######OpenITI# #META# URI: 1301AdibIshaq.BarisiyyaHasna.Hindawi92903907 #META# Tags: novels #META# ID: 92903907 #META# Title: الباريسية الحسناء #META# AuthorID: 27918574 #META# Author: أديب إسحق #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة المترجم‏ # المقدمة‏ # تمهيد‏ # القصة‏ # مقدمة المترجم‏ # المقدمة‏ # تمهيد‏ # القصة‏ # | الباريسية الحسناء # | الباريسية الحسناء # تأليف # أديب إسحق # | مقدمة المترجم # لا يجهل أحد من ذوي الاطلاع أن للأوربيين عناية عظيمة بهذه الأحاديث المدونة المسماة ~~قصصا، باعتبار أنها من وسائل تهذيب الأفكار، ووسائط تدميث الأخلاق، وذرائع إصلاح العادات، ~~وقد كثر فيهم كتابها بكثرة طلابها، فما يمر يوم إلا وتظهر في مدنهم قصص جديدة يتداعى ~~الناس إليها تداعي الجياع إلى القصاع، ويقبلون عليها إقبال الظمآن إلى موارد ~~الماء. # وقد صار إنشاء هذه القصص عنهم فنا مستقلا برأسه، له أحكام معلومة، وقواعد مرسومة، وحد ~~معين، وتاريخ مبين، فلولا ضيق المقام عن موضوعه الواسع لبسطنا الكلام عليه بيانا لماهيته، ~~وإيضاحا لما كان عليه، وما صار إليه في الشرق والغرب، فإنه مبحث ما ألمت به أقلام ~~كتابنا إلى الآن، ولكنا نأتي على ما يحتمله المقام من جملته فنقول: القصة في اللغة: ~~«الحديث»، و«الأمر» و«التي تكتب»، والمعنى الأخير هو المشهور والمأثور عرفا، فالقصة أمر ~~أو حديث يكتب على أسلوب من الرواية، ولا يشترط فيه صحة الخبر، وهي قديمة العهد من وراء زمن ~~التاريخ المعروف. # نشأت مع الأوائل في مهاد تمدنهم، وكانت ديوان معارفهم وآدابهم، فامتزجت بتواريخهم واختلطت ~~بأديانهم وعلومهم، حتى أوشكت أن توجد آثارها في كل ما كتبوه، وما برحت تتبع الأقوام في ~~مدارج تمدنهم وعرفانهم متنقلة من طور إلى طور، منصرفة عن حال إلى حال، حتى وضعت ~~حدود العلوم والفنون، وميز بعضها من بعض تمييزا يحفظها من الشبهات واللبس؛ فسلم ~~التاريخ من القصص، ومحصت كتب العلم من أحاديث الخرافة، وصار تأليف القصة فنا معروفا ~~معلوم القواعد والأحكام كما تقدم القول. # وقد اختلفت أحوال القصص باختلاف أحوال الأمم وعاداتهم وأخلاقهم، فكانت حماسية في حالة ~~الفروسة والبداوة، أدبية في حالة التمدن وانتشار الأدب والمعارف، غرامية في حالة الترف ~~والرفاهة والانغماس في اللذات، وهي اليوم بين بين، ولكن الغالب على أصحابها أنهم يقصدون ~~بها إلى وصف الأحوال والذوات وانتقاد الأخلاق والعادات. # وهذه القصة الصغيرة غرامية الحديث، أدبية النتيجة، وهي ms01 لخاتون من نبلائهم يقال لها ~~«الكونتة داش» وقد ترجمتها والشباب في عنفوانه، وجواد الصبا في أول ميدانه، ثم أمررتها ~~على النظر في هذه الأيام، ومثلتها بالطبع إجابة لدعوة بعض الأصدقاء وأنا بين أشغال ~~شاغلة وأحوال دون المراد حائلة، فأتت كما يجيء، لا كما يجب، وكما استطعت، لا كما ~~أحب. # وكنت قد التزمت في ترجمتها حفظ المعاني، كما وجدت في الأصل، غير مبال أن يكون منها ما ~~يخالف مشربي أو مشرب غيري من الناس؛ فإني ناقل، وما على الناقل من سبيل، وسلكت في التعريب ~~مسلك المطابقة بقدر الإمكان، فتبعت أسلوب المؤلفة حريصا على مفردات ألفاظها وقوالب ~~عباراتها أن تضيع وتفسد بالنقل عامدا إلى ترجمتها بما يشاكلها من اللفظ والعبارة العربية، ~~إلا فيما لم أجد له مثيلا في معلومي اليسير من اللغة. # وما أكتم على القارئ الكريم أن هذا السبيل لم يكن سهلا، فإن عادات الأوربيين وأخلاقهم ~~وخواطرهم، بل وقائعهم وأحوالهم وأشياء عندهم من الملبس والمفرش وغير ذلك مما يذكر في القصص، ~~مباين بالجملة لما كان من مثله عند أصحاب هذا اللسان، بل منه ما لم يوجد عندهم البتة، وإنما ~~وجد عندنا في هذه الأيام التي قضي بها على الناطقين بالضاد أن تكون لديهم مسميات ليس ~~لها في لغتهم أسماء، وأن يتغاضى علماؤهم وأدباؤهم عن هذا الخلل، فلا يجدوا غير طمطمانية ~~الأعاجم للدلالة على الكثير مما يستعملونه لباسا وطعاما وفراشا وزينة للبيت. # وقد نمقت هذه القصة بشيء من النظم منه ما صدر عن الخاطر الفاتر - وهو الأكثر - ومنه ~~القديم المنقول، وأشرت إلى هذا في بعض الأماكن بنحو: قال الشاعر، أو رحم الله من قال، أو ~~لله در القائل. # وأهملت الإشارة في بعضها اكتفاء بالشهرة أو سهوا، ولا أذهل ههنا عن إيضاح نسبة الأبيات ~~الأخيرة التي جعلتها ختاما للقصة، فهي لصديقي الأديب المتفنن الكاتب اللوذعي: إسكندر أفندي ~~العازار. # وقد كان السبب في نظمه لها أني رويت له القصة في بعض أحاديثنا، فأعجبته نتيجتها الأدبية، ~~فاستنشدته فيها أبياتا من رقيق شعره، فأجاب وأرسل إلي ms02 في اليوم الثاني تلك الأبيات، ~~فضمنت بها للقصة حسن الختام. # | المقدمة # حسب المرأة قوم آفة # من يدانيها من الناس هلك # ورآها غيرهم أمنية # فاز بالنعمة فيها من ملك # فتمنى معشر لو نبذت # وظلام الليل مشتد الحلك # وتمنى غيرهم لو جعلت # في جبين الليث أو قلب الفلك # وصواب القول لا يجهله # حاكم في مسلك الحق سلك # إنما المرأة مرآة بها # كل ما تنظره منك ولك # فهي شيطان إذا أفسدتها # وإذا أصلحتها فهي ملك # أجل، ومن أسوأ الأمور تصريفا بين الناس أمر الزواج؛ فقد كثرت فيه المصائب، وتلونت من ~~جراء اختلاله النوائب، وأكثر ما تكون مرارته في أيامه الأولى على كونها المسماة بأيام ~~العسل؛ لأن الغالب فيها اقتران فتاة سليمة النية، ساذجة النفس، معرضة القلب لأنواع التأثر ~~وضروب الانفعال برجل علم ورأى، وامتحن الأشياء حتى لم يبق في نفسه شعة من النور، ~~فصار قاسيا فظا محبا لذاته ولن يبرح كذلك ما دام حيا، أو برجل لا يزال في نفسه بقية ~~من الصبابة، يثيرها ما يجد في عرسه من عواطف الشباب الطاهرة النقية، فيكشف لها سر الحب، ~~وقوة الوجد، ولذاذات الهوى، حتى إذا مالت بكليتها إليه، وعولت في مستقبل سعادتها ~~عليه، وانخدعت بما عرفت من لذة الحياة، واغترت بما علمت من سر المحبة، أغلق من دونها باب ~~هذا الفردوس، وأهبطها منه قائلا: لقد رأيت أحلاما، وصار هذا المقام عليك حراما، نعم، إنك ~~لم تتجاوزي العشرين سنا، ولم يزل شبابك غضا، ولكن قلبي قد جف، بل مات، ولست بقادر على ~~رد ما فات، فاصبري على اليأس الموجود، أو اندبي الرجاء المفقود، وحذار أن تلتمسي منه بدلا ~~عند غيري من الناس؛ فإنك لن تفوزي بحلم ساعة من هذا البدل أو تفقدي فيه الراحة والسعادة ~~وبقية الأمل، وتكوني هدفا لسهام الاحتقار مني ومن نفسك ومن سائر الأنام، ويكون ما تذرفين ~~من الدمع غشاوة على ما ترين من الابتسام، ثم تزادي على ما فيك من الندم قلقا واضطرابا، ~~وعلى ما أسومك من الهجر بأسا واكتئابا . نعم، هذا ms03 مصير النساء في كثير من أحوال هذا ~~الزمان، وهن مع ذلك متهمات مذمومات بكل لسان. آه لو علم المنصفون بما يعانين من العناء، ~~ولو رأى العادلون ما يقاسين من البأساء، ولو درى أهل الحق بما يقاومن من عاديات البلاء، ~~لبذلوا لهن الرحمة والشفقة بدل الملام والتعنيف، وقالوا فيهن قول الإنجيل الشريف: «من كان ~~منكم بلا وزر فليرجم الخاطئ بالحجر الأول.» وهيهات أن يوجد في الناس من يتجرأ على ذلك ولا ~~يكون من الكاذبين. # | تمهيد # كل من في الوجود يطلب صيدا # غير أن الشباك مختلفات # والهنا غير مستحيل ولكن # دونه في سبيلنا عقبات # فكلنا يريد إدراك السعادة، وما أحد يبلغ منها مراده، ولكل في سير أحواله طريقة، وما أحد ~~يرى حاله من وجه الحقيقة، وقد يلتمس المرء المحال، فتنقضي أيامه بتقليب الآمال، تجيئه ~~فيرتاح إليها، وتنقضي فيبكي عليها، والله - سبحانه وتعالى - قسم على الناس الحظوظ وأسباب ~~الهناء، كما يقسم الأب العادل ماله على أولاده بالسواء، فمنا من يفتح كفه ويلقي سهمه ~~في البحر، ومنا من ينفق في الساعة ما أعطي لكل العمر، ومنا أجواد سذج كرام ~~يبذلون سعادتهم في سبيل الحب بلا عوض ثم يرونها مداسة بالأقدام، فالحكيم الجدير بآلاء ~~السماء الخليق بنعماء الهناء من ستر لذته عن أعين الحاسدين والرقباء، فهو في نعيم مقيم، ~~وعلى أمل عظيم، يبتسم لآتيه، ولا يندم على ماضيه؛ فينعم باللذة المستمرة، ويموت على فراش ~~المسرة. # | القصة # 1 # الحب كالكأس قد طابت أوائله # لكنه ربما مجت أواخره # كان يوم ابتداء قصتنا يوم عيد سعيد في قرية «بروغ» بمقاطعة «بواتو» بفرنسا، قد احتفل ~~فيه أهل تلك الناحية بزواج «ڤكتور ديلار» ب «ماري دملفو»، وكان الفتيان كريمين عليهم ~~محببين إليهم، وكانا متآلفين متعاشقين على صغر، ربيا متجاورين وشبا متعارفين ~~متلازمين، فاتحد قلباهما حبا على انتظار ساعة الاتحاد قالبا وقلبا، وكان والد ~~«ڤكتور» غنيا، كثير العقار، يسكن قصرا فسيحا قديما في «غور» واد بهيج ظليل، أما ~~والد «ماري» فكان من الشرفاء الذين أنحت الثورة الفرنسوية - عام 1789م - على أموالهم، ms04 ~~وكدرت صفو أحوالهم؛ فكان لذلك فقيرا يسكن في قرية «بروغ» بيتا حقيرا، ولا يملك غيره ~~من العقار، غير أن هذا الفرق الواضح بين ثروة الرجلين لم يمنع الكونت ديلار والد ~~«ڤكتور» من قبول الفتاة التي اختارها ابنه أهلا، بل كان يقول: إن مال «ڤكتور» كاف ~~للاثنين، إن «ماري» لخير من كنوز الأموال. # وكان «ڤكتور» فتى مليح الشباب، جميلا، فائق الحسن، حاد المزاج، قابلا للانفعالات ~~الشديدة، لم يتجاوز الثانية والعشرين من سنيه. # وقد جمع قواه إلى ذلك اليوم في محبة «ماري»، فكانت شهواته راقدة تحت ظلال التربية ~~الحسنة، مستورة برماد الملاينة له فيما ينعطف إليه، فلم يكن يعلم من أحوال الحياة ~~غير التي حصلت له بالتصور، وانطبعت منه في المخيلة، فمال إلى صرف العمر براحة وسلام بين ~~والديه وزوجته وأولاده والكتب، ولم يكن أتى المدينة - أي بواتو - غير ثلاث مرات، ولم ~~يلبث فيهن غير بضع ساعات، إذ كان يلم به الشوق إلى المنزل والوادي والغاب والروض ~~النضير، فيعود متمنيا لو كان له جناحان ليطير، وجملة القول أنه كان قوي الطباع ذكيا، ~~ولكنه غير مخرج بأساليب الحياة المدنية، فقد تصرف في تهذيبه أناس منحطون عنه عقلا ~~وذكاء، فما علموه غير ما يعلمون، ثم جعلوا لخاطره حدا، وأقاموا من دون تصوره سدا؛ ~~فبات لا يعرف مقدار نفسه، ولا يدري بما هو محتاج إليه. وكان الذي علمه مبادئ العلم ~~والأدب قسا تقيا يقال له «برنار»؛ لهذا القس لم يكن واقفا على أسرار القلوب، ولم ~~يكن عارفا بأحوال الرجال، فكان يحمد الله سبحانه على أن يسر له مثل هذا التلميذ ~~اللين العريكة الصادق الإرادة، ولا يعلم أن من وراء تلك الأزهار بركانا، إن مسته شرارة ~~أوقدت فيه نارا تهدم في طرفة عين ما بناه له من قصور الهناء والسلام لمستقبل ~~الأيام. # أما «ماري» فكانت ساذجة كغيرها من بنات القرى، مماثلة لأليفها في عدم المعرفة بمقدار ~~نفسها، جامعة بين فضائل النساء وشجاعة الرجل، وقد صرفت أيام طفولتها وأوقات صباها في ~~حجر والدها وكان شيخا عاجزا، فلم ms05 يكشف لها من أسرار الحياة غير المعروف والإحسان ~~والحب الخالص، فكانت تهمل نفسها تفرغا للعناية بشأن من يحتاج إليها، وتبذل حياتها ~~في سبيل من تميل نفسها إليه، وكانت جذابة العينين، معتدلة القد، زاهرة الطلعة، مليحة ~~الجملة على أن الجمال كان أظهر من الحسن فيها. وقد جعلت نفسها وقفا على حب «ڤكتور»؛ ~~لما ظهر لها بالبداهة من شجاعته وكرم سليقته، فكانت هائمة فيه مدلهة به وجدا ~~وإعجابا على علم منها بحقيقة الحب، وعلى غير علم بسر الإعجاب. # فاقتران «ڤكتور» و«ماري» على هذه الملاءمة الظاهرية قد بشر البيتين بنعيم مستمر وعيشة ~~مرضية؛ فلم يحذرا معه شيئا من عواقب الحالتين المشار إليهما في مقدمة الكتاب: حالة خلو ~~قلب الرجل من الحب، وحالة دنوه من حد الملال، ولكن ذلك الاقتران قد صادف منهما حالة ~~ثالثة غير مأمونة المآل، ألا وهي حالة عدم الاختبار؛ فإن الحب هو الوفاء، ولا بد في ~~الوفاء من تمام العلم بالموعود، وما يحول دونه من العقاب والأمور الصعاب، فإن الخطر ~~المجهول عسير الاجتناب. # وكان المتفق عليه بين البيتين أن «ماري» ووالدها يسكنان بعد الزواج قصر الكونت ~~«ديلار» بوادي «مرلي»، فلما عقد القران في البيعة عادت العروس إلى بيت أبيها ~~لتودع أحبابها وأترابها وأول أرض مس جسمها ترابها؛ فطافت مع زوجها بحديقة المنزل ثم ~~دخلت غرفتها فيه لتنظر لآخر مرة ستائرها البيضاء وما حولها من أغصان الياسمين والريحان، ~~وتودع الصورة التي كانت تستقبلها في الصلاة، فأثر فيها الوداع، فقالت ل «ڤكتور»: لن ~~أعود بعد إلى هذا المكان ... وأنت تعلم أني سائرة عنه باختيار وقبول، ومع ذلك فبي من ~~وداعه غصة لا أستطيع لها منعا، ولا أدرك لها سرا، وأني ذاهبة معك مستصحبة والدي ~~إلى منزلك، فلست مبقية هنا غير هذا المنزل الصغير، وهذه الأزهار التي غرستها بيدي، ومع ~~هذا فقلبي يكاد يذوب التياعا، فقل لي فديتك ما سر هذا الانفعال؟! فقال: إنك تجلبين ~~علي الغم واليأس بما تتشاءمين، فإن ذلك يدل على ارتيابك بي وضعف اتكالك علي، يا ~~شقيقة الروح أما ms06 تثقين بحبي؟ أما تعتمدين على شرفي؟ أوما تعلمين أني أحبك حب كرام ~~الرجال؟! # فكفكفت الفتاة دمعها وتجلدت وسعها لتدفع الكدر عن «ڤكتور»، ثم تقدمت إلى قفص فيه بلبل ~~غرد كانت قد علمته ضروبا من الألحان الشجية، فحلت رباط القفص وحملته إلى الحديقة، ~~ثم نادت بابنة البستاني وأهدت إليها القفص وهي تقول: احفظيه يا خليلتي تذكارا ~~وحينئذ: # سمعت فتاة الحي شدو البلبل # فبكت مودعة بدمع مسبل # فكأنما سمعته يشدو قائلا # قول المتيم في الحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى # وحنينه أبدا لأول منزل # وكانت العربات عند الباب، فركب الكاواليير «دملفو» والد «ماري» إلى جانب الكونت ~~«ديلار» والد «ڤكتور»، وركب العروسان بعدهما عربة شائقة الزينة، فلما حصلت لهما الخلوة ~~في تلك العربة انكشفت عن سماء فكرهما سحابة الريب، فانجلى لهما الهناء في ذلك اليوم ~~السعيد، فلم يبق في نفسهما عند الوصول إلى القصر غير الأمل والسرور. # والقصر هذا قصر «مرلي» كان من قبل ديرا قديما لبعض الرهبانيين، فاشتراه الكونت ~~«ديلار» من أسقف بواتيه، واتخذه لنفسه دارا، وهو منفرد لم أر مثل وحشته، على أني لم ~~أجد مثل بهجته؛ فإن المبايت والغرف والكنيسة قد بقيت فيه على مثل ما كانت عليه من ~~الوحشة في زمن الرهبان، ولكن أشجاره المتفرقة المحدقة بواديه الضيق البعيد الغور، وسكوت ~~الغابات من حوله، وخرير جدول الوادي المتدفق نهرا كالفضة على حصباء كالجواهر بين ~~الصفصاف الباكي، والنيلوفر الضاحك، كل هذه المناظر البهية كانت في القصر من مظاهر الأنس ~~وتجليات الجمال. # فقضى العروسان في هذا القصر شهر العسل - أي شهرهما الأول بعد الزواج - قصيرا بما طال ~~فيه من السرور والفرح والابتهاج، فكانا يشكران الله على أن أوجدهما، ويحمدانه على أن ~~جمع شملهما، ولا يشعران فيما يمر من أيامهما إلا بالهناء الخالص الذي لا تتقد فيه ~~للوجد نار، ولا تظهر للجوى آثار، فكانت سعادتهما سارية على مهل، والأيام جارية على ~~عجل، لكن هذه الحالة التي هي خير الحالات الدنيوية قل أن يعرف قدرها من يصل ~~إليها، وخصوصا من كان ms07 حاد المزاج قوي الطبع؛ فإنه لا يميل إلى الراحة ما لم يعان ~~العناء كثيرا، فإن حصلت له قبل الإعياء كان دائم القلق مما لا يعلم له سرا شديد ~~الاحتياج إلى الحس والانفعال، ولو كان أليما حتى كأنما عند كل من الناس أمانة من الدمع ~~لا بد من ردها يوما. نعم، إن الأحزان مقبلة لا محالة آجلا أو عاجلا على الإنسان، ~~ولكنه يتعجلها بالتصور في غالب الأحيان. # ومن لم يرض نفسه بالقنوع # ولو لبس التاج عاش فقيرا # وبعد القران بعام واحد ولدت «ماري» غلاما بهي الطلعة، بارع الحسن، فاشتدت به ~~رابطة الاتحاد بينها وبين «ڤكتور» فازداد عناية بها، وحبا لها، وسكونا إليها، ~~واجتهادا في خدمتها، فكانت ولادة الغلام بركة جديدة على الزوجين، أما «ماري» فقد وجهت ~~عنايتها، وصرفت قوتها إلى القيام بالواجبات الوالدية حتى ظهر لها المستقبل على شكل ~~جديد، فإنها لم تكن تتصور قبل الولادة غير منزلها وواديه، فلما رزقت ذلك الغلام انفتحت ~~أبواب التأمل في هذه الحياة، وما فيها من الطرق المتشعبة للمطامع والأماني في الثروة ~~والمجد، فكانت كلما نظرت إلى رأس طفلها الجديد وهيئته المماثلة لهيئة أبيه حتى كأنه ~~متقمص فيه، تقول في نفسها على غير اختيار منها إن هذا الغلام جدير بأعلى وأوسع من هذا ~~المقام، ولا ترضى له بالحالة التي هي عليها، وإن كانت أسعد الحالات لديها، وأحبها ~~إليها، بل تروم أن يوجد بحيث يرتفع قدره، ويعظم شأنه بين الناس، حين يكون فيهم قبسا ~~من الأقباس. وجملة القول أن الطفل قد فتح بين يديها أبواب الآمال، فأنقذها من الملال ~~ونقص الكمال: # باتت بلا أمل من فرط ما سعدت # فجاءها ولد أحيا لها الأملا # وما تطيب حياة ما بها أمل # بالنقص يتلو سرور النفس أن كملا # أما «ڤكتور» فكان يشعر من نفسه بامتلاء ذهنه خواطر لا يجد لها كشفا، ولا يدرك لها ~~كنها، فيسرح في غابات «مرلي» من الصباح إلى المساء متنزها، بل هائما في ذلك الوادي ~~معتقلا بندقيته وهو لا يطلب صيدا، متعجبا من نفسه كمن ms08 اكتشف أرضا جديدة، وكان قد ~~قرأ الكتب التي في خزانته ثلاثا ، وجمع من شذرات الألباب وخطرات الأفكار ما يؤلف منه ~~عدة أسفار، حتى اعتراه الضجر وتولته السآمة؛ فبات لا يحفل بهذه الأشغال، ولا يجد فيها ~~راحة للبال فينطلق فكره في مجال الخيال، ويهيم في أودية الأماني والآمال على اختلاف ~~بينه وبين زوجته في ذلك من حيث أن هاجسه لم يكن متعلقا بولده، ولكن بالمجد والحب ~~وبهارج الحياة، فكان يتصور لنفسه سؤددا عاليا، ويتمنى لها صيتا باقيا ويتخيل ~~إدراك اللذات، ويهجس بقضاء الشهوات، وكان في عناصر وجوده من هذه العواطف جراثيم ترتفع ~~وتنمو وتطلب الامتداد فيضيق عليها ذلك الوادي: # فيقول والآمال ملء ضميره # وبقلبه من عزمه أسرار # لي في ضمير الدهر سر كامن # لا بد أن تستله الأقدار # وفي تلك الأيام قدم إلى عمالة «بواتو» بيت من نبلاء باريس الوجهاء، واشتروا هناك ~~قصرا يقال له قصر «سرڤيل» على مسافة ميلين من قصر «مرلي» ليقيموا فيه فصل الربيع؛ فإنه ~~في تلك البلاد بهيج بديع، فتحدث الناس في قدومهم كثيرا، واختلفت في أمرهم الأقوال ~~والآراء، وما كان ذلك لغرابة شأنهم، ولكن لأن سكان «بواتو» من أهل التقليد الحراص ~~على عادات البيوتات ومبادئهم في هيئة الاجتماع، ولا سيما أهل المقامات المعروفة فيهم، ~~فإن أكثرهم من قدماء النبلاء الذين لم يخرجوا من أوطانهم إلا للمهاجرة مع آبائهم يوم ~~غلبت الثورة الفرنسوية على أحزاب الملك، وسار هؤلاء الأحزاب يستنجدون الملوك عليها، ومن ~~أجل هذا كان في أولئك النبلاء احترام بالغ للعادات القديمة، وكراهية شديدة للحالات ~~الجديدة، ونوع من الاحتراز والاعتزال عن مخالفيهم في الأدب يشبه أن يكون جفوة وخشونة، ~~فكانوا لا يعرفون منزلة أهل الكياسة، ولا يعلمون قدر الفنون، ولا يقبلون شيئا يجيء من ~~الطريق، بل ربما ناطوا السوء بما لا يفهمون مع سلامة نياتهم من سوء القصد، ومعاذ الله ~~أن أريد انتقاد هذه المبادئ عليهم، فإني لا أرى في الناس خلقا أشرف وأقدس من حرص ~~المرء على ما ربي عليه، ووقع من السلف إليه، ولكني ms09 أبسط واقع الحال تمهيدا لما ~~سأذكره من خبر هذا البيت الباريسي، الذي قدم إلى «بواتو» كما سبقت الإشارة ~~إليه. # فقد كان هذا البيت عبارة عن برزة نصف من النساء، يقال لها «المركيزة درميل»، ~~وبنات لها فتيات عذارى، ولم يصادف عند أهل «بواتو» إقبالا، بل سرى بين جماعة النبلاء ~~منهم أن أولئك النساء غير جديرات بالقبول رأسا، فإن الأم منهم كثيرة التذكر لحسنها ~~الماضي، شديدة العناية بحفظ بقاياه، والبنات متبرجات غير مصونات يظهرن بأثواب لا تستر ~~الأكتاف، ولا تحجب الصدور عن الأنظار، ومع ذلك فقد خاطر بعضهم بزيارة هؤلاء الضيوف، ~~وغلب حب الاستطلاع على غيرهم، فمالوا إلى رؤيتهم لتحقيق ما يقال فيهم، فأتوهم زائرين ~~فاجتمع بذلك من حول «المركيزة درميل» وبناتها عصابة من الشبان والفتيات الحسان، فبالغن ~~في مؤانستهم وإكرامهم، وأقمن لهم المراقص والأعياد، فأقبل الناس عليهم أزواجا وفرادى، ~~وصار قصر «سرڤيل» مجلس الذوق وملتقى إخوان الأنس والصفاء، فاغتفر الناس لأهله غرابة ~~أحوالهم في جنب ما جلبوه لهم من السرور والهناء. # ولم يكن بين قصر «مرلي» وقصر «سرڤيل» غير ميلين كما تقدم القول، فلما استقر ~~بالباريسيات المقام وفدن على قصر «مرلي» زائرات مسلمات، وكان «ڤكتور» وزوجته غائبين عن ~~المنزل، فاستقبلهن الوالدان الشيخان بما ينبغي لمقامهن من القبول والإكرام، ثم حان وقت ~~رد هذه الزيارة، فاهتم أهل «مرلي» بذلك غاية الاهتمام، واجتمعوا للمشاورة في الأمر، ~~فقال «ڤكتور»: لا بد من طلب ثوب جديد من المدينة ل «ماري»، فإن أثوابها قديمة الزي لا ~~تصلح لزيارة مثل هؤلاء القوم، فقالت «ماري»: لا حاجة بي إلى ذلك، فإن ثوب إكليلي الأبيض ~~- وهو ثوب الزواج - لم يلبس غير مرتين، فإذا لبسته وجعلت على رأسي عصابة مكللة ~~بالزهر الغض كنت كما يحسن أن أكون. ثم أشارت إلى أنها حامل لا تقوى على ضنك اللباس ~~الجديد، فقال الكونت «ديلار» والموسيو «دملفو»: إن «ماري» مليحة على كل حال، وفي كل ~~ثوب، فلتفعل ما تشاء، فصمت «ڤكتور» مغالبا نفسه في قبول هذا الرأي، فبقيت المذاكرة عند ~~هذا الحد. # وبينما أهل ms10 «مرلي» يتهيئون لزيارة أهل «سرڤيل» إذ جاءهم من هؤلاء كتاب دعوة إليه، ~~فلم يبق لهم من سبيل إلى تأخير الزيارة، فلبست «ماري» ثوب الإكليل، وتزينت ما استطاعت، ~~ولكنها لم تكن منشرحة الصدر، فإنها كانت تجد من نفسها انقباضا عن معاشرة الناس. # ولقد خبرت بني الزمان فلم أجد # في قربهم لرضى الكريم طريقا # وبلوتهم فرأيت لامع قولهم # زورا وخادع ودهم تمليقا # ورأيت أني إن كذبت منافق # وإذا صدقت فقد عدمت صديقا # فهجرتهم واخترت فكري صاحبا # لا خوف منه والفؤاد رفيقا # ثم سار الأربعة: «ڤكتور» و«ماري» ووالداهما على عربة من اللاتي يراها أهل القرى بعين ~~الاستحسان، ولا تصادف عند الباريسيين وأمثالهم غير الاستهجان، فلما وصلت بهم العربة ~~إلى مدخل قصر «سرڤيل» ورأتها فتياته الثلاث تبسمن استهزاء بها أو استخفافا بأصحابها، ~~ثم دخل الجماعة القصر، وكانت أثواب الرجال منهم - أي أثواب الشيخين و«ڤكتور» - مجعدة ~~ظاهرة الطيات؛ لما أنها كانت محفوظة في الخزائن من يوم العرس، وأما ثوب «ماري» الأبيض ~~فإنه كان أبعد من تلك الأثواب عن الزي الجديد، ولما انتهوا إلى القاعة نظرت الفتيات إلى ~~«ماري»، ثم نظرن إلى «ڤكتور» فأكبرن حسنه وجماله العجيب وقلن متلهفات: ما أضيع هذا ~~الجمال! # وأحست «ماري» بانحطاطها عنهن، وبعدها عما رأت بهن من الرشاقة وحسن الزي، شأن ~~النبيه الذكي، فلاذت بأطراف الصمت والخفاء، فلم تنطق بكلمة ولم تبد إشارة، وظهر ذلك ل ~~«ڤكتور»، فأخذته فيه عزة النفس، ورأى أن المقام ضنك عليه وعلى زوجته غير أنه تجلد مخافة ~~الهوان، واستعمل ما فيه من النباهة والذكاء في اجتناب الاستهجان، فأعانه الجمال على ~~ما أراد، فارتفعت منزلته عند الفتيات ارتفاعا عظيما، وصح عندهن بعد انقضاء الزيارة ~~فيما حكموا به على أهل «مرلي» أن الشيخين محو مطلق - أي لا شيء - وأن «ماري» غبية ~~بلهاء، وأما «ڤكتور» فلو انفصل عن هذه الجماعة وتخرج بآداب الاجتماع ولبس مما يفصله ~~«بلين» - خياط كان مشهورا - لكان من أحسن رجال الفرنسيس وأحقهم بحب الغانيات. # ولما عاد أهل «مرلي» إلى منزلهم تذاكر الشيخان فيما رأياه وما ms11 سمعاه من أهل «سرڤيل»، ~~أما «ڤكتور» و«ماري» فكانا متفكرين صامتين يسمعان ولا يجيبان، حتى جاء وقت الرقاد وهم ~~كل منهم بالانصراف إلى مخدعه ، فقالت الفتاة لزوجها: لست بذاهبة بعد هذه المرة إلى ~~مجامع الناس. ~~- لك الاختيار، فافعلي يا صديقتي ما تريدين. # 1 # وظهرت علائم الوحشة على «ڤكتور» بعد زيارته لأهل «سرڤيل»، واشتد به الميل إلى ~~الانفراد والتغيب عن المنزل؛ حتى قلقت «ماري» لذلك وألم بها الغم، فكانت كلما غاب ~~زوجها وأدركه المساء قبل الرجوع تقف له في طرف حديقة القصر عند شبكة البركة، فبينما هي ~~في ذلك الموقف لعدة أيام مضت من تلك الزيارة إذ طرق سمعها صوت حوافر خيل على الطريق، ~~فأخرجها ذلك من عالم الهيمان الذي كانت فيه، فرأت الجو أدكن والسحائب سوداء، والمطر ~~متدفقا كأفواه القرب، وقد هبت العاصفة، وجلجلت الرعود القاصفة، ولمعت سيوف البرق على ~~صفحات الأفق، ثم توارت حركة الحوافر متوجهة نحو القصر؛ فعلمت أن القادمين وافدون عليه ~~لاجئون من النوء إليه، فحدقت لتراهم، فإذا بامرأة ورجل من ورائهما خادم، وكانت المرأة ~~فتاة فائقة الجمال قائمة على صهوة الجواد، كأنها من فرسان الرجال، فجبنت «ماري» عند ~~رؤيتها وارتدت إلى مدخل الدهليز، فأقبلت المرأة عليها وهي تقول: عفوا يا سيدتي عن ~~وفودنا فجأة عليك، فإنا تائهون في هذا الوادي بين هذه الغابات، وقد أدركنا المطر، ~~واشتدت الأنواء علينا، فهل في هذه الأرض من مبيت نلوذ به من العاصفة. ~~- أنتم بالقرب من «مرلي» وأنا صاحبة المكان، فإن شئتم اتباعي إليه وجدتم الملاذ ~~الأمين وكنت لكم من الشاكرين. # فأثنت المرأة والرجل عليها ثناء جميلا، ثم قالت المرأة: المقام يا سيدتي لا يحتمل ~~الكلفة، فها أنا أعرفك بنفسي: إني ابنة «المركيزة درميل» التي تشرفت برؤيتك في منزلها ~~في الأسبوع الماضي، وهذا زوجي «المركيز دي ڤلمورين»، وهو لا شك مسرور بما سرني من ~~سنوح هذه الفرصة للائتناس بلقائك. # فانحنت «ماري» لهذا الكلام شكرا، وسارت أمام الضيفين في طريق القصر، فعادت الفتاة ~~إلى حديثها فقالت: أتيت هذا البلد أول أمس، فرأيت ms12 من بهجة منظره ما حبب إلي التجول ~~فيه، فأصابني ما رأيتني عليه من التيه. # وما برحوا سائرين بين صفوف الأشجار الملتفة، والرعد يهزم، والمطر يهمع، و«ماري » قلقة ~~مضطربة على زوجها تلتفت المرة بعد المرة لعلها تراه مقبلا، ولا تعير السمع حديث مدام ~~«ڤلمورين» إلا قليلا، ثم خافت أن تحسب ذلك منها إعراضا أو كراهية للضيافة، فقالت لها: ~~لا تؤاخذيني يا سيدتي، فإني مترقبة رجوع الموسيو «ديلار» - تعني زوجها - من الصيد، فقد ~~مضى ميعاده، وأخاف أن يدركه المطر، ويظلم عليه الليل وأنا لذلك على ما ترين من القلق ~~والانزعاج. # ثم اشتدت العاصفة، وهمى الغيث وابلا، حتى نفذ الماء في ثوب «ماري» وثوب ضيفتها ~~الحسناء مع أنه من الجوخ، # 2 # فلم تصلا إلى القصر إلا وقد ثقل الثوبان بالماء، وتلوثت أطرافهما بالوحول، ~~وكان الليل قد أقبل بجيوش الظلام، وضرب في الآفاق خيام القتام، فصار من حق الضيافة على ~~«ماري» أن تعير ضيفتها ثوبا تلبسه إلى أن يجف ثوبها المبلول، فسارت بها إلى غرفة ~~النوم، وتركت زوجها «المركيز دي ڤلمورين» لدى حميها يعتني بشأنه ويتدارك ما يحتاج إليه، ~~وحينئذ لمع البرق دراكا، فتلاه الرعد والصاعقة، وانصب البرد كالحجارة وثارت العواصف، ~~فزلزل القصر من أساسه حتى كأن عناصر الطبيعة قد هجمت عليه لتجعله دكا، فاشتد القلق ب ~~«ماري» من جراء غياب «ڤكتور» فكانت تصلح شأن ضيفتها وهي كالآلة الصماء لا تنطق ببنت ~~شفة، وغلب الخوف على الضيفة أيضا فالتزمت السكوت وجلا، ثم طال عليها الصمت، فقالت ~~الباريسية الغريبة: أرى أن الإنسان يشعر بالحاجة إلى الصلاة والدعاء لله في مثل هذه ~~الأوقات، فما قولك في ذلك يا سيدتي؟! ~~- إن رمت الصلاة، فهلم ندخل الكنيسة قبل الرجوع إلى القاعة. # وكانت كنيسة القصر على ما تركها الرهبان قديمة رهيبة خالية عن بهارج الزينة، في صدرها ~~تمثال ملكين كبيرين ناشرين على المقدس لواء من تحت نافذة حمراء الزجاج، وليس فيها من ~~الضوء غير قنديل ضعيف يرمي كبد الدجى بسهام دقيقة صفراء من الشعاع، فكانت لذلك مهيبة بل ~~مخوفة ms13 للمتأملين، فخرت المرأتان ساجدتين مرتعدتين وجلا، ولكن «ماري» لم تكن خائفة على ~~نفسها ولكن على «ڤكتور»، وبينما هما على تلك الحال إذ فاجأهما برق خاطف، وتلاه رعد ~~قاصف، فانخلع قلباهما خوفا ، وصاحت مدام «دي ڤلمورين» صيحة شديدة، ووقفت مذعورة فاقدة ~~الرشد، وحينئذ فتح الباب وكان الداخل «ڤكتور»، فبقيت «ماري» ساجدة تحمد الله، ~~والتقى ناظر الفتى بناظر الباريسية الحسناء، فلم تكن هي التي غضت من طرفها أولا، ~~وأعاد النظر فاندهش من مجلى ذلك الحسن العجيب، حتى خيل له ابتداء أن ملكا كريما ~~نزل من السماء إلى ذلك المكان، ثم نهضت «ماري» فرحة برؤية زوجها مسرورة بسلامته، وتقدمت ~~إليه وهي تعيد الحمد لله وعلى أثرها الباريسية الحسناء، فعرفتها ل «ڤكتور» على ما جرت ~~به العادة، فأحس الفتى بالرهبة لأول مرة من حياته، فإن لحظ الباريسية قد فعل فيه ~~ما يفعل السحر، فشعر من نفسه بالفرح والاضطراب معا، وما ألطف قول القائل: # بطرفك والمسحور يقسم بالسحر # أعمدا رماني أم أصاب ولا يدري # رنا للحظة الأولى ولست مجربا # وكررها أخرى فأحسست بالشر # أما هي فلم تكن قادرة على تحقيق انفعالات نفسها في تلك الحال، بل كان كل ما لديها ~~عجيبا غريبا بالنظر إليها، فإن سذاجة ذلك المقام وخلوه عما تعودت رؤيته من الزخرف ~~والزينة، وتلك المرأة الصافية النية، الكثيرة الحياء، وهذا الرجل البارع الحسن، الظاهر ~~الخجل، الغريب الزي، كل ذلك حصل منه في مخيلتها صورة عجيبة غير معينة، وأورثها ~~انشغالا من حيث لا تكاد تدري، فالتزمت الصمت حتى استأنف «ڤكتور» الكلام فقال: كنت أفتش ~~عليكما يا سيدتي، فقد أعد الطعام وجئت لأتشرف بصحبة ضيفتنا إلى المائدة. # ثم تناول يدها من غير أن تجيبه بشيء، فتوكأت عليه كما جرت العادة، فانطلق بها وسارت ~~«ماري» على أثرهما حتى بلغوا القاعة، ورأوا بقية الجماعة فحيوهم التحية المألوفة، ~~وهدأ سر المركيزة الحسناء، فعادت إليها سرعة الخاطر، وهزتها الرقة والظرف فقالت خطابا للجمع: # لله منزلكم ما أبهجه وأبهاه! إنه في غاية الرونق والحسن، وإن كان مخوفا ولا ~~سيما في ms14 أوقات الأنواء. # فأجابها الكونت والد «ڤكتور» متلطفا: صدقت يا سيدتي، غير أننا قد ألفنا هياج ~~الأنواء، فلسنا نخافه، فإن من تعود الشيء هان عليه، أما المنزل فلا شك أنه لم يتزين كما ~~ينبغي لاستقبال ضيوف مثلكم كرام، فقد كان الواجب عليه أن يتلقاكم مكللا بالأزهار ~~مطوقا بقلائد الأنوار. ~~- إن منزلكم غني عن الزينة بما فيه من المحاسن، وكأني منه في قصر شائق مما يتخيل ~~الشعراء وأصحاب القصص في حكاياتهم. ~~- نحن يا سيدتي لا نقرأ القصص والحكايات؛ لأنا نخاف هواجس الأفكار. ~~- ما ذلك اللواء الذي يحمله الملكان من فوق مقدس الكنيسة؟ ~~- علم منقوش عليه هذا القول الرهيب «أيها الإنسان هو ذا قاضيك». ~~- هذا يحمل على الظن بأن الرهبان الذين كانوا هنا من قبلكم قد ارتكبوا كثيرا من ~~الآثام حتى عظم خوفهم من قضاء الله سبحانه وتعالى. ~~- بل الأجمل أن يظن يا سيدتي المركيزة أنهم خافوا كثيرا من ارتكاب الإثم. # وفي خلال هذه المحاورة سكن الهواء، وهدأت الأنواء، وأوشك الجو أن يصفو؛ فرام الضيفان ~~أن يعودا إلى منزلهما «قصر سرڤيل»، فقال لهما الكونت: إني أخاف على المركيزة من صعوبة ~~الطريق ومشقة السير، فلو بقيتما عندنا إلى الغد لكان ذلك أولى، فإنا بوجودكم سعداء، ~~فقالت المركيزة: لك الشكر يا سيدي الكونت ألفا، ولكني أخاف على والدتي من القلق ~~واشتغال البال، فإنها لن تطمئن نفسها حتى تراني، ولن يسكن روعها علي ولو جاءها مني ~~كتاب أو رسول. # ولذلك لا بد لي من الرجوع إلى المنزل، وإن طاب لنا ههنا المقام، فإن رمتم إتمام ~~الجميل فأسعفونا بدليل يسلك بنا سواء السبيل، فإنا غرباء لأنا من التيه. ~~- فقال «ڤكتور» متهيبا مترددا وجلا: إن شئت يا سيدتي كنت بنفسي لكم دليلا. ~~- تلطفت وتفضلت ولكن يسوءني أن أزعجك في مثل هذه الساعة، وأجعل مدام «ديلار» - ~~تريد زوجته - في قلق وبلبال، ففي رجل من خدامكم غناء. ~~- إني أعرف الناس بمسالك هذه الناحية، وقد ألفت التنزه ليلا فلست أنزعج منه، أما ~~زوجتي فلا تقلق ولا تخاف علي. ~~- إن كان الأمر ms15 كذلك فقد رضيت بما قضيت، إنا نكون معك آمن منا مع سواك، ولسنا نروم ~~التيه مرة ثانية في نواحيكم؛ فإن التائه لا يجد في كل حين ما وجدناه عندكم من حسن ~~الضيافة، فما بقي إلا أن أستعيد ثوبي لنسير معا. # ولقد مر هذا الحديث كله بسمع «ماري» وهي صامتة لا تخرج عن حد ما يجب على ربة المنزل ~~في هذه الحال، ولا تزيد على الإيماء أو الإشارة بما يناسب قول زوجها مما يفيد الرضى ~~والقبول، ثم صحبت الباريسية إلى غرفتها لإعانتها على تبديل الثوب المستعار، وهي على ~~حالها من السكون والاحتشام، لكنه كان من طي احتشامها ضرب من الجزع والنفور تشعر به ~~وتغالب نفسها فيه، فإنها قد رأت المركيزة على حالة ممتازة لم ترها من قبل، وتأملت ~~ما عليه من الرشاقة وما تعنى به من صغار أمور الزينة التي لا تخطر لها ببال، فقابلت ~~بين نفسها وهذه المرأة الحسناء ذات البهجة والرواء، فتولاها الخجل والأسف، ثم قطعت ~~المركيزة السكوت، وقالت على نية التحبب إلى «ماري»: هل لك يا سيدتي من ولد؟ ~~- رزقت ولدين، وأنا حامل بالثالث. ~~- أتم الله نعمته عليك، أما أنا فالغالب أني لا أرزق ولدا. # وتنهدت إثر هذا القول تنهد الآسف الآيس؛ فأجابتها «ماري»: لا تقنطي يا سيدتي من ~~رحمة الله، فأنت صبية والله كريم منان. # وكان في هذا المقال من التوكل والإيمان، وعلى محيا «أوچيني» من سيماء الطهر وصفاء ~~النية ما أثر في طبيعة المركيزة على كونها عسيرة الانفعال، فقالت: ما أحسن هذا التوكل ~~وما أسعد هذه الحال! # ثم جاء الخادم يخبر الباريسية أنه قد استكمل الأهبة وشد على الخيل، فخرجت من الغرفة ~~وودعت أهل المنزل متلطفة مبالغة في الشكر، ثم امتطت صهوة الجواد، وراضته على الرغم من ~~الظلام حول الدرابزين، ثم أطلقته فجرى خببا، وسار على أثرها زوجها و«ڤكتور»، فلما غابت ~~عن الأبصار قال الكافالير والد «ماري»: لو كنت في عمر العشرين لفتنت بهذه ~~الحسناء. ~~- فقال الكونت: لا بدع إن فتنت كثيرا من الناس، وأنشد معه ms16 لسان الحال قول من ~~قال: # وحسناء تزري بالغزالة في الضحى # إذا برزت لم تبق يوما بها بها # لها مقلة نجلاء كحلاء خلقة # كأن أباها الظبي أو أمها مها # فقالت «ماري»: وما فائدتها من افتتان الناس بها وهي محصنة ذات بعل؟! # فتغامز الشيخان وابتسما متعجبين من سلامة نية «ماري» وصفاء طينها، ثم عادا إلى القاعة ~~يعيدان من لعب النرد - الطاولة - ما قطعه عليهما قدوم الزائرين، وكل امرئ بشأن نفسه ~~لاه وكل يغني على ليلاه. # 2 # أشد الغم عندي في سرور # تيقن عنه صاحبه انتقالا # وانصرفت «ماري» إلى غرفة طفليها، ولبثت هناك ترعاهما حتى أخذها الرقاد، فعادت إلى ~~القاعة والشيخان فيها يلعبان «ويلعب بهما الزمان»، فجلست على مقربة منهما متلهية ~~بالزركشة عن خطرات البال، ولكنها لم تستطع قرارا، بل كانت تنهض المرة بعد المرة إلى ~~الشباك، فتنظر إلى السماء، فترى بقايا الغيوم مبددة في فضاء الأفق، وفضالات البروق ~~متكسرة على صفحات الجو، وتنظر إلى الأرض، فتبصر الماء والوحول مما تخلف من السيول، ~~فتطير نفسها شعاعا وينخلع قلبها ارتياعا، فتدعو الله في سرها أن يذهب عنها الخوف ~~والقلق، ويعيد زوجها بالسلامة، فلما أتت الساعة العاشرة ليلا غلب عليها الاضطراب ~~وتولاها الاكتئاب؛ فقالت موجهة إلى والدها الخطاب: لم يعد بعد «ڤكتور» يا أبتاه. ~~- لا تجزعي يا بنية، فلعله اختار أن يبيت في «سرڤيل». ~~- وقال الكونت: لو كنت في سنه لفعلت ذلك لا محالة. ~~- ولم يا سيدي؟! # فتواردت خواطر الشيخين عند سماعهما هذا السؤال من «ماري»، فضحكا منه معا فاستنفرت، ~~وأعادته ملحة في طلب الجواب؛ فقال الكونت: تسألين عما يدعو «ڤكتور» إلى أن يبيت في ~~«سرڤيل»؟ فاعلمي أن هناك نساء حسانا يسألنه ذلك لا محالة، وما يهون على الفتى مخالفة ~~أمر الحسان. # فأصابها سهم هذا الجواب في قلبها فجرح وبرح؛ لأنه لم يخالج فكرها من قبله أن في ~~الدنيا امرأة غيرها يرتاح «ڤكتور» إلى رضاها، ويسره أن يبيت في مغناها، ولم تكن تعرف ~~الغيرة ولا العادة الفاسدة التي تجيز للرجال على وجه ما خيانة نسائهم؛ ms17 فعظم تأثير هذا ~~الخاطر فيها غير أنه كان لحسن حظها سريع الزوال، فإن «ڤكتور» لم يبت في «سرڤيل» بل عاد ~~إلى المنزل في تلك الساعة فسكن جأش «ماري»، ولكن لم تزل من نفسها آثار الانفعال، أما ~~هو فلم يلبث في القاعة إلا قليلا، ثم طلب الانصراف معتذرا بما ناله من التعب والمشقة ~~في النهار، ودخل مخدعه من غير أن يمر بغرفة زوجته خلافا لما جرت به عادته من يوم عرسها ~~إلى ذلك اليوم. # ومذ حينئذ أيقنت «ماري» بفتور محبة «ڤكتور» واستيلاء الملل منها عليه، فكان محصل ما ~~يمر بها من الخواطر مماثلا لقول الشاعر: # لعيني كل يوم فيها عبرة # تصيرني لأهل الحب عبرة # علامة شقوتي في الحب أني # ثقلت عليه لا من طول عشرة # فكأن للأنفس الطاهرة والقلوب الرحيمة دليلا منها على فتور المحبة قبل حصوله، أو أن ~~للفتور أسهما دقيقة خافية تمس القلب متوالية عليه فتخدشه خدوشا يتصل بعضها ببعض، ~~فتصير جرحا كبيرا. نعم، إن الرجل الأديب إذا أحس من نفسه بفتور المحبة حاول إخفاءه، ~~وتمالك ما استطاع خوفا على المرأة التي لا تزال تحبه، أن يصيبها سهم الصدود، ولكنه ~~ربما وقع غير مختار فيما يدل على فتور حبه، ولا يكاد يبين فترى منه عين محبة ما لا يراه ~~سائر الناظرين. # إن العيون على القلوب شواهد # فبغيضها لك بين وحبيبها # وإذا تلاحظت العيون تفاوضت # وتحدثت عما تجن قلوبها # ينطقن والأفواه صامتة فما # يخفى عليك بريئها ومريبها # وإذا كان الأمر كذلك فيمن يحاول الكتمان ولا يجهر بالصدود والهجران، فما الظن بمن ~~يصد جهرا ولا يلقي على الهجر سترا؟! ولا جرم أنه يصيب مهجة محبه بسهم ما لجرحه ~~التئام، ويوقد في قلبه من اليأس نارا ذات ضرام، ولكثر ما تصيب هذه السهام قلوب النساء ~~فتقطع منها أسباب الهناء والرجاء، وما يلزمهن في معرفة الإعراض والفتور غير كلمة أو ~~إشارة مما يشف عن ذات الصدور. # ولما كان الغد وجاء وقت الطعام صباحا واجتمع آل البيت على المائدة أنبأهم «ڤكتور» ~~بعزمه على السفر ms18 إلى مدينة بواتيه، فقالت «ماري» بانكسار واحتشام: لعلك تروم السفر لشأن ~~يدعوك إليه؟! # فقال: نعم. ثم حول وجهه عن زوجته لكيلا يقع نظرها عليه، فتلمح علامة الارتباك فيه؛ ~~فقال له والده: ومتى تعود يا بني؟ ~~- بعد ثلاثة أيام! # فشق ذلك على «ماري»، ولم تتمالك أن صاحت مستفهمة منكرة : ثلاثة أيام؟! ~~- نعم، وما موجب العجب والاستنكار؟ # فأثر هذا الجواب في نفس «ماري» تأثيرا شديدا، فبكت وقالت: آه يا «ڤكتور»! إنا لم ~~نمتحن بعد بمثل هذا الفراق، ثم ضجت بالبكاء وألقت بنفسها على زوجها، فتلقاها وضمها ~~متأثرا مما ألم بها من الغم، ثم رام تطييب خاطرها، فقال: إن كنت لا تصبرين على ~~فراقي، فلست براحل عنك يا شقيقة الروح. ~~- أحق ما تقول؟! ~~- حق لا ريب فيه ... فقال الكونت «ديلار»: إن كان في سفرك مصلحة، فلا ينبغي العدول عنه ~~يا بني. ~~- نعم، فقد أنبأني وكيلنا بالمدينة أن بعض الناس طلب منه مقدارا من المال قرضا، ~~فرأيت من المصلحة أن أسير إلى المدينة بنفسي لأنظر في الأمر وأفعل ما يقتضيه. ~~- إن كان الأمر كذلك فلا ينبغي أن تمنعي زوجك من السفر وتعارضيه في قضاء ما يجب عليه، ~~فأنت أم ولد صغار مسئولة عنهم في الحال والمآل، فلا تذهلي عن ذلك، ولا تميلي مع هوى ~~النفس. ~~- فأجابت وهي آسفة كاسفة البال: صدق والدك يا «ڤكتور» فلا بد من ذهابك إلى ~~المدينة. ~~- وهل تغالبين الأسى وتجلدين؟! ~~- نعم، أتجلد ما استطعت. ~~- إذن أسافر بعد الطعام شاكرا لكم هذا القبول، وستعلمون أني لست بأقلكم رغبة في قرب ~~اللقاء. # وسار «ڤكتور» بعد ذلك مخلفا عند زوجته وحشة الفراق، وكان قد حدث منذ الأمس في ~~ذلك البيت ما غير حالة أهله تغييرا سيئا، إذ وجد في نفس كل منهم شيء يخفيه، وسر ~~يكتمه على الباقين. نعم، إن ذلك السر كان خفيفا غير ذي بال، ولكن أول خاطر يكتمه المرء ~~عن ذويه يكون كالحبة تدفن في الأرض، فتنبت وتنمو فتصير شجرة ذات فروع وجراثيم، فلو كشف ~~أهل هذا البيت أسرارهم، وأزالوا ms19 حجب الكتمان عن أنفسهم أول الأمر لأمكن رجوع الهناء ~~والأنس إليهم، ولكنهم كتموا خواطرهم وحجبوا سرائرهم؛ فتفرقوا مبتئسين متفكرين، فلم ~~يعاودهم الصفاء، ووقفت «ماري» تنظر إلى العربة وهي سائرة بزوجها على عجل حتى غابت عن ~~نظرها، فرجعت إلى غرفة أطفالها ينشد لسان حالها: # مستجير الهوى بغير مجير # ومضيم النوى بغير نصير # فهو ما بين عمر يوم طويل # يلتظي وعمر يوم قصير # لا أقول المسير أرق عيني # كان هذا العذاب قبل المسير # واستولت الكآبة على أهل «مرلي» في غياب «ڤكتور»، فانقطعت «ماري» عن الغناء وهي تشتغل، ~~وامتنعت من مداعبة طفلها في المرج الأخضر على بساط النبات الغض كما جرت به عادتها إلى ~~ذلك الحين، بل كانت تطوف دهاليز القصر مكتئبة متمشية على مهل، وتدخل البيعة فتدعو الله ~~وهي ناظرة إلى الطريق، ويلح عليها والدها وحموها بالذهاب إلى «سرڤيل» لرد زيارة ~~الباريسيات فتأبى، ولكن يعود «ڤكتور» فتسير معه، إنها قد واعدته بألا تخرج من البيت ~~قبل رجوعه. # ثم عاد «ڤكتور» ومن خلفه في العربة صندوق فيه أثواب جديدة، وأسباب زينة لم يكن ~~يلتمسها من قبل، فلما وقع نظر «ماري» على ذلك الصندوق وعلمت بما فيه، سألت زوجها عما ~~دعاه إلى شراء تلك الأثواب فقال: إني أخجل من جيراننا أن أزورهم بثوبي القديم، فأكون ~~فيه كالرجل الباقي من عهد الطوفان، وقد علمت أنهم يستهزئون بي من أجل ذلك، ولست أريد أن ~~يستهزئ بي أحد من الناس. # فلم تجبه «ماري»، ولكنها لم تقنع بما قال، فبقي في نفسها شيء من سوء الظن، فلما أصبحت ~~ورأته بلباس غرفة النوم معتدل القوم صبيحا متأنقا لم تعجب به كما تعودت إلى ذلك ~~اليوم، بل داخلها الظن بأنه لم يتأنق في ملبسه ليحسن في عينها، وإنما تكلف ذلك لشيء ~~جديد في نفسه لم تحط به علما. # والريب للنفس داء # إن طال أعيا شفاؤه # كالسم في الجسم يسري # حتى يعز دواؤه # ثم جاء وقت الغذاء، واجتمع له أهل البيت على المائدة، فتجاذبوا هناك أطراف الكلام، ~~فساقهم الكونت «ديلار» إلى ms20 الحديث عن جيرانهم سكان «سرڤيل»، وزعم أن لم يبق مانع من ~~زيارتهم، بل إنها وجبت فلا ينبغي تأخيرها إلى ما بعد الغد، فالتمست «ماري» أن تتخلف عن ~~أسرتها بدعوى انحراف المزاج، فأبى «ڤكتور» ووالده إلا أن تسير معهم وما زالا بها حتى ~~أجابت. # ولما أتى الوقت المعين للزيارة نشط لها أهل المنزل وخرجوا إلى موقف العربة، فكان ~~اختلاف أحوالهم ومناظرهم من أغرب ما رأته العين؛ فإن الشيخين كانا بزيهما القديم، ~~كأنهما من بقايا أمة قد خلت، و«ماري» على حالها من السذاجة التي تلازم نساء القرى، ~~وتجعلهن مغمزا للمدنيات ولو كن حسانا، أما «ڤكتور» فإن ثوبه الجديد لم يكن منطبقا ~~عليه تمام الانطباق، ولكن اعتداله الطبيعي كان ساترا لهذا العيب فلم تذهب جدة الثوب ~~برونق بهائه، وحسن روائه، ولكنه ظهر فيه محتاجا إلى شيء من العادة ليكون ~~رشيقا. # ولما وصل القوم إلى «سرڤيل» تلقاهم أهل القصر، وخصوصا مدام «مرسيل» - أم الفتيات - ~~ومدام «ڤلمورين» - الباريسية الحسناء - بأحسن مما لقوه في المرة الأولى من القبول ~~والإكرام، وكانت مدام «ڤلمورين» لابسة لفافا من الحرير الهندي والتفتاء الوردي مطرفا ~~بالكشاكش ترفل فيه بلا كلفة ولا قلق، فيعلم الناظر إليها أنها ليست بدخيلة على الرونق ~~والزينة وأبهة النعيم، وكانت يداها الجميلتان مستورتين بكفوف صفراء تسر الناظرين، ~~وشعرها اللامع الأسود كجناح الغراب مسترسلا على كتفيها غير معقوص ولا مضفور، وكان على ~~صدرها من الجواهر الكريمة ما يروق للعين حسنا ونفاسة، وعلى جملتها من آثار النعمة ~~والشرف والكياسة الباريسية ما لا يقلد ولا يوصف بلسان، فهي على حد قول سكريب «أحسن ما ~~فيها أن حسنها غير محدود». # من حسنها أن ليس يوصف حسنها # وجمالها ألا يحد جمالها # هي آية الحسن التي قد أعجزت # وصافها من حيث عز مثالها # ترنو بمقلة جؤذر نبالة # وارحمتاه لمن تصيب نبالها # وتهز من تحت الغلائل قامة # من غير شك قاتل عسالها # ومن استجار بعطفها من طرفها # ألقى له شرك الغرام دلالها # فإذا رنت وإذا انثنت وإذا دنت # فتنت فما من حيلة نحتالها # وكان ms21 «ڤكتور» ينظر إليها نظر الحائر المندهش، وهي تتصباه غير عامدة بما تظهر من ~~الرشاقة، وما تبدي من حركات الدلال، فتارة تفتح حنجور عطرها فتشمه، وهي غنية عن ~~الطيب، وطورا تنزع الكف الأصفر عن يدها الرشيقة، فيظهر بياض أناملها تحت سواد خاتم من ~~الميناء، حتى عظمت بها فتنة «ڤكتور»، واشتدت منها غيرة «ماري»، وهي مع ذلك تعطف من ~~رياض الحديث كل فن، وتقطف منه لكل سامع زهرة تنفي عن القلب الحزن حتى انشرحت بمعاني ~~كلامها الصدور كما قرت بمحاسن وجهها الأنظار. # فحديثها السحر الحلال لو انه # لم يجن قتل السامع المتحرز # إن طال لم يملل وإن هي أوجزت # ود المحدث أنها لم توجز # فأحست «ماري» بانحطاطها عن هذه المليحة حسنا وجمالا ورشاقة وظرفا، فأخذتها الغيرة ~~على «ڤكتور»، ونالها من ذلك ألم عظيم، فعقدت نيتها على أن تلزم البيت من بعد هذه ~~الزيارة؛ فلا تكون عرضة للغبن في الموازنة بينها وبين الباريسية الحسناء، ثم بذلت ~~مجهودها في تقصير الزيارة حتى خف قومها للانصراف، ولما خلت بهم في العربة غلب الكمد ~~عليها فبكت بكاء مرا، فأثر بكاؤها في نفس «ڤكتور» فصاح: ما بالك تبكين؟! ماذا ~~أصابك؟! ~~- لا شيء، إن الحر قد اشتد علي، فأورثني صداعا أليما، عدمت به الجلد لا جرم أني ~~غير صالحة لمعاشرة الناس، فلن أحضر بعد هذه المرة مجلس اجتماع. # فقال الكونت «ديلار»: نعم رأيتك في منزلنا ب «مرلي» أسعد منك الآن وأهنأ، ولكنك مخطئة ~~فيما عزمت عليه، فأنت في ريعان الشباب، ولا تليق وحشة العزلة بهذا العمر، ثم إنك أم ~~ولد صغار، فإن لم تخرجي من المنزل، ولم تدخلي مجالس المعاشرة؛ فمن ذا الذي يتولى ~~تهذيب أولادك كما يقتضيه أدب الاجتماع. ~~- «ڤكتور» يفعل ذلك ويحضر المجالس عني. ~~- لا، لست أرضى بهذا لست أرضى. # فعاودها البكاء، فقالت: سوف نرى. ولم تزد. # ومرت بهم بعد ذلك عدة أيام، وهم بحسب الظاهر على سابق حالهم من الراحة والسكينة، ~~و«ڤكتور» يخرج كل يوم للتنزه ويعود قبل المساء، فيكب على قراءة بعض الكتب، ولا ms22 ينظر ~~إلى شيء آخر مما بين يديه، أما «ماري» فكانت أشد تفكيرا وأعظم قلقا واضطرابا من ذي ~~قبل، تتأمل في أحوال زوجها وترقب أعماله الغريبة؛ فيحصل في وهمها من التصورات وفي نفسها ~~من الانفعالات ما لم تشعر بمثله إلى ذلك الحين، وكان الحب دليلها في سبيل الاعتبار ~~والاختبار، فعلمت أن «ڤكتور» قد مسه الضجر، وتولاه الملل؛ فصار من همها أن تسليه ~~وتواليه. # وهيهات لا يرجى السلو بحالة # لطفل هوى فيه الغرام محكم # دعته إلى حجر المحبة غادة # رآها عن الدر المنضد تبسم # وذاق حلاوات الحديث وشاقه # بوجه التي يهوى جمال منمنم # وليس له صبر فيرجى فطامه # إذا بعدت والطفل بالصبر يفطم # وبينما هم ذات ليلة على المائدة، إذ جاءهم رسول بكتاب من «سرڤيل» تدعوهم فيه مدام ~~«مرسيل» إلى ليلة أنس ورقص وصفاء تمثل فيها بعض الروايات، ثم تكون مأدبة شائقة تحت ~~سرادقات مما يذكر بعجائب ألف ليلة وليلة، وكان اهتمام أهل «مرسيل» بإعداد أسباب الحسن ~~والبهجة لتلك الليلة الموعودة قد عرف واشتهر بين أهل الناحية حتى صار موضوع أحاديثهم ~~وسمرهم نهارا وليلا، فقال الكونت: إن الخياطات في هذه الناحية غير صنع الأيدي وغير ~~قادرات على إحكام الزي، فينبغي أن نكتب إلى باريس بطلب ثوب جديد إلى «ماري»، فإني أريد ~~أن تكون مثل مدام «ڤلمورين» حسنا ورواء. ~~- لا حاجة بي إلى ذلك يا والدي؛ إذ لست بذاهبة إلى «سرڤيل». # فقال «ڤكتور»: وكيف هذا؟ ~~- إني مثقلة، متعبة بالحمل؛ فلا أستطيع الذهاب، ولا أصبر على ضيق الثوب الجديد، فسر ~~أنت لتحدثنا بما تراه هناك من العجائب والغرائب. # فألح «ڤكتور» والشيخان عليها في العدول عن هذا العزم، فصرفت الحديث إلى المزاح، ~~وتضاحكت من عناد نفسها كثيرا على أنها لم تتحول عنه، وكان الضجر مستحوذا على «ڤكتور»؛ ~~فاتخذ عناد زوجته وسيلة لإظهار الكدر فنهض وهو يقول: افعلي ما تريدين. # ثم ألقى البندقية على كتفه، وخرج من المنزل متوجها نحو «بروغ»، متنزها بين المروج ~~والآثار القديمة، وكانت ناحية «بواتو» إلى ذلك العهد مرقشة بأطلال بالية ورسوم ms23 منازل ~~عافية، منها ما هو باق من عهد الرومانيين، ومنها - ولعله الأكثر - من بقايا الأعصر ~~المتوسطة، وسكان هذه الناحية يتناقلون عن تلك الأطلال أحاديث خرافة تدل على أن ذكرى بيت ~~«لوزينيان» الشهيرة محفوظة عندهم بالرواية، ينقلها الأبناء عن الآباء حتى كأن ذلك البيت ~~لا يزال في عالم الوجود، فهم يسمون كل طلل في ناحيتهم «مرلوزين» نسبة إلى امرأة من ~~بيت «لوزينيان» يحسبونها من الجن، وهي في الواقع زوجة «مل» و«لوزينيان» فركبوا في ~~تسميتها الاسمين، وقالوا «ملوزين» ثم حرفوا هذا المركب فصار «مرلوزين» وسموا به ~~الأطلال كما تقدم القول. # وكان بالقرب من «بروغ» برج قديم منفرد من بقايا قصر عظيم، كان في الحقيقة ل «مرلوزين» ~~المذكورة تصرف وقتا من العام فيه، وتقيم سائره بقصرها الكبير المعروف، وذلك البرج ~~عال، حسن الموقع، يطل منه على ما حوله من الأرض، ويرى الجالس فيه نواقيس كثير من قرى ~~الناحية، ويشرف على السواقي المتفرقة من الجدول وما يليها من البروج والبساتين. # وكان «ڤكتور» كثيرا ما يقصد هذه الجهة في تنزهاته، فيهيم تحت قناطر القباب الخالية، ~~أو يجلس على تلال هذه الجدران البالية، فيذكر مجدها السابق وعزها القديم، ففي اليوم ~~الذي ذكرناه وصل هذا المكان، وهو أضيق صدرا منه في كل يوم، فصعد الهضبة المؤدية إلى ~~البرج على مهل، فسمع من فوقه صوت غناء، فوقف له ورعاه السمع، فعلم أنه صوت امرأة غير ~~قروية، وذلك بما وجد فيه من حسن التوقيع، والتلحين، والرقة التي يلزم فيها من العلم بفن ~~الألحان ما لا يتحصل إلا في المدن الكبيرة، وكان اللحن شجيا يثير الأشجان، فأثر في ~~نفس «ڤكتور» حتى كاد يبكيه، وما برح واقفا حتى انقطع الصوت عنه، فمشى متفكرا فيه إلى ~~أن بلغ رصفة كالدرج تنتهي إلى مدخل البرج، فرفع هناك عينيه، فأبصر على خطوات منه فتاة ~~بثوب أبيض وخمار من اللاذ أدق مما تنسج العنكبوت، يلعب الهواء بأطرافه فتعلق بغصون ~~الآس النابتة على جدران الأطلال، وكانت هذه الفتاة جالسة محدقة بالوادي هائمة الفكر ~~فيه، وبين يديها ms24 علبة ألوان ورقعة صورة مبدوءة تدل على أنها جالسة هناك للتصوير، فلما ~~أحست بحركة «ڤكتور» التفتت إلى جهته، فعلت وجهها حمرة الخجل، ووثب على «ڤكتور» من ~~تحت قدميها كلب صغير نباح، وكانت هذه الرسامة الفتاة هي المركيزة «دي ڤلمورين» ~~الباريسية الحسناء. # رسامة قد جرى توقيع حاجبها # بظلم أهل الهوى والأمر ما رسمت # تحكمت في قلوب العاشقين كما # شاء الجمال ولم تعدل بما حكمت # كريمة غير أن البخل عادتها # يا حسن باخلة في الحسن قد كرمت # وافت لترسم أزهار الرياض ضحى # فكان في خدها بعض الذي رسمت # واستقبلت أقحوان الروض فابتسمت # عن مثل ما صورت منه وما علمت # فقل لواصفها ما أنت منصفها # فقد علت عن معاني وصفها وسمت # ما البدر إن سفرت؟! ما الغصن إن خطرت؟! # ما الظبي إن نفرت؟! ما الدر إن بسمت؟! # فاضطرب «ڤكتور» عند رؤيتها، وصار بين الخجل والوجل من أن يكون أورثها انزعاجا، ~~فاعتذر والتمس العفو ما استطاع كلاما فقالت: أتيت على الرحب، فإني جئت هذا المكان ~~مستصحبة «تريم» رفيقا - وأشارت إلى الكلب - فأنسيت نفسي تأملا في جمال هذا الوادي، لا ~~جرم أن بلدكم بلد نعيم وبهجة يحمد في مثله المقام. ~~- إن بين «سرڤيل» وهذه الأطلال بعدا غير قليل، فكيف جرؤت على الخروج إليها بغير ~~محام؟! # فأومأت إلى كلبها وقالت: وما شأن هذا؟! لا تستخفن به فهو ينبهني، وكفى بالتنبيه ~~وقاية، فإن كثيرا من أخطار هذا الوجود متى علمت لم تعد شيئا محذورا. ~~- صدقت إلا أن في غاباتنا أفاعي سامة لا يدفع شرها مثل هذا الرفيق. ~~- ما الشر وما الخوف من الشر؟! أيحسن بي توقع البلاء وحرمان النفس من لذة الحياة ~~خوفا منه، وأن أترك من أجله التنزه على انفراد وهو أبهج ما لدي؟ إني أحب الحادثات ~~والغرائب، فإذا أتيت مكانا فدأبي أن أجوس خلاله وألم بكل بقعة منه، فأسير منزهة فيه ~~متسلحة بعلبة الألوان والمروحة وكتاب الرسم كما ترى، لا أخبر أحدا ولا أستصحب رفيقا ~~رغبة في العزلة والحرية، وفرارا من الكلفة الملقاة علينا نحن ms25 النساء بحكم العادات، ~~وهربا من ضيق الصدر في متسع القاعات. # فاجتماع الأحباب صفو ولكن # كدرته مئونة الاحتشام # فهنيئا للرجال أنهم سعداء بالحرية والاستقلال. # فعجب «ڤكتور» من هذا الكلام غاية العجب؛ لأنه لم ير المرأة من قبله إلا باعتبار ~~أنها خلق ضعيف محتاج إلى الهداية في سبيل الحياة، فلم يتصور إمكان ظهورها بشيء من ~~الاستقلال والحرية، وإقدامها على تذليل العقبات الحائلة بين فكرها وتجليات الذكاء، ~~وجملة القول أنه لم يكن يعرف من النساء غير قعائد البيوت، فلما سمع كلام المركيزة عرف ~~المرأة الحسناء، فغلبت عليه الحيرة والدهشة فقال بعد الصمت: كيف كيف لا تخافين؟! ~~- ومم أخاف؟! أمن حية تلسعني كما أنذرت؟ أتحسبني حريصة على هذه الحياة التي ~~حظر بها علينا - نحن النساء الضعيفات - أن نعيش كما نريد؟ لا لعمري؛ فهي حياة غير ~~جديرة بالحفظ، فإن ضاعت فلا أسف عليها. # حرص الرقيق على الحياة حكى # حرص البخيل وما له مال # فالعمر آمال وليس لمن # في الرق يفني العمر آمال # فازداد «ڤكتور» حيرة في أمر هذه الفتاة، كيف ينالها الملال من الحياة؟! وكيف لا ترهب ~~الموت وهي في ريعان الشباب ونضارة الحسن وتمام النعمة؟! فتساءل عما تحتاج إليه في نيل ~~السعادة، وعن سر شوقها إلى الاستقلال، وما الذي تفعل إن حصلت عليه، فكانت هذه المسائل ~~كلها أسرارا غامضة عنه، فاتسع بها مجال التصور لديه؛ فتسابقت خواطره فيه وما يسبق ~~الخاطر هاجس القلب في مثل تلك الحال إلا إذا كان من القوة بمكان. # ولم يكن علم المركيزة بأحوال «ڤكتور» كافيا في بيان ما أثر كلامها في نفسه، على أنها ~~أحست منه بانفعال غير معهود، فمالت إلى استطلاعه منه ثم لم تجرؤ على ذلك، فالتزمت ~~وإياه السكوت حتى سكن خاطرها واطمأنت نفسها، فقالت: لعلنا نراك ومدام «ديلار» - تريد ~~زوجته - في «سرڤيل» يوم تشخيص الرواية. ~~- أما أنا فلست أتأخر عن هذه المسرة، وأما زوجتي فهي مثقلة متألمة فلا تستطيع الفوز ~~بهذا الإرب. ~~- إني أراجع دوري في التشخيص منفردة له متنزهة، فهل تعرف الروايات التي ~~سنشخصها؟ ~~- ما ms26 رأيت إلى الآن تشخيص رواية، ولا قرأت من الروايات إلا منظومات أدبائنا ~~المشهورين. ~~- يا عجبا! ما رأيت إلى الآن تشخيصا؟! ~~- كيف يتيسر ذلك ولم أتجاوز حدود هذا الوادي. # فحدقت المركيزة ب «ڤكتور» تحديق المستغرب لما بين يديه، فإنها لم تكن رأت من قبله ~~رجلا من طبقته، يجهل كل ما لم يره مدونا في الكتب، ويكون على حاله من الجمال الباهر ~~والذكاء الظاهر ولا علم عنده بكونه جميلا ذكيا، ثم أدركت - بما فيها من فراسة النساء ~~- أن سجاياه الفطرية الفائقة لو أخرجت من مضيق ذلك الوادي لأثمرت خيرا، وصارت بعد حين ~~من محاسن الوجود، فاجتمعت قوى فكرها على الرغبة في استقدامه إلى «باريس» فقالت غير ~~مختارة: ينبغي أن تجيء «باريس». ~~- أريد ذلك ولا ينبغي لي. ~~- وما السبب؟ ~~- عفوا، إني لا أستطيع الجواب. ~~- لك الأمر. # فاحمر «ڤكتور» مما قاله خجلا وخاف أن يكون أساء الأدب في امتناعه عن الجواب، أما ~~هي فتلاهت عن ذلك وقالت: لا بد أن يكون لهذه الأطلال قصة غريبة. ~~- إن لها قصصا كثيرة، ولكن لا يجدر بالذكر غير واحدة منها. ~~- أتريد أن تقصها علي؟! ~~- أخاف ألا أحسن الحكاية، ومع ذلك أقول امتثالا للأمر. ~~«قد سمعت - لا شك - بحديث الجنية «ملوزين» أميرة «لوزينيان» المشهورة التي كان ~~لها الملك في جانب عظيم من هذه البلاد، فتلك الأميرة كانت تسكن هذا البرج، وههنا حل ~~بها المصاب الذي ما برحت تبكي وتنوح من جرائه منذ خمسمائة عام أو ستمائة فيما يزعمون، ~~وكان لها خلوة في إحدى القباب التي تلوح لنا تحت هذه الهضبة، تنعكف فيها على السحر في ~~كل يوم من منتصف الليل إلى الصباح متحجبة عن الأبصار، علما منها بأن لو رآها أحد من ~~الناس على تلك الحال لفسد سحرها أو ضاع، وكان لها عشيق تهواه ويروم أن يكون لها بعلا، ~~وكان العهد بينهما أن يتركها وشأنها بعد منتصف الليل، ولا يلتمس العلم بمكانها في ذلك ~~الوقت، فثبت المعشوق على هذا العهد مغالبا فيه هوى النفس حتى غلبه في إحدى الليالي؛ ms27 ~~فتبع الساحرة من غير أن تشعر به، ورأى فعلها في الخلوة فانمسخت للحال حية «وبقي من ذلك ~~في يدها أثر لا يزول»، فلما بدت للرجل على تلك الصورة أغمي عليه من الخوف تحت هذا ~~الدرج، فأتته وردته إلى الرشد، ثم أعانته إلى الرجوع إلى المنزل، فلما أفاق من ~~الإغماء والدهشة صد عن الأميرة وعابها بالسحر؛ فأيقنت بوقوفه على سرها ولزمها إبعاده ~~اضطرارا، فأمرته بالخروج ففعل محتارا راضيا، ولكنه ما لبث أن جد به الشوق إليها، ~~فندم على ما وقع منه، وأرسل إليها يلتمس العفو والسماح، فجنحت إلى ذلك، ولكن منعها ~~شيطانها عنه فردت الفتى خائبا فتولاه اليأس، فاعتزل في بعض الأديار حتى مات، ولم تكن ~~هي تستطيع الموت؛ فبكت وملأت غابات هذه الناحية نواحا، ومذ حينئذ اشتهر صراخ ~~«ملوزين»، وكان نواحها إنذارا بموت أحد من بيت «لوزينيان»، فلما انقرضوا صارت تنوح ~~إنذارا بمصائب الناس، فإذا نزلت بالبلد نازلة سمعت الفلاحين يقولون: لا عجب فقد سمعنا ~~صياح «ملوزين».» # فلما فرغ «ڤكتور» من حديثه قالت مدام «دي ڤلمورين»: لقد اختارت هذه الساحرة لنفسها ~~حياة شقية، ولم تجد من لذة الوجود ما يهون تسليم النفس للشيطان. ~~- يزعمون أنها ما زالت حية، وكيف كان الأمر فهي لا شك حية الذكر! ~~- ثم كيف يقال إنها كانت تحب وتعشق، ولو صدقت في دعوى الحب لضربت بعصا السحر وجه ~~شيطانها، ولم تترك من تهواه، فليس في الأرض ولا في الجحيم ما يغني من الحب. # فإن المحب يعاني الصدود # ويقضي الوعود ويرعى العهودا # ويصبر في الحب صبر الجليد # يلين الحديد ويدني البعيدا # ويفني الوجود وفاء وجودا # ويحسب ذاك الفناء وجودا # فإن عاش عاش حميدا سعيدا # وإن مات مات فقيدا شهيدا # وما فرغت باريسيتنا الحسناء من هذا الكلام الصادر من القلب حتى أخذها فيه حياء ~~النساء، فعلت وجهها الزاهر حمرة الخجل، وكان «ڤكتور» أشد منها استحياء على أنه كان حائر ~~الفكر، تائه اللب، يحسب نفسه في منام، وما يسمعه أضغاث أحلام، ويرى تلك الحسناء مستولية ~~على لبه تتصرف فيه ms28 كيف تشاء، فتدفعه في طرق لا يعرفها إلى غايات لا يدركها؛ فيهيم في ~~تلك المسالك هيام طرف الناظر من قمة الجبل الرفيع. # ومالت الشمس إلى الغروب وهما لاهيان ذاهلان عنها بما كانا يتجاذبان من أطراف الحديث ~~من بضع ساعات، وكانت مدام «دي ڤلمورين» تتوقد في كلامها ذكاء، وتلتهب حدة، وتذوب ~~تصورا، وتسيل رقة مقلبة أوجه الحديث، متفننة في ضروبه، متنقلة في أساليبه، تجد فتثير ~~الأشجان، وتمزح فتذهب الأحزان، وتظهر العلم حتى يقال هذه آية الدهاء والذكاء، وتوهم ~~الجهل حتى يقال هذه غاية السذاجة والصفاء، و«ڤكتور» مستهدف لتلك السهام بلا اختبار ~~يحميه ولا اعتبار يقيه، ثم تنبهت الباريسية الحسناء لميل الشمس إلى الغروب، فخفت ~~للانصراف، وقالت ل «ڤكتور»: قدر عليك أن تكون دليلي في مسالك هذا البلد، وأن أراك بين ~~يدي كلما كنت محتاجة إليك حتى عجزت عن القيام بحق الثناء عليك، فهل لك أن تبلغني منزلنا ~~غير مأمور؟! # فخف لذلك وانشرح وداخله السرور والفرح؛ فقال: لك الأمر وعلي الشكر. وانحدرا من ~~الهضبة حتى بلغا شاطئ الجدول والنسيم تزف إليه والغصون تميل عليه. # غدير دار نرجسه عليه # ورق نسيمه وصفا وراقا # تراه إذا حللت به لورد # كأن عليه من حدق نطاقا # فقالت المركيزة: إن بي ظمأ وهذا ماء زلال، فقال «ڤكتور»: بل على خطوات قليلة من هذا ~~المكان عين ماء أصفى من هذا الجدول وأشفى، فإن شئت صرنا إليها، فهي من أبهج متنزهات ~~البلد. فأجابته إلى ذلك، فدخل بها بين ألفاف الأشجار على منحدر الهضبة حتى بدت لها ~~العين من تحت قبة متهدمة يتكسر الماء على أحجارها، ومن حولها شجرات كبيرة من السنديان ~~وارفة الظلال، وهي رائقة صافية كعين الديك أو مرآة الحسناء يتخللها النبات الأخضر، كأنه ~~ترصيع الزمرد على صفحات الماس، وعلى الأرض مما يليها بساط سندسي زركشته يد الربيع بلآلئ ~~الأزهار وجملة العين وما حولها فتنة للأبصار. # فجلست المركيزة تشرب الماء بكفها البيضاء، فناولها «ڤكتور» متهيبا راجف اليد حقة ~~حمراء تسر الناظر آيلة إليه من أمه يحملها لورود الماء ms29 في الصيد، فتأملتها وأعجبت بحسب ~~لونها وشكلها وما فيها من النقش، ثم أعادت النظر إلى العين وأطلقته في مجال جمال الوادي ~~فرأته كما قيل: # وقانا لفحة الرمضاء واد # سقاه مضاعف الغيث العميم # نزلنا دوحه فحنا علينا # حنو المرضعات على الفطيم # وأرشفنا على ظمأ زلالا # ألذ من المدامة للنديم # يصد الشمس أنى واجهتنا # فحجبها ويأذن للنسيم # يروع حصاه حالية العذارى # فتلمس جانب العقد النظيم # فقالت: لله هذا المكان ما أبهجه وما أبهاه! ولقد وددت لو كانت لي هذه العين لأبني ~~عليها قبة تحار في حسنها العين، فهي أصلح مكان رأيته لهيام النفس في أودية التصور ~~والخيال، فهل تعلم لمن هي؟ ~~- لخادمك يا سيدتي فإن المكان بجوار قصرنا، وهو مما وهبني والدي يوم تزوجت. ~~- أتريد أن تبيعني هذه العين؟ ~~- أقدمها خدمة على مقداري، وحسبي من العوض القبول. ~~- لا، لست أريد إلا الشراء، وكفاني أن أكون ملكة في هذه المملكة الصغيرة، فأنقض فيها، ~~وأبرم وأفض، وأنظم، وأبني، وأهدم كما أريد، فبكم تبيعها مني؟ ~~- بصورة من رسم يدك. ~~- قبلت على علم بأنك مغبون، ومن الغد أرسل الفعلة إلى هذا المكان للبناء. ~~- ونسميها عين التلاقي. ~~- أحسنت ... ولكن قد مضى الوقت وأقبل الظلام؛ فسر بي إلى البيت. # فأجاب ممتثلا وسارا صامتين والهوى يتكلم في قلب «ڤكتور» بما لا يكاد يفهم، وكأنه ~~يقول: # أراك فاستحيي فأطرق هيبة # وأخفي الذي بي من هواك وأكتم # وهيهات أن يخفى وأنت جعلتني # جميعي لسانا في الهوى يتكلم # أما «أليس» - وهو اسم الباريسية الحسناء - فكانت مشغولة النفس بما مر بها في ذلك ~~اليوم تقلب فيه الخواطر متقلبة بين التصورات بما فيها من الميل إلى الغرائب، لا تنظر في ~~عاقبة الأمر ولا تتنبه لحقيقة شأنها وحالة «ڤكتور»، فيا أسفاكم في النساء من حسناء ~~يضلها الخيال؛ فتنقاد له خفة وطيشا، فترمى بالذنب وتتهم بفساد النفس، وما هي في ~~الواقع والحقيقة إلا ذاهلة عن عاقبة الأمر، ولو فطنت لكل ما يترتب على العدول عن سراط ~~الواجبات من فقد السعادة، وزوال الهناء، وضياع الراحة لما اتخذت ms30 غير ذلك الصراط ~~سبيلا. # ولما وصل الرفيقان أول طريق «سرڤيل» شكرت «أليس» ل «ڤكتور» سعيه، وآذنته بالفراق بعد ~~إذ واعدته باللقاء في الغد عند العين قائلة: وهناك أخبرك بما عسيت أن أعزم على إنشائه ~~في العين وما حولها، وألتمس رأيك فيه، فإن حقوق الجوار واجبة الرعاية، ثم ودعته باسمة ~~وشردت عنه في طريق القصر شرود الغزال. # 3 # هو الحب فاسلم بالحشى ما الهوى سهل # فما اختاره مضنى به وله عقل # فبقي «ڤكتور» ناظرا إليها، شاخصا بها حتى غابت عن بصره، فحول قدميه إلى حيث كانت ~~أولا حتى وصل ذلك المكان، ولم يدر فمر به النسيم بليلا، فعبث بشعره، ورطب جبينه ~~الملتهب، فجلس حيث كانت جالسة يلتمس فهم ما لم تصل مداركه إليه من انفعالات نفسه، فيرى ~~أن هناك جمالا فائق الوصف يجذبه نحو تلك المرأة التي ما رأى مثلها في النساء إلى ذلك ~~الحين، ولا يدرك لهذا الأمر سرا، ولا يجد له حدا حتى غربت الشمس، وأقبل الظلام ~~فتنبه لوجوب الرجوع إلى «مرلي»، فانقبض من ذلك صدره أيما انقباض. # وكانت «ماري» تنتظر عودته عند باب الحديقة وبين يديها طفلها البهي، فلما رأته أسرعت ~~إليه تعانقه وتقبله بصفاء قلب لم يداخله الفساد، ثم تأملته، فإذا هو مفكر منزعج، ~~فخافت أن يكون منحرف المزاج، فأقبلت عليه تهتم بشأنه، وتعنى بخدمته عن صدق وداد ~~واختصاص، فلم ينفر منها، ولكنه لم يستطع إخفاء ما في النفس. # دلائل الحب لا تخفى على أحد # كحامل المسك لا يخلو من العبق # ولما دخل غرفتها التي هي مقدس شعائر الوالدية، ومجلى فضائل الزوجية، وجدها خالية من ~~الزينة والبهجة، ثم نظر إلى زوجته فرأى بساطة زيها الذي لم يكن فيه من الحسن غير ~~النظافة والطهر، فأذكرته بما رآه صاحبا من محاسن الباريسية الحسناء، وكانت «ماري» ~~تراقبه وهي صامتة وتحاول الوقوف على سره فلا تستطيع، ثم أرسلت إليه طفليهما فقبلهما على ~~الجبين قبلة غير مشتاق، فأعادتهما إليها مكتئبة وضمتهما إلى صدرها إنصافا مما رأته من ~~ظلم أبيهما، ثم دنا أحدهما ms31 من وعاء صيد أبيه، وأخرج منه الحقة الحمراء التي شربت بها ~~الباريسية الحسناء، فانتزعها أبوه من يده بعنف وأودعها الخزانة قائلا: لا ينبغي لأحد ~~أن يمسها مذ الآن. # ولم ينم «ڤكتور» بل أحيا الليل هائما في القصر، فكان تارة يدخل الكنيسة للصلاة فلا ~~يرى فيها غير صورة واحدة: صورة «أليس»، وحينا يتمشى في الحديقة تحت الأشجار يرجو تسكين ~~ما به من تباريح الحمى برطوبة الهواء وما هي إلا نار الغرام ذات الضرام. # وما كاد يتنفس الصبح حتى خرج من القصر من غير أن يشعر بخروجه أحدا، حتى أن والده ~~لم يتمالك أن قال حين لم يره على المائدة : إن ل «ڤكتور» شأنا جديدا في هذه الأيام، ~~أما هو فلم يجسر على الدنو من الموعد قبل الساعة المعينة خوفا وحياء، فأخذ يطوف ~~بالضواحي بين المروج والبساتين، فينشده «معي» لسان الحال: # أودى بصبرك لوعة وسقام # أم راعك الرقباء واللوام؟ # أم أنت أنت فما شكوت من الجوى # لكن دمعك بالهوى نمام؟ # كفكفه لا يطفئ بقلبك وجده # إن السلو على المحب حرام # واشرب كئوس الذكر مترعة به # فالذكر كأس والغرام مدام # واطرب وكن في كل واد هائما # منه فأهل الحب قبلك هاموا # ذكروا المعاهد والعهود فما انطوى # في نشرهم نقض ولا إبرام # وتواجدوا في الذكر وهي طريقة # لحقيقة فيها الهيام مقام # واستقبلوا وجه الصباح بأعين # سهرت دجاه والأنام نيام # وسرت بهم أرواحهم نحو الحمى # فسعت على آثارها الأجسام # وقد عجب الفلاحون من رؤية «ڤكتور» على هذه الحال في تلك الساعة؛ لأنهم لم يروه من ~~قبلها بكرة في البساتين، والبسطاء من الناس لا يعقلون كيف تحول أحوال النفوس. # ولما أتت الساعة الثانية انطلق «ڤكتور» نحو عين التلاقي، وكان وهو بلباس الصيد البهي ~~أحسن منه بثوب الزيارة، فرأى المركيزة جالسة في مكانها بالأمس، وقد أعمدت رأسها بيديها ~~فعل المتفكر المتأمل، فتلقته بالإقبال وحسن الاشتمال، ولكن كان في نفسها شيء من ~~الاضطراب وعلى وجهها علائم الاكتئاب، ولما جلس قالت له بعد التحية المعتادة: فكرت أمس ~~في أمر ms32 العين، فرأيت أن أبقيها على ما هي عليه الآن، فإن هذه الرسوم والآثار ملائمة ~~لموقعها الطبيعي، وأخاف أن يضيع حسنها بالإصلاح، فدارت بينهما المذاكرة على هذا ~~الموضوع، فأظهر «ڤكتور» كل ما لديه من العلم وكل ما فيه من الذكاء، وأوضح رأيه في الأمر ~~بأفصح لسان وأعذب بيان، حتى مالت «أليس» بكليتها إليه، فتقاربت منهما الروحان وتناسب ~~القلبان، بما بينهما من صلة الشباب، ورابطة الجمال، وما في ذلك المكان من مظاهر الحسن ~~وتجليات الأنس، فما افترقا إلا وفي قلب كل منهما حب عظيم ووجد مقيم يشعران به ولا ~~يبوحان، وقد اتحدت نفساهما حبا، فكانا على حد ما قيل: # بكم اتحدت هوى فلو حييتكم # قلت السلام علي إذ أنتم أنا # وتواعدا باللقاء من الغد في «سرڤيل»، حيث تكون ليلة الأنس الموعودة عند الباريسيات، ~~ثم انصرف «ڤكتور» محتملا جسمه إلى منزله وتاركا فؤاده عند «أليس». # أخذتم فؤادي وهو بعضي فما الذي # يضركم لو كان عندكم الكل # فرآه آل بيته على تلك الحال من تشتت البال والبلبال، فبالغوا في الاعتناء بشأنه، ~~ودارت به زوجته وأولاده يحاولون تنبيه فكره إليهم وهو لاه عنهم بالتي سلبته ذلك الفكر، ~~حتى أنه خالف العادة في النهوض عن المائدة قبل أبيه وسائر ذويه بلا عذر ولا استئذان؛ ~~فعجب والده من ذلك ولم يتمالك أن قال: يا للعجب! ما الذي أصاب «ڤكتور»؟! # فقالت «ماري»: تولاه الضجر يا والدي، واشتاق إلى معاشرة الناس، ومال إلى اختبار أحوال ~~الاجتماع، فلا بد من إرساله إلى المدينة، فنحن ههنا لا نشفيه ولا نكفيه. ~~- إن كان الأمر كذلك، فاذهبا إلى «بواتيه» واصرفا هناك فصل الشتاء. ~~- أما أنا فلا أحب المدينة، ولست بتاركة منزلنا، فقد خلقت ألوفا لو تركت هذا ~~الوادي لمت غما، فليذهب «ڤكتور» وحده وأنا أقيم. ~~- كيف تصبرين على فراق زوجك؟ ~~- إني أريد له السرور والسعادة، ولا بد لي من الصبر فللضرورة أحكام، فأنا أقيم ههنا ~~مع الأولاد ولا شك أن «ڤكتور» يعود إلينا ولو بعد حين، فإن الله مع الصابرين، ثم أعياها ~~التجلد، ms33 فسقطت من عينها دمعة سخية، فمسحتها بأطراف البنان وقامت لتلحق بزوجها في غرفته، ~~ولما كان الغد لم يخرج «ڤكتور» من المنزل، بل اهتم إلى المساء بإصلاح شأنه ومراقبة لباس ~~الخدم ومسح العربة والخيل اهتماما لم ير منه قبلا، ثم عني بأمر لباسه فتأنق فيه ~~ما شاء مسرعا غاية الإسراع حتى تم استعداده للزيارة قبل والده بنحو ساعة، فأعجبت به ~~«أوچيني» وهو على تلك الحال إعجابا ممزوجا بالشك، ولم تجرؤ على معانقته ولا تقبيله ~~مخافة أن تجعد الثوب أو القميص. # وأقيمت المأدبة في «سرڤيل» عند الباريسيات على وفق المرام، وجرى تشخيص الروايات ~~الموعودة، فكانت مدام «دي ڤلمورين» المركيزة الحسناء هي المشخصة لأهم الأدوار، فأحسنت ~~في التمثيل نهاية الإحسان حتى جرى مدحها على كل لسان، فلما تجلت على المدعوين في بهرة ~~المنتدى بعد الفراغ من التشخيص حسدتها النساء حسد الضرائر للحسناء، وخفقت لها قلوب ~~الرجال افتتانا بكمال ذاك الجمال، ولا تسل عما جرى على «ڤكتور» وهو الذي ما حضر قبل ~~تلك الليلة مثل هذه المأدبة ولا رأى قبل تلك الرواية تمثيلا، فكيف به والتي استعبد ~~قلبه هواها، واسترقه بيان بديع معناها هي المشار إليها والمعول عليها في المأدبة ~~والتمثيل؟! على أنه كان آخر من تقدم إليها للثناء عليها، فلما رأته انعطفت إليه كأنما ~~هي تطلبه من دون سائر القوم وقالت: هل سرك ما رأيته مني؟ ~~- آه يا سيدتي ... ولم يزد. # والتزمته بقية الليلة لم تشتغل عنه بسواه ولم ترقص؛ لأنه لم يكن من الراقصين، وهي مع ~~ذلك تتصباه برقة لفظها، وتتيمه بحركة لحظها، وترشفه من المنادمة مداما، تثير ~~في القلب صبابة وغراما، حتى هزه الوجد واستخفه الفرح، ولمح الناس منه ومن خليلته ما ~~كانا عليه؛ فتحدثوا في أمرهما متأسفين على «ماري» زوجة «ڤكتور»، توسلا للوقيعة في ~~الباريسية الحسناء، وهذا شأن الناس من قبلهم ومن بعد لا يبذلون الشفقة إلا لتكون حجابا ~~يستر النية السوداء. # وانصرف والد «ڤكتور» وحموه إلى منزلهم ب «مرلي» في أول المنصرفين، ولبث هو في المرقص ~~حتى لم يبق ms34 فيه أحد من المدعوين، ثم سار وفي ضميره للحب أسرار، ومذ حينئذ وقع في ~~أحواله الباطنية انقلاب لم يخف عن قلب زوجته إن كان خافيا عن أعين الناس. # قلوب أهل الحب تبصر من # أسراره ما لا ترى الأعين # تحسبه مستترا خافيا # وهو صريح عندها بين # فإنه كان يخرج من المنزل ويعود إليه في أوقاته المعينة لذلك، ولا ترى منه زوجته غير ~~الحب والائتلاف، ولا يجد منه أولاده غير الحنو والانعطاف مع سكينة ظاهرة عليه، إذا رآه ~~من لم يعان الصبابة أيقن أنه خلو من الغرام، ولم تر عينه ما يتقد في قلبه من ناره ذات ~~الضرام، ولا عجب؛ فإنها لا تبصر القلوب إلا عيون القلوب، وما كان «ڤكتور» خبيرا ~~بأحوال الهوى بصيرا بأمور الحب ، ولكنه تلقن العلم بها ليلة المأدبة أو بعدها، فكتم ~~جواه وأخفى هواجس هواه. # وأقامت المركيزة الحسناء في «سرڤيل» بعد المأدبة ستة أسابيع وأهل الناحية يتحدثون في ~~أمرها وأمر «ڤكتور» ويكثرون فيهما الأقاويل، ولكن من غير شاهد أو دليل، فقد كان المحبان ~~على حذر من الرقباء يكتمان الحب ويظهران خلو القلب كلما التقيا على مرأى من الناس، حتى ~~كأن الذي بينهما معرفة قريبة العهد لا غرام موثق العهد، ولما سارت المركيزة إلى باريس ~~تجلد «ڤكتور» للاعج الأشواق، وغصة الفراق، وزار أهلها في «سرڤيل»، ولم يكن على شيء من ~~علائم الاكتئاب ودلائل الاضطراب، ولكنه لم يمض على ذلك غير بضعة أيام حتى أعياه التجلد ~~وعناه الصبر، فبكر ذات يوم إلى غرفة زوجته وقال لها متلطفا ما استطاع. ~~- أروم السفر إلى باريس لمصلحة تقتضيه فهل تأذنين في ذلك؟ ~~- لك الأمر فافعل ما تشاء. ~~- إذن أسافر غدا، أستودعك الله. # 4 # الحب أول ما يكون مجانة # فإذا تمكن صار شغلا شاغلا # بعد الذي مر بنا من حديث، «ڤكتور» و«ماري» تعاقبت عليهما الأيام وتوالت الشهور عامين ~~طويلين، وهو مقيم بباريس يجتني زهر الصفاء من حدائق الهناء، ويرشف راح الأفراح بكئوس ~~الانشراح، وهي مقيمة ب «مرلي» تغالب الغم والكمد، وتحاول الصبر والجلد، وتسأل ms35 الله ~~المعونة والمدد. # وكان «ڤكتور» قد كتب إلى قومه بعد وصوله إلى باريس يقول: # إنه عزم ~~على الإقامة بها شهرين لا شهرا واحدا ليتسنى له رؤية ما اشتملت عليه من ~~الغرائب والعجائب، ثم زعم أنه شديد الرغبة في طلب العلم قوي الميل إلى استكشاف ~~أسرار السياسة، وأنه يروم دراسة القوانين ليصير فقيها فيتأتى له الوصول إلى ~~مرتبة النيابة، ثم تململ من كونه رجلا عطلا لا أثر له ولا فائدة منه أهمل ما ~~آتاه الله من الذكاء ورضي من الحياة بالخمول والكسل، فلم يكن له سؤدد ولا شرف، ~~وجملة قوله أنه طمح إلى المعالي وحدثته نفسه بالمجد، فاختار المقام بباريس ~~لعلمه بأن زوجته صادقة الحب فلن تعارضه فيما يسعى إليه مما يعود بالمجد ~~والفائدة عليها وعليه، وأنه سيدرك أمنيته بعد حين فيستقدم «ماري» إليه لتكون ~~شريكة سعده وقسيمة مجده ورفيقة أنسه بلا خوف من الفراق، وغير ذلك من أنواع ~~الخديعة وضروب الحيلة. # وما نفذت في «ماري» خدعة «ڤكتور» واحتياله، ولا انطلى عليها محاله، ولكنها صبرت على ~~تجنيه ورضيت بما كان يقضيه، فكانت تكتم الغم وتكظم الغيظ منه، ولا تراسله بما يشف عن ~~القلق واشتغال البال، إلا أنها كتبت إليه مرة تذكره بأن مالهما غير كثير، فلا يجوز لهما ~~إنفاقه جزافا وحرمان أولادهما منه، ثم ترجوه موالاة الرسائل، وأن يقدم إليهم لتراه متى ~~أمكنه من ذلك شغله الشاغل الجديد، وهلم جرا مما لا يخرج عن حد التلطف ولا يشعر ~~باختلال الوداد حتى أن «ڤكتور» لما قرأ ذلك الكتاب اغرورقت عيناه بالدمع وأوشك أن يعود ~~إلى بلده، لولا أن جذبته على رغمه جاذبة الهوى، فأقام لدى «أليس» ينشد في حبها بلسان ~~الحال قول من قال: # أقمت كما شاءت وشاء غرامها # لها الذنب لا تجزى به ولي العذر # وفارقت أهلي في هواها وإنني # وإياهم لولا الهوى الماء والخمر # وكان حب الباريسية الحسناء قد سرى في نفس «ڤكتور» سري النار بالضرم، فكان يزورها ما ~~شاء الحب والشوق لا يخاف عذولا، ولا يخشى رقيبا «بما اعتاده ms36 كبراء الفرنج مما يسمونه ~~بالحرية أو بسلامة النية وهو بغير ذلك أشبه»، فدخل عليها في خدرها ذات يوم في الساعة ~~الثانية بعد الظهر، ولم يكن هو ذلك الفلاح الساذج المتهيب الأجنبي عن بهارج الزينة ~~وأحوال الاجتماع كما رأيناه من قبل، ولكنه كان غيسانيا مترفا منعما لبيبا مليح ~~الشباب، كامل معاني الحسن، شائق الرواء، رشيق الحركة بلا كلفة ولا اكتساب، وممن يأخذون ~~بالأسباب ويعظمون في أنفس الناظرين ما لم يكونوا لهم من الحاسدين: # يزيدك وجهه حسنا # إذا ما زدته نظرا # فتلقته المركيزة بابتسامة لها في ثغور الحسان معان يفهمها المحبون، وظهرت منها عليها ~~سيماء الإعجاب به والحب له، فمدت إليه يدها البيضاء فقبلها باحتشام، ثم أبقاها بين ~~يديه فقالت: تأخرت عني يا «ڤكتور» وقد كنت أنتظر قدومك لنتشاور فيما ألبس الليلة لمرقص ~~السفارة، فإني أريد أن أكون ملكة الحسان فيه. ~~- ما عليك إلا أن تظهري، فما أحد ينازعك التاج. ~~- لست أطلب منك المدح وإنما أروم المشورة، فماذا تقول في إكليل من زهر العطر شاهي؟ ~~(زهر يعرف أيضا بإبرة الراعي ينظم بين الجواهر وتجعل باقة منه على الصدر فوق ثوب من ~~اللاذ الأزرق). ~~- هذه غاية الحسن والزينة، فإن العطر شاهي نادر الوجود في هذه الأيام، أما الثوب ~~الأزرق فتكونين فيه قمرا في سماء زرقاء عليه إكليل من الجواهر والزهر من دونه أكاليل ~~النجوم الزهر. ~~- أتستحسن ذلك حقيقة؟ ~~- غاية الاستحسان. ~~- لا أخفي عنك أن هذا الرأي مكتسب، فإن «باتون» الزهار قال ل «جمدراتي» إن امرأة قد ~~استشارته فيما نتزين به من الزهر، فأشار عليها بالعطر شاهي، ثم لم يجد منه غير شيء ~~قليل فآثرني به عليها. ~~- أصاب وراعى النظير. ~~- وأنت متى تتبعني إلى السفارة؟ ~~- بعد زيارة الوزير، فقد علمت أن الأمر على ما نريد، وأن النجاح عتيد، وأزيدك أنه قد ~~عزم على عرضي للنيابة متى جاء وقت الانتخاب، فسوف أصير باهتمامك نافعا للوطن. ~~- آه لو كنت تعلم مقدار إعجابي بمزاياك، وما أذكره في كل يوم من أنك لولاي لكنت ~~باقيا في بلادك مجهول ms37 المكان خامل الذكر، تنمو نمو النبات بلا منفعة ولا أثر مع كونك ~~مخلوقا لتعظم في الدنيا آثارك، ويعلو في الوجود منارك، فكلما نظرت إليك الآن وسمعتك ~~متكلما بأحسن بيان، ورأيت ما لك من المزية على الأقران؛ حمدت الله سبحانه واجب الحمد ~~على أن وجدت في سبيلك لأرشدك إلى غايات المجد. ~~- صدقت أيتها الحبيبة المفداة بالروح، فلقد هديتني سبيل الفلاح، وأنقذتني من عذاب ~~الضجر، ولولا أن رأيتك لمت غما ويأسا محترقا بشعلة الذكاء التي أوقدتها في قلبي ~~السماء، فقد كنت أذوب كل يوم كما يذوب الشمع، ولا أدرك لذلك سرا فأهيم من التصور في ~~أودية آمال يمثلها الخيال، وليست بموجودة في واقع الحال حتى استقبحت وجودي واستهجنت من ~~كان لهم في قلبي مكان من الحب؛ فصرت منفردا لا أجد أنيسا، ولا ألتمس جليسا إلى أن ~~تجليت لي في مظهر الجمال، فتحولت هاتيك الأحوال، فأنا الآن حي بهواك سعيد برضاك لا أرى ~~من محاسن الوجود سواك، أغمض الطرف حين لا أكون لديك، ولا ترى عيناي عينيك لأعود بالفكر ~~إلى الأيام السالفة، فأذكر ملتقانا الأول إذ رأيتك في كنيسة منزلنا بين البروق اللامعة، ~~فخلتك ملكا على سحابة تنبعث منها أشعة النور، ثم أذكر موقفنا على الآثار والأطلال، ~~ورجوعنا من الغد إلى عين التلاقي، حيث اتحد منا القلبان، وامتزجت الروحان، فنطقت أنفسنا ~~بالحب من غير لسان، وأذكر المأدبة التي رأيتك فيها بهجة الأنظار وفتنة الأفكار، ~~وأحاديثنا من بعدها في كل يوم على تلك العين، ونحن من وراء حجاب من الخفاء لا ترانا ~~عين رقيب ولا عين، وإني ما كنت حيا إلا بقربك ولا موجودا إلا في حبك، فكان غيابك عني ~~غياب الروح عن البدن، فلم يكن بك من حاجة لاستخلافي قبل سفرك أن أسير إلى باريس على ~~أثرك، بل لو نهيتني عن ذلك لما كنت أنتهي، فإنك قد حببت إلي الحياة وأنت هي، ~~وأوضحت ذاتي لذاتي، وهتكت سجوف الخفاء عن صفاتي، فكل ما لدي من مال وما عساه أن ~~يكون في من حسن وكمال، ms38 وما ظهر علي من مخايل الذكاء وما ترين في من البهجة ~~والرواء، فهو مستمد من محاسنك الغراء، فأذني لي أجث بين يديك لأثني واجب الثناء ~~عليك. قال هذا ورام الترامي على قدميها، فأنهضته وهي تقول: آه ما ضر الزمان لو سمح ~~بتلاقينا قبل هذه الأيام؟! ولم يكن بين كل منا والآخر حاجز مكروه. ~~- كان ذلك من فوق اليدين يا قرة العين، على أننا قد وجدنا لنحيا معا مؤتلفين ~~متحدين، ويمين الله لن نفترق ما دمنا أحياء. ~~- لا ريب عندي في صدق حبك وثبات قلبك. ثم قالت ولسانها يتلجلج وصوتها يتهدج: ولست ~~ألم بما في نفسك من العواطف الأجنبية عني إلا بلطف واحتراز، ولكني في قلق مستمر ~~منها، فلا بد أن أسألك: هل عندك خبر من «بواتو»؟ ~~- نعم. ~~- وكيف حال مدام «ديلار»؟ (تعني زوجته). ~~- تزعم أنها الآن أحسن حالا، ولكني في ريب من ذلك، فقد رأيت في كتبها سرا غريبا ~~لم أر مثله من قبل؛ فأيقنت أنها تكتم عني حقيقة الأمر. ~~- إن كانت منحرفة المزاج، فقد وجبت عليك زيارتها لتدفع الظنون، وترى أولادك الذين ~~تحبهم حبا صادقا. ~~- أذكرتني من ذنبي ما كنت ناسيا يا «أليس»، نعم، إني مخطئ إلى التي لم أر منها إلى ~~الآن غير الحب، وإن أولادي أعزاء علي، غير أن هذا الحب وذاك الذنب يخفيان في مظهر ~~هواك، فإنك تسليني عن كل موجود، ولا أسلوك بشيء من الوجود، ولقد أفرغت قلبي من كل ~~شيء سوى حبك، فصار لك الملك فيه بلا شريك. # ملكتك القلب فرفقا به # ما أحسن الإحسان ممن ملك! # أستغفر الله فما أنت من # هذا الملا إن أنت إلا ملك # وحينئذ ضرب ناقوس الباب إشارة إلى قدوم زائر جديد، فانقطع حديث الأليفين، وانصرف ~~«ڤكتور» يسعى في شأنه وبقيت المركيزة تنتظر قدوم الزائر، ولما عاد «ڤكتور» إلى منزله ~~للعشاء، رفع إليه الخادم كتابا من الكونتة «سرزول» ترجوه فيه أن يأتي منزلها في الساعة ~~الثالثة بعد الظهر، فإن تأخر عن هذا الميعاد، فلا يزعجن نفسه بالمسير إليها، فإنها ms39 لا ~~تكون في المنزل بعد الساعة الخامسة. # وكانت هذه الكونتة من نساء القصر الملكي قبل الثورة، ولها صداقة قديمة مع والد ~~«ڤكتور»، وكانت كريمة الخلق، شريفة عالية النسب، معروفة بالفطنة والذكاء، ولها أصدقاء ~~كثيرون في حي النبلاء المسمى «فوربورسين جرمين»، وكان «ڤكتور» قد أفنى الحيل في ~~استعطافها إليه، فأعرضت عنه بما بها من الحرص على التستر والاحتشام الظاهري، وما رأت من ~~تهتكه في حب «أليس»، بل وقفت له ولها بالمرصاد توسعهما عذلا ولوما، وتروم التفريق ~~بينهما رحمة بزوجة «ڤكتور»، حتى فرط منها إلى بعض الناس قول يشعر باستعدادها لإصلاح ما ~~أفسد الهوى بين «ڤكتور» و«ماري»، فصار هذا الشأن همها الفرد من ذلك الحين، وكانت ~~صداقتها مع الكونت «ديلار» قديمة أتى عليها نحو خمسين عاما، وقيل: بل كان بينهما حب لا ~~يفي لفظ الصداقة بمعناه، ثم تحول ذلك الحب صداقة بعد أن ارتحل الشباب وأقفر مغناه، فكان ~~الكونت يستريح إلى حبيبته القديمة بأسرار ضميره، فلما وقع من «ڤكتور» ما علمناه كتب ~~إليها يخبرها بسفره، وما ألم ببيتهم من الغم، وكيف صبرت «ماري» على ذلك صبرا ~~جميلا، وأعلمته هي بما كان من ابنه في باريس، وأنه بلغ من شدة حبه للمركيزة أن غادر ~~لأجلها آبائه في السياسة، وانحاز إلى نصراء الوزارة، فأضاع شرفه في سبيل الحب، وكانت ~~الكونتة غاضبة على «ڤكتور» من وجهين: الأول أنه تهتك في الحب فأضاع أدبه، والثاني ~~أنه اتبع من السياسة مذهبا لا يلائم نسبه، وطالت المراسلة بينها وبين أبيه فيما يحسن ~~التوسل به إلى رده عن الغواية وإرشاده سبيل الهداية، ثم سارت بنفسها إلى مرلي، ولا شك ~~أنها لم تغادر مستقرها الأمين إلا لأمر ذي بال، وكانت بعد رجوعها متحجبة في منزلها لا ~~تزار إلا في أوقات معينة، ولا تخرج إلا متنكرة مستصحبة فتاة من النساء تزعم أنها أتت ~~بها من «بواتو» لتكون لها رفيقة، فالتبس أمرها على الناس، فصارت كمن يعد مكيدة لأهل ~~الحكم. # فلما وقف «ڤكتور» على كتابها ساءه فوات الوقت الذي استزارته فيه، وخاف ms40 أن تتخذ تأخره ~~عنه حجة جديدة عليه؛ فإنه كان - على ذكائه وحسن بيانه - يخاف جدالها في قضية حبه التي ~~لا تقوم له فيها حجة ولا برهان، فكتب إليها يعتذر بما وجد من العذر، ثم أقبل على إصلاح ~~شأنه استعدادا للذهاب إلى المرقص. # ولما جاء الوقت المعين في أوراق الدعوة تجلت غرف السفارة الإنكليزية بأنواع الزينة ~~المعتادة في المآدب الكبيرة، وتقاطر إليها المدعوون من كل جانب، حتى كاد الزحام يمنعهم ~~من الحركة - يا عجبا كيف لا يمنعهم من الفرح والهناء - وكانت المركيزة الحسناء في ~~المرقص فتنة للناظرين سطعت جواهر حليها من تحت أزهار العطر شاهي، فاستوقفت لها الأبصار، ~~فما تحدث من رآها إلا في حسن زيها وجمال محياها، ولم تكن أتت المرقص إلا بعد نصف الليل، ~~كما هي عادة الحسان المتصببات «لتنتظر فيعظم الشوق إليها»، فدار بها الناس وهي دائرة ~~النظر على «ڤكتور» حتى لمحته بين الجمع فتقدمت إليه، ورأت علائم إعجابه بها بين عينيه، ~~فلمعت لذلك أسرتها وتمت به مسرتها. # وعند الساعة الأولى بعد نصف الليل أعلن الحاجب قدوم الكونتة «سرزول» والويكونتة ~~«ديلار»، فالتفت أهل المرقص متعجبين مما سمعوا، فإنهم كانوا يعرفون «ڤكتور ديلار»، ولكن ~~لم يكن فيهم من رأى زوجته، بل كان أكثرهم يحسبونه عزيبا، فلما نطق الحاجب باسم تلك ~~الخاتون المنسوبة إليه أخذهم في أمرها حب الاستطلاع، فداروا بها من كل جانب يرمونها ~~بالأنظار، ويتداولون في شأنها الأقاويل والظنون، أما هي فكانت مرافقتها للكونتة كافلة ~~لها بحسن القبول عند السفيرة وسائر خواتين المأدبة، ولكنها كانت مع ذلك خائفة كاسفة ~~البال، مشردة الفكر لائذة بأذيال رفيقتها تهيبا من «ڤكتور» أن تلقاه فيسوءه انقيادها ~~إلى رأي مدام «سرزول» حتى وهن عزمها وكاد الخوف يعجزها عن الوقوف لولا أن شدت الكونتة ~~أزرها، وأزالت من قلبها الرعب، وعللتها بإدراك الأماني، وأنها ستكون هي المشار إليها ~~بالبنان بين جميع من في المرقص من الحسان. # وكان زي مدام «ديلار» مماثلا لزي المركيزة الحسناء، على أن ثوبها الأبيض كان أزين، ~~وباقات الأزهار عليه أحسن، وجواهر ms41 حليها أبهى وأثمن، ولم تكن تلك الجواهر لها وحدها، ~~ولكن أعارتها الكونتة من حلاها الثمينة ما كملت لها به أسباب الزينة، والتمست لها العطر ~~شاهي من منابته، ولم تترك ل «باتون» - بائع الزهر - منه غير القليل، فكان لها منه ~~أكاليل منسوقة موفورة، ولم يكن للمركيزة إلا أزاهر قليلة منثورة، وفي الجملة أن زينة ~~«ماري» كانت أبهى من زينة «أليس» على قرب المماثلة بينهما، وقد اتضح ذلك لمن رأى ~~الاثنين من أهل المرقص، فصح عندهم أن «ماري» إنما عمدت إلى تلك المماثلة لتبين كيف ~~يظهر الفرق بين المتشابهات، فكان ذلك موضوع الأحاديث في كل حلقات الرقص، ولما اشتد قلب ~~«ماري» قالت لها لويكونتة: ينبغي أن ترقصي مع ابن أخي ليراك زوجك، ولا تخافي سوءا فإنك ~~منصورة لا محال وما لك من شبه في هذا الجمال، فامتثلت أمرها ورقصت مع ابن أخيها بين ~~الراقصين، ولم تكن منفردة في الجمال، ولكن كان في حسنها غضاضة ومائية قل أن توجد في ~~نساء باريس - لشدة ما يكابدون من عناء السهر وضنك الأثواب - وكانت مع ذلك جديدة، ~~وللجديد عند الناس طلاوة، فإن أكثرهم كالمبتذل الذي أتى عليه وقت طويل، فهو يمل ما ~~كان موجودا ويلتمس كل يوم حسنا جديدا، أما «ڤكتور» فكان لدى المركيزة في آخر الغرف ~~لاهيا بمسامرتها عن الرقص والراقصين، وكان قد أتى عليه هناك ساعة من الزمن، ولم يسمع ~~بحديث زوجته حتى دنا منه أحد أصحابه، وقال له: ماذا تقول في مليحة فتانة تنسب إليك، وهي ~~بصحبة الكونتة «سرزول»؟ ~~- وهمت يا صاحبي، فليس في باريس من امرأة تنسب إلي. ~~- لست واهما، لست واهما؛ فالمرأة تدعى بالويكونتة ديلار، وهي الآن ترقص في الغرفة ~~الأولى، وقد حدقت بها الأبصار وافتتنت بها العقول؛ فإنها من آيات الحسن ~~والجمال. ~~- أعيد إليك القول أنك واهم فيما انصرف خاطرك إليه. ~~- إني على هدى وبينة مما أقول، والفتاة بزي سيدتي - وأشار إلى «أليس» - ألا إن ~~ثوبها أبيض. ~~- فقالت «أليس»: بهذا الزي؟! ~~- نعم سيدتي، بزيك هذا ... أزاهر من العطر شاهي وحلى ms42 متألقة الجواهر. # فتساءلت أعين «ڤكتور» و«أليس» عن سر هذا الأمر، فقال «ڤكتور»: لا، لا يمكن! ~~- فقال صاحبه: هلم وانظر بعينك. # فأجاب «ڤكتور» متبسما من الغيظ: أنت وما أردت، فسر بنا لنرى. # وانطلقا إلى الغرفة الأولى مخترقين صفوف الراقصين المتزاحمين على رفعة قدرهم تزاحم ~~الغوغاء حتى تجلت لهم الحسناء المقصودة، فتبينها «ڤكتور» فإذا هي «ماري» بعينها، لكنها ~~لم تكن كما عهدها ساذجة فطرية الخلق تخاف الكلام، ولا تكاد تحسن تأدية السلام، وإنما ~~كانت بهية فتانة رشيقة الحركات ذات بهجة ورواء، فحار في أمرها، ولم يدر كيف أتت باريس، ~~وكيف تحولت أحوالها السابقة، ثم التقى نظره بنظرها، فأوشكت أن يغمى عليها من التهيب ~~والخوف، ولكنها تجلدت، فسكن جأشها، فأتمت الرقص، وحينئذ شعر «ڤكتور» بيد مسته في ~~كتفه، فالتفت فرأى مدام «سرزول» تبتسم إليه ابتسام الظافر وهي تقول: ألا ترى أني أعددت ~~لك دهشة تجلب السرور، وأني أتقنت تعليم زوجتك فنون الإتقان، وأحسنت تلقينها أساليب ~~الإحسان؟ وهل عرفتها بعد تغير أحوالها وظهور جمالها؟ ~~- لك المنة والفضل فيما تكلفت من تعليمها وتغيير أحوالها، ولكن ما ضر لو ~~أخبرت بالأمر وإن لم أشاور فيه، ألم تروني لذلك أهلا؟! ~~- لا يا حبيبي الويكونت، ولكني ووالدك قد أضمرنا لك هذه الخدعة المطهرة، والدهشة ~~السارة، ولو أظهرناك عليها من قبل لضاعت بهجتها، وقد أعيتنا زوجتك ترددا وامتناعا حتى ~~تم لنا إلجاؤها إلى ما تراه اعتقاد أن يجلب لك السرور. ~~- لقد كلفت نفسك يا سيدتي من المبالغة في الاهتمام. ~~- لا أجد من كلفة فيما يجلب لك المسرة، فأنت ابن الصديق القديم الذي أتى علي في ~~صداقته خمسون عاما، وما كتبت إليك صباحا أدعوك إلى زيارتي قبل المساء إلا لأن «ماري» ~~أبت أن تأتي المرقص من غير أن تعلمك بذلك، وقد سرني غيابك عن منزلك وقت الزيارة، فإني ~~أمنت به ضياع الدهشة وذهاب ما أتوقع لها من حسن التأثير. # ثم تقدم نحو «ڤكتور» صاحبه الذي أخبره الخبر، ولم يكن سمع ما دار بينه وبين الكونتة ~~من الحديث فقال: أرأيت مدام ms43 «ديلار»؟ ~~- نعم، وهي زوجتي بعينها، وقد أتت باريس هذا المساء ونزلت على الكونتة «سرزول»، فكتمت ~~الكونتة عني خبرها على سبيل المداعبة والمباغتة بالسرور. ~~- هنئت بها يا صاحبي فهي آية من آيات البهاء! ~~- ولست كاتمك أني من لقائها في أتم الهناء. # ثم انتهى دور الرقص، فتمشت «ماري» قاصدة زوجها والكونتة وهي تتعثر بأذيال الخوف حتى ~~وقفت تجاه «ڤكتور» ولم ترفع طرفها إليه، فقالت لها العجوز: لا بأس عليك با بنية، ~~فإني قد التزمت العهدة في كل ما جرى، فلن تسمعي فيه لوما، ثم إن زوجك يحبك الحب ~~العظيم؛ فلا خوف منه، فقال «ڤكتور»: مرحبا بك يا سيدتي، وإن كنت قد اخترت لنا هذا ~~الملتقى العمومي، فقبضت «ماري» على يد زوجها وعلت وجهها حمرة الخجل، فقالت لهما ~~الكونتة: تخطرا معا يا ولدي، وأنت يا «ڤكتور» كن معجبا بامرأتك مسرعا لإظهارها للناس ~~فذلك يفيدك خيرا، وسأقدمكما إلى بعض ذوي المقامات الذين يحصل منهم النفع. ~~- فلم يستطع «ڤكتور» مخالفة الكونتة، بل سار بزوجته على أثرها، فطافت بهما على أهل ~~المرقص تعرف بهما أكابر الوجهاء، رافعة صوتها ما أمكن رفع الصوت في ذلك المقام، ~~مخاطبة كل من تقف به بشيء من هذا الكلام، لله ما أحسن هذين العروسين! إنهما سيقيمان ~~بباريس، كان اعتلال مدام «ديلار» هو السبب في افتراقهما، وقد عاودتها العافية فلن ~~يفترقا بعدها، أما أحسنت في الجمع بينهما في هذا المرقص البهيج؟ أما ترون عليهما لوائح ~~الهناء والسعادة؟ # وكانت «ماري» في الواقع فرحة مفعمة القلب هناء وسرورا، لكن «ڤكتور» كان مبتئسا ~~مضطرب الذهن، منقبض الصدر، منفعل النفس من كل الوجوه، يروم الخروج من موقفه الحرج ولا ~~يستطيع التخلص من ملازمة الكونتة؛ فإنها لم تكن تغفل عنه طرفة عين، وقد بشرته بأنها ~~لا تنصرف من المرقص في ذلك اليوم السعيد الذي هو عندها بمنزلة العيد إلا بعد انتهاء ~~الرقص وتفرق المدعوين. # وكانت «أليس» على حالة من القلق لا يعرفها إلا من يعانيها أو يقع فيما يدانيها، فلم ~~تجرؤ على التحول من مكانها، بل وقفت ms44 فيه شاخصة إلى باب الغرفة تنتظر إياب «ڤكتور» ~~انتظار المتهم لقضاء الحاكم، حتى مر بها صاحبه الذي أتاه بنبأ زوجته، فابتدرته بالسؤال ~~عنه غير مالكة من نفسها ما يليق بها من الجلد، قالت: ماذا جرى على الموسيو ~~«ديلار»؟ ~~- تركته سعيدا فرحا، يمشي على الأرض مرحا، ووددت لو رأيته وزوجته يتخطران بين ~~الراقصين والكونتة تحول إليهما الأنظار. ~~- أتركته مع زوجته؟ ~~- نعم، نعم، وهي لعمر أبي فتانة حسناء يأخذ حسنها بالألباب، أفما عرفتها يا ~~سيدتي؟ ~~- عرفتها ... رأيتها في «بواتو» فلاحة عسراء بلهاء. ~~- لست أدري إن كانت بلهاء، ولكني أقول عن يقين إنها ليست فلاحة ولا عسراء. ~~- وهل هما الآن معا؟ ~~- على أحسن حال من المسرة والهناء، ينظر إليهما بالأعين ويشار بالبنان. # فأوشكت المركيزة أن يغمى عليها من هذا القول غيرة وقلقا بما خطر لها من الخواطر ~~وما داخلها من الظنون، وحدثتها النفس بداءة بدء أن تناظر ضرتها علنا بشاهد الحسن ودليل ~~الجمال، ثم خامر قلبها الخوف من حيث لم تدر، وكانت هذه أول مرة خافت بها مناظرة الحسان، ~~فرأت أن الفرار أوقى لها من الثبات، وأحفظ لكرامتها عند ذوي المقامات، فعولت على ~~الانصراف، وقالت للفتى صاحب «ڤكتور»: أرجوك أن تدعو إلي الموسيو «ڤلمورين» من هذه ~~الغرفة - وأشارت إلى مكانه - فقد دعاني إلى الانصراف ثلاثا ولا أحب أن أكلفه ~~الرابعة. # فامتثل الفتى وأبلغ إلى المركيز «ڤلمورين» مقالة زوجته، فسارع إليها ملبيا مطيعا، ~~وكانت هي قد أيقنت بتعذر انتصارها في ساحة المناظرة، فرضيت بالتقهقر من غير انكسار ~~للنجاة من غير فرار، فعقدت يدها على ساعد زوجها، وتمشت وإياه في غرف القصر متخطرة ~~مختالة دلالا وعجبا تبتسم لكل من تراه، وتتيم كل من تلقاه، حتى أجمع أهل المرقص ~~رجالا ونساء على أنها لم تر من قبل أجمل منها في تلك الليلة وأحسن، ثم لمحت الكونتة ~~وماري ومعهما الموسيو «ديلار» عند المائدة؛ فأومأت إليهم بالسلام ولم تجرؤ على الدنو ~~منهم خشية أن يخونها الجلد، فانطلقت بزوجها مسرعة هارعة حتى أتت موقف العربة، فانطرحت ~~في زاويتها كاسفة ms45 البال واهنة العزم، ونظرت الكونتة إليها وهي منصرفة على تلك الحال، ~~فأخذتها الشفقة عليها فقالت بنفسها: أسفا عليها! إن عذابها لأليم، ولقد فعلت فعل كرام ~~النفوس، فهي جديرة بأن يرق لها لولا أنها على الباطل، وأن الحق بالنصر أحق. # ثم التفتت تطلب «ڤكتور» فلم تجده، فسألت عنه «ماري»، فلم تعلم كيف غاب، فساءها ذلك، ~~ولكنها لم تكن ممن يقفون في السبيل قبل إدراك الغاية، فأخفت ما نالها من القلق ~~والاضطراب، وعادت إلى الطواف حول الراقصين في الغرف، ثم حملت «ماري» على الرقص حتى ~~كلت وأعيت، فلجت بطلب الانصراف، فأمرت الكونتة بتقديم عربتها وأجلست الفتاة، ثم ~~أمرت السائق بتوجيه الخيل إلى بيت «ڤكتور»، فصاحت «ماري»: رحماك يا سيدتي، كيف نسير إلى ~~منزله؟! ~~- وإلى أي منزل غيره تسيرين؟ أيحسن بزوجة المسيو «ديلار» أن يعرف أنها في باريس، ~~ولا تكون في منزل الموسيو «ديلار»؟! ~~- وما الرأي إن طردني من بيته؟ ~~- إن حمله الحقد والطيش على الإعراض عنك، فما عليك إلا أن تتركيه وشأنه حتى يجيء ~~أولادك غدا، فيشتد بوجودهم أزرك، وتغلب حجتك، أما طردك من البيت فاعلمي أنه لا يتجرأ ~~عليه. ~~- لست بجاسرة على دخول منزله كيف كان الأمر. ~~- إني أرافقك إليه وأضمن لك البقاء فيه. ~~- توكلنا على الله ... # ولما بلغتا منزل «ڤكتور» استوقفت الكونتة العربة، وأرسلت السائق بين يديها مخبرا، ثم ~~اقتادت «ماري» من يدها إلى الدرج، فرأتها ترتعد وجلا، فقالت لها: تجلدي، لا بأس ~~عليك، أترضين أن تكون العجوز أقوى منك، وأن تستعيني بها على السير؟! # ثم وصل سائق العربة وقرع باب الدار، فخرج إليه الخادم والنوم ملء عينيه، ولما رآه ومن ~~ورائه الكونتة و«ماري» عجب من قدومهم إلى دار سيده في مثل تلك الساعة من الليل، فقالت ~~له الكونتة: هذه الويكونتة «ديلار» فبشر زوجها بقدومها. ~~- إن سيدي غائب لم يعد بعد. ~~- إذن ننتظره. # فسار الخادم بين يديهما بالمصباح إلى مجلس الدار، فلما أوصلهما قالت له الكونتة: إن ~~الموسيو «ديلار» لم يكن متوقعا وفود السيدة عليه في هذه الليلة، وإنما هي ms46 دهشة مضمرة ~~له، فلا شك أنكم لم تستعدوا لاستقبالها الآن، فانحنى الخادم تصديقا على هذا المقال ~~وانصرف لإعداد ما تحتاج إليه سيدته من أسباب الراحة، فقالت «ماري» مغمغمة: ماذا عساه أن ~~يقول؟ # ثم نظرت إلى ما حولها من الآنية المستظرفة، والتحف الثمينة المزخرفة، فدلتها الفطرة ~~الأنثوية على أنها تذاكر أو هدايا نسائية، فقالت: ما هذا الإسراف والتبذير؟! وكم فيما ~~أراه من أثر لغيري؟! ~~- عليك بالتجلد يا بنية، فأنت ههنا صاحبة الحق الجلي، فلا تجزعي، إن الله ولي أمرك، ~~وأخيار الناس أنصارك. # وبقيتا بعد ذلك صامتتين نحو نصف ساعة، والكونتة على شيخوختها لا تظهر شيئا من علائم ~~الكلال والتعب غير أنها كانت تهز كتفيها من حين إلى حين تململا من الانتظار، ثم أحست ~~بحركة عربة وقفت في الطريق، وضرب بعد وقوفها جرس المنزل، ففتح الباب، فقرع أذنها صوت ~~«ڤكتور»، وسمعت الخادم يخبره بقدوم زوجته، ثم رأته مقبلا على المجلس، فنهضت إليه ~~و«ماري» لا تستطيع نهوضا، فلما وصل قالت له العجوز: هذه زوجتك يا حبيبي الويكونت ~~صحبتها إلى منزلك لأسلمها إليك تسليم الأمانات ثم أمضي فأستريح، وبسطت إليه يدها ~~للوداع وهي تقول: واعلم أني خدمتك خدمة من طب لمن حب، ولسوف تذكرني فتشكرني. # ثم عانقت «ماري» وهي فاقدة الرشد خوفا وانزعاجا، وخرجت فتبعها «ڤكتور» محاولا ~~إخفاء غيظه بمراسم التوديع ومواجب الإكرام في التشييع، ثم عاد إلى زوجته، فوقف أمامها ~~صامتا شاخصا إليها برهة من الزمان، ثم خاطبها والغيظ يكاد يخنقه فقال: إيه سيدتي! هو ~~ذا أنت عندي، وقد جئت غير مدعوة ولا منتظرة، ولم تبالي أكنت قادرا على قبولك أم غير ~~مستعد له، فجعلتني في موقف حرج أوشك أن أكون به سخرية لأهل باريس، لا جرم قد أفرطت مدام ~~«سرزول» في الاعتماد على شيخوختها وسطوة والدي فيما اختارت لنا من الحيرة والارتباك، ~~فإني أعرف من طباعك وأحوالك ما يحملني على الجزم بأنك لم تحضري المرقص مختارة، وإنما ~~أكرهت على المسير إليه، ولولا اختراعي لذاتي لما ملكت من نفسي الصبر، وكنت الآن ... ~~لا ms47 أدري ... أي شيء. ~~- مهلا «ڤكتور» مهلا، أرعني السمع ولا تلم الكونتة ولا والدك، ولا تسئ بي ~~الظن قبل استماع ما أقول، إني أجهل شأنك في هذا البلد، ولا أعلم لم حرمتني من لقائك، ~~ولكني لا أجهل الغاية التي تسعى إليها والأمنية التي تروم الحصول عليها، فأنت تلتمس ~~العلاء والمجد والثروة والعز، وتطمع أن يصيبك الانتخاب، وتكون من النواب، فيتسع لديك ~~المجال، فتبلغ نهاية الآمال، وأنت في كل ذلك محتاج إلى الصيانة مفتقر إلى ما يدرأ عنك ~~الشبهات، فلن تصير شيئا مذكورا حتى تكون مصون الظاهر وقورا، وإني لو استطعت إطلاقك ~~مما يفيدنا معا لما ترددت فيه، ولكن الأمر من فوق ما نريد، فإن لنا أولادا أعزاء ~~وأنت لهم لا لنفسك، ولا بأس مع ذلك عليك، بل كن كما شئت، وافعل ما أردت، ولا تبال ~~بوجودي في منزلك؛ فإني أكون فيه بمنزلة الصديقة الرفيقة أو بمكان الأخت الشقيقة، أو غير ~~ذلك مما تختار ما عدا منزلة الزوجة، فتراني متى شئت أن تراني، وأسليك من غمك إذا رأيتني ~~لتسليتك أهلا، ثم تفعل ما أردت، وتذهب أيان قصدت، وتكون ولي أمرك وأمورنا جميعا، لا ~~تعارض، ولا يعترض عليك، ولعلك تستريح في أوقات الفراغ لمداعبة أطفالنا، فتنكشف عنك ~~الهموم، فأولئك الأطفال ما برحوا أعزاء عليك لا محال، ويكون المشهود والمشهور من أمرك ~~عند الناس أنك محصن في أهلك مصون، فتندفع الشبهات عنك وتنقطع الظنون، ثم لا يلزمك ~~الاهتمام بتدبير المنزل، وتخف عنك مئونة النظر في صغائر الأمور، أما أنا فلا أطالبك ~~بشيء ولا أدعي لنفسي عليك حقا، وسأحفظ لك العهد وإن كان عنيفا عسيرا، وحسبي من ~~السعادة رضاك، ومن الهناء أن أراك. # أراك فيمتلي قلبي سرورا # وأخشى أن تشط بك الديار # فجر واهجر وصد ولا تصلني # رضيت بأن تجور وأنت جار # فعظم تأثير هذا الكلام في نفس «ڤكتور» حتى تغير لونه، وانقلب غيظه رقة، وصار غضبه ~~حلما، فانعطف إلى زوجته خافضا رأسه بين يديها متنصلا بلسان الحال من ذنبه إليها، ثم ~~قبض على يدها ms48 مرتعدا وقبلها مترضيا متوددا، فسقطت عليها من عينه دمعة الندامة، ~~فكفته «ماري» عن ذلك بألطف إشارة وقالت: لا يليق بنا الاسترسال إلى الشفقة أيها الحبيب، ~~فنحن إلى الجلد والثبات أحوج، فلتستعن بهما أنت على السعي في شأنك، وأنا على حفظ ما ~~عاهدتك عليه، وقد مسني الآن التعب فأرشدني إلى الغرفة المعدة لي، وغداة غد يصل ~~أولادنا الأعزاء، آه لو علمت مقدار شوقي إليهم! ~~- من أي وقت فارقتهم. ~~- من شهرين؛ فإن مدام «سرزول» رامت أن تعودني عادات أهل باريس، وتعلمني مخالطة ~~الناس حتى لا أوجب لك الخجل، فأتت بي من «بواتو» بأمر أبيك منذ شهرين، وبقيت عندها ~~متنكرة عنك إلى اليوم. ~~- حاشا لحسنك أن يورثني الخجل، فهو جدير بأن يبعثني على العجب والافتخار، فإنك أجمل ~~من رأيت تحت السماء، ولكم ذكرت بعد فراقنا أيام اللقاء، وعانيت من البعد صنوف العناء، ~~وندمت فلم ينفع الندم بعد إذ قضي الأمر وجف القلم. ~~- خفض عليك جعلت فداك، فغاية السعادة لي أن أراك سعيدا، ومنتهى الشقاء أن تكون ~~بعيدا، واكفف الآن عن الكلام غير مأمور، فسنعود إليه غدا أو بعده متى شئت، فقد أخذني ~~التعب، واستولى علي النعاس. # فسار بها إلى باب غرفتها، فلما خلت بنفسها سجدت تصلي وتدعو الله، والصلاة عون على ~~البأساء في شدائد الحياة ولا حول للإنسان ولا قوة إلا بالله. # ولما كان الصباح قدم الأولاد، فتلقاهم «ڤكتور» كما يلتقي الآيس نعمة منزلة من ~~السماء، فعانقهم مليا وقبلهم كثيرا، أما «ماري» فكانت تحمد الله على جمع الشمل ~~وتحقيق الرجاء، ولا تطلب في الهناء مزيدا، مخافة النقصان، وقد أنسي الاثنان ما مضى ~~وأتم الله عليهما نعمة الرضى، فجلسا يتجاذبان أطراف الحديث من قديم وحديث، وبينما هما ~~على هذه الحال الراضية، دخل الخادم ودفع إلى «ڤكتور» كتابا مزخرف الغلاف منسوق ~~العنوان، فلم يخف على «ماري» أمر هذا الكتاب، فنهضت وهي تقول ل «ڤكتور»: إني منصرفة ~~عنك لإعداد مكان ملائم لي وللأولاد، وقد ظهر لي أن هذا المنزل على صغره يفي بحاجتنا إلى ~~أن نجد ms49 مكانا أوسع منه، ثم ودعته وخرجت، فلما صارت بحيث لا يراها مسحت من عينها دمعة ~~كادت تحرقها ولبث «ڤكتور» كاسف البال، مضطرب النفس، يرى نفسه أشقى أهل الأرض لحصوله بين ~~أليفتين مخالصتين متساويتين في محبته لا يستطيع مقاطعة أولاهما؛ لأنها زوجته وأم ~~ولده وشريكته في اسمه، ولا يقوى على هجر الثانية؛ لأنه واثقها على الحب والوفاء، ~~فبذلت له نفسها متعرضة في سبيل حبه للعذل واللوم وضياع الحرمة عند زوجها وآلها وسائر ~~الناس، فهو بين قوتين جاذبتين يقاسي عذاب الخوف وملامة السريرة، وكان قد أفنى الحيل ~~طلبا لرؤية «أليس» بعد انصرافها من المرقص، فأعياه ذلك فتردد في فض كتابها مخافة ~~العتاب أو حذر العلم بما تعانيه من العذاب، ثم غلب عليه حب الاستطلاع، ففتح الكتاب فلم ~~يجد فيه شيئا مما ظن وخاف، وإنما كان مضمونه أنها تبينت ما تحتم عليه من حكم الضرورة، ~~فهي صابرة متجلدة لا تشكو ولا تلوم، وإنما تسأله أن يزورها لتسمع من لسانه حكاية الحال، ~~وإن كان الزمان قضى عليها بفراقه، فلا أقل من أن يتولى بنفسه تسليتها في هذا المصاب، ~~فهي تنتظر قدومه إليها صابرة ما أمكن الصبر. # فاستثاره هذا الكلام وجدا، واستفزه غراما وشوقا، فطار إلى منزل الحبيبة خافق ~~القلب، منزعج النفس، مشغول الفكر بما نالها من الغم، فرآها منفردة في خدرها منهوكة ~~القوة صفراء اللون غيرة وجزعا، فبسطت إليه عند دخوله ذراعيها، ثم أغمي من الوجد ~~عليها فابتدرها برش الماء، وفتح النوافذ لتجديد الهواء، فلما أفاقت رأته جاثيا لديها ~~يقبل يديها ويقول: لا تجزعي، لا تجزعي. # فإذا تألفت القلوب على الهوى # فالناس تضرب في حديد بارد # ولقد جمعت بيننا المودة، فلن نفترق ما دام فينا بقية من الحياة. # ألفت بيننا المودة حتى # جللتنا والزهر بالأوراق # نحن غصنان ضمنا عاطف الوج # د جميعا في الحب ضم النطاق # في جبين الزمان منك ومني # غرة كوكبية الائتلاق # كلما كرت الليالي علينا # شق منا الوفاء جيب الشقاق # ولما عاد إلى منزله وجد ابنه يلعب في بيت المائدة، فنظر ms50 إلى وجهه الأبيض الغض من ~~تحت شعره الأشقر الجعدي، فطابت بذلك نفسه، وانشرح له صدره، فعلم أن الحب الوالدي هو ~~اللذة المستقبلة التي ستسليه عما عساه أن يفقد من سائر اللذات، فخطاب الصغير بقوله: أين ~~أمك يا «أوجين»؟ ~~- أمي ... أعدت لنا عند الصباح غرفة بجوار مخدعها لنكون فيها منفردين عنك، فلا ترانا ~~إلا إذا شئت، ولا نزعجك متى كنت مشغولا. # فقال «ڤكتور» في نفسه: ما برحت هي إياها: خلق كريم، ونفس شريفة، وفؤاد سليم، وأنا ~~أقابل هذا الوفاء والإحسان بالخيانة والكفران. ولما شعرت «ماري» بقدوم زوجها أقبلت نحوه ~~مرحبة به باسمة له وهي تقول: رأيت الآن مدام «سرزول» فذكرت لها كل ما أبديت لي من ~~الملاطفة والمجاملة، فسرها ذلك أيما سرور وهي تروم أن أسير معها لزيارة بعض الوجهاء، ~~وتزعم أن في ذلك مصلحة لك، فإن كنت ترى هذا الرأي، فإنا نزور أولا مدام «درميلي» ومدام ~~«ڤلمورين» اللتين عرفناهما في «بواتو» من قبل. # ولما نطقت «ماري» باسم الباريسية الحسناء تهدج صوتها وارتعشت أعضاؤها بما نالها من ~~انفعال النفس، ولكنها تمالكت وتجلدت ما استطاعت حتى كاد قلب «ڤكتور» ينفطر شفقة عليها، ~~وحتى صغرت عنده نفسه بما وجد بها من كرم النفس؛ فضمها إلى صدره باكيا وهو يقول: عفوا، ~~عفوا، إن ذنبي كان كبيرا، فلست بالحب منك جديرا. ~~- دع عنك هذا الكلام فلا عتب ولا ملام، إني زوجتك الأمينة وأبى الله أن تألف نفسي ~~الحقد والضغينة، بل حسبي من السعادة أن أراك، وأفوز بدوام قربك ورضاك. # فلأنت من دون البرية موئلي # ولأنت من دون الأنام عتادي # فإذا دنوت فتلك غاية مقصدي # وإذا رضيت فذاك كل مرادي # فعلم «ڤكتور» بعد هذا المقال أن عفو زوجته واسع لا حد له، وعلمت هي أن في قلبه ~~بقية من محبتها، فأمسى قليل الوجل وباتت كثيرة الأمل. # ثم أتمت ما استأذنته فيه فزارت «أليس» ولم تجدها، فأبقت لها تذكرة الزيارة، فانفتح ~~بذلك باب التزاور والتلاقي بينهما، فنجا «ڤكتور» من ضنك الارتباك. # 5 # هي الدنيا تقول بملء فيها ms51 # حذار حذار من بطشي وفتكي # فلا يغرركم مني ابتسام # فقولي مضحك والفعل مبك # وتعاقبت الأيام على هذه الحال ستة أشهر طوال و«ماري» صابرة صبر كرام النفوس، لا تخلف ~~وعدا ولا تنكث عهدا، ولا تألو في إخفاء عذابها جهدا، و«ڤكتور» يرى منها ذلك الصبر ~~الجميل والتأسي العجيب، فيرق لها فؤاده بما فيه من رقة الحب. # من ملك الحب رقة # كساه لطفا ورقه # فمن غدا مسترقا # فقل هواه استرقه # ومن رأيت خليقا # فالحب تمم خلقه # وكان يترضاها بالإقبال عليها والانعطاف إليها، فلا تراه إلا مهتما بشأنها، مسارعا ~~إلى قضاء ما تريد، يتحفها بالهدايا والتقادم النفيسة على الولاء، وينفحها بما تشتهيه ~~نفسها من غير سؤال، ولا يعارضها في شيء من أمور المنزل، فتقول له كلما أتاها بهدية ~~غالية أو ثوب جديد: أكثرت من هذه الهدايا، أكثرت جدا، فلا تبذر من أجلي المال، فأنت ~~محتاج إليه. ~~- إنما أنفق من حباء الوالد منذ قدومك باريس، فإنه يرسل ما يلزمنا من المال رغبة في ~~مرضاتك، وتوفيرا لأسباب راحتك، ويأمرني أن أبذله في سبيل إسعادك من غير حساب، ولو ~~استطعت لألقيت تحت أقدامك ذهب الأرض في الطول والعرض. # ولم يكن هذا القول شافيا لعلة «ماري»، ولا ذاك المال المبذول كافيا في إزالة ما ~~بنفسها من ألم الغيرة، فالمال عرض أحقر من أن يكون للصادق في حبه غرضا، والحب مقام ~~أرفع من أن تصل إليه يد المتطاول بالمال، غير أن «ماري» لم تكن أشقى من الباريسية ~~الحسناء بالا، ولا أسوأ حالا، فإن الألم الذي يمكن إعلانه بلا خجل ولا خوف من اللوم ~~يخف على النفس وإن كان شديدا، ومن علم أنه على الحق هان عليه التأسي فيما يعانيه ~~من العذاب. # وكانت «أليس» شديدة الغيرة لا تستطيع الصبر على قرب «ڤكتور» من زوجته، مع معرفتها ~~بمكان «ماري» من صفاء النية والطهر، ولا تجد من سبيل إلى الراحة مع علمها بازدياد حب ~~«ڤكتور» لها واشتداد هواه، وكانت مع ذلك رقيقة الطبع، سريعة الحس، كريمة النفس، فكان ~~يؤلمها أن تكون مضطرة ms52 لغض الطرف وخفض الرأس كلما رأت زوجة «ڤكتور». # ومما زادها ألما وعذابا وشقاء بال أن زوجها المركيز «ڤلمورين» تنبه من رقدة غفلته، ~~فأساء بها الظن وداخلته الغيرة عليها، وكان السبب في ذلك أنها رأت «ڤكتور» يؤانس «ماري» ~~في محفل قوم من الوجهاء، فخانها الجلد وظهرت عليها الغيرة حتى تنبه لشأنها كل من كان في ~~المحفل، واتصل الخبر بحمويها فنقلاه لابنهما بغية أن يحفظ حوبته، ويصون حرمته، فأقام ~~على «أليس» العيون والأرصاد، ووقف لها بالمرصاد يراقبها نهارا وليلا، ولا يغفل عنها ~~طرفة عين، وإن رأى غير شيء ظنه رجلا، وهذا شأن المغفلين إذا وقعت في الأمر شبهة، ~~تولاهم فيه الطيش والعناد، وجاوزوا الحد في التوقي منه محتكمين بما يصوره الوهم، خائفين ~~الخديعة من حيث لا تخاف، حتى يعنتوا من وقع منه ذلك الأمر بالمراقبة من غير موجب والرصد ~~لغير علة. # ومع ذلك لم يمنع المركيز «ڤكتور» من دخول بيته، ولكنه أوجب على زوجته ألا تقبل منه ~~الزيارة إلا ندرا، فكانت تلقاه ويلقاها حيث لا يشعر بهما رقيب ولا تراهما عين، وأقاما ~~على هذه الحالة راضيين بها غير مباليين بالمشقة، حتى أحسا أن أرصاد المركيز يتبعون ~~زوجته أيان سارت، فاعتراهما الوجل، فعاد إلى التوقي والاحتراز، وكان «ڤكتور» قد اتخذ في ~~شارع «فوبورسنت أونوري» دارا كبيرة ذات قسمين، لكل قسم مدخل برأسه وبينهما باب لا يفتح ~~إلا من جهة واحدة، فاختار لنفسه القسم الذي يفتح من جهته الباب، وجعل زوجته في الآخر ~~مشترطا عليها ألا تدخل قسمه بالمرة، فلم تكن تلقاه إلا على المائدة في أوقات الأكل، ~~وكانت المركيزة الحسناء تزوره في ذلك المنزل كلما سنحت لها فرصة، وغفلت عنها أعين ~~الرقباء. # فأتته صباح يوم بلا وعد ولا خبر مضطربة راجفة لا تكاد تثبت على قدميها، وألقت بنفسها ~~على المقعد وهي فاقدة الرشد فصاح «ڤكتور»: جعلت فداك، ماذا اعتراك؟! ~~- قد اسودت الحياة في عيني، وصار الموت غاية ما أريد. # كفى بي داء أن أرى الموت شافيا # وحسب المنايا أن تكون أمانيا ~~- واحيرتاه! ما ms53 الذي حل بنا؟ ~~- نكثت عهدي وسلوت عني. # حتام حظي لديك حرمان # وكم كذا لوعة وهجران # أين ليال مضت ونحن بها # أحبة في الهوى وجيران؟ # وأين ود عهدت صحته؟ # وأين عهد؟ وأين أيمان؟ # ألم تر كيف كنت بالأمس تهتم بشأن زوجتك عند الكونتة «سرزول»، وكيف كانت هذه العجوز ~~الماكرة تنبه الناس لذلك إجهازا على فؤادي الجريح بسهم الغيرة. بلى، رأيت ذلك وكانت ~~زوجتك حسناء تعلن دعوى الصبر، وتظهر علائم الطهر حتى جدت في أعين الناظرين، وصارت هي ~~المشار إليها بالبنان في ذلك المحفل، فعاودك ما عهدته بل من حب الذات والعجب والزهو، ~~فملت إليها، وأقبلت عليها تروم إعلان سعدك وإبداء مجدك لكل من يراك. ~~- وهمت يا راحة الروح، فقد كنت يومئذ لا أكاد أنظر إلى «ماري». ~~- لا يفيد البيان بعد العيان، فقد ظهر غدرك الذي تنكره لمئتي نفس في ذلك المحفل، ~~وكانت مدام «سرزول» تلك التي نسيت عهد الصبا بعد بلوغها الخامسة والسبعين تبذل الجهد في ~~تنبيه فكرتي لذلك الغدر. ~~- أضعت رشدك يا قرة العين، فإن مدام «سرزول» قد أمسكت عن التداخل في أمورنا. ~~- مالت إلي الراحة؛ لتهنأ بما جلبت علي من العناء . ~~- «أليس» «أليس» ما هذا الكلام؟! # هل تعلمين وراء الحب منزلة # تدني إليك إذا ما الحب أقصاني ~~- لا لوم علي وإن فاتني الجلد، فإني أصرف الأيام في قتال أعدائي وأعدائك، لا أعبأ ~~بانخفاض شأني وضياع قدري، ولا أبالي بعاقبة أمري، ولا أروم إلا بقاء ودادك وصفاء فؤادك، ~~ثم لا ألقاك إلا خلسا يغفل عنها الرقباء، وأنت مع ذلك تهجرني لامرأة تخالها من ~~الملائكة لمجرد أنها تذرك وما تريد، ولو كانت من أهل الحب لظهرت عليها الغيرة، فإن ~~المحب غيور، قل لي - ناشدتك الله - ما الذي بذلته في حبك؟ وأي دليل أقامت عليه؟ ~~تزوجتها فقيرة وأنت غني، ولها الآن أولاد ملاح تأمل أن تجذبك إليها بمغنيط حبهم، وهي ~~مكرمة طيبة الذكر عند كل الناس، واللؤماء يرقون لها ليسلقوني بعد ذلك بألسنة حداد، وهي ~~مع ذلك تراك في أوقات معلومة، ولا ms54 تخاف شيئا ولا تحذر أحدا، فأنا أحق منها بالشفقة ~~وأجدر برحمة الناس. ~~- ما أردت أن أقطع الحديث عليك يا منية القلب؛ لأن اضطرابك شديد لا يؤمل الآن ~~تسكينه، وقد صدقت بما نطقت إلا من جهة خفيت عنك الحقيقة فيها، وهي أن «ماري» مع كل ~~ما تتأسى به مما أوضحت في مقالك ليست أقل عناء وشقاء منك، فإنها تحبني كما تحبينني، ~~وتغار علي كما تغارين أنت علي، وهي مع ذلك متجلدة صابرة يمزق الغم فؤادها، ولا أرى ~~منها غير الابتسام، فهل رأيت من يصبر الصبر ويفي هذا الوفاء في كل حين وعلى كل ~~حالة؟! ~~- إيه ما أحسن هذا القول! جئت أطارحك الحب وأشكو إليك ما بي من الوجد، فكان جوابك ~~الثناء على ضرتي، فلا كان اليوم الذي عرفتك فيه. ~~- مهلا «أليس» لا تسخطي على حبنا أو تحل بك الندامة، فالسخط باب الشقاء، إني أحبك حب ~~الشحيح لماله، وأحن إليك حنين الغريب لآله. # وحرمة عهد بيننا عنه لم أحل # وعقد بأيد بيننا ما له حل # لأنت على غيظ النوى ورضى الهوى # لدي وقلبي ساعة منك ما يخلو # إذا أنعمت نعم علي بنظرة # فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل # واختبريني بما شئت في هواك، فما اختياري إلا رضاك، ولو شئت مزايلة هذا المقام فرارا ~~من الرقباء واللوام لما باليت بترك الوطن والآل واطراح الأماني والآمال، وكان ذلك في ~~جنب ما بذلت لي من الحب يسيرا. # فلو صرفت زماني # والوجد أسقاه صرفا # ولو جعلت حياتي # عليك في الحب وقفا # ولو رأت كل يوم # عيني من الهول صنفا # واشتد فيك عذابي # فمت في اليوم ألفا # لم أوف حق ودادي # وكان حقك أوفى # ولم يكن كل ذا في # سفر المحبة حرفا # فدتك نفس محب # بالحب يشقى ويشفى ~~- يا للسعادة يا للفرح! أتقول ... أتنطق صدقا؟! ~~- متى شئت أقمت على القول دليل الفعل. ~~- شرحت صدري وأذهبت عني الغم. ~~- أسألك في مقابلة ذلك نعمة واحدة. ~~- قل ما تريد، فإني لا أخالف لك أمرا. ~~- لا تظلمي «ماري»، ولا تكوني في ms55 ريب من كمال فضيلتها وكرم خلقها. ~~- أمنت، وصدقت. ~~- ثم لا تسمعي فيها قول الأعداء، ولا تثقي إلا بما أقوله أنا. ~~- السمع والطاعة. # فجثا «ڤكتور» لديها خاضعا خضوع الحب، فأمرت يدها البيضاء بين عقد شعره الأسود وهي ~~بين الغم والابتسام، فجعل ينظر إليها نظر الواله ثملا بخمر السعادة والحب، وبينما هما ~~على هذه الحالة فتح باب السر فجأة، ودخلت عليهما «ماري» صفراء راجفة خوفا، فوقفت ~~بالقرب منهما إلى جانب المركيزة الحسناء ولم تنطق ببنت شفة، فقال لها «ڤكتور» منتهرا: ~~ماذا تريدين؟ ~~- ستعلم ذلك عما قليل، أما الآن فانشدكما الله إلا ما تجلدتما وأخفيتما هذا الاضطراب، ~~فالرقيب قريب. # وما كادت تفرغ من هذا الكلام حتى سمعوا من وراء الباب ضجة وصوت رجل يروم الدخول ~~ويمنعه الخادم عنه، فيقول مجهرا: أقول لك إنه ههنا ولا بد لي من الدخول. # فصاحت المركيزة: ويلاه ويلاه! هذا صوت زوجي. فقالت لها «ماري» بصوت المحسن المترفع: ~~لا بأس عليك يا سيدتي، فإني أضمن لك السلامة، وما عليك إلا إظهار الجلد وإخفاء علائم ~~الخوف. # ثم تقدمت نحو الباب ففتحته، ورأت المركيز «ڤلمورين»، فقالت: أهلا ومرحبا، تفضل ~~بالدخول، فهو محظور ولكن على غيرك، وقد جعلنا غرفة زوجي ديوان تفصيل وأزياء، وما نحرمك ~~دخول هذا الديوان. ~~- فرجع المركيز على عقبيه وتغمغم معتذرا بما تيسر من القول، فبدت له زوجته من وراء ~~«ماري» وبدرته بقولها: نعم، لا بد من دخولك، فنحن في حاجة إلى رأيك، قد كنا نروم ~~إدهاشك، فأتيت ولم يبق من سبيل لإخفاء الأمر عنك. # وقال «ڤكتور» مثل هذا القول تأكيدا له وإلحاحا على المركيز بالدخول، ثم قالت ~~«ماري»: وموضوع نظرنا يا سيدي اختيار زي لملبسنا في مرقص الدوكة، فقد عن لي ولمدام ~~«ڤلمورين» أن نكون في ذلك المرقص بزي غريب تحار فيه الألباب، فأتينا غرفة «ڤكتور» ~~نشاوره في الأمر، ولا نكتمك أنه لم يحسن استقبالنا؛ لأنه كان منقطعا إلى شغله، وكان ~~قد أمر الخادم ألا يأذن لأحد في الدخول عليه. إذن كان مجيء المركيزة بقصد ~~زيارتك. ~~- لا ريب ms56 في ذلك، وقد واعدتني بالزيارة أول أمس في سفارة إيطاليا. ~~- وكيف لم تخبريني بذلك أيتها العزيزة؟ ~~- وما الموجب لإخبارك يا سيدي، لا جرم صار مثلك مثل الزوج الغيور. ~~- ما أراد المركيز إلا المفاكهة، فهو أرشد من أن تتولاه الغيرة على محصنة ~~مثلك. ~~- صدقت سيدتي، فما أردت إلا المزاح. ~~- فلنعد إذن إلى ما كنا فيه، قلت يا «ڤكتور» إن ثوب الراعية مموها بالبياض يليق ~~بمدام «ڤلمورين»، وأنا أرى أن زي راهبة من راهبات باخوس # 3 # أليق بشعرها وعينيها السوداوين، # 4 # فماذا يقول المركيز؟ ~~- إني بينكم كالأصم بين المتكلمين، فليس عندي مما أنتم به علم ولا خبر، ورأي الموسيو ~~«ديلار» أوسع. ~~- ألم أقل للموسيو «ديلار» إن زوجي لا يفهم شيئا من مسائل الملبس، وإنه لا يكاد ~~يحتمل الحديث فيه. ~~- فأنا أستأذنكم في الانصراف بغية ألا أشغلكم بلا طائل، وسأتخير لزيارتكم وقتا أليق ~~بالزيارة. # فنهض «ڤكتور» لتوديع المركيز فشيعه إلى الباب، ثم عاد أصفر اللون مضطربا خوفا مما ~~عساه أن يقع بعد انصرافه، وكانت «ماري» و«أليس» واقفتين مضطربتين تنظر كل منهما إلى ~~صاحبتها ولا تجسر على افتتاح الكلام، فقال «ڤكتور» وهو يريد صرف ذهنهما عما ~~يخاف. ~~- قد أسرع المركيز «ڤلمورين» في الانصراف، فما أشد كراهيته لمسائل الأزياء . ~~- فقالت «أليس» وصوتها يتهدج: وأنا منصرفة كما انصرف، فلعل سيدتي تروم الخلاء بك ~~لأمر. ~~- نعم أريد مفاوضة «ڤكتور»، ولكن ما عندي لك من الحديث أهم ... ~~- لي أنا؟! ~~- نعم أنت، وإن تنازلت للإصغاء إلي بضع دقائق علمت ما أريد، وتبينت لك أهمية ~~ذلك الحديث. ~~- ها أنا سامعة فتفضلي بالكلام، على أني لا أفهم ... ~~- عما قليل تفهمين، فأنت تعشقين زوجي وهو يحبك منذ ثلاثة أعوام. ~~- سيدتي ... ~~- لا تحاولي إخفاء الأمر عني فقد ظهر لكل أهل باريس، ولا تزاولي إنكاره فقد احتملت ~~منه عذابا لا تحتمله الجبال، ومرت بي أيامه وهي أعوام شقاء وعناء. ~~- «ماري»، حبيبتي «ماري»، أيليق بشأنك هذا القول؟ أتريدين أن يكون بينكما ~~نفرة؟! ~~- لا أريد نفرة ولا عتابا، فلا تخف أيها العزيز، ولقد التزمت السكوت إلى ms57 الآن، ~~وكتمت حتى عنك ما كابدته من الألم، ولولا الضرورة المبرمة لما تعديت ذلك الحد، وإن كان ~~الموت أهون مما أنا عليه، وأنت يا سيدتي لقد رأيت ما جرى لنا وأني أنقذتك من التهلكة ~~ولولاي لساء مصيرك وكانت حياة «ڤكتور» على خطر، أفلا ترين لي بعد ذلك عليك ~~حقا؟! ~~- أعترف لك بعظم المنة و... ~~- لا منة لي بما فعلت، وإنما الفضل للكونتة «سرزول»، فقد وفدت علي حين دخولك ~~المنزل، ولطفت بلين كلامها وحسن بيانها ما نالني بسبب ذلك من الغيظ الحق، ثم تنبهت ~~لنزول المركيز «ڤلمورين» من عربته على باب منزلنا ففطنت للخطر، وحملتني على الدخول ~~عليكما لإنقاذك وإنقاذ «ڤكتور» من البلية، ولولاها لما خطر ذلك ببالي. ~~- «ماري» خفضي عليك، وترفقي بنفسك، وأجلي هذا الكلام إلى وقت آخر ... ~~- لا يا سيدي قد عزمت على التكلم ولا بد لي منه، قلت يا سيدتي إنك رأيت وجه الخطر ~~الهائل، وعلمت أن أقل البوادر كافية في تنبيه زوجك لحقيقة الأمر، فهل تعلمين ما العاقبة ~~وما المصير؟ ~~- الفضيحة ... وماذا علي إن افتضحت بمن أحب؟ ~~- إن لم يكن عليك من الفضيحة بأس فوبالها على «ڤكتور»، فإن المركيز كما تعلمين جبار ~~عنيد شرس الخلق لا يغتفر زلة، فإذا شعر بما بينك وبين «ڤكتور» حمله على المبارزة ، ~~فيقتل أحدهما لا محالة، فبأي الدمين تجودين؟ أتجسرين على الظهور أمام الله والناس ~~مضرجة بدم زوجك وهو بريء من كل ذنب؟ أو بدم زوجي وهو ذو بيت وعيال، وقد بذل في سبيل حبك ~~ما هان عليه وما عز حتى الشرف الرفيع الغالي؟ ~~- ويلاه! ما أهول ما تذكرين! ~~- نعم، إنه لهول عظيم لو تتبصرين، ولا أخالك تقدمين عليه، أما أنا، أنا الزوجة ~~الشقية، والأم التعيسة البريئة من كل ذنب، فقد كابدت العناء الشديد والعذاب الأليم، وما ~~شكوت ولا تظلمت ما بقي المصاب منحصرا في، والخوف مقصورا علي، أفليس من حقي الآن ~~أن أسالك حفظ الحياة لزوجي وأولادي؟! ~~- سيدتي، تلك حياة أفتديها بروحي. # فتنبه «ڤكتور» للكلام وكان غارقا في بحار التفكر والخيال، ms58 فنهض متوجها نحو الباب، ~~فاستوقفته «ماري» وقالت: نشدتك الله إلا ما بقيت. ~~- لا أستطيع البقاء يا سيدتي؛ فقد جعلتني في موقف سخرية واستهزاء، فهذه مناقشة لا ~~يليق بي سماعها، وقد نهيتك عن فتحها ولم تنتهي، فتممي ما ابتدأت إني مخل لك ~~الجو. ~~- لا لن تذهب، ولا بد أن تسمع إلى النهاية كل ما يوحيه إلي حنوي عليك، وسترى مني ~~رقة ولينا، ولا تجد سيدتي ما يبعثها على الشكوى، ولعلها ترتاح أيضا لوجودك الآن معنا ~~فقد حان لأمرنا أن يستقر على حال. # فأومأت «أليس» إيماءة الموافقة والقبول فجلس «ڤكتور»، فقالت إلى «ماري» بصوت ضعيف ~~كصوت المريض في حالة النزع: وبعد هذا فما الذي تريدين يا سيدتي؟ ~~- أريد أن تتركي حب «ڤكتور»، أريد أن تقينا جميعا سوء العاقبة، فلا تطلبي لقاءه بعد ~~الآن، أريد أن تتحملي ما تحملت أنا إلى الآن من الصبر والحرمان، ولا أكلفك إلا ما ~~فعلت، ولا أروم بذلك نصرا ولا افتخارا، إني أدرى بما أنا صائرة إليه، وأعلم أنه من ~~المحال أن يعود لي ما عهدته من محبة «ڤكتور»، فالحب نور لا يوقد إن أطفئ، وزجاجة لا ~~تجبر إن كسرت، فما أتوسل إليك من أجل نفسي ولكن من أجله ... # فنهض «ڤكتور» ثانية يريد الخروج، فأرادت زوجته استيقافه فقال: «ماري»، لقد حملتني ~~ما لا أطيق، فلا أستطيع بل لا أريد أن أسمع فوق ما سمعت ... فقالت «أليس»: دعيه يذهب يا ~~سيدتي، فليس لنا به من حاجة، أما أنا فأعلم أن حالتي توجب علي خفض الرأس لديك، وإن من ~~حقك علي أن أسمع كل ما تقولين، فتكلمي إني سامعة. # فخرج «ڤكتور» فقالت ماري ل «أليس»: أرجوك ألا تحسبيني غير مبالية بما تكابدينه من ~~الألم، فإني لست بفظة القلب، وقد عانيت العناء كثيرا، وذقت العذاب طويلا، ومن ذاق ~~عرف، ولكن لا بد لي من الكلام، فإنك تعرفين ما كنا عليه من العيش الهنيء قبل تفريقك ~~شملنا، ولا تستطيعين العلم بمقدار ما كنا فيه من السعادة قبل قدومك إلينا. ~~- «أنت» يا سيدتي ms59 كنت لا شك سعيدة، أما «هو»؟ ~~- و«هو» كان سعيدا أيضا، فإنه لم يكن يعرف غير ما لديه ... ~~- صدقت، ولكنه كان يتصور غير ما يرى، ويتمنى غير ما يصيب، والأماني التي لا تدرك ~~تقتل صاحبها. ~~- آه آه! لقد سلبتني «ڤكتوري». ~~- لا لا، ألف مرة لا لا، إني لم أسلبك ڤكتورك؛ فليس «ڤكتور» الذي كان عندك و«ڤكتور» ~~الذي ترينه الآن سواء، فقد كان ذاك فتى جاهلا لا يعرف شيئا وليس له خلاق ولا ذكاء، ~~وكان فلاحا تدهشه رؤية امرأة، ولا يعرف شيئا من أحوال دنياه ولا من حالة نفسه، وهذا ~~رجل من أفصح رجال الزمان، وممن تناط بهم آمال الأوطان، يتمثل به في الرقة وسلامة ~~الذوق، ويشار إليه بين الظرفاء بالبنان، كذا جعلته مذ عشقته حتى صار حسرة لقلوب ~~مناظريه وحيرة لأعين ناظريه، فهذا وجه حقي عليه وهذا ما أوصله حبي إليه. # الحب هذبه وزين خلقه # وجلا محاسنه بأبهج رونق # فصفت شمائله ورق فدونه # صفر السرى # 5 # بمائه المترقرق # وسما على أقرانه ببيانه # حتى استرقهم بجر المنطق # وأذاب مهجة ضده برؤايه # حتى تمنى الضد لو لم يخلق # فإذا تكلم فالمعاني في بدي # ع بيانه كالعنبر المتفتق # وإذا بدا فالبدر ليلة تمه # في الحسن بل شمس الضحى في المشرق # وإذا انثنى أثنى على عطفيه في # روض المحاسن كل غصن مورق # آيات حسن في كمال خلائق # هيهات أن تلقى بمن لم يعشق # فهل كان «ڤكتور» كذلك قبل أن عرفناه؟ وهل عهدت به تلك الصفات قبل أن ألفناه؟ # نعم، نعم هو الآن كما تقولين، ولكنك ذكرت شيئا وفاتتك أشياء، فذهلت عن سوء العاقبة، ~~ولم تفطني للأخطار، وهبي أن «ڤكتور» راض بما أحرز من المجد والفخر، فهل تحسبينه ناعم ~~البال مطمئن النفس لا يكابد العناء في موقفه الحرج بيني وبينك؟ ولقد رأيت الآن كيف عجز ~~عن احتمال عذابه فاختار الفرار. ~~- إن كان الأمر كذلك فهلا بقيت في «بواتو». ~~- ما تألمت يا سيدتي فيما تقولين ولك العذر، فإنك لست أما، فلا تعرفين مقدار الغم ~~الذي يحيق بمن ms60 ترى مستقبل أولادها على خطر الفساد والضياع. ~~- لقد غلبتني الحدة فيما قلت، ولك علي منه العفو والحلم، آه لو تعلمين ما ~~أقاسيه! ~~- أعلم ذلك ولا أجهل شيئا مما أنت عليه إلا ترددك في افتداء «ڤكتور» مما نخاف عليه، ~~تبصري في الأمر هنيهة تعلمي أنه لا نجاة لنا من البلاء ما دمت تقتحمين ما حولك من ~~النوائب والأخطار. # آه! ثم آه لو كنت مكانك وكان بوسعي أن أعيد له الراحة ولو ساغ لي أن أتركه ~~وشأنه! ~~- ما كنت تفعلين. ~~- بل أفعل لا محالة، وقد فعلت من أجله ومن أجل أولادي ما كان أعظم من ذلك إذ أقمت ~~عنده أرى بعيني كل شيء وأصبر على كل ما أرى، وهو الصبر بل أمر، والنار بل ~~أحر. # ثم انقطع الحديث هنيهة من الوقت و«أليس» تبكي بكاء مرا وتتلهف عن كبد حرى، فدنت ~~منها «ماري» وقبضت على يدها وهي تقول: خفضي عليك يا سيدتي وتجلدي، واذكري ما عليك من ~~الواجبات، وإنك إنما تبذلين راحتك في سبيل محبتك، فذلك يحيي العزم ويعلي المروءة، عرفت ~~ما أقول بنفسي ولا تسألي إلا خبيرا، ثم ادعي الله يكن لك نصيرا، إن الله يحب الذين ~~يؤثرون على أنفسهم ويجزيهم الخير عاجلا أو آجلا. # من يصنع الخير لا يعدم جوائزه # لا يذهب العرف بين الله والناس ~~- آه يا سيدتي! لا أستطيع. ~~- بل تستطيعين إن أردت. ~~- أسفا ... إني أضعف مما تقولين عزما، وأضيق مما تطلبين جودا وكرم نفس. ~~- صلي واستعيني بالله. # فصمتت «أليس» والعبرة تكاد تخنقها، وأطرقت «ماري» وهي تنتظر الجواب، فلم يكن يسمع ~~في ذلك المجلس غير شهقات الباريسية الحسناء ساعة من الوقت، ثم استعانت «أليس» بما بقي ~~من القوة، فكفكفت عبراتها ونظرت إلى «ماري» نظرة الآيس وهي تقول: نعم، الحق ما تقولين ~~فلا بد من قضاء الأمر، ولا بد من إطاعتك يا سيدتي. ~~- ليس ما أقوله أمرا فتكون إجابتك طاعة. ~~- بل لك الأمر فأنت صاحبة الحق، ولست أجهل منتك علي في هذا اليوم، ولا أنكر ما ~~رأيت من كرم نفسك ms61 ورقة طبعك فيما سلف، وقد حان لي أن أوفي هذه الحقوق، فكوني مطمئنة، ~~ستستريحين مني وأترك لك زوجك ولا أراه أبدا فتحصل الراحة والسعادة للكل. ~~- وأنت تكونين سعيدة، كلما ذكرت نتائج ما تبذلين لنا من المعروف والفداء. ~~- لست أنا المقصودة فيما أفعل، وإنما القصد أنت و«هو» وأولادكما والموسيو «ڤلمورين» - ~~تعني زوجها - ثم والدتي، آه يا رباه! ما لي غير والدتي. ~~- إن ما تعملينه الآن يكسبك رضاها لا محالة. ~~- وا أماه! # إنها تحبك حبا عظيما. ~~... سيدتي، أسألك أن تمهليني فيما وعدتك ثمانية أيام، وتأذني لي في رؤية «ڤكتور» مرة ~~أخرى، ثم ينقضي الأمر. ~~- أيليق بي أن أرد لك طلبا بعد أن وهبت لي حياة زوجي وسعادة آل بيتي، بارك الله فيك ~~وجزاك عني خيرا. # فخفضت «أليس» رأسها إخفاء لدمعتها وسترا للوعتها، فدنت «ماري» منها وجعلت تؤانسها ~~ما استطاعت محاولة تخفيف ما بنفسها من الألم واليأس، فكانت تنظر إليها ولا تسمع كلامها ~~أو تسمعه ولا تعيه ثم قالت لها اقتضابا: عديني ألا تذكريني له بسوء بعد الفراق. ~~- وقاني الله من ذلك، إني أعرف واجب حسن الذكر، ولا أجهل حق ذوي الأنفس الكريمة، فلا ~~تخافي مني اغتيابا، ولسوف أحفظ لك صديقا صادقا. ~~- حياك الله، ما أكرم هذا الخلق وما أشرف هذه النفس! ~~- لأنت أكرم خلقا وأشرف نفسا فيما تفعلين. ~~- أستودعك الله يا سيدتي، أستودعك الله أبدا، إني سائرة عنك لأحاول كتمان آلامي عن ~~قومي، وهذا هو العذاب الأعظم. ~~- وماذا تريدين أن أقول ل «ڤكتور»؟ ~~- ما شئت، فأنت صاحبة الأمر وبيدك حياته وحياتي. ~~- ولكن لا بد. ~~- سأبعث إليه كتابا. # ثم انطلقت خارجة من باب المنزل تغالب اليأس بالجلد ولا تلوي على أحد. # 6 # هو الحب فاسلم بالحشى ما الهوى سهل # فما اختاره مضنى به وله عقل # وعش خاليا فالحب راحته عنى # وأوله سقم وآخره قتل # وبعد خروج الباريسية الحسناء ببضع دقائق عاد «ڤكتور» إلى غرفته منزعج النفس مضطربا ~~أصفر اللون كأنما هو خائف من حضور زوجته، فابتدرته «ماري» بالكلام وقالت: لقد كانت مدام ~~«ڤلمورين» ms62 آية من آيات الشرف والكمال، فإنها فدتنا بنفسها كرما وجودا وصفاء نية، ~~فلله درها من صديقة صادقة! وهي تروم أن تكتب إليك وتراك مرة أخرى، وقد صار لها علينا ~~حقوق عظيمة، فلا تنس حقها ما حييت وابذل الجهد في قضائه بالانعطاف إليها والاهتمام ~~بخدمتها والإقبال عليها. # فقبض «ڤكتور» على يد زوجته ولم يفه بكلمة، فقالت: أراك متألما مكتئبا حزينا، ~~فلا تخف ذلك عني. # فلا بد من شكوى إلى ذي مروءة # يواسيك أو يسليك أو يتوجع # نعم، إني زوجتك ولكني غير مقيمة لديك إلا لأحنو حنو الولدات عليك، فأداوي سقمك، وأخفف ~~ألمك، وأصفح عن هفواتك، وأحملك على نسيان زلاتك، هذا هو شأني لديك عرفته منذ اقتراني ~~بك، والتزمته بعد إذ أراد الله عز وعلا أن يبتليني بما ابتلى، فهل تريد الآن أن ترى ~~أولادنا؟ ~~- شكرا لك أيتها الحبيبة العزيزة على عفوك الذي لا حد له، وجودك الذي ليس له مثيل، ~~شكرا لك ألف مرة، إني مذ الآن لك ولأولادنا دون سواكم، وأنتم الرابطة التي بيني وبين ~~الحياة، وسأراكم بعد ساعات قليلة، أما الآن فإني محتاج إلى العزلة في صرف هذا الحادث ~~الذي لم يطرأ علي في حياتي أعظم منه، وقد ظهرت لي جسامة ذنبي، وتبينت جمال صبرك وكمال ~~جودك الذي كان من وراء العقول، وأريد الآن أن أكون أهلا لك وجديرا بك، فدعيني غير ~~مأمورة أطلب العزلة حينا من الوقت، ثم نلتقي. # فانصرفت عنه «ماري» قاصدة غرفة أولادها وهي تقول: ما أعظم حبه وما أشد جواه! ويلاه! ~~إنه سيكون شقيا. # وبقي هو في عزلته مستسلما للغم منقادا للعذاب، فعظم الأمر عليه حتى لم يكد يصدق ما ~~رأته عيناه وسمعته أذناه، شأن الواقع في البلاء العظيم والخطب الجسيم يراه خارقا ~~للعادة، بعيدا من المعهود فيداخله الريب فيه بداءة بدء، وإن علمه علم اليقين، فكان - ~~أي «ڤكتور» - يتساءل هل عدل خفية عن حب «أليس»، ورضى أن تبذل راحتها بل حياتها في ~~سبيله، فتتقد النار في مهجته، وتظلم الدنيا في عينيه، ثم يذكر زوجته ms63 وما عاملته به من ~~الرقة والإحسان، وأولاده وما لهم عليه من الحقوق؛ فيزداد ألما وعذابا على عذابه ~~وألمه، وهكذا تكون عاقبة الذين يعدلون عن سبيل الواجبات، فأما الرجال فيعدمون الراحة، ~~وأما النساء فيفقدن الحياة المعنوية؛ أي الشرف الذاتي، إن لم يفقدن الأرواح. # ثم أتوه بكتاب من «أليس» ففضه فإذا فيه: # علمت الآن - لا شك ولا ريب - كل ما جرى، فأنت تبكي كما أبكي أنا؛ لأنك تحبني ~~كما أحبك، وقد كان ما جرى لنا محتوما لا مفر منه، فلو لم يقع اليوم لوقع يوما ~~آخر لا محالة، فقد كثر ما حال بيننا من الموانع، وكان كل ما حولنا موجبا ~~لافتراقنا، ولم نكن وجدنا ليكون كل منا للآخر، ولقد وعدت زوجتك أن أبت ~~عقدنا، وأنقض عهدنا، ولا أراك مذ اليوم إلا مرة واحدة، وسأنجز ما وعدت مستمدة ~~ما يلزمني من الجرأة والجلد فيه من كوني أرجو أن تستريح بما أتعب، وتسعد بما ~~أكابد من الشقاء. وقد بقي علي واجب آخر، وهو أن أرد لك ماضي وعودك وأطلقك من ~~عهودك، فاسترد هاتيك الكلمات الطيبة والأيمان والمواثيق المكررة على ألا نفترق ~~بحال من الأحوال، وأن نختار الهيام في الأرض معا على الفراق، وابق لدى زوجتك، ~~فهي ملك كريم يسليك من كل أحزانك، واحببها واحن على أولادك، ثم لا تنس ~~المرأة التي بذلت حياتها في سبيلك، أستودعك الله الآن، وأرجو أن أراك يوم أكتب ~~بذلك إليك، ثم لا نلتقي بعدها في هذه الدنيا، فاسلم ولا تكن شقيا، ومع ذلك ~~فاذكر ودادي وكن وفيا. # أليس # فقرأ هذا الكتاب، وأعاده حتى كاد يمحو سطوره بدموعه، أو يحرق قرطاسه بما تأجج من ~~النار بين ضلوعه، ثم انطرح على مرتبته مجهودا ضائع الجلد مدلها غائب الرشد، ينشده ~~لسان الحال قول من أطرب حيث قال: # رأى اللوم من كل الجهات فراعه # فلا تنكروا إعراضه وامتناعه # ولا تسألوه عن فؤادي «وإن أكن» # علمت يقينا أنه ما أضاعه # فيزيد داعي الغرام على هذا النظام # نعمنا زمانا مر كاليوم عامه # بشمل جميع لا ms64 نخاف انصداعه # وكنا كسر ضاق عنه ضميره # ولم يستطع كتمانه فأذاعه # فدار بنا العذال من كل جانب # يلومون لوما لا نطيق سماعه # وقد راع ظبي الحسن منهم رقيبه ~~«وأصعب شيء ما يزيل ارتياعه» # ومضى على «ڤكتور» في هذه الحالة يومان، ولم يأته عن الباريسية الحسناء خبر، فكان ~~يقاسي العذاب الشديد، ويحاول إخفاء ما به عن زوجته، فتراه بعين الفراسة فتكابد من جرائه ~~عناء مرا، ثم جاء «ڤكتور» في اليوم الثالث رقعة ليس فيها غير هذه الكلمات: # غدا في الساعة الثانية في منزلي ب «أوتوبل»، وهي المرة الأخيرة. # فلما كان الغد وقرب الميعاد دخل «ڤكتور» على زوجته وقال: أيتها العزيزة لقد صرنا إلى ~~حالة لا أريد فيها مخادعتك، إني سائر إلى «أوتوبل» ألقى بها مدام «ڤلمورين» آخر مرة، ~~وعلي عهد الشرف لا أراها بعد ذلك، فثقي بما أقول فإني تأملت الأمر وتدبرته، وما أعد ~~إلا ما أستطيع، وسأخبرك برجوعي متى عدت. ~~- إني معتمدة عليك أيها الحبيب، فسر بحفظ الله واحفظ فؤادك وفؤاد تلك المسكينة من ~~الألم والعذاب ما استطعت. # فركب «ڤكتور» عربته قاصدا «أوتوبل»، فلما وصل منزل المركيزة رأى باب الحديقة مفتوحا ~~خلافا للعادة، فدخل واجتاز البستان إلى الدار، فرأى «أليس» تنتظره على موقف الدرج ~~صفراء مكتئبة بدلت شدة الحزن هيئتها، وغيرت محاسن خلقها، فتلقته بوقار وتمهل ~~يشبه أن يكون فتورا وقالت: هلم إلى غرفتي، فإني ههنا وحدي، وقد اخترت الانفراد ~~توقيا واحترازا، ولكي لا يزعجنا أحد من الخلق، بل قل لسائق عربتك أن يسير بها إلى بيت ~~الخولي ويربط الخيل هناك، وأغلق أنت الباب الخارجي وانزع مفتاحه، وعد إلي لننفرد فلا ~~يرانا إلا الله، إن هذه الساعة رهيبة، وإنها آخر أوقات اللقاء. # فامتثل «ڤكتور» أمرها، ثم عاد فوجدها في الغرفة منطرحة على تكأة عريضة واهنة العزم ~~ضحرا وتألما، وهي لابسة ثوبا أبيض وعلى شعرها زهرة ناضرة، وعلى صدرها باقة من الزهر، ~~وكان في الغرفة ريح عطر وأزاهر من أشد الطيوب أرجا، فأثرت في نفس «ڤكتور» حتى كاد يغشى ~~عليه، فمدت ms65 له «أليس» يدها، فتناولها وقبلها تقبيلا، فقالت: أرأيت كيف جعلت هذا ~~الملتقى الأخير والوداع الذي ما بعده لقاء مزينا بكل ما جلب لنا السرور والصفاء في ~~أوقات السعادة والهناء، فهاهنا في هذا المكان عينه قضينا أياما كثيرة مرت بنا ~~كالأحلام، نجني زهر المنى من حدائق الحب «والعيش غض، والزمان غلام» ومن حولنا هذه ~~الأزهار وهذه الدمى والتماثيل، فما أجدرنا بأن نجعل الوداع فيه لنذكر في ملتقانا ~~الأخير ما مضى لنا من الفرح والهناء! أما تراني مصيبة يا «ڤكتور»؟ # وكان جمال «أليس» وهي على تلك الحالة في كمال ما عهد به من قبل ولكن تغير تجليه، ~~فكانت رشاقة حركاتها ومبالغتها في الاهتمام بملبسها وزينتها وكل ما حولها أظهر منها في ~~الأيام السالفة، لكنها قد استبدلت حدة مزاجها وهاتيك اللحاظ التي هي كالنبال بسكينة تدل ~~على أنها ضائعة القوة، واهنة العزم، لا تملك من الحياة إلا بقية، فكأنما أغار اليأس على ~~تلك الطبيعة القوية فلم تقاومه، بل وسعت له عندها مكانا، وكان «ڤكتور» ينظر إليها ~~هائما في أودية التأمل، فلم يجبها على سؤالها الأخير، فقالت: أي «ڤكتور»، هل مسك ألم ~~من تحتم الفراق؟ وهل علمت أن ليس بعده من تلاق؟ فذكرت قول من قال في مثل هذه ~~الحال: # وكنا كندماني جذيمة صحبة # من الدهر حتى قيل لن تتصدعا # فلما تفارقنا كأني ومالكا # لطول افتراق لم نبت ليلة معا # ثم هل رأيت السلو سهلا؟ وهل طاب لك العيش من بعدي؟! # غيري على السلوان قادر # وسواي في العشاق غادر # لي في الغرام سريرة # والله أعلم بالسرائر ~~- فلا تكلميني هذا الكلام، فهو أشد من الكلام بل هو الموت الزؤام، وقد صرفت الأسبوع ~~متقلبا مما نحن فيه على شوك القتاد، أرى النهار مظلما ولا أكاد أذوق في الليل ~~الرقاد. # أهنى وأيسر ما لاقيت ما قتلا # والوجد جار على قلبي وما عدلا # وقد علمت أن الضرورة أنفذت في حبنا حكمها، فأنفذت في قلبنا سهمها، فتعين علي أن ~~أبذل في سبيلك الراحة والمنى كما بذلت من أجلي السعادة ms66 والهنا، ولكني مع ذلك لا أطيق ~~هذا المصاب، ولا أجد من نفسي مقدرة على احتمال هذا العذاب. # كيف اصطباري والنوى خوفها # أضرم في الأحشاء نار الجحيم # وأنت منى الروح من بدني # إن فراق الروح شيء أليم # لم ندر مقدار الهوى قبل ما # يبدل منه بالشفاء النعيم # وصحة الأبدان لم يدر ما # مقدارها إلا المريض السقيم ~~- صدقت، لقد كنا روحين في بدن واحد، وكنا في مثل جنة الخلد سعادة وفرحا وهناء، لا ~~أروم إلا ما تريده أنت، ولا تطلب إلا ما أرومه أنا، واليوم لا بد لنا من ترك ذلك كله ~~امتثالا لأمر الناس، إنما الناس بلاء الناس. ~~- لو شئت يا راحة الروح ولو لم ترفعي عني العهد والميثاق لنشطنا معا من هذا العقال، ~~وقصدنا ملاذا من الأرض بعيدا عن الرقباء، وكنا به الآن مقيمين آمنين. ~~- نعم، لا ريب عندي في ذلك وإني لو شئت لتركت وطنك وآل بيتك، وكنا نسافر معا ونلقي ~~اليأس في قلوب المحبين، ولكن لو فعلنا لكانت العاقبة عذابا شديدا، فإني أعلم أنك لا ~~تصبر على لوم النفس، بل ربما قتلتك شكوى السريرة، وكنت ترى في حلك وترحالك خيال ~~زوجتك آسفة حزينة، وأولادك باكين مكتئبين، ووالدك رازحا تحت أثقال الحزن، ثم لا تذكر ~~لي ذلك ولكنه لا يخفى عني، فينالنا الشقاء ويكون الأسف الأول مضعفا للثقة، والثقة عماد ~~الحب، فيسقط الاثنان معا، ولقد تأملت في كل هذا منذ يومين حتى ظهر لي وجه الحقيقة منه ؛ ~~ولذاك أعيد قولي إنه لا بد لنا من الافتراق. ~~- ومن لي بالصبر يا «أليس»؟ أراك اليوم ثم يجيء غده وتتوالى بعده الأيام والأسابيع ~~والأشهر والأعوام ولا أبصر هذا الجمال! إن هذا هو المحال. # تقول العواذل من بعد ما # أطلن الملام بقيل وقال # حقيق حقيق وجدت السلو # فقلت محال محال محال # وكيف ترومين يا شقيقة الروح أن أصبر على تجريد حياتي من رونقها الأوحد وشاغلها ~~المفرد، وأبقى بعد ذلك بين هواجس الفكر ووساوس الذكر متقلبا على مثل شوك ~~القتاد. ~~- لا بأس عليك، فإنك ms67 لا تكون منفردا وحيدا. ~~- هذا الذي تشيرين إليه أشد علي من الانفراد، فإني سأرى لدي على الدوام ضحية ثانية لا ~~ذنب لها، تحتمل عذابها ويؤلمها عذابي، وتتجلد لمصابها ولا تتسلى عن مصابي، ثم لا أجد من ~~أمنية أعللها بها في الحال أو المآل، ولا أرى غير اليأس القاطع لأسباب الآمال، لكن ~~الموت خير من هذه الحياة. ~~- الموت! الموت! نعم نعم، هو الصديق الذي يمد لنا ذراعيه عندما ينفر الناس ~~عنا. ~~- ما ضر لو كنا نموت يا «أليس»؟! ~~- لا، أنت لا ينبغي أن تموت يا حبيبي، فإن أولادك محتاجون إليك، أما أنا فإني مطلقة ~~الحرية لا شيء يمنعني عن التخلص من العذاب. ~~- نشدتك الله إلا ما أوضحت لي ما الذي تعنين بهذا الكلام. ~~- ما عنيت إلا ما فهمته أنت. ~~- الآن تبين لي سر هذه الخلوة وهذا التجلد وهذه الزينة، فعلمت أنك قد عزمت على ~~الانتحار. ~~- وإن صح ذلك فماذا علي منه؟! ~~- ما عليك من حرج فيما عزمت عليه إلا أنك لم تتخذيني فيه شريكا. ~~- أصحيح ما تقول؟! أتحبني إلى هذا الحد؟ وا فرحتاه! ~~- أي وخالق الحب والنوى، وفالق الحب والنوى، إن الموت معك لأهون من ~~الحياة في البعد عنك، ولقد قبلت ما سمتني من الفراق جهلا مني بحقيقة ما نحن عليه، ~~وكنت أنت أعرف مني بمقدار حبنا، فأضمرت ما أراك الآن عليه، فمتى ترومين أن ~~تموتي؟ ~~- اليوم. ~~- وكيف ذلك؟! ~~- أما قرأت في كتاب «ليون غزلان» قصة تلك الفتاة التي ماتت مختنقة بروائح ~~الزهر؟ ~~- نعم، قرأت هذه القصة. ~~- فهذه ألطف وسيلة رأيتها لترك الحياة، ولقد تأملت فيها كثيرا، وكنت أذكرها كلما ~~سكرنا بخمرة الطرب والهناء، فترتاح نفسي إلى أن أرقد على ما بي من الفرح ذاك الرقاد ~~الذي لا ألم فيه ولا خوف بعده من اليقظة، وقد كدت أعرض ذلك عليك مائة مرة ولم أفعل، ~~فمذ دهمنا اليوم الأسود الذي انقطعت فيه صلات اللقاء عزمت على ما علمته الآن من أمري ~~عزما صادقا، فقصدت عالما بارعا من علماء النبات، فسألته عما يوجد ms68 في باريس من ~~الأزاهر السامة الرائحة موهمة أني أخافها وأروم اجتنابها، فكتب لي جريدة بأسمائها ~~زهرة زهرة، ثم علمت منه بوسيلة من الكلام درجة الحرارة التي إذا وجدت معها تلك الأزاهر ~~كانت قاتلة الرائحة، واخترت الموت على هذه الصورة؛ لأنها جميلة تمثل عندي فتاة بارعة ~~الحسن مكللة بالزهر، فمتى فتحت هذا الباب أدخل هذه الغرفة، ولا أخرج بعد ذلك منها، هذه ~~حقيقة الحال قد أبنتها لك قضاء لحقك علي فإن أردت موافقتي على ما نويت ورأيت البعد ~~أصعب من الموت، فليس من حقي أن أمنعك من ذلك، فأنت تحبني كما أحبك وإن متنا معا فقد ~~حفظنا ما تواثقنا عليه من عدم الافتراق. # وكان «ڤكتور» ينظر إليها وهي تتكلم نظر العاشق إلى المعشوق، بل نظر العابد إلى ~~المعبود، جاثيا بين يديها مستسلما لكل ما تصوره الشهوة في مخيلته من فاسد الوهم، فلما ~~فرغت من كلامها صاح: كيف لا أريد ما أردت، ولا أقصد ما قصدت وهو أحب الأماني إلي؟! ~~فإني وقد فرق بيننا الزمان لم يبق لي من بغية إلا أن نموت معا، فنجتمع اجتماعا لا ~~خوف بعده من الفراق، وما أنتظر الآن إلا أن تقولي فأفعل، وتأمري فأمتثل. # فألقت بنفسها عليه فضمها إليه، وتعانقا عناقا كاد يفصل روحهما عن البدن وجدا، فكانت ~~هذه الدقيقة أحسن وأطيب وأشهى وأعذب ما مضى من حياتهما إلى ذلك اليوم، ثم خطر ل «ڤكتور» ~~خاطر جديد فقال: أروم أن أكتب إلى «ماري» فأستودعها الله وأودع والدي وأولادي، آه وا ~~أسفاه عليهم! وما الأسف لموتي فإنهم لا يفقدون به عظيما؟ إني ما كنت لولاك شيئا ~~مذكورا، ولو انفصلت عنك لأضعت ما بي من الذكاء والإقدام فعدت بليدا مستضعفا لا أرجو ~~من الزمان مستقبلا حسنا. # ثم نهض إلى مكتب في الغرفة وتناول القلم، فخط به أسطر الوداع الأخير لزوجته التي ~~أحبها ابتداء ذلك الحب العظيم، ثم هجرها ذاك الهجر الأليم، فتأمل فيما سينالها بموته ~~من الحزن واليأس فما تمالك أن بكى، فنظرت إليه «أليس» وقالت: إن كنت ms69 قد ندمت فما فات ~~وقت الرجوع يا «ڤكتور»، أنت حر ولا لوم عليك. ~~- لست أبكي على نفسي يا شقيقة الروح ولكن عليها، وقد انقطعت الآن عن الدنيا بأسرها، ~~ولست أملك نفسي وإنما أنا عبدك المطيع، فأمري بما تريدين. # ومضى عليهما في هذه الحالة بضع ساعات يتجاذبان أطراف الحديث القديم، وتغنيهما أقداح ~~الأحداق عن المدام والنديم، حتى أقبل غراب الليل مسدول الجناحين، فقالت الباريسية ~~الحسناء: لقد حان الدخول إلى غرفة الزهر، فنهضا إليها ناشطين وافتتحا بابها قليلا، ~~فهب عليهما من أرجها القاتل ما ردهما عن الباب مكرهين، فقال «ڤكتور» باسما: ما الذي ~~أرى؟ أيليق بنا أن نخاف من الخيال ونهرب قبل القتال؟! ثم أخذ بيد المركيزة وأدخلها ~~الغرفة وهو يقول: ما أحسن هذا القبر! وكيف لا يحسدنا الأحياء على الموت فيه على هذا ~~المقعد بين هذه الأزهار؟ ~~- صدقت، وإني لأرى الموت حياة لنا، غير أني أرانا في ريعان الشباب وغضارة الحياة، ~~وفينا حسن بارع ولنا مستقبل لامع، وكل ذلك لم يزل بقبضة اليد، ولكن كل ذلك لا خير فيه ~~ما لم يكن الحب، ولا حياة في الحب مع الفراق، فهلم يا حبيبي نطرب على ذكر الحب لآخر ~~مرة، واسمع مني في ذلك أصوات غناء تملأ قلبك طربا. # ثم جلست إلى البيانو، # 6 # فضربت عليه وغنت بصوت عال شج ضربا من محاورات الغناء # 7 # يقال له «الفافوريت»، وكان «ڤكتور» يرد أجوبة المحاورة مجيدا، فحسن ~~غناؤهما على هذه الصورة، حتى أنه ليمكن القول إن تلك الأغنية لم يغن بها من قبل هذه ~~المرة غناء أشد تأثيرا في الأنفس؛ وما ذلك إلا لأن انفعالات النفس أقوى وأطيب وأحسن ~~وقعا في القلوب من جميع الشهوات الحسية، وهي أعلى من أن يعرفها كل أحد من الناس، فمن ~~عرفها أسف على فقدها ما دام حيا. # ومضت عليهما ساعة من الزمان على هذه الحالة، ثم ظهر فيهما تأثير السم من رائحة الزهر، ~~وكان كل منهما لاهيا عن ألمه اهتماما بألم حبيبه فقال «ڤكتور»: كيف أنت يا ~~«أليس»؟ ~~- على ms70 أحسن حال، فقد وافى الرقاد. # وكانت مع ذلك شاعرة بسريان الحمى بين عظامها، ثم قالت: وأنت كيف حالك؟ ~~- إني أراك وأنعم بالقرب منك فما يعوزني شيء. # وبعد ذلك صمتا هنيهة من الوقت حتى بلغ منهما الخدر مبلغا بعيدا فقال «ڤكتور»: ~~أتعلمين يا راحة الروح ماذا أرى الآن؟ أرى على شكل الصورة البعيدة هاتيك الأودية البهية ~~في مسقط رأسي وموطن أهلي وناسي، وتلك الأطلال التي تلاقينا عليها أول مرة، والعين التي ~~قبلتها مني هدية وكانت أول معاهد الحب، آه، ما أبهى وأبهج هاتيك الرياض والمراعي ~~والغياض! وقصرنا القديم، وخطرات فكري بين تلك الغابات وأماني نفسي التي لم أكن أدركها، ~~والملك الكريم الذي حقق تلك الأماني، كل هذا أراه الآن بعين التصور، فهل تذكرين أنت ~~هاتيك الأويقات الصافية، وما أدركنا بها من نعم السرور الصافية، وتلك المعاهد الناضرة ~~والربوع الزاهرة وما ازدانت به من المحاسن الباهرة؟ # ربوع تمر الريح فيها فتكتسي # بها أرجا هوج الرياح الهواجم # إذا مرضت فيها الأصائل عادها # على شعب الأغصان نوح الحمائم # يذكرنا دهرا تقضى نعيمه # وعيشا تولى مثل أضغاث حالم # ولعلك تذكرين أيضا أني منذ جمع بيننا العهد في ذلك العهد ما أورثتك شيئا من الكدر ~~عمدا ولا خالفت لك أمرا، ولا ألوت في طاعتك جهدا بل راعيت ودك، وحفظت عهدك، ~~وما برحت أقيم الأدلة على تولهي فيك غراما حتى جعلت الموت في حبك لأدلتي ختاما، ~~وكنت قد عاهدتك على ذلك فما نكثت، وحلفت فيه وما حنثت. # فأجابت وكان صوتها ضعيفا لا يكاد يسمع : نعم، نعم، أذكر كل هذا، وإني كنت سعيدة مليحة ~~فتانة غضة الشباب، محببة إلى الأنفس، جذابة للقلوب، لا أجد من حولي إلا محبا أتيمه ~~بابتسامة، أو عاشقا أذيب فؤاده بالتفاتة، إذ الأيام قريبة الأمنية دانية الأرب، ~~والحياة كلها صفو، والعيش كله طرب، وقد سمحت بكل ذلك يا «ڤكتور» ولست نادمة عليه؛ لأنك ~~أحببتني حبا صادقا ... # وحينئذ ضعف نور القنديل، وآذن خفقانه بالانطفاء، فقالت «أليس»: لست أدري ما الذي ~~اعتراني، إني لا أكاد أبصر، ms71 فكأنما على عيني غشاوة. ~~- عما قليل لا تبصر شيئا، فهذا لسان الضوء الضعيف ينذرنا بأنه ميت وأنا تابعان ~~له. ~~- أواه، لا أريد أن أموت في الظلمة يا «ڤكتور»، بل أروم أن تحدق عيناي بعينيك إلى آخر ~~نسمة من الحياة، ثم أريد أن أرى هذه الأزهار، وأنظر إلي يدي وإلى محاسني في هذه المرآة ~~فأوقد القنديل وارفع نوره جعلت فداك. ~~- لا فائدة من ذلك، فما بقي في القنديل زيت، ولكن ما للقمر لا يضيء علينا وهو الليلة ~~في تمه؟! ~~- إني ألقيت على زجاج الشبابيك ستائر كثيفة حتى لا يدخل الغرفة شيء من الهواء، فاحتجب ~~عنها لذلك نور القمر فلسنا نراه، ولا نرى شيئا مما بظاهر هذا المكان. # ثم تنهدت تنهد الآسف الضعيف، فقال «ڤكتور»: هل كتبت إلى أمك يا «أليس»؟ ~~- نعم، كتبت إليها وإلى زوجي وإخوتي، وجعلت الكتب على مكتبي في غرفتي. ~~- وهل يعرفون مكانك الآن؟ ~~- يحسبون أني سرت إلى «لوسيان» لأصرف النهار، ثم أبيت عند شقيقتي الكبيرة. # فأمسك هنيهة عن الجواب، واقترن حاجباه، وانقبض جبينه تفكيرا، ثم قال: وهل أخبرتهم ~~في تلك الكتب بما كنت عازمة عليه من الانتحار؟ ~~- أخبرتهم بذلك إلماعا وتلميحا. ~~- ولم هذا؟ ~~- لم يكن لي فيه قصد. # وكان الألم قد اشتد عليها نهاية الاشتداد، فقالت: «ڤكتور» ... إني ظمآنة ظمأ ~~شديدا. # فناولها كأسا من خمر شمبانيا كانت بالقرب منه، فقالت: لست أريد الخمر ... إنما أريد ~~ماء. # فلم يجبها، فشربت من الكأس وأعادتها إليه، فأراد أن يقبل يدها فجذبتها منه ولم ~~تمكنه من تقبيلها، فلبثا بضع دقائق ساكتين ساكنين لا ينطقان بكلمة ولا يتحركان حركة، ثم ~~قال «ڤكتور»: «أليس»، الله! # فقالت وهي ساترة وجهها بيديها: ويلاه ... من غضب الله! ولكنه سيعفو عفوا ~~كريما. # إلهي لا تعاقبني فإني # مقر بالذي قد كان مني # وما لي حيلة إلا رجائي # وجودك إن عفوت وحسن ظني ~~- لعله يعفو ويرحم. ~~- حبيبي «ڤكتور»، إني لم أنم كما توهمت قبلا، لقد خدعني النباتي، فإني أكابد آلاما ~~لا تطاق. ~~- أترومين أن أفتح الباب ليذهب عنك الألم؟ ~~- لا، ms72 بل لو أردت ذلك لما أمكن؛ فإني أبقيت المفتاح خارجا. ~~- إذن ما برحت عازمة على شرب كأس الموت. ~~- إلى آخر نقطة منها. ~~- أوما تخافين الندم حين لا ينفع؟ ~~- لا، لست أخاف الندم، ولكن قد اشتد علي الألم. ~~- وأنا ... # وكانت «أليس» تتقلب على المقعد مما نالها من لفح السم، و«ڤكتور» بين يديها ينظر إليها ~~متألما صامتا، ويمسح من حين إلى حين ما كان يقطر من جبينه وسائر وجهه من عرق الألم، ~~ثم انطفأ القنديل، فقال: اللهم عفوا! اللهم عفوا! ~~- أواه اواه! هذه بداءة الموت. # ثم طفقت تبكي بكاء الأطفال وهو لديها صامت يحتمل من السم وحرارة الحمى عذابا من مثل ~~عذاب الجحيم، ثم قالت: «ڤكتور»، «ڤكتور»، هذه آلام مرة المذاق، هذا عذاب لا يطاق، ~~آه ما أصعب الموت! آه ما أشنعه! ~~- نعم، إنه من الصعب المستنكر أن يموت المرء في ريعان شبابه، ونضارة ذهنه، وبحبوحة ~~لذته ومجده، آه يا «ماري» ويا أولادي ويا والدي! ~~- هل تولاك الندم؟ ~~- نعم، ندمت ... ولا غرو فإنهم يندمون لا شك علي، آه وا أسفاه عليك يا «ماري» يا ~~ملكا كريما! ~~- ويلاه! يا رباه! لم يزل يذكرها. ~~- إن ذنبي إليها لذنب عظيم، فإنها ستموت لموتي لا محالة. ~~- يعيد ذكرها متأسفا عليها، وا أسفاه! وأنا أكابد عنائي وأكتم دائي حتى لا أورثه ~~غما، ثم أراه بغيري مشتغلا مهتما ... ~~- أتحسدينها على أن أذكر ذنبي إليها بعد إذ رضيت الموت بين يديك. ~~- ويلاه ويلاه! تراكمت الآلام وتواترت الأكدار. # ولو كان ضر واحد لاحتملته # ولكنه ضر وثان وثالث # تمزق أحشاء ولاعج حسرة # وغدر محب للمواثيق ناكث # ثم عادت إلى البكاء حتى نفد الدمع أو كاد، ثم قالت بعد فترة طويلة: «ڤكتور»، «ڤكتور»، ~~عدت عن عزمي فلست أريد الموت. ~~- قضي الأمر وجف القلم يا «أليس»، قدر هذا علينا فكان، فلسنا نخرج من هذا ~~المكان. ~~- لا، لم يفت شيء ولم يقض أمر، ولم تزل الحياة قريبة المنال منا، فما يعوزنا إلا ~~شيء من الهواء، فافتح النافذة نشدتك الله. ~~- لا، لا يمكن، لا يمكن، ms73 ولا بد من الموت. ~~- لست أريد أن أموت، لست أريد، أموت وعمري عشرون سنة، وكل ما حولي يبتسم لي، فالثروة ~~ترفعني مكانا عليا، والجمال يلبسني ثوبا بهيا، والناس من حولي يتلون تبارك الله ~~الواحد الأحد، فيصيح العاشقون منهم مدد الله مددا ... لا، لا أريد الموت، لا أريد ~~الموت. ~~- لا بد منه، ولا ندحة عنه. ~~- إذن تروم أن تقتلني صبرا، وكان حبك خديعة وغدرا، فما فيك من شفقة علي ولا رحمة، ~~ولا أنت تذكر لي ذمة ولا حرمة. ~~- هذه عاقبة جنوننا، فذوقي ما كسبناه، فإنما للمرء ما سعى، وإن سعيه سوف ~~يجزأه. ~~- صدقت، لقد كان ما فعلناه جنونا، فقد كنا نستطيع الصبر على ما قضى به علينا من ~~الفراق، ثم نتأسى فنسلو، فينفتح لكل منا باب جديد من الهناء والمسرة، فهي الدنيا ~~نعيمها زائل وبؤسها غير مقيم، وقد رأينا العبرة بأنفسنا، فلنعتبر الآن وعفا الله عما ~~كان. ~~- لا فائدة بالعبرة، فيومنا ليس له من غد. ~~- لا تطل المزاح فيما يزهق الأرواح، واكسر زجاج هذه النافذة ليدخل الهواء، فتعود ~~إلينا الحياة كما عاد إلينا الرشد والهدى. ~~- لا أكسره أبدا. ~~- إذن أنا أفتح النافذة. # فأخذ بيديها أخذ المقتدر، وقال: لن تبرحي من هذا المكان. ~~- عدمتك من لئيم غاشم تستعلي بقوتك الوحشية على الضعيف، دعني؛ فلست أريد أن أموت من ~~أجلك ولا معك، فقد أبغضتك نفسي. ~~- وأنا أبغضك أيضا، فأنت التي أوصلتني إلى هذا الموقف، أنت التي قتلتني وهدمت ما ~~بنيته من السعادة والراحة لمستقبل الأيام، وحملتني على ارتكاب الذنوب العظيمة، ولولاك ~~ولولا دهاؤك السيئ لكنت إلى اليوم سعيدا شريفا في بلدي بين آل بيتي، فلك الخزي، ~~وعليك اللعنة. # فأجابت ونار الألم تحرق أحشاءها، والسم # يتمشى في مفاصلها # كتمشي النار في الحطب ~~- قد كرهتك، قد كرهتك، فأنت أبغض الناس إلي، يا للمرؤة! أسعفوني بقليل من الهواء، ~~إني لا أريد أن أموت. ~~- بل تموتين ... فإني آليت ألا أتساهل معك في شيء، ولقد أبيت إلا أن أترك أحبائي ~~الصادقين من أجلك، فعلت ولكن زالت الغشاوة عن ms74 بصري بعد ذلك، فرأيت ما لم أكن أرى، فلست ~~أمنحك شيئا مما تريدين، فإني لا أرضى أن أكون أضحوكة للناس يستهزئون بي ويقولون: هذا ~~هو الذي وطن نفسه على الموت مع خليلته، ثم غلب الجبن عليه فضعفت نفسه ففر من ~~الموت. لا، لن يكون كذلك. ~~- وماذا علينا من استهزاء الناس؟! وهل تترك الحياة من أجل هذا؟! ~~- أليس إن قولهم ألف مرة: «هرب أخزاه الله» خير من قولهم مرة واحدة: «مات رحمه ~~الله»؟ ~~- الحياة الحياة، لا بد لي من الحياة. ~~- لا سبيل إليها ... فقد اخترت الموت، فموتي ... ~~- فتوقدت نار الغيظ في قلب «أليس»، فعاد إليها شيء من قوتها الزائلة، فحاولت النجاة ~~من يد «ڤكتور» لتفتح النافذة، لكنها لم تقو على التملص من يديه، فدانت لقوته وسقطت ~~فاقدة العزم غائبة الرشد، أما هو فلبث يقاوم الألم بقوته الهرقلية، # 8 # ويدافع حب الحياة بما بقي له من القوة الفكرية هنيهة من الزمن، ثم صاح: ~~«ماري»، «ماري»، صلي علي، ربي أسالك الرحمة والمغفرة. # فقالت «أليس»: جاء الرقاد المنتظر، فهذه النهاية ... أواه! لعنت أنت أيضا. وأغمضت بعد ~~ذلك عينيها ولم تتحرك، فمسها «ڤكتور» فإذا هي كالجليد، فقال: قد ذهبت في سبيلها وانتهى ~~الدور إلي، ثم أطلق عنان فكره في مجال الخيال، فتصور كل نفيس وكل عزيز مما سيتركه في ~~هذه الدنيا، حتى كأنما هو حاضر لديه، وذكر أيامه السالفة في «بواتو» بين الوادي والغاب ~~والروض والغدير، ومن العجب أنه لم يذكر الفتاة المنطرحة بين يديه بلا حراك، ولم يشعر ~~فؤاده بشيء من الأسف عليها، بل لا عجب؛ فهكذا خلق القلب الإنساني. # كل داء له علاج يرجى # معه للسقيم نيل الشفاء # غير داء القلوب إن حل بغض # بعد حب فما له من دواء # ثم اشتد الألم على «ڤكتور» وأحس حرارة السم في بدنه، فصاح: وا ولداه! وا شوقي إليكما! ~~ثم استولى عليه الخدر والدوار، وضعفت ركبتاه عن حمله، ولكنه لم يفقد رشده في الحال، بل ~~بقي مبصرا مميزا ما حوله يستغفر الله ويسأله العفو والرحمة، حتى ms75 غلب الألم وحرارة ~~السم عليه، فسقط على السجادة تحت قدمي عشيقته وهو فاقد الرشد. # قد سمعنا أخبار أهل الهوى مم # ن مضى عن مصارع العشاق # فرأينا من مات شوقا ووجدا # ورأينا من مات يوم الفراق # وحكوا أن منهم من قضى النح # ب سرورا بالقرب حين التلاقي # وهي إن صح ما حكوه أحادي # ث هوى ما نظنه اليوم باق # إنما حير العقول محب # ضمه والحبيب برد العناق # راح يبغي موتا لا هلاك من يه # واه من بعد نفرة وشقاق # يفعل الحقد في قلوب ذويه # فعل نار الجحيم بالإحراق # 7 # عفا الله عمن صير الهم واحدا # وأيقن أن الدائرات تدور # تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت # وتحدث من بعد الأمور أمور # وتجري الليالي باجتماع وفرقة # وتطلع فيها أنجم وتغور # ويطمع أن يبقى السرور لأهله # وهذا محال أن يدوم سرور ~~••• # قائد الغفلة الأمل # والهوى قائد الزلل # قتل الجهل أهله # ونجا كل من عقل # لم تنس أن «ڤكتور» لم يكتم عن زوجته مسيره إلى «أوتوبل» تلبية لدعوة المركيزة ~~الحسناء، بل أخبرها الخبر، وأظهرها على كتاب الدعوة، فما منعته من إجابتها، ولكن لم ~~تلبث بعد مسيرة أن اعتراها القلق والارتياب، فقصدت الكونتة «دي سرزول» شفيعتها ونصيحتها ~~الصادقة الأمينة ورأت الكونتة على وجهها علائم الاضطراب، فقالت: ما وراءك أيتها ~~العزيزة؟ وما سبب اضطرابك؟ ~~- كنت بالسعادة والهناء أولى وأحق، بعد إذ ردت إلي العناية الربانية زوجي، لولا ~~أني لا أستطيع إزالة الاضطراب عن نفسي، ولا أدري لذلك سرا، بل أدريه ولا أخفيه عنك، ~~إن «ڤكتور» سار إلى «أوتوبل». ~~- وما معنى هذا الكلام؟ ~~- سار ليلقى المركيزة، ويودعها الوداع الأخير. ~~- يودعها الوداع الأخير ! اسمعي ما أقوله يا بنية: إنك ذات صبر وجلد خارق للعادة، وقد ~~احتملت من صنوف العذاب ما لا يحتمل، فلا يليق بك الاغترار في مثل هذه الحال، بل ~~اعلمي أن زوجك وعشيقته إن تلاقيا اليوم للوداع، فإنهما يجتمعان غدا لتجديد عهد الحب، ~~ولو كنت من أهل الاختبار لأحوال أرباب الغرام لعلمت أن الوداع الأخير إنما يكون ms76 ليودع ~~المحب حبيبه، فادرعي الصبر أيتها العزيزة، واتقي به الغم، انقضى شيء مما ~~تأملين. ~~- كيف يكون ذلك وقد أقسم لي الأيمان المغلظة، وكتبت له هي بذلك؟! ~~- كل هذا ممكن ولا أجيب عنه شيئا، وإنما أقول: هل تلاقيا؟ فإن كان ذلك، فالأمر ما ~~أوضحت لك. ~~- وهل تحسبين «ڤكتور» من أهل الخديعة يا سيدتي؟! ~~- لا، ولكنه مخدوع مغرور، وقد سار من المنزل بنية صافية، مقتنعا بأنه لن يرى مدام ~~«ڤلمورين» بعد هذه المرة مكابدا أشد العذاب من الفراق العتيد، موقنا بأنه أقوى من أن ~~يغلبه ميل نفسه، فلما رآها اللحظة الأولى أنسي كل هذا، ولم يذكر سوى الحب. ~~- إذن يحبها حبا عظيما. ~~- مثل حب سائر الناس، والحب وإن اختلفت مظاهره في الزيادة والنقصان، فإن نتائجه ~~متشابهة إلا مدة البقاء؛ فإن طولها وقصرها منوطان بأحوال الزمان وأحكام الأيام، وبما ~~يكون في العشيقة من الذكاء والدهاء. ~~- ما أحبني إلا مدة قصيرة جدا. ~~- كان ذلك لازما عن حالك وطباعه، ولم يكن غيره بالإمكان، فأنت لكونك زوجته لم يكن ~~يحول من دونك مانع ولا يحدث في أمرك حادث، بل كان شأنك واحدا على اختلاف الأيام، فلزم ~~أن يكون لهذه الحالة نهاية، وهو كان واسع مجال الخيال، متوقد الذهن، مستور جمر التصور ~~برماد السذاجة، فلم يكن يستطيع المقام في دير قديم ب «بواتو» لدى صغار يبكون، وشيخين ~~وقورين، وامرأة ذات احتشام، بل احتاج إلى ما يذهب عنه الضجر، وتمنى لو لقي من يضربه ~~على أصابعه لتنفتح وتمتد، فلو لم ير المركيزة الحسناء لوقع في أشطان بغي من بنات ~~العشق يحسبها ملكا هابطا من السماء، وكان ذلك شرا من وقوعه بهوى مدام «ڤلمورين»؛ ~~لإمكان أن ينفق كل ما له في هوى البغي، ولقد أخذ الآن في الرجوع إلى رشده، وسوف يبلغه ~~بعد حين فلا تيأسي من رحمة الله. ~~- أرجوك أن تأذني لي في البقاء لديك مدة غيابه، فقد أوصيتهم في المنزل أن يطيروا ~~الخبر إلي متى رأوه مقبلا، ولا أريد أن أرى الأولاد الآن، فإن رؤيتهم تضعف عزمي، ms77 فلا ~~أتمالك أن أذرف الدمع وهم، وا رحمتاه! لهم يسألونني عن سبب البكاء ... ~~- على الرحب والسعة، نتناول العشاء ونصرف ما شاء الله من الليل معا، فإني أعرف عذاب ~~الريب ومقدار ما يدخل من السرور على قلب من لقي فيه صديقا أمينا، فبسط لديه أمره وكشف ~~له سره، حتى كأنما ألقى عليه شيئا من همه، وقاسمه ما أعياه من بؤسه وغمه. ~~- لأنت ملك كريم أرسلت لهدايتي، ووكلت بحمايتي، ولولاك لمت كمدا ويأسا، وماذا ~~ترين الآن؟ ألا يعود - تعني ڤكتور - عما قليل؟ ~~- وا رحمتاه لسذاجتك! إنك ما برحت غير عالمة بما تؤثر الشهوات في النفوس. ~~- كيف هذا وأنا أحبه حبا عظيما لا يحتمل الزيادة؟ أفليس هذا الحب من تلك الشهوات ~~التي تؤثر في الأنفس تأثيرا شديدا؟ ~~- لا، فإن حبك هو الحب المشروع الذي لا حاجة فيه إلى التكتم، ولا محل للخوف ~~والمحاذرة، ثم إن عذابك فيه يتضمن عذوبة العلم بأنك إنما تقضين واجبا، وليس الأمر كذلك ~~في الشهوات. # ثم أقبل الليل ولم يأت «ماري» خبر عن «ڤكتور»، فاشتد اضطرابها، وجعلت تبعث بالرسول ~~بعد الرسول إلى منزلها، ولا يأتيها أحد بنبأ شاف، فقالت الكونتة: لم يأت يا سيدتي، لم ~~يأت. ~~- إن رمت معرفة ما أراه في الأمر، فاعلمي أني ما أظنه يعود الليلة؛ فإن للمحبين ~~حديثا طويلا «بعد» الافتراق. ~~- لعلك أردت «قبل» الافتراق. ~~- إنما أردت ما قلت، وإن كنت لا تزالين في ريب مما أقوله، فسوف يثبته لك العيان يا ~~بنية. ~~- آه، أواه! ما أصعب ما تنذرين به وما أهوله! # ثم اشتد عليها الأسى والأسف، فاسترسلت للبكاء حتى رق لها قلب الكونتة رحمة - والرحمة ~~آخر ما يبقى في أنفس الشيوخ - فقالت: خفضي عليك يا «ماري»، فلا بد لهذه الحالة من ~~آخر. ~~- تظنين أنه لا يعود، فما قولك في مدام «ڤلمورين»، أيمكن ألا تعود إلى ~~منزلها؟ ~~- إنها امرأة من اللواتي لا يفوتهن شيء من أسباب الاحتراز والاحتياط، فلا شك في كونها ~~تداركت ما أشرت إليه، ثم إن الأحوال الحاضرة موجبة لتوقع المكروه من كل ms78 وجه؛ ولذلك أخاف ~~أن يكون اليأس قد حملها و«ڤكتور» على شيء من الأعمال البالغة حد الشطط. ~~- ما العمل؟ ما الرأي؟ ما التدبير؟ ~~- أرى أولا أن ترسلي إلى منزل مدام «ڤلمورين» من يسأل، هل هي في المنزل؟ وإن لم تكن ~~هناك فمتى تعود؟ ولا يكون صدور هذا السؤال عنك غريبا بعد حادث «غرفة ڤكتور»، ولا سيما ~~أن المركيز «ڤلمورين» يعتقد أن بينك وبين زوجته صداقة موثقة العرى. # فأرسلت «ماري» خادمها فقيل له: إن المركيزة سارت لزيارة شقيقتها في «لوسيان» ولا تعود ~~إلى صباح الغد، فقالت الكونتة العجوز بعد سماع هذا الكلام: كنت على يقين من أنها تتدارك ~~أمرها، ولا تعدم في كتمه حيلة، فلننتظر إلى غد، بل الأولى أن نذهب الآن إلى «أوتوبل»، ~~فهل تريدين ذلك؟ ~~- أخاف ألا يغتفر زوجي هذه الجرأة؟ ~~- إذن ننتظر ... # ومرت الساعات على هذه الحالة حتى انتصف الليل، فقالت «ماري»: لا بد لي من الرجوع إلى ~~منزلنا يا سيدتي، فقد يئست من أن أراه الليلة، ولا أستطيع ترك الأولاد وحدهم وقتا ~~طويلا، وسأدعو الله وأسأله الرحمة والسلامة، ولا ألتمس المعونة إلا من جوده الواسع، ~~إنه جواد كريم. ~~- أسير معك يا بنيتي العزيزة، فإني وإن كنت عجوزا، فما زلت أقوى على إحياء ليلة من ~~الليالي. # وبعد ذلك خفت لمرافقة «ماري»، فركبتا العربة المعدة، فسارت بهما على عجل و«ماري» مطلة ~~من النافذة تنظر إلى كل من يمر بها، وتحسب كل من تراه «ڤكتور»، وكانت الكونتة تقول في ~~نفسها: وا أسفاه عليها! إني أرق لها، وأعلم أن كل واحدة من النساء لا بد أن تصاب بمثل ~~ما بها ولو مرة واحدة في الحياة، وهل رأيت من شجرة لم يهزها الهوى؟! # ولما بلغتا منزل «ڤكتور» طارت «ماري» إلى الخدم تسألهم عما عساه أن يكون عندهم من خبر ~~زوجها، فلما علمت أنه لم يأت عنه خبر سقطت على الكرسي بالقرب من الموقد، وجلست الكونتة ~~إلى جانبها صامتة لا تجد ما تحدثها به، فاستولى السكون والسكوت على الغرفة، فلم يكن ~~يسمع إلا حركة ms79 العربات عائدة بالمتأخرين من أهل الرقص، وكانت «ماري» تتبع حركة ~~العربة مصغية إليها على أمل أن تقف بالباب حتى ينقطع صوت صداها، فينقطع أملها بذلك ~~فتعود إلى حالتها من القلق والاكتئاب والخوف والاضطراب، وفي تلك الساعة قرع باب ~~المنزل، ففتح فصعد الداخل الدرج، وقرع باب الدار، فصاحت «ماري»: هو، هو. # ثم نهضت لتلقاه عند الباب فاستوقفتها الكونتة، وقالت: مكانك ... دعيه يأت إليك، فربما ~~كان في حالة لا يستطيع معها لقاءك. # فامتثلت وجلست تصغي إلى قول المتكلمين عند الباب في غرفة المدخل ثم صاحت: وا خيبتاه! ~~هذا صوت امرأة. # ثم سارعت إلى الباب، ففتحته؛ فرأت مدام «درميلي» والدة المركيزة الحسناء، فابتدرتها ~~هذه بالكلام، وقالت: عفوا يا سيدتي عن قدومي إليك في مثل هذا الوقت، ولكن الأمر من ~~فوق يدي والعذر فيه واضح وجيه، لقد علمت أنك تنتظرين رجوع المسيو «ديلار»، فهل تريدين ~~أن تخبريني بمكانه؟ ~~- وفيم تسأليني هذا السؤال يا سيدتي؟ ~~- لو كان المعترض غيرك من النساء لما علمت كيف أجيب، ولكنك صافية النفس كملائكة ~~السماء؛ ولذلك أخبرك أني أفتش عن ابنتي، وأعلم أنها توجد حيث يكون المسيو ~~«ديلار». # هأنذا قادمة من هناك وقد سألت عنها، فما عرفوا لها خبرا، فعدت إلى المنزل، فرأيت على ~~مكتبها كتابا باسمي تقول لي فيه إني لن أراها ألبتة من بعده، فإنها لم تقدر على فراق ~~المسيو «ديلار»، فنالني من جراء ذلك قلق لا مزيد عليه، فجئتك أنشدك الله أن تخبريني ~~بمكانهما. ~~- هما في «أوتوبل». ~~- وهل أنت على يقين من ذلك؟ ~~- لا شك عندي ولا ريب، فقالت الكونتة: هذا الذي كنت أحاذره، فقد هربا معا لا ~~محالة. ~~- حبذا ما تقولين، وإني أسأل الله تحقيق ظنك. ~~- ما معنى هذا الكلام ؟! ~~- إني لا أخاف عليهما الهرب، وإنما أخاف الموت، فإن ابنتي لتطلبه ولا تخشاه بما أعلم ~~من حدة مزاجها، والتهاب فكرها، وحبها العظيم ل «ڤكتور». ~~- الموت، الموت! ويلاه! وا مصيبتاه! طيروا بنا إلى «أوتوبل». # ثم لم تلبث لتلقي على كتفيها شالا يقيها البرد، بل اندفعت إلى الدرج ms80 طالبة باب ~~المنزل، فتبعتها الكونتة ومدام «درملي»، فركبن العربة، وصاحت «ماري» بالسائق: إلى ~~«أوتوبل» إلى «أوتوبل»، انهب الأرض، واقتل الخيل ركضا، فأطلق للفرسين العنان فسارا ~~متباريين كأنهما فرسا رهان، وكانت مدام «درميلي» قد عادت إلى حديث كتاب «أليس» وما فيه ~~من المعاريض والأقوال المبهمة، وكيف أنها ودعت آل بيتها من غير أن تظهر حقيقة الأمر ~~أو تورد كلمة تدل على المكان الذي تقصده، غير أن «ماري» لم تكن تعي شيئا من الحديث، بل ~~كانت مشردة الفكر ضائعة الرشد حتى وقفت العربة أمام درابزين الحديقة، فوثبت من نافذتها ~~ولم تنتظر أن يفتح السائق بابها، وكان السكوت مستوليا على البيت، فلم تسمع منه صوتا ~~ولا حركة، فطفقت تجر سلك الناقوس بعنف وقوة ولا تسمع جوابا، فقالت الكونتة: قد ارتحلا ~~وما في المنزل أحد، فصاحت مدام «درميلي»: إنهما في المنزل، فأيقظوا أقرب حداد إلينا ~~يفتح هذا الباب. # وكانت «ماري» مستمسكة بعروة الجروس تهزها هزا متداركا غير متنبهة لشيء مما حولها ~~حتى عاد الخادم بالحداد، فاقتلع أقفال الباب، فدخلوا الدار و«ماري» في المقدمة تعدو عدو ~~الصغار من غرفة إلى غرفة، ومن مكان إلى آخر بلا ضوء ولا دليل، وتنادي «ڤكتور» بأعلى ~~الصوت فلا تسمع جوابا، ثم جيء بالشمع وأخذت مدام «درميلي» والكونتة العجوز تجوسان خلال ~~الأماكن والغرف، فرأتا غرفة النوم ومكان البليار والأندية كلها خالية، ثم فتحتا مقعد ~~المغسل فهب عليهما ذلك الأرج الشديد فاستوقفهما، وصاحت مدام «درميلي»: إنهما في هذا ~~المكان - مشيرة إلى غرفة الزهر - فافتحوا الباب، وإن كان مقفلا فاقتلعوه. # ففتح الباب واندفعت «ماري» إلى الغرفة، فرأت المركيزة على المقعد و«ڤكتور» تحت ~~أقدامها وهما كالجليد، وليس فيهما حراك فصاحت: طبيب، طبيب، احضروا طبيبا، فلعلهما لا ~~يزالان بقيد الحياة. # وقالت الكونتة: اكسروا زجاج النوافد والشبابيك، وافتحوا مجاري الهواء، فإن رائحة هذه ~~الغرفة قاتلة. # وقد اعتنقت «ماري» زوجها باكية، خافقة القلب من الوقوف بين الرجاء والخوف، فكانت تبل ~~وجهه بدمعها، وتدعوه بأرق أسماء المحبين، فلا تسمع منه جوابا، ولا تحس منه حركة، ثم ~~حملت ms81 المركيزة إلى سريرها، وما برحت «ماري» معانقة زوجها حتى جاء الطبيب وأخذ في معالجة ~~المريضين بكل ما لديه من الأدوية، ثم مضت على ذاك ساعة ولم يبديا حراكا، فازداد قلق ~~«ماري» وسألت الطبيب عن رأيه، فلم يكن جوابه شافيا، فكانت تقول: ربي! جد عليه ~~بالعافية، واجعلني فداءه. # وما برحت تردد هذا القول أو ما بمعناه حتى قال لها الطبيب: سيشفى يا سيدتي بحول الله، ~~ولكن ربما احتاج إلى المداراة والملاطفة التامة مدة طويلة من الزمان. ~~- لك الشكر، لك الشكر يا سيدي، ولو وهبتك حياتي لما كان ذلك وافيا بحقك ~~علي. # وحياتهم وحياتهم قسما وفي # عمري بغير حياتهم لم أحلف # لو أن روحي في يدي ووهبتها # لمبشري بشفائهم لم أسرف # وكانت المركيزة قد أخذت في العود إلى الحياة أيضا، ففتحت عينيها، ووالدتها جاثية بين ~~يديها ترقب حركاتها وسكناتها، فكان هذا المنظر مما تلين له القلوب، أما الكونتة فإنها ~~لم تخرج عن طورها المألوف، ولم تتنازل عن شيء من وقارها المعروف، بل جلست على تكأة ~~في الغرفة، وجعلت تراقب الكل متداركة ما تذهل عنه «ماري» ومدام «درميلي» بما فيهما من ~~القلق، وقد ظهرت لها النتيجة بتمامها، فكانت تبتسم للأمر في سرها، ثم قالت ل «ماري»: ~~احمدي الله أيتها العزيزة واجب حمده، فقد رد إليك «ڤكتور» مرتين، وليطمئن قلبك، فقد ~~صرت في مأمن من المناظرة والشريكة. ~~- أتقولين جدا؟! ~~- لا ريب عندي فيما أقول، فإن رجلا من مثل زوجك يصبر على كل شيء إلا السخرية، وهذه ~~الحالة غير خالية من أسبابها كما ترين. # ثم استعطت - أي جعلت في أنفها سعوطا - واستولت على المقعد مرتفعة ~~الرأس. # وأخذ «ڤكتور» في الرجوع إلى حالة الرشد قبل المركيزة، فلما أمكنه الكلام قال: أين ~~أنا؟ ماري ، يا عجبا! اللهم لك الحمد؛ فقد رأيتها مرة أخرى. ~~- تمهل شقيق الروح، فعما قليل نتحدث واهدأ الآن، فأنت محتاج إلى الراحة ~~المطلقة. ~~- صدقيني، حبيبتي، العفو، المغفرة. # فألقت يدها على شفتيه بلطف ليسكت فلا يزعجه الكلام وهي راقصة القلب فرحا، لا تدري ~~كيف تعلن ms82 سرورها وسعادتها، وهو يجيل نظره في المكان الذي هو فيه، ثم قال بصوت منخفض: ~~أحب أن أسير من هذا المكان. # فأجابه الطبيب: عما قليل يتيسر لكما ذلك يا سيدي، أما الآن فإن كنت تبغي الحياة فلا ~~بد لك من التزام السكوت التام. ~~- أتريدين يا «ماري» أن أحيا؟ ~~- جعلت فداك، إني لا أحتمل فقدك، ولا أعيش بعدك. ~~- إذن سأصمت أيها الطبيب. # أما «أليس» فلما عادوتها الحياة وعادت إلى حالة الرشد، ضجت بإظهار الفرح العظيم، ~~وترامت على أمها تعانقها وتمرح ما شاءت الخفة، فنهاها الطبيب ومن حولها عن الحركة ~~والكلام، وقالوا: إن لم تصمت وتلتزم السكون فلا سبيل لها إلى الشفاء. ~~- إن كان لا بد من ذلك في حصول الشفاء فإني ممتثلة ما تأمرون. # وكانت «ماري» تتوقع أن يتفاوض الحبيبان فيما مر بهما وما صارا إليه، فكانت تبذل ~~المجهود لاجتناب ذلك مخافة أن يزعج الكلام زوجها ويتعبه، لكنها لم تستطع إخفاء أحدهما ~~عن الآخر؛ لأن الباب الذي بين الغرفتين كان مفتوحا للهواء، فلما أفاقت مدام «ڤلمورين» ~~دنت «ماري» من زوجها فقبلته وكاشفته في ضمن تلك القبلة ما تخاف، فصمت واكتفى بالسكوت ~~جوابا، وكانت الكونتة تنظر إليهما متتبعة ما يفعلان، فلما صمت «ڤكتور» ابتسمت وقالت ل ~~«ماري»: إنه غير مبال بما أوجست منه خوفا، وقد استوى عنده حضورها وغيابها، فإن الحب ~~الذي كابداه قد مات، فلن يذكره أحد منهما قط، وإنما يليق بالشعراء أن يذكروه، فإنه من ~~ظريف معاني الشعر موت الهوى تحت الزهر. # وقد صحت ظنون العجوز وصدقت أقوالها جملة وتفصيلا، فما جرى بين «ڤكتور» و«أليس» عتاب ~~ولا خطاب، بل انفصلا من غير حديث ولا كلام، وحمل كل منهما إلى منزله، فأقاما حينا ~~من الزمن يمرضان ويداويان حتى حصل لهما الشفاء التام، فقالت الباريسية الحسناء ~~لأمها ذات يوم: أماه، لقد كفاني ما رأيته عبرة، وشفاني من داء الحدة والطيش، فلست ~~متعدية من بعده حدود الرشد والحكمة. ~~- وأنا قد عزمت على بيع أرضنا التي في «بواتو» - بلد «ڤكتور». وكان «ڤكتور» على مثل ~~حالة ms83 المركيزة من السلو، ينشد بلسان الحال قول من قال: # إنني بعد بعدكم قد سقيت # من مدام السلو حتى رويت # لم يزل بي ساقي التسلي يساقي # ني كؤوسا من بعدها ما ظميت # نزع الحب من فؤادي فسبحا # ن إله يحيي الهوى ويميت # قد جعلت الهوى وعدت كأني # من سلوى ما كان ما قد هويت # وكأني على الصبابة والتب # ريح والشوق والجوى ما ربيت # وكأني على مفارقة الرو # ح لجسمي يوم النوى ما خشيت # يا خليلي أخبراني بصدق # كيف طعم الهوى؟ فإني نسيت # ففي صباح يوم من شهر نيسان راقت سماؤه، ورق هواؤه وتألق بأشعة الشمس ضياؤه أتته مدام ~~«سرزول» زائرة، فرأته جالسا بالقرب من «ماري»، وأولادهما يلعبون على البساط متناغمين، ~~وطيور نيسان تغرد في الحديقة، فتذهب الأشجان، فطابت نفسها وقرت عينها، فجلست تتأمل في ~~محاسن هذه الهيئة المنزلية، ثم قالت ل «ڤكتور» وزوجته: لقد أفادتكما نصائحي خيرا ~~عظيما، فهل لكما أن تقبلا مني هذه النصيحة الأخيرة؟ ~~- وما هي؟ تكلمي ولك الفضل. ~~- لا بد من رجوعكما إلى «بواتو»؛ فقد اشتهر أمر «أوتوبل» وأخذ الناس يتحدثون فيه وصار ~~اسمك يا «ڤكتور» مضغة في أفواههم، فلست تقوى على الثبات في هذا الموقف الضنك ~~بباريس. # فقالت ماري لزوجها: ما قولك في هذا الرأي؟ ~~- هذا جل المراد وغاية الأمنية، فقد عظم شوقي إلى المنزل الأول، فما أذكر إلا ~~حدائقه، ورياضه، ومنازهه، وغياضه، والغدير، وأشجاره، والحقل، وأزهاره كما رأيتها والموت ~~نصب عيني، ألا إن المقام بينك وبين أولادنا ووالدينا في تلك الأماكن الصافية السماء لهو ~~السعادة الحقيقية، فكل ما خلاه من لذة الحياة كاذب باطل كالآل يحسبه الظمآن ~~ماء. ~~- وأين تترك ذاك الطمع؟ ~~- مات الطمع لا رجع. ~~- وفكرك المتوقد؟! ~~- جعلته وقفا عليك، فهلم نسافر. # فقالت الكونتة: بارك الله فيكما يا ولدي، وأنت يا «ڤكتور» بقي لك عندي نصيحة واحدة: ~~إياك وكثرة الهواجس. ~~- لا تخافي علي يا سيدتي، فلست أهجس واللذة الحقيقية لدي. ~~••• # كانت الكونتة «سرزول» و«ماري» تتراسلان بعد سفر «ڤكتور» وآل بيته إلى «بواتو»، فعلم ~~من مراسلتهما ms84 أن باريسيتنا الحسناء صارت من المتحرزات، على أنها ما برحت شديدة الحرص ~~على الزينة والتبرج، وقد تناست «ڤكتور» فلم تكن تذكره البتة خجلا مما وقع لها أو ~~سلوا، أما هو فأقام ببلده بين زوجته ووالده وولده، منقطعا إلى الاهتمام بشئونه من ~~الزراعة والصناعة، متمتعا من حب ذويه بنعيم مقيم ومن نعومة البال بهناء عظيم، وكان إذا ~~ذكر ماضيه ضحك منه، وإن نظر إلى آتيه ابتسم له، وإن تأمل حاله الحاضر حمد الله في ~~الباطن والظاهر والأول والآخر. # يا زمان الشباب سقيا ورعيا # وسلاما يا خير كل زمان # قد ظنناك يا نعيم مقيما # ما ظنناك نشأة النشوان # نحسب العمر فيك دهرا طويلا # والليالي تمر مر الثواني # كم نشقناك نشق نفخة طيب # ورشفناك رشف خمر الدنان # وشغلنا عن الحياة بلهو # وانصرفنا إلى الوجوه الحسان # وسكرنا فما دنا الصحو حتى # آذنتنا السنون بالحرمان # غير أن الشباب لا بد فيه # من غرور يسطو على الشبان # أي غصن ما حركته رياح؟ # أي قلب لم ترمه عينان؟ # فأخو الرشد من صحا قلبه من # غفلة الجهل قبل فوت الأوان # وتملى من الهناء بما يب # قى صحيحا على ممر الزمان # فانتهب فرصة الصفاء انتهابا # لا تظن الصفاء ظلا ثان # وادخر من صباك جسما معافى # فالصبا والصفاء لا يخلدان # وتمتع بذات خدر حليل # ناعما بالرفاء والولدان # فهي تهديك من نسيمات فيها # منعشات الأرواح والأبدان # وحواليك من بنيك عيون # لا عيون المهى ولا الغزلان # ووجوه تغنيك عن شعر موسى # 9 # ولياليه أربع أو ثمان # وخدود أشهى وأطرى وأندى # من دموع الصباح في نيسان # ولهم في حديثهم نغمات # يا حنيني لنغمة الكروان # هذه لذة الحياة وهذي # أيها الناس غبطة الإنسان ms85