######OpenITI# #META# URI: 1300ButrusBustani.UdabaCarabFiAcsurCabbasiyya.Hindawi73640603 #META# Tags: literary.criticism :: literature #META# ID: 73640603 #META# Title: أدباء العرب في الأعصر العباسية #META# AuthorID: 84853603 #META# Author: بطرس البستاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # العصر العباسي الأول‏ # 1 - لمحة تاريخية‏ # 2 - الشعراء المولدون1‏ # 3 - الكتاب المولدون‏ # العصر العباسي الثاني‏ # 4 - لمحة تاريخية‏ # 5 - الشعراء المولدون‏ # 6 - الكتاب المولدون‏ # العصر العباسي الثالث‏ # 7 - لمحة تاريخية‏ # 8 - الشعراء المولدون‏ # 9 - الكتاب المولدون‏ # العصر العباسي الرابع‏ # 10 - لمحة تاريخية‏ # 11 - الشعراء المولدون‏ # 12 - الكتاب المولدون‏ # مقدمة‏ # العصر العباسي الأول‏ # 1 - لمحة تاريخية‏ # 2 - الشعراء المولدون1‏ # 3 - الكتاب المولدون‏ # العصر العباسي الثاني‏ # 4 - لمحة تاريخية‏ # 5 - الشعراء المولدون‏ # 6 - الكتاب المولدون‏ # العصر العباسي الثالث‏ # 7 - لمحة تاريخية‏ # 8 - الشعراء المولدون‏ # 9 - الكتاب المولدون‏ # العصر العباسي الرابع‏ # 10 - لمحة تاريخية‏ # 11 - الشعراء المولدون‏ # 12 - الكتاب المولدون‏ # | أدباء العرب في الأعصر العباسية # | أدباء العرب في الأعصر العباسية # | حياتهم، آثارهم، نقد آثارهم # تأليف # بطرس البستاني # | مقدمة # هذا الكتاب الثاني من «أدباء العرب» يشتمل على خصائص آداب العباسيين وعلومهم، وميزات ~~شعرائهم وكتابهم، مع استفاضة في النقد والتحليل؛ لأن هذا العصر - عصر حضارة ~~العرب - لما يتح له بعد بحث شامل يجلو حقائقه، ويكشف عن كنوزه. # واضطرارنا إلى الإمعان في البحث جعلنا نجتزئ بطائفة معدودة من الشعراء والكتاب، وهم - وإن ~~كانوا فحول الشعر والنثر - لا يستقرون في المنزلة العليا وحدهم، بل يشركهم فيها جماعة ~~آخرون لم نجد بدا من إغفالهم. # ورأينا ألا نخلط الأدب الأندلسي بالأدب الشرقي، فعل من تقدمنا من مؤرخي الآداب؛ ~~لأن العوامل التي أثرت فيه غير العوامل التي أثرت في ذاك، وأن له ميزات خاصة تجعله ~~مستقلا منفصلا عن أدب العباسيين؛ فآثرنا أن نرجئه إلى الكتاب الثالث ونخصه ~~ببحث منفرد، ونضم إليه عصر الانبعاث، وكلاهما يفتقر إلى درس صحيح؛ لأنهما لا يزالان في عزلة ~~تامة عن أقلام النقاد. وأما عصر الانحطاط فسنلم به إلماما، ونبين ميزته السياسية ~~والأدبية؛ ليطرد لنا الحديث إلى عصر الانبعاث، والله ولي التوفيق. # بطرس البستاني # | العصر العباسي الأول # 750-846م/132-232ه # يبتدئ بقيام الدولة العباسية، وينتهي بخلافة المتوكل على الله. # الفصل الأول # | لمحة تاريخية # أسباب سقوط الأمويين ~~(1) الأحزاب السياسية # عرفنا في كلامنا على صدر الإسلام أن الدولة الأموية ms001 قامت على كره من ~~الأنصار ومن القرشيين أنسبائها؛ فناوءوها جميعا، وخصوصا بعد أن نبذت الشورى ~~في الخلافة، وجعلتها ملكا عضوضا. # ثم نشأت الأحزاب السياسية، فكانت بعض الأسباب القوية التي أودت بملك بني ~~أمية فتركته أثرا بعد عين؛ فإن قيام الزبيريين في الحجاز، ~~والخوارج في الجزيرة، والشيعيين في العراق، فت في ساعد ~~الأمويين، وجعل مملكتهم دريئة للثورات والدسائس، حتى إذا تبين الضعف عليها ~~طمع فيها الخصوم، فقاموا يكيدون لها في السر والعلانية. # ولم يكن زوال الحزب الزبيري ليرد الراحة على بني أمية، والشيعيون والخوارج ~~أيقاظ لا تنام لهم عين، والشعوبية يدسون للعرش، ويتحينون الفرص لدكه ~~من أساسه. ~~(2) الشعوبية # حمل الفتح الإسلامي للعرب شعوبا كثيرة دانت لهم فبسطوا سلطانهم عليها، وأثقلوا ~~كواهلها جزية وخراجا، واستاقوا منها الأسرى والسبايا؛ فاستعبدوهم وأذلوهم، ثم ~~أطلقوا على من أعتق منهم لقب الموالي. # 1 # على أن هذه الشعوب الموتورة لم تكن لتنام على الضيم طويلا، وفيها أمم عريقة في ~~حضارتها، عادية في استقلالها، تأبى الخنوع لقوم غزاة خرجوا من صدر البادية حفاة ~~عراة، فكسحوا الشرق والغرب بسنابك خيولهم، وأفادوا من فتوحاتهم مالا وافرا؛ ~~فأيسروا بعد فقر، وأترفوا بعد شظف وخشونة. # فأسلم كثير من هذه الشعوب المغلوبة رجاء أن يجدوا في إسلامهم نصفا ومساواة، ~~ولكن العرب الفاتحين أسكرتهم نشوة النصر، وأخذتهم عزة السلطان بعد أن أخضعوا مملكة ~~فارس، واقتطعوا جزءا كبيرا من بلاد الروم، فباتوا ينظرون إلى كل عجمي نظرة ~~ازدراء واحتقار، وحق لهم أن يعتزوا ببطشهم؛ فقد كان العالم يومئذ مشطورا بين ~~كسرى وقيصر، فجمعوا إليهم شطريه؛ فزلزل الإيوان، وتقلص ظل ~~الروم. # فلذلك لم يجد الذين أسلموا من الأعاجم ما كانوا يرجون من كرامة وإنصاف، مع أن ~~فيهم من حسن إسلامهم، وفيهم من أتقنوا اللغة العربية وبرعوا فيها فخرج منهم ~~الكتاب والشعراء، وتبحروا في العلوم الدينية فكان منهم الفقهاء والمحدثون، ~~وتولى بعضهم الخطط العالية كالقضاء والحجابة، # 2 # فأمضهم أن يهونوا على العربي، فيأنف أن يزوجهم بناته، وهو لا يتورع من ~~التسري والاستمتاع بنسائهم، وساءهم أن يروا من ms002 خلفاء بني أمية إيثارا للعرب، ~~وتعصبا على العجم؛ فقد كان المولى يساق إلى الحرب ماشيا، لا يعطى غنيمة ولا ~~فيئا، فلا غرو أن يتولد في نفسه كره شديد للعربي ، ويتمنى زوال ملكه، ويكيد ~~للعرش الأموي تخلصا من جوره واستبداده. # فمن هنا نشأ حزب الشعوبية يضم إليه أبناء الأمم المقهورة، متحدين على بغض ~~العرب والتنقص منهم، وذكر مثالبهم، وتفضيل العجم عليهم، ولكنهم كانوا ضعافا في ~~شباب الدولة الأموية؛ فلم يرتفع لهم صوت حتى آنسوا الضعف في جسمها، والانحلال في ~~أعضائها؛ فعضدوا العباسيين على أمل أن يكونوا لهم خيرا من الأمويين وأبقى. ~~(3) ترف الأمويين وإهمالهم # كان العهد الأموي عهد ثورات ~~وحروب، فلم يبت خلفاؤه ليلة إلا على عصيان يتأهبون لقمعه، أو على مكيدة يحاولون ~~ردها، وكان لهم في بدء أمرهم من القوة والسلطان ما مكنهم من نحور أعدائهم، ولكن ~~لم يلبثوا أن تسلل الضعف إليهم؛ لتفاقم الثورات من جهة، ثم لانغماسهم في الترف من ~~جهة أخرى؛ فإنهم انصرفوا إلى اللهو والخمر والمجون، وأصبحوا لا يهتمون بتأييد ~~سلطانهم، ولا يعنون بانتقاء عمالهم؛ فإن هشام بن عبد الملك ولى نصر بن ~~سيار أعمال خراسان، وهو يعلم أن عصبيته فيها ضعيفة، وأن خراسان لا ~~يضطلع بأمرها إلا من كان قوي العشيرة؛ فكانت ولايته عليها شؤما ووبالا، فقد ~~اجتمعت عليه أفناء اليمن وربيعة، وحاربته لانحيازه إلى المضرية. # وربما ولي العامل عملا بإشارة جارية، أو مكافأة على هدية، فعل هشام ~~بالجنيد بن عبد الرحمن، وكان الجنيد قد أهدى لامرأة هشام قلادة من جوهر ~~فأعجبت هشاما؛ فأهدى إليه الجنيد قلادة أخرى فولاه هشام خراسان. # ورأى العمال من الخلفاء غفلة وإهمالا، فأصبحوا لا هم لهم إلا حشد الأموال، ~~والاستكثار من الصنائع # 3 # والموالي، ورأى الناس الانحلال يدب في هيكل الدولة؛ فأخذوا يشقون عليها ~~عصا الطاعة، وهم إنما كانوا خاضعين كرها لا رغبة. ~~(4) شقاق البيت المالك # قيل لبعض الأمويين: ما كان سبب زوال ملككم؟ قال: «اختلاف فيما بيننا، ~~واجتماع المختلفين علينا.» ومن يتتبع الحوادث التي تقدمت سقوط بني أمية يتبين ms003 ~~له صحة هذا القول؛ فإن الأحزاب السياسية على اختلافها في المذاهب والعقائد كانت ~~تسعى جميعا لقلب العرش الأموي، فاجتمع على ذلك الخارجي والزبيري والعلوي ~~والعباسي والشعوبي، فشرع كل واحد منهم يرمي إلى هدفه من الناحية التي ~~ينتمي إليها، فتكاثر وقع السهام على هيكل الدولة، حتى انهد بناؤه فانهار ~~انهيارا. # وساعد أعداء الأمويين على نيل مأربهم انشقاق أمية على نفسها، فإن ~~أمراءها أخذ بعضهم يكيد لبعض، فأضعفوا شأنهم وأطمعوا الناس فيهم، ويعود سبب هذا ~~الانشقاق إلى نظام ولاية العهد؛ فإنه كان يثير الضغائن بين الأخ وأخيه، فضلا عن ~~القريب وقريبه، وحسبنا أن نلقي نظرة عجلى على طلاب ولاية العهد في صدر ~~الإسلام وفي العصر العباسي؛ لنعلم مبلغ ما جرت من الويلات على الخلفاء ~~وأبنائهم. # وفساد النظام في ولاية العهد قائم على تعددها، فإن الخليفة كان يعقد الولاية في ~~حياته لاثنين أو ثلاثة من أولاده، أو لولده وأخيه، فإذا استخلف ولي العهد ~~الأول استبد بالأمر، وحاول خلع الثاني لينقل الولاية إلى بنيه؛ فهشام بن عبد ~~الملك لم يشنع على ابن أخيه الوليد بن يزيد، ويرمه بالكفر والفسوق، وينفر الناس ~~عنه إلا لأن ولاية العهد كانت له، وهشام يريدها لابنه من بعده. # ومات هشام ولم يستطع خلع الوليد، ولكنه استطاع أن يسيء إلى سمعته، فجعله في عيون ~~الناس كافرا زنديقا لا يشبع من الخمر والفسق والمجون. # ولسنا نحاول أن ندفع هذه التهمة عن الوليد؛ فإنه لم يكن بريئا من التهتك ~~والشك، ولكننا نعتقد أنه لم يكن شر بني قومه، ولولا ولاية العهد واضطهاد هشام ~~له، ثم انتقامه من ابني هشام بضربه أحدهما وحبسه الآخر؛ لما كره الناس حكمه ~~وثاروا به وقتلوه، ولكن السياسة صورته لهم جبارا عنيدا، يمزق القرآن، ~~ويستهتر بالفجور، ويغتسل بالخمر، وصورت ابني هشام ضحيتين بريئتين، يطغى عليهما ~~الفاسق بالحبس والتعذيب. # وليس من غرضنا أن نتبسط في الكلام على الوليد وقتله، وإنما نريد أن نظهر ما جر ~~نظام ولاية العهد من النكبات على بني أمية؛ فإنه رمى بينهم الشقاق فتفرقت ~~كلمتهم، ms004 وكان مقتل الوليد شؤما عليهم، وسببا قويا لسقوطهم؛ لأن الناس طمعوا ~~فيهم واجترأوا عليهم، فأخذوا يثيرون بعضهم على بعض ليزيدوهم ضغينة واختلافا، فلم ~~يقم خليفة بعد الوليد إلا خرج عليه بعض أبناء عمه، وحاربوه ونازعوه الإمامة؛ ~~فأصبحت البلاد في أواخر العصر الأموي ميدانا للحروب والثورات. # فيتضح مما تقدم أن عدة أسباب ~~تواطأت على إضعاف سلطان أمية؛ فمن إمعان في اللهو والترف، إلى غفلة وإهمال في ~~أولي الأمر، إلى شقاق واختلاف في الأسرة الأموية، إلى اتفاق الأحزاب المختلفة على ~~إزالة هذا الملك الضخم؛ فالخوارج يرون أن الحكم لله لا للناس، والشعوبية يطلبون ~~الخلاص من بني أمية لعل في تغير السلطان راحة لهم وفرجا، والعلويون يبثون الدعوة ~~لأنفسهم، والعباسيون يسايرونهم في بثها ليستغلوها منهم بعد حين. # وقد رأيت أن قول الأموي في زوال ~~ملكهم - اختلاف فيما بيننا واجتماع المختلفين علينا - يكاد يختصر أسباب الضعف كلها ~~في البيت المالك. ~~(5) الدعوة العلوية # ذكرنا في الكتاب الأول أن الحسن بن علي نزل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان؛ ~~نفورا من الحرب، وابتغاء لحقن الدماء، غير أن هذا النزول لم يرق الشيعة العلوية ~~فقابلته بالسخط، ولكن لم يكن لها قبل بمعاوية، فصبرت كارهة على أمل أن يعود الأمر ~~من بعده إلى أهل البيت، وشد ما كانت خيبتها لما أوصى معاوية بالملك إلى ابنه ~~يزيد، جاعلا الخلافة وراثة بعد أن كانت شورى. # وما استخلف يزيد حتى نشط العلويون في الكوفة وبايعوا الحسين بن علي، فحاربه ~~يزيد وقتل في كربلاء، فاستفظع الناس مقتل ابن بنت الرسول، ونشأ على إثره ~~الحزب الزبيري يريد نزع السلطان من يد الأمويين، وازداد الشيعيون حماسة وتعصبا ~~لعلي وأبنائه، ونقمة على بني أمية، ولكنهم انقسموا فرقا؛ فبايعت الشيعة ~~الكيسانية # 4 # محمد بن الحنفية # 5 # وجعلته إمامها، ثم توفي محمد بن الحنفية، فانتقلت الإمامة إلى ابنه عبد ~~الله أبي هاشم وكان عالما جليلا، فوفد يوما على سليمان بن عبد الملك وهو خليفة، ~~فرأى منه سليمان فصاحة وقوة وعلما وعقلا فخافه؛ لعلمه بطمعه في الخلافة، فأرسل ms005 ~~إليه من يدس له السم في أثناء رجوعه إلى المدينة، فلما شعر أبو هاشم بالسم وهو في ~~بعض الطريق عرج على الحميمة، # 6 # وفيها محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، # 7 # فنزل عنده وأوصى إليه بالخلافة من بعده؛ خوفا من أن تضيع البيعة وهو ~~بعيد عن أهله. # فلما مات أبو هاشم هب محمد بن علي ينشر دعوته، واثقا بالنجاح لاكتسابه الشيعة ~~الكيسانية، ولكن المنية عجلت عليه، فأوصى إلى ابنه إبراهيم الإمام، ~~فأرسل إبراهيم دعاته إلى خراسان؛ لأن الفرس أشد الشعوبيين نقمة على بني أمية، ~~ولأن أكثر الشيعة الكيسانية في خراسان والعراق. # وكان الحزب الأعظم من الشيعة يناصر عبد الله بن حسن بن الحسين بن علي؛ فتخوف ~~العباسيون منه وحسبوا له حسابا، فرأوا أن يعقدوا مؤتمرا يجمع بني هاشم علويهم ~~وعباسيهم؛ للاتفاق على من يخلف الأمويين من أهل البيت، فعقد المؤتمر في مكة، ~~وحضره من العباسيين أخوا إبراهيم الإمام: أبو العباس السفاح، وأبو جعفر المنصور، ~~وغيرهما، وحضره من العلويين عبد الله بن الحسن وولداه محمد وإبراهيم وغيرهم، ~~فتشاوروا في الأمر فتشبث العلويون بحقهم في الإمامة، فلم يجد العباسيون بدا من ~~مسايرتهم إلى أن تتهيأ لهم الأسباب فيستقلوا بالأمر دونهم، فوافقوهم على مبايعة ~~محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب ب «النفس الزكية». # ويرجح أن هذه البيعة جرت سرا؛ لأن العباسيين أنكروها بعد أن قوي ساعدهم، ~~وحاول محمد بن عبد الله إعلانها فلم يصدقه أحد إلا الذين عرفوا دخيلة الأمر، وعددهم ~~قليل. # وجملة القول أن الدعوة العلوية كانت ضعيفة ضئيلة بالنسبة إلى الدعوة العباسية، ~~وتعود أسباب هذا الضعف إلى انقسام الشيعة وتعدد فرقهم، ثم إلى مبايعة أبي هاشم ~~لمحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، والتفاف الشيعة الكيسانية عليه وعلى ابنه ~~إبراهيم الإمام من بعده. ثم إلى مبايعة بعض العباسيين لمحمد بن عبد الله بن الحسن؛ ~~فإن العلويين غرتهم هذه الظاهرة من أبناء عمهم فركنوا إليهم، ومن أسباب الضعف ~~أن العلويين بالغوا في الخروج على بني أمية، فكثر فيهم ms006 التقتيل؛ فقلوا ~~فضعفوا. أما العباسيون فلم يعمدوا إلى العصيان، ولم يقتل واحد منهم إلا بعد أن ~~أظهروا دعوتهم، فكثروا وقووا. ~~(6) الدعوة العباسية # ابتدأت الدعوة العباسية بالظهور سنة «100ه/718م» في خلافة عمر بن عبد العزيز؛ ~~فإن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بعد أن أخذ الوصاية من أبي هاشم أنشأ يؤلف ~~الجماعات السرية، فاختار اثني عشر نقيبا لبث الدعوة، وجعل تحت أيديهم سبعين ~~رجلا يأتمرون أمرهم، وأوصاهم أن يولوا وجوههم شطر خراسان؛ لأنها أصلح من غيرها ~~لنشر الدعوة، ومما قاله في كتابه لهم: عليكم بخراسان؛ فإن هناك العدد الكثير، ~~والجلد الظاهر، وهناك صدور سليمة، وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء، ولم يتوزعها ~~الدغل، وهم جند لهم أبدان وأجسام، ومناكب وكواهل، ولحى وشوارب، وأصوات هائلة، ~~ولغات فخمة تخرج من أجواف منكرة، وبعد فإني أتفاءل إلى المشرق، وإلى مطلع سراج ~~الدنيا ومصباح الخلق. # 8 # وقد أحسن محمد باختيار خراسان؛ لأن الأمصار العربية كانت تشغلها الأحزاب، وكل ~~حزب يسعى لنفسه. أما خراسان فإن الفرس فيها يكرهون العرب وبني أمية، ولكنهم لا ~~يطمعون في الخلافة، وهم شيعيون في كثرتهم، ولكنهم لا ينفرون من بني العباس؛ لأنهم ~~هاشميون من أهل البيت. # فراح دعاة العباسيين يتنقلون في ~~الأمصار الإسلامية، ويبثون الدعوة سرا متظاهرين بالتجارة وطلب الرزق، وبقوا على ~~هذه الحال حتى توفي محمد بن علي، وصار الأمر إلى ولده إبراهيم الإمام، فكاتب ~~إبراهيم مشايخ خراسان ودهاقينها، وبعث إليهم الدعاة، ثم أرسل أبا مسلم ~~الخراساني، # 9 # وكان كثير الدهاء، شجاعا مقداما، شديد الإخلاص للعباسيين، فجاء ~~خراسان سنة «129ه/746م»، وأقام في مرو يدعو الناس إلى مبايعة آل محمد من غير ~~تعيين؛ لتكون الدعوة مبهمة مشتركة بين العباسيين والعلويين، وقد لجأ إلى هذه الحيلة ~~ليأمن معارضة الشيعيين في بلاد فارس، فتبعه خلق كثير. # وكان على خراسان نصر بن سيار من قبل الأمويين فخاف عاقبة الأمر، فأرسل إلى ~~الخليفة مروان بن محمد يخبره بحال أبي مسلم وكثرة من معه، وفي ذلك يقول: # أرى خلل الرماد وميض نار # ويوشك أن يكون ms007 لها ضرام # فإن لم يطفها عقلاء قوم # يكون وقودها جثث وهام # فإن النار بالعودين تذكى # وإن الحرب أولها كلام # فقلت من التعجب: ليت شعري! # أأيقاظ أمية أم نيام؟ # 10 # فتخاذل مروان عن إنجاد نصر وكتب إليه يقول: إن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، ~~فاحسم أنت هذا الداء الذي قد ظهر عندك. # واشتدت شوكة أبي مسلم فهرب نصر بن سيار، فقصد العراق فمات في الطريق. # وكان مروان قد تنبه في تلك الأثناء من غفلته، فأرسل إلى الحميمة بعثا ~~واعتقل إبراهيم الإمام، فلما قبض عليه أوصى بالخلافة إلى أخيه أبي العباس السفاح، ~~وأمر أهله وأنصاره بالمسير إلى الكوفة؛ لأن فيها أنصاره من الشيعة ~~الكيسانية. # وحبس إبراهيم في حران # 11 # حتى مات، واختلف في سبب موته؛ فزعم بعضهم أنه سقي سما، وقال ~~آخرون: بل هدم عليه بيت فمات. # فلما علم أبو مسلم بموته دعا أهل خراسان إلى مبايعة أبي العباس السفاح فأجابوه، ~~ثم سير العساكر لقتال مروان، وكان السفاح قد ذهب بأهله وأنصاره إلى الكوفة، فأظهر ~~دعوته هناك فبايعه أهلها في «12 ربيع ~~الثاني سنة 132ه/28 تشرين الثاني سنة 749م». # وتجهزت العساكر الخراسانية وغيرها من جهة السفاح لقتال مروان، ومقدمها عبد الله ~~بن علي عم السفاح، وتقدم مروان بجيشه إلى الزاب الأعلى؛ # 12 # فالتقته جيوش العباسيين وقاتلته فاندحر مكسورا، واشتفت نفوس الفرس من ~~العرب في ذاك اليوم بعد أن قهرها وأذلها يوم القادسية. # وتعقب جيش السفاح مروان في هزيمته، حتى أدركه في مصر صالح أخو عبد الله بن علي، ~~فقتله واحتز رأسه، وأرسله إلى السفاح. # وبايع أهل مصر العباسيين فاستتب لهم الأمر، وزالت الخلافة الأموية من الشرق بعد ~~مقتل مروان. ~~(7) ميزة العصر # فقد رأيت أن الفضل في بنيان العرش العباسي للفرس عموما، ولأبي مسلم خصوصا؛ ~~فلا غرو أن تصطبغ المملكة العباسية باللون الفارسي، ويكون للفرس صوت بعيد فيها، ~~فيستأثروا بالخطط العالية، ويتولوا شئون الدولة، ويديروا سياستها، ويتمتعوا بجميع ~~الحقوق التي كان العرب يتمتعون بها دونهم؛ فقد أعادت لهم موقعة الزاب سابق عزهم، ms008 ~~فغلب عنصرهم على العنصر العربي، وطبعوا العصر العباسي الأول بطابعهم الخاص. # على أننا لا نرى إطلاق الكلام دون احتياط؛ فإن بني العباس في عصرهم الأول ~~كانوا أصحاب حزم وقوة وتدبير، وقد علموا أن الفرس أهل سيادة وبطش، ورأوا منهم ~~إخلاصا ومناصرة؛ فقربوهم وقلدوهم أعمال الدولة، ولكنهم لم يحجموا عن الفتك بكل من ~~يخشى شره منهم، فأبو جعفر المنصور قتل أبا مسلم الخراساني لما داخلته ~~الريبة في إخلاصه، مع أن أبا مسلم هو الذي حمل أعباء الدعوة العباسية على عاتقه، ~~والرشيد نكب البرامكة # 13 # على بكرة أبيهم؛ لما استفحل أمرهم وقويت شوكتهم، وأحس منهم خطرا على ~~سلطانه. # فخلفاء هذا العصر كانوا شديدي الحرص على ملكهم، يستحلون كل شيء في سبيل تأييده، ~~فقد تجدهم أعدل خلق الله وأعظمه تسامحا، ثم تجدهم أكثره جورا وتشددا، وهذه ~~الصفات - على تناقضها - تجتمع فيهم محافظة على العرش، وذودا عن حياضه، فإذا نظرت ~~إلى تساهلهم الديني، وإطلاقهم حرية الفكر؛ فلا ينبغي أن تغفل عما كان يعانيه ~~الأفراد والجماعات من ضغط وتنكيل، فالحرية عندهم مكفولة ما دامت بعيدة من سياسة ~~الأحزاب، والتساهل عندهم مباح ما دام لا يؤثر في الملك. # ويجمل بنا أن نوضح هذه المسألة فنقول: إن الشعب العباسي لم يكن عربيا ~~خالصا بل خليط شعوب متعددة؛ فإن المنصور لما بنى بغداد # 14 # سنة «145ه/762م» وجعلها مقر ~~الخلافة، جمع بين العرب والفرس وأمم أخرى عجمية كانت تسكن العراق، وتدين بالنصرانية ~~وغير النصرانية، ورأى الخلفاء أن العناصر التي تدين بغير الإسلام لم تبرح قوية، ~~وأن عددا غير قليل من الفرس المسلمين لم يكن لهم نصيب وافر من الإيمان؛ لحداثة ~~عهدهم بالإسلام، ولتأثير الدين القديم في نفوسهم، فقضت عليهم مصلحة الدولة بإطلاق ~~حرية الدين؛ فأطلقوها محافظة على الأمن، واسترضاء للعناصر الغريبة. # وكان أكثر هذه الشعوب التي اختلطت بالعرب على جانب عظيم من العلم والحضارة، فرأى ~~الخلفاء أن يستغلوا معارفهم، ويستفيدوا منها؛ فأطلقوا لهم حرية الفكر والقلم؛ ~~فأكبوا على النقل والتأليف، وأتحفوا العربية بكنوز ثمينة كانت العون الأكبر في نهضة ms009 ~~العلوم والآداب. # ولئن أفادت حرية الدين والفكر من ناحية لقد أضرت من ناحية أخرى؛ فإنها نشرت ~~الخلاعة والسكر والمجون، وولدت البدع في الإسلام، وأورثت الهزء بالأديان؛ فكثر ~~الشك وكثرت الزندقة. # وأما الحرية السياسية فإن الخلفاء رأوا من الحزم أن يخنقوها؛ لئلا يعرضوا ~~ملكهم للثورات والفتن، فأصبح لا يجرؤ امرؤ على الجهر برأيه ومذهبه إلا ألقى بنفسه ~~إلى التهلكة، وكثرت الجواسيس والوشايات، وكثر الحبس والاغتيال؛ فرب وزير استمتع في ~~يومه بعطف الخليفة وثقته فإذا هو في غده مرذول أو مقتول، ورب شاعر كانت منه فلتة ~~فلاقى في جزائها حبسا أو ضربا أو قتلا إن لم يعاقب بها جميعا. # وحسبك أن تنظر إلى فتك الخلفاء بالوزراء والقواد والعمال وسواهم، وفتك هؤلاء بمن ~~دونهم؛ لتتبين ما كان في هذا العصر من عسف واضطهاد ووشايات ودسائس. # وجماع القول أن العصر العباسي الأول يمتاز بالنفوذ الفارسي، وحرية الفكر، ~~والتساهل الديني، ولكن ينبغي أن نضع دون هذه الميزات مصلحة المملكة؛ فعندها يقف كل ~~نفوذ، وكل حرية وتساهل. # | هوامش # الفصل الثاني # | الشعراء المولدون1 # العصر الأول ~~(1) ميزة الشعر # لم يكن انتقال الشعر من البداوة إلى الحضارة مرهونا بانتقال الخلافة من ~~الأمويين إلى العباسيين، بل أخذ الشعر يتحضر في صدر الإسلام على أثر الفتوح ~~الكثيرة، وملابسة العرب للأعاجم، وانتقال الخلافة إلى دمشق، وفيها القصور والجنائن ~~والأنهار، وفيها أثر كبير من حضارة البيزنطيين، ولكن العصر الأموي كان عصر حروب ~~وفتن، فلم يهدأ هادئه، ولم يطل عهده، فيبلغ أهلوه غايتهم من الترف والعمران، أضف ~~إلى ذلك أن خلفاء بني أمية كانوا على تحضرهم ينزعون إلى الحياة البدوية، ويؤثرون ~~العرب الخلص على غيرهم من الشعوب، ويرتاحون إلى أساليب الجاهليين وطرقهم، فما ~~أتيح للشعر أن يبلغ الطور الذي بلغه بعد أن أديل العباسيون من الأمويين، وبنيت ~~بغداد وجعلت عاصمة الخلافة، واشتد اختلاط العرب بالأعاجم، وساد النفوذ الفارسي، ~~وامتلأت خزائن الدولة بما أفاء الله على المسلمين من أموال الفرس والروم، فانهل من ~~فيضها على الناس؛ فوفرت لهم أسباب الرزق، فانبسطت حياتهم فأترفوا وأمعنوا في ms010 ~~الترف. # وكان للشعراء القسط الأوفر من هذا العيش الخضيل، فإن الخلفاء بعد أن استتب لهم ~~الأمر، ودانت لهم الأعداء، وخضدوا شوكة الأحزاب، انصرفوا إلى الحياة يتذوقون ~~نعيمها، والشعر من نعيم الحياة؛ فقربوا الشعراء وجعلوهم ندماءهم، فأيسر الشعراء ~~واتسعت ذات يدهم، فرفهوا وأسرفوا في اللذة؛ فرقت طباعهم، ولانت نفوسهم ، ورق ~~شعرهم، ولانت ألفاظه، وقل استعمال الغريب فيه، والشعر مرآة النفس؛ فإذا كانت ~~النفس قاسية خشنة خرجت الألفاظ وحشية صلبة، وإذا كانت لطيفة ناعمة خرجت الألفاظ ~~سهلة لينة. # ولم يكن للشعراء الموالي حظ في صدر الإسلام، فلم يرتفع شأنهم، ولم يكثر عددهم. ~~وأما في هذا العصر فقد تكاثروا ونموا، واشتد خطرهم ونبغت منهم طائفة تقلدت زعامة ~~الشعر، واعترف لهم الشعراء. # وقد علمنا أنهم يكرهون العرب؛ فأنفوا أن يتشبهوا بهم ويقلدوهم في أساليبهم، ~~وكان لهم من حضارتهم ومن عنصرهم العجمي ما يبعدهم من وحشي اللفظ وبدوي المعنى، فكان ~~لهم الفضل في تجدد الألفاظ، وفي تجدد المعاني. ~~(2) التجدد اللفظي # فأما التجدد اللفظي فلم يقتصر على ~~تسهيل الألفاظ وتليينها، بل تعداهما إلى تزيينها وتنميقها، فقد عني الشاعر ~~العباسي بتوشيتها كما عني بتوشية ثوبه وداره وماعونه؛ فأكثر من الاستعارات ~~والتشابيه والتزمها التزاما. وافتن في أنواع البديع وتعمده تعمدا، وأول من ~~تكلفه وخرج به عن عفو الخاطر بشار بن برد، فمسلم بن ~~الوليد، فأبو نواس، فأبو تمام. # والحياة العباسية كانت تدعو إلى هذا الوشي والتنميق من جميع نواحيها، فمن انغماس ~~في الرخاء والترف إلى تخلق بأخلاق فارسية يلائمها الافتنان والتصنع لبعدها من ~~السذاجة والفطرة. # ودخل على لغة الشعر ألفاظ غريبة دعت إليها الحاجة، كالألفاظ العلمية والفلسفية ~~وغيرها؛ مما يدل على أشياء حديثة العهد عند العرب، ودخل عليها أيضا ألفاظ استعيرت ~~من صلب اللغة لمعان مستحدثة خلقتها الحضارة الجديدة. # وأما أوزان الشعر وقوافيه فلم تتجدد تجددا يذكر، ولكن الشعراء أخذوا ~~يعنون بالنظم على الأوزان الرشيقة التي تصلح للغناء، وأكثر ما كانوا يصطنعونها ~~في الغزل والمجون والخمريات. # وأصبحوا يتحامون أو يتحامى أكثرهم ما كان يستهدف إليه الأقدمون من ~~إشباع ms011 # 2 # وخرم # 3 # وإقواء # 4 # وإكفاء، # 5 # وغير ذلك من عيوب الوزن والقافية. # وعلى الجملة فإن التجدد اللفظي ظهر ظهورا جليا في شعر العباسيين، ولم يكن ~~دونه التجدد المعنوي. ~~(3) التجدد المعنوي # كان من أثر اختلاط العرب بالأعاجم في السكنى والزواج أن نشأ جيل عباسي له ثقافة ~~وتفكير جديد، وله حضارة فارسية تميل به عن بداوة الأعراب؛ لذلك أخذ الشعراء يبتعدون ~~عن المواضيع الجاهلية إلى معان طريفة يستمدونها من روح العصر ومشاهد البيئة، وقد ~~تصرفوا في هذه المعاني تصرفا لم يبلغه المتقدمون، وأبدعوا في التوليد # 6 # والاختراع. # واتسع عليهم باب الخيال لاتساع سبل اللهو ووسائل العمران، فمن قصور شواهق وحدائق ~~نواضر إلى نهور دوافق وسفائن مواخر، فأصبحوا إذا عمدوا إلى التشبيه استمدوا أكثره ~~من البساتين والحلى والرياش والطيوب، فذاع عندهم تشبيه الخد بالتفاح والورد ~~والياسمين، والبنان بالعناب، والعيون بالنرجس، والخمر بالياقوت والذهب، والكأس ~~باللؤلؤ، وقوس السحاب بأذيال مصبغة، والهلال بين الغيوم بزورق من فضة عليه حمولة من ~~عنبر، وغير ذلك من ألوان الحضارة الجديدة. # على أن هذا الخيال كان يرافقه العقل، فما يدعه ينطلق على هواه، كما كان ينطلق ~~خيال الشاعر الجاهلي والإسلامي، بل عني بتهذيبه وتنظيمه؛ فنشأ عن ذلك اتساق في ~~الأفكار، فأصبح الشاعر إذا تغزل وأراد الانتقال إلى المدح لا يثب إليه وثبا بل يمد ~~جسرا يعبر عليه، وهذا ما يسمونه حسن التخلص. # ولا ريب في أن نقل الفلسفة والمنطق كان أثره بليغا في تثقيف أفكار الشعراء ~~وتنسيق خيالاتهم، وأثر فيهم نقل العلوم؛ فاستعملوا الأغراض العلمية في شعرهم ولم ~~تكن معروفة من قبل، كقصيدة صفوان الأنصاري التي يصف بها معادن الأرض ~~رادا على بشار بعد أن مدح بشار إبليس، وزعم أن النار خير من الأرض، وحسبك أن ~~تقرأ منها هذين البيتين لتعلم مبلغ تأثير العلوم الدخيلة في الشعر العباسي، ~~قال: # وفيها ضروب القار والشب والنهي # وأصناف كبريت مطاولة الوقد # 7 # ومن إثمد جون وكلس وفضة # ومن توتياء في معادنه هندي # 8 # ولكن هذا التجدد في اللفظ والمعنى لم يشمل ms012 أبناء العصر كلهم، بل كان هناك جماعة ~~المحافظين على القديم، يدافعون عنه دفاع المستميت، ويناهضون الجديد بجميع قواهم، ~~حتى إن الشعراء المجددين كانوا يتكلفون الأساليب القديمة بعض الأحيان إرضاء ~~لهؤلاء. ~~(4) الدفاع عن القديم # وغير طبيعي أن يحدث شيء جديد مكان شيء قديم دون أن يدافع هذا القديم عن نفسه؛ سنة ~~تنازع البقاء، ويستوي في ذلك الممالك والقبائل والأديان والمعايش والأخلاق والعادات ~~والأزياء والعلم والأدب «شعره ونثره»، فقد أغار الأدب الجديد على الأدب القديم في ~~العصر العباسي الأول؛ فثبت له هذا، وأعد ما لديه من قوى الدفاع ليرد عنه غائلة ~~غازيه. # ومن المعقول أن يكون للأدب القديم أنصار وأتباع يقاومون دعاة المذهب الجديد؛ ~~فإن جماعة العلماء والرواة وذوي السلطان كانوا يستغربون هذا الجديد، وينعونه على ~~أصحابه، وربما أنف الرواة من روايته والاستشهاد به، ولو جاء آية في الإبداع. # وقد أخذ يظهر كره الجديد والدفاع عن القديم في الصدر الثاني للإسلام، فإن بعض ~~الرواة كانوا يعدون شعراء بني أمية مولدين، بالإضافة إلى شعراء الجاهلية ~~والصدر الأول، ويرفضون الاحتجاج بأقوالهم، وأقدم أصحاب هذا المذهب أبو عمرو بن ~~العلاء، وكان لا يرى خيرا إلا في الشعر الجاهلي والمخضرم، فإذا سئل عن المولدين ~~قال: «ما كان من حسن فقد سبقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم.» وربما ~~أعجبه شعر جرير والفرزدق فيقول: «لقد حسن هذا المولد حتى هممت أن آمر صبياننا ~~بروايته.» # فيستدل من ذلك أن العلماء كانوا لا ينكرون الجمال على الشعر المولد، ~~ولكن يعتقدون أنه مستمد من الشعر القديم، ويأبون الاستشهاد به؛ لقلة ثقتهم بلغة ~~المولدين من أهل عصرهم. # وقد يستشهد بعضهم مكرها بشعر مولد كما فعل سيبويه والأخفش، فإنهما لم ~~يحتجا بشعر بشار إلا بعد أن هددهما بالهجاء. # ولأبي نواس مداعبات كثيرة مع أنصار القديم، فقد كان يستهزئ منهم وهم ينكرون ~~عليه شذوذه عن مذهبهم. # ولطالما تعرض الشعراء المجددون للضرب والطرد والحبس؛ لأن الخلفاء العباسيين ~~كانوا يؤثرون مسايرة المحافظين على القديم؛ لما يتعلق بهذا القديم من تقاليد دينية ~~وروابط عصبية، ms013 وربما اتهم الشاعر المجدد بالزندقة فلا ينجو من العقاب؛ لذلك كان ~~يعتصم بالتقية بعض الأحيان، فيتحدى مذهب الأقدمين ولا سيما في المدح والرثاء، ~~فيقف على الطلول ويبكي الدمن، ويصف ناقته، ويكثر من الغريب؛ ليرضي ممدوحه أو أهل ~~مرثيه، وليظهر لأصحاب اللغة أنه خالط العرب الصرحاء وأخذ عنهم لغاتهم ~~واصطلاحاتهم، حتى استوى لسانه وسلم من العثار . # فإذا أنت درست شعر هذا العصر رأيته يختلف في تجدده ومحافظته باختلاف فنونه ~~وأغراضه، وأكثر ما يظهر لك الجديد من الشعر في الغزل والمجون، والخمر واللهو، ووصف ~~القصور والحدائق، والطبيعة والرياض؛ لأن الشعراء كانوا يصورون في هذه الفنون ~~عواطفهم وأخلاقهم، ويصورون عادات عصرهم وأخلاق أبنائه، وما فيه من ترف وخلاعة، وما ~~تقع عليه عيونهم من جمال مطبوع وجمال مصنوع. وأما في وصفهم القفار والطلول والإبل ~~فيصورون عصرا يختلف كثيرا عن عصرهم، فهم في تجددهم صادقون ينطقون بما يرون ~~ويحسون، وهم في تقليدهم كاذبون مسيرون. ~~(5) أغراض الشعر وفنونه # تعددت أغراض الشعر في هذا العصر وتنوعت بتنوع أسباب الحضارة، ولكنها لم تكن كلها ~~في مستوى واحد؛ فمنها ما كان قويا فضعف، ومنها ما كان ضعيفا فقوي، ~~وأهمل بعض الفنون، وبقي بعضها على حاله، واستحدثت فنون أخرى لم تكن معروفة ~~في الشعر القديم، ولضعف هذه الأغراض وقوتها وإهمالها واستنباطها أسباب نأتي على ~~ذكرها: ~~(5-1) الشعر السياسي # شاع هذا الفن في الصدر الأول للإسلام بين شعراء النبي وشعراء المشركين، ثم ~~ازدهر في الصدر الثاني يوم كانت الأحزاب السياسية تتطاحن، وبنو أمية يصطنعون ~~الشعراء للدفاع عن حقوقهم، ولكنه لم يلبث أن أخذ يتضاءل بعد قيام الدولة ~~العباسية، واعتمادها على السيف في قهر أعدائها؛ فتفككت عرى الأحزاب، فتلاشى ~~بعضها وضعف خطر الآخر منها، كالعلويين والخوارج؛ لانقسامهم وكثرة ما ~~نالهم من التقتيل. # وكان أكثر الشعراء النابهين من الموالي، وهؤلاء لا عصبية لهم في القبائل ~~العربية؛ فيكون لشعرهم السياسي تأثير بليغ كتأثير شعراء الجاهلية والإسلام؛ ~~لأن أولئك كان لهم منزلة رفيعة في نفوس القبائل التي ينتسبون إليها، وفي نفوس ~~القبائل التي تناصبهم العداء، ms014 فبنو أمية لم يصطنعوا الأخطل شاعرا ~~سياسيا إلا لأن بني تغلب كانت تقوم وتقعد لشعره، ولأن القبائل ~~المعادية كانت تتضور من هجائه المقذع الأليم، فهيهات أن يكون لشاعر من الموالي ~~مثل هذا التأثير مهما علا قدره في دولة القريض. # ولولا ملاحيات الشعوبية والعرب، وبقية نضال بين العباسيين ~~والطالبيين، # 9 # لاضمحل الشعر السياسي، ولكنه على ضعف خطره لم يخل من شر ~~وإقذاع، وخصوصا ما كان من الشعراء الموالي بعد أن قويت شوكة الشعوبيين، ~~فإنهم أخذوا يعيرون العرب وينشرون مثالبهم، وفي شعر أبي نواس أبلغ شاهد على ~~ذلك، ثم ما كان من شعراء الشيعة، فإن بعضهم أسرف في هجاء بني العباس، وأفحش ~~القول في خلفائهم؛ على حين أن شعراء العباسيين كانوا يتورعون من هجاء ~~العلويين؛ ذلك بأنهم أبناء بنت الرسول. # وأشهر شعراء القصر العباسي: مروان بن أبي حفصة، وأبو ~~العتاهية، وأبو نواس، وأبو تمام. وأشهر شعراء الشيعة: ~~السيد الحميري، ودعبل، وديك الجن. ~~(5-2) الغزل والمجون # رأينا في الكتاب الأول كيف نهض الغزل في صدر الإسلام بنوعيه «البدوي العفيف، ~~والحضري المتهتك». # فأما الأول فلم يبق له حظ كبير في هذا العصر؛ لشيوع الخلاعة والفسق في جميع ~~الحواضر والأمصار، ولأن شعراء البادية كانوا يتهافتون على بغداد متكسبين؛ ~~فتستهويهم حضارتها، ورخاء عيشها، فتطيب لهم السكنى فيها؛ فما يلبثون أن يدب ~~فيهم الفساد، فيتخلقوا بأخلاق أهلها. # وأما الثاني فقد ازداد شيوعا وكثر أتباعه، وولدوا منه نوعا جديدا صوروا ~~به مبلغ ما انتهى إليه الفساد عندهم، وهذا النوع هو الذي يسمونه غزل المذكر، ~~وكان سبب ظهوره اختلاط العرب بالأعاجم المترفين، وكثرة الرقيق من غلمان الترك ~~والديلم والروم، وربما اصطنع الشعراء غزل المذكر في الإناث تلطفا، وتكنية ~~أو مجاراة للوزن والقافية. # وكان للمرأة العجمية البيضاء نصيب من الرق، وكانت على جانب من العلم والأدب، ~~تقرض الشعر وتحسن الغناء، ولا تتحرج من مجالسة الرجال ومنادمتهم؛ فتحول الغزل ~~إليها بعد أن كان محصورا في المرأة العربية، وكثرت مجالس اللهو، فكانت تعقد في ~~دور الخلفاء والأمراء، كما تعقد في الحوانيت والمنازل ms015 الخاصة. # وأفرط الشعراء في المجون لاتساع رزقهم، ووفرة أسباب لهوهم؛ فخلعوا رداء ~~الحياء، وأرادوا التغزل فتعهروا، وأسرفوا في تعهرهم؛ فكان شعرهم صورة لتلك ~~البيئة المريضة الأخلاق. # وكان الغزل في الجاهلية والإسلام تمازجه الأنفة والرصانة، فاكتسى في ~~العباسيين ثوب العبودية والمذلة؛ فصار الشاعر لا يطيب له إلا أن يفرش خديه ~~موطئا لقدمي حبيبه، وإلا أن يدعوه مولاه وسيده ومالك رقه، والإسراف في اللذة ~~يولد الذل والعبودية في نفس طالبها؛ لأن النزول بالحب من الدرج الأعلى إلى ~~الدرك الأسفل يميت الأنفة ويبعث الخنوع، ولا نرى حاجة إلى التبسط في الكلام على ~~الغزل الذي كانوا يوطئون به قصائد المدح؛ فالتكلف ظاهر على أكثره؛ لأن أصحابه ~~كانوا ينظمونه ترسما للأقدمين، لا اندفاعا مع الشعور الصادق. ~~(5-3) الشعر الخمري # ولا غرو أن يكون للخمرة سهم وافر من هذه الحياة الأثيمة، وهي آلة الإثم؛ ~~فتذيع بين الناس ويذيع معها الشعر الخمري بعد أن كاد يتلاشى في صدر الإسلام، ~~ولولا الأخطل والوليد بن يزيد وبعض الشعراء المغمورين لما كان له شأن. # وزاد الناس إقبالا عليها إقدام بعض الخلفاء على شربها، فقد كانوا يقيمون ~~مجالس اللهو في قصورهم؛ فتغني القيان لهم، ويدور الغلمان عليهم بالكئوس، ~~فيشربون ويلهون ويعبثون، وكانت بغداد وما جاورها من القرى حافلة بالحوانيت ~~والدساكر، فكان الشعراء يقصدونها للسكر واللهو، فافتنوا في وصف الخمرة ~~وكئوسها، وتأثيرها في نفس شاربها، ووصف السكارى وعربدتهم، والساقي والساقية ~~والقينة والنديم؛ فأبدعوا في هذا الفن أيما إبداع، وأحدثوا فيه أشياء جديدة ~~لم يسبقوا إليها، ونستطيع القول إن الشعر الخمري بلغ غاية الجمال في هذا ~~العصر لو لم يشبه شيء كثير من التعهر والمجون. ~~(5-4) المدح # كانت بغداد موردا عذبا ~~لطوائف الشعراء، فأقبلوا عليها ينهلون من فيضها، فما ينضب معينه ولا يرتوون؛ ~~فتكاثر عددهم، وأخذوا يتنافسون في مدح الخلفاء والأمراء، مستدرين أكفهم، ~~مبالغين في مدحهم والزلفى إليهم، فأصبح الغلو ميزة خاصة لهذا النوع من الشعر؛ ~~لأنه جعل آلة للتكسب، ولأن أولي الأمر تبدلت أذواقهم بتبدل البيئة؛ فخرجوا ~~عن السذاجة الفطرية التي كان ms016 يتحلى بها الأوائل، واستهوتهم أبهة الملك وعزة ~~السلطان، وهزتهم الحضارة الفارسية بما فيها من صور وألوان، فأصبحوا وفي نفوسهم ~~من الكبر والعتو ما يحبب إليهم مغالاة الشعراء في مديحهم، وصاروا يرتاحون إلى ~~كاذب الأقوال، كما كان أسلافهم يطمئنون إلى صادقها. # ولم يربأ الشعراء بأنفسهم عن الكذب والتملق؛ فماتت أنفتهم، وأراقوا ماء ~~وجوههم، وعفروا جباههم على الأعتاب، وقل من صان نفسه عن الزلفى ~~والتذلل. ~~(5-5) الهجاء # ظل الهجاء على ما كان عليه في صدر الإسلام من فحش وإقذاع، وكثرت مهاجاة ~~الشعراء بعضهم لبعض، ولم يتنكبوا عن هجاء الخلفاء فعل بشار ودعبل، وجعلوا ~~الهجو كالمدح آلة للتكسب، يهددون به من يمدحونه إذا أخلفهم غيثه أو أقل دره؛ ~~فعرضوا أنفسهم للحبس والضرب والنفي، وللموت أحيانا. ~~(5-6) الرثاء # اكتسب الرثاء العاطفي رقة وسهولة؛ فزاد تأثيره في النفوس. وأما الرثاء ~~المتكلف فكان كالمدح مشحونا بالغلو والكذب، ومما ينبغي ذكره أن الشعراء ~~أكثروا من توطئة مراثيهم بالزهد والمواعظ، وذم الدنيا والتذمر على ~~الدهر. ~~(5-7) الفخر والحماسة # من المعقول أن يضعف هذا النوع بعد أن انصرف الشاعر إلى اللهو والمجون ~~والتزلف، وبعد أن فقد عصبيته وسيادته ونخوته وفروسيته، وخصوصا أن أكثر ~~الشعراء من الموالي، وهم في جملتهم فرسان قصف لا فرسان حروب. ~~(5-8) الزهد # لم يعرف الزهد على حقيقته إلا في هذا العصر بعد أن ترجمت الحكمة الفارسية ~~الهندية، واطلع عليها الكتاب والشعراء، وكان أبو العتاهية أول شاعر ~~تأثر بها فأظهرها في شعره، وافتن في الزهد فأبدع بعد حياة قضاها بالعبث ~~والمجون، وجاراه كثير من الشعراء فأجادوا، ولكنهم لم يبلغوا غايته. ~~(5-9) الحكم # والحكم أيضا كان لها شأن يذكر، وارتفعت بعد نقل الفلسفة اليونانية، فاصطنعها ~~الشعراء ومنهم من أكثر منها، وطبع بها شعره كأبي تمام. # وتختلف الحكم في هذا العصر عنها في الجاهلية والإسلام أنها أصبحت قائمة على ~~مذاهب فلسفية، وأدلة عقلية، وتفكير صحيح، ولم تبق محصورة فيما توحيه للشعراء ~~تجارب الأيام وحوادثها. # وإليك مطلع قصيدة أنشدها محمد بن عبد الملك في حضرة المأمون، يحرضه على قتل ms017 ~~إبراهيم بن المهدي # 10 # حين ظفر به؛ فتجد الفلسفة اليونانية ظاهرة كل الظهور: # ألم تر أن الشيء للشيء علة # يكون له كالنار تقدح بالزند؟ ~~(5-10) الطرديات # وعني الشعراء بوصف الصيد والكلاب والجوارح، واتخذوا لذلك بحر الرجز؛ ~~لسهولته ولينه وحسن مؤاتاته في الوصف، وكان هذا الفن قد ضعف في صدر الإسلام؛ ~~لاشتغال الناس بالحروب عن الصيد واللهو، فلما قامت الدولة العباسية وتوطدت ~~أركانها، واطمأن الخلفاء إلى ملكهم، ووفرت لهم أسباب اللهو والترف، أولعوا ~~بالصيد، فصرفوا له وقتا غير قليل من حياتهم الخاصة، وأولع الناس به اقتداء ~~بملوكهم؛ فأولع الشعراء بوصفه، فاستعاد هذا الفن سابق عزه في الجاهلية، ~~ولكن الشعراء العباسيين كانوا متأثرين بحضارة الفرس وما فيها من جديد، فأمعنوا ~~في وصف الكلاب والجوارح والديك والفهد، بخلاف الشاعر الجاهلي فإنه كان يجعل ~~همته في وصف جواده الذي ينطلق به في أثر الحمر الوحشية. ~~(5-11) الفن التعليمي # لن تجد في هذا الشعر ما يروقك؛ لأنه غث بارد، اصطنعه أصحابه لنظم أنواع ~~شتى من العلوم؛ تسهيلا لحفظها بعد أن أصبح الإقبال على العلم عظيما. # والناظم في هذا الفن لا يسمو بنفسه إلى الخلق والإبداع، فالأفكار ماثلة أمامه ~~فما عليه إلا أن يجمعها في كلام موزون مقفى، خال من الروعة والرونق، وليس ~~في هذا كبير أمر على من يحسن النظم. # وأول من طلب هذا الفن أبو ~~الفضل سهل بن نوبخت من خدم المنصور والمهدي، فإنه نظم كتاب كليلة ودمنة، ~~ثم تلاه أبان بن عبد الحميد اللاحقي شاعر البرامكة، فنظم فنونا مختلفة من ~~العلوم، منها كتاب كليلة ودمنة، قدمه لآل برمك ليحفظوه، فأعطاه يحيى بن خالد ~~عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل بن يحيى خمسة آلاف دينار، ولم يعطه جعفر شيئا ~~وقال له: «يكفيك أن أحفظه فأكون راويتك.» قال في مستهله: # هذا كتاب كذب ومحنه # وهو الذي يدعى كليلة دمنه # فيه دلالات وفيه رشد # وهو كتاب وضعته الهند # فوصفوا آداب كل عالم # حكاية عن ألسن البهائم # فالحكماء يعرفون فضله # والسخفاء يشتهون هزله # وعلى الجملة فقد تعددت أغراض ms018 الشعر المولد، وخصبت الأفكار بالمعاني ~~الطريفة، واتسع باب الوصف وتعددت سبله، فبالغ الشعراء في التشبيب ووصف الخمرة ~~والصيد والأخلاق والخصال والعادات، وهم وإن اقتصدوا في وصف القفار والطلول ~~والإبل والوحش بعامل التطور الاجتماعي، لقد استعاضوا عنها وصف القصور وزخرفها، ~~والبساتين ومياهها، والطبيعة ورياضها. # ومما ينبغي ذكره أن هذا الشعر على تعدد أغراضه لم يجاوز النوع الغنائي، ~~ونصرف النظر عن الفن التعليمي؛ لأنه خارج عن صفة الشعر الحقيقية، فما نعد نظم ~~كليلة ودمنة وغيرها من النوع القصصي؛ لضعف الميزة الأدبية فيها، وخلوها من ~~الروعة والطلاوة، ولا نعد الحوادث الصغيرة التي يرويها الشاعر بقالب قصصي؛ ~~لأننا نريد الملاحم الطويلة التامة كالإلياذة والأوديسة وسواهما. # ونرى أن خلو الشعر من هذا النوع يرجع أولا: إلى جهل العرب للأدب اليوناني؛ ~~لأنهم لم ينقلوه كما نقلوا العلوم والفلسفة. ثانيا: إلى أن الشعراء لم ~~يهتموا بنظم قصص طويلة؛ لانصرافهم إلى التكسب من أقرب الطرق، والملاحم تقتضي ~~وقتا طويلا وربما كان كسبها قليلا؛ لأن الأمراء تعودوا ألا يجيزوا ~~الشعراء إلا على المدح. # وكذلك النوع التمثيلي ظل ~~مفقودا بتأثير هذين العاملين، ثم لأن المجتمع الإسلامي في العصر العباسي - ~~على تمتعه بحرية الفكر والدين - ما كان يسمح للمرأة بأن تمثل مع الرجل في ملأ ~~من الناس، والمرأة عضو لا غنى عنه لانتشار هذا الفن، أضف إلى ذلك أن التمثيل ~~لا يظهر إلا بعد أن ينضج النوع الغنائي، وتتقدم الفلسفة والعلوم، وتوضع النظم ~~السياسية والاجتماعية، وهو ينتشر غالبا في الحكومات الديمقراطية أكثر مما ~~ينتشر في حكومة الفرد التي تبسط يدها عليه وتقيده بمشيئتها المطلقة؛ لأنه ~~يتناول العبر التاريخية والمسائل الاجتماعية، ويبين مغبة الإثم ونتيجة الخير؛ ~~مما لا يخلو من أذاة ذوي السلطان المستبدين بأموال الشعب وأعناقه، ولو قدر له ~~الظهور في بني العباس لما كان الحكم الإسلامي المصطبغ بالدين ليرضى عنه وهو ~~عندهم تزوير للأشخاص. ~~(6) منزلة الشاعر المولد # لم تكن للشاعر المولد تلك المنزلة ~~التي تبوأها زميله في الجاهلية وصدر الإسلام يوم كان يدافع عن قبيلته، وينشر مخازي ~~أعدائها، أو يخفض ms019 ببيت من الشعر شأن قبيلة نابهة، ويرفع ببيت قدر قبيلة خاملة، أو ~~يؤيد حزبه السياسي بالرد على خصومه، وكان السبب في تجرده عن هذه الخصائص ضعف ~~العصبية في القبائل لنفوذ الموالي، واختلاط العرب بهم، ونشوء شعب جديد غير صافي ~~العروبة، وتلاشي الأحزاب وانحلالها، ثم إن الخلفاء العباسيين اعتمدوا في تأييد ~~سلطانهم على السيف دون الشعر. # على أن الشاعر المولد استبدل من المنزلة السابقة منزلة أخرى، وهي أنه صار ~~نديم الخليفة على طعامه وشرابه، وسميره في لياليه الساهرة، ورفيقه في ملاهيه ~~ومتنزهاته؛ فأصبح الشعر للتفكهة واللذة، يرغب فيه أولو الأمر كلفا بالأدب، أو ~~حبا للهو والعبث. # لذلك انحطت منزلة الشعراء عن ذي قبل، وفقدوا سيادتهم، وشيئا كثيرا من نفوذهم ~~وتأثيرهم، وأصبحوا كأداة اللهو، يقبل عليها المتلهي مدة ثم يضجر منها فيهملها أو ~~يحطمها؛ فرب شاعر كان ذا حظوة عند الخليفة ثم أمسى طريدا مجفوا، أو شاعر بات ~~ليلته يسامر الأمير فما طلع عليه الصباح إلا كان السجن مأواه. # ولكن بقي للشعراء دالة على الملوك أكثر من غيرهم؛ لما للشعر من التأثير في ~~النفوس، ثم لما للمدح - خصوصا - من سحر يفتن ألباب الأمراء. # على أن أجمل شيء كان الشعراء يتمتعون به هو الثروة، فإن الخلفاء والأمراء ~~بسطوا لهم الأكف، وأعطوهم بغير حساب، حتى لقد تبلغ جائزة الشاعر مائة ألف ~~درهم؛ # 11 # وربما وهبوه الضياع والجواري والغلمان، وما إلى ذلك من متاع. # وليس في هذه الهبات السنية ما يحملنا على الشك في صحتها؛ لأن خزائن المملكة ~~كانت تغص بأموال الفيء والخراج، ويخبرنا ابن خلدون في «تاريخه» أن جباية ~~الخراج السنوية بلغت عهد المأمون 390855000 درهم؛ # 12 # لذلك استطاع الشعراء أن يعيشوا ناعمين مترفين، وجمع بعضهم أموالا ~~طائلة، ذكروا أن سلما الخاسر # 13 # ترك ثروة مقدارها خمسون ألف دينار، ومليون وخمسمائة ألف درهم ما عدا ~~الضياع؛ فغير عجيب أن يكثر عددهم ما دام الشعر يدر لهم هذا الدر الغزير! # ونحن نشرع الآن بدرس أشهرهم، مبتدئين بالمخضرمين منهم، وهم الذين أدركوا الدولتين ~~«الأموية والعباسية»، ثم ms020 ننتقل إلى من جاء بعدهم، ونفتتح الكلام ببشار. ~~(7) بشار بن برد 714-784م/96-168ه (؟) ~~(7-1) حياته # هو بشار بن برد بن يرجوخ، فارسي الأصل، ينتهي نسبه إلى ~~يستاسب بن لهراسف الملك، وكان يرجوخ من طخارستان # 14 # فسباه المهلب بن أبي صفرة # 15 # وجاء به إلى البصرة، وجعله من قن امرأته خيرة القشيرية، ~~فولد عندها ابنه بردا، فلما كبر برد زوجته خيرة، ووهبته لامرأة من بني ~~عقيل من قيس عيلان، كانت متصلة بها؛ فولدت له امرأته بشارا، فأعتقته ~~العقيلية فانتسب إلى بني عقيل بالولاء. # 16 # وكان يكنى أبا معاذ # 17 # ويلقب بالمرعث؛ # 18 # لأنه كان في أذنه وهو صغير رعاث شأن غلمان الفرس، وهي عادة ~~قديمة عندهم. # بشار في صباه # نشأ بشار في بني عقيل نشأة عربية خالصة، فاستوى لسانه على الكلام الفصيح، ~~لا تشوبه لكنة ولا طمطمانية، ولما أيفع أبدى فسلم من الخطأ. # وكان برد - والده - طيانا، وولد بشار مكفوفا، فكان برد يقول: «ما ~~رأيت مولودا أعظم بركة منه، ولقد ولد لي وما عندي درهم، فما حال ~~الحول # 19 # حتى جمعت مائتي درهم.» # وقال بشار الشعر وهو ابن عشر سنين، ونزعت نفسه إلى الهجاء؛ فلقي الناس ~~منه شرا، ولم يحجم عن التعرض لجرير، فاستصغره جرير ولم يرد ~~عليه. # وكان إذا هجا قوما جاءوا إلى أبيه فشكوه، فيضربه ضربا شديدا، فكانت ~~أمه تقول: «كم تضرب هذا الصبي الضرير، أما ترحمه!» فيقول: «بلى والله إني ~~لأرحمه، ولكنه يتعرض للناس فيشكونه إلي.» فسمعه بشار فطمع فيه، فقال له: ~~«يا أبت، إن هذا الذي يشكونه مني إليك هو قول الشعر، وإني إن ألممت ~~عليه، أغنيتك وسائر أهلي، فإن شكوني إليك فقل لهم: أليس الله يقول: # ليس على الأعمى حرج ~~. فلما عاودوه ~~شكواه قال لهم برد ما قاله بشار؛ فانصرفوا وهم يقولون: «فقه برد ~~أغيظ لنا من شعر بشار.» # فيتبين لنا من ذلك أن بشارا طبع على الشعر منذ حداثته، وطبع معه ~~على الهجاء والشر وحب التكسب والسخر بالدين والناس، فقد عرف بذكائه ~~الفطري أن والده ساذج ms021 جاهل، فعبث به لينجو من عقابه، ولم يتحوب من ~~العبث بآية القرآن؛ فأولها إلى غير معناها، وجعل الأعمى بريئا من الإثم ~~إذا اقترفه، والآية لا تقصد إلا إعفاءه من التكاليف التي لا قبل له ~~بها كالجهاد. # بشار في العصر الأموي # أدرك بشار بني أمية وبني العباس؛ فهو من مخضرمي شعراء الدولتين، ~~ويقول صاحب الأغاني: «إنه شهر في العصرين، ومدح وهجا، وأخذ سني ~~الجوائز.» ولكن لم يصل إلينا من شعره ما يدلنا على اتصاله بالخلفاء ~~الأمويين، ولو اتصل بهم ومدحهم لذكر ذلك أبو الفرج وغيره من مؤرخي الأدب ~~الأقدمين، ولا نخالهم يغفلون هذا الأمر وقد عنوا بتدوين أتفه الأخبار ~~عنه. # وروي أن الوليد بن يزيد كان يطرب لشعر قاله بشار متغزلا، ويرويه ~~ويبكي، وهو الذي أوله: «أيها الساقيان صبا شرابي.» ولكن بشارا لم يتصل ~~بالوليد بل لبث في البصرة لا يبرحها. # ولعل أول رحلة تجشمها كانت إلى حران، فوفد إلى سليمان بن هشام بن ~~عبد الملك فمدحه بقصيدة بائية، وكان سليمان بخيلا فلم يعطه شيئا، ~~وقيل: بل أعطاه خمسة آلاف ~~درهم؛ فاستقلها وردها عليه، وخرج من عنده ساخطا وهجاه، وربما كانت له ~~وفادة على مروان بن محمد فلم يعطه، أو أن مروان وعده بشيء وأخلف وعده؛ ~~فهجاه بأبيات لم يصل إلينا منها غير بيت واحد يقول فيه: # لمروان مواعد كاذبات # كما برق الحياء وما استهلا # 20 # وجملة القول أن بشارا لم يحظ عند خلفاء بني أمية، ولم يجشم نفسه دلج ~~السرى إليهم، وإنما لبث في البصرة يمدح الولاة والقواد، ويشبب بالنساء، وله ~~فيهن عدة صواحب أشهرهن عبدة أو عبيدة. # وكان إلى ذلك شديد الاتصال برجال العلم والدين، وكانت البصرة حافلة بهم ~~في ذلك العهد، فصاحب واصل بن عطاء شيخ المعتزلة، وصالح بن عبد القدوس، ~~وعمرو بن عبيد، وغيرهم من أصحاب الكلام، ولكن واصلا لم يلبث أن جافاه ~~وهتف به # 21 # لما بلغه من إلحاده، وحرض الناس على قتله، فهجاه ~~بقوله: # ما لي أشايع غزالا له عنق # كنقنق الدو إن ولى وإن ms022 مثلا # 22 # عنق الزرافة ما بالي وبالكم # أتكفرون رجالا كفروا رجلا؟! # 23 # وجافاه أيضا عمرو بن عبيد، فناصر واصلا على الهتف به والتشنيع عليه، ~~وشد أزرهما جلة من علماء الدين كالحسن البصري قاضي البصرة وكبير فقهائها، ~~ومالك بن دينار العالم الزاهد، فما زالوا حتى نفوه من البصرة حوالي سنة ~~«127ه/744م»، فقصد إلى مدينة حران وافدا على سليمان بن هشام بن عبد ~~الملك، ولكنه انصرف من عنده مغاضبا كما مر بنا، فاستدعاه أمير العراقين ~~يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، فأقام في الكوفة يمدحه ويمدح قيس عيلان ~~حتى سقطت الدولة الأموية، وقتل يزيد بواسط سنة «132ه/750م» فرجع إلى البصرة ~~وقد مات واصل بن عطاء، على أن عمرو بن عبيد لم يتركه يطمئن في أرضه، بل ~~سعى في نفيه ثانية، فظل يتنقل من بلد إلى بلد حتى توفي عمرو بن عبيد سنة ~~«145ه/762م» فأفرخ روعه، # 24 # وأنست به البصرة زمنا، فأقام بها يمدح ولاتها، حتى ارتحل إلى ~~بغداد واتصل بالعباسيين. # بشار في العصر العباسي # كان بشار مبعدا عن ~~البصرة لما انتقلت الخلافة إلى بني العباس، ومات السفاح ولم يتصل به ~~شاعرنا، ولا تمكن من العودة إلى البصرة، وما كاد يستخلف أبو جعفر المنصور ~~حتى هب الحزب العلوي من رقدته يطالب بالإمامة بعد أن رضي بالصمت على عهد ~~السفاح؛ لأن السفاح قرب الطالبيين وأنعم عليهم وأحسن مصانعتهم، وأما ~~أبو جعفر فكان بخيلا لا يدر دره، وعاتيا ظلاما يضطهدهم ويسيء ~~معاملتهم، فخرج عليه الأخوان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن حسن بن الحسن ~~بن علي، فثار محمد في المدينة فبايعه أهلها، وأفتى بصحة البيعة الإمام مالك ~~بن أنس، وثار إبراهيم بالبصرة، وكان بشار منفيا عنها، فأرسل إليه من ~~الكوفة بقصيدته الميمية الشهيرة يحرضه بها على المنصور، ويمدحه ويشير عليه، ~~ولكن الأخوين لم يوفقا في ثورتهما، وظفر بهما المنصور وقتلهما. # وأبى الله أن تصل قصيدة الشاعر الضرير إلى إبراهيم، أو أنها وصلت إليه ~~وضاعت فلم يروها راوية؛ لأن المنصور لم يطلع عليها إلا بعد أن ms023 قلبها بشار ~~وجعل التحريض فيها على أبي مسلم الخراساني، والمدح والنصح للمنصور، ولو ~~رويت لأبي جعفر على حالها الأول لما سلمت عنق بشار، ولعل هذه القصيدة بعد ~~تغييرها كانت السبب في اتصال الشاعر بالمنصور والحظوة عنده، على أننا لا ~~نعتقد أنه عاش منعما في كنفه، أو أنه أكثر من مدحه، وقد عرف هذا الخليفة ~~ببخله وجفاف يده حتى لقب بالدوانيقي، # 25 # لإلحافه في محاسبة العمال والصناع على الحبة والدانق. # بشار والمهدي # ولما ولي المهدي الخلافة اتصل به بشار اتصالا وثيقا، وأخذ يفد إليه ~~ويأخذ جوائزه، وكان شعره قد طار وتناقله الناس، وكان المهدي شديد الحب ~~للنساء غيورا عليهن، فبلغته أبيات لبشار فيها مجون وتعهر، فلما قدم عليه ~~استنشده الشعر فأنشده إياه، فغضب الخليفة وقال: «ويلك أتحض الناس على ~~الفجور، وتقذف المحصنات المخبآت! والله لئن قلت بعد هذا بيتا واحدا في ~~نسيب لآتين على روحك.» # فلما ألح على بشار في ترك الغزل، شرع يمدحه ويقول إنه قد ترك الغزل ~~وودع الغواني، ثم يأخذ في قص حوادثه الماضية، فيتأسف عليها ويصف النساء ~~اللواتي صاحبهن، فلا يخلو كلامه من الغزل، ولم يكن خبثه في هذا الأسلوب ~~ليخفى على المهدي؛ فأظهر له جفوة، وحبس عنه عطاياه، فكان يمدحه فلا يحظى ~~منه بشيء ولو جعل مدحه بغير تشبيب. # وحاول أن يتقرب من وزيره يعقوب بن داود فلم يحفل به ولا أذن له ولا ~~أعطاه؛ فرحل إلى البصرة غاضبا وأخذ يهجو المهدي ووزيره ويوجع فيهما، فكان ~~طول لسانه سببا في هلاكه؛ لأن الخليفة سخط عليه وأراد أذيته، فاتفق أن ~~رآه مرة في البصرة يؤذن وهو سكران في غير وقت صلاة؛ فنسبه إلى الزندقة، ~~وأمر بضربه فضرب سبعين سوطا حتى مات، ولما نعي إلى أهل البصرة تباشروا ~~وتصدقوا لما كانوا منوا به من لسانه، وجاء في «معاهد التنصيص» أنه دفن مع ~~حماد عجرد الشاعر الخليع، فكأن الأقدار شاءت أن تجمع هذين الشاعرين في قبر ~~واحد بعد أن تنافرا شطرا من حياتهما، وتقارضا أقذع الهجاء. # 26 # صفاته وأخلاقه ms024 # قال الأصمعي: «كان بشار ضخما، عظيم الخلق والوجه، مجدورا، طويلا، جاحظ ~~المقلتين، قد تغشاهما لحم أحمر؛ فكان أقبح الناس عمى، وأفظعه منظرا، وكان ~~إذا أراد أن ينشد صفق بيديه، وتنحنح وبصق عن يمينه وشماله، وكان أشد الناس ~~تبرما بالناس، وكان يقول: «الحمد لله الذي ذهب ببصري لئلا أرى من أبغض».» ~~ا.ه. # وكان فاسقا شديد التعهر، محبا للهو، مدمنا للخمرة، يلتمس اللذة ~~ويجد في طلبها، ويهوى النساء لأجلها، لا شغفا بالجمال وهو لا يراه، ولم ~~يخلص في حبه لامرأة؛ لأن عاطفته الحيوانية كانت تحمله على الإسراف في ~~الاستمتاع وطلب الجديد منه؛ فيستخدم شعره في إفساد النساء، وحضهن على ~~الفحش؛ ليتاح له التنقل من صاحبة إلى صاحبة. # وكان متكبرا كثير الاعتداد بنفسه، لا يرى فوقه شاعرا ولا عالما، ~~وتكبره جعله شديد الافتخار بنسبه حتى لا يجد له معادلا غير قريش وكسرى، ~~وجعله يشبب بجمال صورته على ما فيها من دمامة وقبح فيقول: # وإني لأغني مقام الفتى # وأصبي الفتاة فما تعتصم # 27 # ويرد على أبي دلامة الشاعر عندما عيره القبح، فيقول في وصف نفسه: «إني ~~لطويل القامة، عظيم الهامة، تام الألواح، أسجح الخدين.» # 28 # وهذا الكبر ولد فيه احتقارا للناس، كما ولد فيه العمى كرها لهم؛ ~~فكان شديد النقمة عليهم لتمتعهم بالنظر دونه وهو يرى أنه خيرهم، وكل ذي ~~عاهة جبار، وبغضه للناس واحتقاره لهم جعلاه كثير التهكم بهم، قليل الأدب في ~~مجالستهم. # والسخرية صفة لازمة لبشار، فإنه يستهزئ بكل شيء ويسخر من كل شيء، ~~وتهكمه جارح مؤلم، وقد يبلغ به حد القحة فما يستحيي أن يتنادر على خال ~~الخليفة وهو في حضرته. قال أبو الفرج: دخل يزيد بن منصور الحميري على ~~المهدي، وبشار بين يديه ينشده قصيدة امتدحه بها، فلما فرغ منها أقبل عليه ~~يزيد بن منصور الحميري وكانت فيه غفلة، فقال له: «يا شيخ ما صناعتك؟» فقال: ~~«أثقب اللؤلؤ.» فضحك المهدي ثم قال لبشار: «اعزب، ويلك! أتتنادر على ~~خالي؟!» فقال له: «وما أصنع به، يرى شيخا أعمى ينشد الخليفة شعرا، ويسأله ms025 ~~عن صناعته!» # فهذا التهكم وإن يكن مضحكا فهو حاد جارح لما فيه من لؤم ونكاية، ولا ~~يخلو من وقاحة لصدوره عن شاعر جاء يمدح الخليفة متكسبا، فشرع يهزأ بخاله ~~في حضرته. # وكان إعجابه بنفسه يدفعه إلى أن يربأ بها عن مهاجاة سفلة الناس؛ لئلا ~~يجعل منزلته في منزلتهم، وكثيرا ما أعرض عن جواب لئيم تحرش به، وكان يقطع ~~لسان أبي الشمقمق الشاعر بمائتي درهم في كل سنة؛ مخافة أن يهجوه وهو لا ~~يستطيع الرد عليه؛ لأنه شاعر سخيف يروي شعره الصبيان. # وكان كريما متلافا، يكسب كثيرا وينفق كثيرا، شديد الفخر بكرمه فما ~~يأنف أن يشكو ضيق ذات يده لكثرة الإنفاق، وإذا شكا وسأل ألح في المسألة، ~~ولكن على كبر وعتو وتهديد. # وهو على بغضه للناس يحب أبناءه ويرأف بهم، وقد مات له ولد فجزع عليه ~~جزعا شديدا، ويحب إخوته ويعطف عليهم، وكان له أخوان قصابان؛ أحدهما ~~يقال له بشر والآخر بشير، فكانا يستعيران ثيابه فيوسخانها، وينتنان ريحها، ~~فأراد منعهما فلم يمتنعا، فإذا أعياه الأمر خرج إلى الناس في تلك الثياب ~~على نتنها ووسخها، فيقال له: «ما هذا يا أبا معاذ؟» فيقول: «هذه ثمرة صلة ~~الرحم.» # ويحب أصدقاءه الخلعاء ويبرهم، ويحفظ لهم الوداد بعد موتهم فيرثيهم ويتلهف ~~عليهم، ولعله لم يخلص في حبه إلا لأبنائه وإخوته وندمائه. # وكان إلى ذلك حاد الذهن، شديد الذكاء، نير البصيرة، سريع التنبه، ~~دقيق الحس، ذرب اللسان، حاضر البديهة. # تلونه في نسبه # كان بشار شعوبيا متعصبا للفرس، ينكر الولاء ويتبرأ منه، ويحض الموالي ~~على رفضه، ولكنه كان مع ذلك يفتخر ببني عقيل وبقيس عيلان، ويدافع عنهم ~~ويهجو أعداءهم، فإذا انتسب إلى الفرس جعل أسرته في مستوى أسرة كسرى: # ورب ذي تاج كريم الجد # كآل كسرى أو كآل برد # وإذا انتسب إلى عقيل جعل أصله في الرأس منهم: # إنني من بني عقيل بن كعب # موضع السيف من طلى الأعناق # 29 # وسأله المهدي يوما: «فيمن تعتد يا بشار؟» فقال: «أما اللسان والزي ~~فعربيان، وأما الأصل فعجمي» وأنشد: # ألا ms026 أيها السائلي جاهدا # ليعرفني أنا أنف الكرم # 30 # نمت في الكرام بني عامر # فروعي وأصلي قريش العجم # 31 # علومه # كان بشار عالما فقيها متكلما، ولولا زندقته لعد من كبار أئمة الدين، ~~وعرف بطول باعه في معرفة الغريب والوقوف على أساليب العرب الصرحاء، وبنقد ~~الشعر وتمييز صحيحه من منحوله، وصدق ظنه في تقدير جوائزه؛ فقد كان يزنه ~~بمعيار تأثيره في نفس الممدوح، وموقعه من سياسته وهواه. # آثاره # قيل: إن أكثر الناس شعرا في الجاهلية والإسلام ثلاثة: بشار وأبو ~~العتاهية والسيد الحميري، وتحدث بشار عن نفسه فقال: «إن لي اثني عشر ألف ~~قصيدة.» ولكن لم يبق لنا من هذا القدر الكبير إلا نزر يسير متفرق في كتب ~~الأدب. # وظل شعر بشار متداولا إلى عهد ابن خلكان، فقد جاء في كتابه «وفيات ~~الأعيان» في الكلام على بشار: «وشعر بشار كثير سائر، فنقتصر منه على هذا ~~القدر.» وأورد بعض مقطعات منه. # على أن هذا الشعر قد ضاع أكثره، ولم يخلص إلينا إلا أقله، ولولا صاحب ~~«الأغاني» وما دون من أشعار بشار وأخباره لما وصل إلينا منها ما يستحق ~~الذكر. # وفي سنة «1934» عثر محمد بدر الدين العلوي أحد معلمي اللغة العربية في ~~الجامعة الإسلامية بعليكرة في الهند على مخطوط قديم في المكتبة الآصفية ~~بحيدر آباد من كتاب «المختار من شعر بشار» للخالديين شاعري سيف الدولة ~~وخازني دار كتبه، وشرحه لإسماعيل بن أحمد التجيبي من أدباء القرن الخامس ~~للهجرة، فعني بنسخه وتصحيحه وطبعه، على أن هذا «المختار» لا يشتمل على ~~كثير من شعر بشار؛ لما فيه من المقارنات بين كلامه وكلام القدماء ~~والمحدثين، وإنما فيه أبيات للشاعر لا توجد في غيره من الكتب. # ونشر محمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة الأعظم في تونس جزأين من ~~شعر بشار عن مخطوطة في خزانة كتبه مرتبة أبياته على الحروف، وينتهي الجزء ~~الأول بقافية «الباء»، والثاني بقافية «الدال»، وطبع الجزءان في مصر سنة ~~«1950 و1954»، وينتظر أن يظهر الجزء الثالث؛ لأن المخطوطة تشتمل على نصف ~~الديوان كما يقول الناشر، ms027 وفيها معظم قافية «الراء»، وجمع ما وجده في كتب ~~الأدب مما نسب إلى بشار ما يقارب ألف بيت. وأما عدد أبيات المخطوطة فستة ~~آلاف وستمائة وثمانية وعشرون بيتا، باعتبار أبيات الرجز مشطورة. ~~(7-2) ميزته # أتيح لبشار أن يملك الشعر من ~~ناحيتيه؛ العبقرية والفن، فهو من حيث الأولى شاعر قوي الطبع، متوقد النفس، يدعو ~~القوافي فتستكين إليه سلسة القياد، ومن حيث الثانية شاعر مرهف الإحساس بالجمال ~~الفني، يتصرف في الألفاظ والتعابير، فيأتي بها طريفة دقيقة المدلول، مزدانة ~~منتقاة. # وسنحاول أن ندرس في هذا البحث خصائصه في مختلف الأنواع الشعرية على قدر ما ~~تبيح لنا آثاره الباقية. # الهجاء # لم يكن في أخلاق بشار وصفاته ما يحبب الناس إليه، فيصون لسانه عن ثلبهم ~~وتشهيرهم، ولا بد لمثله أن يكون بغيضا مقيتا، وأن يكثر أعداؤه فيتناولوه ~~بألسنتهم، وأن يقوم فيهم شعراء يقارضونه الهجاء. # وغير عجيب أن يكون هذا الهجاء فاحشا مقذعا، فإن أخلاق بشار لا ~~تستنكره، وأخلاق عصره لا تتأباه، وقد ترك جرير والفرزدق من إقذاعهما إرثا ~~عظيما لمن جاء بعدهما من الشعراء؛ فأنفقوا منه عن سعة. # وكان بشار شديد الإعجاب بجرير، فلا بدع أن يتعهر مثله في الهجاء، ويزيد ~~عليه تفننا في استنباط المعاني الفاحشة، يستمدها من الحضارة الجديدة، ~~وتبدل المكان والزمان. # على أن غاية جرير من الهجاء تختلف عن غاية بشار؛ فجرير كان يصطنعه ليرد ~~على خصومه الشعراء، وأما بشار فإنه مال إليه بطبعه الفاسق الفاجر، ثم بكرهه ~~للناس واحتقاره إياهم، ثم بحبه للتكسب فعل الحطيئة قبله. # وهو في هجوه صادق لا يتكلفه تكلفا وإن تاجر به وتكسب؛ فعاطفة البغض ~~مسيطرة عليه في كل حال، وقد سئل: «إنك لكثير الهجاء!» فقال: «إني وجدت ~~الهجاء المؤلم آخذ بضبع # 32 # الشاعر من المديح الرائع، ومن أراد من الشعراء أن يكرم في دهر ~~اللئام على المديح فليستعد للفقر، وإلا فليبالغ في الهجاء ليخاف ~~فيعطى.» # وكان يصب هجاءه على كرام الناس الذين يضنون بأعراضهم أن تخرق؛ فيشترونها ~~منه بالمال، فيسكت عنهم أو يمدحهم إذا أجزلوا له ms028 العطاء. # وكان أشد الهجاء لذعا بينه وبين حماد عجرد، وسبب تهاجيهما أن حمادا ~~كان نديما لنافع بن عقبة الأزدي والي البصرة، فسأله بشار تنجيز حاجة له من ~~نافع؛ فأبطأ حماد عنها فغمزه بشار بشعره، فغضب حماد وأخبر نافعا فمنع ~~صلاته عن بشار؛ فلحم الهجاء بينهما نحوا من خمس عشرة سنة حتى مات ~~حماد. # على أن حمادا لم يستطع ~~أن يسقط بشارا بشعره، ولكنه هتكه بالزندقة. وأما بشار فقد أسقط حمادا ~~ببلاغته وفضحه، ولم يقصر في رميه بالثنوية # 33 # والكفر، قيل: أجمع علماء البصرة أنه ليس في هجاء حماد عجرد ~~لبشار إلا أربعون بيتا معدودة، ولبشار فيه من الهجاء أكثر من ألف بيت، ~~ولكن لم يصل إلينا من تهاجيهما إلا شيء قليل لا يعتد به. # وهذا الهجاء على نزارته يبين لنا شيئا من أسلوب الشاعر في هذا الفن، وما ~~فيه من كبرياء ومضاضة وإيلام؛ فبشار إذا هجا رمى خصمه بالكفر والزندقة؛ مع ~~أنه كان في طليعة الزناديق، فقد كفر حماد عجرد والمهدي وواصل بن عطاء ~~وسواهم، وهو إلى ذلك لا يعف عن الأعراض بل يشتمها شتما قبيحا، وربما ~~استخدم شعره للتكسب الأدبي؛ فإن سيبويه عاب قوله في وصف السفينة: «تلاعب ~~نينان البحار»، وأنكر جمع نون على نينان؛ # 34 # فغضب بشار وهجا سيبويه، فتوقاه سيبويه بعد ذلك، وصار إذا سئل ~~عن شيء فأجاب عنه ووجد له شاهدا من شعر بشار احتج به استكفافا ~~لشره. # وكذلك الأخفش الأوسط # 35 # عاب عليه جمع النون على نينان، واستعمال الوجلى والغزلى موضع ~~الوجل والغزل؛ فهدده بالهجاء فجزع وصار يحتج بشعره في كتبه. # وهجاء بشار يجري بين الجزالة والسهولة، وأفخمه ما جاء في الأمراء ~~والقبائل، وفيه من وضوح الألفاظ والتعابير ما يجعله يسير بين الناس هين ~~الحفظ، فيتم للشاعر ما يريد من تشهير المهجو، وترك اسمه مضغة في ~~الأفواه. # المدح # كان بشار يتخذ المدح آلة للتكسب، لا شغفا بمناقب الممدوح أو كلفا به؛ ~~فلم تكن مناقب الناس - مهما حسنت - لتملك عاطفته أو لتهز فؤاده، وهو يبغض ~~الناس ms029 ويرى نفسه فوقهم جميعا؛ لذلك لم يخلص في مدحه لأحد، وإنما كان يترقب ~~غيث ممدوحه، فإذا أخلف أو أبطأ استمطره بالهجاء، فقد مدح سليمان بن هشام ~~فلما استقل عطاءه هجاه، ومدح المهدي فلما أعرض عنه لم يحجم عن هجوه ~~والقول فيه: «كذب أملي لأنني كذبت في قولي.» فهو يعترف بأنه مدحه ~~كاذبا. # وتظاهر بالتشيع للعلويين شأن أبناء الفرس، فلما ثار إبراهيم بن الحسن على ~~المنصور أرسل إليه قصيدة يمدحه بها ويهدد الخليفة، فلما علم أن إبراهيم قتل ~~لم يأنف من إنكار تشيعه فغير القصيدة، وجعلها في مدح المنصور وتهديد أبي ~~مسلم. # وله أسلوب في المدح يطلعنا على حقيقة نفسه الطماعة المتعجرفة ، فهو يمدح ~~الشخص ويهدده إن لم يحسن صلته، وقد يتوسل بالوعظ والإرشاد، ولا يخلو مدحه ~~من قحة في السؤال على تذمر لقلة العطاء، فيحض ممدوحه على الجود ~~والسخاء. # ومدح بشار عقبة بن سلم أمير البصرة؛ فأحسن عطاءه، فزاده مدحا حتى قيل ~~إن مدائحه فيه فوق كل مدائحه، وحدث أن وكيل عقبة أخر الجائزة عن بشار ~~ثلاثة أيام؛ فأمر بشار غلامه بأن يكتب على باب عقبة أبياتا فيها يقول: «إن ~~لم ترد حمدي فراقب ذمي.» فخاف عقبة، وضاعف الجائزة، وعجل بإرسالها ~~إليه. # ففي هذا كله ما يدلنا على كذب بشار وعدم إخلاصه لممدوحيه، ولكنه كان يجيد ~~المدح كما يجيد الهجاء؛ فهو شاعر مبدع صادق الشعور الفني وإن لم يكن صادق ~~العاطفة، وأسلوبه في المدح عليه مسحة البداوة في استهلالاته وتعابيره، ~~ولكنه يحليه بالمعاني الدقيقة الطريفة، ويرصعه بالاستعارات السائغة ~~اللطيفة، فيخرج به عن خشونة البدو إلى نعومة الحضر، فإذا هو بين يديه وعليه ~~جدة ريقة زاهية. # الغزل # لم يعرف بشار للحب معنى ~~صحيحا، ولا اختلج فؤاده لمرأى الجمال وهو لا يراه، وإنما كان في نفسه حس ~~دقيق ضاعف العمى قوته، فإذا به شديد الولوع باللذة، يسعى إليها ويتطلبها ~~بإلحاف، وكائن # 36 # ثارت نفسه لحديث سمعه، أو كف لمسها، أو طيب استنشقه؛ فهو فاسق ~~القلب، شهواني الحب، لا يفهم منه غير اللذة ms030 الحيوانية، ولا غرو أن يخرج ~~شعره صورة لنفسه الفاجرة، فيظهر حافلا بالفحش والتعهر. # وقد أجاد بشار الغزل كما أجاد غيره من الفنون، وكأنه شعر بعجزه عن تصبي ~~النساء بجماله وحسن روائه، فاتخذ من براعة فنه وسيلة لإغرائهن، فنظم فيهن ~~الغزل الرقيق الناعم؛ فأقبلن عليه يزرنه في منزله، ويجالسنه في البردان أو ~~الرقيق؛ # 37 # ليستمعن إلى شعره، حتى لم تبق غزلة في البصرة إلا كانت له ~~راوية. # وغزل بشار شديد الخطر على العفاف؛ لأن صاحبه تعمد فيه إغراء النساء، ~~وحضهن على الفجور؛ فكان ذلك سببا لحمل المهدي على منعه من التشبيب، وقد ~~جعل الخبيث غزله بلغة سهلة لينة، وأوزان خفيفة رشيقة؛ ليهون حفظه وفهمه على ~~النساء، ولا سيما الجواري العجميات - وأكثره فيهن - فلا يستصعبن روايته، ~~واعتمد على الصراحة؛ فروى حوادثه معهن بقالب قصصي، وقد يعنى بتذليل الصعاب ~~للمرأة التي تتجنب الفضيحة وتخشاها. # وهو إلى ذلك يصنع مثلما يصنع الشعراء المتيمون؛ فيكثر من الأنين واللوعة، ~~ووصف سقامه وسهره وحزنه؛ فيخيل إليك أنك تقرأ شعر رجل أضر به الحب حتى ~~أدنفه، مع أنه لم يقف قلبه على امرأة واحدة ليتألم ويسقم إذا ابتعد عنها، ~~ونرى أنه لم يصدق في وصف حبه إلا من تلك الناحية التي ذكر بها اللذة ~~وتهالكه على طلبها، وإن آثر عبدة وأحبها أكثر من غيرها. # وقد أكثر شاعرنا من وصف نحوله على ضخامة جثته، حتى أخذ الناس يضحكون منه، ~~ويعابثونه نكاية له، قيل: مر به بعض أهل الكوفة وهو منبطح في دهليزه ~~كأنه جاموس، فقال: «يا أبا معاذ من القائل: # في حلتي جسم فتى ناحل # لو هبت الريح به طاحا» # 38 # قال: «أنا». قال: «ما حملك على هذا الكذب! والله إني لأرى أن لو بعث الله ~~الرياح التي أهلكت الأمم الخالية ما حركتك من موضعك!» # وسنحت لبشار معان يرجع الفضل بها إلى عماه، كقوله: # يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة # والأذن تعشق قبل العين أحيانا # وكان إذا غنته القيان في مجلس لهوه وصف مجلسه وتغزل، وضمن الأبيات التي ~~غنته ms031 القيان بها، وقد شاعت هذه الطريقة بين شعراء عصره؛ لكثرة مجالس اللهو ~~والطرب. # الخمر # لم يبق لنا من خمريات بشار إلا نزر يسير ليس فيه غناء، ولا ريب أن ~~الشاعر وصف الخمر في أوقات لهوه، وأكثر من وصفها، ولكن لم يشهر بها كما شهر ~~أبو نواس بعده، ولا تفنن في معانيها تفننه، وإن ما وصل إلينا من شعره ~~الخمري يكاد لا يخرج عن الدائرة التي طوف فيها الأعشى ثم الأخطل، فهو ~~يتوكأ عليهما في النعوت التي نعتا بها الخمرة، والأوصاف التي وصفا بها ~~السكران. # ومهما يكن من شيء فإن بشارا تغزل بالخمرة وأحسن التشبيب بها، ولكنه لم ~~يطبع أوصافها بطابعه الخاص، وإنما جاء مقلدا لسواه، على أنه لو وصل ~~إلينا من خمرياته شيء يذكر لكان بوسعنا أن نحكم عليه حكما أصح ~~وأعدل. # الفخر والحماسة # عرفنا أن ولاء بشار في بني عقيل، وعقيل من عامر، وعامر من قيس عيلان بن ~~مضر، فكان بشار يتعصب لبني عقيل خاصة، وللقيسية أو المضرية عامة، وكان ~~يفتخر بهم كما يفتخر بالفرس أجداده الأول، وقد استحق لقب شاعر قيس في دفاعه ~~عنهم ومهاجاته خصومهم. # وله قصيدة قالها في ابن هبيرة - عامل العراق - عند مسيره إلى محاربة ~~الخوارج، فأثار بها الحماسة في صدور الرجال، وقد استهلها بالغزل على ~~الطريقة القديمة، وأخرجها جزلة الألفاظ قوية التعبير على تصوير بليغ لزحف ~~الجيش، ووقع السيوف، وانكسار العدو، وحسبك منها تشبيه السيوف تحت الغبار ~~بالشهب الساقطة في الظلام، ثم ذلك التقسيم البديع في تصوير الجيش المنهزم؛ ~~فقد جمع فيه ما يلقاه المغلوب من نتائج الحرب ووخيم مغباتها: «فريق في ~~الإسار ومثله قتيل، ومثل لاذ بالبحر هاربه»، ويجمل بنا ألا نغفل عن حسن ~~الصنعة في استعارته العتاب للقتال في قوله: «مشينا إليه بالسيوف نعاتبه»، ~~وكان بوسعه أن يقول نضاربه أو نحاربه، ولكن الاستعارة هنا أبلغ وأوقع في ~~النفس، وفيها من دقة المعنى وبراعة المدلول شيء كثير، وأي عتاب أشد من عتاب ~~تنتضى فيه الصوارم بدلا من الألسنة؟! # الرثاء # لم يصل إلينا من ms032 رثاء بشار إلا شيء قليل، ونحسب أن الشاعر لم يحفل بهذا ~~الفن لقلة الانتفاع به؛ فهو إنما كان يعنى بإرضاء ممدوحه حيا ليكتسب ~~منه، ولم يكن يهمه أن يمدحه ميتا إن لم يتوقع خيرا من بعد ذلك. # وكأن بغضه للناس أمات فيه عاطفة الحزن واللوعة، فما كان يجزع على فقيد ~~حتى يرثيه رثاء صادقا؛ فنفس بشار أصلب من أن ترثي لمصائب الناس، وقد رثى ~~عمر بن حفص العتكي # 39 # وكان محسنا إليه، فوفق بعض التوفيق، وأصيب بولده فجزع لموته، ~~ولكن نفسه أبت عليه التفجع والإرنان، فلم يستطع رثاءه بأحسن مما رثى به ~~العتكي. # وكان له عصبة من الأصدقاء الخلعاء يصاحبونه في مجالس لهوه، فلما نزلت بهم ~~صروف الدهر شعر بفراغ حوله، فشجاه فراقهم، فرثاهم بقصيدة يقول فيها: # كيف يصفو لي النعيم وحيدا # والأخلاء في المقابر هام # 40 # آراؤه وعقائده # كانت لبشار آراء وعقائد أورثه إياها أصله الفارسي، وعصره الذي تفشت به ~~المذاهب والبدع، بعد أن خرج العرب من جمودهم العقلي، وأخلدوا إلى التأمل ~~والتفكير. # ولعل الحيرة أظهر شيء في آراء بشار؛ فتراه على شعوبيته وكرهه للعرب لا ~~يستنكف من الافتخار بمضريته، وعلى تفقهه بالدين وتضلعه من علم الكلام لا ~~يصلي ولا يأبه للفروض والأنفال، وقد يدين بالجبرية # 41 # ثم لا يلبث أن ينقضها، فيقر بالبعث والحساب. # وربما حن إلى أصله المجوسي، # 42 # ففضل النار على جميع العناصر، وفضل إبليس على آدم ~~وبنيه: # الأرض مظلمة والنار مشرقة # والنار معبودة مذ كانت النار # وكان سيئ الظن بالناس لا يركن إلى صداقتهم، وإنما يراهم جميعا مخادعين ~~غيابين؛ على أنه يوصي بمداراة الصديق والتغاضي عن هفواته، والاقتصاد في ~~معاتبته. # حشوه وتخليطه # وبشار على جلالته لم يخل شعره من الحشو والتخليط، فروي له شيء غث لا يليق ~~بشاعريته، وهذا ما جعل إسحاق الموصلي لا يعتد به، ويفضل عليه مروان بن أبي ~~حفصة، وكان يقول فيه: «هو كثير التخليط في شعره، وأشعاره مختلفة لا يشبه ~~بعضها بعضا، أليس هو القائل: # إنما عظم سليمى حبتي # قصب السكر ms033 لا عظم الجمل # 43 # وإذا أدنيت منها بصلا # غلب المسك على ريح البصل # لو قال كل شيء جيد ثم أضيف إلى هذا لزيفه.» # على أنه مهما يكن من تخليط بشار فإن إسحاق الموصلي قد جار بحكمه عليه، ~~فقد يسف الشاعر الفحل ويروي له الغث البارد، ولكن ذلك لا يحط من قدره، ولا ~~يضير شاعريته، ولا يضيع ما له من الحسنات، وبشار نفسه كان يعتذر من هذا ~~التخليط بقوله: «هذه أشياء كنا نعبث بها في الحداثة.» # وقد يخلط بشار متعمدا لحاجة في النفس، أو مراعاة لمقتضى الحال؛ فيسف غير ~~حافل بالتعبير، كما في قوله لجاريته ربابة: # ربابة ربة البيت # تصب الخل في الزيت # لها عشر دجاجات # وديك حسن الصوت # وقد سئل عن ذلك فقال: «لكل وجه وموضع، وهذا قلته في ربابة جاريتي، ~~وأنا لا آكل البيض من السوق، وربابة لها عشر دجاجات وديك، فهي تجمع لي ~~البيض، وهذا عندها أحسن من «قفا نبك» عندك.» # ومن عبث بشار قوله على لسان حمار له مات، وزعم أنه رآه في النوم فقال ~~له: «لم مت، ألم أكن أحسن إليك؟!» فقال الحمار: # سيدي خذ بي أتانا # عند باب الأصبهاني # 44 # تيمتني ببنان # وبدل قد شجاني # 45 # تيمتني يوم رحنا # بثناياها الحسان # 46 # وبغنج ودلال # سل جسمي وبراني # 47 # ولها خد أسيل # مثل خد الشيفران # 48 # فلذا مت ولو عش # ت إذن طال هواني # فقال له أحدهم: «ما الشيفران؟» قال: «وما يدريني! هذا من غريب الحمار، ~~فإذا لقيته فاسأله.» ~~(7-3) منزلته # أجمع الرواة - أو كادوا - على أن بشارا زعيم الشعراء المحدثين، وكان ~~الأصمعي شديد الإعجاب به، فإذا سئل عنه قال: «بشار خاتمة الشعراء، والله لولا ~~أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم.» وقد فهم بشار عقلية النقاد في عصره، ~~فقال: «أزرى بشعري الأذان.» # وقال ابن شرف القيرواني: «شعره ينفق عند ربات الحجال، # 49 # وعند فحول الرجال، فهو يلين حتى يستعطف، ويقوى حتى ~~يستنكف.» # 50 # وسئل بشار: «بم فقت أهل دهرك، وسبقت رجال عصرك؟» فقال: «لأني لم ms034 أقبل كل ما ~~تورده علي قريحتي، ويناجيني به طبعي.» # ولكنه - على عنايته بتنخل شعره - لم يخرج به عن طبعه، وإنما أضاف إليه براعة ~~الفن فصقله وهذبه وتصرف فيه تصرف المالك في ملكه؛ فجد وهزل ورصن وخف، فإذا ~~هو على حالتيه دقيق المعاني يحسن توليدها، طلي الألفاظ يجيد انتقاءها، وكان ~~لأصله الفارسي أثر في شاعريته فعنت له أغراض لم تخطر لشعراء العرب ~~الخلص. # ولعماه تأثير عظيم في إذكاء قريحته، وتقوية حسه؛ إلا أنه أضعف صوره ~~وألوانه، فكان يتوكأ بها على غيره، متفننا في تأليفها وإخراجها كقوله: # كأن مثار النقع فوق رءوسنا # وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # وجملة القول أن بشارا شاعر ساحر، لعوب بالمعاني والألفاظ، يحسن البديع ~~والاستعارة والتشبيه، ويتفنن في جميع أبواب الشعر، وهو إلى ذلك شاعر مطبوع ، ~~غزير المادة، لا يتكلف النظم تكلفا، ويعد خير صلة بين العصرين الأموي ~~والعباسي؛ فقد خلع الفن على شعره روعة القديم وجلاله، ورقة الجديد وجماله، وغير ~~عجيب أن يتبوأ كرسي الرئاسة، ويستقر عليه سعيدا إلى أن يخليه بعد موته لأبي ~~نواس. ~~(8) أبو نواس 762-814م/145-199ه (؟) ~~(8-1) حياته # ليس في ما جاءنا عن نسب أبي نواس ما يصح الاقتناع به والاطمئنان إليه، ~~فالأقوال فيه متضاربة والاختلاف غير قليل، على أن المشهور عنه أنه الحسن بن ~~هانئ بن عبد الأول بن الصباح، وأن جده كان مولى الجراح بن عبد الله ~~الحكمي # 51 # والي خراسان، فنسب إليه، وأن أباه كان من جند مروان بن محمد، وهو ~~من أهل الشام، وأن أمه فارسية من الأهواز، واسمها جلبان. # 52 # وكان يكنى في أول أمره أبا علي، ثم تكنى بأبي نواس # 53 # لذؤابتين # 54 # كانتا تنوسان على عاتقه وهو صبي، وقيل إن أستاذه خلفا الأحمر ~~كان له ولاء في اليمن، فقال له يوما: «أنت من اليمن فتكن باسم ملك من ~~ملوكهم الأذواء.» # 55 # فاختار ذا نواس، فكناه أبا نواس بحذف صدره، فغلبت عليه. # وكانت ولادته في الأهواز من فارس، ذلك أن أباه هانئا انتقل إليها مع الجيش ~~للرباط، فتزوج فيها جلبان، ms035 فولدت له عدة أولاد منهم الحسن، ومات أبوه وهو ~~طفل، فانتقلت به أمه إلى البصرة وله من العمر سنتان؛ فنشأ هناك، ولما شب ~~أسلمته إلى عطار يبري عود البخور. # أبو نواس في صباه # ولكن نفسه ما كانت لترضى هذه الصنعة، وبها نزوع شديد إلى الأدب؛ فكان لا ~~يفتر عن مخالطة أهل المسجد والأدباء المجان، وأخذ يتردد على باب أبي ~~عمرو بن العلاء، وكان الرواة والشعراء يجتمعون عنده؛ فاتصل بهم وهو في ~~العقد الأول من عمره، فاكتسب منهم أدبا وعلما، ولكنهم أضروا بأخلاقه، ~~فتهتك صبيا. # ولم يكن له من بسطة العيش ما يقيه الحاجة فيصون ماء وجهه، فكان أصحاب ~~المجون إذا أرادوا الخروج إلى نزهة استأجروه بدينار، فيحمل لهم أدواتهم، ~~ويبقى معهم حتى يعودوا. # وكأن الأقدار أبت إلا أن تذيقه كأس الأدناس حتى الثمالة، فأرسلت إليه ~~والبة بن الحباب الأسدي الشاعر الكوفي الخليع، فلقيه عند العطار يبري ~~العود، فافتتن به وأعجبه ذكاؤه وأدبه، فحمله إلى الكوفة، وعني بتخريجه في ~~الشعر؛ فأدبه بأدبه، وخلقه بأخلاقه، وعرفه بأصحابه المجان؛ فأصبح لا ~~يطيب له إلا الاجتماع بهم، وفيهم أمثال مطيع بن إياس، وحماد عجرد، ويحيى بن ~~زياد، وحسبك بهم من عصابة سوء. # ولم يشأ أبو نواس أن يعرف ~~بالشعر قبل أن يخالط العرب الخلص ويأخذ عنهم الغريب، ويستوي لسانه على ~~الكلام الفصيح شأن كل شاعر يريد أن ينبه في ذاك العصر؛ فسأل أستاذه والبة ~~أن يسمح له بالخروج إلى البادية مع وفد بني أسد، فأخرجه مع قوم منهم، فأقام ~~في البادية سنة ثم قدم الكوفة، فلبث فيها مدة قليلة ثم فارق والبة ورجع إلى ~~البصرة، فاختلف إلى كبار أئمتها، فأخذ عنهم شيئا كثيرا ثم شخص إلى ~~بغداد. # في بغداد # قدم أبو نواس بغداد وسنه أربت على الثلاثين، ومقاليد الخلافة في يدي ~~هارون الرشيد؛ فأتيح له أن يتصل به، فقربه الرشيد وأحبه وأنعم عليه، وتغاضى ~~عن فسقه وسكره واستهزائه بأحكام الدين، وعفا عنه مرارا وأطلقه من سجنه، ~~على أنه لم يخصه بذاته، فلقد كان الرشيد ms036 شديد الحرص على وقار الخلافة، ~~شديد الحفاظ على تقاليد الدين، ولا سيما أمام الرعية، فلم ير من الحكمة أن ~~يجعل الشاعر الخليع مختصا بقصره، لذلك لم يحظ أبو نواس الحظوة التي كان ~~يأملها عند الرشيد، فتفرغ لمصاحبة المجان، فكانوا يجتمعون على ~~الصراة # 56 # أو في سوق الكرخ أو في روضة أو في منزل، فيتذاكرون الشعر ~~ويشربون الخمر، ويستمتعون بأنواع الملذات التي ألفتها أذواقهم، فما يتركون ~~محرما إلا اتفقوا على إتيانه غير متورعين ولا مستحيين، وأشهر أصدقائه ~~الخلعاء في بغداد: داود بن رزين الواسطي، والحسين بن الضحاك الأشقر الخليع، ~~والفضل الرقاشي، وعمرو الوراق، والحسين الخياط، وعنان جارية الناطفي، ~~وإسماعيل القراطيسي، ورزين الكاتب أخو دعبل، وربما تولى أحدهم دعوة رفاقه ~~فيهيئ لهم مجلسا في بيته أو في غير بيته، فيكونون في ضيافته، وقد تكون هذه ~~الدعوات بأن يقول كل واحد منهم شعرا يصف به ما عنده من أسباب اللهو ~~والملذات، فمن افتن فيها أكثر من غيره قبلوا دعوته وصاروا إليه، فهذه ~~الحياة الماجنة المسرفة كانت تدفع شاعرنا إلى التبذير في نفقاته وهو مشهور ~~بسخائه، فلم تكفه عطايا الرشيد على جزالتها، فكان يشكو ويتذمر حتى اضطر إلى ~~أن يقصد مصر ويمدح الخصيب أميرها، ولولا حاجته لما ترك بغداد وما فيها من ~~أصحاب وملاه وحانات. # في مصر # انتجع الشاعر مصر صفر اليدين متألما من كساد سوقه، وفي ذلك يقول: # إني لآمل يا خصيب على # يدك اليسارة آخر الدهر # وكذاك نعم السوق أنت لمن # كسدت عليه تجارة الشعر # ومدح الخصيب بعدة قصائد جياد، فأحسن الخصيب صلته، وأخذ أبو نواس ينادمه ~~على الشراب ويلهو وإياه ويعبثان معا، حتى أصبحت للشاعر دالة عليه، ويسرت ~~حاله بعد عسر، فتفرغ للهو والمجون فعله في بغداد. # على أن عطايا الخصيب لم تكن لتغني أبا نواس أو تنسيه ملاهي بغداد وقصر ~~الخليفة العباسي؛ فنوابغ الشعراء لم يكن لهم غير دار السلام حاضرة تستثير ~~قرائحهم، وتذكي عبقريتهم، وتشبع مطامعهم، ولعل الخصيب ضاق ذرعا برغبات ~~الشاعر؛ فإن بعض الرواة يتحدثون بأنه بعد أن ms037 أعطاه ثلاث جوائز كل جائزة ~~بألف دينار قال له: «ارتحل فما لك مقام عندنا.» ويؤيد هذه الرواية ما نعلمه ~~من أن أبا نواس ترك الخصيب غير راض عنه وعن عطاياه، فكان إذا سئل: «كم ~~وهب لك الخصيب مع مدائحك فيه، وقصدك من العراق إليه؟» قال: «لا والله، لم ~~يهب لي إلا مائة دينار والناس يكثرون في ذلك.» وقد هجاه بعد مفارقته إياه ~~ورماه بالتقتير على بنيه. # ولكنه لم يوفق في الرجوع إلى بغداد، فإنه شرع يهجو القبائل النزارية ~~لما اشتدت صولة الشعوبيين، ولم يعف عن قريش وفيها الخلافة وقبلها النبوة؛ ~~فحبس وطال حبسه حتى مات الرشيد واستخلف الأمين. # اتصاله بالأمين # عرف أبو نواس أولاد الخلفاء منذ قدومه بغداد وهو شاب، فنادم أولا ولد ~~المهدي ولازمهم، فلم يلق مع أحد من الناس غيرهم، ثم نادم القاسم بن الرشيد، ~~ولكنه لم يلبث أن فارقه وتقرب من أخيه الأمين، وكان يومئذ صبيا يدرس ~~النحو واللغة على الكسائي، وزاده اتصالا بولي العهد أن الرشيد أمر الكسائي ~~أن يحضر أبا نواس لينشد الأمين الشعر النادر ويعلمه الغريب، فلزمه شاعرنا ~~ولم يفارقه، وراقت الأمين صحبة أبي نواس؛ فاتخذه نديما، وشاطره اللهو ~~والمجون، فانحطت أخلاقه في صباه، وكان انغماسه في العبث والفسوق من الأسباب ~~التي أضاعت ملكه. # ولما بويع بالخلافة بعد أبيه جعل الشاعر في بطانته، فكان ألزم له من ظله، ~~ولا ريب أن خلافة الأمين كانت أسعد أيام أبي نواس وإن لم يطل عهدها أكثر ~~من خمس سنوات، وخمس سنوات شيء يذكر في عمر الشاعر المتنعم، على أنها لم ~~تخل بعض الأحيان من تنغيص؛ إذ كان الخليفة يضطر إلى حبسه على أعين الناس ~~حين يتهم لديه بالكفر والفجور والمجاهرة بشرب الخمر. # وألحف عليه بالتشديد يوم اعصوصب الشر بينه وبين أخيه المأمون، وكان ذو ~~الرئاستين # 57 # في خراسان يخطب بمساوئ الأمين، وقد أعد رجلا يحفظ شعر أبي ~~نواس، فإذا انعقد المجلس قام فذكر الأمين وقال: «ومن جلسائه رجل ماجن، كافر ~~مستهزئ، متهكم يقول كذا وكذا» وينشد من ms038 قبائح شعره، ويذكر أهل العراق ~~فيقول: «أهل فسق وفجور، وخمور وماخور»، ويلعنهم من يحضر من أهل ~~خراسان. # كان للأمين عيون في خراسان، فكتبوا إليه يخبرونه بالأمر؛ فجزع له وتوعد ~~أبا نواس، وحرم عليه شرب الخمر، وذكرها في شعره، فكان صاحبنا يتألم لهذا ~~المنع فيطيع مكرها، لا خوفا من غضب الأمين وبطشه، وإنما حبا له ~~وحفاظا على سمعته، وربما مرت به ساعات فما يستطيع عن الخمر صبرا، ~~فيشربها غير مبال، ويسب الأمين ويهزأ به، والأمين يتغاضى عنه ولا يطيق أن ~~يؤذيه، ورمي مرة بالثنوية وشهد عليه عدة نفر، فأمر به الأمين إلى السجن، ~~فتذمر أبو نواس وشكا واستنجد بالمأمون، إذ يقول: # أما الأمين فلست أرجو دفعه # عني فمن لي اليوم بالمأمون! # وكان المأمون يود أن يرى عنده شاعرا كأبي نواس، فلما بلغه استنجاده به ~~قال: «والله لئن لحقته لأغنينه غنى لا يؤمله.» على أن الشاعر لم يشأ أن ~~يترك الأمين مع ما لقي منه في آخر عهده، وكان من حقه أن يناصر المأمون لو ~~جارى نزعته الشعوبية وميله إلى الفرس، والشعوبية والفرس منهم يظاهرون ~~المأمون، ولكنه آثر البقاء مع الأمين لأسباب منها أنه كان يحبه وتلذ له ~~معاشرته ومنادمته، فلا طاقة له بالابتعاد عنه، ومنها أن له من الدالة عليه ~~ما لا يأمل أن ينال مثله عند المأمون، ومنها أن أهل خراسان شيعيون يشددون ~~في أمر الغفران كأصحاب الاعتزال، وكان أبو نواس عظيم الاتكال على عفو الله، ~~ففضل عليهم أهل السنة؛ لأنهم لا يحظرون العفو على مسلم ارتكب الكبيرة إذا ~~خرج من الدنيا على غير توبة، بل يجعلون حكمه عند الله؛ فإما أن يغفر له ~~برحمته، وإما أن يشفع به النبي إذ قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.» ~~وإما أن يعذبه بمقدار جرمه ثم يدخله الجنة برحمته، ولا يجوز أن يخلد في ~~النار مع الكفار. # فهذه الأسباب كانت تدفع الشاعر إلى إيثار الأمين على أخيه، مع ما رأى فيه ~~من ضعف وخمول وتقلب آراء. # توبته وموته # ولما قتل الأمين وظفر المأمون ms039 بالخلافة أصاب أبا نواس شيء من الجزع ~~والقنوط، وتنكر له الدهر فتبرم الحياة وسئم ملاذها وغرورها، وأبى أن يتقرب ~~من المأمون أو يمدحه، وكان المأمون قد جعل مقر الخلافة في خراسان، ولبث ~~هناك نحوا من ست سنوات حتى استتب له الأمر في بغداد فانتقل إليها. # وكان بوسع الشاعر أن يتصل به ويستميله بالمديح، ولكن اليأس الذي ساوره ~~بعد مقتل الأمين جعله يزهد في الحياة الدنيا، وتراءى له شبح الموت فراعه، ~~وأحس أن قواه تحطمت من كثرة فسوقه واستهتاره؛ ففزع إلى ربه يستغفره، ~~وأقلع عن المجون وشرب الخمر، وتنسك حتى هلك وهو على أشد ما يكون من الندم. ~~وكانت وفاته في بغداد وله من العمر نحو من أربع وخمسين سنة، ودفن في مقابر ~~الشونيزي. # صفاته وأخلاقه # وصفه ابن منظور فقال: «كان حسن الوجه، رقيق اللون، حلو الشمائل ، # 58 # ناعم الجسم، عظيم الرأس، شعره منسدل على وجهه وقفاه دائما، ~~وكان ألثغ بالراء يجعلها غينا، وكان نحيفا وفي حلقه بحة لا تفارقه.» ~~ا.ه. # وكان إلى ذلك رقيق الطبع، ظريف النكتة، خفيف الظل، شديد السخر ~~والاستهزاء، ماجنا لا يبالي ما يقول وما يفعل، وقد يتزيا بزي الزهاد ~~ليتوصل إلى فاحشة يرتكبها أو معصية يقترفها، وكان يؤثر المجاهرة بفجوره ~~وسكره، ويكره التستر والمتسترين، وصراحته جعلته لا يحفل بأقوال الناس فيه، ~~ولا يخجل من التحدث بتعهره. # وكان كريما متلافا لا يذخر للغد ما يكسبه في يومه: # واشرب وجد بالذي تحوي يداك لها # لا تذخر اليوم شيئا خوف فقر غد # 59 # وكان يحتقر الأغنياء الذين يستعبدون الناس بأموالهم، فإذا ضمه وإياهم ~~مجلس تكبر عليهم، وكان يكره الإلحاح في المسألة، ويرعى عهد أصحابه فما ~~يغتابهم، ويريد منهم أن يحفظوا مغيبه. # على أنه لم تسلم طباعه من التبرم بالناس، واليأس من صدق مودتهم، ويبدو ~~ذلك منه عند ضيقه في حبسه أو إفلاسه، وكثيرا ما لازم الإفلاس شاعرنا لعظم ~~سخائه، فتراه متشائما، شاكيا متبرما يقول: # عليك باليأس من الناس # إن الغنى ويحك في الياس # فهذا الشاعر السمح الطروب، السادر في ms040 فتكه وغلوائه، لم يخل عيشه من ~~ساعات سود تجده فيها عابسا قنوطا. # تلونه في نسبه # سأله الخصيب في مصر عن نسبه فأجاب: «أغناني أدبي عن نسبي.» وقيل إنه ~~كان يخجل به فيخفيه، ويخفي اسم أمه لئلا يهجى، وقيل أيضا إنه كان يجهله، ~~فلذلك كثر تلونه فيه وتنقله في القبائل؛ فزعم في أول دعوته أنه من ولد ~~عبيد الله بن زياد بن ظبيان من تيم اللات من بكر وائل، فقيل له: «إن ~~الرجل الذي تدعى إليه لا عقب له؛ لأنه فلج ومات ولا ولد له، فلو أنك ~~قلت من ولد أبان بن زياد أخي عبيد الله قلنا معك.» فاستحيا أبو نواس وهرب ~~من تيم اللات، وادعى أنه تميمي من ولد الفرزدق، وتكنى بأبي فراس وهي كنية ~~الفرزدق، وأخذ يتعصب للنزارية ويهجو اليمن، حتى وقع بينه وبين الحكم بن ~~قنبر التميمي ملاحاة، فهجاه الحكم ودفعه عن تميم، وعيره نسبه وذكر بريه ~~العود، فافتضح أبو نواس، فانقلب على النزارية وادعى اليمنية، وانتسب إلى ~~قبيلتي حاء وحكم، فزجره يزيد بن منصور الحميري خال المهدي، وقال له: «أنت ~~خوزي # 60 # فما لك ولحاء وحكم.» فقال: «أنا مولى لهم.» فتركته اليمانية، ~~وقال بعضهم لبعض: «إنه لظريف اللسان، غزير العلوم فدعوه، وبهذا الولاء ~~يتعصب لنا، ويكايد عنا ويهجو النزارية.» فكان كما قالوا؛ فانقلب إلى اليمن، ~~وعدل عن كنيته بأبي فراس، واكتنى بأبي نواس، وتندم على هجاء اليمن، وكان قد ~~هجا معها هاشم بن حديج الكندي، فاعتذر له ومدح اليمن. # فيتبين من ذلك أن شاعرنا لم يكن ذا عصبية عربية، وإنما انتسب إلى ~~نزار ليعتز بها، فلما دفعته نزار وهجاه أحد أبنائها لجأ إلى اليمن، ومع ~~أن اليمن رضيت به مولى لها فقد كان يؤثر التعاجم، ويفضل الفرس على العرب، ~~ويشايع الشعوبية، وقد أفضى به تعاجمه إلى السجن، كما مر بنا. # أساتذته وعلومه # رغب أبو نواس في العلم والأدب منذ صباه، فقرأ القرآن على يعقوب الحضرمي ~~حتى حذقه، فقال له يعقوب: «اذهب فأنت أقرأ أهل البصرة.» وجلس إلى ms041 الناشئ ~~الراوية فقرأ عليه شعر ذي الرمة. # واختلف إلى كثير من العلماء والأدباء، وكان والبة بن الحباب أكثر أستاذيه ~~تخريجا له، وجلس في البصرة بعد تبديه إلى أبي عبيدة يأخذ عنه أخبار العرب ~~وأيامها، وإلى خلف الأحمر يسأله عن الشعر ومعانيه، وإلى أبي زيد الأنصاري ~~يكتب عنه الغريب من الألفاظ، ثم نظر في نحو سيبويه، ثم طلب الحديث فأخذه عن ~~عبد الواحد بن زياد العبدي، ويحيى القطان، وأزهر السمان، وغيرهم من كبار ~~محدثي البصرة، ولم يتخلف عن أحد منهم حتى برع في كل علم طلبه؛ فإذا هو ~~راوية للشعر واسع الرواية، يحفظ الأحاديث بالإسناد، محكم القول، عالم ~~باللغة لا يخطئ، مطلع على الحكمة الهندية واليونانية، حتى قال فيه بعض من ~~شاهدوه: «كان أقل ما في أبي نواس قول الشعر.» يريدون بذلك تفوقه في علوم ~~عصره. # قال إسماعيل بن نوبخت: «ما رأيت أوسع علما من أبي نواس ولا أحفظ منه مع ~~قلة كتبه، ولقد فتشنا منزله بعد موته فما وجدنا له إلا قمطرا # 61 # فيه كتاب مشتمل على نحو وغريب لا غير.» # نظمه الشعر # ظهرت النجابة على أبي نواس وهو صغير السن طري العود، لم يطر شاربه بعد، ~~فنظم الشعر، وعرف بفصاحة اللسان، وأشهر شعره في صباه قوله: # حامل الهوى تعب # يستخفه الطرب # وقيل له: «كيف عملك حين تريد أن تصنع الشعر؟» قال: «أشرب حتى إذا كنت ~~أطيب ما أكون نفسا بين الصاحي والسكران صنعت الشعر، وقد داخلني النشاط، ~~وهزتني الأريحية.» # 62 # وقال أيضا: «لا أكاد أقول شعرا جيدا حتى تكون نفسي طيبة، وأكون في ~~بستان مونق، # 63 # وعلى حال ارتضيتها من صلة أوصل بها أو وعد بصلة، وقد قلت وأنا ~~على غير هذه الحال أشعارا لا أرضاها.» # وكان يعمل القصيدة ثم يتركها أياما، ثم يعرضها على نفسه، فيسقط كثيرا ~~منها ويترك صافيها، ولا يسره كل ما يقذف به خاطره، ولكن هذا التنخل لم ~~يتناول جميع شعره؛ فروي له شيء من الساقط المرذول، وكان يهمه الشعر في ~~الخمر، فلا يعمله إلا ms042 في وقت نشاطه، ولم يكن في النظم بالبطيء ولا بالسريع، ~~بل كان في المنزلة الوسطى. # آثاره # ديوان شعر مختلف لاختلاف جامعيه؛ فإنه عني بجمعه رهط من الأدباء منهم: ~~أبو بكر الصولي، وعلي بن حمزة الأصبهاني، وطبع غير مرة في فينا ومصر ~~وبيروت، وفي صدر الطبعة المصرية فصل لجامعه الأصبهاني في منزلة شعر أبي ~~نواس ونقده، وهذه المجموعة تتضمن أكثر من ثلاثة عشر ألف بيت، رتبت على اثني ~~عشر بابا؛ فالأول: في نقائضه مع الشعراء وأخباره معهم ومع القيان، ~~والثاني: في المديح، والثالث: في المراثي، والرابع: في العتاب، والخامس: في ~~الهجاء، والسادس: في الزهد، والسابع: في الطرد، والثامن: في الخمر، ~~والتاسع: في ما جاء بين الخمر والمجون، والعاشر: في غزل المؤنث، والحادي ~~عشر: في غزل المذكر، والثاني عشر: في المجون. وقد أهمل الناشر # 64 # الباب الأخير فلم يثبته في الطبعة؛ لأنه رأى فيه ما يصم ~~الآداب، وحسنا فعل، ولكننا لا ندري بأي عين نظر إلى الباب التاسع فإن فيه ~~من التعهر ما لا يقل عما ورد في الباب الثاني عشر. # وجمع ابن منظور صاحب «لسان العرب» تاريخ أبي نواس ونوادره وشعره ومجونه ~~في كتاب سماه «أخبار أبي نواس»، وقد طبع الجزء الأول منه في مصر سنة 1924 ~~مضبوطا بالشكل، مشروحا بعض الشرح، ولكن الحكومة المصرية منعت متابعة نشره ~~لما فيه من فحش مضر بالأخلاق. # وكتب الأدب حافلة بأخبار أبي نواس وأشعاره؛ لشدة اهتمام الناس برواية ~~شعره، فإنهم كانوا يتفكهون به، ويؤثرونه على أشعار القدماء؛ فسار على ~~الأفواه كل مسير، فروي له في مصر أشعار لم يعرفها أهل العراق، وضاعت له ~~قصائد لم يبق منها شيء، أو بقي بيت أو بيتان، ونحل شعرا كثيرا لم ينحل ~~مثله أحد، ذلك أنه سلك طريقا جديدا في الشعر، فإن أكثر أشعاره في ~~اللهو والتشبيب والمجون، وكان في عصره طائفة من المجان يذهبون مذهبه، ~~وليس لهم حظ من الشاعرية والشهرة مثله، فأصبح الناس يلحقون به كل شعر في ~~الخمر والمجون لم يعرف صاحبه، ولم يعن الرواة ms043 بشعره. # وأضيف إليه من النوادر والأخبار كما أضيف إليه من الأشعار، فقد وضع عليه ~~ابن الداية - وكان مشهورا بصحبته - روايات لا صحة لها، وفي «أخبار أبي ~~نواس» لابن منظور المصري نوادر أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة، مما يدل على ~~أن أهل مصر شغفوا بالشاعر كأهل العراق، فراحوا يتفننون في اصطناع الأخبار ~~الغريبة عنه، فحملوه أحمالا ثقيلة زادت سمعته تشويها، ونحن - وإن كنا لا ~~يخامرنا ريب في خلاعته وحوداثه المجونية - لا يسعنا إلا أن نشك في بعض ~~نوادره التي يظهر عليها التفنن وحب التفكهة والإغراب، وسنعتمد في درس شعره ~~على المشهور منه الذي لا يشك في نسبته إليه. ~~(8-2) ميزته # ما ترك أبو نواس غرضا من الشعر إلا خاض فيه ونال قسطا منه، فقد أوتي شاعرية ~~جوادة يفيض بها الطبع السمح الطرب، ويثقفها الفن الدقيق البارع، فإذا هي تنطق ~~بشعر كالماء سلاسة وعذوبة، وكالرياض قطعا وألوانا، تختلف باختلاف أشكالها ~~وأنواعها، فمنها ما ينفرد به صاحبنا فما يجاريه متقدم ولا متأخر وذلك في الخمر ~~والعبث والمجون، ومنها ما يجيده ولا يقصر به وذلك في المدح والهجو والطرد ~~والزهد، ومنها ما يقصر به ولا يجيده وذلك في الرثاء والغزل البريء، ولا سيما ~~المؤنث منه. # فشعر أبي نواس كما يظهر لنا على ثلاثة أقسام؛ قسم: يطبعه بطابعه الخاص، ~~ويحتكره احتكارا لا ينازعه فيه أحد، وقسم: يشارك فيه غيره من الشعراء، وقسم: ~~يجري به وراء المجلين فما يشق لهم غبارا، وسنحاول تحليل هذه الأقسام الثلاثة؛ ~~لنظهر ميزتها واضحة، فيبدو ما لشاعرنا من خصائص جعلته مثالا صادقا لعصره من ~~ناحيتي الجد والعبث، وبوأته منزلة لا يسمو إلى مثلها غير عباقرة ~~الشعراء. # ونشرع أولا في درس خمرياته وما يتبعها من لهو ومجون وآراء وعقائد، ثم ندرس ~~غزله فمدحه فرثاءه فهجوه فطرده فزهده، حتى نتبين ذاتيته ومنزلته، وما كان له من ~~أثر بليغ في عصره. # الخمر والمجون # إذا أردت أن تغوص في أعماق نفس أبي نواس، وتتبين حقيقته فما تستطيع ذلك ~~في شعره الجدي، وإنما تستطيعه في عبثه ms044 ولهوه، في خمرياته ومجونه؛ فهي مرآة ~~صافية تنعكس عليها ذاتية الشاعر الماجن. # وأبو نواس يشرب الخمر ويتعبد لها، فإذا ذكرها افتن في وصفها، وشبب بها ~~تشبيبه بأحب الناس إليه، وقد سنحت له معان في وصفها لم يفتضها سواه؛ فعرف ~~بها وعرفت به، وجعلته في هذا الفن نسيج وحده. # وإذا وصف الخمرة صورها أحسن الصور، وأحاطها بألطف التشابيه ~~والاستعارات، ووصف معها الكئوس والنديم والساقي والخمار ومجلس لهوه، وقص ~~أخباره الفاحشة لا متكتما ولا مستحيا؛ فهو صريح يؤثر المجاهرة، ويكره ~~التستر، ويود لو يستوعب اللذة من جميع نواحيها، لئلا يفوته طرف منها، ~~فتسمعه يقول: # ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر # ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # فكأنه أراد أن يلتذ سمعه بذكرها، كما التذت العين برؤيتها، واليد ~~بلمسها، والفم بذوقها، والأنف بشمها، أو لعله أراد المجاهرة بذكرها، فأمر ~~الساقي أن ينادي باسمها. # فأشعاره تطلعنا على صراحته؛ فنراه مجاهرا بتعبده للخمر وسكره المتواصل، ~~مجاهرا بفتكه ومجونه، وقد يستوقفنا قوله: # فعيش الفتى في سكرة بعد سكرة # فإن طال هذا عنده قصر الدهر # فكأنه يريد أن يقصر أيام حياته بالسكرات المتواصلة لا يعقبها صحو، وهذا ~~شأن رجل لا يخلو عيشه من شقاء ويأس وحب انتحار، وأبو نواس لم يكن بنجوة من ~~مرارة العيش؛ فقد ذاق طعم الحاجة، وحبس وقهر مرارا وانتقص من قدره ~~أحيانا، وكانت علته ترافقه وهو في ميعة شبابه، فلا غرو أن يبدو عليه شيء ~~من التطير والقنوط، فيؤثر ساعة السكر على ساعة الصحو؛ لكي لا يشعر بشقاء ~~نفسه. # وقد يظل في شرب متواصل حتى يفلس فيرهن ثيابه أو يبيعها، ليشرب ~~بها: # فبعت قميصا سابريا وجبة # وبعت إزارا معلم الطرفين # 65 # ويؤثر اصطباحها عند صياح ~~الديك، ولذلك كثر إسراؤه ليلا إلى بيوت الخمارين، وشعره أوعب معجم لأسماء ~~الحانات والملاهي في بغداد وغير بغداد، فلا يترك موضعا تنسب إليه الخمر ~~الطيبة إلا ذكره ووصف خمرته. # فإذا تم له خمرة يصطحبها في أحد هذه المواضع، فتلك لذة العيش عنده، كيف ~~لا والخمرة شقيقة نفسه، ms045 يتعبد لها ويؤثرها على الصلاة، ويسميها أحسن ~~الأسماء، ويصفها ألطف الأوصاف، ويبكي عليها لأن القرآن حرمها وهو يريد ~~تحليلها، ولكنه يشربها وإن حرمت: # ولكنني أبكي على الراح أنها # حرام علينا في الكتاب المنزل # سأشربها صرفا وإن هي حرمت # فقد طالما واقعت غير محلل # 66 # ولذلك يؤثرها مطبوخة بالشمس لا بالنار؛ لئلا تصير نبيذا محللا: # فاطبخ الراح بشمس # فكفى بالشمس نارا # وما ينتهي من التشبيب بها إلا ليصف مجالس لهوه، ويتحدث بما يأتي من ~~الأعمال الشائنة، فيشتد حينئذ مجونه، ويكثر فحشه واستهزاؤه، وتبدو أخلاقه ~~بما فيها من مرض وفساد، وأحسن المجالس عنده في الرياض والبساتين، بين ~~الأزهار والرياحين، وعلى الأخص إذا جاء فصل الربيع، ويطيب له الشراب على ~~آلات الطرب وأصوات المغنين، يحف به الساقي والنديم، وتراه شديد الاهتمام ~~بهما، يصفهما وصفا دقيقا، وقد يفضلهما على الخمرة التي يتعبد لها، وأكثر ~~ما يكون ساقيه من الغلمان، فإذا وصفه شبهه بأبناء الخلفاء والملوك من ~~عباسيين وغساسنة، وربما دارت عليه بالكأس جارية، ولكنها تكون غالبا غلامية ~~مطمومة الشعر. # 67 # وإذا وصف النديم لمست في شعره عاطفة الإعظام له والعطف عليه، والعناية ~~بمصاحبته ومداراته؛ فيطلعنا على أدبه معه، ثم على خير الندامى عنده، وعلى ~~آداب المنادمة عموما، فيضع لأصحاب اللهو والشراب قوانين ليسيروا عليها، ~~وعنايته باختيار النديم ثم إعظامه للخمر جعلاه يحرم شربها على اللئام، وعلى ~~الذين ليسوا بأكفائها. # ولا يغفل عن وصف الكئوس فيقف إزاءها موقف مصور بارع، فيرسم ما عليها من ~~التصاوير والخطوط؛ فيعطينا فوائد جليلة في حسن صناعتها عند الشعوب التي ~~خالطت العرب، وفيما كان ينقش عليها من الصور التاريخية. # ثورته على القديم # وخمرياته تطلعنا على ~~تجدده وثورته على القديم، فهو - كما عرفنا - شعوبي النزعة يؤثر الفرس على ~~العرب، وينفر خصوصا من الحياة البدوية، ولا يأنس بأساليب الأعراب، من وقوف ~~على الأطلال وبكاء على الدمن، ولا يلذ له وصف النوق والشياه والوحش ~~والقفار، وإنما يطيب له أن يصف ملاهيه ومجالس لذته، فكان يهزأ بالشعراء ~~الذين يقفون على الديار، ويبكون الأطلال البالية، ms046 ويستنطقون آثارها، ~~ويسألونها عن ليلى وهند وسواهما من عرائس الشعر، ويدعوهم إلى اتباع ~~مذهبه: # لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند # واشرب على الورد من حمراء كالورد # آراؤه وعقائده # لم يكن لشاعرنا مذهب يعتمده إلا اللذة، فعليها وحدها بنى آراءه وعقائده، ~~وفي خمرياته ومجونه يظهر لنا مذهبه هذا، ~~مسخرا له أحكام الدين ~~وشرائعه، قانعا من دنياه بكأس وحبيب: # رضيت من الدنيا بكأس وشادن # تحير في تفصيله فطن الفكر # وإذا لامه في ذلك لائم صاح به: # يا من يلوم على حمراء صافية # صر في الجنان ودعني أسكن النارا # وأبو نواس مسلم يؤمن بالله وبالرسول، ولكنه مستهزئ فاتك، حريص على لذته، ~~فإذا عرضت له تناولها من أية ناحية بدت، ولو خالف فيها شرائع الإسلام، وإذا ~~طلب إليه أن يحج ويتوب إلى ربه قال: # وقائل: هل تريد الحج؟ قلت له: # نعم إذا فنيت لذات بغذاذ # 68 # وحج لما حجت صاحبته جنان ولولاها لما حج، وكان يضن بوقته أن يضيعه في ~~الصلاة وهو على شرابه، فإذا سمع نداء المؤذن قال لساقيه: # عاطني كأس سلوة # عن أذان المؤذن # ويصوم رمضان مكرها، فما يفتأ يتذمر عليه، فإذا ضاق به ذرعا هجاه وأفطر ~~وشرب وتعهر، وكان شديد الاتكال على عفو الله، وله في ذلك نظر فلسفي: # خلق الغفران إلا # لامرئ في الناس خاطي # 69 # ويريد أنه لولا الخطيئة لما كان الغفران، والغفران بلا خطيئة لا معنى ~~له، وقد يلتمس العفو بطريقة مجونية ظريفة، فيقول: # وضع الزق جانبا # ومع الزق مصحفا # واحس من ذا ثلاثة # واتل من ذاك أحرفا # 70 # خير هذا وشر ذا # فإذا الله قد عفا # فلقد فاز من محا # ذا بذا عنه واكتفى # واتكاله على عفو الله ~~جعله ينكر على النظام - شيخ المعتزلة - تشدده في أمر الغفران، ويرميه ~~بالكفر والإزراء بالدين، فيقول: # فقل لمن يدعي في العلم فلسفة: # حفظت شيئا وغابت عنك أشياء! # وجملة ما يقال في أبي نواس والخمر أنه أحبها حتى العبادة، فافتن في ~~وصفها افتنانا لم يجاره أحد فيه، حتى قيل: «لقد ms047 وصف أبو نواس الخمر وصفا ~~لو سمعه الحسنان # 71 # لهاجرا إليه، ولعكفا عليه.» وحتى إن أصحابه سجدوا لشعره عندما ~~أنشدهم: لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند # وخمرياته أصدق صورة لنفسه الخالعة الرسن، وللروح البغدادية الماجنة في ~~عصره. # غزله # لأبي نواس غزل كثير، فيه ~~من المجون والصراحة ما يصور حقيقة هذا الشاعر المتهتك، وكان أصدق عاطفة في ~~غزل المذكر منه في غزل المؤنث؛ لقلة اعتداده بالنساء، وقد حاول بعض أهله أن ~~يزوجوه ليردوه عن غوايته فأبى، وقيل إنه تزوج جارية من أهل بيته، ولكنه ~~ما أمسى حتى طلقها، ومن كانت هذه حاله فلا بدع أن تضعف فيه عاطفة الغزل في ~~النساء. # ولكنه عاشر بعض الإماء، وشبب بهن لا لأنه أحب واحدة منهن حبا صادقا، ~~بل لأنهن كن غير مصونات لا يتحرجن من مجالسة الخلعاء على الشراب، وكن ~~إلى ذلك يصلحن للمنادمة؛ لبراعتهن في الشعر والرواية والغناء، فأبو نواس لم ~~يعرف من الحب غير إشباع شهواته، فصدف عن الحرائر المتحصنات، وقنع منهن ~~بالمبتذلات، وكان يؤثر الغلاميات على غيرهن، وهن الجواري اللواتي كن يتزيين ~~بزي الغلمان، وكثيرا ما ذكرهن في شعره، ووصف أشكالهن وأزياءهن. # وقيل إنه أحب جنان جارية آل عبد الوهاب الثقفي، وكانت جميلة المنظر، ~~أديبة ظريفة، تعرف الأخبار، وتروي الأشعار، ولما حجت حج معها ليجمعه ~~وإياها المسير، واشتهر شعره بها؛ فعرفت مولاتها فبعثت إليه: «إن أردت ~~وهبتها لك.» فأخبرت جنان بذلك فرضيت، ولكنها اشترطت عليه أن يقلع عن فجوره ~~وقبح سيرته؛ فأبى ولم يضمن لها هذا الشرط، فحرم محبتها كما حرم محبة عنان ~~جارية الناطفي، وغيرهما من ظرائف الإماء، وهذا يدلنا على أن حبه لجنان لم ~~يكن صادقا وقويا كما تصوره بعض الرواة، وإنما كان يؤثرها على غيرها من ~~الولائد، حتى إذا هجرته لم يؤلمه هجرها، ورجت منه مرة أن ينقطع عن زيارتها ~~لتكف ألسنة الناس عنها؛ فعمد إلى نكايتها وتشهيرها، فقال: # يا معشر الناس فاسمعوه وعوا: # إن جنانا صديقة الحسن # وروى صاحب «الأغاني» أن ~~أبا نواس رآها مرة في ms048 ديار ثقيف فجبهته بما كره فغضب وهجرها مدة؛ فأرسلت ~~إليه رسولا تصالحه فرده ولم يصالحها، فلو صدق حبه لها لما تأبى مصالحتها ~~وأعرض عنها. # ورووا أنه رآها مرة في مأتم تندب وتلطم، فقال: # لا زال موتا دأب أصحابه # وذاك أن أبصره دابي # 72 # فلو كان يحبها حقيقة لما تمنى تتابع الوفيات في أهلها وأصحابها؛ ليراها ~~أبدا سافرة لاطمة نادبة، فهذا حب وحشي يجعل صاحبه يتلذذ بألم محبوبه، ولم ~~يكن أبو نواس كذلك مع من يحب. # وفي «الأغاني» رواية عن بعض آل ثقيف يكذب فيها حب أبي نواس لجنان يقول: ~~«إن ذلك لم يكن إلا عبثا خرج منه.» وهذا ما نعتقده؛ فإن الشاعر لم يخلص ~~في حبه لجارية ثقيف؛ لأن نفسه الفاسقة صرفته عن الحب الصحيح، ولم يصاحب ~~الإماء والجواري إلا للهو والعبث، فلم يحظ عندهن لعلمهن بأمره، وقد تغزل ~~بهن كثيرا؛ فكان هذا الغزل ضعيف العاطفة، متكلفا في أكثره، ولا سيما ~~العفيف منه. # والغزل العفيف قليل في شعر أبي نواس، وبعضه جميل لبراعة فنه، وبعضه الآخر ~~ضعيف ظاهر التكلف. # مدحه # لأبي نواس في المدح لغة غير اللغة التي يتحدث بها إلى الغلمان والإماء في ~~الخمر والمجون والغزل، فإذا رأيت الطبع والسهولة والرقة في تلك فستلقى ~~الرصانة وتخير الألفاظ، وتكلف الغريب في هذه، فهو - في عبثه - يحادث الطبقة ~~العامة على الأخص، فيفرغ معانيه في قالب لطيف لا يعسر فهمه؛ فيحفظه الناس ~~ويتغنى به القيان والمغنون. وأما في مدحه فيتحدث إلى طبقة خاصة تتألف من ~~الخلفاء والأمراء وهؤلاء يؤثرون اللغة الشريفة بلفظها الرصين وأسلوبها ~~القديم، فكان شاعرنا يجاري أهواءهم، ويغتنم من ذلك فرصة ليرى أصحاب اللغة ~~براعته في معرفة الغريب، واطلاعه على مذاهب العرب العرباء، فإذا هو كالشاعر ~~الجاهلي يقف على الديار، ويذكر الأحبة، ويصف ناقته حتى يتخلص إلى ممدوحه ~~فيسبغ عليه حلل الثناء. # فإذا أنت قرأت هذا الشعر، ورأيت ما فيه من جزالة وشدة أسر، أنكرت أن يكون ~~أبو نواس صاحبه بعد أن عرفت الرقة والسهولة في خمرياته وغزله، فأبو نواس ms049 في ~~مدحه محافظ أكثر منه مجددا، متكلف مقلد على كره منه، مغال أحيانا حتى ~~يبلغ حد الإحالة، وتكاد شخصيته لا تبين في بعض مدائحه لولا خاطرات منثورة ~~يلمحها الناقد البصير. # ولعل شخصيته تذوب في أكثرها عندما يمدح الرشيد والبرامكة؛ لأن الرشيد ~~كان مهيبا، فيترصن في مدحه أكثر مما يترصن في مدح غيره من الأمراء الذين ~~تقرب إليهم ونادمهم فأصبح له دالة عليهم، وهكذا كان شأنه في مدح ~~البرامكة؛ لأن هؤلاء لم يقربوه كثيرا، فتوسل إليهم بالمديح خشية منهم، ~~وطمعا في نوالهم. # وكان في مدح الأمين أصدق عاطفة منه في مدح غيره، ولا غرو فإنه أحب ~~الأمين، وكان له خلا ونديما، وأكثر ما ينعته بالشباب والجمال، وشرف ~~الأخلاق، وسخاء الكف، وحسن التدين، وغير ذلك من النعوت الحسنة، وله قصيدة ~~قالها في العباس بن عبيد الله بن أبي جعفر المنصور هي من أطيب شعره وأروعه، ~~تمثل أبلغ تمثيل لغة الشاعر وأسلوبه في المدح، وقد استهلها بخطاب صاحب له، ~~خانه في مودته ومال إلى غيره؛ فتخلى أبو نواس منه، وطرده عنه، وافتخر عليه ~~بأصحابه ووفائه لهم، وبسعة صدره وطول أناته في مداراة الخلان، وإن كانوا ~~ينطوون على حقد وبغضاء. # ثم ينتقل انتقالا بديعا إلى وصف بعيره الذي قطع به القفار إلى ممدوحه، ~~فيتخلص بذلك إلى المدح. # فهذه القصيدة من أبلغ شعره الجدي وأشرفه لفظا ومعنى، وأوقعه رنة ~~ونغما، فقد ارتفع بها الشاعر ارتفاعا أدهش الرواة وعلماء اللغة، ففضلها ~~أبو عبيدة على قصيدة امرئ القيس التي أولها: رب رام من بني ثعل. # ولما سمعها ابن الأعرابي قال: «أحسن والله، لو تقدم هذا الشعر في صدر ~~الإسلام لكان في صدر الأمثال السائرة.» وكان أبو نواس يقول: «إذا أردت الجد ~~قلت مثل قولي: أيها المنتاب عن عفره.» # رثاؤه # ليس في رثاء أبي نواس كبير غناء، فكأن نفسه في تطلبها السرور، ونفورها من ~~الأشجان؛ أبت عليه أن يعرف الحزن الصحيح فيجيد الرثاء، ولم يكن له أسرة ~~يهمه أمرها فيحزن إذا أصيب أحدها بمكروه. # وروي له بيتان في ms050 رثاء ابن له، ولا ندري كيف جاءه هذا الولد؛ لأن رواة ~~أخباره يؤكدون أنه أعرض عن عروسه وطلقها يوم زواجه بها، فلم تبت ليلة ~~عنده، ومنهم من يزعم أنه لم يتزوجها، وهبه رزق ولدا منها أو من غيرها ~~فليس في رثائه لهذا الولد شيء من الحنو الأبوي، وإليك ما يقول فيه: # لعمرك ما أبقى لنا الموت باقيا # نقر به عينا غداة نئوب # 73 # كأني وترت الموت بابن أفاده # على حين حانت كبرة ومشيب # 74 # وكان كثير الأصدقاء، وأكثرهم من المجان، ولكن ليس له في رثاء أحدهم شيء ~~يعتد به؛ فقد كان يريدهم للهو والعبث لا للحزن والبكاء، ورثى أستاذه والبة، ~~فجاء رثاؤه ضعيف العاطفة مع ما كان بينهما من مودة قديمة، ولا عجب فالمودات ~~لا يطول لها عمر؛ بل تخف وتزول بالافتراق والتباعد، وكرور الأيام والسنين، ~~ومات الرشيد فلم يجزع عليه؛ لأنه لم يمدحه عن حب وإخلاص، ولم يستطع رثاءه ~~بأكثر من بيتين جافين باردين. # ولعل نفسه لم تشعر بفراغ حولها إلا يوم مصرع الأمين، فقد استولى على أبي ~~نواس يأس وقنوط، وآلمه فقد خليله ومورده العذب، وأحس الخسارة الجسيمة التي ~~لا تعوض؛ فبكى صديقه ورثاه، وكان صادق البكاء، عاطفي الرثاء، ومع ذلك فقد ~~ضاقت ذراعه عن رثائه بأكثر من بضع مقطعات لا تزيد واحدتها على أربعة أبيات، ~~منها قوله: # طوى الموت ما بيني وبين محمد # وليس لما تطوي المنية ناشر # فلا وصل إلا عبرة تستديمها # أحاديث نفس ما لها الدهر ذاكر # 75 # وكنت عليه أحذر الموت وحده # فلم يبق لي شيء عليه أحاذر # لئن عمرت دور بمن لا أوده # لقد عمرت ممن أحب المقابر # 76 # وكان صاحبنا يشعر بعجزه ~~في هذا الفن، فإذا رثى أحدا وتعمد الإطالة ستر عجزه بوصف الطيور والوحوش، ~~فيذكر مناعتها في الجو والآكام والجبال، ثم يستفيض في إظهار قوتها ونشاطها ~~وشدة فتكها؛ ليستخلص من جميع ذلك حكمة ساذجة، وهي أن هذه السباع المنيعة لا ~~تنجو من الموت، ولو نجا حي من الموت لكانت أولى من ms051 غيرها بالنجاة، ثم ينتقل ~~إلى مرثيه فيزوده ببضعة أبيات ليس فيها ما يحزنك أو يرضيك. # وفي هذا النوع يكثر تكلفه وغريبه، بحيث تشعر أنه يتعمد الإغراب تعمدا؛ ~~ليستر ضعفه وقصر يده، ولنا في رثائه لأستاذه خلف الأحمر أصدق شاهد على ذلك، ~~فقد جاء به وحشي الألفاظ غريبا، يشغل القسم الأكبر منه ذكر الجوارح ~~والوحوش. # هجوه # الهجو في شعر أبي نواس على ثلاثة أقسام: سياسي شعوبي قبلي، وتكسبي، وشخصي ~~ومنه العبثي؛ فالسياسي ما ظهرت به شعوبيته في هجو القبائل العربية، ولا ~~سيما النزارية بعد انتسابه إلى اليمن، وإن تكن حياته الماجنة لم تجعل منه ~~شعوبيا جديا، وكان هجاؤه شديد الوطأة فاحشا مؤلما، فلم يدع قبيلة إلا ~~مزق أعراضها، حتى إنه لم يعف عن قريش بل تهكم بها وعيرها التجارة، ~~ولكنه كان أرفق بها من غيرها؛ لأن النبوة والخلافة فيها. # وكان شديد الإعجاب بجرير، وبمهارته في الهجاء؛ فلذلك يحذو حذوه في اللذع ~~والتعيير، ثم في رصانة العبارة وجزالة اللفظ، فكأنه أراد أن يجعل هجاءه ~~لقبائل الأعراب صورة عن الهجو الذي تعودوه من شعراء صدر الإسلام؛ فخاطبهم ~~باللغة التي يألفون، ويبدو لنا في هذا القسم من الهجاء اطلاع الشاعر على ~~أحوال العرب وعاداتهم وأخبارهم، ومثالبهم وأيامهم. # وأما هجاؤه التكسبي فلم يكن يصطنعه للإلحاح في السؤال، أو لتهديد الممدوح ~~إن لم يحسن صلته فعل بشار؛ فأبو نواس لم يكن على شيء من هذه الغلاظة، وإنما ~~كان معجبا بشاعريته، عارفا قدر نفسه، شديد الحرص على منزلته الأدبية، ~~فإذا بخسه أحد حقه نقم عليه وهجاه، وكان إلى ذلك شديد التبذير لا يغنيه ~~القليل من العطاء، فإذا قتر عليه الممدوح أو ظهرت له منه جفوة رحل عنه ~~وهجاه؛ فقد حقد على البرامكة وهجاهم أخبث هجاء، لأنهم استهانوا بمكانته، ~~وقدموا عليه أبان بن عبد الحميد اللاحقي، وما كان أبان ليستحق هذه التقدمة، ~~وهجا الخصيب بعد أن مدحه لأنه لم يلق منه ما كان يتوقعه، أو لأن الخصيب ~~ضاق ذرعا بتبذيره، فطلب منه أن يرحل عنه، وهجا الهيثم بن ms052 عدي؛ لأن ~~الهيثم لم يقرب مجلسه لما دخل عليه، وكان لا يعرفه، وهجا أبان بن عبد ~~الحميد؛ لأن أبانا حسده فلم يضعه في المرتبة التي يستحقها لما عهد إليه ~~البرامكة في تفريق الجوائز على الشعراء. # وأما هجاؤه الشخصي العبثي فكان يتناول به العلماء والشعراء، والبخلاء ~~والثقلاء، وسواهم؛ فمنه ما يقصد به إلى المنافسة، ومنه ما يقصد به إلى ~~الدعابة، وأكثره خال من الضغينة والكره، ولكنه حافل بالفحش والرذيلة ~~كهجائه النظام وأبا عبيدة وعنان والرقاشي وغيرهم. # ومما ينبغي ذكره أن لغته في هجوه السياسي أجزل وأحكم من لغته في سائر ~~هجائه، ولا سيما ما كان منه دعابا فإنه لا يخلو من لين وإسفاف وتكلف ~~الصنعة. # طرده # يكاد أبو نواس يعنى بطردياته عنايته بخمرياته؛ فإن الصيد كان من أسباب ~~ملاهيه، وملاهي الأمراء الذين نادمهم، فوصفه وصفا دقيقا، وأجاد في بعضه ~~كل الإجادة، وأكثر طردياته أراجيز، فقد ذكر الرواة أنه لم يقل في الطرد ~~إلا تسعا وعشرين أرجوزة، وأربع قصائد، فما كان زائدا على ذلك فهو ~~منحول. # وأراجيزه تعتمد على قافية واحدة، ولغته في وصف الصيد شديدة الأسر، كثيرة ~~الغريب كلغته في مدائحه. فهذا الفن وإن يكن من ملاهي الشاعر فإن صاحبنا ~~حباه من قوة الإحكام بشيء كثير. ولا يخفى أن الغريب من ميزات الأراجيز، فلم ~~يشأ أبو نواس أن يجاوز هذا التقليد الموروث، فسار على خطة رؤبة بن العجاج ~~وأبيه، # 77 # ولكنه وشى شعره بالصناعة الجميلة وحلاه بالمعاني الحضرية ~~الجديدة. # وأكثر طردياته في وصف الكلاب، وأقلها في الفهد والبازي والصقر والفرس ~~والديك الهندي وسواها. وإذا نعت الكلب وصف لونه وأذنيه وقوائمه، وأظافره ~~وذنبه وقده، ووصف حركاته ونشاطه، ووثباته عندما يقوده الكلاب، ثم ~~انطلاقه وراء الصيد وغير ذلك، حتى يصوره تصويرا دقيقا متناهيا. # ويبدأ أرجوزته - على الغالب - بقوله: «انعت كلبا ... انعت ديكا.» أو ~~يستهلها ذاكرا هبوبه في الصباح، وإيقاظه الكلب للصيد. # زهده # لم يكن أبو نواس زنديقا ~~ملحدا، وإنما كان مستهزئا، مسرفا في الخلاعة والمجون، شديد الاتكال ~~على عفو الله؛ فغير عجيب أن ms053 يتزهد في آخر حياته بعد أن شبعت نفسه من ~~المعاصي، وبرى الداء جسمه بريا، فإذا أنت قرأت زهدياته لمست فيها ندامة ~~صادقة وإيمانا بالله كبيرا، وقد قال بعضها في شبابه يوم كان راكبا رأسه، ~~مرخيا لعنان شهواته، فكأنه كانت تمر به ساعات خوف وندم، فتخرج من صدره ~~أحر التأوهات والزفرات. # ما أدرك عليه # روي لأبي نواس شعر ساقط لا يليق بجلالة قدره في دولة القريض، ولعل ذلك ~~مما نحلوه إياه، أو مما قاله في حال سكره؛ فإنه كان يكثر الارتجال ~~والتعابث حين يسكر؛ فيجوز ما لا يجوز، ولم يكن ليرضاه في صحوه، وربما عبث ~~باللغة نكاية بالعلماء المتشددين، فيشذ عن القواعد اللغوية غير مبال، وهذا ~~ما يقع له غالبا في شعره المجوني، وإذا وقع له في شعره الجدي دافع عنه ~~وأخرجه على وجه يرضاه العلماء، كما أخرج قوله: «ككمون النار في حجره.» ومما ~~يؤخذ عليه قوله: # رشأ تواصين القيان به # حتى عقدن بأذنه شنفا # 78 # فقد جعل فاعلين لفعل واحد وهذا مكروه، وقال شنفا والصواب شنفا. ~~وقوله: # رأيت كل من كان أحمقا معتوها # في ذا الزمان صار المقدم الوجيها # يا رب نذل وضيع نوهته تنويها # هجوته كيما أزيده تشويها # 79 # فهذان البيتان لا يستقيمان على بحر من البحور المعروفة. وشغف أبو نواس ~~بأوجه البيان والبديع فجد في طلبها حتى أفرط أحيانا وتبغض، ~~كقوله: # لما بدا ثعلب الصدود لنا # أرسلت كلب الوصال في طلبه # فقبيح أن تدخل الثعالب والكلاب في غزل يشكو به المحب هجر حبيبه. # وأدرك عليه سرقات توكأ فيها على معان سبق إليها، ولكنه كساها حللا ~~جميلة، فسارت بين الناس وعرفت له. وأكثر ما عيب عليه تصرفه في قواعد الصرف ~~والنحو والعروض، وجنوحه إلى الغلو حتى الإحالة كقوله في مدح ~~الرشيد: # حتى الذي في الرحم لم يك صورة # لفؤاده من خوفه خفقان # فهذا محال؛ لأن ما لا صورة له لا وجود له، فكيف يشعر بالخوف من لا وجود ~~له، وكيف يكون له فؤاد؟ ~~(8-3) منزلته # قال أبو عبيدة: «أبو ms054 نواس في ~~المحدثين مثل امرئ القيس في المتقدمين، فتح لهم هذه الفطن، ودلهم على المعاني، ~~وأرشدهم إلى طريق الأدب والتصرف في فنونه.» وقال ابن عائشة: «من طلب الأدب فلم ~~يرو شعر أبي نواس فليس بتام الأدب.» وقال أبو حاتم: «كانت المعاني مدفونة حتى ~~أثارها أبو نواس.» وقال أبو عمر الشيباني: «لولا ما أخذ فيه أبو نواس من ~~الأرفاث # 80 # لاحتججنا بشعره؛ لأنه كان يحكم القول ولا يخلطه.» # فيتضح من هذه الأقوال - على تباين نزعاتها - ما كان لشاعرنا من المنزلة ~~السامية عند الأدباء الأقدمين. وكان أشدهم محافظة على القديم - كابن الأعرابي ~~وأبي عبيدة والأصمعي - يقبلون على رواية شعره، ولا سيما الخمري مع ما فيه من ~~مجون وأرفاث وخروج على القديم؛ وما ذلك إلا لأنهم كانوا يشعرون بلذة هذا ~~الجديد، وما فيه من لطف وظرف، وإن كانوا يقدسون القديم وينزهونه. # وقد أوتي أبو نواس من سيرورة الشعر ما جعله يغير على معاني غيره، فيأخذها ~~ويحسنها فتروى له ولا تروى لأصحابها. وأقبل الناس على رواية شعره لسهولته ~~وجدة معانيه وألفاظه، ثم لأنهم رأوا فيه صورة صادقة لعصرهم، وراقهم ما به ~~من ظرف ومجون؛ فأحبوه وحفظوه. # وأبو نواس في تصويره عصره يتناول ناحيتي الجد والعبث، فيجمع بشعره ما في عصره ~~من خلاعة وفتك ومجون، وما فيه من ثقافة وعلم وفنون؛ فشعره يحمل لغة الجواري ~~والغلمان بتخنثها وظرفها، ولغة الخمارين والمجان وأخبارهم ومعابثاتهم، ~~وكثيرا من الألفاظ المولدة التي لم يعرفها المتقدمون، كاستعمال باس بمعنى ~~قبل، ونعت الحبيب بالمولى والسيد، ويصور مشاهد الحضارة الجديدة بصناعتها ~~وفنونها، وحدائقها وملاهيها، ومواخيرها وحوانيتها، وأزيائها وأشكالها، وفيه ~~نتعرف الزي الغلامي الذي شاع في صدر الدولة العباسية حين أخذ الجواري ~~يقصصن شعورهن؛ تشبها بالغلام الرومي أو التركي أو الديلمي؛ فأطلق أبو نواس ~~وعصبته لفظة الغلامية على كل جارية مقصوصة الشعر، وهذه اللفظة تناسب لفظة ~~“La garçonne” # التي يطلقها الفرنجة اليوم ~~على الفتيات المتشبهات بالغلمان. # وأبو نواس يطلعنا في شعره على مبلغ ما وصل إليه مجتمعه من استهتار بالمعاصي، ~~واستهزاء من الدين ms055 بسبب انتشار البدع، وفي اعتماده على الله يطلعنا على اختلاف ~~آراء السنة والمعتزلة في شأن الغفران، وفي هجائه العرب وتفضيله الحضارة ~~الفارسية يمثل إلى حد ما تلك الجماعة الشعوبية التي كانت تكره العرب وتناوئهم، ~~وفي عبثه ومجونه يرفع لواء التجديد والمجددين، وفي جده ورصانته يصور طبقة ~~المحافظين خير تصوير. # ويرينا من علوم عصره واختلاط الثقافات فيه لغة العرب ومذاهب الكلام عندهم، ~~وحضارة الفرس وأوصافهم، ومنطق اليونان ودقة معانيهم، واصطلاحات أصحاب الكلام في ~~مجادلاتهم، فمن أي ناحية أتيته تجده شاعر الشخصية وشاعر العصر معا. # وكان أثره بليغا في الآداب؛ لأنه بث روح التجدد في الشعراء، وفتح لهم ~~كنوز المعاني الحديثة فاقتفروا معالمه، وتحداه بعضهم في إنكار القديم، واستكراه ~~أساليب الأعراب، وحضهم بمجونه وصراحته على الاسترسال في العبث والتهتك ~~فاسترسلوا وراءه، وعبثوا وتهتكوا، وفتحوا باب الخلاعة على مصراعيه. ~~(9) أبو تمام 788-845م/172-231ه (؟) ~~(9-1) حياته # هو حبيب بن أوس الطائي، منسوب إلى طيء القبيلة العربية المشهورة، وكنيته ~~أبو تمام وبها عرف. ومنهم من يدفع نسبته إلى طيء، ويزعم أن والده نصراني من ~~أهل جاسم # 81 # يقال له تدوس # 82 # العطار، فلما أسلم غير اسمه فصار أوسا. # ولد أبو تمام في القرية المذكورة، فحمله والده إلى مصر وهو طفل، فنشأ فيها ~~حتى إذا ترعرع أخذ يسقي الماء في الجامع، وقيل: بل كان يخدم حائكا ويعمل ~~عنده. # ثم اختلف إلى مجالس الأدباء وأهل العلم فأخذ عنهم، وكان ذكيا فطنا يحب ~~الشعر، فلم يزل يعانيه حتى برع فيه ونبه ذكره، فاتصل بالأمراء ومدحهم فأجازوه ~~ورفعوا قدره. # ويتبين من شعره أنه وفد على المأمون في خلافته فمدحه، ولكنه لم يتصل به كما ~~اتصل بأخيه المعتصم من بعده، فإن المعتصم أعجب بشعره، وقدمه على شعراء زمانه؛ ~~فبعد صيته، واتسعت ذات يده، وكان ولوعا بالأسفار؛ فطفق يتنقل في الولايات ~~ويمدح أمراءها، وهؤلاء يسبغون عليه نعمهم، ولما مات المعتصم واستخلف بعده ابنه ~~الواثق مدحه أبو تمام، ولكنه لم يتصل به اتصاله بأبيه؛ لذلك قلت مدائحه ~~فيه. # وكان الحسن بن وهب قد ms056 ولاه بريد الموصل، فأقام أقل من سنتين ومات بها؛ ~~فبنى عليه أبو نهشل بن حميد الطوسي قبة خارج باب الميدان على حافة ~~الخندق، وأراد بذلك أن يبالغ في إكرامه بعد وفاته؛ لما له من المراثي البليغة ~~في أبيه. # 83 # صفاته وأخلاقه # كان مديدا، أسمر اللون، يتمتم إذا تكلم لحبسة في لسانه، ولا يحسن ~~الإنشاد؛ فكان غلامه الفتح ينشد شعره عنه. وكان قوي الحافظة، قيل إنه حفظ ~~أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير المقاطيع والقصائد. # ومما يروى عنه أنه كان يوما في مجلس أبي سعيد الطائي، # 84 # فدخل البحتري - وهو فتى - وامتدح أبا سعيد بقصيدة؛ فحفظ أبو ~~تمام أكثرها وادعاها وقال إن البحتري انتحلها، فصدق أبو سعيد كلامه ~~لمكانته في الشعر، ووبخ البحتري لمدحه إياه بشعر مسروق؛ فخجل البحتري. ~~فلما رأى أبو تمام ذلك قال: «الشعر لك يا بني، والله ما قلته قط ولا ~~سمعت به إلا منك، ولكنني ظننت أنك تهاونت بموضعي، فأقدمت على الإنشاد ~~بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا، تريد مضاهاتي ومكاثرتي، حتى عرفني ~~الأمير نسبك وموضعك ، ولوددت ألا تلد طائية إلا مثلك.» # 85 # وهذه الرواية لا تقتصر على إظهار قوة الحافظة في الشاعر، بل تظهر أيضا ~~عصبيته في بني طيء، واعتداده بشاعريته، وهذا الاعتداد جعله يتحامى الدنايا، ~~ويأبى التذلل إذا مدح، ويحدثنا صاحب «الأغاني» أن أبا تمام مدح عبد الله ~~بن طاهر وهو على خراسان فنثر عليه ألف دينار؛ فلم يمسسها بيده ترفعا عنها، ~~فالتقطها الغلمان. # وكان فطنا حاضر البديهة، كريم الأخلاق، كثير المروءة، ولطالما استخدم ~~نفوذه وشعره لمساعدة من يلوذ به ويعتمد عليه. # وعاش في بيئة رفيعة، فلم يصحب غير الخلفاء والأمراء؛ لذلك قل تبذله ~~واستتر في معاصيه، ولم يمعن في شرب الخمرة، على أنه تسرى بالجواري ~~والغلمان كغيره من أهل عصره، وشبب بهم، ولكنه لم يتعهر في شعره كأبي ~~نواس؛ بل صانه عن المجون، فلم يرو له من فاحش القول غير شيء قليل. # وكان إلى ذلك حسن الإسلام، قوي عاطفة الدين، وإن لم يحافظ جد ms057 المحافظة ~~على شرائعه وأحكامه. # آثاره # لم يجمع شعر أبي تمام حتى جاء الصولي فرتبه على الحروف، ثم رتبه ~~علي بن حمزة الأصبهاني على الأنواع، وشرحه الصولي وغيره، ولكنهم لم يتوسعوا ~~في شرحه؛ فبقي أكثره غامضا، فقل الإقبال عليه، وطبع ديوانه في بيروت سنة ~~1889، مشتملا على 463 صفحة قطعها متوسط، مرتبا على ثمانية أبواب؛ أولها ~~في المدح، ويستغرق ثلثي الديوان، والثاني في الرثاء، والثالث في المعاتبات، ~~والرابع في الأوصاف، والخامس في الغزل، والسادس في الفخر، والسابع في الوعظ ~~والزهد، والثامن في الهجاء. # وأبو تمام أول شاعر عني بالتأليف، فاشتهر باختياراته؛ منها مختار كتاب ~~الحماسة، وهو أشهر مختاراته، وقد وصل إلينا، ويعرف بحماسة أبي تمام؛ ~~تمييزا له عن حماسة البحتري، وفيه طائفة من الشعراء المقلين، والشعراء ~~المغمورين غير المشهورين، بوبه عشرة أبواب: الأول في الحماسة، وهو أطول ~~الأبواب؛ لذلك سمي الكتاب به من باب تسمية الكل باسم الجزء، والثاني في ~~المراثي، والثالث في الأدب، والرابع في النسيب، والخامس في الهجاء، والسادس ~~في الأضياف والمديح، والسابع في الصفات، والثامن في السير والنعاس، ~~والتاسع في الملح، والعاشر في مذمة النساء. وقد شرحه كثيرون وطبع غير ~~مرة. ومنها نقائض جرير والأخطل، صدرها بكلمة في حرب قيس وتغلب، ونشرت في ~~بيروت، نشرها الأب صالحاني اليسوعي. ~~(9-2) ميزته # لم يترك أبو تمام بابا من الشعر إلا ولجه وكان له حظ فيه، ولكن شهرته ~~قامت على مدحه ورثائه؛ فرأينا أن نخصهما بالدرس والتحليل؛ لنتبين فيهما ميزته، ~~على أن نلم بعد ذلك بسائر الأبواب إلماما فنحيط بشعره من جميع أطرافه، ~~ونستجلي خصائص هذا الشاعر الذي شغل الناس في عصره وبعد عصره زمنا ~~طويلا. # مدحه # وقف أبو تمام معظم شعره ~~على المدح، فلم يدع خليفة ولا أميرا عاصره إلا رحل إليه ومدحه وتكسب منه ~~واتصل به، ولكنه قلما تذلل في استجدائه؛ بل تغلب عليه الأنفة والرصانة، ~~وأكثر مدائحه فخمة جليلة، منها في الخلفاء كالمأمون والمعتصم والواثق، ~~ومنها في الأمراء، والقواد والوزراء، كنسيبه أبي سعيد الطائي، وأبي دلف ~~العجلي من قواد ms058 المأمون والمعتصم، ومالك بن طوق التغلبي صاحب الجزيرة، ~~والوزير ابن الزيات، وآل وهب من وزراء الدولة، والقاضي أحمد بن أبي دؤاد ~~الإيادي، وسواهم. # ومدائح أبي تمام على ثلاثة أنواع من حيث الاستهلال؛ فمنها ما يتحدى به ~~الأقدمين، فيبتدئ بوصف الديار الخالية، وذكر الأحبة، والنياق والقفار، ثم ~~ينتقل إلى المدح، وربما كان انتقاله اقتضابا فعل الشاعر الجاهلي، ومنها ~~ما يبتدئ فيه بالحكم، أو بوصف الطبيعة، أو بوصف الخمر، وفيه يكثر حسن ~~تخلصه؛ لأنه يبتعد به عن الأسلوب القديم، ومنها ما يتناول به الغرض ~~ابتداء دون توطئة واستطراد. # ويمتاز مدحه بفرة فوائده التاريخية؛ فإنه يحمل إلينا فيه أخبار ~~الحروب التي جرت بين المسلمين وأعدائهم، وعلى الأخص بينهم وبين الروم، أو ~~بينهم وبين الخرمية، ويصف انتصارات العرب، وهزائم العداة، وخراب ديارهم، ~~ويذكر أسماء القواد والفرسان، وأسماء الأماكن التي جرت فيها الحروب، وقد ~~يطلعنا على عادات أهل العصر، وأخلاقهم واعتقاداتهم، وتغمر العاطفة الدينية ~~مدائحه، وخصوصا ما كان منها في المعتصم؛ فإنه يحسن كل عمل يأتيه، ~~ويجعله من الله، ولو نتج عن هذا العمل خراب بلد بأسره . # ومن ميزاته الغلو، وهو ميزة عصره، ولكنه قليل الإفراط فيه، وإذا أفرط جعل ~~الشرط مانعا مثل قوله: # لو أن طول قناته يوم الوغى # ميل إذا نظم الفوارس ميلا # 86 # ويمتاز أيضا بما في مدحه من منطق واتساق أفكار، وحكم وأمثال سائرة، ~~مبثوثة في تضاعيف أبياته، وبما فيه من عصبية عربية تحمله على الإسراف في ~~ذكر مناقب العرب، وتزيين الحياة البدوية، ومساكن الأعراب وقبائلهم ~~وشعرائهم. # وكان أصدق لهجة في مدح أنسبائه منه في غيرهم، ولعل مدحه للخلفاء أضعف ~~عاطفة من غيره إلا ما كان منه في ذكر حروب الروم والخارجين على الخلافة، ~~وبطش المسلمين بهم، ويعود ذلك على أن الشاعر كان يتشيع للعلويين مع تقربه ~~من العباسيين، وأكثر الناس في ذاك العهد كانوا يعطفون على أبناء علي، ~~ويحبونهم ويؤثرونهم على سواهم، ويرون فيهم ضحايا بريئة على مذابح السياسة، ~~ولكن فيهم فئة معتدلة لم تر الخروج على السلطان، ولم تستنكر ms059 الأمر في ~~العباسيين؛ لأنهم هاشميون لهم الحق في الخلافة كالطالبيين، ومن هذه ~~الفئة كان شاعرنا؛ فإنه لم يستنكف من مدح العباسيين وموالاتهم، والدفاع ~~عن حقوقهم في الخلافة، غير أنه لم يستطع كتمان حبه لأبناء فاطمة فمدحهم ~~منددا بمن ناوأهم واضطهدهم ونكل بهم: # فعلتم بأبناء النبي ورهطه # أفاعيل أدناها الخيانة والغدر # 87 # ثم يقول: # جعلت هواي الفاطميين زلفة # إلى خالقي ما دمت أو دام لي عمر # وهذا التنديد يتناول العباسيين والأمويين على السواء، ولكنه لم يحمل ~~خلفاء بني العباس على إقصاء الشاعر والانتقام منه؛ لأنه خصهم بأحسن ~~مدائحه، ودافع عن حقهم في الخلافة خير دفاع. # وينبغي أن نعلم أن أبا تمام لم يمدح العلويين إلا يوم كان فتى دون ~~السابعة عشرة من عمره، يدل على ذلك قوله في الرائية نفسها: # وإن الذي أحذاني الشيب للذي # رأيت ولم تكمل لي السبع والعشر # 88 # وكان يومئذ في مصر كما يستفاد من قصيدته هذه، فلما اتصل بالعباسيين أفاض ~~عليهم مدائحه، واعتصم بالتقية؛ فسكت عن مدح العلويين فلم يحقد عليه بنو ~~العباس. # وأبو تمام شديد الإعجاب بشعره، فإذا تم له ما أراد من إطراء ممدوحه ~~وذكر مآثره، ووصف غاراته وانتصاراته؛ استطرد على الغالب فختم قصيدته ~~بإهدائها إلى ممدوحه كما تهدى العروس إلى خاطبها، فيصف فضائلها وما فيها ~~من جدة وحسن لا تبليهما الأيام، ويغلب استطراده بقوله: خذها، أو ما أشبه ~~ذلك: # خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى # والليل أسود رقعة الجلباب # 89 # بكرا تورث في الحياة وتنثني # في السلم وهي كثيرة الأسلاب # 90 # ويزيدها مر الليالي جدة # وتقادم الأيام حسن شباب # 91 # ومن أروع شعره بائيته التي مدح بها المعتصم بعد فتحه عمورية # 92 # سنة 223ه/837م، وكان الشاعر في صحبته، وشهد الواقعة بنفسه؛ ~~فوصفها أبدع وصف. وقد ~~استهلها بتكذيب المنجمين الذين زعموا أن الزمان غير موافق للفتح؛ فندد ~~بهم وبكتهم، وفي ذلك يقول: # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب # 93 # رثاؤه # شموس كاسفة، ونجوم غائرة، وظلام يطبق الآفاق. # عيون ذارفة، ms060 ونفوس حائرة، وغصص آخذة بالخناق. # خطب ينتظم العالم بشجنه، وعالم متفجع بطوله وعرضه. # الفضل لف في كفنه، والبأس غيب في أرضه. # تلك أظهر خصائص الطائي في الرثاء، متلهف، كثير التفجع، جياش العاطفة، ~~صادق اللهجة، ولا سيما رثاؤه لأنسبائه؛ فإن فيه الشعور القوي بالخسارة، ~~والمباهاة بالميت، والمغالاة في ذكر صفاته. هو رثاء مدح وفخر وتعظيم وإكبار ~~للخطب الشامل، لا رثاء ضعف عاطفي، وبكاء أليم، وليس له رثاء تظهر فيه نفسه ~~متألمة حزينة ضعيفة إلا ما قاله في أخيه وابنه. وعلى الجملة فإن أحسن ~~مراثيه ما جاء في أهله وأقربائه؛ فجعل له منزلة تعادل منزلته في مدحه على ~~قلة مراثيه، وفرة مدائحه. # ومع اتصاله بالعباسيين لم يحسن رثاء واحد منهم؛ فقد مدح المأمون ولم ~~يرثه، وبالغ في مدح المعتصم يوم كان متصلا به، فلما مات المعتصم لم يخصه ~~بمرثية، بل جعل رثاءه في قصيدة هنأ فيها الواثق بالخلافة، فغلبت عليها ~~صفة المدح؛ لأن الشاعر لم يقصد إلى الرثاء إلا على سبيل تعزية الابن ~~بأبيه، أو ليأخذ بنوع طريف من البديع وهو الافتنان؛ أي أن يؤتى بفنين ~~متضادين في قصيدة واحدة، كالتهنئة والتعزية، أو كالمدح والهجاء. # ومن ذلك نفهم أن الشاعر لم يكن شديد الإخلاص لبني العباس، وإنما توسل ~~إليهم بمدائحه ليفيد منهم، ولا ينبغي أن ننسى تشيعه، وإن كان في تشيعه ~~معتدلا حكيما. # وأكثر ما يستهل مراثيه بنعي الميت إلى أحياء العرب، أو بشكوى الدهر، أو ~~بدعوة الناس إلى العويل، وإذا جاشت عاطفته واندفعت في حماستها، تضاءل عندها ~~العقل فما تجد منه واعظا أو حكيما، بل ملتاعا متفجعا، وقد يرسل المثل ~~السائر، ولكنه مثل عاطفي أكثر مما هو عقلي، كقوله في نسيبه محمد بن حميد ~~الطوسي الطائي: # 94 # هيهات لا يأتي الزمان بمثله # إن الزمان بمثله لبخيل # فعمل العقل في رثاء أبي تمام وسط، وما العمل الأكبر إلا للاندفاع ~~العاطفي، وأحسن مراثيه في محمد بن حميد هذا، ثم في خالد بن يزيد ~~الشيباني. # 95 # عتابه # كان أبو تمام يضن بشعره أن يذهب ms061 ضياعا فما ينال به جائزة؛ فكان إذا ~~أبطأ عليه ممدوحه عاتبه متلطفا، وذكره القصائد التي مدحه بها، ولكنه لا ~~يلحف في عتابه ولا يهدد، بل يؤنب ممدوحه تأنيبا لطيفا، ويظهر له منزلة ~~شعره في شيء من الترفع والإباء، ويطعن في شعر غيره فيجعله خسيسا ~~مرذولا. # وصفه # الوصف في شعر الطائي: منه مستقل بقصائد وأراجيز ومقطعات، ومنه مبثوث في ~~مدائحه وسواها من الأغراض، وقد وصف شاعرنا الحرب والخيل والإبل والنساء ~~والغلمان والشيب واحتضار الميت والطبيعة والشراب، فأفاض في ذكرها جميعا، ~~ولكن وصفه يبدو عليه أحيانا شيء من الجمود والانقباض، فما تدفعك صوره إلى ~~الانجذاب معها في الخيال الفسيح، ويعود ذلك على أن الشاعر يغوص في عباب ~~معقوله أكثر مما يطير في سماوات مخيلته، ويسرف - على الغالب - في استعمال ~~الغريب وأوجه البديع، حتى تجف صوره وتجفو، وتفقد كل حركة وحياة. # غزله # قد يطول تعبك ويعز طلبك إذا حاولت أن تلتمس العاطفة الصادقة في الغزل ~~الذي كان أبو تمام يوطئ به مدائحه وتهانيه، فهذا الغزل لم يأت به الشاعر ~~تلبية لهمسات فؤاده، وإنما جاء به إرضاء لنزعات نفسه إلى التقليد، فإذا هو ~~يقف على الطلول، ويسلم على الديار، ويبكي على الرسوم، ويستنطق الآثار، ~~ويذكر عرائس الشعر اللائي شبب بهن المتقدمون. # وهذا الغزل جاف في أكثره، جاف في معانيه، وإذا عثرت فيه على تشبيب حسن ~~يرضيك، فما تعثر على شعور رقيق يؤثر فيك، وقد تلفي فيه الصنعة على غرابة ~~لفظه وبداوة معانيه، ولكنك لا تتبين نفسية صاحبه في قوافيه، فهو غزل كاذب ~~لا يصور عاطفة العاشق المحب، بل يمثل كلف الشاعر بتقليد المتقدمين، ~~وإعجابه بمذاهب أهل الخيام، وعرائس الشعر عندهم. # على أن لأبي تمام غزلا غير هذا يصور عاطفته أصدق تصوير، وهو الذي تجده ~~في ديوانه مقطعات صغيرة، منها بيتان ومنها أربعة، وقلما زادت كبراها على ~~ستة، فهذه المقطعات إن هي إلا زفرات مشتعلة تتقد بها نفس الشاعر المستهام، ~~فترى منه محبا شديد الغيرة على محبوبه، يتلظى غيظا إذا زاحمه فيه ~~مزاحم. # وفي هذا ms062 النوع من الشعر ترق ألفاظه، وتلطف معانيه، ويقل تكلفه لاقتصاده ~~في طلب الصنعة. # ولم يتعهر في هذا الغزل إلا قليلا؛ ذلك بأن أخلاق الطائي تأبى ~~المجاهرة بالخلاعة، وتؤثر الترصن والوقار، غير أنه لم يشذ عن خطة ~~معاصريه في التذلل للمحبوب، وإظهار العبودية له. # وأضيفت إليه أبيات رويت لأبي نواس، ومن الصعب تحقيق نسبتها إلى أحدهما، ~~على أن في بعضها من النكتة والظرف ما يدفعنا إلى أن نرده على شاعر ~~الأمين. # فخره # كان أبو تمام عربيا في نزعته ينتمي إلى طيء بالولاء على الأرجح؛ فافتخر ~~بعروبته، وافتخر بقومه، وذكر أجوادهم وفرسانهم، وفيهم أمثال حاتم وزيد ~~الخيل، وكان شديد الإعجاب بشعره؛ فافتخر به وفاخر الشعراء، ونزل المشيب ~~برأسه وهو في السابعة عشرة من عمره، فجعل منه موضوعا لفخره، كيف لا والشيب ~~عنده عنوان الكمال! # الوعظ والزهد # لم يتنسك أبو تمام كما تنسك غيره من الشعراء، ولا عرف الزهد إلى نفسه ~~سبيلا، بل ظل يجني من الحياة أحلى ثمارها، ويستنشق أطيب أزهارها، لا يتورع ~~من إثم يرتكبه، ومحرم لا يجتنبه، فقد كان من طلاب اللذة ولكنه آثرها ~~مستترة. # وكان ككل خاطئ ابتلي بالمعاصي، تمر به ساعات خوف وندم، فتتمثل له الآخرة ~~وعذابها، فتطير نفسه شعاعا؛ فيفزع إلى ربه مستغفرا متندما، ويقف من نفسه ~~موقف الواعظ الحكيم، فيؤنبها على استهتارها وغفلتها، ويذكرها الموت والفناء ~~والعذاب. # وليس له شعر كثير في الزهد؛ لأن هذا النوع لم يكن من طلباته، وإنما كان ~~يعرض له على كره منه، فينظمه خاضعا لتأثير نفساني طارئ لا يلبث أن يزول، ~~ويبدو هذا التأثير عظيما عندما تسمعه يتمنى أن يصبح بعد موته رفاتا ~~محضا، لا نفس له خالدة في نعيم أو جحيم: # فيا ليتني من بعد موتي ومبعثي # أكون رفاتا لا علي ولا ليا # ولكنه حسن الإيمان بالله، شديد الاتكال عليه، فإذا الخوف والرجاء ~~يعتلجان في صدره: # أخاف إلهي ثم أرجو نواله # ولكن خوفي قاهر لرجائيا # 96 # ويقول أيضا: # وإني جدير أن أخاف وأتقي # وإن كنت لم أشرك بذي العرش ثانيا ms063 # وهذا البيت يظهر لنا الشاعر كبير الذنب، ولكنه صادق في عقيدته، مخلص ~~لإسلامه. # هجوه # لم يعن أبو تمام بالهجو السياسي؛ لأنه كان علوي النزعة، مقربا من ~~العباسيين، فلم يتأت له أن يهجو الشيعة ولا بني العباس، وكان عظيم الحظوة ~~عند الأمراء وأكثرهم من الموالي؛ فأقصر عن هجاء الشعوبية، والرد على ~~شعرائها الذين أفحشوا في تعيير العرب، واقتصر على هجاء الشعراء الذين ~~تعرضوا له حسدا، فعابوا شعره ورموه بالسرقة والانتحال، واقتصر أيضا على ~~هجاء طائفة من الفتيان الذين صحبوه ثم ملوا صحبته؛ فندد بهم ونشر ~~مخازيهم، وجاء هجوه لهم مفعما بالغيرة الخانقة، وحب الاستئثار، وهجاؤه - ~~في جملته - غير بريء من التعهر وانتهاك الحرمات، وهو إلى ذلك سهل الألفاظ، ~~قليل التكلف، عاطفي يجري مع الطبع. # حكمه وآراؤه # ليس لأبي تمام شعر خاص بالحكمة، وإنما كان يبث حكمه في قصائده على ~~اختلاف أغراضها، وكانت كتب الفلسفة والمنطق قد نقلت عن اليونانية، واطلع ~~عليها الناس فشغفوا بها؛ فسبق أبو تمام الشعراء إلى الاستفادة منها، فغاص ~~على معانيها الدقيقة، واستخرجها من أبعد أغوارها، وجعل المنطق له إماما، ~~فأكثر من الأخذ بالأدلة العقلية، وأرسلها حكما وأمثالا، حتى روي له منها ~~ما يربي على مائتي بيت. # فالحكمة في شعر أبي تمام لا تقتصر على اختباراته لحوادث الأيام وتجاربها ~~شأن الشاعر الجاهلي، بل تتعداها إلى التفكير الصحيح؛ لأنه كان يتطلبها ~~بإلحاف، ويتعمدها أكثر مما يأتي بها عفوا. # وحكم الطائي - في جملتها - قائمة على المواعظ الأدبية، والنظر في ~~أخلاق الناس، وتعظيم العقل، وذم الزمان؛ لأنه يشقى به العاقل وينعم ~~الجاهل. # وإذا شئت أن تستخلص لشاعرنا رأيا خاصا بالحياة فبوسعك أن تحصره في ~~دائرة صغيرة، ألا وهي الصبر، ومصانعة الأيام ومداورتها، والاغتراب طلبا ~~للرزق ومحاربة للفقر، فمن ذلك قوله: # ما يحسم العقل والدنيا تساس به # ما يحسم الصبر في الأحداث والنوب # الصبر كاس وبطن الكف عارية # والعقل عار إذا لم يكس بالنشب # 97 # وهذان البيتان يظهران اعتماد الشاعر على الصبر في مصانعة الأيام، ويظهران ~~حبه للمال وتعظيمه له؛ فإنه على ms064 شدة إجلاله للعقل يراه عاريا ضائعا إن ~~لم يكسه المال ويحفظه من الضياع، وحب المال جعل الشاعر يؤثر الاغتراب في ~~طلبه؛ فتنقل بين الولايات، وتكسب من مدح الأمراء. # ما أدرك عليه # أفرط أبو تمام في استعمال البديع، فجره تعمد التجنيس والطباق والإرصاد ~~إلى سقطات كان غنيا عنها، فمن ذلك قوله: # فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت # سلام سلمى ومهما أورق السلم # 98 # فهذا على لغة الآمدي من كلام المبرسمين. # 99 # وأفرط في استعمال الاستعارات، فلم يسلم من العثار، ورويت له استعارات ~~مضحكة لا تليق بشاعريته، كقوله: # في كماة يكسون نسج السلوقي # وتعدو بهم كلاب سلوق # 100 # فقد أراد التجنيس والإرصاد بين السلوقي وسلوق، فجعل خيول الفرسان كلابا، ~~وإسرافه في طلب هذه الأشياء ورطه في مضادات جمة لأصول الفصاحة، وجعل في ~~شعره غموضا لا تحل رموزه إلا بشق النفس، وزاده إبهاما إيثار الألفاظ ~~الحوشية بل الوحشية، مثال ذلك قوله: # أهيس أليس لجاء إلى همم # يغرق الأسد في آذيها الليسا # 101 # فالأهيس والأليس والليس ثقيلة على السماع، ثم استشنعت لاجتماعها في ~~بيت واحد، وقد فصل الشاعر بين النعت والمنعوت بغريب في قوله: يغرق الأسد ~~في آذيها الليسا. وأشبع حركة الياء في أهيس وأليس؛ تشبها بالمتقدمين، مع ~~أن المولدين أخذوا يتحامون أمثال هذا الزحاف بعد وضع العروض، والزحاف ~~في شعر أبي تمام جد كثير، قلما خلت منه قصيدة، وربما تواطأت عدة زحافات على ~~بيت واحد فحطمته تحطيما. # ولم يقتصر على الإسراف في البديع، والخروج على قواعد العروض؛ بل استباح ~~قواعد النحو فلم يرع لها ذمة. وأدركت عليه سرقات كثيرة جره إليها جمعه ~~لأشعار المتقدمين، وسعة روايته؛ فكان يسل المعاني الحسان ويدخلها في ~~شعره، ولكن خصومه بالغوا في تسريقه، فزعم دعبل أن أبا تمام أغار على ~~قصيدة لمكنف بن أبي سلمى من ولد زهير بن أبي سلمى فسرق أكثرها، وأدخله ~~في قصيدته «كذا فليجل الخطب»، وروى صاحب «الأغاني» أبياتا منها جاء في ~~أواخرها: # كأن بني القعقاع يوم مصابه # نجوم سماء خر من بينها البدر ms065 # توفيت الآمال يوم وفاته # وأصبح في شغل عن السفر السفر # وهذان البيتان تجدهما في رائية أبي تمام مع بعض التغيير، على أننا نشك ~~في صحة ما زعم دعبل؛ لأن الأبيات التي ذكرها بينة التوليد لا تشبه ~~أشعار المتقدمين، والأرجح أن دعبلا نظمها ونحلها ابن أبي سلمى؛ بغية ~~إسقاط أبي تمام. # وأورد الآمدي في موازنته بين الطائيين # 102 # طائفة كبيرة من سرقات أبي تمام، وذكر معها الموارد التي استقى ~~الشاعر منها، فأصاب في بعضها وأخطأ في بعضها الآخر؛ لأنه لم يبرأ من ~~التحامل على أبي تمام والميل إلى البحتري، فقد روى له أبياتا وزعم أنها ~~مسروقة، مع أن السرقة فيها ضعيفة غير ظاهرة، وعاب عليه أبياتا أخر دون ~~أن يراعي معانيها الشائعة المشتركة التي لا ينفرد بها شاعر عن شاعر. ~~(9-3) منزلته # شغل أبو تمام الناس بشعره فانقسموا حزبين: حزبا يفرط في التعصب له ويقدمه ~~على كل سالف ومحدث، وحزبا يفرط في التعصب عليه، ويتعمد الرديء من شعره فينشره ~~ويطوي محاسنه. # وغير عجيب أن يشتد الخلاف في هذا الشاعر، فقد حمل إلى الشعر أشياء غير ~~مألوفة، فلم تتفق جميع الأذواق على استياغها والارتياح إليها؛ فإنه جعل الشعر ~~صنعة، وبعد به عن الطبع السمح؛ لإسرافه في طلب التجنيس والطباق ~~والاستعارات. قال الآمدي: «حتى صار كثير مما أتى به من المعاني لا يعرف ولا ~~يعلم غرضه إلا مع الكد والفكر، وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن ~~والحدس.» ا.ه. # وأفرط في اتخاذ الأدلة العقلية بعد اطلاعه على كتب يونان، فازداد شعره ~~إبهاما وتعقدا، وأصبح لا يميل إليه إلا من آثر الصنعة والمعاني الغامضة التي ~~تستخرج بالغوص والفكرة، وكان لمختاراته التي جمع فيها أشعار العرب المتقدمين ~~اليد الطولى في تضليعه من غريب اللفظ ووحشيه، فشغف به وأفرط في استعماله، ~~حتى تأبد أكثر شعره واخشوشن، وسمج وقعه في الآذان، فضاعت فيه معانيه الحسان، ~~فما تعثر على واحد منها إلا كما تعثر على لؤلؤة وضاءة في أكوام من الفحم؛ ~~فأعرض سواد الرواة عن حفظه، ms066 وكان ابن الأعرابي يقول: «إن كان هذا شعرا فكلام ~~العرب باطل.» وابن الأعرابي من أولئك العلماء الذين وقفوا على لغات العرب ~~ومذاهبهم، وآثروا الأسلوب القديم والغريب من اللفظ على الأسلوب الجديد واللفظ ~~الرقيق، ولكنه أنكر على أبي تمام تأبده وغموضه، وتعسفه في طلب البديع والأدلة ~~العقلية، وبعده عن الطبع، مع أن أبا تمام كان يحب الغريب مثله ويترسم البدو ~~في أساليبهم، غير أنه أفسد شعره بكثرة التصنع والإبهام. # وكان إذا قيل له: «لم تقول ما لا يفهم؟» قال: «لم لا تفهمون ما يقال؟!» وفي ~~هذا الجواب من المكابرة ما يدل على اعتداد الشاعر بنفسه وارتضائه بجميع ما تفيض ~~به قريحته، حتى إنه ليبخل ببيت ظاهر عيبه فما يسقطه من قصيدته، وكان يرد على ~~لائمه بقوله: «أنا والله أعلم منه مثلما تعلم، ولكن مثل شعر الرجل عنده ~~مثل أولاده، فيهم الجميل والقبيح والرشيد والساقط، وكلهم حلو في نفسه، فهو ~~وإن أحب الفاضل لم يبغض الناقص، وإن هوي بقاء المتقدم لم يهو موت ~~المتأخر.» # وإسراف أبي تمام في الصنعة والغريب، وبخله بشعره، من الأسباب التي كان لها ~~الأولية في الإكثار من رديئه، فاشتهر جيده لقلته، والجيد في شعره ما اجتمع فيه ~~حسن اللفظ والمعنى، فجاء آية في الإبداع؛ لذلك كان البحتري يقول: «جيده أحسن من ~~جيدي، ووسطي ورديئي خير من وسطه ورديئه.» # ولو وفق أبو تمام لتجميل ديباجته كما وفق في تصيد المعاني لما بلغ شأوه ~~بالغ؛ لأنه أوتي من جودة القريحة، وسعة الخيال، وتنبه الذهن، ما يجعل منه ~~شاعرا لا يجارى، ولو عمل بوصيته للبحتري إذ قال له: «وتقاض المعاني، واحذر ~~المجهول منها، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الزرية، وكن كأنك خياط يقطع ~~الثياب على مقادير الأجسام.» لوقى شعره سقطات كثيرة، ولكن جعل همته في الغوص ~~على المعاني ولم يعن بتقويم ألفاظه، فكان إذا لاح له المعنى أخرجه بأي لفظ ~~اتفق له من ضعيف أو قوي، لا يعنيه منه إلا أن يدخل فيه طباقا أو جناسا، أو ~~استعارة أو إرصادا؛ فنتج ms067 عن ذلك أن سقط معظم معانيه، فجاء بعده من أخذها عنه، ~~وأفرغها في قالب حسن فنسبت إليه. # وعلى الجملة فإن أبا تمام شاعر عبقري يجاري أحيانا الطبقة الأولى من ~~الشعراء المولدين، ولكنه شاعر ضل طريقه فما يلبث أن يتقهقر فتنحط منزلته عن ~~منزلة المبرزين منهم، ولولا تعسفه وصنعته لما فضله مولد، وهو أول شاعر انكشفت ~~له الحكمة اليونانية فاغترف من بحرها، ومهد السبيل من بعده للمتنبي وأضرابه، ~~وأول شاعر عمد إلى التأليف فسخر له اختياره لأشعار المتقدمين من المعاني ما ~~لم يسخر لسواه، ويمتاز شعره بطول النفس، وفخامة الابتداء، وبعد مرامي ~~التفكير، على اندفاع عاطفي. وله المكانة العالية في الرثاء ثم في المدح، ~~ويعد من المجددين في عصره من حيث التزام البديع، ونظم الأدلة المنطقية، ~~والآراء الفلسفية، وقد أغنى اللغة بمعان لم تعرف قبله، كما أغناها بأنواع ~~الاستعارة والتجنيس والطباق. ~~(10) دعبل 765-860م/148-246ه ~~(10-1) حياته # هو دعبل # 103 # بن علي بن رزين الخزاعي، ينتهي نسبه إلى قحطان، وكنيته أبو علي، ~~وقيل إن دعبلا لقب له، وإن اسمه الحسن أو عبد الرحمن أو محمد، وكنيته أبو ~~جعفر، وذكر ابن خلكان أن جده رزينا كان مولى عبد الله بن خلف الخزاعي، ولم ~~يذكر ذلك غيره، بل اتفقوا على صحة عروبته، ونسبته في خزاعة. # وكانت ولادته في الكوفة وبها ~~نشأ، فلما ترعرع جعله مسلم بن الوليد # 104 # في كنفه، فتخرج عليه في الشعر، ولم يأذن له بإظهار شعره إلا بعد ~~أن استوسقت ملكته وسمع منه قوله: «أين الشباب وأية سلكا.» # وكان دعبل في صباه يلقب بمياس؛ لتخنثه وسوء سيرته، ولما اشتدت قواه أخذ ~~يصحب الشطار # 105 # والصعاليك، فحبس وضرب وهو غلام لجناية جناها، ولكنه لم يرتدع، بل ~~ظل يصلت # 106 # على الناس في الليل، حتى خرج مرة هو ورجل من أشجع # 107 # فيما بين العشاء والعتمة، فجلسا على طريق رجل من الصيارفة، وكان ~~يروح كل ليلة بكسبه إلى منزله، فلما طلع مقبلا عليهما وثبا إليه فجرحاه، وأخذا ~~ما في كمه، فإذا هي ثلاث رمانات ms068 في خرقة، ولم يكن كيسه ليلتئذ معه، ومات الرجل ~~مكانه، واستتر دعبل وصاحبه، وجد أولياء الرجل في طلبهما، وجد السلطان في ~~ذلك؛ فطال على دعبل الاستتار، فاضطر إلى الهرب من الكوفة، ولم يرجع إليها إلا ~~بعد أن علم أنه لم يبق من أولياء الرجل أحد. # واتصل الشاعر بالرشيد وهو شاب لم ينبه ذكره بعد، وسبب اتصاله به أن بعض ~~المغنين غنى في قوله: «لا تعجبي يا سلم من رجل.» فغني به بين يدي الرشيد، ~~فطرب له وسأل عن قائله، فقيل له: «دعبل بن علي، وهو غلام نشأ من خزاعة.» فأمر ~~بإحضاره، وخلع عليه وأجازه، وأجرى عليه رزقا سنيا؛ فكان أول من حرضه على ~~قول الشعر حتى نبغ واشتهر اسمه. # ولم يتصل بعد موت الرشيد بغيره من الخلفاء؛ لأنه كان متعصبا للعلويين، ~~يريد الإمامة فيهم، ويؤلمه ما نالهم من التقتيل؛ فنقم على بني العباس، وهجاهم، ~~وأقذع فيهم القول، فبقي دهره كله خائفا، هاربا متواريا، وكان يقول: «أنا ~~أحمل خشبتي على كتفي منذ أربعين سنة # 108 # ولست أجد أحدا يصلبني عليها.» # وظل يتنقل من بلد إلى آخر مستخفيا عن أعين الخلفاء حتى مات، وكان ~~الشراة # 109 # والصعاليك يلقونه فلا يؤذونه، ويؤاكلونه، ويشاربونه، ويبرونه، ~~وكان إذا لقيهم وضع طعامه وشرابه ودعاهم إليه ، ودعا بغلاميه نفنف وشعف - ~~وكانا مغنيين - فأقعدهما يغنيان، وسقاهم، وشرب معهم، وأنشدهم. # موته # يحدثنا الرواة أن دعبلا قصد مالك بن طوق أمير الجزيرة، ومدحه فلم ~~يرض ثوابه؛ فخرج عنه غاضبا، وهجاه فأفحش فيه القول، فطلبه مالك فهرب فأتى ~~البصرة، وعليها إسحاق بن العباس بن محمد العباسي، وكان قد بلغه هجاء دعبل ~~للنزارية تعصبا للقحطانية فقبض عليه، ودعا بالنطع والسيف ليضرب عنقه؛ ~~فحلف بالأيمان المحرجة أنه لم يقلها، وأن عدوا له قالها ونسبها إليه ~~ليغري بدمه، وجعل يتضرع إليه ويقبل الأرض ويبكي بين يديه؛ فرق له ~~وقال: «أما إذا أعفيتك من القتل فلا بد من أن أشهرك.» ثم دعا له ~~بالعصي، فضربه حتى سلح، وأمر به فألقي على قفاه، وفتح فمه فرد ms069 سلحه ~~فيه، والمقارع تأخذ رجليه، فما رفعت عنه حتى بلع سلحه كله، ثم خلاه فهرب ~~إلى الأهواز. # وبعث مالك بن طوق رجلا حصيفا مقداما، وأعطاه سما وأمره أن يغتاله ~~كيف شاء، وأعطاه عشرة آلاف درهم، فلم يزل يطلبه حتى وجده في قرية من نواحي ~~السوس فاغتاله في وقت من الأوقات بعد صلاة العتمة، فضرب ظهر قدمه بعكاز لها ~~زج # 110 # مسموم، فمات من الغد، ودفن بتلك القرية، وقيل: بل حمل إلى ~~السوس فدفن فيها، وكانت وفاته في أواخر خلافة المتوكل. # 111 # صفاته وأخلاقه # كان في صباه على شيء من الملاحة والهيف، فلقب بمياس كما مر بنا، ~~ولعله أصيب بالصمم بعد أن تقدمت سنه فأصبح أطروشا، وكان في قفاه # 112 # سلعة، # 113 # وقيل: بل في عنفقته # 114 # ربما حباه بها تشطره ولصوصيته. # ولم يكن على شيء من كرم الخلق؛ فقد عرف باللؤم، وخبث اللسان، والحسد ~~والغدر واللصوصية والدناءة، وغمط النعمة، وكره الناس، وسمعه بعضهم يقول: ~~«ما كانت لأحد قط عندي منة إلا تمنيت موته.» وله رأي في مصاحبة الناس ~~ومخالقتهم، لا يختلف في شيء عن رأي بشار؛ فإنه كان يقول لمن يلومه على ~~كثرة هجائه للخلفاء والأمراء: «ويحك! إني تأملت ما تقول، فوجدت أكثر ~~الناس لا ينتفع بهم إلا على الرهبة، ولا يبالى الشاعر - وإن كان مجيدا - ~~إذا لم يخف شره، ولمن يتقيك على عرضه أكثر ممن يرغب إليك في ~~تشريفه، وعيوب الناس أكثر من محاسنهم، وليس كل من شرفته شرف، ولا كل من ~~وصفته بالجود والمجد والشجاعة - ولم يكن ذلك فيه - انتفع بقولك، فإذا رآك ~~أوجعت عرض غيره وفضحته اتقاك وخاف من مثل ما جرى على الآخر، ويحك! إن ~~الهجاء المقذع آخذ بضبع # 115 # الشاعر من المديح المضرع.» # 116 # فدعبل كبشار يكره الناس، ويحب التكسب، ويؤثر أن يطلبه بالهجاء بدلا من ~~المديح، وهو كبشار سيئ الظن في أبناء عصره، فعيوب الناس عنده أكثر من ~~محاسنهم؛ غير أنه يختلف عن بشار في أنه صاحب عصبية عربية، ويختلف عنه ~~أيضا في أنه ms070 كان دونه أنفة وكبرا؛ فقد ضرب بشار حتى مات ولم ~~تذل نفسه ولم يتضرع، وهدد دعبل بالموت فبكى وتذلل، ثم ضرب فسلح وبلع ~~سلحه. # ولم يبر أحدا إلا أبناء علي، فقد كان صادق التشيع لهم، يرجو بهم ~~الشفاعة في الآخرة، ولكن تشيعه لا يعني أنه كان حسن التدين، يحافظ على ~~شعائر الإسلام؛ فدعبل لم يتحوب من القتل والسلب، وتمزيق الأعراض، والتخنث ~~والفجور، وشرب الخمر، ولكنه كان أقل فجورا وسكرا من بشار. # وعلى الجملة فليس في أخلاق دعبل ما يستحق الحمد والثناء، فهو عصارة اللؤم ~~المصفى. # آثاره # لم يشهر دعبل في الشعر إلا بعد أن اكتمل شبابه واتصل بالرشيد، فأجازه ~~وحرضه على القول. وأما الشعر الذي نظمه في صباه فإن أستاذه مسلم بن ~~الوليد لم ير فيه خيرا؛ فأمره بكتمه، فكتمه ولم يظهره. # ولكن دعبلا عمر طويلا، ونظم شعرا كثيرا، فقد روى الجاحظ أنه ~~سمعه يقول: «مكثت نحو ستين سنة ليس من يوم ذر شارقه إلا وأنا أقول فيه ~~شعرا.» غير أن هذا الشعر ضاع، ولم يبق منه إلا بعض قصائد ومقطعات مبثوثة ~~في كتب الأدب، وأكثرها في الهجاء، ومدح آل البيت. ولعل إقذاعه في هجو ~~الخلفاء العباسيين كان السبب في ضياع شعره، وإخمال ذكره؛ لأن الناس ~~أهملوه بعد موته تهيبا لبني العباس، فلم يرووا شعره ولم ~~يجمعوه. ~~(10-2) ميزته # لا نبتغي دراسة عامة لشعر دعبل وقد ضاع أكثره، على أن ما بقي منه كاف لأن ~~يظهر لنا الخصائص التي اشتهر بها هذا الشاعر، ألا وهي الهجاء المقذع والمتاجرة ~~به، والعصبية القحطانية، والتشيع لأبناء علي. # هجوه وتكسبه # كان دعبل يحب التكسب كغيره من شعراء العصر العباسي، وأوتي من خبث اللسان ~~ولؤم الطباع ما جعله عند الناس بغيضا مقيتا؛ فابتعدوا عنه، ونفروا منه، ~~وتمنوا هلاكه، حتى إن ممدوحيه كانوا يجيزونه قطعا للسانه لا حبا له، فلم ~~يسبغوا عليه وافر النعم، ولا أغنوه من فقر؛ فانقلب عليهم وهجاهم، وقدر له ~~أن يعيش هاربا خائفا متواريا لإفراطه في هجاء الخلفاء والأمراء، فلم ~~يطمئن به ms071 مضجع ولا رحب به مصر؛ فاشتدت نقمته على الناس، وازداد كرها ~~لهم، وأبت نفسه الخبيثة أن تأنس برؤية من يصنع المعروف معها، فتمنت هلاكه ~~لئلا تضطر إلى مجاملته والتودد إليه، ووافق هواها شتم الناس، فرأت أن ~~الهجاء المقذع آخذ بضبع الشاعر من المديح المضرع. وهذه النظرية سبق ~~بشار إليها فاختطها دعبل من بعده، وكان مسلم بن الوليد يقول بها، ولكنه لم ~~يؤيدها كما أيدها تلميذه؛ لأنه لم يكن مثله لئيما دنيئا، ولم يكن يكره ~~الناس. # واعتماد دعبل على الهجاء في التكسب جعله يهيئه قبل أن يجد المهجو، فإذا ~~استحقه أحد أتحفه به، وذكر اسمه وشهره. وأكثر الذين هجاهم من أمراء ووزراء ~~وقواد - كابن الزيات، ومالك بن طوق، والفضل بن مروان، وغيرهم - كانوا من ~~ممدوحيه، فلم يرضه عطاؤهم فنقم عليهم. # ولم يسلم من شره أنسباؤه وأصدقاؤه والمتشيعون مثله؛ فقد هجا آل طاهر بن ~~الحسين الخزاعي مع شدة ميله إليهم، وكثرة افتخاره بهم، وقصد مصر؛ فمدح ~~أميرها المطلب بن عبد الله بن مالك - وهو قريب له - فأجازه، وولاه ~~أسوان. وحدث أن رجلا من العلويين كان قد تحرك بطنجة، وأخذ يبث دعاته ~~إلى مصر؛ فخافه المطلب؛ فوكل بالأبواب من يمنع الغرباء دخولها، فجاء دعبل ~~فمنع؛ فأغلظ للذي منعه، فقنعه هذا بالسوط وحبسه، ثم عرف المطلب ~~بالأمر فأطلقه وخلع عليه، فقال له: «لا أرضى أو تقتل الموكل بالباب.» ~~فقال له: «هذا لا يمكن لأنه قائد من قواد السلطان.» فغضب دعبل وهجاه ~~جاحدا قرابته وفضله عليه. # وبلغ المطلب هجاؤه إياه فعزله عن أسوان؛ فراح يفحش فيه القول ويوجع ~~عرضه. # وبلغ به لؤمه وحبه للكسب أن مكر بأستاذه مسلم بن الوليد عندما ولاه الفضل ~~بن سهل # 117 # البريد بجرجان؛ # 118 # فصار إلى مرو قاعدة خراسان، وكتب إلى الفضل بيتين يحرضه بهما ~~على إقصاء مسلم؛ لأنه لا يحفظ مودة؛ فبلغا مسلما - أبلغه إياهما الفضل - ~~فهجا دعبلا، وهجاه دعبل، ثم تهاجرا فما التقيا. # وحسبك من ذلك شاهد على لؤم دعبل، وخبث لسانه، ودناءته في طلب الرزق، ~~وغدره بأقرب ms072 الناس إليه. # عصبيته القحطانية # لا نرى بنا حاجة إلى الاستفاضة في أسباب العداء المستحكم بين العدنانية ~~والقحطانية، فحسبك أن تعلم أنه أثر باق من عصبية العرب في جاهليتهم، ~~وتنافس قبائلهم من نزارية وحميرية. وجاء الإسلام فزيدت قريش شرفا ~~بالنبوة، ثم استقلت بالخلافة، فدلت قبائل معد على قبائل اليمن، ~~فاشتدت الخصومة بينهم وعظم التنافس، فكانت شعراء نزار تهجو اليمانية، ~~وشعراء اليمن تهجو النزارية ولا تعف عن قريش. # وكان دعبل من خزاعة، وخزاعة قبيلة قحطانية لها شرف عادي تكنفها في ~~الجاهلية والإسلام؛ فغير عجيب أن تثور عصبيتها فتدفع شاعرها إلى مفاخرة ~~العدنانية ومنافستها، وبلغ التعصب بدعبل أن هجا الكميت بن زيد ~~الأسدي # 119 # وناقضه في قصيدته التي هجا بها قبائل اليمن، وأولها: «ألا ~~حييت عنا يا مرينا.» # 120 # وكان الكميت قد مات، فلم يرع حرمة الميت فيه، وكان الكميت ~~شيعيا مثله فلم يرع حرمة تشيعه، ولم يعف عن قريش في نقيضته، بل هجاها ~~بقوله: # من اي ثنية طلعت قريش # وكانوا معشرا متنبطينا # 121 # وكأن الشاعر خشي شر هذا البيت، فكان إذا سئل عنه تبرأ منه وقال: ~~إن خصمه أبا سعد المخزومي دسه عليه في نقيضته. # وأبو سعد هذا شاعر من موالي قريش اسمه عيسى بن خالد بن الوليد، انبرى ~~لدعبل يهاجيه وينقض أقواله بعد أن رد على الكميت وهجا النزارية؛ فاستطال ~~عليه دعبل، فخاف بنو مخزوم أن يعمهم الهجاء؛ فنفوا أبا سعد عن نسبهم، ~~وكتبوا بذلك صكا، فقال دعبل يهجوه: # كتبوا الصك عليه # فهو بين الناس آيه # فإذا أقبل يوما # قيل: قد جاء النفايه # 122 # ولحم الهجاء بينهما، هجاء فاحش فاجر، وكان شعر دعبل أسير من شعر أبي ~~سعد؛ لسهولته وخفته، فسار على أفواه الصبيان وعابري السبيل، وكان أبو سعد ~~يتضور منه ويقول: «ما أجتاز بموضع إلا سمعته من سفلة يهدرون به.» وقيل: ~~إن دعبلا كان إذا هجا أبا سعد دعا الصبيان، وأعطاهم جوزا ليصيحوا بشعره، ~~فدعبل - كما ترى - شاعر عصبية متحمس لقحطانيته. # تشيعه للعلويين # إذا شئت أن تتبين مبلغ ~~تعصب دعبل ms073 لأبناء علي، فعليك بشعره الذي هجا به الخلفاء العباسيين، فهو ~~أصدق شاهد على تشيع هذا الشاعر، وكرهه لبني العباس الذين استأثروا بالملك ~~دون أبناء عمهم من هاشم. # وكان الرشيد أول خليفة سلط دعبل لسانه عليه، ولكن بعد موته، ولم يهجه في ~~حياته لأسباب، منها: أن الرشيد كان مرهوب الجانب، ومنها: أن دعبلا كان ~~محظوظا عنده؛ فأشفق من أن تزول عنه هذه النعمة؛ فكظم تعصبه في صدره، ورضي ~~بالصمت على أمل أن تتبدل الأحوال بتبدل الأزمان، ومات الرشيد واستخلف ~~الأمين من بعده وشاعرنا لا ينبس ببنت شفة، ثم وقعت الفتنة بين الأخوين ~~الأمين والمأمون، فانتصر الفرس للمأمون لأن أمه فارسية، وكان المأمون ذا ~~دهاء، فرأى من الحكمة أن يتودد إلى العلويين استكفافا لسخطهم، واسترضاء ~~للفرس أنصاره وأشياعهم، فلما تم له الأمر بعد مقتل أخيه عهد في الخلافة من ~~بعده إلى علي بن موسى الرضا - من ولد علي بن أبي طالب - فاغتبطت الشيعة ~~وارتضت، ولكن العباسيين سخطوا فبايعوا إبراهيم بن المهدي في بغداد، فخشي ~~المأمون أن يفلت الأمر من يده بخروج العباسيين عليه، وميلهم إلى عمه ~~إبراهيم؛ فود لو يتخلص من هذه الورطة ليصفو له الجو، فلم يلبث أن تحققت ~~أمنيته فتوفي علي الرضا فجأة، وزعموا أنه أكثر من أكل العنب فمات، وقال ~~آخرون: بل دس المأمون له السم فقضى عليه. وكتب المأمون إلى أهل بغداد ~~يعلمهم بموته؛ فخلعوا إبراهيم ودعوا للمأمون بالخلافة. # وأثار موت علي الرضا بهذا الشكل ظنون العلويين؛ فهاج بعصبيتهم وأيقظ ~~النقمة في صدورهم، غير أن المأمون استطاع أن يخضد شوكتهم بدهائه؛ فقربهم ~~إليه، وشغلهم بالخطط العالية، ولم يحجم عن اغتيال من يخشى شره منهم، فعله ~~بوزيره الفضل بن سهل، وبقائده طاهر بن الحسين. # وكان دعبل في جملة الناقمين، وساءه أن يغدر المأمون بعلي الرضا، ثم يدفنه ~~عند قبر أبيه الرشيد في طوس؛ فهجا الرشيد والعباسيين، وبكى على العلويين ~~ضحايا أبناء عمهم، وفي ذلك يقول: # قبران في طوس خير الناس كلهم # وقبر شرهم هذا من العبر! # 123 # وبوسعنا أن ms074 نتبين هنا خطأ الرواية التي أثبتها أبو الفرج في أغانيه، ~~وتناقلتها كتب الأدب من بعده، وهي قولهم: «ما بلغ دعبلا أن الرشيد مات ~~حتى كافأه على ما فعله من العطاء السني، والغنى بعد الفقر، والرفعة بعد ~~الخمول، بأقبح مكافأة، وقال فيه من قصيدة مدح بها أهل البيت - عليهم السلام ~~- وهجا الرشيد.» ثم يروون قوله: «قبران في طوس.» ولا يروون له غير ذلك في ~~الرشيد. # فهذه القصيدة لم تنظم إلا بعد وفاة علي الرضا؛ أي سنة 203ه/818م، والرشيد ~~مات سنة 193ه/809م، وقد أخطأ صاحب «معاهد التنصيص» في زعمه أن الشاعر ~~أراد في قوله: «اربع بطوس على القبر الزكي.» قبر موسى الكاظم؛ أي والد ~~علي الرضا؛ فموسى الكاظم لم يدفن في طوس، بل في مقابر الشونيزي في ~~بغداد. # فيتضح - مما تقدم - أن الشاعر بقي نحو عشر سنوات بعد الرشيد لم يقل ~~هجرا في العباسيين، وانقضت خلافة الأمين دون أن يهجو أحدا منهم، حتى مات ~~علي الرضا؛ فاستيقظت عصبيته فهجا الرشيد، ثم هجا المأمون، وإبراهيم بن ~~المهدي، والمعتصم، والواثق، والمتوكل. # وكان المأمون أرحبهم صدرا في استماع هجائه؛ ذلك أنه كان يزن الأمور ~~بمعيار فطنته، فلم يجد بأسا على الخلافة من هجاء دعبل فلم يعبأ به، ولم ~~يشأ أن يسيء إلى الشيعة بقتل محازبهم، ولا أن يرزأ بني خزاعة بشاعرهم، وهم ~~أنصاره في ثورته على أخيه. # وسأله أبو سعد المخزومي أن يأذن له بقتله فأبى وقال: «هذا رجل فخر علينا ~~فافخر عليه كما فخر علينا، فأما قتله بلا حجة فلا.» # ولطالما حاول أن يقربه ويصطنعه، فكان يأخذ عطاياه ثم يعود إلى هجائه، ~~والمأمون يتحلم عنه وقد يجيزه ~~إذا سمع منه هجاء في عمه إبراهيم؛ لأن إبراهيم طمع في الخلافة وأرادها ~~لنفسه دونه، فكان المأمون يتعمد نكايته والتشفي منه، قيل إنه لما سمع قول ~~دعبل فيه: # إن كان إبراهيم مضطلعا بها # فلتصلحن من بعده لمخارق # 124 # ضحك وقال: «قد صفحت عن كل ما هجانا به؛ إذ قرن إبراهيم بمخارق في ~~الخلافة، وولاه عهده.» ~~(10-3) منزلته ms075 # قال البحتري: «دعبل بن علي أشعر عندي من مسلم بن الوليد؛ لأن كلام دعبل ~~أدخل في كلام العرب من كلام مسلم، ومذهبه أشبه بمذهبهم.» # والبحتري ينظر في ذلك إلى طبع دعبل وصناعة أستاذه، فمذهب مسلم في الشعر ~~مختلف؛ فحينا يسهل فيسيل عذوبة وطبعا، وحينا يحزن فيغرب، ويتكلف البديع ~~فيفسد شعره، ويبعد به عن مذاهب الأعراب. # وغريب أن دعبلا لم يتأثر أستاذه إلا من الناحية السهلة المطبوعة، فلغتهما ~~فيها أشبه من الماء بالماء، وأما الناحية الثانية فقلما سلك دعبل إليها، ولا ~~نعرف له فيها غير قصيدة مدح بها الفضل بن مروان وزير المعتصم، والتزم في جميع ~~قوافيها لفظة الفضل فجاءت غير مألوفة في عصرها، وإن يكن التكلف أخذ يفشو فيه. ~~ودعبل نفسه استغربها فقال فيها: # ولم أر أبياتا من الشعر قبلها # جميع قوافيها على الفضل والفضل # ولا غرو أن يبتعد دعبل عن التصنع، ويأنس بكلام العرب الخلص؛ فهو عربي ~~النبعة لا أعجميها كأستاذه، بدوي النزعة لا حضريها، وقضى حياته هاربا من ~~وجه السلطان، مستخفيا في الجبال والقفار، فلم تملك نفسه زخارف الحضارة ~~ومباهجها؛ فظل شعره أقرب إلى الطبع من شعر مسلم، وأدخل منه في كلام العرب ~~الصرحاء. # ويمتاز شعره في رشاقته، وحسن انسجامه، وطلاوته، ووقع أنغامه، فهو لطيف على ~~غير ضعف، قوي على غير خشونة، ولولا إمعانه في هجاء الخلفاء وإسرافه في سفساف ~~القول، لكان من أسير الشعراء شعرا ؛ لسهولة ألفاظه ووضوح معانيه، ولكنه أفسد ~~هذا الشعر بالفحش والإقذاع، وشتم الملوك والأمراء؛ فأهمله الرواة بعد موته ~~وأخملوا ذكره. # على أنه كان في حياته من أعظم الشعراء خطرا، وأخوفهم جانبا؛ فكان الناس ~~يخشون شره، ويتحامون إغضابه، ويقطعون لسانه بالصلات استكفافا لبلائه. روى أبو ~~الفرج أن ديكا لدعبل طار من داره إلى دار جار له فاصطاده جاره وطعمه، ~~فعرف دعبل فهجاه، فذاع الهجاء؛ فخاف الجار، فلم يدع ديكا ولا دجاجة قدر عليه ~~إلا اشتراه، وبعث به إلى دعبل؛ ليسكت عنه. وقيل لابن الكلبي: «لو أخبرت الناس ~~أن دعبلا ليس من خزاعة.» فقال: «يا ms076 هذا أمثل دعبل تنفيه خزاعة! والله لو كان ~~من غيرها لرغبت فيه حتى تدعيه. دعبل - والله يا أخي - خزاعة كلها.» # فهذه الروايات - على علاتها - تشهد لدعبل بما كان له من مكانة في عصره؛ فخبث ~~لسانه، وعصبيته القحطانية، وتشيعه لأهل البيت جعل منه هجاء مسافها، وشاعرا ~~قوميا، ومحاميا حزبيا؛ فمنزلته إذن قائمة على شعره الهجائي، ولا سيما ~~السياسي منه. وهو يشبه بشارا بإقذاعه وفحشه، وسلاطته على الأعراض، ولكنه يفوقه ~~خطرا لنسبته في خزاعة، وتشيعه للعلويين. # | هوامش # الفصل الثالث # | الكتاب المولدون # العصر الأول ~~(1) ميزة النثر # لم يكن أثر امتزاج العرب بالأعاجم مقصورا على لغة الشعر وحدها، بل تعداها إلى ~~لغة النثر؛ فجدد في ألفاظها ومعانيها، ونوع في فنونها وأغراضها، وذلل أوضاعها ~~لمباحث ليس لها عهد بها؛ فبلغ الإنشاء العربي أرقى درجات الفن والبلاغة، وامتاز في ~~سهولة العبارة، ووضوح المعنى، وحسن تخير الألفاظ وتزيينها، وذاع التسجيع القصير ~~الفقرات، فتكلفه المترسلون تكلفا، وقصدوا إليه قصدا، ولكنهم لم يلتزموه التزاما، ~~ولا أنزلوه منزل السخف والإسفاف. # وليس تزيين اللفظ من مواليد هذا العصر، بل هو خدن الآداب العربية من أبعد عصورها. ~~ولنا في إنشاء القرآن شاهد على ذلك، والقرآن أصدق صورة نتعرف بها طراز الإنشاء ~~القديم، ولكن التزيين في القرآن وفي رسائل الإسلاميين وخطبهم خال من التصنع، جار ~~مع الطبع؛ فقد تجد السجع والموازنة، وضروب الاستعارات والتشابيه، وأنواع البديع دون ~~أن تشعر بالتكلف لها ، والتعمل في اصطناعها، وإنما تبدو لك نازلة في منازلها، ~~ملبية داعي الحاجة إليها، لا مضطربة ولا متقلقلة. # وعلى الجملة فإن كتاب العصر الأول العباسي وما يليه كانوا جد مقتصدين في ~~تنميق ألفاظهم وتحسينها، يتعمدونه ولا يرون إلى الإسراف فيه سبيلا، وإنما هم ~~يريدون تأدية المعنى الجميل في القالب الجميل، فإذا نمقوا فخدمة وإيضاحا للمعنى ~~الذي يقصدون؛ لذلك لم تكن المحسنات اللفظية من لزومياتهم، بل كانت أكثر شيوعا في ~~الشعر منها في النثر، فعرفوا بتنويع العبارة وتشكيلها، فمنها المسجعة ومنها ~~المرسلة، ومنها الحالية ومنها العارية، ومنها الطويلة ومنها القصيرة، ومنها المردفة ~~ومنها المفردة. ms077 وغلب عليهم الإطناب فأمعنوا فيه، ولم يسلموا من الإملال، وجعلوا ~~للإيجاز مقاما، ولكنهم لم يسلموا من الإخلال. # وأكثروا من استعمال الألفاظ الدخيلة؛ فغلبت الفارسية على الأشياء المادية من ~~أسباب العمران، كأدوات المنزل وأثاثه، والملابس والرياش، والحلي والأطعمة، والأشجار ~~والأزهار، والصيد والقنص، وآلات الغناء والطرب، وغير ذلك. وغلبت اليونانية على ~~العلوم العقلية كالفلسفة والطب والرياضيات وعلم الفلك ونحوها. ~~(2) لغة التخاطب # هذا في النثر الفني، وأما لغة التخاطب فإنه أخذ يدب فيها الفساد منذ العصر ~~الأموي؛ بسبب اختلاط العرب بالأعاجم وتزاوجهم، ونشوء جيل جديد غير صافي العروبة؛ ~~ففشا اللحن على أفواه العامة، وفسدت مخارج الحروف، وذاعت اللكنة والرطانة، فأصبح ~~زياد ابن أبيه - وهو من علمت فصاحته - يستمع إلى مولى له يخاطبه بقوله: «أهدي إلينا ~~همار وهش» يريد حمار وحش. ولم يقتصر فساد اللفظ على العامة، بل تعداها إلى الخاصة، ~~فأبو عطاء السندي كان من مجيدي الشعراء، ولكنه لا يحسن إخراج الحروف، فإذا سئل: ~~«كيف بصرك باللغز يا أبا عطاف؟» قال: «هسن.» وإذا ألغزوا له بجرادة وزج ~~وشيطان حل ألغازهم، ولكنه يقول: «زرادة، وزز، وسيتان.» ورووا عن بشر بن مروان ~~أنه قال - وعنده عمر بن عبد العزيز - لغلام له: «ادع لي صالحا.» فقال الغلام: ~~«يا صالحا.» فقال له بشر: «ألق منها ألف.» فقال له عمر: «وأنت زد في ألفك ألفا.» ~~ورووا أن أول لحن سمع بالبادية: «هذه عصاتي.» # 1 # وأول لحن سمع بالعراق: «حي على الفلاح.» # 2 # وكان الأمويون يستنكرون اللحن ويهجنونه، وينعونه على أصحابه. قال عبد الملك بن ~~مروان: «اللحن في المنطق أقبح من آثار الجدري في الوجه.» # فلما جاء العصر العباسي، طما سيل الأعاجم واندس بهم العرب؛ فازدادت لغة التخاطب ~~فسادا، وتفاقم فيها اللحن، وظهرت اللهجات العامية خليطة من العربية المشوهة، ~~والأعجمية الدخيلة؛ فغلبت على الكلام الفصيح، ولم يسلم منها إلا أهل الخيام من ~~جزيرة العرب، فقد لبثوا يتخاطبون باللغة الفصحى إلى أواسط القرن الرابع للهجرة، ~~فكان إذا أراد كاتب أو شاعر حضري تقويم اعوجاج لسانه، تبدى وخالطهم مدة، حتى يقف ms078 ~~على أساليبهم ومذاهبهم في الكلام، ثم غزتهم العامية كما غزت سائر الممالك العربية، ~~فأصبح لكل بلد لهجة خاصة يتحادثون بها، ولكنهم ترفعوا عنها في كتاباتهم فلم ~~يدونوا آثارهم إلا باللسان الفصيح. ~~(3) أنواع النثر # كان الإنشاء في العصر الإسلامي مقصورا على الخطب ورسائل الدواوين، وإذا تعداها ~~فإلى بعض المصنفات، ولكنها لم تصل إلينا، فلما قامت الدولة العباسية، وقامت معها ~~الحضارة الجديدة، وانتشرت الكتابة والقراءة، وارتقى المستوى العقلي في المسلمين، ~~تنوعت أساليب الإنشاء بتنوع العلوم والفنون، فتعددت أغراض الرسائل وطرائقها، ~~وظهرت الكتب المصنفة على مباحث شتى من علم وأدب، ولكن الخطابة استولى عليها الضعف ~~شيئا فشيئا، وما زالت تتضاءل حتى تلاشت في أواسط العصر الثاني. ~~(3-1) أسباب ضعف الخطابة # عرفنا كيف ازدهرت الخطابة في ~~صدر الإسلام، وما كان لها من منزلة سامية ومقام رفيع، على أن العوامل التي ~~وفرت يومئذ لتقدم هذا الفن لم تتفر له في أعصر المولدين؛ لأن الشعب العباسي ~~الخليط لم يكن له ما كان للعرب العرباء من فصاحة فطرية، وبراعة التصرف في ضروب ~~الكلام؛ فشيوع اللحن واللهجات العامية بينهم جعل حظهم قليلا من سهولة النطق ~~بالكلام الفصيح، ثم إن العنصر العربي الخالص أخذ يعود إلى مواطنه الأولى بعد ~~ما رأى من نفاذ العنصر الأعجمي وتسلطه عليه، وأبى أن يخضع لقواد من الفرس؛ فنفر ~~من التجند، وأصبح معظم الجيش من الموالي، فاضمحلت الخطب العسكرية، وبات ~~الإقناع للسيف لا للسان. # ولم تكن الخطب السياسية أوفر حظا من الخطب العسكرية؛ لأن الأحزاب أضعف ~~شأنها، وخضدت شوكتها بالحروب والتقتيل، وضرب العباسيون بأيديهم على حرية ~~الأفراد والجماعات، فجعلوا بينها وبين سياسة العرش حدا مصونا، وصار الولاة ~~والأمراء إذا عصاهم بلد أو فتق بينهم خارجي أوقعوا به ولم يعتمدوا على البيان ~~في قمع شره. # وأما الخطب الدينية فلا غنية عنها في الجمع والأعياد، ولكن قل فيها ~~الارتجال، ثم جعل لها صور خاصة لا تتبدل، فأصبحت تحفظ وتردد في كل موسم ~~وحفل. # على أنه عرف في هذا العصر جماعة من الخطباء المحسنين، وأخطبهم مخضرمو ~~الدولتين ms079 كخالد بن صفوان خطيب بني تميم، وشبيب بن شيبة المنقري خطيب ~~البصرة، واشتهر من الخلفاء المنصور والمأمون. ~~(3-2) إنشاء المترسلين # كان عبد الحميد بن يحيى أول ~~من وضع للرسائل أصولها، وميز فصولها، وأطنب في بعض شئونها وأسهب، وأجمل في ~~بعضها الآخر وأوجز، وأطال التحميدات في صدورها، وجعل لها استهلالات يفتتحها ~~بها، وذيولا يختتمها بها؛ فترسم الكتاب خطاه، واقتفروا معالمه، حتى إذا ~~اطمأن الملك في بني العباس، وأنشئت له الدواوين، ووضعت له الأنظمة، تعددت أغراض ~~الرسائل بتعدد الأعمال، وقامت معها الإخوانيات على أنواع مختلفة، فمن عتاب ~~وشكوى، إلى تهنئة وشكر، إلى تعزية ورثاء، إلى استغاثة واستعطاف، إلى ذم ووعيد، ~~فافتن المترسلون فيها وأبدعوا، ونمقوا عباراتها وزخرفوا، وأطالوا فيها ~~وأوجزوا، وغلب الإطناب عليهم في العهود السياسية، والمناظرات، ووصف الانتصارات، ~~وغير ذلك مما ينبغي إيضاحه وتقريره في أذهان العوام. ولك مثال على هذا، عهد ~~طاهر بن الحسين إلى ابنه عبد الله، ورسالة الخميس من الخليفة المأمون إلى ~~مبايعيه أهل خراسان؛ ففيهما من الإطناب شيء كثير. وغلب الإيجاز عليهم في ~~الإخوانيات، وبلغوا به حد السرف في التوقيعات # 3 # فوقعوا أحيانا في الغموض. # ويبدءون رسائلهم غالبا بقولهم: «الحمد لله.» أو «أما بعد، فالحمد لله.» وهذه ~~طريقة عبد الحميد، وربما ابتدءوا بالبسملة وأردفوها بالدعاء، كقول سهل بن هارون ~~في رسالة البخل: «بسم الله الرحمن الرحيم، أصلح الله أمركم وجمع شملكم ...» ومن ~~ابتداءاتهم قولهم: «أما بعد.» دون أن يعقبها دعاء أو حمدلة، وقولهم: «كتابي ~~إليك.» ويتبعونها الدعاء أو لا يتبعونها إياه. # وإذا استهلوا بالحمدلة تابعوا التحميد، فيطيلونه أو يقصرونه، فمن تحميداتهم ~~قول المأمون في رسالة الخميس: «أما بعد، فالحمد لله القادر القاهر، الباعث ~~الوارث، ذي العز والسلطان، والنور والبرهان، فاطر السموات والأرض وما بينهما، ~~والمتقدم بالمن والطول على أهلهما، قبل استحقاقهم لمثوبته، بالمحافظة على ~~شرائع طاعته، الذي جعل ما أودع عباده من نعمته دليلا هاديا لهم إلى معرفته ... ~~إلخ.» # ويكثر في رسائلهم الاستشهاد بآيات القرآن، ثم بالأحاديث والأمثال، وأقوال ~~الحكماء والعظماء، وربما تخللها الدعاء في جمل اعتراضية، ms080 كقول أحمد بن يوسف ~~وزير المأمون: «ونحن نسأل الله - عز وجل - الذي جمع بأمير المؤمنين - مد الله ~~في عمره - ألفتنا ... إلخ.» # ويختمون غالبا بقولهم: «والسلام.» أو «والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.» أو ~~«إن شاء الله.» وقد يطول الدعاء في الختام إذا كان الكتاب إلى خليفة أو أمير، ~~أو من خليفة أو أمير إلى رعيته، فلا يلتزم في نهايته ما يلتزم في غيره من ~~السلام، وربما ختم بآية كقول أحمد بن يوسف: «ونحن نسأل الله - عز وجل - الذي ~~جمع بأمير المؤمنين - مد الله في عمره - ألفتنا، وعلى طاعته أهواءنا وضمائرنا، ~~وأنالنا من الغبطة في دولته وسلطانه، ما لم تحوه شيعة إمام، ولا أنصار ~~خليفة، أن يتم نور أمير المؤمنين، ويعلي كعبه، ويمتعنا ببقائه، حتى يبلغه ~~سؤله وهمته في الاستكثار من البر وادخار الأجر، واستيجاب الحمد والشكر، ~~وأن يلم به الشعث، ويرأب به الصدع، ويصلح على يديه الفساد، ويرتق به فتوق ~~هذه الأمة، ويثخن بسياسته ونكايته في عدوها، ويتابع الفتوح في بلدانهم حتى ~~يؤتيه من نجح السعي، ورغائب الحظ في الدنيا، ما يجزل عليه ثوابه في الآخرة، ~~وأرشد نجباءه وأصفياءه الذين يقول لهم: # فآتاهم الله ~~ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب ~~المحسنين ~~. # وتمتاز رسائلهم في حسن اتساقها، وترتيب أفكارها، وشرف ألفاظها ومعانيها، وهي ~~في أكثرها إنشائية خطابية، لا خبرية قصصية. # والمترسلون كثير عددهم، منهم الملوك والأمراء والوزراء والمتصلون بهم، فمن ~~الملوك المنصور والمأمون وإبراهيم بن المهدي، ومن الأمراء طاهر بن الحسين وأبو ~~دلف، ومن الوزراء يحيى البرمكي وابنه جعفر، وذو الرئاستين الفضل بن سهل، ~~وأحمد بن يوسف، وعمرو بن مسعدة، # 4 # وابن الزيات، ومن المتصلين بالأمراء عبد الله بن المقفع. وإليك ~~مثالا من إخوانياتهم: # كتب عمرو بن مسعدة إلى الحسن بن سهل يهنئه بمولود: «أما بعد، فإن هبة ~~الله لك هبة لأمير المؤمنين، وزيادته إياك في عدده لمحلك عنده، ومكانك في ~~دولتك من دولته، وقد بلغ أمير المؤمنين أن الله وهب لك غلاما ~~سريا # 5 # فبارك الله لك فيه، وجعله بارا ms081 تقيا، مباركا سعيدا ~~زكيا.» # وكتب ابن المقفع إلى صديق له ~~ولدت له جارية: «بارك الله لك في الابنة المستفادة، وجعلها لكم زينا، وأجرى ~~لكم بها خيرا، فلا تكرهها فإنهن الأمهات والأخوات، والعمات والخالات، ومنهن ~~الباقيات الصالحات. ورب غلام ساء أهله بعد مسرتهم، ورب جارية فرحت أهلها ~~بعد مساءتهم.» # ودونك شيئا من توقيعات الملوك والأمراء: # رفع إلى جعفر البرمكي غلمانه ورقة يستزيدونه في رواتبهم، # 6 # وكان عمرو بن مسعدة يوقع بين يديه، فرمى بها إليه وقال: «أجب ~~عنها.» فكتب: «قليل دائم خير من كثير منقطع.» فضرب جعفر على ظهر عمرو وقال: ~~«أي وزير في جلدك!» وشكا أهل الكوفة إلى أبي جعفر المنصور سوء معاملة عاملهم ~~فوقع في كتابهم: «كما تكونون يؤمر عليكم.» ووقع هارون الرشيد إلى عامل ~~مصر في خراسان: «داو جرحك لا يتسع.» ووقع جعفر البرمكي في كتاب جاءه في شكوى ~~بعض عماله: «لقد كثر شاكوك، وقل شاكروك؛ فإما اعتدلت، وإما اعتزلت.» ووقع ~~إلى محبوس يسأله العفو: «ولكل أجل كتاب.» ~~(3-3) إنشاء المصنفين # إن هذا العصر - لا جرم - يعتبر مثالا للنشاط الفكري، فقد عم فيه ~~التدوين والتأليف والجمع والنقل، فتكاثرت الكتب المصنفة، واختلفت أساليبها ~~باختلاف موضوعاتها، وكان إنشاء الكتب الأدبية - على الإجمال - بليغا فنيا، ~~واضحا طليا، وكان إنشاء الكتب العلمية والفلسفية معقدا لا يخلو من ضعف، ~~جافا لا يخلو من غموض، وهذا لا نعول عليه في دراستنا النثر العباسي، وإنما ~~معولنا على الأول ذاك الذي ظهر فيه أسلوب ابن المقفع، وسهل بن هارون # 7 # والجاحظ. # ونحن نجتزئ الآن بدرس ابن المقفع؛ لأنه أقدم كاتب بليغ وصلت إلينا مؤلفاته، ~~فكانت في أسلوبها قدوة للمنشئين من بعده، ونرجئ دراسة الجاحظ إلى العصر التالي ~~متتبعين حياته فيه، وإن يكن عاش أكثر عمره في هذا العصر. وأما سهل بن هارون فلم ~~يصل إلينا شيء من كتبه التي اشتهر بها، فنستطيع الكلام عليه. ~~(4) ابن المقفع 724-759م/106-142ه ~~(4-1) حياته # هو في مجوسيته روزبة بن دازويه المقفع، وكنيته أبو عمرو، وفي ~~إسلامه عبد الله، وكنيته أبو محمد، ms082 ولقب والده بالمقفع؛ لأنه كان يتولى ~~خراج فارس فاختلس من مال الدولة، فضربه أمير العراقين # 8 # على يده حتى تقفعت # 9 # يده. # والمقفع فارسي الأصل، نشأ نشأة عربية في الأهواز # 10 # ولكنه لم يسلم بل مات على مجوسيته، وكان له ولاء في آل الأهتم، ~~وهم أهل فصاحة وبيان، وولد ابنه روزبة، ونشأ في البصرة مجوسيا مستعربا ~~مثله، والبصرة يومئذ كعبة العلم والأدب، وفيها المربد عكاظ الإسلام، فلما ~~مات المقفع أخذ الولد يتكسب بصناعة والده، فكتب وهو في العشرين من سنيه أو ~~نيف عليها لداود بن هبيرة. وأبو داود هو يزيد بن عمر بن هبيرة والي ~~العراقين من قبل مروان بن محمد آخر خلفاء أمية. # ولما انتقل الملك إلى العباسيين اتصل ابن المقفع بسليمان وعيسى وإسماعيل ~~أبناء علي بن عبد الله بن عباس، وأعمام السفاح والمنصور، فكتب لعيسى أيام ~~ولايته على كرمان، وجعله إسماعيل والي الأهواز ثم الموصل مؤدبا لبعض بنيه، ~~ثم كتب لسليمان وهو أمير على البصرة، وترجم للمنصور في أثناء ذلك عدة كتب، ~~ولكنه لم يتصل به، بل لبث منقطعا إلى أعمامه حتى مات. # موته # كان عبد الله بن علي عم المنصور واليا على الشام، فخرج على ابن أخيه سنة ~~137ه/754م، وطلب الخلافة لنفسه، فأرسل عليه المنصور جيشا مقدمه أبو مسلم ~~الخراساني، فانتصر أبو مسلم وهرب عبد الله إلى البصرة، ونزل على أخيه ~~سليمان واستتر عنده، ثم إن المنصور عزل سليمان عن البصرة سنة 139ه/756م، ~~وولى مكانه سفيان بن معاوية من آل المهلب. # ولبث عبد الله مستخفيا عند أخويه سليمان وعيسى، فطلبه المنصور منهما، ~~فأبيا تسليمه إلا بأمان يمليان شروطه؛ فرضي المنصور بذلك، فتقدما إلى ~~كاتبهما ابن المقفع بأن يكتب الأمان، ويبالغ فيه كي لا يغدر المنصور بعمه، ~~فكتبه ابن المقفع وشدد فيه حتى قال في جملة فصوله: «ومتى غدر أمير المؤمنين ~~بعمه عبد الله بن علي، فنساؤه طوالق، ودوابه حبس، # 11 # وعبيده أحرار، والمسلمون في حل من بيعته.» # 12 # فعظم ذلك على المنصور، ولا سيما أمر البيعة، وغضب ms083 على ابن المقفع؛ فأوعز ~~بقتله إلى سفيان بن معاوية والي البصرة. # وكان سفيان شديد الحنق على ابن المقفع؛ لأن كاتبنا غيظ من توليه البصرة ~~مكان سليمان بن علي، فراح يستخف به، ويتنادر عليه، وينال من أمه؛ فقد سمعه ~~مرة يقول: «ما ندمت على سكوتي قط.» فقال له: «الخرس زين لك، فكيف تندم ~~عليه؟!» وكان أنف سفيان كبيرا، فكان ابن المقفع إذا دخل عليه قال: «السلام ~~عليكما.» يعني سفيان وأنفه. # فلما جاءه كتاب المنصور يأمر بقتله تربص به حتى دخل عليه يوما، فأمسكه ~~وأمر به فقتل، واختلف في طريقة قتله فقيل: إنه ألقي في بئر، وردمت ~~عليه الحجارة، وقيل: أدخل حماما وأغلق عليه بابه فاختنق، وقيل: بل قطعت ~~أطرافه عضوا عضوا، ثم ألقي في تنور وأطبق عليه. # وكيف كان الأمر، فإن ابن المقفع دخل دار سفيان ولم يخرج منها، فبلغ الخبر ~~سليمان وعيسى ابني علي، فخاصما سفيان إلى المنصور، وأحضراه إليه مقيدا، ~~وشهد أناس أن ابن المقفع دخل داره ولم يخرج منها، فقال المنصور للشهود: ~~«أرأيتم إن قتلت سفيان به، ثم خرج ابن المقفع من هذا البيت - وأشار إلى باب ~~خلفه - وخاطبكم، ما تروني صانعا بكم، أفأقتلكم بسفيان؟» فخاف الشهود ~~ورجعوا عن الشهادة، وأضرب عيسى وسليمان عن ذكره، وعلما أنه قتل برضى ~~المنصور. # وذكروا أن من أسباب قتله اتهامه بالزندقة، ومعارضة القرآن، وترجمة كتب ~~الزنادقة. ومات وله من العمر ست وثلاثون سنة، وخلف ولدا اسمه ~~محمد. # صفاته وأخلاقه # وصفه الجاحظ فقال فيه: «كان جوادا فارسا جميلا.» وعرف بالمروءة ~~وكرم الخلق والوفاء للأصحاب، وكان يقول: «ابذل لصديقك دمك ومالك.» ولم ~~يحجم عن تحقيق هذا القول يوم طلب صديقه عبد الحميد بن يحيى بعد مقتل مروان ~~بن محمد، فلجأ إليه في الجزيرة، وفاجأهما الطلب وهما في بيت واحد، فقال ~~لهما الجند: «أيكما عبد الحميد؟» فقال ابن المقفع: «أنا.» مؤثرا صاحبه على ~~نفسه، وهم الجند بالقبض عليه، فصاح عبد الحميد: «ترفقوا بنا، فإن كلا ~~منا له علامات، فوكلوا بنا بعضكم، وليمض البعض الآخر، ويذكر ms084 تلك العلامات ~~لمن وجهكم.» ففعلوا، وأخذ عبد الحميد وقتل، ونجا ابن المقفع على كره ~~منه. # وعرف أيضا بسهولة الطبع على رصانة، وبالتعفف والابتعاد من الكذب والحسد. ~~على أن حبه للأدب والأدباء ونزوعه للزندقة جعلاه لا يستنكف من مصاحبة ~~جماعة من الخلعاء كمطيع بن إياس، وحماد عجرد، وبشار بن برد، ووالبة بن ~~الحباب، وأضرابهم؛ فكانوا يجتمعون على الشراب وقول الشعر، وكلهم متهم في ~~دينه، ولكنه إذا لها وشرب لم تكن الخمر لتقوده إلى الإثم، وتنزل به في ~~المنازل الدنية، وفي ذلك يقول: # سأشرب ما شربت على طعامي # ثلاثا ثم أتركه صحيحا # 13 # فلست بقارف منه إثاما # ولست براكب منه قبيحا # 14 # وكان يحب الغناء ويهتز للصوت الحسن، فقد غنته يوما جارية وليس لديه ~~دراهم، فجاء بصك ضيعة له وقال: «هذه عهدة ضيعتي خذيها، فأما الدراهم فما ~~عندي منها شيء.» # وكان - على سهولة طبعه ورصانته - حاد اللسان، شديد السخر بمن لا يملأ ~~عينه، فعله بسفيان بن معاوية. # زندقته # إذا شئت أن تلتمس زندقة ابن المقفع في ما خلف لنا من الآثار، فإنما أنت ~~تتعب على غير طائل؛ لأن آثاره الباقية ليس فيها إلا كل ما يلائم مع ~~الإسلام، ولا ينافي أحكامه، ولكن ابن المقفع زنديق في حكم المؤرخين ~~المتقدمين، وهم يروون على ذلك أخبارا مختلفة، منها أنه يوم أراد أن يدين ~~بالإسلام جاء إلى عيسى بن علي وقال له: «قد دخل الإسلام في قلبي، وأريد أن ~~أسلم على يدك.» فقال له عيسى: «ليكن ذلك بمحضر من القواد ووجوه الناس، فإذا ~~كان الغد فاحضر.» ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم، فجلس ابن المقفع يأكل ~~ويزمزم # 15 # على عادة المجوس. فقال له عيسى: «أتزمزم وأنت على عزم ~~الإسلام؟» فقال: «أكره أن أبيت على غير دين.» # ومنها أنه مر ببيت نار للمجوس بعد أن أسلم، فتمثل بقول الأحوص: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل # حدر العدى وبك الفؤاد موكل # 16 # إني لأمنحك الصدود وإنني # قسما إليك مع الصدود لأميل # ورووا أن سفيان لما قتله ومثل ms085 به، قال: «ليس علي في هذه ~~المثلة # 17 # بك حرج؛ لأنك زنديق، وقد أفسدت الناس.» وإن المهدي كان يقول: ~~«ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع.» وذكروا أنه عارض القرآن ~~وصاحب المتهمين في دينهم. # فمن هنا يتضح أن زندقة ابن المقفع لا تقوم على دليل من آثاره، وإنما تقوم ~~على أقوال الرواة والمؤرخين، على أنه غير عجيب أن يكون ابن المقفع ~~زنديقا وهو حديث العهد بالإسلام، لم يزل يحن إلى ديانته الأولى، تلك ~~التي نشأ عليها، وانتحلها معظم حياته، وهو لم يسلم إلا حفاظا على كرامته، ~~وطمعا في الشهرة والجاه، وتقربا إلى مواليه العباسيين. # غير أن أعداءه عجزوا عن إثبات زندقته؛ لأنه اعتصم بالتقية فلم يجاهر ~~بكفره، ولعله كان يتنصل من الكتب التي بث فيها آراء الزنادقة، وطمست فلم ~~تصل إلينا، ولو استطاعوا إثبات زندقته لما عمد المنصور إلى اغتياله سرا، ~~بل كان مثل به على رءوس الأشهاد. # أساتذته وعلومه # لم يعرف من أستاذي ابن المقفع إلا واحد ذكره ابن النديم، وهو أبو الجاموس ~~ثور بن يزيد، وكان أعرابيا يفد البصرة على آل سليمان بن علي، وعنه أخذ ~~ابن المقفع الفصاحة. # ونشأ ابن المقفع في البصرة على ما ينشأ عليه أبناء اليسار، فعني والده ~~بتعليمه وتقويم لسانه على الكلام الفصيح؛ فبرع في العربية والفارسية، ~~وتضلع من آدابهما، واطلع على حكمة اليونان في الكتب التي ترجمت إلى لغة ~~الفرس زمن كسرى أنوشروان، فجمع بين ثقافتي العرب والعجم. # وأوتي ابن المقفع من ~~الذكاء ما جعله واحد زمانه في بلاغته وعلمه، وقد قال فيه ابن سلام: «سمعت ~~مشايخنا يقولون: لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا ~~أجمع، ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع.» # 18 # وعده ابن النديم أحد بلغاء الناس العشرة، وذكره في مقدمتهم، ~~وأقر له الجاحظ بالتقدم فقال: «ومن المعلمين ثم البلغاء المتقدمين عبد الله ~~بن المقفع، كان مقدما في بلاغة اللسان والقلم والترجمة، واختراع المعاني، ~~وابتداع السير، وكان إذا شاء أن يقول ms086 الشعر قاله.» # آثاره # كان عصر ابن المقفع عصر نقل في أكثره؛ لرغبة أولي الأمر في الاطلاع على ~~علوم الأعاجم والاستفادة منها، وكان ابن المقفع مالكا ناصيتي العربية ~~والفارسية؛ فأحب أن يري العرب آداب قومه، ويتقرب بها إلى ذوي السلطان؛ ~~فأكب على النقل، فأتحف العربية بطائفة من الكتب النفيسة، ولم يصل إلينا ~~إلا بعضها، فكان أعظم شاهد على جلالتها. # وليس لابن المقفع من الكتب إلا ما هو منقول من الفارسية، فله فيه فضل ~~المترجم البارع، لا فضل المؤلف المخترع، ولذلك كان الخليل بن أحمد يقول ~~فيه: «علمه أكثر من عقله.» # على أن هذا القول لا يعني أن ابن المقفع كان ضعيف التوليد، فهو - كما ~~علمت - أذكى أعجمي عرفته العرب، ولكنه كان مفتونا بآداب قومه وعلومهم، ~~فصرف همته إلى نقلها ليبهر العرب بها، على أنه لم يتقيد بأصول الكتب التي ~~ترجمها، بل تصرف فيها فزاد عليها أشياء وأنقص منها أشياء، وكان الذي زاده ~~من توليده واختراعه. # وآثاره في الترجمة كثيرة نكتفي بذكر ما وصل إلينا منها، وهي: كليلة ~~ودمنة، والأدب الصغير، والأدب الكبير. # فأما كليلة ودمنة فإنه أقدم كتاب عربي في الأخلاق وتهذيب النفس، وضعه ~~بيدبا الفيلسوف الهندي لدبشليم - ملك الهند - منذ عشرين قرنا ~~ونيف، وكان دبشليم قد صعد إلى العرش بعد فتح الإسكندر 326ق.م، فطغى على ~~الرعية، فأراد بيدبا إصلاحه؛ فألف هذا الكتاب واستتمه في مدة سنة، وجعل ~~النصح فيه على أفواه البهائم والطيور. ويرى جرجي زيدان أن الداعي إلى ذلك ~~هو أن البراهمة يعتقدون تناسخ الأرواح، هذا وإن إصلاح الملوك البغاة على ~~سبيل الحكايات والإشارات أسلم عقبى من محاولة إصلاحهم بإظهار هفواتهم، ~~ونهيهم عن الوقوع بها؛ لأن فيهم من الكبر والعتو ما يأبى عليهم أن يظهر ~~لهم أحد خطأهم وينهاهم عنه. # وكتب بيدبا كليلة ودمنة باللغة الهندية السنسكريتية، وبوبه أربعة عشر ~~بابا، أولها باب الأسد والثور. وأصول هذا الكتاب في الهندية تعرف باسم ~~«بنجه تانترا»؛ أي الكتب الخمسة. # فلما صار عرش الفرس إلى كسرى أنوشروان 531-579م بعث الطبيب برزويه ~~بن ms087 أزهر الفارسي إلى بلاد الهند، فنقل الكتاب من السنسكريتية إلى ~~الفهلوية، # 19 # ومنها نقله عبد الله بن المقفع إلى العربية. وصدر الأصل ~~الهندي بمقدمات فارسية وعربية، وألحقت به في بعض النسخ أبواب ليست ~~منه. # وشغف العرب به عند ظهوره، فقام منهم من نقله ثانية من الفارسية، وهو عبد ~~الله بن هلال الأهوازي، نقله ليحيى البرمكي في خلافة المهدي، ولكن ترجمته ~~ضاعت، وعارضه سهل بن هارون - أحد كتاب المأمون - بكتاب سماه ثعلة وعفرة، ~~وضاع أيضا. وتصدى جماعة من الشعراء لنظمه، أولهم أبو سهل الفضل بن نوبخت ~~من خدم المنصور والمهدي، ثم أبان بن عبد الحميد اللاحقي نظمه للبرامكة، ثم ~~علي بن داود كاتب زبيدة زوج الرشيد، ونظمه بشر بن المعتمد، وكل هذه ~~المنظومات فقدت إلا منظومة أبان فقد بقي منها قطعة حسنة في كتاب «الأوراق» ~~للصولي. # ونظمه ابن الهبارية المتوفى سنة 504ه/1110م، وسماه «نتائج الفطنة في نظم ~~كليلة ودمنة» وهو مطبوع، ونظمه ابن مماتي المصري المتوفي سنة 606ه/1209م ~~وضاع نظمه، ثم نظم منه أقساما عبد المؤمن بن الحسن من رجال القرن السابع ~~للهجرة، ونظمه جلال الدين النقاش من أهل القرن التاسع الهجري، والنظمان غير ~~مطبوعين. # وأما الأدب الصغير والأدب الكبير فكتابان في الحكمة والأخلاق والسياسة ~~والاجتماع والنصائح، وكلاهما مطبوع. # 20 # ومن آثار ابن المقفع الباقية فقر حكمية، ورسائل متفرقة، وتحميدات جمعها ~~محمد كرد علي في كتابه «رسائل البلغاء»، وله شعر قليل. ~~(4-2) ميزته # لم تقم ميزة ابن المقفع إلا على كتابه الخالد «كليلة ودمنة»؛ ففي هذا الكتاب ~~يتجلى أسلوبه البديع الذي رفع به مستوى النثر العربي إلى أعلى درجات الفن ~~وأشرفها، فعلى هذا الكتاب نعول في درس ابن المقفع، وإظهار أسلوبه، ولكن لا ~~غنية لنا عن أن نلم بالأدبين الصغير والكبير؛ لنتبين خصائص الكاتب في مختلف ~~موضوعاته ومباحثه. # كليلة ودمنة: أبوابه وأغراضه # سمي هذا الكتاب كليلة ودمنة من باب تسمية الكل باسم الجزء؛ لأن خبر ~~كليلة ودمنة لا يتناول غير بابين من أبوابه، وهما باب الأسد والثور، وباب ~~الفحص عن أمر ms088 دمنة. # وكليلة ودمنة أخوان من بنات آوى، جعلت قصتهما مثلا على المتحابين يقطع ~~بينهما الكذوب المحتال، ومدارها أن دمنة سعى بالفتنة بين الأسد ملك ~~الوحوش والثور جليسه وصديقه؛ فأفسد فيما بينهما ولم يصخ لنصائح أخيه كليلة، ~~فقتل الأسد الثور، ثم تبين له أنه بريء مما اتهم به، فأمر بحبس دمنة، ~~وفي باب الفحص عن أمر دمنة يمثل المتهم في حضرة القاضي، ويرد على أقوال ~~خصومه، ويدافع عن نفسه رابط الجأش، ثم يثبت عليه الجرم بشهادة شاهدين فيقتل ~~ويصلب على رءوس الأشهاد، وأما كليلة فإنه يموت من حزنه في أثناء الفحص عن ~~أمر أخيه. # وترى في دمنة مثال الداهية المحتال، والحسود الطماع الذي يستهين كل كبيرة ~~لبلوغ ما يشتهيه من الرفعة والمال، وترى في كليلة مثال المخلص الوفي ~~للأصحاب، والقنوع الرضي الأخلاق، والحكيم البصير بالأمور، الذي يحب ~~السلامة، ويخشى مصاحبة السلطان، ويحاذر بطشه وصولته. # وأما بقية الأبواب فكل باب منها قائم بنفسه، ولكنها ترمي إلى غاية واحدة ~~وهي تهذيب النفس، والإرشاد إلى حسن السياسة، وحسن اختيار الأصحاب؛ فالباب ~~الأول مقدمة الكتاب لبهنود بن سحوان المعروف بعلي بن الشاه الفارسي، ~~ذكر فيها السبب الذي من أجله وضع بيدبا هذا الكتاب لدبشليم الملك، والباب ~~الثاني بعثة برزويه إلى بلاد الهند لنقل الكتاب، والباب الثالث عرض الكتاب ~~لابن المقفع وبه يشتد في تنبيه قارئ كتابه على «أن يديم النظر فيه من غير ~~ضجر، ويلتمس جواهر معانيه، ولا يظن أن نتيجته إنما هي الإخبار عن حيلة ~~بهيمتين، أو محاورة سبع لثور؛ فينصرف بذلك عن الغرض المقصود»، فكأن الكاتب ~~- وقد حمل إلى العرب أدبا جديدا لم يتعودوه - خشي أن يلتهوا بقشوره دون ~~لبابه، فلا يروا فيه غير التفكه بأحاديث البهائم والطيور، فحضهم على ~~تفهمه، وإدراك معانيه. # وفي هذا الباب يقسم الكتاب إلى أربعة أغراض: «أحدها: # 21 # ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة من مسارعة ~~أهل الهزل من الشبان إلى قراءته، فتستمال به قلوبهم؛ لأن هذا هو الغرض ~~بالنوادر من حيل الحيوانات، والثاني: ms089 إظهار خيالات الحيوانات بصنوف ~~الأصباغ والألوان؛ ليكون أنسا لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليه أشد؛ ~~للنزهة في تلك الصور، والثالث: أن يكون على هذه الصفة فيتخذه الملوك ~~والسوقة، فيكثر بذلك انتساخه، ولا يبطل فيخلق على مرور الأيام، ولينتفع ~~بذلك المصور والناسخ أبدا، والغرض الرابع، وهو الأقصى: مخصوص بالفيلسوف ~~خاصة.» # فيتبين من ذلك أن الكتاب كان ذا صور في الأصل، وأن ابن المقفع كان يرجو ~~خلوده في نوادره، وصوره وأصباغه وألوانه، ولم يخطر له يومئذ أن الخلود ~~مكتوب على بلاغة إنشائه. # وأما الباب الرابع، وهو برزويه الطبيب لبزرجمهر بن البختكان وزير ~~كسرى، فقد ذكر فيه فضل برزويه، ونسبه وحسبه وصناعته وأدبه وكيف كان أمره، ~~وذكر بعثته إلى الهند، وجعله قبل باب الأسد والثور، وجعل الكلام فيه على ~~لسان برزويه الطبيب، وأكثر هذا الباب مباحث وتعابير طبية، وهو يدل على حكمة ~~الطبيب، وبصره بالأمور، وخوفه من الدنيا، وميله إلى الزهد فيها؛ فهذه ~~الأبواب الأربعة هي المقدمات الفارسية والعربية للأصل الهندي، فيكون مجموع ~~الأبواب معها ثمانية عشر بابا تشتمل على كثير من الحكم والأمثال والمواعظ، ~~ويمكن تلخيصها بأنها تدعو إلى النسك والزهد بما فيها من أخبار النساك ~~والأمثال عنهم، وتأمر بالتقوى والنظر إلى الآخرة أكثر من النظر إلى الأولى، ~~وتوصي بالمشورة وقلة الكلام، ومداراة السلطان ونصحه وإرشاده بضرب الأمثال، ~~وتحديثه بعيوب غيره فيعرف عيبه، ولا يجد إلى الغضب على مؤدبه سبيلا، وتحث ~~على الشهامة والجود والرحمة والعفو والحلم، وتغري بالشجاعة والإقدام، ~~والصداقة والوفاء للأصحاب، وتزين الحزم والصبر والقناعة، وتنهى عن الحسد ~~والاحتيال والنميمة، والطمع والشراهة والظلم والبغي وكلام السوء، وتدعو إلى ~~الابتعاد عن سماع كلام الساعي والنمام، وتبين وخامة عاقبة الأشرار ومنافع ~~الأصحاب، ومضار الإهمال والغفلة، وآفة التعجيل وقلة الروية. # والروح الإسلامية مبثوثة في تضاعيف فصولها؛ مما يدل على أن ابن المقفع ~~تصرف في الأصل فجعله ملائما لأهل عصره، وهذا الذي جعل بعضهم يشكون في ~~أن الكتاب مترجم، وزعموا أنه من وضع ابن المقفع، وأن الكاتب ادعى ~~ترجمته لما كان للنقل من المنزلة الرفيعة ms090 في زمانه، وضاعف شكهم ما رأوا في ~~الكتاب من وحدة التأليف بين الأبواب الهندية والفارسية والعربية، فرجحوا ~~وحدة المؤلف. # ولكن ذلك لا يكفي للدلالة على أن الكتاب موضوع لا منقول، فأثر الترجمة ~~بين في إنشائه، والحكمة الهندية الفارسية ظاهرة فيه كل الظهور بآدابها ~~وأمثالها، فمن الراجح أن ابن المقفع نقله وهذبه وغير فيه وبدل، ~~وتصرف في جمع أبوابه فظهرت عليه وحدة التأليف، وقد جهد في أن يجعل روحه ~~إسلامية؛ كيما يصلح لتأديب الأمراء المسلمين، فوفق في غرضه، غير أنه ترك ~~أسماء الأعلام فارسية أو هندية. # وبوسعك أن تتبين الروح الإسلامية في قوله على لسان برزويه: «وأضمرت في ~~نفسي ألا أبغي على أحد ولا أكذب بالبعث ولا القيامة، ولا الثواب ولا ~~العقاب، وأن لا إله إلا الله الفرد الصمد.» # فهذا الإيمان وما فيه من التوحيد إسلامي محض لا ينطق به فارسي مجوسي ~~كبرزويه، وقد رأيت أن دمنة لم يقتل إلا بشهادة شاهدين؛ لأن شهادة الواحد ~~لا توجب حكما. زد على ذلك ما في الكتاب من اعتقاد عظيم بالقضاء ~~والقدر. # كليلة ودمنة: أسلوبه الإنشائي # حمل ابن المقفع إلى النثر العربي في كتابه هذا أسلوبا جديدا لم يعرف من ~~قبل، وهو سرد الحكايات على أفواه البهائم والسباع والطير، تتخللها محاورات ~~أدبية لذيذة فإذا هي تبدو في ظاهرها هزلا وتسلية، على حين أن باطنها جد ~~وحكمة، ويزيد هذه الحكايات رونقا أن أساسها قائم على ضرب الأمثال، ~~والأمثال كلام الأنبياء، فكل باب في مجموعه مثل مستقل، ولكنه يشتمل على عدة ~~أمثال يتفرع بعضها من بعض. # وأول الكتاب باب الأسد والثور يفتتحه دبشليم بقوله لبيدبا: «اضرب لي ~~مثلا لمتحابين يقطع بينهما الكذوب المحتال حتى يحملهما على العداوة ~~والبغضاء.» فيورد بيدبا مثلا ويفرع منه أمثالا على ألسنة الحيوانات التي ~~ذكرها في هذا المثل، حتى إذا انتهى وأراد الانتقال إلى باب آخر قال الملك: ~~«قد سمعت مثل المتحابين إلخ، فحدثني عن إخوان الصفاء كيف يبتدئ تواصلهم ~~ويستمتع بعضهم ببعض؟» فيوطئ الفيلسوف لغرضه بمقدمة تناسب المثل، يراد ~~منها النصح ms091 أو التحذير أو ما شاكلهما كقوله: «إن العاقل لا يعدل بالإخوان ~~شيئا، فالإخوان هم الأعوان على الخير كله، والمؤاسون عند ما ينوب من ~~المكروه، ومن أمثال ذلك الحمامة المطوقة والجرذ والظبي والغراب ~~والسلحفاة.» فيقول له الملك: «وكيف كان ذلك؟» فيستهل المثل بقوله: ~~«زعموا.» # ويختم الباب غالبا بذكر ما ضرب المثل لأجله فيجعله نتيجة لما تقدم، ~~مثال ذلك: «فهذا مثل إخوان الصفاء وائتلافهم في الصحبة.» # ويمهد للأمثال المتفرعة كما يمهد للمثل الأصلي، ويختمها على الغالب ~~بقوله: «وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم.» # والكتاب حافل بالأقوال ~~الحكمية والمواعظ والنصائح، وربما استرسل الكاتب في فقر حكمية متساوقة حتى ~~يخرج بها عن الموضوع الذي يتكلم فيه، مثال ذلك أنه لما أراد دمنة أن يغري ~~الأسد بالثور، أخذ يدعوه إلى قبول نصيحته بهذه الأقوال، وفيها ما يلائم ~~الموضوع وفيها ما لا يلائمه: «وخير الإخوان والأعوان أقلهم مداهنة في ~~النصيحة، وخير الأعمال أحمدها عاقبة، وخير النساء الموافقة لبعلها، وخير ~~الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وأفضل الملوك من لا يخالطه بطر ولا ~~يستكبر عن قبول النصيحة.» # ولما كانت الحيوانات غير العاقلة عاقلة في كليلة ودمنة، فالكاتب يتكلم ~~على ذكورها بصيغة المذكر العاقل، فيقول مثلا: «زعموا أن جماعة من القردة ~~كانوا ساكنين.» # ويمتاز أسلوبه بخاصتة ~~الرياضية التي اختصت بها فلسفة اليونان، ولا سيما الفلسفة ~~الفيثاغورية، # 22 # وما فيها من عدد وتقسيم، حتى ظن بعض المستشرقين أن لكليلة ~~ودمنة أصلا يونانيا، وأن ابن المقفع كان عارفا بلغة اليونان. على أن ~~كلا الأمرين لم يثبتا، وإنما الثابت أن ابن المقفع اطلع على حكمة ~~اليونانيين في كتب الفرس التي نقلها، فراض عقله على هذا الأسلوب المنطقي، ~~وأتحف به لغة العرب، وكانت لا تعرفه من قبل. ولا تنحصر خاصته هذه في كليلة ~~ودمنة، بل تجدها في الأدب الصغير والأدب الكبير. ودونك مثالا عليها قوله ~~في باب الأسد والثور: «يا بني، إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثة أمور لن يدركها ~~إلا بأربعة أشياء: أما الثلاثة التي يطلب، فالسعة في الرزق، والمنزلة في ~~الناس، ms092 والزاد للآخرة. وأما الأربعة التي يحتاج إليها في درك هذه الثلاثة، ~~فاكتساب المال من أحسن وجه يكون، ثم حسن القيام على ما اكتسب منه، ثم ~~استثماره ثم إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي الأهل والإخوان، فيعود نفعه ~~في الآخرة.» # ويكثر في هذا النوع من إنشائه استعمال أما التفصيلية، وتراه حافلا ~~بالقياسات ومنها المدرجة المتسلسلة، كقوله في باب الحمامة المطوقة: «وجدت ~~من لا إخوان له لا أهل له، ومن لا ولد له لا ذكر له، ومن لا مال له لا عقل ~~له ولا دنيا ولا آخرة؛ لأن من نزل به الفقر لا يجد بدا من ترك الحياء، ~~ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره مقت نفسه، ومن مقت نفسه كثر حزنه، ~~ومن كثر حزنه قل عقله وارتبك في أمره، ومن قل عقله كان أكثر قوله وعمله ~~عليه لا له، ومن كان كذلك فأحر به أن يكون أنكد الناس حظا في الدنيا ~~والآخرة.» # ويختلط الأسلوب القصصي بالأسلوب المنطقي في إنشاء كليلة ودمنة، فيدمثه ~~ويسهله، ويزيل عنه الجفاف والتعقيد اللذين يعمان كتب المنطق والفلسفة. ~~وتبدو عبارته واضحة كل الوضوح بريئة من الغموض، تتناولها الأفهام بخفة، فما ~~يصعب عليها تحصيل معانيها. # وعلى الجملة، فإن كليلة ودمنة يمتاز بسهولته وانسجامه ووضوحه وسلاسته، ~~واتساق أفكاره وتساوق أمثاله، وإسهابه واسترساله. وهو أخلد كتاب عرفته ~~اللغة العربية، فقد نيف على الألف من السنين، والأيدي تتداوله، والمدارس ~~حافلة به. # الأدب الصغير # لم يكن ابن المقفع مخترعا في الأدب الصغير، وإنما هو ناقل متصرف في ~~النقل فعله في كليلة ودمنة، ولا يرى غضاضة في ذلك، بل يحسنه ويزينه ~~إذ يقول: «ومن أخذ كلاما حسنا عن غيره فتكلم به في موضعه على وجهه، فلا ~~يرين في ذلك عليه ضئولة، فإنه من أعين على حفظ قول المصيبين، وهدي ~~للاقتداء بالصالحين، ووفق للأخذ عن الحكماء، فلا عليه أن لا يزداد؛ فقد ~~بلغ الغاية.» وهذا يدل على أن الكاتب يعتقد أن الذين تقدموه من الحكماء ~~بلغوا الغاية، فلم يتركوا زيادة لمستزيد، ويوضح ذلك في ms093 قوله: «وجل الأدب ~~بالمنطق، وكل المنطق بالتعلم. ليس حرف من حروف معجمه، ولا اسم من أنواع ~~أسمائه إلا وهو مروي متعلم مأخوذ عن إمام سابق من كلام أو كتاب، وذلك ~~دليل على أن الناس لم يبتدعوا أصولها، ولم يأتهم علمها إلا من قبل العليم ~~الحكيم.» ا.ه. فهو يزين العلم، ولا يشترط الاختراع، ولذلك يقر بأنه أخذ ~~كتابه هذا عن غيره، فيقول: «وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ ~~حروفا، فيها عون على عمارة القلوب، وصقالها وتجلية أبصارها، وإحياء ~~للتفكير، وإقامة للتدبير.» # والأدب الصغير عبارة عن دروس خلقية اجتماعية، تحث على طلب العلم، وتشترط ~~على العالم التواضع وعدم الاعتداد بالنفس، وتدعو المرء إلى تأديب نفسه ~~ومحاسبتها، وتحسن له الزهد والتصوف، وهي مع ذلك تعظم شأن المال وتقدسه، ~~ولا تنهى عن جمعه: «ومن لا مال له فلا شيء له، والفقر داعية إلى صاحبه مقت ~~الناس.» # على أن الكاتب ينهاك عن الاغترار بالمال الكثير، ويدعوك إلى القناعة ~~بالقليل منه، لأنه يريده مانعا للفقر ليس غير. وتراه اشتراكيا لا يحب ~~الاحتكار والاستئثار: «لا تعد غنيا من لم يشارك في ماله.» ولا غرو أن ~~يدعو إلى الاشتراك وهو الذي يوصي الإخوان بالتعاون والتعاضد، ويقدس المودة ~~والوفاء للصديق. # وإذا أوصى بالصديق لا يغفل عن العدو، بل يحذرك منه ويرشدك إلى سياسته، ~~وينهاك عن استصغار الأمور: «لأن من استصغر الصغير أوشك أن يجمع إليه صغيرا ~~وصغيرا، فإذا الصغير كبير.» ولا يرى في المشورة غضاضة، ولو كان الرأي ~~الصائب من شخص حقير. # ويتكلم على سياسة الملوك والولاة، فيشير عليهم أن يتعهدوا عمالهم: «حتى ~~لا يخفى عليهم إحسان محسن، ولا إساءة مسيء.» # وله في المرأة ظن سيئ لا تحمده النساء عليه، فإنه يلح في النهي عن عشقهن، ~~والاطمئنان إليهن؛ لأن مودتهن لا تدوم. # وهو على نصائحه الاجتماعية والأدبية لا يغفل عن المواعظ الدينية، فيأمر ~~بالتقوى، والتعبد لله ومعرفة نعمه، والشكر له؛ لتزداد هذه النعم. # وجماع القول أن الأدب الصغير رسالة نفيسة في سياسة الاجتماع وتهذيب ~~النفس، ورياضتها ms094 على الأعمال الصالحة، ومعرفة الخالق. # وأما إنشاؤه فيختلف بعض الاختلاف عن إنشاء كليلة ودمنة؛ لأن صاحبنا اتخذ ~~فيه الأسلوب المنطقي الصرف، فظهر عليه بعض الجفاف، وتخللته جمل اعتراضية ~~فلم يخل من التعقيد. وازدحمت فيه المعاني الفلسفية الدقيقة، فصعب ~~التماسها؛ لأنها أفرغت في قالب إنشائي بحت، كله تحذير وتحضيض، وأقيسة ~~وأعداد وتقاسيم، فلم يتم لها الوضوح الذي تم لها في حكايات كليلة ~~ودمنة. # وفي الأدب الصغير أقوال واردة في كليلة ودمنة بحروفها، ولكنها مندمجة ~~هناك في القالب القصصي السهل، وقائمة هنا بنفسها. # ولا يخلو الأدب الصغير من ضرب المثل، ولكن أمثاله قصيرة لا تشبه أمثال ~~كليلة ودمنة التي ساقها مساق النوادر والأقاصيص. # الأدب الكبير # لا يتناول ابن المقفع موضوع كتابه إلا بعد أن يذكر الأسلاف، ويعظم ما ~~تركوا للخلف من علوم. ويريد بهؤلاء الأسلاف الأمم الأعجمية، وإليهم يشير ~~بقوله: «إن الرجل منهم كان يفتح له الباب من العلم، والكلمة من الصواب، ~~وهو بالبلد غير المأهول، فيكتبه على الصخور مبادرة منه للأجل، وكراهية ~~لأن يسقط # 23 # ذلك على من بعده.» ثم يعترف أنه أخذ لكتابه هذا من أقوال ~~المتقدمين. # والأدب الكبير قسمان؛ قسم يتكلم به على السلطان والمتصلين به، وقسم يتكلم ~~به على الصديق. ويستهل القسم الأول بقوله: «وأنا واعظك في أشياء من الأخلاق ~~اللطيفة إلخ.» ثم يأخذ في نصح السلطان، فيوصيه وصايا حسنة تتناول سياسته ~~للعمال والرعية، وما ينبغي له أن يتحلى به من الخصال الحميدة؛ فمن جملة ~~نصائحه له أن لا يزيد من ساعات شهوته ودعته، وينقص من ساعات عمله وتعبه، ~~وأن لا يعرف بحب المدح، وأن يتحلى بثلاث خصال: رضى ربه، ورضى سلطانه إن ~~كان فوقه سلطان، ورضى صالح من يلي عليه. وأن يتخذ بطانته من أهل الدين ~~والمروءة، وأن لا يأنف من المشورة؛ لأنه يطلب الرأي للانتفاع به لا ~~للافتخار به. # ويوصيه أن لا يعاجل بالثواب ولا بالعقاب؛ فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء ~~الراجي، وأن يصبر على أهل العقل والسن والمروءة دون غيرهم، وينهاه عن الحسد ~~والغضب ms095 والحلف. # ويوصيه بتفقد فاقة الأحرار ليسدها، وطغيان السفلة ليقمعه، ويريد بذلك أن ~~يكون الوالي يقظا متنبها لجميع أحوال رعيته. # ثم ينتقل إلى الكلام على المتصلين بالسلطان فيعطيهم نصائح تتعلق بسياستهم ~~معه. وفيها أشياء كثيرة اعتمد عليها بعده الفارابي وابن سينا في كلامهما ~~على سياسة المرءوس لرؤسائه؛ فمنها هرب المرءوس من صحبة وال لا يريد صلاح ~~رعيته؛ لئلا يهلك في دينه إذا صحبه، وفي دنياه إذا صحب الرعية وأغضبه، ~~ومنها مداراة الوالي والنظر إلى ما يحب وما يكره، ومنها تزيين رأي الولاة ~~وقلة استقباح ما يصنعون، وغير ذلك من النصائح التي تختص بمصاحبة الملوك في ~~زمن كان الملك فيه ظل الله على الأرض؛ فلا بدع أن تصطبغ هذه النصائح ~~بألوان العبودية والخنوع، وإن كان ابن المقفع قد أراد بها إظهار استبداد ~~أولي الأمر، والتنفير من مصاحبتهم. ونعتقد أن أبا جعفر المنصور لم يكن ~~راضيا عنها؛ لما فيها من ذم للسلطان. # وأما القسم الثاني فقد خصه بالصديق، وابن المقفع - كما علمت - عظيم ~~المودة والوفاء للأصدقاء، ويستهله بقوله: «ابذل لصديقك دمك ومالك.» ومن ~~وصاياه في مخالقة الصديق أن لا ينتحل الإنسان رأي صديقه لئلا يثير سخطه ~~عليه، وأن لا يشارك محدثا في حديث يعرفه؛ فإن في ذلك خفة وسوء أدب وسخفا، ~~وأن يحسن الاستماع ويخفض الصوت عند الكلام، ولا يسفه أقوال جلسائه، وأن ~~لا يذمن اسما من الأسماء لعله موافق هوى بعض خلطائه. # وابن المقفع، في أثناء كلامه على الصديق، ينهاك عن أشياء لا يصح التخلق ~~بها، ويوصيك أن تحترز من سكر السلطة، وسكر العلم، وسكر المنزلة، وسكر ~~الشباب. وهو أبدا شديد الوطأة على المرأة، فما يتركه التنفير من الولوع ~~بها، والتحذير من التهافت على الازدياد من النساء. # ويختم كتابه بذكر الصفات الحسنة التي ينبغي للمرء أن يتحلى بها في حياته، ~~وهي خلاصة مباحثه في الأدب الكبير. # وإنشاء الأدب الكبير خطابي محض، كله أمر ونهي، وقد خلا من الأمثال ولم ~~يغلب عليه الأسلوب المنطقي، فقلت قياساته، فجاءت عبارته أسهل من عبارة ~~الأدب الصغير ms096 وأوضح. ~~(4-3) منزلته # إذا شئت أن تفسر البلاغة كما فسرها بعضهم بقوله إنها كلام قلت ألفاظه وكثرت ~~معانيه، فقد ظلمت ابن المقفع وأخرجته من طبقة البلغاء؛ لأنه كان يجنح إلى ~~الإسهاب أكثر منه إلى الإيجاز. # على أن هذا التفسير فيه نقص بين؛ إذ لا يصح أن تحصر البلاغة في الكلام ~~الموجز المفيد، وللإسهاب إذا خلا من الحشو والتطويل نصيب منها غير يسير. وأحسن ~~من هذا التفسير قول ابن المقفع: «البلاغة هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه ~~يحسن مثلها.» والجاهل لا يتفهم الكلام إلا إذا كان سهلا واضحا، فإن فهمه ~~طمعت نفسه في احتذائه، غير عالم أن البليغ السهل صعب الرياضة بعيد المنال؛ ذلك ~~أن تتبع الألفاظ الفصيحة المأنوسة، واجتناب الألفاظ الغريبة يجعل نطاق اللغة ~~ضيقا، ومادتها قليلة، ولأن يدخل الكاتب على البلاغة من طريقها الوعر أيسر له ~~من أن يسلك إليها السهل الممتنع، وابن المقفع سلكه مطمئنا، ثابت الأقدام، ~~فنال من معجزها ما لم ينله سواه، ولطالما أوصى الكاتب بترسم خطاه، فقال: «إياك ~~والتتبع لوحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة؛ فإن ذلك هو العي الأكبر.» # وهو كغيره من المتقدمين لا يحفل بتسجيع الألفاظ وتزويقها، ولا يقصد إليه ~~البتة إلا ما جاء عفوا، وقضت به الفصاحة في أثناء الكلام. ولم يؤثر أصله ~~الفارسي في صحة طبعه، مع أن الفرس أهل حضارة قديمة تميل بهم إلى الزخرف ~~والتزيين، وسبب ذلك أنه نشأ زمن بني أمية نشأة عربية خالصة، بعيدة من التصنع ~~والتكلف، نازعة إلى البداوة والفطرة. ثم إن الفرس لم يكن لهم في أيامه الأثر ~~البليغ الذي صار لهم فيما بعد، فانطبع إنشاؤه على بلاغة العرب وفطرتهم، وخلص من ~~تمويه الحضارة الجديدة وتزويقها، فجاء متنوع العبارة، يجري مع الطبع. # على أن بعد الكاتب من التعمل لا يعني أنه لم يكن يتخير ألفاظه وينتقيها؛ ~~فلقد كان كالصائغ الماهر كثرت جواهره، فأحسن اختيار فرائدها. قال الراغب ~~الأصبهاني: «كان ابن المقفع كثيرا ما يقف إذا كتب. فقيل له في ذلك فقال: إن ~~الكلام يزدحم ms097 في صدري فأقف لتخيره.» # وامتاز في حلاوة ألفاظه ورصانتها، وطول نفسه، وبعده من الغلو، وفي اتساق ~~أفكاره وحسن تساوقها، واستيفاء القياس وقوة المنطق، والغوص على المعنى الفلسفي ~~الدقيق. قال فيه أبو العيناء: «كلامه صريح، ولسانه فصيح، وطبعه صحيح. كأن بيانه ~~لؤلؤ منثور، وروض ممطور.» # والأقوال فيه كثيرة، وكلها تدل على منزلته الرفيعة في دولة النثر، وتظهر ما ~~كان لأسلوبه من الأثر الكبير في عصره؛ مما جعل بلغاء الكتاب يضربون على ~~غراره، وحسبك منهم سهل بن هارون. # وابن المقفع عجمي التفكير في جميع مؤلفاته، ليس له من العرب إلا اللغة وروح ~~الإسلام، وقلما استشهد بأشعارهم وأقوالهم، ولكن فضله على العربية عظيم، فإنه ~~أول من أدخل إليها الحكمة الفارسية الهندية، ومنطق اليونان، والطريقة ~~الفيثاغورية، وعلم الأخلاق، وسياسة الاجتماع، فذلل أوضاعها لمباحث عقلية لا عهد ~~لها بها، ووطأ السبيل للفارابي وابن سينا من بعده. # وهو أول كاتب عمد إلى الترجمة والتأليف ووصل إلينا بعض آثاره، وكان من حظه ~~الخلود، وأول عالم مفكر تناول الموضوعات العقلية بإنشاء رفع به لغة الأدباء، ~~وبز به لغة العلماء، تلك التي غلب عليها الغموض وركاكة التعبير، فحبب ~~دراسة الحكمة بجمال أسلوبه ووضوحه، ولا سيما أسلوب كليلة ودمنة الذي أفرغ فيه ~~الجد في قالب الهزل، فأرضى به الخاصة والعامة معا. وكان أول كاتب عربي جعل ~~الكلام على ألسنة الحيوان، وجعل تأديب الملوك بالحكايات والإشارات ~~والأمثال. ~~(5) علوم اللغة ~~(5-1) الصرف والنحو # ذكرنا في الكتاب الأول أن اللحن أخذ يفشو في صدر الإسلام بسبب اختلاط العرب ~~بالأعاجم، وأن أبا الأسود الدؤلي أول من اشتغل بالنحو ونسب إليه وضع بعض ~~أبوابه، فلما استشرى الفساد في اللغة أيام الدولة العباسية نشط العلماء إلى ~~وضع قواعد الصرف والنحو، وكانا يومئذ علما واحدا غير منقسم، ويرجع الفضل في ~~ضبط الأصول واستقرائها إلى البصرة ثم إلى الكوفة. ~~(5-2) البصرة والكوفة # البصرة والكوفة مدينتان بالعراق مصرتا في خلافة عمر بن الخطاب، فأهلتا ~~بطوائف العرب والموالي، وحفلتا بالشعراء والعلماء، فكان بينهما تنافس في الشعر ~~والرواية، والنحو واللغة، والفقه ms098 والحديث، وعلم الكلام. # البصريون # وسبق البصريون أهل الكوفة إلى الاشتغال بالنحو ولغات العرب، # 24 # فإن أبا الأسود الدؤلي بصري، وأخذ عنه من علماء البصرة يحيى بن ~~يعمر، وميمون الأقرن، وعنبسة الفيل، ونصر بن عاصم الليثي ~~وغيرهم. # ثم كان من بعدهم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وهو على رواية ابن ~~سلام أول من مد القياس والعلل. وكان معه أبو عمرو بن العلاء، فشهر ابن ~~أبي إسحاق بالنحو وتجريد القياس، وشهر أبو عمرو بمعرفة لغات العرب. وأخذ ~~يونس بن حبيب، والخليل بن أحمد عن أبي عمرو بن العلاء. وأخذ عيسى بن عمر ~~الثقفي عن ابن أبي إسحاق، وعيسى هذا أول من ألف في النحو، فقد ذكر له ~~الخليل كتابي الجامع والإكمال ولكنهما فقدا، ثم كان سيبويه. # سيبويه 796م/180ه # هو أبو بشر عمرو بن عثمان، مولى بني الحارث بن كعب، ولقب بسيبويه لجمال ~~وجهه، ومعناها بالفارسية رائحة التفاح. وكانت ولادته بفارس ونشأته بالبصرة. ~~وأخذ النحو عن الخليل ويونس وعيسى بن عمر. وأخذ اللغة عن الأخفش الأكبر، ~~فأصبح شيخ البصريين غير مدافع. # وزعموا أنه قدم بغداد وافدا على البرامكة، فوقعت بينه وبين الكسائي ~~مناظرة خذل فيها سيبويه، فخرج من بغداد حزينا، وقصد إلى بلاد فارس، وتوفي ~~بالبيضاء من قرى شيراز. # وترك من آثاره الكتاب في النحو، وهو مجلدان كبيران يحتويان على عشرين ~~فصلا وثماني مائة، وقد شرحه أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان ~~السيرافي، وله طبعات كثيرة، ونقل إلى الألمانية. # وكان أثره بليغا في أيامه حتى إنهم أطلقوا عليه اسم الكتاب إجلالا ~~لقدره، فإذا قيل بالبصرة: «قرأ فلان الكتاب.» علموا أنه كتاب سيبويه. وكان ~~المبرد شديد الإعجاب به، فإذا أراد مريد أن يقرأه عليه يقول له: «هل ركبت ~~البحر؟» تعظيما للكتاب واستصعابا لما فيه. ومن هذا البحر الفياض اغترف ~~جميع النحاة من متقدمين ومتأخرين، فكان له الفضل العميم. # الكوفيون # واقتفر الكوفيون معالم أهل البصرة، وأخذوا عنهم النحو، وانصرفوا إلى ~~تدارسه والنظر فيه، فبرع منهم معاذ الهراء # 25 # وهو أقدم نحاتهم وأول ms099 من وضع الصرف. وبرع أيضا ابن أخيه أبو ~~جعفر الرؤاسي، وهو أول كوفي ألف في النحو، واسم كتابه الفيصل، وقد ضاع. ~~ثم كان الكسائي. # الكسائي 804م/189ه # هو علي بن حمزة مولى بني أسد، وأصله من فارس، ولقب بالكسائي؛ لأنه دخل ~~الكوفة أو أحرم وهو ملتف بكساء، فنسب إليه. وأخذ النحو عن معاذ الهراء وأبي ~~جعفر الرؤاسي، ثم خرج إلى البصرة ولقي الخليل وأخذ عنه، ثم طاف بالبادية، ~~واطلع على لغات العرب ومذاهبهم، فلما رجع إلى الكوفة استقدمه المهدي إلى ~~بغداد، وجعله في حاشية ابنه الرشيد. وجعله الرشيد مؤدب ولده الأمين، فارتفع ~~مقامه، وظل وجيها مكرما حتى مات، ودفن بالري. # 26 # وهو شيخ الكوفيين، وأحد القراء السبعة، وله كتب كثيرة لم يبق ~~منها سوى رسالة فيما تلحن فيه العوام، وهي رسالة في اللغة. وكان - على بصره ~~باللغة والنحو - قليل البضاعة في الشعر حتى قيل: «ليس في علماء العربية ~~أجهل من الكسائي بالشعر.» # مناظرات البصريين والكوفيين # أخذ الكوفيون النحو عن البصريين، ولكنهم لم يلبثوا أن خالفوهم فيه، ~~وجعلوا لأنفسهم مذهبا غير مذهب أهل البصرة، فاشتد التنافس بين المذهبين، ~~وكثرت مناظرات أصحابهما، وتعصب كل فريق لمذهبه فتشعبت الآراء، وسادت ~~التمحلات والتعليلات حتى كادوا لا يتفقون على وجه من الوجوه، فإذا قال ~~البصريون: «الفعل مشتق من المصدر.» قال الكوفيون: «المصدر مشتق من الفعل.» ~~وإذا جوز البصريون تقديم الخبر على المبتدأ رفض الكوفيون تجويزه؛ لأنه ~~يؤدي إلى تقديم ضمير الاسم على ظاهره، نحو: قائم زيد؛ ففي قائم ضمير زيد، ~~ورتبة ضمير الاسم بعد ظاهره، إلى غير ذلك من المناقضات الكثيرة التي أورثت ~~المتأخرين طوائف من الآراء لا يعدم معها من يلحن وجها للصحة يرد إليه ~~كلامه. وجعلت دراسة النحو صعبة المنال لا يضطلع بها إلا كل ذي رغبة وجلد. ~~زد على ذلك ما أدخل على الشعر من أبيات منحولة اصطنعها العلماء، وجعلوا ~~منها شواهد على مذاهبهم، وحججا لمناظراتهم. # وكان الكوفيون شديدي التعصب للأعراب، يريدون العصمة فيهم؛ فإذا سمعوا ~~قولا من أقوالهم فيه تجوز يخالف القواعد ms100 المقررة، جعلوه قاعدة غير ~~معتدين بالشذوذ. # وأما البصريون فقد كانوا أصح استنباطا من أهل الكوفة، وأكثر اعتدالا، ~~وأحفل بالمنطق والقياس، غير أن الكوفيين ظهروا عليهم؛ لأنهم كانوا متصلين ~~بالعباسيين، وقربهم الخلفاء أكثر من نحويي البصرة فجعلوهم مؤدبي أولادهم، ~~فنبه ذكرهم، ورجحت كفتهم، وشهر منهم جماعة في بغداد كالفراء، وابن ~~الأعرابي، وابن السكيت وغيرهم. وقد يكون لفوز الكسائي على سيبويه أثر في ~~ظهور حجة الكوفة، وإقبال طلاب العلم عليها؛ لأن انتصار شيخها على شيخ ~~البصرة عد انتصارا لمذهبها في ذلك الحين، غير أن المذهب البصري ما لبث ~~أن تمت له الغلبة، ورجحت كفته على كفة المذهب الكوفي بعدما زالت تأثيرات ~~الأمراء، واصبحت السيادة في العصر العباسي لأهل المنطق وعلماء ~~الكلام. ~~(5-3) اللغة # ولم يكن حرص العلماء على ضبط القواعد بأشد من حرصهم على ضبط ألفاظ اللغة، ~~وجمع شتاتها، والتمييز بين لهجاتها، فكانوا يطوفون بالبادية يأخذون الكلام عن ~~أهلها. وكان الأعراب يأتون أمصار العراق فيسمع العلماء منهم، ويدونون ما ~~يحفظونه عنهم، فألفوا في بدء الأمر رسائل صغيرة في موضوعات خاصة كأسماء ~~الوحوش والأبل، وخلق الإنسان، والدارات، والنخل والكرم للأصمعى، وأسماء البئر ~~وصفاتها والخيل وأنسابها لابن الأعرابي، وغريب القرآن لمؤرج السدوسي، والمثلثات ~~لقطرب، فكانت هذه الرسائل نواة المعاجم اللغوية، على أن هناك كتابا في اللغة ~~ظهر قبل هذه الرسائل كلها مرتبا على مخارج الحروف، ومباحث عامة لا خاصة، وهو ~~كتاب العين للخليل. # الخليل 718-786م/100-170ه (؟) # حياته # هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي # 27 # الأزدي. ولد في البصرة وبها نشأ، وتخرج على أئمة زمانه. ذكر ~~منهم ولدا أبي الأسود الدؤلي عطاء وأبو الحارث، ويحيى بن يعمر، وميمون ~~الأقرن، وعنبسة الفيل. وتبدى غير مرة وخالط الأعراب وسمع منهم، وأخذ ~~شيئا كثيرا عنهم، فنبغ في اللغة والنحو. وكان له براعة في تصحيح القياس، ~~واستخراج المسائل النحوية وتعليلها. وعنه أخذ سيبويه واستمده لكتابه الشهير ~~في النحو. وتخرج عليه كثير غير سيبوبه منهم مؤرج السدوسي، والنضر بن ~~شميل، والأصمعي. # وكان له معرفة بالنغم والحساب. وذكر بعضهم أنه ms101 ألم باليونانية إلماما ~~تاما. ولعله أخذها عن تلميذه حنين بن إسحاق العبادي، فإن حنينا كان ~~يحكم اللسان اليوناني، وقد لزم الخليل مدة حتى برع في لغة العرب، فغير ~~عجيب أن يتعلم الخليل منه اليونانية، وهو الذي عرف بحب العلم ونادر ~~الذكاء. # وظل في البصرة يشتغل بالتأليف والتعليم حتى مات، وكان زاهدا متعففا، ~~حليما وقورا. # آثاره # وله من الآثار شيء كثير منها في اللغة، ومنها في الأنغام، وأشهرها كتاب ~~العين في اللغة والنحو، دون فيه ما جمعه من الألفاظ والقواعد، ورتبه على ~~حروف الهجاء، وقدم الحلقية منها لأنها أبعدها مخرجا. وابتدأ بالعين لأنه ~~أعمق حروف الحلق وهي: ع. ح. ه. خ. غ، وجعل بعدها حرفي اللهاة، وهما: ق ك، ثم ~~الشجرية # 28 # وهي: ج. ش. ض، ثم النطقية وهي: ط. د. تاء، ثم اللثوية وهي: ظ. ~~ذال. ثاء، ثم الذولقية وهي: ر. ل. ن، ثم الشفهية وهي: ف. ب. م، ثم حروف ~~العلة وهي: ي. و. ا. # وأطلق عليه اسم العين من باب تسمية الكل باسم الجزء، وتسمية الكتاب باسم ~~الباب الأول منه عادة شاعت عند كثير من الأمم. وقد رأينا أبا تمام يفعل مثل ~~ذلك في مختاراته، فيسميها باسم الباب الأول منها وهو باب الحماسة. وقيل إن ~~الخليل جرى في ترتيب كتاب العين مجرى وضاع المعاجم السنسكريتية، فإن ~~الهنود يبدءون بأحرف الحلق، وينتهون بالأحرف الشفهية. # ويقول صاحب وفيات الأعيان: «إن أكثر العلماء العارفين باللغة يقولون إن ~~كتاب العين ليس من تصنيف الخليل. وإنما كان قد شرع فيه، ورتب أوائله، وسماه ~~بالعين. ثم توفي فأكمله تلامذته النضر بن شميل، ومن في طبقته كمؤرج ~~السدوسي، ونصر بن علي الجهضمي وغيرهما، فما جاء عملهم مناسبا لما وضعه ~~الخليل في الأول، فلهذا وقع فيه خلل كثير يبعد وقوع الخليل في ~~مثله.» # والخلل الذي يشير إليه ابن خلكان ناتج في أكثره عما ورد في كتاب العين ~~من شواهد النحو على المذهب الكوفي مع أن الخليل بصري، فقد ناقض فيه نفسه، ~~وخالف ما جاء في كتاب ms102 سيبويه مما رواه سيبويه عنه. ولا يدفع ذلك قولهم إن ~~الخلاف بين البصرة والكوفة لم يقم إلا بعد الخليل؛ لأن الكلام ليس على ذاك ~~الخلاف وإنما هو التناقض في آراء الخليل، وهذا ما نجله عنه كما نجل ~~سيبويه عن الكذب في روايته عن أستاذه. ولذلك نرجح ما رواه ابن خلكان من أن ~~الخليل مات قبل أن يتم كتابه، فعاثت فيه أيدي تلاميذه، ومنهم كوفيون، ~~فأفسدوا فيه، وأوقعوا كثيرا من الخلل، فشك فيه بعض العلماء وانتقدوه، ~~منهم الأزهري صاحب التهذيب، وابن سلمة الكوفي، والسيوطي في كتابه ~~المزهر. # وظل كتاب العين معروفا حتى القرن الرابع عشر للميلاد ثم ضاع. ولم يصل ~~إلينا منه سوى ما أخذه سيبويه لكتابه، والسيوطي لمزهره. ويقول صاحب الفهرست ~~إنه كان في ثمانية وأربعين جزءا. وقد اختصره أبو بكر الزبيدي المتوفي ~~سنة 379ه/989م فحفل الناس به، وفضلوه على الأصل؛ لأن الزبيدي حذف منه ~~الشواهد المختلفة، والحروف المصحفة، والأبنية المختلة. ومنه نسخ خطية في ~~مكاتب برلين والأسكوريال ومدريد والأستانة. # ومن آثاره الخالدة علم العروض، فهو الذي استنبطه وابتدعه، وحصر أقسامه ~~في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحرا، وزاد فيه الأخفش الأوسط بحر ~~الخبب، ويسمى المتدارك لأنه تداركه. وحاول بعضهم أن يزيدوا بحرين آخرين، ~~وهما: المستطيل ووزنه: مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن، مرتين. والممتد ووزنه: ~~فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن، مرتين. ولكنهما لم يرزقا الحياة بل وقفت ~~البحور عند الستة عشر، وحافظ الشعراء على أجزائها حتى في الموشحات. # ويرى جماعة أن معرفة الخليل بالأنغام نبهته على وضع العروض؛ لأن الموسقى ~~والشعر متقاربان في المأخذ. ويستدلون على ذلك من رواية لحمزة بن الحسن ~~الأصبهاني ذكرها ابن خلكان، وهي أن الخليل فطن لوضع العروض من سماعه وقع ~~مطارق الصفارين # 29 # على الطسوت بانتظام. # ويرى البستاني صاحب دائرة المعارف أن إلمام الخليل باللغة اليونانية نبهه ~~إلى ذلك؛ لأن علم العروض قديم عند اليونان، ولأرسطو فيه كتاب جليل. وهذا ما ~~نرجحه نحن. ولا غضاضة فيه على الخليل، فإنما له أبدا فضل الواضع ~~المبتكر. # منزلته # أعظم ms103 خاصة يمتاز بها الخليل هي أنه كان ذا عقل مفكر مولد. وهذه الخاصة ~~النادرة اشتقت له طريق الابتكار، فكان أول من ضبط البحور ووضع أوزانها، ~~وأول من جمع ألفاظ اللغة في كتاب، ومهد السبيل لتصنيف المعاجم، فأخذ عنه ~~من جاء بعده. وله فضل المتقدم في الدراسة الصوتية لمخارج الحروف، وفي ضبط ~~أصول الغناء وفروعه وأنغامه وآلاته. # 30 # وكان سبب موته أنه دخل المسجد وهو يعمل فكره في اختراع نوع من ~~الحساب تمضي به الجارية إلى البياع فلا يمكنه ظلمها، فصدمته ~~سارية # 31 # وهو غافل عنها، فانقلب على ظهره وارتج دماغه، واعتل حتى مات. ~~وروي أنه اخترع للشطرنج جملين في طرفي الرقعة فاستعمل مدة ثم ترك. # فحسبك من هذه الأشياء وغيرها شواهد تنطق بفضل الخليل، ورجحان عقله، وقوة ~~استنباطه. وقد شهد له ابن المقفع في ذلك فقال: «عقله أكثر من علمه.» وقال ~~فيه ابن سلام: «سمعت أشياخنا يقولون: لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من ~~الخليل ولا أجمع.» ~~(6) العلوم الدخيلة ~~(6-1) الترجمة # ما انتظمت الممالك الإسلامية وامتدت أطرافها، وتم اختلاط العرب بغيرهم من ~~الأعاجم، حتى أدرك العرب أن عند الأعاجم علما غير العلم الذي يعرفون، وأنهم لا ~~قبل لهم بمنافسة الأمم المتحضرة التي غلبوها على أمرها، إلا إذا أخذوا ~~علومها، وجاروها في المدنية والعرفان، وذلك ما يقضي به الناموس الطبيعي على كل ~~شعب بدوي يفتتح بلادا عريقة في الحضارة. # ورأوا أن لا سبيل إلى إدراك بغيتهم إلا بنقل العلوم الدخيلة إلى العربية؛ لأن ~~مدارستها باللسان الأعجمي تفضي إلى انحطاط لغة الضاد، وإعطاء السيادة للغة ~~الأعاجم. وما كانوا ليرضوا بذلك وهم جد حراص على لغة قرآنهم وشعرهم وآدابهم، ~~فعمدوا إلى الترجمة، وكان بدؤها في العصر الأموي، غير أنه لم يتعاظم خطرها إلا ~~في بني العباس لما استخلف أبو جعفر المنصور، فإنه أمر بنقل طائفة من كتب الطب ~~والهيئة والهندسة. ولكن حركة النقل فترت في عهد المهدي والهادي، ولم تستأنف ~~سيرها إلا زمن الرشيد فمشت متباطئة حتى كان العصر الذهبي في خلافة المأمون، ms104 ~~فسطعت مشاعل العلوم في أرجاء المملكة العربية، وأنشأ هذا الخليفة المحب للعلم ~~يراسل ملوك الروم في طلب الكتب، وربما جعل إخراجها إليه من شروط الصلح، فكان ~~الملوك يلبون طلبه راضين أو مكرهين. وأرسل بعثة من العلماء إلى البلاد ~~الرومية، فعادوا بطائفة من المصنفات في مختلف العلوم. ونظم دواوين الترجمة، ~~واستحضر لها مشاهير النقلة، وأفاض عليهم المال الوفر، وأعطاهم حرية الفكر ~~والقلم، فأكبوا على العمل المتواصل لا يلهيهم نصب ولا سأم، فأخرجوا من ~~نفائس الأسفار ما غص به بيت الحكمة. # 32 # وأخذ المأمون يحرض الناس على قراءتها وتعليمها، وحبب إليهم الفلسفة بعد أن ~~أحجم آباؤه عنها. وكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظراتهم، ويلتذ ~~بمذاكراتهم. # طريقة النقل # سار المترجمون على طريقين ~~مختلفين في النقل، ذكرهما صاحب الكشكول عن الصلاح الصفدي، وهذان الطريقان ~~هما المعول عليهما إلى يومنا هذا. ودونك ما جاء في الكشكول: «وللترجمة في ~~النقل طريقان؛ أحدهما: طريق يوحنا بن البطريق وابن الناعمة الحمصي ~~وغيرهما. وهو أن ينظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات اليونانية وما تدل ~~عليه من المعنى، فيأتي الناقل بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في ~~الدلالة على ذلك المعنى فيثبتها وينتقل إلى الأخرى كذلك حتى يأتي على جملة ~~ما يريد تعريبه. وهذه الطريقة رديئة لوجهين؛ أحدهما: أنه لا يوجد في ~~الكلمات العربية كلمات تقابل جميع الكلمات اليونانية، ولهذا وقع في خلال ~~التعريب كثير من الألفاظ اليونانية على حالها. والثاني: أن خواص التركيب ~~والنسب الإسنادية لا تطابق نظيرها من لغة أخرى دائما، وأيضا يقع الخلل ~~من جهة استعمال المجازات وهي كثيرة في جميع اللغات. # الطريق الثاني في التعريب: طريق حنين بن إسحاق والجوهري وغيرهما. وهو أن ~~يأتي بالجملة فيحصل معناها في ذهنه، ويعبر عنها من اللغة الأخرى بجملة ~~تطابقها، سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها. وهذا الطريق أجود؛ ولهذا لم تحتج ~~كتب حنين بن إسحاق إلى تهذيب إلا في العلوم الرياضية لأنه لم يكن قيما ~~بها، بخلاف كتب الطب والمنطق والطبيعي والإلهي فإن الذي عربه منها لم يحتج ~~إلى إصلاح.» ms105 ا.ه. # مصادر النقل # للكتب المنقولة إلى العربية عدة مراجع أقواها أربعة: اليوناني والسرياني ~~والفارسي والهندي. فأما اليوناني فأعظمها شأنا، وعنه أخذت أكثر العلوم ~~لإعراقه في القدم، ثم لانتشاره في سوريا ومصر، فكانت مدرسة الإسكندرية ~~تعلم الطب والفلسفة وسائر العلوم اليونانية، ومثلها مدارس السريان ~~والنساطرة في سوريا، وأشهرها الرها وقنسرين ونصيبين، فالمرجع ~~السرياني - كما يتبين - يوناني في أصله. وهكذا يصح القول في المرجع ~~الفارسي؛ لأن علوم الفرس لم تظهر إلا زمن سابور بن أردشير (241-272م)، فقد ~~ذكر عنه أبو الفداء أنه بعث إلى بلاد اليونان واستجلب كتب الفلسفة، وأمر ~~بنقلها إلى الفارسية، واختزنها في مدينته، وأخذ الناس في نسخها ~~وتدارسها. # ولما اضطهد يوستنيانوس (527-565م) - قيصر الروم ~~- الفلاسفة الوثنيين، وأقفل ~~هياكلهم ومدارسهم، هاجر بعضهم فرارا من الضيم، ووفد سبعة منهم إلى كسرى ~~أنوشروان (531-579م) فرحب بهم، وأنزلهم مكرمين بين ظهرانيه، فنقلوا إلى ~~الفارسية الفلسفة والمنطق والطب، وألفوا فيها. # والتحق بهم مهاجرون من النساطرة أمضهم الاضطهاد فلجئوا إلى فارس، ~~وأسسوا في جنديسابور مجتمعا علميا راقيا، ثم أنشأ كسرى في جنديسابور ~~مدرسة ومستشفى يعرف بالبيمارستان، فكانت علوم اليونان تدرس باللغة ~~السريانية. ثم اختلطت الثقافة الهندية بالثقافة اليونانية الفارسية لما نقل ~~كسرى بعض علوم الهند وآدابهم. وكان لمدرسة جنديسابور فضل كبير لأنها أخرجت ~~أطباء وفلاسفة للفرس والعراق وسوريا، منهم الحارث بن كلدة الثقفي، ومنهم ~~أبناء بختيشوع أطباء الخلفاء العباسيين. # وأما المرجع الهندي فقد ~~تلقى العرب بعضه مع المرجع الفارسي، وأخذوا بعضه الآخر من علماء الهند ~~الذين استقدمهم خلفاء بني العباس. ~~(6-2) المترجمون والعلوم المنقولة # كان النقلة من أهل سوريا ~~والعراق وفارس ومعظمهم من السريان النساطرة لبراعتهم في اليونانية، وأشهرهم ~~أبناء بختيشوع، وحنين بن إسحاق - شيخ المترجمين - وولده إسحاق، ويوحنا بن ~~ماسويه، والحجاج بن مطر، ويوحنا بن البطريق وغيرهم، نقلوا من اليوناني ~~الفلسفة والسياسة والطب والهندسة والموسيقى والمنطق والنجوم. # واشتهر من نقلة الفرس عبد الله بن المقفع وآل نوبخت وغيرهم، ونقلوا من ~~الفارسي السير والأدب والسياسة والحكم والتاريخ والنجوم. # واشتهر من نقلة الهنود منكه الهندي وابن ms106 دهن وسواهما، نقلوا من الهندي الطب ~~والعقاقير والنجوم والموسيقى والحساب والأرقام. # فالكتب التي نقلت في هذا العصر تشتمل في مجموعها على الطبيعيات والرياضيات ~~والفلسفة. # العلوم الطبيعية # ومنها الكيمياء، وكانت يومئذ شعوذة يبحث فيها أصحابها عن الحجر الفلسفي ~~الذي يحول كل معدن ذهبا. # ومنها الطب، وكان ساذجا محصورا ببعض صفات حتى ترجمت كتب أبقراط ~~وجالينوس، فاعتمد الطب العربي عليهما، يرفده الطب الهندي من ناحيته. ونبغ ~~أطباء كثيرون أشهرهم من النصارى النساطرة كأبناء بختيشوع، ويوحنا بن ~~ماسويه، وحنين بن إسحاق. وكان للأطباء عموما ولهؤلاء خصوصا منزلة عالية ~~عند الخلفاء وأصحاب الأمور، فقربوهم على نصرانيتهم، وأكرموا جانبهم، ~~وخصوهم بوافر النعم، ليطمئنوا إلى إخلاصهم في مداواة أمراضهم، وتخفيف ~~أوجاعهم. # العلوم الرياضية # ومنها الجبر والحساب، فإن العرب أخذوا الأرقام عن الهنود، ودعوها ~~بالأرقام الهندية. أخذها أبو عبيد الله محمد بن موسى الخوارزمي، وكان في ~~أيام المأمون، وهو الذي ألف كتاب الجبر والمقابلة. ويكاد هذا العلم يكون ~~من وضعه؛ لأن الهنات التي استمدها من الهند والفرس واليونان لا تفي ~~بالمراد، ولكنه استخرج منها علم الجبر الحقيقي. # ومنها الهندسة، فقد ترجم الحجاج بن مطر أصول إقليدس على عهد الرشيد، ثم ~~اشتهر أبناء شاكر واستخرجوا مسائل لم يصل إليها متقدموهم، كقسمة الزاوية ~~إلى ثلاثة أقسام. # ومنها الفلك، ترجمت له ~~كتب اليونان والفرس والهند والكلدان. ونقل الحجاج بن مطر كتاب المجسطي ~~لبطليموس، وكان العرب كاليونان يعتقدون أن الأرض محور الكون، ولكنهم ~~اعتقدوا باستدارتها، واشتهر منهم أبو معشر البلخي وأبناء شاكر، وهؤلاء ~~بنوا مرصدا على جسر بغداد. # ومنها التنجيم، تفرع من علم الفلك، وقوامه ادعاء معرفة الغيب بالدلالات ~~النجومية، ومقتضى أوضاعها في الفلك، وآثارها في العناصر، وهو قديم عند ~~العرب، يرجع إلى عهد جاهليتهم. ولكنه أصبح في العصر العباسي علما ~~متدارسا، فتمت له السيادة، ووقف الناس أعمالهم عليه، وأصبح الخلفاء إذا ~~أرادوا حربا شاوروا المنجمين قبل مباشرتها، حتى الأطباء أناطوا إعطاء ~~العلاجات بحركات الكواكب. قال ابن أبي أصيبعة: «إن بختيشوع بن جبريل ~~كان يأمر بالحقن والقمر متصل بالذنب # 33 # فيحل ms107 # 34 # القولنج # 35 # من ساعته، ويأمر بشرب الدواء والقمر على مناظرة الزهرة ~~فيصح العليل من يومه.» # ومنها الموسيقى، أخذوها عن اليونان والفرس والهنود؛ لأنها من لزوميات ~~الغناء، والغناء قديم عند العرب، وكان على ثلاثة أوجه: النصب والسناد ~~والهزج؛ فأما النصب فغناء الركبان والفتيان، وهو الحداء الرقيق، ويقال له ~~المرائي. وأما السناد فالثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات. وأما ~~الهزج فالخفيف الذي يرقص عليه ويمشى بالدف والمزمار فيطرب. قال إسحاق ~~الموصلي: «هذا كان غناء العرب حتى جاء الله بالإسلام، وفتحت العراق، وجلب ~~الغناء الرقيق من فارس والروم فغنوا الغناء المجزأ المؤلف بالفارسية ~~والرومية. وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير.» ولما ~~ترجمت الكتب اليونانية، أخذوا يبحثون في الموسيقى بحثا علميا، فارتقى ~~فنها ونبغ جمهرة من المغنين المتفننين كابن جامع ومخارق وإبراهيم بن ~~المهدي، وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وتلميذهما زرياب. وقد جمع ~~الأصبهاني أخبارهم وأخبار من تقدمهم في أغانيه. # العلوم الفلسفية # أخذ المسلمون الفلسفة عن اليونان، واعتمدوا خصوصا فلسفة أرسطو وأفلاطون، ~~وأضافوا إليها ما يتناول عقائدهم الدينية. وأكثر الذين تعاطوها كانوا من ~~الأطباء؛ لأن الطب كان يومئذ يلازم الحكمة، ولهذا لقب الطبيب بالحكيم. ~~ويعود فضل النهضة الفلسفية على الأطباء النصارى كحنين بن إسحاق مترجم ~~جمهورية أفلاطون ومنطق أرسطو، ويوحنا بن البطريق مترجم سياسة أرسطو، ويوحنا ~~بن ماسويه الذي نقل كتبا عديدة في الفلسفة. ~~(6-3) العلوم التي لم تنقل # ونرى مما تقدم أن العرب نقلوا جميع العلوم اليونانية إلا التاريخ والأدب، مع ~~أنهم نقلوا من الفارسية تواريخ الفرس وأخبار ملوكهم، ونقلوا في الأدب كليلة ~~ودمنة وغيرها. وسبب ذلك أنهم لما أصبحوا دولة منظمة تذهب كل مذهب في الرقي ~~والحضارة شعروا بحاجتهم إلى ما ينقصهم من العلوم، فدعاهم نظام المملكة، وعمران ~~البلاد، وترف العيش إلى نقل الحساب والهندسة والطب والنجوم، ~~والجغرافيا # 36 # والموسيقى. ووجدوا في عصر شاعت به البدع والمذاهب، وكثر التمحيص ~~في الأديان، فاضطروا إلى نقل الفلسفة والمنطق للدفاع عن عقائدهم، والرد على ~~أقوال خصومهم. وأما التاريخ فقد كان يهمهم أن يعلموا أحوال جيرانهم ms108 من أهل ~~الممالك القديمة، فكانوا يسمعون أخبارهم من القصاصين. ولكن الحاجة لم تمسهم ~~إلى العناية بنقل تواريخ الأعاجم؛ لأنهم كانوا وقتئذ منصرفين إلى تحقيق ~~أنسابهم، وتدوين السيرة النبوية، وأخبار فتوحهم. ولم يكن بين المترجمين من ~~اللغة اليونانية أروام فيندفعوا بعامل العصبية إلى نقل تاريخ أمتهم وإظهار ~~مناقبها ليفاخروا العرب بها، كما اندفع إلى ذلك المترجمون من اللغة الفارسية ~~وهم من أبناء الفرس الأقحاح. # وأما الأدب فإن العرب لم يعبئوا بنقله عن الأعاجم؛ لإعجابهم بشعرائهم ~~وخطبائهم، ولاعتقادهم أن لا أدب فوق أدبهم، وكانوا في هذا العصر منصرفين إلى ~~جمع شعرهم، وأخبار شعرائهم يتلقونها على أفواه الرواة. أضف إلى ذلك أن نقلة ~~اليونانية لم يكونوا يحسنون العربية ليصطنعوا بها لغة الشعر والأدب، بخلاف ~~نقلة الفرس؛ فإنهم كانوا يحسنون لسان العرب كأبنائه، وفيهم من بذ أبناءه ~~ببراعة الإنشاء. ثم إن مدارس سوريا والعراق ومصر كانت همتها في تدريس العلوم ~~اليونانية من فلسفة وطب ورياضيات وطبيعيات، ولم تعن بالأدب والتاريخ ~~اليوناني؛ لأنهما لم يهاجرا إلى البلاد التي تلمذ لها العرب كما هاجر الطب ~~والفلسفة والهندسة؛ لذلك لا تجد بين مترجمي السريان والنساطرة إلا كل فيلسوف ~~وطبيب ورياضي، ولا تجد بينهم شاعرا أو كاتبا أو مؤرخا. # ورغب العرب عن اقتباس فنون التشريح والتصوير ونحت التماثيل؛ لاعتقادهم أن ~~الإسلام يحرمها، ولكنهم برعوا في البناء والحفر، وشادوا الأبنية الجميلة على ~~الطراز العربي المأخوذ من الطراز البيزنطي بما فيه من زخرف ونقوش، وكان أشهر ~~البنائين من السوريين. ~~(7) العلوم الدينية ~~(7-1) التفسير # شرع المسلمون منذ بداءة عهدهم بالدين يعنون بدراسة القرآن، وتفهم معانيه، ~~واستنباط الأحكام منه، فنشأ عن ذلك علم التفسير، وعرف من المفسرين المتقدمين ~~عبد الله بن عباس، # 37 # وابن سيرين، والحسن البصري وغيرهم. على أن هذا العلم لم يتم جمعه ~~وتدوينه إلا في الدولة العباسية. وشهر من المفسرين في هذا العصر سفيان بن ~~عيينة، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه، والفراء وغيرهم. ~~(7-2) الحديث # هو علم تعرف به أقوال النبي وأفعاله، وليس منه وحي القرآن، ويكون إما ms109 حديث ~~رواية يبحث فيه عن الأسانيد المتصلة أو المنفصلة حتى يبلغ بها إلى الرسول، ~~وإما حديث دراية يبحث فيه عن المعنى المفهوم من ألفاظه، وعن المراد منها ~~مبنيا على قواعد العربية، وضوابط الشريعة، ومطابقا لأحوال النبي. وللحديث ~~أصول وأحكام وقواعد واصطلاحات، ذكرها العلماء، وشرحها المحدثون والفقهاء، ~~منها العلم بصفات الرواة وأخلاقهم، وأنسابهم وأعمارهم ووقت وفاتهم، إلى غير ذلك ~~مما يصح أن يتخذ مستندا لقبول روايتهم، والاطمئنان إلى صحة الأحاديث المنقولة ~~عنهم. # وقد احتاج المسلمون إلى جمع الحديث ليستعينوا به على تفهم القرآن، وتأويل ~~ما بين أيديهم من آيات يتعذر عليهم إدراك معانيها. وليستندوا إليه في الأحكام ~~والفتاوى التي ليس لها نص صريح في كتابهم، فلذلك كان المحدثون والفقهاء يعانون ~~الرحلات الشاقة طلبا للأحاديث الصحيحة، يتلقونها بالإسناد المتسلسل. ولكنهم لم ~~ينهضوا لهذا الأمر إلا في المائة الثانية للهجرة، بعد أن مات الصحابة ~~والتابعون، وهم الذين يرجع إليهم في نقل الحديث، فكان أن تفرقت الأحاديث ~~وتخالفت، واتسع مجال الوضع، فروي من كاذبها مئات وألوف، وضعها الزنادقة وذوو ~~المآرب تنفيذا لغاياتهم، وتأييدا لمذاهبهم، وربما وضع الحديث لغرض سياسي، ~~فاستند إليه في الإفتاء. # وكان الإمام مالك في طليعة من دونوا الأحاديث؛ فإنه جمع في كتابه ~~الموطأ نحو ثلاثمائة حديث. ثم جاء الإمام ابن حنبل فألف كتابه المسند، ~~وضمنه نحو خمسين ألف حديث، على أن هذا العلم لم ينضج إلا عند ~~البخاري # 38 # حجة المحدثين وإمامهم، فإنه عني بجمع الأحاديث وتمحيصها، وطوف ~~الآفاق يسمع من محدثيها حتى استخرج كتابه صحيح البخاري من ستمائة ألف حديث في ~~ست عشرة سنة، جمع فيه تسعة آلاف ومائتي حديث، منها ثلاثة آلاف مكررة بتكرر ~~وجوهها. # وكان مسلم بن الحجاج القشيري # 39 # من معاصريه، فحذا حذوه وألف كتابه الجامع الصحيح، ويعرف بصحيح ~~مسلم، وبثاني الصحيحين، وبوبه على أبواب الفقه، وحذف منه الأحاديث ~~المكررة. # وجاء بعدهما من نهج نهجهما، وزاد عليهما، كابن ماجة، وأبي داود السجستاني، ~~وأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الرحمن النسائي. ومؤلفات هؤلاء الستة هي أصح كتب ~~الحديث وإليها ms110 المرجع في هذا العلم، وتعرف بالستة الصحاح، وكل ما ألف بعدها كان ~~شرحا أو تلخيصا لها. بيد أن الصحيحين الأولين هما خير ما ألف في الحديث إلى ~~اليوم. ~~(7-3) الفقه # هو علم تعرف به الأحكام الشرعية في أفعال المكلفين حلالها وحرامها. وكانوا ~~يستخرجونها قديما من الكتاب والسنة، # 40 # فلما عظمت أمصار الإسلام، واتسع سلطانه في الآفاق، وتعددت الحوادث ~~واختلفت باختلاف الزمان والمكان، اضطروا إلى الاجتهاد في الاستنباط، فاستخرجوا ~~علم الفقه. وسلكوا فيه طريقين: طريق أصحاب الرأي والقياس، وهم العراقيون. وطريق ~~أصحاب الحديث، وهم الحجازيون. وكان أهل العراق ذوي علم وبصر؛ لأن أكثرهم من ~~الأعاجم المعرقين في الحضارة، فآثروا تحكيم آرائهم، وضعفت ثقتهم بالأحاديث لما ~~نالها من الاصطناع، فلم يركنوا سوى إلى القليل منها، وصاحب هذا المذهب أبو ~~حنيفة وهو فارسي الأصل. وأما أهل الحجاز فإن الحديث كان متوافرا عندهم، لكثرة ~~الصحابة في المدينة ومكة، فاعتمدوا عليه في أحكامهم، ونبذوا الرأي والقياس؛ ~~لأنهم أهل بداوة ليس لهم من العلم والثقافة ما لأهل العراق، وصاحب هذا المذهب ~~مالك بن أنس الأصبحي. واختص مذهبه بدليل آخر غير الكتاب والسنة، وهو الإجماع، ~~ويريد به ما أجمع عليه أهل المدينة من عمل أو ترك باعتبار أنهم تابعون لمن ~~قبلهم حتى يبلغوا إلى الجيل الذين عاصروا الرسول وأخذوا عنه. # ونبذ القياس أيضا طائفة من العلماء وهم الظاهرية، وإمامهم داود بن علي ~~الأصبهاني، وجعلوا محور مباحثهم ظاهر الكلام بمعزل عن كل تأويل، ولكن مذهبهم لم ~~ينتشر، ولم يعد من المذاهب المقررة في الإسلام، وهي أربعة عند السنيين: ~~مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب ابن حنبل. # أبو حنيفة 699-767م/80-150ه # هو النعمان بن ثابت، فارسي الأصل، نشأ بالكوفة، وأخذ عن علمائها، ~~واستنبط فقهه من القرآن، وما صح عنده من الحديث، وعدده قليل لا يجاوز ~~السبعة عشر. وكان اعتماده في الغالب على الرأي والقياس، وتابعه في ذلك أكثر ~~أئمة العراق. واستقدمه المنصور من الكوفة إلى بغداد، لينافس به مالك بن ~~أنس، بعد أن أفتى مالك بخلع بيعته، وتأييد ms111 دعوة محمد بن عبد الله ~~العلوي. # وقضى أبو حنيفة حياته بالزهد والورع، وأريد على القضاء غير مرة فرفض ~~مخافة أن يصدر عنه خطأ يحمل وزره. وقيل إن المنصور حبسه لرفضه القضاء وآذاه ~~حتى مات. وقيل بل حبسه لأنه رأى منه تشيعا. # وكانت وفاته في بغداد، ولم يصل إلينا شيء من آثاره في الفقه. وإنما وصل ~~إلينا كتب تلاميذه وعلى الأخص أبو يوسف الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني، ~~ويعرفان بالصاحبين؛ أي صاحبي أبي حنيفة. # والمذهب الحنفي أعم المذاهب، وأبعدها انتشارا في بلاد الإسلام كالعراق ~~وسوريا وتركيا والعجم والهند وغيرها. ذلك أنه في اعتماده على الرأي ~~والقياس، يقرب من التساهل ويبتعد عن الضغط الشديد، فيلائم أحوال الشعوب ~~المتحضرة أكثر من سواه. # مالك 713-795م/95-179ه # هو مالك بن أنس الأصبحي، عربي الأصل، ولد بالمدينة، وأخذ الحديث عن ~~علمائها، وبرع في علوم الدين. وكانوا يعولون عليه في الفتوى حتى قيل: «لا ~~يفتى ومالك بالمدينة.» وقد استنبط مذهبه من الكتاب والسنة، ويختلف عن ~~أبي حنيفة في كثرة اعتماده على الحديث، وهو أول من ألف فيه. وكان يتشيع ~~للعلويين، حتى إنه أفتى بخلع المنصور؛ فأمر به والي المدينة، وكان يومئذ ~~جعفر بن سليمان عم المنصور، فجرد من ثيابه، وضرب بالسياط، ومدت يده ~~حتى انخلعت كتفه. على أن ذلك لم يضع من شأنه، بل زيد رفعة وعلاء، وكان ~~الرشيد إذا قدم المدينة حضر مجلسه، وسمع منه. # وكانت وفاته بالمدينة، وأشهر آثاره الباقية كتاب الموطأ في الحديث ~~والفقه. واختص بالمذهب المالكي أهل الحجاز والمغرب والأندلس. # الشافعي 767-819م/150-204ه # هو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي القرشي، ولد بمدينة غزة، وحمل ~~إلى مكة وهو ابن سنتين، فنشأ فيها فقيرا، وحفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، ~~ثم رحل إلى البادية، وطلب الشعر واللغة، فنال منهما قسطا حسنا. ثم تفقه ~~وحفظ موطأ مالك، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة . وجاء بغداد فلقي أصحاب أبي ~~حنيفة فأخذ عنهم، ثم رحل إلى مصر وأقام بالفسطاط وأملى مذهبه في الفقه، وهو ~~وسط مزج به طريقة ms112 أهل العراق بطريقة أهل الحجاز. وخالف مالكا في كثير من ~~مذهبه، ولكنه تشبث بالحديث. # وعرف الشافعي بالذكاء والحفظ وفصاحة اللسان، وقوة الحجة. وعرف أيضا ~~بالعدل والأمانة والزهد والعفاف والسخاء، وكانت وفاته في مصر فدفن بالعرافة ~~ومقامه معروف، وله من الآثار رسالة في أصول الفقه، والمسند في الحديث. ~~ومقلدو مذهبه هم أهل مصر، وفي سوريا ولبنان طائفة كبيرة من الشوافعة، ولكن ~~المذهب الحنفي هو المتبع في الحكم والإفتاء، انتقل بالإرث عن الأتراك وهم ~~أحناف. # ابن حنبل 780-855م/164-241ه # هو أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، ولد في بغداد، وبها نشأ ~~وتعلم، وكان من أصحاب الشافعي، فلما خرج الشافعي إلى مصر قال: «خرجت من ~~بغداد، وما خلفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل.» وفي أيامه اشتد ساعد ~~المعتزلة، فدعي إلى القول بخلق القرآن في مجلس المعتصم، فلم يفعل، فضرب ~~سبعة وعشرين سوطا، ضربا موجعا حتى سال منه الدم وأغمي عليه، ثم حبس وهو ~~مصر على الامتناع. # وكان حسن الوجه ربعة يختضب بالحناء، خضبا ليس بالقاني. وكان أروى ~~الناس للحديث. قيل إنه حفظ منه ألف ألف. ومذهبه في الفقه بعيد من الاجتهاد، ~~ينبذ الرأي والقياس، ويتشبث بالأحاديث. # وكانت وفاته في بغداد وقبره مشهور بها، وذكروا أنه شهد جنازته ثمانمائة ~~ألف من الرجال، وستون ألفا من النساء. وله من الآثار كتاب المسند ضمنه ~~ما ينيف على أربعين ألف حديث. وأتباع المذهب الحنبلي قليل، تجد منهم في بعض ~~نواحي الشام والعراق، وهم أحفظ الناس للسنة. ~~••• # وقد وقف التقليد في الإسلام عند أصحاب المذاهب الأربعة، وسد باب الاجتهاد ~~باعتبار الكمال فيها، غير أن الشيعة العلوية انفردت بمذهب وفقه خاص بها. ~~وقامت اجتهادات علمائها على أساس سياسة الخلافة، وما جرى من الخلاف عليها، ~~والاجتهاد عندهم مفتوح الأبواب. وانفرد بمثل ذلك الخوارج، وكانت الخلافة ~~أيضا أساس مذهبهم واجتهاداتهم. ~~(7-4) البدع # أتيح للشرق أن يكون منبت الأديان ومهبط الوحي والإلهام، ثم أتيح له أن يصبح ~~أخصب مرتع للبدع # 41 # وما فيها من مذاهب وطرائق، والبدع في الشرق وليدة ms113 العلم والتفكير، ~~وربيبة الفلسفة والمنطق؛ فقد انتشرت في النصرانية بعدما استبحر أبناؤها في ~~العلوم، وهكذا كان حظ الإسلام منها، فإن العرب في بداوتهم وفطرتهم تلقوه بإخبات ~~وخضوع، ولم يخطر لهم في بال أن يمحصوه، ويبحثوا في حقيقته وأحكامه، وإنما ~~اكتفوا بالنظر إلى أعراض المسائل الدينية من تفسير أو تأويل. على أن ذلك ~~الإيمان الساذج إذا أقنع العرب في بدء أمرهم فما كان ليقنع الشعوب العجمية التي ~~اختلطت بهم، وتركت عقائدها القديمة، ورضيت الإسلام دينا، ولها من العلم ~~والحضارة ما يخرج بها عن الجمود الفكري، ولكن لم يكن لها يومئذ من الحرية ~~والقوة والنفوذ والعلم بلغة القرآن ما يمكنها من الجدل في الدين، فلم يرتفع ~~لها صوت حتى كان من أثر اختلاطها بالعرب أن نشأ جيل جديد لغته عربية وتفكيره ~~عجمي، فنبغ منه جلة من العلماء والمفسرين، والفقهاء والمحدثين، فانصرفوا إلى ~~تقصي معاني القرآن، والاجتهاد في تفسيرها وتأويلها، فأنكروا ما لا ينطبق على ~~عقولهم، وابتدعوا أقوالا وآراء لا عهد للمسلمين بها، فتعددت فيهم المذاهب، ~~فكان منها مذهب القدرية؛ وهم الذين جحدوا القدر وقالوا بأن الإنسان خالق لفعله، ~~وأن الكفر والمعاصي ليست بتقدير الله. # ومنها الجبرية؛ وهم الذين يجعلون الإنسان مسيرا في أعماله لا مخيرا، ~~وينكرون على الله جميع الصفات، معتقدين أنها ناقصة فيه تعالى كما هي في ~~الإنسان. ومنها المشبهة؛ وهم الذين شبهوا الله بالمخلوقات، وجعلوا له يدا ~~وقدما، ووجها. ومنهم الصفاتية؛ وهم الذين ذهبوا إلى التشبيه في الصفات، ~~فأثبتوا لله الجهة والاستواء، والنزول والصوت. وقد جرهم إلى ذلك ما ورد في ~~القرآن من آيات توهم التشبيه ففسروها على ظواهرها، وغلبوها على أدلة ~~التنزيه، ولكنهم تخلصوا بقولهم: جسم لا كالأجسام وجهة لا كالجهات. ثم كانت ~~المعتزلة، وهي أعظم البدع في الإسلام، وأشدها خطرا، نشأت في البصرة، ومؤسسها ~~واصل بن عطاء. # 42 # وكان يجلس إلى الحسن البصري، فلما ظهر الاختلاف، وقالت الخوارج ~~بتكفير مرتكب الكبائر، وقالت الجماعة بأنه مؤمن وإن فسق بالكبيرة، خرج واصل بن ~~عطاء عن الفريقين، وقال: «إن الفاسق من ms114 هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر: منزلة بين ~~منزلتين.» # 43 # فطرده الحسن عن مجلسه فاعتزل عنه، وجلس إليه عمرو بن عبيد فقيل ~~لهما ولأتباعهما معتزلة. # وقد خالفت المعتزلة المشبهة في تجسيم الذات، ولكنها أسرفت في مذهبها، فقضت ~~بتنزيه الله عن صفات المعاني كالعلم والقدرة والإرادة والكلام، زاعمة أن ~~إثباتها يقضي بتعديد القديم والإشراك بالخالق الأزلي. وقادها نفي الكلام عن ~~الله إلى مخالفة الجماعة في أزلية القرآن فقالت بأنه مخلوق، وخالفت الجبرية ~~فقالت بأن الله منح الإنسان القدرة، وأعطاه الحرية في استخدامها، فأصبح الإنسان ~~خالقا لأعماله خيرها وشرها، والله منزه أن يضاف إليه شر أو خير؛ لأنه لو خلق ~~الظلم كان ظالما، كما لو خلق العدل كان عادلا. # ولما قامت الدولة العباسية ونقلت فلسفة اليونان، وعلم المنطق، أقبل المعتزلة ~~على دراستهما، واعتمدوا عليهما في مباحثهم ومناظراتهم، فتوافرت أدلتهم، ~~واستحكمت حججهم، ورجحت كفتهم، وشالت كفة أهل السنة؛ لأن العلماء السنيين حسبوا ~~دراسة المنطق كفرا وزندقة، فنفروا منه، وأبوا أن يتخذوه معيارا لأدلتهم ~~العقلية. وكانوا يقولون: «من تمنطق شهرا فقد تزندق دهرا.» فقصروا في مناظرة ~~أصحاب الاعتزال، وأفحمهم هؤلاء بجدلهم وفلسفتهم. وازدادت المعتزلة صولة ~~وانتشارا في عهد المأمون والمعتصم والواثق؛ لأن هؤلاء الخلفاء آثروا الاعتزال، ~~وجاهروا بخلق القرآن، واضطهدوا جماعة السنة، وأخفتوا أصوات علمائهم، وقتلوا ~~منهم خلقا كثيرا، ولا سيما المأمون، فإنه كان أشدهم انتصارا للفلسفة ~~وأصحابها، والمعتزلة وآرائها. ولا ريب أن تغلب الفلسفة على السنة، والمعتزلة ~~على الجماعة، أحدث إيثارا للجديد على القديم، وتغليبا للعنصر الفارسي على ~~العنصر العربي. # وظل المعتزلة أصحاب الكلمة الراجحة حتى استخلف المتوكل في العصر الثاني ~~فاضطهدهم وقتل منهم، وانتصر للسنة، فرفع علماؤها رءوسهم. ثم كان لها من أبي ~~الحسن الأشعري # 44 # ركن ركين، قاوم المعتزلة وأضعف نفوذها الأدبي في الملة بعد أن ~~استفحل أمرها. # وليس من شأننا في هذا البحث أن نعدد جميع البدع التي تفشت في الإسلام على أثر ~~نقل العلوم اليونانية. ولكن نختصر فنقول إن هذه العلوم وما صحبها من حضارة ~~جديدة، وحرية وتساهل في ms115 الأمور الدينية، كان لها أثر عظيم في أفكار المسلمين؛ ~~لأنها جعلت الشك يتغلب على اليقين، فضعف الإيمان واجترأ الناس على الدين، ~~فراحوا يتفلسفون في تأويل شرائعه وأحكامه، فذهبوا فيه كل مذهب، وابتعدوا كثيرا ~~عن أسلافهم في فجر الإسلام. ولم تقم بدعة إلا تفرع منها عدة مذاهب وطرائق، فدخل ~~على الإسلام أشياء كثيرة ليست منه. # على أن هذه البدع وإن تكن أضرت بالدين، فإنها أفادت التفكير الإسلامي، وأعدته ~~إعدادا حسنا لاستنباط الفلسفة العربية. ~~(7-5) علم الكلام # هو علم يتضمن الحجاج عن عقائد الدين بالأدلة العقلية، وكان ظهوره بعد أن تفشت ~~البدع في الإسلام، واختلف أصحابها وأهل السنة على تفصيل هذه العقائد، فدعا ذلك ~~إلى الجدل والتناظر، والاستدلال بالعقل؛ فعظمت الفتنة وتمسك كل ذي رأي برأيه، ~~واشتد الخصام على الأخص بين المعتزلة والسنة؛ لأن المعتزلة كانوا أشد المبتدعة ~~خطرا؛ ذلك بأن مذهبهم وليد التفكير والفلسفة، وليس كذلك مذهبا الشيعة ~~والخوارج؛ فإنهما قاما على أساس سياسة الخلافة، وكان احتكامهما إلى السيف أكثر ~~منه إلى اللسان، ولم يكن للمذاهب الأخرى شأن عظيم فيحتفل أهل السنة بأصحابها؛ ~~لذلك انصرفوا إلى مناظرة أهل الاعتزال؛ فنهض علم الكلام على أيدي هاتين ~~الفئتين. ثم تم ازدهاره بعد أن نشأت الطريقة الأشعرية، وأقبل علماء السنة على ~~المنطق يتدارسونه؛ لأنهم فرقوا بينه وبين الفلسفة، وعرفوا أنه علم القياس ~~والتعليل والاستنتاج. # ولم يشتهر متكلمو السنة قبل الأشعري شهرة متكلمي المعتزلة؛ فإن هؤلاء ظهر ~~منهم جلة من الفضلاء الأعلام أشباه واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل ~~العلاف، والنظام، والجاحظ، وأبي علي الجبائي وغيرهم. ~~(8) الأدب والرواة # شرع الرواة في العصر الأموي يجمعون أشعار العرب وأقوالهم وأخبارهم، وما أطل العصر ~~العباسي حتى بدأت تظهر المجموعات الأدبية، وتطور النقد بعض التطور، فأصبح أهل العلم ~~ينظرون في صحيح الشعر ومنحوله، ويجعلون للشعراء طبقات متمايزة، ويدركون عليهم ~~سرقاتهم، ومخالفاتهم للقواعد النحوية، وسقطاتهم في الألفاظ والمعاني، غير أنهم لم ~~يخرجوا في أحكامهم عن دائرة من تقدمهم، فكانوا يفضلون الشاعر ببيت من الشعر، ثم ~~يفضلون غيره ببيت ms116 آخر، وهكذا كان يفعل أسلافهم، حين يقولون: «فلان أشعر بني فلان، ~~أو أشعر العرب، أو أشعر الناس.» # ويؤخذ عليهم إفراطهم في تقديس القديم، حتى ضل بهم المنطق في النقد، فكانوا إذا ~~أعجبهم شاعر إسلامي أو مولد قالوا: «لو أدرك يوما من الجاهلية لفضل على كثير ~~منهم، أو لما فضل عليه أحد.» # واشتهر في هذا العصر طائفة كبيرة من الرواة نكتفي بذكر أربعة منهم، وهم أبو ~~عبيدة، والأصمعي، ومحمد بن سلام، وأبو زيد القرشي. ~~(8-1) أبو عبيدة 728-824م/110-209ه (؟) # حياته # هو معمر بن المثنى، ينتسب إلى تيم قريش بالولاء. وكنيته أبو عبيدة، ~~وكان جده يهوديا من أهل باجروان. # 45 # ونشأ أبو عبيدة في البصرة، وبها درس على أبي عمرو بن العلاء، ~~فلما هبت ريحه أقبل إليه طلاب العلم يتخرجون عليه. ثم استقدمه الفضل بن ~~الربيع # 46 # إلى بغداد سنة 188ه فأقام فيها يؤلف ويفيد من يحضر مجلسه، وجرت ~~بينه وبين الأصمعي مناظرات كثيرة، وكان شعوبيا شديد التعصب على العرب، ~~فراح يطعن فيهم، ويمزق أعراضهم، وينشر مخازيهم في كتابه المثالب؛ فأوغر ~~عليه صدور الناس، فدس له بعضهم سما في موز وهو في البصرة فمات. وكانت ~~وفاته في خلافة المأمون، ولم يحضر جنازته أحد لأنه لم يسلم من لسانه إنسان ~~شريف أو غير شريف. # وكان وسخ الثياب، رث الهيئة، سيئ المنظر، غليظ الشفة، ألثغ، مدخول ~~النسب، مدخول الدين، يميل إلى مذهب الخوارج، شديد التعصب للشعوبية، لا تقبل ~~شهادته لفساد في أخلاقه. # وكان إذا تحدث أو قرأ لحن عامدا، وإذا أنشد بيتا لا يقيم وزنه، ومن ~~قوله: «النحو شؤم كله.» # آثاره # تناهز مؤلفاته المائتين، وهي في القرآن واللغة والأمثال والفتوح، ~~والأنساب والمثالب، وبيوتات العرب وأيامهم، والتراجم وغيرها. ولكن لم يبق ~~منها إلا أقلها، ككتاب نقائض جرير والفرزدق، طبع في ليدن بمجلدين كبيرين، ~~وكتاب طبقات الشعراء، ويسميه الفهرست الشعر والشعراء. # منزلته # لأبي عبيدة مقام سام في طبقات الأدباء؛ فإنه كان أغزرهم مادة، وأوسعهم ~~رواية، عالما بأخبار العرب وأيامهم، وأنسابهم ولغاتهم، يروي الشعر، ولكنه ~~قلما عني بتفسيره ms117 ونقده. وله الفضل بأنه مهد الطريق لغيره من جامعي ~~الأخبار، فإن الأصفهاني لما وضع أغانيه اعتمد على كتاب أيام العرب لأبي ~~عبيدة. وروى عنه كثيرون كالقاسم بن سلام، وأبي حاتم السجستاني، وعمر بن ~~شبة. # وهو أول من ألف في علم البيان، وتأليفه يعرف بمجاز القرآن، ولا نعني أنه ~~أوضح طرق ذاك العلم في كتابه هذا، فإنه كان يكتفي بأن يجمع الألفاظ التي ~~استعملت في غير معناها الحقيقي، دون أن يفرق بين أنواع المجاز، ويفصل ~~حدوده وأصوله. # وأجمع أكثر العلماء على صحة روايته فقالوا: إنه لم يكن يحكي عن العرب إلا ~~الشيء الصحيح، ولا سيما كلامه على مفاخرهم، فإنه لم يبالغ فيها فعل غيره ~~من الرواة المتعصبين للعرب، بل نقلها على حقائقها. ويؤخذ عليه شيء من الضعف ~~في عبارته. وكان أبو نواس يتتلمذ له، فإذا سئل عنه قال: «أديم # 47 # طوي على علم.» أي إن ظاهر كلامه جاف، وباطنه خصب. وفاضل بعضهم ~~بينه وبين الأصمعي فقالوا: «إنه كان كثير الفوائد، جم العلوم مع سوء عبارة، ~~والأصمعي قليل الفائدة مع حسن إنشاء وزخرفة.» وأبو عبيدة أجمع الرواة بلا ~~خلاف. ~~(8-2) الأصمعي 739-831م/122-216ه (؟) # حياته # هو عبد الملك بن قريب، ينتهي نسبه إلى مضر، ويلقب بالأصمعي نسبة إلى ~~أحد جدوده أصمع، ويكنى أبا سعيد. ولد في البصرة ودرس على أبي عمرو بن ~~العلاء، والخليل، وخلف الأحمر، وغيرهم من أئمة عصره. وأكثر الخروج إلى ~~البادية، واختلط بالأعراب وساكنهم، وأخذ عنهم، حتى اجتمع له من الأخبار ~~والأشعار والنوادر والغريب شيء كثير. واتصل بالرشيد واختص به، فأجزل له ~~العطاء، وبالغ في إكرامه، وكانت وفاته بالبصرة أيام المأمون. وعرف بالتقوى ~~والتدين، وقوة الحافظة والظرف، ولكنه كان بخيلا. # آثاره # ذكر له ابن النديم نحو أربعين كتابا أكثرها في اللغة، ثم في الشعر، ولم ~~يصل إلينا إلا بعضها؛ منها في الشعر: الأصمعيات؛ وهي مجموعة اختارها من ~~شعر الشعراء المتقدمين، وضمنها شيئا من النقد، ورجز العجاج؛ وهو ~~مجموع ما رواه الأصمعي للعجاج من الأراجيز، ومنها في اللغة كتاب أسماء ~~الوحوش، وكتاب ms118 أسماء الإبل، وكتاب الخيل، وكتاب الدارات، وكتاب النبات ~~والشجر، وكتاب النخل والكرم وغير ذلك. # منزلته # للأصمعي منزلة جليلة في اللغة والرواية والأدب، حتى أصبح اسمه بعد موته ~~صفة تدل على سعة الاطلاع، فيقال هذا رجل أصمعي. وتعود هذه الشهرة في كثرتها ~~على ما أسند إليه من أقاصيص وسير تداولها الناس كقصة عنترة وغيرها، فشهر ~~عند العامة فضلا عن الخاصة. # وكانت تآليفه في اللغة مستندا وثيقا للمعاجم الكبرى. وامتاز الأصمعي في ~~فصاحته وبيانه، وحسن إنشاده الشعر حتى ليضيع عنده الرديء والجيد. وقد فاضل ~~أبو نواس بينه وبين أبي عبيدة فقال: «إن أبا عبيدة لو أمكنوه لقرأ عليهم ~~أخبار الأولين والآخرين، وأما الأصمعي فبلبل يطربهم بنغماته.» # واشتهر بقوة الذاكرة؛ قيل إنه كان يحفظ اثني عشر ألف أرجوزة، منها ما ~~يبلغ مائة بيت أو مائتين. ومما يروى عن قوة ذاكرته خبر انتصاره على أبي ~~عبيدة في حضرة الفضل بن الربيع حينما وقف يسمي أعضاء الفرس عضوا عضوا ~~وينشد ما قالت الشعراء فيه. ولم يستطع ذلك أبو عبيدة على سعة تآليفه في ~~الخيل. # وعرف الأصمعي بمهارته في نقد الشعر، أخذ ذلك عن أستاذه خلف الأحمر. وله ~~في الشعر والشعراء آراء يعول على كثير منها. ~~(8-3) محمد بن سلام 846م/232ه # 48 # حياته # ليس لدينا عن حياته شيء نذكره، فكل ما نعلم عنه أنه يكنى أبا عبد الله، ~~وأن نسبه ينتهي إلى بني جمح وهم بطن من قريش، وأنه نشأ في البصرة، وأخذ ~~عن الخليل وحماد بن سلمة وغيرهما، وروى عنه كثيرون، منهم الإمام أحمد بن ~~حنبل، وثعلب، وأبو حاتم، وسواهم. وكانت وفاته في السنة التي مات فيها ~~الواثق وبويع للمتوكل بن المعتصم. # آثاره # ذكر له صاحب الفهرست ~~كتابا في بيوتات العرب، وآخر في ملح الشعر، ولكنهما مفقودان. ولم يصل ~~إلينا إلا كتابه طبقات الشعراء، صدره بمقدمة في نقد الشعر، فتكلم أولا ~~على علماء البصرة، وظهور النحو عندهم، وأول من وضعه منهم، وعدهم واحدا ~~بعد واحد، ذاكرا من أخذ منهم عن الآخر. وهو يستند إليهم في ms119 روايته، ولا ~~يرى من علماء الكوفة من يستحق الذكر إلا المفضل الضبي. ولا غرو في ذلك، ~~فابن سلام بصري يتعصب لبلده. وأكثر رواياته عن خلف الأحمر وأبي عمرو بن ~~العلاء ويونس وأبي عبيدة والأصمعي. وعلى الغالب يشاركه فيها نسيبه أبو ~~خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، فتسمعه يقول: «أخبرنا أبو خليفة أخبرنا ابن ~~سلام ...» أو «أنا أبو خليفة أنا ابن سلام ...» # وفي كلامه على الشعر وأقوال العلماء فيه يشير إلى ما أدخل الرواة من ~~الشعر المصنوع، ومن ذلك الأقوال التي أضافوها إلى عاد وثمود. # وجعل كتابه في جزءين؛ فالجزء الأول: يختص بالشعراء الجاهليين والمخضرمين. ~~والجزء الثاني: يختص بالشعراء الإسلاميين. وهو يستفيض في أخبار الإسلاميين ~~وأشعارهم أكثر مما يستفيض في أخبار الجاهليين. وإذا ذكر الشاعر ذكر نسبه ~~وأقوال العلماء فيه، وأورد شيئا من شعره وأخباره. وربما أبدى رأيه الخاص ~~وعارض به آراء غيره من العلماء والرواة. # وجعل الجاهليين والمخضرمين عشر طبقات، في كل طبقة أربعة فحول، وألحق بهم ~~طبقة لأصحاب المراثي، ثم أضاف إليهم شعراء القرى وهي المدينة وأكنافها، ~~ومكة والطائف والبحرين، وأما اليمامة فلم يعرف بها شاعرا مشهورا. # وجعل الإسلاميين عشر طبقات أيضا، وفي كل طبقة أربعة شعراء: # الجاهليون والمخضرمون # الطبقة الأولى: # امرؤ القيس، ونابغة بني ذبيان، وزهير بن أبي سلمى، ~~والأعشى. # الطبقة الثانية: # سقط منها شاعران في النسخ، وبقي كعب بن زهير، والحطيئة. ~~وهي متصلة بالطبقة الأولى كأنها منها لسقوط مقدمتها مع ~~سقوط خبر الشاعرين اللذين ذكرهما قبل كعب والحطيئة. # الطبقة الثالثة: # نابغة بني جعدة، وأبو ذؤيب الهذلي، والشماخ بن ~~ضرار، ولبيد بن ربيعة. # الطبقة الرابعة: # طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة الفحل، وعدي ~~بن زيد. # الطبقة الخامسة: # خداش بن زهير، والأسود بن يعفر، والمخبل بن ~~ربيعة، وتميم بن مقبل. # الطبقة السادسة: # عمرو بن كلثوم، والحارس بن حلزة، وعنترة بن شداد، ~~وسويد بن أبي كاهل. # الطبقة السابعة: # سلامة بن جندل، والحصين بن الحمام المري، ~~والمتلمس، والمسيب بن علس. # الطبقة الثامنة: # عمرو بن قميئة، والنمر بن تولب، وأوس بن ~~غلفاء، ms120 وعوف بن عطية. # الطبقة التاسعة: # ضابئ بن الحارث، وسويد بن كراع، والحويدرة الذبياني، ~~وسحيم عبد بني الحسحاس. # الطبقة العاشرة: # أمية بن حرثان، وحريث بن محفض، والكميت بن ~~معروف الأسدي، وعمرو بن شاس. # طبقة أصحاب المراثي: # متمم بن نويرة، والخنساء، وأعشى باهلة، وكعب ~~بن سعد الغنوي. # شعراء القرى # المدينة: # من الخزرج: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. ~~ومن الأوس: قيس بن الخطيم، وأبو قيس بن الأسلت. # مكة: # عبد الله بن الزبعرى، وأبو طالب بن عبد المطلب، وأبو ~~سفيان بن الحارث، ومسافر بن أبي عمرو، وضرار بن ~~الخطاب. # الطائف: # أبو الصلت بن أبي ربيعة، وابنه أمية بن أبي الصلت، ~~وأبو محجن، وغيلان بن سلمة، وكنانة بن عبد ~~ياليل. # البحرين: # المثقب العبدي، والممزق العبدي، والمفضل بن ~~معشر. # شعراء اليهود # المدينة وأكنافها: # السموأل بن عادياء، والربيع بن أبي الحقيق، وكعب بن ~~الأشرف، وشريح بن عمران، وشعبة بن غريض، وأبو قيس بن ~~رفاعة، وأبو الذيال، ودرهم بن زيد. # الشعراء الإسلاميون # الطبقة الأولى: # الفرزدق، وجرير، والأخطل، وراعي الإبل. # الطبقة الثانية: # البعيث، والقطامي، وكثير، وذو الرمة. # الطبقة الثالثة: # كعب بن جعيل، وعمرو بن أحمر، وسحيم بن وثيل، وأوس بن ~~مغراء. # الطبقة الرابعة: # نهشل بن حري، وحميد بن ثور، والأشهب بن رميلة، ~~وعمر بن لجأ التيمي. # الطبقة الخامسة: # أبو زبيد الطائي، والعجير السلولي، وعبد الله بن ~~همام السلولي، ونفيع بن لقيط الأسدي. # 49 # الطبقة السادسة: ~~(حجازية): عبيد الله بن قيس الرقيات، والأحوص الأنصاري، ~~وجميل بن معمر، ونصيب بن رباح. # الطبقة السابعة: # المتوكل الليثي، ويزيد بن ربيعة، وزياد الأعجم، وعدي بن ~~الرقاع. # الطبقة الثامنة: # عقيل بن علفة المري، وبشامة بن الغدير، وشبيب بن ~~البرصاء، وقراد بن حنش. # 50 # الطبقة التاسعة: ~~(رجاز): الأغلب العجلي، وأبو النجم العجلي، والعجاج، ~~وابنه رؤبة. # الطبقة العاشرة: # مزاحم بن الحارث العقيلي، ويزيد بن الطثرية، وأبو ~~دؤاد الرؤاسي، والقحيف بن سليم العقيلي. # منزلته # يمتاز ابن سلام بأنه أول من ألف في طبقات الشعراء، وقلده غيره، فكان ~~كتابه قدوة لسواه . وقد زاد في ms121 قيمته أن صاحبه لم يعتمد كل الاعتماد على ~~أقوال الرواة في نقد الشعر والشعراء، بل قابل بعضها ببعض، وانتقدها وأبدى ~~رأيه فيها. وتكلم على صحيح الشعر ومنحوله، وأشار إلى تعصب العشائر في تفضيل ~~الشعراء، وأنحى باللائمة على الرواة الذين أفسدوا الشعر، وخلطوا برواياتهم، ~~فأنكر رواية ابن إسحاق في كثير من العنف، وطعن على حماد وشهره، وما سلم ~~منه خلف والمفضل. # ولم تؤثر أساطير الأقدمين وخرافاتهم في صحة بصره بالشعر، فرفض أن يكون ~~ثمة شعر لعاد وثمود وسواهما من العرب البائدة. ولم يسخف كغيره فيروي ~~شعرا للجن وآدم وإبليس والملائكة. # وقد راعى في تمييز طبقة الشاعر كثرة آثاره وقلتها؛ فجعل طرفة بن العبد، ~~وعبيد بن الأبرص، وعلقمة الفحل، وعدي بن زيد في الطبقة الرابعة لقلة شعرهم ~~على أفواه الرواة، ولولا ذلك لوضعهم مع الأوائل. # وهو شديد الاحتياط في المفاضلة بين شعراء كل طبقة، فتراه يذكر الحجة لكل ~~واحد منهم، ثم يذكر الحجة عليه. وحينا يروز أقوال الرواة في تقديم الشاعر ~~أو تأخيره، وحينا يتركها على علاتها، فكأنه يجعل العهدة عليهم في ذلك. وقد ~~استدرك في أول المقدمة، فصرح بأن ذكر الواحد قبل الآخر في كل طبقة لا يدل ~~على الحكم له إذ لا بد من مبتدأ. # ويخلو نقده في الغالب من التعليل والفن، وربما جارى غيره من الأدباء ~~الأقدمين فحكم للشاعر ببيت من الشعر، ثم حكم لغيره بمثل ذلك. # وأما لغة الكتاب فيغلب عليها الإيجاز البليغ، ولكن لا تخلو بعض عباراتها ~~من غموض واختلاط. # وأما الأسلوب فإنه خال من الروعة والفن، ضعيف التنسيق والتأليف، يرينا ~~صورة صادقة عن إنشاء الكتب عند العرب في أول عهدهم بالتصنيف. وتظهر السذاجة ~~الفنية في جعل الشعراء طبقات، في كل طبقة أربعة لهم منزلة واحدة، فمثل هذا ~~الاتفاق في العدد لا يصح أن يعتمد عليه، ولا يمكن التسليم بصحته لأنه ~~يضيق المجال على الناقد الأديب، وهيهات أن يسلم صاحبه من العثار. # على أننا لا نحاول أن نغمط فضل المؤلف، فإن كتابه كان قدوة صالحة لمن جاء ms122 ~~بعده من مؤرخي الآداب؛ فاستندوا إليه، وائتموا به، فقد رجع إليه صاحب ~~الأغاني في ذكر طبقات الشعراء، وكذلك فعل القالي والزجاج في أماليهما، ~~والسيوطي في كتابه المزهر. ~~(8-4) أبو زيد القرشي # حياته # هو محمد بن أبي الخطاب القرشي، وكنيته أبو زيد. لم نقف له على ترجمة في ~~الكتب التي بين أيدينا. وذكره جرجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة ~~العربية، وجعله من رجال القرن الثالث للهجرة؛ أي العصر العباسي الثاني. ~~وذكره سليمان البستاني في مقدمة الإلياذة، وجعل وفاته سنة 170 للهجرة؛ أي ~~أواسط العصر الأول. ونحن نرى أن أبا زيد أولى بأن يكون من أهل العصر الأول ~~من أن يكون من أهل العصر الثاني؛ لأنه أورد في كتابه جمهرة أشعار العرب ~~روايات سمعها من المفضل الضبي، والمفضل توفي سنة 171ه أو نحو ذلك. وهذا ~~يدل على أنه عاصره وأخذ عنه. # آثاره # لم يصل إلينا من آثاره سوى كتاب جمهرة أشعار العرب، جمع فيه ما اختاره ~~العلماء من محاسن الشعر الجاهلي والإسلامي. وجعله في سبع طبقات في كل طبقة ~~سبع قصائد، واعتمد في هذا التقسيم على أبي عبيدة والمفضل: # الطبقة الأولى: # أصحاب المعلقات، وهم: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ~~ولبيد، وعمرو بن كلثوم، وطرفة. # الطبقة الثانية: # أصحاب المجمهرات # 51 # وهم: عبيد بن الأبرص، وعنترة، وعدي بن زيد، ~~وبشر بن أبي خازم، وأمية بن أبي الصلت، وخداش بن ~~زهير، والنمر بن تولب. ويظهر أن النساخ خالفوا في ترتيب ~~الكتاب عمدا أو سهوا، فجعلوا عنترة ثامن أصحاب المعلقات مع ~~أن أبا زيد ذكره في مقدمته بين أصحاب المجمهرات، فغير معقول أن ~~يضعه في كتابه مع أصحاب المعلقات، وهو إنما التزم تقسيم ~~الطبقات سبعا سبعا، وأعلن أسماء كل طبقة في المقدمة. # الطبقة الثالثة: # أصحاب المنتقيات وهم: المسيب بن علس، والمرقش الأصغر، ~~والمتلمس، وعروة بن الورد، والمهلهل بن ربيعة، ودريد بن ~~الصمة، والمتنخل بن عويمر الهذلي. # الطبقة الرابعة: # أصحاب ~~المذهبات وهم: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن ~~العجلان، وقيس بن الخطيم، وأحيحة ms123 بن الجلاح، وأبو قيس ~~بن الأسلت، وعمرو بن امرئ القيس. جميعهم من الأوس ~~والخزرج. # الطبقة الخامسة: # أصحاب المراثي وهم: أبو ذؤيب الهذلي، وعلقمة بن ذي جدن ~~الحميري، # 52 # ومحمد بن كعب الغنوي، وأعشى باهلة، وأبو زبيد ~~الطائي، ومالك بن الريب، ومتمم بن نويرة. # 53 # الطبقة السادسة: # أصحاب المشوبات # 54 # وهم: نابغة بني جعدة، وكعب بن زهير، والقطامي، ~~والحطيئة، والشماخ، وعمرو بن أحمر، وتميم بن أبي ~~مقبل. # الطبقة السابعة: # أصحاب الملحمات # 55 # وهم: الفرزدق، وجرير، والأخطل، وعبيد الراعي، ~~وذو الرمة، والكميت، والطرماح. # وصدر أبو زيد هذا الكتاب بمقدمة انتقادية جعلها على ثلاثة أقسام، فقابل ~~في القسم الأول لغة الشعر بلغة القرآن، ومجازه بمجازه، وغريبه بغريبه. ~~وأظهر أن القرآن لم يأت العرب بلغة جديدة، فكل ما فيه من مجاز وغريب ~~استعمله العرب في شعرهم وقصدوا به إلى المعنى الذي قصد إليه القرآن. # وذكر في القسم الثاني أول من قال الشعر فروى أشعارا للملائكة وإبليس ~~وآدم والعمالقة وعاد وثمود والجن. ثم انتقل إلى رأي النبي وأصحابه في ~~الشعر، فذكر أن النبي كان يسمعه ويجيز عليه، وأنه لم يكن يستنكره كما زعم ~~بعضهم. وأورد أشعارا للخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة. # وأما القسم الثالث فقد خصه بتعيين طبقات الشعراء وذكر أسمائهم، وأورد ~~طرفا من أخبارهم وأقوال العلماء والرواة فيهم. # منزلته # تقوم منزلة أبي زيد على كتابه جمهرة أشعار العرب؛ فإنه جمع فيه تسعا ~~وأربعين قصيدة من أنفس الشعر الجاهلي والإسلامي. وقدم لها تقدمة حسنة في ~~نقد الشعر ومقابلة لغته بلغة القرآن، وذكر أقوال الأدباء في الشعراء ~~وطبقاتهم. ولولا سخفه في القسم الثاني من المقدمة، لصان كتابه من ~~الترهات. ولكن تعصبه الأعمى لدينه ولغته جعله يقبل الأساطير والخرافات ~~على علاتها، فجعل الشعر العربي يرجع إلى عهد آدم، ويشترك في نظمه الإنس ~~والجن وسكان الأرض والسماء وجهنم؛ فأسمعنا أشعارا لإبليس وآدم والملائكة، ~~وأسمعنا أيضا لطائفة من الجن كانت تنتظر بعثة محمد فأسلمت وقالت شعرا قبل ~~أن يظهر الإسلام. # ومن تعصبه أنه أنكر وجود ألفاظ عجمية في القرآن ms124 مستندا إلى قول منسوب ~~إلى ابن عباس وهو: «من زعم أن في القرآن غير العربية فقد افترى.» ولذلك جعل ~~كل لفظ دخيل في القرآن عربي الأصل، ولكن له في اللغة العجمية أشباه تقاربه ~~أو توافقه. # ويؤخذ عليه في نقد الشعر أنه أورد أقوال غيره واستند إليها، دون أن ~~يعللها ويمحصها، ويستخرج منها أحكاما يظهر فيها رأيه في الشعر ~~والشعراء. # | هوامش # | العصر العباسي الثاني # 846-946م/232-335ه # يبتدئ بخلافة المتوكل على الله، وينتهي بقيام الدولة البويهية واستقلالها ~~بالسلطان. # الفصل الرابع # | لمحة تاريخية # ضعف الخلافة العباسية # كانت خلافة المتوكل أشبه ببرزخ عبرت عليه الدولة العباسية من طور القوة والسلطان إلى ~~طور الضعف والانحلال. وقد اجتمعت عدة أسباب على ثل هذا العرش المورق الأعواد، فلم ~~تزل به حتى قوضته تقويضا. وهذه الأسباب ترجع في أكثرها إلى نفوذ الأتراك والخدم. ~~وإلى نظام ولاية العهد، واختلاف أجناس الجواري أمهات الأمراء، ثم إلى اتساع المملكة ~~العباسية ونظام الإقطاع فيها، ثم إلى ثورات العلويين، ونفور العرب من بني العباس. وإليك ~~بيان ذلك: ~~(1) نفوذ الأتراك # ابتدأ نفوذ الأتراك يذر قرنه في خلافة المعتصم، فإنه أخذ يقربهم ويعلي شأنهم ~~بعد أن ضعفت ثقته بأهل بغداد وأهل فارس؛ لأن فيهم من كان يتشيع للعلويين، وفيهم من ~~يريد الخلافة للعباس بن المأمون، وفيهم فئة عربية ناقمة على العباسيين؛ لاعتمادهم ~~على الفرس دون العرب. وكانت أم المعتصم تركية، فآثر الأتراك على غيرهم من الموالي، ~~وبالغ في اقتناء الغلمان منهم، فكانوا يركضون الدواب في الطرق، فيصدمون النساء ~~والصبيان، فيتأذى العامة ويتذمرون، حتى إذا انفردوا بواحد منهم اغتالوه، فرأى ~~المعتصم أن الابتعاد عن بغداد خير له وأبقى، فجعل مقر الخلافة في سامراء # 1 # بعد أن جدد بناءها. # فاعتز الأتراك بنفوذهم، وتولوا الخطط العالية، فكان منهم الوزراء والقواد ~~والولاة، وظهر فيهم أمثال وصيف وأشناس وإيتاخ وبغا الكبير والأفشين وسواهم. # وبلغ من تقديم المعتصم لهم أنه كان إذا ترك العاصمة استخلف أشناس، وأجلسه على ~~كرسي، وتوجه ووشحه. ولما مات المعتصم تولى أشناس تتويج الواثق من بعده، وفعل ~~الواثق ms125 فعل أبيه فتوج أشناس، وألبسه وشاحين مجوهرين . ومات أشناس فتوج بعده وصيف ~~ووشح، ثم مات وصيف فانتقل التاج والوشاحان لبغا. # 2 # ولما بويع للمتوكل بعد الواثق توجه إيتاخ ووصيف. وأراد استمالة الأتراك، فأمر لهم ~~برزق ثمانية أشهر، ولم يأمر للمغاربة إلا برزق ثلاثة فأبوا قبولها، فتاه الأتراك ~~واستكبروا حتى تضايق المتوكل منهم، وساءه أن يزحم سلطانهم سلطانه. وكان إيتاخ ~~أكثرهم نفوذا لأن المتوكل ربي في حجره فولاه الحجابة والبريد والجيش وبيت المال، ~~فاستطال إيتاخ وغلب الخليفة على أمره، فسعى المتوكل في إبعاده، فدس عليه من زين له ~~الحج، فاستأذن الخليفة في ذلك، فأذن له وخلع عليه، وجعله أمير كل بلد يمر به؛ ~~فسار إيتاخ وسار العسكر بين يديه، وجعلت الحجابة إلى وصيف. ولما عاد إيتاخ قبض ~~عليه المتوكل غيلة وحبسه، ومنع عنه الماء حتى مات. # ولم يشأ المتوكل أن يقدم الفرس على الأتراك مع أن أمه فارسية؛ لأنهم كانوا ~~يشايعون العلويين. وراعه أن يغلب نفوذ الأتراك على سلطانه، وهو لا قبل له بهم لأن ~~الجند في أيديهم، فآثر الابتعاد عنهم فبنى مدينة المتوكلية على قرب من سامراء، ~~ونقل إليها الخلافة، وراح يتودد إلى السنيين، على أمل أن يسترضي العرب بعد نفورهم ~~من العباسيين لتقديمهم الموالي، فبالغ في التعصب للدين، وشدد في إقامة أحكام السنة. ~~وجاهر العلويين البغض والعداء، فاضطهدهم وجار عليهم، وهدم قبر الحسين في كربلاء، ~~وأذن للناس أن يلعنوا عليا في حضرته. واضطهد النصارى، وهدم كنائسهم وقبورهم، ~~ومنعهم من الخروج بصلبانهم في أعيادهم، وجعل على أبواب دورهم صور شياطين. ولكن هذا ~~التعصب الممقوت لم يفده شيئا لأن الأتراك ائتمروا به وقتلوه. وكان مقتله سببا ~~لتضاعف شوكتهم، فازدادوا جراءة واستقلوا بشئون الدولة، فأصبحت حياة الخلفاء ~~والأمراء في أيديهم، ينصبون من شاءوا، ويخلعونه متى شاءوا، ويقتلون أو يحبسون من ~~يخشى شره ولا يرون به خيرا لهم؛ فقتلوا المستعين، والمعتز، والمهتدي، وحبسوا ~~القاهر، وسملوا أعين المتقي، والمستكفي؛ فسقطت هيبة العباسيين من النفوس، ونشبت ~~الثورات الداخلية، وأخذت الولايات البعيدة تستقل بعد أن رأت ms126 الضعف مستحكما في قلب ~~المملكة. وهي إنما كانت تخضع كارهة، ولا سيما الفرس الذين كان لهم ملك ضخم فأديل ~~منه، فما انفكوا من الحنين إليه، والتربص لاستعادة سابق عزه. ~~(2) نفوذ الخدم # وكان للخدم نفوذ في قصور الخلفاء؛ ذلك بأن الأتراك كانوا يحبسون ولاة العهد، ~~ويجعلونهم في عهدة الخدم لتضعف نفوسهم بمعاشرة الخصيان. وكان الخلفاء يرتاحون إلى ~~عزلة أولادهم وأنسبائهم، مخافة أن يواطئوا الأتراك عليهم، فكان ولي العهد إذا ~~استخلف لا يجد غير الخدم أصدقاء له لأنه صحبهم مدة طويلة، وتخلق بأخلاقهم، فيكثر ~~منهم في قصره، ويجزل لهم العطاء ليردوا عنه كيد الأتراك إذا ثاروا به، وأرادوا ~~اغتياله. روي أن المقتدر بالله اتخذ نحوا من أحد عشر ألف خادم من الروم والسودان ~~وسواهم، وولاهم قيادة الجند، فأتيح له أن يحكم بهم خمسا وعشرين سنة. وفي أيامه ظهر ~~مؤنس الخادم، فقبض على زمام المملكة، وتصرف فيها على هواه، وكانت له قيادة الجيش، ~~وإمارة الأمراء، ووزارة بيت المال، وحدث خلاف بينه وبين المقتدر، فما انتهى الأمر ~~إلا والخليفة مقتول. # ولم يكن نفوذ الخدم في قصور الخلفاء إلا ليزيد في إنقاص هيبتهم، ويبالغ في تنفير ~~الناس من ولايتهم. ~~(3) نظام ولاية العهد # لم يكن نظام ولاية العهد في خلافة الأمويين أشد تأثيرا منه في خلافة العباسيين، ~~فإن فتنة الأمين والمأمون من أجل الخلافة جعلت العرب يناصرون الأمين لأن أمه عربية. ~~وجعلت الفرس يناصرون المأمون لأن أمه فارسية، فلما قتل الأمين واستخلف المأمون ~~اعتز الفرس وازدادوا رفعة ونفوذا. وهان العرب وتضاءل سوادهم، وغلبوا على أمرهم، ~~فنفروا من العباسيين ونقموا عليهم، وأبوا أن ينخرطوا في الجند؛ لأن قواده من الفرس، ~~فأصبح الجيش العباسي عجميا، ينضم إليه الفارسي والديلمي، والتركي والمغربي وهلم ~~جرا، فباتت الدولة في استنادها إليه تحت رحمة الأعاجم. ولكن الفرس كانوا يشدون ~~أزر المأمون، وكان المأمون صلبا حزيما، داهية ذكيا، فقبض على الملك بيد فراسة ~~فأقام عموده، ووطد أركانه. # وأثر أيضا نظام ولاية العهد في خلافة المتوكل، فإن المتوكل ساء ظنه بالمنتصر ~~ابنه البكر، واتهمه ms127 بأنه يريد الأمر لنفسه في حياته، وكان يلقبه بالمستعجل ~~والمنتظر، فعزم على خلعه ونقل الوصية إلى ابنه المعتز أحد صغار أولاده، فحقدها عليه ~~المنتصر، وواطأ الأتراك على قتله، فما إن قتل حتى صار الأمراء العباسيون يثور ~~بعضهم على بعض. ~~(4) أمهات الأمراء # وكان من إسراف الخلفاء في الاستمتاع أن بالغوا في اقتناء الجواري الأعجميات ~~والتسري بهن، فنجلوا أولادا من أمهات مختلفات الأجناس، فرأينا الأمين يعتمد على ~~العرب لأن أمه عربية، والمأمون على الفرس لأن أمه فارسية، والمعتصم على الترك لأن ~~أمه تركية، فنتج من ذلك أن اختلفت أجناس الجند في الدولة، فحفل الجيش بخليط من ~~العناصر، أضعفها عنصر العرب. # واختلاف أجناس النساء في قصور الخلفاء جعل تلك القصور موطنا للدسائس والوشايات ~~والمؤامرات، يشترك فيها الملوك والأمراء والقواد والحاشية رجالها ونساؤها، فانتهى ~~الأمر إلى أن شغب الجند على القادة، وتنازع القادة السيادة فيما بينهم، فسادت ~~الفوضى وعمت أنحاء المملكة. ~~(5) نظام الإقطاع # ولنظام الإقطاع أثر سيئ في وحدة ~~الممالك العباسية؛ فإن اتساع أراضي الدولة وترامي أطرافها جعل مسافات شاسعة بين ~~العاصمة وأكثر الولايات. ولكن الخلفاء في الصدر العباسي كانوا أشداء حزمة، ~~فاستطاعوا أن يلموا شعث هذا السلطان الضخم، فلما غلبوا على أمرهم، وفسدت طاعة ~~الجند، شعر الولاة بضعف ملوكهم، فأهملوا رعاية أعمالهم، وانصرفوا إلى المال ~~يجمعونه، وحبسوا رزق العمال عن أصحابه، فما يدفعون لهم إلا بعد أن يقتطعوا نصيبا ~~يأخذونه، فضجت البلاد، واشتد السخط، فعمد الخلفاء إلى اغتيال الولاة والكتاب ~~استكفافا لشرهم، فكثر العصيان والخروج، واضطربت أحوال المملكة، وفقد الأمن وقامت ~~الثورات من كل ناحية، فلا ترى حيث التفت إلا جماعة خارجة على السلطان. ~~(6) ثورات العلويين # وأشد الثورات ما قام به العلويون، فإنهم لما رأوا بني العباس استقلوا بالأمر ~~دونهم، نفروا منهم كما نفروا من بني أمية، وراحوا يبثون دعوتهم، على تعدد فرقهم، ~~فظهر دعاتهم في المغرب والعراق، واستولوا على النواحي القاصية وأسسوا لهم ممالك ~~فيها؛ فكان منهم الأدارسة في المغرب الأقصى، والعبيديون # 3 # بالقيروان، ثم في مصر، والقرامطة بالبحرين، والدواعي بطبرستان، ثم ms128 فيها ~~من بعدهم الديلم والأطروش. فخروج العلويين المتواصل، وانتشار دعاتهم في جميع ~~الأمصار، وإقبال الناس على دعوتهم، مكن لهم في كثير من الولايات. فما جاء العصر ~~العباسي الثالث إلا والمملكة العباسية أجزاء مستقلة، وأعظم هذه الأجزاء يسيطر عليه ~~دويلات العلويين. ~~(7) ميزة العصر # فلا عجب أن يمتاز هذا العصر بالنفوذ التركي، وقد رأيت ما كان للأتراك من تأثير في ~~مجرى الخلافة العباسية، إذ جعلوا المملكة ألعوبة في أيديهم، فكان عصرهم معقلا ~~للذعر والإرهاب والاضطهاد، وموطنا للتمثيل والتقتيل والاغتيال، وملعبا للدسائس ~~والرشى والاختلاسات. # وأصيبت حرية الفكر والدين في الصميم، فخرست ألسنة الفلاسفة، وعلماء الكلام من أهل ~~الاعتزال، وخصوصا في أوائل العصر. وحرم عليهم البحث في مسألة خلق القرآن، ولم ~~يسلموا من الحبس والتنكيل. واضطهدت الشيعة العلوية، واضطهد النصارى فكان الاستبداد ~~والجور من أظهر ميزات العصر. # | هوامش # الفصل الخامس # | الشعراء المولدون # العصر الثاني ~~(1) ميزة الشعر # لم يكن الأتراك أهل حضارة وعرفان ليحملوا إلى العربية علومهم وآدابهم فيجعلوا ~~فيها أثرا بينا كما جعل الفرس من قبلهم، ولم يعنوا بدراسة لغة العرب وأدبهم عناية ~~أهل فارس، فيخرج منهم شعراء وكتاب يحدثون في الأدب أحداثا طريفة بليغة؛ لذلك ~~بقيت ميزة الشعر على حالها ولم يتغير شيء من تلك الحضارة الجديدة التي زفها الفرس ~~والروم إلى العرب. ولا عبرة في التبدل السياسي، وقيام نفوذ الأتراك على أنقاض نفوذ ~~الفرس؛ لأن البحث يدور على التاريخ الأدبي لا على التاريخ السياسي، والحوادث ~~السياسية لا تكون سببا دائما لتطور الآداب. ولكن الذين وضعوا نظام البكالوريا ~~اللبنانية حاولوا أن يجدوا فرقا بين العصر الأول والثاني، فاختلط عليهم الأمر، ~~فتكلفوا للعصر الثاني خصائص تكاد لا تختلف عن خصائص العصر الأول، فجعلوا ميزة ~~الشعر: «المدح والهجاء والوصف.» مع أن هذه الأنواع اشترك فيها العصران فلم يختلف ~~فيها أحدهما عن الآخر. وليس في زعمهم أن في العصر الأول شعر القصور أو الشعر ~~المترف، ما يدعو إلى تمييز العصر الفارسي من العصر التركي، ففي شعر ابن المعتز ~~والبحتري وابن الرومي من الترف ومدح أصحاب القصور ms129 ما في شعر بشار وأبي نواس وأبي ~~تمام. # لذلك نرى أن فصل العصر الثاني عن الأول لا مسوغ له. ونحن لم نجعلهما عصرين إلا ~~مجاراة لنظام البكالوريا، ثم لأننا أفردنا لكل عصر لمحة تاريخية خاصة به. ~~(2) البحتري 820-897م/205-284ه ~~(2-1) حياته # هو الوليد بن عبيد، # 1 # عربي صريح ينتهي بأبيه إلى طيء، وبأمه إلى شيبان، # 2 # ويلقب بالبحتري نسبة إلى بحتر أحد أجداده. ويكنى بأبي عبادة وأبي ~~الحسن، والأولى أشهر. # وكانت ولادته في بادية منبج # 3 # وبها نشأ نشأة عربية خالصة. ونظم الشعر وهو حدث. وكان يمدح في أول ~~أمره أصحاب البصل والباذنجان. ثم أحب علوة بنت زريقة الحلبية فشبب بها، ~~وشهرها بشعره. # على أن نباهته لم تبتدئ إلا بعد اتصاله بأبي تمام، وتخرجه عليه. واختلفت ~~الروايات في حقيقة هذا الاتصال فقيل إن البحتري صار إلى حبيب وهو بحمص فعرض ~~عليه شعره فاحتفل به أبو تمام، وسأله عن حاله، فشكا إليه خلة، # 4 # فكتب إلى أهل معرة النعمان يشهد له بالحذق، ويوصيهم بإكرامه، ~~فأكرموه بكتابه، ووظفوا له # 5 # أربعة آلاف درهم، فكانت أول مال أصابه. # وقيل بل كان أبو تمام في مجلس أبي سعيد الطائي، فدخل البحتري وهو يومئذ حديث ~~السن، فأنشد قصيدة امتدح بها أبا سعيد، فحفظ أبو تمام أكثرها وادعاها، فصدق ~~أبو سعيد دعواه لمكانته في الشعر، ووبخ البحتري لمدحه إياه بشعر مسروق. فخرج ~~البحتري يجر رجليه. ولكن ما أبعد حتى تبعه الغلمان وردوه، وأقبل عليه أبو تمام ~~وقال له: «الشعر لك يا بني، والله ما قلته قط، ولا سمعت به إلا منك. ولكنني ~~ظننت أنك تهاونت بموضعي، فأقدمت على الإنشاد بحضرتي، من غير معرفة كانت بيننا، ~~تريد مضاهاتي ومكاثرتي. حتى عرفني الأمير نسبك وموضعك. ولوددت أن لا تلد ~~طائية إلا مثلك.» # ورويت هذه الحادثة على وجه آخر لم يدع فيه أبو تمام القصيدة، بل اهتز لها ~~طربا، وقبل الغلام الشاعر بين عينيه، وجعل له جائزته، ثم لزمه البحتري ~~واقتدى به وأخذ عنه. # والبحتري كغيره من الشعراء لا يرى ms130 موردا عذبا لشاعريته إلا دار الخلافة ~~أبغداد كانت أم سر من رأى؛ لذلك قصد إلى بغداد في خلافة الواثق # 6 # وامتدح وزيره ابن الزيات بقصيدة يقول فيها: # دق فهما وجل حلما فأرضى # الله فينا والواثق بن الرشيد # ومدح الحسن بن وهب، وأخذ منه الجوائز، وكان الحسن يتولى ديوان الرسائل من قبل ~~ابن الزيات. وامتدح غيرهما من الأمراء والقواد، ولكنه لم يتصل بالواثق، ولا ~~اتخذ العراق له دارا إلا بعد أن بويع للمتوكل، # 7 # فاختص بخدمته وخدمة وزيره الفتح بن خاقان، ولقي عندهما الحرمة حتى ~~قتلا معا على مشهد منه، فحزن عليهما، واسودت العراق في عينيه، فعاد إلى منبج. ~~على أنه كان يختلف إلى بغداد وسر من رأى يمدح فيهما الخلفاء والأمراء، ولكنه ~~لم يختص بواحد منهم، ولعله اتصل بالمعتز # 8 # أكثر من غيره، فكثرت مدائحه فيه، غير أنه لم يجعل العراق في عهده ~~مقاما له كما جعلها في عهد المتوكل. ولم يستقدم إليها عيلته بل تركها في منبج، ~~لذلك نراه يلتمس من المعتز إذن شهرين ليرى صبيته، ويصلح خلة ضيعة يأمر له بها، ~~قال: # هل أطلعن على الشآم مبجلا # في عز دولتك الجديد المونق # 9 # فأرم خلة ضيعة تصف اسمها # وألم ثم بصبية لي دردق # 10 # شهران إن يسرت إذني فيهما # كفلا بألفة شملي المتفرق # ولبث البحتري يتنقل بين العراق والشام حتى أواخر خلافة المعتمد، # 11 # وهو آخر خليفة اتصل به ومدحه. ولم تستقر به منبج إلا في خلافة ~~المعتضد # 12 # فأقام فيها لا يبرحها حتى مات، وكانت وفاته بالسكتة. # صفاته وأخلاقه # قال صاحب الأغاني: «كان البحتري من أوسخ خلق الله ثوبا وآلة، وأبخلهم ~~على كل شيء. وكان له أخ وغلام معه في داره فكان يقتلهما جوعا، فإذا بلغ ~~منهما الجوع أتياه يبكيان، فيرمي إليهما بثمن أقواتهما مضيقا مقترا ~~ويقول: كلا! أجاع الله أكبادكما، وأطال جهادكما!» ا.ه. # على أنه لا يسعنا أن ننقل هذه الرواية إلا في شيء من التحفظ؛ لأن دراستنا ~~لشعر البحتري أطلعتنا على ناحية بينة من حياته ms131 وأخلاقه، فأرتنا فيه رجلا ~~حريصا على التكسب وجمع المال، حتى إنه وقف شعره على المدح، وتاجر بغلام له ~~فكان يبيعه ثم يشبب به ويمدح من اشتراه، فيستعيده بشعره. وما زال كذلك حتى ~~مات الغلام وكفي الناس أمره. وقد أفاد البحتري ثروة حسنة من شعره، فجريت ~~عليه الأرزاق، وامتلك الضياع فكان يتعهدها، ويرم خلاتها في كثير من ~~الاعتناء، فلقد كان ممن يتعبدون للمال، ولا يقع لهم فتور عن اكتنازه. ولكنه ~~لم يكن يفتر على نفسه، ويبخل بالنفقة على ملاذه. وهو صاحب لهو ولذة، يشرب ~~الخمرة، ويحضر مجالس الطرب، ويعبث ويفتك ويمجن. على أننا لا نشك في أن ~~البحتري كان بخيلا على الناس، وأنه صحبهم ليأخذ منهم لا ليعطيهم: # صحبت أناسا أطلب المال عندهم # فكيف يكون المال مطلبا عندي؟! # ولكنه لم يكن كزا شحيحا كما أفرط بعض الرواة في وصفه. وربما آنست فيه ~~أريحية واهتزازا للمعروف إذا علمت أنه مدح طاهر بن محمد # 13 # الهاشمي. وكان طاهر قد أنفق ماله على الشعراء والزوار، وركبته ~~الديون فقعد في داره، فلما وصلت إليه مدحة البحتري، بكى وقام فباع داره ~~بثلاثمائة دينار، وأخذ صرة وأنفذ منها مائة إلى البحتري. وكتب إليه معها ~~رقعة فيها أبيات يعتذر فيها من قلة العطاء لضيق ذات يده، فلما وصلت الرقعة ~~والدنانير إلى البحتري ردها على صاحبها، وكتب إليه أبياتا يقول ~~فيها: # غير أني رددت برك إذ كا # ن ربا منك والربا لا يحل # 14 # وإذا ما جزيت شعرا بشعر # قضي الحق والدنانير فضل # 15 # فهذه عاطفة طيبة لا تدل على خساسة ودناءة. # ومن صفاته أنه كان شديد ~~الغرور بشعره، كثير الاعتداد بنفسه حتى ليتبغض في إنشاده زهوا وإعجابا، ~~فقد روي أنه كان إذا أنشد أخذ يتشادق ويتزاور # 16 # في مشيته مرة جانبا ومرة القهقرى. ويهز برأسه مرة وبمنكبه ~~أخرى. ويشير بكمه، ويقف عند كل بيت ويقول: «أحسنت والله!» ثم يقبل على ~~المستمعين، فيقول: «ما لكم لا تقولون لي أحسنت! هذا والله ما لا يحسن أحد ~~أن يقول مثله!» على ms132 أن ذلك لا يعني أن البحتري كان ثقيل الظل مقيتا، فشعره ~~يدل على خفة روح ولطف ودعابة. # ويجمع الرواة في شاعرنا صفتين متناقضتين وهما الوفاء والخيانة ، ومن ~~الغريب أن يجتمع النقيضان في واحد فيكون تارة برا وفيا، وطورا ~~غدارا خئونا، فبينا نسمع المرزباني يقول في موشحه إنه لم ير أقل وفاء ~~من البحتري لأنه هجا أربعين رئيسا ممن مدحهم، ونقل نحوا من عشرين قصيدة ~~من مدائحه لجماعة توفر حظه منهم عليها إلى مدح غيرهم، وأمات أسماء من مدحه ~~أولا، نرى صاحب الأغاني يحدثنا بوفائه لأستاذه فإذا هو يرد على من يقول ~~له: أنت أشعر من أبي تمام: «كلا والله إن أبا تمام للرئيس والأستاذ. والله ~~ما أكلت الخبز إلا به.» ويحدثنا بوفائه لأبي سعيد الطائي وابنه واختصاصه ~~بهما حتى إنه رثاهما بعد مقتلهما فكانت مراثيه فيهما أجود من مدائحه. ولنا ~~أيضا بينة على وفائه قصيدته التي رثى بها المتوكل وهجا المنتصر # 17 # وهدده بالقتل فعرض نفسه لسخطة كادت تودي بحياته، ولو لم يشفع ~~له أحمد بن الخصيب - وزير المنتصر - ويسترضي الخليفة الجديد، لما عفا عنه ~~وأجازه على قصيدة مدحه بها وأوصلها إليه الوزير. ولكن البحتري كافأ ابن ~~الخصيب شر مكافأة يوم نكبة المستعين، # 18 # فإنه حرض الخليفة على قتله واستصفاء أمواله، وفي ذلك ~~يقول: # والرأي كل الرأي في قتله # بالسيف واستصفاء أمواله # فهذه الأخبار المتناقضة ~~تجعلنا في حيرة من أمر هذا الرجل فنقف موقف الشك بين خيانته ووفائه، لا ~~نقطع بأنه خئون، ولا نقطع بأنه وفي. غير أننا نرجح الجانب الأول؛ ذلك أن ~~البحتري لم يخلص للمتوكل والفتح ابن خاقان ولم يذكرهما بخير بعد موتهما إلا ~~لأنه فقد بهما جنته في الحياة الدنيا، فقد كان يرتع في جنابيهما في بحبوحة ~~من العيش الخضيل، فلما هلكا وأحس بنجم سعوده يغور في إثرهما صرخ صراخ ~~اليائس المستميت، وبكى على حظه في رثائه للمتوكل، ولم يفطن إلى أنه قد ~~عرض بنفسه إلى التهلكة في شتمه المنتصر. ولكنه ما ثاب إلى رشده حتى صمت ms133 ~~واعتصم بالتقية، ثم سعى إلى استرضاء الخليفة الجديد. غير أنه لبث يذكر ~~المتوكل والفتح في كل سانحة وبارحة؛ لأنه لم يجد بعدهما خليفة ولا وزيرا ~~يملأ الفراغ الذي أحدثاه في نفسه. ومدح بعدهما طائفة من الخلفاء والأمراء ~~وتكسب منهم دون أن يخلص الولاء لأحدهم؛ لأنه كان يتوقع أبدا تبدل الولاة ~~والملوك، فصاحبهم على دخل يمدحهم في عزهم، ويتنكر لهم في نكبتهم، وهو ~~إنما يماشي زمانه في ذلك. وقد وجد في زمن قل فيه الوفاء وكثر الغدر ~~والرياء. والزمان كأهله وأهله كما ترى. # وليس وفاؤه لأبي سعيد وابنه إلا لأنهما من طيء وكانا يعطفان عليه، ~~ويحسنان صلته، فأحبهما حب النسيب لنسيبه، وحب المنتفع لمن ينتفع منه؛ ~~فمدحهما وتعصب لهما، ورثاهما أحسن رثاء. وأما وفاؤه لأبي تمام فوفاء ~~التلميذ لأستاذه والقريب لقريبه. ولكن لا نجد له قصيدة في رثائه تظهر قيمة ~~هذا الوفاء إلا بعض أبيات رثى بها دعبلا وذكره فيها معه. # وفي البحتري خاصة ظاهرة في شعره وهي حب الوطن، فإنه كثيرا ما يحن إلى ~~منبج وحلب، ويحسب نفسه غريبا في العراق، مع أن شهرته لم تقم إلا فيه، ~~وثروته لم تجمع إلا هناك. # وكان يتعصب لليمن عموما ولطيء خصوصا، ولكنه لم يكن مفرطا في تعصبه، ~~وربما لمحت فيه شيئا من التعاجم؛ لأنه كان مفتونا بحضارة الفرس، ولأنه ~~وجد في عصر كانت السيادة فيه للموالي لا للعرب، فضعفت فيه العصبية كما ~~ضعفت في كثيرين من أمثاله. # على أنه كان شديد التعصب للإسلام، وربما نزع إلى التشيع فتسمعه يمدح ~~الطالبيين، ويهجو علي بن الجهم لتعرضه لهم بالهجاء. ولكنه كان يتحفظ ولا ~~يسرف في إظهار تشيعه، وخصوصا في عهد المتوكل، فإنه لما جاء العراق أراد أن ~~يتكنى بأبي الحسن بدلا من أبي عبادة ليتشبه بعلماء الشيعة، فرأى من ~~المتوكل كرها شديدا للعلويين فعدل إلى كنيته الأولى، وكتم تشيعه، أو ~~تركه، ولكنه لم يقل هجرا في الطالبيين. # آثاره # ديوان شعر أكثره في المدح، وأقله في الهجاء والرثاء. وفي مدحه غزل كثير، ~~ووصف مختلف الوجوه ms134 والأنواع. وبقي شعر البحتري متفرقا حتى جمعه أبو بكر ~~الصولي، ورتبه على الحروف. وجمعه علي بن حمزة الأصفهاني ورتبه على ~~الأنواع. وشرحه أبو العلاء المعري، وسماه عبث الوليد . وطبع هذا الديوان ~~بالأستانة في جزءين كبيرين، ثم طبع في بيروت مشكولا، ومشروحا بعض ألفاظه. ~~وكلتا الطبعتين لا ترتيب فيهما، وليس لهما فهرست تعرف به القوافي، وفيهما ~~قصائد مكررة لم ينتبه إليها من جمعها. # وعني البحتري بالتأليف كأستاذه فجمع كتاب الحماسة معارضة لكتاب أبي ~~تمام، اختاره من أشعار العرب للفتح بن خاقان، وجعله مائة وأربعة وسبعين ~~بابا، ضمنها معظم المعاني الأدبية التي تناولها الشعراء ~~المتقدمون. # وهذه الأبواب على كثرتها صغيرة لا يتجاوز بعضها الصفحة الواحدة. ولم ~~يتقيد فيها البحتري بأبواب الشعر المعروفة، بل نظر فيها إلى الأغراض ~~والمعاني، فجاءت جديدة في نوعها. مثال ذلك: الباب الأول فيما قيل في حمل ~~النفس على المكروه. الباب الخامس عشر: فيما قيل في استطابة الموت عند ~~الحرب. الباب الثاني والستون: فيما قيل في ذم عاقبة البغي والظلم إلخ ... وقد ~~خلت من الغزل والفحش والمجون. # وتشتمل حماسة البحتري على أقوال لنحو ستمائة شاعر من الجاهلية وصدر ~~الإسلام، وفيهم نفر أدركوا بني العباس كيحيى بن زياد، وصالح بن عبد القدوس، ~~وبشار، ومطيع بن إياس. وطبعت في بيروت ومصر. وله أيضا كتاب معاني الشعر ~~لم يصل إلينا. ~~(2-2) ميزته # البحتري طائر غريد سبح بأنغامه في أفق علوي، خصب الخيال، متنوع الأصباغ، ~~فأشرف على جلال الطبيعة وجمالها، وحوم فوق جبالها ومروجها، وأنهارها ~~وغيطانها، ورفرف على زخارف المدنية وعمرانها، فعلقت جميع هذه الصور بقوادمه ~~وخوافيه، فصبغتها بأشكال من الرسوم والتلاوين. # ولا تقوم شاعرية البحتري على المدح أو الغزل أو الرثاء وإن برع في كثير منها، ~~وإنما تقوم على جمال الفن وانطلاق الخيال، وإتقان الوصف والتصوير. ونحن سنعنى ~~بدراسته من جميع نواحيه حتى تتكشف خصائصه التي يمتاز بها في أنواع الشعر ~~وفنونه. # مدحه # وقف البحتري شعره على المدح لا يلتفت لفن غيره إلا غرارا، فغير عجيب أن ~~يجيد هذا الفن، ويبرع فيه. ms135 وله من أهبته شاعرية فياضة، ونزوع شديد إلى ~~التكسب والاستجداء. # وأدرك البحتري عشرة خلفاء من المأمون إلى المعتضد. ولكنه لم يمدح غير ~~ستة، وهم المتوكل بن المعتصم، والمنتصر بن المتوكل، والمستعين بن المعتصم، ~~والمعتز بن المتوكل، والمهتدي بن الواثق، والمعتمد بن المتوكل. وأكثر ~~مدائحه في المتوكل ثم في ابنه المعتز. # ومدح من الأمراء والوزراء طائفة كبيرة، منهم الفتح بن خاقان وزير ~~المتوكل، والحسن بن مخلد وزير المعتمد، وإبراهيم بن المدبر من كبار ~~رجال الدولة. وآل سهل، وإسماعيل بن بلبل الشيباني، وأنسباؤه أبو سعيد ~~الثغري وابنه يوسف، وآل حميد الطوسي وسواهم. وأحسن مدائحه، وأصدقها عاطفة، ~~ما قاله في المتوكل والفتح وأبي سعيد. وهو إذا مدح المتوكل مدح خليفة في عز ~~دولته، وقوة سلطانه، لا سيطرة للموالي عليه، كسيطرتهم على من جاء بعده من ~~الخلفاء، فترى الشاعر يمعن في وصف جلال الملك ووقاره. ويشبه المتوكل ~~بالنبي، ويستفيض بذكر تقواه، وتعزيزه للدين، وإقامته أحكام السنة. ويجعل ~~له زلفة عند الله، فإذا احتبس المطر استسقى للمسلمين فينهل ~~الغمام: # لما تعبد محل الأرض واحتبست # غر السحائب حتى ما نرجيها # 19 # وقمت مستسقيا للمسلمين جرت # غر الغمام وحلت من عزاليها # 20 # ويظهر أن المطر احتبس يومذاك فصلى المتوكل صلاة الغيث، ثم أمطرت السماء ~~فجعلها البحتري من كرامات ممدوحه. ويذكر له كرامة أخرى وهي طاعة الوحوش له ~~وسيرها في ركابه: # وطاعة الوحش إذ جاءتك من خرق # أحوى وأدمانة كحل مآقيها # 21 # إن سرت سارت وإن وقفتها وقفت # صورا إليك بألحاظ تواليها # 22 # وقد يعرض لسياسة الخلافة ~~في مدحه المتوكل، فيؤيد حق العباسيين، ولكنه لا يهجو الطالبيين مع علمه ~~بكره الخليفة لهم؛ لأن هواه فيهم، ولم يجاهر بميله إليهم إلا بعد مقتل ~~المتوكل وقيام المنتصر. وكان المنتصر ينكر على والده اضطهاده العلويين، ~~وإذنه للناس بلعن علي، ولطالما عارضه في ذلك فلقي منه التحقير والطرد، فلما ~~مدحه البحتري بعد أن ولي الخلافة، ذكر عطفه على العلويين، وجاهر بتفضيل علي ~~على عمر قال: # وإن عليا لأولى بكم # وأزكى يدا عندكم ms136 من عمر # ولم يعرض بعد المتوكل لسياسة الخلافة إلا في الندرى؛ ذلك بأنه لم يخلص ~~الحب لخليفة إخلاصه إياه للمتوكل. ثم إنه رأى ضعف الخلائف الذين توالوا بعد ~~المتوكل، فعلم أن من العبث الكلام على سياسة الخلافة بين العباسيين ~~والطالبيين ما دام الأمر فيها للموالي. وأصبح لا يمدح خليفة إلا مدح ~~الموالي معه وازدلف إليهم. ويكثر ذكره لهم في مدح المعتز، ولعله كان يشفق ~~عليه من سطوتهم، أو يخشى على نعمته أن تزول بزواله، وهو قد اتصل به وحظي ~~عنده أكثر منه عند غيره، فإذا مدحه أشاد بذكرهم وجعلهم جند الله لتأييد ~~الخليفة ونصرته، واعتذر عنهم إذا أساءوا إليه أو أثموا: # وليت نصره الموالي فأعطته # علو السماك أو هو أعلى # أما الموالي فجند الله حملهم # أن ينصروك فقد قاموا بما احتملوا # 23 # وضعف الخلفاء حمله على استنهاض هممهم، فكان يذكرهم آباءهم العظام، ~~ويزعم أنهم متشبهون بهم، سائرون على خطاهم، كقوله في مدح المهتدي: # له عزمة ما استبطأ الملك نجحها # ولا استعتب الأيام وري زنادها # 24 # رشيدية في نجرها واثقية # يرى الله إيثار التقى من عتادها # 25 # وإذا رأى بادرة عزم من أحدهم تنفس الصعداء، وشاقه أن تستعيد عزة الملك ~~سابق عهدها، فنسمعه يقول بعد أن فتك المعتز ببغا: # فاليوم عاودت الخلافة عزها # وأضاء وجه الملك بعد ظلام # أضحى بغاء وأقربوه وحزبه # وكأنهم حلم من الأحلام # والبحتري يصدر مدحه على الغالب بالغزل. وقلما عني بحسن التخلص، بل ~~ينتقل وثبا، ويقتضب اقتضابا كأستاذه أبي تمام. ولكنه يختلف عنه بأنه أقل ~~غلوا منه، وأشد تزلفا لممدوحه، وأكثر تحدثا بنعمه. وشعره كشعره حافل ~~بالفوائد التاريخية، ففيه أخبار الوقائع والحروب التي جرت في أيامه، وأخبار ~~الذين خرجوا على العباسيين من علويين وسواهم، وفيه غير ذلك من الحوادث التي ~~تظهر لنا اضطراب الحالة السياسية في ذاك العصر. # وصفه # والوصف هو الذي رفع منزلة البحتري، وأحله في الطبقة الأولى؛ فقد أوتي ~~من قوة المخيلة وروعة التصور ما جعله يتناول الأشياء المادية فيرسمها بشعره ~~لمحا، فيخرج لها صورا ms137 دقيقة بارعة الفن. وقد يرتفع عن المرئيات فيمعن في ~~سماء الخيال، ثم يعود بمختلف التصاوير والتهاويل، ملؤها حركة وحياة، فتحس ~~كأنك تسمع جرسها، وترى خطراتها وتلمسها بأناملك العشر. # وكان لنشأة الشاعر في بادية منبج يد في تصفية خياله، فشب على ما يشب ~~عليه أهل البداوة من دقة الحس، وصدق المخيلة، ورفت عليه منبج بجمالها ~~الطبيعي الذي تغنى به الشعراء، فاستمد منها خياله البديع، ثم زاده ثروة ~~بأسفاره إلى الأمصار المتحضرة، فبهرته المدنية الجديدة بمشاهدة عمرانها، ~~فشغف بها، وصورها أحسن تصوير، كوصفه إيوان كسرى، وبركة المتوكل، وقصر ~~المعتز، ومجالس اللهو والخمر، أو وصفه للمناظر الطبيعية، كدجلة والربيع. ~~حتى إن أوصافه البدوية، على ماديتها الظاهرة وضيق حدودها، وسلوكه في أكثرها ~~مسلك من تقدمه، لا يعدوها جمال الفن ولا سيما قصيدة الذئب. # وصف الإيوان # لم يخبرنا الرواة عن السبب الذي حمل البحتري على السفر إلى المدائن حتى ~~زار قصور الأكاسرة، وطاف بها وبكى عليها. ولكن الشاعر يذكر في مستهل قصيدته ~~أنه شخص إليها وملء فؤاده يأس وتشاؤم، فهو حزين لأنه استبدل العراق بالشام، ~~وهو مثقل بالهموم يشكو جفاء ابن عمه له، فسفره كان إذن لتفريج الكرب، ~~وللترفيه عن النفس. # وكان الإيوان يوم طاف به ~~الشاعر خرابا، معرى من أثاثه، بعد أن أمر المنصور بهدمه، فأخذ البحتري ~~بجلال معالمه ورسومه، واجتذبته روعة الفن، فانخطف على أجنحة الخيال، وتمثلت ~~له عظمات الأكاسرة بما عرف من أخبارهم، وشهد من آثارهم. وذكر اليمن وغارة ~~الأحبوش عليها، وانتصار كسرى لها، ورده الملك على أميرها ابن ابن ذي يزن، ~~فأخذ يصف الإيوان، ويتغنى بفضل الفرس الذين أيدوا استقلال بلاده. # ويقف أمام صورة تريك وقعة ~~بين الروم والفرس في مدينة أنطاكية، فيتناولها بالوصف فتحس أن الحياة تدب ~~فيها، ويبدو لك أنك تشاهد التحام الفرسان، ووقع الأسنة. وتتمثل كسرى في ~~ثيابه الملونة يسوق الصفوف تحت رايته. وما أنت إلا منجذب مع الشاعر في ~~خياله الجميل: # فإذا ما رأيت صورة أنطاكية # ارتعت بين روم وفرس # والمنايا مواثل وأنوشروان # يزجي الصفوف تحت الدرفس ms138 # 26 # فقصيدة الإيوان أبلغ مثال ~~لدقة الوصف، وسمو الخيال عند البحتري. وقد أدهش بها معاصريه؛ لأنه فتح بها ~~فتحا جديدا في الأدب، وهو البكاء على الممالك الزائلة، ووصف أطلالها ~~الدارسة، فإذا ابن المعتز يقول: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته السينية في ~~وصف إيوان كسرى - فليس للعرب سينية مثلها - وقصيدته في وصف البركة لكان ~~أشعر الناس في زمانه.» # غزله # ليس للبحتري غزل قائم بنفسه، وإنما هو في صدور مدائحه، فمنه تقليدي بدوي ~~يترسم به الأقدمين من وقوف وبكاء على الأطلال، ويكثر فيه ذكر أسماء عرائس ~~الشعر كسعاد وأسماء وليلى، وذكر أماكن البدو كنجد وإضم وخبت، وهذا النوع ~~لا يطالعك بشيء طريف، ومنه الجديد المترف، وهو الذي تحس فيه نفسية الشاعر، ~~وتلمس عاطفته المتوقدة. وفيه يصف عواطف نفسه وأهواءها، وشجونها وارتياحها، ~~ويصف مواقف اللقاء والوداع، ومجالس اللهو والأنس، والخمرة والحبيب. ويصف ~~استكانته للحب وخضوعه، وإذعانه لمشيئة محبوبه. وقد يتهتك في تشبيبه ولكنه ~~لا يبلغ فيه مبلغ أبي نواس. # وأول ما عرف الحب قلب البحتري يوم تعشق علوة الحلبية، فأذكت الجذوة ~~الأولى في فؤاده، فأذابت عاطفته على قوافيه. ثم ابتعد عنها إلى العراق، ~~فكان لا يفتر عن ذكرها، والتشبيب بها، والحنين إليها. والظاهر أن علوة هذه ~~كانت فتاة تياهة يلذ لها العبث بقلوب الفتيان، وليس للتصون عندها حظ ~~كبير، لذلك لم يكن حب البحتري لها عذريا ولا صلته بها طاهرة، حتى إذا ~~بلغه أنها تزوجت هجاها، وأوجع عرضها، ورماها بكل شائنة. وغزله فيها يظهر ~~لنا حقيقة هذا الحب وبعده من العفاف. # على أن البحتري لم يقصر حبه على علوة بل أحب أشخاصا آخرين، احتلوا ~~فؤاده، واشتركت عاطفته فيما بينهم، فذكرهم في شعره وشبب بهم ~~جميعا. # وكأن صاحبنا لم يسعد طالعه بمن يهواهم، فابتلي بالافتراق عنهم، فكان ~~يتشوق إليهم، ويتلهف على أيام لقائهم، فإذا لجت به الذكريات، وتغلبت ~~عليه الأشواق، تمثلت له أخيلتهم في المنام، فإذا هب من نومه، وكذبت ~~اليقظة الحلم، تضاعف التياعه وازداد وجده، فراح يشبب بطيف الحبيب، ويأسى ~~على فراقه، ms139 كأن الحلم حقيقة. ولما كثر ذلك منه طارت له شهرة في وصف طيف ~~الخيال. # وغزل البحتري في أكثره لطيف ناعم، يزدان بحسن الوصف، وفيه ما يستأسر ~~القلوب، ويثير العواطف في النفوس. # رثاؤه # كاد البحتري يحصر رثاءه في نسيب يعز عليه فقده، أو صديق يشجوه بعده؛ فقد ~~رثى المتوكل وكان أحب الخلفاء إليه، ورثى أبا سعيد وابنه يوسف وآل ~~حميد وجميعهم من أنسبائه، ورثى غلامه قيصر وكان يحبه، وجارية له وكان ~~يهواها؛ لذلك جاء رثاؤه على قلته عاطفيا صادق التفجع. # على أنه لم يرث الفتح بن خاقان مع حبه له وحزنه على موته، فقد ثاب إليه ~~رشده بعد رثائه المتوكل، فشعر بالخطر المحدق به فلم يجرؤ على رثاء الفتح؛ ~~لأن المنتصر ادعى، بعدما بويع بالخلافة، أن الفتح قتل المتوكل، وأنه قتل ~~الفتح ثأرا لأبيه. # وليس للبحتري غير مرثاة واحدة في المتوكل، ولكنه ظل يذكره ويذكر الفتح في ~~سوانح شعره، ويتلهف على أيامهما. ولم يرث خليفة غيره، مع أنه شهد مقتل ~~جماعة منهم كان متصلا بهم يمدحهم؛ ذلك بأنه لم يخلص الحب لخليفة بعد ~~المتوكل ولم يشأ أن يستهدف لغضب الموالي وولاة العهد، وهو يعلم أن أكثر ~~الخلفاء الذين ماتوا في زمنه قتلوا إما بسيوف الأتراك، وإما بمكيدة يشترك ~~فيها ولي العهد. # وأكثر مراثي البحتري يتخللها المدح، ولا سيما ما جاء في رثاء الأمراء ~~الذين يفيد منهم، فإنه يبكي الميت ويتفجع عليه، ثم يفرغ إلى تعزية ولده أو ~~بعض أهله فيمعن في مدحهم، فكأنه يوطئ من رثائه سبيلا للاتصال بهم؛ فقد رثى ~~نسيبه أبا سعيد رثاء صادقا لا شك فيه، ولكنه مدح في القصيدة نفسها ولده ~~يوسف؛ ورثى وصيفا القائد التركي، ومدح في المرثاة ولده صالحا؛ وتجد له ~~مديحا في محمد بن عبد الله بن طاهر أدمجه في رثائه لأخيه طاهر وعمه ~~الحسين. # ويستهل مراثيه على الغالب بتعظيم الخطب وإكباره، وذم الدهر والتوجع من ~~صروفه ونوائبه. ومما يؤخذ عليه في رثاء النساء أن المرأة مضعوفة عنده، فهو ~~يرى فيها رأي الفرزدق زاعما ms140 أنها أهون ميت على الرجل، وأن البكاء عليها ~~عيب وغضاضة. ولعله يتكلم بلسان عصره، فإن المرأة كانت يومئذ ذليلة الجانب، ~~محتقرة المكان، فمن ذلك قوله يعزي نسيبه أبا نهشل الطوسي عن ابنة ~~افترطها: # ولعمري ما العجز عندي إلا # أن تبيت الرجال تبكي النساء # وقوله مستندا إلى حديث لا ندري مبلغ صحته: # ومن نعم الله لا شك فيه # حياة البنين وموت البنات # لقول النبي عليه السلام: # موت البنات من المكرمات # عتابه # برع البحتري في العتاب، وأحسن في اللوم والاسترضاء، حتى قال صاحب العمدة: ~~«وأحسن الناس طريقا في عتاب الأشراف شيخ الصناعة وسيد الجماعة أبو عبادة ~~البحتري.» ويمتاز عتابه في نعومته وتلطفه، فإنه يؤنب قليلا، ويسترضي ~~كثيرا، ويلوم ولا يهدد. وإذا هدد لا يغلظ ولا يتبغض. # فخره # وله في الفخر أشياء حسنة. وأكثر مفاخره بشعره، ثم بقومه بني طيء، وربما ~~افتخر على أنسبائه إذا لحقته جفوة منهم، فيؤنبهم، ويتسامى عليهم ليظهر أن ~~حياته فخر لهم، فمن ذلك قوله من قصيدة: # ومن الأقارب من يسر بميتتي # سفها وعز حياتهم بحياتي # إن أبق أو أهلك فقد نلت التي # ملأت صدور أقاربي وعداتي # حكمه # وله بضاعة قليلة في الحكم لأنها ليست من طلباته، فهو يرى أن الشعر لم ~~يخلق للمنطق، وفي ذلك يرد على بعض لائميه: # كلفتمونا حدود منطقكم # في الشعر يلغى عن صدقه كذبه # ولم يكن ذو القروح يلهج # بالمنطق ما نوعه وما سببه # 27 # والشعر لمح تكفي إشارته # وليس بالهذر طولت خطبه # ونشأته البدوية هي التي جعلته لا يأنس بالأدلة العقلية والتفكير المنطقي، ~~ولا يرى خيرا في الشعر إلا إذا انطلق من هذه الأغلال محمولا على أجنحة ~~الخيال الحر الفسيح، فجاءت حكمه على قلتها ساذجة مشتركة التفكير، تدور ~~معانيها على ألسنة الناس، وأكثرها في شكوى الزمان. # هجاؤه # والبحتري كأستاذه أبي تمام ليس له يد طويلة في الهجاء، وبضاعته فيه نزرة، ~~وجيده قليل، وكان ابنه أبو الغوث يزعم أن والده عند موته أمره بإحراق ~~جميع ما قاله في هذا الفن ففعل. ونحن نشك في ms141 رواية أبي الغوث، ونرى أن ~~الابن أراد أن يستر عجز أبيه، فزعم ذلك الزعم. ووصل إلينا من هجاء البحتري ~~ما يكفي للدلالة على ضعفه في هذا النوع الذي لم يكن من مذهبه. ولما تعرض ~~له ابن الرومي وأوجع عرضه لم يجرؤ على مهاجاته لعجزه عن لحاقه. وخطر له ~~يوما أن يرد عليه ليسكته فأهدى إليه تخت # 28 # متاع وكيس دراهم. وضم إلى ذلك بيتين سخيفين وهما: # شاعر لا أهابه # نبحتني كلابه # إن من لا أعزه # لعزيز جوابه # على أن هذا التمحل لا يستر ضعف البحتري وتقصيره عن ابن الرومي في الهجو. ~~وكان ابن الرومي يعرف ذلك فيه، فقد ذكر المرزباني في موشحه أنهما اجتمعا ~~مرة، وكان اجتماعهما سببا للمودة بينهما، فقال البحتري: «عزمت على أن أعمل ~~قصيدة في الهجاء.» فقال له ابن الرومي: «إياك والهجاء يا أبا عبادة، فليس ~~من عملك وهو من عملي.» فقال له: «نتعاون.» وعمل البحتري ثلاثة أبيات، وعمل ~~ابن الرومي ثمانية، فلم يلحقه في صنعه. # ولكن البحتري كان يهاجم الشعراء المغمورين فيهجوهم غير خائف شرهم. وصب ~~أكثر هجائه على الطبقة العالية من الناس، حتى إنه هجا أربعين رئيسا من ~~الذين مدحهم وأخذ جوائزهم؛ منهم خلفاء ووزراء وقواد وكتاب وقضاة وولاة ~~ومن جرى مجراهم من الكبراء. # وهو في هجائه فاحش متعهر، بذيء الألفاظ، يجعل مهجويه على الغالب ~~مخنثين فاقدي النخوة والحياء. ولم يجد له صاحب الأغاني غير قصيدتين جيدتين ~~في الهجو إحداهما في أبي قماش، والثانية في يعقوب بن الفرج النصراني. ~~والأولى فيها شيء من مذهبه في الوصف والتصوير، ولكنها لا تجعل منه شاعرا ~~هجاء على كل حال. # ما أدرك عليه # قال الآمدي في موازنته بين الطائيين: «وما رأيت شيئا مما عيب به أبو ~~تمام إلا وجدت في شعر البحتري مثله. إلا أنه في شعر أبي تمام كثير، وفي شعر ~~البحتري قليل.» وقد صدق الآمدي، وإن يكن تعصبه على أبي تمام لا يحتاج إلى ~~دليل، فالبحتري وقع في مثل ما وقع فيه أستاذه، فروي له شعر مسروق ms142 جعله ابن ~~أبي طاهر ستمائة بيت منها مائة مسروقة من شعر أبي تمام. وسواء صح هذا العدد ~~كله أو بعضه فالأستاذ فاق بالسرقة تلميذه. وخصوصا إذا نظرنا إلى ما ترك ~~أبو عبادة من الشعر الكثير الذي يبلغ ضعفي شعر أبي تمام، ثم إلى المعاني ~~المشتركة التي سرقوه إياها وهي لا يستقل بها شاعر دون آخر، فمما أخذه ~~من أبي تمام وحسنه قوله: # ولو أن مشتاقا تكلف غير ما # في وسعه لسعى إليك المنبر # وقال أبو تمام: # ديمة سمحة القياد سكوب # مستغيث بها الثرى المكروب # لو سعت بقعة لإعظام نعمى # لسعى نحوها المكان الجديب # وقوله وقصر فيه عن أستاذه: # ولن تستبين الدهر موضع نعمة # إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد # وقال أبو تمام: # وإذا أراد الله نشر فضيلة # طويت أتاح لها لسان حسود # وأدرك عليه معان لم يوفق في استخراجها. فمنها ما كان ضعيف المدلول. ~~ومنها ما خالف فيه أدب الشعر كقوله يمدح المعتز بالله: # لا العذل يردعه ولا # التعنيف عن كرم يصده # وهذا على رأي الآمدي من أهجن ما مدح به خليفة وأقبحه. ومن ذا يعنف ~~الخليفة أو يصده؟ إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح. # وهو كأستاذه يحتذي مثال ~~الأقدمين في إشباع الحركات حتى يخرج منها حرف لين، وهذا الزحاف نفر منه ~~جمهور الشعراء المولدين، وإن أجازه أصحاب العروض. على أن البحتري لم ~~يتورط فيه تورط أبي تمام. # ولا يخلو شعره من أبيات فيها ضعف وإسفاف. وقد تمر بألفاظ تنكر عليها ~~الفصاحة، وتعجب أن يكون البحتري صاحبها، فمن ذلك استعماله فعل اختشى، وهذا ~~غير مسموع، كقوله في مدح ابن الفياض: # يختشي زلة الخطار وأرجو # عودة من عوائد الله تمنى # 29 # ويمكننا أن نعزو هذه الأشياء إلى إكثاره من النظم، ثم إلى اختلاف ~~الروايات فإنها حملت عليه أقوالا منحولة، فنسبت إليه على براءته ~~منها. # ومهما يكن من شيء فإن الذي أدرك على البحتري يكاد لا يذكر بالإضافة إلى ~~غزارة شعره. ~~(2-3) منزلته # نسب إلى أبي العلاء المعري أنه قال: «أبو تمام ms143 والمتنبي حكيمان وإنما ~~الشاعر البحتري.» ومنهم من يضيف هذا القول إلى المتنبي نفسه فيزعم أنه قال: ~~«أنا وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري.» وكلا الأمرين عندنا مشكوك فيه؛ ~~لأنه إما مخالف لعقيدة أبي العلاء في شاعرية أبي الطيب وقد كان يسميه وحده ~~الشاعر ويسمي غيره من الشعراء باسمه كما قال ابن الأثير، وإما مخالف لعقيدة أبي ~~الطيب وإيمانه القوي بشعره. على أن البحتري أصح من أبي تمام طبعا، وأقل ~~تكلفا، وأوضح الثلاثة ديباجة، وأكثرهم انسجاما، وأسلمهم من الغموض والتعقيد؛ ~~ذلك بأن نشأته البدوية جعلته لا يحتفل بالمعاني الفلسفية والأدلة العقلية، ولا ~~يتورط في التزام البديع؛ لأنه يخالف أذواق أهل البادية المطبوعين على الشعر. ~~ولا يسرف في طلب الغريب؛ لأن معرفته ليست فضيلة عند البدو كما هي فضيلة عند ~~الحضر. فكل بدوي يعرف الغريب، ولا يعرفه كل حضري؛ لذلك كان البحتري يحذفه ~~وينفيه عن شعره ليقربه من أفهام ممدوحيه إلا أن يأتيه طبعه باللفظة بعد اللفظة ~~في موضعها من غير طلب لها، فأوتي ديباجة رائقة، قلما ظفر شاعر بمثلها حتى ضرب ~~المثل بها فقيل ديباجة بحترية، وشبه شعره لأجلها بسلاسل الذهب؛ لتناسقه، ~~وتماسكه، ورونقه، وحسن انسجامه. واتخذ طرازا أعلى للطريقة الشامية التي شغف ~~بها الصاحب بن عباد، وحث الناس على رواية أشعار أصحابها. وكأنما شعره وضع ~~للغناء؛ لما فيه من إيقاع وترجيع، ومزاوجة ألفاظ ومطابقتها، ثم لما فيه من ~~الطراوة والرقة، والبعد من التداخل، على خفة في المعنى وقرب متناوله. # وكان إذا تشبه بأستاذه فطلب المجاز والبديع يحسن اختيار الألفاظ وتأليفها، ~~ويجعل استعاراته وتمثيلاته، وجناساته ومطابقاته، نازلة في منازلها، لا تستخدم ~~المعنى، وإنما تزيده تصويرا ورونقا. وكأن وصية أبي تمام له أثرت فيه أحسن ~~تأثير فاهتدى بهديها، فأنقذ شعره من الشوائب التي علقت بشعر أستاذه، فإذا هو ~~كما أوصاه: «يتقاضى المعاني، ويحذر المجهول منها، ولا يشين شعره بالألفاظ ~~الزرية.» وشهد له أبو تمام فقال: «أنت أمير الشعراء بعدي.» # ويرى طائفة من أهل الأدب أنه لم يأت بعد أبي نواس من هو ms144 أشعر من البحتري، ~~ولا بعد البحتري من هو أطبع منه على الشعر. وذكر الآمدي في موازنته أن أبا ~~عبادة قد أسقط في أيامه أكثر من خمسمائة شاعر وذهب بخبرهم، وانفرد بأخذ جوائز ~~الخلفاء دونهم. # وإذا صح أن إنشاء الأديب صورة لنفسه ، فشعر البحتري بما فيه من ديباجة رائعة، ~~وخيال جميل، وغزل لطيف، يجعلنا نشك في ما يزعمه بعض الرواة من أنه كان وسخا ~~بغيضا، فأناقة عباراته لا تدل على قذارة آلته، ورقة ألفاظه ولطف معانيه لا ~~يلائم غلاظة طباعه. # وما أدراك أن أولئك الذين شنعوا عليه كانوا من خصومه، فأرادوا إسقاطه ~~ليفضلوا صاحبهم أبا تمام، ونحن نرى غيرهم من الرواة لا يصفونه بمثل هذه ~~الأوصاف، بل ينعتونه بحسن الخلال. ومهما يكن الأمر فشعر البحتري يجعل صاحبه ~~محببا إلى النفوس، ولا يرسم لنا تلك الصور الممقوتة التي يرينا إياها بعض ~~الرواة. # والخلاصة أن البحتري يتحلى بجمال الديباجة، وبراعة الوصف والتصوير، ولا سيما ~~وصف الطبيعة ومظاهر العمران، يسمو به خيال لطيف، يسبح في سماء صافية الأديم، ~~معطرة الأرجاء، عليلة النسيم. وهو زعيم الطريقة الشامية، وفي طليعة من قال ~~مدحا في خلافة العباسيين، ومنزلته في الطبقة الأولى بين الشعراء ~~المولدين. ~~(3) ابن الرومي 835-896م/221-283ه (؟) ~~(3-1) حياته # أبى المؤرخون الأوائل أن يتركوا لنا ترجمة وافية لابن الرومي، فلم يدونوا إلا ~~أخبارا متقطعة الأوصال ليس فيها غناء كبير للباحث في الآداب، فهم يعلموننا أن ~~اسمه علي بن العباس بن جريج أو جورجيس. وأن لقبه ابن الرومي، وكنيته أبو ~~الحسن. وأنه مولى لعبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور أحد الأمراء ~~العباسيين، وأنه ولد في بغداد وبها نشأ. وهنا تنقطع سلسلة أخباره فما تجد منها ~~غير نتف لا لحمة بينها ولا سدى. حتى إذا بلغنا خبر موته علمنا أنه مات مسموما ~~سمه القاسم بن عبيد الله الوهبي وزير المعتضد. وكان هذا الوزير ظلاما ~~عاتيا، فخاف أن يهجوه الشاعر لما عرف من فلتات لسانه، فدس عليه من أطعمه ~~خشكنانجة # 30 # مسمومة فمات بها. وكانت وفاته في بغداد ms145 ودفن في مقبرة ~~البستان. # ويزيد ابن خلكان على هذه الرواية قوله: «فلما أكلها أحس بالسم فقام؛ فقال ~~له الوزير: «إلى أين تذهب؟» فقال: «إلى الموضع الذي بعثتني إليه.» فقال له: ~~«سلم لي على والدي.» فقال له: «ما طريقي على النار.» وخرج من مجلسه وأتى ~~منزله، وأقام أياما ومات.» ا.ه. # ولكن هذا القول مضعوف بدليل أن والد القاسم مات بعد ابن الرومي ببضع سنوات، ~~فلا معنى لقول القاسم: «سلم على والدي.» ويؤيد ذلك رواية لابن رشيق في العمدة ~~تطلعنا على أن عبيد الله أبا القاسم هو الذي أوعز إلى ولده بأن يتخلص من ~~الشاعر؛ لأن لسانه أطول من عقله. # ولئن بخس المؤرخون حق ابن الرومي فلم يعنوا بجمع أخباره فقد كان الشاعر أحرص ~~منهم على ذلك، فجاء شعره تاريخا صادقا لحياته، وصورة ناطقة بأخلاقه وصفاته، ~~فإذا أردت حقيقة نسبه فهو رومي من ناحية أبيه، وفارسي من ناحية أمه: # كيف أغضي على الدنية والفر # س خئولي والروم أعمامي # وإذا أردت ولاءه فهو عباسي: # قومي بنو العباس حلمهم # حلمي كذاك وجهلهم جهلي # مولاهم وغذي نعمتهم # والروم حين تنصني أصلي # 31 # ويخبرنا في شعره أنه عاش فقيرا ضيق العيش: # أيلتمس الناس الغنى فيصيبهم # وألتمس القوت الطفيف فيلتوي؟ # يستجدي الكساء ليقيه قر الشتاء، فيماطل حتى يخشى أن يأتي الصيف قبل أن ~~يعطى بغيته فيقول: # إنك إن ماطلتني المواعدا # وأضرم الصيف الأجيج الصاخدا # 32 # جاء الكساء عند ذاك باردا # وتركبه الديون فيتذمر على الوزير ويشكو إليه: # وارتكاب الديون إياي في ظل # ك يهجوك باللسان الفصيح # ويستعطي درهمين من كل صديق ليسد عوزه: # لي في درهمين في كل شهر # من فئام ما يطرد الحوجاء # 33 # ولكن أصحابه كانوا يعرضون عنه أكثر الأحيان، ولا يلبون نداءه، فيعاتب ويؤنب ~~ويهجو. # على أن الشاعر لم يعش طول حياته معدما محروما، فقد كانت تمر به أوقات يلهو ~~بها وينعم، ثم لا تلبث أن تمضي سراعا، فيعود إليه بؤسه. وكان له ضيعة فخانه ~~الحظ فيها، ولم تجده فتيلا: # أعاني ضيعة ما زلت ms146 منها # بحمد الله، قدما، في عناء # وجمع ثروة فالتهمت منها النيران: # حدوث حوادث منها حريق # تحيف ما جمعت من الثراء # 34 # وكان له دار فاضطره بعضهم إلى بيعها: # ولي وطن آليت أن لا أبيعه # وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا # 35 # وقد ضامني فيه لئيم، وعزني # وها أنا منه معصم بحبالكا # 36 # وتملك دارا أخرى فغصبته إياها امرأة فراح يتظلم إلى الوزير القاسم: # تهضمني أنثى، وتغصب جهرة # عقاري، وفي هاتيك أعجب معجب! # 37 # فكل ذلك يدل على أن الشاعر عاش مضعوفا مهينا، وحالفه الشقاء ونكد الطالع، ~~فلم يبتسم له الدهر إلا ساخرا منه؛ فقد لقي من الناس تحرشا وشرا، وخذله ~~أصدقاؤه وابتعدوا عنه، وأقصاه الملوك ولم يقربوه؛ فعاش خاملا، مضطهدا، ~~متنقصا، ضيق الرزق، كثير العوز، وأصيب بأولاده الثلاثة وامرأته وأمه ~~وأخيه، فمات وهو على أشد ما يكون من البؤس والتطير. # واختلف في تاريخ موته، فقيل ~~إنه كان سنة 282ه، وقيل سنة 283، وقيل بل سنة 276. ولكن ابن الرومي يخبرنا في ~~شعره أنه بلغ الستين: # طربت ولم تطرب على حين مطرب # وكيف التصابي بابن ستين أشيب! # فبلوغه الستين ينفي قول من زعموا أنه مات سنة 276، ويؤيد التاريخين الآخرين؛ ~~لأنه لا خلاف في تاريخ ولادته، فوفاته إذن بين السنة الثالثة والثمانين ~~والرابعة والثمانين بعد المائتين، فيكون قد أدرك تسعة خلفاء أولهم المعتصم ~~وآخرهم المعتضد، ولكنه لم يتصل بواحد منهم. # صفاته وأخلاقه # يصف ابن الرومي نفسه في عدة مواضع من شعره، فيرينا أنه كان في صباه جميل ~~الوجه، أبيض اللون، أسود الشعر، حسن القامة معدولها. ولكن هذا الجمال لم ~~يلبث أن خبا نوره؛ لاستهتاره بالملذات، فاصفر وجهه وتجعد، وتقوس ~~ظهره، وضعف سمعه وبصره، ووهنت قواه، ونحل جسمه واستدق: # سلبت سواد العارضين وقبله # بياضهما المحمود، إذ أنا أمرد # 38 ~~••• # وأضحت قناة الظهر قوس متنها # وقد كان معدولا، وإن عشت فخخا # 39 # وأحدث نقصان القوى بين ناظري # وسمعي، وبين الشخص والصوت، برزخا # 40 ~~••• # أنا من خف واستدق فما يثقل # أرضا، ولا يسد فضاء ~~••• # شغفت بالخرد ms147 الحسان وما # يصلح وجهي إلا لذي ورع # 41 # كي يعبد الله في الفلاة ولا # يشهد فيه مساجد الجمع # 42 # وعلا رأسه المشيب وله من العمر إحدى وعشرون سنة. وأصيب بالصلع، فاتهم ~~عمامته، ولكنه أبى خلعها لتستر صلعته: # فظلم الليالي أنهن أشبنني # لعشرين يحدوهن حول مجرم # 43 ~~••• # عزمت على لبس العمامة حيلة # لتستر ما جرت علي من الصلع # وكان مضطرب المشية يهتز كالغربال في يد المغربل: # إن لي مشية أغربل فيها # آمنا أن أساقط الأسقاطا # 44 # وهو إلى ذلك دقيق الحس، عصبي المزاج، تغلب عليه السوداء، فيثور، ويشتد ~~غضبه ويسلط لسانه إذا عبث به عابث، ولكنه سريع الرضا، صفوح إذا استرضي. ~~وكان يحب الحياة ويتعشقها مع ما لقي فيها من بؤس وشقاء. والحياة عنده لذة ~~يتطلبها ويستمتع بها. واللذة عنده شهوة إلى الجمال يتبعه أينما بدا له، ~~فيستعذبه في وجوه الملاح، وفي أصوات المغنين والقيان، وفي الطبيعة وما ~~عليها من صور وألوان. واللذة عنده شهوة إلى المآدب، فهو منهوم لا يشبع من ~~طعام وفواكه وشراب. # وطلبه لهذه الملذات على فقره وحرمانه جعله يحسد كل ذي نعمة، فيتمناها ~~لنفسه، ويستكثرها في صاحبها، وجعله يلحف في السؤال، ويعاتب ويتذلل حتى ~~يتبغض. # وكان على حبه للتكسب يجبن عن إدراك رزقه، فقد يدعوه بعض الأمراء فما يجرؤ ~~أن يصير إليه؛ لأنه يخشى الأسفار ويخيفه البر والبحر والصيف والشتاء، فهو ~~موسوس ضعيف العقل، متشائم، متطير. # وزاده طيرة ما ناله من الأرزاء والمحن، فأصبح يتوهم النحس توهما، ~~ويتمثله في تصحيف الأسماء وقلبها وتحليلها، وفي صور الأشخاص، وأشكال ~~الأشياء، حتى بات الناس يضحكون منه، ويعابثونه، فيهجوهم، ويثخن في أعراضهم ~~ويسخر منهم، وهم يمعنون في نكايته ولا يبالون. ذكر صاحب معاهد التنصيص: «أن ~~أصحابه كانوا يرسلون إليه من يتطير من اسمه فلا يخرج من بيته أصلا، ويمتنع ~~من التصرف سائر يومه. وأرسل إليه بعض أصحابه غلاما حسن الصورة اسمه حسن، ~~فطرق الباب عليه، فقال: «من؟» قال: «حسن.» فتفاءل به وخرج، وإذا على باب ~~داره حانوت خياط قد صلب عليها ms148 درفتين كهيئة اللام ألف. ورأى تحتها نوى تمر ~~فتطير وقال: «هذا يشير بأن لا تمر.» ورجع ولم يذهب معه. وكان الأخفش ~~الأصغر علي بن سليمان يقرع عليه الباب إذا أصبح، فإذا قال: «من القارع؟» ~~قال: «مرة بن حنظلة» ونحو ذلك من الأسماء التي يتطير بذكرها، فيحبس نفسه في ~~بيته، ولا يخرج يومه أجمع.» ا.ه. وأخبار ابن الرومي في الطيرة كثيرة نكتفي ~~بما ذكرنا منها للدلالة على وسوسته وجبنه واختلاط عقله. # ومن صفاته الحسنة أنه كان صادق المودة لأصحابه، محبا لأولاده وأهله، ~~عطوفا على الفقراء والمساكين. # آثاره # لابن الرومي شعر كثير رواه عنه المسيبي. # 45 # ولم يكن مرتبا فعمله الصولي على الحروف، وجمعه أبو الطيب وراق ~~بن عبدوس من جميع النسخ، وزاد على كل نسخة مما هو على الحروف وغيرها نحو ~~ألف بيت. وذكر المستشرق كليمان هيوار أن أبا عثمان سعيدا الخالدي من ~~العلماء المتصلين بسيف الدولة كتب ترجمته مفصلة، ولكن لم تصل إلينا. # وبقي شعره متفرقا في كتب الأدب حتى قام بعض الأدباء في مصر، فعنوا بطبعه ~~ونشره. وعني بدراسته جماعة، منهم عباس محمود العقاد فإنه وضع كتابا خاصا ~~به، فهذا الشاعر الذي أهمله عصره، وتنكر له أبناء زمانه، عرف قدره بعد ~~موته فدونت أشعاره، وجمعت أخباره. ونبشت آثاره فإذا هي عنوان العبقرية ~~والنبوغ. # ولابن الرومي بقايا في النثر منها رسائل صغيرة إلى الوزير القاسم وإلى ~~بعض أصدقائه، ومنها نبذة في تفضيل النرجس. ونثره حسن الأسلوب يجري به مع ~~بلغاء الكتاب. وكان يفتخر بنثره كما يفتخر بشعره مشبها نفسه بالأخطل ~~والجاحظ: # ألم تجدوني آل وهب لمدحكم # بشعري ونثري أخطلا ثم جاحظا؟ ~~(3-2) ميزته # هذا شاعر حاول التكسب بشعره فلم يفلج سهمه، وقلت حظوته فما أتيح له أن يرضي ~~ممدوحيه فيرضوه، فعاتبهم واستعتبهم، فما أجداه العتاب، ولا أعطي العتبى، فسخط ~~وهجا، وانتقم أخبث انتقام. # هذا شاعر تنكر له الدهر، وقعد به الجد، وأزرى به معاصروه، وصفرت كفه، ~~فقادته مضاضة الفقر إلى ذل السؤال، فألح وألحف، فنهر ورد، وليس للملحف غير ~~الرد. ms149 # هذا شاعر أحب الحياة ونعيمها، فتهالك على شهواتها وملاذها، فأذاقه الله لباس ~~الجوع، فإذا هو منهوم لا يشبع، يرى الدنيا وما فيها لذة واستمتاعا. # هذا شاعر كتب الشقاء له في لوح الأقدار، فقد ارتزق فلم يرزق. واشتهى فحرم. ~~وأحب فنبذ. وطلب الراحة في ظل عيلته، فمات أولاده، وماتت زوجه، ومات أخوه، ~~وماتت أمه. وغصبت داره. وبقي وحده حيا يشقى ، فتشاءم وتطير، فسخر الناس به، ~~وقالوا: مجنون موسوس. وقد صدقوا، فابن الرومي لم يسلم من اختلاط في عقله يرفده ~~الشقاء، وتشده الخيبة. ولكن الشاعر مدين بعبقريته لجنونه وشقائه وخيبته؛ فلو لم ~~يطرحه الناس، وينكروا عليه غرابة أطواره، ولو لم يخفق ويتعس ويتألم، لشغل ~~شعره بالمديح وما يشبه المديح، ولما جاءنا بهذه الآيات البينات التي صور بها ~~عواطف نفسه، وأخلاق أهل زمانه، وصور الأشياء التي رغب فيها وأحبها وظل طوال ~~عمره يشتهيها، والأشياء التي كرهها ونفر منها وتطير. # مدحه # لم يمدح ابن الرومي من الخلفاء الذين عاصرهم غير المعتضد، وليس له فيه ~~شيء يعتد به؛ لأنه لم يحظ عنده، ولكنه مدح جماعة من الوزراء والأمراء، ~~فوفق لشيء من الإجادة. وأشهر ممدوحيه إسماعيل بن بلبل وزير المعتمد، ومحمد ~~بن عبد الله بن طاهر صاحب شرطة بغداد وأمير خراسان، وأخوه عبيد الله بن ~~طاهر، وكانت له ولاية الشرطة بعد أخيه، والقاسم بن عبيد الله الوهبي وزير ~~المعتضد. # على أن مدائحه فيهم لم تكن لتغنيه من فقر؛ لأنهم لم يحسنوا صلاته، ولم ~~يقربوا مكانه، وربما أقصوه عنهم أو سمعوا شعره دون أن يجيزوه عليه. وغير ~~عجيب أن يخفق عندهم، وهو على اضطراب عقله، وضيق أخلاقه، وسلاطة لسانه، وسوء ~~تصرفه في مصاحبة الناس، لا يصلح للمجالس فيتخذ نديما. وكان إلى هذا شديد ~~الإلحاف، فتبرموا به وحرموه، فآلمه ذلك لأمرين: أحدهما حاجته إلى المال، ~~والآخر ذهاب شعره ضياعا؛ فإنه كان مفتونا بلذة الحياة ونعيمها فلم يقدر ~~له من الرزق ما يشبع به شهواته، وكان حريصا على شاعريته فأمضه أن يبخس ~~حقها، فكثر عتابه لممدوحيه، وأرهقهم بالسؤال والاستعطاف ms150 حينا، وبالتأنيب ~~والتهديد آخر. وقد يعتد بنفسه فيطلب أن يكون نديما لهم يحضر مجالس اللهو ~~معهم، أو كاتبا في دواوينهم تستودع عنده أسرارهم، فيرتد خائبا مزبونا، ~~يتظلم ويشكو. # وكيف يفلح شاعر مثله، وهو لا يحسن المدح إلا إذا سأل وعاتب وهدد. ولم يكن ~~له من ظرف اللسان، وحميد المخالقة، ورجحان العقل ما يحببه إلى الأمراء ~~فيرغبوا في مجالسته ومنادمته . وكانت طيرته عونا عليه، فازداد بها بؤسا ~~وخيبة؛ لأن وسواس عقله جعله جبانا قلق النفس، مروع الفؤاد يتخوف أشياء ~~يتوهمها توهما، فإذا دعاه أمير أن يتجشم إليه السفر ليسمع شعره ويثيبه، ~~أبى أن يذهب خوفا من مشاق البر وغرق البحر، وطلب إليه أن يجيزه دون أن ~~يركبه هذا المركب الخشن. ولعل معاصرته للبحتري أضرت به، وغمرته عند ~~الأمراء؛ لأنه مدح أكثر الذين مدحهم أبو عبادة، فلم يحفلوا به ولا التفتوا ~~لفته، مع أنهم أكرموا البحتري وخصوه بسني الجوائز. ويرجع ذلك إلى أن الوليد ~~أبرع منه في المدح، وأرصن في المجالس وأعقل، وأحسن تصرفا في استرضاء ~~ممدوحيه. # هجوه # لابن الرومي شهرة في الهجاء لا تتقدمها شهرة دعبل وبشار. ويفوقهما بما ~~امتاز فيه من دقة التصوير، فإن هجاءه لا يقتصر على القذف والطعن والسخر، بل ~~يتعداه إلى وصف أخلاق المهجو، وتصوير أشكاله حتى يبرزه مثلة شوهاء ~~مضحكة. # وبواعث الهجاء عند الشاعر كثيرة، فمنها أنه كان محروما يستجدي فلا ~~يعطى إلا القليل، فيغضب ويهجو من يمنعون صلتهم عنه. ومنها أنه كان يحسد ~~ذوي النعمة الذين يتمتعون بملاذ الحياة دونه فيهجوهم. ومنها أن الناس كانوا ~~يعلمون ضيق أخلاقه، وغرابة أطواره، فيعبثون به ويضايقونه، ويعيبون شعره ~~وينتقدونه، فيثور ثائره ويهجوهم. ومنها أنه كان دقيق الحس ينفر من الأشياء ~~التي لا تلائم طبعه، ولا يستاغها ذوقه، فيذمها كما في هجائه لصاحب اللحية ~~الطويلة، والغناء القبيح. ومنها أنه كان شديد الطيرة يتوهم النحس في ~~الأشخاص والأسماء والعاهات والعيوب، فهجا كل شيء يتطير منه. ومنها أنه كان ~~شرها منهوما لا يصبر عن الطعام، فإذا جاء رمضان تضايق من الصوم ms151 فهجاه. ~~ومنها أنه كان يتشيع للعلويين مع ولائه في بني العباس، فهجا العباسيين ~~وأفحش فيهم لما رأى ما أصاب الطالبيين من التنكيل. # رثاؤه # لم يكن ابن الرومي حظيظا عند الملوك فيتخذ الرثاء آلة للتكسب؛ لذلك قلت ~~مراثيه، وليس له منها ما يستحق الذكر إلا الذي قاله في أولاده وزوجه وأمه ~~وأخيه، وإلا الذي قاله في بستان المغنية وكان يهواها ، وفي أبي الحسين يحيى ~~بن عمر الطالبي؛ لأنه كان يتشيع للعلويين، فساءه أن يفتك به العباسيون وكان ~~قد ثار بهم، فبكى عليه وهجا بني العباس وآل طاهر أعوانهم على قتله. والذي ~~قاله في بكائه على البصرة لما دخلها الزنج سنة 257ه/870م وأحرقوها ومثلوا ~~بأهلها، فقد راعه ما دهاها وهي منبت العلماء والأدباء، وعكاظ الإسلام، ~~فرثاها والها وصور خرابها أبرع تصوير. # وابن الرومي شديد التفجع ~~على الميت إذا كان عزيزا عليه، ولا غرو فإنه من طبيعته ضعيف الإرادة، قوي ~~العاطفة، دقيق الإحساس، مضطرب العقل، فأخلق به أن يغلب عليه الجزع إذا ~~رزئ بمن يحبه، فيتأجج بركانا عاطفيا ينفث نيرانه عن نفس يصهرها ~~الحزن، ويضغطها التطير، ويحفزها تتابع النكبات، فتنفجر بالبكاء والأنين. ~~وأحسن مراثيه قصيدته في ولده الأوسط واسمه محمد، وقد مات منزوفا وهو لم ~~يزل طفلا، فهي من أفجع ما قال والد في رثاء ولد، وهي تصور جزع الشاعر أدق ~~تصوير، وتخرج مشهدا تاما عن حياة طفله ومرضه وذبوله وموته. # وابن الرومي على تفجعه لا يرثي فقيده غير مرة. وقلما جاوزها إلى المرتين ~~أو الثلاث شأنه في رثاء أمه وامرأته؛ مما يدل على أن الحزن لا يلح عليه ~~طويلا، وإنما تحرقه الجمرة ساعة سقوطها، ثم لا تلبث أن تنطفئ فينسى أو ~~يتناسى. ولعل هذا راجع إلى تقلب طباعه، واضطراب مزاجه، وسرعة تنقله من حال ~~إلى حال، أو راجع إلى توالي المصائب عليه، فإن حرمانه وخسرانه، ثم موت أمه ~~وأخيه، ثم موت أولاده وزوجه لا بد أن يجعل في نفسه شيئا من الاستسلام ~~والقنوط، فيصبح وهو أليف الأرزاء والتطير، يتوقع كل يوم رزءا ms152 جديدا، ~~فينسى الماضي لاشتغال فكره بتنظر الآتي. # غزله # كان ابن الرومي تبع جمال يجري وراءه طلبا للذة فهي عنده زينة الحياة ~~الدنيا، ولا بهجة للحياة بدونها، فأفرغ ماء شبابه على أشواك شهواته. وما ~~راعه إلا بارقة البياض تلوح بمفرقه، فبكى على الصبى وتلهف، وذم المشيب ~~وهجاه. وهو لم يأسف على فراق الشباب إلا لأنه سيفارق اللذة بعده. وما كان ~~ليحب ويعشق لولا التهالك على اللذة والاستمتاع. ومثل هذا الحب تغمره ~~المادة، وتسيطر فيه على الروح فينحط بصاحبه إلى الدنايا، ويجعل المرأة أداة ~~للهو والتسلية، ويهبط بها عن عرشها السامي الذي رفعه الله لتوضع ~~عليه. # وصاحب هذا الحب لا يتعشق شخصا واحدا فيقف فؤاده على حبه، وإنما لذته ~~في التنقل، فكلما بدا له وجه جميل افتتن به، وجد في أثره. وهيهات أن ~~يطمئن إلى معاشرة الحرائر المحصنات، أو يكتفي بزوج أمينة وديعة يسكن إليها، ~~ويغض طرفه عن سواها، فابن الرومي بقي مدة طويلة لا يأنس بالحياة الزوجية، ~~ولا يتغزل إلا بالقيان والغلمان، ولا يجد اللذة إلا في مكانس الريب وحوانيت ~~الخمارين، حتى نفدت قواه أو كادت، فتزوج، وكان زواجه في أواخر كهولته، ~~فرزق أولادا ضعاف البنية، فلم تكتب لهم الحياة. # وليس لشاعرنا غزل كثير على شدة شغفه بالجمال؛ لأن الحب لا يؤثر في نفس ~~طالب اللذة تأثيره في نفوس المتيمين، ولا يمتزج بها إلا أوقاتا معلومة ~~يموت في خلالها حينا ثم ينبعث ويحيا، ثم يموت. ويغلب على غزل ابن الرومي ~~وصف القينة والساقي ومجلس لهوه، وتجد هذا الغزل في صدر أهاجيه كما تجده في ~~صدر مدائحه. # وهو في تهافته على اللذة لا يشفى فؤاده إلا إذا استوعبها من أقصى ~~قراراتها، فيود لو أنه يستغرق في ذات من يهواه فتمتزج روحه بروحه، حتى ~~لتظنه من أصحاب مذهب الاتصال الذين يزعمون أنهم يستغرقون في ذات الله ~~سبحانه وتعالى عما يأفكون: # كأن فؤادي ليس يشفي غليله # سوى أن يرى الروحين يمتزجان # وصفه # والوصف عند ابن الرومي أخص ميزة يعرف بها، فهو من أي النواحي ms153 أتيته تجده ~~وصافا بارعا ومصورا دقيقا. وفي شعره أوصاف جديدة لم يسبقه إليها ~~شاعر، استمدها من حياته وتأثرات نفسه، فإنه لتطيره من المناظر القبيحة كان ~~يتعشق الجمال على اختلاف مظاهره واتساع معانيه، فأحب الطبيعة ولا سيما ~~طبيعة الربيع، فاتصل بها وجعل منها شخصا حيا، مازجا شعوره بشعورها، ~~وأغرم بجمالها كما أغرم بالوجه المليح، فأصبح إذا وصفها شبهها بالمرأة، ~~وإذا وصف المرأة شبهها بالطبيعة، فمن ذلك قوله يصف الأرض في الربيع: # تبرجت بعد حياء وخفر # تبرج الأنثى تصدت للذكر # 46 # وكان يحب الصوت الجميل ومجالس اللهو، فوصف القينة وغناءها، والساقي ~~وكأسه، والخمرة وآنيتها. وله براعة في نعت الصوت الحسن تدل على صحة شعوره ~~بالفن كوصفه للقينة وحيد. # وكان له من شراهته وحرمانه ما ضاعف نهمته إلى المآدب. وأوتي معدة خبيثة ~~لا تشبع ولا ترتوي. ولم يخطئ نعتها إذ قال فيها متلهفا على أكلة: # لهفي عليها وأنا الزعيم # بمعدة شيطانها رجيم # 47 # ولهذا أكثر من ذكر أنواع الطعام والشراب. وهو أول شاعر - فيما نعهد - عني ~~بوصف السمك والفراريج والبيض والقطائف والزلابية والمشمش والموز والعنب ~~وغير ذلك من المآكل. # وهو لدقة إحساسه قوي الشعور بالشيء يستكرهه، كما أنه قوي الشعور بالشيء ~~يستحسنه. وكان له من تطيره وضعف عقله ما جعله يكره أو يتخوف الأشياء التي ~~يجفو عنها طبعه، ولا يستاغها ذوقه ومزاجه، فيهجوها ويصفها فعله بالأحدب ~~وصاحب اللحية الطويلة، وسفر البر والبحر، والقينة شنطف، والمغني دبس ~~لأنه استقبح صوتهما. وفعله بنفسه بعد أن شاب، وضعفت قواه، وشحب لونه، ~~فقد أكثر من وصف مشيبه والبكاء على شبابه؛ لأنه فقد بهما لذة ~~الحياة. # وضيق ذات يده جعله يستفيض في وصف فاقته. وقد جره فقره إلى حسد الأغنياء، ~~فهجاهم ووصف ترفهم كما في قصيدته التي هجا بها الكتاب المتنعمين بأموال ~~الدولة. # وتنكر له الناس، وعبثوا به، فحقد عليهم، ورأى الخير في الحقد فمدحه ~~وبين منافعه. وهجا الناس، ومزق أعراضهم، فحقدوا عليه، فرأى الشر في ~~الحقد، فذمه وأظهر مساوئه وأضراره. وصور أخلاق الحقود أدق تصوير. # وكان له ms154 من حياة الزهاد تعزية وسلوى في حرمانه، وتوالي الخطوب عليه، فوصف ~~معيشتهم وتعبدهم ولكن نفسه التي استعبدتها الشهوات لم تكن لترتاح إلى حياة ~~المتزهدين، فتتنسك مثلهم. # ولزم بغداد فما استطاع البعد عنها إلا غرارا، فإذا فارقها حن إليها، ~~وصور ذكرياته فيها أبدع تصوير: # بلد صحبت به الشبيبة والصبى # ولبست فيه العيش وهو جديد # فإذا تمثل في الضمير رأيته # وعليه أفنان الشباب تميد # 48 # ووصف الصيد كغيره من الشعراء المولدين، ولكنه لم يلتزم له بحر الرجز، ~~ولا أمعن في الغريب مثلهم. # ويمتاز وصفه في الاسترسال والتبسط، ودقة النظر، فإنه حريص على إظهار ~~الأشياء دقيقها وجليلها، متفنن في إبرازها وتصويرها، سواء عليه ~~أبتشبيه كانت أم بغير تشبيه وبتمثيل أم بغير تمثيل. وكثيرا ما يتتبع ~~المعنى ويستقريه حتى يستتمه ويستوفيه، ويظهره على حقيقته لا غلو فيه ولا ~~تمويه. # آراؤه وعقائده # ذكر أبو العلاء المعري في رسالة الغفران أن ابن الرومي كان يتعاطى ~~الفلسفة. وفي شعره أمثلة تدل على أنه كان ملما بعلوم عصره، واقفا على ~~الفلسفة اليونانية والآداب الفارسية. ولكن ذلك لم يجعل منه مفكرا ذا مذهب ~~معروف، وإنما جعله صاحب آراء وعقائد لا تخلو من التناقض لما كان عليه من ~~اضطراب العقل، وغريب الأطوار، وتقلب الأفكار؛ فقد كان يتشيع للعلويين بدليل ~~قصيدته التي رثى بها أبا الحسين يحيى بن عمر الطالبي، وهجا العباسيين من ~~أجله وأفحش فيهم. ثم كان يقول بمذهب المعتزلة والقدرية معا، وقد يميل إلى ~~الجبرية مع بعدها عن القدرية، فمن ذلك قوله في الاعتزال: # أأرفض الإعتزال رأيا؟ # كلا! لأني به ضنين # وقوله في القدرية: # الخير مصنوع بصانعه # فمتى صنعت الخير أعقبكا # 49 # والشر مفعول بفاعله # فمتى فعلت الشر أعطبكا # ومن قوله في الجبرية وقد أوجعه ترف الكتاب وحياتهم الناعمة بين ~~القيان: # لو ترى القوم بينهن لأجبر # ت صراحا، ولم تقل باكتساب # 50 # ولهذا اعتقد بالحظ، وقوي إيمانه به: # إن للجد كيمياء إذا ما # مس كلبا أحاله إنسانا # واعتقاده بالحظ جعله ينيطه بطوالع الكواكب شأن أبناء عصره. # وكان يقول بالطبيعتين، ms155 # 51 # فطبيعة الخير في النفس لأنها سماوية، وطبيعة الشر في الجسم ~~لأنه أرضي، والشر كامن في الأرض كمون اضطرار وجبر، والأرض مضطرة إلى قبوله، ~~مجبرة عليه؛ ولذلك يوصي الإنسان بتطهير نفسه من الطبيعة الأرضية ~~الشريرة. # وله في الحقد رأي مختلف، فطورا يحسنه فيظهر فضله، وتارة يذمه فيظهر ~~شره. وهكذا رأيه في الجود والبخل. # وكان على حبه للحياة وملاذها ينظر إليها بعين سوداء؛ لكثرة ما ناله ~~فيها من الويلات والمحن، فيرى أن بكاء الطفل ساعة ولادته إنما هو ناشئ عن ~~خوفه من صروف الدهر، وهذا رأي ساذج كما لا يخفى، ولكنه يكشف عن نفس حزينة ~~متألمة متطيرة: # لما تؤذن الدنيا به من صروفها # يكون بكاء الطفل ساعة يولد # وساء ظنه بالناس؛ لأنهم في زعمه لئام لا يصاحبون المرء إلا في السراء، ~~ويتخلون منه في الضراء، فمن الخير عنده أن لا يكثر الإنسان من ~~الأصحاب. # وكان يوصي بالصبر على شدة جزعه، ويحاول أن يقنع نفسه بأن الصبر والجزع ~~ليسا من الطوابع المركبة في الإنسان بل هما في اختياره، يستطيع أن يتصرف ~~فيهما كيف يشاء. # وهو على حبه للمرأة سيئ الظن بها كسائر أهل زمانه، ينعتها بالمكر والخداع ~~والكيد، وحسبك أن تقرأ حديقة الشعر فتتبين حبه لها وضعف ثقته بها. # ما أدرك عليه # لم يدرك على ابن الرومي سرقات جمة مع كثرة شعره، ذلك لغزارة مادته في ~~الاختراع والتوليد. وكان يتجنب استباحة أفكار غيره، إلا إذا اقتبسها ~~ليولد منها معنى جديدا. وكان يزدري الشعراء الذين يغيرون على أكفان ~~الموتى ويسلبونهم إياها، فعله بأبي عبادة البحتري، ومع هذا فلم يسلم من ~~العثار بعض الأحايين، فمن سرقاته قوله في وحيد: # ليت شعري إذا أدام إليها # كرة الطرف مبدئ ومعيد # 52 # أهي شيء لا تسأم العين منه # أم لها كل ساعة تجديد؟ # أخذه من قول أبي نواس: # يزيدك وجهه حسنا # إذا ما زدته نظرا # ويؤخذ عليه في بعض شعره لين قد يبلغ به حد الإسفاف، فمن غثه البارد قوله ~~في ختام أبيات يمدح بها المعتضد: # دامت ms156 سلامته وطال بقاؤه # ومع البقاء العز والنعماء # فهذا أشبه بختام رسالة يكتبها بعض العامة. وربما استعمل ألفاظا عامية ~~تنكرها الفصاحة كقوله: # لست أهجيك ما حييت ببيت # وستهجوك عني الأحدوثه # 53 # فقوله: أهجيك خطأ لأنه واوي. قال الجوهري: «لا تقل هجيته والعامة تقوله.» ~~ولم يخل شعره من الإقواء وزحاف الإشباع، ولكن ذلك فيه قليل. ~~(3-3) منزلته # قال العميدي صاحب الإبانة في كلامه على المتنبي: «ولا أقيسه في امتداد ~~النفس، وعلم اللغة، والاقتدار على ضروب الكلام، وتصوير المعاني العجيبة، ~~والتشبيهات الغريبة، والحكم البارعة، والآداب الواسعة بابن الرومي.» وقال ابن ~~رشيق صاحب العمدة: «وكان ابن الرومي ضنينا بالمعاني، حريصا عليها. يأخذ ~~بالمعنى الواحد ويولده، فلا يزال يقلبه ظهرا لبطن، ويصرفه في كل وجه وإلى كل ~~ناحية حتى يميته، ويعلم أنه لا مطمع فيه لأحد.» وقال أيضا: «وأما ابن الرومي ~~فأولى الناس باسم شاعر؛ لكثرة اختراعه، وحسن افتنانه.» وقال ابن خلكان: «صاحب ~~النظم العجيب، والتوليد الغريب؛ يغوص على المعاني النادرة، فيستخرجها من ~~مكامنها، ويبرزها في أحسن صورة، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره، ولا ~~يبقي فيه بقية.» # فهذه الأقوال كافية لأن تعرفك منزلة الشاعر عند الأدباء المتقدمين، فتعلم أن ~~إهمال عصره له لم يضيع فضله بعد موته، فقد قام أصحاب الأدب ينشرون ذكره، ~~ويفضله بعضهم على أكابر الشعراء أمثال المتنبي وسواه. وقد استحق ابن الرومي ~~هذه المنزلة لأسباب منها براعة وصفه وتصويره، ودقة نظره في مراقبة الأشياء. ~~ومنها خصب معانيه المولدة والمخترعة، واسترساله معها حتى يستوفيها إلى آخرها، ~~ويبرزها جلية تامة، بأشكالها وألوانها، وصفاتها وتوابعها. وقلما غفل عن شيء ~~منها أو مما يتصل بها مهما دق شأنه، وقل خطره. # واسترساله مع المعاني جعله يطيل قصائده فيبلغ بها مائتي بيت أو ثلاثمائة. ~~وهذا الطول لم نعهده في شاعر قبله، إذا استثنينا منظومات كليلة ودمنة وما ~~شاكلها؛ لضعف الروح الشعرية فيها. ثم إذا أنكرنا ما يزعمه الرواة من أن بعض ~~المعلقات بلغت ألف بيت؛ لأن زعمهم يحتمل الشك أكثر من اليقين. # وتمتاز قصائده على طولها ms157 بقربها من وحدة الموضوع، فهي، وإن تعددت أغراضها ~~أحيانا، لا تخلو من الصلة المعنوية التي تربط أجزاءها بعضها ببعض. ولابن ~~الرومي شعر كثير نظم في غرض واحد. # ولعل أصله الأعجمي كان له يد في طول نفسه، وميله إلى وحدة الموضوع، كما كان ~~له يد في اتساق أفكاره، ودقة معانيه، وإحاطته بهنات الأمور، وخروجه إلى أغراض ~~جديدة كوصف الأخلاق والعادات، وتصوير الأشخاص تصويرا سخريا مضحكا، وغير ذلك ~~مما يتصل بحياة المرء في هزله وجده، وفرحه وكدره. # ويظهر اتساق أفكاره في ارتباط معانيه وأغراضه، ثم في اعتماده على الأسلوب ~~المنطقي، فإنه اتخذه إماما له وعلى الأخص في احتياجه إلى الرد على خصومه ~~ومعيريه، وإلى معاتبة ممدوحيه واسترضائهم، وإلى إبداء آرائه في الحياة وصروف ~~الدهر. وتختلف أحكامه المنطقية بين القوة والضعف، فمنها ما يستقيم له ومنها ما ~~لا يستقيم؛ ذلك أن قوة التفكير عنده تنازعها قوة العاطفة. ولا غرو فإنه موسوس ~~عصبي المزاج سريع التأثر، فأجدر به أن يكون عبدا للعاطفة، يستخدم منطقه ~~لإرضائها، ومجاراة أهوائها. وحسبك أن ترى محاولته تزكية الطيرة، وإمعانه في ~~تزيين الحقد، وتبغيض السفر، لتتبين كيف يسخر تفكيره لعاطفته. # وهو على قوة عاطفته وتفكيره، مديد الخيال، عميق التصور. وخياله مع اتساع ~~مجاريه ينطلق بهدوء وانتظام، يسايره المنطق، فلا يجنح بصاحبه إلى الغلو ~~والإحالة، بل يعمد في الغالب إلى إظهار حقائق الموصوفات فيخرجها في أحسن صور ~~وأصدق تمثيل باعثا فيها حياة تجعلها تهتز وتتحرك، هائما في واد كئيب تتفجر ~~من جوانبه ينابيع الدموع، وتدمي رياحينه أشواك الشهوات والآلام. وابن الرومي ~~أشغف الشعراء بالطبيعة وألوانها، يتصل بها ويعيش معها ويحسها إحساسا ~~قويا. # ولكن ليس لشعره على الإجمال ديباجة؛ لأن انصرافه إلى توليد المعاني ~~واستخراجها من أبعد قراراتها، ثم اهتمامه باستيفائها وشرحها، جعله يهمل اللفظ ~~فما يحفل به، فإذا هو لا يعنيه إلا أن يظفر بالمعنى الطريف سواء أفرغ في ~~القالب الجميل أو لم يفرغ، فرويت له أبيات ضعيفة البناء لا روعة فيها ولا ~~رونق، تخلو ألفاظها من الموسيقى الشعرية، فما تهتز ms158 لها ولا تطرب. ولولا حسن ~~معانيها لكانت خليقة بالإغفال. # وإهماله اللفظ جعله لا يحتفل بالزخرف والتزويق، فاقتصد في استعمال البديع، ~~وفي طلب التشابيه والاستعارات، فعرف له منها شيء قليل بالإضافة إلى كثرة شعره، ~~ولكن قليله جيد رائع. وأجوده ما جاء من التشابيه بصورة المركب التمثيلي، فإنه ~~غاية في الإبداع. وأكثر من استعمال الغريب لطول نفسه، ثم لركوبه القوافي ~~الغليظة كالثاء والخاء والشين والضاد وما أشبه، فإنه كان يرى أن المدح تسقط ~~قيمته إذا سلكت إليه القوافي السهلة. ثم لاقتداره على ضروب الكلام، فإن تضلعه ~~من اللغة جعله ينتقي اللفظ المؤدي حقيقة المعنى، ولو كان غير مأنوس، وكثيرا ما ~~يعمد إلى تحليل الألفاظ والتلاعب بمعاني مشتقاتها فيغث بيانه وينضب ~~ماؤه. # على أن غريبه لم يورث شعره غموضا لسهولة تعبيره ووضوحه، وسلامة ألفاظه من ~~التداخل. ولم يؤثر فيه الأسلوب المنطقي كما أثر في شعر أبي تمام؛ لأنه لم يعتمد ~~الأدلة العقلية العويصة، بل تناول منها أقربها سبلا، وتولى في نظمه شرحها ~~وإيضاحها. ولم يجار الطائي في التزام البديع، والإفراط في التجنيس والمطابقة، ~~فيقع في التعقيد مثله ويصعب على الناس فهمه. # وعلى الجملة فابن بالرومي أطول الشعراء نفسا، وأكثرهم اختراعا للمعاني، ~~واستيفاء لها، وأبعدهم نظرا في وصف دقائق الأشياء، وأقربهم إلى وحدة الموضوع. ~~وأبرع من صور الأخلاق والصفات، وجعل لمهجويه تصاوير هزلية مضحكة، وأصدق ~~مؤرخ لحياته في ملذاتها وأفراحها، وفي مكارهها وأحزانها. ولئن أهمله عصره، ولم ~~يقدره حق قدره، لقد كان على الرغم من عصره في طليعة الشعراء المولدين. # | هوامش # الفصل السادس # | الكتاب المولدون # العصر الثاني ~~(1) ميزة النثر # ليس في ميزة النثر ما يدعو إلى فصل هذا العصر عن الأول، فأسلوب الرسائل بقي على ~~حاله لم يتبدل فيه شيء إلا ما كان من ازدياد التزيين والسجع، وهذا طبيعي قضت به ~~سنة النشوء والارتقاء، كما قضت بتقدم فن التصنيف وشيوعه عند الكتاب. وفي هذا ~~العصر تمت السيادة لأسلوب الجاحظ، وما الجاحظ إلا من كتاب العصر الأول عاش فيه ~~معظم عمره، وصنف فيه أكثر كتبه ms159 وأشهرها. ولم يعش في الثاني إلا عشرين سنة ونيفا ~~مضى به نصفها الأخير وهو مفلوج مقعد ليس به غناء، فالعصران عصر واحد في الأدب شعره ~~ونثره وإن فصلتهما السياسة. ~~(2) الجاحظ 775(؟)-868م/159(؟)-255ه # 1 ~~(2-1) حياته # هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، وقيل بل كناني صليب، والأول أشهر. ~~وكان له جد أسود اللون يقال له فزارة كان جمالا لعمرو بن قلع من بني ~~كنانة. ولقب بالجاحظ لجحوظ عينيه، وربما قيل له الحدقي لكبر حدقتيه. وكني بأبي ~~عثمان. # وكان مولده في البصرة، فلما ترعرع طلب العلم في الكتاب، وخالط المسجديين ~~من أهل العلم والأدب، فأخذ عنهم. وكان يكتري حوانيت الوراقين ويبيت فيها ~~للمطالعة. على أن ضيق ذات يده لم يتح له أن ينقطع إلى العلم في أول أمره، فقد ~~شوهد يبيع الخبز والسمك في سيحان، # 2 # ولعله أفاد من هذه التجارة ما أغناه بعض الشيء فانصرف يجلس إلى ~~علماء البصرة ويسمع من العرب الخلص في المربد. # وبدأت نباهة الجاحظ في خلافة المأمون، ووصلت كتبه إلى الخليفة فأعجب بها ~~واستقدمه إليه، وصدره ديوان الرسائل، فاستعفى بعد ثلاثة أيام، فأعفي. وكان ~~سهل بن هارون يقول: «إن ثبت الجاحظ في هذا الديوان أفل نجم الكتاب.» ويعزو ~~ابن شهيد الأندلسي إخفاق الجاحظ في منصب الكتابة إلى أمرين؛ أولهما: دمامة ~~وجهه والملوك يؤثرون الكتاب الحسان الوجوه. والثاني: خفته وعبثه، والكتاب ~~يحمد فيهم الترصن والوقار. # ولما صارت الخلافة إلى المعتصم، وتقلد الوزارة ابن الزيات اتصل به الجاحظ ~~اتصالا مكينا، وأقام معه يكتب له ويمدحه، وقدم له كتاب الحيوان فأفاد منه ~~مالا وفرا. وتأتى له أن يقوم برحلات إلى دمشق وأنطاكية وربما إلى مصر، ~~فوسعت هذه الأسفار خياله وزادته علما وخبرة واطلاعا. # وكان بين ابن الزيات والقاضي أحمد بن أبي دؤاد من الشنآن ما جعل كاتبنا ينحرف ~~إلى صديقه الوزير، ويتنكر لابن أبي دؤاد، فلما استخلف المتوكل، وفتك بابن ~~الزيات، خاف الجاحظ على نفسه؛ لأن المتوكل كان يكره أصحاب الاعتزال وأبو عثمان ~~منهم، فهرب واختفى عن الناس، فجد ms160 القاضي في طلبه حتى قبض عليه. وجيء به مغلول ~~العنق بسلسلة، مقيد الرجلين، في قميص سمل. فلما وقع نظر القاضي عليه قال: ~~«والله ما علمتك إلا متناسيا للنعمة، كفورا للصنيعة، معدنا للمساوئ. وما ~~قصرت باستصلاحي لك، ولكن الأيام لا تصلح منك لفساد طويتك، ورداءة دخلتك، ~~وسوء اختيارك، وتغالب طبعك.» فقال له الجاحظ: «خفض عليك، أيدك الله! فوالله ~~لأن يكون لك الأمر علي خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن أحسن في ~~الأحدوثة عنك من أن أحسن فتسيء، ولأن تعفو عني في حال قدرتك أجمل بك من ~~الانتقام مني.» فقال له ابن أبي دؤاد: «قبحك الله! ما علمتك إلا كثير تزويق ~~الكلام. وقد جعلت ثيابك أمام قلبك، ثم اصطفيت فيه النفاق والكفر.» ثم قال: ~~«جيئوا بحداد.» فقال: «أعز الله القاضي! ليفك عني أو ليزيدني؟» فقال: «بل ~~ليفك عنك.» # فجيء بالحداد فغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ ويطيل أمره قليلا، ~~ففعل؛ فلطمه الجاحظ وقال: «اعمل عمل شهر في يوم، وعمل يوم في ساعة، وعمل ساعة ~~في لحظة، فإن الضرر على ساقي وليس بجذع ولا ساجة.» # 3 # فضحك ابن أبي دؤاد وأهل المجلس منه. وقال القاضي: «أنا أثق بظرفه ~~ولا أثق بدينه.» ثم قال: «يا غلام صر به إلى الحمام وأمط عنه الأذى، واحمل ~~إليه تخت # 4 # ثياب وطويلة # 5 # وخفا.» فلبس ذلك ثم أتاه فتصدر في مجلسه. ثم أقبل عليه القاضي ~~وقال: «هات الآن حديثك يا أبا عثمان!» # وانقطع الجاحظ إلى ابن أبي دؤاد سنة كاملة، وقدم له كتاب البيان والتبيين ~~فأجازه عليه بخمسة آلاف دينار. ولما فلج القاضي وخلفه في القضاء ابنه أبو ~~الوليد، لزمه الجاحظ حتى غضب عليه المتوكل لكثرة شاكيه، فأمر به، فصرف عن ~~القضاء، وصودر على أمواله، وذلك سنة ~~237ه/851م. # واتصل الجاحظ بالفتح بن خاقان وزير المتوكل، وقدم له كتبه، منها كتاب في ~~مناقب الترك وعامة جند الخلافة، وكانت بينهما مودة ومراسلات. # ولطالما أثنى الفتح على الجاحظ عند المتوكل وأخذ له الجوائز والمشاهرات. ولكن ms161 ~~دمامة أبي عثمان حالت بينه وبين الخليفة، فلم يقرب مكانه. حدث الجاحظ عن نفسه ~~قال: «ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة ~~آلاف درهم وصرفني.» # موته # أجمعت الروايات على أن الجاحظ أصيب بالفالج والنقرس # 6 # في أواخر حياته، فانتقل إلى البصرة في خلافة المتوكل وربما في ~~السنة التي قتل فيها. # 7 # ويروون لعلته خبرا لا ينبغي التعويل عليه، وهو أنه كان على ~~مائدة أحمد بن أبي دؤاد فأكل مضيرة # 8 # وسمكا ففلج ونقرس من ليلته لجمعه بين السمك واللبن. # ونرى أن الجاحظ كان يشكو علته في عهد ابن الزيات، وقبل أن يتصل بأحمد بن ~~أبي دؤاد؛ لأنه أشار إليها في كتاب الحيوان، واعتذر بها إلى نقاده. قال: ~~«وقد صادف هذا الكتاب مني حالات تمنع من بلوغ الإرادة فيه: أول ذلك العلة ~~الشديدة، والثانية قلة الأعوان، والثالثة طول الكتاب.» فهذه العلة التي ~~يذكرها ولا يسميها رافقته وهو ابن سبعين وكان لم يزل متصلا بابن الزيات. ~~ولكننا لا نقطع بأنها هي الفالج؛ لأن الجاحظ أصيب بالنقرس أيضا. وكان به ~~حصاة لا ينسرح له البول معها، فقد تكون هذه العلة الحصاة، وقد تكون أعراضا ~~من ألم النقرس، أو خدر الفالج. على أنه لم يقعده المرض إلا بعد أن نيف ~~على الثمانين. فمكث مدة في سر من رأى ثم انتقل إلى البصرة فأقام فيها حتى ~~مات. # صفاته وأخلاقه # كان الجاحظ مشوه الوجه جهما، ناتئ العينين، قصير القامة، لا تنفتح ~~العين على أبشع منه منظرا. وكان إلى ذلك خفيف الروح، حسن المعاشرة، ظريف ~~الحديث، طيب النكتة، مطبوعا على السخر والتهكم. وليس سخره بالجارح ~~الحاد، وإنما هو لطيف ناعم، مصور لنفسه المرحة التواقة إلى الدعابة. ~~ولطالما التمس الجاحظ النكتة وأوردها ولو كانت على نفسه، وأخباره في ذلك ~~كثيرة، قال: «أتيت منزل صديق لي، فطرقت الباب، فخرجت إلي جارية سندية. ~~فقلت لها: «قولي لسيدك: الجاحظ بالباب.» فقالت: «الجاحد بالباب؟» على ~~لغتها، فقلت: «لا، قولي: الحدقي بالباب.» فقالت: «أقول الحلقي؟» # 9 # فقلت: «لا ms162 تقولي شيئا.» ورجعت.» وقال: «أتاني بعض الثقلاء ~~فقال: «سمعت أن لك ألف جواب مسكت، فعلمني منها.» فقلت: «نعم.» فقال: «إذا ~~قال لي شخص: «يا ... يا ثقيل الروح» أي شيء أقول له؟» قلت: «قل له ~~صدقت.» # وكان شديد الذكاء حسن الفراسة، محبا للتكسب، ولا يعتد بما يأخذ به ~~الناس أنفسهم وينتحلونه من الرسوم والعادات، وأنواع العصبية المذهبية، فقد ~~دافع عن العرب، ورد على الشعوبية في كتابه البيان والتبيين. ولكنه لم ~~يبخس الأعاجم حقهم في كثير من كتبه، وقد يتخذ من ذلك سبيلا للتكسب، فإنه ~~قدم البيان والتبيين إلى القاضي أحمد بن أبي دؤاد وهو عربي صريح، فتقرب ~~إليه وتكسب منه بدفاعه عن العرب. وقدم كتابه في مناقب الأتراك إلى ~~الفتح بن خاقان وهو تركي الأصل فحظي به عنده. # وكان يحب اللهو والمجانة وسماع القيان والمغنين، وتطيب له معاشرة الإماء ~~والجواري؛ فتسرى بهن واستمتع، ولم يتزوج، ولم يرزق ولدا. # وإذا علمت أن الجاحظ من علماء الكلام ومن شيوخ الاعتزال، وصاحب الفرقة ~~الجاحظية، وأمير من أمراء البيان، لم تعجب أن ترى له حسادا يبالغون في ~~انتقاده، ويتهمونه بالزندقة. # زندقته # كان الجاحظ حر التفكير كغيره من أصحاب الاعتزال، يعتمد على العقل، ويتخذه ~~إماما في تفسير الشرع وتأويله. ولا يطمئن إلى الحديث لكثرة ما فيه من ~~المصنوع، فرد كثيرا من الأحاديث واتهمها. وحمل على علماء التفسير، من ~~سنيين، وصوفيين، وغالية، فأنكر عليهم أقوالهم وجهلهم، وسخر منهم وأسرف ~~في السخرية. وفي كتاب الحيوان مقالات كثيرة يناظرهم بها في غير رفق ولا ~~هوادة، فمن ذلك قوله: «وقال الله عز وجل: # والتين ~~والزيتون # فزعم زيد بن أسلم أن التين دمشق والزيتون ~~فلسطين ... والكلمات في هذا الموضع ليس يريد بها القول والكلام المؤلف من ~~الحروف، وإنما يريد النعم والأعاجيب والصلاة وما أشبه ذلك.» وقال أيضا: ~~«وفي القرآن قول الله عز وجل: # وأوحى ربك ~~إلى النحل ... # فقد زعم ابن حائك وناس من جهال الصوفية أن ~~في النحل أنبياء لقوله عز وجل: # وإذ أوحيت ~~إلى الحواريين # وما خالف أن يكون في ms163 النحل أنبياء، بل ~~يجب أن تكون النحل كلها أنبياء، لقوله على المخرج العام: # وأوحى ربك إلى النحل # ولم يخص ~~الأمهات والملوك واليعاسيب # 10 # بل أطلق القول إطلاقا.» وقال أيضا: «وزعم بعض المفسرين وأصحاب ~~الأخبار أن أهل سفينة نوح كانوا تأذوا بالفأر، فعطس الأسد عطسة، فرمى من ~~منخريه بزوج سنانير، فلذلك السنور أشبه شيء بالأسد. وسلح الفيل زوج ~~خنازير، فلذلك الخنزير أشبه شيء بالفيل. قال كيسان: فينبغي أن يكون ذلك ~~السنور آدم السنانير وتلك السنورة حواءها. وضحك القوم.» # وهذه الشواهد كافية للدلالة على تهكم الجاحظ برجال الدين من غير ~~المعتزلة، وتسفيهه أقوالهم، فلا بدع أن ينقموا عليه، ويتتبعوا هفواته، ~~ويرموه بكل نقيصة ومعرة؛ فقد اتهموه بدينه، وقالوا إنه زنديق، واتهموه ~~بصنع الحديث، والتهاون بالصلاة، ووضعوا عليه روايات لا محل لذكرها، على ~~أننا وإن كنا نعتقد أن الجاحظ ليس من أولئك المتشددين في أمر الدين، ولا من ~~الذين يؤمنون بأحكامه دون أن يحتكموا إلى عقولهم، لنأبى أن نجاري من يرمونه ~~بالزندقة والإلحاد، فليس في كتبه ما يدلنا على كفره، وإنما هي مشبعة ~~بالعاطفة الدينية، لا يفتأ يتحدث فيها بقدرة الله وحكمته في خلقه. وقلما ~~روى خبرا إلا ذكر الله وأثنى عليه. وإذا تكلم على منافع الكتب فضل كتب ~~الله على غيرها. وإذا ذكر الفصاحة لا يجد أفصح من النبي محمد، فمن كان هذا ~~شأنه فما هو بزنديق وإنما هو مفكر حر التفكير يشك في موضع الشك، ويؤمن في ~~موضع الإيمان. وكان له من روح عصره وأحوال بيئته ما يفسح له في مجال الشك ~~والسخر؛ فشك وسخر، ولكنه لم يسقط في الكفر والجحود. وليس التهاون بالصلاة ~~ضربا من الكفر إذا صح أن الجاحظ كان لا يقيمها في أوقاتها. ولم يقم دليل ~~قاطع على وضعه للأحاديث، وهبه وضع - تماجنا أو مداعبة أو نكاية - شيئا ~~منها فما يؤثم به لأنه كان يتهم الأحاديث، ولا يثق بها، وقبله أبو حنيفة ~~لم يعتد بالحديث، فالجاحظ مستهزئ ساخر، معتزلي يعتمد على العقل، ولكنه ~~ليس بزنديق. # أستاذوه وعلومه # رغب ms164 الجاحظ في العلم وهو حدث، فكان يذهب إلى الكتاب في البصرة مع ما ~~هو فيه من خصاصة، ثم عمد إلى دكاكين الوراقين يكتريها ويبيت فيها للنظر، ~~ولم يقع في يده كتاب إلا استوفى قراءته، ثم اتصل بشيوخ العلم وأئمة الأدب ~~فأخذ عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري وأبي الحسن الأخفش. وتخرج ~~في الكلام والاعتزال على أبي إسحاق النظام. وكان يشهد المربد، ويسمع ~~اللغة من الأعراب شفاها. # وحدث عن جماعة من الفقهاء كأبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ويزيد بن هارون، ~~والسري بن عبدويه. وروى عنه المبرد، ويموت بن المزرع، # 11 # وأبو بكر السجستاني وسواهم. # ويرى بعضهم أنه تعلم الفارسية وأتقنها، ويستدلون على ذلك بكثرة ما ورد من ~~ألفاظها في كتبه. ولكن لا يصح الاطمئنان إلى هذا الرأي؛ لأن لغة الفرس كانت ~~شائعة في عصر الجاحظ لانتشار أهلها في العراق؛ فقد يكون التقط ألفاظا منها ~~واستعملها في كتبه تملحا وتظرفا، دون أن يعنى بدراستها وإتقانها. # ولم يدع الجاحظ علما معروفا في أيامه إلا نظر فيه، واطلع عليه؛ فقد ~~درس الفلسفة والمنطق والطبيعيات والرياضيات والتاريخ والسياسة والأخلاق ~~والفراسة، فاكتملت آلته؛ فإذا هو فقيه متكلم يتفلسف ويتمنطق، محدث وإن لم ~~يؤمن بالحديث، بارع في الأدب واللغة، راوية للأخبار والأشعار، بحاثة عن ~~الحيوان والنبات، نقاد للأخلاق والعادات، عالم بالفلك والموسيقى ~~والغناء. # الجاحظية # أثر إبراهيم النظام في أفكار تلميذه أكثر من أستاذيه الباقين، فقد ~~لقنه علم الكلام، وصار به إلى الاعتزال، وعوده حرية التفكير، ولكن الجاحظ ~~لم يلبث أن انفرد عنه بمقالة قامت عليها فرقته الجاحظية. ولم يبلغ إلينا من ~~آرائه في مذهبه هذا إلا ما أورده الشهرستاني في الملل والنحل، والبغدادي في ~~الفرق بين الفرق. ومنه نعلم أن أبا عثمان جارى المعتزلة في أشياء فقال ~~مثلهم بنفي الصفات عن الله، وإثبات مذهب القدرية. وقال بخلق القرآن كما ~~خلق الرجل والمرأة والحيوان، # 12 # وانفرد عنهم بمسائل منها قوله بأن المعارف ضرورية مركبة في ~~طباع العباد وليست من أفعالهم وليس للعباد كسب سوى الإرادة؛ لأنها جنس ms165 من ~~الأعراض. وأما الأفعال فجبرية تحصل من العباد طباعا. ومنها أن أهل النار ~~لا يخلدون فيها عذابا بل يصيرون إلى طبيعة النار، وأن الله لا يدخل أحدا ~~في النار، بل إن النار تجذب أهلها إليها. # ورويت له أقوال غير هذه لا نرى فائدة من ذكرها. ومذهب الجاحظ كما يقول ~~الشهرستاني هو بعينه مذهب الفلاسفة إلا أنه يميل إلى الطبيعيين أكثر منه ~~إلى الأهليين. # آثاره # خلف الجاحظ مؤلفات كثيرة جعلها بعضهم ثلاثمائة وستين كتابا، وهي دون ~~ذلك فيما نعلم؛ لأنه أضيف إلى الجاحظ كتب ليست له. وذكرت كتب تكرارا ~~بأسماء مختلفة. على أنه مهما يكن من شيء فإن آثار الجاحظ في غاية الخصب، ~~ونظرة إلى ما أثبت منها في مقدمة الحيوان، ومعجم الأدباء، تطلعنا على طائفة ~~جليلة، تربو على المائة بين مؤلف كبير ورسالة صغيرة. وفيها عالج مختلف ~~الأغراض والموضوعات فكتب في الأدب والشعر والديانات والعقائد والإمامة ~~والنبوة والمذاهب الفلسفية. وبحث السياسة والاقتصاد وتحصين الأموال، وغش ~~الصناعات، والأخلاق وطبائع الأشياء، وحيل اللصوص وحيل المكدين وذوي ~~العاهات كالحول والعور والعرجان والبرصان. وتكلم على العصبية وتأثير البيئة ~~فكتب في القحطانية والعدنانية والصرحاء والهجناء، والسودان والحمران، ~~والرجال والنساء وفي أي موضع يغلبن ويفضلن، وفي أي موضع يكن المغلوبات ~~والمفضولات. ونظر في العلوم التاريخية والجغرافية والطبيعية والرياضية فكتب ~~في المدن والأمصار والمعادن وجواهر الأرض، والكيمياء والنبات والحيوان ~~والطب والفلك والموسيقى والغناء، والقيان والمغنين. وكتب في الجواري ~~والغلمان والعشق والنساء، والنرد والشطرنج، وغير ذلك مما يتناول الحياة ~~الاجتماعية والأدبية والعلمية في عصره وقبل عصره. # وكان في أول أمره ينحل كتبه البلغاء المشهورين كعبد الله بن المقفع، وسهل ~~بن هارون، فيقبل عليها الناس، ويتسارعون إلى نسخها لا لشيء إلا لأنها ~~منسوبة إلى كتاب معروفين. وربما كتب أفضل منها ونسبه إلى نفسه فلم يجد ~~عليه إقبالا. وما زال هذا دأبه حتى بعد صيته فأصبح لا يضع رسالة إلا ~~تلقفتها الأيدي وتناسختها، وطارت في الأمصار فحفظوها واستظهروها. وربما ~~أرسلوا المنادين إلى مكة في مواسم الحج، يسألون الحجيج عن كتاب ms166 له طلبوه ~~ولم يجدوه. # وأفاد الجاحظ بكتبه ثروة حسنة طاب بها عيشه، فقد قدم الحيوان إلى ابن ~~الزيات فأعطاه خمسة آلاف دينار، وقدم البيان والتبيين إلى ابن أبي دؤاد ~~فأعطاه خمسة آلاف دينار، وقدم كتاب الزرع والنخل إلى إبراهيم بن العباس ~~الصولي فأعطاه خمسة آلاف دينار. وكانت له وظائف يتقاضاها مشاهرة في وزارة ~~الفتح بن خاقان، عدا ما نال من الجوائز والصلات في مختلف الأحوال. # ولما مات راح بعض الكتاب المغمورين يضيفون إليه كتبهم لتشتهر، كما فعل ~~هو في أول عهده بالكتابة، فنحلوه كتبا كثيرة ليس له يد فيها، ولا هي من ~~نفسه وأسلوبه. # وروي للجاحظ شعر في المدح والهجاء وغير ذلك، ولكن شعره لا يعتد به؛ لأن ~~أبا عثمان خلق كاتبا لا شاعرا. ومنزلته قائمة على طرائف مصنفاته، وبلاغة ~~إنشائه. ~~(2-2) ميزته # تتجلى ميزة الجاحظ في كل كتاب أو رسالة صنفه، وهو كثير كما رأيت، فهيهات أن ~~يتاح لنا دراسة آثاره كلها في هذا البحث. وإنما نجتزئ بكتابين من أشهرها وهما ~~الحيوان والبخلاء. وربما رجعنا في بعض الأحوال إلى البيان والتبيين وسواه ~~استتماما لميزة الكاتب العبقري في مختلف شئونه وأغراضه. # كتاب الحيوان: أغراضه # جعل الجاحظ هذا الكتاب في سبعة أجزاء؛ فالجزء الأول صدره بمقدمة ممتعة ~~يرد فيها على شخص انتقد كتبه، وعاب عليه مباحثه. ويذكر في هذه المقدمة ~~طائفة جليلة من مصنفاته التي تصدى لها المنتقد. ثم ينتقل إلى مدح ~~الكتب، وذكر فوائدها والترغيب في اصطناعها. ثم يتكلم على الخصاء وأحواله ~~ومنافعه ومساوئه، ثم على الكلب والديك وما قيل فيهما من ذم ومدح. # والجزء الثاني يتضمن تتمة الكلام على الكلب واحتجاج صاحبه له. # والجزء الثالث يذكر فيه الحمام وما وصف به من كرم الطبائع ثم من لؤمها، ~~ويتخلل ذلك استطرادات إلى صدق الظن والفراسة والجنون، ثم ينتقل إلى الكلام ~~على الذبان والغربان والجعلان # 13 # والخنافس، والهدهد # 14 # والرخم # 15 # والخفاش. # 16 # والجزء الرابع يتكلم فيه على الذرة والنمل والقرد والخنزير والحيات ~~والظليم، # 17 # ثم على النيران وأجناسها ومواضعها، وما ms167 يضاف منها إلى العجم، ~~وما يضاف منها إلى العرب. ونيران الديانات وغير الديانات ومن عظمها، ومن ~~استهان بها، ومن أفرط في تعظيمها حتى عبدها. # والجزء الخامس يستتم فيه الكلام على النار، ثم يشرع في تفسير بعض الآيات، ~~ثم يرجع إلى ذكر النار فيتكلم على جمرات العرب، ثم يفرد بابا يذكر فيه ما ~~قيل من مديح في النصارى واليهود والمجوس والأنذال وصغار الناس. وهو في جميع ~~ذلك لا يبحث الحيوان حتى ينتقل إلى القول في أجناس الطير التي تألف دور ~~الناس، والقول في الفأر والجرذان والسنانير، والعقرب والصؤاب والبق وما ~~أشبه ، ثم في العنكبوت والنحل والقراد # 18 # والحبارى # 19 # والضأن والماعز والضفدع، ثم في الفرق بين الإنسان والبهيمة، ~~والإنسان والسبع، ثم في القطا. ويختم الكتاب بنوادر وأشعار وأحاديث. # والجزء السادس يبدأ فيه بذكر الأبواب التي تكلم عليها، ثم يوطئ للأبواب ~~التي يريد الكلام فيها. ويستهل القول في الضب، ثم يفسر قصيدة البهراني في ~~الحيوان، ثم يبحث في الغيلان والجان، ثم يورد قصيدتين في الحيوان لبشر بن ~~المعتمر ويفسر الأولى منهما، وينتقل إلى الهدهد والظبي والتمساح والأرنب ~~والظربان. # 20 # ثم يورد أشعارا في أخلاط من السباع والوحش والحشرات. ثم يفسر ~~قصيدة بشر بن المعتمر الثانية. وينتقل إلى ذكر الثأر عند العرب، وذكر ~~الجبان ووهله. ثم يتكلم على الورل # 21 # وتسلطه على الحية، ثم على القنافذ والفهد، # 22 # ويختم بنوادر وأشعار وأحاديث. # والجزء السابع، أصغر الأجزاء، يبحث فيه عما عرفت به الحيوانات من الحكمة ~~العجيبة، والأحاسيس الدقيقة، والصفة اللطيفة، وما ألهمها الله من المعرفة، ~~وكساها من الجبن والجرأة، وأشعرها من الفطنة بما تحاذر به عدوها. ويستدل ~~بذلك كله على حسن صنع الله، وجلال أحكامه وتدابيره. ثم ينتقل إلى القول في ~~الفيل، ثم في ذوات الأظلاف # 23 # فيتكلم على الزرافة وغيرها من الحيوانات. وعند ذلك ينتهي ~~الكتاب. # وهذا الكتاب مستمد من عدة مراجع: منها أشعار العرب وأخبارهم وأمثالهم، ~~ومنها القرآن والحديث، وما بلغ إليه علم الجاحظ بالتوراة والإنجيل، ومنها ~~كتب العلوم المنقولة، ولا سيما ms168 كتب أرسطو وأقواله في الحيوان وما أضيف ~~إليه فيه من أقوال، ومنها ما أخذه الجاحظ شفاها من أفواه من كان يحدثهم من ~~أصحاب المهن والحرف وغيرهم، ومنها ما كان نتيجة رحلاته واختباراته. # وقد رأيت أن الجاحظ لم يقصر مباحثه على الحيوان، بل أحاط بالنواحي ~~الأدبية والدينية والاجتماعية والخلقية؛ ففي هذا الكتاب شعر كثير، وأخبار ~~ونوادر، وفحش ومجون. وفيه آيات وأحاديث، وحكم وأمثال. وفيه أقوال في ~~الديانات والعبادات. وفيه أساطير وخرافات، وتقاليد وعادات. # والجاحظ كما علمت يعتمد على العقل في مباحثه شأن أصحابه المعتزلة. وقد ~~اتخذ عقله دليلا في كتاب الحيوان، فإذا هو يدقق ويمحص، ويختبر الأشياء ~~بنفسه، أو يسأل عنها أهل المعرفة وأصحاب الاختصاص. # وإذا اعتمد صاحب التفكير على العقل فلا يخلص في الغالب من الشك. وهكذا ~~شك الجاحظ في ما رأى وسمع وقرأ؛ فكان يشك في أقوال أرسطو إذا لم يقبلها ~~عقله، كما كان يشك في أقوال الرواة والمحدثين. وتراه يزين الشك ويوصي به ~~فيقول: «وبعد، فاعرف مواضع الشك وحالاتها الموجبة، لتعرف بها مواضع ~~اليقين والحالات الموجبة له.» # وجنوحه إلى الشك جعله يقف عند كل رواية ليحكم فيها عقله، فمرة يرفضها، ~~ومرة يقبلها، ومرة يبهت دونها بين الرفض والقبول. وبهته عائد على عجزه ~~عن أدراك الحقيقة. # وإذا اتهم أرسطو ورفض قوله شد عليه وضعف امتحاناته، ورماه بقوارص ~~الكلام. ويسميه تارة باسمه وتارة صاحب المنطق، فمن ذلك قوله: «وقد سمعنا ما ~~قال صاحب المنطق من قبل، وما يليق بمثله أن يخلد على نفسه في الكتب ~~شهادات لا يحققها الامتحان، ولا يعرف صدقها أشباهه من العلماء.» # ويشدد النكير على ~~الخرافات الشائعة، والأساطير المتداولة، ويسخر منها وينفيها. وإذا اطمأن ~~إلى الرواية علل سبب ارتياحه إليها فيقول مثلا: «وقد زعم صاحب المنطق أن ~~ولد الفيل يخرج من بطن أمه نابت الأسنان، لطول مكثه في بطنها. وهذا جائز في ~~ولد الفيل غير منكر؛ لأن جماعة نساء معروفات الآباء والأبناء قد ولدن ~~أولادهن ولهم أسنان نابتة.» # وربما اطمأن إلى رواية غريبة فقبلها على علاتها مكتفيا ms169 بإبداء تعجبه ~~كما في كلامه على الأفعى التي عضت الناقة، وفصيلها يرتضع منها، فمات الفصيل ~~قبل أمه. # وكثيرا ما يلجأ إلى الاختبار في بحثه، فيتتبع الأشياء بنفسه، ويدقق في ~~السؤال عنها. وقد يعمد إلى الحيوانات فيقتلها أو يرضخ بيضها ليفحص باطنها، ~~أو يدفنها حية ليراقب حركاتها، أو يجمع بعضها إلى بعض في إناء واحد ليشاهد ~~تآلفها وتخاصمها. # وربما جرت له مناظرات مع نبلاء الأطباء في عصره كسلمويه، وابن ~~ماسويه، وبختيشوع بن جبريل، كمناظرته لهم في عمل سم الأفعى. # وقد تجد له أقوالا لا يقرها العلم الحديث ولا تقوم على الاختبارات ~~الفنية كقوله إن الذبان يتولد مرة من تعفن الأجسام والفساد الحادث في ~~الأجرام # 24 # والباقلاء # 25 # إذا عتق، فلا حرج عليه في ذلك فإنما هو يعرض علينا علوم عصره ~~لا علوم العصر الذي نحن فيه. # ويعجبك كلامه على البلدان وتأثير الهواء في أهلها، وما اشتهر من أمراضها ~~وحشراتها، كقوله في حمى الأهواز وضعف نسلها، وشحوب لونهم. # ويقوده الكلام على الحيوان وأضراره ومنافعه إلى بحث فلسفة الخلق وضرورة ~~وجود الخير والشر واللذة والألم في الحياة. # والجاحظ في هذا البحث يريد أن يظهر قدرة الله وحكمته في خلقه، وأنه خلق ~~كل شيء نافعا وإن يكن فيه الأذاة والضرر. وإظهار قدرة الله وحكمته هو ~~الغاية التي يتطلبها الكاتب في جميع مباحث هذا الكتاب، فإنه لا يورد مثلا، ~~ولا يقص خبرا، ولا يبدي درسا إلا استخلص منه عبرة يردها على قدرة الله ~~وحسن صنعه في خلقه. # فكتاب الحيوان كما رأيت، فيه أدب كثير، وفيه علم غير يسير، وإذا غلبت ~~عليه الصبغة الأدبية فمن الغبن أن نبخسه حقه من العلم، فإن فيه من ~~الاستقراءات والاختبارات ما لا تجده إلا في مصنفات العلماء ~~والمفكرين. # البخلاء: أغراضه # هذا كتاب جعله الجاحظ في جزء واحد، صور فيه أخلاق البخلاء وطرقهم في ~~الحرص والاقتصاد، وصدره بمقدمة خاطب فيها شخصا طلب إليه أن يذكر له ~~البخل ونوادر أصحابه، فأجاب طلبه، ووضع له هذا الكتاب. وأوله رسالة من سهل ~~بن هارون ms170 إلى بني عمه، وقد ذموا مذهبه في البخل، فدافع عنه واحتج له، وذكر ~~منافعه، وما قيل في تحسين الحرص وذم السرف. حتى إذا انتهت الرسالة أخذ ~~الجاحظ في سرد قصص البخلاء، وأكثرهم من أهل البصرة وخصوصا أهل مسجدها ~~وفيهم من أهل خراسان، ويتخلل هذه الأقاصيص حيل البخلاء في الحرص والاقتصاد ~~وجمع المال، ودفع الضيوف، ومناظرات كثيرة بين السخي والشحيح. ولا يتحرج ~~الكاتب من فضح أصدقائه المبخلين وذكر نوادرهم، وفيهم طبقة من الأدباء ~~والعلماء. ويختم هذه الأقاصيص بإيراد رسالة من أبي العاص بن عبد الوهاب إلى ~~الثقفي يذم فيها البخل ويمدح الجود. ويتعرض لرجل يعرف بابن التوأم، ~~فيعده في البخلاء. فلما بلغت الرسالة ابن التوأم كره أن يجيب أبا العاص ~~لما في ذلك من المنافسة، وخاف أن يترقى الأمر أكثر من ذلك، وكأنه خشي أن ~~يؤثر كلام أبي العاص في نفس الثقفي فيصرفه عن البخل، فبادر إليه برسالة ~~فند فيها أقوال أبي العاص، ومدح البخل، وزين جمع المال. # ثم يعود الجاحظ إلى أخبار البخلاء فيروي نوادر عن بخل الأصمعي، ثم ينتقل ~~إلى أسماء المآدب عند العرب، فيبين اختصاص كل اسم بمعناه كالخرس يتخذ ~~للطعام صبيحة الولادة، والإعذار طعام الختان. # ويقوده الكلام على المآدب إلى التحدث بجوع العرب وعطشهم، وشظفهم وفقرهم، ~~ثم يستطرد إلى شبعهم وخصبهم وضيافاتهم، وقدرهم وصفاتها عند الشعراء من ~~مدح وذم، ويعدد طعام الأعراب من طيب ورديء. ويروي أشعارا هجيت بها أقوام ~~لاشتهارهم ببعض الأكلات، ثم يذكر الكلاب ونبحها في الليل لاستجلاب الضيوف، ~~ونبحها في وجه الضيف لدفعه، ويروي ما قيل من الشعر في هذا وذاك. ويختم ~~الكتاب بالكلام على النيران التي كان يوقدها العرب في الأماكن المرتفعة ~~ليهتدي بها الضيفان، ويروي ما قيل في ذلك من الشعر. # فالكتاب كما يتبين لا يقتصر على أخبار البخلاء، وإنما هو كسائر كتب ~~الجاحظ حافل بمختلف الأغراض مصطبغ بالأدب من جميع جهاته. ولكن فوائده جمة ~~في تدبير المنزل وعلم الاقتصاد، وإن تكن أقاصيصه مصروفة إلى ناحية الشح ~~والجشع. # وفي الكتاب من الفوائد ms171 التاريخية ما لا يقل شأنا عن الفوائد الاقتصادية، ~~فإنه يطلعنا على أنواع الملابس والأطعمة عند الأعراب، وأحوالهم في الشدة ~~والرخاء، فبينما كان بعضهم يأكل نحاتة القرون والأظلاف، والدقيق المختلط ~~بالشعر، والقردان المعجونة بالدم وغير ذلك من خبيث الطعام، كان البعض ~~الآخر، وهم المترفون، يأكلون الطيب من اللحوم، والتمر، واللبن، والفاكهة، ~~والفالوذق. # 26 # ويطلعنا على كثير من عاداتهم في الضيافة وإيقاد النار لها. ~~وعلى خرافاتهم واعتقاداتهم الباطلة، ومنها ما كان في عصره كاعتقادهم العين ~~المالحة، وهي التي تعرف بالعين الشريرة. # ويطلعنا أيضا على منزلة الأعاجم في عصره، ولا سيما الأطباء، فإن الناس ~~كانوا لا يرون خيرا في الطب إلا في ما جاءهم عن نصراني عجمي. ومن ذلك خبره ~~عن أسد بن جاني الطبيب العربي المسلم. # فالجاحظ كما ترى يصور أحوال عصره في كل كتاب يصنفه، ويطالعك بكل حديث ~~طريف، ونادرة ظريفة، فيفيدك ويلهيك في وقت واحد. ويمتاز البخلاء في أن ~~أشخاصه على شحهم وخساستهم لا يطبعون في النفس صورا كدرة تنفر منها؛ لأن ~~الجاحظ ألقى عليهم من خفة روحه ظلا لطيفا فحسنهم في العين، وحببهم ~~إلى القلب، فهم من طياب البخلاء كما ينعتهم أو ينعت بعضهم. والكتاب كله ~~يجري على هذا النمط من تصوير للأخلاق والعادات، وأخبار في الحرص والاقتصاد، ~~وأدب كثير ونوادر وأشعار. # أسلوبه الإنشائي # للجاحظ أسلوب لا تخطئه، سواء وقعت عليه في كتاب صنفه، أو في رسالة ~~دبجها. ولهذا الأسلوب ميزات متعددة، منها أن الكاتب يستهله بالبسملة، ~~ويردفها على الغالب بالحمدلة والتعوذ كما فعل في البيان والتبيين، أو ~~بمقدمة دعائية يخاطب بها شخصا لا يسميه، كقوله في الحيوان: «جنبك الله ~~الشبهة، وعصمك من الحيرة ...» وقوله في البخلاء: «تولاك الله بحفظه، وأعانك ~~على شكره ...» والدعاء من لزوميات الجاحظ يكثر منه في جمل اعتراضية إما ~~تملحا وتظرفا، وإما تلطفا وتحببا، وإما سخرا وتهكما، وهذا أظرف ~~الأدعية عنده وألذها وقعا؛ كقوله على لسان صاحب له: «فكيف عقل العجوز ~~حفظها الله!» # والسخر عند الجاحظ طبيعي ~~لا يتكلفه تكلفا، فالنكتة أبدا على أسلة لسانه، ms172 والتهكم حشو ألفاظه؛ ~~فلذلك كثر هزله في مواضع الجد، فبينا يكون في بحث علمي رصين لا يلبث أن ~~يفاجئك بالنادرة الظريفة فيضحكك ويزيل سأمك. وقلما خلا كتاب له من المضاحك ~~والمهازل، فهو من أولئك الناس الذين يرون الدنيا ضاحكة إذا ضحكوا لها. وكان ~~يعتذر من خروجه إلى المزح بعد الجد بقوله: «وإن كنا قد أمللناك بالجد، ~~وبالاحتجاجات الصحيحة الممزوجة لتكثر الخواطر وتشحذ العقول، فأستنشطك ببعض ~~البطالات وبذكر العلل الظريفة، والاحتجاجات الغريبة.» # وتهكم الجاحظ لطيف ناعم، وربما جاء به ذما في قالب المدح دون أن يتبغض ~~فيه. وهو كثير السخر بالخرافات والحماقات والأحاديث الكاذبة. وكتابا ~~الحيوان والبخلاء حافلان بسخره وتندره . # ويمتاز أسلوبه في الاستطرادات الكثيرة فما يمسك غرضا إلا تجاوزه إلى آخر ~~بدافع من شعر أو حديث أو آية، أو غير ذلك يستشهد به ويقف عنده فيخرجه عن ~~موضوعه إلى أغراض مختلفة حتى يتيه بقارئه. ثم يرجع به إلى الحديث الذي خرج ~~عنه بعد أن ينسيه إياه. وقد يطول استطراده فيستغرق عدة صفحات، وقد يقصر فما ~~يجاوز بضعة أسطر، ويرى الجاحظ لنفسه في ذلك عذرا فيقول: «وعلى أني قد عزمت ~~- والله الموفق - أن أوشح هذا الكتاب، وأفصل أبوابه بنوادر من ضروب الشعر، ~~وضروب الأحاديث؛ ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب، ومن شكل إلى شكل، ~~فإني رأيت الأسماع تمل الأصوات المطربة، والأغاني الحسنة، والأوتار ~~الفصيحة إذا طال ذلك عليها.» # ومن ميزاته التكرير والمرادفة والإسهاب، ويعود ذلك على قصده إلى تبليغ ~~المعنى وإيضاحه، وإبراز الموصوف وتصويره، ثم على تطرابه لموسيقى ألفاظه، ~~ووقعها في مسامعه. # وتصوير الموصوف من أبرز خصائص الجاحظ، فإنه كثير العناية بمراقبة الأشياء ~~التي يصفها فما يهمل موضعا يتعلق به غرضه إلا جعل له صورة حتى يبرز موصوفه ~~على الشكل الذي يراه، ومن الناحية التي يريد أن يظهره فيها. ويستعين على ~~ذلك بتعابيره الخاصة فيكرر ويرادف، ويبدئ ويعيد، إلى أن تتم له الصورة التي ~~يريد. # وهو كثير الاستشهاد بالآيات والأحاديث والأشعار والأمثال؛ مما يدل على ~~سعة اطلاعه وفرة روايته، ms173 ولكنه كغيره من المتقدمين لا يتحرج من إيراد ~~الأشعار الفاحشة، والنوادر المتعهرة. وكان يرى أن الشيء إذا وقع في محله ~~فلا سبيل إلى استنكاره، ويسخر من الذين يتأبون ذلك ويستكرهونه، ويقول ~~فيهم: «وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من العفاف والكرم، والنبل ~~والوقار إلا بقدر هذا الشكل من التصنع.» والجاحظ في رأيه هذا ينطق بلسان ~~السواد الأعظم من أهل عصره، فإن أدبهم كان في كثرته ماجنا متهتكا ~~خليعا. # وشيء آخر يميز أسلوب الجاحظ، وهو الجمع بين الأضداد، ولا يقتصر ذلك على ~~كتبه المتناقضة في أغراضها، وإنما يكون في كتاب واحد ككتاب البخلاء مثلا، ~~فإنه يحتج مرة للسخي، ويحتج مرة للبخيل. وليست رسالة أبي العاص إلى الثقفي ~~في ذم البخل، ورد ابن التوأم واحتجاجه للبخلاء إلا خاصة يمتاز بها الجاحظ ~~في أسلوبه الجدلي، فهو عالم بالكلام تلذ له المناظرات، وأغلب ظننا أن ~~الرسالتين من وضعه؛ لأن فيهما روحه ونفسه وطرقه في التأليف ~~والتعبير. # وإنشاء الجاحظ يسيل طبعا ورقة، بعيد من التكلف لا يلتزم له سجعا، ولا ~~يتعمد استعارة أو تشبيها، وقلما نمق إلا في بعض رسائله ومقدمات كتبه، ~~فهو أبعد الكتاب من المجاز والتزيين، لا يعنى إلا بإيضاح المعنى في ~~اللفظ السهل الفصيح. # وقد يصطنع التشبيه والاستعارة إذا اقتضتهما البلاغة، وتشابيهه مادية ~~محسوسة، قريبة المتناول، بارعة التصوير، لا إغراب فيها ولا تركيب، كقوله: ~~«ولربما رأيت الحائط وكأن عليه مسحا # 27 # شديد السواد من كثرة الذبان.» أو قوله يصف قاضي البصرة: «كأنه ~~بناء بني أو صخرة منصوبة.» # وكان على استبحاره في اللغة، وحرصه على البيان الصحيح، يحمد خطة ربما لا ~~يوافقه عليها جمهور النحاة؛ وهي أنه إذا روى نادرة من نوادر عامة ~~المولدين لا يتكلف لها الإعراب، بل يثبتها بكلام ملحون كما وردت على لسان ~~صاحبها. قال في الحيوان: «إن الإعراب يفسد نوادر المولدين كما أن اللحن ~~يفسد كلام الأعراب.» وقال في البخلاء: «وإن وجدتم في هذا الكتاب لحنا، أو ~~كلاما غير معرب، ولفظا معدولا عن جهته، فاعلموا أنا ms174 إنما تركنا ذلك ~~لأن الإعراب يبغض هذا الباب، ويخرجه من حده، إلا أن أحكي كلاما من كلام ~~متعاقلي البخلاء وأشحاء العلماء كسهل بن هارون وأشباهه.» وله كلام من هذا ~~الضرب في البيان والتبيين. # وجملة الجاحظ قصيرة على الغالب، رشيقة واضحة المعنى، مفصلة تفصيلا، ~~يقطعها مرة ويرسلها أخرى، وقد تطول إذا تخللها جمل يتطلبها سياق الكلام، ~~فتمتد وتتسع دون أن يعتورها غموض ولا انقطاع لائتلافها مع الجمل المتداخلة ~~فيها، ثم لمشاركتها إياها في التنازع على الغرض الواحد. وهو كغيره من ~~الكتاب المتقدمين يفرط في استعمال فعل القول إذا حدث عن غيره حتى لا ~~تكاد تذهب صفحة إلا وفيها طائفة من قال وما يشتق منه، وربما وردت هذه ~~الأفعال متتابعة متجاورة فيثقل وقعها في السمع، كقوله في البخلاء: قال: ~~«فما قال أبو الفاتك؟» قال: «قال أبو الفاتك.» # وكغيره من المتقدمين لا يسلم إنشاؤه من التباس الضمائر حتى لتضطر أن ~~تستوضح المعنى في شيء من الجهد، ولا تستخلصه إلا إذا نظرت إلى ما قبله، ~~وإلى ما بعده من كلام يدل عليه. ومع ذلك فأسلوبه أوضح الأساليب القديمة، ~~وأكثرها طلاوة، وأحسنها رواء. ~~(2-3) منزلته # قال ابن العميد: «كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا.» وهذا قول حق ~~لا جمجمة فيه؛ لأن الجاحظ في مباحثه العلمية، واعتماده على العقل في تعليلاته ~~واختباراته، كان من قادة التفكير الحر في الإسلام. وما آراؤه في الاعتزال، ~~وأقواله في الحيوان والنبات والأمصار والبلدان وغير ذلك إلا نتاج عقل صحيح، فلا ~~بدع أن تكون غذاء لسواه من العقول. # والجاحظ أكبر أديب عرفته لغة العرب، وتقدم عصره فكانت كتبه هداية للأدباء، ~~وقدوة للمنشئين، يرتضعون لبانها، ويضربون على غرارها. وقد شاقهم فيها ذلك الأدب ~~الخليط وما فيه من جد وعبث، ففتنوا به واتبعوه، فكثر طلابه ومقلدوه، فجاءت ~~كتبهم حافلة بمختلف الموضوعات فيها اختلاط واستطراد وسوء ترتيب. ومنهم من كان ~~يكره الجاحظ كابن قتيبة فإنه - مع تشنيعه عليه لما بينهما من اختلاف في المذهب # 28 ~~- لم يسعه إلا السير على خطته في تأليفه، ms175 فارتسم مجونه ومضاحيكه في ~~كتابه عيون الأخبار مع أنه كان ينكر عليه ذلك، وقلده في تناول الأغراض ~~المختلفة، وبحث مثله عن الطبائع والأخلاق والحيوان والبخلاء والطعام. ومن ~~تلاميذ الجاحظ أبو العباس المبرد، وابن عبد ربه، وأبو القاسم الآمدي، وكان ~~ابن العميد يسمى الجاحظ الثاني؛ لأنه سلك طريقته في تقصير الجملة وتقطيعها، ~~والإكثار من الشواهد. وتلمذ له القاضي الفاضل وكان يقول: «وأما الجاحظ فما منا ~~معشر الكتاب إلا من دخل داره، أو شن على كلامه الغارة.» # وكان من تأثير كتبه أن خلقت له الأعداء والخصوم، كما خلقت له الأصدقاء ~~والأنصار، فتضاربت فيه الأقوال، فمن مادح يغالي في مدحه، ومن ذام يسرف في ذمه ، ~~ولم يختلف الناس يوما إلا على رجل عظيم. # على أن خصومه لم يتمكنوا من إسقاطه في تحاملهم عليه، فلم تكن مطاعن البغدادي ~~وابن قتيبة والراوندي وسواهم، إلا لترفع قدره. وما منهم واحد استطاع أن ينكر ~~علمه وفضله، ولكنهم هاجموه من ناحية مذهبه، فاتهموه في دينه. # ولا غرو أن يؤثر الجاحظ هذا التأثير فيكثر خصومه، ويكثر مريدوه، فإنه أوتي ~~من الذكاء والعلم قسطا حسنا، ورأى أن الكتب في عصره، منها ما يعتمد على ~~النقل، ومنها ما يعتمد على الرواية حتى كاد لا يكون فيها استنباط، فاختاره ~~واضطلع بعبئه فكان راوية ومخترعا في وقت واحد، ثم رأى أن الكتاب لا يعنون ~~إلا بعلم دخيل، أو بأدب قديم. وقل من نظر منهم إلى عصره، فروى عنه شيئا، ~~فقام يسد هذه الثلمة، وخص عصره بجانب من كتبه، فصور أخلاق أهله وحياتهم، ~~فشغف الناس بكتبه وأقبلوا عليها يطالعونها بلذة. والإنسان يروقه أن يرى ما ~~يصور له البيئة التي يعيش فيها، ويحس إحساسها، ويشعر بشعورها، فكتب الجاحظ لم ~~تكن كلها غريبة عن معاصريه كما كانت كتب ابن المقفع؛ فابن المقفع نقل آداب ~~الفرس والهند واليونان، فأعجب الناس بها؛ لأنهم رأوا فيها شيئا جديدا لا عهد ~~لهم به، ثم لأنها كتبت بلغة بليغة سمحة ملأت صدورهم جلالا، ولكنهم لم يجدوا ~~صلة روحية بينهم وبين هذه ms176 الآداب؛ لأنها وضعت لزمان غير زمانهم، ولشعب غير ~~شعبهم، فآثروا عليها كتب الجاحظ، فغلب أسلوبه على أسلوب ابن المقفع. وساعده على ~~ذلك ما فيه من سلاسة وفكاهة وسهولة مساغ؛ فأسلوب ابن المقفع منطقي رصين، متعفف، ~~تؤثره الطبقة الأرستقراطية لتأديب أنجالها، وتحتفل به دور التعليم، وتفضله على ~~غيره. وأما أسلوب الجاحظ، فأسلوب ضاحك هازئ ماجن، ديموقراطي يدخل بين الطبقات ~~كلها. وكما غلبت على ابن المقفع الثقافات العجمية غلبت على الجاحظ الثقافة ~~العربية، فحفلت كتبه بالأشعار والنوادر والآيات والأحاديث والأمثال، غير أنه لم ~~يهمل الثقافات الدخيلة، بل كان لليونانية والفارسية عنده حظ غير قليل. # وملك الجاحظ ناصية البيان فانقادت أوضاع اللغة ذللا بين يديه تؤاتيه في ~~مختلف مباحثه وأغراضه، وأعطي من براعة الكلام، وقوة الاختراع، وحسن التعليل ما ~~جعله يعرض للأشياء الحقيرة فيبني عليها موضوعات جليلة. ولو اعتمد القارئ عناوين ~~كتبه لصدفته عن النظر فيها. # وحسب الجاحظ منزلة أنه أول من جمع علوم عصره، وصور حياة أهله وانتقد ~~أخلاقهم وعاداتهم، وأول من وضع الكتب الطويلة الجامعة، وخلط فيها الهزل بالجد، ~~والمجون بالرصانة، والفحش بالتعفف، والكفر بالإيمان، وكل شيء بضده؛ فهو أبرع ~~كاتب جمع النقيضين، واحتج للنقيضين وذم ومدح النقيضين. وامتاز بالفضول العلمي ~~وحب الاستقراء. وهو إلى ذلك شيخ من شيوخ المعتزلة، وإمام من أيمة المتكلمين، ~~وصاحب الفرقة الجاحظية، وزعيم الأدباء غير مدافع. ~~(3) علوم اللغة ~~(3-1) الصرف والنحو # ظل الخلاف على أشده بين الكوفيين والبصريين، وطمت الشروح والتعليلات فتعقدت ~~المسائل النحوية، وتشعبت طرقها، فلما توالت الفتن على المصرين وامتدت ~~إليهما أيدي الخراب، ولا سيما البصرة بعد أن عاث فيها صاحب الزنج فسادا، أخذ ~~العلماء يهاجرون إلى بغداد، وفيهم أصحاب النحو، فاختلط المذهبان، ونشأ منهما ~~مذهب بغدادي جديد، أشهر أصحابه ابن قتيبة ومن كتبه «أدب الكاتب» وفيه شيء غير ~~قليل من العلل النحوية والصرفية، وابن كيسان، وله كتاب المسائل على مذهب ~~النحويين مما اختلف فيه البصريون والكوفيون، وكذلك نفطويه والأخفش الأصغر. ومن ~~أفاضل النحاة في هذا العصر: المبرد وثعلب وأبو إسحاق الزجاج وأبو بكر ms177 ~~السراج، وأبو سعيد السيرافي وسواهم. ~~(3-2) اللغة # كان كل نحوي من المتقدمين عالما باللغة وكل لغوي عالما بالنحو، ولكن تغلب ~~على الواحد منهم صفة أكثر من أخرى فيعرف بها. وفي هذا العصر بدأ يتسع نطاق ~~اللغة، وتصنف فيها الكتب المطولة، وكان من علمائها المشهورين أبو العباس ~~المبرد، وله كتاب الكامل في اللغة والنحو والأدب، وأبو حاتم السجستاني وله ~~كتاب «الأضداد»، وأبو الفضل الرياشي، وابن السكيت، وابن دريد وله جمهرة لسان ~~العرب وكتاب الاشتقاق. ~~(4) العلوم الدخيلة ~~(4-1) العلوم الطبيعية # ظل أصحاب الكيمياء يبحثون عن الحجر الفلسفي حتى ظهر لهم بطلانه، والفضل في ~~ذلك لأبي يوسف الفيلسوف الكندي؛ فإنه أول من نهى عن الاشتغال بالكيمياء للحصول ~~على الذهب، وذم ذلك وبين أنه عبث وتضييع للعمر والمال. وقد أشار ابن الرومي ~~إلى بطلان هذه الكيمياء بقوله: «كالكيمياء التي قالوا ولم تصب.» # وتقدم الطب العربي على أثر انتشار الكتب المنقولة، وإقبال المسلمين على ~~دراستها، واشتهر جلة من الأطباء في مقدمتهم أبو بكر الرازي جالينوس العرب، وله ~~كتاب الحاوي في صناعة الطب. وينسب إليه ابتكارات كيماوية منها زيت الزاج، وهو ~~الحامض الكبريتي، ومنها الكحول. # واشتغل العلماء بالتاريخ الطبيعي، فصنف ابن وحشية الكلداني كتاب الفلاحة ~~النبطية، وقسطا بن لوقا الطبيب النصراني كتاب الفلاحة اليونانية. ~~(4-2) العلوم الرياضية # كان من اشتغال العرب بهذه العلوم أن نهضوا بعلم مساحة المثلثات، وعرفوا ~~طريقته السهلة التي تحول الأعمال الحسابية إلى مثلثات تحل زواياها بواسطة ~~الخيوط والجيوب، والفضل في ذلك لأبي عبد الله البتاني فإنه أول من استبدل ~~الجيوب من أوتار الدائرة في قياس المثلثات. ~~(4-3) العلوم الفلسفية # اقتصرت الفلسفة في العصر السابق على الترجمة، حتى إذا انتشرت الكتب المنقولة ~~وطالعها المفكرون واختمرت بها آراؤهم، شرعوا في التصنيف فظهرت الفلسفة ~~الإسلامية اليونانية وغايتها التوفيق بين الشرع والعقل. ونبغ من المسلمين أبو ~~يوسف يعقوب الكندي، وله فضل في ترجمة كتب أرسطو وتفسيرها، وبسط عويصها، وأبو ~~نصر الفارابي وله كتب كثيرة منها آراء مبادئ المدينة الفاضلة، حذا فيه حذو ~~أفلاطون في جمهوريته، ورسالة ms178 السياسة في ما ينبغي للمرء أن يستعمله مع رؤسائه، ~~ومع أكفائه، ومع من دونه، ومع نفسه. ~~(4-4) التاريخ # كان المؤرخون قبل هذا العصر لا يعنون إلا بالطبقات والفتوح والقبائل ~~والأنساب، فلما تمت السيادة للعجم واسترخت العصبية العربية أمام عصبية البلد ~~كما رأيت في تنافس البصرة والكوفة، اقتصد المؤرخون في تدوين الأنساب واكتفوا من ~~الفتوح بتلخيص حوادثها وضبطها، وعنوا بجمع أخبار الأمم وأحوال البلدان، نبههم ~~على ذلك اطلاعهم على التواريخ المنقولة، وضربهم في الأمصار البعيدة واختلاطهم ~~بشعوبها. واشتهر من المؤرخين البلاذري وله كتاب فتوح البلدان، واليعقوبي وله ~~كتاب البلدان، وكتاب في التاريخ العام يعرف باسمه، ومحمد بن جرير الطبري وله ~~كتاب أخبار الرسل والملوك ويعرف بتاريخ الطبري. # ومما يعاب على هؤلاء المؤرخين أنهم دونوا جميع ما عرفوه من الحوادث ~~والأخبار دون تمحيص أو تعليل، ودونما نظر في الأسباب والمسببات، فشوهوا ~~التاريخ بخرافات وأساطير لا يقبلها العقل فحفلت كتبهم بالمضحكات. واقتصروا على ~~الأحداث المادية كالولادة والوفاة والحرب والفتح والولاية والعزل. ولم يبحثوا ~~عن أحوال الأمم الاقتصادية والاجتماعية، وعن تطور الحضارة وتبدل الأخلاق ~~والأهواء، وغير ذلك مما لا غنية للتاريخ عنه؛ فجاءت كتبهم مجموعات أخبار ~~منسقة إما باعتبار الطبقات، وإما باعتبار السنين، وإما باعتبار الدول، وكلها ~~ضعيفة الفن في تأليفها، خالية من الفلسفة التاريخية، ولكنها المرجع الوحيد ~~للناظر في تاريخ العرب والإسلام. ~~(4-5) الجغرافيا # اشتغل العرب بالجغرافيا قبل أن يطلعوا عليها في الكتب المنقولة، فقد دعتهم ~~الحاجة إلى هذا العلم بعد أن اتسعت الممالك الإسلامية، وتوالت الفتوح، وسيرت ~~البرد بين الخليفة وعماله، فكان حجاج البيت الحرام يدونون أسماء المواضع ~~التي يجوزونها إلى مكة، ورواة الأخبار يهتدون بأشعار العرب إلى الأماكن ~~والدارات في البادية، وأمراء الجيوش، وولاة الأمر يتقصون أحوال البلدان ~~المخضوعة، ويضبطون مواقعها وأقاليمها وسكانها وأديانها وغلاتها لأخذ الجزية ~~والخراج منها. وكان على أصحاب البريد أن يحافظوا على رسائل الخليفة وعماله، ~~ويسلكوا بها الطرق المأمونة، فضبطوا المسالك والمواقف التي كانوا يمرون بها، ~~ودققوا في وصفها وتعريفها، فاجتمع لدى العرب من كل ذلك فوائد ms179 جغرافية جمة، ولكن ~~ينقصها حسن التأليف والتبويب، فلما نقلت جغرافية بطليموس ترسمها المصنفون ~~واعتمدوا عليها في وضع كتبهم وتنسيقها، إلا أنهم لم يقتنعوا بما جاء فيها، بل ~~تجشموا الرحلات البعيدة في البر والبحر، وخبروا الأماكن بأنفسهم، فصححوا بعض ~~أوهام بطليموس، واستدركوا ما غاب عنه من العلم مما تمكنوا من الحصول عليه. ~~وأشهر الجغرافيين ابن خرداذبه، وله كتاب المسالك والممالك، وكان يتولى ~~البريد في العراق العجمي، فذكر فيه مسافات الطرق، وأحصى جباية الخراج. ~~واليعقوبي وله كتاب البلدان الذي مر ذكره، فإنه لم يقصره على التاريخ بل ~~تعدى به إلى الجغرافيا فذكر أحوال البلدان وأجناس أهلها، وما بينها من ~~الأبعاد، ومقادير الخراج فيها. وابن رسته وله كتاب الأعلاق النفيسة في تقويم ~~البلدان، وصف فيه البحار والأنهار والأقاليم السبعة. ~~(5) الأدب والأدباء # ما إن تولى صدر الدولة العباسية إلا وقد فرغ الرواة من تلقف الأخبار والأشعار، ~~واعتساف البوادي والقفار، وانصرفوا إلى تدوين ما اجتمع لديهم من أدب يتناقلونه ~~بالرواية والإسناد، فشغف الناس به، وحسن تذوقهم له، فأقبلوا على كتبه يتناسخونها ~~ويقتنونها، فازداد المشتغلون به نشاطا، فأكبوا على التصنيف والتمحيص والنقد. حتى ~~إذا اكتهل العصر الثاني كان الأدباء المصنفون قد كثر عددهم فمهروا اللغة مؤلفات ~~نفيسة، لولاها لضاع من آدابنا شيء جليل. # وخطا النقد الأدبي خطوة إلا تكن واسعة فإن فيها تطورا محسوسا اقتضته نهضة ~~العلوم والفنون، فقد كان لنقل الفلسفة والمنطق أثر بليغ في ترقية الأفكار وتثقيفها، ~~فصار الأدباء يمحصون الشعر والنثر، ويضعون لهما الشروط والقوانين، وإذا وقعوا على ~~قول فلسفي أو منطقي، ردوه على مذهبه، وقدروه على قياسه، فإن استقام لهم المعنى ~~قبلوه وإلا رفضوه. وأصبحوا يحكمون آراءهم في القديم والحديث، فإذا تعصبوا للأول لا ~~يبخسون الثاني حقه. فابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء يختط خطة جديدة في ~~القديم والحديث إذ يقول: «ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، ولا ~~لمتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل على الفريقين وأعطيت كلا ~~حقه، ووفرت عليه حظه.» والمنطق هو الذي هدى ابن ms180 قتيبة إلى هذه الخطة، فأراه أن ~~القديم والحديث إضافيان لا حقيقيان، وأن كل حديث سيصبح قديما، وفي ذلك يقول: «ولم ~~يقصر الله الشعر والعلوم والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص به قوما دون قوم، بل ~~جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده، وجعل كل قديم منهم حديثا في عصره.» # وفي كتاب أدب الكاتب ينتقد ابن قتيبة صناعة الإنشاء ويبحث ما يحتاج إليه الكاتب ~~من الآداب والعلوم، ويبين أوهام الكتاب ومغالطهم في معاني الألفاظ والاشتقاقات ~~والتراكيب. # وللجاحظ في البيان والتبيين نقد على فن الخطابة يظهر فيه ما يستحسن من الخطيب ~~وما يعاب عليه، ويبحث عن اختلاف لغات العرب، وأوضاعها وفصاحة مفرداتها. # وكان لكتاب البديع الذي وضعه ابن المعتز تأثير في فن الانتقاد، فإن الأدباء بعده ~~أخذوا يتحرون في نقدهم الصور البيانية، ويتفحصون وجوه الاستعارة والتشبيه والطباق ~~وما إلى ذلك. ثم جاء قدامة بن جعفر فصنف كتابه في نقد الشعر، فبين فيه حدود ~~النظم وشروط ائتلاف اللفظ مع المعنى، وتكلم في المجاز والتشبيه، وعرض لعشرين نوعا ~~من البديع توارد مع ابن المعتز في سبعة منها. # فمن ذلك يتضح أن لتقدم العلوم والفنون يدا محمودة في تطور النقد، ولكن الأدباء ~~في وضعهم النظم والقواعد لصناعتي الشعر والنثر أبعدوا الشعراء والكتاب عن ~~طبعهم فأصبح هؤلاء، وخصوصا في أواخر العصر، لا ينظمون ولا ينثرون إلا وهم يتلفتون ~~إلى تلك الشروط والقوانين محاذرة الانتقاد. # | هوامش # | العصر العباسي الثالث # 946-1055م/335-447ه # يبتدئ بقيام الدولة البويهية واستقلالها بالسلطان وينتهي بسقوط بغداد في أيدي ~~السلاجقة. # الفصل السابع # | لمحة تاريخية # استقلال الولايات العباسية # تكلمنا في العصر الماضي على أسباب ضعف الخلافة العباسية، وما كان من تجزؤ هيكلها ~~واستقلال ولايتها، ونجتزئ هنا بالكلام على أشهر الدول التي استقلت وكان لها يد بيضاء ~~على العلوم والآداب. ~~(1) الدولة الحمدانية 904-1003م/292-394ه # هي دولة عربية شيعية ينتهي نسبها إلى تغلب بنت وائل. وكان بدء أمرها في خلافة ~~المكتفي عندما ولي الموصل أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان. وتداول الحمدانيون إمارة ~~الموصل واحدا بعد واحد، لا يشقون ms181 الطاعة على العباسيين إلا عادوا إليهم ~~مستأمنين، حتى أزال ملكهم عضد الدولة بن بويه فتفرقوا في الولايات، فمنهم من دخل في ~~خدمة البويهيين، ومنهم من رحل إلى مصر، وقصد سيف الدولة حلب واستولى عليها، ثم ~~امتلك حمص، ثم سار إلى دمشق فدخلها وأقام فيها، ولكن كافورا الإخشيدي عاد إليها ~~فارتجعها منه. # ونشبت بين سيف الدولة والروم عدة مواقع أبلى فيها بلاء حسنا وردهم مرارا عن ~~حلب فلم يستقروا فيها مدة حياته. ومات سنة 356ه/966م قرير العين بعد جهاد طويل ~~وسلطان امتد نحو ثلاث وعشرين سنة. وملك بعده عقبه حتى انقرضت دولتهم، واستولى ~~الفاطميون على حلب. # واشتهر قصر الحمدانيين بمناصرة العلم والأدب، ولا سيما قصر سيف الدولة، فإن ~~الشعراء الذين كانوا يجتمعون ببابه ، لم يجتمع مثلهم إلا في قصور الخلفاء المتقدمين، ~~وحفلت داره بطائفة من الأطباء والفلاسفة والعلماء؛ فمن شعرائه المتنبي، ومن خطبائه ~~ابن نباتة، ومن فلاسفته الفارابي، ومن علمائه ابن خالويه. # وكان سيف الدولة أديبا نقادا يناظر الشعراء، ويدلهم على سقطاتهم. ونبغ من ~~الحمدانيين شعراء محسنون، أشعرهم أبو فراس. ~~(2) الدولة الفاطمية 909-1171م/297-567ه # اختلف المؤرخون في نسب الفاطميين، فمنهم من نكر واشجتهم بفاطمة بنت النبي، وجعل ~~عروقهم في اليهودية أو النصرانية، ومنهم من أثبتها ولم يلتفت لفت مجرحيها وفي ~~جملتهم ابن خلدون. # ويرجع الفاطميون بأصلهم إلى جعفر الصادق، # 1 # وهم من الشيعة الباطنية، ينقلون الخلافة من جعفر الصادق إلى ابنه ~~إسماعيل، ثم يسوقونها في عقبه حتى ينتهوا بها إلى أول خليفة فاطمي وهو عبيد الله ~~المهدي بن محمد الحبيب. ويدين الفاطميون بالحلولية، فيقولون بأن الله حل بالمهدي ~~وغيره من الأئمة الاثني عشر. وانتشرت شيعتهم في اليمن والمشرق # 2 # وأفريقية. ومؤسسها أبو عبيد الله محمد الحبيب، فإنه ابتدأ يبث دعوته ~~سرا. وعادة الشيعة أن تدعو للرضا من آل محمد دون أن تسميه تقية وخوفا عليه. ~~فقصد محمد إلى اليمن ودعا أهلها وبشرهم بقرب ظهور المهدي المنتظر. واتصلت أخباره ~~بالشيعة الذين في العراق فصاروا إليه فكثر جمعهم، ثم أنفذوا دعوتهم إلى المغرب ~~فأذاعها ms182 وثبتها أبو عبد الله الشيعي المشهور. # ولما مات محمد الحبيب أوصى لابنه عبيد الله وقال له: «أنت المهدي.» فقام عبيد ~~الله بالأمر، وكان ذلك في خلافة المكتفي، فطلبه الخليفة فهرب إلى مصر ومنها إلى ~~طرابلس الغرب، وجاء سجلماسة فاعتقله عاملها أليسع بن مدرار ملبيا أمر زيادة الله ~~الأغلبي # 3 # ولكن أبا عبد الله الشيعي ما انفك يجاهد في سبيله بقبائل كتامة حتى ~~فتح له البلاد عنوة، وانتصر على الأغالبة، وامتلك إفريقية؛ ودخل سجلماسة فأنقذ عبيد ~~الله من محبسه. ثم نزلوا برقادة، فبويع عبيد الله البيعة العامة، وقامت به الدولة ~~العبيدية في إفريقية منتسبة إليه. # ولما صارت الخلافة إلى المعز لدين الله الخليفة الرابع سير قائده جوهرا الرومي ~~إلى مصر سنة 358ه/968م فافتتحها. وكان العبيديون قد هاجموها غير مرة وأرجعوا عنها، ~~وقد وفقوا في هذه الكرة لضعف الدولة الإخشيدية. # وأقام جوهر الدعوة للمعز في مصر، وأزال الشعار الأسود العباسي، وألبس الخطباء ~~الثياب البيض، ثم فتح دمشق، وخطب للمعز على منابرها، وبنى مدينة القاهرة شمالي ~~الفسطاط، وتم بناؤها سنة 361ه/971م؛ فجاءها المعز في السنة التالية، وجعلها مقر ~~الخلافة الفاطمية، وأتم بناء الجامع الأزهر، وكان جوهر قد بدأ به. وتعاقب بعد ~~المعز على مصر عشرة خلفاء ثم زال ملكهم بقيام الدولة الأيوبية. # وكان لهم حضارة راقية، فقد أنشئت في عهدهم المدارس والمكاتب، واقتنيت الكتب ~~النفيسة، وبني مرصد جبل المقطم. وقرب الخلفاء الشعراء والعلماء وأحسنوا صلاتهم، ~~فأقبل هؤلاء على مصر، وطابت لهم موردا. # وعني الفاطميون باللغة الفصحى في دواوينهم، فأقاموا عالما بالنحو يراقبها ويصلح ~~ما يقع فيها من اللحن. وتركوا من الآثار العادية ما يشهد بتقدم العمارة في ~~أيامهم. # وعرف بعضهم بالتساهل، وكره التعصب، فإن المعز كان يأذن لأسقف النصارى بأن يناظر ~~القضاة والعلماء في مسائل الدين، وأمر بتجديد بناء الكنيسة القبطية، وشهد بنفسه وضع ~~الحجر الأول فيها. وكان المعز من محسني الشعراء، واشتهر أيضا بالشعر ابنه الأمير ~~تميم. ~~(3) الدولة البويهية 933-1055م/321-447ه # هذه دولة فارسية من أبناء الديلم قام بها إخوة ثلاثة؛ وهم علي ms183 والحسن وأحمد ولد ~~أبي شجاع بويه. قيل إن نسبهم يتصل بملوك الفرس. وكان بعض زعماء الديلم خرجوا ~~لامتلاك البلاد بعد أن رأوا ضعف العباسيين، وفيهم: ماكان بن كالي ومرداويج بن زيار، ~~وخرج أبناء بويه في جملة القواد مع ماكان، فلما دب الخلاف بين ماكان ومرداويج، وغلب ~~مرداويج صاحبه على طبرستان وجرجان انضم أبناء بويه إليه فرحب بهم، واستعمل عليا ~~كبيرهم على الكرج، فلم يلبث علي أن استقل بأمره وفتح أصفهان ثم استولى على بلاد ~~فارس كلها. وكانت الخلافة أفضت إلى الراضي فكتب علي إليه وإلى وزيره أبي علي بن ~~مقلة بالطاعة، وأن يقطع ما بيده من أعمال فارس؛ فأجيب إلى طلبه، وبعث إليه باللواء ~~والخلع، فأقطع أخاه الحسن أصفهان، وأخاه أحمد كرمان، واستقر هو بفارس. ثم ولى ~~أحمد العراق ، فأقام هذا بالأهواز. # وحدثت فتن في بغداد سنة 334ه/945م؛ فانتهز أحمد بن بويه الفرصة فاحتلها وأزال ~~سلطة الأتراك عنها. # وكانت الخلافة بيد المستكفي، فعنا لسلطان ابن بويه وضرب السكة باسمه، ولقبه بمعز ~~الدولة، ولقب أخاه الحسن بركن الدولة، وأخاه عليا بعماد الدولة. ثم استراب معز ~~الدولة بالمستكفي فوثب عليه وسمله، وبايع الفضل بن المقتدر ولقبه المطيع لله. ولما ~~بلغ الحمدانيين ما فعل المعز جاءوا من الموصل لقتاله، فخرج للقائهم، فدخلوا بغداد، ~~فلم يطمئن للمعز بها مضجع إلا سنة 335ه/946م بعد أن استنقذها منهم. # ولم يكن لعماد الدولة أمير فارس ولد ذكر، فتبنى عضد الدولة ابن أخيه ركن الدولة، ~~فاستولى بعده على فارس وأقام بشيراز. ثم مات أبوه ركن الدولة أمير أصفهان فضم ~~مملكته إليه. ثم مات معز الدولة في بغداد وانتقل ملكه إلى ولده بختيار. وكان ~~ضعيفا، سيئ السيرة، قليل الحيلة؛ فسار عضد الدولة إلى بغداد ودخلها سنة 367ه/977م ~~ووحد دولة البويهيين، وخطب له على منابرها، ولم يخطب لأحد قبله غير الخليفة. ثم ~~ملك الموصل من بني حمدان، وعاش مرهوب الجانب، منبسط السلطان، حتى أتاه اليقين، ~~فتوفي ببغداد سنة 372ه/982م. # ولدولة بني بويه فضل كبير على العلم وذويه؛ فإنهم أباحوا حرية ms184 التفكير، وشدوا أزر ~~العلماء، فظهرت على عهدهم فلسفة إخوان الصفاء في البصرة وبغداد، ونبغ الشيخ الرئيس ~~ابن سينا. وأفاضوا من سيبهم على الشعراء والكتاب، فضربوا إليهم آباط الإبل من ~~الأمصار البعيدة، وقصدهم أمثال المتنبي وأبي إسحاق الصابئ. وعرف بالشعر جماعة منهم ~~كعضد الدولة وتاج الدولة. # وبلغ بهم حبهم للعلم أنهم لم ~~يستوزروا غير الكتاب والشعراء؛ فركن الدولة استوزر ابن العميد، وابنه مؤيد الدولة ~~استوزر الصاحب بن عباد. # وكان مؤيد الدولة عاملا لأخيه عضد الدولة على الري وهمذان، فلما مات تولى بعده ~~أخوه فخر الدولة فأقر الصاحب في وزارته. وكان وزير معز الدولة الحسن المهلبي ~~الشاعر. # ولم يشأ البويهيون أن يقروا بخلافة الفاطميين في مصر مع أنهم شيعيون مثلهم، ~~وآثروا عليها خلافة العباسيين وهي سنية؛ ذلك بأن الفاطميين كانوا دولة قوية تقبض ~~على السلطة الروحية والسلطة الزمنية معا، والبويهيون - وهم من الفرس - يعنيهم أن ~~يستعيدوا سابق عزهم وسلطانهم، وما يتأتى لهم أن ينفردوا بالأحكام إلا في خلافة ~~مهيضة الجناح كخلافة بني العباس. ~~(4) ميزة العصر # لا يصح لنا أن نسمي هذا العصر عباسيا من الوجهة السياسية، إنما يصح ذلك من ~~الوجهة الفكرية؛ لأن السلطان فيه كان للملوك المستقلين، ولم يبق منه إلا الشيء ~~اليسير لخلافة بني العباس. ولكن العلوم والآداب عباسية خالصة، ترتبط بما تقدمها ~~بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. وهي وإن يكن لها ميزات جديدة تصطبغ بها وتتلون، ~~فما ذلك إلا رقي بعد نشوء، وتتمة بعد بدء، ونضج بعد إثمار، فليس من فن أو علم في ~~العصر الثالث إلا وقد نشأ ونما وترعرع في حمى العباسيين، فمن العدل أن نسمي العصر ~~عباسيا وإن ولى ملك بني العباس أو كاد. # وهذا العصر يمتاز في شيئين مختلفين؛ أولهما: سوء الحالة السياسية في ممالك ~~الإسلام، واضطراب الأمن في جميع الأمصار، وانتشار الدعوات والفتن والحروب. والثاني: ~~حسن الحالة الفكرية وقيام المدارس والمكاتب، وازدهار العلوم والآداب؛ فإن الأمراء ~~المستقلين لم يقتصر تنابذهم وتحاسدهم على أن يتقاتلوا ويكايد بعضهم بعضا، بل تعدى ~~ذلك إلى التنافس والتباهي ms185 بتقريب الشعراء والعلماء، والتزيد في الكتب ودور التدريس، ~~فبذلوا المال، وأجزلوا العطاء. ومالوا إلى التساهل فلم يتحرجوا من حرية القول ~~والتفكير، فاتسع مجال الارتزاق على أهل العلم، فتفرقوا في الممالك المستقلة، ~~وأصبح لهم جملة حواضر ترفه لهم العيش، وتضمن لهم الشهرة، بعد أن كان الرزق ~~والشهرة مقصورين على بغداد، فانبسطت أحوالهم، وفرغوا إلى النظم والتأليف، فنهضوا ~~بالفكر الإسلامي نهضة عظيمة، ونما على أيديهم نضج العلوم والآداب. # ومع أن بعض الدول التي استقلت كانت عجمية الأصل فارسية أو تركية كالبويهية، ~~والسامانية # 4 # والغزنوية # 5 # فقد ظلت السيادة فيها للغة العربية؛ لأن ملوك العجم - وهم مسلمون - ~~أبوا إلا أن يحافظوا على لغة القرآن، فتركوا لها السيادة الدينية. ثم إن العربية ~~كانت لغة الآداب والعلوم، فلم يستغنوا عنها في إنشاء حضاراتهم، فاعتمدوا عليها ~~وجعلوها لغتهم الرسمية في مدارسهم ومساجدهم ودواوينهم. على أن الفرس جهدوا في إحياء ~~لغتهم القومية فتأتى لهم أن ينظموا الشعر فيها، وينقلوا إليها بعض الآداب، ولكن ~~تعسر عليهم نقل العلوم - ولا سيما الشرع - لافتقار الفارسية الحديثة إلى الأوضاع ~~العلمية. وظلت الأولية للغة العرب طوال هذا العصر ومعظم العصر الذي يليه حتى تمت ~~السيادة للشعوب الغربية، واجتاحت البلاد العربية بلغاتها ولهجاتها، فتضاءل سواد لغة ~~الضاد وباد حماتها، وأهل العلم بها، وغلبت عليها طمطمانية الأعاجم. # | هوامش # الفصل الثامن # | الشعراء المولدون # العصر الثالث ~~(1) ميزة الشعر # اصطبغ الشعر بألوان جديدة مازته بخصائصها، وانبعثت فيه فنون كادت تضمحل وتنسى، ~~واستقلت أبواب كانت تابعة لغيرها؛ فأما ما استجد به فالشعر الفلسفي والصوفي. وأما ~~ما انبعث حيا فالفخر والحماسة. وأما ما استقل فالدهريات والزهريات والإخوانيات ~~والهزليات. ~~(1-1) الشعر الفلسفي # لا نعني بالشعر الفلسفي تلك الحكم والأمثال المبثوثة في القصائد، فهذه قديمة ~~غير محدثة وإن يكن المتنبي رقاها وأظهر حلاها. وإنما نعني الشعر الذي تنظم ~~فيه المذاهب الفلسفية بحثا عن الحقيقة بالنظر إلى الطبيعة وما وراء الطبيعة. ~~ومن حق الشعر الفلسفي أن يظهر في هذا العصر، وقد اختمرت العقول بالعلوم ~~الدخيلة، وشرع المفكرون في التصنيف بدلا من النقل، ms186 فنشأت الفلسفة الإسلامية ~~متحدة بالفلسفة اليونانية، ونبغ الفارابي وابن سينا وإخوان الصفاء، ونبغ شاعر ~~فيلسوف نظم الفلسفة للفلسفة في كتاب سماه اللزوميات؛ ألا وهو أبو العلاء ~~المعري. ولابن سينا قصيدة فلسفية شرح فيها رأي أفلاطون في هبوط النفس من ~~السماء، وحبسها في الجسد إلى أن تطهر فترجع من حيث أتت، فهذا النوع من الشعر ~~جديد لم يعرفه العرب من قبل. ~~(1-2) الشعر الصوفي # وهذا أيضا فن جديد ظهر بعد أن ترقت الطريقة الصوفية، وصارت علما يعتمد على ~~الفلسفة. وكانت قبلا أشبه بالزهد مقتصرة على العبادة، والانقطاع إلى الله، ~~والإعراض عن زخرف الدنيا. ويعنى الصوفيون على الأخص بثلاثة أشياء؛ أولها: ~~الاتصال بالله في هذه الحياة الدنيا. والثاني: انبثاق العالم من الله. والثالث: ~~رجوعه إليه تعالى ويسمونه الوصال. ويزعمون أنهم في اتصالهم بالذات تتكشف لهم ~~الحقائق المخبوءة فيرون الجنة وما فيها من أشجار وأنهار، وحور وولدان، ويرون ~~الجحيم وما فيه من أبواب وعذاب. ولا يتم عندهم هذا الفتح الإلهي إلا بعد مجاهدة ~~وذكر وخلوة، يعكف عليها الصوفي، فتأخذه غيبوبة يعبرون عنها بالانجذاب والسكر، ~~فيتوصل إلى الكشف والمشاهدة. ولهذا كثر تغزلهم بالخمرة الإلهية ونشوتها، ~~وتغزلوا بالذات والصفات، ووصفوا الجنة ونعيمها. ولهم في ذلك اصطلاحات مخصوصة ~~بهم يستعملونها في شعرهم ونثرهم. والمنظومات الصوفية من الشعر الرمزي ظاهرها ~~غزل متهالك، وباطنها توجد بالعزة الإلهية. وكان ظهور هذا الفن في أرض الفرس ~~والعراق لأن ثمة مولد الصوفية، ثم امتد بامتدادها إلى الشام فمصر. # ومن الشعر الصوفي قول عبد الكريم القشيري ~~المتوفي سنة 465ه/1072م: # سقى الله وقتا كنت أخلو بوجهكم # وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك # أقمنا زمانا، والعيون قريرة # وأصبحت يوما والجفون سوافك ~~(1-3) الفخر والحماسة # كان هذا الفن قد ضعف في صدر الدولة العباسية؛ لضعف العصبية والنخوة، وانصراف ~~الشاعر إلى القصف والمجون، فلما توالت الحروب والفتن، هب الأمراء للدفاع عن ~~ممالكهم، فآنسوا في شعوبهم فتورا واستكانة، ونفورا من الحرب والنجدة، فأخذوا ~~يبثون فيهم روح الشجاعة والحمية، وحثوا الشعراء على الفروسية والإقدام. وكان ~~ملوك العرب أشد ms187 عناية من غيرهم باستخدام الشعر الحماسي، فسيف الدولة حمل ~~المتنبي إلى حلب، ودفعه إلى الرواض فعلموه الفروسية والطراد، فكان يصحبه في ~~غزواته إلى بلاد الروم، ويصف معاركه، ويبعث بشعره الحمية في صدور الرجال. وقيل ~~إن الخليفة الفاطمي أوعز إلى القصاصين بنشر سيرة عنترة لتثقيف المصريين على ~~الفضائل الجاهلية من فروسية وشجاعة ونجدة. ونظمت لهذه القصة أشعار حماسية أضيفت ~~إلى عنترة وأقرانه، ورصع بها صدر كل معركة أو مبارزة، فاستعاد هذا الفن سابق ~~عزه، وكان الفضل في إحيائه لشعراء العرب الخلص كالمتنبي وأبي فراس والشريف ~~الرضي وأمثالهم، فجددوا به عهد الشعراء الفرسان، وأبدعوا في وصف التحام ~~الجيوش، ووقع الأسنة والسيوف، وشيخ وصافيهم أبو الطيب المتنبي. ~~(1-4) الدهريات # وكان من تتابع الحروب والمحن، واستفحال الفقر والعوز، أن تفاقم تذمر الناس ~~على زمانهم، فباتوا لا تحدث لهم حادثة إلا أضافوها إلى الدهر، وأحالوا عليه ~~باللوم والعتب كأنما هو شخص مسئول عن أعماله. واعتادوا ذلك حتى غلب على كلامهم، ~~وتلون به شعرهم، فأصبح فنا ولكنه ممتزج بغيره. ثم أنشأ الشعراء ينظمونه ~~منفردا فعل ابن الرومي وأضرابه، وتم له الاستقلال في هذا العصر، وسموه شكوى ~~الدهر أو الدهريات. ~~(1-5) الزهريات # وهي وصف الطبيعة وجمالها، وهذا الفن قديم في الشعر العربي، فلما كثر النظم ~~فيه أفردوا له بابا قائما بذاته دعوه الزهريات. وخصوه بنعت الرياض والبساتين، ~~والأشجار والأزهار والأطيار، وغيوم الربيع ووسميه وما شاكل. ~~(1-6) الإخوانيات # هذا باب انفرد به النثر قبل الشعر، ثم لما كثر النظامون، وتعاطى القريض ~~الوزراء وكتاب الدواوين وأهل الفقه والقضاء، أصبحوا يتراسلون بالشعر كما ~~يتراسلون بالنثر، فاستعملوه في التهنئة والتعزية والشكر والعتاب والاستعطاف، ~~وغير ذلك مما يدور بين الأصحاب من مراسلات. ~~(1-7) الهزليات # ويشمل هذا الباب الدعابة والعبث والتهكم، ويغلب عليه الهزل والمجون، وهو غير ~~جديد في نوعه، فقد ظهر منه شيء في ملاحيات بشار وحماد عجرد، ثم في مداعبات أبي ~~نواس وأصحابه المجان، ولكن لم يختص به شاعر يتخذه فنا، يميزه من غيره، قبل ~~أن يظهر في بغداد أشباه ابن ms188 سكرة وابن حجاج من شعراء هذا العصر؛ فإنهم ~~جعلوا منه عرضا مقصودا، وغاية يرمى إليها، فاصطبغ به شعرهم دون غيره من ~~الفنون والأغراض. ودونك مثالا عليه هذه الأبيات من مقصورة صريع الدلاء التي ~~عارض بها مقصورة ابن دريد، وأخرجها متهكما مخرج الحكم والأمثال: # من لم يرد أن تنتقب نعاله # يحملها في كفه إذا مشى # ومن أراد أن يصون رجله # فلبسه خير له من الحفا # من صفع الناس ولم يدعهم # أن يصفعوه فعليهم اعتدى # من طبخ الديك ولا يذبحه # طار من القدر إلى حيث يشا # وكان للاصطلاحات الفلسفية، والمزاعم الصوفية حظ من هذا الشعر، فإن أصحابه ~~اصطنعوها وسيلة للضحك والسخرية، فمن ذلك أن المتفلسفين كانوا يشبهون الإنسان ~~بعالم صغير، فيقول إخوان الصفاء في رسائلهم: «إن هذا الجسد لهذه النفس هو ~~بمنزلة دار لساكنها، فرجلاه وقيام الجسد عليهما كأساس الدار، ورأسه في أعلى ~~بدنه كالغرفة في أعلى الدار.» إلى أن يقولوا: «ورقبته وطولها كرواق الدار، وفتح ~~حلقومه وجريان الصوت فيه كدهليز الدار.» فانتحل ابن سكرة آراءهم في نزلة نزلت ~~به فقال: # قلت للنزلة حلي # وانزلي غير لهاتي # 1 # واتركي حلقي بحقي # فهو دهليز حياتي # على أن هذا الشعر يشوبه كثير من فحش القول وهجره؛ مما يجعله غير صالح للحفظ ~~والرواية. ~~(1-8) سائر أغراض الشعر وفنونه # كان من جراء تنافس الدول في تقريب الشعراء، وإقبال العلماء والكتاب على ~~نظم الشعر، أن تضاعف عدد الشعراء والمتشاعرين، فتكاثروا حتى امتلأت بهم ~~الدواوين والمجالس، وكثر القول حتى اكتظت به الصحاف والقماطر. قيل إن الصاحب بن ~~عباد بنى دارا فهنأه بها خمسون شاعرا، وإن صديقا له مات حماره، فرثي الحمار ~~بأكثر من خمسين قصيدة. وكان من انقياد الشعر إلى غير أهله أن اختلفت فيه ألوانه ~~وأغراضه وفنونه، فحفل شعر الكتاب والوزراء بالتشابيه والاستعارات وأنواع ~~البديع؛ لأنهم تعودوا التنميق في ترسلهم، فغلب عليهم في نظمهم، واحتذى مثالهم ~~جماعة من الشعراء لمكانتهم في دولتهم، فأصبح الشعر عندهم صنعة ووشيا. # وطغت الاصطلاحات العلمية ~~والفلسفية على شعر أهل العلم والفلسفة، وتردد ms189 فيه أسماء فلاسفة اليونان ~~وعلمائهم. ويختص هذا الشعر بضعف العاطفة، وقلة الماء، وقوة التفكير، ووفور ~~المعاني على الألفاظ بحيث لا تسلم أحيانا من الإبهام، فمن ذلك قول البديع ~~الأسطرلابي: # وذي هيئة يزهو بخال مهندس # أموت به في كل وقت وأبعث # فعارضه خط استواء وخاله # به نقطة والخد شكل مثلث # وقول أبي الفتح البستي: # وقد يلبس المرء خز الثياب # ومن دونها حالة مضنيه # 2 # كمن يكتسي خده حمرة # وعلته ورم بالريه # وأفرط الشعراء في ذكر الألفاظ القبيحة، ووصف معارض الفحش؛ فشأوا من ~~تقدمهم، وأربوا عليهم في الإقبال على اللذات، والاستغراق في الشهوات. وقادهم ~~ذلك إلى الإزراء بالدين، فخفت أسماء الأنبياء وكتبهم على ألسنتهم. وكان ~~لانتشار الدعوات الباطنية، والطرق الصوفية، والآراء الفلسفية يد في دفع الشعراء ~~إلى الاجتراء على الدين والأنبياء المرسلين. وغلب الغلو المسترذل على مدائحهم؛ ~~لأن تنافس الدول المستقلة جعل أمراءها يستعذبون كل إطراء كاذب؛ لكى يمدح كل ~~واحد منهم بأحسن مما مدح به غيره؛ فأسرف الشعراء في أقوالهم، وأغرقوا في طلب ~~المحال، فوضعوا ممدوحيهم في مقام الرسل حينا، وفي مقام الإله آخر، وأضافوا ~~إليهم غرائب المعجزات، وأسطع الآيات، فجاء شعرهم من هذا القبيل كثير الغثاء ~~بغيضا ممقوتا. ~~(1-9) لغة الشعر # كان من تعدد حواضر الشعر أن ظهر شعراء في الأمصار العجمية حيث الرطانة غالبة، ~~والبلاغة مهزومة؛ فجاء شعرهم ضعيف البيان منحدرا إلى الركاكة، وسرى هذا الداء ~~إلى العراق لغلبة العناصر الفارسية والتركية على أهله إلا بغداد قرارة العلم، ~~وكعبة رجاله، ومحط رحال الأعراب، فإن شعراءها احتفظوا ببلاغتهم، وحسن بيانهم، ~~فنبغ فيهم أمثال الشريف الرضي، ومهيار الديلمي، وابن نباتة السعدي، والسلامي ~~وغيرهم. # وأما الشام فإن شعراءها بقيت لهم ملكة البلاغة، فضربوا بسهم وافر منها. ويرجع ~~ذلك إلى إعراقهم في العروبة، وقربهم من البادية، وقلة اختلاطهم بالأعجام، ~~فامتاز شعرهم في الجزالة والرصانة، ولم يخلص من الغريب، كما في شعر المتنبي ~~والنامي وأبي فراس وأبي العلاء. # وأما مصر فلم تكن قدما موطنا للشعر، ولا مزارا لأهل البادية، فما نبغ فيها ~~شاعر يذكر، ms190 # 3 # ولا رنت في أرجائها قافية شرود إلا لشاعر غريب يقصدها كما قصد ~~إليها أبو نواس والمتنبي. فلما قامت الدولة الفاطمية، وتعهدت الشعر برعايتها، ~~أقبل الشعراء على مصر، وتكاثر عددهم، فنمت بذور الأدب في الكنانة، وتعاطى الشعر ~~جماعة من أهلها إلا أنهم لم ينبغوا فيه نبوغ أهل الشام والعراق لقلة بضاعتهم في ~~هذه الصناعة وقرب عهدهم بها، ثم لضعف ثقافتهم الأدبية والعلمية، فإن العلوم ~~والآداب انتشرت في العراق والشام قبل أن تدخل مصر وتمد فيها عروقها. هذا والشعر ~~المصري يميل إلى الصنعة اللفظية، لين التركيب لم يدعم بلغة متينة خالصة ~~العروبة كلغة أهل الشام، فانحدر أحيانا بأصحابه إلى الضعف. وإذا تمادى اللين ~~لا يسلم من الإسفاف. ونحن نقتصر هنا على درس اثنين من شعراء الشام، وهما ~~المتنبي وأبو فراس. ~~(2) المتنبي 915-965م/303-354ه ~~(2-1) حياته # هو أحمد بن الحسين الجعفي، عربي صليبة. وبنو جعفي بطن من سعد العشيرة بن ~~مذحج، وهي قبيلة يمانية فيها فصاحة ولسن، ينتهي نسبها إلى بني كهلان، ~~وكنيته أبو الطيب، ولقبه المتنبي. قيل لقب به لادعائه النبوة. وكان ~~أبو الحسين بن لنكك يحسد أبا الطيب، ويطعن عليه، ويزعم أن أباه كان سقاء ~~بالكوفة. ورواية رجل مثله لا يصح التعويل عليها. # وكان بالكوفة محلات نزلتها أفناء اليمن، وأطلقت عليها أسماء قبائلها ~~المشهورة، منها محلة كندة، وفيها ولد المتنبي، وإليها انتسب. وظهرت عليه ~~النجابة وهو صغير، فحمله والده في نعومة أظفاره إلى الشام فنشأ فيها وبها ~~تخرج، ونظم الشعر وهو في المكتب، وما إن ترعرع حتى مات أبوه وتركه ~~يتيما. # دعوته # لبث المتنبي بعد موت أبيه يطوف بين الشام والعراق، ويتنقل في البادية ~~مصاحبا الأعراب. وكانت الديار الإسلامية يومئذ دريئة للفتن والدعوات، ~~فالفرق الباطنية من قرامطة وإسماعيلية وسواهم، يدعون للرضا من أبناء علي، ~~أو يبشرون الناس بظهور المهدي ليطهر الأرض من الجور والفساد. والخوارج على ~~السلطان يؤرثون نار الفتن في الأمصار ويستولون عليها عنوة حتى باتت ~~الخواطر على تنظر دائم لرسول تبعثه السماء والخارجي مغامر يملك الأرض ~~ويحتل مكان مالك ms191 آخر. # وكان أبو الطيب ينظر إلى ~~هذه الأحوال القلقة، ويقلبها على وجوهها، ويستكشف عن الأفكار المضطربة، ~~ويروز حصياتها، فحدثته نفسه الطموح بأن يلقي دلوه في الدلاء، ولم ~~لا يفعل وفي قلبه جراءة واعتداد، وفي لسانه فصاحة وبيان. وكان له في ~~الأعراب أصحاب وخلان لكثرة اختلاطه بهم، ومرافقته لهم في حل وترحال، ~~فاعتمد عليهم في بث دعوته، فاجتمع إليه بعض القبائل الضاربة في بادية ~~السماوة بحيال الكوفة وما يليها من مشارف الشام كبني كلب وكلاب وغيرهم. ~~وأهل البادية؛ لجهالتهم وفقرهم، أسرع الناس لتصديق الدعوات وإثارة الفتن ~~والخروج على السلطان. ويدلنا شعر المتنبي على أن هذه القبائل كانت قوية ~~الشوكة، كثيرة العصيان، فمرة تشق عصا الطاعة على سيف الدولة فيوقع بها ~~ويسبي نساءها، فيستعطفه المتنبي عليها. ومرة تخرج بالكوفة وتعيث فسادا ~~فيأتي دلير بن لشكروز لقتالها فتنصرف إلى باديتها قبل وصوله. فأبو ~~الطيب في اعتماده عليها قد استنصر أقواما لا يأتلون في مواقعة الكروب ~~ومقارعة الخطوب. فلما كبر أمره، تأدى خبره إلى لؤلؤ أمير حمص من قبل الدولة ~~الإخشيدية، فخرج إليه وأسره وشرد أصحابه، وحبسه طويلا حتى كاد ~~يتلف. # أما دعوته التي دعا إليها ففيها خلاف، فمنهم من يزعم أنه ادعى النبوة. ~~ومنهم من يقول إنه تنحل العلوية ودعا الناس إلى بيعته. ومنهم من يضيف ~~إليه الدعوتين معا فيزعم أنه حبس في الكوفة لادعائه العلوية، ثم حبس في ~~حمص لادعائه النبوة. غير أن أبا العلاء المعري يشك في خبر حبسه بالكوفة إذ ~~يقول في رسالة الغفران: «وما وضح أن ذلك الرجل حبس بالعراق، فأما بالشام ~~فحبسه مشهور.» ولكنه لا يصرح بحقيقة دعوته فيقول: «وحدثت أنه كان إذا ~~سئل عن حقيقة هذا اللقب (أي المتنبي) قال: «هو من النبوة.» # 4 # أي المرتفع من الأرض. وكان قد طمع في شيء كان قد طمع فيه من هو ~~دونه. وإنما هي مقادير يظفر بها من وفق، ولا يراع بالمجتهد أن يخفق. ~~وقد دلت أشياء في ديوانه أنه كان متألها، فمن ذلك قوله: «ولا قابلا إلا ~~لخالقه ms192 حكما.» ا.ه. على أن تألهه في شعره لا يعطينا دليلا قاطعا على ~~تنبئه وإن يكن شبه نفسه مرة بالمسيح وأخرى بصالح في قوله: # ما مقامي بأرض نخلة إلا # كمقام المسيح بين اليهود # 5 # أنا في أمة تداركها الله! # غريب كصالح في ثمود # 6 # حتى إن قصيدته التي استعطف بها الوالي وهو معتقل عنده ليس فيها ذكر ~~لنبوته، وإنما يشير إلى أمر كان يفكر فيه ولم يفعله: # وكن فارقا بين دعوى أردت # ودعوى فعلت بشأو بعيد # 7 # ومن تتبع ديوانه منذ حداثته إلى اكتهاله يرى حب الولاية والرئاسة يدور في ~~رأسه، ويدفعه إلى إظهار ما في ضميره من الرغبة في الخروج على السلطان، ~~والاستظهار بالشجعان، والاستيلاء على بعض الأطراف. وغير مستبعد أن يلتمس ~~الملك بالوسائل الدينية، فيدعي العلوية أسوة بغيره من الأدعياء. # ويستدل من قصيدته التي بعث بها إلى الوالي وهو مسجون، أنه أظهر دعوته قبل ~~أن يتم الخامسة عشرة، وهذا من ~~غرائب النبوغ المبكر إن صح الخبر، وفي ذلك يقول: # تعجل في وجوب الحدود # وحدي قبيل وجوب السجود # 8 # أما الثعالبي فلم يطمئن إلى هذا البيت، بل ارتاب في صدق صاحبه وقال: ~~«ويجوز أن يكون قد صغر سنه وأمر نفسه عند الوالي؛ لأن من كان ~~صبيا لم يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف.» وإذا تقصينا أخبار ~~دعوته تبين لنا من حديث لأبي عبد الله معاذ بن إسماعيل اللاذقي أن ~~المتنبي قدم اللاذقية في سنة عشرين ونيف وثلاثمائة للهجرة، وزعم أنه نبي ~~مرسل، فيكون يومئذ في حدود العشرين، وهي السنة التي اعتقله فيها لؤلؤ فطال ~~حبسه حتى انتقلت إمارة حمص إلى إسحاق بن كيغلغ التركي، فلبث يعاني مضض ~~الاعتقال حتى مرض واشتد عليه المرض فنظم قصيدته التي يستعطفه بها ويصغر ~~فيها سنه. ووافق وصول هذه القصيدة الرقيقة شفاعات للفتى المريض، فرضي ابن ~~كيغلغ أن يعفو عنه إذا تاب وأنكر دعواه، فأظهر المتنبي توبته، وأطلق سراحه ~~في أواخر سنة 324ه/936م بعدما قضى في السجن زهاء سنتين. # وفاداته على الأمراء # لم يرث ms193 المتنبي من أبيه مالا يسد به خلته، ويغنيه عن التكسب بشعره. ~~وكثيرا ما كان يشكو الفقر وشظف العيش، وقلة الأعوان. وابتدأ يمدح الناس ~~وهو في الكتاب، وكان من جوائزه في صباه هدية فيها سمك من سكر ولوز في ~~بركة من العسل. وعضت به الحاجة بعد موت أبيه فراح يتردد في حواضر الشام، ~~يمدح الأمراء والسادات؛ فعرفته دمشق، وبعلبك، وحمص، وطرابلس، ومنبج، ~~وأنطاكية، واللاذقية، وطرسوس، وصور، وطبرية، والرملة. وله مدائح قالها في ~~أثناء دعوته يوم كان يتوغل في البادية، ويستنصر الأعراب، كمدحته في ~~الحسين بن إسحاق التنوخي، أنشده إياها في اللاذقية وهو ابن عشرين؛ لقوله ~~فيها: # وما أربت على العشرين سني # فكيف مللت من طول البقاء! # ومرت به أوقات أول أمره، كان يجاز فيها بدينار واحد، ويلبس خشن القطن ~~ولا يملك ناقة يستعين بها على أسفاره، فيركب نعليه ويضرب بهما في الحواضر ~~والبوادي، فاشتهر بجلده على المشي المتواصل، وفي ذلك يقول: # لا ناقتي تقبل الرديف ولا # بالسوط يوم الرهان أجهدها # 9 # شراكها كورها، ومشفرها # زمامها، والشسوع مقودها # 10 # ويقول في كلمة أخرى. # أبدا أقطع البلاد ونجمي # في نحوس وهمتي في سعود # ويقول أيضا: # لسري لباسه خشن القطن # ومروي مرو لبس القرود # 11 # ثم حظي عند بعض الأمراء أمثال آل تنوخ في اللاذقية، وبدر بن عمار في ~~طبرية، والحسن بن طغج في الرملة. وأتيح له شيء من الشهرة حتى أصبح ذوو ~~الوجاهة يتعرضون له ليمدحهم فعل ابن كيغلغ وكان يومئذ على طرابلس، ~~بعدما كان في حمص فمر به أبو الطيب ووجهته أنطاكية، فسأله أن يمدحه، ~~فماطله أبو الطيب وكان يرجو الاتصال بسيف الدولة، فكيف يمدح عاملا لعدوه ~~الإخشيد، وهو إلى ذلك لم ينس أن الرجل لم يطلقه من السجن إلا بعدما أدنفه ~~المرض. وما زال يماطله حتى تسنى له الهرب بعد أربعين يوما، فهجاه ~~بقصيدته الشهيرة التي أولها: «لهوى النفوس سريرة لا تعلم.» ومثله طاهر ~~بن الحسين العلوي في الرملة، فإنه كان يشتهي أن يمدح بشعر أبي الطيب، ~~وشاعرنا يأبى أن يمدحه ms194 حتى ألح عليه الأمير أبو محمد الحسن بن طغج، وضمن له ~~عند العلوي مئات من الدنانير، ففعل أبو الطيب، ولما دخل على طاهر لينشده ~~شعره فيه نزل طاهر عن سريره، والتقاه مسلما عليه، ثم أخذه بيده، فأجلسه ~~في المرتبة التي كان فيها، وجلس هو بين يديه. # على أن حظوته عند هؤلاء الأمراء لم تغنه من فقر، ولم تحل دون تذمره على ~~الدهر، وشكواه كساد الشعر. وقد أورثته مع ضآلتها أعداء وحسادا فكانوا ~~يكايدونه شأن ابن كروس الأعور نديم بدر بن عمار، وكان هو يهجوهم ~~ويذود عن نفسه. وما زال كذلك دأبه بين خمول وشهرة، وهبوط وارتفاع، وفقر ~~وغنى، حتى ورد أنطاكية وعليها أبو العشائر الحمداني من قبل نسيبه سيف ~~الدولة، فاتصل به ومدحه بعدة قصائد، فأكرمه أبو العشائر وأحسن ~~مثواه. # اتصاله بسيف الدولة # وكان سبب اتصاله بسيف الدولة أن ملك حلب قدم أنطاكية سنة 337ه/948م، ~~فاستقبله أبو العشائر، وقدم إليه المتنبي وعرفه منزلته في الشعر والأدب ~~وأثنى عليه، فحمله معه إلى حلب، واشترط عليه أبو الطيب ألا ينشده واقفا ~~وألا يكلف تقبيل الأرض بين يديه، فدخل سيف الدولة تحت شرطه، ومالت نفسه ~~إليه وأحبه، فسلمه إلى الرواض، فعلموه الفروسية والطراد والمثاقفة، ~~فكان يصحبه في غزواته، ويشهد معه المعارك، ويصفها بشعره. # وأفاض عليه سيف الدولة وافر النعم، فكان يعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار ~~على ثلاث قصائد ما عدا غيرها من نوافل الأعطيات والخيل والجواري والضيع، ~~حتى بلغ ما ناله في مدة أربع سنوات خمسة وثلاثين ألف دينار. وهي ثروة لا ~~تقل عما كان يربحه فحول الشعراء في الأعصر المتقدمة؛ لأن الذهب في عصر ~~المتنبي كان غاليا لتوزعه في الممالك المستقلة بعدما كان محصورا في مملكة ~~واحدة، ثم لتتابع الحروب والثورات والفتن، فلا غرو أن يشعر أبو الطيب بلذة ~~الغنى، وينزع عن شكوى الفقر، والتطواف للتكسب، ويخاطب سيف الدولة ~~بقوله: # تركت السرى خلفي لمن قل ماله # وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا # 12 # ولكن نفسه الجبارة ظلت تطمع في شيء أعظم، فكان يشير ms195 إليه ولا يصرح ~~به: # أهم بشيء والليالي كأنها # تطاردني عن كونه، وأطارد # 13 # وكان به غلظة واستكبار، فرفع رأسه تغطرسا، وصعر خده للناس، فمقته ~~الشعراء والأدباء لكبريائه، وحسدوه على نعمته ورقة حواشي عيشه؛ فراحوا ~~يكيدونه ويرمونه بكل نقيصة، ويعيرونه أصله، ويعيبون شعره، ويغلظون قلب ~~الأمير عليه. ولم تخف على المتنبي قوة خصومه، فلم يخم عنهم بل قاومهم ~~بعنف واحتقار. وإذا رأى من سيف الدولة ميلا إليهم عاتبه واستنجده ~~عليهم: # أزل حسد الحساد عني بكبتهم # فأنت الذي صيرتهم لي حسدا # 14 # وكان أشد خصومه لددا ~~أبو فراس الحمداني، وابن خالويه مؤدب سيف الدولة؛ فإن أبا فراس - وهو ~~شاعر وأمير - كان يتأذى من شهرة أبي الطيب المتنبي، وتقديم سيف الدولة ~~له، ويغيظه أن يعرض أبو الطيب عنه فما يخصه بمديح. ولا يعتد بقول ~~الثعالبي إنه لم يمدحه تهيبا له وإجلالا، لا إغفالا وإخلالا؛ فإن شاعر ~~سيف الدولة لو شاء لاستطاع أن يمدح أبا فراس وهو دون الملك مقاما، وهيبة ~~وجلالا، لكنه ترفع عنه كما ترفع عن غيره، واكتفى بسيف الدولة لا يمدح ~~سواه. فكرهه أبو فراس، وتمنى إسقاطه، وخضد كبرياءه، فطفق يضافر الشعراء ~~على ثلبه، ويلوم ابن عمه على تقديمه فيقول: «إن هذا المتشدق كثير الإدلال ~~عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار على ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق ~~مائتي دينار على عشرين شاعرا يأتون بما هو خير من شعره.» وما زال به ~~يعضده سائر خصوم المتنبي من شعراء وعلماء حتى تغير قلب الأمير عليه، فجعل ~~يجفوه مرة، ويرضى عنه أخرى، وربما دخل عليه فتنكر له، ورد السلام ~~مختصرا. وجفاه مرة، فعاتبه الشاعر، فلم ينظر إليه سيف الدولة كعادته، فخرج ~~متغيرا وانقطع عن نظم الشعر. وكان سيف الدولة إذا تأخر عنه مدحه شق عليه ~~وأكثر أذاه، وأحضر من لا خير فيه، وتقدم إليه بالتعرض له في مجلسه بما لا ~~يحب، فلا يجيب أبو الطيب، فيزيد ذلك في غيظ سيف الدولة ويتمادى أبو الطيب ~~في ترك قول الشعر، ويلج سيف الدولة فيما ms196 كان يفعله، إلى أن كبر الأمر على ~~الشاعر فنظم ميميته الخالدة التي أولها: # وا حر قلباه ممن قلبه شبم # ومن بجسمي وحالي عنده سقم! # 15 # وكان أبو فراس حاضرا ساعة إنشادها، فانبرى ينتقدها، ويبين سرقات أبي ~~الطيب فيها، وأبو الطيب يتابع القول ولا يرد عليه ويبالغ في الكبر ~~والصلف حتى إنه لم يبال أن يتناوله بشعره، ويعرض به، وأن يفتخر على ~~جميع من حضر مجلس الأمير، فضجر سيف الدولة منه، واستاء من دعاويه وعجرفته، ~~فضربه بدواة بين يديه، فلم يهلع الشاعر، بل ظل رابط الجأش، حاضر الذهن، ~~فارتجل هذا البيت الشرود: # إن كان سركم ما قال حاسدنا # فما لجرح إذا أرضاكم ألم # وتابع أبو فراس نقده، فلم يلتفت سيف الدولة إلى قوله، وأعجبه بيت ~~المتنبي، ورضي عنه، وأدناه إليه، وقبله، وأجازه بألف دينار، ثم أردفها ~~بألف أخرى. # على أن هذه القصيدة وإن تكن أرضت سيف الدولة مع ما فيها من غطرسة وغلظة ~~في العتاب، لقد أحنقت أنسباءه وحاشيته ورجال مجلسه. وكان أبو العشائر ~~حاضرا فساءه أن يعرض الشاعر ببعض بني عمه، فلما خرج المتنبي ألحق به بعض ~~غلمانه ليوقعوا به، فوقفوا له في الطريق، فرماه أحدهم بسهم وقال: «خذه، ~~وأنا غلام أبي العشائر!» فوقع السهم في نحر فرسه، فانتزعه ورمى به؛ ثم كر ~~عليهم بالسيف فجرح أحدهم، فتركوه واشتغلوا بالمضروب. واستخفى أبو الطيب عند ~~صديق له، وسيف الدولة يسأل عنه، وينكر أن يكون قد أمر بقتله، أو علم بما ~~دبر لاغتياله. ثم عاد إليه الشاعر يمدحه، ولكن اجتماع الحساد عليه ~~كان ينغص عيشه، فسئم الإقامة بينهم وآلمه أن يعيرهم الأمير سمعه، فأزمع ~~الرحيل، وحذر سيف الدولة بقوله: # أذا الجود أعط الناس ما أنت مالك # ولا تعطين الناس ما أنا قائل # فلم يحفل سيف الدولة بتحذيره، ولا منع الخصوم عن الوقيعة به، حتى كانت ~~حادثة ابن خالويه، فجاءت ثالثة الأثافي. # وابن خالويه له دالة على الأمير؛ لأنه مؤدبه، وهو يكره المتنبي لشاعريته ~~وحظوته، ويكرهه لأن أبا الطيب كان يحتقره ويزدري آراءه ms197 في النحو، ولطالما ~~حاول النحوي مناظرته، فخذله الشاعر، وجهله وسفه آراءه. فاتفق أن ~~اجتمعا مرة في مجلس سيف الدولة بعد أن عاثت مكايد الحساد في صدر الأمير ~~فأفسدت في ما بينه وبين شاعره من مودة. وكان أبو الطيب اللغوي حاضرا، فجرت ~~بينه وبين ابن خالويه مناظرة في اللغة، والمتنبي ساكت. فقال له سيف الدولة: ~~«ألا تتكلم يا أبا الطيب؟» فتكلم بما قوى حجة أبي الطيب اللغوي وضعف ~~قول ابن خالويه، فأخرج هذا من كمه مفتاحا ليلكم به المتنبي، فقال له ~~المتنبي: «اسكت ويحك! فإنك أعجمي، وأصلك خوزي فما لك والعربية!» فضرب وجهه ~~بذلك المفتاح، فأسال دمه، فغضب المتنبي من ذلك. وزاده غيظا أن سيف الدولة ~~لم ينتصر له لا قولا ولا فعلا، فاعتصم بالصمت عالما أن التعرض لابن ~~خالويه وخيم المغبة ما دام الأمير راضيا عن عمله، وخرج من الحضرة، وقد ~~عول على الرحيل. # اتصاله بكافور # ترك المتنبي حلب سنة 346ه/957م، وأم دمشق وهي يومئذ من أعمال الإخشيد ~~وعليها وال يهودي من قبل كافور # 16 # يعرف بابن مالك، فالتمس من المتنبي أن يمدحه، فتأبى؛ فغضب ~~ابن مالك وحمل كافورا على أن يطلب أبا الطيب إلى مصر. ثم كتب إليه أن ~~الشاعر قال: «لا أقصد العبد، وإن دخلت مصر فما قصدي إلا ابن سيده.» ونبت ~~دمشق بالمتنبي فصار إلى الرملة بفلسطين، وافدا على أميرها الحسن بن طغج، ~~وكان أبو الطيب يمدحه قبل اتصاله بسيف الدولة، فحمل إليه الحسن هدايا ~~نفيسة، وخلع عليه، وحمله على فرس، وقلده سيفا محلى. وعرف كافور بمقدمه ~~فكان يقول: «أتراه يبلغ الرملة ولا يأتينا؟» وكانت الرملة من أعمال ~~الإخشيد، فكتب إلى أميرها يطلبه، فسار إليه أبو الطيب، فأمر له بمنزل، ووكل ~~به جماعة من الغلمان يخدمونه، وخلع عليه. # وكان المتنبي لا ينفك يحلم بالملك منذ حداثته، فلما صار إلى كافور بعد ~~خيبته عند سيف الدولة، ولقي من الأسود حفاوة وإكراما، طمع فيه وشاقه أن ~~يقطع ولاية في مملكته يدبر أمورها، ويعتاض بها من خيبته، ويكبت بها ~~حساده، ms198 فوعده كافور، فشرع المتنبي يمدحه في كل سانحة، ويعرض لذكر ~~الولاية، وكافور يماطله. # ولم يسلم في مصر من أعداء يكيدونه، فإن ابن حنزابة - وزير كافور - كان ~~يبغضه؛ لأنه أبى أن يمدحه، فأخذ يشنع عليه، ويشير على كافور بأن لا يجيب ~~طلبه، وإذا سمع مدحه في سيده قال: «هذا هزء بكافور.» # فلما طال الأمر بأبي الطيب، وبان له أن وعود كافور عرقوبية، تولاه اليأس، ~~ومل الإقامة في مصر. ثم أصابته الحمى، فساءت صحته، فعزم على ~~الرحيل. # وكان كافور يعلم أن أبا الطيب واجد عليه لتخييبه رجاءه، فخشي أن يهجوه ~~إذا خرج من مصر وابتعد عن حكمه، فمنعه من الرحيل، وألزمه أن يبقى في ~~بطانته، فعلم أبو الطيب أنه سجين لا يستطيع البراح إلا خفية، فأعد كل ما ~~يحتاج إليه، وأعانه بعض أصحابه، فدفن الرماح في الرمال، وحمل الماء على ~~الإبل لعشر ليال، وتزود لعشرين. وكان يفعل ذلك سرا وهو يظهر الرغبة في ~~المقام، ويركب في خدمة العبد خوفا منه. فلما كانت ليلة الأضحى في أواخر ~~سنة 350ه/961م خرج من مصر مستخفيا، ونظم في هجو كافور داليته الشهيرة: ~~«عيد بأية حال عدت يا عيد!» فأرسل كافور بعض رجاله بطلبه فلم ~~يدركوه. # في العراق وفارس # برح المتنبي مصر ساخطا على كافور يهجوه ويوجع عرضه، فقدم الكوفة سنة ~~351ه/962م وأقام بها. وبلغ سيف الدولة قدومه، فأنفذ إليه ابنه من حلب سنة ~~352ه/963م ومعه هدية سنية، فمدحه أبو الطيب بقصيدة، وأرسلها إليه. ثم ~~ماتت أخت سيف الدولة، فعمل المتنبي قصيدة يعزيه فيها، وبعث بها إلى حلب. ثم ~~أنفذ إليه سيف الدولة كتابا بخط يده يسأله المسير إليه، فأجابه أبو الطيب ~~بقصيدة أولها: # فهمت الكتاب أبر الكتب # فسمعا لأمر أمير العرب # ولكنه لم يصر إليه، بل ~~لبث بالكوفة نحو ثلاث سنوات، قصد في خلالها إلى بغداد والخليفة فيها المطيع ~~لله، والسلطان بيد معز الدولة بن بويه، ووزيره المهلبي، فرغب المهلبي إلى ~~أبي الطيب في أن يمدحه، فالتحف برداء الكبر، على لغة الحاتمي، وأعرض عن ~~مدحه؛ فحنق ms199 الوزير وأغرى به الشعراء فانبروا يشتمونه ويتنقصون قدره. وكان ~~أشدهم تطاولا عليه ابن سكرة وابن حجاج. وكان المعز قد ساءه أن يصدر ~~شاعر عن حضرة عدوه سيف الدولة ويرد حضرته في دار الخلافة، فلا يلقى أحدا ~~يساويه في صناعته. فما كان من الحاتمي إلا أن تعرض لمناظرة أبي الطيب ~~فجاءه في داره، فازدراه المتنبي ولم يوقره، فحنق واندفع ينتقده ويظهر ~~عيوبه. ويحدثنا الحاتمي في رسالته الموضحة أن أبا الطيب اعتذر له مستخذيا، ~~وعجز عن مناظرته. ولكن لا نستطيع أن نثبت حقيقة هذه المناظرة؛ لأن القصة ~~يرويها أحد الخصمين. ومن الصعب أن يقنعنا الحاتمي بأن المتنبي لانت قناته ~~في مناظرته له، وقد عرف باستبحاره في اللغة، واعتداده بنفسه، وصلابته في ~~الدفاع عن شعره. # ولم تطب الإقامة للمتنبي في دار السلام، فلم يطل بها مكوثه، بل رجع إلى ~~الكوفة وأقام بها زمنا ثم رحل إلى أرجان وفيها ابن العميد وزير ركن ~~الدولة بن بويه صاحب أصفهان. وكان قد راسل المتنبي إلى العراق فصار إليه في ~~شهر صفر سنة 354ه/شباط 965م، ومدحه وأقام عنده برهة. ثم جاءه كتاب من عضد ~~الدولة بن بويه صاحب فارس يستزيره، فودع ابن العميد، وشخص إلى شيراز، ~~فاحتفى به عضد الدولة، وأحسن وفادته، وأجزل له العطاء حتى بلغ ما وصل إليه ~~منه أكثر من مائتي ألف درهم ما عدا الخلع والهدايا والتحف. # وعرضت لأبي الطيب حاجة في الكوفة، ويظن أنه كان يريد الرجوع إلى حلب، ~~فاستأذن عضد الدولة بالسفر على أن يعود إليه، فأذن له وخلع عليه الخلع ~~الخاصة، ووصله بالمال الكثير، فودعه بقصيدة كافية أنشده إياها في أول ~~شعبان سنة 354ه/2 آب 965م، وكانت آخر شعر قاله، وقد أودعها من التشاؤم على ~~نفسه، بما لم يقع له في غيرها مع كثرة أسفاره. وكثيرا ما تنتاب الهواجس ~~قلب المرء، قبل نكبة مقدورة له، ولا يعلم لها سببا: # وأنى شئت يا طرقي فكوني # أذاة أو نجاة أو هلاكا! # مقتله # اختلف الرواة في مقتل المتنبي، فمن قائل إن قاتله فاتك ms200 بن جهل الأسدي، ~~ومن زاعم أن عضد الدولة لما وفد عليه أبو الطيب وصله بثلاثة آلاف دينار، ~~وثلاثة أفراس مسرجة محلاة، وثياب مفتخرة، ثم دس عليه من سأله: «أين هذا ~~العطاء من عطاء سيف الدولة؟» فقال: «هذا أجزل إلا أن عطاءه متكلف، وسيف ~~الدولة كان يعطي طبعا.» فغضب عضد الدولة، فلما انصرف أبو الطيب من شيراز، ~~جهز عليه قوما من بني ضبة فقتلوه. وقيل إن الخفراء جاءوه، وطلبوا منه ~~خمسين درهما ليسيروا معه، فمنعه الشح والكبر، فوقع له في الطريق ما وقع. ~~على أن الرواية الأولى أشهر، وتحرير الخبر أن رجلا يقال له ضبة بن يزيد ~~العتبي كان قد خرج في الكوفة مع خوارج الأعراب من كلاب، فقتل والده في ~~تلك الفتنة، قتله قوم من الكوفة، وسبيت أمه. # وكان ضبة غدارا بكل من نزل به، فاجتاز به أبو الطيب في جماعة من أشراف ~~الكوفة، فامتنع منهم، وأقبل يجاهر بشتمهم، فأرادوا أن يجيبوه بمثل ألفاظه ~~القبيحة، وسألوا ذلك أبا الطيب، فتكلفه لهم على كراهة وقال يهجو ضبة وهو ~~على ظهر جواده: «ما أنصف القوم ضبة.» وهي قصيدة فاحشة الألفاظ، كثيرة ~~الغثاء حتى إن أبا الطيب كان يكره سماعها إذا رويت له. وقد سببت قتله مع ~~ما فيها من سخف وسفسفة؛ ذلك أنه كان لضبة خال يقال له فاتك بن جهل الأسدي، ~~فداخلته الحمية لما سمع ذكر أخته بالقبيح، فأضمر الشر لأبي الطيب، ولبث ~~يتربص به في جماعة من قومه، قيل إنهم عشرون، وجعلهم عبد الله الكاتب ~~النصيبي في قصيدة رثى بها المتنبي سبعين رجلا، وجعل رفاق أبي الطيب ~~ستة. # وعاد المتنبي من شيراز ومعه بغال موقرة بالذهب والطيب، والكتب الثمينة، ~~والخلع النفيسة، فلما بلغ النعمانية في جبال الصافية، من الجانب الغربي من ~~سواد بغداد، على مقربة من دير العاقول، خرج عليه فاتك في أصحابه، فقاتل ~~المتنبي حتى قتل هو وابنه محسد، وغلامه مفلح. وروى صاحب العمدة أن أبا ~~الطيب فر لما رأى الغلبة، فقال له غلامه: لا يتحدث عنك الناس بالفرار ms201 ~~أبدا وأنت القائل: # الخيل والليل والبيداء تعرفني # والسيف والرمح والقرطاس والقلم # فكر راجعا فقتل، وكان ذلك في 28 رمضان سنة 354ه/27 أيلول 965م. # ورثى أبا الطيب عدة شعراء منهم صديقه أبو الفتح عثمان بن جني ~~النحوي، ومظفر بن علي الطبسي، وعبد الله الكاتب النصيبي، وثابت بن هارون ~~الرقي النصراني. وهذان استجاشا عضد الدولة على بني أسد؛ لأنهم قتلوا ~~ضيفه، وحووا عطاءه، ولكن عضد الدولة لم يصنع شيئا، وذهب دم الشاعر وأصحابه ~~هدرا. # أخلاقه وصفاته # يصور لنا شعر المتنبي أخص ما يمتاز به صاحبه من الصفات، ففيه الكبرياء ~~والأنفة، والشجاعة، والطموح، وحب المغامرات. ~~وفيه التعفف والترصن، ومجانبة ~~اللهو والهزل، حتى إن شاعرنا كان يكره الخمر لأنها تضيع العقل: # وأنفس ما للفتى لبه # وذو اللب يكره إنفاقه # ولا يكرهها لأن الكتاب حرمها، فتحريم الكتاب عنده دون تحريم ممدوحه إذا ~~أراده على شربها: # وإذا طلبت رضى الأمير بشربها # وأخذتها فلقد تركت الأحرما # ومن يعلو بنفسه إلى منازل الأنبياء والرسل لا يرجى منه تحرج في الدين، ~~فقد روي أن أبا الطيب لم يكن يصوم، ولا يصلي، ولا يقرأ القرآن. ولكنه كان ~~وفيا لأصحابه، فقد ترك حلب غاضبا مقهورا، وقلبه لم يزل يحن إلى سيف ~~الدولة. وبعث أبو العشائر غلمانه ليغتالوه، فلم يقل فيه كلمة سوء، وإنما ~~قال أبياتا تشعر بحبه الأكيد له: # ومنتسب عندي إلى من أحبه # وللنبل حولي من يديه حفيف # وكان يكره التمويه والخداع، فقد شاب وهو غلام فلم يختضب؛ لأن الاختضاب ~~تمويه: # ومن هوى كل من ليست مموهة # تركت لون مشيبي غير مخضوب # وكره كافورا لأنه خدعه وأخلفه الوعد. ولكن عصره كان عصر رياء ومخادعة ~~فاضطره أحيانا إلى محاربة الناس بسلاحهم: # ولما صار ود الناس خبا # جزيت على ابتسام بابتسام # 17 # إلا أنه كان يتألم من ذلك: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # وساء ظنه بعصره فتشاءم به، واحتقر أهليه، وزاده تشاؤما مغامراته ~~الكثيرة، وإخفاقه المتتابع. # وعيب أبو الطيب بالبخل، فرووا عنه قصصا غريبة ms202 لا نطمئن إلى صحتها؛ لأنها ~~تنافي كبره وإباءه، ولأن الشاعر كان كثير الحساد، فوضعوا عليه هذه النوادر ~~ليتنقصوه ويسقطوه. ونحن لا نزعم أن أبا الطيب سخي متلاف؛ فذلك ليس من ~~طباعه، ولكننا لا نراه لحزا شحيحا، فقد طالما ذم الحرص وافتخر بكرمه. ~~ولو كان ممن يحرصون على جمع المال لما استنكف أن يمدح كل أمير يسأله ~~مديحا. وأغلب ظننا أن المتنبي كان مقتصدا؛ لأنه ذاق طعم الفقر في صباه، ~~ورأى فيه ضيما، ونفسه تأبى الضيم، فكره التبذير خوفا من ذل الفاقة، وهو ~~يطلب المجد، وعنده أن المجد لا يدرك بغير المال: «فلا مجد في الدنيا لمن ~~قل ماله.» فحرص أبي الطيب على طلب المجد جعله يؤثر الاقتصاد، ولا يسرف ~~في الإنفاق. # أستاذوه وعلومه # طلب المتنبي العلم في صباه، ورغب في تحصيله، فحمله والده إلى الشام، ~~فأدخله المكاتب، وطوف به في الحواضر والبوادي، وردده في القبائل، حتى ~~توفي أبوه وقد ترعرع أبو الطيب وشعر وبرع. وكان يلزم حوانيت الوراقين، ~~ويقصد أشهر أصحاب اللغة والأدب في الشام والعراق ويأخذ عنهم. فقد جالس ابن ~~السراج، والأخفش الأصغر، وابن دريد، وأبا علي الفارسي، وأخذ عنهم. ولم ~~ينفك يتوغل في البادية، ويصاحب الأعراب، حتى صار بدويا قحا فصيح ~~اللسان، عالما بمذاهب الكلام، مطلعا على غريب اللغة وحوشيها، واسع ~~الرواية لا يسأل عن شيء إلا استشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر، حتى ~~قيل إن الشيخ أبا علي الفارسي سأله: «كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟» فقال ~~في الحال: «حجلى، وظربى.» # 18 # قال الشيخ أبو علي: «فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد ~~لهذين الجمعين ثالثا، فلم أجده.» وكان كثير الدرس يطوي معظم ليله والكتاب ~~بيده، ولا يرحل إلا ودفاتره معه لا يستطيع عنها صبرا، وهو القائل: «وخير ~~جليس في الزمان كتاب.» # وكان له إلمام بالعلوم الدخيلة، وفي شعره آراء كثيرة اقتبسها من فلاسفة ~~اليونان، ولا سيما أرسطو. # آثاره # لم يخدم الحظ شاعرا بعد موته، كما خدم أبا الطيب المتنبي، فإن الحرب ~~التي أثارها ms203 عليه أعداؤه وحساده أقامت في وجوههم أنصارا له ومريدين، ~~فسارت أشعاره على الأفواه، وتناقلها جمهور الأدباء، وعنوا بجمعها وشرحها؛ ~~حتى ذكروا أن شراح ديوانه يزيدون على الأربعين؛ فمنهم في المتقدمين ابن ~~جني، وأبو العلاء المعري، والواحدي، والعكبري. ومنهم في المحدثين ~~اليازجيان، والبرقوقي. # واهتموا بنقد شعره اهتمامهم بجمعه وشرحه، فمنهم من جار وأسرف كالصاحب بن ~~عباد في كتابه الكشف عن مساوئ شعر المتنبي، فإنه تتبع سقطاته دون حسناته ~~وشنع عليه؛ لأن المتنبي أبى أن يزوره ويمدحه. وفعل مثله العبيدي # 19 # في كتاب «الإبانة» ولم يقصر الحاتمي في رسالته الموضحة. # ومنهم من عدل وأنصف كالقاضي الجرجاني؛ فقد ألف كتاب الوساطة بين المتنبي ~~وخصومه، ذكر فيه ما للشاعر وما عليه. وكذلك صنع الثعالبي في يتيمة الدهر، ~~والبديعي في الصبح المنبي. وأشهر من نقد شعره في المتأخرين الشيخ إبراهيم ~~اليازجي، فإنه ذيل ديوانه بنقد بليغ بذ به المتقدمين. ثم قام بعده ~~جماعة من الأدباء في الشام ومصر، فدرسوا شعر أبي الطيب درسا تحليليا ~~حديثا. وللمستشرقين - متقدميهم ومحدثيهم - عناية كبيرة بهذا الشاعر، ونقل ~~أشعاره إلى لغاتهم. # ولا ريب أن اهتمام الأدباء بأبي الطيب من نحو ألف سنة إلى اليوم هو لا بد ~~سر من أسرار عبقريته وخلوده. ~~(2-2) ميزته # لا أشبه المتنبي إلا بنسر عتيق أشرف على القمم العالية، باسطا جناحيه ~~زهوا وكبرا، فلاحت له طيور مدومة تريد مجاراته، فانقض عليها كاسرا يصيح ~~بها، فأوسعها رعبا وذعرا، فأسفت جوانح للكلاكل، وراح النسر يخفق بقوادمه ~~وخوافيه، وقد منع حجاب الشمس عن سائر الأطيار. # وأبى أن يقتنع بما أتيح له من عز وسلطان، وهيهات ذلك، وله همة تصك بمنكبها ~~منكب السحاب، ونفس طماعة لا ترضى بما دون نجوم السماء، فحدثته أن يخرج من ~~سمائه، ويحتل سماوات غيره، ففعل؛ فتضافرت عليه نسور غريبة، فردته، فأبي أن ~~ينكص خائبا، فعاود الكرة، فعاوده الإخفاق. وما انفك يغامر ويخاطر حتى ~~تخطفته هوج الرياح، فحطمت جناحيه، فهوى على الصم الخوالد، فتمزق صدره ~~وعيناه ناظرتان إلى عل. # هذا هو المتنبي في شاعريته ونبوغه، ms204 في كبريائه وطموحه، في عزائمه ومغامراته، ~~وفي إخفاقه ومماته. فماذا ترك ذلك من أثر في شعره؟ إنه لا بد شيء عظيم، سنتبينه ~~في دراسة أغراضه وفنونه. # مدحه # يشتمل المدح على القسم الأعظم من ديوان أبي الطيب، وفيه تنطوي أكثر فنونه ~~وأغراضه. والمتنبي في مدائحه يسير على طرق مشتبهة المسالك، متواطئة ~~الأفكار، ويعود ذلك على أن الشاعر كان يصور في مدائحه ذاتيته، ومطامع نفسه ~~ورغائبها، ونظره إلى الأشياء المحمودة بعين مكبرة، أكثر مما يصور حقيقة ~~ممدوحه وصفاته التي يمتاز بها. فقد كان أبو الطيب لا يرى خيرا إلا بالرجل ~~الذي يملأ الدنيا، ويترك فيها دويا، الرجل السامي الذي تتمثله مخيلته، ~~وتتوق نفسه إلى بلوغ مرتبته؛ فجعل ممدوحيه صورا لهذا الرجل الخيالي، ~~متشابهة الألوان والأوصاف والأشكال. وكان يرى الرسل والأنبياء رجالا غير ~~عاديين، فطمعت نفسه في منافستهم، والتفوق عليهم، فجعل ممدوحيه في منازلهم، ~~أو أعلى من منازلهم. وكان شاعرنا شجاعا، بعيد الهم، شديد العزائم، فأحب ~~الشجاعة في ممدوحيه، وبالغ في تعظيمها، وأبدع في نعت الأبطال، وذكر حروبهم، ~~ووصف انتصاراتهم، فجاءت مدائحه في سيف الدولة، وفاتك، # 20 # وبدر بن عمار وأمثالهم، أروع منها في غيرهم. وكان يعنيه أن ~~يرى ممدوحه سخيا معطاء، فافتن في وصف جوده، وغالى في طرق إنفاقه، فجعل ~~كل ما في الدنيا صغيرا في عينه محتقرا، يبذله ولا يسأل عنه. ودونك أمثلة ~~من أقواله في المدح: # أو كان صادف رأس عازر سيفه # في يوم معركة لأعيا عيسى # أو كان لج البحر مثل يمينه # ما انشق حتى جاز فيه موسى ~~••• # أو كان لفظك فيهم ما أنزل # الفرقان والتوراة والإنجيلا # 21 ~~••• # بمن تقشعر الأرض خوفا إذا مشى # عليها وترتج الجبال الشواهق ~~••• # فما ترزق الأقدار من أنت حارم # ولا تحرم الأقدار من أنت رازق ~~••• # وأرهب حتى لو تأمل درعه # جرت جزعا من غير نار ولا فحم # 22 # وأضراب هذه المغاليات كثيرة في شعر أبي الطيب لا نرى حاجة إلى الاستزادة ~~منها، ففي القدر الذي أوردناه كفاية للدلالة على نظر الشاعر إلى ممدوحه، ~~وشغفه ms205 بكل خارق عجيب. ومثل هذه المعاني وغيرها معادة مكرورة في ديوان ~~المتنبي فلا تكاد تقرأ قصيدة إلا وقعت على شيء منها وجدته في قصيدة سواها. ~~وترداد هذه الأفكار في شعره دليل على ما كان لها من بليغ التأثير في نفسه. ~~وهي إلى ذلك يشوبها الغلو المستكره حتى لينحدر بصاحبه إلى السخف، وربما لا ~~يخلو من المضحكات فيخيل إليك أن الشاعر يهزأ بممدوحه، كقوله: # فبعده وإلى ذا اليوم لو ركضت # بالخيل في لهوات الطفل ما سعلا # 23 # ومثل هذه الحماقات يحفل بها شعر صباه أكثر من شعر كهولته. # وأروع مدائح المتنبي ما ~~قاله في سيف الدولة، ويكاد يبلغ ثلث شعره. ويمتاز في وصف الجيوش والمعارك، ~~وصدق العاطفة وإخلاص الولاء، والإدلال على الممدوح، ومخاطبته بلغة العشاق ~~والمحبين. وهذه الخاصة تكاد تشمل جميع مدائح المتنبي، إلا أنها في مدح سيف ~~الدولة أظهر وأدل؛ لأن أبا الطيب لم يحب ممدوحا كما أحب صاحب حلب، ولم ~~يخلص الود لأمير كما أخلص له، فهو شاعر سيف الدولة وإن تعدد ~~ممدوحوه. # وليست مدائحه في كافور كذلك، فإنها كذب محض، وتجارة محض. ولكنها رائعة ~~الفن، بديعة الأسلوب؛ لأن الشاعر استطاع أن يلبسها ثوبا ذا لونين اتحد ~~ظاهرهما واختلفت حقيقتهما، فمزج المدح بالسخر والجد بالعبث، ولا يلام ~~أبو الطيب في مدحه الكاذب لكافور؛ لأنه لم يقصده إلا بعد أن دعاه إليه، ولم ~~يمدحه شغفا بمناقبه، ولكن رجاء أن ينال منه ولاية يمحو بها خيبته، ويفقأ ~~عيون خصومه، ويحقق أحلام صباه؛ فقد كان شاعرنا متهالكا في طلبها، وبه مثل ~~الجنون للحصول عليها، حتى إنه اصطنع التزلف على غير عادته، فكان ينشد ~~العبد واقفا بين يديه، ولم ينشد الحر إلا قاعدا. # ووعده كافور بالولاية فاستنجزه الوعد، فأرهقه مطلا وتسويفا، فكانت ~~نفسه الكبيرة تتألم لعبث الأسود بها، واضطرارها إلى مصانعته. وبوسعنا ~~أن نتبين سوء حالها من تململ الشاعر في كل قصيدة مدح بها كافورا، ~~وإلحافه في طلب الولاية، وتذمره على التسويف: # إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية # فجودك يكسوني وشغلك يسلب ms206 # 24 # ولئن كان أبو الطيب بارع ~~الفن في مدح كافور، لقد كان سيئ السياسة في مصاحبته، قصير الحيلة في ~~استمالته، ضعيف النظر في استبصار فطنته، فإنه ما كاد يدخل عليه لينشده أول ~~قصيدة صنعها فيه حتى فاجأه بطلب الولاية، وأظهر له غرضه من مجيئه إليه، ~~فقال في يائيته: # وغير كثير أن يزورك راجل # فيرجع ملكا للعراقين واليا # فعلم العبد أن أبا الطيب طامع فيه، فساء به ظنه، ومناه الوعود ~~الكاذبة. وأبت نفس المتنبي في جبروتها أن تستتر مع رغبتها في اصطناع ~~التزلف، فطفق الشاعر يتغنى بفضله ويتسامى إلى مقام الملوك ~~فيقول: # وفؤادي من الملوك وإن كا # ن لساني يرى من الشعراء # ولعل كافورا خاف من طمعه وطموحه فعالجه بالمطل، أو لعله شك في صلاحه ~~للسياسة والتدبير لما رأى من تهوره وقلة مبالاته. وأحس أبو الطيب ضعف ~~ثقته به فخاطبه بقوله: # إذا كنت في شك من السيف فابله # فإما تنفيه وإما تعده # 25 # ولكن الأسود لم يشأ أن يبلو هذا السيف، بل تركه متقلقلا في قرابه. ولو ~~اقتصر الشاعر على طلب الولاية، والاعتداد بنفسه لهان بعض الشيء على كافور، ~~ولكن أبا الطيب حسب العبد مغفلا لا يفطن لما يقوله له، فجعل يتنادر عليه ~~في مدحه، ويسخر به في أسلوب موجه # 26 # لو خفي على كافور لما كتمه إياه ابن حنزابة، وهو يكره الشاعر ~~ويتمنى إسقاطه. وما نرى أنه يخفى على كافور تعابث المتنبي في قوله: # وما طربي لما رأيتك بدعة # لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب # 27 # قال الواحدي: «هذا البيت يشبه الاستهزاء لأنه يقول: طربت على رؤيتك كما ~~يطرب الإنسان على رؤية المضحكات.» ~~وقال ابن جني: «لما قرأت على ~~أبي الطيب هذا البيت قلت له: «ما زدت على أن جعلت الرجل أبا زنة، وهي ~~كنية القرد، فضحك».» ولا نرى أنه يفوت العبد الذكي، أن يكتنه الذم بمعرض ~~المدح في قوله: # فما لك تختار القسي وإنما # عن السعد يرمى دونك الثقلان # 28 # وما لك تعنى بالأسنة والقنا # وجدك طعان بغير سنان ms207 # 29 # ولم تحمل السيف الطويل نجاده # وأنت غني عنه بالحدثان؟ # 30 # فأن تقول لإنسان: «نم واطمئن فالحظ يخدمك.» لأقرب إلى التهكم منه إلى ~~المدح. # ومهما يكن عليه كافور من الغرور بالنفس، لا نحسبه يخدع بشاعر يفضله على ~~الشمس بشمس سواده، وإن جعل وجه الشبه ضياء مجده: # تفضح الشمس كلما ذرت الشمس # بشمس منيرة سوداء # 31 # إن في ثوبك الذي المجد فيه # لضياء يزري بكل ضياء # فذكر الشمس السوداء كاف لأن يبعث السامع على الضحك والاستغراب. وقد علمت ~~أن كافورا فطن ذكي، فهيهات أن تذهب عنه مرامي الشاعر، وإن تغافل عنها، ~~وصرفها إلى وجهها الصالح صونا لكرامته وأجاز عليها أبا الطيب وقربه، ~~ولكنه عرف من أين يأتيه، فينتقم منه، فإنه ما زال يعده بالولاية ويماطله ~~حتى أتلف نفسه انتظارا، وأشعل في قلبه حرقا. # وجملة القول أن مدح المتنبي جيد بارع لولا غلوه الممقوت، وأفخمه ما جاء ~~في سيف الدولة، وأبرعه ما جاء في كافور. # رثاؤه # يختلف رثاء المتنبي باختلاف صلته بالمفقود، وشعوره بوقع المصاب، فقد ~~اضطر إلى رثاء أشخاص لم يحزنه الرزء بهم، ~~فجاء شعره متصلب العاطفة، فاقد ~~الشعور، كرثائه لأم سيف الدولة وابنه وأخته الصغرى، ولمحمد بن إسحاق ~~التنوخي، ولعمة عضد الدولة. ولكنه ستر عجزه بإرسال الحكم البليغة ووصف ~~المأتم والجنازة ومدح الميت أو مدح آله. وإن نفسا كبيرة كنفس أبي الطيب ~~تهزأ بالدهر ومصائبه، ويغلب عليها العقل أكثر من العاطفة، لا يهون على ~~الدهر أن يذلها ويلينها، مهما جر عليها من حوادثه وخطوبه. ولكن قد تمر ~~بها أحوال قاهرة تخضعها للعاطفة ولو زمنا يسيرا، فتتصاعد منها زفرات، ~~وتنحدر دموع، كما جرى للشاعر في رثائه جدته لأمه، وأبا شجاع فاتك، وأخت سيف ~~الدولة الكبرى، فإنه ذرف على هؤلاء الثلاثة ثلاث دمعات صادقات. فقد ماتت ~~جدته بالكوفة وهو بعيد عنها، وكان قد طال غيابه بعد أن أخفق في دعوته، ~~فبرح بها الشوق، فأرسلت إليه كتابا تطلب منه أن يحضر، فشخص إلى العراق، ~~ولكنه تعذر عليه دخول الكوفة، لأسباب غير واضحة، فجاء ms208 بغداد، وكتب إليها ~~يسألها المسير إليه، وكانت قد يئست فقبلت كتابه شوقا، وغلب عليها السرور ~~فحمت وماتت، فكان لموتها على هذه الحال أثر عميق في نفسه، فجزع عليها ~~وبكاها، وأرسل الدمعة الأولى أحر دمعة روى بها تراب ميت: # لك الله من مفجوعة بحبيبها # قتيلة شوق غير ملحقها وصما # أحن إلى الكأس التي شربت بها # وأهوى لمثواها التراب وما ضما # ومات أبو شجاع فاتك، بعد خروج المتنبي من مصر، وكان أبو الطيب يحبه ~~لشجاعته وكرمه، فرثاه متوجعا، ذارفا دمعته الثانية على ضريح ميت: # برد حشاي إن استطعت بلفظة # فلقد تضر إذا تشاء وتنفع # ما كان منك إلى خليل قبلها # ما يستراب به ولا ما يوجع # وماتت أخت سيف الدولة الكبرى وهو في الكوفة، بعد رجوعه من مصر، فكان في ~~رثائه إياها صادق العاطفة، بين اللوعة؛ ~~مما يدل على إخلاص المودة لها، ~~فجاءت دمعته على قبرها خاتمة دمعاته الثلاث: # ولا ذكرت جميلا من صنائعها # إلا بكيت ولا ود بلا سبب # قد كان كل حجاب دون رؤيتها # فما قنعت لها يا أرض بالحجب # والمتنبي في رثائه مثله في مدحه، يخاطب المرثي مخاطبة المحب لحبيبه، ~~ويؤخذ عليه أنه لم يجتنب هذه الخطة في رثاء الأميرات، فقد خاطب أم سيف ~~الدولة بقوله: # بعيشك هل سلوت فإن قلبي # وإن جانبت أرضك غير سال؟ # وقال في أخته الكبرى: # يعلمن حين تحيا حسن مبسمها # وليس يعلم إلا الله بالشنب # 32 # وما رثى امرأة إلا رفعها من الأنوثة إلى الذكورة، متأثرا بعقلية عصره، ~~فإنهم كانوا يحتقرون المرأة، ويعدونها ضعيفة، مهيضة الجناح. وكان أبو ~~الطيب يحب القوة، ويأنف أن يرثي ضعيفا، فجعل مرثياته ذكورا وربما فضلهن ~~على الذكور. قال في أم سيف الدولة: # ولو كان النساء كمن فقدنا # لفضلت النساء على الرجال # وقال في أخته الكبرى: # وإن تكن خلقت أنثى لقد خلقت # كريمة غير أنثى العقل والحسب # وقال في عمة عضد الدولة: # ويظهر التذكير في ذكره # ويستر التأنيث في حجبه # 33 # هذا؛ وإن أحسن حلية تتحلى بها مراثي أبي الطيب ms209 هي الحكم والأمثال. # هجاؤه # لم يصطنع أبو الطيب الهجاء ~~آلة للتكسب كما اصطنعه بشار ودعبل وابن الرومي، فالمتنبي أعز نفسا من أن ~~يهبط بها إلى هذا الدرك. وإنما اصطنعه عدة للكفاح يؤذي بها من آذاه، ويدرأ ~~بها عن نفسه. ولا نعد هجاءه في كافور من قبيل التكسب؛ لأنه لم يهجه ~~مهددا ليعطيه، أو مستقلا عطاءه. وإنما هجاه لأن كافورا آلمه في صميم ~~فؤاده؛ إذ عبث به عبث الوليد بلعبته، حتى إذا ملها اطرحها وحطمها، ~~فقد استقدم كافور أبا الطيب، وكان هذا يأنف أن يتصل به، ووعده بأن يقطعه ~~ولاية يدبر أعمالها، ثم ماطله وكذب عليه، واستأثر به، ومنعه براح مصر، فهذه ~~الأمور أحفظت الشاعر وزادته كرها للعبد فهجاه. وكذلك هجوه لابن كيغلغ ~~فلو لم يؤخره عن السفر لما هجاه. وهكذا هجاؤه لضبة، فإن رفاقه الكوفيين هم ~~الذين حملوه على هجوه، ولم يكن يريده. وليس له في غير هؤلاء الثلاثة هجاء ~~يستحق الذكر إلا أبياتا مبثوتة في عدة قصائده ذم بها الزمان وأهيله، ~~والملوك والحساد والشعراء، فجاءت وليدة الألم والتنافس، والدفاع عن النفس، ~~وحب الذات، والاستئثار بالنفوذ وجوائز الأمراء. وحب الاستئثار بالجوائز ~~يرجع عند المتنبي إلى التنافس والاعتداد بالنفس أكثر مما يرجع إلى الرغبة ~~في التكسب كما يدل على ذلك شعره. # وهجاء أبي الطيب مقذع يؤلم ~~الأعراض، فاحش الألفاظ والمعاني، يمتاز في تلك القوة التي تتغلغل في ~~أجزائه، هي قوة نفس الشاعر العاتية، وفي تلك الأمثال الحكمية التي يتحلى ~~بها جميع شعره. ثم في ذلك التشاؤم الذي تضاعف في صدره بعد الإخفاق ~~المتواصل، فجعله ناقما على الدهر وبنيه. ثم في اشمئزازه من المهجو ~~واحتقاره له، حتى لا يكاد يخاطبه إلا بصيغة التصغير. ثم في تصويره السخري ~~له حتى يجعل منه أضحوكة شوهاء فيصيبه بخلقه وخلقه ومنزلته ~~الاجتماعية. # وسخر أبي الطيب بعيد من أن يكون فيه نكتة لطيفة، أو شيء من الظرف، ~~وإنما هو تهكم حاد جارح يعجب أكثر مما يضحك. وأبرع هجاء قال كان في ~~كافور؛ فإنه افتن فيه ما شاء ms210 له الفن، فأرضى به نفسه المتألمة، الثائرة ~~على العبد المتملك. وكافور عند أبي الطيب كويفير بصيغة التصغير، وكناه ~~أبو النتن، وأبو البيضاء. وألقابه الخنثى، والأسيود، والخنزير، والخصي، ~~والنويبي وما شاكل. # غزله # ليس في أخبار أبي الطيب ما ينبئنا أنه أحب يوما، ولا في شعره ذكر ~~لمحبوب يردد اسمه، ويشبب به، ويتشوق إليه. وقد تزوج المتنبي، ورزق ~~ولدا، ولكنه لم يحدثنا بشعره شيئا عن امرأته وحبه لها. ولو لم نعلم أن له ~~ولدا لجهلنا أمر زواجه؛ لأن مؤرخي الآداب سكتوا عنه. # وكان أبو الطيب متعففا يرغب عن الملاهي ومكانس الريب، والقيان والحب ~~الفاجر، فخلا غزله من التعهر والمجون. غير أنه تسرى بالجواري التي ~~أهديت إليه، والتسري عندهم غير ممنوع. # وهو في غزله يؤثر البدويات على الحضريات، وقديما كان الغزل المتعفف في ~~خيام الأعراب. وليس له غزل متحضر إلا في شعره الذي قاله وهو في بلاد فارس، ~~فإن ديار العجم ذكرته بوطنه الذي نشأ به، فحن إلى ديار الشام، وذكر ~~نساءها، وتغزل بهن. ولكن إن هي إلا خطرة عرضت حتى عاد إلى البدويات كأنه لا ~~يجد ارتياحا في ذكر نساء الحضر. # وغير عجيب أن يأنس المتنبي بالأعرابيات وقد تمضى شطر عمره الذي تشتعل ~~فيه نار الحب، وهو يتردد في قبائل البادية، فتفتقت أكمام عاطفته على بسمات ~~البدويات، فشغف بهن، ولم يرقه إلا حسنهن؛ لأنه جمال مطبوع لا مصنوع، ~~وهو يكره التمويه والطلاء: # ما أوجه الحضر المستحسنات به # كأوجه البدويات الرعابيب # 34 # حسن الحضارة مجلوب بتطرية # وفي البداوة حسن غير مجلوب # 35 # أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها # مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب # وكان يكثر النزول في بني عدي، وهي قبيلة ضاربة بأرض سلمية من عمل حمص، ~~فشبب بالعدويات وجعلهن عرائس ~~شعره دون أن يسمي واحدة منهن: # لولا ظباء عدي ما شغفت بهم # ولا بربربهم لولا جآذره # 36 # على أن غزل المتنبي لم ~~يكن قوي العاطفة؛ لأن اشتغال الشاعر بطلب المعالي لم يترك له متسعا من ~~الوقت فيفرغ للحب والنساء. وكان له من ms211 نفسه المتصلبة وازع عن الاستسلام ~~لعوامل الهوى، فإذا نسب فاتباعا للأسلوب القديم، وإرضاء للفن، لا تلبية ~~لجرس فؤاده الخافق، أو تحفيفا للواعج أشواقه. ولطالما أراد التغزل فاخشوشن ~~فأسمعك في صباه: # أيا خدد الله ورد الخدود # وقد قدود الحسان القدود # 37 # وأسمعك في شبابه: # ركائب الأحباب إن الأدمعا # تطس الخدود كما تطسن اليرمعا # 38 # وأسمعك وهو على قمة كهولته: # ألا كل ماشية الخيزلى # فدى كل ماشية الهيذبى # 39 # وقد تجد له غزلا يروقك، فإذا تدبرته رأيت أن إعجابك به ناجم إما عن صنعة ~~تستحسنها وإما عن معنى جميل تستلطفه، لا لأنه حرك فيك عاطفة كامنة، ~~كقوله: # ولما التقينا، والنوى ورقيبنا # غفولان عنا، ظلت أبكي وتبسم # 40 # فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها # ولم تر قبلي ميتا يتكلم # وأكثر عنايته بأن يغوص على المعاني الدقيقة ويستخرجها من مكامنها. وأن ~~يدخل الفلسفة على الحب، فإذا صح أن تسميه غزلا في مثل هذه الحال، فهو ~~فيلسوف الغزليين وغزل الفلاسفة. ~~وقد يجيء بالأشياء الحسنة لما ~~فيها من قوة التفكير، ودقة المعنى، وقد يعتاص عليه اللفظ، فما ينجلي له ~~الكلام، وربما تبغض فيه وتبرد. ومهما دار الأمر فإن أرضت الفلسفة في ~~الغزل الأدباء أو المفكرين، لا نراها ترضي حبيبا مرحا لعوبا، تعود أن ~~يفهم لغة العاطفة، لا لغة العقل. وهيهات أن يكون له صبر على إجهاد فكره ~~ليتفهم غزلا خفي المعنى، أو معقد اللفظ قيل فيه. وماذا يهمه من ~~تفلسف أبي الطيب في وضع قانون الصبابة للمحبين ليصح أن يسموا ~~عشاقا: # جهد الصبابة أن تكون كما أرى # عين مسهدة وقلب يخفق # أوليس من التبرد أن يوغل شاعرنا في التفلسف، فيختلق الأعذار للنوى، ~~ويجعل منها شخصا عاشقا حبيبه: # ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم # لعل بها مثل الذي بي من السقم # وذهب بعض غزل أبي الطيب مذهب الأمثال؛ لما فيه من فلسفة الحياة في الحب ~~كقوله: # زودينا من حسن وجهك ما دا # م فحسن الوجوه حال تحول # وصلينا نصلك في هذه الدنيا # فإن المقام فيها قليل # فهذا ms212 أولى بأن يبعث الزهد والنسك في النفوس، من أن يضرم نار الحب ~~والصبابة. ومن ذلك قوله: # وما صبابة مشتاق على أمل # من اللقاء كمشتاق بلا أمل # والهجر أقتل لي مما أراقبه # أنا الغريق فما خوفي من البلل # 41 # وقوله: # إن القتيل مضرجا بدموعه # مثل القتيل مضرجا بدمائه # وما هكذا لغة المحبين، وبعيد أن يستميل صب حبيبه بالاعتماد على المنطق ~~والأدلة العقلية. # وشيء آخر يميز غزل المتنبي وهو مزج الحب بالحماسة، وخلط ألفاظ الحرب ~~بألفاظ النسيب. وأبو الطيب شاعر فارس، ومن عادة الشعراء الفرسان أن يصطبغ ~~حبهم بدماء الحروب: # وما كل من يهوى يعف إذا خلا # عفافي ويرضى الحب والخيل تلتقي # 42 # وقد يكون المتنبي أحب كما يزعم، غير أن الحب لم يشغل فؤاده، فيتيمه ~~ويذله، وأراد أن يتغزل أسوة بغيره، فجاء غزله فلسفة وصنعة. # وأنى لنفسه الجبارة أن تخضع للحب وتلين؟ وهي لا تصبو إلى غير ركوب ~~الأهوال، وبلوغ المراتب العليا، فما حبها إلا القوة تحيط بها السيوف ~~والرماح. ولقد أحسن أبو الطيب في تعريف حبه حين قال: # تقولين ما في الناس مثلك عاشق # جدي مثل من أحببته تجدي مثلي # 43 # محب كنى بالبيض عن مرهفاته # وبالحسن في أجسامهن عن الصقل # 44 # وبالسمر عن سمر القنا غير أنني # جناها أحبائي وأطرافها رسلي # 45 # فخره # لا يستغرب الفخر في شاعر شجاع باسل متكبر كالمتنبي، فعنصر الفخر مركب ~~في طباعه، رافقه منذ صباه حتى وافته منيته، فقد كان صبيا يوم سمت به همته ~~إلى أن يقول: # أي محل أرتقي # أي عظيم أتقي؟ # وكل ما قد خلق الله # وما لم يخلق # محتقر في همتي # كشعرة في مفرقي # وفي هذه الأبيات الثلاثة وضع خطة الفخر التي سار عليها طوال حياته، وهي ~~الارتفاع بنفسه إلى أعلى الدرجات، وتحقير غيره والإزراء به. فأبو الطيب في ~~فخره كثير الاعتداد بنفسه، لا يجد لها صنوا، والناس كبارهم وصغارهم، ~~ملوكهم وسوقتهم، محتقرون عنده. # وليس للشاعر قصائد مستقلة في الفخر، وإنما هي أبيات يوردها في أثناء ~~شكاويه ومدائحه وأهاجيه ومراثيه، ms213 وأعجبها ما جاء في قصائد المدح وهي كثيرة، ~~فإنه يجعل نفسه في الثريا شرفا وخيرا، بحيث يصبح كل ما يقوله في ~~ممدوحه لا يعادل ذرة مما قاله في نفسه، فكأن نفسه الكبيرة تأبي عليه أن ~~يطري أحدا قبل أن يؤدي لها حقها من التعظيم والإكرام. وأعجب من هذا أن ~~ممدوحيه كانوا يسمعون تبجحاته وتمدحاته، ويرضون عنه، ويقبلون مديحه، ~~ويجيزونه عليه؛ فكان كمن يستبيهم بقوة شعره، وسحر بيانه، فيستخذون له ~~ولا يستنكفون. فما قولك بشاعر يمدح أميرا ويصدر مدحته بأبيات يقول فيها ~~مفتخرا: # وكيف لا يحسد امرؤ علم # له على كل هامة قدم؟ # 46 # فمهما يقل من مديح في الأمير لا يبلغ به مبلغ هذا البيت الذي وضع فيه ~~قدمه على الرءوس غير مستثن رأس ممدوحه. أوليس عجيبا أن يدخل الشاعر على ~~سيف الدولة معاتبا مسترضيا فيخاطبه بقوله: # سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا # بأنني خير من تسعى به قدم # وغير ذلك من أبيات كلها صلف وتعريض. ثم يرضى عنه سيف الدولة ويدنيه ~~ويجيزه، مع أن أبا الطيب لم يقل له كلمة لينة إلا أردف معها كلمات عنيفة، ~~فقد جاءه من عل وملأ مسامعه وناظريه كبرا وتعجرفا، وفتن الأمير بقوة ~~شعره، فاغتفر له سيئاته، وتغافل عما نعت به نفسه من أوصاف لم تنعت بمثلها ~~الملوك. # ومفاخر المتنبي تتناول حينا آباءه، وأحيانا نفسه. وهو إذا افتخر بآبائه ~~يجمل القول فما يعدد لهم مآثر، ولا يذكر لهم أياما، ولا يتباهى ~~بأسمائهم، وإنما يقول: # ولو لم تكوني بنت أكرم والد # لكان أباك الضخم كونك لي أما # وإني لمن قوم كأن نفوسهم # بها أنف أن تسكن اللحم والعظما # وأما إذا افتخر بنفسه فإنه ~~يتسع له مجال القول فيباهي بشجاعته وصبره وعفته وإبائه، وشعره وفصاحته، ~~فتراه يتحدى الزمان ليبارزه: # ولو برز الزمان إلي شخصا # لخضب شعر مفرقه حسامي # ولا يقبل حكما إلا لله: # تغرب لا مستعظما غير نفسه # ولا قابلا إلا لخالقه حكما # وإذا سأل متكسبا كان الفخر حشو سؤاله، فإنه يظهر للممدوح قيمة شعره، ~~فهو كالدر ms214 لا يغبن من يعطي عليه درا: # لك الحمد في الدر الذي لي لفظه # فإنك معطيه وإني ناظم # ويعرض للشعراء فيرمي بهم إلى أسفل، ويحلق فوقهم مغردا، ومدلا ~~بشاعريته على ممدوحه فيقول: # ودع كل صوت غير صوتي فإنني # أنا الطائر المحكي والآخر الصدى # 47 # وقلما خلت قصيدة لأبي الطيب من أبيات في الفخر، ولا سيما مدائحه. # وصفه # لم يعن المتنبي بوصف ~~الطبيعة، والتغزل بجمالها، والإفضاء بما توحي إليه أسرارها، ولم يلتفت إلى ~~قصور الملوك وحدائقهم، ولا إلى حلقات اللهو وأدواته؛ لأن نفسه كانت أبعد ~~هما من أن تفرغ لهذه الأشياء، فقد شغلها حب المغامرات، وطلب السيادة ~~والتملك، فلم تجد قبلها غير القوة تصفها على اختلاف صورها وهياكلها. ~~فاتبعها يتقراها في مواطنها، فنظر إلى الطبيعة على قلة احتفاله بها، فلم ~~يبد له منها غير القوة فوصفها في بحيرة طبرية، فإذا أمواجها فحول مزبدة، ~~وطيورها فرسان على خيول بلق، ورياحها جيشا وغى، هازم ومنهزم. # 48 # وأصابته الحمى وهو في مصر، فما كاد يصفها ببضعة أبيات لطيفة ~~حتى أخذ يتشوق إلى يوم تعود به إليه صحته، فيتمكن من أن يصرف عنانا أو ~~زماما، ويحمل قناة أو حساما. ووصف إنشاء ابن العميد في كتاب ورد منه ~~عليه، فلم يجد فيه غير أسود مفترسة. فالقوة ماثلة في جميع أوصاف المتنبي، ~~تتبينها في تشابيهه واستعاراته، في ألفاظه وعباراته، وفي غلوه وتخيلاته، ~~وأحسن الوصف عنده ما صح أن تتمثل القوة فيه، كوصف أسد ضار يطلب فريسة، ~~ووصف خيول مغيرة تثير غبارا، وجيش زاحف غارق في الزرد، وسيوف مسلولة، ~~ورماح مشرعة، ومعارك حامية الوطيس تضارب فيها الأبطال وتطاعن. # وأبدع في وصف الأخلاق وتصوير الحياة والأشخاص، وصوره مادية واقعية، ~~قلما بث فيها روحا أرفع من روحها، ولكنه يرفعها بالإغراق والتكبير ~~وجمال الفن؛ فما أسده أسدا عاديا ولا شخصه إنسانا بشريا ولا جيشه ~~جيشا مألوفا، وإنما هي أشياء متطرفة عن حدودها تطرف نفسه الجبارة ~~وخياله العنيف الجامح. # وقد وصف الأسد في قصيدة مدح بها بدر بن عمار لما عفر الليث بسوطه ms215 ودار ~~به الجيش. ومثل هذه المشاهد الراعبة تثير إعجاب أبي الطيب، فبالغ في وصف ~~الأسد ما شاءت له شاعريته وشاء خياله المبدع. وهذه المبالغة كلها مدح لبدر ~~لأنه أذل بسوطه ليثا هصورا نضد هام الرفاق تلولا. ووصف المعارك فكان ~~كما قال فيه ابن الأثير: «إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، ~~وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى يظن أن الفريقين ~~قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا.» # وهذه المعارك هي التي شهدها مع سيف الدولة، فأجاد وصفها، ولم يبرع في وصف ~~الحروب إلا عند صاحب حلب. # ووصف الجيوش والمعامع ~~أروع شعر المتنبي وأفخمه، ولولاه لما جاءت مدائحه في سيف الدولة أجل من ~~مدائحه في غيره، فقد كان مصورا بها لحروبه، ومؤرخا ومخلدا. ومن العدل أن ~~نقول إنه لو لم تجتمع عبقرية المتنبي، وهمة سيف الدولة في الحروب، لما خرج ~~هذا الشعر الرائع. # فلسفته وآراؤه في الحياة # للشعر أغراض متفاوتة ~~يمتاز بعضها من بعض، ويعلو بعضها على بعض، ونرى أن أعلاها ثلاثة؛ فالأول: ~~الغزل وما يتبعه من تشبيب بمحاسن المحبوب وتصوير لأخلاقه، ووصف لمشاعر ~~النفس في حالتي اللذة والألم، والثاني: وصف الطبيعة، واستجلاء أسرارها، ~~والاتصال بمحاسنها وألوانها، الثالث: النظر في الحياة، وما يتعلق بها من ~~عادات الناس وأخلاقهم، وطبائعهم وأذواقهم، ولذاتهم وآلامهم، وتآلفهم ~~وتخالفهم ، وسياساتهم واجتماعاتهم. فإذا قسنا العبقرية في الشاعر على هذه ~~الأغراض الثلاثة، فالمتنبي خاسر في الغرضين الأولين، رابح في الثالث، بل ~~معتصب بأمجد أكاليل العبقرية، متبوئ أعلى مراتبها. فهو لا جرم فيلسوف ~~الحياة؛ لأن فلسفته مأخوذة من صورها وأسفارها. # 49 # فقد كان لأبي الطيب من حياته وحياة عصره عبر ومواعظ أعمل ~~فيها فكره، وبنى عليها آراءه. وكان له من اطلاعه على الفلسفة العربية ~~اليونانية عون على إبراز فكره ناضجا، مشبعا بالأحكام السديدة، فكتبت له ~~فلسفته صك الخلود، وسارت أمثاله على أفواه الأجيال تطوي وراءها العصور ~~والقرون. # والمتنبي - كما علمت - يحب القوة فغير عجيب أن تقوم آراؤه في الحياة على ~~تعظيمها. وتعظيم القوة يكاد يكون ms216 من خصائص الفلسفة العربية منذ طورها ~~الجاهلي إلى عصر أبي الطيب. فقد كان العرب في بداوتهم يعيشون بالغزوات ~~والغارات، فجاءت حكمة شاعرهم ممزوجة بالقوة كما قال زهير: # ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه # يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم # ثم جاء الإسلام قائما على الجهاد، فلم يجد الشاعر المسلم غير القوة ~~عتادا، فبشر بها وأشاد بذكرها. والمتنبي أحد أولئك المبشرين الذين رفعوا ~~للقوة هيكلا عالي الدعائم. ويختلف عن غيره في أنه كان يبني فلسفته على ~~مشاعر نفسه ورغباتها، فهو لم يعظم القوة إلا لأنه أحبها، وجاهد في ~~سبيلها، ولم ير للحياة معنى إلا بها. # وقد يحب الإنسان القوة ويعظمها، ولكنه يرحم الضعف ويعطف عليه. وأما ~~المتنبي فقد ازدرى الضعيف، وسخر منه، وتنادر عليه: # وإذا ما خلا الجبان بأرض # طلب الطعن وحده والنزالا # ونحن نشرع الآن في تحليل ~~فلسفته، وعرضها على حياته وحالة عصره، لنستخرج منها هذين العنصرين ~~المتضادين ألا وهما: تعظيم القوة، وتحقير الضعف، ونصل إلى الغاية التي يرمي ~~إليها شاعرنا؛ وهي المجد. # ذم الزمان وأهيله # أوتي أبو الطيب نفسا جبارة تسامت به إلى أرفع الدرجات، فخالفتها ~~الأقدار، فأخفقت مرارا، فأفضى بها الإخفاق المتتابع إلى التشاؤم بالزمان ~~وأهله. وقد تشاءم بأهل زمانه لأنه رأى فيهم أعداء وحسادا يكايدونه، ~~ويعكسون آماله، ويخضدون شوكته. ورأى فيهم أيضا من ساعده الحظ ، فبلغ أعلى ~~الرتب، وهو عنده لا يستحق هذا المقام، فكره زمانه، وأشار إليه بذا ~~تحقيرا: # أريد من زمني ذا أن يبلغني # ما ليس يبلغه من نفسه الزمن # 50 # وكره أهل زمانه، وصغرهم فجعلهم أهيلا، ورماهم بأقبح الأوصاف، فهم قوم ~~ليس الإحسان عندهم في صنع الجميل، وإنما في ترك القبيح: # إنا لفي زمن ترك القبيح به # من أكثر الناس، إحسان وإجمال # وفي هذا البيت حكمة خالدة مع العصور. # كره النسل # وقاده تشاؤمه بالزمان وأهله إلى القول بكره النسل: # وما الدهر أهل أن تؤمل عنده # حياة، وأن يشتاق فيه إلى النسل # مصاحبة الناس # فأما وقد قضى على أهل زمانه باللؤم والقبح والظلم والجهل، فأصبح ms217 من حقه ~~أن يتهم مودتهم ودينهم: # فلم أر ودهم إلا خداعا # ولم أر دينهم إلا نفاقا # ويربأ بنفسه أن ينتسب إليهم: # وما أنا منهم بالعيش فيهم # ولكن معدن الذهب الرغام # 51 # سخطه على الملوك # وأبو الطيب ساخط على الملوك، يريد الشر لهم لأمرين؛ أولهما: أنه يرى من ~~حقه أن يرتفع إلى منازلهم؛ لأن فؤاده منهم: # وفؤادي من الملوك وإن كا # ن لساني يرى من الشعراء # والثاني: تألمه من رؤية من تجري معهم التقادير، وهم جهال، فتعلي لهم ~~العروش بعد خمول ذكر. وقد حاول ~~أن يوطئ له عرشا، فلم يفلح، فنقم منهم، وراح يشتمهم، ويتمنى ~~هلاكهم: # ولا أعاشر من أملاكهم ملكا # إلا أحق بضرب الرأس من وثن # اعتقاده بالحظ # ونشأ من هنا اعتقاده بالحظ، فقضى أن العاقل غير مجدود: # وما الجمع بين الماء والنار في يدي # بأصعب من أن أجمع الجد والفهما # وكان كافور مجدودا لأنه مغفل في نظره: «وجدك طعان بكل ~~سنان.» # الحياة والموت # ولو كان غير المتنبي أصيب بالإخفاق المتواصل في حياته، لأفضى به ذلك إلى ~~الإذعان والخنوع، ولكن أبا الطيب لم يزده الإخفاق إلا عزما وإقداما، وأبى ~~أن يقر بخيبته وعجزه؛ فلم يفتأ يجاهد الأيام ويعارك الليالي فما يسقط في ~~المضمار إلا نهض قائما وهو يقول: # تريدين لقيان المعالي رخيصة # ولا بد دون الشهد من إبر النحل # أو يقول: # وإذا كانت النفوس كبارا # تعبت في مرادها الأجسام # وكان يرى أن «لكل امرئ من دهره ما تعودا»؛ فمن عود نفسه الذل هان ~~عليه احتماله: # من يهن يسهل الهوان عليه # ما لجرح بميت إيلام # ومن حمل نفسه على ركوب الأخطار هانت عليه مكارهها: # سبحان خالق نفسي كيف لذتها # فيما النفوس تراه غاية الألم # ونظر إلى الموت فرآه ضروريا لحياة الإنسان فقال: # سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها # منعنا بها من جيئة وذهوب # وقضي بأن طعم الموت واحد، سواء مات الإنسان حتف أنفه أو مات في ~~الحروب: # فطعم الموت في أمر حقير # كطعم الموت في أمر عظيم # ورأى أن لا مهرب ms218 من الموت، فاستعجز من يحذره ويخافه، على حين لا يرده ~~حذر ولا خوف، فتولد فيه تحقير الضعف وإيثار القوة: # وإذا لم يكن من الموت بد # فمن العجز أن تكون جبانا # وأنكر أن يكون العجز من العقل: # يرى الجبناء أن العجز عقل # وتلك خديعة الطبع اللئيم # وعلى هذه الآراء بنى صرح الحياة التي يريد أن يحياها، فإذا هي حياة القوة ~~البالغة بصاحبها إلى أعلى قمم المجد. # طلبه المجد # وغير جدير بأبي الطيب أن يطلب من المجد أدناه، وهو يرى أن طعم الموت في ~~الأمر الحقير مثله في الأمر العظيم، فمد نظره إلى أسمى الدرجات ~~وقال: # إذا غامرت في شرف مروم # فلا تقنع بما دون النجوم # ووطن نفسه على الجهاد في سبيل المجد، فعانى الأسفار، وركب الأخطار، فما ~~الدنيا عنده إلا غنيمة الجسور: «والبر أوسع والدنيا لمن غلبا.» فأضعف ذلك ~~فيه حب الوطن، فكان يقول: «وكل مكان ينبت العز طيب.» أو يقول: «إن الدليل ~~غريب حيثما كانا.» ووضع خطته التي يسير عليها لبلوغ المجد فإذا هي: # ولا تحسبن المجد زقا وقينة # فما المجد إلا السيف والفتكة البكر # وتضريب أعناق الملوك وأن ترى # لك الهبوات السود والعسكر المجر # 52 # وتركك في الدنيا دويا كأنما # تداول سمع المرء أنمله العشر # 53 # فالقوه تحوط هذا المجد من جميع أطرافه، فقبابه الصوارم، وموطنه المعارك، ~~وهدفه تضريب أعناق الملوك ، ولا سلامة له إلا إذا سبح بالدماء: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # وهذه القوة التي يتعشقها شاعرنا يدعمها بأشياء ثلاثة لا غنية عنها، وهي ~~الشجاعة والعقل والمال. # الشجاعة والعقل # يقدس المتنبي العقل كما يقدس الشجاعة؛ لأن هذه لا تبلغ بصاحبها ~~المراتب العليا ما لم يصحبها العقل: # فإذا هما اجتمعا لنفس حرة # بلغت من العلياء كل مكان # وهو وإن فضل السيف على القلم مرة في قوله: # حتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ~~«المجد للسيف ليس المجد للقلم» # فقد فضله بين قوم لا يعظمون العلم، وإنما يعظمون البطش، ولكنه قضى ~~للعقل على الشجاعة بقوله: # الرأي ms219 قبل شجاعة الشجعان # هو أول وهي المحل الثاني # والعقل عنده لا يعادله في التعظيم إلا الشرف: # يهون علينا أن تصاب جسومنا # وتسلم أعراض لنا وعقول # المال # وكان يرى أن المال عصب المجد، وأن لا قوة إلا به، فعظم جانبه، ولم يسرف ~~في إنفاقه حفاظا على المجد أن ينهار بشلل أعصابه: # فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله # ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # فحبه المال من أجل المجد وحده، فإذا ذهب المجد أصبح المال لا قيمة له ولا ~~نفع: «ولا مال في الدنيا لمن قل مجده.» فالمجد إذن هو المحور الذي تدور ~~عليه فلسفة المتنبي في الحياة. # فلسفته الإلهية # لم يعن أبو الطيب بالفلسفة الإلهية عنايته بفلسفة الحياة؛ لأنه رآها لا ~~تؤدي إلى نتيجة واضحة، فزهد فيها ولم يتعمق في بحثها، غير أنه ترك بعض ~~أقوال لا نرى بأسا في أن نعرض لها موجزين، فنقول: إن الشاعر لم يشك في ~~وجود الله تعالى، ولكنه استخف بالدين والأنبياء والكتب المقدسة، غير ~~حافل. ويظهر أنه تأثر بالحلولية منذ صباه، فقد ذكر هذا المذهب وهو ~~صبي: # نور تظاهر فيك لاهوتيه # فتكاد تعلم علم ما لن يعلما # والحلولية انتحلها جماعة من العلويين، فقالوا بأن روح الله تحل في ~~أئمتهم حتى تبلغ المهدي المنتظر. ونرى أن أبا الطيب قد تلقن هذا المذهب ~~من باطنية الكوفة، ورافقه التفكير فيه إلى أواخر حياته فإذا هو يقول في ابن ~~العميد: # فإن يكن المهدي من بان هديه # فهذا وإلا فالهدى ذا فما المهدي؟ # ولعل تأثره بهذا المذهب يؤيد الرواية التي تذهب إلى أنه ادعى العلوية ~~في أول أمره، وما العلوية إلا الإمام الباطن، والمهدي المنتظر. # النفس # تكلم أبو الطيب غير مرة على النفس فقال: # فهذه الأرواح من جوه # وهذه الأجسام من تربه # وهذا مذهب الماديين الذين يقولون بأن النفس من الهواء. وقال ~~أيضا: # والظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة فلعلة لا يظلم # وهذا قول من يرى أن الشر كامن في النفس، وهو مذهب مادي أيضا؛ لأن ms220 ~~أصحابه يزعمون أن الخير في الجسم، ويخالفون في ذلك مذهب أفلاطون الذي يقول ~~بأن الخير في النفس، والشر في الجسم. وتكلم أبو الطيب على خلود النفس ~~قال: # تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم # إلا على شجب، والخلف في الشجب # 54 # فقيل تخلص نفس المرء سالمة # وقيل تشرك جسم المرء في العطب # ومن تفكر في الدنيا ومهجته # أقامه الفكر بين العجز والتعب # 55 # فقد أقر بعجزه عن إدراك الحقيقة، ووقف حائرا بين القولين لا يبت ~~أمرا. وحاول مرة أن يفسر الحالة التي تطرأ على النفس بعد مفارقتها الجسد ~~فقال: # تمتع من سهاد أو رقاد # ولا تأمل كرى تحت الرجام # 56 # فإن لثالث الحالين معنى # سوى معنى انتباهك والمنام # ولكنه لم يخرج بهذا التفسير من حيرته وعجزه. # المحسوسات # لم يشك المتنبي في المحسوسات، كما أنه لم يشك في المعقولات: # وليس يصح في الأفهام شيء # إذا احتاج النهار إلى دليل # الكواكب # وكان الفلاسفة في عصره، والفارابي في مقدمتهم، يقولون بعقول الكواكب، ~~يريدون به تأييد المذهب الانبثاقي الذي اعتمدوا عليه في تعليل خلق العالم، ~~فلم يطمئن المتنبي إلى هذا القول، فسخر به، وأنكره: # فتبا لدين عبيد النجوم # ومن يدعي أنها تعقل # ولكنه اعتقد تأثيرها الطبيعي في حظوظ الناس أسوة بأهل زمانه: # نفى وقع أطراف الرماح برمحه # ولم يخش وقع النجم والدبران # 57 # على أن فلسفته الإلهية ليست مما ينظر إليه في معيار شاعريته وتفكيره، ~~وإنما تقوم منزلته على آرائه في الحياة. # ما أدرك عليه # كان انحدار المتنبي في ~~مقابحه بقدر ارتفاعه في محاسنه، فجعل منها سلاحا ماضيا بأيدي خصومه ~~يحاربونه به. ولا نريد أن نتقصى جميع ما أدرك عليه، فهذا بحث يطول أمره، ~~وليس محله هنا. وقد عالجه قبلنا جماعة من الأدباء المتقدمين كالصاحب بن ~~عباد، والقاضي الجرجاني، والحاتمي، والثعالبي، والواحدي وسواهم. فبحسبك ~~أن ترجع إلى الوساطة، أو يتيمة الدهر، أو الصبح المنبي لتقع على ضالتك. بل ~~حسبك أن تطالع البحث البليغ الذي ذيل به الشيخ إبراهيم اليازجي ديوان أبي ~~الطيب؛ فإن فيه نهاية ms221 الأرب. وإنما نحن نجتزئ بالدلالة على أنواع معايبه، ~~وبيان أسبابها، فنقول: إن المتنبي كان يعنى بتصيد المعاني ويغوص عليها في ~~أبعد قراراتها، حتى إذا أمكنته أبرزها بالثوب الذي يتفق له، فسواء عليه كان ~~كرابيس أو خزا وديباجا. وربما ازدحمت عليه المعاني في البيت الواحد، ~~فيلجأ في إظهارها إلى التقديم والتأخير، والحذف وتقصير الألفاظ، فيكثر ~~تداخله وتعقده ويطبق عليه الغموض، فلا يحصل معناه إلا بعد كد الخاطر ~~وإرهاق الذهن. واستبان للشيخ إبراهيم أن طائفة من غوامض المتنبي ليس فيها ~~كبير معنى بحيث لو حللتها لما رأيت للشاعر عذرا في إلباسها هذا الثوب ~~البالي. وعزا ذلك إلى التعمية في صور التراكيب، وإلباس المعنى غير ثوبه، ~~فقد كان المتنبي يقع على المعنى الساقط فيحاول الخروج به إلى الإغراب، وعلى ~~المعنى المسبوق فيحاول البعد به عن أصله، فيغير ديباجته ويتحذلق فيه حتى ~~يفسده. وأكثر معمياته واردة في أوائل شعره قبل أن تستحكم ملكته، وكان يومئذ ~~يحتذي خطة أبي تمام فيغرب ويتكلف، وينقب عن الوحشي من اللفظ، ويعتمد الصيغ ~~الشاذة، والتراكيب الجافية، ويسرف في طلب المجاز والبديع، فمن ذلك ~~قوله: # أحاد أم سداس في أحاد # لييلتنا المنوطة بالتنادي؟ # 58 # قال الصاحب بن عباد: «وهذا من عنوان قصائده التي تحير الأفهام، وتفوت ~~الأوهام، وتجمع من الحساب ما لا يدرك بالارتماطيقي، ~~والأعداد الموضوعة للموسيقى.» ~~ويؤخذ عليه فساد ذوقه في مطالع المدح: # أوه بديل من قولتي واها! # لمن نأت والبديل ذكراها # 59 # قال الثعالبي: «وهو برقية العقرب أشبه منه بافتتاح كلام في مخاطبة ~~ملك.» وعيب عليه الاستكثار من استعمال ذا، وهي ضعيفة في صنعة الشعر، دالة ~~على التكلف، ويزيدها قبحا وغلاظة أن تأتي ثقيلة على السمع، متقلقلة في ~~موضعها، ظاهرة التكلف كقوله: «يضاحك في ذا اليوم كل حبيبه.» # وعيب عليه تكرار اللفظ حتى يثقل وقعه، ولا يحسن فيه المعنى: # ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه # ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف # 60 # فقد أراد المغالاة في ~~ممدوحه فحشر نفسه في هذا المأزق المستوحل حتى غرق. وكأن ممدوحه ms222 أحب أن ~~ينتقم للشعر فلم يجزه بسوى دينار واحد. # ومن مقابحه خشونته في مخاطبة الملوك: # عيب عليك ترى بسيف في الوغى # ما يصنع الصمصام بالصمصام؟ # 61 # وسوء تخلصه من الغزل إلى المدح: # عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي # إلى التي تركتني في الهوى مثلا # ولم يقنع بتكليفه هذه المهمة الشنعاء حتى جعله يعتقل رمحه ليحارب امرأة، ~~ويأخذ له بثأره منها: # أيقنت أن سعيدا آخذ بدمي # لما بصرت به بالرمح معتقلا # 62 # ويعاب عليه غلوه المستنكر حتى يخرج به إلى الإحالة، وسرقاته عمن تقدمه ~~كأبي تمام والبحتري وابن الرومي وسواهم، وتكراره للمعاني، وهذا عندي ليس ~~بعيب؛ فللشاعر أن يستعين بمعانيه متى شاء، على أن لا يفرط في تردادها، ~~والمتنبي لم يفرط في التكرار. # وهو أقل الشعراء إخلالا بالأوزان، فليس في ديوانه إلا بيت أو بيتان خرج ~~بهما عن الوزن كقوله: # تعثرت به في الأفواه ألسنها # والبرد في الطرق والأقلام في الكتب # 63 # فقد اختلس حركة الهاء من به. ويدرك عليه بعض سقطات في اللغة ~~كقوله: # من لبيض الملوك أن تبدل اللو # ن بلون الأستاذ والسحناء # 64 # ووجه الكلام أن يقول: «أن تبدل بلونها لون الأستاذ.» لأن ما دخل عليه حرف ~~الجر في هذا الفعل كان هو المتروك. ~~(2-3) منزلته # أوتي المتنبي شهرة لم يؤتها شاعر قبله، فسار شعره على غوارب السنين والأحقاب، ~~تردده الحواضر والبوادي، وتختصم فيه مجالس الأدب، وتعقد عليه حلقات الطلب. ~~وحجب شعراء زمانه فلم يذكر معه إلا أبو فراس، ولولا مكانه من السلطان لأخفاه. ~~وكان من عداوة الأدباء له أن ضاعفت سيرورة شعره؛ لأن اهتمامهم بنقد أقواله، ~~وإظهار معايبه، جعل الناس يلتفتون لفته من كل صوب، وقام له أنصار ينافحون عنه، ~~ويردون حجج خصومه، فصنفت الكتب في ما له وما عليه، وعني الشراح بتفسير ديوانه ~~لكثرة الراغبين فيه، فكتب له الخلود في أرفع ألواحه، وتبوأ أعلى درجاته. هذا ~~ولسنا نزعم أن خلوده مدين لعداوة الأدباء دون غيرها، فلو لم يكن في شعره ما ~~يستحق هذا الاهتمام لما شغل ms223 به الناس، وملأ الدنيا على حد قول ابن رشيق؛ فإن في ~~شعره من قوة البلاغ، وطيب المساغ، ما يستبي الأسماع، ويلج القلوب بغير استئذان. ~~ولربما قرأت له قصيدة دون أن تبغي حفظ شيء منها فما تتركها إلا وأنت راوية له ~~على الرغم منك. ولا ريب في أن ذلك عائد على فرة مقلداته التي استقاها من فلسفة ~~الحياة، فلا تقع حادثة في نظام الاجتماع إلا كان لها في شعره ما يتمثل به، ~~فكأنه كما يقول الشيخ إبراهيم اليازجي: «ينطق بألسنة الحدثان، ويتكلم بخاطر كل ~~إنسان.» وقد وفق لإفراغ هذه المقلدات في قالب سهل واضح، فساغتها النفوس، وعلقت ~~بالحوافظ، وقلما وجدت له بيتا عائرا إلا وقد جمع حلاوة اللفظ وشرف ~~المعنى. # وشيء آخر عمل لتوطيد شهرة المتنبي وخلوده، وهو ما تجد في شعره من تصوير ~~المعامع، وإطراء الشجاعة والحمية والشرف؛ فإن الإنسان مطبوع على حب القوة، ~~يلذ له أن يتغنى بها، ويتمنى أن ينسب إليها ولو كان ضعيفا. وكذلك الإنسان ~~يكبر الشرف والحمية، وإن كان دنيئا ساقط المروءة، فاشتمال شعر أبي الطيب ~~على هذه الميزات العالية ملكه قلوب الناس وخواطرهم، فحفظوه واستشهدوا به، حتى ~~إن الصاحب بن عباد وهو أشد خصومه لددا كان أحفظهم لشعره، وأكثرهم تمثلا به ~~في محاضراته ومكاتباته. ولا يزال شعر المتنبي في زماننا معينا نميرا يترشف ~~منه الشعراء والكتاب. # وامتازت لغة المتنبي في قوتها فلاءمت بها قوة نفسه ومعانيه وأغراضه، وتبدو ~~هذه القوة في ألفاظه الصلبة، وتراكيبه المتينة، وتشابيهه واستعاراته؛ يمدها ~~خيال بدوي عنيف، يسبح في سماء محجبة بالغيوم، تنقض منها الصواعق، وتثور ~~فيها الزوابع، وتنقذف عنها الرجوم، فما يعود إلا مضرجا بالدماء. # وكان لحياته المضطربة تأثير في توجيه عاطفته، فإن تردده في البادية، ~~ومغامراته الكثيرة، وإخفاقه المتتابع، وتشاؤمه بالزمان وأهله، جعل عاطفته تنمو ~~مخشوشنة متصلبة، لا ترتاح إلى سوى العنف والشدة. وكذلك أثرت فيها ثقافته ~~الفلسفية وتطلبه للمعاني؛ فضعف عملها في كثير من المواطن بقدر ما قوي عمل ~~التفكير. # وتتفاوت ديباجته، فأحيانا تنجلي صافية لها رونق ورواء، ms224 فتطرب وتبهج وتحمس، ~~وأحيانا تتجهم كدرة معقدة نافرة، فتضيق بها النفس وتتأذى منها الآذان. # وأبو الطيب يمثل شطرا كبيرا من عصره، ففيه تتجلى تلك النهضة الفكرية التي ~~سمت بها العلوم والفلسفة والمنطق. وفيه يتمثل اتساع الرزق على الشعراء لتعدد ~~حواضر العلم والأدب، وتنافس الأمراء في استقدام الشعراء ليمتدحوهم، ويغالوا في ~~نعوتهم حتى أصبح الشعر تكسبا كله. وفيه يتمثل اضطراب الحالة السياسية، وتحفز ~~كل ذي طموح إلى التملك، وكثرة الحروب والخروج والفتن. # وعلى الجملة فشعر المتنبي مستند تاريخي لزمانه. وهو أبرع من وصف جيشا، ~~وصور ملحمة، ولو طالت ملاحمه لسد ثلمة في الشعر العربي. وهو أكثر الشعراء ~~المتقدمين بيتا مقلدا، وأنضجهم تفكيرا وحكمة، وأبصرهم بفلسفة الحياة، ~~وأخلدهم على كرور الأجيال. ~~(3) أبو فراس 932-967م/320-357ه ~~(3-1) حياته # هو الحارث بن سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني، عربي النجار ينتمي ~~بعمومته إلى تغلب فربيعة الفرس، وبخئولته إلى تميم فمضر الحمراء لقوله: # لم تتفرق بنا خئول # في العرب أخوالنا تميم # وكنيته أبو فراس، ولد على الأرجح في الموصل حيث كان أبوه وأسرته وقتل أبوه ~~وعمره ثلاث سنوات، قتله ابن أخيه ناصر الدولة؛ لأنه سعى سرا في ضمان الموصل ~~وديار ربيعة من جهة الراضي بالله الخليفة العباسي. فنشأ أبو فراس يتيما تحتضنه ~~أمه، ويعطف عليه ابن عمه سيف الدولة أخو ناصر الدولة. # فلما قام عرش الحمدانيين في حلب سنة 333ه/944م كان شاعرنا في جملة من ضمهم ~~بلاط سيف الدولة من آل حمدان، فشب في كنف ابن عمه يشمله حنانه ورعايته، فرسخت ~~محبته في قلبه صبيا، وميزه سيف الدولة بالإكرام عن سائر قومه؛ لما رأى من ~~نجابته ومحاسن أخلاقه. # ولقي أبو فراس في الحضرة جمهرة من كبار العلماء والأدباء، فتخرج عليهم في ~~اللغة والشعر والرواية حتى برع. ولما بلغ أشده أخذ سيف الدولة يستصحبه في ~~غزواته، ويمرسه بمواقف الأهوال، فخرج فارسا مغوارا، بصيرا بمواقع الطعن ~~والضرب، فحارب الروم، ونازل الدماسق، # 65 # وسطا على القبائل الثائرة بابن عمه؛ فأذل كعبا وكلابا، ونميرا ~~وقشيرا. وأصبح لا يطيب له غير ms225 مقارعة الكتائب، وملاقاة الأبطال، والذود عن ~~حياض الملك، حتى إذا استخلفه الأمير على أعماله، ولم يستصحبه في غزوة غزاها، ~~تكدر وتوسل إليه أن لا يحرمه صحبته: # لا تشغلن فأرض الشام تحرسه # إن الشآم على من حله حرم # 66 # لا تحرمني سيف الدين صحبته # فهي الحياة التي تحيا بها الأمم # 67 # وأقامه سيف الدولة على منبج، فتولى أعمالها، وحارب الروم دونها. # أسره # تضاربت الروايات في أسر أبي فراس، فمن قائل إنه أسر مرة واحدة، ومن زاعم ~~أنه أسر مرتين، فقد حدثنا صاحب يتيمة الدهر بأن الروم أسرته في بعض مواقعها ~~بعد أن جرح بسهم أصابه في فخذه، وبقي نصله فيها، فحمل إلى ~~خرشنة # 68 # ثم إلى قسطنطينية. وذكر ابن خلكان هذه الرواية، وأسندها إلى ~~أبي الحسن علي بن الزراد الديلمي، وجعل تاريخ أسره سنة 348ه/959م وتاريخ ~~فدائه سنة 355ه/965م، ثم استدرك فزعم أن المؤرخين نسبوا ابن الزراد إلى ~~الغلط، وقالوا: أسر أبو فراس مرتين، فالمرة الأولى بمغارة الكحل في سنة ~~348ه وما تعدوا به خرشنة. وبني على نجاته أسطورة، فقيل إنه ركب فرسه ~~وركضه برجله، فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات. والمرة الثانية أسره ~~الروم وهو على منبج في سنة 351ه/962م وحملوه إلى قسطنطينية، فأقام فيها ~~أربع سنوات حتى افتداه سيف الدولة سنة 355ه. # أما نحن فنميل إلى ترجيح الرواية التي تقول إنه أسر مرة واحدة لأسباب ~~منها: أن الثعالبي - وهو أقرب الرواة عصرا إلى أبي فراس - لم يذكر له سوى ~~أسرة واحدة، ولم يرو أسطورة نجاته كما رواها ابن خلكان، مع أنه شديد ~~الإعجاب به لا يذكر اسمه إلا بالإعظام، فلو صحت الأسطورة والأسرة ~~الثانية، لما غفل عنهما صاحب يتيمة الدهر. ومنها: أن الرواة لم يختلفوا في ~~شأن الفداء، فقد اتفقوا على أن سيف الدولة افتداه مرة واحدة وهو أسير في ~~قسطنطينية. ومنها: أن أبا فراس لم يقل رومياته إلا بعد أن طال أسره، وأبطأ ~~سيف الدولة في بذل فدائه، وله رومية شهيرة نظمها في خرشنة، وبعث بها إلى ms226 ~~سيف الدولة لما علم أن والدته قصدت إليه من منبج تكلمه في المفاداة فلم يجب ~~طلبها، وفيها يقول بلسان أمه: # يا من رأى لي بحصن خرشنة # أسد شرى في القيود أرجلها # 69 # فهذا يدل على أنه أخذ يعاتب ابن عمه وهو في خرشنة، فالراجح أنه لم يؤسر ~~غير مرة واحدة سنة 351ه فامتد أسره إلى سنة 355، فتكون مدة أسره أربع ~~سنوات، سلخ بعضها بخرشنة، وبعضها الآخر بقسطنطينية، ونظم رومياته في كلا ~~المحبسين. # ذكر ابن خالويه أن ابن ~~أخت ملك الروم كان أسيرا عند سيف الدولة، فلما وقع أبو فراس أسيرا في يدي ~~أخته، سامه إخراج أخيه المأسور أو دفع فدائه، فكتب أبو فراس إلى سيف الدولة ~~يسأله المفاداة، فامتنع سيف الدولة من إخراج ابن أخت الملك إلا بفداء عام، ~~فحمل أبو فراس إلى القسطنطينية، وسيف الدولة يأبى أن يفتديه فداء خاصا، ~~فبقي أسيرا أربع سنوات حتى تيسر الفداء العام. ونحن نرى أن صاحب حلب لو ~~أراد تعجيل الفداء لما عز عليه أن يطلق ابن أخت الملك ليطلق أبو فراس، ~~ولكنه آثر التسويف لغرض في نفسه، ولعله أحس من الشاعر الفارس طمعا في ~~الملك، وتريب من دلاله وزهوه بشجاعته، فرأى أن يصرفه عن وجهه زمنا، ويمد ~~في أسره، ليضعف عزائمه، ويريه أن الدولة غنية عنه، وأن النصر يتم بدونه، ~~ففعل ما فعل حتى حان وقت الفداء فافتداه. # موته # توفي سيف الدولة سنة 356ه/966م بعد خلاص أبي فراس بعام واحد، وخلفه ولده ~~أبو المعالي سعد الدولة، وهو ابن أخت شاعرنا، يعاونه على الأمر قرغويه مولى ~~أبيه. فخطر لأبي فراس أن يتغلب على حمص ويقطعها، وهذا يؤيد ما زعمناه من ~~مطامعه في الملك، فقصده قرغويه بجيش إلى حمص، فاستظهر عليه وقتله. وروى ابن ~~خلكان عن ثابت بن سنان الصابي أن جثته بقيت مطروحة في البرية إلى أن جاء ~~بعض الأعراب فكفنه ودفنه، وقد رثاه أبو إسحاق الصابي بقصيدة أشار إليها ~~الثعالبي، ولم يذكر منها شيئا. # صفاته وأخلاقه # كان أبو فراس طويلا بدينا، تبدو ms227 عليه دلائل القوة والبطش، وقد وصف نفسه ~~فقال: # متى تخلف الأيام مثلي لكم فتى # طويل نجاد السيف رحب المقلد # 70 # وشاب وهو في العشرين: # وما زادت على العشرين سني # فما عذر المشيب إلى عذاري؟ # 71 # وأصابته طعنة في خده فبقي أثرها: # ما أنس قولتهن يوم لقينني: # أزرى السنان بوجه هذا البائس # 72 # ووصفه الثعالبي فقال: «كان فرد دهره، وشمس عصره، أدبا وفضلا، وكرما ~~ونبلا، ومجدا وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة.» ا.ه. # وكان كغيره من أبناء الملوك يميل إلى اللهو والعبث والسماع، ولكن حياته ~~كانت سلسلة حروب وغزوات، وأسر واعتقال، فلم يتح له أن يتنعم بمخضر ~~العيش، ويرتوي بماء الشباب، فكان يفترض اللذات افتراضا، فإذا سنحت له شرب ~~وطرب، ولها وعبث، ودلف إلى بيوت الخمارين: # وقمنا نسحب الريط # إلى حانة خمار # 73 # وما في طلب اللهو # على الفتيان من عار # وكان صبورا لا يستخفه الجزع، ولا يوهى له جلد، ولطالما أوصى بالصبر ~~وافتخر به. وهو إلى ذلك حسن التدين، عظيم الثقة بعناية الله. وكان يتشيع ~~للعلويين. # آثاره # لأبي فراس ديوان جمعه ابن خالويه بعد موته، وأورد له الثعالبي في يتيمة ~~الدهر طائفة حسنة من مختاراته، ولا سيما الروميات. وأفضل طبعات هذا الديوان ~~ما أخرجته المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة 1945 بعناية سامي الدهان الذي ~~تولى جمعه ونشره وتعليق حواشيه ووضع فهارسه. ~~(3-2) ميزته # الشعر عند أبي فراس ألهوة ~~يتلهى بها، وبلسم يداوي به كلومه، وقمطر يجمع فيه مفاخره. وقد أغناه الله ~~عن السؤال بعزة الملك، ونعيم الدولة، فلم يصطنع المدح ولا الهجاء، وإنما مدح ~~قومه وعشيرته ، وهذا فخر لا مديح: # نطقت بفضلي وامتدحت عشيرتي # فما أنا مداح ولا أنا شاعر # 74 # ومدح بعض أصدقائه من آل ورقاء وسواهم، وهذا من نوع الإخوانيات. # فالمدح والهجاء لا حظ لهما في شعر أبي فراس، وما القصيدة التي هجا بها ~~العباسيين، ومدح العلويين، إلا من النوع السياسي، اندفع إليه شاعرنا بعاطفة ~~التشيع لعلي وأبنائه. # ولم تكن حياته المضطربة لتسمح له بأن يفتن في وصف مشاهد الطبيعة، ms228 وأسباب ~~اللهو، فلم يترك فيه شيئا يستحق الذكر. # وكذلك الرثاء لم يكن له يد فيه، فقد ماتت أخته فرثاها، فلم يحسن رثاءها. ~~وماتت أخت سيف الدولة، فأراد أن يرثيها فكان رثاؤه مواساة لأخيها. ورثى ابن سيف ~~الدولة فما تم له الإحسان. ومات سيف الدولة فلم يقل فيه شيئا على ما بينهما من ~~مودة وقربى. وما كان لأبي فراس أن يقصر في الرثاء، وهو شاعر عاطفي، والرثاء ~~قوامه العاطفة، ولعل تعوده ركوب الأهوال والمخاطر جعله يستهين الموت فما ~~يرتاع له، ولا يرى فيه ما يبعث على الجزع؛ فكان يستقبل مصائب الدهر في شيء من ~~الأنفة والاستكبار، وحبس عاطفته فلم يطلق لها العنان في التفجع والإرنان. وربما ~~كان سكوته عن رثاء سيف الدولة مسببا عما وقع بينهما من جفاء من أجل ~~الفداء. # ونظم في الحكم فما تأتت له البراعة؛ لأن العاطفة إذا غلبت أضعفت قوة ~~التفكير، وإنما ترك بعض أبيات جرت مجرى الأمثال كقوله: «وفي الليلة الظلماء ~~يفتقد البدر.» وقوله: «ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر.» # وله في الإخوانيات شعر حسن، وخصوصا ما كان منه في تسلية صديق نابته نائبة ~~كالقصائد التي بعث بها إلى أبي العشائر، وكان هذا أسيرا عند الروم. # وأجمل شعره ما جاء في مفاخره ورومياته، ونحن نعتمد عليها في دراسته ونلم ~~إلماما بغزله. # غزله # لأبي فراس غزل يأتي به مرة في صدور مفاخره وإخوانياته، وأخرى مستقلا في ~~مقطعات صغيرة. ويختلف عن غيره من متغزلي المولدين بأنه لم يتعهر ~~فيه، وإن استخف في بعضه حيث يذكر مجالس لهوه. ولم يتذلل لمن يحبه، فيدعوه ~~بسيده ، ومالك رقه، أو يفرش خديه تحت أقدامه، بل يغلب عليه الكبر ~~والأنفة. وإذا برح به الوجد حبس دمعه على عيون الناس لئلا يتبينوا فيه ~~ضعفا، وأبى أن يبكي إلا محتجبا بقميص الليل. ثم لا يغفل عن نعت دمعه ~~بصفات ترفعه من وهدة الذل، فهو العصي، ومن خلائقه الكبر. # وإذا رأى من حبيبه صدودا استرضاه على شيء من الاعتداد بالنفس: # أجملي يا أم عمرو # زادك الله ms229 جمالا # لا تبيعيني برخص # إن في مثلي يغالى # وليس لشعره عروس اشتهر بها، وقصر نسيبه عليها، فحينا يذكر أم عمرو، وآخر ~~عمرة، وكثيرا ما يشبب بشخص لا يسميه. وألطف غزلياته، وأشملها لميزته في ~~هذا الفن، قوله في صدر إحدى رومياته: # أراك عصي الدمع شيمتك الصبر # أما للهوى نهي عليك ولا أمر؟ # وقد تغلب الصنعة على غزله، ولا سيما مقطعاته؛ فإنه كان يزينها بألطف ~~التشابيه والاستعارات، ويوشيها بأنواع البديع حتى يكاد يبعد بها عن ~~الطبع. # مفاخره # لا يستغرب الفخر من شاعر كأبي فراس، تحلى بأشرف صفاته ومعانيه: فمن ~~فروسية وشجاعة، وإباء وعفة، إلى نسب رفيع وحسب كريم، إلى شاعرية جوادة، ~~وبيان ساحر. فإذا افتخر أمعن في وصف شجاعته وإقدامه، وبلائه في الحروب، ~~وباهى الناس بآبائه وأعمامه وجدوده، وعدد أيامهم وحروبهم، ومدح سيف ~~الدولة، وذكر مناقبه، وفاخر به لأنه ابن عمه ومربيه. وله رائية طويلة تبلغ ~~مائتي بيت وخمسة عشر بيتا، تكاد تشتمل على جميع خصائصه في الفخر، أكثر ~~فيها من ذكر الغزوات والوقائع. ولو عني بالوصف والتصوير، كما عني بسرد ~~الأخبار، لترك ملحمة من فرائد الشعر القصصي. ووصف المعارك والجيوش والعدد ~~ضعيف في شعر أبي فراس على الإجمال، فقد كان همه في تعداد انتصاراته، ~~والإدلال بشجاعته وكرمه، وعفته وحلمه. # وقلما ترى في مفاخره اعتدادا مستكرها كاعتداد أبي الطيب، وخروجا إلى ~~الإحالة كخروجه، وإن وقعت على شيء من ذلك ساغته نفسك، ولم تنفر منه، لقربه ~~من الطبع وبعده من التكلف، فتتمثل فيه أميرا معجبا بنفسه، مزهوا ~~بمناقب قومه، يتكلم بعاطفته لا بعقله، والشعر العاطفي محبب إلى القلوب ~~كيفما جاء. # ويمتاز فخره في نفحته الملوكية، وفخامة لفظه وشدة أسره، ولكنه لا يخرج ~~إلى الوحشي من الكلام. # رومياته # ويراد بالروميات القصائد ~~التي قالها الشاعر وهو أسير في بلاد الروم، فقد آلمه أن يتناساه ابن عمه، ~~ويهمل أمره، ولا يذكر ما له من بيض الأيادي في دولته. وكان يزيده ألما ما ~~يبلغه من الأخبار عن والدته الحزينة، فإنها لم ترفأ لها دمعة طوال أسره. ~~وقصدت ms230 من منبج إلى حلب تلتمس الفداء من سيف الدولة، ثم عادت خائبة، مكلومة ~~الفؤاد، مكسورة الخاطر، وما إن علم الأسير بخبرها، حتى قبضت على صدره ~~غصة القهر، فثار ثائره، وفاضت مشاعره، وبث أشجانه في مسامع بنات ~~عاطفته. # والروميات تشتمل على أجمل المزايا التي تحلى بها أبو فراس، ففيها عزة ~~نفسه وإباؤه، وجرأته وشجاعته. وفيها حبه لوالدته، وحنينه إلى صبيته ووطنه. ~~وفيها صبره وجلده وثقته المكينة بعناية الله. وفيها شكايته لسيف الدولة ~~وعتبه عليه. فكأنها مذكرات ضمنها ما كان يمر به وهو مأسور. # وكان يتوقع من سيف الدولة أن يعجل افتداءه، فلما استبطأه أرسل إليه يحثه ~~على بذل الفداء: # دعوتك للجفن القريح المسهد # لدي وللنوم القليل المشرد # وتأبى على أبي فراس نفسه الكبيرة أن يتذلل في طلب الفداء، لما به من ~~أنفة وعزة، فإما أن يطلبه لأنه يريد أن يموت قتيلا لا موسدا، أو لأن ~~ملك بني حمدان ليس به غنى عنه. وإما أن يطلبه من أجل أمه العجوز: # لولا العجوز بمنبج # ما خفت أسباب المنيه! # ولكان لي عما سأل # ت من الفدا نفس أبيه # وخطر له أن يلتجئ إلى خراسان بعد أن أوجعه تباطؤ سيف الدولة عنه، فكتب ~~إليه يقول: «مفاداتي إن تعذرت عليك، فأذن لي في مكاتبة أهل خراسان ~~ومراسلتهم ليفادوني، وينوبوا عنك في أمري.» فأثر ذلك في سيف الدولة، ~~وساءه أن يفزع ابن عمه إلى قوم أعجام غرباء، فأرسل إليه يقول: «ومن يعرفك ~~بخراسان؟» فآلم أبا فراس أن ينسب إلى الخمول، فقال من قصيدة يعاتب بها سيف ~~الدولة: # فلا تنسبن إلي الخمول # عليك أقمت فلم أغترب # وأصبحت منك فإن كان فضل # وإن كان نقص فأنت السبب # وإن خراسان إن أنكرت # علاي فقد عرفتها حلب # 75 # وهذا قول لا يصدر إلا عن نفس عزيزة، لا تلين لها خنزوانة مهما تراخى بها ~~الأمر، وتألبت عليها المصائب. وربما ناظر شاعرنا الدمستق، وفخر عليه، ~~ورماه بقوارص الكلام، غير خاش مغبة جراءته، ولا مبال على أي جنبيه وقع ~~الأمر، فمن قوله فيه وقد ms231 تناظرا في أمر الدين: # أما من أعجب الأشياء علج # يعرفني الحلال من الحرام # وقال له الدمستق يوما: «إنما أنتم كتاب ولا تعرفون الحرب.» فأحفظه ذلك ~~من عدوه فرد عليه: «نحن نطأ أرضك منذ ستين سنة، بالسيوف أم بالأقلام؟» وله ~~شعر في ذلك. # ولشد ما كان حنينه إلى وطنه وأهله، فقد جمعت في صدره الشجاعة والصبر، ~~والرقة والحنو، ولكل من هذه الصفات أثر بليغ في حياته، ولا سيما حياة أسره، ~~فبينا تراه يعاتب ويهدد ويعظ ويؤنب، إذا هو يلين ويلطف فيبث صبابته، ويشرح ~~هواه، ويناجي والدته وصبيته وخلانه، وقد تهيج به الذكرى ريح تهب شآمية، ~~أو عيد يمر به، أو حمامة تنوح على شجرة، فتفيض شجونه، ويتسلى ~~بالأشعار: # أقول وقد ناحت بقربي حمامة: # أيا جارتا! هل تشعرين بحالي؟ # وجملة القول إن أبا فراس تعذب في الأسر كثيرا، ولقي أشد العنف ~~والإرهاق، ولكنه لم يخفض رأسه، ولا أذل نفسه، بل ظل شديد العزيمة، صليب ~~العود، بادي الشمم، جريء القلب، يجابه العدو في عقر داره، متدرعا بالصبر، ~~متوكلا على رحمة الله. # ولا بد من القول إن لأسره يدا على خلوده، وعلى الأدب معا، فلولا ~~رومياته لما كان له في سائر شعره ما يتميز فيه من الشعراء العاديين. ولولا ~~أسره وشقاؤه لما جرى طبعه بهذه القصائد الرائعة، فجاء بها ذوب العاطفة ~~المتألمة، وعصارة النفس الكليم، فكتبت اسمه في سفر الخلود، ومهرت الأدب ~~نوعا طريفا من الشعر الوجداني. # ما أدرك عليه # أدرك على أبي فراس من السرقات كما أدرك على غيره، ولكنه يعاب في ما سرقه ~~عن أبي الطيب المتنبي، مع كرهه له، وتسريقه إياه، كقوله: # راميات بأسهم ريشها الهد # ب تشق الجلود بعد القلوب # وقد قال أبو الطيب: # راميات بأسهم ريشها الهد # ب تشق القلوب قبل الجلود # ومما يدرك عليه أخذه باللغات الضعيفة كقوله: # وما أسفرت عن ريق الحسن إنما # نممن على ما تحتهن المعاجر # 76 # فهذه لغة أكلوني البراغيث. وربما رفع خبر كان وأخواتها، وسكن الفعل ~~المضارع حيث لا مسوغ للتسكين، كقوله: # قد ms232 منحت الرقاد عين خلي # بات خال مما يجن ضميري # 77 # وقوله: # لست أعتبك، والعتاب لروحي # قاتل، والعذاب غير وجيب # 78 ~~(3-3) منزلته # قال الصاحب بن عباد: «بدئ الشعر بملك، وختم بملك.» يعني امرأ القيس وأبا ~~فراس. وقال الثعالبي: «وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة، والسهولة والجزالة، ~~والعذوبة والفخامة، والحلاوة والمتانة، ومعه رواء الطبع، وسمة الظرف، وعزة ~~الملك. ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز. وأبو فراس ~~يعد أشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام.» ا.ه. # وقد حق لأبي فراس أن يستوي على الدرجة الرفيعة مع الشعراء، ولكن الأدباء ~~المتقدمين لم يلتفتوا إليه كل الالتفات لأسباب منها أن معاصرته لأبي الطيب ~~أخفتت صوته، كما أخفتت أصوات غيره من أصحاب الشعر، إلا أن أبا فراس كان أظهر ~~منهم لمكانته في دولته. ومنها أن المتقدمين كانوا يبنون مقاييس الفحولة على ~~المدح والهجو؛ فمن لم يشهر بهما لا يعد في الفحول. ولم يكن بأبي فراس حاجة ~~إلى هذين الفنين فلم يصطنعهما، فانحدرت منزلته بعض الشيء ولم يعدوه في الطبقة ~~الأولى، ولكنهم ختموا به الشعر، وفضلوه على ابن المعتز. وبين هذين الشاعرين ~~شبه، فكلاهما ملك قال الشعر متلهيا لا متكسبا، ونظمه في الفخر والغزل ~~والإخوانيات، إلا أن حياة ابن المعتز كانت راحة ورخاء، فأكثر من وصف الرياض ~~والحدائق، ومجالس اللهو، وغدوات الصيد، فغلبت الصنعة على شعره. وكانت حياة أبي ~~فراس حربا وأسرا، فأجاد الفخر والحماسة وأبدع في رومياته، وغلبت على شعره ~~العاطفة؛ لأنه لم يتكلفه تكلفا، وإنما جرى به طبعه الصحيح، وهو في أشد حالات ~~التأثر محاربا كان أو أسيرا. # واستسلامه إلى العاطفة المطلقة جعل في خياله ضيقا، فلم ينفسح له مجال ~~التصوير والتزيين؛ فقد كان يصف حالته في الأسر كما يحسها ويشعر بها، لا كما ~~تجسمها المخيلة وتوسعها. وكان يصف الحروب، ويذكر الوقائع دون أن يلجأ إلى ~~الخيال لتلوينها وتعظيمها فعل المتنبي، فصوره الخيالية قصيرة الخطى، قريبة ~~المدى، ولكنها لطيفة محببة. # وتمتاز لغته في حسن اختيار الألفاظ وجمال التعبير، ms233 ففيها الجزالة وشدة الأسر ~~في موضع الشدة، وفيها الرقة والسهولة في موضع الحنو. وجدير بنا أن ننصف أبا ~~فراس فنقول: إنه جيد الشعر في حماسياته، مبدع في رومياته، شاعر العاطفة في ~~كلتيهما. وهو الشاعر الملك، والملك الفارس، والفارس الأسير. # | هوامش # الفصل التاسع # | الكتاب المولدون # العصر الثالث ~~(1) ميزة النثر # تبدل النثر ميزة جديدة ظهرت في إنشاء المترسلين، ووضعت لها القواعد والأصول، ~~وأقيمت الأهداف والحدود، فكان منها أسلوب واضح المعالم، يعتمد على الصناعة ~~والتنميق. والترسل منذ نشوئه قائم على الصنعة والتزيين؛ لأنه وليد المواطن ~~الأرستوقراطية المترفة، فقد كان أصحابه الأوائل، إما وزراء وأمراء، وإما متقربين ~~إلى الوزراء والأمراء، ومعظمهم من الموالي المستبحرين في الحضارة، فكان الزخرف ~~والتنوق في العبارة من أخص غاياتهم. ولا بدع فترف الألفاظ من اتباع ترف الحياة ولا ~~سيما الترسل فإن أغراضه قليلة، فإذا لم يحسن فيه تصريف الكلام، ضعف شأنه وانحطت ~~منزلته. ولكنه كان في الأعصر الأولى غير بين التكلف لصحة طباع أهله، ثم تداولته ~~الأجيال، فسارت به الصنعة في طريق الكمال بعامل النشوء والارتقاء. فما إن اكتهل ~~العصر الثاني حتى بات المترسلون يلتزمون المحسنات اللفظية والمعنوية التزاما، ~~ويتكلفونها تكلفا. # وكأن الأقدار أبت إلا أن يظل الترسل في أيدي الأعجام يتعهدونه بأذواقهم حتى ~~يبلغوا به أقصى حدود الفن والصناعة. وأتاحت له كاتبين بليغين عبدا طريقه بما لهما ~~من واسع السلطان، وبراعة الإنشاء، ألا وهما ابن العميد وزير ركن الدولة، والصاحب بن ~~عباد وزير مؤيد الدولة ففخر الدولة، فارتفع شأن الترسل بهما، وتعشقه الكتاب، ~~وجلهم عجم متقربون إلى الحضارة، فاحتذوا مثالهما، وساروا بالأسلوب الجديد إلى ~~أعلى درجاته، ونبغ فيهم أمثال أبي بكر الخوارزمي، وأبي إسحاق الصابي، وبديع الزمان ~~الهمذاني، وأبي منصور الثعالبي وسواهم. ~~(2) إنشاء المترسلين # يتناول الترسل عدة أغراض متلونة، فمنها الإخوانيات على اختلاف أبوابها، ومنها ~~مقدمات الكتب، ومنها مناظرات الأدباء كمناظرة أبي بكر الخوارزمي وبديع الزمان ~~الهمذاني، أو مناظرة المتنبي والحاتمي، ومنها المناظرات السياسية كمناظرات الشيعة ~~والعباسيين، والشعوبية والعرب، ومنها المقامات وسنفرد لها بحثا خاصا بها. وأمعن ~~المترسلون ms234 في الوصف حتى جاروا الشعراء في خيالهم؛ فوصفوا القصور والحدائق ~~والرياض، والأزهار والبرك والجداول والأنهار والبحار، والسفن والزوارق، والزينة ~~والرياش، والحلي، وآلات الطرب، والأطعمات والأشربات، والأواني، والفصول، والليل ~~والنهار، والغيوم والمطر، والرعود والبروق، والصيد والوحوش والطيور، والعواطف ~~والشهوات. وتماجنوا في وصف الإماء والغلمان، ومجالس اللذة والطرب. # وحلوا إنشاءهم بأنواع المجاز والبديع، فالتزموا التشابيه والاستعارات ~~والكنايات فما كادوا يعبرون عن معنى بحقيقة لفظه. والتزموا التزيين فجاءوا ~~بالمسجوع قصير العبارات على الغالب، مزدوجا وغير مزدوج. وجاءوا بالطباق والجناس ~~وسواهما من المحسنات، فغلبت ميزة الشعر المصنوع على نثرهم، لا ينقصه غير البحور ~~والأوزان. # وشغفوا بالاقتباس من القرآن والحديث والأمثال لفظا ومعنى، وتضمين الملح ~~والنوادر من التاريخ والعلوم، والإشارة إلى الحوادث المشهورة، والاستشهاد بالشعر، ~~فقد يحلونه نثرا، أو يوردون البيت أو نصف البيت، أو لفظة شاردة من بيت. وقد تمر ~~بك فقر لا تقرأ منها جملة إلا رأيت بعدها بيتا من الشعر، كقول بديع الزمان ~~الهمذاني في رسالته إلى أبي بكر الخوارزمي: # أنا لقرب الأستاذ - أطال الله بقاءه - «كما طرب النشوان مالت به الخمر»، ~~ومن الارتياح للقائه «كما انتفض العصفور بلله القطر»، ومن الامتزاج ~~بولائه: «كما التقت الصهباء والبارد العذب»، ومن الابتهاج بمرآه: «كما ~~اهتز تحت البارح # 1 # الغصن الرطب». # وقول ابن العميد يصف شهر رمضان في رسالة إلى أبي العلاء السروري: # كتابي، جعلني الله تعالى فداك، وأنا في كد وتعب، منذ فارقت شعبان، وفي ~~جهد ونصب، من شهر رمضان، وفي العذاب الأدنى، دون العذاب الأكبر، من وقع ~~الصوم، ومرتهن بتضاعف: # حرور لو ان اللحم يصلى ببعضها # غريضا، أتى أصحابه وهو منضج # 2 # وممتحن بهواجر يكاد أوارها # 3 # يذيب دماغ الضب، # 4 # و: «يغادر الوحش قد مالت هواديها». # 5 # وآثروا الإطناب، وكرهوا الإيجاز وعابوه، فأفضى بهم ذلك إلى الإكثار من ~~المترادفات، وإلى معاقبة الجمل على المعنى الواحد، كما رأيت في المثالين المتقدمين، ~~فأصبح اللفظ غاية لهذا الأسلوب. # وكان من تأثير المواطن الأرستوقراطية التي نشأ فيها الأسلوب الجديد أن أصحابه ~~أسرفوا في منح الألقاب، كسيدي ms235 الأستاذ، وسيدي الشيخ، وما شاكل. وأكثروا من الأدعية، ~~فتركوا لمن جاء بعدهم رواسم لفظية تداولتها الأجيال حتى ابتذلت وصارت من سقط ~~المتاع. # وتسرب هذا الأسلوب في لغة المصنفين، فاستعملوه في كتبهم فعل الثعالبي في ~~يتيمة الدهر. ولكنه لم يشع عندهم، فقد تحاماه سوادهم أمثال أبي الفرج في أغانيه، ~~والقاضي الجرجاني في وساطته، والآمدي في موازنته، وابن رشيق في عمدته، وانتحلوا ~~مذهب الجاحظ وسواه من الكتاب المطبوعين. # ونحن نجتزئ هنا بدرس آثار بديع الزمان؛ ففيها غنى لمن يريد الاطلاع على أسلوب ~~المترسلين. ~~(3) بديع الزمان 967(؟)-1007م/357(؟)-398ه ~~(3-1) حياته # هو أحمد بن الحسين المعروف ببديع الزمان، وكنيته أبو الفضل، ولد ~~بهمذان # 6 # وبها نشأ، وإليها انتسب. ثم فارقها سنة 380ه/990م وهو في ميعة ~~الصبى وربيع الشباب. ووفد على الصاحب بن عباد في الري فحظي عنده. ثم قدم ~~جرجان، فداخل فيها الإسماعيلية، وتعيش في أكنافهم. ثم قصد إلى نيسابور ~~فوافاها سنة 382ه/992م فأملى فيها مقاماته، وناظر أبا بكر الخوارزمي. # مناظرته مع أبي بكر # لا نعلم من أمر هذه المناظرة إلا ما أملاه بديع الزمان عنها، فإن مؤرخي ~~الآداب لم يذكروا من أخبارها غير ما أورده الثعالبي في يتيمة الدهر. وهو لا ~~يكاد يتعدى الإشارة بأوجز عبارة، ولا يزيد على الإخبار بوقوعها، وانقسام ~~الناس بين المتساجلين، وهبوب ريح الهمذاني لتصديه لشيخ راسخ القدم صليب ~~العود كالخوارزمي، وهو لم يزل غض الحداثة، مقتبل الشباب. ولكن البديع ~~فصلها في إحدى رسائله تفصيلا وافيا، وذكر جميع ما جرى فيها من منافسات، ~~ومباهيات، ومشاتمات. وخلاصتها: أن أبا الفضل دخل نيسابور صفر الكف، رث ~~الهيئة؛ لأن اللصوص دهموه ورفاقه. وهم في بعض الطريق، فابتزوا ما معهم من ~~دراهم وثياب . وكان أبو بكر في نيسابور. فزاره البديع فلم يلق لديه وفادة ~~حسنة. وإنما لقي صلفا وتكلفا لرد السلام، فعاد من عنده، وكتب إليه ~~يعاتبه. فرد عليه يستنكر عتابه، وينكر ألا يكون وفاه حقه، ونسبه إلى ~~العربدة فسكت البديع. وانقطع عن ذكر أبي بكر. ومضى على ذلك شهر فجعل ~~الخوارزمي يعرض ببديع ms236 الزمان، ثم لا يكتفي بالتعريض حتى يعلن: «وجعلت ~~عواصفه تهب. وعقاربه تدب.» وطلب أن يجمع بينه وبين الهمذاني. ~~وعرف البديع فكتب إليه يعرض عليه المناظرة، فاجتمعا مرتين بمشهد من القضاة ~~والفقهاء والأشراف وغيرهم من سائر الناس. وتقارعا، فقرعه البديع بالمهاترة ~~والتحقير والمشاتمة، ونفسه بالمبادهة والحفظ، والشعر، والترسل، واللغة ~~والعروض، والسجع. وخرج البديع رافع الرأس. وأبو بكر منكسا: «ولما خرجت لم ~~يلقوني إلا بالشفاه تقبيلا، وبالأفواه تبجيلا. وانتظروا خروجه إلى أن ~~غابت الشمس، ولم يظهر أبو بكر حتى حضر الليل بجنوده، وخلع الظلام عليه ~~فروته.» # فنتيجة المناظرة على ~~رواية الهمذاني نصر مبين له، وخذلان مهين للخوارزمي، غير أننا لا يسعنا أن ~~نطمئن كل الاطمئنان إلى روايته وهو أحد الخصمين. وليس لنا مستند سواها يشفع ~~لها ويزكيها، فهي أشبه برواية الحاتمي لمناظرته مع المتنبي. ومن تدبرها ~~بروية وأناة رأى فيها من صلف البديع واعتداده بنفسه، وتحامله على أبي بكر ~~ما يجرح حقيقتها، ويلقي الشبهات عليها، فإنه جعله ينخذل في جميع العلوم ~~التي ناظره فيها، ولم يتركه مرة يبلغ شأوه في باب من الأبواب، حتى في ~~الترسل واللغة والسجع، مع أن أبا بكر طويل الباع في هذه الفنون. ولم يرو ~~له من الشعر إلا كل غث ساقط. وبلغ من تجهيله إياه أن جعله لا يعرف أن ~~للشاعر أن يصرف ما لا ينصرف، وهذا لا يكاد يجهله صبيان الكتاتيب. # ولم يقتصر على تحقيره وإخزائه، بل حقر شهوده وأخزاهم، ورماهم بأقبح ~~الأوصاف: «رجال يلعن بعضهم بعضا، فصاروا إلى قلب المجلس وصدره، حتى ~~رد كيدهم في نحرهم، وأقيموا بالنعال إلى صف النعال.» مع أنه أفاض ~~النعوت الحسنة على من كانوا له شهودا وأنصارا. # وإنا - وإن كنا نكبر عبقرية أبي الفضل ونؤثره على أبي بكر - لا نرى بدا ~~من الشك في روايته. فغير معقول أن ينهزم خصمه على هذه الصورة الفاضحة ويصلد ~~زنده في جميع الفنون، لا تقتدح ناره، ولا يهب شراره، وهو أحد شيوخ العلم، ~~وأيمة الأدب، ومناظره فتى في أول عمره. # وقد رأينا أن الثعالبي ms237 لم ~~يذكر في يتيمته أن البديع قهر أبا بكر، وإنما ذكر انقسام الناس بينهما، وأن ~~هذه المناظرة كانت سببا لنباهة الهمذاني. ولا غرو في ذلك، فإن تصدي فتى ~~رطب لشيخ يابس العود، ومقارعته له بمشهد من العلماء، لا بد له أن يطير ~~بشهرته، ويجعل اسمه على الأفواه. وغير عجيب أن ينقسم الناس بينه وبين خصمه، ~~فهذا دأبهم في كل مناظرة. وأن يكثر أنصاره، وله من ظرف الصبا وجماله خير ~~شفيع. # ولبث الخصام ناشبا بينهما بعد المناظرة، فكان أبو بكر يتتبع مقامات ~~البديع ويطعن عليها، والبديع يتتبع شعر الخوارزمي ويعيبه، حتى قبض أبو ~~بكر، فخلا الجو للهمذاني لا ينافسه فيه منافس، ودرت عليه أخلاف الرزق، ~~فحسنت أحواله، وخفض عيشه. # زواجه وموته # وعلقت نفسه بالأسفار فجاب خراسان، وسجستان، وغزنة، فحظي فيها جميعا، ~~ولم يبق ملك أو أمير أو وزير أو رئيس إلا خصه برغائب النعم. ثم ألقى عصاه ~~بهراة # 7 # وأصهر فيها إلى أحد أشرافها أبي علي الحسين بن محمد الخشنامي، ~~فانتظمت أحواله بصهره، # 8 # وقرت به عينه، واشتد ظهره، واقتنى بمعونته ومشورته ضياعا ~~فاخرة، وعاش عيشة راضية حتى تصرفت فيه أيدي المنون. قيل مات مسموما، وقيل ~~بل عرض له داء السكتة فعجل دفنه وهو حي، فأفاق في قبره، وسمع صوته بالليل، ~~فنبش عنه فوجد قابضا على لحيته من هول القبر، وشدة الذعر، وقد مات. وكانت ~~سنه أربت على الأربعين. # صفاته وأخلاقه # وصفه صاحب اليتيمة قال: «كان مقبول الصورة، خفيف الروح، حسن العشرة، ناصع ~~الظرف، عظيم الخلق، شريف النفس، كريم العهد، خالص المودة، حلو الصداقة، ~~مر العداوة.» ا.ه. وكان على نشأته الفارسية يؤثر الانتماء إلى العرب، ~~فيقول في إحدى رسائله: «إني عبد الشيخ، واسمى أحمد، وهمذان المولد، ~~وتغلب المورد، ومضر المحتد.» ويطعن على الشعوبية، ويفضل العرب على العجم، ~~ولا يبالي، فمن ذلك قوله يرد على شاعر شعوبي هجا العرب وافتخر ~~عليهم: # تريد على مكارمنا دليلا # متى احتاج النهار إلى دليل؟ # ألسنا الضاربين جزى عليكم # وإن الجزي أولى بالذليل # 9 # متى قرع المنابر ms238 فارسي # متى عرف الأغر من الحجول؟ # 10 # متى علقت، وأنت بها زعيم # أكف الفرس أعراف الخيول؟ # 11 # فأمجد من أبيك، إذا انتسبنا # عراة كالليوث، وكالنصول # 12 # وكان إلى ذلك حسن العقيدة الدينية، يتشيع للعلويين ويمدحهم. ولعله اتخذ ~~مذهب الإسماعيلية الباطنية لكثرة مداخلته لهم. # ذكاؤه # اشتهر البديع في ذكائه، وقوة حافظته، وسرعة خاطره. قال الثعالبي: «كان ~~ينشد القصيدة التي لم يسمعها قط، وهي أكثر من خمسين بيتا، فيحفظها ~~كلها، ويؤديها من أولها إلى آخرها، ولا يخرم منها حرفا، ولا يخل معنى. ~~وينظر في الأربع والخمس الأوراق من كتاب لم يعرفه، ولم يره، نظرة واحدة ~~خفيفة، ثم يهذها # 13 # عن ظهر قلبه، ويسردها سردا، وهذه حاله في الكتب الواردة ~~وغيرها. وكان يقترح عليه عمل قصيدة، أو إنشاء رسالة في معنى بديع، وباب ~~غريب، فيفرغ منها في الوقت والساعة والجواب عنها فيها، وكان ربما يكتب ~~الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخر سطر منه ثم هلم جرا إلى الأول، ويخرجه ~~كأحسن شيء وأملحه. ويوشح القصيدة الفريدة من قوله، بالرسالة الشريفة من ~~إنشائه، فيقرأ من النظم النثر، ويروي من النثر النظم. ويعطي القوافي ~~الكثيرة، فيصل بها الأبيات الرشيقة. ويقترح عليه كل عويص وعسير من النظم ~~والنثر، فيرتجله في أسرع من الطرف، على ريق لا يبلعه ونفس لا يقطعه. ~~وكلامه كله عفو الساعة، وفيض اليد. وكان يترجم ما يقترح عليه من الأبيات ~~الفارسية، المشتملة على المعاني الغريبة، بالأبيات العربية، فيجمع فيها بين ~~الإبداع والإسراع، إلى عجائب كثيرة لا تحصى، ولطائف تطول أن تستقصى.» ~~ا.ه. # أستاذوه وعلومه # لم نعرف من أستاذي بديع الزمان غير اثنين أولهما ابن فارس صاحب المجمل، ~~فقد درس عليه وهو في همذان، فأخذ عنه اللغة وآدابها. والآخر الصاحب بن عباد ~~فإنه اتصل به بعد أن ترك همذان، وتلمذ له في صناعة الترسل، وأفاد منه أدبا ~~جما. وكان لمداخلته الإسماعيلية أثر بليغ في تثقيفه، فاقتبس شيئا كثيرا ~~من آرائهم ومعارفهم. # وكان يعرف لغة الفرس وآدابهم. ونستدل من رسائله ومقاماته على براعته في ~~علم الكلام، واطلاعه ms239 على مذاهب أصحاب البدع وآرائهم الفلسفية، ومعرفته ~~علم المنطق، وأحوال البلدان، وطبائع أهلها؛ مما يجعل منه أديبا عالي ~~الثقافة، مكتمل الآلة في زمانه. # آثاره # لبديع الزمان ديوان طبع في مصر، وشعره مختلف المذهب، فآنا يجري مع الطبع ~~ويخلو من التكلف، كقصيدته التي رد بها على الشاعر الشعوبي، وآنا تظهر عليه ~~الصنعة وتكثر فيه المحسنات اللفظية والمعنوية كسائر شعر عصره. # وله في النثر مجموعة رسائل نشرتها المطبعة الكاثوليكية في بيروت، وشرح ~~غريبها الشيخ إبراهيم الأحدب الطرابلسي. ومجموعة مقامات فيها اثنتان وخمسون ~~مقامة، تولى شرحها الشيخ محمد عبده المصري، ونشرتها المطبعة الكاثوليكية في ~~بيروت، إلا المقامة الشامية فقد تركت لما فيها مما ينافي الأدب، وكذلك ~~أغفلت بعض جمل وألفاظ من مقامات أخرى. ويستفاد من رسائل البديع وأقوال ~~المؤرخين أن أصل المقامات أربعمائة، فعبثت بها أيدي الدهر، فما أبقت إلا ~~على أقلها. ~~(3-2) ميزته # لا تقوم ميزة البديع على شعره، فإنه وإن يكن له فيه أشياء حسنة، فآثاره في ~~النثر أبلغ وأسمى، وبها طار ذكره، وخلد على كرور الليالي، فعلى هذه الآثار من ~~رسائل ومقامات نعتمد في كلامنا عليه لنجلو تلك الميزة التي بوأته أعلى درجات ~~الأدب. # رسائله # تتوزع رسائل البديع على أغراض مختلفة كالسؤال والشكوى والعتاب، ~~والاعتذار، والاسترضاء، والمدح والتهنئة. ويعرض في أكثرها لشئونه الخاصة، ~~فمن ظلامة يبسطها، وشكاية يرفعها، وحاجة يشرحها. وله على خصومه حملات ~~منكرات، فيصورهم تصويرا دقيقا ملؤه السخر والنكاية، ويطعن عليهم في غير ~~رفق ولا هوادة، فما يذكر لهم صفة إلا قبحها وشيمة إلا رذلها. وتحفل ~~رسائله بالآيات والأمثال، والإشارات التاريخية، والاستشهادات الشعرية. ~~ويستهلها على الغالب بالبسملة فالحمدلة، ويدخل عليها الدعاء. وهي في أكثرها ~~قصيرة بليغة الأداء، وإذا طالت في أحوال مخصوصة، لا تفرط في الطول. # وكان يكاتب الأمراء والوزراء والقضاة والشيوخ وغيرهم، ومن أبلغ رسائله ما ~~كتبه إلى أبي العباس الإسفرائيني وزير الأمير محمود بن سبكتكين # 14 # بعد فتح بهاضية من بلاد الهند؛ فقد استهل رسالته بذكر ما ~~للأمير من الفتوح العظيمة في مختلف الأمصار، وما له ms240 من جهاد في سبيل الله ~~والإسلام. ثم فرغ إلى التنويه بفتح الهند، فدخل إليه مدخلا حسنا بقوله: ~~«وسنذكر من حديث الهند وبلادها.» وراح يصف طبيعة البلاد، حرها وقرها، ~~وعقباتها وأنهارها، حتى إذا بالغ في التصوير والتهويل انتقل انتقالا حسن ~~الاتساق، فقال: «حتى إذا خرقت هذه الحجب خلص إلى عدد ...» وطفق يطنب في ~~ذكر عدد سكانها، ويصف شدة بأسهم، وغلاظة أكبادهم، وتأبد أخلاقهم ~~وعاداتهم، فما إن انتهى من أوصافه حتى ظهرت الهند في مناعة الشمس، وإذا به ~~يوجز فيقول: «زحم الأمير السيد، أدام الله ظله، هذه الأهوال بمنكبه.» ~~وكأنه اطمأن إلى نجاحه في تعظيم الفتح، فلم يذكر شيئا عن الحرب، ولا عن ~~جيوش الأمير الغازي، بل اقتصر على أن جعل الفضل للأمير بعون الله، وذكر ~~الغنائم التي غنمها في عودته. # مقاماته: التعريف بالمقامات # المقامات # 15 # أقاصيص خيالية مختلفة الأغراض والموضوعات، فمنها الأدبية، ~~ومنها العلمية. ومنها الدينية، ومنها الاجتماعية أو الخلقية، ومنها ~~المجونية. وفيها سخر شديد، ونقد لاذع. وفيها ضروب من التخابث والاحتيال، ~~للتكسب والتعيش. وفيها صور متلونة لطبائع المجتمع وعاداته. # ومدار المقامات على بطل متبدل الألوان، كثير الاحتيال، فيه شر كبير، وفيه ~~خير كبير؛ فهو دين منافق، صادق كاذب، متزهد ماجن، واعظ مخادع، كل شيء ~~وضده. وهو إلى ذلك واسع العلم والأدب، شاعر خطيب، متكلم راوية، تجده في كل ~~مقامة، وقلما خلت مقامة منه، ويتولى الحديث عنه راوية خيالي مثله، يفاجئه ~~في كل مقامة، ويفضح أسراره، وينقل أخباره. # والفن القصصي ضعيف في المقامات لقصرها؛ ثم لأن القصة ليست غاية فيها بل ~~واسطة لإظهار شخصية بطلها في مختلف أحواله. ولقد تمر مقامات غثة باردة لا ~~قيمة فيها للقصة البتة. # وتمتاز المقامات في جمال لغتها، وكثرة غريبها، واعتمادها على المجاز أكثر ~~من الحقيقة، واصطباغها بالصنعة أكثر من الطبع، فهي ملتزمة السجعات، أنيقة ~~العبارات، حافلة بالمحسنات المعنوية واللفظية. فيها الأمثال والأشعار، ~~والآيات والأحاديث، فكل مقامة قطعة أدبية، لغتها لغة الشعر على الأكثر لا ~~لغة النثر. # مخترع المقامات # وبديع الزمان أول من جاءنا عنه فن ms241 المقامات، فله فضل المتقدم، وإن زعم ~~بعضهم أنه أخذه عن أستاذه ابن فارس، فليس في آثار أستاذه ما يرجح هذا الزعم ~~فضلا عن تأكيده. ولا يحط من قدر البديع قول الحصري في زهر الآداب إنه ترسم ~~ابن دريد في أحاديثه الأربعين؛ لأن أحاديث ابن دريد نوادر ولطائف لم يستقل ~~بها دون غيره، فللجاحظ مثلها في البخلاء والحيوان، وكذلك لابن قتيبة في ~~عيون الأخبار، ولابن عبد ربه في العقد الفريد. وهو في هذه الأحاديث يتوخى ~~إظهار فصاحة الأعراب، والإشادة بفضائلهم، وليست المقامات كذلك. ويروي ~~أحاديثه عن عدة رواة معروفين، وللمقامات راوية خيالي واحد. وفي الأحاديث ~~أبطال مختلفة، وللمقامات بطل واحد. # وإذا جاز أن يجعل الحديث نواة للمقامة فمن باب التشابه القصصي، فالمقامة ~~حكاية فنية راقية وضعت للخاصة، وأما الحديث فنادرة يتلهى بها العامة ~~والخاصة معا. وكيف دار الأمر فالمقامات غير الأحاديث الدريدية، ولا فضل في ~~اختراعها إلا لبديع الزمان. # تحليل مقامات البديع # لهذه المقامات راوية ~~خيالي يعرف بعيسى بن هشام، رجل أخو سفر، لا يستقر به مكان، وربما اتخذ صفة ~~التجار، أو صفة المكدين. ولها بطل يعرف بأبي الفتح الإسكندري، يظهر في ~~أكثرها، وينقل أخباره عيسى بن هشام. وأبو الفتح هذا رجل خيالي أيضا: «من ~~الثغور الأموية، والبلاد الإسكندرية.» # 16 # صاحب خبث وحيل، يصطنع جميع المهن التي يحترفها الناس، من أجل ~~الكدية وابتزاز المال. وقلما خلت مقامة من الكدية والاحتيال. وتراه مرة ~~شيخا جليلا وقف في الناس واعظا ينصح ويحذر، ومرة قرادا يسلي الناس ~~ويضحكهم، وأخرى مشعوذا يدعي صنع المعجزات خديعة للقوم الساذجين، فيدر ~~عليه الرزق، وينتفع بشعوذته وخداعه، فهو أشحذ الناس، وأبرعهم تسآلا. وهو ~~إلى ذلك أخطبهم وأشعرهم، وأعرفهم بعلوم عصره. وقد اختلفت أغراض مقاماته ~~وتنوعت أبوابها، فمنها الأدبية كالمقامة الجاحظية، والمقامة القريضية، ~~وفيها رواية وشعر ونقد. ومنها الدينية والخلقية والاجتماعية، فمن شيخ ~~يتظاهر بالتقوى والتنسك ليعطف عليه الناس، ويعطوه. ومتسول يطوف ومعه طفل ~~فصيح يسترق القلوب. وتاجر حديث النعمة، معجب بنفسه، كثير الكلام، يضجر ~~مستمعيه، ومجنون عاقل متبحر في ms242 علم الكلام، يرد على أحد شيوخ الاعتزال، ~~وغير ذلك مما يقع بين الناس في مصاحباتهم ومخالفاتهم. # وحوادث هذه المقامات تقع على الغالب في الأمصار المتحضرة، وقلما عني ~~البديع بالكلام على أهل البادية، كما في مقاماته الغيلانية، والأسدية، ~~والبشرية، والفزارية، والأسودية. وهي - في أكثرها - قصيرة ضعيفة الفن ~~القصصي، تكاد تكون غثة باردة، لولا حسن الصياغة، وبراعة التصرف في ضروب ~~الكلام. وأما ما طال منها فإنه جميل موفق كالمقامة المضيرية والبشرية ~~والأسدية وسواها. # وراوية بديع الزمان وبطله لا ينحصران في زمان محدود، فإن عيسى بن هشام ~~يحدثك في المقامة الغيلانية عن الفرزدق وذي الرمة كأنه معاصر لهما. ثم ~~يحدثك في المقامة الحمدانية عن سيف الدولة بن حمدان. ويحدثك عن خلف بن ~~أحمد، وكان واليا على سجستان معاصرا للهمذاني، وقد خصه البديع ببعض ~~مقاماته، وأشاد فيها بذكره وأطراه. # ونحن نجتزئ بتحليل مقامتين من مقاماته، إحداهما المضيرية، وفيها تظهر ~~براعة البديع في الوصف ودقة التصوير، على شيء كثير من السخر وخفة الروح. ~~والأخرى البشرية، وهي التي وفق بها صاحبنا لاختراع شاعر جاهلي تبناه ~~التاريخ من بعده، ألا وهو بشر بن عوانة العبدي. # المقامة المضيرية # 17 # يستهل البديع هذه المقامة كما يستهل غيرها بإسناد الحديث إلى راويته: ~~«حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت بالبصرة، ومعي أبو الفتح الإسكندري رجل ~~الفصاحة يدعوها فتجيبه، والبلاغة يأمرها فتطيعه، وحضرنا معه دعوة بعض ~~التجار فقدمت إلينا مضيرة.» وبعد أن وصف المضيرة، وقصعتها، وشغف ~~المدعوين بها، قال: «قام أبو الفتح الإسكندري يلعنها، وصاحبها، ويمقتها، ~~وآكلها ... ورفعناها فارتفعت معها القلوب، وسافرت خلفها العيون، وتحلبت لها ~~الأفواه، وتلمظت # 18 # لها الشفاه.» وسئل أبو الفتح عن أمرها، فأخبر أنه دعاه بعض ~~التجار في بغداد إلى المضيرة، فصار معه إلى بيته، وطفق التاجر وهو في ~~الطريق، يصف زوجته، حتى ينتهي هذا المشهد بقول أبي الفتح: «وصدعني بصفات ~~زوجته، حتى انتهينا إلى محلته ...» فشرع التاجر يصف المحلة، وعظمة دورها، ~~وجعل داره منها كالجوهرة الوسطى من العقد. وانتهيا إلى باب الدار، فوقف يصف ~~طافتها، فبابها، فحلقة ms243 الباب. ودخلا الدهليز، فجأر التاجر بالدعاء: عمرك ~~الله يا دار. ولا خربك يا جدار.» وشرع يقص على أبي الفتح، كيف امتلك ~~الدار. وممن اشتراها. ثم استطرد إلى ذكر حظه الحسن، فذكر خبر عقد من ~~اللؤلؤ اشتراه بثمن بخس، حتى إذا انتهى عاد إلى داره، فروى حادثة حصير ~~اشتراه بالمناداة، ونعت صانعه، ونصح لأبي الفتح أن يشتري الحصر من عنده. ثم ~~عاد إلى حديث المضيرة، فطلب من الغلام الطست والماء. فقال أبو الفتح: «الله ~~أكبر، ربما قرب الفرج، وسهل المخرج!» وما إن أقبل الغلام حتى شرع التاجر ~~يعرض أوصافه، ويقص كيف اشتراه. وتناول الطست، فأمعن في وصفه. ثم وصف ~~الإبريق، فالماء، فالمنديل، ودعا بالخوان فجاء به الغلام، فراح يقلبه، ~~وينقره بالبنان. ويعجمه بالأسنان، ويقص قصته، وينعته أحسن النعوت، فجاشت ~~نفس أبي الفتح، وقد تحقق له أن التاجر سيصف كل شيء يعرض على الخوان، ويذكر ~~كيف اشتراه، ومن أين اشتراه، ومن صنعه، فحاول الانصراف تخلصا، فظنه التاجر ~~يريد الخروج في حاجة نفسه، فانبرى يصف له الكنيف وحسنه، إلى أن قال: «يتمنى ~~الضيف أن يأكل فيه.» قال أبو الفتح: «فقلت: كل أنت من هذا الجراب، لم يكن ~~الكنيف في الحساب. وخرجت نحو الباب، وأسرعت في الذهاب. وجعلت أعدو، وهو ~~يتبعني، ويصيح: يا أبا الفتح! المضيرة. وظن الصبيان أن المضيرة لقب لي، ~~فصاحوا صياحه، فرميت أحدهم بحجر، من فرط الضجر. فلقي رجل الحجر بعمامته، ~~فغاص في هامته. فأخذت من النعال بم قدم وحدث، ومن الصفع بما طاب ~~وخبث. وحشرت إلى الحبس، فأقمت عامين في ذلك النحس. فنذرت أن لا آكل مضيرة ~~ما عشت.» # فهذه المقامة من أبدع ما صنع الهمذاني، ففيها جمال القصص، وروعة الفن، ~~ودقة الوصف، وحسن الانتقال، واتساق الأفكار. وفيها السخر والفكاهة والنكتة. ~~ولو وفق البديع في جميع مقاماته توفيقه فيها، لبلغ في هذه الصنعة غاية ~~الغايات. # المقامة البشرية # تمتاز هذه المقامة عن سائر أخواتها من مقامات بديع الزمان في أنها اصطنعت ~~شاعرا لم تعرفه القرون الخالية، وزفته إلى تاريخ الآداب، فاحتفل ms244 به ~~المؤرخون، وأعظموا شأنه، ولم يجدوا مشقة في تحديد عصره، فجعلوا وفاته في ~~أواخر القرن السادس للمسيح. وهذا الشاعر هو بشر بن عوانة العبدي صاحب ~~القصيدة الشهيرة التي أولها: # أفاطم لو شهدت ببطن خبت # وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا # 19 # والقصيدة وصاحبها من صنع ~~الهمذاني، ولا غرابة في ذلك، فإن البديع لم يكن في مقاماته مؤرخا ولا ~~راوية. وإنما هو كاتب متفنن، وقاص خيالي. ولم يدع يوما صحة مقاماته، ~~بل كان بالضد يفاخر في اختراعه لها، كما في رسالته إلى أبي بكر الخوارزمي ~~حيث يقول: «فيعلم أن من أملى من مقامات الكدية أربعمائة مقامة لا ~~مناسبة بين المقامتين لا لفظا ولا معنى، وهو لا يقدر منها على عشر، حقيق ~~بكشف عيوبه.» ا.ه. على أن الغريب أن ينخدع بها جماعة من جلة الأدباء ~~والمؤرخين، فيجعلوا المقامة البشرية قصة حقيقية، وقصيدة الأسد شعرا ~~جاهليا، وبشر بن عوانة بشرا سويا. مع أنهم لو راجعوا المظان ~~الأدبية والتاريخية التي صنفت قبل المقامات لما وجدوا كتابا واحدا يذكر ~~بشرا، أو يشير إلى قصياته في الأسد، فقد رجعنا إلى أمهات الكتب القديمة، ~~فلم نسمع لبشر خبرا؛ فلا الضبي ذكره في مفضلياته. ولا ابن سلام في طبقاته، ~~ولا ابن قتيبة في الشعر والشعراء وعيون الأخبار، ولا أبو تمام والبحتري في ~~حماستيهما، ولا الجاحظ في البيان والتبيين والحيوان، ولا ابن عبد ربه في ~~العقد الفريد، ولا المبرد في كامله، ولا الطبري في تاريخه، ولا الأصفهاني ~~في أغانيه، ولا المرزباني في الموشح، ولا ابن النديم في الفهرست، ولا ~~المسعودي في مروجه، ولا القالي في أماليه. ونظرنا في بعض الكتب الركينة ~~التي تأخر زمن أصحابها عن زمن صاحب المقامات، فلم نرها تذكر بشرا في جملة ~~الشعراء، أو تضيف إليه قصيدة الأسد. ومن هذه الكتب العمدة لابن رشيق، وزهر ~~الآداب للحصري، ومعجم الأدباء لياقوت، ووفيات الأعيان لابن خلكان، وفوات ~~الوفيات لابن شاكر الكتبي. # ولعل ضياء الدين بن الأثير، صاحب المثل السائر، أول من ضل فأثبت ~~بشرا، وأضل غيره من الأدباء والمؤرخين، ms245 فإنه لما عمد إلى الموازنة بين ~~المتنبي والبحتري في قصيدتيهما اللتين وصفا بهما الأسد قال: «أما البحتري ~~فإنه ألم بطرف مما ذكر بشر بن عوانة في أبياته الرائية التي ~~أولها: # أفاطم لو شهدت ببطن خبت # وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا # وهذه الأبيات من النمط العالي الذي لم يأت أحد بمثله. وكل الشعراء لم ~~تسم قرائحهم إلى استخراج معنى ليس بمذكور فيها.» ا.ه. وقال في مكان آخر: ~~«ولفطانة أبي الطيب لم يقع فيما وقع فيه البحتري من الانسحاب على ذيل بشر ~~لأنه قصر عنه تقصيرا كثيرا.» ا.ه. # فابن الأثير يزعم أن البحتري قد تعلق في بائيته التي وصف بها الأسد ~~بمعاني بشر بن عوانة، توهما منه أن بشرا شاعر جاهلي قديم. ولعله استكثر ~~قصيدة الأسد على بديع الزمان، وهو من طبيعته لا ينظر إلى حسنات غيره إلا في ~~شيء من الصلف والتعنت، وخصوصا إذا كانوا من أهل زمانه، فضن بها أن لا ~~تكون لشاعر في الجاهلية، فأثبت بشرا غير متحرج، وتعامى عن حقيقة فن ~~المقامات، فجاء بعده من تعلق بأذياله، وأدخل بشرا في صلب التاريخ. # ولم يقل أحد قبل صاحب المثل السائر أن البحتري سرق عن غيره في قصيدته ~~التي ذكر بها الأسد، مع أن الآمدي في موازنته بين الطائيين أورد كل ما ~~أدرك من السرقات على البحتري، وما كان له أن يغفل عن قصيدة بشر لو كان بشر ~~معروفا عنده؛ لأن فيها أبياتا لها أشباه في قصيدة البحتري، مثال ذلك قول ~~بشر: # إذن لرأيت ليثا رام ليثا # هزبرا أغلبا لاقى هزبرا # وقد قال البحتري: # هزبرا مشى يبغي هزبرا، وأغلبا # من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا # 20 # وكذلك القاضي الجرجاني وهو كالآمدي ممن تقدم زمانهم زمن البديع، فإنه ذكر ~~في كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، قصيدة أبي الطيب في وصف الأسد، وقال: ~~«ولولا أبيات البحتري في هذا المعنى، لعددت هذه من أفراد أبي الطيب، لكن ~~البحتري قال يصف قتل الفتح بن خاقان أسدا عرض له، فاستوفى المعنى، وأجاد ~~في الصفة، ووصل ms246 إلى المراد. وأما أبو زبيد فإنما وصف خلق الأسد وزئيره، ~~وجرأته وإقدامه. وكأنما هو مرعوب أو محذر، والفضل له على كل حال. لكن هذا ~~غرض لم يرمه ومذهب لم يسلكه.» ا.ه. # فالجرجاني لم يجعل المتنبي منفردا في وصف الأسد؛ لأن البحتري سبقه إلى ~~ذلك وأجاد، ولكنه جعل الفضل لأبي زبيد الطائي # 21 # لأنه سابق إلى هذا الغرض، وإن يكن سلك إليه مذهبا يختلف عن ~~مذهب أبي عبادة وأبي الطيب. ولو عرف القاضي بشر بن عوانة لذكره مع أبي ~~زبيد، والفرصة أسنح ما يكون لذكره، ولا سيما أن مذهب بشر في وصف الأسد أشبه ~~شيء بمذهب البحتري والمتنبي. # وفي رسائل بديع الزمان أبيات من وصف الأسد استشهد بها صاحبها من غير أن ~~يعزوها إلى بشر؛ مما يدل على أن البديع لم يخطر في باله يوما أن يجعل من ~~مقاماته قصصا تاريخية، ولا من بشر بن عوانة شاعرا حقيقيا. # تحليل المقامة البشرية # لم يتعمد البديع الصنعة في هذه المقامة، ولا التزم السجع والتزيين، بل ~~تركها تجري مع الطبع، فبعد بها شيئا عن إنشاء المقامات. فكأنه - وهو ~~يتحدث عن شاعر في الجاهلية - أبي إلا أن يجعل كلامه ملائما لعصر شاعره. ~~وهذا من بعض حسناته، إلا أنه لم يتأت له أن يبعد بقصته عن الإغراب، فهي ~~على لطفها، وفكاهتها، وحسن سياقها، فيها أشياء كثيرة لا يطمئن إليها العقل، ~~ولا يسلم بها المنطق. ولو لم تتخذ هذه المقامة تاريخا لحياة شاعر حقيقي ~~لما عنينا بنقد ما فيها من الإغراب؛ لأنه مستملح في قصص خيالية ~~كالمقامات. # لا يظهر في هذه المقامة ~~أبو الفتح الإسكندري، إلا أن عيسى بن هشام يرويها وهو من عرفت. وأولها: ~~«حدثنا عيسى بن هشام قال: كان بشر بن عوانة العبدي صعلوكا ، فأغار على ركب ~~فيهم امرأة جميلة، فتزوج بها، وقال: «ما رأيت كاليوم!» فأنشدته السبية ~~أبياتا وصفت بها جارية حسناء. قال بشر: «ويحك من عنيت؟» فقالت: «بنت عمك ~~فاطمة.» فقال: «أهي من الحسن بحيث وصفت؟» قالت: «وأزيد وأكثر!» فترى أن ~~بشرا لم ms247 يعرف أن له بنت عم حسناء إلا من امرأة غريبة سباها في إحدى ~~غاراته، فلما عرف ذلك مل جانبها وطلقها: «ثم أرسل إلى عمه يخطب ابنته، ~~ومنعه العم أمنيته، فآلى ألا يرعي على أحد # 22 # منهم إن لم يزوجه ابنته. ثم كثرت مضراته فيهم، واتصلت ~~معراته # 23 # إليهم، فاجتمع رجال الحي إلى عمه، وقالوا: «كف عنا مجنونك.» ~~فقال: «لا تلبسوني عارا، وأمهلوني حتى أهلكه ببعض الحيل.» فقالوا له: «أنت ~~وذاك.» ثم قال له عمه: «إني آليت أن لا أزوج ابنتي هذه إلا ممن يسوق إليها ~~ألف ناقة مهرا، ولا أرضاها إلا من نوق خزاعة.» وغرض العم كان أن يسلك بشر ~~الطريق بينه وبين خزاعة، فيفترسه الأسد؛ لأن العرب كانت قد تحامت عن ذلك ~~الطريق، وكان فيه أسد يسمى داذا، وحية تدعى شجاعا. # ثم إن بشرا سلك ذلك الطريق، فما نصفه حتى لقي الأسد وقمص مهره، # 24 # فنزل وعقره. # 25 # ثم اخترط سيفه إلى الأسد، واعترضه، وقطه. # 26 # ثم كتب بدم الأسد على قميصه إلى ابنة عمه: «أفاطم لو شهدت ...» ~~ا.ه. # وهذه القصيدة شهيرة متداولة وفق فيها بديع الزمان كل التوفيق، فقد ~~ضمنها دقة الوصف، وجمال التصوير، وأفرغها في قالب شائق، متخير الألفاظ، ~~منسجم التعابير، ولكنها على طبعيتها، وجزالتها، تتناهى سلاسة ورقة ووضوحا، ~~فتجعلك تشك في جاهليتها؛ لأن الشعر الجاهلي مهما سهل ولان، لا يخلو من ~~خشونة البداوة وغموض بعض التراكيب، ولا سيما شعر قيل في وصف الوحوش والإبل ~~والقفار، فإن عاطفة الجاهلي تتصلب في مثل هذه الحالات، فتصلب معها ألفاظه. ~~وبوسعك أن تلتمس أية قصيدة جاهلية شئت، فترى اختلافا بينا في لغتها، ~~إذا اجتمع من أغراضها الغزل، والاستعطاف، أو الرثاء إلى وصف الوحوش والإبل ~~والقفار. ومعلوم أن بشرا من صعاليك العرب، وهؤلاء يعيشون في البراري ~~المقفرة، ولا يخالطون غير الوحوش، فيصبحون من الخشونة على جانب عظيم، ~~وتخشوشن معهم لغتهم. ولنا في شعر الشنفرى وتأبط شرا أمثلة صادقة للغة ~~أولئك الصعاليك. أما قصيدة بشر فحضرية أكثر منها بدوية، وليس ورود بعض ms248 ~~الغريب فيها بدليل على جاهليتها، وهو قليل تافه لا تأثير له، لتشتته في ~~أثناء اللفظ المأنوس. # وغير عزيز على بديع الزمان أن يأتي بمثل هذه القصيدة على جلالتها، فإن له ~~في شعره الذي يجري به طبعه ما يشبهها، كقصيدته التي رد بها على الشاعر ~~الشعوبي، ودافع عن العرب. وليس لنا اعتراض على ما فيها من وصف وتصوير؛ ~~لأنهما ميزة الهمذاني في رسائله ومقاماته. على أننا نعجب لبشر وهو الصعلوك ~~الجاهلي، كيف عرف الكتابة، فكتب قصيدته بدم الأسد على قميصه، في حين أن ~~وجوه قبائل البدو كانوا أميين يومئذ، وندر وجود الكتاب فيهم. أفما كان ~~ينبغي للمدرسة التي خرجت بشر بن عوانة أن لا تضن بعلومها على زملائه ~~السليك، والشنفرى، وتأبط شرا؟ # وأرسل بشر القميص إلى ابنة عمه لتقرأ القصيدة، ولا نعلم من كان رسوله ~~إليها؛ لأن صاحب المقامات لم يذكره ولا ذكره من أرخ بشرا بعده. غير أننا ~~نعلم أن بشرا ذهب يطلب النوق منفردا، وسلك طريقا تحامت عنه ~~العرب. # ولكن وصلت القصيدة إلى ابنة عمه، وقرأها عمه، ففاضت عاطفته فجأة، واحتل ~~حب بشر قلبه على حين غرة، وندم على ما فعل، وخشي أن تغتاله الحية، فجد في ~~أثره، مخاطرا بنفسه. وبلغه وقد ملكته سورة الحية. # 27 # وإدراكه إياه على هذه الصورة يجعل القصة أشد تأثيرا في النفس. ~~«فلما رأى عمه أخذته حمية الجاهلية، فجعل يده في فم الحية، وحكم سيفه ~~فيها.» # وكان ختام هذه القصة ~~أطروفة في غاية اللطف والفكاهة، بينة الإغراب والاصطناع: «فلما رجع جعل ~~بشر يملأ فمه فخرا حتى طلع أمرد كشق القمر على فرسه؛ مدججا في سلاحه، ~~فقال بشر: «يا عم إني أسمع حس صيد.» وخرج فإذا بغلام على قيد، # 28 # فقال: «ثكلتك أمك يا بشر! أن قتلت دودة وبهيمة تملأ ~~ماضغيك # 29 # فخرا. أنت في أمان إن سلمت عمك.» فبارزه بشر، فقهره الغلام ~~ولو شاء لقتله. ثم قال: «يا بشر سلم عمك واذهب في أمان.» قال: «نعم، ولكن ~~بشريطة أن تقول لي من أنت؟» فقال: ms249 «أنا ابنك!» فقال: «يا سبحان الله! ما ~~قارنت عقيلة قط، فأنى هذه المنحة؟» فقال: «أنا ابن المرأة التي دلتك على ~~ابنة عمك.» فقال بشر: ~~«تلك العصا من هذه العصية # هل تلد الحية إلا الحيه؟ # 30 # وحلف لا ركب حصانا ولا تزوج حصانا، ثم زوج ابنة عمه لابنه.» # أفليس عجيبا أن يكبر ولده من المرأة التي سباها، وهو لم يزل يسعى في ~~صداق ابنة عمه، ثم يكون لهذا الولد الأمرد من البأس ما يمكنه من قهر أبيه، ~~حتى إذا عرفه بشر تخلى له عن فاطمة ابنة عمه، وأزوجه إياها، فكانت من نصيب ~~ابنه لا من نصيبه. # فهذه هي المقامة البشرية التي خدع بها جماعة من الأدباء والمؤرخين، ~~وكان ابن الأثير أول المخدوعين على تنطسه وكثرة دعاويه. # إنشاؤه # يمتاز إنشاء البديع في لغة أنيقة التعبير، فيها رصانة البدو، ورقة الحضر، ~~تلازمها الصنعة، دون أن تفسد طبع صاحبها، فالهمذاني له باع طويل في تخير ~~ألفاظه وتحسينها، يتعمد السجع فيردده في جمل قصيرة الفواصل، أو طويلتها. ~~وربما تعددت فواصله متواطئة على حرف واحد، فيؤثر عندئذ تقصير الجمل ويقطعها ~~تقطيعا. # وإذا تخلى عن السجع لا يتخلى عن المجاز والتزيين، فإن رسائله ومقاماته ~~حافلة بالتشابيه والاستعارات والكنايات وأنواع البديع المعنوي واللفظي، ولا ~~سيما الطباق والتشكك والجناس. وقلما تقع على لفظ يعبر عن حقيقة معناه. ~~وقد تمر بك استعارات وكنايات تدل على معنى واحد. وتقليب الجمل على المعنى ~~كثير في إنشاء البديع، وهو من لزوميات الصنعة لما فيه من افتنان في التعبير ~~وتنوق في إبلاغ المعنى. ومن ذلك قوله في مقامة: «ورفعناها فارتفعت معها ~~القلوب، وسافرت خلفها العيون، وتحلبت لها الأفواه، وتلمظت لها الشفاه، ~~واتقدت لها الأكباد، ومضى في إثرها الفؤاد.» # ويكثر من الاستشهاد بالأشعار، سواء كان من مقوله أو منقوله. ويستشهد ~~بجملة أبيات أو بيت، وربما أدمج نصف بيت في أثناء كلامه. ويعنى بحل ~~المنظوم فيجعله نثرا، ويورد الأمثال، والتلميحات، ولا سيما التاريخية، ~~كقوله من مقامة: «وتشهد لمعاوية، رحمه الله، بالإمامة.» # 31 # وإنشاؤه على الجملة مجموعة ms250 صور مختلفة التلاوين، وهو للشعر أقرب منه ~~للنثر. وكأنه في وشيه وترف ألفاظه خلق ليربى ويترعرع في قصور الطبقة ~~الأرستقراطية من أهل البيان. وليس في هذا الوشي على صنعته الظاهرة، ما يقرع ~~الأسماع وتجفو عنه الطباع، فإن ما ينضاف إليه من روعة الإنشاء، وصحة الطبع، ~~يجعله سهل البلاغ، طيب المساغ. ~~(3-3) منزلته # قال الثعالبي: «هو بديع الزمان، ومعجزة همذان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، ~~وفرد الدهر، وغرة العصر.» ا.ه. # وفي هذه النعوت ما يدل على شدة إعجاب صاحب اليتيمة به. ولم ينفرد بهذا ~~الإعجاب أبو منصور وحده، بل شاركه فيه جمهرة المتأدبين في عصره، وبعد عصره. ~~وحسب البديع منزلة أن ينتظم له حزب يلف لفه وهو ما برح فتى غض الشباب؛ فقد ~~علمت كيف انشق الناس شطرين بعد مناظرته لأبي بكر، وكان الشطر الأعظم بجانبه، ~~يشد أزره، ويفضله على خصمه. وقد استحق صاحبنا هذه المنزلة، بذكائه النادر، ~~وسرعة خاطره، واستبحاره في اللغة وآدابها، وبلاغة إنشائه وحسن مائه وروائه، ~~وطول باعه في الوصف والتصوير، ودقة نظره في مراقبة الأشياء، وبراعته في التوليد ~~والابتكار. وهو خير مصور للحياة في لذتها وألمها، ولأخلاق الناس، ولا سيما ~~المحتالون الذين يتوسلون بمختلف الحيل لابتزاز الأموال، وأول من ابتكر فن ~~المقامات، فترسمه فيه أخلافه، فنحتوا من صخره، واغترفوا من بحره. وكفاه فخرا ~~أنه خلق لتاريخ الآداب شاعرا خدع به صيابة الأدباء، فرووا شعره، وأثبتوا ~~خبره، وظل حديث المجالس، وحلقات الطلب زهاء عشرة قرون. وبديع الزمان أحد زعماء ~~الأسلوب المنمق، وأبعدهم صيتا، وأوسعهم شهرة، وأنبههم ذكرا. ~~(4) القصص # بدأ القصص عند العرب بدءه عند سائر الشعوب، أسمارا ونوادر وأحاديث، يقطعون ~~بها ليالي الشتاء، وأيام الفراغ. والعرب كغيرهم من الأمم يروقهم التحدث بأخبار ~~أسلافهم، والإشادة بمناقبهم، فقادهم ذلك إلى المبالغة في رواياتهم حتى بلغوا بها ~~حد الإغراب والتخريف ، فأصبحت أسمارهم ونوادرهم أقاصيص تلتبس فيها الحقيقة ~~بالخيال. # وتضاعفت عناية الناس بالقصص في صدر الإسلام بعد أن صار العرب دينا جامعا، ودولة ~~منظمة، وشعبا مجموعا. واشتمل ذاك العصر على حياة لهو ومجون، ms251 وحياة حرب وجهاد، ~~فكان القاصون يعمرون مجالس اللهو، ويسمرون بنوادر العشاق والمتيمين. ويقصدون ~~أماكن الفتن ومزاحف البعوث، ويضرمون الحماسة في صدور الرجال بأخبار فرسان العرب ~~وأيامهم المشهورة. # وطفقت هذه الأقاصيص تزداد إغرابا وبهرجة بكرور الأيام والسنين، وتتابع القاصين ~~عليها، وتفاوتهم بخصب الخيال وحب التزيين، ورغبتهم في استهواء السامعين وإثارة ~~عواطفهم حتى أصبحت خرافات في أكثرها ليس لها من الحقيقة إلا أثر بعد عين. # ولم يشرع في تدوين القصص إلا في صدر الدولة العباسية، وأول من أخذ بأهداب هذا ~~الفن عبد الله بن المقفع في كتابه كليلة ودمنة. وفعل فعله سهل بن هارون في كتابه ~~ثعلة وعفرة، وعلي بن داود كاتب زبيدة. # ولما ضعف سلطان العباسيين، وتولى الأتراك عنهم شئون الدولة، انصرف أولئك إلى ~~اللهو والسمر، فكان القاصون يخرفونهم بالحكايات والنوادر، فشاع تصنيف القصص ~~ونقلها، ولا سيما أيام المقتدر. وما جاء العصر الثالث حتى كان منها طائفة حسنة ~~ذكرها ابن النديم في الفهرست، وفيها قصص عربية الأصل كأخبار العشاق في الجاهلية ~~والإسلام، أمثال عروة وعفراء، ومجنون ليلى، وعمر بن أبي ربيعة، وجميل بثينة، وأخبار ~~الحبائب المتظرفات كقصة هند ابنة النعمان، وأخبار عشاق الإنس للجن، وعشاق الجن ~~للإنس، وأخبار البطالين كقصة أبي عمر الأعرج، وأخبار المغفلين كنوادر جحا. وفيها ~~قصص عجمية الأصل نقلت عن الفارسية ككتاب هزار افسان، ومعناه ألف خرافة، وكتاب دارا ~~والصنم الذهب. وأشهر هذه القصص وأكبرها اثنتان؛ إحداهما عربية النجار؛ وهي سيرة ~~عنترة العبسي، والأخرى فارسية وهي حكايات ألف ليلة وليلة. ~~(4-1) سيرة عنترة # سيرة عنترة كغيرها من القصص، تداولتها ألسنة القاصين زمنا قبل تدوينها، ~~وتصرفوا فيها كما شاءوا وشاء لهم خيالهم من زيادة أو نقصان. ونرى أنها لم تدون ~~دفعة واحدة على ما هي عليه اليوم بل مرت بها أزمنة طويلة، والكتاب يتواطئون ~~على تصنيفها، فيغيرون فيها ، ويضيفون إليها. حتى وصلت إلينا ضعيفة التأليف، ~~مختلفة اللغة والشعر، فيها الحسن الجيد، وفيها القبيح الرديء. # وأما الذين تولوا تصنيفها فأشخاص مجهولون إلا اثنين أحدهما يوسف بن إسماعيل ~~قيل إنه جمعها ms252 للعزيز بالله # 32 # الخليفة الفاطمي ليشغل بها الناس عن ريبة وقعت في قصر الخلافة، ~~فجعلوا يلهجون بها. وقيل بل جمعت لتستثير الحماسة في صدر الشعب المترف ~~المتخاذل. والآخر ابن الصائغ الجزري من رجال القرن السادس للهجرة (القرن ~~الثاني عشر للمسيح). وأما نسبتها إلى الأصمعي فلا يبعد أن يكون لها بعض الصحة ~~من قبل رواية حوادثها التاريخية، وشعرها الثابت، لا من قبل جمعها وتصنيفها. ~~وهذه القصة أبدع القصص الحماسية، وأجمع ما يكون لمكارم الأخلاق. وفيها تصوير لا ~~بأس به للأشخاص. ~~(4-2) ألف ليلة وليلة # هي حكايات متتابعة، مأخوذة من أصل فارسي في كتاب اسمه هزار افسان، ومعناه ألف ~~خرافة، ولا يعرف مصنف هذا الكتاب، ولا ناقله إلى العربية. قال فيه صاحب ~~الفهرست: «ويحتوي على ألف ليلة، وعلى دون المائتي سمر؛ لأن السمر ربما حدث ~~به في عدة ليال، وقد رأيته بتمامه دفعات. وهو بالحقيقة كتاب غث بارد الحديث.» ~~فمن هذا القول نعلم أن أصل ألف ليلة لم يكن بذي خطر، ولكن أدباء العرب رفعوا ~~قدره بما أدخلوا عليه من التحسين، وعفوا على أصله الفارسي بما بدلوا فيه، ~~وزادوا عليه. # وليس هذا الكتاب عمل رجل واحد أو عصر واحد، وإنما شأنه شأن سيرة عنترة، فقد ~~ظل العرب يشتغلون بتصنيفه حتى أواسط عصر الانحطاط، فلذلك تجد فيه أخبارا عن ~~المماليك، وشعرا لشعراء متأخرين. # وتمتاز ألف ليلة وليلة في غرائب حوادثها، وخيالها العجيب، وفيها أدب كثير ~~ومجون كثير، وفيها سخط على الظلم والارهاق، وتمثيل لحياة المسلمين وحكامهم في ~~العصور الخالية. ~~(4-3) منزلة القصص # ومما يجدر ذكره أن أكثر القصص التي ألفها العرب قصيرة. وأما ما طال منها ~~فينقصه التحام الأفكار ووحدة الموضوع، فسيرة عنترة مثلا وهي أكبر القصص ~~العربية، لا تجد في أجزائها ارتباطا محكما؛ إذ بوسعك أن تسقط من أخبارها ~~جانبا عظيما دون أن تحدث خللا فيها. ويرجع ذلك على أن حوادثها غير متينة ~~الالتحام في ائتلافها وتسلسلها، واتجاهها إلى الفكرة العامة، وأن نتائجها لا ~~تتعلق بمقدماتها تعلقا كليا كما هي الحال في ms253 القصص الغربية الراقية، فيتعذر ~~الاستغناء عن شيء منها. ولا نتهم مخيلة العربي من أجل هذا النقص، فإن من ~~يقرأ عنترة وألف ليلة وليلة يقع على خيال قوي في انطلاقه، مدهش في صوره ~~وألوانه، غير أن صاحبه مترجرج السير، قصير النفس، كثير الانتقال، مختلط ~~التفكير، فارغ الصبر، لا يترسم خطة إلا ضاق بها ذرعا، ونكص عنها قبل أن ~~يستتمها، ومضى يتفرج منها بسواها؛ لذلك آثر القصة القصيرة على الطويلة، وإذا ~~أطالها سرد الحوادث المختلفة دون أن يعنى بوحدتها وربط أجزائها، فجاءت قصته ~~ضعيفة الفن، غثة الأسلوب، باردة التأليف. ولا ريب أن تواطؤ الكتاب على ~~القصة الواحدة في أعصر متفاوتة اللغة والخيال والتفكير، كان له أثر سيئ فيها؛ ~~إذ إنه زادها اضطرابا، وأوسعها فسادا، فلهذه الأسباب لم تأتنا قصة راقية الفن ~~عن العرب، وإنما جاءنا حكايات ومقامات ونوادر وأحاديث. ~~(5) العلوم # بلغ التفكير الإسلامي حده الأقصى، ونضجت العلوم، وصنفت الكتب في مختلف الفنون ~~والأغراض، فكتب ابن جني أبحاثا فلسفية في أصول النحو، واشتقاقات اللغة، وأحكام ~~حروف الهجاء وما يصيبها من إعلال وقلب وإبدال. ووضعت المعاجم اللغوية الكبيرة ~~كتهذيب اللغة للأزهري، والمحيط للصاحب بن عباد، والمجمل لابن فارس، والصحاح ~~للجوهري. وظهر علم الفهرست في كتاب ابن النديم. # ونهضت العلوم الطبيعية والرياضية، فقد أدخل ابن الهيثم البصري أساليب جديدة على ~~الجبر والحساب، وطابق بين أحكام الهندسة والمنطق. وتقدم الطب وكثر أصحابه. وشاعت ~~الصيدلة، واخترعت الأدوية، وأصبحت الكيمياء علما ثابتا. ودخلت عليها المركبات ~~المستحدثة كماء الفضة، وروح النشادر، والسليماني، وملح البارود، والبوتاس، وغير ~~ذلك. وألفت الكتب النفيسة في علم النجوم، وترقى الأسطرلاب، وشرع العلماء يرحلون ~~لمراقبة الخسوف والكسوف. # وازدهرت الفلسفة الإسلامية، واستقلت عن الفلسفة اليونانية بميزة توفيقية خاصة، ~~ونبغ الفلاسفة الكبار، كابن سينا وإخوان الصفاء. # وكثرت التواريخ الخصوصية بتكاثر ~~الدولات، ولكن فن التاريخ لم يتقدم؛ لأن المؤرخين لبثوا يسردون الأخبار عارية من ~~النقد والتمحيص. وأما الجغرافيا فكانت مختلطة بالتاريخ غير منفصلة عنه، وقد زادت ~~مادتها بفضل الرحلات، فأضيف إليها جهات جديدة، منها في أواسط أفريقية، ومنها ms254 في ~~داخل آسيا، ومنها جزر في المحيط الهندي، وشاع رسم الخرائط. وكان المسعودي أشهر من ~~اشتغل بالتاريخ والجغرافيا، وعانى الأسفار الطوال بسببهما، ومن آثاره فيهما كتابه ~~الموسوم بمروج الذهب. ~~(6) الأدب والأدباء # اتسق فن الأدب، واستقل بذاته، ورغب الأدباء في نقد الشعر على طريقتهم، فصنفت ~~الكتب في تعداد سقطات الشعراء، ومناظرتهم، كما فعل الصاحب بن عباد، والحاتمي مع ~~أبي الطيب، وفي الموازنة بينهم، فعل الآمدي في موازنته بين الطائيين، وإظهاره ~~حسنات كل منهما وسيئاته. وفي الوساطة بين شاعر ونقاده، كما فعل القاضي الجرجاني في ~~وساطته بين المتنبي وخصومه، وأصبح للشعر نظم محدودة، وأبواب معروفة، ومناهج مقررة ~~بعد أن صنف ابن رشيق القيرواني كتاب العمدة في صناعة الشعر ونقده، وأكمل ما بدأ به ~~ابن المعتز وقدامة بن جعفر. # وشاع تمحيص الروايات والأخبار، في المجاميع الأدبية، وأشهرها الأغاني لأبي الفرج، ~~ويتيمة الدهر للثعالبي، وزهر الآداب للحصري. ونجترئ هنا بالكلام على أبي الفرج؛ ~~لأن كتابه أشهر المجاميع، وأكبرها، وأجزلها نفعا. ~~(7) أبو الفرج الأصبهاني 897-966م/284-356ه ~~(7-1) حياته # هو علي بن الحسين الأموي القرشي، تتصل عصبيته بمروان بن محمد آخر خلفاء بني ~~أمية، وكنيته أبو الفرج. ولد بأصبهان، وإليها انتسب، ونشأ ببغداد، وبها ~~تخرج على طبقة رفيعة من العلماء والرواة كابن دريد، والأخفش الأصغر، ~~والأنباري، والطبري، وابن المرزبان وسواهم، فحفظ عنهم شيئا كثيرا من اللغة ~~والنحو والشعر والأغاني والأخبار والآثار، والأحاديث المسندة، والأيام ~~والأنساب، والخرافات، والسير، والمغازي. وحذق شيئا غير يسير من آلة ~~المنادمة، مثل علم الجوارح والبيطرة، ونتفا من الطب والنجوم والأشربة وغير ~~ذلك. # وكان متصلا بالحسن المهلبي - وزير معز الدولة بن بويه ~~- منقطعا إليه يمدحه ويأخذ جوائزه. ~~وأفاد من كتبه ثروة حسنة، فقد أهدى كتاب الأغاني إلى سيف الدولة، فأعطاه ألف ~~دينار، واعتذر إليه من تقصيره في المكافأة، كما يقتضيه حق الكتاب. وكان أنسباؤه ~~بنو مروان ملوك الأندلس يتقدمون إليه بتصنيف الكتب لهم، فيفعل، ويسيرها ~~إليهم، ويأتيه إنعامهم سرا. وفلج وخولط في أواخر أيامه، ومات في ~~بغداد. # صفاته وأخلاقه # كان لطيف المنادمة، وحسن المعاشرة، ms255 حلو الحديث، يحب اللذة ومجالس اللهو ~~ويشرب الخمر ويصحب القيان والمغنين. وكان مع ذلك رث الهيئة لا يعنى ~~بتحسين شارته، كثير الهجاء، في لسانه سلاطة وهجر، تخشى معرته، ويحذر ~~جانبه لعلمه بالأنساب والمثالب. وكان أكولا نهما، إذا ثقل الطعام في ~~معدته تناول خمسة دراهم فلفلا مدقوقا، ولا يؤذيه ولا تدمع منه عيناه. وهو ~~مع ذلك لا يستطيع أن يأكل حمصة، أو يصطبغ بمرقة قدر فيها حمص، وإذا أكل ~~شيئا يسيرا من ذلك شري بدنه كله، وبعد ساعة أو ساعتين يفصد، وربما فصد ~~لذلك دفعتين. فلما كان قبل فالجه بسنوات ذهبت عنه العادة في الحمص، فصار ~~يأكله ولا يضره، وبقيت عليه عادة الفلفل. وكان على أمويته يتشيع للعلويين ~~لتربيه بينهم، ومخالطته لهم، واشتماله بإنعامهم. # آثاره # لأبي الفرج شعر أكثره في ~~مدح المهلبي، روى منه الثعالبي طائفة حسنة في يتيمته. ولكن منزلة ~~الأصبهاني لا تقوم على أشعاره وإنما تقوم على مصنفاته الأدبية والتاريخية ~~وهي كثيرة، منها في الأيام والأنساب والمثالب، ومنها في الشعر والشعراء ~~والشواعر، ومنها في القيان والمغنين والحانات وأصحابها. وأشهر هذه الكتب ~~وأبقاها الأغاني، اشتغل به صاحبه خمسين سنة، ووصل إلينا منه واحد وعشرون ~~جزءا، والجزء الأخير نشره المستشرق الأميركي رودلف برونو. ولعل الكتاب ~~كان أكبر حجما، وضاع منه بكرور الأزمان. قال ياقوت: «وجمعت تراجمه فوجدته ~~يعد بشيء، ولا يفي به في غير موضع منه، كقوله في أخبار أبي العتاهية: ~~«وقد طالت أخباره ها هنا، وسنذكر خبره مع عتبة في موضع آخر.» ولم يفعل. ~~وقال في موضع آخر: «أخبار أبي نواس مع جنان؛ إذ كانت سائر أخباره قد ~~تقدمت.» ولم يتقدم شيء، إلى أشباه لذلك. والأصوات المائة هي تسعة وتسعون، ~~وما أظن إلا أن الكتاب قد سقط منه شيء، أو يكون النسيان غلب عليه، والله ~~أعلم.» ا.ه. وللأغاني اختصارات كثيرة لا نرى فائدة من ذكرها. ~~(7-2) ميزته # لم يخلص إلينا من آثار أبي الفرج شيء يعتد به إلا أغانيه، فعليه قامت ~~ميزته، وبه كان خلوده، فإليه نستند في الكلام على ms256 أدب الأصبهاني، ومنزلته، ~~ومبلغ تأثيره. # الأغاني: جمعه وتأليفه # يحدثنا صاحب الأغاني # 33 # أن الذي بعثه على تأليف هذا الكتاب أن رئيسا من رؤسائهم ~~كلفه جمعه، فتكلفه على ما فيه من مشقة، وبناه على الأصوات المائة ~~المختارة. # وحكاية هذه الأصوات أن هارون الرشيد أمر إبراهيم الموصلي، وإسماعيل بن ~~جامع، وفليح بن العوراء باختيارها له من الغناء كله، ففعلوا، ثم أمرهم أن ~~يختاروا له ثلاثة منها ففعلوا، ثم رفعت إلى الواثق بالله وهو خليفة، فأمر ~~إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن يختار له منها ما رأى أنه أفضل من غيره، ويبدل ~~ما لم يكن على هذه الصفة بما هو أولى منه، ففعل ذلك، فعلى هذه الأصوات ~~المختارة اعتمد أبو الفرج في تأليف كتابه، ولكنه لم يقتصر عليها، بل أضاف ~~إليها طائفة كبيرة من الأصوات التي غني بها، وليست منها. # وكان إذا ذكر الصوت ~~عرف قائله ومن غنى به، وبين لحنه وطريقته وجنسه. ومذهبه في ذلك مذهب ~~إسحاق الموصلي؛ إذ كان هو المأخوذ به يومئذ دون مذهب من خالفوه في أسماء ~~الألحان، وبيان أجناسها، ثم ينتقل إلى الشاعر الذي قاله، فيذكر نسبه ~~وأخباره، وتاريخ مولده ووفاته، وطائفة من أشعاره، وما غني له فيه، ~~معتمدا بذلك على الإسناد المتسلسل. ثم يفرغ إلى من غنى بهذا الصوت، فينسبه ~~ويروي أخباره ويبين صنعته، ومنزلته، وما له من الأصوات المعدودة. وإذا لم ~~يستتم الكلام على الشخص الذي يتحدث عنه؛ لأن له أخبارا مع شخص آخر جعلت ~~على حدة، أشار إلى ذلك بقوله: «وسنذكر خبره مع فلان في موضع آخر.» ويقول في ~~ذاك الموضع: «أخبار فلان مع فلان إذ كانت سائر أخباره قد تقدمت.» # وابتداؤه بالأصوات الثلاثة المختارة فما يليها جعله لا يراعي في كتابه ~~طبقات الشعراء، وأزمنتهم، ولا طرائق الغناء، وطبقات المغنين، فإنه استهل ~~الكتاب بأخبار أبي قطيفة، وهو شاعر مخضرم ليس في المعدودين، ولا الفحول، ~~وإنما غنى له معبد في شعر له: # القصر، فالنخل، فالجماء بينهما # أشهى إلى القلب من أبواب جيرون # 34 # فعد من الثلاثة ~~الأصوات ms257 المختارة، فبدأ به أبو الفرج، ثم بمعبد، وثنى بعمر بن أبي ربيعة، ~~ثم بابن سريج؛ لأن ابن سريج غنى في شعر عمر: # تشكى الكميت الجري لما جهدته # وبين لو يسطيع أن يتكلما # 35 # فعد من الثلاثة الأصوات المختارة، وثلث بنصيب بن رباح، ثم بابن ~~محرز؛ لأن هذا غنى له في شعره: # أهاج هواك المنزل المتقادم؟ # نعم، وبه ممن شجاك معالم # 36 # فعد من الثلاثة الأصوات المختارة. وهكذا مشى إلى سائر الأصوات على غير ~~ترتيب في الشعراء والمغنين. # أغراضه # رأيت أن الأغاني لم يقتصر على الغناء والمغنين، وإنما هو تاريخ جزيل ~~الفائدة، ففيه أخبار بضع مائة من الشعراء، والمغنين، والقيان، والإماء، ~~والغلمان، والعشاق والمعشوقات، والمخنثين، والمتظرفين والمتظرفات. وفيه ~~أخبار الخلفاء والأمراء والقواد، ومن نبغ من أبنائهم وبناتهم في الشعر ~~والغناء. وفيه أخبار قبائل العرب وأنسابهم، وغزواتهم، وأيامهم، ومياههم. ~~وفيه محاسن ما قيل من الشعر في الجاهلية والإسلام والمائة الأولى والثانية ~~لبني العباس. وفيه وصف مآكل العرب ومشاربهم في بداوتهم وحضارتهم، وذكر ~~عشقهم وأنواعه، وتسريهم، وزواجهم وطلاقهم، وسائر أحوالهم. وفيه تصوير ~~بديع للمجالس والملاهي، والرياض والحدائق. # وقد علمت أن أبا الفرج يحب اللذة ويتطلبها، وبنى كتابه على الغناء، ~~والغناء يقصد به إلى اللذة والترفيه عن النفس، فغلبت ناحية العبث والمجون ~~على كتابه، وحفل بالنوادر المسلية والمتعهرة. فتراه يعنى بفضح الشعراء، ~~وذكر أخبارهم وأشعارهم الفاحشة، وتصوير فساد أخلاقهم. ولم يتحرج من تشهير ~~الخلفاء وأبنائهم، ونسائهم، وذكر عشقهم واستهتارهم، وعكوفهم على اللهو ~~والشراب والسماع. # فلهذا لا يسعنا اعتماد الأغاني من النواحي التاريخية الشاملة، ولا سيما ~~كلامه على الإسلاميين والمولدين، فإنه قلما تناولهم إلا من ناحية العبث ~~واللهو. ولا ينبغي الاستسلام إلى رواياته كلها دون التوقف عند بعضها في شيء ~~من الشك والاحتياط. # إنشاؤه # لصاحب الأغاني لغة جزلة سمحة، لم يؤثر فيها أسلوب الرسائل، فهي تفيض ~~طبعا وسلاسة، وتبرأ من كل تكلف وصنعة وتعمد للمجاز. وجملته رشيقة حلوة ~~المساغ. فخمة طلية، بارعة التصوير، ملؤها ماء وحياة، لا ليان فيها ولا ~~جفاف، تميل إلى القصر لبلاغتها ms258 وإيجازها وحسن اختيار ألفاظها التي تؤدي ~~حقيقة المعنى، من غير تأبد وخشونة. ولا عيب فيها غير الإكثار من فعل ~~القول. # وليس الأغاني كله من إنشاء صاحبه، ففيه من أقوال الرواة الذين أخذ عنهم، ~~وفيه نقل عن كتب يذكر أسماءها، وفيه تلفيق لأقوال جمع بعضها إلى بعض؛ فلذلك ~~اختلفت لغة إنشائه. ولو اختصر الأصبهاني في الإسناد لدفع عن قرائه كل ضجر، ~~ولكنه أحب أن يزيد روايته ثقة فأساء إلى قرائه بالحديث المعنعن ~~المتسرد. ~~(7-3) منزلته # لم يحدث كتاب عند ظهوره من التأثير ما أحدثه الأغاني في حلقات الأدب؛ فقد ~~بادر الملوك والناس إلى شرائه، وتنافسوا في اقتنائه. وكان سيف الدولة أول من ~~اقتناه من ملوك الشرق. وذكر صاحب نفح الطيب أن الحاكم المستنصر، أحد خلفاء بني ~~أمية بالأندلس، بعث إلى أبي الفرج بألف دينار من الذهب العين، فبعث إليه بنسخة ~~من الأغاني قبل أن يخرجه بالعراق. وقال أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف كاتب عضد ~~الدولة بن بويه: «لم يكن كتاب الأغاني يفارق عضد الدولة في سفره ولا حضره.» ~~وذكر ابن خلكان: «أن الصاحب بن عباد كان يستصحب في أسفاره حمل ثلاثين جملا ~~من كتب الأدب، فلما وصل إليه هذا الكتاب لم يكن بعد ذلك يستصحب غيره؛ لاستغنائه ~~به عنها.» # وبلغ الصاحب أن سيف الدولة أعطى أبا الفرج ألف دينار لما أهدى إليه نسخة من ~~كتابه، فقال: «لقد قصر سيف الدولة، وإنه يستحق أضعافها؛ إذ كان مشحونا ~~بالمحاسن المنتخبة، والفقر الغريبة، فهو للزاهد فكاهة، وللعالم مادة وزيادة، ~~وللكاتب والمتأدب بضاعة وتجارة، وللبطل رجلة وشجاعة، وللمتظرف رياضة وصناعة، ~~وللملك طيبة ولذاذة. ولقد اشتملت خزانتي على مائة ألف، وسبعة عشر ألف مجلد، ما ~~فيها سميري غيره.» # وأقوال المتقدمين في الأغاني كثيرة، ويطول الكلام عليها، وكلها تدل على إعجاب ~~منهم وإكبار. # ومما يزيد منزلة هذا الكتاب أن صاحبه لم يقتصر فيه على الرواية والإسناد، بل ~~كان كثيرا ما يمحص الأقوال، وينتقدها، ويظهر صحيحها من مكذوبها، ويحمل على ~~الرواة الذين يصطنعونها. وربما أورد الخبر على ms259 روايات مختلفة، ثم عاد إلى رأيه ~~فرجح إحداها، أو أبدى شكه فيها، وجعلها على عهدة أصحابها. # وكتابه كان - ولا يزال - المورد العذب الذي ينهل منه كل باحث في الآداب، ~~ولولاه لضاع أدب كثير للجاهلية وصدر الإسلام. # | هوامش # | العصر العباسي الرابع # 1055-1258م/447-656ه # يبتدئ بدخول السلاجقة بغداد، وينتهي باستيلاء هولاكو عليها، وانتقال الخلافة العباسية ~~إلى مصر. # الفصل العاشر # | لمحة تاريخية # (1) الدولة السلجوقية 1036-1318م/428-718ه # كل أمة انقسمت على نفسها بادت، وانقسام المملكة العباسية دولا أزال سلطانها ~~الممنع، وقوض عرشها الرفيع، وجعلها عبرة في الغابرين. ولم يكن نشاط هذه الدول ~~في بدء أمرها ليبشر بحميد العقبى، فإن تنابذ ملوكها وتنافسهم، وتكالبهم بالعدوان، ~~وحرصهم على الامتلاك والتوسع، جعل ضعيفهم لقمة سائغة للقوي، وبلادهم دريئة للحروب ~~والفتن والخروج والعصيان؛ فبت لا ترى إلا دولا تقوم وأخرى تضمحل، وملوكا ~~تخلع وملوكا تستقل. وهذه الأحوال المضطربة لا يستقيم معها نظام، ولا يستتب ~~سلطان، ولا تأمن فيها البلاد سطوات الأجانب. والدولة العباسية كانت في اتساع ~~ولاياتها، مطمح أنظار سائر الشعوب، فما إن تجزأت وحدتها، وتقطعت أوصالها، ~~ونشبت فيها الثورات والفتن حتى مدت الأمم الأعجمية أنظارها، فرأت الفرصة سانحة، ~~والشاة ممكنة للرامي، فتوغل السلاجقة الأتراك في بلاد الفرس، وزحفوا إلى العراق، ~~وبنو بويه قد صار أمرهم إلى الضعف، فدخلوا بغداد، واستولوا عليها، ودانت لهم البلاد ~~من حدود الصين إلى آخر حدود الشام، ولكنهم لم يحفظوا وحدتهم، بل تقسموا ممالك، ~~فكان منهم في الفرس والعراق وكردستان والشام وآسيا الصغرى. وفي أيامهم حدثت الحروب ~~الصليبية، فإن أوروبا كانت كغيرها من الأمم، تلاحظ المملكة الإسلامية، وتتحفز ~~للوثوب عليها. # وفي أوائل القرن السابع للهجرة ظهر جنكيز خان المغولي، فغزا البلاد الإسلامية حتى ~~خراسان، فخرب مدنها، وحرق مكاتبها، ومثل بأهلها. وجاء بعده حفيده هولاكو، فأناخ ~~على العراق ودخل بغداد سنة 656ه. وبطش ~~بأهلها، وانتهبها، وألقى كتبها في دجلة، وقتل المستعصم الخليفة العباسي، وفتك ~~بأولاده وأهله، واستولى على ما في قصره من الجواهر واللآلئ. وهرب من نجا من بني ~~العباس إلى مصر، وجعلوا الخلافة فيها، وكانت ms260 يومئذ في حكم الأيوبيين. # وما زال المغول يتوغلون في بلاد المسلمين حتى افتتحوا الشام وآسيا الصغرى، ~~وأزالوا ملك السلجوقيين. # وامتاز عهد السلجوقيين في إنشاء المدارس، وأشهرها المدرسة النظامية في بغداد، ~~أنشأها نظام الملك الفارسي - وزير ملكشاه السلجوقي - وكان من أستاذيها ~~الغزالي. ~~(2) الدولة الأيوبية 1171-1260م/567-659ه # هذه الدولة كردية الأصل، وزعيمها يوسف بن أيوب المعروف بصلاح الدين، وكان أبوه ~~أيوب وعمه شيركوه من قواد السلطان نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام من قبل ~~الفاطميين. وكانت الدولة الفاطمية قد ضعف أمرها. واستبد عليها عمالها ووزراؤها. ~~وحدث أن الصليبيين زحفوا إلى مصر يريدون الاستيلاء عليها، فاستنجد العاضد الخليفة ~~الفاطمي بعامله السلطان نور الدين بن زنكي، فأرسل إليه قائده شيركوه، ومعه صلاح ~~الدين ابن أخيه. ثم ارتد الفرنجة عن مصر صلحا، واستوزر العاضد شيركوه. ومات شيركوه ~~فاستوزر صلاح الدين، ولقبه الملك الصالح، فاستولى على الأحكام، ولم يدع للخليفة إلا ~~السلطة الدينية. وكان السلطان نور الدين زنكي يراقب حالة مصر عن كثب، فكتب إلى صلاح ~~الدين يخبره بأنه سيقطع الخطبة عن الفاطميين، ويقيمها لبني العباس، ويطلب منه أن ~~يفعل فعله؛ فوافقه صلاح الدين، وكلاهما سني. ومات العاضد على أثر ذلك، وكان ~~مريضا، فانقرضت به دولة الفاطميين، وصار الملك إلى صلاح الدين، فاستقل بالأمر، ~~وفتح دمشق واستولى على ملك آل زنكي، وحدثت بينه وبين الصليبيين حروب كثيرة، ~~فاسترد منهم بيت المقدس، وغيره من البلاد التي افتتحوها في سورية. وكان قد تولاهم ~~الضعف بعد أن دب فيهم الخلاف. وملك صلاح الدين من سنة ~~567-589ه/1171-1193م. # وأصاب الدولة الأيوبية ما أصاب السلاجقة من التجزؤ، فصار منهم ملوك في مصر ~~ودمشق وبعلبك وحلب وحماة وحمص وما بين النهرين واليمن، وناوأ بعضهم بعضا، فوهن ~~سلطانهم، ثم زال سنة 659ه، بغارات هولاكو، واستئثار مماليكهم التركمان ~~بالسلطان. # وللأيوبيين يد بيضاء على اللغة؛ فإن بلادهم أصبحت قرارة العلماء والأدباء؛ لشغفهم ~~بالعربية وعنايتهم بتعزيز العلم والأدب. ونبغ منهم شعراء كبهرام شاه صاحب بعلبك، ~~ومؤرخون كالسلطان الملك المؤيد صاحب حماة، والمعروف بأبي الفداء، وعلماء كالملك ~~المؤيد ms261 صاحب اليمن. وعنوا بلغة الدواوين كالفاطميين، فأقاموا عالما بالنحو يراقب ~~الإنشاء، ويصلح الخطأ. ~~(3) ميزة العصر # فيتضح مما تقدم أن الحالة السياسية كانت على أسوأ ما يكون، فمن حروب متواصلة، ~~ودولة متداولة، وفتن مشتعلة، إلى تشقق مطرد، حتى أصبح على كل بلد ملك ذو عرش ~~وصولجان. وهذه الحالة القلقة كانت لا جرم نذيرا بمصير البلاد إلى الانحطاط، وبئس ~~المصير. # الفصل الحادي عشر # | الشعراء المولدون # العصر الرابع ~~(1) ميزة الشعر # لم تتبدل أغراض الشعر وفنونه، فتجعل له ميزة جديدة، وإنما حدث شيء من التطور في ~~بعضها فنما وقوي، كالشعر الصوفي؛ فإن أصحابه تكاثر عددهم بكثرة الفرق الصوفية، ~~ونظموا فيه القصائد الطويلة، حاوية اصطلاحات المتصوفين وعلومهم، كما في شعر عمر بن ~~الفارض. وكذلك باب الشكوى؛ فإنه اتسع لما نزل بالبلاد العربية من المصائب والأهوال، ~~ولما لقي الشعراء من كساد سوق الشعر، وفتور أكثر الأمراء عن الأخذ بناصرهم، وعلى ~~الأخص في أواخر العصر. وأكثروا من ذكر الحروب والفتن. وكان للحروب الصليبية أثر ~~بليغ في أشعارهم. # وأما لغة الشعر فقد مالت إلى اللين لأسباب: منها أن امتداد سلطان الفاطميين إلى ~~سورية جعل شعراء الشام يتأثرون بلغة المصريين، ويحتذون أسلوب شعرائهم. ومنها أن ~~تسلط الأمم الأعجمية على الأمة العربية، وذوبانها فيهم على اختلاف أجناسهم ~~وألوانهم، أثر في اللغة الفصحى أسوأ الأثر، فغلبت اللهجات العامية، والألفاظ ~~الدخيلة المسترذلة، وفشا الفساد في لغة البادية، وعم اللحن، ومضى عهد التبدي. ~~فصار الشاعر الحضري لا يرى في سكنى البادية، والاختلاط بالأعراب مقوما للسانه ~~كما كان يراه أسلافه المتقدمون، فاكتفى بلغته على فسادها، وبما يحصله بالدرس ~~والمطالعة. # وأمعن الشعراء في الصناعة كل إمعان، وقيدوا قرائحهم بقواعد النظم وشروطه وأبوابه، ~~كما حددها لهم ابن رشيق وأمثال ابن رشيق، فقل الطبع وكثر التكلف وضعف الاستنباط، ~~وابتذلت المعاني والتعابير لتواطئهم عليها، وترسمهم لما جاء به الأقدمون. وظهر ~~الابتذال والإسفاف خصوصا عند الشعراء الذين جاءوا في آخر هذا الزمان كابن مطروح ~~والبهاء زهير. ولا غرابة في ذلك، فإنه عصر انتقال من القوة إلى الضعف، ومن الارتفاع ms262 ~~إلى الهبوط، فلا بد للشعر أن ينحدر شيئا فشيئا حتى تلتقي أواخر عصره بأوائل عصر ~~الانحطاط. # وفي هذا العصر دخلت الموشحات الأندلسية إلى الشرق، واحتذاها شعراؤه، ولا سيما ابن ~~سناء الملك. ونرجئ الكلام على هذا الفن إلى بحثنا عن الأدب الأندلسي. # واشتهر من الشعراء عدد قليل، فمنهم في مصر ابن سناء الملك، وابن النبيه، وعمر بن ~~الفارض، وابن مطروح، وبهاء الدين زهير. ومنهم في الشام ابن الخياط الدمشقي، وابن ~~منير الطرابلسي، وابن حيوس. ومنهم في العراق الطغرائي والحاجري. ومنم في فارس ~~صردر، والأرجاني، وابن الهبارية، والأبيوردي. ولكن ليس بين هؤلاء كلهم ~~واحد يعد من الفحول. # الفصل الثاني عشر # | الكتاب المولدون # العصر الرابع ~~(1) ميزة النثر # بقيت ميزة النثر على حالها، لم يتغير فيها شيء فيجعل لها صبغة خاصة تنفرد فيها، ~~غير أن الكتاب أسرفوا في تنميق العبارة، وطلب المحسنات البديعية، والتزام ~~السجع، وعلى الأخص بعد ظهور الطريقة الفاضلية في مصر، فإن صاحبها القاضي الفاضل عني ~~بأنواع البديع عناية عظيمة، وألح على التورية والجناس، فأطال جمله وباعد بين ~~فواصلها المسجعة، حتى تتم له القرائن والمرشحات لبيان التورية والجناس، فوقع في ~~الغموض، وتعقد إنشاؤه، وقل ماؤه، وكثر غثاؤه. ووافق ظهور طريقته جمودا في ~~الأفكار، وعجزا عن الاستنباط لتوالي الحروب والمصائب، فأقبل الكتاب يضربون على ~~غرارها يلوك بعضهم أقوال بعض، فأصبح الإنشاء - ولا سيما آخر العصر - عبارات مرصوفة، ~~ومرادفات مصفوفة، وضعفت لغته، وانبثت فيه الكلمات العامية، فتلقفه زمن الانحطاط ~~بهشاشة وارتياح. # وظهر الحريري في أوائل العصر، فتحدى بديع الزمان في مقاماته، فوسع نطاق هذا ~~الفن، وأتم صناعته اللفظية. ~~(2) الحريري 1054-1122م/446-516ه (؟) ~~(2-1) حياته # هو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، عربي صريح ينتمي إلى ربيعة بن نزار، ~~وكنتيه أبو محمد، ولقبه الحريري نسبة إلى الحرير وعمله، أو بيعه. ولد في ~~المشان # 1 # وكان من ذوي اليسار، قيل كان له فيها ثمانية عشر ألف نخلة. ورغب في ~~العلم مع وافر ثروته، فجاء البصرة ، وطلبه على علمائها، وسكن فيها بمحلة بني ~~حرام، وهي قبيلة قحطانية، فقيل ms263 له الحرامي. وما زال يجالس العلماء، ويشهد ~~حلقات الأدب، حتى برع في الشعر والترسل، واستبحر في اللغة وآدابها، وحذق الفقه، ~~وتضلع من الفرائض، فأكب على التصنيف حتى وافاه أجله، وقد وطئ السبعين. ~~وكانت وفاته بالبصرة، وخلف ولدين هما نجم الدين عبد الله، وضياء الإسلام عبيد ~~الله قاضي قضاة البصرة. # صفاته وأخلاقه # ذكر صاحب معاهد التنصيص أن الحريري كان قذرا في نفسه، وشكله ولبسه، ~~قصيرا، دميما، بخيلا، مولعا بنتف لحيته؛ فنهاه أمير البصرة، وتوعده على ~~ذلك، وكان كثير المجالسة له، فبقي كالمقيد لا يتجاسر أن يعبث بلحيته. فتكلم ~~في بعض الأيام بكلام أعجب الأمير، فقال له: «سلني شيئا حتى أعطيك.» فقال: ~~«تقطعني لحيتي.» قال: «قد فعلت.» وقال ابن خلكان: «إنه كان دميما قبيح ~~المنظر، فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئا، فلما رآه استزرى شكله، ففهم ~~الحريري ذلك منه، فلما التمس منه أن يملي عليه، قال له اكتب: # ما أنت أول سار غره قمر # ورائد أعجبته خضرة الدمن # 2 # فاختر لنفسك غيري إنني رجل # مثل المعيدي، فاسمع بي ولا ترني # 3 # فخجل الرجل منه، وانصرف. # آثاره # للحريري تآليف حسان منها درة الغواص في أوهام الخواص، بين فيه مغالط ~~الكتاب في ما يستعملون من اللفظ بغير معناه. ومنها ملحة الإعراب، وهي ~~أرجوزة في النحو. ومنها ديوان شعر ورسائل. ومنها المقامات، وهي أشهر آثاره، ~~فإنها ترجمت إلى عدة لغات أجنبية، وشرحها غير واحد من العلماء أمثال ~~الشريشي، والعكبري، والزبيدي وغيرهم، وطبعت مرات في بيروت ومصر ~~وأوروبا. # سبب وضعه المقامات # ذكر عبد الله بن الحريري السبب الذي من أجله وضع والده المقامات قال: ~~«كان أبي جالسا بمسجد بني حرام، فدخل شيخ ذو طمرين، عليه أهبة السفر، ~~رث الحال، فصيح اللسان، حسن العبارة. فسأله الحاضرون: «من أين الشيخ؟» ~~فقال: «من سروج.» # 4 # فاستخبروه عن كنيته، فقال: «أبو زيد.» فعمل أبي المقامة ~~المعروفة بالحرامية، وهي الثامنة والأربعون، وعزاها إلى أبي زيد السروجي ~~المذكور. واشتهرت فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر أنو شروان بن خالد ~~بن ms264 محمد القاشاني، وزير الإمام المسترشد بالله، # 5 # فلما وقف عليها أعجبته، وأشار على والدي أن يضم إليها غيرها، ~~فأتمها خمسين مقامة.» ا.ه. # وذكر ابن خلكان أنه وجد نسخة مقامات بخط مصنفها، وقد كتب بخطه على ظهرها ~~أنه صنفها للوزير جمال الدين عميد الدولة الحسن بن صدقة وزير المسترشد ~~أيضا، فعلى هذه الرواية يكون عبد الله بن الحريري قد غلط في اسم الوزير. ~~ويشير الحريري إلى الوزير في خطبة مقاماته بقوله: «فأشار من إشارته حكم، ~~وطاعته غنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع، وإن لم يدرك ~~الظالع شأو الضليع.» # 6 # وجعل راوية مقاماته الحارث بن همام، وهو رجل خيالي أخذه من ~~حديث: «كلكم حارث وكلكم همام.» # 7 # ولم يسلم من اتهام الناس له، وإنكارهم عليه مقاماته، فقد ذكر ابن خلكان ~~أنه رأى في بعض المجاميع أن الحريري عمل أربعين مقامة، وحملها من البصرة ~~إلى بغداد، وادعاها فلم يصدقه في ذلك جماعة من أدباء بغداد. وقالوا إنها ~~ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة. مات بالبصرة، ووقعت ~~أوراقه إليه، فادعاها، فاستدعاه الوزير إلى الديوان، وسأله عن صناعته، ~~فقال: «أنا رجل منشئ.» فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها، فانفرد ~~في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة، ومكث زمانا كثيرا، فلم يفتح ~~الله عليه بشيء من ذلك، فقام خجلان، فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات أخر، ~~وسيرهن، واعتذر من عيه وحصره في الديوان بما لحقه من المهابة. وكان ~~في جملة من أنكر دعواه علي بن أفلح الشاعر، وقد قال فيه: # شيخ لنا من ربيعة الفرس # ينتف عثنونه من الهوس # 8 # أنطقه الله بالمشان كما # بلاه وسط الديوان بالخرس # على أن المقامات الخمسين ثابتة للحريري، ولا وجه للشك في نسبها ~~إليه. ~~(2-2) ميزته # لا يذكر الحريري إلا كانت مقاماته أسبق آثاره إلى الأذهان؛ لأن بها قامت ~~ميزته ومنزلته، فإليها نستند في كلامنا عليه، وإظهار خصائصه في هذا الفن من ~~الإنشاء. # تحليل مقاماته # يبدأ الحريري مقاماته بإسناد الكلام إلى ms265 راويتها الحارث بن همام، ولكنه ~~لا يقتصر كالبديع على قوله: «حدثنا.» بل يميل إلى التغيير في بدء كل مقامة ~~فينتقل بين حدث وروى وحكى وأخبر وقال. # والحارث بن همام رجل كثير الأسفار، فإما يطلب السفر من أجل دين يبغي ~~قضاءها، أو سعيا لرزق يكتسبه. وربما بدا موسرا يتلهى بالترحال والأسمار ~~والأخبار. وقد يجتمع الحارث وأبو زيد منذ أول المقامة، فيتعاونان على ~~إنشائها كما في المقامة الواسطية # 9 # إذ سعى أبو زيد في تزويج الحارث. حتى إذا كان العرس، دس للناس ~~بنجا في الطعام، فتخدروا، فسلب ما في البيوت من الأكياس والتخوت، ونجا ~~لا يلوي على العرس وأهله. # والحارث أكرم أخلاقا، وأشرف نفسا من أبي زيد، فإنه لم يشركه في ~~لصوصيته، ولطالما أنبه على دناءته، وصارمه من أجلها، ولكنه لا يلبث أن ~~يعود إلى مصاحبته لشغفه بأدبه. وهو على اجتماعه به في كل مقامة لا يعرفه ~~إلا إذا اتبعه وسأله عن حاله، أو إذا تبين الاحتيال في أقواله وأعماله، ~~فيضطر إلى كتم أمره، فما يخبر خبره إلا بعد أن ينأى عن البلد، ويأمن ~~اللحاق. # وأما أبو زيد فشاعر خطيب مترسل، عالم باللغة والنحو، والفقه والفرائض، ~~متصرف في ضروب الكلام ونوادر البيان، يحترف الكدية بالاحتيال، ويسلك إليها ~~مختلف الطرق، لا عدة له غير لسان فصيح، وجنان قوي، فهو لص خبيث، سكير ~~خمير، مخادع منافق، مستهتر فاسق. يظهر في كل المقامات، وغالبا يعاونه ~~على احتياله ولده أو زوجه، وهما لا يقلان عنه خداعا وخبثا، وفصاحة ~~وعلما، ولهما من جمالهما شافع يستعينان به على الاقتناص، ولكنهما يصونانه ~~عن التبذل. # ومقاماته فيها أدب كثير، وفيها احتيال كثير، وفيها دناءة وخساسة، وفيها ~~حكم ومواعظ. وتنقسم من حيث الأغراض إلى مقامات أدبية، تظهر براعة أبي ~~زيد في تصريف الكلام، وتقليب نوادر البيان، كالمقامة القطيعية، # 10 # وفيها أحاج نحوية ألقاها أبو زيد على جماعة، فعجزوا عن حلها، ~~فأبى أن يفسرها لهم إلا بعد أن نال منهم الحباء. وإلى فكاهية كالمقامة ~~الواسطية، وقد مر ذكرها. وإلى مجونية كالمقامة الرحبية، ms266 # 11 # وفيها يسوق أبو زيد ولده إلى الوالي متهما إياه بأنه فتك ~~بابنه، فينتصر الوالي للغلام، ويدفع لأبي زيد بعض دية المقتول، على أن يجمع ~~له الباقي في الغد، فما دجا الليل إلا شمر أبو زيد وفرخه للهرب، تاركين ~~الوالي على أحر من ذات اللهب. وإلى دينية يقف فيها أبو زيد واعظا مزهدا ~~في الدنيا كالمقامة الصنعانية. # 12 # وإلى خلقية اجتماعية كالمقامة الرازية، # 13 # وفيها يعط أبو زيد الوالي الذي يغتر بمنصبه، ولا يعتد بحقوق ~~الناس. # وهذه الأغراض على اختلافها يقصد بها إلى الكدية، ووسائلها عند أبي زيد ~~كثيرة، فمرة يطلبها بالتقوى والتنسك، فيخدع الناس، وينال سبيهم، حتى إذا ~~خلا في مثواه عكف على الخمر والمجون. فكأن الحريري يمثل به جماعة من شيوخ ~~الدين، يتخذون النفاق لهم شعارا، وينصحون الناس، ولا ينتصحون. ومرة يتلاحى ~~وزوجته عند القاضي أو الوالي ويتجادلان، وكلاهما فصيح لسن، فيعجب بهما ~~الحكم ويصلح بينهما ويدفع لهما شيئا من المال. وحينا يكون الخصام بينه ~~وبين ولده. وأكثر ما يمثل الولاة والقضاة أغبياء تجوز عليهم الحيل، أو ~~فساقا يجورون عن الحق خضوعا للجمال. وأخباره مع القضاة والولاة كثيرة ~~متشابهة يكاد لا يختلف بعضها عن بعض. # وأعظم وسيلة عنده للتكدي فصاحة لسانه، وسعة علمه، وربما عمد إلى طرق في ~~غاية الدناءة والخسة، كأن يشحذ ثمن كفن لميت يدعيه، أو يقطع الطرق ويسل ~~الخيل. أو يتعامى فتقوده امرأته إلى المسجد ليصطاد الناس بأحابيله، فالكدية ~~عند أبي زيد ملازمة له في جميع مقاماته، لا تفارقه ولا يفارقها. # ولكن لأبي زيد نهاية حسنة ليس لأبي الفتح مثلها؛ فإنه تاب توبة نصوحا في ~~المقامة الأخيرة، وأقلع عن الاحتيال والفسق، وتنسك وفارق راويته فراقا ~~لا لقاء بعده. # والحريري في مقاماته أكثر تعلقا بالحواضر من بديع الزمان، فما يكاد يخرج ~~إلى البادية إلا في واحدة منها أو اثنتين. ومقاماته في الغالب أطول من ~~مقامات أستاذه بيد أن طولها لا يعود على اتساع الفن القصصي فيها، وإنما على ~~اجتماع خبرين في مقامة واحدة، أو على فيض ms267 الألفاظ، وكثرة المترادفات، ~~ومعاقبة الجمل على المعاني، أو على الإكثار من الشعر، وفيه القصائد التي ~~يشرح بها أبو زيد أحواله، ويقص أخباره. # إنشاؤه # للحريري لغة متينة، قصيرة الجمل يقطعها تقطيعا موسيقيا، فما تتعدى ~~جملته الكلمتين أو الثلاث. وقلما زادت فبلغت الخمس أو الست. وهو في إنشائه ~~بادي الصنعة، طاهر التكلف، يتعمد الغريب، ويسرف في استعماله. ويفرط في ~~اصطناع المجاز والتزيين، حتى تجفو عبارته ويقل ماؤها، ويعسر مساغها، فقد ~~أولع بالسجع فلم يقتصر على التزامه فيه فواصل الجمل، وإنما تعمله في ~~أجزائها، وجاء به متوازيا أو مرصعا كقوله: «وهو يطبع الأسجاع بجواهر ~~لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه.» وقد يعدد الأسجاع على قافية واحدة، ~~ويتورط معها في تكلف الاستعارة. وتقليب الألفاظ على المعنى الواحد لتتم له ~~القوافي. # ويفتن في الجناس على أنواعه من تام وناقص: «وترغب عن هاد تستهديه، إلى ~~زاد تستهديه. وفي اللحد مقيلك، فما قيلك؟ ... لما اقتعدت غارب الاغتراب، ~~وأنأتني المتربة عن الأتراب.» # 14 # وكثيرا ما يأتي بالجناس المتكافئ: «أو يعطف عليك معشرك، يوم يضمك ~~محشرك.» وربما حلى سجعاته بمثلثات متجانسة: «فلما استأذنته في ~~المراح، # 15 # إلى المراح، # 16 # على كاهل المراح.» # 17 # ولطالما تزحلق في تحذلقه إذ يطلب السجع أو الجناس، فيزور عنه، وما ~~يتأتى له إلا بشق النفس، وتظهر عليه البرودة والغثاثة كقوله: «واستعنت ~~بقاطبة الكتاب، فكل منهم قطب وتاب.» فقد جر قاطبة من أجل الجناس ~~والسجع، وهي لا تستعمل إلا منصوبة على الحال، ووضع فعل تاب في غير موضعه، ~~فبدا نافرا متقلقلا. # ومن قبائحه في المسجوع أن يفصل بين العامل والمعمول كقوله: «أو لخالك ~~دان، عبد المدان.» # 18 # وشغف الحريري بهذه المحسنات وغيرها من أنواع البديع اللفظي والمعنوي، ~~حمله على أن يجعلها من أغراض مقاماته، فأنشأ مقامات لا غاية منها إلا إظهار ~~براعته في هذه الأشياء، وحلاها بأشعار ورسائل فيها العواطل والحوالي، ~~والرقط والأخياف، وفيها التوريات والأحاجي والألغاز، فتعقد بها إنشاؤه، ~~وكثر غموضه، فعني بشرحها وتفسيرها، وتحليل معجماتها ومعمياتها، فمن العواطل ~~قوله من قصيدة: # أعدد لحسادك حد ms268 السلاح # وأورد الآمل ورد السماح # ومن الحوالي: # فتننتي فجننتني تجني # بتجن يفتن غب تجن # 19 # ومن رقطه قوله من رسالة: «أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته ~~يلب، # 20 # وقربه تحف، ونأيه تلف.» # ومن أخيافه: «الكرم، ثبت الله جيش سعودك، يزين. واللؤم، ~~غض الدهر جفن حسودك، يشين.» # ومن تورياته وألغازه قوله من قصيدة كلها على هذا النمط: # وكاتبين وما حطت أناملهم # حرفا، ولا قرءوا ما خط في الكتب # 21 # ومن أحاجيه ومعجماته: # يا من بدا بيانه # عن فضله مبينا # ماذا مثال قولهم: # حمار وحش زينا؟ # 22 # وقوله يحاجي في مسائل فقهية: «أيستباح ماء الضرير؟ قال: نعم، ويجتنب ماء ~~البصير.» # 23 # وله غير ذلك أعاجيب كثيرة، منها الألفاظ التي تكتب بالصاد والسين، ~~كالصراط والصقر، ومنها الشعر الذي لا يستحيل بالانعكاس: # أس أرملا إذا عرا # وارع إذا المرء أسا # 24 # ومنها أشياء أخر يطول بنا الأمر لو عمدنا إلى ذكرها. وإن في ما أوردناه ~~كافيا للدلالة على صنعة الحريري، وإمعانه في طلب المحسنات البديعية حتى ~~جعل لها المقام الأعلى في إنشائه، فنبا به عن الطبع، ولم يسلم مطالعه من ~~السأم والضجر. # ويكثر الحريري في ~~مقاماته من الأمثال، فقد أورد منها طائفة جليلة، ومن الأشعار وكلها من نظمه ~~إلا أربعة أبيات ذكرها على سبيل الاستشهاد. # وإنشاؤه على الإجمال لا تنحط بلاغته، إذا جردته من الرموز والأحاجي ~~والألغاز. ~~(2-3) منزلته # قال فيه ابن خلكان: «كان أحد أئمة عصره، رزق الحظوة التامة في عمل المقامات. ~~واشتملت على شيء كثير من كلام العرب، في لغاتها وأمثالها. ورموز أسرار كلامها، ~~ومن عرفها حق معرفتها، استدل بها على فضل هذا الرجل، وكثرة اطلاعه، وغزارة ~~مادته.» ا.ه. وقال الزمخشري: # أقسم بالله وآياته # ومشعر الحج وميقاته # 25 # إن الحريري حري بأن # تكتب بالتبر مقاماته # 26 # معجزة تعجز كل الورى # ولو سروا في ضوء مشكاته # 27 # ومنزلة الحريري لم تقم على جمال القصص في مقاماته، والتفنن في أغراضها، ~~وإنما قامت على إنشائها المنمق، وما فيها من رموز لغوية، وأحاج بيانية، ~~فالحريري لم يحفل بالفن ms269 القصصي فيعمد إلى ترقيته، بل قصر همته على التصرف في ~~الألفاظ، وضروب المحسنات والألغاز . فجاءت أقاصيصه متشابهة المواضيع، محدودة ~~الخيال، ولكنها حافلة بكل عجيب من أنواع البيان والبديع، وكل غريب من كلام ~~العرب ومذاهبهم. # وكان التصنع في الإنشاء هو الطراز الأعلى يومذاك، ففتن بإنشائه أهل زمانه، ~~ومن جاء بعدهم، فاتخذوا مقاماته عنوانا للكمال، لا يلتفتون إلى غير الصناعة ~~اللغوية فيها. وإليها أشار ابن خلكان في كلامه، والزمخشري في شعره. # وكثر بعد الحريري وضاع المقامات، وأشهر من اصطنعها في المتقدمين الزمخشري ~~والسيوطي، وفي المتأخرين الشيخ ناصيف اليازجي، وكلهم اتخذ الحريري أستاذا له ~~يجري على مثاله. ~~(3) العلوم # ظل الاشتغال باللغة على نمو وازدياد، وتكاثرت الكتب المصنفة، ولا سيما كتب ~~النحو والبيان. واشتهر من أصحاب اللغة طائفة كبيرة، منهم أبو زكريا التبريزي، وله ~~ملخص إعراب القرآن، وشرح المعلقات، والوافي في العروض. ومنهم الحريري وقد تقدم ذكر ~~تآليفه. ومنهم الجرجاني، وله أسرار البلاغة في المعاني والبيان، ودلائل الأعجاز في ~~علم المعاني، والعوامل المائة. ومنهم الزمخشري وله أساس البلاغة في اللغة والمفصل ~~في النحو. ومنهم السكاكي وله مفتاح العلوم في الصرف والاشتقاق والنحو والمعاني ~~والبيان والعروض. ومنهم الصغاني وله مجمع البحرين في اللغة. ومنهم ابن الحاجب وله ~~الكافية والشافية في الصرف والنحو. ومنهم ضياء الدين ابن الأثير، وله المثل السائر ~~في علم البيان والصناعة اللفظية والمعنوية، وسنعود إليه في كلامنا على الأدب ~~والأدباء. # وكذلك التاريخ كان له حظ حسن، فقد وضعت فيه عدة كتب لتعدد الممالك. وأشهر ~~المؤرخين عماد الدين الأصفهاني، وله كتب في فتوح صلاح الدين وأخبار السلاجقة. وشهاب ~~الدين أبو شامة وله كتاب الروضتين في أخبار صلاح الدين ونور الدين وحروب الصليبيين. ~~والسمعاني وله كتاب الأنساب. والقفطي وله معجم تاريخي للفلاسفة والأطباء ~~والطبيعيين والرياضيين، وله أنباء النحاة، وأخبار مصر. وابن عساكر الدمشقي وله ~~تاريخ دمشق. وعز الدين ابن الأثير وله كتاب الكامل في التاريخ العام، ويعرف بتاريخ ~~ابن الأثير. # وأما الجغرافيا فقد كان تقدمها في الأندلس، ولم يخل الشرق من رجال اشتغلوا بها ms270 ~~وبالتاريخ معا أمثال ياقوت الحموي وله معجم البلدان، وهو كتاب جغرافي كبير بأسماء ~~البلاد . وأمثال أبي الفرج الجوزي وله كتب كثيرة في التاريخ والجغرافيا. # وأما الفلسفة فقد ذوت في الشرق بعد أن نبغ الغزالي وأصلاها وأصحابها حربا حامية ~~في كتابه تهافت الفلاسفة. ولو لم تتداركها الأندلس لاندثرت معالمها عند ~~العرب. ~~(4) الأدب والأدباء # لم تتبدل طرق النقد وأساليبه، وإنما توسع الأدباء في علم البيان، وحددوا أصوله ~~وفروعه، وعنوا بتحسين نظم الإنشاء وضبطها، كما فعلوا في الشعر من قبل. وكان الفضل ~~في ذلك للجرجاني، فإن كتابه أسرار البلاغة حقيق بأن يدعى مفتاح علم البيان، وركن ~~صناعة الإنشاء. ثم جاء بعده جماعة من الأدباء، فنهضوا بهذا الفن، ورفعوا مناره، ~~فاتسع نطاق النقد، وشمل النثر والكتاب، فأصابهم منه قسط وافر بعد أن كاد يكون ~~مقصورا على الشعر والشعراء. وضياء الدين ابن الأثير في مقدمة من لهم اليد البيضاء ~~على صناعة النقد وعلم البيان. ~~(5) ابن الأثير 1162-1239م/558-637ه ~~(5-1) حياته # هو نصر الله بن محمد الشيباني، كنيته أبو الفتح، ولقبه ضياء الدين، ويعرف ~~بابن الأثير الجزري منسوبا إلى جزيرة ابن عمر # 28 # وفيها ولد ونشأ. وانتقل به والده إلى الموصل، فحصل فيها العلوم، ~~حتى إذا اكتملت آلته، قصد صلاح الدين الأيوبي في دمشق سنة 587ه/1191م، فجعله في ~~خدمته، فلبث بضعة أشهر. ثم صار إلى خدمة ولده الملك الأفضل نور الدين، فاستوزره ~~هذا. ولما توفي والده استقل بمملكة دمشق واستقل ضياء الدين بالوزارة، وردت ~~إليه أمور الناس. # ثم إن الملك الأفضل جرت له وقائع مع أخيه العزيز صاحب مصر، فاتفق العزيز وعمه ~~الملك العادل على غزو دمشق واستنقاذها من يد نور الدين. وتأتى لهما الأمر سنة ~~592ه/1195م فاستوليا عليها وأعطيا الملك الأفضل صرخد # 29 # بدلا منها، فصار إليها، وأقام بها. وكان ابن الأثير قد أساء ~~السياسة في أهل دمشق، فسخطوا عليه، فلما زال ملكه هموا به، فوضعه الحاجب محاسن ~~بن عجم في صندوق، وأخرجه من دمشق خفية، فمضى إلى سيده في صرخد. # ثم توفي العزيز صاحب مصر ms271 سنة 595ه/1198م، وخلفه ابنه الناصر محمد وهو في ~~العاشرة، فاستدعى رجال الدولة عمه نور الدين من صرخد ليكون له وصيا، وعنه ~~نائبا، فحضر وتبعه ابن الأثير. وفي المثل السائر أن ضياء الدين جاء مصر سنة ~~596ه/1199م. # ونشبت الحرب بين نور الدين وعمه الملك العادل صاحب دمشق، فقصد الملك العادل ~~مصر سنة 596ه، وأخرج الملك الأفضل منها. ولم يجرؤ ابن الأثير أن يخرج من مصر ~~إلا مستخفيا؛ لأن جماعة كانوا يقصدون قتله لما لقوا من عنته واستبداده. # وذهب الملك الأفضل إلى سميساط # 30 # ولم يسمح له عمه بغيرها، وعاد ضياء الدين إلى خدمته. ثم فارقه سنة ~~607ه/1210م، واتصل بخدمة أخيه الملك الظاهر صاحب حلب. فلم يطل مقامه عنده، ولا ~~انتظم أمره، وخرج مغاضبا. وعاد إلى الموصل، فلم يستقم حاله، فورد ~~إربل، # 31 # ثم تركها إلى سنجار، # 32 # ثم رجع إلى الموصل، واتخذها دار إقامة، وكتب فيها لصاحبها ناصر ~~الدين محمود بن الملك القاهر، من ملوك الدولة الزنكية، # 33 # وبقي في خدمته حتى مات. وكانت وفاته في بغداد، وذلك أن ناصر الدين ~~بعثه إليها في مهمة، فقضى بها نحبه، ودفن فيها بمقابر قريش. وخلف ولدا اسمه ~~محمد، ذكره ابن خلكان، ونعته بالنباهة، وأثنى على أدبه في المنظوم والمنثور. ~~وضياء الدين هو أحد الإخوة الثلاثة عز الدين المؤرخ المشهور صاحب الكامل، ومجد ~~الدين صاحب النهاية في غريب الحديث والأثر. # صفاته وأخلاقه # عرف ابن الأثير بكبريائه ~~واستبداده، فكرهه الناس، ونذروا دمه غير مرة. وكان كثير الإعجاب بنفسه حتى ~~الغرور، لا يرى خيرا إلا فيما يقول ويفعل، وقلما يرى خيرا فيما يقول غيره ~~ويفعل، فكثرت أذيته في العلماء والأدباء الذين تقدموه أو عاصروه، وأوقع ~~بهم وازدراهم، وحقر آراءهم ورماهم بأقبح الأوصاف، فانقبض عنه رجال العلم، ~~ومقتوه، وطعنوا عليه، وعنفوه. # أستاذوه وعلومه # درس ابن الأثير في الموصل، فحفظ القرآن، وكثيرا من الأحاديث النبوية، ~~وطرفا صالحا من النحو واللغة والبيان، وشيئا غير يسير من الأشعار. ولم ~~نعرف أحدا من أستاذيه، إلا أنه يخبرنا في المثل السائر أنه ms272 وقف من الشعر ~~على كل ديوان مجموع، وأنفد شطرا من العمر في المحفوظ والمسموع، فألفاه ~~بحرا لا يوقف على ساحله، فاقتصر منه على ما تكثر فوائده، واكتفى بشعر أبي ~~تمام والبحتري والمتنبي، فهؤلاء الثلاثة هم عنده لات الشعر وعزاه ~~ومناته، فروى لهم أكثر مما روى لغيرهم، واستفاد من فصاحة أقوالهم، وبلاغة ~~معانيهم. # آثاره # لضياء الدين مصنفات حسنة أشهرها المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ~~وسنتولى تحليله ونقده. ثم كتاب الوشي المرقوم في حل المنظوم، جعله في مقدمة ~~وثلاثة فصول: # الأول: # في حل الشعر. # والثاني: # في حل آيات القرآن. # والثالث: # في حل الأحاديث النبوية. # وله كتاب المعاني المخترعة في صناعة الإنشاء. ومجموعة ~~رسائل أورد منها شيئا في المثل السائر. ~~(5-2) ميزته # قامت شهرة ابن الأثير على كتاب المثل السائر، وهو خير مصنفاته، وأجمعها ~~لميزاته، فتكتفي به لإظهار خصائصه الأدبية، وما له من طرق فيها وأساليب. # المثل السائر: أغراضه # هذا الكتاب يتضمن البحث عن علم البلاغة، والنقد لصناعة الكاتب والشاعر، ~~وقد بناه صاحبه على مقدمة ومقالتين؛ فالمقدمة تشتمل على أصول علم البيان، ~~والمقالتان تشتملان على فروعه. والمقدمة تتضمن عشرة فصول يتكلم فيها على ~~موضوع علم البيان، وما ينبغي له من الأدوات. ثم بحث الحكم على المعاني ~~ومعرفة أساليبها في التفسير والتأويل، والترجيح بينها. ثم جوامع الكلم، ~~والحقيقة والمجاز والفصاحة والبلاغة، وأركان الكتابة، وطريق تعلمها. # والمقالة الأولى: # تبحث عن الصناعة اللفظية، وهي على قسمين: الأول في ~~اللفظة المفردة. والثاني في الألفاظ المركبة، وجعل صناعة ~~تأليفها على ثمانية أنواع كالسجع والتجنيس والترصيع ~~والمعاظلة وسواها. # والمقالة الثانية: # تبحث عن الصناعة المعنوية، وهي أيضا على قسمين: الأول ~~في الكلام على المعاني مجملا، والثاني في الكلام عليها ~~مفصلا. # والقسم الأول على ضربين، أحدهما في ما يبتدعه المؤلف من ~~غير أن يقتدي فيه بمن سبقه. والثاني في ما يجري فيه على ~~مثال سابق ومنهج مطروق. والقسم الثاني بناه على ثلاثين ~~نوعا كالتشبيه والاستعارة والتجريد، والتقديم والتأخير، ~~والإيجاز، والإطناب، والكناية، والسرقات الشعرية ~~وغيرها. # ويتخلل هذه المباحث شعر ورسائل، وآيات ms273 وأحاديث، يبني عليها كلامه، أو ~~يستشهد بها على صحة أقواله. وربما عمد إلى الموازنة بين شاعرين كما وازن ~~بين البحتري والمتنبي في وصفهما الأسد. وكثيرا ما يورد من رسائله ، ويجعلها ~~مثالا للبلاغة في النوع الذي يتكلم عليه، ويعنى بتحليل معانيها، وتنبيه ~~القارئ على النظر إليها. # وكأين عرض لأقوال غيره من الكتاب فطعن عليها، وازدراها كما فعل ~~بالحريري وابن نباتة الخطيب، فإنه عاب سجعهما من أجل تكرير المعنى ~~بالفاصلتين المزدوجتين. وعاب مثل ذلك على أيمة المترسلين كابن العميد ~~والصابي والصاحب بن عباد. # وعرض للشعراء، فأدرك عليهم ما عاب من أقوالهم، واستهزأ بمن يتعصب لبعضهم ~~حتى لا يرى له عيبا، فعله بالمتنبي وأبي العلاء، فإنه أورد هذا البيت لأبي ~~الطيب: # فلا يبرم الأمر الذي هو حالل # ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم # وقال: «فلفظة حالل نافرة عن موضعها، وكانت له مندوحة لو استعمل عوضا ~~عنها كلمة ناقض. وجعل لا ينقض موضع لا يحلل.» ا.ه. ثم قال: «وبلغني عن أبي ~~العلاء بن سليمان المعري أنه كان يتعصب لأبي الطيب حتى إنه كان يسميه ~~الشاعر ويسمي غيره من الشعراء باسمه. وكان يقول: «ليس في شعره لفظة يمكن أن ~~يقوم عنها ما هو في معناها، فيجيء حسنا مثلها.» فيا ليت شعري أما وقف على ~~هذا البيت المشار إليه؟ لكن الهوى - كما يقال - أعمى، وكان أبو العلاء أعمى ~~العين خلقة، وأعماها عصبية، فاجتمع له العمى من جهتين.» ا.ه. # وفي كلامه على علم البلاغة لا ينفك يذكر أقوال من تقدمه من علماء البيان، ~~ويظهر خطأها، وضعف مدلولها، وقصر نظرهم فيها. ثم يذكر أقواله، ويدل ~~بها، ويباهي أنه استنبطها، وفتحت له كنوزها، ولم يسبق إليها. وإذا سبقه ~~أحد إلى رأي يريد أن يتبناه، لا يكذب أن يجد فيه عوجا، ليكون له الفضل في ~~تقويمه. ومثل هذه الأشياء كثيرة في المثل السائر، وهي تصور أدق تصوير عجرفة ~~صاحبه، وشدة غروره. # على أنه لا بد لنا أن ننصف ابن الأثير فنقول: إن أقواله في البيان، ~~واستنباطاته لأحكامه، تدل على علم ms274 صحيح، وذكاء عجيب، وقوة استنتاج. ولكن حب ~~المعارضة كان يدفعه إلى الإفراط في المخالفة، فما يأمن الزلل بعض الأحيان، ~~مثال ذلك: ~~«فإن قيل: «إنك قلت إن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين؛ أي المفهوم. ~~ونرى من آيات القرآن ما لا يفهم ما تضمنه من المعنى إلا باستنباط وتفسير. ~~وتلك الآيات فصيحة لا محالة، وهذا بخلاف ما ذكرته.» قلت: لأن الآيات التي ~~تستنبط وتحتاج إلى تفسير ليس شيء منها إلا ومفردات ألفاظه كلها ظاهرة ~~واضحة، وإنما التفسير يقع في غموض المعنى من جهة التركيب لا من جهة ألفاظه ~~المفردة؛ لأن معنى المفردة يتداخل في التركيب، ويصير له هيئة تخصه. وهذا ~~ليس قدحا في فصاحة تلك الألفاظ؛ لأنها إذا اعتبرت لفظة لفظة، وجدت كلها ~~فصيحة؛ أي واضحة ظاهرة.» ا.ه. # فهذا القول بين الضعف؛ لأن الغريب في القرآن موجود، وقد صنفت فيه ~~الكتب منذ القرون الإسلامية الأولى، يوم كان الناس يتخاطبون باللغة الفصحى ~~ولا يضيقون ذرعا بالألفاظ الغريبة. فأنى لابن الأثير أن ينكره، وهو في ~~عصر ضعفت لغة أبنائه، وفشت بينهم اللهجات العامية. وهبه كان له من العلم ~~بكلام العرب ما يجعل ألفاظ القرآن كلها بينة مفهومة عنده، أفينبغي له أن ~~ينفي الفصاحة عن الغريب، وهو إضافي بين عصر وعصر، وشخص وآخر؟ وماذا يضير ~~فصاحته إذا لطف لفظه، وحس وقعه، وسهل مساغه كغريب القرآن؟ # إنشاؤه # يختلف إنشاء ضياء الدين في المثل السائر عنه في رسائله، فبينا هو في ~~الرسائل يلتزم السجع والمحسنات البديعية، إذا به في المثل السائر يبتعد ~~عنها كل البعد، فما تمر بسجع أو وشي إلا عرضا، فإنشاؤه فيه، ظاهر الطبعية، ~~سهل العبارة، واضح الأسلوب، بريء من التعقيد والإغراب، غالب عليه الإسهاب، ~~فكأن صاحبه أستاذ يعنى بشرح درسه، وإيضاحه، وتعليله، ليجعله مفهوما، ~~قريبا من الأذهان. # ويمتاز إنشاؤه في صبغة رياضية بينة، يكثر فيها التقسيم الفيثاغوري ~~المتشعب. وكثيرا ما يعمد إلى الأدلة المنطقية لتأييد آرائه، وغلب عليه ~~الجدل، فإما يورد أقوال غيره ثم يقول: «فأقول في الجواب.» ويرد عليها. وإما ~~يلقي السؤال ms275 على نفسه ويجيب عنه. # وشخصية ابن الأثير ظاهرة كل الظهور في إنشائه، تلتقيها كيف سرت، فتراه ~~أبدا يحدثك عن نفسه، وينبه خاطرك إلى آرائه، ويدل عليك بصحة علمه وقوة ~~استنباطه، ويملأ رأسك بكثرة دعاويه، وينفرك بلؤم طبعه وكبريائه، حتى ~~لتحسبه وهو يتكلم على ابتداعاته، نبيا يوحى إليه: «وهداني الله لابتداع ~~أشياء، لم تكن قبلي مبتدعة، ومنحني درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها ~~تابعة، وإنما هي متبعة. ولقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها، ~~وأظفرتني بكنوز جواهرها إذ لم يظفر غيري بأحجارها.» ا.ه. # وإنشاؤه على سهولته ووضوحه وحسن انسجامه لا يعد في الطراز العالي، ~~ولا يجري به مع كبار الكتاب المتقدمين، وربما وقعت له على أشياء لا تخلو ~~من الضعف كقوله: «وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر.» ووجه الكلام أن يكون ~~التوكيد بعد المؤكد. على أن هذه الهنات قليلة عنده لا تكاد تذكر. ~~(5-3) منزلته # قال ابن خلكان: «ولضياء الدين من التصانيف الدالة على غزارة فضله، وتحقيق ~~نبله، كتابه الذي سماه المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر، جمع فيه فأوعى، ~~ولم يترك شيئا يتعلق بفن الكتابة إلا ذكره.» ا.ه. # ولا جرم أن المثل السائر من عيون الكتب التي صنفت في علم البلاغة، وقد نبل ~~فيه صاحبه باتساق أفكاره، وقوة استنباطه، وحسن منطقه وتعليله، على جراءة في ~~النقد والجدل، ولو لم يشنها الصلف لكانت محببة. وقد يستحسن من العلماء ~~الاعتداد بالنفس، ولكن أن يخرج بهم إلى الغرور والكبر، فغير محمود، بل هو ~~ممقوت. وهذا ما أصاب ضياء الدين، فإن الناس كرهوه، والعلماء حملوا عليه، ~~وانتقدوه. وكان في جملة ناقديه ومسفهي أقواله ابن أبي الحديد المدائني. # ولكن من العدل أن نعترف بفضل ابن الأثير، فإنه في مقدمة من أوضح معالم ~~البلاغة وأحكم الكلام على فنون الإنشاء، ورتب فصوله وأنواعه، وبين أصوله ~~وفروعه، ودقق في جمال اللفظ المفرد والمركب، وحلى النقد الأدبي بجراءة لا ~~تعرف هوادة ولا مداراة، ورفع بنيانه على قوة المنطق وبراعة التعليل. ~~••• # إلى هنا انتهت بنا الأعصر العباسية بما فيها ms276 من أدب زاخر، وعلوم زاهرة. وإن ~~في مباحث هذا الكتاب على اجتزائه بأشخاص معدودين، لصورا جلية لأطوار الشعر ~~والنثر وما بلغا إليه من نهضة وارتفاع ثم التواء. وقد حق للأعصر العباسية أن ~~تحمل وحدها مشعل حضارة الإسلام. # | هوامش ms277