا فرق بيني وبينك، وبيتك بيتي، ولكن حيث عزمتني فما يأبى الضيافة إلا اللئيم. ثم التفت إلى أخيه منصور وقال له: أتروح معي إلى بيت أخيك ناصر ونأكل ضيافته ونجبر بخاطره؟ فقال له: يا أخي، وحياة رأسك، ما أروح معك حتى تحلف لي أنك بعدما تخرج من بيت أخي ناصر تدخل بيتي وتأكل ضيافتي، فهل ناصر أخوك وأنا لست أخاك؟! فكما جبرت بخاطره تجبر بخاطري. فقال: لا بأس بذلك، حبا وكرامة، فمتى خرجت من دار أخيك أدخل دارك، وكما هو أخي أنت أخي. ثم إن ناصرا قبل يد أخيه عبد الله ونزل من الديوان وعمل الضيافة، وفي ثاني يوم ركب عبد الله وأخذ معه جملة من العسكر وأخاه منصورا، وتوجه إلى دار أخيه ناصر، فدخل وجلس هو ms2262 وجماعته وأخوه، فقدم لهم السماط ورحب بهم، فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا، وارتفعت السفرة والزبادي وغسلت الأيادي، وأقاموا ذلك اليوم على أكل وشرب وبسط ولعب إلى الليل. فلما تعشوا صلوا المغرب والعشاء ثم جلسوا على منادمة، وصار منصور يحكي حكاية وناصر يحكي حكاية وعبد الله يسمع، وكانوا في قصر وحدهم، وبقية العسكر في مكان آخر، ولم يزالوا في نكت وحكايات ونوادر وأخبار حتى ذاب قلب أخيهم عبد الله من السهر وغلب عليه النوم. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 989 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن عبد الله لما طال عليه السهر وأراد النوم، فرشوا له الفرش، ثم قلع ثيابه ونام وناما بجانبه على فرش آخر، وصبرا عليه حتى استغرق في النوم، فلما عرفا أنه استغرق في النوم قاما وبركا عليه، فأفاق فرآهما باركين على صدره، فقال لهما: ما هذا يا أخوي؟ فقالا له: ما نحن أخواك، ولا نعرفك يا قليل الأدب، وقد صار موتك أحسن من حياتك. وحطا أيديهما في رقبته وخنقاه، فغاب عن الدنيا ولم يبق فيه حركة، فظنا أنه مات، وكان القصر على البحر، فرموه في البحر. فلما وقع في البحر سخر الله له درفيلا كان معتادا على مجيئه تحت ذلك القصر؛ لأن المطبخ كان فيه طاقة تشرف على البحر، وكانوا كلما ذبحوا الذبائح يرمون تعاليقها في البحر من تلك الطاقة، فيأتي ذلك الدرفيل ويلتقطها من على وجه الماء، فاعتاد على ذلك المكان، وكانوا في ذلك اليوم قد رموا سقاطا كثيرا بسبب الضيافة، فأكل ذلك الدرفيل زيادة عن كل يوم، وحصلت له قوة، فلما سمع الخبطة في البحر أتى بسرعة، فرآه ابن آدم، فهداه الهادي وحمله على ظهره وشق به في وسط البحر. ولم يزل ماشيا به حتى وصل إلى البحر من الجهة الثانية وألقاه على البر، وكان ذلك المكان الذي أطلعه فيه على قارعة الطريق، فمرت به قافلة فرأوه مرميا على جانب البحر، فقالوا: هنا غريق ألقاه البحر على الشاطئ. واجتمع عليه جماعة ms2263 من تلك القافلة يتفرجون عليه، وكان شيخ القافلة رجلا من أهل الخير، وعارفا بجميع العلوم، وخبيرا بعلم الطب، وصاحب فراسة صادقة، فقال لهم: يا ناس، ما الخبر؟ فقالوا: هذا غريق ميت. فأقبل عليه وتأمله وقال: يا ناس، هذا الشاب فيه الروح، وهذا من خيار أولاد الناس الأكابر وتربية العز والنعم، وفيه الرجاء إن شاء الله تعالى. ثم إنه أخذه وألبسه بدلة، وأدفأه وصار يعالجه ويلاطفه مدة ثلاث مراحل حتى أفاق، ولكن حصلت له خضة، فغلب عليه الضعف، وصار شيخ القافلة يعالجه بأعشاب يعرفها. ولم يزالوا مسافرين مدة ثلاثين يوما حتى بعدوا عن البصرة بهذه المسافة وهو يعالج فيه، ثم دخلوا مدينة يقال لها مدينة عوج، وهي في بلاد العجم، فنزلوا في خان وفرشوا له ورقد، فبات تلك الليلة يئن، وقد أقلق الناس من أنينه، فلما أصبح الصباح أتى بواب الخان إلى شيخ القافلة وقال: ما شأن هذا الضعيف الذي عندك؟ فإنه أقلقنا! فقال: هذا رأيته في الطريق على جانب البحر غريقا، فعالجته وعجزت ولم يشف. فقال له: اعرضه على الشيخة راجحة. فقال له: وما تكون الشيخة راجحة؟ فقال: عندنا بنت بكر شيخة، وهي عذراء جميلة اسمها الشيخة راجحة، كل من كان به داء يأخذونه إليها فيبيت عندها ليلة واحدة فيصبح معافى ولم يكن فيه شيء يضره. فقال له شيخ القافلة: دلني عليها. فقال له: احمل مريضك. فحمله ومشى بواب الخان قدامه إلى أن وصل إلى زاوية، فرأى خلائق داخلين بالنذور، وخلائق خارجين فرحانين، فدخل بواب الخان حتى وصل إلى الستارة وقال: دستور يا شيخة راجحة، خذي هذا المريض. فقالت: أدخله من داخل هذه الستارة. فقال له: ادخل. فدخل ونظر إليها فرآها زوجته التي جابها من مدينة الحجر، فعرفها وعرفته وسلمت عليه وسلم عليها. فقال لها: من أتى بك إلى هذا المكان؟ فقالت له: لما رأيت أخويك رمياك في البحر وتخاصما علي، رميت روحي في البحر، فتناولني شيخي الخضر أبو العباس وأتى بي إلى هذه الزاوية، وأعطاني الإذن بشفاء المرضى، ونادى ms2264 في هذه المدينة: كل من كان به داء فعليه بالشيخة راجحة. وقال لي: أقيمي في هذا المكان حتى يئين الأوان ويأتي إليك زوجك في هذه الزاوية. فصار كل مريض يأتي إلي أكبسه فيصبح طيبا، وشاع ذكري بين العالم، وأقبلت علي الناس بالنذور، وعندي الخير، وأنا في عز وإكرام، وجميع أهل هذه البلاد يطلبون مني الدعاء. ثم إنها كبسته فشفي بقدرة الله تعالى. وكان الخضر عليه السلام يحضر عندها في كل ليلة جمعة، وكانت تلك الليلة التي اجتمع فيها ليلة الجمعة، فلما جن الليل جلست هي وإياه بعدما تعشيا من أفخر المأكول، ثم قعدا ينتظران حضور الخضر، فبينما هما جالسان وإذا به قد أقبل عليهما، فحملهما من الزاوية ووضعهما في قصر عبد الله بن فاضل بالبصرة، ثم تركهما وذهب. فلما أصبح الصباح تأمل عبد الله في القصر، فرآه قصره وعرفه، وسمع الناس في ضجة، فطل من الشباك فرأى أخويه مصلوبين؛ كل واحد منهما على خشبة، والسبب في ذلك أنهما لما رمياه في البحر أصبحا يبكيان ويقولان: إن أخانا خطفته الجنية. ثم هيآ هدية وأرسلاها إلى الخليفة وأخبراه بهذا الخبر، وطلبا منه منصب البصرة، فأرسل أحضرهما عنده وسألهما، فأخبراه كما ذكرنا، فاشتد غضب الخليفة، فلما جن الليل صلى ركعتين قبل الفجر على عادته، وصاح على طوائف الجن، فحضروا بين يديه طائعين، فسألهم عن عبد الله، فحلفوا له أنه لم يتعرض له أحد منهم، وقالوا له: ما عندنا خبر به. فأتت سعيدة بنت الملك الأحمر وأخبرت الخليفة بخبره فصرفهم. وفي ثاني يوم رمى ناصرا ومنصورا تحت الضرب، فأقرا على بعضهما، فغضب عليهما الخليفة وقال: خذوهما إلى البصرة واصلبوهما قدام قصر عبد الله. # هذا ما كان من أمرهما، وأما ما كان من أمر عبد الله، فإنه أمر بدفن أخويه، ثم ركب وتوجه إلى بغداد وأخبر الخليفة بحكايته وما فعل معه أخواه من الأول إلى الآخر، فتعجب الخليفة من ذلك، وأحضر القاضي والشهود وكتب كتابه على البنت التي جاء بها من مدينة الحجر، ودخل بها ms2265 وأقام معها في البصرة إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، فسبحان الحي الذي لا يموت. ### || حكاية الإسكافي معروف # ومما يحكى أيها الملك السعيد أنه كان في مدينة مصر المحروسة رجل إسكافي يرقع الزرابين القديمة، وكان اسمه معروفا، وكان له زوجة اسمها فاطمة ولقبها العرة، وما لقبوها بذلك إلا لأنها كانت فاجرة شرانية قليلة الحياء كثيرة الفتن، وكانت حاكمة على زوجها، وفي كل يوم تسبه وتلعنه ألف مرة، وكان يخشى شرها ويخاف من أذاها؛ لأنه كان رجلا عاقلا يستحي على عرضه، لكنه كان فقير الحال، فإذا اشتغل بكثير صرفه عليها، وإذا اشتغل بقليل انتقمت من بدنه في تلك الليلة وأعدمته العافية، وتجعل ليلته مثل صحيفتها، وهي كما قال في حقها الشاعر: # كم ليلة قد بت مع زوجتي %~% في أشأم الأحوال قضيتها ~~يا ليتني عند دخولي بها %~% أحضرت سما ثم سميتها # ومن جملة ما اتفق لهذا الرجل مع زوجته أنها قالت له: يا معروف، أريد منك في هذه الليلة أن تجيء لي معك بكنافة عليها عسل نحل. فقال لها: الله تعالى يسهل لي حقها وأنا أجيء بها لك في هذه الليلة، والله لم يكن معي دراهم في هذا اليوم، ولكن ربنا يسهل. فقالت له: أنا ما أعرف هذا الكلام. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 990 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن معروفا الإسكافي قال لزوجته: الله يسهل بكلفتها وأنا أجيء بها إليك في هذه الليلة، والله لم يكن معي دراهم في هذا اليوم، لكن ربنا يسهل. فقالت له: أنا ما أعرف هذا الكلام، إن سهل أو لم يسهل لا تجئني إلا بالكنافة التي بعسل نحل، وإن جئت من غير كنافة جعلت ليلتك مثل بختك حين تزوجتني ووقعت في يدي. فقال لها: الله كريم. ثم خرج ذلك الرجل والغم يتناثر من يديه، فصلى الصبح وفتح الدكان وقال: أسألك يا رب أن ترزقني بحق هذه الكنافة، وتكفيني شر هذه الفاجرة في هذه الليلة. وقعد في الدكان إلى نصف ms2266 النهار فلم يأته شغل، فاشتد خوفه من زوجته، فقام وقفل الدكان وصار متحيرا في أمره من شأن الكنافة مع أنه لم يكن معه من حق الخبز شيء. ثم إنه مر على دكان الكنفاني ووقف باهتا، وغرغرت عيناه بالدموع، فلحظ عليه الكنفاني وقال: يا معلم معروف، ما لك تبكي؟ فأخبرني بما أصابك. فأخبره بقصته وقال له: إن زوجتي جبارة، وطلبت مني كنافة، وقد قعدت في الدكان حتى مضى نصف النهار فلم يجئني ولا حق الخبز، وأنا خائف منها. فضحك الكنفاني وقال: لا بأس عليك، كم رطلا تريد؟ قال: خمسة أرطال. فوزن له خمسة أرطال وقال له: السمن عندي، ولكن ما عندي عسل نحل، وإنما عندي عسل قطر أحسن من عسل النحل، وماذا يضر إذا كانت بعسل قطر؟ فاستحى منه لكونه يصبر عليه بثمنها. فقال له: هاتها بعسل قطر. فقلى له الكنافة بالسمن وغرقها بعسل قطر فصارت تهدى للملوك. ثم إنه قال له: أتحتاج عيشا وجبنا؟ قال: نعم. فأخذ له بأربعة أنصاف عيشا وبنصف جبنا، والكنافة بعشرة أنصاف، وقال له: اعلم يا معروف أنه قد صار عندك خمسة عشر نصفا، رح إلى زوجتك واعمل حظا، وخذ هذا النصف حق الحمام، وعليك مهل يوم أو يومان أو ثلاثة حتى يرزقك الله، ولا تضيق على زوجتك، فأنا أصبر عليك متى يبقى عندك دراهم فاضلة عن مصروفك. فأخذ الكنافة والعيش والجبن وانصرف داعيا له، وراح مجبور الخاطر وهو يقول: سبحانك ربي، ما أكرمك! ثم إنه دخل عليها فقالت له: هل جئت بالكنافة؟ قال: نعم. ثم وضعها قدامها، فنظرت إليها فرأتها بعسل قصب فقالت له: أما قلت لك هاتها بعسل نحل؟ تعمل على خلاف مرادي وتعملها بعسل قصب؟! فاعتذر إليها وقال لها: أنا ما اشتريتها إلا مؤجلا ثمنها. فقالت: هذا كلام باطل، أنا ما آكل الكنافة إلا بعسل نحل. وغضبت عليه وضربته بها في وجهه، وقالت له: قم يا معرص هات لي غيرها. ولكمته في صدغه فقلعت سنا من أسنانه، ونزل الدم على صدره، ومن شدة ms2267 الغيظ ضربها ضربة واحدة لطيفة على رأسها، فقبضت على لحيته وصارت تصيح وتقول: يا مسلمين! فدخل الجيران وخلصوا لحيته من يدها، وقاموا عليها باللوم وعيبوها وقالوا: نحن كلنا في قبل أكل الكنافة التي بعسل القصب، ما هذا التجبر على هذا الرجل الفقير؟! إن هذا عيب عليك. ولا زالوا يلاطفونها حتى أصلحوا بينها وبينه، ولكنها بعد ذهاب الناس حلفت ما تأكل من الكنافة شيئا، فأحرقه الجوع، فقال في نفسه: هي حلفت ما تأكل فأنا آكل. ثم أكل، فلما رأته يأكل صارت تقول له: إن شاء الله يكون أكلها سما يهري بدن البعيد. فقال لها: ما هو بكلامك. وصار يأكل ويضحك ويقول: أنت حلفت ما تأكلين من هذه، فالله كريم، فإن شاء الله في ليلة غد أجيء لك بكنافة تكون بعسل نحل وتأكلينها وحدك. وصار يأخذ بخاطرها وهي تدعو عليه، ولم تزل تسبه وتشتمه إلى الصبح. # فلما أصبح الصباح شمرت عن ساعدها لضربه، فقال لها: أمهليني وأنا أجيء إليك بغيرها. ثم خرج إلى المسجد وصلى وتوجه إلى الدكان وفتحها وجلس، فلم يستقر به الجلوس حتى جاءه اثنان من طرف القاضي وقالا له: قم كلم القاضي، فإن امرأتك اشتكتك إليه وصفتها كذا وكذا. فعرفها وقال: الله تعالى ينكد عليها! ثم قام مشى معهما إلى أن دخل على القاضي، فرأى زوجته رابطة ذراعها وبرقعها ملوث بالدم، وهي واقفة تبكي وتمسح دموعها. فقال له القاضي: يا رجل، ألم تخف من الله تعالى؟! كيف تضرب هذه الحرمة وتكسر ذراعها وتقلع سنها وتفعل بها هذه الفعال؟ فقال له: إن كنت ضربتها أو قلعت سنها فاحكم في بما تختار، وإنما القصة كذا وكذا، والجيران أصلحوا بيني وبينها. وأخبره بالقصة من الأول إلى الآخر، وكان ذلك القاضي من أهل الخير، فأخرج له ربع دينار وقال له: يا رجل، خذ هذا واعمل لها به كنافة بعسل نحل، واصطلح أنت وإياها. فقال له: أعطه لها. فأخذته وأصلح بينهما، وقال: يا امرأة، أطيعي زوجك، وأنت يا رجل، ترفق بها. وخرجا مصطلحين على ms2268 يد القاضي، وراحت المرأة من طريق وزوجها راح من طريق آخر إلى دكانه وجلس، وإذا بالرسل أتوا له وقالوا: هات خدمتنا. فقال لهم: إن القاضي لم يأخذ مني شيئا، بل أعطاني ربع دينار. فقالوا: لا علاقة لنا بكون القاضي أعطاك أو أخذ منك، فإن لم تعطنا خدمتنا أخذناها قهرا عنك. وصاروا يجرونه في السوق، فباع عدته وأعطاهم نصف دينار، ورجعوا عنه وحط يده على خده وقعد حزينا حيث لم يكن عنده عدة يشتغل بها. # فبينما هو قاعد، وإذا برجلين قبيحي المنظر أقبلا عليه وقالا له: قم يا رجل كلم القاضي، فإن زوجتك اشتكتك إليه. فقال لهما: قد أصلح بيني وبينها! فقالا له: نحن من عند قاض آخر، فإن زوجتك اشتكتك إلى قاضينا. فقام معهما وهو يحتسب عليها، فلما رآها قال لها: أما اصطلحنا يا بنت الحلال؟ فقالت: ما بقي بيني وبينك صلح. فتقدم وحكى للقاضي حكايته وقال له: إن القاضي فلانا أصلح بيننا في هذه الساعة. فقال لها القاضي: يا عاهرة، حيث اصطلحتما لماذا جئت تشكين إلي؟ قالت: إنه ضربني بعد ذلك. فقال لهما القاضي: اصطلحا ولا تعد إلى ضربها، وهي لا تعود إلى مخالفتك. فاصطلحا وقال له القاضي: أعط الرسل خدمتهم. فأعطى الرسل خدمتهم وتوجه إلى الدكان وفتحها وقعد فيها وهو مثل السكران من الهم الذي أصابه. فبينما هو قاعد، وإذا برجل أقبل عليه وقال له: يا معروف، قم واستخف، فإن زوجتك اشتكتك إلى الباب العالي، ونازل عليك أبو طبق. فقام وقفل الدكان وهرب في جهة باب النصر، وكان قد بقي معه خمسة أنصاف فضة من حق القوالب والعدة، فاشترى بأربعة أنصاف عيشا وبنصف جبنا وهو هارب منها، وكان ذلك في فصل الشتاء وقت العصر، فلما خرج بين الكيمان نزل عليه المطر مثل أفواه القرب، فابتلت ثيابه، فدخل العادلية فرأى موضعا خربا فيه حاصل مهجور من غير باب، فدخل يستكن فيه من المطر وحوائجه مبتلة بالماء، فنزلت الدموع من أجفانه وصار يتضجر مما به ويقول: أين أهرب من هذه ms2269 العاهرة؟ أسألك يا رب أن تقيض لي من يوصلني إلى بلاد بعيدة لا تعرف طريقي فيها. فبينما هو جالس يبكي، وإذا بالحائط قد انشق وخرج له منها شخص طويل القامة ورؤيته تقشعر منها الأبدان، وقال له: يا رجل، ما لك أقلقتني في هذه الليلة! أنا ساكن في هذا المكان منذ مائتي عام فما رأيت أحدا دخل هذا المكان وعمل مثل ما عملت أنت! فأخبرني بمقصودك وأنا أقضي حاجتك، فإن قلبي أخذته الشفقة عليك. فقال له: من أنت؟ وما تكون؟ فقال له: أنا عامر هذا المكان. فأخبره بجميع ما جرى له مع زوجته، فقال له: أتريد أن أوصلك إلى بلاد لا تعرف لك زوجتك فيها طريقا؟ قال: نعم. قال له: اركب فوق ظهري. فركب وحمله وطار به من بعد العشاء إلى طلوع الفجر، وأنزله على رأس جبل عال. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 991 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن معروفا الإسكافي لما حمله المارد طار به وأنزله على جبل عال وقال: يا إنسي، انحدر من فوق هذا الجبل تر عتبة مدينة فادخلها، فإن زوجتك لا تعرف لك طريقا، ولا يمكنها أن تصل إليك. ثم تركه وراح، فصار معروف باهتا متحيرا في نفسه إلى أن طلعت الشمس، فقال في نفسه: أقوم وأنزل من على هذا الجبل إلى المدينة، فإن قعودي هنا ليس فيه فائدة. فنزل إلى أسفل الجبل فرأى مدينة بأسوار عالية وقصور مشيدة وأبنية مزخرفة، وهي نزهة للناظرين، فدخل من باب المدينة فرآها تشرح القلب الحزين، فلما مشى في السوق صار أهل المدينة ينظرون إليه ويتفرجون عليه، واجتمعوا عليه وصاروا يتعجبون من ملبسه؛ لأن ملبسه لا يشبه ملابسهم. فقال له رجل من أهل المدينة: يا رجل، هل أنت غريب؟ قال: نعم. قال له: من أي البلاد؟ قال: من مدينة مصر السعيدة. قال له: ألك زمان مفارقها؟ قال له: البارحة العصر. فضحك عليه وقال: يا ناس، تعالوا انظروا هذا الرجل واسمعوا ما يقول! فقالوا: ما يقول؟ ms2270 قال: إنه يزعم أنه من مصر وخرج منها البارحة العصر. فضحكوا كلهم واجتمع عليه الناس وقالوا: يا رجل، أأنت مجنون حتى تقول هذا الكلام؟ كيف تزعم أنك فارقت مصر بالأمس في وقت العصر وأصبحت هنا، والحال أن بين مدينتنا وبين مصر مسافة سنة كاملة؟ فقال لهم: ما مجنون إلا أنتم، وأما أنا فإني صادق في قولي، وهذا عيش مصر لم يزل معي طريا! وأراهم العيش، فصاروا يتفرجون عليه ويتعجبون منه؛ لأنه لا يشبه عيش بلادهم، وكثر الخلائق عليه وصاروا يقولون لبعضهم: هذا عيش مصر، تفرجوا عليه. وصارت له شهرة في تلك المدينة، ومنهم ناس يصدقون وناس يكذبون ويهزءون به. # فبينما هم في تلك الحالة، وإذا بتاجر أقبل عليهم وهو راكب بغلة وخلفه عبدان، ففرق الناس وقال: يا ناس، أما تستحون وأنتم ملتمون على هذا الرجل الغريب وتسخرون منه وتضحكون عليه؟ ما علاقتكم به؟ ولم يزل يسبهم حتى طردهم عنه ولم يقدر أحد أن يرد عليه جوابا وقال له: تعال يا أخي، ما عليك بأس من هؤلاء، إنهم لا حياء عندهم. ثم أخذه وسار به إلى أن أدخله دارا واسعة مزخرفة، وأجلسه في مقعد ملوكي وأمر العبيد ففتحوا له صندوقا، وأخرجوا له بدلة تاجر ألفي وألبسه إياها، وكان معروف وجيها، فصار كأنه شاه بندر التجار. ثم إن ذلك التاجر طلب السفرة، فوضعوا قدامهما سفرة فيها جميع الأطعمة الفاخرة من سائر الألوان، فأكلا وشربا، وبعد ذلك قال له: يا أخي، ما اسمك؟ قال: اسمي معروف وصنعتي إسكافي أرقع الزرابين القديمة. قال له: من أي البلاد أنت؟ قال: من مصر. قال: من أي الحارات؟ قال له: هل أنت تعرف مصر؟ قال له: أنا من أولادها. فقال له: أنا من الدرب الأحمر. قال له: من تعرف من الدرب الأحمر؟ قال له: فلانا وفلانا. وعد له ناسا كثيرة. قال له: هل تعرف الشيخ أحمد العطار؟ قال: هو جاري الحيط في الحيط. قال له: هل هو طيب؟ قال: نعم. قال له: كم له من الأولاد؟ قال: ms2271 ثلاثة؛ مصطفى، ومحمد، وعلي. قال له: ما فعل الله بأولاده؟ قال: أما مصطفى فإنه طيب، وهو عالم مدرس. وأما محمد فإنه عطار، قد فتح له دكانا بجنب دكان أبيه بعد أن تزوج وولدت له زوجته ولدا اسمه حسن. قال: بشرك الله بالخير. قال: وأما علي فإنه كان رفيقي ونحن صغار، وكنت دائما ألعب أنا وإياه، وبقينا نروح بصفة أولاد النصارى وندخل الكنيسة ونسرق كتب النصارى ونبيعها ونشتري بثمنها نفقة، فاتفق في بعض المرات أن النصارى رأونا ومسكونا بكتاب، فاشتكونا إلى أهلنا وقالوا لأبيه: إذا لم تمنع ولدك من أذانا شكوناك إلى الملك. فأخذ بخاطرهم وضربه علقة، فبهذا السبب هرب من ذلك الوقت ولم يعرف له طريقا، وهو غائب له عشرون سنة، ولم يخبر عنه أحد بخبر. فقال له: هو أنا علي ابن الشيخ أحمد العطار، وأنت رفيقي يا معروف. وسلما على بعضهما. # وبعد السلام قال: يا معروف، أخبرني بسبب مجيئك من مصر إلى هذه المدينة. فأخبره بخبر زوجته فاطمة العرة وما فعلت معه، وقال له: إنه لما اشتد علي أذاها هربت منها في جهة باب النصر، ونزل علي المطر فدخلت في حاصل خرب في العادلية، وقعدت أبكي، فخرج لي عامر المكان وهو عفريت من الجن وسألني، فأخبرته بحالي، فأركبني على ظهره وطار بي طول الليل بين السماء والأرض، ثم حطني على الجبل وأخبرني بالمدينة، فنزلت من الجبل ودخلت المدينة، والتم الناس علي وسألوني فقلت لهم: إني طلعت البارحة من مصر فلم يصدقوني، فجئت أنت ومنعت عني الناس وجئت بي إلى هذه الدار، وهذا سبب خروجي من مصر. وأنت ما سبب مجيئك هنا؟ قال له: غلب علي الطيش وعمري سبع سنين، فمن ذلك الوقت وأنا دائر من بلد إلى بلد، ومن مدينة إلى مدينة، حتى دخلت هذه المدينة واسمها اختيان الختن، فرأيت أهلها ناسا كراما وعندهم الشفقة، ورأيتهم يأتمنون الفقير ويداينونه، وكل ما قاله يصدقونه فيه، فقلت لهم: أنا تاجر، وقد سبقت الحملة، ومرادي مكان أنزل فيه حملتي. فصدقوني وأخلوا لي ms2272 مكانا، ثم إني قلت لهم: هل فيكم من يداينني ألف دينار حتى تجيء حملتي وأرد له ما آخذه منه؟ فإني محتاج إلى بعض مصالح قبل دخول الحملة. فأعطوني ما أردت وتوجهت إلى سوق التجار، فرأيت شيئا من البضاعة فاشتريته، وفي ثاني يوم بعته فربحت فيه خمسين دينارا، واشتريت غيره، وصرت أعاشر الناس وأكرمهم فحبوني، وصرت أبيع وأشتري فكثر مالي. واعلم يا أخي أن صاحب المثل يقول: الدنيا فشر وحيلة، والبلاد التي لا يعرفك أحد فيها مهما شئت فافعل فيها. وأنت إذا قلت لكل من سألك: أنا صنعتي إسكافي وفقير وهربت من زوجتي والبارحة طلعت من مصر، فلا يصدقونك، وتصير عندهم مسخرة مدة إقامتك في هذه المدينة. وإن قلت: حملني عفريت. نفروا منك ولا يقرب منك أحد، ويقولون: هذا رجل معفرت، وكل من تقرب منه يحصل له ضرر. وتبقى هذه الإشاعة قبيحة في حقي وحقك؛ لكونهم يعرفون أني من مصر. قال: وكيف أصنع؟ قال: أنا أعلمك كيف تصنع، إن شاء الله تعالى أعطيك في غد ألف دينار، وبغلة تركبها، وعبدا يمشي قدامك حتى يوصلك إلى باب سوق التجار، فادخل عليهم وأكون أنا قاعدا بين التجار، فمتى رأيتك أقوم لك وأسلم عليك وأقبل يدك وأعظم قدرك، وكلما سألتك عن صنف من القماش وقلت لك: هل جئت معك بشيء من الصنف الفلاني؟ فقل: كثير. وإن سألوني عنك أشكرك وأعظمك في أعينهم، ثم إني أقول لهم: خذوا له حاصلا ودكانا، وأصفك بكثرة المال والكرم، وإذا أتاك سائل فأعطه ما تيسر، فيثقون بكلامي ويعتقدون عظمتك وكرمك ويحبونك، وبعد ذلك أعزمك وأعزم جميع التجار من شأنك، وأجمع بينك وبينهم حتى يعرفوك جميعهم وتعرفهم. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 992 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التاجر عليا قال لمعروف: أعزمك وأعزم جميع التجار من شأنك، وأجمع بينك وبينهم حتى يعرفوك جميعهم وتعرفهم؛ لأجل أن تبيع وتشتري وتأخذ وتعطي معهم، فما تمضي عليك مدة حتى تصير صاحب مال. فلما أصبح الصباح أعطاه ms2273 ألف دينار، وألبسه بدلة، وأركبه بغلة، وأعطاه عبدا، وقال: أبرأ الله ذمتك من الجميع لأنك رفيقي، فواجب علي إكرامك، ولا تحمل هما، ودع عنك سيرة زوجتك ولا تذكرها لأحد. فقال له: جزاك الله خيرا. ثم إنه ركب البغلة ومشى قدامه العبد إلى أن أوصله إلى باب سوق التجار، وكانوا جميعا قاعدين والتاجر علي قاعد بينهم، فلما رآه قام ورمى روحه عليه وقال له: نهار مبارك يا تاجر معروف، يا صاحب الخيرات والمعروف. ثم قبل يده قدام التجار وقال: يا إخواننا، آنسكم التاجر معروف، فسلموا عليه. وصار يشير لهم بتعظيمه، فعظم في أعينهم، ثم أنزله من فوق ظهر البغلة، وسلموا عليه، وصار يختلي بواحد بعد واحد منهم ويشكره عنده، فقالوا له: هل هذا تاجر؟ فقال لهم: نعم، بل هو أكبر التجار، ولا يوجد واحد أكثر مالا منه؛ لأن أمواله وأموال أبيه وأجداده مشهورة عند تجار مصر، وله شركاء في الهند والسند واليمن، وهو في الكرم على قدر عظيم، فاعرفوا قدره وارفعوا مقامه واخدموه واعلموا أن مجيئه إلى هذه المدينة ليس من أجل التجارة، وما مقصده إلا الفرجة على بلاد الناس؛ لأنه غير محتاج إلى التغرب من أجل الربح والمكاسب؛ لأن عنده أموالا لا تأكلها النيران، وأنا من بعض خدمه. # ولم يزل يشكره حتى جعلوه فوق رءوسهم، وصاروا يخبرون بعضهم بصفاته. ثم اجتمعوا عنده وصاروا يهادونه بالفطورات والشربات حتى شاه بندر التجار أتى له وسلم عليه وصار يقول له التاجر علي بحضرة التجار: يا سيدي، لعلك جئت معك بشيء من القماش الفلاني. فيقول له: كثير. وكان في ذلك اليوم فرجه على أصناف القماش المثمنة، وعرفه أسامي الأقمشة، الغالي والرخيص. فقال له تاجر من التجار: يا سيدي، هل جئت معك بجوخ أصفر؟ قال: كثير. قال: وأحمر دم غزال؟ قال: كثير. وصار كلما سأله عن شيء يقول له: كثير. فعند ذلك قال: يا تاجر علي، إن بلديك لو أراد أن يحمل ألف حمل من القماشات المثمنة يحملها. فقال له: يحملها من حاصل من جملة ms2274 حواصله، ولا ينقص منه شيء. # فبينما هم قاعدون وإذا برجل سائل دار على التجار، فمنهم من أعطاه نصف فضة، ومنهم من أعطاه جديدا، وغالبهم لم يعطه شيئا، حتى وصل إلى معروف، فكبش له كبشة ذهب وأعطاه إياها، فدعا له وراح، فتعجب التجار من ذلك وقالوا: إن هذه عطايا ملوك؛ فإنه أعطى السائل ذهبا من غير عدد، ولولا أنه من أصحاب النعم الجزيلة وعنده شيء كثير ما كان أعطى السائل كبشة ذهب. وبعد حصة أتته امرأة فقيرة، فكبش وأعطاها وذهبت تدعو له وحكت للفقراء، فأقبلوا عليه واحدا بعد واحد، وصار كل من أتى له يكبش ويعطيه حتى أنفق الألف دينار، وبعد ذلك ضرب كفا على كف وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. فقال له شاه بندر التجار: ما لك يا تاجر معروف؟ قال: كأن غالب أهل هذه المدينة فقراء ومساكين! ولو كنت أعرف أنهم كذلك كنت جئت معي في الخرج بجانب من المال وأحسن به إلى الفقراء، وأنا خائف أن تطول غربتي، ومن طبعي أني لا أرد السائل، ولم يبق معي ذهب، فإذا أتاني فقير ماذا أقول له؟ قال له: قل له الله يرزقك. قال: ما هي عادتي، وقد ركبني الهم بهذا السبب، وكان مرادي ألف دينار أتصدق بها حتى تجيء حملتي. فقال: لا بأس. وأرسل بعض أتباعه فجاء له بألف دينار، فأعطاه إياها، فصار يعطي كل من مر به من الفقراء حتى أذن الظهر، فدخلوا الجامع وصلوا الظهر، والذي بقي معه من الألف دينار نثره على رءوس المصلين، فانتبه له الناس وصاروا يدعون له، وصارت التجار تتعجب من كثرة كرمه وسخائه. ثم إنه مال على تاجر آخر وأخذ منه ألف دينار وفرقها، وصار التاجر علي ينظر فعله ولا يقدر أن يتكلم، ولم يزل على هذه الحالة حتى أذن العصر، فدخل المسجد وصلى وفرق الباقي، فما قفلوا باب السوق حتى أخذ خمسة آلاف دينار وفرقها، وكل من أخذ منه شيئا يقول له: حتى تجيء الحملة، إن أردت ذهبا أعطيك، وإن أردت قماشا ms2275 أعطيك؛ فإن عندي شيئا كثيرا. وعند المساء عزمه التاجر علي، وعزم معه التجار جميعا، وأجلسه في الصدر، وصار لا يتكلم إلا بالقماشات والجواهر، وكلما ذكروا له شيئا يقول: عندي منه كثير. وثاني يوم توجه إلى السوق وصار يميل على التجار ويأخذ منهم الأموال ويفرقها على الفقراء. # ولم يزل على هذه الحالة مدة عشرين يوما، حتى أخذ من الناس ستين ألف دينار ولم تأته حملة ولا كبة حامية. فضجت الناس على أموالهم وقالوا: ما أتت حملة التاجر معروف، وإلى متى وهو يأخذ أموال الناس ويعطيها للفقراء؟ فقال واحد منهم: الرأي أن نتكلم مع بلديه التاجر علي. فأتوه وقالوا له: يا تاجر علي، إن حملة التاجر معروف لم تأت. فقال لهم: اصبروا؛ فإنها لا بد أن تأتي عن قريب. ثم إنه اختلى به وقال له: يا معروف، ما هذه الفعال؟ هل أنا قلت لك قمر الخبز أو احرقه؟ إن التجار ضجوا على أموالهم، وأخبروني أنه صار عليك ستون ألف دينار أخذتها وفرقتها على الفقراء، ومن أين تسد دين الناس وأنت لا تبيع ولا تشتري؟ فقال له: أي شيء يجري؟ وما مقدار الستين ألف دينار؟ لما تجيء الحملة أعطيهم إن شاءوا قماشا وإن شاءوا ذهبا وفضة. فقال له التاجر علي: الله أكبر! وهل أنت لك حملة؟ قال: كثير. قال له: الله، والرجال عليك وعلى سماجتك! هل أنا علمتك هذا الكلام حتى تقوله لي؟ فأنا أخبر بك الناس. قال: رح بلا كثرة كلام، هل أنا فقير؟ إن حملتي فيها شيء كثير؛ فإذا جاءت يأخذون متاعهم المثل مثلين، أنا غير محتاج إليهم. فعند ذلك اغتاظ التاجر علي وقال له: يا قليل الأدب، لا بد أن أريك كيف تكذب علي ولا تستحي. فقال له: الذي يخرج من يدك افعله، ويصبرون حتى تجيء حملتي ويأخذون متاعهم بزيادة. فتركه وراح وقال في نفسه: أنا شكرته سابقا، وإن ذممته الآن صرت كاذبا وأدخل في قول من قال: من شكر وذم، كذب مرتين. وصار متحيرا في أمره، ثم إن التجار ms2276 أتوه وقالوا: يا تاجر علي، هل كلمته؟ قال لهم: يا ناس، أنا أستحي منه، ولي عنده ألف دينار، ولم أقدر أن أكلمه عليها، وأنتم لما أعطيتموه ما شاورتموني، وليس لكم علي كلام، فطالبوه منكم له، وإن لم يعطكم فاشكوه إلى ملك المدينة وقولوا له: إنه نصاب، نصب علينا. فإن الملك يخلصكم منه. فراحوا للملك وأخبروه بما وقع وقالوا: يا ملك الزمان، إننا تحيرنا في أمرنا مع هذا التاجر الذي كرمه زائد؛ فإنه يفعل كذا وكذا، وكل شيء أخذه يفرقه على الفقراء بالكبشة، فلو كان مقلا ما كانت تسمح نفسه أن يكبش الذهب ويعطيه للفقراء، ولو كان من أصحاب النعم كان صدقه ظهر لنا بمجيء حملته، ونحن لا نرى له حملة مع أنه يدعي أن له حملة وقد سبقها، وكلما ذكرنا له صنفا من أصناف القماش يقول: عندي منه كثير. وقد مضت مدة ولم يبن عن حملته خبر، وقد صار لنا عنده ستون ألف دينار، وكل ذلك فرقه على الفقراء. وصاروا يشكرونه ويمدحون كرمه. وكان ذلك الملك طماعا، أطمع من أشعب، فلما سمع بكرمه وسخائه غلب عليه الطمع، وقال لوزيره: لو لم يكن هذا التاجر عنده أموال كثيرة ما كان يقع منه هذا الكرم كله، ولا بد أن تأتي حملته ويجتمع هؤلاء التجار عنده ويبعثر عليهم أموالا كثيرة، فأنا أحق منهم بهذا المال، فمرادي أن أعاشره وأتودد إليه حتى تأتي حملته، والذي يأخذه منه هؤلاء التجار آخذه أنا وأزوجه ابنتي، وأضم ماله إلى مالي. فقال له الوزير: يا ملك الزمان، ما أظنه إلا نصابا، والنصاب قد أخرب بيت الطماع. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 993 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير لما قال للملك: ما أظنه إلا نصابا، والنصاب قد أخرب بيت الطماع. قال له الملك: يا وزير، أنا أمتحنه وأعرف هل هو نصاب أو صادق، وهل هو تربية نعمة أو لا! قال الوزير: بماذا تمتحنه؟ قال الملك: إن عندي جوهرة، فأنا أبعث إليه وأحضره ms2277 عندي، وإذا جلس أكرمه وأعطيه الجوهرة، فإن عرفها وعرف ثمنها يكون صاحب خير ونعم، وإن لم يعرفها فهو نصاب محدث، فأقتله أقبح قتلة. ثم إن الملك أرسل إليه وأحضره، فلما دخل عليه سلم عليه، فرد عليه السلام وأجلسه إلى جانبه وقال له: هل أنت التاجر معروف؟ قال: نعم. قال له: إن التجار يزعمون أن لهم عندك ستين ألف دينار، فهل ما يقولونه حق؟ قال: نعم. قال له: لم لم تعطهم أموالهم؟ قال: يصبرون حتى تجيء حملتي وأعطيهم المثل مثلين، وإن أرادوا ذهبا أعطهم، وإن أرادوا فضة أعطهم، وإن أرادوا بضاعة أعطهم، والذي له ألف أعطيه ألفين في نظير ما ستر به وجهي مع الفقراء، فإن عندي شيئا كثيرا. ثم إن الملك قال له: يا تاجر، خذ هذه وانظر ما جنسها وما قيمتها. وأعطاه جوهرة قدر البندقة كان الملك اشتراها بألف دينار، ولم يكن عنده غيرها، وكان مستعزا بها، فأخذها معروف بيده وقرط عليها بالإبهام والشاهد فكسرها؛ لأن الجوهر رقيق لا يتحمل. فقال له الملك: لأي شيء كسرت الجوهرة؟ فضحك وقال: يا ملك الزمان، ما هذه جوهرة! هذه قطعة معدن تساوي ألف دينار، كيف تقول عليها إنها جوهرة؟ إن الجوهرة يكون ثمنها سبعين ألف دينار، وإنما يقال على هذه: قطعة معدن. والجوهرة ما لم تكن قدر الجوزة فلا قيمة لها عندي ولا أعتني بها. كيف تكون ملكا وتقول على هذه جوهرة وهي قطعة معدن قيمتها ألف دينار؟! ولكن أنتم معذورون لكونكم فقراء وليس عندكم ذخائر لها قيمة. فقال له الملك: يا تاجر، هل عندك جواهر من الذي تخبر به؟ قال: كثير. فغلب الطمع على الملك، فقال له: هل تعطيني جواهر صحاحا؟ قال له: حتى تجيء الحملة أعطيك كثيرا، ومهما طلبته فعندي منه كثير، وأعطيك من غير ثمن. ففرح الملك وقال للتجار: روحوا إلى حال سبيلكم، واصبروا عليه حتى تجيء الحملة، ثم تعالوا خذوا مالكم مني. فراحوا. # هذا ما كان من أمر معروف والتجار، وأما ما كان من أمر الملك، فإنه أقبل ms2278 على الوزير وقال له: لاطف التاجر معروفا وخذ وأعط معه في الكلام، واذكر له ابنتي حتى يتزوج بها ونغتنم هذه الخيرات التي عنده. فقال الوزير: يا ملك الزمان، إن حال هذا الرجل لم يعجبني، وأظن أنه نصاب وكذاب، فاترك هذا الكلام لئلا تضيع بنتك بلا شيء. وكان الوزير سابقا ساق على الملك أن يزوجه البنت، وأراد زواجها له، فلما بلغها ذلك لم ترض. ثم إن الملك قال له: يا خائن، أنت لا تريد لي خيرا لكونك خطبت ابنتي سابقا ولم ترض أن تتزوج بك، فصرت الآن تقطع طريق زواجها، ومرادك أن بنتي تبور حتى تأخذها أنت! فاسمع مني هذه الكلمة، ليس لك علاقة بهذا الكلام، كيف يكون نصابا كذابا مع أنه عرف ثمن الجوهرة مثل ما اشتريتها به، وكسرها لكونها لم تعجبه وعنده جواهر؟ فمتى دخل على ابنتي يرها جميلة فتأخذ عقله ويحبها ويعطها جواهر وذخائر، وأنت مرادك أن تحرم ابنتي وتحرمني من هذه الخيرات. فسكت الوزير وخاف من غضب الملك عليه، وقال في نفسه: أغر الكلاب على البقر. ثم ميل على التاجر معروف وقال له: إن حضرة الملك حبك، وله بنت ذات حسن وجمال يريد أن يزوجها لك، فما تقول؟ فقال له: لا بأس، ولكن يصبر حتى تأتي حملتي، فإن مهر بنات الملوك واسع، ومقامهن ألا يمهرن إلا بمهر يناسب حالهن، وفي هذه الساعة ما عندي مال، فليصبر علي حتى تجيء الحملة، فالخير عندي كثير، ولا بد أن أدفع صداقها خمسة آلاف، وأحتاج إلى ألف كيس أفرقها على الفقراء والمساكين ليلة الدخلة، وألف كيس أعطيها للذين يمشون في الزفة، وألف كيس أعمل بها الأطعمة للعساكر وغيرهم، وأحتاج إلى مائة جوهرة أعطيها للملكة صبيحة العرس، ومائة جوهرة أفرقها على الجواري والخدم، فأعطي كل واحدة جوهرة تعظيما لمقام العروسة، وأحتاج إلى أن أكسي ألف عريان من الفقراء، ولا بد من صدقات، وهذا شيء لا يمكن إلا إذا جاءت الحملة، فإن عندي شيئا كثيرا، وإذا جاءت الحملة لا أبالي بهذا المصروف كله. ms2279 فراح الوزير وأخبر الملك بما قاله، فقال الملك: حيث كان مراده ذلك، كيف تقول عنه إنه نصاب كذاب؟ قال الوزير: ولم أزل أقول ذلك. ففزع فيه الملك ووبخه وقال له: وحياة رأسي، إن لم تترك هذا الكلام لأقتلنك! فارجع إليه وهاته عندي، وأنا مني له أصطفل. فراح إليه الوزير وقال: تعال كلم الملك. فقال: سمعا وطاعة. ثم جاء إليه، فقال له الملك: لا تعتذر بهذه الأعذار، فإن خزنتي ملآنة، فخذ المفاتيح عندك وأنفق جميع ما تحتاج إليه، وأعط ما تشاء، واكس الفقراء وافعل ما تريد، وما عليك من البنت والجواري، وإذا جاءت حملتك فاعمل مع زوجتك ما تشاء من الإكرام، ونحن نصبر عليك بصداقها حتى تجيء الحملة، وليس بيني وبينك فرق أبدا. # ثم أمر شيخ الإسلام أن يكتب الكتاب، فكتب كتاب بنت الملك على التاجر معروف، وشرع في عمل الفرح، وأمر بزينة المدينة، ودقت الطبول ومدت الأطعمة من سائر الألوان، وأقبلت أرباب الملاعب، وصار التاجر معروف يجلس على كرسي في مقعد، وتأتي قدامه أرباب الملاعب والشطار والجنك وأرباب الحركات الغريبة والملاهي العجيبة، وصار يأمر الخازندار ويقول له: هات الذهب والفضة. فيأتيه بالذهب والفضة، وصار يدور على المتفرجين ويعطي كل من لعب بالكبشة ويحسن للفقراء والمساكين، ويكسو العريانين، وصار فرحا عجاجا. وما بقي الخازندار يلحق أن يجيء بالأموال من الخزنة، وكاد قلب الوزير أن ينفقع من الغيظ، ولم يقدر أن يتكلم، وصار التاجر علي يتعجب من بذل هذه الأموال ويقول للتاجر معروف: الله والرجال على صدغك! أما كفاك أن أضعت مال التجار حتى تضيع مال الملك؟ فقال له التاجر معروف: لا علاقة لك، وإذا جاءت الحملة أعوض ذلك على الملك بأضعافه. وصار يبدد في الأموال ويقول في نفسه: كبة حامية، فالذي يجري يجري والمقدر ما منه مفر. ولم يزل الفرح مدة أربعين يوما، وفي اليوم الحادي والأربعين عملوا الزفة للعروسة ومشى قدامها جميع الأمراء والعساكر، ولما دخلوا بها صار ينثر الذهب على رءوس الخلائق، وعملوا لها زفة عظيمة، وصرف أموالا لها ms2280 مقدار عظيم، وأدخلوه على الملكة فقعد على المرتبة العالية، وأرخوا الستائر وقفلوا الأبواب وخرجوا وتركوه عند العروسة، فخبط يدا على يد وقعد حزينا مدة وهو يضرب كفا على كف ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فقالت له الملكة: يا سيدي، سلامتك، ما لك مغموما؟ فقال: كيف لا أكون مغموما وأبوك قد شوش علي وعمل معي عملة مثل حرق الزرع الأخضر؟! قالت: وما عمل معك أبي؟ قل لي. قال: أدخلني عليك قبل أن تأتي حملتي، وكان مرادي أقل ما يكون مائة جوهرة أفرقها على جواريك، لكل واحدة جوهرة تفرح بها وتقول: إن سيدي أعطاني جوهرة في ليلة دخلته على سيدتي. وهذه الخصلة كانت تعظيما لمقامك وزيادة في شرفك، فإني لا أقصر ببذل الجواهر؛ لأن عندي منها كثيرا. فقالت له: لا تهتم بذلك، ولا تغم نفسك بهذا السبب، أما أنا فما عليك مني؛ لأني أصبر عليك حتى تجيء الحملة، وأما الجواري فما عليك منهن. قم اقلع ثيابك واعمل انبساطا، ومتى جاءت الحملة فإننا لاحقون على تلك الجواهر وغيرها. فقام وقلع ما كان عليه من الثياب، وجلس على الفراش وطلب النغاش ووقع الهراش، وحط يده على ركبتها، فجلست هي في حجره وألقمته شفتها في فمه، وصارت هذه الساعة تنسي الإنسان أباه وأمه، فحضنها وضمها إليه وعصرها في حضنه، وضمها إلى صدره ومص شفتها حتى سال العسل من فمها، ووضع يده من تحت إبطها الشمال، فحنت أعضاؤه وأعضاؤها للوصال، ولكزها بين النهدين فراحت بين الفخذين، وتحزم بالساقين ومارس العملين ونادى: يا أبا اللثامين! وحط الذخيرة وأشعل الفتيل، وحرر على بيت الإبرة وأعطى النار، فخسف البرج من الأربعة أركان، وحصلت النكتة التي لا يسأل عنها، وزعقت الزعقة التي لا بد منها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 994 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بنت الملك لما زعقت الزعقة التي لا بد منها، أزال التاجر معروف بكارتها، وصارت تلك الليلة لا تعد من الأعمار؛ لاشتمالها على وصل الملاح ms2281 من عناق وهراش ومص ورضع إلى الصباح، ثم دخل الحمام ولبس بدلة من ملابس الملوك، وطلع من الحمام ودخل ديوان الملك، فقام له من فيه على الأقدام، وقابلوه بإعزاز وإكرام، وهنوه وباركوا له، وجلس بجانب الملك وقال: أين الخازندار؟ فقالوا: ها هو حاضر بين يديك. قال: هات الخلع وألبس جميع الوزراء والأمراء وأرباب المناصب. فجاء له بجميع ما طلب، وجلس يعطي كل من أتى له، ويهب لكل إنسان على قدر مقامه، واستمر على هذه الحالة مدة عشرين يوما، ولم يظهر له حملة ولا غيرها. ثم إن الخازندار تضايق منه غاية الضيق، ودخل على الملك في غياب معروف، وكان الملك جالسا هو والوزير لا غير، فقبل الأرض بين يديه وقال: يا ملك الزمان، أنا أخبرك بشيء؛ لأنك ربما تلومني على عدم الإخبار به. اعلم أن الخزنة فرغت ولم يبق فيها شيء من المال إلا القليل، وبعد عشرة أيام نقفلها على الفارغ. فقال الملك: يا وزير، إن حملة نسيبي تأخرت ولم يبن عنها خبر. فضحك الوزير وقال له: الله يلطف بك يا ملك الزمان، ما أنت إلا مغفل عن فعل هذا النصاب الكذاب، وحياة رأسك إنه لا حملة له ولا كبة تريحنا منه، وإنما هو لم يزل ينصب عليك حتى أتلف أموالك وتزوج بنتك بلا شيء، وإلى متى وأنت غافل عن هذا الكذاب؟ فقال له: يا وزير، كيف العمل حتى نعرف حقيقة حاله؟ فقال: يا ملك الزمان، لا يطلع على سر الرجل إلا زوجته، فأرسل إلى بنتك لتأتي خلف الستارة حتى أسألها عن حقيقة حاله؛ لأجل أن تختبره وتطلعنا على طبيعة حاله. فقال: لا بأس بذلك، وحياة رأسي إن ثبت أنه نصاب كذاب لأقتلنه أشأم قتلة! # ثم إنه أخذ الوزير ودخل به إلى قاعة الجلوس، وأرسل إلى بنته فأتت خلف الستارة، وكان ذلك في غياب زوجها، فلما أتت قالت: يا أبي، ما تريده؟ قال: كلمي الوزير. قالت: أيها الوزير، ما بالك؟ قال: يا سيدتي، اعلمي أن زوجك أتلف مال أبيك، وقد تزوج ms2282 بك بلا مهر، وهو لم يزل يعدنا ويخلف الميعاد، ولم يبن لحملته خبر، وبالجملة نريد أن تخبرينا عنه. فقالت: إن كلامه كثير، وهو في كل وقت يجيء ويعدني بالجواهر والذخائر والقماشات المثمنة، ولم أر شيئا. فقال: يا سيدتي، هل تقدرين في هذه الليلة أن تأخذي وتعطي معه في الكلام وتقولي له: أخبرني بالصحيح ولا تخف من شيء، فإنك صرت زوجي ولا أفرط فيك، فأخبرني بحقيقة الأمر وأنا أدبر لك تدبيرا ترتاح به. ثم قربي وبعدي له في الكلام، وأريه المحبة وقرريه، ثم بعد ذلك أخبرينا بحقيقة أمره. فقالت: يا أبت، أنا أعرف كيف أختبره. ثم إنها ذهبت، وبعد العشاء دخل عليها زوجها معروف على جري عادته، فقامت له وأخذته من تحت إبطه، وخادعته خداعا زائدا، وناهيك بمخادعة النساء إذا كان لهن عند الرجال حاجة يردن قضاءها. وما زالت تخادعه وتلاطفه بكلام أحلى من العسل حتى سرقت عقله، فلما رأته مال إليها بكليته قالت له: يا حبيبي، يا قرة عيني، يا ثمرة فؤادي، لا أوحش الله ولا فرق الزمان بيني وبينك، فإن محبتك سكنت فؤادي، ونار غرامك أحرقت أكبادي، وليس فيك تفريط أبدا، ولكن مرادي أن تخبرني بالصحيح؛ لأن حيل الكذب غير نافعة، لا تنطلي في كل الأوقات، وإلى متى وأنت تنصب وتكذب على أبي؟! وأنا خائفة أن يفتضح أمرك عنده قبل أن ندبر له حيلة فيبطش بك. فأخبرني بالصحيح، وما لك إلا ما يسرك، ومتى أخبرتني بحقيقة الأمر فلا تخش من شيء يضرك، فكم تدعي أنك تاجر وصاحب أموال ولك حملة، وقد مضت لك مدة طويلة وأنت تقول: حملتي حملتي، ولم يبن عن حملتك خبر، ويلوح على وجهك الهم بهذا السبب، فإن كان كلامك ليس له صحة فأخبرني وأنا أدبر لك تدبيرا تخلص به إن شاء الله. فقال لها: يا سيدتي، أنا أخبرك بالصحيح، ومهما أردت فافعلي. فقالت: قل وعليك بالصدق؛ فإن الصدق سفينة النجاة، وإياك والكذب؛ فإنه يفضح صاحبه، ولله در من قال: # عليك بالصدق ولو أنه %~% أحرقك عمدا ms2283 بنار الوعيد ~~وابغ رضا الله فأغبى الورى %~% من أسخط المولى وأرضى العبيد # فقال: يا سيدتي، اعلمي أني لست تاجرا، ولا لي حملة ولا كبة حامية، وإنما كنت في بلادي رجلا إسكافيا، ولي زوجة اسمها فاطمة العرة، وجرى لي معها كذا وكذا ... وأخبرها بالحكاية من أولها إلى آخرها. فضحكت وقالت: إنك ماهر في صناعة الكذب والنصب. فقال: يا سيدتي، الله تعالى يبقيك لستر العيوب وفك الكروب. فقالت: اعلم أنك نصبت على أبي وغررته بكثرة فشرك حتى زوجني بك من طمعه، ثم أتلفت ماله، والوزير منكر ذلك عليك، وكم مرة يتكلم فيك عند أبي ويقول له: إنه نصاب كذاب. ولكن أبي لم يطعه فيما يقول بسبب أنه كان خطبني وأنا لم أرض به أن يكون لي بعلا وأكون له أهلا، ثم إن المدة طالت، وقد تضايق أبي وقال لي: قرريه. وقد قررتك وانكشف المغطى، وأبي مصر لك على الضرر بهذا السبب، ولكنك صرت زوجي وأنا لا أفرط فيك، فإن أخبرت أبي بهذا الخبر ثبت عنده أنك نصاب كذاب، وقد نصبت على بنات الملوك وأذهبت أموالهم، فذنبك عنده لا يغتفر، ويقتلك بلا محالة، ويشيع بين الناس أني تزوجت برجل نصاب كذاب، وتكون فضيحة في حقي، وإذا قتلك أبي ربما يحتاج إلى أن يزوجني إلى آخر، وهذا شيء لا أقبله ولو مت، ولكن قم الآن والبس بدلة مملوك، وخذ معك خمسين ألف دينار من مالي، واركب على جواد وسافر إلى بلاد يكون حكم أبي لا ينفذ فيها، واعمل تاجرا هناك واكتب لي كتابا وأرسله مع ساع يأتيني به خفية لأعلم في أي البلاد أنت، حتى أرسل إليك كل ما طالته يدي ويكثر مالك، فإن مات أبي أرسلت إليك فتجيء بإعزاز وإكرام، وإذا مت أنت أو مت أنا إلى رحمة الله تعالى، فالقيامة تجمعنا، وهذا هو الصواب، وما دمت طيبا وأنا طيبة فلا أقطع عنك المراسلة والأموال. قم قبل أن يطلع النهار عليك وتحتار ويحيط بك الدمار. # فقال لها: يا سيدتي، أنا في عرضك أن ms2284 تودعيني بوصالك. فقالت: لا بأس. ثم واصلها واغتسل ولبس بدلة مملوك، وأمر السياس أن يشدوا له جواده من الخيل الجياد، فشدوا له جوادا، ثم ودعها وخرج من المدينة في آخر الليل وسار، فصار كل من رآه يظن أنه مملوك من مماليك السلطان مسافر في قضاء حاجة. فلما أصبح الصباح جاء أبوها هو والوزير إلى قاعة الجلوس، وأرسل إليها أبوها فأتت خلف الستارة، فقال لها أبوها: يا بنتي، ما تقولين؟ قالت: أقول: سود الله وجه وزيرك؛ فإنه كان مراده أن يسود وجهي مع زوجي. قال: وكيف ذلك؟ قالت: إنه دخل علي أمس قبل أن أذكر له هذا الكلام، وإذا بفرج الطواشي جاء علي وبيده كتاب وقال: إن عشرة مماليك واقفون تحت شباك القصر، وأعطوني هذا الكتاب وقالوا لي: قبل لنا أيادي سيدي معروف وأعطه هذا الكتاب؛ فإننا من مماليكه الذين مع الحملة، وقد بلغنا أنه تزوج بنت الملك فأتينا له لنخبره بما حل بنا في الطريق. فأخذت الكتاب وقرأته فرأيت فيه: «من المماليك الخمسمائة إلى حضرة سيدنا التاجر معروف. وبعد؛ فالذي نعلمك به أنك بعدما فتنا خرج العرب علينا وحاربونا وهم قدر ألفين من الفرسان ونحن خمسمائة مملوك، ووقع بيننا وبين العرب حرب عظيمة، ومنعونا عن الطريق، ومضى لنا ثلاثون يوما ونحن نحاربهم، وهذا سبب تأخيرنا عنك ...» وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 995 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بنت الملك قالت لأبيها: إن زوجي جاءه مكتوب من أتباعه مضمونه: «إن العرب منعونا عن الطريق، وهذا سبب تأخيرنا عنك، وقد أخذوا منا مائتي حمل قماش من الحملة، وقتلوا منا خمسين مملوكا.» فلما بلغه الخبر قال: خيبهم الله! كيف يتحاربون مع العرب لأجل مائتي حمل بضاعة؟ وما مقدار مائتي حمل؟ فما كان ينبغي لهم أن يتأخروا من أجل ذلك، فإن قيمة المائتي حمل سبعة آلاف دينار، ولكن ينبغي أن أروح إليهم وأستعجلهم، والذي أخذه العرب لا تنقص به الحملة ولا يؤثر عندي شيئا، وأقدر أني تصدقت به ms2285 عليهم. ثم نزل من عندي ضاحكا ولم يغم على ما ضاع من ماله ولا على قتل مماليكه، ولما نزل نظرت من شباك القصر فرأيت العشرة مماليك الذين أتوا له بالكتاب كأنهم الأقمار؛ كل واحد منهم لابس بدلة تساوي ألف دينار، وليس عند أبي مملوك يشبه واحدا منهم. ثم توجه مع المماليك الذين جاءوا له بالمكتوب ليجيء بحملته، والحمد لله الذي منعني أن أذكر له شيئا من هذا الكلام الذي أمرتني به؛ فإنه كان يستهزئ بي وبك، وربما كان يراني بعين النقص ويبغضني، ولكن العيب كله من وزيرك الذي يتكلم في حق زوجي كلاما لا يليق به. فقال الملك: يا بنتي، إن مال زوجك كثير، ولا يفكر في ذلك، ومن يوم دخل بلادنا وهو يتصدق على الفقراء، وإن شاء الله عن قريب يأتي بالحملة ويحصل لنا منه خير كثير. وصار يأخذ بخاطرها ويوبخ الوزير، وانطلت عليه الحيلة. # هذا ما كان من أمر الملك، وأما ما كان من أمر التاجر معروف، فإنه ركب الجواد وسار في البر الأقفر وهو متحير لا يدري إلى أي البلاد يروح، وصار من ألم الفراق ينوح، وقاسى الوجد واللوعات، وأنشد هذه الأبيات: # غدر الزمان بشملنا فتفرقا %~% والقلب ذاب من الجفا وتحرقا ~~والعين تقطر من فراق أحبتي %~% هذا الفراق متى يكون الملتقى ~~يا طلعة البدر المنير أنا الذي %~% في حبكم ترك الفؤاد ممزقا ~~يا ليتني لم أجتمع بك ساعة %~% من بعد طيب وصالكم ذقت الشقا ~~ما زال معروف بدنيا مغرما %~% إن كان مات صبابة فلها البقا ~~يا بهجة الشمس المنيرة أدركي %~% قلبا لمعروف المحبة محرقا ~~يا هل ترى الأيام تجمع شملنا %~% ونفوز منها بالمسرة واللقا ~~ويضمنا قصر الحبيبة بالهنا %~% وأضم فيه معانقا غصن النقا ~~يا طلعة البدر المنيرة شمسه %~% ما زال وجهك بالمحاسن مشرقا ~~إني لراض بالغرام وهمه %~% حيث السعادة في الهوى عين الشقا ![figure](../Images/figure10.png) # فكشف عنها التراب، فوجد تلك الحلقة في وسط حجر من المرمر. # فلما فرغ من شعره بكى بكاء شديدا، وقد انسدت الطرقات في وجهه، واختار ms2286 الممات على الحياة، ثم إنه مشى كالسكران من شدة حيرته، ولم يزل سائرا إلى وقت الظهر حتى أقبل على بلدة صغيرة، فرأى رجلا حراثا قريبا منها يحرث على ثورين، وكان قد اشتد به الجوع، فقصد الحراث وقال له: السلام عليكم. فرد عليه السلام وقال: مرحبا بك يا سيدي، هل أنت من مماليك السلطان؟ قال: نعم. قال: انزل عندي للضيافة. فعرف أنه من الأجاويد، فقال له: يا أخي، ما أنا ناظر عندك شيئا حتى تطعمني إياه، فكيف تعزم علي؟ فقال الحراث: يا سيدي، الخير موجود، انزل أنت وها هي البلدة قريبة، فأروح وأجيء لك بغداء وعليق لحصانك. قال: حيث كانت البلدة قريبة فأنا أصل إليها في مقدار ما تصل أنت إليها وأشتري مرادي من السوق وآكل. فقال له: يا سيدي، إن البلدة كفر صغير، وليس فيها سوق ولا بيع ولا شراء. سألتك بالله أن تنزل عندي وتجبر بخاطري وأنا أذهب إليها وأرجع إليك بسرعة. فنزل، ثم إن الفلاح تركه وراح البلد ليجيء له بالغداء، فقعد معروف ينتظره، ثم قال في نفسه: إنا شغلنا هذا الرجل المسكين عن شغله، ولكن أنا أقوم وأحرث عوضا عنه حتى يأتي في نظير ما عوقته عن شغله. ثم أخذ المحراث وساق الثيران، فحرث قليلا، وعثر المحراث فرآه مشبوكا في حلقة من الذهب، فكشف عنها التراب فوجد تلك الحلقة في وسط حجر من المرمر قدر قاعدة الطاحون، فعالج فيه حتى قلعه من مكانه، فبان من تحته طابق بسلالم، فنزل في تلك السلالم فرأى مكانا مثل الحمام بأربعة لواوين؛ الليوان الأول ملآن من الأرض إلى السقف بالذهب، والليوان الثاني ملآن زمردا ولؤلؤا ومرجانا من الأرض إلى السقف، والليوان الثالث ملآن ياقوتا وبلخشا وفيروزا، والليوان الرابع ملآن بالألماس ونفيس المعادن من سائر أصناف الجواهر. وفي صدر المكان صندوق من البلور الصافي ملآن بالجواهر اليتيمة التي كل جوهرة منها قدر الجوزة. وفوق ذلك الصندوق علبة صغيرة قدر الليمونة، وهي من الذهب. فلما رأى ذلك تعجب وفرح فرحا شديدا وقال: يا ms2287 هل ترى أي شيء في هذه العلبة؟ ثم إنه فتحها فرأى فيها خاتما من الذهب مكتوبا عليه أسماء وطلاسم مثل دبيب النمل، فدعك الخاتم، وإذا بقائل يقول: لبيك لبيك يا سيدي، فاطلب تعط، هل تريد أن تعمر بلدا أو تخرب مدينة أو تقتل ملكا أو تحفر نهرا أو نحو ذلك؟ فمهما طلبته فإنه قد صار بإذن الملك الجبار خالق الليل والنهار. فقال له: يا مخلوق ربي، من أنت؟ وما تكون؟ قال: أنا خادم هذا الخاتم القائم بخدمة مالكه، فمهما طلبه من الأغراض قضيته له ولا عذر لي فيما يأمرني به؛ فإني سلطان على أعوان من الجان، وعدة عسكري اثنتان وسبعون قبيلة، كل قبيلة عدتها اثنان وسبعون ألفا، وكل واحد من الألف يحكم على ألف مارد، وكل مارد يحكم على ألف عون، وكل عون يحكم على ألف شيطان، وكل شيطان يحكم على ألف جني، وكلهم من تحت طاعتي، ولا يقدرون على مخالفتي، وأنا مرصود لهذا الخاتم لا أقدر على مخالفة من ملكه، وها أنت قد ملكته وصرت أنا خادمك، فاطلب ما شئت فإني سميع لقولك مطيع لأمرك، وإذا احتجت إلي في أي وقت في البر أو في البحر فادعك الخاتم تجدني عندك، وإياك أن تدعكه مرتين متواليتين فتحرقني بنار الأسماء، وتعدمني وتندم علي بعد ذلك، وقد عرفتك بحالي والسلام. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 996 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خادم هذا الخاتم لما أخبر معروفا بأحواله قال له معروف: ما اسمك؟ قال: اسمي أبو السعادات. فقال له: يا أبا السعادات، ما هذا المكان؟ ومن أرصدك في هذه العلبة؟ قال له: يا سيدي، هذا المكان كنز يقال له كنز شداد بن عاد الذي عمر إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وأنا كنت خادمه في حياته، وهذا خاتمه، وقد وضعه في كنزه، ولكنه نصيبك. فقال له معروف: هل تقدر أن تخرج ما في هذا الكنز على وجه الأرض؟ قال: نعم، أسهل ما يكون. ms2288 قال: أخرج جميع ما فيه ولا تبق منه شيئا. فأشار بيده إلى الأرض فانشقت، ثم نزل وغاب مدة لطيفة، وإذا بغلمان صغار ظراف بوجوه حسان قد خرجوا وهم حاملون مشنات من الذهب، وتلك المشنات ممتلئة ذهبا، وفرغوها ثم راحوا وجاءوا بغيرها، ولا زالوا ينقلون من الذهب والجواهر، فلم تمض ساعة حتى قالوا: ما بقي في الكنز شيء. ثم طلع له أبو السعادات وقال له: يا سيدي، قد رأيت أن جميع ما في الكنز قد نقلناه. فقال له: ما هذه الأولاد الحسان؟ قال: هؤلاء أولادي؛ لأن هذه الشغلة لا تستحق أن أجمع لها الأعوان، وأولادي قضوا حاجتك وتشرفوا بخدمتك، فاطلب ما تريد غير هذا. قال له: هل تقدر أن تجيء لي ببغال وصناديق وتحط هذه الأموال في الصناديق وتحمل الصناديق على البغال؟ قال: هذا أسهل ما يكون. ثم إنه زعق زعقة عظيمة فحضر أولاده بين يديه، وكانوا ثمانمائة. فقال لهم: لينقلب بعضكم في صورة البغال، وبعضكم في صورة المماليك الحسان الذين أقل من فيهم لا يوجد مثله عند ملك من الملوك، وبعضكم في صورة المكارية، وبعضكم في صورة الخدامين. ففعلوا كما أمرهم، ثم صاح على الأعوان فحضروا بين يديه، فأمرهم أن ينقلب بعضهم في صورة الخيل المسرجة بسروج الذهب المرصع بالجواهر. فلما رأى معروف ذلك قال: أين الصناديق؟ فأحضروهم بين يديه. قال: عبوا الذهب والمعادن كل صنف وحده. فعبوها وحملوها على ثلاثمائة بغل، فقال معروف: يا أبا السعادات، هل تقدر أن تجيء لي بأحمال من نفيس القماش؟ قال: أتريدها قماشا مصريا أو شاميا أو عجميا أو هنديا أو روميا؟ قال: هات من قماش كل بلد مائة حمل على مائة بغل. قال: يا سيدي، أعطني مهلة حتى أرتب أعواني لذلك وآمر كل طائفة أن تروح إلى بلد لتجيء بمائة حمل من قماشها وينقلب الأعوان في صورة البغال ويأتون حاملين البضائع. قال: ما قدر زمن المهلة؟ قال: مدة سواد الليل، فلا يطلع النهار إلا وعندك جميع ما تريد. قال: أمهلتك هذه المدة. ثم ms2289 إنه أمرهم أن ينصبوا له خيمة، فنصبوها وجلس وجاءوا له بسماط، وقال له أبو السعادات: يا سيدي، اجلس في الخيمة، وهؤلاء أولادي بين يديك يحرسونك، ولا تخش من شيء، وأنا رايح أجمع أعواني وأبعثهم ليقضوا حاجتك. # ثم ذهب أبو السعادات إلى حال سبيله، وجلس معروف في الخيمة والسماط قدامه وأولاد أبي السعادات بين يديه في صورة المماليك والخدم والحشم. فبينما هو جالس على تلك الحالة، وإذا بالرجل الفلاح أقبل وهو حامل قصعة عدس كبيرة، ومخلاة ممتلئة شعيرا، فرأى الخيمة منصوبة والمماليك واقفة وأيديهم على صدورهم، فظن أنه السلطان أتى ونزل في ذلك المكان، فوقف باهتا وقال في نفسه: يا ليتني كنت ذبحت فرختين وحمرتهما بالسمن البقري من شأن السلطان. وأراد أن يرجع ليذبح فرختين يضيف بهما السلطان، فرآه معروف فزعق عليه، وقال للمماليك: هاتوه. فحملوه هو وقصعة العدس وأتوا بهما قدامه، فقال له: ما هذا؟ قال: هذا غداؤك وعليق حصانك، فلا تؤاخذني؛ فإني ما كنت أظن أن السلطان يأتي إلى هذا المكان، ولو علمت بذلك كنت ذبحت له فرختين وضيفته ضيافة مليحة. فقال معروف: إن السلطان لم يجئ، وإنما أنا نسيبه، وكنت مغبونا منه، وقد أرسل إلي مماليكه فصالحوني، وأنا الآن أريد أن أرجع إلى المدينة، وأنت قد عملت لي هذه الضيافة على غير معرفة، وضيافتك مقبولة ولو كانت عدسا، فأنا ما آكل إلا من ضيافتك. ثم أمره بوضع القصعة في وسط السماط، وأكل منها حتى اكتفى، وأما الفلاح فإنه ملأ بطنه من تلك الألوان الفاخرة، ثم إن معروفا غسل يديه وأذن للمماليك في الأكل، فنزلوا على بقية السماط وأكلوا، ولما فرغت القصعة ملأها له ذهبا وقال له: أوصلها إلى منزلك وتعال عندي في المدينة وأنا أكرمك. فأخذ القصعة ملآنة ذهبا، وساق الثيران وذهب إلى بلده وهو يظن أنه نسيب الملك. وبات معروفا تلك الليلة في أنس وصفاء، وجاءوا له ببنات من عرائس الكنوز، فدقوا الآلات ورقصوا قدامه، وقضى ليلته وكانت لا تعد من الأعمار. # فلما أصبح الصباح لم يشعر ms2290 إلا والغبار قد علا وطار وانكشف عن بغال حاملة أحمالا، وهي سبعمائة بغل حاملة أقمشة وحولها غلمان مكارية وعكامة وضوية، وأبو السعادات راكب على بغلة وهو في صورة مقدم الحملة، وقدامه تختروان له أربعة عساكر من الذهب الأحمر الوهاج مرصعة بالجواهر. فلما وصل إلى الخيمة نزل من فوق ظهر البغلة وقبل الأرض وقال: يا سيدي، إن الحاجة قضيت بالتمام والكمال، وهذا التختروان فيه بدلة كنوزية لا مثل لها من ملابس الملوك، فالبسها واركب في التختروان وأمرنا بما تريد. فقال له: يا أبا السعادات، مرادي أن أكتب لك كتابا تروح به إلى مدينة خيتان الختن، وتدخل على عمي الملك، ولا تدخل عليه إلا في صورة ساع أنيس. فقال له: سمعا وطاعة. فكتب كتابا وختمه، فأخذه أبو السعادات وذهب به حتى دخل على الملك، فرآه يقول: يا وزير، إن قلبي على نسيبي وأخاف أن تقتله العرب، يا ليتني كنت أعرف أين يذهب حتى كنت أتبعه بالعسكر، ويا ليته كان أخبرني بذلك قبل الذهاب. فقال له الوزير: الله يلطف بك على هذه الغفلة التي أنت فيها، وحياة رأسك إن الرجل عرف أننا انتبهنا له فخاف من الفضيحة وهرب، وما هو إلا كذاب نصاب. وإذا بالساعي داخل، فقبل الأرض بين يدي الملك ودعا له بدوام العز والنعم والبقاء، فقال له الملك: من أنت؟ وما حاجتك؟ فقال له: أنا ساع أرسلني إليك نسيبك، وهو مقبل بالحملة، وقد أرسل إليك معي كتابا، وها هو. فأخذه وقرأه فرأى فيه: «بعد مزيد السلام على عمنا الملك العزيز، فإني جئت بالحملة، فاطلع وقابلني بالعسكر.» فقال الملك: سود الله وجهك يا وزير! كم تقدح في عرض نسيبي وتجعله كذابا نصابا، وقد أتى بالحملة، فما أنت إلا خائن. فأطرق الوزير رأسه على الأرض حياء وخجلا وقال: يا ملك الزمان، أنا ما قلت هذا الكلام إلا لطول غياب الحملة، وكنت خائفا على ضياع المال الذي صرفه. فقال: يا خائن، أي شيء أموالي حيثما أتت حملته؟ فإنه يعطيني عوضا عنها شيئا كثيرا. ثم ms2291 أمر الملك بزينة المدينة، ودخل على بنته وقال لها: لك البشارة، إن زوجك عن قريب يجيء بحملته، وقد أرسل إلي مكتوبا بذلك، وها أنا طالع لملاقاته. فتعجبت البنت من هذه الحالة وقالت في نفسها: إن هذا شيء عجيب! هل كان يهزأ بي ويتمسخر علي أو كان يختبرني حين أخبرني بأنه فقير؟ ولكن الحمد لله حيث لم يقع مني تقصير في حقه. # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر التاجر علي المصري، فإنه لما رأى الزينة سأل عن سبب ذلك فقالوا له: إن التاجر معروفا نسيب الملك قد أتت حملته. فقال: الله أكبر! ما هذه الداهية؟ إنه قد أتاني هاربا من زوجته، وكان فقيرا! فمن أين جاءت له حملة؟ ولكن لعل بنت الملك دبرت له حيلة خوفا من الفضيحة، والملوك لا تعجز عن شيء، فالله تعالى يستره ولا يفضحه. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 997 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التاجر عليا لما سأل عن الزينة أخبروه بحقيقة الحال، فدعا له وقال: الله يستره ولا يفضحه. وسائر التجار فرحوا وانسروا لأجل أخذ أموالهم. ثم إن الملك جمع العسكر وطلع، وكان أبو السعادات قد رجع إلى معروف وأخبره بأنه بلغ الرسالة. فقال معروف: حملوا. فحملوا ولبس البدلة الكنوزية وركب في التختروان، وصار أعظم وأهيب من الملك بألف مرة، ومشى إلى نصف الطريق، وإذا بالملك قابله بالعسكر، فلما وصل إليه رآه لابسا تلك البدلة وراكبا في التختروان، فرمى روحه عليه وسلم عليه وحياه بالسلام، وجميع أكابر الدولة سلموا عليه، وبان أن معروفا صادق ولا كذب عنده، ودخل المدينة بموكب يفقع مرارة الأسد، وسعت إليه التجار وقبلوا الأرض بين يديه. ثم إن التاجر عليا قال: قد عملت هذه العملة وطلعت بيدك يا شيخ النصابين، ولكن تستأهل، فالله تعالى يزيدك من فضله. فضحك معروف، ولما دخل السراية قعد على الكرسي وقال: أدخلوا أحمال الذهب في خزانة عمي الملك، وهاتوا أحمال الأقمشة فقدموها له. وصاروا يفتحونها حملا ms2292 بعد حمل، ويخرجون ما فيها حتى فتحوا السبعمائة حمل، فنقى أطيبها وقال: أدخلوه للملكة لتفرقه على جواريها، وخذوا هذا صندوق الجواهر وأدخلوه لها لتفرقه على الجواري والخدم. وصار يعطي التجار الذين لهم عليه دين من الأقمشة في نظير ديونهم، والذي له ألف يعطيه قماشا يساوي ألفين أو أكثر، وبعد ذلك صار يفرق على الفقراء والمساكين، والملك ينظر بعينه ولا يقدر أن يعترض عليه. ولم يزل يعطي ويهب حتى فرق السبعمائة حمل، ثم التفت إلى العسكر وجعل يفرق عليهم معادن وزمردا ويواقيت ولؤلؤا ومرجانا وغير ذلك، وصار لا يعطي الجواهر إلا بالكبش من غير عدد. فقال له الملك: يا ولدي، يكفي هذا العطاء؛ لأنه لم يبق من الحملة إلا القليل. فقال له: عندي كثير. واشتهر صدقه، وما بقي أحد يقدر أن يكذبه، وصار لا يبالي بالعطاء؛ لأن الخادم يحضر له مهما طلب. ثم إن الخازندار أتى للملك وقال: يا ملك الزمان، إن الخزنة امتلأت وصارت لا تسع بقية الأحمال، وما بقي من الذهب والمعادن أين نضعه؟ فأشار له إلى مكان آخر. ولما رأت زوجته هذه الحالة ازداد فرحها، وصارت متعجبة وتقول في نفسها: يا هل ترى من أين جاء له كل هذا الخير؟ وكذلك التجار فرحوا بما أعطاهم ودعوا له. وأما التاجر علي فإنه صار متعجبا ويقول في نفسه: يا ترى كيف نصب وكذب حتى ملك هذه الخزائن كلها؟ فإنها لو كانت من عند بنت الملك ما كان يفرقها على الفقراء، ولكن ما أحسن قول من قال: # ملك الملوك إذا وهب %~% لا تسألن عن السبب ~~الله يعطي من يشا %~% ء فكن على حد الأدب # هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر الملك، فإنه تعجب غاية العجب مما رأى من معروف، ومن كرمه وسخائه ببذل المال، ثم بعد ذلك دخل معروف على زوجته، فقابلته وهي متبسمة ضاحكة فرحانة، وقبلت يده وقالت: هل كنت تتمسخر علي أو كنت تجربني بقولك أنا فقير وهارب من زوجتي؟ والحمد لله حيث لم يقع ms2293 مني في حقك تقصير، وأنت حبيبي، وما عندي أعز منك؛ سواء كنت غنيا أو فقيرا، وأريد أن تخبرني ما قصدت بهذا الكلام؟ قال: أردت تجريبك حتى أنظر هل محبتك خالصة أو على شأن المال وطمع الدنيا، فظهر لي أن محبتك خالصة، وحيث كنت صادقة في المحبة فمرحبا بك، وقد عرفت قيمتك. ثم إنه اختلى في مكان وحده ودعك الخاتم، فحضر له أبو السعادات وقال له: لبيك، فاطلب ما تريد. قال: أريد منك بدلة كنوزية لزوجتي، وحليا كنوزيا مشتملا على عقد فيه أربعون جوهرة يتيمة. قال: سمعا وطاعة. ثم أحضر له ما أمره به، فحمل البدلة والحلي بعد أن صرف الخادم، ثم دخل على زوجته ووضعهما بين يديها وقال لها: خذي والبسي، فمرحبا بك. فلما نظرت إلى ذلك طار عقلها من فرحتها، ورأت من جملة الحلي خلخالين من الذهب مرصعين بالجواهر صنعة الكهنة، وأساور وحلقا وخزاما لا يتقوم بثمنها أموال، فلبست البدلة والحلي، ثم قالت: يا سيدي، مرادي أن أدخرها للمواسم والأعياد. قال: البسيها دائما، فإن عندي غيرها كثيرا. فلما لبستها ونظرها الجواري فرحن وقبلن يديه، فتركهن واختلى بنفسه، ثم دعك الخاتم فحضر له الخادم، فقال له: هات مائة بدلة بمصاغها. فقال: سمعا وطاعة. ثم أحضر له البدلات، وكل بدلة مصاغها في قلبها، فأخذها وزعق على الجواري، فأتين إليه، فأعطى كل واحدة بدلة، فلبسن البدلات وصرن مثل الحور العين، وصارت الملكة بينهن مثل القمر بين النجوم، ثم إن بعض الجواري أخبر الملك بذلك، فدخل الملك على ابنته فرآها تدهش من رآها هي وجواريها، فتعجب من ذلك غاية العجب، ثم خرج وأحضر وزيره وقال له: يا وزير، إنه حصل كذا وكذا، فما تقول في هذا الأمر؟ قال: يا ملك الزمان، إن هذه الحالة لا تقع من التجار؛ لأن التاجر تقعد عنده القطع الكتان سنين ولا يبيعها إلا بمكسب، فمن أين للتجار كرم مثل هذا الكرم؟ ومن أين لهم أن يحوزوا مثل هذه الأموال والجواهر التي لا يوجد منها عند الملوك إلا قليل؟ ms2294 فكيف يوجد عند التجار منها أحمال؟ فهذا لا بد له من سبب، ولكن إن طاوعتني أبين لك حقيقة الأمر. فقال له: أطاوعك يا وزير. فقال له: اجتمع عليه ووادده وتحدث معه وقل له: يا نسيبي، في خاطري أن أروح أنا وأنت والوزير من غير زيادة بستانا لأجل النزهة؛ فإذا خرجنا إلى بستان نحط سفرة المدام، واغصب عليه واسقه، ومتى شرب المدام ضاع عقله وغاب رشده، فنسأله عن حقيقة أمره، فإنه يخبرنا بأسراره، والمدام فضاح، ولله در من قال: # ولما شربناها ودب دبيبها %~% إلى موضع الأسرار قلت لها: قفي ~~مخافة أن يسطو علي شعاعها %~% فتظهر ندماني على سري الخفي # ومتى أخبرنا بحقيقة الأمر فإننا نطلع على حاله ونفعل به ما نحب ونختار، فإن الحالة التي هو فيها أخشى عليك من عواقبها؛ فربما تطمع نفسه في الملك، فيشتمل العسكر بالكرم وبذل المال، ويعزلك ويأخذ الملك منك. فقال له الملك: صدقت. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 998 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير لما دبر للملك هذا التدبير، قال له: صدقت. وباتا متفقين على هذا الأمر. فلما أصبح الصباح خرج الملك إلى المقعد وجلس، وإذا بالخدامين والسياس دخلوا عليه مكروبين. فقال لهم: ما الذي أصابكم؟ قالوا: يا ملك الزمان، إن السياس تمروا الخيل وعلقوا عليها وعلى البغال التي جاءت بالحملة، فلما أصبحنا وجدنا المماليك سرقوا الخيل والبغال، وفتشنا الإصطبلات فما رأينا خيلا ولا بغالا، ودخلنا محل المماليك فلم نر فيه أحدا، ولم نعرف كيف هربوا. فتعجب الملك من ذلك؛ لأنه ظن أن الأعوان كانوا خيلا وبغالا ومماليك، ولم يعلم أنهم كانوا أعوان خادم الرصد، فقال لهم: يا ملاعين! ألف دابة وخمسمائة مملوك وغيرهم من الخدام، كيف هربوا ولم تشعروا بهم؟ فقالوا: ما عرفنا كيف جرى لنا حتى هربوا. فقال: انصرفوا حتى يخرج سيدكم من الحريم وأخبروه بالخبر. فانصرفوا من قدام الملك وجلسوا متحيرين في هذا الأمر. فبينما هم جالسون على تلك الحالة، وإذا بمعروف قد خرج من ms2295 الحريم، فرآهم مغتمين، فقال لهم: ما الخبر؟ فأخبروه بما حصل، فقال: وما قيمتهم حتى تغتموا عليهم؟ امضوا إلى حال سبيلكم. وقعد يضحك، ولم يغتظ ولم يغتم من هذا الأمر. فطل الملك في وجه الوزير وقال له: أي شيء هذا الرجل الذي ليس للمال عنده قيمة؟! فلا بد لذلك من سبب. ثم إنهم تحدثوا معه ساعة وقال الملك: يا نسيبي، خاطري أن أروح أنا وأنت والوزير بستانا لأجل النزهة، فما تقول؟ قال: لا بأس. ثم إنهم ذهبوا وتوجهوا إلى بستان فيه من كل فاكهة زوجان، أنهاره دافقة وأشجاره باسقة وأطياره ناطقة، ودخلوا فيه قصرا يزيل عن القلوب الحزن، وجلسوا يتحدثون والوزير يحكي غريب الحكايات، ويأتي بالنكت المضحكات والألفاظ المطربات، ومعروف مصغ إلى الحديث حتى طلع الغداء وحطوا سفرة الطعام وباطية المدام، وبعد أن أكلوا وغسلوا أيديهم ملأ الوزير الكأس وأعطاه للملك، فشربه، وملأ الثاني وقال لمعروف: هاك كأس الشراب الذي تخضع لهيبته أعناق ذوي الألباب. فقال معروف: ما هذا يا وزير؟ قال الوزير: هذه البكر الشمطاء، والعانس العذراء، ومهدية السرور إلى السرائر، التي قال فيها الشاعر: # كانت لها أرجل الأعلاج دائرة %~% بالدوس فانتصفت من أرؤس العرب ~~يسقيكها من بني الكفار بدر دجى %~% ألحاظه للمعاصي أوكد السبب # ولله در القائل: # فكأنها وكأن حامل كأسها %~% إذ قام يجلوها على الندماء ~~شمس الضحى رقصت فنقط وجهها %~% بدر الدجى بكواكب الجوزاء ~~رقت فكادت من لطيف مزاجها %~% تجري كمجرى الروح في الأعضاء # وما أحسن قول الشاعر: # وبات بدر تمام الحسن معتنقي %~% والشمس في فلك الكاسات لم تأفل ~~وبت أنظر للنار التي سجدت %~% لها المجوس من الإبريق تسجد لي # وقول الآخر: # وتمشت في مفاصلهم %~% كتمشي البرء في السقم # وقول الآخر: # عجبت لعاصريها كيف ماتوا %~% وقد تركوا لنا ماء الحياة # وأحسن من ذلك قول أبي نواس: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء %~% وداوني بالتي كانت هي الداء ~~صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها %~% لو مسها حجر مسته سراء ~~قامت بإبريقها والليل معتكر %~% فلاح من ضوئها في البيت لألاء ~~طافت ms2296 على فتية ذل الزمان لهم %~% فلا تصيبهم إلا بما شاءوا ~~من كف ذات حر في زي ذي ذكر %~% لها محبان لوطي وزناء ~~وقل لمن يدعي في العلم معرفة %~% حفظت شيئا وغابت عنك أشياء # وأحسن من الجميع قول ابن المعتز: # سقى الجزيرة ذات الظل والشجر %~% ودير عبدون هطال من المطر ~~فطالما نبهتني للصبوح بها %~% في غرة الفجر والعصفور لم يطر ~~أصوات رهبان دير في صلاتهم %~% سود المدارع نعائين في السحر ~~كم فيهم من مليح الشكل مكتحل %~% بالغنج يطبق جفنيه على حور ~~وزارني في قميص الليل مستترا %~% يستعجل الخطو من خوف ومن حذر ~~وقمت أفرش خدي في الطريق له %~% ذلا وأسحب أذيالي على أثري ~~ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا %~% مثل القلامة قد قدت من الظفر ~~وكان ما كان مما لست أذكره %~% فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # ولله در القائل: # أصبحت من أغنى الورى %~% مستبشرا بالفرح ~~عندي نضار ذائب %~% أكتاله بالقدح # وما أحسن قول الشاعر: # تالله ما الكيميا في غيرها وجدت %~% وكل ما قيل في أبوابها كذب ~~قيراط خمر على القنطار من حزن %~% يعود في الحين أفراحا وينقلب # وقول الآخر: # ثقلت زجاجات أتينا فرغا %~% حتى إذا ملئت بصرف الراح ~~خفت فكادت أن تطير مع الهوى %~% وكذا الجسوم تخف بالأرواح # وقول الآخر: # وللكاس والصهباء حق معظم %~% ومن حقها ألا تضيع حقوقها ~~إذا مت فادفني إلى جنب كرمة %~% تروي عظامي بعد موتي عروقها ~~ولا تدفنني في الفلاة فإنني %~% أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # وما زال يرغبه في الشراب ويذكر له من محاسنه ما استطاب، وينشده ما ورد فيه من الأشعار ولطائف الأخبار، حتى مال إلى ارتشاف ثغر القدح، ولم يبق له غيرها مقترح. وما زال يملأ له وهو يشرب ويستلذ ويطرب حتى غاب عن صوابه، ولم يميز خطأه من صوابه، فلما علم أن السكر بلغ به الغاية وتجاوز النهاية قال له: يا تاجر معروف، والله إني متعجب من أين وصلت إليك هذه الجواهر التي لا يوجد مثلها عند الملوك الأكاسرة؟ وعمرنا ما ms2297 رأينا تاجرا حاز أموالا كثيرة مثلك ولا أكرم منك، فإن أفعالك أفعال ملوك وليست أفعال تجار، فبالله عليك أن تخبرني حتى أعرف قدرك ومقامك. وصار يمارسه ويخادعه وهو غائب العقل. فقال له معروف: أنا لست تاجرا ولا من أولاد الملوك ... وأخبره بحكايته من أولها إلى آخرها. فقال له: بالله عليك يا سيدي معروف إنك تفرجنا على هذا الخاتم حتى ننظر كيف صنعته. فقلع الخاتم وهو في حال سكره وقال: خذوا تفرجوا عليه. فأخذه الوزير وقلبه وقال: هل إذا دعكته يحضر الخادم؟ قال: نعم ادعكه يحضر لك وتفرج عليه. فدعكه، وإذا بقائل يقول: لبيك يا سيدي، اطلب تعط، هل تخرب مدينة أو تعمر مدينة أو تقتل ملكا؟ فمهما طلبته فإني أفعله لك من غير خلاف. فأشار الوزير إلى معروف وقال للخادم: احمل هذا الخاسر ثم ارمه في أوحش الأراضي الخراب حتى لا يجد فيها ما يأكل ولا ما يشرب، فيهلك من الجوع ويموت كمدا ولم يدر به أحد. فخطفه الخادم وطار به بين السماء والأرض. فلما رأى معروف ذلك أيقن بالهلاك وسوء الارتباك، فبكى وقال: يا أبا السعادات، إلى أين أنت رايح بي؟ فقال له: أنا رايح أرميك في الربع الخراب يا قليل الأدب، من يملك رصدا مثل هذا ويعطيه للناس يتفرجون عليه؟ لكن تستأهل ما حل بك، ولولا أني أخاف الله لرميتك من مسافة ألف قامة فلا تصل إلى الأرض حتى تمزقك الرياح. فسكت وصار لا يخاطبه حتى وصل به إلى الربع الخراب ورماه هناك، ورجع وخلاه في الأرض الموحشة. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 999 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخادم أخذ معروفا ورماه في الربع الخراب ورجع وخلاه. هذا ما كان من أمره، وأما ما كان من أمر الوزير، فإنه لما ملك الخاتم قال للملك: كيف رأيت؟ أما قلت لك إن هذا كذاب نصاب فما كنت تصدقني؟ فقال له: الحق معك يا وزيري، الله يعطيك العافية، هات هذا الخاتم حتى أتفرج عليه. ms2298 فالتفت الوزير بالغضب وبصق في وجهه وقال له: يا قليل العقل، كيف أعطيه لك وأبقى خدامك بعد أن صرت سيدك؟ ولكن أنا ما بقيت أبقيك. ثم دعك الخاتم فحضر الخادم، فقال له: احمل هذا القليل الأدب وارمه في المكان الذي رميت فيه نسيبه النصاب. فحمله وطار به، فقال له الملك: يا مخلوق ربي، أي شيء ذنبي؟ فقال له الخادم: لا أدري، وإنما أمرني سيدي بذلك، وأنا لا أقدر أن أخالف من ملك خاتم هذا الرصد. ولم يزل طائرا به حتى رماه في المكان الذي فيه معروف، ثم رجع وتركه هناك. فسمع معروفا يبكي، فأتى له وأخبره وقعدا يبكيان على ما أصابهما، ولم يجدا أكلا ولا شربا. # هذا ما كان من أمرهما، وأما ما كان من أمر الوزير، فإنه بعدما شتت معروفا والملك قام وخرج من البستان، وأرسل إلى جميع العسكر وعمل ديوانا وأخبرهم بما فعل مع معروف والملك، وأخبرهم بقصة الخاتم وقال لهم: إن لم تجعلوني عليكم سلطانا أمرت خادم الخاتم أن يحملكم جميعا ويرميكم في الربع الخراب فتموتوا جوعا وعطشا. فقالوا له: لا تفعل معنا ضررا؛ فإننا قد رضينا بك علينا سلطانا، ولا نعصي لك أمرا. ثم إنهم اتفقوا على سلطنته عليهم قهرا عنهم، وخلع عليهم الخلع، وصار يطلب من أبي السعادات كل ما أراده فيحضره بين يديه في الحال. ثم إنه جلس على الكرسي وأطاعه العسكر، وأرسل إلى بنت الملك يقول لها: حضري روحك؛ فإني داخل عليك في هذه الليلة؛ لأني مشتاق إليك. فبكت وصعب عليها أبوها وزوجها، ثم إنها أرسلت تقول له: أمهلني حتى تنقضي العدة، ثم اكتب كتابي وادخل علي في الحلال. فأرسل يقول لها: أنا لا أعرف عدة ولا طول مدة، ولا أحتاج إلى كتاب، ولا أعرف حلالا من حرام، ولا بد من دخولي عليك في هذه الليلة. فأرسلت تقول له: مرحبا بك، ولا بأس بذلك. وكان ذلك مكرا منها، فلما رجع له الجواب فرح وانشرح صدره؛ لأنه كان مغرما بحبها، ثم إنه أمر بوضع ms2299 الأطعمة بين جميع الناس وقال: كلوا هذا الطعام؛ فإنه وليمة الفرح، فإني أريد الدخول على الملكة في هذه الليلة. فقال شيخ الإسلام: لا يحل لك الدخول عليها حتى تنقضي عدتها وتكتب كتابك عليها. فقال له: أنا لا أعرف عدة ولا مدة، فلا تكثر علي كلاما. فسكت شيخ الإسلام وخاف من شره، وقال للعسكر: إن هذا كافر ولا دين له ولا مذهب له. فلما جاء المساء دخل عليها فرآها لابسة أفخر ما عندها من الثياب، ومزينة بأحسن الزينة، فلما رأته قابلته وهي ضاحكة وقالت له: ليلة مباركة، ولو كنت قتلت أبي وزوجي لكان أحسن عندي. فقال لها: لا بد أن أقتلهما. فأجلسته وصارت تمازحه وتظهر له الوداد، فلما لاطفته وتبسمت في وجهه طار عقله، وإنما خادعته بالملاطفة حتى تظفر بالخاتم وتبدل فرحه بالنكد على أم ناصيته، وما فعلت معه هذه الفعال إلا على رأي من قال: # ولقد بلغت بحيلتي %~% ما ليس يبلغ بالسيوف ~~ثم انثنيت بمغنم %~% حلو المجاني والقطوف # فلما رأى الملاطفة والابتسام هاج عليه الغرام وطلب منها الوصال، فلما دنا منها تباعدت عنه وبكت وقالت: يا سيدي، أما ترى الرجل الناظر إلينا؟ بالله عليك أن تسترني عن عينه، فكيف تواصلني وهو ينظر إلينا؟ فاغتاظ وقال: أين الرجل؟ قالت: ها هو في فص الخاتم يطلع رأسه وينظر إلينا. فظن أن خادم الخاتم ينظر إليهما، فضحك وقال: لا تخافي، إن هذا خادم الخاتم، وهو تحت طاعتي. قالت: أنا أخاف من العفاريت، فاقلعه وارمه بعيدا عني. فقلعه وحطه على المخدة، ودنا منها فرفسته برجلها في قلبه، فانقلب على قفاه مغشيا عليه، وزعقت على أتباعها فأتوها بسرعة، فقالت: أمسكوه. فقبض عليه أربعون جارية، وعجلت بأخذ الخاتم من فوق المخدة ودعكته، وإذا بأبي السعادات أقبل يقول: لبيك يا سيدتي. فقالت: احمل هذا الكافر وضعه في السجن، وثقل قيوده. فأخذه وسجنه في سجن الغضب ورجع وقال لها: قد سجنته. فقالت له: أين ذهبت بأبي وزوجي؟ قال: رميتهما في الربع الخراب. قالت: أمرتك أن تأتيني بهما في ms2300 هذه الساعة. فقال: سمعا وطاعة. ثم طار من قدامها. ولم يزل طائرا إلى أن وصل إلى الربع الخراب ونزل عليهما فرآهما قاعدين يبكيان ويشكوان لبعضهما، فقال لهما: لا تخافا، قد أتاكما الفرج. وأخبرهما بما فعل الوزير، وقال لهما: إني قد سجنته بيدي طاعة لها، ثم أمرتني بإرجاعكما. ففرحا بخبره، ثم حملهما وطار بهما، فما كان غير ساعة حتى دخل بهما على بنت الملك، فقامت وسلمت على أبيها وزوجها وأجلستهما وقدمت لهما الطعام والحلوى، وباتا بقية الليلة. وفي ثاني يوم ألبست أباها بدلة فاخرة، وألبست زوجها بدلة فاخرة، وقالت: يا أبت، اقعد أنت على كرسيك ملكا على ما كنت عليه أولا، واجعل زوجي وزير ميمنة عندك، وأخبر عسكرك بما جرى، وهات الوزير من السجن واقتله، ثم احرقه؛ فإنه كافر وأراد أن يدخل علي سفاحا من غير نكاح، وشهد على نفسه أنه كافر، وليس له دين يتدين به، واستوص بنسيبك الذي جعلته وزير ميمنة عندك. فقال لها: سمعا وطاعة يا بنتي، ولكن أعطيني الخاتم أو أعطيه لزوجك. فقالت: إنه لا يصلح لك ولا له، وإنما الخاتم يكون عندي، وربما أحميه أكثر منكما، ومهما أردتماه فاطلباه مني وأنا أطلب لكما من خادم الخاتم، ولا تخشيا بأسا ما دمت أنا طيبة، وبعد موتي فشأنكما والخاتم. فقال أبوها: هذا هو الرأي الصواب يا بنتي. ثم أخذ نسيبه وطلع إلى الديوان، وكان العسكر قد باتوا في كرب عظيم بسبب بنت الملك وما فعل معها الوزير من أنه دخل عليها سفاحا من غير نكاح، وأساء الملك ونسيبه، وخافوا أن تنتهك شريعة الإسلام؛ لأنه بان لهم أنه كافر. ثم اجتمعوا في الديوان وصاروا يعنفون شيخ الإسلام ويقولون له: لماذا لم تمنعه من الدخول على الملكة سفاحا؟ فقال لهم: يا ناس، إن الرجل كافر وصار مالكا للخاتم، وأنا وأنتم لا يخرج من أيدينا في حقة شيء، فالله تعالى يجازيه بفعله، واسكتوا أنتم لئلا يقتلكم. فبينما العساكر مجتمعون في الديوان يتحدثون في هذا الكلام، وإذا بالملك دخل عليهم في الديوان ms2301 ومعه نسيبه معروف. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 1000 # قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العساكر من شدة غيظهم جلسوا في الديوان يتحدثون في شأن الوزير وما فعل بالملك ونسيبه وبنته، وإذا بالملك دخل عليهم في الديوان ومعه نسيبه معروف، فلما رأته العساكر فرحوا بقدومه، وقاموا له على الأقدام وقبلوا الأرض بين يديه، ثم جلس على الكرسي وأخبرهم بالقصة، فزالت عنهم تلك الغصة، وأمر بزينة المدينة، وأحضر الوزير من الحبس، فلما مر بالعساكر صاروا يلعنونه ويشتمونه ويوبخونه حتى وصل إلى الملك، فلما تمثل بين يديه أمر بقتله أشنع قتلة، فقتلوه ثم حرقوه وراح إلى سقر في أسوأ الأحوال، وأجاد فيه من قال: # فلا رحم الرحمن تربة عظمه %~% ولا زال فيها منكر ونكير # ثم إن الملك جعل معروفا وزير ميمنة عنده، وطابت لهم الأوقات وصفت لهم المسرات، واستمروا على ذلك خمس سنوات. وفي السنة السادسة مات الملك فجعلته بنت الملك سلطانا مكان أبيها ولم تعطه الخاتم، وكانت في هذه المدة حملت منه ووضعت غلاما بديع الجمال بارع الحسن والكمال، ولم يزل في حجر الدادات حتى بلغ من العمر خمس سنوات، فمرضت أمه مرض الموت، فأحضرت معروفا وقالت له: أنا مريضة. قال لها: سلامتك يا حبيبة قلبي. قالت له: ربما أموت فلا تحتاج إلى أن أوصيك على ولدك، وإنما أوصيك بحفظ الخاتم خوفا عليك وعلى هذا الغلام. فقال: ما على من يحفظه الله بأس. فقلعت الخاتم وأعطته له، وفي ثاني يوم توفيت إلى رحمة الله تعالى، وأقام معروف ملكا وصار يتعاطى الأحكام، فاتفق له في بعض الأيام أنه نفض المنديل فانفضت العساكر من قدامه إلى أماكنهم، ودخل هو قاعة الجلوس وجلس فيها إلى أن مضى النهار وأقبل الليل بالاعتكار، فدخل عليه أرباب منادمته من الأكابر على عادتهم، وسهروا عنده من أجل البسط والانشراح إلى نصف الليل، ثم طلبوا الإجازة بالانصراف، فأذن لهم، وخرجوا من عنده إلى بيوتهم، وبعد ذلك دخلت عليه جارية كانت مقيدة بخدمة فراشه، ففرشت ms2302 له المرتبة وقلعته البدلة وألبسته بدلة النوم، واضطجع، فصارت تكبس أقدامه حتى غلب عليه النوم، فخرجت من عنده وراحت إلى مرقدها ونامت. # هذا ما كان من أمرها، وأما ما كان من أمر الملك معروف، فإنه كان نائما فلم يشعر إلا وشيء بجانبه في الفراش، فانتبه مرعوبا وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! ثم فتح عينيه فرأى في جانبه امرأة قبيحة المنظر، فقال لها: من أنت؟ قالت: لا تخف، أنا زوجتك فاطمة العرة. فنظر في وجهها فعرفها بمسخة صورتها وطول أنيابها، وقال: من أين دخلت علي؟ ومن جاء بك إلى هذه البلاد؟ فقالت له: في أي البلاد أنت في هذه الساعة؟ قال: في مدينة خيتان الختن، وأنت متى فارقت مصر؟ قالت: في هذه الساعة. قال لها: وكيف ذلك؟ قالت: اعلم أني لما تشاجرت معك وقد أغراني الشيطان على ضررك واشتكيتك إلى الحكام، ففتشوا عليك فما وجدوك، وسأل القضاة عنك فما رأوك، وبعد أن مضى يومان لحقتني الندامة، وعلمت أن العيب عندي، وصار الندم لا ينفعني، وقعدت مدة أيام وأنا أبكي على فراقك، وقل ما في يدي واحتجت إلى السؤال لأجل القوت، فصرت أسأل كل مغبوط وممقوت، ومن حين فارقتني وأنا آكل من ذل السؤال، وصرت في أسوأ الأحوال، وكل ليلة أقعد أبكي على فراقك وعلى ما قاسيت بعد غيابك من الذل والهوان، والتعاسة والخسران. وصارت تحدثه بما جرى لها وهو باهت فيها، إلى أن قالت: وفي أمس درت طول النهار أسأل فلم يعطني أحد شيئا، وصرت كلما أقبل علي أحد وأسأله كسرة يشتمني ولا يعطيني شيئا، فلما أقبل الليل بت من غير عشاء، فأحرقني الجوع وصعب علي ما قاسيت، وقعدت أبكي، وإذا بشخص تصور قدامي وقال لي: يا امرأة، لأي شيء تبكين؟ فقلت: إنه كان لي زوج يصرف علي ويقضي أغراضي، وقد فقد مني ولم أعرف أين راح، وقد قاسيت الغلب من بعده. فقال: ما اسم زوجك؟ قلت: اسمه معروف. قال: أنا أعرفه. اعلمي أن زوجك الآن سلطان في مدينة، وإن ms2303 شئت أن أوصلك إليه أفعل ذلك. فقلت له: أنا في عرضك أن توصلني إليه. فحملني وطار بي بين السماء والأرض حتى أوصلني إلى هذا القصر وقال: ادخلي في هذه الحجرة تري زوجك نائما على السرير. فدخلت فرأيتك في هذه السيادة، وأنا ما كان في أملي أنك تفوتني وأنا رفيقتك، والحمد لله الذي جمعني عليك. فقال لها: هل أنا فتك أو أنت التي فتني وأنت تشكينني من قاض إلى قاض، وختمت ذلك بشكايتي إلى الباب العالي حتى نزلت علي أبا طبق من القلعة فهربت قهرا عني؟! وصار يحكي لها على ما جرى له إلى أن صار سلطانا وتزوج بنت الملك، وأخبرها بأنها ماتت وخلف منها ولدا صار عمره سبع سنين. فقالت له: والذي جرى مقدر من الله تعالى، وقد ثبت، وأنا في عرضك أنك لا تفوتني، ودعني آكل عندك العيش على سبيل الصدقة. ولم تزل تتواضع له حتى رق قلبه لها وقال لها: توبي عن الشر واقعدي عندي، وليس لك إلا ما يسرك، فإن عملت شيئا من الشر أقتلك ولا أخاف من أحد، فلا يخطر ببالك أنك تشكينني إلى الباب العالي وينزل لي أبو طبق من القلعة؛ فإني صرت سلطانا والناس تخاف مني، وأنا لا أخاف إلا من الله تعالى، فإن معي خاتم استخدام، متى دعكته يظهر لي خادم الخاتم واسمه أبو السعادات، ومهما طلبته منه يجيئني به، فإن كنت تريدين الذهاب إلى بلدك أعطيك ما يكفيك طول عمرك وأرسلك إلى بلادك بسرعة، وإن كنت تريدين القعود عندي فإني أخلي لك قصرا وأفرش لك من خاص الحرير، وأجعل لك عشرين جارية تخدمك، وأرتب لك المآكل الطيبة والملابس الفاخرة وتصيرين ملكة وتقيمين في نعيم زائد حتى تموتي أو أموت أنا. فما تقولين في هذا الكلام؟ قالت: أنا أريد الإقامة عندك. ثم قبلت يده وتابت عن الشر، فأفرد لها قصرا وحدها، وأنعم عليها بجوار وطواشية، وصارت ملكة. ثم إن الولد صار يذهب عندها وعند أبيه، فكرهت الولد لكونه ما هو ابنها، فلما رأى ms2304 الولد منها عين الغضب والكراهة نفر منها وكرهها. ثم إن معروفا اشتغل بحب الجواري الحسان، ولم يفكر في زوجته فاطمة العرة؛ لأنها صارت عجوزا شمطاء بصورة شوهاء، وسحنة معطاء، أقبح من الحية الرقطاء، خصوصا وقد أساءته إساءة لا مزيد عليها، وصاحب المثل يقول: الإساءة تقطع أصل المطلوب، وتزرع البغضاء في أرض القلوب. ولله در القائل: # احرص على حفظ القلوب من الأذى %~% فرجوعه بعد التنافر يعسر ~~إن القلوب إذا تنافر ودها %~% مثل الزجاجة كسرها لا يجبر # ثم إن معروفا لم يأوها لخصلة حميدة فيها، وإنما عمل معها هذا الإكرام ابتغاء مرضاة الله تعالى. # ثم إن دنيازاد قالت لأختها شهرزاد: ما أطيب هذه الألفاظ التي هي أشد أخذا للقلوب من سواحر الألحاظ! وما أحسن هذه الكتب الغريبة والنوادر العجيبة! فقالت شهرزاد: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك! فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، أصبح الملك منشرح الصدر ومنتظرا لبقية الحكاية، وقال في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. ثم خرج إلى محل حكمه وطلع الوزير على عادته بالكفن تحت إبطه، فمكث الملك في الحكم بين الناس طول نهاره، وبعد ذلك ذهب إلى حريمه ودخل على زوجته شهرزاد بنت الوزير على جري عادته. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ### | فلما كانت الليلة 1001 # ذهب الملك إلى حريمه، ودخل على زوجته شهرزاد بنت الوزير، فقالت لها أختها دنيازاد: أتممي لنا حكاية معروف. فقالت: حبا وكرامة، إن أذن لي الملك بالحديث. فقال لها: قد أذنت لك بالحديث؛ لأنني متشوق إلى سماع بقيتها. قالت: بلغني أيها الملك، أن معروفا صار لا يعتني بزوجته من أجل النكاح، وإنما كان يطعمها احتسابا لوجه الله تعالى، فلما رأته ممتنعا عن وصالها ومشتغلا بغيرها، بغضته وغلبت عليها الغيرة، ووسوس لها إبليس أنها تأخذ الخاتم منه وتقتله وتعمل ملكة مكانه. ثم إنها خرجت ذات ليلة من الليالي ومشت من قصرها متوجهة إلى القصر الذي فيه زوجها الملك معروف، واتفق بالأمر المقدر والقضاء المسطر ms2305 أن معروفا كان راقدا مع محظية من محاظيه ذات حسن وجمال، وقد واعتدال، ومن حسن تقواه كان يقلع الخاتم من إصبعه إذا أراد أن يجامع؛ احتراما للأسماء الشريفة التي هي مكتوبة عليه، فلا يلبسه إلا على طهارة. وكانت زوجته فاطمة العرة لم تخرج من موضعها إلا بعد أن أحاطت علما بأنه إذا جامع يقلع الخاتم ويجعله على المخدة حتى يتطهر. وكان من عادته أنه متى جامع يأمر المحظية أن تذهب من عنده خوفا على الخاتم، وإذا دخل الحمام يقفل باب القصر حتى يرجع من الحمام ويأخذ الخاتم ويلبسه، وبعد ذلك كل من دخل القصر لا حرج عليه، وكانت تعرف هذا الأمر كله، فخرجت بالليل لأجل أن تدخل عليه في القصر وهو مستغرق في النوم وتسرق هذا الخاتم، بحيث لا يراها. فلما خرجت كان ابن الملك في هذه الساعة قد دخل بيت الراحة ليقضي حاجة من غير نور، فقعد في الظلام على ملاقي بيت الراحة، وترك الباب مفتوحا عليه. فلما خرجت من قصرها رآها مجتهدة في المشي إلى جهة قصر أبيه. فقال في نفسه: يا هل ترى لأي شيء خرجت هذه الكاهنة من قصرها في جنح الظلام وأراها متوجهة إلى قصر أبي؟ فهذا الأمر لا بد له من سبب. ثم إنه خرج وراءها وتبع أثرها من حيث لا تراه، وكان له سيف قصير من الجوهر، وكان لا يخرج إلى ديوان أبيه إلا متقلدا بذلك السيف؛ لكونه مستعزا به، فإذا رآه أبوه يضحك عليه ويقول: ما شاء الله! إن سيفك عظيم يا ولدي، ولكن ما نزلت به حربا ولا قطعت به رأسا. فيقول له: لا بد أن أقطع به عنقا يكون مستحقا للقطع. فيضحك من كلامه. # ولما مشى وراء زوجة أبيه سحب السيف من غلافه، وتبعها حتى دخلت قصر أبيه، فوقف لها على باب القصر، وصار ينظر إليها، فرآها وهي تفتش وتقول: أين وضع الخاتم؟ ففهم أنها دائرة على الخاتم، فلم يزل صابرا عليها حتى لقيته، فقالت: ها هو! والتقطته وأرادت أن ms2306 تخرج، فاختفى خلف الباب، فلما خرجت من الباب نظرت إلى الخاتم وقلبته في يدها، وأرادت أن تدعكه، فرفع يده بالسيف وضربها على عنقها، فزعقت زعقة واحدة، ثم وقعت مقتولة، فانتبه معروف فرأى زوجته مرمية ودمها سائل، وابنه شاهر السيف في يده، فقال له: ما هذا يا ولدي؟ قال: يا أبي، كم مرة وأنت تقول لي: إن سيفك عظيم، ولكنك ما نزلت به حربا ولا قطعت به رأسا، وأنا أقول لك: لا بد أن أقطع به عنقا مستحقا للقطع؟ أنا قد قطعت لك به عنقا مستحقا للقطع. وأخبره بخبرها، ثم إنه فتش على الخاتم فلم يره، ولم يزل يفتش في أعضائها حتى رأى يدها منطبقة عليه، فأخذه من يدها، ثم قال له: أنت ولدي بلا شك ولا ريب، أراحك الله في الدنيا والآخرة كما أرحتني من هذه الخبيثة، ولم يكن سعيها إلا لهلاكها، ولله در من قال: # إذا كان عون الله للمرء مسعفا %~% تأتى له من كل أمر مراده ~~وإن لم يكن عون من الله للفتى %~% فأول ما يجني عليه اجتهاده # ثم إن الملك معروفا زعق على بعض أتباعه فأتوه مسرعين، فأخبرهم بما فعلت زوجته فاطمة العرة، وأمرهم أن يأخذوها ويحطوها في مكان إلى الصباح، ففعلوا كما أمرهم، ثم وكل بها جماعة من الخدام فغسلوها وكفنوها وعملوا لها مشهدا ودفنوها، وما كان مجيئها من مصر إلا لترابها، ولله در من قال: # مشيناها خطى كتبت علينا %~% ومن كتبت عليه خطى مشاها ~~ومن كانت منيته بأرض %~% فليس يموت في أرض سواها # وما أحسن قول الشاعر: # وما أدري إذا يممت أرضا %~% أريد الخير أيهما يليني ~~هل الخير الذي أنا أبتغيه %~% أم الشر الذي هو يبتغيني # ثم إن الملك معروفا أرسل يطلب الرجل الحراث الذي كان ضيفه وهو هارب، فلما حضر جعله وزير ميمنته وصاحب مشورته، ثم علم أن له بنتا بديعة الحسن والجمال، كريمة الخصال، شريفة النسب، رفيعة الحسب، فتزوج بها، وبعد مدة من الزمان زوج ابنه وأقاموا مدة في أرغد عيش، وصفت لهم ms2307 الأوقات، وطابت لهم المسرات، إلى أن أتاهم هادم اللذات، ومفرق الجماعات، ومخرب الديار العامرات، وميتم البنين والبنات. فسبحان الحي الذي لا يموت، وبيده مقاليد الملك والملكوت. ### | الخاتمة # وكانت شهرزاد في هذه المدة قد خلفت من الملك ثلاثة أولاد ذكور، فلما فرغت من هذه الحكاية قامت على قدميها وقبلت الأرض بين يدي الملك وقالت له: يا ملك الزمان، وفريد العصر والأوان، إني أنا جاريتك، ولي ألف ليلة وليلة وأنا أحدثك بحديث السابقين ومواعظ المتقدمين، فهل لي في جنابك من طمع حتى أتمنى عليك أمنية؟ فقال لها الملك: تمني تعطي يا شهرزاد. فصاحت على الدادات والطواشية وقالت لهم: هاتوا أولادي! فجاءوا لها بهم مسرعين؛ وهم ثلاثة أولاد ذكور: واحد منهم يمشي، وواحد يحبي، وواحد يرضع. فلما جاءوا بهم أخذتهم ووضعتهم قدام الملك وقبلت الأرض وقالت: يا ملك الزمان، هؤلاء أولادك، وقد تمنيت عليك أن تعتقني من القتل إكراما لهؤلاء الأطفال؛ فإنك إن قتلتني يصير هؤلاء الأطفال من غير أم ولا يجدون من يحسن تربيتهم من النساء. فعند ذلك بكى الملك وضم أولاده إلى صدره وقال: يا شهرزاد، والله إني قد عفوت عنك من قبل مجيء هؤلاء الأولاد؛ لكوني رأيتك عفيفة نقية حرة تقية، بارك الله فيك وفي أبيك وأمك وأصلك وفرعك، وأشهد الله علي أني قد عفوت عنك من كل شيء يضرك. فقبلت يديه وقدميه، وفرحت فرحا زائدا وقالت له: أطال الله عمرك، وزادك هيبة ووقارا. وشاع السرور في سراية الملك حتى انتشر في المدينة، وكانت ليلة لا تعد من الأعمار، ولونها أبيض من وجه النهار، وأصبح الملك مسرورا، وبالخير مغمورا، فأرسل إلى جميع العسكر فحضروا وخلع على وزيره أبي شهرزاد خلعة سنية جليلة وقال له: سترك الله حيث زوجتني ابنتك الكريمة التي كانت سببا لتوبتي عن قتل بنات الناس، وقد رأيتها حرة نقية عفيفة زكية، ورزقني الله منها بثلاثة أولاد ذكور، والحمد لله على هذه النعمة الجزيلة. ثم خلع على كامل الوزراء والأمراء وأرباب الدولة، وأمر بزينة المدينة ثلاثين يوما، ولم ms2308 يكلف أحدا من أهل المدينة شيئا من ماله، بل كامل الكلفة والمصاريف من خزانة الملك. فزينوا المدينة زينة عظيمة لم يسبق مثلها، ودقت الطبول وزمرت الزمور، ولعبت كامل أرباب الملاعب، وأجزل لهم الملك العطايا والمواهب، وتصدق على الفقراء والمساكين، وعم بإكرامه سائر رعيته وأهل مملكته، وأقام هو ودولته في نعمة وسرور، ولذة وحبور، حتى أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، فسبحان من لا يفنيه تداول الأوقات، ولا يعتريه شيء من التغيرات، ولا يشغله حال عن حال، وتفرد بصفات الكمال، والصلاة والسلام على إمام حضرته وخيرته من خليقته، سيدنا محمد سيد الأنام، وتضرع به إليه في حسن الختام. ms2309