######OpenITI# #META# URI: 1300ButrusBustani.MacarikCarabFiAndalus.Hindawi30703918 #META# Tags: history #META# ID: 30703918 #META# Title: معارك العرب في الأندلس #META# AuthorID: 84853603 #META# Author: بطرس البستاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # يوم طليطلة‏ # معركة الزلاقة‏ # رذريق والمرابطون‏ # يوم سرقسطة‏ # معركة الأرك‏ # معركة العقاب‏ # يوم قرطبة‏ # فاجعة غرناطة‏ # المراجع‏ # يوم طليطلة‏ # معركة الزلاقة‏ # رذريق والمرابطون‏ # يوم سرقسطة‏ # معركة الأرك‏ # معركة العقاب‏ # يوم قرطبة‏ # فاجعة غرناطة‏ # المراجع‏ # | معارك العرب في الأندلس # | معارك العرب في الأندلس # تأليف ~~‏بطرس البستاني‏ # | يوم طليطلة # تلك المملكة التي أسسها بنو أمية في الأندلس، وحقق عبد الرحمن الناصر وحدتها، وبسط ~~بغزواته الظافر سلطانها - صار أمرها إلى الضعف والانحلال بعد أن سطا عليها الحاجب المنصور ~~وأنشأ دولته العامرية في قلب دولتها، حاجرا على الخليفة هشام، مستقلا دونه بالنهي ~~والأمر، فأسقط هيبة الأمويين من نفوس أهل الأندلس، ووطد فيهم هيبته بما أوتي من فتوح ~~وانتصارات. # وانتقل الملك من بعده إلى ابنه عبد الملك، ثم إلى ابنه الآخر عبد الرحمن، وكلاهما جرى على ~~سنن أبيه في الحجر على الخليفة، والاستبداد بالسلطة والنفوذ، غير أن عبد الرحمن طمحت عينه ~~إلى الخلافة، فطلب من هشام أن يوليه عهده، فلباه هشام ونزل عند رغبته؛ لما هو عليه من الضعف ~~والاستكانة، فنقم الأمويون والقرشيون على الخليفة، وخافوا أن يذهب الأمر من يدهم، فخلعوه ~~وبايعوا محمد بن هشام - من حفدة عبد الرحمن الناصر - فتلقب بالمهدي. # وكان عبد الرحمن غائبا في غزوة، فلما بلغه الخبر قفل إلى قرطبة، فأرسل إليه المهدي من ~~قبض عليه واحتز رأسه، فانقرضت بموته الدولة العامرية، ولكن محمد بن هشام لم يستقر ملكه على ~~حال؛ لأنه جافى البرابرة لميلهم إلى العامريين، فأتمروا به وبايعوا المستعين بالله سليمان ~~بن الحكم، فانشق البيت الأموي بعضه على بعض، ونشبت الفتنة بين الأميرين، فمرة كان ينتصر ~~المهدي فيهزم المستعين، ومرة كان ينتصر المستعين؛ فيلجأ المهدي إلى الملك الإسباني فيمده ~~ويعيده إلى عرشه، ثم تم الأمر للمستعين، فتغلب البربر على الأحكام وارتفع شأنهم. # وكان علي بن حمود الإدريسي قد جاء من المغرب، وأخذ يدعو البربر لمبايعته، معتمدا على ~~نسبه الذي يرفعه إلى علي بن أبي طالب وفاطمة بنت النبي، فبايعه البرابرة، فقتل المستعين ~~وتلقب بالناصر، فلبثت الخلافة مدة من ms01 الزمن تتنقل بين الأمويين والحموديين حتى صارت للمعتضد ~~بالله هشام بن محمد الأموي، فملك برهة يسيرة، ثم خانه وزراؤه وحرسه فخلعوه فهرب من قرطبة، ~~وانقطعت به الدولة الأموية، فصار الأمر بعده إلى الوزير أبي الحزم جهور، فدعا جماعة ~~العظماء إلى مشاركته في الحكم ليأمن معارضتهم؛ فارتضوا بذلك، ونشأ في قرطبة نوع من النظام ~~الجمهوري، ولكن من طبقة الأشراف. # وأما ولايات الأندلس، فإن رؤساء الطوائف فيها من بربر وعرب وموال اقتسموا خططها، حتى كاد ~~يكون على كل مدينة أمير مستقل فعرفوا بملوك الطوائف، ومثل هذا التفسخ العميم في جسم الدولة ~~لا يدعو إلى التفاؤل بقيام نظام سياسي ثابت تهنأ به تلك الإمارات المستقلة، وبعضها يتفاوت ~~عن بعض في قوته واتساع أرضه، فلا بد للقوي أن يطمع في ابتلاع الضعيف ليزداد به قوة، فيجد ~~أمامه أميرا منافسا ينازعه التوسع، فيأخذ الضعيف تحت حمايته فيصبح تابعا له، وتقع الحروب ~~بين هؤلاء الأمراء فيشل واحدهم قوى الآخر، وربما استنجد بعضهم على بعض الأمراء ~~المسيحيين؛ فيغتنم أولئك الفرصة، فيهاجمون الأندلس يستولون على عواصمها، ويخضعون ملوكها، ~~ويفرضون عليهم الجزية، أو يجعلونهم عمالا لهم، ولو لم يكن أمراء إسبانية هم أيضا على ~~اختلاف مستمر وتنازع فيما بينهم، لما استطاع ملوك الطوائف أن يستقروا في الأندلس زمنا ~~طويلا، مع ما هم عليه من تقسم وتخاذل. # وحاول ابن جهور صاحب قرطبة، أن يجمع شتيت الأمراء إلى دولته متوهما أن وجوده في عاصمة ~~الأمويين كاف لأن يحمل سائر الولايات على الاعتراف بسلطانه؛ لأنها تعودت من عهد بعيد أن ~~تخضع لحكام قرطبة، فكاتب الأمراء - كبارهم وصغارهم - يدعوهم إلى طاعته، فلم يحفلوا به، ولا ~~تكلفوا مئونة الرد عليه، فاضطر أخيرا إلى أن يعترف باستقلالهم مكرها، وفي رأسه خطة يريد ~~تحقيقها، وهي أن يوسع ملكه باغتصاب الإمارات الصغيرة التي لا قبل لها بمقاومته وحماية ~~استقلالها. # ووجه حملة إلى هذيل بن رزين صاحب السهلة، فقهره واستولى على إمارته، فالتجأ هذيل إلى ~~إلى إسماعيل بن ذي النون أمير طليطلة، فبادر هذا إلى إنجاده ليحول دون ms02 توسع ابن جهور، فطرد ~~القرطبيين من السهلة وأعادها إلى صاحبها، ثم ناصب قرطبة العداء، فأصلاها حربا طويلة، ~~تابعها من بعده ابنه المأمون. # وتوفي ابن جهور سنة 435ه/1043م، فانتقل الحكم من بعده إلى ابنه محمد، ولم يكن كأبيه صاحب ~~قوة وعزم، وإنما عرف بالتعقل والعدالة، فأراد أن يصرف هذه الحرب عنه بالمصالحة فأباها عليه ~~أمير طليطلة وصاحب السهلة واضطراه إلى القتال؛ لطمع المأمون في الاستيلاء على قرطبة، إلا أن ~~غارات فردينان الأول على طليطلة وإثخانه فيها، كان يكره صاحبها على مهادنة ابن جهور حينا ~~بعد آخر، فإن ملك جليقية ~~(Galice) # وقشتالة ~~(Castille) ~~، لم يغرب عنه ضعف ملوك الطوائف وتناحرهم، ~~وأن الفرصة سانحة لامتلاك بلدانهم وبسط سلطانه عليهم. # فأخذ يهاجم الثغور الإسلامية، ينتزع المدن والحصون من أمرائها، ويفرض عليهم الجزية، ~~فاستولى على قسم كبير من الأراضي البرتغالية - أملاك ابن الأفطس صاحب بطليوس ~~(Badajoz) ~~- وأغار على الدولة الهودية، في سرقسطة ~~(Saragosse) # فأخضعها وألزم أميرها أن يؤدي له الجزية ~~ويعينه على أمراء المسلمين، وأخضع أيضا المأمون أمير طليطلة وألزمه كما ألزم ابن هود، ثم ~~غزا المعتضد بن عباد صاحب إشبيلية، فدحره وضرب عليه الجزية، فأصبح أعاظم الأمراء الأندلسيين ~~يقدمون الطاعة لملك الجلالقة. # ولما صارت طليطلة في حماية فردينان، نشط أميرها المأمون يحيى بن ذي النون إلى محاربة ابن ~~جهور صاحب قرطبة مستعينا بالقشتاليين، وبأحلافه بني عامر على حكام بلنسية ~~(Valence) ~~، وابن رزين صاحب السهلة، فأحس ابن جهور ~~بالخطر المحدق بإمارته، وأنه عاجز عن مقاومة هؤلاء المجتمعين عليه، فاستصرخ المعتضد بن عباد ~~صاحب إشبيلية، وابن الأفطس أمير بطليوس، داعيا إياهما إلى التحالف على طليطلة - وكانت ~~تهددهم جميعا - مؤكدا لهما اعترافه باستقلال دولتيهما، فبادرا إلى محالفته، وإمداده ~~بالعساكر، ولكن المأمون ومن معه من الحلفاء استطاعوا أن يهزموا جيش ابن جهور وأنصاره، وأن ~~يزحفوا إلى قرطبة فيضربوا عليها الحصار الشديد، فأصبحت لا نجاة لها من السقوط إلا إذا جاءها ~~مدد من الخارج. # فعاد أميرها يستغيث بحليفه صاحب إشبيلية، وكان المعتضد يطمع في الاستيلاء على قرطبة ليبسط ~~بها ms03 حدود مملكته، فرأى الفرصة سانحة لتحقيق رغائبه، فأمدها بجيش عظيم يصحبه وزيره محمد بن ~~عمار، فسار الجيش إليها، وكشف الحصار عنها، فخرج القرطبيون يتعقبون أعداءهم، وفيما هم ~~يدافعونهم ويثخنون فيهم أخذ ابن عمار يحتل العاصمة، ويمتلك حصونها، وكان أميرها محمد بن ~~جهور مريضا، فآلمه الخطب لا يستطيع له ردا، فمات من قهره بعد أيام. # وعاد جيش قرطبة تخفق على رأسه ألوية النصر، وقد هزم جيوش طليطلة وأحلافها شر هزيمة، ولم ~~تكن خيانة إشبيلية لتخطر له في بال، فلما رأى عاصمته بأيدي حلفائه، وأبوابها موصدة في وجهه، ~~وقف مدهوشا حائرا أمام فاجعة لا يتوقعها، فدعاه الإشبيليون إلى الاستسلام، وكان على ~~مقدمته عبد الملك ابن الأمير محمد، فراعه أن تنهار دولة أبيه، فاندفع كالمجنون يقاتل ~~مستميتا، حتى سقط عن فرسه مغمى عليه من ألم الجراح، فارتد الحارث بن الحكم قائد الجيش ~~القرطبي بفرسانه إلى مدينة الزهراء، فلبث معتصما بها مدة، ثم جاءه نبأ موت الأمير محمد ~~وابنه عبد الملك، فترك الزهراء، وسار إلى طليطلة فحالف عدوه ابن ذي النون؛ لينتقم من ابن ~~عباد حليفهم بالأمس! # وكانت طليطلة تؤدي الجزية - كما ذكرنا - لفردينان الأول ملك قشتالة، فلما مات قطعها ~~المأمون عن أولاده مستفيدا من اختلافهم؛ فقد ثار واحدهم على الآخر، ينازع نصيبه من ملك ~~أبيه، فوقعت بين الإخوة الثلاثة حروب أهلية متتابعة، تم فيها النصر أخيرا لبكرهم شانجه ~~(Sancho) ~~، فضم إليه جميع ممتلكات والده سنة 1070م، وهرب ~~أخوه غرسيه ~~(Garcia) # إلى إشبيلية مستجيرا بالمعتمد بن ~~عباد، وكان قد ولي الأمر بعد أبيه المعتضد. # ولجأ أخوه الثاني ألفنس إلى طليطلة مستجيرا بالمأمون، فأحسن وفادته وأنزله عنده عزيزا ~~مكرما، إلا أن شانجه لم يعش طويلا بعد استئثاره بالدولة؛ فقد قتل غيلة في كمين نصب له ~~سنة 1072م، ويقول المستشرق الألماني جوزف أشباخ: «إن هذا الكمين حدث بمسعى أخته أوراكا أو ~~أخيه ألفنس، أو كليهما معا.» # ولما انتهى الخبر إلى ألفنس، غادر طليطلة وجاء لاون فاعتلى عرشها - نصيبه من أبيه - ثم ~~جمع إليه عرش قشتالة - نصيب ms04 أخيه شانجه - وترك جليقية لأخيه غرسيه يتمتع بها بضعة أشهر ، ثم ~~انتزعها منه، بعد أن اعتقله خدعة سنة 1073م، وزجه مغلولا في بعض الحصون، فلبث طوال حياته ~~سجينا حتى مات. # ولم يغفل ألفنس عن تعزيز سياسته في الأندلس الإسلامية، وله من أمير طليطلة صديق آواه يوم ~~كان طريدا ضعيفا، فعقد حلفا بينه وبين المأمون، تعاهدا فيه على الصداقة الخالصة والتعاون ~~المشترك في ما يئول إلى خير بلديهما، فأصبح في وسع صاحب طليطلة أن ينتقم من عدوه ابن عباد ~~ويستولي على قرطبة، فوجه إليها جيشا من فرسان طليطلة، والمرتزقة القشتاليين، معقود ~~اللواء على الحارث بن الحكم - قائد ابن جهور - فهاجم الحارث عاصمة الأمويين حين غرة، ودخلها ~~دون أن يلقى مقاومة، على أنه ما تحول إلى الزهراء يريد امتلاكها حتى تصدى له سراج الدولة ~~ابن المعتمد بن عباد بحرس من المغاربة يدافع عن قصور الملوك وذخائرهم، إلى أن سقط في ~~المعمعة صريعا، فانهزم الحرس، وتم النصر لطليطلة 468ه/1075م. # ودخل المأمون قرطبة ظافرا، إلا أنه لم يمتع بانتصاره؛ فقد توفي، وكان كبير السن ~~مريضا، ويقول ابن خلدون إنه مات مسموما وحمل إلى طليطلة فدفن بها، وكان ابنه وولي عهده ~~هشام قد مات قبله، فأوصى بالملك لحفيده القادر بالله يحيى بن إسماعيل - وكان هذا قاصرا - ~~فأقام له مجلس وصاية من صديقه ألفنس السادس، والحارث بن الحكم وبعض الولاة، ولكن هذه الثقة ~~بحليفه لم تقع موضعها؛ فملك قشتالة نسي ضيافة طليطلة وعطفها عليه، ونسي صديقه المأمون يوم ~~أمنه من خوف، وغابت عنه العهود التي واثقه عليها، وما أقسم له من الأيمان على رعاية ~~الأمير القاصر وحماية بلاده. # وأبت نفسه إلا أن تشعر بشعور العرش والوطن، فنجحت عنده مساعي ابن عمار وزير المعتمد، ~~فارتضى أن يحالف صاحب إشبيلية عدو الملك الذي هو وصي عليه، وأن يعده بالمساعدة في توسعه ~~ومحاربة الأمراء المسلمين، ورضي ابن عباد أن يساومه على أبناء ملته، فيترك يده حرة تتصرف في ~~طليطلة، ثم يؤدي له الجزية صاغرا، لا يجد بها غضاضة في ms05 سبيل مطامعه، وتروي الأخبار ~~الإسبانية أن المعتمد بن عباد بعث ابنته «سيدة » إلى بلاط ألفنس؛ تمكينا للصداقة! فاتخذها ~~هذا حظية له! وكان أمراء إسبانية المسيحية يتسرون يومئذ بالنساء تشبها بأمراء الأندلس ~~المسلمين. # على أن الرواية العربية تنفي هذه التهمة عن أمير إشبيلية، وتلقي نورا على حقيقة المرأة ~~المسلمة التي صارت في حوزة الملك الإسباني؛ فقد تمكن المستشرق لاوي بروفنسال من جلاء هذا ~~الحادث الذي بقي غامضا على المؤرخين المحدثين، ينفيه بعضهم، ويثبته بعضهم الآخر؛ وذلك أنه ~~عثر سنة 1934م على رواية عربية أصح من الرواية الإسبانية وأثبت، أوردها ابن عذاري المراكشي ~~في القسم الثالث من كتابه البيان المغرب، وفيها يقول: إن البعث الذي أرسله ألفنس السادس سنة ~~501ه/1108م لمحاربة أبي الطاهر تميم أخي السلطان علي بن يوسف، وكان يحاصر قلعة أقليش ~~(Ucles) ~~- قتل فيه أمام أسوارها ابنه شانجه من زوجة ~~المأمون بن عباد، وكانت قد تنصرت مع نحو سبعة آلاف فارس. # فمن رواية ابن عذاري هذه يتبين أن الأميرة سيدة ليست بنت المعتمد بن عباد بل زوج ولده ~~المأمون، وكان المأمون واليا على قرطبة من قبل أبيه، فلما هاجمها المرابطون - وعلى ~~رأسهم القائد سير بن أبي بكر - قتل المأمون في الموقعة، ودخلها المرابطون ظافرين في 26 آذار ~~سنة 1091م/3 صفر 484ه. # فالظاهر أن أرملة ابن المعتمد هربت مع ثلة من فرسانها إلى ألفنس السادس محتمية به، ~~فتسرى بها وتنصرت مع جماعتها، ويؤيد ذلك دليل آخر وقع عليه المستشرق هنري بيريس، وهو ~~عبارة عن فتيا كتبت في أواخر القرن الخامس عشر، أو أوائل القرن السادس عشر، وصاحبها ~~الفقيه المراكشي يحيى الونشريشي، أفتى بها جوابا على سؤال: أيستطيع المسلم أن يغادر ~~الأندلس إلى إفريقية إذا تيسر له، أم يبقى فيها ليساعد إخوانه في الدين؟ # فكان جوابه بتحتيم الهجرة على من يستطيعها من المسلمين بعد استيلاء الإسبانيين على ~~الأندلس محافظة على نسائهم؛ لئلا تعقد زوجة بعضهم أو ابنته صلتها بأعداء الدين، فيقودها ~~الأمر إلى ترك الإسلام، كما أصاب كنة المعتمد بن عباد وأولادها ms06 الذين تنصروا معها وهم أبناء ~~المأمون. # وبينما ابن عباد يزحف بجيشه إلى غرناطة ليخضع صاحبها ابن باديس، إذا ألفنس يتهيأ لغزو ~~طليطلة واحتلالها 1079م، وكانت قد ثارت على أميرها القادر بن ذي النون؛ لإكثاره من فرض ~~الضرائب إرضاء لشهواته وترفه، أو إشباعا لمطامع ملك قشتالة، فجاء ألفنس إلى طليطلة ~~متذرعا بحجة الدفاع عن حليفه، فعاث في ولايتها مخربا قراها وحصونها، ثم ارتد عنها عندما ~~بلغه أن المنصور أمير بطليوس قادم لنجدتها، وعاد في العام التالي يفسد في بسائطها، ويستبد ~~بقلاعها وزروعها، وما زال يوالي عليها الغارات في كل عام حتى أضعفها، ونهك قواها، ورماها ~~بالضيق والفاقة، ثم دلف إليها في السنة السادسة يبغي العاصمة نفسها، فألقى عليها الحصار حتى ~~منع عنها كل صلة ومدد؛ فراحت تستغيث بأمير بطليوس؛ فأمدها المتوكل بن الأفطس بجيش على رأسه ~~ولده الفضل، ولكنه لم يثبت أمام قوات ألفنس الساحقة فانهزم مدحورا، ولم يبق للقادر أمل من ~~النجاة. # وكان الجوع يهدد المدينة فخاف أن يثور عليه الشعب فيقتله، فأرسل إلى ألفنس يطلب الصلح على ~~أن يؤدي الجزية، ويكون تابعا له، فرفض ألفنس مطالبه، واشترط عليه أن يفتح أبواب المدينة ~~ويسلمها إليه، واعدا بأن يحافظ على أرواح المسلمين ومقتنياتهم، وأن يترك لهم المسجد الجامع ~~يصلون فيه، وأن لا يعارضهم في دينهم وشرائعهم، وخيرهم في البقاء أو المهاجرة، فمن أحب ~~البقاء يؤدي الجزية كما يؤديها المسيحيون في بلاد المسلمين، ومن آثر الهجرة يسمح له بأن ~~يحمل أمواله حيث يشاء، وضمن للقادر أن يدع له إمارة بلنسية يتصرف فيها، ولا يبخل عليه ~~بالمساعدة إذا احتاج إلى الدفاع عنها. # في الخامس والعشرين من أيار سنة 1085م دخل ألفنس السادس - ملك قتشالة ولاون وجليقية - ~~عاصمة القوط القديمة بأبهة وجلال، منتزعا من العرب إحدى قواعد الأندلس الكبرى: طليطلة ~~العاصية التي طالما تمردت على أمراء المسلمين، فبذل عبد الرحمن الناصر، والحاجب المنصور من ~~بعده، أعظم الجهود لإخضاعها وكسر شوكتها، فكان يومها المشئوم كارثة على الأندلس العربية؛ ~~لأن قشتالة - حين تملكتها - أصبحت جاثمة على ms07 ضفتي نهر التاج، ممدوة النظر إلى ثغور ~~المسلمين. # | معركة الزلاقة # ما لبث المعتمد بن عباد - أمير إشبيلية - أن ساوره الندم على محالفته ألفنس السادس ملك ~~قشتالة، ومعاضدته له في انتزاع طليطلة من القادر بن ذي النون، فإن العاهل الإسباني ما كاد ~~يحيط بنهر التاج من عدوتيه، مستطيلا على منافذ الأندلس العربية، حتى نهض يفتتح قلاع ~~الشاطئين وما حولها من المدن والضياع، وراح يهدد قرطبة وماردة ~~(Mérida) # وبطليوس ~~(Badajoz) ~~، فذعر المعتمد وتراءى له الخطر المحدق ~~بأملاكه، فأرسل إلى ألفنس يستوقفه عن الفتح، ويطلب منه أن يراعي المعاهدة التي بينهما فلا ~~يتجاوز طليطلة. # فرد عليه ألفنس بما عرف به من دهاء ومراوغة، وهو أنه إنما يملك ولاية طليطلة كلها شريكا ~~لصديقه القادر بن ذي النون صاحب بلنسية، وكان المعتمد منصرفا يومئذ إلى محاربة ابن باديس ~~صاحب غرناطة؛ طامعا في ضم هذه الإمارة إلى مملكته، فأراد ألفنس أن يظهر له حسن نيته من حيث ~~يروم خداعه، فأمده بخمسمائة فارس مدرع من الإسبانيين ليقاتلوا معه في غرناطة، فأوجس المعتمد ~~شرا، وأزعجته هذه النجدة التي لم يرغب فيها، ولا شاقه قدومها، ففضل أن يصالح ابن باديس ~~على أن يستبقيها عنصرا خطرا في جيشه. # فلما عادت إلى طليطلة دون أن تسفر بعثتها عن نتيجة ترضي ملك قشتالة، كتب هذا إلى المعتمد ~~يطلب منه أن يتخلى له عن الحصون التي يمتلكها في ولاية طليطلة، فعظم الأمر على أمير ~~إشبيلية، وأوجعه خطؤه وسوء سياسته، وعلم أن لا سبيل إلى كبح مطامع ألفنس إلا إذا قابل الشدة ~~بالشدة، وهو وإن يكن يحمل إليه الجزية كغيره من ملوك الطوائف، إلا أنه كان أوسعهم دولة، ~~وأقواهم سلطانا، فلماذا لا ينقض على الطاغية، ويرفع عن مخنقه يدا قاسية القبض؟ بل لماذا ~~لا يسعى إلى دعوة أمراء المسلمين أن يتركوا الخلاف ويتحدوا لدرء الخطر المشترك؟ فقد آن لهم ~~أن يطهروا قلوبهم من أحقادها، ويمد بعضهم إلى بعض يده مصافيا ومعاونا. # فالأمراء المسيحيون في إسبانيا أدركوا قبلهم ضرورة التعاضد للتغلب عليهم وإخراجهم من تلك ms08 ~~الأرض الجميلة التي افتتحها أجدادهم، فتناسوا ما بينهم من عداء قديم يفرقهم ويضعفهم، ~~فاجتمعت كلمة ألفنس السادس وشانجه ~~(Sancho) # صاحب أرغون ~~ونافار، ورمند برنجه ~~(Reymond Berenguer) # أمير برشلونة، ~~فنهضوا نهضة واحدة لينقضوا على العدو الغريب متيمنين بتخاذله وانقسامه. # فمتى يدرك أمراء الأندلس ما أدركه أمراء إسبانية فيهبوا للدفاع عن أرضهم متضافرين لا ~~متفسخين؟ أفما يخلق بالمعتمد بن عباد أن تدور هذه الفكرة في رأسه عندما جاءته رسل ألفنس ~~تستنزله عن حصونه في طليطلة؟ فإذا به لا يتلكأ عن الرفض، حاملا نفسه على الخطة الصماء يريد ~~فصلها، وإن ساءت مغبة الفصل، فأثار رفضه سخط العاهل القشتالي كما كان ينتظر، فنقض الحلف ~~وجاهره العداء، ثم زحف بجيوشه يضرب في ولايات الأندلس فاستولى على قورية ~~(Coria) # من بني الأفطس، وأغار على بسائط إشبيلية، فأثخن ~~فيها وأحرق قراها وحقولها، حتى بلغ جزيرة طريف، فأدخل قوائم فرسه في البحر وقال: «هذا أقصى ~~بلاد الأندلس قد وطئته.» # ثم ارتد إلى قلعة سرقسطة ~~(Saragosse) # يبتغي فتحها، فألقى ~~عليها حصارا شديدا، وأعمل الحديد والنار في ولايتها، فدافعت عاصمة الدولة الهودية عن ~~نفسها دفاع المستبسل المستميت، ولكن الإسبانيين ضيقوا الخناق عليها، فراحت تستغيث بجاراتها ~~المسلمة، وملوك الطوائف ضعاف متمزقون يبصرون الكارثة مقذوفة إليهم، فتنخلع قلوبهم هلعا، ~~ولا يستطيعون لها ردا، وهالهم أن تسقط سرقسطة بعد طليطلة، قاعدة تلو قاعدة، فماذا يكون ~~مصير الأندلس إن لم يهبوا متساندين للنضال عنها؟ فالمصيبة جامعة لا تعف عن واحد منهم، ولا ~~يؤمل بغير الاتحاد الحئول دون استشرائها. # فتداعوا إلى مؤتمر يعقدونه في مملكة ابن عباد - أعظمهم دولة - فاجتمعوا في إشبيلية، ثم في ~~قرطبة، واتفقوا على ضم جهودهم لدفع المغير وإنقاذ سرقسطة، بيد أنهم لم يكونوا واثقين ~~بالظفر؛ لما يعلمون من ضعف قواهم إزاء القوات الإسبانية القاهرة، فقرروا أن يستنجدوا يوسف ~~بن تاشفين أمير المرابطين في عدوة إفريقية، وكان صاحب شوكة وسلطان، يسيطر على شعب مخشوشن ~~الأبدان يستطيب الحرب والكفاح، لم ينغمس في الترف والملذات - كأهل الأندلس - لتخور عزائمه ~~فيستكره القتال. # ولا يتوقع أن ms09 يصم زعيم المرابطين أذنيه عن نداء إخوانه المسلمين؛ لما به من حمية للدين، ~~ثم لما يضمر في نفسه من مأرب يهزه لفتح الأندلس وإلحاقها بإفريقية ما دام أمراؤها ضعافا ~~متواكلين، لا يملكون وسائل الدفاع لحمايتها، فمن الخير للمسلمين أن يدخلها المرابطون، ~~ويمنعوها أن تقع في قبضة المسيحيين. # بيد أن يوسف بن تاشفين - على رغبته الشديدة في الذود عن أبناء ملته، وبسط سلطانه على ~~الأندلس - لم يسرع إلى تلبية ملوك الطوائف دون أن يتبصر بالأمر ويقلبه على وجوهه؛ فقد كان ~~يجهل أرض الأندلس، ولا يعرف إلا الشيء القليل عن الأمراء المسيحيين، فأشفق أن يغرر بجيشه في ~~بلاد غريبة، قبل أن يحتاط للطوارئ، ويتدبر عواقب مغامرته وإقدامه، فدعا إليه كاتبه عبد ~~الرحمن بن أسبط الأندلسي، وطلب منه أن يشرح له أحوال إسبانيا، وما يحول من العقبات دون ~~التغلب عليها. # فذكر له الكاتب أن المسلمين هناك لا يعمرون إلا ثمن البلاد، في حين أن النصارى يعمرون ~~سبعة أثمانها، وشبه إسبانيا بسجن لمن دخلها، لا يخرج منه إلا تحت حكم صاحبه، فإذا كان ~~الأمير عاقدا نيته على العبور إليها، فيحسن به أن يجيب المعتمد بن عباد بأنه لا يمكنه ~~الجواز إليه، إلا إذا تنازل له عن الجزيرة الخضراء ليجعلها مقر أجناده وأثقاله، ويريد عبد ~~الرحمن بذلك أن يبقى سيده متصلا بإفريقية، حتى إذا أخفق في حملته لا تسد عليه طريق الرجعة ~~إليها، فاستصوب الأمير هذا الرأي، فكتب به إلى صاحب إشبيلية، ولبث ينتظر الجواب ويتأهب ~~للقتال. # وكان ألفنس في تلك الأثناء قد ثقلت وطأته على الولايات الأندلسية، فلقي ابن هود أشد ~~العناء في الدفاع عن سرقسطة، وما سلمت من التخريب بسائط إشبيلية وحصونها، وبات الخطر يهدد ~~المتوكل بن الأفطس أمير بطليوس، فرأى المعتمد بن عباد أن يستوقف شر الملك الإسباني بأداء ~~الجزية والنزول له عن الحصون المتاخمة، فأرسل إليه يسأله الهدنة، ويبدي رغبته في تسليم ~~الحصون، وتقديم الإتاوة. # فأوفد ألفنس بعثة على رأسها أحد قواده، ومعه يهودي يقال له ابن شاليب، ماهر في نقد ms10 ~~الدراهم الزائفة، فنزلوا في ظاهر المدينة، فوجه المعتمد إليهم المال مع جماعة من وجوه ~~دولته، فطلب ابن شاليب أن ينظر فيه قبل تسلمه، فاستاء الوفد الإشبيلي، وعدوا ذلك إهانة ~~لهم ولأميرهم، فاحتدم الجدال بينهم وبين البعثة الإسبانية، فأصر اليهودي على طلبه، فاقترح ~~القائد السفير أن يقدم ابن عباد بدلا من المال سفنا حربية، فعاد المندوبون بالمال إلى ~~سيدهم، وأخبروه بما حدث، فتلظى حنقا حتى خرج عن دائرة اعتداله، فأمر بقتل السفير ومن معه، ~~وكانوا ثلاثمائة، ولم ينج منهم غير ثلاثة تمكنوا من الفرار، ويروي صاحب «نفح الطيب» عن ابن ~~اللبانة، شاعر المعتمد أن الأمير لم يقتل من البعثة غير اليهودي، فقد أمر بصلبه، وأما ~~المسيحيون فإنه اكتفى بأن يزجهم في السجن. # ويقول أبو عبد الله الحميري في «الروض المعطار»: إن ألفنس طلب زيادة على الضريبة ~~والحصون، أن تأتي امرأته إلى قصور الزهراء فتنزل فيها إلى أن تلد؛ لأن القسيسين أشاروا ~~عليها بأن تتردد على الجامع الكبير في قرطبة، لتتبرك مدة حملها بزيارة الكنسية التي كانت ~~بجانبه الغربي قبل بنائه، فرفض ابن عباد هذا الطلب، فراجعه ابن شاليب وأغلظ له القول، حتى ~~أغضبه فأمر بصلبه منكوسا. # ثم فكر بما يجر عليه هذا الحادث من وخيم المغبة، فملك الجلالقة لا يصبر عن الاثئار ~~لبعثته، وقد اتسع الخرق بينهما؛ فما يمكن استرضاؤه إلا بشروط لا تطاق، فوطن النية على ~~استدعاء المرابطين ثانية، والتنازل لزعميهم عن الجزيرة الخضراء، فدعا ابنه الرشيد ولي عهده، ~~وأفضى إليه بما يعتزم عليه، فمانع الرشيد وحذر والده خطر المرابطين إذا دخلوا الأندلس ~~وامتلكوا قاعدة فيها. # فأجابه المعتمد بكلمته المأثورة: «رعي الجمال خير من رعي الخنازير»، أي أنه يفضل أن يكون ~~مأكولا ليوسف بن تاشفين يرعى جماله في الصحراء، على أن يكون أسيرا عند ألفنس، يرعى ~~خنازيره في قشتالة. # وتلقى أمير المرابطين دعوة ابن عباد - وكان ينتظرها - فحشد جيشه في سبتة، ثم اجتاز المضيق ~~إلى الجزيرة الخضراء، في شهر ربيع الآخر 479ه/آب 1086م، فوجد أمير إشبيلية قد خف لاستقباله ~~في ms11 مائة فارس ووجوه أصحابه، فتقدم المعتمد يريد تقبيل يده؛ إظهارا لطاعته، فمنعه يوسف، ~~فتصافحا وتعانقا كصديقين، لا كتابع ومتبوع، ثم تسلم الزعيم الإفريقي الجزيرة ليتصرف فيها، ~~فاحتل بجيشه قلعتها، واهتم بتعزيز حصونها، وتنظيم حاميتها، وإعداد المؤن والذخائر فيها ~~لتكون له موئلا يفزع إليه إذا لم يحالفه النصر في حملته. # فلما أتم تجهيزها شخص إلى إشبيلية فلبث ثمانية أيام يؤهب جيوشه منتظرا في الوقت نفسه ~~قدوم الأمراء الأندلسيين بقواتهم لينضموا إليه، حتى إذا اكتملت عدة الجيوش المتحالفة، زحفت ~~من إشبيلية تجوز أملاك أمير بطليوس، فسار فرسان المرابطين في الطليعة وعدتهم عشرة آلاف ~~يقودهم داود بن عائشة، ثم الجيش الأندلسي، وعلى رأسه المعتمد، ثم الجيش الصحراوي يتقدمه ~~يوسف بن تاشفين، وبينه وبين جيش ابن عباد يوم واحد، حتى بلغوا بطليوس، فنزلوا بظاهرها، فخرج ~~إليهم أميرها المتوكل بن الأفطس، فلقيهم بما يجب من الضيافات والأقوات. # وكان ألفنس لا يزال يحاصر سرقسطة، ويرميها بالحملة إثر الحملة وهي تدافع عن نفسها يائسة، ~~فلما عرف بمجيء المرابطين وزحفهم إليه مع القوات الأندلسية، خاف على طليطلة والممتلكات ~~الجنوبية أن يقع فيها العدو؛ فرفع الحصار عن العاصمة الهودية، وارتد إلى طليطلة يحشد ~~العساكر من قشتالة ولاون وجليقية ~~(Galice) # وبسكونية ~~(Biscaya) # وأشتوريش ~~(Asturias) ~~، ومن الأراضي الإسلامية التي افتتحها ~~وأخضعها، وجاءته النجدات المتطوعة من ولايات فرنسة الجنوبية طامعة في المغانم أو مجاهدة في ~~سبيل الدين، ودعا إلى معونته حليفيه شانجه أمير أرغون ونافار، ورمند أمير برشلونة. # فلبيا دعوته وانضما إليه بقواتهما، فاجتمع لديه جيش عظيم، تختلف الروايات الإسلامية في ~~تقديره؛ فمنها ما يبالغ فيه فيجعله مائتي ألف راجل، وثمانين ألف فارس، ومنها ما يذهب إلى ~~الاعتدال فلا يرتفع به عن الثمانين ألفا، منهم أربعون ألفا من ذوي الدروع الثقيلة، ويقدره ~~ابن الأثير بخمسين ألف مقاتل، ويجعله ابن خلكان أربعين ألف فارس غير ما انضم إليه من ~~الأتباع، ولا تتفق الروايات الإسلامية على عدد جيوش المسلمين؛ فمنها ما يرفعه إلى ثمانية ~~وأربعين ألفا، نصفهم من الأندلسيين، ونصفهم الآخر من المرابطين، ومنها ms12 ما يهبط به إلى ~~العشرين ألفا، ولكنها تجمع كلها على أن عدد المسلمين كان أقل من عدد المسيحيين. # وأما الروايات المسيحية، فإنها لا تشير إلى عدد الجيوش النصرانية، وإنما تذهب إلى تقدير ~~الجيوش الإسلامية بزهاء مائة ألف، أو تظهر عجزها عن إحصائها، فتقول إنها كانت كالجراد ~~المنتشر، ويفترض المستشرق الألماني جوزف أشباخ عددا متساويا للفريقين، فيقدر أن كل واحد ~~منهما كان يجمع نحو مائة وثلاثين ألفا إلى مائة وخمسين. # ونحن إذا نظرنا إلى الولايات المتسعة في مملكة ألفنس، وما يحتمل استمداده من القوات ~~الحليفة والمتطوعة، لا نستكثر خروجه بمقدار مائة ألف لقتال عدو يشعر بخطره بعد اجتماع ~~الإفريقيين والأندلسيين عليه، وكذلك لا يعقل أن يوسف بن تاشفين يعبر إلى الأندلس بأقل من ~~أربعين إلى خمسين ألفا، وهو مقدم على الحرب في بلاد غريبة منيعة، رأينا كاتبه عبد الرحمن ~~يجتهد في تحذيره منها، وإذا كانت فرسانه عشرة آلاف كما ذكرنا، فلا ينبغي أن يقل عدد ~~الرجالة عن الثلاثين أو الأربعين ألفا، ثم إن أمراء الأندلس في تحالفهم على الكارثة ~~المشتركة لا يستغرب أن يبلغ حشدهم خمسين ألفا على أقل تعديل ليتخلصوا من عدو مخيف طالما ~~هدد وجودهم، وقد سنحت لهم الآن فرصة تمنوها طويلا حتى حصلوا عليها. # فإن تكن العساكر الصحراوية والأندلسية دون العساكر الإسبانية في مجموعها بحسب رواية ~~المؤرخين المسلمين، فلا يمكن التسليم بأنها تقل عنها كثيرا، فكلا الجيشين قوي متأهب أحسن ~~الأهبة، والموقف خطر رهيب، والمصير غامض لا ينجلي إلا في اللقاء. # وجاءت الأنباء أن ألفنس زاحف بقواته إلى بطليوس، فنشط القواد المسلمون إلى ترتيب صفوفهم ~~ومعسكراتهم، وخطب يوسف بن تاشفين وابن عباد في أصحابهما، وقام الفقهاء يحضونهم على ~~الثبات، ويحذرونهم من الفشل، ثم جاءت الطلائع تخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم، وهو ~~يوم الأربعاء، فخرج المسلمون مبكرين وأخذوا مصافهم، وأقبلت الجيوش الإسبانية بخيلها ~~ورجلها تملأ الفضاء، فنزلت على بضعة أميال من بطليوس، في سهل تتخلله الغابات يعرف باسم ~~الزلاقة ~~(Sacralias) ~~، وعسكرت تجاهها الكتائب الأندلسية ~~يفصل بينهما نهر ms13 صغير. # أما يوسف بن تاشفين، فقد جعل معسكره وراء أكمة عالية، في عزلة عن معسكر الأندلسيين، فلما ~~أخذت العساكر الإسبانية محلاتها، أرسل زعيم المرابطين إلى ألفنس يعرض عليه الدخول في ~~الإسلام، أو تأدية الجزية، أو مباشرة القتال كما هي السنة، ومن جملة ما قاله في الكتاب ~~بحسب رواية نفح الطيب: «بلغنا يا أدفنش أنك دعوت إلى الاجتماع بنا، وتمنيت أن يكون لك سفن ~~تعبر فيها البحر إلينا؛ فقد عبرنا إليك، وقد جمع الله - تعالى - في هذه الساحة بيننا وبينك، ~~وسترى عاقبة دعائك، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال.» # فلما اطلع ألفنس على مضمون الكتاب، رماه إلى الأرض مغضبا، وقال للرسول: «اذهب فقل ~~لمولاك: إننا سنلتقي في ساحة الحرب.» # ولم يشأ العاهل الإسباني أن يباشر القتال قبل أن يلجأ إلى بعض خدائعه المعهودة، فبات ~~ليلته لا يحرك ساكنا، والمسلمون يحسبون المعركة ناشبة حتما غداة الخميس، فهبوا في ~~الصباح يستعدون لخوضها، وإذا رسول من ألفنس يحمل كتابا إلى يوسف بن تاشفين يقول فيه: «غدا ~~يوم الجمعة وهو عيدكم، والأحد عيدنا، فليكن لقاؤنا بينهما يوم السبت.» وفي رواية أخرى أنه ~~استثنى يوم السبت أيضا؛ لأنه عيد اليهود، وفي المعسكرين كثير منهم، واختار للقاء يوم ~~الإثنين. # فاستحسن الأمير المغربي هذا التأجيل وخاله عدلا، فوافق عليه، ولم يعلم أن ألفنس يرمي به ~~إلى تعطيل أهبة المسلمين ليأخذهم يوم الجمعة على غرة وهم غير مستعدين، ولكن المعتمد بن عباد ~~كان قد بلا مكايد حليفه بالأمس، وذاق سموم أكاذيبه، فلم يطمئن فؤاده إلى هذا الاقتراح ~~المريب، واستشعر الحيلة من خلاله، فبث عيونه في الليل يتجسسون حركات الإسبانيين، فعادوا ~~إليه يخبرونه بأنهم أشرفوا على محلة ألفنس، فسمعوا ضوضاء الجيوش واضطراب الأسلحة، فبعث إلى ~~السلطان يوسف يطلعه على الأمر ويستحث نصرته، وكان ألفنس قد جعل جيشه قسمين: أحدهما يقوده ~~غرسيه، والثاني يتقدم جناحيه شانجه ورمند ويقوم هو في قلبه، فعند السحر، حمل جيش غرسيه ~~أولا يريد مباغتة الأندلسيين، وإذا داود بن عائشة يصدمه بفرسان المرابطين، ويكسر من حدة ~~هجومه. ms14 # ولم يكن الإسبانيون ينتظرون هذه المفاجأة فانكفئوا إلى خط دفاعهم الثاني، ثم أصلحوا ~~أمرهم وعاودوا الكرة على المرابطين، وحمل معهم ألفنس بسائر الجيش، يخترق فرسانه المدرعون ~~بالحديد الخطوط الأندلسية، وقد ارتفع إلى السماء صياح الإسبانيين وقرع طبولهم، وكانت الحملة ~~راعبة عنيفة، فلم يصبر لها أمراء الأندلس، فتراجعوا مفلولين ثم ركنوا إلى الفرار، فطاردهم ~~المسيحيون إلى أسوار بطليوس، ولم يثبت في الميدان إلا فرسان إشبيلية وأميرهم المعتمد بن ~~عباد، والفرسان المرابطون، وقائدهم داود بن عائشة، فإنهم لبثوا يجاهدون الأعداء صابرين على ~~عض السلاح، مستهينين بالموت، لا يطلبون النجاة. # وأظهر ابن عباد من ضروب البسالة ما يملأ النفس إعجابا؛ فقد أحاط به الإسبانيون من كل ~~جهة، فانكشف بعض أصحابه، وفيهم ابنه عبد الله، فأخذ يقتحم الصفوف معرضا نفسه للوبال، ~~فشج رأسه، وجرحت يمنى يديه، وطعن في أحد جانبيه، وعقرت تحته ثلاثة أفراس، وهو يجالد ~~مستأسدا لا يترك المعمعة، ولو لم ينفس عنه داود بن عائشة بعض الشيء لكانت عليه المحنة ~~أشد وأقسى. # فقد جاهد القائدان بفرسانهما أروع جهاد، حتى لم يبق لهما أمل من الدفاع، فارتدا ~~بأصحابهما إلى الأسوار ملتحقين بأمراء الأندلس الذين انهزموا في بدء المعركة، وأسملوا ~~محلاتهم، فاستفاد منها الأعداء في انقضاضهم وتطويق الذين صبروا وصابروا من المسلمين، ~~وتتبعهم ألفنس بالمطاردة ليجهز عليهم، فتدفقت وراءهم فرسان إسبانية تضرب في أقفائهم، ~~وبارق النصر يلوح لها مشعا لماعا. # وظن ألفنس واهما أن الكسرة وقعت على جيوش المسلمين بأجمعها، وأن يوسف بن تاشفين ~~والصحراويين في جملة المندحرين، ولكن ساء فأله، فبينما هو يطارد المنهزمين، وأصحابه ~~يتباشرون بالظفر، إذا بالصرخة تتعالى وراءه في معسكره، وقرع الطبول يتجاوب في الهواء، وكان ~~زعيم المرابطين قد خرج بعساكره من وراء الأكمة، وأمر قائده أبا بكر أن يخف بقوة من البربر ~~لمعونة المعتمد بن عباد والأندلسيين، وسار هو بفيالقه الضخمة إلى معسكر الإسبانيين، فأناخ ~~عليه، فأوقع بحاميته، وانتهب ما فيها من الذخائر والسلاح، وضجت أصوات طبوله، فاستكت لها ~~آذان ألفنس ورجاله. # وجاءه النبأ المشئوم وهو في نشوة الظفر ms15 يتعقب الأندلسيين، ويبعثر البرابرة الذين جاءوا ~~لنجدتهم، فترك المطاردة، وارتد بجيوشه إلى المعسكر؛ لينقذه من أيدي المرابطين، وأبصر يوسف ~~بن تاشفين عنف الكرة، فحاد عنها خارجا لهم عن المحلة، ثم كر عليهم فأخرجهم، ثم كروا ~~عليه فأخرجوه، وتوالت الكرات والمعسكر ينتقل من يد إلى يد، وكان أمير المرابطين يمر بين ~~مسافات المسلمين يحرضهم، ويقوي نفوسهم على الجهاد والصبر ويقول: «يا معشر المسلمين، اصبروا ~~لجهاد أعداء الله الكافرين، ومن رزق منكم الشهادة فله الجنة، ومن سلم فقد فاز بالأجر ~~العظيم والغنيمة.» فقاتل المسلمون في ذلك اليوم قتال من يطلب الشهادة ويرغب في الموت، ~~وقاتل المسيحيون أصدق قتال، وصبروا أعظم الصبر، وفي نفوسهم ما في نفوس أعدائهم من الحمية ~~للدين والوطن، فتساقطت ألوف الضحايا من الفريقين حتى غصت بهم ساحة القتال، وخاضت الخيل في ~~برك من الدماء، وسقط فيها جماعة فغرقوا في دم قتلاهم، وصارت الأرض ترتجف من وقع حوافر ~~الجياد، وانعقد العجاج فأظلم النهار. # وكان المعتمد بن عباد، وداود بن عائشة قد جمعا شمل فرسانهما بعد أن كف ألفنس عن المطاردة، ~~فارتدا بهم في أثر المسيحيين، وارتد بعدهما المنهزمون من أمراء الأندلس وقد اشتدت عزائمهم ~~حين تنسموا ريح النصر، فأخذ الإسبانيون من الجانبين، فتناهبتهم شفار السيوف تحصدهم من ~~الأمام والوراء، وهم لا يفترون عن المكافحة غير مصدقين أنهم خسروا المعركة، يكرون على ~~معسكرهم يستعيدونه من المرابطين، ثم ينتزعه المرابطون من أيديهم، ثم يرجع إليهم، وهم في ~~الوقت نفسه يقاومون الأندلسيين في مؤخرتهم، حتى دنت ساعة الغروب، فكره يوسف بن تاشفين ~~أن يأتي الظلام ويفصل بينه وبينهم على غير نتيجة، فأمر رجاله السودان، فترجلوا عن مطاياهم ~~وعدتهم أربعة آلاف، بأيديهم السيوف والدرق ومزاريق الزان، فاقتحموا خيول الإسبانيين، ~~وأعملوا الطعن في بطونها وصدورها، فازورت بفرسانها وخامت عن المعترك من ألم ~~الجراح. # وحملت جيوش المسلمين حملة صادقة؛ فانهزم الإسبانيون متخلين عن معسكرهم لا يأملون العودة ~~إليه، فاستحر القتل فيهم، فلم يفلت منهم غير طويل العمر، وأبى الملك ألفنس أن يهرب، فلبث ~~يجمع صفوفه ويقاتل ms16 مستبسلا مخاطرا بحياته، فلحقه أحد السودان، فلصق به وطعنه بخنجر فأثبته ~~في فخذه، وهتك حلق درعه، فبادر إليه خمسمائة من فرسانه الدارعين فأنقذوه، ولكنه رفض أن يترك ~~ساحة القتال، وآثر الموت على أن يرضى بالهزيمة، فساروا به على كره منه إلى تل مما يلي ~~المعسكر، ثم انحدروا إلى قورية يسترهم الظلام. # وخسر الإسبانيون أكثر جيشهم في هذه الموقعة، وكذلك كانت خسارة المسلمين جسيمة؛ لأن ~~الضائقة لزمتهم معظم النهار، بيد أنهم وجدوا تعزية في النصر البهيج، فأقاموا مهرجان ~~الفرح مساء يومهم، وبعث المعتمد بن عباد حمامة إلى عاصمته تحمل رسالة البشرى لولده الرشيد، ~~فقرئت على الناس في المسجد الجامع، واحتفلت إشبيلية بالنصر في اليوم نفسه على ما بينها وبين ~~بطليوس من البعد، وبات الجيش ليلته في ميدان القتال، حتى تنفس الصبح، فجمعت ألوف من رءوس ~~الإسبانيين على شكل مئذنة، وقام فوقها المؤذن ينادي: حي على الفلاح! # وانتهت معركة الزلاقة بيوم واحد، الجمعة 23 كانون الأول 1086م، فدونت حدثا عظيما في ~~تاريخ الإسلام، فهي وإن تكن فتحت أبواب الأندلس لمرابطي إفريقية، فلقد أثبتت فيها أقدام ~~المسلمين مدى أربعة قرون. # | رذريق والمرابطون # عاد أمير المسلمين من معركة الزلاقة يجرر ذيل المجد، ومن حوله ملوك الطوائف يسعون إليه ~~بتحايا الشكر وعرفان الجميل، وهم بين سكرة النفس الغائبة، وصحوة الفكر الحاضر، تهزهم أهازيج ~~العساكر المنتصرة، فيستسلمون للغبطة والتيمن، ثم يلوح لهم وجه يوسف بن تاشفين، في عبوسه ~~واستعلاء نظراته، ويسمعون أصوات المرابطين ترتفع على أصوات الجنود الأندلسية، فترتعد الغبطة ~~في قلوبهم، ويستحيل اليمن طيرة وشؤما. # يشوقهم أن يترشفوا غرة الجو مشرقا صافيا، بعد أن تلاشت عاصفة الإسبان، وتمزقت سحائبهم ~~في الشمال، فتروعهم غمامة مطلة من الجنوب، كثيفة سوداء. # ينظرون إلى زعيم الملثمين يسير في المقدمة عظيما بقوته وبطشه، عظيما بورعه وتقشفه، فلا ~~يملكون النفس عن الإعجاب بأمير مسلم، أنقذ الأندلس المسلمة، وأبعد عنها خطر المسيحية، ~~فيودون لو ينطق بكلمة تبدد أوهامهم وتبعث الطمأنينة في الصدور، لينقلب هذا الإعجاب حبا ~~ومودة، ولكنه صامت لا يحدثهم بشيء ms17 عن إماراتهم ومصايرها، فإذا هم - بكره منهم - يخافونه ~~على بلادهم، أكثر مما يخافون ألفنس والقشتاليين. # ولم يكن خوفهم في غير محله، فإن سلطان مراكش قد عقد نيته على البقاء في الجزيرة ليشرف من ~~كثب على الدويلات العربية، ويتابع جهاد الإسبانيين ورد غاراتهم، ولعله ابتدأ منذ اليوم ~~يعتبر الأندلس ولاية من أعمال إفريقية؛ لما رأى من عجز أمرائها وضعفهم وتخاذلهم. # غير أنه فكر في شيء وفكرت الأقدار في شيء آخر، ففيما هو يتأهب للقيام بغارة جديدة، جاءه ~~نعي ولده أبي بكر سير، وكان قد أقامه نائبا عنه في مراكش يدير أمورها، فاضطر إلى الإسراع ~~في العودة لتنظيم حكومته، إلا أنه ترك الجيش الصحراوي في الأندلس برئاسة قائده سير بن أبي ~~بكر، فاستأنس ملوك الطوائف بعض الشيء، وسرهم أن يبتعد الظافر عن أرضهم، منصرفا إلى العناية ~~بشئون مملكته الإفريقية، فاستأنف بعضهم الغارات على الإمارات الإسبانية والبرتغالية يعاونهم ~~جيش المرابطين، فكانوا ينجحون في مكان ويخفقون في مكان آخر. # ولم يخطر لهم في بال أن ألفنس السادس ستقوم له قائمة بعد موقعة الزلاقة، وقد خسر فيها ~~نخبة فرسانه ومعظم جيشه وعتاده، ويقينا لو أصابت هذه الكارثة رجلا غيره لحطمت عزيمته ~~وقضت على مساعيه، ولكنها أصابت جبارا مريدا لا يسهل على الأحداث تدويخه وإقعاد هماته، ~~فإنه ما انفك - منذ هزيمته المشئومة - يستنفر الإسبانيين والفرنسيين، حتى تم له بعد عام حشد ~~جيش عظيم في عدته وعدده، فخرج به سنة 1087م، مغيرا على الأندلس، مخربا فيها، مفتتحا ~~بعض مدائنها، مهددا ملوكها ولا سيما المعتمد بن عباد. # وعبثا حاول هؤلاء الأمراء أن يدفعوا البلاء عن ديارهم، وهم على تحاسدهم، وطمع قويهم في ~~ضعيفهم، لا يخلصون النية للتعاون المشترك، يتحالف منهم فريق، ويتخلف فريق آخر، ولا يتلكأ ~~بعضهم أن يكيد لبعض، فكأن يوم الزلاقة أنساهم ما جر عليهم تفسخهم بالأمس، وكأن بعد يوسف بن ~~تاشفين أغفلهم عما يهددهم في الغد، وكان المعتمد أشدهم طموحا إلى بسط سلطانه والاستئثار ~~بالنفوذ؛ لاعتداده عليهم بالقوة واتساع الملك، فحدثته نفسه بخطة خرقاء لم ms18 يحسب حسابا ~~لنتائجها، فرأى أن يعبر المضيق إلى المغرب ويشرح لأمير المسلمين أحوال الأندلس وقعود ~~أمرائها عن حمايتها، راجيا منه أن يوليه قيادة العساكر الصحراوية ليستطيع بها جمع الولايات ~~وضم أشتاتها، ومن ثم مقاومة الأمراء المسيحيين، وفاته أن سلطان مراكش ينتظر هذه الفرصة ~~لتحقيق رغائبه في الاستيلاء على الأندلس وجعلها من أعمال دولته. # فعاد من عنده خائبا نادما؛ لأن الزعيم المرابطي يريد أن يحمل بنفسه عبء مجاهدة ~~الإسبانيين، ولعله تلقى رسائل من علماء الأندلس يستنجدونه لإنقاذها؛ فنشط يجمع العساكر ~~ويدربها، حتى تهيأ له حجفل كثيف، فعبر به بحر الزقاق إلى الجزيرة الخضراء، في حزيران ~~1088م/ربيع الأول 481ه، وما وكده الأمراء المسيحيون وحدهم، بل ملوك الطوائف قبلهم. # على أنه لم يجد من الحكمة أن يناصبهم العداء فورا، فباشر الحرب أولا مع الإسبانيين دون ~~أن يدعوهم إلى مساعدته، ثم ارتد إلى غرناطة فاحتلها واعتقل صاحبها عبد الله بن بلكين بن ~~باديس، ونفاه إلى أغمات قرب مراكش، متهما إياه بأنه حليف لألفنس، ورأى أن الجيش المرابطي ~~لا يكفي للقيام بحركات واسعة يزيل بها ملوك الطوائف، فارتد إلى سبتة وأخذ يحشد العساكر ~~ويجيزها إلى قائده سير بن أبي بكر في غرناطة حتى اجتمعت له قوات جرارة، فسيرها في أربع جهات ~~لقتال المعتمد بن عباد، والمعتصم بن صمادح صاحب ألمرية ~~(Almeria) ~~. # وكان المعتمد يتوقع غارة المرابطين على مملكته، ويستعد لها، فهب إلى مدافعتهم يخوض ~~المعارك بنفسه، ويبلي أحسن البلاء، ولكن ما حيلته وجيشه ضعيف أمام الفيالق الصحراوية ~~الطاحنة؟! فمن الجنون أن يغرر به ويتابع حربا نتيجتها خاسرة؛ يعرف كل ذلك، ويعرف أيضا أن ~~الحرب لا مهرب منها إلا إذا تنازل عن عرشه ليوسف بن تاشفين، وكيف له بالتنازل عنه وهو به ~~ضنين، يفضل أن تخرق الرماح جثمانه وأن يموت الجيش في مكانه على أن يخفض الرأس لابن ~~الصحراء! # ترى بمن يستغيث، وإلى من يفزع؟ أيدعو ملوك الطوائف لنصرته، وفيهم الحاسد والشامت؛ من يسر ~~بنكبته، أو الخائف المرتعش يشتغل بتحصين أرضه ولا يجرؤ أن يبادي الملثمين ms19 بالعدوان؟ وما ~~أبعد الأمل عند ملوك الطوائف! وما أقربه عند ألفنس عدوه اليوم وحليفه بالأمس! فلماذا لا ~~يهرع إليه بندائه وهو يشعر شعوره بخطر الغزاة الغرباء؟ وما كاد صوت الاستغاثة يبلغ عاهل ~~قشتالة، حتى بادر إلى نجدته بأربعين ألف راجل وعشرين ألف فارس يقودهم الكونت غوميز ~~(Gomez) ~~، فالتقاهم المرابطون عند قرطبة فهزموهم بعد ~~معكرة دامية. # ولبث المعتمد يدافع عن إشبيلية دفاع اليائس المستميت، باذلا آخر ما لديه من القوى، ~~والمرابطون يأخذونه من كل جهة إلى أن دخلوها عنوة في أيلول سنة 1091م/رجب 484ه، فاعتقلوه ~~وساقوه وأسرته إلى أغمات، وسقطت ألمرية على إثر إشبيلية، وزال عنها ملك المعتصم بن صمادح، ~~ثم أناخ المرابطون على مرسية ~~(Murcie) ~~، وافتتحوا دانية ~~(Dénia) # وشاطبة ~~(Jativa) ~~، وما زالوا يتقدمون من مدينة إلى مدينة حتى ~~انتهوا إلى بلنسية، وهي يومئذ في حكم القادر بن ذي النون، وكان ألفنس السادس قد أقطعه هذه ~~الإمارة بدلا من طليطلة التي انتزعها منه، وجعله تحت حمايته يتقاضاه الجزية ويذود عنه إذا ~~اعتدي عليه. # فلما أغار المرابطون على بلنسية انضمت قوة من النصارى إلى المسلمين تدافع معهم عنها ~~ممتنعين بحصونها، ولكن المهاجمين استطاعوا أن يأخذوها في غير مشقة؛ لأن القاضي أبا أحمد بن ~~جحاف المعافري فتح لهم أبوابها، وأمدهم بجماعة من أصحابه تسهل لهم امتلاكها؛ لطمعه في ~~الإمارة، وكرهه للقادر بن ذي النون صنيعة الإسبانيين. # وكافأ المرابطون القاضي فجعلوه واليا على بلنسية من قبل سلطان مراكش، فما كان منه إلا أن ~~بادر إلى الانتقام من القادر، فما زال يبحث عنه ويطارده حتى تمكن منه فقتله، ثم انتهب قصره ~~واستولى على أمواله، فزالت بموته دولة ذي النون 1092م/485ه. # على أن سقوط بلنسية في أيدي المرابطين لا يعد خسارة للنونيين وحدهم، بل هو خسارة لألفنس ~~السادس أيضا، وبالتالي، خسارة كبيرة للفارس الإسباني، السيد رذريق ~~(Rodrigue le Cid) ~~؛ فقد كان ملك قشتالة يعتبر بلنسية ~~إمارة تابعة له، ولا ينظر بارتياح إلى تقدم الإفريقيين في الأواسط الشرقية من الأندلس؛ حيث ~~ينبسط نفوذه، وقد رأيناه يبادر إلى ms20 نجدة المعتمد بن عباد لكي يستوقف زحف المرابطين، ويقضي ~~على حركاتهم في الجنوب قبل أن تتسع وتنتشر، فلم ينجح في مسعاته فاضطر جيشه إلى التقهقر عن ~~قرطبة مدحورا، وراحت العساكر الصحراوية توغل في الجانب الشرقي، ناهضة من مدينة إلى مدينة ~~حتى استولت على أكثر القواعد الحصينة ، هازمة أمامها القوى الأندلسية وأعوانها الإسبانيين، ~~ومن بينهم الكونت رذريق وفرسانه الأشداء. # وكان هذا الفارس لا يقل حماسة عن أميره ألفنس في مقاومة المرابطين ومصابرتهم، ولا يقل عنه ~~غضبا لسقوط الولايات الشرقية؛ لما له من النفوذ فيها، ولا سيما بلنسية التي بسط عليها ~~سيادته وجعلها محط آماله ومدار مطامعه، سواء أرضي مليكه أم سخط؛ فإنه من أولئك الأبطال ~~المغامرين الذين يتعشقون الشهرة، ولا ينكصون عن طلبها مهما يقم دونها من الأهوال، وقد كان ~~ألفنس ناقما عليه حتى إنه نفاه عن قشتالة، وأزال ما به من نعمة سابقة. # فما زاده النفي والاضطهاد إلا عزما وإقداما، فبنى مجده بذكائه وحد سيفه على كره من ~~العاهل القشتالي، وباءت بالخيبة كل محاولة قام بها ألفنس لخذلانه وإخراج بلنسية من يده، ~~وجدير بنا أن نلم بطرف من حياة السيد وأخلاقه قبل أن نتحدث عن مواقعه في بلنسية مع ~~المرابطين؛ لتنجلي للقراء تلك الشخصية التي بلغت من سيرورة الذكر ما لم يبلغه ألفنس السادس ~~نفسه؛ فقد تغنى ببطولتها الشعراء والمنشدون، ونسجت حولها الروايات والأساطير، فكانت غذاء ~~للأدب الإسباني في القرون الوسطى، وغذاء من بعده للشاعر الفرنسي كورناي في مسرحيته الخالدة ~~«السيد». # هذا الفارس القشتالي يمثل فروسية عصره أصدق تمثيل بفضائلها وعيوبها، أوتي من القوة ~~البدنية والشجاعة والإقدام واستهانة بالموت ما يصح أن توسم به عصور البطولة، وساعده ذكاؤه ~~وقوة إرادته على التبصر في الأمور وتصريفها، والنظر في عواقبها. # كانت فروسيته تقترن بالتدين وحرارة الإيمان، يصوم ويصلي، ويعنى بالحفلات الدينية، ويقدم ~~الهدايا للكنائس والأديرة، فهو على خلاف ما تصوره المستشرق دوزي؛ إذ جعله لا دين له ولا ~~شرع؛ فإن روح الدين كانت أكبر محرك لنفوس الفرسان في عصره؛ بسبب الحروب الصليبية ms21 التي امتدت ~~من الغرب إلى الشرق، ولعل دوزي نفى عنه العقيدة المسيحية لكثرة ما اقترف من الجرائم ~~والفظائع التي يستنكرها الدين وينهى عنها، أو لعله يرمي إلى تقلبه في السياسة الوطنية، ~~فحينا يحارب المسلمين مجاهدا، وحينا يضع سيفه في خدمتهم لينصرهم على المسيحيين، وفي كلا ~~الحالين لو عاد المستشرق بالسيد إلى عصره لما وجده غريبا عنه؛ فإحراق القاضي ابن جحاف ~~حيا، والتمثيل بالأسرى أو إلقاؤهم إلى الكلاب الضارية، كلها أعمال وحشية بحد ذاتها، تنفر ~~منها النفس الإنسانية في صفائها. # إلا أن رذريق لم ينفرد بها عن غيره، فإنما هي من عيوب فروسية العصر، وتاريخ الأندلس حافل ~~بأمثالها وبأبشع منها، وتقترن على الغالب بأحوال خاصة؛ كدافع الانتقام، أو الحاجة إلى ~~الإرهاب، ولا يصح في ما عدا ذلك أن تجرد السيد من الشعور الإنساني والعاطفة المهذبة تجريدا ~~تاما، وفي أخباره ما لا يسمح لنا بهذا الحكم الجازم، كخبره مع المرأة النفساء، ذكره لويس ~~برتران في كتابه «تاريخ إسبانية»، وهو أن السيد عندما نفاه الملك سار بفرسانه وخدمه هائما ~~بين قشتالة وسرقسطة، فذات يوم أمر بأن تقوض الخيام للرحيل، فما كادت تطوى وتحمل حتى سمع ~~بعض رجاله يقولون إن زوجة طاهيه قد وضعت في تلك الساعة. فسألهم حالا: كم تلزم سيدات ~~قشتالة السرير عادة بعد الولادة؟ فأعلموه، فقال: إذن نبقى هنا طول هذه المدة، فلتنصب ~~الخيام. # وبقي السيد في مكانه لا يتحرك منه حتى نهضت زوجة الطاهي من فراشها، مع أن الخطر كان ~~محدقا به لانتشار الأعداء وتسربهم في تلك الأصقاع. # وكذلك تقلبه في السياسة الوطنية لم يكن غريبا في نوعه عندهم؛ فإن تاريخ إسبانية يحدثنا ~~عن كثير من الفرسان المسيحيين والمسلمين كانوا يفعلون فعله، مدفوعين بحب المال والشهرة، أو ~~شهوة الانتقام، أو روح المغامرات، إلى محاربة أبناء ملتهم في صفوف أعدائهم، والكونت رذريق ~~فيه جشع كبير إلى المال والشهرة، وكانت شهوة الانتقام تحفزه إلى طلب المعالي، بعدما فقد ~~حظوته عند ألفنس وأبعد عن بلده. # وهو إلى ذلك لا تنقصه روح المغامرات، وإسبانية ms22 يومئذ في حالتها السياسية المضطربة، وما ~~يهددها من الخطر الشامل لتصارم ولاياتها، وتباغض حكامها، تفرض على الأمراء المسلمين ~~والمسيحيين أن يجتمعوا في مواطن مختلفة، متحالفين مع ما بينهم من حروب أزلية وعداء قديم، ~~على ما في هذا التحالف من تكافؤ أو غير تكافؤ، كما حالفت بلنسية وسرقسطة قشتالة، وكانتا في ~~الوقت نفسه تؤديان لها الجزية، وتعتمدان على مساعدتها إذا نزل بها عدو مغير، فغير عجيب ~~أن يقاتل السيد في صفوف حلفاء قومه - وإن كان العدو الذي يقاتله من المسيحيين - أو أن يقاتل ~~في غير صفوف حلفائه وهو حاقد على أميره، مغامر باسل يطمح إلى المجد ويطمع في المال، ولديه ~~جيش خليط من المرتزقة، لا يقوم على المسيحيين وحدهم، بل فيه عدد عظيم من الفرسان المسلمين، ~~وإذا عدنا إلى أخباره أول حياته نجده - مع حبه للمال وسعيه إلى جمعه - لا يجرد حسامه إلا في ~~سبيل أميره. # ولد هذا الفارس في قرية فيفار ~~(Vivar) ~~، على مقربة من برغش ~~(Burgos) # نحو سنة 1045م، يكتنفه النسب الكريم من ناحية ~~أبيه دياغو أو دياز ~~(Diego ou Diaz) ~~، سليل كالفو ~~(Calvo) # بعض كبار القضاة في قشتالة، ثم من ناحية أمه ~~التي تنتمي إلى أسرة كبيرة في أشتوريش ~~(Asturias) ~~، وكان ~~والدها صاحب إقطاعات في الوادي الجوفي؛ # 1 # أي وادي دويره ~~(Duero) ~~، والظاهر أن دياغو ~~توفي والغلام في نحو الثالثة عشرة من سنيه، على حد تقدير لاوي بروفنسال؛ إذ يجعل وفاته ~~سنة 1058م، فورث رذريق أملاكه. # ثم اتصل بالدون شانجه ~~(Sancho) # بعدما قسم فردينان مملكته ~~بين أولاده الثلاثة، فأتيح له أن يتأدب بأدب القصر شأن أبناء الأمراء؛ وقلده شانجه رتبة ~~الفروسية، فحارب معه سنة 1063م مناصرا المقتدر بن هود ملك سرقسطة على الأرغونيين؛ فكانت ~~أولى معاركه بجانب المسلمين على المسيحيين. # فلما نشب الخلاف بين الإخوة الثلاثة، وقام الواحد منهم ينازع الآخر نصيبه من ملك أبيه؛ ~~وقعت بينهم حروب أهلية، فقاتل الفتى رذريق تحت لواء شانجه، حتى تم النصر لأميره؛ فكافأه على ~~بلائه بمنصب رفيع في القصر، وأناط به ms23 قيادة الجيش، وصاحبها يعرف بصاحب العلم ~~(Alferez) ~~؛ ولقب بالكمبيادور ~~(Campeador) # أي القائد الأعلى، أو رئيس الغزوات؛ على ~~رأي لاوي بروفنسال. # ويسميه المقري في نفح الطيب: القنبطور، ويعرف أيضا عند مؤرخي العرب بصاحب الفحص، # 2 # والمراد به الرئيس الموكول إليه أمر الغارات على فحوص الأعداء وانتساف زروعها، ~~غير أن حياته في القصر لم يكن من شأنها أن تمنحه الشهرة التي أعدتها له الأقدار مع كثرة ~~الحروب التي شهدها في عهد مليكه. # ثم اغتيل شانجه في حصار زمورة ~~(Zamora) # الثائرة عليه سنة ~~1072م، واتهم بمقتله أخوه ألفنس؛ وكان هذا قد نفاه من شانجه إلى طليطلة؛ فرجع إلى مملكته ~~لاون واعتلى عرشها، وأراد أن يضم إليه قشتالة نصيب أخيه المقتول؛ فتمنع القشتاليون عن ~~مبايعته أو يقسم على براءته من دم أخيه، فرضي ألفنس، وذهب في جماعة من أشراف قشتالة إلى ~~كنيسة شانتا غادية ~~(Gadia) # في برغش لتأدية اليمين؛ فلم يجرؤ ~~أحد منهم على تحليفه سوى الكونت رذريق؛ فحقد عليه، ولكنه كان يتقي جانبه لما يعلم من بطشه ~~ودهائه، فآثر أن يأخذه باللين على أن يجاهره العداء، وإن تكن هذه الظواهر لا تخدع الفارس ~~الذكي فتزيل من نفسه الريبة بعاهله الجديد؛ فقد رأى خيرا له أن يتخلى عن منصبه في الجيش، ~~ويترك القصر دون أن يخرج عن طاعة ألفنس، أو يقطع صلة التابع بالمتبوع. # وكان لألفنس ابنة عم يقال لها الدونا ليمانا دياز، وتعرف بشيمانة، وهي بنت دياغو بن رذريق ~~كونت أوفيادو؛ وحفيدة ألفنس الخامس ملك لاون، فشاء أن يزوجها برذريق؛ ليجمع بهما أشراف لاون ~~وقشتالة، ويزيل ما بين البلدين من العداء. # فقبل الفارس القشتالي عروسه اللاونية من يد مليكه بعامل السياسة، لا بدافع الحب الذي ~~يصوره كورناي في مسرحيته، ويجعل منه صراعا عنيفا بين العاطفة والواجب في نفس البطل ~~العاشق، ثم في نفس معشوقته، فوالد شيمانة لم يلطم والد السيد، وهذا لقي حتفه من عهد بعيد، ~~ولا رذريق اضطر إلى قتل والد شيمانة، وإنما تم الزواج بينهما في جو هادئ، لا تلوح فيه ms24 بارقة ~~وجد، ولا عاصفة التياع، وهذا لا يمنع أن يكون الزوجان تبادلا المودة والإخلاص مع طول ~~الألفة، كما يحصل عادة بين الرجل والمرأة إذا اقترنا وقلباهما خليان من حب أو كره. # غير أن هذا الزواج لم يعد إلى رذريق سابق حظوته في القصر، فما لبث أن رجع وشيمانة إلى ~~قريته بيغار لا يخرج منها إلا إذا دعاه أميره لبعض المهمات. # وكان ألفنس يوفد كل سنة بعثة إلى طليطلة وإشبيلية، لاستئداء الجزية من الدولتين ~~الإسلاميتين، فأوفد السيد إلى إشبيلية في أواخر سنة 1079م ليأخذ الجزية من صاحبها المعتمد ~~بن عباد، فلما بلغها رأى الحرب دائرة بينها وبين الغرناطيين، وعلى غرناطة يومئذ الأمير عبد ~~الله بن باديس بن زيري، وقد أمده ألفنس بنجدة من الفرسان الإسبانيين تنصره على المعتمد؛ ~~لأنه لم يكن مطمئن النفس إليه؛ لانبساط ملكه بين ملوك الطوائف، وطمعه في التوسع، وكان قائد ~~الحملة الإسبانية الكونت غرسيه أوردونه عدو رذريق ومنافسه، فخاض السيد المعركة بجانب ~~الإشبيليين محتجا بأنهم حلفاء مليكه ألفنس. # فهزم العساكر الغرناطية، وأسر جماعة من الأشراف المسيحيين بينهم غرسيه، ولم يطلق سراحهم ~~إلا بعد ثلاثة أيام، فقفلوا إلى بلادهم مذلولين منكسي الرءوس، وتقاضى رذريق الجزية من ابن ~~عباد، وحملها إلى قشتالة سنة 1080م. # فغير عجيب أن يكون له من غرسيه وأعوانه خصوم يناصبونه العداء، ويكايدونه في السر ~~والعلانية حتى أوغروا صدر ألفنس عليه، فبات يتحين الفرص للنيل منه، وإضعاف شأنه، فاتفق أن ~~أغار السيد على طليطلة دون استئذان سيده، فأثخن وأوجع، وعاد بالأسرى والغنائم، فثار ثائر ~~الأشراف القشتاليين لاستقلاله بالأمر، وصغى إليهم ألفنس، وبدا له أن يطرده من أراضي قشتالة، ~~ففتحت له أبواب المجد في منفاه. # ولم يسلم سبب طرده من الالتباس والخلاف فيه؛ فمنهم من يرجعه إلى حقد الملك عليه من أجل ~~اليمين التي لقنه إياها في كنيسة برغش، ومنهم من يعود به إلى غاراته على طليطلة وإيقاعه ~~بحلفاء عاهله، أو إلى طمعه في الثروة، وأنه أخذ مالا كثيرا من المعتمد بن عباد، ويتفق ~~لويس برتران والمستشرق ms25 الألماني جوزف أشباخ على القول بأن فارسا ممتازا عظيم الكبرياء ~~كثير المطامع مثل السيد لا يرضى أن يظل مغمورا في كنف ملك يبخسه حقه ويغار منه، فهو لا بد ~~أن يختار هذا النفي بنفسه، ويقصد إليه قصدا إلم يفرض عليه، ليسعى وراء الشهرة التي ~~يتعشقها، ويبني عليها قصور أحلامه. # ومهما يكن من شيء، فإن رذريق هجر موطنه نحو سنة 1081م، مبقيا زوجه وأولاده في بيفار، ~~وسار برجاله إلى برشلونة، عارضا سيفه على أميرها رامون بيرنغر الثاني ~~(Berenguer) # فلم يجد عنده قبولا، فتركه وولى وجهه شطر ~~سرقسطة، فاتصل بصاحبها المقتدر بن هود، وكان حليفا لألفنس فأحسن وفادته. # وتوفي المقتدر في السنة نفسها، فانتقل الحكم من بعده إلى ولديه المؤتمن والمنذر، فولي ~~الأول سرقسطة وأعمالها، والثاني دانية وطرطوشة ~~(Tortosa) # ولاردة ~~(Lerida) ~~، ثم نشب الخلاف بينهما، فاستنجد المنذر ~~كونت برشلونة وملك أرغون مستنصرا بهما على أخيه فأمداه بالعساكر، فخرج إليهم رذريق بفرسانه ~~وفرسان المؤتمن فاشتبك وإياهم في معارك دامية كتب له النصر فيها، فانهزموا أمامه، ~~فطاردهم وأناخ على بلادهم فدمر وأتلف ونشر الروع بين المسيحيين والمسلمين، ويروى أنه أسر ~~يومذاك بيرنغر كونت برشلونة، وكان هذا قد نذر دمه، فأبى إلا أن يقابله بالإحسان، معاملة ~~الفارس الشريف لصنوه، فأطلق سراحه دون أن يطلب منه الفداء، ثم رجع إلى سرقسطة تظلله رايات ~~المجد والظفر فاستقبلته المدينة هاتفة له، وأنزله المؤتمن منزل الكرامة، وصار المسلمون ~~حلفاؤه يلقبونه بالسيد من ذلك الحين، غير أن لاوي بروفنسال يقول: إن لقب السيد ليس له ذكر ~~في الروايات المسيحية القديمة ولا في الروايات العربية، وإنما يذكر لقب القنبطور، وفي ذلك ~~ما فيه الشبهة كما لا يخفى. # ولم يطل حكم المؤتمن؛ فإنه توفي سنة 1085م فخلفه ابنه المستعين مترسما خطة أبيه في إكرام ~~السيد والاعتماد على سيفه وخبرته، إلا أن الفارس القشتالي لم يهجر بلاده ليكون تابعا لأمير ~~غير أميره، بل ليحقق أحلامه، وأي أحلام تراوده سوى الإمارة والسلطان؟ فرمى بعينيه إلى ~~الولايات المجاورة يتفحصها، فوجد بلنسية أقربها منالا وأحكمها موقعا، ms26 فالقادر بن ذي النون ~~ضعيف لا قبل له بالدفاع عنها، فانقض عليها بفرسانه فافتتحها، والظاهر أنه كان على اتفاق ~~مع المستعين، ولم يشأ أن يخلع القادر بل استبقاه مراعاة للمسلمين، ووضعه تحت حمايته. # وأرسل في الوقت نفسه إلى ألفنس السادس يبايعه على الطاعة؛ لئلا يثير حفيظته، وبلنسية ~~معدودة في جملة الإمارات الخاضعة لمملكته. # ومن الطبيعي أن لا يرتاح ألفنس إلى عمل السيد واستبداده بإمارة حليفه وتابعه، وهو ناقم ~~على هذا الفارس الطريد ؛ فكيف يأمن جانبه إذا قويت شوكته في بلنسية وما جاورها؟ وقد كان ~~حقيقا به أن يرميه بحملة تأديبية تنزع بلنسية من يده، وتحرر القادر من سلطانه، إلا أن ~~الأحداث الخطيرة التي طرأت على الأندلس اضطرته إلى التغاضي عنه؛ ذلك أن المرابطين أخذوا ~~يتقدمون في الولايات الجنوبية والشرقية ناثرين تيجان ملوك الطوائف، مغيرين على الأراضي ~~الإسبانية، فالخطر الداهم أعظم من أن يحمل الملك القشتالي على التفكير في محاربة السيد ~~ومعاقبته، وقد تكون الاستفادة من سيفه في مثل هذه الأحوال أولى وأنفع. # ولم يخطئ ألفنس في حدسه ونظره إلى الأمور؛ فإن السيد نفسه كان يشعر شعور مليكه، وتساوره ~~المخاوف من زحف المرابطين وانتصاراتهم الصاعقة، فإذا بهذا الشريد المغامر يصبح بطلا ~~قوميا لا هم له إلا أن يرد الأعداء الغرباء عن بلاده، ويحول دون تجدد النكبات التي ~~شهدتها إسبانيا المسيحية في أوائل الفتح، ومن هنا تبتدئ حياته الوطنية اللامعة تتغنى بذكرها ~~وتخلدها القصائد والأناشيد. # دخل المرابطون بلنسية، والسيد غائب عنها، فارتد إليها عندما بلغه الخبر، وهو مصمم على ~~استرجاعها - مهما كلفه خطبها - ليجعل منها قلعة حصينة في وجه الملثمين تمنعهم من التوغل في ~~الولايات الإسبانية، فنشط إلى تحصين القلاع الجبلية المحيطة بها وتعزيز حامياتها. # ودعا إلى محالفته الأمراء المسلمين في السهلة وشاطبة ودانية ومربيطر ~~(Murviedro) # فلبوا الدعوة لما يضمرون من الكره ~~للمرابطين، ثم ضرب الحصار على المدينة بجيش لهام من النصارى والمسلمين، فصبرت بلنسية عليه ~~مدة طويلة تقاوم الجوع يائسة؛ لأن المرابطين الذين جاءوا لنجدتها هزموا وشتت شملهم، فثار ~~الشعب أخيرا ms27 على القاضي جعفر بن جحاف حاكمها الجديد وأجبروه على التسليم، فلم يجد مناصا ~~من مفاوضة رذريق على شروط تضمن السلامة له ولأسرته ولسكان المدينة أجمع، فقبل السيد هذه ~~الشروط، وفتحت له بلنسية أبوابها في أيار سنة 1094م، فدخلها دون أن يتعرض لأحد بأذى، وخطب ~~فيهم فقال: # جعلت لكم يومي الإثنين والخميس موعدين لسماع مطالبكم، فمن كان له حاجة معجلة، ~~فبوسعه أن يدخل علي متى شاء، فأسمع له؛ لأني لن أحتجب عنكم كما كان يحتجب ساداتكم ~~مع النساء للشراب والسماع، وأنا أقضي بنفسي في أموركم، فأكون لكم حاميا وصديقا، ~~وقاضيا ووزيرا، وإذا شكا إلي أحدهم الآخر، حكمت بالعدل بين الخصمين. # ويقول ابن بسام: إن القنبطور ترك ابن جحاف على القضاء نحوا من عام، ثم اعتقله وأهل بيته ~~وقرابته، وجعل يطالبهم بذخيرة القادر بن ذي النون، فأنكر القاضي أن يكون لديه شيء منها، ~~فهدده السيد بالقتل إن كان كاذبا، وهو يعلم أنه قد استولى عليها بعد مقتل القادر، وفي ~~جملتها عقد زبيدة «حمة العقرب» وكان من الزمرد والماس والياقوت، قيل إنه كان لزبيدة زوج ~~هارون الرشيد، فنهب يوم مقتل الأمين، وانتقل إلى الخليفة الأموي في الأندلس عبد الرحمن ~~الثاني. # ثم صار بعد سقوط الدولة الأموية في قرطبة إلى الدولة النونية، فحمله القادر من طليطلة إلى ~~بلنسية، فلما قتل استحوذ عليه القاضي ابن جحاف، ثم امتلكه السيد، وبقي في حوزته حتى مات، ~~فأخذته شيمانة معها إلى قشتالة، ويقول ميناندز بيدال: إن عقد حمة العقرب كان بخزانة قشتالة ~~في القرن الخامس عشر، فأثار شهوة الشريف ألفارو أولينا، فعدا عليه، وعثر الملك جوان الثاني ~~على هذه الحلية سنة 1453م تحت عمود من أعمدة القصر الملكي في مدريد ثم ضاع أثرها، فلم يسمع ~~بذكرها بعد هذا التاريخ. # وقيل: إن ابن جحاف عرض على السيد هدية من ذخائره؛ فردها عليه ولم يأخذها منه؛ فأوجس ~~القاضي شرا، ثم أمره أن يبين في كتاب ما لديه من المال والحلي والجواهر، وأن لا يخفي ~~شيئا عنه، فوعده بذلك، ولكنه أخلف ms28 الوعد، وأبقى الذخيرة مطمورة في الأرض، ويقول المقري ~~صاحب نفح الطيب: «فاتفق أنها وجدت عند القاضي، فأمر به فأحرق حيا.» # على أن الذخيرة لم تكن السبب الوحيد الذي حمل رذريق على قتل أبي أحمد بن جحاف، فهناك ~~أسباب أخرى جعلته يحقد عليه، ويرصد له الشر، منها: اغتياله لتابعه القادر بن ذي النون، ~~وإقفاله المدينة في وجهه، وحجزه عنه ما أودع من الحنطة فيها، واستنجاده المرابطين عليه، ~~وتلونه في المفاوضات حينا معه، وحينا معهم، حتى أدى الأمر إلى حصار طويل، أخره عن ~~دخول بلنسية، وأضر بسكانها ضررا بليغا؛ لما أصابهم من الجوع الغاشم حتى أكلوا جلود ~~الحيوانات. # ويقول ابن بسام: إن رذريق كان قد هم بإحراق زوجة ابن جحاف وبنيه معه؛ فضج المسلمون ~~والمسيحيون معا، ورغبوا في ترك الأطفال والعيال، فأجاب رذريق سؤلهم بعد جهد شديد، وأضرمت ~~نار عظيمة في ساحة بلنسية كانت تلفح الوجوه على مسافة بعيدة، وجيء بالقاضي أبي أحمد يرسف ~~في قيوده، وقد احتفر له حفرة، فأدخل فيها إلى حجزته، أي وسطه ومعقد إزاره، وسوي ~~التراب حوله، وضمت النار نحوه، فلما دنت منه ولفحت وجهه قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وقبض ~~على أقباسها وضمها إلى جسده ليقصر مدة عذابه. # ثم اختار رذريق لبون بن عبد العزيز واليا من قبله على بلنسية ليستأنس به المسلمون، ~~وأقام هو في قصر القادر يعنى بإصلاح إمارته وتدبير شئونها، منصرفا إليها بكل قواه، قال ~~فيه أحد المؤرخين: إنه أحبها كعشيقة له. ومع ذلك لم يغفل عن امرأته وأولاده؛ فاستقدمهم من ~~بيفار، ولبث نحو خمس سنوات يقاوم المرابطين، ويمنع تقدمهم في إمارته، فما ينالون منها ~~منالا، ولا يستطيعون الإيغال في الولايات الإسبانية، حتى أصابته الحمى وثقلت عليه ~~الجراح القديمة، وبلغه - وهو على هذه الحال - مقتل ولده دياغو في جيش ألفنس، وانهزام ~~فرسانه أمام ابن عائشة قائد المرابطين في سنة 1097، فآلمه الخطب، واشتد عليه المرض، حتى نهك ~~قواه، وأودى بحياته في تموز سنة 1099. # وكانت الجيوش الصحراوية لا تنفك تهاجم المدينة، فأبت الأميرة شيمانة أن تتخلى ms29 عن تراث ~~بعلها؛ فظلت تدافع المرابطين زهاء ثلاث سنوات، وقائدهم مزدلي يشد الخناق على بلنسية، فلما ~~ضاق ذرعها بعثت أسقف المدينة جيروم ذي بيروغورد تستنجد بابن عمها ألفنس، فخف إليها ملبيا، ~~ورفع المرابطون الحصار عن بلنسية عندما عرفوا بمجيئه؛ فدخلها دون أن يلقى مقاومة، ولكنه وجد ~~أن الدفاع عنها يرهق جيشه على غير جدوى، فلم يشأ أن يبقيه فيها عرضة لهجمات ~~الملثمين. # فأمر شيمانة بالجلاء عنها فأطاعت مكرهة، وعادت برجالها مع الجيش إلى قشتالة، حاملة رفات ~~زوجها رذريق (أيار سنة 1102م)، بعدما انتهبت بلنسية وأحرقت، فدخلها مزدلي وهي على تلك ~~الحال. # وبموت السيد تطوى صفحة جليلة من تاريخ الأندلس العربية؛ فإن ولايتها أصبحت خاضعة لمراكش، ~~تابعة ليوسف بن تاشفين الزعيم المرابطي، بعد نضال طويل اشترك فيه أمراؤها وأمراء إسبانية ~~المسيحية، ليطردوا الغريب من بلادهم؛ فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا. # | يوم سرقسطة # ما كان طبيعيا أن تظل سرقسطة إمارة إسلامية مع تطرفها في الشمال الشرقي على نهر إبره ~~(Ebre) ~~، وقد سقطت قبلها طليطلة في أيدي الإسبانيين؛ ~~فجعلت نهر التاج فاصلا بينها وبين الولايات الأندلسية المسلمة، حتى أصبحت في شبه عزلة عن ~~أبناء جلدتها، تستنجد في ضنكها ملوك الطوائف وتستنفر أمير المرابطين. # وقد أخذها ألفنس السادس بالحصار أخذا شديدا، فما رده عنها إلا نبأ جاءه عن يوسف بن ~~تاشفين وأمراء الأندلس بأنهم زاحفون إليه في جموع جرارة، فبادر نحوهم قبل أن يبلغوا طليطلة، ~~والتقاهم في بطليوس؛ حيث دارت عليه معركة الزلاقة بشؤم الطالع 1089م، فانكفأ منهزما إلى ~~عاصمته في فلول من جيشه المكسور، فاستطاعت سرقسطة عندئذ أن تتنفس الصعداء، وتستعيد ~~سلطانها على الولايات التي انتزعت من يدها، ولم يكن لها قبل بالدفاع عنها. # ولكن لم يطل الأمر حتى ساورها خطر جديد من ناحية أرغون لا يقل هولا عن الخطر الأول؛ ~~فإن أميرها شانجه بن رذمير ~~(Sancho Ramiro) ~~، أغار من جبال ~~البرنات ~~(Pyrénées) # بعشرين ألف مقاتل على نهر إبره، فتصدى ~~له المستعين بن هود، صاحب سرقسطة يدافعه بظاهر وشقة ~~(Huesca) ~~، وقيل: إن السيد ms30 رذريق الفارس القشتالي حارب ~~مع المسلمين في هذه الموقعة، وكان يومئذ ضيف المستعين بعد أن نفاه ألفنس السادس من ~~قشتالة. # إلا أن النصر حالف الأرغونيين فانهزم أمير سرقسطة في جيشه ودخل وشقة محتميا بقلعتها ~~الحصينة؛ فضرب المسيحيون حولها آلات الحصار، وشدوا عليها الخناق ليكرهوها على الاستسلام؛ ~~فصبرت باسلة، ودافعت أنبل دفاع؛ لقي منه الأرغونيون ضيما وخسرانا، وأصيب فيه شانجه بسهم ~~قاتل أودى بحياته 1093م، ومع ذلك فالحصار ما برح على شدته وضغطه، وتمكن الغزاة في الوقت ~~نفسه من افتتاح مدينة إفراغة ~~(Fraga) # والتغلب عليها ، فلم ~~يبق من سبيل للمستعين إلا أن يفزع إلى حليف يناصره، وينفس الكرب عنه، فرأى أن يحالف ~~عدوه ألفنس السادس؛ لما يعلم من تفسخ الأمراء المسيحيين، ثم من استياء صاحب قشتالة لتوسع ~~مملكة أرغون. # وقد تعودت سرقسطة - لتطرف إمارتها - أن تؤدي الجزية لملوك قشتالة، وتحالفهم على الأعداء ~~الذين يهددونها من قطلونية وأرغون والبشكنس ~~(Basque) ~~؛ فقد ~~رأينا السيد رذريق يلجأ إليها؛ لأن أميرها أبا جعفر المقتدر، ومن بعده ابنه المؤتمن والد ~~المستعين كانا حليفين لفردينان الأول، ثم لولده ألفنس السادس؛ فغير عجيب أن يحذو الابن حذو ~~أبيه وجده فيحتمي بعاهل قشتالة في الملم العصيب. # وكان ألفنس قد استأنف أهبته ونشاطه بعد كارثة الزلاقة؛ فخرج سنة 1087 يثخن في الولايات ~~الأندلسية، مستنزلا أمراءها عن قواعدهم وحصونهم، فعاد هؤلاء إلى استصراخ يوسف بن تاشفين؛ ~~فعبر إليهم سنة 1088م ينثر التيجان عن رءوسهم، ويبسط يده على إماراتهم، وافتتحت جيوشه ~~بلنسية سنة 1092م فأزالت عنها كلمة النونيين، وهي تحت حماية السيد رذريق يومئذ، تابعة ~~لمملكة قشتالة، وقد رأينا الفارس الإسباني يخف لإنقاذها برجاله وحلفائه المسلمين، حتى ~~استردها سنة 1094م؛ لذلك لا يصح قبول الرواية التي تزعم أنه حارب ملك أرغون سنة 1093م ~~منتصرا للهوديين؛ لأنه كان منصرفا في تلك السنة إلى تحصين القلاع الجبلية ببلنسية، ثم إلى ~~السعي لمحالفة الأمراء المسلمين في السهلة وشاطبة ودانية ومربيطر. # وكما كان السيد مهتما بصد المرابطين عن الولايات الشمالية؛ خشاة أن يدخلوا إسبانية، ~~فكذلك كان ms31 هم ألفنس السادس؛ فقد أزعجه توغلهم في الأنحاء الجنوبية والشرقية، واستيلاؤهم ~~على بلنسية، فنشط إلى حشد الجيوش ليدفعهم عن بلادهم إذا حاولوا الغارة على طليطلة؛ فلهذا لم ~~يكن بوسعه أن يجيب نداء المستعين عندما استغاثه ملتمسا حمايته، واعدا بتأدية الجزية على ~~أن يمده بجيش يرد الأرغونيين عن وشقة، وقد بلغ منها الحصار أشده، فلما رأى المستعين أن ~~ألفنس عاجز عن مساعدته لاشتغاله بدفع الخطر الصحراوي عن مملكته، أيقن أن لا فائدة من ~~محالفته؛ فنقض المعاهدة، وولى وجهه شطر المرابطين، مع علمه بما يجر تدخلهم من الخطر على ~~إمارته، ولكنهم على علاتهم أبناء ملته، ولعله تمثل قول المعتمد بن عباد: «رعي الإبل خير من ~~رعي الخنازير.» # فأوفد ابنه عماد الدولة إلى يوسف بن تاشفين في مراكش، ومعه الهدايا النفيسة، يخطب وده ~~ويستعينه على الأرغونيين، فلم يتلكأ أمير المسلمين عن محالفته، وهو يعلم موقع سرقسطة، وما ~~يرجى من فائدته في مهاجمة الأمراء المسيحيين لقربها من ممالكهم. # ثم إنه كان يؤثر أن تظل هذه الدولة المسلمة شجا في حلوق الإسبانيين، فبادر إلى إنجاد ~~وشقة بستة آلاف راجل وألف فارس، واعدا بمتابعة الإمداد، وكتب إلى أمراء دانية وشاطبة ~~والسهلة يهددهم ويدعوهم إلى نصرة المستعين، وطرد الأرغونيين عن وشقة. # وكان عرش أرغون قد صار بعد وفاة شانجه إلى الدون بدرو ولده الأكبر، فتولى بنفسه قيادة ~~الجيش، ملتزما حصار القلعة، حتى إذا بلغه زحف المرابطين ومن انضم إليهم من العساكر ~~الأندلسية رفع الحصار عن وشقة وخف إلى لقائهم في الكرازة؛ فمزق جموعهم ثم ارتد إلى ~~وشقة، فما انفك يحاصرها حتى سقطت في يده سنة 1096م، فجعلها قاعدة لملكه. # ويقول المستشرق الألماني جوزف أشباخ: إن الحروب الإسبانية بين المسلمين والنصارى اتخذت في ~~ذلك العهد شكلا صليبيا منظما؛ لأن الكرسي الرسولي منع أمراء إسبانية من الذهاب إلى ~~الشرق للمساهمة في إنقاذ الأراضي المقدسة أسوة بغيرهم من الأمراء المسيحيين؛ مخافة أن تنتقص ~~قواهم، فيعجزوا عن القيام بقسطهم من الحرب الدينية في الغرب، خصوصا بعدما أوغلت جيوش ~~المرابطين في ولايات ms32 الأندلس، وبات خطرها يحدق بالممالك المسيحية في إسبانية، إن لم يكن ~~بالممالك الغربية جمعاء؛ فهب الأمراء الإسبانيون من كل جانب يدافعون العدو المغير على ~~ثغورهم، فاتسعت دوائر القتال، وتعددت جبهات المعارك، ففي كل ناحية تزهق أرواح، وتغلي ~~دماء. # وكان ملك أرغون قد أطمعه سقوط وشقة فراح يوالي الغارة إثر الغارة ووكده سرقسطة دون ~~سواها، بيد أنها امتنعت عليه متمردة، فردته خائبا يائسا سنة 1101م، ثم إن المرابطين ~~استردوا بلنسية سنة 1102م، بعد موت السيد رذريق؛ فأصبحوا مسيطرين على القسم الشرقي من البحر ~~والبر، يهون عليهم أن يتداركوا سرقسطة ويدرءوا الخطر عنها، ثم رأوا أن وجودهم فيها أجدى ~~نفعا لهم إذا أرادوا الغارة على قطلونية وأرغون، فدخلوها على كره من المستعين سنة 1107م، ~~فنشبت بينهم وبين الأرغونيين معارك متتابعة، وكان يوسف بن تاشفين قد توفي سنة 1106م، ~~وصارت الإمارة بعده إلى ابنه علي، فحشد جيشا عظيما سنة 1108م عاقدا لواءه لأخيه ~~تميم. # فزحف الأمير المرابطي إلى قشتالة يثخن فيها، فاعترضته قلعة أقليش ~~(Uclés) # تستوقفه بحصونها المنيعة، فأناخ عليها يحاصرها ~~ويساور آطامها، فأصابها منه ضيق شديد، وكان ألفنس السادس قد بلغ من كبر السن ما أقعده عن ~~خوض المعارك، فأشفق على قلعته أن تستخذي للأعداء، فتفتح لهم الطريق؛ فيتوغلوا في أرضه، فأمر ~~بأن ترسل إليها نجدة قوية تنفس الكرب عنها، ولو يستطيع لقاد هذه الحملة بنفسه، وهو ~~يعلم ما لوجوده من التأثير في إذكاء حمية رجاله. # فخيل إليه أن يملأ هذا الفراغ بإرسال وحيده شانجه وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة، أو خمس ~~عشرة سنة، على رأي لاوي بروفنسال، فسار الغلام مع الجيش يصحبه مؤدبه الكونت غرسيه، حتى ~~بلغوا أقليش، فالتحموا والمرابطين في معركة الوطاة، عادت عليهم بالخسار والخذلان، فقتل ~~شانجه ومؤدبه، وعشرون ألفا فيهم سبعة من قوامس ~~(Comtes) # قشتالة. # لا نحاول أن نحيط ما أصاب ألفنس من الحزن الأليم عندما انتهى إليه نبأ أقليش، فحسبنا أن ~~نتصور هذا الملك الشيخ يجر وراءه أمجاد ثلاث وأربعين سنة استوى فيها على العرش، فإذا هو ms33 ~~يمنى آخر حياته بكارثة لم تقتصر على انكسار جيشه واستسلام قلعته، بل جاوزت ذلك إلى ~~الفجيعة بابنه الوحيد، بقية أمله، ووارث عرشه. # وتقول الرواية الإسبانية: إن شانجه لم يكن ولدا شرعيا؛ فقد رزقه ألفنس من حظيته ~~ابنة المعتمد بن عباد، # 1 # وكان يحبه كثيرا لما بدا من نجابته على حداثة السن، فخالف فيه القانون المرعي ~~وجعله ولي عهده، ومحط رجائه، فماذا يكون مصير تلك المملكة العظيمة إذا تركها ولا وارث من ~~صلبه يجمع أجزاءها، وهو لا يأمل أن يرزق ولدا بعد أن بلغ من العمر عتيا؟ # وقعت هذه الهموم ثقيلة على عاتق الشيخ الفاني، فكاد يهوي تحتها لولا بقية حزم لم تنل منها ~~عاديات السنين، فرأى أن لا سبيل إلى بقاء العرش في سلالته إلا بنقل ولاية العهد إلى ابنته ~~أوراكا، وكانت فتاة ذكية كثيرة المطامع، تزوجت في العاشرة من عمرها بالكونت ريمون ~~البورغوني، ثم توفي بعلها بعدما رزقت منه غلاما سمته ألفنس باسم أبيها، غير أن ~~الملك الشيخ خشي ألا تستطيع ابنته حماية المملكة وحدها؛ فآثر أن يزوجها ملكا قويا من ~~أنسبائه، فوقع اختياره على ملك أرغون حفيد عمه راميرو. # وكان بدرو قد توفي سنة 1105م وخلفه أخوه ألفنس الأول، ذاك الذي لقب بالمحارب؛ ~~لبسالته وغاراته المتلاحقة على ثغور المسلمين، ولم يغب عن والد أوراكا ما يتعلق بهذا ~~الزواج من الخير لإسبانية؛ إذ تصبح مملكة قشتالة ولاون وجليقية وأشتوريش ومملكة أرغون ~~والبشكنس دولة واحدة، فدعا مجلس النواب ~~(Cortés) # فانعقد في ~~لاون؛ حيث اجتمع الأساقفة والقوامس وحكام الولايات ورجال الدين والأشراف والفرسان وممثلو ~~الطبقة الوسطى، فقرروا أن تكون أوراكا وارثة مملكة قشتالة ولاون وأشتوريش، وإن تزوجت بألفنس ~~الأول ملك أرغون، حتى إذا لم ترزق منه ولدا عادت المملكة بأجمعها إلى ابنها ألفنس ~~البورغوني، وأعطي هذا عرش جليقية على أن يكون تابعا لقشتالة. # وتوفي ألفنس السادس سنة 1109م بعد أن اطمأنت نفسه إلى نظام ولاية العهد، وأمن على ~~عرشه من الانهيار، وما خطر له أن زواج ابنته بنسيبها ملك أرغون سيدفع ms34 البلاد إلى فتنة ~~حمراء؛ ذلك أن كلا الزوجين رضي الآخر بدافع المنفعة الشخصية لا بدافع الحب المتبادل، وأن ~~كليهما كان يريد أن يستأثر بالسلطة دون رفيقه، وفي نفسه من الطماح والصلابة ما يأبى عليه ~~أن يلين أو يتنازل عن شيء من حقوقه، حتى بلغ التنازع بينهما إلى النفور فالتباغض، ثم إلى ~~مجاهرة الخلاف والقطعية؛ فطلبت أوراكا الطلاق متذرعة بموانع القربى، وراحت في الوقت نفسه ~~تبسط يدها للعشاق مستنصرة بهم، مثيرة غيرة بعلها؛ لتحمله على قبول الطلاق. # واشتهرت روايتها الغرامية فباتت سمرا للناس، ولا سيما صلتها بالكونت غومز، وكان ألفنس ~~يتألم في كبريائه من سلوك زوجته ويزداد سخطا عليها، غير أنه رأى من الحكمة أن يرفض ~~تطليقها؛ حفاظاعلى حقوقه في مملكة قشتالة، وأن يعمد إلى تدبير جازم يضع حدا لنفوذها ~~وتهتكها، فأمر باعتقالها بعد أن جعل حصون طليطلة في حراسة جنوده الأرغونيين. # إلا أنها تمكنت من الفرار وأخذت تدس لزوجها وتؤلب عليه الأنصار من قشتالة ولاون وأشتوريش؛ ~~فنشبت في إسبانية حروب أهلية أدمتها عدة سنوات، وخاض غمارها ألفنس ابن أوراكا منازعا ~~أمه من جهة وألفنس المحارب من جهة أخرى ... على أنها كانت تتوقف حينا بعد آخر ليردوا غزاة ~~المرابطين عن بلادهم، أو ليغيروا على ثغور الأندلس. # ولبثت إسبانية قلقة لا تستقر على حال، حتى يئس ألفنس المحارب من خضوع قشتالة، فسكت عن ~~المطالبة بحقوقه، مكتفيا بلقب قيصر إسبانية؛ أسوة بألفنس السادس، وكان الحبر الأعظم قد ~~أقر فسخ الزواج بمانع القرابة، فانفصلت أوراكا عن زوجها انفصالا شرعيا، ثم أزال بسلطانه ~~الروحي خلاف الأم وولدها على أن يملكا معا، فتم الصلح بينهما في اجتماع عقد سنة ~~1124. # وكان ملك أرغون - مع اشتغاله بالفتنة الأهلية - لا يفتر عن مجاهدة المرابطين ومنعهم من ~~الإيغال في بلاده؛ فقد أغار علي بن يوسف بن تاشفين على ولاية طليطلة، فاستولى على طائفة ~~من حصونها، وافتتح مجريط (مدريد)، ووادي الحجارة ~~(Guadalajara) # وسواهما، ثم عاد إلى مراكش وبقي قائده ~~مزدلي يتابع بعده الغارات. # وحدثت عدة مواقع في جهات مختلفة من الولايات ms35 الإسبانية رافق النصر في أكثرها المرابطين؛ ~~فافتتحوا عددا من المدن والقلاع، وأتلفوا الحقول والمزارع؛ فأصيبت البلاد من جراء ذلك بقحط ~~شديد، ونالها من العناء ما أضيف إلى ما تعانيه من حربها الداخلية التي انتفعت بها جيوش ابن ~~تاشفين، ويقينا لو أن المرابطين وأهل الأندلس على وفاق خالص لكانت الفرصة يومئذ أسنح ما ~~يرجى لاكتساح العدو والقضاء عليه، ولكن أمراء الأندلس كانوا ناقمين على الدولة الإفريقية ~~لاستطالتها على ولاياتهم، واغتصابها السلطة من أيديهم، فلم يولوها المعونة الصادقة، بل ربما ~~وجدت فيهم من يمالئ الأعداء؛ فإن أمير سرقسطة عبد الملك بن هود ساءه أن يصبح المرابطون سادة ~~في عاصمته يعود الأمر إليهم، وهو ليس له أمر؛ فانتفض عليهم غير ناظر في نتيجة عمله. # كان شجاعا كأبيه المستعين، ولم يكن كأبيه ذكاء وفطنة، فخرج من سرقسطة برجاله وأهله، ~~فقصد إلى حصن روطة ~~(Roda) # فامتنع به، ولو اكتفى بعمله هذا ~~لهان الخطب، ولكن مقته للمرابطين ضرب على عينيه غشاء من الغفلة؛ فتورط في عقد محالفة مع ~~ألفنس المحارب، ناسيا أن حليفه الجديد يطمع من زمن في امتلاك سرقسطة ليزيل عقبة كأداء ~~تواجه مملكته، وتحول بينه وبين حرية الملاحة في نهر إبره، وما كان ينبغي له أن ينسى - ~~والعهد قريب - مهاجمة الأرغونيين لعاصمته غير مرة، وارتدادهم عنها خاسرين أمام مزدلي قائد ~~المرابطين، بل ما كان ينبغي أن ينسى مقتل أبيه المستعين وهو يدافع عن حصن تطيلة ~~(Tudela) # سنة 1110 ليمنع ملك أرغون من التقدم إلى ~~سرقسطة. # فلما تمت المعاهدة بين الأميرين زحفت جيوشهما متحدة إلى المدينة فحاصرتها حصارا شديدا، ~~وأكرهت المرابطين على الخروج منها فتركوها سنة 1117م/511ه بعدما حاولوا استردادها تكرارا ~~دون جدوى، حتى تمزق جيشهم في المعركة الأخيرة التي اصطلى نارها الأمير تميم. # وهنا تختم مأساة سرقسطة؛ فإن ألفنس المحارب بعد أن بات بمأمن من خطر المرابطين عاوده ~~الطمع في الاستيلاء على تلك القاعدة الحيوية لمملكته، فطلب إلى حليفه أن يتنازل له عنها، ~~فكان جواب عبد الملك رفضا أبيا، واستعدادا للدفاع. # على أن الملك ms36 أرغون لم يكن يتوقع غير هذا الجواب، فجاءه وهو على تعبية لمهاجمة المدينة، ~~فباغتها بجيشه قبل أن تأخذ أهبتها للقاء، فنصب عليها آلات الحصار، وواثبها بقسوة عاتية، ~~فقابلته بمثل شدته، وصبرت للحصار صبرا شريفا يتفق المؤرخون على التنويه بذكره، مع أنها لا ~~تأمل نجدة تأتيها فتفرج الضيق عنها، وليس لديها من المئونة ما يكفيها لحصار طويل، حتى ~~إذا نشب الجوع يهددها وآضت المقاومة إلى ضرب من الجنون فالانتحار، اضطر عبد الملك إلى طلب ~~الصلح والتخلي عن عاصمته، وهو في يقظة من الألم المرير لغفلته الحمقاء. # فعاهده ألفنس أن يضمن لأهل المدينة الأمان على النفوس والأموال، وأن يترك لهم الحرية في ~~إقامة شعائر الدين وشرائع التقاضي، وأن يخيرهم في البقاء أو المهاجرة. # ففتحت سرقسطة أبوابها في 18 تشرين الثاني 1118م/4 رمضان 512ه؛ فدخلها ملك أرغون بعساكره ~~محفوفا برسوم الأبهة والجلال، وفيما هو يحتل قصورها وثكناتها، ويحول مسجدها الجامع إلى ~~كاتدرائية، كان عبد الملك بن هود يشد أثقاله ويحمل أمواله ويخرج في مأتم من أهله وحرسه إلى ~~حصن روطة ليتحذه مقرا، وهاجر بعده كثير من المسلمين، فمنهم من اقتفى أثره، ومنهم من قصد ~~مرسية أو بلنسية. # وجعل ملك أرغون سرقسطة عاصمة لمملكته كما جعل ملك قشتالة طليطلة من قبل، فانهارت بها ~~القاعدة الثانية من كبريات قواعد الأندلس العربية بعدما لبثت أربعمائة سنة حصنا ركينا من ~~حصون المسلمين، وقذى في عين إسبانية المسيحية، تعترض طريقها، جاثمة على نهر إبره. # | معركة الأرك # كل أمراء الأندلس - كعبد الملك بن هود - ساخطون على المرابطين، يشتهون زوال دولتهم، لا ~~يحترسون من صفقة حمقاء يعقدونها على غرار سرقسطة؛ توسلا للخلاص من جفاة الصحراء، شاء القدر ~~المشئوم أن يفزعوا إليهم في تفسخهم، وخناق الإسبان يلتف على أعناقهم. # فما نفس يوم الزلاقة عن صدورهم حتى تهاوت التيجان عن الرءوس، وتداعى عليها استقلال شعب ~~ما انفك - منذ أربعة قرون - ينافح الأعداء حرصا عليه، ويقرب لهيكله الحرام غوالي ~~الدماء. # فإذا هم في أرضهم طعام مأكول، ودولتهم ولاية في دولة الملثمين، وإذا مراكش ms37 عاصمة لقرطبة ~~أم العواصم، وحاضنة الخلفاء والملوك، تنهى وتأمر؛ فتطاع ولا تسأل، وتعطى ولا تحاسب، ~~فإن المرابطين ما تعودوا في عسفهم، وعسف وطأتهم، مجاملة وسماحا. # إنهم يسوقون أهل الأندلس سوق الغالب للمغلوب، ومخاشنة البدو الغلاظ للحضر المتنعمين؛ ~~يطاردون الفكر فما تطمئن إليهم فلسفة أو منطق، ويبتعثون التعصب؛ فكل مذهب إلا مذهب مالك ~~مضطهد مكروه، بالحيف والإرهاب يأخذون الناس، وآذانهم يفتحون للدسائس والوشايات. # دانت لهم الأندلس مستكينة للبطش والقوة، فامتلكوها قادرين، ولكنهم عجزوا عن امتلاك ~~القلوب؛ برابر غرباء، لا روحهم روحها، ولا عقليتهم عقليتها، فيهم قسوة وصلابة واستبداد، ~~فلبثت تململ حاقدة تحت قبضتهم العاتية، شأن كل أمة مهيضة، تعنو للمسيطر ما دامت له القوة، ~~حتى إذا آنست فيه الضعف أفلتت غاضبة تطلب استقلالها المفقود. # ويقودها الحقد - مع ما بها من وهن العود - إلى التخلص من الغاصب على غير روية وهدى؛ ~~فتحالف دولة مخوفة الجانب، تستنصرها وتستخلصها مغترة بما تجد عندها من العطف ولين ~~المواعيد، ويتغافل أصحاب الحكم فيها عن الخطر الجديد في الحلف الجديد، يتهافتون عليه ~~عامهين، وهم لو راجعوا قرارة نفوسهم لرأوا أنهم لم يقعوا على أهون الشرين. # بل حب التشفي من المتسلط القديم، والأمل المعقود على الموهوم من فضيلة التغيير، يجعلهم ~~يتعامون عن الخطر الأعظم، لا يبصرون لديه إلا خيرا وفرجا؛ فتمتد إليه الأيدي داعية، ~~مستجيرة من الرمضاء بالنار، لجوء أمراء الأندلس إلى ملوك إسبانية متناسين مطامع قشتالة ~~وأرغون، وتاريخا صارخا مخطوطا بالدماء، أو كما لجئوا إلى الموحدين يستقدمونهم. # وإنما هم يستبدلون دولة إفريقية ظافرة، بدولة إفريقية مغلوبة، وينتقلون من استعباد إلى ~~استعباد، لا يخطر لهم على بال أن يبحثوا في ذواتهم عن الداء والدواء بحثا صادقا مجديا؛ ~~ليدركوا أن ما بهم من هزال ناشئ عن شقاقهم وتخاذلهم؛ نتيجة مرض السيادة فيهم، وعدوان ~~قويهم على حرية الضعيف؛ فأصبح بعضهم يناصب الآخر أو يخذله إذا واثبه عدو غريب، وربما ~~حالف هذا العدو عليه، لا يبالي ما يجر على بلاده وقومه من الهوان والدمار، فبين أمراء ~~الأندلس تبادل لا ينقطع من ms38 الطمع والحذر وإضمار الشحناء، مع ما هم عليه من الاستهداف ~~الطبيعي لغزوات جيرانهم في الشمال والجنوب. # ومعلوم أن الممالك الإسبانية لا تقل عن الممالك الأندلسية تباغضا وخلافا، غير أنهم ~~كانوا يدفنون أحقادهم إلى حين عند تكالب الأخطار؛ فيتهادنون، أو يتحالفون ليصرفوا قواهم إلى ~~مجاهدة أعداء الدين، وإن كان بعضهم لا يستنكف أحيانا أن يحارب أبناء ملته في صفوف ~~المسلمين. # ويجدون عدا ذلك - في الدول المسيحية المجاورة - أعوانا يخفون إلى نصرتهم رغبة في ~~الجهاد، أو شهوة للغنائم، لا طمعا في الاستيلاء على بلادهم وإزالة كلمتهم، كما يطمع سلطان ~~مراكش في التغلب على الأندلس، فيستبد بشئونها المرابطون، ثم يستبد بشئونها الموحدون. # وقد صبر الأندلسيون على حكم أبناء تاشفين زهاء قرن، يقدمون لهم الطاعة كرها، ولا يحجمون ~~- إذا أمكن - عن خذلهم في محاربة المسيحيين، حتى سقطت سرقسطة في يدي ألفنس المحارب ~~1118م. # ثم تلتها معارك أخرى، افتتحت خلالها قلاع حصينة كان يعتصم بها الملثمون، من بينها قلعة ~~أيوب ~~(Calatajud) ~~، أناخ عليها ألفنس سنة 1120م، فدافعه ~~دونها الأمير تميم، ثم اضطر أن ينزل عنها بعدما صرع أمامها عشرون ألفا من جنوده ~~الأباسل. # فهذه الهزائم المتتابعة نالت من هيبة المرابطين، وأطمعت فيهم أهل الأندلس؛ فاستهانوا ~~الوثوب عليهم لإجلائهم واستعادة الحق المغصوب، وكانت قرطبة في رأس القواعد الأندلسية سخطا ~~وحنقا، يؤذي كرامتها جنف الصحراويين وغلاظتهم، ولم يأن لها أن تنسى عزتها الملوكية والعرش ~~الأثيل، فهبت ثائرة تضرب في وجه الحامية المرابطية، وتريها المنايا ألوانا، حتى حملت ~~علي بن تاشفين على أن يعبر الزقاق بجيش لهام، فيخمد ثورتها بعد عناء. # ولكن، ما حيلة المرابطين وقد تأذن القدر بانهيار سلطانهم، فتركهم غرضا لسهامه! فبينا ~~هم يغالبون أحرار الأندلس حينا، وغزاة الإسبان أحيانا، أخذت ثورة الموحدين تحتدم في ~~المغرب، فتستأثر بقواتهم، وتشغلهم عن ضبط ولايتهم عبر المضيق ودرء الأعداء عنها. # فإن الدعوة التي أظهرها مهدي بني مصمودة محمد بن تومرت كانت بليغة التأثير، سريعة ~~الانتشار؛ فتبعه خلق كثير، فجند منهم عشرة آلاف، وقدم عليهم أبا محمد البشير أحد صحابته ms39 ~~العشرة، وبعثهم لمجاهدة المرابطين، فراحوا يغزون في بلاد المغرب، وينكلون بالجيوش المرابطية ~~1122م حتى أوقعوا الذعر في القلوب. # وما زال الخطر يعصف من بلد إلى بلد حتى شارف مراكش العاصمة؛ فدافع عنها الملثمون مستبسلين ~~مستميتين، فتمكنوا من إنقاذها، وارتد عنها الموحدون خاسرين، بعد أن قتل قائدهم أبو ~~محمد البشير 1125م. # على أن انتصار المرابطين في مراكش لم يكن بوسعه أن يستر انخذالهم في الوقت نفسه أمام ~~ألفنس المحارب ملك أرغون؛ فقد أغار هذا الأمير المقدام على الولايات الأندلسية متكلا على ~~مساعدة «الفرقة الخامسة» من المعاهدين ~~(Mozarabes) ~~، وهم ~~النصارى المستعربون الذين يعيشون في الأراضي الإسلامية. # واستطاع أن يجتاب الأندلس من الشمال إلى الجنوب عائثا مخربا ينسف الزرع والعمران، ~~ويزداد جيشه تضخما كلما تقدم بما ينضم إليه من المعاهدين حتى بلغ البحر المتوسط، ثم عاد ~~برجاله سالما غانما منتصرا، أفلا يكفي هذا وحده أن يؤكد للأندلسيين ضعف القوى المرابطية؛ ~~فيستهينوا بها، ويذهب ما عندهم لها من الحرمة، وهم إلى ذلك يعلمون أن ثورة المغرب في إبان ~~اشتعالها، والملثمون - كما يبدو - عاجزون عن إطفاء نارها؟ # فإن هزيمة الموحدين في مراكش لم توهن عزيمة المهدي ولا صرفته عن دعوته الجريئة؛ فعهد ~~في قيادة عساكره إلى عبد المؤمن بن علي موضع ثقته العظمى، وأحب صحابته إليه، فتمكن ~~هذا من الإيقاع بجيش عظيم من المرابطين يقوده الأمير أبو بكر بن علي 1130م، وعقب هذا ~~الانتصار موت المهدي، فبويع عبد المؤمن بالخلافة بعده، فتم على يده فتح مراكش وانهار عرش ~~أبناء تاشفين 1146م. # ومن الطبيعي أن تساهم الأندلس في إرهاق المرابطين - خلال هذه السنوات - مساهمة فعالة، على ~~أمل أن تخلع نير المغتصب، ويعود إليها استقلالها القديم، فإذا هي تخدم مصلحة الموحدين من ~~حيث أرادت أن تخدم مصلحتها؛ فقد شبت الثورة في البقاع الغربية، يؤرثها أحمد بن الحسين ~~بن قسي؛ فاندلعت سريعة ممتدة إلى إشبيلية وقرطبة، تتلقف المرابطين من كل صوب، ويعجز عن ~~كبحها قائدهم يحيى بن غانية. # بيد أنها تحتاج إلى نجدة تأتيها من الخارج فتضمن نجاحها، ms40 والموحدون في عدوة المغرب ~~يثخنون في المرابطين، فلماذا لا يدعوهم أحمد بن الحسين ويقدم لهم الطاعة، حتى إذا ~~أبطئوا عن تلبيته بشاغل حروبهم لا زهدا في الأندلس، تتلفت أنظاره إلى ألفنس بن هنري ~~البورغوني ملك البرتغال، فيمده بتجريدة باسلة، تنفذ في الولايات المرابطية مفسدة ثقيلة ~~الوطأة. # وكان عبد المؤمن أمير الموحدين يحاصر يومئذ مراكش 1146م، وعيناه ناظرتان إلى الجزيرة، ~~يرى الملك البرتغالي يناصر الثوار، ويملأ يديه من الغنائم، ويرى ألفنس السابع ملك قشتالة # 1 # يعضد المرابطين طمعا فيهم، ومعاكسة لصاحب البرتغال. # أفما يجدر به أن يخف إلى نجدة ابن قسي، فيسحق قوات الملثمين ويقصي خطر المسيحيين عن ~~الأندلس المسلمة؛ فهو بها أولى، وإليه قبل غيره فزعتها ونداؤها، وهذه مراكش توشك أن تفتح له ~~الأبواب؟ # فجهز حملة من عشرة آلاف فارس وعشرين ألف راجل، وقدم عليها قائده موسى بن سعيد، ثم ~~أجازها الزقاق؛ فافتتحت حصن الجزيرة، وجبل طارق، هازمة عنهما قوات المرابطين، ووافق ذلك ~~سقوط مراكش وزوال دولة ابن تاشفين في إفريقية؛ فبات من السهل على الموحدين - وثوار الأندلس ~~حلفائهم - أن يستأصلوا بقايا أعدائهم، أو يقسروهم على الجلاء. # ومع هذا، لم يتم لهم الأمر إلا غب معارك دامية بذل فيها ألفنس السابع جهدا عظيما دون ~~جدوى، لنصرة الملثمين؛ فأوهنت قواه على تقدم العمر، فمات منهوكا سنة 1147م، وترامى شتيت ~~المرابطين إلى الجزائر الشرقية ~~(Baléares) ~~، أما الأندلس فلم ~~تزل تابعة مراكش تحلم بالاستقلال، وتستيقظ على العبودية، بالأمس كان يتولاها الأمير تميم من ~~قبل أخيه ابن تاشفين، واليوم يتولاها السيد أبو يعقوب يوسف من قبل أبيه عبد المؤمن بن ~~علي، بربري إثر بربري، ما أضيع الثورة في سبيل الحرية! # لم يستطع الخليفة الموحدي أن يدخل الأرض الأندلسية إلا سنة 1161م، بعد أن دوخ بلاد ~~إفريقية وافتتح المهدية وتونس، وكانتا في حكم النرمند أصحاب صقلية، فعبر المضيق ونزل بجبل ~~طارق، فأنشأ فيه حصنا سماه جبل الفتح. # إلا أنه لم يمكث طويلا، بل آثر العودة إلى عاصمته المغربية، تاركا جيشه يوالي منازلة ~~الثائر محمد بن ms41 سعد بن مردنيش أمير بلنسية وحليف قتشالة ولاون، وتوفي عبد المؤمن قبل ~~أن تقمع ثورة ابن مردنيش؛ فتولى الخلافة ابنه أبو يعقوب يوسف، فتابع مجاهدة الثوار ~~وحلفائهم الإسبانيين، حتى استنزلهم عن بلنسية سنة 1171م، فهرب محمد بن سعد إلى جزيرة ميورقة ~~(Majorque) ~~، وخضع أولاده لسلطان الموحدين. # وكانت البرتغال يومئذ أشد الممالك المسيحية صولة على الأراضي الإسلامية؛ فإن مليكها ~~ألفنس البورغوني، بعد أن حقق استقلال دولته، نازعا عنها يد قشتالة، صرف همته إلى توسيع ~~حدودها بامتلاك ما جاورها من الثغور الأندلسية، فلقب بالفاتح لكثرة ما أخضع من المدن ~~والقلاع، فكان على الموحدين أن يجابهوا هذا الخطر قبل استشرائه. # فحشد أبو يعقوب جيشا عظيما سنة 1184م واجتاز به إلى الأندلس قاصدا أشبونة (لشبونة) ~~عاصمة البرتغال، فقطع نهر التاج، فاعترضته قلعة شنترين الحصينة ~~(Santarein) ~~، فنصب لها أدوات الحصار، وأمر ابنه السيد ~~أبا إسحق والي إشبيلية، أن يسير بقواته في الصباح وجهة أشبونة، ويحمي طريق شنترين، ففهم ~~الأمر على غير وجهه وارتد بعساكره نحو إشبيلية، في حين أن شانجه ~~(sancho) ~~- ابن ملك البرتغال - كان يتقدم إلى شنترين ~~بخمسة عشر ألف مقاتل، ثم ينضم إليه أسقف شنت ياقب بعشرين ألفا. # فوقع الاضطراب في صفوف الموحدين، وقلقت نفوسهم بغفلة أبي إسحق؛ إذ أصبحوا بين القلعة ~~والجيش الزاحف عرضة للتطويق، وأدركهم المسيحيون وهم على هذه الحال المزعجة، فقاتلوا قتال ~~اليائس، الواهن العزيمة، فدارت عليهم الدائرة، وقتلت نخبة فرسانهم، وصبر الخليفة أبو يعقوب ~~لعض السلاح صبر الكرام حتى سقط مدرجا بدمائه، ثم توفي متأثرا من جراحه 1184م، وكان ~~يوم شنترين مشئوم الطالع على الموحدين؛ فارتدت فلولهم الناجية إلى قواعدها الأندلسية ~~بأسوأ مصير. # وصارت الخلافة بعد أبي يعقوب إلى ولده الأمير عبد الله يعقوب، فتلقب بالمنصور، وكان همه ~~في بدء سلطانه أن يجهز على بقايا المرابطين في الجزائر الشرقية ليمنع عدوانهم، أو يخمد ~~فتنة داخلية يختل بها السلام، فأتاح للبرتغال أن تغنم فرصة مؤاتية، فتستأنف الغارات على ~~الأندلس وتعود منها بفتح جديد، ثم توفي ملكها ألفنس 1185م فتسلم العرش ms42 بعده ابنه ~~شانجه، فسار على خطة أبيه في منازلة المسلمين. # ثم شغلته أحداث داخلية؛ فترك الجهاد لألفنس الثامن ملك قشتالة، وكان هذا الأمير لا يفتر ~~عن غزو الولايات الأندلسية، مع ما يعاني من مشاكل عسيرة تولدت بعد وفاة أبيه شانجه ~~الثالث؛ وذلك أن جده ألفنس السابع اتبع نظام ولاية العهد - الطريقة السيئة التي سنها ~~أسلافه - فقسم مملكته بين ولديه، فجعل أكبرهما شانجه الثالث على عرش قشتالة، وأعطاه حق ~~الجزية على مملكتي نافار وأرغون، وجعل أصغرهما فردينان الثاني على عرش لاون وما يليها، ~~وأعطاه حق السيادة على البرتغال، وكأنه أراد أن يتدارك خطر هذه التجزئة فاشترط على فردينان ~~أن يكون تابعا لأخيه. # وفي سنة 1158م توفي شانجه الثالث ملك قشتالة عن ولد في الثالثة من عمره اسمه ألفنس ~~- ويلقب بالنبيل - بعد أن عهد في الوصاية عليه إلى بعض أشراف كاسترو من أكرم الأسر ~~الإسبانية، ولم يجعل الوصاية لزوجه بلانكه أخت ملك النافار؛ ولا لأخيه فردينان؛ خوفا على ~~الطفل من مطامع عمه وخاله، وكانت أسرة لارا تنافس أبناء كاسترو في الشرف والسيادة، فساءها ~~أن يصبح الملك في حوزة نديدتها، تعتز به ويتعاظم نفوذها وسلطانها، فحملها الحسد على أن ~~تختطف الأمير الصغير وتجعله في عهدتها، فأدى عملها هذا إلى حدوث مجزرة بين الأسرتين دميت ~~لها إسبانية وتفككت أوصالها. # ثم استجاش آل كاسترو فردينان الثاني ليحمي ابن أخيه، فساقه الطمع إلى أن يبعث جيشا ~~يثخن في قشتالة ويحتل حصونها ومدنها، ولكنه لم يستطع أن ينتزع الطفل من أيدي بني لارا، ~~وثارت قشتالة بجملتها تؤيد هذه الأسرة لوجود الملك عندها، فقاومت صاحب لاون وأبناء كاسترو ~~معا، وردت غزوات ملك النافار وأمراء المسلمين. # ولما بلغ ألفنس النبيل الحادية عشرة 1166م بويع بالملك، يشد أزره القشتاليون وأبناء لارا؛ ~~فرد غارات عمه، وطرد أسرة كاسترو، فأخذت تلجأ حينا إلى الموحدين، وحينا إلى لاون حتى ~~توفي فردينان الثاني 1188م، وصار الملك إلى ولده ألفنس التاسع، ولم يكن كفؤا لابن ~~عمه صاحب قشتالة؛ فكف عن النزاع. # وكان ألفنس الثاني ملك ms43 أرغون - وهو سبط راميرو أخي ألفنس المحارب - قد رأى أن يحالف ~~قشتالة ويعترف بحقوقها لكي ينصرف إلى محاربة المسلمين، ودفع النافاريين عن الأراضي التي ~~يفتتحها من الأندلس لئلا يستولوا عليها، أما ألفنس التاسع ملك لاون، وشانجه السابع ملك ~~النافار، فكانا يؤثران محالفة المسلمين على محالفة ألفنس الثامن النبيل؛ لأنهما لا ~~يريدان الاعتراف له بالسلطان، غير أن الخطر الذي بات يهددهم من قبل الموحدين أكرههم على ~~السكوت؛ فكانوا يتهادنون أو يتحالفون إلى حين. # وشاء ألفنس الثامن أن يحمل على عاتقه عبء هذا الخطر المخيف، مع ما كان يعانيه من مكايد آل ~~كاسترو والأمراء المسيحيين؛ فراح يغزو الأندلس، يعيث في بسائطها، وينيخ على قواعدها، حتى ~~أخذته نشوة الظفر وهو يسير من نصر إلى نصر؛ فحدثته نفسه بأن يتحدى خليفة الموحدين، فيدعوه ~~إلى الحرب مستهينا به، مثيرا حفيظته. # ويقول ابن أبي زرع في روض القرطاس: إن ألفنس النبيل كتب هذه الرسالة إلى الخليفة يعقوب ~~المنصور وبعث بها إلى مراكش: # بسم الله الرحمن الرحيم، من ملك النصرانية إلى أمير الحنيفية، أما بعد؛ فإن كنت ~~عجزت عن الحركة إلينا، وتثاقلت عن الوصول والوفود علينا، فوجه لي المراكب ~~والشواني أجوز فيها بجيوشي إليك حتى أقاتلك في أعز البلاد عليك، فإن هزمتني فهدية ~~جاءتك إلى يدك، فتكون ملك الدينين، وإن كان الظهور لي، كنت ملك الملتين، ~~والسلام. # وروى ابن الأثير وابن خلكان رسالة قريبة من هذه، وأكثر تفصيلا، وعلق ابن خلكان عليها ~~بقوله: «إن نص هذه الرسالة كتب مثله الأذفونش بن فردكند (ألفنس السادس بن فردينان) إلى أمير ~~المسلمين يوسف بن تاشفين.» ومهما يكن من شيء فإن الرسالتين لا تختلفان في المعنى وفي طريقة ~~الاستفزاز، فلما وصل الكتاب إلى الخليفة المنصور، تلظى غيظا من صلف الملك الإسباني ~~واستخفافه المهين؛ فأمر ولده وولي عهده السيد محمدا بالرد عليه، فكتب على ظهره الآية: # ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل ~~لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ~~، ثم أضاف إليها: # 2 # الجواب ما ترى لا ما تسمع: # ولا كتب إلا ms44 المشرفية والقنا # ولا رسل إلا الخميس العرمرم # وما كان من المنصور بعد أن تلقى كتاب ألفنس ورد عليه إلا أن نشط للحرب يعد أهبته، ويعبئ ~~الجيوش ويبعثها إلى الأندلس. # حتى إذا تم له الحشد العظيم عبر إلى الجزيرة الخضراء، فانضمت إلى جنوده العساكر ~~الأندلسية، فتألف منها جميعا جحفل جرار يضيق عنه الفضاء - كما يعبر ابن الأثير - وتقدره ~~بعض الروايات المغالية بستمائة ألف مقاتل، وكان الجيش النظامي فيه مؤلفا من قوات الموحدين ~~الخاصة، ومن الفيالق الأندلسية، وسائره جموع غفيرة غير نظامية من قبائل العرب والبربر ~~الراغبين في الحرب والجهاد. # ومما يجدر ذكره أن جيش الموحدين النظامي كان من أرقى الجيوش في ذاك العصر، ويعود الفضل في ~~إنشائه وتنظيمه إلى الأمير عبد المؤمن خليفة المهدي؛ فإنه كان ذا خبرة عظيمة في تدريب ~~الجيوش وقيادتها وإدارة حركاتها؛ فقد ابتنى في مراكش مدرسة عسكرية يجتمع بها نحو ثلاثة آلاف ~~طالب من الأشراف يسمون الحفاظ وطلبة العلم، وكان يمتحنهم بنفسه ليقف على تقدمهم في ~~فنون القتال؛ فيشهد رياضتهم على أبواب الطعن والضرب والرمي والمبارزة، والعدو وركوب ~~الخيل، والسباحة وقيادة السفن والوثب إلى سفن الأعداء ومعارك البحار. # فهذه العناية بتنطيم الجند ضمنت للموحدين جيشا مدربا أجمل تدريب، يطمئنون إليه في ~~محاربة أعدائهم، ويجني لهم الظفر في أغلب المواقع. # وكان الخليفة المنصور يرمي في زحفه الرهيب إلى مساورة طليطلة عاصمة قشتالة، فبلغه أن ~~ألفنس الثامن حشد جيوشه بين قرطبة وقلعة رباح ~~(Calatrava) # بالقرب من حصن الأرك ~~(Alarcos) ~~، ويسميه ابن الأثير وابن ~~خلكان مرج الحديد؛ فغير خطته ودلف إلى لقائه حيث يرابط بعساكره، فلما صار منه على مسافة ~~يومين عقد مجلسا للشورى من كبار القواد وأصحاب الرأي ليتفق وإياهم على الطرق التي ينبغي ~~اتباعها، وكان القواد الأندلسيون أدرى من غيرهم بمكايدة الإسبان ومعاكسة أساليبهم؛ ~~فأحب أن يسترشد بنصائحهم، فاستشار خصوصا القائد أبا عبد الله بن صناديد لما يعرف عنه ~~من الحنكة وصدق النظر، فأشار عليه بتوحيد القيادة وخطة القتال، وأن يعهد في قيادة العساكر ~~الأندلسية إلى رؤسائهم؛ لأنهم ms45 لا يحسنون الحرب، ولا يتحمسون لها إذا أقيم عليهم قواد ~~غرباء، وأشار أيضا بأن تقدم الجنود النظامية لمجابهة العدو والتقاء حملته إذا حمل، وأن ~~تبقى القوات غير النظامية واقفة على أهبتها احتياطا للنجدة، وأن ينزل الخليفة بحرسه الأبيض ~~والأسود وراء التلال القريبة، فإذا تراوح الفريقان غار النصر فاجأ العدو بهجوم صاعق فيقضي ~~عليه. # استحسن المنصور هذه الآراء وأمر القادة بالتزامها، ثم أناط الرئاسة العليا بوزيره أبي ~~يحيى بن أبي حفص، وكان على شجاعته صاحب خبرة ودراية. # وأما جيش قشتالة، فلم يكن ضئيل الحشد، فهو على رواية المستشرق جوزف أشباخ، يزيد على مائة ~~ألف مقاتل، وتبالغ الرواية العربية فيه فترفعه إلى ثلاثمائة ألف، ومع ذلك كان لا يوازي جيش ~~الموحدين في عدده؛ فإن تعبيتهم يفوتها الحصر والإحصاء. # واعتمد ألفنس - على الأخص - منظمات الفروسية المسيحية كفرسان الداوية، # 3 # وفرسان قلعة رباح، وغيرهم من جماعات الفروسية في مملكته، بيد أنه استعظم ~~الخطب حين انتهى إليه خبر تعبية الموحدين، فخشي سوء العاقبة إذا لقيهم بجيشه دون غيره؛ فكتب ~~إلى نسيبيه ملك لاون وملك النافار يدعوهما لترك الأحقاد، والمبادرة إلى مساعدته، فأجاباه ~~إلى طلبه نزولا عند رغبة الشعب المتحمس. # وحشدا العساكر وسارا بها إليه، إلا أنهما كانا يزحفان بطيئا ليصلا بعد فوات الأوان، حتى ~~يئس ألفنس من مجيئهما، ولم يبق له سبيل غير مباشرة القتال، وأبى أن يتحصن بالقلاع التي بين ~~يديه، فتمنعه ما طاب للمسلمين الحصار، وكأنه عد ذلك عارا ومذمة، فاختار الهجوم مستبسلا ~~متكلا على حمية فرسانه، فابتدأت موقعة الأرك في 19 تموز 1195م/9 شعبان 591ه. # وكان الموحدون يحمون القلب بقواتهم النظامية، والأندلسيون في الميمنة يقودهم عبد الله بن ~~صناديد، وقبائل العرب والبربر في الميسرة، والخليفة المنصور بحرسه وراء التلال، وعسكر الجيش ~~الإسباني في مرتفع تحميه قلعة الأرك من جانب، وبعض التلال من جانب آخر. # فزحفت إليه مقدمة المسلمين من المتطوعة تمهد للمعركة بسهامها، فما تدانوا من التل الذي ~~عليه ألفنس حتى تجارى إليهم نحو ثمانية آلاف من كل فارس غارق في الحديد، ms46 فالتقتهم المطوعة ~~يساندها القلب والجناح الأيسر؛ فتعالى الصياح، واستكت آذان الفضاء من وقع سنابك الخيل، ~~وتجاوب أصوات الأبواق والطبول، ثم استطال المسلمون فكسروا من حدة القشتاليين وردوهم على ~~أعقابهم. # غير أنهم ما عتموا أن جمعوا شملهم، وجددوا الحملة عليهم، فردوهم ثانية، ولكنهم كانوا ~~عندا صلابا، فلم تهن عزائمهم بعد الردتين بل ضاعفوا قواهم، واندفعوا ثالثة كالعاصف ~~الجارف وقد أحنقتهم الخيبة، وزادتهم حماسة وإقداما، فاخترقوا صفوف العدو وتوغلوا في الجناح ~~الأيسر فمزقوه، وشتتوا جمعه فهلك ألوف من قبائل العرب والبربر، غير الجنود النظامية، ولم ~~تتم خطة عبد الله بن صناديد إذ أشار بأن يتركوا الميسرة للاحتياط والإمداد. # ثم عطف القشتاليون على القلب وهو مرتعش مذعور لانكسار حائطه الشمالي، فصدعوا جانبه ناشبين ~~في أحشاء الموحدين، يقلبون بعضها على بعض، ويشطرونها أجزاء، فتساقطت جثث القتلى أكداسا، ~~وغصت حناجر الأرض من ابتلاع الدماء، ولشد ما عظمت فجيعة الموحدين بالقائد الأعلى أبي يحيى ~~بن أبي حفص، تلقفته سيوف الإسبان بعد أن بلوا من سيفه أمر البلاء، وعندئذ علا التكبير ~~من الجناح الأيمن، وحملت العساكر الأندلسية وبعض بطون زناتة يتقدمهم القائد المجرب عبد الله ~~بن صناديد؛ فاقتحموا قلب الجيش القشتالي، وحجزوا بينه وبين فرسانه الطاعنين في قلب ~~الموحدين. # وكان الملك ألفنس يتولى قيادته بنفسه، ومعه عشرة آلاف فارس، فيهم الداوية وفرسان قلعة ~~رباح، فتلقاهم ثابت الجنان يصابرهم على قلة عدد، ويدفع تيارات أمواجهم المتهايجة، وفيما ~~الأندلسيون يواثبون سفح التل، وألفنس يدافعهم عنه، ووراءهم فرسان قشتالة يزعزعون قلب ~~الموحدين بعدما شردوا الميسرة. # وفيما النصر يراوح بين الجانبين لا يدري له مستقرا، إذا بالطبول تقرع من وراء ~~الآكام، والخليفة المنصور يطلع بحرسه المختار، أمامه العلم الأبيض منقوشا عليه: «لا إله ~~إلا الله، محمد رسول الله، لا غالب إلا الله»، فينقض على فوارس قشتالة وهم يمعنون في القلب ~~إرهاقا، فيلأم صدعه الدامي، ويردهم عنه مندحرين، فعاود الأمل جنود الموحدين، واشتدت ~~سواعدهم بعد ارتخاء، فساوروا أعداءهم كالليوث مستبشرين بالنصر، لا يبالون ما يكلفهم من ~~الضحايا هجومهم المجنون، فما زالوا بهم ms47 حتى حطموا شوكتهم، فانهزموا شماطيط إلى سفح التل ~~يلوذون بألفنس. # وأبى خليفة الموحدين أن يتصرم النهار قبل أن يحرز النصر كاملا؛ فمشى بالعدد الأوفر إلى ~~التل يخترق قلبه، ويساند قوات الأندلسيين، فدافعت فرسان الداوية وقلعة رباح عن مليكها أمجد ~~دفاع، فكانوا يتساقطون من حوله صرعى، لا يحدثون النفس بالفرار، حتى لم يبق منهم إلا ~~فضلة يسيرة لا تستطيع زيادا، فخشيت أن يفتك الأعداء بسيدها وهو مصر على الثبات لا يطيق ~~براحا، فأكرهته على الانكفاء، فأنقذت حياته وكان بوده لو يبذلها سماحا. # ثم اقتحم المسلمون حصن الأرك، فاستنزلوا أصحابه واستولوا عليه، وهاجموا قلعة رباح ~~فامتلكوها، وكان فرسانها قد تخلوا عنها، وانتهت المعركة بانكسار ساحق للإسبانيين. # يقول ابن خلدون: إن المسيحيين خسروا في هذه الواقعة ثلاثين ألف قتيل. أما ابن الأثير ~~فيجعل القتلى ستة وأربعين ألفا ومائة ألفا، والأسرى ثلاثة عشر ألفا، ويقدر قتلى المسلمين ~~بنحو عشرين ألفا، وكانت الغنائم عظيمة جدا . # قال ابن خلكان: «وغنم المسلمون أموالهم حتى قيل: إن الذي حصل لبيت المال من دروعهم ألف ~~درع، وأما الدواب على اختلاف أنواعها، فلم يحصر لها عدد، ولم يسمع في بلاد الأندلس بكسرة ~~مثلها.» # فمعركة الأرك - لا جرم - ثلت عز قشتالة، وهتكت حرمة سلطانها، وما كان الأمراء المسيحيون ~~يتوقعون لها هذه الكارثة الشنعاء، وقد بلوا صولتها وجبروتها؛ فوقعت هيبة الموحدين في ~~نفوسهم، وداخلهم الخوف على إماراتهم؛ فأسرعت مملكتا لاون والنافار إلى محالفة الخليفة ~~المنصور، وهما في خذلهما لألفنس الثامن، وتأخرهما عن نجدته، أوصلتاه إلى هذه النتيجة ~~الفاجعة، يضاف إلى ذلك ما لقي المسلمون من مساعدة الكونت بدرو أحد أبناء كاسترو؛ فقد كان ~~هذا الأمير فارا عن وطنه مع أعوانه، ناقما على قشتالة التي رفعت أسرة لارا بإذلال أسرته، ~~فلم يتأثم أن يبيع أمته ويقدم سيفه للموحدين. # ثم إن الملك ألفنس رأى أن يحذو حذو لاون والنافار فيسترضي المنصور ويلتمس منه الهدنة ~~بعدما أبصر جيوش المسلمين تتابع الغزوات في ولاياته، تتلف الزرع، وتقطع الشجر، وتبلغ أبواب ~~طليطلة، وهو لا يجرؤ أن يخرج ms48 إلى لقائها، بل يرى الخير - من خوفه - في الامتناع بقلاعه ~~وحصونه، وقد رضي المنصور بمهادنته؛ لأنه كان مضطرا إلى مغادرة الجزيرة ليخمد ثورة لا يبرح ~~يشعلها في إفريقيا والمغرب بقايا المرابطين، فعاد إلى مراكش يصلح من شئونها، وأمنت رياض ~~الأندلس شر إسبانيا زمنا، ولكنها ما نالت من نعم الاستقلال الذي حاربت عليه الإمارات ~~المرابطية والمسيحية إلا شارة الخضوع لسيطرة الموحدين. # | معركة العقاب # بين معركة الأرك ومعركة العقاب سبع عشرة من السنين ساقطت ورقات يومياتها عن أحداث وشئون ~~كانت بطبيعتها معلولا للأولى، وعلة للأخرى. # فإن انتصار أمير الموحدين على قشتالة، وما تلاه من خضوع ألفنس الثامن لسيفه، والتماسه ~~الهدنة منه، وإسراع ملكي لاون والنافار إلى محالفته وخطب وده -مكن سلطانه في الأندلس، ~~وحرمته في النفوس، وأتاح له أن يتفرغ إلى إصلاح فتوق مملكته، وتأديب العصاة والثائرين دون ~~أن يصرف النظر عن أمراء إسبانية، وما في صدورهم من ضغائن يحفظها بعضهم لبعض . # فقد كان المنصور - على علو همته - وافر الذكاء، بعيد النظر، لا يسقط عنه أن يستغل خلافهم ~~لمنفعته وخير أمته، وهو يعلم أنه ما دام الشر معصوصبا بينهم، لا يرتفع لهم صوت جهير، ~~ولا يفيئ عليهم ظل ممدود في بقاع يعمرها الإسلام، أفما يجدر به أن يحرك فيهم - من وراء ~~حجاب - لاعج العدوان، فتنام الأندلس على أمن وسكينة، وتشرق إسبانية المسيحية بدمها إلى يوم ~~يوهنها النزف، فترتمي متلاشية على أقدام المسلمين؟ # فلاون والنافار متعطشتان للانتقام من قشتالة وإذلالها لما تفرض عليهما من السيطرة، فطبيعي ~~أن تستهينا جانبها جزاء كسرتها، فتستنزلاها إلى محاربتهما بعد أن تخللتا تخومها عاديتين ~~بتحريض الموحدين، ووعدهم بالمساعدة. # وذهب المنصور إلى أبعد في توسيع الخرق بين الأمراء المسيحيين، فحاول أن يجعل حليفه ملك ~~النافار تابعا له، على أن يزوجه إحدى بناته. # وتقول الرواية الإسبانية: إن شانجه السابع اغتر بهذه المواعيد؛ فقصد إلى مراكش بغية ~~تحقيقها، تواكبه كتيبة من الفرسان. بيد أن الرواية العربية لا تذكر شيئا من خبر الزواج، ~~بل تقول: إن ملك النافار جاء إشبيلية سنة 607ه/1210م ms49 ليزور الخليفة الناصر بن المنصور، ~~ومهما يكن من أمر الزيارة وزمنها ومكانها، فإن المصاهرة لم تربط أواصرها بين الأميرين، فرجع ~~شانجه إلى مملكته فارغ الفؤاد، وقد علم أن الزواج من أميرة موحدية يدعوه إلى الإسلام، ~~وبإسلامه لا يطمئن له عرش النافار. # على أن هذه الجهود التي بذلها المنصور لتمكين سلطانه، وإضعاف ملوك إسبانية، لم تلبث أن ~~تراخت عزائمها بموته سنة 1199م/595ه وقيام ولده محمد أبي عبد الله الناصر، فإن هذا الأمير ~~مع شجاعته، لم تكن له مواهب أبيه، وصلابة عوده، فأسلم إرادته إلى حاجبه أبي سعيد بن جامع؛ ~~فورطه في مزالق لا تنبئ عن أمانة الوزير وإخلاصه. # وكان هم الخليفة الجديد أن يترسم أباه في ضبط الولايات الأندلسية، وإرهاق ملوك إسبانية ~~مستثمرا شقاقهم، غير أنه لم يتمكن من الالتفات إلى عدوة أرونة إلا بعد أن دفع خطر ~~المرابطين عن إفريقية، وأزال بقية دولتهم في الجزائر الشرقية ~~(Baléares) # 1208م. # كان البابا إينوسان الثالث قد استطاع ، في تلك الأثناء - بسلطانه الديني - أن يصلح بين ~~الأمراء الإسبانيين إلى حين، ويؤلف قلوبهم على محاربة المسلمين. # فنشط ألفنس الثامن ملك قشتالة إلى غزو الأندلس 1209م فأوغل فيها باطشا فاتكا، ثم أغار ~~عليها ثانية 1210م فانتسف كورة جيان ~~(jaên) # وبياسة ~~(Baêza) # وأندوجار ~~(Andujar) # وعاد في المرتين بجلائل السبايا ~~والغنائم. # فعندئذ نادى الخليفة الناصر بالجهاد، وقد راعه تغلب العدو على كثير من الحصون الأندلسية؛ ~~فجمع الجموع وحشد العساكر، حتى بلغت تعبئته ستمائة ألف فارس وراجل، فعبر المضيق إلى إشبيلية ~~1211م/607ه يستعد للقتال، فنصح له حاجبه ابن جامع ألا يتقدم في بلاد ألفنس قبل أن يفتتح ~~قلعة شلبطرة ~~(Salvatierra) ~~، فساورها ثمانية أشهر، وهي ~~ممتنعة عليه لحصانتها، فهلك دونها ألوف، وابن جامع يمنع الناصر أن يرفع الحصار عنها ~~ويتجاوزها إلى طليطلة، حتى أضر بها الجوع المرير فأعطت قيادها مكرهة، بعدما أنقذت ~~إسبانية المسيحية بصبرها الطويل كما يقول جوزف أشباخ. # ذلك بأنها أتاحت لألفنس الثامن أن يستصرخ دول إسبانية خصوصا، وأوروبة عموما لتجهيز حملة ~~صليبية غربية تذكر المسلمين بحملات الصليبيين ms50 في الشرق؛ فقد أزعجه ما انتهى إليه من أنباء ~~قوات الموحدين وزحفها الجرار، ولاح له الخطر المخوف ينقض على قشتالة، بل على الإمارات ~~الإسبانية مجموعة، وهيهات لا يرجى دفعه عنها، إلا إذا تظاهرت عليه وتناست أحقادها، وخير ~~لها أن تستنجد أبناء ملتها في الغرب. # فبعث جرهارد مطران سقوبية ~~(Ségavia) # إلى رومة يلتمس من ~~الحبر الأعظم أن يدعو الأمم المسيحية إلى نصرة الصليب، وبعث المؤرخ ردريق مطران طليطلة ~~وسواه من المطارنة إلى فرنسا وما يليها من الدول الأوروبية ليستثيروا الشعور الديني، ~~مبينين الخطر الذي يهدد النصرانية، ودعا الأمراء الإسبانيين إلى الاجتماع والمفاوضة، ووضع ~~الخطط التي ينبغي اتباعها. # فتكللت هذه المساعي بالنجاح المأمول، ولبت أوروبة دعوة الكرسي الرسولي ونداء الأساقفة ~~المتحمس، واقتنع ملوك إسبانية بضرورة الاتحاد، فما طال الأمد حتى بدأت الوفود تتلاحق إلى ~~طليطلة من مختلف الأمصار الأوروبية ولا سيما فرنسا، حاملين شارة الصليب دليل الذياد عن ~~الدين، يتقدمهم كبار الأحبار يستحثونهم، ويوقدون الحمية في الصدور. # يقول جوزف أشباخ: إن جيش الوافدين بلغ في أوائل حزيران 1212م أكثر من عشرة آلاف فارس، ~~ومائة ألف راجل، فيه من القوامس ما يقدر بألفين، أضف إليه ما أرسلت فرنسا وإيطاليا من المال ~~والمؤن والسلاح. # وأما الجيوش الإسبانية، فأول من قدم منها جيش أرغون يقوده عاهله بدرو الثاني، وفيه طبقة ~~مختارة من الكماة كجماعة الداوية (فرسان الهيكل)، وتتابعت بعده الفيالق من لاون وجيليقية ~~والبرتغال، حتى فاضت طليطلة وأرباضها بالعساكر المنتشرة، والخيام المنتصبة، والخيل والعتاد، ~~ثم زحفت هذه القوى العظيمة طالبة قلعة رباح، وفرسان هذه القلعة يلتهبون حماسة ~~لاسترجاعها. # وكان فيها حامية من الموحدين على رأسها القائد يوسف بن قادس، فهاجمتها الجيوش المسيحية ~~دفعة واحدة، فاستولت على المدينة دون القلعة؛ فخشي ابن قادس مغبة الحصار إذا افتتحت القلعة ~~عنوة، وهي لا محالة ساقطة في أيدي العدو؛ فمن العبث أن تحاول قلتها مقاومة الكثرة، فآثر أن ~~ينقذ حاميتها من الهلاك بالاستسلام؛ إذ لا ينفع الدفاع فتيلا؛ فبعث إلى ملك قشتالة رسولا ~~يفاوضه من قبله، مشترطا أن تخرج ms51 الحامية بسلاحها مأمونة. # فرفض الأرغونيون ووفود المحاربين هذا الشرط، وطلبوا متابعة الحصار؛ فاضطر ابن قادس أن ~~يرضى بتجريد الحامية، فغادرت القلعة بعد أن أخذت الأمان على نفوسها، وتولى الفرسان ~~الإسبانيون حراستها مخافة أن يفتك بها جند الوافدين؛ لأنهم كانوا يريدون قتالها، وقد أغضبهم ~~تأمينها، فسار بها ابن قادس إلى الخليفة الناصر، فأطلعه على ما قام به من التدابير لحقن ~~دماء المسلمين حيث لا يفيد بذلها. # ولكن ابن جامع أبى إلا أن ينزل القصاص بالقائد الحكيم، فأغرى الناصر به متهما إياه ~~بالتقصير والخيانة؛ فقتل المسكين وطابت نفس الحاجب الماكر، فاستاء الناس لهذا الحادث ولا ~~سيما الأندلسيون، وكانوا يكرهون ابن جامع لتكرار مكايده، فأبدوا نفورهم من عمل الناصر، وهم ~~إنما جاءوا للحرب متثاقلين، ساخطين على الموحدين كما سخطوا من قبل على المرابطين. # كيف لا وما زالوا يشعرون بضياع حقوقهم شعورهم بالأمس، أفتراهم يحسنون القتال، ويثبتون ~~للضرب والطعان، وفي الصدور حرازات وشهوات لا يسكنها إلا انخذال الموحدين، لعل الاستقلال ~~إليهم يعود؟ ومثل هذه الحالة النفسية، في جيش يتأهب للكفاح، ينذر - ولا بد - بخطب ~~جليل. # وكذلك العساكر المسيحية لم تسلم من التصدع على أثر استنزال الحامية من قلعة رباح مأمونة؛ ~~فإن وفود الفرنجة ما لبثوا أن جاهروا بامتعاضهم من الإسبانيين، فقفلوا راجعين إلى أوطانهم ~~متهمين ملك قشتالة بأنه استأثر بنفائس القلعة وأموالها، وقيل: إن عدد الذين رجعوا يبلغ ~~خمسين ألفا من مائة ألف، إلا أن انفصالهم عن الجيش - قبل المعركة - كان أخف ضررا مما لو ~~انفصلوا في أثنائها، وأوقعوا خللا فجائيا يصعب تلافيه في ترتيب الصفوف وتنظيم ~~أجزائها. # فقد استطاع الإسبانيون بعد رجوع هؤلاء المحاربين أن يجمعوا أنفسهم، ويدلفوا بقدم ثابتة ~~على حصن الأرك - ولهم فيه أوجع الذكريات - فيفتتحوه بيسر مستبشرين، وفيما هم يتقدمون على ~~لقاء الناصر، وافاهم شانجه ملك النافار بجيشه، فرأب الخلل الذي أحدثه إياب الفرنجة ~~المتطوعين. # روى المستشرق جوزف أشباخ أن الناصر بقي يتحامى اصطلاء المعركة على ضخامة جيشه؛ خوفا من ~~المحاربين الصليبيين؛ لأن شجاعة فرسان الفرنجة طارت شهرتها من الشرق ms52 إلى الغرب، فلما بلغه ~~أنهم انفصلوا عن الإسبانيين ورجعوا إلى بلادهم، زالت وساوسه ووطن النية على طلب القتال، ~~والسير إلى العدو. # وكان الإسبانيون قد نفذوا إلى جبل الشارات ~~(Sierra ~~Morena) # في 12 حزيران، وامتلكوا على بعض قممه قلعة للموحدين، فبادر ~~الناصر فعبر الوادي الكبير إلى الموضع المعروف بالعقاب # 1 ~~(Las Navas de Tolosa) # وسد بجيشه منافذ جبل الشارات، ~~فتأزم موقف المسيحيين في شعافه؛ إذ أصبحوا متعذرا عليهم هبوط السهل لملاقاة الموحدين، فهم ~~مضطرون إلى أحد أمرين: إما البقاء وتعريض النفس للجوع والعطش، وإما الرحيل حيث يتحدث الناس ~~عنهم بالهزيمة بعد أن حشدوا قوات الممالك الإسبانية. # وفصل المستشرق جوزف أشباخ هذه المعركة تفصيلا دقيقا ورأينا أن نستند إليه في وصفها ~~وذكر أحوالها، فإن ملوك الإسبان بعدما وقفوا حائرين بين اللبث والقفول، وألفنس الثامن ~~أشدهم عنادا وكرها للتقهقر والرجوع، تمكنوا من الانحدار إلى السهل بطريق خفي أرشدهم إليه ~~بعض الرعاة، فسار أمامهم دليلا حتى بلغ بهم مسلكا صالحا ينزل منه إلى سهل أبدة ~~(Ubeda) ~~، فاعتبر المسيحيون هذا الراعي رسولا من لدن الله، ~~وانتقلت جيوشهم من الجبل إلى السهل دون أن ينتبه المسلمون لحركاتهم؛ ذلك بأن الملوك الثلاثة ~~ظلوا في القلعة لا يغادرونها حتى تم انتقال العساكر. # فلما خلا منهم جبل الشارات، ظن الموحدون أنهم أحمدوا الفرار وضجروا من البقاء، ولكن ما ~~عتموا أن أبصروا معسكرهم في السهل المقابل، فعلموا أنهم خدعوا، ولم يفطنوا لانتقال العدو، ~~فتركوه يحتل مكانا أفضل من مكانهم، يشرف عليهم من الربى العالية، بيد أن الناصر كان ~~معتدا بعظمة جيشه، فلم يبال هذا التبدل في الموقف، واعتقد أن النصارى لا يصبرون طويلا ~~على حربه، وسيحتاجون إلى المؤن والذخائر في انقطاعهم عن قشتالة. # فبأيدي عساكره الحصون الجبلية جميعا، ومنها القلعة التي احتلها الإسبانيون في البدء على ~~جبل الشارات، فما تلكأ أن باشر الدعوة للقتال؛ فأبوها في اليوم الأول لما هم عليه من ~~التعب ثم أبوها في اليوم التالي؛ لأنه يوم أحد، فكرهوا أن يحاربوا فيه، فلما كان صباح ~~الإثنين في ms53 16 تموز 1212م/15 صفر 609ه، أقام الأساقفة الصلاة ومنحوا الجنود البركة ~~الرسولية، والغفران الكامل. # ثم جعل الملوك والقواد ينظمون جيوشهم، فوقف ألفنس الثامن - ملك قشتالة - في القلب يدير ~~حركاته، ويشرف منه على سائر الأقسام، ويتألف القلب من أربع فرق: إحداها فرقة الجبليين ~~القشتالين يتقدمها القائد ذو هارو، والثانية فرقة فرسان قلعة رباح، وشنت ياقب # 2 ~~(Santiago) # والداوية، والإسبتارية # 3 ~~(Les Hospitalieres) ~~، يتقدمها الكونت ذو لارا، والثالثة ~~فرقة فرسان قشتالة القديمة، وأشتوريش ~~(Asturies) # وبسكونية ~~(Biscay) ~~، يتقدمها الكونت ردريق دياز، والرابعة الفرقة ~~الاحتياطية من طليطلة ولاون يقودها الملك ألفنس بنفسه. # وأما الجناح الأيمن، فكان على رأسه شانجه السابع - ملك النافار - وفيه جنوده وفرسانه، ~~والكماة الفرنسيون الذين آثروا البقاء، وفيه جنود جليقية والبرتغال يتقدمهم الأمير بدرو ~~البرتغالي. # وينقسم الجناح الأيسر على أربع فرق تضم العساكر الأرغونية وبعض رجالة قشتالة، يتقدمه ~~بدرو الثاني ملك أرغون. # واصطفت عساكر المسلمين في سهل العقاب مقابل أبدة، مقسومة على خمس فرق يتألف منها الخميس ~~العرمرم، ففي المقدمة فرقة المطوعة، وتجعلها الرواية العربية ستين ألفا ومائة ألف، وفي ~~الميمنة الجنود الأندلسية، وفي الميسرة البرابرة، وفي القلب جيش الموحدين، وفي المؤخرة ~~الفرقة الاحتياطية من المغاربة والجيش النظامي، وبين القلب والمؤخرة نصبت للخليفة القبة ~~التقليدية الحمراء التي ورثها المسلمون عن عرب الجاهلية، وأمامها جواده مسرجا، يحيط بها ~~حرسه الخاص من الفرسان والمشاة، بأيديهم الرماح الممدودة، ودون الوصول إليهم دائرة شدت من ~~سلاسل الحديد. # وما انتهى تنظيم الجيوش حتى تجاوبت أصوات الطبول والأبواق من الجانبين، فارتجت لها ~~الربى والسهول، وإذا الخليفة الناصر يخرج من قبته وعليه عباءة سوداء، فرفع المصحف بيد ~~والسيف بالأخرى، إشارة الهجوم؛ فحملت المطوعة خفيفة عنيفة تلطم القلب، فالتقاها الجبليون ~~وجماعات الفرسان بحملة معاكسة ألانت من حدتها. # ثم لم يلبثوا أن استطالوا عليها وأكثروا من الفتك بها فاضطروها إلى الفرار؛ فانهزمت ~~أمامهم وهم يطاردونها بالحراب في أقفائها، فلما اقتربوا من القلب يبغونه، صدمتهم قوى ~~الموحدين النظامية، فرأوا أمامهم جنودا باسلة، مجربة في الحروب، مدربة أحسن تدريب، وما طال ~~الأمر ms54 حتى تمزقت جموعهم؛ فتشتتوا عنها منهزمين. # فرجحت كفة المسلمين ولاح لهم وامض النصر، فهللوا مستبشرين، ولم يكن ملك قشتالة يتوقع ~~هذا الفشل من القلب وفيه صيانة الفروسية الإسبانية؛ فطار رشده، واشتهت نفسه الموت، فمشى ~~إلى المعركة يريد أن يخوضها بفرقته الاحتياطية، فمنعه المطران ردريق والقوامس أن يغرر ~~بحياته، والتمسوا منه أن يكتفي بإنعاش القلب المتدهور، فأمده بنجدة مختارة يتقدمها ~~الأساقفة، يحملون الرايات عليها صور الطفل الإلهي وأمه البتول، فاستثاروا بها حماسة الفرسان ~~المنهزمين؛ فعاد إليهم نشاطهم، وأتاح لهم هذا المدد أن يلموا شعثهم المنتشر، ويكروا ثانية ~~على جيش الموحدين ينقرون حبة قلبه، ويرمقون دائرة السلاسل حيث الخليفة الناصر، والقبة ~~الحمراء. # ومن دون الدائرة أهوال تختطف عليها الأعمار، فليس صدع القلب بالهين السهل وفيه نخبة ~~الجيش النظامي، ووراء السلاسل عدد كثير من الحراس الأشاوس يحرسون القبة بغابة من عوامل ~~الرماح، ولكن قد تجري الأقدار بما لا يتوقع الإنسان، فبينا فوارس قشتالة يصكون القلب، ~~والقلب ثابت لا يتحلحل، إذا الجناح الأيمن يلتوي فجأة وينهزم الأندلسيون تاركين رفاقهم! ~~وكانوا - كما علمنا - ناقمين على الموحدين يضمرون لهم الشر، فلم يقاتلوا قتالهم المعهود في ~~المعارك التي يصطلونها متحمسين، وهم كعادتهم متهورون في أعمالهم لا يفكرون تفكيرا صحيحا ~~في نتيجة ما يصنعون. # وما كادت الميمنة تتعطل حتى مشت الميسرة على أثرها فتقصف جناح البربر، وبقي القلب عاريا ~~من الجانبين يدافع الإسبانيين ويصابرهم، وهؤلاء قد ازدادوا حمية وإقداما بعد تحطيم ~~الجناحين، فصدعوا القلب الجريء وأوغلوا في أوساطه يقرعون دائرة السلاسل، فجرت أمامها أنهار ~~من الدماء، وتكدست حولها جثث القتلى تلالا، الموحدون في القلب مخرقة صفوفهم، يستميتون ~~مقاومة ودفاعا. # والمغاربة في المؤخرة يقدمون لسد الثلمات غصابا، والأحراس البيض والسود يطاعنون الخيل ~~عن حرم القبة وحرم الخلافة؛ مشهد رائع تجلت فيه البطولة الإسلامية بأجمل معانيها، تغالب ~~اليأس، واليأس غالبها، وترتجي الظفر وقد أشاح بوجهه عنها، أقبل الحظ على الإسبانيين، وما ~~كانوا دون أعدائهم جراءة وعنادا، فشدوا عليهم ملحين، يستعجلون النصر قبل هزيمة النهار، ~~لا يبالون في كسبه خسارة الأرواح، ms55 فهم يشقون الصفوف ويتقدمون، وهم يحيطون بدائرة السلاسل ~~فيقتحمها الكونت ذو لارا واثبا بجماعات الفرسان، ويقتحمها شانجه ملك النافار وبدرو ملك ~~أرغون من اليمين والشمال؛ فانهارت قوى الدفاع من كل جانب، واستمات الحراس على غير جدوى وفي ~~القبة الحمراء سيد الموحدين، قاعد على درقته، يتلقى الأنباء شيئا بعد شيء متجلدا ~~مكفهرا، حتى جاءه النبأ الأسوأ: قتل ابنه واعتصم الجيش بالفرار! فوقف الناصر حينئذ ~~وقال: «صدق الرحمن وكذب الشيطان!»، ثم ركب حصانه المسرج ونجا بجماعة من أصحابه. # وكأن المسيحيين - وقد أخذتهم نشوة القلب - أبوا إلا أن يعيدوا الطعن في أثر الهاربين، ~~فتعقبوهم تشفيا وانتقاما؛ فقتلوا منهم في أثناء الهزيمة أكثر مما قتلوا في أثناء ~~المعركة. # وتقول الرواية العربية: إن خسارة المسلمين كانت جسيمة جدا؛ إذ لم ينج منهم سوى مائة ~~ألف من ستمائة ألف مقاتل! في حين أن الرواية الإسبانية أكثر اعتدالا في حسابها، فلا ترفع ~~خسارة العدو إلى أعظم من مائتي ألف، ولكنها تجمع في الوقت نفسه على أن خسارة المسيحيين ليست ~~بذات شأن. # وهذا صعب التصديق؛ لأن الحرب في مرحلتها الأولى كانت دائرة على الإسبانيين، ثم إن اقتحام ~~السلاسل ما تم لهم إلا بعد تضحيات جليلة وبلاء كبير؛ فغير معقول أن تكون خسارتهم لا تستحق ~~الذكر كما يزعم الرواة الإسبانيون. # بيد أنها تبدو ضئيلة إذا قيست بخسائر أعدائهم؛ لأن فشل العساكر الإسلامية لم يقع على ~~صورة عادية مألوفة؛ فقد تراجعت صفوفهم وتمزقت أشتاتا قبل أن تمنى بالانكسار، فنالها من ~~التقتيل في ذعرها وتبددها شيء عظيم، وحقت عليها الهزيمة مع أن قواتها تبلغ ضعفي قوات ~~المسيحيين، وجيش الموحدين النظامي لا يفوقه جيش في بسالته وتدريبه! # فلا غرو أن يجعل النصارى ظفرهم مستمدا من الله؛ فتنشأ عندهم أسطورة دينية يثبتها بعض ~~المؤرخين، تقول بأنه ظهر في السماء قبيل المعركة صليب ساطع النور! وتحتفل طليلطة كل سنة في ~~16 حزيران بعيد «انتصار الصليب»؛ مع أن المراجع الوثيقة لا تذكر هذه المعجزة، ولا ذكرها ~~ألفنس الثامن في روايته لأخبار المعركة. # على أن انكسار ms56 المسلمين - وإن بدا غريبا في ظاهره - لا يلبث أن يصبح طبيعيا إذا نظرنا ~~إلى العوامل التي أحاطت به، وهما تخاذل الجيش الأندلسي وانكفاؤه في أوائل المعركة؛ حيث ~~تصدعت الميمنة، ثم تأثرتها الميسرة بفشل البرابرة وقلة ثباتهم أمام شانجه السابع وأجناد ~~فرنسا والبرتغال والنافار؛ فاختل بذلك قلب الموحدين، واشتد عليه الضغط من الأمام ~~والجانبين. # ويروي ابن خلدون حادثا آخر له أثر فعال في هزيمة الموحدين، وهو أن صاحب لاون - ويسميه ~~مرة ليهوج، ومرة إلبيوج - قد مكر بالخليفة الناصر، فقدم عليه فداخله، وأظهر النصح، فبذل ~~الخليفة له أموالا، فلما كانت وقعة العقاب غدر الإسباني به، وكر عليه يقاتله برجاله، ~~بدلا من أن يناصره كما وعد. # غير أننا لا ندري من أراد ابن خلدون بصاحب لاون؛ لأن الاسمين اللذين ذكرهما بعيدان في ~~لفظهما عن اسم ألفنس (ملك لاون) واسم أخيه شانجه ~~(Sancho) # الذي كان يحارب في صفوف المسيحيين يوم العقاب، أما الرواية الإسبانية فلم تشر إلى هذا ~~الحادث، وإنما قالت: إن ألفنس التاسع ملك لاون لم يحضر بنفسه الحرب لخلاف بينه وبين ملك ~~قشتالة على بعض الحدود، فاكتفى بأن يبعث أخاه شانجه مكانه. # فإذا صحت رواية ابن خلدون، فإن الناصر لا يعذر في اتكاله على مواعيد الأمير الإسباني ~~دون أن يحتاط لأضرارها، متوقعا الكذب والخداع فيها، وكذلك كان قصير الرأي في استسلامه ~~لنصائح ابن جامع؛ إذ حبس جيوشه ثمانية أشهر على حصار شلبطرة بدلا من أن يقودها إلى طليطلة، ~~فيسحق مملكة قشتالة قبل أن يتمكن ألفنس الثامن من جمع كلمة الأمراء المسيحيين على مساعدته، ~~والاستفادة من نشاط الأحبار ودعوتهم إلى الائتلاف تحت راية الصليب. # إن زوال إمارة قشتالة، وهي أعظم دولة في إسبانية، يفضي - لا جرم - إلى انهيار سائر ~~الإمارات الإسبانية، الواحدة تلو الأخرى، فإن القوات التي حشدها صاحب مراكش لمحاربة ~~الإسبانيين جعل منها أضخم جيش عرفته القرون الوسطى، ولو أحسن الحيلة والتدبير لكان من ~~الممكن ألا يقف في فتوحه عند الولايات الأندلسية التي غنمها المسيحيون وضموها إلى ممالكهم، ~~بل يتخطاها إلى الأراضى ms57 الإسبانية فيبسط عليها سلطانه. # ويلام - وهو القائد الأعلى - لغفلته عن حركة العدو وانتقاله خفية من جبل الشارات، حتى ~~استطاع أن ينفذ إلى أبدة، ويحتل في رباها مواقع تفضل مواقع المسلمين، ورأينا الناصر يدعوه ~~إلى الحرب، فيأباها في اليوم الأول والثاني من وصوله طلبا للراحة، ولا يجرؤ الناصر على ~~مهاجمته - مع علمه بتعبه - لمناعة روابيه. # ويؤخذ على الموحدين ما يؤخذ على المرابطين من سياسة الاستئثار بالحكم والنفوذ في الأندلس، ~~فأساءوا إلى أبنائها، وحركوا الضغينة في نفوسهم، فقدموا معهم إلى الحرب وهم مرصدون ~~لمكروههم؛ فكان الجيش الإسلامي دون الجيش المسيحي نشاطا وائتلافا وحماسة للدين، فدارت ~~عليه معركة العقاب بشؤم الطالع، فمحقت قواه الجبارة، وأضعفت سلطان الموحدين فمالت بملكهم ~~إلى الغروب، وكانت للمسلمين نذيرا بزوال كلمتهم عن الأندلس، وللمسيحيين بشيرا بانقشاع خطر ~~الإسلام عن إسبانيا جمعاء. # | يوم قرطبة # بدأت مآتم القواعد الأندلسية بسقوط طليطلة 1085م، ثم بسقوط سرقسطة 1118م، وبعدهما استخذت ~~بطليوس لملك لاون 1230م، واليوم دور قرطبة أم العواصم، وحاضنة الأندلسيين في الغرب، تخط ~~الطريق لسقوط بلنسية 1238م، وإشبيلية 1248م، إلى أن يحين مأتم غرناطة آخر معقل عربي في ~~إسبانيا المسلمة، فيغني الشاعر الأندلسى مرثاته الأخيرة، يبكي بها نعيم الفردوس ~~المفقود . # وجاء دور قرطبة، بعد أن مكثت خمسة قرون وربع قرن في حوزة الإسلام، ترتد المسيحية عن ~~أبوابها، وأمام حصونها تنحل عزائم الإسبانيين، شهدت عز عبد الرحمن الناصر والحاجب المنصور، ~~فكانت كالعروس، حينا بعد حين، تجلى لتزف في زينتها لنصر جديد. ما أكثر أعراس قرطبة، وأبهج ~~أفراحها! الملوك تأتيها خاضعة، وإليها ترسل الهدايا خاطبة ودها، قوافل السبايا والغنائم ~~معروضة في أسواقها، يكاد لا ينقطع النداء عليها. # قرطبة دار العلوم، ومعهد الفنون والصنائع، حرم الجامع الكبير ذي السواري، والدة الزهراء ~~ذات القصور والحدائق، تشع أنوارها على أوروبة في دياجير القرون الوسطى، هي الآن في مأتم بعد ~~عرس كما قال البحتري في الإيوان. # زالت عنها كلمة الموحدين بعد أن بات سلطانهم يتهاوى إثر موقعة العقاب، وران عليها سلطان ~~محمد بن هود - من أعقاب أمراء ms58 سرقسطة السالفين - يضم إليه معها مرسية ~~(Murcie) ~~، وجيان، وماردة ~~(Mérida) ~~، وبطليوس، متوسلا بنقمة الأندلسيين على ~~الموحدين، مناديا بكفرهم، داعيا إلى مقاتلتهم قتال الكفار، وتخليص الأندلس من ~~طغيانهم. # وتلقب بالمتوكل على الله، ولبس السواد شعار العباسيين، معترفا بخلافتهم، راجعا ~~بإمارته إليهم، ليسترضي جمهور المسلمين بعد خلعه خلافة المغاربة أهل التوحيد، فنجحت سياسته، ~~وأقبل على مبايعته وطاعته أكثر الولايات الأندلسية. # ولكنه كان مضطرا - مع مغالبته القوى الموحدية في دفاعها عن بقية سلطانها - إلى مقاومة ~~الأمراء المسيحيين، وهم لا يفترون عن مناصبة الأندلس والإفساد فيها، فلم يطق منع ألفنس ~~التاسع ملك لاون أن يفتح بطليوس وماردة وغيرهما من المدن والحصون، إلا أنه تمكن من الإيقاع ~~بالموحدين، يساعده على ذلك ما بينهم من شقاق؛ إذ كان يتنازع الخلافة أميران منهم: أحدهما ~~المأمون من ولد يعقوب المنصور، والآخر المعتصم بالله يحيى بن محمد الناصر. # كان ابن هود يناجز المأمون، ويعين عليه المعتصم أحيانا، حتى استطاع أن يستلب من يده حكم ~~الأندلس بلدا بعد بلد، وحصن غرناطة في الجملة 1230م، فألجأه إلى استعانة النصارى، فعل ~~المرابطين والأمويين من قبل؛ فصار لدى خليفة الموحدين اثنا عشر ألفا من مرتزقة القشتاليين ~~لحماية مراكش ورد المعتصم عنها، ونزل المأمون لملك قشتالة - مقابل هذا المدد - عن بعض ~~الحصون المتاخمة، ورضي بأن تبنى كنيسة في مراكش، وأن يؤذن للنصارى بقرع النواقيس، ووعد ~~بأن يدفع عنهم كل مساءة في مملكته، وإذا أسلم نصراني لا يقبل إسلامه، وإنما يقبل المسلم ~~إذا ما أحب أن يتنصر! # غير أن الحامية القشتالية لم تقو على منع المعتصم من افتتاح مراكش، وتهديم الكنيسة التي ~~بنيت فيها، وتقتيل النصارى ونهب أموالهم، وكان المأمون يومئذ في الأندلس، وليس بيده من ~~مدنها الكبرى غير إشبيلية، فعبر الزقاق يريد إنقاذ عاصمة المغرب، فلم يكتب له التوفيق في ~~محاربة المعتصم، فمات فجأة 1132م، وبويع ابنه أبو محمد عبد الواحد، فتلقب بالرشيد، وتابع ~~مساورة المعتصم، إلى أن توفي هذا بفاس 1236م. # وانقطع ملك الموحدين - على إثر وفاة المأمون - عن سائر الولايات الأندلسية خلا ms59 إشبيلية ~~وما إليها، فعاد سلطان محمد بن هود يشعل مالقة ~~(Malaga) # وألمرية ~~(Alméria) # وغرناطة وقرطبة ومرسية، ينافسه سلطان بني ~~الأحمر في أرجونة ~~(Arjona) # ووادي آش ~~(Guadix) # وبياسة ~~(Baéza) # وجيان ~~(Jaén) ~~. # وبنو الأحمر قبيلة عربية ترفع نسبها إلى الخزرج، وعميدها محمد بن يوسف النصري، فاتفق هذا ~~مع الإسبانيين على أن يمدوه بجيش لقتال ابن هود، وأن ينزل لهم عن بسائط الأندلس إذا استتب ~~أمره فيها، فاغتنم هؤلاء الفرصة، مستفيدين من خلاف الأمراء المسلمين، وانتفاض بعضهم على ~~بعض، فحشدوا جيشوهم، وراح جايم ~~(Jayme) # ملك أرغون يعيث في ~~إمارة بلنسية، وفردينان ملك قشتالة ولاون يخبط بعساكره إلى قرطبة، وكان هذا قد بلغ من القوة ~~شيئا عظيما؛ إذ تمكن أن يجمع قشتالة ولاون مملكة واحدة بعد تنابذهما؛ لارتباط نسبه ~~بمليكهما، وانتقال إرثهما إليه. # ذلك أنه عندما توفي ألفنس النبيل صاحب قشتالة، صار الملك بعده إلى ولده هنري، وكان ~~قاصرا؛ فتولت الوصاية عليه أخته برنجاريا، ثم توفي سنة 1217؛ فانتقل العرش إليها ~~عملا بوصية والدها، وكانت تعلم أن القشتاليين يكرهون حكم النساء، فلم تشأ أن تترك الملك ~~مزعزعا. # وكان لها أولاد من زوجها ألفنس التاسع ملك لاون، وقد طلقها هذا نزولا عند أمر البابا لما ~~بينهما من قرابة مانعة، إلا أن الأولاد اعتبروا شرعيين، فاستدعت ابنها الأكبر فردينان ~~وتنازلت له عن العرش، فاغتبط القشتاليون لصنيعها، وبايعوا الملك الجديد وقدموا له الطاعة ~~1217م، ولما توفي ألفنس التاسع ملك لاون 1230م تحول عرشه إلى ولده فردينان الثالث، ~~فاتحدت قشتالة ولاون وزال ما بينهما من شقاق وخصام. # وخفق لواء الملك الجديد على دولتين قويتين، تنضم إليهما إمارات إسترامادورة وجيليقية ~~وأشتوريش، فأصبح خطره عظيما في غاراته على الأندلس الإسلامية، واتجاه أنظاره إلى أم ~~عواصمها قرطبة، بعدما تم له الاستيلاء على حصن أبدة ~~(Ubéda) # 1233م. # وكان المتوكل بن هود يزحف يومئذ إلى غرناطة ليحارب منافسه ابن الأحمر، فلم يفت ~~الإسبانيين الذين كانوا في أبدة أن ينتهزوا الفرصة، وقد علموا من الأسرى المسلمين أن قرطبة ~~قليلة أسباب الدفاع، وأن افتتاحها أمر ميسور، ms60 فأدلجت منهم كوكبة صغيرة، يسترها ظلام الليل، ~~ويخفي حركاتها انهمار المطر، حتى بلغوا الضاحية الشرقية من عاصمة المروانيين. # وأرشدهم الأسرى الخائنون إلى المواقع التي يصلح منها الصعود إلى السور، فنصبت السلالم، ~~وتسلق الجدران جماعة من الفرسان الأباسل، وكانوا قد استمالوا بعض حراس الأبراج بالمال، ~~فكتموا أمرهم عن الآخرين، وأوهموهم - عندما سمعوا خفق أقدامهم - أنهم سرية آتية للتفتيش، ~~فخدعوهم بذلك، ومكنوا أعداءهم من دخول أحد الأبراج، فامتلكوه وقتلوا حراسه. # ثم انحدروا إلى باب قريب ففتحوه لرفاقهم؛ فتسللوا منه إلى أحياء الضاحية يفتكون بالسكان ~~الآمنين فتكا ذريعا، حتى تنفس الصبح وانتشر الخبر، فثارت الحامية في وجه المغامرين ~~فقاتلتهم حانقة، فطردتهم من الشوارع، وألجأتهم إلى التحصن بالبرج الذي سقط في ~~أيديهم. # فعلموا أن محاولة افتتاح مدينة عظيمة كقرطبة، بعدد قليل من الرجال، ضرب من الجنون؛ فهي من ~~نفسها وحدها في جحفل لجب - على حد تعبير أبي تمام - فأرسلوا يستنجدون قائد منطقة قرطبة ~~الفابيريز ذا كاسترو، وبعثوا رسولا إلى الملك فردينان في لاون يسألونه الإسراع ~~بالمجيء. # وما كاد يصل الرسول إلى القائد الإسباني، حتى خف إليهم بما استطاع جمعه من حاميات الحصون ~~والقلاع، فأدركهم على عجل، وثبت مقامهم في البرج يردون عنه المهاجمين، ويشرفون على قسم من ~~الضاحية، إلى أن تأتيهم نجدة الملك وجيشه ... # ولم يكن فردينان يتوقع هذا التوفيق العجيب في قرطبة بكوكبة من الفرسان؛ فبادر إليها ~~بثلاثين فارسا، بعدما أصدر أوامر بحشد العساكر من المدن والقرى، واستدعاء جماعات الفرسان ~~المنظمة، وأن يتبعه الحشد دون إبطاء. # ثم سارع بفرسانه الثلاثين إلى قرطبة، فابتهج الجند لرؤيته، واشتدت ظهورهم في مقاومة ~~المسلمين، فأحس هؤلاء الخطر المهدد، وتيقنوا أنه إذا لم يتداركهم ابن هود بقواته، دارت ~~عليهم الليالي، وآضت قاعدة الملوك في حوزة الأعداء، فطيروا الرسل إلى المتوكل يستحثونه ~~لإنقاذهم قبل فوات الأوان. # ولولا خور العزيمة، وعقم في الرأي لكان بوسعه أن يتدارك العاصمة، ويمنع استخذاءها، ~~فالظاهر أن الانكسارات التي مني بها في محاربة المسيحيين، وما ناله - خصوصا من فردينان ~~الثالث - أضعف همته، وأوقع هيبة الإسبانيين ms61 في نفسه، فلم يجرؤ على تلبية صوت قرطبة، قبل ~~أن يتبين قوة أعدائه، ومبلغ ما جردوا لها من العساكر، مع أن الموقف حرج، فلا يحسن بأميرها ~~أن يتركها تلاقي وبالها، وهو قريب منها، ولديه جيش كبير يستطيع الدفاع عنها. # ولم يقتصر على تلكؤه الذميم، بل قاده قصر الحيلة، وسوء طالع الأندلس، إلى أن يعهد في ~~استطلاع أحوال العدو إلى فارس جليقي اسمه سوارز، كان الملك فردينان قد نفاه عن قشتالة، فجاء ~~برجاله إلى المتوكل، وجعل سيفه في خدمته، شأنه شأن كثير من الفرسان المسيحيين والمسلمين، ~~إذا خرجوا من بلادهم ناقمين على أمرائهم. # على أن هذا الفارس الجليقي لم يكن لينسى أن المهمة التي ندبه إليها ابن هود بكل سذاجة، ~~يتوقف عليها خذلان ملته، وأبناء قومه، فغلت في صدره عصبية الدين والوطن، ورأى الحال مؤاتية ~~لاسترضاء مليكه والرجوع إلى أرضه؛ فوعد المتوكل بالخبر اليقين، وسار إلى فردينان، فأطلعه ~~على واقع الأمر، وطلب إليه أن يضاعف نيران الأحراس ليلا؛ ليوهم المسلمين بكثرة جيشه، ~~واتساع المساحه التي يشغلها في نزوله. # ثم عاد إلى ابن هود، وطفق يبالغ له في وصف قوة العدو، وحسن سلاحه، والخطر الذي ينتظره إذا ~~حدثته النفس بلقائه، وأراه بعينه اتساع نيران الحراسة وامتداد لظاها، فاستطير المتوكل، ~~وداخله الذعر، فخام ولم يجسر على الإقدام، ونسي أنه مسئول عن مصير أم المدائن. # وفيما هو على هذا الحال من الاضطراب جاءه رسول من أبي جميل زيان أمير بلنسية، يستغيثه ~~على جايم ملك أرغون، وكان قد أناخ عليه بقواته، فآثر ابن هود أن يدلف إلى غوث بلنسية لعله ~~ينقذها من الأرغونيين، فيضمها إلى مملكته ويتقوى بها، ثم يرتد إلى قرطبة، فيخرج منها ~~القشتاليين. # ولكن التقادير جرت بغير ما في الحسبان؛ فإنه ما كاد يبلغ ألمرية حتى اغتيل فمات خنقا، ~~ولم تنج بلنسية من يد ملك أرغون، وتركت قرطبة وحيدة تدافع بشهامة هجمات الأعداء، وتلقى ~~الهلاك باسلة لا تسلم إباءها للخنوع، إلى أن خاب أملها من المتوكل، وانقطع عنها رجاء كل ~~نجدة، فعلمت أن ms62 المقاومة أصبحت لا تجدي فتيلا، وإنما هي انتحار ليس غير؛ فأفضل أن تفاوض ~~العدو، فعساها تنال منه شروطا شريفة مقبولة. # بيد أن العدو كان شديد التعنت والاستكبار، خصوصا بعد أن صار النصر ملك يديه، وزال خطر ~~المتوكل عنه، فأبى إلا أن يسوم الأندلسيين ظلامة، فأعطاهم الأمان على نفوسهم دون أملاكهم ~~وأموالهم، فاضطر أهل قرطبة إلى القبول مكرهين، وفتحت المدينة الكبرى أبوابها للظافرين، ~~فدخلها فردينان الثالث - ملك قشتالة ولاون - بفوارسه على أصوات الأبواق والطبول في 29 ~~حزيران سنة 1236م/23 شوال 633ه، بعد أن كابدت حصار ستة أشهر متواليات؛ فسقطت بها أعظم قاعدة ~~أندلسية في أيدي المسيحيين، وخرج المسلمون منها منكسي الرءوس، متخلين عن أموالهم، هاربين ~~إلى البقية الباقية من المدن الإسلامية في الأندلس. # ومشى الفاتحون إلى المسجد الكبير يرتلون أناشيد الشكر؛ فحولوه كنيسة، ورفعوا الصليب ~~عليه، وأقاموا فيه الصلوات والقداديس، وجيء بأجراس شنت ياقب إلى فردينان، وكانت لم تزل ~~محفوظة من عهد الحاجب المنصور حين غزا مدينة القديس 997م # 1 # ودمرها، وانتزع أجراس كنيستها الشهيرة، وأجبر الأسرى المسيحيين أن يحملوها على ~~عواتقهم إلى قرطبة. # فأمر فردينان أن تعاد هذه الأجراس إلى كنيسة شنت ياقب، محمولة على أكتاف الأسرى المسلمين، ~~فنقلت إلى مواطنها بعد غربة طويلة، وحررت بعد أسر امتد نحو ثلاثين ومائتين من السنين؛ ~~فخرجت شنت ياقب للقاء أجراسها تحيط بحامليها مهللة مبتهجة؛ كما خرجت قرطبة بالأمس البعيد ~~تستقبل هذه الأجراس على أكتاف أصحابها، وهي نشوى من خمرة الظفر العابق؛ فأعاد التاريخ نفسه، ~~ولكن بصورة معكوسة، فسبحان مغير الأحوال! # | فاجعة غرناطة # لم يبق في أيدي المسلمين من الأندلس العربية - بعد انهيار دولة الموحدين، ومقتل محمد ~~بن هود، وسقوط قرطبة وبلنسية وإشبيلية وسواها من المدن والقلاع - إلا مملكة غرناطة، ويشمل ~~حكمها كورة إلبيرة ~~(Elvira) # ومنها قطر لوشة ~~(Loja) # على نهر غرناطة المعروف بنهر شنيل ~~(Xenil) ~~. # ومن أعمالها وادي آش ~~(Guadix) # والمنكب ~~(Almunécar) # وجبال البشرات ~~(Alpujarras) # وبسطة ~~(Baza) ~~، وأشهر مدنها التجارية على ساحل البحر مالقة ~~(Malaga) # وألمرية ~~(Alméria) ~~. # ومع أن هذه الإمارة صغيرة ms63 بمساحتها، فقد تسنى لها أن ترزق الحياة مدة مائتين وخمسين ~~سنة، على ما كان يحدق بها من خطر الدول المسيحية. # ذلك بأن الملوك الإسبانيين كانوا يشغلون عنها بمحاربة بعضهم لبعض؛ حروب كادت تستغرق ~~النصف الثاني والنصف الأول من القرنين الرابع عشر والخامس عشر، لا سيما نضال قشتالة ~~وأرغون. # ثم إنهم تعودوا أن ينتفعوا من أموال المسلمين، فكانوا يجدون لذة في ضرب الجزية عليهم ~~واعتبارهم من أتباعهم، كما كان الأمراء المسلمون يجدون هذه اللذة من قبل، فقيضوا لغرناطة ~~عمرا مديدا؛ ليمتعوا النفس باستصفائها والإشراف عليها. # أضف إلى ذلك أن موقعها الطبيعي وما فيها من الحصون والقلاع والأبراج، يضمن لها إرهاق ~~غزاتها، وهي على ضيق أرضها مكتظة بالسكان؛ لأن معظم المسلمين الذين هاجروا من الولايات ~~الأندلسية التي استردها المسيحيون لجئوا إليها واتخذوها مقرا، فلقيت فيهم عددا عظيما ~~من المحاربين الأشداء يدافعون عنها الإسبانيين بحمية واستبسال. # فإذا تكالب العدو عليها وأحست الضنك استصرخت سلاطين المغرب، وفي مقدمتهم بنو مرين، ~~فيجيزون إليها جيوشهم لرد العاديات عن أرباضها. # فظلت هذه المملكة الصغيرة بمأمن من الكارثة العظمى لا تخشى شرها، حتى تم الاتحاد بين ~~قشتالة وأرغون سنة 1469، فتزوج فردينان الخامس إيزابلا الكاثوليكية، واجتمعت دولتان قويتان ~~على إمارة بني الاحمر تصليانها الحرب العوان طوال عشر سنين. # ورافق ذللك تضعضع في أحوال غرناطة من خلافها الداخلي، وانقسامها أحزابا تحترب وتتصارع، ~~ويفزع بعضها إلى الملوك المسيحيين لمقاومة بعض ، فمهدوا السبيل للنيل منهم، وتغلب العدو ~~على مدنهم وقلاعهم؛ فقد بات قصر الحمراء ملعبا لدسائس النساء ومكايدهن، فأشعل الثورات ~~الأهلية ليستفيد منها الإسبان. # وكان من سوء الطالع أن يتولى أمر غرناطة السلطان أبو الحسن علي بن الأحمر، رجل لذات ~~وشهوات، فأهمل رعاية الجيش، وأقدم على قتل كبار القواد ليأمن انتقاضهم، فتراخت القوى ~~العسكرية في الدولة، وقل خطر حاميات الثغور. # ولم يقتصر على هذا، بل سلم زمام الأحكام إلى وزيره، وقعد عن الجهاد، حاسبا أن النصارى ~~لا يغزونه، ولا تنقضي بينهم الفتنة، واحتجب في قصره عن الناس ليتفرغ لنسائه وملاهيه. # فأنكر الخاصة ms64 والعامة ذلك منه، وكثرت المظالم والمغارم على حد تعبير المقري؛ فإذا الثورة ~~تتمخض في شعبه، فتنتقض مالقة على حكمه، وتبايع أخاه أبا عبد الله محمدا الملقب بالزغل؛ ~~فتنشب الفتنة بين الأخوين مدة، ثم يخضع الزغل لأخيه، وينقضي الخلاف، ليقع بعده خلاف جديد ~~أشد منه وأنكر، بين الابن وأبيه. # وذلك أن أبا الحسن في تهافته على اللذة كان يكثر من التسري بالجواري ليطيب له ~~الاستمتاع؛ فوقع على جارية إسبانية اسمها إيزابلا، فشغف بها شغفا عظيما، واستولت على ~~إرادته، فحملته على أن يتزوجها، وأسلمت فسميت الثريا، فأحلها المنزلة الأولى بين نسائه، ~~حتى إنه قدمها على زوجه عائشة، وهي بنت عمه السلطان أبي عبد الله الأيسر. # وشاء أن يجعل ولاية العهد لبعض أولادها، فاشتعلت الغيرة في صدر عائشة، وراحت تدس للثريا، ~~وتنصب لها أشراك مكايدها، فانقسم خدام القصر على فئتين متنافرتين، تميل الواحدة إلى أولاد ~~الحرة، والأخرى إلى أولاد الجارية، والشعب خارج القصر يتذمر على الوزير لجوره واستبداده، ~~يطلب إقصاءه عن الحكم، والسلطان لا يلبي له طلبا. # ولم تكن هذه الأحداث لتخفى على ملكي قشتالة وأرغون، أو يفوتهما استغلالها، وهما في ~~زواجهما واتحادهما، قررا أن يزيلا باقي كلمة الإسلام عن إسبانية. # وكان السلطان أبو الحسن قد استفزهما للجهاد في اعتدائه على الزهراء سنة 1478، وهي تابعة ~~لملكة قشتالة، فحرضت بعلها على تجريد حملة صليبية، لا تنثني إلا بإخراج المسلمين من ~~الأندلس، فتم تجهيزها سنة 1482م/887ه فراحت توالي الغارات على مملكة غرناطة، تفتتحها بلدا ~~إثر بلد، وتستنزل الحصون أو تقذفها بالمدافع. # وفي هذه السنة فرت عائشة من الحمراء، ومعها ولداها أبو عبد الله محمد وأبو الحجاج يوسف، ~~خوفا من زوجها أن يفتك بهم نزولا على رغبة حظيته الإسبانية، فقصدوا إلى وادي آش يستثيرون ~~الشعب، وهو في حملته ناقم على أبي الحسن يمقت استهتاره وقعوده، فمد إليهم يده وبايع أبا عبد ~~الله خالعا أباه، ثم قامت ألمرية وبسطة وغرناطة بدعوة السلطان الجديد؛ فهرب أبو الحسن إلى ~~مالقة ملتجئا إلى أخيه الزغل، فاعصوصب الشر بين حزب أبي ms65 عبد الله وحزب أبي الحسن، وفيهم ~~الثغريون (سكان الثغر) وبنو سراج. # فقد انتصر الأولون لأبي الحسن، والآخرون لأبي عبد الله؛ فكانوا يقتتلون في الشوارع والطرق ~~حتى تركوا الفوضى منتشرة في البلاد، وتزعم الرواية العربية أن أبا عبد الله نكب بني سراج ~~وأفناهم، على أن المستشرقين أوغست مولر وكليمان هيوار يضيفان هذه النكبة - إن صحت أخبارها ~~- إلى أبي الحسن؛ لأن بني سراج كانوا خصومه وأنصار ولده، فلا يعقل أن ينكبهم أبو عبد الله، ~~ولعل الرواية العربية تخلط بينه وبين عمه أبي عبد الله الزغل، وعلى حوادث هذه النكبة بنى ~~شاتوبريان قصته: آخر بني سراج. # وما زالت الحرب دائرة بين الابن وأبيه حتى رجحت كفة الولد، فأقام سريره في غرناطة، ~~وأطاعته البلاد إلا مالقة والناحية الغربية. # وفي سنة 1483م/888ه قصد المسيحيون مالقة وبلش ~~(Velez) # في نحو ثمانية آلاف، وكان السلطان أبو الحسن قد أناخ على نواحي المنكب لمقاتلة ولده، ~~فالتقاه أبو عبد الله في جند غرناطة والجهة الشرقية فهزمه، في حين كان الزغل يقاوم الجيوش ~~الإسبانية في مالقة، ويردها خاسرة. # فلما بلغ أبا عبد الله أن عمه الزغل انتصر على الإسبانيين في مالقة، أحب أن يكون له قسط ~~من الجهاد الوطني والديني؛ فحشد عساكره وخرج غازيا، فتجمع عليه الإسبان في الجبال ~~والأوعار، فكسروه وأخذوه أسيرا بعد أن قتلوا من الجيش خلقا عظيما، فأجمع أمراء غرناطة ~~وأعيان الأندلس على إرجاع والده أبي الحسن، فذهبوا إلى مالقة وبايعوه. # وكان قد ذهب بصره على أثر مرض يشبه الصرع أصابه، فرفض أن يقوم بأعباء الملك وهو على هذه ~~الحال، وأشار عليهم بأن يبايعوا أخاه أبا عبد الله الزغل؛ فبايعه الأندلسيون وقدموا له ~~الطاعة، وانتقل أبو الحسن إلى المنكب فأقام بها إلى أن مات. # وأغار المسيحيون سنة 1485م/890ه على غربي مالقة فدخل أهلها في طاعتهم، وحاصروا بعدها ~~رندة ~~(Ronda) # فهدموا أسوارها بمدافعهم، وما انفكوا ~~يضيقون عليها حتى طلب أهلها الأمان مستسلمين. # ثم إن فردينان رأى أن يضرب المسلمين بعضهم ببعض؛ فيستفيد من شقاقهم وتحاربهم، فبعث إلى ~~السلطان ms66 أبي عبد الله - وهو أسير عنده - فاستقدمه وخلع عليه، ووعده بأن يساعده على خلع عمه، ~~ويعيده إلى عرشه، ثم أطلق سراحه وأمده بالعساكر والمال؛ فثار يطلب الملك. # وجاء بلش فأطاعه أهلها، ونادى الخبر إلى غرناطة فمال إلى مبايعته أهل البيازين ~~(ALbaycin) # وهو حي من أقدم أحياء غرناطة، قائم في ~~أعاليها على تل منحدر يشرف على المدينة، بينه وبين التل الذي عليه قصر الحمراء فرجة ~~صخرية. # وفي البيازين قلعة حصينة تعرف بالقصبة القديمة، وكان أهل هذا الحي على جانب من الجهل - ~~كما يصفهم صاحب نفح الطيب - فقاموا بدعوة أبي عبد الله، وتبعهم بعض أهل غرناطة، وهم يرجون ~~الصلح مع المسيحيين على يد السلطان الأسير لما رأوا من عطف القشتاليين عليه؛ فوقعت الفتنة ~~بين المسلمين ورجمت البيازين بالحجارة من القلعة. # ثم جاء السلطان أبو عبد الله إلى لوشة، فظنوا أنه أتى لمصالحة عمه الزغل، وإذا صاحب ~~قشتالة وأرغون يدهم لوشة بجيش عظيم فيحاصرها، فخف أهل البيازين إلى نصرة السلطان أبي عبد ~~الله، ولكنهم ما لبثوا أن تبين لهم أن السلطان كان على اتفاق مع الملك الإسباني، ففتحت ~~لوشة أبوابها لفردينان 891ه وهاجر أكثر أهلها إلى غرناطة. # أما أبو عبد الله فبقي مع الإسبانيين، فأثبت بذلك شائعة مواطأته لهم، وحقيقة الأمر أنه ما ~~حالفهم إلا لاعتقاده أنهم سيكونون أنصاره على عمه فيستعيد منه العرش، وأن المسلمين يأمنون ~~اعتداءهم في ظل ملكه لارتباطه بالصداقة معهم، خصوصا بعدما وعده فردينان بأن من يدخل في ~~حكمه فهو في أمان تام. # وعلى ذلك نشط إلى بلش يدعو الناس لموالاته ويمنيهم بصلح صحيح، فأقبل عليه جمع غفير ممن ~~رغبوا في السلامة وكره القتال، وجاءه في الجملة أهل البيازين يدعونه إلى حيهم، متجندين ~~لنصرته والدفاع عنه، فانتقل إليهم على حين غفلة، ونزل في القلعة فانقسمت غرناطة قسمين: ~~حزبا معه وحزبا، مع عمه نزيل الحمراء. # ولم يغفل ملكا قشتالة وأرغون عن إمداده بالجند والمال والقمح والبارود، فشبت في غرناطة ~~ثورة أهلية كثر فيها النهب والتقتيل. # وفيما كان السلطان الزغل يدعو ms67 الأجناد والقواد من أهل بسطة ووادي آش وألمرية ~~والمنكب لمساعدته وطرد أبي عبد الله من البيازين، بلغه أن الإسبانيين زحفوا إلى مالقة ~~بجيش عظيم، ونزلوا على بلش يحاصرونها في آذار 1457م/ربيع الآخر 892ه؛ فخف إلى نجدتها بما ~~اجتمع لديه من وفود وادي آش وجبال البشرات، فرأى العدو يواثبها برا وبحرا، وقد أخذ ~~بخناقها من جميع الجهات. # فوطن النية على منازلته مهما كلف الأمر، وإذا نبأ يأتيه من غرناطة بأن العاصمة بايعت ~~ابن أخيه أبا عبد الله، وأن هذا الأمير استولى على قصر الحمراء؛ فانكسرت عزيمته، وانهزم ~~بجيشه قبل أن يلتحم مع الإسبانيين، وسار إلى وادي آش فنزلها وتحصن بها. # وما زال الإسبانيون يشددون الحصار على بلش حتى طلب أهلها الأمان، ودانت لهم جميع البلاد ~~بشرقي مالقة إلا جبل فارة ~~(Gibralfars) # حصن مالقة المنيع، ~~فإنه لبث يدعو للزغل ويدافع الأعداء متمردا، ومالقة أعظم فرضة تجارية حربية على باب ~~المضيق، تأتيها الإمدادات من المغرب، تنزل بها ثم تنتقل إلى غرناطة. # فكان من المعقول أن يوجه إليها فردينان حملته ويفرغ منها قبل مهاجمة العاصمة ليقطع ~~الصلة بينها وبين العدوة المغربية، فسير إليها جيشا بريا وأسطولا بحريا يضربان ~~عليها نطاقا عسيرا، فقاتل أهلها قتالا مجيدا، وسلط الحصن مدافعه على البر والبحر، ~~فمني الإسبانيون بخسائر جسيمة. # غير أنهم لم يحجموا عنها، ولا فتر لهم نشاط، بل لبثوا يقتحمون إليها المخاطر حتى دخلوا ~~أرباضها وضيقوا دائرة الحصار وصاروا يقذفون عليها قنابلهم من مسافات قريبة ، فيدمرون الحصون ~~والمنازل. # فصبرت مالقة صبر الكرام على التقتيل والتخريب، وانقطاع الأمل من مساعدة سلاطين المغرب ~~إلى أن فني ما عندها من الطعام وأكلت الخيل والحمير؛ فعضها الجوع المرير، وغلب عليها اليأس ~~القاتل، فاضطرت مكرهة إلى الاستخذاء بعد منعتها، فدخلها المسيحيون في آب 1487م/شعبان 892ه ~~وسقط في أيديهم حصنها المريد. # وتابع فردينان غاراته كل سنة، فكان يفتتح المدن والقلاع وهو يظهر الصداقة لأبي عبد الله ~~صاحب الحمراء، ويدعي مناصرته على عمه ومنافسه في الملك، وإنما وكده أن يعزل غرناطة عن ~~جميع المدن ms68 والولايات الإسلامية؛ فيسهل عليه امتلاكها إذا حاصرها، ويحول دون وصول النجدات ~~إليها. # ولا يخفى ما في هذه الخطة من دهاء وحسن تدبير، فلما كانت سنة 1489م/894ه، نهض بجيشه إلى ~~بسطة يريد انتزاعها من الزغل، فحشد السلطان الجيوش من وادي آش وألمرية والمنكب والبشرات، ~~فوقعت بينهم معارك كثيرة كان النصر فيها للإسبانيين، وتضايق أهل بسطة من الحصار والجوع، ~~فطلبوا الأمان، وخضع الزغل لفردينان وبايع له على أن يبقى تحت طاعته. # فدخل الإسبان بسطة في كانون الأول 1489م/محرم 895ه وأقاموا في كل قلعة قائدا مسيحيا، ~~ودانت لهم وادي آش والمنكب وألمرية، وتم لفردينان ما أراده، ولم يبق خارجا عن حكمه سوى ~~غرناطة وقراها وجبال البشرات، فعندئذ تبدلت سياسته نحو صاحب الحمراء؛ فأظهر الميل لأبي عبد ~~الله الزغل، ودعا الناس إلى الالتفاف حوله، وبذل المال لبعض القواد المسلمين فباعوه ~~ضمائرهم، وجعلوا رجالهم في خدمته توفيرا لرجاله. # فسقطت أمام وجهه جميع الحواجز التي كانت تعوق زحفه إلى غرناطة، فكتب إلى صاحبها يستنزله ~~عنها، واعدا إياه بأن يضعه تحت حمايته، ويعطيه مالا جزيلا، ولكنه لم ينتظر الجواب، بل ~~دلف إليه بعساكره لينجز الأمر سريعا. # فجمع أبو عبد الله أعيان المدينة وقوادها، ومندوبين من عامة الشعب، وأطلعهم على كتاب ~~فردينان، طالبا منهم أن يبدوا آراءهم في الجواب عليه، فإما أن يرغبوا في الجهاد والدفاع ~~عن دينهم واستقلالهم، وإما أن ينزلوا على حكم المسيحيين. # فاتفقوا بأجمعهم على الجهاد المستميت، فأرسل إلى فردينان يبلغه رفض طلبه والاستعداد ~~لقتاله. # فمشى الملك الإسباني إلى مرج غرناطة فاحتله بجيشه، وبعث إلى سكان العاصمة يهددهم بإفساد ~~زروعهم إذا أصروا على مخالفته، فلم يجد عندهم غير الصلابة والإباء؛ فانتسف الزرع كله، وهدم ~~بعض الحصون، إلا أنه أحجم عن ضرب الحصار لقلة في الذخيرة والجند، وآثر أن يرتحل إلى بلاده، ~~مرجئا أمر غرناطة ليوم آخر. # وما كاد يبتعد حتى عادت بعض الجهات إلى طاعة صاحب الحمراء ومنها جبال البشرات، وكان الزغل ~~قد استقر بألمرية، فدلف إليه ابن أخيه بحملة من غرناطة ليسترد الأماكن التي ms69 سلمها للعدو، ~~فتلقاه عمه بجيش فيه قوات من النصارى الإسبانيين، فنشبت بينهما معارك دامية لم يترجح النصر ~~فيها لأحد منهما. # وفي أثنائها خرج فردينان بجيش انضم إليه المدجنون # 1 # والخانة والمرتدون، # 2 # فقصد إلى وادي آش وأجلى عنها المسلمين، فلما بلغ خبره السلطان الزغل، خاف على ~~نفسه لمصادقته الإسبانيين، وهم اليوم ينفون أبناء ملته عن ديارهم، فكره البقاء في ~~الأندلس، فعبر البحر إلى وهران، ثم إلى تلمسان، واستقر بها بعيدا عن عرشه وسلطانه. # وعاد أبو عبد الله إلى غرناطة يتأهب للقاء العدو بعد أن أصبحت العاصمة الهدف الوحيد ~~لأنظار إيزابلا وفردينان، وهيهات، لا يطمئن لها فتح ما دام المسلمون معتصمين بالحمراء، ~~فيكفي أن يقع من الحوادث الداخلية ما يشغلهما حينا عن الولايات المفتتحة حتى تنتقض عليهما، ~~وتعود منضمة إلى غرناطة، ناشدة حريتها واستقلالها، فلا الفتح مكفولا ولا النصر سالما، أو ~~يندك المعقل الأخير لدولة الإسلام في الأندلس. # وعلى هذا، صمم العاهلان أن يضربا الضربة الحاسمة ما دام الزمان مؤاتيا، فيأمنا من مفاجآت ~~الغد، فنهضا إلى حشد العساكر من قشتالة وأرغون ولاون وجليقية وأشتوريش وسواها، فتم لهما جيش ~~لهام، فيه زهرة الفروسية الإسبانية، يترأس أقسامه الأحبار والقوامس، وتنتشر فوقه رايات ~~الصليب والصور المقدسة، ومعه من المؤن والمدافع والسلاح مقادير عظيمة تنذر بحرب ضروس لا ~~هوادة فيها. # وكان فردينان وإيزابلا يقودان هذه الجيوش بنفسيهما، ويتعهدان سيرها ونزولها، فزحفا بها في ~~آذار 1491م/جمادى الآخرة 896ه إلى مرج غرناطة الجنوبي ~~(La ~~Véga) # ونصبا آلات الحصار على العاصمة، وقذفا حصونها بالمدافع ، ولكنها ~~كانت منيعة، فلم يهن جانبها ولا تثلمت أبراجها. # فعلم الإسبانيون أن الحصار طويل لا ينقضي أمده إلا بعناء شهور، فأمرت إيزابلا ببناء مدينة ~~مقابل غرناطة تناوئها مدة الحرب إلى أن تظفر الواحدة بالأخرى، وهذه الخطة أخذها الإسبانيون ~~عن العرب عندما يطول الحصار، فبنيت المدينة وسميت شنتفي ~~(Santa-Fé) # أي الإيمان المقدس، فنزلتها العساكر ~~الإسبانية مستظلة بحصونها، فكان في ذلك بلاغ للغرناطيين بأن هذه الحملة تختلف عن الغارات ~~السابقة، فما تنتهي بإتلاف الزرع وامتلاك بعض ms70 الحصون. # فوطنوا النفس على الصبر والجلاد، ووقف القواد والأشراف بجانب السلطان أبي عبد الله ~~يشددون عزيمته، ويدعونه إلى الثبات؛ فصبرت غرناطة على الحصار وقصف المدافع، رابطة الجأش، ~~عنيدة المراس. # غير أن الميرة عندها لم تكن تكفيها سوى مدة قصيرة، والحصار الخانق يمنع الوارد إليها من ~~الخارج، وليس لها باب مفتوح إلا من ناحية جبل شلير ~~(Séerra ~~Nivada) # إلى البشرات تأتيها منه المئونة رشحا لوعورة المسالك، فكان ~~الضيق يدفع أهلها حينا بعد آخر إلى ترك الأسوار والحصون لمنازلة العدو؛ فتقع معارك دامية ~~يستبسلون فيها مقاتلين قتال الضواري، فيسيل مرج غرناطة دماء، ويكتسي بالجثث والهام. # وكانت إيزابلا تتعهد الجرحى الإسبانيين بنفسها، تؤاسيهم وتضمد كلومهم، وتحث الأجناد على ~~الصبر وحسن البلاء، فتوالت المعارك بين الفريقين رابية الخسائر، والزاد والرجال في غرناطة ~~قليل، والعدو وافر العدد والذخائر، فلا بد أن يفضي الأمر إلى معركة فاصلة تنكسر فيها شوكة ~~الغرناطيين، ويستطيل عليهم الإسبان بقواتهم الجرارة، فيضطرونهم إلى الانقباض وراء الأسوار ~~لا يجرءون بعدها على طلب القتال؛ فيعود الحصار بأثقاله ويشتد الجوع على المسلمين، فيزداد ~~العدو طمعا فيهم، ويفر من المدينة خلق إلى جبال البشرات. # فدعا السلطان أبو عبد الله رجال الدولة وأهل المشورة، يستطلع آراءهم فيما ينبغي عمله، ~~فاتفقوا على إسلام البلد حفاظا على النفوس أن تهلك حيث لا يجدي الهلاك، فاختاروا وفدا من ~~رؤساء الجند للمفاوضة، فخرجوا إلى معسكر الإسبانيين، فاستقبلهم فردينان وإيزابلا بحفاوة، ~~فعرضوا عليهما إسلام العاصمة على شروط فيها الأمان للمسلمين؛ فقبل العاهلان دون تردد أن ~~تفتح المدينة أبوابها صلحا، ووضعت معاهدة الاستسلام وهي تتضمن سبعة وستين شرطا على قول ~~المقري. # ومن النظر إلى هذه الشروط يتبين أن المسلمين فاوضوا أعداءهم مفاوضة الند للند لا ~~مفاوضة المغلوب للغالب، وأن العاهلين الإسبانيين كانا متساهلين إلى حد بعيد، تخلصا من ~~هذه الحرب الطويلة، ووصولا إلى الغاية التي يتوخيانها. # ولعل فردينان كان يضمر وراء هذا السخاء خطة معينة ينوي تنفيذها عندما يصبح أمر غرناطة في ~~يده، وتسرح جنود المسلمين، وتؤخذ منها قلاعها؛ فقد جاءت شروط ms71 المعاهدة في مصلحة ~~المنكسرين أكثر منها في مصلحه الظافرين. # ولا يرجو مقهور أن ينال من قاهره شروطا شريفة أفضل منها تصون حرية الدين وحرية النفوس ~~معا! فهي تنص من الناحية الدينية على أنه: لا يجوز للجنود المسيحيين أن يدخلوا المساجد إلا ~~بإذن من الفقهاء، وتبقى المساجد والأوقاف كما كانت، ولا يمنع مؤذن ولا مصل ولا صائم ~~عن أموره الدينية، وكل مسيحي يضحك منهم في أثناء إقامة شعائرهم يعاقب! # لا يقسر من أسلم من النصارى على الرجوع إلى دينه، وأما من تنصر من المسلمين فإنه ~~يوقف أياما حتى يظهر حاله، ويحضر له حاكم من المسلمين وآخر من النصارى، فإن أبى الرجوع ~~إلى الإسلام يترك على ما أراد. # وتنص من ناحية أخرى على حماية النفوس والعادات والمنازل والأموال، فلا يجوز للعساكر ~~المسيحية أن تدخل بيوت المسلمين ولا تأخذ منها طيورها ومواشيها، أو تقيم فيها الولائم ~~والمراقص على كره من سكانها. # ولا يسمح للجنود الإسبانيين بأن يصعدوا إلى السور الذي يفصل القلعة عن البيازين، لئلا ~~يستطلعوا على دور المسلمين، ولا تخترق القوات المسيحية مدينة غرناطة يوم دخول العاهلين إلى ~~الحمراء، وإنما تسير في طريق منحرف خارج الأسوار، مراعاة لشعور الغرناطيين. # ومن هرب من أسارى المسلمين ودخل غرناطة فلا سبيل عليه لمالكه ولا لسواه، ولا يعاقب من ~~قتل نصرانيا أيام الحرب، ولا ترد منه الأسلاب التي غنمها، ولا يؤخذ أحد بذنب غيره، ~~ويخير المسلم في البقاء أو في السفر إلى المغرب وإفريقية، فمن آثر البقاء ورضي أن يكون ~~من رعايا صاحبي السمو الملكي ، يبقى له سكنه وماله وعقاره، ولا يؤدي من المغارم زيادة على ~~ما كان يؤديه للأمراء المسلمين، وترفع عنه جميع المغارم والمظالم المحدثة، ويسير في بلاد ~~النصارى آمنا في نفسه وماله، ولا يجعل علامة يعرف بها كما يجعل اليهود والمدجنون. # ولا يحكم على أحد منهم إلا بشريعتهم لدى قضاتهم، ولا يولى عليهم نصراني أو يهودي، ويحق ~~للتجار المسلمين أن يسافروا ويعودوا متمتعين بالحرية والطمأنينة، فيمكنهم أن يعبروا ~~بتجاراتهم إلى إفريقية كلها، وأن ms72 يتنقلوا في جميع الولايات الخاضعة لصاحبي السمو، ولا ~~يؤدون من المكوس زيادة على ما يؤديه التجار المسيحيون. # ويجب أن تكون أسواق المسيحيين ومجازرهم منفصلة عن أسواق المسلمين ومجازرهم، لكي لا يحصل ~~اختلاط في البضائع واللحوم. # ويستقل المسلمون بمياههم وأنابيبهم، فلا يحق للمسيحيين أن يشربوا منها أو يغسلوا بها ~~ثيابهم، وإن صاحبي السمو وقوادهما الأكارم يراعون المسلمين، ويعاملونهم معاملة الأتباع ~~الأوفياء. # أما من آثر الهجرة على البقاء فلا يمنع، وتنقله إلى العدوة الإفريقية - في مدة معينة - ~~مراكب صاحبي السمو، ولا يلزمه إلا الكراء، ويحق له أن يأخذ معه جميع أمواله: ذهبه وفضته ~~وحلاه، وبضاعته وسلاحه، ما عدا الأسلحة النارية. # ومن يتأخر عن السفر في المدة المعينة، يعطى عندما يسافر عشر ماله والكراء، وإذا لم يطب ~~المقام للمسلم الأندلسي في المغرب وإفريقية، وأحب العودة إلى غرناطة، يسمح له بذلك في ~~مدة ثلاث سنوات من سفره، ويحق له أن يتمتع بجميع الذمم التي تنص عليها المعاهدة. # ويشترط العاهلان الإسبانيان مقابل ذلك أن ينتقل أبو عبد الله سلطان المسلمين بأهله وحرسه ~~من الحمراء إلى البشرات، وتكون سكناه بأندرش ~~(Andaraxe) ~~، ~~وأن يستوثق خمسمائة من أعيان غرناطة رهنا حذار الغدر والعصيان! # وخط فردينان وإيزابلا اسميهما تحت هذا القسم: # نؤكد ونقسم بأيماننا وكلامنا الملوكي أننا نحافظ ونأمر بالمحافظة على مضمون ~~جميع ما هنا من كل شيء وكل جزء، الآن وفيما بعد، الآن وفي كل آن. # وأبرم الشروط بعدهما أبو عبد الله وزعماء المسلمين، فتوقفت الأعمال الحربية في كانون ~~الأول سنة 1491م/صفر 897ه، وفي اليوم الثاني من كانون الثاني 1492م/2 ربيع الأول 897ه فتحت ~~غرناطة أبوابها فدخلها صباحا فردينان الخامس وإيزابلا الكاثوليكية بموكب حافل، فسارا توا ~~إلى الحمراء. # وكان قائد القلعة ينتظرهما على عتبة الباب فقدم لهما المفاتيح، فسلماها للكونت تنديلا ~~(Tendilla) # وجعلاه قائدا عاما لمملكة غرناطة، ثم رفع ~~الصليب الفضي وعلم قشتالة على برج فيلة ~~(La vela) # أعظم ~~أبراج الحمراء، واحتلت رجالة الجنود الإسبانية جميع الأسوار والبروج. # وكان السلطان أبو عبد الله قد غادر القلعة قبل دخولهما ms73 العاصمة، فاجتاز ساحة الأسود ~~كسيرا منخلع الفؤاد، يسير مطرقا إلى منفاه وبجانبه أمه عائشة صامتة، قاطبة، والناس وقوف ~~في الشوارع والشرف يشيعونه بأنظارهم منقبضين، من بين راحم وناقم، حتى إذا انعطفت به الطريق، ~~وكادت الحمراء تتوارى عنه، أرسل إليها النظرة الأخيرة، وهطلت عيناه بالدموع، فالتفتت إليه ~~أمه، وقالت له بمرارة الشامت المتألم: # ابك مثل النساء ملكا مضاعا # لم تحافظ عليه مثل الرجال # ولا يزال هذا الموضع يسمى إلى اليوم «زفرة المغربي». # وأقام أبو عبد الله بأندرش إلى سنة 1492م/898ه، ثم عبر البحر إلى المغرب، ونزل بفاس ~~فاتخذها مقرا حتى مات. # خلت غرناطة من ملوكها بني الأحمر، ولكنها بقيت آهلة بالمسلمين، يزاولون فيها أعمالهم ~~مطمئنين إلى عهد فردينان، حاسبين أن الإسبان مقيمون عليه طويلا لا ينقضون شروطه، فيتسنى ~~لهم مع الزمن أن يجددوا قواهم، ويستأنفوا جهادهم لاسترداد سابق عزهم وسلطانهم، فإذا كان ما ~~نالهم من ذل وانكسار عقابا سماويا على آثام اقترفوها، أو اقترفها حكامهم وزعماؤهم، فلن ~~يتخلى الله عنهم، فيأذن ببقائهم خاضعين لحكم النصارى، والنبوات التي يسمعونها من أفواه ~~الذين يقال إن لهم زلفى عند الله؛ تبعث في نفوسهم أملا حيا، وتبشر بقرب الخلاص، وانتهاء ~~العقاب. # ومهما تكن شروط العهد سخية شريفة، فهي لا تعدو أن تكون شروط الغالب على المغلوب، تطالعه ~~أبدا بزوال دولته، ووجوب خضوعه للمسيطر الغريب، وما تعودوا من قبل أن يخضعوا إلا لأبناء ~~ملتهم، بل كانوا يتبرمون بحكم سلاطين المغرب، ويعتبرونهم دخلاء عليهم، مع أنهم مسلمون ~~ويتكلمون العربية، فكيف يرضون حكم الإسبانيين وهم غرباء عنهم في الدين والجنس واللسان؟! ~~فلماذا لا يسعون بكل ما لديهم من الوسائل لتحطيم هذا النير الثقيل؟! فعهد فردينان قد ترك ~~لهم الحرية في السفر إلى الأمصار الإفريقية لتعاطي التجارة؛ فبوسعهم أن يتصلوا بسلاطينها، ~~ويحرضوهم على تجريد حملة قوية تنقذ الأندلس المسلمة. # وما يمنعهم أن يستنجدوا المماليك في مصر، أو يفزعوا إلى الدولة العثمانية وهي في فتوتها ~~ونشاطها، وإبان مطامعها، ممالك أوروبة تداريها وتخشاها بعد أن واتاها الحظ، فافتتحت ~~القسطنطينية سنة 1453، وجعلتها ms74 قاعدة لها؛ فجثمت على الشاطئين، بيدها مفاتيح الشرق ~~والغرب. # دولة مسلمة مكينة العقيدة، تطمح إلى الخلافة لتصبح باسم الشرع حامية الإسلام، فلا بدع أن ~~يجد الأندلسيون عندها عطفا وتشجيعا كما وجدوا عند سلاطين المغرب وإفريقية ومصر، فتصبح بعد ~~ذلك شواطئ الأندلس غرضا لغارات القرصان المسلمين يعيثون فيها وينشرون الذعر والاضطراب، ~~فكانت هذه الغارات كافية لتحريك الأندلسيين مع انتظارهم القوة التي وعدت إفريقية بإرسالها، ~~وهم لا تنقصهم الشجاعة، ولا العصبية الدينية، ولا كره الغريب البغيض، ومن جملة تساهل العهد ~~معهم أن ترك لهم أسلحتهم فكأنه أعدهم للقيام بالثورة، ولا سيما سكان الجبال الوعرة ~~كالبشرات. # ولم يكن المسلمون منحصرين في غرناطة وحدها، بل ظلت سائر الولايات الإسبانية حافلة بهم ~~بعدما استردها المسيحيون، فإن فردينان رأى من الخير أن يستبقيهم ويعطيهم ذمة المدجنين؛ لئلا ~~ينقص عدد السكان فتتأثر التجارة والزراعة، فوجود هؤلاء في قلب إسبانية أشبه شيء بقوة خفية ~~مبثوثة تعتمد عليها غرناطة إذا هبت ثائرة، وغير مستصعب عليهم أن يتفاوضوا ويتفاهموا ~~ليجمعوا أمرهم على خطة يضعونها ما دام التاجر الغرناطي يحق له - كالتاجر الإسباني - أن ~~يتردد في مملكتي قشتالة وأرغون، فلم يمض على العهد بضع سنوات حتى أخذ الجبليون ينتقضون ~~ويثورون، وبدأت قشتالة تفكر بإلغاء العهد أو تعديل شروطه. # والظاهر أن أول فكرة خطرت لها حفاظا على الأمن وتحقيقا للوحدة القومية -هي تنصير ~~المسلمين وتعليمهم لغة البلاد وعاداتها؛ لأن الإسبانيين اعتقدوا أن هذا الشعب الغريب لن ~~يندمج فيهم ما دام متمسكا بدينه وعاداته ولغته، ولعل تساهلهم في شروط العهد كان ترغيبا له ~~في الحكم الإسباني إلى أن يتمكنوا من تنصيره أو تنصير أولاده على تمادي الزمن. # وقد عبر عن هذه الفكرة رئيس أساقفة غرناطة الدون فرناندو دو تالافيرا ~~(Fernando de Talavera) # فطلب عند وضع المعاهدة أن ~~تحسن معاملة الغرناطيين، وأن يجعل التساهل أساسا لشروطها على أمل أن يقبلوا الديانة ~~المسيحية في المستقبل، وقال في ذلك كلمته المأثورة: «هؤلاء أولاد ينبغي أن نغذيهم ~~باللبن.» # وقد كان من الطبيعي أن يترك أمر تنصيرهم على ms75 عهدة الأيام والليالي، إلا أن الخوف من ~~الثورات التي طفقت تهدد إسبانية، والحملات التي ينتظر أن تأتيها من إفريقية -حمل فردينان ~~على اتخاذ تدابير قاسية في حد ذاتها، فأصدر أمره سنة 1499م/904ه، بتنصير المسلمين جميعا، ~~وإرجاع من أسلم من النصارى إلى دينه القديم، وكل من رفض التنصير يجبر على مهاجرة ~~البلاد. # فأحدث هذا القرار اضطرابا عظيما في غرناطة والبشرات، وهب أهل البيازين في وجه الحكام ~~فقتلوهم، وكتبوا إلى الملك الظاهر قنسو الثاني سلطان مصر مستغيثين، فبعث هذا إلى الملكين ~~الإسبانيين يهددهما بالانتقام من المسيحيين الذين في أرضه، فاضطرا إلى أن يوفدا مرشد ~~كاتدرائية غرناطة بطرس مارتير، ليوضح له حقيقة الأمر ويطلعه على الرسائل التي تلقتها حكومة ~~قشتالة من سلطات المدن البحرية في إفريقية، تؤكد فيها أن المبعدين لاقوا من الإسبانيين أحسن ~~معاملة. # واستطاع العاهلان في الوقت نفسه أن يخمدا ثورة الجبليين، ويكرها المسلمين على التنصر، ~~ولا سيما الفتيان والفتيات؛ فإن التنصر كان شاملا فيهم، وآثر جماعة أن لا ينزلوا عن ~~دينهم، فرحلوا إلى المغرب في مدة ثلاثة أشهر تاركين أملاكهم للدولة. # قال صاحب نفح الطيب: «وبالجملة فإنهم تنصروا عن آخرهم، بادية وحاضرة، وامتنع قوم من ~~التنصر ورغبوا في الثورة؛ فاستأصلهم الإسبان سبيا وقتلا، ومنهم من خرجوا على الأمان إلى ~~العدوة المغربية.» # ولكن فاجعة المسلمين المتنصرين ~~(Morisques) # لم تقف عند ~~هذا الحد؛ ذلك بأن العدد الأكبر منهم ظل يبطن الإسلام ويحافظ سرا على شعائره وتقاليده، ~~قال المقري: «كان من أظهر التنصر من المسلمين، وبقي على دينه خفية، فشدد عليهم النصارى في ~~البحث حتى أنهم أحرقوا كثيرا بسبب ذلك، ومنعوهم من حمل السكين الصغير فضلا عن غيرها من ~~الحديد، وقامت لهم ثورات في بعض الجبال على غير طائل.» # فقد فهم الإسبانيون أخيرا أن تحويل شعب عن دينه جملة - بطريق الإكراه - عمل عقيم لا يؤدي ~~إلى النتيجة المنشودة، ولم يجد نفعا ديوان التنقيب ~~(Inquisition) # ما قام به من الفحص البليغ عن هؤلاء ~~المتنصرين في الظاهر، ومن ضروب العقوبات البربرية كالتعذيب والتحريق، حتى كان ms76 عهد فيليب ~~الثاني فأصدر قرارا 1565م بإخراج العرب المتنصرة من إسبانية كلها إلا من حسن إيمانه ولم ~~يلحقه شك في نصرانيته، وفصل الأولاد الصغار عن آبائهم وأمهاتهم؛ فوضعوا في المدارس تحت ~~رقابة الحكومة، ليتربوا تربية مسيحية خالصة. # غير أنه لم يتم الجلاء إلا في زمن فيليب الثالث، فأخرجوا إخراجا عاما سنة ~~1609م/1017ه، فخلت منهم ربوع الأندلس بعدما عمروها بحضارتهم زهاء ثمانية قرون، وآضت إسبانية ~~للإسبانيين. # | المراجع # الكتب العربية # ابن الأثير: الكامل. # ابن خلدون: كتاب العبر. # ابن خلكان: وفيات الأعيان. # المقري: نفح الطيب. # ابن بسام: الذخيرة. # ياقوت: معجم البلدان. # البستاني: دائرة المعارف العربية. # بطرس البستاني: أدباء العرب، جزء 3. # الكتب المنقولة # يوسف أشباخ: تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين (الترجمة العربية: ~~لمحمد عبد الله عنان). # الكتب الفرنسية # DOZY, Histoire des Musulmans d’Espagne, 4 Vol. petit in - 8, ~~1861. # DOZY, Recherches sur l’histoire et la littérature de ~~l’Espagne. Leyde - E. J. Brill 1881. # CL HUART, Histoire des Arabes, Geuthner, Paris. # Louis BERTRAND, Histoire d’Espagne, Arthême Fayard, Paris. # E. LÉVI-PROVEÇAL, Islam d’Occident, Librairie Orientale et ~~Américaine, Paris. # Georges MARÇAIS, La Berbêrie Musulmane, Aubier, Paris. # J. BERAUD - VILLARS, Les Touareg au pays du Cid, Plon, Paris. # C. BROCKELMANN, Histoire des Peuples et des Etals ~~Islamiques. ~~(Traduction française de M.Tazorout). Payot, Paris. ms77