######OpenITI# #META# URI: 1300ButrusBustani.UdabaCarabFiJahiliyyaWaSadrIslam.Hindawi48607936 #META# Tags: literary.criticism :: literature #META# ID: 48607936 #META# Title: أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام #META# AuthorID: 84853603 #META# Author: بطرس البستاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # العصر الجاهلي‏ # لمحة تاريخية‏ # الشعر الجاهلي‏ # شعراء الجاهلية‏ # أصحاب المعلقات السبع‏ # سائر الشعراء المشهورين‏ # النثر في الجاهلية‏ # صدر الإسلام‏ # لمحة تاريخية‏ # الشعراء المخضرمون‏ # الشعراء الإسلاميون‏ # ازدهار الشعر السياسي‏ # النثر الإسلامي‏ # العصر الجاهلي‏ # لمحة تاريخية‏ # الشعر الجاهلي‏ # شعراء الجاهلية‏ # أصحاب المعلقات السبع‏ # سائر الشعراء المشهورين‏ # النثر في الجاهلية‏ # صدر الإسلام‏ # لمحة تاريخية‏ # الشعراء المخضرمون‏ # الشعراء الإسلاميون‏ # ازدهار الشعر السياسي‏ # النثر الإسلامي‏ # | أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام # | أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام # | حياتهم، آثارهم، نقد آثارهم # تأليف # بطرس البستاني # | العصر الجاهلي # 500؟-622م # يبتدئ بنهضة الشعر وتنوع أبوابه وبحوره، وينتهي بظهور الإسلام وهجرة رسوله. # | لمحة تاريخية # (1) ديار العرب # إذا قيل ديار العرب تبادرت إلى الذهن خيالات جزيرتهم الصحراوية العارية، مع أنه ~~كان لقوم منهم مواطن في الربوع الشامية والعراقية، إلا أن هذه المواطن - على جمالها ~~وتحضر بعضها - لم تكن إلا غديرا من غدران الجزيرة، وطللا من أطلال البادية. ~~فالجزيرة مهد العروبة الخالصة، وكل عربي صحيح النجار يعتزي إليها، وإن شطت به ~~الدار عنها. # وسميت جزيرة من قبيل التوسع؛ لأن البحر لا يكتنفها إلا من ثلاث نواحيها: من ~~الغرب البحر الأحمر؛ ومن الشرق بحر فارس أو خليج العجم؛ ومن الجنوب المحيط الهندي؛ ~~وأما الشمال فمتصل بأرض الشام والعراق. # والجزيرة خمسة أقسام: الأول: اليمن في الجنوب، ويقال لها الخضراء؛ لما فيها من ~~المزارع والأشجار والمراعي والمياه، وهي خمسة أصقاع: حضرموت، ومهرة، ~~والشحر، وعمان، ونجران، ومدنها الشهيرة: صنعاء، وكانت سرير ملوك اليمن، ~~وفيها قصر غمدان؛ ومأرب، ويقال لها سبأ، وفيها العرم؛ وزبيد، وعدن، ~~وظفار قاعدة بلاد الشحر. # والقسم الثاني: العروض، وتشمل البحرين واليمامة، سميت كذلك لاعتراضها بين ~~اليمن ونجد. # والقسم الثالث: تهامة، على شاطئ البحر الأحمر، بين اليمن والحجاز، وفيها طريق ~~القوافل إلى الشام، ومن مدنها مكة، وفيها البيت، والكعبة، وغار حراء. # والقسم الرابع: الحجاز، بين نجد وتهامة، أشهر مدنه يثرب (مدينة الرسول)، والطائف، ~~وخيبر، وفيه سوق عكاظ، وماء بدر. # والقسم الخامس: نجد، بين العراق شرقا، وبادية الشام شمالا، والحجاز غربا، ~~واليمامة جنوبا: صقع ms001 مرتفع ، طيب الهواء، يلهج بذكره الشعراء، وفيه أرض العالية ~~التي كان يحميها كليب. # وفي الجزيرة جبال وأودية، وصحراوات، وحرات. فمن جبالها أجأ وسلمى، في جنوبي ~~بادية السماوة، وهما منازل لبني طيئ؛ ورضوى بالقرب من ينبع، وأحد في ~~شمالي يثرب، وأبو قبيس في شرقي مكة، وأبان الأبيض في شمالي وادي الرمة. ومن ~~أوديتها وادي القرى بالقرب من يثرب، ووادي الرمة بعالية نجد، ومن صحراواتها ~~بادية السماوة، رمال وعس شاقة السير، قليلة الماء والكلأ؛ والدهناء، سبعة ~~أجبل من الرمل بين يبرين وفيد، # 1 # كثيرة الكلأ على قلة ماء. قال ياقوت: «إذا أخصبت الدهناء، ربعت العرب ~~جمعاء.» ورمال الأحقاف بأرض اليمن بين عمان وحضرموت، ومن حراتها: حرة سليم في ~~عالية نجد، وحرة واقم شرقي يثرب، وفيها كان يوم الحرة في خلافة يزيد بن ~~معاوية. # وهواء الجزيرة يختلف باختلاف ارتفاعها وانبساطها؛ ففي الجبال وعلى شاطئ البحر ~~الجنوبي ينسم معتدلا؛ وفي السهول يلفح حارا؛ وتهب ريح محرقة من الجنوب والغرب ~~تعرف بالسموم. # ويهطل المطر شرقي اليمن في أوانه، وشماليها من حزيران إلى تشرين الثاني، وتكثر ~~الأمطار في حضرموت أيام الربيع، وأما الأقاليم الشمالية فقليلة المطر، قليلة ~~المياه، لا تنبت العشب ولا الشجر إلا في بعض الأماكن، وأكثر شجرها شائك لظمئه إلى ~~الماء، ويشتد البرد إذا احتبس المطر، وثارت الريح من ناحية الشآم، # 2 # ريح الشمال، فإذا أقلعت خف القر، وسال الوادي، فتفيض الغدران، ~~وتبشر الأرض الصالحة بربيع قريب. ~~(1-1) مراجع # ياقوت: معجم البلدان. # الألوسي: بلوغ الأرب. # نوفل الطرابلسي: صناجة الطرب. # Henri Lammens. Le berceau de ~~l’lslam ~~. ~~(2) الجيل العربي # يرى جمهرة المؤرخين أن الشعوب السامية، أي التي تحدرت من سام بن نوح، هم: ~~الأشوريون والبابليون والعبرانيون والفينيقيون والآراميون والحبشان ~~والعرب. # 3 # ويقال إن هذه الشعوب كانت في عهدها الأول تستوطن أرضا واحدة، اختلف ~~المؤرخون فيها، فزعم بعضهم أنها شطوط الفرات، وآخرون أنها بادية العرب، وقال غيرهم ~~إنها أرمينية، ومنهم من رأى أنها الحبش. فلما تكاثروا وضاقت بهم أرضهم، شتت ~~الدهر شملهم فتفرقوا وتشعبوا، وتفرعت لغتهم إلى ms002 لهجات مختلفة باختلاف الديار ~~والأمصار. # واتخذ العرب أرض الجزيرة موطنا لهم يعيشون فيها بدوا يألفون الخيام، وحضرا ~~يعمرون المدائن والقرى؛ وكان معظم البدو في الشمال، ومعظم الحضر في الجنوب، ومنهم ~~من نزل بأطراف الشام والعراق. ويقسم العرب إلى بائدة وعرباء # 4 # ومستعربة؛ فأما البائدة فأصلها مجهول، وأما العرباء فهي القحطانية، ~~وأما المستعربة فهي العدنانية. ~~(2-1) العرب البائدة # المراد بالعرب البائدة القبائل التي محتها الحروب كطسم وجديس، أو أهلكها ~~الله بغضب منه كعاد وثمود. ولا نعلم عن هذه القبائل إلا أخبارا موجزة ذكرها ~~القرآن، وأساطير مستملحة وشاها الرواة: منها أن طسما كانت تسكن البحرين، وأن ~~جديسا كانت تسكن اليمامة، وكان على طسم ملك غاشم يقال له عملاق، فغلب على ~~جديس، واستبد بها، وهتك حرمة نسائها. فثارت جديس على طسم، وبطشت بها وهي ~~غافلة في وليمة أهدتها إليها، ونجا طسمي فلجأ إلى اليمن واستغاث تبع حسان، ~~فأمده بجيش من قحطان فأفنى جديسا. # ومنها أن عادا كانت تسكن حضرموت، فبغت في الأرض وعبدت الأصنام؛ فبعث الله ~~إليهم نبيا اسمه هود ليصلح فسادهم، فكذبوه، فدعا عليهم، فاحتبس المطر عنهم ~~ثلاث سنوات، وأمحلت الأرض، فأوفدوا إلى مكة نفرا يستسقون لهم، فأرسل الله ~~عليهم ريحا عاتية فلم تبق منهم أحدا. # ومنها أن ثمود كانت تسكن الحجر من وادي القرى، فسخرت بنبيها صالح، وأبت أن ~~تطيعه أو يصنع لها معجزة. فأخرج من الصخر ناقة وفصيلها، وأوصاهم ألا يمسوها ~~بسوء، فاجترأ أحدهم - قدار الأحمر - وعقرها؛ فغضب الله على ثمود كما غضب على ~~عاد، فأبادهم بالزلزال، وضرب المثل بشؤم عاقر الناقة؛ أحمر ثمود. # ولم تخل أساطير العرب البائدة من الشعر، ولكنه منحول وضعه الرواة تزيينا ~~لأقاصيصهم فما يصح التعويل عليه. ~~(2-2) العرب القحطانية # نزلت العرب القحطانية في الجنوب، واتخذت اليمن موطنا لها. وقيل إن أول من ~~نزلها يعرب بن قحطان وأولاده، وتزعم الرواية العربية أنه أول من نطق باللسان ~~العربي، وأول من جعلت له التحايا الملوكية. قال حسان بن ثابت: # تعلمتم من منطق الشيخ يعرب # أبينا، فصرتم معربين ذوي ms003 نفر # 5 # وكنتم قديما ما لكم غير عجمة # كلام. وكنتم كالبهائم في القفر # واشتهر بعد يعرب حفيده عبد شمس سبأ، مؤسس المملكة السبئية، وباني السد ~~العظيم # 6 # على بضعة أميال من قاعدتها مأرب توفيرا للري، وصيانة للمدينة من ~~الغرق؛ لأن النهر الذي يجري بقربها يجف ماؤه في الصيف، فيخشى على الزرع، ~~ويطغى سيله في الشتاء فيخشى منه الفيضان. # وكانت أرض سبأ طيبة الترب، خصبة العشب، فنمت زراعتها، وأثمرت غلالها، وزادها ~~الله خيرا بإحياء تجارتها، فكانت السفن تقل حمولة الهند إلى حضرموت، ومنها ~~إلى مصر، منذ القرن العاشر قبل المسيح. وكانت الملاحة في البحر الأحمر عسيرة ~~شاقة، فعدل عنها إلى البر، وتعهدت القوافل حمل بضائع الهند وحضرموت إلى مأرب ~~فمكة، ففلسطين فمصر. # على أن هذا اليسر أخذ يتبدل عسرا منذ القرن الأول للميلاد؛ إذ تحولت ~~التجارة الهندية عن طريق البر في اليمن إلى البحر الأحمر بتقدم الملاحة ~~الرومانية واتساع نطاقها. فساءت أحوال السبئيين، واضطربت جماعتهم فنفروا إلى ~~الشمال يلتمسون فيه موطنا جديدا لهم، فأوحشت مرابعهم، وضعفت شوكتهم. ثم كان ~~انفجار السد # 7 # ففاضت المياه على مأرب، فأزعجت عنها السكان، وقضت على دولة ~~السبئيين، فتمزقوا أشتاتا، وضرب بهم المثل فقيل: «تفرقوا أيدي سبا.» ~~وغلبت عليهم دولة الحميريين. # والحميريون شعب من ذراري السبئيين # 8 # اتسع سلطانهم فجاوز اليمن، وانبسط على عرب الشمال، وكانت عاصمتهم ~~صنعاء، وملوكهم يلقبون بالتبابعة، أولهم الحارث الرائش، وعرف بعضهم ~~بالأذواء. # 9 # وفيهم ملوك صغار يسمون بالأقيال، يسيطرون في مخاليفهم أو ~~إقطاعاتهم، ويعودون بشئونهم العامة إلى تبع الملك الأكبر. # وكان من أثر هجرة القحطانيين إلى الشمال أن ضعفت شوكة اليمن، كما ذكرنا، ~~فطمعت فيها الحبشان، فوالت عليها الغارات البحرية، يشد ساعدها قيصر الروم، ~~فافتتحت بعض بلادها سنة 356، وجعلت عليها الولاة المسيحيين، فتداولوا الملك ~~فيها، حتى قام ذو نواس في أواخر القرن الخامس للميلاد، # 10 # وكان يهوديا من أعقاب التبابعة، فتعصب لدينه واضطهد النصارى. ~~وحدث أن قتل طفلان يهوديان في نجران واتهم النصارى بقتلهما، فسخط ذو نواس ~~عليهم، وخيرهم بين اليهودية ms004 والقتل، فأبوا أن يتهودوا، فأعمل السيف فيهم، ~~وقيل: إنهم هم أهل الأخدود الذين أخبر عنهم القرآن، أضرمت عليهم النار فكانوا ~~لها وقودا. # ولا شيء يدل على أن ذا نواس استطاع أن يستأصل شأفة النصارى، ولكن نعلم أن ~~جماعة منهم فزعوا إلى يوستين الأول - قيصر الروم - يستغيثونه، فكتب إلى النجاشي ~~هيلستيوس أو الأصبح - وكان من غلاة النصارى - بأن ينوب عنه في غزو اليمن، ~~والإثئار لقتلى نجران، فأغزاها قائده أرياط بسبعين ألفا من الحبشان، فانهزم ~~أمامهم ذو نواس، وخاض البحر بفرسه، فلم يظهر له أثر. وصارت اليمن إمارة حبشية ~~في نحو سنة 525م، تولاها أرياط ثم أبرهة الأشرم من بعده. # وفي نحو سنة 570م سار أبرهة بجيشه إلى مكة يريد هدم البيت الحرام، فدهاهم ~~وباء الجدري، وسرى فيهم يفتك فتكا ذريعا، ولم يسلم منه أبرهة، فارتد عن ~~الكعبة بمن نجا من جيشه، ومات في صنعاء. وتعرف غزوة أبرهة بعام الفيل؛ لأن ~~الرواية العربية تقول إنه جاء مكة راكبا على الفيل. # وظل الحبش مستولين على اليمن حتى قام سيف ذو يزن سنة 575م يعمل لتحرير بلاده، ~~واسترجاع ملك آبائه، فاستنجد كسرى، فأمده بجيش من أهل السجون، يقودهم وهرز ~~الديلمي، وكان على اليمن مسروق بن أبرهة، فانكشفت الحبشان وقتل مسروق، وملك ~~ذو يزن، أو خلفه ابنه معدي كرب، وهو آخر ملوك اليمن من القحطانيين. ثم ثار على ~~معدي كرب عبيده الأحابش فقتلوه، فاستولت الفرس على اليمن سنة 597م، وجعلتها ~~بعض ولاياتها، فلم يتحقق لها استقلال حتى ظهر الإسلام. # وفي أساطير العرب القحطانية وأخبارهم شعر موضوع لا يصح الركون إليه؛ لأنه ~~جاءنا باللغة العدنانية، ولم تكن يومئذ لغة أهل اليمن، بل كانت الحميرية لغتهم، ~~وبينها وبين لسان عدنان اختلاف عظيم. ~~(2-3) اليمانية المهاجرة # تفرقت القبائل القحطانية في وسط الجزيرة وشمالها بعدما نبت بها اليمن. فمنها ~~من سكن البادية وعاش فيها عيشة الأعراب الجفاة؛ ومنها من نزل القرى وأطراف ~~الشام والعراق. وكان الذين هاجروا من حمير قبائل قضاعة، فاستوطنت تنوخ العراق، ~~وكلب بادية الشام، وعذرة وادي ms005 القرى في الحجاز. وكان الذين هاجروا من كهلان ~~قبائل الأزد فنزلوا عمان. ومنهم الغساسنة في الشام، وخزاعة بمكة، والأوس ~~والخزرج بيثرب. ومن كهلان بنو لخم ملوك العراق، ومنهم المناذرة، وبنو طيئ في ~~جبلي أجأ وسلمى، وبنو عاملة وبنو جذام في بادية الشام، وبنو كندة، وكانوا ~~أقيالا في حضرموت يخضعون للتبابعة، فاتسع سلطانهم إلى الأنحاء الشمالية، ~~فسادوا قبائل غطفان وأسد في نجد، وقبائل بكر وتغلب في ديار ربيعة، حتى بلغ ~~الأمر بأحد ملوكهم الحارث بن عمرو أن ينافس المناذرة والغساسنة، وأغار مرة على ~~الحيرة فشرد ملكها المنذر الثالث ابن ماء السماء. فلما عاد المنذر إلى ملكه، ~~أوقع بالكنديين، فأخذ منهم نحو خمسين أميرا وذبحهم بجفر الأملاك في ديار بني ~~مرينا بين دير هند والكوفة، وفيهم يقول امرؤ القيس: # ألا يا عين بكي لي شنينا # وبكي لي الملوك الذاهبينا # 11 # ثم قتل الحارث في أرض بني كلب، وقتل بعده ابنه حجر والد امرئ القيس ~~الشاعر. فتحلحل بناء كندة منذ اليوم، وكر بعضهم إلى مواطنه الأولى في ~~حضرموت. # وكانت اللغة العدنانية صاحبة السلطان على القبائل القحطانية المهاجرة إلى ~~الشمال؛ ذلك بأنها لغة البلاد التي استوطنوها، فاصطلحوا عليها في أدبهم، ونظموا ~~بها شعرهم، ونبغ منهم شعراء مجيدون، هدهدوا البادية بأنغامهم، وتبوءوا سدة ~~الرئاسة بشاعرهم امرئ القيس أمير بني كندة. ~~(2-4) ملوك العراق # كان العراق في أوائل القرن الثالث للميلاد يضم إليه شعوبا من القبائل ~~اليمانية المهاجرة عرفوا جميعا بالتنوخيين، على ما فيهم من قبائل لخمية وأزدية ~~وأخرى عدنانية. فعاش منهم جماعة عيشة البدو، دأبهم الغزو وشن الغارات، وانصرف ~~آخرون إلى حرث الأرض وعمارتها، فأنشئت المزارع والقرى، ومصرت الحيرة # 12 # قاعدة الإمارة اللخمية التي أقامها الفرس وقاية لحدودهم، وسدا ~~يدفعون به غارات الروم وعمالهم الغساسنة، وأقطعوها اليمانية، كما أقطع الروم ~~إمارة الشام، لما لقبائل اليمن من حضارة قديمة، ويد سابقة في إدارة الملك ~~وسياسة الرعية. # وكان أول أمير من اللخميين عمرو بن عدي، ولي الملك من قبل سابور الأول في نحو ~~منتصف القرن الثالث، ثم ms006 تداول الملك خلفاؤه، وتقدمت الحيرة في عهدهم تقدما ~~بينا، فأنشئت فيها المدارس الفارسية، فنالت قسطا من الثقافة، وشاعت بها ~~الكتابة العربية، ولا سيما عند القبائل النصرانية التي كانت تعرف بالعباد، ~~لعبادتها الله. وفتح الأمراء أبواب قصورهم لشعراء البادية، منافسين أعداءهم ~~الأمراء الغسانيين، متوسلين بالشعر إلى بسط نفوذهم على القبائل العربية ~~ليستعينوا بها في حروبهم، ويستفيدوا منها في حياتهم الاقتصادية. فكان عبيد بن ~~الأبرص يفد على المنذر الثالث صاحب الغريين، # 13 # وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة وطرفة والمتلمس والمثقب ~~العبدي يفدون على عمرو بن هند، # 14 # والنابغة والمنخل اليشكري ولبيد وحسان بن ثابت والربيع بن زياد ~~... وسواهم، يفدون على النعمان الثالث أبي قابوس. ونبغ في زمن النعمان هذا شاعر ~~الحيرة الأوحد عدي بن زيد النصراني. # وكان ملوك الحيرة وثنيين، مع انتشار النصرانية في العراق، ومنهم من كان ~~مزدكيا كالمنذر الثالث، ويزعم بعضهم أنه تنصر، وليس هذا بثابت، وربما ~~تنصر غيره من أمراء الحيرة. # وتضعضع ملك المناذرة بعد النعمان أبي قابوس، # 15 # وصارت ولاية الحيرة إلى إياس بن قبيصة الطائي. ثم تولاها الفرس ~~حتى جاء الإسلام وافتتحها خالد بن الوليد سنة 633م. ~~(2-5) ملوك الشام # هاجرت القبائل اليمانية إلى أطراف الشام، كما هاجرت إلى أطراف العراق، واتخذ ~~القياصرة منها عمالا لحماية الحدود؛ كما اتخذ منها الأكاسرة. فكان الضجاعم من ~~بني سليح يلون البلقاء في عبر الأردن، ويرجعون بأمورهم إلى ملك الروم، حتى ~~جاء الغساسنة بنو جفنة، فزاحموهم في عقر دارهم وأزعجوهم عنها في أواخر القرن ~~الخامس، واستولوا على البلقاء وما يليها من الأردن وحوران وغوطة دمشق. ولم يجد ~~العاهل البيزنطي بأسا في استعمال الغسانيين بدلا من الضجاعمة، فأقطعهم تلك ~~البلاد، ومنح أمراءهم الألقاب السنية، وألبسهم الأكاليل والتيجان. # واختلف في أول من ملك منهم ~~لغموض تاريخهم، فقيل إنه جفنة بن عمرو، وقيل بل هو ثعلبة بن عمرو بن جفنة، ~~وجارى نيكلسون ابن قتيبة فجعله الحارث بن عمرو. أما نولدكه - وهو أوثق من ~~يعتمد عليه في تاريخ الغساسنة - فيرجح أنه أبو شمر جبلة ms007 بن الحارث بن ثعلبة. ~~بيد أن أول أمير اشتهر منهم واتسع سلطانه هو الحارث بن جبلة المعروف ~~بالحارث الأكبر صاحب الغزوات المظفرة، والألقاب الرفيعة. # 16 # وخلفه ابنه المنذر فحارب اللخميين، وقهر ملكهم قابوس بن المنذر سنة ~~570، يوم عين أباغ # 17 # قرب الحيرة، وزار عاصمة الروم سنة 580م، وعليها طيباريوس، فتوج ~~فيها. إلا أن القيصر لم يلبث أن سخط عليه، فأمر باعتقاله، وجاء به إلى ~~القسطنطينية في أواخر سنة 581م، # 18 # ومنع عن أبنائه الجعالة السنوية، فثاروا في الشام، وشنوا ~~الغارات على الأراضي البيزنطية، فطاردتهم جيوش الروم، وأسرت النعمان أخاهم ~~الأكبر، فمال عرش الغساسنة إلى الضعف، وانفصلت عنه عدة إمارات، حتى إذا استولى ~~الفرس على ديار الشام هوى العرش، وذابت الإمارات، وخضع أكثر أصحابها للفاتحين. ~~على أنه عاد للغساسنة شيء من ملكهم بعدما طرد هرقل الفرس من سورية وفلسطين سنة ~~628، فإن مؤرخي العرب يجمعون على أن جبلة بن الأيهم آخر من ملك من بني جفنة، ~~وأنه كان في مقدمة جيش الروم يوم اليرموك سنة 636 ثم انحاز إلى الأنصار وقال ~~لهم: «أنتم إخوتنا وبنو أبينا.» وأظهر الإسلام ثم ارتد وخرج إلى بلاد ~~الروم. # 19 # ويروون عن إسلامه وارتداده أخبارا مختلفة لا تخلو من ~~الاصطناع. # وكان للغساسنة قسط من الحضارة لا ينبغي إنكاره لتأثرهم بحضارة البيزنطيين، ~~ولم تكن دولتهم بدوية خالصة، لا عاصمة لها، كما زعم بعض المستشرقين، بل كان لهم ~~مستقر في جابية الجولان حينا، وفي جلق # 20 # آخر، وربما كانت بصرى من قواعدهم. ويضيف إليهم مؤرخو العرب بناء ~~القصور العالية، والبنايات العامة؛ فمهما يكن في أقوالهم من الغلو، فهي أقرب ~~إلى الدلالة على الترف والعمران منها على البداوة والخشونة. وفي بائية النابغة ~~التي يمدح بها أبناء جفنة وصف لملابسهم وحفلاتهم الدينية يدل على نعمتهم ~~وتقدمهم في الحضارة، ويذهب المستشرق نيكلسون إلى أن مدينة الغساسنة كانت أوثق ~~من مدينة اللخميين. # ووفد شعراء البادية على قصورهم، كما وفدوا على قصور ملوك العراق، ومدحوهم ~~بأحاسن الأشعار، فرجعوا من عندهم بأحاسن الصلات، وأشهر مداحيهم: ms008 علقمة الفحل، ~~والنابغة، وحسان بن ثابت. # وكان الغساسنة يدينون بالنصرانية، على مذهب اليعقوبية المبتدعة، فأسخطوا ~~عليهم - غير مرة - قياصرة الروم الكاثوليكيين، ولكن حاجة هؤلاء إليهم كانت ~~تحملهم على أخذهم بالحسنى والتساهل. وربما كانت عقيدتهم المخالفة من أسباب سقوط ~~بعض ملوكهم، كما سقط المنذر بن الحارث بعدما أمر القيصر باعتقاله ونفيه. ~~(2-6) العرب العدنانية المستعربة # يعود المؤرخون بنسب العرب العدنانية إلى إسماعيل بن إبراهيم من جاريته ~~هاجر، ويروون على ذلك أنه لما ولد إسماعيل أمر الله إبراهيم أن يذهب به وبأمه ~~إلى مكة، ففعل. وجاءت جرهم وقطوراء، وهما قبيلتان من اليمن، فنزلوا مكة، ~~فتزوج إسماعيل من جرهم، وكان من ذريته عدنان أبو العرب المستعربة، ومن عدنان ~~كانت القبائل النزارية بشعبيها الكبيرين ربيعة ومضر. ولا تخلو سلسلة الأنساب ~~- كما يرتبها النسابون متحدرة من عدنان إلى معد، إلى نزار، إلى ربيعة ومضر، ~~إلى البطون والأفخاذ المتفرعة - من وهم واختلاط. # وكان الشمال موطن العرب العدنانية، كما كان الجنوب موطن العرب القحطانية، ~~وهذا لا يعني أن الشمال استأثر بالعدنانية وحدها، ولا أن العدنانية لم يتخذ ~~بعض قبائلها موطنه في الجنوب، أو في أطراف الشام والعراق. # وغلبت البداوة الخشنة وسكنى الخيام على عرب الشمال، فكان العدنانيون في ~~كثرتهم بدوا رحلا لا يأنسون بقرية، ولا يتفيئون ظلا معمورا إلا أقلهم ~~كبني قريش في مكة، وبني ثقيف في الطائف. # على أن هؤلاء البدو الجفاة هم الذين أنبتوا فحول الشعراء، وجاءنا عنهم الشعر ~~الكثير. ~~(2-7) مراجع # المسعودي: مروج الذهب 1. # البلاذري: فتوح البلدان. # الألوسي: بلوغ الأرب 1-2-3. # نولدكه: أمراء غسان، الترجمة العربية، زريق وجوزي. # أحمد أمين: فجر الإسلام. # الأصفهاني: الأغاني. # ابن عبد ربه: العقد الفريد 3. # نيكلسون: تاريخ الأدب العربي. # الطبري: تاريخ الأمم والملوك. # ابن رشيق: العمدة. # الأب شيخو: النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية. ~~(3) أحوال العرب الاجتماعية # عرف الشعر الجاهلي بأنه ديوان العرب؛ لاشتماله على أخبارهم، وسائر أحوالهم، ~~فجدير بنا، ونحن نمهد لهذا الشعر بلمحة تاريخية، أن نلم بأخلاقهم وصفاتهم، ~~وما لهم من عادات وعقائد ونظم وعلوم؛ وإن الإلمام بهذه الشئون ms009 لمما يساعد على ~~دراسة شعرهم واستجلاء مراميه. ~~(3-1) شخصية العربي # للعربي شخصية قوية تظهر بأنانيته، ونزوعه إلى الحرية والاستقلال، وحبه الخير ~~لنفسه دون غيره، والاستئثار بالجاه والذكر الحسن وحميد الصفات. وتظهر في جلده ~~وصبره على الفقر والجوع والظمأ ومغالبة الطبيعة في صحرائه العاتية، تلك الصحراء ~~التي لفحته بحرها فتركته أسمر اللون يابس الجلد خفيف اللحم، أسود العينين ~~والشعر؛ واستولت على إحساسه بوحشتها، فجعلته حديد السمع والبصر، سريع التأثر، ~~متوتر الأعصاب، مذعنا للقضاء والقدر؛ وعلمته بقحطها الغزو والترحل في طلب ~~الماء والكلأ؛ وصيرته كريما مقداما يقري الضيوف ويلتقي الأهوال، ويمنع الجار ~~ويغيث الملهوف، لتعرضه في ترحاله إلى أن ينزل ضيفا على غيره؛ وفي مخاوفه إلى ~~أن يستغيث قوما يجيرونه، ويدفعون الضر عنه، حتى أصبح حب القرى وحسن الجوار ~~من طبائعه، يفاخر بهما، ويرى من العار عليه ألا يكرم الضيف ويحامي عن ~~الجار. ~~(3-2) القبيلة # كانت عرب البادية تعيش قبائل متقاطعة، لا يجتمع بعضها إلى بعض إلا في حلف ~~موقوت. فلم يستطيعوا في صحرائهم، وما يقتضي لها من حياة قبلية، أن ينشئوا ~~مجتمعا راقيا، وقومية شاملة، ودولة موحدة، ولم تبتعد عصبيتهم عن القبيلة، وإن ~~فاخروا بجنسهم واعتدوا به على سائر الأمم. # وبين الفرد والقبيلة صلة مكينة تجعل الفرد بجميعه للقبيلة، والقبيلة بجميعها ~~للفرد. فإذا نزل عار بالقبيلة أصاب كل شخص منها، وإذا نبه ذكر شخص عاد فخره إلى ~~القبيلة بأسرها، وتتحمل القبيلة جناية أخيها، وتنصره ظالما أو ~~مظلوما. # 21 ~~(3-3) السيد # والعرب في استقلالهم القبلي ينكرون سيطرة الغريب عليهم، ولا يقبلونها إلا ~~على كره، حتى إذا أصابوا فرصة، انتقضوا عليه وأزالوه، كما انتقضت بنو أسد على ~~الملك الكندي، وعمرو بن كلثوم على عمرو بن هند. ولكنهم يذعنون لسيد منهم، إذا ~~رأوا في سيادته خيرا لهم، فكان لكل قبيلة سيدها يجمع شملها ويقودها في الملم ~~العصيب. # ولا تستقر السيادة في بيت واحد لأنانية العربي، ونزوعه إلى ~~المنافسة، # 22 # فكانت تنتقل في القبيلة من بيت إلى آخر، # 23 # وقلما تعددت في بيت واحد؛ فكان ms010 تعددها من مفاخرهم. وأشرف البيوت ~~عندهم بيت تتابعت فيه رئاسة آباء ثلاثة، ثم اتصلت بالرابع، فيسمى الكامل، كبيت ~~حذيفة بن بدر في بني ذبيان، وبيت ذي الجدين في بني شيبان. # والبدوي في عنجهيته وحبه للرئاسة لا يخضع لمساو له، وإنما يخضع لمن هو ~~أقوى منه، وينبغي أن يتحلى الرئيس بصفات محمودة عندهم، لتحق له السيادة في ~~قبيلته، وأجل هذه الصفات: الغنى والكرم والحلم والشجاعة والفصاحة. وإذا ~~قالوا: سيد معمم، أرادوا أن كل جناية في العشيرة معصوبة برأسه. قال ~~دريد بن الصمة: # عاري الأشاجع معصوب بلمته # أمر الزعامة في عرنينه شمم # 24 # على أن هذه الصفات يندر أن تجتمع كلها في سيد واحد، بل يندر أن يخلو ~~الرؤساء من عيوب الرئاسة. # 25 ~~(3-4) المرأة # تغلب صفرة اللون على النساء العربيات، وتستحسن فيهن إذا كانت ضاربة إلى ~~البياض، # 26 # ويوصفن بسواد الشعر والعينين، واعتدال القامة، ورقة الخصر، وثقل ~~الأوراك. والبدوي ينظر إلى المرأة كأداة للذة والنسل يريد منها أن تلد له ~~غلمانا ينافس بهم غيره من الناس. والمنافسة بكثرة البنين من عاداتهم؛ لأن ~~الصبي يرجى للذود عن الحمى، وإحياء الذكر، وبه يتسلسل النسب. فكانوا يكرهون ~~ولادة البنت، وربما تشاءموا بها فوأدوها، وعرف الوأد في قبائل العرب قاطبة، ~~بيد أنه لم يكن شاملا، فإذا استعمله واحد تركه عشرة، حتى جاء الإسلام ~~فأبطله. # 27 # وكان يهمهم تزويج الحرة البيضاء؛ لأنها عرضة للسبي، فإذا صارت في كنف زوج، ~~وضمها حماه كانت غلا في عنقه. وقد تخير في أمر زواجها، إذا كانت فطنة ~~رشيدة، كما خيرت الخنساء في دريد بن الصمة. # والبدو يتزوجون صغارا لطبيعة أرضهم، ولرغبتهم في البنين. فالفتى يتزوج في ~~الخامسة عشرة، والفتاة في العاشرة. وكانوا يرغبون في زواج البعداء؛ ليتألفوا ~~أعداءهم بالمصاهرة، ويكثروا الأحلاف، وهم إلى ذلك يعتقدون أنه أنجب للولد ~~وأبهى للخلقة، ويجتنبون زواج الأهل والأقارب، ويرونه مضرا بخلق الولد ~~ونجابته. # ويخطب الرجل إلى الآخر ابنته، ~~فيصدقها ثم يعقد له عليها. وله أن يعدد الزوجات مقدار طاقته، إلا إذا ~~اشترطت المرأة عدم ms011 التعدد، وتعاقدا عليه. # وكانوا لا يجمعون في الزواج ~~بين الأختين، ولا بين المرأة وابنتها، ولكنهم استحلوا زواج امرأة الأب، ~~فأبطله الإسلام، وسماه زواج المقت لأنه ممقوت. # وربما تزوج بعضهم نساء بعض في غاراتهم ~~بلا عقد، أو ذهبت المرأة إلى عدة رجال، فيأتي الولد لا يدري من أبوه، فتلحقه ~~أمه بمن تريد من الرجال الذين عرفتهم ، ولا يرفضه الرجل إذا كان ذكرا؛ أو ~~يلجئون إلى القيافة ويلحقونه بأقربهم إليه شبها. # ويفاخرون بالولد إذا كانت أمه حرة بيضاء زاكية الأصل، # 28 # ويسمونها أم البنين، ويفاخرون بالأخوال، ويشبهون الأولاد بهم دلالة ~~على النسب الحر، أما الأمة فتكون على الغالب سوداء، ولا يعترف بأبنائها إلا ~~بعد أن تظهر نجابتهم، كما اعترف شداد العبسي بعنترة، وكما قال عمرو بن شأس في ~~ولده عرار: # وإن عرارا إن يكن غير واضح # فإني أحب الجون ذا المنكب العمم # 29 # وللزوج عندهم حق الطلاق دون المرأة، ~~إلا إذا اشترطته في عقد الزواج، ولا يحق للزوج أن يسترجع امرأته بعد تطليقها ~~ثلاثا، ولكنه يسترجعها بعد تطليقها مرة أو مرتين. وإذا كانت المرأة في بيت من ~~شعر، وأرادت الطلاق، حولت بابه إلى الجهة المقابلة، فيعلم زوجها أنها طلقته، ~~فلا يدخل الخباء، شأن حاتم الطائي عندما طلقته زوجه ماوية. # وإذا مات الزوج تربصت سنة معتدة # 30 # لا تخرج من بيتها، ولا تمس ماء، ولا تقلم ظفرا، حتى إذا ~~استكملت عدتها خرجت بأقبح منظر وأقذره، والعدة للمرأة انتظار ليعلم فيها ~~وجود الولد وعدمه. # ونساء العرب يصحبن رجالهن إلى الحرب، فيحضضنهم على الصبر في مواقف القتال، ~~ويمنعنهم أن يلوذوا بالفرار، ويداوين الجرحى، ويحملن قرب الماء، ويقتن ~~الخيول، قال عمرو بن كلثوم: # يقتن جيادنا ويقلن لستم # بعولتنا إذا لم تمنعونا # ولهن حق الجوار كما للرجال، وعلى الرجل أن يحمي جار امرأته وأخته وأمه ~~وجارته كما يحمي جاره. # وعرف منهن غير واحدة بالشجاعة، والفصاحة والشعر، وحسن الرأي والحكمة ~~والعرافة. على أنهن مضعوفات في الجملة، يحتقر الرجال مكانهن، ويتشاءمون ~~بولادتهن، ويسيئون الظن بأخلاقهن، فينعتونهن بالكيد والمكر والخيانة ms012 ~~والخداع. ~~(3-5) غزواتهم # كان للعرب حروب كثيرة، أو هي ~~غزوات غير منظمة، يجعلون من أيامها مادة لفخرهم وإخزاء أعدائهم. وكثيرا ما ~~كانت تقع من أجل النهب والسلب، أو مزاحمة على الماء والكلأ؛ ومنها ما كان يحدث ~~لأسباب تافهة تعظمها عنجهية البدوي كحرب البسوس التي نشبت لمقتل ناقة، وكان ~~الدافع إليها الحفاظ على الجوار؛ وحرب داحس والغبراء التي أفضى إليها التنافس ~~في الرهان بين سيدي القبيلتين، وقلما وقعت حرب لدفع عدو غريب كحرب ذي قار بين ~~الفرس وبني بكر، وحروب اليمن والأحابش، وإنما كانت حروبهم في الغالب داخلية ~~قبلية، وإذا خرجوا بها عن شبه جزيرتهم فإلى تخوم العراق والشام ليتقاتلوا في ~~سبيل كسرى وقيصر. # وهذه الحروب - على كثرتها - لم تكن تفجع البدو بالعدد الجم من الضحايا؛ لأن ~~معظمها قائم على النهب والفرار بالغنيمة، حتى إن حرب البسوس التي تعاود القتال ~~فيها بنو بكر وبنو تغلب أربعين سنة لم يقتل بها سوى قليل من الرجال. فقد كان ~~البدوي يتحامى القتل جهده؛ لأن تقاليدهم تقضي بأخذ الثأر أو دفع الديات ~~الثقيلة، وربما لا تغسل الديات الأحقاد؛ لما في قبولها وترك الدم من غضاضة، ثم ~~لاعتقادهم أنه إذا قتل الرجل، ولم يدرك بثأره، خرج من رأسه طائر يشبه البوم ~~يسمونه الهامة والصدى، فلا يزال يصيح: اسقوني اسقوني! حتى يقتل القاتل أو أحد ~~أقاربه. قال ذو الإصبع العدواني: # يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي # أضربك حتى تقول الهامة اسقوني! # فشريعة أخذ الثأر - كما يسميها الأب لامنس # 31 ~~- خففت حوادث القتل؛ إذ جعلت الدم يدعو الدم، وفرضت على الموتور أن ~~يحرم على نفسه أحب الأشياء إليه كالنساء والخمر والعسل والطيب. لا تحل له ~~أو يأخذ بثأره. # ولم تكن جيوشهم منظمة بل أشتاتا يقودها سيد القبيلة، ويقوم على رأس كل فصيلة ~~قائد يقال له المنكب، يأمر على خمسة عرفاء، والعريف يأمر على نفير # 32 # من الرجال، ومن عادة القبيلة أن تشترك كلها في الحرب للدفاع عن ~~المال والنساء والأولاد، والبدوي لا يصبر في القتال إلا إذا خشي ms013 أن يستولي ~~العدو على أهله وماله وولده. أما إذا غزا فإنما هو يطلب الغنيمة، فإن فاتته طلب ~~الهرب، ولذلك كان الفر في حروبهم ملازما للكر، وقلما عرفوا قتال الزحف ~~والثبات، ولا يستحيي أشد فرسانهم بطشا أن يحدثنا عن فراره، قال عمرو بن ~~معدي كرب: # ولقد أجمع رجلي بها # حذر الموت وإني لفرور # 33 # وكان سلاحهم السيف والرمح والقوس والمجن، ويلبس فرسانهم الدروع والمغافر. ~~وكانوا يرفعون الرايات، وربما اتخذوها من عمائم ساداتهم، ويتغنون بالشعر ~~ويرتجزون محمسين أنفسهم؛ فإذا تم لهم النصر، عادوا بالأسلاب والسبايا ~~فاقتسموها أنصبة، وأما الأسرى ~~فمصيرهم إلى القتل أو يقدموا الفداء، ولا يطلقونهم إلا بعد أن يجزوا نواصيهم، ~~فتحفظ في كنائنهم لأيام المفاخرات. قال الحطيئة: # قد ناضلوك فسلوا من كنائنهم # مجدا تليدا ونبلا غير أنكاس ~~(3-6) معايشهم # كان عرب البادية يعتمدون في عيشهم على رعاية الإبل، ثم على الغزو والصيد ~~وحراسة القوافل. وأما أهل الحواضر فإن وسائل الرزق اتسعت عليهم، وعرفوا أركان ~~العمران الثلاثة: التجارة والزراعة والصناعة. وكانت اليمن في مقدمة البلاد ~~العربية تحضرا وخصبا، فانبسطت تجارتها، ونمت زراعتها، وتوافرت لها الصنائع، ~~ولا سيما الوشي والحياكة. وعرب الشمال - على بداوتهم وخشونة عيشهم - لم يحرموا ~~التجارة في حواضرهم؛ فقد كانت مكة - في توسطها الطبيعي ومقامها الديني - محطة ~~لقوافل اليمن والشام، وسوقا رائجة تعرض فيها بضائع التجار، واشتهر أهلها ~~القرشيون برحلاتهم التجارية، فكانت لهم في السنة رحلتان: رحلة الصيف، ورحلة ~~الشتاء. وكذلك أهل يثرب عرفوا بالتجارة، ولا سيما اليهود. # وهناك أسواق كانت تقام في أوقات معلومة للبيع والشراء، وأعظمها سوق عكاظ، ~~وكان عرب الحيرة يتجرون مع الفرس، ويتولون حماية قوافلهم في عرض ~~القفار. # وكذلك كان للزراعة شأن في بعض الحواضر الشمالية كالطائف ويثرب وخيبر ووادي ~~القرى وتيماء. أما الصناعة فإن الأعراب كانوا يحتقرونها ويعيرون صاحبها، فهم ~~أبعد الناس عنها كما يقول ابن خلدون، ومع ذلك ألموا بأشياء كالحدادة والنجارة ~~والخياطة والصباغة، وكانت في القرى المعمورة، كمكة ويثرب والطائف. # وعلى الجملة فعرب الشمال لم يبلغوا شأو عرب الجنوب في الحضارة والأخذ ms014 بأسباب ~~العمران، فصرفوا همهم إلى الغزو ينهبون الأموال، ويسبون النساء والأولاد، ~~فيسترقونهم أو يبيعونهم في أسواق النخاسة؛ وإلى رعاية الإبل وحسن القيام على ~~تربيتها؛ لأنها تقضي جميع حاجاتهم: تحملهم وتحمل أثقالهم، وتغذيهم بلحمها ~~ولبنها، وتكسوهم وتبني بيوتهم بأوبارها؛ وبها يفتدون أسراهم، وعليها يقايضون في ~~المبايعات، ومنها يؤدون المهور والديات والغرامات. ~~(3-7) أديانهم # وكانوا في جاهليتهم على أديان مختلفة، ومذاهب متعددة، يؤلهون الأصنام ~~والكواكب، ويعبدون الله، ويخلطون المذاهب بعضها ببعض، مازجين التوحيد بالشرك، ~~والعقائد السماوية بالعقائد الوثنية. وهم إلى ذلك ليسوا على دين ثابت، أو عقيدة ~~مكينة، شأنهم في حياتهم المتنقلة المضطربة. # وكان اليونان والرومان قد حملوا آلهتهم إلى بادية الشام، فأخذت العرب عنهم ~~عبادة الأصنام، وأخذت المجوسية عن الفرس، واليهودية عن الذين هاجروا من بني ~~إسرائيل هاربين من وجه الأشوريين، ثم من وجه الرومان بعد خراب الهيكل في السنة ~~السبعين، وأخذوا النصرانية عن الرسل الذين دخلوا مبشرين بالمسيح، ثم عن أهل ~~الشام زمن البيزنطيين، ثم عن الحبش في غاراتهم على اليمن واستقرارهم ~~فيها. # وكانت الوثنية في القبائل أعم وأكثر انتشارا، والأصنام منصوبة في كل ~~ناحية من نواحي الجزيرة، ولا سيما الكعبة، وتزعم الرواية العربية أن أول من دعا ~~العرب إلى عبادة الأصنام عمرو بن لحي، # 34 # وكانوا على بقية من دين إسماعيل، فأفسد عقائدهم. # والطواغيت الكبار ثلاثة: اللات والعزى ومناة. وكل واحد منها لمصر من ~~أمصار العرب، فاللات # 35 # لأهل الطائف، والعزى # 36 # لأهل مكة، ومناة # 37 # لأهل المدينة، وكانت العرب تعظم هذه الربات، وتقصدها من كل صوب، ~~وتجعل لها السدنة كما تجعلهم للبيت الحرام. # وأما أصنام الكعبة فكثيرة منتشرة حولها وفي جوفها، وأعظمها هبل # 38 # وكانوا يستقسمون عنده بالقداح، # 39 # ويستخيرونه في أمورهم وأعمالهم، ولعله إله الحظ عندهم. # والكعبة مزار لأكثر القبائل، يحجونها، ويعتمرون إليها، ويحرمون عندها، ~~ويطوفون حولها سبعا، ويلثمون حجرها الأسود، ويكسونها الحلل والديباج، ويهدون ~~إليها الهدي، وينحرونه متقربين، ويريقون دمه على أوثانها، ويسعون بين الصفا ~~والمروة، ويرمون الجمار في منى، وكانت السيادة لقريش دون غيرهم، فهم ms015 سدنة ~~البيت ورفدته وسقاته. # وفي العرب طائفة من عبدة الكواكب كحمير قبل أن يتهودوا، وكانوا يعبدون ~~الشمس. وعبدت طائفة من تميم الدبران، # 40 # وعبد بعض قبائل لخم وجذام وقريش الشعرى العبور. # 41 # ومنهم من عبد النار، أو قال بالثنوية، أو بالدهرية. ومنهم من أحل زواج ~~الأب بابنته. وهذه العقائد سرت إليهم من الفرس والمجوس وما عندهم من معتقدات ~~مزدكية ومانوية. قيل إن المجوسية كانت في تميم، وقد تزوج حاجب بن زرارة ~~ابنته مخالفا سنة العرب، متبعا سنة مزدك. وقيل إن الزندقة في قريش، ~~ولعلها المانوية التي تقول بإله النور وإله الظلام، أو لعلها الدهرية التي تنكر ~~الخالق والآخرة. # على أن العرب - مع إشراكهم وتعدد معبوداتهم - كانوا يميلون في جملتهم إلى ~~التوحيد، ويتقربون إلى الله بعبادة الأصنام والكواكب كأنهم يجعلونها ذرائع ~~للوصول إليه، ولا ريب أن اليهودية والنصرانية كان لهما يد فعالة في توجيه الفكر ~~العربي إلى الوحدانية. # وكانت اليهودية في يثرب وفدك ووادي القرى وخيبر وتيماء واليمن؛ فمنها ~~قبائل عبرانية استعربت كالنضير وقريظة وقينقاع؛ ومنها قبائل عربية ~~تهودت أو تهود بعضها كحمير وكندة وكنانة والحارث بن كعب. # وكانت النصرانية في حوران وبادية الشام وبين النهرين والعراق والبحرين وعمان ~~واليمن ومكة والطائف، وانتشرت في قبائل ربيعة وكندة وقضاعة وجذام وغسان ~~وتميم. وكانت كعبة نجران مزارا للمتنصرة وحرما كمكة لا يحل انتهاكه. ولكن ~~النصرانية التي شاعت في قبائل العرب لم تكن صافية خالصة؛ لأنهم أخذوها - في ~~الغالب - عن المبتدعة المارقين، فمنهم النساطرة القائلون بأقنومين في المسيح، ~~وهم نصارى حوران وبادية الشام وبين النهرين واليمن، ومنهم المريميون، وهم ~~الذين يؤلهون مريم العذراء، وقد ورد ذكرهم في القرآن؛ ومنهم الحنيفية، ~~ومذهبهم خليط من النصرانية واليهودية، وكان منهم أمية بن أبي الصلت وزيد بن ~~عمرو بن نفيل. ~~(3-8) عقائدهم # كانت العرب تؤمن بوجود الجن والعفاريت، وبمخالطتها للإنس في السكنى ~~والاستهواء والمؤاكلة والزواج، ولهم فيها شعر وأخبار كثيرة. ويؤمنون بزجر ~~الطائر. يتفاءلون به إذا سنح، ويتشاءمون إذا برح؛ وبالكهانة والعرافة والهامة؛ ~~ويعوذون أطفالهم بسن ثعلب وسن ms016 هرة خوفا من الخطفة والنظرة، ويتعوذون من ~~الجن بالأدعية وسواها، ويتطيرون من الغراب، كما قال النابغة: # زعم العواذل أن فرقتنا غدا # وبذاك خبرنا الغراب الأسود # ولهم غير ذلك عقائد كثيرة سيمر شيء منها في دراستنا لأشعارهم. ~~(3-9) علومهم # لم يكن للعرب في بداوتهم من العلوم إلا بعض إلمام بما يحتاجون إليه في حياتهم ~~الفطرية، فقد عرفوا شيئا من الطب والبيطرة، وكانوا يداوون مرضاهم بالعقاقير ~~والكي والحجامة والأشربة، وخصوصا العسل، علاج وجع البطن عندهم. وربما ~~استعملوا السحر والرقى والتعاويذ لإبراء الملسوع وإخراج الجن والشياطين. ~~وأطباؤهم - في الأغلب - الكهان والعرافون، وقل من كانت له معرفة صحيحة بهذا ~~الفن كالحارث بن كلدة الثقفي. # 42 # وعرفوا شيئا من علم النجوم ومهاب الرياح بكثرة تتبعها والنظر إليها؛ ~~لأنهم كانوا يهتدون بها في أسفارهم، ويستدلون على سقوط الغيث. # وكانت لهم معرفة بالأنساب والأيام والأخبار والأساطير، وبالقيافة، وهي ~~الاستدلال بهيئة الإنسان وأعضائه على نسبه، والاستدلال بآثار الأقدام على ~~أصحابها؛ وبالكهانة، وهي معرفة الأمور المستقبلة وتعبير الرؤى والأحلام؛ ~~وبالعرافة، وهي مختصة بالأمور الماضية، وأشهر الكهان عندهم شق ~~وسطيح # 43 # وهما من أهل الأساطير، وأشهر العرافين: عراف نجد وعراف ~~اليمامة. # وكان عرب اليمن والحواضر المتاخمة أوسع علما وحضارة من عرب البادية؛ ~~لاتصالهم بالفرس والروم والسريان. ~~(3-10) مراجع # المسعودي: مروج الذهب. # ابن الكلبي: كتاب الأصنام. # ابن خلدون: كتاب العبر. # نيكلسون: تاريخ الأدب العربي (الترجمة العربية لحسن حبشي في مجلة ~~الرسالة المصرية). # نوفل الطرابلسي: صناجة الطرب. # ياقوت: معجم البلدان. # ابن خلدون: المقدمة. # الأب شيخو: النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية. # الألوسي: بلوغ الأرب. # جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية. # أحمد أمين: فجر الإسلام. ~~(Henri Lemmens, le Berceau ~~de l’Islam) ~~. ~~(4) لغة العرب وأدبهم ~~(4-1) العربية # العربية هي إحدى اللغات المشتقة من الأصل السامي، وبينها وبين شقيقاتها ~~مشابهات كثيرة. وكانت في العصر الجاهلي منقسمة على لسانين: الحميري في الجنوب، ~~والعدناني في الشمال، وكلاهما يغاير الآخر في أوضاعه وأحكامه، وإن تشابها في ~~كثير من الألفاظ والتراكيب. وكان عمرو بن العلاء يقول: «ما لسان حمير وأقاصي ms017 ~~اليمن بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا.» وقال ابن خلدون في مقدمته: «ولغة حمير ~~لغة أخرى مغايرة للغة مضر في كثير من أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها.» ويرى ~~المستشرق نيكلسون أن الحروف الهجائية في لغة الجنوب أقرب إلى الحبشية منها ~~إلى لغة أهل الشمال. # واللسان العدناني هو الذي نستعمله اليوم في الكتابة، على ما لحقه من تحضر ~~وتبدل، وبه جاء الأدب الجاهلي، ولم يأتنا أدب بلسان حمير؛ لأن لغة الجنوب ~~فقدت سيادتها بعد كساد التجارة هناك، وسيل العرم في مأرب، وتشتت أهلها ~~وهجرتهم إلى الشمال؛ ثم أفضى بها إلى الضعف غزوات الحبش والفرس ونزولهم في ~~اليمن. # وكان اللسان العدناني متعدد اللهجات بتعدد القبائل التي تنطق به، ولكنه ~~لم يختلف في أحكام التركيب والتصريف والاشتقاق؛ بل اقتصر في تغاير لهجاته على ~~طائفة من الأوضاع تخالفت القبائل في استعمالها، وعلى انحرافات لفظية من قلب ~~وإبدال وزيادات. # 44 # وكانت مكة بما لها من تأثير ديني وتجاري، مجتمعا للقبائل العربية، على ~~اختلاف لغاتها، يحضرون المواسم، ويحجون البيت، ويتقارضون الشعر. وكانت تقام ~~الأسواق في عكاظ وغيرها، فيؤمها الناس من كل صوب، يبيعون ويشترون حتى إذا ~~انتهوا من متاجرهم، انصرفوا إلى اللهو والطرب، فينشد شعراؤهم على مسمع من ~~الجماهير المحتشدة، ويتناظرون ويتفاخرون. # فهذه المجامع بما لها من صبغة ~~أدبية على حالتيها الدينية والتجارية، مشت محمودة الخطى إلى توحيد لسان عدنان. ~~فصار الشعراء والخطباء يختارون الألفاظ التي يألفها القبائل على اختلاف ~~لهجاتهم، ويهملون مستقبح الكلمات والانحرافات، فنشأت عن ذلك لغة أدبية مهذبة ~~عرفت بلغة قريش؛ لما لتلك القبيلة من نفوذ ديني واقتصادي في مكة وعكاظ، ~~واقتصر انحراف اللهجات أو كاد يقتصر على لغة التخاطب، وامتد سلطان الأدب إلى ~~الجنوب؛ لاختلاط القبائل بعضها ببعض في مهاجراتها وأسفارها وشهودها المواسم؛ ثم ~~لسيادة لسان عدنان بعد ضعف لسان حمير؛ ولذلك استطاعت وفود اليمن أن تفهم ~~القرآن، وتجادل النبي فيه، ونزول القرآن بلغة قريش وطد سلطانها، وجعل كل ~~لهجة تغايرها تنهزم أمامها. # ولسان العرب في جاهليتهم يمثل ~~حالتهم الفطرية أصدق تمثيل بما له من ms018 ثروة متسعة في الألفاظ الدالة على حياة ~~البداوة، وحدود مرافقها المادية، وبما به من فقر إلى أوضاع تعبر عن الشئون ~~الحضرية المتنوعة، وفوارق الحالات النفسية الدقيقة، ومختلف العلوم والآداب ~~والفنون. # ومع أن العرب اختلطوا في أسفارهم بالأمم المتحضرة، وشاهدوا عن كثب أسباب ~~عمرانها، لم يتأثروا بها تأثرا بليغا؛ لأنهم لم يطلبوا العلم عندها لما هم ~~عليه من الأمية والبداوة، بل اجتزءوا بالبيع والشراء، فكان ما أخذوه من الألفاظ ~~العجمية وعربوه ليسدوا به ثلمة لغتهم، قليلا جدا بالإضافة إلى كثرة ~~حاجاتها. # والألفاظ الدخيلة على اللغة أخذت في الغالب من الفارسية والرومية والهندية، ~~وأكثرها يختص بالأدوات والمنسوجات والشجر والعقاقير، جاءت بها قوافل التجار ~~وأصحاب الرحلات؛ ومن العبرانية والسريانية والحبشية، ولا سيما الألفاظ التي لها ~~علاقة بالدين، أدخلها اليهود والنصارى الذين خالطوا العرب في الحجاز واليمن ~~وأمصار الشام والعراق. # وطبيعي أن تكون لغة العرب المتحضرة في اليمن وعمان والبحرين والحيرة والشام ~~أكثر اتساعا لمعاني الاجتماع والعمران من لغة أهل الوبر في الشمال، غير أنها ~~لم تصل إلينا في جملتها؛ لأن الذين جمعوا اللغة من المسلمين، أهل البصرة ~~والكوفة، نبذوا كل لغة تخالف لغة القرآن، واقتصروا على اللسان المضري، ينقلون ~~ألفاظه وتراكيبه عن قبائل مضرية خالصة البداوة، ما جاورت الأعاجم ولا خالطتهم، ~~كتميم وقيس وأسد وكنانة وهذيل، ولم ينقلوا عن سكان الحواضر، ولا عن سكان ~~البراري المجاورة للأمم الغربية، فحرموا اللغة أوضاعا كثيرة تفتقر إليها. ولم ~~يخلص إلينا من الألفاظ الدخيلة إلا ما تكلمت به هذه القبائل، أو جرى على ألسنة ~~الشعراء. أو أثبته القرآن. # 45 # واللغه الجاهلية قوية التعبير، لا تخلو من خشونة البداوة وغرابة اللفظ، ~~كثيرة الإيجاز، حافلة بضروب الكناية والمجاز، تسلس للشعر والوصف والاندفاعات ~~الخطابية، ولا تلين للعلوم والآداب والفنون. ~~(4-2) الكتابة # غلبت الأمية على العرب في جاهليتهم، ولا سيما عرب البادية؛ لأن حياتهم ~~الفطرية في حدودها السياسية والاجتماعية لم تتسع لصناعة الكتابة التي إنما تنشأ ~~بنشوء الجماعة المنظمة، وتنمو بنمو القوى المفكرة، وتعظم بعظم الحاجة إليها. ~~بيد أن سكان الحواضر ms019 من أهل اليمن اصطنعوا الكتابة لما هم عليه من تقدم ~~العمران، ويعرف خطهم بالمسند الحميري؛ حروفه منفصلة، وفيه شبه بالكتابة ~~الحبشية، ومنه تفرع الخط الكوفي. وترك اليمانون من آثارهم نقوشا حجرية يرجع ~~أبعدها عهدا إلى المائة الثامنة قبل المسيح، # 46 # كشف عنها المنقبون الأوروبيون من إنكليز وألمان وفرنسيين في النصف ~~الأول من القرن التاسع عشر، وجعلت أساسا للبحث التاريخي في مدينتي سبأ ~~وحمير. # ولم يحرم عرب الشمال فن الكتابة على شيوع الأمية فيهم؛ فإن النصارى في العراق ~~والجزيرة علموا جيرانهم الخط المعروف بالجزم، # 47 # وله صلة بالآرامي النبطي، فكانت الكتابة العربية في الأنبار ~~والحيرة وما جاورهما. وكذلك النصارى الأنباط في فلسطين الثالثة # 48 # علموا من جاورهم من عرب الشام الخط النسخي الجليل المتفرع من ~~الجزم. وتعلم بعض القرشيين خط الجزم من نصارى الحيرة في رحلاتهم التجارية إلى ~~العراق، فحملوه إلى مكة، فظهرت فيهم الكتابة قبل الإسلام، وظهرت أيضا في يثرب، ~~والفضل في ظهورها لليهود. # ولبثت الكتابة قاصرة في الجاهلية لا يتعلمها من العرب إلا أفراد من أهل ~~الحواضر، وإذا تعلموها لا يبلغون فيها حد الإحكام والإتقان، ولا يستعملونها إلا ~~في شئونهم الاقتصادية، ولم يخلف الشماليون نقوشا حجرية بلغتهم العدنانية ~~الخالصة، كما خلف الجنوبيون بلغتهم القحطانية، إلا ما كان من الآثار التي وجدت ~~في حوران، مكتوبة بلغة نبطية تغاير أحكام اللسان العربي في كثير من ألفاظها ~~وتراكيبها. # 49 # وبقي العرب لأول الإسلام لا يجيدون الكتابة، ولا يسلمون من الغلط في الإملاء، ~~كما تدل المصاحف التي رسمها الصحابة بخطوطهم # 50 # حتى نزلوا الكوفة والبصرة، واحتاجت الدولة إلى الكتابة، فعنوا ~~بإتقانها، وكتبوا بالخطين النسخي والكوفي. ثم ترقت الخطوط بعد الفتوح الكثيرة، ~~وتشعبت فروعها في بغداد وإفريقية والأندلس إلى أن بلغت حالتها الحاضرة. ~~(4-3) الأدب # كان الأدب الجاهلي شفهيا يحفظ في الذاكرة لا في الأوراق، والشعوب الفطرية ~~أحد ذاكرة من الشعوب المتحضرة التي شاعت الكتابة عندها؛ لأن الشعب الذي لا ~~يملك الكتابة ليعتمد عليها في حفظ آثاره، يضطر إلى استخدام ذاكرته للحفظ، ~~فتقوى بالاستعمال، ms020 ويسهل عليها اختزان مختلف الآثار، وتكثر الرواة في العصور ~~الشفهية، فتقوم مقام الكتب والدفاتر. # وكان لكل شاعر في الجاهلية راوية يحفظ شعره، ويرويه الناس، وربما روى ~~الشعراء بعضهم لبعض، فقد كان زهير راوية لأوس بن حجر، والحطيئة راوية لزهير. ~~وقد تشتهر قصيدة لشاعر فترويها قبيلته، كما اشتهرت معلقة عمرو بن كلثوم، فكانت ~~بنو تغلب تعظمها، ويرويها كبارها وصغارها. # وبطريق الرواية دون الأدب الجاهلي في الإسلام بعد شيوع الكتابة، ولكنه لم ~~يصل سالما، فقد ضاع منه شيء كثير لم ينقله الرواة، أو ضاعت روايته فلم تبلغ ~~إلينا، # 51 # ودخل عليه نحل مما وضعته العشائر والرواة والعلماء في الإسلام ~~لأسباب منها: المنافسات القبلية، # 52 # ومنافسات الرواة في الحفظ، وحرصهم على التكسب والحظوة به. حتى إنهم ~~وضعوا أشعارا على آدم وإبليس والملائكة والجن؛ وعلى عاد وثمود والعمالقة. ~~ومنها منافسات علماء البصرة والكوفة في إيراد الشواهد الشعرية لتفسير الألفاظ ~~التي أشكل فهمها، وتخريج المسائل اللغوية والنحوية. # على أن هذا النحل لا يجعل سبيلا لتعميم الشك في الشعر الجاهلي، ولا سيما ~~القصائد التي أجمع الأدباء العباسيون على روايتها، ولم يختلفوا في نسبتها إلى ~~أصحابها. وكثير من الشعر المنحول أشار إليه النقاد الأقدمون كابن سلام ~~والأصفهاني، وكذبوا رواته. وأما ما جاء به العلماء من الشواهد الشعرية، فإذا ~~كان في بعضه من اصطناع فإنما هو مقتصر على أبيات متفرقة لا يتعداها إلى ~~القصائد. # والأدب الجاهلي في معظمه قائم على الشعر؛ لأن أكثر ما جاءنا من النثر مشكوك ~~فيه. حتي لو صحت الخطب التي خلصت إلينا، لما رأينا فيها مادة كافية للدرس، ~~وهكذا يصح القول في الأمثال وسجع الكهان. # والإنسان الفطري، في صفاء نفسه وفيض شعوره وصدق مخيلته، شاعر بالطبع، ولذلك ~~كانت لغة النثر في الشعوب القديمة محاكية لغة الشعر في مجازها وخيالها وموسيقى ~~ألفاظها. والأدب العربي في طفولته لا يخرج عن هذه السنة الطبيعية، فلغة النثر ~~كلغة الشعر تكاد لا تختلف إلا بالأوزان والقوافي. والشعر في أول أمره لم يكن ~~إلا أشطرا لا ضابط لها، يرتبها البدوي ms021 على هواه ويتغنى بها ويحدو إبله، ~~والإنسان من طبعه أن يميل إلى الغناء في حزنه وسروره، في خوفه وأمنه، في راحته ~~وتعبه. ولعل السجع الذي كان ينطق به كاهن القبيلة وشاعرها، هو المظهر الفني ~~الأول للأدب العربي، بل هو المادة المشتركة بين الشعر والنثر. ثم أخذ الشعر ~~ينفرد بأوزانه وقوافيه، فظهر أولا بحر الرجز ألين البحور وأدناها إلى السجع في ~~حال تطوره؛ ثم تفرعت البحور وتنوعت، فما تلألأت النهضة بالمهلهل وامرئ القيس ~~إلا كان للشعر أوزان مستقلة، وأصبحت القصيدة تنظم على بحر واحد لا تحيد عنه ~~مهما تطل أبياتها. # 53 # وأما بدء النهضة فما يمكن الرجوع به إلى تاريخ معروف لضياع الآثار التي وجدت ~~قبل الشطر الأخير من القرن الخامس. ولكن الرواة يتفقون على أن عهد المهلهل ~~وامرئ القيس هو عهد ازدهار الشعر، وظهور القصائد الطويلة، واستقرار الأسلوب ~~التقليدي. ويعود المؤرخون من أهل عصرنا بالنهضة إلى الحروب التي حدثت، فيرى ~~المستشرق نيكلسون أن فجر العصر الذهبي للشعر هو السنوات العشر الأولى من القرن ~~السادس، بعد اشتداد حرب البسوس، واهتمام الشعراء بذكر أيامها! # 54 # ويعود جرجي زيدان إلى أبعد من ذلك، إلى استقلال عرب الحجاز عن ~~اليمن في أواخر القرن الخامس وما تلاه من حروب وغزوات كحرب البسوس، وحرب داحس ~~والغبراء، وعام الفيل، وحرب الفجار. # 55 # ولا ريب أن الحروب لها أثر بليغ في إذكاء القرائح، وعلى الأخص بعد انطفاء ~~جذوتها، وسكون النفوس المضطربة؛ إذ لا يأتي عمل فني محكم، والنفس جائشة لا قرار ~~لها. فإذا اطمأنت الخواطر ظهر الشعر فخرا ومنافسة ووصفا للمعارك يتغنى به ~~المنتصرون، وندبا ورثاء للسادة المقتولين، وحضا على الأخذ بالثأر، تنوح به ~~النادبات ويترنم الموتورون. # وكانت حروب العرب كثيرة، وأشدها دفعا لقول الشعر أعظمها وقعا في القبائل، ~~كالحروب التي ذكرها زيدان وجعلها من أسباب النهضة؛ وكذلك مقتل عمرو بن هند وما ~~أعقب من وقائع بين تغلب والمناذرة؛ ومقتل النعمان بن المنذر وما كان بعده من ~~حرب ذي قار بين الفرس والعرب، ثم حروب الأوس والخزرج. فهذه ms022 المعارك - على ~~اختلاف القبائل التي صلت نارها - أورثتنا شعرا غزيرا كان خير مستند لدرس ~~الحياة البدوية قبل الإسلام، وذكر ابن سلام تأثير الحروب في نظم الشعر فقال: ~~«والذي قلل شعر قريش أنهم لم يكن بينهم نائرة ولم يحاربوا.» # 56 # على أن أسباب النهضة لم تقتصر على الحروب. فهناك هجرة اليمنيين واختلاطهم ~~بالعدنانيين، فهذا الاختلاط في السكنى والزواج أحدث - ولا بد - تفاعلا في ~~الأذهان، وولد منافسات حزبية لا نهاية لها، وكذلك الأسواق - وعلى رأسها ~~عكاظ - فإنها استحثت قرائح الشعراء؛ لاحتشاد القبائل فيها للبيع والشراء، ~~والمفاخرة والمنافرة. والشاعر عند العرب له تأثير عظيم ومقام سام، فهو محامي ~~القبيلة وخطيبها ومؤرخها، وقد يكون كاهنها أيضا؛ لما له - في اعتقادهم - من ~~صلة بالأرواح؛ إذ جعلوا له شيطانا أو تابعا من الجن يوحي إليه الشعر، ويلقنه ~~الآراء والحكم والمواعظ. فهذه المنزلة الرفيعة في مجتمعه جعلته ينشط للقيام ~~بمهمته كلما دعاه الأمر إليها. فكثر الشعر وقائلوه، وتبارت القبائل في تقريب ~~الشعراء وإكرامهم، ولا سيما الغرباء منهم، ليمدحوهم ويشيدوا بذكرهم، وكانت قصور ~~المناذرة والغساسنة تستقبل شعراء البادية، وتحسن لهم الصلات، فأثرت في نهضة ~~الشعر تأثيرا بليغا. # ويتفق المؤرخون الأقدمون على أن الشعر نهض أولا في ربيعة، ويعود ذلك - ولا ~~ريب - إلى حروبها الكثيرة، سواء بينها وبين اليمن، أو بين قبيلتيها بكر وتغلب، ~~أو بين بكر والفرس، أو بين تغلب واللخميين. ثم تحول الشعر في قيس عيلان، وعرف ~~شعراؤها في سوق عكاظ، وفي حرب داحس والغبراء. ثم صار زمن النبوة إلى قريش ~~والأنصار بعامل الحروب التي حدثت بين المسلمين الأول والمشركين. # ولبث الشعر طوال العصر الجاهلي محصورا في البادية لا يتنفس في خارج الجزيرة ~~إلا بشعراء منها يقصدون الشام أو العراق لمدح الغساسنة والمناذرة، ولم يعرف في ~~الحيرة غير شاعر واحد هو عدي بن زيد، وأصله من عرب الجزيرة من تميم. والظاهر أن ~~اختلاف لغة مضر عن لغة الشام والعراق - وهي غير خالصة العروبة؛ لما شابها من ~~الآرامية - صرف الرواة المسلمين عن جمع أشعارها كما صرف اللغويين عن ms023 نقل ~~ألفاظها وتراكيبها؛ لمخالفتها لغة القرآن، وهذا لا يمنع أن يكون بنو جفنة وبنو ~~لخم قد عرفوا لغة مضر وفهموها، واستقدموا شعراءها إلى قصورهم وأجازوهم لكي ~~يشيدوا بذكرهم في القبائل العربية، لحاجتهم إلى بسط سلطانهم عليها، والإفادة ~~منها في حروبهم، فكانوا لذلك مضطرين إلى معرفة اللغة العدنانية؛ وربما استرضعوا ~~أطفالهم في البادية ليأخذوا اللسان عن الأعراب. ~~(4-4) مراجع # ابن سلام: طبقات الشعراء. # أبو زيد القرشي: جمهرة أشعار العرب. # نيكلسون: تاريخ الأدب العربي. # المسعودي: مروج الذهب. # طه حسين: الأدب الجاهلي. # ابن خلدون: المقدمة. # ابن هشام: السيرة النبوية. # ابن قتيبة: الشعر والشعراء. # الألوسي: بلوغ الأرب 2-3. # جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية 1. # أحمد أمين: فجر الإسلام. # السيوطي: المزهر. # الأب شيخو: النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية. # | هوامش # | الشعر الجاهلي # (1) ميزته # للشعر الجاهلي أبواب رئيسية مستقلة، وهي الفخر والحماسة، والمدح، والهجاء، ~~والرثاء؛ وأغراض إضافية غير مستقلة أو ثانوية: كالغزل، والطبيعة، والخمريات، ~~والحكم والمواعظ. # والوصف أعظم ركن يعتمد عليه شاعرهم في مختلف أبوابه وأغراضه؛ لما له من عين نافذة ~~حديدة اللحظ دقيقة المراقبة، تتنبه لكل ما يحيط بها من الموصوفات، وهي محدودة في ~~البادية، فإذا أراد أن يصف شيئا - ولا يصف إلا ما يؤثر في نفسه مما يعايشه ويسمعه ~~ويراه، أو مما يتوهمه فيحسه وتنطبع له صورة بليغة في خياله - أحاط بالموصوف من أظهر ~~نواحيه، أو أحاط بناحية منه يطلبها دون غيرها، مشبعا موصوفه على الحالين، مخرجا ~~عنه صورا حسية رابية الملمس تنقله أحيانا نقلا آليا مهذبا، وتخلقه حينا ~~خلقا شعريا زكيا. # ويخرج من الوصف إلى قصص قصيره يحدث بها عن مغامراته الغرامية، أو عن معاركه ~~وغزواته، أو يروي شيئا من الأخبار والأساطير مما انتقل إليهم أو نشأ في ~~باديتهم. # على أن خيال الجاهليين لم يتسع للملاحم والقصص الطويلة؛ لانحصاره في بادية ~~متشابهة الصور، محدودة المناظر، # 1 # ثم لماديتهم وكثافة روحانيتهم، ثم لفرديتهم وضعف الروح القومية ~~والاجتماعية فيهم، ثم لقلة خطر الدين في قلوبهم وقصر نظرهم عما بعد الطبيعة، فلم ~~يلتفتوا إلي أبعد من ذاتهم، ms024 ولا إلى عالم غير العالم المنظور، # 2 # ولا تولدت عندهم الأساطير الخصيبة؛ ولم يكن لأصنامهم من الفن والجمال ~~ما يبعث الوحي في النفوس شأن أصنام اليونان والرومان، فقل من ذكر منهم أوثانه ~~واستوحاها في شعره. # ولم يساعدهم مجتمعهم على التأمل الطويل وربط الأفكار وفسح آفاق الخيال؛ لاضطراب ~~حياتهم برحيل مستمر، فجاء نفسهم قصيرا كإقامتهم، وخيالهم متقطعا كحياتهم، ~~صافيا واضحا كسمائهم، داني التصور محدود الألوان كطبيعتهم. وكانت ثقافتهم ~~الأدبية فطرية خالصة يتغذى بعضهم من بعض، ولا يقبلون لقاح الآداب الأجنبية الراقية؛ ~~لجهالتهم واعتزال باديتهم وتمردها. وكذلك كانت علومهم ساذجة لا تفتح نوافذ النور ~~للنظر في النفس وما بعد عالم الهيولي. # وجاءت حروبهم في كثرتها أياما وغزوات لا تجاوز البادية والقبيلة، حروب كر ~~وفر، لا حروب زحف وفتح؛ فلم يكن من شأنها أن تبدع ملحمة كملحمة هوميروس في حصار ~~طروادة. فلهذه الأسباب كلها اقتصر شعرهم على أغراض وجدانية تغمرها الذكريات، مبتورة ~~القصص، يتواطئون عليها بأسلوب متشابه الاتجاه متداول المعاني والتعابير، ~~فيستهلون على الغالب، ولا سيما القصائد الطوال، بذكر الديار الخالية والوقوف ~~عليها للبكاء أو للتحية والسؤال، معددين المواضع التي توصل إليها أو تحيط بها، ~~متشوقين إلى أحبتهم يوم كانوا يعمرونها، مشببين بهم مستعيدين ذكرى فراقهم. ثم ~~يرحلون على ناقاتهم مفرجين بها همهم - قاصدين الحبيبة أو الممدوح - فيصفونها ~~عضوا عضوا، ويصورون سرعتها ونشاطها؛ ثم ينتقلون إلى المدح أو الفخر أو غير ذلك، ~~فيجتمع لهم في قصيدة واحدة عدة أغراض، ويكون انتقالهم في الأكثر اقتضابا ووثبا، ~~وربما انتقلوا بواسطة، كأن يقولوا: دع ذا، وعد عن ذا. # وتشيع في شعرهم روح الفطرة بماديتها ~~وسذاجتها وحريتها وأنفتها، وبما فيها من صدق في ذكر الحقيقة، إذا لم تثر في النفس ~~عوامل عاطفية تحملها على الكذب والمغالاة. فالجاهلي صادق في الكلام على حياته ~~وأحواله ومجتمعه، صادق في مدحه وهجائه إلى حد لا يسلم عنده من الغلو؛ كاذب في كثير ~~من مفاخره، وعلى الأخص إذا وصف الضيافات والقدور والحروب وكثرة العدد والعدد ~~والقتلى؛ مغال مفرط في مراثيه؛ وإذا كان ms025 مرثيه قد مات مقتولا يبالغ في ندبه ~~وتعداد مناقبه ليستثير شعور القبيلة، ويحضها على الأخذ بثأره. # ولغة الشعر الجاهلي قوية المدلول في ألفاظها الوضعية - حقيقيا كان التعبير أو ~~مجازيا - خشنة كثيرة الغريب، ولا سيما لغة الشعراء الذين نشئوا في قلب البادية ~~بعيدين عن الأمصار المتحضرة كشعراء مضر؛ وهي إلى ذلك متوافرة الصور في تشابيهها ~~الحسية وما يختلف إليها من استعارات وكنايات، قليلة الاحتفال بأنواع البديع ~~كالجناس والتورية والطباق؛ جارية مع الطبع بريئة من التكلف، سواء جاء اللفظ عاريا ~~أو كاسيا. فقوة الشعور الفني وحدها تهدي الجاهلي إلى اختيار ألفاظه وإخراجها من ~~معدن واحد، وإجادة تنزيلها وتأليفها، فتأتي محكمة التركيب متماسكة الأطراف، ~~تعبر بتموجاتها وأجراسها أصدق تعبير عن الحالة التي يحسها في نفسه ويتصورها في ~~خياله. # وفي تشابيهه وكناياته واستعاراته دلالات بينة على حياته وطبيعة أرضه، فأكثرها ~~مستمد من الصحراء نباتها وحيوانها، ومن مرافقها المحدودة ومعيشة أهلها، ومن ~~عاداتهم وعقائدهم وأساطيرهم. # وقد ينحط إلى تشابيه ننكرها في زماننا، ولا تستنكرها فطرته، كتشبيه امرئ القيس ~~أصابع محبوبته بالأساريع # 3 # وتشبيه طرفة نفسه بالبعير المعبد. # 4 # ومن مذاهبهم - إذا شبهوا - أن يتركوا المشبه وينصرفوا إلى المشبه به؛ ليصفوه ~~ويدققوا في وصفه، حتى إذا أظهروا قوته وجماله ارتضت نفوسهم واطمأنت إلى أنها وفت ~~المشبه حقه من الوصف والتبليغ، وربما قصدوا إلى ذلك بصورة التفريغ البياني، وهو ~~أن يصدر الشاعر المشبه به بما النافية، ثم يأخذ في الكلام عليه لتبيان محاسنه؛ ~~فإذا بلغ مراده جاء بأفعل التفضيل ومن الجارة، ونفى أفضلية المشبه به على ~~المشبه. وهذا مستحسن مألوف عندهم اصطلحوا عليه وتداولوه، كما تداولوا كثيرا من ~~التعابير البيانية، فأصبحت رواسم مشتركة بينهم فاقدة الشخصية. ومن المأنوس في شعرهم ~~نداء الصاحب والصاحبين، والاستفتاح بألا، وإدخال ولقد وواو رب، والحلف ~~بلعمري. # ومعاني الشعر الجاهلي لا تخلو من ~~الغموض، ويعود ذلك على غرابة الألفاظ وما فيها من إيجاز وحذف، أو على ما تتضمنه من ~~تلميحات إلى حوادث تاريخية، أو إلى عقائدهم وعاداتهم مما لا تدرك مقاصده إلا ~~بمعرفة ms026 حياتهم وأخبارهم. وأما الغموض الفني فقليل عندهم لمادية ألفاظهم، وبعدها من ~~الرمز والتصوف؛ ثم لضعف روحانيتهم وضيق خيالهم ودنو تصورهم وعنايتهم بسرد الأخبار ~~وإظهار الحقائق المحسوسة، واعتمادهم على الأساليب الخطابية الواضحة، والحكم ~~والأمثال البدهية. # وجاءنا عنهم من الأوزان خمسة عشر بحرا ضبطها الخليل، وزاد عليها الأخفش بحر ~~الخبب، ويسمى المتدارك لأنه تداركه. وأكثر ما نظموا على الأبحر الكثيرة التفاعيل؛ ~~لفخامتها وصلاحها للوصف وذكر الحوادث كالطويل والبسيط والكامل، ثم على الأبحر ~~اللينة التي تصلح للأغراض الوجدانية العاطفية كالوافر والرمل والخفيف، # 5 # ولم يخل شعرهم من زحاف مستكره نستقبحه اليوم ونأبى استعماله. # ومنظومهم قصيد ورجز، وأراجيزهم - ~~في الغالب - قصيرة، وهي مثل قصائدهم تجري على قافية واحدة ووزن واحد . ويستحسن ~~عندهم تصريع المطلع أو تقفيته، وربما صرعوا أو قفوا في غير المطلع. ولهم من ~~سلامة الطبع ما يرشدهم إلى اختيار القافية الملائمة للبيت في معناه ولفظه، فما هي ~~تجعله وسيلة لوجودها، ولا هو يجرها إليه على الرغم منها، بل تأتي متممة له في ~~انسجامها وحسن وقعها وقرارها، ولكنها لم تخلص من عيوب مذمومة كالإقواء # 6 # والإكفاء، # 7 # وأنواع مكروهة من السناد. # 8 # وبيت الشعر عندهم صورة لتقطع ~~أفكارهم وخيالاتهم؛ يستقل بمعناه ولا يتعلق بما يليه، وقليلا ما عدلوا إلى ~~التضمين، # 9 # ويكرهون المعاظلة، # 10 # وهذا الاستقلال البيتي جعل القصيدة عرضة للتشويش في مواضع جمة، يحذف ~~منها ولا يحس نقصانها، ويبدل ترتيب أبياتها ولا يظهر خلل فيها. # على أن الشعر الجاهلي المستقل ببيته، لا ~~ببنايته، يرتفع أحيانا إلى غاية الجمال، وهو في الجملة أخلص الشعر القديم جوهرا، ~~وأصدقه شعورا وتعبيرا وإيحاء، يأتي به الشاعر بقوة الإحساس الفني، على فطرته ~~وصفاء نفسه، مع ما فيه من بداوة ووحشية وخشونة. ~~(2) الفخر والحماسة # اتفق مؤرخو الأدب أن يجعلوا الفخر والحماسة بابا واحدا لما بينهما من الاتصال ~~الوثيق؛ لأن الحماسة ليست سوى فخر الفارس ببطولته وذكر وقائعه، ووصف فرسه وسلاحه. ~~وباب الفخر في الجاهلية - وإن اتسع إلى موضوعات غير الفروسية كالنسب والسيادة ~~والكرم والأخلاق والأهل والولد والفصاحة - لا ms027 يخلو أصلا عن المباهاة بالشجاعة ~~والإقدام. ومن العبث أن نبحث عن فخر شاعر بنفسه، أو مدح شاعر لغيره، أو رثاء شاعر ~~لميت دون أن يكون للشجاعة القسط الراجح، بحيث لا يمكن أن نفصل الفخر عن الحماسة؛ ~~لأنهما وجدا توأمين متلازمين، فلا فخر بدون حماسة، وكذلك الحماسة هي الفخر بعينه. ~~ويحسن بالفروسية أن يرافقها شرف المحتد ومكارم الأخلاق، حتى إن المضعوفين في نسبهم ~~يدافعون عنه أنبل دفاع، كما دافع عنترة عن نسبه لأمه. ولا يرضى أحد ~~الصعاليك - كالشنفرى والسليك - أن يغمز ~~في حميد صفاته. # وشعر الفرسان يشتمل على جميع الفضائل الجاهلية، وأخصها فضيلة الفروسية؛ حيث ينصرف ~~الشاعر إلى ذكر حروبه مبالغا في وصف البطل الذي يبارزه ويسطو عليه، أو وصف المعركة ~~التي يخوض غمارها، ويلقي بنفسه في مهالكها. # ويحدث عن القتلى والأسرى والسبايا والغنائم، فلا يخلو حديثه عن تكثر أو غلو، ~~والتكثر والغلو من خصائص شعر الفروسية، فإن الواقعة الصغيرة تبدو ملحمة كبيرة، ~~والعدد القليل يجر جيشا عرمرما، ونفيرا من القتلى يعد بالمئات والألوف. على أن ~~غلوهم لم يأت مستقبحا، وهو وليد العاطفة المتحمسة تجعله قريبا إلى النفس، ~~والفطرة الساذجة تمسحه بجمالها الجذاب. يخالف الحقيقة ويصدق في شعوره الفني، يجري ~~مع الطبع في نشوة الخاطر المتدفق، لا يهيئه العقل في يقظة الفكر المتكلف. # والشعر الحماسي - كسائر الشعر الجاهلي - يعتمد في الأكثر على الوصف، وفي الأقل ~~على القصص، وهو في كلا الحالين يؤثر الإيجاز على التطويل، ويلمح الجزئيات دون ~~الكليات، ويتعلق بالمادة أكثر من الروح. فلو أراد أن يصف معركة اجتزأ ببضعة أبيات ~~ترينا جواده وسيفه ومضات من البرق جميلة في سرعتها وتلويحاتها. غير أننا لا نخرج ~~منها بفكرة عامة أو صورة تامة عن الواقعة، فما ندري كيف جرت حركات المتحاربين، وكيف ~~انتظم الجيشان، وأين وقف الفرسان، وأين وقف الرجالة، وكيف تم الهجوم والالتحام. ~~ولا نسمع من الأصوات إلا غماغم يختلط فيها وقع السلاح، وصياح الفرسان، وحمحمة ~~الجياد، ودقدقة الحوافر، ولا نرى من صفات السلاح إلا سيفا قاطعا، ورمحا طويلا، ~~ودرعا سابغة، ms028 وقليلا ما يسهب الشاعر ويدقق في أوصاف السلاح كما يسهب ويدقق في نعت ~~جواده ونعت الفارس المقاتل. على أن صورة الفارس لا تظهر في الغالب جلية، بل ~~يتركها غامضة مغشاة، ويعطينا المعركة على الإجمال تهاويل مقطعة الخطوط والأوصال لا ~~يتألف من أجزائها وحدة موضوعية متلاحمة. # والوصف عنده لا يتعدى الطبيعة ومرئياتها، ولا يرتفع بها عن منزلتها إلا نادرا. ~~فجواد عنترة، في شكواه وتألمه، صورة تكاد تكون فريدة في روحانيتها وارتفاع ~~الحيوان بها إلى درجة الإنسانية، وليس له اليد الطولى في استجلاء أسرار النفس ~~وتفهم أهوائها وحركاتها، فجاءت نفسيات الفرسان كتصاويرهم الخارجية يتغشاها سحاب ~~من الإبهام. فبراعته في الوصف لا تجاوز النقل عن الطبيعة في الجملة، على شيء من ~~الإحكام والتهذيب؛ لأن البدوي له عين متنبهة لالتقاط المرئيات، ومخيلة مصورة تحسن ~~تقليد الأشياء، وليس له قوة الخيال المبدع الذي يختزن المحسوسات ويجمع بعضها إلى ~~بعض، ثم يحللها ويركبها، فيخترعها صورا جديدة أو يخلقها خلقا مبتكرا إلا في ~~القليل المحدود، ومع ذلك فهو يجيد الوصف ويتقنه أكثر مما يجيد القصص، فإن القصة في ~~الشعر الجاهلي ضعيفة الفن؛ لاقتصارها على الخبر البسيط والسرد السريع كما يفعل ~~عنترة في كلامه على مبارزاته، وتأبط شرا في حكاياته عن الغيلان، ولا جرم أن ~~الإيجاز الذي درج عليه الجاهلي كان يحول بينه وبين الإسهاب في أخباره، وهذا الإيجاز ~~يعود في معظمه على قصر النفس، ونزارة ينابيع الخيال المبدع، فلم يتوفر له عمل ~~الملاحم والقصص الطويلة، وقد فصلنا ذلك في كلامنا على ميزة الشعر الجاهلي. ~~(3) الشعر السياسي ~~(3-1) المدح # المدح في الجاهلية من الأبواب ~~الرئيسة لاتصاله بالحياة القبلية، فقد كان على الشاعر أن يدافع عن أعراض قومه، ~~ويمدح ساداتهم وفرسانهم، ويطري فضائلهم ويمجد أعمالهم، ولذلك كانت القبيلة ~~تغتبط وتتباشر إذا نبغ شاعر فيها، وإن لم يكن من الفرسان؛ لأن حماية الأعراض ~~والأحساب لا تقل شأنا عن حماية الأرواح والأموال. ولا تلحق الشاعر غضاضة من ~~هذا المدح؛ لأن مفاخر القبيلة - وهو منها - تعود إليه كما تعود إلى غيره من ms029 ~~أبنائها، فخليق بهذا المدح أن يعد من الفخر، فما كان عمرو بن كلثوم في ~~معلقته إلا مفاخرا بقومه، مدافعا عنهم، وكذلك الحارث بن حلزة في رده عليه ~~والذود عن بني بكر، مع أنه لم يكن سيد القبيلة ولا فارسها. # على أن الشاعر الجاهلي مضطر كغيره من البدو إلى الترحل والنزول على قبيلة ~~غريبة، ضيفا أو جارا، فتحسن وفادته، وتبالغ في قراه وإيناسه، أو تجيره ~~وتؤمنه في خوفه، وتساعده على حاجته، فيرى من واجبه أن يشكر لها صنيعها، ويمدح ~~السيد الذي أضافه أو أغاثه، وهذا لا يعد من باب التكسب، وإنما هو شكر على ~~معروف، لا استجداء لصلة، كما مدح امرؤ القيس القبائل التي كانت تضيفه أو تجيره ~~بعد مقتل أبيه، فقال في المعلى التيمي حين أجاره من المنذر بن ماء ~~السماء: # أقر حشا امرئ القيس بن حجر # بنو تيم مصابيح الظلام # ولم يعرف التكسب بالمدح إلا عندما أخذ الشعراء ينزحون عن قبائلهم، ويترددون ~~في الأحياء الغريبة، ويقرعون أبواب الملوك والسوقة، مادحين مستجدين، هاجين من ~~لا يحسن لهم العطاء. فهبطت منزلتهم عن منزلة الشعراء القبليين الذين أبوا أن ~~يقبلوا الصلة ويريقوا ماء الوجوه. # بيد أننا لا تستطيع أن نرد بدء التكسب على شاعر قبل غيره لبعد العهد، وضعف ~~المستندات التاريخية، وكثرة الشعراء الذين تكسبوا، وعاصر بعضهم بعضا، إلا ما ~~كان من زعم جماعة من الرواة أن النابغة أول من سأل بشعره واستعطى، وزعم آخرين ~~أنه الأعشى. ويعترض ابن رشيق في العمدة على الذين يضيفون بدء التكسب إلى أبي ~~بصير فيقول: «وقد علمنا أن النابغة أسن منه وأقدم شعرا.» # ونعلم من الرواة أن الشعراء قبل النابغة كانوا يقصدون قصور الملوك ويمدحونهم، ~~فقد ذكروا أن المسيب بن علس دخل على عمرو بن هند ومدحه، ولقي هناك طرفة ~~والمتلمس، وكان يتردد على القعقاع بن شور الدارمي ويمدحه وينال صلاته، ومع ذلك ~~لم يعير هؤلاء الشعراء، ولا غض الشعر منهم، كما أن زهير بن أبي سلمى لم يؤخذ ~~عليه مدحه لهرم بن سنان وقبوله العطاء ms030 منه، وما ذاك إلا لأنهم لم يتخذوا الشعر ~~حرفة للتكسب كما اتخذه النابغة والأعشى والحطيئة، وليس المسيب بن علس من ~~الذين يذكرون مع كبار الشعراء ليعنى الرواة بتسقط أخباره، فنعلم دوافع مدحه ~~لعمرو بن هند والقعقاع الدارمي. ولم يتكسب زهير إلا يسيرا من هرم بن سنان، ~~حتى قيل إنه كان يتجنب التسليم عليه لئلا يتعرض لعطائه، وهو على كل حال مدح ~~سيدا من قبيلة أقام في أرضها وانقطع إليها، وتزوج منها وأصبح شاعرها وحكيمها ~~يرشدها ويدافع عنها، وأمه تنتسب إليها. وأما النابغة فكان يتنقل من المناذرة ~~إلى أعدائهم الغساسنة، يمدح هؤلاء وأولئك ويستجديهم. ثم يبذل ما في وسعه ~~لاسترضاء النعمان أبي قابوس، خاشعا متذللا؛ ليعود إلى قصره بعد انقطاع رجائه ~~من ملوك الشام. فعيروه وقالوا: غض الشعر منه، لأنه من أشراف القبيلة. # وأما الأعشى فقد كان أكثر منه ترددا في البلاد، يأخذ الصلة من الملوك ~~والسوقة، وينفر سيدا على آخر فيهجو من لم يسئ إليه ليمدح منافسه على ~~السيادة، فعله بعلقمة بن علاثة تأييدا لعامر بن الطفيل، ومدحه للمحلق ~~الصعلوك مشهور، ولذلك قالوا: جعل الشعر متجرا، ومن قوله في تطوافه: # وقد طفت للمال آفاقه # عمان فحمص فأورى شلم # أتيت النجاشي في أرضه # وأرض النبيط وأرض العجم # وبلغ التكسب إلى أدنى دركاته ~~عند الحطيئة، فقد أكثر من السؤال بالشعر، وانحطاط الهمة فيه والإلحاف، حتى مقت ~~الشعر وذل أهله كما يقول ابن رشيق. يمدح الشخص ويتكسب منه، ثم يهجوه تزلفا ~~إلى عدوه، فعله بالزبرقان بن بدر عندما هجاه تقربا إلى بني شماس بعد أن نزل في ~~جواره. # على أن المدح، وإن صار إلى التكسب الدنيء في أواخر العصر الجاهلي، فقد كان ~~تأثيره عظيما في الأشخاص والقبائل، يرفع شأن الخامل وينشر ذكره بين الناس كما ~~ارتفع المحلق الكلابي واشتهر بشعر الأعشى بعد خموله، وكما ارتفع بنو أنف ~~الناقة بشعر الحطيئة، وكانوا يخجلون باسمهم، فصاروا يتطاولون بهذا النسب بعد ~~قوله فيهم: # قوم هم الأنف والأذناب غيرهم # ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟ # والتجاء طلاب السيادة ms031 إلى الشعراء في مفاخراتهم دليل على ما للشعر من الأثر ~~البليغ. # ولا يختلف المدح في صفاته العامة عن الفخر والحماسة، فإن الفضائل التي يفاخر ~~بها الشاعر الجاهلي، وينافس غيره من الشعراء والقبائل، هي التي يمدح بها ~~السادات والملوك شاكرا أو متكسبا، معتذرا أو مستعطفا؛ لأنها خير ما يرى من ~~حميد المزايا ومكارم الأخلاق، في بدوه وفي حضره، فأضافها إلى ممدوحيه مبالغا ~~في الكلام عليها مبالغة الشاعر الفارس في المباهاة بها، وإن تكن الحمية عنده ~~أخف منها عند الآخر؛ لأن النفس التي تدفع إلى المدح والثناء غير النفس التي ~~تندفع حماسة وفخرا. # ويختلف الشعراء في مبالغاتهم بين مقل ومكثر، ولكنهم لا يجنحون إلى الإحالة؛ ~~لأن طبع البدوي في صفائه ينفر من الغلو إلا إذا رانت عليه العاطفة في حزن أو ~~حماسة، فتخرج به إلى غاية الإغراق والكذب، غير معتدل ولا متأثم. وقلما سمعنا ~~شاعرا مداحا في الجاهلية يغلو غلو النابغة في وصفه سيوف الغساسنة، حيث ~~يقول: # تقد السلوقي المضاعف نسجه # وتوقد في الصفاح نار الحباحب # أو في ذكره قدر ابن الجلاح الكلبي - قائد الغساسنة - زاعما أنها تسع ~~الجزور بجملتها. فهذه المغاليات مأنوسة في المفاخر والمراثي أكثر منها في ~~المدائح، ولكن تحول الشعر إلى التكسب جعل الشعراء يفرطون في تعظيم الأشراف ~~والملوك، تملقا لهم واستدرارا لأكفهم، وإن تكن السذاجة الفطرية لا تعدو ~~تصوراتهم، مثل وصف النابغة للقدر التي تسع الناقة العظيمة، وينضاف إلى هذه ~~التصورات ما نسمع من مدح الأشخاص بنعالهم وجودتها. فإن الأشراف ينتعلون السبت ~~- وهو الجلد المصبوغ - فلا تأكله الكلاب كما تأكل غيره من الذي لم يصبغ. قال ~~النجاشي الحارثي يمدح هند بن عاصم: # ولا يأكل الكلب السروق نعالهم # ولا تنتقي المخ الذي في الجماجم # ومدح النابغة الغساسنة برقة نعالهم ليدل على ملوكيتهم وترفهم، وأنهم لا ~~يخرجون من منازلهم إلا راكبين على خيولهم، فما يحتاجون إلى لبس النعال ~~الغليظة. # ومثل هذا ما نرى من استنكار الأشراف لمآكل يجدون فيها غضاضة، فيبتعدون عنها، ~~ويأنفون من أكلها، فيمدحون بهذه العفة، كما مدح ms032 النجاشي هند بن عاصم؛ لأن قومه ~~لا يأكلون الأدمغة وهي ليست طعام السادات والملوك: «ولا تنتقي المخ الذي في ~~الجماجم.» # وحمدوا جوار شخص وذموا جوار آخر بمقدار ما يحسن أو لا يحسن قرى جيرانه، ومن ~~هنا مدح الكرام بنيرانهم وكلابهم ورمادهم. فالنار توقد ليلا لهداية الضيفان، ~~ولا يوقدها إلا السخي الجواد الذي يكثر رماده لكثرة طبائخه، قال ~~الحطيئة: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد # والكلاب تنبح لتهدي الطارق إلى المنزل، ولكنها لا تنبح في وجهه إذا أقبل. قال ~~حسان بن ثابت في الغساسنة: # يغشون حتى ما تهر كلابهم # لا يسألون عن السواد المقبل # ولا يختلف مدح الملوك في اعتماد هذه الفضائل عن مدح السادات، فإن الشعراء ~~الذين مدحوا الغساسنة والمناذرة أفاضوا في ذكر حروبهم وانتصاراتهم، وجودهم ~~وضيافاتهم، وحلمهم وهيبتهم في النفوس؛ لأن ملوك الشام والعراق لم يبتعدوا ~~بذهنيتهم عن سيد القبيلة، وإن أصابوا طرفا من الحضارة. فالمدح الذي يصلح ~~لصاحب القبة الحمراء، يصلح أيضا لأمير جلق والبريص، ولرب الخورنق ~~والسدير. # وكان ملوك غسان ولخم يقربون شعراء البادية، ويجزلون لهم الصلات ليتغنوا ~~بعظماتهم في الأحياء القريبة والبعيدة، فيتمكن سلطانهم في نفوسها، وينبسط ~~نفوذهم على عشائرها؛ لأنهم كانوا يحتاجون إلى مؤازرتها في حروبهم واقتصادياتهم، ~~وحراسة قوافلهم، فقضت عليهم السياسة بتقريب شعرائها وإكرامهم للاستفادة من ~~مدائحهم وسيرورة أشعارهم، كما قضت عليهم بذلك ذهنية العربي في ارتياحه إلى ~~الحمد والثناء. فمدحهم الشعراء مثل مدحهم لسادات قبائلهم، وأضفوا عليهم سوابغ ~~الأوصاف التي تعودناها منهم تحت الخيام. وإذا كان من خلاف بين المدح البدوي ~~والمدح الحضري، فإنما هو يقتصر على صفات لا توحي بها خيمة الأعرابي وطلله، ولا ~~حياته الاجتماعية، كوصف النابغة للفرات في مدح النعمان، وتشبيه عظمته بعظمة ~~سليمان، أو ذكر القصور المنيفة في المدن والعواصم، كقول الأسود بن يعفر في آل ~~محرق وبني إياد: # أهل الخورنق والسدير وبارق # والقصر ذي الشرفات من سنداد # 11 # وكذلك المدح الديني ووصف الحفلات في الأعياد الكبرى كما مدح النابغة بني ~~غسان، وذكر ms033 موكبهم يوم الشعانين. ويتخلل المدح الحضري الأخبار والأساطير، فعل ~~النابغة والأعشى. فنستدل بها على الثقافة التي اكتسبها شعراء البدو في رحلاتهم ~~إلى المدن والأمصار، ومخالطتهم للشعوب المتحضرة. # ومما يحمد عليه الشاعر الجاهلي أنه حافظ على كرامته في مدح الملوك والسادات، ~~فلم يتذلل لهم وهو في أشد الحاجة ~~إلى رفدهم ومعروفهم، أو عطفهم ~~ومساعدتهم. ولم نجد شاعرا حط من نفسه غير النابغة في اعتذارياته للنعمان بن ~~المنذر، وغير الحطيئة في تصوير بؤسه وضعفه، وفي متاجراته الدنيئة بأعراض الناس، ~~ومع أن الأعشى اتخذ الشعر تجارة فلم ينحدر به إلى الدنايا، ولا بذل ماء وجهه ~~إلى ممدوحيه، وكذلك عدي بن زيد العبادي لم تغضض منه اعتذارياته إلى النعمان، ~~وكان سجينا عنده لا طليقا كالنابغة، وإن بدا عليه الألم المرير حين يرينا ~~نفسه مكبلا بالحديد، مرتديا ثيابا بالية، فهو يحافظ على عزة نفسه وكرامة ~~محتده، ولا يخشى أن ينافس أبا قابوس بالمجد والفضل، فيذكره بما له ولأبيه من ~~النعمة عليه وعلى والده، ويذكره بالمصاهرة والمودة، وأنهم كانوا قبلهم ملوكا ~~ذوي سلطان: # نحن كنا قد علمتم قبلكم # عمد البيت وأوتاد الإصار # 12 # ويستهل شعراء الجاهلية مدائحهم، في الغالب، بذكر الديار الخالية، والوقوف ~~عليها للبكاء أو للتحية والسؤال، معددين المواضع التي توصل إليها، أو تحيط بها، ~~متشوقين إلى أحبتهم يوم كانوا يعمرونها، مشببين بهم، مستعيدين ذكرى فراقهم، ثم ~~يرحلون على ناقتهم مفرجين همهم، قاصدين إلى الممدوح، فيصفونها عضوا عضوا، ~~ويصورون سرعتها ونشاطها، ثم ينتقلون إلى المدح بعد هذه المقدمة التقليدية التي ~~تلزم الشريف أن يراعي حق الشاعر في قصده إليه دون غيره من مكان بعيد يعاني ~~السهر والنصب، وسرى الليل، ولفح السموم. وربما جعل ناقته تتظلم شاكية ما ~~يجشمها من مشقة الأسفار وشد الحبال، وفي ذلك ما فيه من استعطاف الممدوح، ~~وإيجاب حقه عليه. قال المثقب العبدي: # إذا ما قمت أرحلها بليل # تأوه آهة الرجل الحزين # تقول إذا درأت لها وضيني # أهذا دينه أبدا وديني؟ # 13 # أكل الدهر حل وارتحال # أما يبقي علي وما يقيني؟ # وقد ms034 تلوم المرأة زوجها والبنت أباها على كثرة ترحاله، خائفة عليه، فيسكن ~~من جأشها، ويهون الأمر عليها، ويعدها بالثروة. قال الأعشى: # تقول ابنتي حين جد الرحيل # أرانا سواء ومن قد يتم # فيا أبتا لا ترم عندنا # فإنا بخير إذا لم ترم # 14 # وقد تكون المرأة رفيقة له في السفر وطلب الرزق، فيدفعها أمامه، ويسير بها إلى ~~ممدوحه؛ فعل الحطيئة: # سيري أمام فإن الأكثرين حصى # والأكرمين إذا ما ينسبون أبا # قوم هم الأنف والأذناب غيرهم # ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟ # وشعراء المدح في الجاهلية كثر، يتشابهون في نواح من معانيهم وتعابيرهم، على ~~ما بينهم من اختلاف الطوابع الخاصة. ~~(3-2) الهجاء # الهجاء كالمدح باب رئيس متصل بسياسة القبيلة وحياتها الاجتماعية؛ لأنها كانت ~~تدفع شاعرها إلى الذود عن أعراضها، والرد على الشعراء الذين يهجونها، فينشر ~~مثالب أعدائها، ويعدد انكساراتهم ساردا أخبارها بإيجاز أو بشيء من التفصيل، ~~كما فعل الحارث بن حلزة في رده على عمرو بن كلثوم يوم التقاضي، فعير بني ~~تغلب الأيام التي هزموا فيها بأسلوب ناعم موجع ليغض من شأنهم عند ملك العراق؛ ~~وكما رد النابغة على عامر بن الطفيل فهجاه وذكره انكسار قومه يوم حسي أمام ~~بني ذبيان، وفيه قتل أخوه حنظلة بن الطفيل؛ وكما فضح حسان بن ثابت بني هذيل، ~~وكانت ترمى بأكل لحوم الناس: # إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له # فأت الرجيع وسل عن دار لحيان # 15 # قوم تواصوا بأكل الجار كلهم # فخيرهم رجلا والتيس مثلان # وعلى الشاعر أن يذود عن حلفاء قبيلته؛ لما بينهم وبينها من تبادل المنفعة في ~~الدفاع المشترك، فنرى النابغة يهجو زرعة بن عمرو؛ تأييدا لحلف بني أسد، ~~مدافعا عنهم، مستفيضا في وصف نجدتهم ومنعتهم كأنه يدافع عن قومه. # وإذا استجار شاعر بقبيلة واعتدي عليه، عنفها وهجاها ليحرضها على أخذ حقه؛ ~~لأنه يعلم أن الجوار مقدس عندهم لا يجوز انتهاكه. فقد عنفت البسوس بنت منقذ ~~بني مرة حين عقر كليب ناقة جارها سعد، وهي جارة لهم، فجعلتهم أمواتا ~~ونساء، حتى أثارت جساسا فقتل كليب ms035 وائل ونشبت بينهم الحرب الطويلة ~~المشئومة. # وخرجوا بالهجاء إلى التكسب كما خرجوا إليه بالمدح، فكان الشاعر منهم يدعى إلى ~~قبيلة غريبة عنه، فتضيفه وتكرمه ليهجو أعداءها، لا تشفع له في هجائه عصبية ~~قبلية كما لو كان يدافع عن قومه، وإنما حب التكسب هو الذي حمله على شتم ~~هذا ومدح ذاك. فالحطيئة ما هجا الزبرقان بعد مجاورته إياه إلا لأن أبناء شماس ~~أنزلوه عندهم وأكثروا له من التمر واللبن، وأعطوه لقاحا وكسوة؛ فقال ~~للزبرقان: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # بيد أن أمثاله في الشعراء الجاهليين قليل؛ فإن الذين تكسبوا بالمدح أكثر من ~~الذين تكسبوا بالهجاء، وقلما فعل واحد منهم مثل الحطيئة يهجو ليعطى ~~ويطعم. # وأشد الهجاء عندهم ما كان فيه التفضيل، ~~خصوصا بين الأقرباء ، وكلهم طامع في السيادة، ويسمونه الهجاء المقذع. فإن ~~الزبرقان بن بدر أمضه أن يفضل الحطيئة عليه بغيض بن عامر بن شماس، وهو مثله ~~من بني تميم، فشكاه إلى عمر بن الخطاب فحبسه مدة، ولما أطلقه قال له: «إياك ~~والهجاء المقذع!» قال: «وما المقذع يا أمير المؤمنين؟» قال: «المقذع أن تقول: ~~هؤلاء أفضل من هؤلاء وأشرف، وتبني شعرا على مدح قوم وذم لمن تعاديهم.» فقال: ~~«أنت - والله يا أمير المؤمنين - أعلم مني بمذاهب الشعر، ولكن حباني هؤلاء ~~فمدحتهم، وحرمني هؤلاء فذكرت حرمانهم، ولم أنل من أعراضهم شيئا.» # ومهما يكن من أمر هذه الرواية وزعمهم أن الحطيئة يجهل معنى الهجاء المقذع، ~~فإنه وإن لم ينل من أعراضهم، لقد أخزاهم بتفضيل منافسيهم عليهم، وذكر قعودهم عن ~~المكارم، وليس القذف مما يحمد فيه الهجاء، وإنما هو سباب وبذاءة لا يليق ~~بالشاعر أن ينحدر إليهما، ولم يخل الشعر الجاهلي منه، فقد أفحش زهير في هجاء ~~بني الصيداء عندما أسروا عبده يسارا، والمتلمس في هجاء عمرو بن هند بعد هربه ~~منه ومقتل ابن أخته طرفة. وفي شعر حسان بن ثابت كثير من الأبيات التي تنهش ~~الأنساب وتمزق الأعراض، ومنها ما قيل في الجاهلية، ومنها ما قيل في ~~الإسلام. ms036 # على أن الشاعر الجاهلي كان يتوخى - في الغالب - إسقاط المهجو من منزلته ~~الاجتماعية، فيعنى - على الأخص - بأن ينزع عنه الفضائل التي يحب البدوي أن ينعت ~~بها ليعد أهلا للسيادة، فيرميه بالجهل والحمق والجبن والبخل والغدر، وقد ~~يغمز من نسبه ليخرجه من قومه، أو يفضل أقرباءه عليه ليجعل لهم السيادة دونه. ~~ومثل هذا الهجو له تأثير عظيم في نفوسهم، يكبرون أمره ويخشون أصحابه، بخلاف ~~الهجو الذي يهتك حرمات النساء ويصب الشتائم والقبائح؛ فإنهم كانوا يذمون ~~الناطقين به ويمقتونهم. قال خلف الأحمر: «أشد الهجاء أعفه وأصدقه.» ويستحسن فيه ~~ما أخرجه الشاعر مخرج التهكم والتصوير الهزلي؛ فإنه يبلغ مأربه من مهجوه ~~بالطعن عليه، ويضحك منه السامع بسخره وعبثه، وهذا ما نسميه الهجاء ~~اللاذع. # وقد يأتي الهجاء عن دافع شخصي لا بعامل قبلي أو تكسبي، فإن الشاعر ربما ~~نالته أذية من شخص أفرط عليه، فيندفع إلى الانتقام بشعره، وهذا أمر إنساني ~~تمليه العاطفة على صاحبها، فيجد في نفسه حاجة إلى التفريج عنها بذم من ضامه أو ~~أساء إليه، كهجاء المتلمس لعمرو بن هند، وهجاء طرفة له ولأخيه قابوس ثم لصهره ~~عبد عمرو. # وأهاجي الجاهليين كمدائحهم صادقة التعبير عن ذهنية البدو وعاداتهم وتقاليدهم، ~~وما تواضعوا عليه من المذموم والمحمود، وما يقع لهم في ذلك من خلاف وتناقض. فقد ~~كانت القبيلة تعير الأخرى بأن شعراءها يرحلون بمدحاتهم إلى الغرباء، وقلما ~~خلت قبيلة من شاعر يرحل بشعره. فقد فاخر يزيد بن عبد المدان عامر بن الطفيل أن ~~شعراء قومه لا يرحلون بمدائحهم إلى قوم عامر، أما شعراء قوم عامر فيرحلون ~~بمدائحهم إلى قومه، ويعيرون الفارس إذا فر عن عشيرته في الحرب، مع أنهم لا ~~يستنكفون من التمدح بالفرار، إذا كان فيه منجاة للفارس من الموت. قال عمرو ~~بن معدي كرب وهو من الأبطال المعدودين: # ولقد أجمع رجلي بها # حذر الموت وإني لفرور # 16 # ويقبحون الغدر ويهجونه، قيل إنهم كانوا إذا غدر رجل وأخفر الذمة جعلوا له ~~تمثالا من طين ونصب، وقالوا: ألا إن فلانا غدر فالعنوه! قال ms037 عبد الله بن ~~جعدة يهدد قوم الحارث بن ظالم الذي قتل خالد بن جعفر غدرا: # فلنقتلن بخالد سرواتكم # ولنجعلن لظالم تمثالا # 17 # غير أنهم كانوا يستحلون الغدر عند طلب الثأر؛ لما يلحقهم من المذمة في تركه. ~~فأوس بن الخطيم فارس الأوس لم يدرك ثأره من قاتلي أبيه وجده إلا بالغدر ~~القبيح، فغسل عاره بمثله، ولكنه لم يجد فيه غضاضة؛ لأن النوم عن الثأر مذلة ~~الأبد، وقد تسمع بعض الشعراء يرمي مهجوه بالضعف، إذا عجز عن الظلم والغدر، ~~والظلم مكروه عندهم إذا أصاب الأقرباء، محمود إذا أصاب الغرباء. قال النجاشي، ~~وهو شاعر مخضرم، يهجو تميم بن مقبل العجلاني: # قبيلته لا يغدرون بذمة # ولا يظلمون الناس حبة خردل # فاستعدوا عليه عمر بن الخطاب. فلما سمع البيت قال: ليت آل الخطاب كذلك! ولم ~~يحبسه إلا لأنه قال فيهم: # أولئك إخوان اللعين وأسوة # الهجين ورهط الواهن المتذلل # 18 # وكان العرب يحتقرون الصناعات ويذمون أصحابها، وينسبونهم إلى الخمول والضعف؛ ~~لأنه ينبغي للفارس أن يكسب رزقه بسيفه وغزواته. فقد هجا عمرو بن كلثوم النعمان ~~أبا قابوس، وعيره أمه سلمى، وكانت بنت صائغ وأخت صائغ: # لحا الله أدنانا إلى اللؤم زلفة # وألأمنا خالا وأعجزنا أبا # 19 # وأجدرنا أن ينفخ الكير خاله # يصوغ القروط والشنوف بيثربا # 20 # ولم تكن التجارة أحسن حظا عندهم، وهي لم تعرف في غير المدن كمكة ويثرب ~~واليمن، فهجيت قريش بها. روى ابن سلام أن الناس أصبحوا يوما بمكة وعلى باب ~~الندوة مكتوب: # ألهى قصيا عن المجد الأساطير # ورشوة مثلما ترشى السفاسير # 21 # وأكلها اللحم بحتا لا خليط له # وقولها رحلت عير أتت عير! # 22 # واتهم بهما عبد الله بن الزبعرى وهو من قريش، ولم يقصر هجوه على التجارة، بل ~~عيرهم اشتغالهم بالأحاديث والأخبار في ندوتهم لفراغ بالهم وقلة همومهم، ونسب ~~إليهم الرشوة كما ترشى السماسرة، وعيرهم أكل اللحم الخالص. # والعرب يتهاجون بكل شيء أفرطوا في استعماله، فقد هجيت بنو تغلب بكثرة ~~روايتها معلقة عمرو بن كلثوم فقيل فيها: # ألهى بني تغلب عن كل ms038 مكرمة # قصيدة قالها عمرو بن كلثوم # وإذا اشتهرت قبيلة بأكلة عيرت بها، ولو كانت من طيب الطعام، فقريش هجيت ~~بالسخينة # 23 # كما هجيت عبد القيس بالتمر، وذلك عام بالحيين، وعيرت أسد بأكل لحوم ~~الكلاب، قال مساور بن هند: # بني أسد إن يمحل العام فقعس # فهذا إذا دهر الكلاب وعامها # 24 # وربما عيرت القبيلة بعيب واحد ~~منها. قال الجاحظ في البخلاء: «والعرب إذا وجدت رجلا من القبيلة قد أتى ~~قبيحا، ألزمت ذلك القبيلة كلها، كما تمدح القبيلة بفعل جميل، وإن لم يكن ذلك ~~إلا بواحد منها.» # وكان الكرم من أسباب السيادة، ~~فأكثروا من هجو الأشراف بالبخل والكزازة لإسقاط منزلتهم في الأحياء، ويتبع ذلك ~~ذكر النار وخمودها لقلة طبائخهم، أو لخشيتهم أن يعشو إلى ضوئها الضيفان؛ وذكر ~~الكلب ونباحه في وجه الزائر لأنه لم يألف الغرباء عند صاحبه، وسكوته عن النباح ~~ليلا لئلا يهدي الطارق والحائر، فاتهموا البخلاء بتخنيق الكلاب. # وللهجاء تأثير عظيم في النفوس، فقد كانت السادات والقبائل تتضور منه، ولا ~~تصبر عليه، لسيرورة الشعر وكثرة رواته. # وأكثر الشعراء رويت لهم أقوال في ~~الهجاء، وإن يكن بعضهم تميز فيه عن بعض كالحطيئة وحسان بن ثابت الأنصاري، ~~وأفضله ما جاء في الدفاع عن سياسة القبيلة والرد على خصومها، أو ما جاء في ذم ~~الأخلاق الرديئة وخلا من الفحش وتمزيق الأعراض. ~~(4) الرثاء # يشغل الرثاء جانبا عظيما من الشعر القبلي؛ لأنه - في أكثره - مصروف إلى سادات ~~العشيرة وفرسانها الذين لهم فيها المآثر المحمودة، فليس موتهم موت واحد، ~~بل بنيان قوم تهدم، كما قال عبدة بن ~~الطبيب في رثاء قيس بن عاصم. وكلما دنت القرابة بين الشاعر والميت ازداد الرثاء ~~حسرة وتفجعا، وأروعه ما ندب به الأبطال المجدلون في حومات القتال، فإن ~~الشعراء، في البكاء عليهم وفي تعداد مناقبهم، يثيرون الأحقاد ويشحذون العزائم، ~~ويهيجون القبيلة للحرب والأخذ بالثأر، كرثاء المهلهل لأخيه كليب، والخنساء لأخويها ~~صخر ومعاوية، وفيه تتدفق العاطفة لوعة وألما، ويشتد الغلو في ذكر أوصاف الميت ~~وتعظيم المصاب به، فليس إلا الشعور يفيض دمعا ms039 وأسى عليه، وفخرا ومباهاة به، ~~ومدحا وتأبينا له، فتتفاعل مشاعر مختلفة من خسارة وحزن، وإعجاب واعتزاز، وضغن ~~ونقمة، وقد يبلغ بهم استعظام الخطب إلى أن يتمنوا حدوث انقلاب في الكون، كما قال ~~المهلهل: # ليت السماء على من تحتها هبطت # وانشقت الأرض فانجابت بمن فيها! # ومثل هذا التفجع والتهويل شائع عندهم في رثاء الملوك والرؤساء لا يقتصر على الأهل ~~الأدنين؛ فقد رثى النابغة حصن بن حذيفة بن بدر بقوله: # يقولون حصن! ثم تأبى نفوسهم # وكيف بحصن والجبال جنوح؟! # 25 # ولم تلفظ الموتى القبور ولم تزل # نجوم السماء والأديم صحيح! # 26 # وسخط المهلهل على بني بكر ظاهر في تهديده ووعيده وضربه معجزات الشروط عليهم ليرضى ~~بمصالحتهم، كما يظهر في رثاء الخنساء وحرقتها على أخويها، مع ما في أشعارها من ~~المباهاة بالميت وتعظيم صفاته ومناقبه. # وقلما قرأت شعرا في رثاء عظيم - ملك أو سيد - ~~إلا آنست المغالاة في ذكر فضائله، شأنك اليوم عندما تسمع النادبين والنادبات، ولكن ~~لا ترى في أقوالهم ما يستهجن أو تنبو عنه المسامع؛ لأنه صادر عن العاطفة المكلومة، ~~وكل ما تنطق به النفس على سجيتها لا يظهر عليه التكلف البغيض. فكعب بن سعد الغنوي ~~لا يرى بعد أخيه أبي المغوار من يلبي طالب المعروف، فتصغي إليه غير مستنكر دعواه ~~لما فيها من فطرة وشعور صادق: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى؟ # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # فقلت ادع أخرى وارفع الصوت ثانيا # لعل أبا المغوار منك قريب! # وهم يصفون الميت بجميع الفضائل التي يفاخرون ~~ويمدحون بها، غير أنهم يجعلون في كلامهم دلالات على أن المقصود به رثاء لا مدح، بما ~~يتخلله من عبارات فيها ذكر المصاب والدفن والقبر، وفيها التلهف والتفجع ونداء ~~الميت: لا تبعد. قال مالك بن الريب: # يقولون لا تبعد، وهم يدفنونني # وأين مكان البعد إلا مكانيا؟ # 27 # وقال النابغة في رثاء النعمان الغساني: # فلا تبعدن إن المنية منهل # وكل امرئ يوما به الحال زائل # وكثيرا ما ينعون تلك الفضائل مع الميت؛ ~~فكأنها ذهبت بذهابه، فليس ms040 بعده من يجيب إلى الندى كما قال كعب بن سعد، ولا من ~~يحمي النساء والأموال ويغيث الملهوف، فقد دفنت المكارم بدفنه، وغيبت الأخلاق ~~الطيبة في ثراه. قالت الخنساء: # يا صخر ماذا يواري القبر من كرم # ومن خلائق عفات مطاهير؟! # وربما سلكوا سبيلا آخر، وهو أن يأتي الشاعر بكأن، فيقول: كأن فلانا لم يركب ~~جوادا، ولم يوقد نارا، ولم يطعم جائعا ~~... إلى ما هنالك من المآثر الحميدة ~~ليظهر أنها مضت معه وأصبحت خبرا من الأخبار. قال كعب بن سعد: # كأن أبا المغوار لم يوف مرقبا # إذا ربأ القوم الغزاة رقيب # 28 # ولم يدع فتيانا كراما لميسر # إذا اشتد من ريح الشتاء هبوب # 29 # وقد يستسلم للقضاء والقدر إذا لم يجد ~~سبيلا إلى إدراك الثأر، أو إذا أدركه، أو إذا كان الميت قضى غير مقتول بمرض أو ~~حادث طبيعي، فيعمد إلى تعزية نفسه بذكر مصائب الدهر، وفلسفة الحياة والموت، كما فعل ~~لبيد في رثاء أخيه أربد وقد قتلته الصاعقة: # فلا جزع إن فرق الدهر بيننا # فكل امرئ يوما له الدهر فاجع! # وما المال والأهلون إلا ودائع # ولا بد يوما أن ترد الودائع # قال ابن رشيق في العمدة: «ومن عادة القدماء أن يضربوا الأمثال، في المراثي، ~~بالملوك الأعزة، والأمم السالفة، والوعول الممتنعة في قلل الجبال، والأسود ~~الخادرة في الغياض، وبحمر الوحش المتصرفة بين القفار، والنسور والعقبان ~~والحيات؛ لبأسها وطول أعمارها، وذلك في أشعارهم كثير موجود، لا يكاد يخلو منه ~~شعر.» ا.ه. # وإنما اتخذوا هذا الأسلوب ليستخلصوا حكمة ساذجة، وهي أن هؤلاء الملوك والأبطال ~~والجبابرة من الشعوب الخالية لم يعف الموت عنهم، ومثلهم الحيوانات الضارية، أو ~~الممتنعة في الجو والآكام والأودية، أو الطويلة الأعمار، ولو نجا حي من الموت ~~لكان أولئك الناس وتلك الحيوانات أولى من غيرهم بالنجاة. فيجدون عزاء لأنفسهم بضرب ~~هذه الأمثال، ما دام الموت لا مهرب منه لكل ذي حياة. # فمن ذلك رثاء أبي ذؤيب الهذلي لأولاده الخمسة، وقد ماتوا بالطاعون في سنة ~~واحدة، وقيل كانوا ثمانية فمات سبعة منهم. فذكر ms041 أن الدهر لا يبقى على حدثانه أحد من ~~الأحياء، مهما يكن عليه من القوة والبأس والصلابة والتمنع. فقص أولا خبر ~~الحمار الوحشي إذ كان آمنا، فأدركه الصياد فرماه فأقصده، ~~فخر منجدلا. ثم أتبعه خبر الثور ~~الوحشي وكيف التجأ إلى شجرة الأرطى ليلا محتميا من المطر حتى الصباح، ففاجأته ~~الكلاب فقاتلها وصرعها بقرنيه، فرماه صاحبها بسهم فأرداه. ثم أخبر عن مصرع بطلين ~~تبارزا، ووصف سلاحهما وفرسيهما وعراكهما، فأخرج قطعة ملحمية جميلة، وأما كلامه على ~~الثور والحمار والصيادين والكلاب فشائع متشابه في شعر الأقدمين. # فهذه التأسيات تجعلهم أحيانا لا يندفعون مع العاطفة الجازعة المتفجعة؛ بل ~~يستسلمون إلى القدر الذي يؤمنون بسلطانه، ويخضعون لأحكامه القاسية، راضين على كره ~~بما قسم لهم، كما هي الحال عند أبي ذؤيب وعند لبيد. قال أبو ذؤيب: # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع # والنفس راغبة إذا رغبتها # وإذا ترد إلى قليل تقنع # وقيل إن في البيت الثاني إشارة إلى قناعته بالطفل الذي بقي حيا من أولاده، وقال ~~أعشى باهلة في رثاء المنتشر أخيه لأمه: # فبت مكتئبا حيران أندبه # ولست أدفع ما يأتي به القدر # وإذا ابتعدت المراثي عن الأهل والأقرباء، وخرجت إلى السادات والملوك الغرباء، كان ~~شأنها شأن المدح التكسبي، على غير آصرة صحيحة تربط الشاعر بالميت إلا ذكر أياديه ~~البيض عليه كرثاء النابغة للنعمان الغساني. ~~(5) الغزل # يقوم أكثر الغزل الجاهلي على الوصف والتشبيب، وأقله ما جاء قصصيا يحمل ذكريات ~~المغامرات الغرامية يتخللها الحوار كما نجده عند امرئ القيس، وعند المنخل ~~اليشكري في قوله: # ولقد دخلت على الفتا # ة الخدر في اليوم المطير # الكاعب الحسناء تر # فل بالدمقس وبالحرير # فدنت وقالت: يا منخل # ما بجسمك من حرور؟ # ما شف جسمي غير حبك # فاهدئي عني وسيري! # وفيه من العفة ما يحمد عليه صاحبه، وإن كان لا يخلو بعضه من فحش ورذيلة، ولا سيما ~~شعر المترفين، وتسيطر عليه المادة من جميع نواحيه، فما فيه من عمل الروح إلا نفحات ~~خفيفة تكاد لا تحس. # وليس الغزل عندهم فنا ms042 مستقلا برأسه، ~~وإنما هو غرض من الأغراض المتعددة التي تشتمل عليها قصيدتهم، ولكن له حق الصدارة ~~يستهل به ثم ينتهى منه إلى غيره. # ويبدءون غزلهم في الغالب بذكر الطلول ~~الدارسة تلعب بها الرياح، وتعفو آثارها الأمطار، وتسرح بها الآرام مطمئنة لخلوها من ~~سكانها. ثم يذكرون الفراق وانتقال الظعائن، فتشجى نفوسهم، وتفيض عيونهم بالبكاء، ~~ويستعيدون صورة الحبيب النائي آخذين بوصفه وتمثيله، ذاكرين اسمه الحقيقي، أو كانين ~~عنه بغيره حرمة واستحياء. # والجاهلي شديد الشغف بذكر محاسن المرأة: يصف أعضاءها وملامحها ومزاياها، ويحيطها ~~بأحسن ما عنده من التشابيه، كما اقتضت الجمالية القديمة عندهم. فهي كالبيضة ودرة ~~الغواص في صيانتها وصفائها، وشعرها الفاحم كعناقيد النخل تضيع فيه المدراة؛ طويل ~~إذا أرسلته ينعفر، ووجهها أبيض ضارب إلى الصفرة، يضيء كالشمس أو كالبدر # 30 # أو كالنار، أو كمنارة الراهب. وليس للعيون الزرق حظ لديهم # 31 # وإنما هم يؤثرون العين السوداء والكحلاء والحوراء، عين الغزال والمهاة. ~~ويستحسنون بياض الأسنان وأشرها، ويشبهونها بالأقحوان والبرد، ويمدحون الثغر ~~ببرودة الريق، وحلاوة الطعم، وطيب النكهة لا تخلفه نومة الضحى، ويشبهونه بالخمر ~~ولطيمة المسك والروضة الأنف. قال المرقش الأصغر: # وما قهوة صهباء كالمسك ريحها # تعل على الناجود طورا وتقدح # 32 # ثوت في سواء الدن عشرين حجة # يطان عليها قرمد، وتروح # 33 # سباها رجال من يهود تباعدوا # بجيلان يدنيها إلى السوق مربح # 34 # بأطيب من فيها إذا جئت طارقا # من الليل بل فوها ألذ وأنضح # 35 # ويعجبهم الجيد الأتلع ويرون له شبها في جيد الرئم، والخصر الأهيف، والكشح ~~الهضيم، والردف الثقيل، والقامة اللدنة. ويشبهون الخصر بالجديل، والردف بالكثيب، ~~والقامة بالغصن أو بالرمح. ويصفون الأنامل باللطافة، حتى لتكاد تنعقد، ويشبهونها ~~بالعنم والأساريع. ولا تحمد الساق إلا إذا كانت عبلة صامتة الحجل ريا ~~المخلخل. # وخير النساء الحرة المنعمة، الكسول التي تنام الضحى، ولا تقوم للعمل في المنزل، ~~القصيرة الخطى، البطيئة إذا مشت. قال قيس بن الخطيم: # تنام عن كبر شأنها فإذا # قامت رويدا تكاد تنغرف # 36 # ومن صفاتها أن تكون حلوة الحديث يتساقط كلامها تساقط ms043 الحلي، حصانا عفة، ~~وفية لزوجها كاتمة سره، ولا تختتل لأسرار الجيران. قال قيس بن الخطيم: # خود يغث الحديث ما صمتت # وهو بفيها ذو لذة طرف # 37 # تخزنه وهو مشتهى حسن # وهو إذا ما تكلمت أنف # 38 # وقال الشنفرى: # أميمة لا يخزي نثاها حليلها # إذا ذكر النسوان عفت وجلت # 39 # ولكن غزلهم في كثرته يدل على سوء ظنهم بالمرأة، وشدة ما يعانون من غدرها ~~وتبديلها الأصحاب ونفورها من الزوج إذا كبر وشاب. ولطالما حاول الشاعر أن يرد تهمة ~~الكبر بذكر همته واستطالته على اللهو وتصبي النساء. قال علقمة بن عبدة: # فإن تسألوني بالنساء فإنني # خبير بأدواء النساء طبيب # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله # فليس له في ودهن نصيب # ووصف كعب بن زهير حبيبته سعاد بقوله: # فما تدوم على حال تكون بها # كما تلون في أثوابها الغول # ولا تمسك بالعهد الذي زعمت # إلا كما تمسك الماء الغرابيل # وقال امرؤ القيس يرد على بسباسة التي اتهمته بالكبر: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني # كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي # 40 # كذبت! لقد أصبي على المرء عرسه # وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي # 41 # على أن الشاعر الجاهلي في ماديته ~~لا يعنى كثيرا بوصف أخلاق المرأة، وعرض نفسيتها، وتحليل عواطفها، كما لا يعنى ~~بتصوير لواعج نفسه، وتلمس خفاياها، واستخراج الأهواء المتدفقة فيها. فقد كان ~~يحس كل الإحساس بالألم والخيبة، واللذة والأمل، فتعبر عن هذه المشاعر دموعه ~~وابتساماته، وتلهفه وابتهاجه، أكثر مما تعبر عنها صوره وألوانه. فهو يحسن تصوير ~~الأشياء المرئية التي تبعث فيه الشعور والاشتياق، ولا يحسن مع ذلك تصوير ما في ~~النفس من خوالج وانفعالات. وربما ظهرت شخصية المرأة في شعرهم عامة مشتركة، لتواطئهم ~~على أوصاف راتبة لا يجاوزونها، ولا يحيدون عنها، فقلما وجدت فرقا بين واحدة ~~وأخرى من عرائس الإلهام. # والغزل الجاهلي بما فيه من فطرة لا يخلو من سذاجة التعبير عن حب الشاعر وشكواه ~~وتضجره من العواذل، ولكن فيه من الأنفة والإباء ما يرفعه عن التذلل والعبودية ~~وتعفير الوجه على ms044 أقدام الحبيبة، وكثيرا ما تمتزج ألفاظ الحب بألفاظ الحرب، ولا ~~سيما عند الشعراء الفرسان. ~~(6) الطبيعة # لا يستغرب من الشاعر الجاهلي أن ينظر إلى الطبيعة ويمعن في وصفها، وهو يعايشها ~~غير مصارم لها بهجران، ويواصلها غير منفصل عنها بحائط أو بنيان. يتكل عليها في ~~حياته ورزقه، مع ما هي عليه من الغلظة والقساوة وقلة العطاء. فقد وجد العرب في ~~بادية عطشى قليلة الماء، لا تجري فيها الينابيع الغزيرة فضلا عن الأنهار؛ لتروي ~~الأرض وتبعث الخير من بواطنها، فآمالهم بالخصب معقودة على ماء السماء، وربما حطمتهم ~~السنة وعضتهم الفاقة لاحتباس المطر وإخلاف الربيع، فتظلم الدنيا في عيونهم من صحو ~~دائم وصفاء راتب. # وفصل الأمطار قصير في الصحراء، ولكنه مستطيل على إحياء الأرض لما بها من قوة ~~كامنة، فلا يمضي على سقوط الغيث عشر ليال حتى ينبت الربيع كما ذكر ابن دريد: «فما ~~لبثنا إلا عشرا حتى رأيتها روضة تندى.» ولطالما نشبت الحروب واستحكمت العداوات ~~بينهم لتزاحمهم على المياه والمراعي، كما يتزاحم أهل الحضر ويتقاتلون على المرافق ~~الاقتصادية. # وفي الشعر الجاهلي أوصاف كثيرة ~~للربيع تنظر إلى حياتهم المادية بدافع الرخاء والشدة، لا إلى حياتهم الروحانية ~~بعامل المتعة والشعور الباطن. فكان الربيع عندهم نجعة للإبل وموردا للرزق، فإذا ~~أخطأهم أجدبت المراعي وجف الضرع وعم الجوع والبلاء. فحياة البدوي من إبله، وحياة ~~الإبل من الكلأ، وقديما قال قائلهم: «إذا أخصبت الدهناء ربعت العرب جمعاء.» وإذا ~~ربعوا: «غيبت الشفار وأطفئت النار»؛ لأنهم يشربون اللبن ولا ينحرون النياق ~~فعلهم أيام القحط وانقطاع الأمطار. # وحاجة البادية إلى الماء جعلت لفصل ~~الأمطار شأنا خطيرا في الشعر الجاهلي؛ لأن البدوي يشعر بالجوع في أواخر الصيف، ~~ويحزنه أن يرى العشب يابسا والغدران والآبار جافة، وتمله الطبيعة بصحوها ~~المستمر وحرها الخانق، فتأخذه الكآبة خوفا من الجدب إذا احتبس المطر، وضجرا من ~~حياة متشابهة، ويظل على هذه الحال خاضعا للقدر، مرجيا تبدل وجه السماء لتأتيه ~~بالغيث والفرج. حتى إذا اغبر الأفق وسطع البرق، ابتهج ومضى يتأمل هذه الظواهر ~~الجديدة مترقبا نزول المطر، كما ms045 قعد امرؤ القيس بين ضارج والعذيب ينظر فرحا إلى ~~البرق والسيل الجارف يسحو الجبال ويفترش الصحراء، فتنقلع الأشجار، وتنهدم الآطام ~~إلا ما بني بالحجارة، وتسكر الطير وتوحل السباع. # أصاح ترى برقا أريك وميضه # كلمع اليدين في حبي مكلل # 42 # وكما وقف أوس بن حجر يتلمس السحاب وقد أطبق عليه، وتهدلت أذياله وفجره الرعد ~~بالقطار: # دان مسف فويق الأرض هيدبه # يكاد يدفعه من قام بالراح # 43 # كأن فيه إذا ما الرعد فجره # دهما مطافيل قد همت بإرشاح # 44 # وكما أرق ملحة الجرمي للبارق الوامض، فابتهج به وبشر الأرض بالحياة بعد ~~البلى: # أرقت وطال الليل للبارق الومض # حبيا سرى يجتاب أرضا إلى أرض # كأن الشماريخ العلى من صبيره # شماريخ من لبنان بالطول والعرض # 45 # يباري الرياح الحضرميات مزنه # بمنهمر الأرواق ذي قزع رفض # 46 # يروي العروق الهامدات من البلى # من العرفج النجدي ذو باد والحمض # 47 # ويشتد ابتهاجهم عندما تهب الريح من جهة اليمن كما هبت ريح ملحة الجرمي من ناحية ~~حضرموت، فإنها تأتي رخاء وتبشر بمطر غزير وخصب قريب، ولذلك اشتقوا معنى اليمن من ~~الريح اليمانية، كما اشتقوا معنى التشاؤم من الريح الشآمية؛ لأنها تأتي بالبرد ~~والصقيع، وتنذر بانقطاع المطر والقحط والجوع. # والبدوي يؤثر البرد في جسمه لتعوده الحرارة، ولا سيما الفقراء في أطمارهم ~~البالية، والمسافرون الذين يخبطون ~~الليل في جوف الصحراء، حتى إنهم سموا البرد نحسا لتطيرهم منه. وقد يضطر البدوي ~~في شدة البرد إلى أن يحطم قوسه ويشعلها ليستدفئ بها، وهي عزيزة عليه. قال ~~الشنفرى: # وليلة نحس يصطلي القوس ربها # وأقطعه اللاتي بها يتنبل # 48 # وقد وصف الشاعر صحراءه في بردها وحرها، في برقها وأمطارها، في عواصفها ~~ورياحها، وأحاط بجبالها وسهولها ورمالها، وتكلم على نباتها وأشجارها الشائكة، وذكر ~~طيرها وحيوانها، وأخرج عن الأماكن التي يمر بها في ترحله مصورا جغرافيا يكاد ~~يكون وافيا. ووصف الليل الطويل وما ينتابه في ظلامه الدامس من الخوف والأرق، وسما ~~إلى الكواكب يتبين مطالعها ومغاربها، ويتضجر من ثباتها إذا وجد الليل طويلا في ~~حزنه ms046 وهمومه. قال امرؤ القيس: # فيا لك من ليل كأن نجومه # بكل مغار الفتل، شدت بيذبل # 49 # وقلما خرج إلى تصوير الطبيعة الحضرية الغنية بمياهها وأشجارها كما وصف النابغة ~~الفرات وهو عند الملك النعمان. ولم يستفيضوا في الكلام على البحار؛ لأن سوادهم يقطن ~~في قلب الصحراء. وما غرروا بأرواحهم فركبوا في السفن، وكافحوا جنون الأمواج؛ ليترك ~~البحر أثرا في نفوسهم كما تركت الفيافي والقفار، فما له عندهم إلا ذكر عارض نرى له ~~مثالا في معلقة طرفة وهو ربيب البحرين. # على أن الشاعر الجاهلي، في ماديته الكثيفة، لم تظهر عنده عاطفة الطبيعة واضحة ~~جلية، فكان ينظر إليها ويتأملها مبتهجا أو مكتئبا لمرآها، لا يستطيع أن يعبر عن ~~اختلاجات نفسه نحوها، وما يعتريها من التأثرات في نظره إليها، ولا أن يبث ~~الحياة فيها، فيجعل روضتها امرأة حسناء يشتهيها ويبادلها الشعور، أو يبدع منها ~~أشخاصا - على ما يوحي إليه خياله - يحلل نفسياتهم ~~في ما يتبادلون من الأحاديث والنظرات ~~والحركات، فيمثل فيهم الغيرة والحسد والمراقبة والنميمة والرحمة والإشفاق كما يفعل ~~الشاعر العباسي والأندلسي؛ وبالأولى ألا ينظر إليها نظرا شاملا للجماعة الإنسانية ~~وما يبدو في حياتها من خير وشر وقبح وجمال؛ ليجرد منها فكرة فلسفية كما يفعل ~~الشعراء من أبناء زماننا. وإنما كانت الطبيعة عنده محط الرحال ينقلها جزئيات صورا ~~وألوانا، لا نقطة السير يستلهمها كليات فكرة وخيالا، فيختزن المحسوسات ~~وانطباعاتها، ثم يجمع بعضها إلى بعض، ثم يحللها ويركبها، ويخترعها صورا جديدة ~~أو يخلقها خلقا مبتكرا سويا. بيد أنه أجاد تصويرها من النواحي التي سلكها، ~~وكانت له تخيلات جميلة في تمثيلها وتشبيهها. ~~(7) الخمريات # كان أهل الجاهلية أصحاب لهو وشراب، على حد تعبير الرواة والمؤرخين القدماء، في ~~كلامهم على الذين هجروا الخمرة منهم بعد إسلامهم، أو الذين كانوا من المحدودين ~~فيها؛ لأنهم شربوها وهم مسلمون. ويدلنا، على مبلغ كلفهم بها وإخبارهم عنها، ما في ~~المعجم اللغوي من أوضاع لها لا تكاد تقل عما للبعير من أسماء وصفات. وهذا من ~~تنبهات الأب لامنس في كلامه على الأخطل. مع ms047 أن الصحراء ليست موطنا للكروم والمعاصر ~~ما خلا البلدان الصالحة لغرس الأعناب والنخيل كاليمن والطائف ويثرب ووادي القرى، ~~وذكر أنه كان للأعشى معصر في أثافت، وهي قرية يمانية ذات كروم كثيرة، والخمرة ~~تصنع من التمر كما تصنع من العنب، ولم نعثر على شعر جاهلي يفرق بين الشرابين، أو ~~بين النبيذ والراح، وإنما نجد هذا الفرق في الإسلام. # على أن الشعر الخمري يتحدث عن ~~التجار الغرباء: يهود أو نصارى، يأتون البادية بزقاق الخمر من نواحي الشام والعراق، ~~ويخالطون قبائل الأعراب، فينصب التاجر خيمة ويرفع عليها راية يسمونها الغاية، ~~فيقبل نحوها الشاربون حتى تفرغ الزقاق، فيقلع غايته، ويقفل إلى بلده، ويتحدث أيضا ~~عن الشعراء الذين ينزلون الحواضر، ويشهدون فيها مجالس اللهو والشراب، ويسمعون غناء ~~القيان يضربن على الصنج والعود. قال الأعشى: # ومستجيب تخال الصنج يسمعه # إذا ترجع فيه القينة الفضل # 50 # وقال لبيد: # بصبوح صافية وجذب كرينة # بموتر تأتاله إبهامها # 51 # ويبدو من كلامهم أن معاقرة الخمر من علامات الفتوة عندهم كما قال طرفة: # ولولا ثلاث هن من لذة الفتى # وحقك لم أحفل متى قام عودي # فمنهن سبقي العاذلات بشربة # كميت متى ما تعل بالماء تزبد # فيفاخرون بما بذلوا من المال لأجلها، فقد أنفق طرفة ثروته عليها ولم يجد غضاضة ~~في ذلك، واستهلك عنترة ماله مباهيا بكرمه: # وإذا شربت فإنني مستهلك # مالي وعرضي وافر لم يكلم # ويؤدون أثمانها - في الغالب - نوقا أو جيادا أو ثيابا يبادلون بها لقلة ~~الدراهم في أيديهم. قال الأعشى: # فقلت له هذه هاتها # بأدماء في حبل مقتادها # 52 # وقال طرفة: # وإذا ما شربوها وانتشوا # وهبوا كل أمون وطمر # 53 # وربما دفعوا ثمنها دنانير، كما قال عنترة: # ولقد شربت من المدامة بعدما # ركد الهواجز بالمشوف المعلم # 54 # ويعتد صاحبها بأنه يشرب ويسقي ندماءه ويبذل حتى تلومه عذاله. ويمدحون الشارب ~~إذا أنزل غاية التاجر، أي إنه اشترى جميع ما عنده من الخمر، قال عنترة: # ربذ يداه بالقداح إذا شتا # هتاك غايات التجار ملوم # 55 # على أن التمدح بعقارها وإغلاء أسعارها ms048 لم يصرف الشاعر عن وصفها وذكر مجالسها، ~~فنراه يؤثر اصطباحها عند صياح الديك أو قبله، أو حين تضرب نواقيس الكنائس لصلاة ~~الصبح، فيسبق انتباه العواذل إلى حانوت الخمار في فتية من أصحابه بيض كرام يحبون ~~اللهو والمنادمة، وربما اغتبقوها مساء بعد أن يلطف الجو وتخف الحرارة كما شربها ~~عنترة. ولكنهم أكثروا من ذكر الصبوح، قال عدي بن زيد: # ثم ثاروا إلى الصبوح فقامت # قينة في يمينها إبريق # قدمته على عقار كعين الد # يك صفى زلالها الراووق # 56 # ووصفوا لون الخمرة من كميت أو حمراء كدم الذبيح أو دم الغزال، صافية كعين الديك. ~~وربما ذكروا العنب الذي عصرت منه. قال متمم بن نويرة: # ولقد سبقت العاذلات بشربة # ريا وراووقي عظيم مترع # جفن من الغربيب خالص لونه # كدم الذبيح إذا يشن، مشعشع # 57 # ونوهوا بطعمها ورائحتها وقدم عهدها، فهي تلذع اللسان، وتنفح كالمسك، وتسل ~~غمامة المزكوم، وأحاطوا بأوصاف الحانة وما فيها من زقاق ودنان وأباريق وكئوس، كما ~~وصفوا النديم والساقية وطاقات الرياحين وما يصيبون من الشواء على الشراب. وعند ~~الأعشى شيء كثير من ذلك. ولعبدة بن الطبيب قصيدة في «المفضليات» ذكر فيها مجلس ~~لهوه بإسهاب جميل، فأخبر أنه غدا إلى التاجر عند الصباح، وقرن الشمس منفتق، والديك ~~يصيح داعيا أسرته. يرافقه صديق كريم محب للذات، فاتكآ على فرش نقشت فيها صور ~~دجاج وأسود. وكانا في كعبة # 58 # يضيئها مصباح، ولديهما دن مقطوع الرأس، وإبريق مبرد بمزاج الماء، ~~معقود على قلته إكليل من الريحان، وجرة ضخمة مثقوبة، وقطعة من كبش مشكوكة في ~~سفود، يسعى بها خادم نشيط منتطق، وفوق الخوان التوابل من الخل والأبازير. ~~فاصطبحا كميتا من طيب الراح صرفا مزاجا، وغنت لهما آنسة جيداء، حسنة الصوت، في ~~شعر جميل الوشي، فأطربتهما، فخلعا عليها ما يرتديان من البرود والسرابيل. # ويشربونها مبردة بريح الشمال، صرفا أو ممزوجة بالماء، أو بالعسل والماء. قال ~~حسان بن ثابت: # كأن سبيئة، من بيت رأس # يكون مزاجها عسل وماء # 59 # وقد يدخلون عليها المسك لتطيب رائحتها، أو حب الفلفل ms049 ليشتد لذعها. قال امرؤ ~~القيس: # كأن مكاكي الجواء، غدية # صبحن سلافا من رحيق مفلفل # 60 # وشربوها ممزوجة بالماء السخين جريا على عادة الروم، وهم العرب الذين جاوروا ~~البزنطيين أو خالطوهم مثل عمرو بن كلثوم، حيث يقول: # مشعشعة كأن الحص فيها # إذا ما الماء خالطها سخينا # 61 # ومثل عدي بن زيد العبادي عندما جاء دمشق من الحيرة وأقام بها مدة فقال: # قد سقيت الشمول في دار بشر # قهوة مزة بماء سخين # 62 # وذكروا سورة الخمر وتأثيرها، وحالة السكارى في معاقرتها. قال الحادرة ~~الذبياني: # فسمي ما يدريك أن رب فتية # باكرت لذتهم بأدكن مترع # 63 # محمرة عقب الصبوح عيونهم # بمرى هناك من الحياة ومسمع # 64 # متبطحين على الكنيف كأنهم # يبكون حول جنازة لم ترفع # 65 # بكروا علي بسحرة فصبحتهم # من عاتق كدم الغزال مشعشع # 66 # ووجدوا فيها طيب العيش ولذة الحياة، تطرد عنهم الهموم وتفرج الكرب. قال متمم بن ~~نويرة: # ألهو بها يومي وألهي فتية # عن بثهم إذ ألبسوا وتقنعوا # 67 # وتبعث فيهم نشوة وزهوا، فتخرجهم من دنياهم إلى دنيا جديدة، يحسبون أنفسهم فيها ~~ملوكا، ويزدادون شجاعة. قال المنخل اليشكري: # فإذا سكرت فإنني # رب الخورنق والسدير # 68 # وإذا صحوت فإنني # راعي الشويهة والبعير # 69 # وقال حسان بن ثابت: # ونشربها فتتركنا ملوكا # وأسدا ما ينهنهنا اللقاء # 70 # وعبروا في حبهم إياها عن شعور صادق، وأحاطوها بكل كرامة، لا يرون خيرا في ~~مصارمتها، حتى بعد الممات. قال أبو محجن الثقفي، وهو من المخضرمين: # إذا مت فادفني إلى أصل كرمة # تروي عظامي بعد موتي عروقها # وإذا أرادوا أن يحثوا نفوسهم على أخذ الثأر جعلوا تحريمها حافزا لهممهم فلا ~~يشربونها إلا بعد إدراك طلبتهم. وتواضعوا على أن يجدوا طعمها في رضاب الحبيبة، ~~ونكهتها في فمها، فعل كعب بن زهير والمرقش الأصغر حيث يقول: # وما قهوة صهباء كالمسك ريحها # تعل على الناجود طورا وتقدح # 71 # ثوت في سباء الدن عشرين حجة # يطان عليها قرمد وتروح # 72 # سباها رجال من يهود تباعدوا # بجيلان يدنيها إلى السوق مربح # 73 ms050 # بأطيب من فيها إذا جئت طارقا # من الليل بل فوها ألذ وأنضح # 74 # وإذا وقع أحد الأشراف في الأسر ولم يجد منجاة من الموت، سأل أعداءه أن يقتلوه ~~قتلة كريمة كما سأل عبد يغوث الحارثي بني تميم، فسقوه خمرا وقطعوا له عرقا يقال ~~له الأكحل، وتركوه ينزف حتى مات. ويذكر ابن قتيبة ثلاثة من سادات العرب شربوا الخمر ~~صرفا حتى ماتوا، وهم زهير بن جناب، وأبو براء ملاعب الأسنة، وعمرو بن كلثوم. ~~وكان الغضب قد استولى عليهم لما نالهم من أذية لم تصبر عليها عنجهيتهم، فآثروا ~~الموتة الكريمة على احتمالها. وقد يسقى ضريح الميت خمرا إذا كان من عشاقها في ~~الحياة. فقد ذكر الرواة أن فتيان منفوحة كانوا يأتون قبر الأعشى ويسكرون عنده، ~~ويريقون الأقداح على ثراه. # ولكن الخمرة لم تسلم من ذم بعضهم والابتعاد عنها وإنكارها، فإن قيس بن عاصم ~~أقسم ألا يذوقها طوال حياته بعدما قادته إلى إثم كبير، وقال فيها: # رأيت الخمر صالحة وفيها # خصال تفسد الرجل الحليما # فلا، والله أشربها صحيحا # ولا أشفي بها أبدا سقيما! # ولا أعطي بها ثمنا حياتي # ولا أدعو لها أبدا نديما! # ولم يشأ زهير بن أبي سلمى أن يمدح صاحبه حصن بن حذيفة بن بدر بشرب الراح حتى ~~يستهلك ماله، بل قال فيه: # أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله # ولكنه قد يهلك المال نائله # 75 # على أن الذين شربوها ومدحوها أكثر من الذين هجروها وذموها. وزهير نفسه كرم ~~الخمرة حين شبه بها ريق صاحبته فقال: # كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت # من طيب الراح لما يعد أن عتقا # وذكر أنه شربها مع أصحابه إذ يقول: # وقد أغدو على ثبة كرام # نشاوى واجدين لما نشاء # 76 # لهم راح وراووق ومسك # تعل به جلودهم وماء # وهو لم ينزه ممدوحه عن شربها، وإنما نزهه عن إتلاف ماله فيها؛ ليجعله مستهلكا ~~في العطاء. ولم يهجرها قيس بن عاصم؛ لأنه مقت ارتشافها، أو رآها غير صالحة لإرواء ~~غليله وشفاء نفسه، وإنما عقها بعدما ورطته في أقبح المعرات. ms051 فشعراء الجاهلية - ~~على الإجمال - أحبوا الخمرة وشربوها وافتنوا في وصفها، على ما بينهم من تفاوت، ~~فتركوا من معانيهم وتصاويرهم أشياء لمن جاء بعدهم من شعراء الدولتين. ~~(8) الحكم والمواعظ # الحكم في الجاهلية وليدة حوادث الدهر وتجاربه، لا وليدة العلم الصحيح ~~والتفكير العميق والتأمل الطويل. فجاءت - في كثرتها - من الحقائق البدهية والفكر ~~المشترك، موافقة لحياة القبيلة في الصحراء، وما تواضعت عليه في ناموسها الفطري من ~~الآداب الخلقية والاجتماعية، ترشد البدوي إلى منافعه، وتبعده عن مضاره، تزين له ~~الفضائل التي تحمدها الحمية الجاهلية كتعظيم القوة وتحقير الضعف، وظلم البعداء ~~والحلم على الأقرباء، والعفة عن الجارة، وإدراك الثأر، وصنع المعروف لنيل الثناء ~~واكتساب الذكر الجميل، كما تزين له فضائل إنسانية لا يحدها زمان ولا مكان ~~كالأمانة والوفاء بالوعد، واصطفاء الصديق، وتجنب الرياء والخيانة، وإباء الذل، ~~والصبر على المصائب. ونظروا في حياتهم الاقتصادية، فتكلموا على الكسب وجمع المال ~~وتثميره وحسن القيام عليه. قال المتلمس: # لحفظ المال خير من بغاه # وسير في البلاد بغير زاد # وإصلاح القليل يزيد فيه # ولا يبقى الكثير مع الفساد # وقابل عروة بن الورد بين الغني والفقير فرأى الناس يزدرون الفقير ولا يجعلون له ~~وزنا في مجتمعهم ولو كان عاقلا فاضلا؛ ورآهم يعظمون الغني مبالغين في إطراء ~~فضائله، متناسين عيوبه وما يقترف من ذنوب، فقال يخاطب امرأته: # دعيني للغنى أسعى فإني # رأيت الناس شرهم الفقير # وأبعدهم وأهونهم عليهم # وإن أمسى له حسب وخير # 77 # ويقصيه الندي وتزدريه # حليلته وينهره الصغير # 78 # ويلقى ذا الغنى وله جلال # يكاد فؤاد صاحبه يطير # قليل ذنبه والذنب جم # ولكن للغنى رب غفور # ولم تسمح لهم بيئتهم الطبيعية والاجتماعية بأن يخرجوا في آرائهم إلى نظم ~~إصلاحية عامة، فجاءت حكمهم جزئية يفيد منها المجموع، لا كلية شاملة تتوخى خير ~~الجماعة، وتعنى بعلاج مشاكلها، ووضع الشرائع والقوانين لتقويمها وصلاحها. # وتستوقفنا ظاهرة غريبة في آرائهم، وهي إسرافهم في الكلام على الموت والدهر الذي ~~يبلي الحياة، ويفرق بين الأهل والأصحاب. فأكثر شعرهم يشتمل على شكوى الزمان وصروفه ~~وتقلباته، ويتراءى فيه شبح ms052 الموت ماثلا نصب عين الشاعر، يبعث القلق في صدره، ~~لاستغلاق غده، وغموض مصير النفس عليه، فيحمله على اليأس والسأم والاستسلام إلى ~~القدر، أو على اقتحام المخاطر وإغاثة المعوزين وذوي الحاجات طلبا لحسن الأحدوثة، ~~أو على تبديد المال ومبادرة الملذات قبل فواتها، ما دام المرء غير مخلد، وقل من ~~كان مصير النفس لا يلتبس عليه كعدي بن زيد لنصرانيته، حيث يقول: # أعاذل من تكتب له النار يلقها # كفاحا ومن يكتب له الفوز يسعد # فلم يسع إلى طلب الملذات كغيره، بل نبه الغافل ليصلح أمره قبل أن يسابقه ~~الموت فيسبقه: # أيها النائم المغفل أبصر # أن تكون المبادر المبدورا! # وعمل لتأديب نفسه وتزيينها بالتقوى، ووعظ وأدب، فشاعت في شعره روح دينية تحيي ~~الأمل، وتخفف من ذلك اليأس الوثني الذي يقلق الشاعر الجاهلي. قال: # فدع الباطل والحق بالتقى # فتقى ربك رهن بالرشد # وتأتي حكمهم مقترنة بالمدائح كما نجدها عند زهير والنابغة والحطيئة؛ إذ يقول في ~~مدح بني شماس: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه # لا يذهب العرف بين الله والناس # أو مقترنة بالمفاخر كما تظهر في شعر حاتم الطائي مثل قوله في العفو عن ~~المسيء: # وأغفر عوراء الكريم ادخاره # وأعرض عن ذات اللئيم تكرما # 79 # وفي شعر عمرو بن معدي كرب إذ يقول في تعريف الجمال: # ليس الجمال بمئزر # فاعلم، وإن رديت بردا # إن الجمال معادن # ومناقب أورثن مجدا # أو مقترنة بالمراثي كما نتبينها في رثاء لبيد لأخيه أربد، وفي رثاء أبي ذؤيب ~~الهذلي لأولاده حيث يقول في حكم الموت الذي لا مرد له: # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع # أو مقترنة بالأهاجي مثل قول زهير في بني حصن: # وإن الحق مقطعه ثلاث # يمين أو نفار أو جلاء # أو بالشكوى والعتاب والدفاع عن النفس كفلسفة طرفة في الحياة والموت واتباع ~~الملذات. # وقد تأتي مواعظ مجردة يقصد منها النصح والإرشاد كآراء زهير في معلقته، وآراء ~~عدي بن زيد في مجمهرته. ومنها قول أمية بن أبي الصلت في وصف السماء والملائكة، ~~وسوق الهالكين ms053 إلى النار وهم ينادون بالويل والثبور، وكان أمية نصرانيا على ~~مذهب الحنفية: # وسيق المجرمون وهم عراة # إلى ذات المقامع والنكال # 80 # فنادوا ويلنا ويلا طويلا! # وعجوا في سلاسلها الطوال # 81 # وقلما رأينا شاعرا جاهليا يخص قصيدة كاملة بالحكم والمواعظ، دون أن يتناول ~~غرضا آخر أو عدة أغراض، ولا نستثني زهير بن أبي سلمى حكيم الشعراء، فإنه على شهرته ~~في النصح والإرشاد، كان يبث الحكم أبياتا في مختلف أشعاره لا ينظمها مستقلة ~~برأسها، وإن تكن معلقته حوت طائفة حسنة من آرائه الخلقية والاجتماعية. ونستثني عدي ~~بن زيد فإنه قصر مجمهرته على تأديب النفس وإطراء الفضائل، فجاءت في مجموعها، تدعو ~~إلى الخير والصلاح في اكتساب الصفات المحمودة ومعاملة الناس بالإحسان، ومنها ~~قوله: # فنفسك فاحفظها من الغي والردى # متى تغوها يغو الذي بك يهتدي # ويضرب هذا المثل الجميل الذي يذكرنا بالمثل الفرنسي المأثور: «قل لي من تعاشر أقل ~~لك من أنت»: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدي # وآراؤهم - في الجملة - فردية كأصحابها، فكل بيت مستقل بحكمته، لا يتصل بغيره إلا ~~قليلا أو نادرا، ويغلب عليها الأسلوب الخطابي بما فيه من أمر ونهي وترغيب وترهيب، ~~وضرب المثل السائر في البيت العائر. وربما اصطنعوا الأمثال القصصية يعظون بها ~~وينصحون ويحذرون، وأكثرها أساطير اشتبهت فيها حقيقة التاريخ، وتبلورت بخيال يجنح ~~إلى الإغراب، ولكنه لا يبلغ حد الإبداع، فجاءت قصصهم جافة في معظمها، قصيرة النفس ~~لا يزيد أطولها على بضعة وعشرين بيتا، وتكاد تقتصر على الشعراء الذين سكنوا الحضر ~~أو ترددوا في الأمصار كعدي بن زيد والنابغة والأعشى وأمية بن أبي الصلت؛ مما يدل ~~على أن مخالطتهم لسكان الحواضر أكسبتهم ثقافة واطلاعا على أخبار الأمم والملوك، ~~وما حيك حولها من الخرافات والأساطير. فعدي بن زيد أكثر من الاعتماد على الأمثال ~~القصصية في قصائده، ولا سيما شعره الذي قاله وهو سجين، فكان ينظمها مسليا نفسه، ~~متأسيا بما أصاب الشعوب الخالية من غير الأيام والليالي، أو ينظمها ليعظ بها ~~النعمان أبا قابوس عارضا عليه ms054 صور الملوك الذين أذلهم الدهر بعد عزهم، فذهبوا ضحية ~~الغفلة والغرور، أو ضحية الخيانة والغدر، وغيرهم من الذين اتعظوا قبل فوات ~~الأوان، فتركوا الدنيا ليربحوا الآخرة. فمنها أسطورة النعمان السائح رب الخورنق ~~والسدير، وأسطورة جذيمة الأبرش والزباء، وأسطورة صاحب الحضر وابنته وسابور. قال في ~~أسطورة النعمان السائح يخاطب أبا قابوس: # وتذكر رب الخورنق إذ أش # رف يوما وللهدى تفكير # سره ماله وكثرة ما يم # لك والبحر معرضا والسدير # فارعوى قلبه فقال: وما # غبطة حي إلى الممات يصير؟ # ثم بعد الفلاح والملك والإمة # وارتهم هناك القبور # 82 # ثم صاروا كأنهم ورق جف # فألوت به الصبا والدبور # 83 # والنابغة الذبياني اصطنع الأمثال في شعره؛ ليعظ بها قومه أو ممدوحه، فعندما أراد ~~أن يدعو النعمان إلى نبذ أقوال الوشاة، وأن يكون صادق النظر في الحكم عليه، قص عليه ~~أسطورة زرقاء اليمامة التي استطاعت أن تعد سرب القطا الطائر بين جبلين لصدق ~~بصرها، وإن يكن نظر النعمان مرجعه العقل، ونظر الزرقاء مرجعه العين، فإن الصدق هو ~~الجامع بين النظرين، وكذلك أسطورة الحية والأخوين، فإن هدفه فيها أن يقول لقومه إن ~~الثقة المتبادلة انقطعت بينه وبينهم كما انقطعت بين الحية وأخي القتيل بعدما أخذ ~~الدية منها وأقسم لها على الوفاء ، ثم خانها وغدر بها. # والأعشى يروي لشريح بن السموأل ~~خبر وفاء أبيه ليأمن في جواره، وأمية بن أبي الصلت يعظ ويذكر بأنباء التوراة كقصة ~~لوط وخراب سدوم، وخبر إبراهيم وتضحيته بإسحاق. ولا ينبغي أن تغفل قصة الثور الوحشي ~~والحمار الوحشي عند أبي ذؤيب الهذلي في عظة نفسه وتعزيتها. # وشعراء الجاهلية - على الإجمال - نطقوا بالحكمة وضربوا الأمثال، على تفاوتهم في ~~القلة والكثرة، وشارك بعضهم بعضا في الأفكار والعظات، فترددت آراؤهم مستعادة ~~مكرورة، تواطئوا عليها كما تواطئوا على مختلف المعاني والتعابير، وقلما وقعت على ~~فلسفة شخصية يتميز فيها الواحد منهم عن الآخر مع ما يبدو عليها من سذاجة وضعف في ~~الأحكام وتعليل الأسباب. # | هوامش # | شعراء الجاهلية # (1) الشنفرى ~~(1-1) حياته # هو أحد صعاليك العرب وعدائيها، جاهلي قديم، والمشهور ms055 أن اسمه ثابت بن أوس ~~الأزدي، والشنفرى لقب له لعظم شفتيه. اختلف في مولده؛ فقيل: إنه نشأ في قومه ~~الأزد ثم أغاظوه فهجرهم. وقيل: ولد في بني سلامان أو أنهم سبوه صغيرا فنشأ ~~بينهم حتى عرف حقيقة أمره فهرب مضمرا لهم الشر، وأقسم أن يقتل منهم مائة، فأخذ ~~يترصدهم ويفتك بهم حتى إذا بلغ عدد القتلى تسعة وتسعين قبضوا عليه وقتلوه ~~وطرحوا جثته وجمجمته عرضة للضواري لتفترسه، فمر بجمجمته رجل منهم ورفسها ~~برجله فدخلت فيها شظية فأماتته وتمت به المائة، فقرت عين الشنفرى بعد موته ~~وبر بقسمه، ومثل هذه الرواية كثير في أخبار العرب فلا ينبغي التعويل ~~عليها. ~~(1-2) آثاره # له أشعار متفرقة في كتب الأدب، وكلها في وصف غاراته وشدة بأسه، وأشهرها ~~قصيدته المعروفة بلامية العرب، وشك بعضهم في نسبتها إليه، وأضافها ابن دريد ~~إلى خلف الأحمر، ونسبها غيره لشعراء صدر الإسلام. على أن هذا الشك لا يضيرها من ~~حيث تعابيرها الجاهلية وموافقتها لحياة الشنفرى وما رافقها من شظف عيش وخشونة ~~طباع. # وقد عني بشرحها كثير من العلماء كالمبرد وثعلب والزمخشري، ودرسها المستشرقون ~~ونقلوها إلى لغاتهم. ~~(1-3) ميزته # يمثل الشنفرى في شعره الخشن حياة البدوي الغليظ الطباع، الذي جافاه قومه فأبت ~~نفسه الحرة أن تحمل الضيم فتركهم ساخطا عليهم؛ لأنهم خذلوه في جناية اقترفها، ~~وأبوا أن ينصروه، ورأى أن الأرض لا تضيق على امرئ عاقل، وأن السباع التي ~~يعاشرها أفضل منهم؛ لأنها أكتم للسر ولأن الجاني لا يخذل عندها. # وحياة هذا الشاعر حافلة بالجرائم، فقد كان يقطع الطرق على المسافرين يستبيح ~~أموالهم ويسبي ظعائنهم، أو يغير على الأحياء الآمنة فيلقي الذعر فيها ويقتل ~~ويغنم. # وفي لاميته الشهيرة يصور أخلاقه وعاداته أحسن تصوير، ويصف غارة له في ~~الليلة المظلمة الباردة، وعودته قبل الصباح بعدما أيم النسوان وأيتم ~~الأولاد، فيمثل بإيجاز بديع حياة صعاليك العرب وغزواتهم وما يصيبهم من جوع ~~وبرد وخوف. # يفاخر بالتشرد والفتك والسلب ~~كما يفاخر بفقره وجوعه وقناعته. يكره الجشع إذا مدت الأيدي إلى الطعام، ولا ~~يرى غضاضة ms056 في ذكر قذارته، بل يباهي بأن حياة التصعلك منعته من الاغتسال حولا، ~~حتى تعلقت الأوساخ بشعره تعلق الأبعار بأذناب الإبل. ومن مناقبه أن يغالب القطا ~~في الجري فيسبقها إلى ورود الماء، ولا بدع في ذلك وهو أحد العدائين عند العرب، ~~فمن حقه أن يغالي في عدوه، وإن يكن هذا الغلو لم يخرجه عن فطرته التي تتمثل في ~~جميع شعره، فنجده متصلا بالطبيعة والمادة، بارز الأنانية في تحدثه عن نفسه، ~~وإيثاره إياها بالشرف والفضائل، وميله إلى الانفراد عن قومه لئلا تنتقص حريتها، ~~وتضام في كبريائها وعنجهيتها. يثور عليهم ويشكو ويتظلم لأنهم لم ينصروه في ~~جناياته، ولا حملوا الديات عنه، فهم في نظره مذنبون إليه لا خير يرجى منهم، ~~وأما هو فليس بمذنب، وإن حملهم أكبر الجرائم. تلك هي الفطرة بسذاجة تفكيرها ~~وصدق تعبيرها، وما في صاحبها من قوة الشخصية، وخشونة الطباع. # وليست اللامية وحدها تشتمل على هذه الصفات، بل سائر شعره يجري على سجيته، ~~صريحا عاريا من التكلف والتمويه، ولا سيما تائيته التي يستهلها بالغزل فيصف ~~صاحبته خير وصف تظهر فيه المرأة المحمودة في الجاهلية خلقا وأخلاقا، على ما ~~فيه من إيجاز، ثم يتطرق إلى ذكر صديقه تأبط شرا في غزوة غزاها معه مفاخرا ~~بشجاعته وشدة بأسه وأخذه بثأر أبيه. وفي التائية من غريب اللغة ووحشيها ما لا ~~يختلف عما نجده في لاميته. ~~(2) المهلهل ~~(2-1) حياته # هو أبو ليلى عدي بن ربيعة التغلبي أخو كليب وائل وجد عمرو بن كلثوم ~~لأمه، وقيل: إنه خال امرئ القيس الشاعر. وزعموا أنه سمي مهلهلا لأنه هلهل ~~الشعر أي أرقه، وفي ذلك يقول الفرزدق: ~~... ... ... ... # ومهلهل الشعراء ذاك الأول # وعرف بالشجاعة والإقدام. غير أن ابن سلام يقول: «وزعمت العرب أنه كان يتكثر ~~ويدعي في قوله بأكثر من فعله.» وكان يقضي أوقاته في اللهو ومعاقرة الخمر ~~ومصاحبة النساء، فلقبه أخوه كليب «زير النساء» أي كثير الزيارة لهن. ولم يكن ~~ينظم من الشعر إلا بعض أبيات في الغزل والملاهي حتى قتل أخوه فأهابت به عاطفة ~~الحزن فنظم القصائد ms057 الطوال في رثاء أخيه. ونشبت حرب البسوس بعد مقتل كليب بين ~~تغلب وبكر فأبلى فيها المهلهل بلاء حسنا حتى مات. ~~(2-2) موته # اختلفت الروايات في موته، فابن قتيبة يقول في كتابه «الشعر والشعراء» إنه مات ~~في أسر عوف بن مالك بن ضبيعة في البحرين، ومنهم من يقول إنه مات عند أخواله من ~~بني يشكر بعدما شاخ وضجر من الحرب. وابن الكلبي يقول: بل قتله عبدان كانا ~~يخدمانه فملا منه وكان قد أسن وخرف. ونسب للمهلهل أنه لما أحس أن ~~العبدين يريدان قتله أوصاهما أن ينشدا ابنته سليمى بيتا من الشعر، وهو: # من مبلغ الأقوام أن مهلهلا # لله دركما ودر أبيكما # فلما أنشداها البيت أوثقت العبدين وقالت: ما أراد أبي إلا أن يقول: # من مبلغ الأقوام أن مهلهلا # أضحى قتيلا في الفلاة مجدلا # لله دركما ودر أبيكما! # لا يبرح العبدان حتى يقتلا # ولا يخفى ما في هذه الرواية من التفكيه والإغراب. ~~(2-3) حرب البسوس (494-534م ؟) # روي أن وائل بن ربيعة قاد قبائل معد كلها يوم خزازى # 1 # فهزم جموع اليمن، فاجتمعت عليه معد ونادوا به ملكا عليهم وقدموا ~~له الطاعة، فداخله زهو شديد، وبغى على قومه حتى بلغ به بغيه أنه كان يحمي مواقع ~~السحاب فلا يرعى حماه. ويقول: «وحش أرض كذا في جواري .» فلا يهاج، ولا تورد إبل ~~أحد مع إبله، ولا توقد نار مع ناره. وكان له كلب صغير يقذف به في المراعي فيعوي ~~فلا يدخلها أحد إلا بإذنه. ويفعل ذلك في المناهل فلا يردها أحد إلا بأمره. حتى ~~قيل: «أعز من كليب وائل.» ثم التصق تصغير الكلب باسمه من طول ترداده في الأفواه ~~فصار يعرف بكليب وائل. # وكانت جليلة امرأة كليب من بني مرة بن ذهل بن شيبان، ولها عشرة إخوة منهم ~~جساس وهو أصغرهم، فنزلت عليه يوما خالة له اسمها البسوس بنت منقذ، ونزل ~~بالبسوس رجل من جرم من أخوال جساس اسمه سعد، ومعه ناقة اسمها سراب، فرعت مع ~~إبل جساس وكانت إبله وإبل كليب مختلطة لما ms058 بينهما من المصاهرة. فأبصرها كليب ~~فأنكرها، فرماها بسهم خرق ضرعها فولت الناقة تعج حتى بركت بفناء صاحبها، فلما ~~رآها صرخ: يا لذل! ... فسمعت البسوس فخرجت وصاحت: «وا ذلاه! وا جوار جساس! وا ~~جوار مرة! ...» ثم أنشدت تعنف بني مرة: # لعمري لو أصبحت في دار منقذ # لما ضيم سعد وهو جار لأبياتي # ولكنني أصبحت في دار غربة # متى يعد فيها الذئب يعد على شاتي # 2 # فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل # فإنك في قوم عن الجار أموات # ودونك أذوادي إليك فإنني # محاذرة أن يغدروا ببنياتي # 3 # وسر نحو جرم إن جرما أعزة # ولا تك فينا لاهيا بين نسوات # 4 # والعرب تسمي هذه الأبيات بالموثبات؛ لأنها أثارت جساسا، فطلب كليبا في ~~الحمى فطعنه من ورائه طعنة أرداه بها. فلما وصل الخبر إلى المهلهل، وكان يشرب ~~وهماما أخا جساس، قال: «يد جساس أقصر من ذلك.» وظل يشرب ويقول: «اليوم خمر ~~وغدا أمر.» وشاع مقتل كليب في بني تغلب، فقامت عليه النوائح وشقت الجيوب، ~~وعقرت الخيول. وأقام المهلهل زمنا على قبر أخيه يرثيه، ولا يفعل شيئا سوى ~~الوعيد حتى يئس قومه منه. ثم هب للقتال فدارت رحى الحرب بين بكر وتغلب، ~~وأيامها المشهورة خمسة: ~~(1) # يوم النهي، وكان لتغلب على بكر. ~~(2) # يوم الذنائب، انتصرت فيه تغلب وقتل شراحيل أخو جساس. ~~(3) # يوم عنيزة، تكافئوا فيه. ~~(4) # يوم واردات، وكان لتغلب على بكر، وقتل فيه همام أخو ~~جساس. ~~(5) # يوم تحلاق اللمم، انتصرت فيه بكر، وأسر الحارث بن عباد ~~المهلهل، ثم أطلقه بعدما جز ناصيته. # وذكر أن حرب البسوس دامت أربعين سنة، وأن آخر من قتل فيها جساس قتله ابن ~~أخته الهجرس بن كليب. وقيل: إن الملك المنذر والد عمرو بن هند ملك العراق هو ~~الذي أصلح بين الفريقين بعد موت المهلهل. ~~(2-4) آثاره # أشعار متفرقة في كتب الأدب كلها في رثاء أخيه كليب وتوعد قاتليه، وقد نحله ~~القصاصون ديوان شعر ورواية تعرف «بقصة الزير» فيهما من ركيك العبارة، وسخيف ~~النظم، وضعف التأليف ما يتبرأ منه المهلهل. ~~(2-5) ميزته ms059 - الرثاء # نسب إلى المهلهل شعر في الغزل ولكنه قليل، وفي الأغاني أنه أول من استعمل ~~الغزل في الشعر، غير أن ميزته الشعرية ليست في غزله؛ بل في رثائه وتفجعه على ~~أخيه، في رقة عاطفته التي أكسبت شعره سهولة ولينا حتى ليدهشنا أن نجدها في ~~شاعر جاهلي قديم عاش هو والشنفرى في عصر واحد بعدما رأينا ما في شعر هذا البدوي ~~الخشن من متانة وشدة أسر. فكيف تمت الرقة لأحدهما ولزمت الخشونة الآخر؟ # ولكي نجيب على ذلك يجدر بنا أن ندرس نشأة الاثنين، والبيئة التي عاشا فيها، ~~وما رافق حياتهما من المؤثرات الخارجية. فالشنفرى عرفناه لصا صعلوكا يعيش مع ~~الوحوش في الغابات والبراري بعدما طرده قومه، يشن الغارات في الليالي المظلمة ~~الباردة، فيفتك وينهب، فلا بدع أن يكون شعره مرآة لحياته الخشنة. أما المهلهل ~~فقد نشأ في بيت كريم النجار له السيادة على قبائل معد كلها، فانصرف إلى ~~اللهو والطرب ومعاشرة النساء، ومعاقرة الخمر شأن الأمراء أمثاله. فليس من عجب ~~أن تلين طباعه وترق عاطفته. ثم قتل أخوه كليب وما أخوه إلا عز بني تغلب ~~ومجدهم، فاستولى عليه الحزن والجزع فسالت عاطفته على شعره فجاء رقيقا ~~مهلهلا. # وهناك نظرة عامة لا نرى بدا من الإشارة إليها؛ وهي أن أكثر شعراء ربيعة لا ~~يخلو شعرهم من لين وسهولة، ولعل قربهم من أمصار العراق والسواحل البحرية أكسبهم ~~هذه الرقة، وليس من ينكر تأثير الإقليم في النفوس، فابن الساحل أرق طباعا من ~~ابن الجبل، والساكن في المدن أو على مقربة منها ألين عاطفة ممن يعيش بعيدا ~~عنها، ونحن نعلم أن أطراف جزيرة العرب المتاخمة للعراق والشام والحبش كانت في ~~العصر الجاهلي أكثر حضارة من غيرها، ومن المعقول أن تؤثر هذه الحضارة في نفوس ~~شعرائها فترق عواطفهم وترق معها ألفاظهم. # ومن فاسد الرأي أن نحصر رقة العاطفة في ~~عصر دون آخر، فهي تعيش مع العصور كلها، وتكون في البدوي كما تكون في الحضري، ~~وقد نجدها في شاعر يعيش في البادية ولا نجدها في آخر يعيش ms060 في الأمصار، ورب ~~شاعرين يعيشان في عصر واحد وإقليم واحد، ترى في شعر أحدهما رقة وفي شعر الآخر ~~خشونة، كجرير والفرزدق الشاعرين الأمويين، فالفرزدق في شعره لا يقل شدة ~~وأسرا عن أخشن شاعر في الجاهلية، على حين أن جريرا ألين منه شعرا وأرق غزلا ~~وعاطفة، وأي وجه للشبه بين شعر أبي نواس وشعر أبي تمام، وكلاهما عاش في العصر ~~العباسي، وكلاهما اتصل بالخلفاء وحظي عندهم، فكان شعر أبي نواس رقيقا لينا، ~~وشعر أبي تمام متينا خشنا مع أن الثاني جاء متأخرا عن الأول. # فأما وقد عرفنا ذلك فلا نعجب إذا قرأنا شعرا رقيقا في الجاهلية؛ بل ينبغي ~~أن ندرس العوامل التي أثرت في نفس الشاعر فمنحته الرقة والسهولة. وقد عرفنا ~~العوامل التي أثرت في نفس المهلهل فأرقت عاطفته وهلهلت شعره، فإذا هو يسمعنا ~~في رثاء أخيه شبيه الماء سلاسة وعذوبة، مثال ذلك رائيته الحسناء التي قالها ~~بعد أن دفن أخاه وأقام على قبره يرثيه: # أهاج قذاء عيني الاذكار؟ # هدوءا فالدموع لها انحدار # 5 # وصار الليل مشتملا علينا # كأن الليل ليس له نهار # وللمهلهل أسلوب خاص في رثائه وتفجعه تظهر فيه تعابيره الشخصية، فهو إذا ألح ~~عليه الحزن صعد الزفرات مكررة، وبدا لك منه غلو في تهديده بني بكر، وضربه ~~عليهم معجزات الشروط ليرضى بمصالحتهم، ولعل الرواة استغلوا هذه الخاصة في ~~الشاعر فأضافوا إليه ما ليس له؛ لأننا نقرأ في أشعاره أبياتا كثيرة فيها ~~إسفاف وابتذال لا يصح نسبتهما إليه مهما بلغ شعره من اللين والهلهلة. وهذا ما ~~جعل الرواة يزعمون أن الاضطراب والاختلاف من صفات شعر المهلهل، قال ابن سلام: ~~«وإنما سمي مهلهلا لهلهلة شعره كهلهلة الثوب، وهو اضطرابه واختلافه. من ذلك ~~قول النابغة: ~~... ... ... ... # أتاك بقول هلهل النسج كاذب» # ومن غلوه الفاحش قوله: # ولولا الريح أسمع من بحجر # صليل البيض تقرع بالذكور # 6 # وقد قيل إنه أكذب بيت قالته العرب، وبين حجر، وهي قصبة اليمامة، ومكان ~~الواقعة عشرة أيام. ~~(2-6) منزلته # وجملة القول أن المهلهل شاعر العاطفة في رثائه وتفجعاته ms061 المتصاعدة تكرارا، ~~شاعر الغلو في تهديده وادعائه، وهو يمثل أحسن تمثيل رقة الشعر في قبائل ربيعة، ~~وتأثير الإقليم والنشأة وعيشة الترف في البدوي، وما للعوامل النفسانية حزنا أو ~~سرورا من أثر في العاطفة، وفي الشعر الذي يستقطر من تلك العاطفة، ويعد من ~~الطبقة الثانية في شعراء الجاهلية. ~~(3) المعلقات # هي أجود ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي، وتسمى السموط أي العقود. قال أبو زيد ~~القرشي في كتابه «جمهرة أشعار العرب»: إن أبا عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمى ~~السموط: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو بن كلثوم، وطرفة. ~~وقال المفضل: من زعم أن السبع التي تسمى السموط لغير هؤلاء فقد أبطل. فأسقط من ~~أصحاب المعلقات عنترة والحارث بن حلزة وأثبت الأعشى والنابغة. واعتمد أبو زيد ~~القرشي على أبي عبيدة والمفضل في ترتيب أصحاب المعلقات؛ فجعلهم سبعة في مقدمة ~~كتابه، ولكنه خالف ذلك عند ذكر القصائد، فأضاف إليهم عنترة فصاروا ثمانية. ولعل ~~المخالفة من الناسخ لا منه. # وجعلهم التبريزي عشرة مضيفا إلى من ذكرنا أسماءهم قصيدة عبيد بن الأبرص، وجعلهم ~~الزوزني في شرحه المشهور سبعة وهم: امرؤ القيس، وطرفة، وزهير، ولبيد، وعمرو بن ~~كلثوم، وعنترة، والحارث بن حلزة، وهذا ما رأينا أن نتبعه نحن. ~~(3-1) تعليقها على البيت الحرام # اختلف في تسميتها بالمعلقات؛ فزعم بعضهم - ومنهم ابن عبد ربه وابن رشيق وابن ~~خلدون - أن العرب لشدة إعجابهم بها كتبوها في القباطي # 7 # بماء الذهب، وعلقوها على الكعبة فلذلك سميت المذهبات. أما النحاس ~~المصري - وهو معاصر لابن عبد ربه - فقد أنكر تعليقها على البيت الحرام، وزعم أن ~~حمادا الراوية هو الذي جمع السبع الطوال وقال للناس: هذه هي المشهورات، وقيل: ~~بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة الشاعر يقول: علقوا لنا هذه، لتكون في خزانته، ~~ويرجح اليوم أنها إنما سميت المعلقات لتشبيهها بالسموط التي تعلق بالأعناق، ~~وقد دعيت المذهبات؛ لأنها تستحق أن تكتب بماء الذهب لنفاستها. # | هوامش # | أصحاب المعلقات السبع # (1) امرؤ القيس # 1 ~~(توفي نحو منتصف القرن السادس) ~~(1-1) حياته # هو امرؤ القيس ms062 بن حجر الكندي، ولد في نجد، وأبوه ملك على بني أسد وغطفان، ~~وقيل: إن أمه فاطمة بنت ربيعة أخت كليب والمهلهل، وقد اختلف في اسمه، والمشهور ~~أنه يدعى جندحا، وله كنيتان وهما أبو وهب وأبو الحارث، وثلاثة ألقاب وهي ذو ~~القروح # 2 # والذائد # 3 # والملك الضليل. # 4 # نشأ امرؤ القيس ميالا إلى الترف واللهو شان أولاد الملوك، ونظم الشعر ~~فتيا، وكان يتهتك في غزله ويفحش في سرد قصصه الغرامية، فغضب عليه والده ونهاه ~~فلم ينته، فطرده فذهب يطوف في أحياء العرب وجماعة من أصحابه، يصطاد ويشرب الخمر ~~وينظم الشعر وتغني له القيان، وبينما هو بدمون من أرض الشام أتاه نعي أبيه، ~~وكان بنو أسد قد خرجوا عليه وقتلوه، فهب للأخذ بثأره # 5 # وأخذ يستنجد القبائل، فلم تنجده إلا قليلا. فسار إلى القيصر ~~يوستنيانوس في القسطنطينية فعطف عليه ووعده بأن يساعده على الإثئار لوالده. ثم ~~ولاه فلسطين كما يقول المؤرخ الرومي «نونوز». فرحل إليها حتى بلغ أنقره فأصيب ~~بداء الجدري فمات، ولذلك لقب بذي القروح. # ويعزى عطف القيصر على امرئ القيس؛ لأنه كان نصرانيا مثله. على أن هذا وحده ~~لم يكن كافيا لاهتمام يوستنيانوس بمساعدة الملك الطريد لولا طموحه إلى منافسة ~~الأكاسرة، وبسط سيطرته على جزيرة العرب. ويظهر أن عقبات قامت دون بغيته فلم ~~يستطع أن يعيد إلى الشاعر ملك أبيه فعوضه منه إمارة فلسطين. # وقد أحاطت بحياة امرئ القيس وموته طائفة من الأساطير فرأينا أن نضرب عنها ~~صفحا لعدم فائدتها. ~~(1-2) آثاره # ديوان شعر طبع مرارا، شرحه البطليوسي النحوي المتوفى سنة 1100م/494ه، وله ~~المعلقة المشهورة، وهي أولى المعلقات تحتوي على ثمانين بيتا من البحر الطويل ~~نظمها على أثر حادثة جرت له مع ابنة عمه عنيزة، وكان يهواها، فوصف الحادثة، ~~ثم انتقل إلى وصف الفرس والصيد والبرق والمطر. ~~(1-3) الشاعر والطلل # يخبرنا الرواة أن امرأ القيس هو أول من ذكر الديار في شعره، فوقف عليها ~~واستوقف، وبكى واستبكى في قوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ~~... ... ... ... # فاستحسن العرب منه هذه الطريقة، ms063 واتبعه عليها الشعراء، فأصبحت من بعده ~~أسلوبا تقليديا، يطوي القرون ويتخطى الأجيال، وفي كل عصر له أتباع وأنصار ~~حتى أوائل القرن العشرين. # على أن الأمير الكندي ينفي عن نفسه هذه الأولية التي أضافها الرواة إليه، ~~فيقول من قصيدة: # عوجا على الطلل المحيل لعلنا # نبكي الديار كما بكى ابن حذام # فقد جعل نفسه تابعا لغيره، لا مبتدعا طريقة ذكر الديار والبكاء عليها، وإن ~~كنا لا نعرف شيئا عن هذا الباكي الأول. فلو لم يذكره امرؤ القيس في شعره، على ~~فرض سلامة القصيدة من النحل، لما جاءنا عنه خبر من الرواة الأقدمين. قال ابن ~~سلام في طبقات الشعراء: «هو رجل من طيئ لم يسمع شعره الذي بكى فيه، ولا شعر ~~غير هذا البيت الذي ذكره امرؤ القيس.» # ويختلف الرواة في ضبط اسمه، فيقول بعضهم إنه ابن خذام بالخاء المعجمة، وبعضهم ~~الآخر يرويه ابن حمام، ولكنهم يقتصرون جميعا على هذا الحد من التعريف به ~~والتحدث عنه لجهلهم حقيقة أمره. # وسواء لدينا صح وجود ابن حذام أو لم يصح، وسواء بكى في شعره أو لم يبك، ~~فإن الوقوف على الديار شيء طبيعي عند القبائل المترحلة ينشأ مع الشعب، ولا ~~يعرف له بدء ولا مبتدئ. فإن البدوي المتنقل في صحرائه لا بد له من المرور ~~بأرض كان ينزلها من قبل، فتعوده ذكريات حبيبة إلى قلبه تستثيرها بقايا الرسوم ~~الدوارس من نؤي ودمنة وموقد، فيقف عليها وفي نفسه حنين إلى أيامه الخالية. ~~فغير عجيب أن يبث خواطره شعرا باكيا، إذا كان من الشعراء، وإنما العجيب أن ~~يعرف هذا الشاعر الذي وقف قبل غيره، وبكى في عصر لم يكن أبناؤه مؤهلين لتدوين ~~أدبهم وحفظه في الصحف، فيرجع إليها الباحثون في خصائص الشعر الجاهلي ~~وتطوراته، لا أن يكون المحفوظ لديهم ما تناقله الرواة شفهيا بعضهم عن بعض ~~أو عن القبائل البادية، مع ما في رواياتهم من خبط ونحل وفقر إلى التحقيق ~~والتمحيص. # ولئن فاتنا شعر ابن حذام لنتبين منه كيف ذكر الديار وبكى عليها، لقد جاءنا ~~شعر عن ms064 أشخاص عاصروا امرأ القيس أو تقدموه يحمل إلينا صورا جلية عن مذهب ~~الوقوف والبكاء، مما يدل على أن هذه الطريقة كانت شائعة مشتركة بين شعراء ~~الجاهلية، لا ينفرد بها أحدهم عن الآخر. فنجدها عند الحارث بن عباد ~~اليشكري، والمرقش الأكبر، وبشر بن أبي خازم الأسدي، قال الحارث بن ~~عباد، وكان معاصرا لكليب والمهلهل وشهد حرب البسوس: # هل عرفت الغداة رسما محيلا # دارسا بعد أهله مجهولا؟ # وقال المرقش الأكبر: # هل يعرف الدار عفا رسمها # إلا الأثافي ومبنى الخيم # أعرفها دارا لأسماء فالدمع # على الخدين سح سجم # وتظهر هذه الطريقة واضحة في شعر عبيد بن الأبرص الأسدي، وكان نديما لوالد ~~امرئ القيس ملك بني أسد وربيعة، ثم انقلب عليه منحازا إلى قبيلته الغاضبة؛ لما ~~لقيت من جور الملك الكندي، ولم تلبث أن انتقضت عليه وقتلته. فأخذ امرؤ القيس ~~يهدد بشعره بني أسد، وعبيد يرد عليه مدافعا عن قومه. # وقد أكثر عبيد من ذكر الديار والبكاء عليها، ولم يفته استيقاف الصحب كما ~~فعل امرؤ القيس في معلقته، فمن قوله: # أمن منزل عاف ومن رسم أطلال # بكيت وهل يبكي من الشوق أمثالي؟ # وقوله: # دار وقفت بها صحبي أسائلها # والدمع قد بل مني جيب سربالي # فهذان البيتان يذكران أسلوب الشاعر الكندي، ويعطيان أمثلة صالحة عن الطريقة ~~التقليدية التي يضيفها الرواة إليه. فهل تأثر الشاعر الشيخ بأسلوب الشاعر ~~الفتى، فترسمه في الوقوف والاستيقاف والبكاء على الديار؟ أم هل تلمذ أمير بني ~~كندة لنديم أبيه، فسار على خطاه، واشتق أسلوبه من أسلوبه؟ # قد يحتمل الأمران، وإن كنا نؤثر امرأ القيس على عبيد، ونعلم أنه أقدر على ~~الإبداع من شاعر بني أسد. ولكن الأسلوب التقليدي - كما يظهر - كان شائعا في ~~عصر الملك الضليل أو قبل عصره. فأكثر الشعراء وقفوا واستوقفوا واستنطقوا الديار ~~وبكوا عليها، ولعل شاعرنا الكندي ظهر على غيره، في هذه الطريقة؛ لمكانته ~~الملوكية من جهة، ثم لاستطالته في الشعر على معاصريه من جهة أخرى، وليس علينا ~~أن ننسى معلقته وسواها من قصائده التي لا يقف أمامها ms065 شعر عبيد وغيره من ~~الجاهلين المتقدمين. وكذلك ابتداءاته التي ذكر فيها الديار، ولا سيما مطلع ~~معلقته، فإنه أجمع كلمة لطريقة الوقوف والاستيقاف والبكاء والاستبكاء حتى ضرب ~~به المثل، فقيل: أشهر من قفا نبك، ولم يبق شاعر في الجاهلية وصدر الإسلام إلا ~~اعتمد هذه الطريقة وطبع على غرارها. حتى جاء العصر العباسي، فتبناها ولكن ~~بعدما حلاها بالوشي الجديد والاستعارات الحضرية، ولم تحرم في القرن العشرين ~~شعراء يحنون إليها. ~~(1-4) أسلوبه وشاعريته # إذا كان الشاعر الذي يحدثنا عن ذاته راويا أخباره في صلاحها وفسادها، كاشفا ~~عن خبايا نفسه في لذاتها وآلامها، يدعى شاعرا شخصيا، فأولى منه بهذا اللقب ~~شاعر يترك من أسلوبه طابعا متميزا يعرف به وينسب إليه مهما يكثر ~~مقلدوه. # وكان امرؤ القيس شاعرا شخصيا في ظهور ذاتيته لا يأتلي أن يطالع الناس ~~بأحواله وأسرار حياته، يقص أحاديث لهوه ب «آنسة كأنها خط تمثال». ولا يغفل عن ~~لهوه بالصيد عاديا على «كميت» وراء «الهاديات». # وهو في أثناء هذا وذاك يطل بجلالته الملوكية مستخفا «بأحراس ومعشر» لا ~~يقدمون على قتله جهارا «علي حراصا لو يسرون مقتلي»، تاركا بعل سلمى ~~«كاسف اللون والبال» ... # يغط غطيط البكر شد خناقه # ليقتلني والمرء ليس بقتال # مغتديا إلى الصيد تتبعه الحاشية شأن الملوك، وتنضج الطهاة له «صفيف شواء أو ~~قدير معجل» ساعيا لمجده المؤثل «وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي» لاحقا بقيصر ~~ليسترجع ملك أبيه «نحاول ملكا أو نموت فنعذرا.» # ولو اقتصرت شخصية امرئ القيس على ظهور ذاتيته لأمسى شعره شيئا مألوفا في ~~الشعراء. ولكنه كان إلى ذلك شخصي الأسلوب، متميز الطابع، فتح كنوز الشعر لمن ~~جاء بعده، وهداهم إلى أغراضه وفنونه، فترسموه وساروا على طريقه، عصورا ~~وأجيالا، يتنحلون أسلوبه، ويطبعون على غراره، ولا يدركون له شأوا. # وقلما قرأنا لشاعر قديم، أو محدث غارق في القديم، إلا رأينا صورة امرئ القيس ~~ماثلة خلال سطوره، حتى الذين حاولوا التجديد في العباسيين - كأبي نواس - كانوا ~~ألصق الناس به في ابتعادهم عنه. # فهذا الأسلوب الذي كتب له العمر الطويل، ولا ينفك ms066 يستأثر بطابع صاحبه، هو ~~الذي حمل الرواة الأقدمين على أن يجعلوا له خصائص وأوليات لا يسعنا إلا ذكرها ~~مع ما قدمنا من الاعتراض عليها في كلامنا على الشاعر والطلل. فمن التقليد ~~المتعارف عند الرواة أن الشاعر الملك سبق إلى أشياء ابتدعها، فاستحسنتها العرب، ~~واتبعته عليها الشعراء. فكان أول من وقف على الطلول، واستوقف، وبكى واستبكى، ~~وأول من قيد الأوابد، وشبه النساء بالظباء والبيض، والخيل بالعقبان والعصي، ~~وأجاد في التشبيه، وأرق النسيب، وفصل بينه وبين المعنى. # وكتب الأدب قديمها وحديثها تتفق على ترديد هذه الرواسم كلما تكلمت على شاعرية ~~امرئ القيس وتقدمه في الشعراء. وبهذه الأوليات يميزون أسلوبه، وإن تكن لا ~~تعطينا إلا صورة مصغرة عنه. ونحن إنما نفهم الأسلوب في معناه الشامل، أي ما ~~تناول الموضوع والروح واللغة والفن. ولا نستطيع أن نستجلي شخصية الشاعر في ~~أسلوبه إلا إذا أخذنا شعره من هذه النواحي وألممنا بميزاتها. # وقد علمنا أنه شخصي الموضوعات، تدور أغراضه على حوادثه وأخباره. فإذا ~~تتبعناها ألفيناها تختصر في غزله وذكر مغامراته الحبية، وصيده وجواده، وطوافه ~~على القبائل يمدح أنصاره، ويهجو أعداءه وخاذليه، وسفره إلى القسطنطينية يستنجد ~~القيصر ليساعده على استرجاع ملك أبيه. وهذه الأغراض قائمة على ركنين من الفن: ~~الوصف والقصص، تطفو عليهما ذكريات عميقة، فيها شعور قوي باللذة، وفيها شعور قوي ~~بالألم، ويتجاذبها من الصوبين تعهر واستسلام إلى الشهوات والملاهي، ونفحة من ~~عزة الملوك وترف الأمراء. # ويصف امرؤ القيس ويقص، وقلما قاده الوصف والقصص إلى التفصيلات والتحليلات ~~النثرية، فيهبط من جوه الشعري؛ لأنه يتناول هذين الفنين، في الغالب، لمحا ~~ووثبا، فيلقي نظرا شاملا على المرأة والجواد والطبيعة، ويخرج لها صورا ~~متعددة الأشكال تحيط بالموصوف على أنواعه، ولكنها لا تقتصر على نقله نقلا ~~آليا ساذجا بصورته ومثاله، بل تستوحيه أحيانا لتخلقه خلقا عبقريا جديدا ~~فيه شيء من الحقيقة، وفيه أشياء من الخيال المبدع، كقوله في صفة الجواد: # مكر مفر مقبل مدبر معا # كجلمود صخر حطه السيل من عل # أو قوله في صفة الليل الطويل: # فقلت له لما ms067 تمطى بصلبه # وأردف أعجازا وناء بكلكل # وأمثال هذه الصور البارعة كثيرة في شعره. # وإذا روى خبرا لا يسترسل في سرده وتفصيله؛ بل يوجزه في بضعة أبيات، يشتمل ~~قليلها على الحوار اللذيذ، وعلى تصوير نفسيات الأشخاص وعواطفهم، ولا يخرج عن ~~كونه شعرا قبل كل شيء، ولنا مثال على جمال قصصه قوله: # سموت إليها، بعدما نام أهلها # سمو حباب الماء حالا على حال # وما بعده من أبيات إخبارية تعطينا صورة جلية عن الشاعر المتهتك المغامر، ~~الساخر بمن دونه، المعتز بسيفه وسهامه، وترينا زوجا ضعيفا، يرى الفضيحة على ~~أهله فتخنقه الغيرة، فيهدد ويتوعد ولكنه لا يصنع شيئا. وتبرز لنا صورة مغشاة ~~للمرأة في خوفها وحذرها، في ضعف إرادتها واستسلامها. # واللمحات القصصية يحفل بها شعر الملك الضليل ممتزجة بالوصف اللماح، وكلاهما ~~يعتمد على صناعة التشبيه خصوصا، والاستعارات والكنايات عموما، والتشبيه ركن ~~عظيم في شعر صاحبنا، لا يتخلى عنه في إظهار صوره وألوانه. يستمده على الغالب من ~~الطبيعة، ولا يبالي أن يأخذ ما نستهجنه اليوم ونجده منحطا عن المشبه به. ولكن ~~علينا أن لا ننسى أنه شاعر بدوي فطري وإن كان ملكا مترفا، والفطرة لا تتأبى ~~هذه الأشياء التي نتأباها نحن. فمن العدل أن ننظر إليه بعين عصره حين نسمعه ~~يقول: # أيقتلني وقد قطرت فؤادها # كما قطر المهنوءة الرجل الطالي # 6 # أو يقول: # وتعطو برخص غير شثن كأنه # أساريع ظبي أو مساويك إسحل # 7 # والأساريع دود صغار شبه بها الأصابع في طراوتها. # وقد يتناول التشبيه من الحجارة الكريمة ~~والطيوب المتنوعة، والحرير والدمقس والمرآة، مما يدل على نعمته وترفه؛ لأن هذه ~~الأشياء لم يعرفها في الجاهلية غير الموسرين والأمراء. # وجمال التشبيه عنده يقوم على غرابته وبعد متناوله، وما فيه من التصوير ~~والتمثيل، والحركة، كقوله: # أصاح ترى برقا أريك وميضه # كلمع اليدين في حبي مكلل # 8 # أو قوله: # فعن لنا سرب كأن نعاجه # عذارى دوار في ملاء مذيل # 9 # وهذا النوع كثير في تشابيهه، ويزيده حسنا ما يطوف به من غموض مستحب، لا ~~نتبين فيه وجه الشبه ms068 إلا استشفافا، فنلمحه لمحا خفيفا، ولا نستوضحه جليا، ~~فيترك في أنفسنا أثرا للذة، ونحن نتتبعه ونتقصاه على غير خيبة تامة. # وسر الجمال في تشابيهه التصويرية: أن ~~المشبه به لا يشتمل على وجه تام للشبه، وإنما فيه ناحية خفية تجمعه بالمشبه. ~~فهذه الناحية البعيدة يلمحها الشاعر بقوة تصوره، ويعتمد عليها في الجمع بين ~~شيئين هما في حقيقتهما لا يجتمعان، كقوله: # سموت إليها بعدما نام أهلها # سمو حباب الماء حالا على حال # أو قوله: # مكر مفر مقبل مدبر معا # كجلمود صخر حطه السيل من عل # فلولا الصورة التمثيلية التي نجدها في البيتين لما كان من جامع بين الشاعر ~~والماء، وبين الجواد والصخر، فقد جعل من خفة حركة الماء في تصاعد حببه شبها ~~بخفة وصوله إلى حاجته دون أن يحدث جلبة. وجعل من الصخر الذي حطه السيل من جبل ~~عال فمضى يتقلب ظهرا لوجه، يتنزى على الصخور يمنة ويسرة، هبوطا وارتفاعا، ~~جامعا بينه وبين جواده في سرعة كره وفره، حتى لا يفرق بينهما لشدة ~~اندفاعه. # وهذا الغموض الذي نقع عليه في شعر امرئ القيس، سواء كان بتشبيه أو بغير ~~تشبيه، يمكننا أن نعده من محاسن أسلوبه؛ لأنه ليس من الشعر المغلق المعمى الذي ~~يتيه القارئ في دياميسه دون أن يجد لها منفذا، وإنما هو ذلك اللمح الذي أشار ~~إليه البحتري بقوله: # والشعر لمح تكفي إشارته # وليس بالهذر طولت خطبه # أو هو ذلك الغموض الذي عرفه أبو إسحاق الصابي فقال: «إن طريق الإحسان في ~~منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في منظومه؛ لأن الترسل هو ما وضح معناه، ~~وأعطاك سماعه في أول وهلة. وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد ~~مماطلة.» # ولامرئ القيس لغة تتجاذبها صلابة البدوي وخشونته، ورقة المتحضر المترف ~~وسلاسته، فيها إيجاز بليغ امتازت به لغة الجاهليين على السواء، وفيها تعابير ~~اختص بها الشاعر واصطلح عليها، فرددها غير مرة في مختلف قصائده، فما نخطئ ~~نسبتها إليه عندما نقع عليها كقوله: «وقد أغتدي والطير في وكناتها، بمنجرد قيد ~~الأوابد، درير كخذروف الوليد، ms069 له أيطلا ظبي وساقا نعامة إلخ ...» فعرفت له هذه ~~الأشياء وأمثالها، وهي بعض خصائص أسلوبه. # وامتازت لغته بالروعة الفنية، فكانت خير صلة بينه وبين قارئه، تؤدي ألفاظه ~~مهمتها في التعبير عن حالته التي يحسها ويتصورها، وفي الإيحاء الذي يحمل القارئ ~~إلى دنيا الشاعر فيجعل حاله كحاله مستمتعا بمتعته، وهذا حد الفن في الأدب، ~~فالشاعر الذي تعجز ألفاظه عن تأدية فكرته وإحساسه وخياله، يسقط أدبه؛ لأن قيمة ~~الأدب بنقله إلى القارئ، وطبيعي ليس إلى أي قارئ كان، وإنما نريد به من حصلت له ~~ملكة التذوق الأدبي. # ففي شعر امرئ القيس من ~~الانسجام والائتلاف اللفظي ما يبعث منه أجراسا موسيقية تتناولها الأذن بلذة، ~~فتدفعها إلى النفس بما فيها من ألوان وتصور وشعور. وقد تكون لغته الشعرية ~~مألوفة الاستعمال تعبر بحقيقة معاني ألفاظها تعبيرا قويا عن حالته النفسية ~~كقوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ~~... ... ... ... # وقد تكون غير مألوفة الاستعمال ~~يخلقها الشاعر خلقا، ويعطي ألفاظها معاني رمزية مجازية، فيها من قوة الإيحاء ~~ما تعجز الألفاظ الحقيقية أن تقوم به فيما لو أريد التعبير بها عن هذه الفكرة ~~في قوله: # فقلت له لما تمطى بصلبه # وأردف أعجازا وناء بكلكل # والأجراس الموسيقية تقوم إما ~~على ألفاظ مفردة «يغط غطيط البكر» أو على انسجام التركيب كمطلعه «قفا نبك» أو ~~على تداعي الحروف والحركات «مكر مفر مقبل مدبر معا» تدفعها جميعا ~~تموجات تطول وتقصر بحسب الحالة التي تستدعيها. فالتموجات القصيرة في «مكر ~~مفر» ملائمة كل الملائمة لسرعة الجواد في عدوه، والتموجات الطويلة في ~~قوله: # وليل كموج البحر أرخى سدوله # علي بأنواع الهموم ليبتلي # يتطلبها طول الليل، وهذا ~~النفس الممتد الذي يقصر عنه البحر الطويل. # والإيحاء الذي تتولى الألفاظ توليده يجعلنا نقبل - ونحن في نشوة الأدب - ~~آراء وأفكارا نرفضها عندما نعود إلى حياتنا المألوفة. فالقطعة القصصية التي ~~يحدثنا بها الشاعر عن زيارته الليلية لسلمى، تأباها الأخلاق القويمة، وترفضها ~~الشرائع الدينية والمدنية. بيد أننا نقبلها في الأدب على غير إرادة منا، فتبتهج ~~بها نفسنا، ونستمتع بجمالها الفني دون أن ms070 نشعر بقبحها؛ لأن النفس في مثل هذه ~~الحال تأخذها أخذا ساميا مطهرا للعواطف # Catharsis # على حد تعبير أرسطو. ففضل الأدب ~~الخالص أن فيه جمالا خاصا لا يشاركه فيه الجمال الذي اصطلحنا على اعتباره، ~~ولا يشوهه القبح الذي نستنكره ونبتعد عنه، إلا إذا حكمنا العقل والمنطق فيه، ~~وشعر امرئ القيس يتحلى بهذا الجمال الفني على ما فيه من قبح وفجور، فكيف به لو ~~خلا منهما. # وبهذا يتميز أسلوبه كما يتميز بروحه ولغته وموضوعاته، وبأسلوبه استطاع أن ~~يكون شاعرا شخصيا، كما كان شاعرا شخصيا في ظهور ذاتيته، وبه وحده تجلت ~~عبقريته، فاعترف الناس له بإمارة الشعر، ولم يطمع فيها يوما، ولا خطرت له ~~ببال. ~~(1-5) درس تاريخي # قلنا في ترجمة امرئ القيس: «وقيل إن أمه فاطمة بنت ربيعة، أخت كليب ~~والمهلهل.» وهذا هو المشهور عنه. غير أننا لا يسعنا ونحن ندرس شعره، إلا أن ~~ننظر إلى هذا النسب بشيء من الاحتياط والشك. فليس في أشعار الملك الضليل ما ~~يدلنا على هذه القربى حتى نؤمن بها، فلو كان كليب والمهلهل خاليه لما استنكف أن ~~يذكرهما مفتخرا، أو أن يشير إلى الوقائع التي انتصر فيها التغلبيون على ~~البكريين في حرب البسوس. # ورب معترض يقول: إن شعر امرئ القيس ~~ضاع أكثره لتقادم العهد، ولم يصل إلينا منه غير القليل. ونحن لا نخالفه في ذلك، ~~ولكن هذا القليل كان كافيا للدلالة لو صحت القربى. فلامرئ القيس قصيدة يفتخر ~~بها ويذكر أخواله وأعمامه إذ يقول: # خالي ابن كبشة قد علمت مكانه # وأبو يزيد ورهطه أعمامي # فمن هذا ابن كبشة؟ ... إنه غير كليب ~~والمهلهل، فما كان ابنا ربيعة ينتسبان يوما إلى «كبشة»، ولو أراد امرؤ القيس ~~أحدهما لذكر اسمه واستقام له وزن البيت، ولكنه يشير إلى سواهما لأنهما ليسا ~~بخاليه. # على أن هذا لا يمنع أن يكون والد امرئ القيس تزوج فاطمة بنت ربيعة، إلا أن ~~الشاعر ليس منها بل من ضرة لها. ولعل فاطمة هذه هي التي تعشقها وتغزل بها ~~في معلقته إذ يقول: # أفاطم مهلا بعض ms071 هذا التدلل # وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي # 10 # أغرك مني أن حبك قاتلي # وأنك مهما تأمري القلب يفعل؟ # وحبه لامرأة أبيه مشهور، وقيل: إن والده طرده من أجل ذلك. # وزعم الرواة أنه أحب ابنة القيصر، وأنها هي التي أشار إليها بقوله: # سموت إليها بعدما نام أهلها # سمو حباب الماء حالا على حال # وقيل إن أباها علم بأمرهما فزوجه إياها. أما نحن فنرى أن القصيدة نظمت بعد ~~موت والده، ولكن قبل سفره إلى القسطنطينية، ودليلنا على ذلك أن الشاعر يقول قبل ~~أن يسمو إليها: # تنورتها من أذرعات وأهلها # بيثرب أدنى دارها نظر عال # 11 # فأين يثرب من القسطنطينية؟ ... # ويقول أيضا في مكان آخر: # فأصبحت معشوقا وأصبح بعلها # عليه قتام كاسف اللون والبال # 12 # فأنت ترى أنه يتغزل بآنسة متزوجة، والرواة يحدثوننا أن ابنة القيصر كانت ~~عزبة وقد تزوجها امرؤ القيس، وهبها كانت ذات بعل فليس من المعقول أن يسخر ~~الشاعر من زوجها ويحتقره، وهو صهر القيصر، أو ينسب إليه الضعف والخنوع والمذلة، ~~وهو أعز منه جانبا، في كنف ملك يفزع إليه امرؤ القيس طريدا مستنجدا ينشد ~~عرشه الهاوي. # ودليلنا على أنه نظم القصيدة بعد موت والده هو قوله: # فلو أنني أسعى لأدنى معيشة # كفاني ولم أطلب قليل من المال # ولكنني أسعى لمجد مؤثل # وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # 13 # فهو يشير هنا إلى سعيه لاسترجاع ملك أبيه. # وحدثنا الرواة أن امرأ القيس سافر إلى القسطنطينية مستغيثا بقيصر، ولم ~~يذكروا له غير هذه السفرة إلى بلاد الروم. على أننا نعتقد أن الشاعر عرف تلك ~~البلاد قبل التجائه إلى مليكها، واطلع على حضارتها فأثرت في خياله الشعري ~~فوسعته، وظهر هذا التأثير في تشابيهه اللطيفة، وابتكاره للمعاني والألفاظ، ~~ودليلنا على أن معرفته لبلاد الروم لا تقتصر على الزيارة الأخيرة، قوله في ~~معلقته: # مهفهفة بيضاء غير مفاضة # ترائبها مصقولة كالسجنجل # 14 # فاستعماله لفظة السجنجل - وهي رومية الأصل - ينبئ اختلاطه بالأروام قبل نظم ~~المعلقة وقبل مقتل أبيه. وله قصيدة يصف بها سفره إلى قيصر مستنجدا ms072 على بني ~~أسد، يقول فيها: # لقد أنكرتني بعلبك وأهلها # ولابن جريج في قرى حمص أنكرا # فإنكار بعلبك وأهلها، وإنكار ابن جريج له دليل على أنه يعرف تلك البلاد وله ~~فيها معارف وخلان. ~~(1-6) صحة شعره # ولا بد لنا - ونحن ندرس شعر امرئ القيس - أن ننظر فيه إلى صحيحه من منحوله، ~~فقد نسب إلى الملك الضليل ما ليس له كما نسب إلى غيره من الشعراء الأقدمين. ~~ولسنا نزعم أننا نبلغ الحقيقة كلها في درسنا هذا؛ إذ من الصعب الوصول إلى نتيجة ~~تامة في مثل هذه الأمور. على أننا نرجو أن نأتي بشيء لا يخلو من فائدة. # ممن المعلوم أن شعر امرئ القيسضاع أكثره لبعد أيامه ولم يصل منه إلا النزر ~~اليسير، ولكن هذا النزر اليسير لم يسلم من النحل والاصطناع. فالرواة أنفسهم ~~يشكون في هذه الأبيات من المعلقة، ويضيفونها إلى تأبط شرا، وهي: # وقربة أقوام جعلت عصامها # على كاهل مني ذلول مرحل # 15 # وواد كجوف العير قفر قطعته # به الذئب يعوي كالخليع المعيل # 16 # فقلت له لما عوى إن شأننا # قليل الغنى إن كنت لما تمول # 17 # كلانا إذا ما نال شيئا أفاته # ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل # 18 # ونحن نرى أن حمل القربة، وقطع الأودية ~~الخالية، ومعاشرة الذئاب، والافتقار، وهزال العيش شيء أولى بصعلوك يعيش في ~~البراري والغابات كالشنفرى وتأبط شرا منه بملك كامرئ القيس؛ أنيق العيش، ~~وافر النعمة، تتبعه الطهاة والخدم في حله وترحاله. # ونسبت إليه قصيدة في التهديد مطلعها: # تطاول ليلك بالأثمد # ونام الخلي ولم ترقد # 19 # وهي في «معاهد التنصيص على شواهد ~~التلخيص» لامرئ القيس بن عابس الكندي أحد الصحابة، ولعل وحدة الاسم بين ~~الشاعرين جعلت بعض الرواة يضيفونها إلى الملك الضليل، ويزعمون أنه يهدد بها بني ~~أسد، على حين أنه ليس فيها ما يشير إلى مقتل أبيه أو إلى بني أسد الذين قتلوه. ~~ومثلها الأبيات التي لقب من أجلها بالذائد وهي: # أذود القوافي عني ذيادا # ذياد غلام جريء جرادا # 20 # فلما كثرن وعنينه # تخير منهن شتى ms073 جيادا # 21 # فأعزل مرجانها جانبا # وآخذ من درها المستجادا # 22 # فابن الكلبي يقول إنها لامرئ القيس بن بكر، وغيره يزعم أنها لامرئ القيس بن ~~عباس. وهذا الاختلاف بين الرواة راجع - كما لا يخفى - إلى تشابه الأسماء ~~والتباسها. على أننا لا نرى في الأبيات الثلاثة ما يحملنا على نسبتها إلى شاعر ~~جاهلي، فهي في اعتقادنا مصنوعة في الإسلام لتبيان سبب لقبه، ثم للاستشهاد بها ~~على أن شعراء الجاهلية كانوا يعنون بتنقية أشعارهم فيطرحون منها الرديء ~~ويختارون الحسن. # وأضيفت إليه أشعار بعد رجوعه من القسطنطينية ومرضه حتى موته في أنقره. ~~ولكننا لا نستطيع أن نطمئن إلى صحتها؛ لظهور الاصطناع على أكثرها. مثال ذلك، ما ~~رواه الأغاني من أن الشاعر رأى قبر امرأة ماتت وهي غريبة فدفنت في سفح جبل يقال ~~له عسيب، فسأل عنها وأخبر بقصتها فقال: # أجارتنا إن المزار قريب # وإني مقيم ما أقام عسيب # أجارتنا إنا غريبان ههنا # وكل غريب للغريب نسيب # فتفنن الرواة ظاهر في اختراع القصة والبيتين، والأعجب أن عسيبا جبل بعالية ~~نجد لا في أنقره من بلاد الروم. # ونسبت إليه مماتنات مع شعراء عصره. منها مماتنته للحارث بن التوأم ~~اليشكري التي يقول في مطلعها: # أحار ترى بريقا هب وهنا # 23 # فيجيبه التوأم مجيزا: # كنار مجوس تستعر استعارا # ومنها مماتنته لعبيد بن الأبرص، وهي أشبه بأحاجي كتاب المقامات وألغازهم، ~~ولا ريب أنها منحولة. قال عبيد في مطلعها: # ما حية ميتة قامت بميتتها # درداء ما أنبتت سنا وأضراسا # 24 # فأجابه امرؤ القيس: # تلك الشعيرة تسقى في سنابلها # فأخرجت بعد طول المكث أكداسا # على أن هذه الأشعار المصطنعة في الإسلام ليس من شأنها أن تلقي الشك على ~~شعره أجمع، ولا سيما المعلقة وأمثالها من القصائد المشهورة، وإن لم تسلم من ~~التحريف والتبديل. ~~(1-7) منزلته # هو في مقدمة شعراء الطبقة الأولى، وأبعدهم شهرة، وأسبقهم إلى الاختراع ~~والابتكار. فقد رأيت مما تقدم ما لشعره من الميزات الكثيرة من حيث الجزالة ~~والروعة والإيجاز، ولطف التشبيه والاستعارة ودقة الوصف، ولا سيما وصف الفرس ~~والصيد ms074 والمطر. وقد اتفق الرواة على تفضيله. ونسب إلى النبي محمد قوله فيه: ~~«امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء وقائدهم إلى النار.» وذكروا عن الإمام علي أنه ~~فضله بقوله: «كان أصحهم بادرة وأجودهم نادرة.» وصفوة القول أن امرأ القيس ~~أمير الدولتين: دولة الشعر ودولة بني كندة. ~~(2) طرفة بن العبد (الربع الثالث من القرن السادس) ~~(2-1) حياته # هو عمرو بن العبد البكري، وطرفة لقب غلب عليه. ولد في البحرين ونشأ يتيم ~~الأب في بيت غني، كريم المحتد، فانصرف إلى اللهو والخمر والنساء، ينفق عليها ~~بغير حساب، فضيق عليه أعمامه وأبوا أن يقسموا ماله، وجاروا على أمه وردة أخت ~~المتلمس الشاعر، فظلموها حقها، فهددهم طرفة بهذه الأبيات، وهي من أوائل ~~نظمه: # ما تنظرون بحق وردة فيكم # صغر البنون ورهط وردة غيب # 25 # قد يبعث الأمر العظيم صغيره # حتى تظل له الدماء تصبب # 26 # والظلم فرق بين حيي وائل # بكر تساقيها المنايا تغلب # 27 # على أن جور أعمامه لم يمنعه من الإسراف واللهو؛ فظل ينفق من ماله على أصحابه ~~وخلانه حتى لم يبق له شيء، فسخطت عليه عشيرته وابتعدت عنه؛ فأصبح معزولا ~~كالبعير الجرب، وإلى ذلك يشير في معلقته: # ومازال تشرابي الخمور ولذتي # وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي # 28 # إلى أن تحامتني العشيرة كلها # وأفردت إفراد البعير المعبد # 29 # وساء طرفة أن يعرض عنه أهله فتركهم مدة قضاها بالغزو والتطواف، ثم عاد إليهم ~~نادما، صفر اليدين، فحمله أخوه معبد على رعاية إبله فأهملها، وأنى لمثله ~~أن يحسن رعايتها؟ فأنبه معبد وقال له: «ترى إن أخذت تردها بشعرك هذا؟» ~~فقال طرفة: «لا أخرج حتى تعلم أن شعري يردها.» ولم يطل الأمر حتى أخذت الإبل ~~فألح عليه أخوه بردها، فلجأ طرفه إلى ابن عمه مالك ليعينه على استرجاعها من ~~آخذيها وكانوا قوما من مضر، فانتهره مالك بعنف فتألم الشاعر ونظم معلقته ~~واصفا حالته وجور أهله عليه، وعرض فيها لذكر سيدين من أقربائه، ~~فمدحهما بكثرة المال والولد إذ ~~يقول: # فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد # ولو شاء ربي ms075 كنت عمرو بن مرثد # فأصبحت ذا مال كثير وزارني # بنون كرام سادة لمسود # 30 # فدعاه أحدهما (عمرو)، وكان له سبعة أولاد فأمرهم، فدفع كل واحد إلى طرفة عشرة ~~من الإبل، ثم أمر ثلاثة من أبناء بنيه فدفعوا إليه مثل ذلك، فرد إبل أخيه وقد ~~ردها بشعره - كما قال - وأقام ينفق من الباقي حتى نفد. فاتصل بعمرو بن هند ~~ملك العراق، وكان صهره عبد عمرو بن بشر وخاله المتلمس الشاعر من رجال الحاشية، ~~فقرب الملك طرفة لإعجابه بشعره. # ولكن الشاعر الفتى كان تياها فخورا بنفسه، فشبب بأخت الملك غير ~~مبال، فأبعده عمرو بن هند عن حاشيته وجعله في حاشية أخيه قابوس فلم يجد منه ما ~~تعوده من الإكرام؛ فهجاه وهجا أخاه الملك هجاء مرا. من ذلك قوله: # فليت لنا مكان الملك عمرو # رغوثا حول قبتنا تخور # 31 # لعمرك إن قابوس بن هند # ليخلط ملكه نوك كثير # 32 # ولكن لم يجرؤ أحد أن ينقل هذا الهجاء إلى عمرو. # وشكت ذات يوم أخت طرفة شيئا من أمر زوجها عبد عمرو؛ فهجاه طرفة بأبيات ~~منها: # ولا خير فيه غير أن له غنى # وأن له كشحا إذا قام أهضما # 33 # وهذا ما يسميه علماء البيان توكيد الذم بما يشبه المدح. فإنه بعد أن نفى ~~الخير عنه جاء بالاستثناء كمن يريد أن يذكر له حسنة يمدحه بها، فإذا به لا يرى ~~فيه من الحسن غير كثرة المال ولطف الخصر، ومن الهجاء المر أن تصف رجلا بما ~~توصف به النساء. # واتفق أن عمرو بن هند خرج ~~للصيد ذات يوم، فانقطع في نفر من أصحابه وفيهم عبد عمرو، حتى أصاب حمارا ~~فعقره، فقال لعبد عمرو: انزل واذبحه. فعالجه فأعياه، فضحك الملك وقال: لقد ~~أبصرك طرفة حيث يقول، وأنشد: «ولا خير فيه.» فغضب عبد عمرو وقال: لقد قال في ~~الملك أقبح من هذا، وأنشده: «فليت لنا مكان الملك عمرو ...» فحقد عمرو بن هند على ~~طرفة، ولكنه كره أن يعجل عليه إشفاقا من هجاء المتلمس، فلبث يتحين الفرص ~~ليتخلص من ms076 الاثنين معا، وهو يؤانسهما حتى اطمأنا إليه، فكتب إلى عامله في ~~البحرين، وقال لهما: انطلقا إليه وخذا جوائزكما. # فحملا الكتابين وسارا حتى بلغا النجف، ~~فقال المتلمس لطرفة: تعلمن والله أن ارتياح عمرو لي ولك لأمر عندي مريب. وإني ~~لا أنطلق بصحيفة لا أدري ما فيها. فقال طرفه: «إنك لتسيء الظن، وما تخاف من ~~صحيفة؟ إن كان فيها الذي وعدنا وإلا رجعنا فلم نترك منه شيئا.» فأبى المتلمس ~~أن يجيبه وعدل إلى حيث رأى غلاما من الحيرة فدفع إليه الصحيفة ليقرأها له، ~~فلما نظر الغلام فيها قال: «ثكلت المتلمس أمه!» فأخذ المتلمس الصحيفة ~~وقذفها في البحيرة فضرب المثل بصحيفته. ثم قال لطرفة: «تعلمن والله أن ~~الذي في كتابك مثل الذي في كتابي.» فقال طرفة: «لئن كان اجترأ عليك ما كان ~~بالذي يجترئ علي.» وأبى أن يطيعه، فتركه المتلمس وهرب إلى الشام. # وسار طرفة حتى أتى البحرين وكان صاحبها ~~أبو كرب ربيعة بن الحارث، وهو من أقرباء طرفة، فلما قرأ الكتاب قال: «أتعلم ما ~~أمرت به فيك؟» قال طرفة: «نعم، أمرت أن تجيزني وتحسن إلي.» فقال: «إن بيني ~~وبينك لخئولة أنا لها راع، فاهرب من ليلتك هذه، فإني قد أمرت بقتلك. فاخرج ~~فبل أن تصبح ويعلم بك الناس.» فأبى طرفة وقال: «اشتدت عليك جائزتي، وأحببت أن ~~أهرب وأجعل لعمرو بن هند علي سبيلا، كأنني أذنبت ذنبا. والله لا أفعل ذلك ~~أبدا.» فأمر بحبسه. ثم كتب إلى عمرو بن هند يقول: «ابعث إلى عملك من تريد فإني ~~غير قاتل الرجل.» فأرسل عمرو بن هند رجلا من بني تغلب يقال له عبد هند ~~واستعمله على البحرين، وكان رجلا شجاعا، وأمره بقتل طرفة وقتل ربيعة بن ~~الحارث. فقدمها عبد هند ولبث أياما فاجتمعت بكر بن وائل فهمت به، وكان طرفة ~~يحضهم. فانتدب له رجلا من الحواثر يقال له أبو ريشة فقتله وقتل معه العامل ~~السابق. وكان قبره معروفا بهجر في أرض بني قيس بن ثعلبة. ~~(2-2) درس تاريخي # هذه هي الرواية المشهورة عن مقتل طرفة، ms077 وقد تناقلتها كتب الأدب في شيء من ~~الاختلاف. أما نحن فلا يسعنا إلا أن ننظر إليها بشك واحتياط لظهور الاصطناع ~~عليها. فإن سير حوادثها بين التكلف، من هجاء طرفة لعمرو بن هند، إلى هجائه ~~عبد عمرو، إلى إشفاق ملك العراق من قتله في قاعدة ملكه خوفا من المتلمس، إلى ~~إرساله ليقتل في البحرين وهي مسقط رأس الشاعر وبلاد قومه، إلى صحيفة المتلمس ~~ورفض طرفة أن يفض صحيفته، إلى امتناع صاحب البحرين عن قتل الشاعر لأنه من ~~أقربائه، وحبسه اياه، ثم انتظاره أن يرسل عمرو بن هند عاملا جديدا ليقتله ~~ويقتل طرفة معه، إلى مجيء العامل وهو من بني تغلب أعداء البكريين، إلى قعود بني ~~بكر عن إنقاذ شاعرهم في عقر دارهم ... إلى غير ذلك مما يصعب الاطمئنان ~~إليه. # فلقد كان بوسع عمرو بن هند أن يفتك بالشاعرين معا في العراق، بدلا من أن ~~يرسلهما إلى البحرين، ولقد كان ينبغي له أن يخشى هجاء المتلمس أخيرا كما خشيه ~~أولا بعد أن نجا هذا من الشرك الذي نصب له، ولقد كان بوسع صاحب البحرين أن ~~ينجو وطرفة دون أن ينتظر قدوم العامل الجديد ليقتلهما معا. # وزعم الرواة أن نسيبه صاحب البحرين بعث إليه في سجنه جارية اسمها خولة ~~فردها، وقال في ذلك أبياتا مطلعها: # ألا اعتزليني اليوم يا خول أو غضي # فقد نزلت حدباء محكمة العض # 34 # ومنها البيت المشهور يخاطب به عمرو بن هند: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا # حنانيك بعض الشر أهون من بعض # ولا يخفى ما في إرسال الجارية ~~إلى السجن من التكلف. وقد جعل الرواة اسمها خولة، وهو اسم المرأة التي يشبب بها ~~طرفة في معلقته ، فكأنهم أرادو أن يؤنسوه بذكر من يهوى قبل موته، وفي ذلك ما فيه ~~من التفكيه والإغراب. وليس في البيت الذي يخاطب به عمرو بن هند ما يدل على ~~حقيقه الحال؛ لأن ملك العراق لم يفن قبيلة الشاعر حتى يصح قول طرفة: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ~~... ... ... ... # على أننا وإن كنا نشك في ms078 رواية قتله فلا ريب عندنا بأن الشاعر مات صغير ~~السن، ولما يبلغ الثلاثين من عمره، فعرف بالغلام القتيل، وبابن العشرين، ~~يؤيد ذلك رثاء أخته الخرنق له إذ تقول: # عددنا له ستا وعشرين حجة # فلما توفاها استوى سيدا ضخما # 35 # فجعنا به لما رجونا إيابه # على خير حال لا وليدا ولا قحما # 36 # وقد يكون عمرو بن هند قتله من أجل الهجاء، فقد أشار إلى ذلك الفرزدق بقوله: ~~وأخو بني قيس وهن قتلنه، أي القصائد. ~~(2-3) آثاره # لطرفة ديوان جمعت فيه أشعار أشهرها المعلقة، ثم «رائية» مطلعها: # أصحوت اليوم أم شاقتك هر # ومن الحب جنون مستعر # 37 # ولم يذكر له ابن سلام غير هاتين القصيدتين، وروى مطلعهما، ولكنه عرف له ~~قصائد أخرى لم يدل عليها. # وأضيفت إليه قصيدة «ميمية» ذكر الأصمعي أنها منحولة، ومطلعها: # سائلوا عنا الذي يعرفنا # بخزازى يوم تحلاق اللمم # 38 # ونحن يهمنا من شعر طرفة معلقته؛ ففيها تظهر ميزته، وعليها المعول في درس ~~حياته، وأخلاقه، وآرائه في الحياة والموت، وإن كانت رائيته لا تخلو من الجمال، ~~ولا تعدوها الفائدة في استطلاع شخصية الشاعر. ~~(2-4) ميزته - المعلقة # معلقة طرفة هي الثانية في المعلقات، وهي كسائر الشعر الجاهلي متعددة الأغراض ~~والمرامي، يستهلها بوصف أطلال خولة وحدوجها، ثم ينتقل إلى وصف الناقة، فوصف ~~معيشته وكرمه فمعاتبة ابن عمه مالك، فالافتخار بنفسه، فذكر آرائه في الموت ~~والحياة، إلى غير ذلك من الأغراض التي لا يتألف منها وحدة في الموضوع. وقد ~~شرحت هذه المعلقة مرارا وترجمت إلى اللغات الأجنبية. ~~(2-5) الغزل # لخولة أطلال ببرقة ثهمد # تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد # 39 # وقوفا بها صحبي علي مطيهم # يقولون لا تهلك أسى وتجلد # 40 # وهنا ينتقل الشاعر إلى ذكر حدوج المالكية فيشبهها بالسفن، ثم يأخذ في وصف تلك ~~السفن حتى إذا انتهى عاد إلى وصف من يهوى. وهذه خاصة في الشاعر الجاهلي تجعله ~~لا يترك الموصوف حتى يصوره من جميع جهاته. # ولهذه الأبيات قيمة تاريخية تفيدنا ما كان في البحرين من ملاحة وصناعة سفن. ms079 ~~وليس أولى من طرفة بوصف السفن والملاحين وهو ربيب السواحل البحرية، ثم يعود إلى ~~من يهوى فلا يتعدى في وصفه عنقها وثغرها ووجهها. ~~(2-6) وصف الناقة # وينتقل فجأة إلى ناقته التي ينفي بها الهم عند حضوره: # وإني لأمضي الهم عند احتضاره # بعوجاء مرقال تروح وتغتدي # 41 # فيمعن في وصفها متناولا أعضاءها عضوا عضوا، مشبها عظامها بألواح التابوت، ~~وعدوها بعدو النعامة، وشعر ذنبها في بياضه بجناحي نسر أبيض، وأخلافها بقربة ~~بالية لانقطاع لبنها، وفخذيها ببابي قصر منيف أملس، وأضلاعها المتصلة بفقارها ~~بالقسي، وإبطيها في السعة ببيتين من بيوت بقر الوحش. وشبهها وشبه مرفقيها ~~وبعدهما عن جنبيها بسقاء يحمل في يديه دلوين، وعلوها بقنطرة رجل رومي، ~~وشبه جنبيها بسقف أسند بعضه إلى بعض، وآثار النسع # 42 # في ظهرها بنقر في الصخرة الملساء. ثم شبه هذه الآثار في ~~تلاقيها وتباعدها ببنائق بيض في قميص مقدود. وشبه عنقها في ارتفاعه وانتصابه ~~بسكان # 43 # سفينة جارية في نهر دجلة، وجمجمتها بالسندان، وطرف الجمجمة بالمبرد ~~في دقته وصلابته، وخدها بقرطاس الرجل الشآمي في انملاسه، ومشفرها بالجلد ~~اليماني في لينه، وعينيها في صفائهما وبريقهما بالمرآة وبالماء في نقرة صخر، ~~وحجاجيها # 44 # وغئور عينيها فيهما بكهفين أي مغارتين. ثم شبه عينيها في حسنهما ~~بعيني بقرة وحشية مذعورة لها ولد، وأذنيها في تيقظهما بأذني ثور وحشي منفرد ~~كثير الحذر، وقلبها في صلابته بمرداة - أي صخرة - تكسر بها الصخور، وشبه ما ~~يحيط به من الأضلاع بحجارة عريضة محكمة. # ولا يخفى ما في هذا القسم من الفوائد التاريخية عن العصر الجاهلي. ~~(2-7) حياته وشاعريته # وبعد أن يتم وصف ناقته وتصويرها يفرغ إلى نفسه فيصف معيشته في السلم ~~والحرب، فإذا هو يحب اللهو والعبث كما يحب الحرب، وإغاثة الملهوف، وإذا هو ~~مبذر يكره جمع المال ؛ لأن الموت لا يفرق بين الكريم والبخيل، والكريم خير من ~~البخيل، وفي هذا القسم يطلعنا على آرائه في الحياة والموت، وعلى اضطهاد عشيرته ~~له، وعلى غير ذلك مما يتعلق بحياته. وهو أهم أقسام المعلقة؛ لأن به تظهر ms080 ~~خصائص الشاعر تمام الظهور. فلا خولة طرفة ولا ناقته تجذبه إلينا أو تجذبنا ~~إليه، فليس في نسيبه ما يغري به ويستخف القلوب، وليس في وصف «عوجائه المرقال» ~~ما يجمع روحنا بروحه ويربط دنيانا بدنياه، وإن كان أدق واصف لها بشهادة ~~المتقدمين والمتأخرين. وإنما طرفة بنفسه دون غيره، بلهوه ومرحه، بفخره ~~واعتداده، بتشكيه وتظلمه، يحملنا إليه أو يحمل ذاته إلينا، فنحس بإحساسه، ~~نأسى لألمه، ونبتهج لحماسته، ونضحك لسروره. فحياته في شعره لها أثر قوي في ~~توجيه هذا الشعر، وضم روحه إلى أرواح قرائه. وإذا لم يكن فيه ما في شعر امرئ ~~القيس من انطلاق النفس، وعمق التصور، وتلوين الخيال المتحرك، فإن فيه من صدق ~~الشعور، وفطرة النفس، وبساطة التعبير ما يفيض عليه الجمال ويضمن تقريبه إلى ~~القلوب. # والشعور الصادق عامل رئيس للفن، يبعث النشاط في النفس، ويحبو الجمال عنصر ~~الحياة. وكل عمل فني فاته الشعور لا يستحق أن يعد من أبناء الحياة، ~~وليست النشوة التي تحدثها حياة الفن إلا ائتلافا موسيقيا بين الشعور ~~والخيال والإدراك، تتولى الألفاظ إخراجه في الشعر كما تتولى إخراجه في الموسيقى ~~والرسم، والأوتار والألوان. # وكان طرفة في حياته قطعة موسيقية ائتلفت بها عناصر الحس والخيال والفكر، ~~فانتظمت وحدة كلية على غير تكافؤ، لما للشعور من سيادة وسلطان، وجاء شعره صورة ~~عن حياته في اتحاد هذه القوى النفسية، وسيطرة الإحساس عليها جميعا. وما هذه ~~الحماسة التي ترافق شعره، في الدفاع عن نفسه وعن آرائه، إلا وليدة إحساسه القوي ~~لكل ما يتصوره ويفكر فيه. يندفع بإيمان ثابت، وعناد متصلب، وإن كان على خطإ ~~في ما يرمي إليه. # وطرفة ربيب البحرين شهد من الحضارة والعمران ما لا يشهده ساكن الخيام في ~~بوادي نجد والحجاز، ونشأ يتيما لا يد فوقه تقوم على تأديبه، إلا يد أمه ولم ~~تكن قاسية عليه، ووجد في حوزته مالا وافرا، فراح يختلف إلى الحوانيت وهو في ~~العشرين أو دون العشرين، يصحب الندمان، ويشرب الخمر، ويعاشر القيان، حتى أنفق ~~ما لديه وأفلس، فخلعته عشيرته، وأوسعته لوما وإهانة، ms081 وكان أقرب الناس إليه - ~~أخوه وابن عمه - أشدهم وقيعة به. فتألمت نفسه الفتية، وأبت أن تصبر على ~~الضيم في أنفتها، وشدة إحساسها، فتفجرت منها ينابيع الشعر ثائرة على الظلم، ~~ساخطة على الأقرباء، مستهينة بالموت والحياة. وليس للشاعر غير فنه يسكن به ~~آلامه، ويبث شكايته، ويرد عن نفسه، فاندفع طرفة يسفه أقوال لائميه، ويبدي لهم ~~صلاح أعماله، وفساد آرائهم، في شيء غير قليل من القحة والعناد والزراية ~~والتحدي.، وبنى أحكامه على الخلود والفناء، فما دام الإنسان مائتا على كل حال، ~~ولا خلود في هذه الدنيا لحي؛ فلماذا لا يبادر الفتى منيته بماله وملذاته؟ تلك ~~الملذات التي يختصرها في ثلاثة أشياء: الحرب والخمر والنساء. # فهذا الدفاع الحار بحجج يسيطر فيها الشعور على الفكر، هو الذي يحبب شعر طرفة ~~إلينا، وما شعره إلا صورة لحياته الهائجة المضطربة، تللك الحياة التي ينكرها ~~عليه أهلوه ويضطهدونه من أجلها، ويراها، مع ما لقي بسببها من إفلاس وطرد وشقاء، ~~مثلا أعلى لا يسمو إليه إلا كل فتى كريم، يجمع الشرف والنجدة واللهو ~~والغزل. # وقوة الشعور عنده تكاد تجعلنا ~~لا نشعر بسذاجة الآراء التي يبنيها على الموت والحياة؛ لأنه لم يقف فيها موقف ~~الخطيب الواعظ، أو الرجل الحكيم المصلح؛ بل جاء بها مدافعا عن نفسه، يحسها ~~كأنها بعض روحه، بما فيها من تدافع الحزن والألم وعزة النفس والأنفة، وحباها ~~بكل ما في الشباب من نشاط وحياة، وزادتها جمالا بساطة التعبير عن خوالج ~~النفس دون أي تكلف، وفطرة صريحة يحلو بها الشعر الجاهلي، ويستقل بنفسه عن الأدب ~~العربي. فطرفة لا يجنح في تعابيره إلى الصيغ المجازية البعيدة، ولا إلى الصور ~~الخيالية العميقة، وإنما يتدفق شعوره بالألفاظ التي تبعثها النفس على سجيتها، ~~سهلة حينا، خشنة أحيانا، فيها من الفن ما يكفي لنقل الحالة التي يحسها الشاعر ~~ويتصورها، وإن يكن هذا الفن يحتاج إلى تهذيب بعض الأحيان، ولا سيما المواطن ~~التي لا يتدفق منها الشعور. # والفطرة في شعره تتمثل أصدق ~~تمثيل بصراحته وسذاجة عقائده، وتحمسه الشديد لها، تلك الصراحة التي جعلته ms082 يتحدث ~~عن نفسه في خيرها وشرها. فيطلعنا على حياته اللاهية وشربه وتبذيره، وحياته ~~البائسة، وقد أفلس وطردته العشيرة، وترك منفردا كالبعير الجرب. ثم هذا ~~التشكي البريء لجور ابن عمه وإعراضه، فابن عمه يراه جانيا ويقسو عليه، وهو ~~لا يرى على نفسه ذنبا يستحق هذه القسوة، وإن يكن أهمل رعاية الإبل حتى سرقت ~~منه، فقد سعى جهده في طلبها وإرجاعها، فأي ذنب بعدها يحسب عليه؟ هذه العقلية ~~الغريبة، بما فيها من اقتناع بالبراءة، وإيمان بالنفس والآراء، وتخطئة لكل من ~~يخالف عقائدها، هي مثال صادق لفطرة طرفة، وغرور شبابه، وعناده، وكبريائه. ~~فشخصية طرفة القوية، هي التي ترفع قيمة شعره وتدنيه إلى القراء. يغلي في عروقه ~~دم الشباب، فيفيض حماسة وشعورا، وإيمانا. ولا جرم أن سنه ترفد هذا الشعر، ~~فتكسب صاحبه عطفا على العطف الذي يستحقه، فهو شعر الغلام القتيل، وابن ~~العشرين. ~~(2-8) هجوه وسخريته # أجمع الرواة على أن طرفة كان حديد اللسان جريء الهجاء، ويزعمون أن استخفافه ~~بالناس قرب أجله. غير أن هذه الخاصة لا نجدها في المعلقة على تعدد أغراضها، ~~فينبغي لنا أن نلتمسها في غير المعلقة. وقد عرفت أن ما وصل إلينا من شعر طرفة، ~~قليل جدا وأكثره لا يعول عليه. ولكننا نأخذ شواهد، على هذه الميزة في ~~الشاعر. انتقاده لشعر خاله المتلمس، وكان طرفة غلاما يلعب مع أترابه فسمع خاله ~~يقول: # وقد أتناسى الهم عند احتضاره # بناج عليه الصيعرية مكدم # 45 # والصيعرية سمة للنوق، فقال طرفة: «استنوق الجمل.» فأرسلها مثلا، وضحك القوم؛ ~~فغضب المتلمس ونظر إلى لسان طرفة فقال: «ويل لهذا من هذا.» يعني رأسه من لسانه، ~~ونأخذ أيضا هجوه لعمرو بن هند وأخيه قابوس: # فليت لنا مكان الملك عمرو # رغوثا حول قبتنا تخور # لعمرك إن قابوس بن هند # ليخلط ملكه نوك كثير # وهجوه لصهره عبد عمرو: # ولا خير فيه غير أن له غنى # وأن له كشحا إذا قام أهضما # فمن هذه الأمثلة الصغيرة يمكننا أن نتبين خاصة الهجاء في طرفة وما فيها من ~~استخفاف وهزء، ولعل الاستخفاف والهزء ms083 من أبرز خصائص هذا الشاعر، فهما ظاهران ~~في لهوه وعبثه، ظاهران في زهده في الحياة والمال، ظاهران في هجوه ~~وانتقاده. ~~(2-9) صحة شعره # قال ابن سلام: «ومما يدل على ذهاب العلم وسقوطه قلة ما بقي بأيدي الرواة ~~المصححين لطرفة وعبيد، والذي صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن ~~فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان ما يروى من ~~الغثاء # 46 # لهما فليسا يستحقان مكانهما على أفواه الرواة. ونرى أن غيرهما قد ~~سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول ~~فلعل ذلك لذلك. فلما قل كلامهما حمل عليهما حمل كثير.» ا.ه. # فهو يرى أن شعرهما ناله من الضياع أكثر من شعر غيرهما؛ لأنهما أقدم الفحول ~~وأن الرواة نحلوهما شيئا كثيرا لما قل كلامهما، ولكنه يعترف بصحة معلقة ~~طرفة وصحة رائيته «أصحوت اليوم ...» وبعض قصائد حسان له لم يشر إليها. # ونحن في درسنا شعر طرفة اعتمدنا على المعلقة أكثر من غيرها، وهي ثابتة له لم ~~يشك أحد في صحتها، وإذا كان الشاعر قد شذ عن شعراء ربيعة في متانته وشدة ~~أسره، فليس ذلك بعجيب ولكل قاعدة شذوذ. وإذا نظرنا إلى حياة طرفة وما رافقها ~~من ضيم وشظف عيش، بعد أن طرده أهله فهام على وجهه يأوي إلى المغاور والجبال، ~~ويشن الغارات على الأحياء، لم نعجب لشدة شعره وغرابة ألفاظه. بيد أن هذا ~~الإغراب يكاد يقتصر على وصف الناقة دون سائر أقسام المعلقة. ~~(2-10) منزلته # وضعه ابن سلام في الطبقة ~~الرابعة لقلة شعره بأيدي الرواة، ولكنه قال فيه: إنه أشعر الناس واحدة وهي ~~قوله: «لخولة أطلال ...» وقال ابن قتيبة: هو أجود الشعراء طويلة. وقال ابن رشيق: ~~طرفة أفضل الناس واحدة عند العلماء وهي المعلقة. وقال أبو عبيدة: مر لبيد ~~بمجلس في الكوفة وهو يتوكأ على عصا، فلحقه فتى من أهل المجلس وسأله: من أشعر ~~العرب؟ فقال: الملك الضليل، يعني امرأ القيس. فسأله: ثم من؟ فقال: الغلام ~~القتيل، يعني طرفة. فسأله: ثم ms084 من؟ فقال: الشيخ أبو عقيل، يعني نفسه. ومهما يكن ~~من أمر هذه الرواية فإنه يستدل منها ومما تقدمها من الأقوال، أن طرفة ~~فضل بمعلقته على سائر الشعراء. وهذا التفضيل يعود إلى ما فيها من تصوير صادق ~~لحياته البدوية، وما يتخلله من الآراء والحكم، والفوائد التاريخية، إلى ما ~~هنالك من دقة الوصف، وبراعة التشبيه، وقوة التعبير. وحسب صاحبها فضلا أن يكون ~~غلاما في العشرين. ~~(3) زهير (توفي في السنوات الأولى للهجرة) ~~(3-1) حياته # لم يسلم زهير بن أبي سلمى من الخلاف في نسبه، شأنه شأن غيره من شعراء ~~الجاهلية كالنابغة والحطيئة والشنفرى وسواهم. فقد جعله ابن قتيبة في غطفان، ~~مع أن ابن الأعرابي وابن الكلبي ~~وأبا الفرج الأصفهاني وغيرهم يردونه إلى مزينة ويقولون إنه نزل أرض غطفان ~~وتزوج منهم، وأقام فيهم. وحجة ابن قتيبة في دفع نسبه عن مزينة أنه ليس له أو ~~لأبنائه شعر ينتمون به إليها إلا بيت كعب بن زهير، وهو قوله: # هم الأصل مني حيث كنت وإنني # من المزنيين المصفين بالكرم # وكان مزرد بن ضرار الغطفاني قد دفع نسب كعب في غطفان، ورده إلى مزينة، ~~فلم ينكر كعب عليه زعمه بل أثبت بهذا الشعر أنه منها. ويشرح ابن سلام ذلك ~~بقوله: «وقد كانت العرب تفعل ذلك، لا يعزى الرجل إلى قبيلة غير التي هو منها ~~إلا قال: أنا من الذين عنيت.» فيستدل من كلامه أنه يشك في مزنية كعب. ~~ويقول أيضا: «وكان أبو سلمى وأهل بيته في بني عبد الله بن غطفان، فبهم ~~يعرفون، وإليهم ينسبون.» ثم يقول: «ولقد أخبرني بعض أهل العلم من غطفان ~~أنهم من بني عبد الله بن غطفان، وأن اعتزاءه إلى مزينة كقول هؤلاء، وأما العامة ~~فهو عندهم مزني.» # فانتماء كعب إلى مزينة، بحسب هذه الرواية، كانتماء العرب الذين ينسبون إلى ~~قبائل غريبة، فيقولون: «أنا من الذين عنيت.» ولكن ابن سلام، مع ما ألقى من ~~الشك على مزنية زهير، لم يسعه إلا أن يجاري العامة عند ذكر نسبه، فجعله من ~~المزنيين، ونرى أن رواية ms085 الغطفاني لا تسلم من الجرح، فليس من الغريب أن تدعي ~~غطفان شاعرا مشهورا كزهير عاش مجاورا لها يمدح ساداتها ويدافع عنها أصدق ~~دفاع. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: «وكانت محلتهم في بلاد غطفان، فيظن ~~الناس أنه من غطفان، أغني زهيرا، وهو غلط.» # ولم يصل إلينا شعر كثير عن كعب، ولا عن غيره من ولد زهير وحفدائه لنجد في ~~أقوالهم ما يدل على نسبهم سوى هذا البيت لكعب، وبيت آخر لأخيه بجير يقول فيه: ~~«وألف من بني عثمان واف.» والمراد عثمان بن مزينة. رواه ابن سلام وقال: «وقد ~~يجوز أن يكون يعني غير قومه من المزنيين.» ولعل اختلاطهم بغطفان في السكنى ~~والزواج هو الذي صرفهم عن التفاخر بمزينة كما صرف والدهم زهيرا من قبل، فإن ~~أشعاره - على كثرتها بالإضافة إلى أشعارهم - لا تهدي راويتها إلى أصله ونسبه، ~~بل نجدها تشتمل على مناقب مرة ومآثر غطفان، يمدح ساداتهم وفرسانهم، ويرد على ~~أعدائهم منافحا عنهم. وكان والده أبو سلمى ربيعة هجر قبيلته واجدا عليها، ~~وأقام في غطفان متزوجا إليها، فنشأ الابن فيهم تعطفه الخئولة من ذبيان، ولا ~~تهزه العمومة من مزينة، فعاش بينهم وأصهر إليهم وخص شعره بهم، حتى شك ابن ~~سلام في مزنيته، وجزم ابن قتيبة، فجعله من غطفان. # ولم يجتمع لشاعر في الجاهلية حظ من الشعر كما اجتمع لزهير. فقد كان أبوه ~~ربيعة شاعرا، وخاله بشامة بن الغدير الغطفاني شاعرا، وأختاه سلمى ~~والخنساء # 47 # شاعرتين، وابناه كعب وبجير شاعرين، وحفيده عقبة بن كعب الملقب ~~بالمضرب شاعرا، وابن حفيده العوام بن عقبة شاعرا. وكان زوج أمه أوس ~~بن حجر شاعرا مشهورا فروى له زهير ونظم الشعر ففاقه، وأخمل ذكره. # وأقام زهير في بني مرة مكرما مسموع الكلمة. وكثر ماله وتزوج امرأة تكنى ~~أم أوفى، ثم جمع بينها وبين ضرة يقال لها كبشة بنت عمار من غطفان، فولدت له ~~كعبا وبجيرا. فغارت أم أوفى منها لأن أولادها ماتوا، وأخذت تسيء إلى زهير ~~حتى طلقها. ثم ندم وأخذ يذكرها في شعره كلما خطرت ms086 له في بال. # وعاش زهير عمرا طويلا ربما بلغ به التسعين أو نيف عليها، وتدلنا ~~المعلقة على أنه كان في الثمانين يوم نظمها لقوله فيها: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # وهذه القصيدة أنشئت بعد أن وضعت حرب داحس والغبراء أوزارها، أي في أوائل ~~القرن السابع، فتكون ولادة الشاعر في العقد الثالث من القرن السادس ~~للميلاد. # وروى صاحب الأغاني أن النبي نظر إلى زهير وله مائة سنة، فقال: «اللهم، ~~أعذني من شيطانه!» فما لاك بيتا حتى مات. فإذا صحت هذه الرواية فيكون زهير قد ~~أدرك سنة 630، أي التاسعة للهجرة، ولكن يرجح أنه توفي قبل إسلام ولديه؛ لأن ~~الرواة لم يذكروه معهما، ولا يجوز أن ينسى مثله لو كان حيا. وقد أسلم ابنه ~~بجير في أواخر السنة السابعة للهجرة، وأسلم كعب في السنة التاسعة. وذكر ~~البغدادي في خزانة الأدب أنه مات قبل البعث بسنة، أي نحو سنة 611م. فإذا صحت ~~روايته - ولا ندري مستندها - فيكون زهير قد جاوز الثمانين، وتكون رواية الأغاني ~~باطلة، ومهما يكن من شيء، فإن الشاعر كان من المعمرين، ومات على جاهليته، سواء ~~أدرك البعث أم لم يدركه. ~~(3-2) شعره # انتهى إلينا طائفة صالحة من شعره، وفيها معلقته المشهورة التي قالها بعد حرب ~~داحس والغبراء، وليس لدينا شعر قاله في أثناء هذه الحرب، محرضا بني ذبيان أو ~~راثيا الفرسان الذين قتلوا فيها، شأن شعراء القبائل في مثل هذه الحال، وقد ~~مر به أعظم حادث روعت له القبيلة، فكانت مجزورة أهلية فجعت بني ذبيان بخيرة ~~رجالها. فلماذا سكت زهير عن رثائهم وتحريض القبيلة على الأخذ بثأرهم؟ ألعل ~~هذا الشعر ضاع فلم يصل إلينا؟ أم لعله لم ينظم شيئا فيهم؛ لأنه كان كارها هذه ~~الحرب التي اشتعلت نارها لسبب تافه، وهو الشاعر الحكيم الذي يسعى لخير القبيلة، ~~ولا يرى لها أن تتورط في حرب مشئومة تفانت فيها بنو غطفان: «ودقوا بينهم ~~منشم.» على حد تعبيره. فلم يشأ أن يؤرث جمرة الأحقاد بندبه وتحضيضه، بل ~~كان ms087 يرجو أن يقوم من عقلائهم من يسعى إلى الصلح، حتى تجند له هرم بن سنان ~~والحارث بن عوف المريان، فمدحهما وشكر صنعهما، وأشاد بذكرهما. وله في هرم عدة ~~قصائد خلدت ذكره وذكر أبيه سنان. # ولا يذكر زهير في شعراء الجاهلية إلا ذكرت معه الروية والرزانة والحكمة، ~~وبدا لنا منه شاعر متعاقل لا تنطوي حياته وطباعه على شذوذ غير مألوف في نظام ~~الاجتماع. وجاءت أقوال المتقدمين فيه وصفا لما يبدو من أخلاقه في شعره، ~~وتفضيلا لهذا الشعر بهذه الأخلاق. فقد نسبوا إليه الحوليات ليظهروا رويته ~~وأناته في تنقيح شعره، فقالوا إنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر، ويهذبها في ~~أربعة، ويعرضها على أخصائه في أربعة. وقالوا فيه: هو أشعرهم لأنه لا يعاظل في ~~الكلام، ويريدون بذلك تنزيل ألفاظه على ما يقتضيه قانون الشعر عندهم، أي ليس ~~فيه تداخل ولا تضمين يجعل القافية متعلقة بما بعدها، وسموه قاضي الشعراء، كما ~~يقول ابن رشيق، من أجل هذا البيت: # وإن الحق مقطعه ثلاث # يمين أو نفار أو جلاء # وقدموه على غيره لأنه صاحب من ومن ومن، وهي أبياته المشهورة في الحكم. ~~فمنزلة شعره تستند عندهم إلى رجحان عقله وحبه للخير والسلام، لا إلى جوهر الشعر ~~نفسه. # وقد كان زهير - كما عرفوه - قاضيا يصلح بين المتخاصمين، وحكيما ينصح الناس ~~ويرشدهم، ويدعوهم إلى العمل الصالح. وفي شعره أمثلة كثيرة تدل على عنايته ~~بخير مجتمعه القبلي وتقويم أخلاقه. وجميل بالشاعر أن يكون له هدف إصلاحي يتجه ~~إليه، وإن كان الفن يستوحي الحياة على إطلاقها، ويجد كل ناحية صالحة لأن تكون ~~له مادة وصورة. فالشاعر عضو في مرافق الجماعة الإنسانية له رسالة سامية ~~يبلغها بجمال فنه وما فيه من بهجة للنفوس وإرهاف للعواطف، ولكن من الخير أن ~~يجتمع إلى جمال الفن جمال الغاية فيستطيع الشاعر أن يضيف إلى رسالته الأدبية ~~رسالة الإصلاح. وهذا قلما تأتى لشاعر يعتمد أحكام العقل والمنطق، فينصرف إلى ~~سن القوانين الخلقية وضرب الأمثال، فتغلب عليه صفة المعلم الاجتماعي، كما ~~غلبت على زهير؛ لأن طريق ms088 الشعر في تطهير الأخلاق غير طريق الوعظ والخطابة. على ~~أن الشاعر يمكنه أن يؤدي رسالته الإصلاحية بأن يكون إنسانيا في شعره فيتصور ~~الخير والجمال دمى في خياله، ويحسهما إحساسا بليغا في أعماق نفسه، حتى إذا ~~أصبحا جزءا من حياته، أو ذاتا من ذاته، أخرج عنهما صورا وأنغاما متعددة ~~الألوان، مؤتلفة الأجزاء، تتحرك فيها عناصر الحياة بما نفحها الشاعر من إحساسه ~~ونفسه، فيتراءى الخير في جماله، والشر في قباحته، وترضى الأخلاق ولا يغضب ~~الفن. # وهذا لا يعني أننا نحاول النيل من لغة زهير وبلاغته، فهو كسائر الجاهليين، ~~مستطيل على الألفاظ والتراكيب، وتمتاز لغته بشدة أسرها، ودقة إحكامها، خاصة ~~عرف بها شعراء مضر لإعراقهم في البداوة، وبعدهم عن الأمصار، ولكن لغته، ~~بروحها واتجاهها وفنها، لغة خطابية منطقية تصلح للشعر الاجتماعي الذي يتصل ~~بالعقل أكثر منه بالخيال والعاطفة، وفيها اعتماد ملحاح على المادة لإظهار ~~الحقائق واضحة ملموسة، على منطق راجح وحب إقناع. وحسبنا أن ننظر إلى عنايته ~~بتبيان مغبة الحرب في صور محسوسة بارزة الخطوط، وإلى مجادلاته ومواعظه وأمثاله ~~بغية الإقناع، ثم إلى فحصه عن مادة اللون وصورته: # علون بأنماط عتاق وكلة # وراد حواشيها مشاكهة الدم # 48 # لنعلم مبلغ تعلقه بالحقائق على ما يرتضيه المنطق ويقبله العقل. حتى إن ~~المتقدمين - في تفضيلهم إياه - كانوا من أنصار العقل في الشعر فمدحوه بقولهم: ~~«إنه كان واضح الغرض لا يقول إلا ما يعرف.» # فمادية زهير، واعتماده على ما يعرف من الحقائق جعلا شعره واضح الغرض. ويكفي ~~القارئ أن يفهم ألفاظه الغريبة ليستولي على أفكاره ومقاصده، لا أمثاله وآرائه ~~وحدها، بل الأشياء التي يتناولها وصفا وتصويرا، فإنه لتدقيقه في جلائها، ~~جعلها ناتئة الملمس، خالصة من الغموض، على ما فيها من جمال الصورة وبلاغة ~~التعبير: # بكرن بكورا واستحرن بسحرة # فهن ووادي الرس كاليد في الفم # فزهير في حكمه وأمثاله وجدله ومواعظه، شاعر حكيم، وخطيب اجتماعي، وقاض ~~يرشد ويصلح، ومنظوماته - في كثرتها - ليست من الشعر الخالص، وإن كان لا يعدوها ~~جمال العبارة وحسن التصوير. وربما وجدت فيها برودة وجفافا ms089 يتمثل بهما صاحبها ~~الوقور الهادئ الرصين. حتى إن غزله، في هدوئه وصلابته. لا يثير عاطفة ولا يحرك ~~قلبا. يصرف عنايته إلى ذكر الديار الخالية، ووصف فراق الأحبة، ومرافقة الظعائن ~~في انتقالها من مكان إلى آخر. وقلما وصف الحبيبة وأظهر محاسنها. ~~فغزله - في جملته - يدل على أن صاحبه قد ~~تقدمت به السن. قاله في حرب داحس والغبراء أو بعدها، فهو ذكريات شيخ يحن إلى ~~امرأته أم أوفى التي طلقها، أو يأسف لأن العذارى أصبحت تناديه: يا عمي! بدلا ~~من أن تناديه: يا أخي! # وقال العذارى: إنما أنت عمنا! # وكان الشباب كالخليط تزايله # ويمكن القول إن أكثر أغراض الشاعر ومقاصده تنماز بالرصانة والهدوء والتعاقل، ~~وتنزع إلى الجدل وتوخي الحقائق المادية المجسمة. ~~(3-3) شعره السياسي - مدح السادات # إذا كان لزهير، في مختلف أغراضه، أشياء حسان، فخير شعره ما قاله في مدح سادات ~~بني ذبيان، والدفاع عن القبيلة وإرشادها، وإسداء الحكم الاجتماعية في حسن ~~السياسة ومكارم الأخلاق. فمدائحه خير مثال لأسلوب المدح الجاهلي، تظهر فيه ~~مناقب الأشراف والفرسان وفضائلهم، على ما فيها من عنجهية ومكاثرة واعتداد. ~~فإن زهيرا لم يتصل بملوك الشام والعراق ليشتمل شعره على صفات أصحاب القصور، ~~ولا وفد على القبائل الغريبة يمدحها، ليخرج بشعره عن الصفة القومية التي ينتمي ~~إليها، بل مكث في بني ذبيان يخصهم بمدائحه وآرائه ونصائحه، ويقارع أعداءهم شأن ~~أمثاله من الشعراء القبليين الذين يوجهون أشعارهم شطر مجتمعهم لصلاحه ومنفعته، ~~فيبذلون له ما في وسعهم، أسوة بغيرهم من أبنائه العاملين. ونعرف من الأشخاص ~~الذين مدحهم من بني مرة: سنان بن أبي حارثة، وولده هرما، والحارث بن عوف؛ ~~ومن بني بدر: حصن بن حذيفة، ونستثني مدحه للحارث بن ورقاء الصيداوي. فإنه ثناء ~~أسداه إليه إثر هجاء بعدما رد عليه عبده يسارا، وكان قد سباه. # وأكثر مدائحه وأفضلها ما قاله في هرم بن سنان؛ لأنه كان شديد الحب له، ~~وكان هرم يبره ويجزل له العطاء، وإن تكن مدائحه للآخرين ~~لا يعدوها الجمال، ولا يقل ~~أصحابها عن هرم شرفا وسؤددا. فالحارث ms090 بن عوف سيد من سادات العرب، وهو الذي ~~سعى في الصلح بين المتحاربين حتى أدركه وحمل عن القوم ديات القتلى، وشاركه فيها ~~هرم بن سنان، فخصهما زهير بمعلقته، ثم بقصيدته اللامية التي يقول فيها: # تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها # وذبيان قد زلت بأقدامها النعل # 49 # ما عدا القصائد التي مدح بها هرما وحده، والتي مدح بها أباه سنانا ورثاه، ~~حتى قيل إن هرما حلف أن لا يمدحه زهير إلا أعطاه، ولا يسأله إلا أعطاه، ولا ~~يسلم عليه إلا أعطاه عبدا أو وليدة أو فرسا. فاستحيا زهير مما كان يقبل ~~منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: «انعموا صباحا غير هرم، وخيركم ~~استثنيت.» # ومن حسنات زهير أنه كان لا يجنح في مدحه إلى الغلو الممقوت، ولا يأتي بسفساف ~~القول، ولذلك قال الأقدمون فيه: «زهير لا يقول إلا ما يعرف، ولا يمدح أحدا إلا ~~بما هو فيه.» وإذا وقع له شيء من الغلو جعل الشرط له مانعا مثل قوله في ~~هرم: # لو نال حي من الدنيا بمنزلة # وسط السماء لنالت كفه الأفقا # فلو: حرف امتناع لامتناع، أي امتناع نيل الأفق من أجل امتناع الشرط لنيل وسط ~~السماء. قال ابن سلام: «من قدم زهيرا احتج بأنه كان أحسنهم شعرا، ~~وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعاني في قليل من اللفظ، وأشدهم مبالغة.» ~~فلو الشرطية هنا أبعدت زهيرا عن السخف والكذب وأبقته في حدود صدقه ورصانته، ~~وجنبته فضول الكلام الذي يلازم شعراء المدح عادة، وهذا ما أراده الأحنف بن ~~قيس إذ قال إنه ألقى عن المادحين فضول الكلام، واستشهد بقوله: # فما يك من خير أتوه فإنما # توارثه آباء آبائهم قبل # وأما مبالغته التي ذكرها ابن سلام فإنها تجعله يتتبع وصف ممدوحه بجميع ~~الخلال الحميدة من كرم وشجاعة وحلم وطيب محتد وبلاغة في المنطق، إلى ما هنالك ~~من الفضائل والصفات التي يفاخرون بها، ويعدونها من شروط السيادة عندهم. ولا ~~يغفل عن ذكر العاذلة التي تشغل مكانا في الشعر القديم، تلامس عاطفة الجاهلي ~~بنصحها وتأنيبها له، ms091 تلومه على إسرافه بالكرم والحب والشجاعة، ولكنها لا تلقى ~~منه سوى الرد والإعراض. # ويستوقفنا ما نسب إلى هرم من التقوى، حتى إن الله يعصمه من سيئ ~~العثرات: # ومن ضريبته التقوى ويعصمه # من سيئ العثرات الله والرحم # 50 # وقلما وجدنا المدح الديني في الشعر الجاهلي؛ لأن التقوى لم تكن من ~~الفضائل التي يفاخرون بها ويمدحون بها، فقد كان الدين ضعيفا في نفوسهم فما ~~يذكرون الله إلا في الحلف لتوكيد كلامهم، ولا يلمحون شطر أصنامهم إلا عرضا ~~لبداوتهم وترحلهم وبعدهم عن بيوتها. وإذا سمعنا النابغة يمدح الغساسنة بدينهم، ~~ويصف موكبهم يوم الشعانين، فلأنهم كانوا مسيحيين يباهون بديانتهم ويتمسكون ~~بعقائدهم. فهل كان هرم بن سنان مسيحيا ليصفه زهير بالتقوى، ويجعل له الكرامة ~~عند الله؟ أم هل كان زهير من أولئك العرب الذين تأثروا بالنصرانية التي تسربت ~~في الصحراء وانتحلتها جماعات من مختلف القبائل، فجعل الدين والتقوى من الصفات ~~التي يحمدها في ممدوحه؟ وليست هذه الظاهرة وحيدة في شعره، فإن له أمثالها في ~~معلقته وغير معلقته تدل على ما للدين من خطر في نفسه، حتى مال بعضهم إلى الشك ~~فيها، وأبى نسبتها إليه، مع أن هذا لا يدعو إلى العجب بالإضافة إلى تعاقل زهير ~~وحكمته وحسن بصره بالأمور، فغير بعيد أن يصل أشباهه إلى معرفة الله والإيمان ~~بالآخرة والثواب والعقاب عن طريق المسيحية أو اليهودية، وهما غير مجهولتين في ~~جزيرة العرب. # 51 # فإذا بلغ زهير في تقصي الصفات المحمودة فإنه يبرأ من الكذب والغلو ~~المذموم. وكثيرا ما يمدح الرجل بذكر أعماله فيسردها على طريقته القصصية ~~ويجعلها شواهد ناطقة بحسن خلال ممدوحه. فإنه في مدحه هرم بن سنان والحارث بن ~~عوف، قص خبر سعيهما للصلح، وكيف نجما الديات دون أن يشتركا في الحرب، حتى ~~بلغا مأربهما وأصلحا بين المتحاربين. فكان في إخباره عنهما مادحا لهما ~~بمساعيهما دون جنوح إلى الخيال المفرط ، فالحقائق الناصعة هي التي تتكلم وترفع ~~شأن ممدوحيه. وهذا الأسلوب الخبري يجعلك لا تستنكر ما يقول الشاعر في ممدوحه، ~~ولا تعزوه إلى الغلو والإفراط. ms092 فمدائح زهير هي خير ما وصل إلينا عن الجاهلية من ~~الإشادة بسادات القبيلة، والعناية بشئونها السياسية وأحوالها الداخلية ~~والخارجية. ~~(3-4) السياسة الخارجية # لم يقتصر شعر زهير على مدح ~~السادات والفرسان، وذكر سياستهم الداخلية في إدارة شئون القبيلة، وفض مشاكلها ~~في أنديتهم، وإطعام فقرائها في السنة الشهباء، وإيقاد نارهم للضيوف الذين ~~ينزلون عليها، ونصرة بعضهم لبعض في المغارم والمغانم؛ بل توفر أيضا على شئونها ~~الخارجية التي تتناول القبائل القريبة والبعيدة. وقد وقع في زمانه أعظم حادث ~~مر ببني ذبيان، وهو حرب داحس والغبراء، وشهد ما حل بهم من الكوارث الفظيعة. ~~فما كاد يعقد الصلح ويبتعد شبح الموت، حتى عاد خطر الحرب يهدد القبيلتين ~~الغطفانيتين، بعد مقتل رجل عبسي. فنشط إلى تلافي الأمر قبل استفحاله، فوجه ~~معلقته إلى تحسين السلام وتقبيح الحرب. وقد علم أن من الخير لبني ذبيان ألا ~~تعود إلى القتال بعدما خسرت نخبة فرسانها وسادتها، وهاله أن تعاودها الويلات ~~بعد انقشاع غمائمها المظلمة. فهب يدعو المتحاربين إلى الوفاء بعهد الصلح، ~~مذكرا إياهم ما لقوا من المصائب في تقاتلهم، مخالفا رأي من يبغي الحرب أمثال ~~حصين بن ضمضم، مع أنه من أنسبائه، وفارس مشهور في بني مرة. ولم يحجم عن إلقاء ~~التبعة عليه وحده في مقتل العبسي، متخذا أسلوبا جميلا، منطقي الاتساق، ~~مزيجا من الوعظ والقصص، فبلغ غايته الإنسانية في الدعوة إلى السلم والتحذير من ~~الحرب، وبرأ بني ذبيان من تهمة الغدر والخيانة، وباح باسم القاتل دون أن يخذله. ~~فقد شرع في أول الأمر يذكر ذبيان والأحلاف اليمين التي أقسموها على إبرام ~~الصلح، وخوفهم غضب الله وعقابه إذا كانوا يضمرون الحنث فيها. # 52 # ولكنه لم يتبسط في تفصيل هذه الفكرة الغيبية. بل انتقل إلى عالم ~~الطبيعة، وهو يعلم أن الصور المحسوسة أبلغ تأثيرا في نفس البدوي المستغرق في ~~ماديته. فطفق يصف فظاعة الحرب ووخيم مغباتها، فوفق لبلوغ مأربه كل التوفيق، ~~وأتى بصور بارزة تتوالى دراكا متفقة على تمثيل الحرب وأهوالها ونتائجها ~~وغلاتها، فكان فيها عنيفا شديدا على رصانته وهدوئه. وما ms093 مثله إلا مثل المرشد ~~الحكيم يترفق في نصحه عند صغار الأمور، ويعنف ويقسو عند كبارها. # وكان يعلم أن بني عبس ساخطون على بني مرة لمقتل صاحبهم بعد عقد الصلح، ~~يتهمونهم بالخيانة ويرصدون الشر للسيدين المصلحين، فأظهر براءة القبيلة من هذه ~~الخيانة، وأخبر أن القاتل ابن ضمضم أقدم عليها، ولم يخبر جمهرة قومه، فهو مسئول ~~عنها دون غيره. بيد أنه لم يشأ خذله وإطماع الأعداء فيه، وإنما أراد تبرئة ~~قبيلته من ظنة الحنث والغدر؛ لئلا يتسع الخرق فلا يصلح الأمر بعده أبدا. فما ~~كاد يتهمه حتى اندفع يذكر شجاعته وجرأته وإقدامه، وأن وراءه ألف فارس يحاربون ~~معه ويشدون أزره. # وتتبع تبرئة بني مرة - ولا سيما السيدين اللذين أصلحا بين المحتربين - فأورد ~~أسماء فرسان من بني عبس قتلوا في معامع السباق، وقال للعبسيين: إن الذين ~~تحملوا الديات من أجل الصلح لم يشاركوا في دماء هؤلاء القتلى، فكيف تتهمونهم ~~الآن، وتأخذونهم بجريرة غيرهم؟ ولم يغفل أن يفهم بني عبس أن سادات غيظ بن مرة ~~عزيزو الجانب لا يدرك الموتور ثأره منهم، وإذا جنى أحدهم جناية، لا يسلمونه ولا ~~يخذلونه، وكأنه يشير هنا إلى جناية حصين بن ضمضم: # كرام فلا ذو الضغن يدرك وتره # ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم # فبلغ، بحسن منطقة، ما أراد من التحذير والتنبيه وتبرئة قومه والدفاع عنهم، ~~فأدى مهمته القبلية خير تأدية، وأنقذ السلم والشرف في وقت معا. # وكان كلما عرضت له خدمة القبيلة لا ينكص عنها. فإذا صمدت بنو تميم إلى بني ~~غطفان تطلب غزوها، تصدى لها يتهددها ويثبط عزيمتها، بسكون طبعه ورباطة جأشه، ~~دون أن يفور له فائر. فيظهر منعة قومه وكرم خيولهم. ثم ينصح لها أن تبقى في ~~ديارها لئلا تمنى بالذل، أو تنتجع سنان بن أبي حارثة المري والد هرم فتلقى ~~عنده الخير والسماحة: # فقري في بلادك إن قوما # متى يدعوا بلادهم يهونوا # أو انتجعي سنانا حيث أمسى # فإن الغيث منتجع معين # وكذلك كان شأنه مع بني هوازن وبني سليم عندما أزمعوا الغارة على الغطفانيين، ~~فذكرهم ms094 القرابة ودعاهم إلى رعايتها وإلى حفظ المودة، ولم ينس أن ينوه بشدة ~~بأس قومه، وأنهم إذا آثروا الصلح فعدوهم أفقر إليه منهم. # ولم يكن هجاؤه لآل حصن إلا من جملة سياسة القبيلة في الدفاع عن غطفان ومقاومة ~~من يسيء إليهم أو إلى أحد منهم. فإن الذي دفعه إلى هجائهم هو أن رجلا من بني ~~عبد الله بن غطفان، وهم الذين جاورهم زهير، أتى قوما من آل حصن، فأكرموه ~~وأحسنوا جواره، وكان مولعا بالقمار، فنهوه عنه، فأبى إلا المقامرة. فقمروه مرة ~~فردوا عليه ما ربحوا منه، ثم قمر أخرى فردوا عليه، ثم قمر الثالثة فلم يردوا ~~عليه، فترحل عنهم إلى قومه، وزعم أنهم أغاروا عليه، فهجاهم زهير. ثم لما علم ~~الحقيقة ندم، وكان يقول: ما خرجت في ليلة ظلماء إلا خفت أن يصيبني الله بعقوبة ~~لهجائي قوما ظلمتهم. فقد هجاهم زهير لاعتقاده أن الغطفاني مظلوم أغير عليه، ~~فانبرى يذود عنه ويهدد بني حصن ساخرا بهم، ولكنه لم يفحش في أعراضهم كما أفحش ~~في بني الصيداء بعدما سبوا عبده يسارا، بل اقتصر على التهكم الأليم والوعد ~~والوعيد دون أن يغلق باب الصلح. فكان ناصحا ومرشدا لهم يجادلهم ليثبت عليهم ~~خطأهم، ويدعوهم إلى إصلاح ما أفسدوا لكي لا يتسع الخرق على الراقع، فيأتيهم منه ~~هجاء لا قبل لهم به. # وفي هذه القصيدة تتجلى حكمه زهير ورويته واستطالته في الجدل واستنزال الخصم ~~وإلقاء التبعة عليه لا يستطيع أن يتبرأ منها. فقد جاءهم بسبيل الجوار المقدس ~~والذمة والوفاء، فكان أشبه بمحام يدافع عن موكله ليثبت الجرم على خصمه، ويحمله ~~على تأدية الدين إلى المدعي، فيرد على الحجج التي بوسعه أن يتذرع بها، ويدحضها ~~بجدله وبراهينه؛ ويبصره مقاطع الحق التي أعجب بها الأقدمون، فلقبوه من أجلها ~~بقاضي الشعراء. ~~(3-5) سياسة الاجتماع # رأينا زهيرا، في مدائحه وأهاجيه، يمثل - أفضل تمثيل - سياسة القبيلة ~~الجاهلية، يشيد بمناقب ساداتها ، ويوجع في تهديد أعدائها، يخطب ويعظ، ويحامي ~~ويدافع، فعلينا أن ننظر الآن إليه حكيما مرشدا يريد الخير لقومه، فيبذل من ~~الآراء ms095 والأمثال ما تستقيم به أحوالهم الخلقية والاجتماعية، وليس لدينا من شعره ~~قصيدة تجمع الحكم أبياتا يتوالى بعضها إثر بعض غير معلقته، فقد خص القسم ~~الأخير منها بطائفة من الآراء الاجتماعية التي شهرته عند الأقدمين، وفضلوه من ~~أجلها، فقالوا: أشعر الناس صاحب من ومن ومن. وله أقوال متفرقة في مختلف ~~أشعاره، منها أدلة عقلية مثل قوله: # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه # وتغرس إلا في منابتها النخل؟ # 53 # ومنها أمثال في الحض على العمل الصالح: # تزود إلى يوم الممات فإنه # وإن كرهته النفس آخر موعد # أو في تحديد مقاطع الحق: # وأن الحق مقطعه ثلاث: # يمين، أو نفار، أو جلاء # وأما آراؤه في المعلقة فإنه ~~يتكلم أولا على الحياة، فإذا هو قد سئمها لطولها بعدما عاش ثمانين حولا يلقى ~~تكاليفها وأثقالها، وسئمها لأنه يجهل ما يستر عنه الغد، وهي أمنية الإنسان لو ~~استطاعها، وسئمها لأن الموت يخبط على العمياء، فيصيب هذا ويخطئ ذاك. ثم يتناول ~~سياسة الاجتماع، فنرى كل بيت يشتمل على فكرة مستقلة برأسها تتوخى إرشاد الفرد ~~إلى الطريق الذي يحسن به سلوكه لينتفع في دنياه، وهي من الآراء التي يدركها ~~الإنسان بتجارب الحياة، واختبار الناس، والاطلاع على وجوه الخير والشر، وهي - ~~إلى ذلك - من الحقائق البدهية والفكر المشترك يستطاع الإعراب عنها بمختلف ~~التعابير شعرا ونثرا دون أن تخسر شيئا من قيمتها المعنوية، ولكنها إذا ~~انطلقت على ألسنة الشعراء. كان تأثيرها أبلغ في النفوس، وتجعل لصاحبها منزلة ~~بين الحكماء، حتى لنسمع جرجي زيدان - على فضله - يقول فيها: «هذا لا يقل ~~شيئا عن أحكام أكابر الفلاسفة!» # وإذا قلنا تتوخى إرشاد الفرد فلأنها لا تبحث في خير المجموع جملة، وما يئول ~~إلى إصلاح نظمه ومداواة آفاته العامة، وإنما هي فردية مثل البدوي، ملائمة ~~لحياته الصحراوية، ترشد الأفراد لينتفعوا بها في قبيلتهم - على علاتها - فتشمل ~~المنفعة المجموع الذي يتألف منهم. وهذا ما أراده زهير عندما أخذ يرشد بقوله: ~~من ومن ومن، داعيا الإنسان إلى المصانعة ليستفيد في الحياة بحسن ~~سياسته: # ومن لا يصانع في أمور ms096 كثيرة # يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم # ويدعوه إلى البذل والسخاء ليقي عرضه ويلقى الحمد. وهذا من الآراء الشائعة في ~~الأدب القديم؛ لتعودهم أن يقروا الضيوف، ويجيروا الخائفين، ويكرموا العفاة، ~~فنطقوا بذلك معبرين عن أحوالهم، وإن اختلفوا في صنع المعروف، فزهير يرفضه في ~~غير أهله، ويجعل عاقبته ذما وندامة، وغيره يقبله ويرى أنه لا يضيع كما قال ~~الحطيئة: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه # لا يذهب العرف بين الله والناس # ولم يكن زهير رسول الضعف والهزيمة وتثبيط العزائم في دعوته إلى السلم وتحذيره ~~من الحرب، وإنما أدبه أدب القوة كغيره من الشعراء الجاهليين، لا يبشر ~~بالاستكانة والخنوع، بل يدفع الحرب ما دام بوسعه أن يدفعها لخير القبيلة ~~أفرادا وجماعات دون أن يقودهم إلى الذل والصغار. فأما إذا كان لا بد من ~~الحرب، فليس للمرء أن ينكص عنها: # ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه # يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم # ولا نعجب أن تصدر عنه حكمة في تزيين الظلم، فإنما هي حياتهم القبلية تفرض ~~عليهم ظلم البعداء والحلم على الأقرباء، فكلهم يفاخر بالجور على الغريب والرفق ~~بابن العم. فزهير لم يزين الظلم إلا لأنه مصروف إلى الغرباء لا إلى القبيلة، ~~فأوصى به في جملة آرائه، وجعله من سياسته الاجتماعية متأثرا بروح عصره. فليست ~~آراؤه كلها إنسانية تجاري العصور وتتخطى حواجز المكان والزمان، بل فيها ما لا ~~يعيش إلا في الصحراء، في المجتمع القبلي، والعصر الجاهلي. # ويستوقفنا قوله: # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده # فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # فالعرب يعتقدون أن القلب مقر العقل، أو هو العقل بعينه كما في كتب اللغة، ~~وكان أرسطو يجعل القلب موضع القوى النفسية، بخلاف جالينوس الطبيب الذي يجعلها ~~في الرأس، وكان ابن سينا يأخذ برأي أستاذه أرسطو. # وقد قال العرب من عهد بعيد: ~~المرء بأصغريه قلبه ولسانه. ولم يذكروا العقل في كلامهم، وإنما ذكروا مكانة ~~القلب والفؤاد . فزهير لم يبتعد عن حكمة الشعب في هذا البيت، كما أنه لم يبتعد ~~عنها حين يقول: # وإن سفاه الشيخ لا ms097 حلم بعده # وإن الفتى بعد السفاهة يحلم # فآراؤه المتفرقة لا تجاوز نطاق التفكير العام، ولكنها تجعل من صاحبها شاعرا ~~حكيما، وخطيبا مرشدا. فهو من أولئك الشعراء الجاهليين الذين لهم رسالة ~~اجتماعية يؤدونها لخير قبائلهم وإصلاح أمرها. فقد قام بها أفضل قيام في مدح ~~سادات القبيلة وفرسانها، وإطراء مناقبهم، وفي الدفاع عنها وإرشادها إلى ما فيه ~~نجاحها، فكان الشاعر القبلي، والشاعر الحكيم، وقاضي الشعراء. ~~(3-6) منزلته # هو أحد الثلاثة المقدمين في الجاهلية وهم: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير. وقد ~~اختلف في تقديم أحدهم على صاحبيه، وروى عمر بن عبد الله الليثي: أن عمر بن ~~الخطاب قال: «زهير أشعر الشعراء لأنه كان لا يعاظل # 54 # في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر، وكان لا يمدح أحدا إلا بما هو ~~فيه.» وروي أيضا عن عمر أنه كان يقول: «أشعر الشعراء صاحب من ومن ومن ...» ~~وقال أبو عبيدة: «أشعر الناس أهل الوبر خاصة وهم: امرؤ القيس، وزهير، ~~والنابغة.» وسأل عكرمة بن جرير أباه: «من أشعر الناس؟» ففضل زهيرا في ~~الجاهلية. وقال ابن سلام: «من قدم زهيرا احتج بأنه كان أحسنهم شعرا، ~~وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعاني في قليل من الألفاظ، وأشدهم مبالغة ~~في المدح، وأكثرهم أمثالا في شعره.» # فيتبين لنا من كل ذلك، أن زهيرا في مقدمة شعراء الطبقة الأولى، ومنهم من ~~يفضله عليهم جميعا. وهو كما رأيناه في شعره، متين السبك غير خشن، واضح ~~المعاني، موجز التعبير، متناسق الأفكار، رصين الأسلوب. يؤثر القصص في سرد ~~أفكاره، والتصاوير الحسنة في إبراز موصوفاته. ترافقه الحكمة والرزانة في جميع ~~فنون الشعر وأبوابه. فهو رزين في غزله ووصفه ومدحه، حكيم في هجائه ونصحه ~~وتحذيره. ولا بدع أن يقل سخفه فذاك راجع إلى ترويه في النظم وأناته. # وقصارى القول إن زهيرا شاعر حكيم، ومصور بارع حريص على إتقان صوره وتبليغ ~~ألوانها. ~~(4) لبيد (661م/41ه ؟) ~~(4-1) حياته # هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة العامري ، وكان أبوه يعرف «بربيعة ~~المقترين» # 55 # لجوده وسخائه. فنشأ لبيد كريما مثله. وقيل: إنه نذر في ms098 الجاهلية ~~أن لا تهب الصبا إلا أطعم، وظل على نذره في الإسلام. # وبدت دلائل النجابة على الشاعر منذ ~~حداثة سنه، ومما يروى عنه وهو غلام أنه وفد في رهط من بني عامر على النعمان ~~بن المنذر، فوجدوا عنده الربيع بن زياد العبسي، وكان الربيع ينادم النعمان، ~~فطعن في العامريين وذكر معايبهم لعداء بينهم وبين بني عبس. فجافى النعمان وفد ~~بني عامر وأهمل أمرهم. فخرجوا من عنده غضابا. فعرض عليهم لبيد أن يهجو الربيع ~~في حضرة النعمان. فاستخفوا به لصغر سنه. فألح عليهم حتى رضوا. فلما أصبحوا ~~دخلوا به على النعمان، والربيع يؤاكله، فقام لبيد يرتجز ويقول: # أكل يوم هامتي مقزعه # يا رب هيجا هي خير من دعه # 56 # يا واهب الخير الكثير من سعه # إليك جاوزنا بلادا مسبعه # 57 # نحن بنو أم البنين الأربعه # سيوف حق وجفان مترعه # 58 # نحن خيار عامر بن صعصعه # الضاربون الهام تحت الخيضعه # 59 # والمطعمون الجفنة المدعدعه # مهلا أبيت اللعن! لا تأكل معه! # 60 # ثم قال بعدها بيتين لا يجمل ذكرهما، فكره النعمان منادمة الربيع وطرده، ثم ~~قضى حوائج بني عامر. # وعمر لبيد حتى أدرك الإسلام فانتحله دينا، ثم انتقل من البادية إلى ~~الكوفة وأقام فيها حتى مات. وكان موته في أول خلافة معاوية بعد أن جاوز المائة؛ ~~وسئم الحياة كما سئم منها زهير، وفي ذلك يقول: # ولقد سئمت من الحياة وطولها # وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟ # وزعم الرواة أن لبيدا لم يقل شعرا في الإسلام إلا بيتا واحدا وهو: # الحمد لله إذ لم يأتني أجلي # حتى كساني من الإسلام سربالا # وقيل بل هو: # ما عاتب الحر الكريم كنفسه # والمرء يصلحه الجليس الصالح # ورووا أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامله المغيرة بن شعبة في الكوفة: «أن ~~استنشد من عندك من شعراء عصرك ما قالوه في الإسلام.» فأرسل إلى لبيد واستنشده، ~~فكتب لبيد «سورة البقرة» في صحيفة ثم أتى بها إلى المغيرة، وقال: «أبدلني الله ~~هذه في الإسلام مكان الشعر.» # من الغريب أن يطمئن الرواة ms099 - ومن أخذ عنهم - إلى سكوت لبيد عن نظم الشعر في ~~الإسلام، على حين أنهم لا يجدون مشقة في أن يضيفوا إليه أشعارا قالها بعد ~~إسلامه، فزعموا أنه لما بلغ مائة حجة وعشرا قال: # أليس في مائة قد عاشها رجل # وفي تكامل عشر بعدها عمر! # وأنه قال لما بلغ مائة وعشرين: # ولقد سئمت من الحياة وطولها # وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟ # غلب الرجال فكان غير مغلب # دهر جديد دائم معدود # يوم أرى يأتي علي وليلة # وكلاهما بعد المضاء يعود # وهم يقولون إن لبيدا عاش تسعين سنة في الجاهلية، وسائر عمره في الإسلام، ~~فهذه الأبيات إذا قيلت بعد إسلامه. ويروون للبيد قوله مخاطبا ابنتيه لما ~~حضرته الوفاة: # تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما # وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر؟ # إذا حان يوما أن يموت أبوكما # فلا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر # وقولا هو المرء الذي ليس جاره # مضاعا ولا خان الصديق، ولا غدر # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # 61 # فكيف يمكن التوفيق بين ما يروون له من الشعر في الإسلام، وزعمهم أنه لم يقل ~~فيه غير بيت واحد؟ ... أما نحن فنرى أن لبيدا نظم الشعر في الإسلام كما نظمه في ~~الجاهلية، ومن تدبر أشعاره بروية، استروح في بعضها نفحة قرآنية لا تخفى، مثال ~~ذلك قوله: # إن تقوى ربنا خير نفل # وبإذن الله ريثي والعجل # 62 # أحمد الله ولا ند له # بيديه الخير ما شاء فعل # 63 # من هداه سبل الخير اهتدى # ناعم البال ومن شاء أضل # فمثل هذا الشعر - إذ صح - لا يقوله إلا شاعر عرف الإسلام، وتأثر ~~بالقرآن. # وزعم ابن قتيبة وغيره: أن الحارث الأعرج الغساني وجه إلى المنذر بن ماء ~~السماء مائة فارس وأمر عليهم لبيدا، فساروا إلى عسكر المنذر، وأظهروا أنهم ~~أتوه داخلين في طاعته. فلما تمكنوا منه قتلوه، وركبوا خيلهم، فلحقهم القوم ~~فقتلوا أكثرهم ونجا لبيد، فأتى ملك غسان فأخبره، فحمل الغسانيون على عسكر ~~المنذر فهزموهم، فكان ذلك يوم حليمة. # ولكن ms100 الرواة يجمعون على أن ~~لبيدا كان حدثا لما قدم النعمان في وفد من بني عامر. وبين النعمان أبي ~~قابوس وابن ماء السماء نحو نصف قرن، فكيف كان لبيد فارسا مغوارا على عهد ~~المنذر بن ماء السماء، ثم كيف أصبح غلاما مقزع اللمة على عهد النعمان بن ~~المنذر؟ ... أليس هذا من خلط الرواة وأضاليلهم؟ فلبيد بن ربيعة لم يعرف المنذر ~~ولا الحارث الغساني، وإنما عرف النعمان وكان صبيا، والذي ذكره ابن قتيبة هو ~~غير شاعرنا. ~~(4-2) آثاره # أشعار وصل إلينا منها قدر يسير فجمعت في ديوان وطبعت «بفينا»، ثم ترجمت إلى ~~الألمانية. وفي جملة هذه الأشعار مطولته، وهي المعلقة الرابعة. ~~(4-3) ميزته # لا ينبغي أن نلتمس ميزة لبيد في المعلقة وحدها، فهي لا تغنينا عن سائر شعره ~~لنتبين خصائصه، وندرك منزلته. فالمعلقة تبدي لنا حياة رجل بدوي كريم، كلف ~~بالمجد والمعالي، ولكنها لا ترينا ذلك الشيخ الحكيم الذي يحسن وعظ نفسه ~~وتعزيتها عند نزول المصائب. فلا بد لنا إذا من أن ندرس مع المعلقة شيئا آخر ~~من شعره لنعرف من هو لبيد، وما هي ميزته الشعرية. # أما المعلقة: فلها شأن أدبي لا يستهان به، وإن تكن دون المعلقات الثلاث التي ~~مرت بنا، وهي في متانة لفظها وصلابة أبياتها، تمثل الحياة البدوية الساذجة، ~~وتمثل الشعر المضري أحسن تمثيل. وقد بدأها لبيد بوصف الديار الخالية وتعرضها ~~للأمطار فأجاد الوصف وفاق وغيره. # ثم يتخلص إلى الغزل بسؤال الديار عن أهلها، فيوجز في وصف الفراق وذكر صاحبته ~~نوار. ثم ينتقل - على عجل - إلى وصف ناقته التي تساعده بالأسفار على قطيعة من ~~صرمت حباله، وهو في غزله - كما في سواه - صلب حزيم لا يلين أسره ولا ترق ~~ألفاظه، ولا يبالي أن يقطع مودة من هجره. # ويأخذ بعد ذلك في وصف ناقته، وهو أروع أقسام المعلقة، ولكنه لا يصف أعضاءها ~~كما فعل طرفة، بل يجعل همه في تصوير سرعتها فيتسع خياله لثلاثة تشبيهات رائعة ~~روية، يورد اثنين منها في أسلوب قصصي فكه . فشبهها أولا بالسحابة الحمراء خفت ms101 ~~بها ريح الجنوب فدفعتها أمامها فأسرعت في جريها وهي خالية من الماء. ثم شبهها ~~بأتان وحشية نشيطة غار عليها قرينها من الفحول، فدفعتها أمامه يسوقها سوقا ~~عنيفا حتى اعتزل بها في أعالي الآكام فسلخا ستة أشهر في الشتاء والربيع ~~يرعيان الرطب صائمين عن الماء، فلما هبت رياح الصيف واشتد الحر ونبت ~~الشوك فأصاب حوافرهما انطلقا مسرعين يطلبان الماء، وخيم عليهما غبار كأنه دخان ~~نار موقدة، وكان العير يعدو وراء الأتان فما يدعها تتأخر عنه لئلا تفلت منه، ~~وظلا في عدوهما حتى بلغا الماء فورداه. وهنا ينتقل إلى التشبيه الثالث سائلا ~~نفسه: أفتلك الأتان تشبه ناقتي في سرعتها؟ أم تشبهها بقرة وحشية افترس السبع ~~ولدها فأسرعت في السير تبحث عنه، وظلت في طلبه حتى أدركها الليل فأمطرتها ~~السماء ديمة مدرارا «في ليلة كفر النجوم ظلامها» # 64 # فلجأت إلى شجرة في الرمل تتقي بأغصانها البرد والمطر فما تقيها، ~~وكثبان الرمل تنهال عليها، ولكنها يئست من ولدها بعد أن طال بحثها عنه، وجف ~~ضرعها بعد امتلائه، ثم راعها الرماة بكلابهم فجدت في العدو، فطاردها الكلاب ~~فلم تر بدا من أن تدافع عن نفسها، فقابلتهن بقرنها؟ # وبعد أن ينتهي من تشابيهه الثلاثة يعود إلى نفسه فيصفها بإباء الضيم والشمم، ~~ثم ينصرف إلى وصف حياته في هدوئها واضطرابها، فهو في السلم صاحب لهو وطرب يشرب ~~الخمر ويغلي ثمنها، ويدفع بها شدة البرد والريح: # بصبوح صافية وجذب كرينة # بموتر تأتاله إبهامها # 65 # وهو كريم جواد ينحر الجزور، ويطعم الفقراء والمساكين. وهو في الحرب شجاع ~~باسل يحمي الحي، ويرقب الأعداء على جبل قريب من جبالهم وراياتهم، تحمله فرس ~~سريعة الجري، يتوشح بلجامها ليظل متأهبا لركوبها. # وبعد أن وصف فرسه بإيجاز، أخذ يفتخر بقومه، فأرانا فيهم كرما ونجدة ~~وأمانة: # وإذا الأمانة قسمت في معشر # أوفى بأوفر حظنا قسامها # 66 # فمعلقة لبيد تمثل شطرا من حياة البدوي الأبي النفس، العالي الهمة، الصادق ~~في تصوير أخلاقه، ولكنها لم تمثل لنا ميزة الحكم في الشاعر، فهذه نجدها في ~~رثائه لأخيه أربد، ms102 # 67 # ووعظه نفسه لتتأسى وتعتصم بالصبر الجميل. وقد أثر الحزن في الشاعر ~~فأرق رثاءه، فلست ترى فيه تلك الصلابة التي تجدها في أبيات المعلقة. # ولكن عقل الشاعر الحكيم سيطر على ~~عاطفته، فحبسها عن الإرنان والتفجع، وسما بصاحبه إلى المثل الأعلى، إلى الحكمة ~~التي تجعل الإنسان يقوى على ضعفه، فإذا بنا نرى من لبيد واعظا مرشدا يعزي ~~نفسه بأنواع الأمثال الحكيمة، ويقابل مصيبته بمصائب الناس فتهون عليه ويخف ~~جزعه، ولماذا يجزع وكل امرئ في هذه الحياة الدنيا سيموت؟ ... # فلا جزع أن فرق الدهر بيننا # فكل امرئ يوما له الدهر فاجع # 68 # ففي هذا الرثاء وفي غيره من شعره حكم تسمو إلى ما بعد الطبيعة حتى تتصل ~~بالعزة الإلهية، لذلك لا نعتقد أن لبيدا قالها في جاهليته ووثنيته، وهذا ما ~~يجعلنا ننفي زعم الرواة أنه لم يقل غير بيت واحد في الإسلام. ~~(4-4) منزلته # قال أبو زيد القرشي: «لبيد أفضلهم في الجاهلية والإسلام، وأقلهم لغوا في ~~شعره.» وجعله ابن سلام في الطبقة الثالثة وقال فيه: «وكان عذب المنطق رقيق ~~حواشي الكلام.» وروي أن النابغة نظر إليه وهو صبي مع أعمامه على باب النعمان بن ~~المنذر فقال له: «يا غلام، إن عينيك لعينا شاعر، أفتقرض الشعر؟» قال: ~~«نعم.» قال: «فأنشدني.» فأنشده: # ألم تلمم على الدمن الخوالي # لسلمى بالمذائب فالقفال؟ # 69 # فقال له النابغة: «أنت أشعر بني عامر. زدني.» فأنشده: # طلل لخولة بالرسيس قديم # بمعاقل فالأنعمين وشوم # 70 # فقال له: «أنت أشعر بني هوازن. # 71 # زدني.» فأنشده معلقته. فقال له: «اذهب فأنت أشعر العرب.» # وسواء صحت هذه الرواية أو لم تصح، فمنزلة لبيد في الشعر جليلة، فهو وإن ~~يكن قصر في معلقته عن امرئ القيس في التشابيه والاستعارات ووصف الجواد ~~والمطر، وعن طرفة في وصف أعضاء الناقة، وذكر حياته، وعن زهير في وصف الفراق ~~والحرب، وفي سياسة القبيلة، فإنه فاقهم جميعا بوصف الديار الخالية، ~~وبتشبيهاته القصصية في وصف سرعة الناقة. وهو يمتاز في رثائه المحلى بالمواعظ، ~~وفي تلك الحكم البليغة التي تدل على إيمان ms103 بالله مكين ... ~~(5) عمرو بن كلثوم (القرن السادس) ~~(5-1) حياته # هو عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب التغلبي من أهل الجزيرة، وأمه ليلى ~~بنت المهلهل أخي كليب وائل، وأبوه كلثوم من سادات تغلب. نشأ عمرو شديد العجب ~~بنفسه، فخورا بمناقب أبيه وأخواله، فساد قومه صبيا في الخامسة عشرة من ~~عمره. ~~(5-2) الخلاف بين بكر وتغلب # عرفنا في كلامنا على المهلهل وحرب البسوس، أن الملك المنذر - والد عمرو بن ~~هند - أصلح بين العشيرتين بعد عداء دام أربعين سنة، ولكنه خشي أن تعودا إلى ~~القتال؛ فأخذ من كل حي منهما مائة غلام رهينة، حتى إذا اعتدت إحداهما على ~~الأخرى أقاد # 72 # من الرهائن. # ولما تولى الملك عمرو بن هند حذا حذو أبيه في الارتهان من العشيرتين. وكان ~~أن سير ذات يوم ركبا من تغلب وبكر إلى جبال طيئ في أمر من أموره، فنزلوا ~~في أرض لبني شيبان أحلاف البكريين فقيل إنهم أجلوا التغلبيين عن الماء، ودفعوهم ~~إلى مفازة فتاهوا وماتوا عطشا. وقيل بل هبت عليهم سموم في بعض مسيرهم فهلك ~~التغلبيون وسلم البكريون. فلما بلغ ذلك بني تغلب غضبوا وطلبوا ديات أبنائهم من ~~بني بكر، فأبت أداءها، فاحتكموا إلى عمرو بن هند فقال لهم: «ما كنت لأحكم ~~بينكم حتى تأتوني بسبعين رجلا من أشراف بكر بن وائل فأجعلهم في وثاق عندي، فإن ~~كان الحق لبني تغلب دفعتهم إليهم، وإن لم يكن لهم حق خليت سبيلهم.» ففعلوا ~~وتواعدوا ليوم يعينه، يجتمعون فيه. # ولما كان يوم التقاضي انتدبت تغلب للدفاع عنها شاعرها وسيدها عمرو بن كلثوم، ~~وانتدبت بكر للدفاع عنها أحد أشرافها النعمان بن هرم. # وكان عمرو بن هند يؤثر التغلبيين على البكريين، ويميل إلى إنصافهم، فجرى بينه ~~وبين النعمان جدال غضب له الملك فطرد النعمان من حضرته، وأنشد عمرو بن كلثوم ~~مطولته فافتخر على خصومه، مندفعا مع العاطفة في التبجح على ملك العراق ~~منددا به مهددا إياه حتى أحفظه. ثم وقف الحارث بن حلزة البكري فرد ~~عليه بمطولته واستمال الملك بدهائه، فحكم للبكريين. ms104 ~~(5-3) قتله عمرو بن هند # كان بنو تغلب من أشد العرب في الجاهلية حتى قيل: «لو أبطأ الإسلام لأكلت ~~بنو تغلب الناس.» وروي أن عمرو بن هند قال ذات يوم لندمائه: «أتعلمون أحدا من ~~العرب تأنف أمه من خدمة أمي؟» قالوا: «لا نعلمها إلا ليلى أم عمرو بن ~~كلثوم.» قال: «ولم ذلك؟» قالوا: «لأن أباها مهلهل ربيعة، وعمها كليب وائل، ~~أعز العرب، وبعلها كلثوم بن عتاب فارس العرب، وابنها عمرو بن كلثوم سيد ~~قومه.» فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره، وسأله أن يزير أمه ~~أمه، فأقبل عمرو من الجزيرة في جماعة من بني تغلب، وأقبلت ليلى في ظعن من ~~نساء تغلب، وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب ما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى ~~وجوه أهل مملكته فحضروا، ودخل عمرو بن كلثوم رواقه، ودخلت أمه ليلى قبة هند أم ~~الملك عمرو، وعمة امرئ القيس الشاعر. # وكان عمرو بن هند قد أوعز إلى أمه أن تنحي الخدم وتستخدم ليلى إذا دعا ~~بالطرف. # 73 # فلما دعا بها قالت هند: «يا ليلى ناوليني ذلك الطبق.» فقالت: «لتقم ~~صاحبة الحاجة إلى حاجتها.» فأعادت عليها، فلما ألحت صاحت ليلى: وا ذلاه! ~~يا لتغلب! فسمعها عمرو بن كلثوم، فثار الدم في وجهه، فقام إلى سيف لعمرو بن هند ~~معلق بالرواق وليس سيف هناك غيره، فضرب به رأس الملك حتى قتله، ونادى في بني ~~تغلب فانتهبوا جميع ما في الرواق وساروا نحو الجزيرة. # وفي ذلك يقول أفنون بن صريم ~~التغلبي مفتخرا بفعل عمرو بن كلثوم: # لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا # لتخدم ليلى أمه بموفق # فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا # فأمسك من ندمانه بالمخنق # 74 # وجلله عمرو على الرأس ضربة # بذي شطب صافي الحديدة رونق # 75 # وضرب المثل بعمرو بن كلثوم في الفتك، فقيل: «أفتك من عمرو بن كلثوم.» ~~(5-4) محاربته النعمان # ظل المناذرة يناوئون بني تغلب ويحاربونهم برجالهم وأحلافهم حتى اضطرهم ~~المنذر الرابع أخو عمرو بن هند إلى الجلاء عن الجزيرة، فأتوا ms105 أرض الشام وعليها ~~الغساسنة، فمر بهم عمرو بن أبي حجر الغساني، وقال ابن الأثير: بل خرج ملك ~~غسان - وهو الحارث بن أبي شمر - فلم يستقبلوه، فاغتاظ وطلب سيدهم عمرو بن ~~كلثوم وتوعده، فاقتتلوا فانهزم بنو غسان وقتل أخو الحارث في عدد كبير. فقال ~~عمرو بن كلثوم: # هلا عطفت على أخيك إذا دعا # بالثكل ويل أبيك يا ابن أبي شمر! # ثم رجع بنو تغلب إلى الجزيرة، وعلى الحيرة أبو قابوس النعمان بن المنذر ~~الرابع، فأرسل لمحاربتهم جيشا على رأسه ابنه المنذر، فكسرهم بنو تغلب، وقتل ~~المنذر بن النعمان، وقاتله مرة أخو عمرو بن كلثوم، وإلى هذه الحادثة، ~~وإلى مقتل عمرو بن هند يشير الأخطل التغلبي بقوله مفتخرا على جرير: # أبني كليب إن عمي اللذا # قتلا الملوك وفككا الأغلالا # 76 # وقال الفرزدق يرد على جرير في هجائه الأخطل: # قوم هم قتلوا ابن هند عنوة # عمرا وهم قسطوا على النعمان # 77 # ثم أرسل النعمان يتوعد عمرا، فأخذ عمرو يهجوه ويعيره أمه سلمى، وكانت ~~ابنة صائغ وأخت صائغ. فمن قوله: # لحا الله أدنانا إلى اللؤم زلفة # وألأمنا خالا وأعجزنا أبا # 78 # وأجدرنا أن ينفخ الكير خاله # يصوغ القروط والشنوف بيثربا # 79 ~~(5-5) أسره # أغار عمرو بن كلثوم على بني تميم في البحرين، ثم مال على حي من بني قيس بن ~~ثعلبة فأصاب مالا وأسارى وسبايا، حتى إذا انتهى إلى بني حنيفة في اليمامة، خرج ~~إليه منهم بنو سحيم وعليهم يزيد بن عمرو بن شمر، وكان شديدا جسيما؛ فحمل ~~على عمرو فطعنه، فصرعه عن فرسه، وأسره وشده القد # 80 # ثم قال: «أنت الذي تقول: # متى نعقد قرينتنا بحبل # تجذ الحبل أو تقص القرينا # أما إني سأقرنك إلى ناقتي هذه فأطردكما جميعا.» فعز على عمرو بن كلثوم أن ~~يحقر ويهان، فصاح: «يا لربيعة! أمثلة!» # 81 # فاجتمع قوم يزيد فنهوه ولم يكن يريد ذلك إنما أراد تبكيته. فسار به ~~حتى أتى قصرا بحجر # 82 # من قصورهم، وضرب عليه قبة، ونحر له وكساه، وسقاه الخمر، فلما أخذت ~~برأسه ms106 أنشأ يمدحه بأبيات قال فيها: # جزى الله الأغر يزيد خيرا # ولقاه المسرة والجمالا! ~~(5-6) موته # عاش عمرو بن كلثوم حتى بلغ من الكبر عتيا، # 83 # وشبعت نفسه من الغزوات والانتصارات، وذاق من الدهر حلوه ومره، ~~فلما حضرته الوفاة جمع بنيه وأوصاهم: # يا بني، قد بلغت من العمر ما لم يبلغه أحد من آبائي، ولا بد ~~أن ينزل بي ما نزل بهم من الموت. وإني والله ما عيرت أحدا ~~بشيء إلا عيرت بمثله، إن كان حقا فحقا وإن كان باطلا ~~فباطلا، ومن سب سب، فكفوا عن الشتم، فإنه أسلم لكم، ~~وأحسنوا جواركم يحسن ثناؤكم. وامنعوا من ضيم الغريب، فرب ~~رجل خير من ألف، ورد خير من خلف. # 84 # وإذا حدثتم فعوا؛ # 85 # وإذا حدثتم فأوجزوا، فإنه مع الإكثار يكون ~~الإهذار، # 86 # وأشجع القوم العطوف # 87 # بعد الكر، كما أن أكرم المنايا القتل. ولا خير ~~فيمن لا روية له عند الغضب، ولا فيمن إذا عوتب لم ~~يعتب. # 88 # ومن الناس من لا يرجى خيره، ولا يخاف ~~شره، فبكوءه خير من دره، # 89 # وعقوقه خير من بره، ولا تتزوجوا في حيكم، ~~فإنه يؤدي إلى قبيح البغض. ا.ه. # غير أننا لا نقطع بصحة هذه الوصية، وإن تكن قليلة التكلف اللفظي، خالية ~~من الإغراب الذي نجده في أكثر النثر المنسوب إلى عرب الجاهلية، وهو ليس من ~~صنعهم بل من صنع شيوخ العلم في الإسلام، وفي الوصية سهولة ولين يوافقان أسلوب ~~عمرو بن كلثوم في شعره. # وهناك رواية ذكرها ابن قتيبة في الشعر والشعراء وهي أن عمرا، عندما أسر في ~~بني حنيفة، ظل يشرب الخمر صرفا لشدة غيظه حتى مات. فهو أحد الأشراف الذين ~~قتلتهم الخمر. # وعمرو مذكور في طبقات المعمرين، وأكثر الرواة يزعمون أنه مات وله من ~~العمر خمسون سنة ومائة. ~~(5-7) آثاره # لم يصل إلينا من شعر عمرو بن كلثوم شيء يستحق الذكر غير المعلقة، وأما ما ~~بقي فأبيات ومقطعات قليلة، منها في الافتخار بنفسه وقومه، ومنها في مدح يزيد بن ~~عمرو، ومنها في ms107 هجاء عمرو بن هند والنعمان أبي قابوس. وقد أوردنا بعضها في هذا ~~البحث. # أما معلقته فهي الخامسة بين المطولات، قيل: إنه وقف بها خطيبا في سوق عكاظ ~~وفي موسم مكة، ويستدل من بعض أبياتها أنها على قسمين نظما في زمانين ~~متباعدين يوم التقاضي، والآخر بعد مقتل عمرو بن هند، في حين أن الأصمعي يزعم ~~أنها قيلت يوم التحكيم دفعة واحدة. فإذا عرضنا بالنقد للقسم الذي قد يظن ~~أنه نظم بعد مقتل الملك، لا نجد فيه إلا بيتا واحدا يمكن أن يستأنس به ~~كدليل أو شبه دليل، وهو: # تهددنا وتوعدنا رويدا! # متى كنا لأمك مقتوينا! # فقوله: «متى كنا لأمك مقتوينا؟» أي خادمين، لا يصعب علينا أن نجد له ~~تفسيرا في قصة ليلى وهند، فنطمئن إلى القول بأن المعلقة نظمت في مرحلتين. غير ~~أن البيت الذي يتقدمه يدل على أن الشاعر يؤنب عمرو بن هند؛ لأنه ولى على ~~بني تغلب أميرا من قبله يحكم فيهم، والبدوي لا يرضى بسيادة الغريب إلا ~~مكرها، فإذا سنحت له الفرصة وثب عليه فقتله وتخلص منه. فالشاعر يقول: # بأي مشيئة عمرو بن هند # نكون لقيلكم فيها قطينا؟ # 90 # فبنو تغلب - كما يتبين - ساخطون على ~~عمرو بن هند لأمر لا علاقة له بحادثة الطرف. فقوله إذا في البيت التالي: ~~«متى كنا لأمك مقتوينا؟» يقتضي أن لا يعني بحد ذاته حادثة خاصة، وإنما ~~مفاده أن بني تغلب ليسوا بخدم للملوك أو لأمهاتهم ليستبد هؤلاء بهم، ويولوا ~~عليهم من يشاءون. ولا نجد في بقية الأبيات التي تتناول عمرو بن هند إلا تبجح ~~ابن كلثوم واعتداده بصلابة عوده وتمرده على كل من يريد أن يتحكم به أو ~~بقومه: # فإن قناتنا يا عمرو أعيت # على الأعداء قبلك أن تلينا # وليس في ذلك ما ينافي قوله السابق: «نكون لقيلكم فيها قطينا.» بل ~~هو - بالأحرى - تأكيد له وتبليغ، ويصح أن ~~تكون هذه الأبيات قد قيلت يوم التقاضي، وأغضبت عمرو بن هند فحكم للبكريين، كما ~~قيلت الأبيات التي قبلها وفيها ما يشبهها مثل قوله: # وأيام ms108 لنا غر طوال # عصينا الملك فيها أن ندينا # وإذا تتبعنا المعلقة إلى آخرها بعد ~~الأبيات التي يأتي فيها ذكر عمرو بن هند نرى أنها متصلة كل الاتصال بيوم ~~التقاضي ، فيها مفاخرة بالقبيلة ومنافسة للبكريين، كما تقتضي شروط المنافرة ~~والتحكيم في العصر الجاهلي، مما يؤيد أن المعلقة قيلت دفعة واحدة كما ذكر ~~الأصمعي. ~~(5-8) ميزته # عمرو بن كلثوم صورة طبق الأصل عن جده المهلهل، فهو فخور مثله، متكثر مثله، ~~كذوب مثله، وفي شعره سهولة وتكرار وهلهلة كما في شعر جده. ولا عجب أن يتشبه ~~الولد بأبيه وجده أو عمه وخاله، وإنما العجب أن يشذ عنهم فلا يتأثر بهم في ~~شيء كما هو شأن امرئ القيس، وقد زعموا أنه ابن أخت المهلهل. # يبتدئ عمرو معلقته بوصف الخمرة وتأثيرها في شاربها، ثم ينتقل إلى الغزل، ~~فيستوقف صاحبته ليحدثها عن الحرب شأن الشعراء الفرسان، ولكنه يجتزئ ببيت واحد ~~وينتقل إلى وصف ذراعيها، وصدرها، وقامتها، ويرى بعضهم أن مطلع القصيدة يبتدئ ~~بهذا القسم، والمشهور خلاف ذلك. فإذا بلغ إلى مخاطبة عمرو بن هند، أخذ في ~~الافتخار والتهديد، وهنا تظهر الصلة واضحة بين شعره وشعر جده المهلهل، فأخرجه ~~على طريقته فخرا وحماسة، مندفع العاطفة حتى الغلو المتطرف، قليلا فيه عمل ~~الخيال التصويري، وأقل منه عمل التفكير. ليس إلا شعورا يتدفق، وحمية تشتعل، ~~ونفسا تثور فتتخطى الحواجز والحدود، مرتدية من الألفاظ ثوبا نسجته على ~~هواها، لم تمتد إليه يد صناع فتشد سداه ولحمته، وتحكم وشيه وتخطيطه. فخرج ~~على سجيته من حسن ورديء، عصبي المزاج في تركيبه، تدافعت حروفه تدافع الأمواج ~~الجائشة، فيها صخب ولين، وعود وتكرار، وتفكك واتصال. أكثره في الفخر، وأقله ~~في المدح والهجاء. افتخر ممتلئ النفس حماسة، وهجا ثاثرا منتقما، ومدح شاكرا ~~لا متكسبا. وليس من غرضنا أن نبحث في مدحه وهجائه، وهما لا خطر لهما في شعره. ~~وإنما غرضنا أن نظهر تلك الشخصية البدوية في كبرها واعتدادها، في تهورها وغليان ~~مشاعرها. فالفخر عند ابن كلثوم يخرج صورة جلية تبرز نفسية سيد عريق يستأثر ~~بالفضائل ms109 الجاهلية، ويتكلم بأنا ونحن، أنانيا بصيغة المفرد، أميرا بصيغة ~~الجمع، مناقبه غنية في ذاته، ومناقب قومه مردودة إليه. يبذل المال ولا يبالي. ~~فإذا لامته العاذلة وحذرته من العوز، أراها مهره يكر على الأحياء يغزو ~~ويغنم: # يخلف المال فلا تستيئسي # كري المهر على الحي الحلال # 91 # والعاذلة في الشعر العربي شخص رمزي يقرع أبواب الفخر والمدح والغزل، يلوم ~~المفتخر والممدوح والعاشق على الإتلاف والتبذير وإلقاء النفس في المخاطر، وعلى ~~التمادي في الصبا والغواية، فيرده الأول والثاني، ويرده الثالث لا يقبلون منه ~~نصحا، وفي ذلك منتهى الكرم والشجاعة والهيام. وقد رد عمرو بن كلثوم ~~عاذلته: # لا تلوميني فإني متلف # كل ما تحوي يميني وشمالي # وحقيق بمثله أن يردها، فعنوان الكرم عندهم عذل ورد. ونفسه الجبارة يطيب ~~لها أن تتحدث بأنا عن كرمها وبأسها، كما تتحدث بنحن عن مفاخر قومها، وفي ~~هذا وذاك لا تتحرج أن تغالي وتفرط في المغالاة حتى الكذب: # ملأنا البر حتى ضاق عنا # وظهر البحر نملؤه سفينا # لنا الدنيا ومن أضحى عليها # ونبطش حين نبطش قادرينا # إذا بلغ الفطام لنا صبي # تخر له الجبابر ساجدينا # فقد ملأ شاعرنا البر والبحر بجيوشه وسفنه، وجعل الدنيا ومن عليها ملكا له ~~ولبني تغلب، وترك الجبابرة تسجد لفطيمهم. فأما وقد رأيت ذلك فلا تحمل نفسك على ~~معرفة ما كان له من قوى برية وبحرية. بل حسبك أن تعلم أنه سبط المهلهل، وأن ~~جده، لولا عصف الرياح، لأسمع صليل سيوف قومه على مسافة عشرة أيام. وغير ~~عجيب أن يخسر التغلبيون قضيتهم عند عمرو بن هند، بعدما أوسعه ابن كلثوم تهديدا ~~ووعيدا ومكاثرة وفخرا. ~~(5-9) منزلته # تبين مما تقدم أن عمرو بن كلثوم ورث عن جده المهلهل أكثر ميزاته، فله رقته ~~ولينه، وله تكراره وتكثره، وله غلوه وكذبه، وله تبجحه ووعيده. وفي شعره فوائد ~~تاريخية نراها في المعلقة وغير المعلقة، فهو يخبرنا - في هجوه النعمان - أن أم ~~النعمان كانت ابنة صائغ، وأن أخاها صائغ ينفخ الكير في يثرب. ويذكر لنا في ~~مطولته كيف كانت النساء ms110 تتبع الرجال في الحروب، وتقوت جيادهم، وتحثهم على الصبر ~~في القتال، ويطلعنا على شيء من صناعات العرب وملاهي أولادهم. # ولمعلقته ميزات بوأته منزلة سامية في ~~الشعر. فهي في سهولتها وانسجامها، وفي رنتها الموسيقية المطربة أصدق مثال ~~للشعر الغنائي، مع ما فيها من عناصر ملحمية في ذكر الحروب وتمجيد قومه وتصوير ~~الحياة البدوية. وهي على غلوها ومكاثرتها، معجبة محبوبة لبعدها من التكلف. فإذا ~~غالت وكاثرت، فإنما هي تتكلم بعاطفتها لا بعقلها. فالفخر عند ابن كلثوم عاطفي ~~محض لا سلطة للعقل عليه. # وقد بلغت معلقته - على منزلتها الأدبية - منزلة قومية، لم تبلغها قصيدة ~~سواها. فإن بني تغلب كانوا يعظمونها جدا، ويرويها صغارهم وكبارهم، حتى هجاهم ~~بذلك بعض بني بكر أعدائهم فقال: # ألهى بني تغلب عن كل مكرمة # قصيدة قالها عمرو بن كلثوم # يروونها أبدا مذ كان أولهم # يا للرجال لشعر غير مسئوم! # 92 # وقال المفضل الضبي: «لله در عمرو بن كلثوم لو أنه رغب في ما رغب فيه ~~أصحابه من كثرة الشعر، ولكن واحدته أجود من مئتهم.» وروى أبو زيد القرشي في ~~جمهرته عن عيسى بن عمر قوله: «لو وضعت أشعار العرب في كفة، وقصيدة عمرو بن ~~كلثوم في كفة، لمالت بأكثرها.» ~~(6) عنترة (مات في العقد الأول من القرن السابع) ~~(6-1) حياته # هو عنترة # 93 # بن شداد بن عمرو، وقيل ابن عمرو بن شداد بن معاوية بن قراد ~~العبسي، من أهل نجد، ينتهي نسبه إلى مضر، ويكنى بأبي المغلس # 94 # لغاراته في الغلس، ويلقب بعنترة الفوارس لشجاعته، وعنترة ~~الفلحاء # 95 # لانشقاق شفته السفلى، وهو أحد أغربة # 96 # العرب المشهورين في الجاهلية، سموا بذلك لسوادهم، وهم ثلاثة: ~~عنترة، وخفاف بن ندبة السلمي، وندبة أمه، والسليك بن ~~السلكة، # 97 # والسلكة أمه. # وأم عنترة حبشية سوداء، يقال لها زبيبة، سباها أبوه في إحدى غزواته فأولدها ~~عنترة، وكان لها أولاد عبيد من غير شداد، فلم يعترف به أبوه في أول الأمر، بل ~~أنكره جريا على عادة العرب؛ لأنهم كانوا يستعبدون أولاد الإماء، ولا يعترفون ~~بهم إلا ms111 إذا ظهرت عليهم النجابة. ~~(6-2) أخلاقه وشجاعته # وكان أشد أهل زمانه، وأجرأهم فؤادا، وأسخاهم يدا. وهو على شجاعته وشدة ~~بطشه، حليم، لين الطباع، سمح المخالقة # 98 # إذا لم يظلم. وفي ذلك يقول: # أثني علي بما علمت فإنني # سمح مخالقتي إذا لم أظلم # ولما أنشد النبي قوله: # ولقد أبيت على الطوى وأظله # حتى أنال به كريم المأكل # 99 # قال: «ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه، إلا عنترة.» # وروي عن عمرو بن معد يكرب، وكان معاصرا له، أنه قال: «لو سرت ~~بظعينة # 100 # وحدي على مياه معد كلها، ما خفت أن أغلب عليها، ما لم ~~يلقني حراها أو عبداها. فأما الحران فعامر بن الطفيل، وعتيبة ~~بن الحارث بن شهاب، وأما العبدان فأسود بني عبس (يعني عنترة) والسليك ~~بن السلكة؛ وكلهم لاقيت. فأما عامر بن الطفيل فسريع الطعن على ~~الصوت، وأما عتيبة فأول الخيل إذا أغارت، وآخرها إذا آبت، # 101 # وأما عنترة فقليل الكبوة، شديد الجلب، # 102 # وأما السليك فبعيد الغارة كالليث الضاري.» # وحدث عمر بن شبة قال: قال عمر بن الخطاب للحطيئة: «كيف كنتم في ~~حربكم؟» قال: «كنا ألف فارس حازم.» قال: «وكيف ذلك؟» قال: «كان قيس بن زهير ~~فينا وكان حازما، فكنا لا نعصيه، وكان فارسنا عنترة، فكنا نحمل إذا ~~حمل ونحجم إذا أحجم، وكان فينا الربيع بن زياد، وكان ذا رأي، فكنا ~~نستشيره ولا نخالفه. وكان فينا عروة بن الورد، فكنا نأتم بشعره، فكنا ~~كما وصفت لك.» فقال عمر: «صدقت.» # وقال الهيثم بن عدي: قيل لعنترة: «أنت أشجع العرب وأشدها؟» قال: «لا.» ~~قيل: «فبماذا شاع لك هذا في الناس؟» قال: «كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزما، ~~وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما، ولا أدخل موضعا إلا أرى لي منه مخرجا. وكنت ~~أعتمد الضعيف الجبان، فأضربه الضربة الهائلة، يطير لها قلب الشجاع، فأثني ~~عليه فأقتله.» ~~(6-3) وقائعه # لعنترة كثير من الوقائع ~~المشهورة، ولكن أضيف إليه ما ليس له حتى اشتبه الصحيح بالموضوع. وقد حضر حرب ~~داحس والغبراء فأحسن فيها البلاء ms112 وحمدت مشاهده، وفيها قتل ضمضما المري أبا ~~حصين وهرم، ولذلك قال: # ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر # للحرب دائرة على ابني ضمضم # الشاتمي عرضي ولم أشتمهما # والناذرين إذا لم القهما دمي # 103 # إن يفعلا فلقد تركت أباهما # جزر السباع وكل نسر قشعم # 104 ~~(6-4) حبه لعبلة # وأحب عبلة ابنة عمه مالك بن قراد، فهاجت شاعريته واتسع خياله، فنظم ~~القصائد الطوال. وازداد طموحا إلى المعالي، فجد في طلبها، ليمحو ببيض فعاله ~~سواد لونه. وأنى له أن يطمع فيها وهو عبد لم يعترف به أبوه، وأنكره أبناء ~~عمه، فغامر لأجلها ولاقى أشد الأهوال حتى ألحقه أبوه بنسبه، ولكنه لم يظفر ~~بها كما يستدل من شعره. ~~(6-5) موته # اختلف بموته، فقال ابن حبيب ~~وابن الكلبي: «أغار عنترة على بني نبهان من طيئ، فأطرد لهم طريدة وهو شيخ ~~كبير، فجعل يرتجز، وهو يطردها، ويقول: # حظ بني نبهان منها الأخبث # كأنما آثارها بالحثحث # آثار ظلمان بقاع محدث # 105 # وكان وزر بن جابر النبهاني ~~في فتوة، فرماه وقال: «خذها وأنا ابن سلمى!» فقطع مطاه # 106 # فتحامل بالرمية حتى أتى أهله فقال وهو مجروح: # وإن ابن سلمى عنده فاعلموا دمي # وهيهات! لا يرجى ابن سلمى ولا دمي ~~••• # إذا ما تمشى بين أجبال طيئ # مكان الثريا ليس بالمتهضم # 107 # رماني ولم يدهش بأزرق لهذم # عشية حلوا بين نعف ومخرم # 108 # وقال ابن الكلبي: «وكان الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص.» # 109 # وذكر أبو عمرو الشيباني: «أنه غزا طيئا مع قومه، فانهزمت عبس، فخر عنترة ~~عن فرسه، ولم يقدر من الكبر أن يعود فيركب، فدخل دغلا # 110 # وأبصره ربيئة # 111 # طيئ فنزل إليه، وهاب أن يأخذه أسيرا، فرماه وقتله.» # وقال أبو عبيدة: «إنه كان قد أسن واحتاج، وعجز بكبر سنه عن الغارات. ~~وكان له على رجل من غطفان بعير، فخرج يتقاضاه إياه، فهاجت عليه ريح من صيف ~~وهو بين شرج وناظرة # 112 # فأصابته وقتلته.» على أن الرواية الأولى أشهر الثلاث، ومات عنترة ~~بعد أن بلغ التسعين. ~~(6-6) آثاره # ديوان شعر ms113 مشهور، أصابه كثير من النحل لطول ما تداوله الرواة والقصاصون. ~~وأكثره في الفخر والحماسة، وذكر الوقائع، والغزل العفيف بابنة عمه عبلة، ~~وقليل منه في المدح والرثاء. وأشهر شعره المعلقة، وهي السادسة بين السبع ~~الطوال. وكان السبب في نظمها ما روي من أنه جلس يوما في مجلس، بعدما كان قد ~~أبلى، وحسنت وقائعه، واعترف به أبوه وأعتقه، فسابه رجل من بني عبس، وذكر ~~سواده وسواد أمه وإخوته، وأنه لا يقول الشعر، فسبه عنترة وفخر عليه وقال: # والله إن الناس ليترافدون # 113 # للطعمة # 114 # فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك مرافد # 115 # الناس قط، وإن الناس ليدعون في الغارات، ~~فيعرفون بتسويمهم، # 116 # فما رأيتك في خيل مغيرة، في أوائل الناس قط، ~~وإن اللبس # 117 # ليكون بيننا، فما حضرت أنت ولا أبوك ولا ~~جدك خطة الفصل. # 118 # وإنما أنت فقع بقرقر، # 119 # وإني لأحتضر البأس، # 120 # وأوفي المغنم، وأعف عند المسألة، وأجود بما ملكت ~~يدي، وأفصل الخطة الصماء، # 121 # وأما الشعر فستعلم. # ثم أنشأ معلقته، وكان لا يقول قبل ذلك إلا البيتين أو الثلاثة، فتغزل في ~~أولها، ثم وصف ناقته، ثم تخلص إلى الفخر بشدة بأسه وذكر وقائعه. وكانت ~~العرب تسميها الذهبية. # على أننا لا نطمئن إلى زعم الرواة أن المعلقة أول قصيدة أنشأها عنترة، ~~وأنه لم يكن ينظم قبلها إلا البيتين أو الثلاثة. فلعنترة قصائد كثيرة تقدمت ~~المعلقة، والرواة أنفسهم يعترفون بها ويروونها له. وليس من المعقول أن تبقى ~~قريحته خامدة عن نظم الشعر أعواما طوالا لا يؤثر فيها حب عبلة، ولا ~~الوقائع التي شهدها، خصوصا حرب داحس والغبراء، وقد حضرها وأبلى فيها البلاء ~~الحسن، وذكرها في معلقته. ومن المعلوم أن هذه الحرب انتهت في أوائل القرن ~~السابع، أي قبل وفاة الشاعر ببضع سنوات. فسواء نظمت المعلقة بعد الحرب، أو في ~~أثنائها، فإن عنترة كان متقدما في السن لما أنشأها. فكيف ينبغي لنا أن نسلم ~~بما زعم الرواة، وهم يذكرون للشاعر قصائد قيلت قبل هذه الحرب، وقبل أن يعترف به ~~أبوه، ms114 ويوم كان يضربه بالعصا ضربا مبرحا حتى شفعت به سمية # 122 # بعد أن شكته إليه، فقال فيها شعرا جميلا لا يصح أن يكون من ~~أوائل نظمه. فكيف يصح أن تكون المعلقة أولى قصائده، وهي نادرة، كما وصفها ابن ~~سلام في طبقات الشعراء، ولم ينظمها الشاعر إلا بعد أن كبر وعشق ولقي الأهوال، ~~فأخلق بقريحته أن تتفتق للشعر في عنفوان الشباب، بعوامل الحب والحماسة، ~~والجد في طلب المعالي، لا أن يكون بدء ولادتها في خريف العمر أو في ~~شتائه. # هذا، ولعنترة قصة شهيرة سنأتي على ذكرها في العصر الذي جمعت فيه، وهو العصر ~~العباسي الثالث. ~~(6-7) ميزته # عرفنا عنترة عبدا أسود، أحب ابنة عمه فلم يستطع الوصول إليها، وهو غير ~~حر ينكره أبوه. وعرفناه فارسا مغوارا، جريء الفؤاد، طماحا إلى المعالي، ~~وعرفناه كريما جوادا، وحليما سهل المخالقة، وعفيفا شريف النفس أبيها لا ~~يغمض على قذى، # 123 # فلا غرو أن تظهر جميع هذه الصفات في شعره، ويكون لها أثر كبير فيه، ~~ولا سيما أثر ذلك النضال العنيف الذي اشترك فيه، من ناحية: حبه وجده في طلب ~~المعالي، ومن ناحية أخرى: عبوديته وسواد لونه، فترك في شعره مرارة وألما هما ~~صورة لما في نفسه من ألم العبودية والحب ومرارة التعبير. وترك فيه أيضا تلك ~~الحماسة التي تتمثل بها شجاعته ونفسه الطموح. ~~(6-8) بين العبودية والفروسية # نشأ عنترة أسود اللون، أبوه شداد من سادات بني عبس، وأمه زبيبة أمة ~~حبشية، فلم يعترف شداد به جريا على عادة العرب. فجعل عنترة في طبقة الرعيان ~~يحلب ويصر. ولكن نفس هذا الفارس الشجاع لا تحتمل العبودية وفيها من الشمم ~~والإباء والجرأة شيء كثير. فكانت تتألم أشد الألم لما تلقى من الاحتقار ~~والازدراء. فتحاول جهدها أن تخرج من طبقة الرعيان في إظهار شجاعتها ولديها ~~سلاحان ماضيان: الشجاعة والشعر، وكلاهما كفيل بأن يجعل لصاحبه مكانة عالية ~~في القبيلة. فالفارس يدافع عنها بسيفه، والشاعر يدافع عنها بلسانه. فلماذا لا ~~يتحرر عنترة وتدعيه بنو عبس وهي تحتاج إليه حاجة مزدوجة؟ وقد ms115 قال صاحبنا ~~الشعر في صباه، وشهد المعارك وهو لا يزال يحلب ويصر، ولكن أباه كان حريصا ~~على التقاليد البدوية فأبى استلحاقه وتحريره، ولم يكن يحجم عن ضربه مع ما رأى ~~من فصاحته وإقدامه، كما ضربه عندما حرشته عليه زوجه سمية ولم يكن قد تحرر ~~بعد. # وما كان عنترة يجهل قدر نفسه فينام على الضيم والخمول. فقد كان يعلم حق ~~العلم أن قومه سيحتاجون إليه إذا أغاروا أو أغير عليهم. فأخذ يلح على أبيه ~~طالبا إليه أن يعترف به، وأبوه يعرض عنه مخافة التعيير، وهو صابر ينتظر يوما ~~عصيبا تنكب فيه بنو عبس فيلتجئون إليه، فيغتنم الفرصة لتحقيق أمانيه، وليس ~~هذا اليوم بعيد الوقوع، وغزوات العرب متواصلة طمعا في الغنائم. أو طلبا للماء ~~والكلأ. فما طال به الأمر حتى سنحت له الفرصة التي يتوقعها. # وقد اختلف الرواة في ذكر خبرها، فقال ابن الكلبي: «وكان سبب ادعاء أبيه ~~إياه، أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس، فأصابوا منهم واستاقوا إبلا، ~~فتبعهم العبسيون. فلحقوهم. فقاتلوا عما معهم، وعنترة يومئذ فيهم. فقال له ~~أبوه: كر يا عنترة! فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلاب ~~والصر. فقال: كر وأنت حر. فكر وقاتل يومئذ قتالا حسنا، فادعاه أبوه ~~بعد ذلك وألحقه بنسبه.» # وحكى غير ابن الكلبي أن السبب في هذا أن عبسا أغاروا على طيئ فأصابوا ~~نعما، فلما أرادوا القسمة قالوا لعنترة: لا نقسم لك نصيبا مثل أنصبائنا ~~لأنك عبد. فلما طال بينهم الخطب، كرت عليهم طيئ، فاعتزلهم عنترة وقال: ~~دونكم القوم فإنكم عددهم، واستنقذت طيئ الإبل. فقال له أبوه: كر يا عنترة! ~~فقال: أويحسن العبد الكر؟ فقال له أبوه: العبد غيرك. فاعترف به، فكر واستنقذ ~~النعم. # ويذكر السيوطي رواية هي أقرب إلى روح القصة منها إلى التاريخ، وإن وافقت في ~~جوهرها الروايتين المتقدمين، وهو أن عنترة خلع نير العبودية بحد سيفه واحتياج ~~بني عبس إليه. # ولم يقف عنترة عند هذا الحد ~~بل أراد أن يحرر إخوته لأمه وهم عبيد مثله، وقيل إنه ms116 حررهم أو حرر ~~منهم أخاه حنبلا، ولكن لونه الأسود بقي شاهدا على عبوديته واعتلال نسبه، ~~وبقيت أمه زبيبة أمة لا حرة، أم ولد لا أم بنين، سوداء لا بيضاء، حبشية لا ~~عربية، حجة للناس على أنه هجين أخواله الزنوج. فمن أين له أن يمحو سواد ~~لونه، أو أن يجعل أمه من ربات الحجال، ولونه لا ينصل وأمه لا تتحرر، والعرب ~~لا يتسامحون في النسب وكرم الأمومة والخئولة. فقد جعلوا له ألقابا تذكره ~~أبدا بسواده وأمه، فهو الغراب وأسود بني عبس، وابن السوداء وابن زبيبة، فما ~~عليه إلا أن يقبل هذه الألقاب، ويدافع عن لونه وأمه ليخرس ألسنة المعيرين. فكان ~~له كفاح بسيفه، وكفاح بلسانه، فجاء شعره صورة ناطقة بهما، مثال ذلك ~~قوله: # وأنا المجرب في المواقف كلها # من آل عبس منصبي وفعالي # منهم أبي حقا فهم لي والد # والأم من حام فهم أخوالي # فهو مفاخر بأصله من جهة أبيه، معترف بأصله من جهة أمه، وإن يكن لا يجد فيه ~~فخرا، ولكنه يحميه بحد سيفه من المعيرين: # إني امرؤ من خير عبس منصبا # شطري وأحمي سائري بالمنصل # وقد اضطر عنترة مرارا أن يدافع عن شطره الحبشي بسلاحه دفاعه عنه بشعره ~~ليرد تحامل المعيرين، ولا سيما أبناء قومه الذين يأبون الاعتراف بتقدمه عليهم ~~لأنه ابن السوداء. وروي أنه وقف مرة ينشد قوله: # إذ يتقون بي الأسنة لم أخم # عنها ولكني تضايق مقدمي # فمد له عمارة بن زياد العبسي سنان رمحه وقال: نحن نتقي بك الأسنة يابن ~~السوداء؟! وكان عنترة أعزل لا سلاح عليه، فقال له: اغفرها! ثم ذهب ولبس درعه ~~وتقلد سيفه وركب فرسه، وأقبل حتى وقف أمام عمارة وأنشد البيت: «إذ يتقون ~~بي الأسنة ...» فتغافل عنه عمارة حين رآه في ~~سلاحه، فهجاه عنترة وعيره وافتخر عليه. # وقد ينقذ بني عبس ببسالته من بأس العدو المغير، فيأبى سادتها إلا أن يذكروا ~~عمله المجيد مقرونا بسواده وأصله تحقيرا له وتعصبا منهم للنسب العربي ~~الصحيح. قال أبو عمرو الشيباني: غزت بنو عبس بني تميم ms117 يقودهم قيس بن زهير، ~~فانهزمت بنو عبس وانهزم قيس معهم، وطلبتهم بنو تميم، فوقف عنترة وحده يحمي ~~المنهزمين من أبناء قومه، فلم يصب واحد منهم، وكان قيس سيدهم، فساءه ما صنع ~~عنترة يومئذ، ورأى فيه ما يمس زعامته في القبيلة، فقال حين رجع: والله ما حمى ~~الناس إلا ابن السوداء! فنظم عنترة قصيدة يفتخر فيها بأصله العبسي مدافعا عن ~~أصله الحبشي بسيفه، قائلا: إنه يفضل الجوع على أن يأكل طعامه بذل، ويعرض ~~هنا بقيس؛ لأنه كان أكولا وانهزم من المعركة ذليلا: # ولقد أبيت على الطوى وأظله # حتى أنال به كريم المأكل # ثم يتابع التعريض فيقول: إذا تأخرت الكتيبة ونظر بعضها إلى بعض خوفا من ~~الهلاك كنت أفضل من سيد كريم الأعمام والأخوال؛ لأنني لا أسبق فوارسي إلى ~~الهرب في المأزق الضيق: # وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت # ألفيت خيرا من معم مخول # إذ لا أبادر في المضيق فوارسي # أو لا أوكل بالرعيل الأول # ولكن قيس بن زهير قد اعترف بفضل عنترة على الرغم منه، وإن سماه ابن السوداء ~~تحقيرا له. فعنترة وحده حمى بني عبس ورد عنها كوكبة اللاحقين، فحق له أن ~~يفتخر ويعرض بالذي عيره أمه وسواده، وإن كان معيره قيس بن زهير سيد بني عبس. ~~فلطالما رأى قومه يحتمون به في الحرب ويقدمونه عليهم في مواقف الأخطار، فتشتفي ~~نفسه المتألمة من تعييرهم: # ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها # قيل الفوارس ويك عنتر أقدم! # ولكنه لا يلبث أن يسمع التعيير بعد زوال الخطر، فتعود إلى نفسه آلامها، ~~فيثور ساخطا عليهم منددا بهم؛ لأنهم يعرفونه في الحرب، وينكرونه في السلم، ~~فهو مضطرب أبدا بين العبودية والفروسية، هو ابن شداد في المعارك، وابن زبيبة ~~- ابن السوداء - في الأمن والدعة. ~~(6-9) بين الحب والحرب # لم يكن عنترة ناعما في حبه ~~فتظهر آثار هذه النعمة على شعره، بل كان شقيا تاعسا يطمع في عبلة، فيصده ~~والدها ويحاول استرضاءه فلا يجد إلى ذلك سبيلا، فكان إذا تغزل تألم وشكا، ~~وليس في غزله غير شكوى وآلام. # وقد أفاضت ms118 قصته في أخبار حبه لعلبة، وتذمم والدها أن يزفها إليه، ولكن الرواة ~~لم يعيروها جانبا كبيرا من عنايتهم، وإنما جعلوا همهم في التحدث عن ~~وقائعه وعبوديته وتحرره، وإذا ذكروا عبلة أتوا بها عرضا خلال هذه الروايات دون ~~أن يشرحوا مأساته الغرامية التي تفصلها القصة أبلغ تفصيل مع أن شعره الصحيح ~~لا يخلو من الإشارة إليها. فهذه المعلقة - وهي أثبت شعر له - تدلنا على أن والد ~~عبلة كان يتنكر له، ويهرب بابنته إلى ديار الأعداء ليبعدها عنه. فيشكو الشاعر ~~الفارس عداوة قومها له، ومشقة الوصول إليها، أو يبعث جاريته تتجسس له أخبارها، ~~فتعود إليه تقول إنها رأت غفلة من الأعداء تسهل طريق اصطياد الفتاة: # فبعثت جاريتي وقلت لها اذهبي # وتجسسي أخبارها لي واعلمي # قالت رأيت من الأعادي غرة # والشاة ممكنة لمن هو مرتم # يا شاة ما قنص لمن حلت له # حرمت علي وليتها لم تحرم! # أو يقول: # حلت بأرض الزائرين فأصبحت # عسرا علي طلابك ابنة مخرم # علقتها عرضا وأقتل قومها # زعما لعمر أبيك ليس بمزعم # 124 # فعبلة في أرض الزائرين - أي الأعداء - وقومها هم الذين ذهبوا بها إليهم، ~~فاضطر عنترة إلى مقاتلة الأعداء ومقاتلة أهلها معهم، فأصبح طلبها عسيرا ~~عليه. كيف يطلبها وهو يقتل قومها؟ إن في ذلك لطمعا منه في غير مطمع: «زعما، ~~لعمر أبيك، ليس بمزعم.» ولماذا أرسل جاريته إلى أرض الأعداء، تتجسس أخبار ~~حبيبته، أليس لكي يأخذهم على غرة، كما تخبرنا القصة أنه أخذ بني كندة وهم في ~~غفلة العرس، فقتل فارسهم مسحلا، واستنقذ عبلة منه قبل أن يتزوجها. ثم تلك ~~الشكوى يرسلها قلبه الجريح: «حرمت علي وليتها لم تحرم.» أفما تنطق كفاية بما ~~لقي عنترة العاشق من اليأس والحرمان؟ # على أن اليأس والحرمان لم يرافقا عنترة، طوال حياته، في القصة، فقد رق له ~~قلب عمه مالك فزوجه عبلة، واشتفى قلبه الكليم، أما التاريخ فلا يقطع بخبر ~~الزواج ولا ينفيه. فالسيوطي مثلا، يخبرنا بأن والد عبلة اعترف بابن أخيه ووعده ~~أن يزوجه ابنته إذا أنقذه من الأسر. وقد ms119 أنقذ عنترة عمه وأنقذ عبلة معه. ~~فهل بر مالك بوعده فأعطاه ابنته، أو أنه كان مخادعا له حتى إذا انطلق ~~سراحه عاد إلى دفعه ومماطلته، فقضى الفارس الأسود حياته بين وعد ورد ويأس وأمل؟ ~~ثم هل بقيت عبلة عزبة لم تتزوج، إذا كان الحظ لم يسمح لعنترة بقضاء لبانته ~~منها؟ تلك أسئلة ربما لا نعدم أن نجد جوابا عنها في شعره الثابت، وإن كان ~~الرواة يسكتون عنها أو لا يردون ردا صريحا. # وشعر عنترة الذي وصل إلينا وأثبته الرواة، لم يقتصر - في غزله - على عبلة ~~وحدها، بل يتناول أحيانا سمية أو سهية امرأة أبيه، وكان يهواها في صباه ~~وقد ضربه والده من أجلها. ويتناول أيضا امرأة اسمها رقاش، ولا نعلم عن هذه ~~المحبوبة شيئا، فهي نكرة لا تعرف إلا باسمها، ولكن الرواة يخبروننا بأنه ~~كان لعنترة زوجة من بجيلة، فقد تكون هي رقاش، أو رقاش غيرها. # ومهما يكن الأمر فغزل عنترة في عبلة خير شعره من هذا النوع، وإن كان لا يقاس ~~بحماسياته، وإذا كان قد أصاب بغزله شهرة بين العامة، فيعود الفضل في ذلك إلى ~~شعره المصنوع في القصة، فقد حمل عليه غزل كثير ليس له يد فيه البتة. ونحن ~~يهمنا غزله الصحيح، وغزله في عبلة خصوصا، لعلنا نلقى جوابا عن الأسئلة التي ~~مر ذكرها. وأشهر ما وصل إلينا من غزله في عبلة ما جاء في المعلقة، فقد خص ~~عنترة طويلته الحسناء بابنة عمه، ثم بذكر معاركه ومبارزاته. ونستدل منها - كما ~~قلنا - على حرمانه وتظلمه من قوم عبلة؛ لأنهم بعدوا بها ونزلوا في أرض ~~الأعداء، فمنعوها منه: «حرمت علي وليتها لم تحرم!» فعنترة في المعلقة لم ~~يتزوج عبلة، وإنما يشكو فراقها وجور أهلها عليه. فإذا كانت المعلقة نظمت ~~دفعة واحدة في زمن واحد، فيكون الشاعر قد بقي طوال حياته محروما ابنة عمه؛ ~~لأنه ذكر فيها حرب داحس والغبراء، وهذه الحرب انتهت قبل وفاة الشاعر ببضع ~~سنوات. وله قصيدة أخرى يتبين منها أن عبلة تزوجت رجلا غيره، يصفه شاعرنا ~~بأنه ms120 بادن كثير اللحم: # فلرب أبلج مثل بعلك بادن # ضخم على ظهر الجواد مهبل # 125 # غادرته متعفرا أوصاله # والقوم بين مجرح ومقتل # وهذه القصيدة معروفة له يثبتها الرواة ولا يدفعونها. وليس في سائر شعره ~~الصحيح ما يدلنا على أنه حظي بابنة عمه كما تقول القصة، وإنما هو يشبب ~~بها، ويؤثرها على جميع النساء، وإن لم يقصر غزله عليها: # ولئن سألت بذاك عبلة أخبرت # أن لا أريد من النساء سواها # وغزل الشاعر في عبلة - لا مشاحة - أفضل غزل قاله؛ لأنه يمثل حرمانه ولوعته ~~وتظلمه، ويبدو أثر العراك العنيف بين حبه وسواد لونه وضعة نسبه. فعبلة لم ~~ترافق عنترة في شعره الغزلي وحده؛ بل رافقته في فخره وحماسته وذكر حروبه، ~~فإنما هو يفتخر ويغامر من أجلها. وإذا لم يكن لديه من جمال الصورة وكرم ~~المحتد ما يشفع به إليها، أفلا يسعى لإرضائها بوصف شجاعته وجوده وعفته، وذكر ~~وقائعه ومشاهده، حتى إذا ذكر لها في مجلس تستطيع أن ترفع رأسها به؟ # فبمثل هذا الشعر يبدع عنترة؛ لأنه يصور نفسيته أبلغ تصوير، ويعطينا طرازا ~~فاخرا من غزل الفرسان، وكيف تجتمع ألفاظ الحب بألفاظ الحرب. فنراه يعرض ~~معاركه على عبلة لتشهد مواقفه في مبارزة الأبطال أو مزاحفة الجيوش. ويصف لها ~~الفارس الذي يبارزه، فإذا هو بطل تتحاماه الأبطال خشية لقائه، وكريم طيب المحتد ~~من أولئك البيض الأحرار الذين يفاخرونه بأصلهم ونسبهم، فيظهر بذلك فضله في ~~التغلب عليه، وهو العبد المغموز النسب. # ويصف معاركه، فإذا هي ملاحم تتشابك فيها الأبطال شاكية هولها بغماغم لا ~~تفهم. وبنو عبس يتقون به رماح الأعداء فما يرتد عنها، وإن ضاقت عليه فسحة ~~الأقدام. والأعداء تلهج باسمه مشرعة رماحها إلى صدر جواده. فإذا هو ركن المعركة ~~وقوامها وحجر رحاها وثفالها. وفي المعلقة وصف ملحمي جميل لهذه المعارك التي ~~يعرضها عنترة أمام عبلة صورا سريعة تبدو فيها بطولته بارزة الخطوط والألوان، ~~ويبدو فيها كفاحه - على قوته - بين الحب والحرب صورة لمأساته الغرامية التي ~~مثلتها القصة على مسرحها، وأغفلها الرواة والمؤرخون. ~~(6-10) منزلته # اتضحت ms121 لنا ميزة الشاعر الفارس، بما فيها من ألم ومرارة، وعرفنا طرقه في ~~استرضاء عبلة، وفي فخره وحماسته ووصف وقائعه، والدفاع عن نسبه، والرد على ~~معيريه، ولا ينبغي لنا أن نغفل عن تلك العذوبة التي نتذوقها في شعره فإنه ~~رقيق على غير ضعف، سهل العبارة على غير إسفاف، ولا نعجب لوجود هذه الرقة في شعر ~~عبد أسود خشن العيش، هائل المنظر، بل يجب أن ننظر إلى أخلاقه الحسنة، وتأثير ~~الحب فيها، فإنما شعره صورة لنفسه. # ولعنترة منزلة عالية في الشعر، كما له منزلة عالية في الفروسية، وهو من ~~الشعراء الذين يتنازع الرواة فيهم التقديم والتأخير. فقد روى الأصمعي عن ابن ~~أبي طرفة قوله: «كفاك من الشعراء أربعة: زهير إذا رغب، # 126 # والنابغة إذا رهب، # 127 # والأعشى إذا طرب، # 128 # وعنترة إذا كلب.» # 129 # ولمعلقته قيمة أدبية، لم يبخسها حقها الأدباء الأقدمون، فإن ابن ~~سلام وصفها بقوله: «قصيدة نادرة.» وقال ابن رشيق: وقول عنترة: «هل غادر ~~الشعراء من متردم؟» يدل أنه يعد نفسه محدثا، قد أدرك الشعر بعد أن فرغ الناس ~~منه، ولم يغادروا له شيئا. وقد أتى في هذه القصيدة بما لم يسبقه إليه متقدم، ~~ولا نازعه إياه متأخر. # ونحن يمكننا أن نختم هذا البحث بقولنا: عنترة في المعامع سيد الفرسان، وعنترة ~~في الحماسة سيد الشعراء ... ~~(7) الحارث بن حلزة (القرن السادس) ~~(7-1) حياته # هو أبو ظليم الحارث بن حلزة # 130 # بن مكروه بن يشكر البكري من وجوه قومه في العراق ينتهي نسبه إلى ~~ربيعة. وكان حكيما رزينا، حسن المصانعة، يجابه الخطوب بهدوء وروية، وهو الذي ~~دافع عن بني بكر يوم التقاضي في حضرة الملك عمرو بن هند، بعد هلاك التغلبيين في ~~أرض بني شيبان، كما ذكرنا في كلامنا على عمرو بن كلثوم. وقد علمنا أن النعمان ~~بن هرم كان يومئذ خطيب البكريين، وهو رجل أصم أصلع من شيوخ بكر، من بني ~~ثعلبة بن غنم بن يشكر. فلما دخل على عمرو بن هند، تحرش به عمرو بن كلثوم ~~قائلا: «يا أصم، جاءت ms122 بك أولاد ثعلبة تناضل عنهم وهم يفخرون عليك.» قال: «وعلى ~~من أظلت السماء يفخرون، ثم لا ينكر ذلك.» قال عمرو: «والله لو لطمتك لطمة ~~لما أخذوا لك بها.» فقال النعمان: «والله لو فعلت ما أفلت بها أنت ومن ~~فضلك.» فغضب عمرو بن هند من هذا التعريض وكان يفضل بني تغلب على بني بكر. ~~فرمى النعمان بكلمة قارصة فرد عليه بأشد منها، فتلظى الملك غيظا وطرده من ~~حضرته. # فوقف عند ذاك عمرو بن كلثوم وأنشد معلقته، ولكنه لم يحسن اصطياد الفرص، فقد ~~بالغ في فخره حتى جاوز الحد، ولم يرع حرمة الملك فطاوله حاسبا أنه نال ~~المرام من خصومه البكريين بعدما طرد خطيبهم، وإذا بالحارث بن حلزة يصدمه ~~بمعلقته، فيصلح بها ما أفسد النعمان. # وكان ابن حلزة شاعر بكر قد أعد قصيدة لهذا اليوم ورواها جماعة من قومه، ~~فلما قاموا بين يديه لم يرضه إنشادهم، فقال: «إني لا أرى أحدا يقوم بها ~~مقامي، لكن أكره أن أكلم الملك من وراء سبعة ستور وينضح # 131 # أثري بالماء إذا انصرفت عنه.» وكان الحارث به وضح، # 132 # فأشفق من أن يفعل به الملك ما يفعل بسائر البرص، وقد جرت له عادة ~~بذلك لكبريائه وعظم سلطانه. وقيل: بل هي عادة العرب في ذاك العصر. # فلما طرد النعمان بن هرم، وأنشد ابن كلثوم قصيدته، خاف الحارث على قومه ~~وقال: «أنا محتمل ذلك.» وقيل للملك إن به وضحا، فأمر بأن تمد بينه وبين الحارث ~~سبعة ستور، فجعلت. وأنشد الشاعر معلقته وهو يرتجف غضبا، وكان متوكئا على ~~عنزة # 133 # فأثرت في جسده دون أن يشعر لشدة غيظه. وبالغ الرواة في هذه ~~العنزة، حبا للإغراب، فزعم ابن السيد في «أدب الكاتب» أنها ~~ارتزت # 134 # في جسده، وزعم بعضهم أن العنزة كانت قوسا، فاقتطمت # 135 # كفه وهو لا يشعر من الغضب. # ونحن نرى أن الرواة لا يقتصرون على الإغراب في قصتهم، بل يغربون أيضا في ~~ألفاظها، إعظاما لها، فهم يستعملون ارتز بدلا من غرز، واقتطم بدلا من ~~اقتطع؛ وفي ذلك ms123 ما فيه من التفنن والفكاهة. # وكان لقصيدة الحارث وقع حسن في نفس الملك فأعجب بها، وكانت أمه هند تسمع، ~~فقالت لابنها: «تالله ما رأيت كاليوم قط رجلا يقول مثل هذا القول، يكلم من ~~وراء سبعة ستور.» فقال الملك: «ارفعوا سترا وأدنوا الحارث.» وما زالت هند يزيد ~~إعجابها به والملك يقول: «ارفعوا سترا وأدنوا الحارث.» حتى أزيلت الستور ~~السبعة، وأقعده الملك قريبا منه على مجلسه، ثم أطعمه في جفنته، وأمر أن لا ~~ينضح أثره بالماء. ثم جز نواصي السبعين الذين كانوا رهنا في يده من بكر، ~~ودفعها إليه ، فلم تزل تلك النواصي في بني يشكر يفتخرون بها. وضرب بالحارث ~~المثل في الفخر فقيل: «أفخر من الحارث بن حلزة.» وكان من إعجاب الملك ~~بقصيدته، أن أمره أن لا ينشدها إلا متوضئا. # 136 # وقد زعم الرواة أن الحارث ارتجلها ارتجالا، كما زعموا أن عمرو بن كلثوم ~~ارتجل طويلته، ومثل هذه المزاعم لا يعول عليها. وحسبك أن تقرأ معلقة ابن ~~حلزة، وترى ما فيها من التنسيق الفكري، وإعمال الروية، والدهاء في التعريض، ~~وسرد الحوادث التاريخية، لتحكم بأنها ليست بنت ساعتها. ومن المعقول أن لا ~~يشهد شاعرا بكر وتغلب يوم التقاضي إلا وهما على أهبة للدفاع والنضال. ولكن ما ~~الحيلة في هؤلاء الرواة، وهم في أكثر أخبارهم يصطنعون المغالاة والإغراب، ولا ~~سيما إذا تناولوا في حديثهم قبيلتين مشهورتين بالعداء كتغلب وبكر، ولا بد لكل ~~قبيلة من رواة ينتسبون إليها، أو يحازبونها، فكيف تريد أن يجعل الراوية التغلبي ~~عمرو بن كلثوم يرتجل معلقته، ولا يجعل الراوية البكري الحارث بن حلزة يجاريه في ~~الارتجال؟! ومما يجدر بنا ذكره أن التنافس الجاهلي بين بكر وتغلب بقي له أثر ~~قوي في الإسلام. # ويزعم الرواة أن الحارث بن حلزة عمر خمسين سنة ومائة كما بلغها عمرو ~~بن كلثوم. ولعل في ذلك شيئا من التنافس أيضا. ولكنهم يجمعون على أن شاعر ~~بكر كان شيخا هرما يوم أنشد معلقته ولم يكن شاعر تغلب يومئذ كذلك. ~~(7-2) آثاره # آثار الحارث كأخباره لم يصل ms124 إلينا منها غير القليل، ولولا المعلقة لما كان ~~فيها غناء. وقد عرفنا الأسباب التي حملته على نظم معلقته فنحن ندرسها مستندين ~~إلى هذه الأسباب، وهي السابعة والأخيرة بين القصائد الطوال. ~~(7-3) ميزته - المعلقة # عرفنا أن عمرو بن هند طرد النعمان بن هرم خطيب البكريين، وعرفنا أنه كان ~~يؤثر تغلب على بكر، فكيف استطاع الحارث بن حلزة أن يستميل ملك العراق فيحمله ~~على الحكم لقومه بعد أن كان الفوز مضمونا للتغلبيين؟ وكيف أتيح له أن يرتق ما ~~فتق سفاه # 137 # النعمان بن هرم؟ # لا ريب أن اندفاع عمرو بن كلثوم في الفخر والحماسة والإساءة إلى الملك مهد ~~بعض السبيل لأن يصلح البكريون ما أفسد خطيبهم. ولكن لا بد لمن يضطلع بهذا ~~الخطب أن يكون كالحارث بن حلزة ليس في الشاعرية وحدها بل في الدهاء السياسي ~~وقوة العارضة ورباطة الجأش. فقد وقف الشاعر يدافع عن قومه مثقلا بغضب الملك ~~وباشمئزازه من رؤيته فلم تطر نفسه ولا فت في عضده. وكان له من الدهاء وقوة ~~العارضة ما رد به أقوال شاعر تغلب، واسترضى عمرو بن هند. # ونحن إذا أنكرنا عليه ارتجاله المعلقة برمتها فلا ينبغي أن ننكر ارتجال ~~بعضها، فمثل الحارث في الدفاع عن قومه مثل المحامي البليغ الذي يعد ~~خطابه ليدافع عن موكله، ولكنه لا يستغني ساعة التقاضي عن شيء يبتدهه ليقرع به ~~حجج خصومه. وسنرى في درسنا المعلقة أبياتا تدل على أنها قيلت ~~ارتجالا. ~~(7-4) الغزل ووصف الناقة # يبتدئ الشاعر قصيدته بالتغزل وذكر الفراق. ولكنه صاحب جد وحزم فما يطيل ~~غزله بل ينتقل إلى وصف ناقته التي يستعين بها على الهم، وهو مقتصد في وصف ناقته ~~التي شبهها بالنعامة كاقتصاده في غزله لا يلبث أن يتناول الغاية التي يرمي ~~إليها دون أن يضيع وقته في ما لا يفيد. ~~(7-5) رده وفخره # يستهل الشاعر هذا القسم بذكر دعوى تغلب على بكر واستعدادها للحرب، وهي توطئة ~~فنية لمحام يريد أن يلمس الموضوع ليشرع في الدفاع: # وأتانا من الحوادث والأن # باء خطب نعنى به ms125 ونساء # أن إخواننا الأراقم يغلو # ن علينا في قيلهم إحفاء # 138 # يخلطون البريء منا بذي الذن # ب ولا ينفع الخلي الخلاء! # 139 # زعموا أن كل من ضرب العي # ر موال لنا وأنا الولاء # 140 # فانظر إلى هذه النعومة في قوله: «إن إخواننا الأراقم.» وقوله: «زعموا أن كل ~~من ضرب العير.» وقابل بها نزق عمرو بن كلثوم في خطابه البكريين: «إليكم يا بني ~~بكر إليكم!» وقوله: «ألا لا يجهلن أحد علينا!» فترى الفرق بين الشاعرين من حيث ~~الرزانة والدهاء، ومن حيث الخبث إن صح التعبير. # ثم يأخذ في الرد على عمرو بن كلثوم، وتسفيه شكوى التغلبيين، ونرجح أن ردوده ~~على شاعر تغلب ارتجلت ارتجالا. # وبعد أن يذكر شيئا من مفاخر البكريين ينتقل إلى مدح والد عمرو بن هند، وكأن ~~الشاعر بعد أن بسط دعوى التغلبيين وأظهر بطلانها، أراد أن يلقي على عاتقهم تبعة ~~الحرب، إذا كان لا بد من نشوبها، فعاد إلى خطابهم، وشرع يذكرهم ما بينهم وبين ~~بكر من حلف وعهود، ويحذرهم من نقضها. ثم أخذ يعيرهم أياما غلبوا فيها ~~مبينا انكساراتهم ليغض من شأنهم لدى الملك، متخذا أسلوبا ناعما موجعا، فلم ~~يقل لهم ابتداء: أنتم انهزمتم يوم كذا أو يوم كذا، بل زعم أنهم يطالبون ~~بكرا بذنوب غيرها من القبائل، فجعل يسمي تلك القبائل التي انتصرت على بني تغلب ~~ويقول لهم: «أعلينا يقع الذنب إذا قهركم بنو كندة، وبنو قضاعة، وبنو العباد إلخ ~~...» # ثم ذكرهم، وذكر عمرو بن هند، بمقتل والده المنذر، وفتكه بهم، لإحجامهم عن ~~نصرته في طلب الثأر. وكأنه أراد بهذه الذكرى، إيغار صدر الملك عليهم. وكان ~~ذلك آخر سهم مسنون، رشقه من كنانة تهكمه وتعييره. # وبعد أن بلغ أمنيته من أعدائه، ورماهم بقاصمة الظهر، مال إلى عمرو بن هند، ~~يمدحه ويسترضيه، ويذكره متطفا ما لقومه البكريين من الأيادي البيض على ~~المناذرة، وما يجمعهم وإياه من صلة وقربى. فتوصل إلى غرضه بحكمته ودهائه، ~~وحسن تنسيق دفاعه، فخذل خصمه واستمال الملك إليه، ففضل قصيدته على قصيدة عمرو ~~بن ms126 كلثوم، وقضى لبني بكر على بني تغلب، ولسنا نعجب لفوز الحارث، فإن قصيدته، ~~وإن تكن دون قصيدة ابن كلثوم روعة وإيقاعا وانسجاما، فهي تفوقها من حيث الفن ~~الخطابي، سواء في ترتيب أفكارها، أو في الأسلوب الحكيم الذي اتخذه الشاعر ~~لتعيير التغلبيين، واسترضاء عمرو بن هند. فعمرو بن كلثوم افتخر وغالى، ولكن ~~بنى أكثر مفاخره على الأوهام والادعاء الفارغ، وأما الحارث فإنه افتخر ~~وأكثر الافتخار، ولكن بنى مفاخره على الحقائق التاريخية، فلم يترك يوما ~~لبني بكر إلا ذكره، ولا يوما على بني تغلب إلا عيرهم إياه. وعدا ذلك، فعمرو ~~بن كلثوم أساء التصرف في إغضاب الملك، والحارث أحسن التصرف في ~~استرضائه. # ولا نرى حاجة إلى تعداد ما في هذه القصيدة من الفوائد التاريخية؛ فإنما هي ~~قصة جامعة لطائفة من أيام العرب وأخبارها، وهذا ما جعلنا ننفي عنها زعم ~~الارتجال. ويجمل بنا أن ننظر إلى ما فيها من إيجاز دقيق، فأكثر أبياتها يحتاج ~~إلى شرح مستفيض، لضيق لفظه عن معناه. والإيجاز خاصة ظاهرة في شعر الحارث، فهو ~~مولع به حتى السرف. وأئمة البيان يستشهدون ببيت له على الايجاز المخل وهو ~~قوله: # والعيش خير في ظلا # ل النوك ممن عاش كدا # 141 # فلفظه لا يفي بالمعنى؛ لأنه يريد أن يقول: «إن العيش الناعم في ظلال الحمق ~~خير من العيش الشاق في ظلال العقل.» ~~(7-6) منزلته # قال أبو عبيدة: أجود الشعراء قصيدة واحدة طويلة، ثلاثة نفر: عمرو بن كلثوم، ~~والحارث بن حلزة، وطرفة بن العبد. وقال أبو عمرو الشيباني: لو قالها في حول لم ~~يلم. # ولا بدع أن يعجب بها الأدباء الأقدمون، فإنما هي رائعة من روائع الشعر ~~الخطابي، وخير مثال للشعر السياسي في الجاهلية. # | هوامش # | سائر الشعراء المشهورين # الشعراء المتخصصون # عرفنا من شعراء الجاهلية شاعرين قديمين: أحدهما يمثل الحياة البدوية الخشنة، وهو ~~الشنفرى؛ والآخر يمثل تأثير الترف والحزن في النفس، وهو المهلهل. ثم عرفنا أصحاب ~~المعلقات السبع، ودرسنا ألوان تفكيرهم وتعبيرهم، وبدا لنا شيء غير قليل من أخلاق العرب ~~وعاداتها، وأحوالها الاجتماعية والسياسية، ms127 وتأثير العوامل الخارجية في نفوس ~~شعرائها؛ فرأينا فيهم شاعرا أميرا يحسن وصف النساء والجياد والصيد، وشاعرا فتى يلهو ~~ويسخر ويأتي بروائع الحكم، وشاعرا جليلا لا ينطق إلا والحكمة على رأس لسانه، ~~وشاعرا حازما يتأسى ويعظ نفسه في المصائب، وشاعرا فخورا متهورا يرى الدنيا وما ~~عليها ملكا له، وشاعرا فارسا تدفقت الحماسة من صدره، وشاعرا داهية يعرف من أين ~~تؤكل الكتف. # على أن معرفتنا لهؤلاء الشعراء لا تغنينا عن درس طائفة أخرى من شعراء الجاهلية؛ ~~لنتمكن من الإلمام بخصائص الشعر الجاهلي من جميع أطرافه، والوقوف على تطوره السريع في ~~أواخر عصره. # وإذا كانت السبع الطوال خير ما وصل إلينا من الجاهلية، فإن أصحابها لم ينفردوا ~~بجودة الشعر؛ بل هناك فحول من غير أصحاب المعلقات يعد بعضهم في مقدمة ~~الطبقة الأولى: كالنابغة والأعشى، والبعض ~~الآخر يجاريهم جميعا ولا يقصر عنهم، كالحطيئة. وقد أدرك كلهم الإسلام إلا النابغة، ~~واشتهر كلهم بنوع من الشعر اختص به، لذلك أطلقنا عليهم لقب الشعراء ~~المتخصصين. ~~(1) النابغة الذبياني (مات في أوائل القرن السابع) ~~(1-1) حياته ونسبه # كان النابغة من الطبقة الشريفة في قومه كما يخبرنا صاحب الأغاني، واسمه زياد ~~بن معاوية بن ضباب. # 1 # يرتفع بنسبه إلى غيظ بن مرة، ثم إلى ذبيان، ثم إلى غطفان. وليس ~~من يدفع هذا النسب من الرواة والمؤرخين القدماء سوى ما ورد في الخبر عن أبي ~~ضمرة يزيد بن سنان الحارثي أخي هرم بن سنان ممدوح زهير من رده النابغة إلى ~~بني قضاعة اليمانية عندما لاحاه، وإنكاره نسبه في بني ذبيان القيسية. وكان ~~يزيد متزوجا بنت النابغة فطلقها، وسئل: لم طلقتها؟ فقال: أنا رجل من ~~عذرة، فانتسب إلى اليمن، وانتفى من غطفان. ثم أخذ يجمع أقرباءه من بني خصيلة ~~بن مرة وبني نشبة بن غيظ بن مرة، فتحالفوا على بني يربوع بن غيظ بن مرة رهط ~~النابغة، فسموا المحاش لتحالفهم على النار، وكانوا يحسدون النابغة لعفته ~~وشرفه مع رجوعهم إليه في حوائجهم عند الملوك، وغير مستغرب حسد الأقرباء بعضهم ~~لبعض. فاتفقوا على ms128 طرده عن غطفان ونسبوه إلى بني ضنة، وهي عشيرة من عذرة ثم ~~من قضاعة. وقال يزيد في ذلك يعرض به ويعيره: # إني امرؤ من صلب قيس ماجد # لا مدع حسبا ولا مستنكر # فرد عليه النابغة بقوله: # جمع محاشك يا يزيد فإنني # أعددت يربوعا لكم وتميما # 2 # ولحقت بالنسب الذي عيرتني # وتركت أصلك يا يزيد ذميما # عيرتني نسب الكرام وإنما # فخر المفاخر أن يعد كريما # حدبت علي بطون ضنة كلها # إن ظالما فيهم وإن مظلوما # فاعترف بأنه من ضنة وأنكر على يزيد أن يترك أصله، مشيرا إلى قوله - عندما ~~طلق ابنته - إنه من عذرة. ولكن ابن سلام يرى أن انتسابه إلى بني ضنة ~~كانتساب كعب بن زهير إلى المزنيين عندما دفعه مزرد بن ضرار عن غطفان ورده ~~على مزينة؛ لأن العرب كانت تفعل ذلك، لا يعزى الرجل إلى قبيلة غير التي هو ~~منها إلا قال: أنا من الذين عنيت. وأخبار النابغة وأشعاره تدل على عنايته ~~بشئون بني ذبيان ودفاعه عنهم وانتمائه إليهم. وله قصيدة يعاتبهم بها على ~~استئثارهم وتحالفهم عليه وعلى قومه حتى نفوهم من القبيلة، ويضرب لهم مثل ~~الحية وحليفها فيقول فيها: # ألا أبلغا ذبيان عني رسالة # فقد أصبحت عن منهج الحق جائره # أجدكم لن تزجروا عن ظلامة # سفيها ولن ترعوا لذي الود آصره # فهذا العتاب ينم على تألم الشاعر من أقربائه لجورهم عليه وعلى عشيرته، ~~وليس هذا شأن شاعر ينتسب إلى بني عذرة، ولو كان منها لما ضامه أن يعزى إليها، ~~وهي قبيلة معروفة في قضاعة، وقضاعة من كرام القبائل العربية الجامعة. فنحن ~~نرى رأي ابن سلام في رده على يزيد بن سنان وادعائه ضنة، مع ما نؤنس فيه من عطف ~~عليها وعلى عذرة جمعاء. فقد كانت صلته بها حسنة كما يستدل من شعره وأخباره، ~~ولعلها نشأت بعامل اعتزائه إليها ومدحه لها، فنجده عند النعمان بن الحارث ~~الغساني ينهاه عن غزو بني حن بن حزام، وهم من بني عذرة، ويخبره أنهم في ~~حرة وبلاد شديدة يصعب البلوغ إليها. وكانوا ms129 يقطنون في وادي القرى شمالي ~~يثرب، وهو واد كثير النخل والزروع. فأبى النعمان أن يقبل نصيحته، فبعث ~~النابغة إلى قومه يخبرهم بغزو النعمان ويحضهم على نصرة بني حن، ففعلوا ما ~~أشار به عليهم، وهزمت بنو عذرة جيش الغسانيين، فقال النابغة في ذلك: # لقد قلت للنعمان يوم لقيته # يريد بني حن ببرقة صادر # تجنب بني حن فإن لقاءهم # كريه وإن لم تلق إلا بصابر # فإذا كان قد أخلص النصح للنعمان في تحذيره من الغارة عليهم، فإنه كان أشد ~~إخلاصا لهم في حمله قومه على إمدادهم ومساعدتهم حتى كسروا الغساسنة. فحدبه على ~~بني عذرة ظاهر، فلا غرو أن تحدب عليه بطون ضنة كلها كما يقول. # ويخبرنا صاحب الأغاني - في كلامه على ابن ميادة - أن شيخا عالما من غطفان ~~قال: «كان الرماح - أي ابن ميادة - أشعر غطفان في الجاهلية والإسلام، وكان ~~خيرا لقومه من النابغة. لم يمدح غير قريش وقيس، وكان النابغة إنما يهذي ~~باليمن مضللا حتى مات.» ولا يعني هذا - كما فهمه المستشرق ديرنبورغ - أن ~~الشاعر خرف في أواخر حياته وهام في أرض اليمن، وإنما يعني أنه كان يلهج ~~بذكر القحطانية في انتسابه إلى عذرة. ففضل الشيخ الغطفاني ابن ميادة ~~عليه؛ لأن هذا لم يمدح غير قريش وقيس عيلان وكلتاهما من مضر، فكان خيرا لقومه ~~من النابغة كما يزعم. فقد عطف النابغة على بني حن ودعا قومه إلى نصرتهم، وانتمى ~~إلى ضنة وفاخر بها، غير أنه لم يكن يوما لها بمقدار ما كان لبني ذبيان، وإن ~~هذى بها نكاية في يزيد ومحاشه. وما خطر على بال أحد من الرواة أن يدفعه عن ~~غطفان، ولا هو تقاعس مرة عن تأييدها بشعره وجاهه. فلسنا نرى مسوغا للغطفاني ~~في إيثار ابن ميادة عليه سوى عصيبته العدنانية، مع أن الشاعر الإسلامي دون ~~الشاعر الجاهلي منزلة وفضلا وذيادا عن قومه. فالنابغة نشأ في غطفان ولزمهم ~~يدافع عنهم بشعره، ثم اتصل بملوك الشام والعراق ونادمهم في قصورهم، دون أن يغفل ~~عن مهمته القبلية عندهم. ثم عاد إلى قومه ms130 ومات بينهم ولم يخرف ولا هام في أرض ~~اليمن كما وهم ديرنبورغ. # وكان يكنى أبا أمامة - كما ذكر ابن سلام وصاحب الأغاني - ويجعل ابن قتيبة ~~كنيته أبا أمامة وأبا تمامة، ولعلها ثمامة كما ضبطها التبريزي في شرح ~~القصائد العشر فقال: «ويكنى أبا ثمامة وأبا أمامة بابنتيه.» وله ابنة ثالثة ~~تسمى عقرب وربما كني بها أيضا. قال البغدادي في خزانة الأدب: «وكنيته أبو ~~أمامة وأبو عقرب بابنتين كانتا له.» وإذا عدنا إلى أخباره وأشعاره نرى أن عقرب ~~ورد ذكرها في غارة النعمان بن الجلاح - قائد الغساسنة - على بني ذبيان، فقد ~~سباها في جملة من سبى من نسائهم، ولما عرف أنها بنت النابغة جهزها وأطلق ~~سراحها، ثم أطلق السبي والأسرى جميعا إكراما لأبيها. وليس لدينا خبر عن أمامة ~~ولا عن ثمامة، وإنما نستدل من قصيدته التي مدح بها عمرو بن الحارث الغساني ~~أنه إنما أراد ابنته أمامة بقوله في مطلعها: # كليني لهم يا أميمة ناصب # وليل أقاسيه بطيء الكواكب # 3 # وتروى له قصيدة أولها: # ودع أمامة والتوديع تعذير # وما وداعك من فضت به العير # 4 # وهي غير ثابتة له لأنها ~~تروى أيضا لأوس بن حجر. ثم لا ندري هل أراد بأمامة ابنته أو أراد امرأة ~~سواها؛ لأن البيت الذي بعده يحمل على محمل الغزل بخلاف مطلع الغسانية فإنه ~~يشكو فيه إلى ابنته همومه وليله وما يقاسي من السهر، ومهما يكن من أمر فليس ~~لدينا شيء يذكر عن بناته سوى ما أوردناه، وهو وشل قليل لا يروي غليلا، ولكنه ~~يساند كنيته أبا أمامة وأبا عقرب، ونترك الثالثة أبا ثمامة على ذمة ابن قتيبة ~~والتبريزي، بيد أن الأولى أشهر الكنى الثلاث لإجماع الرواة والمؤرخين ~~عليها. # واختلف في السبب الذي من أجله لقب النابغة، فقال صاحب الأغاني: # ذكر أهل الرواية أنه إنما لقب النابغة بقوله: فقد نبغت ~~لنا منهم شئون. ا.ه. # وصدر البيت: # وحلت في بني القين بن جسر # وهو من قصيدة له يمدح بها النعمان أبا قابوس، ويسميه ابن محرق كما ~~يسمى غير واحد ms131 من الملوك اللخميين. ومنها البيتان المشهوران اللذان روي أن ~~عمر بن الخطاب فضله بهما على الشعراء حيث يقول: # أتيتك عاريا خلقا ثيابي # على خوف تظن بي الظنون # فألفيت الأمانة لم تخنها # كذلك كان نوح لا يخون # ويبدو لنا أنه قالها بعد رجوعه واعتذاره إليه. وأما أن يكون لقب النابغة ~~ببيت من الشعر، فإن الأنباز التي تطلق على أصحابها مأخوذة من أقوالهم ليست ~~غريبة عن مألوف العادات العربية إلى يومنا هذا، وهي كثيرة عند الأقدمين حتى ~~ليصعب الشك فيها، ونقتصر على ذكر ثلاثة شعراء عرفت ألقابهم في أشعارهم، أحدهم ~~جرير بن عبد المسيح، قيل إنه لقب المتلمس لقوله: # فهذا أوان العرض طن ذبابه # زنابيره والأزرق المتلمس # والآخر محصن بن ثعلبة العبدي لقب المثقب بقوله: # ظهرن بكلة وسدلن أخرى # وثقبن الوصاوص للعيون # 5 # والثالث شأس بن نهار العبدي، سمي الممزق بقوله: # فإن كنت مأكولا # فكن أنت آكلي # وإلا فأدركني # ولما أمزق # على أن الرواة لم يتفقوا على ~~هذا السبب وحده في نبز النابغة، بل أوردوا غيره، وهو أكثر ملاءمة للشاعر ~~النابغ، ومنه قول ابن قتيبة: «ونبغ بالشعر بعدما احتنك، وهلك قبل أن يهتر.» ~~وحكى ابن ولاد أنه يقال: «نبغ الماء ونبغ بالشعر، فكأنه أراد أن له مادة ~~من الشعر لا تنقطع كمادة الماء النابغ.» وهذا التفسير لغوي خالص بخلاف ما ~~تقدمه، فقد جاء في الأساس للزمخشري أنه يقال: «نبغ فلان في الشعر إذا لم يكن ~~في إرث الشعر، ثم قال فأجاد؛ ونبغ من فلان شعر شاعر، وهو نابغة من النوابغ؛ ~~ونبغ في العلم وفي كل صناعة.» فغير كثير على شاعر الملوك أن يلقب النابغة ~~ولدينا من جياد قصائده ما يؤيد نبوغه في الشعر، وهو إلى ذلك حكم سوق عكاظ، ~~وكانت تضرب له في الموسم قبة حمراء من أدم، فتأتيه الشعراء، فتعرض عليه ~~أشعارها، فيحكم بينها، ويفضل الواحد على الآخر. وهذا الشرف لم يصبه شاعر قبله ~~ولا بعده، والقبة الحمراء لا تضرب إلا للسادات والأمراء. ولكنه لم ينفرد بهذا ~~اللقب، فقد ذكر الآمدي ms132 في المؤتلف والمختلف ثمانية أشخاص يقال لهم النابغة، ~~منهم النابغة الجعدي، وهو أقدم من صاحبنا الذبياني، كما يقول ابن سلام وابن ~~قتيبة، ولا ندري سببا لتلقيبه غير نبوغه في الشعر، وهو غير كاف؛ لأنه يجوز ~~أن يلقب به كل شاعر مجيد كامرئ القيس وزهير والأعشى وسواهم، فلا بد أن يكون ~~هناك أسباب خفيت على الرواة الأقدمين، حتى أطلق هذا اللقب على ثمانية من ~~الأشخاص، ولم يشرحوا غير اللقب الذي عرف به نابغة بني ذبيان، فذكروا أنه ~~لقب ببيت من الشعر قاله، وهذا محتمل الوقوع كما بينا، وكذلك قول بعضهم ~~إنه سمي النابغة لأنه لم يقل الشعر حتى صار رجلا، ويؤيده قول ابن قتيبة ~~إنه نبغ بالشعر بعدما احتنك، وهلك قبل أن يهتر. ومهما يكن من أمر هذا اللقب ~~فإن المعنى اللغوي هو الذي يتبادر إلى الذهن قبل غيره، وإن كنا لا نستطيع أن ~~نفسر سبب اختصاصه به دون غيره من الشعراء النوابغ الذين تقدموه أو عاصروه ~~وفيهم أمثال الأعشى والملك الضليل، ولا سبب إطلاقه على من هم دونه ودون ~~أنداده شاعرية كالنابغة الجعدي ونابغة بني شيبان. # ويستوقفنا قول ابن قتيبة إنه نبغ ~~بالشعر بعدما احتنك، وهلك قبل أن يهتر، ومعنى ذلك أنه لم يعرف ~~بالشعر إلا بعدما صار رجلا ~~مجربا، ومات قبل أن يخرف ويذهب عقله من الكبر. وإذا عدنا إلى آثاره التي ~~بلغت إلينا لم نجد له شعرا في مدح ملوك غسان أبعد عهدا من زمن الحارث الأصغر ~~أبي عمرو بن الحارث الذي مدحه بقوله: # علي لعمرو نعمة بعد نعمة # لوالده ليست بذات عقارب # والحارث ملك بعد أخيه المنذر الذي اعتقله القيصر طيباريوس في أواخر سنة 581 ~~وجيء به إلى القسطنطينية، ثم أبعد إلى صقلية. وكذلك لا نجد له مدحا ~~في المناذرة إلا ما مدح به النعمان أبا قابوس الذي تبوأ عرش الحيرة سنة 580. ~~وأما القصيدة التي رواها الأعلم له في مدح عمرو بن هند، من غير مرويات ~~الأصمعي، فإنها كما يظهر قيلت في بعض ملوك الغساسنة، لا في ms133 ملك العراق، لقوله ~~فيها: # فدوخت العراق فكل قصر # يجلل خندق منه وحام # فملك العراق لا يدوخ العراق، وإنما يدوخه غاز غريب. وقد أصاب أبو ~~عبيدة في قوله: «إنه قال هذه القصيدة لعمرو بن الحارث الغساني في غزوه ~~العراق.» ولا يدفع ذلك قوله فيها: # ولكن ما أتاك عن ابن هند # من الحزم المبين والتمام # فإن في ملوك الشام من ينتسب إلى هند، كما ذكر النابغة في نسب الغلام الغساني، ~~ولعل المراد به عمرو بن الحارث: # للحارث الأكبر والحارث ال # أصغر والأعرج خير الأنام # ثم لهند ولهند وقد # ينجح في الروضات ماء الغمام # 6 # فقد نسبه إلى أبوين: الحارث الأكبر ~~والأصغر، ثم إلى أمين: هند وهند. وروي له شعر يحذر فيه قومه من غزوة ابن ~~هند، أي الملك الغساني، بدليل أنه يذكرهم قوة الغساسنة وانتصارهم على ~~المناذرة يوم حليمة ويوم عين أباغ: # يوما حليمة كانا من قديمهم # وعين باغ فكان الأمر ما ائتمرا # يا قوم إن ابن هند غير تارككم # فلا تكونوا لأدنى وقعة جزرا # 7 # ونحن نعلم أن عمرو بن الحارث الغساني وأخاه ~~النعمان أوقعا ببني ذبيان غير مرة لميلهم إلى المناذرة واعتدائهم على مراعي ~~الغساسنة. والأميران ينتسبان إلى أمهما هند، فيصح أن يكون هذا الشعر في ~~أحدهما. ولعل الذي حمل الرواة على أن يجعلوا القصيدة الميمية في ملك العراق ~~هو أنها قيلت في عمرو بن الحارث الغساني، ونسبه الشاعر إلى أمه هند، وهذه ~~النسبة مشهور بها سميه ملك العراق، فاختلط عليهم الأمر، ولكن أبا عبيدة ~~تنبه لها، وأدرك عليهم وهمهم، وجاراه المستشرق نولدكه. ويؤيد ذلك قول ابن ~~سلام: «النابغة ليس له قدم، كان في عهد النعمان.» ونفى ابن قتيبة خرفه بقوله ~~إنه مات قبل أن يهتر، ولعل سكوته عن مدح ملوك العراق والشام قبل النعمان ~~أبي قابوس والحارث الأصغر يفسر قول ابن قتيبة إنه نبغ بالشعر بعدما ~~احتنك. # وعاش النابغة إلى ما بعد مقتل ~~النعمان بن المنذر عند كسرى (602م)، وله شعر فيه عندما بلغه موته. وشهد أواخر ~~حرب داحس ms134 والغبراء، بل شهد الصلح أيضا. وله شعر في رحيل بني عبس عن ديارهم بعد ~~يوم جفر الهباءة ومقتل حذيفة بن بدر وأخيه حمل، فقد ندم العبسيون على ما فعلوا ~~بأنسبائهم وكرهوا المقام في أرضهم، فرحلوا متنقلين في البلاد، حتى أتاهم وفود ~~بني عامر فدعوهم إلى أن يرجعوا ويحالفوهم، فأقاموا فيهم، فذكر النابغة ذلك في ~~شعره. وكانت الحرب - بعد هذه الواقعة - قد صارت إلى أشد أيامها، وهي - كما ~~نعلم - وضعت أوزارها في أوائل القرن السابع. فيكون النابغة قد هلك بعد مقتل ~~النعمان بزمن قريب. ~~(1-2) آثاره # ديوان شعر شرحه أبو بكر البطليوسي، وأشهر ما فيه: أقواله في سياسة القبيلة، ~~ومدح الغساسنة، واعتذاره إلى النعمان، ودالية يصف بها المتجردة، وعده ~~المفضل الضبي، وأبو عبيدة، وأبو زيد القرشي، من أصحاب المعلقات، ومطلع ~~معلقته: # عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار # ماذا تحيون من نؤي وأحجار # 8 # ونسب إليه نثر مسجع، يمدح به ~~عمرو بن الحارث، ولكننا نشك في صحته كل الشك؛ لأن آيات النحل والتعمل بادية ~~عليه. وإليك شيئا منه: # ألا انعم صباحا أيها الملك المبارك. السماء غطاؤك، ~~والأرض وطاؤك، ووالدي فداؤك، والعرب وقاؤك، والعجم ~~حماؤك، والحكماء جلساؤك، والمداراة سيماؤك، ~~والمقاول # 9 # إخوانك، والعقل شعارك، والسلم منارك، ~~والحلم دثارك. # 10 # إلخ ... ~~(1-3) سياسة القبيلة # عرفنا أن النابغة كان محسدا في قومه، وأن جماعة من أقربائه بني مرة ~~تحالفوا عليه وعلى عشيرته ونفوهم من غطفان، فوقعت بينه وبين يزيد بن سنان ~~المري ملاحيات يتمثل فيها ما يحدث من العداوة بين الأقرباء، فتنشق القبيلة ~~وتسوء علاقة بعضها ببعض، فلا يلم شعثها إلا نكبة شاملة تنزل بها كحرب داحس ~~والغبراء، ونتبين من هذه الملاحيات: ألم الشاعر وسخطه على قومه الذين لم ~~يرعوا وده ولا ردوا سفاءهم عنه، مع احتياجهم إليه عند الملوك، حتى اضطروه ~~أن ينتسب إلى الغرباء. # وما كان لبني ذبيان أن تنسى فضل النابغة فتسكت عن سفه يزيد ومحاشه، وشاعرها ~~لم يهمل يوما أمورها، ولا قصر في نصحها والذود عن حياضها، وإن ضمته قصور ~~الحيرة والشام. ms135 وإنه وإن لم يبلغ إلينا من شعره مدح لساداتها ورثاء للذين ~~قتلوا في حرب السباق، لقد وصلت إلينا عدة قصائد تطلعنا على عنايته بشئونها ~~السياسية العامة. وأغلب الظن أنه لم يمدح، ولم يرث أحدا منها لسببين: ~~أحدهما: أنه كان من أشرافها فما أباح لنفسه أن يطري أنداده وهو منافس لهم، لا ~~يمدح غير الملوك كما يخبرنا في شعره، والآخر: أنه تلكأ عن رثاء المقتولين، ~~وفيهم أمثال ضمضم المري وحذيفة بن بدر الفزاري وأخيه حمل؛ لخلافه مع بني ~~مرة من أجل يزيد وحلفائه، ثم مع بني فزارة بعد ما جرى بينه وبين بدر بن حذار ~~الفزاري، وبينه وبين حصن بن حذيفة وعيينة بن حصن من هجاء ومجافاة. ولكن ~~نفوره من مدح الأفراد أو رثائهم لم يصرفه عن القيام بمهمته القبلية العامة ~~كلما دعته الحاجة إليها. فنراه يهجو عامر بن الطفيل العامري فارس قومه وشاعرهم ~~لما بين بني ذبيان وبني عامر من عداء وغزوات. وكان النابغة غائبا في بني غسان ~~عندما حدث يوم الرقم، وانتصرت فيه غطفان على العامريين. فلما رجع إلى قومه ~~بلغه أنهم يهجون عامرا وعامر يهجوهم، فلامهم على إفحاشهم في شريف مثله. ثم ~~هجاه هجاء مرا لم يفحش فيه، إلا أن عامرا تضور منه لما فيه من تهكم لاذع، ~~وإقذاع في تفضيل أبيه وعمه عليه، فأصابه في منزلته الاجتماعية، ونفى عنه صفة ~~السيادة، وكان يطمع فيها بعد عمه أبي براء. وهذه الحادثة وقعت بعد حرب داحس ~~والغبراء، وكان قد عقد الصلح؛ لأن يوم الرقم عقبه يوم النتاءة، وكانت عبس ~~وذبيان يقاتلون فيه جنبا إلى جنب، فكسر العامريون مرة أخرى. # ودافع النابغة بشعره عن غطفان جمعاء، فلم يغفل عن بني عبس، وهم أنسباء بني ~~ذبيان، وإن فرقت الحرب بينهم، فقد هجا يزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي، ~~بأسلوبه الساخر الموجع، مناصرا الربيع بن زياد العبسي. وكان يزيد قد أصاب من ~~النوق العصافير عند الربيع، وهي عطايا ملك العراق، فهدده الشاعر بالنعمان، ~~واتهمه بخيانته بعدما كان أمينه. ولما تركت بنو عبس ms136 ديارها بعد يوم جفر ~~الهباءة، وذهبت متنقلة في البلاد، فدعتها بنو عامر إلى أرضها مكايدة ~~للذبيانيين، تألم الشاعر من رحيلها إلى موطن الأعداء، فمدح شجاعتها وأسف ~~لانقطاع إخائها عن بني ذبيان، فكأنه بشعره يمهد للصلح بين القبيلتين ~~المتحاربتين، مخافة أن يستفيد العامريون من الحلف الجديد فلا تصلح بعده غطفان. ~~فقد كانت بنو عامر تبعث القلق في نفسه لشدة عداوتها، ولما بينها وبين ~~الغطفانيين من حروب متوالية، فعطف على بني عبس وضن بها على الغرباء. ومن ~~يتتبع شعره يلمس عنايته بمقاومة بني عامر، وإفساد سياستها التي ترمي إلى ~~إضعاف بني ذبيان، وإبعاد حلفائها عنها، وتمزيق الغطفانيين جملة؛ فتقوى عليهم ~~وتدرك ثاراتها منهم. فسعت إلى ضم بني عبس وهي قبيلة غطفانية معروفة بالشجاعة ~~والأقدام ، وفيها مشاهير الأبطال أمثال عنترة والربيع بن زياد وعروة بن الورد ~~وسواهم، كما سعت قبلا لدى حصن بن حذيفة وعيينة ابنه بترك حلف بني أسد، فرضي ~~عيينة وهم بقطعه، فتعرض له النابغة مدافعا عن بني أسد، داعيا قومه إلى ~~التمسك بمؤاخاتهم، فطلبت بنو ذبيان من بني عامر أن يخرجوا من فيهم من الحلفاء، ~~فتصدى زرعة بن عمرو العامري للنابغة يهجوه، فرد عليه وهدده بجيش بني أسد، ~~واصفا قوتهم ومنعتهم؛ ليظهر له أن بني ذبيان لا يتخلون عن حلفهم: # نبئت زرعة والسفاهة كاسمها # يهدي إلي غرائب الأشعار # أنسيت يوم عكاظ حين لقيتني # تحت العجاج فما شققت غباري؟ # وقصائده في هجاء زرعة تدلنا ~~على مبلغ اهتمامه بسياسة قبيلته، وتوجيه أغراضها، فاستطاع أن يحمل قومه على ~~الاحتفاظ بأحلافهم، فكانوا لهم أعوانا وأنصارا في حرب السباق، إذا ذكرتهم بنو ~~ذبيان حامدة مشاهدهم، فجدير بها أن تذكر شاعرها الذي نافح عنهم؛ حتى لا ينقض ~~العهد بينها وبينهم. وجدير بها أيضا أن تذكر إحسانه ونصائحه في قصور الغساسنة، ~~فقد كان الحارث الأصغر ووالداه عمرو والنعمان يغيرون عليها، يبطشون بها، ~~ويأسرون منها، ويسبون نساءها؛ لجرأتها على مراعيهم وهي قريبة من ديارها، ثم ~~لموالاتها ملوك العراق أعداءهم، فكان النابغة - بما له من الحظوة عندهم ~~- يكلم الملك ms137 في أسراها وأسرى حلفائها بني ~~أسد ليطلق سبيلهم، ويحذرهم من دخول المراعي وتربعها، مبينا لها عظمة ~~الغساسنة وشدة بطشهم، وما ينالها من الضيم والأذى إذا أغاروا عليها، ولكنها - ~~لكبريائها وغطرستها واعتدادها بصداقة المناذرة - استهانت بأقواله وعيرته خوفه ~~النعمان الغساني، عندما نهاها عن تربع ذي أقر، وهو واد في بني مرة حماه ~~الأمير لمواشيه وإبله: # وعيرتني بنو ذبيان خشيته # وهل علي بأن أخشاك من عار؟ # وقلنا - في كلامنا على حياته ~~ونسبه - إن ابن الجلاح - قائد الغساسنة - أطلق سبايا بني ذبيان إكراما له، ~~بعدما أناخ بديارهم، وشتت شملهم، فمدحه الشاعر ذاكرا فضله، مع أنه لم يمدح ~~غير الملوك كما يقول له، وكأنه يمن عليه: «وكنت امرأ لا أمدح الدهر ~~سوقة.» فانتفعت بنو ذبيان مرارا من دالة شاعرها على الغسانيين ورفيع مقامه ~~عندهم، وانتفع حلفاؤها معها، بيد أنها لم تتورع من حسده وإنكاره وتعييره، حتى ~~تركت مجالا للقول فيه: «هو أحد الأشراف الذين غض الشعر منهم.» مع أنه أخلص ~~لسياستها كل الإخلاص، وناضل عنها خير نضال، وقام بهمته القبلية أفضل ~~قيام. ~~(1-4) شاعر القصور: بين الشام والعراق # إذا كان النابغة في شعره القبلي يشارك ~~غيره من شعراء الجاهلية الذين نشطوا للدفاع عن قبائلهم وتأييد سياساتها، فإنه ~~في مدح الملوك والتكسب منهم، يستحق دون غيره أن يلقب شاعر القصور؛ لملازمته ~~لها، وحظوته فيها، واختصاصه بها، حتى إنه لم يمدح غير أصحابها. ويدلنا شعره أنه ~~اتصل بالغساسنة قبل المناذرة، وأنه عرف الحارث بن أبي شمر الأصغر قبل أن يعرف ~~النعمان أبا قابوس. ولا نعلم السبب الذي حمله على ترك الشام والذهاب إلى ~~العراق، مع ما بين البلدين من الحروب والضغائن القديمة، وكان المنذر - والد ~~الحارث - قد غزا الحيرة وأحرقها سنة 580م، وهي السنة التي تبوأ فيها أبو ~~قابوس عرشها. وانتقل ملك غسان إلى الحارث في السنة التالية، فاتصل النابغة به، ~~وذكر في شعره ما أولاه من النعم، ثم لا نلبث أن نجده عند النعمان أبي قابوس ~~يمدحه، وينادمه، ويكثر ماله عنده، حتى أصبح يأكل بصحاف ms138 من الفضة والذهب، فهل ~~كان يتردد وقتئذ بين الحيرة والجولان، فيمدح هذا الأمير حينا، وذاك الأمير ~~آخر، فيستقبله الأميران ويسمعان شعره فيهما، دون أن تثور عليه ثائرة أو يلحقه ~~سخط منهما؟ # هذا ما يصعب الاطمئنان إليه؛ لما نعلم ما بين العرشين من التنافس، إلا إذا ~~كان الشاعر قد هجر الشام إلى العراق لسخطة نجهلها لحقته من الحارث، فأنزله ~~النعمان في قصره، كما أنزله - بعد ذلك - عمرو بن الحارث عندما سخط عليه أبو ~~قابوس. وقد عرفنا أن سياسة المناذرة والغساسنة كانت تقضي بتقريب الشعراء؛ ~~ليمدحوهم، ويشيدوا بعظمائهم في قبائل العرب البادية. وقد تكون صداقة بني ذبيان ~~لملوك الحيرة واعتداءاتهم على مراعي الغسانيين القريبة من ديارهم سببا لسخط ~~الحارث ورضى أبي قابوس. # ومهما يكن من أمر فإن النابغة لزم قصر النعمان بالحيرة، وأسبغ عليه مدائحه، ~~حتى تغير له وتجهم؛ فابتعد عنه خائفا منه وهرب إلى الشام. ويجعل الرواة سبب ~~مغادرته العراق قصيدة قالها في المتجردة زوج النعمان، ويروون على ذلك أنه ~~كان - ذات يوم - عند الملك، فدخلت المتجردة، ~~وعلى وجهها نصيف، وهو الخمار أو نصف الخمار، وكانت نساء الأشراف تتقنع توقرا، ~~فسقط النصيف عن وجهها، فسترته بيدها، فغطت يدها وجهها لعبالتها؛ فأعجب ~~النعمان بهذه الحركة اللطيفة وأمر الشاعر بأن يصفها، فأنشأ قصيدة يقول ~~فيها: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه # فتناولته واتقتنا باليد # ووصف منها مواضع لا يليق ذكرها، وكان المنخل اليشكري الشاعر من ندماء ~~النعمان، وكان يهوى المتجردة، ويحسد النابغة على علو قدره عند الملك، فغار من ~~وصفه ووشى به إلى النعمان، حتى هاج ~~غيرته فأظهر له الجفاء، وقيل إن ~~الشاعر هجا النعمان بعد هربه بقوله: # حدثوني بني الشقيقة! ما يم # نع فقعا بقرقر أن يزولا # 11 # قبح الله ثم ثنى بلعن # وارث الصائغ الجبان الجهولا # 12 # من يضر الأدنى ويعجز عن ض # ر الأقاصي ومن يخون الخليلا # يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو # ثم لا يرزأ العدو فتيلا # 13 # ولعل هذه الأبيات هي التي نقلها بعض بني قريع بن عوف إلى النعمان ms139 ليوغروا ~~صدره على الشاعر، فرأيناه في قصائده الاعتذارية يجتهد في دفع التهمة عنه ~~متنصلا من مقال نسب إليه زورا: «لقد نطقت بطلا علي الأقارع.» ويقول ~~فيها: # أتاك امرؤ مستبطن لي بغضة # له من عدو مثل ذلك شافع # فهل أراد بهذا العدو الذي أعان بني قريع عليه المنخل اليشكري حين اتهمه ~~بالمتجردة عند النعمان؟ # ليس الأمر بعيد الاحتمال، وإن يكن خبر المنخل مختلفا فيه، فصاحب الأغاني ~~يزعم أنه كان يهوى بنت عمرو بن هند، وأن ملك العراق قتله بسببها. ويروي بعضهم ~~أن الشاعر لم ينشد قصيدته في المتجردة أمام النعمان وإنما أنشدها مرة بن ~~سعيد القريعي، وكان مرة يبطن له البغض حسدا، فأنشدها النعمان، فامتلأ ~~غيظا وأوعد النابغة وتهدده. على أن الرواية الأولى أشهر، وشعر النابغة يلمع ~~إليها ، وإن كان إلماعه من بعيد. وليس في اعتذارياته ما يشير إلى قصيدته في ~~المتجردة، وإنما هو يتبرأ من قول نسب إليه ولم يقله، وهذا ينطبق على ما أضيف ~~إليه من هجاء للملك، خصوصا إذا صح أنه أنشد قصيدته في حضرة النعمان، فلا ~~سبيل له - بعد ذلك - إلى إنكارها والانتفاء منها. ~~(1-5) عند الغساسنة # لم يسلم خبر اتصال الشاعر بالغسانيين من ~~اختلاط في الروايات، فقد زعموا أن الشاعر نزل على عمرو بن الحارث الأصغر، وظل ~~مقيما عنده يمدحه حتى مات وملك أخوه النعمان، فانقطع إليه. وخالفهم في ذلك ~~الوزير أبو بكر البطليوسي المتوفى سنة 809م/194ه. فقال في شرح ديوان الشاعر: ~~«وكان النعمان بن الحارث حمى ذا أقر، فاحتماه الناس، وبنو ذبيان تربعوه، ~~فنهاهم النابغة وخوفهم إغارة الملك، فعيروه خوفه النعمان، وكان منقطعا إليه، ~~فلما مات النعمان رثاه، وانقطع إلى عمرو بن الحارث أخيه.» # ومعلوم أن النابغة لما هرب إلى الشام نزل على عمرو بن الحارث، ومدحه ببائيته ~~المشهورة: # كليني لهم يا أميمة ناصب # وليل أقاسيه، بطيء الكواكب # فلو كان الملك للنعمان يومئذ لكان ~~الأولى به أن يمدحه، وهو لاجئ إليه، قبل أن يمدح أخاه، كما جرت عادة الشعراء، ~~وإن يكن غير ممتنع أن يفد ms140 على عمرو أولا فيمدحه متوسلا به إلى أخيه الملك ~~النعمان. فكلا الأمرين محتمل، حتى إن المستشرق نولدكه - في كتابه أمراء غسان - ~~لم يقطع بهذه المسألة، فأجاز أن يكون النعمان ملك قبل أخيه، ثم ملك عمرو بعده، ~~ولكنه يثبت رواية تقول إن المنذر لا عمرا تولى الإمارة بعد النعمان، وهي تؤيد ~~زعم الذين يجعلون الملك لعمرو أولا، ثم للنعمان ثانيا، ثم للمنذر ثالثا، وقد ~~اتصل الشاعر بالأخوين ومدحهما، ولم يحظ عند الثالث فعاد إلى النعمان أبي ~~قابوس. # وقصائده التي مدح بها عمرو بن الحارث، منها واحدة يذكر فيها تدويخه للعراق، ~~وأخرى يحذر بها قبيلته من بطشه، وأشهرها بائيته التي قالها عند قدومه إليه، وهي ~~من الطراز الأعلى في الشعر الجاهلي، فقد اجتمع له فيها جمال التعبير، وحسن ~~التصوير، وانطلاق النفس الشعري، مع ما تشتمل عليه من مدح ديني قلما نجده عند ~~الجاهليين، على ميل ظاهر إلى النصرانية حيث يقول: # مجلتهم ذات الإله ودينهم # قويم فما يرجون غير العواقب # ولا يبعد أن يكون النابغة قد تأثر بالعقيدة المسيحية في تطوافه بين العراق ~~والشام، ومخالطته النصارى وهم سكان هذين القطرين، كما أنه في انتسابه إلى بني ~~عذرة ودفاعه عنها عند الغساسنة قد انتسب إلى قبيلة معروفة بنصرانيتها في العصر ~~الجاهلي. # وفي بائيته الحسناء من الفوائد التاريخية عن ملوك غسان شيء يذكر، فهي تعلمنا ~~أنهم كانوا يلبسون النعال الرقيقة، والنعال الرقيقة لا تصلح للسير، مما يدل على ~~أنهم كانوا لا يخرجون من دورهم إلا ممتطين صهوات جيادهم. وتعلمنا أيضا أنهم ~~كانوا يباشرون الحفلات الدينية بأنفسهم، فإذا جاء عيد الشعانين ساروا إلى ~~الكنيسة والولائد البيض تحييهم بالرياحين. وتطلعنا على شكل ألبستهم وألوانها، ~~وأنهم كانوا يعلقونها على أعواد تسمى المشاجب كما تعلق اليوم ثيابنا. # ويسترعي انتباهنا أنه لم يرث عمرو بن ~~الحارث كما رثى النعمان، فلو أن عمرا ملك ومات قبل النعمان، كما تقول بعض ~~الروايات، لما تنكب عن رثائه، اعترافا بجميله، وزلفى إلى أخيه من بعده، إلا ~~إذا كان قد ضاع هذا الرثاء، ولم تقع ms141 عليه الرواة. # وأما مدائحه للنعمان فأفضلها ~~ما قاله في الدفاع عن قبيلته وحلفائها بني أسد وتخويفهم من غضب الأمير ووثبته ~~عليهم، ووصف خيله وفرسانه، ووصف النساء في حالتي الخوف والسبي، فقد كان الشاعر ~~في مدح الغساسنة كثير التدخل في سياستهم لخير قومه؛ لما كانت عليه بنو ذبيان من ~~التعرض لملوك الشام في الحروب والمراعي، فوجه مدائحه - في كثرتها - إلى الذود ~~عنها وعن أحلافها، وإلى لومها وتحذيرها، فلم يسلم من تعييرها، مع أنه لم يجبن ~~عن لوم النعمان عندما كسر جيشه في غزوة بني حن - وهم من عذرة - فأظهر له ~~خطأه، وأنه كان ينبغي له أن يقبل النصيحة عندما ذكر له قوة عدوه ومنعته، فشعر ~~النابغة في بني غسان تحركه روح السياسة القبلية، ويدلنا على مكانته الرفيعة ~~عندهم. # وله في النعمان مدح يشبه الرثاء حين ~~بلغه أنه مريض وهو غائب عن بلاده. ولا يصح أن نجعله في عمه النعمان الأكبر؛ ~~لأن النابغة يرجو فيه رجوع الملك إلى عرشه، والنعمان بن المنذر لم يبلغ أريكة ~~الملك؛ لأن موريقيوس البيزنطي أسره سنة 584م، وألحقه بأبيه الذي أسر سنة 581، ~~ونفي بعدها إلى صقلية. فهذا المدح الرثائي قيل في النعمان بن الحارث، ~~وللشاعر ما يشبهه في النعمان أبي قابوس عندما بلغه أنه مريض، مع أنه من ~~المستنكر أن يرثى إنسان قبل موته، ولو مدنفا، ونكاد نتهم ذوق صاحبه، وإن تكن ~~هذه الطريقة غير مستهجنة في عصره، مع قلة شيوعها في الشعر القديم. # ولما توفي النعمان الغساني رثاه النابغة بقصيدة من جيد شعره ذاكرا فيها فضله ~~عليه معربا عن حزن لا ينسى، وكره للحياة بعده. وليس له مدح في المنذر إذا ~~صح أن الملك انتقل إليه من بعده لا إلى أخيه عمرو، ولكن لدينا منه شعر يمدح ~~به الغساسنة، عند رحيله عنهم إلى النعمان أبي قابوس، يدلنا على أنه فارقهم ~~راضيا لا ساخطا، ويؤيد ذلك قوله فيهم معتذرا إلى ملك الحيرة من ذهابه ~~إليهم: # ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم # أحكم في أموالهم وأقرب ~~(1-6) اعتذارياته # أشهر ms142 شعر النابغة في النعمان أبي قابوس قصائده الاعتذارية التي استرضاه بها؛ ~~ليستعيد مكانته لديه، فهي من أروع كلامه فنا وإبداعا، وأرهفه حسا وشعورا، ~~وأكثره تصرفا في الألفاظ والمعاني، ولولاها لما كان لدينا من أقواله فيه ما ~~يستحق الذكر، وبها استطاع أن يرحض صدره من الغل والحقد عليه. # واختلفت الروايات في سبب الصلح بينهما، فقيل: إن النعمان اطلع على ما بين ~~زوجه المتجردة والمنخل اليشكري من علاقة فقتلهما. ثم كتب إلى النابغة ~~يقول: «إنك لم تعتذر من سخطة، إن كانت بلغتك، وكنا تغيرنا لك عن شيء مما كنا لك ~~عليه. ولقد كان في قومك ممتنع وحصن فتركته، ثم انطلقت إلى قوم قتلوا جدي، ~~وبيني وبينهم ما قد علمت.» فقدم إليه فوجده محمولا على سرير ينقل ما بين ~~الغمر والحيرة، # 14 # فخاطب حاجبه عصام بن شهبر أو شهبرة بأبيات مطلعها: # ألم أقسم عليك لتخبرني # أمحمول على النعش الهمام؟ # وفي اعتذارياته قصيدة يذكر ~~فيها همه؛ لأن النعمان مريض، ويرثيه كأنه يتوقع موته، والظاهر أنه قالها قبل ~~أن يأتي الحيرة؛ لأنه يحلف فيها ألا يرجع إليه مجرما، ولكنه لا يقطع الأمل من ~~جوده، ويصف بسطة سلطانه كعادته فيقول إنه سيمسك لسانه عنه، وإن كان بعيدا ~~ممنعا، خوفا من أن يقاد إليه مع نسوته، ثم يرسل إليه التحية مشفوعة ~~بالدعاء. # وحدث حسان بن ثابت أن النابغة قدم في جوار رجلين من فزارة لهما منزلة عند ~~النعمان، فرأى إحدى قيان الملك، فلقنها قصيدته التي اعتذر إليه فيها، ~~وهي: # يا دار مية بالعلياء فالسند # أقوت وطال عليها سالف الأمد # فشرب النعمان، فلما سكر غنته فيها، فطرب وقال: «هذا شعر علوي، # 15 # هذا شعر أبي أمامة.» ورضي عنه. # ولا يستغرب أن يطلب الشفاعة برجلين من فزارة، وهو يعلم ما لبني ذبيان من ~~الحظوة عند ملك العراق. ونسمعه في إحدى اعتذارياته يتبرأ مما نسب إليه، ويلتمس ~~من النعمان أن يسأل عن أمره بني ذبيان إذا كان قد ساء ظنه فيه. # وكان يهمه أن يتنصل من تهمتين، إحداهما: يشتد في ms143 إنكارها، ويقسم الأقسام ~~الكثيرة على البراءة منها، وهي الكلام الذي نقله الوشاة إلى الملك وأضافوه ~~إليه، فألبسوه خيانة لم يقترفها: # أتاك بقول لم أكن لأقوله # ولو كبلت في ساعدي الجوامع # 16 # والأخرى لا يستطيع أن يطمسها: وهي ذهابه إلى الغساسنة أعداء المناذرة يمدحهم ~~ويذكر انتصارهم يوم حليمة حين قتلوا المنذر جد النعمان سنة 554م: # توورثن من أزمان يوم حليمة # إلى اليوم قد جربن كل التجارب # 17 # وسمعنا الملك يعاتبه بقوله: «ثم انطلقت إلى قوم قتلوا جدي، وبيني وبينهم ما ~~قد علمت.» فما عليه إلا أن يقر بذنبه، ويعمل لتخفيفه وإزالة ما وقر في نفس ~~النعمان من الحقد عليه. فصارحه بأن الغساسنة إخوان له يقربونه ويحكمونه في ~~أموالهم، فلا يعد مذنبا إذا مدحهم، كما أن الذين قربهم أبو قابوس وأكثر لهم ~~العطاء لم يذنبوا إذا مدحوه، وهذه الصراحة لا مهرب للشاعر منها، ولكنه تمكن - ~~بفنه ودهائه - أن يلطف وقعها في نفس النعمان، فجعل الملوك دونه منزلة وفضيلة، ~~فهم الكواكب تغيب أنوارها حين تطلع الشمس: # ألم تر أن الله أعطاك سورة # ترى كل ملك دونها يتذبذب # 18 # بأنك شمس والملوك كواكب # إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # وإذا حاول الاعتذار شرع في تهويل الخطب وعظم ما يقاسيه - في الليل خصوصا ~~- من الخوف والرعب لغضب الملك عليه، فيصور ~~نفسه قلق المضجع لا يقر قراره، يبيت على الشوك مرة، وتواثبه الأفاعي أخرى، ~~حتى ضرب المثل بلياليه، فقيل للخائف المذعور: «بات بليلة نابغية.» ويأخذ في ~~تكذيب الوشاة مؤكدا براءته بالأقسام والدعاء على نفسه وعلى أولاده، إن صح ~~ما اتهموه به من الغدر والخيانة. ويتخلل ذلك مبالغة في مدح النعمان وتعظيم ~~سلطانه وامتداد سطوته، مظهرا خشوعة وعبوديته ونزوله على حكمه، راجيا منه ~~العفو والرضى ورجوع النعمة إليه: # فإن أك مظلوما فعبد ظلمته # وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب # 19 # ولا يخفى ما في هذا الأسلوب من براعة الاسترضاء، وفهم لعقلية الملوك العتاة، ~~وكيف تكون المخاطبات في القصور، مع أن النابغة لم ينشأ عليها في قبيلته، ولا ms144 ~~سمعها من أبناء قومه، ولكنه تثقف بها في مخالطته بطائن الأمراء، فتعلم منهم ~~كيف يخاطبون ويستعطفون ولاة الأمور، ففقد شيئا غير قليل من فطرة البدوي ~~وكبريائه، فلذلك قيل: «غض الشعر منه.» وهذه الغضاضة شعرت بها قبيلته في ذهابه ~~إلى الغرباء يمدحهم ويشيد بمناقبهم، ويجاهر بخوفه منهم، فعيرته مذلتها، ~~وعيره الرواة أيضا. سئل عمرو بن العلاء عن الشاعر ورجوعه إلى النعمان: «أمن ~~مخافته امتدحه وأتاه بعد هربه منه، أم لغير ذلك؟» فقال: «لا لعمر الله، لا ~~لمخافته فعل، إن كان لآمنا من أن يوجه إليه جيشا، وما كانت عشيرته لتسلمه ~~لأول وهلة. ولكنه رغب في عطاياه وعصافيره.» # 20 # على أن النابغة لم يشعر بهذه الغضاضة التي ارتضاها مختارا لا مكرها، ~~واستاغتها ذهنيته الحضرية التي اختلفت عن ذهنيته البدوية، فما ضره أن يمدح ~~الملوك ويتعبد لهم ما دام معززا مكرما لديهم ينهل عليه سيبهم، ويأكل ~~بصحاف من الفضة والذهب معهم، يحجب كبار الشعراء كحسان بن ثابت إذا وجد عندهم، ~~ويتدخل في سياستهم حيث يرى المنفعة له أو لقبيلته وأحلافها، وإليه يرجع قومه ~~في خطوبهم وحوائجهم. وهو - إلى ذلك - حكم سوق عكاظ تضرب له القبة الحمراء، ~~قبة السادات والأمراء، وإذا أقوى # 21 # في شعره لا يجرؤ أحد أن يقول له: أقويت! لمكانته الأدبية. ويروون ~~على ذلك حادثة لا بأس بذكرها، وهي أن النابغة قدم يثرب، فأنشد الناس قصيدته ~~التي وصف بها المتجردة، وكان أقوى فيها، فما تجاسر أحد أن يقول له، فأتوه ~~بقينة، فغنت منها: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه # فتناولته واتقتنا باليد # بمخضب رخص كأن بنانه # عنم يكاد من اللطافة يعقد # 22 # فمدت القينة صوتها باليد فصارت الكسرة ياء، ومدت يعقد فصارت الضمة واوا، ~~فانتبه ولم يعد إلى الإقواء. ويروى عنه قوله: «دخلت يثرب وفي شعري بعض العاهة، ~~فخرجت منها وأنا أشعر الناس.» # ومهما يكن من أمر هذه الرواية، ولعلها موضوعة؛ لتعظيم منزلة النابغة، أو ~~لإظهار فضل يثرب عليه، فإنها لا تنافي الحقيقة في شاعر كان يحتكم إليه كبار ~~الشعراء. ~~(1-7) هل ms145 صدق النابغة في مدحه؟ # أكثر ما جاءنا من شعر النابغة كان في مدح الملوك ورثائهم، فأحيانا نجده في ~~الحيرة يشيد بذكر المناذرة، وأحيانا في الجولان يتغنى بمناقب الغساسنة، على ما ~~بين ملوك الشام وملوك العراق من عداء وضغينة وحروب. فما تنكر له النعمان بن ~~المنذر حتى جفاه، ويمم قصر الأمير الغساني يمدحه ويطري آباءه وعشيرته؛ ثم ما ~~كاد يأنس برضى الملك العراقي حتى انقطع عن الغساسنة وجاء الحيرة يتودد النعمان ~~مادحا معتذرا متخشعا، وعاد يتمتع بعطاياه وعصافيره. # وما كان - لولا حبه المال - ليخشى أن يناله النعمان بسوء، وقبيلته لا تسلمه ~~دون أن ترد عنه، ولقد كان له في قصور الغساسنة حمى مصون لا تمتد إليه يمين ~~ملك العراق. ولكن هذا الشاعر المتكسب لم يجد غضاضة عليه ولا على الشعر في أن ~~يذل نفسه متكففا، متنقلا من أمير إلى أمير. # وشاعر مثله يصطنع المدح من أجل المال، ويزفه إلى كل أمير يتصل به، لا يرجى ~~منه أن يكون صادق المودة مخلص الوفاء؛ لأنه لا يهمه أمر من يمدحهم بقدر ما يهمه ~~العطاء الذي يتوقعه منهم، ولا يشجوه أن يتخلى عن الواحد منهم إذا رأى الخير ~~أسخى عند الآخر. وهذا طبيعي في الإنسان حين تكون المنفعة المادية أساس الصداقة ~~ولا رابط غيرها بين الأصحاب، فالإخلاص - في مثل هذه الحال - عرض طارئ يبقى ~~ببقاء المنفعة ويذهب بذهابها. # وإذا قلنا إن النابغة كان على شيء من الإخلاص لممدوحيه في حال اتصاله بهم، ~~فيصعب علينا القول بصدقه في تصوير مخاوفه ولياليه المشئومة في اعتذارياته إلى ~~الملك النعمان، فإنه لم يكن يخشى شره في قلب عشيرته، أو في قصور أمراء ~~الشام. # على أننا - وإن كنا نشك في صدق النابغة - لا يسعنا إلا الاعتراف بأنه أجاد ~~مدح النعمان والاعتذار إليه، كما أجاد مدح الغساسنة ووصف شمائلهم وعاداتهم. ~~فكيف تتم الإجادة للشاعر في غرض يقصده دون أن تحركه إليه عاطفة الصدق ~~والإخلاص؟ وهل لهذه العاطفة التي نحكمها في الشعر من تأثير صحيح في جودة الفن ~~ومنحه عنصر الجمال؟ ms146 # قد تكون العاطفة محبوبة لدلالتها على ذاتية الشاعر ونزعات نفسه إلى شخص أو ~~شيء يتعشقه ويميل إليه، ولكننا لا نراها عنصرا ضروريا للشعر؛ فإن بوسعه أن ~~يستغني عنها ولا يخسر شيئا من جماله وتأثيره. فإن الصدق في الفن لا يقوم على ~~عاطفة الحب والإخلاص للشخص ليحسن الشاعر مدحه ووصفه، ولا يشترط على الشاعر أن ~~يكون عاشقا ملتاع النفس، متدفق العاطفة ليجيد الغزل وذكر آلام المحب وشجونه. ~~ولا يطلب منه أن يكون فارسا مغوارا يخوض الحروب ويشهد المعارك ليبدع في وصف ~~المعامع والتحام الأبطال. ولو كان شرطا على الشاعر أن يضع شخصيته الصادقة في ~~كل غرض من أغراضه، فنبحث عن عاطفة الإخلاص الذاتي في كل مدح أو غزل أو حماسة، ~~أو غير ذلك؛ لتعذر علينا أن ندرك سبب الجمال في الشعر الذي لا ينطوي على حقيقة ~~قائله، ولوقفنا حائرين أمام الروائع الأدبية الخالدة : ملاحم ومسرحيات، بما فيها ~~من تضارب العواطف والأهواء، واختلاف المشاهد والمواقف، بحيث لو نظرنا إلى ~~إلياذة هوميروس لرأيناه يجيد وصف الأبطال، سواء كانوا من اليونان كأخيل، أو من ~~الطرواد كهكتور، ويبدع في الغزل والنسيب، وفي وداع هكتور لأندروماك، كما يبدع ~~في تصوير المعارك وزحف الجيوش، ووصف الخيول والعدد دون أن يكون له صلة شخصية ~~بشيء من هذه الأشياء، وإنما شاعريته الخصبة تولت خلق هؤلاء الأشخاص وتعهدتهم ~~بمختلف الأهواء والمشاعر. وهكذا يصح القول في سائر الملاحم، وفي بدائع المآسي ~~والفواجع التمثيلية. # فالشاعر - إذا - هو الذي يخلق عالمه ويعيش معه دون أن يكون لهذا العالم ~~حقيقة واقعة. فالأدب الصادق لا يوجب التعبير عن حقيقة تاريخية، ولا ذكر واقعة ~~لها علاقة بذاتية الشاعر، وإنما الصدق في الأدب هو الشعور الفني الذي يحسه ~~الشاعر أو الأديب فيتحرك قلبه، ويتصوره فيثور خياله، ويفكر فيه فيفيض عقله، ~~فتأتلف عنده هذه الإدراكات الثلاثة ائتلافا موسيقيا يبدع له دنيا غير الدنيا ~~التي يعيش فيها، وأشخاصا غير الأشخاص الذين يألفهم في حياته الاجتماعية. فإذا ~~تحدث عن دنياه وأشخاصه، فإنما هو يتحدث صادقا مخلصا عن أشياء أحسها كل ms147 ~~الإحساس حتى أصبحت قطعة من نفسه الفنية، سواء كانت هذه الأشياء قريبة إليه في ~~حياته المألوفة أو غريبة عنه. # وهكذا شأن النابغة في مدحه الغساسنة والمناذرة، وفي اعتذارياته وتصوير لياليه ~~الخائفة، فإنه وإن لم يكن صادقا كل الصدق في حبه لملوك الشام والعراق، وكان ~~كاذبا كل الكذب في ذكر مخاوفه ولياليه، فهذا يعود إلى النقد التاريخي، ولا شأن ~~للنقد الأدبي فيه، ما دام الشاعر استطاع أن يعطينا أدبا صادق الشعور والفن، ~~وهذا كل ما يطلب منه. ~~(1-8) القصة عند النابغة # لم تكن القصة في الشعر الجاهلي غاية يتطلبها الشاعر، أو فنا مستقلا يبني ~~عليه قصيدته، وإنما كانت واسطة يعتمدها في مختلف أغراضه عندما تدفعه الحاجة ~~إليها فيسرد خبرا، أو يورد أسطورة ولا يتعدى في ذلك كله بضعة أبيات قلما ~~اتسعت لتفصيل الخبر، وتصوير الأشخاص. # والنابغة لا يفترق عن غيره من شعراء الجاهلية في النظر إلى القصة، وطريق ~~الاستفادة منها، والاقتصار على موجزها. إلا أنه عرفت له فيها خصائص وأهداف لم ~~تعرف لغيره من قبل، فانفرد بها أسلوبه القصصي، وكان له منها طابع خاص. # ومن الأساليب المألوفة في الشعر الجاهلي: أن شاعرهم إذا وصف شيئا وشبهه ~~بآخر، ترك الموصوف وانصرف إلى المشبه به يوسعه نعتا وتصويرا من الناحية التي ~~تجمع بينه وبين الموصوف، حتى إذا أخرج له صورة جلية تتمثل بها تلك الناحية التي ~~ينظر إليها، رضيت نفسه، واقتنعت بأنها أدركت الغاية من ذكر الموصوف في عنايتها ~~بإظهار مشابهه وتبليغ وجه الشبه المشترك بينهما. # والشعر القديم يشتمل على أمثله كثيرة من هذه الاستطرادات الوصفية والقصصية لا ~~يند عنها شاعر من شعرائهم، ولا سيما وصف ناقته التي تفرج كربه وتوصله إلى من ~~يحب، فإنه يجعل همه في إظهار سرعتها ونشاطها، فيشبهها بالثور أو الحمار الوحشي، ~~مبالغا في ذكر قوته ومضائه، فيقص خبر العير يدفع الأتان أمامه ويسوقها ~~سوقا عنيفا؛ ليعتزل بها عن كل طالب ومزاحم، كما فعل عير امرئ القيس ولبيد. ~~أو يذكر خبر ثور أضاع حلائله فجد في طلبهن حتى أدركه ms148 الليل فلجأ إلى أرطاة ~~وبات عندها كما لجأ ثور امرئ القيس، فلما طلع الصباح أطل عليه الصيادون ~~بكلابهم، فأجفل وانقض مذعورا يطلب النجاة، فتناله الكلاب بعد لأي، وربما ~~فاتها ونجا منها كما نجا ثور المثقب العبدي. # فهذه السرعة وهذا النشاط اللذان يبدوان من الحمار والثور هما كل ما يريد أن ~~يخبر عنه الشاعر الجاهلي ليبين أن ناقته نشيطة سريعة مثلهما. # والنابغة في هذه التشابيه القصصية لم يبتعد عن امرئ القيس والمثقب العبدي ~~وسواهما من الشعراء الذين تقدموه، بل سار على خطتهم، فشبه ناقته بالثور، غير ~~أنه زاد على من تقدمه وصف العراك الذي حدث بين الثور والكلاب المتلاحقة به، ~~وكيف ارتد إليها يطعنها بقرنه فيرديها واحدا بعد آخر، فكان ذلك أبلغ في ~~إظهار قوته ونشاطه. # ويصور قرن الثور في قصيدة أخرى نافذا من جنب الكلب تصويرا ماديا، كثيفا، ~~إذ شبهه - في حال خروجه محمرا - بسفود انتظم عليه اللحم وترك عند ~~الموقد: # كأنه خارجا من جنب صفحته # سفود شرب نسوه عند مفتأد # 23 # ولما رأى الكلب الآخر ما حل برفيقه نصحته نفسه بالهرب، فولى ناجيا: # قالت له النفس إني لا أرى طمعا # وإن مولاك لم يسلم ولم يصد # 24 # وذكر المعركة كما يصفها النابغة نجده بعده في معلقة لبيد، ولامية عبدة بن ~~الطبيب، وعينية أبي ذؤيب الهذلي، وملحمة الأخطل التغلبي، فهم - بلا ريب - ~~متأثرون خطاه، ولا سيما الأخطل الذي أخذ تعابيره واتجاهاته، وواطأه في البحر ~~والقافية. # ويشتمل الشعر الجاهلي على كثير من الأساطير والأخبار مما كانوا يتناقلونه عن ~~غيرهم من الشعوب، أو مما نشأ في أرضهم ووجد غذاءه في مجتمعهم. وكان للنابغة قسط ~~منها يرويها في شعره، ولكنه لم ينظمها لمجرد روايتها والإخبار عنها؛ بل كان له ~~هدف يرمي إليه، فيتخذ القصة وسيلة لبلوغ مراده. فإنه عندما أراد أن يدعو ~~النعمان في اعتذاره إليه أن لا يصدق أقوال الوشاة، وأن يكون صادق النظر في ~~الحكم عليه، اعتمد أسطورة زرقاء اليمامة التي اشتهرت بحدة نظرها، حتى زعموا ~~أنها كانت تبصر الأشياء على ms149 مسافة ثلاثة أيام. والأسطورة - كما تروى - هي أنه ~~كان للزرقاء قطاة، فمر بها يوما سرب من القطا بين جبلين، فقالت: ليت هذا ~~الحمام لي، ونصفه إلى حمامتي، فتم لي مائة، وأرادت بالحمام القطا. واتفق أن ~~وقع الحمام في شبكة صائد فعرف عدده فإذا هو كما قالت، ست وستون قطاة. # فهذا الصدق في النظر هو الهدف الذي أراده النابغة، ودعا النعمان إلى مثله، ~~وإن يكن نظر النعمان مرجعه العقل، ونظر الزرقاء مرجعه البصر، فإنما الصدق هو ~~الجامع بين النظرين. # وكذلك أسطورة الحية والأخوين؛ فإن هدفه فيها أن يبين لقومه أن الثقة ~~المتبادلة انقطعت بينه وبينهم كما انقطعت بين الحية وأحد الأخوين. وكان بعض ~~قومه قد اجتمعوا عليه وراموا خذله - كما عرفنا - وأسطورة الحية تروي أن أخوين ~~خربت بلادهما، وكانا قريبين من واد فيه حية، فهبط أحدهما ورعى فيه إبله زمنا، ~~ثم إن الحية نهشته فقتلته. فكره أخوه الحياة من بعده، وطلب الحية ليقتلها، فلما ~~لقيها أظهرت له الندامة، وعرضت عليه الصلح معاهدة إياه أن تدعه آمنا في هذا ~~الوادي، وأن تدفع له دية القتيل كل يوم دينارا، فعاهدها وحلف لها وحلفت له، ~~وأخذت تعطيه كل يوم الدينار المتفق عليه حتى كثر ماله، ~~وقيل: كانت تأتيه يوما وتغيب ~~يومين، ولهذا يقول النابغة: # فواثقها بالله حين تراضيا # فكانت تديه المال غبا وظاهره # 25 # ثم قال: كيف ينفعني هذا العيش وأنا أرى قاتل أخي؟ فعمد إلى فأس فأحدها وكمن ~~للحية، فلما مرت به ضربها بالفأس فجرحها ولم يقتلها، فدخلت جحرها وقطعت عنه ~~الدينار. ثم أرادها على الصلح فقالت: كيف أعاودك وأثر فأسك وقبر أخيك يأبيان ~~علي أن أثق بك، وأنت فاجر لا تبالي العهد: # أبى لي قبر لا يزال مقابلي # وضربة فأس فوق رأسي فاقره # فكانت القصة من الطوابع التي ~~يتميز بها أسلوب النابغة بما فيها من الخصائص والأهداف، سواء جاءت بطريق ~~التشبيه كقصة الثور الوحشي، أو بطريق المثل كأسطورة زرقاء اليمامة وأسطورة ~~الحية. ويمكننا أن نعد الأخيرة سابقة حسنة في الأدب العربي للأساطير ms150 ~~الخلقية على ألسن الحيوان التي لم يعرفها العرب بكثرة إلا بعد ظهور كليلة ودمنة ~~لابن المقفع. ~~(1-9) منزلته # هو في طليعة شعراء الطبقة الأولى. عده ابن سلام بعد امرئ القيس، وقبل ~~زهير والأعشى، وقد كثر الخلاف في أيهم أشعر. قال ابن سلام: «قال من احتج ~~للنابغة: كان أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتا، كأن شعره ~~كلام ليس فيه تكلف.» وشهد له عمر بن الخطاب، وعبد الملك بن مروان، وأبو الأسود ~~الدؤلي، وحماد الراوية، والأخطل، وجرير، فقالوا: إنه أشعر العرب. # 26 # وشهد حسان بن ثابت يوم رجوعه إلى النعمان فكان يقول: «فحسدته على ~~ثلاث لا أدري على أيتهن كنت له أشد حسدا: على إدناء النعمان له بعد ~~المباعدة ومسامرته له وإصغائه إليه، أم على جودة شعره، أم على مائة بعير من ~~عصافيره أمر له بها؟» وكان الأصمعي يقول: أوس (ابن حجر) أشعر من زهير، ولكن ~~النابغة طأطأ منه. # وجماع القول: إن منزلة النابغة في الشعر سامية المقام عزيزة المنال، فهو شاعر ~~الملوك، وحكم سوق عكاظ، ونابغة الشعراء ... ~~(2) الأعشى الأكبر # 27 ~~(629م/7ه؟) ~~(2-1) حياته # هو ميمون بن قيس بن جندل، ينتهي ~~نسبه إلى بكر بن وائل من ربيعة، لقب بالأعشى لسوء بصره، وكني بأبي بصير ~~تفاؤلا بالشفاء، أو لنفاذ بصيرته، وسمي صناجة # 28 # العرب لأنه كان يتغنى بشعره، وكان يقال لأبيه: «قتيل الجوع.» ~~وذلك أنه كان في جبل، فدخل غارا ليستظل فيه من الحر، فوقعت صخرة من الجبل فسدت ~~الغار، فمات فيه جوعا، فيه يقول جهنام واسمه عمرو، وكان يتهاجى هو ~~والأعشى: # أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل # وخالك عبد من خماعة راضع # 29 # والأعشى من أهل اليمامة، من قرية تسمى «منفوحة»، ولكنها لم تكن قرارا له، بل ~~كان ينتجع بشعره أقاصي البلاد سائلا متكسبا. قيل: إنه وفد على ملوك فارس، ~~وسمعه كسرى مرة ينشد: # أرقت وما هذا السهاد المؤرق؟ # وما بي من هم وما بي معشق # فقال: «ما يقول هذا العربي؟» قالوا: «يتغنى بالعربية.» قال: «فسروا قوله.» ~~قالوا: «زعم ms151 أنه سهر من غير مرض ولا عشق.» قال: «فهذا إذا لص.» # وهذا البيت مطلع قصيدة مدح بها رجلا من بني كلاب يقال له المحلق، # 30 # وللمحلق قصة فكهة استغلها الرواة، فتفننوا فيها ما شاءوا، ~~وإليكها: ~~(2-2) عند المحلق الكلابي # كان الأعشى يوافي سوق عكاظ في كل سنة، وكان المحلق الكلابي ~~مئناثا # 31 # مملقا، # 32 # فقالت له امرأته: «ما يمنعك من التعرض لهذا الشاعر، فما رأيت أحدا ~~اقتطعه إلى نفسه إلا أكسبه خيرا.» قال: «ويحك ما عندي إلا ناقتي.» قالت: ~~«الله يخلفها عليك.» فتلقاه قبل أن يسبقه إليه أحد، وابنه يقوده، فأخذ ~~الخطام # 33 # فقال الأعشى: «من هذا الذي غلبنا على خطامنا؟» قال: «المحلق.» ~~قال: «شريف كريم.» ثم سلمه إليه، فأناخه، فنحر له ناقته وكشط # 34 # له عن سنامها # 35 # وكبدها ثم سقاه خمرا، وأحاطت به بناته يخدمنه ويمسحنه. # 36 # فقال: «ما هذه الجواري حولي؟» فقال: «بنات أخيك وهن ثمان.» فلما ~~رحل من عنده، ووافى سوق عكاظ، جعل ينشد قصيدته في مدحه . فسلم عليه المحلق؛ ~~فقال له الأعشى: «مرحبا يا سيدي! بسيد قومه.» ونادى: «يا معاشر العرب! هل فيكم ~~مذكار # 37 # يزوج ابنه إلى الشريف الكريم؟» فما قام من مقعده وفيهن ~~مخطوبة # 38 # إلا وقد زوجها. # ورواها النوفلي على شكل أغرب. فزعم أن أبا المحلق رجل شريف أتلف ماله، ~~ولم يترك لابنه المحلق وبناته الثلاث غير ناقة وحلتي برود. # 39 # فأقبل الأعشى من بعض أسفاره يريد اليمامة، فنزل الماء الذي به ~~المحلق، فقراه # 40 # أهل الماء. فألحت عمة المحلق على ابن أخيها أن يرسل إليه الناقة ~~والبردين، وزق خمر يستقرضه من بعض التجار، ثم نطقت بتلك الجملة المأثورة التي ~~سنسمعها بعد قليل من الأعشى: «والله لئن اعتلج # 41 # الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى ~~عطفيه، # 42 # ليقولن فيك شعرا يرفعك به.» فرضي المحلق بعد امتناع وجدال، ~~ووجه بالناقة والخمر والبردين مع مولى # 43 # لأبيه، وكان الأعشى قد ارتحل، فخرج المولى يتبعه من بلد إلى بلد ~~حتى صار إلى منزله في ms152 منفوحة، فوجد عنده عدة من الفتيان قد غداهم بغير لحم، ~~وصب لهم فضيخا. # 44 # فلما أخبر بقدومه، وبما معه قال: «ويحكم، أعرابي! والذي أرسل ~~إلي لا قدر له. والله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفي لأقولن فيه ~~شعرا لم أقل قط مثله.» ثم نحروا الناقة، وشقوا خاصرتها عن كبدها، وجلدها عن ~~سنامها، وأقبلوا يشوون، وصبوا الخمر فشربوا، وأكل الأعشى وشرب معهم، ولبس ~~البردين ونظر إلى عطفيه فيهما، وأنشأ يمدح المحلق. فسار الشعر وذاع في العرب، ~~فما أتت سنة حتى زوج المحلق أخواته الثلاث، كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر ~~وشرف. # ولم يكتف الرواة بخبر المحلق ~~وما فيه من إغراب، بل أضافوا إلى الأعشى مبرة ثانية في تزويج ~~العوانس، # 45 # فزعموا: «أن امرأة جاءت إليه فقالت: «إن لي بنات قد كسدن، ~~فشبب # 46 # بواحدة منهن لعلها تنفق.» فشبب بواحدة منهن، فما شعر إلا ~~بجزور # 47 # قد بعث به إليه. فقال: «ما هذا؟» قالوا: «زوجت فلانة.» فشبب ~~بالأخرى، فأتاه مثل ذلك، فسأل عنها فقيل: «زوجت.» فما زال يشبب بواحدة ~~فواحدة حتى زوجن جميعا .» # على أن هذا الإغراب في سرد الروايات، وهذه الكثرة في التزويج، لا يمنعان أن ~~يكون لقصة المحلق وبناته أو أخواته بعض الصحة، فالقصيدة التي مدحه بها الأعشى ~~من جيد الشعر، ولم يشك أحد في نسبتها إليه. ~~(2-3) عند شريح بن السموأل # وكان الأعشى خبيث اللسان يحسن الهجاء كما يحسن المدح، فهجا مرة رجلا من بني ~~كلب فقال: # بنو الشهر الحرام فلست منهم # ولست من الكرام بني عبيد # ولا من رهط جبار بن قرط # ولا من رهط حارثة بن زيد # وهؤلاء كلهم من بني كلب. فقال الكلبي: «لا أبا لك! أنا أشرف من هؤلاء.» وقد ~~سبه الناس بهجاء الأعشى إياه. # واتفق أن الكلبي أغار على قوم قد بات فيهم الأعشى، فأسر منهم نفرا، وأسر ~~الأعشى وهو لا يعرفه. ثم جاء حتى نزل بشريح بن السموأل بن عادياء اليهودي ~~صاحب تيماء بحصنه الأبلق، فمر شريح بالأسرى فعرف الأعشى، فقال للكلبي: ms153 ~~«ما ترجو بهذا الشيخ ولا فداء له، فهبه لي.» فوهبه له. فأخذه شريح فأطعمه ~~وسقاه، فلما أخذ منه الشراب سمعه يترنم بهجاء الكلبي، فأراد استرجاعه، فقال ~~الأعشى قصيدة يذكره فيها بوفاء أبيه السموأل، واختياره قتل ابنه على الغدر ~~بجاره امرئ القيس وتسليم دروعه. فأعطاه شريح ناقة فركبها ومضى من ساعته، ثم عرف ~~الكلبي حقيقة أمره فأرسل في أثره فلم يلحقه. ~~(2-4) الأعشى في الإسلام # يجمع الرواة على أن الأعشى أدرك الإسلام ~~ولكنه لم يسلم. ويضيف إليه بعضهم قصيدة مدح بها النبي محمدا لما وفد عليه. ~~غير أن قريشا حالوا دون وصوله إلى الرسول، فرصدوه على طريقه، وكان فيهم أبو ~~سفيان بن حرب، وقالوا: «هذا صناجة العرب، وما مدح أحدا قط إلا رفع ~~قدره.» فلما ورد عليهم قالوا: «أين أردت يا أبا بصير؟» قال: «أردت صاحبكم هذا ~~لأسلم.» قالوا: «ينهاك عن خلال ويحرمها عليك وكلها موافق لك.» قال: «وما هي؟» ~~قالوا: «القمار والربا والخمر.» قال: «أما القمار فلعلي إن لقيته أن أصيب منه ~~عوضا من القمار؛ وأما الربا فما دنت ولا ادنت؛ وأما الخمر، أوه ! فأرجع ~~إلى صبابة قد بقيت في المهراس # 48 # فأشربها.» فقال أبو سفيان: «هل لك في خير مما هممت به؟» فقال: «وما ~~هو؟» قال: «نحن الآن وهو في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل وترجع إلى بلدك سنتك ~~هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر ~~علينا أتيته.» فقال: «ما أكره ذلك.» فجمعت له قريش مائة من الإبل، فأخذها ~~وانطلق إلى بلده، فلما كان قريبا من قريته منفوحة باليمامة رمى به بعيره ~~فقتله. # ولكن لا ندري مبلغ هذه الرواية من ~~الصحة، فالتفنن القصصي ظاهر عليها، زد على ذلك أن القصيدة التي يزعمون أن ~~الأعشى مدح بها الرسول، لا يمكن الاطمئنان إليها، وحسبك أن تقرأ منها هذه ~~الأبيات، حتى تتيقن ما فيها من تكلف واصطناع: # أجدك لم تسمع وصاة محمد # نبي الإله حين أوصى وأشهدا؟ # 49 # إذا أنت لم ترحل بزاد من ms154 التقى # ولاقيت بعد الموت من قد تزودا # ندمت على أن لا تكون كمثله # فترصد للأمر الذي كان أرصدا # 50 # فإياك والميتات لا تقربنها # ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا # 51 # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه # ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا # 52 # ولا تقربن حرة كان سرها # عليك حراما فانكحن أو تأبدا # 53 # وذا الرحم القربى فلا تقطعنه # لعاقبة ولا الأسير المقيدا # 54 # وسبح على حين العشيات والضحى # ولا تحمد المثرين والله فاحمدا # ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة # ولا تحسبن المال للمرء مخلدا # 55 # فما قولك ببدوي يأتي من أطراف اليمامة إلى الحجاز، ليرى الرسول وينتحل الدين ~~الجديد، فيلقاه المشركون من قريش، فيردونه بمائة من الإبل، ويقولون له: «ينهاك ~~عن خلال ويحرمها عليك، وكلها لك موافق.» فيقول: «وما هي؟» يسألهم عنها لأنه ~~يجهلها، ثم نسمعه يمدح الرسول بهذا الشعر، فإذا هو عارف بحقائق الدين الإسلامي ~~يحفظ القرآن وما سمع تلاوته، ويستشهد بآياته وما فيها من تحريم وتحليل، وشرع ~~وفروض، أفلا ترى في ذلك كله أثرا واضحا للتكلف والاصطناع؟ # وقد أرخ الرواة موت الأعشى في السنة السابعة للهجرة، أي في سنة 629م، ~~استنادا إلى قول أبي سفيان: «نحن الآن وهو في هدنة.» فاستنتجوا من ذلك أنها ~~هدنة الحديبية # 56 # بين صاحب الشريعة الإسلامية ومشركي قريش. # على أننا، وإن كنا نشك في صحة القصيدة التي أضيفت إلى الأعشى في مدح ~~الرسول، لا نبيح لأنفسنا إنكار رواية إدراكه الإسلام؛ إذ ليس لدينا أدلة ~~كافية تدحضها، فنحن نقبلها باحتياط كما قبلنا غيرها، ونؤرخ - على ارتياب - وفاة ~~الشاعر في السنة السابعة للهجرة استنادا إلى أقوال الرواة. ~~(2-5) آثاره # للأعشى شعر كثير مجموع في ديوان، أشهره لاميتان طويلتان، كلتاهما تعد من ~~المعلقات. وقد طرق الأعشى جميع فنون الشعر فأجاد المدح والهجاء، كما أجاد وصف ~~الخمرة والتشبيب بالنساء. ~~(2-6) ميزته - الشعر الخمري # لم تكن ميزة الأعشى محصورة في وصف الخمرة دون غيرها، فقد كان متصرفا في ~~أبواب الشعر كلها، ولعله في المدح أشعر منه في وصف الخمر، ولكن ms155 المدح صفة عامة ~~للشعراء الجاهليين، ونحن نريد أن ندرس في الشاعر المتخصص صفة انفرد بها عن غيره ~~من معاصريه، وهي وصف الخمرة للخمرة، لا للتفاخر بشربها، كما فعل أكثر شعراء ~~الجاهلية. فقد وصفها طرفة، ولبيد، وعمرو بن كلثوم، وعنترة وغيرهم، وقلما ~~تجاوزوا حد الافتخار بشربها؛ لأن شربها دليل الكرم عندهم، وإذا تجاوز أحدهم هذا ~~الحد، فإلى شيء يسير من وصف لونها وزجاجتها، وإلى شيء يسير من وصف تأثيرها في ~~شاربها. # أما الأعشى فقد فاقهم جميعا؛ وعرف كيف يشربها ويلهو، ويصفها ويطرب، فهو إذا ~~وصف الخمرة وصف معها النديم والساقي، ووصف القينة وعودها، وصور السكارى ~~تصويرا جميلا، في أسلوب لطيف لا يخلو من طرف وفكاهة، وله أقوال كثيرة في ~~الخمر، توكأ عليها الأخطل، وأبو نواس من بعده، كقوله: # تريك القذى من فوقها، وهي فوقه # إذا ذاقها من ذاقها، يتمطق # 57 # أخذه الأخطل فقال: # ولقد تباكرني، على لذاتها # صهباء عالية القذى، خرطوم # 58 # وقوله: # من خمر عانة، قد أتى لختامها # حول، تسل غمامة المزكوم # 59 # فقال الأخطل: # وإذا تعاورت الأكف ختامها # نفحت فنال رياحها المزكوم # 60 # وقوله: # وكأس كعين الديك باكرت خدرها # بفتيان صدق، والنواقيس تضرب # 61 # فأخذ أبو نواس تشبيهه الخمرة بعين الديك وأكثر استعماله. من ذلك قوله: # واشرب سلافا كعين الديك صافية # من كف ساقية كالريم حوراء # 62 # وقوله: # وكأس، شربت على لذة # وأخرى، تداويت منها بها # فأخذه أبو نواس وولد منه معنى آخر قال: # دع عنك لومي، فإن اللوم إغراء # وداوني بالتي كانت هي الداء # فيتبين من ذلك، أن الأعشى صاحب لهو ~~وعبث، كما كان الأخطل وأبو نواس من بعده، وأن وصف الراح شغفا بها، فأحسن ~~وصفها، وكانت له مجالس قصف وطرب، فيها النديم والساقي والقيان، فوصفها جميعا ~~وأحسن وصفها، وإنا لنلمس روحا نواسيا في قوله: # لا يستفيقون منها وهي راهنة # إلا بهات، وإن علوا، وإن نهلوا # فهذه السكرات الطويلة التي لا يستفيق منها صاحبها، إلا ليرجع إليها، هي التي ~~يمثلها لنا الأعشى بقوله: # وكأس، شربت على لذة # وأخرى، ms156 تداويت منها بها # فيردد أبو نواس بعده: «وداوني بالتي كانت هي الداء ...» # وإذا كان الأعشى سأل بشعره وتكسب، فلكي يلهو ويعبث، لا ليجمع المال ويحرص ~~عليه. فالرواة يذكرون لنا أن داره في منفوحة كانت مجتمع الفتيان، يأكلون عنده ~~ويشربون، ويذكرون أيضا، أن فتيان منفوحة لم ينسوا شاعرهم بعد موته فكانوا ~~يأتون إلى قبره ويسكرون عنده ويريقون الأقداح على ثراه؛ ليأخذ الميت نصيبه من ~~الراح. ~~(2-7) اللاميتان # أشرنا إلى لاميتي الأعشى، فيجدر بنا أن نجعل لهما قسطا من التحليل ولو ~~قليلا، فنظهر بعض خصائص في الشاعر لا ينبغي إغفالها، وإن كنا قصرنا الدرس ~~والنقد على شعره الخمري. قال مستهلا إحداهما: # ودع هريرة إن الركب مرتحل # وهل تطيق وداعا، أيها الرجل؟ # ثم يمعن في الغزل حتى ينتهي إلى وصف الخمرة ومجلس اللهو، فينتقل إلى وصف ~~السفر والناقة فلا يلمسهما إلا قليلا، ولكنه يفيض في وصف البرق والمطر: # بل، هل ترى عارضا قد بت أرمقه # كأنما البرق في حافاته شعل # 63 # ولكنه لا يبلغ فيه شأو امرئ القيس: ثم ينبري لرجل يقال له يزيد الشيباني، ~~وكانت بينهما ملاحاة، فيهدده ويفتخر عليه، ويذكر له انتصارات قومه على القبائل، ~~وفي هذا القسم يختتم طويلته. # ويبتدئ اللامية الأخرى بقوله: # ما بكاء الكبير بالأطلال # وسؤالي، وما ترد سؤالي؟ # 64 # وبعد أن يتغزل ويذكر الفراق، يصف ناقته ويشبهها بحمار الوحش في سرعتها، ويشبه ~~عظام صدرها بإران # 65 # الميت كما شبهها طرفة. ثم يتخلص إلى مدح الأسود بن المنذر أخي ~~النعمان، فيطيل في مدحه ويبالغ، ثم ينصرف إلى نفسه، ذاكرا مشيبه متذكرا ~~شبابه، ثم يشرع بوصف لهوه وعبثه وجواده وصيده فيذكرنا بامرئ القيس. # هذا هو الأعشى في خمرياته وغير خمرياته، على ما في شعره من سهولة وانسجام ~~وجلاء شأن غيره من شعراء ربيعة. ولكن هناك ملحوظة ذات قيمة لا بد من الإشارة ~~إليها، وهي أن الشعر في أواخر هذا العصر، ظهر عليه التطور ظهورا عاما، فوضحت ~~معانيه وسهلت ألفاظه، وقل غريبه. فأصبح الشارح لا يحتاج إلى سوى تفسير بعض ms157 ~~الألفاظ، حتى يتضح معنى البيت، ونستطيع أن نتبين هذا التطور في أكثر الشعراء ~~الذين أدركوا الإسلام أو كادوا، والأعشى خير مثال لهم في جلاء أفكاره، وظهور ~~معانيه، ونعومة ألفاظه، وسلاسة قوافيه. ~~(2-8) منزلته # وضعه ابن سلام في الطبقة الأولى بعد امرئ القيس والنابغة وزهير، وكان أهل ~~الكوفة يقدمونه عليهم جميعا، وسئل يونس بن حبيب النحوي: «من أشعر الناس؟» ~~فقال: «لا أومئ إلى رجل بعينه، ولكن أقول: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا ~~رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.» وكان عمرو بن العلاء يعظم محله ~~ويقول: «مثله مثل البازي يضرب كبير الطير وصغيره.» وإذا سئل عنه وعن لبيد ~~قال: «لبيد رجل صالح، والأعشى رجل شاعر.» وروي أن عبد الملك بن مروان قال ~~لمؤدب أولاده: «أدبهم برواية شعر الأعشى فإنه - قاتله الله - ما كان أعذب ~~بحره، وأصلب صخره!» وقال المفضل الضبي: «من زعم أن أحدا أشعر من الأعشى فليس ~~يعرف الشعر.» وقال أبو عبيدة: «من قدم الأعشى، يحتج بكثرة طواله الجياد، ~~وتصرفه في المديح والهجاء، وسائر فنون الشعر، وليس ذلك لغيره.» وقال يحيى بن ~~الجون العبدي راوية بشار: «نحن حاكة الشعر في الجاهلية والإسلام، ونحن أعلم ~~الناس به. أعشى قيس أستاذ الشعراء في الجاهلية، وجرير الخطفي أستاذهم في ~~الإسلام.» وقال أبو عبيدة أيضا: ~~«الأعشى هو رابع الشعراء المعدودين، وهو يقدم على طرفة؛ لأنه أكثر عدد طوال ~~جياد، وأوصف للخمر، وأمدح وأهجى.» وسئل حماد الراوية: «من أشعر الناس؟ فقال: ~~«ذاك الأعشى صناجها». وشهد له الأخطل فقال: «هو والمسيح أشعر مني.» # وفي الأعشى أقوال كثيرة غير هذه لا نرى حاجة إلى ذكرها، فإن ما أوردناه كاف ~~لإظهار منزلة الشاعر عند الأئمة والأدباء الأقدمين. على أن هناك قولا لبعضهم ~~ينطبق على الخاصة التي درسناها في شعره الخمري، وهو قولهم: «الأعشى في الجاهلية ~~كالحسن في الإسلام.» ويعنون بالحسن أبا نواس الحسن بن هاني، وهذا التشبيه صحيح، ~~إذا وضعنا حدا بين العصر الذي عاش به الأعشى، وما فيه من بداوة وخشونة، ~~والعصر الذي عاش به أبو ms158 نواس، وما فيه من ترف ورخاء، فالأعشى كان يتعهر ~~ويتطلب اللذة المادية في حبه وسكره ولهوه، وهكذا كان أبو نواس في العصر العباسي ~~الأول. فكلا الشاعرين لها، وعبث، وتعهر على قدر ما أباحت له البيئة التي عاش ~~فيها، وقد ظهر لهوه، وعبثه، وتعهره في شعره، فليس إذا بمستنكر أن نقول: ~~«الأعشى في الجاهلية كالحسن في الإسلام.» ~~(3) الخنساء (646م/24ه) ~~(3-1) حياتها # هي تماضر بنت عمرو بن الحارث ~~بن الشريد من بني سليم، ينتهي نسبها إلى مضر، وتكنى أم عمرو، وتلقب ~~بالخنساء، # 66 # ولقبها غلب على كنيتها. # وكانت في أول عمرها من أجمل نساء عصرها، ورآها دريد بن الصمة ~~تهنأ # 67 # بعيرا لها، فأعجبته، فجاء يخطبها إلى أبيها، فقال له أبوها: ~~«مرحبا بك يا أبا قرة، # 68 # إنك للكريم لا يطعن في حسبه، والسيد لا يرد عن حاجته، ~~والفحل لا يقرع أنفه، # 69 # ولكن لهذه المرأة في نفسها ما ليس لغيرها، وأنا ذاكرك لها وهي ~~فاعلة.» ثم دخل إليها وقال لها: «يا خنساء، أتاك فارس هوازن، سيد بني جشم ~~دريد بن الصمة يخطبك.» وكان دريد يسمع حديثهما، فقالت: «يا أبت، أتراني ~~تاركة بني عمي مثل عوالي الرماح، وناكحة شيخ بني جشم، هامة # 70 # اليوم أو غد؟» ثم أنشأت تقول: # أتكرهني، هبلت! على دريد # وقد طردت سيد آل بدر؟ # 71 # معاذ الله يرضعني حبركى # قصير الشبر، من جشم بن بكر # 72 # يرى مجدا، ومكرمة أتاها # إذا عشى الصديق جريم تمر # 73 # ولو أصبحت في جشم هديا # إذا أصبحت في دنس وفقر # 74 # فخرج إليه أبوها فقال: «يا أبا قرة قد امتنعت، ولعلها أن تجيب فيما بعد.» ~~فقال دريد: «قد سمعت قولكما.» وانصرف غضبان، وله من قصيدة في هجو ~~الخنساء: # وقاك الله با ابنة آل عمرو # من الأزواج أشباهي، ونفسي # 75 # فلا تلدي ولا ينكحك مثلي # إذا ما ليلة طرقت بنحس # 76 # وتزعم أنني شيخ كبير # وهل خبرتها أني ابن خمس؟ # 77 # تريد شرنبث القدمين شثنا # يقلع بالجديرة كل كرس # 78 # وما قصرت يدي ms159 عن عظم أمر # أهم به، ولا سهمي بنكس # 79 # فقيل للخنساء: «ألا تجيبينه؟» فقالت: «لا أجمع عليه أن أرده؛ وأن ~~أهجوه.» # ثم تزوجت رواحة بن عبد العزيز ~~السلمي، فولدت له عبد الله، ثم خلف عليها مرداس بن أبي عامر السلمي، ~~فولدت له يزيد ومعاوية وعمرا وبنتا اسمها عمرة. # روى علقمة بن جرير قال: «لما كانت ليلة زفاف عمرة، كانت أمها جالسة ~~ملتفة بكساء أحمر، وقد هرمت، وكانت تلحظ ابنتها لحظا شديدا. فقال القوم: «يا ~~عمرة، ألا تحرشت بها، فإنها الآن تعرف بعض ما أنت فيه.» فقامت عمرة تريد حاجة، ~~فوطئت على قدمها وطأة أوجعتها، فقالت لها، وقد اغتاظت: «أف لك يا حمقاء! إنني ~~كنت أحسن منك عرسا وأطيب ورسا، # 80 # وأرق منك نعلا، # 81 # وأكرم بعلا، # 82 # وذلك إذ كنت فتاة أعجب الفتيان، لا أذيب الشحم، # 83 # ولا أرعى البهم، # 84 # كالمهرة الصنيع، # 85 # لا مضاعة، ولا عند مضيع.» فضحك القوم من غيظها. ~~(3-2) مقتل أخويها # وكان للخنساء أخوان: أحدهما معاوية، وهو أخوها لأمها، والثاني صخر، وهو ~~أخوها لأبيها، وكان أحبهما إليها، واستحق صخر ذلك لأمور منها: أنه كان موصوفا ~~بالحلم، مشهورا بالجود، معروفا بالتقدم والشجاعة، محظوظا في العشيرة، وأجمل ~~رجل في العرب. # قيل: إن عمرو بن الشريد أبا معاوية وصخر، كان يأخذ بيدي ابنيه ويقول: «أنا ~~أبو خيري مضر» فتعترف له العرب بذلك. # وكان مقتل معاوية في يوم حورة الأول ~~نحو سنة 612 للمسيح وهو يوم لسليم على غطفان، وقاتله هاشم بن حرملة ... ابن ~~مرة الغطفاني، وغزا صخر بني مرة في العام التالي فأصاب منهم، وقتل دريدا أخا ~~هاشم، وكان ذلك يوم حورة الثاني، ثم قتل هاشم بن حرملة، وقاتله عمر بن قيس ~~الجشمي، وفيه تقول الخنساء: # فدى للفارس الجشمي نفسي # وأفديه بما لي من حميم # 86 # وأما صخر فكان هلكه # 87 # بجرح رغيب # 88 # أصابه في حرب الكلاب أو ذات الأثل، # 89 # وهو يوم بين سليم وأسد، فمرض من ذلك، وطال مرضه حتى ملته زوجه ~~سلمى. فإذا عاده ms160 عائد وسألها على باب الخباء: «كيف أصبح صخر الغداة، وكيف بات ~~البارحة؟» قالت: «لا هو حي فيرجى، ولا ميت فينعى.» فيسمعها صخر فيشق ذلك ~~عليه، وإذا سأل أمه أجابت: «أرجى له منا من يومنا، ولا نزال بخير ما رأينا ~~سواده # 90 # فينا.» وأفاق صخر بعض الإفاقة، فأراد قتل زوجته فقال: «ناولوني ~~سيفي لأنظر كيف قوتي.» فناولوه، فلم يطق حمله، وفي ذلك يقول: # أرى أم صخر لا تمل عيادتي # وملت سليمى مضجعي ومكاني # وما كنت أخشى أن أكون جنازة # عليك، ومن يغتر بالحدثان؟ # 91 # أهم بأمر الحزم لو أستطيعه # وقد حيل بين العير والنزوان # 92 # وللموت خير من حياة كأنها # معرس يعسوب برأس سنان # 93 # وأي امرئ ساوى بأم حليلة # فلا عاش إلا في شقا وهوان # 94 # ثم نكس بعد ذلك في مرضه، فمات في سنة ~~615م فوجدت # 95 # به الخنساء وجدا عظيما، وجلست على قبره زمانا طويلا تبكيه ~~وترثيه، وفيه جل مراثيها. ~~(3-3) الخنساء في الإسلام # ولما ظهر الإسلام قدمت الخنساء في قومها بني سليم فأسلموا جميعا، وقيل: ~~رآها عمر بن الخطاب فسألها: «ما أقرح مآقي عينيك؟» قالت: «بكائي على السادات من ~~مضر.» قال: «يا خنساء، إنهم في النار.» قالت: «ذاك أطول بعويلي عليهم، إني ~~كنت أبكي لهم من الثار، وأنا اليوم أبكي لهم من النار.» # وحكي: أنها أقبلت في خلافته حاجة، فنزلت بالمدينة في زي الجاهلية، فقام ~~إليها عمر في أناس من أصحابه، فإذا هي على ما وصف له، فعذلها ووعظها، وقال ~~لها: «إن الذي تصنعين ليس صنع الإسلام، وإن الذين تبكين هلكوا في الجاهلية؛ ~~وهم أعضاء اللهب وحشو جهنم.» فقالت: «اسمع مني ما أقول في عذلك إياي، ولومك ~~لي.» فقال: «هاتي» فأنشدته: # سقى جدثا، أكناف غمرة دونه # من الغيث، ديمات الربيع، ووابله # 96 # أعيرهم سمعي، إذا ذكر الأسى # وفي القلب منه زفرة ما تزايله # 97 # وكنت أعير الدمع، قبلك، من بكى # فأنت، على من مات بعدك، شاغله # 98 # فتعجب عمر من بلاغتها، وقال: «دعوها فإنها لا تزال حزينة ms161 أبدا.» # ورأت عائشة زوج النبي على الخنساء صدارا # 99 # من شعر، فقالت: «يا خنساء، أتلبسين الصدار وقد نهى الرسول عنه؟» ~~قالت «لم أعلم بنهيه.» قالت: «ما الذي بلغ بك ما أرى؟» قالت: «موت أخي صخر، ~~ولصداري سبب.» قالت: «وما هو؟» قالت: «زوجني أبي رجلا متلافا لماله، فأسرع ~~فيه حتى نفد، فقال لي: «أين تذهبين يا خنساء؟» فقلت: «إلى أخي صخر.» فلقيناه، ~~فقسم ماله بيننا وبينه شطرين، ثم خيرنا، فقالت له زوجه: «أما كفاك أن تقسم ~~مالك حتى تخيرهم؟» فقال: # والله لا أمنحها شرارها # وهي حصان قد كفتني عارها # 100 # ولو هلكت مزقت خمارها # واتخذت من شعر صدارها # 101 # فلما هلك اتخذت هذا الصدار، والله لا أخلف ظنه، ولا أكذب قوله ما ~~حييت.» # وشهدت الخنساء حرب القادسية # 102 # ومعها بنوها الأربعة، وكانوا رجالا، فقالت لهم من أول الليل: «يا ~~بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، ~~إنكم لبنو رجل واحد، # 103 # كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا ~~هجنت # 104 # حسبكم، ولا غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من ~~الدار الفانية. اصبروا وصابروا ورابطوا # 105 # واتقوا الله لعلكم تفلحون. فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ~~ساقها # 106 # فتيمموا وطيسها، # 107 # وجالدوا رئيسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد ~~والقيامة.» # فلما أصبحوا باكروا مراكزهم، فتقدموا واحدا بعد واحد، وهم يرتجزون ذاكرين ~~وصية العجوز، حتى قتلوا عن آخرهم، فبلغها الخبر فقالت: «الحمد لله الذي شرفني ~~بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة.» # وكان عمر يعطيها أرزاق بنيها الأربعة مئتي درهم عن كل واحد حتى قبض. # وتوفيت الخنساء في أول خلافة عثمان وكان موتها في البادية. ~~(3-4) آثارها # ديوان شعر طبع في بيروت، كله في رثاء أخويها ولا سيما صخر، وأكثره قيل في ~~الجاهلية، ولذلك خالفنا رأي من يعدها من الشعراء المخضرمين. # 108 ~~(3-5) ميزتها - الرثاء # الخنساء، ما الخنساء؟ ... إن هي إلا قمرية # 109 # على الغصون تبكي لفقد أليفها، فإذا ms162 شجاك نوح القماري، فشعر ~~الخنساء لا بد أن يشجوك. فهو ذوب العاطفة المتألمة، والنفس الدامية، والوفاء ~~الأخوي الثاكل. # وإذا همت الخنساء برثاء صخر، وصخر شقيق روحها، سابقتها الدموع إلى رثائه، ~~فتفجرت من مآقيها، فإذا هي لا ترى غير عينيها عونا لها على الأسى، فتخاطبهما ~~بشعرها، وما أكثر ما تستهل الخنساء قصائدها بخطاب عينيها، وإذا هي آنست في ~~عينها جمودا أنبتها على بخلها، فكأنها لا تريدها إلا مغرورقة ندية، وإذا ~~انتهت من حديث عينيها، فرغت للتلهف على أخيها، وتعداد شمائله وخلاله، فما تدع ~~مكرمة إلا جعلتها فيه، ولا حسنة إلا وصفته بها. فهو أشجع الناس، وأكرمهم، ~~وأعفهم، وأجملهم، وأنجدهم. ومما يزيد رثاءها حسنا أن مدحها لصخر لا يشوبه ~~التكلف والجفاف، وإنما هو مشبع بصدق اللهجة وصدق العاطفة معا؛ يرافقه ~~التفجع في جميع أقسامه، ولعل الغلو أظهر خاصة في الخنساء، فهي مغالية في ~~حزنها ولوعتها، مغالية فيما تنعت به صخرا من النعوت الحسنة، ولكنه غلو صادق من ~~حيث تفجعها وبريء من حيث وصفها لأخيها. فنحن نشعر بشدة آلامها عندما تذرف ~~الدموع السخينة، وتخاطب عينيها، ونتبين إعجابها الكثير بأخيها، عندما تصف ~~شجاعته فتصوره أسدا تاما بأنياب وأظفار، شثن البراثن، لاحق الأقراب. أو تصف ~~جوده، فتجعله مأوى اليتيم، وغاية المنتاب، بارزا بالصحن مهمارا. أو تصف ~~جماله، فهو البدر في صورته ومحياه. # ولا يقتصر غلوها على المعاني وما فيها من صور مادية بارزة، بل يتناول ألفاظها ~~أيضا، فأكثر ما يكون لفظها في صيغ المبالغة التي تترك أثرا محسوسا في النفس. ~~فمن تعابيرها الخاصة قولها: شهاد أندية، حمال ألوية، هباط أودية، نحار، ~~مغوار، مسعار، أغر أبلج، أو أغر أزهر ... إلى غير ذلك من أمثلة المبالغة. ~~ولها تعابير فخمة تتضمن الغلو في نفسها، مثال قولها: ضخم الدسيعة، إذا ركبت ~~خيل لخيل ... وقد تختم رثاءها بالوقوف على القبر الذي ضم رفات أخيها، فما ~~تدري كيف تظهر له تلك النعمة التي حلت عليه بحلول صخر فيه ... ماذا يواري ~~القبر من كرم ...؟ أو من خير ...؟ أو من خلائق عفات مطاهير ms163 ...؟ # فيتبين من كل ذلك أن رثاء الخنساء عاطفي بحت، لا يشوبه تكلف، ولا يرتفع بها ~~الفكر إلى المعاني الحكمية التي نجدها في رثاء لبيد لأخيه. فهي حزينة لا ~~تتعزى، وضعيفة لا تملك أن تعظ نفسها، ونادبة تهيج البواكي، وتستحث قومها ~~على إدراك الثأر، وتثير نخوتهم بذكر مناقب أخيها، وإذا خطر لها أن تتأسى شيئا، ~~فلكي تمنع نفسها عن الانتحار، لا عن التفجع والبكاء. # ومما يجدر ذكره أن شعر الخنساء خال من القصائد الطوال التي عرفناها في ~~الشعراء الجاهليين. فأطول قصيدة لها الرائية: «قذى بعينيك أم بالعين ~~عوار ...» وهي لا تتجاوز الخمسة والثلاثين بيتا، وأكثر شعرها أبيات ~~ومقطعات، أو قصائد قصيرة. ولعل ذلك ناتج بعضه عن ضعف المخيلة في المرأة، ~~وبعضه الآخر عن وحدة موضوع الشاعرة، وعدم تعدد أغراضها. فهي لم تطرق غير ~~الرثاء، بما فيه من تفجع ومدح، وما يتبع المدح من ذكر غزوة، دون أن تعمد إلى ~~وصف الحرب وتصويرها، وإنما تجعل همها في النواح على صخر، وإطراء شمائله ~~وتمثيلها ماديا، مما جعل أفكارها محصورة في صور محدودة المعاني ~~والتعابير. # على أن قصر قصائدها لا يضير شاعريتها، ولا يحط من منزلتها الأدبية فإنما هو ~~زفرات متقطعة، وأفلاذ من حشاشتها الدامية. ~~(3-6) منزلتها # هي أشعر النساء، وتفضل على كثير من فحول الشعراء. وقد عدها ابن سلام ~~الثانية بين أصحاب المراثي، فقدم عليها متمم بن نويرة، وقدمها على أعشى ~~باهلة، وكعب بن سعد الغنوي، وروي أن جريرا سئل: «من أشعر الناس؟» فقال: ~~«أنا، لولا هذه الخبيثة» - يعني الخنساء - ~~ففضلها على جميع الشعراء، وقدمها بشار على الرجال. # وكان النبي محمد يعجب بشعرها ، ويستنشدها فتنشده، وهو يقول: «هيه يا ~~خناس!» ويومئ بيده. # وقصارى القول: إن شعر الخنساء مثال للرقة على غير ضعف، وعنوان الرثاء العاطفي ~~غير مدافع. ~~(3-7) درس أدبي تاريخي # زعم الرواة أن الخنساء وقفت في ~~سوق عكاظ، فأنشدت النابغة # 110 # قصيدتها «الرائية» التي رثت بها صخرا، فأعجبه شعرها، وقال لها: ~~«اذهبي فأنت أشعر من كل ذات ثديين، ولولا أن أبا بصير ms164 # 111 # أنشدني قبلك لفضلتك على شعراء هذا الموسم.» وكان ممن عرض شعره ~~حسان بن ثابت فغضب وقال: «أنا أشعر منك ومنها.» فقال النابغة: «ليس الأمر كما ~~ظننت.» # وهنا يزعم بعض الرواة أن النابغة قبض على يد حسان وقال: «يا ابن أخي، أنت لا ~~تحسن أن تقول: # وإنك كالليل الذي هو مدركي # وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # فخنس # 112 # حسان لقوله، ويزعم غيرهم أن النابغة التفت إلى الخنساء وقال: ~~«خاطبيه يا خناس.» فقالت له: «ما أجود بيت في قصيدتك هذه التي عرضتها ~~آنفا؟» قال: قولي فيها: # لنا الجفنات الغر، يلمعن في الضحى # وأسيافنا يقطرن، من نجدة، دما # 113 # فقالت: «ضعفت افتخارك وأنزرته # 114 # في ثمانية مواضع في بيتك هذا.» قال: «وكيف ذلك؟» قالت: «قلت: ~~الجفنات، والجفنات ما دون العشر، ولو قلت: الجفان لكان أكثر، وقلت: الغر، ~~والغرة بياض في الجبهة، ولو قلت: البيض لكان أكثر اتساعا، وقلت يلمعن، واللمع ~~يأتي شيء بعد شيء، ولو قلت: يشرقن لكان أكثر؛ لأن الإشراق أدوم من اللمعان، ~~وقلت: بالضحى، ولو قلت: بالدجى، لكان أكثر طراقا، # 115 # وقلت: أسياف، والأسياف ما دون العشرة، ولو قلت: سيوف لكان أكثر، ~~وقلت: يقطرن، ولو قلت: يسلن لكان أكثر، وقلت: دما، والدما أكثر من ~~الدم.» فسكت حسان ولم يحر جوابا. # على أن هذا النقد فيه كثير من التكلف والتعنت لا تصح نسبته إلى شاعرة في ~~الجاهلية خالية الذهن من قواعد اللغة، بعيدة من التصنع الذي ينافي فطرتها ~~الطبعية. أضف إلى ذلك أن ناقد البيت لم يصب في نقده؛ لأن باب المجاز واسع في ~~اللغة، ولولا المجاز لضاقت العربية على أبنائها، وسدت في وجوههم مذاهبها. هذا ~~وإن جموع القلة تستعمل للكثرة كما تستعمل جموع الكثرة للقلة، وقد يستغنى ~~ببعض أبنية القلة عن بعض أبنية الكثرة كرجل وأرجل، وببعض أبنية الكثرة عن ~~بعض أبنية القلة كرجل ورجال، والخنساء نفسها لم يسلم شعرها من استعمال جمع ~~القلة للكثرة، ولا يسلم منه شاعر في الجاهلية والإسلام. قال السموأل: # وأسيافنا في كل شرق ومغرب ms165 # بها من قراع الدارعين فلول # 116 # وقالت الخنساء: # سقى الإله ضريحا جن أعظمه # وروحه، بغزير المزن هطال # 117 # فالأعظم جمع قلة، مع أن جسم الإنسان يحتوي أكثر من عشر عظام. # وهكذا يمكن القول في الأفعال والأسماء التي تفيد الكثرة والقلة؛ فالأغر ~~يغني عن الأبيض، وإن دل في أصله على بياض الجبهة، فيقال وجه أغر، ولا يراد ~~به الجبين وحده، ولمع يقوم مقام أشرق توسعا، وعلى سبيل المجاز، ونرى أن قوله: ~~«يلمعن في الضحى» أوقع من أن يقول: يشرقن؛ لأن الجفنات تلمع في نور الشمس ~~لمعانا ولا تشرق إشراقا. # ولا ندري أين ذهب الناقد بالموضوع الثامن الذي ضعف فيه حسان بيته، فهو لم ~~يذكر لنا إلا سبعة مواضع، ومن الغريب أن ينقل الرواة هذا النقد على اختلاطه ~~مطمئنين، دون أن يبحثوا عن الموضع الثامن الضائع، أو أن يشكوا فيه وفي نسبته ~~إلى الخنساء. # على أننا إذا تركنا النقد الأدبي جانبا، ونظرنا إلى هذه الرواية من حيث ~~التاريخ تبين لنا جليا اصطناعها، وخطأ إسنادها إلى الخنساء. ذلك بأن صخرا ~~أخاها قتل في يوم الكلاب أو يوم ذات الأثل نحو سنة 615م، ونحن نعلم أن ~~النابغة مات سنة 602م، أي في السنة التي قتل فيها النعمان بن المنذر، أو في ~~سنة 604م على رأي بعضهم، فكيف تسنى للخنساء أن ترثي صخرا، وتقف «برائيتها» ~~في سوق عكاظ، وتنشدها أمام النابغة مع أن النابغة هلك قبل أخيها بنحو إحدى عشرة ~~سنة على أقل تقدير ...؟ فالرواية - كما ترى - ~~باطلة من أساسها، وربما كانت أثرا باقيا من عداء القرشيين والأنصار، أريد ~~باختلاقها الطعن في شاعرية حسان بن ثابت الأنصاري. ~~(4) الحطيئة (أدرك معاوية) # 118 ~~(4-1) حياته # هو جرول بن أوس بن مالك العبسي، ينتهي نسبه إلى مضر، ويلقب بالحطيئة ~~لقصره وقربه من الأرض، ويكنى أبا مليكة، ومليكة ابنته، ولكن لقبه ~~غلب على كنيته. # وكان مغموزا في نسبه؛ لأن أمه أمة ~~يقال لها الضراء، وأباه أوسا مات ولم يعترف به، وكان لأوس زوج حرة من بني ~~ذهل له منها ms166 ولدان، وكان للذهلية أخ يسمى الأفقم لفقمه. # 119 # فلما ولد الحطيئة جاء دميما شبيها به؛ فنسبته الضراء إلى ~~الأفقم، ولم تنسبه إلى أوس خوفا من مولاتها، فنشأ الحطيئة متدافع النسب بين ~~القبائل. فكان إذا دفعته عبس غضب عليها وقال أنا من ذهل، وإذا دفعته ذهل غضب ~~عليها وانتسب إلى عبس. # روي أنه أتى أهل القرية # 120 # وهم بنو ذهل، وطلب ميراثه من الأفقم ومدحهم بقوله: # إن اليمامة خير ساكنها # أهل القرية، من بني ذهل # الضامنون لمال جارهم # حتى يتم نواهض البقل # 121 # قوم إذا انتسبوا، ففرعهم # فرعي، وأثبت أصلهم أصلي # فدفعوه ولم يعطوه شيئا، فحول المديح هجاء: # إن اليمامة شر ساكنها # أهل القرية، من بني ذهل # ثم عاد إلى بني عبس وانتسب إلى أوس بن مالك. ~~(4-2) الحطيئة والإسلام # وأدرك الحطيئة الإسلام فانتحله دينا، ولكنه كان مغموز العقيدة كما كان مغموز ~~النسب. فلما توفي النبي ارتد الحطيئة في جملة المرتدين، وقال في ذلك: # أطعنا رسول الله إذ كان بيننا # فيا لعباد الله، ما لأبي بكر؟ # أيورثها بكرا، إذا مات، بعده # وتلك، لعمر الله، قاصمة الظهر # 122 # ولكنه لم يجاهر بكفره، بل ظل يتكلف الدين رهبة لا رغبة، وفي نفسه ما فيها ~~من النزوع إلى عيشة البدوي الحر الذي لم يكن قبل الإسلام يتقي سلطانا، ولا ~~يرعى نظاما. ~~(4-3) هجاؤه الزبرقان # 123 # كان النبي قد ولى الزبرقان بن بدر التميمي عملا. فلما ولي الخلافة ~~عمر بن الخطاب قدم عليه الزبرقان في سنة مجدبة؛ ليؤدي صدقات قومه. فلقيه ~~الحطيئة بقرقرى # 124 # ومعه ابناه أوس وسوادة وبناته وامرأته، فقال له الزبرقان وقد ~~عرفه، ولم يعرفه الحطيئة: «أين تريد؟» قال: «العراق فقد حطمتنا هذه السنة.» ~~قال: «وتصنع ماذا؟» قال: «وددت أن أصادف رجلا يكفيني مؤونة عيالي وأصفيه مدحي ~~أبدا.» فقال له الزبرقان: «قد أصبته، فهل لك فيه يوسعك لبنا وتمرا، ~~ويجاورك أحسن جوار وأكرمه؟» فقال له الحطيئة: «هذا وأبيك، العيش، وما كنت أرجو ~~هذا كله.» قال: «فقد أصبته.» قال: «عند من؟» قال: «عندي.» قال: ms167 «ومن أنت؟» قال: ~~«الزبرقان بن بدر.» قال: «وأين محلك؟» قال: «اركب هذه الإبل، واستقبل مطلع ~~الشمس، وسل عن القمر حتى تأتي منزلي.» وكتب إلى زوجه أن تحسن إليه. # فسار الحطيئة وعياله إلى منزل ~~الزبرقان، فلقي من زوجه إكراما وإحسانا. فبلغ ذلك بغيض بن عامر بن شماس ... ~~ابن قريع التميمي، وكان جده جعفر يلقب بأنف الناقة، # 125 # فأرسل إلى الحطيئة أن يأتيه فأبى؛ فدس بغيض وإخوته إلى هنيدة ~~امرأة الزبرقان أن زوجها إنما يريد أن يتزوج مليكة بنت الحطيئة، وكانت ~~جميلة كاملة، فظهرت من المرأة للشاعر جفوة، وهي في ذاك تداريه. ثم أرادوا ~~النجعة # 126 # فتقدموه، وتركوه يومين أو ثلاثة ولم يرجعوه إليهم. فألح عليه بنو ~~أنف الناقة وقالوا له: «قد تركت بمضيعة.» فأجابهم الحطيئة وسار معهم ~~فضربوا له قبة، وربطوا له بكل طنب # 127 # من أطنابها جلة هجرية # 128 # وأراحوا # 129 # عليه إبلهم، وأكثروا له من التمر واللبن، وأعطوه لقاحا # 130 # وكسوة. فلما قدم الزبرقان سأل عنه فأخبر بقصته، فركب فرسه وأخذ ~~رمحه، وسار حتى وقف على نادي بني شماس القريعيين، فقال: «ردوا علي جاري.» ~~فأبوا، وأوشك أن يكون بين الحيين حرب. ثم خير الحطيئة فاختار القريعيين. ~~فجاء الزبرقان ووقف عليه وقال: «أبا مليكة، أفارقت جواري عن سخط وذم؟» ~~قال: «لا»، فانصرف وتركه. # فجعل الحطيئة يمدح بني أنف الناقة من غير أن يهجو الزبرقان، وهم يحضونه على ~~ذلك، فيأبى، ويقول: «لا ذنب للرجل عندي.» ~~حتى أرسل الزبرقان إلى رجل من ~~النمر بن قاسط، يقال له دثار بن شيبان، فهجا بغيضا بأبيات منها: # وما أضحى لشماس بن لأي # قديم في الفعال، ولا رباء # 131 # سوى أن الحطيئة قال قولا # فهذا من مقالته جزاء # 132 # فحينئذ هجا الحطيئة الزبرقان وناضل عن بغيض في قصيدته التي يقول ~~فيها: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد، فإنك أنت الطاعم الكاسي # فاستعدي عليه الزبرقان عمر بن الخطاب، فرفعه عمر إليه، واستنشده القصيدة، ~~فأنشده إياها، فقال عمر: «ما أسمع هجاء ولكنها معاتبة.» فقال الزبرقان: ~~«أما تبلغ مروءتي ms168 إلا أن آكل وألبس؟» فقال عمر: «علي بحسان.» فجيء به، ~~فسأله، فقال: «لم يهجه ولكن سلح عليه.» فألقاه عمر في بئر وحبسه، حتى كلمه ~~فيه عمرو بن العاص وغيره، فأخرجه من السجن، ودخل الحطيئة عليه فأنشده قصيدته ~~التي يقول فيها: # ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ # زغب الحواصل، لا ماء ولا شجر؟ # فبكى عمر. فقال عمرو بن العاص: «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء ~~أعدل من رجل يبكي على تركه الحطيئة.» # وروى أن عمر اشترى من الحطيئة أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، وقال له: ~~«إياك وهجاء الناس!» قال: «إذن يموت عيالي جوعا، هذا مكسبي ومنه ~~معاشي.» ~~(4-4) موته ووصيته # اختلف في تاريخ موته، فزعم ~~بعضهم أنه مات في أواخر خلافة عمر، وقال غيرهم إنه أدرك معاوية بن أبي سفيان، ~~ونحن نميل إلى ترجيح القول الثاني استنادا إلى أخباره وشعره. فقد جاء في ~~الأغاني بالإسناد إلى زيد بن أسلم عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب لما أطلق ~~الحطيئة قال له: «يا حطيئة، كأني بك عند فتى من قريش، وقد بسط لك ~~نمرقة # 133 # وكسر لك أخرى وقال: «غننا يا حطيئة» فطفقت تغنيه بأعراض ~~الناس.» فما انقضت الدنيا حتى رأيت الحطيئة عند عبيد الله بن عمر، وقد بسط ~~نمرقه وكسر له أخرى، وقال: «غننا يا حطيئة» فجعل يغنيه. فقلت له: «يا حطيئة ~~أتذكر قول عمر؟» ففزع وقال: «يرحم الله ذلك المرء، أما إنه لو كان حيا ما ~~فعلت.» وقلت لعبيد الله: «سمعت أباك يقول كذا وكذا، فكنت أنت ذلك ~~الرجل.» # فمن هذه الرواية نستدل أن عمر بن الخطاب مات قبل الحطيئة، وأن الشاعر لم يهلك ~~في أواخر خلافته كما زعموا، وأما أنه أدرك معاوية فهذا ما نرجع به إلى رواية ~~ثانية وإلى شعر الحطيئة نفسه. # قال ابن قتيبة والأصفهاني: ~~أتى الحطيئة مجلس سعيد بن العاص ، وهو على المدينة يعشي الناس، فلما فرغ ~~الناس من طعامهم وخف من عنده، نظر فإذا رجل على البساط قبيح الوجه كبير ~~السن رث الهيئة، وجاء الشرط ليقيموه وهم ms169 لا يعرفونه. فقال سعيد: «دعوه.» ~~وخاضوا في أحاديث العرب وأشعارهم، فقال الرجل: «ما أصبتم من الشعر أحسنه.» ~~قالوا: «أوعندك علم من ذلك؟» قال: «نعم.» قالوا: «فمن أشعر الناس؟» قال: الذي ~~يقول: # لا أعد الإقتار عدما، ولكن # فقد من قد رزئته الإعدام # 134 # وأراد به أبا دؤاد الإيادي. قالوا: «ثم من؟» قال: «حسبكم بي، والله، إذا ~~وضعت إحدى رجلي على الأخرى، ثم عويت في أثر القوافي عواء الفصيل ~~الصادي.» # 135 # قالوا: «ومن أنت؟» قال: «أنا الحطيئة.» فرحب به سعيد، وقال: «لقد ~~أسأت في كتمانك إيانا نفسك، وقد علمت شوقنا إليك ومحبتنا لك.» وأكرمه وأحسن ~~إليه. فقال يمدحه: # لعمري، لقد أضحى على الأمر سائس # بصير بما ضر العدو، أريب # 136 # سعيد، فلا يغررك خفة لحمه # تخدد عنه اللحم، وهو صليب # 137 # إذا غبت عنا، غاب عنا ربيعنا # ونسقى الغمام الغر حين تؤوب # 138 # فنعم الفتى! نعشو إلى ضوء ناره # إذا الريح هبت، والمكان جديب # 139 # وذكر ابن سلام شيئا من هذا الشعر في طبقات الشعراء. # ومعلوم أن سعيد بن العاص لم يتول أمر المدينة إلا في أيام معاوية، مما يدل ~~على أن الحطيئة أدرك هذا العهد. # ويروى للحطيئة وصية قبل موته، قد يكون فيها شيء من المبالغة والاصطناع، ~~ولكنها لا تخلو من الفكاهة، ولا تعدو نفسية الشاعر ورقة دينه. قال ابن قتيبة ~~وصاحب الأغاني: «لما حضرت الحطيئة الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: «يا أبا ~~مليكة أوص.» فقال: «ويل للشعر من راوية السوء.» قالوا: «أوص رحمك الله يا ~~حطيء.» قال: «من الذي يقول: # إذا أنبض الرامون عنها ترنمت # ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز؟» # 140 # قالوا: «الشماخ.» قال: «أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب.» قالوا: «ويحك أهذه ~~وصية! أوص بما ينفعك!» قال: «أبلغوا أهل ضابئ # 141 # أنه شاعر حيث يقول: # لكل جديد لذة غير أنني # رأيت جديد الموت غير لذيذ» # قالوا: «أوص ويحك بما ينفعك!» قال : «أبلغوا أهل امرئ القيس أنه أشعر العرب ~~حيث يقول: # فيا لك من ليل كأن نجومه # بكل مغار الفتل، شدت بيذبل» ms170 # 142 # قالوا: «اتق الله ودع عنك هذا.» قال: «أبلغوا الأنصار أن صاحبهم # 143 # أشعر العرب حيث يقول: # يغشون حتى ما تهر كلابهم # لا يسألون عن السواد المقبل» # 144 # قالوا: «هذا لا يغني عنك شيئا، فقل غير ما أنت فيه.» فقال: # الشعر صعب، وطويل سلمه # إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه # زلت به إلى الحضيض قدمه # يريد أن يعربه فيعجمه # 145 # قالوا: «هذا مثل الذي كنت فيه.» فقال: # قد كنت أحيانا شديد المعتمد # وكنت ذا غرب على الخصم ألد # فوردت نفسي، وما كادت ترد # 146 # قالوا: «يا أبا مليكة ألك حاجة؟» قال: «لا والله، ولكن أجزع على المديح ~~الجيد يمدح به من ليس له أهلا.» قالوا: «فمن أشعر الناس؟» فأومأ بيده إلى ~~فيه وقال: «هذا الجحير، # 147 # إذا طمع في خير» يعني فمه، واستعبر باكيا. فقالوا له: قل: «لا إله ~~إلا الله.» فقال: # قالت، وفيها حيدة وذعر: # عوذ بربي منكم، وحجر # 148 # فقالوا له: «وما تقول في عبيدك وإمائك؟» فقال: «هم عبيد قن # 149 # ما عاقب الليل النهار.» قالوا: «فأوص للفقراء بشيء.» قال: «أوصيهم ~~بالإلحاح في المسألة فإنها تجارة لا تبور.» قالوا: «فما تقول في مالك؟» قال: ~~«للأنثى من ولدي مثل حظ الذكر.» قالوا: «ليس هكذا قضى الله لهن.» قال: «لكني ~~هكذا قضيت.» قالوا: «فما توصي لليتامى؟» قال: «كلوا أموالهم.» قالوا: «فهل ~~شيء تعهد فيه غير هذا؟» قال: «نعم، تحملونني على أتان # 150 # وتتركونني راكبها حتى أموت. فإن الكريم لا يموت على فراشه، ~~والأتان مركب لم يمت عليه كريم قط.» فحملوه على أتان، وجعلوا يذهبون به ~~ويجيئون عليها حتى مات وهو يقول: # لا أحد ألأم من حطيه # هجا بنيه، وهجا المريه # من لؤمه مات على فريه # 151 ~~(4-5) أخلاقه # ليست أخلاق الحطيئة مما يورث ~~الحمد والثناء، فما تشاء أن تقول فيه من عيب إلا وجدته، فهو كما وصفه الأصمعي: ~~«جشع، سؤول، ملحف، # 152 # دنيء النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيل.» ولعل الجشع # 153 # هو الصفة الجامعة لسائر صفاته القبيحة؛ لأن طمعه ms171 الشديد في المال ~~جعله سؤولا ملحفا، وكثرة التسآل تميت عزة النفس وتحيي الدناءة، ولا بد لدنيء ~~النفس من أن ينافق في مصاحبة الناس، ويتلون بألوان متباينة، وخصوصا إذا كان ~~كالحطيئة معتل النسب، أنكره أقرباؤه، وما اعترف به أبوه، ولم يشرف بأمه، فساءت ~~حاله، وضاق رزقه، فلم يربأ بنفسه عن المداهنة للتكسب والانتفاع، فنافق في مدحه، ~~ونافق في دينه؛ وجارى أهواء الناس في أعدائهم، وجارى هوى نفسه للانتقام ~~والتشفي، فهجا وآلم في هجائه، فكثر شره وقل خيره، ولم يكن بخله الشديد إلا ~~صفة متممة لجشعه ودناءته. فما قولك برجل يمدح الكرام، ويهجو البخلاء، وهو أبخل ~~خلق الله وأجفه يدا؛ # 154 # يطرد أضيافه ويشيعهم بالهجاء. # وللحطيئة في ضيوفه أخبار عجيبة، رواها صاحب الأغاني، منها: أن ابن الحمامة ~~مر به وهو جالس بفناء بيته، فقال: «السلام عليكم.» قال: «قلت ما لا ينكر.» ~~قال: «إني خرجت من عند أهلي بغير زاد.» فقال: «ما ضمنت لأهلك قراك.» قال: ~~«أفتأذن لي أن آتي ظل بيتك فأتفيأ به؟» قال: «دونك الجبل يفيء عليك.» قال: ~~«أنا ابن الحمامة.» قال: «انصرف، وكن ابن أي طائر شئت.» # وضافه رجل من بني رؤاس فهجاه بهذين البيتين: # وسلم مرتين، فقلت: «مهلا! # كفتك المرة الأولى السلاما» # ونقنق بطنه، ودعا: رؤاسا # لما قد نال من شبع، وناما # 155 # على أن في هذا الرجل صفة حسنة، لعلها تشفع له في شيء من جشعه وبخله، وهي ~~حبه لأولاده وحنوه عليهم. فقد ~~رأيناه كيف استعطف عمر بن الخطاب وأبكاه بقوله: «ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ؟» ~~وروى أبو عبيدة: أن الحطيئة أراد سفرا فأتته امرأته، وقد قدمت راحلته ليركب، ~~فقالت: # اذكر تحنننا إليك وشوقنا # واذكر بناتك، إنهن صغار # فقال: «حطوا، لا رحلت لسفر أبدا.» # ويحدثنا محمد بن سلام: أن الحطيئة خرج ~~في سفر له، ومعه امرأته أمامة وابنته مليكة، فنزل منزلا وسرح ذودا له ~~ثلاثا، فلما قام للرواح فقد إحداها فقال: # أذئب القفر، أم ذئب أنيس # أصاب البكر، أم حدث الليالي؟ # 156 # ونحن ثلاثة ، وثلاث ذود # لقد جار ms172 الزمان على عيالي # 157 # ففي هذين البيتين، وفي عدوله عن السفر، وفي استعطافه عمر عاطفة صادقة وحنو ~~ظاهر ملموس. ~~(4-6) آثاره # ديوان في المديح والفخر والنسيب، وخصوصا الهجاء، وهو من أصحاب ~~المشوبات # 158 # ومشوبته مدونة في «جمهرة أشعار العرب» ومطلعها: # نأتك أمامة إلا سؤالا # وأبصرت منها بعين خيالا # 159 ~~(4-7) ميزته # عرفنا أخلاق الحطيئة وصفاته، وعرفنا شيئا من أخباره وطرق معيشته، فيمكننا ~~الآن أن نستند إليها جميعا؛ لنتبين ميزة الشاعر وخصائصه ومنزلته. فشعر الحطيئة ~~صورة ناطقة عن حياته وأخلاقه، وهجاؤه أصدق ترجمان لسرائر نفسه. # على أننا لا نستطيع أن نجلو أساليبه الخاصة في النظم إلا إذا عرفنا أنه كان ~~يروي شعر زهير بن أبي سلمى، ويحذو حذوه في تهذيب قصائده وتنقيحها، ويضرب على ~~غراره في الاعتماد على الصور المادية المحسوسة. # ولكعب بن زهير أبيات في الحطيئة تدلنا على مبلغ تأثر هذا الشاعر بأستاذه ~~وعنايته بتنخل # 160 # أشعاره. روى ابن سلام: أن الحطيئة كان راوية لزهير وآل زهير، فقال ~~لكعب: «قد علمت روايتي شعركم أهل البيت، وانقطاعي إليكم، وقد ذهبت الفحول ~~غيري وغيرك، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك، وتضعني موضعا بعدك، فإن الناس ~~لأشعاركم أروى، وإليها أسرع.» فقال كعب: # فمن للقوافي شانها من يحوكها # إذا ما ثوى كعب وفوز جرول # 161 # كفيتك، لا تلقى من الناس واحدا # تنخل منها مثل ما نتنخل # 162 # نثقفها حتى تلين متونها # فيقصر عنها كل ما يتمثل # 163 # فمن هذه الأبيات نعلم مذهب الحطيئة في تنقيح قصائده وتخير ألفاظها، وهو مذهب ~~زهير وأبناء زهير. وأثر هذا التنخل ظاهر في حلاوة ألفاظ الشاعر ووضوح ~~معانيه. ~~(4-8) هجوه # قد يخيل إلى بعض من يسمعون بشهرة الحطيئة في الهجاء، والنيل من أعراض ~~الناس، أننا سندرس فيه شاعرا بذيئا فحاشا، يخجل الأديب من رواية أشعاره. ~~على حين أن الحقيقة غير ذلك، فلئن كان الحطيئة أكثر شعراء الجاهلية هجوا، لهو ~~أقلهم فحشا، وربما غلبت العفة على لسانه فما ينطق بما تستحي العذراء أن ~~تتلوه لأبيها، ولو نظرنا إلى قصيدته التي ms173 قالها في الزبرقان، وهي أشد قصائده ~~الهجائية لذعا وأبعدها صيتا، لوجدنا أنها من أشرف الشعر، وأعفه وأنقاه. فهو ~~مؤلم في هجائه، ولكنه لا يفحش، بل يقصر همه على رمي مهجوه بالبخل، وضعف ~~الهمة، والقعود عن طلب المعالي، أو يفاضل بينه وبين خصمه فيفضل خصمه عليه. ~~فكأنه يتوخى من هجائه أن يصيب الشخص في منزلته الاجتماعية ليس غير. # فلا ينبغي لك أن تعجب من قول عمر بن الخطاب الزبرقان: «ما أسمع هجاء ولكنها ~~معاتبة.» فعفة القول هي التي جعلت الخليفة الثاني ينكر الهجو ويحمله على محمل ~~العتاب. زد على ذلك براعة الفن، فإن هجاء الزبرقان على شدة لذعه، منظوم في قالب ~~شكوى يتخللها وعظ ومعاتبة. فنظر الإمام عمر صائب من حيث الظاهر، ونظر حسان بن ~~ثابت صائب من حيث الفن. أفليس من العتاب والشكوى قوله: «وقد مدحتكم عمدا ~~لأرشدكم ... أزمعت يأسا ...، جار لقوم ...، ملوا قراه ... إلخ.» أوليست الحكمة ~~السامية في تلك الموعظة: «من يفعل الخير ...؟» ثم ألا ترى الهجو القاتل في قوله: ~~«دع المكارم ... وجرحوه بأنياب ...، لقد مريتكم لو أن درتكم ...، ما ~~كان ذنبي ...، قد ناضلوك ... إلخ.» # وفي شعره صور حسية ناتئة تذكرك ~~زهيرا وصور زهير، فهو يترسم أستاذه في إبراز معانيه بشكل مادي ملموس، تجده ~~في تشبيه الزبرقان بالناقة التي لا تدر، وفي مسحه ضرعها وإبساسه لها، وتجده في ~~استعارته المتح والإمراس لطلب العرف والتملق، وتجده في قوله: «ولم يكن ~~لجراحي فيكم آس» وهو يريد فقره وسوء حاله، وتجده في تجريحه بالأنياب ~~والأضراس، وفي تمثيله مغالبة بغيض والزبرقان بصفاة راسية تقرعها المعاول ~~فتتثلم دونها، وتجده أخيرا في تصويره مفاخرة آل شماس للزبرقان بنضال يخرجون ~~فيه من كنائنهم مجدا تليدا ونبلا غير إنكاس، وأوصيك ألا تغفل عن الصورة ~~الجميلة حيث يقول: «في بائس جاء يحدو آخر الناس.» # هذا، ولو لم يكن لنا رأي آخر في هجاء ~~الحطيئة، لاكتفينا بهذا القدر مثالا لهجوه ومتاجرته بشعره. غير أننا نرى أن ~~هجاء هذا الشاعر على نوعين: نوع تجاري يندفع إليه حبا للمال، كهجوه للزبرقان، ms174 ~~ونوع عاطفي يندفع إليه من تلقاء نفسه حبا للتشفي والانتقام، كهجوه أمه، ~~ونفسه، وأقرباءه، وأضيافه، وهو في هجوه العاطفي أشد مرارة ولذعا منه في هجوه ~~التجاري؛ لأن هذا يأتيه عفوا لا تكلفا. فالحطيئة نشأ مغموز النسب لا يعرف ~~أباه، ونشأ فقيرا محبا للمال حريصا على جمعه، فكان لا ينفك يسأل أمه عن ~~أبيه؛ لينتسب إليه ويرث ماله، وهي تخلط عليه ولا تجيبه جوابا صريحا، فيشتد ~~قهره، ويسخط على أمه الضراء وعلى نفسه، ثم يمضي وهو يقول: # تقول لي الضراء: لست لواحد # ولا اثنين، فانظر كيف شرك أولئكا # وأنت امرؤ تبغي أبا قد ضللته # هبلت! ألما تستفق من ضلالكا؟ # 164 # ويشجوه ألا يجد مالا يرثه فيتلظى سخطا، ويزفر زفرات ملتهبة يقذفها ~~براكين على الضراء. # وتتزوج أمه رجلا مغموز النسب كابنها يقال له الكلب بن كنيس، فما يجد ~~الحطيئة فيه خيرا، ولا يرفع به رأسا، فيهجوه ويهجو أمه معه، وليست نقمته على ~~أمه بأشد منها على نفسه، فإذا ثارت به عاطفة الانتقام لبؤسه وفقره، ولم يجد ~~أحدا يهجوه، رأى من وجهه وقبح صورته موضوعا للهجاء فيقول: # أبت شفتاي اليوم إلا تكلما # بشر، فما أدري لمن أنا قائله # أرى لي وجها شوه الله خلقه # فقبح من وجه، وقبح حامله! # وحبه للمال بل بخله به يحمله على هجو ضيوفه هجوا صادقا، وقد أوردنا شاهدا ~~على ذلك. ~~(4-9) مدحه # قد نظلم الحطيئة إذا اقتصرنا على ذكر هجائه ولم نشر إلى مدحه، وهو متفنن في ~~هذا تفننه في ذاك، ولا غرو، فالمدح عنده كالهجاء آلة للتكسب؛ فإذا لم يدر له ~~المري والإبساس، استعان بالأنياب والأضراس، وإذا أخلف غيث الهجاء، استمطر ~~عارض الثناء. ألا وإن من أروع الشعر استعطافه عمر بن الخطاب ومدحه إياه ففيه ~~كثير من الحلاوة والرقة، وكثير من الحنو الأبوي، ومع أن الحطيئة لم يكن على شيء ~~من الإسلام، فتأثير القرآن ظاهر على شعره، سواء في قوله: «فاغفر، عليك سلام ~~الله يا عمر.» أو في قوله: «من يفعل الخير لا يعدم جوازيه.» وكذلك صلة ms175 الصور ~~المادية بينه وبين أستاذه زهير لم تنقطع في قصيدته هذه، ولا في غيرها، وحسبك ~~منه تشبيهه أولاده بالأفراخ، لما أراد الكلام عليهم، ثم لم يعتمد على ~~الاستعارة المجردة بل رشحها بقوله: «زغب الحواصل» ليزيد صورته الحسية وضوحا ~~وبروزا. # وللحطيئة مديح كثير غير هذا أجاده كل الإجادة، ولكننا نقتصر على ما ذكرنا؛ ~~لأننا أخذنا على أنفسنا أن ندرس فيه خاصة الهجاء وحدها، وهي الخاصة التي شهرته ~~وخلدت ذكره؛ وعسانا أن نكون وفيناها بعض حقها. ~~(4-10) منزلته # للحطيئة منزلة عالية في الشعر يزاحم بها أفحل الشعراء، ويمتاز بحلاوة ألفاظه، ~~ووضوح معانيه، وصحة تعبيره، وإحكام قوافيه، وبعده من الضعف والإسفاف، ولعل ~~الفضل في ذلك لعنايته بتهذيب شعره وتنخله، وقد عده ابن سلام في الطبقة الثانية، ~~وقال فيه: «هو متين الشعر شرود القافية.» # 165 # وروى حماد عن أبيه إسحق قوله: «أما إني ما أزعم أن أحدا بعد زهير أشعر ~~من الحطيئة.» وقال أبو عبيدة: «ما تشاء أن تطعن في شعر شاعر إلا وجدت فيه ~~مطعنا، وما أقل ما تجد ذلك في شعر الحطيئة.» وروي عن أبي صفوان الأحوزي ~~قوله: «ما من أحد إلا لو أشاء أن أجد في شعره مطعنا لوجدته إلا الحطيئة.» ~~وقيل لابن ميادة الشاعر: سبقك الحطيئة إلى قولك: «تمشى به ظلمانه ~~وجآذره» # 166 # فقال: «والله ما علمت أن الحطيئة قال هذا قط، والآن علمت أني شاعر ~~حين واطأت # 167 # الحطيئة.» وقال الأصمعي وقد أنشد شيئا من شعر الحطيئة: «أفسد ~~مثل هذا الشعر الحسن بهجاء الناس وكثرة الطمع.» # ووقف الحطيئة على حسان بن ثابت وهو ينشد، فقال له حسان: «كيف تسمع يا ~~أعرابي؟» قال: «ما أسمع بأسا.» قال حسان: «أما تسمعون إلى الأعرابي! ما كنيتك ~~أيها الرجل؟» قال: «أبو مليكة.» قال: «ما كنت قط أهون علي منك حين اكتنيت ~~بامرأة، فما اسمك؟» قال: «الحطيئة.» فأطرق حسان ثم قال له: «امض ~~بسلام.» # وسئل الحطيئة: من أشعر الناس؟ فأخرج لسانه ثم قال: «هذا إذا طمع.» وقد صدق ~~بقوله، وهو أشهر الشعراء الهجائين الذين ms176 كثر عددهم في الإسلام. # | هوامش # | النثر في الجاهلية # (1) النثر # النثر لغة رمي الشيء متفرقا، وعكسه النظم فهو الضم والتأليف. ومن ذلك قال ~~الأدباء: كلام منثور إذا كان لا يقيده وزن وقافية، وكلام منظوم إذا كان موزونا ~~مقفى. # 1 # والنثر خلاف الشعر يغلب فيه التفكير الصحيح على الخيال المطلق، فلا غرو إذا أن ~~يتقدم الشعر النثر؛ لأن الشعب في فطرته خيالي عاطفي أكثر منه عاقلا مفكرا، ~~ونحن في كلامنا على النثر نعني به الإنشاء الفني لا الكلم الذي تتخاطب به ~~الناس. # وإنه لمن العبث أن نلتمس هذا الفن في الجاهلية، ونضعه في درسنا إلى جانب الشعر؛ ~~لأن ما وصل إلينا منه زهيد لا يعتد به، والسبب في ذلك: أن الإنسان الفطري - على ~~أميته - فيه من قوة المخيلة والحس ما يفسح له في مجال التعبير الشفهي عن عواطفه ~~وتصوراته دون أن يحتاج إلى الكتابة، ومعلوم أن الحياة الجاهلية، في حدودها السياسية ~~والاجتماعية، لا تتسع للفن الكتابي الذي إنما هو ينشأ بنشوء الجماعات المنظمة، ~~وينمو بنمو القوى المفكرة، ويعظم بعظم الحاجة إليه. # ورب معترض يقول: إن الكتابة كانت معروفة عند العرب في جاهليتهم. فنحن لا ننكر ~~ذلك، ولكنهم كانوا يعتمدون عليها في حاجاتهم الاقتصادية، لا لتدوين شعرهم أو نثرهم، ~~وإذا كان الشعر الجاهلي وصل إلينا منه شيء غير قليل؛ فلأن العرب في جاهليتهم نظموا ~~أكثر مما نثروا، ولأن الشعر أسهل للحفظ والرواية من النثر. ~~(2) ميزة النثر الجاهلي # النثر في الجاهلية موسيقي كالشعر، تتخلله أحيانا جمل موزونة مسجعة يأتي بها ~~البدوي دون تكلف، وأكثر الجمل قصيرة موجزة، فيها قوة وبلاغة تعبير، ويمكننا أن ~~نجد أمثلة للنثر الجاهلي في بعض ما وصل إلينا من الخطب والأمثال، ولكن هذه الأمثلة ~~- على قلتها - لا تكفي وحدها لإبداء رأي صحيح في هذا الفن الأدبي. ~~(3) الخطب # لم يكن حظ الخطابة في العصر الجاهلي كحظها في صدر الإسلام، ولكنها وجدت فيه على ~~قدر ما، واشتهر خطباء مصاقع كقس بن ساعدة الإيادي، وأكثم بن صيفي التميمي ~~وغيرهما. # وأكثر ما كانت الخطب ms177 عندهم قصيرة، لقلة تعدد أغراضها، ولأنها أسهل للحفظ، وكانوا ~~يتخيرون لها الألفاظ المأنوسة ، والمعاني الواضحة بغية التأثير والإقناع، وربما ~~تخللها الشعر دون تعمد من الخطيب؛ لأن نثرهم، بما فيه من رنة موسيقية وتقيد ~~أحيانا بالوزن والقافية، يندمج في الشعر من تلقاء نفسه، فيتحول نظما ثم يعود ~~إلى حاله، وربما لا يشعر الخطيب بهذا الاندماج لتشابه النثر والشعر عندهم. # على أن هذا التشابه لا يعني أن العرب في جاهليتهم لم يفرقوا بين النظم والنثر. ~~فقد كان للشعراء مكانة، وللخطباء مكانة دونها. فالشعر أحفظ لمفاخر القبيلة ~~وأنسابها، لأنه أسهل للرواية، ولو كان النثر عندهم كالشعر لوصلت إلينا خطبهم في ~~كثرتها، كما وصلت إلينا أشعارهم. # وقد يكون الشاعر خطيبا، والخطيب شاعرا، ولكن تغلب عليه إحدى الصفتين فيسمى ~~بها، وغالبا يكون خطيب القبيلة شيخها أو أميرها، وقد يكون قاضيها وقائدها ~~معا. # وبعد، فلا يسوغ لنا أن نعد الخطابة في الجاهلية مرتكزة على القواعد العامة، ~~فإنها إنما كانت كالشعر تأتي بعامل السليقة والفطرة، لا بالاعتماد على الفن ~~التعليمي وما فيه من مقدمات ونتائج. وكانت موضوعات الخطب محصورة في أغراض ~~محدودة: ~~(1) # المواعظ الدينية. ~~(2) # المفاخرة والمنافرة. # 2 ~~(3) # التحريض على الأخذ بالثأر. ~~(4) # الحض على الصلح بعد الحرب. ~~(5) # الوصايا والنصائح. # 3 # وجميع هذه الموضوعات تناسب الحياة البدوية، وما في القبائل من اختلاف وانفصال ~~واستقلال. ~~(4) الأمثال # للعرب في جاهليتهم أقوال كثيرة ذهبت أمثالا. فمنها ما كان شعرا، ومنها ما كان ~~نثرا، وقد جمع الميداني طائفة كبيرة منها في كتابه الموسوم: «بمجمع الأمثال»، ~~ولهذه الأقوال فائدة لا تنكر؛ لصدورها عن مختلف طبقات الشعب، فيمكننا أن نعرف فيها ~~شيئا كثيرا من أخلاق العرب وأحوالهم، وهي في جملها القصيرة تمثل بلاغة الجاهلي ~~وإيجازه، ومقدار ما وصل إليه من قوة التعبير، ولكن الأمثال الجاهلية مخلوطة ~~بالأمثال الإسلامية، فلا يتسنى التمييز بينهما إلا إذا كان في المثل ما يدل على ~~جاهلية صاحبه، وهاك شيئا منها: # إن الهزيل إذا شبع مات. # 4 # أول الشجرة النواة. # 5 # أم الجبان لا تفرح ولا تحزن. # 6 # أتى عليهم ذو ms178 أتى. # 7 # إن أخاك من آساك. # 8 # إن كنت كذوبا فكن ذكورا. # 9 # بكل واد أثر من ثعلبة. # 10 # برق لو كان له مطر. # 11 # المرء بأصغريه. # 12 # على أنه لو أتيح لنا معرفة الأمثال جاهليها وإسلاميها، لما أعطتنا صورة تامة عن ~~النثر قبل الإسلام؛ لأنها جمل مقتضبة لا تنشئ في ذاتها أدبا صحيحا نستطيع التعويل ~~عليه، وإذا كان لا بد لنا من درس النثر الجاهلي على حقيقته فلا ينبغي أن نلتمسه في ~~الجاهلية استنادا إلى خطبهم وأمثالهم، بل في صدر الإسلام استنادا إلى خطب النبي ~~والخلفاء الراشدين والأمراء وغيرهم من الصحابة، فإن فيها مثالا صادقا للنثر ~~العربي في جاهلية أصحابه. # | هوامش # | صدر الإسلام # 622-750م/1-132ه # يبتدئ بالهجرة النبوية، وينتهي بسقوط الدولة الأموية وقيام العباسيين. # | لمحة تاريخية # (1) محمد # ولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي في مكة في سنة ~~570م، وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف من قريش، وكانت حاملا به لما توفي زوجها ~~- أبوه - ولم يترك لهما من المال إلا خمسا من الإبل، وقطيعا من الغنم، وجارية. ~~فكفل الصبي جده عبد المطلب. ثم ماتت أمه، ومات جده، فكفله عمه أبو طالب ~~والد علي، وكان قليل المال كثير العيال، فنشأ محمد يتيما في كنف عمه، حتى إذا بلغ ~~الخامسة والعشرين من عمره تزوج خديجة بنت خويلد، وهي في الأربعين من عمرها، ~~وكانت من أغنياء قريش وأشرافهم، فأمدته بمالها فأيسر واتسعت حاله. # وكان يميل إلى العزلة، ويذهب إلى غار قرب مكة يسمى غار حراء، فينفرد فيه ~~متعبدا، وبينا هو نائم ذات ليلة في الغار، نزل عليه الوحي، وكان قد بلغ الأربعين، ~~فأخبر زوجه خديجة بما رأى، فسارعت إلى قبول دعوته، ثم تبعه بعدها ابن عمه علي بن ~~أبي طالب، وأبو بكر. # ولكن قومه أنكروا دعوته، وسخروا منه وقالوا: «ساحر أو مجنون.» ثم أخذوا يضطهدونه ~~وأتباعه، فيئس منهم، فحول وجهه شطر الطائف، # 1 # ودعا أهلها، فإذا هم أقسى من قريش، وأغروا به سفهاءهم فرجموه ~~بالحجارة. # ثم علم أن قومه ms179 يريدون الإيقاع به، فهاجر من مكة إلى يثرب مستخفيا، فلقي في يثرب ~~من أهلها قبيلتي الأوس والخزرج أتباعا يناصرونه فسموا الأنصار، وسمي الذين ~~هاجروا مع النبي المهاجرين ، وسميت يثرب المدينة، أي مدينة الرسول، ومن ذاك التاريخ ~~يبتدئ التاريخ الهجري، أي سنة 622م. # وساء القرشيين أن ينجو النبي ويحتمي في يثرب، ويلاقي هناك أنصارا، فناصبوا ~~أهلها العداء، وقابلهم هؤلاء بالمثل، فقطعوا الطرق على قوافلهم، فابتدأت الغزوات ~~يتبع بعضها بعضا، وكان النصر في أكثرها حليف المسلمين، حتى فت في عضد ~~المشركين، فغزا النبي مكة بعشرة آلاف مقاتل فافتتحها سلما في سنة 630م /9ه، ووقعت ~~قريش في يده، فأمنهم وأسلموا. ثم دخل الكعبة وأزال ما بها من أصنام وصور وتماثيل، ~~وأخذ العرب يدخلون في الإسلام أفواجا بعد أن أسلمت قريش وهي صاحبة الزعامة هناك، ~~فتم النصر للنبي، وبني حجر الزاوية في الوحدة العربية الإسلامية، وظل يسوسها حتى ~~قبض يوم الإثنين في 12 ربيع الأول سنة 11ه/8 حزيران سنة 632م، وكانت وفاته ~~بالمدينة، وفيها قبره. ~~(2) الخلفاء الراشدون - أبو بكر # اختلفت الصحابة بعد موت الرسول فيمن يبايعونه بالخلافة، فأبى المهاجرون من قريش ~~إلا أن يكون الخليفة منهم، وأبى الأنصار عليهم ذلك، وقالوا: «منا أمير ومنكم ~~أمير.» واشتد النزاع حتى كادت تقع الفتنة، فقال لهم أبو بكر: «منا الأمراء ومنكم ~~الوزراء، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح.» ~~فقام عمر وبايع أبا بكر، وبايعه أبو عبيدة؛ وبايعه الناس. فقال الأنصار: «لا نبايع ~~إلا علي بن أبي طالب.» وكان علي قد تخلف عن المبايعة، وتخلف معه بنو هاشم، ~~والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله. فما زال بهم عمر بن الخطاب حتى حملهم ~~جميعا على مبايعة أبي بكر، فاستتب له الأمر. ثم ارتدت أغلب قبائل العرب عن ~~الإسلام، فحاربهم حتى خضد شوكتهم، وأرجعهم إلى الدين، وفي أيامه افتتح خالد بن ~~الوليد العراق، وضرب الجزية على أهله، ومات أبو بكر وجيوش المسلمين تحارب الأروام ~~في اليرموك من أرض فلسطين. قيل: إنه مات ms180 مسموما في طبخة أرز، وقيل: بل استحم في ~~يوم شديد البرد فحم ومات، وكانت خلافته من 632-634م/11-13ه. ~~(3) عمر بن الخطاب # وكان قد أوصى بعده بالخلافة لعمر بن الخطاب فبويع بها، وعلى عهده تم فتح اليرموك ~~والقدس ودمشق وفارس ومصر، ومات عمر مقتولا، قتله فيروز أبو لؤلؤة غلام المغيرة ~~بن شعبة من أجل خراج درهمين لم يعفه منهما عمر؛ لورعه وحرصه على بيت المال، وكانت ~~خلافته من 634-644م/13-23ه. ~~(4) عثمان بن عفان # وكان عمر قد جعل قبل وفاته مجلس شورى للخلافة من ستة أشخاص، بينهم علي بن أبي ~~طالب، وعثمان بن عفان، فتشاوروا فيما بينهم وبايعوا عثمان بعد جدال. # وعلى عهد عثمان فتحت إفريقية وقبرص، لكنه لم يكن محبوبا لحصره ولايات الحكم في ~~أقربائه، فطلب منه الناس أن يعتزل فأبى، فحاصروه في داره أربعين يوما، ثم تسلق ~~محمد بن أبي بكر مع رجلين حائط قصره، فقتلوه بالحراب والعمد، وكانت خلافته من ~~644-655م/23-35ه. ~~(5) علي بن أبي طالب # ثم بويع علي بن أبي طالب، فتخلف عن مبايعته بنو أمية أقرباء عثمان، وبعض ~~الصحابة، وكان علي من الأبطال المغاوير والفرسان المعدودين، ومن أفصح العرب ~~وأخطبهم، وأتقى الناس وأورعهم، ولكنه لم يكن موفقا في الخلافة، لأنه لم يعرف أن ~~يداهن في سياسته، وكانت عائشة زوج النبي تؤلب على عثمان وتطعن فيه رغبة منها في ~~طلحة، فلما بويع علي ولم يبايع الناس طلحة، صرخت: «وا عثماناه! ما قتله إلا علي.» ~~وعلم بالأمر طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وكانا بايعا عليا، فرجعا عن ~~مبايعتهما وانضما إلى عائشة، يناصبان معها ابن أبي طالب العداء. # ولم يكن معاوية يومئذ يطمع في الخلافة، ولكنه توقع العزل عن ولاية دمشق فآلمه ~~الخطب، فجاهر بعداء علي، وألف حزب «العثمانية» من أقرباء عثمان للمطالبة بدم ~~الخليفة «الشهيد» أو «المظلوم». # وذهب بنو أمية وعائشة ومحازبوهم إلى البصرة، فنتفوا لحية ابن حنيف أميرها، فجاء ~~المدينة وقال لعلي: «بعثتي ذا لحية وقد جئتك أمرد.» قال: «أصبت أجرا ~~وخيرا.» ~~(6) واقعة الجمل # ورأى علي أن الفتنة قائمة ms181 ولا بد من إخمادها، فسار إلى البصرة بسبعة آلاف مقاتل، ~~فالتقاه حزب عائشة وطلحة والزبير في جيش كبير، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكانت عائشة ~~على جمل تحرض الرجال على الإقدام، فرمي هودجها وهو كالقنفذ لما علق به من ~~النبال، بعد أن قطع على خطام # 2 # الجمل سبعون يدا، ولكنها لم تصب بأذى، وأرجعها علي إلى المدينة ~~مكرمة، وانتهت الواقعة بانتصار علي، وقتل الزبير، وجرح طلحة جرحا لم يلبث أن مات ~~به، وسميت هذه الحرب: واقعة الجمل، إشارة إلى جمل عائشة. ~~(7) واقعة صفين # ثم سار علي لمحاربة معاوية فقطع الفرات إلى الرقة فالتقى جيوش معاوية في سهول ~~صفين، وهو موضع غربي الرقة على ضفة الفرات اليمني، فاقتتلوا ثم تهادنوا، ثم ~~اقتتلوا، وكانت «ليلة الهرير» أحماها وطيسا، إذ حمل الأشتر النخعي قائد جيوش علي ~~حملة زحزحت جيوش الشام عن مراكزها، وبينا جيوش العراق يتقدمون والنصر حليفهم؛ إذ ~~رأوا المصاحف # 3 # مرفوعة على رءوس الحراب في جيش معاوية، فهابوا، وتوقفوا عن القتال، ~~فأخفق علي بحيلة عدوه ثم اقترح عليه معاوية التحكيم، فرضي به مكرها. ~~(8) التحكيم # وأقام معاوية عنه حكما عمرو بن العاص، وهو داهية مثله، واقترح علي على أصحابه ~~أن يقيم حكما أبا موسى الأشعري، وكان قصير الرأي، فأقامه علي على غير رغبة منه. ~~فأخلي للحكمين مكان يجتمعان فيه مدة ثلاثة أيام، فأقبل عمرو بن العاص على أبي موسى ~~بأنواع من الطعام يشهيه بها، حتى إذا استبطن أخذ يقنعه بأن يخلع عليا وهو يخلع ~~معاوية، فتنجو الأمة من الفتنة، وتحقن الدماء. فرضي أبو موسى بذلك، على أن يبايع ~~بالخلافة عبد الله بن عمر بن الخطاب. # ولما كان يوم التحكيم، اجتمع القوم على مقربة من مكان يعرف بدومة الجندل، ~~فقام أبو موسى فخلع عليا، ولكن ابن العاص لم يسقط معاوية كما وعد وأقسم، بل ~~أثبته في الولاية على دمشق، وأجاز له حق المطالبة بدم الخليفة الشهيد. فاضطرب جيش ~~علي لهذا الحكم وأبى علي أن يذعن له، وأراد استئناف القتال، ولكن شغله أمر الخوارج ~~من جيشه. ms182 ~~(9) الخوارج # كان قسم كبير من جيش العراق رفض التحكيم، فلما رأوا ما آلت إليه نتيجته غضبوا ~~وخرجوا على علي، ولم يرجعوا معه إلى الكوفة، بل ساروا إلى حروراء # 4 # ثم احتلوا المدائن # 5 # وعاثوا فيها فسادا، نابذين كل سلطة متخذين شعارهم (الحكم لله لا ~~للناس)، وحجتهم في ذلك أن عليا ومعاوية كافران، فعلي كفر؛ لأنه رضي بالتحكيم، وشك ~~فيما كان يعتقد من أنه صاحب الحق الشرعي في الخلافة، وما كان له أن يشك في هذا ~~الحق. فأما وقد فعل فليس من الخلافة في شيء، وقد تجاوز الدين فلا بد له من الاعتراف ~~بالكفر ثم يتوب إلى الله، وإلا فالخوارج حرب عليه. ومعاوية كفر؛ لأنه وال بغى على ~~الخليفة، فلما خشي الانكسار لجأ إلى التحكيم خديعة وكيدا، فالخوارج عدو ~~له. # فلما استفحل أمرهم قصدهم علي بجيشه فالتقوا بالنهروان # 6 # فأكثر فيهم التقتيل، وأرجع بعضهم سلما. ~~(10) مقتل علي # ثم عاد علي إلى الكوفة يتأهب لقتال معاوية، وفي أثناء ذلك اتفق ثلاثة من الخوارج ~~على قتل «أئمة الضلال» في ليلة واحدة، وأرادوا بهم: عليا، ومعاوية، وعمرو بن ~~العاص، ولكن لم يقتل من هؤلاء الثلاثة غير علي، ونجا الآخران، وقاتله عبد الرحمن ~~بن ملجم ضربه بسيف مسموم وهو في مسجد الكوفة يريد الصلاة # 7 # فمات بعد ثلاثة أيام، وعمره 63 سنة، وخلافته من ~~655-661م/35-40ه. # وبويع الحسن بن علي في الكوفة بعد مقتل أبيه، ولكنه تنازل لمعاوية نفورا من ~~الحرب، وكانت مدة خلافته خمسة أشهر: من 661-661م/40-41ه. ~~(11) الخلفاء الأمويون # استولى معاوية على الخلافة بدهائه، وانتزعها انتزاعا من ابن بنت الرسول # 8 # فجعل قاعدته دمشق بدلا من المدينة؛ لأن أنصاره في الشام ولولاهم لما ~~تم له الظفر، وتمكن بسياسته وحزمه من توطيد دعائم مملكته؛ على ما كان يهددها من شر ~~الخوارج الحرورية في الجزيرة، ومن ثورات أنصار علي وأبنائه في الكوفة وما يليها من ~~العراق، وبلغ به الأمر أن جعل الخلافة وراثة بعد أن كانت شورى، ونادى بابنه يزيد ~~وليا لعهده، وحذا حذوه من جاء بعده ms183 من الخلفاء. # وظلت الخلافة في بني أمية من سنة 661-750م/41-132ه. فتعاقب عليها منهم أربعة ~~عشر ملكا، أولهم معاوية، وآخرهم مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الملقب بالحمار ~~لصبره على الأعمال. ثم انتقلت إلى بني العباس. # فيتضح مما تقدم أن صدر الإسلام صدران: الأول عصر المخضرمين # 9 # أي الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام وهو عصر النبي والخلفاء الراشدين، ~~والثاني عصر بني أمية. فينبغي أن ندرس شعر كل عصر على حدة؛ لأن ميزة الصدر الأول ~~تختلف اختلافا بينا عن ميزة الصدر الثاني، وأما النثر فلا يصح درسه إلا إذا جمعنا ~~العصرين معا. # | هوامش # | الشعراء المخضرمون # (1) ميزة الشعر المخضرم # لا نجد فرقا بين الشعر الجاهلي والشعر المخضرم من حيث الإيجاز وقوة التعبير، ~~وطريقة النظم، وتعدد الموضوعات، وبراعة الوصف ... إلى غير ذلك مما مر بنا وعرفناه. ~~فالشعر المخضرم جاهلي في أصله، ولكن فيه خصائص جديدة: منها ما رأيناه في الشعراء ~~الذين عاشوا في السنوات الملاصقة للإسلام أو أدركوه، فبدا لنا تطور في لغتهم، ورقة ~~في ألفاظهم، ووضوح في معانيهم، ومنها ما انفرد به الشعر المخضرم عن الشعر الجاهلي ~~فكان له ميزة خاصة. # ويمتاز الشعر المخضرم بتلك النفحة الدينية التي نفحه بها الإسلام بعد ظهوره، فلا ~~ترى فيه يأسا من الحياة وتبرما بمصيرها شأن الشعر الجاهلي، بل تلمس به ارتياحا ~~شديدا إلى نعيم الآخرة، إلى الجنة التي وعد بها القرآن المتقين، واكتسب الشعر ~~المخضرم خصوصا، واللغة عموما، تعابير جديدة من القرآن، وألفاظا لم تكن مألوفة من ~~قبل، كالجنة والنار، والكفر والإيمان، والصلاة، والزكاة، والركوع، والوضوء إلخ ... ~~وهذه الألفاظ كانت معروفة في الجاهلية ولكنها - في أكثرها - لم تكن تدل على معانيها ~~المستحدثة في الإسلام، واكتسب الشعر أيضا نوعا جديدا وهو الهجاء السياسي، هجاء ~~مر مقذع أليم، كان بين شعراء النبي، وشعراء قريش والأحزاب. # على أن الشعر أصابه فتور بعد وفاة النبي، فلم يجد من الخلفاء الراشدين مشجعا، ~~وربما نهوا عنه، وزجروا الشعراء. بيد أن هذا الفتور لا يعني أن الشعر خمدت ناره، ~~فقد بقي في ms184 الشعراء طائفة لم تنصرف عنه كالحطيئة مثلا، وكعب بن زهير، وحسان بن ~~ثابت، والشماخ بن ضرار، والنابغة الجعدي وغيرهم. إلا أنه لم يكن له ذلك الازدهار ~~الذي عرفه في حياة الرسول. ~~(2) شعراء النبي وشعراء قريش # عرفنا أن قريشا أنكروا على محمد دعوته، وحاربوه نحو ثماني سنوات بعد هجرته ، ولم ~~تقتصر الحرب على السيف وحده، بل كان للشعر فيها شأن كبير. فإن شعراء قريش وأحزابها ~~أخذوا يهجون النبي هجاء مرا، ويسفهون رسالته، ويسخرون منها، ويعيرون تابعيه ~~الأنصار والمهاجرين. فاضطر النبي أن يقابلهم بسلاحهم؛ لما للشعر من التأثير في نفوس ~~القبائل العربية، فأرسل عليهم ثلاثة من شعراء الأنصار، وهم: حسان بن ثابت، وكعب بن ~~مالك، وعبد الله بن رواحة. فكان حسان وكعب يعارضانهم بمثل أقوالهم ويفاخرانهم ~~بالوقائع والأيام والمآثر، ويذكران لهم مثالبهم. أما عبد الله فكان مقتصرا على ~~تعييرهم الكفر. # وقد استفاد الشعر من هذه الملاحيات فنهض نهضة عظيمة، وغزرت مادته، وكثر القول ~~بكثرة الشعراء، ولا سيما شعراء قريش، وكانت قبلا لا تذكر مع القبائل في الشعر، ~~واشتهر من شعرائها أربعة هاجوا النبي وقاوموا شعراءه، وهم عبد الله بن الزبعرى، ~~وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب، ولكن لم ~~يصل إلينا من شعرهم إلا شيء يسير ليس فيه غناء، ولا عجب أن تطمس أشعارهم وأشعار ~~غيرهم من الذين ناصبوا الرسول العداء، خصوصا بعد أن أسلمت قريش، وأصبحت جزيرة ~~العرب لا يسودها دين غير الإسلام، لا عجب أن تطمس هذه الأشعار، فإن فيها ما يثير ~~الحزازات وينبه كوامن الأحقاد؛ وإن فيها من هجاء النبي وأصحابه ما يمنع المسلمين عن ~~روايتها، بل ما يهيب بهم إلى التعفية عليها ومحو آثارها. # ونحن، في بحثنا الشعر المخضرم، سنقتصر على درس حسان بن ثابت أنبه الشعراء الذين ~~دافعوا عن الرسول وأخصبهم آثارا، وعلى كعب بن زهير للاميته الشهيرة التي اعتذر بها ~~إلى النبي يوم إسلامه. ~~(3) الشعراء المخضرمون # وقد نظرنا إلى الشعراء المخضرمين من حيث شعرهم لا من حيث حياتهم. فعددنا لبيدا ms185 ~~والخنساء من الجاهليين؛ لأن أكثر شعرهما في الجاهلية، وعددنا حسان وكعبا من ~~المخضرمين؛ لأن ريحهما هبت في الإسلام. # 1 # أما الحطيئة فقد اشتهر في العصرين، ولكنه لم يتأثر بالإسلام كثيرا، ~~فتركنا له جاهليته. ~~(3-1) كعب بن زهير (662م/42ه ؟) # حياته # هو كعب بن زهير بن أبي سلمى ~~المزني، نشأ في بيت يكتنفه الشعر من كل جانب؛ كما عرفنا في كلامنا على ~~والده زهير، فنشأت معه ملكة الشعر، فما ترعرع حتى نظمه، ولكن والده زجره ~~عنه وضربه مخافة أن تكون شاعريته لم تستوسق # 2 # بعد، فيروى له ما لا خير فيه. على أن الزجر والضرب لم يصرفا ~~الولد عن الشعر، وهو جد كلف به، فلبث يقوله غير مرتدع حتى ضاق والده ~~ذرعا، فأردفه على ناقته، وانطلق به إلى الصحراء، وأخذ يقول البيت ويستجيز ~~ابنه فيجيز، فوثق عندئذ باستحكام ملكته، وأذن له بقول الشعر. # كعب في الإسلام # لم يحدثنا الرواة كثيرا عن حياة كعب، فنحن لا نكاد نعلم عنها ما يستحق ~~الذكر إلا خبر إسلامه، واعتذاره إلى النبي بقصيدته الشهيرة، وذلك أن ~~بجيرا أخا كعب وفد إلى محمد في أواخر السنة السابعة للهجرة فأسلم، ~~فاستاء كعب من أخيه، وقال فيه أبياتا يؤنبه ويحثه على الارتداد. # وبلغت أبياته النبي فأهدر دمه. ثم شهد بجير فتح مكة وانتصار محمد، فأرسل ~~إلى أخيه كعب يحذره ويخبره بانخذال قريش، وفرار عبد الله بن الزبعري، ~~وقال له: «قد أوعد الرسول رجالا بمكة فقتلهم، وهو والله قاتلك أو تأتيه ~~فتسلم.» فاستطير كعب، ولفظته الأرض، # 3 # ثم قدم المدينة متنكرا، واستجار بأبي بكر، فأتى به المسجد وهو ~~متلثم بعمامته، وقال: «يا رسول الله، رجل يبايعك على الإسلام.» فبسط ~~النبي يده فحسر كعب عن وجهه، وقال: «هذا مقام العائذ بك يا رسول الله، أنا ~~كعب بن زهير.» فتجهمته الأنصار وغلظت عليه، ولانت له قريش وأحبوا إسلامه ~~وإيمانه. فأمنه محمد، فأنشده كعب قصيدته «بانت سعاد» فسر بها الرسول، ~~ولما وصل إلى قوله: # إن الرسول لسيف يستضاء به # مهند من سيوف الله، مسلول ms186 # خلع عليه محمد ~~بردته، # 4 # وقد بذل معاوية لكعب فيها عشرة آلاف درهم فلم يبعها، فلما مات ~~اشتراها معاوية من ورثته بعشرين ألف درهم، وقيل بثلاثين، وتوارثها الخلفاء ~~الأمويون والعباسيون، ويقال إنها وصلت إلى سلاطين آل عثمان، وهي البردة ~~التي يلبسها الخلفاء في العيدين. # ومدح كعب في قصيدته المهاجرين من قريش، وعرض بالأنصار لغلظتهم عليه. ~~فأنكر المهاجرون قوله في الأنصار، وقالوا: «لم تمدحنا إذ هجوتهم.» ولم ~~يقبلوا ذلك حتى قال فيهم: # من سره كرم الحياة، فلا يزل # في مقنب من صالحي الأنصار # 5 # وكانت وفاة كعب في خلافة معاوية، وجعل بعضهم # 6 # موته في السنة الرابعة والعشرين للهجرة، مع أنهم ذكروا رواية ~~البردة. فكان عليهم أن ينتبهوا إلى أن الشاعر أدرك الخليفة الأموي الأول؛ ~~لأن معاوية لم يفكر في اشتراء البردة من كعب إلا بعد أن تبوأ سدة ~~الخلافة. # آثاره # أبيات متفرقة في كتب الأدب. أشهرها لاميته «بانت سعاد» وهي معدودة من ~~المشوبات، وقد شرحها كثيرون، وشطرها غير واحد. # ميزته - بانت سعاد # علمنا في كلامنا على الحطيئة أن كعبا كأبيه زهير يهذب شعره، وينتقي ~~ألفاظه، ويتخير معانيه، وأوردنا له أبياتا يصف فيها نفسه والحطيئة بتنخل ~~القوافي # 7 # وتثقيفها، ولا عجب أن يشبه الولد أباه وهو سره، وسنرى في درسنا ~~«مشوبته» أن له خاصة زهير في براعة التشبيه والتصوير الحسي، وله خاصته ~~أيضا في إرسال الأمثال الحكمية، وقد نكون منصفين إذا قلنا: إن زهيرا ~~وكعبا والحطيئة ينتحلون مذهبا أدبيا ذا صبغة واحدة. على أننا نجد في ~~شعر كعب كثيرا من اللفظ الغريب، وقد عزاه الدكتور طه حسين إلى أن كعبا ~~قلد فيه أستاذ أبيه أوس بن حجر، ولعله مصيب برأيه، فإن زهيرا كان راوية ~~أوس - كما علمنا - وعنه أخذ أسلوبه الوصفي، وما فيه من التشابيه والصور ~~المادية، وكان أوس جاهليا قديما يؤثر اللفظ الغريب في شعره. فجاء شعر ~~كعب وعليه طابع المذهب الزهيري، أو المذهب الأوسي على رأي الدكتور، مع ~~إيثار الغريب من الألفاظ تشبها بأستاذ أبيه. فنحن الآن أمام مذهب ms187 ندعوه ~~زهيريا أو أوسيا إذا ذهبنا إلى أبعد من زهير. # 8 # ولنشرع الآن في درس مشوبة كعب التي اعتذر بها إلى الرسول، وقد استهلها ~~متغزلا واصفا ثغر حبيبته، شاكيا هجرها، وإخلافها، ومواعيدها العرقوبية. ~~فترى الصور الحسية تتراكم في أوصافه ويتبع بعضها بعضا، ولا سيما تشبيه ~~حلاوة الثغر وبرودته بخمرة شجت بماء بارد، ثم إلحافه بوصف هذا الماء ~~ليبالغ في تصوير برودته وصفائه، وانظر إلى قوله: «لكنها خلة قد سيط من ~~دمها ...» أراد أن يصفها بالكذب والإخلاف والفجع والتبديل، فصور لك هذه ~~الصفات ممزوجة بدمها. ثم انظر إلى قوله: «إلا كما تمسك الماء الغرابيل ~~...» فهو لم يجد لديه غير التصوير الحسي لتمثيل نكثها العهود. ثم الحكمة ~~أيضا وضرب المثل في قوله: «ولا تمسك بالعهد ...، إن الأماني والأحلام ~~تضليل ...، كانت مواعيد عرقوب ...» # وينتقل إلى وصف الناقة فيبدع إبداعا قد يجاري فيه طرفة، ويتلاعب ~~بالمعاني تلاعبا لم يسبقه إليه أحد، وفي هذا القسم تكثر الصور المادية، ~~وتكثر الألفاظ الغريبة فيصف ضخامة عنقها وطوله، وعظم وجنتيها، ونعومة ~~جلدها. ثم يشبه وجهها في صلابته بمعول من حديد أو حجر مستطيل، وذنبها ~~بجريد النخل، وقوائمها بالرماح الصلبة، وهي في سرعتها لا تمس الأرض إلا ~~تحليلا # 9 # ولا تحتاج إلى تنعيل يقيها الحجارة لصلابة أخفافها، ويصف حركة ~~ذراعيها وسرعة تقلبهما، فيرينا صورة مادية رائعة لم يسبق إليها، ويستطرد ~~معها إلى وصف شدة الحر. # وبعد أن ينتهي من هذه الصورة القصصية البارزة الجمال، ينتقل إلى مدح ~~النبي والاعتذار إليه، ومدح المهاجرين من قريش، وفي هذا القسم ترق ألفاظه، ~~ويقل غريبه إلا في وصف الأسد، ولا بدع فإنه مقام استعطاف ولين، والشاعر ~~الجاهلي يجعل لكل مقام مقالا، فإذا تغزل أو استعطف أو رثى رقت عاطفته ~~ورقت ألفاظه، وإذا افتخر أو مدح اشتدت عاطفته، فتجزل ألفاظه، ويشتد أسرها، ~~وإذا وصف ناقته والقفار الموحشة والسباع الضارية، خشنت عاطفته، وخشنت ~~ألفاظه معها، وفي هذا القسم تنتهي «مشوبة» كعب. # ونرى أن كعبا مدح الرسول بأسلوب جاهلي صرف، دون أن يشير إلى فرض من ms188 ~~فروض الدين الإسلامي، أو إلى آية من القرآن؛ ذلك بأنه كان يجهل حقيقة ~~الإسلام يوم نظم قصيدته، وهو لم يسلم إلا رهبة وفرقا. فإذا قابلنا مدحه ~~بالقصيدة التي نسبت إلى الأعشى في مدح الرسول، تبين لنا الفرق بينهما، ~~وعرفنا الصحيح من المنحول، ولو لم تكن هذه القصيدة قيلت في النبي، واشتهر ~~كعب بها، لما جاز لنا أن نعده من الشعراء المخضرمين؛ لأن النفس الجاهلي ~~فيه أقوى من النفس الإسلامي. # وبعد، فإن في أبيات المدح ما في غيرها من تأثير المذهب الزهيري، فالصور ~~المادية قوية، ولا سيما تشبيه النبي بالأسد، ثم وصف هذا الأسد وصفا ~~قصصيا عرفناه بزهير، وتظهر لنا حكمة زهير في قوله: «كل ابن أنثى وإن طالت ~~سلامته ...» ويظهر لنا إيمان زهير على جاهليته في قوله: «فكل ما قدر ~~الرحمن مفعول ...» # وما أجمل التصوير على ~~بداوة المعنى في وصفه هيبة الرسول، وما يستولي من الفزع على الماثل في ~~حضرته، وكأن الشاعر أراد الاعتذار من خوفه فلم يجد غير الفيل الضخم مثالا ~~للجرأة فقال: لو وقف الفيل موقفي ورأى ما رأيت، وسمع ما سمعت، لظل يرعد، ~~فلا لوم علي إذا هبت الرسول فهو أهيب عندي من أسد في بطن عثر، كثير ~~الصيد، شديد الضراوة. # أوليس في ذلك الاعتذار، وفي ذلك التمثيل سذاجة جاهلية خشنة، ولكنها ~~لطيفة مستحبة؟ # منزلته # عده ابن سلام في الطبقة الثانية قبل الحطيئة، ولو جاز لنا أن نبني ~~حكما صحيحا على شعره، وليس لدينا منه ما يعتد به غير مشوبته، لقلنا: ~~إن له من البراعة والتصرف في المعاني ما يضعه في مصاف أفحل الشعراء ~~الجاهليين، وحسبنا أن ننظر إلى تفننه في وصف الماء بعد أن مزج به الخمرة ~~التي عل بها ثغر سعاد، ثم إلى تفننه في وصف حركات المرأة الثكلى بعد أن شبه ~~ذراعي ناقته بذراعيها في السرعة والتقلب، ثم إلى إلحاحه في وصف ضراوة الأسد ~~بعد أن فضل الرسول عليه في الهيبة. حسبنا أن ننظر إلى كل ذلك لنتبين ~~منزلة الشاعر السامية، وبراعته في سوق ms189 المعاني، والتلاعب بها، والغوص على ~~دررها البعيدة القرار. # وقصارى القول إن كعبا شاعر بارع الفن، ورسام بديع التصوير، ومخترع واسع ~~المخيلة، وأحد أساتذة المذهب الزهيري. ~~(3-2) حسان بن ثابت الأنصاري (670م/50ه ؟) # حياته # هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام من بني النجار من قبيلة الخزرج، ~~ينتهي نسبه إلى قحطان، فهو يمني الأصل يثربي النشأة، وكان يكنى أبا ~~الوليد، وأبا عبد الرحمن، وأبا الحسام، وقد لقي حظوة في الجاهلية عند ملوك ~~غسان فمدحهم واسترفدهم، فأفاضوا عليه النعم، فحفظ لهم الجميل، وبقي يذكرهم ~~بالخير إلى آخر عمره. # ولما ظهر الإسلام، وهاجر النبي إلى يثرب، أسلمت الأوس والخزرج وأسلم حسان ~~معهم فكان في جملة الأنصار. # حسان الجبان # ولكنه كان جبانا شديد الجبن، فلم يجرد سيفا لنصرة الرسول، ولا شهد ~~واقعة من وقائع المسلمين وأهل الشرك، بل كان يتخلف في المنازل مع النساء ~~والأولاد. حدثت صفية بنت عبد المطلب قالت: «كنت يوم الخندق # 10 # في فارع # 11 # حصن حسان بن ثابت؛ وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان، ~~فمر بنا رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما ~~بينها وبين رسول الله، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ~~والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إذا أتانا ~~آت. فقلت: «يا حسان، إن هذا ~~اليهودي - كما ترى - يطوف ~~بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من يهود، وقد ~~شغل عنا رسول الله وأصحابه، فانزل إليه فاقتله.» فقال حسان: «يغفر ~~الله لك يا ابنة عبد المطلب، لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا.» فلما قال ذلك ~~ولم أر عنده شيئا، اعتجرت # 12 # ثم أخذت عمودا ونزلت إليه من الحصن فضربته بالعمود حتى قتلته، ~~فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: «يا حسان انزل إليه فاسلبه، فإنه لم ~~يمنعني من سلبه إلا أنه رجل.» فقال: «ما لي إلى سلبه حاجة يا ابنة عبد ~~المطلب.» # وأنشد حسان النبي يوما قوله: # لقد غدوت أمام القوم منتطقا ms190 # بصارم مثل لون الملح قطاع # 13 # تحفز عني نجاد السيف سابغة # فضفاضة، مثل لون النهي بالقاع # 14 # فضحك النبي لوصف حسان نفسه بما تصف به الفرسان نفسها وهو يعلم ~~جبنه. # حسان الشاعر # ولئن فات حسان أن يدافع عن نبيه بحسامه، لقد أتيح له أن يناصره بلسانه، ~~وهو سلاحه الوحيد الذي كان يستطيع أن يشهره على الأعداء. فأصبح شاعر الرسول ~~يمدحه ويرد على من يهجوه من شعراء قريش، وكان النبي يقول له: «اهجهم وروح ~~القدس معك، واستعن بأبي بكر فإنه علامة قريش بأنساب العرب.» فكان أبو بكر ~~يدله على معايب القوم ومثالبهم، ويقول له: «كف عن فلانة واذكر فلانة، وكف ~~عن فلان واذكر فلانا.» فكان يفعل ومحمد يعطيه ويحسن له الجائزة، وقد وهبه ~~سيرين القبطية أخت مارية أم ولده إبراهيم، فولدت له عبد الرحمن الشاعر، ~~وما زال حسان يعيش من مال المسلمين حتى مات بعد أن كف بصره في أواخر ~~أيامه، وكانت وفاته بالمدينة في خلافة معاوية، وهو من المعمرين. # آثاره # ديوان فيه قصائد كثيرة في المدح والهجاء والرثاء والغزل والفخر، وهو من ~~أصحاب المذهبات # 15 # ومطلع مذهبته: # لعمر أبيك الخير، يا شعث، ما نبا # علي لساني في الخطوب، ولا يدي # 16 # ونسبت إليه أشعار ليست له. قال ابن سلام: «وقد حمل على حسان ما لم ~~يحمل على أحد، لما تعاضهت # 17 # قريش وضعوا عليه أشعارا كثيرة لا تليق به.» # ميزته - شاعر الرسول # لحسان شعر جميل في الجاهلية لا يبخس حقه، وقد يكون أجود من شعره في ~~الإسلام كما يزعم الأصمعي، ولكن شهرة حسان قامت على أنه شاعر الرسول، ~~فينبغي لنا أن ننصرف إلى درس هذه الميزة التي خص بها دون غيره لنتبين ~~سرها ونروز حصاتها. فإن لشعر حسان منزلة ليست لسواه من شعراء الصدر ~~الأول، فهو في نضاله عن النبي يصور حالة ذلك العصر أصدق تصوير، ويمثل حقيقة ~~تهاجي الأنصار والقرشيين، وما في هذا الهجو من فحش وإقذاع، فنحن مدينون ~~لشعر حسان في درس هذا النوع الجديد الذي دخل على ms191 آدابنا العربية، ولو لم ~~يصل إلينا شعره لما تسنى لنا أن نقف على حقيقة هذا النوع، ونتبين خصائصه ~~بشكل واضح مبين. # ولسنا نعجب لوصول شعر حسان على ما فيه من هجاء مقذع، فإن الرواة لم ~~يتحرجوا من حفظه وروايته، وكله ذود عن بيضة الدين، ولكنهم تحرجوا وأنفوا من ~~ذكر شعر هجي به الرسول، ولعلنا نستطيع أن ندرك مبلغ إهمال أشعار القرشيين ~~والتأثم من روايتها في حديث لعبد الله بن الزبعري بعد إسلامه، وذلك لما ~~قدم المدينة في صحبة ضرار بن الخطاب لملاحاة حسان، فقال ابن الزبعري: ~~«يا أبا الوليد، إن شعرك يحتمل في الإسلام ولا يحتمل شعرنا، وقد أحببنا ~~أن نسمعك وتسمعنا.» فإذا كان ابن الزبعري يستنكر رواية شعره بعد أن ~~أسلم، فالرواة أولى بأن يطمسوه ولا يحفظوه. # فنحن إذا في درسنا شعر حسان نطالع صفحة تاريخية جليلة، ونطلع على فن ~~جديد ألا وهو فن الشعر السياسي الصحيح، ونقول الصحيح؛ لأن العرب في ~~جاهليتهم عرفوا شيئا منه في منافراتهم ومفاخراتهم، ولكنه كان ضئيلا ضعيف ~~الأثر، لا يستند في كثرته إلى عقيدة صحيحة، وربما قصد منه التكسب كما كان ~~يفعل الأعشى والحطيئة. # ومن المعلوم أن المنافرات في الجاهلية كانت تجري بين شخصين أو بين ~~قبيلتين، كما وقع لتغلب وبكر في حضرة عمرو بن هند، ولكن تأثيرها الموضعي لم ~~يكن له من القوة ما يجعل لها هيكلا قائما بنفسه، أو يخلق منها فنا ~~مستقلا عن غيره، وأما الشعر الذي نحن بصدده فهو حرب عوان بل جهاد عنيف بين ~~أنصار الدين القديم وأنصار الدين الجديد شحذت له القرائح، وانطلقت الألسنة ~~حدادا، لا للتكسب والاستجداء، بل للدفاع عن سلطتين دينيتين زمنيتين ~~تتنازعان البقاء. فلا غرو أن يترك هذا الجهاد أثرا قويا في الأدب، ويكون ~~فاتحة الشعر السياسي الصحيح الذي نراه مزدهرا في الصدر الثاني للإسلام. ثم ~~لا غرو أن نجد في هذا الشعر إفحاشا شديدا لم نعهده من قبل، فهو وليد ~~عصبية قوية أحدثت في النفوس ميلا غريبا إلى النكاية والتشفي، فلم يقصر ~~الشعراء ms192 هجوهم على التعيير بالانكسارات، أو على نيل المهجو من منزلته ~~الاجتماعية، بل صاروا إلى أبعد من ذلك مدى، وأبلغ إيلاما: إلى نهش ~~الأنساب، وتمزيق الأعراض. ففي شعر حسان كثير من الأبيات التي يمنعنا الأدب ~~من روايتها، ولا بد أن يكون مثلها في شعر ابن الزبعري وغيره من شعراء ~~قريش. # هجوه # على أن موقف حسان كان حرجا في هجو القرشيين وهم أنسباء محمد. فالرواة ~~يحدثوننا أنه لما أراد هجاءهم قال له الرسول: «وكيف تصنع بي؟» فقال: ~~«أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين.» فبعثه إلى أبي بكر ليدله على ~~الأشخاص الذين يستطيع هجوهم، والأشخاص الذين لا ينبغي أن يعرض لهم، فدله ~~أبو بكر - كما ذكرنا - فهجاهم حسان ونال منهم نيلا شديدا، وقد اتخذ لذلك ~~أسلوبا سياسيا حكيما، كان يجعل فيه المهجو من خشارة قريش لا يرتفع له ~~رأس إلى الذؤابات من هاشم، كهجائه لأبي سفيان بن الحارث، # 18 # فإنه في هجوه إياه يهجو ابن عم الرسول، فما استقام له أن يمعن ~~في ذم والده الحارث، فاقتصر على أن يجعله عبدا بين إخوته والد النبي ~~وأعمامه، ثم عطف على أبي سفيان من جهة أمه وأم أبيه فهشمهما، وجعل أبا ~~سفيان من بني هاشم كقدح الراكب من الرحل، فأخرجه من الدوحة الهاشمية التي ~~ينتمي إليها الرسول: «هو الغصن ذو الأفنان، لا الواحد الوغد.» # ومثل هذا الهجاء مؤلم ممض يوغر الصدور، ويثير الضغائن، ويهتك الحرمات ~~والأنساب. قيل: لما بلغ أبا سفيان أصاب منه مقتلا، فقال: «هذا شعر لم يغب ~~عنه ابن أبي قحافة.» # 19 # فهو يعلم أن تلك الأمور لا يعرفها إلا علامة بالأنساب كأبي ~~بكر. # وكان هجو حسان على مرارته صادقا لا تكلف فيه، لم يندفع الشاعر إليه ~~حبا للتكسب والاستجداء، بل ذودا عن دين يؤمن به وبرسوله، وأملا بالثواب ~~في الدنيا الباقية. فترى فيه ارتياحا إلى حسن المصير لم يكن في عباد ~~الأوثان من شعراء الجاهلية، بل حمله إليهم الإسلام، فأصبحوا وفي نفوسهم أمل ~~كبير، يجاهدون في سبيل نبيهم ودينه، لا بغية ms193 لهم غير الجنة التي ~~وعدوا، ونعيمها «وعند الله في ذاك الجزاء.» # وفي هذا الشعر ألفاظ جديدة لم نألفها قبل كقوله: «جبريل أمين الله، وروح ~~القدس، وأرسلت عبدا، وشهدت به، ورسول الله.» فهذه الألفاظ وغيرها أحدث ~~القرآن معانيها الجديدة في الإسلام. # مدحه # ولحسان في مدح النبي أسلوب غير الأسلوب الذي عهدناه في الجاهلية، فهو لا ~~يشبه محمدا بالأسد فعل كعب بن زهير، ولا يمعن في وصف جوده وسخائه كمن ~~يريد الاستجداء والتكسب من ممدوحه، بل يعني بوصف شمائله الغر، ويلح في ~~ذكر الرسالة والتصديق بها، وذكر ما حمل الإسلام للعرب من نور وهداية، وأمل ~~بعد يأس؛ ويعرض أحيانا بمن أنكر النبوة وكذب بها، فهو مدح جديد في ~~نوعه وطريقته، جديد في تعابيره وألفاظه، جديد في النفحة الدينية العابقة ~~منه. بيد أنه ساذج لا تعدوه الفطرة الجاهلية، ولكنها فطرة صقلها الدين ~~وجلاها الإيمان. # شعره التاريخي # وليست ميزة حسان في شعره مقصورة على خصائصه في المدح والهجاء، بل له خاصة ~~ذات منزلة عالية، وهي خاصة المؤرخ الأمين لحوادث عصره، فإنه يحدثنا عن ~~غزوات النبي وأيامها، ويذكر لنا أسماء من قتل من الصحابة ومن قتل من ~~المشركين، ويرثي من قتل بعد النبي من الخلفاء الراشدين. فكأنك - وأنت تقرأ ~~شعره - تطالع نبذة من تاريخ الصدر الأول للإسلام. # حسان بين الجاهلية والإسلام # وحسان في شعره الجاهلي مثله في شعره الإسلامي، لا يتسع له الخيال فيطول ~~نفسه، فأكثر قصائده قصيرة، وأطولها لا يزيد على الأربعين بيتا. على أنه ~~في قصائده الجاهلية أوسع خيالا منه في قصائده الإسلامية، ولعل عنايته بذكر ~~الحوادث التاريخية أثرت في مخيلته، أو لعل هذا الضعف ناتج عن كبر السن، ~~ولست تجد في شعره تلك التشابيه التمثيلية الخصبة التي عرفتها في أشعار غيره ~~من الجاهليين، فهو إذا وصف شيئا لا يمعن في وصفه فيتمه، بل ينتقل بسرعة ~~إلى غيره كمن ضاق صدره فطلب التنفس، ولذلك كثر في مطالعه الاقتضاب والقطع ~~بما يشبه التخلص، فما يكاد يستهل قصيدته بالغزل وذكر الديار حتى ينتقل ~~بعد بيتين ms194 أو ثلاثة إلى غرضه مدحا كان أو هجاء، وأكثر ما يكون انتقاله ~~بقوله: «دع هذا، ودع ذكر ذا»، وأغلب هذا الانتقال المقتضب في شعره ~~الإسلامي. # وقد يكون هذا الضعف الخيالي هو الذي حمل الأصمعي على الزعم أن شعر حسان ~~في الجاهلية أجود منه في الإسلام، وعلل ذلك بقوله: «الشعر نكد يقوى في ~~الشر ويسهل، فإذا دخل في الخير ضعف ولان. هذا حسان فحل من فحول الجاهلية ~~فلما جاء الإسلام سقط شعره .» وقيل لحسان: «لان شعرك أو هرم في ~~الإسلام يا أبا الحسام.» فقال: «يا ابن أخي، إن الإسلام يمنع من الكذب وإن ~~الشعر يزينه الكذب.» يريد بذلك أن التجويد في الشعر الإفراط في الوصف ~~والتزيين بغير الحق؛ وذلك كله كذب. # وربما أراد الأصمعي أن يقول أيضا: إن شعر حسان الإسلامي لين يكثر فيه ~~الإسفاف. فاللين من خصائص الشاعر الأنصاري، ولا يخلو منه شعره الجاهلي، ~~وأما الإسفاف فيمكننا أن نعود ببعضه على النحل مستندين إلى قول ابن سلام من ~~أن حسان حمل عليه ما لم يحمل على أحد، وببعضه الآخر على الشاعر نفسه لأن ~~كثرة اللين تؤدي إلى الإسفاف. # واللين في حسان ناتج عن نشأته، فهو من شعراء القرى # 20 # والشعراء القرويون معروفون برقة شعرهم لتنعمهم وأخذهم بأسباب ~~الحضارة، خلافا لشعراء البادية، وإذا كان شعره زاد لينا في الإسلام ~~وأسف أحيانا، فلخلوه من براعة الوصف، ومن الصور الخيالية الرائعة، ثم ~~لاعتماد الشاعر على الارتجال # 21 # أكثر منه على التحكيك والتنخل، فكثر في شعره الكلام الساقط، ~~والإقواء، والتوجيه. # 22 # ثم لتأثير أسلوب القرآن في نفسه، وما في هذا الأسلوب من رقة ~~في اللفظ والتعبير، فقد عدل بالشاعر عن الألفاظ الغريبة الصلبة إلى الرقيقة ~~السهلة، ولكن أنى لحسان أن يجاريه في نصاعة بيانه وبلاغة تعبيره، فازداد ~~لينا على لين، وأسف مرة بعد مرة فسقط أكثر شعره في الإسلام. على أن له ~~بعض قصائد في الهجو والفخر وذكر الوقائع تعد من أطيب الشعر وأجوده. # منزلته # قال أبو عبيدة: «فضل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر ms195 الأنصار في ~~الجاهلية، وشاعر النبي في النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام.» وقال ~~أيضا: «اجتمعت العرب على أن حسان أشعر أهل المدر.» # 23 # وقال الأصمعي: «حسان فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام ~~سقط شعره.» وقال الحطيئة: «أبلغوا الأنصار أن شاعرهم أشعر العرب حيث ~~يقول: # يغشون حتى ما تهر كلابهم # لا يسألون عن السواد المقبل» # وقال أبو عمرو بن العلاء: «حسان أشعر أهل الحضر.» وقال أبو الفرج ~~الأصفهاني: «حسان فحل من فحول الشعراء.» وقال الحارث بن عوف المري ~~لمحمد: «أجرني من شعر حسان، فوالله لو مزج به ماء البحر لمزجه.» وكان ~~حسان قد هجاه بقوله: # وأمانة المري، حيث لقيته # مثل الزجاجة، صدعها لم يجبر # وكان محمد يقول لحسان: «اهجهم، فوالله لشعرك أشد عليهم من نضح النبل ~~في غلس الظلام.» # 24 # وقال أيضا: «امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء في النار، وحسان بن ~~ثابت يقود جموعهم إلى الجنة.» وكان حسان كثير الادعاء، يدلع لسانه ويقول: ~~«والله لو وضعته على شعر لحلقه، وعلى صخر لفلقه.» # أما نحن فنرى أن حسان في شعره الجاهلي مجيد، ولكنه لم يبلغ شأو فحولة ~~الشعراء، وفي شعره الإسلامي، مجيد في بعضه ولا سيما الهجو والفخر، ضعيف في ~~أكثره لا سيما مدحه ورثاؤه للرسول، ولكن فيه من الفوائد التاريخية، ومن ~~جديد الأسلوب ما ليس في شعره الجاهلي. فحسان في الإسلام شاعر مؤرخ، وشاعر ~~مجدد في وقت واحد، وهو في دفاعه عن النبي طليعة الشعراء السياسيين. # | هوامش # | الشعراء الإسلاميون # (1) ميزة الشعر الإسلامي # تكاثر عدد الشعراء في هذا العصر لأسباب سياسية واجتماعية سنأتي على ذكرها، فتطور ~~الشعر تطورا محسوسا بتأثير هذه الأسباب، وظهرت فيه فنون جديدة كانت ضعيفة في ~~الجاهلية فقويت في الإسلام: كالغزل والشعر السياسي. # وقد ورث الشعراء الإسلاميون # 1 # من شعراء الجاهلية الإيجاز، وقوة التعبير، وبداهة الفكر، ومتانة السبك، ~~ثم تثقفوا بالقرآن فظهرت آثاره في تعابيرهم وأفكارهم. # على أن تقدمهم في الحضارة أضعف فطرتهم، فخرجوا عن سذاجة البدوي في جاهليته، وظهر ~~على شعرهم ترف العصر ورخاؤه، وأثر انتقالهم من ms196 الخيام إلى القصور، واختلاطهم بعد ~~الفتوحات بأبناء المدنيات القديمة كالفرس في العراق وفارس، والروم في الشام ~~ومصر. # ولكن العصر الإسلامي لم يطل عمره فيبلغ أهلوه غايتهم من التأنق والعمران، بل ~~أديل منه وهو في إبان شوطه، فتلقاه العباسيون طريفا يانعا، فاستغلوه وأحسنوا ~~إنماءه فأورق وازدهر على أيديهم، ولذلك لم يدرك الشعراء الإسلاميون شأو ~~المولدين # 2 # في الرقة والتصرف في المعاني. # وقد كثر المدح والتفاخر، والهجاء المقذع في شعر الإسلاميين، لعلاقة هذه الأغراض ~~بالأحزاب السياسية، وكثر الشعراء الغزلون الذين قصروا همهم على الغزل والتشبيب ~~لتأثير المدنية الجديدة في نفوسهم. ~~(2) نهضة الغزل # الغزل من الفنون التي كانت ضعيفة في الجاهلية فقويت في الإسلام، ذلك بأن الشاعر ~~الجاهلي قلما قصر كلمته # 3 # على فن واحد، فهو في شعره كثير التنقل، متعدد الأغراض، وكان له من ~~الغزوات والمفاخرات ما يمنعه من الانصراف إلى التشبيب بالنساء، بيد أنه تغزل ~~وبكى على الطلول، وشبب بالمرأة، وكان صادقا في غزله وبكائه، مجيدا في تشبيبه ~~ووصفه؛ ولكنه لم يحسن تصوير عواطفه وما يشعر به من صبابة وألم، أو من أمل وارتياح، ~~فاكتفى بذكر الديار الدارسة تلعب بها الرياح والأمطار، وتسرح بها الآرام والوحوش؛ ~~واكتفى بوصف الفراق من تحمل الأحبة، إلى الوداع، إلى سير الأظعان في الأودية ~~والجبال؛ واكتفى بوصف أعضاء المرأة والتشبيب بمحاسنها. فالشاعر الجاهلي مادي في ~~تصوره أكثر منه روحانيا، ولذلك لم يحسن التعبير عن تأثراته النفسية؛ ولا أحسن وصف ~~سواها من الأشياء غير المنظورة. # أما في الإسلام فتطورت الحياة بتأثير القرآن، واختلاط العرب بالشعوب الأعجمية من ~~روم وفرس، فرقت الأمزجة والأذواق، وقوي الإحساس في النفوس، وكان للأمويين من ~~السلطان في إبان دولتهم ما كبح جماح البدو ومنعهم من الغزو والغارات؛ ففرغ الشاعر ~~إلى نفسه يتفحصها ويتبين خفاياها، وأصبح يلذ له أن يعبر عما يحس فيها من عاطفة أو ~~هوى، وحزن أو سرور. فلم يبق الغزل غرضا تابعا لغيره من الأغراض الشعرية، أو ~~واسطة يستهل بها الشاعر قصيدته للوصول إلى غايته، بل صار فنا مستقلا بنفسه، له ms197 ~~أتباع تخصصوا به ووقفوا عليه شعرهم، ولم يبق مقصورا على الوصف المادي بل أضيف ~~إليه شيء جديد ينبعث من الروح، وهو وصف العواطف والأهواء، وما يتصل بها من التأثرات ~~النفسية. # على أن هذا الفن بقي محصورا في الجزيرة العربية لبعدها من سياسة الأحزاب في ~~الشام والعراق. أما الشعراء الذين اتصلوا بالبلاط الأموي، وغيرهم من شعراء الأحزاب، ~~فلم ينصرفوا إلى إتقان هذا الفن بل لبثوا يقلدون فيه من تقدمهم، ويوطئون به أغراضهم ~~من مدح أو هجاء، وقل من نظم منهم شعرا غزليا صرفا. # وينقسم الغزل في جزيرة العرب إلى ~~نوعين: بدوي وحضري. فالبدوي غلبت عليه العفة والرصانة لسذاجته وقربه من الفطرة، ~~وبعده من ملاهي الحضارة ومفاسدها، وأصحابه عرفوا بالشعراء العذريين، # 4 # وكانت مواطنهم في بوادي نجد والحجاز، وهم في غزلهم لا يشببون إلا ~~بامرأة واحدة، يحبونها حبا صادقا عفيفا، وأكثر ما يطيب لهم وصف ما يلاقون من ~~ألم البعد، ومرارة الهجران والصدود، وأشهر أولئك الشعراء: جميل بن معمر، وقيس ~~بن ذريح، وقيس بن الملوح أو مجنون ليلى إن صح وجوده. # ولكن هؤلاء المتيمين ليس لهم خصائص متميزة في أشعارهم، فقد تغزلوا كلهم بأسلوب ~~واحد، وتواطأوا على المعاني والألفاظ في بث لواعجهم ووصف خليلاتهم؛ واختلطت أقوالهم ~~بعضها ببعض، فأصبح يضاف إلى جميل ما يضاف إلى قيس بن ذريح، ويضاف إلى المجنون ما ~~يضاف إليهما، ويضاف إليهما ما يضاف إلى المجنون، واخترعت أخبار عنهم تناسب هذه ~~الأشعار، فيها كثير من الغلو والتناقض، ولكنها تلتقي جميعا في موقف واحد، وهو أن ~~الشاعر أحب فتاة فشبب بها، ثم خطبها إلى أهلها فردوه مخافة التعيير؛ لاشتهار ~~حبه لها وقوله فيها، ولم يستطع الوصول إليها لعفة نفسه وعفة نفسها، ولكنه كان ~~يجتمع بها سرا، فعرف أهلها بحبهما، فاستعدوا عليه السلطان، فأهدر دمه، ففر ~~هائما على وجهه يقطع القفار وينشد الأشعار، حتى يأتيه الموت فينقذه من ~~عذابه. # وأما الغزل الحضري فقد غلب عليه الرخاء والترف، والعبث والتهتك؛ فصور شعراؤه ~~حياتهم الناعمة أدق تصوير، وتفننوا في أساليبهم فأبدعوا، ولا ms198 سيما أسلوب الغزل ~~القصصي، وكانت مواطنهم مكة والمدينة؛ وفيهما القرشيون والأنصار. # وخشي الخلفاء الأمويون أن يشتغل هؤلاء الأشراف بالسياسة فتطمح أنظارهم إلى ~~الخلافة - وكلهم له الحق بها - فأجبروهم أن لا يبرحوا الحجاز إلا بإذن منهم، ولكنهم ~~أسبغوا عليهم النعم الكثيرة، وفرضوا لهم الأرزاق الواسعة من بيت المال؛ فالتهوا ~~عن طلب الملك، وانصرفوا إلى العبث والمجون؛ فأصبحت مكة والمدينة موطنين للذة ~~واللهو والقصف، وشاع فيهما فن الغناء، فكان الشعراء الغزلون ينظمون، ويتغنى ~~بأشعارهم القيان والمغنون، وكان لهؤلاء الشعراء منزلة ليست لغيرهم ، يرفعهم إليها ~~كرم محتدهم، فلم يتورعوا من التشبيب بنساء الخلفاء والأمراء، وسر أولئك النسوة ~~بأقوالهم، فكن يتعرضن لهم ليشببوا بهن، ولطالما شفعن لهم إذا غضب الخليفة على ~~أحدهم وأراد عقابه. # فيتضح من ذلك أن الشاعر الحضري لم يقتصر في تشبيبه على امرأة واحدة كالشاعر ~~البدوي، بل كان موكلا بالجمال يتبعه أين رآه. وأشهر هؤلاء الشعراء الغزلين: عمر ~~بن أبي ربيعة والعرجي القرشيان، والأحوص بن محمد الأنصاري. فأما وقد عرفنا ~~كيف نهض الغزل في الصدر الثاني للإسلام فينبغي لنا أن نتخذ مثالا لدرسه شاعرين ~~مشهورين، وهما جميل بن معمر حامل لوائه البدوي، وعمر بن أبي ربيعة رافع عرش ~~حضارته، ولنبدأ بجميل. ~~(3) جميل بن معمر (توفي 701م/82ه) ~~(3-1) حياته # هو جميل بن عبد الله بن معمر العذري، اشتهر بحبه لابنة عمه بثينة، ~~فعرف بجميل بثينة، وكانا يقيمان في وادي القرى، # 5 # وأحبها وهو غلام صغير. قيل إنه أقبل يوما بإبله حتى أوردها واديا ~~يقال له بغيض، فاضجع وأرسل إبله مصعدة وأهل بثينة بذيل الوادي. فأقبلت بثينة ~~وجارة لها واردتين، فمرتا على فصال # 6 # لجميل بروك # 7 # فعزقتهن # 8 # بثينة، وكانت حينئذ جويرية لم تدرك، فسبها جميل فسبته، فملح ~~إليه سبابها وأحبها وفي ذلك يقول: # وأول ما قاد المودة بيننا # بوادي بغيض، يا بثين، سباب # فقلنا لها قولا، فجاءت بمثله # لكل كلام، يا بثين، جواب # ثم صارت بثينة شابة، وصار جميل شابا، فازداد بها هياما وطفق ينسب بها حتى ~~اشتهر أمره. فخطبها إلى ms199 أهلها فردوه مخافة أن يعيرهم الناس لقوله فيها وشيوع ~~حبه لها، وزوجوها رجلا اسمه نبيه. # وكان عند بثينة مثل ما عند جميل؛ فأخذا يجتمعان على موعد عند غفلات الرجال، ~~فعرف قومها فجمعوا له جمعا، وترصدوه ذات ليلة ليقتلوه فحذرته بثينة، فاستخفى. ~~ثم هجا قومها فاستعدوا عليه مروان بن الحكم، وهو على المدينة من قبل ~~معاوية، فأهدر دمه أو نذر ليقطعن لسانه، فهرب إلى اليمن وفي ذلك يقول: # أتاني عن مروان بالغيب أنه # مقيد دمي، أو قاطع من لسانيا # 9 # ففي العيس منجاة، وفي الأرض مذهب # إذا نحن رفعنا لهن المثانيا # 10 # فأقام هناك إلى أن عزل مروان، فرجع إلى بلده. # وانتجع أهل بثينة الشام فرحل ~~جميل إليهم، فشكوه إلى عشيرته فعنفه أهله وهددوه، فانقطع عنها. ثم لجأ إلى مصر ~~وعليها عبد العزيز بن مروان فأحسن وفادته، ولكنه لم يلبث أن مرض مرضة فمات ~~بها. # قيل لما حضرت جميلا الوفاة دعا برجل، وقال له: «هل لك أن أعطيك كل ما أخلفه ~~على أن تفعل شيئا أعهد به إليك؟» قال: «نعم.» قال: «إذا مت فخذ حلتي هذه ~~واعزلها جانبا، وكل شيء سواها لك؛ وارحل إلى رهط بثينة على ناقتي هذه، والبس ~~حلتي هذه إذا وصلت، واشققها، ثم اعل على شرف، وصح بهذه ~~الأبيات: # صدع النعي، وما كنى، بجميل # وثوى بمصر ثواء عير قفول # 11 # ولقد أجر الذيل، في وادي القرى # نشوان بين مزارع ونخيل # 12 # قومي بثينة، فاندبي بعويل # وابكي خليلك دون كل خليل # فلما أتى الرجل وأنشد الأبيات، برزت بثينة وقالت: «يا هذا، إن كنت صادقا فقد ~~قتلتني، وإن كنت كاذبا فقد فضحتني.» ~~فقال: «ما أنا إلا صادق.» وأراها ~~الحلة. فصاحت وصكت وجهها، فاجتمع نساء الحي يبكين معها حتى ~~صعقت، # 13 # فمكثت مغشيا عليها ساعة، ثم قامت وقالت: # وإن سلوي عن جميل لساعة # من الدهر ما حانت، ولا حان حينها # سواء علينا يا جميل بن معمر # إذا مت، بأساء الحياة ولينها # وقال عباس بن سهل الساعدي: «لقيني رجل من أصحابي فقال: ms200 «هل لك في ~~جميل، فإنه يعتل، نعوده؟» فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إلي وقال: «يا ~~ابن سهل، ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، ولم يزن، ولم يقتل النفس، ولم ~~يسرق، يشهد أن لا إله إلا الله؟» قلت: «أظنه قد نجا، وأرجو له الجنة؛ فمن هذا ~~الرجل؟» قال: «أنا.» قلت: «ما أحسبك سلمت وأنت تشبب ببثينة منذ عشرين سنة.» ~~قال: «لا نالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها لريبة.» # وكان جميل طويل القامة، عريض ما بين المنكبين، جميل الخلقة، حسن ~~البزة. # 14 ~~(3-2) أخبار جميل # لصاحب بثينة أخبار كثيرة يتألف منها قصة فكهة لمن أراد التسلية دون أن يشغل ~~فكره بالدرس والانتقاد، ولكن إذا رماها بنظر الناقد بدا له ما فيها من سخف ~~وغلو وتناقض، مما يدل على أن واضعها قليل الحظ من فن التأليف. فهو يروي ~~لنا مرة خبرا يصور فيه جميلا مثالا للعفة، كما نعهده في شعره، ثم يشفعه بخبر ~~آخر يشوه هذه العفة ويفسدها، ويحدثنا مرة أخرى عن وفاء جميل حديثا لذيذا، ~~ولكنه لا يلبث أن ينقضه بغيره فيرينا هذا العاشق غادرا لئيما، وهكذا يصح ~~القول في شجاعة جميل وجبنه. # وبين أن هذه المناقضات تعود بأجمعها على تعدد رواة القصة ووضاعها. ~~فإنهم لم يقصدوا منها خدمة الحقيقة والتاريخ، بل مفاكهة الناس في ذلك العصر ~~الأموي الذي كثر الترف واللهو، فكان أحب شيء إلى قومه استماع أخبار العشاق ~~المتيمين. # ونحن في درسنا جميلا نعتمد على شعره، لا على تلك الأقاصيص المتفرقة التي ليس ~~لأكثرها قيمة تاريخية، وليس لها نفع لولا حسن إنشائها، وأما شعره فيمكننا أن ~~نتمثل فيه حالة جميل وغير جميل من أولئك الشعراء الغزلين الذين عطروا البادية ~~بأنفاسهم في الصدر الثاني للإسلام. ~~(3-3) آثاره # لجميل أشعار وأخبار متفرقة في كتب الأدب، وأكثر شعره في الغزل، وله أقوال في ~~الفخر والهجاء، وكان له ديوان كبير معروف في أيام ابن خلكان # 15 # فضاع، ولكن بقي له أشعار مجموعة في كتاب منه نسخة خطية في ~~برلين. ms201 ~~(3-4) ميزته - الغزل البدوي # جلال البداوة وسذاجتها، ورقة العاطفة ولوعتها، ورصانة العبارة وقوتها: شيء ~~يتألف منه شعر جميل. # عفاف النفس وقناعتها، وصدق المودة ووفاؤها: هذا هو حب جميل. # وما جميل إلا زعيم الشعراء المتيمين، وأستاذ الغزل البدوي في نهضته ~~الإسلامية، فإذا أنت قرأته تعلم مبلغ تطور الشعر الغزلي على عهد بني أمية، ~~وتميز الفرق بينه وبين الغزل في الجاهلية، ثم ترى تلك اللوعة الصادقة، وذلك ~~الحب العفيف. # فهذا الغزل يختلف عن غزل امرئ القيس وطرفة وزهير وغيرهم من الجاهليين؛ إذ لا ~~يقتصر على التشبيب بمحاسن المرأة، بل يضيف إليه شيئا روحيا يعنى بنفس ~~الشاعر وعواطفه، وربما كانت عناية الشاعر الإسلامي بنفسه أكثر من عنايته بوصف ~~محبوبته. فجميل لا يكاد يذكر بثينة، ويلم بشيء من أوصافها حتى ينصرف إلى ~~نفسه، فيبث شكايته وما يلاقيه من ألم البعد، ثم يشرح هواه الذي يرافقه إلى ما ~~بعد الموت «يتبع صداي صداك بين الأقبر.» ثم يتقاضى ديونه ويلح في طلبها، ولكنه ~~يقنط أخيرا من وفائها فيقول: # ما أنت، والوعد الذي تعدينني # إلا كبرق سحابة لم تمطر # وهو، في شكايته وشرح هواه وتقاضيه ديونه، ملتاع صادق اللوعة لا يتكلف الحب ~~تكلفا؛ وعف اللسان والضمير، لا تخرج من فمه كلمة تخدش جبين الأدب. # وما أجمل الالتفات في شعره من الغيبة ~~إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، وما أشد وقعه في النفس، فإنه في كل التفاتة ~~ينبه السامع، ويبعث فيه نشاطا جديدا للإصغاء إليه. # وقد تجد في غزله شيئا من الغلو ولكنه بريء ساذج، تدافع به اللوعة من ~~جميع جهاته، فلا تنكره عليه، ولا تحس فيه تكلفا أو إغرابا، بل يلذ لك أن ~~تسمعه يقول: # فلو أرسلت يوما بثينة تبتغي # يميني، ولو عزت علي يميني # لأعطيتها ما جاء يبغي رسولها # وقلت لها بعد اليمين: سليني # سليني مالي يا بثين، فإنما # يبين عند المال كل ضنين # أفليس من الغلو الساذج أن ترى الشاعر يجود بيمينه غير آسف عليها، ثم لا يجد ~~ذلك كافيا لإظهار حبه إذا لم يشفعه ms202 ببذل ماله فيقول: «سليني مالي يا بثين ~~...» # وهو على تهالكه في حبها شجاع باسل يهدد قومها: «فليت الرجال الموعدين لقوني.» ~~وفخور معجب بنفسه: «يقولون: من هذا؟ وقد عرفوني.» وأنف يأبى الضيم ولو كان ~~الحبيب الفاعل: # ولست، وإن عزت علي، بقائل # لها بعد صرم: يا بثين صليني # ولكنه، وإن صرمت حباله، لا يرضى بها بديلا، ولا يسمع قول العواذل فيها، ~~فيرد تلك التي عرضت عليه نفسها ردا لطيفا؛ لأن حب بثينة لم يترك في صدره ~~فراغا لغيرها، ويشكو إلى بثينة ما يعاني من حبها، وما تصنع العواذل للتفريق ~~بينهما، ولله أبوه ما أبلغ الألم وحب التشفي من عواذله في قوله: «وودت لو ~~يعضضن صم جنادل.» بل ما أشد وفاءه في قوله: «وإذا هويت فما هواي ~~بزائل.» وما أعظم قناعته وصدق ولائه حيث يقول: # ويقلن: «إنك يا بثين بخيلة» # نفسي فداؤك من ضنين باخل # ألا وإن قناعة جميل، ورضاه من بثينة بالشيء الزهيد، يتمثلان في ثلاثة أبيات ~~له إذ يقول: # وإني لأرضى من بثينة بالذي # لو أبصره الواشي لقرت بلابله # 16 # بلا، وبألا أستطيع، وبالمنى # وبالأمل المرجو قد خاب آمله # 17 # وبالنظرة العجلى، وبالحول ينقضي # أواخره، لا نلتقي، وأوائله # 18 # ولعل هذه الأبيات لا تمثل القناعة مجردة، بل تمثل معها ذلك الحب العفيف الذي ~~اشتهر به عشاق بني عذرة وفي طليعتهم جميل. ~~(3-5) منزلته # قال عبد الرحمن بن أزهر: «جميل أشعر أهل الإسلام.» وقال عبد الرحمن بن حسان ~~بن ثابت الأنصاري: «جميل أشعر أهل الجاهلية والإسلام، والله ما لأحد منهم مثل ~~هجائه ولا نسيبه.» وقال محمد بن سلام: «كان لكثير حظ وافر، وجميل مقدم عليه، ~~وعلى أصحاب النسيب في النسيب، وكان جميل صادق الصبابة والعشق، ولم يكن كثير ~~بعاشق ولكنه كان يتقول.» # ورأي ابن سلام هو المعول عليه، فإن جميلا، في صدق مودته وخلوص وفائه، ~~يتقدم الشعراء الغزلين على الإطلاق، وهو في عفة نفسه وشرف عاطفته يقود شراذم ~~الشعراء العذريين إلى جهاد الحب العفيف. ~~(4) عمر بن أبي ربيعة (644-711م/23-93ه) ~~(4-1) حياته # هو ms203 عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة حذيفة بن المغيرة المخزومي القرشي، ~~ويكنى أبا الخطاب، وأمه يقال لها مجد، سبيت من حضرموت أو من حمير، ~~فتزوجها عبد الله بن أبي ربيعة، وكان تاجرا موسرا وعاملا للنبي والخلفاء ~~الثلاثة من بعده، فولدت له شاعرنا يوم قتل عمر بن الخطاب، فنشأ في أسرة عظيمة ~~الجاه، ضخمة الثروة، توافرت فيها أسباب الترف والنعيم، وقضت مصلحة بني أمية ~~بإقصاء القرشيين عن الحياة السياسية، فانصرف عمر إلى اللهو والعبث، وكان له من ~~شبابه وجماله وشاعريته ومحتده وثروته ما سهل له سبل الملذات، فلها كثيرا ~~وعبث كثيرا، فلم تعرض له حسناء قرشية أو غير قرشية إلا شبب بها وشهرها، وكان ~~يقضي أيامه لاهيا مستمتعا حتى إذا آن موسم الحج اعتمر # 19 # ولبس الحلل الفاخرة، وركب النجائب # 20 # المخضوبة بالحناء، عليها القطوع # 21 # والديباج، وأسبل لمته # 22 # وخرج من مكة يتلقى الحواج المدنيات والعراقيات والشآميات ~~فيتعرض لهن ويتبعهن إلى مناسك الحج، ولا يزال يترقب خروجهن للطواف في ~~الكعبة، حتى ينظر إليهن محرمات فيرى منهن ما لا يراه في خارج الحرم فيصفهن ~~ويشهرهن بشعره. ~~(4-2) أخباره مع الحسان # كان الحسان لا يسوؤهن أن يشبب بهن ابن أبي ربيعة، ولطالما التمسن الاجتماع ~~به، وطلبن إليه أن يقول فيهن متغزلا، على أن لا يقول هجرا # 23 # مخافة أن يفضحهن، فكان يتعفف في غزله مرة. ثم يتعهر مرارا، ~~فيذكر حوادثه معهن بقالب قصصي رائع الفن، ولولا تعهره لما خشي شره بعض كرائم ~~النساء، فصرن يخفن الخروج إلى الحج حذرا من أن يراهن فلا يسلمن من شيطان ~~شعره. # على أن تعهره كان يقف به غالبا عند طائفة من صواحبه فلا يجاوزهن إلى اللواتي ~~يعرضن له في الطواف، أو إلى المحصنات الموسومات بالعفاف، وقد يتورع من ~~تشهير مليحة حرمة أو خوفا، شأنه مع فاطمة بنت عبد الملك بن مروان الخليفة ~~الأموي؛ فقد روى صاحب الأغاني: أنها حجت، فكتب الحجاج # 24 # إلى عمر بن أبي ربيعة يتوعده، إن ذكرها في شعره، بكل مكروه، وكانت ms204 ~~تحب أن يقول فيها شيئا، وتتعرض لذلك، فلم يفعل خوفا من الحجاج. فلما قضت حجها ~~خرجت، فمر بها رجل فقالت له: «من أنت؟» قال: «من أهل مكة.» قالت: «عليك وعلى ~~أهل بلدك لعنة الله!» قال: «ولم ذاك؟» قالت: «حججت فدخلت مكة ومعي من ~~الجواري ما لم تر الأعين مثلهن؛ فلم يستطع الفاسق # 25 # ابن أبي ربيعة أن يزودنا من شعره أبياتا نلهو بها في الطريق في ~~سفرنا.» قال: «فإني لا أراه إلا قد فعل.» قالت: «فأتنا بشيء إن كان قاله، ولك ~~بكل بيت عشرة دنانير.» فمضى إليه فأخبره. فقال: «لقد فعلت، ولكن أحب أن تكتم ~~علي.» قال: «أفعل.» فأنشده قوله: # راع الفؤاد تفرق الأحباب # يوم الرحيل، فهاج لي أطرابي # 26 # ولكنه لم يذكرها باسمها فرقا من عبد الملك بن مروان ومن الحجاج. وجرى له ~~مثل ذلك مع عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وهي قرشية من بني تيم بن مرة؛ فقد ~~رآها وهو يطوف بالبيت، وكانت من أجمل أهل دهرها، فبهت لمرآها، ورأته وعلمت ~~أنها وقعت في نفسه، فبعثت إليه جارية لها وقالت: «قولي له: اتق الله ولا تقل ~~هجرا، فإن هذا المقام لا بد فيه مما رأيت.» فقال للجارية: «أقرئيها السلام، ~~وقولي لها ابن عمك لا يقول إلا خيرا.» وقال فيها: # لعائشة ابنة التيمي عندي # حمى في القلب لا يرعى حماها # 27 # ثم شبب بها كثيرا؛ فبلغ ذلك فتيان بني تيم، أبلغهم إياه فتى منهم وقال لهم: ~~«يا بني تيم بن مرة! ليقذفن بنو مخزوم بناتنا بالعظائم!» فمشى ولد أبي ~~بكر، وولد طلحة بن عبيد الله إلى عمر بن أبي ربيعة فأعلموه بذلك، وأخبروه بما ~~بلغهم؛ فقال لهم: «والله لا أذكرها في شعر أبدا.» ثم أخذ يكني عن اسمها في ~~قصائده ويتلطف في تبليغها ما يريد على أعواد المغنين. # فيمكننا أن نستدل من هذين الخبرين على أخلاق المرأة المترفة في العصر الأموي، ~~وميلها إلى الشعر، واستلطافها أن يقال فيها الغزل البريء من الفحش. ذلك بأنها ~~كانت على جانب عظيم ms205 من الأدب، ولها في الشعر نظر صائب وذوق سليم، ~~يرقيها # 28 # جيده وينفرها رديئه، ويسرها أن تجالس الشعراء وتحادثهم وتستنشدهم، ~~ومنهم من جعلت دارها ندوة أدبية، تجمع فيها الشعراء والمغنين، وتجادلهم وتنتقد ~~أقوالهم وغناءهم انتقادا مرا، كسكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، ~~وكانت تنافس عائشة في الجمال، وربما فضلتها. ولسكينة أخبار كثيرة مع عمر بن ~~أبي ربيعة، وله فيها غزل رقيق تغنى به المغنون. # ونستطيع أن نتبين مبلغ ترف المرأة الحجازية في هذا العصر، وحبها للشعر واللهو ~~في خبر لابن أبي ربيعة مع إحدى سيدات قريش، وهي هند بنت الحارث المرية، ~~وهذا الخبر حدثه عمر عن نفسه ورواه صاحب الأغاني قال: «بينا أنا منذ أعوام ~~جالس إذ أتاني خالد الخريت فقال لي: «يا أبا الخطاب، مرت بي أربع نسوة ~~قبيل العشاء يردن موضع كذا وكذا، لم أر مثلهن في بدو ولا حضر، فيهن ~~هند بنت الحارث المرية. فهل لك أن تأتيهن متنكرا فتسمع من حديثهن وتتمتع ~~بالنظر إليهن ولا يعلمن من أنت؟» فقلت: «ويحك! وكيف لي أن أخفي نفسي؟» قال: ~~«تلبس لبسة أعرابي ثم تجلس على قعود، # 29 # فلا يشعرن إلا بك وقد هجمت عليهن.» ففعلت ما قال وجلست على قعود، ~~ثم أتيتهن فسلمت عليهن، ثم وقفت بقربهن. فسألنني أن أنشدهن وأحدثهن، فأنشدتهن ~~لكثير وجميل والأحوص ونصيب وغيرهم. فقلن لي: «ويحك يا أعرابي! ما أملحك ~~وأظرفك! لو نزلت فتحدثت معنا يومنا هذا، فإذا أمسيت انصرفت في حفظ الله.» ~~فأنخت بعيري، ثم تحدثت معهن وأنشدتهن، فسررن بي وجذلن # 30 # بقربي وأعجبهن حديثي. ثم إنهن تغامزن وجعل بعضهن يقول لبعض: ~~«كأنا نعرف هذا الأعرابي! ما أشبهه بعمر بن أبي ربيعة.» فقالت إحداهن: «هو ~~والله عمر!» فمدت هند يدها فانتزعت عمامتي فألقتها عن رأسي، ثم قالت لي: ~~«هيه # 31 # يا عمر! أتراك خدعتنا منذ اليوم! بل نحن والله خدعناك واحتلنا ~~عليك بخالد، فأرسلناه إليك لتأتينا في أسوأ هيئة ونحن كما ترى.» # فحسبك من هذا الخبر دليل على حرية المرأة الحجازية وتحضرها ms206 في العصر ~~الأموي، وبوسعك أن تقابلها بشقيقتها في العصر الجاهلي، فترى الفرق بينهما، ~~وتعلم مبلغ التطور السريع الذي أحدثه الإسلام في نفوس العرب، فاستبدلوا من ~~الخشونة رقة، ومن الوأد # 32 # حبا، ومن الناقة امرأة؛ وأفادوا مالا كثيرا من فتوحاتهم، ~~فاتسعت أحوالهم بعد ضيق، فاستمتعوا بحياتهم وأغرقوا في الاستمتاع، وكان للشباب ~~الحجازي المترف دافع من السياسة إلى اللهو والعبث، فتهافت عليهما؛ وللمرأة ~~حظها من كل ذلك، فشاركته في تهافته، وكان عصرهما عصر دعابة ومجون. ~~(4-3) حبه # لم يقف ابن أبي ربيعة حبه على امرأة واحدة كما وقف جميل حبه على بثينة، بل ~~كان تبع نساء يتنقل كالطائر من فنن إلى فنن، أو كالنحلة من زهرة إلى زهرة، ~~ولكنه على تنقله كان صادقا في حبه؛ لأنه إنما كان يهوى الجمال ، فما رأى ~~مليحة إلا أحبها واستطير إليها فؤاده، فهو صادق في حبه للجمال، كاذب في ~~إخلاصه للمرأة التي يحبها، ولعل أبلغ تعريف لحب ابن أبي ربيعة حديثه لمصعب بن ~~عروة بن الزبير وأخيه عثمان، وكان قد أسن وجف عوده، فبصر بهما يطوفان ~~بالبيت وهما فتيان، فأقبل عليهما وقال: «يا ابني أخي، لقد كنت موكلا ~~بالجمال أتبعه، وإني رأيتكما فراقني حسنكما وجمالكما، فاستمتعا بشبابكما ~~قبل أن تندما عليه.» # وكان عمر ناعما في حبه تهواه النساء ~~لجماله وشاعريته وجاهه، فلم يزره الصدود إلا غرارا، وتجد أثر هذه النعمة ~~مطبوعا على شعره، وإذا رأيت فيه شيئا من التألم والشكوى فإنما هو ناتج عن ~~فراق حسناء لمحها في الطواف فاتبعها فأفلتت من يده، أو عن هجران موقوت سببته ~~غيرة المرأة عليه لتنقله في الحب وعدم إخلاصه. ~~(4-4) زواجه # كان عمر يهوى كلثم بنت سعد المخزومية، ~~وهي تصد وتمتنع عنه لعلمها بغدره، وما زال يبعث إليها الرسل حتى أذنت له ~~بزيارتها، فمكث عندها شهرا لا يدري أهله أين هو. ثم استأذنها في الخروج، ~~فقالت: «والله لا تخرج إلا بعد أن تتزوجني.» ففعل وتزوجها فولدت منه ابنين ~~أحدهما جوان، وماتت عنده، وكان جوان هذا امرأ صالحا فلم يسلك ms207 مسلك أبيه، ~~وقد استعمله بعض ولاة مكة على تبالة # 33 # فحمل على خثعم # 34 # في صدقات أموالهم حملا شديدا، فجعلت خثعم سنة جوان تاريخا. قال ~~ضبارة بن الطفيل: # ولو شهدتني في ليال مضين لي # لعامين مرا قبل عام جوان # رأتنا كريمي معشر، حم بيننا # هوى، فحفظناه بحسن صيان # 35 # وفي جوان يقول العرجي: # شهيدي جوان على حبها # أليس بعدل عليها جوان؟ # فجاء جوان إلى العرجي فقال له: «يا ~~هذا، ما لي وما لك، تشهرني في شعرك؟ متى أشهدتني على صاحبتك هذه؟ ومتى كنت ~~أنا أشهد في مثل هذا!» # ويروي لنا صاحب الأغاني خبر زواج آخر لابن أبي ربيعة هو أطروفة # 36 # في بابه، ومنه نعلم مبلغ تأثير شعر عمر في الحرائر، وتخوف الناس ~~على بناتهم هذا الشعر الساحر الفاضح. قيل: ولدت لرجل من بني جمح جارية لم ~~يولد مثلها بالحجاز حسنا، وكان من أهل مكة، فقال: «كأني بها وقد كبرت فشبب ~~بها عمر بن أبي ربيعة وفضحها ونوه باسمها كما فعل بنساء قريش، والله لا أقمت ~~بمكة.» فباع ضيعة له بالطائف ومكة، ورحل بابنته إلى البصرة، فأقام بها وابتاع ~~هناك ضيعة، ونشأت ابنته من أجمل أهل زمانها، ومات أبوها فلم تر أحدا من بني ~~جمح حضر جنازته، ولا وجدت لها مسعدا # 37 # ولا عليها داخلا، # 38 # فقالت لداية # 39 # لها سوداء: «من نحن؟ ومن أي البلاد نحن؟» فخبرتها، فقالت: «لا ~~جرم والله، لا أقمت في هذا البلد الذي أنا فيه غريبة.» فباعت الضيعة والدار، ~~وخرجت في أيام الحج. # وكان ابن أبي ربيعة قد خرج للقاء الحواج العراقيات، فإذا قبة مكشوفة فيها ~~جارية كأنها القمر، تعادلها # 40 # جارية سوداء كالسبجة. # 41 # فقال للسوداء: «من أنت؟ ومن أين أنت يا خالة؟» فقالت: «لقد أطال ~~الله تعبك، إن كنت تسأل هذا العالم من هم ومن أين هم.» قال: «فأخبريني عسى أن ~~يكون لذلك شأن.» قالت: «نحن من أهل العراق، فأما الأصل والمنشأ فمكة، وقد ~~رجعنا إلى الأصل ورحلنا إلى بلدنا.» فضحك. فلما نظرت ms208 إلى سواد ثنيتيه # 42 # قالت: «قد عرفناك.» قال: «ومن أنا؟» قالت: «عمر بن أبي ربيعة!» ~~قال: «وبم عرفتني؟» قالت: «بسواد ثنيتيك وبهيئتك التي ليست إلا لقريش.» ~~ولم يزل بها حتى تزوجها. ~~(4-5) توبته # على أن صاحبنا لم يشأ أن تنقضي حياته بالفتك والمجون، فالرواة يحدثوننا بأنه ~~ما بلغ الأربعين حتى نسك وتاب إلى ربه، وحلف ألا يقول بيت شعر إلا أعتق رقبة، ~~ولكنه ظل على الرغم منه يحن إلى شبابه وجماله، فتمر به ساعات يتلهف فيها على ما ~~مضى من صبابته وصباه. فقد رأيت وصيته للغلامين الجميلين اللذين شاهدهما يطوفان ~~بالحرم، وأبصر مرة فتى جميلا عليه جمة، # 43 # فجعل يمد الخصلة من شعره ثم يرسلها فترجع إلى ما كانت عليه، ويقول: ~~«وا شباباه!» ونظر مرة إلى رجل يكلم امرأة في الطواف، فعاب ذلك عليه وأنكره، ~~فقال له: «إنها ابنة عمي.» قال : «ذلك أشنع لأمرك.» فقال: «إني خطبتها إلى عمي، ~~فأبى علي إلا بصداق أربع مئة دينار، وأنا غير مطيق ذلك.» وشكا إليه من ~~حبها وكلفه بها أمرا عظيما، وتحمل # 44 # به على عمه فسار معه إليه فكلمه، فقال له: «هو مملق # 45 # وليس عندي ما أصلح به أمره.» فقال له عمر: «وكم الذي تريده منه؟» ~~قال: «أربع مئة دينار.» قال: «هي علي فزوجه.» ففعل ذلك. # وانصرف عمر إلى منزله يحدث نفسه، فجعلت جارية له تكلمه فلا يرد عليها ~~جوابا؛ فقالت له: «إن لك لأمرا وأراك تريد أن تقول شعرا.» فقال تسعة ~~أبيات: # تقول وليدتي، لما رأتني # طربت، وكنت قد أقصرت حينا # ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم لكل بيت واحدا برا بحلفه. # وأخبار ابن أبي ربيعة بعد توبته قليلة لم يعن بها الرواة عنايتهم بأخبار ~~فتكه. ~~(4-6) موته # يختلف الرواة في موته، فمنهم من يزعم أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة ~~نفاه إلى دهلك، # 46 # ثم رأى ابن أبي ربيعة أن يكفر عن سيئاته بالتوبة والجهاد، فغزا ~~في البحر فاحترقت السفينة التي كان فيها واحترق هو أيضا، ويزعم ms209 غيرهم أنه نظر ~~في الطواف إلى امرأة شريفة فرأى أحسن خلق الله صورة، فذهب عقله عليها، وكلمها ~~فلم تجبه؛ فشبب بها، فبلغها شعره فجزعت منه، فقيل لها: «اذكريه لزوجك فإنه ~~سينكر عليه قوله.» فقالت: «كلا والله لا أشكوه إلا إلى الله.» ثم قالت: ~~«اللهم إن كان نوه باسمي ظالما فاجعله طعاما للريح.» فضرب الدهر من ~~ضربه، # 47 # ثم إنه غدا يوما على فرس فهبت ريح فنزل فاستتر بسلمة، # 48 # فعصفت الريح فخدشه غصن منها فدمي وورم به، ومات من ذلك. # ولا يخفى ما في الرواية الثانية من التكلف والاصطناع، وأما الرواية الأولى ~~فينفيها تاريخ وفاة ابن أبي ربيعة، فإن أكثر الرواة متفقون على أنه مات في ~~السنة الثالثة والتسعين للهجرة، ونحن نعلم أن عمر بن عبد العزيز لم يبايع ~~بالخلافة إلا في السنة التاسعة والتسعين، # 49 # أي بعد وفاة الشاعر بست سنوات، حتى إن ابن أبي ربيعة لم يدرك خلافة ~~سليمان بن عبد الملك، # 50 # بل هلك في خلافة أخيه الوليد، # 51 # والدليل على ذلك ما رواه أبو الفرج في الأغاني. قال: «خرجت ~~الثريا # 52 # إلى الوليد بن عبد الملك، وهو خليفة بدمشق في دين عليها، فبينا هي ~~عند أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، # 53 # إذ دخل عليها الوليد فقال: «من هذه؟» فقالت: «الثريا جاءتني تطلب ~~إليك في قضاء دين عليها وحوائج لها.» فأقبل عليها الوليد فقال: «أتروين من شعر ~~عمر بن أبي ربيعة شيئا؟» قالت: «نعم، أما إنه يرحمه الله كان عفيفا عفيف ~~الشعر.» ثم أنشدته قوله: # إذ فؤادي يهوى الرباب، وأنى الد # هر حتى الممات أنسى الربابا # 54 # وحسانا جواريا خفرات # حافظات عند الهوى الأحسابا # 55 # لا يكثرن في الحديث، ولا يتبع # ن ينعقن بالبهام، الظرابا # 56 # فقضى حوائجها وانصرفت بما أرادت منه، فلما خلا الوليد بأم البنين قال لها: ~~«لله در الثريا! أتدرين ما أرادت بإنشادها ما أنشدتني من شعر عمر؟» قالت: «لا.» ~~قال: «لما عرضت لها به عرضت لي بأن أمي أعرابية.» وأم الوليد ms210 ~~وسليمان ولادة بنت العباس من بني عبس.» # فمن هذه الرواية نعلم أن ابن أبي ربيعة توفي في خلافة الوليد ولم يدرك ~~سليمان، ولا أدرك عمر بن عبد العزيز. فخبر نفيه إلى دهلك وغزوه واحتراق ~~السفينة به مصنوع لا شك في اصطناعه، وضعه أنصار بني أمية ليبالغوا في غيرة ~~خلفائهم على الحرمات، فجعلوا الشاعر طريدا لخليفة اشتهر بتحرجه، وهو عمر بن ~~عبد العزيز، ولكنهم لم ينتبهوا إلى تاريخ خلافته ولا إلى تاريخ موت ابن أبي ~~ربيعة، وقد وقع بعض كتابنا المعاصرين في خطئهم، # 57 # فتبعوهم على غير روية، وذكروا حادثة النفي دون أن ينظروا إلى ~~السنوات الست التي تفصل بينها وبين تاريخ الوفاة. # فيتبين لنا من كل ذلك أن موت ابن أبي ربيعة مجهول السبب؛ لعدم اهتمام الرواة ~~بأخبار الشاعر بعد توبته، ولكنهم كادوا يجمعون على أنه توفي وقد قارب السبعين ~~أو جاوزها. ~~(4-7) آثاره # ديوان شعر كله في الغزل والنسيب، وأخبار كثيرة متفرقة في كتب الأدب، جمع منها ~~صاحب الأغاني طائفة حسنة في أكثر من 180 صفحة، وأشهر شعره «رائيته» التي ~~مطلعها: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد، أم رائح فمهجر؟ ~~(4-8) ميزته - الغزل الحضري # عرفت ميزة الغزل الحضري في ~~كلامنا على نهضة هذا الفن، وعرفت أن زعيمه عمر بن أبي ربيعة المخزومي؛ وقد ~~استحق صاحبنا هذا اللقب لعدة أسباب، منها أنه أول شاعر قصر همه على الغزل ~~دون غيره ونظم فيه القصائد الطوال؛ وأول شاعر وسع نطاقه القصصي، وأدخل فيه ~~الحوار التمثيلي اللذيذ؛ وأول شاعر أجاد تصوير عواطف المرأة، واختلاجات نفسها، ~~واختلاف حركاتها، وهو في دعابته ومجونه يصور الحياة الاجتماعية في حواضر ~~الحجاز، وفي تشبيبه وقصصه يمثل لنا ترف المرأة المتحضرة في القرن الأول للهجرة ~~وسرفها في اللهو، ولغتها الحبية في التخاطب مع الرجل، وفي رقته ولينه يرينا ~~صفة الشعر في القرى خصوصا، وميزته بعد تطوره عموما. فشعر ابن أبي ربيعة مرآة ~~لنفسه اللطيفة المتهالكة على الجمال؛ ومرآة لما في عصره من لهو ومجون. فإذا ~~أردت أن ms211 تعلم حالة الحجاز المتحضر في الصدر الثاني فعليك بشعر عمر فإن فيه ~~البلاغ المبين. # وإذا كان ابن أبي ربيعة زعيم الغزل الحضري كما كان جميل زعيم الغزل البدوي، ~~فإن مذهب عمر كان أشد تأثيرا في أبناء عصره من مذهب الشاعر العذري، فاستهوى ~~الشباب الحجازي المترف، وتلمذوا له، فأخرج منهم أساتذة كبارا ولكنهم دون ~~زعيمهم، كالعرجي والأحوص والحارث بن خالد المخزومي وغيرهم، واستهوى النساء ~~أيضا، فكان من أشد الأخطار على العفاف. # وقد قام هذا المذهب على ركنين من الغزل: أحدهما التشبيب، والآخر الحوار ~~والقصص، وفي كليهما أجاد ابن أبي ربيعة؛ ولا سيما فن القصص فقد أبدع فيه ما شاء ~~له الإبداع. # وابن أبي ربيعة في غزله ناعم فرح، مبتسم لعوب، إذا بكى فنادرا، وربما كان ~~بكاؤه رقية وعبثا، ولماذا يبكي ...؟ وكل ما يحيط به ضاحك له: شباب وجمال، ~~وثروة وجاه؛ وخليل يبادله المودة والولاء ...! # فلا تعجب له إذا رأيته يشبب أحيانا بنفسه أكثر من تشبيبه بصاحبته، فهو جميل ~~معجب بالجمال ، يحبه في وجهه كما يحبه في وجه غيره، وقد انتقد عليه ذلك بعض ~~معاصريه فلم يظفروا منه بطائل، ولا استطاعوا أن يردوه عن غروره؛ لأنه في وصفه ~~نفسه لا يتكلف تصنعا، بل يتكلم بحسه. # وسمعه ابن أبي عتيق # 58 # ينشد شيئا من غزله فقال له: «أنت لم تنسب بها، وإنما نسبت بنفسك، ~~كان ينبغي أن تقول: قلت لها فقالت لي، فوضعت خدي فوطئت عليه.» # وقد تعابثه النساء في الحرم فيصد عنهن، فيطاردنه ليفسدن عليه طوافه. ~~فإذا هو قنص لهن، وإذا هن يتبعنه بدلا من أن يتبعهن، فيريك نفسه ~~قبلة أنظار الحسان يتجنى عليهن، وهن يسعين في أثره. على أنك إذا أردت أن ~~تستوعب خصائص عمر من تشبيب، وقصص، وتتبين خفة روحه وظرفه، وما كان يجري بينه ~~وبين صواحبه من حوار يطلعك على حديث النساء الحجازيات، وعلى طرف من أخلاقهن ~~ومعاشراتهن، فلا غنية لك عن درس رائيته الشهيرة فهي خير شعره، وبها اعترف له ~~جرير بالشاعرية. ~~(4-9) رائية عمر # يستهل الشاعر قصيدته ms212 بذكر صاحبته نعم ويكثر من تكرار اسمها ~~تلذذا: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد، أم رائح فمهجر # 59 # ونراه يحاذر زيارتها خشية ~~التشهير، ولكنه لا يلبث أن يشهر نفسه شيئا فشيئا، فيذكر أولا حوارا جرى ~~بين نعم وأخت لها، وقد رأتاه متغيرا لوحت وجهه الأسفار، فأنكرته نعم، ~~وعرفته أختها. فلا تغفل عن هذا الحوار الذي يمثل لنا شيئا من محاورات النساء ~~عندما يبصرن رجلا يعرفنه، ولكن تغيرت هيئته فاشتبهت عليهن معرفته. ثم ينتقل ~~إلى ذكر زيارته لها، فيزيد نفسه تشهيرا على تشهير، ويروي لنا خبر هذه الزيارة ~~الليلية بأسلوب قصصي شائق اختص به ابن أبي ربيعة ففاق أقرانه. # ويختم هذه القصيدة البديعة واصفا ناقته ~~الصلبة القوية، وانطلاقه بها طلبا للماء في القفار الخالية، وليس في هذا القسم ~~ما يعنينا درسه؛ لأن خاصة ابن أبي ربيعة محصورة في غزله، بل في قصصه الغرامي ~~الذي يريك في الأدب العربي شيئا جديدا، وفي ذلك الحوار اللذيذ الذي يدور بين ~~النساء من ناحية، وبينه وبينهن من ناحية أخرى، حتى ليخيل إليك أنك تقرأ في شعره ~~قطعة تمثيلية تكاد تكون تامة، ومثل هذا الأسلوب القصصي كثير في شعر عمر، وعليه ~~قامت شهرته؛ لأن التشبيب وحده لا يجعل منه شاعرا متفردا ممتازا. فالشعراء ~~الغزلون في الإسلام أجادوا جميعا وصف الحبيبة، ووصف العواطف والأهواء، ولكن لم ~~يقم فيهم واحد يستطيع أن يجاري عمر في قصصه الغرامي ومخاطبته النساء، وتصوير ~~حركاتهن وإشاراتهن، ونزعات نفوسهن. # ولا بد أن تتذكر امرأ القيس، وأنت تقرأ رائية فتى قريش؛ لأن الصلة قوية بين ~~الشاعرين، فكلاهما يتعهر في غزله، وكلاهما يتجشم الأخطار للوصول إلى من يحب، ~~وكلاهما يباغت حبيبته بالزيارة فتخاف وتلومه، وكلاهما يدركه الصباح عندها ~~فيتهيأ لملاقاة الحي مستميتا، ولكن امرأ القيس يمتنع بسيفه وسهامه، ويسخر ~~بزوج صاحبته ويستهين به، وأما ابن أبي ربيعة فيعمد إلى الاستخفاء وكان ~~مجنه ... ثلاث شخوص: كاعبان ومعصر. # على أن هذه الصلة بين الشاعرين لا تجيز لنا القول إن عمر جاء مقلدا أمير ~~الشعراء في ms213 قصصه الغرامي، فإنما هو جاء مجددا ومحسنا له، والقصص في غزل ~~الشاعر القرشي أتم منه في غزل امرئ القيس فهو صفة لازمة لشعر ابن أبي ربيعة، ~~وليس بصفة لازمة لشعر امرئ القيس، ومن العدل أن نسمي هذا الفن: «أسلوب ابن أبي ~~ربيعة» لأنه احتكره احتكارا، وإن يكن شاعر كندة قد سبقه إليه. # ورائيته الحسناء تزف إليك ما في هذا الأسلوب من روعة وجمال، فتطلعك على تلطفه ~~في الوصول إلى حاجته، وانتظاره رقدة الحي وسكون الصوت، وغيوب القمر، ثم تنفيضه ~~النوم عن عينيه، وانسيابه كالحباب أزور الركن من الخوف والحذر، وتريك ما جرى ~~بينه وبين نعم من حوار لذيذ تزينه تعابير قرشية لطيفة كأنها في نعومتها ~~وجدت لتكون لغة السيدات: «أريتك إذ هنا عليك، ألم تخف، وقيت ...، كلاك ~~بحفظ ربك المتكبر ...» # ولم يغفل ابن أبي ربيعة في هذه الزيارة عن التشبيب بنفسه، وكيف يغفل عنها؟ ~~وهو معجب بجماله إعجابه بحمال صاحبته. فإذا هو يسمعنا نعما تقول له: # فأنت أبا الخطاب، غير مدافع # علي أمير، ما مكثت، مؤمر # وما أجمل الانتقال من الغيبة إلى الخطاب في قوله: # أشارت: «بأن الحي قد حان منهم # هبوب، ولكن موعد لك عزور» # وهي لم تنتقل هذا الانتقال الجميل إلا لتضرب له موعدا جديدا. # وانظر إلى ظرف القرشيات في توبيخهن الشاعر بعد أن كن له مجنا: «أهذا ~~دأبك الدهر سادرا ...؟ أما تستحي أم ترعوي أم تفكر ...؟» ثم إلى قولهن له بعد ~~هذا التوبيخ: # إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا # لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر # ألا وإن في هذه الوصية دهاء نسائيا، ولكنه دهاء محبوب. ~~(4-10) منزلته # قيل كانت العرب تقر لقريش بالتقدم ~~في كل شيء عليها إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقر لها به، حتى كان عمر بن أبي ~~ربيعة، فأقرت لها الشعراء بالشعر أيضا ولم تنازعها شيئا. # وقيل: بينا كان عبد الله بن عباس ابن عم النبي في المسجد الحرام، وعنده نافع ~~بن الأزرق # 60 # وناس من الخوارج، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة ms214 في ثوبين مصبوغين ~~موردين حتى دخل وجلس، فأقبل عليه ابن عباس فقال: «أنشدنا»، فأنشده: «أمن آل ~~نعم ...» حتى أتى على آخرها، فأقبل عليه نافع بن الأزرق فقال: «الله # 61 # يا ابن عباس! إنا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن ~~الحلال والحرام فتتثاقل عنا، ويأتيك غلام مترف من قريش فينشدك: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيخزى، وأما بالعشي فيخسر» # فقال: «ليس هكذا قال.» وأنشده البيت على صحته، ثم أنشده القصيدة برمتها، ~~وكان قوي الحافظة، فلامه بعض أصحابه في حفظه إياها، فقال: «إنا نستجيدها.» وكان ~~يسأل كثيرا عن عمر فيقول: «هل أحدث هذا المغيري شيئا بعدنا؟» # وروي عن نصيب الشاعر قوله: «لعمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات ~~الحجال» # 62 # وقال هشام بن عروة: «لا ترووا فتياتكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا ~~يتورطن في الزنا تورطا.» وسئل حماد الراوية عن شعر عمر فقال: «ذاك ~~الفستق المقشر.» وسمع الفرزدق شيئا من نسيب عمر فقال: «هذا الذي كانت ~~الشعراء تطلبه فأخطأته وبكت الديار، ووقع هذا عليه .» وقال أبو المقوم ~~الأنصاري: «ما عصي الله بشيء كما عصي بشعر عمر بن أبي ربيعة.» وقال جرير: «إن ~~أنسب الناس المخزومي.» يعني عمر. # ورأى عبد الله بن مصعب بن الزبير مولاته # 63 # داخلة منزله ومعها دفتر، فسألها عنه، فقالت: «شعر عمر بن أبي ~~ربيعة.» فقال: «ويحك! أتدخلين على النساء بشعر عمر بن أبي ربيعة! إن لشعره ~~لموقعا من القلوب ومدخلا لطيفا، لو كان شعر يسحر لكان هو، فارجعي به.» ~~ففعلت، وقال الأصمعي: «عمر حجة في العربية، ولم يؤخذ عليه إلا ~~قوله: # ثم قالوا: «تحبها؟» قلت: «بهرا! # عدد الرمل والحصى والتراب» # 64 # وله في ذلك مخرج إذ قد أتى به على سبيل الإخبار، # 65 # وأنشد عمر «رائيته» طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري، وهو راكب، ~~فوقف وما زال شانقا ناقته # 66 # حتى كتبت له. وكان جرير إذا أنشد شعر عمر قال: «هذا شعر تهامي ~~إذا أنجد وجد البرد.» # 67 # حتى أنشد رائيته فقال: «ما ms215 زال القرشي يهذي حتى قال الشعر.» وقال ~~ابن أبي عتيق: «لشعر عمر نوطة # 68 # في القلب وعلوق في النفس ليست لشعر.» وسمع جميل بن معمر عمر ينشد ~~لاميته: # جرى ناصح بالود بيني وبينها # فقربني يوم الحصاب إلى قتلي # 69 # فقال: «هيهات يا أبا الخطاب! لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي، # 70 # والله ما يخاطب النساء مخاطبتك أحد.» ولمصعب بن عبد الله ~~الزبيري رأي في ابن أبي ربيعة تجده في الأغاني يقدمه به على أقرانه بأشياء ~~كثيرة منها: سهولة الشعر، وحسن الوصف، ودقة المعنى. # فيتبين من هذه الأقوال ما للشاعر القرشي من منزلة رفيعة في الغزل، فقد أجمعوا ~~على أنه أغزل الشعراء، وأدخلهم شعرا في النفس، وأسحرهم للنساء، وإذا نظرنا إلى ~~قول جرير فيه نعلم أن شعره لم يقف على حالة واحدة، بل تطور كثيرا حتى بلغ ~~مرتبته من الحسن والجودة، ويظهر لنا ذلك جليا في درسه، فإننا نجد فيه قسما ~~ضعيفا بين الإسفاف واللين، ثم نجد قسما رشيقا حلو الألفاظ سهلا على غير ~~ضعف كأنه وضع للغناء؛ ثم نجد قسما آخر شديد الأسر حسن الديباجة؛ وهو الشعر ~~الذي استهوى كبار الشعراء كالفرزدق وجرير. # وإذا نظرنا إلى قول الفرزدق وجميل بدا لنا أن ابن أبي ربيعة لم يصل إلى ~~منزلته الأدبية العالية إلا بشعره القصصي، فقد رأى فيه الناس شيئا جديدا ليس ~~في غيره، ولا سيما مخاطبته النساء، فافتتنوا به وراقهم أسلوبه، ونستطيع أن ~~نعلم من أقوال المقوم الأنصاري وعبد الله بن مصعب الزبيري وهشام بن ~~عروة ما كان لهذا الشعر من التأثير في نفوس النساء حتى أصبحوا يخافون عليهن ~~منه، ويمنعونهن من حفظه وروايته. فقد كان شعر ابن أبي ربيعة، وهو الفستق ~~المقشر، كما وصفه حماد، خطرا على النساء لما فيه من تشبيب بليغ وقصص غرامي ~~شائق، ولكنه بوأ صاحبه أرفع رتبة في هذا الفن، فجعله شاعر قريش وفتاها، ~~وأستاذ الغزل الحضري، وزعيم الغزلين على الإطلاق. # | هوامش # | ازدهار الشعر السياسي # (1) الأحزاب وشعراؤهم # تكلمنا على الشعر السياسي في الصدر الأول، ms216 وذكرنا الأسباب التي ساعدت على نشوئه ~~وجعله فنا مستقلا بنفسه، غير أن هذا الفن لم يتم ازدهاره إلا في الصدر الثاني؛ ~~لأن الشعر الذي قيل في حياة النبي كان فاتحة لهذا الفن في صورته التامة، ولما قبض ~~الرسول أصاب الشعر السياسي شيء من الفتور كما أصاب غيره من الفنون الشعرية، فانصرف ~~العرب إلى القرآن والجهاد، وكادوا يتناسون عصبيتهم الجاهلية، وما كان بين قبائلهم ~~من منافرات ومخاصمات. على أن مقتل عثمان بن عفان أيقظ الفتنة من مضجعها، فاعصوصب ~~الشر، وتفرقت الجماعة شيعا وأحزابا، وجرت الدماء أنهارا بين علي وخصوم علي. ~~ثم استقر الأمر في بني أمية على كره من أعدائهم، فقبضوا على ناصية الملك بيد من ~~حديد، وشددوا النكير على مناوئيهم، فأصلوهم حربا عوانا، فقاتلوا الشيعيين، ~~وقاتلوا الخوارج، وقاتلوا الزبيريين حتى وطدوا دعائم دولتهم بشفار السيوف. # ولا نستطيع أن نتفهم حقيقة الشعر السياسي في هذا العصر ما لم نلم بتاريخ الأحزاب ~~السياسية في الإسلام، ونعلم الأسباب التي أدت إلى نشوئها وتنظيمها، وإنه ليحسن بنا ~~أن نعود قليلا إلى الصدر الأول، ونستعيد صور الحياة العربية بعد وفاة محمد، وقول ~~الأنصار للقرشيين: «منا أمير ومنكم أمير.» فالأنصار ~~يرون أن لهم الحق في الخلافة كما ~~لقريش، فهم الذين جردوا سيوفهم على رءوس المشركين، وآووا النبي وأصحابه المهاجرين، ~~وجعلوا ديارهم موطنا للأهوال في سبيل الإسلام ونصرة المسلمين، ولكن القرشيين أبوا ~~عليهم هذا الحق، واستأثروا بالخلافة دونهم لأن النبي منهم. ثم أراد الأنصار أن تحصر ~~الخلافة في بني هاشم لأنهم أهل النبي الأدنون، ودعوا إلى مبايعة علي بن أبي طالب، ~~فأبت قريش ذلك وأخفق الأنصار في دعوتهم، فنبه هذا الاستئثار روحا عصبيا جديدا ~~بين القرشيين والأنصار، # 1 # أو بين المضرية واليمانية، أو بين العدنانية والقحطانية. # على أن هذه العصبية بقيت ضعيفة حتى قتل عثمان وطولب علي بدمه، فشدت الأنصار ساعد ~~بني هاشم، وحازبوهم على قريش كما حازبوا النبي من قبل، ولم تكن الحروب التي قامت ~~بينهم إلا نزاعا عنيفا بين المضرية واليمانية. ثم نشأ حزب الشيعة ms217 في ~~العراق # 2 # وأكثره يماني، ومنه الأنصار، ورأيه أن تكون الخلافة في بني هاشم بل في ~~أبناء علي أسباط الرسول وأبناء عمه، ونشأ حزب الخوارج في الجزيرة، وقد أتينا على ~~سبب نشوئه في لمحتنا التاريخية، ورأيه أن تكون الخلافة شورى بين المسلمين، غير ~~محصورة في قبيلة دون أخرى، وكان يرمي سائر الأحزاب بالكفر والمروق من ~~الدين. # وانشقت قريش ثانية على نفسها، فقام آل الزبير في مكة ينكرون على بني أمية جعلهم ~~الخلافة وراثة فيما بينهم دون سواهم من القرشيين، فنشأ الحزب الزبيري، وعلى رأسه ~~عبد الله بن الزبير، يجاهد الأمويين ويطالب بالخلافة، فبايعه بها أهل الحجاز في ~~خلافة يزيد بن معاوية، # 3 # ثم بايعه أهل العراق واليمن ومصر. أما دمشق فثبتت على ولاء الأمويين، ~~فبايعت معاوية بعد موت أبيه يزيد، ثم بايعت مروان بن الحكم # 4 # فقاتل الزبيريين وفتح مصر. ثم بايعت عبد الملك بن مروان # 5 # فافتتح العراق بعد مقتل مصعب بن الزبير أخي عبد الله، وأرسل الحجاج بن ~~يوسف في جيش عظيم إلى الحجاز، فكانت بينه وبين أصحاب ابن الزبير وقائع كثيرة، وحاصر ~~الحجاج مكة سبعة أشهر ورماها بالمنجنيق، # 6 # فظل عبد الله بن الزبير يقاتل حتى قتل في سنة 692م/73ه بعد خلافة ~~تسع سنوات، وبموته صار الأمر لعبد ~~الملك بن مروان فبايعه أهل الحجاز واليمن وامحى حزب الزبيريين. # فهذه الأحزاب الثلاثة كانت تناوئ الحزب الأموي، والأمويون يناوئونها جميعا، ~~مدعين أنهم أحق بالخلافة من غيرهم؛ لأن الخليفة عثمان بن عفان الأموي قتل ظلما ~~ولم يؤخذ بثأره، فحق لهم المطالبة بدمه، والاستيلاء على الملك من بعده. # ولم يقتصر خصام هذه الأحزاب على الغزو والقتل، بل أخذ منه الشعر قسطا كبيرا، ~~فكان لكل حزب شعراء يدافعون عنه ويؤيدون آراءه ويشتمون خصومه، فعل الشعراء ~~المخضرمين في الصدر الأول للإسلام. # وكان شعراء بني أمية أكثر عددا وأبعد صوتا؛ لأن الخلفاء الأمويين بسطوا لهم ~~الأكف وأسبغوا عليهم النعم، وساعدهم على البذل ما في بيت المال من فيء # 7 # وفر، فأقبلت عليهم طوائف الشعراء ms218 تمدحهم، وتؤيد حقهم بالخلافة غير ~~هيابة جانب خصومهم، وأما شعراء المعارضة فكانت أصواتهم تقوى بقوة أحزابهم، وتضعف ~~بضعفها، فعبيد الله بن قيس الرقيات القرشي كان زبيريا يكره الأمويين ~~ويهجوهم، فلما قتل مصعب بن الزبير وأخوه عبد الله، انحاز إلى عبد الملك بن مروان ~~فمدحه خائفا، فأمنه على حياته. والفرزدق كان يتشيع لعلي وأبناء علي، ولكنه لم ~~يستنكف من مدح خلفاء بني أمية وعمالهم رهبة منهم، أو رغبة في نوالهم، وكذلك فعل ~~الكميت لما أمر هشام بن عبد الملك بقطع لسانه من أجل قصيدة رثى بها زيد بن ~~علي، # 8 # والنعمان بن بشير كان أنصاريا من الخزرج، ولكنه ساير معاوية، فشهد ~~معه واقعة صفين، وقد اجتذبه معاوية بسخائه ودهائه، ولما أفضت الخلافة إلى مروان ~~بن الحكم كان النعمان على حمص فدعا أهلها إلى مبايعة عبد الله بن الزبير فلم ~~يجيبوه، فهرب منهم، فتبعوه وأدركوه وقتلوه. # والنعمان على مسايرته معاوية وآله كان شديد التعصب للأنصار، ولما دفع يزيد بن ~~معاوية الأخطل لهجاء الأنصار فهجاهم بقوله: # ذهبت قريش بالمكارم كلها # واللؤم تحت عمائم الأنصار # دخل النعمان على معاوية غضبان، وأنشأ قصيدته التي يقول فيها: # معاوي إلا تعطنا الحق، تعترف # لحى الأزد مشدودا عليها العمائم # ثم حسر عمامته وقال: «يا أمير المؤمنين، أترى لؤما؟» قال: «لا، بل أرى كرما ~~وخيرا، # 9 # فماذا؟» قال: «زعم الأخطل أن اللؤم تحت عمائم الأنصار.» قال: «أوفعل ~~ذلك؟» قال: «نعم.» قال: «لك لسانه.» فاستجار الأخطل بيزيد، فمنعه منه، وأرضى ~~النعمان حتى كف عنه. # ولعل من الخير أن نعرض لقصيدة النعمان بن بشير في الدفاع عن الأنصار؛ فإنها مظهر ~~قوي لاستيقاظ العصبية في الإسلام، واشتداد الخصومة بين المضرية واليمانية، ثم ننتقل ~~إلى درس الأخطل شاعر بني أمية الأكبر، فدرس الفرزدق وجرير، وما كان بين الثلاثة من ~~هجاء مقذع؛ فإن الهجو في هذا العصر لم يكن مقصورا على سياسة الأحزاب، بل تعداها ~~إلى أغراض خاصة بالشعراء، منها ما يتصل بالعصبية القومية والمفاخرة بالآباء ~~والجدود، ومنها ما يقصد منه إظهار قوة الشاعرية ms219 وبراعة الشاعر في هجو خصمه ~~وإذلاله. ~~(2) قصيدة النعمان # يستهل النعمان قصيدته متوعدا معاوية، ذاكرا هجاء الأخطل للأنصار، ولكنه لا ~~يعنى بالرد على شاعر تغلب، بل يجعل همته في تهديد الخليفة الأموي، ثم يفتخر عليه ~~ويذكره يوم بدر وما فعلت الأنصار بقريش، ثم يختم ضاربا على الوتر الحساس الذي ~~يرجف وقعه قلب السياسة الأموية، وهو مصير الخلافة إلى بني هاشم؛ لأنهم أحق بها ~~وأولى. # فقصيدة النعمان بن بشير تظهر لنا سياسة الأنصار، ورأيهم في الخلافة، وسخطهم على ~~الأمويين بعد أن استأثروا بها، وتظهر لنا خصوصا سياسة النعمان في مصانعته معاوية ~~وأبناء معاوية، وهي بما فيها من وعيد وتعيير وفخر وإنذار، تمثل ألم الأنصار ~~لإخفاقهم في الحياة السياسية بعد أن استبدت قريش بالخلافة والسلطان، فهم ساخطون ~~عليها لا يستثنون إلا بني هاشم آل البيت. بيد أنهم يؤثرون من الهاشميين أبناء علي، ~~ويرونهم أحق من غيرهم بالخلافة؛ لأنهم أسباط الرسول وأبناء عمه. والنعمان بن بشير ~~على مسايرته الأمويين، لم يشذ عن الأنصار في سياسته، بل كان يرى رأيهم، ولكنه يصانع ~~معاوية رغبة في نواله: # أصانع فيها عبد شمس، وإنني # لتلك التي في النفس مني أكاتم # ولا بد أن تدهشك جرأة الشاعر على الخليفة، ومخاطبته إياه بتلك اللهجة الشديدة ~~التي لا تليق بالملوك، ولا يسلم من يخاطبهم بها مهما عظم خطره. أجل، إن جرأة ~~النعمان عجيبة غير مألوفة، ولكن أعجب منها حلم معاوية وأناته، بل سياسته ودهاؤه، ~~فهو يعلم أن ملكه قائم على كره من الأنصار وغير الأنصار، ولا يستطيع تأييده إلا ~~بالحكمة والحلم وحسن تصريف الأمور. فبهذه الصفات السامية تمكن معاوية من تأسيس عرش ~~بني أمية وتوطيده. # فأما وقد عرفنا الآن شيئا من الشعر السياسي الذي كان يناوئ به بني أمية خصومهم، ~~فلننتقل إلى درس الشعر الذي كان يؤيد سياسة الأمويين ويرد على أعدائهم، إلى درس شعر ~~الأخطل شاعر بني أمية. ~~(3) الأخطل # 10 ~~(710م/92ه ؟) ~~(3-1) حياته # هو غياث بن غوث بن الصلت التغلبي من أهل الحيرة، ويلقب بالأخطل لخبث ~~لسانه، وبذي الصليب لأنه ms220 كان نصرانيا يعلق صليبا على صدره، ~~وبدوبل # 11 # لأن أمه كانت ترقصه به في صغره، ويكنى أبا مالك، ومالك أكبر ~~بنيه. # نشأ الأخطل في قبيلة عزيزة الجانب شديدة البأس، حافل تاريخها بالمفاخر ~~الكثيرة حتى قيل: «لو تأخر الإسلام لأكلت بنو تغلب الناس.» وكانت تدين ~~بالنصرانية؛ فلما ظهر الإسلام وانتحله العرب، أبت تغلب أن تنزل عن دينها، ورضيت ~~بالجزية تدفعها، فأقرها عمر بن الخطاب على نصرانيتها، وكانت منازلها في ~~الجزيرة والعراق، فترعرع الأخطل مزهوا بمناقب قومه، حافظا أخبارهم ~~وأيامهم، يعد منها ذخائر وأهبا لشاعريته التي بدأت تظهر منذ نعومه ~~أظفاره. # ويحدثنا الرواة أنه هجا ~~امرأة أبيه طفلا، وكانت تضيق عليه، وتؤثر بنيها باللبن والتمر والزبيب، وتبعثه ~~يرعى أعنزا، فلحظ ذات يوم شكوة # 12 # فيها لبن، وجرابا فيه تمر وزبيب، وكان جائعا، فقال: «يا أماه، ~~آل فلان يزورونك ويقضون حقك وأنت لا تأتينهم وعندهم عليل، فلو أتيتهم لكان أجمل ~~وأولى بك.» قالت: «جزيت خيرا يا بني، لقد نبهت على مكرمة.» وقامت فلبست ~~ثيابها ومضت إليهم، فمضى الأخطل إلى الشكوة فشرب ما فيها، وإلى الجراب فأكل ~~التمر والزبيب. فلما رجعت ورأت الشكوة والإناء فارغين، علمت أنه قد دهاها فعمدت ~~إلى خشبة لتضربه بها فهرب، وقال: # ألم على عنبات العجوز # وشكوتها، من غياث، لمم # 13 # فظلت تنادي: ألا ويلها! # وتلعن، واللعن منها أمم # 14 # وكان لتغلب شاعر معروف يقال ~~له كعب بن جعيل، فتعرض الأخطل لهجائه وهو حدث ما برح مقرزما، # 15 # فضربه أبوه وقال له: «أبقرزمتك تريد أن تقاوم ابن جعيل!» ثم ~~لج الهجاء بينهما فأخمل الأخطل كعبا، وصار شاعر تغلب غير مدافع. # ولكن ريحه لم يبدأ هبوبها إلا في عهد معاوية، وكان العداء قد اشتد بين ~~الأنصار والقرشيين، وكثر الهجاء والتفاحش بين شعرائهم، ولا سيما بين عبد الرحمن ~~بن حسان بن ثابت وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص، حتى أمر معاوية بأن يجلد ~~كل واحد منهما مئة سوط. ثم كان من أمر عبد الرحمن بن حسان أن شبب برملة ~~بنت معاوية، ms221 فبلغ ذلك أخاها يزيد فغضب فدخل على أبيه فقال: «يا أمير المؤمنين، ~~ألا ترى أن هذا العلج # 16 # من أهل يثرب يتهكم بأعراضنا ويشبب بنسائنا!» قال: «ومن هو؟» قال: ~~«عبد الرحمن بن حسان.» وأنشده ما قال، فقال: «يا يزيد، ليست العقوبة من أحد ~~أقبح منها من ذوي القدرة، ولكن أمهل حتى يقدم وفد الأنصار ثم ذكرني.» فلما ~~قدموا ذكره به، فلما دخلوا عليه ~~قال: «يا عبد الرحمن، ألم يبلغني أنك تشبب برملة بنت أمير المؤمنين؟» قال: ~~«بلى، ولو علمت أن أحدا أشرف به شعري أشرف منها لذكرته.» قال: «وأين أنت عن ~~أختها هند!» قال: «وإن لها لأختا؟» قال: «نعم.» وإنما أراد معاوية أن يشبب ~~بهما جميعا فيكذب نفسه. فلم يرض يزيد ما كان من أبيه، فأرسل إلى كعب بن ~~جعيل بأن يهجو الأنصار، فاعتذر خوفا ودله على الأخطل، ولعل كعبا أراد أن ~~يلقي خصمه في تهلكة لما ناله من شر لسانه، فنفعه من حيث لا يريد. فدعا يزيد ~~الأخطل وقال له: «اهج الأنصار.» فقال: «أفرق من أمير المؤمنين.» فقال: «لا تخف ~~شيئا، أنا لك بذلك.» فهجاهم، وكان ما كان من أمره مع النعمان بن بشير وانتصار ~~يزيد له، فانقطع إليه يمدحه وليا للعهد وخليفة؛ ثم مدح الخلفاء بعده، وجاهد ~~حزب الزبيريين خصومهم، ودافع عن مصالح قبيلته في حروب قيس وتغلب فارتفع قدره ~~ونبه ذكره. ~~(3-2) حرب قيس وتغلب # ولا نستطيع أن نتفهم شعر الأخطل السياسي ما لم نلم بأخبار الحروب التي وقعت ~~بين قيس وتغلب في أيام الأمويين؛ لأن لها صلة متينة بمصير الخلافة وانخذال ~~الزبيري. وقيس هذه قبائل مضرية جاءت في الإسلام إلى الجزيرة وما يليها فزاحمت ~~التغلبيين، وهم من ربيعة، في عقر دارهم، وزاحمت معهم بعض قبائل يمانية كانت ~~تناصر الأمويين. # 17 # فلما هلك معاوية وبايع الناس يزيد ابنه أبت القيسية مبايعته وقالوا: «والله ~~لا نبايع ابن الكلبية.» فوقعت الحرب بين أمية وقيس، فكانت تغلب وكلب في نحور ~~القيسية مع أبناء أبي سفيان، ولما صارت الخلافة إلى مروان ms222 بن الحكم بايعت قيس ~~عبد الله بن الزبير فخرجت إليهم أمية وأفناء اليمن # 18 # فالتقوا بمرج راهط على مقربة من دمشق فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~فانهزمت القيسية وقتل رئيسها الضحاك بن قيس الفهري، وقتل منها تسعة آلاف، ~~ومن اليمن ألف وثلثمئة، وفي أيام عبد الملك بن مروان عادت الغارات بين اليمنية ~~والقيسية فاقتتلوا مدة. ثم وقعت الحرب بين قيس وتغلب لما كان بينهما من التنافس ~~والشحناء، فاتفقت أمية وتغلب وأفناء اليمن على استئصال هذا الحي من مضر، حتى ~~تم النصر لعبد الملك بن مروان في العراق وقتل مصعب بن الزبير. ~~(3-3) تمسك الأخطل بدينه # وكان الأخطل، على حظوته عند الخلفاء المسلمين واشتماله بنعمهم، شديد التمسك ~~بنصرانيته، كثير التوقير للقسيسين وإن يكن - كما ذكر الأب لامنس - رقيق الدين، ~~متهافت العقيدة شأن أهل البادية. حدث إسحاق بن عبد الله من بني عبد المطلب، ~~قال: «قدمت الشام وأنا شاب مع أبي فكنت أطوف في كنائسها ومساجدها، فدخلت كنيسة ~~دمشق، وإذا الأخطل فيها محبوس، فجعلت أنظر إليه، فسأل عني فأخبر بنسبي، فقال: ~~«يا فتى، إنك لرجل شريف وإني أسألك حاجة.» فقلت: «حاجتك مقضية.» قال: «إن القس ~~حبسني ههنا فتكلمه ليخلي عني.» فأتيت القس فانتسبت له فرحب وعظم، فقلت: «إن ~~لي إليك حاجة .» قال: «ما حاجتك؟» قلت: «الأخطل تخلي عنه.» قال: «أعيذك بالله من ~~هذا! مثلك لا يتكلم فيه، فاسق يشتم أعراض الناس ويهجوهم.» فلم أزل أطلب إليه ~~حتى مضى معي متكئا على عصاه، فوقف عليه ورفع عصاه، وقال: «يا عدو الله، أتعود ~~تشتم الناس وتهجوهم وتقذف أعراض المحصنات؟» وهو يقول: «لست بعائد ولا أفعل.» ~~ويستخذي # 19 # له. فقلت: «يا أبا مالك، الناس يهابونك، والخليفة يكرمك، وقدرك في ~~الناس قدرك، وأنت تخضع لهذا هذا الخضوع وتستخذي له ...!» فجعل يقول لي: «إنه ~~الدين إنه الدين!» # وأخبر أبو عبد الملك قال: «رأيت الأخطل بالجزيرة وقد شكي إلى القس، وقد ~~أخذ بلحيته وضربه بعصاه وهو يصئي # 20 # كما يصئي الفرخ، فقلت له: «أين هذا مما كنت فيه بالكوفة؟» فقال: ms223 ~~«يا ابن أخي، إذا جاء الدين ذللنا.» # وقيل: كانت امرأته حاملا، فمر بها الأسقف يوما، فقال لها: «الحقيه فتمسحي ~~به.» # ومر بالكوفة في بني رؤاس ومؤذنهم ينادي بالصلاة، فقال له بعض فتيانهم: «ألا ~~تدخل أبا مالك فتصلي؟» فقال: # أصلي حيث تدركني صلاتي # وليس البر عند بني رؤاس # وسمع هشام بن عبد الملك الأخطل يقول: # وإذا افتقرت إلى الذخائر، لم تجد # ذخرا يكون كصالح الأعمال # فقال: «هنيئا لك، أبا مالك، هذا الإسلام!» فقال له: «ما زلت مسلما في ~~ديني.» # 21 # وعرض عليه عبد الملك الإسلام مرارا، فكان يتخلص في جوابه إلى الهزل فعل ~~من لا يريد أن يسيء إلى رجل أحسن إليه وآثره على جميع الشعراء المسلمين، ومن ~~ذلك ما روي أن عبد الملك قال له يوما: «لم لا تسلم يا أخطل؟» قال: «إن ~~أنت أحللت لي الخمر ووضعت عني صوم رمضان أسلمت.» فقال له عبد الملك: «إن أنت ~~أسلمت ثم قصرت في شيء من الإسلام ضربت الذي فيه عنقك.» وقال له مرة: «ألا ~~تسلم فنفرض لك ألفين في عطائك، وتوصل بعشرة آلاف درهم؟» قال: «فكيف بالخمر؟» ~~قال: «وما تصنع بها وإن أولها لمر وإن آخرها لسكر؟» قال: «أما أن قلت ~~ذاك، فإن بينهما لمنزلة ما ملكك فيها إلا كلعقة من ماء الفرات بالإصبع.» فضحك ~~عبد الملك. ~~(3-4) حبه الخمر # على أن الأخطل لم يكن كاذبا في حبه الخمر، وإن قصد الهزل وحسن التخلص في ~~جعله إياها حائلا دون إسلامه، فقد أحبها كثيرا وبالغ في شربها ووصفها بشعره، ~~يوم كان الشعراء المسلمون في كثرتهم يعرضون عن ذكرها فرقا من السلطان أو ~~تورعا من وصف شيء نهى عنه القرآن، وكان يرى أنها تنعش الفؤاد وتنطق الشعراء؛ ~~وربما دعا غيره إلى شربها لتجويد قريحته كما فعل بالمتوكل الليثي إذ سمع شعره ~~فقال له: «ويحك يا متوكل، لو نبحت الخمر في جوفك كنت أشعر الناس.» # وقد يستنشده الخليفة فما يطيق إنشادا إلم يبرد حلقه بالراح. فقد روي أنه ~~دخل يوما على عبد الملك فاستنشده، ms224 فقال: «قد يبس حلقي فمر من يسقيني.» فقال: ~~«اسقوه ماء.» فقال: «هو شراب الحمار وهو عندنا كثير.» قال: «فاسقوه لبنا.» ~~قال: «عن اللبن قد فطمت.» قال: «فاسقوه عسلا.» قال: «شراب المريض.» قال: ~~«فتريد ماذا؟» قال: «خمرا يا أمير المؤمنين.» قال: «أوعهدتني أسقي الخمر لا ~~أم لك؛ لولا حرمتك بنا لفعلت وفعلت.» فخرج فلقي فراشا لعبد الملك فقال: ~~«ويلك إن أمير المؤمنين استنشدني وقد صحل # 22 # صوتي، فاسقني شربة خمر.» فسقاه رطلا، فقال: «اعدله بآخر.» فسقاه ~~رطلا آخر، فقال: «تركتهما يعتركان في بطني! فاسقني ثالثا.» فسقاه، فقال: ~~«تركتني أمشي على واحدة، اعدل ميلي برابع.» فسقاه رابعا، فدخل على عبد الملك ~~فأنشده رائيته الشهيرة: «خف القطين ...» # وهذه الرواية على علاتها لا تقتصر على إظهار حب الأخطل للخمر بل تظهر لنا ~~أيضا دالته على عبد الملك بن مروان. ~~(3-5) حرمة الأخطل # ولا نعجب لدالة الشاعر النصراني على الخليفة المسلم حتى ليبلغ به الأمر أن ~~يستقيه الراح، فلقد كان الأخطل موفور الحرمة عند عبد الملك، مقربا إليه دون ~~سائر الشعراء، وكان يدخل عليه بغير إذن ولحيته تنفض خمرا، والشعر هو الذي جعل ~~للأخطل هذه الكرامة، فقد كان الخلفاء الأمويون مضطرين إلى اصطناع شعراء فحول ~~يقاومون خصومهم، وكان الأخطل شاعرا فحلا يجيد مدح الملوك ويجيد الهجاء، ~~فاصطنعه بنو أمية ورموا به أعداءهم فسقط عليهم سقوط الداهية الدهياء، وأولع ~~عبد الملك بشعره ولعا عظيما فرفع قدره، ووالى نعمه عليه ولقبه بشاعر بني ~~أمية وشاعر أمير المؤمنين وأشعر العرب. # وقد بلغت الدالة بالأخطل أن يخاطب عبد الملك بقوله: # ولست بصائم رمضان يوما # ولست بآكل لحم الأضاحي # 23 # ولست بزاجر عنسا بكورا # إلى بطحاء مكة للنجاح # 24 # ولست بقائم كالعير أدعو # قبيل الصبح: حي على الفلاح # 25 # ولكني سأشربها شمولا # وأسجد عند منبلج الصباح # 26 # ثم بقوله: # إذا ما نديمي علني، ثم علني # ثلاث زجاجات، لهن هدير # 27 # خرجت أجر الذيل زهوا كأنني # عليك، أمير المؤمنين، أمير # 28 # ولم تكن دالته تقف عند هذا الحد؛ بل كانت تدفعه ms225 إلى التدخل في سياسة الخلافة ~~من عقد صلح أو مجاهرة بعداء، فهو لا يقنع في شعره السياسي بالدفاع عن بني أمية ~~وهجو أعدائهم، ولكنه يطمح إلى أبعد من ذلك، إلى التأثير في مجرى السياسة ~~الأموية، أي إلى الفائدة الأدبية مقرونة بالفائدة المادية، وربما سخر سياسة ~~الخليفة لمصلحة قومه بني تغلب. ~~(3-6) الأخطل وزفر بن الحارث # وحسبك أن تعلم خبره مع زفر ~~بن الحارث؛ لتتبين مبلغ دهائه السياسي، وتدخله في شئون الخليفة لمصلحة قبيلته، ~~وزفر هذا رئيس القيسية، وكان قد أوقع بالتغلبيين في بعض الأيام، وتحزب لعبد ~~الله بن الزبير على بني أمية، ثم انقاد لهم بعد عصيانه، فقربه عبد الملك بغية ~~استمالة قومه. فدخل ابن ذي الكلاع يوما على الخليفة فرأى زفر معه على السرير ~~فبكى، فقال له عبد الملك: «ما يبكيك؟» فقال: «يا أمير المؤمنين، وكيف لا أبكي ~~وسيف هذا يقطر من دماء قومي في طاعتهم لك وخلافه عليك، ثم هو معك على السرير ~~وأنا على الأرض!» قال: «إني لم أجلسه معي أن يكون أكرم علي منك، ولكن لسانه ~~لساني وحديثه يعجبني.» فبلغت ~~الأخطل وهو يشرب فقال: «أما والله لأقومن في ذلك مقاما لم يقمه ابن ذي ~~الكلاع!» ثم خرج حتى دخل على عبد الملك فلما ملأ عينه منه قال: # وكأس مثل عين الديك صرف # تنسي الشاربين لها العقولا # 29 # إذا شرب الفتى منها ثلاثا # بغير الماء، حاول أن يطولا # 30 # مشى قرشية لا شك فيها # وأرخى من مآزره الفضولا # 31 # فقال عبد الملك: «ما أخرج هذا منك يا أبا مالك إلا خطة في رأسك!» قال: «أجل ~~والله يا أمير المؤمنين حين تجلس عدو الله هذا معك على السرير، وهو القائل ~~بالأمس: # فقد ينبت المرعى على دمن الثرى # وتبقى حزازات الصدور كما هيا» # 32 # فقبض عبد الملك رجله ثم ضرب بها صدر زفر فقلبه عن السرير، وقال: «أذهب ~~الله حزازات تلك الصدور.» وكان زفر يقول: «ما أيقنت بالموت قط إلا تلك الساعة ~~حين قال الأخطل ما قال.» ~~(3-7) تهاجي ms226 الأخطل وجرير # قال ابن سلام وغيره: لما بلغ الأخطل تهاجي جرير والفرزدق قال لابنه مالك: ~~«انحدر إلى العراق حتى تسمع منهما وتأتيني بخبرهما.» فانحدر مالك حتى لقيهما ~~وسمع منهما ثم أتى أباه، فقال له: «كيف وجدتهما؟» قال: «وجدت جريرا يغرف من ~~بحر، والفرزدق ينحت من صخر.» فقال الأخطل: «فجرير أشعرهما.» ثم قال: # إني قضيت قضاء غير ذي جنف # لما سمعت ولما جاءني الخبر # 33 # أن الفرزدق قد شالت نعامته # وعضه حية من قومه ذكر # 34 # ثم قدم الأخطل الكوفة على بشر بن مروان، فبعث إليه قوم الفرزدق بدراهم ~~وحملان وكسوة وخمر، وقالوا له: «لا تعن على شاعرنا واهج هذا الكلب الذي يهجو ~~بني دارم.» # 35 # فلما دخل الأخطل على بشر سأله عن الفرزدق وجرير، فقال الأخطل: ~~«أصلح الله الأمير، الفرزدق أشعر العرب.» # فرد عليه جرير بقوله: # يا ذا الغباوة إن بشرا قد قضى # أن لا تجوز حكومة النشوان # ثم استطار بينهما الهجاء واضطرمت نار العداوة، وأخبارهما كثيرة. ~~(3-8) موت الأخطل # وعمر الأخطل حتى شاخ وتحطم، وكانت وفاته في خلافة الوليد بن عبد الملك، ~~وله فيه عدة قصائد امتدحه بها، وزعم بعضهم أن الأخطل ظل مقربا عند خلفاء بني ~~أمية حتى ملك عمر بن عبد العزيز فأقصاه؛ ونقل هذه الرواية على علاتها بعض ~~كتابنا المعاصرين. # 36 # دون أن ينتبهوا إلى تاريخ وفاة الشاعر وتاريخ خلافة عمر بن عبد ~~العزيز. # 37 # وليس في ديوان الأخطل ما ينبئنا أنه أدرك عمر أو أدرك قبله سليمان بن عبد ~~الملك، # 38 # ولو أدركهما لذكرهما في شعره كما ذكر غيرهما من الخلفاء ~~الأمويين. # ورب معترض يقول إن الأخطل مدح عمر بن عبد العزيز بأبيات مثبتة في ديوانه، ~~ونحن لا ننكر ذلك، ولكننا نعلم أنه لم يمدحه بها وهو خليفة، بل مدحه وهو أمير ~~من أمراء بني أمية ومدح معه أخاه أبا بكر فخصه بالقسم الأوفر من أبياته، ولم ~~يذكر عمر إلا في البيت الأخير حيث يقول: # فرعان ما منهما إلا أخو ثقة # ما دام في الناس ms227 حي والفتى عمر # ومما يدلنا على أن الأخطل مات في خلافة الوليد ما رواه صاحب الأغاني من أن ~~الوليد بن عبد الملك قال لجرير يوما: «فما تقول في الأخطل؟» قال: «ما أخرج ~~لسان ابن النصرانية ما في صدره من الشعر حتى مات.» ~~(3-9) آثاره # ديوان كبير أكثره في المدح والهجاء ووصف الخمرة وشاربها، وهو من أصحاب ~~الملحمات، # 39 # ومطلع ملحمته: # تغير الرسم من سلمى بأحفار # وأفقرت من سليمى دمنة الدار # 40 # وجمع أبو تمام الشاعر العباسي «نقائض جرير والأخطل» # 41 # وشرحها وصدرها بكلمة في حرب قيس وتغلب. والديوان والنقائض نشرهما ~~في بيروت الأب صالحاني اليسوعي. ~~(3-10) ميزته # كان الأئمة الأقدمون يشبهون الأخطل بالنابغة لصحة شعره، ولكننا نرى أن الصلة ~~بين الشاعرين أقوى من ذلك، فكلاهما شاعر بلاط خص مدائحه بالملوك وحظي عندهم، ~~وكلاهما أجاد المدح وتفنن في معانيه، بيد أن الأخطل كان يتوكأ أحيانا على ~~الشاعر الجاهلي، وتجد آثار هذا التوكؤ ظاهرة في مدحه وفي وصفه الثور الوحشي. ~~فالأخطل يشبه النابغة بصحة شعره وبأشياء أخر - كما سترى - ولكنه ينفرد عنه ~~بموقفه السياسي في المدح والهجاء. فالصفة السياسية هي الخاصة البارزة في الأخطل ~~سواء كان مادحا أو هاجيا. فينبغي لنا أن ندرسه الآن شاعرا سياسيا، ثم نلم ~~بما بينه وبين النابغة من صلة، ونعرض لخاصته في وصف الخمر، فهو أشهر وصافيها ~~في صدر الإسلام. ~~(3-11) شعره السياسي - المدح والهجاء # كان الأخطل يعلم أن الأمويين يهمهم أن ~~يعرف لهم الناس حقهم بالخلافة، وكان يعلم أيضا أنهم يستندون في تأييد هذا الحق ~~إلى مقتل عثمان بن عفان زاعمين أنهم ورثته وأن لهم الحق بأن يطالبوا بدمه. ~~فتراه إذا عرض للخلافة رمى إلى هذا الهدف، كقوله: # ويوم صفين، والأبصار خاشعة، # أمدهم، إذ دعوا، من ربهم مدد # 42 # على الأولى قتلوا عثمان مظلمة # لم ينههم نشد عنه وقد نشدوا # 43 # فثم قرت عيون الثائرين به، # وأدركوا كل تبل عنده قود # 44 # وأنتم أهل بيت لا يوازنهم # بيت، إذا عدت الأحساب والعدد # 45 # ويختمها مخاطبا يزيد ms228 بن معاوية: # والمسلمون بخير ما بقيت لهم # وليس بعدك خير حين تفتقد # وإذا عرض لمدحهم وصفهم بأحسن ما توصف ~~به الملوك، ثم انبرى إلى هجو القيسية أنصار الزبيريين وأعداء قبيلته فقذفهم ~~بهجاء مقذع أليم، وهجا معهم أحلافهم بني كليب قوم جرير، ولعل العداء السياسي ~~هو الذي أثار الهجاء بين الشاعرين وجعله حامي الوطيس. # ويحسن بنا أن نعتمد في إظهار ميزة الأخطل على رائيته الشهيرة أولا، ثم على ~~غيرها من شعره. فإن الرائية تكاد تشتمل على أكثر خصائصه تفكيرا وتعبيرا، ~~ومطلعها: # خف القطين فراحوا منك أو بكروا # وأزعجتهم نوى في صرفها غير # 46 # وهذه القصيدة من النقائض قالها في عبد الملك بن مروان بعد فتحه العراق ~~وانتصاره على مصعب بن الزبير. # ولا يقصر مدحه على الخليفة بل يعنيه أن ترضى عنه أمية كلها، فإذا مدح أميرا ~~منها لا يغفل عن تخصيص جانب من مديحه بأسرته الأموية، وحق له أن يفعل ذلك ~~وهو مقرب إليها جميعا، واقف شعره للدفاع عنها، والإشادة بمكارمها، حتى إذا ~~أرضى الخليفة وأرضاهم جميعا يفرغ إلى نفسه وإلى قومه فيذكر ما لهم من الأيادي ~~البيض على الأمويين، ويدس خلال ذلك رأيه السياسي لمصلحة قبيلته، فيحرض عبد ~~الملك على إقصاء زفر بن الحارث وترك الوثوق به. # فإذا تم له ما أراد من مدح وغرض سياسي يرمي إليه، انصرف إلى هجاء قيس عيلان ~~وأحلافهم الكليبيين قوم جرير، فيقذفهم بحميم من لواذع أقواله، وإذا أفحش لا ~~يتورط في الخنى تورط جرير والفرزدق، بل يجعل همته في تعييرهم ووصف هزيمتهم، ~~وما لقوا من مذلة وهوان. فيبدو لنا حينئذ مؤرخا وسياسيا دقيق النظر يلقي ~~الذنب على أعدائه الذين كفروا نعمة الخليفة فجازاهم بكفرهم، ونرى فيه مصورا ~~بارعا للحرب وللجيش عند الهزيمة والانكسار. # فبمثل هذا الهجاء المؤلم الممض كان الأخطل يرمي أعداءه القيسيين، ويرمي ~~جريرا وقوم جرير فيجعلهم خشارة تميم بل خشارة مضر أجمعين، وينفر عليهم أبناء ~~عمهم من دارم قبيلة الفرزدق: # ملطمون بأعقار الحياض فما # ينفك من دارمي فيهم أثر # وأشد الهجاء إقذاعا ms229 عند العرب أن تفضل قوما على قوم ولا سيما إذا كانوا ~~إخوانا أو أبناء أعمام. فبنو نمير لم يضعهم إلا قول جرير فيهم: # فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # ونمير وكعب وكلاب ثلاثة أبطن من عامر بن صعصعة، وقلما تخلو قصيدة للأخطل في ~~جرير من مدح بني دارم وتفضيلهم على بني كليب بن يربوع: # أجرير، إنك والذي تسمو له # كأسيفة فخرت بحدج حصان # 47 # فى دارم تاج الملوك وصهرها # أيام يربوع مع الرعيان # 48 # وإذا وضعت أباك في ميزانهم، # رجحوا، وشال أبوك في الميزان # 49 # وهو وإن مدح دارما وأطنب في ذكرهم، لا يغفل عن الافتخار بقومه بني تغلب ~~وتعداد مآثرهم. فقد فاخر بهم وهو ~~يمدح الخليفة، فأحر به أن يفاخر جريرا عندما يريد هجو جرير: # إنا نعجل بالعبيط لضيفنا # قبل العيال، ونقتل الأبطالا # 50 # أبني كليب إن عمي اللذا # قتلا الملوك، وفككا الأغلالا # 51 ~~(3-12) صلته بالنابغة # فأما وقد عرفنا ما للشاعر السياسي من ميزة في المدح والهجاء وخصائص في ~~التفكير والتعبير، فينبغي لنا أن نلتفت إلى تلك الصلة الوثيقة التي تربطه ~~بالنابغة حتى جعلت الأدباء الأقدمين يشبهونه به، فليست هذه الصلة مقصورة على ~~صحة شعره - كما ذكرنا - بل تتعداها إلى المعاني والتعابير، وقد تقع على بعض ~~الأساليب فما تدري أشعر النابغة تقرأ أم شعر الأخطل. # ونحن قبل أن نشرع في إظهار هذه الصلة نسلم أن شاعر أمية يمتاز في صحة شعره ~~ورونق ألفاظه وتخير معانيه، كما امتاز في ذلك صاحبه النابغة؛ ولا بدع أن تظهر ~~هذه الميزة على شعر الأخطل، فهو من الذين يتنخلون قوافيهم ويثقفون متونها، فقد ~~حدثنا الرواة أنه كان يختار أجود ما ينظم، فإذا اجتمع له تسعون بيتا انتخب ~~منها ثلاثين؛ وأنه أقام سنة في مدحته: «خف القطين ...» ولكن هذه الصلة لا تكفي ~~لتشبيهه بالنابغة؛ لأن صحة الشعر لا تجعل وجها حقيقيا للشبه، فعلينا أن ~~نلتمس هذه الصلة في أسلوب الشاعر وفي ألفاظه ومعانيه. # وقد ذكرنا أن الأخطل يمت إلى النابغة ms230 بصلة أدبية اجتماعية، فكلاهما مدح ~~الملوك وحظي عندهم، ولعل هذه الصلة هي التي حملت الشاعر الإسلامي على النظر إلى ~~صاحبه الجاهلي فأغار على بعض أساليبه في المدح ووصف الوحوش، مثال ذلك ~~قوله: # وما الفرات، إذا جاشت حوالبه # في حافتيه، وفي أوساطه العشر # 52 # وزعزعته رياح الصيف، واضطربت # فوق الجآجئ من آذيه، غدر # 53 # مسحنفر من جبال الروم يستره # منها أكافيف، فيها دونه زور # 54 # يوما بأجود منه، حين تسأله # ولا بأجهر منه، حين يجتهر # 55 # ولا بد أنك تذكر هذه الصورة الشعرية في دالية النابغة التي اعتذر بها إلى ~~النعمان؛ فالأسلوب واحد والألفاظ والمعاني متواطئة في أكثرها، وقد أولع الأخطل ~~بهذه الصورة فرددها غير مرة، فأنت تجدها في قصيدة أخرى إذ يقول: # كأنه مزبد ريان، منتجع، # يعلو الجزائر، في حافاته الزبد # 56 # تظل فيه بنات الماء أنجية # وفي جوانبه الينبوت والخضد # 57 # وتجدها أيضا في قصائد أخر لا نرى حاجة إلى ذكرها، ولا بدع أن يكثر الأخطل ~~من هذه الصورة الاستطرادية في شعره، فإنها منطبعة على مخيلته، وهو وإن يكن واطأ ~~فيها النابغة فتكراره لها يدل على تأثيرها في نفسه، وهذا التأثير لم يحدثه شعر ~~النابغة وحده، بل شاركه فيه نشوء الشاعر في الجزيرة على شط الفرات يشاهد أمواجه ~~المتلاطمة ويسمع زمزمتها وهديرها، ونحن نعتقد أن نشأة الشاعر لها اليد الطولى ~~في إثبات هذه الصورة بمخيلته؛ ولذلك أكثر من إيرادها وتفنن فيها فأبرزها لنا ~~بأشكال جميلة مختلفة، ولكنه لا يعد مبتكرا لها بل كان مقلدا. وكذلك وصفه ~~الثور الوحشي فإنه يذكرك النابغة، وتتمثل لك رائيته التي يعدها بعضهم من ~~المعلقات؛ فقد جاراه في البحر والقافية وترسم أسلوبه ناسجا على منواله، ~~وواطأه في معانيه وألفاظه. # فحسبك أن تراجع وصف الثور في رائية النابغة حتى تعلم مبلغ تأثر الأخطل له، ~~ولشاعر أمية قصائد غير هذه يصف بها الثيران وهي في أكثرها متشابهة الأسلوب، ~~على أنها جعلت صاحبها أشهر وصافي الوحش في الإسلام. ~~(3-13) وصف الخمر # كان الأخطل سكيرا يدمن الشراب ولا يجد ms231 عنه صبرا فلا عجب أن تفوح رائحة ~~الخمر من شعره، كما فاحت قبله من ~~شعر الأعشى، فيسمعنا في وصفها ما تنطق به نفسه النشوى، وما تنطق النفس إلا عن ~~هوى. وقد عرفنا في درسنا الأعشى أن الأخطل أخذ عنه بعض معانيه في الخمر؛ ولكن ~~الشاعر الإسلامي لم يقف في وصفها عند حد الشاعر الجاهلي بل تخطاه بعيدا، وأدخل ~~على الشعر الخمري شيئا جديدا لم نعهده في الجاهلية. فهو أول من تفنن في وصف ~~السكران. وأحسن تصوير دبيب الخمر في الأجسام، وشبه زقاق الخمر برجال من ~~السودان عراة، ولسنا ننكر أن الأعشى وصف السكارى وصور حالتهم، غير أن الأخطل ~~كان في ذلك أكثر فنا وإبداعا، وإليك وصفه للسكران: # صريع مدام يرفع الشرب رأسه، # ليحيا، وقد ماتت، عظام ومفصل # 58 # نهاديه أحيانا، وحينا نجره # وما كاد إلا بالحشاشة يعقل # 59 # إذا رفعوا عضوا، تحامل صدره، # وآخر، مما نال منها، مخبل # 60 # ثم يصف زقاق الخمر فيقول: # أناخوا فجروا شاصيات، كأنها # رجال من السودان، لم يتسربلوا # 61 # ويصف تعبد الشرب لها فيقول: # تمر بها الأيدي سنيحا وبارحا، # وترفع باللهم حي، وتنزل # 62 # ويصف مجلس الشراب والمغني فيوجز ولا يتعدى ما يقوله فيهما الأعشى: # وتوقف أحيانا، فيفصل بيننا # غناء مغن أو شواء مرعبل # 63 # ويصف فعلها في العظام فيرينا صورة رائعة لم يسبق إليها: # تدب دبيبا في العظام، كأنه # دبيب نمال في نقا يتهيل # 64 # فما أبدع هذا التشبيه الذي يصور لنا ~~تمشي الخمرة في المفاصل، وما أجدر لفظة الدبيب بتأدية هذا المعنى، ولا شك في أن ~~أبا نواس نظر إلى هذا البيت حين يقول: # وتمشت في مفاصلهم # كتمشي البرء في السقم # 65 # ويشربها فلتذع لسانه فيخيل إليه أنه مصاب بالحمى فيقول: # وكأن شاربها أصاب لسانه # من داء خيبر، أو تهامة، موم # 66 # وتهزه نشوتها فيناله منها زهو وخيلاء، فيقول: # خرجت أجر الذيل زهوا كأنني، # عليك، أمير المؤمنين، أمير # أو يقول: # مشى قرشية لا شك فيها # وأرخى من مآزره الفضولا # وقصارى القول إن الأخطل ms232 أحب الخمر ~~كما أحبها الأعشى ووصفها مثله، ولكنه وصف شاربها وتأثيرها فيه بما لم يسبقه ~~إليه شاعر قبله. ~~(3-14) منزلته # عده ابن سلام في الطبقة الأولى بين الشعراء الإسلاميين، وكان حماد ~~الراوية يفضله على جرير والفرزدق فإذا سئل عنه قال: «ما تسألوني عن شاعر حبب ~~شعره إلي النصرانية!» وسأل جريرا ابنه: «يا أبت أأنت أشعر أم الأخطل؟» ~~فقال: «يا بني أدركت الأخطل وله ناب، ولو أدركته وله ناب آخر لأكلني.» وقال ~~فيه أيضا: «الأخطل يجيد نعت الملوك ويصيب صفة الخمر.» وقال عبد الملك للفرزدق: ~~«من أشعر الناس في الإسلام؟» فقال: «كفاك بابن النصرانية إذا مدح.» وقال ~~الأصمعي وذكر جريرا: «كان ينهشه ثلاثة وأربعون شاعرا، فينبذهم وراء ظهره ~~ويرمي بهم واحدا واحدا، وثبت له الفرزدق والأخطل.» وقال صاحب الأغاني في ~~جرير: «هو والفرزدق والأخطل المقدمون على شعراء الإسلام الذين لم يدركوا ~~الجاهلية جميعا، ومختلف في أيهم المتقدم ولم يبق أحد من شعراء عصرهم إلا ~~تعرض لهم، فانفضح وسقط وبقوا يتصاولون.» وأخبر أبو عبيدة قال: «جاء رجل إلى ~~يونس فقال له: «من أشعر الثلاثة؟» قال: «الأخطل.» قلنا: «من الثلاثة؟» قال: «أي ~~ثلاثة ذكروا فهو أشعرهم.» فقيل له: «وبأي شيء فضلوه؟» قال: «بأنه كان ~~أكثرهم عدد قصائد طوال جياد ليس فيها سقط ولا فحش، وأشدهم تهذيبا للشعر.» وسأل ~~سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز: «أجرير أشعر أم الأخطل؟» قال: «إن ~~الأخطل ضيق عليه كفره القول، وإن جريرا أوسع عليه إسلامه قوله، وقد بلغ ~~الأخطل منه حيث رأيت.» فقال له سليمان: «فضلت والله الأخطل.» وكان أبو عبيدة ~~يقول: «شعراء الإسلام ثلاثة: الأخطل ثم جرير ثم الفرزدق.» وكان أبو عمرو يفضل ~~الأخطل ويشبهه بالنابغة لصحة شعره، ويقول: «لو أدرك الأخطل يوما واحدا من ~~الجاهلية ما فضلت عليه أحدا.» وقال أبو عبيدة أيضا: «الأخطل أشبه بالجاهلية ~~وأشدهم أسر شعر وأقلهم سقطا.» وحدث عمر بن شبة قال: «كان مما يقدم به ~~الأخطل أنه كان أخبثهم هجاء في عفاف من الفحش.» وقال الأخطل: «ما هجوت أحدا ms233 قط ~~بما تستحي العذراء، أن تنشده أباها.» ولقبه عبد الملك بشاعر أمير المؤمنين، ~~وشاعر بني أمية، وأشعر العرب. # والأقوال في الأخطل كثيرة متضاربة، نكتفى منها بهذا القدر الذي يدلنا على ما ~~لشاعرنا من منزلة رفيعة عند الأقدمين، وبوسعنا أن نعتمد على بعضها في إظهار ~~ميزة الشاعر وفضله على أقرانه. فقد رأيت أن علماء اللغة كأبي عمرو وأبي عبيدة ~~ويونس وحماد كانوا يفضلون الأخطل ويشبهونه بشعراء الجاهلية، ولهذا التفضيل سبب: ~~وهو أن هؤلاء الأئمة وغيرهم كانوا يميلون إلى جزالة اللفظ وشدة الأسر، فراقهم ~~في الأخطل فخامة شعره أكثر من رقة شعر جرير وطبعه، وكانوا يغارون على صحة اللغة ~~ويستنكرون اللحن ففضلوا الأخطل على الفرزدق؛ لأنه أصح شعرا وأبعد به من ~~الساقط المرذول، وكانوا معجبين بالسبع الطوال وغيرها من الشعر الجاهلي، فأحبوا ~~الأخطل لطول نفسه ومتانته. وكانوا يعدون له عشر قصائد طوال جياد ليس فيها ~~سقط، وعشرا غيرها إن لم تكن مثلها فليست بدونها؛ ولما يجدوا لجرير بهذه الصفة ~~إلا ثلاثا، وأجمعوا - أو كادوا - على أن الأخطل أحسنهم مدحا، وشهد له ~~الفرزدق بذلك. # ونحن نرى أنه لا يقل في الهجاء عن جرير، وإن قل عنه فحشا، فهو في هجوه لاذع ~~مؤلم؛ وإذا درسنا «نقائض جرير والأخطل» وموقف الشاعرين في ذلك العصر نعلم مبلغ ~~براعة الشاعر التغلبي في هذا الفن. فالأخطل دخل بين جرير والفرزدق بعد أن أسن ~~ونفد أكثر عمره، ومن المعلوم أن شاعرية الشيوخ أضعف من شاعرية الشباب، ولكن ~~الأخطل على كبره استطاع أن يقاوم فحلا من مضر هابته فحول الشعراء في ~~الإسلام. # وإذا نظرنا إلى قول عمر بن عبد العزيز بدا لنا فضل الأخطل في مقارعته جريرا، ~~فقد قال عمر لسليمان بن عبد الملك: «إن الأخطل ضيق عليه كفره القول، وإن جريرا ~~أوسع عليه إسلامه قوله، وقد بلغ الأخطل منه حيث رأيت.» وهذا ما نستطيع أن ~~نتبينه في تهاجي الشاعرين، فإن جريرا يجول في عرض الأخطل جيئة وذهابا فيناله ~~من دينه ويعيره نصرانيته ويفتخر عليه بالإسلام، ويناله من قبيلته فينهش ms234 أعراض ~~تغلب، وأعراض ربيعة بن نزار جميعا، وأما الأخطل فلم يكن يجرؤ أن يقابل جريرا ~~بالمثل فيطعنه في ديانته وهو في كنف دولة إسلامية عزيزة الجانب، ولو حدثته ~~نفسه بذلك لما سلم الذي بين كتفيه، وإن يكن شاعر بني أمية وشاعر أمير المؤمنين. ~~وكان يقتصر على هجو كليب قوم جرير الأدنين فلا يجاوزهم إلى بني تميم، وهم قبيلة ~~صاحبه الفرزدق وأخوال بني قريش، ولا يتناول مضر بكلمة سوء لأن قريشا من مضر ~~والنبوة والخلافة في قريش. فأنت ترى أن نطاق الأخطل كان ضيقا في هجو جرير، ~~وهذا ما أشار إليه عمر بن عبد العزيز في قوله: «إن الأخطل ضيق عليه كفره ~~القول.» ويروي لنا صاحب الأغاني أن رجلا من بني شيبان جاء إلى الأخطل فقال له: ~~«يا أبا مالك إن لك عندي نصحا.» قال: «هاته فما كذبت.» فقال: «إنك قد هجوت ~~جريرا ودخلت بينه وبين الفرزدق وأنت غني عن ذلك، ولا سيما أنه يبسط لسانه بما ~~ينقبض عنه لسانك، ويسب ربيعة سبا لا تقدر على سب مضر بمثله، والملك فيهم ~~والنبوة قبله، فلو شئت أمسكت عنه.» فقال: «صدقت في نصحك وعرفت مرادك فوالصليب ~~والقربان، لأتخلصن إلى كليب خاصة دون مضر بما يلبسهم خزيه ويشملهم عاره، ثم ~~اعلم أن العالم بالشعر لا يبالي، وحق الصليب، إذا مر به البيت السائر الجيد ~~أمسلم قاله أم نصراني!» # فالأخطل إذا لم يكن مطلق العنان فيتصرف في هجو جرير تصرف جرير في هجوه، ~~ومع ذلك فقد بلغ من خصمه مثل ما بلغ خصمه منه، وكان في هجائه فتاكا ممضا فلم ~~يترك شائنة إلا رمى بها بني كليب ورهط جرير. # وجماع القول إن الأخطل شاعر لعوب بالألفاظ والمعاني، وله في الابتكار باع ~~طويل، وهو مبدع في مدحه وهجائه، متفنن في وصف الخمر، مقدم في الشعر السياسي ~~على سائر الشعراء في صدر الإسلام. ~~(4) الفرزدق # 67 ~~(732م/114ه) ~~(4-1) حياته # هو همام بن غالب بن صعصعة من دارم ثم من تميم، لقب بالفرزدق لغلاظة ~~وجهه وجهومته، # 68 # وكنيته أبو ms235 فراس، وكانت ولادته في البصرة ونشأته في باديتها، فشب ~~خالص البداوة، جافي الطباع، قوي الشكيمة، لا تلين قنانه، وكان له من مناقب قومه ~~ومآثرهم ما أفعم نفسه زهوا وكبرا، وفسح له في مجال الفخر على أقرانه، فباهى ~~الناس بآبائه وجدوده، وكان أبوه غالب من أجواد العرب المشهورين، إذا نحر لا ~~يجاريه منافس، وإذا أعطى لا يسأل عفاته: من هم؟ وجده صعصعة له صحبة ولكنه لم ~~يهاجر، وهو الذي أحيا الوئيدة، وبه افتحر الفرزدق في قوله: # وجدي الذي منع الوائدات # وأحيا الوئيد، فلم يوأد # 69 # قيل: إنه اشترى ثلاثمئة وستين موءودة كل واحدة منهن بناقتين وجمل، وأم ~~الفرزدق ليلى بنت حابس أخت الصحابي الأقرع بن حابس. # ونظم الفرزدق الشعر صغيرا فجاء به أبوه إلى الإمام علي وقال: «إن ابني هذا ~~من شعراء مضر فاسمع منه.» قال: «علمه القرآن.» فلما كبر الفرزدق تعلمه وهو ~~مقيد لئلا يلهو عنه. ~~(4-2) تشيعه # وكان يتشيع لعلي وأبناء علي ويجاهر بحبه لهم، وإذا مدحهم تدفق شعره عاطفة ~~وحماسة، فما ترى فيه أثرا لتكلف المادح المتكسب، وخير دليل على صدق موالاته آل ~~البيت قصيدته في زين العابدين، فهي من أبلغ الشعر وأخلصه عاطفة؛ أنشدها في وجه ~~هشام بن عبد الملك لما حج على عهد أبيه وطاف بالبيت، وجهد أن يستلم الحجر ~~الأسود فلم يبلغه لكثرة الزحام، فنصب له كرسي وجلس عليه ينظر إلى الناس وحوله ~~جماعة من أهل الشام. فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب، وكان من أجمل الناس وجها، فطاف بالبيت حتى إذا انتهى إلى الحجر ~~انشقت له الصفوف ومكنته من استلامه. فقال رجل من أهل الشام لابن عبد الملك: «من ~~هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟» فقال هشام: «لا أعرفه.» وخاف أن يذكر اسمه ~~فيرغبهم فيه، وكان الفرزدق حاضرا فقال: «أنا أعرفه.» فقال الشآمي: «ومن هو ~~يا أبا فراس؟» فقال كلمته: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته # والبيت يعرفه، والحل والحرم # 70 # فغضب هشام فحبسه بين مكة ms236 والمدينة فهجاه الفرزدق بقوله: # أتحبسني بين المدينة والتي # إليها قلوب الناس يهوي منيبها # 71 # يقلب رأسا لم يكن رأس سيد، # وعين له حولاء، باد عيوبها # 72 # فبلغ شعره هشاما فأمر بإطلاقه خوفا من لسانه. ~~(4-3) اتصاله بالأمويين # على أن تشيعه لآل البيت لم ~~يصرفه عن التقرب إلى الأمويين، فمدحهم رهبة منهم أو رغبة في نوالهم، وأكثر ~~مدائحه في سليمان بن عبد الملك، ولكنه لم ينل حظوة الأخطل عندهم ولا استقام له ~~أن يمدحهم بمثل شعره. فهم كانوا يعلمون موضع هواه، وهو كان يتكلف مدحهم على كره ~~منه، وربما مرت به ساعة لا يستطيع فيها أن يسخر عاطفته، فيدعوه الخليفة إلى ~~مدحه فما يطيق ذلك، فيعمد إلى الافتخار بنفسه، فعله في حضرة سليمان بن عبد ~~الملك لما استنشده فيه أو في أبيه فأنشده مفتخرا عليه: # وركب كأن الريح تطلب عندهم # لها ترة، من جذبها بالعصائب # 73 # سروا يخبطون الليل، وهي تلفهم # إلى شعب الأكوار، من كل جانب # 74 # إذا استوضحوا نارا يقولون: ليتها، # وقد خصرت أيديهم، نار غالب # 75 # فتبين غضب سليمان، وكان نصيب الشاعر حاضرا فأنشده أبياتا يمدحه بها، ~~فقال الخليفة: «يا غلام أعط نصيبا خمس مئة دينار، وألحق الفرزدق بنار ~~أبيه.» فخرج الفرزدق مغضبا يقول: # وخير الشعر أكرمه رجالا # وشر الشعر ما قال العبيد # 76 # وقد يمدح عمال بني أمية ثم يهجوهم إذا وجد سبيلا إلى هجوهم، أو يهجوهم ثم ~~يمدحهم إذا خشي شرهم. فقد رثى الحجاج بقوله: # فليت الأكف الدافنات ابن يوسف # يقطعن، إذا غيبن تحت السقائف # 77 # فلما بويع بالخلافة سليمان بن عبد الملك بعد أخيه الوليد مدحه الفرزدق، وهجا ~~الحجاج وقومه؛ فقيل له: كيف تهجوه وقد مدحته؟ فقال: «نكون مع الواحد منهم ما ~~كان الله معه، فإذا تخلى منه انقلبنا عليه.» # وهجا آل المهلب فسخطوا عليه، فلما ولى سليمان بن عبد الملك يزيد بن ~~المهلب خراسان والعراق خاف الفرزدق فمدحهم. فلا تعجب إذا أن ترى الفرزدق ~~مجفوا على سمو قدره في دولة الشعر، فبنو أمية وعمالهم ms237 لم يطمئنوا إلى ولائه ~~ولطالما نالوا منه فحبسوه أو أبعدوه، وإذا أجازوه أحيانا فتقية للسانه أو ~~رغبة في شعره ليمدحهم به. ~~(4-4) الفرزدق الطريد # وكان خبث لسانه وتعهره يساعدان أولي الأمر على أذيته، فإذا هجا قوما أو نال ~~من حرماتهم، استعدوا عليه السلطان، فيطارده فيفر من وجهه، أو يحبسه أو ينفيه ~~فيكفي الناس شره ولو إلى حين. # ويحدثنا صاحب الأغاني أن الفرزدق كان يهاجي الأشهب بن رميلة النهشلي وبني ~~فقيم وكلاهما من دارم؛ فاستعدوا عليه زياد ابن أبيه وهو على البصرة من قبل ~~معاوية، ففر الفرزدق إلى المدينة مستجيرا بعاملها سعيد بن العاص فأمنه. ثم ~~ولي المدينة مروان بن الحكم فعلم أن الفرزدق يشرب الخمر ويدخل إلى القيان، ~~فدعاه وتوعده وقال: «اخرج عني»، فعزم على الشخوص إلى مكة، فكتب مروان إلى بعض ~~عماله ما بين مكة والمدينة بأن يصله بمئتي دينار، فارتاب بكتاب مروان فجاء ~~إليه يقول: # مروان إن مطيتي معقولة # ترجو الحباء، وربها لم ييأس # 78 # أتيتني بصحيفة مختومة # يخشى علي بها حباء النقرس # 79 # ألق الصحيفة يا فرزدق. لا تكن # نكداء مثل صحيفة المتلمس # 80 # ثم رمى بالصحيفة، فضحك مروان وقال: «ويحك إنك أمي لا تقرأ، فاذهب بها إلى ~~من يقرؤها ثم ردها حتى أختمها.» فذهب بها، فلما قرئت له إذا فيها جائزة ~~فردها إلى مروان فختمها. # وظل الفرزدق طريدا عن البصرة حتى هلك زياد. ~~(4-5) خبره مع النوار # ولم تكن حظوته عند النوار ~~بأحسن من حظوته عند الخلفاء وعمالهم، مع أن النوار بنت عمه، والدها أعين بن ~~ضبيعة المجاشعي؛ وكان الفرزدق ~~وليها، فخطبها رجل من دارم فرضيته، وأرسلت إلى ابن عمها أن يزوجها إياه، فقال: ~~«لا أفعل أو تشهديني أنك قد رضيت بمن زوجتك.» ففعلت، فلما توثق منها وقف في ~~مسجد بني مجاشع بن دارم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «قد علمتم أن النوار قد ~~ولتني أمرها، وأشهدكم أني قد زوجتها نفسي على مئة ناقة حمراء، سوداء الحدقة.» ~~فنفرت منه وفزعت إلى مكة وفيها عبد الله ms238 بن الزبير، وقد بايعه العراق والحجاز، ~~فاستجارت بامرأته بنت منظور بن زبان الفزاري، فتبعها الفرزدق، ولما قدم مكة ~~اشرأب الناس إليه، ونزل على بني عبد الله بن الزبير، فاستنشدوه ثم شفعوا له ~~إلى أبيهم، فجعل يشفعهم في الظاهر حتى إذا صار إلى امرأته قلبته عن رأيه، ~~فمال إلى النوار وأشار عليه بتطليقها فأبى وهجاه، وظل يرقيها حتى اصطلحا على أن ~~يرجعا إلى البصرة، ويحكما في أمرهما بني تميم. فلما صارا إلى البصرة رجعت إليه ~~النوار بحكم عشيرتها، ومكثت عنده زمانا ترضى عنه حينا وتخاصمه أحيانا، فأراد ~~إغاظتها فتزوج عليها حدراء # 81 # بنت زيق بن بسطام بن قيس الشيباني فخاصمته النوار وأخذت بلحيته ~~وقالت: «تزوجت أعرابية دقيقة الساقين على مئة بعير.» فقال يفضل عليها ~~حدراء: # لعمرى، لأعرابية في مظلة # تظل بروقي بيتها الريح تخفق # 82 # أحب إلينا من ضناك ضفنة # إذا وضعت عنها المراوح تعرق # 83 # فشكته إلى جرير فهجاه وهجا حدراء. # ولم يطب للنوار عيش في كنف الفرزدق، فظلت ترققه وتستعطفه حتى أجابها إلى ~~طلاقها، وأخذ عليها ألا تفارقه ولا تبرح من منزله ولا تتزوج رجلا بعده، ولا ~~تمنعه من مالها ما كانت تبذله له، وأخذت عليه أن يشهد الحسن البصري على طلاقها ~~ففعل وطلقها ثلاثا، ثم ندم وتحسر، وله فيها شعر كثير منه: # ندمت ندامة الكسعي لما # غدت مني مطلقة نوار # 84 # وكانت جنتي فخرجت منها # كآدم حين أخرجه الضرار # 85 # وكنت كفاقئ عينيه عمدا # فأصبح ما يضيء له النهار ~~(4-6) جبنه # وكان الفرزدق على إعجابه بنفسه ومباهاته ~~بأصله شديد الجبن لا يقاتل إلا بلسانه، وكان خصومه يتخذونه من جبنه ذريعة للضحك ~~به والتشفي من غيظهم، وله معهم أخبار كثيرة نكتفي بواحدة منها رواها أبو عبيدة ~~عن رؤبة بن العجاج قال: حج سليمان بن عبد الملك وحجت الشعراء معه، فلما ~~جاء المدينة تلقوه بنحو أربع مئة أسير من الروم، فقعد يدفعهم إلى الوجوه وإلى ~~الناس فيقتلونهم حتى دفع إلى جرير رجلا منهم فدست إليه بنو عبس سيفا قاطعا ~~فضربه ms239 فأبان رأسه، ودفع إلى الفرزدق أسيرا فلم يجد سيفا فدسوا إليه سيفا ~~كليلا فضرب الأسير فلم يصنع شيئا، فضحك القوم به ومن سوء ضربته، وشمت بنو ~~عبس، فغضب الفرزدق وأنشأ يقول: # إن يك سيف خان، أو قدر أبى # لتأخير نفس حتفها غير شاهد # 86 # فسيف بني عبس، وقد ضربوا به # نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد # 87 # كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها # ويقطعن أحيانا مناط القلائد # 88 # وقال أيضا: # أيعجب الناس أن أضحكت خيرهم # خليفة الله يستسقى به المطر؟ # 89 # لم ينب سيفي من رعب ولا دهش # عن الأسير، ولكن أخر القدر # 90 # ولن يقدم نفسا، قبل مدتها # جمع اليدين، ولا الصمصامة الذكر # 91 # ثم مضى وهو يقول: # ما إن يعاب سيد إذا صبا # ولا يعاب صارم إذا نبا # ولا يعاب شاعر إذا كبا # 92 # فشمت به جرير وعيره بقوله: # بسيف أبي رغوان سيف مجاشع # ضربت، ولم تضرب بسيف ابن ظالم # 93 # ضربت به عند الإمام، فأرعشت # يداك، وقالوا: «محدث غير صارم» # 94 # فرد عليه الفرزدق بقوله: # ولا نقتل الأسرى، ولكن نفكهم # إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # 95 # فهل ضربة الرومي جاعلة لكم # أبا عن كليب أو أبا مثل دارم؟ # 96 ~~(4-7) الفرزدق وجرير # وكان السبب في تهاجي الفرزدق وجرير أن شاعرا من بني يربوع يقال له غسان ~~السليطي هجا جريرا فرد عليه جرير فأخزاه، فشكا آل يربوع إلى البعيث المجاشعي ~~قهر جرير صاحبهم، فجعل البعيث يقول: «وجدنا الشرف والشعر في بني النوار بنت ~~مجاشع.» فبلغ ذلك جريرا فهجا البعيث وقومه، فجاء البعيث إلى بني الخطفي رهط ~~جرير، وقال: «يا قوم عجلتم علي.» فقالوا: «بلغنا عنك أمر فإن شئت قلت ~~كما قلنا، وإن شئت صفحت.» فقال: «بل أصفح.» فأقام مجاورا لهم ثلاث سنين ثم إنه ~~فارقهم راضيا، فقدم على ناس من بني مجاشع فسألوه عن بني الخطفي فأثنى عليهم ~~خيرا، فقال رجل منهم: «لحسن ما جازيتهم على الذي قالوا لك.» ثم أنشده قول ~~جرير فيه، ولم يزالوا به حتى أغضبوه، ms240 فهجا بني كليب. فقالت بنو كليب لعطاء بن ~~الخطفي: «اركب إلى بني مجاشع واستنههم من أنفسهم فقد قالوا كما قيل لهم.» ~~فأتاهم عطاء فقال: «أي بني مجاشع الإخوة والعشيرة، وقد قلتم كما قيل لكم ~~فانتهوا عنا.» فأبى البعيث إلا هجاءهم. فلحم الهجاء بين جرير والبعيث فسقط ~~غسان. ثم استطال جرير وأفحش القول في نساء مجاشع. فضج البعيث إلى الفرزدق، ~~وهو يومئذ بالبصرة، وقد قيد نفسه وآلى ألا يفك قيده حتى يقرأ القرآن، وأقبلت ~~عليه نساء مجاشع وقلن له: «قبح الله قيدك وقد هتك جرير عورات نسائك فلحيت شاعر ~~قوم!» فأحفظنه ففض قيده وقال: # ألا استهزأت منى هنيدة أن رأت # أسيرا يداني خطوه حلق الحجل # 97 # ولو علمت أن الوثاق أشده # إلى النار، قالت لي مقالة ذى عقل # 98 # لعمري، لئن قيدت نفسي، لطالما # سعيت، وأوضعت المطية في الجهل # 99 # ثلاثين عاما، ما أرى من عماية # إذا برقت، إلا أشد لها رحلي # 100 # أتتني أحاديث البعث، ودونه # زرود، فشامات الشقيق من الرمل # 101 # فقلت: أظن ابن الخبيثة أنني # شغلت عن الرامي الكنانة بالنبل؟ # 102 # فإن يك قيدي كان نذرا نذرته # فما بي عن أحساب قومي من شغل # أنا الضامن الراعي عليهم، وإنما # يدافع عن أحسابهم أنا، أو مثلي # 103 # وهجا الفرزدق البعيث لعجزه عن مقاومة جرير فسقط البعيث. قال ابن سلام: «ولج ~~الهجاء بين جرير والفرزدق نحوا من أربعين سنة لم يغلب واحد منهما على صاحبه، ~~ولم يتهاج شاعران في الجاهلية ولا في الإسلام بمثل ما تهاجيا به.» ~~(4-8) موته # يحدثنا صاحب الأغاني أن لبطة بن الفرزدق قال: «إن أباه أصابته ذات الجنب ~~فكانت سبب وفاته، ووصف له أن يشرب النفط الأبيض، فجعلوه في قدح وسقوه إياه ~~فقال: «يا بني عجلت لأبيك شراب ~~أهل النار.» وكان له عبيد فأوصى بعتقهم بعد موته وبدفع شيء من ماله إليهم، فلما ~~احتضر جمع أهل بيته وأنشأ يقول: # أروني من يقوم لكم مقامي # إذا ما الأمر جل عن الخطاب؟ # 104 # إلى من تفزعون إذا حثوتم ms241 # بأيديكم علي من التراب؟ # 105 # فقال له بعض عبيده: «إلى الله.» فأمر ببيعه قبل وفاته وأبطل وصيته ~~فيه.» # وذكر ابن قتيبة أنه مات وقد قارب المئة، وكانت علته الدبيلة، # 106 # وكان يسقى النفط الأبيض وهو يقول: «أتعجلون لي النار في ~~الدنيا!» # وكانت وفاته في خلافة هشام بن عبد الملك، وله قصيدة يمدحه بها ويهنئه ~~بالخلافة، منها قوله: # رمتني بالثمانين الليالي # وسهم الدهر أصوب سهم رام # وخلافة هشام تبتدئ في السنة الخمسين بعد المئة للهجرة، فإذا كان الفرزدق ~~يومئذ في الثمانين من عمره كما ذكر في شعره، فلا يصح أن تكون سنه قد نيفت على ~~التسعين يوم وفاته، هذا إذا حسبنا أن القصيدة قيلت في السنة الأولى لخلافة هشام ~~وأن الشاعر كان في الثمانين دون زيادة أو نقصان، وفي أي حال فإن الفرزدق لم ~~يبلغ المئة وإنما مات في التسعين أو دون التسعين أو أنه جاوزها قليلا. ~~(4-9) آثاره # آثاره ديوان مطبوع أكثره في المدح والفخر والهجاء، وطبعت «نقائض جرير ~~والفرزدق» في ليدن فجاءت في مجلدين ضخمين، وهو من أصحاب الملحمات ومطلع ~~ملحمته: # عزفت بأعشاش وما كدت تعزف # وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف # 107 ~~(4-10) ميزته # لم يشغل الناس شاعر في ~~الجاهلية ولا في الإسلام كما شغلهم جرير والفرزدق بتهاجيهما، فقد لبثا أربعين ~~سنة يتشاتمان، والناس تسمع لهما ولا تتفق على تفضيل الواحد منهما على الآخر، ~~وكان يصح لنا أن نقتصر على درس خاصة الهجاء في الفرزدق، وما يتبع هذا الهجاء من ~~فخر، لو لم تكن لشاعرنا خصائص أخرى لا ينبغي إغفالها، وإن تكن خاصة الهجاء ~~أظهرها. فالفرزدق في تشيعه لآل البيت، وفي اتصاله بالخلفاء الأمويين وعمالهم ~~شاعر مداح ولكن مدحه لهؤلاء يختلف عن مدحه لأولئك، فهو في ذكر آل البيت صادق ~~اللهجة، بين الحماسة، متدفق العاطفة؛ وفي مدح الأمويين كذوب متكلف يظهر خلاف ~~ما يبطن، والفرزدق في غزله يصطنع القصص الغرامي كابن أبي ربيعة ويتعهر مثله، ~~غير أنه لا ينقاد له هذا الفن في الجودة والرقة انقياده لعمر، والفرزدق ms242 أول ~~شاعر مسلم نظم في الزهد وخاطب إبليس وهجاه، وهو أكثر الشعراء الإسلاميين سرقة ~~وانتحالا. فعلينا أن ندرس به خاصة الهجاء في شيء من الإسهاب، ثم نلم بسائر ~~خصائصه لنعرف من هو الفرزدق وما هي ميزة شعره. ~~(4-11) هجوه وفخره # ولسنا نعجب إذا رأينا للفرزدق شعرا كثيرا في الهجاء بعد أن علمنا أنه نتاج ~~حرب عوان دارت بينه وبين جرير أربعين سنة؛ وكان فيها كلا الشاعرين يعنى بنقض ~~أقوال خصمه لئلا يعد مغلبا، فالهجاء صفة لازمة لشعر الفرزدق كما أنه صفة ~~لازمة لشعر جرير. # وإذا أراد الفرزدق أن يهجو وضع نفسه في مرتبة يتضاءل دونها خصمه، وشرع يعدد ~~مفاخر قومه، ويذكر ما لهم من الأيام، وما هم عليه من كرم وخير ونجدة وإباء، ~~وكان له من شرف قبيلته ومآثر آبائه ما فسح له في مجال الفخر والاستعلاء. # وهو على شدة إعجابه بقومه لا يغفل عن الافتخار بنفسه، وأكثر فخره بشاعريته، ~~وهي المفخرة الوحيدة التي نجدها فيه، ونرى أنه يحق له أن يباهي بها، ولا ينتهي ~~الفرزدق من مفاخرة خصمه إلا ليحشوه شتما وتعبيرا، فيعلن مخازيه ومخازي ~~قبيلته، ويطعن في أعراضهم طعنا قبيحا مكثرا من الألفاظ الفاحشة، والأخبار ~~الشائنة، حتى ليصبح شعره بؤرة فجور وفساد، وإذا رأيته يفتخر بقوله: # ولا نقتل الأسرى، ولكن نفكهم # إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # فلا تتوهم أنه يؤثر الرحمة على الظلم، ولكنه أراد الرد على من عيره الجبن ~~فلم يجد غير هذه السبيل، وربما افتخر بالظلم فقال: # إذا مضر الحمراء حولي تعطفت # علي، وقد دق اللجام شكيمي # 108 # أبت أن أسوم الناس إلا ظلامة # وكنت ابن مرغام العدو ظلوم # 109 # ولا يقتصر في هجاء جرير على الدفاع عن بني دارم، بل يدافع أيضا عن تغلب ~~قبيلة حليفه الأخطل، ويفاخر بهم جريرا وقومه. كما فاخر الأخطل ببني دارم ودافع ~~عنهم: # لولا فوارس تغلب ابنة وائل # نزل العدو عليك كل مكان # 110 # حبسوا ابن قيصر، وابتنوا برماحهم # يوم الكلاب كأفضل البنيان # 111 # قوم هم قتلوا ابن هند، عنوة ms243 # عمرا، وهم قسطوا على النعمان # 112 # إن الأراقم لن ينال قديمها # كلب عوى، متهتم الأسنان # 113 # فعلى هذا النحو كان الفرزدق يهجو جريرا ويفتخر عليه، ويمزق عرضه وأعراض بني ~~كليب أجمعين، ذاكرا سوءاتهم، فاضحا نساءهم، معددا انكساراتهم. وله في ذلك ~~أسلوب خاص لا يتعداه، فهو لا يستطيع أن ينكر أن كليبا من تميم وأنهم أبناء عمه ~~على الرغم منه، ولكنه يجعلهم أذل بني تميم وأحقرهم، وأخسهم وأجبنهم، ثم يجعلهم ~~يتطاولون إلى دارم وينتحلون نسبها؛ ودارم تزبنهم # 114 # عنها، وهو إذا افتخر بأيام بني تميم جعل الفضل فيها لبني دارم، ~~وإذا ذكر ما عليها من الأيام حصر مخازيها ببني كليب. فرهط جرير عند الفرزدق ~~أعجز من أن يطاولوا دارما. # وهو على عنايته بهجو كليب لا يعف عن قيس عيلان بل يهجوهم هجاء خبيثا وينفر ~~عليهم التغلبيين: # وما لقيت قيس بن عيلان وقعة # ولا حر يوم، مثل يوم الأراقم # 115 # ويندد بهم لمناصرتهم ابن الزبير على بني أمية، ويعيرهم انكساراتهم ويشتم ~~جريرا معهم لأنه كان يدافع عنهم. ~~(4-12) مدحه # عرفنا أن الفرزدق كان يشايع آل البيت وأن الأمويين كانوا يعرفون ذلك فيه، فلم ~~يحظ عندهم كما حظي الأخطل النصراني، ولكنه مدحهم وأجازوه على مدحه، ونستدل من ~~شعره أنه أخذ يتصل بهم في خلافة الوليد بن عبد الملك؛ إذ ليس له في أبيه ما ~~يستحق الذكر. على أن مدحه لهم لم يكن إلا تكلفا، وسنجد أثر هذا التكلف في ~~شعره الذي مدحهم به إذا قابلناه بشعره الذي مدح به آل البيت. فهو في مدح ~~الأمويين متكسب يستجدي أو راهب يستعطف، وفي مدح آل البيت عاطفي بحت ينطق عما في ~~نفسه من هوى. فنحن لا نستطيع أن نصدق شاعرا يتشيع لعلي وأبنائه حين نسمعه ~~يخاطب الوليد بن عبد الملك: # أما الوليد فإن الله أورثه # بعلمه فيه، ملكا ثابت الدعم # 116 # خلافة لم تكن غصبا مشورتها # أرسى قواعدها الرحمن ذو النعم # 117 # كانت لعثمان لم يظلم خلافتها # فانتهك الناس منه أعظم الحرم # 118 # أفيصح لنا ms244 أن نحسب الفرزدق مخلصا في ~~هذا المدح، صادقا في جعله الخلافة حقا من الله لبنى أمية، وفى قوله إنهم ~~أخذوها شورى لا غصبا، وأن مقتل عثمان بن عفان أعطاهم هذا الحق الموروث؟ وقد ~~علمنا أن أصحاب آل البيت ينكرون على الأمويين هذه الدعوى، ولا يرون أحدا أحق ~~بالخلافة من أبناء بنت الرسول، والفرزدق نفسه كان يأبى أحيانا أن يمدح ~~الأمويين على ما فيه من ميل إلى التكسب، وقد أوردنا خبره مع سليمان بن عبد ~~الملك، ورأيناه في مكان آخر لا يحجم عن التعريض بهشام بن عبد الملك وهو حاضر ~~لإنكاره زين العابدين. ثم رأيناه يهجو هشاما بعد أن حبسه، فيقول فيه: # يقلب رأسا لم يكن رأس سيد # وعين له حولاء، باد عيوبها # ولكنه لم يستنكف من مدحه لما تبوأ سدة الخلافة، فقصد إليه في ~~الرصافة # 119 # وأنشده قصيدة يقول فيها: # رآك الله أولى الناس طرا # بأعواد الخلافة، والسلام # 120 # أفيمكن أن يخلص الفرزدق في مدحه لهشام، ويصدق في زعمه أنه أولى الناس ~~بالخلافة، وهو القائل فيه: «تبين فيه الشؤم وهو غلام؟» وحسبك أن تقابل قوله في ~~هشام بقوله في زين العابدين لترى الفرق بينهما، وتعلم أن الشاعر لم يمدح هشاما ~~إلا خائفا، أو مستجديا يستمطر الربيع لعياله، فكان شعره متكلفا خاليا من ~~العاطفة؛ وأنه لم يمدح زين العابدين إلا مشغوفا بمناقبه ومناقب آله، فجاء شعره ~~عاطفيا صرفا لا أثر للتكلف عليه، وأنى يكون التكلف في قصيدة جاش بها صدر ~~الشاعر فقذفها بيتا إثر بيت، والتأثر النفسي يملك عليه؟ ويختلف أسلوبه فيها عن ~~أسلوبه في مدح هشام. فهو لا يسأل زين العابدين ولا يستجديه، ولكنه يبث عاطفة ~~متقدة بحب آل البيت، عاطفة نفس تؤمن بكرامتهم وترجو بهم الثواب في ~~الآخرة. # وإذا علمت أن زين العابدين أرسل إلى الفرزدق أربعة آلاف درهم لما بلغته ~~القصيدة، فردها الفرزدق عليه وقال له: «إنما مدحتك بما أنت أهله» - إذا علمت ~~ذلك - تبين لك صدق الفرزدق، وإخلاصه في مدحه أبناء بنت الرسول. # وقد شك بعضهم في ms245 زعم الرواة أن هذه القصيدة قيلت ارتجالا، ولكننا لا نرى ~~وجها للشك يصح الاعتماد عليه، ولا سيما أن أدلة الارتجال متوافرة. فالقصيدة ~~قصيرة لا تبلغ الثلاثين بيتا، وفيها من الإيطاء # 121 # شيء كثير مما يدل على أنها لم تحكك في النظم بل جاءت عفو الخاطر، ~~وليس بعجيب أن يرتجلها شاعر في صدر الإسلام كالفرزدق له من ملكته الشعرية، ~~وبلاغته، وصفاء ذهنه ما يهون عليه الارتجال، وخصوصا في موقف كان التأثر يملي ~~على العاطفة، والعاطفة تكتب. ~~(4-13) غزله # لم يكن الفرزدق على تعهره ممن يحسنون الغزل والتشبيب بالنساء، فإذا نسب جاء ~~قوله غليظا جافيا لا ترتاح إليه النفوس، وكان يشعر بتصلب عاطفته وخشونة ~~تشبيبه فيقول: «ما أحوج جريرا مع عفته إلى صلابة شعري، وما أحوجني إلى رقة ~~شعره مع شدة فسقي.» # وقد يخرج في غزله إلى المعاني الوحشية السمجة التي تنبو عنها الأذواق ~~كقوله: # فيا ليتنا كنا بعيرين، لا نرى # على منهل، إلا نشل، ونقذف # 122 # كلانا به عر، يخاف قرافه # على الناس، مطلي المساعر، أخشف # 123 # وتجد في ديوانه قصيدة من القصص الغرامي يروي فيها خبر زيارة ليلية هي أشبه ~~بزيارة ابن أبي ربيعة أو زيارة امرئ القيس، ولكنه يقصر عنهما في السرد والحوار، ~~ولا يجاريهما في الرقة ولطف التعبير. فمنها قوله: # فما زلت حتى أصعدتنى حبالها # إليها، وليلي قد تخامص آخره # 124 # فإذا بلغ إليها لا يسمعك حوارا بينهما كما أسمعك الملك الضليل وفتى قريش، بل ~~يلتقيها صامتة ما تنبس ببنت شفة، فيصف مجلسه بأبيات ثلاثة، ثم يقول ذاكرا ~~تخوفه الرجوع: # أحاذر بوابين قد وكلا بها # وأسمر من ساج تئط مسامره # 125 # وهنا يسألها: «وكيف النزول؟» فتجيبه مظهرة له المصاعب التي تكتنفه، فيطلب ~~إليها أن تدليه بالحبال كما أصعدته. فتفعل وتساعدها على إنزاله رفيقة ~~لها: # هما دلتاني من ثمانين قامة # كما انقض باز أقتم الريش، كاسره # 126 ~~(4-14) رثاؤه # ولم تكن عاطفته في الرثاء أقل تصلبا منها في الغزل، فقد مات أبوه فرثاه؛ ~~فكان في رثائه إياه جافيا، ومات ms246 ولداه فأراد رثاءهما فتصلبت عاطفته، فأخذ يعزي ~~نفسه بذكر من مات قبلهما من كرام الرجال، وختم مرثاته بقوله: # فما ابناك إلا ابن من الناس، فاصبري # فلن يرجع الموتى حنين المآتم # 127 # وماتت زوجه، وكان يحبها، فلم يستطع رثاءها فبكتها النوادب بشعر جرير، وقيل له ~~أن يزور قبرها فقال: # ولست، وإن عزت علي، بزائر # ترابا على مرموسة قد تضعضعا # 128 # وأهون مفقود، إذا الموت ناله # على المرء من أصحابه، من تقنعا # 129 # فكيف ترجو أن تلين عاطفته، فيرثي زوجه رثاء حسنا، وهو يرى أن المرأة أهون ~~مفقود على الرجل؟ ~~(4-15) زهده # قد نكون مسرفين إذا وصفنا ~~الفرزدق بالزهد، وجعلنا لشعره ميزة من هذه الناحية. فالزهد في حقيقته لم يعرفه ~~الشعر العربي إلا في خلافة العباسيين؛ هذا بصرف النظر عما أضيف إلى علي بن أبي ~~طالب من الأشعار الزهدية؛ لأن الإمام عليا لم ينظم الشعر وإنما كان خطيبا ~~بليغا، وله في الزهد أقوال نثرية مشهورة، وليس له في الشعر شيء ثابت. # ولكن الفرزدق، على ضعف الخاصة الزهدية في شعره حتى نكاد لا نشعر بها، هو أول ~~شاعر إسلامي أخذ بأهداب هذا الفن، فنظم قصيدة يهجو بها إبليس، ويتوب إلى ربه ~~نادما على ذنوبه، وهي وإن تكن لا تستوعب شروط الشعر الزهدي من ذم الدنيا ~~وملاذها، وإيراد المواعظ والحكم والأمثال، فإنها تنضم إليه بما فيها من إقرار ~~بالخطيئة، وتوبة إلى الله، وخطاب للشيطان لم يسبق إليه. # على أن توبته غير حرية بالتصديق ~~والإعجاب، لأنه لم يتمسك بها كثيرا بل ارتد عنها بعد حين، ومعاصروه أنفسهم لم ~~يتلقوها بالاطمئنان لما يعهدون به من فحش وفجور، فإن ابن سلام يحدثنا بأن ~~الفرزدق أتى الحسن # 130 # فقال له: «إنى قد هجوت إبليس فاسمع.» فقال: «لا حاجة لنا بما ~~تقول.» قال: «لتسمعن أو لأخرجن فأقول إن الحسن ينهى عن هجاء إبليس.» فقال ~~الحسن: «اسكت فإنك عن لسانه تنطق.» ~~(4-16) سرقاته # اشتهر الفرزدق بسرقة الشعر ~~فكان لا يسمع بيتا عائرا # 131 # إلا قال لصاحبه: «لتتركن هذا البيت لي ms247 أو لتتركن عرضك!» فيتركه له ~~خوفا من لسانه، فينتحله الفرزدق ويدمجه في شعره. وكان يقول: «خير السرقة ما لا ~~يجب فيه القطع.» # 132 # يعني سرقة الشعر، ويروي لنا صاحب الأغاني: أن الفرزدق مر يوما ~~بالشمردل وهو ينشد قصيدة حتى بلغ إلى قوله: # وما بين من لم يعط سمعا وطاعة # وبين تميم غير حز الغلاصم # 133 # فقال: «والله لتتركن هذا ~~البيت أو لتتركن عرضك!» قال: «خذه على كره مني!» فأخذه الفرزدق وهو في إحدى ~~قصائده. # ومر بابن ميادة وهو ينشد: # لو أن جميع الناس كانوا بربوة # وجئت بجدي ظالم وابن ظالم # 134 # لظلت رقاب الناس خاضعة لنا # سجودا على أقدامنا بالجماجم # فقال: «أما والله يا ابن الفارسية لتدعنه لي أو لأنبشن أمك من قبرها.» ~~فقال له ابن ميادة: «خذه لا بارك الله لك فيه.» فانتحل الفرزدق البيتين ووضع ~~دارما مكان ظالم فقال: «وجئت بجدي دارم وابن دارم.» وأخذ لملحمته من جميل ~~بثينة أسير بيت فيها، وهو قوله: # ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا # وإن نحن أومأنا إلى الناس، وقفوا ~~(4-17) مداخلته الكلام # وكان يداخل الكلام ويجوز في ~~شعره ما لا يجوزه غيره، فرويت له أبيات كثيرة خالف فيها القواعد النحوية ~~والبيانية، فأخذها النحاة وعلماء البيان شواهد في مباحثهم، وسخط بعضهم عليه من ~~أجلها وسر بها بعضهم الآخر، ولا سيما أصحاب النحو؛ لأنها كانت تشغلهم في تمحل ~~أوجه إعرابها. فمن ذلك قوله يمدح إبراهيم بن هشام المخزومي خال هشام بين عبد ~~الملك: # وما مثله في الناس إلا مملكا # أبو أمه حي أبوه يقاربه # والشاهد فيه التعقيد، وهو أن لا يكون الكلام ظاهر المراد، والمعنى: وما مثله ~~في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، أي ابن أخته هشام. فالضمير في ~~أمه يعود على المملك يعني هشاما، والضمير في أبوه يعود على الممدوح يعني ~~خاله إبراهيم. ففصل بين أبو أمه وهو مبتدأ؛ وأبوه وهو خبر بلفظ أجنبي وهو حي، ~~وكذا فصل بين حي ويقاربه، وهو نعته، بأجنبي آخر وهو أبوه، وقدم المستثنى ms248 على ~~المستثنى منه، فهو كما تراه في غاية التعقيد، وكان من حقه أن يقول: وما مثله في ~~الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه، ورفع مملك أشهر؛ لأن ما يبطل عملها ~~إذا انتقض خبرها بإلا، وعدم إبطاله لغة حجازية. # وقوله: # وعض زمان با ابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا، أو مجرف # 135 # فنصب مسحتا على أنه مفعول لم يدع، ورفع بعده مجرف مع أنه معطوف عليه، ~~فجعله النحاة خبرا لمبتدإ محذوف، وأما أبو عبيدة فإنه فسر لم يدع بمعنى لم ~~يثبت ويستقر من الدعة، فارتفع مسحت ومجرف بفعلهما، وفي ذلك ما فيه من تعسف ~~وتمحل. وللفرزدق شعر كثير من هذا النوع. ~~(4-18) مقلداته # قال ابن سلام: وكان الفرزدق أكثرهم بيتا مقلدا، والمقلد البيت المستغني ~~بنفسه، المشهور الذي يضرب به المثل. فمن ذلك قوله: # وكنا إذا الجبار صعر خده # ضربناه حتى تستقيم الأخادع # 136 # وقوله: # ترى كل مظلوم إلينا فراره # ويهرب منا جهده كل ظالم # وقوله: # والشيب ينهض في الشباب كأنه # ليل يصيح بجانبيه نهار # 137 # وله غير ذلك كثير. ولعل مقلداته هي التي جعلت الأدباء الأقدمين يشبهونه بزهير ~~بن أبى سلمى. ~~(4-19) قصاره وابتداءاته # وكان الفرزدق يكثر من القصائد القصيرة ويفضلها على الطويلة، فسئل يوما: «ما ~~بال قصارك أكثر من طوالك؟» فقال: «لأني رأيتها أثبت في الصدور، وفي المحافل ~~أجول.» وغلبت الجودة على قصاره ولم تخل طواله من الجميل الرائع. # ومما يجدر ذكره أن الفرزدق كان لا يعنى كثيرا باختيار مطالعه، فليس له ~~ابتداءات تذكر كما لغيره، وأكثر ابتداءاته خالية من التصريع. # 138 # فكأنه كان يميل إلى التملص من قيود طالما رسف بها الشعراء في ~~أيامه، وقبله وبعده، وكثيرا ما تناول موضوعه مدحا أو هجاء دون أن يوطئه ~~بالغزل. ~~(4-20) منزلته # عده ابن سلام في الطبقه الأولى من الإسلاميين وقدمه في الذكر على جرير ~~والأخطل، وقال: «كان يونس يقدم الفرزدق بغير إفراط، وكان المفضل يقدمه تقدمة ~~شديدة.» وقال جرير: «الفرزدق نبعة ~~الشعر.» # 139 # وقال أبو عبيدة: «كان ms249 الفرزدق يشبه من شعراء الجاهلية بزهير.» ~~وقال أيضا: «لولا الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب.» وقال أبو الفرج الأصفهاني: ~~«والفرزدق مقدم على الشعراء الإسلاميين هو وجرير والأخطل، ومحله في الشعر ~~أكبر من أن ينبه عليه بقول، أو يدل على مكانه بوصف . أما من كان يميل إلى ~~جزالة الشعر وفخامته وشدة أسره فيقدم الفرزدق، وأما من كان يميل إلى أشعار ~~المطبوعين وإلى الكلام السمح السهل الغزل فيقدم جريرا.» # وقال الفرزدق: «قد علم الناس أني أفحل الشعراء، وربما أتت علي الساعة وقلع ~~ضرس من أضراسي أهون علي من قول بيت.» وقال مالك بن الأخطل: «جرير يغرف من ~~بحر، والفرزدق ينحت في صخر.» # وهذا الحكم يصف لنا أدق وصف صلابة شعر الفرزدق وخشونة ألفاظه، وفي كلام ~~الفرزدق على نفسه ما يعلمنا أن الشعر كان يعصيه أحيانا فما ينقاد له إلا بعد ~~نصب، وإجهاد النفس في قرض الشعر يحتاج إلى النحت، والشعر المنحوت يكثر فيه ~~التكلف اللفظي ويقل الطبع، وقد أفرط الفرزدق في استعمال الوحشي من الكلام حتى ~~قال فيه أبو عبيدة: «لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب.» وحفظ لنا شعره ~~كثيرا من أيام العرب وعاداتهم وأخلاقهم، فقلما تقرأ له نقيضة إلا وجدتها حافلة ~~بطائفة من الأخبار. # ومنزلة الفرزدق قائمة على نقائضه، فإن مهاجاته لجرير جعلت الناس في صدر ~~الإسلام ينقسمون حزبين: حزبا فرزدقيا وآخر جريريا، وكان كل واحد منهما ~~يتعصب لشاعره ويفضله على قرنه، حتى بلغ من أحد الفرزدقيين أنه عقد جائزة قيمتها ~~4000 درهم وفرس لمن يفضل الفرزدق على جرير. # ومجمل القول أن الفرزدق لم يبلغ شأو الأخطل في المدح، غير أنه أناف عليه وعلى ~~جرير بالفخر، وثبت لجرير في الهجاء، ولكنه تضاءل عنه بالغزل والرثاء لتصلب ~~عاطفته، وفضله على الشعر لا يقل عن فضل صاحبيه. ~~(5) جرير # 140 ~~(732م/144ه ؟) ~~(5-1) حياته # هو جرير بن عطية بن الخطفي، والخطفي لقب جده حذيفة بن بدر من كليب بن يربوع ~~ثم من تميم، وأمه حقة بنت معيد الكلبية، وكان يكنى أبا حزرة، وحزرة ~~ولده؛ وله ms250 غيره سبعة ذكور وابنتان. # نشأ جرير في بادية اليمامة في أسرة دون أسرة الفرزدق جاها وثروة وشرفا، ~~وكان أبوه مضعوفا لا يقاس بأبي الفرزدق في الشهرة والجود وعلو القدر، وقد ~~نستطيع أن نعرف مكانة والده من حديث لبلال بن جرير قال: «قال رجل لوالدي : «من ~~أشعر الناس؟» قال: «قم حتى أعرفك الجواب.» فأخذه بيده وجاء به إلى أبيه عطية، ~~وقد أخذ عنزا له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها، فصاح به: «يا أبت!» فخرج شيخ دميم ~~رث الهيئة، وقد سال لبن العنز على لحيته. فقال أبي للرجل: «أترى هذا؟» قال: ~~«نعم.» قال: «أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟» قال: «لا.» قال: «مخافة أن ~~يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن.» ثم قال: «أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ~~ثمانين شاعرا وقارعهم به وغلبهم جميعا.» # على أن جريرا لم يكن برا بأبيه، فالرواة يحدثوننا بأنه كان أعق الناس ~~له، وتأثره بلال فعقه فلم ينكر جرير ذلك عليه، وشتمه مرة فقالت له أمه: «يا ~~عدو الله أتقول هذا لأبيك!» فقال جرير: «دعيه، فوالله لكأني به سمعها وأنا ~~أقولها لأبي.» فيتبين لنا أن نشأة جرير تختلف عن نشأة الفرزدق والأخطل، فقد كان ~~عيشه لا يخلو من شظف وبؤس وشقاء. ويحدثنا ابن سلام أن جريرا اشترى جارية من ~~رجل من أهل اليمامة يقال له زيد، ويعرف بابن النجار، ففركته # 141 # وكرهت خشونة عيشه فقال: # تكلفني معيشة آل زيد # ومن لي بالمرقق والصناب # 142 # فقال الفرزدق: # لئن فركتك علجة آل زيد # وأعوزك المرقق والصناب # 143 # لقدما كان عيش أبيك جدبا # يعيش بما تعيش به الكلاب # 144 # ولكن هذا الرجل الوضيع الحسب، الخشن العيش، الخامل الأبوين، أعطي شاعرية ~~بوأته أعلى مرتبة في الأدب العربي، وقد نظم الشعر صغيرا كما نظمه الأخطل ~~والفرزدق. ~~(5-2) صفاته وتدينه # كان جرير متعففا لا يتعهر، ولا يشرب الخمر، ولا يشهد مجالس القيان، وكان ~~شديد التعصب للإسلام، كثير الظهور بالدين، وتجد أثر ذلك باديا على شعره. ~~فأخلاقه من هذا القبيل تختلف كل الاختلاف ms251 عن أخلاق الفرزدق. وكان أنفا يأبى ~~الضيم، ولا يغمض على القذى، حاد اللهجة ذا مشارة، # 145 # ومهارة. # 146 # لا يحجم عن مقارعة خصومه ومهاجاتهم مهما كثر عددهم عليه، وكان إذا ~~تكلم يخن في كلامه. # 147 ~~(5-3) اتصاله بالأمويين # كان جرير حدثا لما وفد إلى يزيد بن معاوية وهو خليفة في الشام. فلم يؤذن له ~~بالدخول، وجاء الجواب: إن أمير المؤمنين يقول: «لا يصل إلينا شاعر لا نعرفه، ~~ولا نسمع بشيء من شعره.» فقال جرير: «قولوا له: أنا القائل: # وإنى لعف الفقر، مشترك الغنى # سريع، إذا لم أرض دارى، انتقاليا» # 148 # وكان يزيد في خلافة أبيه قد انتحل بضعة أبيات من قصيدة لجرير وعاتب بها أباه ~~في غرض له، فاعتقد معاوية أن الأبيات لابنه. فلما أنشد يزيد البيت أذن لجرير ~~فدخل عليه، فاستنشده القصيده فأنشده، فقال يزيد: «لقد فارق أبي الدنيا، وما ~~يحسب إلا أني قائلها.» وأمر له بجائزة. # وهذه القصيدة قالها جرير في صباه يعاتب بها جده الخطفي، وكان ذا إبل ومال، ~~فلما ولد جرير لعطية أخذ ينحله # 149 # من إبله وماله. فولد للخطفي صبية فرجع في ما كان نحل جريرا، ~~فعاتبه جرير بأبيات رقيقة. # ولكن جريرا لم يعرف في بلاط الأمويين إلا بعد أن طارت شهرته في خلافة عبد ~~الملك بن مروان، وكان اتصاله أولا بالحجاج بن يوسف، وهو على العراقين، فمدحه ~~ونال جوائزه، فأوفده الحجاج في صحبة ابنه محمد إلى عبد الملك، وكان لا يسمع ~~لشعراء مضر، ولا يأذن لهم لأنهم كانوا زبيرية. # فلما دخل عليه جرير بعد لأي، قال له عبد الملك: «ماذا عسى أن تقول فينا بعد ~~قولك بالحجاج عاملنا: # من سد مطلع النفاق عليكم # أو من يصول كصولة الحجاج! # 150 # إن الله لم ينصرنا بالحجاج، وإنما نصر دينه وخليفته!» وظهر الغضب في وجه ~~عبد الملك، فتوسط ابن الحجاج في الرضى، فاستأذن جرير في الإنشاد، وأنشد كلمته ~~التي يقول فيها: # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # 151 # فتبسم عبد الملك وقال: «كذلك نحن.» ms252 وأمر له بمئة من الإبل وثمانية أعبد ~~لرعايتها، وكان بين يديه صحاف من فضة، فقال جرير: «والمحلب يا أمير المؤمنين؟» ~~فنبذ إليه بواحدة منهن، فلذلك يقول جرير في قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد ~~الملك: # أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية # ما في عطائهم من ولا سرف # 152 # وصار يفد إلى عبد الملك من ذلك الحين ويأخذ الجوائز، وكانت جائزته أربعة آلاف ~~درهم وتوابعها من الحملان والكسوة. ومدح جرير من تولى بعد عبد الملك من الخلفاء ~~فأجازوه. غير أنه لم يحظ حظوة الأخطل عندهم. ~~(5-4) جرير وخصومه # لم يتصد لشاعر في الجاهلية ~~ولا في الإسلام خصوم يقارعونه مثل ما تصدى لجرير، فقد قال الأصمعي عنه: «كان ~~ينهشه ثلاثة وأربعون شاعرا، فينبذهم وراء ظهره، ويرمي بهم واحدا واحدا، وثبت ~~له الفرزدق والأخطل.» وسواء صح هذا العدد كله أو بعضه، فإنه كاف للدلالة على ~~أن شاعرنا كان محسدا، وأن شعراء عصره كانوا يتحرشون به إما طلبا للشهرة أو ~~تشفيا للغض من شأنه. فنحن نرى طائفة من الأسماء التي هاجى جرير أصحابها وخذلهم ~~قد بقيت خالدة باسم جرير، ولو لم يلتفت لفتها لاندثرت ولم يسمع لها خبر، ~~وإذا استثنينا الأخطل والفرزدق وراعي الإبل # 153 # نجد أن سائر الشعراء الذين هاجاهم مدينون له بالخلود. فمن هو غسان ~~السليطي؟ ومن هو البعيث وأشباههما ليقفوا في وجه جرير؟ ولكنهم أرادوا الشهرة ~~فتعرضوا له، فرد عليهم، فجعل لهم ذكرا. # وأكثر الشعراء الذين هاجوا جريرا كانوا هم البادئين بمعاداته، فقد حدث ~~جرير عن نفسه قال: «لما دخلت على الحجاج قال: «إيه # 154 # يا عدو الله علام تشتم الناس وتظلمهم؟» قلت: جعلني الله فداء ~~الأمير، والله إني ما أظلمهم ولكنهم يظلمونني فأنتصر. ما لي ولابن أم غسان، ~~وما لي وللبعيث، وما لي وللفرزدق، وما لي وللأخطل، وما لي وللتيم» حتى عدهم ~~واحدا واحدا وذكر كيف كان اعتداؤهم عليه، وقد علمت في كلامنا على الفرزدق أن ~~جريرا هجا غسان السليطي، ولكنه لم يكن البادئ بالهجاء، فإن غسان هو الذي تعرض ~~له وهو ms253 من قومه، فهجاه وهجا عشيرته؛ فرد عليه جرير فأخزاه. فانتصر له البعيث ~~وهو من مجاشع قوم الفرزدق، فألحقه جرير بابن أم غسان وفضح مجاشعا. فلم يجد ~~الفرزدق بدا من الدفاع عن قومه، فاصطلى معمعان الهجاء فأحمى وطيسه. # وشاق الأخطل وقع الألسنة حدادا فبعث ابنه مالكا يكشف عن الخبر. فانحدر إلى ~~العراق، ثم عاد إليه بحكمه: «جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر.» فقضى ~~الأخطل لجرير ونعى الفرزدق، ولكن بني مجاشع تداركوه وأكرموه واستعانوه على ~~خصمهم، ولم يشأ جرير أن يقول له كلمة خير بعد أن فضله على الفرزدق، فغير أبو ~~مالك رأيه وتحرش بجرير، فزادت النار به اشتعالا. # وكان عبيد الراعي بغنى عن مهاجاة جرير، ولكنه أحب أن يصلى بناره فأحرقته، ~~ولم يستطع الثبوت له كما ثبت الفرزدق والأخطل، فخزي وأخزى قومه بني نمير. روى ~~ابن سلام أن الذي هاج الهجاء بينهما: أن الراعي كان يسأل عن جرير، فيقول: ~~«الفرزدق أكرمهما وأشعرهما.» فلقيه جرير وطلب إليه ألا يدخل بينهما وقال: «أنا ~~كنت أولى بعونك، وإنى لأمدحكم وإنه ليهجوكم.» قال: «أجل ولست لمساءتك بعائد.» ~~ثم بلغ جريرا أنه عاد في تفضيل الفرزدق عليه، فلقيه بالبصرة، وجرير على بغلته، ~~فعاتبه وقال: «زعمت أنك غير داخل بيني وبين ابن عمي.» فأخذ الراعي يعتذر إليه؛ ~~وإذا بابنه جندل قد أقبل فقال لأبيه: «إني لأراك تعتذر لابن الأتان! والله ~~لنفضلن عليك ولنروين هجاءك عليه، ولنهجونك من تلقاء أنفسنا.» وضرب وجه ~~بغلته، فانصرف جرير مغضبا. فقال الراعي لابنه: «أما والله ليهجوني وإياك.» ~~وكان جرير نازلا بالبصرة على امرأة من بني كليب، فبات في علية لها وهي في ~~سفل دارها، فقالت المرأة: «فبات ليلته لا ينام، يتردد في البيت حتى ظننت أن قد ~~عرض.» # 155 # حتى فتح له: # أقلي اللوم عاذل والعتابا # وقولي، إن أصبت: لقد أصابا # ثم أصبح بالمربد # 156 # فقال: «يا بني تميم، قيدوا قيدوا.» # 157 # وأنشدها ثمانين بيتا، والراعي والفرزدق يسمعان، فلم يجبه الراعي ~~ولم يهجه جرير بغيرها، ولكنها كانت كافية لإخزاء بني ms254 نمير، فصاروا ينتسبون ~~بالبصرة إلى عامر بن صعصعة، ويتجاوزون أباهم نميرا إلى أبيه هربا من ذكر ~~نمير، وفرارا مما وسم به من الفضيحة والوصمة، وتشاءموا بعبيد الراعي، وسبوه ~~وابنه. # قال بعضهم: «كان الراعي فحل مضر فضغمه # 158 # الليث.» يعني جريرا. على أننا وإن قلنا إن الشعراء كانوا يتعرضون ~~لجرير بغضة، أو حسدا، أو رغبة في الشهرة، فلسنا نعني أن جريرا كان يكره هذه ~~الملاحيات أو يتجنبها، فلطالما عرض نفسه لها وابتاعها إن لم يجد لها شاريا. ~~فعمر بن لجأ التيمي لم يتحرش بجرير، ولكن جرير عاب عليه بيتا من شعر، فعاب ~~عليه التيمي بيتا من قصيدة له، فهجاه جرير فرد عليه التيمي، فالتحم بينهما ~~الهجاء، وما كان التيمي بمستطيع أن ينافس جريرا لو أهمله جرير، ولكنه قارعه ~~فشهره، حتى إن الفرزدق أنف لجرير أن يتعلق به التيمي فهجا أخا التيم ~~بقوله: # وما أنت، إن قرما تميم تساميا # أخا التيم، إلا كالوشيظة في العظم # 159 # ولقي عمر بن عطية أخا جرير فقال له: «قل له: ويلك ائت التيمي من عل كما أصنع ~~بك أنا.» # ويحدثنا ابن سلام أن رجال تميم مشت بين جرير والتيمي، وقالوا: «والله ما ~~شعراؤنا إلا بلاء علينا، يثيرون مساوئنا، ويهجون أحياءنا وأمواتنا.» # فلم يزالوا بهما حتى أصلحوا بينهما بالعهود والمواثيق المغلظة، أن لا يعودا ~~في هجاء. فكف التيمي، وكان جرير لا يزال يسل الواحدة بعد الواحدة، فيقول ~~التيمي: «والله ما نقضت هذه ولا سمعتها.» فيقول جرير: «هذه كانت قبل ~~الصلح.» # فمن هذه الرواية وغيرها نعلم مبلغ ميل جرير إلى الشر والخصام، ورغبته في ~~ملاحاة الشعراء، وقد قال فيه الحجاج لما سمع أخباره مع خصومه: «قاتله الله ~~أعرابيا! إنه لجرو هراش.» # 160 # ولعل أبلغ وصف لجرير في مهاجاته الشعراء قول الفرزدق فيه: «قاتله ~~الله! ما أحسن ناجيته # 161 # وأشرد قافيته! # 162 # والله لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها، والشابة على أحبابها، ~~ولكنهم هروه # 163 # فوجدوه عند الهراش نابحا، وعند الجد قادحا.» # 164 # وقد رأينا في درسنا الأخطل والفرزدق ms255 أن أشد الهجاء كان بينهما وبين جرير، ولا ~~سيما جرير والفرزدق، فقد علمت كيف انقسم الناس حزبين معهما، فناصر كل حزب شاعره ~~وفضله على الآخر، وبلغ من اشتغال الناس بهما أن جعلوا لهما شيطانا واحدا ~~يلقنهما، ولكل شاعر عند العرب شيطان يوحي إليه، ونقل الرواة لنا أخبارا كثيرة ~~عن وحدة شيطانهما، نكتفي منها بواحد نورده لا إيمانا بصحته، ولكن لنظهر ما كان ~~لشعرهما من التأثير في نفوس أبناء عصرهما. # زعموا أن جريرا والفرزدق خرجا من العراق يطلبان الرصافة لهشام بن عبد الملك، ~~وقد مدحاه، فلما كانا ببعض الطريق نزل جرير في حاجة له، فتلفتت ناقة الفرزدق ~~فضربها بالسوط وقال: # إلام تلفتين وأنت تحتي # وخير الناس كلهم أمامي # متى تردي الرصافة تستريحي # من التهجير، والدبر الداومي # 165 # ثم قال لرواتهما: «الساعة يجيء ابن المراغة، # 166 # فأنشده البيتين فينقضهما بأن يقول: # تلفت أنها تحت ابن قين # حليف الكير والفأس الكهام # 167 # متى ترد الرصافة تخز فيها # كخزيك في المواسم كل عام # 168 # فرجع جرير فوجد القوم يضحكون فقال: «ما الخبر؟» فقال أحد الرواة: «يا أبا ~~حزرة إن أخاك أبا فراس وقع له كيت وكيت.» وأنشده البيتين الأولين. فارتجل ~~البيتين الآخرين، فتعجب القوم من ذلك الاتفاق وقالوا: «والله يا أبا حزرة لهكذا ~~زعم أنك تقول.» فقال: «أوما علمتم أن شيطاننا واحد؟» # فالاصطناع في هذه الرواية ظاهر لا يحتاج إلى دليل، وأما البيتان الآخران فهما ~~لجرير من قصيدة نقض بها قصيدة قالها الفرزدق في هشام بن عبد الملك. ~~(5-5) موته # عمر جرير حتى أربت سنه على الثمانين، وكانت وفاته باليمامة وفيها قبره، ~~وقد هلك بعد أن شهد هلك خصميه: الأخطل والفرزدق. فلما مات الأخطل هجاه ~~بقوله: # زار القبور أبو مالك # فكان كألأم زوارها # ولما مات الفرزدق قال فيه: # مات الفرزدق بعدما جدعته # ليت الفرزدق كان عاش قليلا # 169 # فقيل له: «لبئس ما قلت، أتهجو ابن عمك بعدما مات! لو رثيته كان أحسن بك.» ~~فقال: «والله إني لأعلم أن بقائي بعده لقليل، وإن كان نجمي ms256 موافقا لنجمه ~~فلأرثينه!» ثم قال فيه: # فلا ولدت بعد الفرزدق حامل # ولا ذات بعل من نفاس أبلت # 170 # وبين وفاة الفرزدق ووفاة جرير بضعة أشهر، وعدها بعضهم ستة. ~~(5-6) آثاره # ديوان طبع في القاهرة في جزأين أكثره في الهجاء والمدح، «ونقائض جرير ~~والفرزدق» طبعت في مجلدين كبيرين بليدن، «ونقائض جرير والأخطل» نشرها الأب ~~صالحاني اليسوعي في بيروت، وهو من أصحاب الملحمات، ومطلع ملحمته: # حي الغداة برامة الأطلالا # رسما تحمل أهله، فأحالا # 171 ~~(5-7) ميزته # كان جرير والفرزدق والأخطل يتنازعون إمارة الشعر في عصر الأمويين، ولكل واحد ~~منهم ميزة رفعته إلى الدرج ~~الأعلى فتبوأ من دولة الأدب سدة عالية، ولكن لا بد لنا أن ننصف جريرا فنقول: ~~«إنه كان أطبعهم شعرا، وأخصبهم مادة، وأبعدهم من تكلف. فكأنك به، وهو يهاجي ~~أربعين شاعرا ونيفا، # 172 # بركان مشتعل لا تخمد ناره ولا يبرد حميمه. فتراه يتنقل من شاعر ~~إلى شاعر غير عابئ ولا حافل، يدعو الشعر فيجيبه؛ ويهيب بالمعاني فتترامى على ~~أسلة لسانه، # 173 # فيتصرف فيها كيف شاء. # ألا وإن الشاعر الذي تتألب ~~عليه جمهرة من الشعراء تنهشه نهشا، وهو لا يبالي، ولا يعجز أن يرد عليهم ~~جميعا، فيسلقهم واحدا بعد واحد، دون أن تنضب قريحته أو يجف معينها، إن هذا ~~الشاعر لكما قال فيه مالك بن الأخطل: «يغرف من بحر.» فجرير كان ينظم الشعر ~~بطبعه لا يحككه كالأخطل، ولا يدحرج ألفاظه كالفرزدق، فغلبت عليه السهولة، ~~والشاعر المطبوع لا يأنس بالتكلف، وإنما يرخي العنان لقوافيه فتنطلق ~~إرسالا. # وأوتي جرير من الرقة ~~والهلهلة ما جعل لشعره علوقا في الحافظة أكثر من شعر صاحبيه، فسارت قصائده كل ~~مسير في بوادي العرب وأمصارها. # ورقة جرير فضلته على الأخطل والفرزدق بالغزل والرثاء، ولو لم يكن همه ~~مقارعة الشعراء الذين يهاجونه لما ترك بابا من الشعر إلا فتحه، ولكنهم «هروه ~~فوجدوه عند الهراش نابحا.» فشغلوه عن كثير من فنون الشعر: كالوصف والقصص، ولم ~~ينظم في الغزل إلا ما كان يوطئ به قصائد المدح والهجاء، على أن ما نظمه ms257 كاف ~~للدلالة على مهارته في هذا الفن، وتمكنه من التأثير في النفس. فغزله اللطيف ~~يختلف عن غزل الفرزدق الجافي، وعن غزل الأخطل الذي هو أقرب إلى الأسلوب الجاهلي ~~منه إلى الأسلوب الإسلامي. # ونحن في درسنا شعر جرير، سنحلل أولا خاصته في الهجاء وما يتبعها من فخر، وهي ~~أظهر خاصة فيه، ثم نتناول مدحه فغزله فرثاءه. ~~(5-8) هجاؤه # قد يخيل إليك، وأنت تقرأ ما كتبناه عن تعفف جرير وتدينه، أن جريرا في ~~هجائه أطهر لسانا من الفرزدق أو أقل إفحاشا وإقذاعا، في حين أن الفرزدق على ~~تعهره يكاد لا يجاريه في حومة الخنى، وربما كان هجو جرير أفحش وأفجر من هجو ~~الفرزدق، ونقول: ربما، لأننا نزعم ذلك في شيء من الاحتياط. # ولا تعجب لجرير أن يقذع في كلامه ويفحش على ما عرفت من تحرجه وصدق إسلامه؛ ~~فالرواة يحدثوننا بأن الناس في ذلك العهد لم يكونوا يتأثمون من رواية الشعر أو ~~نظمه، وإن خبثت ألفاظه. ولابن سيرين خبر يؤيد هذا القول، تجده في طبقات الشعراء ~~لابن سلام وفى العمدة لابن رشيق، ويؤيد ذلك أيضا ما نعلم من أن طائفة من نقائض ~~جرير والفرزدق مدح بها الخلفاء، وسمعوها دون أن يتحرجوا من سماعها على ما ~~فيها من هجر في القول، وتمزيق للأعراض. فهجو جرير بؤرة فجور وفساد كهجو ~~الفرزدق، ولكن أسلوبه يختلف عن أسلوب صاحبه. فقد عرفت أن أبا فراس يأتي خصمه من ~~عل فيرفع نفسه إلى الذروة العليا، ويحط مهجوه في الحضيض. وأما أبو حزرة ~~فإنه يتتبع مثالب عدوه واحدة واحدة، فيعلنها، ويبالغ في تقبيحها، وإذا أعياه ~~وجودها لم يعيه الاختلاق، فهو أقدر الشعراء على اصطناع العيوب في خصومه، فتراه ~~ينشر عنهم أخبارا مخزية لا مصدر لها إلا قريحته الجهنمية. ~~(5-9) هجوه الفرزدق # وإذا أراد جرير أن يهجو الفرزدق لقبه ~~بابن القين. # 174 # وبنو مجاشع جميعا قيون على زعمه، ولا يغفل عن ذكر الكير ~~والعلاة # 175 # والقدوم وهن للقين عدة لا يستغنى عنها. ويعيره قفيرة أم جده ~~صعصعة؛ لأنها بنت أمة، ويعيبه ms258 ويعيب قومه بالخزيرة # 176 # وذلك أن ركبا من مجاشع مروا برجل من تغلب فسألهم أن ينزلوا. فحمل ~~إليهم خزيرة فجعلوا يأكلون وهي تسيل على لحاهم، وهم على رواحلهم، ويشهر ~~جعثن أخته راويا عنها خبرا شائنا، ويندد ببني مجاشع زاعما أنهم خانوا ~~الزبير بن العوام حين فزع إليهم يوم الجمل فقتل. # 177 # وقلما تخلو له قصيدة في الفرزدق من ذكر القيون وجعثن ~~والزبير. # وجرير كثير الافتخار بدينه، شديد التعصب ~~له، لا يوقر غير الإسلام. وكان له من صداقة الفرزدق والأخطل وسيلة لاتهام ~~الفرزدق بالنصرانية وتعييره الكفر، فيقول: # لقد لحق الفرزدق بالنصارى # لينصرهم، وليس به انتصار # ويسجد للصليب مع النصارى # وأفلج سهمنا، ولنا الخيار # 178 # أو يتهمه بالنصرانية واليهودية معا فيقول: # خرجت من المدينة غير عف # وقام عليك بالحرم الشهود # 179 # تحبك يوم عيدهم النصارى # ويوم السبت شيعتك اليهود # 180 # فإن ترجم، فقد وجبت حدود # وحل عليك ما لقيت ثمود # 181 # ولا يفتأ يتتبع زلاته ليندد به ويعيره ~~إياها؛ فاذا نبا سيفه شهره واستهزأ منه، وقد مر بك شيء من ذلك في بحث ~~الفرزدق، وإذا طرد من مكان لفجوره أو لخبث لسانه، أخذه بالصيحة من ورائه وراح ~~ينعته بأقبح النعوت، ويلذعه بأحر الشتائم. فمن ذلك قوله فيه بعد أن طرد من ~~المدينة: # إذا دخل المدينة فارجموه # ولا تدنوه من جدث الرسول # 182 ~~(5-10) هجوه الأخطل # واذا انبرى جرير لهجاء الأخطل تناول تغلب بالمخزيات حتى يصل بهم إلى ربيعة بن ~~نزار، فما يدع يوما عليهم إلا عيرهم إياه، وكثيرا ما يعيرهم مقتل كليب ~~وائل، وينفر عليهم بني بكر، أو يذكر لهم الأيام التي قهرتهم فيها قيس عيلان، ثم ~~ينفر عليهم قيس عيلان، ويدافع عنها ناقضا ما قال الأخطل في هجائها. # وأشد ما يعنى به جرير في هجو الأخطل وقبيلته تعييرهم النصرانية والافتخار ~~عليهم بإسلامه، فهم الخنانيص، وهم الأذلاء الذين يؤدون الجزية، ويشربون الخمر، ~~ويأكلون لحم الخنزير، ويمعن أحيانا في ذكر الصليب والقديسين والقسيسين ~~معرضا ومصرحا، وأكثر ما يدعو الأخطل بصيغة التصغير، أو يلقبه ms259 بدوبل أو ~~بذي الصليب. # ولا تخلو قصيدة لجرير في الأخطل من الطعن على ديانته، والدفاع عن قيس عيلان ~~وتنفيرهم على تغلب. ~~(5-11) فخره # وجرير شديد الافتخار ببني تميم، يباهي بهم الشعراء، ويعدد أيامهم مزهوا ~~بمفاخرهم، وما أكثر ما لتميم من المفاخر، وهي من أكرم القبائل وأكثرها حصى، ~~وإذا هاجى الفرزدق، وهو مثله من تميم، افتخر عليه بقومه بني كليب بن يربوع، ~~وذكر أيامهم، وعيره الأيام التي خذلت فيها بنو دارم، والأيام التي خذلت ~~فيها بنو ضبة أخواله، ولكنه يقصر عنه فما يستطيع أن يجاريه في هذا ~~الميدان. # على أننا إذا أردنا أن نتبين الخاصة التي يمتاز بها جرير في الفخر، فإننا ~~نجدها في استخفافه بالشعراء المتألبين عليه، فتراه يردد أسماءهم مباهيا بقهره ~~إياهم، وهو لا يهجو شاعرا إلا نعى إليه نفسه، وجعله مغلبا مشدودا في حبل ~~واحد مع سائر الشعراء الذين هاجاهم. ~~(5-12) مدحه # علمنا أن عبد الملك بن مروان ~~كان لا يأذن لشعراء مضر لأنهم زبيرية، وعلمنا أيضا أن جريرا لم يتصل ببني ~~أمية إلا بشفاعة الحجاج، فهو إذا لم يكن بجاهل سخط الأمويين عليه وعلى قومه، ~~فتراه يلح في الاعتذار كلما أنشأ يمدح أمراء أمية، ولا يحجم عن التعريض بعبد ~~الله بن الزبير وأخيه مصعب، وإنكار حق عبد الله في الخلافة مع أنه في هجو ~~الفرزدق والأخطل يؤيد قيس عيلان ويدافع عنها؛ وقيس عيلان كانت في حروبها تناصر ~~أبناء الزبير. فيتبين لنا من ذلك أن لجرير خطتين متباينتين: إحداهما ترمي إلى ~~الدفاع عن القيسية وتنفيرها على أعدائها، والرد على الشعراء الذين يهجونها، ~~ويطعنون في أعراضها، فهو من هذا النحو شاعر ذو سياسة قبلية لا يستطيع إلا ~~إظهارها. والأخرى ترمي إلى التكسب والانتفاع، وما من سبيل إليهما إلا في ~~الاتصال بالأمويين والتملق لهم، إذ لم يكن للشعراء منهل أغزر من منهلهم، ولا ~~ماء أعذب من مائهم، وخصوصا بعدما انهارت خلافة ابن الزبير وأصبح شعراء مضر لا ~~يرتجون نجعة إلا في بني أمية. # وحسبك أن تقرأ شيئا من مدح جرير ms260 لهم لتعلم أسلوبه في استرضائهم، والاعتذار ~~إليهم، وترى أن مدحه لهم ديني أكثر مما هو دنيوي حتى ليكاد يشغلهم بالآخرة عن ~~الأولى، والعاطفة الدينية شديدة الظهور في شعر جرير. ~~(5-13) غزله # وقد يعجبك أن تسمع هذا الشاعر يتعفف بغزله بعدما سمعته يهتك الأعراض بهجوه. ~~فجرير على شدة فحشه في الهجاء لا ينطق في نسيبه إلا بأطهر من ماء الغمام، وهو ~~أول غزل طرد الحبيب الزائر ليلا خوفا من الريبة، فقال: # طرقتك صائدة القلوب، وليس ذا # وقت الزيارة، فارجعي بسلام! # 183 # وهو في غزله رقيق العاطفة، لطيف المعاني، لين الألفاظ، يخلط الفن القديم ~~بالجديد، فيجيد كل الإجادة، حتى لتحسبه أحد أولئك المتيمين الذين نشئوا في ~~البادية واشتهروا بغزلهم العفيف. على حين أنه لم يكن في عداد المتيمين، ولكنه ~~أوتي من الرقة وبراعة الفن ما جعل لشعره ميزة في الغزل فاق بها صاحبيه. # وإنا، وإن قلنا إن جريرا لم يكن في عداد المتيمين، لنأبى أن نجاري بعض ~~الرواة في زعمهم أنه لم يعشق، فمثل هذا الغزل الناعم، لا يصح صدوره إلا عن قلب ~~متأثر ملتاع، ونجد في رثائه لامرأته أنه كان يهواها ويتألم لفراقها. # أجل إن صاحبنا لم يهم على وجهه كجميل بثينة وقيس بن ذريح، ولم يتهتك كابن ~~أبي ربيعة والعرجي، ولكنه أحب حبا صادقا، وتغزل غزلا صادقا لا تكلف فيه. ~~فأحبب به متغزلا حين يقول: # إن الذين غدوا بلبك، غادروا # وشلا بعينك ما يزال معينا # 184 # غيضن من عبراتهن، وقلن لي ~~«ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟» # 185 # فهل رأيت ما في عجز البيت الثاني من لوعة لم تستطع صاحبته الإفصاح عنها، ~~فاكتفت باستفهام حائر ملؤه يأس وتحسر وتأنيب: «ماذا لقيت من الهوى ~~ولقينا؟» # فغزل جرير عاطفي رقيق في أكثره، روحاني متعفف، مع ما فيه من وصف مادي ~~أحيانا. يريك من الشاعر صورة جديدة لطيفة تحجب عنك تلك الصورة الرهيبة التي ~~طبعها هجاؤه في نفسك، فتحسب أنك أمام بدوي رقيق الشعور عفيف النفس، لا أمام ~~أعرابي فاجر يهتك الحرمات وينهش الأعراض. ms261 ~~(5-14) رثاؤه # وجرير في رثائه مثله في غزله، يذوب رقة وعاطفة إذا كان الميت من أهله، فترى ~~على شعره مسحة من الكآبة والحزن تترك في نفسك أثرا بليغا، فيخيل إليك أن ~~القوافي تساعد الشاعر على بكائه. # وهو يرى المرأة بغير العين التي يراها بها الفرزدق، فما يحسبها أهون فقيد على ~~الرجل، ولا يأنف من التوله على زوجه بعد موتها، وقد تحدثه نفسه بزيارة قبرها ~~فيمسكه الحياء؛ ولا تعجب لحيائه، فالبكاء على قبور النساء غير مألوف عندهم، ~~فيرتد عن قصده وهو يقول: # لولا الحياء لعادني استعبار # ولزرت قبرك، والحبيب يزار # 186 ~~(5-15) منزلته # هو أحد الثلاثة المقدمين في الإسلام. ذكره ابن سلام بعد الفرزدق وقبل الأخطل، ~~وسئل عنه الأخطل فقال: «دعوه أخزاه الله! فإنه كان بلاء على من صب عليه.» وقال ~~مالك بن الأخطل: «جرير يغرف من بحر.» وقال الفرزدق: «أنا وإياه لنغترف من بحر ~~واحد، وتضطرب دلاؤه عند طول النهر.» وقال بعضهم: «بيوت الشعر أربعة: فخر، ~~ومديح، ونسيب، وهجاء، وفي كلها غلب جرير. في الفخر قوله: «إذا غضبت عليك بنو ~~تميم.» وفي المدح قوله: «ألستم خير من ركب المطايا.» وفي الهجاء قوله: «فغض ~~الطرف إنك من نمير.» وفي النسيب قوله: «إن العيون التي في طرفها حور».» قال ~~ابن سلام: «وإلى هذا يذهب أهل البادية.» وسأل عكرمة بن جرير أباه عن نفسه ~~فقال: «دعني فإني نحرت الشعر نحرا.» وحدث ابن سلام عن يونس: «إن الفرزدق كان ~~يتضور # 187 # ويجزع إذا أنشد لجرير، وكان جرير أصبرهما.» وسئل نصيب الشاعر عن ~~أشعر الناس فقال: «أخو بني تميم.» يعني جريرا، وكان أبو عمرو يشبه جريرا ~~بالأعشى، وقال الأخطل للفرزدق: «إنك وإياي لأشعر من جرير، ولكنه أوتي من سير ~~الشعر ما لم نؤته.» وسمع راعي الإبل إنسانا يتغنى بشعر جرير فقال: «لعنة الله ~~على من يلومني أن يغلبني مثل هذا.» وحكم بين الثلاثة مروان بن أبى ~~حفصة # 188 # فقال: # ذهب الفرزدق بالفخار، وإنما # حلو الكلام ومره لجرير # ولقد هجا فأمض أخطل تغلب # وحوى اللهى بمديحه ms262 المشهور # 189 # فقد حكم للفرزدق بالفخار، وللأخطل بالمدح والهجاء، وبجميع فنون الشعر لجرير، ~~وقال بعضهم: «كان جرير ميدان الشعر، من لم يجر فيه لم يرو شيئا، وكان من ~~هاجى جريرا فغلبه جرير أرجح عندهم ممن هاجى شاعرا آخر فغلب.» وهجا بشار ~~جريرا وكان حدثا فاستصغره جرير فلم يجبه، فقال بشار: «لم أهجه لأغلبه ولكن ~~ليجيبني فأكون من طبقته، ولو هجاني لكنت أشعر الناس.» # فمن كلام بشار نعلم كيف كان الشعراء يتحرشون بجرير طمعا في الشهرة لا طمعا ~~في التغلب عليه، ولا سيما أن مغلب جرير أرجح عندهم من مغلب سواه، وفي حكم ~~ابن أبي حفصة ما يؤيد زعمنا من أن جريرا أقدرهم على التصرف في جميع فنون ~~الشعر، وهو بشهادة الأخطل أسيرهم شعرا، ونرى أن تشبيهه بالأعشى يتناول ~~سيرورة شعره من ناحية، ثم رقته وطبعه من ناحية أخرى، ولا ينبغي أن ننسى أن كلا ~~الشاعرين هجاء مداح، وأن كليهما من اليمامة، ولعل السهولة والانسجام من ~~خصائص الشعر اليمامي، فإن في نعومة لغة جرير ووضوح معانيه وسلاسة قوافيه ما ~~يذكرنا بالشاعر الجاهلي، بالأعشى الأكبر، ولكن رقة جرير قد تنحدر به إلى اللين ~~في بعض قصائده الطويلة فتضطرب قوافيه ويسف شعره، وهذا ما نستطيع أن نفسر به قول ~~الفرزدق: «وتضرب دلاؤه عند طول النهر.» على أن ذلك لا يضير شاعريته، وله من ~~بدائع الشعر ما يرفعه إلى أعلى ذروة في الأدب، ويمكننا أن نعزو هذا الاضطراب أو ~~اللين إلى الإكثار من النظم، فقد كان مضطرا إليه ليرد على خصومه. هذا وإن رقة ~~الشعر نفسها لا تخلو أحيانا من لين وإسفاف. # وبعد، فإن الشاعر الذي يهاجي أربعين شاعرا ونيفا، ويرمي بهم واحدا واحدا، ~~ولا ينكص عن مقارعة قرمين كالأخطل والفرزدق تضافرا عليه وهما لا يقلان شاعرية ~~عنه، إن هذا الشاعر لأخصب الشعراء قريحة، وأقدرهم على الاختراع، والتلاعب ~~بالمعاني، وأبعدهم من تكلف، وهو وإن يكن قصر عن الأخطل في المدح والوصف، وعن ~~الفرزدق في الفخر، فقد كاد يبذهما في الهجاء، وفاقهما بالغزل والرثاء، وإنه ms263 ~~لأجمعهم لأبواب الشعر بلا مراء. # | هوامش # | النثر الإسلامي # (1) القرآن ~~(1-1) نزوله وكتابته # القرآن كتاب الوحي الذي أنزل على النبي محمد، وكان نزوله حسب مقتضى الحال، ~~منجما # 1 # سورا سورا، وآيات آيات، وقد ظل ينزل عليه من نحو سنة 612م. إلى ~~سنة 632م. منها عشر آيات في المدينة، وأول ما أوحي إلى النبي في غار حراء: # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك ~~الأكرم * الذي علم بالقلم * ~~علم الإنسان ما لم يعلم # 2 # وآخر ما أوحي إليه: # اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ~~. # وكان كلما نزل شيء منه تلاه النبي على من حضر من صحابته فيحفظه بعضهم، ويكتبه ~~بعضهم الآخر في سعف النخل، أو في رقاع من الجلود، أو في عظام مسطحة، أو حجارة ~~رقيقة. # ولما مات النبي واستعرت الحرب بين المسلمين والمرتدين، قتل كثير من حفظة ~~القرآن، فخاف عمر بن الخطاب عليه من الضياع، فأشار على أبي بكر بجمع الرقاع ~~المكتوبة، وكتابة ما حفظ في صدور الرجال ولم يكتب في الرقاع. فعهد أبو بكر في ~~ذلك إلى زيد بن ثابت أحد كتبة الوحي، فجمع الآيات المكتوبة، وكتب الآيات ~~المحفوظة في صدور الرجال، وسلمها إلى أبي بكر فحفظها في بيته، فلما توفي حفظت ~~في بيت عمر، فلما توفي حفظت في بيت حفصة زوج النبي وبنت عمر. # وفي خلافة عثمان انتشر حفظة القرآن في حواضر البلاد المفتوحة، وعند بعضهم نسخ ~~رتبها كل واحد على هواه. فاختلفوا في قراءة بعض آياته، فبلغ ذلك عثمان، فتلافى ~~الأمر وجاء بالرقاع المحفوظة عند حفصة، وعهد إلى زيد بن ثابت، وعبد الله بن ~~الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام في نسخها، وقال لهم: ~~«إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل ~~بلسانهم.» ففعلوا ذلك، وكتبوا أربعة مصاحف، أرسلها عثمان إلى مكة والبصرة ~~والكوفة والشام، واثنين أبقاهما في المدينة: واحدا لأهلها وواحدا لنفسه. ثم ~~أمر بإحراق ما كان قبل ذلك ms264 من المصاحف والصحف، فأحرقت جميعا إلا بعض نسخ ذكر ~~منها صاحب الفهرست مصحف علي، ومصحف عبد الله بن مسعود، ومصحف أبي بن كعب، ~~وكان لكل واحد منها ترتيب خاص في سوره. أما القرآن اليوم فنسخة عن مصحف عثمان ~~المعروف بالإمام. ~~(1-2) أقسامه # يقسم القرآن فصولا تعرف بالسور، والسور مقاطع تعرف بالآيات، وفيها الناسخ ~~والمنسوخ، # 3 # وتسمى السور باعتبار نزولها مكية وعددها ثلاث وتسعون سورة؛ ومدنية ~~وعددها اثنتان وعشرون، والمكية غالبا أقصر من المدنية، وقد رتبها جامعو الكتاب ~~باعتبار الطول والقصر، فالسور الطوال في أوله، والقصار في آخره؛ إلا سورة ~~الفاتحة فإنها مع قصرها في صدر الكتاب. # ويقسم المسلمون القرآن ثلاثين جزءا يقرءون منه قسما في كل حفلة، أو ~~صلاة. ~~(1-3) أغراضه # يخاطب القرآن في سوره المكية شعبا غير مؤمن، فيدعوه إلى ترك عبادة الأصنام، ~~وأن يعبد الله وحده، ويؤمن بالرسول والكتاب المنزل. فيظهر له عظمة الخالق، ~~ويحثه على التأمل بعجيبة خلق الإنسان وسائر المخلوقات: كالشمس والقمر والنجوم ~~والرياح والليل والنهار، ويرشده أن في الآخرة لثوابا وأن في الآخرة لعقابا؛ ~~فيقص عليه أخبار الأنبياء والمرسلين وأخبار شعوبهم، وكيف كان جزاء المؤمنين، ~~وكيف كان عقاب الكافرين، وهو في أثناء ذلك يتناول صناديد قريش فيسفه آراءهم، ~~ويرد على الذين يجادلون النبي أو يستهزئون منه فيهددهم، ويحقر أصنامهم، ويبين ~~لهم أنها لا تجدي عابدها نفعا، ولا تضر من يكفر بها. ويفيض في وصف الجنة، وما ~~أعد فيها للذين آمنوا من نعيم خالد؛ ويفيض في وصف النار، وما أعد فيها للذين ~~كفروا من عذاب خالد. فترى في وصف الجنة أرغب تأميل، وترى في وصف النار أرهب ~~تهويل. # ويخاطب في سوره المدنية جماعة مسلمة تؤمن بالله ورسوله، وبكتابه المنزل، ~~ولكنها تجهل شرائعها وطرق عبادتها، فيعلمها ما لم تعلم، ويفرض عليها الصوم ~~والزكاة والحج، ويبين لها ما حرم عليها وما أحل لها، ويسن نظم الزواج ~~والطلاق والميراث، وحجاب المرأة، والجهاد في سبيل الله ورسوله، وكان في المدينة ~~يهود يجاهدون النبي ويؤلبون عليه، ويغرون ضعيفي الإيمان بالارتداد عن ms265 الإسلام، ~~فتعرض لهم القرآن، وذكرهم ما أنعم الله على آبائهم بني إسرائيل، وتوعدهم ~~لتكذيبهم بالرسول، ودعاهم إلى تصديق دعوته. # وكان فيها منافقون يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، وكانوا يذيعون الأخبار عن ~~حروب المسلمين فيتأذى النبي، وتضعف قلوب المؤمنين؛ فتناولهم القرآن وندد بهم ~~وهددهم. # وإذا رأى في المسلمين تقهقرا، أو ضعفا، أو شقاقا، دعاهم إلى الألفة، ~~وأنبهم على الانهزام، وحضهم على القتال، وذكرهم أن الموت في الجهاد مغفرة ~~ورحمة. # ولم يكن في الحجاز نصارى يقاومون الدعوة، فلم يتعرض لهم القرآن كثيرا، وهو ~~في كلامه عليهم أرفق بهم منه باليهود. # والقرآن في السور المدنية كما في السور المكية يردد ذكر الأنبياء وأخبارهم، ~~وما أنزل إليهم، ويدعو الناس إلى الإيمان، واصفا لهم الجنة والجحيم، مظهرا ~~قدرة الله في مخلوقاته . ~~(1-4) إنشاؤه # القرآن هو المثال الأعلى للبلاغة، سواء في إيجازه، أو في قوة تعبيره، أو في ~~ائتلاف ألفاظه وانسجام كلماتها، ويمتاز برقته وسهولته، وبعده من الغريب ~~المستهجن، ولمقاطعه رنة لذيذة، ظنها الأعراب في أول أمرهم شعرا، حتى نزلت ~~الآية: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له ~~إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ~~، وقد يوازن القرآن ~~ويسجع، ولكنه لا يتكلف السجع ولا الموازنة. # وإنشاء القرآن يرافق أغراضه في الشدة واللين، فهو في المواقف العاطفية، مواقف ~~الوعد والوعيد، قصير الآيات، فيه لفظ مكرر لزيادة التهويل، أو لزيادة التقرير؛ ~~كثير السجع، قوي الرنة عند المقاطع، وأغلب ما يكون ذلك في السور المكية، ولا ~~سيما السور القصار كسورة القارعة: # القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما ~~القارعة * يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث * وتكون الجبال كالعهن ~~المنفوش * فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما ~~من خفت موازينه * فأمه هاوية * وما أدراك ما هيه * نار ~~حامية ~~. # 4 # وهو في غير المواقف العاطفية طويل الآيات، قليل السجع، خفيف الرنة عند ~~المقاطع. وأغلب ما يكون ذلك في السور المدنية، ولا سيما آيات الشرع، وما كان ~~منها في غير الغزوات، وفي غير الوعد والوعيد، كقوله يشرع الصوم في سورة البقرة: # يا أيها الذين آمنوا ms266 كتب عليكم ~~الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون * أياما معدودات فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر # 5 ~~ وعلى الذين يطيقونه # 6 # فدية طعام مسكين فمن تطوع ~~خيرا # 7 # فهو خير له وأن تصوموا خير ~~لكم # 8 ~~ إن كنتم تعلمون ~~. ~~(1-5) تأثيره # للقرآن فضل عظيم على اللغة العربية، فهو الذي هذب عبارتها، ووحد لهجاتها، ~~ونشرها شرقا وغربا بانتشار الدين الإسلامي. # وسحر الناس ببيانه فحفظوه، وأثر فيهم أسلوبه، فرقت ألفاظهم، ولطفت ~~معانيهم، وظهر هذا التأثير في الشعر والنثر معا ولا سيما الإنشاء ~~الخطابي. # ومن فضله على اللغة أن علم النحو وضع خدمة له وإشفاقا من اللحن في قراءته، ~~وأن علم المعاني وضع توصلا لمعرفة أسراره، وأن أشعار العرب في الجاهلية وصدر ~~الإسلام جمعت ليستعان بها على تفسير آياته. # ولولا القرآن لتلاشت العربية بغارات التتر والأتراك، بعدما أديل من سلطان ~~بني العباس، ولكنه وقف في وجه الفاتحين والمكتسحين، يدافع عن لغته الفصحى، فلم ~~يجرؤوا أن يتعرضوا لها بسوء بعد أن أسلموا فظلت لغه الدين والدواوين ~~والمراسلات، ولم يؤثر فيها انتشار اللهجات العامية، وطمطمانية الأعاجم. ~~فاللغة - كما ترى - مدينة بآدابها وحياتها للقرآن. ~~(2) الخطابة ~~(2-1) أسباب ازدهارها # لم تزدهر الخطابة العربية في عصر من العصور مثل ازدهارها في صدر الإسلام، فقد ~~كانت العوامل متوافرة لشيوع هذا الفن وتقدمه، فمن فصاحة فطرية في العربي، إلى ~~براعة التصرف في ضروب الكلام، ومن انقلاب ديني عظيم، إلى انقلاب سياسي عظيم، ~~ومن حروب وفتوح، إلى خروج وعصيان وأحزاب. # فقد جاء الإسلام، وهو دين جماعي، فكانت الخطب الدينية تلقى في الجوامع. ثم ~~استعرت حروب الفتح والحروب الداخلية، وانقسمت الجماعة أحزابا من أجل الخلافة، ~~فكانت الخطب العسكرية تضرم بها الحماسة في صدور الرجال؛ وكانت الخطب السياسية ~~يلقيها الزعماء على أحزابهم لتشد أزرهم، أو يردوا بها على خصومهم ليدحضوا ~~أقوالهم، أو يخاطبوا بها بلدا عاصيا ليدعوه إلى الطاعة. فلا عجب إذا أن يكون ~~للخطابة شأن عظيم في ذاك العهد وهي تعتمد على الدين من ms267 ناحية، وعلى السياسة من ~~ناحية أخرى، ولا عجب أيضا أن تكون الحاجة إلى الخطيب أشد منها إلى الشاعر، ~~فيعنى الخلفاء باختيار ولاتهم ممن عرفوا بالفصاحة ومضاء اللسان؛ لأن الخطيب ~~المصقع يستطيع أن يستفيض في غرضه منطلقا من القيود، فيتوصل إلى غايته من ~~إقناع الجمهور أكثر مما يستطيع الشاعر المكبل بالوزن والقافية. ~~(2-2) عاداتهم في الخطابة # كان العربي إذا وقف خطيبا قام على نشز # 9 # من الأرض أو على ظهر دابة، وأخذ بيده مخصرة # 10 # يشير بها، أو اعتمد على سيف أو قوس أو قناة. # وصنع للنبي أول منبر في مسجد، صنعه تميم الداري، وكان قد رأى منابر الكنائس ~~في الشام. # وروي أن الوليد بن عبد الملك أول من جلس خطيبا في الناس، واقتدى به بعض ~~الخلفاء والعمال، ولكن عادة الوقوف ظلت أكثر شيوعا واتباعا. # وكان العرب إذا خطبوا يشيرون برفع اليد ووضعها على غير إكثار، ولا يبالغون في ~~الاهتزاز. # وكانوا يعيبون في الخطيب التشديق، # 11 # والتقعير، # 12 # والتفيهق، # 13 # والتزيد في جهارة الصوت، وهدل الشفاه، # 14 # والهذر، والتكلف، والإسهاب، والإكثار، والتوعر لأنه يسلم إلى ~~التعقيد، والتعقيد يستهلك المعاني ويشين الألفاظ، ويكرهون اللحن، والتردد، ~~واضطراب اللسان، وفساد مخارج الحروف، والتنحنح، والسعال، ومسح اللحية، وكل حركة ~~يستعان بها على البيان. # وكانوا يمدحون شدة العارضة، # 15 # وظهور الحجة، وثبات الجنان، وكثرة الريق، والعلو عن الخصم، ويحبون ~~الطلاقة، والتحبير، # 16 # والبلاغة، والتلخص، والرشاقة. ~~(2-3) ميزة الخطابة # تمتاز الخطابة في صدر الإسلام بطلاوة أسلوبها، وقصر جملها، وتخير ~~ألفاظها. # والخطب على ضربين: منها الطوال التي كثر فيها الإطناب، ومنها القصار التي غلب ~~عليها الإيجاز مع بلوغ القصد، وقصارها أكثر شيوعا من طوالها، وكانت تبدأ ~~بالحمدلة، # 17 # وكثيرا ما تعتمد على الآيات؛ لما للقرآن من التأثير في نفوس ~~المسلمين؛ وربما جاءت الخطبة برمتها مجموعة آيات كخطبة مصعب بن الزبير لما قدم ~~العراق داعيا أهله إلى مبايعة أخيه عبد الله. # وكثر عدد الخطباء في هذا العصر لكثرة الحاجة إليهم، وكان النبي خطيبا، ~~والخلفاء الراشدون جميعا وأخطبهم الإمام علي، ms268 واشتهر الخوارج بجزالة ألفاظهم، ~~وبلاغة منطقهم، ومنهم قطري بن الفجاءة، وله خطبة بليغة في ذم ~~الدنيا. # وضرب المثل بفصاحة سحبان وائل، ولكن لم يصل إلينا من آثاره إلا شيء قليل، ~~وكان يطيل الخطبة حتى يسيل عرقا ولا يتوقف ولا يقعد حتى يفرغ من غرضه. # ونكتفي بدرس خطيبين شهيرين يمثلان ميزة الخطابة في عصرهما أحسن تمثيل، ألا ~~وهما زياد ابن أبيه والحجاج. ~~(3) زياد ابن أبيه (672م/53ه ؟) ~~(3-1) حياته # هو زياد ابن أبيه، وزياد بن سمية، وزياد بن أبي سفيان، وزياد بن ~~عبيد، # 18 # لأنه لم يكن له أب شرعي يعرف به، ولد بالطائف في السنة الثامنة ~~للهجرة، وقيل في السنة الأولى، وأمه سمية مولاة للطبيب الحارث بن كلدة ~~الثقفي. # وظهرت النجابة على زياد منذ حداثته فعرف بالفصاحة والدهاء، والحزم والشدة. ~~ولما نشأ استكتبه أبو موسى الأشعري، وهو على البصرة من قبل عمر، فأعجب به ~~الناس. ثم عهد إليه عمر في مهمة فأحسن القيام بها، ولما عاد خطب في حضرة عمر، ~~وعنده المهاجرون والأنصار، فدهشوا لفصاحته وقال عمرو بن العاص، وكان حاضرا: ~~«لله در هذا الغلام! لو كان أبوه قرشيا لساق العرب بعصاه!» فقال أبو سفيان: ~~«إني أعرف أباه.» فقال عمر: «من هو؟» قال: «أنا هو.» وبهذا القول تمسك معاوية ~~حين استلحق زيادا بأبيه. ~~(3-2) ولايته على فارس # ولما استخلف علي استعمل زيادا على فارس فأخمد ثورتها وضبطها وحمى قلاعها. ~~فساء ذلك معاوية فكتب إلى زياد يتوعده ويعرض بولادة أبي سفيان إياه. # فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس خطيبا وقال: «العجب كل العجب من ابن آكلة ~~الأكباد، ورأس النفاق! يخوفني بقصده إياي، وبيني وبينه ابن عم رسول الله في ~~المهاجرين والأنصار، ولو أذن لي في لقائه، لوجدني أحمر # 19 # مخشيا ضرابا بالسيف.» # وبلغ ذلك عليا فكتب إليه: إني وليتك ما وليتك وأنا أراك له أهلا، وقد ~~كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل، وكذب النفس، لا توجب له ميراثا، ~~ولا تحل له نسبا، وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه، ms269 ومن خلفه، وعن يمينه، ~~وعن شماله، فاحذر ثم احذر والسلام! ~~(3-3) ولايته على البصرة # ولما قتل علي صالح معاوية زيادا واستلحقه بنسبه ليستميله ويستصفي مودته، ~~ثم ولاه البصرة وأعمالها: خراسان وسجستان. ثم جمع له الهند والبحرين وعمان. ~~فقدم زياد البصرة والمعارضة مستفحلة، والفسوق عن الدين متفش فيها، فخطب في ~~الناس خطبته البتراء، # 20 # وجد في إقامة الشرائع التي قررها، فكان أول من شدد أمر السلطان، ~~وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة حتى هابه الناس، وأذعن المعارضون، وساد الأمن ~~فكان الشيء يسقط من يد المرأة أو الرجل فما تمد إليه يد حتى يعود صاحبه فيجده ~~في مكانه فيأخذه، وأصبح الناس لا يغلقون أبوابهم اطمئنانا، وقيل: إنه أول من ~~سير بين يديه بالحراب والعمد. ~~(3-4) ولايته على الكوفة # ولما مات المغيرة بن شعبة أمير الكوفة استعمل معاوية زيادا عليها فكان أول ~~من جمع له العراقان، فكان يقيم في البصرة ستة أشهر وفي الكوفة مثلها. # ولما دخل الكوفة وخطب في الناس، حصبوه، فأمسك حتى فرغوا. ثم أسر إلى أصحابه ~~أن يمسكوا الأبواب، وأخذ كرسيا وجلس على باب المسجد، وقبض على من وقعت الشبهة ~~عليهم وقطع أيديهم. ~~(3-5) موته # أصيب زياد بالطاعون فقضى على حياته، وزعموا أن السبب في ذلك أنه كتب إلى ~~معاوية: «إنى قد ضبطت العراق بشمالي، ويميني فارغة فاشغلها بالحجاز.» فكتب له ~~عهده على الحجاز، فأنف أهل الحجاز من ذلك، فاجتمع نفر منهم ودعوا عليه، وكان من ~~دعائهم «اللهم اكفنا شر زياد.» فخرجت طاعونة في إصبع يمينه. فلما حضرته الوفاة ~~دعا شريحا القاضي وقال: «أمرت بقطعها فأشر علي.» فقال شريح: «إنى أخشى أن ~~يكون الأجل قد دنا فتلقى الله أجذم # 21 # وقد قطعت يدك كراهة لقائه. أو أن يكون في الأجل تأخير فتعيش أجذم ~~ويعير ولدك.» فقال: «لا أبيت والطاعون في لحاف واحد.» وأراد قطعها، فلما رأى ~~النار والمكاوي جزع وعدل، وقيل: بل أتبع رأي شريح. # فلما بلغ موته عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: «اذهب ابن سمية! لا الآخرة ~~أدركت، ms270 ولا الدنيا بقيت عليك.» # ورثاه مسكين الدارمي، فرد عليه الفرزدق هاجيا، وكان يومئذ طريد زياد، ولكنه ~~لم يجسر أن يهجوه في حياته لشده سطوته وطول يده. # وظل أبناء زياد يعدون من قريش حتى استخلف المهدي العباسي فردهم على ~~عبيد. ~~(3-6) آثاره # خطب سياسية، وإدارية، متفرقة في كتب الأدب، أشهرها الخطبة البتراء. ~~(3-7) ميزته - الخطبة البتراء # يبدأ زياد خطبته بذكر ما يأتي أهل البصرة من المنكرات في عصيانهم الله، فيعدد ~~لهم مساوئهم، ويؤنبهم على فسوقهم. # ثم يعلن قانونا جديدا للعقوبات، فكان فيها أول وال مسلم جاوز الحدود في ~~أحكامه. # ثم يظهر لهم أنه لا يحمل الحقد لأحد ممن كان بينه وبينهم عداء، وأنه لا يبالي ~~مبغضيه ولا يناظرهم، ويدعوهم إلى معاودة أعمالهم. # ثم يدعوهم إلى طاعة بني أمية، والإذعان إلى سلطان الله الذي أعطاهم. # وكانت هذه الخطبة كافية لإرهاب ~~البصريين، فإن ألفاظها انقضت على رءوسهم انقضاض الصواعق، فوجموا لها وفت في ~~عضدهم، وهالهم ما فيها من تهديد ووعيد، وما إن همس هامس: «أنبأنا الله بغير ما ~~قلت.» وأراد بذلك الأحكام التي جاوز فيها السنة، حتى سمعه زياد فقال: «إنا لا ~~نبلغ المراد فيك وفي صحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضا.» # ولم يكن زياد هازلا في كلامه، فإنه لم يلبث أن قرن القول بالعمل، فكان ~~رهيبا في خطبته، ورهيبا في تنفيذ أحكامه. # وتمتاز خطبته بما في معانيها من جلاء وبلاغة، وعلى إيجاز كثير في اللفظ، وما ~~في تنسيقها من فن وجمال. فإنه وقف في القسم الأول منها موقف واعظ يذكر للقوم ~~ذنوبهم، ويذكرهم كتاب الله وما فيه من وعد طيب للمتقين، ووعيد راعب ~~للفاسقين. # ثم إنه وقف في القسم الثاني موقف القاضي الشارع، فبين للقوم أنهم أحدثوا في ~~الإسلام أحداثا غير مألوفة، فأحدث لهم عقوبات غير مألوفة. ونستدل من هذا القسم ~~أن العرب في صدر الإسلام ظلوا يحنون إلى جاهليتهم ويدعون بها؛ لأنهم رأوا في ~~الإسلام نظما وقيودا لم يتعودوها، وأراد زياد أن يفهم البصريين أنه جاد في ~~تنفيذ شرائعه، فأحل لهم ms271 معصيته إن تعلقوا عليه بكذبة: «إن كذبة المنبر بلقاء ~~...!» ويختم هذا القسم بدعوتهم إلى الاقتداء به وإلا ضرب أعناقهم. # ووقف في القسم الثالث موقف الحكم النزيه العادل، المصفى من الحزازات ~~والضغائن، المرتفع عن الأحزاب: «فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا ~~سيبتئس.» # ووقف في القسم الأخير موقف سياسي داهية يبث الدعوة للأمويين، فطلب من ~~البصريين السمع والطاعة، ووعدهم بقضاء حاجاتهم، وإعطائهم الرزق في وقته، وعدم ~~حبس الجيش في أرض العدو. # ثم أفهمهم أنهم أعجز من أن يبلغوا مأربا من أئمتهم إذا أبوا الخضوع لهم، وأن ~~بني أمية خير لهم من غيرهم، وكان ختام خطبته وعيدا ليظل صوت التهديد يطن في ~~آذانهم: «إن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي ...!» ~~(3-8) منزلته # قال الشعبي: «ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت ~~خوفا من أن يسيء، إلا زيادا، فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما.» وقال ~~الحسن البصري: «أوعد عمر فعفا، وأوعد زياد فابتلى.» وقال عمرو بن العاص، وقد ~~سمعه يخطب وهو فتى: «لله در هذا الغلام! لو كان أبوه قرشيا لساق العرب ~~بعصاه!» وكأن الأقدار أرادت أن تحقق قول ابن العاص فيه فما استلحقه معاوية ~~وولاه البصرة حتى لمعت عبقريته، فصاحة وحزما ودهاء، فساق العرب بعصاه ~~...! ~~(4) الحجاج (713م/95ه ؟) ~~(4-1) حياته # هو الحجاج بن يوسف الثقفي؛ ولد في أيام معاوية سنة 41 هجرية، وقيل بل سنة ~~42، ونشأ في الطائف، وعلم فيها الغلمان، ثم جاء الشام واتصل بروح بن زنباع ~~الجذامي وزير عبد الملك بن مروان، فكان في شرطته. # وأحس الخليفة أن عسكره ينحل ويتراخى عنه فشكا الأمر إلى روح، فقال: «إن في ~~شرطتي رجلا لو قلده أمير المؤمنين أمر عسكره لأرحل الناس برحيله، وأنزلهم ~~بنزوله، يقال له الحجاج بن يوسف.» قال: «قد قلدناه ذلك.» فما إن تولى الحجاج ~~إمرة العسكر حتى أخذ يشدد عليهم، ويكرههم على الطاعة، فأذعنوا له ولم يعصه إلا ~~أعوان روح بن زنباع. فأمر بهم فجلدوا بالسياط وطوفهم بالعسكر، ثم ms272 أمر ~~بفساطيط # 22 # روح فأحرقت. فدخل روح على عبد الملك شاكيا، فقال: «علي به.» ~~فلما دخل قال له: «ما حملك على ما فعلت؟» قال: «أنت فعلت فإنما يدي يدك وسوطي ~~سوطك، وما على أمير المؤمنين إلا أن يخلف على روح عوض الفسطاط فسطاطين، وعوض ~~الغلام غلامين، ولا يكسرني في ما قدمني.» فأعجب به عبد الملك، وفعل ما قال، ~~وكان ذلك أول ما عرف من جرأته وحزمه، فوجد بعده منهلا عذبا لإرواء آماله ~~ومطامعه. ~~(4-2) ولايته على الحجاز # فلما افتتح عبد الملك العراقين بعد مقتل مصعب بن الزبير، لم يبق دونه غير ~~الحجاز وفيه عبد الله يدعي الخلافة. فقال الحجاج: «أنا له يا أمير المؤمنين، ~~فلقد رأيت في منامي أني سلخته من جلده.» فجهز له جيشا عظيما فزحف به في السنة ~~الثانية والسبعين للهجرة، فجرت بينه وبين عبد الله وقائع كثيرة، دارت فيها ~~الدائرة على ابن الزبير. ثم حاصر الحجاج مكة سبعة أشهر، ونصب المنجنيق على أبي ~~قبيس # 23 # ورمى به الكعبة، وكان يأخذ الحجر بيده ويضعه في المنجنيق؛ لأن ~~أصحابه خافوا هتك حرمة البيت. وشدد الحصار حتى تضايق ابن الزبير، وأصاب الناس ~~مجاعة شديدة، فتفرقوا عنه وخرجوا إلى الحجاج مستأمنين. فلم ير عبد الله بدا ~~من القتال، فخرج بمن بقي معه، وحارب مستبسلا حتى قتل. فأرسل الحجاج رأسه إلى ~~عبد الملك، وصلب جثته. وصار الأمر بعد ذلك لعبد الملك وبايعه أهل الحجاز واليمن ~~فأقر الحجاج أميرا على الحجاز، فجدد بناء الكعبة بعد أن هدمها، ثم أقام ~~بالمدينة مدة فأساء إلى أهلها، وختم أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص، وكانت ~~ولايته على الحجاز من سنة 73 إلى سنة 75ه/692 إلى 694م. ~~(4-3) ولايته على العراقين # ثم ولاه عبد الملك العراقين، وقد عاثت فيها الحروب الداخلية، فسار من المدينة ~~إلى الكوفة في اثني عشر راكبا على النجائب، فدخل المسجد وصعد المنبر وهو متلثم ~~بعمامة خز # 24 # حمراء، وقال: «علي بالناس!» فحسبوه خارجيا وهموا به، وهو جالس ~~على المنبر ينتظر اجتماعهم. فاجتمع الناس وهو ms273 ساكت قد أطال السكوت. فتناول ~~أحدهم حصى لكي يرميه بها، فلما تكلم جعلت الحصى تتناثر من يده وهو لا يشعر ~~رعبا ومهابة. # وخطب الحجاج يومئذ خطبته المشهورة في أهل العراق، ثم أمر كاتبه بأن يتلو ~~عليهم كتاب الخليفة، فقرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الملك بن مروان ~~أمير المؤمنين إلى من بالعراق من المؤمنين سلام! فإني أحمد الله إليكم ...» فصاح ~~الحجاج: «اسكت يا غلام!» ثم قال مغضبا: «يا أهل العراق، يا عبيد العصا! يسلم ~~عليكم أمير المؤمنين فلا تردون عليه السلام! أما والله لأؤدبنكم أدبا سوى هذا ~~الأدب.» ثم التفت إلى الكاتب وقال: «اقرأ يا غلام الكتاب.» فلما بلغ الكاتب ~~السلام رد أهل المجلس: «وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته.» # ثم أمر بأن يلحق الناس بجيش المهلب # 25 # لقتال الحرورية فجاءه عمير بن ضابئ الحنظلي فقال: «أصلح الله ~~الأمير، أنا في هذا البعث # 26 # وأنا شيخ كبير عليل، وابني هذا أشب مني.» فقال الحجاج: «هذا خير ~~لنا من أبيه.» ثم قال: «ومن أنت؟» قال: «أنا عمير بن ضابئ .» قال: «ألست الذي ~~غزا عثمان بن عفان؟» قال: «بلى.» قال: «يا عدو الله، أفلا إلى عثمان بعثت ~~بدلا! وما حملك على ذلك؟» قال: «إنه حبس أبي وكان شيخا كبيرا.» قال: «أولست ~~القائل: # هممت، ولم أفعل، وكدت، وليتني # تركت على عثمان تبكي حلائله! # إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين.» وأمر به فضرب عنقه وأنهب ~~ماله. # ثم سار الحجاج إلى البصرة وخطبهم، وتوعد من لا يلحق منهم بالمهلب بعد ثلاثة ~~أيام. فأتاه شريك بن عمر اليشكري وكان أعور وبه فتق، فقال «أصلح الله ~~الأمير، إن بي فتقا وقد رآه بشر بن مروان فعذرني.» فأمر به فضرب عنقه. فلم ~~يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلا لحق به. فقال المهلب: «لقد أتى العراق رجل ~~ذكر. اليوم قوتل العدو!» فثبتت مهابة الحجاج في قلوب أهل العراق فدانوا ~~له. # ثم شغب عليه أهل البصرة وعلى رأسهم عبد الله بن الجارود، فأخضعهم وقتل ابن ~~الجارود، ms274 وخرج عليه شبيب الخارجي فكانت بينهما وقائع كثيرة كتب النصر في ~~نهايتها للحجاج. فتفرقت أنصار شبيب عنه، وتردى به فرسه من فوق جسر فسقط في ~~الماء وغرق. # ثم خرج عليه ابن الأشعث بأكثر من مائتي ألف، فاستولى على العراق، فأمد عبد ~~الملك الحجاج بجيش لجب. فقاتل ابن الأشعث ثمانين وقعة في ستة أشهر حتى هزمه ~~بدير الجماجم # 27 # واستنقذ العراق من يده، وقتل خلقا كثيرا من أصحابه. # ولما حضرت عبد الملك الوفاة قال لبنيه: «أكرموا الحجاج فإنه الذي وطأ لكم ~~المنابر، ودوخ لكم البلاد وأذل الأعداء.» فأقره الوليد بعد أبيه على إمارته ~~في العراقين والمشرق. ~~(4-4) موته # قيل إنه هلك بأكلة # 28 # في بطنه، وأصيب بالزمهرير فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة نارا ~~وتدنى منه حتى تحرق جلده وهو لا يحس بها. وشكا ما يجده إلى الحسن البصري، ~~فقال: «قد كنت نهيتك أن لا تتعرض للصالحين.» فقال: «يا حسن لا أسألك أن تسأل ~~الله أن يفرج عني، ولكن أن يعجل قبض روحي، ولا يطيل عذابي.» وأقام الحجاج على ~~ذلك خمسة عشر يوما، ثم توفي وله من العمر 54 سنة، ومدة إمارته على العراق 20 ~~سنة. مات بواسط # 29 # فدفن بها، ثم عفي قبره وأجري عليه الماء لكي يخفى أثره، وكان ~~هلكه في أواخر خلافة الوليد، وقد جعله بعضهم سنة 716م/98ه، وهذا خطأ ظاهر لأن ~~الحجاج مات قبل الوليد والوليد توفي سنة 714م/96ه. # وقد ضرب المثل بجور الحجاج. وروي أنه أحصي من قتلهم فكانوا عشرين ألفا ~~ومائة ألف، وكان في سجنه بعد موته خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة. ~~(4-5) آثاره # طائفة من الخطب أكثرها في التهديد، وأشهرها خطبة عند قدومه العراق، وأخرى بعد ~~واقعة دير الجماجم، ومن مآثره أنه أكثر من نسخ مصحف عثمان، وأوعز إلى كاتبه نصر ~~بن عاصم بإعجام الحروف للتمييز بين المتشابه منها. ~~(4-6) ميزته # ليست حجارة المنجنيق بأشد وقعا على الناس من خطب الحجاج في تهديده ووعيده. ~~فلقد أوتي براعة عجيبة في تصريف الكلام، على جرأة نادرة ms275 تتضاءل دونها جرأة ~~زياد، فترى في جمله المقطعة القصيرة قوة لا تراها في غيره، ويبدو لك في ألفاظه ~~شيء من خشونة البداوة يزيد تعابيره عنفا على عنف. # وهو في خطبه كثير الاقتباس من القرآن، كثير الاستشهاد بالأشعار، ظاهر الحجة، ~~يستهوي سامعيه ويملك إرادتهم، فيريهم ظلمه عدلا، وعقابه رحمة، ويصور لأهل ~~العراق مساوئهم الكثيرة وتغاضيه عنها، وإحسانه إليهم، حتى يخلبهم، فيتوهموا أنه ~~مصيب في دعواه، وأنهم هم القوم الظالمون. # فإذا أردت أن تتبين بلاغة ~~الحجاج ودهاءه وشدة بأسه، فعليك بخطبه في أهل العراق فإنها أصدق صور لنفس ذلك ~~الطاغية الداهية الملسان. وما قولك برجل قدم الكوفة في اثني عشر راكبا على ~~النجائب، فجمع الناس في مسجدها، وقام على المنبر يخطبهم مهددا متوعدا، على ما ~~في ألفاظه من قوة وبداوة، معتمدا على الشعر آنا وعلى الآيات آنا آخر. وكذلك ~~خطبته بعد دير الجماجم، وفيها يذكر أهل العراق غدرهم، وانضمامهم إلى الخوارج، ~~ويذكر لهم الوقائع التي خانوا فيها الخليفة، وساعدوا أعداءه كافرين بنعمته. ~~فهذه وتلك تشتملان على أكثر خصائص الحجاج في تفكيره وتعبيره. فقد صور لأهل ~~العراق غدرهم ونفاقهم، فجعل الشيطان يستبطنهم ويعشش فيهم ويفرخ، فهم لا يذكرون ~~حسنة، ولا يشكرون نعمة. وما أكثر نعم الحجاج على أهل العراق، بعد أن أرهقهم ~~تقتيلا وحبسا! ولكنه كان يسحرهم بفصاحته، ويذهلهم بمثل هذه الأقوال، فيريهم ~~نقمته نعمة. # ولا ينبغي أن تغفل عن تأثره الشديد بأسلوب القرآن ولا سيما حين يقول: «ثم يوم ~~الزاوية، وما يوم الزاوية ... ثم يوم دير الجماجم، وما يوم دير الجماجم؟» ~~(4-7) منزلته # قال الحسن البصري: «تشبه زياد بعمر فأفرط، وتشبه الحجاج بزياد فأهلك ~~الناس.» وقال عبد الملك لبنيه لما حضرته الوفاة: «أكرموا الحجاج فإنه الذي ~~وطأ لكم المنابر، ودوخ لكم البلاد، وأذل الأعداء.» ألا وإن في كلا القولين ~~لأصدق وصف للحجاج، فإن هذا الجبار كان شديد الإعجاب بزياد، فتأثره ~~مقتفرا # 30 # رسومه، ففاقه في تهديده، وفاقه في أحكامه، ولولا هو لذهب ملك بني ~~أمية بعد معاوية وبنيه. فإنه وطد لهم العرش ms276 وأزال خلافة ابن الزبير، ورد ~~عنهم الخوارج، وكان قلبه ولسانه يجريان إلى نحور أعدائه فرسي رهان. ~~(5) الكتابة # قلنا في كلامنا على النثر الجاهلي: إن الإنسان الفطري لم يحتج إلى الكتابة؛ لأن ~~هذا الفن إنما ينشأ بنشوء الجماعات المنظمة، وينمو بنمو القوى المفكرة، ويعظم بعظم ~~الحاجة إليه، وقد ظل العرب في جاهليتهم لا يصطنعون الكتابة إلا قليلا، حتى جاء ~~الإسلام بفتوحاته، وأنشأ دولة منظمة مترامية الأطراف، فمست الحاجة إلى الكتابة؛ لأن ~~مصالح المملكة قضت بأن يكون لها دواوين تضبط شئونها، وأن يكون الخلفاء على اتصال ~~بعمالهم، والعمال بخلفائهم، وما من سبيل إلى ذلك إلا بالكتابة، فجعل للدواوين كتاب ~~يتوفرون على تنظيمها. ولم يكن للعرب يومئذ من الثقافة ما يمكنهم من الاضطلاع بهذه ~~الأمور، فجعلت الدواوين على عاتق الموالي أبناء الشعوب الأعجمية المتحضرة التي ~~قهرها المسلمون وافتتحوا بلادها، وكان هؤلاء الموالي لا يحسنون العربية في أول ~~أمرهم، فنظموا شئون الدولة بلغاتهم، فكانت اليونانية في الشام، والقبطية في مصر، ~~والفارسية في العراق وفارس. # وظلت كذلك حتى خلافة عبد الملك بن مروان، ~~فشرع في نقلها إلى العربية شيئا فشيئا، وكان الموالي قد تعلموا لغة العرب ~~وأتقنوها ، فاستمرت إدارة الدواوين في أيديهم لبراعتهم في تنظيمها؛ ولأن العرب كانوا ~~لا يرتاحون إلى هذه الصناعات، وربما أنفوا منها. # وأما لغة الرسائل بين الخلفاء والعمال فكانت عربية خالصة، قصيرة الجمل، بليغة ~~التعبير، لا فرق بينها وبين لغة الخطابة، وكانت موجزة، وربما اقتصرت على جملتين أو ~~ثلاث تامة المعنى، كما في رسالة عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص يستنجده في مجاعة: # من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي ابن العاصي سلام. أما بعد، ~~فلعمري، يا عمرو، ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معي. فيا ~~غوثاه! ثم يا غوثاه! # ثم في جواب ابن العاص له: # إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عمرو بن العاص. أما بعد، فيا لبيك! ~~ثم يا لبيك! قد بعثت إليك بعير # 31 # أولها عندك وآخرها عندي والسلام! # ولم ms277 تطل الرسائل، وتوضع لها الأصول إلا بعد ~~أن نبغ عبد الحميد بن يحيى وكتب لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، فكان هذا ~~المولى طليعة المترسلين البلغاء. ~~(6) عبد الحميد الكاتب (749م/132ه) ~~(6-1) حياته # هو أبو غالب عبد الحميد بن يحيى الملقب بالكاتب. شامي الأصل، نشأ بين العرب ~~ولم يكن عربيا، وقيل: إن ولاءه في بني عامر، وكان في أول أمره يعلم الصبية ~~وينتقل في البلدان، وحكي أنه علم في الكوفة حتى اتصل بمروان بن محمد الأموي، ~~وكان أميرا على أرمينية، فكتب له. فلما بويع بالخلافة أخذه معه إلى الشام. ~~فبقي ملازما له لا يفارقه، مع اشتداد الثورة الخراسانية وضعفه عن إخمادها، ~~واشتد الطلب على مروان وتتابعت هزائمه، فقال لعبد الحميد: «القوم محتاجون إليك ~~لأدبك، وإن إعجابهم بك يدعوهم إلى حسن الظن بك، فاستأمن إليهم وأظهر الغدر بي، ~~فلعلك تنفعني في حياتي أو بعد مماتي.» # فقال عبد الحميد: # أسر وفاء، ثم أظهر غدرة # فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره # ثم قال: «يا أمير المؤمنين، إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين لك وأقبحهما لي، ~~ولكن أصبر حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك.» فلما قتل مروان استخفى عبد ~~الحميد عند صديقه ابن المقفع، وفاجأهما الطلب وهما في بيت واحد. فقال الذين ~~دخلوا: «أيكما عبد الحميد؟» فقال كل واحد منهما: «أنا» - خوفا على صاحبه -، ~~إلى أن عرف عبد الحميد فأخذ، وسلمه السفاح إلى عبد الجبار صاحب شرطته، فكان ~~يحمي له طشتا ويضعه على رأسه إلى أن مات سنة 132ه. وقيل: إنه قتل مع مروان في ~~مصر، وذكر المسعودي أنه رأى له عقبا بفسطاط مصر يعرفون ببني مهاجر، وقد كان ~~منهم عدة يكتبون لآل طولون. ~~(6-2) آثاره # كان عبد الحميد كاتب دواوين، ولم يعرف عنه أنه عني بتصنيف الكتب كصديقه ابن ~~المقفع. بيد أنه نظم الشعر مثله على قلة، فرويت له أبيات لا تعدوها الجودة، ~~وإن كانت لا تجعله في طبقات الشعراء. فإن صاحبنا توفر على إنشاء الرسائل دون ~~غيرها، فبرع فيها، وكان له ms278 أثر بين في تبديل أسلوبها القديم. قال ابن خلكان: ~~«إن مجموع رسائله مقدار ألف ورقة.» ولكن لم يصل إلينا منها سوى رسالة ولي ~~العهد، ورسالة الشطرنج، ورسالة الكتاب، ورسائل أخرى قصيرة، أو هي قطع من ~~رسائل لم تبلغ إلينا تامة، منها رسالة في وصف الإخاء، ورسالة إلى أهله وهو ~~منهزم مع مروان، وانتهى إلينا عنه عدة تحميدات مستقلة أو متقطعة من صدور ~~كتبه. # وقيل: إنه لما ظهر أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس كتب إليه عن مروان ~~كتابا يستميله ويضمنه ما لو قرئ لأوقع الاختلاف بين أصحاب أبي مسلم. وكان من ~~عظمه يحمل على جمل. ثم قال لمروان: «قد كتبت كتابا متى قرأه بطل تدبيره. فإن ~~يكن ذلك وإلا فالهلاك.» فلما ورد الكتاب على أبي مسلم لم يقرأه، وأمر بنار ~~فأحرقه، وكتب على جزازة منه إلى مروان: # محا السيف أسطار البلاغة وانتحى # عليك ليوث الغاب من كل جانب # ومهما يكن من أمر هذه الرسالة التي حملت على جمل، وخشية أبي مسلم منها حتى ~~أمر بإحراقها، فإنها تشير - على علاتها - إلى أن الإيجاز الذي تعودناه في رسائل ~~صدر الإسلام قد حل محله الإسهاب؛ وأن عبد الحميد أول من شذ عنه وأطال الرسائل ~~فبلغ بها عدة صفحات، ودليلنا على ذلك رسالة ولي العهد، فإنها تزيد على خمس ~~وعشرين صفحة من القطع المألوف، وآثاره متفرقة في كتب الأدب، جمعها محمد كرد علي ~~في كتاب «رسائل البلغاء». ~~(6-3) السياسة والاجتماع: بين الشعر والنثر # كانت المباحث السياسية، قبل عبد الحميد، تكاد تقصر على الشعر والشعراء، وإذا ~~عرض لها الخطباء في خطبهم فبلغة تشبه لغة الشعر، وبإيجاز لا يختلف عن إيجازه، ~~إذا استثنينا ما أضيف إلى علي بن أبي طالب من الخطب الطويلة والعهود المسهبة ~~المفصلة. مع أن هذه المباحث خليقة بالنثر أكثر منها بالشعر، والمنثور خليق بها ~~أكثر من المنظوم. فتناول عبد الحميد المسائل السياسية والاجتماعية بإسهاب ~~وتفصيل ولغة مختلفة عن اللغة الشعرية التي عرف بها الخطباء في الجاهلية وصدر ~~الإسلام، فجاء كلامهم نثرا له ms279 من الشعر إيقاعه ومجازه وإيجازه، ولكن ليس هو ~~الشعر الفني بصفاء جوهره، وله من النثر تصرفه في الأوزان والقوافي، ونزوعه إلى ~~المنطق والإيضاح والتعليل، ولكن ليس هو النثر الفني بخالص صفاته. ففصل عبد ~~الحميد برسائله بين الشعر والنثر، وميز بأسلوبه أحدهما عن الآخر، وجعل المباحث ~~السياسية في موطنها الصحيح، وإن يكن الشعراء بعده لم يتخلوا عنها أصلا، فكان ~~فيهم من له في السياسة جولات، ولكن النثر استطاع أن يوفيها حقها عند ابن المقفع ~~والجاحظ والفارابي وابن سينا، ومن جاء معهم أو بعدهم من الكتاب الذين ذللوا ~~أوضاع اللغة للأغراض العلمية والفلسفية، فلانت لهم أصلاب متونها، وأسلست قيادها ~~في حقيقتها ومجازها، وكان لعبد الحميد فضل المتقدم في تخطيط طرائقها، وتأسيس ~~بنياتها، فله من أصله العجمي ما يصدفه عن التقليد العربي الموروث، ومن ثقافته ~~الحضرية ما يغريه بأسلوب طريف تقتضيه الحياة الاجتماعية الجديدة، فإنه لم ~~يقتصر على العربية وآدابها بل كانت له مشاركة في العلوم الدخيلة كغيره من أبناء ~~الموالي المثقفين، وبوسعنا أن نعلم ما ينبغي للكاتب من العلوم في عصره من ~~رسالته التي وجهها إلى الكتاب، وبين لهم فيها آداب الكتابة وثقافتها فقال: ~~«فتنافسوا، يا معشر الكتاب، في صنوف الآداب، وتفقهوا في الدين، وابدءوا بعلم ~~كتاب الله - عز وجل - والفرائض؛ ثم العربية فإنها ثقاف ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط ~~فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم ~~وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم؛ ولا تضيعوا النظر في الحساب ~~فإنه قوام كتاب الخراج.» # فإذا كانت عامة الكتاب لا تستغني عن هذه العلوم، فأولى بكاتب الخليفة ~~ووزيره أن يكون واقفا عليها، متزيدا في غيرها لما نجد في رسائله من أثر ~~اليونانية والفارسية تنم عليه أقسامها المنطقية إلى أغراض وشعب مفصلة، وما ~~تشتمل عليه من الآداب السياسية؛ لتقويم ولاة الأمور ورجال الدولة، وتنظيم الخطط ~~والحركات العسكرية في الحروب، وما إلى ذلك من المواعظ والحكم التي تصلح بها ~~الشئون الاجتماعية، وتتهذب الأخلاق. # وقد يكون عبد الحميد استفاد من سالم ms280 كاتب هشام بن عبد الملك، فإنه كان مقربا ~~إليه متصلا به، وربما كلفه الخليفة أن يكتب إلى بعض عماله، فلدينا من آثاره ~~الباقية رسالة كتب بها عن هشام إلى يوسف بن عمر عامله في اليمن، وكان سالم يعرف ~~اليونانية؛ لأن صاحب الفهرست يخبرنا عنه أنه نقل إلى العربية رسائل أرسطو إلى ~~الإسكندر، ولكن لم يبلغنا من آثار هذا المولى ما يتيح لنا أن نحكم على مبلغ ~~تأثيره في كاتب مروان، ولا على مقدار جهده في تجديد النثر، بيد أن المؤرخين ~~القدماء يجمعون على أن الفضل في تطويل الرسائل ووضع أصولها وتنويع فصولها يعود ~~إلى عبد الحميد دون سواه. ~~(6-4) أثر الدين # تصطبغ رسائل عبد الحميد بصبغه دينية ظاهرة؛ لما للقرآن من تأثير في نفوس ~~المسلمين، وكانت آثاره في النثر أبلغ منها في الشعر، كما تبدو في خطب ~~الإسلاميين؛ لأن الخطيب يتوخى - في الغالب - غايتين وهما إثارة العواطف ~~والإقناع، ولا يتوخى الشاعر - في الغالب - غير الغاية الأولى، فكانت حاجة ~~الخطباء إلى الدين أشد من حاجة الشعراء، لأنه ليس كالقرآن من كفيل بإثارة عواطف ~~المؤمن وإقناعه، إذا دعي إلى جهاد أو طاعة أو عصيان. # وجرى عبد الحميد في رسائله على سنة الخطباء؛ لأنه كان يقصد بها إلى ما يقصدون ~~بخطبهم، وهو - إلى ذلك - كاتب أمير المؤمنين، ناطق بلسانه، فلا ينبغي أن تبتعد ~~كتبه عن روح القرآن. ففيها التحميدات الطويلة، وفيها المواعظ والوصايا الدينية، ~~وفيها الآيات الكثيرة يستشهد بها أو يتوسع في تفصيلها وتحليل معانيها، مثل قوله ~~في الرسالة التي كتبها عن هشام إلى يوسف بن عمر، ناظرا إلى الآية التي تقول: # لئن شكرتم لأزيدنكم ~~: «لتحمد ~~الله وتشكره به. فإن الشكر من الله بأحسن المواضع، وأعظم المنازل. فازدد منه ~~تزدد به، وحافظ عليه وتحفظ به، وارغب فيه يهد إليك مزيد الخير، ونفائس ~~المواهب، وبقاء النعم. فأقرئ على من قبلك كتاب أمير المؤمنين إليك ليسر به ~~جندك ورعيتك، ومن حمله الله النعم بأمير المؤمنين؛ ليحمدوا ربهم على ما رزق ~~الله عباده من سلامة أمير ms281 المؤمنين في بدنه، ورأفته بهم، واعتنائه بأمورهم. فإن ~~زيادة الله تعلو شكر الشاكرين، والسلام!» # على أننا لا نعلم شيئا عن حياته الدينية لنتبين مبلغ ائتلافها بكتاباته، ~~وإنما نعلم أنه صديق حميم لابن المقفع، ولم يكن هذا الفارسي على شيء من ~~الإسلام، بل كان مجوسيا على دين آبائه وأجداده، وأسلم في بني العباس إرضاء ~~للأمراء الذين حظي عندهم، وظل - مع ذلك - متهما بعقيدته. فهل جمعت الصداقة بين ~~المؤمن والكافر دون أن تتفاعل العاطفة الدينية في قلبيهما معا، فيجتمعا على ~~كفر أو على إيمان، كما اجتمعا على المودة والوفاء؟ أولم يكن يجري بينهما ما ~~يجري عادة بين صديقين مثقفين، يميلان إلى الحياة العقلية، من مجادلات فلسفية ~~تقودهما إلى البحث في العقائد والأديان، وكلاهما مرتاض بالآداب الفارسية ~~والحكمة اليونانية، فيحاول أن يؤثر في صاحبه ويقنعه ويجتذبه إلى رأيه ~~ومذهبه؟ # لا نستطيع أن نقطع في الجواب عن هذين السؤالين، وإن كنا نعلم أن ابن المقفع ~~لم يجحد مجوسيته في بني أمية، وأن عبد الحميد لم يغمز في عقيدته الإسلامية، مع ~~تأثير الفكر الأعجمي فيه، حتى إنه ما كان يستشهد بشعر ولا مثل عربي، شأنه - في ~~ذلك - شأن ابن المقفع، وإنما يؤثر مثله ~~الأمثال التي تذكرنا بالحكمة الفارسية الهندية، مثل قوله في رسالة الكتاب: ~~«وقد علمتم أن سائس البهيمة، إذا كان بصيرا بسياستها، التمس معرفة أخلاقها. ~~فإن كانت جموحا لم يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا اتقاها من قبل ~~يديها، وإن خاف منها شرودا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حرونا قمع برفق ~~هواها في طرقها. فإن استمرت عطفها يسيرا فيسلس له قيادها. وفى هذا الوصف من ~~السياسة دليل لمن ساس الناس وعاملهم وخدمهم وداخلهم.» # فكل ما نستطيع أن نقوله هو أن الإسلام أبلغ أثرا في كتاباته منه في كتابات ~~ابن المقفع بعد إسلامه، فإن صح فيه أن الإنشاء صورة لصاحبه، فخليق به أن يكون ~~مسلما راسخ الإيمان. ~~(6-5) الأهل # لم ينقل إلينا المؤرخون خبرا عن أسرته وحياته البيتية نستوضح منه نورا يضيء ~~مجاهل رب ms282 المنزل وأحواله الداخلية. فنحن لا نعرف شيئا عن امرأته وبنيه لنحكم ~~على سياسة الزوج والوالد مع أهله، ومبلغ عطفه على نسائه وعنايته بأولاده، إلا ~~ما أمكننا أن نستخلصه من رسائله الباقية، وليس فيه كبير عناء. فله رسالة كتب ~~بها إلى أخيه يبشره بأول مولود رزقه الله إياه، فشد به أزره على حين حاجته ~~إليه، ولعل هذا الولد البكر هو غالب الذي يتكنى به؛ لأنه لم يذكر اسمه في ~~كتابه، وإنما قال إنه سماه فلانا، وأمل ببقائه بعده حياة وذكرى وحسن ~~خلافة، وشكر الله فيه وحمده على آلائه، وصور عطف الوالد ورقته، وامتلاء قلبه ~~من الغبطة والفرح، أبلغ تصوير حيث يقول: «فإذا نظرت إلى شخصه، تحرك بي وجدي، ~~وظهر به سروري، وتعطفت عليه مني أنسة الوالد، وتولت عني وحشة الوحدة. فأنا ~~به جذل في مغيبي ومشهدي، أحاول مس جسده بيدي في الظلم، وتارة أعانقه ~~وأرشفه، ليس يعدله عندي عظيمات الفوائد، ولا منفسات الرغائب.» # 32 # وكأنه كان ينظر إليه وهو يتحرك ويصيح، فيكاد لا يصدق حلول هذه النعمة عليه، ~~مع ما وهبه الله من النعم السالفة، فيخشى زوالها عنه، فيقول: «ما يدركني به من ~~رقة الشفقة عليه مخافة مجاذبة المنايا إياه، ووجلا من عواصف الأيام عليه.» ~~ويسأل الله أن يجعل ما يهب من سلامته والمدة في عمره موصولا بالزيادة، ~~مقرونا بالعافية، محوطا من المكروه. # فهذه الرسالة ناطقة بحب الوالد الشفيق وحنوه على أولاده، ومثلها رسالة أخرى ~~كتبها وهو منهزم مع مروان، تطارده الأعداء، وترهقه الكوارث، فلم تشغله الهموم ~~والأحزان عن تحبيرها إلى أهله، يذكر لهم فيها مصائب الدنيا وكرائهها، وما يلقى ~~من الأسى في ابتعاده عنهم؛ ويبين لهم حرج الموقف وما يحدق به من خطر الأسر ~~المهين، أو خطر الهجرة الطويلة لا رجوع بعدها إليهم، ولكنه لا يقنط من رحمة ~~الله ومعونته. قال فيها: «وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعدا، وإليكم وجدا، ~~فإن تتم البلية إلى أقصى مدتها، يكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح ~~من أظفار من يليكم، نرجع ms283 إليكم بذل الإسار، والذل شر جار. نسأل الله الذي يعز ~~من يشاء ويذل من يشاء أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة في دار آمنة، تجمع سلامة ~~الأبدان والأديان، فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين!» # فإذا كان المؤرخون قد أهملوا أمر الكلام على حياته في أسرته، فمن هاتين ~~الرسالتين نتنسم آصرة الكاتب على أهله وولده. ~~(6-6) الصديق # كان عبد الحميد، كصديقه ابن المقفع، يجل الصداقة ويعظم شأنها، فقد سئل مرة: ~~«أيما أحب إليك أخوك أم صديقك؟» فقال: «إنما أحب أخي إذا كان صديقي.» وقال ابن ~~المقفع في كتابه «الأدب الكبير»: «ابذل لصديقك دمك ومالك.» ولما قتل مروان ~~واستخفى عبد الحميد عنده وفاجأهما الطلب، لم يتأخر عن تحقيق ما أوصى به، فأراد ~~أن يبذل دمه لصديقه، ولكن عبد الحميد أبى أن يقتل صاحبه فدى له، فيكون أوفى ~~وأكرم منه نفسا، فأبان عن حقيقة أمره، واستسلم إلى جلاديه، ولم يكن دونه وفاء ~~وحفاظا على المودة عندما دعاه مروان إلى إظهار الغدر به، والازدلاف إلى ~~العباسيين الظافرين لعله ينفعه في حياته أو بعد مماته، فأنكر واستنكف، وآثر أن ~~يقتل معه على أن تلحقه معرة الخيانة، وإن كان فيها نفع له أو للخليفة المقهور، ~~ومن ساواك بنفسه ما ظلمك. فالصداقة عنده لا تدنس بالغدر، ولو ظاهرا، لأنه ~~يفسدها ويكدر صفاءها في نظر الناس الذين تخدعهم الظواهر، فما ينبغي أن ينالها ~~حيف منه، على ما لها في نفسه من كرامة وقداسة، وإن أراق في سبيلها دمه، ورفض أن ~~يساوم عليها مروان رجاء أن ينتفع في حياته أو بعد مماته، فمن الخير أن يصبر حتى ~~يفتح الله عليه أو يقتل معه، وقبيح به أن يسر الوفاء ويظهر الغدر: «فمن لي ~~بعذر يوسع الناس ظاهره!» مع أنه لو جارى نزعته الأعجمية، أو لو تحركت فيه روح ~~شعوبية، لوجد الصلاح لأبناء قومه في مناصرة الدعوة العباسية، وقد دعمتها أسنة ~~الفرس لتعيد مجد الأعاجم وترفع رأس الموالي، ولكن وفاءه للأمويين جعله يتنكر ~~لها، ويحض فرق العرب على دفعها حين فاض العجم ms284 من خراسان بشعار السواد العباسي، ~~فقال من رسالة كتبها عن مروان: # فلا تمكنوا ناصية الدولة العربية من يد الفئة الأعجمية، واثبتوا ~~ريثما تنجلي هذه الغمرة، ونصحو من هذه السكرة، فسينضب السيل، وتمحى آية ~~الليل، والله مع الصابرين، والعاقبة للمتقين. # ولو شاء أن يستأمن إلى العباسيين ملبيا صوت عجميته لرأى من إعجابهم بأدبه، ~~وحاجتهم إلى براعته ما يحملهم على تأمينه وتقريبه وحسن الظن به، كما قال له ~~مروان. فصوت الشعوبية كان أخف وقعا في أذنيه من صوت الصداقة والوفاء، فسار في ~~ركب الأمويين حتى تقطعت الآمال وقطعت الأعناق. # ولم تقتصر آراؤه في الصداقة على ما أوردنا من أقواله المقتطفة بل هناك رسالة ~~له، في الإخاء، يبين فيها أسباب المودات الخالصة ودعائمها بأسلوب خطابي تكثر ~~فيه الأوصاف المجازية التي تلمس المعنى عن بعد وترسله مطلق الجناح بدون تقييد، ~~وهي - في جملتها - لا تعدو أقواله وأفعاله التي تقدم ذكرها، مع ما فيها من ~~اتساع التعبير وتقليب الجمل على المعاني المتقاربة. فأهل المودات يصلون إلى ~~الإخاء بصدق التقوى، ويبنون دعائمه على أساس البر، يشيده مستعذب العشرة، ~~فيكون قويا صافيا من الكدر: «تسكن به القلوب، وتسمو من مواصلته الهمم عن كل ~~زائغ معتاف ومخوف عارض.» لا يدخل على صاحبه سآمة ولا ضعف عند عوارض الأقدار ~~وحوادث الزمان بل يؤاسي في الأزمات، مقتحما غمرات المهالك: «حتى تصير به ~~الأقدار إلى تناهيها، ويبلغ به القضاء مقداره، غير منان النصرة، ولا برم ~~التعب. يرى تعبه غنما، ونصبه دعة، وكلفه فائدة، وعمله مقصرا.» # بمثل هذه الأوصاف حدد عبد الحميد إخاء أهل المودات في رسالة كتبها إلى صديق ~~جوابا عن سؤال له عرض فيه لهذه العلاقة الاجتماعية، وكان يود لو توسع في ~~الموضوع، فشعب الكلام في تصنيف طبقات الرجال، ومن أين دخل عليهم نقص الإخاء؛ ~~ولكن ورد عليه سؤال صديقه، وهو محصور العقل، متقسم الذهن في مشاغل الدولة، وما ~~يكلفه الأمير من تدبير شئونها، والاهتمام بأحوال الخزر وبعث الرسل إلى جبال ~~اللان والطبران وما والاهما بنوافذ أمره. فلم يتسن له ms285 أن يحقق رغبته، فاكتفى ~~بهذا القدر من صفات الإخاء، ومودة أهل الحجى، فكان فيه صادق التعبير عما يشعر ~~به من جلال الصداقة الفاضلة وقداسة حرمتها، كما ميزها أرسطو، لا صداقة المنفعة ~~التي ليس لها بقاء إلا ببقاء عائدتها. ~~(6-7) الرئيس والمرءوس # يجعل عبد الحميد للفضائل الدينية والخلقية مكان الصدارة في سياسة الدولة، ~~فينبغي للرئيس والمرءوس أن يتزينا بها في أعمالهما وعلائقهما. فرسالة ولي العهد ~~عظة بليغة في آداب الملوك، تطلعنا على مدى معرفته بالصفات التي تلزم الأمراء في ~~تدبير الملك وتصريف أموره، وما يتصل بها من خصال يأخذون بها نفوسهم، وخصال ~~يأخذون بها من دونهم. كتب بها إلى الأمير عبد الله عن أبيه مروان سنة 128ه ~~يأمره بأن يسير إلى ملاقاة الضحاك بن قيس الشيباني الخارجي، وكان قد استولى على ~~الموصل وكورها، وعبد الله يومئذ نائبه على الجزيرة. فجاءت الرسالة على قسمين ~~كبيرين، أحدهما يتعلق بالسياسة المدنية، والآخر بالسياسة العسكرية، وفي كليهما ~~ظهرت حنكة الكاتب، وشمول ثقافته، وسعة اطلاعه، وحسن تدبيره، وغرضنا الآن القسم ~~الأول منها، فإنه يشتمل على ما يحتاج إليه ولي العهد من أمور دينه ودنياه، ~~فيذكره أن الخليفة لم يندبه إلى هذه المهمة الخطيرة إلا لثقته بمزاياه الدينية ~~والخلقية، فيدعوه إلى التوكل على الله، وأن يقرأ كل يوم جزءا من القرآن ~~مهتديا بهديه، ويحذره من الغفلة وغيرها من دخائل النقص التي يخشى عليه ~~منها. # ويشير عليه أن تكون حاشيته وجلساؤه من المجربين الذين عرفوا بالفقه والورع ~~والطاعة وصدق النصيحة؛ وألا يأذن لأهل مجلسه بالاسترسال في الحكايات والمضاحك ~~التي يأنس بها ذوو الجهالة، حفاظا على الشرف ودفعا لمثالب الحاسدين. # ومن عيوب ذوي السلطان، وعلى الأمير أن يبرأ منها، ضعفهم عن ضبط أنفسهم في ~~مواكبهم. إذا سايروا العامة، يستخفهم اجتماع الناس حولهم، فيكثرون من التلفت ~~زهوا وأشرا، وربما أقبل أحدهم على مداعبة مسايره، مع أنه يحسن بالسلطان أن ~~يظل مطرق النظر لا يتلفت إلى محدثه في موكبه، ولا يقبل عليه بوجهه، ولا يخف في ~~السير فيقلقل أعضاءه بالتحريك. # وعليه ms286 أن يتحرز من أصحاب السعاية الذين يتظاهرون بالنصيحة، وغايتهم إغراؤه ~~بغيرهم من الناس ليوقع بهم. فينبغي أن يكلف صاحب شرطته أو بعض قواده استماع ~~أقاويلهم والفحص عنها، ليتبين صادقها من كاذبها، فإذا حقت العقوبة تولاها ~~الفاحص بنفسه، فإن أخطأ نسب الخطأ إليه، ولا يجري مكروه على يد الأمير، وأما ~~العفو والرحمة وإخلاء السبيل فيتولاها الأمير دون غيره، وبذلك يقرن خصلتين: ~~ثواب الله في الآخرة، ومحمود الذكر في العاجلة. # ولا ينبغي أن يصل إليه أحد من جنده وخاصته وبطانته أو من الوفود والرسل ~~بمسألة إلا بواسطة كاتبه، فإن أراد قضاءها استقبله وقضاها له، وإلم يرد ~~قضاءها، جعل رده على يد كاتبه، فيحمل اللوم عنه. # ويجمل به أن يمنع أهل بطانته وسواهم من اغتياب الناس وتمزيق أعراضهم في ~~حضرته، وأن يستقبل محدثه والناظر إليه بإطراق جميل وسكون، فذلك أدعى للهيبة ~~والوقار، وأن يتصفح وجوه قواده ليعرف من حضر منهم ومن غاب، فيسألهم عن أشغالهم ~~التي منعتهم عن الحضور. # وعليه أن يتجنب حشو الكلام وترديد فضوله من نحو: اسمع، أو اعجل، أو ألا ترى، ~~فإنها تزري بالعاقل وتنسبه إلى العي، ومن معايب الملوك والسوقة كثرة التنخم، ~~والتبزق، والتنحنح، والتثاؤب، والجشاء، والتمطي، وتنقيض الأصابع وتحريكها، ~~والعبث باللحية والشارب ، والمخصرة، وذؤابة السيف، والإيماض بالنظر والإشارة ~~بالطرف إلى أحد الخدم، والسرار في المجلس، والاستعجال في الأكل والشرب. # ويختم هذا القسم بقوله: «وهذه ~~جوامع من خصال قد لخصها أمير المؤمنين، وجمع شواهدها مؤلفا وأهداها لك مرشدا، ~~تقف عند أوامرها، وتنتهي عند زواجرها، إلخ.» لأن الرسالة - في مجموعها - أمر ~~ونهي وترغيب وترهيب، فلا يصح أن يخاطب بها ولي العهد إلا أبوه، وهي - إلى ذلك ~~- تناسب الحكم المطلق بالممالك الأوتوقراطية في تصنيف الرعية ثلاث طبقات، ~~أرفعها الأشراف ورجال الدين، وأدناها طبقة العامة؛ وفي ضرورة تحمل المرءوس ~~تبعات الخطأ ومساوئه، ونسبة الصلاح والصواب إلى الرئيس، وهذا ما نجده - بعد عبد ~~الحميد - في رسالة السياسة المدنية المأثورة عن الفارابي. على أنها لا تغفل ~~الشورى، ولا تهمل النظر في أحوال السوقة وإصلاح ms287 أمورها، وإقامة قسطاس العدل في ~~قضاياها، وفتح باب الرحمة عليها، فكانت رسالة جامعة للآداب العامة والآداب ~~الخاصة بالملوك. # ومثلها الرسالة التي وجهها إلى كتاب الدواوين، يوصيهم فيها بأن يلتزموا ~~الخلال التي ينبغي أن يتحلوا بها ليكونوا خلقاء بالعمل الموكول إليهم، مبينا ~~لهم قيمة الكتابة وشرفها. فعلى الكاتب: «أن يكون حليما في موضع الحلم، فهيما ~~في موضع الفهم، مقداما في موضع الإقدام، محجاما في موضع الإحجام.» وأن يعرف ~~بالعفاف فلا يختلس من مال الدولة ولا يرتشي؛ وبالعدل فلا يجور على الرعية؛ ~~وبكتم الأسرار فلا يذيعها؛ وبالوفاء عند الشدائد وأن تكون له ثقافة عامة ومعرفة ~~بالعلوم التي لا يستغني عنها في حرفته، وقد تقدم ذكرها في كلام سابق. # وإذا كان سائس البهيمة بصيرا بسياستها التمس معرفة أخلاقها ليحسن قيادها ~~ومداراتها، والكاتب بفضل أدبه وشريف صنعته، أولى بالرفق من سائس البهيمة: ~~«فليكن على الضعيف رفيقا، وللمظلوم منصفا، فإن الخلق عيال الله، وأحبهم إليه ~~أرفقهم بعياله. ثم ليكن بالعدل حاكما، وللأشراف مكرما، وللفيء موفرا، ~~وللبلاد عامرا، وللرعية متألفا، وعن أذاهم متخلفا، وليكن في مجلسه متواضعا ~~حليما، وفي سجلات خراجه واستقصاء حقوقه رفيقا.» # ومراده بالرفق ألا يتحيف بيت المال في جباية الضرائب، وألا يعنف على الشعب في ~~استئدائها. # ويدعوهم إلى التعاون في الملمات، كما تتعاون النقابات في زماننا: «فإن نبا ~~الزمان برجل منهم عطفوا عليه وواسوه حتى يرجع إليه حاله؛ وإن أقعد أحدا منهم ~~الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه، زاروه وعظموه، واستظهروا بفضل تجربته وقديم ~~معرفته، وإن عرضت في الشغل محمدة، فعلى الكاتب أن يصرفها إلى صاحبه؛ وإن عرضت ~~مذمة، فليحملها هو من دونه.» إلى ما هنالك من الوصايا التي تليق بشرف الكتابة، ~~وتحث على التزين بمكارم الأخلاق. # وكذلك رسالة الشطرنج، فإنها تطلعنا على مبلغ عناية الراعي بتقويم أود ~~رعيته إذا جارت عن النهج السوي، فقد كتب بها إلى بعض الولاة يعلمه فيها أنه بلغ ~~أمير المؤمنين أن جماعة من المسلمين في ناحيته ينصرفون إلى لعب الشطرنج، ملتهين ~~به عن الصلوات، تاركين أعمالهم، لا ينفكون ms288 عنه من الصبح إلى المساء، مع ما ~~يتخلله من مداعبات سمجة وألفاظ قبيحة يظهرون بها في الأندية والمجالس؛ فاستفظع ~~أمير المؤمنين ذلك منهم، فأحب أن ينذرهم متقدما إليه بأن يأمر عامل شرطته في ~~إنزال العقوبة بهم، وإطالة حبس من يؤخذ منهم وهو مظهر اللعب معتكف عليه، ويوصيه ~~بأن يطرح اسمه من ديوان أمير المؤمنين. # وهناك رسائل قصيرة أو قطع ~~رسائل تتصل بسياسة الدولة في ما ينبغي أن تعرفه الرعية من الأنباء التي تطلعها ~~على عظمة الملك وقوته، وفتوحه، أو على اهتمام السلطان بأمورها، وتفقد ~~أحوالها، وتبشيرها بسلامته عندما تدعو الحاجة، توددا إليها، وإشعارا لها أنه ~~واثق بإخلاصها ومحبتها، وسرورها بهذه البشرى، لعلمها أنه لا خير لها يرجى إلا ~~في دولته وبقاء عرشه، ويقطع بذلك قالة السوء على الذين يذيعون الأخبار الكاذبة ~~أو الصادقة، وخصوصا بعد انشقاق البيت المالك بعضه على بعض، مع تألب الأحزاب ~~والخوارج، وتفاقم خطر الدعوة العباسية في خراسان، ولو انتهت إلينا رسائل عبد ~~الحميد بأجمعها لأمكننا أن نتبين فيها من أثر السياسة المتقلبة وحالة العصر ~~شيئا أكثر وأوضح، وإن يكن ما بقي منها كافيا للدلالة على ما قام به في ~~السياسة المدنية من العمل الصالح للخير والإصلاح. ~~(6-8) السياسة العسكرية # يطلعنا القسم الثاني من رسالة ولي العهد على ما بلغ إليه عبد الحميد من ثقافة ~~عسكرية، وعلم بفنون القتال، وعلى ما للأعاجم المستعربين من فضل في تنظيم الجيوش ~~العربية وحسن تدريبها، إذا نظرنا إلى حالتها في الجاهلية وأوائل صدر الإسلام، ~~ونرى ذلك ظاهرا في أنواع السلاح، ثم في الآداب العسكرية التي تعرف اليوم ~~عندنا بالانضباط، ثم في الخطط الحربية، ثم في حركات القتال. ~~(6-9) السلاح # تبدو خبرة الوزير الكاتب بأنواع السلاح المعروفة يومئذ، وطرق توزيعها ~~واستعمالها، عندما يوصي ولي العهد أن يكون للطلائع سلاح مخصوص، وللفرسان الذين ~~يختارهم للقاء العدو، أول ما يلقاه، سلاح آخر. فالطلائع، في انفرادها عن الجيش ~~الأعظم. مستهدفة للمخاطر، فينبغي أن يكون سلاحها وافيا واقيا، من دروع ~~ماذية الحديد، أي لينة لا تشق ms289 على لابسها، متقاربة الحلق، متلاحمة المسامير، ~~وأسوق الحديد مموهة الركب، خفيفة الصوغ، لوقاية سيقانهم، وسواعد بأكف ~~وافية، طبعها هندي، وصوغها فارسي، ويلق # 33 # البيض لحماية الرأس، فارسية الصوغ، سابغة الملبس، وافية اللين، ~~مستديرة الطبع، مبهمة # 34 # السرد، وافية الوزن، كتريك # 35 # النعام في الصنعة، معلمة بأصناف الحرير وألوان الصبغ، فإنها أهيب ~~لعدوهم. هذا ما عدا السيوف والرماح والقسي، وتلك ينبغي أن تكون من شجر الشوحط ~~أو النبع، # 36 # أعرابية التعقيب، رومية النصول، فإنها أبلغ في الغاية وأنفذ في ~~الدروع، ويحسن بهم أن يعلقوا حقائبهم على متون خيولهم، مستخفين من الآلة ~~والأمتعة، إلا ما لا غنى عنه، ويجب أن تكون خيولهم إناثا مهلوبة، أي مقطوعة ~~الأذناب، فإنها أسرع طلبا، وأبعد في اللحوق غاية، وأصبر في معترك الأبطال ~~إقداما. # وأما الفرسان المختارة للقاء العدو فينبغي أن تكون دوابهم إناث عتاق الخيول، ~~وأسلحتهم سوابغ الدروع وكمال آلة المحارب؛ وأن يكونوا ملبدين بالترسة ~~الفارسية، صينية التعقيب، معلمة المقابض بحلق الحديد، أنحاؤها مربعة، ~~ومحارزها بالتجليد مضاعفة؛ وأن تكون القسي أعرابية الصنعة، مختلفة الأجناس، ~~ونصول النبل مسمومة، تركيبها عراقي، وترييشها بدوي، والفارسية منها مقلوبة ~~المقابض، منبسطة السية، # 37 # سهلة الانعطاف، واسعة الأسهم. # وقلما ذكر حركة عسكرية إلا بين سلاحها وسبيل استعماله فيها. ~~فالدبابات # 38 # التي تهاجم بها الحصون يتولى ركابها حراسة الجيش نوبا بينهم، ~~ويقوم العسس مقامهم في الليل مخافة البيات، وإذا وقع البيات وطرق العدو على ~~غرة، فلا يسمح لأهل الناحية المبيتة أن يجالدوه بالسيوف، لئلا يختلطوا به، فلا ~~يميز الصاحب منهم صاحبه، ولكنهم يشرعون رماحهم مادين لها في وجوههم، ~~ويرشقونهم بالنبال، ملبدين بترستهم، لازمين لمراكزهم. وكذلك يكون سلاح ~~الذين يرسلون مددا لهم. فمن هنا يتبين ما كان عليه عبد الحميد من الخبرة ~~بالسلاح على اختلاف أنواعه وأساليب استعماله. ~~(6-10) الآداب العسكرية # تكلم عبد الحميد على الآداب العسكرية في مواضع شتى من رسالته، فألم بالنظام ~~والطاعة والتهذيب، وما إليها من الخصال الكريمة التي تطلب من الجندي ليستكمل ~~مزاياه الرفيعة، فكان فيها المؤدب الفاضل للجيش العربي ms290 القديم، يسن له النظم ~~الصالحة لتدريبه وإزكاء خصاله العسكرية، وهي في جملتها توافق الأنظمة الحديثة ~~في عصرنا، وإن تكن دونها دقة وشمولا واتساعا، ولها قيمة تاريخية لا تنكر، ~~لدلالتها على أفضل الصفات العسكرية في العصور الخالية، وعناية الأمويين بتقويم ~~جنودهم ورياضة أخلاقهم. فالقواد مسئولون عن آداب رجالهم، مفوض إليهم الأخذ على ~~أيديهم وتدريبهم على السمع والطاعة لأمرائهم؛ حتى يتبعوا أمرهم، ويقفوا عند ~~نهيهم؛ لأن استخفافهم بقوادهم استخفاف بولي العهد القائد الأكبر، وتضييعهم ~~لأوامرهم دخول الضياع على أعماله. فيجب أن يقمعوا عن الإخلال بمراكزهم لشيء ~~ما وكلوا به من أعمالهم، فإن ذلك مفسدة للجند، معي للقواد من الجد ~~والمناصحة والتقدم في الأحكام، ولا يؤذن لهم في الحرب أن ينتشروا ويضطربوا ~~ويتقدموا طائفتهم، لئلا تصاب منهم غرة يجترئ بها العدو ويقوى ويداخله ~~الطمع. # فعلى القواد أن لا يتوانوا في قمعهم وتقويمهم ورياضتهم على الطاعة، ويحق لهم ~~أن يعاقبوهم عقوبة تأديب وتثقيف أود، ولكن لا يجوز لهم أن يبلغوا بها تلف ~~المهجة وإقامة الحد في قطع أو إفراط في ضرب، أو أخذ مال، أو عقوبة في سفر. ~~فهذه الأحكام يقوم بها ولي العهد بنفسه، أو صاحب شرطته بأمره، وعن رأيه وإذنه. ~~فإنه لا ينبغي أن يذل الجنود لقوادهم. فإذا ذل الجند صعب على الأمير - بعد ذلك ~~- أن يعنف القواد ويعاقبهم إذا أخطئوا، أو فرط منهم تقصير في شيء أسنده ~~إليهم. # ويحسن بولي العهد أن يجعل على ساقته # 39 # أوثق أهل عسكره، يأمره بالعطف على ذوي الضعف من جنده، ومن استرخت ~~به دابته، أو أصابته نكبة من مرض أو رجلة أو آفة، ولا يأذن لأحد منهم في ~~التنحي عن عسكره، أو التخلف بعد ترجله، إلا المجهود أو المطروق بآفة، وإذا مر ~~به أحد متسللا من المعسكر شده وثاقا، وأوقره حديدا، وعاقبه موجعا، أو وجهه ~~إلى الأمير لينهكه عقوبة، ويجعله عظة لغيره من الجند. # ومن فضائل الجندي أن يكف معرته عمن يمر به من أهل الذمة أو من المسلمين، ~~فيكون معهم حسن السيرة، عفيف النفس، ms291 متحليا بالوقار. # وإذا تدانى الصفان، واحتضرت الحرب، فعلى الجند أن يلزموا الصمت وقلة ~~التلفت إلى المشار له، وكثرة التكبير في نفوسهم، والتسبيح بضمائرهم، لا ~~يظهرون تكبيرا إلا في الحملات والكرات والاقتراب من العدو؛ فأما وهم وقوف فإن ~~ذلك من الفشل والجبن. # وإن فاجأهم العدو وبيتهم ليلا، فلا ينبغي أن يرفع أحد صوته بالتكبير، ~~معلنا للإرهاب، إلا الناحية التي وقع فيها العدو، ويظل سائر الجند ~~هادئين. # وإذا اتبعوا العدو - بعد كسره - فليكونوا في سكون ريح، لا يتلفظون بالكلام ~~القبيح، بل يكثرون التسبيح والتهليل بلا لجب وضجة ولا ارتفاع ضوضاء. # فهذا مجمل ما جاء في الرسالة من تبيان فضائل الجندي المدرب، وهي، على إيجازها ~~في هذا الموضوع، محيطة بنواح مختلفة من الآداب العسكرية، أو نظام ~~الانضباط. ~~(6-11) الخطط الحربية # عني عبد الحميد بأن يبين لولي ~~العهد الخطط التي يحسن به أن يترسمها في مقاتلة العدو ليأمن الكسرة، وينال ~~النصر عليه، وإنها، وإن لم تكن خططا واسعة النطاق، لتلائم السلاح الذي ~~يحاربون به، والأرض التي تتحرك العساكر عليها، وأسباب المواصلات في الزمان ~~الخالي. فقد أوصاه بأن يكون موضع نزول الجند مستديرا ضاما جامعا، وألا يكون ~~منتشرا ولا ممتدا، فيشق ذلك على صاحب الأحراس الذي يتولى رعاية الجيش من ~~المفاجآت، ويكون فيه النهزة للعدو، والبعد عن المادة إن طرق طارق في ~~الليل. # وينبغي له أن يتعرف المواضع والمياه التي ينزل بها، فربما كان الموضع ضيقا ~~والمياه قليلة، فلا يمكنه القيام به ولا مطاولة العدو ومكايدته، ولا يأمن هجومه ~~عليه لإزعاجه منه، ومن الخير أن يجعل نزوله في خندق أو حصن يأمن به البيات، ~~فيقطع لكل قائد ذرعا من الأرض بقدر أصحابه، يحتفرونه عليهم ويطرحون له الحسك ~~دون الرماح والترسة، لتنشب في أرجل من يدوسها من الخيل والناس الطارقين، على ~~أن يكون له بابان يحرس كل واحد منهما قائد في مئة من أصحابه. # ويحسن بالأمير أن يجعل الحيل والخدع في مقدمة خططه المرسومة، فإن الحرب خدعة ~~كما جاء في الحديث، والجواسيس رأس المكيدة، فعليه أن ms292 يبثهم في معسكر العدو ~~متطلعا لعلم أحوالهم ومنازلهم ومطامعهم، وإذا تناقضوا في الأخبار، فلا يعجل ~~إليهم بسوء الظن والعقوبة؛ لأنه لا يدري صادقهم من كاذبهم، ولعل أمورا جرت ~~فجعلتهم يتناقضون، وليحذر أن يعرف بعضهم بعضا لئلا يتواطئوا عليه ويمالئوا ~~العدو؛ أو أن يعرفوا في معسكره، وللعدو عيون راصدة، فلا يأمن أن يبلغوا ~~خبرهم إلى صاحبهم فينزل بهم العقوبة، ويكسر من نشاطهم، فيعدلوا عن استقصاء ~~الأخبار إلى أخذها عن عرض من غير ثقة ولا معاينة. # ويفيض في الحديث عن الجواسيس وما يترتب على أخبارهم وصدقهم وغشهم من النتائج ~~مما يدل على أن شأنهم في العصور القديمة لا يقل عن شأنهم في عصرنا ~~الحاضر. # ومن المكايد أن يغتمد الحيلة لشق عسكر العدو وإخراج القواد عن رئيسهم، وذلك ~~بأن يكاتبهم ويعدهم المنالات والولايات لعلهم ينتقضون عليه؛ أو أن يطرح إلى ~~بعضهم كتبا كأنها جوابات عن كتب جاءته منهم؛ وأن يكتب على ألسنتهم كتبا تبلغ ~~صاحبهم، فتحمله على اتهامهم، فقد تفضي هذه المكيدة إلى افتراق كلمتهم، وتشتت ~~جمعهم. # وعلى الجملة فالأمير مسئول عن ~~جميع الخطط الحربية التي تمهد طريق النصر، وتساند الحركات العسكرية إذا كان لا ~~مخلص له من القتال. ~~(6-12) الحركات العسكرية # كان قواد العرب يرتبون الجيش صفا صفا في أوائل الإسلام، ثم عمدوا إلى ~~تقسيمه كراديس فعلهم في واقعة اليرموك، ثم أخذوا الطريقة الفضلى التي أطلق بها ~~على الجيش اسم الخميس لترتيبه على أقسام خمسة، وهي المقدمة والساقة والميمنة ~~والميسرة والقلب، على أشكال مختلفة من مربع أو هلالي، وهذه الطريقة يوصي بها ~~عبد الحميد ولي العهد في رسالته إليه. فإذا كان من عدوه على مسافة دانية، سار ~~بالجيش على هذه الأهبة، قد شهروا السلاح ونشروا البنود والأعلام، ويولي شرطته ~~وأمر عسكره أوثق قواده، ويحسن أن يكون معروف البيت مشهور الحسب، فذلك أضمن ~~لهيبته ومناصرة عشيرته له. # ويرى أن الطلائع أول مكيدة المحارب، لأنها تسعى إلى جس نبض العدو واستدراجه، ~~والكشف عن أحواله، فيشير على الأمير أن ينتخب لها رجالا ذوي نجدة وبأس ms293 وخبرة، ~~كما يشير عليه أن يعنى بإقامة الأحراس، وإذكاء العيون، وحفظ الأطراف؛ وأن يجعل ~~على الساقة أوثق أهل عسكره ليعاقب الهارب، ويعطف على الضعيف والمريض، وخلف ~~الساقة رجلا من وجوه القواد في خمسين فارسا جليدا، ليلحق من يتخلف من الجند ~~بعد عقوبته، وليلقى الكمين إذا ظهر في مؤخرة الجيش. # وعليه أن يوكل بخزائنه ودواوينه رجلا أمينا ذا ورع، ومعه فرسان ترافق ~~الخزائن، ويكون العسكر مجانبا لها، متخلفا عنها من تحوله إليها عند الجولة ~~والفزعة. # وينبغي أن يكون الرحيل إبانا واحدا، ووقتا معلوما، لتخف المؤنة على ~~الجند في معالجة أطعمتهم وأعلاف دوابهم، متى عرفوا أوان رحيلهم، ولا ينادى ~~بالرحيل حتى يأمر صاحب التعبية العسكر بالاستعداد لكل مفاجأة واعتداء، فيرحل ~~الناس والخيل واقفة، والأهبة معدة، ويسيرون بسكون ريح وهدوء، ولا ينزلون في ~~موضع إلا بعد الفحص عنه والتوثق فيه، والتحصين له، ونشر الدبابات والأحراس ~~حوله؛ لئلا يطرقهم العدو وهم على غير منعة ووقاية. # فإن ابتلي ببيات عدوه، ظلت الناحية المطروقة لازمة مراكزها، لا تتقدم ~~للمجالدة بالسيوف، بل تمد الرماح وترشق بالنبال، وتكبر ثلاثا ليعرف مكانها ~~فيرسل إليها المدد ليفرج عنها برماحه ونشابه. # وإذا حان اللقاء اختار من جيشه ذوي البأس والجد ممن قد اعتاد طراد الكماة، ~~وعرف بالصبر على أهوال الليل، لم تضعفه السن، ولا أبطرته الحداثة، فيعرضهم رأي ~~العين، على كراعهم # 40 # وأسلحتهم، ثم يولي على كل مئة منهم رجلا من أهل خاصته وثقاته، ~~ويتقدم إليه في ضبطهم، فيكونون له عدة في المفاجآت والطوارق؛ إذ لا يدري أي ~~الساعات يحتاج إليهم، فيبعث منهم المئة بعد الأخرى بحسب حاجته. # وعندما يتواقف الجمعان للقتال فليس إلا الصمت، وقلة الجزع، والتوكل على الله، ~~والتسبيح والتكبير في القلوب. # وأوصى الأمير أن يبعث مكبرين بالليل والنهار يطوفون على العسكر قبل ~~المواقعة، يحضونهم على القتال، ويحرضونهم على عدوهم، ويصفون لهم منازل الشهداء ~~وثوابهم، ويذكرونهم الجنة ورخاء أهلها وسكانها، ويجمل به - إذا استطاع - أن ~~يباشر تعبية الجند بنفسه مع رجال من ثقات فرسانه ذوي سن وتجربة؛ وينبغي ألا ms294 ~~يخوض غمار الحرب إلا بعد أن يدعو العدو إلى الطاعة وترك العصيان. # فرسالة ولي العهد وثيقة تاريخية تطلعنا على ما بلغت إليه العرب، في فنون ~~الحرب، من التنظيم والارتقاء زمن الأمويين. ~~(6-13) أسلوب عبد الحميد # بلغت صناعة الترسل عند عبد الحميد درجة رفيعة من البلاغة، وخرج بها النثر ~~الفني إلى ميزته التي استقل أو كاد يستقل بها عن الشعر، فلم تغلب عليه النغمات ~~والنبرات الصوتية التي نجدها في خطب علي وزياد والحجاج، ولا تلك الصور الشعرية ~~المتلألئة في التشابيه والكنايات والاستعارات؛ ولا ذاك الخيال المغرب الذي يرين ~~على الحقيقة فيموهها بإغرائه وفتونه؛ ولا ذلك الإيجاز الذي يكثر فيه الحذف ~~والتلويح، ولا يخلو بعض الأحيان عن الإخلال. فقد كتب عبد الحميد رسائله بلغة ~~أدبية رصينة، متينة على غير خشونة، خالية من العبث والمضاحك على غير جفاف، تنبض ~~الحياة فيها على غير خفة وأشر، وعالج المباحث السياسية والاجتماعية بروية ~~العاقل وأسلوب الأديب، لا ينتقص الفكر، ولا يتحيف الفن، يؤثر الإسهاب على ~~الإيجاز، ويميل إلى التفصيل أكثر منه إلى الإجمال. يتوخى بلوغ الحقيقة، ولا ~~يعرض عن المجاز، فيكثر من الكنايات والاستعارات، ولكنها قريبة المدلول لا تجنح ~~إلى الإغراب، وتقل عنده الصور التشبيهية، فنكاد لا نرى منها إلا ما جاء من باب ~~المحاكاة والمماثلة مثل قوله: «وسيحتال لك كاحتيالك له، ويعد لك كاعتدادك ~~له.» ولا نظفر بالتشبيه التصويري إلا نادرا حيث يقول: «مبهمة السرد، وافية ~~الوزن، كتريك النعام في الصنعة.» بيد أنه يعنى بالنعوت عناية ظاهرة، وقد يتوالى ~~بعضها إثر بعض، فلا تثقل ولا تتنافر لما بينها من إضافات فاصلة كقوله: «فليول ~~عليهم رجلا ركينا مجربا، جريء الإقدام، ذكي الصرامة، جلد الجوارح، بصيرا ~~بموضع أحراسه، غير مصانع، ولا مشفع للناس.» # وتتوافر المنصوبات متتابعة في الجمل المقطعة المتوازنة، فهنا المصادر ~~والمفاعيل، وهناك الحال والتمييز، تتداعى أصواتها متجاوبة، فتحدث في السمع ~~وقعا جميلا لا يجحد تأثيره في التعبير الأدبي. # وموازنة الجمل لها مكان الصدارة في أسلوبه، يؤثر القصيرة منها، فإذا طالت لا ~~تسرف في الطول، ويمدها ms295 بواو العطف، فتتعاقب موصولة الأطراف. متعاشقة الأجزاء، ~~وربما وردت مترادفة، يقلبها على المعاني المتشابهة والمتقاربة، رغبة في الإسهاب ~~والتبليغ، واستطرابا لائتلافها وحسن موقعها. فيقول: «جريئا على مخاطر التلف، ~~متقدما على ادراع الموت، مكابرا لمرهوب الهول، متقحما مخشي الحتوف، خائضا ~~غمرات المهالك.» # وهذه المماثلات والمترادفات لم ينهكها التعمل وفساد الذوق. فإن له من سلامة ~~الطبع ورهافة الحس الفني ما يقصيه عن التكلف الممقوت. فأتت هذه الأشياء ~~ونظائرها جارية على سجية النفس، ملبية صوت البلاغة، حرة مطمئنة في منازلها، لا ~~مقودة مكرهة متعبة، ولم تكن الصناعة البديعية من طلباته، فقلت أسجاعه ~~ومجانساته، فلا تشعر بها إلا إذا تلمستها؛ لأنها تمر خفيفة عى الأسماع، خفية عن ~~الأنظار، كأن بها حياء، فلا ترنن خلاخيلها ودمالجها، ولا تعرض زينتها ~~وتبرجها. # ومع ما في رسائله من تقسيمات منطقية لأغراضها وأجزائها، ومع ما فيها من مباحث ~~عقلية في السياسة والاجتماع، فإنه لم يأنس بالقياس المنطقي الذي حفلت به مصنفات ~~صديقه ابن المقفع، وقلما ضرب الأمثال لتأييد حجته كمثل سائس البهيمة. فليس في ~~رسائله سوى أدلة خطابية وأوصاف أدبية تحدث تأثيرا في النفس، ولا يصح أن تعد ~~دعامة عقلية لآرائه، وهي إلى ذلك مطلقة العنان محطمة القيود؛ والأمثلة عليها ~~كثيرة، ولا سيما تحديده للإخاء. # ولعل ذلك يعود إلى أن اللغة لم تكتسب في بني أمية دقة التعبير العلمي الذي ~~أحرزته في بني العباس، على ما في طبيعة اللسان العربي نفسه من السعة والاحتمال، ~~في استشفاف التعابير ومعاني الألفاظ، فكثر في كلامهم التأويل واختلفت الشروح ~~والتفاسير. # وإنشاء عبد الحميد، على جزالته وشدة أسره، لم يخالطه التعقيد، ولا نبا عنه ~~الوضوح والسهولة، وإن لم يبلغ بهما مبلغ ابن المقفع، وربما وقعت على ألفاظ ~~غريبة، ولكنها ليست من الحوشي المسترذل، ولا تخلو عن الرواسم المأثورة مثل ~~قوله: «كشر عن ناجذه في الحرب، وقام على ساق في منازلة الأقران، مستحصد ~~المريرة.» # 41 # وهي من ثقافته العربية الأصيلة في بني أمية، ونجد معها ألفاظا ~~جديدة عرفت في الإسلام بعد خروج العرب من الصحراء، ms296 كالحسك والسواعد والسوق ~~لبعض أنواع السلاح. # وعلى الجملة، فعبد الحميد من أصحاب الأساليب الشخصية التي تعرف بها أصحابها، ~~وإنشاؤه صورة جلية على الارتياح إلى التأمل في آداب نفسه وأخلاقه ~~الإنسانية. ~~(6-14) منزلته # إذا ذكر عبد الحميد قيل إنه أول من وضع أصول الرسائل وأطالها وفصلها، وأكثر ~~من التحميدات، واستعمل في بعض كتبه الإيجاز البليغ، وفي بعضها الإسهاب المفرط ~~على ما اقتضاه الحال، وقيل: «فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد.» ~~وقال ابن خلكان: «وكان في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب إماما، وعنه أخذ ~~المترسلون ولطريقته لزموا، ولآثاره اقتفوا، وهو الذي سهل سبيل البلاغة في ~~الترسل.» وضرب المثل به فقيل: أبلغ من عبد الحميد، وكان أحمد بن يوسف يقول في ~~رسائله: «ألفاظ محككة وتجارب محنكة.» وقال ابن نباتة: «إنه البالغ إلى أعلى ~~المراتب في الكتابة البليغة.» وقال جعفر بن يحيى البرمكي: «عبد الحميد أصل، ~~وسهل بن هارون فرع، وابن المقفع ثمر، وأحمد بن يوسف زهر.» وكان أبو جعفر ~~المنصور يقول: «غلبنا بنو أمية بثلاثة أشياء: بالحجاج وعبد الحميد والمؤذن ~~البعلبكي.» # فمن هذه الأقوال تظهر منزلة الكاتب الوزير عند الأقدمين، واتفاقهم على ~~الإعجاب به، والإشادة ببلاغته، وتقديمه في الترسل ووضع أصوله وتنويع ~~فصوله. # ومن كلام له نستدل على رأيه في الكتابة وما فيه من ملاءمة لأسلوبه، قال: ~~«القلم شجرة، ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر، لؤلؤه الحكمة.» ومن أقواله: «خير ~~الكلام ما كان لفظه فحلا، ومعناه بكرا.» # وسئل مرة: «ما الذي مكنك من البلاغة؟» فقال: «حفظ كلام الأصلع.» يعني علي بن ~~أبي طالب، ولا خلاف أن كلام الإمام قدوة البلغاء. وإذا وجد التشابه بينه وبين ~~عبد الحميد في بعض النواحي، فهما يفترقان في سائرها، وكلاهما بلغ الدرجة العليا ~~في إنشائه على طريقته وأسلوبه. فإن كان الإمام أفخم لفظا، وأعرق تعبيرا، ~~وأظهر حكمة، وأقوى شخصية؛ فعبد الحميد أكثر تفصيلا وإيضاحا، وأبرع سياسة، ~~وأوسع تدبيرا، وله الفضل الذي لا ينكر في تعبيد طريق النثر الفني، وفي ابتداع ~~سنة الرسائل على نهجها الجديد. ~~(7) العلوم # كان ms297 من أثر اختلاط العرب بالموالي وتزاوجهم، أن فسدت ملكة اللغة، وفشا اللحن في ~~الكلام، وكان الخلفاء جد حراص على صحة قراءة القرآن؛ فأشفقوا من أن يفضي هذا ~~اللحن في اللفظ إلى إفساد المعنى؛ فشرعوا في ضبط إعراب الكلمات، وتحريك الحروف ~~وإعجامها. وأول من نظر في النحو أبو الأسود الدؤلي، ويقال إن أول باب وضعه كان ~~التعجب. وهو أيضا أول من وضع الحركات على شكل نقط؛ فجعل الفتحة نقطة فوق الحرف، ~~والضمة نقطة بين يدي الحرف، والكسرة نقطة من تحت الحرف، وكانوا ينقطون هذه الحركات ~~بمداد من غير لون المداد الذي يكتبون به الكلمات. # وظلت الحركات كذلك حتى زمن الحجاج بن يوسف فجعلت النقط لإعجام الحروف المتشابهة، ~~ثم كتبت الحركات بصورتها المعروفة الآن. # ولم يقتصر اختلاط العرب بالموالي على وضع النحو والحركات والنقط، بل تعداه إلى ~~أبعد من ذلك؛ فإن هؤلاء الأعاجم من روم وفرس حملوا إلى الأمة العربية حضارة عادية، ~~وعلوما مزدهرة، فنبهت بها كامن الفكر على طلب العلم، وكان لها من القرآن والحديث ~~حافز على ذلك، فتولد في نفسها نزوع إلى التحضر والاشتغال بالعلوم. فعنيت أولا ~~بدراسة القرآن وتفهم أسراره، واستنباط الأحكام منه، فنشأ علم التفسير ممهدا طريق ~~علم اللغة، وقد اشتهر من علماء التفسير طائفة من الصحابة وغير الصحابة، وكان ~~للموالي حظ وافر منه، من بينهم أئمة كبار كالحسن البصري، وابن سيرين، ومجاهد بن جبر ~~وغيرهم. # ثم عنيت بالتاريخ رغبة في الاطلاع على أحوال الأمم القديمة، فكان القصاصون من ~~عرب وموال يروون لها أخبار الملوك والعظماء. ذكر المسعودي: «أن معاوية كان يجلس ~~لأصحاب الأخبار في كل ليلة بعد العشاء، فيقصون عليه أخبار العرب وأيامها، والعجم ~~وملوكها وسياستها في رعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها. ثم ينام ثلث الليل ~~ويقوم فيأتيه غلمان وعندهم كتب قد وكلوا بحفظها وقراءتها. فيقرءون عليه ما في تلك ~~الكتب من سير الملوك، وأخبار الحروب ومكايدها، وأنواع السياسات. وعني المسلمون ~~أيضا بتدوين سيرة النبي، وأعمال صحابته. وكان يعرف علم التاريخ عندهم «بعلم أخبار ~~الماضين.» # وعرف ms298 العرب في العصر الأموي شيئا من العلوم الدخيلة كالفلسفة، والطب، والنجوم، ~~والكيمياء. ويرجع الفضل في ذلك إلى المدارس السريانية كمدرسة الرها ونصيبين، فإن ~~المسلمين بعد أن افتتحوا تلك البلاد تركوا هذه المدارس تتابع أعمالها فاستفادوا من ~~علومها، وأخرجت لهم أطباء عرفوا في ذلك العهد كابن أثال النصراني وكان طبيبا ~~لمعاوية، وماسرجويه، وكان سرياني الجنس يهودي المذهب. قيل: إنه نقل كتابا في الطب ~~في أيام مروان بن الحكم. # وكان أول من اشتغل بهذه العلوم من العرب خالد بن يزيد بن معاوية فإنه درس صناعة ~~الكيمياء على راهب رومي يدعى مريانوس، فلما تعلمها أمر بنقلها إلى العربية، فنقلها ~~له رجل اسمه اسطفان، وذكر صاحب الفهرست أن سالما كاتب هشام بن عبد الملك نقل رسائل ~~أرسطو إلى الإسكندر. # بيد أن صدر الإسلام لم يترك لنا من العلوم الدخيلة وغير الدخيلة، إلا أخبارها فلا ~~يصح لنا أن نبحث عنها في هذا العصر، ولكن في عصر بني العباس. ~~(8) الرواة # كان لكل شاعر في الجاهلية راوية يروي شعره ويرويه غيره؛ لأن الكتابة لم تكن شائعة ~~في ذلك العصر، ولولا الرواة لما وصل إلينا شيء من الشعر الجاهلي. ثم شاعت الكتابة ~~في الإسلام بعد أن تم الأمر لبني أمية، ولكن الشعر ظل محفوظا في صدور الرواة أو في ~~أوراق خاصة بهم، ولم يعم تدوينه إلا في العصر العباسي الأول. على أن الرواة كثر ~~عددهم في العصر الأموي، لأن المسلمين لما شرعوا بتفسير القرآن وضبط ألفاظه، اضطروا ~~إلى جمع أشعار العرب وأمثالهم؛ ليستعينوا بها على تفهم الآيات وإدراك أسرارها، وكان ~~ابن عباس يقول: «إذا قرأتم شيئا من كتاب الله لم تعرفوه، فاطلبوه في أشعار العرب؛ ~~لأن الشعر ديوان العرب.» # وكان لتنافس الأحزاب السياسية يد في ازدياد الرواية، فكانت كل فئة تفاخر الأخرى ~~بشعرائها وعظمائها، وتروي أخبارهم وأقوالهم، وآنس الرواة من الأمويين ارتياحا إلى ~~معرفة نوادر الأعراب وأشعارهم، فراحوا يتلقفونها بين الخيام من كل قبيلة خالصة ~~البداوة، ويأتون بها إليهم فيصيبون عليها نوالا عظيما. # غير أن هذه الروايات لم ms299 تسلم من النحل والكذب؛ لأن الرواة لم يتورعوا من إضافة ~~شعر إلى غير قائله، واختراع قصة لا أصل لها؛ إما للإتيان بشاهد يعتمد عليه في ~~المعاني أو في النحو، وإما لإرضاء شخص أو حزب بذكر مآثر من ينتمي إليه، أو لمفاكهة ~~الخلفاء والأمراء وسواهم من الناس. فنشأ عن ذلك الشعر المنحول، ونشأ أيضا فن القصص ~~الخيالية كأخبار مجنون ليلى، وجميل بثينة، وعنترة وسواهم. # وإذا كان الرواة أساءوا إلى التاريخ بما اصطنعوه من الأشعار والأخبار، فقد خدموه ~~أجل خدمة بما حفظوا من أقوال أهل الخيام وعاداتهم وأخلاقهم. # ومن الرواة من عرف بصدق الرواية كقتادة بن دعامة السدوسي # 42 # وأبي عمرو بن العلاء. # 43 # ومنهم من عرف بالكذب والنحل كحماد، وهو أشهر الرواة ~~الأمويين. ~~(9) حماد (772م/156ه ؟) ~~(9-1) حياته - منزلته # هو أبو القاسم حماد بن ميسرة الديلمي الكوفي من موالي بكر بن وائل، ~~ويلقب بالراوية لأنه كان أعلم الناس بأيام العرب، وأشعارها، وأخبارها، ~~وأنسابها، ولغاتها، وكان في أول أمره يصحب الصعاليك واللصوص، فنقب ليلة على ~~رجل فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار فقرأه حماد فاستحلاه وتحفظه. ثم ~~طلب الشعر وأيام العرب ولغاتهم، وترك ما كان عليه، فبلغ من العلم مرتبة سامية، ~~واشتهر بقوة الحافظة، فرويت عنه أخبار كثيرة لا تخلو من الغلو، منها: أنه كان ~~يروي سبع مئة قصيدة، أول كل واحدة منها: بانت سعاد ، وأنه سمع الطرماح ~~الشاعر ينشد قصيدة، عددها ستون بيتا، فقال له: «ليست لك.» قال: «كيف لا؟» قال: ~~«إني أنشدها بزيادة عشرين بيتا لتعلم أنها ليست لك.» ثم أنشدها وزاد فيها من ~~نظمه. # وحظي حماد عند الأمويين فكانوا يستقدمونه ويسألونه عن أيام العرب وأشعارها ~~ولغاتها، فيروي لهم وينال جوائزهم. قيل: سأله الوليد بن يزيد يوما: «بم ~~استحققت أن تلقب بالراوية؟» قال: «إني أروي لكل شاعر تعرفه أو سمعت به، ثم ~~أروي لأكثر منهم ممن تعرف أنك لا تعرفه ولم تسمع به. ثم لا ينشدني أحد شعرا ~~قديما أو حديثا إلا ميزت بينهما.» فقال له: «كم مقدار ما ms300 تحفظه من الشعر؟» ~~قال: «كثير، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مئة قصيدة كبيرة سوى ~~المقطعات، وذلك من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام.» قال: «فإنى ممتحنك.» ثم أمره ~~بالإنشاد فجعل ينشد حتى ضجر الوليد، فوكل به من يسمع بقية القصائد واستحلفه أن ~~يصدقه، فأنشد حماد 2900 قصيدة للجاهلية. # ومهما كان في هذا الخبر وما قبله من المبالغة فإنه يدل على حافظة عجيبة، ~~ورواية واسعة عرف بها حماد. # وأدرك راويتنا دولة العباسيين، ولكنه لم يحظ عندهم حظوته عند الأمويين فخمل ~~ذكره. وقيل: إنه أدرك المهدي، وأن الخليفة العباسي كان يستدعيه ويستنشده، ولكنه ~~كان يؤثر عليه المفضل الضبي لصدق روايته. وخلافة المهدي تبتدئ سنة 158 ~~للهجرة أي بعد سنتين من وفاة حماد، فالخطأ واضح كما ترى. # وكما عرف بالعلم وسعة الرواية، عرف بالكذب والوضع، فكان يزيد في الأشعار ~~التي يرويها لغيره من شعره، أو ينتحل من شعر غيره مما هو قديم لا يرويه أحد ~~غيره ويضمه إلى شعره، فيختلط بعضه ببعض. قال المفضل الضبي: «قد سلط على ~~الشعر من حماد الراوية ما أفسده، فلا يصلح أبدا.» فقيل له: «وكيف ذلك، أيخطئ ~~في روايته أم يلحن؟» قال: «ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى ~~الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا ~~يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل، ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، ~~فتختلط أشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد؛ وأين ~~ذلك؟» # واستحلف المهدي حمادا في أمر الزيادة في أشعار الناس، فأقر له بأبيات أضافها ~~إلى زهير بن أبي سلمى، فأمر المهدي بإبطال روايته، ووصل المفضل لصدقه وصحة ~~روايته، ولعل ذلك حدث قبل مبايعته بالخلافة. # قال ابن سلام: «وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية، ~~وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، ويزيد في الأشعار.» وقال يونس: ~~«العجب لمن يأخذ عن حماد، كان يكذب ويلحن ويكسر.» # وحماد أول من جمع السبع الطوال، ms301 وجمع أشعار أكثر القبائل، وأكثر شعراء بني ~~أمية، قيل: إنه جعل شعر كل قبيلة أو شاعر في كتاب. فكان عنده كتاب لشعر ~~قريش، وآخر لشعر ثقيف، وآخر لغيرهم، ولكنها ضاعت كلها وروى الناس عنه. غير أن ~~الأدباء المدققين الذين جاءوا بعده لم يعتمدوا على الروايات التي انفرد بها دون ~~غيره، وقد أظهر ابن سلام والأصفهاني وسواهما كثيرا من منتحلاته ~~وأكاذيبه. ~~••• # فقد رأيت أن الصدر الثاني للإسلام كان عصر يقظة وتفكير وعمل، عصر تنعم ~~وترف، ولكن لم يطل عمره فيتم ما بدأ به، بل أديل منه العصر العباسي، عصر حضارة ~~الإسلام، ونهضة العلم والأدب، عصر التدوين والتأليف. # | هوامش ms302