######OpenITI# #META# URI: 1300JurjiMutran.BaynNarayn.Hindawi86391480 #META# Tags: novels #META# ID: 86391480 #META# Title: بين نارين #META# AuthorID: 82636392 #META# Author: جرجي مطران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الرواية‏ # الجزء الأول‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الجزء الثاني‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # إهداء الرواية‏ # الجزء الأول‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الجزء الثاني‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # | بين نارين # | بين نارين # تعريب # جرجي مطران # | إهداء الرواية # إلى حضرة العالم المفضال الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد الأغر # هذه يا سيدي باكورة أعمالي أرفعها إليكم إيذانا بخدمتكم الجليلة للوطن، وإقرارا ~~بما لكم من عظيم الفضل، وألتمس أن تتكرموا بقبولها هدية ود واحترام من ~~المخلص. # جرجي مطران # | الجزء الأول # | الفصل الأول # قيل: إن متوشالح # 1 ~~- عليه السلام - عمر ما ينيف على 969 سنة، ولو قضي لي أن أعيش ~~مثل هذا العمر الطويل، لما نسيت في آخره سنة 1878؛ إذ إن من الحوادث ما لا ~~ينسى، وقد كانت هذه السنة مبدأ ما جاءني به مستقبل الأيام من السعادة ~~والشقاء. # دخلت نحو الساعة العاشرة إلى مكتب فركنباك الصيرفي الشهير بباريس، وكنت أحمل ~~إليه كتاب وصاة من عمي، فصدني عن الدخول حاجب ذو غلظة، تلوح على وجهه دلائل ~~الخبث، يلبس صدرة موشاة بالطراز المذهب، ورداء عاتما إلى الخضرة ~~مذهبا أيضا، وقال لي: ما تريد؟ فقلت: أريد مقابلة البارون فركنباك، فهل هو ~~هنا؟ فقال: الأفضل أن تعود إليه مرة أخرى. # وظهر لي من خشونة الحاجب أن البارون كان قد أمره بأن لا يأذن للناس بالدخول ~~عليه. # فقلت له: إني قادم من افريه ومعي كتاب إلى البارون من أحد أصدقائه، لا بد لي من ~~تسليمه له قبل مساء اليوم، ففي أي وقت أتمكن من مقابلته؟ # فلما سمع هذا الكلام تبسم بعد التقطيب وأجابني بما ms01 في وسعه من الرقة والتلطف: ~~تفضل يا سيدي، وأعطني بطاقة باسمك والكتاب الذي تحمله، وسآتيك بعد هنيهة بالجواب، ~~فدفعتهما إليه. # فمضى وما عتم أن عاد وسألني أن أنتظر البارون ريثما يفرغ من بعض شأنه فيحضر، ثم ~~قال: اجلس يا سيدي، وإن شئت فاقرأ هذه الجريدة، وكان قد تحول من الخشونة إلى ~~النهاية في التأدب واللين. # فشكرته وأخذت الجريدة أقلب نظري فيها ولا أعي شيئا من معانيها، وكنت أفكر في ~~أمس الدابر، وما جرى لي فيه من الأمور، وكيف فارقت الأهل والأحباب امتثالا لأمر ~~عمي؟ وكيف كانت ساعة وداعهم المؤلمة؟ وكيف مرت تلك الساعة مرور لحظة؟ ثم ترحلت ~~عن البلاد كاسف البال، شجي الفؤاد، فاغرورقت مقلتاي بالدموع، وتعذر ~~علي إقرار نظري على الصحيفة التي أصبحت لا أرى إلا بياضها، وقد خيل لي أن ~~كل هذه الأمور جرت منذ عهد بعيد لا في أمس؛ لما في نفسي من الوحشة. # ولا أزال أذكر عمي إذ دخل علي بكرة ووضع يده على كتفي وأيقظني، وكان وجهه ~~متوردا، عليه سمة الانشغال والاضطراب، وكان منديله مجموعا في قبضة يده علامة ~~أنه يكظم أمرا في نفسه، فجلس على كرسي هناك، ثم سألني: في أي يوم من الشهر ~~نحن؟ فأجبته وقد أدهشني هذا السؤال: إذا صدق الرزنامج وكانت عيناي غير حسيرتين، ~~فاليوم الثامن من شهر أكتوبر، ولكن علام باكرت إلي يا عمي العزيز تستفهم عن ~~شيء لا تعز معرفته على أجير لو سألته؟ # فعبس بي وتغيرت شارات وجهه ويديه ثم قال: اعلم يا مكسيم أنك صرت منذ صبيحة ~~اليوم رجلا راشدا مطلق الحرية والإرادة، ولك أن تتصرف بأموالك كيف تشاء، وأن ~~ترتكب كل المنكرات بلا اعتراض؛ ولذلك أحب أن تطلعني على ما تنويه. فلم ~~أجب، ولكن عجبت أن يكون بلوغي الرشد مما يقتضي تغيير نظام معيشتي، فألح علي ~~فأجبته بعبس، فقال: إن هذا يدلني على قلة اهتمامك بمستقبلك، فاعلم يا ولدي ~~أني قيم عليك، وأن عهدتك أثقلت عاتقي، وقد آن لي أن أتخلص منها، وكانت ~~قيامتي هذه عليك ms02 تضطرني إلى مراقبتك واستغلال مالك، أما الآن وقد شببت بعون ~~الله تعالى فأنا أعرض عليك حسابات ما تملك، وهذه سفاتج، وسندات، وحجج، ودفاتر ~~تتضمن دخلك وخرجك، فعليك أن تجمع وتطرح وتضرب وتقسم، ثم تعطيني بعد ذلك ورقة ~~بتبرئة ذمتي ورفع أمرك عني. # فوعدته بذلك محاسنة، ثم تركته وذهبت إلى المغسل لا يخطر على بالي شيء سوى أن ~~عمي يريد أن يجعل في يدي زمام الشيء القليل الذي أمتلكه، ولما لبست ثيابي نظر ~~إلي من فوق بلورتيه، وقال سألتك فلم تجب، فأعيد عليك أنني في شغل من أمر ~~مستقبلك، وإنما أتيت إليك لأرد لك مالك ولأعلم ما تنويه؛ لأني عاهدت نفسي أمام ~~الله وأمام أبيك يوم كنت طفلا أن أرعاك بعنايتي، وأمهد أمامك العقبات، فما الذي ~~تنويه؟ فسألته عن الموجب لهذا السؤال؟ وقلت: ما عساني أن أفضل على حالتي هذه ~~وأراني محفوفا بعنايتك، وعناية أمي، وإن كان لا بد لي أن أسير سيرة أخرى، ~~فأمهلني ريثما أفكر فيها قليلا، فحدق بي ثم قال: لا إخالك تشك في أني عاملتك إلى ~~الآن معاملة ابن لي، فيجدر بك أن تصغي إلى ما أقدمه لك من النصح «فاعلم أن ~~دخلك زهيد لا يبلغ ستة آلاف فرنك نصفها لأمك، فأنت لا تستطيع به تجارة ولا ~~مزاولة أي عمل كان، ولا أظنك تلقيه في معرض الخسران؛ لأن العاقبة لا ~~تحمد، فلم يبق لك إذن للكسب غير باب واحد، وهو أن ترحل عن افريه، فإن لم تفعل ~~فاعلم أن حياتك تنقضي محصورة في هذه البقعة، لا ترى غيرها، ولا يمضي عليك القليل ~~من الزمن حتى تستكين إلى الكسل واللهو، فتصرف أيام شبابك بين الصيد، والرسم، ~~والحقيقة، والوهم، ثم تأتيك أمهات ذوات دهاء، فيصفن لك جمال بناتهن إلى أن ~~تؤخذ على غرة فتتزوج وهناك الحياة المرة، فتلد لك امرأة أولادا كثيرين ~~...» # فضحكت لكلامه ضحكا عاليا وقطعت عليه الكلام، وقلت: إني عاقد النية على مغادرة ~~افريه؛ للسعي إلى عمل ما في بلدة غير هذه، ولكن إلى أين أذهب؟ وماذا ms03 أفعل؟ فقال : ~~لا تهتم بهذا يا بني، فلا صعوبة في وجود عمل لك، والصعوبة بانتقاء البلدة التي يجب ~~أن تقصدها، وعندي أن ليس للشباب الذين يطمعون في المراتب الرفيعة إلا مدينة ~~واحدة فيها خطر عظيم على الضعفاء، وفوز لذوي العزائم والجد وهي باريس، فقلت: ومن ~~يكون مرشدي في تلك المدينة العظيمة التي أخاف أن أضل فيها بلا معين ولا ~~مرشد؟ فضمني إلى صدره وقال: إن في كلامك يا بني حكمة ودليلا على توقد ~~قلبك واهتمامك بالمستقبل فبورك فيك، ولكن خفض عليك فقد تولت أمرك في ذلك ~~الأقدار، فإني بينما كنت في الصيف الماضي في مدينة مون دور التي أذهب إليها كل ~~سنة؛ للاستشفاء من الداء العصبي الذي أنا مصاب به التقيت بصاحب لي، كان معي في ~~المدرسة منذ أكثر من خمسين عاما فتحدثنا طويلا، وكنا في كل يوم نتنادم ~~بذكرى أيام الصبا، وبقينا كذلك زهاء شهر حتى غدونا يشق على الواحد منا أن ~~يفارقه الآخر، ولما انتهى فصل الصيف هممت بالعودة إلى هنا، فاستاء واغرورقت ~~عيناه حزنا، ثم قبلني وسألني أن أكاتبه بلا انقطاع، وقال: إنه مستعد ليخدمني ~~بما في وسعه فكتبت إليه منذ أيام أسأله عما إذا كان يوجد لك عنده عمل تعمله؟ ~~فأجابني على كتابي بكتاب ودي ارتاح إليه قلبي، ثم إن عمي تبسم وقال لي: ~~«اعلم أن لذلك الرجل امرأة جميلة ...» فقطعت عليه الحديث وقلت: «وما اسم ذاك ~~الرجل وما هي حرفته؟» فضحك لقلة صبري وقال: «اسمه جيستاف فركنباك وهو صيرفي من ~~كبار صيارفة باريس، وذوي الكلمة النافذة فيها، فهل ترضى بالاستخدام عنده؟» فشكرته ~~وقلت له: ومتى موعد سفري فأستعد له؟ فقال: اليوم، وإن شئت غدا، لكن يجب ألا ~~تتردد في أمر أقدمت عليه؛ لأن في التردد ما لا تحمد عقباه أحيانا، فأذعنت ~~له بعد جدال ووعدته أني أسافر في أول قطار. # ولما كان المساء جلست على المائدة وعمي إلى جانبي، وجلست أمي تجاهي وهنأتني ~~ودعت لي بالنجاح، ولو لم تخنها بقية دمع سالت من محاجرها لما ms04 علمت بشيء ~~مما في نفسها من الألم، وكانت تتكلف التجمل ما أمكن، وتشغل نفسها عن البكاء ~~بإعداد معدات السفر، وكانت أيضا تكتم خوفها علي من الأخطار التي كنت معرضا ~~لها، وتظهر لي الفرح التام، وتكذب ما كنت أسمعه من زفرات صدرها، وما كنت أراه على ~~وجهها من دلائل الكآبة، وبينما كانت تطوي ملابسي وتنضدها في صندوق السفر، ذهبت ~~فودعت أصدقائي ومعارفي، وكنت أشعر أن هذا الوداع يمنعني من العود إلى افريه فيما ~~إذا لم أفلح في باريس؛ مخافة سوء الأحدوثة، ولما كان المساء جاء عمي ودعاني إلى ~~الرحيل فبكت أمي وبكيت معها كثيرا، ثم ركبت عربة عمي وكان قلبه يخفق بشدة من ألم ~~الفراق، وإذ وصلنا إلى المحطة أخذنا نتمشى في انتظار مجيء القطار، فقال لي عمي: ~~وعدتك يا بني بأن لا أوقر سمعك بما يقوله الآباء عادة لأبنائهم قبل السفر ولا ~~أخلف، والشاب في غنية عن كل المشورات والنصائح؛ لأن الدهر يعلمه ما لا يعلمه ~~أبوه، فالاختبار هو المدرسة الكبرى التي يتلقى فيها بنفسه علم معرفة الائتلاف ~~وكيفية المعيشة، وأنت جدير بأن تقرأ في ساعات الفراغ رواية هاملت لشكسبير، فأنعم ~~الفكر فيما ينصح به بولونييس لابنه ليرت قبل ابتعاده عنه، ثم إن عندي أمرا آخر ~~ذا بال أشرحه لك موجزا، وهو أن للنساء شأنا مهما بين الناس في هذه الأيام، ~~ولهن المقام والتجلة، وهن محركات نظام الكون الآن، وسبب علله وأدوائه، فأحذرك ~~من المرأة الأولى التي ستراها في باريس. ومن الناس من يقولون: إن المرأة على ~~الغالب هي الواسطة الفعالة لنيل المآرب، وأنا أقول لك: إن كلامهم حبالة ~~ينصبونها للجهلة، بل هو قيد يقيدون به أرجلهم، بل هو ذريعة للانصراف إلى الملاهي ~~عن الشغل، وأقل أخطار العشق تلازم المعشوقين، بحيث لو فصلا آلا إلى الشقاء أو إلى ~~الفناء، وأنت يا ولدي مع تحليك بكثير من الصفات الحميدة، فإن لك خلة وهي أن ~~قلبك ضعيف لدى النساء، ثم عاد إلى الكلام عن مدام فركنباك فقال: إنها ذات عينين ~~نجلاوين، يضل ms05 معهما الناسك عن قصده وسوف تلتقي بهذه السيدة فلا تخرج في حديثك معها ~~عن جادة ما يجيز الأدب؛ لأنها بديعة وفي جمالها خطر على الشبان، وأظنها ذات ~~ذكاء، ولكن معرفتي قليلة بقدر عقلها. # وما قدم القطار حتى دخلته وانتقيت فيه موضعا لي، ثم عدت إلى عمي فانتهرني ~~وقال: لم ذهبت قبل أن تستأذن مني؟ ألا تزال نزقا فخذ هذا كتاب وصاة بك ~~لفركنباك، فقبلته تقبيل الشكر والوداع، وإذ ذاك قرع الجرس وآذن القطار بالرحيل، ~~فركبته وسار بي مبتعدا عن افريه. # كل تلك الذكرى مثلها خاطري لناظري في ساعة انتظاري لفركنباك، وكان فؤادي يضطرب ~~آسفا على ما مضى وخوفا مما سألاقي. # ولما طال علي الانتظار نظرت في الجريدة التي كانت بيدي، فإذا فيها أسماء الذين ~~جاءوا باريس بالأمس من الأغنياء وذوي المناصب، ثم وقع نظري على اسم البارونة ريتا ~~مدام فركنباك فقلت: «إن التي يخشى منها على الشبان تدعى ريتا.» ولكن يخيل لي ~~أني كنت أشهد التمثيل ذات يوم، ورأيت ممثلة سلبت عقلي كانت تدعى ريتا، فهل هي ~~التي أصبحت الآن البارونة فركنباك؟ وبعد هنيهة قرع الجرس الكهربائي فأتاني ~~الخادم مسرعا، وأخبرني بكل احتشام أن البارون يستقبلني فمضيت إلى غرفته وكانت ~~مفروشة بالطنافس الأزميرية النفيسة، وفيها كانون موقد، وما لبثت بعض دقائق حتى جاء ~~البارون ومد لي يده فسلمت عليه. # فقال: أعتذر إليك يا عزيزي جوشران، فإن كثرة أعمالي منعتني عن مقابلتك عاجلا ~~فلنتحدث الآن في الشأن الذي جئت له، وليكن كلامنا بصريح ما في الضمير. # فشكرته وجلست على كرسي عينه لي بالقرب من الكانون، فقال لي: قد عرفت سبب ~~زيارتك لي مما قرأته في كتاب صديقي فرنسوا. # وساعتئذ فتح باب معارض للباب الذي دخلت منه، وخرج منه شاب أشقر اللون مرتد ~~حلة سوداء وفي يده ورقة زرقاء، فقال له فركنباك: ماذا تريد يا وليم؟ ألم أنه ~~عن مكالمتي في هذه الساعة؟ فخفض الشاب رأسه وحنى ظهره أمام البارون وقال محتشما: ~~عفوا يا سيدي، فهذا تلغراف ورد لنا الآن من لندره، ms06 ويطلب مرسله الجواب ~~حالا. # فقرأ فركنباك التلغراف مرارا وقدر كل كلمة قدرها، واستنتج من قليل الكلام ~~معنى كبيرا، ثم نهض لكتابة الجواب مستأذنا مني. # وبينما كان يكتب جعلت أترقبه بمؤخر طرفي، فرأيت أن وجهه الضحوك البشوش قطب ~~لصعوبة حل المسألة التي كانت بين يديه، وكان الرجل ربعة ذا سمن، أحمر الخدين، ~~قوي البنية، صحيح الجسم، يناهز الستين، وفي جملته ما يدل على جودة قلبه، ودماثة ~~الأخلاق، وحرية الضمير، وصدق الود، وما يدل أيضا على أنه أسرف في التمتع بملاذ ~~الدنيا، وإنما بقي كذلك معافى لقوة بنيته، وتوهمت أننا إذا توثقت الرابطة ~~بيننا، فلا يطول علينا الزمن حتى تستحكم منا المودة، ولما فرغ من كتابة جوابه ~~قال: خذ يا وليم جواب التلغراف، ولا يقابلني أحد بعد الآن. # ثم قام من محله وجلس على كرسي إلى جانبي، وقال لي وهو يفرك يديه: هل أطلعك عمك ~~على الكتاب الذي أرسلته له من بضعة أيام أخاطبه فيه بشأنك؟ فقلت: لا يا سيدي، وإنما ~~أمرني أن أتقدم إليك بالنيابة عنه، وأكلمك بصراحة كما يكلم الصديق ~~الصديق. ~~- وأنت عالم أنك آت لتكون في خدمتي. ~~- نعم يا سيدي، وإني أرغب في ذلك وأعده شرفا لي. ~~- ليس في الأمر مانع ولا صعوبة، ولكن اعذرني إذا قلت لك لست محتاجا إليك، بل ~~إن حبي لعمك ولك يحملني على إجابة طلبكما، فأنعم الفكر وانظر بعين الروية ~~فيما إذا كان عندك ميل إلى الشغل؛ لأن ذلك أمر مهم، وإلا فلا يجمل بمثلك أن ~~يضيع زمن الشباب عبثا؛ حتى إذا ضعف يوما وشاخ قتلته الندامة على ما فقد من ~~الوقت الثمين. ~~- لقد فكرت في ذلك زمنا ولست أعلم إذا كنت أفلح في شئون التجارة، ولكن عندي ~~رغبة في تعلمها وجلدا عظيما على تحمل المتاعب التي تتأتى لي منها. ~~- نعم الجواب! فقد حسن ظني بك، وأنا عازم على أن أتولى تدريبك بيدي، فاعلم ~~أن أشغال البنك سهلة جدا وعلى المستخدم أن يألفها ويتقن دراستها. # ثم سألني ~~متحببا أليس كذا؟ # فانقشعت ظلم الفكر والأوهام ms07 من مخيلتي ، وارتحت للطف ذاك الرجل، وتوهمت ~~أن عمي يخاطبني، ثم سألني هل تعرف لغة غير لغتك؟ ~~- نعم، أعرف اللغتين الإنكليزية والألمانية. ~~- حسن، سأعهد إليك المكاتبات الخارجية، فإنها أسهل عليك من الحسابات، وسأجعل راتبك ~~مائة وخمسين فرنكا، وهو ما أعطيه لكل من يدخل حديثا في خدمتي. # وإذ كنت لا ~~أؤمل أن أعطى راتبا مدة تعلمي عددت ذلك كرما منه فشكرته كثيرا، ~~فتظاهر بالغضب، وقال: لا ينبغي أن تشكر لي فعلي إذ إني أدفع الدرهم، ولكني أطلب ~~أن أخدم به، والدرهم يحمل على العمل والمثابرة، ولا منة في الشغل، فإما أن ~~أنتفع من عملك فآجرك عليه، وإما أن لا أنتفع منه فأفتح لك باب بيتي وأقفل عليك ~~باب مكتبي. فشكرته ثانية ولم أطل مخافة أن يستأنف الكرة علي، وبعد هنيهة ~~قال لي: شغلتنا مسألتك عن السؤال عن صديقي العزيز عمك فكيف هو؟ ~~- إنه مريض وكان في وده أن يرافقني ليزورك. ~~- يسوءني ذلك، وحبذا لو استطاع أن يأتي فنسر بتذكر الماضي، وإن في هذه ~~الذكرى ما يلذ الشيوخ. # فأعدت عليه كل ما قاله لي عمي بالأمس عما لقيه عنده من حسن الوفادة فقال: ~~لقد غادر باريس رغما عني، ولولا ذلك لاستبقيته شهرا أو أكثر، وقد أحبته ~~قرينتي لحسن خلقه ولطف حديثه، وإني أدعوك لتناول العشاء معنا في هذا المساء؛ لأن ~~البارونة تود أن ترى ابن أخي صديقها ... وموعدنا الساعة السابعة، وبعد هذا الكلام ~~وقفنا واستأذنته في الذهاب، فشيعني إلى باب غرفته وقال: إياك أن تنسى موعدنا ~~في الساعة السابعة. # وبعد هذه الزيارة تبددت عني شواغلي، وانزاح عني ما كان قد تولاني من الخوف، ~~وطابت لي الحياة بعد الوجل، وهذا النجاح الذي صادفني لأول مرة قوى آمالي بإدراك ~~مستقبل حسن، وثراء قريب فهنأت نفسي ووطنتها على إدمان السعي وراء الضالة التي ~~أنشدها، وبينما كنت أهيم في عالم الأوهام كانت رجلاي تسرعان بالمشي، كما لو كنت على ~~موعد حبيب أخاف أن يفوتني مع أني كنت أسير إلى حيث لا أدري، ولما كانت الأفراح ~~الشديدة ms08 إذا توالت على الإنسان يضيق بها قلبه فينكسر كالكأس، وكانت - كما يقول ~~العلماء - تتمدد وتطلب الهرب من القلوب خفت أن ينالني كرب على أثرها، فأستوحش ~~في غربتي حيث لا قريب يعزيني ولا خل أشكو إليه، فثبت إلى نفسي من الخيالات ~~التي كنت فيها، وعزمت على أن أكتب إلى عمي وأطلعه على ما كان من أمري مع صديقه، ~~فدخلت إلى مطعم على الطريق. # وبعد أن أخذ الخادم مني قبعتي ودثاري، قال لي: ماذا تريد أن تأكل يا سيدي؟ ~~فأجبته عابسا: ورق كتابة، وقلما، ودواة، فابتسم الخادم وقال: سأحضر لك ذلك، ولكن ~~إذا شئت أن تأكل شيئا فعندنا بيض مقلي، ولحم مشوي ومسلوق، وألوان كثيرة غير هذه، ~~فقلت: هات ما تشاء وبادر بإحضار الورق والقلم. # ثم جعلت أكتب بسرعة غريبة ما تمليه علي خواطري الكثيرة، والله أعلم بما حشوت به ~~الكتاب من الغرائب، وأظن أني بنيت فيه قصورا باذخة من الأمل في عالم الخيال، ~~ولشدة اشتغالي بالكتابة لم أتنبه للطعام الذي وضعه الخادم أمامي، وكانت تنبعث ~~منه الرائحة الذكية. # على أن تحمسي بالكتابة أحدث بي ما يحدث للذين يبالغون بأعمال رويتهم، ~~وذلك أن قريحتي لم تلبث أن جمدت بعد أن سالت نهرا متدفقا، ووقفت يدي ~~وحرن القلم فختمت الكتاب. # وإذ كان قد بلغ الجوع مني وخلت معدتي، شعرت بشهوة للأكل لم أشعر بأكثر منها ~~قبل ذلك. # وبعد الغداء ذهبت إلى غاب بولونيا أتبع حافات السواقي، وأتلذذ بخرير مائها ~~الجاري، فجلست إلى أصل شجرة أتأمل ذاك اليوم الرقيق الحواشي المعنبر النسمات، ~~الذي لبست فيه الطبيعة أبدع ملابسها وتجلت بأحسن حليها، فالأرض موشاة بأوراق ~~الشجر المتساقطة، والرياض مخضوبة بدماء الشفق، وكانت الشمس تسير التؤدة إلى منامها، ~~ترسل أشعتها على مياه البرك الوسنى، وكانت العجلات متتابعة كأنها خيوط سود في بياض ~~تموج تحت البصر، ورأيت فيها قوما هم أسعد خلق الله، ورأيت فرسانا على خيول ~~مطهمة، ونساء يفتن النواظر بالمحاسن والأزياء، وجماعات مئين وألوفا يتمشون ~~فرقا يحدث بعضهم بعضا بأطراف الأحاديث، فهناك تحار الفكر وينبهر ms09 ~~البصر. # ثم قلت: لم لا أكون مثلهم؟ ولم لا يكون عندي مثل عرباتهم وخيلهم؟ بل ماذا يجب ~~أن أصنع لأنال منالهم إذا كان لي ذكاؤهم، وكانت لي مقدرتهم؟ # وكانت أنامل الأمل الودية تحجب عني مشاق المستقبل وتريني باريس والعيشة فيها جنة ~~ونعيما، وانقلبت أميالي كل الانقلاب، فصرت لا أفكر بغير المال، ونشطت بهمة ~~سامية لإدراك مأملي، وتأهبت للمستقبل كما يتأهب الفارس للحرب. # والآن كلما أذكر تلك العهود ألوم نفسي، ولا أتمالك من الضحك على حين أني أود لو ~~تعود تلك الأوقات؛ لأنها أوقات الشباب. # أما قصر فركنباك فهو شامخ الارتفاع متقن البنيان، بناه في غابر الزمان رجل ~~بارع لامرأة من عائلته كان يهواها، وطالما صحب الأشراف وصبر على محاربة السياسة ~~والثورات، وكان كلما ازداد عمره يزداد رونقه وبنيانه، فقد أضيفت إلى جوانبه غرف ~~جميلة على الطرز العصري، اعتنى بها رجل حسن الذوق بارع بالهندسة، وفي سقوف القصر ~~تماثيل ونقوش متنوعة، كلها مغشاة بالذهب، وعلى جدرانها في الجهة الداخلية رسوم ~~ناتئة، ورسوم محفورة، وزخارف غريبة الشكل، كلما خرب الدهر شيئا منها اعتاض ~~فركنباك عنه بآخر، والسقوف معقودة كلها وسطوحها من الآجر، وعلى الجدران إلى الجهة ~~الخارجية صور رجال تصطاد وتحصد، وصور أخرى متنوعة تدل على عادات الأعصر التي ~~بنيت فيها، وفي القصر آنية أكثرها من الذهب والفضة، وتحف لا تزال على جدتها ~~على طول مدتها، وحول القصر حدائق معلقة مكسوة بالخضرة والأشجار ذات الأرج ~~والثمر تحيط به من أربع أطرافه، والقصر ثلاث طبقات. # ولما كانت الساعة السابعة جئت القصر، فوقفت على الباب قليلا ريثما يزول خفقان ~~قلبي، ولما قرعت جرس الباب شعرت كأن صوته دوى في رأسي، وكنت أقول في نفسي: إن ~~وراء هذه الجدران لأمرا عظيما لي، وستمثل رواية حياتي، وسأكون منذ هذا المساء ~~موضوع البحث والكلام، ففتح الخادم الباب ودخلت وراءه في مكان مستطيل مبلط ~~بالفسيفساء، وإلى جانبه حيطان البستان يترامى من فوقها الزهر من الأغصان، ولما صرت ~~على مقربة من الباب الداخلي رأيت البارون مقبلا إلي فقال: إن ms10 مشيتك كمشية ~~الجندي، ووقفتك كوقفة الممثل، وهذه صفات تحببك إلينا فتعال أقدمك ~~للبارونة. # وكانت البارونة جالسة في غرفتها على مقعد من الحرير الناعم، إحدى يديها مسندة إلى ~~المقعد، والأخرى تلعب بشعرها المنسدل، فقال لها البارون: أقدم لك المسيو مكسيم ~~جوشران ابن أخي عزيزنا فرنسوا جوشران، فقد أتى اليوم من افريه وهو يبلغك سلام عمه، ~~فقالت لي: أهلا ومرحبا، إن عمك ترك عندنا ذكرا حسنا، ويسرني أنك ~~تذكرنا به، فتلعثم لساني عن الكلام ولم أجبها بشيء، وذكرت عندئذ ما قاله لي ~~عمي من أن هذه المرأة جميلة وجمالها خطر، وكأني كنت أرى على جبينها تلك ~~العبارة. # وكانت ريتا جميلة يبرز من كمي مطرفها الأسود زندان، كأنهما من العاج غاية في حسن ~~التكوين، ولم يكن جمالها جمال طفلة لم يتم تكوينها، ولا جمال صورة تقبل التنميق، ~~ولا جمال وردة لم تتفتق أزرارها، بل هو الجمال التام الذي لا جمال فوقه. # أما مقاطع وجهها فنادرة المثل، ومجموعها حسن أيضا بخلاف ما يرى فيمن حسن تكوين ~~مقاطعهم، فإنما هي ملك مرسوم أعارتها الحور معانيها، فلما رأيتها مال قلبي إليها ~~ميلا شديدا، وجعلت أخالسها نظر العاشق الولهان، فسرت مني وأجزلت ~~حركاتها. # لا أعلم كم جلست إليها دون أن أكلمها، ولا أعلم أألفت سكوتي بلها أم ~~احتراما لجمالها، ولو لم يأت الخادم ويدعنا للعشاء لضحكت مني مليا، فقالت: هات ~~يدك يا مكسيم وسر بنا إلى المائدة فأجلستني إلى جنبها، وكانت في حديثها على ~~المائدة تسألني أسئلة تقصد منها اختباري، واكتشاف نياتي، فأجيبها بكل سكينة ~~وحكمة، ورسمت لها عادات أهل بلدتنا الصغيرة رسما حقيقيا، وأضفت إلى كلامي ~~أقاصيص ونوادر راقت لها فقالت: يظهر أنك لم تأت باريس قبل هذه المرة؟ ~~- لا يا سيدتي، وما ذهبت إلى غيرها أيضا؛ ولذلك ترين عاداتي كعادات أهل ~~القرى. ~~- إذن عليك أن تحذر من باريس، فإن فيها خطرا على أمثالك. ~~- شكرا لك يا مولاتي على نصحك! ~~- ولست أشاء لك أن تبالغ في ذلك إلى حد يلحقك معه ضرر، وإنما أعني أن ~~باريس ms11 بلدة معشوقة السكنى، تحسدها عواصم الدنيا أجمع؛ لكونها أغنى المدن التي ~~تقدمتها في التاريخ، ولكون الذي يأتي إليها تتغير أخلاقه من الحدة إلى اللين، ~~ومن البلادة إلى الظرف والرقة، وينفسح مجال أفكاره، فيجب على الشاب أن يقتصد في ~~معيشته ... قل لي أين ذهبت اليوم؟ ~~- إلى غابة بولونيا. ~~- لم أشك في ذلك ولو قلت إلى مكان آخر لاستغربت هذا الأمر، ولكن هل رأيت عربة ~~هناك بخيل دهم فيها امرأة مكتحلة قليلة الذكاء تسمى ... نعم، إنها ذات مهارة وذوق ~~في اللبس، لكنها قبيحة تتخطر في الغابة ذهابا وإيابا في الليل والنهار؛ لتصطاد ~~رجلا غنيا مثل فركنباك أم شابا جميلا مثلك، وفي باريس من أمثال هذه نساء لا ~~تحصى. # فقال لها فركنباك: مالك وللخطابة دعيها للقسيسين، أو هل تحسبين الإرادة آلة ~~تدور كيف تشائين؟ إن الأم تقول مرارا لولدها إن النار تحرق وذلك لا يمنع الولد ~~من الاقتراب من النار. ~~- ولكن الشاب غير الكهل فهو كالغصن إذا قومته يتقوم. ~~- لا تصدقي ذلك؛ لأن الفطن يطمع في كل شيء مهما كان أليس كذلك يا مكسيم؟ # ثم ~~التفت إليها وقال: إن مكسيم شاب حسن الوجه، ظريف المعشر، متين البنية، فهو قادر ~~على عشق أجمل النساء، وعلى اتباع كل سنن العشق «وأظنه عاشقا». # فخجلت وتوردت وجنتاي؛ إذ مرت في فكري حادثة غرام جرت لي مع امرأة في ~~افريه، فلم أنبس ببنت شفة، ثم قمنا عن المائدة فقال لي همسا: لا تلق بالا ~~لما تقول البارونة؛ لأنها تبالغ في النصح، أنحن قديسون أم آلهة؟ وعندما عدنا إلى ~~القاعة أوقدت لفيفة من التبغ المصري، وجعلت تشرب وتنفخ الدخان من فمها وأنفها ~~بتأوه كالعاشق المستجد، ثم ألقتها في النار وهي تضحك، كمن تقول إنها تشرب الدخان ~~على سبيل التسلية، لا على سبيل العادة، فضحك منها البارون وأخرج من جيبه علبة من ~~تبغ هافاني، وقال لي: إني أقتدي بالبارونة في كل شيء. # فدار الحديث بيننا على أمور شتى كالموسيقى، والروايات، والآداب، والمعاني، ~~والبيان، فسرها اطلاعي على تلك الأشياء، وسرها أكثر ms12 من ذلك قوة ذكائي، ونزاهة ~~كلامي. # وسألتني عن كتبة الإنكليز، فأخبرتها عن أشهرهم، وعن مؤلفاتهم المعروفة التي ~~ترجمت والتي لم تترجم، ثم قابلت بين كتبة الإنكليز وكتبة الفرنسويين، ~~وتداولت معها مداولة لا يكون أرق منها. # وبينما نحن في الحديث نام البارون على المقعد فقطعتني عن الكلام، ونظرت إلي ~~بعينيها السوداوين كمن تريد استقصائي، ثم قالت: ما رأيك في الحب؟ # فبهت وكدت أفشل كما يفشل أحد المتثاقفين إذا عاجله خصمه بضربة أمضى من ~~البرق، ولم أفهم يومئذ مرادها من هذا السؤال، هل كان تطفلا نسائيا محضا؟ ~~أم كان وسيلة لاختبار أخلاقي؟ على أني مراعاة للأدب قلت والحياء باد على وجهي: ~~اعذريني يا سيدتي، إذا خبطت في الجواب خبط عشواء؛ لأني لم أعرف الحب ~~بعد، ويصعب علي جدا أن أشرح لك عن أشياء لم أحس بها، ولم تخطر لي على ~~بال، فقالت: هذا نفور وأظنك تتجاهل تجاهل العارف. # فلما رأيت أن لا مناص من الجواب قلت: # القلوب والمقل # هن للهوى رسل # لسن للهوى عللا # بل به لها علل # ربها وآمرها # يقتضي فتمتثل # حاكم مشيئته # لا تردها الحيل # الوجود دولته # أرضنا بها عمل # والأمير خادمه # والحكيم والبطل # والنجوم في يده # تغتدي وتنتقل # والحياة موطنه # والطبيعة السبل # والدوام مبدؤه # والنهاية الأزل # والسنى تبسمه # وهو ضاحك جزل # والدجا عبوسته # والخطوب والوهل # والسرور في فمه # والعذاب والأجل # والحب أسمى العوامل البشرية، وهو النور الذي يبتهج به كل مولود، وهو مولد ~~الأفكار والانفعالات من حزن وفرح، والناس يسعون وراءه كما لو كان من مقتضيات ~~الوجود، والحب يقوي قلب العاشق، وإذا لم تصل شراراته إلى كل من قلبي العاشق ~~والمعشوق، فلا عشق هناك وبالحب السعادة، وبما أن السعادة هي منتهى آمال البشر فهم ~~إذن يرصدونه كما يرصد الكوكب عابد النار، فقالت بتنهد: نعم، وإذا طال العهد ~~ولم تصل شرارة الحب إلى قلب المعشوق، يضيق على العاشق وجه الفضاء، فيرمي بنفسه إلى ~~الطويل العريض من عالم الفناء إلى حيث يضمه القبر وهو الأب الحنون ... ثم أخذت تشير ~~بيدها إشارات ms13 مختلفة الشكل ، ثم وقفت، ثم قعدت، والتفتت إلي وقالت كمن استفاقت من ~~غشوة: إن في رأسي هموما كثيرة تقيمني وتقعدني رغما عني فاعذرني. # وكان صدر فركنباك إذ ذاك ينتفخ وينقبض، وأنفه الضخم العظيم يهلل ويرنم، ولما ~~استيقظ نظر إلى البارونة نظرا طويلا، فقرعت الجرس الكهربائي وللحال جاء الخادم ~~مسرعا فأمرته بإحضار الشاي، فقال لنا: يظهر أني نعسان، فقالت: أتظن ذلك فأجابها: ~~وهل في ذلك ذنب؟ ~~- كان يجب عليك أن تحترم ضيفك وتجلس إليه، ولا تدعني وحدي. # فاستأذنتهما عندئذ بالذهاب وخرجت، فضغطت على يدي وابتسمت لي ابتسامة غرامية، ~~وقالت: إذا كان حديثي يلذك فلك أن تزورني في كل يوم سبت. # | الفصل الثاني # إن القادم لباريس يدهش لكثرة ما يرى من المناظر البهيجة، وكأنه حين يأتي هذه ~~العاصمة ينتقل من عالم إلى عالم أسمى، فيقف عند كل شيء وقفة المفتتن، وينظر ~~لكل منظر نظرة المعجب على أن نظره لا يلبث أن يألف رؤية الغرائب، فيود لو ~~يكون عاشقا يتهادى مع معشوقته في غابة بولونيا. # نبض دمي نبضا لم أشعر بمثله حين لمست ريتا يدي، وحسبت أني أحبها وأنها ~~تحبني. # وفي اليوم الثالث لوصولي استأجرت غرفة في شارع لافييت، وجعلت دراهمي قسمين: قسما ~~للغرفة والملابس، وقسما للنفقة. # وفي اليوم الثاني لدخولي البنك بدأت في العمل الذي في عهدتي على أحسن ما يرام، ~~وكان الجميع مسرورين من اجتهادي، ولا سيما لامبون رئيس القسم الذي كنت فيه. # لما توفى الله لامبون بكيت عليه؛ لأنه كان يحبني، ولامبون هذا كان أقدم ~~مستخدمي البنك، وكان البارون يعتمد عليه في معضلات الأمور، ويثق به تمام ~~الثقة، وحين كانت الظروف تدعوه إلى التغيب عن البنك كان يقيمه مقامه، فيدبر ~~شئونه على أحسن ما يكون. # وكان في مدة حياته يميل إلي فولعت به، وكنت أمازحه بقدر ما يسمح الأدب، ~~ويجيزه تفاوت العمر، وقد طالما أكلنا معا، وتنزهنا في الغابات على مجاري ~~المياه. # وبينما كنا ذات يوم نتناول الطعام في بيته قال: ما قولك في أكلة شهية في غابات ~~جوانفيل؟ فقلت: ms14 خير ما يشتهى على بخيل. # فقال للسائق سر بنا إلى محطة فنسين، ومن هناك إلى نوجان، ثم نقطع المرن ماشين؛ ~~لأن بالمشي تزداد شهوتنا للطعام، فسارت بنا العربة على ميسرة نهر المرن، حتى بلغت ~~نوجان، ومنها سرنا ماشين إلى جوانفيل، فمن يعلم كم تحدثنا على الطريق وكم ~~أنشدنا؟ # وكانت سماء ذاك اليوم صافية، ونسيمه عطرا، وفي الرقيع غيوم رقيقة مفوفة كالقطن ~~المندوف، تطوف فيه متئدة من فوق أشجار البساتين وأزهار الرياض، وكنا في تلك ~~الآجام المظلة نسمع الأنغام والأغاني الغرامية، وأصوات القبل التي كان الشبان ~~يختلسونها على غفلة من الغادات، والقبل التي كانت الغادات تستردها من الشبان ~~كذلك، ونسمع صوت الرقص والضحك، ووقع أقدام العشاق ... فهناك الحياة الحقيقية وهناك ~~السعادة الحية. # ولما أن شبعنا من المآكل اللذيذة جعلنا نمج الدخان، فسألته إذا كان يعرف شيئا ~~عن تاريخ بيت فركنباك؟ فقال: إني أعرفه أحسن من البارون نفسه؛ لأني لما استخدمت ~~في البنك كان البارون حديث السن جدا وهذا تاريخه. # ولد جوهن فركنباك في فروينفيلد من أعمال خرغونيا، ولما شب وأدرك سن الرجال ~~سافر من بلده إلى الغربة، وهيأ لنيل أمانيه قوى ثلاثا: النشاط، والصبر، ~~والاقتصاد، وبلغ من اقتصاده أنه لما سافر من سويسرا إلى فرنسا قطع تلك المراحل ~~العديدة ماشيا يأكل الخبز الناشف مع الرحالة، ويشرب الماء الكدر، وإذا فرغت ~~معدته يعدها بالأكل، وإذا خارت يعلمها الصوم، وبقي على هذا المعاش ~~ثلاثة أشهر، يمشي حافيا كيلا يتمزق حذاؤه إلى أن وصل البلد التي كانت تشوقه من ~~زمن بعيد، فوثب على الشغل يترامى المشاق كأنه يؤانس مغنما. # ولما كانت الثورة إذ ذاك قد استهلكت أكثر الرجال العظام والتجار الأكابر، وأبادت ~~أهم الشركات، اغتدت البلاد وهي بحاجة إلى رجال أذكياء ينشرون حياة تجارتها فتعتاض ~~بهم عن أسلافهم. # وما من أحد يعلم حقيقة عن فركنباك بعد وصوله لباريس، والبعض يقولون: إنه كان ~~خادما في أول أمره ثم تاجرا، ومهما يكن من أمره فقد جمع قدرا من المال تمكن به ~~من فتح بنك كبير. # وكان ms15 مهيبا يخافه الكتبة خوفا عظيما، فإذا أقبل ارتعدوا، وإذا رأى أحدهم ~~متقاعدا أهانه، وكان لا يمضي عليه أسبوع دون أن يعيد حسابه، ويرى رصيد ماله، ~~وبينما كان في هذا التعب والكد كان الموت فوقه ممدود اليد. # وذلك أنه لما حدثت الثورة الشهيرة في سنة 1848، خاف وتحولت شجاعته التي أظهرها ~~في الثورة الأولى إلى جبن وفرق، ولما رأى الأسلاب والسرقات التي تحدث في باريس، ~~والثائرين المنتشرين في كل صوب يفتكون بهذا، ويختلسون مال ذاك، خاف منهم على ~~نفسه وماله، فأصابته حمى شديدة في الرأس قضت عليه. # وكانت امرأته طاهرة جليلة، ولدت له ولدا اعتنت في تربيته كل الاعتناء، ولما ~~مات أبوه خلفه ولده جورج المذكور، وكان إذ ذاك يراهق الستة والأربعين من عمره، فقام ~~بواجباته حتى القيام وحقق المأمول فيه، وكان يتصدى بقلب ثابت لكل ما كانت ~~الثورة تهدده به. # وكان أبوه جوهن قد أرسله في ربيع سنة 1834 إلى فردنفلد لحاجات فذهب إليها، ولما ~~لم يجد فيها ما كان يتصوره من المسرات، سئم الإقامة وطلب إلى أبيه أن يرده ~~إلى باريس، وبينما كان ذات يوم يجول في ضواحي المدينة رأى شابا جميل الوجه، تلوح ~~عليه مخايل النجابة والشرف، لا يكاد يناهز العشرين من عمره فتقدم منه قصد أن ~~يعرفه، وقال: أرجوك يا مولاي أن تخبرني لمن هذا القصر القريب؟ فأجابه الشاب بلطف: ~~هذا قصر ادنانبرج وهو اليوم لجدتي، فهل تشاء أن أعرفك بها؟ ثم قال: أظنك ~~فرنسيا مثلها، وكان هذا الشاب لويس بونبرت الشهير. # فتمكنت صلات الحب بين الشابين وجعل كل يزور الآخر، ويذهبان للصيد والنزهة معا، ~~ولو لم يستدع جوهن ولده من فردنفلد، لبقي عند البرنس الأسير طول عمره، وبعد ~~مضي عشرين سنة من ذلك العهد أمرت الحكومة بإطلاق الأسراء، فعاد لويس بونبرت إلى ~~باريس حيث استقبله صديقه جورج بكل ترحاب وسرور. # وجعل لويس بونبرت يعمل لاسترجاع الملك إلى عائلته وأخبر صديقه جورج بذلك، فأمده ~~هذا بقدر عظيم من المال، وهداه بمشوراته ودربه الحسنة، إلى أن تم الفوز ~~لبونبرت ms16 واسترد التاج والصولجان ، ففرح جورج فرحا شديدا لا يحتمل مزيدا. # فعرض عليه الإمبراطور لويس وظائف شتى سامية فرفضها، ثم منحه لقب بارون، وجعل ~~هذا اللقب لأولاده من بعده، وأحال إليه كل مشروعات المملكة، وخصه بالامتيازات ~~الجليلة. # ودعي فركنباك إلى مرقص أعده الإمبراطور في قصره، فأخذه هذا وانفرد به في ~~غرفة صغيرة وقال له: قد أمرت أن تصنع لك شارة شرف تعلق على بابك، فماذا تحب ~~أن يكتب عليها؟ فأجابه فركنباك من فوره: «أبقى مخلصا ما حييت»، فسر ~~الإمبراطور، وفي اليوم الثاني طار الخبر إلى جميع الأنحاء، فكتبت الجرائد وأطنبت ~~بمدح المحسن والمحسن إليه. # ولما وصل جورج فركنباك إلى هذه المكانة من الثروة والرفعة، زعم أن وقت الراحة قد ~~جاء، وأن الزمن الذي أنفقه في الجهد والتعب آن أن يبدل بأقل منه في ~~المسرات واللهو، فانغمس بياض شيخوخته بالشهوات السوداء، وأضله الهوى ما شاء، ~~ولم يمض عليه القليل من الزمن حتى اعتل وصار كأنه ميت بصورة حي، ثم مات أيما ~~ميتة. # فبكيت الدموع ملء المحاجر، ورثيته بما استطاع الخاطر، وشيعت معه كل عبارات ~~الأسى والأسف، هذا تاريخ بيت فركنباك، ولم يبق منهم غير جستاف الحالي، وإنك تعرفه ~~أحسن مني فقلت: أريدك أن تفيدني عن شئونه الداخلية، فإنك أدرى بها مني، فقال: إن ~~لجستاف اجتهاد جده وأخلاق أبيه، على أن حديثه ألطف من حديثهما، وهو أحب إلى ~~الناس من كليهما، وقد يكون من أسعد البشر لو رزقه الله ولدا. # فسألته عن امرأته فقال: إنها من انجة، وقد تزوج بها عن غرام رغم إرادة أبيه، ~~وكان زواجه بها أشبه بتمثيل رواية، على أنهما عاشا سعيدين في الدنيا واستقبلا ~~الأيام بهناء ونعمى. # وكانت الشمس قد قاربت الغروب، وكست غيوم السماء بردا قرمزية، وكأنها شاءت أن ~~ترينا بقية ما عندها من البهاء قبل أن تتوارى في لجتها، وتهبط في غير هذه ~~السماء، فغيرنا الحديث. # | الفصل الثالث # يحدث للإنسان في ظروف أنه يغيب في عالم الخيال، فيسافر إلى الشمس تارة، وإلى ~~القمر أخرى، وطورا يرى أنه ms17 يطوف في أقاصي الدنيا، بين أجم ملتفة تفوح عطرا ~~وندا، ويرى أسراب الطيور شتى هنا وهنالك، تتغنى بألحان هي نهاية ما عند ~~الموسيقات الطبيعية من الألحان الحسنة التوقيع الشديدة التأثير، وبينا هو على تلك ~~الحال من المغيب، يحدث له ما يعيده إلى ذاته ويرده إلى حاله المعتادة، فينظر ~~إلى ما حوله نظرة المفيق ويودع العيد بحزن شديد. # فلما عدنا من جوانفيل رأيت على مكتبي كتابا من عمي فقرأته، وبعد أن تأملت ما ~~فيه من النصائح الأبوية، وقفت وقفة من كان متغيبا في مثل الغيبوبة التي ~~وصفناها. # وكان في الكتاب سلام من عمي إلى البارونة، ففرحت فرحا شديدا وعزمت أن أبلغها ~~سلامه بأقرب وقت. # وكان اليوم التالي يوم سبت فقصدت بيت فركنباك نحو الساعة الرابعة، ولما دخلت ~~أعلمها الخادم بقدومي، فخرجت لملاقاتي وهي تتيه عجبا، فشممت منها رائحة طيب ~~ممزوجة برائحة الزهور التي كانت على صدرها وشعرها، وكان عندها امرأتان من نساء ~~الأعيان؛ إحداهما شابة صغيرة السن شقراء، بديعة بالجمال، جالسة على كرسي من ~~الخيزران، والأخرى كبيرة ذات شعر مبيض وصحة تامة، فعرفتني إياهما، ثم التفتت ~~إلي وقالت همسا: سأنفرد لك، وقالت لهما: إن المسيو مكسيم جوشران من أحد ~~كتبتنا، ومع أن له زمنا يسيرا عندنا، فقد برع في العمل، والبارون مسرور منه ~~جدا، فقالت لي الصغيرة: أهنئك بهذا النجاح، وأتمنى أن يدوم رضى البارون ~~عليك، فشكرتها على تلطفها. # إن المركيزة دي سيمين وهي الصغيرة، كانت أحب الصديقات إلى البارونة ريتا، ~~وكانت مثلها عاقرا لا تحبل ولا تلد، وهذا هو السبب الذي جعل البارونة تحبها، ~~وتجتمع بها في أكثر الأحيان؛ لأن حالتهما كانت واحدة من حيث الاحتياج إلى الملاهي ~~والمسرات، والفرق بينهما أن المركيزة كانت تحب اللهو، فلا تضيع نزهة ولا ~~فرصة سرور بخلاف البارونة ريتا؛ فإنها كانت أميل إلى العزلة والسكينة، فقالت ~~المركيزة للبارونة: إن حياة المرأة في الدنيا عناء، يلعب بها القدر، وتعبث بها ~~ألوف من الأمور الجائرة، فإذا هي لم ترد لتتسلى برؤية الناس والمناظر الجميلة ~~والملاهي تخسر ms18 وجدانها الثمين، وملاهي المرأة كثيرة من بعضها التحلي، والتحسن، ~~وسماع الموسيقى، والأصوات الشجية ... ~~- أتعرف الموسيقى يا مكسيم؟ ~~- كنت أضرب الكمنجة في صغري، والآن أظن أني نسيت. ~~- إذن راجع ما نسيته، وأنا أدلك على المسيو ليكرم الموسيقي الشهير، فإنك تسمع ~~منه ألحانا عجيبة. # ثم همت الكبيرة بالذهاب فودعناها وعدنا، فنظرت البارونة من النافذة وقالت ~~للمركيزة: آه ما أجمل السماء! أظنك تذهبين إليها عن قريب دون أن تمري على ~~المطهر، فضحكت المركيزة ضحكة كبيرة وأجابت من فورها: حيث أجتمع بك تحت أقدام أمور ~~«إله الغرام»، ثم همت بالذهاب أيضا وقبل أن تخرج قالت: إنك جميل رقيق الحديث، ~~فيجب أن تزورني في كل ثلاثاء وهو يوم موعد مقابلاتي، وإن أنت لم تأت آمر ~~بقتلك. # وبعد انصراف المركيزة أخرجت كتاب عمي وقرأته عليها فاضطربت، وتغيرت ملامح ~~وجهها، وجعلت تنظر إلي كأنها تستطلع ما إذا كانت نصائح عمي غيرت أفكاري وصرفتني ~~عن حبها، وإذ لم تر على وجهي دليلا لذلك، اقتربت مني وقالت همسا: سأذهب غدا ~~إلى كنيسة القديس اغوسطينوس فلاقني إلى هناك فودعتها، وذهبت مستغربا أفكر في ~~كيف أن امرأة مثل البارونة معروفة في باريس بجمالها وذكائها ولباقتها، تضرب لي ~~موعدا لم أطلبه منها؟ مع أني مستجد في خدمة زوجها، وملزم أن أعتبرها ~~وأجلها ... وما معنى ذلك الموعد؟ وما المقصود منه؟ ... على أنه أحدث عندي روح ~~الكبرياء والتغطرس، وأوهمني أني شيء عظيم في الدنيا. # وعندما استلقيت على فراش النوم أخذت تتجاذبني الأفكار، وتقلبني الأوهام، ~~فأسمع تارة أقوال عمي، وتارة أنظر الأخطار التي تنجم عن حب هذه المرأة ... وطورا ~~أنظرها تبتسم لي، وتقبل فمي بحب وشوق، فأنسى كل شيء، وبينا أنا أخاف على ~~مصلحتي أن تفقد مني، وعلى كرامتي أن تشان، كنت أشعر بميل عظيم لحب تلك المرأة ~~وضمها إلى صدري، وأقول: إن جميع الأخطار هينة بجانب وصلها، ثم أرجع فأذكر ~~قول من قال: «إن أول الحب ميل، وثانيه هيام، وثالثه قتل» ... ثم قلت: لا بد ~~أن الوصل يضعف قوة الحب، ولكن قد قال العلماء: ms19 إن الهواء يطفئ النار إذا كانت ~~خادمة، أما إذا كانت مشبوبة قوية فإنه يصليها. # ورأيت في الليل حلما أني بين شياطين كثيرة، هذا يحاول قص لساني، وذاك يضغط ~~علي، وآخرون يقفزون من فوقي، ورأيت بين أولئك الشياطين امرأة مجردة من ثيابها، ~~ذات جمال بديع، مفتوحة اليدين تدعوني إليها، ثم استيقظت فلم أر أحدا. # ولما قربت ساعة الميعاد جعلت أفرق بين الأخطار المحدقة بي، وبين السعادة ~~المهيأة لي، وبينما كنت كذلك ذكرت الشعر الذي يقول فيه هوراس: إن الحكيم ينتفع ~~من كل شيء بحكمته، وحكمت أن ذهابي إلى الكنيسة واجب، وفتحت شباك غرفتي فرأيت ~~السماء ملأى بالغيوم الكثيفة، ومدامعها تنهال طورا طلا وطورا وبلا، والأسواق ~~سائلة بالمياه والحوانيت مقفلة، والناس مختبئون إلا نفرا مشمري الذيول في ~~أيديهم المظال يمشون مسرعين، ورأيت الحدائق خالية يسقيها الله من فيضه العميم، ~~فظننت أنه يكون لي عذر إذا لم أذهب في مثل هذا الوقت، وقلت من المحتمل أن تكون ~~البارونة قد عادت إلى بيتها؛ لعدم صفاء النهار، فإذا ذهبت أكون حللت هذه المشكلة ~~على طريقة مستحسنة. # فركبت عربة من العربات المقفلة وسرت إلى الكنيسة، وقبل أن أصل إليها أمرت ~~السائق بالوقوف فوقف، فذهبت ماشيا، ولما دخلتها كانت النجوم الذهبية التي تضيء ~~أمام الهيكل تنطفئ واحدة بعد واحدة، والكهنة ينصرفون بالتتابع تاركين الكنيسة ~~كمغارة مهيبة، بل كقبر مخيف، فتقدمت قليلا وإذا بها على بعد عشر خطوات راكعة ~~تتأمل، ولما رأتني أتت إلي وقالت بثغر باسم وهي تكاد تقبلني في الكنيسة: هل ~~معك عربة؟ قلت: نعم، فقالت: إذن اسبقني فأتبعك للحال، كل ذلك كان بوقت وبشكل ~~غريبين، بحيث لم يلحظ أحد ما كان منا، فقالت للسائق سر بنا إلى حديقة منسو، ~~ثم إلى كورسيل، ومنه إلى شارع قبة النصر، ثم جلست إلى جانبي وأحنت رأسها أمامي مثل ~~جلستها في الكنيسة وانحنائها رأسها، وكان العطر يفوح من ثيابها، وفمها، وشعرها، ~~فرفعت الخمار عن وجهها، وبينا كنت أفكر في حديث أفاتحها به، افتتحت الحديث ~~بشجاعة وقالت: الآن أنا آمنة ms20 من أن لا أرى وأن لا تسمعني جدران بيتي ونوافذه، ~~فتفهم هاتين الكلمتين، لا بد أنك استغربت كيف أني استقبلتك منذ يوم معرفتي بك، ~~كمن عرفتك من زمن بعيد، وكيف أني لاطفتك وأظهرت لك التودد والميل، كمن ~~اختبرتك وعرفت أنك تقدرها قدرها فلأي شيء تنسب تلك الجاذبية التي جعلتك ~~تمتلك قلبي؟ وجعلتني أكبر حبك؟ ... هذا لغز أترك لك حله يا حبيبي، قد استوليت على ~~قلبي وقيدته بهواك، ولأول مرة رأيتك شعرت بشيء لم أشعر بمثله قبل، وحدثتني ~~نفسي بأنك أنت الحبيب المنتظر. # ثم ألقت رأسها إلى ذراعي وأمسكت يدي، فاستنشقت أنفاس فمها العطرة، وقرأت في ~~عينيها شوقا عظيما لتقبيلي، وشعرت بمثل هذا الشوق لتقبيلها، فهاجني الغرام، ~~وأقامني وأقعدني وحبذا لو أغمي علي؛ لكنت تخلصت من تنازع الخوف والهوى، ~~ولكن سلطان الهوى تغلب على سلطان الخطر فقلت: إذ قد حصل لي الشرف بأن أستحق ~~حبك وهواك، فاسمحي لي أن أثني عليك، وبما أن الغرام هكذا اقتضى فإني أسلم ~~إليه قياد نفسي، وهنا ذكرت نصائح عمي، فتوقفت بغتة، وقلت لها من فوري: ولكن يا ~~سيدتي أنت أرفع منزلة من هذا الغرام، وأرقى عقلا من اتباع هذا الهوى ويجب علي ~~أن أحترمك لا أن أحبك، ثم ماذا يكون من الحب يا ترى غير عذاب وغيرة وإهمال ~~للواجبات؟ فأرى أن نتجنب هذه الأضحوكة السيئة العواقب ونهرب منها، فذلك أشرف ~~لنا وأبقى. # فلما سمعت هذا الكلام نفرت مني وبرد جسمها وقالت لي: قل للسائق أن يعود إلى ~~شارع جبرائيل، ولما بلغناه هممت أن أعينها على النزول، فأبت وابتعدت عني ~~قائلة: كفاك تتعب لأجلي ...؟ ما أقسى قلبك وما أجبن أرباب العقول! قالت هذا بغضب ~~ومضت. # | الفصل الرابع # إذا كان جرح الشرف صعب الشفاء، ومس الكرامة يثبت في الفكر ما دام في الجسم دم ~~شريف، فكيف السبيل لمراضاة ريتا وعفائها عني؟ بعد أن جرحت شرفها جرحا عميقا ~~وعاملتها بالقسوة الجائرة، وقابلت تنازلها بالكبر وسوء التصرف ... ولكن أي ذنب ~~أذنبت إليها إذا اتبعت الجادة الحسنى؟ ونظرت في أمر ms21 مستقبلي نظرة الفطن اللبيب، ~~إلا أن هذه ظروف تصغر ذنبي بعينيها ... ولكن لا لا، فإن من الخمول والجبن رفضي ~~طلب حسناء تحسد العذارى خدها الأحمر، وقدها الميال، وتطمح إلى جمالها عيون ~~النساء، والأطفال، والرجال، وإن جبني هذا يجعل بيني وبينها حاجزا ~~حصينا. # وإذا شئت أن أستغفرها، وأطلب عفوها فكيف؟ ومتى؟ فإذا كتبت إليها عرضت نفسي ~~لخطر عظيم؟ وإذا ضربت لها موعدا فربما ترفضه، وإذا زرتها فلا جرم أن لساني ~~يتلعثم عن الكلام، وأن فؤادي يجبن، ولما أن أتعبتني هذه الأفكار ~~المقلقة تركت الأمر للقدر، وفي صباح النهار التالي عاودتني أفكار أمس، ~~وهاجتني حوادثه، فأكمد وجهي وفقد طلاقته، فشعر لامبون بحزني وانقلابي، وسألني عن ~~مسبب أكداري وموجب حزني، فلم أجب، فقال: أظنك عاشقا، فقلت: ربما كان ذلك، ~~قال: ذلك كائن بالفعل، وآخر دواء لذلك هو أن تشرح هواك لحبيبتك، ولكن قل لي - ~~ناشدتك الله: هل حبيبتك عذراء؟ قلت: لا، قال: لا غرو أنها جميلة فتانة؛ لأن ~~كل محب يرى حبيبته كذلك، فقلت: والله يا لامبون، إنها من أجمل مخلوقات ربك: # حرة الوجه والشمائل والجو # هر تكليمها لمن نال غنم # وحديث بمثله تنزل العص # م رخيم يشوب ذلك حلم # سلب القلب دلها ونقي # مثل جيد الغزال يعلوه نظم # ونبيل عبل الروادف كالفو # ر من الرمل قد تلبد فعم # ووضيء كالشمس بين سحاب # رائح مقصر العشية فخم # وشتيت أحوى المراكز عذب # ماله في جميع ما ذيق طعم # هكذا وصف ما بدا لي منها # ليس لي بالذي تغيب علم # غير أني أرى الثياب ملاء # في يفاع يزين ذلك جسم # وقد ضربت لي موعدا فجلست إليها أكثر من ساعتين في عربة مقفلة، خرجت منها كما ~~دخلت بدون حادث يذكر، ولم أعد أراها، فقال: إنك يا مكسيم أسأت الأدب إلى هذه ~~المرأة وأراك لم تعشق قبل الآن، ألا تعلم أن من الظروف ظروفا يجب على الإنسان ~~أن يخلع فيها الأدب واللياقة مع النساء؟ فيجب عليك أن تذهب إلى تلك الحبيبة ~~وتترامى على أقدامها، وتقبل يدها بذلة ms22 وانكسار، وتظهر لها حبا شديدا، ~~تلتزم معه أن تستلم إليك وترضى عليك، فقلت: سأفعل حسب أمرك. # وقبل أن يودعني التفت إلي التفاتة الحكيم وقال: يجب أن تستعمل الوقاحة مع ~~النساء «دائما الوقاحة». # | الفصل الخامس # رقاني فركنباك إلى أهم خدمة في مكتبه، وهي فض الأمانات، ففي كل صباح كانت ~~تأتيني رسائل ألمانيا، ورسائل الولايات المتحدة فأترجمها لفركنباك، وبحسب أمره ~~أجيب عليها، فبقدر ما تكون الرسائل كثيرة أو قليلة يكون شغلي كثيرا أو ~~قليلا. # فبينما كنت ذات يوم عنده أحمل إليه رسائل الخارج وأنتظر أن تمسكها تانك ~~اليدان اللتان تنثران درا حين الكتابة، إذ دخل الخادم وفي يده بطاقة دفعها إليه، ~~فلما قرأها ترك ما كان في يديه وأمرني أن أجلس على مكتبه، وأطوي الكتب وأرسلها ~~لأربابها، وقال: أنا ذاهب، أستودعك الله وأرجوك أن تذهب إلى البارونة وتقول لها ~~ألا تنتظرني؛ لأني مدعو للأكل عند صاحب لي في أمستردام وهو يلح علي ~~بالذهاب إليه. # كان هذا الوقت أنسب وقت وأقرب وسيلة لاختبار مبدأ لامبون، وما كاد البارون ~~يخرج من الباب حتى طويت الكتب وأرسلتها، ثم ركبت عربة وسرت إلى قصر فركنباك، ~~فذهب الخادم وأعلمها بحضوري، ثم عاد وقال لي: البارونة ترجوك أن تنتظرها ريثما ~~تنتهي من بعض شأنها، فانتظرتها زمنا طويلا ولم تأت فخفت، وارتبكت أفكاري، ~~وقلت: إذا قصرت زيارتي على إبلاغ ما كلفته يعظم البلاء، وأجلب علي ~~غضبها المؤبد، وإذا فاتحتها بغير ذلك فأي إظهارات تظهرها لي ...؟ # وإذا بها مقبلة وعلامات الغضب على وجهها، فأمرتني أن أجلس، ثم قالت بازدراء: ~~طلبت مقابلتي، فماذا تريد قلت: إني آت من قبل البارون لأخبرك أنه مدعو ~~للأكل في أمستردام في هذا المساء عند صاحب له، فضحكت مني ضحكة معنوية، وقالت: ~~إن الهولندية التي يحبها البارون تدعى جوزيفا، وهي أستاذة في أكاديمي ~~الموسيقى، وبيتها في شارع أمستردام ... إنك تنقل الحديث بحروفه، فماذا يعطيك البارون ~~مكافأة على هذه الخدمة؟ # فدار في رأسي غدير دم كاد يقتلني لهذه الإهانة، وأجبتها بوجه صفعته ~~الشماتة، أقسم بالسماء وبالأرض، وأقسم ms23 لك بكل عزيز لدي أني أجهل كل هذه ~~الشروح، وفاضت عيناي بالدموع. # فقلت لها والعبرات تتسابق من عيني: لقد عاملتني بالقسوة الزائدة، ولو كانت هذه ~~الإهانة من غيرك، لهانت علي، ولكني لا أحتملها ممن أهواها وأفتديها بروحي، بماذا ~~أذنبت إليك يا سيدتي فتقابليني بهذا الجفاء؟ فقالت: وقد أخذت عبوستها بالزوال: ~~أرجوك أن تعذرني فقد غلبت علي الانفعالات النفسانية، وإني أصدق مقالك، فقلت ~~برقة وتذلل: قبل أن أذهب من هذه القاعة التي ربما منعتني عن دخولها مرة ~~أخرى أقر إقرار المدنف أني أهواك، وأني من يوم رأيتك على هذا المقعد الذي أنت ~~عليه الآن جميلة كالصبح، شعرت بشيء خرج منك واستولى على قلبي فأخذه مسحورا: # سجد الجمال لحسن وج # هك واستراح إلى جمالك # وتشوقت حور الجنا # ن من الخلود إلى مثالك # فعشقت وجهك إذ رأي # تك واعتمدت على وصالك # وعندما وضعت يدك في يدي لأول مرة حسبت أني أهواك هوى فوق كل هوى، وحينما ~~فتحت لي قلبك الطاهر وأطلعتني على أسراره ومكنوناته، شعرت بقوة لا أعلم ما هي، ~~وأعلم فقط أنها هاجت دمائي، وأثارت أعصاب يدي التي كانت بيدك فاضطربت اضطرابا ~~غير مألوف، ولم أنم كل ذاك الليل، فإن صورتك البهية كانت دائما نصب ~~أفكاري وعيني، وإذا كانت القلوب على القلوب شواهد، فلا بد أنك شعرت شعوري، على ~~أني خفت عقبى هذا الغرام، وخفت أن يعود علينا بالوبال، وهذا ما جعلني أسيء ~~إليك الأدب: # إن كان غاظك شيء لست أعلمه # مني فعفوا وإني نادم ندما # ما تشتهين فإني اليوم فاعله # والقلب صب فما جشمته جشما # فقالت: صدقت يا مكسيم فقد رأيت على وجهك تلك الدلائل؛ ولهذا لم أشدد النكير عليك، ~~ولكن ساءني منك هذا الجبن الذي لم أكن لأظنه فيك، مع ما أعهدك عليه من ~~الذكاء. # وكانت جفوتها تزول شيئا فشيئا، وبقدر ما كنت أتذلل إليها وألاطفها كان ~~غضبها يقل، وينحل، ثم عدت للحديث، فقلت: أرى على وجهك هيئة امرأة تحسبني أمثل ~~رواية وتظن أني أستخف بالحب، فاسمحي لي يا سيدتي ms24 أني أركع على قدميك وأشرح لك ما ~~قاسيته من العذاب في محاربة أميالي ... وإذا كنت امتنعت عن تلبية طلبك فيما ~~مضى وفضلت أن أتعذب عذابا اختياريا؛ فذلك لأني لم أشأ أن أبادلك ~~عواطف قلبي في عربة معرضة لأبصار المارة، فإذا كنت مخطئا فسامحيني، ثم إني ~~تراميت على أقدامها وملأت يدها بالقبل الحرى، وقلت بصوت يقطعه خفقان القلب ~~وزفرات الفؤاد: أستحلفك بالحب وآياته، وبالطبيعة وكل شيء جميل بألا ترفضي ~~قلبا أقدمه لك على كفي، وأن تقبلي حبا سعى إلينا من نفسه دون أن نسعى ~~إليه. # وكأنها رثت لحالي، فأخذت يدي وقالت: قف يا حبيبي، فربما يباغتنا أحد على هذه ~~الحال، فارتميت عليها وقبلتها، فقبلتني قبلة اقشعر لها جسمي وجسمها: # قبلتها ودموعي مزج أدمعها # وقبلتني على خوف فما لفم # قد ذقت ماء حياة من مقبلها # لو صاب تربا لأحيا سالف الأمم # ثم جلست على المقعد وقد دار ماء الحياء في وجهها المشع الإلهي، فقالت: اذهب يا ~~حبيبي، فقد طالت زيارتك وأخاف أن يتنبه الخدام. فقلت: سمعا وطاعة، ولكن متى ~~أجيء إليك بإرادتك التامة؟ ومتى تفتحين لي إنجيل الغرام الذي كان ممنوعا علي؟ ~~فوقفت ووضعت يدها على رأسها كأنها تحارب ميلين مختلفين، كل واحد يعمل لاكتساب ~~إرادتها ثم قالت: أتكتم السر؟ قلت: كالقبر، قالت: أتكون مخلصا؟ قلت: ~~جربيني. قالت: وإذا أخلصت: # فلك الله والأمانة والمي # ثاق أن لا نخونكم ما بقينا # ثم أن لا يزال حبك عندي # مثله اليوم في الفؤاد مكينا # ثم لا تخرب الأمانة عندي # أغدر الناس من يخون الأمينا # ثم أن نفعل المناسب حتى # نترك الناس يرجمون الظنونا # فقاطعتها وقلت: # ثم أن أرفض النساء سواكم # هل رضيتم؟ قالت: نعم، قد رضينا # قالت: إذن يجب أن تكون عندي قبل منتصف الليل ... سأرسل الخدام من البيت، وأبقى ~~وحدي، فخذ هذا مفتاح باب الخارج فافتحه بلين، وإياك أن تدق الجرس. # قالت هذا وقرعت ذر الجرس، فأتى الخادم فقالت له: افتح الباب وشيع المسيو مكسيم، ~~ثم أحنت لي رأسها بسكينة ولطف، كأن لم يك ms25 بيني وبينها أشياء . # | الفصل السادس # أثمرت نصائح لامبون ثمرا جنيا، وكذبت ساعة الوصل ما كنت أتوهمه في ~~الغرام من الأكدار والتعساء، وغدوت لا أفكر إلا بأن لي حبيبة أحبها وتحبني، ~~وتغار علي كما أغار عليها فقلت أخاطب طيفها: # أذعن للحسن عصي العنان # وحاولت عيناك أمرا فكان # يعيش جفناك لبث المنى # أو للأسى في قلب راج وعان # يا قمرا في التيه ما ينتهي # أخاف أن يفنى علينا الزمان # ويا كثير الذل في عزه # لا تنس لي عزي قبيل الهوان # ويا شديد العجب مهلا فما # من منكر أنك زين الحسان # رضيت لم أجزع ولكنما # من الرضا سخط ومنه امتنان # مضى القليل النزر من حيلتي # والجلد المذخور ولى وخان # اجتمعت بريتا وافترقنا، وما كان منا فلا يغبى عن أحد؛ أما وصالها فبدلا ~~من أن يخفف شدة الغرام أصلى قلبينا بنار أحر نار الجحيم أبردها، ~~وكأنه بدل كبدينا وقيدهما بقيود من حديد، فصار قلبي ملكها وصار قلبها ~~ملكي. ~~••• # ولكن ما ذاك الرخاء الذي شعرت به حينما كانت إلى جانبي أضمها مرة وتضمني ~~مرات، كأننا غصنا دوحة تضمهما الطبيعة ويحركهما الهوى! ... بل، كيف لا ~~أشعر بذلك وأنا لست خشبة بغير حياة، ولا حجرا بغير إحساس؟ وريتا أجمل النساء ~~وألطفهن وأوفرهن ذكاء وعلما. # ولما رأيت لامبون شمخت كالطاووس حين ينتفض ويفرش ريشه، ويعجب بجماله، وضحكت ~~ضحكة المسرور بطالعه المفتتن بنجمته فضحك بي، وبعد نظر طويل إلي قال: ما للأرض ~~تضيق بك؟ أراك تنتفخ كالبعير فهل استعملت الوقاحة مع حبيبتك؟ ~~- الوقاحة والتذلل. ~~- وهل كانت النتيجة حسنة؟ ~~- فوق ما كنت أرجو. ~~- ذلك كان منتظرا ... والآن، إذ قد فزت بطلابك ونلت مشتهاك وتبدل لون وجهك ~~الترابي بلون آخر وردي، فهل لك أن تدلني على حبيبتك؟ ~~- ذلك فوق مقدرتي. ~~- قل لي على الأقل من أي طبقة من الناس هي؟ ~~- لا أعلم. ~~- أظنها امرأة شيخ مسن تغار عليه وتخدعه كما يخدعها. ~~- لله درك ما أبرعك بحل الألغاز وإدراك الأسرار! ~~- نعم، عندي بعض الخبرة بهذه العلوم، وقد درست على يد الزمان فعلمني ms26 ما لم ~~يعلمه غيري، فعندي نصيحة أخرى لك، وهي أن تحرص على سعادتك حرصا شديدا، وتسهر ~~عليها من خطر المخاوف التي قد تعتريها. ~~- لا خطر علي؛ لأني أحبها ولا أحب سواها، وهي كذلك لا تحب سواي، وأنا لا أخاف ~~غيرتها، ولا أظنها تهوى غيري، فأغار عليها؛ لأنها تهاب زوجها وتخاف أن ينكشف أمرها ~~إذا كثر عشاقها، وعليه فيكون الخطر على سعادتها أكبر منه على سعادتي. # وفي المساء عدت إلى البيت فوجدت على مكتبي كتابا منها بخط يدها تقول فيه: # حبيبي # تمارض غدا وانتظرني في البيت ... في الساعة الحادية عشرة أكون عندك، ~~أقبلك قبلات كثيرة والسلام. # الإمضاء ~~... # فأخذت الكتاب وجعلت أقرؤه وعيناي تذرفان الدمع سجاما من الفرح، وأن هذا الكتاب ~~كان أول كتاب أرسلته إلي، وبينما أنا في هذه السكرة سمعت حمامة تنوح على غصن ~~بان قرب الشباك نواحا محزنا فقلت: # هل تيم البان فؤاد الحمام # فناح فاستبكى جفون الغمام # أم شفه ما شفني فانثنى # مبلبل البال شريد المنام # يهزه الأيك إلى إلفه # هز الفراش المدنف المستهام # كذلك العاشق عند الدجا # يا للهوى مما يثير الظلام # له إذا هب الجوى صرعة # من دونها السحر وفعل المدام # يا زمن الوصل لأنت المنى # وللمنى عقد وأنت النظام # لله عيش لي وعيش لها # كنت به سمحا رخي الزمام # وقد تولتني فرحة شديدة أنستني أنه كان يجب على ريتا أن تكتب لي أكثر من ~~سطرين؛ نظرا لما بيننا من الغرام، فشمخت بأنفي وملأني حب الذات، وجعلت أنظر إلى ~~ذينك السطرين نظر البنية إلى لعبها، وأضمها إلى صدري ضم تلك لعبتها، ~~حتى تعبت فجلست على المقعد والكتاب في يدي أحسبه كنزا ثمينا. # واتفق في الغد أن رسائل الخارج كانت قليلة فسررت جدا، وبعد أن أجبت ~~عليها بترو وحكمة، أتيت السوق فاشتريت طاقات من الزهور المتنوعة وفرشت بها ~~بيتي المعتم، وبينما كنت أسرح الطرف من النافذة إذا بها في ملتوى الطريق ~~تنزل من العربة، فأقبلت نحوي تتهادى بين إدلال وابتسام، فقلت أناجيها عن ~~بعد: # صوني جمالك عنا ms27 إننا بشر # من التراب وهذا الحسن روحاني # أو فابتغي فلكا تأوينه ملكا # لم يتخذ شركا في العالم الفاني # السر يحرسه والذكر يؤنسه # والشهب حوليه بالمرصاد للجاني # ينساب في النور مشغوفا بصورته # منعما في بديعات الحلى هاني # إذا تبسم أبدى الكون زينته # وإن تنسم أهدى أي ريحان # وأشرفي من سماء العز مشرقة # بمنظر ضاحك اللألاء فتان # عسى تكف دموع فيك هامية # لا تطلع الشمس والأنداء في آن # وكانت مرتدية بثوب مثل ثياب أهل القرى كيلا يعرفها أحد، ومسدلة على وجهها نقابا ~~ثخينا يستر جمالها وما هي إلا دقيقة حتى: # سفر الحبيب فقلت يا عين انظري # وتنزهي في حسن هذا المنظر # وبدا يميس فلاح لي قمر على # غصن رطيب بالمحاسن مثمر # رشاء إذا هز النسيم قوامه # أزرى بغصن البانة المتخطر # متمايل الأعطاف ورد خدوده # يغني المحب عن الشقيق الأحمر # جمع المحاسن إذ تثنى قده # وتفردت ألحاظه بتكسر # فإذا رنا يسبي العقول أو انثنى # تحلو رشاقة قده للمبصر # فوضعت خمارها وبرنيطتها على فراشي، وقالت لي بصوت مضطرب من السرور: «آه يا ~~حبيبي كيف يمضي يوم كامل ولا أراك ...؟ كم كان هذا اليوم طويلا!» فأجلستها قرب ~~المصطلى المشبوب، وجلست على أقدامها أشتم رائحة أنفاسها العطرة، فقالت: ها نحن ~~معا الآن أيها الحبيب لا نخشى رقيبا، كلانا عاشق ومعشوق، ليتك تعلم كم أخاف ~~الرقباء، وأشتهي لهم الضراء؛ لأني أود أن أعيش منعمة سعيدة آمنة، ولا ~~سعادة لي إذا فصلت عنك ... هل وجدت طريقة سهلة لأن نجتمع معا ونتحاب دون أن ~~تصل إلينا أعين العيون والعواذل، أم لم يدر بعد في رأسك العديم الاهتمام ~~بالأشياء هذا الأمر الضروري ... أما أنا فكنت بالأمس أفتش بلا انقطاع على بيت ~~بعيد عن الناس، لا تجوز إليه أنظار الجواسيس الأشرار، وبعد تعب وجهد وجدت منزلا ~~موافقا في طريق كوبنهاك فاكتريته للحال، وجئت إليك لأهنئك، ألا تشكر لي ~~فعلي ...؟ ألا تحرك فمك لتقبيل خدي ...؟ ألا تحرك يديك لتضمني ...؟ فضممتها إلى ~~صدري، وملأتها بالقبل، وقلت: إني كنت أتأمل بهاءك يا خنتي المعبود، ms28 وكنزي ~~المرصود، فقالت : ويسرك أكثر أن صاحبة البيت أرملة لا تملك غيره، فهي تعيش ~~بأجرته، وللبيت بابان ومفتاحان، هذا مفتاح لك، والآخر لي، وخذ هذه نمرة البيت فيجب ~~عليك من الآن فصاعدا إذا شئت أن ترسل لي كتابا أم تلغرافا أن ترسله بهذا ~~العنوان، وأن تذهب إليه في كل مساء بعد انصرافك من المكتب، فربما أكون هناك من ~~حيث لا تعلم. # ثم قامت ولبست برنيطتها، وقبل أن تضع الخمار على وجهها ضمتني إلى أقداس صدرها ~~وقبلتني، ولما رأت علي ملامح الحزن، قالت: خرجت من البيت على غير عادة أن أخرج ~~منه في مثل هذه الساعة، وأخاف أن يسأل عني البارون إذا طالت غيبتي ... فأستودعك الله ~~يا حبيبي وحياتي ... موعدنا قريب. # كانت زيارتها أقصر من لمع البرق، ولما خرجت شعرت بميل لرؤية بيتنا الجديد، ~~وإذ لم تكن لي أشغال تمنعني سرت إلى حي أوروبا، وبينا كنت سائرا كنت أتأمل بجرأة ~~ريتا، وحرية ضميرها، وأحسدها على شجاعتها، ونشاطها الطبيعي، ووددت لو يكون لي مثل ~~أخلاقها وصفاتها ... ومن لا يعجب من ريتا وهي بالأمس ولد حبها، واليوم أضحى لها ~~معبودا وصار كأنه من ضروريات حياتها، أما أنا فلست أكثر من آلة غير عاملة، وكان ~~المنزل الجديد على ما يوافق حالنا خاليا من حركة الناس وأصواتهم، وهو طبقة فوق ~~طبقة، ونوافذه محكمة، وداخله نظيف جدا، أما مفروشاته فكانت من الحرير الأحمر ~~المعرق، وفي القاعة مرآة كبيرة وزخارف عديدة، ومع أن ريتا لم تأته أكثر من مرة، ~~فقد ملأته من آثارها، فوضعت على المصطلى زهورا كثيرة الأنواع، وجرائد مختلفة ~~اللغات واللهجات، ورأيت صورتها على إحدى الطاولات ملفوفة بشرائط حمراء في طاقة ~~كبيرة من الورد. # آه، ما أسعد الساعة التي كنت مزمعا أن أقضيها مع ريتا في هذا البيت يوم ~~الأحد! # ولما حان وقت الموعد المضروب سبقتها، ولعلمي أنها مولعة بالحلوى مثل النساء ~~الإيطاليات، ملأت سلة من أصناف الحلوى، وأخذت معي من أنواع المدام شيئا كثيرا، ~~ولما دخلت البيت أوقدت فيه قدرا من الحطب كي تزداد ms29 حرارته، وإذا بالباب ينفتح ~~فاضطربت أعصابي فرحا وأغمي علي، ولما استفقت رأيتها إلى جانبي تؤانسني ~~وتلاطفني. # آه، ما أسعد هذه الساعة التي كنت مزمعا أن أقضيها معها في هذا البيت! # فقالت لي وهي تصلح زي شعرها: أتعلم يا مكسيم من أنا في عين أرملة أنور صاحبة ~~هذا البيت؟ ~~- إن سيدنا إبليس - عليه السلام - لم يعطني ما أعطى تيراز ياس من معرفة الخفايا ~~وحل الألغاز. ~~- قد سميت نفسي روزا كازينولي، وهي إحدى المغنيات الشهيرات في ميلان، وكيلا ~~أجعل لها سبيلا لمراقبتنا احتلت عليها حيلة غريبة، فقلت إني عاشقة والذي أحبه ~~شاب غني يحبني ويغار علي، أنت هو ذلك الشاب، وهذه الحيلة مع كونها مألوفة فهي ~~قريبة من التصديق بساطتها، وقد قال المثل: إن الأقاصيص البسيطة أقرب للأفهام من ~~سواها. ~~- وماذا سميت حبيبك؟ ~~- قلت فقط إنك ممثل مولع بالموسيقى، وقد قال المثل: تجنب الكذب غير المفيد، ولم ~~يقل المفيد ... ~~- بالحقيقة إنك داهية يا مولاتي. ~~- عجبا! كيف تسميني مولاتك ألا يكفيك أني حبيبتك؟ ~~- أنت هذه وتلك، وليس بمستغرب على الله أن يجعل اثنين في واحد. ~~- كيف رأيت هذا البيت؟ ~~- أتعنين هذا البيت الذي نحن فيه مختبئان كمجنونين؟ ~~- نسيت أن تضيف إلى مجنونين كلمة غرام، فقل كمجنوني غرام. ~~- رأيت أنه أحسن أبنية الدنيا. ~~- أحب أن أتناول فيه الطعام معك في بعض الأيام، فأول مرة لا يأتي هو البيت ~~أعلمك. ~~«هو» كناية عن زوجها الذي حلفت ألا تسميه أمامي. # ثم قالت: لا بد أنه يدعو حبيبته الهولندية لتتناول معه الطعام في الحانة ~~فيومئذ ... # ثم تركت من يدها كأس الخمر، وتناولت بدلا منها قطعة من الحلوى وقالت ضاحكة: وبما ~~أنه يحب النوم فسينام معها على فراش واحد، ونحن نقيم عيدا هنا ... وننام معا أيضا ~~على هذا الفراش ...! مثل اليوم ... # باتت بطرف مسهد # مطهومة تتمرد # لها من الظرف والحس # ن زائد يتجدد # فكل حسن بديع # من حسنها يتولد # في القلب مني عليها # حرارة تتوقد # تعود بالوصل طورا # والعود بالوصل أحمد # تمضي أوقات اللذة مضي الأحلام، ولا تبقى ms30 للحبيبين غير لوعة وذكرى وهيام، ~~وكان نصف الليل الأول على وشك الانتهاء، فنظرت إلى ساعتها وقالت: صرنا في الساعة ~~الثانية عشرة، ونحن لا نشعر ولا أعلم إذا كانت ساعتي تغالط. # ثم دنت مني ونظرت في ساعتي، فإذا الوقت فيها مثله في ساعتها فنهضت للحال، ولبست ~~برنيطتها وتهيأت للذهاب فقلت لها: ماذا؟ فقالت أستودعك الله يا حبيبي قبلني ~~قبل الوداع ... أيضا ... أيضا ... القبل للعشاق كسر المسحة للمرضى. # وبعد ثلاثة أيام كتبت لي كتابا تقول فيه: إن «هو» مدعو اليوم للعشاء في النادي ~~الفرنساوي، ولا مراء أنه سوف يسكر، وبناء عليه فسأجيء إليك في الساعة الثامنة بعد ~~الظهر. # فقمت من فوري وذهبت إلى السوق فاشتريت شيئا كثيرا من ألوان ... الآن ازداد رضاي ~~عليك. # الطعام اللذيذة ومن أصناف الخمور المعتقة، ومن الزهور الجديد قطوفها، ثم أشعلت ~~النار، وأنرت القناديل المعلقة، وكللتها بالأزهار البهية العطرة، وفرشت ~~المقاعد والكراسي بصنوف الورد والرياحين. # وإذا بها داخلة، ووجهها يتهلل بشرا، والسعادة ترقص على جبهتها وجبينيها، ~~والسرور يجول في عينيها فقالت: نعم أنا هي التي تنتظرها، أنا ريتا لا تخف ... أنا ~~ريتا السعيدة بأن أراك، الحرة إلا في هواك، الصادقة في ولائها وحبها، الأميرة ~~إلا على قلبها، وبعد أن كان لا يخطر ببالي أن أخون فركنباك، أصبحت وأنا أرصد ~~غيبته بفروغ صبر لأجيء إليك، وأعاطيك كئوس الهوى، ولو كان يعلم ذاك المغرور بما ~~بيننا، لامتزج صفو أيامه مع جوزيفا بالكدر والحزن. ~~- دعينا من هذا الحديث وهات حديثا أطيب. ~~- أظنك هيأت الطعام، وأعددت كل شيء على أحسن نظام. ~~- نعم قد هيأت كل شيء، وجعلته على أحسن ما تتصورين من الذوق، فهل أنت راضية ~~على مكسيم حبيبك؟ ~~- خذ الجواب من عيني فهما أفصح من لساني، وسلهما عن شخصك في قلبي، فهما اللتان ~~دلتا القلب عليك، وهما اللتان أوجدتا الحب حين نظرت بعيني ونظرت بعينك ... ولكن ~~لماذا تجلس بعيدا عني ...؟ اقترب اقترب أيضا ... الآن ازداد رضاي عليك. ~~- قد تهيأ الطعام. # كان عشاؤنا كما يجب أن يكون؛ أي نارا تشبها المزاحات والمداعبات ms31 الصبيانية، بل ~~مطر قبلات، بل ساعة جنون غرامي، وبقدر ما تكلمت ومازحت، بقدر ما شربت من ~~الشنبانيا إلى أن سكرت وغاب عقلها، حتى لو رأت تمثالا من حجر لحسبته إنسانا ~~ودعته ليشرب معنا كأسا. # ثم إنها طوقت عنقي بيدها، وقالت بصوت مترجرج: أنا مسرورة بأنك قريب مني، سعيدة ~~بأني قريبة منك ... وقد كنت في جنة يوم قدمت لك قلبي فرفضته، ولو أني رفضت قلبك ~~حين قدمته لي، لكان جنوني أشد من جنونك؛ لأن في الحب لذة لا أدري كيف أعبر عنها ... ~~وأنا أحبك من كل قوة قلبي ونشاطه ... وأود أن أمحو ذكرى أحزاني الغابرة، وأود أن ~~أؤرخ حياتي من يوم عرفتك، بل من ساعة دخلت غرفتي، تلك الساعة التي رأيتك فيها ~~لأول مرة، وكأن صوتا سريا كان يقول لي إني سأكون لك وتكون لي ... فكأن أشعة شمس ~~بددت ما كان ينوب نفسي من الظلمات وبقوى قبلاتك انزاح الحجاب الذي كان يحجب عني ~~الذهول، والغفلات الإلهية التي أفنيت عمري في تصورها فلم أنلها، وقضيت معظم ~~أيامي في طلابها فلم تستتم لي ... فأنا أحبك الآن حبا فوق من يتصور العشاق، بحيث ~~أشعر في نفسي أني أموت لو غبت عني. # وبينما كان فمها الوردي يفتش على فمي وخدي، خطر ببالي فكر خشن لا يقال ~~لحبيبة، ففاتحتها به ببرودة دون أن أبحث عما إذا كان يغضبها ويؤلمها أم لا ~~يؤلمها، مثل الطفل الذي يمزق جلد الطبل؛ ليرى ما في داخله، أو كالبنية التي تكسر ~~لعبها؛ لترى ما فيها، فقلت من فوري: وهل إني يا حبيبتي ريتا أول عاشق ~~عشقته؟ # فأخذتها لهذا السؤال رجفة مؤلمة ألقتها إلى الوراء، وأظهر وجهها دليل كآبة ~~وعذاب حتى إني ندمت على هذا الذنب، فقالت: إنك سيئ النية يا مكسيم. ~~- هبي أني لم أستعلمك عن شيء، فلا أحب أن أعلم شيئا من ذلك. ~~- وأنا أحب أن أخبرك بكل شيء، وقد خنت ضميرك ومع جهلي بسبب ذلك فإني أستنتج منك ~~أنك تميل لمعرفة المجهول من حياتي، وإذا كان لا بد لك ms32 أن تعرفه عاجلا أو آجلا، ~~فأنا أقصه عليك الآن بصراحة ... فاعلم أني قبل أن أعرفك حدث لي حادثتا غرام «ولست ~~الآن أحلي مقالي وأطليه بزخرف لأتنصل من ذنبي، بل أقول الحقيقة كما كانت، ~~فقد عشقت المركيز دي ... لا فائدة من ذكر اسمه» مدة أسبوع كامل، وإنما كتمت اسمه عنك؛ ~~لأنك تجتمع به أحيانا وربما تكرهه إذا ذكرت أنه امتلكني قبلك، وقد كان ذلك بعد ~~زواجنا بأربعة أشهر. # وكان هذا المركيز معروفا بالغنى والذكاء والمهارة بالرقص، ففي ذات يوم زارني ولم ~~يكن البارون في البيت فشرح لي هواه، وبعد نصف ساعة كنت حبيبته على أني رفضته بعد ~~أسبوع لإساءة بدت منه، وما كانت هذه المرة لتخفف نيران غرامي، فقد كنت أشعر ~~دائما باحتياج عظيم للحب، وأفتش عن حبيب أمين أبادله الغرام، فاتفق ذات يوم أن ~~جاءنا أحد أقارب البارون، وكان شابا جميلا فاستقبلته بوجه بشوش، ورحبت به ~~ومن ذاك الحين نشأ حبنا، وأخذ يزداد ويعظم، فخيل لي أني غرقت في بحور الغرام، ~~وبعد ثلاثة أشهر أمرته الحكومة بالسفر عن باريس فبكيت لبعده كثيرا، وإذ رأيت أن ~~الدهر ما دام يسقيني كئوس الحنظل عقدت النية على الوقوف عند هذا الحد من الحب، ~~إلا إذا وجدت لي حبيبا جميلا أمينا، لا يسافر عن باريس، فبقيت منتظرة أقاسي ~~ألم الاحتباس، وضجر الانتظار مدة ثمان سنوات إلى أن رأيتك يا حبيبي ... آه لو تعلم ~~كم أحبك وكيف أهواك. # ثم أخذتها سنة الكرى فاستقلت على ذراعي ونامت، وكانت في نومها تستهل تارة، ~~وتبتسم أخرى، وتصعد أنفاسها كخرير المياه الجارية في الخمائل النضيرة، وبقيت إلى ~~نصف الليل فرأيت من الحكمة أن أوقظها، فقبلت جبهتها البيضاء الندية، فاستفاقت ~~وسألتني عن الساعة فقلت: قد انتصف الليل، فقامت بسرعة إلى السرير ولبست أكف يديها ~~وبرنيطتها، وتهيأت للذهاب، ثم قبلتني ومضت. # فلما رأيتني وحدي على الفراش الذي كنا عليه معا منذ دقائق انهملت الدموع من ~~عيني، وأخذت الأفكار تنصب على رأسي كالصواعق، أما الشموع فأكثرها انطفأ ~~والباقي كاد ينطفئ، وكانت بقايا ms33 الطعام حسنة هنا وهناك، والخلاصة أن ذهابها كان ~~أشبه بإنزال الستار في تشخيص الروايات. # وما زلت أنتقل من فكر إلى فكر ومن خيال إلى آخر، إلى أن رف جنح الظلام، ~~وانفتحت من الكرى عين الفجر، فقلت: أطويل يا ترى عهد غرامنا أم قصير؟ وهل تدوم ~~على هذه الحال أم تغيرها الأقدار؟ # إن ريتا تحبني بلا مراء، أما أنا فلا أدري إن كنت أحبها مثل حبها لي ... # | الفصل السابع # قال لي لامبون: يا مكسيم إن للبارون كلاما يقوله لك، وقد أمرني أن أعلمك ~~بذلك وقت حضورك لتسرع إليه في غرفته. # فارتعدت فرائصي، وغدوت كأن حجرا وقع من شامخ على دماغي فرضه، كما سقطت ~~قطعة من جبل على رأس ثور فخارت قوى ساقي، وكأن سحبا عشت عيني فقال لي لامبون ~~إذ رأى اضطرابي وانقلاب وجهي: ما بدا لك أراك مضطربا؟ فقلت: إني تعب وعندي حمى ~~خفيفة لا أعلم سببها، فقال: سببها أنك تماديت مع النساء ليلة أمس - هذا بالطبع - ~~فابق إذن هنيهة؛ ريثما يهدأ روعك ويسكن قلبك. # فقلت في نفسي لو كان في نية البارون أن يكلمني بشيء مما أظن، لما كان أرسل ~~إلي لامبون ليدعوني إليه، وأظن ذلك لعلاقة في الشغل، وإذا كان العكس وفرضنا ~~الممكن فهل لي سبيل إلى الهرب من انتقامه؟ وهل لي نجاة بالاضطراب والخوف؟ إذن يجب ~~أن أذهب إليه بشجاعة. # فلما رآني هش بي وأجلسني إلى جانبه، وقال مضى عليك أربعة أشهر في خدمتي ولم أقل ~~لك كلمة تنشيط، ولم أسمعك كلمة شكر على خدماتك الجليلة، ولا جرم أنك استغربت ~~ذلك، وربما أنك نسبته لعدم تقديري المستخدمين قدرهم، على أني فعلت ذلك لأستقصي ~~أخلاقك وصبرك، ولأختبر مقدار نشاطك، وقد سرني جدا ما رأيته فيك من الأخلاق ~~الرضية، والذكاء، والاجتهاد، وقد رأيت أن أكافئك على ذلك بأن أصيرك كاتم ~~أسراري بدلا من وليم، فهل تستطيع أن تقوم بأعباء هذه الخدمة؟ ~~- أسأل الله أن يقدرني على خدمتك وإعانتك، وسوف أبذل جهدي لإرضائك. ~~- كان راتب وليم ستة آلاف فرنك، وهذا ms34 الراتب نفسه يكون لك؛ لأنك عزيز عندي، وهذا ~~مكتبك بقرب مكتبي فاجلس وابدأ في شغلك من الآن، وأحب أيضا أن كاتم أسراري يجيء ~~للشغل باكرا. ~~- حسب أمرك. ~~- كان وليم إذا ذهب الظهر لتناول الطعام يعود بعد ساعتين، ومع أن هذه الفرصة ~~واجبة لراحته، فإنها كانت تسوءني؛ لأني كثيرا ما احتجت إليه في خلالها والتزمت أن ~~أبقي الأشغال لحين مجيئه، وإذا كان لا فرق عندك أن تأكل معي في بيتي بدلا من ~~أن تأكل في بيتك فإنك تسرني جدا. ~~- كاتم أسرارك يا سيدي لا يجد سبيلا لمخالفتك، ولو كان في سرورك الموت ~~لاشتهاه. # فسر لهذا الجواب، وقال: أشكرك لعواطفك الشريفة، فما كنت أنتظر منك أقل ~~لطافة وحلاوة، خذ هذه الأوراق وانظر إلى الشروح التي على هوامشها، وأجب على كل ~~بالسلب أو بالإيجاب حسب ملاحظاتي، وإذا صعب عليك شيء فاسألني لأفيدك. # فجلست على مكتبي وأنا لا أكاد أصدق أني في يقظة ولشدة فرحي جعلت أقرض كفي، ~~وبدا لي المستقبل زاهرا بلون ربيعي جميل، وهبت علي ريح مناسبة ملأت شراع ~~أملي. # ثم كتبت كتابا لعمي أخبره فيه عن مصلحتي الجديدة، وأصف له سلوكي الحسن ~~واجتهادي في خدمة فركنباك، ولو علم ذاك العم المسكين بحقيقة حالي لحملني على ~~العوالي، وكان جل ما كتبته له إطراء بسلوكي، وحلفا بأني أسعد من على ~~الأرض. # فأرسل البارون إلى ريتا يخبرها أني صرت كاتم أسراره، ويرجوها أن تعد لي ~~كرسيا على مائدته، ولما كان الظهر ذهبت معه إلى البيت فقابلتنا ريتا بوجه باسم، ~~وقالت: أهلا بحضرتك ومرحبا، إني أهنئك بهذه المصلحة الجديدة، ويسرني جدا ~~أنك ستشاركنا في تناول الطعام على مائدتنا وقد ... # فقاطعها البارون عن الكلام وقال: إن مكسيم غدا كواحد منا، وعليه فلا ~~تلقبيه بعد بحضرة أو بسيادة، فقالت: سأبذل جهدي في أن أسميه كما ~~تريد. # ولما سمعت ذلك قلت في نفسي: لله در النساء من ماكرات خادعات. # وبعد الغداء قال لي البارون: إن القدماء كانوا إذا رغبوا في إظهار ودهم لأحد ~~شربوا كأس خمر على نخبه، ms35 وأنا إظهارا لحبك أدعوك معي لنشرب على نخب ~~بعضنا. # فانفتحت عيناها وانتفخ أنفها وقالت: وأنا أذهب معكما، فأجابها: إن البار ~~مختص بالرجال ولا يدخله نساء. # ففركت حاجبها كأنها تفكر في أمر، وإذ رأت زوجها خارجا مع الخادم قالت لي بصوت ~~خفي: ارفض طلبه. ~~- وبما أعتذر إليه؟ ~~- لا يهمني ... أجد عذرا؛ لأن المكان الذي تذهب إليه فيه نساء ... وأنا لا أطيق ~~أن أراك مع غيري. ~~- لكن الأدب يدعوني لأن أقبل طلبه وأشرب على نخبه، فهل تحبين أن ~~أعرضه للشكوك؟ ~~- إذن اذهب ولكن مع الحذر ... ولاقني في الساعة العاشرة إلى شارع كوبنهاك. # ثم عاد فركنباك وبرنيطته على رأسه، وقبل أن يدخل أمسكت قطعة من النسيج وجعلت ~~تقلبها بطنا لظهر؛ لتخفي اضطرابها وتشغل أفكارها. # فجعل فركنباك يده بيدي وسار بي للحانة، وبينما كنا على الطريق قال لي بعبارة ~~ودية: إن الوظيفة التي رفعتك إليها تقضي بتوفير علاقاتي معك، وبإيقافك على ~~خبايا ضميري، وقد قال المثل: الملك ملك على غير خادمه؛ كذلك الرئيس رئيس غير ~~عين في أهله، وعليه فأنا أحب أن أقص عليك كل ما في ضميري؛ اعتقادا أنك ~~أمين، وأنك تعاملني بالمثل فتقص علي كل ما في ضميرك. # فوعدته بذلك، فقال: إذن أثق بك؟ قلت: نعم، قال نحن الآن ذاهبون إلى حانة بينيون، ~~وبما أن وجود اثنين في حانة بغير نساء مستقبح، فقد رأيت أن ندعو إلينا ~~ابنتين جميلتين فنغازلهما، وإخالك من شبان هذا العصر الذين لا يكرهون ذلك، فقلت: ~~حسب أمرك. # وقال ضاحكا: وإياك أن تغازل غادتي؛ لأن صحبتي معها بعيدة العهد، ولو كنت ~~اكتفيت عنها بامرأتي ريتا، لوجب علي أن أصوم صوم القديسين، وأنا رجل ~~شهواني مولع بالنساء، أما حبيبتي هذه فتدعى جوزيفا، وهي جميلة الوجه، غضة ~~الوجنتين، بارعة بالرقص، تخلب العقل برقتها، وتسحر القلوب بخلاعتها ... ولكن قد صرنا ~~على باب الحانة وها أنا أدخل أمامك؛ لأدلك على الطريق. # وإذا بالخادم مسرع فأدخلنا إلى قاعة خصوصية، فأمره البارون أن يدعو جوزيفا مع ~~إحدى رفيقاتها، فذهب الخادم وبعد هنيهة أقبلت جوزيفا ms36 تمشي الهوزلي، كأنها ترقص، ~~وقبلته قبلة دوى منها البيت، ورأيت جوزيفا صغيرة السن، شقراء الشعر، غير ~~عبلة، ذات فم أحمر كأنه قطعة ياقوت، فضمها البارون إليه وصرف إليها السمع ~~والبصر وقال لها: أتسمحين لي أن أعرفك بكاتم أسراري الجديد المسيو مكسيم ~~جوشران. ~~- إذن سافر وليم. ~~- سافر ليتزوج ذاك المجنون. ~~- وأنا لا أهوى سوى المتزوجين نظيرك. ~~- أما كاتم أسراري فإنه خير خلف لخير سلف. # فنظرت إلي نظرا حادا وقالت: إني أتشرف بمعرفتك، وأشكر البارون الذي قدمك ~~لي. # أما رفيقتها فكانت خوخية اللون ذات مقاطع جميلة تامة، وعينين سنجابيتين، ~~وكانت إذ كنت أنظر إليها تخلع أكف يديها وبرنيطتها حسب عوائد الباريسيات، فقال ~~البارون لجوزيفا: إنك لم تعرفينا برفيقتك فالتفتت إليه وقالت: أعرفك ~~بالمدموازيل كورلي دي فرنسوا، إحدى أعضاء لجنة الموسيقى، وعشاقها يسمونها كوكو ~~للاختصار، وقالت لها: أعرفك بالمسيو جستاف فركنباك الصيرفي الشهير، وبكاتم ~~أسراره المسيو مكسيم جوشران ... ولكن كيف لم يؤت بعد بالطعام؟ # وإذا بالخادم داخل وفي يده ألوان الطعام فوضعها على المائدة، فقالت جوزيفا: والله ~~إن بطني المحبوب لم يذق الطعام حتى الآن، فوالله لأملأنه من هذا الطعام اللذيذ ~~فأجابها البارون: أراك تقسمين بالله مثل هنري الرابع فمنذ كم سنة تتبعين ~~خطته. ~~- من يوم قرأت تاريخ غرامه، وقد كان ملكا عظيما. فضحك البارون. # أما جوزيفا ~~فكانت تشغل الكل بالحديث، وكانت زهوتها تتزايد من دقيقة إلى أخرى، وكنت أفكر في ~~البارون، هذا الرجل العاقل كيف كان مسرورا بمغازلة جوزيفا، وكيف كان يحتمل ~~مزاحها وسخريتها وامرأته من أنضر النساء وأجملهن، وأفضلهن عقلا وذكاء؟! وهو مع ~~ذلك يخدعها ويهوى غيرها، ومع أن الله قد أمره أن يهبها قلبه، فقد وهبه لمن هي ~~دونها، وإنما كان ذلك ليصدق قول القائل: «وللناس فيما يعشقون مذاهب.» # فقالت لي جوزيفا: كيف لا تمازح كوكو في حين ترى أن البارون يعطيك المثل؟! فأخذت ~~أقص على كوكو أحاديث ونوادر أعرفها عن النساء، فضحكت ضحكا شديدا وسرت لبساطة ~~كلامي، وضحك البارون أيضا، وقال: كنت لا أشك في مهارتك بهذا الفن، وكأنك ms37 كنت ~~خجلا منا ، وإذا كان ذلك فنحن ذاهبان عنكما، فأجابته جوزيفا: نعم، إننا في حاجة ~~لاستنشاق الهواء النقي، فأستودعك الله يا مكسيم، وأوصيك يا كوكو بتقبيل مكسيم؛ لأنه ~~شاب لطيف جميل، ثم رفعت يديها كالكاهن وقالت: أيها الرب، الإله بالمجد والكرامة، ~~كللهما، فليبارككما الرب الإله آمين. # وبعد أن ذهبا جعلت أفكر في وسيلة أتخلص بها من كوكو لأمضي إلى ريتا، فرأيت ~~أن من المنكر أن أعامل ريتا بخلاف معاملتها، وأن من الواجب أن لا أدع لها ~~سبيلا للغيرة والنفور، فقلت أتأذنين لي يا عزيزتي أن أزورك غدا أو بعد غد، فقالت ~~بتنهد: ولكن كيف لا تذهب معي الآن؟ فقلت: إني قبل أن يدعوني البارون ضربت موعدا ~~لإحدى السيدات، ويصعب علي أن أخلف موعدي، فقالت: لا بأس وإذا شئت أن تزورني ~~غدا فأنا أسكن شارع جوروت دي مورو اتجاه الأوبرا، وإذ قد اضطررت لأن تفارقني ~~الآن فقبلني إذن قبلة الحب والوداع. # فقبلتها قبلة من كل خد، ولكن لا أعرف مقدار الفرق بين قبلتها وقبلات ريتا، ثم ~~أرسلت إلي كلماتها الأخيرة وقالت لا تنس ... واكتب إلي. # وإذا كانت الساعة لم تبلغ العاشرة بعد، ركبت عربة وسرت إلى شارع كوبنهاك، فلما ~~وصلت رأيتها في انتظاري، وكانت أشبه بجندي على مقدم مركبه، تسرح النظر في ~~الطريق الذي كنت مزمعا أن آتي منه، ولما رأتني قالت مغضبة من أين أنت ~~آت؟ ~~- قد تركت البارون وأتيت. ~~- لم أسألك إذا كنت معه أم لا، بل أسألك أين كنت؟ ~~- عند بنيون. ~~- كنتم هناك ... أربعة؟ ~~- كنا اثنين. ~~- كنتم اثنين في اثنين. ~~- إنك يا حبيبتي غير عادلة، وتجسمين الأشياء حتى لا تكاد تعقل. ~~- أتظن أني أصدق كلامك؟ # وكانت دلائل الغضب بادية على وجهها الحسن، وزفرات صدرها تدل على اضطراب ~~فكرها، فاستلقت على المقعد واغرورقت عيناها بالدموع، ثم قالت: آه، ما أقوى ~~حبك، وما أقسى قلبك! ليتك تعلم ما أقاسي في هواك. # فقمت إليها وجلست إلى أقدامها، وجعلت ألاطفها ملاطفة الشيخ العاقل لولده ~~المريض، رجاء أن تتعزى بأطايب الكلام، فقلت: إنك ms38 غير محقة فيما تدعين علي ~~يا حبيبتي، والبرهان على عدم وجود النساء معنا في البار، أني جئت في الساعة التي ~~عينتها لي دون أن أتأخر ثم إلا أن قوة الحب التي تصلني بك إرادية، هي ~~والعبودية التي كلفت بها أليست اختيارية، إذن كيف أراعي بوقت واحد الأمانة ~~والخيانة؟ فإما أن أكون خائنا، وإما أن أكون أمينا، ومعاذ الله أن أخونك ~~بعد أن وليتك على قلبي، فنهنهي دموعك إذن، واستنتجي من كل ما أفعل وأقول ~~نتيجة واحدة، وهي أني أحبك ولا أحبك سواك، فارتاحت لكلامي واجتهدت في أن تبتسم، ~~وقالت بصوت مترجرج: إذن اعذرني لاعتدائي عليك يا حبيبي، ولا تلمني على ~~غيرتي عليك، فكل غانية تغار، وقد اعتدت من صغري أن أبث ما في قلبي، وإلا ~~لذاب من الحزن والأسى لولا الزفرات والعبرات التي تخفف علي، وأنا قد جعلتك ~~سيدي، وأصبحت أمتك، وتركت زوجي لأهتم بك وأنعم بحبك، وقد قال لي قوم: إن ~~البارون يحب غادة من الغادات تدعى جوزيفا، فأجبتهم فليحب من يشاء، وإذا ~~سمحت لزوجي فلا أسمح لك، بل أود أن تكون لي وحدي يا ملكي وسيدي، وأود أن يشتغل ~~فكرك بي كاشتغال فكري بك دوما، وأود أن يكون حبنا أشبه بتلك القناديل ~~المعلقة في الكنيسة، التي يزاد إلى زيتها دائما بحيث لا تنطفئ، وأود أن نكون ~~كلانا عبدا للغرام، آه ثم آه، هل تحبني كما أحبك؟ # فأقسمت لها أن حبي أعظم وأقوى من حبها، وتعهدت لها أن أرفض بعد كل ~~دعوة من زوجها أو غيره على أنها وقفت بغتة، وقالت: إن قلبي يخافك ويتوقع غدرك، ~~ولا يزال فيه أحقاد عليك تحول سروري إلى كدر فلندع ذكرها الآن لغد؛ فعل ~~غيوم الأحزان تكون انقشعت وزالت من قلبي فأستودعك الله ... موعدنا غدا. # وبعد أن قبلتني قبلة الوداع، جلست إلى النار أفكر في الأخطار التي تتهددني، ~~وفيما كان حب ريتا يهيئه لمستقبلي من الأخطار والأسواء ... ثم ذكرت الغادة التي ~~تركتها حزينة كيلا أغضب ريتا، وفوات تلك الفرصة العزيزة، وأسفت أسفا شديدا؛ ms39 ~~لكون هذا النهار الذي ابتدأ متبسما انتهى معبسا. # | الفصل الثامن # عظم شأني في بيت فركنباك، وصرت كواحد منهم فالبارون يقول إنه يحبني أكثر من ~~امرأته، وإنه لا يستطيع أن يفارقني دقيقة، وهذه تقول إنها تحبني، وإنها تموت إذا ~~فارقتها. # وقد قال لي فركنباك أكثر من مرة: إنك يا مكسيم ألطف كل سكان الأرض وأذكاهم، ~~وإنك عنقاء مغرب، وما أراه فيك من حب المفاخر، وشرف النفس والثبات، يكبرك في ~~عيني، وأؤمل أن تبقى على اجتهادك في الشغل لأرقيك وأزيد راتبك. # كنت أجد صعوبة وتكلفا في إظهار الحب لفركنباك، وكثيرا ما كان يخطر لي أن ~~أعاديه؛ لأنه زوج حبيبتي وأغار عليها منه كأنه غريب، ولكن ذلك ما عتم أن ~~تبدد واضمحل، كما يضمحل الجليد من حرارة الشمس، وعدت لما كنت عليه من رقة ~~الأخلاق وملاطفة فركنباك وممازحتي إياه. # وفي بعض الأيام ذبذب حاجبيه وضحك مني ضحكة معنوية وقال: أتعلم يا مكسيم ~~أنك ماكر خداع؟ فذهلت وتولاني الخوف، وقلت بلسان متقلقل: لماذا؟ فقال: ~~وعدتني مرة أن تنام مع حبيبتك كوكو، وقد اشتكتك هذه إلى جوزيفا، وقالت إنك تركتها ~~وذهبت إلى غيرها، وعليه فأنا أحتم عليك أن تذهب إليها اليوم. # فوعدته بذلك وقلت في نفسي: لا بارك الله بمثل هذا السؤال، كم هاج فكري. # ونحو الساعة الخامسة انتهى الشغل، فأخذت الطريق إلى بيتنا، حيث ريتا بانتظاري، ~~وكانت العادة عندها أن تضع لي علامة تنبئني بمجيئها أو بعدمه، وكانت علامة ~~مجيئها ورقة زرقاء، وعدم العلامة كان علامة تغيبها، وكانت ريتا بانتظاري وراء ~~الباب، حتى إذا دخلت تهافتت علي وقبلتني، وقالت: يا حبيبي، منذ قرن لم أرك فأين ~~كنت وكيف أنت؟ ثم أخذت تهيل الحديث علي هيلا، وتسرد لي أقاصيص لم تستطع أن ~~تسردها لي أمام زوجها، ونوادر لطيفة غريبة، فبرؤيتها كنت أرى ما لا يرى من أحوال ~~الحب وغرائب المتحابين، بل كنت أرى صنم الحب مرفوعا ونحن من حوله ركع ~~وسجود. ~~••• # بعد أيام من ذلك أخذت أخلاق ريتا تتغير بسرعة غريبة، وانقلب حلمها إلى غضب، ms40 ~~وأضحت صغائر الأمور تكفي لإثارة غضبها، وشكت ألما في الرحم وتعبا في ~~الجسم، وكراهية عامة لجميع الأشياء، فعرض فركنباك عليها دعوة الطبيب فرفضت ~~متعللة بأن ذلك عرض جزئي لا يهتم به. # وبينما كنا على المائدة في ذات يوم رأيناها معبسة كمن تغوص في بحور الأوهام، ~~وكانت يداها الواحدة مسندة إلى الطاولة، والأخرى على جبهتها، فسألناها عما يؤلمها ~~ولماذا لا تأكل؟ فأجابت: إن ذلك لضعف في المعدة، وبينما نحن في الحديث إذا ~~بالخادم داخل وفي يديه قصعة فيها أخطبوط مغمور بالمرق الطيب، فلما رأته قالت: ~~الآن آكل ثم قطعت قطعة كبيرة ووضعتها أمامها، وجعلت تأكل بشراهة كمن صام عشرين ~~يوما، فقال لها البارون: تقولين إن معدتك ضعيفة! إذن لو كانت سالمة لكنت تأكلين ~~الحجارة، فكفت عن الأكل بغتة، ثم نظرت إلينا وضحكت كمن لعبت دورا في المرسح، ~~وقالت: أتعلم كيف ذلك؟ قال: لا، قالت: ذهبت إلى دار الخياطة لأقيس بدلة أعدها ~~لسباق أوتيل، وفي عودتي مررت بدكان في شارع سانتونورا معلق على بابها هذا ~~الأخطبوط، فاشتهيت أن آكل منه، ولقد طالما رأيت الأخطبوط على أني لم أشعر يوما ~~بمثل ما شعرت عندئذ من الميل لأكل هذا الحيوان، وما زلت أنظر إليه حتى غلبت ~~إرادتي على خجلي، فدخلت الدكان واشتريته، وأمرت البائع أن يرسله إلينا مع أحد ~~خدامه، ثم خرجت من عنده محمرة الوجه، أكاد أذوب خجلا كعذراء خرجت من بيتها ~~وفي يدها كتاب سفيه ألا تستغرب ذلك؟ ~~- أستغرب ذلك؛ لأن عهدي بذوقك غير ما أرى، ونحن لم نر للآن من يأكلون الأخطبوط ~~غير فلاحي القرى، وأما إذا كان ذلك منك دلالا وغنجا، فلا أدري. ~~- دلالا كان أم غنجا، فأنا مستعدة أن أشتري منه مرة أخرى. # ثم صمت الكل وكأني بفركنباك كان غائصا في لحج الأفكار، كأنه يستقبل أمرا ~~عظيما، وبينما كانت أبصاره تروح وتجيء من خلال النافذة، كانت ريتا لا تبدي ~~حراكا ومعدتها تهضم الطعام شيئا فشيئا، أما أنا فلدى سماعي ما كان من أمرها ~~مع الأخطبوط، ذكرت ما يقوله الناس ms41 من أن صدور مثل هذه الشهوة من النساء يدل على ~~الحبل، وقلت في نفسي: هل إن ريتا حامل؟ وهل إن الصورة التي نشتهيها لسعادتنا ~~تصورت وكانت؟ وهل إن إكليل حبنا قد صيغ وتجسد ...؟ وهممت أن أسألها في ~~المساء إذا كانت حاملا. # ولما كان المساء أسرعت إلى البيت، فلم أرها ووجدت هناك كتابا على الطاولة تقول ~~فيه: إن البارون اصطحبها معه للتياترو وتأمرني أن ألاقيها إلى هنالك، فساءني ~~ذلك بعد الانتظار الطويل، وقمت من ساعتي قاصدا التياترو لا حبا بالروايات ولا ~~قصد ترويح النفس، بل لأراها وأسألها عن صحتها. ~~••• # الوهم إذا استولى على الأفكار قد يريها الأشياء بخلاف ما هي، ويصور لها وجوه ~~الغير على خلاف كيانها، ولا عجب فقد يعرض ألا تتفاهم القلوب بلغة الملامح، ~~وبيان ذلك أني لما اجتمعت بفركنباك في النهار التالي رأيت وجهه معبسا، وكلامه ~~جافيا، فخفت وسألته إذا كان حدث مني ما كدره، فقال: لا، فعلمت إذ ذاك أني لست ~~في شيء مما أتوهم، ونسبت عبوسته لأمر داخلي، وقلت لو كان عالما بما بيني وبين ~~امرأته لما أبقاني حيا وخصني بنعماه وحبه، ولو كان يعلم شيئا من ذلك لما ~~أبقاني أستنشق الهواء بعد أن أمت شرفه، هكذا الأوهام تقلق الأفكار، وإذا ~~زالت يضحك المرء من ضعفه. # وفي نحو الساعة الحادية عشرة دعاني فركنباك وقال: اذهب إلى البارونة وأخبرها أن ~~الطبيب درتيل يعودها اليوم، فسررت جدا لهذا الخبر، وذهبت من فوري إليها ~~وأخبرتها فسرت هي أيضا، وقالت: نعم إنني في حاجة إلى أهل العلم والخبرة؛ لأني ~~أشعر بانقلاب محسوس في صحتي، فقلت: لعلك حامل يا ريتا؟ فابتسمت وقالت: من أين لي ~~ذلك وأنا عاقر لا ألد، وقد مضى علي في العقر اثنتا عشرة سنة؟! فقلت: سنتحقق ~~ذلك؛ لأن الطبيب درتيل خبير ماهر، فقطعتني عن الكلام وقالت: لم لم يدع غير ~~درتيل، فإني لا أحبه، فقلت: إنني لأعجب من إساءة ظنك به مع ما نال من الشهرة ~~والصيت البعيد، فأجابت: إني أبغضه بصفته رجلا لا بصفته طبيبا، وقد ms42 جرى لي شأن معه ~~يجب أن أطلعك عليه، وهو أن درتيل كان في حداثته مع البارون في مدرسة واحدة، ~~وبعد زواجنا كان يزورنا من وقت إلى آخر، ثم أكثر زياراته إلينا حتى اغتدى عزيزا ~~لدينا يحدثنا بشئونه ونحدثه بشئوننا بلا كلفة ولا استحياء، كأنه واحد منا، ~~وبينما كنت ذات يوم أحدثه كالمعتاد رأيته يخالسني نظرات كأنها غرامية، ~~استجلبت منه ما يجرح إبائي، وفي يوم آخر جاءني وكنت وحدي فانكب على أقدامي ~~وباح لي بغرامه وشرح هواه، وهم أن يضمني إلى صدره فنفرت منه نفور الظباء، وأشرت ~~بيدي إلى الباب كمن أطرده فبكى وتنفس الصعداء، واستسمحني، فقلت: أسامحك بشرط ~~أن تقلل من زياراتك إلينا، وأن تكتم ما جرى بيننا الآن. ~~- وهل أطاعك ولم يخالف؟ ~~- أطاع قسرا ولو لم يطع لشكوته إلى البارون الذي كنت أحبه إذ ذاك، وأظنك ~~تعجب كيف انقلب حبي له بعضا، وكيف انصرف ذاك الحب إليك. ~~- ألم يعلم البارون بعد ذلك بأمره؟ ~~- لا. ~~- ودرتيل. ~~- كما برد الماء المغلي، أو كما انخفضت درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر، فاغتدى ~~كلما دعاه البارون لزيارتنا تنصل عذرا. ~~- أظنك الآن تستقبلينه ببشاشة وطلاقة؟ ~~- إن هفوة أتاها منذ قرن لا تقتضي كوني أعبس فيه اليوم وأجافيه، أما إذا ~~بدا منه ما يخل بالأدب فإني أطرده دون مرية. ~~- وأي ذنب عليه إذا غلبه هواه القديم؟ ~~- كنت يومئذ أحب زوجي وأخاف على ولائه، واليوم أنا أحبك وأخاف على ~~ولائك. # وبينما نحن في الحديث دخل البارون علينا ويده بيد درتيل، فقال لها: قد أتيتك ~~بصاحبك الناكر الجميل، فاعتني بأن تؤدبيه، وقال درتيل بعد أن أحنى رأسه: قد ~~ألح علي حضرة البارون بالحضور إليك، وقال: إنك طلبتني منه مرارا فأسرعت ~~إطاعة لأمرك. ~~- سبحان ربك يا درتيل فقد جعلك أن تغازل النساء شابا وكهلا، فمثل ما رأيتك ~~منذ عشر سنوات أراك اليوم. ~~- وأنا أراك اليوم أجمل وأنصع منك إذ ذاك. # فقال له فركنباك: اسمح لي أن أقدم لك ~~كاتم أسراري المسيو مكسيم جوشران ابن أخ المسيو فرنسوا جوشران، ms43 الذي كان معنا في ~~المدرسة، أتذكره؟ ~~- ذاك الولد الأشقر الذي كان يخالطنا كثيرا ...؟ أذكر أنه كان مولعا بالكتابة ~~والخطابة. ~~- هو نفسه وقد اجتمعت به في موندور في العام الفائت ... فهو كما كان من قبل وسيم ~~الوجه ضحوكا. # فقال لي درتيل: إنني أتشرف بمعرفتك أيها العزيز؛ لأنك ابن أخ صديقي جوشران، وكاتم ~~أسرار حضرة البارون، فلم أجبه وشعرت بكراهية له، وكان ينظر إلي بعين ~~مستكشفة، ويلاحظ حركاتي وأنا أخفي شعائري، إلى أن قمنا إلى المائدة، فجعل ~~درتيل يتكلم بما وسع عقله من العلوم والآداب فلم يدع قصة ولا نادرة، وبالإجمال ~~فإنه برهن على اضطلاع وعلم وخبرة، ودل على أنه رجل متفنن. # وبعد الغداء قال لي فركنباك بصوته الأجش: انتظرني في غرفتي إلى أن أعود. # فدخل مع درتيل إلى غرفة ريتا، وأخذ الأخير يفحصها وبعد هنيهة عاد إلي ~~كالصاعقة، وقال: هيا بنا، وكانت عيناه تتقد ورجلاه تتسابق بالمشي، وكأنه كان ~~يفكر في أمر عظيم، فقلت: ماذا يقول الطبيب عن البارونة يا مولاي؟ وهل هي في ~~خير؟ ~~- لو تعلم يا مكسيم؟ إن صحتها جيدة وزد عليها أنها حامل منذ ثلاثة ~~أشهر. # فهنأته بحرارة فقال: أنا أعلم أن حبك خالص لنا، فلا أكتم عنك إحساساتي ... ~~إن سعادتي بلغت التمام ونلت اليوم ما كنت أعطي نصف مالي لنيله، فلا ريبة ~~في أن وجهك كان سعدا علينا؛ لأن آلاء الله جاءتنا بوجودك من وراء الآمال ... وإني ~~أعتقد ذلك كل الاعتقاد ... أنت في صحبتي اليوم إلى المطعم حيث نتناول الطعام مع ~~جوزيفا وكوكو ... لا تتمنع ... ~~- إن عندي شغلا في هذا المساء وليس في إمكاني قبول طلبك. ~~- من منا الذي غرس في ريتا هذا الغرس المثمر أنا أم فركنباك ...؟ هذا الفكر ~~عذبني زمنا طويلا، وكان قلبي يقوم ويقعد كلما ذكر فركنباك الأبوة أبدى سروره ~~بالولد الآتي. # فاسترسلت لشجن عميق وأفكار مؤلمة، ولم يعد يخطر لي غير أن فركنباك زوج ريتا ~~حبيبتي، وربما كان الولد الآتي ولده. # | الفصل التاسع # وأخذ بطن ريتا يكبر ويتمدد فضاق عليها المشد، وبطؤت حركتها، ms44 وتحرك الجنين ~~في بطنها وزال ماء الجمال من محياها، وامتلأت بشرة وجهها ببقع غيبت بهاءها، ~~وأفقدتها دلالها السالب قديما، وملاحتها وحسنها الجاذب، بل غيرتها من قالب ~~إلى قالب، فحزنت لرؤيتها، واستأت لعلتها، وغمني منظر الملاك الكريم راضخا ~~تحت وقر الآلام، يصد عنه الرائي بعد أن كاد يقرئه والسلام، على أني مع شفقتي ~~عليها لا أعلم لما نفرت منها وكرهتها نفسي ... لعل ذلك لأجل الولد الذي كان ~~مزمعا أن يربطني بها برباط لا ينفصم. # وهذه المرة ليست كتلك المرة، فقد خافت من تنافرنا القبل وهجرتنا، ولو لم تأت ~~ظروف تدعو لاجتماعنا، لأفضت بنا الحال إلى نزاع طويل وإلى شحناء عبوس. # وكانت ريتا لم تألف ابتكارا من نومها، فاستيقظت ذات يوم على غير عادتها، وشكت ~~ألما مبرحا في الكلى، فدعوا الطبيب فقال بعد فحصها: إن حالتها تنذر ~~بالخطر، فلطم البارون على وجهه، وندب حظه وبكى حتى لان الحديد، وذاب الجليد، ~~على أن ريتا نقهت من مرضها بعد زمن قصير وبشر الطبيب بزوال الخطر عنها، ~~فقال البارون: هذه أيضا من بعض أسعاد القدر، وكنت في مرضها أؤانسها وألاطفها؛ ~~لتطيب نفسها وتقر عينها. # وكانت تتقلب ظهرا لبطن كالصل (الثعبان)، ومع ما كانت تؤلمها حركة ابنها كنت ~~تراها راضية صابرة، كمن تصبر على الآلام؛ رجاء أن تبلغ المرام، وكان مرضها ~~سببا لخلف المواعيد بيننا. # وكان الطبيب يزورها مرات في كل يوم، فيجلس إلى سريرها ويتلو عليها أخبار اليوم، ~~ويقص على سماعها فكاهات ونوادر غريبة، تخفف عنها وطأة الحب. # وما زالت الأيام تجري في مجراها، والليالي تمر بالنجوم الضاحكة، فتضحك من صفاها، ~~وريتا تتنازع البقاء إلى أن أزف زمن ولادتها، وصار منها أقرب من الجفن إلى ~~العين، فثقلت حركتها ثقلا مبينا، وكنت تراها على الغالب جامدة البصر، كأنها ~~تنظر إلى منظر بهي، ومنعت عنها الناس فأضحت غرفتها كوادي الموت، واستولت ~~عليها رهبة السكون. # وفي صبيحة ذات يوم أبكرت إليهم، فراعني ما سمعته من أصوات غريبة وحركة رواح ~~ومجيء، فسألت البارون: هل ولدت؟ ~~- لا يا مكسيم، لم ms45 تلد بعد وإنما أنت تسمع صوت أختها فقد قدمت بالأمس من انجة، ~~وعهدنا إليها تدبير المنزل مدة، وهي امرأة في غاية الرقة وقد حوت لطف ~~العذارى، وخير ما اقتنت النساء من الآداب. # ولم ينته من حديثه حتى فتح الباب وخرجت منه امرأة جميلة؛ شعرها الأسود مرسل ~~على كتفيها بأجمل ما توجد الطبيعة، فقدمني البارون لها، فقالت: قد وصفتك ريتا ~~لي وصفا يستحيل علي ألا أعرفك معه، وما لك عندها من الود المصفى يدعوني ~~لأن أخطب لك ودي وأصفيه. ~~- أشكرك يا سيدتي على لطفك والتفاتك إلي. ~~- ما علمته عنك يجعلني لا أشك بلطفك، والآن اسمح لي أن أذهب إلى المطبخ؛ لألقي ~~نظرة. ~~- الناظر؟ ~~- أمهلوني خمس دقائق وأعود إليكما بالحليب والخبز فتأكلان. # ولما ذهبت قال فركنباك: ما رأيك يا مكسيم، إن هذه المرأة أجمل من أختها ...؟ لكن ~~الحذر من ابنتها فهي فتانة، ومع أنها لا تزيد على الثامنة عشر من عمرها، ~~فنظراتها تسحر وحركاتها تأسر، وإياك أن تتمادى معها؛ مخافة أن تحملك أمها ~~على الأدهم، وتعاقبك ولا ترحم، إلا إذا كان لك مقصد حميد، واعلم يا مكسيم، أنك ~~إذا اقترنت بها يكون طالعك سعيدا، وعمرك مجيدا، وتكون نلت أجمل العذارى، ~~وأكملهن، وأفضلهن، وإذا كانت فقيرة بلا صداق، فأنا أمهرها على قدر الطاقة ~~والاستحقاق، وقد كتبت لعمك أقول: «عندك ابن أخ وعندي ابنة أخت فما رأيك ...؟» ~~وأظن أنه لا يمانع ولا يحول دون مرادي. # فسررت بجونريت سرورا بالغا النهاية، لا لما ذهب إليه البارون؛ بل لأني ~~غدوت أرى في البيت غير وجه ريتا. # وبينا الأفكار تثور ودمائي تقوم وتقعد دخلت مع ابنتها، فقالت لي: أقدم لك ابنتي ~~لويزا وقالت لها: أعرفك بالمسيو مكسيم جوشران، كاتم أسرار عمك. # وإذ ذاك دعانا الخادم للطعام، فجعل البارون يده بيد لويزا، وقال: اعط يدك ~~لجونريت. # كان بين الأم وبنتها فرق عظيم، فهي أشبه بريتا أختها، لها مثل صوت تلك ومثل ~~حركاتها ومقاطعها، ومع أن عمرها يفوق عمر تلك بعشرين سنة فهي لم تزل ~~بغضاضتها. # أما لويزا فهي ms46 على قول أمها أشبه بأبيها، ذات عينين كعيون الغزال، ومحاسن ~~أقلها الذكاء والإدلال، وكأن الآداب تمثلت فيها والحلاوة استجمعت في فيها، بل ~~كأنها أعطيت هيبة أبيها وجلاله، فما يراها الرائي إلا ويحترمها ويحفظ أدبه ~~أمامها، فأكرم بها حسناء دون أن تتحسن وردية لم تتلون ...! هواك يا عذراء نائم في ~~جنانك، ورائده كامن وراء أجفانك! فما هي إلا نظرة فتنقلب نظراتك وتتغير طباعك ~~ورغباتك. # فقال البارون لجونريت: كيف ريتا اليوم؟ ~~- صحتها اليوم أحسن منها مساء أمس، ولا يمضي أسبوع حتى ترى لك وريثا. ~~- ليت في الناس من يجعل هذا الأسبوع ساعة، فأعطيه مائتي ألف فرنك. ~~- هذه منك غلطة تعد بألف. ~~- كيف؟ ~~- لأن الزمان - كما قيل - هو النسيج الذي تحاك منه الحياة، فينبغي أن نحرص عليه ~~ونستفيد منه. ~~- هذا الفكر ليس لك يا جونريت فهو لفرنكلين. ~~- نعم له، وإنما استعرته لأرد على رأيك الفاسد. ~~- كلامك اليوم من نضار، فسأمسك لساني من الآن فصاعدا. ~~- مائتا ألف فرنك ...؟ نحن نعلم أنك لا تتعب في كسب المال ...! ~~- مثل الكيماويين أليس كذلك؟ سلي مكسيم يخبرك إذا كان المال يأتي من نفسه إلى ~~صندوقي ...؟ وأنت يا لويزا هل عندك مقاصد تتعلق بمجيئك إلى باريس؟ ~~- نعم، أن أسمع الموسيقى وأتمم دروس اللغة الإنكليزية. # فقلت لها: إني أقدم لك إذا أذنت كتابا أبلغ ما كتب في هذه اللغة. # فالتفتت إلى أمها التفاتة معنوية، كمن تطلب إليها إذنا، فقالت أمها: لا بد ~~أن تلك الكتب أدبية تفيد الأخلاق والعوائد. ~~- إن الكاتب لشلي هو شاعر الملكة فيكتوريا، ولا يمكن مثل هذا الشاعر إلا أن ~~يتأدب في كتاباته. ~~- لا بأس إذن. # فقال فركنباك: علمت يا لويزا أنك لا تحسنين الضرب على البيانو، فهل تشائين أن ~~آتيك بمدرس يعلمك إياه؟ ~~- هذا كل ما كنت أتمناه، وكأنك يا عماه تعرف ما يدور في أفكاري. ~~- كوني قريرة وأؤمل أن تعي دروسك جيدا كيما تحسنين الضرب عليه، فتسترضين ~~بعلك بعد زواجك، أليس كذلك يا مكسيم؟ # فدخلت عجوز وهمست في أذن جونريت فقامت هذه من ساعتها، وقالت: ms47 ريتا ترغب في أن ~~تراكما قبل أن تذهبا للمكتب، فذهبنا إلى غرفتها، وكانت جالسة على المقعد بثوب كبير ~~منحل الأزرار، مملوء بالنقوش والتصاوير، ولما أن رأتني همت أن تقف فخانتها ~~عزيمتها، ثم جلست متعبة، فقالت: أتخونني قواي حتى لا أستطيع الوقوف؟ ترى دنا ~~أجلي أم ماذا يا رباه؟ متى ينقضي هذا العذاب، فخفق قلب البارون لهذا الكلام ~~وتولاه الحنان، وشاء أن ينشطها ببعض كلام عذب فخانه اللسان، فانحنى عليها ~~وقبل خدها وجبهتها، ومسح عبرة سكبتها عينه. # على أنها استجمعت قواها في يده ومدتها لي فأمسكتها للحال، فضغطت عليها ونظرت ~~إلي نظرة تترجم عن شعور قلبها، فشعرت إذ ذاك بانفعال أشق ما قاومت حياتي، ~~وأدركت الفرق بين حطتي ورفعة هذا الصاحب الذي ما زال يبرهن لي عن حبه ~~والتفاته، هذا الصاحب الذي ما فتئ يتعب في مستقبلي ليحققه ويضمنه، فكان جزائي ~~له سلب شرفه، وسلب امرأته على أني نويت أن أصلح الشرف الذي دنسته، وأن ~~أعوض عن غلطتي بإخلاص ثابت، لا تبدده الامتحانات، وأن أشتري سقوطي بسلوك ~~حسن، وأن أمحو من فكري ذكرى غرام جر وراءه ندما وحزنا. # وبينما أنا في حل ومرتحل وأفكاري تصعد من لجة، وتنزل في أخرى، دخل الطبيب ~~ضاحكا كعادته فسلم علينا. # فقال لها الطبيب: كيف أنت اليوم، فأجابت: إني منحطة القوى خائرة، فهل ترى زمن ~~الولادة بعيد؟ ~~- أقرب من قاب قوسين، ويجب أن تستحضري المرضع اليوم. ~~- لا لزوم لمرضع فأنا أرضع ولدي. ~~- الرضاعة تتعب، ومن كان مثلك يألف الاجتماعات والتنزه فصعب عليه أن ~~...! ~~- قد حسبت لذلك حسابا مدققا. # طالت زيارتنا لها فظهرت عليها دلائل التعب، وكان ثوبها حين تتنفس يرتفع وينخفض ~~مرة بعد مرة ببطء، كأنما تلاعبه نسيمات عليلة. # فودعناها وخرجنا فقال درتيل لفركنباك: أرى في كل ما تقول البارونة وتفعل ~~تكلفا وتصنعا غير مألوف، ولا أعلم من أشار عليها أن ترضع ابنها. ~~- الشيء الطبيعي يبدو أحيانا غير طبيعي، ولا تحسبني أقل شعورا منك، فقد أدركت ~~ذلك منها ... ولكني أعجب كيف أنك تسألني عن حوادث كهذه، ms48 أسرارها عند الطب ~~والأطباء؟! ~~- نعم ... لكني أعني بذلك أنك ستصوم حولا كاملا عن النساء. ~~- إذا جعت ففي الحانات مآكل لذيذة. ~~- ذاك أمر آخر، والآن أنا ذاهب. # آه، كم عذبني هذا الطبيب الملعون، وإني لأقسم أن له نظرا ثانيا غير نظره يرى به ~~الخفايا، فلما ابتعد تسرح همي وخف عنائي، وتنفست تنفس الفرج ~~والراحة. # فقلت لفركنباك: إن لهذا الطبيب أفكارا مستغربة. ~~- وهو مع ذلك سليم القلب، ناصح السريرة، وإنما يقول ما يقول؛ لأنه من ~~السوفسطائيين؛ أي من الفلاسفة الذين يشكون في كل شيء، فأرباب هذا المذهب أشبه ~~بتلك الأيدي الجميلة الملعونة التي تعطل ما تمسه، ولهم ضحكة غريبة تؤثر على ~~الأفكار أيما تأثير ... إن ضحكة جوزيفا أحب إلي من كل شيء ... لكن كيف حال حبيبتك ~~كورالي؟ # فاضطربت وتلعثم لساني مما أدرك منه أني لم أهتم بها. # فقال: ترى من أية جبلة خلقت؟ وهل إن ما يدور في عروقك مخلوط بماء ~~مبرد ...؟ ما لم تكن حبيبتك من اللاتي لا يمكن تسميتهن ...؟ آه منك يا لص، قل ~~هل هي جميلة؟ ومن هو ذاك الرجل الذي تسرقه؟ # فلم أدر بادئا ما أقول، وكأن جذوة في كل خد من خدي اتقدت ثم قلت: كيف ~~تشاء أن أبوح بسر اؤتمنت عليه ...؟ ولكني قد صرفت أفكاري عن تلك المرأة التي أحبها ~~تماما، والدليل على ذلك أني من الآن أقدم ذاتي لكورالي، وأكون بخدمتها متى ~~تشاء. # فترنح سرورا وقال: هذا ما يعد كلاما. # | الفصل العاشر # جئت المكتب في ذات يوم متأخرا على خلاف عادتي فلم أجد البارون، فسألت لامبون ~~عنه فقال: لا أدري ما الداعي لتأخيره، وأظن أن الحادث العظيم قد تم أو كاد، ~~فقلت: وأنا أظن كذلك، فهل لك أن تعينني على إرسال البريد المستعجل؟ ثم أذهب ~~وأستعلم. # وبينما كنا في منتهى الإكباب على الشغل دخل البارون من الباب تلوح عليه ~~علامات السرور والفرح، فضمني إلى صدره حتى كاد يخنقني، وقال بصوت يقطعه الحنان: ~~صبي، آه يا مكسيم يا ولدي العزيز؟ ما أسعدني، لي ولد، لي وريث، ms49 أتسمع؟ لي وريث ، ~~ما أدنى الإسعاد إلي وما أسخى نعمى الأيام علي! # كان يبكي ويضحك معا، وكنت أشعر أن يده العريضة تضطرب فوق كتفي. # فقلت في نفسي لتراع السماء من آثامي: كيف تمحى من مخيلتي ذكرى أيام قضيتها ~~بالفسق، وهتك أعراض الناس؟ وهل إنها تزول وفي الوجود ولد ربما كان من ~~دمي؟ # فكنت في حيرة كل حيرة دونها، ولم أجد ما أقول له، غير أن شدة الحنان ~~جعلته لا يدرك ارتباكي. # ثم استلقى على مقعد وامتلأت وجنتاه دما فقال: كنت عند جوزيفا، ولما جئت البيت نحو ~~منتصف الليل سمعت فيه حركة غير عادية، فدعونا درتيل فأسرع إلينا، وجعل يداويها ~~ويعتني بها، وقبل الفجر اشتدت الأوجاع عليها، فبكت بصوت عال وانتحبت، حتى كاد ~~قلبي يذوب وكنت لا أنام ولا أسكن، أمشي في البيت ذهابا وإيابا مشية أسد ~~سائر. # وكنت من هنيهة إلى أخرى أتسرق إلى غرفتها؛ عساي أسمع غير البكاء والعويل، فتارة ~~أنظر من الشباك، وطورا من ثقوب الباب، وآنات ألقي إلى زجاج النوافذ جبينا ~~يتألق بالعرق، ولو كنت بليلي إذن لرأيت بأي شكل مرت علي ساعات الليل، وفي ~~الصباح جاءت جونريت تتكلم ملامحها عن صعوبة الولادة بأفصح من لسانها، فقالت: ~~«لم تلد بعد، ويقول الطبيب: إن موضع الولد في الرحم غير حسن، وإن حالتها ~~تنذر بالخطر، ولكثرة ما تؤلمها الولادة اضطر أن يعطيها جرعتين من ~~المورفين لتخفيف آلامها.» فاحكم يا مكسيم على حالتي إذ ذاك، فقد يئست من ~~نجاتها، وقطعت الأمل منها ومن طفلها، وإني لأعجب من بقاء عقلي سالما بعد ما ~~تولاه من الاضطراب، ونحو الساعة التاسعة اتكأت على المقعد تعبا، واجف ~~القلب، قليل الرجاء بحال من سار إلى المشنقة، وقد رأى الحبل مدلى، وما كدت ~~أغمض غمض طرفي حتى دخلت جونريت علي بسرعة وقبلتني بفرح وقالت: «صبي! صبي! قد ~~ولدت ريتا صبيا بعد أن كانت في أشد الخطر.» وقالت: «انظر ابنك.» وكانت عيناها ~~تنهمر منهما الدموع، كما يجري من ينبوع صاف، فبكيت لبكائها وجرى الدمع رغم قيادي ~~... إن ms50 الدموع تسكن الأحزان وتطفئ النيران. # وبينا فركنباك يقص علي القصة، غلب الحنان علي فاغرورقت عيناي فمسحت ~~الدموع عنها، وقلت: أهنئك يا مولاي بوريثك، وأسأل الله أن يجعله من أولاد العمر ~~والسلامة ... قد فضضت البريد في غيبتك مع لامبون. ~~- نعم ما فعلت، وأرى الآن أن تعهد إلى لامبون إتمام الشغل، وتذهب معي إلى حيث ~~نقضي بعض المهام الصغيرة، وسأفكر غدا بأن أحيل عنك جزءا من الأشغال وأصرفه ~~إلى غيرك. # فتركنا المكتب وذهبنا إلى الحانة، فجلسنا على المائدة، فقال البارون: إذا كنا ~~لا نأكل هنا، فإنا لا نأكل اليوم؛ لأن جميع أهل البيت منشغلون بريتا وطفلها، ولم ~~يهتم أحد منهم بالطعام. # ثم أخذ قطعة كبيرة من الخبز ووضعها في فيه مرة واحدة، قائلا: سأسميه هنري، ~~وأجعل عرابته جونريت، وسأرى فيمن يكون عرابا له، أشكرك اللهم فبعد أن كانت سلالتي ~~على وشك الانمحاء، وبعد أن كان اسم فركنباك على قيد شبر من الفناء، عادت ~~السلالة فنمت، واغتدى لي ولد يرث ما عندي من الأموال الطائلة والخيرات ~~الجزيلة. # فلم أجبه وتركته يعوم ما شاء في بحور الخيال والمسرات، وإذ رأيته يلتهم ~~الطعام التهاما قلت: إن المسرة بنت عم الشراهة، فحيث توجد تلك تأتي ~~هذه. ~~- ذاك أمر واضح، ومتى ترعرع هنري أتبنى طفلة من بنات الفقراء وأجعلها معه مدة ~~حداثته ليستأنس بها. # وبعد الغداء قصدت بيت فركنباك لأستطمن عن صحة البارونة، فدخلت وجلا، مضطرب ~~الأفكار؛ خائفا من أن تكون جونريت وقفت على سري، وعلمت بما ندفن في طوايا ~~الكتمان، وكان خوفي منها لما رأيتها عليه من الذكاء والدهاء، فإذا بها جالسة على ~~كرسي مستطيل والتعب بالغ منها، والنعاس حائم على جفنيها، فألقيت عليها السلام، ~~فمدت لي يدها فأمسكتها، فإذا هي رخوة باردة، فقالت: قد رفضت اليوم زيارة كل ~~الأصحاب إلاك، فلا تؤاخذني إذا لم أقف؛ لأني كليلة لم أنم غرارا. ~~- أشكرك يا سيدتي على هذا الالتفات، وأشكرك أيضا لاعتنائك الزائد بالبارونة ~~ريتا. ~~- إني أعلم بكل ما تضمره لأختي من الحب والانعطاف، وكأنك بهذا الكلام ~~تسألني ms51 عنها. ~~- نعم، لقد قلت الحق، ولم يخب ظنك، فأنا أحب البارون أكثر منها؛ لأنه كان سبب ~~سعادتي، وإيذانا بمننه قد أتيت الآن لأهنئه، وأبث له عواطف قلبي وشعائر ~~إخلاصي، فأرجوك يا سيدتي أن تنوبي عني لدى البارونة بإهداء التهاني. ~~- لا بد أن فركنباك شرح لك كيف كانت ولادتها، وبشرك بالنتيجة، وقد كدت بالأمس ~~لا أصدق أنها تعيش على تلك الآلام، وتسلم من تلك الأخطار ... أما درتيل فقد سحر ~~الألباب النافرة، وأشخص العيون الزاجرة بما أبداه من الدربة والمهارة، فكنت ~~تراه يسخر العلوم لإبادة الأخطار، فكأني به العلم تجسد في إنسان، وقام بشكل ~~جثمان، ومجمل القول أنه تعب عليها تعب إنسان يهواها ويظن بقاءه ~~ببقائها. # وسكتت هنيهة ثم قالت: ولم أزل أذكره كيف جاءني بغتة، وقال لنا النصر ...؟ لنا ~~النصر، صبي؟ واحتمل في يديه الطفل الرخو مستهلا وقال: آه ما أجمله يا سيدتي، وما ~~أبرع البارونة في إتقان مصنوعاتها! أتحب أن تراه يا مكسيم؟ # وقبل أن أجيب ضغطت على زر الكهربائية فدخل الخادم. ~~- يا جان قل لنعمة تأتي بالولد. # وكانت نعمة مهابة، قليلة ماء المحيا، كريهة المنظر، قبيحة الشكل، إذا رآها ~~المصلي كفر، وإذا آنسها الشيخ نفر، وهي إنما دعيت بأمر الطبيب؛ لما اشتهرت به ~~من ملاطفة الأطفال، وحسن إرضاعهم، فدخلت نعمة وفي يدها لفائف من حرير ناعم، ~~مغشاة بالنقوش المذهبة، يتحرك من خلالها رؤيس كرأس النعامة، فأخذته جونريت ~~من نعمة بكل تحفظ وقالت: انظر يا مكسيم، انظر الطفل الحلو ... أيكون شيء في الدنيا ~~أجمل من هذا الشاروبيم ...؟ خذ قبله. # أما حضور هذا الطفل فلم يحدث بي الانفعال الذي كنت أخشاه، بل نظرت إليه نظرة ~~شماتة واستخفاف، كأنه مهان مكروه، على أني بقوة الطبيعة انعطفت إليه وقبلته، وبعد ~~ذلك أعطيتها إياه فأعطته لنعمة. # وإذ كانت قد طالت زيارتي لها هممت بالذهاب، فسألتني أن أبقى أيضا وقالت بصوت ~~ألطف وألذ ما يكون للأسماع: لا، لا تخف أن تكون زيارتك مجلبة لإقلاقي، إذ لو ~~كان ذلك لكنت أول من يفتح لك الباب ويرجوك ms52 الذهاب، وبما أن ريتا الآن نائمة فقد ~~أمرت الخدام أن يعلموني إذا استيقظت، ومن هنا إلى هناك نستطيع أن نتحادث مليا ~~... وقد مضى على قدومي إلى باريس خمسة عشر يوما، لم تمكني الظروف في خلالها أن ~~أجتمع بك على حدة؛ لأظهر لك ما ألهمتنيه أخلاقك المرضية من حبك واحترامك، ~~ولا أعلم ما يكن لنا المستقبل، وما تضمر لنا الليالي ولعل هناك خيرا ... وأطلب ~~إليك أن توالي زياراتك إلينا، وتجعل الحب متبادلا، وأنت تعلم أن البارون ~~وإن كان مسنا فله عوائد الشبان وأخلاقهم، فبينما يكون في المنتزهات والنوادي، ~~نكون نحن في البيت نقلب الطرف في السقف والحيطان، فلو كان عندنا في مثل هذه ~~الأوقات شاب أديب نظيرك، لحدثناه مليا وقرأنا معه كتبا وأقاصيص ~~شتى. ~~- إني أقبل طلبك شاكرا، وأعدك بموالاة الزيارات، قلت هذا ثم ودعتها وذهبت ... وقد ~~أدركت من مجمل أقوال جونريت وحديثها أن لها مقاصد هناك تخفيها، وقلت في نفسي: ~~يظهر أن البارون حدثها بمسألة زواج بيني وبين بنتها، فالآن أفهم معنى تلك النظرات ~~التي كانت تصرفها إلي، والآن أدرك الفرق بين معناها والمعنى الذي نسبته لها، ~~والآن برح الخفاء، وتبدى الضياء، والآن أفهم سر استقصائها عني واستطلاعها ~~أحوالي. # | الفصل الحادي عشر # لم تقض ريتا زمنا طويلا في النقاهة؛ بفضل قوة الحياة التي كانت فيها، ونشاط ~~طبيعتها الذي يلوح أن دور الأمومة ضاعفه وزاده قوة، حتى إني أول مرة رأيتها ~~بعد بللها انفعلت من الانقلاب الذي طرأ عليها، فإن وجهها الطلق قديما مما ~~أحالتها الولادة اغتدى وهو أكثر مهابة ووقارا، ونور عينيها المتقد سابقا ~~أصبح وهو أقل اتقادا، وأضحت بطيئة الحركة متسعة الصدر. نعم، إن الأمومة لم ~~تقل جمالها الباهر، لكنها نسخت مجموعه وأولته شكلا آخر. # فبادلناها عبارات التهاني المألوفة عند حصول مثل هذا الحادث السعيد، وحينما كنت ~~أراها مع أختها وابنة أختها لويزا، كنت أقدم لها من التهاني المستعملة في ~~الحديث العادي شيئا كثيرا، على أني كنت أرى في ابتسامتها بلاغة لا أغتر بها، ~~وحين كانت تضغط على يدي ms53 ذاك الضغط العصبي المتقطع، كنت كأني أسمعها تنشدني أنشودة ~~الغرام. # فأخذت على المائدة مكانها الأول، وبينما كنا نتناول الطعام كانت تحدثنا ~~حديثا مفعما بالمزاح، يشف عن سرور يبلغ المنتهى، فهل هذه ريتا التي ~~أعرفها ...؟ وأين تلك الكآبة وذاك الشجن؟ وأين ذاك البلبال وذلك الدلال ...؟ كل ذلك ~~ارتحل ليخلي المحل لهدوء تام وسرور متناه، واعتدال بالغ التمام، وقد كفى ~~لإحداث هذه العجائب الكثيرة ولد واحد. # فسألها البارون: كيف عافية الطفل اليوم؟ ~~- على أحسن ما تشتهي له، وقد أرضعته منذ هنيهة ونام. ~~- مثل سكران بيده زجاجة؟ # فقطعته جونريت قائلة: دعنا من هذا المزاح. # فقالت ريتا: يا ما أميلحه طفلا لا يسبب لي كدرا! هو كنز بل جوهرة. # ولما أن أتمت فصل وصف ابنها سكتت؛ لأن الولد لم يكن يبلغ شهرا من عمره، وكان ~~يستحيل عليها أن تصف أكثر من محاسنه الطبيعية؛ لأن الباقي كان مجهولا. # ثم قالت: إن لعينيه السوداوين حلاوة المغازلة، وكلما نظر إلي مدهوشا أو ~~ممازحا، أشعر بجزع يتولاني كأنما مهجتي تذوب، وإن لشعره نعومة الحرير ولون ~~الذهب، وكلما أمسكته أشعر برعدة، وإن لأظفاره الوردية شكل تلك الأصداف التي ~~تقذفها الأمواج إلى الكثيب، وإن جسده الصغير الذي أغسله بالعطر عشر مرات كل ~~يوم، يحرك في فكري ذكرى بنبينو، الذي كان أبي يريني صورته في كنيسة ميلان، ثم ~~إنها قطعت هذا الحديث بغتة، وقالت: رأيت فيه خللا في التكوين، فإن بنصر رجله ~~اليسرى مفقود، وقد رآه الطبيب فقال: لا بأس عليه من ذلك فهو لا يؤثر على ~~معيشته. # فاضطربت لهذا الخبر؛ لأن البنصر المذكور مفقود مني، وقد طالما رأيت والدتي تسأل ~~الأطباء عما إذا كان يضرني في كبري، وتأكدت ثمة أن هنري فركنباك هو ابني بلا ~~مراء. # هل أستطيع بعد التشكيك في أبوة زنائية ...؟ وهل يمكنني بعد أن أقيل من طريقي ~~عثرات فعل فظيع وحشي أتيته ...؟ لا، لا فإن لي معذبا من قلبي لا أستطيع ~~معه التجاهل؛ ولكثرة ما اشتدت علي الأوهام نسيت الغداء، فصاح البارون بي ~~قائلا: في أية السيارات ms54 يسير الآن فكرك ؟ أفي عطارد أم في الزهرة؟ أم ترى الأرض ~~أدنى من قدرك منحطة تحتك فتطلب ملأ أعلى؟ # فاعتذرت بما في وسعي على إخلالي باللياقة، ولا أشك أن ريتا أدركت سر ما ~~يحرك دماغي، ولا بد أنها حسبتني أفكر في غرامها، وربما حسب البارون أنني أفكر ~~في كورالي، ومن المحتمل أن مدام جونريت حسبتني «أحب لويزا»، وما كنت أفكر ~~بالحقيقة إلا «بأن هنري فركنباك كان ابني». # ولما هممت بالذهاب مرت إلى جانبي وقالت هذه الكلمات الأربع: الأحد ... الساعة ~~الحادية عشر. # ماذا تقصد من هذا الموعد؟ ذاك أوضح من شمس الضحى ...! تود أن نعود إلى شأننا ~~القديم، وبعد أن نزل الستار على الفصل الأول من هذه الرواية المحزنة، أرادت ريتا ~~أن يرفع عن فصل آخر، وأن الرواية توصل، على أن هذا المرام ضد مرامي، ~~ولما أن انتهى الفصل الأول تنفست تنفس الراحة، وكرهت التمثيل والممثلين، ~~وأقسمت أن لا أعود فأركب مراكب هذا الحب. # فأنا الآن لا أتبصر في مهرب من موعدها، بل أتبصر في مهرب من حبها، ولست ~~أرجي مناصا من لقائها، بل من هواها، وكيف النهوض من لجة هبطت بي إلى أقصى ~~دركات المهالك، ومن أين باب النجاة وقد أوصد الحب دوني جميع المسالك ...؟ فهل ~~ريتا تصرمني إذا صرمتها؟ وهل تراها تنكرني إذا أنكرتها ...؟ لا، لا أرى مناط ~~الثريا وإمساك السهى دون ما أرجي. # يوجد في قاعة اللوفر المربعة نجمة إلهية من رسم أندرية سولاري، يكفي الرائي أن ~~يراها مرة لترتسم في مخيلته فلا تفارقه البتة، ففي يوم الأحد وفي الساعة ~~المعينة دخلت بيت فركنباك ووقفت على العتبة أفكر في ذاك الرسم صامتا مدهوشا، ~~كأني أرى نصب عيني يسوع الطفل، إذ تملص من اللفائف، والربط يلعب برجله اليمنى ~~وينظر إلى أمه التي هي أشبه بعذراء سولاري وعارية مثلها، لا تهتم بإخفاء كربها، بل ~~هي تنظر إلى ثمرة أحشائها المباركة، وتبتسم لمداعباته. # فهل فرق بين حال ريتا وبين تلك الحال المرسوم؟ وهل تباين بين معنى تلك وحقيقة هذه ~~...؟ كلا! # وبينا ms55 أنا في بحور أوهام خرجت لملاقاتي، وقالت: أهلا بالحبيب، ومرحبا منذ ساعة ~~وأنا في انتظارك، فلماذا تتمهل بالدخول؟ ولم لا أرى فيك عواطف الأبوة؟! وكيف ~~لا تنعطف على ولد هو ثمرة حبنا؟! الولد الذي يجب أن لا تسأل عن غيره ولا تشتغل ~~بسواه. # لم يك في هذه الفاتحة ما يحملني على حربها، ورأيت أن أستعمل معها السلم ~~أيضا، ولكن سلمنا كان متسلحا، فأجبتها من فوري: اتهمتني بالأبوة يا ~~عزيزتي، فأنى لك تأكيد ذلك؟ ومن أين لي معرفة ما إذا كان هنري هو ابن فركنباك أم ~~ابني؟ # فقطعتني وقالت: كفى، هذا سباب، أنا أعلم حق العلم أن هنري هو ابن الحب، وما ~~هو ابن الزواج، وأن قبلاتك هي التي بثت فيه روح الحياة، وهي التي أفاضت في عروقي ~~نارا كانت مجهولة، وهي التي وجدت ينابيع نفسي التي كانت مختبئة بالقضاء والقدر، ~~إن أقنوم الغرام لا يصير لحما إن لم يكن أقنوما، وأنت تعرف جيدا أني بك وحدك ~~عرفت ذاك الأقنوم، فأنكر الآن إذا استطعت؟ قل: إن هذا الطفل ليس منك ... وقل ~~أيضا إن عشقنا كان غرورا، وإن سكرنا كان رواية، وإن مداعباتنا كانت ~~حيوانية ... # رأيت في الأم ذات الغيرة الشديدة التي كنت أراها فيها يوم كانت حبيبة، فاستعملت ~~كل العبارات النافعة؛ لإخماد حدتها، وتسكين غيرتها، فقالت بحزن: ها قد مضى ~~علينا يا حبيبي ستة أشهر لم نستطع في خلالها الاجتماع في بيتنا بشارع كوبنهاك، ولو ~~تعلم كم آلمتني هذه الفرقة ...؟ فقد حكم علي أن أراك كغريب، وأن أحبك بالوهم، ~~وأن أتظاهر بالحب لبعل أبغضه بقدر ما تراه عيني ... لم يحل فؤادي عنك؛ لأنه لك ~~بأسره فهو ملكك ولك الحق في أن تعلم ماذا يحدث فيه هناك، حيث أنت السيد والملك، ~~فأنا اليوم أحبك مثل قبل، بل أكثر من قبل، وكلما أنظر إلى هنري، كأني أراك به ~~مرسوما ... نعم، إني أشتهي لنا ربيعا غراميا مثل الربيع الماضي فآخذك بين يدي، ~~ونقول معا نشيد الجنون والغرام والقبل التي لا تحصى، آه يا إلهي، ms56 قد عشت طويلا ، ~~فعرفت كيف تفهمون الوجود أنتم معاشر الرجال؛ ولهذا فأنا أحلك يا مكسيم من يمين ~~الأمانة التي أقسمتها لي ذات مساء، فأنت الآن حر ... لكن بغير قلبك ...! أتفهم؟ أسمح لك ~~بكل شيء سوى الغدر والخيانة، كل مع بنات المراسح إذا كان لك في ذلك سرور، ونم ~~أنى تشاء النوم الذي يعبر به الرجال عن هذه الأشياء، لكني بعد فطام هنري، أذهب إليك ~~أنى كنت أو مع أي امرأة تكون، وأحلف لك أني آخذك من يديها، اذهب الآن قبل أن ~~يباغتنا أحد، ولا تقبلني مخافة أن تجنني قبلك وتحط من نشاطي ... بالأمان لا ~~تنس شيئا مما قلت. # في ذات المساء دعاني فركنباك للعشاء عنده، فقبلت دعوته قصد أن أجتمع بريتا، ~~وأظهر لها حال البلبال الذي رماني فيها حديثها في النهار، ولما أن آذنت الشمس ~~بالغروب، جئت بيت فركنباك، فوجدت مدام جونريت وبلورتيها على أنفها، تشتغل ~~برتق ملابسها، ورأيت ريتا جالسة على المقعد، وفي يديها كتاب تقرأ فيه، أما لويزا ~~فكانت تضرب على البيانو، فاستقبلنني بسرور، ورحبن بي، فقالت مدام جونريت: كيف ~~فكرت اليوم في أن تأكل معنا؟ ~~- إنني أفتكر بكم دائما. # ثم قامت لويزا، وجعلت تبحث عن كتاب تشغل به أعينها إذا لم أقل فكرها، فقلت لها ~~العفو يا سيدتي، فقد أتيت كمقلق الأعياد، وقطعتك عن إتمام اللحن الذي كنت ~~تضربينه على البيانو، وقد سمعت بعضه من الخارج، وهو ما أظن من ألحان سيبستيان ~~باش. ~~- نعم يا مولاي، كنت أضرب لحنا لباش. ~~- أتسمحين لي يا سيدتي أن أستأذن لك من مدام جونريت أن تضربي هذا اللحن من أوله ~~وتتميه هذه المرة؟ # فقالت ريتا: لا نحب ألحان باش، فاضربي غيرها. ~~- ماذا تشائين يا عمتي. ~~- لحنا غير ممل ولا جدي. ~~- أتحبين مشهد أولاد شيمين؟ فهو لحن قصير لا يطول عذابك معه إذا أملك. ~~- العنوان حسن، فاضربي هذا المشهد. # لويزا ماهرة بضرب البيانو، مهارة ينتهي الوصف إليها، وقد طالما سمعت الألحان التي ~~ضربتها على البيانو، فلم تؤثر علي مثل هذه المرة، ولما ms57 أن انتهت من مشهد أولاد ~~شيمين انتقلت إلى لحن آخر يدعى الحلم، فحسبت أني استؤسرت، وشعرت بأن دمي غلى ~~في عروقي، وحرك دماغي بقوة، وتولتني هزة شديدة، فاغتدت أعصابي كأنها أوتار ~~تضرب عليها ريشة عواد، ولا أعلم لأي شيء أنسب هذا الشعور وهذه العاطفة، وقبل ~~منتهى الحلم سالت من عيني دمعة انفعال، وقفت على طرف مآقي مضطربة كأنها ~~خائفة فمسحتها سرا. # فقلت لمدام جونريت: أيمكنني أن أستأذن لها بإعادة الحلم؟ ~~- إذا كان ما تقول عن سلامة قلب، وكان بالحقيقة يلذك ضربها فإني آذن لها، أما ~~إذا كان ذلك خداعا فالحذار الحذار، فإن العذارى يغرهن الثناء؛ لأن قلوبهن مثل ~~الهواء. # وقالت ريتا: لعمرك ماذا ترى من الغرابة في هذا الحلم؟ # فأجبتها بتحمس - وكانت لم تزل أعصابي ترتجف - نعم، إن الذي أراه أقوله لك بلا ~~تعسف، وهو أن أما جالسة إلى مهد ابنها البكر قبيل نومه، وكانت أجفانه ~~تنطبق، وفمه الحلو يفوه بشيء عذب لا أعلم ما هو كمناغاة الطيور، أو كصوت جري الماء ~~على الأعشاب، وكأن أمه حارس تنتظر قدوم ملك النوم؛ ليظل تحت جناحيه هذا الشاروبيم ~~الطريد من النعيم، ثم كأن الأوهام استفزتها فاغتدت وهي تسير في عالم الخيال بعيدة ~~عن الأوجال البشرية، هناك في ذاك العالم الأرفع حيث لا حزن، ولا ألم هناك حيث ~~الطهارة بلا دنس ولا عيب، هناك اختارت السكنى مع ابنها؛ ليعيش بعيدا عن ~~مشاق الدنيا خاليا من الأشجان الكثيرة فيها حتى يكبر ويترعرع، وبينا هي تنحني ~~على جبينه لتقبله كان الطفل قد نام. # فقالت ريتا بصوت متقطع: أعيدي لنا الحلم يا لويزا. # فأجابتها لويزا بأن جلست إلى البيانو وأعادت الحلم. # ولما انتصف الليل عدت إلى منزلي لا أفكر في غير مشهد أولاد شيمين، والحلم، ولا ~~أتصور غير أصابع لويزا تضرب على البيانو ... # | الفصل الثاني عشر # رأيت أن تقاعدي عن زيارة الوطن بلغ الحد الأبعد، على حين أن باريس من افريه ~~أقرب من قاب قوسين، فجئت البارون لأطلب منه عطلة، فأزور أهلي، فابتدرني بالحديث، ~~وقال: قد ms58 أتاني اليوم كتاب من عمك يخبرني به أنه قادم إلى باريس في صباح غد ~~فليطب قلبك يا مكسيم. # فذهلت لهذا الخبر، وقلت في نفسي: إن عمي مريض مقعد، لا يستطيع الحراك، فلو لم ~~يكن هناك داع يدعوه إلى المجيء لما أتى، فهل علم الوشاة بما بيني وبين ريتا، ~~فوشوا بي عنده فهو آت ليضع حدا بيننا أم له شأن آخر؟ # ثم إن البارون استأنف الكلام فقال: أظنك لم تنس ما قلت لك يوم ولادة هنري، ~~من أني سأختار له عرابا من أكابر الناس، يكون لطيفا محبوبا مزدانا بأحسن ~~الصفات، وإني لا أرى أفضل من عمك؛ لذلك فسنعمد هنري، ويكون عمك عرابه، وتكون ~~جونريت عرابته. # فقلت: أظن يا مولاي أن قدوم عمي لا يكفي، فإني أحب أمي مثل ما أحبه، فأجاب: إن ~~عمك قد طلب إلي فرصة لك لتذهب إلى أمك التي أتعبها نواك، فتتمتع بك زمنا، ~~وتنعم بلقاك، فأذنت لك بعطلة شهر. # فلعثمت له من عبارة الشكر ما لعثمت، وقلت: أرجو عفوك يا مولاي إذا قصرت في ~~مدحك وشكرك، فإني أرى كل معاني الثناء قليلة بجانب استحقاقك، وكل آي المديح دون ~~مقامك، فقال: ما كنت أشك بصدق ولائك يا مكسيم، غدا لا أذهب إلى المكتب، فبكر ~~أنت إليه، وفض البريد، وأجب عليه بمقتضى الحال، ثم خف إلينا حيث نكون ~~بانتظارك في البيت. # ولما كان ضحى الغد كنت قد تممت شغلي، فقصدت بيت فركنباك، وما هي إلا دقائق ~~حتى كنت بين يدي عمي أقبله ويقبلني. # وبعد تبادل السلام والأشواق سألته عن أمي فقال بخير، وقد أذن لك البارون بشهر ~~تصرفه في افريه عندها. # فقطعته ريتا وقالت: ستذهب عنا يا مكسيم شهرا كاملا. ~~- نعم، شهرا فقط فلا تستائي. ~~- إن لفظة فقط تدل على أنك تشتهي أكثر. ~~- إن أمي منذ أربعة عشر شهرا لم ترني، ولم تقبل خدي، ولم تضمني إلى ~~أحضانها، وأنت أعلم مني بقلوب الأمهات ... # فأخذ عمي يدها وقبلها، ثم قال: أنت أجمل النساء وأجدرهن بالإكرام. # كان عمي على كبره فكه ms59 الحديث، رقيقه، غض الوجه، رطيبه، يميل إلى النساء، ~~ويهوى مغازلتهن، فهو في مشيبه مثله في شبابه، لولا مرض أقعده وألزمه أن يتوكأ على ~~عصاوين. # فقال: أين هنري فركنباك؟ إني أريد مقابلته، فسلوه إذا كان يسمح لي بها. # فذهبت ريتا للحال، وأتت بالولد، فقمنا إليه نقبله، ونداعبه، واخترع له عمي ألف ~~حركة مضحكة. # وقال لريتا: إن كل ما أعطيت من الجمال لا يعد شيئا بجانب هذا الجمال، على ~~أنه أشبه بك منه بأبيه. # فدخل جان، وأعلمهم بقدوم درتيل، فقال البارون: سنسأل درتيل عن صحة هنري اليوم، ~~فدخل درتيل، وبعد التحية نظر إلى الطفل، فقال للبارونة: إن بكرك بقدر ما عنده من ~~صحة أبيه عنده من بهائك. # ثم إن البارون عرف عمي بدرتيل فسر الاثنان بهذا الملتقى، وتحدثا مليا ~~في ذكرى أيام الصبا، فقال عمي: إنك تغيرت يا درتيل تغيرا كليا، وكانت تصعب ~~علي معرفتك، لولا من يعرفني بك، فأجابه درتيل: وأنت أيضا قد غيرت أثوابك، ~~فأين الجمال الذي نعرفك به صغيرا؟ والنشاط الذي كنا نعهده فيك صبيا؟ وأين أخلاقك ~~القديمة منها اليوم؟ فإذا شئت أن تعود شابا وتبرأ من علتك، فتناول الطعام ~~عندي غدا لأفحصك وأداويك. ~~- إذا أبرأتني يا درتيل تكون أمهر الأطباء ... # فقطع الخادم عليه الكلام وقال: قد أعد الطعام. # فأخذت ريتا عمي من إبطه وسرنا إلى المائدة، فقالت له: هل تذهب إلى مون دور في ~~العام المقبل؟ فقال: ربما، قالت: أخطر على بالك بائع البواقيت التي من ~~أوفرنيا؟ قال: لا أزال أذكره، قالت: آه، لو كنت هناك، فأشتري منها ولا سيما من ~~الحمراء، قال أتذهبين إلى مون دور لهذا القصد؟ إذا كان ذلك، فأنا أكفيك مؤنة ~~التعب، فأستحضر لك ذلك بواسطة صاحب لي هناك، قالت: يذكرني بها أني يوم عرفتك في ~~مون دور رأيت في يدك شيئا منها، وكنت إذ ذاك جميلا فأجبتها: ولما رأيتك اليوم ~~ذكرت أيام مون دور. # وأقام عمي في ضيافتهم ثلاثة أيام، وفي عصاري اليوم الثالث جرت حفلة العماد، ~~وبعدها استأذنهم عمي بالعودة، فألحوا عليه ms60 أن يبقى يوما آخر، فرفض طلبهم بالرغم ~~عن استعطاف ريتا، ورجاء جونريت وغضب البارون، ولا حاجة لذكر ما كان لوداعنا في ~~المساء من التأثير، فكانت أوقات السكوت أكثر من أوقات الحديث، وكأني بهم يشعرون ~~بوحشة لغيبتي، ويحسون بخلاء في قلوبهم، بل كأني بهم انتهوا إلى آخر الجزء الأول ~~من قصة وفي نفوسهم شوق لقراءة الجزء الثاني. # ولما كان صبح الغد أسرعنا إلى المحطة، فقال البارون لعمي: لا تنس يا عزيزي ما قلت ~~لك بالشأن السري، ولا تهمل علاج درتيل، ثم التفت إلي وقال في اليوم الثالث من ~~الشهر القادم يجب أن تكون في المكتب كعادتك، فاحذر التأخير مخافة أن يخلفك آخر ~~كما خلفت سلفك! # فودعناه وركبنا القطار، فقام بنا إلى افريه، وبينما كنت على الطريق ذكرت أيامي ~~الخالية، وكيف كنت مضطربا وجلا يوم ركبت القطار من افريه إلى باريس قصد ~~الاستخدام عند فركنباك، ثم ذكرت ما لاقيت عند هذا من حسن الوفادة والوئام، على أني ~~كنت أرى في ذاك التاريخ صفحة سوداء تشين حسناته، وتحط قدر آياته وقلت: هل تكتفي ~~ريتا بهنري أم تطمع بآخر، فتشب الحرب بيننا وتقوم قائمتها ...؟ وهل لي مقدرة على شيء، ~~وهي قد قبضت على حياتي وأسرتها؟ # وكان القطار ينساب في الفضاء الطويل العريض انسياب الأفعوان، ويترامى المراحل ~~البعيدة والفلوات الشاسعة، كأنه سهم ناري، يشق عباب الأجواء حتى اغتدى على بعد ~~ساعة من افريه. # فقال عمي: أتعلم يا مكسيم ما هو الشأن السري الذي حذرني البارون في المحطة ~~أن أنساه؟! ~~- أظنه شأن زيجة بين ابن أخيك وابنة أخت ريتا، فقال: أجل، قلت: أتراه موافقا، ~~قال: لا يكون أنسب منه وقد تكلمنا مليا بهذا الشأن، وسأخطبها لك من أمها بعد ~~عام إن شاء الله. # فذكر عندئذ لويزا وبعد أن كنت أسرح الطرف في الربوع الجميلة ذات الأعشاب ~~والأشجار البهية، غدوت أفكر بلويزا وبضربها البيانو. # قال: كيف أخلاق أمها؟ وهل تظنها تعارض في زواجها، فقلت: إني أستقصيتها يا ~~مولاي زمنا، واستطلعت أفكارها، فاهتديت بعد البحث الطويل إلى رغبتها ms61 في تزويج ~~ابنتها بي، وهي في حد نفسها كريمة الأخلاق، رقيقة الحديث، عندها من كرم العوائد ~~وعوائد الكرم شيء جزيل، ومن الذكاء قدر جليل، والقصارى أنها امرأة يقل مثلها بين ~~النساء. # وإذا بالقطار يسير الهوينا، فأخرجت رأسي من النافذة، فرأيته على مقربة من افريه، ~~وكان الدخان ينتشر في أطراف السماء، وينتهي في صعوده إلى السحب السوداء، وكانت أشعة ~~الشمس تصل إلى الأرض من خلال الغيوم ضئيلة، فعرفت تلك الرياض، وذكرت عهودي بها يوم ~~لا يعرف ضميري تعبا، ولا يعرف قلبي حبا، يوم كنت نقي القلب لا أعرف الشر من ~~الخير، وعندي كل الغنى في ألعوبة أو طير. # ولما دخل القطار في المحطة سمعت أصوات الباعة، ورأيت نفرا من معارفي وأصدقائي، ثم ~~أسرع تراجمة اللوكندات إلى الركاب كعادتهم، فأخذت بيد عمي، وأعنته على النزول من ~~القطار، ثم ركبنا عربة، وسرنا إلى البيت، فقلت في نفسي أخاطب الوطن: # يا مثاوي الصبا عليك سلام # بعد طول النوى وبعد المزار # ووقيت العناء من عرصات # مقويات أو أهل بالفخار # ذكريني طفولتي وأعيدي # رسم عهد عن أعيني متواري # مستطاب الحالين صفوا وشجوا # مستحب في النفع والإضرار # يوم أمشي على الطلول السواجي # لا افترار فيهن إلا افتراري # نزقا بينهن جد لعوب # لاهيا عن تبصر واعتبار # حنانيك يا وطنا عزيزا خصيبا يا ملعبي في طفولتي، ونزهتي في شبابي، إني سأقضي ~~فيك شهرا مثل الشهور العديدة التي قضيتها فيك من قبل فرحا، مسرورا، محاطا ~~بعناية أمي وعمي، سأقضي في ربوعك شهرا أبكيه بعد ذهابه، وأحن إلى مثله ما دمت ~~بعيدا عنك ... والآن فلنغنم اللذات ولا نرثيها قبل الفوات ... ~~(انتهى الجزء الأول ويتبعه الجزء الثاني.) # | الجزء الثاني # العلم عذاب وأعلم الناس أبكاهم على الحقيقة المقدرة. # شجرة العلم ليست شجرة الحياة. # بيرن منفرد # | الفصل الأول # لما عدت من افريه بعد شهر كان قصيرا، قضيته في خمائلها أجدد ذكرى أيام صباي، ~~وجدت في بيت فركنباك ذات الوجوه والعوائد التي كنت أعهدها، واستقبلني البارون ~~كالمعتاد بهز كتفه، ووجه يغيب في الابتسام، ولم يتغير ms62 شيء في الحال التي ~~عهدتهم عليها منذ شهر، فوصلت طرف السلسلة الأخيرة بطرفها الأول، ولحمتهما باعتناء ~~ودقة، بحيث صارت يصعب على المتأمل رؤية لحام فيها. # وفي اليوم التالي قال لي البارون: قد ارتكبت غباوة ما بعدها غباوة، حين أذنت ~~بسفرك، على أن هذا لا يكون مرة أخرى فتأكد ذلك، فإنك لا تستطيع معرفة الفراغ ~~الذي وسمته غيبتك في قلبي، وليس ذلك من حيث الشغل فقط، أبشرك أن أقواما ~~من أصدقائي سيحيون ليالي رقص تنهال انهيالا، ونظرا لما بيننا من صلات الود ~~والصداقة طلبت إليهم أن يجعلوك في عدادهم فلبوا مطيعين، فهيئ فخذيك ~~للرقص. # فلم أظهر له ارتياحا للرقص على أنه استأنف الكلام فقال: ماذا؟ ألا تدري أن ~~ريتا لا تفارق البيت، وأن لويزا ستكون في هذه الهيئة بدلا منها، أولا تعلم أني ~~أكره الرقص والمراقص كالموت، وأفضل سيقان جوزيفا على ألف رقصة وراقصة؟ فماذا يحل ~~بتلك الغادة الصغيرة بين ملأ وفير لا تعرفه إذا لم يكن ثمت من يقدم لها ذراعه من ~~أصدقائها؛ فتذهب معه إلى المطعم إذا جاعت أو عطشت؟ إني أحتم عليك أن ترافقها ~~إلى كل المراقص، وتكون رفيقها في كل الرقصات. أتفهم؟ ألا تشكرني على هذا الفضل ~~أيها الحيوان؟ # فضحكت ضحكة كبيرة وقلت: إذا كنت تشاء ذلك فسوف أكون لها الرفيق الأديب. # فقال بابتسام: ولا بأس من مغازلة طفيفة سرية، ولا نمنع عنك مغازلة على نمط ما ~~تشتهي العذارى الطالبات الاقتران، افتن واسحر قلبها، سرحها في عوالم العشق كيف ~~تشاء، سر معها في عالم النجوم والأشعار كما تهوى، فإني لا أرى ضررا في ذلك إذا ~~كانت لك ثمة مقاصد حسنة، تراني أتساهل لك وأحسن إليك! آه لو كنت مكانك، وكان لي ~~عشرون سنة. # فسألته إذا كانت البارونة لا ترافق بنت أختها إلى هذه الملاعب، فقال: إنها لا ~~تود ذلك، فهي مشغولة بابنها، مولعة به إلى درجة تعد جنونا، وكل من يكلمها ~~عن الملاعب والأعياد والمراقص تنظر إليه شزرا بمؤخر عينيها، ولا تجيبه على ~~خطابه كأنه أذنب إليها، ms63 ويدهشني منها هذا الحب المفرط لابنها، وكنت أحسبه ~~يضعف في أول الشتاء لدى الأعياد والمرافع، فخاب ظني، وأرى اعتناءها به يزداد ~~دوما، وقد أقفلت بابها دون الزائرين والزائرات وصارت عبارة الخادم المألوفة في ~~دفع من يرغب مقابلتها «البارونة لا تستقبل اليوم أحدا.» على أني مسرور بذلك، ~~فإن هنري ينمو نموا حثيثا، وصار إذا رأيته اليوم لا تعرفه. # ومن يوم بلغ خبر ولادتها إلى صديقتها جنفياف دي سيمان أسرعت إليها، وترامت على ~~عنقها وقبلتها، وها هي لا تزال تزورها في كل يوم، وقد أعجبت لويزا بذكاء هذه ~~السيدة الجميلة ورقة حديثها، فهي مذ تدخل من الباب تأخذ في سرد الأقاصيص ~~والأحاديث الملذة حتى تختلب الألباب، وتسحر العيون وهي تسمي هنري «ابن ~~العجائب». # ولما عدت إلى البيت وجدت ورقة دعوة من المسيو ليكرم، يقول فيها: إنه سيقيم في ~~المساء مرقصا شائقا، ويرجوني أن أحضره، فلما أزف المساء سرت في شارع القديسة ~~أنوريه إلى أن بلغت قصر ليكرم، وكان مزدانا بالأنوار المختلفة الألوان، والزهور ~~المتباينة الأشكال والأجناس، رافلا بالحلل الزاهرة، ناهضا بالجلال والزينة ~~الباهرة، فوجدت على الباب مسيو ليكرم بنفسه، يستقبل الجمهور فحييته، فرد علي ~~التحية بطلاقة وتلطف، ثم سار معي إلى القاعة، وأجلسني ورحب بي. # ورأيت بادئ بدء أناسا قليلين، حيث ملابس الرجال السوداء تغيب في حرير مطارف ~~النساء وخملها وكشاكشها وفرائها، ولم أسمع غير أحاديث متقطعة منخفضة، أو أصوات ~~الأقدام المتنقلة والكراسي المتحركة. # ولما أن تكاثر القوم وابتدأ الرقص، قمت أتمشى في القاعة، فأبصرت المركيزة دي ~~سيمان وإلى جانبها مدموازيل جونريت فابتدرتني المركيزة بالكلام قائلة: ما كنت ~~أشك في قدومك، ولهذا أخليت لك محلا، وأظنك تحفظ لي هذا الجميل، أليس ~~كذلك؟ ~~- على الأرض وفي السماء سأحفظه لك يا سيدتي. ~~- في السماء؟ ومن يؤكد لك أننا نلتقي هناك؟ ~~- يقال إن في ذلك المكان موسيقى مطربة يا مولاتي، وفي هذا الرمز كفاية. ~~- إنك تتكلم عن الموسيقى مثل ما كان فدييس يتكلم عن اللغة الرومية، إننا لنعلم ~~قدر علمك بالموسيقى حي مدموازيل جونريت، ثم ms64 اسألني عن صحتي ، فذلك أولى لك من ~~الكلام عن الموسيقى. ~~- إنك مصيبة برأيك. ~~- إنك فهمت معنى ما أقول. ~~- وهل لكلامك معنى غير المعنى المستفاد من ظاهره؟ # فقهقهت طويلا. # وكان في قهقهتها كل ما يستطيع أن يجمعه العالم في رواية من معاني التعجب ~~والمزاح والهزؤ والتهكم والازدراء، وعند ذلك دخل المسيو ليكرم مع أربعة بزيه، ~~وأعلن افتتاح المرقص، فسكنت القاعة، وقعدت بأتم سكون وقعود، وابتدأت الكتيور، ~~وهي قطعة موسيقية ترتل بأربعة أصوات. # وعند نهاية الألجرو صفق الحضور أي تصفيق، وابتدأت الاندنت وهي الصوت الثاني من ~~الكتيور بأحسن ما يتمنى السامع من التوقيع، فأرسلت نظرة إلى لويزا؛ لأرى تأثير ~~الاندنت عليها، فوجدتها شاخصة العين منوطة بالسقف والحدقة غائبة منقبضة، والثغر ~~مفتوح ثلث فتحة، كأنه يهم أن يبتسم، واليدان مرسلتان إلى جنبها كأنها إيطالية ~~مولعة بالموسيقى، وقد سمعت لحنا مؤثرا، وكأن روحها أفلتت من أسر، فهي تحوم ~~بأجواء الخيال تحت أجنحة الألحان الرخيمة والأنغام الشجية الشديدة التوقيع، ثم إن ~~ابتداء الترواطان دي مينيت حولها نوعا عن حلمها، ولما ابتدأ برستو الختام ملكت ~~نفسها، وعادت إلى عالم الحقيقة. # | الفصل الثاني # دامت المراقص تتابع مدة، وأنا أخلو بلويزا، وأحدثها مليا غير خائف من عين ~~عمتها، وأدنو منها شيئا فشيئا، وأجعل ذراعها في ذراعي، وأهمس في أذنها ألف شيء ~~من جد وهزل، وعاودتني دعتي، وأخذت طلاقتي القديمة كأني أسير رأي النار بعد الأسر ~~الطويل، وجعلت أترصد الفرص لأخلو بها، وأفتح لها قلبي، وأبادلها حديث ~~الشباب. # على أنني رحت في تفكر طويل، وتساءلت عما إذا كانت عواطفي نحوها ليست من وراء ~~هوى خفي ناعم الظفر، ينمو ويترعرع ضاحكا من إرادتي ساخرا بها، ثم جعلت أتمثل ~~حالتها فيما إذا اشتد الحب بيننا كيف تكون، وهل إن إله الغرام يسترنا، فلا تنفذ ~~إلينا ملمة رجافة، ولا تصل إلى كبدينا سهام صائبة؟ أو أن ريتا تغار علي ~~ممن أهواها، فتدس لها السم، وتدمر رجاءها، وتدك مناها، ثم تسرع إلي وتعيد ~~علي ما قالته لي من قبل: «أنت مطلق الحرية إلا ms65 بقلبك؛ لأنه لي وأسمح لك بكل ~~شيء إلا بالخيانة.» # ولكن كيف كانت الحال، فإن ريتا عشقتني، فهي تقاوم كل ما يحول دون عشقها، وأنا ~~اليوم عشقت لويزا، فيجب علي أن أقاوم كل ما يحول دون عشقي مقاومة الرجال ~~الأشداء؛ لأن من أهواها كأنها ملاك كريم تستحق أن ألاقي لأجلها بعض الشقاء ~~والعناء، ولما كان الله - عز وجل - قد جعل لكل يوم صباحا ومساء، ولكل شأن ~~ابتداء وانتهاء، فقد أوفي اليوم بحب ريتا على الختام، وكأني أرى شمس حبها ~~مغللة بأطراف الظلام، وأرى شمس حبي مزدهية في مشرقها جميلة في تألقها، ~~وبينا هي تودع غرامها أستقبل غرامي، وبينما عيناها تدمع لبعد من تهواه، أمتع ~~أنا عيني برؤية حبيبتي لويزا الشبيهة بالملاك، وهكذا الأيام يوم لهذا ويوم ~~لذاك. # وبينما كانت الأقدار تجري في مجراها، والأيام تترامى في مرماها، حدث حادث أقلق ~~فكري، وشدد علي أمري؛ وذلك أن شابا من أكابر الباريسيين رأى لويزا في ~~المراقص، فعشقها وتيمه جمالها، فبات وهو شريد البال، كثير البلبال، طويل الليل ~~والبكاء، أليف السهاد والعناء، فطلب إلى أبيه أن يخطبها له من البارون، وفي ذات ~~يوم كنا معا نتجاذب أطراف الحديث، فقال البارون لولجونريت: لقد جاءني اليوم مسيو ~~دي فرفيل، وأخبرني أن ابنه رأى لويزا، فأحبها حبا شديدا، أفضى به إلى حالة ~~صعبة جدا، وقد التمس مني أن أسألك عما إذا كنت ترضين أن يكون صهرا لك، ~~وقد رأى أن لا يطلبها منك عروسا لابنه قبل أن تستطلعي أفكارها في هذا ~~الشأن. # فقالت ريتا: إن دي فرفيل من أرباب البيوتات العريقة في الشرف، الشهيرة بالغنى ~~والوجاهة، فلا أرى أنسب من هذا الزواج، وقد لا يكون زوجا للويزا أحسن من ابن دي ~~فرفيل، ولكن هل أخبرك دي فرفيل بشيء عن مهر ابنه؟ فقال البارون: نعم، قال إنه يعطيه ~~كل أملاكه بشسناي، وهي تقدر بخمسمائة ألف فرنك دخلها في السنة ينيف على ~~ألف فرنك، ويعطيه أيضا مسكنا في باريس يقدر بمليون فرنك، فقالت ريتا: إن ~~هذا النصيب فوق ما ms66 كنا نرجي، فلا تدع إذن هذه الفرصة تفوت، فإنها من أسعد الفرص، ~~وقد أتت على غفلة من الليالي، فقالت جونريت: إذا رضيت لويزا بذلك، فأنا لا ~~أعارض فيه أبدا، وأرى رأيك مصيبا فماذا تقولين يا لويزا؟ # فوقفت دورة دمي عند هذا السؤال، وانقلبت ملامحي من حال إلى حال، فقلت أناجيها ~~سرا الوداع الوداع أيتها الحبيبة الجميلة، فما هي إلا دقيقة حتى تنصرف ~~أميالك عني، وتتغير نظراتك إلي، ويخلفني آخر في قلبك الشريف الطاهر، وما هي ~~إلا لحظة حتى يغلبك المال على الهوى، وما هي إلا لفظة من فمك الوردي حتى تموت ~~نفس، وتحيا نفس، وتكبر آمال، وتخيب آمال، فإننا لله وإن إليه المآل، وأصبحت ~~أفكاري كأنها غوارب دأماء، قلقة لا تثوي في اللجج، ولا تستقر فوق الماء، رجافة ~~تنحت مكاسرها بأظافيرها، وتمتزج أوائلها بأواخرها، فعلمت عندئذ ما فعلت عيناها ~~بسويدائي، وما أسالت ابتساماتها في دمي وأعضائي، وأن ذلك ناجم عن غرام غير ممازح، ~~اطمأن في القلب والجوانح، وتأكدت أن ابتسامات العذارى قادرة، وأن عيونها ساحرة، ~~وأن نظراتها بالقلوب أمارة تصيد حباتها بغير صنارة، ودون استشارة، على أن ~~موقفي في ذلك الوقت كان أعظم وأشد مما يتصور القارئ؛ لأني مع ما تولاني من ~~الخوف والألم كنت مضطرا أن ألازم الصمت، ولا أفوه ببنت شفة، وأن أتكلف ~~الهدوء والسكينة، وأتظاهر بعدم الاكتراث بهذا الأمر والاهتمام به، على أن دمي ~~ماعتم أن دار في عروقي دورته المعتادة، وأخذ وجهي صفاءه المألوف دون أن يدرك ~~أحد من الحضور ما حل بي؛ وذلك لأنهن كن مستغرقات في الحديث. # فقالت مدام جونريت لابنتها: ما رأيك يا ابنتي في هذا؟ وهل أنت راضية بهذا الخطيب؟ ~~أم هناك مانع يحول دون وصوله إليك؟ # فقالت لويزا بصوت غير متقطع ولا مترجرج: ما كنت يا أماه لأخالف لك رأيا، ~~وإني أرى ما ترين حسنا، وأعد ما تشتهينه علي فرضا من الفروض المقدسة الواجبة ~~على أني إطاعة لأمرك وإجابة لسؤال عمتي أبدي رأيي في هذا الأمر الخطير؛ لأن ~~عليه تتوقف حياتي ms67 وسعادتي وشقائي، ولما كانت الحياة طويلة وعزيزة أيضا كان من ~~الواجب علينا أن نتفكر في الأمر مليا، وننظر إليه من جميع وجوهه، وأن لا نتهافت ~~على عمل ربما ساءت عقباه، واضطرتنا أن نعض أطراف البنان، حيث لا تنفع الندامة ~~ولا تجدي الأحزان. ~~- ومتى يقر قرارك، وتطمئن أفكارك، أبعد شهر أم بعد شهرين؟ ~~- إن أمرا كهذا عظيما تتوقف عليه السعادة والشقاء، لا يجزم فيه بدقيقة ~~واحدة، وإن لفظة تعلق عليها حياة كاملة لا تقال بلحظة واحدة، بل ربما لا تقال ~~بعد عدة شهور. ~~- إن كلامك يا بنتي مع ما فيه من الحكمة فهو غير مقنع؛ لأن ظروف الحال تقتضي ~~غير ما تقولين؛ لأنك تعرفين ابن فرفيل حق المعرفة، وقد رقصت معه مرارا ~~وكلمته، ومازحته، فكيف وجدت أخلاقه وعقله وحديثه؟ وهل مال قلبك إليه؟ ~~- هو على أرفع درجات الأنس يسحر القلب بعذوبة اللفظ، ودماثة الخلق، وانتظام ~~الملامح، وله في امتلاك الفؤاد وسائل من الحكمة، وله في اجتذاب العواطف سبل من ~~الحديث لا يسع السامع الامتناع عليها، ولا يقوى على الوقوف دونها، وهو مع ذلك ~~بارع بالرقص سريع الحركة، خفيف الانتقال والوطء، له مهارة عجيبة وخفة ~~غريبة. ~~- أيحلو لك؟ ~~- إني لا أستقبحه. ~~- إذا كان على ما ذكرت جامعا العلم وكمال النهى والمال، فماذا ترومين أن تعلمي ~~عنه أيضا؟ ~~- أروم أن أعلم ما إذا كان حسن الذوق، لين العريكة، شريف النفس، يحب الخير، ~~ويعرف الشفقة على الإنسانية، ويغضي عن الهفوة، وإذا كانت طباعه توافق طباعي وإذا ~~لم يكن ذا خصال وخيمة وعوائد تجرح الآباء وتخفض المقام، وأروم أن أعرف أخيرا إذا ~~كان يرى الحياة بالعين التي بها أراها، ويقضيها كما أرضاها، وإذا كان قلبي يميل إلى ~~قلبه أم لا؟ ~~- أي إنك تعتمدين في ذلك على ميلك؟ ~~- نعم، على ميلي وهذه هي الكلمة الوحيدة التي تجمع جميع أفكاري. ~~- إن ابن فرفيل ذائع الصيت، طائر الشهرة بالمال والأدب والجمال، وأمثاله في باريس ~~يعدون بالآحاد، فإذا كنت لا ترضينه زوجا لك تندمين أية ندامة، وتلامين ~~أية ملامة، ms68 وإذا كنت لا تتزوجين إلا برجل مثل الذي وصفته لنا، فعنقاء مغرب ~~أدنى إليك منه وإن الحياة يقظة، ثم غفلة لا يدري المرء كيف تمر، وبينا هو في زهوة ~~الشباب إذا هو أبيض الشعر على منتهى العمر فتبصري يا بنتي، وأنعمي الفكرة قليلا ~~لعلك تهتدين إلى الصواب، فتلجين هذه الجنة المفتوحة أمامك قبل أن يقفل دونك ~~الباب، وتقضين أيامك بألم الانتظار وتعب النفس وبلبلة الأفكار. # فابتسمت لويزا لكلام أمها ابتسامة ملوكية، وأجابتها بصوت يتجاذبه طرفا المزاح ~~والجد قائلة: سأنتظر ما يشاء الله. # فسكت الكل سكوتا تاما، وظهرت على وجوههم علامات الاكتئاب والكدر إلا البارون ~~فركنباك، فإن وجهه امتلأ سرورا، وإن عينيه طفحتا حبورا، وكأن رفض لويزا جاء ~~مطابقا لإرادته، موافقا لأفكاره، فأخذ يلاطفها ويؤانسها، ثم قال لها: ~~أتذهبين معي إلى الأوبرا في هذا المساء؟ ~~- أية رواية يمثلون اليوم؟ ~~- رواية الفتاة المجنونة، وهي ذات ثلاثة فصول، وفيها ألحان مؤثرة حسنة ~~التوقيع. ~~- أذكر أنني قرأت هذه الرواية في صغري، ويسرني جدا أن أرى تمثيلها. ~~- سوف تطربين منتهى الطرب، وتجدين في تمثيل رواية الفتاة المجنونة، وألحانها ~~آيات توجب العجب، وتأخذ بمجامع الألباب، وتنتهب الأسماع أيما انتهاب، ولا ~~جرم أن أمك جونريت تود أن تقاسمنا هذه المسرات وتشاطرنا هذه ~~الملذات. # فعبست جونريت، وقالت: دعني من روايات المجانين، فقد شاهدت اليوم رواية لا ~~تقل عن تلك حقيقة ومعنى، وأبصرت عيني اليوم فتاة أجن من فتاة الرواية وأكثر ~~اغترارا منها. # فأجابتها لويزا من فورها، وقالت: إذا أنزلت الحكمة منزلة الجنون، وعرضت ~~الدراية لسهام السب والملام، فقولي على الحكماء العفاء وعلى الحكمة ~~السلام. # فلم تجبها أمها على أنها ضحكت ضحكة مستغربة، ثم التفتت إلى البارون، وقالت ~~إني أسمح لها بالذهاب معك إذا وعدتني أنك تردها عن غيها وتحول أفكارها ولا ~~تفارقها غرارا. # فقال لها البارون: كوني ناعمة البال مطمئنة الخاطر؛ لأني سوف أداريها، وأبذل ~~وسعي لأسليها، وأشرح صدرها، ثم نظر إلي وقال: قم بنا يا مكسيم إلى المكتب، فإن ~~عندنا شئونا كثيرة نقضيها اليوم. # فقمنا للحال ومضينا، ms69 وبينما كنا على الطريق قال: إني مدعو للرقص مع جوزيفا في ~~هذا المساء، وقد ضربنا موعدا، وقلنا الحر ينجز ما وعد، فيجب أن أذهب ~~إليها، وأتمتع برؤية عينيها، ولو كنت أعلم أن جونريت تعتذر عن المجيء إلى الأوبرا؛ ~~لما دعوت لويزا وشددت عليها، فكيف العمل الآن؟ وما هي الحيلة للهرب؟ وأي ~~عذر أتنصل لأفلت منها؟ # فقلت: إن هذا الشكل صعب يجب أن تحله على وجه حسن مقبول؛ لأنك إذا أخلفت وعدك ~~إلى لويزا تسيء إليها فتسيء الظن بك، ثم إنك تحرك أفكار البارونة، وتوله ~~أفكارها إليك، وربما أفضى بك هذا الأمر إلى ما لا تشتهيه. # فقال: عونك يا مكسيم، فأنا الآن بين نارين، وكيفا أصنع ألام، وبينما أنا أفي ~~بوعد أخلف بوعد، وبينما أقضي حقا واجبا أهمل حقا آخر؛ لأنها (ثم فكر ~~قليلا)، وقال: نعم، نعم، وجدت حلا لهذا المشكل لا يكون أحسن منه، وهو أن تجيء ~~إلى الأوبرا يا مكسيم، وتنتظرنا هناك إلى أن نجيء، فأعهد إليك مؤانسة لويزا ~~ومحادثتها، ريثما أروح إلى جوزيفا وأعود، وإن هذا الحل على ما أرى بقدر ما ~~يسرني يسرك؛ لأنه من حيث يمكنني من الاجتماع بحبيبتي يجمعك بحبيبتك، ثم أطرق ~~هنيهة، وقال: إن لويزا تهواك وتميل إليك، وقد اتضح لي ذلك اليوم من رفضها ابن ~~فرفيل؛ لأني لا أصدق أن امتناعها كان لعلة من العلل التي ذكرتها، بل إن ~~ذلك لأمر دفين في صدرها، قد تغلب على عواطفها، وقيد إرادتها، وهذا الأمر هو ~~الغرام. # وإذ ذاك وصلنا المكتب، فجلس كل على طاولته، وبدأنا بالعمل حتى عصاري النهار، ~~فانصرف كل إلى حيث شاء. # ولما هبطت حجب الظلماء، وزحفت جيوش الدجنة على بقيات الضياء، ونشر الليل رواقه ~~في الفضاء، ونابت عن شمس السماء نجومها الوضاءة، قمت إلى الأوبرا لأكحل عيني ~~بمنظر الحبيب، وأفتح لها قلبي الأشد وجدا من جميع القلوب، وأريها بماذا أصيب، ~~وأسأل قلبها الطاهر الشريف، الرفق والرحمة بقلبي البائس الضعيف، فرأيت الناس ~~يهطعون من كل أوب إلى الأوبرا زمرا وفرادى، هذه تتيه في ms70 دلها، وتلك ~~تتهادى بين عشاقها، فسرحت طرفي في هذا السواد العظيم عل أن أرى مليكة ~~الفؤاد، فارتد الطرف كليلا، دون أن يعرف إليها سبيلا، ولم يفده البحث فتيلا، ~~فكثرت تأوهاتي، ولجت بي حسراتي، واشتد علي البلبال، وأخذ مني الخيال، ~~وهلع قلبي حتى كأني لست من الرجال، فندمت على إسراعي بالمجيء قبل اللزوم، وهكذا ~~المرء إذا جد إلى شيء، ولم يجده تتناوله الهموم. # فجلست قلقا مضطرب البال واجف القلب، أفكر في لويزا، وفيما يجب أن أصنعه ~~لأكتسب حبها وأملك قلبها، وهممت أن أحمل قلبي على يدي وأذهب إليها، وأنطرح على ~~قدميها، وأقدمه لها وأقول: حني أيتها العذراء الجميلة بنظرة على هذا القلب ~~الولهان، فإن نظرة من عينيك ترده سعيدا، ونظرة من ناظريك تجعله تعيسا وتغادره ~~صريعا فقيدا، على أني خفت من أن شهرة الغرام على هذه الصورة تخجلها، فيفر ~~قلبها، ويجفل عني فأكون كدرت بلحظة واحدة الكأس التي اشتغلت في ~~تصفيتها أكثر من شهرين، ورأيت أن من الحكمة والضرورة انتهاج غير هذا الباب، ~~واستخدام وسيلة دانية المتناول أقرب من تلك لبلوغ المنى وإدراك الأمنية. # وبينا كانت عيناي لا تستقران في مكان، وفؤادي لا يهتدي سبيلا إلى الدعة ~~والاطمئنان، وكانت تموجات بصري تنهال على الجمهور، ودمائي تدور في عروقي ما ~~تدور: # أقبلت تنثني بقد رشيق # وجمال تغار منه البدور # تتهادى في مشيها مثل غصن # هزه في مروره العصفور # كأن طلعتها صباح العيد، وكأن عينيها رشد بدا للهائم الشريد، بيضاء صاغها النعيم، ~~فأدقها وأجلها، وجعل الجمال في مقاطعها كلها، قد ازدهت بطهارتها، واطمأنت ~~ببكارتها، فهي مثل البدر بهاء، وأكثر من المهاة دلا وحياء، وهي مثل الورد ~~تلوينا وأكثر منه رقة وأجل تكوينا، وهي مثل الشمس ضياء، لكنها لا تغيب ~~مساء. # قد كونها الله تعالى: # من استدارة القمر # إلى لطافة الزهر # إلى تراوح العشب # إلى رشاقة القضب # فلحظات الريم # فقلق النسيم # فبهجة الشعاع # فقسوة السباع # فزهوة الطاووس # تأخذ بالنفوس # فالشهد في المذاق # فخفة الأوراق # إلى التفات النبت # ذا خفة وثبت # فنغم الهدير # فهذر العصفور ms71 # فقمت لملاقاتها، أعد العين برؤية وجهها، والفم بتقبيل وجناتها، وكانت لابسة ~~ذات المطرف الذي رأيتها به أول ليلة رقصت معها، وكان زي شعرها مثله يومئذ، فلما ~~دنوت منها أخذتني هزة مثل الهزة التي شعرت بها يوم خاصرتها، ولم أعد ~~أعي ما أقول وما أفعل، ونسيت ما كنت هممت أن أقوله لها، ولم أقف الوقفة التي ~~كان يجب علي أن أقفها، وخفت أن أوجه إليها أنظاري وأصرفها، فابتدرتها ~~بالسلام، فمدت إلي يدها البيضاء، وردت السلام بأحسن منه، ثم قالت: إني أحمد ~~الظروف التي أسعدتني بلقاك، وإني أشكر الإله الذي سمح لي بأن أشاهدك وأراك. # فأجابها البارون قائلا: إنني ضربت موعدا لصاحب لي، وأنا ذاهب إليه فهل تأذنين ~~لي؟ # فقالت: بقدر ما يسرني لقاء مكسيم يسوءني فراقك، وأنا الآن رابحة وخاسرة بوقت ~~واحد. # ولما ذهب البارون ابتدأت الموسيقى بضرب الألحان الرخيمة، وأخذ الممثلون بتمثيل ~~أدوارهم، فأجادوا إلقاء وإيماء، وكانت خلاصة الفصل الأول حبيبين يتبادلان عبارات ~~الغرام، ويشرحان هواهما، وحينما انتهى الفصل الأول هممت أن أقبل يديها، وأركع ~~على قدميها، وأفتح لها كتاب الغرام الذي آن لها أن تقرأه وأخبرها أني أهواها، ~~وأروم الاقتران بها، وأن عمها يود ذلك ويتمناه، ولكن خانتني قواي، وتوقف ~~الكلام على فمي، وخفق قلبي، فقالت: أتظن يا مكسيم أن غيبة عمي تطول؟ # فقلت: إنه آت عن قريب وقد أكد لي ذلك. # وابتدأ الفصل الثاني، وتلاه الثالث، وفيه التقى العاشقان بعد الفراق الطويل، ~~وأسعدا بعد العناء والشقاء، فرأيت لويزا صامتة لا تبدي حراكا لشدة تأثير ~~التمثيل عليها، ثم إن الممثل أخذ حبيبته بين يديه، وضمها إلى مذبح الحب، ~~وقبلها قبلة دوى منها المرسح، وتأثر لها كل الحضور فنظرت عندئذ إلى لويزا، ~~فرأيت عينيها ممتلئتين بالدموع، وكأنها طربت لحديث الحب السماوي، وسرت لاجتماع ~~الحبيبين بعد العذاب والتبريح، ثم إن الدمع غلب عليها، فتركتني وذهبت إلى القاعة ~~بسرعة فتتبعت خطاها، فجلست على المقعد وجعلت تبكي وتتأوه مثل الطفل الصغير، ~~فجلست على قدميها وأمسكت يديها، ثم ضممتها إلى صدري، وجعلت ألاطفها، ثم ms72 قلت: لماذا ~~تبكين يا حبيبتي؟ # فقالت: إني تعبة، وأحس بدوران خفيف، على أن هذا يحدث لي أحيانا ثم يزول، فكن ~~مطمئن البال ولا ترع. # فثارت في دمي عندئذ مفاعيل الغرام، وتسابق على لساني الكلام، فقلت لها والدموع ~~تسيل على الوجنات: وأنا أيضا أشعر بما تشعرين، وليس ذلك لعلة مثل علتك، بل ~~ذلك لمرض في الفؤاد دفين ... لويزا حبيبتي حياتي مليكتي إنني أهواك وليس في الهوى ~~لوم، وأنا أهواك منذ شهرين مثل ما أهواك اليوم، وقد براني هواك حتى لولا العظام، ~~لكنت مثل الخيال، فهلا رفقت بقلب يحتوي على فؤادك؟ وهلا رحمت فتى شقيا ليس يقوى ~~على جفاك وبعادك؟ وإلا فردي إلي فؤادي وأعيدي إلي رشادي. # فاحمرت عيناها، وتوردت وجنتاها، وفاضت دموع عينيها أكثر من قبل فجعلت أكفكف ~~عبراتها وعبراتي، وأمزج زفراتها بزفراتي، وتأوهاتها بتأوهاتي، ثم قلت: أيتها ~~الغادة الطاهرة الكريمة قولي كلمة، ردي علي بلفظة أو بحركة أو بإشارة، احكمي ~~على مكسيم بالسعادة أو بالشقاء، فإن نفسي تكاد تموت، فنهنهت دموعها، واعتدلت على ~~المقعد، ثم قالت: لقد سبقتني إلى ما كنت أسعى إليه، وفتحت لي قلبك قبل أن أفتح لك ~~قلبي والآن إذ برح الخفاء، وتم لي ما كنت أشاء، فأنا أقر أمامك بغرامي، وأعترف ~~أنك حبيبي وبهجة أيامي، وقد ملكت قلبي، وسحرت لبي، وأن هذا الجسم الماثل لديك، ~~تحييه وتميته نظرة من عينيك، ولكن هل غرامك طاهر شريف، أم إنك تخادعني لتنال ~~مأربا دنيئا؟ فقلت: معاذ الله أن أخادعك كما يفعل النذل، وأن أضع شرفي موطئ ~~النعل، وإنما أنا أحبك حبا أصفى من القطر، وأكبر من السماء والبحر، وأقسم لك ~~بالله وأسمائه، وملائكته وأنبيائه، إنني أهواك هوى عذريا نقيا، أبقى عليه إلى ~~أن أقترن بك أو أموت. # فعدنا عندئذ إلى المرسح وما كدنا نصل حتى دخل البارون، وعلى وجهه شيء أبيض علق به ~~من خدود جوزيفا. # فقال لها: لا مرية في أن مكسيم لم يترك قصة لم يقصها عليك؟ # فقالت: نعم، وإنني أشكر له لطفه، فقد قص علي نوادر ms73 لم ينلني معها ضجر. # ولما انتهى التمثيل استأذنتها بالذهاب، ومضيت على وجهي، لا أعلم كيف أذهب وأنى ~~أسير، وجعلت أعدو في الطريق حائر الفكر رجلاي على الأرض وعيناي في النجوم. # | الفصل الثالث # وأدركت ريتا أني أهوى لويزا، وأنها تهواني، فشحذت سيف الغرام، وأعدته ليوم ~~الانتقام، ووقفت لي بالمرصاد، ترقب حركاتي أنى قصدت، وكيف كنت؟ مع جماعة أم على ~~انفراد؟ وبينما كانت لويزا تضرب على البيانو في ذات يوم حانت مني التفاتة غرامية ~~إليها، فابتسمت وتوردت وجنتاها، فرأت ريتا ما كان منا، وقامت من فورها، ودنت ~~مني وقالت: «سوف ترى.» فأجبتها: «وأنت سوف ترين.» # ومضى على ذلك مدة، وأنا لا أستطيع الاختلاء بلويزا، ولا أجسر أن أشدد النظر ~~إليها خوفا من عمتها، فضاقت بي الحال، وصعب علي الأمر، وجعلت أفتش على وسيلة ~~أشرح بها لحبيبتي ما يخالج قلبي، وبعد الروية بدا لي الصواب، ورأيت أن المكاتبة ~~أسهل طريقة لنيل المرام، وبلوغ المنى؛ لأن المكاتبة هي الزيت الذي ينير قناديل ~~الحب، ومتى كان هذا الزيت موجودا في القناديل فلا يطفأ نورها، والمكاتبة نصف ~~المشاهدة، كما يقول المثل السائر، وهي قبل العاشقين بل هي إرسال الشعائر ~~والفؤاد، بصورة الورق والمداد. # فكتبت إليها كتابا مطولا، ووضعته في سفر، ودفعته إليها أمام أمها فأخذته ~~وبعد ثلاثة أيام ردت إلي ذلك السفر وفيه هذا الكتاب: # حبيبي # ساءني أنك ترسل لي الكتب سرا، ولم ذلك إذا كنت عاشقا، فهل تخشى ~~لومة لائم؟! أم لك ثمت مقاصد أخرى لا أعلمها؟! على أني لم أسئ بك الظن، ~~ونسبت ذلك للظروف، قل لي متى عهد اجتماعنا أقريب يا ترى أم بعيد؟ وهل ~~مدة هذا التعذيب طويلة؟ وهل تلك السعادة التي أراها في الحلم تتم عن ~~قريب؟ إن عمي يحبك ويريد صالحك، فاطلبني منه فإنه لا يرفض طلبك. # وقد قلت في كتابك: إنك لم تنم غرارا منذ أسبوع، فأنا أقسم لك أنني لم ~~أزل مسهدة الطرف منذ عرفتك، وهذا يدلني على أن عهدك بالغرام قريب، ~~ولكن كيف كانت الحال، فإني أهواك ms74 ولا ألوي عن حبك ما دامت تجري في ~~عروقي قطرة دم. # تقبلك بحرارة واشتياق حبيبتك # لويزا أسيرة هواك # فاضطرمت نيران الغرام بين جوانحي، وأقسمت أن أتجهم ريتا وأدوس قلبها وحبها، ~~وأن أسقيها كأس النكال، إذا مكنتني من ذلك الأحوال، فجعلت أغلظ لها الكلام، ~~وأسمعها أقوالا أفتك من السهام، وهي لا تزيد إلا هياما، ولا يزيدها ~~الجفاء إلا اضطراما، حتى أوفت الدنيا على فصل الربيع، فحسبت أن مقاومة ريتا ~~تنتهي مع فصل الشتاء؛ لتخلي في القلب مكانا لاستقبال الربيع، ولكن بئس الحسبان، ~~فإن فصل غرامها كان في أوله. # وكتبت لي لويزا في هذا الغضون تعذلني على قلة مكاتبتي، وتنسب إلي قسوة ~~القلب والسلوان فلم أجبها، وفي صباح الغد ذهبت إلى بيت فركنباك، فرأيت البارون ~~والبارونة، وجونريت ولويزا مجتمعين معا كأن على رءوسهم الطير، كل ينظر إلى شيء ~~ولا يفوه ببنت شفة، فعلمت أن عمي أرسل للبارون يسأله أن يفي بوعده، وقلت: ~~اللهم هون العسير، فإنك على كل شيء قدير، وفي اليوم التالي وردني من لويزا ~~كتاب هذا نصه: # حبيبي # أرى الكل يعبسون وجوههم بي من البارون إلى البارونة، إلى عمتي ولا أعلم ~~لماذا؟ قد كان بالأمس ورد على عمي كتاب من افريه على ما أظن، فدفعه ~~إلى عمتي فقرأته هذه، ثم قامت بغضب وذهبت معه إلى غرفة أخرى وتحدثا ~~مليا، ولا جرم أن عمتي حالت دون مراد عمك، وإني لأعجب من ذلك مع ~~ما أعهد لك عندها من المكانة والاعتبار، فماذا أصنع؟! # حبيبتك لويزا # فأجبتها بهذا الكتاب المختصر: # حبيبتي ومليكة فؤادي # كل ما جرى كان مقدرا، ويجب أن أخلو بك؛ لأحدثك بهذا الشأن مليا، ~~فأنا أنتظرك غدا سحابة النهار، عسى أن الظروف تمكنك من المجيء ~~إلي، أحسني الظن بشرفي وحبي، أقبلك. # حبيبك مكسيم # وفي الغد أقبلت تتمايل في تهاديها، كأنها الشمس تبدو بأبهى مجاليها، فاستقبلتها ~~كما يستوجب الغرام من الحفاوة والإكرام، فقالت: إن مجيئي إليك لم تسبقني إليه ~~عذراء من قبل؛ وذلك لاندماج اعتقادي على شرفك، والآن قل ما بدا لك، ms75 واختصر في ~~حديثك ما تستطيع، فقلت: إن حل مسألتنا بسيط وصعب معا، فإذا انقاد البارون ~~لإرادة البارونة يعظم الخرق، ويطمى البلاء، وإذا لم يطعها نبلغ المرام بأقرب ~~وقت، وكيف كان الأمر، فإنني أبقى على عهدي، وأبذل في نيل المراد جهدي، وتأكدي ~~يا حبيبتي أني أقطع كل المشاق والمصاعب للوصول إليك، وإذا فرقت بيننا الليالي؛ ~~فإنها لا تستطيع أن تفرق بين قلبينا، ولا يقدر أن يفصلني عنك إلا الله تعالى ~~والقبر، فقالت: وأنا أقسم أيضا بما أقسمت به، فقلت: وهل تأذنين لي يا حبيبتي أن ~~أختم على هذا القسم بقبلة نجعلها يمين الأمانة والوفاء؟ فقالت: نعم، ثم انحنت ~~علي، فقبلتها قبلة وقبلتني مثلها، ثم ودعتني ومضت. # | الفصل الرابع # جهد الصبابة أن تكون كما أنا # عين مسهدة وقلب يخفق # ما لاح برق أو ترنم طائر # إلا انثنيت ولي فؤاد شيق # جربت من نار الهوى ما تنطفي # نار الغضى وتكل عما تحرق # وعذلت أهل العشق حتى ذقته # فعجبت كيف يموت من لا يعشق # ولما كان اليوم التالي جئت المكتب عند فيقة الضحى، فوجدت البارون جالسا على ~~الطاولة ويده على جبينه كأنه يفكر في أمر صعب المراس، فحييته، فرد التحية ~~بوجه عبوس، ثم نظر إلي نظرة ملؤها شفقة وحنان وقال: حدث بالأمس حادث فجائي، ~~يسوءني أن أعلمك به عند الصباح، ويشق علي أن أقوله لك لعلمي أنه يرد الضحى ~~في عينيك دجا، ويترك قلبك مشبوبا ولسانك متلجلجا، على أنني أردت أن أقول لك ~~مخافة أن يقوله لك غيري دون أن يشرح لك ظروفه، فينالك سوء نخاف منه عليك، فقد ~~جاءني كتاب من عمك يطلب إلي أن أخطب لك لويزا، فدفعت كتابه بالأمس إلى البارونة، ~~فأخذته واختلت بأختها برهة، ثم عادتا إلي وقد رفضتا طلب عمك، وعارضتا فيه ~~أشد المعارضة، وقد اتهمتك جونريت بأنك أغويت لويزا، وضربت لها موعدا، فاجتمعت ~~بها في بيتك، فأنكرت عليك هذا الأمر، وغضبت ما غضبت ورأت أن تسافر عن باريس في هذا ~~الصباح دفعا لمثل هذه المنكرات، وقد ودعناها اليوم ms76 بحزن شديد. ~~••• # لو فاجأتني الصواعق المهلكات، بل لو هبطت علي السموات أو هوت بي البسيطة إلى ~~أسفل الدركات، لما كنت أشعر بما شعرت به عندما فاجأني هذا الخبر المشئوم، فلا أقول ~~إنني جننت، ولا أقول إنني اضطربت، ولا أقول إني يئست؛ لأنني لا أدري كيف أصف ~~ما ألم بي، ولا أعلم ما هي العبارة التي تفي بهذا المعنى، بلى قد جننت وفر ~~قلبي مني، وجمدت دمائي، وخمدت أعضائي، وهمدت أعصابي، وضل صوابي، إلا سمعي وبصري ~~فإنهما نشطا لكن لتعذيبي، وزيادة أشجاني، فكانت العين مما ترى من المناظر ~~تذكرني الحبيب الوسيم، وكانت الأذن مما تسمع من حفيف الأشجار، وهزر الأطيار ~~تذكرني صوته الرخيم. لويزا ... يا رب كأني أسمع الأصداء والطيور وكل شيء تتجاوب ~~بهذا الاسم، وكلها تقول «لويزا لويزا» ... ماذا يا رب هل كان مقدرا لنا أن ~~نفترق اليوم؟ وهل كان مقدرا أن يضحى اليوم عاشقان على مذبح الغرام؟ ~~••• # فلما رأى البارون حالي رثى لي، ثم أخذني من يدي، وذهب بي إلى البيت، وأنا لا أعي ~~شيئا، وكلما رأيت شبحا حسبته الحبيب، وكلما سمعت صوتا ظننته صوته العذب الشجي، ~~حتى دخلنا البيت، فاستلقيت على المقعد، وغرقت في نوم عميق. # وفي نحو الساعة الخامسة أفقت من النوم، فوجدت على الطاولة كتابا من ريتا تقول ~~فيه: «حبيبي، سأكون عندك الساعة السادسة فانتظرني.» فاضطرمت بي جذوة الضرام، ~~وثار بي ثائر الانتقام، فتأهبت للأخذ بالثأر، وقلت: لقد اقتص مني العاذل، وأنا ~~أنتقم منه في ذات النهار، وسوف أؤلمها مثل ما آلمتني، وأعذبها مثل ما عذبتني، ~~وأريها عذاب الجحيم، وأسلبها لذة العيش والنعيم، وسوف أطعنها بالخنجر الذي به ~~طعنتني، وأسقيها من الكأس التي منها سقتني، وأرد كيدها في نحرها، وأحبس غلها ~~في صدرها، وسأنتقم منها مثل ما انتقمت مني. # وبينما كانت أفكاري في حل ومرتحل، والأوهام تزحم في ضميري الأوهام مزاحمة ~~الدول، دخلت من الباب، واستلقت على المقعد دون أن تلقي سلاما وهي تتنفس ~~بسرعة، كأنها قطعت في المشي ألف غلوة، وجعلت تنظر إلي، وأنظر إليها ms77 وكل يقرأ ما ~~في عين الآخر حتى افتتحت الكلام، فقالت: كأني بك تتأمل الفرق بين زيارتي وزيارة ~~لويزا. ~~- نعم، أتأمل ذلك، ثم ماذا؟ ~~- ولا جرم أنك آسف على ذهابها بعد أن أحبتك وأحببتها، وشربتما معا كئوس الهوى ~~العذري في هذه الغرفة الطاهرة التي أسميها مهبط الأسرار أو مسجد الأبرار، وقد ~~كنتما كعروسين جميلين، تستقبلان الحياة بمسرة وبهجة، والهوى بينكما أليف مجار، ~~كأنه طائر مختلف الألوان جميلها، يمسك بفمه سلسلة ذهبية تصل بين قلبيكما، ولكن ~~هلا علمت أن ذاك الطير هو البجع؟! وأن النشيد الذي أنشده في هذه الغرفة هو نشيد ~~الوداع، أم فاتك أن البجع يحبس صوته إلى أن يأتي على آخر عمره، فينشد نشيد الوداع ~~ويموت؟! ~~- ما لنا ولهذا الشأن، قلت في كتابك إن عندك أسئلة تلقينها علي، فما هي؟ ~~هاتيها بإيجاز. ~~- أتذكر يوم كانت قبلاتنا تدوي في هذه الغرفة كأنها موسيقى؟ أتذكر يوم ركعت على ~~قدمي، وأقسمت أنك تكون أمينا مخلصا؟ أتذكر يوم طلبت قلبي فقدمته لك على كفي؟ فكيف ~~ترمي اليوم بذلك القلب إلى الوحل؟! ولماذا تحنث بيمينك المغلظة؟ ~~- كفى، كفى تحببا وذكرى، إنني أذكر كل ذلك، ولكني أذكر أيضا أن البارون أحسن ~~إلي فأسأت إليه، وأكرمني فدست شرفه، وهتكت عرضه. ~~- إذن إعراضك اليوم عني يكون حبا وإكراما للبارون ... ~~- نعم، الأمر كذلك. ~~- كذبت أيها الجبان، فإن هذا الفكر لم يطرأ عليك البتة، ولم يخطر لك ببال، وإن ~~ادعاءك مين وتضليل، وإنك لنذل لئيم لا ترعى الذمة والود، ولا تعرف الأمانة ~~والعهد، وإنك تكذب بعهدك وولائك، وتكذب بقسمك وبكائك، تالله لم تر عين ابن أنثى ~~مثلك أيها الخائن الخداع، إذا كنت تحسب أن قلبي الذي قيدته بحبك ألعوبة في ~~يديك، فوالله لألعبن بك كما يلعب الطفل بالطير، وأقسم بالله إنني أكون بينك وبين ~~لويزا كسور منيع، تنبو عنه كلاكل الأيام والليالي، وأسفك كل دمي إلى آخر قطرة ~~قبل أن تصل إليها، وهيهات أن يكون منكما ما كان بالأمس في هذه الغرفة. ~~- صه، ولا تعيدي ما قلته، فإنك تنزلين ms78 البكر منزلة الثيب ، وتعرضين شرف ~~العذراء الطاهرة للخطر، وتضعين البكارة موطئ الأرجل. ~~- إن جونريت اغتدت، وهي أكبر حائل دون مرامك. ~~- أظنك أخبرتها بما كان منا، وأن هنري هو ابن سفاح. ~~- تقريبا. ~~- إن قلبك أقسى من حديد هذا السكين. # فاغرورقت عيناها وقالت: # لا تلمني فإن قلبي أضحى # لك عبدا مقيدا بهواكا # ليتني أستطيع أن أقلاكا # أو لو اني أحب شخصا سواكا # يا حديد الفؤاد ليتك تدري # ما أسالت بمهجتي عيناكا ~~- مكسيم، مكسيم، عد يا حبيبي إلي، وأشفق علي، وارحم فؤادي الكسير، صلني ~~زمنا يسيرا، فأرد إليك حبيبتك السعيدة. ~~- إن الموت أحب إلي من ذلك. ~~- كفاني ما ألاقي من جفاك، إنني أنكب على قدميك، وأطلب لطفك ورضاك. # وكانت أعصابها ترتجف وقلبها يخفق، فأثر علي أن هذه المرأة التي لم تركع ~~إلا لله - عز وجل - أراها تركع على هيكل الغرام، وأن هذه السيدة الغنية ~~بالمال والجمال تطلب إلي حبي بذلة الفقراء فقلت: أسامحك بشرط أن تستدعي أختك ~~إلى باريس. # فوقفت من فورها بسرعة وقالت: لا، لا، هذا لا أقدر عليه، إنني أقلاك، وسوف ترى ~~مني العجب، قالت هذا، وخرجت تعدو على غير هدى. # | الفصل الخامس # حبيبي # قد قامت الحواجز بيننا، وتصدت لنا الليالي، فهدمت آمالنا التي بنيناها ~~وحكم الهوى بأن أهواك، ثم يحال بيني وبينك. # فنسبت ذلك ريتا لأمور دنيئة تدل على سوء نيتها، وقد كنت أحدد النظر إلى ~~عيني أمي، لعلي أقرأ فيهما سبب جورها، ولكن عينيها كانتا أكتم من ضميري، ~~فازدادت همومي وأحزاني. # وفي ليلة وصولي أصابتني حمى شديدة، وغشي علي، وكانت حالتي صعبة ~~تنذر بالخطر، ولما صحوت رأيت أمي إلى جانبي، تضمني إلى صدرها، وعيناها ~~مغرورقتان بالدموع، وفي اليوم التالي نظرت إلي شذرا، وقالت: أرى أنك تحبين ~~مكسيم حبا شديدا، فقلت: نعم، وأبقى على حبه إلى أن أموت، فتأثرت ~~لكلامي وقبلتني. # وما زلت أرى يا حبيبي أن روحا خبيثا يتداخل في شئوننا، وينثر ما ننظم، ~~ويهدم ما نبني، ولكني أنتظر بثبات مسالمة الليالي وعودة صفو الأيام، وأنتظر ~~بشجاعة لا مثيل ms79 لها أن يجمعنا الله، إما على وجه الأرض، وإما في ~~السماء. # كتبت إليك خفية مخافة أن تعلم أمي، فتشدد علي النكير، وأرى من الصواب ~~أن تكتب لها، وتطلعها على نواياك، وتستعطف قلبها عله يلين، وإذا شئت أن ~~تكتب إلي، فليكن العنوان باسم السيدة م. ر. وإني متأكدة أنك حزنت لفراقي ~~أكثر مني. # أقبلك بحرارة وشوق # لويزا # فكتبت إلى مدام جونريت كتابا كله دفاع وشكوى، وقلت: «إنني أتبرأ لك يا سيدتي ~~مما اتهمتني به البارونة غيرة من لويزا.» وكتبت إلى لويزا كتابا هذا ملخصه: # ليالي بعد الظاعنين شكول # طوال وليل العاشقين طويل # يبين لي البدر الذي لا أريده # ويخفين بدرا ما إليه سبيل # أما في النجوم السائرات وغيرها # لعيني على ضوء الصباح دليل # ألم ير هذا الليل عينيك رؤيتي # فتظهر فيه رقة ونحول # حبيبك مكسيم # وبعد ذلك بأيام وجيزة جاءني كتاب من عمي، يأمرني فيه بالاستعفاء من خدمة فركنباك، ~~فرأيت فكره غير حسن، وقلت ربما ينقلب البارون عدوا لنا، فيكون حاجزا آخر دون نيل ~~الحبيبة، ولكنني دفعت كتاب عمي إليه، فقرأه وكأني به قد كاد الغيظ يقتله، فاحمر ~~خجلا، ثم ضرب بيده على الطاولة ضربة قوية فانكسرت، ووقع الحبر على الأوراق ~~فطمسها، وقال لا، لا أسمح لك بذلك أبدا، انتظر أيضا فما بعد الصبر إلا الفرج، ~~إنني أكاد أذوب خجلا من عمك، ولا أعلم بماذا أجيبه فواخجلتاه، قال هذا بذلة ~~وعبارات مملوءة بالرقة والحزن، فلما رأيت حزنه وشدة تأثره، وقعت عليه وطلبت ~~عفوه. # | الفصل السادس # قامت قائمة الخصام بيني وبين ريتا، وانقلب حبها إلى عداء، وغدت تترصد الفرص ~~للانتقام مني، والتنكيل بي، وغدوت أهرب منها، ولا أطيق رؤيتها، وبعد ذلك الهيام ~~والولوع بها صرت احتقرها وأقسو عليها، وأذهب إلى الحانات والنزهات مع الغيد الحسان ~~قصد التشفي منها. # وبينما كنت ذات مساء في غرفتي تتناوبني الأفكار المهيجة، ويثير بي الحب ~~عوامل الغضب، جاءني كتاب من البارون يقول فيه: «إن هنري مريض على شفا الموت فاحضر ~~حالا.» فقمت من ساعتي، وسرت إلى بيت ms80 فركنباك مسرعا حتى دخلته، فرأيت هنري ~~موسدا على سريره بلا حراك، والطبيب إلى جانبه يسقيه الأدوية والعقاقير، فلما ~~رآني استبشر، وقال: إنني في احتياج عظيم إليك، ولو أمهلت ساعة لمات هنري؛ لأنه مريض ~~بالدفتيريا، ويجب أن نجري له عملية جراحية للحال، ثم أخذ بين يديه مدية ~~مسنونة، وقال اقفل الباب دون أهل البيت؛ كي نجري العملية بهدوء وسكينة، ففعلت كما ~~أشار، فقال: أمسك رأسه ولا تدعه يتحرك كثيرا؛ لأن ذلك يضر به، فأغمضت عيني، ~~وأمسكته على أن قلبي كاد يتفتت حين جرى دمه على يدي، وسال من أطراف أناملي مثل ~~نهر متدفق، واضطربت يداي وقلبي، ولما أتم درتيل العملية مدده على السرير، ~~وقال الحمد لله قد شفي هنري، فنظرت إليه فوجدت تنفسه معتدلا ودمه جاريا مجراه، ~~وكانت تحوم على ثغره اللطيف ابتسامة جميلة كابتسامات الملوك، فابتهج قلبي، وسكن ~~هائجه، وانزاحت عنه سحب الأحزان، وكأن حياتي ردت إلي فقلت: يا للعجب! كيف ~~تتجاذبني العوامل المتضادة؟! وكيف تنتابني المفاعيل المتعاكسة؟ ألا إنني بالأمس ~~كنت أطلب موت هذا الطفل وأتمنى هلاكه، فلماذا أنا الآن مسرور بخلاصه فرح ~~لشفائه؟ # ولما بشر درتيل البارونة بنجاح العملية، أقبلت إلى غرفة الولد وقبلته، ثم ~~ركعت على سريره، وجعلت تصلي، وتحمد الله الذي أبقى لها ولدها الوحيد الذي يربط ~~قلبها بقلب من تهواه، فقال لها درتيل: إنني أنام عنده في هذه الليلة لأتفقد حالته ~~في الليل، فقالت: سيكون كذلك، وأنا ذاهبة الآن؛ لأبشر البارون. # وبقيت ريتا تعتني بابنها، وتسهر عليه إلى أن نقه وشفي وعاودته نضارته، وغدت ~~صحته أحسن مما كانت سابقا، فجاءت ريتا تشكرني على اعتنائي بهنري، ومساعدتي الطبيب ~~في العملية التي أجراها، فلاطفتها واحتفلت بها، وبقينا برهة نتبادل الحديث الرقيق، ~~وبعد ما كان جرى بيننا من الجفاء والخصام انصلحت الحال بيننا واعتدلت. # ورأيت هنري مع نعمة في المنتزه، فلما رآني قال: بابا، بابا، فاقتربت منه وقبلته، ~~واحتملته على يدي، وجعلت أداعبه، فكان يمد يديه إلى جيبي، ويمسك سبالي، ويعض ~~أناملي، ويرمي برنيطتي، وبقي معي كذلك نحو ms81 ساعتين، وكنت أرى الزهور أقل منه جمالا ~~ورقة، وأرى النجوم أقل منه تألقا وبهجا، ولا جرم فإن الحب كان يريني إياه ~~كذلك. # وبينما أنا جالس في وقت من الأوقات جاءني من جونريت هذا الكتاب: # أكتب إليك لأسألك أن تكتب إلينا وتطلعنا على أحوالك؛ لأن لويزا مشتاقة ~~إليك، تود أن تستطلع أخبارك، وهي مريضة طريحة الفراش، أصبحت شاحبة اللون ~~خائرة القوى، وحل السقم محل ذياك الجمال الفتان، وتلك الطلاقة ~~الطبيعية، بل غدت مثل رسم دارس أو هيكل من العظام متداع، وقد عادها ~~الطبيب مرارا، فلم تنجع بها أدويته، وقر قراره أخيرا على أن فكرها هو ~~علة دائها، وأنه لا برء لها إذا لم تترك الأوهام التي في ~~رأسها. # وكانت تأخذني عوامل الشفقة عليها، فأهم أن أدعوك إلى انجة لأزوجكما ~~عندي، ولكني لا ألبث أن أرى هذا الرأي فاسدا ضعيفا؛ لأن البارون وعد ~~لويزا بصداق، فإذا تزوجت بغير علمه ربما تمنعه ريتا أن يفي بوعده، ~~وإنني أؤمل أن ينتهي هذا المشكل عن قريب. # فأخذت الكتاب وذهبت إلى البارونة، وأخبرتها بأن لويزا مريضة، قد أشرفت على الموت، ~~وسألتها أن ترأف بحال تلك الصبية التعيسة، فقالت: إن ما تطلبه مناط الثريا ~~أقرب إليك منه، وإدراك السهى أهون منه عليك، وأنا لا أستطيع إلا مقاومتك وخصامك؛ ~~لأنك تركتني شروى عصافة في ملعب الأهواء، وإنني أشكر الله الذي رزقني منك ولدا ~~يقيد قلبك بقلبي، وإن هذا الولد أنقذني من ارتكاب جريمة القتل، ثم قالت: أتعلم ما ~~قال لي درتيل يوم كان هنري مريضا؟ ~~- لا. ~~- قال: إن حياة هنري بين يدي، وإذا شئت فإني أشفيه. ~~- إن درتيل لص. ~~- أترى كيف أنك لا تزال غيورا علي، فكيف تريد إذن ألا أغار عليك أنا، اعلم أنك ~~إذا تزوجت بلويزا رغما عني فإنني أقتلك وأقتلها وأقتل نفسي، وأتخلص من هذا ~~العذاب. # | الفصل السابع # مضى على هذه الحال سنة كاملة والأيام غافلة عني، والليالي تعذبني، وكلما درج ~~يوم مر جاء يوم أمر منه، وقد عمدت للانتحار مرارا، ثم عدلت عنه خوفا ms82 على ~~لويزا أن تفعل كذلك. # على أن الأحزان مما أردمت علي أزوت زهرة شبابي، ونشفت ماء أهابي، ~~وغادرتني ضعيفا نحيلا، لا أجد إلى السلوى سبيلا، وكانت كتب لويزا تأتيني كل يوم ~~مملوءة بالأخبار المحزنة والأنباء المقلقة، فيزداد شجني، ويشتد حزني، وكنت كلما ~~نظرت إلى كتبها أرى أثر الدموع عليها، فيخفق قلبي، وتنسكب دموعي، وبلغ بي الضعف حتى ~~غدوت لا أستطيع الوقوف والمشي، وأخذ مني التحول حتى غدوت حيا بصورة ميت أو ميتا ~~بصورة حي، فاعتزلت عن الأشغال، واستسلمت للأكدار والخيال. ~~••• # وفي ذات يوم، بينما كنت جالسا في زاوية البيت أتنهد تنهد المطعون، والعبرات ~~ملء الجفون، دخل درتيل علي مسرعا، ولما رآني تسابقت من عينيه العبرات، وغلبت ~~عليه التنهدات والتأوهات، فقلت: ماذا يا درتيل أتبكي علي قبل أن أموت؟ أم إنك ~~رأيت علي دلائل الموت، وحكمت أنني لا أكمل هذا النهار؟! # فقال: قد مات هنري يا مكسيم، قد مات هنري، وذهب تعبي سدى، ولم يفده العلاج، ~~وقد انقضت عليه المنية مثل الصاعقة، وقبضت على روحه الطاهرة البريئة. # فلما سمعت هذا الخبر صحت صيحة هزت البيت، وأزعجت الحي، وشبت النيران بين ~~جوانحي شبوبا هائلا، وانسكبت الدموع من مقلي انسكابا غريبا، وكدت أن أقع ~~على وجهي لولا خوفي من درتيل. # فقال: إن ريتا لما رأت ابنها ميتا سكنت سكونا تاما، وإني أخاف عليها أن ~~تنتحر، فهلم بنا نذهب إليها، لعل وجودك عندها يعزيها. # وكانت السماء غائبة بغيوم كثيفة، تسير في أطراف الجواء ذهابا وإيابا، وكلما ~~مرت دقيقة تتلبد هذه الغيوم وتسود، وكان الهواء باردا قارصا يلتطم ~~بالبيوت والأشجار بشدة مخيفة، فسرت مع درتيل تحت هذه السماء المهيبة. العين ~~حائرة، والقوى خائرة، والمهجة طائرة حتى وصلنا بيت فركنباك فولجناه بسرعة، ~~وكان الطفل موسدا على سريره محاطا بالزهور والرياحين، وكان فركنباك في غرفته ~~يبكي، وكانت ريتا راكعة على سرير الميت تقبله وتودعه، أما أنا فجلست بجانبها، ~~وجعلت أبكي وأتنهد، وأقبله مرة بعد مرة، وأقول كلمات محزنة تفتت الأكباد، ~~وليتأمل القارئ هنا كيف كان موقفنا ساعتئذ؟ ms83 وكيف كانت أحزاننا وحسراتنا؛ لأن ~~القلم يعجز عن وصف ذلك. # ولما كان العصر أتى إلي الخادم وقال: إن مدام جونريت قد أتت من انجة الآن، وهي ~~تحب أن تراك، فبادرت إليها، وقبلت يديها، ووقعت على قدميها، وقلت بصوت حزين: أين ~~لويزا؟ وكيف هي؟ # فقالت: هي مريضة ولم يأذن لها الطبيب بالمجيء، وقد غدت ضعيفة لا تعرفها إذا ~~شاهدتها، وغاب جمالها، وضيع الهزال بهاءها، وحسن تكوينها، وبعد تلك الزهوة أضحت ~~لا تتكلم ولا تضحك، ثم أطرقت هنيهة وقالت: أخذتها بالأمس من يدها، وقلت لها: إني ~~مسافرة إلى باريس لأرى ماذا حل بحبيبك مكسيم؟ وما صارت إليه أحواله، وقصدي أن أصلح ~~بينه وبين ريتا، فيجب عليك أن تسري الأفكار عنك كي يعود إليك جمالك القديم ~~ليراك به الحبيب، ثم ودعتها وسافرت. ~~- كنت أعلم يا سيدتي أن لي أما واحدة تحبني، ولكني أرى اليوم أن لي ~~اثنتين. ~~- يجب أن نتدبر الأمر بسرعة، وأظن ريتا لا تعارض أيضا في زواجك. # فذكرت عندئذ كلام ريتا يوم قالت: إنك لا تتزوج بها ما دمت حية، وإنني أقتلك ~~وأقتلها قبل أن تصل إليها. ~~••• # أي بني، لقد أتاك المنون سريعا، فلبيته مطيعا، وقضيت رضيعا. أي بني، ~~ما سلمت حتى ودعت، وما أفقت حتى هجعت، ولم يكحل الدهر عيني بمرآك ~~حتى سلبني إياك، أتراك يا ولدي سئمت البقاء، وكرهت الأحياء، فأزمعت سفرا طويلا، ~~وابتغيت في غير هذه الدار مقيلا، فإذا لاقيت وجه الله فقل اللهم اغفر ذنب ~~والدي، فهما جنيا علي. # هذه هي العبارات التي كنت أرددها سرا حول سرير الميت، وكان موسدا ~~ومحاطا بالأزهار والرياحين لابسا ثوبا أبيض من الحرير الناعم، وكان رأسه ~~موسدا مخدة من الحرير أيضا محشوة بريش النعام. # ثم أتوا بالنعش، وكان من الصندل المغشى بالنقوش المذهبة الجميلة، فاقترب درتيل ~~من الطفل يشاء أن يضعه في النعش فنظرت إليه ريتا نظرا مخيفا، وقالت: دع هذا ~~الأمر عنك، فأنا أحق به من سواي. # ثم أخذت الميت كما كانت تأخذه يوم كان حيا وقبلته قبلا تشف عن ms84 فؤاد حزين ~~ثاكل ، وقالت: هذه آخر قبلة يا ولدي المحبوب، وهذه آخر نظرة تتذودها أمك ~~الثكلى، وهذه آخر مرة تضمك إلى صدرها المتقد الولهان، ووضعته في النعش، ~~وجعلت المخدة تحت رأسه، كأنها خافت أن يناله ألم، ثم فرشت الأزهار على رأسه وصدره، ~~وقالت: أهذه هي النومة الأخيرة أم أراك أيضا يا ولدي؟ أي بني أستودعك جماد ~~القبور، وما كنت أرضى لك مقاما غير الصدور، أوتوسد التراب والعظام! وما كنت ~~أرضى لك وسادة ريش النعام: # أتفجعني يا ابني وأنت سعادتي # فيا مثكلا قلبي إلى أين مزمع # وما كنت أرجو أن تكون مفارقي # وما كنت أرجو أن أراك تودع # ترى لهذا البين أفديك آخر # وهل لزمان الصفو والأنس مرجع # فيا ولدي إني لأودعك الثرى # ولكن قلبي في ضريحك مودع # ويسقي ضريحا ضم جسمك مدمعي # وما هو إلا مهجتي تتقطع # أرى نور هذي العين أصبح سافعا # على أن هذا الصبح أدجى وأسفع # وليت نحيبي كان بعدك مجديا # وليت التأسي بعد بينك ينفع # تعذبني الذكرى ويقلقني الأسى # وتصرعني أيدي الليالي فأصرع # دعاك الردى طفلا فلبيت مسرعا # ولست بدار ما الفراق فتجزع # لئن كنت يا شطر الفؤاد سبقتني # فإني أوفيك الوداع وأتبع # فلم يبق أحد من الحضور إلا انفطر قلبه لهذا الوداع. # ولما حملوا النعش تعلقت به، وهمت أن تأخذه منهم، ولكنهم أخذوه برغمها، ~~وساروا، فوقفت أمام النافذة، وجعلت تنظر إليهم، وتنوح إلى أن تواروا: # ولما دفنا ذلك الطفل في الثرى # غدونا وكل قلبه متفطر # وما فجعت غيري المنون وإنما # رجعنا وكل دمعه متفجر # ولما وصلنا إلى البيت أخذ درتيل البارون من إبطه إلى غرفته الخاصة، أما أنا فوجدت ~~جونريت مرتمية على المقعد بلا حراك، فاقتربت منها، وجعلت أسكب الماء على وجهها إلى ~~أن أفاقت، فلما رأتني نظرت إلي نظرة محزنة، وجعلت تبكي وتنوح، وتلطم ~~خديها، ثم أشارت بيدها إلى غرفة ريتا، وقالت بصوت متقطع، ماتت ... ففاضت الدموع ~~من عيني، وخفق قلبي من شدة الجزع، وذكرت عندئذ ما قالته لي آخر مرة اجتمعت ~~بها: «إنني ms85 أعيش لأجل هنري ، فإذا مات فإما أقتلك وإما أنتحر.» # قالت بعد أن ذهبتم إلى القرافة طرقت باب غرفتها فلم يجبني أحد، ثم سمعت طلقا ~~ناريا، ثم أنينا، ولم أعد أسمع شيئا، فهرع الخادم وكسر الباب، وإذا بها ~~تختبط بدمائها، وكانت على آخر دقيقة من عمرها فدنوت منها وقبلتها وبكيت، ~~فنظرت إلي نظرة، وقالت: مكسيم، مكسيم، ثم فاضت روحها، فلما سمعت كلام جونريت ~~نهضت إلى غرفة ريتا، فوجدت الباب مكسورا فدخلت وإذا الحبيبة ملقاة على السرير ~~الذي كنت أرى فيه غير هذه الجثة الباردة، وكانت مقاطع وجهها التي غيرها الهوى ~~والأحزان قد استكانت، وعاد لها جمالها القديم، وكان ثغرها مبتسما، كأنها أدركت ~~بالموت راحة ونعيما. # وكانت يدها لم تزل ممسكة بالغدارة، وعلى صدرها ثقب كبير فيه دم متجمد، ~~وفي حالها هذه ما يدل على أنها ماتت مسرورة، وأن يدها لم ترتجف حين إطلاق ~~النار. ~~(تمت) ms86