######OpenITI# #META# URI: 1307BulusButrusMascad.IbnSinaFaylusuf.Hindawi86205862 #META# Tags: biographies :: philosophy #META# ID: 86205862 #META# Title: ابن سينا الفيلسوف: بعد تسعمئة سنة على وفاته #META# AuthorID: 60302515 #META# Author: بولس مسعد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # 1 - بيئة ابن سينا‏ # 2 - حياة ابن سينا‏ # 3 - مصنفاته، تقسيمه العلوم‏ # 4 - منطق ابن سينا‏ # 5 - طبيعيات ابن سينا‏ # 6 - النفس في نظر ابن سينا‏ # 7 - العلة والمعلول‏ # 8 - ما هو الله تعالى؟‏ # 9 - كيف أثبت ابن سينا حدوث الكون‏ # 10 - هل أقر ابن سينا بأن الله يعرف الجزئيات؟‏ # 11 - العناية الإلهية‏ # 12 - دخول الشر للعالم1‏ # 13 - السعادة والشقاوة‏ # 14 - سياسة ابن سينا‏ # الخاتمة‏ # أهم المصادر‏ # المقدمة‏ # 1 - بيئة ابن سينا‏ # 2 - حياة ابن سينا‏ # 3 - مصنفاته، تقسيمه العلوم‏ # 4 - منطق ابن سينا‏ # 5 - طبيعيات ابن سينا‏ # 6 - النفس في نظر ابن سينا‏ # 7 - العلة والمعلول‏ # 8 - ما هو الله تعالى؟‏ # 9 - كيف أثبت ابن سينا حدوث الكون‏ # 10 - هل أقر ابن سينا بأن الله يعرف الجزئيات؟‏ # 11 - العناية الإلهية‏ # 12 - دخول الشر للعالم1‏ # 13 - السعادة والشقاوة‏ # 14 - سياسة ابن سينا‏ # الخاتمة‏ # أهم المصادر‏ # | ابن سينا الفيلسوف # | ابن سينا الفيلسوف # | بعد تسعمائة سنة على وفاته # تأليف # بولس مسعد # | المقدمة # | لقد حان لنا النهوض! # تحت السماء الصافية، على الجبال الشامخة، تجاه البساتين الزاهية، في ~~السهول الصامتة، بين الجدران القائمة وحيال المواد المتراكمة وقف ~~الفيلسوف وسيقف إلى الأبد يتأمل الموجودات ويراقبها متفهما حركاتها ~~واختلاجات نفسه، ومحددا العلاقة الكائنة بين الاثنين، ثم يدون ما ~~يتوصل إليه من القواعد والموازين بأسلوب منطقي؛ إرشادا للبشرية ~~ودليلا للمنشغفين بالوجود الشامل. # من جميع الأمم، ومن سائر الممل والنحل خرج الفيلسوف وسيخرج؛ لأن مادة ~~الفلسفة تأبى الجزئية، وتستعصي على الإحاطة والحصر. # تتعاقب الأجيال، وتتوالى السنون، والفلسفة تعمل بهمة لا تعرف ~~الملل، وعزم لا يعتريه خوار على إيصال الإنسانية إلى ذروة الكمال ~~ومسكن الجلال، غير عابئة بما يعترضها من الصعاب، ويقوم بوجهها من ~~العقبات الكأداء. # هي كامنة في جميع العقول كمون النار في الهشيم، ومستعدة لأن تقود ~~العاملين في تعاليمها إلى حظيرتها الآمنة، ولكنها إذا وجدت مقاومة في ~~شعب من الشعوب، أو أمة من الأمم تنتقم لنفسها انتقاما ~~مريعا. # يكفي قليل من النظر إلى العلم لنتحقق من ms01 امتناع نمو الفلسفة ~~بذاتها وحدها بدون نمو سائر الملكات؛ ذلك لأن جميع عناصر العقل يجب أن ~~تبلغ إنماءها قبل التأمل؛ ولكون التأمل المرتب على نمط معين لا ~~يظهر إلا متأخرا وبعد سائر الملكات. ونحن لا نتبسط في بيان هذه ~~الظاهرة؛ لأنها من الحقائق الملموسة في طبيعة الأمم والأفراد على السواء، # 1 # وأقتصر على الإقرار بأن مجرى الأمور في الشعب العربي لم ~~يكن مختلفا عنه في غيره؛ فإن الفلسفة العربية لم تكن نبتا في ~~صحراء، ولا ثمرة غير منتظرة؛ بل كانت ثمرة لغرسة ناضجة، ونبتا ~~لأرض مشغولة. # قبل الترجمات نرى العقل العربي كبيرا دقيقا يود الإبداع والتحليق ~~في سماء النظريات السامية، إلا أن معارفه الضعيفة ومداركه المحدودة ~~الآفاق تكسر أجنحته وترغمه على إرسال الحكم الشعبية دونما اكتراث ~~بالتحاليل المنطقية، لكنه لما اطلع على الثقافات الأعجمية، وتبحر ~~في الفلسفة اليونانية، اتسعت دائرة تفكيره، واستطال نفسه، واتخذ ~~اتجاها آخر يختلف عن الأول تمام الاختلاف، فظهرت الشيع العلمية، وكثرت ~~المجادلات المنظمة، وثارت المساجلات القائمة على الحجة ~~والبرهان، وتمخضت العقول بالنظريات الجديدة، فصح المبدأ المتناقل ~~أن العلم لا يختص بشعب من الشعوب، ولا بجيل من الأجيال؛ بل هو ~~مشاع للجميع، وأنواره التي تشرق في إحدى البلدان المتمدنة يجوز ~~لغيرها من الأمم الاستضاءة بها، ولو كانوا في المجاهل السحيقة ~~والسيارات العلوية، والمعروف أن ما زرع من الأفكار العلمية في أحد ~~البلدان، أو في أحد العصور نبت وأينع في بلاد ثانية أو عصر آخر، فرب ~~فكرة تظهر في لبنان مثلا يأخذها عالم فرنسي، ويتعمق في درسها ~~وتحليلها، ويزيدها صقلا ونحتا، ثم يرسلها نظرية فتانة ترفل بثوب ~~قشيب. # وعندما نطلع على المصنفات التي نقلت من اليونانية إلى العربية ومدى ~~التأثير الذي أحدثته في المفكرين الأعارب، نعترف بأن الحضارة العربية ~~هي مدينة لإغريقيا في رقيها أكثر من غيرها؛ لأنها أمها في جميع ~~أمور العقل تقريبا؛ إذن على أبناء الضاد ألا ينسوا هذه الحقيقة ~~الواضحة؛ لئلا يرموا بالكفران وإغماط النعمة. # وقولنا: إن الشعب العربي هو ابن إغريقيا في أمور العقل ms02 لا يعني أنه ~~كان ناقلا فقط؛ بل قد أدى إلى جميع العلوم رسالته، وحفظ تراث ~~الأقدمين الثمين، وزاده كمالا وجمالا، إلا أنه في الفلسفة لم يتمكن ~~من الإبداع الكلي رغم ما فيه من الشوق والمقدرة على اقتباس النظريات ~~الدقيقة. وهذا - على ظننا - يرجع إلى طبيعة العربي المقلدة وقصر ~~وقته، فضلا عن أن العالم الإسلامي لم ينثن يوما عن تكفير الفلسفة ~~وإرهاقها حتى صار اسم فيلسوف مرادفا لزنديق. ومن كثرة الضغط الذي لحق ~~بالحكمة ونزل بعشاقها قل عدد المقبلين على درسها واكتناه ~~أسرارها، وغابت عن البلدان العربية شيئا فشيئا، وخيم ظلام الجهل، ~~وتقوضت أركان الدولة، وتشتتت الكتب العلمية، وصار ينظر إليها كما ~~ينظر إلى الطلاسم والملاغز، وهكذا تكون الفلسفة قد انتقمت لنفسها ~~انتقاما هائلا. # قال بارتلمي سانتهلير أستاذ الفلسفة الإغريقية في كولليج دي فرانس: ~~«إن العقل الإنساني بطيء في سيره، فيحسن به وهو سائر في طريقه غير ~~المتناهي أن يلقي نظره بين الفينة والفينة إلى الوراء؛ ليرى من ~~أين ابتدأ سيره؛ وليسدد خطاه في المستقبل غير المحدود الذي ينتظر ~~قدومه.» # ولا شيء يرينا مبتدأ سير العقل العربي غير درس تاريخ الفلسفة درسا ~~علميا، ولا شيء يسدد الخطى في المستقبل غير التخرج في مدرسة ~~التاريخ نفسه؛ لأنه أستاذ الحياة على حد قول شيشرون الخطيب الروماني ~~الشهير. # إن جميع البلدان، وسائر الشعوب، تعطي الفلسفة دراسات وافية عن ~~علمائها ومفكريها الأقدمين، وتقدم لأسرة العلم رجالا أفذاذا ~~نابغين. أما العالم العربي فلا يزال غير مكترث بدرس تراث فلاسفته إلا ~~بمقدار، وغير مقدم للعالم فلاسفة مبدعين. # لقد حان لنا - نحن الشباب المثقف - أن ننهض إلى العمل الفلسفي ~~المثمر، ونبعث الفلسفة العربية من لحدها كما بعثنا الأدب العربي، ~~وأن نسير في طريق البحث والتفكير الطلق غير عابئين بالمصاعب والأتعاب؛ ~~لأن من لم يركب الأخطار لا ينل الرغائب. # لنعمل على إعادة مجدنا الغابر وعزنا التالد، لنعمل على تكوين ~~مفكرين ناضجين منا ولنا، مستمدين مثلنا العليا من نفسيتنا، ~~موضحين للملأ أن في عقولنا كل علم وكل فلسفة وكل فن، ms03 وفي إرادتنا ~~كل عزم وكل حزم وكل مثابرة، ولعلنا بهذا البحث الذي كلفنا جهودا ~~لا تحصى نكون أدينا بعض الخدمة، وحسبنا الله خير مثيب. # الأب بولس مسعد # الحلبي اللبناني # دير سيدة اللويزة، في 12 حزيران 1937م # الفصل الأول # | بيئة ابن سينا # المكان الذي يولد فيه الإنسان وينشأ ويتربى، والحال التي يسير ~~عليها وتطبع في نفسه ميزات خاصة من البيئة، ولقد أقر علماء ~~البيولوجية على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم أن للبيئة في حياة أبناء آدم ~~أثرا بالغا لا توصف محاسنه إذا كان حسنا، ولا تحصى مساوئه إذا ~~كان سيئا حتى قيل: «المرء ابن بيئته.» لذا نرى الدول الراقية قد سنت ~~القوانين الصارمة للقضاء على البيئة الفاجرة الخاملة، وشيدت المدارس ~~والمعاهد لمكافحة الجهل والغواية، فرفعت بذلك مستوى شبانها صحة ~~وعقلا؛ لهذا إذا شئنا أن نفهم حياة الشيخ الرئيس العامة والخاصة، ~~يلزمنا أن نقول كلمة ولو وجيزة في بيئته مقسمينها قسمين: البيئة ~~السياسية، والبيئة العقلية. ~~(1) البيئة السياسية # إن أردنا بإسهاب تصوير البيئة التي وجد فيها أرسطو الإسلام؛ ~~لاقتضى ذلك مجلدا برأسه؛ لذلك نكتفي بما يدل على الجوهر، ويعطي ~~الدارس فكرة واضحة. # كانت العناصر الأجنبية قد عصفت بالدولة العباسية يوم أطل ابن ~~سينا في جو الوجود، وأهم هذه العناصر التي ضعضعت أركان ~~الإمبراطورية العربية هي الفارسي والتركي. # إن تدخل العنصر الفارسي في الدولة العباسية يرجع إلى مقتل الأمين ~~198ه وانتصار المأمون، وقد كان للفضل بن سهل اليد الطولى بذلك، وظل ~~الفرس يستبدون بالدولة، وهم من وزرائها المشاهير حتى تلاشى أمر ~~الشيعة من بغداد، ثم بخلافة المتوكل ينقضي العصر الفارسي ~~الأول. # ما كاد يتقلص ظل هذا العصر الثقيل عن الدولة العربية حتى منيت ~~بالعصر التركي الأول. ومظالم الأتراك في الدولة، واستبدادهم بشئون ~~الخلفاء قد فاق الفرس بدرجات؛ مع أنه ليس بين هذين العصرين حد فاصل ~~ينتهي إليه الواحد ويبتدئ منه الآخر؛ بل هما تعاصرا مدة كان الأول ~~في أواخره، والآخر في أوائله. # إن أول من استخدم الأتراك في الجندية من الخلفاء كان المنصور ~~العباسي، إلا أنهم ms04 في بادئ أمرهم كانوا ثلة لا يعبأ بها، وإنما ~~كانت السيطرة آنذاك للفرس والعرب، ولما اشتد التنافس بين العرب ~~والفرس في أيام الرشيد، واتسعت شقة الخلاف بينهما، وذهبت سطوة ~~العرب بذهاب دولة الأمين، وتسلط الفرس أنصار المأمون وأخواله. ~~ضعفت العصبية العربية بسبب توغل العرب في الحضارة والترف، ونأت ~~عن عقليتهم محبة الجهاد والتغلب والفتح، ففكر المعتصم أخو ~~المأمون في ذلك قبل أن تفضي الخلافة إليه، وكانت أمه تركية وفيه ~~كثير من طبائع الأتراك، مع الميل إليهم لأنهم أخواله، كما كان يميل ~~المأمون إلى الفرس. وشاهد المعتصم من جرأة الفرس وتطاولهم بعد قتل ~~أخيه الأمين حتى أصبح يخافهم على نفسه، ولم يكن له ثقة بالعرب وقد ~~ذهبت عصبيتهم، وأخلدوا إلى الحضارة والترفه، وانكسرت شوكتهم، ~~فرأى أن يتقوى بالأتراك، وهم لا يزالون إلى ذلك العهد أهل بداوة ~~وبطش، مع الجرأة على الحرب، والصبر على شظف العيش، فجعل يتخير ~~منهم الأشداء يبتاعهم بالمال من مواليهم بالعراق، أو يبعث في ~~طلبهم من تركستان وغيرها، فاجتمع لديه عدة آلاف وفيهم جمال ~~وصحة، فألبسهم أثواب الديباج والمناطق والحلي المذهبة، وميزهم ~~بالزي عن سائر الجنود. # فلما أفضت الخلافة إليه كان الأتراك عونا له، وتكاثروا حتى ~~ضاقت بغداد عنهم، وصاروا يؤذون العوام في الأسواق فينال الضعفاء ~~والصبيان من ذلك أذى كثير، وربما رأوا الواحد بعد الواحد قتيلا ~~على قارعة الطريق. وكان المعتصم ينظم المماليك فرقا، عليهم ~~القواد منهم مثل نظام الجند في ذلك الزمان، ولم يكتف بجمع ~~المماليك والأتراك بالشراء أو المهاداة، ولكنه رغب أمراء الأتراك ~~وأولاد ملوكهم بالقدوم إليه والإقامة في ظله، وممن جاء منهم على ~~هذه الصورة جف بن بلتكين من أولاد ملوك فرغانة، وكانوا قد وصفوه له ~~بالشجاعة والتقدم في الحروب، وأحضر غيره من أبناء الأمراء، وبالغ ~~في إكرامهم. # وكان المعتصم شديد الرغبة في استبقاء أتراكه على فطرتهم، ويخاف ~~تحضرهم واختلاطهم بالأمم الأخرى؛ فتذهب عصبيتهم، وتضعف نجدتهم؛ ~~فابتاع لهم الجواري التركيات فزوجهم منهن، ومنعهم أن يتزوجوا ~~أو يصاهروا أحدا من المولدين إلى أن ينشأ لهم ms05 الولد؛ فيتزوج ~~بعضهم من بعض، وأجرى للجواري أرزاقا قائمة، وأثبت أسماءهن في ~~الدواوين، فلم يكن يقدر أحد منهم أن يطلق امرأته أو يفارقها. ~~فاشتد ساعد الأتراك بذلك، وقويت شوكتهم، وتغلبوا على أمور ~~الدولة، وخصوصا بعد أن أنقذوا المملكة من بابك الخرمي، وفتحوا ~~عمورية ونصروا الإسلام، فتحول النفوذ إليهم، وبعد أن كانت أمور ~~الدولة في قبضة الوزراء الفرس أصبحت في أيدي القواد الأتراك، أو ~~صار النفوذ فوضى بين الوزراء والقواد، وكان كل فريق يسابق الآخر في ~~ابتزاز الأموال بالمصادرات ونحوها. # وكانت الدولة قد تجاوزت طور الشباب، وأخذت في التقهقر، وانغمس ~~الخلفاء في الترف والقصف، وعجزوا عن القيام بشئون الحكومة، فأصبحوا ~~لا يبلغون منصب الخلافة إلا بالجند الأتراك، وهؤلاء لا يعملون ~~عملا إلا بالمال، فمن استطاع استخدام الجند ملك، ولا عصبية هناك، ~~ولا جنسية، ولا جامعة دينية، ولا رابطة وطنية، فأضحى الأتراك محور ~~تلك الحركة، وهم أهل شجاعة وحرب كما تقدم، وأمسى البطش والفتك من ~~أكبر عوامل السيادة. # وقد قام الأتراك في الدولة بأعمال كثيرة مذمومة، منها: أنهم ~~قتلوا المعتز شر قتلة؛ إذ إنهم جروه برجله إلى الباب، وضربوه ~~بالدبابيس، وخرقوا قميصه، وأقاموه في الشمس بالدار، فكان يرفع ~~رجلا ويضع أخرى لشدة الحر، وبعضهم يلطمه بيده؛ والمستكفي سملوا ~~عينيه، ثم حبسوه حتى مات في السجن ... # وكان أهل البلاد يهابون الأتراك ويخافون بطشهم، فإذا جاءوا بلدا ~~خافهم أهله كثيرا؛ إذ كانوا ينزلون في دور الناس، ويتعرضون ~~للحرم والغلمان، فشرعت العامة تكرههم شديدا. # ولما وصلت الدولة العباسية إلى ما تقدم من فساد الأمور ~~والفوضى في سلطتها وأحكامها بين الفرس والأتراك، أو بين الوزراء ~~والأجناد، أو بين الخدم والنساء، وذهبت هيبة الخلفاء بما أصابهم من ~~التضييق والاحتقار، هان على عمالهم في أطراف المملكة أن ينفصلوا ~~عنهم بأحكامهم الإدارية والسياسية، وأن يستأثروا بجباية الأموال، ~~وجميع أعمالهم وهو الاستقلال، وكان أسبقهم إليه أبعدهم عن مركز ~~الخلافة، ومن جراء ذلك تشعبت المملكة العباسية، ونشأ في ظل ~~العباسيين دويلات فارسية وأخرى تركية، إلا أن الإمارات الفارسية لم ~~تمكث طويلا ms06 حتى قامت دولة آل بويه، وهي أكبر دولة فارسية شيعية ~~ظهرت في الشرق في عهد ذلك التمدن بظل الدولة العباسية، واستمر حكم ~~آل بويه من سنة 320-447ه؛ أي إن هذه الدولة قد انقرضت في أيام ابن ~~سينا. # وعلى غرار الفرس طبع الأتراك؛ أي إنهم لما قويت شوكتهم في ~~الدولة وهابهم الخلفاء، طمع بعضهم في الولايات كما طمع الفرس، ~~فاستقلوا بها فنبتت للدولة العباسية فروع تركية خارج بلاد فارس، ~~كما نبتت الفروع الفارسية في بلاد فارس. والدولة التركية التي عمرت ~~أكثر من غيرها هي الدولة الغزنوية التي كان مقرها أفغانستان ~~والهند، وظلت من سنة 351-582ه. # على أن هذه الإمارات ابتدأت فروعا للمملكة العباسية؛ أي كان ~~أمراؤها وسلاطينها من عمال الدولة العباسية أو قوادها. وكانت ~~السنة قد تقوت بظهور الإمارات التركية، فلما قامت دولة آل ~~بويه بالعراق وفارس، وعاصرتها الدولة الفاطمية بمصر عظم أمر الشيعة ~~في العالم الإسلامي، وتضعضعت السنة فتشتت شأن المملكة ~~العباسية. ثم ظهرت الدولة التركية الكبرى في أواسط القرن الخامس، ~~وتعرف بالدولة السلجوقية نسبة إلى جدها سلجوق، فجاءت في حال ~~الحاجة إليها؛ لأنها لمت شعث المملكة العباسية، ونصرت مذهبها ~~(السنة) بعد أن كادت تضمحل بين الشيعة، إلا أن هذه الدولة قد ~~تفرعت أيضا إلى دول كثيرة، لكنها عرفت باسم واحد. # تجاه هذه المنازعات السياسية نرى العرب يلمون شعثهم، ويشيدون ~~الإمارات العربية، ويشدون أزر العنصر العربي، وقد ساعدهم على ذلك ~~ما قام من الفتن والحروب بين الخلفاء العباسيين ووزرائهم الفرس ~~وأجنادهم الأتراك في القرن الرابع للهجرة، ورأوا الفرس والترك ~~يستقلون بولاياتهم فقلدوهم، فاستقل آل حمدان من بني تغلب ~~بالموصل وحلب وغيرهما سنة 317-394ه، وكانت دولتهم عربية أحيوا بها ~~معالم الآداب، ثم وجدت غير هذه دويلات عربية أخرى نضرب عن ذكرها ~~خوف التطويل. # وبسبب هذا التقهقر السياسي تقهقرت الأخلاق والآداب، ولعل ~~التقهقر الخلقي كان علة التقهقر السياسي، وعمت الفوضى، وكثر ~~الفحش والتهتك حتى في دور الخلفاء، وتعرض الشعراء للنيل من ~~عرض الملوك. قال أحدهم في الأمين: # ألا يا أيها المثوى بطوس ms07 # عزيبا ما تفادى بالنفوس # لقد أبقيت للخصيان هقلا # يحمل منهم شؤم البسوس ... # في هذه البيئة المضطربة، في هذه البيئة الخالعة نشأ الشيخ ~~الرئيس؛ فأثر ذلك في أخلاقه وآدابه، حتى لقد اتفق جمهور ~~المؤرخين على أنه كان مع وفرة علمه وتوقد ذهنه متهتكا فسوقا ~~كعامة أهل عصره ... وفضلا عن ذلك فإن البعض يقولون بأن ابن سينا ~~من أصل تركي؛ ولذلك احتفلت جامعة إستنبول في 21 حزيران 1937م بمرور ~~تسعمائة سنة على وفاته، أما كارا دي فو فقد صرح أنه من أصل فارسي ~~مستندا في ذلك إلى كلام الرئيس عن ذاته. # ومن الدرس والتحقيق نعرف أن البيئة السياسية قد أثرت أيضا في ~~نظرياته الفلسفية على مثال ما جاء في نظريته الصدورية؛ فالواحد ~~الذي لا يتحرك، والمبدأ الأول الذي تتجه نحوه العقول هو الخليفة ~~المقيم في بغداد الذي لا يعرف ما يفعله العمال والأمراء في ~~إماراتهم، والكواكب التي تتحرك في السماء تسبيحا لله - عز ~~وجل - تشبه حركة السلاطين والأمراء في خدمة الخليفة الساكن حتى ~~كأن الحياة السياسية قد نظمت على صورة الأفلاك وحركاتها. # 1 ~~(2) البيئة العقلية # حمل التعصب للإسلام في الصدر الأول على الاعتقاد «أن الإسلام ~~يهدم ما كان قبله»، وأنه «لا ينبغي أن يتلى غير القرآن»، ~~وبالاستناد إلى هذه الاعتقادات التي لا ترتكز على شيء من القرآن ~~والحديث، أحرقوا ما وقعوا عليه من الكتب الفلسفية والعلمية في ~~الإسكندرية وفارس، وانصرفوا إلى العناية بالقرآن وأحكامه، وما إليه ~~من العلوم الإسلامية في الفقه واللغة والمغازي وسير الفتح ونحو ذلك. # 2 # ولما فرغوا من الفتوحات وأنشئوا العلوم الدينية، واستتب لهم ~~الأمن والسلام، وترقت عقولهم، واتسعت مداركهم، وأخذوا في أسباب ~~الحضارة بالقسط الأوفر، تشوقوا إلى الاطلاع على العلوم والفلسفة ~~بما سمعوه من الأساقفة والرهبان، وهان عليهم الأمر عندما سمعوا ~~القرآن نفسه يفضل العلماء على الجهلاء بدليل قوله: # هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون ~~، # 3 # ويجعل للراسخين في العلم سعادة، ويدعو الناس إلى ~~الافتكار في الخلق: # الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق ms08 السماوات والأرض ~~ربنا ما خلقت هذا باطلا ~~، # 4 # وازدادت رغبتهم في إحراز العلم عندما سمعوا الحديث ~~يقول لهم: «الحكمة ضالة المؤمن يأخذها ممن سمعها، ولا يبالي في أي ~~وعاء خرجت»، «خذوا الحكمة ولو من ألسنة المشركين»، «طلب العلم ~~فريضة على كل مسلم ومسلمة »، ثم «اطلبوا العلم ولو بالصين»، # 5 # على أنهم لم يقدموا على طلبها دفعة واحدة؛ بل ~~اقتبسوها تدريجا تبعا لسنة الارتقاء. # كان علماء الإسلام قبل اطلاعهم على الفلسفة يكتفون بتفسير القرآن ~~تفسيرا سطحيا، وبالتلميحات التاريخية، وشرح الألفاظ الغامضة، ثم ~~لما امتزجوا بالعلوم الدخيلة تطور فكرهم، وعرضت لهم مشاكل ~~فلسفية كبرى في الله وصفاته، وكلامه، ووحيه، والقضاء والقدر، ~~فتضاربت الآراء، وتشعبت النظريات، وحمي وطيس الجدال، وتولدت ~~الشيع والبدع؛ فكان الصفاقيون، وحمل عليهم المعتزلون، وحاول الحكم ~~فيما بينهم الأشعري العقل الراجح، كما توسط بين الجبرية والقدرية ~~والصفاتية والمعتزلة، وهكذا تعددت الاختلافات في شروح القرآن ~~وآياته، وكثرت الفرق الإسلامية إلى أن بلغت اثنتين وسبعين فرقة، ~~أحصاها الشهرستاني وحلل تعاليمها في كتاب الملل والنحل، وكان ~~أشدها وطأة وأعمقها فكرا المعتزلة والأشعرية. # 6 # أما الترجمات فإنها قد لعبت دورا مهما في ترقي الفكر ~~العربي، والمرجوح أنه لولا أرسطو ومنطقه، واليونان وعلومهم، والفرس ~~وآراؤهم، لما ظهر في شرقنا نوابغ على مثال الفارابي، وابن سينا، ~~والغزالي، وابن رشد في الفلسفة، وابن سينا والرازي في الطب، ~~والخوارزمي في الجبر، وجابر بن حيان في الكيمياء ... # 7 # هذه هي البيئة العقلية التي أحاقت بالشيخ الرئيس؛ انشغاف ~~بالحكمة، محبة للعلم، نضوج في الفكر، تعدد المترجمين والشراح، ~~تشعب في الآراء والنظريات، امتزاج القديم بالجديد، طريق صعب ~~للتفكير الحر الطليق. وبالجملة إن ابن سينا فتح عينيه على مملكة ~~الفلسفة والعلم، فوجد مواد مبعثرة، فيها الغث والسمين، الجيد ~~والرديء، فحاول تحليل عناصرها، وتمحيص دقائقها، واكتناه أسرارها، ~~ومعارضتها بعضها ببعض، فنبذ منها ما وجب نبذه، وأبقى ما رآه صالحا ~~لبناء صرح فلسفته. # أجل إن ابن سينا قد اتبع الفارابي في أكثر آرائه - كما سترى في ~~هذا الكتاب - ولكنه مع ذلك قد ضرب عرض ms09 الحائط بالقسم الكبير من ~~تعاليم أستاذه كفلسفة الوفاق مثلا، وعدم قيام المدينة الفاضلة؛ ~~لأنه كان ناقدا بصيرا ومنطقيا قديرا. # الفصل الثاني # | حياة ابن سينا # لكل إنسان في الوجود البالي حياتان؛ حياة مادية، وحياة روحية. الأولى ~~هي نشأة الإنسان وترعرعه، والتقلبات التي تطرأ عليه، والأحداث التي ~~تدهمه من الخارج وما إليها. والثانية هي مصدر كل اتجاه عقلي وتطور ~~اجتماعي. ولكل من هاتين الحياتين تأثيرهما الخاص؛ فالمادة تؤثر في ~~الروح تأثيرا عظيما، كما أن الروح تسير ذاك التأثير، وتلبسه ~~ثوبا يختلف قيمة ووزنا باختلاف الشخص ومواهبه العقلية؛ لذا نرى ~~نظريات الفيلسوف المتفائل تباين نظريات المفكر المكتنف بالأحزان ~~والأشجان والمصائب والويلات. وهذا لا يجرؤ على إنكاره ذو فهم. وكما أنه ~~يلزم الإنسان أن يقيت جسده، ويهذب روحه، ويطبع فيها الملكات ~~الصالحة، كذلك يجب على المؤرخين المبصرين أن يدرسوا فرعي الحياة ~~الروحي والمادي؛ لكي يرضوا الحقيقة، وينجوا من الملامة، ويعطوا كل ذي ~~حق حقه. ~~(1) حياة ابن سينا العامة # إن مجمل ما نعرفه عن تاريخ حياة الشيخ الرئيس العامة أو ~~المادية هو مأخوذ عن موجز كتبه بخط يده، هاك نصه بالحرف نقلا عن ~~ابن العبري، تاريخ مختصر الدول، ص325، قال ابن سينا: # إن أبي كان رجلا من أهل بلخ، # 1 # وانتقل منها إلى بخارا في أيام نوح بن منصور، # 2 # واشتغل بالتصرف # 3 # في قرية خرميثن، وتزوج أمي من قرية يقال ~~لها أفشنة، وولدت منها وولد أخي. ثم انتقلنا إلى بخارا، ~~وأحضرت معلم القرآن والأدب، وكملت العشر من العمر، وقد ~~أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب حتى كان يقضى مني ~~العجب. وأخذ والدي يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل، ~~ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه، ثم جاء إلى بخارا أبو ~~عبد الله الناتلي، # 4 # وكان يدعي الفلسفة، وأنزله دارنا؛ رجاء ~~تعلمي منه، فقرأت ظواهر المنطق عليه، وأما دقائقه فلم ~~يكن عنده منها خبرة، ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع ~~الشروح، وكذلك كتاب إقليدس، فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ~~ستة عليه، ثم توليت ms10 حل الكتاب بأسره، ثم انتقلت إلى ~~المجسطي، وفارقني الناتلي، ثم رغبت في علم الطب، وصرت أقرأ ~~الكتب المصنفة فيه، وتعهدت المرضى؛ فانفتح علي من أبواب ~~المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وأنا في هذا ~~الوقت من أبناء ست عشرة سنة، ثم توفرت على القراءة سنة ~~ونصفا، وكلما كنت أتحير في مسألة ولم أكن أظفر بالحد ~~الأوسط في قياس، ترددت إلى الجامع وصليت وابتهلت إلى ~~مبدع الكل حتى يفتح لي المغلق منه والمتعسر، وكنت أرجع ~~بالليل إلى داري، وأضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراء ~~والكتابة، فمهما غلبني النوم، أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب ~~قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى ~~القراءة، ومتى أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها، ~~حتى إن كثيرا منها انفتح لي وجوهها في المنام، ولم أزل ~~كذلك حتى أحكمت علم المنطق والطبيعي والرياضي. ثم عدلت إلى ~~العلم الإلهي، وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة، فما كنت أفهم ما ~~فيه، والتبس علي غرض واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين ~~مرة، وصار لي محفوظا وأنا مع ذلك لا أفهمه، وأيست من ~~نفسي وقلت: «هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه، وإذا أنا يوما ~~حضرت وقت العصر في الوراقين، وبيد دلال مجلد ينادي ~~عليه، فعرضه علي؛ فرددته رد متبرم معتقد ألا فائدة ~~في هذا العلم»، فقال لي: «اشتر مني هذا فإنه رخيص، أبيعكه ~~بثلاثة دراهم؛ لأن صاحبه محتاج إلى ثمنه»؛ فاشتريته، فإذا ~~هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة، ~~فرجعت إلى بيتي وأسرعت قراءته، فانفتح علي أغراض ذلك ~~الكتاب؛ بسبب أنه صار لي على ظهر القلب، وفرحت بذلك ~~وتصدقت بشيء على الفقراء شكرا لله تعالى، فلما بلغت ~~ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها، وكنت إذ ~~ذاك للعلم أحفظ، ولكنه اليوم معي أنضج، وإلا فالعلم واحد ~~لم يتجدد لي بعده شيء، ثم مات والدي وتصرفت بي ~~الأحوال، وتقلدت شيئا من أعمال السلطان، ودعتني الضرورة ~~إلى الارتجال إلى بخارا والانتقال عنها إلى ms11 جرجان، وكان ~~قصدي الأمير قابوس، فاتفق في أثناء هذا أخذ قابوس وحبسه ~~وموته، ثم مضيت إلى داهستان، ومرضت بها مرضا صعبا، وعدت ~~إلى جرجان، وأنشأت في حالي قصيدة فيها بيت القائل: # لما عظمت فليس مصر واسعي # لما غلا ثمني عدمت ~~المشتري # ا.ه. # وفي جرجان اتصل به تلميذاه؛ أبو عبيد الجوزجاني ، وأبو محمد ~~الشيرازي؛ لرغبتهما في تلقي العلم عنه فأفادهما كثيرا، ثم انتقل ~~إلى الري، واتصل بخدمة مجد الدولة إلى أن كان من الأسباب ما استوجب ~~خروجه إلى قزوين، ومنها إلى همذان، وتقلد الوزارة لشمس الدولة، ~~ثم تشوش العسكر عليه، وأغاروا على داره ونهبوها وقبضوا عليه، ~~وسألوا شمس الدولة قتله فامتنع، ثم أطلق فتوارى، ثم مرض شمس ~~الدولة بالقولنج فأحضره لمعالجته واعتذر إليه وأعاده وزيرا. # 5 # وبعد أن مات شمس الدولة، وبويع ابنه طلب أن يستوزر الشيخ الرئيس ~~فأبى، وأقام في بعض الدور متواريا، ثم اتهم بأنه يكاتب أمير ~~أصفهان علاء الدولة سرا، فقبضوا عليه، وسيروه إلى قلعة فردجان ~~فسجن، وأنشأ هناك قصيدة جاء فيها: # دخلت باليقين كما تراه # وكل الشك في أمر الخروج # واستمر في القلعة أربعة أشهر، ثم أخرج وأعيد إلى همذان حيث أقام ~~مدة، وبعد ذلك عن له الفرار فخرج متنكرا إلى أصفهان، فصادف في ~~مجلس علاء الدولة الإكرام والإعزاز اللذين يستحقهما مثله، ولما ~~سار علاء الدولة قاصدا سابورخاست خرج الشيخ معه، واشتغل بالرصد ~~واتخاذ آلاته، واستخدام صناعها قصدا لإصلاح الخلل الواقع في ~~التقاويم القديمة. # والمشهور عن الشيخ أنه كان قوي البنية والمزاج مسرفا في ~~الملاذ البدنية والشهوات اللحمية، فأنهكه ذلك، وعرض له قولنج ~~فحقن نفسه في يوم واحد ثماني مرات، فتقرحت أمعاؤه وظهر له سحج، ~~واتفق له سفر مع علاء الدولة فحدث له الصرع الذي يحدث عقيب ~~القولنج، فأمر باتخاذ دانقين من كرفس في جملة ما يحقن به، فجعل ~~الطبيب الذي يعالجه به خمسة دراهم، فازداد السحج به، فطرح بعض خدمه ~~في الأدوية التي يعالج بها مقدارا كبيرا من الأفيون، وكان سبب ~~ذلك أن غلمانه خانوه في ms12 أمر فخافوا العاقبة عند برئه، وكان مذ ~~حصل له الألم يتحامل ويجلس مرة بعد أخرى ولا يحتمي، ويسرف في ~~قوته الحيوية فكان يمرض أسبوعا ويصلح أسبوعا. # ثم قصد علاء الدولة همذان ومعه الرئيس أبو علي، فحصل له القولنج ~~في الطريق، ووصل إلى همذان، وقد بلغ منه الضعف، وأشرف على الانحلال ~~فأهمل التداوي، وقال: «المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره، فلا ~~تنفعني المعالجة»، ثم اغتسل وتاب، وتصدق بما معه على الفقراء، ~~ورد المظالم على من عرف، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة ~~أيام ختمة حتى توفي. # كان ميلاد ابن سينا 370ه، ووفاته 428ه بهمذان حيث دفن، وقيل ~~بأصبهان، والأول أشهر. # 6 ~~(2) حياته الخاصة # كان ابن سينا على جانب عظيم من الذكاء، والمثابرة على، وتوقد ~~القريحة؛ يتبرهن ذلك من حياته التي كتبها هو عن نفسه وأوردناها ~~سابقا، وكان ميالا إلى درس الكتب العويصة، وحل المشاكل ~~العلمية. وهذا يثبته ما حكاه عنه تلميذه أبو عبيد الجوزجاني، وهو ~~قوله: «إني صحبت الشيخ خمسا وعشرين سنة، فما رأيته ينظر فيما يقع ~~له من الكتب على الولاء، وإنما يقصد المواضع الصعبة والمسائل ~~المشكلة؛ ليتبين ما قاله صاحب الكتاب فيها.» # وكان ذا عقل خصب، وشغوفا بإفادة غيره من أبناء جنسه، ويروى عنه ~~أن جماعة من العلماء وقعت لهم شبه في مسائل من كتابه المختصر ~~الأصغر في المنطق، وعرضت تلك الشبه عليه للإجابة عنها؛ فكتب في ~~جوابها زهاء خمسين ورقة في نصف ليلة حتى دهش الناس من ذلك وصار ~~تاريخا بينهم، بيد أنه مع هذا كله قد كان محبا للظهور، مواربا ~~لا يريد أن يستفيد غيره من الموضع الذي استقى منه؛ لذا لما شفي ~~نوح بن نصر الساماني من مرض اعتراه دخل مكتبته التي لم يكن لها ~~نظير، فيها من كل فن من الكتب النفيسة النادرة الوجود، فأخذ هناك ~~يطالع، فاقتبس منها أشياء لم يدركها سواه، وقرأ أغلب نفائسها، ثم ~~أحرقها؛ ليتفرد بما وعته من الحكمة؛ ولئلا ينتفع به سواه. # كذلك قد كان الشيخ خبيثا ms13 في باطنه خلاف ما في ظاهره؛ لأن سائر ~~مؤرخي حياته يثبتون أنه كان مطواع الأهواء والملاذ، ومع هذا ~~فإنه في فلسفته يثبت أن السعادة الكاملة في هذه الحياة الدنيا تقوم ~~بالتجرد التام عن الحسيات، والابتعاد عن الملذات اللحمية، ~~والتبحر في الوجود الكامل، حتى لقد قال في إحدى رسائله عن هذا ~~العالم الفاني ما يأتي : «دار أليمها موجع، ولذيذها مستبشع، وصحتها ~~قسر الأضداد على وزن وأعداد، وسلامتها استمرار فاقة إلى استمرار ~~مزاقة، ودوام حاجة إلى مج مجاجة ...» ثم يواصل القول «إن الإنسان ~~الذي يتبجن في قلبه بغض الدنيا، وتصير هذه الخصلة وتيرته، انطبع في ~~فصه نقش الملكوت، وتجلى لمرآته قدس اللاهوت، فألف الأنس ~~الأعلى، وذاق اللذة القصوى، وأخذ عن نفسه لمن هو به أولى، وفاضت ~~عليه السكينة، وحفت به الطمأنينة، واطلع على العالم الأدنى اطلاع ~~راحم لأهله مستوهن لحبله.» # 7 # هذا قول ابن سينا في هذا الأمر، إلا أن عمله يخالف ~~ذلك ويناقضه، وبعض الحكماء يقولون: «إن العالم الذي يعلم ولا يعمل ~~بما يعلمه ليس بعالم.» # ونحن نعتقد أن الشيخ الرئيس لو اعتدل في حياته لكان عمر ~~طويلا، وأتانا بنظريات فلسفية موزونة؛ لأن الصفة النقدية لم يكن ~~محتاجا إليها؛ بل كانت متجسدة فيه تجسدا؛ فإننا بينا نرى ~~فلاسفة العرب يؤلهون أرسطو، ويتلقنون تعاليمه بدون ما روية، ~~نشاهد أن ابن سينا يمحصها، ويتناول ما يلائمه وينبذ ما لا يقره ~~عقله. # أما باقي مزايا ابن سينا الروحية فسيطلع عليها القارئ عندما يدرس ~~في هذا الكتاب شرحنا لأهم مبادئه الفلسفية، وجل من يملك الكمال ~~وحده. # الفصل الثالث # | مصنفاته، تقسيمه العلوم # لا بد للناقد المنصف لدى اطلاعه على مؤلفات ابن سينا من أن ~~يردد مع ابن خلكان أنه كان نادرة عصره في علمه وذكائه، حتى قاربت ~~تصانيفه المائة ما بين مطول وقصير في فنون شتى، # 1 # وأنا الآن أتساءل بانذهال ليس بعده انذهال: رجل كابن سينا ~~اشتغل بالسياسة، وتقلد الوزارة، ومني بالاضطهاد والتشرد، فكيف وجد ~~متسعا من الوقت؛ لينصرف للتفكير والتأليف بالروية والخصب اللذين ~~عرفت ms14 بهما سائر مؤلفاته؟! إننا - وايم الحق - تجاه رجل صاحب عقل ~~متفرد وعلم غزير وقريحة كثيرة الإنتاج، وجلد على الكتابة لا ~~يبارى، تجاه رجل من الرجال القلائل الذين تفتخر بعبقريتهم ونبوغهم ~~الأمة العربية! # كل فضلة من الزمان كان يكرسها للمطالعة والكتابة، والوقت الذي لم ~~يحصل عليه في النهار يبحث عنه عندما تلتحف المسكونة بلحاف الظلمة ~~الكثيف، حتى إنه لم ينم ليلة بكاملها، كان في السفر يحمل أوراقه قبل ~~زاده؛ وإذ يأخذ التعب منه مأخذه يجلس مفكرا كاتبا في الهواء ~~الطلق، وكان في السجن يطلب الورق والحبر قبل الخبز والماء، ولا يغرب ~~عن ذهن المطالع اللبيب أن ابن سينا الطبيب أشهر من ابن سينا الفيلسوف؛ ~~فإن أوروبا نفسها قد عولت على كتاباته الطبية أجيالا عديدة، وعلقت ~~عليها الشروح الضافية، وألقت نظرياته من على منابر كلياتها، فعسى أن ~~تحفز ذكراه التسعموية أحد أطباء العرب؛ فيخرج لنا كتابا عن ابن سينا ~~الطبيب. ~~(1) مؤلفاته # لو شئنا تعداد مصنفات الشيخ الرئيس في كل فروع الأدب والعلم ~~والحكمة والطب والدين لمل القارئ، فنكتفي بذكر أشهرها مما ~~تداولته الأيدي مطبوعا؛ لأن قسما كبيرا منها لا يزال مطمورا في ~~زوايا المكاتب وبين غبار الربائد: ~~(1) # الشفاء: وهو أعظم مؤلفات أرسطو الإسلام قدرا ~~وأعلاها شأنا وأغزرها مادة وأكثرها فائدة، كتبه بين ~~أسفاره ومهام أشغاله العديدة وتشرداته المتواصلة، ~~يحتوي كل فروع الفلسفة المنتشرة في أيامه؛ كالمنطق، ~~والرياضيات، والطبيعيات، والإلهيات، ثم باقي العلوم ~~الطبية، وهو في 18 جزءا، وقد نقل قسم منه منذ زمن ~~قديم إلى اللغة اللاتينية تحت اسم # Sufficiaentiae ~~. ~~أما علم ما وراء الطبيعة المدون في الشفاء فقد ظهر ~~مطبوعا باللاتينية في مدينة البندقية 1495م. ~~(2) # القانون: وهو في 14 مجلدا، ضمنه كل معارف عصره في ~~الطب والعقاقير والتشريح، فكان أهم مؤلفاته الطبية ~~على الإطلاق، وعول عليه أطباء العرب والإفرنج مع ~~الحاوي للرازي عدة أجيال، طبع في رومية ثم في ~~مصر. ~~(3) # النجاة: وهو مختصر لقسم الشفاء الفلسفي، وضعه للذي ~~«يريد أن يتميز عن العامة، وينحاز إلى الخاصة، ~~ويكون له بالأصول الحكمية إحاطة.» ms15 أشهر طبعاته الطبعة ~~المصرية الصادرة سنة 1331ه، وقد زعم الدكتور جميل ~~صليبا في البحث الإفرنسي # 2 # الذي وضعه على إلهيات ابن سينا أن المأسوف ~~على علمه المطران نعمة الله أبا كرم الماروني قد نقل ~~النجاة إلى اللاتينية، بيد أن الحقيقة تناقض ذلك؛ لأن ~~المطران المشار إليه لم يترجم إلى اللاتينية إلا ~~إلهيات النجاة وطبعها في رومية سنة 1926م. ~~(4) # الإشارات والتنبيهات: صنفه في أواخر حياته، ونسب ~~إليه أهمية عظمى؛ لأنه أورد فيه الشيء الكثير من آرائه ~~الناضجة التي تتفق تمام الاتفاق والأفلاطونية ~~المستحدثة، وينصح للعامة أن لا تقرأ هذا السفر؛ ~~لأنه وضعه لذوي الثقافة العالية والعقول الراجحة، نشر ~~مطبوعا في أوروبا 1892م؛ ونظرا لأهميته قد شرحه فريق ~~من العلماء المسلمين، من ذلك شرح واختصار فخر الدين ~~محمد بن عمر الرازي المطبوع في مصر 1326ه تحت اسم لباب ~~الإشارات. ~~(5) # المنطق الشرقي: طبع في مصر 1910م، وهو على ما يعتقد ~~أصحاب التحقيق وضعه بمثابة توطئة للفلسفة المشرقية ~~التي لم تصل إلينا. ~~(6) # رسائل في الحكمة والطبيعيات: جمعت من آثار ابن ~~سينا، وطبعت في مصر 1908م. ~~(7) # وأخيرا ظهر في مصر 1917م كتاب يدعى «جامع ~~البدائع»، يشتمل على كثير من الرسائل التي وضعها ~~الشيخ، من ذلك رسالة في الحب، وأخرى في طبيعة الصلاة ~~وإثبات وجود الله ووحدانيته وسرمديته ... إلخ. # وله غير ذلك كتاب جليل في السياسة نشره الأب شيخو في مجموعة ~~سماها «مقالات فلسفية قديمة لبعض مشاهير فلاسفة العرب مسلمين ~~ونصارى»، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1911م، وله غير ذلك مؤلفات ~~وقصائد فلسفية كثيرة، حتى إنه كتب في الموضوع الواحد عدة رسائل ~~وشروح لا تختلف بمعناها عن بعضها البعض، والمرجوح أنه كان يفعل ذلك ~~إجابة لطلب المنشغفين بدرس الحكمة، وعلم ربك فوق كل ذي ~~علم. ~~(2) تقسيمه العلوم # إن الشيخ الرئيس قد خاض جميع مواضيع المعرفة البشرية المنتشرة في ~~أيامه، وقسم العلوم إلى عليا وسفلى ووسطى؛ فالعلوم العليا هي ما ~~بعد الطبيعة أو الفلسفة الأولى التي موضوعها الوجود المطلق بما هو ~~مطلق مجرد عن المادة ولواحقها؛ والسفلى تدرس المادة ms16 وتختص بها ~~وتلازمها وتدعى الطبيعيات؛ والوسطى هي مزيج من العلوم العليا ~~والسفلى؛ أي تتعلق بالمادة من جهة، وتتجرد عنها من جهة أخرى، ~~وتعرف بالرياضيات. # والعلوم كلها بمعنى الفساحة تشتق من الفلسفة الأولى، وتعاون ~~بعضها على ثلاثة وجوه؛ إما أن يكون أحد العلمين تحت الآخر فيستفيد ~~العلم السافل مباديه من العالي؛ مثل الموسيقى من العدد، والطب من ~~الطبيعي، وإما أن يكون العلمان متشاركين في الموضوع؛ كالطبيعي ~~والنجومي في جرم الكل ؛ فأحدهما ينظر في جوهر الموضوع كالطبيعي، ~~والآخر ينظر في عوارضه كالنجومي، فيكون الناظر في جوهر الموضوع ~~يفيد الآخر المبادئ؛ مثل استفادة المنجم من الطبيعي أن الحركة ~~الفلكية يجب أن تكون مستديرة، وإما أن يكون العلمان متشاركين في ~~الجنس، وأحدهما ينظر في نوع بسيط كالحساب والآخر في نوع أكثر ~~تركيبا كالهندسة؛ فإن الناظر في الأبسط يفيد الآخر مبادئ كما يفيد ~~العدد الهندسة، # 3 # وفي هذا التقسيم ترتسم خطة المعلم الأول. # لم يك أرسطو يعتقد كتلاميذه المعاصرين أن الفلسفة تدرس الأشياء ~~بعللها العالية؛ بل كان يصرح بأن الفلسفة هي نوع من الموسوعات ~~تحتوي سائر العلوم؛ العليا والسفلى والوسطى، وعلى هذا المنوال نسج ~~ابن سينا، ثم قسم الفلسفة إلى نظرية وعملية؛ الأولى: تشمل الحساب ~~والطبيعيات وما وراء الطبيعة، والثانية: تنظر في الخلقيات ~~والاقتصاد والسياسة، إلا أن أرسطو قد حول أنظاره إلى القسم ~~الطبيعي وعالجه معالجة دقيقة، واكتشف براهين جديدة نقض بها مزاعم ~~الفلاسفة المتقدمين. أما الرئيس أبو علي فإنه لم يتحفنا بشيء من ~~ذلك، ولو كان قد تبحر كثيرا في هذا الفرع، وكذلك لم يتوسع في ~~تشريح جزء الفلسفة العملي. # من هذا التقسيم نعرف أن فيلسوفنا كان يؤمن بأن الحكمة الأولى هي ~~أسمى العلوم، ولعله قال بذلك لكثرة ما كلفه تفهمه لها من ~~المصاعب والمشاق. # الفصل الرابع # | منطق ابن سينا # كان فلاسفة العرب يجلون أرسطو ويلقبونه بالمعلم الأول والحكيم ~~المطلق، حتى إن أكثرهم قد سلكوا طريقته في جميع ما ذهب إليه وانفرد به ~~سوى كلمات يسيرة ربما رأوا فيها رأي أفلاطون والمتقدمين، # 1 # وكانوا ms17 يعتقدون، على حق، أن أرسطو هو واضع التعاليم ~~المنطقية ومخرجها من القوة إلى الفعل، فلا لوم إذن ولا عذل على ابن ~~سينا إذا اعتمد مذهب الفيلسوف وطبع على غراره في العلوم ~~المنطقية. ~~(1) ما هو المنطق؟ # يعتبر ابن سينا المنطق بأنه الآلة العاصمة للذهن عن الخطأ فيما ~~نتصوره ونصدق به، والموصلة إلى الاعتقاد الحق بإعطاء أسبابه ونهج ~~سبله. ونسبة المنطق إلى المعاني والصور العقلية نسبة النحو إلى ~~الكلام والعروض إلى الشعر، فهو من هذا القبيل كالميزان يرجع إليه ~~عند اشتباه الصواب بالخطأ والحق بالباطل. ~~(2) غرض المنطق # المعرفة هي إما تصور وإما تصديق؛ فالتصور هو أن ندرك أمرا ~~ساذجا من غير أن نحكم عليه بنفي أو إثبات؛ مثل تصورنا ماهية ~~الحيوان، والتصديق هو أن ندرك أمرا ثم نتمكن من الحكم عليه ~~بالنفي أو الإثبات؛ مثل قولنا بأن الكل أكبر من الجزء. وكل من ~~التصور والتصديق يقسم إلى أولي ومكتسب؛ فالأولي نحصل عليه ~~بدون أدنى تعب، ولا نخطئ بالحكم عليه؛ كشروق الشمس، وطلوع القمر. ~~أما التصور المكتسب فنستحصله بالحد وما يجري مجراه، والتصديق ~~المكتسب إنما يستحصل بالقياس وما يشابهه؛ إذن فالحد والقياس هما ~~آلتان بهما تحصل المعلومات التي لم تكن حاصلة فتصير معلومة ~~بالرؤية، إلا أن كل واحد منهما، منه ما هو حقيقي ومنه ما هو دون ~~الحقيقي، ولكنه نافع منفعة بحسبه، ومنه ما هو باطل مشبه بالحقيقي. ~~والفطرة الإنسانية غير كافية في التمييز بين هذه الأصناف، إلا أن ~~تكون مؤيدة من عند الله، فلا بد إذن للناظر من آلة قانونية تعصمه ~~مراعاتها عن أن يضل في تفكيره وانتقاداته، وذلك هو الغرض من علم ~~المنطق، وبعبارة أوضح: إن علم المنطق يجعل الإنسان مفكرا ~~حقيقيا لا يتلكأ، ويخوله التمييز بين الغث والسمين في آراء ~~البشر وأقوالهم ونظرياتهم، فهو من هذا القبيل أساس العلوم ودليل ~~المثقفين الهادي. ~~(3) فائدة المنطق # عرفنا أن التصور والتصديق المكتسبين يستحصلان بالحد والقياس، ~~وكل منهما مؤلف من معان معقولة بتأليف محدود، فيكون له منها ~~مادة ألفت وصورة بها التأليف. وقد يعرض ms18 الفساد من إحدى ~~الجهتين، وقد يعرض من جهتيهما معا؛ فالمنطق هو الذي يدلنا على ~~المواد والصور التي هي أصل للحد الصحيح، وعلى القياس السديد الذي ~~يوقع يقينا، وعلى القياس الذي يوقع شبيها باليقين أو ظنا ~~غالبا أو مغالطة وجهلا، وهذه هي فائدة المنطق. # قال ابن سينا: «إن المنطق هو الصناعة النظرية التي تعرف أنه من ~~أي الصور والمواد يكون الحد الصحيح الذي يسمى بالحقيقة حدا، ~~والقياس الصحيح الذي يسمى بالحقيقة برهانا ، وتعرف أنه عن أي الصور ~~والمواد يكون الحد الإقناعي الذي يسمى رسما، وعن أي الصور ~~والمواد يكون القياس الإقناعي الذي يسمى ما قوي منه وأوقع ~~تصديقا شبيها باليقين جدليا، وما ضعف منه وأوقع ظنا غالبا ~~خطابيا ... إلخ.» # 2 # وكما أن الذي يجهل قواعد النحو والعروض لا يمكن أن يكون كاتبا، ~~هكذا من يجهل علم المنطق لا يستطيع أن يكون مفكرا بصيرا. إلا ~~أن الشيخ الرئيس يبعد أكثر من ذلك في تدليله، فيقول: «لكن الفطرة ~~السليمة والذوق السليم ربما أغنيا عن تعلم النحو والعروض، وليس ~~شيء من الفطرة الإنسانية بمستغن في استعمال الروية عن التقدم ~~بأعداد هذه الآلة إلا أن يكون إنسانا مؤيدا من عند الله تعالى.» # 3 # ومما قلناه تظهر فائدة المنطق. # وصفوة القول # إن ابن سينا قد اتبع في منطقه كتب أرسطو الثمانية التي علق ~~عليها بورفير وشرحها بإسهاب حتى صار بواسطتها (هذه الشروح) مشهورا ~~بين العلماء الشرقيين في القرون الوسطى. وما قاله الشيخ الرئيس عن ~~البرهان هو بسيط ومنظم تنظيما لا بأس به؛ مع أنه لم ينوه بتلك ~~المشاكل والمسائل الدقيقة التي استعصى أمرها على فلاسفة المغرب ~~فيما بعد. أما عن إقامة الآراء وترجيحها فإنه تكلم بصيغة عملية ~~فريدة متطرقا من ذلك إلى عناصر العقل الأولى؛ الأمر الذي ~~يذكرنا ب «ليبنز # Leibniz ~~» ~~وأقواله، ثم اهتم بنوع خاص بتقسيم العلوم، وله في المقولات ~~العشر نظرات شخصية. # 4 # الفصل الخامس # | طبيعيات ابن سينا # غني عن البيان أن العلوم الطبيعية لم تنهض هذه النهضة المباركة إلا ~~في القرن التاسع عشر. ms19 وهذا لا يعني أن كل ما كتب في هذا الموضوع قبل ~~التاريخ الآنف كان لغوا ومغالطة، بل إن الحقائق الراهنة الواضحة كانت ~~جد قليلة بالنظر إلى ما كان يكتنفها من الخرافات والسفسطات، وطبيعيات ~~ابن سينا لم تشذ عن هذه القاعدة؛ لأن معظم ما فيها خطأ ومحاولات فاشلة؛ ~~لذا إذا كنا نورد ملخصها في هذا الفصل؛ فلكي نطلع على تطور الفكر ~~الإنساني وبطء نموه. ~~(1) موضوع الطبيعيات # يعتقد الرئيس أن العلم الطبيعي هو صناعة نظرية، وكل صناعة ~~نظرية لها موضوع من الموجودات أو الوهميات، # 1 # إذن للعلم الطبيعي موضوع ينظر فيه وفي لواحقه، وما ~~موضوعه إلا الأجسام الموجودة بما هي واقعة في التغير، وبما هي ~~موصوفة بانحناء الحركات والسكونات. # 2 # من هذا يظهر أن الطبيعي يدرس الموجود الحقيقي، ولكن ليس بما هو ~~موجود، ولا بما هو جسم، ولا بما هو جوهر، ولا بما هو مركب من ~~مادة وصورة، ولكن بما هو قابل للحركة والسكون. وهذا التعليم لا ~~يزال أتباع الفلسفة المدرسية يدافعون عنه ويؤيدونه. # يزيد أرسطو الإسلام على ما تقدم: أن العلوم الجزئية لا يلتزم ~~أصحابها بإثبات مبادئها، وصحة المقدمات التي بها يبرهنون ذلك ~~العلم؛ بل بيان مبادئ العلوم الجزئية يتعلق بصاحب العلم الكلي ~~الذي موضوعه الموجود المطلق، وبما أن الطبيعيات هي من العلوم ~~الجزئية؛ فالبرهنة على صحة مبادئها لا تختص بالعالم الطبيعي؛ بل ~~بعلماء ما وراء الطبيعة، وبعبارة أوضح: إن العالم الطبيعي يمكنه أن ~~يتخذ المبادئ المقررة في الإلهيات، ويحارب بها خصومه، ويقارع ~~أضداده، ويثبت القضايا المعترض عليها. ومن هذا الكلام يتبين ~~القارئ الفرق الشاسع القائم بين الطبيعيين الأقدمين والطبيعيين ~~المحدثين؛ لأن هؤلاء لا يسلمون إلا بالاختبار والواقع، ولا ~~يلجئون إلى علم آخر يثبتون به ما يريدون تقريره. ~~(2) المادة والصورة # إن الكون بأجمعه هو في تغير مستمر وتحويل مستديم. # قف تجاه سنديانة يابسة كطبع الدهر تلتهمها النار فلا يمضي عليها ~~إلا القليل حتى تصير رمادا، فهل تلاشت هاته السنديانة باحتراقها، ~~واضمحل كل ما فيها؟ # إن الأجسام الطبيعية جمعاء مركبة من مادة ms20 هي محل، ومن صورة هي ~~حالة فيه، ونسبة المادة إلى الصورة نسبة النحاس إلى التمثال، # 3 # فكما أن الفنان لا يمكنه أن يصنع تمثالا نحاسيا ما ~~لم يكن عنده مادة نحاسية، هكذا لا يمكن أن تكون مادة بدون ~~صورة. أما الصورة فتقوم بمعزل عن المادة؛ لأنها أكمل وأرقى، ~~وبهذا القيام المكمل قد خالف ابن سينا المعلم الأول؛ وذلك لكي ~~يستطيع إثبات خلود النفس التي هي صورة للجسم، إن كل ما نعرفه نطلع ~~عليه بواسطة الفعل أو الصورة، فيتبع ذلك أن المادة الأولى ليست ~~معروفة بذاتها؛ لأنها لا تتضمن فعلا بل استعدادا لاقتبال ~~الصورة؛ إذن كيف يمكننا أن نبرهن على هذه المادة التي لا نستطيع ~~إلى تعريفها سبيلا؛ لأنها ليست موجودة في نوع أو في جنس أو في ~~تمييز؟ # نحن نعرف - بدء بدء - بحواسنا الخارجية أنه يوجد أجسام تملك ~~صورا حسية، وعندما تكون في الفعل تتضمن أقطارا معينة، بيد ~~أن هذه الأجسام ليست هي كذلك؛ لأنها تملك بالفعل أقطارا ~~مثلثة؛ بل لأنها قابلة لأن تقتبل تلك الأقطار أو ترفضها؛ لأن ~~الأقطار لا تركب الأجسام بما أنها أجسام؛ بل تنسب إلى الأجسام ~~نسبة العوارض إلى الجوهر. إن السطح مثلا لا يدخل في تحديد الجسم ~~بما أنه جسم، ولكنه يدخل في تحديد الجسم بما أنه متناه؛ إذن هو ~~عارض جسمي متغير. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نتصور الجسم بما هو ~~جسم دون أن نفتكر ضرورة بأنه متناه، وبما أن كل جسم يملك صورة هي ~~موضوع للعلم الطبيعي، كذلك يملك امتدادات وأقطارا محدودة تدخل ~~مقولة الكليات، وتكون موضوعا لعلم آخر، إن هذا الكتاب الموجود بين ~~يدي الآن له ثلاثة أقطار تقاس وتعد بالأرقام، وله فوق ذلك صورة ~~محسوسة بها يقوم كماله، وتدرس وتوصف في علم آخر؛ إذن إن أقطار ~~الأجسام لا تبقى دائما غير متغيرة، # 4 # وهذا القول يطلق على الصورة أيضا؛ لأنها إما أن ~~تكون نفس الاتصال، أو تكون طبيعة يلزمها الاتصال حتى لا توجد هي ~~إلا والاتصال لازم لها؛ فإن كانت نفس ms21 الاتصال فقد يكون الجسم ~~متصلا، ثم ينفصل فيكون لا محالة شيء هو بالقوة كليهما، فليس ذات ~~الاتصال بما هو اتصال قابل للانفصال؛ لأن قابل الاتصال لا يعدم عند ~~الانفصال، والاتصال يعدم عند الانفصال؛ فإذن شيء غير الاتصال هو ~~قابل للانفصال، وهو بعينه قابل الاتصال، فظاهر أن ها هنا جوهرا ~~غير الصورة الجسمية، هو الذي يعرض له الانفصال والاتصال معا، وهو ~~مقارن للصورة الجسمية، ولا يمكن أن يوجد مفارقا وهو ما نسميه مادة، # 5 # فيتضح من ذلك: ~~(1) # أن المادة لا يمكنها أن توجد بمعزل عن الصورة، ولكن ~~الصورة الكاملة كالنفس البشرية مثلا يمكنها أن توجد ~~بدون المادة، لا ... بل إن المادة هي سجن لها: # وصلت على كره إليك ~~وربما # كرهت فراقك وهي ذات ~~تفجع ~~(2) # فساد شيء يكون تكوينا لشيء آخر، وتكوين شيء يكون ~~فسادا لشيء آخر، فالموجودات بأجمعها تفسد وتتكون ~~بموجب هذه السنة، ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا. # وإذا سلمنا بهذه النظرية التي لا يزال يفلحها أتباع الفلسفة ~~المدرسية، فيلزمنا أن نسلم بتقسيم الموجودات على هذه الطريقة: ~~أول الموجودات في استحقاق الوجود هو الجوهر المفارق غير الجسم الذي ~~يعطي صورة الجسم وصورة كل موجود، ثم الصورة، ثم الجسم، ثم الهيولى، ~~وهي وإن كانت سببا للجسم؛ فإنها ليست بسبب يعطي الوجود بأنه محل ~~لنيل الوجود، وللجسم وجودها، وزيادة وجود الصورة فيه التي هي أكمل ~~منها ... فإن أولى الأشياء بالوجود هو الجوهر ثم الأعراض، وفي ~~الأعراض ترتيب في الوجود أيضا. # 6 ~~(3) مجمل باقي الطبيعيات # بعد أن يفرغ الشيخ الرئيس من تقرير ما تقدم ينتقل إلى المقالة ~~الثانية، فيتكلم عن لواحق الأجسام، فقبل كل شيء يحدد الحركة ~~بأنها تبدل حال قارة في الجسم يسيرا يسيرا على سبيل اتجاه ~~نحو شيء، والوصول بها إليه هو بالقوة لا بالفعل، فيجب من هذا أن ~~تكون الحركة مفارقة لحال لا محالة، ويجب أن تكون تلك الحال تقبل ~~التنقص والتزيد؛ لأن ما خرج عنه يسيرا يسيرا على سبيل اتجاه ~~نحو شيء فهو باق ما لم ينقص الخروج عنه البتة ms22 جملة، وإلا فالخروج ~~عنه يكون دفعة، # 7 # فمن هذا التحديد يظهر أن لكل متحرك علة محركة ~~غيره تدفعه إلى الحركة؛ لأنه لو كان كل جسم يتحرك بذاته، وتوجد فيه ~~الحركة بما هو جسم لكان كل جسم مبدأ لذاته، الأمر الذي هو باطل ~~الاستحالة، ثم يعقب ذلك فصلا يبرهن فيه على أنه لا يجوز أن ~~يتحرك الشيء بالطبيعة، وهو على حالته الطبيعية، وأنه ليس شيء من ~~الحركات بالطبيعة ملائما لذاتها، وبعد أن يستوفي الكلام في ~~الحركة، ويقابل بين الحركة والسكون ينتقل إلى القول في الزمان ~~والمكان، ثم في النهاية واللانهاية، ثم في الجهات. # وفي المقالة الثالثة يقسم الأجسام إلى بسيطة ومركبة؛ ~~فالمركبة تثبت وجودها بالمشاهدة والعيان، والبسيطة تثبت بتوسط ~~المركبة؛ لأن كل مركب فإنما يتركب عن بسائط، وللأجسام كلها ~~أحياز ضرورية، وهي التي تتباين بها الأجسام في الجهات بأوضاعها، ~~ولبعضها أمكنة وهي الأجسام التي تحيط بها أجسام أخر، # 8 # وما يفرغ من تبيان الأمور الطبيعية وغير الطبيعية التي ~~للأجسام حتى ينتقل إلى تقرير الأجسام الأولى، ويشبع القول في ~~قواها، فيفترض أولا أن جسم النار من جملة الأجسام البسيطة التي ~~تتركب منها المركبات؛ لأنه لا يوجد أبسط منه في الحرارة، وهو ~~جسم غاية في الحرارة، ونظن أنه يابس ويأخذ المكان إلى فوق، ثم ~~شاهدنا الماء باردا بالطبع رطبا، ولا يوجد جسم أبسط منه في ~~البرودة، فيكون إذن الهواء قابلا للحرارة والبرودة والماء باردا. ~~أما الجسم الذي يقبل الحرارة والبرودة فهو التراب، من هذا يظهر أن ~~العناصر الأولى التي تتركب منها الأجسام هي: النار والماء ~~والهواء والتراب، ويسميها والأسطقسات، # 9 # إلا أن هذه جميعها تنتهي عند النار؛ لأنها أقوى من ~~الجميع. # وفي المقالة الخامسة يتكلم عن المركبات، ومن جملة ما يقوله في ~~هذه المقالة اللذيذة القراءة الصفحة التالية: ~~... يحيط بالبر والبحر الهواء البخاري إلا أنه ذو طبقتين؛ ~~إحداهما تصاقب كرة الأرض؛ فتسخن من شعاع الشمس المسخن ~~للأرض المسخنة لما تجاورها، وبعضه يبعد عنه؛ فيستولي عليه ~~الطبيعة التي في جوهر المائية وهو البرد؛ ولهذا ms23 يكون أعالي ~~الجبال ومواضع انعقاد السحاب أبرد، ثم فوق هاتين الطبقتين ~~طبقة الهواء الذي هو أقرب إلى البساطة، ثم فوقه طبقة ~~الهواء الدخاني؛ وذلك أن الدخان أيبس وأسرع حركة وأشبه ~~كيفية بالنار، فهو يعلو البخار، والهواء إن لم يبرد في ~~الوسط فينزل ريحا؛ فإن لم يبرد علا وطفا فوق الهواء، إلا ~~أنه كما أظن أنه لا يكون محيطا ولا كثيرا بل يسيرا ~~منتشرا والأكثر يحترق سهبا ... ثم فوق هذا كله الطبقة ~~النارية، وجميع العناصر الأربعة بطبقاتها طوع الأجرام ~~العالية الفلكية، والكائنات الفاسدة تتولد من تأثير تلك ~~وطاعة هذه، والفلك، وإن لم يكن حارا ولا باردا؛ فإنه قد ~~ينبعث منه في الأجسام السفلية حرارة وبرودة بقوى تفيض منها ~~عليها، ويشاهد هذا من إحراق شعاعها المنعكس عن المرايا؛ ~~فإنه لو كان سبب الإحراق حرارة الشمس دون شعاعها لكان ~~كلما هو أقرب إلى العلو أسخن، وقد يكون مطرح الشعاع إلى ~~الشيء، فيحترق وما فوقه لا يحترق؛ بل يكون في غاية البرد، ~~فإذا سبب الإسخان التفاف الشعاع الشمسي المسخن لما يلتف به ~~فيسخن الهواء، وربما بلغ من إسخانه أن بعد الهواء لقبول ~~طبيعة النار، ويخرجه عن الاستعداد للصورة الهوائية، فإذا ~~وقعت القوى الفلكية في العناصر فحركتها، وخلطتها، حصل من ~~اختلاطها موجودات شتى، فمنها أن الفلك إذا هيج بإسخانه ~~الحرارة بخر من الأجسام المائية، ودخن من الأجسام الأرضية، ~~وأثار شيئا بين الغبار والدخان من الأجسام المائية ~~والأرضية؛ ولأن الأرض والماء يوجدان في أكثر الأحوال ~~متمازجين، فليس يوجد بخار بسيط ولا دخان بسيط إلا ندرة ~~وشذوذا. (ص249 و25 من النجاة) # وأنت ترى من هذه الصفحة الفكهة أن كلام ابن سينا في طبيعياته ~~لآخر هذه المقالة لا يتعدى بجملته إلى طور التخمين والحدس ~~والمحاولات الفاشلة. أما في المقالة السادسة، ويدور محور الكلام ~~فيها عن النفس، فقد أتانا بنظرات أعمق من هذه تستحق الدرس ~~والتمحيص. # فإلى الفصل الآتي أيها القارئ الصبور. # الفصل السادس # | النفس في نظر ابن سينا # ما هي هذه القوة الخفية الجبارة التي تدفعنا إلى النمو ms24 والحركة ~~والتفكير؟ # ما هو هذا العالم الصغير الذي يفوق برسمه وجمال تركيبه سائر العوالم ~~المنظورة؟ # ما هي النفس البشرية؟ ومن أين أتت؟ وإلى أين تعود؟ # هل يستطيع العقل بمعزل عن الوحي أن يبرهن على وجودها وخلودها؟ ~~هيا بنا نتحقق كيف أجاب فيلسوفنا عن هذه الأسئلة المهمة، والخطوة ~~التي خطاها في هذه الناحية من التفكير الإنساني: ~~(1) وجود النفس # يعتقد ابن سينا أن العقل بقوته الذاتية يمكنه أن يبرهن على ~~وجود النفس، وأقوى برهان يأتينا به برهان الحدس والمحاكمة كما ~~يسميه، إننا نرى أجسامنا تتغذى وتنمو وتتحرك، ونعرف من ~~الاختبار أن هذه الصفات ليست من خاصات الأجسام، فندرك بالحدس أن ~~فينا مبدأ تصدر عنه هذه المعلولات، وهو ما نطلق عليه اسم نفس. # 1 # ادخل مخدعك، وأغمض عينيك عن الخارج، واسدد أذنيك عن ضجيج ~~الهاوية، وارجع إلى نفسك، وأصغ إلى داخلك فتسمع صوتا يناديك: ~~«إنك مهما حاولت لن تستطيع أن تتجرد عن آنيتك وفكرك؛ لأن أول ~~الإدراكات وأوضحها على الإطلاق هو إدراك الإنسان نفسه.» # 2 # لكن بأي آلة يدرك الإنسان نفسه؟ أبالبصر أم بالسمع أم بالمخيلة ~~أم بالوهم؟ كلا، بل يدرك الإنسان نفسه بمعزل عن كل آلة؛ لأن ~~القوة العقلية لو كانت تعقل بالآلة الجسدانية لكان يجب أن تعقل ~~ذاتها وأن لا تعقل الآلة، ولا أن تعقل أنها عقلت؛ فإنه ليس بينها ~~وبين ذاتها آلة، وليس بينها وبين آلتها، ولا بينها وبين أنها ~~عقلت آلة؛ إذن إن النفس تعقل ذاتها بذاتها وليس بالآلة. # 3 # قال ابن سينا في كتاب الإشارات، ص123: # بماذا تدرك حينئذ ذاتك، وما المدرك من ذاتك؟ أترى ~~المدرك منك أحد مشاعرك أم عقلك، وقوة غير مشاعرك وما ~~يناسبها؟ فإن كان عقلك وقوة غير مشاعرك بها تدرك، أفبوسط ~~تدرك أم بغير وسط؟ ما أظنك تفتقر في ذلك حينئذ إلى وسط؛ ~~فإنه لا وسط، فبقي أن تدرك ذاتك من غير افتقار إلى قوة ~~أخرى. # وقصارى الكلام # إن النفس تدرك في أول الأمر وقبل كل شيء ذاتها ووجودها مجردة ~~عن المادة ولواحقها وبدونما ms25 آلة؛ لأنه لو كانت تدرك بآلة لكانت ~~الإدراكات الشاقة توهنها وتفسدها، كما أن الانفعال الشاق ~~المتكرر يضعف الحس، والرعد الشديد يفسد السمع، وهذا القول يذكرنا ~~بنتيجة لديكارت أوردها في كتاب التأملات وهي: «إن إدراك النفس ~~أسهل وأوضح من إدراك الجسد.» ~~(2) حدوث النفس # ولكن من هو الذي أعطى النفس وجودها، وكيف حلت في هذا الجسد ~~البالي، ولماذا؟ # إن الذي خلق النفس هو الله تعالى، على أنه لم يعطها وجودها بنفسه ~~مباشرة؛ بل أسند ذلك إلى واهب الصور الذي لا يرش النور إلا على ~~مستحقيه. # كان أفلاطون يؤمن بأن النفوس أبدية أزلية وجدت قبل الجسد. ~~أما الشيخ الرئيس فإنه نقض هذا القول، وأثبت أن النفس حادثة مع ~~البدن، وهاك دليله: «إن النفس الإنسانية متفقة في النوع والمعنى؛ ~~فإن وجدت قبل البدن، فإما أن تكون متكثرة الذوات أو تكون ذاتا ~~واحدة، ومحال أن تكون ذوات متكثرة، وأن تكون ذاتا واحدة على ما ~~يتبين، فمحال أن تكون قد وجدت قبل البدن» (نجاة، ~~ص300). # إن النفس لا يمكنها أن تكون متكثرة الذوات؛ لأن تكثرها إما ~~أن يكون من جهة الماهية والصورة، وإما أن يكون من جهة النسبة إلى ~~العنصر والمادة. بيد أن الأول باطل؛ لأن النفس ليست متغايرة ~~بالماهية والصورة؛ لأن صورتها واحدة وماهيتها واحدة. وكذلك الثاني ~~باطل؛ لأن النفس لا يجوز أن تكون واحدة الذات بالعدد وتكون موجودة ~~قبل البدن؛ لأنه إذا حصل بدنان حصل في البدنين نفسان، فإما أن ~~يكونا قسمي تلك النفس الواحدة فيكون الشيء الواحد البسيط منقسما، ~~وهذا ظاهر البطلان؛ وإما أن تكون النفس الواحدة بالعدد في بدنين، ~~وهذا لا يحتاج أيضا إلى كثير تكلف في إبطاله؛ فقد صح إذن أن ~~النفس تحدث كلما يحدث البدن الصالح لاستعمالها إياه، ويكون البدن ~~الحادث مملكتها وآلتها؛ لذا يجب عليها أن تستعمله وتهتم بأحواله. # 4 # أما كيف حلت النفس في الجسد فيوجزه ابن سينا بهذه ~~الأبيات: # هبطت إليك من المحل الأرفع # ورقاء ذات تعزز وتمنع # محجوبة عن كل مقلة عارف # وهي التي سفرت ولم ms26 تتبرقع # وصلت على كره إليك وربما # كرهت فراقك وهي ذات تفجع # إن العلوم لم توجد منطبعة في النفس منذ الأزل كما يظن أفلاطون؛ ~~بل إن الإله سمح بهبوط النفس إلى أرض الشقاء؛ لكي تكتسب المعرفة ~~والعلم، الأمر الذي لا يمكن أن يكون إلا باشتراك الحس؛ لأن كل شيء ~~متأت إلينا من الخارج عن طريق الحس، كما يقرر أرسطو المعلم ~~الأول. ~~(3) قوى النفس # إن النفس بما أنها صورة الجسم وكماله، فهي كما يقول أفلاطون مبدأ ~~حركة البدن، وبالفعل تحركه مثلما تحرك النفوس السماوية أجرام ~~الفلك، فيظهر من ذلك أن النفس مشتركة بين النبات والحيوان والإنسان ~~والملائكة، إلا أنها في النبات والحيوان كمال الجسم الطبيعي، أما ~~في الإنسان والملائكة فهي الجوهر المحرك اللامتناهي. والنفس كجنس ~~واحد ينقسم بضرب من القسمة إلى ثلاثة أقسام: نباتية وحيوانية ~~وإنسانية. وهذا التقسيم يختلف عن تقسيم المعلم الأول الذي جعل قوى ~~النفس أربعا: الغازية والحساسة والمحركة والناطقة، ولعل الشيخ ~~فعل حسنا بجمعه الحساسة والمحركة في القوة الحيوانية. ~~(أ) النفس النباتية # يعرف ابن سينا النفس النباتية بأنها كمال أول لجسم ~~طبيعي آلي من جهة ما يتولد ويربو ويغتذي، ولها ثلاث قوى: ~~القوة الغازية وهي القوة التي تحيل جسما آخر إلى شاكلة الجسم ~~الموجودة فيه فتلصقه به بدل ما يتحلل عنه، والقوة المنمية ~~وهي قوة تزيد في الجسم القائمة فيه، والقوة المولدة وهي قوة ~~تكثر الأجسام الصادرة عنها، وهذه القوى مشتركة بين النبات ~~والحيوان والإنسان. ~~(ب) النفس الحيوانية # إن النفس الحيوانية هي كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما ~~يدرك الجزئيات ويتحرك بالإرادة، ولها قوتان: محركة ~~ومدركة؛ فالمحركة تنقسم إلى قسمين: باعثة وفاعلة، الأولى هي ~~القوة النزوعية والشوقية، ولها شعبتان: الشهوانية والغضبية. ~~والثانية هي قوة تنبعث في الأعصاب والعضلات؛ فتجذب الأوتار أو ~~ترخيها أو تمددها بحسب احتياجاتها. # كذلك القوة المدركة تنشطر إلى شطرين: خارجية وداخلية؛ ~~المدركة الخارجية هي الحواس الخمس أو الثمان: البصر، السمع، ~~الشم، الذوق، واللمس، ويشبه أن تكون هذه القوة، يقول ابن سينا، ~~لا نوعا واحدا ms27 بل جنسا لأربع قوى منبثة معا في الجلد ~~كله، الواحدة حاكمة في التضاد بين الحار والبارد، والثانية ~~حاكمة في التضاد بين اليابس والرطب، والثالثة حاكمة في التضاد ~~بين الخشن والأملس. # 5 # والمدركة الداخلية لها قوى تدرك المحسوسات، ولها قوى تدرك ~~معاني المحسوسات، والفرق بين إدراك الصورة وإدراك المعنى أن ~~الصورة هي الشيء الذي تدركه النفس الباطنة والحس الظاهر معا، ~~وأن المعنى هو الشيء الذي تدركه النفس من المحسوس من غير أن ~~يدركه الحس الظاهر أولا. مثال الأول: إدراك الشاة صورة الذئب؛ ~~أعني شكله وهيئته ولونه؛ فإن نفسها لم تدركها لو لم يدركها ~~قبلا حسها الظاهر، ومثال الثاني: إدراك الشاة المعنى المضاد ~~في الذئب وهو المعنى الموجب لخوفها إياه وهربها عنه من غير أن ~~يكون الحس يدرك ذلك البتة؛ فالذي يدرك من الذئب أولا بالحس ثم ~~بالقوى الباطنة هو الصورة، والذي تدركه القوة الباطنة دون الحس ~~هو المعنى. # 6 # ثم بعد ذلك تأتي قوة «فنطاسيا» أي الحس المشترك، وهي قوة ~~مرتبة في أول التجويف المقدم في الدماغ تقبل بذاتها جميع ~~الصور المنطبعة في الحواس الخمس متأدية إليه. # ومن القوى الباطنة قوة الخيال أو المصورة، وهي تحفظ صور ~~المحسوسات بعد غيابها، ومرتبة في التجويف المقدم من ~~الدماغ؛ لأن قوة قبول الصور غير قوة حفظها. # ثم المتخيلة، وهي قوة مرتبة في التجويف الأوسط من الدماغ ~~عند الدودة، وتسمى مفكرة بالقياس إلى النفس الإنسانية، ثم ~~الوهمية وهي قوة مرتبة في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ، ~~تدرك من المحسوس ما لا يحس، ثم القوة الحافظة الذاكرة، وهي قوة ~~مرتبة في التجويف المؤخر من الدماغ تحفظ ما تدركه القوة ~~الوهمية من المعاني غير المحسوسة الموجودة في ~~المحسوسات. # هذه قوى النفس الحيوانية كما أوضحها الرئيس، وهي لا تختلف ~~إلا قليلا عن النظام الذي وضعه لها أستاذه الفارابي. إلا أن ~~ليس جميع الحيوانات سواء، فمنها ما يملك الحواس الخمس، ومنها ~~ما له بعض دون بعض، ويا حبذا لو وضع لنا ابن سينا درسا ~~وافيا على أنواع الحيوانات وما ms28 تملكه من قوى! ~~(ج) النفس الناطقة # أما النفس الناطقة فيحدها الشيخ بأنها كمال أول لجسم طبيعي ~~آلي من جهة ما يفعل الأفعال الكائنة بالاختيار الفكري ~~والاستنباط بالرأي، ومن جهة ما يدرك الأمور الكلية. # تنقسم قوى الناطقة إلى عاملة وعالمة؛ مع أن القوتين يطلق ~~عليهما اسم عقل؛ فالقوة العاملة هي مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى ~~الأفاعيل الجزئية، وتنسب إلى القوة الحيوانية النزوعية، أو إلى ~~القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة أو إلى نفسها. فإذا ~~نسبت إلى القوة الحيوانية النزوعية أحدثت للإنسان هيئات ~~تختص به مثل الضحك والخجل وما أشبهها، وإذا نسبت إلى القوة ~~الحيوانية المتخيلة والمتوهمة سببت للإنسان استنباط ~~التدابير في الأمور الكائنة والفاسدة واختراع الصناعات، وإذا ~~نسبت إلى ذاتها ولدت الآراء الذائعة المشتركة بين العقلين؛ ~~العملي والنظري، فتكون إذن القوة العاملة هي العقل العملي، ~~والقوة العالمة هي العقل النظري. # أما العقل النظري فهو قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية ~~المجردة عن المادة، وهذه القوة النظرية لها إلى هذه الصور ~~نسب؛ وذلك أن الشيء الذي من شأنه أن يقبل شيئا قد يكون بالقوة ~~قابلا له وقد يكون بالفعل، والقوة تقال على الاستعداد المطلق ~~للقوة، وعلى الملكة وعلى كمال القوة؛ فالقوة النظرية إذن تنسب ~~إلى الصورة المجردة نسبة ما بالقوة المطلقة حتى تكون هذه ~~القوة للنفس التي لم تقبل بعد شيئا من الكمال الذي يحسبها، ~~وحينئذ تسمى عقلا هيولانيا، وهذا يملكه كل شخص. وتنسب ~~أيضا إلى الصورة المجردة نسبة ما بالقوة الممكنة، وهي أن ~~تكون القوة الهيولانية قد حصل فيها من المعقولات الأولى (كالكل ~~أعظم من الجزء) التي يتوصل منها وبها إلى المعقولات الثانية، ~~وتسمى عندئذ عقلا بالملكة، وأخيرا تنسب القوة النظرية ~~إلى الصورة المجردة نسبة ما بالقوة الكمالية، وهذا أن يكون ~~حصل فيها أيضا الصورة المعقولة الأولية، إلا أنه ليس يطالعها ~~ويرجع إليها بالفعل فعقلها وعقل أنه عقلها، ويسمى عقلا ~~بالفعل؛ لأنه عقل يعقل متى شاء بلا تكلف اكتساب. أما إذا ~~نسبت القوة النظرية إلى الصورة المجردة نسبة ما بالفعل ~~المطلق فيكون ms29 حينئذ عقلا مستفادا، وهو عبارة عن عقل كامل ~~تكون الصورة المعقولة حاضرة فيه، وهو تطالعها ويعقلها بالفعل، ~~ويعقل أنه يعقلها بالفعل. فهذه مراتب النفوس التي تسمى عقولا ~~نظرية، وهي تنتهي عند العقل المستفاد الذي به تم النوع ~~الإنساني، ولما كان لا يمكن الانتقال من القوة إلى الفعل إلا ~~تحت تأثير علة موجودة بالفعل كان من الضروري أن نقول بوجود ~~عقل مفارق للعقل الإنساني، هو العقل الفعال الذي تشرق منه ~~المعرفة على عقول الناس. # وترتيب درجات العقول النظرية عند ابن سينا لا يختلف اختلافا ~~جزئيا عن الترتيب الذي وضعه الفارابي أستاذه ودليله في ~~الفلسفة. # وقصارى القول # إن العقل العملي يسيطر على سائر قوى البدن، ويوجه سياسة ~~الجسم وأخلاقه كيفما شاء. أما العقل النظري فمهمته لا تتعدى ~~الاتجاه إلى المبادئ العالية، وهو النفس البشرية ~~المجردة. ~~(4) الفرق بين الإدراكات # إن الإدراك يكون إما بالحس أو بالتخيل أو بالوهم أو بالعقل، ~~ويشبه أن يكون أخذ صورة المدرك، حتى إذا كان ماديا فيأخذ صورته ~~مجردة عن المادة تجريدا ما. # فالحس يأخذ الصورة عن المادة دون أن ينزع اللواحق التي لها من ~~جهة المادة، وإذا زالت النسبة بينها وبين المادة بطل ذلك الأخذ؛ ~~لأنه لا يمكنه أن يستثبت على تلك الصورة إن غابت المادة. # والخيال يبرئ الصورة المنزوعة عن المادة تبرئة أشد؛ لذلك إذا ~~غابت المادة تبقى الصورة في الخيال، إلا أنها لا تكون مجردة عن ~~اللواحق المادية؛ لأن الصورة في الخيال هي على حسب الصور المحسوسة، ~~وعلى تقدير ما، وتكييف ما، ووضع ما. # 7 # والوهم يرتفع قليلا عن هذه المرتبة في التجريد؛ لأنه ينال ~~المعاني التي ليست هي في ذواتها بمادية، وإن عرض لها أن تكون في ~~مادة كالخير والشر والموافق والمخالف، فهذا النزع أشد استقصاء ~~وأقرب إلى البساطة من النزعين الأولين، إلا أنه مع ذلك لا يجرد ~~هذه الصورة عن لواحق المادة؛ لأنه يأخذها جزئية. # وأما العقل فإنه ينزع الصورة عن المادة من كل وجه، وعن لواحق ~~المادة معها في أخذها أخذا مجردا؛ لذا ms30 لا يمكن الحس والخيال ~~والوهم أن تدرك الكليات بل إدراكها محصور في الجزئيات؛ وبالتالي ~~فإنه لا شيء من المدرك للجزئي بمجرد، ولا من المدرك للكلي بمادي. # 8 ~~(5) وحدة النفس # مما تقدم ذكره يظهر أن النفس البشرية متعددة الأقسام كثيرة ~~القوى، لكنها بالرغم من ذلك كله لا تزال واحدة كما يثبت الشيخ. ~~إن النفس الإنسانية، بل سائر النفوس، هي في الجسم كالمحرك في ~~السيارة، فكما أن المحرك ولو حرك آلات كثيرة يعتبر واحدا، كذلك ~~النفس وهي تبدأ الحركة في البدن يجب أن تكون واحدة، وكما أن المحرك ~~لا يحرك السيارة ما لم تكن كاملة بسائر الآلات، كذلك النفس لا ~~تقوم بعملها في البدن ما لم يكن كاملا مهيئا لاقتبال ~~ذلك. # لو كانت قوى النفس لا تجتمع عند ذات واحدة لكان للحس مبدأ على ~~حدة، وللغضب مبدأ على حدة، بيد أننا نعرف أن الغضب لا يصدر إلا ~~عن الحس، الأمر الذي يبرهن على أن قوتي الغضب والحس تجتمعان في ذات ~~واحدة كما تجتمع آلات السيارة حول المحرك، فهناك إذن مبدأ واحد ~~لقوة الغضب وقوة الحس. # أجل إن قوى النفس منفصلة متعددة، ولكن انفصالها وتعدادها ليس ~~سببا لتكثير النفوس؛ لأن القوى المتعددة يمكنها أن تنضوي إلى ~~نفس واحدة، ولكي يقرب ابن سينا هذه الفكرة من عقل القارئ يورد ~~المثال الآتي: # إن الجوهر المفارق نمثله بالشمس، والبدن بجرم يتأثر عن ~~الشمس، ونشبه النفس النباتية بمكان تسخينها إياه، ~~والنفس الحيوانية بمكان إنارتها له، والنفس الإنسانية ~~بمكان اشتعالها فيه نارا؛ فإن كان ذاك البدن لا يقبل ~~الإنارة والاشتعال فيكتفي باقتبال التسخين فقط، وإن كان ~~أهلا للإنارة فيرضى بها فقط، ثم إن كان الاستعداد، وهناك ~~ما من شأنه أن يشتعل عن المؤثر الذي يحرق بقوته فتحدث ~~الشعلة جرما لاقتبال الصور من العقل المفارق، وحينئذ ~~تكون مع المفارق علة للتنوير والتسخين، ولو لم تكن لظل ~~التسخين والتنوير كما كان قبلا. وهذا تشبيه دقيق ~~مفهوم. ~~(6) بقاء النفس # ينقسم الفلاسفة في تقرير مصير النفس الإنسانية إلى فئات عديدة ~~أشهرها أربع؛ ms31 فئة تقول إن النفس ليست سوى مادة كباقي المواد، ولا ~~تعتقد إلا الحس والاختيار، وأتباع هذا الرأي هم الماديون ~~المتطرفون، وقوم لا يسلمون بوجود المادة، ولا يرون في مظاهر ~~الكون إلا الروح والأفكار، وهؤلاء هم المثاليون المغالون، وآخرون ~~يقولون بانتقال الأنفس بعد الموت من بدن إلى بدن، وهؤلاء هم أهل ~~التناسخ، والباقون - وهم الأكثرية الساحقة - يقولون بأن النفس ~~الإنسانية لا تموت بموت الجسد، ولن تقبل الفساد أصلا، وهؤلاء هم ~~المعتدلون، والشيخ الرئيس ينتمي لهم، وقد أتى لإثبات ذلك ببراهين ~~تختلف قوة وكمالا إلا أنها بجملتها تستحق الاعتبار، ونحن الآن ~~نقتصر على إيراد برهانين خوف الإسهاب الممل : # أولا: # في البدن قوة تحركه وتسمى نفسا، وهذه ~~النفس تقتبل المعقولات من العقل الفعال؛ ولذلك ~~تكون له محلا بنوع من الأنواع، والحال أن محل ~~المعقولات لا يمكنه أن يكون جسما؛ إذن إن النفس ~~البشرية هي لا مادية؛ وبالتالي خالدة. # من المستحيل أن يكون محل المعقولات جسما أو ~~مقدارا من المقادير؛ لأنه إن كان جسما؛ فإما ~~يكون منقسما وإما غير منقسم، فإذا كان غير منقسم ~~أي نقطة؛ فالنقطة هي نهاية ما لا تمييز لها في ~~الوضع عن الخط والمقدار؛ ولذا لا يمكنها أن تقبل ~~شيئا عرضيا؛ بل كل ما تقبله يجب أن يكون ذاتا ~~أو مقدارا، والحال أن العقل الفعال لا يستطيع ~~أن يكون ذاتا في جسم واحد؛ لأنه يدبر جميع ~~الأجسام على السواء، كما أنه لا يمكنه أن يكون ~~مقدارا؛ إذن لا يسوغ لمحل المعقولات أن يكون ~~جسما غير منقسم. # وإذا فرضنا أن محل المعقولات هو جسم منقسم، ~~فيلزم من باب الوجوب أن نفرض أن الصورة المعقولة ~~تنقسم، وحينئذ لا يخلو إما أن يكون الجزآن ~~المنقسمان متشابهين أو غير متشابهين؛ فإن كانا ~~متشابهين فكيف يجتمع منهما ما ليس إياهما؟ وإن ~~كانا غير متشابهين فإنه ليس يمكن أن تكون الأجزاء ~~غير المتشابهة إلا أجزاء الحد التي هي الأجناس ~~والفصول بالقوة غير متناهية، والمعلوم أن الأجناس ~~والفصول الذاتية للشيء الواحد ليست في القوة غير ~~متناهية؛ إذن ms32 ... # 9 # ثانيا: # إن النفس البشرية هي جوهر بسيط، والبسيط لا ~~ينحل كما تنحل العناصر، إذن النفس تبقى ولو فارقها ~~الجسد؛ لأنها أسمى منه مادة وأغلى قيمة هبطت ~~إليه عن كره. نحن لا ننكر أن النفس تتألم بتألم ~~الجسد، ولكن الجسد بالوقت نفسه هو الذي يعيقها ~~عن بلوغ الكمال والاتحاد بالذات العليا؛ لذلك إذا ~~كانت مستكملة بالكمالات لا تحزن لفراق الجسد. قال ~~المعلم الثالث: # حتى إذا قرب المسير من الحمى # ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع # سجعت، وقد كشف الغطاء فأبصرت # ما ليس يدرك بالعيون الهجع # وهذا الكلام يذكرنا بقول القديس بولس فيلسوف الأمم: «من ~~ينقذني من جسد الموت هذا لأنحل وأصير مع الله؟» # وله غير ذلك براهين عديدة عميقة، منها برهان علاقة النفس بالجسد، ~~وهو وارد في كتاب النجاة (ص302-309). # أما مسألة التناسخ فإن ابن سينا يبطلها بالدليل الآتي: إذا فرضنا ~~أن نفسا تناسختها أبدان، وكل بدن فإنه بذاته يستحق نفسا تحدث ~~له وتتعلق به، فيكون البدن الواحد فيه نفسان معا، وكل حيوان ~~يستشعر نفسه نفسا واحدة هي المعرفة والمدبرة؛ فإن كان هناك نفس ~~أخرى لا يشعر الحيوان بها ولا هي بنفسها، ولا تشتغل بالبدن فليس ~~لها علاقة مع البدن؛ لأن العلاقة لم تكن إلا بهذا النمو، فلا يكون ~~تناسخ بوجه من الوجوه، وبهذا المقدار لمن أراد الاختصار كفاية؛ ~~بيد إن فيه كلاما طويلا. # وصفوة القول # إننا إذا فهمنا بالإبداع إخراج نظريات جديدة في عالم الفكر؛ فإن ~~ابن سينا أبعد من أن ينسب إليه الابتكار أقله في نظريات النفس التي ~~مر الكلام عليها؛ فإنه أخذ عن أرسطو حدوث النفس، وعن أفلاطون ~~خلودها، وعن الفارابي مراتب الإدراك فيها، وضم إلى ذلك عناصر ~~صوفية مختلفة الأجناس والأشكال، ولكن إذا فهمنا بالإبداع ضم نظريات ~~وآراء بعضها إلى بعض ثم نحتها نحتا علميا يلائم بيئة الناحت؛ ~~فإن ابن سينا من هذا القبيل هو مبدع كما لا يخفى على ذي بصيرة ~~(طالع كتاباته بإمعان وروية). # الفصل السابع # | العلة والمعلول # يختلف العلم الإلهي في نظر ابن سينا ms33 عن سائر العلوم، كل علم، ~~طبيعيا كان أم رياضيا، إنما يفحص عن موجود معين أو حال بعض ~~الموجودات، أما العلم الإلهي فإنه يدرس الموجود المطلق ولواحقه التي ~~له بذاته، وبموجب هذا الاعتبار تكون جميع العلوم جزئية، ولا خبر عن علم ~~مطلق بعد العلم الإلهي. # محور العلم الإلهي هو العلة المطلقة والمعلول المطلق؛ لأن الله ~~تعالى على ما اتفقت عليه الآراء كلها ليس مبدأ لموجود معلول دون موجود ~~معلول آخر، بل هو مبدأ للوجود المعلول على الإطلاق؛ ولذا يكون هو ~~العلة المطلقة أيضا، # 1 # إذن لا لوم ولا عذل علينا إذا افتتحنا كلامنا عن إلهيات ~~ابن سينا بالعلل والمعلولات. # كل علة مبدأ، وليس كل مبدأ علة؛ فالوالد هو علة الابن ومبدأ، ~~والنقطة هي مبدأ السطر وليست علته. وهذا قول مقتبس من التعاليم ~~الأرسطوية. أما ابن سينا فإنه قد خلط بين العلة والمبدأ بدليل قوله: ~~«المبدأ يقال لكل ما يكون قد استتم له وجود في نفسه، إما عن ذاته، ~~وإما عن غيره، ثم يحصل عنه وجود شيء آخر ويتقوم به ... إلخ.» # 2 # ينسج الرئيس في تقسيم العلل على منوال الفيلسوف؛ فيقسمها إلى أربعة ~~أقسام رئيسية: علة مادية، علة صورية، علة فاعلة، وعلة ~~غائية. # كلما تكون شيء من شيء يقال إنه حصل تغيير، ويتوقف شرح هذه ~~التغايير المختلفة العارضة على مبدأين؛ أولهما أنها تطرأ على موضوع ~~ثابت وقار هو المادة أو العلة المادية للتغيير، وثانيهما أن هذه ~~التغايير قائمة بأن شيئا جديدا يظهر في المادة وهو الصورة أو ~~العلة الصورية للموضوع المعروض للتغيير، فمن هذا يصدر أن العلة إذا ~~كانت جزءا لمعلولها لا يجب عن حصوله بالفعل أن يكون موجودا بالفعل ~~دعوناها مادية، وإذا كانت جزءا لمعلولها يجب عن وجوده بالفعل وجود ~~المعلول له بالفعل سميناها صورية، مثال العلة المادية: الخشب ~~للسرير؛ فإن السرير كامن بالقوة في الخشب الذي هو مادة السرير المبهمة ~~قبل أن تخرجه يد النجار من القوة إلى الفعل، ومثال العلة الصورية: ~~الشكل والتأليف للسرير، فتكون العلل هيولى للمركب وصورة ms34 للمركب، ~~ولقد أخذ هذا الفكر القديس توما الأكويني وأفرغه بأسلوب واضح فقال: # المادة هي علة الصورة من جهة أن الصورة لا توجد إلا في ~~المادة، وكذا الصورة علة المادة من جهة أن المادة لا وجود ~~لها بالفعل إلا بالصورة، وكل من المادة والصورة تقال بالقياس ~~إلى الأخرى وكلتاهما نسبتها إلى المركب نسبة الجزء إلى ~~الكل. # أما إذا لم تكن العلة جزءا لمعلولها، فإما أن تكون مباينة أو ~~ملاقية لذات المعلول؛ فإن كانت ملاقية فإما أن ينعت المعلول بها، وهذا ~~كالصورة للهيولى، وإما أن تنعت بالمعلول، وهذا كالموضوع للعرض، وإن ~~كانت مباينة فإما أن تعطي معلولها الوجود الكامل وحينئذ تكون فاعلة ، ~~وإما أن تعطي الوجود؛ بل تعمل لأجل الوجود، وعندئذ تتغير وتصير ~~غائية، فتكون العلة الفاعلة - في نظر الشيخ - هي ما منه يكون شيء؛ ~~أي الانتقال من وجود إلى وجود آخر أو الانتقال من اللاوجود إلى ~~الوجود، وتكون العلة الغائية هي الهدف الذي ترمي إليه العلة في ~~إبرازها الفعل إلى الوجود. # إن المادة والصورة هما المبدآن الباطنان للموجود المادي، وأما ~~العلة الفاعلة فهي المبدأ الخارج للصيرورة أو التكون، قال الشيخ الرئيس: # والغاية بما هي شيء فإنها تتقدم سائر العلل، وهي علة العلل ~~في أنها علل، وبما هي موجودة في الأعيان قد تتأخر، وإذا لم تكن ~~العلة الفاعلة هي بعينها العلة الغائية كان الفعل ~~متأخرا في الشيئية عن الغاية؛ وذلك لأن سائر العلل إنما ~~تصير عللا بالفعل لأجل الغاية وليست هي لأجل شيء آخر، وهي ~~توجد أولا نوعا من الوجود فتصير العلل عللا بالفعل، ويشبه ~~أن يكون الحاصل عند التمييز هو أن الفاعل الأول والمحرك ~~الأول في كل شيء هو الغاية؛ فإن الطبيب يفعل لأجل البرء، ~~وصورة البرء هي الصناعة الطبية التي في النفس، وهي المحركة ~~لإرادته إلى العمل، وإذا كان الفاعل أعلى من الإرادة كان نفس ~~ما هو فاعل هو محرك من غير توسط من الإرادة التي تحدث عن ~~تحريك الغاية، وأما سائر العلل فإن الفاعل والقابل قد ~~يتقدمان المعلول بالزمان، ms35 وأما الصورة فلا تتقدم بالزمان ~~البتة، والقابل دائما أحسن من المركب والفاعل أشرف؛ لأن ~~القابل مستفيد لا مفيد، والفاعل مفيد لا مستفيد. # 3 # وبكلام وجيز: إن ابن سينا يثبت ستة أنواع من العلل؛ أولا: العنصر ~~أي مادة المركب، ثانيا: صورة المركب، ثالثا: الموضوع، رابعا: ~~صورة الهيولى، خامسا: الفاعل، سادسا: الغاية، بيد أن مادة المركب ~~تذوب في الموضوع؛ لأنهما معا علة بالقوة للشيء المزمع أن يكتسب ~~وجودا، وصورة المركب تمتزج بصورة الهيولى؛ لأنهما معا علة ~~بالفعل. # ومعلوم أن الهيولى والصورة لا يمكنهما أن يكونا علة إلا للصادر ~~عنهما الذي هو ممكن بذاته، ومن هذا الاعتبار نعرف أن ابن سينا لا يؤمن ~~إلا بوجود علة واحدة مطلقة، وهي واجب الوجود فإن جميع الأشياء التي ~~تصدر عن واجب الوجود لا تملك بذاتها إلا إمكانا فقط؛ ولذلك هي معلولة، # 4 # إذن كان شيشرون الفيلسوف الروماني على حق عندما صرخ في ~~ساعة نزعه: «يا علة ~~العلل ارحمني # Causa causarum misereme ~~.» # الفصل الثامن # | ما هو الله تعالى؟ # وإذا كان موجودا فما هي البراهين التي تثبت وجوده؟ # فطر الإنسان على حب معرفة الفاعل، فإذا شاهد تمثالا أبدعته يد ~~فنان عبقري، أو رأى رسما متقحلا لا تناسب بين خطوطه ~~وألوانه فأول عبارة يرسلها: «من هو الذي صنع ذلك؟» إذن لا تثريب على ~~الفلاسفة إذا تأملوا الموجودات مليا وتساءلوا عن مبدعها، وخصصوا ~~القسم الأوفر من كتاباتهم لمعرفة الخالق، وتحديد العلاقة القائمة ~~بينه وبين مخلوقاته. ~~(1) الوجود الإلهي # يعتقد ابن سينا كأستاذه الفارابي أننا نتسلق من معرفة ~~الموجود النسبي إلى معرفة الموجود المطلق، أو بعبارة أخرى أصرح: ~~معرفتنا للوجود الممكن توصلنا إلى معرفة واجب الوجود. # كل شيء يعتريه الفساد يمكنه أن لا يوجد، وكل شيء يولد يمكنه أن ~~يوجد، فيكون إذن تغيير الموجودات في نظر الرئيس متعلقا ~~بالإمكان، إلا أن سلسلة الممكنات لا تقدر أن تكون غير متناهية؛ ~~لأنها إذا كانت غير متناهية تبقى ممكنة الوجود بذاتها، ولا ~~تستطيع أن تعطي ذاتها الوجود، فيلزمنا إذن أن نقسم الموجودات إلى ~~موجود ممكن ms36 وموجود واجب، فالممكن الوجود هو الموجود الذي متى فرض ~~غير موجود أو موجودا لم يعرض منه محال. والواجب الوجود هو الموجود ~~الذي متى فرض غير موجود عرض عنه محال، وبما أن الموجود الممكن ~~الوجود لا يقدر أن يتناول وجوده من ذاته لكونه ممكنا، فيجب إذن أن ~~يأخذ وجوده من الموجود الواجب الوجود الذي يعطي الممكنات الوجود ~~وهو ما نسميه الله. # قال ابن سينا: # لا شك أن هنا وجودا، وكل وجود فإما واجب وإما ممكن؛ فإن ~~كان واجبا فقد صح وجود الواجب وهو المطلوب، وإن كان ~~ممكنا فإنا نوضح أن الممكن ينتهي وجوده إلى واجب الوجود. # 1 # إن المعلم الثالث لا يقف عند هذا الحد في إثبات وجود الله؛ بل ~~ينتقل إلى برهان العلل، نحن نرى أن كل موجود ممكن؛ إما أن يكون مع ~~إمكانه حادثا أو غير حادث؛ فإن كان غير حادث، فإما أن يتعلق ~~ثبات وجوده بعلة أو بذاته؛ فإن كان بذاته فهو واجب لا ممكن، وإن ~~كان بعلة، فعلته معه والكلام فيه كالأول. # وإن كان حادثا فلا يخلو إما أن يكون حادثا باطلا مع الحدوث ~~حالا، وإما أن يبطل بعد قليل من حدوثه، وإما أن يبقى بعد الحدوث؛ ~~فالقسم الأول محال ظاهر الإحالة، والقسم الثاني أيضا محال؛ لأن ~~الأوقات لا تتالى بصورة متباينة، فظهر إذن أن الموجود الممكن يبقى ~~بعد الحدوث، من هذا ينتج أن لكل موجود علة لوجوده، وهذه العلة ~~المطلقة القادرة الطائقة هي الله. # 2 ~~(2) ماهية الله وبساطته # الماهية والوجود في الله هما شيء واحد؛ لأننا إذا فصلنا ماهيته ~~عن وجوده جعلناه متجزئا وقابلا للقبلية والبعدية وفيه شيء ما ~~بالقوة، الأمر الذي لا يلائم واجب الوجود؛ لأنه هو الكمال بالذات، ~~والوجود المطلق والعلة الأولى والمبدأ الأول لجميع الموجودات، ~~والواجب التام الذي ليس له حالة منتظرة. # وبما أن واجب الوجود خال من القوة، وكل شيء فيه هو بالفعل، ~~فيتبع ذلك أنه تعالى بسيط. وهذا واضح لأن الله ليس بجسم، ولا مادة ~~جسم ولا صورة جسم، ولا مادة ms37 معقولة لصورة معقولة، ولا صورة معقولة ~~في مادة معقولة، ولا له قسمة لا في الكم ولا في المبادئ ولا في ~~القول، ولا يقع تحت حد أو برهان، بريء عن الكم والكيف والماهية ~~والأين والمتي والحركة ... بهذه الأقوال ونظائرها يحدد الشيخ ~~الرئيس علاقة الخالق بالمخلوق، ويطلعنا على أن الله هو فوق الكل، ~~وقادر على كل شيء. ~~(3) وحدانية الله وحقيقته # إن واجب الوجود واحد من جهة تمامية وجوده، وواحد من جهة أن حده ~~له، واحد من جهة أنه لا ينقسم لا بالكم ولا بالمبادئ المقومة له ~~ولا بأجزاء الحد، وواحد من جهة أن لكل شيء وحدة تخصه وبها كمال ~~حقيقته الذاتية، وأيضا هو واحد من جهة أخرى، وتلك الجهة هي أن ~~مرتبته من الوجود وجوب الوجود، ولا ند له ولا شريك، أليس إن هذه ~~النتيجة الفلسفية الجميلة هي ترديد لقول القرآن: # قل هو الله أحد * الله ~~الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا ~~أحد ~~. # ولما كانت حقيقة الشيء في وجوده الثابت له كان لا حق أحق من ~~الواجب الوجود، ومن يملك الوجود المطلق هو بالوقت نفسه حق بكل ~~معاني الحقية، وقد يقال أيضا: حق لما يكون الاعتقاد به صادقا ~~فلا حق أحق بهذه الحقيقة مما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا ومع ~~صدقه دائما، ومع ذلك دوامه لذاته لا لغيره. ~~(4) عقل الله وعشقه # إن طبيعة الوجود بما هي كذلك غير ممتنع عليها أن تعقل، وإنما ~~يعرض لها أن لا تعقل إذا كانت في المادة أو مكتنفة بعوارض المادة، ~~والحال أن الله مجرد عن المادة ولواحقها فإذن هو عقل، وبما أنه ~~يعرف أن لذاته هوية مجردة فهو عاقل ذاته، وبما يعتبر أن لهويته ~~ذاتا فهو معقول، وكون الأول عاقلا ومعقولا لا يوجب فيه كثرة ~~البتة؛ لأن تحصيل الأمرين ليس إلا اعتبار أن له ماهية مجردة هي ~~ذاته، وأن ماهية مجردة هي ذاته له، وها هنا تقديم وتأخير في ~~ترتيب المعاني والغرض المحصل شيء واحد بلا قسمة. # أما الجمال والكمال والبهاء اللامتناهي فيقوم في ms38 الماهية العقلية ~~المطلقة، والخيرية المحضة البريئة عن كل واحد من أنحاء النقص، ~~والواجب الوجود له الجمال والبهاء المحض، وهو مبدأ كل اعتدال، وبما ~~أن كل جمال ملائم وخير مدرك هو محبوب ومعشوق، فظهر أن الله هو ~~محبوب ومعشوق؛ لأنه في غاية الكمال والجمال والبهاء، والذي يعقل ~~ذاته بتلك الغاية في البهاء والجمال وبتمام التعقل، ويتعقل ~~العاقل والمعقول على أنهما واحد بالحقيقة يكون ذاته لذاته أعظم ~~عاشق ومعشوق، وأعظم لاذ وملتذ، قال الشيخ الرئيس: # إن اللذة ليست إلا إدراك الملائم من جهة ما هو ملائم؛ ~~فالحسية منها إحساس بالملائم، والعقلية تعقل الملائم، ~~والأول أفضل مدرك بأفضل إدراك لأفضل مدرك، فهو أفضل لاذ ~~وملتذ، ويكون ذلك أمرا لا يقاس إليه شيء، وليس عندنا ~~لهذه المعاني أسام غير هذه الأسامي، فمن استشنعها استعمل ~~غيرها، ويجب أن تعلم أن إدراك العقل للمعقول أقوى من إدراك ~~الحس للمحسوس؛ لأنه - أعني العقل - يعقل ويدرك الأمر ~~الباقي الكلي ويتحد به، ويصير هو هو على وجه ما، ويدرك ~~بكنهه لا بظاهره، وليس كذلك الحس للمحسوس. # 3 # وإن أعجب فلشيء؛ وهو أن الشيخ في كتابه ~~الموسوم بالإشارات والتنبيهات قد أنكر ما قاله هنا - أي ~~معنى الاتحاد - وفي غيره - كما هنا - قد أقر هذا الاتحاد ~~ونادى به، أليس هذا من قبيل النقص في تكفير ابن سينا ~~الفلسفي؟ ألا يثبت هذا أن فلسفة ابن سينا منقولة وليس فيها ~~من الإبداع إلا بمقدار؟ سنجلي هذه النقطة في محلها إن ~~أراد المولى. # الفصل التاسع # | كيف أثبت ابن سينا حدوث الكون # ما هو نصيب نظريته من الصحة؟ # الكون ما أبهاه مجملا ومفصلا! # كل شيء فيه يذكي العقل، وينمي المعارف، ويحير الألباب، ولا ~~آخذ بالقلوب مثل تعاليمه! # لكن هل هو قديم أم حديث؟ # وإذا كان حديثا فكيف خلقه الله؟ # أسئلة عويصة أشغل الجواب عنها من جملة من أشغل، علماء ما وراء ~~الطبيعة منذ ظهور هذا العلم إلى الوجود، وهي نفسها قد جالت في رأس ابن ~~سينا، وأهابت به لكي يحاول الإجابة عليها علميا. ~~(1) وضعية الرئيس ms39 # قبل كل شيء يجب إيضاح لفظتي قديم وحديث كما يفهمهما أرسطو ~~الإسلام؛ فالقديم على ضربين: بحسب الذات وبحسب الزمان، إن القديم ~~بحسب الذات هو الذي ليس لذاته مبدأ هي به موجودة، والقديم بحسب ~~الزمان هو الذي لا أول لزمانه، والحديث أيضا على وجهين: أحدهما هو ~~الذي لذاته مبدأ هي به موجودة، والآخر هو الذي لزمانه ابتداء، وقد ~~كان وقت لم يكن فيه، # 1 # فأرسطو كان يعتقد أن العالم قديم يثبت إلى الأبد، ~~وأن الحركة فيه أزلية كالزمان إلا أنها تفتقر إلى محرك رئيسي ~~يدفعها إلى العمل، وقدمية العالم ليست بحسب الذات بل بحسب الزمان؛ ~~أي لا أول لابتدائها، فيتبع ذلك أن العالم بحاجة في قدمه إلى ~~مبدأ يستند إليه ، إلى فعل محض لا قوة فيه، إلى محرك أول يحركه ~~ولا يتحرك معه؛ لأنه إذا تحرك انتقل إلى الشر، الأمر الذي ~~ننزه الله عنه. # تجاه هذا الرأي الذي تأثر به الشيخ الرئيس كثيرا نرى الدين ~~الإسلامي كالدين المسيحي من هذا القبيل، يقول بأن الله تعالى برأ ~~العالم من العدم وأبدع كل شيء في إبداعا فعليا. # وقف ابن سينا حيال هذين الجوابين وحار في إبداء رأيه: إن اتبع ~~رأي الفيلسوف بعجره وبجره ابتعد عن أصول الدين وصار متزندقا، وإن ~~اتبع قول القرآن ناقض معلمه الفيلسوف الذي - كما يقول ~~الشهرستاني: «كان يتعصب له، وينصر مذهبه ولا يقول من القدماء إلا به.» # 2 # وسار على خطة المتكلمين، وابتعد عن حظيرة الفلسفة؛ ~~لأن طريقة المتكلمين جدلية تؤاخذ الخصوم بلوازم مسلماتهم، # 3 # عندئذ عزم الشيخ على إتمام المشروع الذي بدأ به ~~أستاذه الفارابي؛ أي الجمع بين الفلسفة والدين، فأخذ مواد ~~المتقدمين وصقلها، ثم سبكها بنظرية عجيبة غريبة. ~~(2) أساس نظرية الصدور # أما المبادئ التي عول عليها الرئيس في تقرير نظريته ~~الصدورية # Emanation # فنوجزها ~~بما يأتي: # أولا: # إن الواحد من حيث هو واحد لا يوجد عنه إلا واحد، ~~والحال أن الله تعالى واحد من كل الوجوه كما أنبأ ~~سابقا؛ فإذن لا يمكن أن يصدر عن الله الواحد إلا ms40 ~~واحد، ولا تستثنى من ذلك الوحدة العقلية ~~أيضا. # ثانيا: # إن التعقل في الجواهر المفارقة مقارن للإبداع، ~~فإذا قلنا: إن الجوهر المفارق الفلاني قد تعقل ~~شيئا ما فكأننا نقول إنه قد أبدع ذاك الشيء ~~نفسه. # ثالثا: # ما ليس واجب الوجود بذاته يكون ممكنا بذاته ~~واجبا بغيره، وبما أنه لا يوجد سوى واجب وجود ~~واحد فينتج أن كل ما هو بمعزل عن واجب الوجود لا ~~يملك إلا وجودا ممكنا. # وإذا مزجنا هذه المبادئ مزجا محكما وأفرغناها على الله وباقي ~~العقول المفارقة يصدر عنها الكون على المنوال الآتي: ~~(3) جرم هذه النظرية # إن الله إذا عقل ذاته صدر عنه العقل الأول الذي لا يقدر أن يكون ~~إلا واحدا؛ لأن من الواحد لا يشتق إلا الواحد، وعندما يعقل العقل ~~الأول الله يصدر عنه عقل ثان، ولما يعقل ذاته تشتق من تعقله لها ~~نفس الفلك الأول وجسمه؛ فالنفس تصدر عن الوجوب الكامن في ذات العقل ~~الأول، والجسم يصدر عما في العقل الأول من الإمكان، فهناك إذا ~~مثلث يفيض عن العقل الأول العقل الثاني والنفس والفلك الأول، ثم إن ~~هذا العقل الثاني واجب بالأول ممكن بذاته؛ فيصدر من تعقله للأول ~~عقل ثالث، ومن تعقله لذاته يصدر نفسا وجسما، ولا يزال هذا ~~التعقل ينتج عقولا ونفوسا وأفلاكا حتى ينتهي الأمر إلى العقل ~~العاشر مدبر عالم الكون والفساد؛ فالأمور السماوية إذن تؤلف ~~سلسلة كل حلقة منها تتضمن ثلاثة أشياء؛ فالله لا يبدع إلا العقل ~~الأول. أما العقل الأول فيبدع ثلاثة أشياء: العقل الثاني والنفس ~~والفلك، والعقل الثاني يبدع ثلاثة أشياء: العقل الثالث ونفسه ~~وفلكه، وهكذا إلى أن يصل الصدور إلى فلك القمر وكرة الهواء المحيطة بالأرض. # 4 # قال ابن سينا: «إن المعلول (الأول) بذاته ممكن الوجود، وبالأول - ~~أي بالعلة الأولى - واجب الوجود، ووجوب وجوده بأنه عقل وهو يعقل ~~ذاته، ويعقل الأول ضرورة، فيجب أن يكون فيه من الكثرة معنى عقله ~~لذاته ممكنة الوجود في حد نفسها، وعقله وجوب وجوده من الأول ~~المعقول بذاته وعقله الأول، وليست الكثرة له عن ms41 الأول؛ فإن إمكان ~~وجوده أمر له بذاته لا سبب الأول؛ بل له من الأول وجوده، ثم كثرة ~~أنه يعقل الأول ويعقل ذاته كثرة لازمة؛ لوجوب حدوثه عن الأول.» # 5 # فتكون النقطة الجوهرية في نظرية ابن سينا الاشتقاقية - إذا جازت ~~لنا هذه التسمية - هي أن العقل الأول واجب بالإله؛ لكي يكون له قوة ~~تمكنه من إصدار موجود روحاني، وممكن بذاته ليقدر على إبراز جسم ~~هيولاني. ~~(4) مصادر هذه النظرية # اقتبس ابن سينا من أرسطو: «أن فوق العالم إلها، وأن هناك ~~أفلاكا ذات حركات مستديرة، وأنها تتحرك تحت تأثير العقول، وأن ~~العالم قديم.»، وأخذ عن أفلاطون وبلوتن: «أن الكثير لا يصدر عن ~~الواحد، وأن الإله يعقل ذاته ويعقل الأشياء على الوجه الكلي، وأن ~~عقله لذاته يولد العقل الأول، وأن العقل يتأمل الواحد ويعود ~~إليه.»، وتناول عن الفارابي قوله في المدينة الفاضلة: «يفيض عن ~~الأول وجود الثاني، فهذا الثاني هو أيضا جوهر غير متجسم أصلا، ~~ولا هو في مادة فهو يعقل ذاته ويعقل الأول ... فما يعقل الأول يلزم ~~عنه وجود ثالث، وبما هو متجوهر بذاته التي تخصه يلزم عنه وجود ~~السماء الأولى.»، فعجن ابن سينا هذه الآراء وأضاف إليها تعاليم بعض ~~المنجمين والطبيعيين؛ لأن هؤلاء كانوا يجدون للأجرام العلوية ~~أفعالا وآثارا في هذا العالم مختلفة تدل على اختلاف طبائعها، ~~ولولا ذلك لما كان قال في نجاته وغيرها نظير هذه الأقوال: «إن ~~إمكان الوجود يخرج إلى الفعل بالفعل الذي يحاذي صورة الفلك» ~~(ص455). # من هذه التلميحات نعرف كم هي طفيفة ناحية الإبداع في نظرية ~~الصدور عند ابن سينا، وكيف أنها لا تستحق الاهتمام حتى في العصور ~~الغابرة؛ لأن الغزالي قد وضعها في مصاف التعاليم الزائفة، وخاطب ~~صاحبها مع أصحاب المذاهب الفاسدة بهذه اللهجة القاسية: # ما ذكرتموه تحكمات، وهو على التحقيق ظلمات فوق ظلمات ~~لو حكاه الإنسان في نومه عن منام رآه لاستدل به على سوء مزاجه. # 6 ~~(5) بين ابن سينا والقديس توما # معلوم أن الرئيس بنظرية الصدور قد أراد التوفيق بين الفلسفة ~~والدين كما صنع ms42 من بعده القديس توما الأكويني، ولكن هل توفق في ~~مهمته هذه؟ # إن أرسطو الإسلام بنظريته هذه المليئة بالأشباح والكثيرة التمويه ~~قد رجع بصفقة المغبون؛ لأن فيها ما يناقض الفلسفة والدين: فما ~~يناقض الفلسفة قوله بأن العقل الأول الصادر عن الله ممكن بذاته ~~وواجب بالإله، فمن أين جاء هذا الإمكان؟ وكيف تولد الوجوب؟ إن ~~الرئيس لا يجيب عن هذه المسألة، ومما يعاكس الدين قوله بصدور العقل ~~الأول عن الله ... # أما أرسطو النصرانية فإنه كان أكثر تأدبا وأعمق تفكيرا من ~~الشيخ، فميز بدء بدء بين العقل والإيمان، فبموجب القوى العقلية ~~لا يمكن أن نقيم البرهان على حدوث العالم من جهته؛ لأن مبدأ ~~البرهان هو الحد بالماهية، وماهية العالم تحتمل البرهانين القديم ~~والحديث. # وكذلك لا نقدر أن نقيم البرهان على حدوث العالم من جهة العلة ~~الفاعلة التي تفعل بالإرادة؛ لأن إرادة الله لا يستطاع البحث عنها ~~بالعقل إلا بالنظر إلى ما يريده الله بالضرورة المطلقة، وما يريده ~~الله بالنظر إلى المخلوقات، فليس يريده بالضرورة المطلقة، فإذن لا ~~نستطيع بقوة العقل الطبيعي أن نعرف هل أن الله خلق العالم قبل ~~الزمان أم بعده؟ أما بحسب الإيمان فيتحتم علينا أن نعتقد أن ~~العالم حديث؛ لأن الله كشف إرادته الإلهية للإنسان بالوحي الذي إلى ~~ذراعه يستند البشر؛ فإذن يكون حدوث العالم عقيدة إيمانية، ولا يمكن ~~إثباته بطريقة البرهانية، وهكذا دقق ابن أكوينيا بين الفلسفة ~~والوحي بهذه القضية. # كذلك قد أنحى القديس توما على ابن سينا باللائمة، وأبطل زعمه ~~القائل بأن الجوهر الأول المفارق المخلوق من الله خلق جوهرا آخر ~~بعده؛ لأن العلة الثانية الآلية لا تشترك في فعل العلة العالية ~~إلا من حيث تساعد على وجه التهيئة بشيء خاص لها على مفعول الفاعل ~~الأصيل. ألا ترى أن المنشار بالخاصة التي له يصدر من قطعة الخشب ~~صورة الكرسي التي هي مفعول خاص للفاعل الرئيسي، والمفعول الخاص لله ~~الخالق هو ما يكون سابقا على جميع ما سواه وهو الوجود المطلق؛ ~~فإذن لا يمكن لخليقة أن تخلق لا بقوتها ms43 الخاصة، ولا بوجه الآلية ~~والاستخدام. # أما التوفيق بين المبدأ القائل بأن عن الواحد لا يصدر إلا ~~واحد، وبين مقدرة الله على إيجاد الكثرة، فيكون على هذا النمط أن ~~الفاعل بالطبع يفعل بالصورة التي هو بها موجود، والتي هي في الواحد ~~واحدة فقط؛ ولذا ليس يفعل إلا واحدا فقط. أما الفاعل الإرادي ~~كالله في مخلوقاته فيفعل بالصورة المعقولة؛ فإذن لما كان تعقل ~~الله أمورا كثيرة لا ينافي وحدانيته وبساطته؛ بل يجعله أكثر ~~كمالا وأسمى مقاما يلزم أنه - وإن يكن واحدا - يقدر أن يصنع ~~أشياء كثيرة، وبهذا القدر كفاية لقوم يعقلون. # الفصل العاشر # | هل أقر ابن سينا بأن الله يعرف الجزئيات؟ # أم حصر معرفته تعالى في الكليات فقط؟ # انقسم مؤرخو فلسفة ابن سينا فئتين؛ فئة تقول بأن ابن سينا أنكر على ~~الله معرفته للجزئيات، وأثبت أن معرفته لا تتعدى إلى الكليات، وفي ~~طليعة هذه الفئة الصارمة الغزالي الشهير، لا بل إن بعض النقاد غالى ~~في هذا الأمر وقال: إذا خيل لأحد أن الرئيس يبرهن في بعض الأحايين ~~على أن الله يعرف الجزئيات، فيجب شرح وتطبيق هذه البينات شرحا ~~وتطبيقا يلائم مقتضيات نظريته الصدورية. # والفئة الثانية تناقض الأولى على طول الخط، وتفرغ وسعها لتظهر أرسطو ~~الإسلام بمظهر المتدين الورع، وتبرهن على أنه قد أعلن أن الله يعرف ~~كل ما في السموات والأرض حتى أدق الجزئيات، ولعل أشد النقاد العصريين ~~حماسة في إثبات هذه القضية المطران نعمة الله أبو كرم الماروني في ~~المقدمة التي علقها على الترجمة اللاتينية لإلهيات النجاة، وأصدرها ~~مطبوعة عن رومية 1926. # أما نحن فإننا نميل إلى شرح كلام الشيخ شرحا مبنيا على الإمعان ~~والروية، موضحين أن المسألة لا يمكن أن تتفق تماما مع هذين ~~التخريجين، وإذا كانت الطرق التي نهجها ابن سينا في تقرير نظريته تفتقر ~~إلى المنطق الموزون والوضوح السديد، فهذا ليس معناه أنه أنكر على الله ~~سبحانه معرفته للجزئيات، كما أنه ليس معناه أيضا أنه سلم بهذا ~~الأمر. ~~••• # يعتبر ابن سينا أن التسليم بأي تركيب أو تعدد في واجب ms44 الوجود هو ~~من الجهل بالمكان الأعلى، ومن جهة أخرى يعتقد أن الله «يعقل كل شيء، ~~ولا يعزب عنه شيء شخصي، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات، ولا في ~~الأرض. وهذا من العجائب التي يحوج تصورها إلى لطف قريحة.» # 1 # إذن إن الصعوبة عند كل من يسلم بهذا هي في التوفيق بين ~~البساطة السامية، وإدراك الأمور الجزئية في واجب الوجود. # في حل هذه المسألة العويصة يثبت الشيخ أنه لا يجوز أن يعقل الله ~~الأشياء من الأشياء؛ لئلا تكون ذاته إما متقومة بما يعقل؛ وبالتالي ~~يكون تقومها بالأشياء، وإما عارض لذاته أن تعقل فلا تكون واجبة ~~الوجود من جميع نواحيها. # ولكن هل يعقل واجب الوجود الأشياء بصورتها الذهبية؟ # عن هذا يجيب فيلسوفنا بالإنكار أيضا؛ لأن هذه الصورة الذهبية ~~تتغير «عقلا زمانيا متشخصا»، فيكون الله متغير الذات، فضلا عن ~~أن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية فإنما ندركها من حيث هي محسوسة، ~~ونتخيلها بآلة متجزئة؛ # 2 # لأن هذه المعرفة تأتي إلينا من الخارج، والخارج يتغير ~~بتغير الزمان والمكان، الأمر الذي لا يمكننا أن نسلم بوجوده في الله ~~سبحانه وتعالى، وقبل أن يختم ابن سينا كلامه في هذا الخصوص يقول: «كما ~~أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقض له، كذلك إثبات كثير من التعقلات.» # 3 # إذن كيف يستطيع الله أن يعرف الجزئيات؟ # إن الرئيس يشرح ذلك شرحا لذيذا لا ينقصه الابتكار والتفرد بالرأي، ~~فبعدما نفى عن الباري كل تعدد وكل امتزاج بالخلائق قال ما معناه: أما ~~كيف يعقل واجب الوجود الأشياء؛ فإنه إذا عقل ذاته، وعقل أنه مبدأ كل ~~موجود، عقل أوائل الموجودات وما يتولد عنها، ولا يوجد شيء من الأشياء ~~إلا بأمره وإذنه، وعليه فإذا كان واجب الوجود يعلم الأسباب ومطابقاتها ~~فيعلم ضرورة ما تتأدى إليه وما بينها من الأزمنة، وما لها من العودات؛ ~~لأنه ليس يمكن أن يعلم تلك ولا يعلم هذه، فيكون مدركا للأمور الجزئية ~~من حيث هي كلية، أعني من حيث لها صفات، وإن تخصصت بها شخصا ~~فبالإضافة ms45 إلى زمان متشخص أو حال متشخصة. # 4 # ظهر إذن مما سبق أن الرئيس يعتقد أن الله يدرك الجزئيات، ولكن من ~~ذاته الشاملة ومن أسباب الجزئيات عينها. ~~••• # بقي علينا أن نوضح علاقة العقل الإلهي البسيط كذاته بالأشياء ~~المركبة والمتعددة القابلة القبلية والبعدية. ويلوح لأول وهلة أن ~~ابن سينا يبذل وسعه لكي يحل هذه المسألة كما حل السابقة. # إن واجب الوجود في نظر فيلسوفنا بمقدار ما يعرف ذاته معرفة كاملة ~~يعرف الأشياء معرفة كاملة، وإذا سلمنا بهذا يلزمنا أن نسلم ~~أيضا بكونه تعالى يعرف صفاته وكمالاته معرفة كاملة؛ وبالتالي يعرف ~~فعله وقوته. # وغني عن البيان أن ابن سينا يردد في إلهياته أن الله هو المبدأ ~~الأول للموجودات بأسرها، وأن قوته وفاعليته تمتدان إلى كل درجة من ~~درجات الحقيقة؛ فإذن يلزم أن تمتد معرفته إلى كل درجة من درجات ~~الحقيقة. # وإذ قرر أن الله يعرف الأشياء بمقدار ما يعرف ذاته؛ نظرا لكونه ~~يعرف فعله وقوته، نراه يضيف على ما تقدم مبرهنا أن الله هو مبدأ ~~جميع الأشياء، ولكن ليس كل الأشياء تصدر عنه بنظام واحد؛ بل بعضها يشتق ~~عنه مباشرة والبعض الآخر بواسطة، وخصوصا الموجودات الفاسدة فإنها ~~تصدر عن البسائط غير الفاسدة، فينتج من ذلك أن الله يرى في ذاته قبل كل ~~شيء المخلوقات التي لا تقبل الانحلال، ويرى المخلوقات أو الموجودات ~~التنويه بالأغيار؛ أي بعللها الخاصة، وبعبارة أدق: إن الله يعقل ~~البسائط بذاته؛ لأنه عقل وعاقل ومعقول جوهري، وبما أن الأشياء ~~المركبة تصدر عن البسائط، وهو تعالى يعرف البسائط معرفة تامة، بان ~~أنه يعرف المركبات بعللها الخاصة التي هي البسائط. وهذا كما لا يخفى ~~تحليل عميق؛ ولكي يقرب نظريته هذه من الأفهام يضرب للدارس مثلا ~~غريبا، وهو: # افترض أن زيدا من الناس عالم نابغة يعلم الحركات السماوية ~~كلها بمقدرة تفوق الوصف، فهو بالوقت نفسه يعلم كل كسوف وكل ~~اتصال وانفصال جزئي يكون بعينه، ولكن على نحو كلي، فيخبرك ~~بالكسوف الفلاني قبل حدوثه بزمان طويل، ولا يبقى عارضا من ~~عوارض ذلك الكسوف إلا ms46 يعلمك إياه، فعندئذ يكون علمه كليا؛ ~~لأن هذا المعنى قد يجوز أن يحمل على كسوفات كثيرة كل واحدة ~~منها تكون حاله تلك الحال، إلا أنه يعلم بنوع ما أن ذلك ~~الكسوف لا يكون إلا واحدا بعينه، فيكون أن فيلسوفنا يبني ~~نظريته هذه على هذا المبدأ: «إذا وقعت الإحاطة بجميع الأسباب ~~في الأشياء ووجودها انتقل منها إلى جميع المسببات.» # 5 # إن العقل النظري في الإنسان هو السبب الوحيد للعقل العملي والإرادة ~~هي التي تحرك أعضاءنا للعمل، فتكون القوة غير الإرادة فينا. # أما واجب الوجود فليس محتاجا إلى شيء من ذلك؛ لأن عقله وإرادته ~~وعلمه وصفاته هي ذاته. من هذا ينتج: # أن القدرة التي له هي كون ذاته عاقلة للكل عقلا هو مبدأ ~~للكل لا مأخوذا عن الكل، ومبدأ بذاته لا متوقف على وجود ~~شيء. (نفس الصفحة) # وهذا حقيقي؛ لأن الله يعرف ذاته ووجوده وما هو مبدأ له حتى إنه يرى ~~وجوده فائضا في الوجود؛ فإذن الله يعرف بجوهره؛ لكونه العلة الأولى ~~الشاملة نظام الموجودات بأسرها وفيض جوده فيها. ~~••• # وبعد هذا نرى من المناسب أن نأتي على رأي القديس توما في هذا ~~الموضوع نفسه؛ لنعلم أن بين هذين الفيلسوفين اتفاقا على بعض المبادئ ~~الأولية؛ ولنطلع أيضا على غموض وإسهاب الفيلسوف العربي ووضوح وإيجاز ~~الفيلسوف اللاتيني، ولعل هذا راجع إلى عقلية الاثنين التي تختلف عن ~~بعضها اختلافا شاسعا. # إن ابن أكوينيا في المجلد الأول من خلاصته اللاهوتية (بحث 214) قد ~~كرس الفصل الحادي عشر لدرس هذه المسألة، وبعد أن أورد الصعوبات التي ~~تقف سدا بوجه الباحث على جاري عادته في تلك الخلاصة المنقطعة النظير، ~~أخذ يبرهن على أن الله يعرف الجزئيات: ~~(1) # إن الله يعرف الجزئيات؛ لأن جميع الكمالات الموجودة في ~~المخلوقات موجودة وجودا سابقا في الله على وجه أعلى، ~~ومعرفة الجزئيات كمال لنا؛ فإذن من الضرورة أن الله يعرف ~~الجزئيات. ~~(2) # إن الكمالات المتقسمة في الموجودات السفلى موجودة في ~~الله على حال البساطة والوحدة؛ فإذن وإن كنا ندرك بقوة ~~الكليات والمجردات، وبقوة أخرى الجزئيات ~~والماديات، ms47 إلا أن الله يدرك الأمرين بعقله ~~البسيط. ~~(3) # لما كان الله علة جميع الأشياء بعلمه، كان علمه ~~مسيطرا على جميع الأشياء؛ لأنه بمقدار ما هو علة للجميع ~~بمقدار ذلك هو عالم بالجميع، ولا يغيب عن معرفته السامية ~~أدنى شيء مما في السموات والأرض وتحت الأرض. # هذه هي البراهين التي أثبت بها القديس توما أن الله يعرف الجزئيات، ~~وهي كما لا يخفى مكينة، عميقة، واضحة، مقنعة، فيكون الاثنان - أي أرسطو ~~الإسلام وأرسطو النصرانية - متفقين على أن الله بمقدار ما هو علة ~~لجميع الموجودات بمقدار ذلك هو عالم بجميع الموجودات، وبعبارة فلسفية ~~محكمة: عموم علم الله على قدر عموم عليته. # أما في بيان كيفية ذلك فقد اختلفا؛ لأن القديس توما يبرهن على أن ~~تحليل ابن سينا غير كاف وبراهينه غير وافية؛ لأن الجزئيات تستفيد من ~~العلل الكلية صورا أقوى مهما تقارنت بعضها ببعض لا تتشخص إلا ~~بالمادة الشخصية، وعلى هذا لو عرف فلكي جميع الحركات الكلية التي في ~~السماء فينتج أن الكسوف من حيث هو كسوف لا يعرفه؛ فإذن على الوجه ~~المذكور يلزم أن الله ليس يعرف الجزئيات في جزئيتها، وبمثال آخر: لو ~~عرف عارف أن بطرس ابن زيد، فلا يعرفه على هذا النحو من حيث هو هذا ~~الإنسان، وكذلك فإن الله لو عرف الجزئيات في عللها؛ فإنه لا يعرفها في ~~جزئياتها - أي من حيث هي هذه. # وبعد أن بين القديس توما عدم كفاءة نظرية ابن سينا في كيفية معرفة ~~الله للجزئيات أخذ يشرح نظريته بإيجاز لطيف ووضوح أخاذ، هاك ألفاظه ~~معربة على أصلها اللاتيني: # لما كانت قدرة الله الفاعلية تعم لا الصور التي منها ~~تستفاد حقيقة الكلي فقط بل المادة أيضا ... كان من الضرورة أن ~~علمه يعم أيضا الجزئيات التي تتشخص بالمادة؛ لأنه لما كان ~~يعلم الأشياء المغايرة له بماهيته من حيث إن ماهيته هي شبه ~~الأشياء أو مبدؤها الفاعلي، فمن الضرورة أن تكون ماهيته مبدأ ~~كافيا لمعرفته جميع مصنوعاته لا بالعموم فقط بل بالخصوص ~~أيضا، وكذا حكم علم الصانع لو كان ms48 علمه مصدرا للشيء كله لا ~~لصورته فقط. # مما قلناه نستنتج أن النقص المستولي على نظرية ابن سينا متأت من ~~عقم نظريته الكونية أو الاشتقاقية؛ فالقديس توما يستمد قوة برهانه من ~~أن الله يعرف الجزئيات من قدرته تعالى الشاملة البسائط والمركبات. ~~أما ابن سينا فإنه قد استمد أيضا قوة برهانه من قدرة الله القدوسة، ~~ولكن بما أن قدرته لا تعم في نظره المركبات، فقال بكون الله يعرف ~~الجزئيات من البسائط التي هي علل المركبات أو الجزئيات الخاصة. وهذا ~~هو الوهن الوحيد المسيطر على هذه النظرية التي لا تنكر معرفة الله ~~للجزئيات؛ ولذا لا يجوز لكل مفكر منصف أن ينسب إلى الرئيس أمير ~~فلاسفة المشرق كونه أنكر على الله معرفته للجزئيات، كما أنه أيضا لا ~~يجوز له أن يثبت كون ابن سينا أقر معرفته تعالى للجزئيات إقرارا لا ~~يشوبه زلل، ولا يعتريه إبهام. # هذا ما عن لنا إبداؤه من الرأي في هذه المسألة الدقيقة، فعسى أن ~~نكون قد أدينا بعض الخدمة! # الفصل الحادي عشر # | العناية الإلهية # إن أقوال ابن سينا في العناية الإلهية جد متناقضة، فبينا نشعر بأنه ~~يشرح هذه القضية شرحا يلائم نظريته الصدورية، وينافي القرآن وسائر ~~الكتب الدينية، نراه من جهة أخرى يتملص من تبعة آرائه المضللة ~~مؤمنا بأن الله تعالى يدبر كل شيء، ويعتني بكل شيء مما في السموات ~~والأرض بعناية مطلقة. # 1 # إن كل مثقف يقرأ بإمعان مصنفات ابن سينا الفلسفية يتوضح له ~~أن حكمته - أساسيا - هي مزيج من التعاليم الأفلاطونية والأرسطوية ~~مع بعض زيادات وتعديلات تتفاوت قيمة ووزنا بتفاوت الموضوعات التي ~~قررها. ومن نظرياته التي تأثرت كثيرا بالتعاليم الأفلاطونية ~~نظريته في العناية الإلهية. # إن أفلاطون الإلهي - كما يسميه علماء العرب - كان يقول بعنايات ~~ثلاث: فالعناية الأولى تختص بالإله الأعظم الذي يعتني أولا ~~وأصالة بالروحانيات، وتبعا بالعالم كله من حيث الأجناس والأنواع ~~والعلل الكلية، والثانية تتعلق بالجزئيات التي يعرضها الكون ~~والفساد، وقد نسبها إلى الآلهة المحيطين بالسموات؛ أي الجواهر ~~المفارقة التي تحرك الأجرام السماوية بحركة مستديرة، والثالثة ~~هي ms49 العناية بالأمور الإنسانية، وقد عزاها إلى الشياطين الذين كان ~~يجعلهم الأفلاطونيون وسطاء بيننا وبين الله، على ما رواه القديس ~~أغوسطينوس في كتابه الموسوم «بمدينة الله # Civitas Dei ~~». # 1 # ونحن نرتئي أن الشيخ الرئيس - استنادا إلى هذا التعليم - قال ~~بأن الله أو المدبر الأول يدبر ويعتني بالعقل الأول وبكل ما ~~يصدر عنه، والعقل الأول يدبر ويعتني بالعقل الثاني وبما يشتق ~~منه، والعقل الثاني يعتني ويدبر العقل الثالث ولواحقه، وهكذا حتى ~~تنتهي بهذه السلسلة المنظمة «إلى العقل الفعال الذي يدبر أنفسنا»؛ # 2 # لأن العلل العالية أو الصدورات الأولى عن واجب الوجود ~~«لا يجوز أن تعمل ما تعمل من العناية لأجلنا»، # 3 # بل كل علة تعمل لأجل تاليتها، وتسوقها إلى غايتها ~~القصوى حتى يصل هذا العمل إلى الفلك الأقصى، الذي أجسامه تؤثر في ~~أجسام هذا العالم بالكيفيات التي تخصها وتسري منها إلى هذا العالم، ~~وأنفسه تؤثر في أنفس هذا العالم، «وبهذه المعاني نعلم أن الطبيعة ~~التي هي مدبرة لهذه الأجسام كالكمال والصور حادثة عن النفس ~~الفاشية في الفلك أو بمعونتها.» # 4 # فينتج من ذلك: كما أن الله في نظر فيلسوفنا يعرف الجزئيات بالعلل ~~الكلية، هكذا يعتني بالجزئيات ويدبرها بالعلل الكلية؛ إذ ليس شيء ~~في شيء من الجزئيات إلا وهو صادر عن علة كلية، وبعبارة أوضح: إن ~~ابن سينا يعترف بأنه لا بد في التدبير من اعتبار أمرين؛ مبدأ ~~التدبير الذي هو العناية، وإنفاذه؛ فالله باعتبار كونه مبدأ ~~التدبير يدبر جميع العلل العالية مباشرة، وأما باعتبار إنفاذ ~~التدبير فإنه ينفذ هذا التدبير في العلل العالية بنفسه مباشرة، ~~وفي المخلوقات السفلى بواسطة العليا. # وهذا الرأي المغلوط يتساوق - كما لا يخفى - مع نظرية ابن سينا في ~~تكوين العالم، إلا أنه من جهة أخرى يناقض كتب الوحي التي ~~تصرح بأن عناية الله لا تنحصر في العلل العالية، ولا في السماء ~~والأرض، ولا في الإنسان والملك؛ بل تتناول أحشاء أصغر الحيوانات ~~وأخسها، وأدق ريش الطير وزهر العشب وورقة الشجرة، بحيث لا يغفل ~~التوفيق بين أجزائها. وبوجيز العبارة: إن ms50 تدبير الله يعم جميع ~~الأشياء كبيرة كانت أم صغيرة، حقيرة أم سامية. # 2 # بيد أن الشيخ الرئيس، إيهاما للسذج، أضاف إلى ما تقدم ~~قولا معقدا، هاكه بالحرف: # ليس لك سبيل إلى أن تنكر الآثار العجيبة في تكون ~~العالم، وأجزاء السماويات وأجزاء النبات والحيوان مما لا ~~يصدر ذلك اتفاقا بل يقتضي تدبيرا ما، فيجب أن تعلم أن ~~العناية هي كون الأول عالما لذاته بما عليه الوجود من ~~نظام الخير وعلة لذاته للخير والكمال بحسب الإمكان وراضيا ~~به على النحو المذكور، فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ ~~الذي يعقله فيضانا على أتم تأدية إلى النظام بحسب ~~الإمكان فهذا هو معنى العناية. # 5 # حقا إن هذا الكلام فيه من المغالطة ما ليس بقليل، هب أن ~~الأول يعلم من نفسه نظام الخير، وأنه هو نفسه علة هذا الخير ~~والكمال «بحسب الإمكان»، فهل يكفي ذلك لتقدير العناية الإلهية التي ~~تعتني بدقائق الجزئيات؟ هذا ما لا نظنه، وكما أن الطبيب الأفضل ليس ~~من يلاحظ الكليات فقط؛ بل من يقدر أن يلاحظ دقائق الجزئيات ~~أيضا، هكذا المعتني الأفضل ليس من يعرف نظام الموجودات وحده بل من ~~يحيط علما بأصغر الموجودات وأدقها. # قال ابن سينا: # العناية هي إحاطة علم الأول بالكل، وبالواجب أن يكون ~~عليه الكل حتى يكون على أحسن نظام. # ومعناه أن العناية الإلهية تشمل جميع الموجودات في هذا الكون ~~الفسيح الأرجاء؛ ليتم اتساق الوجود. # جاء في كتب اللغة: «أحاط بالأمر علما» أي أحدق به علمه من جميع ~~جهاته، ومتى أحدق علم الإنسان بشيء يكون قد تعقل ذاك الشيء، ~~والحال أن ابن سينا قد ركز مبدأ أتينا على ذكره وهو أن التعقل ~~عند الجواهر المفارقة هو بمثابة الإبداع، فيكون إذن أن الله - بحسب ~~هذا القول - يعقل جميع الأشياء، وبما أنه قد عقلها فيجب أن يبدعها ~~بمعزل عن توسط أي علة أخرى. وبهذا يقضي على نظريته الكونية من ~~حيث لا يدري، ويصح فيه بنوع ما قول ابن سبعين: «إن ابن سينا ~~مموه مسفسط، كثير الطنطنة قليل الفائدة.» # 6 ms51 # هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا كان الباري تعالى لا يدرك الأمور ~~الجزئية إلا من عللها البسيطة، # 7 # فكيف يمكنه أن يعتني بالجزئيات من حيث هي جزئيات، وإذا ~~صنع ذلك يشبه طبيبا لم يعرف داء مريضه إلا يسيرا، ومع ذلك يجهد ~~نفسه في تدبيره وتطبيبه! # الخلاصة # خلاصة ما تقدم أن الشيخ الرئيس بعيد عن الحقيقة في القولين ~~بعدا شاسعا. أما في القول الأول فقد أوضحنا ذلك بإيجاز، وأما في ~~القول الثاني فنبينه هنا تعميما للفائدة: # كما كان كل فاعل يفعل لغاية معلومة كان عموم سوق المعلولات إلى ~~غاية على قدر عموم علية الفاعل الأول، وبما أن علية الله الذي ~~هو الفاعل الأول تعم جميع الموجودات، ليس من حيث المبادئ النوعية ~~فقط؛ بل من حيث المبادئ الشخصية أيضا، لا في الأشياء غير الدائرة ~~فقط؛ بل في الأشياء الدائرة أيضا، كان لا بد أن تكون جميع الأشياء ~~الموجودة بحال من الأحوال مسوقة من الله إلى غاية؛ فإذن لما لم ~~تكن عناية الله إلا سبب سوق الأشياء إلى غايتها، فلا بد أن تكون ~~جميع الأشياء خاضعة لها من حيث هي مشتركة في الوجود، وبوجيز ~~العبارة إذا كان الله هو علة جميع الأشياء المباشرة، وكان يعرف ~~جميع الأشياء كليها وجزئيها مباشرة، كان عليه ولا ريب وهو ~~الحكيم السامي أن يعتني بجميع الأشياء مباشرة. وهذا واضح حتى إن ~~ابن سينا نفسه قد أقره في غير فلسفته، أو أنه أقره في حكمته، ~~ولكن بطرق مبهمة شأنه في سائر نظرياته. # وأخيرا كم يلذ لنا أن نختم هذه العجالة بكلمة رائعة فاه بها ~~مؤسس مجلة المقتطف المأسوف عليه الدكتور يعقوب صروف اللبناني، قال ~~- أجزل الله ثوابه: # من الناس من يقول: «إن الله معتن بالأمور الكبيرة، ~~ولكنه لا يلتفت إلى الصغيرة.» فلو صح زعمهم وترك صغار ~~الأشياء لترك الجراثيم نفسها؛ لأنها من أصغر ما يوجد، ~~ولو تركها سنة واحدة لخرب نظام العالم، وصار الإنسان يزرع ~~أرضه قمحا؛ فتنبت له عقارب، وينصب كرمه عنبا فيخرج له ~~حيات، ويتزوج بامرأة ms52 فتلد له جنادب، ويركب على فرس؛ ~~فيستحيل تحته ضفدعا ... لو بطلت العناية لحظة من الزمان ~~تعذر علينا أن نعرف مصير هذه الجراثيم. فتأمل ~~وتدبر. # الفصل الثاني عشر # | دخول الشر للعالم1 # لا بد للمتبصر من أن يسلم بوجود الخير والشر في العالم، ألا نرى ~~مثلا أن الأمطار في شهر أيار هي حياة للمزروعات وخيرات للبشرية؟ ولكن ~~إذا هطلت على سائح في صحراء مقفرة مجدبة فهل يعتبرها هذا الإنسان خيرا ~~سكبته عليه العناية الإلهية؟ # هذا ما لا نظنه؛ لأنه إن لم يكن معتادا شظف العيش وتقلبات الطقس ~~يكابد آلاما مبرحة، وربما لقي حتفه؛ إذن ما هو الخير، وما هو الشر في ~~نظر ابن سينا؟ # إن الكمال المحض والخير المحض هو واجب الوجود؛ لأنه يملك تمام ~~الوجود، وحق بكل معاني الحق، والشر بنفسه هو العدم؛ أي إن الخير هو ~~ذاك الشيء التام الوجود الذي يشتاقه كل إنسان، والشر لا ذات له؛ بل هو ~~إما عدم جوهر أو عدم صلاح حال الجوهر، # 2 # فيكون مثل الشر المانع للخير في العالم، مثل سحابة ظللت ~~فحجبت شروق الشمس، قال ابن سينا: # الوجود خيرية، وكمال الوجود خيرية الوجود، والوجود الذي لا ~~يقارنه عدم، لا عدم جوهر، ولا عدم شيء للجوهر؛ بل هو دائم ~~بالفعل، فهو خير محض. والممكن الوجود بذاته ليس خيرا محضا؛ ~~لأن ذاته بذاته لا يجب له الوجود، فذاته بذاته تحتمل العدم، ~~وما احتمل العدم بوجه ما فليس من جميع جهاته بريئا من الشر ~~والنقص؛ فإذن ليس الخير المحض إلا الواجب الوجود. # 3 # يظهر من هذا الكلام وغيره أن المعلم الثالث يقسم الشر والخير في ~~الوجود إلى قسمين متقابلين: خير مطلق وشر مطلق، خير نسبي وشر نسبي؛ ~~فالخير المطلق هو واجب الوجود؛ لأن لا إمكان فيه، وكل شيء فيه هو ~~بالفعل، والشر المطلق هو عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة ~~لنوعه وطبيعته؛ ولهذا قال أرسطو الإسلام في إلهيات الشفاء: «الخير ~~مقتضى بالذات، والشر مقتضى بالعرض.» # 4 # أي عندما يتسلط العدم على وجود ما يكسبه ms53 شرا. # أما الخير النسبي والشر النسبي فيمكننا إيضاحهما بما يلي: يتفق في ~~بعض الأحايين أن يكون ما هو شر لواحد خيرا لآخر. إن النار إذا ~~اعتبرناها مجردة عن ظروف المكان والزمان هي قابلة أن تكون خيرا ~~وشرا، فإذا كانت - مثلا - تحت طنجرة الفلاح تنضج له طبخه فهي ~~خير، ولكنها إذا أحرقت ثوب فقير يتسول؛ فعندئذ تصير شرا. إن ~~العمى في أعين جميع الحيوانات شر لأنه نقص، والنقص قريب من العدم، ~~ولكنه للمبصر خير؛ لأننا لولا العمى لما كنا نستلذ البصر، وقد قيل: ~~«والضد يعرف فضله بالضد.» # وكما أنه لا وجود للخير المطلق في هذا الكون؛ لأنه لا شيء فيه واجب ~~الوجود، كذلك لا شر مطلق في نفس الكون؛ لأنه لا خير عن عدم مطلق، فليس ~~هو بشيء حاصل، ولو كان له حصول لكان الشر عاما، بيد أن الشر إما ~~يعرض للمادة قبل إتمامها أو يطرأ عليها ، فإذا عرض لمادة ما في أول ~~وجودها بعض أسباب الشر الخارجة فتمكن منها هيئة من الهيئات، فتلك ~~الهيئة تمانع استعدادها الخاص للكمال الذي منيت بشر يوازيه؛ مثل ~~المادة التي يتكون منها إنسان أو فرس، إذا عرض لها من الأسباب ~~الطارئة ما جعلها أردى مزاجا وأعصى جوهرا، فلم تقبل التخطيط والتشكيل ~~والتقويم فتشوهت الخلقة، وأما الأمر الطارئ من خارج فأحد شيئين؛ إما ~~مانع للكمال، وإما ماحق للكمال، مثال الأول: وقوع سحب كثيرة ~~وتراكمها، وإظلال جبال شاهقة تمنع تأثير الشمس في الثمار على ~~الكمال. # ومثال الثاني: حبس البرد للنبات المصيب لكماله في وقته حتى يفسد ~~الاستعداد الخاص وما يتبعه، وجميع سبب الشر إنما يوجد فيما تحت فلك ~~القمر، وجملة ما تحت فلك القمر طفيف بالقياس إلى سائر الوجود. # 5 # ولكن ما هي حكمة الله من دخول الشر العالم؟ وكيف استطاع وهو الخير ~~المحض أن يوجد الشر؟ # إن الله لم يوجد الشر؛ لأن الشر لا يملك وجودا بل نقصا وعدما، ~~والله لا يمكنه ولا بوجه من الوجوه أن يخلق النقص والعدم؛ لأن لا وجود ~~لهما، على أنه ms54 تعالى أوجد الخير وبالخير قام الشر بنوعه النسبي، ~~وبعبارة أصرح: إن الله أوجد مباشرة العقل الأول وعن العقل الأول صدرت ~~سائر العقول المفارقة بترتيبها المعروف، ثم العقل المفارق الأخير أصدر ~~البسائط، وعنها انبثقت المركبات التي فيها وحدها، وهي «تحت فلك ~~القمر»، ينحصر الشر، عدا أن هذا العالم الذي نحن فيه يقتضيه وجود الخير ~~مع الشر؛ لأنه عالم الكون والفساد، لا بل عالم القوة والفعل، وحيث توجد ~~القوة لا بد من وجود الشر، إلا أن هذا الشر أقل ذيوعا من الخير؛ لأن ~~الخير المطلق موجود وهو الله تعالى، والخير النسبي موجود وهو أكثر من ~~الشر النسبي، إلا أن الشر المطلق لا يملك من الوجود شيئا. # قلنا: إن الخير الجزئي أكثر من الشر الجزئي؛ لأنه لو كان الشر في شيء ~~من الأشياء أكثر من الخير لامتنع وجود ذلك الشيء؛ أي لو كان مثلا ضرر ~~النار أكثر من نفعها لما وجدت النار، من هذا يبدو جليا أن الخير من ~~طبيعة الوجود، والشر من طبيعة العدم. # 6 # وهنا يتوارد على الخاطر سؤال: أما كان باستطاعة الباري أن يوجد ~~الخير بمعزل عن الشر؟ # أجاب الشيخ الرئيس عن هذه المسألة بقوله: «إن الله سمح بوجود الشر؛ ~~لأننا لولا الشر لما عرفنا الخير، كما أننا لولا الظلمة لما كنا نعرف ~~النور ونلتذ به، ولولا المرض لما كنا نغتبط بالصحة، وكأن هذا ~~الجواب لم ينف كل ريب من رأس أمير فلاسفة المشرق فزاد أن البشر لا ~~يمكنهم أن يدركوا حكمة الخالق في خلقه: «لو كان أمر الله تعالى كأمرك، ~~وصوابه كصوابك وجميله كجميلك وقبيحه كقبيحك (كذا) لما خلق أبا الأشبال ~~أعصل الأنياب، أحجن البرائن لا يغذوه العشب.» فالله إذن لا يفتش ~~في أحكامه عما نفتش عنه نحن في أحكامنا الضعيفة وأحلامنا القاصرة؛ ~~بل ينظر إلى الوجود نظرة سامية لا نستطيع إلى إدراكها سبيلا.» # لكن إذا كان البشر يعرفون الشر فكيف يصنعونه؟ ... ليس بين الناس من ~~يقترف الشر بما أنه شر، ولكنه يقترف الشر ظنا منه أنه سينال خيرا ms55 ~~ولذة وبهجة وقت يقدم على عمله، والله تعالى لا يعارض أحدا عند ~~ارتكابه الشر، جاء في الحديث: «خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي، وخلقت ~~هؤلاء للنار ولا أبالي، وكل يسر لما خلق له.» ونظرية ابن سينا في ~~الخير والشر مرتبطة تمام الارتباط بكلامه عن تكوين العالم والعناية ~~الإلهية. وهذا التماسك لا يخفى على ذي بصيرة، وقلما نجد له مثيلا ~~بين فلاسفة العرب؛ لأنه في أغلب الأوقات لا ارتباط بين آرائهم ~~الفلسفية، وما ذلك إلا لأن فلاسفة العرب كأدبائهم لم يبنوا، والعبقرية ~~البناءة عند الشعوب هي التي تولد النظريات الفلسفية المتشابكة ~~الأضلاع المتناسبة التقاطيع. # لذا لا نغالي إذا قلنا إن نظرية ابن سينا في الخير والشر رغم ما ~~يعتورها من الهنات، هي من أبدع نظرياته وأجملها وأشدها التصاقا ~~بالحقيقة بعد نظرية الإمكان والوجوب التي أخذها عن أستاذه ~~الفارابي. # وتناول هذه النظرية القديس توما الأكويني وسائر الأئمة المدرسين عن ~~الشيخ الرئيس وزادوها صقلا ونحتا، إلا أن الجوهر لا يزال واحدا: ~~«الخير مقتضى بالذات، والشر مقتضى بالعرض.» # الفصل الثالث عشر # | السعادة والشقاوة # تشعبت نظريات الفلاسفة في أمر سعادة الإنسان وشقوته، فمنهم من جعل ~~السعادة في مخالطة البشر والتمتع بسائر لذائذ الحياة، والشقاوة في ~~الابتعاد عن المجتمع والانصراف عن أطايب الدنيا، ومنهم من قال مع ~~هوبس # Hobbes ~~: «إن الإنسان ذئب ~~على الإنسان.» # Homo homini lupus # والسعادة تقوم في الانسلاخ عن المادة وسائر تكاليفها المرهقة. # أما الرئيس فإنه ينظر إلى الحياة نظرة المتفائل؛ لكونه يؤمن بأن ~~الخير شامل في الوجود، والشر جزئي كما سبق، وأن الإنسان أفضل معوان في ~~جلب السعادة لأخيه الإنسان، قال: # إن الإنسان يفارق سائر الحيوانات بأنه لا يحسن معيشته لو ~~انفرد وحده شخصا واحدا يتولى تدبير أمره من غير شريك ~~يعاونه على ضرورات حاجاته، وأنه لا بد أن يكون الإنسان مكفيا ~~بآخر من نوعه يكون ذلك الآخر أيضا مكفيا به وبنظيره، فيكون ~~مثلا هذا ينقل إلى ذاك، وذاك يخبز لهذا، وهذا يخيط للآخر، ~~والآخر يتخذ الإبرة لهذا حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم ms56 مكفيا؛ ~~ولهذا اضطروا إلى عقد المدن والاجتماعات. (نجاة، ص498) # وهذا القول مأخوذ عن الفارابي يذكرنا بكلام ابن خلدون في ضرورة ~~الاجتماع الإنساني. # والإنسان بعد أن يؤمن ضروريات حياته يصبو إلى السعادة القائمة في ~~اللذة، إلا أن البشر يتفاضلون في الاستمتاع بلذائذ الحياة كما يتفاوتون ~~بعقولهم ورتبهم ومنازلهم. # واللذة في مذهب الرئيس لا تختلف عما هي في مذهب أرسطو، فتقوم في ~~الفعل، وهي على أربعة أنواع: عقلية وحسية، خسيسة وسامية؛ فالفرق بين ~~اللذة العقلية والحسية كائن في أن اللذة التي تجب لنا بأن نتعقل ~~ملائما هي فوق التي تكون لنا بأن نحسن ملائما ولا نسبة بينهما، قال ~~ابن سينا: # قد يعرض أن تكون القوة الدراكة لا تستلذ بما يجب أن ~~تستلذ به لعوارض، كما أن المريض لا يستلذ الحلو ويكرهه ~~لعارض، فكذلك يجب أن نعلم من حالنا ما دمنا في البدن فإننا لا ~~نجد إذا حصل لقوتنا العقلية كمالها بالعقل من اللذة ما يجب ~~للشيء في نفسه؛ وذلك لعائق البدن، فلو انفردنا عن البدن لكنا ~~بمطالعتنا ذاتنا وقد صارت عالما عقليا مطالعا للموجودات ~~الحقيقية والجمالات الحقيقية والملذات الحقيقية متصلة بها ~~اتصال معقول بمعقول نجد من اللذة والبهاء ما لا نهاية له ... إن ~~لذة كل قوة حصول كمالها، فللحس المحسوسات الملائمة، وللغضب ~~الانتقام وللرجاء الظفر، ولكل شيء ما يخصه، وللنفس الناطقة ~~مصيرها عالما عقليا بالفعل. # 1 # أما اللذة الخسيسة فهي أفعال البدن الواطئة السافلة ودوما يحن إلى ~~ممارستها، واللذة السامية هي التي تلائم النفس وتسوق إلى إدراك الكمال؛ ~~لأن كل من يحصل على كمال ما يجد في الحصول عليه لذة، إلا أن ~~الكمال يختلف باختلاف مراتب القوى النفسانية؛ فالكمال الأتم والأفضل ~~والأكثر والأدوم ينشئ في النفس لذة أبلغ وأوفى وهو الأصل. # قد يكون الكمال في الخروج من القوة إلى الفعل، ولكن إذا لم يشعر ~~الفاعل باللذاذة، ولم يتصور كيفيتها، ولم يشتق إليها، بطل الفعل ~~واضمحلت اللذة، فتكون اللذة إذن قائمة في الشعور بالكمال. إن ~~الأكمه يعرف أن تأمل الصور الجميلة لذيذ، والأصم ms57 يعلم أن تغريد ~~الأطيار والألحان المنتظمة لذيذة، والجاهل يفقه أن العلم يولد لذة في ~~نفس العالم، إلا أن هؤلاء أجمعين هم بعيدون عن هذه اللذة؛ لأنهم لا ~~يقدرون أن يستشعروا بكمالها. # وكما أنه يوجد لذتان: عقلية وحسية، هكذا يوجد سعادتان: وقتية ~~ودائمة؛ فالسعادة الوقتية تقوم في اللذة الخسيسة، والسعادة الدائمة ~~تقوم في اللذة السامية. # في السعادة الخسيسة يشارك الإنسان الحمير والبهائم؛ لأن لهؤلاء أيضا ~~«حالة طيبة ولذيذة»، وفي السعادة السامية يشارك الجواهر المفارقة، ~~ويرتفع فوق وجوده. # أجل إن الجسد يعيقنا عن بلوغ الكمال، والمادة تضع في وجهنا العراقيل؛ ~~لئلا ننتهي إلى السعادة الدائمة، ولكنا إذا خلعنا ربقة الشهوة والغضب ~~وأخواتها من أعناقنا وطالعنا شيئا من تلك اللذة السامية؛ فحينئذ ~~ربما تخيلنا منها خيالا طفيفا خفيفا (نجاة، 482). فتكون اللذات ~~الروحية في رأي الشيخ الرئيس أفضل من اللذات الجسدية؛ ولهذا قال: «أنت ~~تعلم أنك إذا تأملت عويصا يهمك، وعرضت عليك شهوة، وخيرت بين ~~الطرفين استخففت بالشهوة إن كنت كريم النفس، والأنفس العامية أيضا ~~كذا؛ فإنها تترك الشهوات المعترضة، وتؤثر الغرامات والآلام الفادحة ~~بسبب افتضاح أو خجل أو تعيير أو شوق لغلبة، وهذه كلها أحوال عقلية، ~~فبعضها يؤثر في المؤثرات الطبيعية، ويصبر لها على المكروهات ~~الطبيعية، فيعلم من ذلك أن الغايات العقلية أكرم على الأنفس من محقرات ~~الأشياء، فكيف في الأمور النبيهة العالية؟ إلا أن الأنفس الخسيسة تحس ~~بما يلحق المحقرات من الخير والشر، ولا تحس بما يلحق الأمور النبيهة» ~~(نفس المصدر والصفحة). # فيظهر من ذلك أن ابن سينا يقر بأن النفس البشرية يمكنها أن تحصل ~~على السعادة السامية في هذه الحياة الدنيا، وذلك بالتحلي بالفضائل، ~~والسعي وراء الكمالات، والانشغاف بالحسن المطلق والخير المطلق والجمال ~~الحقيقي. # إن السعيد الذي لا يفتقر في سعادته إلى أحد هو واجب الوجود، والذي ~~يتلوه في رابعات السعادة العقول المفارقة، التي كلما اقتربت منه ~~تعالى، وبالغت في تأمله ازدادت لذة وكمالا؛ كالأجسام الطبيعية التي ~~كلما دنت من النار تزداد حرارة. # بعد العقول المفارقة يأتي عشاق الخير المطلق، وهم ms58 الذين قد وصلوا إلى ~~أعلى درجة يمكن أن يبلغها الإنسان من الكمال، ولا يجب أن يعترض أن ~~شوقهم إلى الاتحاد بالخير الأعظم يولد في نفوسهم العذابات؛ لأن هذه ~~العذابات تحرك النفوس، وبسبب ذلك تكون لذيذة، ويلقب ابن سينا هؤلاء ~~البشر السعداء بالعارفين، ولقد وصف العارف في كتابه الإشارات ~~والتنبيهات وصفا شيقا لا نرى بدا من نقله هنا، قال: # العارف هش بش بسام يبجل الصغير من تواضعه كما يبجل ~~الكبير، وينبسط من الخامل كما ينبسط من النبيه، وكيف لا يهش ~~وهو فرحان بالحق وبكل شيء يرى فيه الحق، ولا فرق عنده بين ~~الكبير والصغير، ولا يعرف الطمع سبيلا إلى قلبه. وهذا الخلق ~~هو خلق الرضا والقناعة فلا يخاف العارف من هجوم شيء، ولا يحزن ~~على فوات شيء؛ بل يفرح ويبتهج بما أدركه كما يبتهج العاشق ~~بالوصول إلى حبيبه. # العارف لا يعنيه التجسس والتحسس، ولا يستهويه الغضب عند ~~مشاهدة المنكر كما تعتريه الرحمة، وإذا أمر بالمعروف أمر برفق ~~ناصح، لا بعنف معير؛ وذلك لشفقته وحبه. # العارف شجاع وكيف لا وهو بمعزل عن خوف الموت، وجواد وكيف ~~لا وهو بمعزل عن محبة الباطل، وصفاح للذنوب وكيف لا ونفسه ~~أكبر من أن تجرحها ذلة بشر، ونساء للأحقاد وكيف لا وذكره ~~مشغول بالحق. # ثم يعقب العارفين أصحاب النفوس المترددة، وهؤلاء ليسوا في قمة ~~الكمال؛ لأنهم لم يتجردوا من ذواتهم بعد، وليسوا على الحضيض؛ لأنهم ~~يملكون قسطا من الكمال. # أخيرا يتلو هذه المرتبة مرتبة النفوس الخسيسة، وقد لقبها الرئيس ~~«بمرتبة النفوس المغموسة في عالم الطبيعة المخسوسة التي لا مناص ~~لرقابها المنكوسة، وهؤلاء هم بدون ما ريب في عمق أعماق الشقاء.» # بعد ذلك يضع ابن سينا وصفا دقيقا يميز به بين الزاهد والعابد ~~والعارف كنا نود أن نأتي على ذكره لولا خوف التطويل، من هذا العرض ~~الوجيز نعلم، أن النفس في نظر ابن سينا يمكنها أن تتمتع في السعادة ~~السامية وهي مكبلة بأغلال البدن، وذلك متى تم لها اقتباس سائر العلوم ~~النظرية والعملية والاتشاح بثوب العفة والشجاعة، ms59 والابتعاد عن جميع ~~شهوات الجسد الدنيئة؛ لأن هاته الرغبات لا تولد في النفس اللذة ~~الوقتية حتى تروقها بمرائر وأوجاع تفوقها شدة وفداحة؛ فتكون إذن ~~شقاوة هذه الحياة قائمة في عدم المقدرة على التلذذ. # أما في الحياة الباقية فإن للنفس ثلاث حالات: سعادة أبدية، شقاوة ~~مؤقتة، وشقاوة أبدية، فعلى السعادة الأبدية في جنة الخلد لا ينص ابن ~~سينا إلا بالتقريب، ويظن أنها تقوم بأن يتصور الإنسان المبادئ ~~المفارقة تصورا حقيقيا، ويصدق بها تصديقا يقينيا لوجودها عنده ~~بالبرهان، ويعرف العلل النائية للأمور الواقعة في الحركات الكلية دون ~~الجزئية التي لا تتناهى، ويقرر عنده النظام الأخذ من المبدأ الأول ~~إلى أقصى الموجودات الواقعة في ترتيبه، وكأنه ليس يتبرأ الإنسان عن ~~هذا العالم وعلائقه، إلا أن يكون أكد العلاقة مع ذلك العالم، فصار له ~~شوق وعشق إلى ما هناك يصده عن الالتفات إلى ما خلفه من الأمور ~~الدنيوية. # ولكن من هو الذي يحصل على هاته السعادة؟ # إن أول من ينال هذه السعادة هم الذين صار فيهم الكمال ملكة لا ~~يرون عنها محيدا، أما نفوس الجهال التي لم تكتسب الشوق إلى العالم ~~الثاني فإنها إذا فارقت البدن، وكانت غير مقيدة بالعادات البدنية ~~الردية صارت إلى سعة من رحمة الله، ونالت السعادة الأبدية. # أجل إن سعادة العالم لهي أسمى من سعادة الجاهل، ولكن الجاهل الصالح ~~خير من العالم الشرير، وبعبارة وجيزة: إن كل من يثابر على اقتباس ~~الخلال الحميدة، ويبتعد عن الشر يحرز السعادة الخالدة. # أما أهل الشقاوة المؤقتة فهم أولئك الذين سقطوا في هذه الحياة ~~مرات عديدة، إلا أن ذلك لم يمنعهم كليا عن تأمل الخير المطلق، ~~فهؤلاء متى فارقت نفوسهم أبدانهم أحسوا بمضادة عظيمة، وتأذوا بسبب ~~تراكم أعمالهم الدنيوية، لكن هذا الأذى وهذا الألم ليس لأمر لازم؛ بل ~~لأمر عارض غريب، والعارض الغريب لا يدوم؛ بل يزول مع ترك الأفعال التي ~~كانت تثبت تلك الهيئة بتكرارها، فيلزم إذن أن تكون العقوبة التي بحسب ~~ذلك غير خالدة؛ بل تمحى قليلا قليلا حتى تزكو النفس وتبلغ ms60 السعادة ~~التي تخصها (نجاة، 488). وهذا القول يقرب مما يؤمن به النصارى من ~~أن المؤمنين الذين يموتون وهم في حال الخطيئة العرضية، أو عليهم بعض ~~قصاصات زمنية لا يدخلون الملكوت السماوي؛ بل يذهبون إلى مكان آخر ~~يتطهرون به من أدرانهم بواسطة عذابات زمنية، ثم يعودون إلى ~~سعادتهم. # أما أبناء الشقاوة الأبدية فهم فعلة الإثم؛ أي الذين كثر شرهم ~~وعظم أذاهم في الدنيا والآخرة، ويشارك هؤلاء في الشقاوة الأبدية ~~العلماء الذين يعرفون الكمال ويحنون إليه دون أن يتصفوا به. # وصفوة القول: إن النفوس الشقية يقوم شقاؤها بالالتفات إلى أحوال ~~الدنيا، وتذكر مقتضيات البدن؛ لأنها تقاسي من جراء ذلك عذابات ~~فادحة. أما الأنفس المقدمة فإنها تبتعد عن أعمال الجسد وتتصل بكمالها ~~بالذات، وتنغمس في اللذة الحقيقية، وتتبرأ عن النظر إلى ما خلفها ~~وإلى المملكة التي كانت لها كل التبري. # فيتضح مما تقدم أن السعادة الحقيقية في مذهب الشيخ الرئيس، سواء ~~كانت في هذه الدنيا أو في الآخرة ، هي قائمة بشيء نفساني لذيذ، وكذا ~~الشقاوة فهي أيضا عذاب روحاني. # نحن لا ننكر أن الشيخ قد أخذ الشيء الكثير في نظريته هذه عن أفلاطون ~~وأرسطو وأفلوطين وأستاذه الفارابي، ولكن قد أضاف إلى ذلك تعديلات ~~قيمة منها: أن الفارابي كان يعتقد في مدينته الفاضلة أن أرواح أهل ~~المدن الجاهلة التي انغمست في الشهوات والمادة تصير بعد انحلال الجسم ~~إلى العدم كأنفس الحيوانات العجماء. أما ابن سينا فلم يقل بذلك؛ لأنه ~~وجده يناقض المنطق؛ بل اكتفى بأن يحشر تلك النفوس في الشقاوة ~~الأبدية. # إن الفارابي لم يتكلم عن سعادة وشقاوة الأنفس التي ليست ببارة ~~وليست بشقية. أما الشيخ فقد وضعها في مكان تتطهر فيه قبل دخولها ~~الجنة التي لا تعرف الدنس. # من هذا نعرف مقدرة المعلم الثالث على مزج النظريات العديدة وتعديلها ~~حسب القواعد المنطقية التي يقرها العقل. ~~••• # ولكي نطلع القارئ على أسلوب ابن سينا في وصفه السعادة الحقيقية، وكم ~~يجب أن يعاني الإنسان في سبيل الحصول عليها نورد هنا قصة رمزية لطيفة ~~دعاها فيلسوفنا رسالة الطير؛ ms61 ونظرا لأهمية هذه القصة وجمالها فقد ~~نشرت مرات عديدة في العربية، وترجمها المستشرق الشهير الدكتور ~~مهرن # Mehren # إلى الفرنسية، قال ~~ابن سينا: # مقدمة # هل لأحد من إخواني في أن يهب لي من سمعه قدر ما ألقي ~~عليه طرفا من أشجاني عساه أن يتحمل عني بالشركة بعض ~~أعبائها؛ فإن الصديق لن يهذب عن الشوب أخاه ما لم يصن في ~~ضرائك عن الكدر صفاءه، وإني لك بالصديق المماحض، وقد جعلت ~~الخلة تجارة يفزع إليها إذا استدعت القلوب إلى الخليل ~~داعية وطر، وترفض مراعاتها إذا حدث الاستغناء، فلن يزار رفيق ~~إلا إذا زارت عارضة، ولن يذكر خليل إلا إذا ذكرت مأربة، ~~اللهم إلا إخوان جمعتهم القرابة الإلهية، وألفت بينهم ~~المجاورة العلوية فلاحظوا الحقائق بعين البصيرة، وجلوا درن ~~الشك عن السريرة فلن يجمعهم إلا منادي الله. # ويلكم إخوان الحقيقة، باثوا وتضاموا، وليكشفن كل واحد ~~منكم لأخيه الحجب عن خالصة لبه؛ ليطالع بعضكم بعضا، ~~ويستكمل بعضكم ببعض، ويلكم إخوان الحقيقة ، تقبعوا كما ~~يتقبع القنافذ، فأعلنوا بواطنكم وأبطنوا ظواهركم، فبالله إن ~~الجلي لباطنكم، وإن الخفي لظاهركم. # ويلكم إخوان الحقيقة، انسلخوا عن جلودكم كما انسلاخ الحية ~~ودبوا دبيب الديدان، وكونوا عقارب أسلحتها في أذنابها؛ فإن ~~الشيطان لن يراوغ الإنسان إلا من ورائه، وتجرعوا الزعاف ~~تعيشوا، واستحبوا الممات تحيطوا، وطيروا ولا تتخذوا وكرا ~~تنقلبون إليه؛ فإن مصيدة الطيور أوكارها، وإن صدكم عوز الجناح ~~فتلصصوا تظفروا، فخير الطلائع ما قوي على الطيران، كونوا ~~نعاما تبتلع الجنادل المحماة، وأفاعي تسترط العظام الصلبة، ~~وسمادل تغشى الضرام على ثقة، وخفافيش لا تبرز نهارا فخير ~~الطيور خفافيشها. # ويلكم إخوان الحقيقة، أغبى الناس من يجترئ على غده، وأفشلهم ~~من قصر عن أمده، ويلكم إخوان الحقيقة، لا غرو إن اجتنب ~~ملاك سوءا أو ارتكبت بهيمة قبيحا؛ بل العجب من البشر إذا ~~استعصى على الشهوات، وقد صيغ على استئثارها صورته، أو بذل لها ~~الطاعة وقد نور بالعقل جبلته، ولعمر الله بذ الملاك بشر ~~عند زيال الشهوة فلم تزل قدمه عن موطئه فيه، وقصر عن البهيمة ~~إنسي ms62 لم تف قواه بدرء شهوة تستدعيه، وأرجع إلى رأس الحديث ~~فأقول: # قصة الطير # برزت طائفة تقتنص؛ فنصبوا الحبائل ورتبوا الشرك وهيئوا ~~الطعم وتواروا في الحشيش، وأنا في سربة طير إذ لحظونا؛ ~~فصفروا مستعدين لنا، فأحسسنا بخصب وأصحاب، ما تخالج في ~~صدورنا ريبة، ولا زعزعتنا عن قصدنا تهمة، فابتدرنا إليهم ~~مقبلين، وسقطنا في خلال الحبائل أجمعين، فإذا الحلق تنضم على ~~أعناقنا، والشرك تتشبث بأجنحتنا، والحبائل تتعلق بأرجلنا؛ ~~ففزعنا إلى الحركة فما زادتنا إلا تعسيرا؛ فاستسلمنا للهلاك ~~وشغل كل واحد منا ما خصه من الكرب عن الاهتمام لأخيه، ~~وأقبلنا نتبين الحيل في سبيل التخلص زمانا حتى أنسينا صورة ~~أمرنا، واستأنسنا بالشرك واطمأننا إلى الأقفاص. # فاطلعت ذات يوم من خلال الشرك؛ فلحظت رفقة من الطير أخرجت ~~رءوسها وأجنحتها عن الشرك، وبرزت عن أقفاصها تطير وفي ~~أرجلها بقايا الحبائل لا هي تئودها فتعصيها النجاة، ولا ~~تبينها فتصفو لها الحياة، فذكرتني ما كنت أنسيته ونغصت ~~علي ما ألفته فكدت أنحل تأسفا أو ينسل روحي تلهفا؛ ~~فناديتهم من وراء القفص أن ادنوا مني توقفوني على حيلة الراحة؛ ~~فقد أعيتني أموري العويصة، فتذاكروا خدع المقتنصين، فما زادوا ~~إلا نفارا؛ فناشدتهم بالخلة القديمة والصحبة المصونة ~~والعهد المحفوظ ما حل بقلوبهم الثقة، ونفى عن صدورهم الريبة؛ ~~فوافوني حاضرين فسألتهم عن حالهم فذكروا أنهم ابتلوا بما ~~ابتليت به؛ فاستيأسوا واستأنسوا بالبلوى، ثم عالجوني فنحيت ~~الحبال عن رقبتي، والشرك عن أجنحتي، وفتح باب القفص وقيل لي: ~~استغنم النجاة، فطالبتهم بتخليص رجلي عن الحلقة؛ فقالوا: لو ~~قدرنا عليه لابتدرنا أولا وخلصنا أرجلنا، وأنى يشفيك ~~العليل؟ فنهضت عن القفص أطير، فقيل لي: إن أمامك بقاعا لم ~~تأمن المحذور إلا أن تأتي عليها قطعا، فاقتف آثارنا ننجو بك ~~ونهدك إلى سواء السبيل. # فساوى بنا الطيران بين صدفي جبل الإله في واد معشب خصيب؛ ~~بل مجدب حريب حتى تخلف عنا جنابه وجزنا جيرته ووافينا هامة ~~الجبل، فإذا أمامنا ثماني شواهق تنبو عن قللها اللواحظ، وقال ~~بعضنا لبعض: سارعوا فإنا لا نأمن إلا بعد أن نجوزها ms63 ناجين، ~~فتعانقنا الشد حتى أتينا على ست من شوامخها وانتهينا إلى ~~السابع، فلما تغلغلنا تخومه قال بعضنا لبعض: هل لكم في ~~الجمام فقد أوهننا النصب وبيننا وبين الأعداء مسافة قاصية، ~~فرأينا أن نخص للجمام من أبداننا نصيبا فإن الشرود على ~~الراحة أهدى إلى النجاة من الانبتات. # فوقفنا على قلته، فإذا جنان مخضرة الأرجاء، عامرة ~~الأقطار، مثمرة الأشجار، جارية الأنهار، كثيرة الأزهار، يروي ~~بصرك نعيمها بصور تكاد لبهائها تدهش العقول وتستبهت الألباب، ~~وتسمعك أغان شجية وألحانا مطربة، وتشمك روائح لا يدانيها ~~المسك السري ولا العنبر الطري، فأصبنا من ثمارها وشربنا من ~~أنهارها وشممنا من أزهارها ومكثنا بها ريثما اطرحنا الإعياء، ~~فقال بعضنا لبعض: سارعوا فلا مخدعة كالأمن ولا منجاة كالاحتياط ~~ولا حصن أمنع من إساءة الظنون، وقد امتد بنا المقام بهذه ~~البقعة على شفاء غفلة، ووراءنا أعداؤنا يقتفون أقدامنا ~~ويتفقدون مقامنا، فهلموا نبرح ونهجر هذه البقعة وإن طاب ~~الثواء بها فلا طيب كالسلامة. # فأجمعنا على الرحلة وانفصلنا عن الناحية وحللنا بالثامن ~~منها، فإذا شامخ خاض رأسه في عنان السماء تسكن جوانبه طيور لم ~~ألق أعذب ألحانا وأحسن ألوانا وأظرف صورا وأطيب عشرة ~~منها، ولما حللنا في جوارها عرفنا من إحسانها وتلطفها ~~وإيناسها أيادي لم نقض بقضاء أهونها. # ولما تقرر بيننا وبينها الانبساط أوقفناها على ما ألم ~~بنا؛ فأظهرت المساهمة في الاهتمام، وذكرت أن وراء هذا الجبل ~~مدينة يتبوءها الملك الأعظم، وأي مظلوم استعداه وتوكل ~~عليه كشف عنه الضراء بقوته ومعونته، فاطمأننا إلى إشارتها ~~وتيممنا مدينة الملك حتى حللنا بفنائها منتظرين لإذنه ~~ورضائه، فخرج الأمر بإذن الواردين وأدخلنا قصره، فإذا نحن ~~بصحن لا نضمن وصف رحبه، فلما عبرناه رفع لنا الحجاب عن صحن ~~فسيح مشرق استضقنا لديه الأول؛ بل استصغرناه حتى وصلنا إلى ~~حجرة الملك. # فلما رفع لنا الحجاب، ولحظ الملك في جماله مقلنا علقت ~~به أفئدتنا ودهشنا دهشا عاقنا عن الشكوى، فوقف على ما غشينا ~~فرد علينا الثبات بلطفه حتى اجترأنا على مكالمته وعبرنا ~~بين يديه عن قصتنا، فقال: لا يقدر ms64 على حل الحبائل عن أرجلكم ~~إلا عاقدوها، وإني منفذ إليهم رسولا يسومهم إرضاءكم وإماطة ~~السوء عنكم فانصرفوا مغبوطين. # وهو ذا نحن الآن في الطريق مع الرسول وإخواني متشبثون بي ~~يطلبون مني حكاية بهاء الملك بين أيديهم، وسأصفه وصفا موجزا ~~فأقول: إنه الملك الذي مهما حصلت في خاطرك جمالا لا يمازجه ~~قبح وكمالا لا يشوبه نقص صادفه مستوفى لديه، وكل كمال ~~بالحقيقة فهو حاصل له، وكل نقص ولو بالمجاز منفي عنه كله، ~~لحسنه وجه ولجوده يد، من خدمه فقد اغتنم السعادة القصوى، ومن ~~صرمهه فقد خسر الآخرة والدنيا. # وكم من أخ قرع سمعه قصتي فقال: أراك مس عقلك مس أو لم ~~بك لمم، وما والله ما طرت بل طار عقلك، وما اقتنصت بل اقتنص ~~لبك، أنى يطير البشر أو ينطق الطير؟ كأن المرار قد غلب ~~في مزاجك واليبوسة قد استولت على دماغك، وسبيلك أن تشرب طبخ ~~الأفثيمون وتتعهد للاستحمام بالماء العذب الفاتر، وتستنشق ~~بدهن النيلوفر، وتترفه في الأغذية وتهجر السهر وتقل ~~الفكر؛ فإنا عهدناك فيما خلا لبيبا، والله مطلع على ~~ضمائرنا؛ فإنها من جهتك مهتمة، ولاختلال حالك مغتمة، ما أكثر ~~ما يقولون وأقل ما ينجع، وشر المقال ما ضاع، وبالله الاستعانة، ~~وعن الناس البراءة، ومن اعتقد عني هذا فقد خسر، وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون. # 2 # الفصل الرابع عشر # | سياسة ابن سينا # يعتقد فلاسفة العرب أن كلمة سياسة يراد بها: «تلافي الخلل وإصلاح ~~الفاسد»، ولما كان الفساد والخلل يطرآن على الإنسان وأعماله، وضع ~~بعضهم مقالات ورسائل في هذا الموضوع يختلف تقسيم بعضها عن بعض، ولكن ~~مرجعها في الغالب الأعم واحد. ~~(1) بين سياستين # ليس ابن سينا أول من وضع رسالة في السياسة بين فلاسفة العرب، بل ~~سبقه إلى ذلك أستاذه الفارابي، فضلا عما أتى به في صدد هذا ~~الكلام في كتابه المدينة الفاضلة. # في المقدمة يتكلم الفارابي عن الطريقة التي يجب على الإنسان أن ~~يسلكها في استجلاب علم السياسة، وأبلغ طريقة عنده في اكتساب العلوم ~~عموما والسياسة خصوصا تأمل أحوال الناس ms65 وأعمالهم ومتصرفاتهم، ~~وإمعان النظر فيها، والتمييز بين محاسنها ومساوئها وبين النافع ~~والضار لهم منها، ثم يستفيض في النقاط التالية: (1) سياسة المرء مع ~~رؤسائه. (2) سياسته مع أكفائه. (3) سياسته مع من دونه. ويختم كلامه ~~بذكر سياسة المرء لنفسه إلى أن يقول: «هذه أصول وقوانين متى ما ~~استعملها المرء في معاشه، وقاس عليها في متصرفات أموره وأسبابه، ~~استقامت به أحواله وطابت له أيامه وسلم من كثير الآفات، ونال الحظ ~~الجزيل من العادات.» # أما ابن سينا فيقسم رسالته إلى مقدمة وخمسة أقسام، في ~~المقدمة تكلم عن التفاوت بين الناس في الصفات والرتب. أما ~~عناوين باقي الأقسام فهي هكذا: سياسة الرجل نفسه، سياسة الرجل دخله ~~وخرجه، سياسة الرجل أهله، سياسة ~~الرجل ولده، سياسته خدمه، ولقد أورد ابن سينا في مقدمته كلاما ~~أوضح فيه الأسباب التي دعته إلى هذا التقسيم، وأبلغ هذا القول ما يأتي: # كما أن المسيم يلزمه أن يرتاد مصالح سائمته من الكلأ ~~والماء نهارا، ومن الحظائر والزراب ليلا، وأن يذكي ~~عيونه في كلائها، ويبث كلابه في أقطارها؛ ليحرسها من ~~السباع العادية، ومن الآفات الطارقة من السرق والغارة ~~والنهب، وأن يختار لها المشتى الدفيء والمصيف السريح، ~~ويرود لها في طلب الكلأ والنطف العذاب، وأن يتحين وقت ~~عملها، وأن يترقب حين نتاجها، ويلزمه بعد ذلك أن يسوقها ~~إلى مصالحها ويصرفها عن متالفها بنعيقه وصفيره وبزجره ~~ووعيده؛ فإن كفاه ذلك في حسن انقيادها واستقامة ضلعها، ~~وإلا أقدم عليها بعصاه، كذلك يلزم ذا الأهل والولد والخدم ~~والتبع مع ما ويحق عليه من حفظهم وحياطتهم ومن تحمل ~~مؤنهم وإدرار أرزاقهم، إحسان سياستهم وتقديمهم بالترغيب ~~والترهيب، وبالوعد والوعيد، وبالتقريب والتبعيد، وبالإعطاء ~~والحرمان حتى تستقيم له قناتهم. ~~(2) سياسة الرجل نفسه # لا يستطيع الإنسان أن يصلح غيره ما لم يصلح نفسه أولا؛ لأنها ~~أقرب الأشياء إليه وأكرمها عليه وأولاها بعنايته؛ ولأنه متى أحسن ~~سياسة نفسه هان عليه إصلاح الأغيار، وبدء بدء يتحتم على من ~~يريد إصلاح نفسه أن يعرف أن له عقلا هو السائس، وأفعالا هي ~~المسوسة، فكل فعل لا يقوده ms66 العقل يكون في الغالب مغلوطا، إلا ~~أن العقل بسبب كثرة معايب النفس لا يتمكن من إصلاح فاسدها ما لم ~~يعرف مساوئها معرفة محيطة؛ فإن أغفل بعض تلك المساوئ وهو يرى أنه ~~قد عمها بالإصلاح، كان كمن يدمل ظاهر الكلم، وباطنه مشتمل على ~~الداء، ولما كان الإنسان مفطورا على حب نفسه على غيره، وكثير ~~المسامحة لها عند محاسبتها كان غير مستغن في البحث عن أحواله، ~~والفحص عن مساوئه ومحاسنه، عن معونة الأخ اللبيب الواد الذي يكون ~~منه بمنزلة المرآة؛ فيريه حسن أحواله حسنا وسيئها ~~سيئا. # وأحوج الناس إلى الإصلاح هم الرؤساء؛ لأنهم يتركون الاكتراث ~~للسقطات وتعقب الهفوات بالندمات، ولا يدعون الناس يخبرونهم بحقيقة ~~حالهم، فيظنون أن المعايب تخطتهم والمثالب جاوزتهم، ومما زاد في ~~فساد حال الملوك والرؤساء ما أتيح لهم من قرناء السوء وجلساء الشر ~~الذين لو لم يدلسوا ويدسوا عليهم لكان الرؤساء في أحسن حال، ~~وليس كذلك حال من دونهم من الرعاع والسوقة؛ فإن أحدهم لو رام أن ~~يخفي عنه عيوبه يبدهه محبة بها، ويتدارك عليه بأقبحها ما استطاع ~~ذلك. # وينبغي لمن يريد تعرف مناقب نفسه مثالبها أن يفحص عن أخلاق ~~الناس، ويتفقد شيمهم وخلائقهم، ويتبصر مناقبهم ومثالبهم، ~~فيقيسها بما عنده منها، ويعلم أنه مثلهم وأنهم أمثاله؛ فإن الناس ~~أشباه؛ بل هم سواء كأسنان المشط، فإذا رأى فيهم الخير فليجتهد على ~~إحرازه إن لم يكن فيه، وإن رأى المثلبة والعادة السيئة فليعلم أن ~~ميلها راهن لديه إما باد وإما كامن؛ فإن كان باديا فليقمعه ~~وليقهره وليمته بقلة استعماله وشدة نسيانه، وإن كان كامنا ~~فليحرسه لئلا يظهر. # ويلزم الإنسان أن يعد لنفسه ثوابا وعقابا يسوسها بهما، فإذا ~~اكتسبت الفضائل سريعا وتركت الرذائل وتحلت بالمنقبة المطلوبة ~~فليثبها، وإذا امتنع انقيادها وجمحت وتمردت عليه وآثرت الرذائل ~~على الفضائل، وأتت بخلق لئيم أو فعل ذميم؛ فليعاقبها بمنعها عن ~~اللذة وبإكثار ذمها. ~~(3) سياسة الرجل دخله وخرجه # الناس بحاجة إلى الأقوات، فعلى كل إنسان سوي أن يسعى في اقتناء ~~قوته من الوجه المشروع، وهم في باب ms67 المعيشة صنفان؛ صنف لا يفتقر ~~إلى السعي في طلب الرزق بسبب وراثة، وصنف محوج إلى الكسب، والكسب ~~الشريف في نظر ابن سينا على نوعين؛ إما تجاري وإما صناعي، إلا أن ~~الصناعي أوثق وأبقى؛ لأن التجارة تكون بالمال والمال وشيك الفناء، ~~عتيد الآفات، كثير الحوائج. وهذا القول يذكرنا بكلام جان جاك ~~روسو عن الصناعة في إميله، وصناعات ذوي المروءة بحسب اعتقاد ابن ~~سينا ثلاثة أنواع: «نوع من حيز العقل وهو صحة الرأي، وصواب ~~المشورة وحسن التدبير، وهو صناعة الوزراء والمدبرين وأرباب ~~السياسة والملوك، ونوع من حيز الأدب وهو الكتابة والبلاغة وعلم ~~النجوم وعلم الطب، وهو صناعة الأدباء، ونوع من حيز الأيد ~~والشجاعة وهو صناعة الفرسان والأساورة.» # 1 # وعلى الإنسان أن يحرص من الأرواح الأثيمة والأموال النجسة، وإذا ~~اتسع رزقه وتوفرت أسباب معيشته فعليه أن يصرف شيئا في الصدقات ~~والزكوات وأرباب المعروف، وأن يدخر الباقي لنوائب الدهر وأحداث ~~الزمان. # ومن جميل كلامه في المعروف ما يأتي: «للمعروف شرائط؛ إحداها ~~تعجيله؛ فإن تعجيله أهنأ له، والثانية كتمانه؛ فإن كتمانه أظهر له، ~~والثالثة تصغيره؛ فإن تصغيره أكبر له، والرابعة ربه (زيادته) ~~ومواصلته؛ فإن قطعه ينسي أوله ويمحو أثره، والخامسة اختيار موضعه؛ ~~فإن الصنيعة إذا لم توضع عند من يحسن احتمالها ويؤدي شكرها وينشر ~~محاسنها ويقابلها بالود والموالاة، كانت كالبذر الواقع في الأرض ~~السبخة التي لا تحفظ الحب ولا تنبت الزرع.» # 2 # أما النفقات فإن سدادها في الاعتدال، وعلى العاقل أن يبني بعض ~~أمره في الاتفاق على عقول عوام الناس، وأن يستعمل كثيرا من ~~التجوز والإغضاء في المواضع التي يخشى فيها شبه العار، وأما ~~الذخيرة فلا ينبغي للعاقل أن يغفلها متى أمكنته؛ لئلا يحتاج إلى ~~غيره متى دهمته المصائب. ~~(4) سياسة الرجل أهله # يقصد الرئيس بأهل الرجل امرأته، والمرأة هي شريكة الرجل في ملكه، ~~وقيمته في ماله، وخليفته في رحله، وخير النساء العاقلة الدينة، ~~الفطنة، الولود، الرزينة، السلسة القياد ... وعليها ثلاثة شروط: # أولا: # أن تهاب رجلها مهابة شديدة؛ لأنها إن لم تهب ~~زوجها تعود آمرة ناهية ms68 مدبرة، وذلك الانتكاس ~~والانقلاب. # ثانيا: # أن تكرم رجلها كما هو يكرمها؛ فإن الحرة الكريمة ~~إذا استحلت كرامة زوجها دعاها حسن استدامتها ~~لها، ومحاماتها عليها، وإشفاقها من زوالها إلى ~~أمور كثيرة جميلة، وكلما كانت المرأة أعظم ~~شأنا وأفخم أمرا كان ذلك أدل على نبل زوجها ~~وشرفه، وعلى جلالته وعظم خطره. # ثالثا: # أن تشغل خاطرها بالأمور البيتية المهمة كسياسة ~~أولادها وتدبير خدمها، وتفقد ما يضمه خدرها من ~~أعمالها؛ فإن المرأة إذا كانت ساقطة الشغل خالية ~~البال، لم يكن لها هم إلا التصدي للرجال بزينتها ~~والتبرج بهيئتها، ولم يكن لها تفكير إلا في ~~استزادتها؛ وهناك الطامة الكبرى. ~~(5) سياسة الرجل ولده # إن من حق الولد على والده: ~~(1) # أن يحسن تسميته، واختيار مرضعته؛ كي لا تكون ذات ~~عاهة؛ فإن اللبن يعدي كما قيل. ~~(2) # أن يبدأ بتأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه ~~الأخلاق اللئيمة، وتنهال عليه الضرائب الخبيثة، وهذا ~~يكون بعد الفطام حالا. ~~(3) # أن يجنبه مقابح الأخلاق صبيا، ويبعد عنه ~~العادات القبيحة؛ وذلك بالترحيب والإناس والتوبيخ ~~والضرب، وخير أن تكون الضربة الأولى غير موجعة؛ لئلا ~~تسيء ظن الصبي بها، ويشتد خوفه من مربيه. ~~(4) # أن يرسله إلى المدرسة عندما يبلغ أشده؛ ليدرس ~~أولا العلوم الدينية ثم القراءة ثم رواية الرجز ثم ~~القصيدة. ~~(5) # أن يكون مؤدب الصبي عاقلا ذا دين، بصيرا برياضة ~~الأخلاق حاذقا بتخريج الصبيان، وقورا رزينا، بعيدا ~~من الخفة والسخف، حلوا، لبيبا، نظيفا، ذا ~~مروءة. ~~(6) # أن يكون مع الصبي في مكتبه صبية من أولاد السراة ~~حسنة آدابهم مرضية عاداتهم؛ فإن الصبي عن الصبي ~~ألقن، وهو عنه آخذ وبه آنس، والمدرسة العمومية أحسن ~~من البيتية؛ لأن فيها مباراة ومباهاة. ~~(7) # أن يعلمه الصناعة التي يكون أهلا لها؛ إذ ليس كل ~~صناعة يرومها الصبي ممكنة له مواتية، لكن ما شاكل طبعه ~~وناسبه. ~~(8) # ألا يعوده الكسل، فبعد أن يحذق صناعته فليتركه ~~يعتاد طلب المعيشة، ويتذوق حلاوة الكسب، وإذا لم ~~يصنع معه كذلك كان وبالا عليه. ~~(6) سياسة الرجل خدمه # لا يجوز لك أيها الغني أن تحتقر خدمك؛ لأنهم مثلك وأعوانك؛ ms69 ~~فإن من يكفيك التعاطي بيدك فقد قام عندك مقامها، ومن يكفيك السعي ~~برجلك فقد ناب عنك منابها، ومن يحفظ لك ما تحفظه عينك فقد كفاك ~~كفايتها، فغناء الخدم عنك كثير ونفع القوام إياك جزيل، ولولاهم ~~لأرتج دونك باب من الراحة كبير، فينبغي لك أن تحمد الله على ما ~~سخر لك منهم، وأن تحوطهم ولا تقصيهم، وتتفقدهم ولا تهملهم، ~~وترفق بهم ولا تحرجهم. # لا تتخذ خادما إلا بعد الاختبار له، وإن لم تستطع ذلك فأعمل ~~فيه التقدير والفراسة والحدس، جانب ذوي العاهات كالعوران ~~والعرجان، ولا تثق بذي الكيس الكثير، والدهاء البين؛ فإنه لا ~~يسلم من المكر. # علم كل خادم ما هو أهل له، ولا تنقله من عمل إلى عمل، ولا ~~تحوله من صناعة إلى صناعة؛ فإن ذلك من أمتن أسباب الدمار، فمتى ~~نقل الإنسان الخادم مما قد أتقنه ومارسه إلى ما يختاره له أفسد ~~عليه نظام خدمته. # لا ينبغي أن يشدد الإنسان النكير على خادمه، فصرفه أوفق من ~~ذلك ، وهو دليل على ضيق الصدر وقلة الصبر وخفة الحلم، لكن ~~فليعاقبه عندما يذنب، ومن عصا معصية صلعاء أو جنى جناية شنعاء لا ~~سبيل إلى اغتفارها؛ فالخلاص منه أولى؛ لئلا يفسد عليه سائر ~~الخدم. # وختام هذا الفصل # إن سياسة ابن سينا مع إيجازها وقلة ابتكارها، وبعض الهنات التي ~~تعتورها لا تزال أفيد كتبه وأحسنها، كل من يدرسها يستفيد منها ~~حتى في عصرنا هذا. والهفوة الوحيدة البارزة في هذه الرسالة البليغة ~~هي ابتعاد الرئيس عن الكلام عن واجبات الإنسان نحو خالقه كما صنع ~~أستاذه الفارابي في سياسته، ولعلنا نجد له بعض المعذرة فيما ~~قاله: «انقضت الأبواب التي مثلنا فيها ما يحق على الرجل فعله ... ~~وإنما ذكرنا القليل من الكثير، والجمل دون التفسير ...» # | الخاتمة # لا بد من هذا الإقرار أن الوهن المسيطر على الفلسفة العربية ~~عموما، وعلى فلسفة الرئيس خصوصا، ناجم عن نقص في الثقافة والتفكير ~~الطليق، فأساس الفلسفة العربية الفلسفة اليونانية، لا بل إن الفلسفة ~~العربية ليست سوى شرح للفلسفة اليونانية، وهل يستطيع إنسان ms70 أن يشرح ~~مؤلفا أعجميا ويفك معضلاته دون أن يطالع كتابه في اللغة التي كتبه ~~فيها؟! # هذا ما لا نظنه؛ فالفلاسفة الأعارب قد حاولوا شرح الفلسفة اليونانية ~~دون أن يكون للأكثرية الساحقة منهم أدنى إلمام باليونانية، فضلوا ~~سواء السبيل وخبطوا خبط عشواء؛ لأن الترجمات التي عولوا عليها في ~~شروحاتهم كانت مشوهة ممسوخة؛ ولذا أتت فلسفتهم في الغالب مبتورة ~~مفككة الأوصال. # لقد كان لزاما على هؤلاء الحكماء أن يدرسوا اليونانية قبل أن ~~يقتبسوا من حكمائها ويعلقوا عليهم. وهذا لم يكن صعبا عليهم؛ لأن ~~أغلب أساتذتهم السريان كانوا يتقنون تلك اللغة العلمية الجميلة، بيد ~~أن العربي من طبيعته ينفر من الجهود العقلية، ولا يصبر على كبت ~~رغائبه؛ ولذلك خسر كثيرا، واستحق الملامة والعذل. # والشيء الثاني الذي أعاق الفلسفة العربية عن التحليق في سماء ~~الإبداع، هو خلط الفلاسفة بين الفلسفة والدين، فلقد سها بالهم عن ~~أن الدين مصدره الوحي، والفلسفة لا تؤمن إلا بالعقل المجرد، ولو ~~كانوا توقفوا عند توفيقهم بين الفلسفة والدين لكانت المصيبة محتملة، ~~ولكنهم أرادوا أن يخضعوا الحقائق الدينية للنور الطبيعي، لا بل إنهم ~~في بعض الأحايين قد أفرغوا وسعهم في رفع الحقيقة الفلسفية إلى مستوى ~~أعلى من الحقيقة الدينية كما صنع ابن رشد؛ ولهذا باءوا بالفشل. # نحن لا ننكر أن فلاسفة المغرب قد طرقوا هذا الموضوع، إلا أنهم ~~توقفوا أخيرا إلى وضع حد فاصل بين العقل والدين، فميزوا أولا ~~بين العقل والوحي، ثم أبانوا أن العقل السليم لا يناقض الوحي، كما أنه ~~لا يستطيع إثبات أسراره إثباتا لا مرد عليه، فتراث الفلسفة الكامل ~~يؤخذ من العقل؛ أي إن الفلسفة لا تسلم إلا بما يقر النور ~~الطبيعي، ويقيم البرهان على وجوده. أما الدين فهو بعكس ذلك يقوم على ~~الوحي؛ أي على كلام الله؛ فالعقائد التي لا يستطيع العقل إدراكها ~~واردة في كلم وعبارات لا تتمكن قوى الإنسان بذاتها أن تسبر كنهها، ~~إنما يجب علينا أن نؤمن بها إيمانا يسهله العقل؛ فالفيلسوف إذن ~~يفتش دائما عن مبادئ برهانه في تضاعيف العقل، واللاهوتي ms71 يحول ~~أنظاره في برهنته إلى الوحي. # هذا هو الفرق القائم بين العقل والوحي، وهذه هي الحدود التي تفصل بين ~~الفلسفة والدين، أما أكثر فلاسفة العرب فإنهم مع كل أتعابهم لم ~~يتوصلوا إلى هاته النتائج الحكيمة. ~~••• # إن فلسفة ابن سينا بمجمل تقسيمها لا تختلف أبدا عن تقسيم أرسطو؛ ~~ولذا نراها آخذة بعضها برقاب بعض، ولكن إذا أخذت كل نظرية بمفردها ~~فقلما تلمس تشابكا محكما بينها وبين تاليتها. # يدرس الرئيس أولا المنطق فيحلله بحسب خطة أرسطو والشارح بورفير، ~~ثم يبدأ بالطبيعيات فيلقي عليها نظرات سطحية تلائم معارف بيئته وعصره، ~~وعلم النفس عند الشيخ لا ينقل عن الطبيعيات؛ بل هو جزء من أجزائها، ~~وفيه يتكلم عن الأنفس النباتية والحيوانية والعاقلة، متطرقا إلى ~~قواها وميزاتها، ويتلو درس النفس تحليل للعقل وسائر الإدراكات، ورغم ~~الدرس العميق فإننا لم نجد تمييزا أساسيا بين النفس والعقل كما أشار ~~كارا دي فو في كتابه أساطين الفكر الإسلامي (ص33)، وبعد أن يدرس العقل ~~البشري ينتقل إلى الموجود أو العلم الكلي، فيبحث فيه الموجود المطلق ~~والموجود النسبي بطريقة مطلقة والعقول الصادرة عن الأول ببراهين ~~وبينات استقرائية بصورة تقرب من الأسلوب الرياضي، وأخيرا يكلل ~~فلسفته بالأبحاث الزهدية التي لم يمارس منها شيئا، ولم يكتبها إلا ~~حبا للكتابة فقط. # إن فضل ابن سينا الوحيد على العلم هو أنه جمع في صدره شتات الحكمة ~~والطب، وهضم نتاج المفكرين الأقدمين بقدر ما سمحت له الظروف، وزاد ~~عليها ورقاها كما رأيت فيما قلناه سابقا. # جاء الشيخ الوجود في منتصف ازدهار العلوم العربية؛ فأفرغ ما ولدته ~~العقول العربية، وما نقلوه عن الأمم الغربية من الآراء والاختبارات في ~~العلم والفلسفة والطب، ورتبها في موسوعات وكتب ورسائل منظمة ~~تنظيما منطقيا دقيقا لا غبار عليه في أكثر الأوقات، فعاشت تعاليمه ~~أدهارا، وذاع ذكره بين علماء المشرق والمغرب، ودرست مؤلفاته ~~ومحصت، وحكم عليها الشهرستاني بما يلي: # طريقة ابن سينا أدق عند الجماعة، ونظره في الحقائق أغوص. # 1 # نحن لا ننكر أن ابن سينا قد أخذ معظم نظرياته الفلسفية عن ~~الفارابي، ms72 إلا أن الفارابي قد أجمل القول إجمال الممهدين، ~~والرئيس فصل كلامه تفصيل الشارحين؛ فزاده وضوحا وتقريبا من الأذهان ~~وصقلا ونحتا، حتى إنه بهذه المحسنات الخارجية حجب بصيته وشهرته اسم ~~السابق والممهد، واستحق أن يسميه الشهرستاني «علامة فلاسفة ~~العرب». ~~••• # وقبل أن أمسح القلم لا أرى بدا من الإشارة إلى حكم على ابن سينا ~~تجرأ عليه به ابن سبعين الأندلسي، مع أن هذا الحكم بمجمله بعيد ~~عن الحقيقة؛ فإننا نورده هنا تفكهة للمطالع؛ وليعرف ما يولده ~~التحامل، قال: # إن ابن سينا مموه مسفسط كثير الطنطنة قليل الفائدة، ~~وما له من التأليف لا يصلح لشيء، ويزعم أنه أدرك الفلسفة ~~المشرقية ولو أدركها لتضوع ريحها عليه ... والشفاء أجل كتبه، ~~وهو كثير التخبط، مخالف للحكيم، وأن خلافه له لمما يشكر ~~عليه؛ فإنه بين ما كتبه الحكيم، وأحسن ما له في الإلهيات ~~«التنبيهات والإشارات»، وما رمزه في «حي بن يقظان»، وما ذكره ~~فيها هو من مفهوم النواميس لأفلاطون وكلام الصوفية. # 2 # من كل ما قلنا ينتج أن الفلسفة العربية هي فلسفة امتصاص وامتزاج ~~عقلي؛ لأنها جميعا تقريبا مقتبسة من القديم، كما أن فلسفة الشيخ ~~الرئيس ليست برمتها مغلوطة؛ بل إن فيها الجيد والرديء، أما ~~القضايا الصحيحة التي لا تزال تلقن في كليات أوروبا الكاثوليكية ~~فأهمها الآتية: حالات الجواهر الثلاثة؛ قبل الكثرة، وفي أثناء الكثرة، ~~وبعد الكثرة، والتمييز التام بين الوجود والجوهر في الكائنات المحدودة، ~~وحدوث النفس وخلودها، ونظرية الإمكان والوجوب، وأقواله في الخير والشر، ~~وغير ذلك مما يطول بنا شرحه. # عسى اليوم يتحرر الفكر العربي من عقاله، ويعطي العالم فلاسفة ~~أفذاذا نابغين، والسلام. # | أهم المصادر # (1) # كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، ~~وبهامشه الملل والنحل للشهرستاني، الجزء الثالث، طبعة مصر ~~1320ه. ~~(2) # وفيات الأعيان، لابن خلكان، مصر 1299ه. ~~(3) # دائرة المعارف الإسلامية، تصدر عن مصر. ~~(4) # دائرة المعارف، للبستاني، المجلد الأول، بيروت ~~1876م. ~~(5) # إخبار العلماء بأخبار الحكماء، للقفطي، القاهرة ~~1326ه. ~~(6) # فهرست ابن النديم، القاهرة 1348ه. ~~(7) # تاريخ مختصر الدول، لابن العبري، نشره الأب أنطون ~~صالحاني اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية، بيروت ms73 ~~1890م. ~~(8) # المنقذ من الضلال، للغزالي، مكتب النشر العربي بدمشق ~~1934م. ~~(9) # مقالات فلسفية قديمة لبعض مشاهير العرب مسلمين ونصارى، ~~المطبعة الكاثوليكية في بيروت 1911م. ~~(10) # تاريخ التمدن الإسلامي، لجرجي زيدان، الطبعة ~~الأولى. ~~(11) # تاريخ الفلسفة العربية، للأب نعمة الله العنداري، جونيه ~~1932م. ~~(12) # الكون والفساد، لأرسطو، ترجمة أحمد لطفي السيد، مصر، ~~القاهرة 1932م. ~~(13) # من أفلاطون إلى ابن سينا، للدكتور جميل صليبا، مكتب ~~النشر العربي في دمشق 1935م. ~~(14) # الفارابي، للخوري إلياس فرح، جونيه 1937م. # Carra de Veaux: Les penseurs de ~~I’Islam, 5 vol. Paris 1821. # Avicenne. Collection des grands ~~philosophes. Paris, 1900. # Munk: Ib. Sina art. Dans le ~~Dictionnaire de Sciences philosophiques de ad tanck. Paris 1885. # Saliba Djémil: Étude sur la Met. ~~d’Avicenne Paris 1926. # Caram Mgr. Nematallah: Avicennae ~~Metaphysices compendium, Roma ~~1926. # Gilson Etienne, La philosophie au moyen ~~âge. Paris payot; 1930. # Mehren. Sa philosophie d’Avicenne ~~(Ibn-Sina) exposée d’après des documents inédits, ~~Murèon 1882 et 1883. ms74