######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009759 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي (المتوفى: 1307هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1307 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009759 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9759 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9759 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 30/ 01/2003 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | ترجمة المصنف # بسم الله الرحمن الرحيم هو أبو الطيب صديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي ~~البخاري كان الله له في الدنيا والآخرة وحباه فيهما بنعمه الذاخرة الوافرة ~~الفاخرة، تولد في سنة 1248 ثمان وأربعين ومائتين وألف القدسية على صاحبها ~~الصلاة والتحية، ونشأ بموطنه بلدة قنوج وما إليها من الأقطار الهندية، فهو ~~مولده ومسكنه ومرباه ومحتده وداره ومثواه، يرجع نسبه إلى حضرة سيد السادة ~~وقدوة القادة زين العابدين علي بن حسين السبط بن علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه. تلمذ العلوم الدرسية على الوجه المرسوم على شيوخ هذا العهد، منهم ~~الشيخ الفاضل المفتي محمد صدر الدين خان الدهلوي. من تلامذة الشيخ الكامل ~~عبد العزيز، وأخيه الشيخ العامل رفيع الدين ابني الشيخ الأجل مسند الوقت ~~أحمد شاه ولي الله المحدث الدهلوي رحمهم الله تعالى. واستفاد العلوم الملية ~~من التفاسير والأحاديث وما يليهما من مشيخة اليمن الميمون والهند منهم ~~الشيخ القاضي حسن بن محسن السبعي الأنصاري تلميذ الشيخ الماهر محمد بن ناصر ~~الحازمي تلميذ القاضي الإمام العلامة المجتهد المطلق الرباني محمد بن علي ~~بن محمد اليمني الشوكاني والشيخ المعمر الصالح عبد الحق بن فضل الله ~~الهندي، والشيخ التقي محمد يعقوب المهاجر إلى مكة المكرمة أخو الشيخ محمد ~~إسحق حفيد الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي رحمهم الله تعالى. وكلهم أجازوا ~~له مشافهة وكتابة إجازة مأثورة عامة تامة، وممن استجاز منه العالم الكامل ~~والمحدث الفاضل الشيخ يحيى بن محمد بن أحمد بن حسن الحازمي قاضي عدن حالا ~~أجاز له حسب اقتراحه في ذي الحجة سنة 1295 الهجرية، والشيخ العلامة زينة ~~أهل الاستقامة السيد نعمان خير الدين الوسي زاده مفتي بغداد حالا أجاز له ~~في هذا العام الحاضر وهو سنة 1296 الهجرية، ثم طالع بفرط شوقه وصحيح ذوقه ~~كتبا كثيرة ودواوين شتى في العلوم المتعددة والفنون المتنوعة. ومر عليها # PageV01P003 # مرورا بالغا على اختلاف أنحائها وأتى عليها بصميم همته وعظيم نهمته بأكمل ~~ما يكون حتى حصل منها على فوائد كثيرة وعوائد أثيرة أغنته عن الاستفادة ms001 عن ~~أبناء الزمان وأقنعته عن مذاكرة فضلاء البلدان، وجمع بعونه تعالى وحسن ~~توفيقه ولطف تيسيره من نفائس العلوم والكتب ومواد التفسير والحديث وأسبابها ~~ما يعسر عده ويطول حده. # وأوعى من ضروب الفضائل العلمية والتحقيقات النفسية ما قصرت عنه أيدي ~~أبناء الزمان، ويعجز دون بيانه ترجمان اليراع عن إبراز هذا الشأن، ولله ~~الحمد على ما يكون وعلى ما كان. ثم ألقى عصا التسيار والترحال بمحروسة ~~بهوبال، من بلاد مالوة الدكن فنزل بها نزول المطر على الدمن وأقام بها ~~وتوطن وأخذ الدار والسكن، وتمول وتولد واستوزر وناب وألف وصنف وعاد إلى ~~العمران من بعد خراب. وكان فضل الله عليه عظيما جزيلا والحمد لله الذي فضله ~~على كثير ممن خلق تفضيلا، ثم اختص بعونه تعالى وصونه بتدوين علوم الكتاب ~~العزيز وأحكام السنة المطهرة البيضاء وتلخيصها وتخليص أحكامها من شوب ~~الآراء ومفاسد الأهواء. وهذا إن شاء الله تعالى خاص به في هذا العهد ~~الأخير. والله يختص برحمته من يشاء كيف وعلماء الأقطار الهندية وإن بالغ ~~بعضهم في الإرشاد إلى اتباع السنة وقرره في مؤلفاته وحرره في مصنفاته على ~~وجه ثبت به على رقاب أهل الحق والمنة، وشمر بعضهم عن ساق الجد والاجتهاد في ~~الدعوة إلى اعتقاد التوحيد ورد الشرك والتقليد باللسان والبيان، بل بالسيف ~~والسنان. لكن لم يدون أحد منهم أحكام الكتاب العزيز وعلوم السنة المطهرة من ~~العبادة والمعاملة وغيرها خالصة عن آراء الرجال نقية عن أقوال العلماء على ~~هذه الحالة المشاهدة في كتبه المختصرة والمطولة كالروضة الندية ومسك الختام ~~شرح بلوغ المرام، وعون الباري، وفتح البيان، ورسالة القضاء والإفتاء ~~والإمامة والغزو والفتن والنار وغير ذلك مما طبع واشتهر وشاع وسارت به ~~الركبان إلى أقطار العالم من العرب والعجم كالحجاز واليمن، وما إليها ومصر ~~والعراق والقدس وطرابلس وتونس والجزائر ومدن الهند والسند وبلغار ومليبار ~~وبلاد الفرس. وهذا من فضل الله تعالى على عباده المؤمنين وكتب إليه علماء ~~الآفاق ومحرروها ومحدثو الديار ومفسروها كتبا كثيرة أثنوا فيها على تلك ~~التواليف ودعوا له بإخلاص الفؤاد لحسن ms002 الدنيا والأخرى تقبل الله فيه هذه ~~الدعوات وختم بالحسنى وأحسن إليه بتيسير المنجيات، وهذه الخطوط والرقائم قد ~~ألحقت في خواتيم مؤلفاته فانظر إليها في تضاعيف محرراته يتضح لك القول الحق ~~والكلام الصدق إن شاء # PageV01P004 # الله تعالى. ثم خوله سبحانه من المال الكثير والحكم الكبير والآل السعداء ~~والأخلاف الصلحاء والنسب الحميد والحسب المزيد ما يقصر عن كشفه لسان اليراع ~~ولو كشف عنه الغطاء ما ازداد الواقف عليه إلا يقينا وإن يأباه بعض الطباع، ~~وهو الذي يقول لا خلافه مقتديا بأسلافه بفم الحال ولسان المقال: اعملوا آل ~~داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) ، وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن ~~الإنسان لظلوم كفار (34) ، وهو قد طعن الآن في عشر الخمسين من العمر ~~المستعار مع ما هو مبتلي به من سياسة الرياسة وقلة الشغل بالعلم والدراسة، ~~وفقد الأحبة والأنصار الأعداء الجاهلين بالقضايا والأقدار والمرجو من حضرة ~~رب العالمين أن يجعله من قال فيهم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين والحمد لله الذي جعله محسودا ولم يجعله حاسدا وخلقه صابرا ~~شكورا ولم يخلقه فظا غليظ القلب «لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله» ~~. وهذه أسماء كتبه المؤلفة على ترتيب حروف المعجم المطبوعة في مطابع بهوبال ~~المحمية ومصر والقسطنطينية والشام وغيرها من البلاد العظام، ويزيد الله في ~~الخلق ما يشاء وهو المتفضل ذو الأنعام. الألف: أبجد العلوم، إتحاف النبلاء ~~المتقين بإحياء مآثر الفقهاء المحدثين، الاحتواء على مسئلة الاستواء، ~~الإدراك لتخريج أحاديث رد الإشراك، الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي ~~الساعة، أربعون حديثا في فضائل الحج والعمرة، إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ ~~والمنسوخ، إكسير في أصول التفسير، إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة، ~~الانتقاد الرجيح في شرح الاعتقاد الصحيح. الباء الموحدة: بدور الأهلة من ~~ربط المسائل بالأدلة، بغية الرائد في شرح العقائد، البلغة إلى أصول اللغة، ~~بلوغ السول من أقضية الرسول. التاء الفوقانية: تميمة الصبي في ترجمة ~~الأربعين من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم. الثاء المثلثة: ثمار ~~التنكيت في شرح ms003 أبيات التثبيت. الجيم: الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة. ~~الحاء المهملة: حجج الكرامة في # آثار القيامة، الحرز المكنون من لفظ المعصوم المأمون، حصول المأمول من ~~علم الأصول، الحطة بذكر الصحاح الستة، حل الأسئلة المشكلة. الخاء المعجمة: ~~خبية الأكوان في افتراق الأمم على المذاهب والأديان. الدال المهملة: دليل ~~الطالب إلى أرجح المطالب. الذال المعجمة: ذخر المحتي من آداب المفتي. الراء ~~المهملة: رحلة الصديق إلى البيت العتيق، الروضة الندية شرح الدرر البهية، ~~رياض الجنة في تراجم أهل السنة. السين المهملة: السحاب المركوم الممطر ~~بأنواع الفنون وأصناف العلوم- وهو القسم الثاني من هذا الكتاب، سلسلة ~~العسجد في ذكر مشائخ السند. الشين المعجمة: شمع انجمن در # PageV01P005 # ذكر شعراء زمن. الصاد المهملة: الصافية في شرح الشافية في علم الصرف. ~~الضاد المعجمة: ضالة الناشد الغريب من بشرى الكئيب في شرح المنظوم المسمى ~~بتأنيس الغريب. الظاء المعجمة: ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي. ~~العين المهملة: العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة، العلم الخفاق من ~~علم الاشتقاق، عون الباري بحل أدلة البخاري في أربع مجلدات قيد الطبع ~~بتحقيقنا. الغين المعجمة: # غصن البان المورق بمحسنات البيان، غنية القاري في ترجمة ثلاثيات البخاري. ~~الفاء: # فتح البيان في مقاصد القرآن- أربع مجلدات، فتح المغيث بفقه الحديث، الفرع ~~النامي من الأصل السامي. القاف: قصد السبيل إلى ذم الكلام والتأويل، قضاء ~~الأرب من مسئلة النسب، قطف الثمر من عقائد أهل الأثر. الكاف: كشف الالتباس ~~عما وسوس به الخناس في رد الشيعة بالهندية. اللام: لف القماط على تصحيح بعض ~~ما استعملته العامة من الأغلاط، لقطة العجلان مما تمس إلى معرفته حاجة ~~الإنسان. الميم: مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام، مراتع الغزلان من ~~تذكار أدباء الزمان، مسك الختام من شرح بلوغ المرام- مجلدان ضخمان، منهج ~~الوصول إلى اصطلاح أحاديث الرسول، الموعظة الحسنة بما يخطب به في شهور ~~السنة. النون: نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان، نيل المرام من تفسير ~~آيات الأحكام- وهو كتابنا هذا. الواو: # الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم المنثور منها والمنظوم وهو القسم ms004 ~~الأول من هذا الكتاب، الهاء: هداية السائل إلى أدلة المسائل. الياء: يقظة ~~أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار، وهذا آخر ذكر الكتب ~~المؤلفة إلى هذا التاريخ ثم اتفق أنه أتحف إلى حضرة السلطان المعظم عبد ~~الحميد خان ملك الدولة العثمانية تفسيره فتح البيان في مقاصد القرآن وكتب ~~إليه كتابا في ذلك فجاء إليه من بابه العالي المثال الغالي جوابا عليه مع ~~نيشان الدرجة الثانية المسمى بمجيدية ويقال له أرنجي بالتركية. وورد مكتوب ~~من السيد خير الدين باشا الصدر الأعظم مع كتاب أقوم المسالك في أحوال ~~الممالك هدية منه إليه وهذه نسختهما. # افتخار الأعالي والأعاظم مستجمع جميع المعالي والمفاخم صديق حسن خان دام ~~علوه زوج سيدة المخدرات إكليلة المحصنات شاهجان بيكم دامت عصمتها التي هي ~~من نوابة هند رئيسة خطة بهوبال اتصفت ذاته العالية الصفات بالأوصاف التي ~~تمدح وتقبل لنا في حق كرامته اعتبار وتوجه سلطاني وقد سلمنا جنابه للدلالة ~~على ذلك من جانبنا السني # PageV01P006 # الجوانب السلطاني قطعة نشان ذي الشان من الرتبة الثانية وأصدرنا إليه هذه ~~البراءة العالية الشأن حرر في اليوم العشرين من شهر ربيع الأول سنة ست ~~وتسعين ومائتين وألف انتهى. وقد هنأه على ذلك جمع جم من أهل العلم وأرخ له ~~المؤرخون من شعراء الرياسة منها قصيدة الشيخ الأديب والسفير اللبيب محمد ~~حسن بن محمد إسمعيل الدهاوي المتخلص بالفقير أولها: # تجلى لنا نور الهنا ووفى البشر ... ومن زهر أفنان الورى عبق النشر # وعندل طير الأنس في روضة المنى ... على فنن الأفراح وانشرح الصدر # وهذه القصيدة بتمامها مع الكتابة التي كانت على اسم حضرة السلطان محررة ~~في تاريخ بلدة بهوبال المحمية صانها الله وإيانا عن كل رزية وبلية بجاه ~~نبيه المصطفى خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه كل بكرة وعشية. ### | وفاته: # توفي سنة ألف وثلاثمائة وسبعة هجرية 1307 ه، وعاش تسعا وخمسين سنة قمرية، ~~وسبعا وخمسين سنة شمسية «1» . PageV01P007 # مقدمة المؤلف # قال العبد الضعيف الخامل المتواري صديق بن حسن بن علي القنوجي البخاري ~~ختم ms005 الله له بالحسنى: # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله ~~الطاهرين وصحبه الراشدين. # وبعد: # فهذه الآيات التي يحتاج إلى معرفتها راغب في معرفة الأحكام الشرعية ~~القرآنية، وقد قيل: إنها خمسمائة آية، وما صح ذلك، وإنما هي مائتا آية أو ~~قريب من ذلك. # وإن عدلنا عنه وجعلنا الآية كل جملة مفيدة يصح أن تسمى كلاما في عرف ~~النحاة، كانت أكثر من خمسمائة آية. وهذا القرآن من شك فيه فليعد. # ولا أعلم أن أحدا من العلماء أوجب حفظها غيبا، بل شرط أن يعرف مواضعها ~~حتى يتمكن عند الحاجة من الرجوع إليها، فمن نقلها إلى كراسة وأفردها كفاه ~~ذلك. # ولم أستقص فيه نوعين من آيات الأحكام: # أحدهما: ما مدلوله بالضرورة كقوله سبحانه وتعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة [سورة البقرة: آية 43] للأمان من جهله، إلا أن تشتمل الآية من ذلك ~~على ما لا يعلم بالضرورة بل بالاستدلال، فأذكرها لأجل القسم الاستدلالي ~~منهما كآية الوضوء والتيمم. # وثانيهما: ما اختلف المجتهدون في صحة الاحتجاج فيه على أمر معين وليس ~~بقاطع الدلالة ولا واضحها، فإنه لا يجب على من لا يعتقد فيه دلالة أن يعرفه ~~إذ لا ثمرة لإيجاب معرفة الاستدلال به، وذلك كالاستدلال على تحريم لحوم ~~الخيل بقوله تعالى: # لتركبوها وزينة [سورة النحل: آية 8] وهذا لا تجب معرفته إلا على من يحتج ~~به # PageV01P009 # من المجتهدين إذ لا سبيل إلى حصر كل ما يظن أو يجوز فيه استنباط الأحكام ~~من خفي معانيه، ولا طريق إلى ذلك إلا عدم الوجدان وهي من أضعف الطرق عند ~~علماء البرهان. # وليس القصد إلا ذكر ما يدل على الأحكام دلالة واضحة، لتكون عناية طالب ~~الأحكام به أكثر وإلا فليس يحسن من طالب العلم أن يهمل النظر في جميع كتاب ~~الله تعالى مقدما للعناية فيه، شاملا للطائف معانيه، مستنبطا للأحكام ~~والآداب من ظواهره وخوافيه، فإنه الأمان من الضلال، والعمود الأعظم في جميع ~~الأحوال، والأنيس في الوحدة، والغوث في الشدة، والنور في الظلمة، والفرج ~~للغمة، والشفاء للصدور، والفيصل ms006 عند اشتباه الأمور. فلا ينبغي أن يغفل عنه ~~لحظة، ولا أن يزهد منه في لفظة. # وقد أفرد السيد الإمام الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير- رحمه الله تعالى- ~~فضائل القرآن والتنبيه على الاعتماد عليه في مصنف مفرد. # وها أنا أفسر تلك الآيات المشار إليها بتفسير وجيز جامع لما له وعليه، ~~ولم آخذ فيها من الأقوال المختلفة إلا الأرجح، ومن الدلائل المتنوعة إلا ~~الأصح الأصرح. # ولعمري لا يوجد قط تفسير موجز بهذا النمط. # وكانت بدايته في أول شهر صفر ونهايته فيه من حدود سنة سبع وثمانين ~~ومائتين وألف الهجرية على صاحبها الصلاة والتحية. وسميته «نيل المرام من ~~تفسير آيات الأحكام» . # وألفت بعد ذلك تفسيرا لمقاصد القرآن المسمى ب «فتح البيان» جامعا للرواية ~~والدراية والاستنباط والأحكام. فإن كنت ممن يريد الصعود على معارج التحقيق، ~~والقعود في محراب التدقيق، فعليك بذلك التفسير ولعلك لا تجد مثله في إخوانه ~~إن شاء الله القدير. # والله سبحانه أسأل أن يجعل هذا المختصر خالصا لوجهه الكريم وينفع ~~المسلمين بلطفه العميم. # PageV01P010 ### | تفسير سورة البقرة وهي مائتان وست وثمانون آية # قال القرطبي: «مدنية نزلت في مدد شتى، وقيل: هي أول سورة نزلت بالمدينة. # إلا قوله تعالى: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فإنها آخر آية نزلت من ~~السماء ونزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى، وآيات الربا أيضا من أواخر ما ~~نزل من القرآن» ، انتهى «1» . # وقد وردت في فضلها أحاديث «2» . # [الآية الأولى] # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سماوات وهو بكل شيء عليم (29) . # هو الذي خلق لكم قال ابن كيسان: أي من أجلكم «3» . # وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل على ~~النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ~~ضرر، وفي تأكيد ما في الأرض بقوله: جميعا أقوى دلالة على هذا. # وقد استدل بهذه الآية على تحريم أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في ~~الأرض دون نفس الأرض. PageV01P011 # وقال الرازي في «تفسيره» ms007 : إن لقائل أن يقول: إن في جملة الأرض ما يطلق ~~عليه أنه في الأرض فيكون جامعا للوصفين، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك ~~وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى البعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل ~~على نفي الحكم عما عداه؟ انتهى. # وقد ذكر صاحب «الكشاف» «1» ما هو أوضح من هذا فقال: إن قلت: هل لقول من ~~زعم أن المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات ~~السفلية دون الغبراء- كما تذكر السماء ويراد الجهات العلوية- جاز ذلك فإن ~~الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية. انتهى. # قال الشوكاني في «فتح القدير» «2» . وأما التراب فقد ورد في السنة تحريمه ~~«3» ، وهو أيضا ضار فليس مما ينتفع به أكلا ولكنه ينتفع به في منافع أخرى ~~وليس المراد منفعة خاصة كمنفعة الأكل بل كلما يصدق عليه أنه ينتفع به بوجه ~~من الوجوه. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله تعالى هذا سخر لكم ما ~~في الأرض: جميعا كرامة من الله ونعمة لابن آدم وبلغة ومنفعة إلى أجل «4» . # [الآية الثانية] # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي ~~القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) . # وقولوا للناس حسنا أي قولوا لهم قولا حسنا، فهو صفة مصدر محذوف وهو مصدر ~~كبشرى. PageV01P012 # وقرأ حمزة والكسائي حسنا بفتح الحاء والسين وكذلك قرأ زيد بن ثابت وابن ~~مسعود «1» . # وقال الأخفش: هما بمعنى واحد مثل البخل والبخل والرشد والرشد. # والظاهر أن هذا القول الذي أمرهم الله به لا يختص بنوع معين بل كلما صدق ~~عليه أنه حسن شرعا كان من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر. # وقد قيل إن ذلك هو كلمة التوحيد وقيل: الصدق، وقيل: الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وقيل: هو اللين في القول والعشرة وحسن الخلق، وقيل غير ~~ذلك «2» . # أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله هذا: قال الأمر بالمعروف والنهي عن ms008 ~~المنكر «3» . # وروى البيهقي في «الشعب» عن علي عليه السلام في قوله وقولوا للناس، قال: # يعني الناس كلهم. # ومثله روى عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء «4» . PageV01P013 # [الآية الثالثة] # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون ~~به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) . # السحر: هو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات التي يحصل بسببها للمسحور ~~ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء، وما ~~يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير «1» . # وقد اختلف: هل له حقيقة أم لا؟ فذهبت المعتزلة وأبو حنيفة إلى أنه خدع لا ~~أصل له ولا حقيقة وذهب من عداهم إلى أن له حقيقة مؤثرة «2» . # وقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سحر: سحره لبيد بن الأعصم ~~اليهودي حتى كان يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولم يكن قد أتاه!! ثم شفاه الله ~~سبحانه «3» والكلام في ذلك يطول. # قال الزجاج في قوله وما يعلمان من أحد: تعليم إنذار من السحر لا تعليم ~~دعاء إليه. # قال: وهو الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر ومعناه أنهما يعلمان على النهي ~~فيقولان لهم: لا تفعلوا كذا ومن في قوله من أحد زائدة للتوكيد. # وقد قيل: إن قوله يعلمان من الإعلام لا من التعليم. وقد جاء في كلام ~~العرب تعلم بمعنى أعلم، كما حكاه ابن الأنباري وابن الأعرابي وهو كثير في ~~أشعارهم كقول كعب بن مالك: # تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد # وقال القطامي: # تعلم أن بعد الغي رشدا ... وأن لذلك الغي انقشاعا PageV01P014 # وفي قوله: فلا تكفر أبلغ إنذارا وأعظم تحذيرا: ms009 أي أن هذا ذنب يكون من ~~فعله كافرا فلا تكفر. وفيه دليل على أن تعلم السحر كفر وظاهره عدم الفرق ~~بين المعتقد وغير المعتقد، وبين من تعلمه ليكون ساحرا ومن تعلمه ليقدر على ~~دفعه. # وفي إسناد التفريق إلى السحرة وجعل السحر سببا لذلك، دليل على أن للسحر ~~تأثيرا في التلوث بالحب والبغض، والجمع والفرقة، والقرب والبعد. # وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر الله ~~من التفرقة لأن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للسحر وبين ما هي الغاية ~~في تعليمه فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره. # وقالت طائفة أخرى: إن ذلك خرج مخرج الأغلب وأن الساحر يقدر على غير ذلك ~~المنصوص عليه أيضا. # وقيل: ليس للسحر تأثير في نفسه أصلا، لقوله: وما هم بضارين به من أحد إلا ~~بإذن الله. # والحق أنه لا تنافي بين قوله: فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه وبين قوله: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله فإن المستفاد من ~~جميع ذلك أن للسحر تأثيرا في نفسه ولكنه لا يؤثر ضررا إلا فيمن أذن الله ~~بتأثيره فيه. # وقد أجمع أهل العلم على أن له تأثيرا في نفسه وحقيقة ثابتة ولم يخالف في ~~ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة «1» كما تقدم. # وفي قوله: ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم تصريح بأن السحر لا يعود على ~~صاحبه بفائدة ولا يجلب إليه منفعة بل هو ضرر محض وخسران بحت» «2» . # قال أبو السعود: فيه أن الاجتناب عما لا تؤمن غوائله خير: كتعلم الفلسفة ~~التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية. انتهى. # والمراد بالشراء هنا الاستبدال، أي من استبدل ما تتلو الشياطين على كتاب ~~الله. PageV01P015 # والخلاق: النصيب عند أهل اللغة. # [الآية الرابعة] # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115) ~~. # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله المشرق: موضع الشروق، ~~والمغرب: # موضع الغروب. أي هما ملك لله وما بينهما من الجهات والمخلوقات، فيشتمل ~~الأرض ms010 كلها. # وقوله: فأينما تولوا أي أي جهة تستقبلونها فهناك وجه الله أي المكان الذي ~~يرتضي لكم استقباله. وذلك يكون عند التباس جهة القبلة التي أمرنا بالتوجه ~~إليها بقوله سبحانه: فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره. # قال في «الكشاف» : والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو ~~في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجدا، فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها ~~وافعلوا التولية فيها، فإن التولية ممكنة في كل مكان لا تختص أماكنها في ~~مسجد دون مسجد ولا في مكان دون مكان «1» . انتهى. # قال الشوكاني في «فتح القدير» : وهذا التخصيص لا وجه له فإن اللفظ أوسع ~~منه وإن كان المقصود به بيان السبب فلا بأس «2» . انتهى. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- والبيهقي في «سننه» عن ~~ابن عباس قال: أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا- والله أعلم- شأن القبلة. ~~قال الله تعالى: ولله المشرق والمغرب الآية فاستقبل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله إلى ~~البيت ونسخها فقال: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام «3» . ~~PageV01P016 # وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود نحوه. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن ~~عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على راحلته تطوعا أينما ~~توجهت «1» . ثم قرأ ابن عمر هذه الآية فأينما تولوا فثم وجه الله: وقال: في ~~هذا أنزلت هذه الآية. وأخرج نحوه عنه ابن جرير «2» والدارقطني «3» والحاكم ~~وصححه. # وقد ثبت في «صحيح البخاري» من حديث جابر وغيره عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه كان يصلي على راحلته قبل المشرق فإذا أراد أن يصلي ~~المكتوبة نزل واستقبل القبلة وصلى «4» . وروى نحوه من حديث أنس مرفوعا، ~~أخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود «5» . # وأخرج عبد بن حميد والترمذي- وضعفه- وابن ماجة وابن جرير وغيرهم عن عامر ~~بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ms011 وسلم في ليلة سوداء ~~مظلمة فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا فيصلي فيه فلما أن ~~أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة! فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ~~ليلتنا هذه لغير القبلة؟ فأنزل الله: ولله المشرق والمغرب الآية، فقال: مضت ~~صلاتكم «6» . # وأخرج الدارقطني وابن مردويه والبيهقي عن جابر مرفوعا نحوه إلا أنه ذكر ~~أنهم خطوا خطوطا، وأخرج نحوه ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا، ~~وأخرج PageV01P017 # نحوه أيضا سعيد بن منصور وابن المنذر عن عطاء يرفعه وهو مرسل. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: فثم وجه الله قال: قبلة الله أينما ~~توجهت شرقا أو غربا. # وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني والترمذي- وصححه- وابن ماجة عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» «1» ~~وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر مثله، وأخرج ابن أبي ~~شيبة والبيهقي عن عمر نحوه. # [الآية الخامسة] # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124) . # لا ينال عهدي الظالمين (124) . اختلف في المراد بالعهد فقيل: الإمامة ~~وقيل: # النبوة، وقيل: عهد الله: أمره. وقيل: الأمان من عذاب الآخرة! ورجحه ~~الزجاج، والأول أظهر كما يفيده السياق. # وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من ~~أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد، لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالما. # ويمكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد وما تفيده الإضافة من العموم ~~فيشمل جميع ذلك اعتبارا بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى السياق، ~~فيستدل به على اشتراط السلامة من وصف الظلم في كل ما تعلق بالأمور الدينية. # وقد اختار ابن جرير «2» أن هذه الآية وإن كانت ظاهرة في الخبر أنه لا ~~ينال عهدي بالإمامة ظالما، ففيه تعظيم من الله لإبراهيم الخليل: أنه سيوجد ~~من ذريته من هو ظالم لنفسه. انتهى. PageV01P018 # قال الشوكاني في «فتح القدير» «1» : ولا ms012 يخفى عليك أنه لا جدوى لكلامه ~~هذا فالأولى أن يقال: إن هذا الخبر في معنى الأمر لعباده أن لا يولوا أمور ~~الشرع ظالما. # وإنما قلنا إنه في معنى الأمر لأن إخباره تعالى لا يجوز أن يتخلف، وقد ~~علمنا أنه قد نال عهده من الإمامة وغيرها كثيرا من الظالمين. انتهى. # وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله تعالى: قال إني جاعلك للناس إماما ~~يقتدى بدينك وهديك وسنتك. قال ومن ذريتي إماما لغير ذريتي؟ قال لا ينال ~~عهدي الظالمين (124) . أن يقتدى بدينهم وهديهم وسنتهم. # وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عنه قال: قال الله لإبراهيم: إني جاعلك ~~للناس إماما فأبى أن يفعل ثم قال: قال لا ينال عهدي الظالمين 124. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: هذا عند الله يوم ~~القيامة لا ينال عهده ظالما. فأما في الدنيا فقد نالوا عهده فوارثوا به ~~المسلمين وغازوهم وناكحوهم فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على ~~أوليائه «2» . # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في تفسير الآية أنه قال: لا أجعل ~~إماما ظالما يقتدى به «3» . # وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: ~~يخبره أنه إن كان في ذريته ظالم فلا ينال عهده، ولا ينبغي له أن يوليه شيئا ~~من أمره. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه أنه قال: ليس لظالم عليك ~~عهد في معصية الله «4» . # وقد أخرج وكيع وابن مردويه من حديث علي عليه السلام عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في قوله: # لا ينال عهدي الظالمين (124) : قال: «لا طاعة إلا في المعروف» «5» . # وأخرج عبد بن حميد من حديث عمران بن حصين: سمعت النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: «لا PageV01P019 # طاعة لمخلوق في معصية الله» «1» . # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: ليس للظالم عهد، وإن ~~عاهدته فانقضه «2» . # قال ابن كثير: وروى عن مجاهد وعطاء ومقاتل بن حيان نحوه «3» . # [الآية السادسة] ms013 وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ~~والركع السجود (125) . # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على أنه فعل ~~ماض، وقرأ الباقون على صيغة الأمر. # والمقام في اللغة: موضع القيام. # واختلف في تعيين المقام على أقوال أصحها أنه الحجر الذي يعرفه الناس ~~ويصلون عنده ركعتي الطواف. # وقيل المقام: الحج كله. وروي ذلك عن عطاء ومجاهد. # وقيل: عرفة والمزدلفة، وروي عن عطاء أيضا. # وقال الشعبي: الحرم كله مقام إبراهيم. وروي عن مجاهد. # وأخرج البخاري وغيره من حديث أنس عن عمر بن الخطاب: «وافقت ربي في ثلاث ~~ووافقني ربي في ثلاث. قلنا: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ # فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. وقلت: يا رسول الله: إن نساءك يدخل ~~عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV01P020 # نساؤه في الغيرة فقلت لهن: «عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ~~فنزلت كذلك» «1» وأخرجه مسلم وغيره مختصرا من حديث ابن عمر عنه. # وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمل ~~ثلاثة أشواط ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم وصلى خلفه ركعتين ~~ثم قرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى «2» . # واختلفوا في قوله مصلى: فمن فسر المقام بمشاهد الحج ومشاعره قال: مصلى ~~مدعى من الصلاة التي هي الدعاء، ومن فسر المقام بالحجر قال: معناه اتخذوا ~~من مقام إبراهيم قبلة لصلاتكم، فأمروا بالصلاة عنده. وهذا هو الصحيح. # ثم العندية تصدق بجهاته الأربع والتخصيص بكون المصلي خلفه إنما استفيد من ~~فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة من بعده رضي الله عنهم. # وفي مقام إبراهيم أحاديث كثيرة مستوفاة في الأمهات وغيرها. # والأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم ~~يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل به ms014 ليقوم فوقه، كما ~~في البخاري من حديث ابن عباس «3» . وهو الذي كان ملصقا بجدار الكعبة وأول ~~من نقله عمر بن الخطاب، كما أخرجه عبد الرزاق «4» والبيهقي بإسناد صحيح، ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة. # وأخرج ابن أبي حاتم من حديث جابر في وصف حج النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: «لما طاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له عمر هذا مقام ~~إبراهيم؟ قال نعم» وأخرج نحوه ابن مردويه. # أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) المراد بالتطهير ~~قيل: من PageV01P021 # الأوثان، وقيل: من الآفات والريب، وقيل: من الكفر وقول الزور والرجس، ~~وقيل: من النجاسات وطواف الجنب والحائض وكل خبيث. # والظاهر أنه لا يختص بنوع من هذه الأنواع وأن كل ما يصدق عليه مسمى ~~التطهير فهو يتناوله تناولا شموليا. # والإضافة في قوله: بيتي للتشريف والتكريم. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ~~وأهل المدينة وهشام وحفص: بيتي بفتح الياء، وقرأ الآخرون بإسكانها. # والمراد بالبيت: الكعبة. # والطائف: الذي يطوف به ويدور حوله. وقيل: الغريب الطارئ على مكة. # والعاكف: المقيم. وأصل العكوف في اللغة: اللزوم والإقبال على الشيء، ~~وقيل: هو المجاور دون المقيم من أهلها. # والمراد بقوله والركع السجود (125) : المصلون، وخص هاتين الركعتين بالذكر ~~لأنهما أشرف أركان الصلاة. # أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إذا كان قائما فهو من الطائفتين، ~~وإذا كان جالسا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود. # وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن الذين ~~ينامون في المسجد؟ فقال: هم العاكفون. # [الآية السابعة] # قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) . # فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره المراد ~~بالشطر: الناحية والجهة، وهو منتصب على الظرفية. ومنه قول الشاعر: # أقول لأم زنباع أقيمي ... صدور العيس شطر ms015 بني تميم # PageV01P022 # وقد يراد بالشطر النصف، ومنه: «الوضوء شطر الإيمان» «1» ويرد بمعنى البعض ~~مطلقا. ولا خلاف في أن المراد بشطر المسجد بناء الكعبة. # وقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين، ~~وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية. ويستدل على ذلك بما يمكنه الاستدلال ~~به «2» . # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية قال: شطر ~~المسجد الحرام: تلقاؤه «3» . # وأخرج عبد بن حميد وأبي داود في «ناسخه» وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~البراء في قوله تعالى هذا، قال: قبله «4» . # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه- ~~والبيهقي في سننه عن علي مثله «5» . # وأخرج أبو داود في «ناسخه» وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال: شطره: # نحوه «6» . # وأخرج ابن جرير عنه قال: البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب «7» . # وأخرج البيهقي في «سننه» عنه مرفوعا قال: «البيت قبلة لأهل المسجد ~~والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من ~~أمتي» «8» . PageV01P023 # [الآية الثامنة] # إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) . # أصل الصفا: الحجر الأملس، وهو هنا علم لجبل من جبال مكة معروف. # وكذلك المروة: علم لجبل بمكة معروف، وأصلها في اللغة واحدة المروي وهي ~~الحجارة الصغار التي فيها لين، وقيل: التي فيه صلابة، وقيل: تعم الجميع، ~~وقيل: إنها الحجارة البيض البراقة، وقيل: إنها الحجارة السود. # والشعائر: جمع شعيرة وهي العلامة من أعلام مناسكه. والمراد بها مواضع ~~العبادة التي أشعرها الله إعلاما للناس: من الموقف والمسعى والمنحر. ومنه ~~إشعار الهدي أي إعلامه بغرز حديدة في سنامه. # وحج البيت في اللغة: قصده، وفي الشرع، الإتيان بمناسك الحج التي شرعها ~~الله سبحانه. # والعمرة في اللغة: الزيادة، وفي الشرع: الإتيان بالنسك المعروف على الصفة ~~الثابتة. # والجناح: أصله من الجنوح: وهو الميل، ومنه الجوانح لاعوجاجها. # ورفع الجناح يدل على الوجوب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري، ms016 وحكى ~~الزمخشري في «الكشاف» عن أبي حنيفة أنه يقول: إنه واجب وليس بركن، وعلى ~~تاركه دم. # وقد ذهب إلى عدم الوجوب ابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك وابن سيرين. # ومما يقوي دلالة هذه الآية على عدم الوجوب قوله تعالى في آخر الآية: ومن ~~تطوع خيرا إلخ. # وذهب الجمهور إلى أن السعي واجب ونسك من جملة المناسك وهو قول عبد الله ~~بن عمر وجابر وعائشة وبه قال الحسن وإليه ذهب الشافعي ومالك واختاره ~~الشوكاني «1» وهو الراجح. PageV01P024 # واستدلوا بما أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة أن عروة قال لها: أرأيت قول ~~الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما # فما أرى على أحد جناحا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن ~~أختي! إنها لو كانت على ما أولتها لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ~~ولكنها إنما أنزلت في الأنصار قبل أن يسلموا: كانوا يهلون لمناة الطاغية ~~التي كانوا يعبدونها وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة في ~~الجاهلية، فأنزل الله، إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما الآية. قالت عائشة: ثم قد بين رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف بهما «1» . # وأخرج مسلم وغيره عنها أنها قالت: لعمري ما أتم الله حج من لم يسع بين ~~الصفا والمروة ولا عمرته لأن الله تعالى قال: إن الصفا والمروة من شعائر ~~الله «2» . # وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا» «3» . # وأخرج أحمد في «مسنده» والشافعي وابن سعد وابن المنذر وابن قانع والبيهقي ~~عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف ~~بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة ~~السعي يدور به إزاره وهو ms017 يقول: # «اسعوا فإن الله عز وجل كتب عليكم السعي» «4» . # وهو في «مسند أحمد» من طريق شيخه عبد الله بن المؤمل عن عطاء بن أبي رباح ~~PageV01P025 # عن صفية بنت شيبة عنها. # ورواه من طريق أخرى عن عبد الرزاق أخبرنا معمر عن واصل مولى ابن عيينة عن ~~موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها- فذكرته- ويؤيد ذلك حديث: # «خذوا عني مناسككم» «1» . # [الآية التاسعة؟] # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) . # قرأ أبو جعفر حرم على البناء للمفعول وإنما كلمة موضوعة للحصر تثبت ما ~~تناوله الخطاب وتنفي ما عداه وقد حصرت هنا التحريم في الأمور المذكورة ~~بعدها. # والميتة: ما فارقتها الروح من غير ذكاة. وقد خصص هذا العموم بمثل حديث: # «أحل لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان ~~فالطحال والكبد» «2» . أخرجه أحمد وابن ماجة والدارقطني والحاكم وابن ~~مردويه عن ابن عمر. # ومثل حديث جابر في العنبر «3» الثابت في الصحيحين مع قوله: أحل لكم صيد ~~البحر [المائدة: 96] . # فالمراد بالميتة هنا ميتة البر لا ميتة البحر. # وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز أكل جميع حيوانات البحر: حيها وميتها، ~~وقال بعض [أهل العلم] «4» : إنه يحرم من حيوانات البحر ما يحرم شبهه في ~~البر. PageV01P026 # وتوقف ابن حبيب في خنزير الماء. # قال ابن القاسم وأنا أتقيه ولا أراه حراما. # وقد اتفق العلماء على أن الدم حرام. وفي الآية الأخرى: أو دما مسفوحا ~~[الأنعام: 145] فيحمل المطلق على المقيد، لأن ما خلط باللحم غير محرم. قال ~~القرطبي بالإجماع. وقد روت عائشة أنها كانت تطبخ اللحم فتعلو الصفرة على ~~البرمة من الدم فيأكل ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا ينكره «1» . # وقوله: ولحم الخنزير، ظاهر هذه الآية والآية الأخرى أعني قوله: قل لا أجد ~~في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير [الأنعام: 145] أن المحرم إنما هو اللحم ms018 فقط، وقد اجتمعت الأمة ~~على تحريم شحمه كما حكاه القرطبي في «تفسيره» «2» . وقد ذكر جماعة من أهل ~~العلم أن اللحم يدخل تحته الشحم وحكى القرطبي الإجماع أيضا على أن جملة ~~الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به وقيل أراد بلحمه جميع ~~أجزائه! وإنما خص اللحم بالذكر لأنه المقصود لذاته بالأكل. # والإهلال: رفع الصوت، يقال أهل بكذا أي رفع صوته. ومنه إهلال الصبي ~~واستهلاله وهو صياحه عند ولادته. # والمراد هنا ما ذكر عليه اسم غير الله كاللات والعزى إذا كان الذابح ~~وثنيا، والنار إذا كان الذابح مجوسيا ولا خلاف في تحريم هذا وأمثاله. # قال الشوكاني في «فتح القدير» : ومثله ما يقع من المعتقدين للأموات من ~~الذبح على قبورهم فإنه مما أهل به لغير الله ولا فرق بينه وبين الذبح للوثن ~~«3» . انتهى. # قلت: ومثله ما يقع من المعتقدين للأولياء من الذبح لهم فإنه مما أهل به ~~لغير الله وإن لم يذكروا اسمهم عليه عند الذبح، ولا فرق بينه وبين الذبح ~~للطواغيت. وقد أكثر أهل العلم من الكلام في هذه المسألة في تواليف مفردة لا ~~نشتغل بذكرها خشية الإطالة. PageV01P027 # ومن أراد تفصيل ذلك فعليه بتفسيرنا «فتح البيان في مقاصد القرآن» فقد ~~أوردنا فيه جملة صالحة فيه غنية لطالبي الحق وبالله التوفيق. # والمراد من المضطر: من صيره الجوع والعدم إلى الاضطرار إلى الميتة. # والمراد بالباغي: من يأكل فوق حاجته. # والعادي: من يأكل هذه المحرمات وهو يجد عنها مندوحة. وقيل: غير باغ على ~~المسلمين وعاد عليهم فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق والخارجون على ~~السلطان وقاطعو الرحم ونحوهم، وقيل: المراد غير باغ على مضطر آخر، ولا عاد ~~سدا لجوعه. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله غير باغ ولا عاد يقول: من أكل ~~شيئا من هذه وهو مضطر فلا حرج عليه ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله غير باغ قال: في الميتة، ولا ~~عاد قال: في الأكل. # وأخرج سعيد بن منصور ms019 وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد في قوله غير باغ ولا عاد قال: غير باغ على المسلمين ولا معتد ~~عليهم: # من خرج يقطع الرحم أو يقطع السبيل أو يفسد في الأرض أو مفارقا للجماعة ~~والأئمة، أو خرج في معصية الله فاضطر إلى الميتة لم تحل له. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي سعيد بن جبير قال: العادي الذي ~~يقطع الطريق. # وقوله: فلا إثم عليه يعني في أكله، إن الله غفور لمن أكل من الحرام رحيم ~~به إذا حل له الحرام في الاضطرار. # [الآية العاشرة] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) . # كتب عليكم معناه: فرض عليكم وأثبت ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: # PageV01P028 # كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول # وهذا إخبار من الله سبحانه لعباده بأنه شرع لهم ذلك. وقيل: إن كتب هذا ~~إشارة إلى ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ. # والقصاص أصله: قص الأثر: أي اتباعه. ومن القاص لأنه يتبع الآثار، وقص ~~الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل يسلك طريقا من القتل يقص أثره فيها ومنه ~~قوله تعالى فارتدا على آثارهما قصصا (64) [الكهف: 64] . وقيل: إن القصاص ~~مأخوذ من القص وهو القطع يقال: قصصت بينهما: أي قطعته. # وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد وهم الجمهور. ~~وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وداود إلى أنه يقتل به إذا ~~كان غير سيده، وأما سيده فلا يقتل به إجماعا، إلا ما روي عن النخعي، فليس ~~بمذهب أبي حنيفة ومن معه على الإطلاق، ذكره الشوكاني في «شرح المنتقى» . # قال القرطبي: وروى ذلك عن علي وابن مسعود وبه قال سعيد بن المسيب ~~وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم بن عتبة واستدلوا بقوله تعالى وكتبنا عليهم ~~فيها أن النفس بالنفس ms020 [سورة المائدة: 45] وأجاب الأولون عن هذا الاستدلال ~~بأن قوله تعالى: # الحر بالحر والعبد بالعبد مفسر لقوله تعالى: النفس بالنفس، وقالوا أيضا: ~~إن قوله وكتبنا عليهم فيها، يفيد أن ذلك حكاية عما شرعه الله لبني إسرائيل ~~في التوراة. # ومن جملة ما استدل به الآخرون قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «المسلمون ~~تتكافأ دماؤهم» «1» . # ويجاب عنه بأنه مجمل والآية مبينة، ولكنه يقال إن قوله تعالى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد إنما أفاد بمنطوقه أن الحر يقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد، ~~وليس فيه ما يدل على أن الحر لا يقتل بالعبد إلا باعتبار المفهوم، فمن أخذ ~~بمثل هذا المفهوم لزمه القول به هنا ومن لم يأخذ بمثل هذا المفهوم لم يلزمه ~~القول به هنا، والبحث في هذا محرر في علم الأصول. PageV01P029 # وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن المسلم يقتل بالكافر وهم الكوفيون ~~والثوري، لأن الحر يتناول الكافر كما يتناول المسلم، وكذا العبد والأنثى ~~يتناولان الكافر كما يتناولان المسلم. واستدلوا أيضا بقوله تعالى أن النفس ~~بالنفس لأن النفس تصدق على النفس الكافرة كما تصدق على النفس المسلمة. # وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل المسلم بالكافر واستدلوا بما ورد من السنة ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أنه لا يقتل مسلم بكافر» «1» وهو مبين ~~لما يراد في الآيتين. والبحث في هذا يطول. # واستدل بهذه الآية القائلون بأن الذكر لا يقتل بالأنثى، وقرروا الدلالة ~~على ذلك بمثل ما سبق إلا إذا أسلم أولياء المرأة الزيادة على ديتها من دية ~~الرجل وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور. # وذهب الجمهور إلى أنه يقتل الرجل بالمرأة ولا زيادة» # ، وهو الحق. قال الشوكاني وقد بسطنا البحث في «شرح المنتقى» فليرجع إليه ~~«3» . انتهى. # قلت: وقد أوضحت المسألة في «مسك الختام شرح بلوغ المرام» فليعول عليه. # قوله فمن عفي له من أخيه شيء: من هنا عبارة عن القاتل أو الجاني، والمراد ~~بالأخ: المقتول أو الولي. # والشيء: عبارة عن الدم. والمعنى: أن القاتل أو الجاني إذا عفي له من جهة ms021 ~~المجني عليه أو الولي دم أصابه منه على أن يأخذ منه شيئا من الدية أو الأرش ~~فليتبع المجني عليه الولي من عليه الدم فيما يأخذه منه من ذلك اتباعا ~~للمعروف، وليؤد الجاني ما لزمه من الدية والأرش إلى المجني عليه أو إلى ~~الولي أداء بإحسان. # وقيل: إن من عبارة عن الولي و (الأخ) يراد به القاتل. والشيء، الدية. # والمعنى: أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص إلى مقابل الدية فإن ~~القاتل مخير بين PageV01P030 # أن يعطيها ويسلم نفسه للقصاص، كما روي عن مالك أنه يثبت الخيار للقاتل في ~~ذلك. # وذهب من عداه إلى أنه لا يخير إلا إذا رضي الأولياء بالدية، فلا خيار ~~للقاتل وليتبع بالمعروف. وقيل: إن المراد بذلك أن من فضل له من الطائفتين ~~على الأخرى شىء من الديات، فيكون عفي بمعنى فضل. وعلى جميع التقادير فتنكير ~~شيء للتقليل فيتناول العفو عن الشيء اليسير من الدية والعفو الصادر عن فرد ~~من أفراد الورثة. # أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن حيين من العرب اقتتلوا في ~~الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد ~~والنساء ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على ~~الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر ~~منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم. فنزلت هذه الآية. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي نحوه. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في «سننه» عن ابن ~~عباس قال: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة ~~بالمرأة فأنزل الله تعالى: النفس بالنفس «1» فجعل الأحرار في القصاص سواء ~~فيما بينهم في العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد ~~مستوين في العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم. # وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي مالك قال: كان بين حيين من الأنصار ~~قتال كان لأحدهما على الآخر الطول فكأنهم طلبوا الفضل فجاء النبي صلى الله ms022 ~~عليه وآله وسلم ليصلح بينهم فنزلت هذه الآية الحر بالحر «2» قال ابن عباس: ~~فنسختها النفس بالنفس. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم- وصححه- والبيهقي في «سننه» عن ابن ~~عباس: فمن عفي له من أخيه قال: هو العمد رضي أهله بالعفو فاتباع بالمعروف ~~أمر به الطالب، وأداء إليه بإحسان من القاتل، قال: يؤدي المطلوب بإحسان «3» ~~، PageV01P031 # ذلك تخفيف من ربكم مما كان على بني إسرائيل. # وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن ~~الدية فيهم فقال الله لهذه الأمة: كتب عليكم القصاص في القتلى إلى قوله فمن ~~عفي له من أخيه شيء فالعفو أن يقبل الدية في العمد فاتباع بالمعروف وأداء ~~إليه بإحسان مما كتب على من كان قبلكم فمن اعتدى بعد ذلك بأن قتل بعد قبول ~~الدية فله عذاب أليم (178) «1» . # قلت: إن الله شرع لهذه الأمة العفو من غير عوض أو بعوض ولم يضيق عليهم ~~كما ضيق على اليهود فإنه أوجب عليهم القصاص ولا عفو، وكما ضيق على النصارى ~~فإنه أوجب عليهم العفو ولا دية. # وقد اختلف أهل العلم فيمن قتل القاتل بعد أخذ الدية فقال جماعة منهم مالك ~~والشافعي: إنه كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه. # قال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم: يقتل البتة ولا يمكن الحاكم الولي من ~~العفو. # وقال الحسن: عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة. # وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى. # وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: كان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو ~~ليس بينهما أرش، وكان أهل الإنجيل إنما هو العفو أمروا به، وجعل الله لهذه ~~الأمة القتل والعفو والدية- إن شاؤوا- وأحلها لهم ولم يكن لأمة قبلهم. # وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي ~~شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من أصيب بقتل فإنه ~~يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو وإما أن يأخذ ms023 الدية. فإن أراد ~~الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها أبدا» ~~«2» . PageV01P032 # واستدل بالآية أيضا على أن الكبيرة لا تخرج العبد المؤمن من إيمانه فإنه ~~لا شك في كونه قتل العمد والعدوان من الكبائر إجماعا، ومع هذا خاطبه بعد ~~القتل بالإيمان وسماه- حال ما وجب عليه من القصاص- مؤمنا، وكذا أثبت الأخوة ~~بينه وبين ولي الدم، وإنما أراد بذلك الأخوة الإيمانية، وكذا ندب إلى العفو ~~عنه وذا لا يليق إلا عن العبد المؤمن. فليتذكر. # [الآيتان الحادية والثانية عشرة] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (183) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا ~~خير لكم إن كنتم تعلمون (184) . # لا خلاف بين المسلمين أجمعين أن صوم رمضان فريضة افترضها الله سبحانه على ~~هذه الأمة. # والصيام في اللغة: أصله الإمساك وترك التنقل من حال إلى حال «1» . # وهو في الشرع: الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية من طلوع الفجر إلى ~~غروب الشمس «2» . # قيل: للمريض حالتان إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، وإن كان ~~يطيقه مع تضرر ومشقة كان رخصة، وبهذا قال الجمهور. # واختلف أهل العلم في السفر المبيح للإفطار فقيل مسافة قصر الصلاة والخلاف ~~في قدرها معروف- وبه قال الجمهور «3» ، وقال غيرهم بمقادير لا دليل عليها. ~~PageV01P033 # والحق أن ما صدق عليه مسمى السفر فهو الذي يباح عنده الفطر، وهكذا ما صدق ~~عليه مسمى المرض فهو الذي يباح عنده الإفطار، وقد وقع الإجماع على الفطر في ~~سفر الطاعة واختلفوا في الأسفار المباحة- والحق أن الرخصة ثابتة فيها- وكذا ~~اختلفوا في سفر المعصية وليس في الآية أعني قوله: فعدة من أيام أخر ما يدل ~~على وجوب التتابع في القضاء. # وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية يعني: وعلى الذين يطيقونه هل هي محكمة ~~أو منسوخة؟ وإنما كانت رخصة عند ابتداء فرض الصيام لأنه شق عليهم وكان ms024 من ~~أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم وهو يطيقه ثم نسخ ذلك. وهذا قول الجمهور، ~~وروى عن بعض أهل العلم أنها لم تنسخ وأنها رخصة للشيوخ والعجائز خاصة- إذا ~~كانوا لا يطيقون الصيام إلا بمشقة- وهذا يناسب قراءة التشديد أي يكلفونه. # والناسخ لهذه الآية عند الجمهور قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه. # وقد اختلفوا في مقدار الفدية فقيل كل يوم صاع من غير البر ونصف صاع منه، ~~وقيل مد فقط. # وقال ابن شهاب: معناه، أي معنى قوله فمن تطوع خيرا من أراد الإطعام مع ~~الصوم. # وقال مجاهد: معناه من زاد في الإطعام على المد، وقيل: من أطعم مع المسكين ~~مسكينا آخر. # وأن تصوموا خير لكم معناه أن الصيام خير لهم من الإفطار مع الفدية، وكان ~~هذا قبل النسخ، وقيل: معناه أن تصوموا في السفر والمرض غير الشاق. ~~PageV01P034 # [الآية الثالثة عشرة] شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات ~~من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ~~ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185) . # أي من حضر ولم يكن في سفر بل كان مقيما. # قال جماعة من السلف والخلف: إن من أدركه شهر رمضان مقيما غير مسافر لزمه ~~صيامه، سافر بعد ذلك أو أقام، استدلالا بهذه الآية. # وقال الجمهور: إنه إذا سافر أفطر، لأن معنى الآية أنه إذا حضر الشهر من ~~أوله إلى آخره لا أنه إذا حضر بعضه وسافر فإنه لا يتحتم عليه إلا صوم ما ~~حضره. وهذا هو الحق. وعليه دلت الأدلة الصحيحة من السنة. وقد كان يخرج صلى ~~الله عليه وآله وسلم في رمضان فيفطر «1» . # قوله يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر: فيه أن هذا مقصد من مقاصد ~~الرب سبحانه ومراد من مراداته في جميع أمور الدين، ومثله قوله تعالى: وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله ms025 وسلم ~~أنه كان يرشد إلى التيسير ونهى عن التعسير كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» «2» وهو في الصحيح. # واليسر: السهل الذي لا عسر فيه. # والمراد بالتكبير هنا: هو قول القائل: الله أكبر الله أكبر. قال الجمهور ~~ومعناه الحض على التكبير في آخر رمضان. وقد وقع الخلاف في وقته: فروى عن ~~بعض السلف أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر، وقيل: إذا رأوا هلال شوال كبروا ~~إلى انقضاء الخطبة، وقيل: إلى خروج الإمام، وقيل: هو التكبير يوم الفطر. # قال مالك: هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام، وبه قال الشافعي، ~~وقال أبو حنيفة يكبر في الأضحى ولا يكبر في الفطر. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله: فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه، قال: هو هلاله بالدار «3» . PageV01P035 # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: يريد الله ~~بكم اليسر، قال اليسر: الإفطار في السفر، والعسر الصوم في السفر «1» . # وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما» «2» . # وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان يكبر: الله أكبر ~~الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. # [الآية الرابعة عشرة] # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) . # في قوله: أحل لكم دلالة على أن هذا الذي أحله الله كان حراما عليهم- ~~وهكذا كان- كما يفيده السبب لنزول الآية. # والرفث: كناية عن الجماع. قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد ms026 ~~الرجل من امرأته، وعدى الرفث بإلى لتضمينه معنى الإفضاء، وجعل النساء لباسا ~~للرجال والرجال لباسا لهن لامتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع ~~كالامتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه. # يقال: خان واختان بمعنى، وهما من الخيانة وإنما سماهم خائنين لأن ضرر ذلك ~~عائد عليهم. # وقوله فتاب عليكم يحتمل معنيين: أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، ~~PageV01P036 # والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة. # وهكذا قوله: وعفا عنكم يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل. # وقوله وابتغوا: قيل: هو الولد، أي ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم ~~المقصود من النكاح وهو حصول النسل، وقيل: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه- ~~قاله الزجاج وغيره- وقيل: الرخصة والتوسعة، وقيل: الإماء والزوجات، وقيل: ~~غير ذلك مما لا يفيده النظم القرآني ولا دل عليه دليل. # والمراد بالخيط الأبيض: هو المعترض في الأفق، لا الذي هو كذب السرحان ~~فإنه الفجر الكذاب الذي لا يحل شيئا ولا يحرمه. # والمراد بالخيط الأسود: سواد الليل. والتبيين إنما يمتاز أحدهما عن ~~الآخر، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر. # وقوله: ثم أتموا الصيام إلى الليل أمر للوجوب، وهو يتناول كل الصيام، ~~وخصه الشافعية بالفرض لورود الآية في بيانه، ويدل على إباحة الفطر من النفل ~~حديث عائشة عند مسلم من أنه أهدي لنا حيس فقال أرينيه فلقد أصبحت صائما ~~فأكل «1» . # وأيضا فيه التصريح بأن للصوم غاية هي الليل: فعند إقبال الليل من المشرق ~~وإدبار النهار من المغرب يفطر الصائم ويحل له الأكل والشرب وغيرهما. # والمراد بالمباشرة هنا: الجماع، وقيل يشمل التقبيل واللمس إذا كانا بشهوة ~~لا إذا كانا بغير شهوة فهما جائزان كما قال عطاء والشافعي وابن المنذر ~~وغيرهم، وعلى هذا يحمل ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع على أن المعتكف لا ~~يباشر ولا يقبل، فتكون هذه الحكاية للإجماع مفيدة بأن يكونا بشهوة. # والاعتكاف في اللغة: الملازمة «2» . وفي الشرع: ملازمة مخصوصة على شرط ~~مخصوص «3» . وقد وقع الإجماع على أنه ليس بواجب وعلى أنه لا يكون إلا في ~~المسجد. وللاعتكاف أحكام مستوفاة في شروح ms027 الحديث ذكرنا طرفا منها في «شرح ~~PageV01P037 # بلوغ المرام» ، ورويت في بيان سبب نزول هذه الآية أحاديث عن جماعة من ~~الصحابة ذكرها الشوكاني في «فتح القدير» «1» فليرجع إليه. # [الآية الخامسة عشرة] ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) . # هذا يعم جميع الأمة وجميع الأموال، لا يخرج عن ذلك إلا ما ورد دليل الشرع ~~بأنه يجوز أخذه فإنه مأخوذ بالحق لا بالباطل ومأكول بالحل لا بالإثم، وإن ~~كان صاحبه كارها كقضاء الدين إذا امتنع منه من هو عليه، وتسليم ما أوجبه ~~الله من الزكاة ونحوها ونفقة من أوجب الشرع نفقته. # والحاصل أن ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه فهو مأكول بالباطل وإن طابت به ~~نفس مالكه، كمهر البغي وحلوان الكاهن وثمن الخمر. # والباطل في اللغة: الذاهب الزائل «2» . والمعنى أنكم لا تجمعوا بين أكل ~~الأموال بالباطل «3» وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة. # وفي هذه الآية دليل على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال من ~~غير فرق بين الأموال والفروج، فمن حكم له القاضي بشيء مستندا في حكمه إلى ~~شهادة زور ويمين فجور- فلا يحل له أكله فإن ذلك من أكل أموال الناس ~~بالباطل، وهكذا إذا ارتشى «4» الحاكم فحكم له بغير الحق فإنه من أكل أموال ~~الناس بالباطل. # ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال. # وقد روي عن أبي حنيفة ما يخالف ذلك، وهو مردود بكتاب الله تعالى وسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث أم سلمة قالت قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: «إنكم تختصمون إلي ولعل أن يكون بعضكم ألحن بحجته ~~من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت PageV01P038 # له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» «1» وهو في ~~الصحيحين وغيرهما. # فريقا: أي قطعة أو جزءا أو طائفة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ms028 عباس في قوله تعالى ~~هذا، قال: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه بينة فيجحد «2» بالمال ~~فيخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه «3» . # وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال: معناها: لا تخاصم وأنت ~~تعلم أنك ظالم «4» . # وأخرج ابن المنذر عن قتادة نحوه. # [الآية السادسة عشرة] يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس ~~البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من ~~أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون (189) . # الأهلة: جمع هلال، وجمعها باعتبار هلال كل شهر أو كل ليلة تنزيلا لاختلاف ~~الأوقات منزلة اختلاف الذوات. # والهلال: اسم لما يبدو في أول الشهر وفي آخره، وفيه بيان وجه الحكمة في ~~زيادة الهلال ونقصانه وأن ذلك لأجل بيان المواقيت التي يوقت الناس عباداتهم ~~ومعاملاتهم به كالصوم والفطر والحج ومدة الحمل والعدة والإجارات والأيمان ~~وغير ذلك، ومثله قوله تعالى: لتعلموا عدد السنين والحساب [يونس: 5] . ~~PageV01P039 # والمواقيت: جميع الميقات وهو الوقت، وقد جعل بعض علماء المعاني هذا ~~الجواب- أعني قوله قل هي مواقيت- من الأسلوب الحكيم: وهو تلقي المخاطب بغير ~~ما يرتقب تنبيها على أنه الأولى بالقصد. # ووجه ذلك أنهم سألوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها فأجيبوا ~~بالحكمة التي كانت الزيادة والنقصان لأجلها، لكون ذلك أولى [بأن] «1» يقصد ~~السائل، وأحق بأن يتطلع لعلمه، وأن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من ~~أبواب بيوتهم إذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه قبل تمام حجه لأنهم ~~يعتقدون أن المحرم لا يجوز أن يحول بينه وبين السماء حائل، فكانوا يتسنمون ~~ظهور بيوتهم. # وقال أبو عبيدة [إن] «2» هذا ضرب [من] ضرب المثل. والمعنى: ليس البر أن ~~تسألوا الجهال ولكن البر التقوى، وأن تسألوا العلماء، كما تقول: أتيت هذا ~~الأمر من بابه. وقيل: هو مثل في جماع النساء وأنهم أمروا بإتيانهن في القبل ~~لا في الدبر، وقيل: # غير ذلك. # [الآية السابعة عشرة] وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ~~إن الله لا يحب المعتدين (190) . # لا خلاف بين أهل العلم أن ms029 القتال كان ممنوعا قبل الهجرة لقوله: فاعف عنهم ~~واصفح [المائدة: 13] ، وقوله: واهجرهم هجرا جميلا (10) [المزمل: 10] ، ~~وقوله: # لست عليهم بمصيطر (22) [الغاشية: 22] ، وقوله: ادفع بالتي هي أحسن ~~[المؤمنون: 96] ، ونحو ذلك مما أنزل بمكة. فلما هاجر إلى المدينة أمره الله ~~سبحانه بالقتال ونزلت هذه الآية، وقيل: إن أول ما نزل قوله تعالى: أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [الحج: 39] فلما نزلت الآية كان صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزل قوله فاقتلوا المشركين ~~[التوبة: 5] ، وقوله تعالى: وقاتلوا المشركين كافة [التوبة: 36] . قيل: إنه ~~نسخ بها سبعون آية. PageV01P040 # وقال جماعة من السلف: إن المراد بقوله الذين يقاتلونكم من عدا النساء ~~والصبيان والرهبان ونحوهم، وجعلوا هذه الآية محكمة غير منسوخة. # والمراد بالاعتداء- عند أهل القول الأول- هو: مقاتلة من لم يقاتل من ~~الطوائف الكفرية، والمراد به- على القول الثاني- مجاوزة قتل من يستحق القتل ~~إلى قتل من لا يستحقه. # [الآيتان الثامنة والتاسعة عشرة] واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ~~فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله ~~غفور رحيم (192) . # قال ابن جرير: الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار قريش. انتهى. # وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر ربه فأخرج من مكة من لم ~~يسلم عند أن فتحها الله عليه. وفي معنى الفتنة والمراد بها أقوال: والظاهر ~~أن المراد الفتنة في الدين بأي سبب كان وعلى أي صورة اتفق فإنها أشد من ~~القتل. # واختلف أهل العلم في قوله: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام فذهبت طائفة ~~إلى أنها محكمة وأنه لا يجوز القتال في الحرم إلا بعد أن يتعدى متعد ~~بالقتال فيه فإنه يجوز دفعه بالمقاتلة، وهذا هو الحق. # وقالت طائفة: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم [التوبة: 5] ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الجمع هنا ممكن ببناء ~~العام على الخاص: فيقتل المشرك حيث وجد إلا بالحرم. ومما يؤيد ذلك قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: «إنها ms030 لم تحل لأحد قبلي «1» وإنها أحلت لي «2» ساعة ~~من نهار» «3» ، وهو في الصحيح. # وقد احتج القائلون بالنسخ [بقتله] «4» صلى الله عليه وآله وسلم لابن خطل ~~وهو متعلق بأستار PageV01P041 # الكعبة «1» ويجاب عنه بأنه وقع في تلك الساعة التي أحل الله لرسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فإن انتهوا عن قتالكم ودخلوا في الإسلام. # [الآية الموفية العشرين] وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن ~~انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) . # فيه الأمر بمقاتلة المشركين ولو في الحرم وإن لم يبتدءوكم بالقتال فيه ~~إلى غاية هي أن لا تكون فتنة وأن يكون الدين لله: وهو الدخول في الإسلام ~~والخروج عن سائر الأديان المخالفة له. فمن دخل الإسلام وأقلع عن الشرك لم ~~يحل قتاله. # قيل المراد بالفتنة هنا: الشرك، والظاهر أنها الفتنة في الدين- على ~~عمومها- كما سلف. # والمراد لا تعتدوا إلا على من ظلم وهو من لم ينته عن الفتنة ولم يدخل في ~~الإسلام. وإنما سمى جزاء الظالمين عدوانا مشاكلة كقوله تعالى: وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها [الشورى: 40] ، وقوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه [البقرة: ~~194] . # [الآية الحادية والعشرون] الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله ~~مع المتقين (194) . # أي إذا قاتلوكم في الشهر الحرام وهتكوا حرمته فقاتلتموهم في الشهر الحرام ~~مكافأة لهم ومجازاة على فعلهم. # والحرمات: جمع حرمة، كالظلمات جمع ظلمة. وإنما جمع الحرمات لأنه أراد ~~حرمة الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام. # والحرمة: ما منع الشرع من انتهاكه. PageV01P042 # والقصاص: المساواة. والمعنى: أن كل حرمة يجري فيها القصاص، فمن هتك ~~حرمتكم عليكم فلكم أن تهتكوا حرمته عليه قصاصا. قيل: وهذا كان في أول ~~الإسلام ثم نسخ بالقتال وقيل: إنه ثابت بين أمة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم لم ينسخ فيجوز لمن تعدي عليه في مال أو بدن أن يتعدى بمثل ما تعدي ~~عليه، وبهذا قال الشافعي وغيره. # وقال الآخرون: إن أمور القصاص مقصورة على الحكام، وهكذا الأموال لقوله ~~صلى الله عليه ms031 وآله وسلم: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» «1» ~~أخرجه الدارقطني وغيره وبه قال أبو حنيفة وجمهور المالكية وعطاء الخراساني. # والقول الأول أرجح، وبه قال ابن المنذر واختاره ابن العربي والقرطبي ~~وحكاه الداودي «2» عن مالك، ويؤيده أنه صلى الله عليه وآله وسلم أباح ~~لامرأة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها «3» ، وهو في الصحيح. # ولا أصرح وأوضح من قوله تعالى في هذه الآية: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم، وهذه الجملة في حكم تأكيد الجملة الأولى أعني ~~قوله: والحرمات قصاص. وإنما سمى المكافأة اعتداء مشاكلة كما تقدم. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم معتمرا في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون من الدخول والوصول ~~إلى البيت وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة- وهو شهر حرام- قاضاهم ~~على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين ~~وأقصه الله منهم ذلك في هذه الآية «4» . # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية نحوه، وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن مجاهد «5» نحوه أيضا، وأخرج أيضا عن قتادة نحوه «6» ، وأخرج ~~ابن جرير عن PageV01P043 # ابن جريج «1» نحوه. # وأخرج أبو داود في «ناسخه» وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي ~~في «سننه» عن ابن عباس في قوله: فمن اعتدى عليكم الآية، وقوله: وجزاء سيئة ~~[الشورى: 40] ، وقوله: ولمن انتصر بعد ظلمه [الشورى: 41] ، وقوله: وإن ~~عاقبتم [النحل: 126] ، قال: هذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل ليس ~~لهم سلطان يقهر المشركين فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى. فأمر الله ~~المسلمين من يجازي «2» منهم أن يجازي بمثل ما أوتي إليه أو يصبروا ويعفوا. ~~فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وأعز الله سلطانه ~~أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، ولا يعدو بعضهم على بعض ~~كأهل الجاهلية «3» فقال: ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا [الإسراء: ~~33] . يقول ينصره السلطان حتى ms032 ينصفه ممن ظلمه «4» . ومن انتصر لنفسه دون ~~السلطان فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم الله. # انتهى. # وأقول: هذه الآية التي جعلها ابن عباس رضي الله عقنه ناسخة مؤيدة لما تدل ~~عليه الآيات التي جعلها منسوخة ومؤكدة له، فإن الظاهر من قوله: فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا أنه جعل السلطان له، أي جعل له تسلطا يتسلط به على القاتل، ~~ولهذا قال: فلا يسرف في القتل. ثم لو سلمنا أن معنى الآية كما قاله لكان ~~ذلك مخصصا للقتل من عموم الآيات المذكورة لا ناسخا لها فإنه لم ينص في هذه ~~الآية إلا على القتل وحده. # وتلك الآيات شاملة له ولغيره، وهذا معلوم من لغة العرب التي هي المرجع في ~~تفسير كلام الله سبحانه وتعالى. PageV01P044 # [الآية الثانية والعشرون] وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195) . # في هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد، واللفظ يتناول ~~غيره مما يصدق عليه أنه من سبيل الله، والباء في قوله بأيديكم زائدة «1» . ~~ومثله ألم يعلم بأن الله يرى (14) [العلق: 14] . وقال المبرد: بأيديكم أي ~~بأنفسكم تعبيرا بالبعض عن الكل، كقوله: فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] ، ~~وقيل: هذا مثل مضروب يقال: فلان ألقى بيده في أمر كذا: إذا استسلم لأن ~~المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيده، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان. # وقال قوم: التقدير ولا تلقوا أنفسكم «2» بأيديكم. # والتهلكة: مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة: أي لا تأخذوا فيما ~~يهلككم. # وللسلف في معنى الآية أقوال سيأتي بيانها، وبيان سبب نزول الآية. # والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فكلما صدق عليه أنه تهلكة ~~في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذه، وبه قال ابن جرير الطبري «3» . # ومن جملة ما يدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش مع ~~عدم قدرته على التخلص وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين. ولا يمنع من دخول ~~هذا تحت الآية إنكار من أنكره من الذين رأوا ms033 «4» السبب فإنهم ظنوا أن الآية ~~لا تجاوز سببها وهو ظن تدفعه لغة العرب. # وقوله وأحسنوا أي في الإنفاق في الطاعة، وأحسنوا الظن بالله في إخلافه ~~عليكم. PageV01P045 # أخرج عبد بن حميد والبخاري والبيهقي في «سننه» عن حذيفة في قوله هذا قال: # نزلت في النفقة «1» . # وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه في الآية قال: هو ترك النفقة في سبيل الله مخافة العيلة «2» . # وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن ابن عباس نحوه. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة نحوه أيضا «3» . # وأخرج ابن جرير عن الحسن نحوه «4» . # وأخرج ابن حميد والبيهقي في «الشعب» عنه قال: هو البخل. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: كان رجال ~~يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغير نفقة فإما ~~يقطع بهم «5» وإما كانوا عيالا فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ~~وألا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش ~~ومن المشي. # وقال لمن بيده فضل: وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195) . وأخرج عبد بن ~~حميد وأبو يعلى وابن جرير والبغوي في «معجمه» وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن حبان وابن نافع والطبراني عن الضحاك بن أبي جبير أن الأنصار كانوا ~~ينفقون في سبيل الله ويتصدقون فأصابتهم سنة فساء ظنهم وأمسكوا عن ذلك فأنزل ~~الله الآية. # وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وصححه- والنسائي وأبو يعلى وابن ~~جرير وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- والطبراني وابن مردويه والبيهقي في ~~«سننه» عن أسلم بن عمران قال: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ~~وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد فخرج صف عظيم من الروم فصففنا لهم فحمل رجل ~~من المسلمين PageV01P046 # على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى ~~التهلكة! فقام أبو أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أيها ~~الناس إنكم تأولون هذا التأويل وإنما أنزلت فينا هذه الآية ms034 معشر الأنصار ~~إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن أموال الناس قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ~~ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع هنا؟ فأنزل الله على نبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم يرد علينا فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها ~~وترك الغزو «1» . # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم- وصححه- والبيهقي ~~عن البراء بن عازب قال في تفسير الآية: الرجل يذنب الذنب فيلقي بيده فيقول ~~لا يغفر الله لي أبدا «2» ، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه ~~والطبراني والبيهقي في «الشعب» عن النعمان بن بشير نحوه. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير قال في تفسير الآية: إنه القنوط «3» ، وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: التهلكة عذاب الله ~~«4» . # وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أنهم حاصروا ~~دمشق فأسرع رجل إلى العدو وحده فعاب ذلك عليه المسلمون ورفع حديثه إلى عمرو ~~بن العاص فأرسل إليه فرده «5» وقال: قال الله ولا تلقوا الآية. # وأخرج ابن جرير عن رجل من الصحابة في قوله وأحسنوا قال: أدوا الفرائض «6» ~~. وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق مثله وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ~~عكرمة قال: أحسنوا الظن بالله «7» . PageV01P047 # [الآية الثالثة والعشرون] وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر ~~من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به ~~أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله ~~واعلموا أن الله شديد العقاب (196) . # اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة، فقيل: أداؤهما ~~والإتيان بهما من دون أن يشوبهما شيء مما ms035 هو محظور ولا يخل بشرط ولا فرض ~~لقوله «1» تعالى فأتمهن [البقرة: 124] وقوله ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~[البقرة: 187] . # وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن يخرج لهما لا لغيرهما، وقيل: إتمامهما أن ~~يفرد كل واحد منهما من غير تمتع ولا قران. وبه قال ابن حبيب وقال: إتمامهما ~~أن لا يستحلوا فيهما ما لا ينبغي لهم، وقيل: إتمامهما أن يحرم لهما من ~~دويرة أهله، وقيل أن ينفق في سفرهما الحلال الطيب. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في «الدلائل» وابن عبد البر في ~~«التمهيد» عن يعلى بن أمية قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهو بالجعرانة وعليه أثر خلوق، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله أن أصنع في ~~عمرتي؟ فأنزل الله وأتموا الحج والعمرة لله. وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم «أين السائل عن العمرة؟ فقال ها أنا ذا قال اخلع الجبة واغسل عنك ~~أثر الخلوق ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك» «2» . وقد أخرجه ~~البخاري ومسلم وغيرهما من حديثه ولكن فيهما أنه نزل عليه صلى الله عليه ~~وآله وسلم الوحي بعد السؤال ولم يذكرا ما هو الذي أنزل عليه. PageV01P048 # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: تمام الحج يوم النحر إذا ~~رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا ~~وبالمروة فقد حل «1» . # وقد ورد في فضائل الحج والعمرة أحاديث كثيرة ليس هذا موطن ذكرها. # وقد اتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلا. # وقد استدل بهذه الآية على وجوب العمرة لأن الأمر بإتمامها أمر بها، وبذلك ~~قال علي وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي ~~وسعيد بن جبير ومسروق وعبد الله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ~~وابن الجهم من المالكية. # وقال مالك والنخعي وأصحاب الرأي كما حكاه ابن المنذر عنهم: إنها سنة. # وحكي عن أبي حنيفة أنه يقول بالوجوب. # ومن القائلين بأنها سنة: ابن مسعود وجابر بن عبد ms036 الله ومن جملة ما استدل ~~به الأولون ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح أنه قال لأصحابه: ~~«من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة» «2» ، وثبت عنه أيضا في الصحيح أنه قال: ~~«دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» «3» . # وأخرج الدارقطني والحاكم من حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: «إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرانك بأيهما بدأت» «4» ~~. # واستدل الآخرون بما أخرجه الشافعي في «الأم» وعبد الرزاق وابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم «الحج جهاد والعمرة تطوع» «5» . PageV01P049 # وأخرج ابن ماجة عن طلحة بن عبيد الله مرفوعا مثله. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي- وصححه- عن جابر أن رجلا سأل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «لا! وأن ~~تعتمروا خير لكم» «1» . # وأجابوا عن الآية والأحاديث المصرحة بأنها واجبة فريضة بحمل «2» ذلك على ~~أنه قد وقع الدخول فيها وهي بعد الشروع فيها واجبة بلا خلاف، وهذا وإن كان ~~فيه بعد لكن يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة ولا سيما بعد تصريحه صلى الله ~~عليه وآله وسلم في حديث جابر من عدم الوجوب وعلى هذا يحمل ما ورد مما فيه ~~دلالة على وجوبها كما أخرجه الشافعي في «الأم» أن في الكتاب الذي كتبه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمرو بن حزم «أن العمرة هي الحج الأصغر» ~~«3» ، وكحديث ابن عمر عند البيهقي في «الشعب» قال: جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: أوصني؟ فقال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم ~~الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج وتعتمر وتسمع وتطيع وعليك ~~بالعلانية وإياك والسر» «4» هكذا ينبغي حمل ما ورد من الأحاديث التي قرن ~~فيها بين الحج والعمرة في أنهما من أفضل الأعمال وأنهما كفارة لما بينهما ~~وأنهما يهدمان ما كان قبلهما ونحو ذلك. # أحصرتم الحصر: الحبس قال أبو عبيدة والكسائي والخليل: إنه ms037 يقال: أحصر ~~بالمرض وحصر بالعدو. وفي «المجمل» لابن الفارس العكس يقال أحصر بالعدو وحصر ~~بالمرض، ورجح الأول ابن العربي وقال: هو رأي أكثر أهل اللغة، وقال الزجاج ~~إنه PageV01P050 # كذلك عن جميع أهل اللغة، وقال الفراء: هما بمعنى واحد في المرض والعدو ~~ووافقه على ذلك أبو عمر الشيباني «1» فقال: حصرني الشيء وأحصرني أي حبسني. # وبسبب هذا الاختلاف بين أهل اللغة اختلف أئمة الفقه في معنى الآية فقالت ~~الحنفية المحصر: من يصير ممنوعا من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غيره. # وقالت الشافعية وأهل المدينة: المراد بالآية حصر العدو. # وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه- إذا ~~كان ثم هدي- ويحلق رأسه كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو وأصحابه ~~في الحديبية. # وأخرج الشافعي في «الأم» وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر «2» العدو ~~فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء إنما قال الله: فإذا أمنتم ~~فلا يكون الأمن إلا من الخوف. # وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: لا إحصار إلا من العدو «3» ، وأخرج ~~أيضا عن الزهري نحوه. # وأخرج أيضا عن عطاء قال: لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس «4» . # وأخرج أيضا عن عروة قال: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار «5» . # وأخرج البخاري عن المسور أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحر قبل ~~أن يحلق وأمر أصحابه بذلك «6» . # وأخرج ابن جرير «7» وابن المنذر عن ابن عباس في قوله فإن أحصرتم يقول: من ~~أحرم بحجة أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه، فعليه ذبح ما ~~PageV01P051 # استيسر من الهدي: شاة فما فوقها، وإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن ~~كانت بعد حج الفريضة فلا قضاء عليه. # وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ~~في قوله فإن أحصرتم يقول: ms038 الرجل إذا أهل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من ~~الهدي، فإن كان عجل قبل أن يبلغ الهدي محله فحلق رأسه أو مس طيبا أو تداوى ~~بدواء كان عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك: فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة ~~ثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة. # فإذا أمنتم يقول: فإذا برىء فمضى من وجهه ذلك إلى البيت أحل من حجته ~~بعمرة وكان عليه الحج من قابل، فإن هو رجع ولم يتم من وجهه ذلك إلى البيت ~~كان عليه حجة وعمرة، فإن هو رجع متمتعا في أشهر الحج كان عليه ما استيسر من ~~الهدي: # شاة، فإن هو لم يجد فصيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم. # قال إبراهيم فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير فقال: هكذا قال ابن عباس في ~~هذا الحديث: فما استيسر من الهدي وهو ما يهدى إلى البيت من بدنة أو غيرها، ~~وذهب الجمهور إلى أنه شاة، وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير: جمل أو بقرة، ~~وقال الحسن: # أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة. # ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله هو خطاب لجميع الأمة من غير فرق ~~بين محصر وغير محصر. وإليه ذهب جمع من أهل العلم. وذهبت طائفة إلى أنه خطاب ~~للمحصرين خاصة: أي لا تحلوا من الإحرام حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه ~~إلى الحرم قد بلغ محله وهو الموضع الذي يحل فيه ذبحه. # واختلفوا في تعيينه فقال مالك والشافعي: هو في موضع الحصر اقتداء برسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث أحصر في عام الحديبية، وقال أبو حنيفة: ~~هو الحرم، لقوله تعالى محلها إلى البيت العتيق (33) [الحج: 33] وأجيب عن ~~ذلك بأن المخاطب هو الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت، وأجاب الحنفية عن ~~نحره صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية بأن طرف الحديبية الذي إلى أسفل ~~مكة هو من الحرم، ورد بأن المكان الذي وقع فيه النحر ليس هو من الحرم فمن ~~كان منكم مريضا أو به أذى ms039 من رأسه، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك المراد ~~بالمرض هنا ما يصدق عليه مسمى المرض لغة، وبالأذى من الرأس ما فيه من قمل ~~أو جرح فعليه # PageV01P052 # فدية. وقد بينت «1» السنة ما أطلق هنا من الصيام والصدقة والنسك، فثبت في ~~الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى كعب بن عجرة وهو محرم ~~وقمله يتساقط على وجهه فقال: # أيؤذيك هوام رأسك؟ فقال: نعم! فأمره أن يحلق ويطعم ستة مساكين، أو يهدي ~~شاة، أو يصوم ثلاثة أيام «2» . # وقد ذكر ابن عبد البر أنه لا خلاف بين العلماء في أن النسك هنا هو شاة. # وحكى عن الجمهور أن الصوم المذكور في الآية ثلاثة أيام، والإطعام الستة ~~«3» مساكين. # وروى عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام، ~~والإطعام عشرة مساكين، والحديث الصحيح المتقدم يرد عليهم ويبطل قولهم. # وقد ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وداود إلى أن الإطعام في ذلك ~~مدان بمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أي لكل مسكين. # وقال الثوري: نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وروي ذلك عن أبي حنيفة. # قال ابن المنذر: هذا غلط! لأن في بعض أخبار كعب أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال له: # «تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين» «4» . # واختلفت الرواية عن أحمد بن حنبل فروى عنه بمثل قول مالك والشافعي. # وروي عنه: إن أطعم برا فمد لكل مسكين وإن أطعم تمرا فنصف صاع. # واختلفوا في مكان هذه الفدية فقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من ~~طعام أو صيام فحيث يشاء. وبه قال أصحاب الرأي. # وقال طاووس والشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة والصوم حيث شاء. # وقال مالك ومجاهد: حيث شاء في الجميع. PageV01P053 # قال في «فتح القدير» وهو الحق لعدم الدليل على تعيين المكان «1» . انتهى. # فإذا أمنتم أي برأتم من المرض، وقيل من خوفكم من العدو- على الخلاف ~~السابق- ولكن الأمن من العدو أظهر من استعمال أمنتم في ذهاب المرض ms040 فيكون ~~مقويا لقول من قال: إن قوله فإن أحصرتم المراد به الإحصار من العدو. كما أن ~~قوله فمن كان منكم مريضا يقوي قول من قال بذلك لإفراد عذر المرض بالذكر، ~~وقد وقع الخلاف: # هل المخاطب بهذا هم المحصرون خاصة؟ أم جميع الأمة على حسب ما سلف؟ # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي المراد بالتمتع أن يحرم ~~الرجل بعمرة ثم يقيم حلالا بمكة إلى أن يحرم بالحج، فقد استباح بذلك ما لا ~~يحل للمحرم استباحته، وهو معنى تمتع واستمتع. # ولا خلاف بين أهل العلم في جواز التمتع قال الشوكاني في «فتح القدير» : ~~بل هو عندي أفضل أنواع الحج كما حررته في شرحي في «المنتقى» «2» . انتهى. # وفي «المختصر» المسمى ب «الدرر البهية» وشرحه المرسوم ب «الدراري ~~المضيئة» أيضا وتقدم الخلاف في معنى قوله فما استيسر من الهدي فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة أي فمن لم يجد ~~الهدي إما لعدم المال أو لعدم الحيوان صام ثلاثة أيام في أيام الحج وهي من ~~عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر. # وقيل: يصوم قبل يوم التروية يوما ويوم التروية ويوم عرفة. # وقيل: ما بين أن يحرم بالحج إلى يوم عرفة. # وقيل: يصومهن من أول عشر ذي الحجة. # وقيل: ما دام بمكة. # وقيل: إنه يجوز أن يصوم الثلاثة قبل أن يحرم، وقد جوز بعض أهل العلم صيام ~~أيام التشريق لمن لم يحل الهدي، ومنعه آخرون. # والمراد بالرجوع هنا الرجوع إلى الأوطان. # قال أحمد وإسحق: يجزيه الصوم في الطريق ولا يتضيق عليه الوجوب إلا إذا ~~PageV01P054 # وصل وطنه، وبه قال الشافعي وقتادة والربيع ومجاهد وعكرمة والحسن وغيرهم. # وقال مالك: إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم والأول أرجح. # وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» «1» فبين ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن الرجوع المذكور ms041 في الآية هو الرجوع إلى الأهل. # وثبت أيضا في الصحيح من حديث ابن عباس بلفظ «وسبعة إذا رجعتم إلى ~~أمصاركم» «2» وإنما قال سبحانه: تلك عشرة كاملة مع أن كل أحد يعلم أن ~~الثلاثة والسبعة عشرة، لدفع أن يتوهم متوهم التخيير بين الثلاثة الأيام في ~~الحج والسبعة إذا رجع. قاله الزجاج. # وقال المبرد: ذكر ذلك ليدل على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أن قد بقي ~~منه شيء بعد ذكر السبعة. وقيل: هو توكيد وقد كانت العرب تأتي بمثل هذه ~~الفذلكة فيما دون هذا العدد كقول الشاعر: # ثلاث واثنتان فهن خمس ... وسادسة تميل إلى شمامي # وقوله كاملة: توكيد آخر بعد الفذلكة لزيادة التوصية بصيامها، وأن لا ينقص ~~من عددها. ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام الإشارة بقوله ذلك قيل: ~~هي راجعة إلى التمتع، فيدل على أن لا متعة لحاضري المسجد الحرام كما يقوله ~~أبو حنيفة وأصحابه. قالوا: ومن تمتع منهم كان عليه دم، وهو دم جناية لا ~~يأكل منه. # وقيل: إنها راجعة إلى الحكم وهو وجوب الهدي والصيام، فلا يجب ذلك على من ~~كان أهله حاضري المسجد الحرام كما يقوله الشافعي ومن وافقه. # والمراد من لم يكن ساكنا في الحرم أو من لم يكن ساكنا في المواقيت فما ~~دونها، على الخلاف في ذلك بين الأئمة. PageV01P055 # [الآية الرابعة والعشرون] الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (197) . # فيه حذف والتقدير: وقت الحج أشهر، أي وقت عمل الحج، وقيل: التقدير الحج ~~في أشهر، وفيه أن يلزم النصب مع حذف حرف الجر لا الرفع. # قال الفراء: الأشهر رفع لأن معناه وقت الحج أشهر وقيل: التقدير الحج حج ~~أشهر. # وقد اختلف في الأشهر المعلومات، فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ~~ومجاهد والزهري: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله وبه قال مالك. # وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي: هي شوال وذو ms042 القعدة وعشر من ذي ~~الحجة وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم وقد روي أيضا عن مالك. # وتظهر فائدة الخلاف فيما وقع من أعمال الحج بعد يوم النحر: فمن قال إن ذا ~~الحجة كله من الوقت قال: لم يلزمه دم التأخير، ومن قال ليس إلا العشر منه ~~قال يلزم دم التأخير. # وقد استدل بهذه الآية من قال: إنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج- ~~وهو عطاء وطاووس ومجاهد والأوزاعي والشافعي وأبو ثور- قال فمن أحرم بالحج ~~قبلها أحل بعمرة ولا يجزيه عن إحرام الحج كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه ~~لا تجزيه. # وقال أحمد وأبو حنيفة إنه مكروه فقط. وروي نحوه عن مالك والمشهور عنه ~~جواز الإحرام بالحج في جميع السنة من غير كراهة وروي مثله عن أبي حنيفة. ~~وعلى هذا القول ينبغي أن ينظر في فائدة توقيت الحج بالأشهر المذكورة في ~~الآية. # وقد قيل: إن النص عليه لزيادة فضلها، وقد روي القول بجواز الإحرام في ~~جميع السنة عن إسحاق بن راهويه وإبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد ~~واحتج لهم بقوله تعالى: يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس [البقرة: ~~189] فجعل الأهلة كلها # PageV01P056 # مواقيت للحج، ولم يخص الثلاثة الأشهر، ويجاب بأن تلك خاصة وهذه الآية ~~عامة والخاص مقدم على العام. # ومن جملة ما احتجوا به القياس للحج على العمرة، فكما يجوز الإحرام للعمرة ~~في جميع السنة كذلك يجوز الحج، قال في «فتح القدير» «1» : ولا يخفى أن هذا ~~القياس مصادم للنص القرآني فهو باطل، فالحق ما ذهب إليه الأولون إن كانت ~~الأشهر المذكورة في قوله الحج أشهر مختصة بالثلاثة المذكورة بنص أو إجماع، ~~فإن لم يكن كذلك فالأشهر جمع شهر وهو من جموع القلة يتردد ما بين الثلاثة ~~إلى العشرة، والثلاثة هي المتيقنة فيجب الوقوف عندها، ومعنى قوله: معلومات ~~أن الحج في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها ليس كالعمرة أو ~~المراد معلومات لبيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو معلومات عند ~~المخاطبين ولا يجوز التقديم عليها ولا ms043 التأخير عنها. # فمن فرض فيهن الحج أصل الفرض في اللغة: الحز والقطع، ومنه فرضة القوس ~~والنهر والجبل، ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقوس. # وقيل: معنى فرض: أبان، وهو أيضا يرجع إلى القطع لأن من قطع شيئا فقد ~~أبانه عن غيره. # والمعنى في الآية فمن ألزم نفسه فيهن الحج بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا ~~وبالإحرام فعلا ظاهرا وبالتلبية نطقا مسموعا. # وقال أبو حنيفة: إن إلزامه نفسه يكون بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه. # وقال الشافعي: تكفي النية في الإحرام بالحج. # فلا رفث قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ~~ومجاهد ومالك: هو الجماع. # وقال ابن عمر وطاووس وعطاء وغيرهم: الرفث: الإفحاش في الكلام قال أبو ~~عبيدة: الرفث: اللغاء من الكلام. # ولا فسوق وهو الخروج عن حدود الشرع. # وقيل: الذبح للأصنام. PageV01P057 # وقيل: التنابذ بالألقاب. # وقيل: السباب. # والظاهر أنه لا يختص بمعصية متعينة وإنما خصصه من خصصه بما ذكر باعتبار ~~أنه قد أطلق على ذلك الفرد اسم الفسوق كما قال سبحانه في الذبح للأصنام أو ~~فسقا أهل لغير الله [الأنعام: 145] ، وفي التنابذ بئس الاسم الفسوق ~~[الحجرات: 11] وقال صلى الله عليه وآله وسلم في السباب: «سباب المسلم فسوق» ~~«1» ولا يخفى على عارف أن إطلاق اسم الفسوق على فرد من أفراد المعاصي لا ~~يوجب اختصاصه به. # ولا جدال في الحج مشتق من الجدل وهو القتل والمراد به هاهنا المماراة. # وقيل: السباب. # وقيل: الفخر بالآباء، والظاهر الأول. # ومعنى النفي لهذه الأمور النهي عنها وإيثار النفي للمبالغة وتخصيص نفي ~~الثلاثة بالحج مع لزوم اجتنابها في كل الأزمان لكونها في الحج أفظع. # وما تفعلوا من خير يعلمه الله حث على الخير بعد ذكر الشر، وعلى الطاعة ~~بعد ذكر المعصية، وفيه أن كل ما يفعلونه من ذلك فهو معلوم عند الله لا يفوت ~~منه شيء. # وتزودوا فيه الأمر باتخاذ الزاد لأن بعض العرب كانوا يقولون: كيف نحج بيت ~~ربنا ولا يطعمنا؟ فكانوا يحجون بلا زاد ويقولون: نحن متوكلون على الله ~~سبحانه ثم يقدمون فيسألون الناس ms044 ويكونون كلا عليهم. أخرجه عبد بن حميد ~~والبخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس. # وقيل: المعنى تزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة فإن خير الزاد التقوى ~~والأول أرجح كما يدل على ذلك سبب النزول، وفيه إخبار بأن خير الزاد اتقاء ~~المنهيات فكأنه قال: اتقوا الله في إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد فإن ~~خير الزاد التقوى. # وقيل: المعنى: فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة والحاجة إلى ~~السؤال والتكفف. PageV01P058 # [الآيتان الخامسة والسادسة والعشرون] ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما ~~هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) . # فيه الترخيص لمن حج في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من ~~الرزق، وهو المراد بالفضل هنا، ومنه قوله فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله [الجمعة: 10] أي لا إثم عليكم في أن تبتغوا فضلا من ربكم مع سفركم ~~لتأدية ما افترضه عليكم من الحج: نزل ردا لكراهتهم ذلك. والحق أن الإذن في ~~هذه التجارة جار مجرى الرخص وتركها أولى. # فإذا أفضتم أي دفعتم يقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب من نواحيه، ~~ورجل فياض أي مندفعة «1» يداه بالعطاء، ومعناه: أفضتم أنفسكم فترك ذكر ~~المفعول، كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا. # من عرفات اسم لتلك البقعة. أي موضع الوقوف. # واستدل بالآية على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده. # فاذكروا الله عند المشعر الحرام: المراد بذكر الله دعاؤه، ومنه التلبية ~~والتكبير والدعاء عنده من شعائر الحج. # وقيل: المراد بالذكر صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعا. # وقد أجمع أهل العلم على أن السنة أن يجمع الحاج بينهما فيها. # والمشعر: هو جبل قزح الذي يقف عليه الإمام، وقيل: هو ما بين جبلي ~~المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر. PageV01P059 # واذكروه كما هداكم الكاف نعت مصدر محذوف، وما مصدرية أو كافة: أي اذكروه ~~ذكرا ms045 حسنا كما هداكم هداية حسنة، وكرر الأمر بالذكر تأكيدا، وقيل: # الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني: أمر بالذكر على حكم ~~الإخلاص، وقيل: # المراد بالثاني تعديد النعمة عليهم. # و «إن» في قوله وإن كنتم من قبله مخففة كما يفيده دخول اللام في الخبر، ~~وقيل: هي بمعنى قد: أي قد كنتم، والضمير في قوله: من قبله عائد إلى الهدي، ~~وقيل: إلى القرآن. # لمن الضالين (198) : أي الجاهلين. # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) . # قيل: الخطاب للحمس من قريش لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل ~~كانوا يقفون بالمزدلفة، وهي من الحرم، فأمروا بذلك. وعلى هذا تكون ثم لعطف ~~جملة على جملة لا للترتيب، وقيل: الخطاب لجميع الأمة. # والمراد بالناس إبراهيم: أي ثم أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم عليه السلام. # فيحتمل أن يكون أمرا لهم بالإفاضة من عرفة ويحتمل أن يكون إفاضة أخرى وهي ~~التي من المزدلفة، وعلى هذا يكون ثم على بابها أي للترتيب في الذكر لا في ~~الزمان الواقعة فيه الأعمال، وقد رجح هذا الاحتمال الأخير ابن جرير الطبري ~~«1» - وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن- وإنما أمروا بالاستغفار لأنهم في مساقط ~~الرحمة، ومواطن القبول، ومظنات الإجابة. # وقيل: إن المعنى استغفروا للذي كان مخالفا لسنة إبراهيم. وهو وقوفكم ~~بالمزدلفة دون عرفة. # قيل: فيه دليل على أنه يقبل التوبة من عباده التائبين ويغفر لهم. # فإذا قضيتم مناسككم أي أعمال الحج، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«خذوا عني مناسككم» : أي فإذا فرغتم من أعمال الحج فاذكروا الله. # وقيل المراد بالمناسك الذبائح وإنما قال سبحانه كذكركم آباءكم لأن ~~PageV01P060 # العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة فيذكرون مفاخر آبائهم، ~~ومناقب أسلافهم، فأمرهم الله بذكره مكان ذلك الذكر، وبأن يجعلوه ذكرا مثل ~~ذكرهم لآبائهم أو أشد ذكرا: أي من ذكرهم لآبائهم، لأنه هو المنعم الحقيقي ~~عليهم وعلى آبائهم. # [الآية السابعة والعشرون] # واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه ms046 لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) . # قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي ~~أيام منى وهي أيام التشريق وهي أيام رمي الجمار «1» . # وقال الثعلبي: قال إبراهيم: الأيام المعدودات: أيام العشر، والأيام ~~المعلومات: # أيام النحر، وكذا روي عن مكي. # قال القرطبي: ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع على ما نقله أبو عمرو بن عبد ~~البر وغيره «2» . # وروى الضحاك عن أبي يوسف أن الأيام المعلومات أيام النحر، قال: لقوله ~~تعالى: ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ~~[الحج: 28] وحكى الكرخي عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر ~~الثلاثة: يوم الأضحى، ويومان بعده. # قال الطبري: فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات ~~لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف. # وروي عن مالك أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام: ~~يوم النحر وثلاثة أيام بعده. فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده ~~معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا معلوم وهو مروي عن ابن عمر. ~~PageV01P061 # وقال ابن زيد: الأيام المعلومات، عشر: ذي الحجة وأيام التشريق والمخاطب ~~بهذا الخطاب المذكور في الآية- أعني قوله واذكروا الله- هو الحاج وغيره كما ~~ذهب إليه الجمهور، وقيل: هو خاص بالحاج. # وقد اختلف أهل العلم في وقته: فقيل: من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من ~~آخر أيام التشريق وقيل: من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر النحر، وبه قال ~~أبو حنيفة وقيل: من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام ~~التشريق، وبه قال مالك والشافعي. # فمن تعجل في يومين هما يوم ثاني النحر ويوم ثالثه. # فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه قال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد ~~وقتادة والنخعي: من رمى في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج عليه ~~ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج عليه. فمعنى الآية كل ذلك مباح، وعبر عنه بهذا ~~التقسيم اهتماما وتأكيدا لأن من العرب من كان يذم ms047 التعجيل ومنهم من كان يذم ~~التأخير فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك. # وقال علي وابن مسعود: ومعنى الآية من تعجل فقد غفر له ومن تأخر فقد غفر ~~له. والآية قد دلت على أن التعجل والتأخر مباحان. # وقوله: لمن اتقى: معناه أن التخيير ورفع الإثم ثابت لمن اتقى لأن صاحب ~~التقوى يتحرز عن كل ما يريبه فكان أحق بتخصيصه بهذا الحكم. # قال الأخفش: التقدير ذلك لمن اتقى، وقيل: لمن اتقى بعد انصرافه عن الحج ~~عن جميع المعاصي، وقيل: لمن اتقى قبل الصيد، وقيل: معناه السلامة لمن اتقى، ~~وقيل: هو متعلق بالذكر: أي الذكر لمن اتقى في حجه لأنه الحاج في الحقيقة. # [الآية الثامنة والعشرون] # يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) . # السائلون هنا: هم المؤمنون سألوا عن الشيء الذي ينفقونه ما هو؟ أي ما ~~قدره وما # PageV01P062 # جنسه؟ فأجيبوا ببيان المصرف الذي يصرفون فيه تنبيها على أنه الأولى ~~بالقصد، لأن الشيء لا يعتد به إلا إذا وضع في موضعه وصادق مصرفه وقيل: إنه ~~قد تضمن قوله قل ما أنفقتم من خير بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وقيل: إنهم ~~سألوا عن وجوه البر التي ينفقون فيها وهو خلاف الظاهر. # فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل لكون دفع المال ~~إليهم صدقة وصلة إذا كانوا فقراء، وهكذا اليتامى الفقراء أولى بالصدقة من ~~الفقراء الذين ليسوا بيتامى لعدم قدرتهم على الكسب. # والمسكين: الساكن إلى ما في أيدي الناس لكونه لا يجد شيئا. # وابن السبيل: المسافر المنقطع وجعل ابنا للسبيل لملازمته له. # أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: يوم نزلت هذه الآية لم تكن ~~زكاة وهي النفقة ينفقها الرجل على أهله والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة ~~«1» . # وقال الحسن: إنها محكمة. # وقال ابن زيد: هذا في التطوع وهو ظاهر الآية: فمن أحب التقرب إلى الله ~~تعالى بالإنفاق فالأولى أن ينفق في الوجوه المذكورة. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر ms048 عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أين يضعون أموالهم؟ فنزلت، فذلك النفقة في التطوع ~~والزكاة سوى ذلك كله «2» . # وأخرج ابن المنذر أن عمرو بن الجموح سأل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ فنزلت. # [الآية التاسعة والعشرون] كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون (216) . PageV01P063 # أي فرض القتال عليهم من جملة ما امتحنوا به والمراد [بالقتال] «1» قتال ~~الكفار، ويستدل بالآية على افتراضه وهو الأولى. # وقيل: الجهاد تطوع والمراد منها الصحابة فقط، وبه قال الثوري والأوزاعي. # والجمهور على أنه فرض على الكفاية. # وقيل: فرض عين إن دخلوا بلادنا وفرض كفاية إن كانوا في بلادهم. # والكره بالضم: المشقة وبالفتح ما أكرهت عليه. ويجوز الضم في معنى الفتح ~~فيكونان لغتين. # وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال، ومفارقة الأهل والوطن ~~والتعرض لذهاب النفس، وفي التعبير بالمصدر- وهو كره- مبالغة، ويحتمل أن ~~يكون بمعنى المكروه كما في قولهم: الدرهم ضرب الأمير. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن شهاب في الآية قال: الجهاد مكتوب ~~على كل أحد غزا أو قعد فالقاعد إن استعين به أعان وإن استغيث به أغاث وإن ~~استنفر نفر، وإن استغني عنه قعد. # وقد ورد في وجوب الجهاد وفضله أحاديث كثيرة لا يتسع المقام لبسطها. # [الآية الثلاثون] يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد ~~عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن ~~استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) . # يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه بدل اشتمال، قاله سيبويه ووجهه أن ~~السؤال عن الشهر لم يكن إلا باعتبار ما وقع فيه من القتال. PageV01P064 # قال الزجاج: المعنى ms049 يسألونك عن القتال في الشهر الحرام. # قل قتال فيه كبير: أي أمر مستنكر. # والشهر الحرام المراد به الجنس، وقد كانت العرب لا تسفك فيه دما ولا تغير ~~على عدو، والأشهر الحرم هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب: ثلاثة أشهر ~~سرد وواحد فرد. # وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~أي أعظم إثما وأشد ذنبا من القتال في الشهر الحرام، كذا قال المبرد وغيره. # ومعنى الآية- على ما ذهب إليه الجمهور- أنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا ~~القتال في الشهر الحرام وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد ~~الإسلام ومن الكفر بالله ومن الصد عن المسجد الحرام، ومن إخراج أهل الحرم ~~منه أكبر جرما عند الله!! والسبب يشهد لهذا المعنى، ويفيد أنه «1» المراد ~~فإن السؤال منهم المذكور في هذه الآية سؤال إنكار لما وقع من السرية التي ~~بعثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # والفتنة أكبر من القتل المراد بالفتنة هنا الكفر أي كفركم أكبر من القتل ~~الواقع من السرية التي بعثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وقيل: المراد بالفتنة الإخراج لأهل الحرم منه، وقيل: المراد بالفتنة هنا ~~فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا: أي فتنة المستضعفين من المؤمنين، أو نفس ~~الفتنة التي الكفار عليها. وهذا أرجح من الوجهين الأولين لأن الكفر ~~والإخراج سبق ذكرهما وإنهما- مع الصد- أكبر عند الله من القتال في الشهر ~~الحرام. # ثم قيل: إن الآية محكمة ولا يجوز الغزو في الشهر الحرام إلا بطريق الدفع. # وعن ابن عباس وسفيان الثوري أنها منسوخة بآية السيف وبه قال الجمهور ~~رحمهم الله تعالى. PageV01P065 # [الآية الحادية والثلاثون] # يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر ~~من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون (219) . # السائلون هم المؤمنون. # والخمر: ماء العنب الذي غلى واشتد وقذف بالزبد، وما خامر العقل من غيره ~~فهو في حكمه، كما ذهب إليه الجمهور. # وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى ms050 وابن شبرمة وجماعة من فقهاء ~~الكوفة: ما أسكر كثيرة من غير خمر العنب فهو حلال: أي ما دون المسكر منه. # وذهب أبو حنيفة إلى حل ما ذهب ثلثاه بالطبخ، والخلاف في ذلك مشهور. # وقد أطلت الكلام على الخمر في شرحي ل «بلوغ المرام» وأطال الكلام فيه ~~أيضا الشوكاني في «شرحه للمنتقى» «1» وكذا السيد العلامة محمد بن إسماعيل ~~بن صلاح الأمير في «سبل السلام» «2» . # والمراد بالميسر في الآية: قمار العرب بالأزلام. # قال جماعة من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: كل شيء فيه قمار أو ~~نرد أو شطرنج أو غيرهما فهو الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب إلا ما ~~أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق. # وقال مالك: الميسر ميسران: [ميسر] «3» اللهو، وميسر القمار. فمن ميسر ~~اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار: ما يتخاطر الناس عليه ~~وكل ما قومر به فهو ميسر. # قل فيهما إثم كبير: يعني في الخمر والميسر. فإثم الخمر: أي إثم تعاطيها ~~PageV01P066 # ينشأ من فساد عقل مستعملها فيصدر عنه ما يصدر عن فساد العقل من المخاصمة ~~والمشاتمة، وقول الفحش والزور وتعطيل الصلوات، وسائر ما يجب عليه، وأما إثم ~~الميسر: أي إثم تعاطيه فما ينشأ عن ذلك من الفقر وذهاب المال في غير طائل ~~والعداوة وإيحاش الصدور. # ومنافع للناس: أما منافع الخمر فربح التجارة فيها، وقيل: ما يصدر عنها من ~~الطرب والنشاط وقوة القلب وثبات الجنان وإصلاح المعدة وقوة الباه وقد أشار ~~شعراء العرب إلى شيء من ذلك وكذا شعراء الفرس بما لا يتسع المقام لبسطه. # ومنافع الميسر: مصير الشيء إلى الإنسان بغير تعب ولا كد وما يحصل من ~~السرور والأريحية عند أن يصير له منها سهم صالح. وسهام الميسر أحد عشر ~~ذكرها في «فتح القدير» «1» . # وإثمهما أكبر من نفعهما أخبر سبحانه بأن الخمر والميسر إن كان فيهما نفع ~~فالإثم الذي يلحق متعاطيها أكثر من هذا النفع لأنه لا خير يساوي فساد العقل ~~الحاصل بالخمر، فإنه ينشأ عنه من الشرور ما لا يأتي عليه الحصر، وقد ms051 ذكر ~~شطرا منها الحافظ ابن القيم في كتابه «حادي الأرواح» وذكرته في كتابي ~~الملخص منه المسمى ب «مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام» . # وكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيه من المخاطرة بالمال والتعرض للفقر ~~واستجلاب العداوة المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم. # وقرأ حمزة والكسائي بالمثلثة والباقون بالباء الموحدة وأبي أقرب. # وقد أخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وصححه- ~~والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- وأيضا في ~~«المختارة» عن عمر أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فإنها تذهب ~~بالمال والعقل فنزلت يسئلونك عن الخمر والميسر يعني هذه الآية فدعي عمر ~~فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت التي في سورة ~~النساء يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى [النساء: 43] ~~فكان ينادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا قام إلى الصلاة، أن لا ~~يقربن الصلاة سكران فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في ~~PageV01P067 # الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في المائدة «1» ، فدعي عمر فقرئت ~~عليه فلما بلغ فهل أنتم منتهون قال عمر: انتهينا انتهينا! «2» . # ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو العفو: ما سهل وتيسر ولم يشق على القلب. # والمعنى أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تجهدوا فيه أنفسكم وقيل: هو ما فضل ~~عن نفقة العيال، وقال جمهور العلماء: هو نفقات التطوع، وقيل: إن هذه الآية ~~منسوخة بآية الزكاة المفروضة، وقيل: هي محكمة. وفي المال حق سوى الزكاة ~~أيضا. # [الآية الثانية والثلاثون] في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن اليتامى قل ~~إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء ~~الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم (220) . # هذه الآية نزلت بعد نزول قوله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم # [الأنعام: 152] وقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما [النساء: 10] ~~وقد ضاق على الأولياء الأمر فنزلت هذه الآية: قل إصلاح لهم خير [البقرة: ~~220] . # المراد بالإصلاح هنا مخالطتهم على وجه الإصلاح لأموالهم، فإن ذلك أصح ms052 من ~~مجانبتهم. # وفي ذلك دليل على جواز التصرف في أموال الأيتام من الأولياء والأوصياء ~~بالبيع والمضاربة والإجارة ونحو ذلك. # وإن تخالطوهم فإخوانكم اختلف في تفسير المخالطة: فقال أبو عبيدة مخالطة ~~اليتامى: أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه ولا يجد ~~بدا من خلطه بعياله، فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله ~~مع نفقة أهله، وهذا قد تقع فيه الزيادة والنقصان فدلت الآية على الرخصة وهي ~~ناسخة لما قبلها. PageV01P068 # وقيل: المراد بالمخالطة المعاشرة للأيتام، وقيل: المراد بها المصاهرة ~~لهم. # والأولى عدم قصر المخالطة على نوع خاص بل يشمل كل مخالطة كما يستفاد من ~~الجملة الشرطية. # وقوله فإخوانكم خبر لمبتدأ محذوف: أي فهم إخوانكم في الدين. # والله يعلم المفسد لأموالهم بمخالطته من المصلح لها: تحذير للأولياء، أي ~~لا يخفى على الله من ذلك شيء فهو يجازي كل أحد بعمله من أصلح فلنفسه ومن ~~أفسد فعلى نفسه ففيه وعد ووعيد إلا أن في تقديم المفسد مزيد تهديد وتوكيد ~~للوعيد. # [الآية الثالثة والثلاثون] ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير ~~من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من ~~مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة ~~بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون (221) . # في هذه الآية النهي عن نكاح المشركات وتزوجهن: قيل: المراد بالمشركات ~~الوثنيات. # وقيل: إنها تعم الكتابيات لأن أهل الكتاب مشركون، وقالت اليهود عزير ابن ~~الله وقالت النصارى المسيح ابن الله [التوبة: 30] وقد اختلف أهل العلم في ~~هذه الآية. # فقالت طائفة: إن الله حرم نكاح المشركات فيها والكتابيات من الجملة، ثم ~~جاءت آية المائدة فخصصت الكتابيات من هذا العموم، وهذا محكي عن ابن عباس ~~ومالك وسفيان بن سعيد وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. # وذهبت طائفة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية المائدة، وأنه يحرم نكاح ~~الكتابيات والمشركات- وهذا أحد قولي الشافعي- وبه قال جماعة من أهل العلم. # ويجاب عن قولهم إن هذه الآية ناسخة لآية المائدة بأن سورة ms053 البقرة من أول ~~ما نزل وسورة المائدة من آخر ما نزل والقول الأول هو الراجح. # PageV01P069 # وقد قال به- مع من تقدم-: عثمان بن عفان وطلحة وجابر وحذيفة وسعيد بن ~~المسيب وسعيد بن جبير والحسن وطاووس وعكرمة والشعبي والضحاك، كما حكاه ~~النحاس والقرطبي، وقد حكاه ابن المنذر عن المذكورين، وزاد عمر بن الخطاب ~~وقال: # لم يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، وقال بعض أهل العلم: إن لفظ ~~المشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى: ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم [البقرة: 105] . وقال: ~~لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين [البينة: 1] . # وعلى فرض أن لفظ المشركين يعم فهذا العموم مخصوص بآية المائدة كما قدمنا. # ولأمة مؤمنة خير من مشركة أي ولرقيقة مؤمنة. # وقيل المراد بالأمة: الحرة لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. والأول أولى ~~لما سيأتي ولأنه الظاهر من اللفظ ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة ~~المؤمنة على الحرة المشركة يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة ~~المشركة بالأولى. # أخرج الواحدي وابن عساكر من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: # نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء. الحديث. # وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا أنها كانت أمة لحذيفة ~~سوداء فأعتقها وتزوجها حذيفة. # ولو أعجبتكم أي المشركة: من كونها ذات جمال ومال وشرف. وهذه الجملة ~~حالية. # ولا تنكحوا المشركين أي لا تزوجوهم بالمؤمنات حتى يؤمنوا. # قال القرطبي: # وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة ~~على الإسلام. وأجمع القراء على ضم التاء من تنكحوا. ولعبد مؤمن خير من مشرك ~~ولو أعجبكم الكلام فيه كالكلام في قوله: ولأمة، والترجيح كالترجيح. # PageV01P070 # [الآية الرابعة والثلاثون] ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء ~~في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) . # هو الحيض، وهو مصدر. وقيل: الاسم. ms054 # وقيل: المحيض: عبارة عن الزمان والمكان وهو مجاز فيهما. وأصل هذه الكلمة ~~من السيلان والانفجار يقال: حاض السيل وفاض ومنه الحوض لأن الماء يحوض إليه ~~أي يسيل. # قل هو أذى أي شيء يتأذى به أي برائحته. والأذى هو كناية عن القذر ويطلق ~~على القول المكروه، ومنه قوله تعالى: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~[البقرة: 264] . ومنه قوله تعالى: ودع أذاهم [الأحزاب: 48] . # فاعتزلوا النساء في المحيض أي فاجتنبوهن في زمان الحيض، إن حمل الحيض على ~~المصدر، أو في محل الحيض إن حمل على الاسم. # والمراد من هذا الاعتزال ترك المجامعة لا ترك المجالسة أو الملامسة فإن ~~ذلك جائز، بل يجوز الاستمتاع منها بما عدا الفرج أو بما دون الإزار على ~~خلاف في ذلك. # وأما ما يروى عن ابن عباس وعبيدة السلماني أنه يجب على الرجل أن يعتزل ~~فراش زوجته إذا حاضت فليس ذلك شيئا. # ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض وهو معلوم من ضرورة الدين. # ولا تقربوهن حتى يطهرن والطهر: انقطاع الحيض، والتطهر: الاغتسال. # وبسبب اختلاف القراء اختلف أهل العلم فذهب الجمهور إلى أن الحائض لا يحل ~~وطؤها لزوجها حتى تتطهر بالماء. # وقال محمد بن كعب القرضي ويحيى بن بكير: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ~~ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل. # PageV01P071 # وقال مجاهد وعكرمة: إن انقطع الدم يحلها لزوجها ولكن تتوضأ. # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له ~~أن يطأها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشر لم يجز حتى تغتسل أو يدخل ~~عليها وقت صلاة. وقد رجح ابن جرير الطبري قراءة التشديد «1» . # قال الشوكاني في «فتح القدير» «2» والأولى أن يقال إن الله سبحانه جعل ~~للحل غايتين- كما تقتضيه القراءتان- إحداهما انقطاع الدم، والأخرى التطهر ~~منه، والغاية الأخرى مشتملة على زيادة على الغاية الأولى، فيجب المصير ~~إليها. # وقد دل على أن الغاية الأخرى هي المعتبرة قوله تعالى بعد ذلك فإذا تطهرن ~~فإن ذلك يفيد أن المعتبر التطهر لا مجرد انقطاع الدم. وقد ms055 تقرر أن ~~القراءتين بمنزلة الآيتين فكما أنه يجب الجمع بين الآيتين المشتملة إحداهما ~~على زيادة العمل بتلك الزيادة، كذلك يجب الجمع بين القراءتين. انتهى. # فأتوهن من حيث أمركم الله أي فجامعوهن. وكنى عنه بالإتيان والمراد أنهم ~~يجامعون في المأتي الذي أباحه الله وهو القبل. قيل: من حيث بمعنى في حيث ~~كما في قوله تعالى: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة [الجمعة: 9] . وقوله: ~~ماذا خلقوا من الأرض [فاطر: 40] أي في الأرض وقيل: إن المعنى من الوجه الذي ~~أذن الله لكم فيه: أي من غير صوم وإحرام واعتكاف. وقيل: إن المعنى من قبل ~~الطهر لا من قبل الحيض، وقيل: من قبل الإحلال لا من قبل الزنا. # إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) قيل: المراد التوابون عن ~~الذنوب، والمتطهرون من الجنابة والأحداث، وقيل: التوابون من إتيانهن في ~~الحيض والأول أظهر. # [الآية الخامسة والثلاثون] نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا ~~لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) . ~~PageV01P072 # لفظ الحرث يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة إذ هو ~~مزرع الذرية كما أن الحرث من زرع النبات، فقد شبه ما يلقى في أرحامهن من ~~النطف التي منها النسل بما يلقى في الأرض من البذور التي منها النبت بجامع ~~أن كل واحد منهما مادة لما يحصل منه. وهذه الجملة بيان للجملة الأولى أعني ~~قوله فأتوهن من حيث أمركم الله وقوله أنى شئتم أي من أي جهة شئتم: من خلف ~~وقدام وباركة ومستلقية ومضطجعة إذا كان في موضع الحرث وأنشد: - # إنما الأرحام أرضو ... ن لنا محترثات # فعلينا الزرع فيها ... وعلى الله النبات # وإنما عبر سبحانه: أنى لكونها أعم في اللغة من أين وكيف ومتى. وأما ~~سيبويه ففسرها هنا بكيف، وقد ذهب السلف والخلف من الصحابة والتابعين ~~والأئمة إلى ما ذكرنا من تفسير الآية إلى أن إتيان الزوجة في دبرها حرام. # وروي عن سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك ~~بن الماجشون أنه يجوز ذلك، ms056 حكاه القرطبي في «تفسيره» «1» ، قال: وحكي ذلك ~~عن مالك في كتاب له يسمى «كتاب السر» وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك ~~الكتاب ومالك أجل من أن يكون له كتاب سر! ووقع هذا القول في «العتبية» . # وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز ذلك إلى زمرة كبيرة «2» من ~~الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب «جماع النسوان وأحكام ~~القرآن» «3» وقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ~~ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال يعني وطء المرأة في دبرها ~~ثم قرأ نساؤكم حرث لكم ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ # وقد روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن مالك من طرق ما يقتضي ~~إباحة ذلك. وفي أسانيدها ضعف. # وقد روى الطحاوي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ~~PageV01P073 # ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء ~~والقياس أنه حلال. # وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب. قال ابن الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي ~~لا إله إلا هو لقد كذب ابن عبد الحكم على الشافعي في ذلك!! فإن الشافعي نص ~~على تحريمه في ستة من كتبه. وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة في شرحنا ~~لبلوغ المرام فليرجع إليه. والحق هو التحريم. # وقد أخرج الشافعي في «الأم» وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة وابن ~~المنذر والبيهقي في «سننه» من طريق خزيمة بن ثابت أن سائلا سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: حلال ولا بأس ~~فلما ولى دعاه فقال: كيف قلت؟ أمن دبرها في قبلها فنعم أم من دبرها في ~~دبرها فلا إن الله لا يستحي من الحق. «لا تأتوا النساء في أدبارهن» «1» . # وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا ينظر الله ~~إلى رجل أتى امرأته في الدبر» «2» أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه ~~والنسائي وابن حبان. ms057 # وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الذي يأتي امرأته في ~~دبرها هي اللوطية الصغرى» «3» أخرجه أحمد والبيهقي في «سننه» . # وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ملعون من أتى ~~امرأته في دبرها» «4» أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي. PageV01P074 # وقد ورد النهي عن ذلك من طرق كثيرة. وقد ثبت نحو ذلك عن جماعة من الصحابة ~~والتابعين مرفوعا وموقوفا. وقد روي القول بحل ذلك عن جماعة كما سلف. # قال الشوكاني في «فتح القدير» «1» : وليس في أقوال هؤلاء حجة البتة: ولا ~~يجوز لأحد أن يعمل على أقوالهم، فإنهم لم يأتوا بدليل يدل على الجواز فمن ~~زعم منهم أنه فهم ذلك من الآية فقد أخطأ في فهمه وقد فسرها لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأكابر الصحابة بخلاف ما قاله هذا المخطئ في فهمه ~~كائنا من كان. ومن زعم منهم أن سبب نزول هذه الآية أن رجلا أتى امرأته في ~~دبرها فليس هذا ما يدل على أن الآية أحلت ذلك ومن زعم ذلك فقد أخطأ بل الذي ~~تدل عليه الآية أن ذلك حرام فيكون ذلك هو السبب لا يستلزم أن تكون الآية ~~نازلة في تحليله فإن الآيات النازلة على أسباب تأتي تارة بتحليل هذا وتارة ~~بتحريمه. # وقد روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الآية فقال: معناها إن شئتم فاعزلوا وإن ~~شئتم فلا تعزلوا «2» . # روى ذلك عنه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والضياء في ~~«المختارة» وروي نحو ذلك عن ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة، وعن سعيد بن ~~المسيب أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير. انتهى. # [الآية السادسة والثلاثون] ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (224) . # العرضة: النصبة. قاله الجوهري. # وقيل: من الشدة والقوة، ومنه قولهم للمرأة: عرضة للنكاح: إذا صلحت له ~~وقويت عليه، ولفلان عرضة: أي قوة. # ويطلق على الهمة، ويقال: فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه. # فعلى المعنى ms058 الأول يكون اسما لما تعرضه دون الشيء: أي لا تجعلوا الله ~~حاجزا PageV01P075 # ومانعا لما حلفتم عليه، وذلك لأن الرجل كان يحلف على بعض الخير من صلة ~~رحم أو إحسان إلى الغير أو إصلاح بين الناس بأن لا يفعل ذلك، ثم يمتنع من ~~فعله معللا لذلك الامتناع بأنه قد حلف أن لا يفعله. وهذا المعنى هو الذي ~~ذكره الجمهور في تفسير الآية فنهاهم الله أن يجعلوه عرضة لأيمانهم أي حاجزا ~~لما حلفوا عليه ومانعا منه وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين. # وعلى هذا يكون قوله: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس عطف بيان ~~لأيمانكم: أي لا تجعلوا الله مانعا منه للأيمان التي هي بركم وتقواكم ~~فإصلاحكم بين الناس: ويتعلق قوله: لأيمانكم بقوله ولا تجعلوا، [أي: لا ~~تجعلوا الله لأيمانكم مانعا وحاجزا] «1» ، ويجوز أن يتعلق بعرضة أي «2» : ~~لا تجعلوه سببا متعرضا بينكم وبين البر وما بعده. # وعلى المعنى الثاني، وهو أن العرضة: الشدة والقوة يكون معنى الآية: لا ~~تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم وعدة في الامتناع من الخير. # ولا يصلح «3» تفسير الآية على المعنى الثالث وهو الهمة. # وأما على المعنى الرابع وهو فلان لا يزال عرضة للناس فيكون معنى الآية لا ~~تجعلوا الله معرضا لأيمانكم فتبتذلونه بكثرة الحلف به. ومنه واحفظوا ~~أيمانكم [المائدة: 89] وقد ذم الله المكثرين للحلف فقال: ولا تطع كل حلاف ~~مهين (10) [القلم: 10] . وقد كانت العرب تتمادح بقلة الأيمان. # وعلى هذا فيكون قوله: أن تبروا علة للنهي أي لا تجعلوا الله معرضا ~~لأيمانكم إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا لأن من يكثر الحلف بالله يجترىء ~~على الحنث ويفجر في يمينه. # وقد قيل في تفسير الآية أقوال هي راجعة إلى هذه الوجوه التي ذكرناها وهي ~~مذكورة في «فتح القدير» «4» وغيره. PageV01P076 # [الآية السابعة والثلاثون] لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (225) . # اللغو: مصدر لغا يلغو لغوا، ولغى يلغو لغيا: إذا أتى بما لا يحتاج إليه ~~في الكلام أو بما لا خير فيه، وهو الساقط الذي لا ms059 يعتد به. فاللغو من ~~اليمين هو الساقط الذي لا يعتد به فمعنى الآية لا يعاقبكم الله بالساقط من ~~أيمانكم ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم: أي اقترفته بالقصد إليه وهي اليمين ~~المعقودة، مثله قوله تعالى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان [المائدة: 89] ~~. ومثله قول الشاعر: # ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم # وقد اختلف أهل العلم في تفسير اللغو: فذهب ابن عباس وعائشة وجمهور ~~العلماء إلى أنها قول الرجل: لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير ~~معتقد لليمين ولا مريدا لها. # قال المروزي: هذا معنى لغو اليمين الذي اتفق عليه عامة العلماء. # وقال أبو هريرة وجماعة من السلف: هو أن يحلف الرجل على الشيء لا يظن إلا ~~أنه أتاه فإذا ليس هو ما ظنه. وإلى هذا ذهبت الحنفية وبه قال مالك في ~~«الموطأ» . # وروي عن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. وبه قال طاووس ~~ومكحول، وروي عن مالك. # وقيل: إن اللغو [هو] «1» يمين المعصية. قال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن ~~عبد الرحمن وعبد الله بن الزبير وأخوه عروة: كالذي يقسم ليشر بن الخمر أو ~~ليقطعن الرحم. # وقيل: لغو اليمين هو دعاء الرجل على نفسه كأن يقول: أعمى الله بصره أذهب ~~الله ماله هو يهودي، هو مشرك. قاله زيد بن أسلم. # وقال مجاهد: لغو اليمين أن يتبايع الرجلان فيقول أحدهما والله لأبيعك ~~بكذا ويقول الآخر والله لأشتريه بكذا. PageV01P077 # وقال الضحاك لغو اليمين هي المكفرة: أي إذا كفرت سقطت وصارت لغوا، ~~والراجح القول الأول لمطابقته للمعنى اللغوي ولدلالته على الأدلة. # [الآيتان الثامنة والتاسعة والثلاثون] للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة ~~أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع ~~عليم (227) . # للذين يؤلون من نسائهم أي يحلفون. وقد اختلف أهل العلم في الإيلاء فقال ~~الجمهور: الإيلاء هو أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف ~~على أربعة أشهر فما دونها لم يكن موليا، وكانت عندهم يمينا [محضا] «1» . ~~وبهذا قال ms060 مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور. # وقال الثوري والكوفيون: الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا، وهو قول ~~عطاء. # وروي عن ابن عباس أنه لا يكون موليا حتى يحلف أن لا يمسها أبدا. # وقالت طائفة: إذا حلف أن لا يقرب امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ ~~أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، وبه قال ابن مسعود والنخعي «2» وابن أبي ~~ليلى والحاكم وحماد بن أبي سليمان وقتادة وإسحاق. قال ابن المنذر: وأنكر ~~هذا القول كثير من أهل العلم. # وقوله من نسائهم يشمل الحرائر والإماء إذا كن زوجات، وكذلك يدخل تحت قوله ~~للذين يؤلون العبد إذا حلف من زوجته. وبه قال أحمد والشافعي وأبو ثور. # قالوا: وإيلاؤه كالحر. # وقال مالك والزهري وعطاء وأبو حنيفة وإسحاق: إن أجله شهران، وقال الشعبي: ~~إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة. # تربص أربعة أشهر. التربص: التأني والتأخر قال الشاعر: PageV01P078 # تربص بها ريب المنون لعلها ... تطلق يوما أو يموت حليلها «1» # وقت الله سبحانه بهذه المدة دفعا للضرار عن الزوجة، وقد كان أهل الجاهلية ~~يؤلون السنة والسنتين وأكثر من ذلك يقصدون بذلك ضرار النساء، وقد قيل: إن ~~الأربعة الأشهر هي التي لا تطيق المرأة الصبر عن زوجها زيادة عليها. # فإن فاؤ أي رجعوا، ومنه حتى تفيء إلى أمر الله [الحجرات: 9] أي ترجع. # ومنه قيل للظل بعد الزوال: فيء لأنه رجع عن جانب المشرق إلى المغرب. # قال ابن المنذر: وأجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الفيء الجماع لمن لا عذر ~~له، فإن كان له عذر مرض أو سجن فهي امرأته، فإذا زال العذر فأبى الوطء فرق ~~بينهما إن كانت المدة قد انقضت. قاله مالك. # وقالت طائفة: إذا شهد على فيئه بقلبه في حال العذر أجزأه. وبه قال الحسن ~~وعكرمة والنخعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل. # وقد أوجب الجمهور على المولي إذا فاء بجماع امرأته الكفارة، وقال الحسن ~~والنخعي لا كفارة عليه. # فإن الله غفور للزوج إذا تاب من إضراره امرأته. رحيم (226) بكل التائبين. # وإن عزموا الطلاق العزم: العقد على الشيء ms061 فمعنى عزموا الطلاق عقدوا عليه ~~قلوبهم. # والطلاق: حل عقد النكاح، وفي ذلك دليل على أنها لا تطلق بمضي أربعة أشهر- ~~كما قال مالك- ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضا فإنه قال فإن الله ~~سميع عليم (227) والسماع يقتضي مسموعا بعد المضي. وقال أبو حنيفة سميع ~~لإيلائه عليم بعزمه الذي دل مضي أربعة أشهر. # قال الشوكاني في «فتح القدير» «2» واعلم أن أهل كل مذهب قد فسروا هذه ~~الآية بما يطابق مذهبهم وتكلفوا بما لم يدل عليه اللفظ، ولا دليل آخر ~~ومعناها ظاهر واضح وهو أن الله جعل الأجل لمن يولي: أي يحلف من امرأته ~~أربعة أشهر ثم قال مخبرا PageV01P079 # للعباد بحكم هذا المولي بعد هذه المدة فإن فاؤ أي رجعوا إلى بقاء الزوجية ~~واستدامة النكاح فإن الله غفور رحيم (226) أي لا يؤاخذهم بتلك اليمين بل ~~يغفر لهم ويرحمهم، وإن عزموا الطلاق العزم منهم عليه والقصد له فإن الله ~~سميع لذلك منهم عليم (227) به. فهذا معنى الآية لا شك فيه ولا شبهة. # فمن حلف أن لا يطأ امرأته ولم يقيد بمدة أو قيد بزيادة على أربعة أشهر ~~كان علينا إمهاله أربعة أشهر فإن مضت فهو بالخيار: إما رجع إلى نكاح امرأته ~~وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها أو طلقها وكان له حكم ~~المطلق امرأته ابتداء. وأما إذا وقت بدون أربعة أشهر فإن أراد أن يبر في ~~يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة كما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حين آلى من نسائه شهرا فإنه اعتزلهن حتى مضى الشهر، ~~وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة التي هي دون أربعة أشهر حنث في ~~يمينه ولزمته الكفارة، وكان ممتثلا لما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من ~~قوله: «من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن ~~يمينه» «1» . # وللسلف في الفيء أقوال مختلفة فينبغي الرجوع إلى الفيء لغة وقد بيناه. # وللصحابة والتابعين في هذا أقوال مختلفة متناقضة والمتعين ms062 الرجوع إلى ما ~~في الآية الكريمة وهو ما عرفناك فاشدد عليه يديك. # وأخرج عبد الرزاق عن عمر قال: إيلاء العبد شهران. # وأخرج مالك عن ابن شهاب قال: إيلاء العبد نحو إيلاء الحر. # [الآية الأربعون] والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق ~~بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن ~~درجة والله عزيز حكيم (228) . # والمطلقات يدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول، ثم خصص بقوله PageV01P080 # فما لكم عليهن من عدة تعتدونها [الأحزاب: 49] فوجب بقاء العام على الخاص ~~وخرجت من هذا العموم المطلقة قبل الدخول، وكذلك خرجت الحامل بقوله وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن [الطلاق: 4] وكذلك خرجت الآيسة لقوله تعالى فعدتهن ~~ثلاثة أشهر [الطلاق: 4] يتربصن بأنفسهن [البقرة: 228] . # التربص: الانتظار وقيل: هو خبر في معنى الأمر: أي ليتربصن، قصد بإخراجه ~~مخرج الخبر تأكيد وقوعه وزاده تأكيدا وقوعه خبرا للمبتدأ. # قال ابن العربي: وهذا باطل وإنما هو خبر عن حكم الشرع فإن وجدت مطلقة لا ~~تتربص فليس ذلك من الشرع ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله سبحانه على خلاف ~~مخبره. # ثلاثة قروء جمع قرء، قاله الجمهور، وقال الأصمعي: الواحد قرء بضم القاف ~~وتشديد الواو، وقال أبو زيد بالفتح: وكلاهما قال: أقرأت «1» المرأة: حاضت، ~~وأقرأت: طهرت. وقال الأخفش: أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت ~~قلت: قرأت بلا ألف. # وقال أبو عمرو بن العلاء: من العرب من يسمي الحيض قرءا ومنهم من يسمي ~~الطهر قرءا ومنهم من يجمعها جميعا فيسمي الحيض مع الطهر قرءا. # وينبغي أن يعلم أن القرء في الأصل: الوقت يقال: هبت الرياح لقرئها: أي ~~لوقتها. فيقال للحيض: قرء، وللطهر: قرء لأن كل واحد منهما له وقت معلوم، ~~وقد أطلقته العرب تارة على الاطهار وتارة على الحيض. # فالحاصل أن القرء في لغة العرب مشتركة بين الحيض والطهر ولأجل هذا ~~الاشتراك اختلف أهل العلم في تعيين ما هو المراد بالقروء المذكورة في ms063 ~~الآية، فقال أهل الكوفة: هو الحيض «2» وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي ~~موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي وأحمد بن حنبل «3» . ورجحه السيد ~~محمد الأمير في «سبل PageV01P081 # السلام» وذكرناه في «مسك الختام» . # وقال أهل الحجاز: هي الأطهار «1» وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت ~~والزهري وأبان بن عثمان والشافعي «2» . # قال الشوكاني في «فتح القدير» «3» : واعلم أنه قد وقع الاتفاق بينهم على ~~أن القرء الوقت فصار معنى الآية عند الجميع والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة ~~أوقات فهي على هذا مفسرة في العدد مجملة في المعدود، فوجب طلب البيان ~~للمعدود من غيرها: فأهل القول الأول استدلوا على أن المراد في هذه الآية ~~الحيض بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «دعي الصلاة أيام أقرائك» «4» وبقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان» «5» وبأن ~~المقصود من العدة استبراء الرحم وهو يحصل بالحيض لا بالطهر. # واستدل أهل القول الثاني بقوله تعالى: فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] ولا ~~خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر، وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: ~~«مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ... فتلك العدة التي ~~أمر الله بها النساء» «6» وذلك لأن الطهر هو الذي تطلق فيه النساء. # قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول: الأقراء ~~هي الأطهار، فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة ~~ولو لحظة ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة ~~خرجت من العدة. # انتهى. # وعندي أنه لا حجة في بعض ما احتج به أهل القولين جميعا. # أما قول الأولين إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «دعي الصلاة أيام ~~أقرائك» فغاية ما في هذا أن PageV01P082 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم أطلق الأقراء على الحيض ولا نزاع في جواز ~~ذلك- كما هو شأن اللفظ المشترك بأنه يطلق تارة على هذا وتارة على هذا- ~~وإنما النزاع في الأقراء المذكورة في هذه الآية، وأما قوله صلى الله ms064 عليه ~~وآله وسلم في الأمة «وعدتها حيضتان» فهو حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ~~ماجة والدارقطني والحاكم- وصححه- من حديث عائشة- مرفوعا- وأخرجه ابن ماجة ~~والبيهقي من حديث ابن عمر- مرفوعا- أيضا ودلالته على ما قاله الأولون قوية، ~~وأما قولهم إن المقصود من العدة استبراء الرحم وهو يحصل بالحيض لا بالطهر، ~~فيجاب عنه بأنه يتم لو لم يكن في هذه العدة شيء من الحيض على فرض تفسير ~~الإقراء بالإطهار وليس كذلك بل هي مشتملة على الحيض كما هي مشتملة على ~~الأطهار، وأما استدلال أهل القول الثاني بقوله تعالى: فطلقوهن لعدتهن ~~[الطلاق: 1] فيجاب بأن التنازع في اللام في قوله لعدتهن يصير ذلك محتملا، ~~ولا تقوم الحجة بمحتمل. أما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر ~~«مره فليراجعها» الحديث فهو الصحيح ودلالته قوية على ما ذهبوا إليه. ويمكن ~~أن يقال إنها تنقضي بالعدة بثلاثة أطهار وبثلاث حيض ولا مانع من ذلك فقد ~~جوز جمع من أهل العلم حمل المشترك على معنييه، وبذلك يجمع بين الأدلة ~~ويرتفع الخلاف ويندفع النزاع. # وقد استشكل الزمخشري تمييز الثلاثة بقوله قروء وهي جمع كثرة دون أقراء ~~التي هي من جموع القلة وأجاب بأنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من ~~الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية. # ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن قيل: المراد به الحيض، ~~وقيل: # الحمل، وقيل: كلاهما. # ووجه النهي عن الكتمان ما فيه في بعض الأحوال من الإضرار بالزوج وإذهاب ~~حقه فإذا قالت المرأة: حضت ولم تحض ذهبت بحقه من الارتجاع وإذا قالت هي: # لم تحض وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به. وكذلك الحمل ~~ربما تكتمه لتقطع حقه من الارتجاع وربما تدعيه لتوجب عليه النفقة ونحو ذلك ~~من المقاصد المستلزمة للإضرار بالزوج. # وقد اختلفت الأقوال في المدة التي تصدق فيها المرأة إذا ادعت انقضاء ~~عدتها. # وفي الآية دليل على قبول قولهن في ذلك نفيا وإثباتا. # PageV01P083 # وقوله إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر فيه وعيد شديد للكتمان، وبيان أن من ~~كتمت ms065 ذلك منهن لم تستحق اسم الإيمان. # وبعولتهن جمع بعل وهو الزوج سمي بعلا لعلوه على الزوجة لأنهم يطلقونه على ~~الرب. ومنه قوله تعالى أتدعون بعلا [الصافات: 125] أي ربا، ويقال بعول ~~وبعولة كما يقال في جمع الذكر: ذكور وذكورة، وهذه التاء لتأنيث الجمع وهو ~~شاذ لا يقاس عليه بل يعتبر فيه السماع. والبعولة أيضا يكون مصدرا من بعل ~~الرجل يبعل، مثل منع يمنع أي صار بعلا. # وقوله أحق بردهن أي برجعتهن والإتيان بصيغة التفضيل لإفادة أن الرجل إذا ~~أراد الرجعة والمرأة تأباها وجب إيثار قوله على قولها وليس معناه أن لها ~~حقا في الرجعة. # قاله أبو السعود، وذلك يختص بمن كان يجوز للزوج مراجعتها فيكون في حكم ~~التخصيص لعموم قوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن لأنه يعم المثلثات وغيرهن في ~~ذلك: يعني مدة التربص، فإذا انقضت مدة التربص فهي أحق بنفسها، ولا تحل له ~~إلا بنكاح مستأنف بولي وشهود ومهر جديد، ولا خلاف في ذلك. والرجعة تكون ~~باللفظ وتكون بالوطء ولا يلزم المراجع شيء من أحكام النكاح بلا خلاف إن ~~أرادوا إصلاحا أي بالمراجعة أي إصلاح حاله معها وحالها معه، فإن قصد ~~الإضرار بها فهي محرمة لقوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا قيل: إذا قصد ~~بالرجعة الضرار فهي صحيحة، وإن ارتكب بذلك محرما وظلم نفسه، وعلى هذا فيكون ~~الشرط المذكور في الآية للحث للأزواج على قصد الصلاح والزجر لهم عن قصد ~~الضرار وليس المراد به جعل قصد الإصلاح شرطا لصحة الرجعة. # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف: أي لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما ~~للرجال عليهن، فيحسن عشرتها بما هو معروف من عادة الناس أنهم يفعلونه ~~لنسائهم، وهي كذلك تحسن عشرة زوجها بما هو معروف من عادة النساء أنهن ~~يفعلنه لأزواجهن من طاعة وتزين وتحبب ونحو ذلك. # وللرجال عليهن درجة: أي منزلة ليست لهن وهي قيامه عليه في الإنفاق، وكونه ~~من أهل الجهاد والعقل والقوة وله من الميراث أكثر مما لها وكونه يجب عليها ~~امتثال أمره والوقوف عند رضاه ولو لم يكن ms066 من فضيلة الرجال على النساء إلا ~~كونهن خلقهن # PageV01P084 # من الرجال لما ثبت أن حواء خلقت من ضلع آدم. # وقد أخرج أهل السنن عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: «ألا إن لكم على نسائكم حقا وإن لنسائكم عليكم حقا: أما حقكم على ~~نسائكم فإن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون. ألا ~~وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» «1» وصححه الترمذي. # وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم- وصححه- ~~والبيهقي عن معاوية بن حيدة القشيري أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: «ما حق المرأة على الزوج؟ # قال: أن تطعمها إذا أطعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تهجر ~~إلا في البيت» «2» . # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله وللرجال عليهن درجة قال: ~~فضل ما فضله الله به عليها من الجهاد وفضل ميراثه على ميراثها وكل ما فضل ~~به عليها. # [الآية الحادية والأربعون] الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ~~فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله ~~فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) . # أي عدد الطلاق الذي يثبت فيه الرجعة، فالمراد بالطلاق هنا هو الرجعي ~~بدليل ما تقدم في الآية الأولى هو مرتان أي الطلقة الأولى والثانية ولا ~~رجعة بعد الثالثة. وإنما قال سبحانه مرتان ولم يقل طلقتان إشارة إلى أنه ~~ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة، لا طلقتان دفعة واحدة، كذا قال جماعة من ~~المفسرين، ولما لم يكن بعد الطلقة الثانية إلا PageV01P085 # أحد أمرين: إما إيقاع الثالثة التي بها «1» تبين الزوجة أو الإمساك لها ~~استدامة نكاحها، وعدم إيقاع الثالثة عليها. # قال سبحانه فإمساك بعد الرجعة لمن طلقها زوجها طلقتين بمعروف أي بما هو ~~معروف عند الناس من حسن العشرة. أو تسريح بإحسان أي بإيقاع طلقة ms067 ثالثة ~~عليها من دون ضرار لها. # وقيل: المراد إمساك بمعروف أي: برجعة بعد الطلقة الثانية أو تسريح بإحسان ~~أي: بترك الرجعة بعد الثانية حتى تنقضي عدتها، والأول أظهر. # وقد اختلف أهل العلم في إرسال الثلاث دفعة واحدة هل يقع ثلاثا أو واحدة ~~فقط؟ فذهب إلى الأول الجمهور، وذهب إلى الثاني من عداهم وهو الحق. # قال الشوكاني في «فتح القدير» «2» : وقد قررته في مؤلفاتي تقريرا بالغا ~~وأفردته برسالة مستقلة انتهى. # قلت: وهو الذي اختاره شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن ~~تيمية الحراني والشيخ الحافظ الإمام محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزية ~~الدمشقي وغيرهما جمع من الأئمة الأعلام قديما وحديثا. # وقد بسطت القول فيه في شرحي لبلوغ المرام بأبلغ تقرير وأفصح نظام. # ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الخطاب للأزواج أي لا يحل لهم ~~أن يأخذوا مما دفعوه إلى نسائهم من المهر شيئا على وجه المضارة لهن. # وتنكير «شيئا» للتحقير أي شيئا نزرا فضلا عن الكثير. # وخص ما دفعوه إليهن بعدم حل الأخذ منه مع كونه لا يحل للأزواج أن يأخذوا ~~شيئا من أموالهن التي يملكنها من غير المهر لكون ذلك هو الذي تتعلق به نفس ~~الزوج ويتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ملكها على أنه إذا كان أخذ ما ~~دفعه إليها لا يحل له، كان ما عداه ممنوعا منه بالأولى. # وقيل: الخطاب للأئمة والحكام ليطابق قوله: فإن خفتم فإن الخطاب فيه ~~للأئمة PageV01P086 # والحكام وعلى هذا يكون إسناد الأخذ إليهم لكونهم الآمرين بذلك. # والأول أولى لقوله: مما آتيتموهن فإن إسناده إلى غير الأزواج بعيد جدا ~~لأن إيتاء الأزواج لم يكن عن أمرهم. # وقيل: إن الثاني أولى لئلا يشوش النظم. # إلا أن يخافا: أي لا يجوز لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله: أي عدم إقامة حدود الله التي حدها للزوجين، وأوجب ~~عليهما الوفاء بها من حسن العشرة والطاعة. # فإن خفتم ألا يقيما حدود الله: أي إذا خاف ms068 الأئمة والحكام أو المتوسطون ~~بين الزوجين وإن لم يكونوا أئمة وحكاما، عدم إقامة حدود الله من الزوجين ~~وهي ما أوجبه عليهما. # فلا جناح عليهما فيما افتدت به: أي لا جناح على الرجل ولا على المرأة في ~~الإعطاء بأن تفتدي نفسها من ذلك النكاح ببذل شيء من المال يرضى به الزوج ~~فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع. # وقد ذهب الجمهور إلى جواز ذلك للزوج، وأنه يحل له الأخذ مع ذلك الخوف «1» ~~. وهو الذي صرح به القرآن. وحكى ابن المنذر عن بعض أهل العلم أنه لا يحل له ~~ما أخذ ولا يجبر على رده وهذا في غاية السقوط. وقرأ حمزة إلا أن يخافا على ~~البناء للمجهول والفاعل محذوف وهو الأئمة والحكام واختاره أبو عبيد. قال: # لقوله: فإن خفتم فجعل الخوف لغير الزوجين، وقد احتج بذلك من جعل الخلع ~~إلى السلطان وهو سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين. # وقد ضعف النحاس اختيار أبي عبيد المذكور. PageV01P087 # وقد حكي عن بكر بن عبد الله المزني أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى في ~~سورة النساء وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) [النساء: 20] . وهو قول ~~خارج عن الإجماع ولا تنافي بين الآيتين. # وقد اختلف أهل العلم إذا طلب الزوج من المرأة زيادة على ما دفعه إليها من ~~المهر وما يتبعه ورضيت بذلك المرأة هل يجوز أم لا؟ # وظاهر القرآن الجواز لعدم تقييده بمقدار معين، وبهذا قال مالك والشافعي ~~وأبو ثور وروي مثل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين. # وقال طاووس وعطاء والأوزاعي «1» وأحمد وإسحاق أنه لا يجوز. # وقد ورد في ذم المختلعات أحاديث منها حديث ثوبان قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: # «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» ~~«2» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه، وابن ماجة والحاكم، وصححه. # وقال: «المختلعات هن المنافقات» «3» . رواه أحمد وأبو داود والترمذي، ~~وحسنه، وابن ماجة وابن جرير والحاكم، وصححه، والبيهقي أيضا. # ومنها ms069 عن ابن عباس- عند ابن ماجة- أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: «لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة وإن ريحها ~~لتوجد مسيرة أربعين عاما» «4» . # وقد اختلف أهل العلم في عدة المختلعة: والراجح أنها تعتد بحيضة لما أخرجه ~~أبو داود والترمذي، وحسنه، والنسائي والحاكم، وصححه، عن ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم PageV01P088 # أمر امرأة ثابت بن قيس أن تعتد بحيضة «1» . وفي الباب أحاديث. ولم يرو ما ~~يعارض هذا من المرفوع بل ورد عن جماعة من الصحابة والتابعين أن عدة ~~المختلعة كعدة الطلاق. # وبه قال الجمهور. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة ~~وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأن المختلعة من جملة المطلقات فهي داخلة تحت ~~عموم القرآن. # والحق ما ذكرناه لأن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخصص عموم ~~القرآن. وتمام البحث في «مسك الختام شرح بلوغ المرام» فليرجع إليه، وفي ~~الباب أحاديث في ذم التحليل وفاعله فليعلم. # [الآية الثانية والأربعون] فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك ~~حدود الله يبينها لقوم يعلمون (230) . # فإن طلقها: أي الطلقة الثالثة التي ذكرها سبحانه بقوله: أو تسريح بإحسان: # أي فإن وقع منه ذلك فقد حرمت عليه بالتثليث فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره: # أي حتى تتزوج بزوج آخر. # وقد أخذ بظاهر الآية سعيد بن المسيب ومن وافقه قالوا: يكفي مجرد العقد ~~لأنه المراد بقوله حتى تنكح زوجا غيره. # وذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنه لا بد مع العقد من الوطء لما ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اعتبار ذلك، وهو زيادة يتعين قبولها، ~~ولعله لم يبلغ سعيد بن المسيب ومن تابعه. # وفي الآية دليل على أنه لا بد من أن يكون ذلك نكاحا شرعيا مقصودا لذاته ~~لا حيلة إلى التحليل وذريعة إلى ردها إلى الزوج الأول ms070 فإن ذلك حرام بالأدلة ~~الواردة في ذمه وذم فاعله وأنه التيس المستعار الذي لعنه الشارع ولعن من ~~اتخذه لذلك. # وقد بسط الكلام على هذا الحافظ ابن القيم رحمه الله في «إعلام ~~PageV01P089 # الموقعين» «1» و «إغاثة اللهفان» «2» . # فإن طلقها: أي الزوج الثاني فلا جناح عليهما: أي الزوج الأول والمرأة أن ~~يتراجعا: أي يرجع كل واحد منهما لصاحبه. # قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثا ثم ~~انقضت عدتها ونكحت زوجا ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم نكحها الزوج ~~الأول فإنها تكون عنده على ثلاث تطليقات «3» . إن ظنا أن يقيما حدود الله ~~أي حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر. وأما إذا لم يحصل ظن ذلك: ~~بأن يعلما أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله أو ترددا أو أحدهما ولم يحصل ~~لهما الظن فلا يجوز الدخل في هذا النكاح لأنه مظنة المعصية لله والوقوع ~~فيما حرمه على الزوجين. # [الآية الثالثة والأربعون] وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم ~~نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من ~~الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) . # البلوغ إلى الشيء: معناه الحقيقي الوصول إليه، ولا يستعمل البلوغ بمعنى ~~المقاربة إلا مجازا لعلاقة مع قرينة- كما هنا- فإنه لا يصح إرادة المعنى ~~الحقيقي لأن المرأة إذا بلغت آخر جزء من مدة العدة وجاوزته إلى الجزء الذي ~~هو الأجل للانقضاء فقد خرجت من العدة، ولم يبق للزوج عليها سبيل. # قال القرطبي في «تفسيره» «4» إن معنى بلغن هنا قاربن بإجماع العلماء. ~~وقال: # ولأن المعنى يضطر إلى ذلك لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك. # والإمساك بمعروف: هو القيام بحقوق الزوجية واستدامتها. بل اختاروا ~~PageV01P090 # أحد أمرين: # إما الإمساك بمعروف من غير قصد إضرار. # أو التسريح «1» بإحسان: أي تركها حتى تنقضي عدتها من غير مراجعة ضرار. # ولا تمسكوهن ضرارا كما كانت تفعل الجاهلية من ms071 طلاق المرأة حتى [يقرب] «2» ~~انقضاء عدتها، ثم مراجعتها لا عن حاجة ولا لمحبة، ولكن لقصد تطويل العدة ~~وتوسيع مدة الانتظار ضرارا لقصد الاعتداء منكم عليهن والظلم لهن. # وأخرج ابن ماجة وابن جرير والبيهقي عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: «ما بال أقوام يلعبون بحدود الله!! يقول قد طلقتك، قد ~~راجعتك، قد طلقتك، قد راجعتك!! ليس هذا طلاق المسلمين طلقوا المرأة في قبل ~~عدتها «3» . # [الآية الرابعة والأربعون] وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) ~~. # الخطاب في هذه الآية بقوله: وإذا طلقتم وبقوله: فلا تعضلوهن إما أن يكون ~~للأزواج، ويكون معنى العضل منهم أن يمنعوهن من أن يتزوجن من أردن من ~~الأزواج بعد انقضاء عدتهن لحمية الجاهلية، كما يقع كثيرا من الخلفاء ~~والسلاطين غيرة على من كان تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم، لأنهم لما ~~نالوه من رياسة الدنيا وما صاروا فيه من النخوة والكبرياء يتخيلون أنهم ~~[قد] «4» خرجوا من جنس بني آدم إلا من عصمة الله منهم بالورع والتواضع وإما ~~أن يكون الخطاب للأولياء، ويكون معنى إسناد الطلاق إليهم أنه سبب له لكونهم ~~المزوجين للنساء المطلقات من الأزواج المطلقين لهن. PageV01P091 # وبلوغ الأجل المذكور هنا المراد به المعنى الحقيقي: أي نهايته لا كما سبق ~~في الآية الأولى. # والعضل: الحبس وقيل التضييق، والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس، وكل مشكل ~~عند العرب معضل. وداء عضال: أي شديد عسير البرء. # وقوله أزواجهن، إن أريد به المطلقون لهن فهو مجاز باعتبار ما كان، وإن ~~أريد به من يردن أن يتزوجنه فهو مجاز أيضا باعتبار ما سيكون، وقد أخرج ~~البخاري وأهل السنن وغيرهم عن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت فأتاني ابن عم ~~فأنكحتها إياه فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقا لم يراجعها حتى انقضت ~~العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع ms072 الخطاب فقلت له: يا لكع أكرمتك به ~~وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبدا! وكان رجلا لا ~~بأس وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى ~~بعلها فأنزل الله: وإذا طلقتم النساء الآية «1» . قال: ففي نزلت هذه الآية ~~فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه. # [الآية الخامسة والأربعون] والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس ~~إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك ~~فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله ~~واعلموا أن الله بما تعملون بصير (233) . # لما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الرضاع فإن الزوجين قد يفترقان ~~وبينهما ولد، ولهذا قيل: إن هذا خاص في المطلقات وقيل: هو عام. # حولين كاملين تأكيد للدلالة على كون هذا التقدير تحقيقا لا تقريبا. # وفيه رد على أبي حنيفة في قوله: إن مدة الرضاع ثلاثون شهرا وكذا على زفر، ~~PageV01P092 # وفي قوله تعالى: لمن أراد أن يتم الرضاعة دليل على أن إرضاع الحولين ليس ~~حتما بل هو التمام ويجوز الاقتصار على ما دونه والآية تدل على وجوب الرضاعة ~~على الأم لولدها. # وقد حمل ذلك على ما إذا لم يقبل الرضيع غيرها. وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن أي على الأب الذي يولد له. وآثر هذا اللفظ دون [قوله] «1» وعلى ~~الوالد للدلالة على أن الأولاد للآباء لا للأمهات، ولهذا ينسبون إليهم ~~دونهن كأنهن إنما ولدن لهم فقط. ذكر معناه في «الكشاف» . والمراد بالرزق ~~هنا الطعام الكافي المتعارف به بين الناس، والمراد بالكسوة ما يتعارفون به ~~أيضا. # وفي ذلك دليل على وجوب ذلك على الآباء للأمهات المرضعات. وهذا في ~~المطلقات طلاقا بائنا وأما غيرهن فنفقتهن وكسوتهن واجبة على الأزواج من غير ~~إرضاعهن لأولادهن. # لا تكلف نفس إلا وسعها هو تقييد لقوله: بالمعروف أي هذه النفقة والكسوة ms073 ~~الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت وسعه ~~وطاقته لا ما يشق عليه ويعجز عنه. # وقيل: المراد لا يكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة ولا يكلف الزوج ~~ما هو إسراف بل يراعى القصد. # لا تضار والدة بولدها على البناء للفاعل والمفعول: أي لا تضار الأب بسبب ~~الولد بأن تطلب منه ما لا يقدر عليه من الرزق والكسوة أو بأن تفرط في حفظ ~~الولد والقيام بما يحتاج إليه. أو لا تضار من زوجها بأن يقصر عليها في شيء ~~مما يجب عليه أو ينتزع ولدها منها بلا سبب. # ويجوز أن تكون الباء في قوله: بولدها صلة لقوله: تضار على أنه بمعنى تضر ~~أي لا تضر والدة بولدها فتسيء تربيته أو تقصر في غذائه. # وأضيف الولد تارة إلى الأب وتارة إلى الأم لأن كل واحد منهما يستحق أن ~~ينسب إليه مع ما في ذلك من الاستعطاف. وهذه الجملة تفصيل للجملة التي قبلها ~~وتقرير لها: PageV01P093 # أي لا يكلف كل واحد منهما ما لا يطيقه فلا تضاره بسبب ولده. # وعلى الوارث مثل ذلك معطوف على قوله: وعلى المولود: وما بينهما تفسير ~~للمعروف أو تعليل له معترض بين المعطوف والمعطوف عليه. # واختلف أهل العلم في معنى قوله هذا: فقيل: هو وارث الصبي: أي إذا مات ~~المولود له كان على وارث هذا الصبي المولود وإرضاعه كما كان يلزم أباه ذلك. ~~قاله عمر بن الخطاب وقتادة والسدي والحسن ومجاهد وعطاء وأحمد وإسحاق وأبو ~~حنيفة وابن أبي ليلى على خلاف بينهم: هل يكون الوجوب على من يأخذ نصيبا من ~~الميراث؟ # أو على الذكور فقط؟ أو على كل ذي رحم له وإن لم يكن وارثا منه؟ # وقيل: المراد بالوارث وارث الأب يجب عليه نفقة المرضعة وكسوتها بالمعروف. # قاله الضحاك. # وقال مالك في تفسير هذه الآية بمثل ما قاله الضحاك ولكنه قال: إنها ~~منسوخة وإنها لا تلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا ذي رحم منه، وشرطه ~~الضحاك بأن لا يكون للصبي مال، ms074 وإن كان له مال أخذت أجرة رضاعه من ماله. # وقيل: المراد بالوارث المذكور في الآية هو الصبي نفسه: أي عليه من ماله ~~إرضاع نفسه إذا مات أبوه وورث من ماله، قاله قبيصة بن ذؤيب وبشير بن نصر ~~قاضي عمر بن عبد العزيز وروي عن الشافعي. # وقيل: هو الباقي من والدي المولود بعد موت الآخر منهما، فإذا مات الأب ~~كان على الأم كفاية الطفل إذا لم يكن له مال، قاله سفيان الثوري. # وقيل: إن معنى قوله: وعلى الوارث مثل ذلك: أي وارث المرضعة يجب عليه أن ~~يصنع بالمولود كما كانت الأم تصنعه به من الرضاع والخدمة والتربية. # وقيل: إن معنى على الوارث: أنه يحرم عليه الإضرار بالأم كما يحرم على ~~الأب، وبه قالت طائفة من أهل العلم، قالوا: وهذا هو الأصل فمن ادعى أنه ~~يرجع فيه العطف إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل. # قال القرطبي: وهو الصحيح إذ لو أراد الجميع الذي هو الرضاع والإنفاق وعدم ~~الضرر لقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء فدل على أنه معطوف على المنع من المضارة # PageV01P094 # وعلى ذلك تأوله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب. # قال ابن عطية وقال مالك وجميع أصحابه والشعبي والزهري والضحاك وجماعة من ~~العلماء: المراد بقوله مثل ذلك أن لا تضار، وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء ~~منه. وحكى ابن القاسم عن مالك مثل ما قدمنا عنه من دعوى النسخ. ولا يخفى ~~عليك ضعف ما ذهبت إليه هذه الطائفة فإن ما خصصوا به معنى قوله: وعلى الوارث ~~مثل ذلك من ذلك المعنى- أي عدم الإضرار بالمرضعة- قد أفاده قوله لا تضار ~~والدة بولدها، يصدق ذلك على كل مضارة ترد عليها من المولود له أو غيره. # وأما قول القرطبي: لو أراد الجميع لقال مثل هؤلاء، فلا يخفى ما فيه من ~~الضعف البين، فإن اسم الاشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد بتأويل المذكور ~~أو نحوه. # وأما ما ذهب إليه أهل القول الأول من أن المراد بالوارث وارث الصبي، ~~فيقال عليه إنه لم يكن وارثا حقيقة مع ms075 وجود الصبي حيا، بل هو وارث مجازا ~~باعتبار ما يؤول إليه. # وأما ما ذهب إليه أهل القول الثاني فهو وإن كان فيه حمل الوارث على معناه ~~الحقيقي لكن في إيجاب النفقة عليه مع غنى الصبي ما فيه ولهذا قيده القائل ~~به بأن يكون الصبي فقيرا. ووجه الاختلاف في تفسير الوارث ما تقدم من ذكر ~~الوالدة والمولود له والولد، فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم. # فإن أرادا فصالا الضمير للوالدين، والفصال: الفطام عن الرضاع أي التفريق ~~بين الصبي والثدي، ومنه سمي الفصيل لأنه مفصول عن أمه. # عن تراض منهما أي صادرا عن تراض من الأبوين إذا كان الفصال قبل الحولين. # وتشاور أي استخراج رأي من أهل العلم في ذلك حتى يخبروا أن الفطام قبل ~~الحولين لا يضر بالولد. # فلا جناح عليهما في ذلك الفصال لما بين الله سبحانه أن مدة الرضاع حولين ~~كاملين قيد ذلك بقوله لمن أراد أن يتم الرضاعة وظاهره أن الأب وحده إذا ~~أراد أن يفصل الصبي قبل الحولين كان ذلك جائزا له. وهنا اعتبر سبحانه تراضي ~~الأبوين وتشاورهما فلا بد من الجمع بين الأمرين بأن يقال: إن الإرادة ~~المذكورة في قوله لمن أراد أن يتم # PageV01P095 # الرضاعة # لا بد أن تكون منهما، أو يقال: إن تلك الإرادة إذا لم يكن الأبوان للصبي ~~حيين بأن يكون الموجود أحدهما أو كانت المرضعة للصبي غير أمه. # وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم قال الزجاج: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم ~~غير الوالدة. وعن سيبويه أنه حذف اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين والمفعول ~~الأول محذوف. # والمعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم. # فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم قيل: والمعنى أنه لا بأس عليكم أن ~~تسترضعوا أولادكم غير أمهاتهم إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما قد ~~أرضعن لكم إلى وقت إرادة الاسترضاع، قاله سفيان الثوري ومجاهد. # وقال قتادة والزهري: إن معنى الآية: إذا سلمتم ما آتيتم من إرادة ~~الاسترضاع، أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي كان ذلك عن اتفاق منهما وقصد ~~خير وإرادة ms076 معروف من الأمر. وعلى هذا فيكون قوله: سلمتم، عاما للرجال ~~والنساء تغليبا. # وعلى القول الأول الخطاب للرجال فقط. وقيل: المعنى إذا سلتم لمن أردتم ~~استرضاعها أجرها فيكون المعنى إذا سلمتم ما أردتم إيتاءه: أي إعطاءه إلى ~~المرضعات بالمعروف بما يتعارفه الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة لهن أو ~~حط بعض ما هو لهن من ذلك فإن عدم توفير أجرهن يبعثهن على التساهل بأمر ~~الصبي والتفريط بشأنه. # [الآية السادسة والأربعون] والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في ~~أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير (234) . # لما ذكر سبحانه عدة الطلاق واتصل بذكرها ذكر الإرضاع عقب ذلك بذكر عدة ~~الوفاة لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق. # قال الزجاج: ومعنى الآية والرجال الذين يتوفون منكم ولهم زوجات فالزوجات ~~يتربصن. # PageV01P096 # وقال أبو علي الفارسي تقديره: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بعدهم. # وقيل: التقدير: وأزواج الذين إلخ. ذكره صاحب «الكشاف» ، وفيه أن قوله ~~ويذرون أزواجا لا يلائم ذلك التقدير، لأن الظاهر من النكرة المعادة ~~المغايرة ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار أن الجنين ربما يضعف ~~عن الحركة فتتأخر حركته قليلا ولا يتأخر عن هذا الأجل. وظاهر هذه الآية ~~العموم وأن كل من مات عنها زوجها تكون عدتها هذه العدة ولكنه قد خصص هذا ~~العموم قوله: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] وإلى هذا ذهب ~~الجمهور وروي عن بعض الصحابة وجماعة من أهل العلم أن الحامل تعتد بآخر ~~الأجلين جمعا بين العام والخاص وإعمالا لهما. # والحق ما قاله الجمهور والجمع بين العام والخاص على هذه الصفة لا يناسب ~~قوانين اللغة ولا قواعد الشرع. ولا معنى لإخراج الخاص من بين أفراد العام ~~إلا بيان أن حكمه مغاير لحكم العام ومخالف [له] «1» . وقد صح عنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه أذن لسبيعة الأسلمية أن تتزوج بعد الوضع «2» . # والتربص: التأني والتصبر عن النكاح وظاهر الآية عدم الفرق بين الصغيرة ~~والكبيرة والحرة ms077 والأمة وذات الحيض والآيسة، وإن عدتهن جميعا للوفاة أربعة ~~أشهر وعشرا. # وقيل: إن عدة الأمة نصف عدة الحرة شهران وخمسة أيام. قال ابن العربي: # إجماعا إلا ما يحكى عن الأصم فإنه يسوي بين الحرة والأمة. # وقال الباجي: ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما يروى عن ابن سيرين أنه قال ~~عدتها عدة الحرة، وليس بالثابت عنه. ووجه ما ذهب إليه الأصم وابن سيرين ما ~~في هذه الآية من العموم ووجه ما ذهب إليه من عداهما قياس عدة الوفاة على ~~الحد فإنه ينصف للأمة لقوله تعالى: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب. ~~وقد تقدم حديث: PageV01P097 # طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان وهو صالح للاحتجاج به، وليس المراد ~~منه إلا جعل طلاقها على النصف من طلاق الحرة وعدتها على النصف من عدتها ~~ولكنه لما لم يمكن «1» أن يقال طلاقها تطليقة ونصف، وعدتها حيضة ونصف لكون ~~ذلك لا يعقل، كانت عدتها وطلاقها ذلك القدر المذكور في الحديث جبرا للكسر، ~~ولكن هاهنا أمر يمنع من هذا القياس الذي عمل به الجمهور وهو أن الحكمة في ~~جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا هو ما قدمناه من معرفة خلوها من الحمل ولا ~~يعرف إلا بتلك المدة ولا فرق بين الحرة والأمة في مثل ذلك بخلاف كون عدتها ~~في غير الوفاة حيضتين، فإن ذلك يعرف به خلو الرحم ويؤيد عدم الفرق ما سيأتي ~~في عدة أم الولد. # واختلف أهل العلم في أم الولد يموت سيدها: فقال سعيد بن المسيب ومجاهد ~~وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين والزهري وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي ~~وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في رواية عنه: إنها تعتد بأربعة أشهر وعشرا ~~لحديث عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم! عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشرا «2» . ~~وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم، وصححه، وضعفه أحمد وأبو عبيد. ~~وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف. وقال طاووس وقتادة: عدتها شهران وخمس ~~ليال وقال ms078 أبو حنيفة «3» وأصحابه والثوري وحسن بن صالح: تعتد ثلاث حيض وهو ~~قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي. # وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه «4» : عدتها حيضة وغير الحائض ~~شهر وبه يقول ابن عمر والشعبي ومكحول والليث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور. # وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول، ~~وإن PageV01P098 # كانت متقدمة في التلاوة. # فإذا بلغن أجلهن: المراد بالبلوغ هنا انقضاء العدة فلا جناح عليكم فيما ~~فعلن في أنفسهن من التزين والتعرض للخطاب بالمعروف الذي لا يخالف شرعا ولا ~~عادة مستحسنة. # وقد استدل بذلك على وجوب الإحداد على المعتدة. وقد ثبت ذلك في الصحيحين ~~وغيرهما- من غير وجه- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة ~~أشهر وعشرا» «1» . وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيحين ~~وغيرهما النهي عن الكحل لمن هي في عدة الوفاة «2» . # والإحداد: ترك الزينة من الطيب ولبس الثياب الجيدة والحلي وغير ذلك. # واختلفوا في عدة البائنة على قولين واحتج أصحاب الإمام أبي حنيفة على ~~جواز النكاح بغير ولي بهذه الآية لأن إضافة الفعل إلى الفاعل محمولة على ~~المباشرة وأجيب بأنه خطاب للأولياء ولو صح العقد بدونهم لما كانوا مخاطبين. ~~ومحل كل ذلك كتب الفروع. # [الآية السابعة والأربعون] ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ~~أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا ~~أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) . # الجناح: الإثم، أي لا إثم عليكم. # والتعريض «3» ضد التصريح وهو من عرض الشيء أي: جانبه كأنه يحوم حول ~~PageV01P099 # الشيء ولا يظهره. فالمعرض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاما يفهم معناه. # قال في «الكشاف» : الفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء ~~بغير لفظه الموضوع له. # والتعريض: أن تذكر شيئا ms079 يدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج ~~للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا: وحسبك ~~بالتسليم مني تقاضيا. # وكأنه إمالة «1» الكلام إلى عرض يدل على الغرض ويسمى التلويح لأنه «2» ~~يلوح منه إلى ما يريده. انتهى. # والخطبة: بالكسر ما يفعله الطالب من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل، ~~وأما الخطبة بضم الخاء فهي: الكلام الذي يقوم به الرجل خاطبا. # أو أكننتم في أنفسكم معناه سترتم وأضمرتم من التزويج بعد انقضاء العدة. # والإكنان: التستر والإخفاء ومنه بيض مكنون ودر مكنون. # علم الله أنكم ستذكرونهن أي لا تصبرون عن النطق لهن برغبتكم فيهن فرخص ~~لكم في التعريض دون التصريح. # ولكن لا تواعدوهن سرا، معناه على سر. وقد اختلف أهل العلم في معنى السر: ~~فقيل أي نكاحا، وإليه ذهب جمهور العلماء أي: لا يقل الرجل لهذه المعتدة: # تزوجيني بل يعرض تعريضا. # وقيل: السر الزنا، أي: لا يكون منكم مواعدة على الزنا في العدة ثم التزوج ~~بعدها. قاله جابر بن زيد وأبو مجلز والحسن وقتادة والضحاك والنخعي واختاره ~~ابن جرير الطبري. # وقيل: السر: الجماع، أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في ~~النكاح وإلى هذا ذهب الشافعي في معنى الآية. # قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر ~~PageV01P100 # جماع أو تحريض عليه لا يجوز. وقال أيضا: أجمعت الأمة على كراهة المواعدة ~~في العدة للمرأة في نفسها وللأب في ابنته البكر وللسيد في أمته. # إلا أن تقولوا قولا معروفا قيل: هو استثناء منقطع بمعنى: لكن. والقول ~~المعروف: هو ما أبيح من التعريض، ومنع صاحب «الكشاف» أن يكون منقطعا وقال: # هو مستثنى من قوله: لا تواعدوهن أي مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير ~~منكرة فجعله على هذا الاستثناء مفرغا ووجه كونه منقطعا أنه يؤدي إلى جعل ~~التعريض موعودا وليس كذلك لأن التعريض طريق المواعدة لا أنه الموعود في ~~نفسه. # ولا تعزموا عقدة النكاح أي على عقدة النكاح وحذف على. قال سيبويه في هذه ~~الآية: ms080 لا يقاس عليه. وقال النحاس: أي لا تعقدوا عقدة النكاح لأن معنى ~~تعزموا وتعقدوا واحد. وقيل: إن العزم على الفعل يتقدمه فيكون في هذا النهي ~~مبالغة لأنه إذ نهى عن التقدم على الشيء كان النهي عن ذلك الشيء بالأولى. ~~حتى يبلغ الكتاب أجله: # يريد حتى تنقضي العدة، والكتاب هنا: هو الحد والقدر الذي رسم من المدة ~~سماه كتابا لكونه محدودا ومفروضا كقوله تعالى: إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا (130) [النساء: 103] . وهذا الحكم- أعني تحريم عقد النكاح في ~~العدة- مجمع عليه. # [الآية الثامنة والأربعون] لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ~~أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا ~~بالمعروف حقا على المحسنين (236) . # المراد بالجناح هنا: التبعة من المهر ونحوه، فرفعه رفع لذلك: أي لا تبعة ~~عليكم بالمهر ونحوه إن طلقتم النساء على الصفة المذكورة ما لم تمسوهن ما ~~مصدرية ظرفية بتقدير المضاف: أي مدة عدم مسيسكم. وقيل: شرطية من باب اعتراض ~~الشرط على الشرط ليكون الثاني قيدا للأول، والمعنى: إن طلقتموهن غير ماسين ~~لهن. وقيل: # موصولة: أي إن طلقتم النساء اللائي لم تمسوهن. # وهكذا اختلفوا في قوله أو تفرضوا لهن فريضة فقيل: «أو» بمعنى «إلا» أي: ~~إلا أن تفرضوا. # PageV01P101 # وقيل: «بمعنى إلا» : أي: إلا أن تفرضوا. # وقيل: بمعنى حتى: أي حتى تفرضوا. # وقيل: بمعنى الواو: أي وتفرضوا. ولست أرى لهذا التطويل وجها. ومعنى الآية ~~أوضح من أن يلتبس فإن الله سبحانه رفع الجناح عن المطلقين ما لم يقع أحد ~~الأمرين أي مدة انتفاء ذلك الأحد، ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء ~~الأمرين معا، فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل. وإن وجد الفرض وجب ~~نصفه مع عدم المسيس، وكل واحد منهما جناح أي المسمى أو مهر المثل أو نصفه. # واعلم أن المطلقات أربع: مطلقة مدخول بها مفروض لها- وهي التي تقدم ذكرها ~~قبل هذه الآية- وفيها نهى الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهن شيئا وأن عدتهن ~~ثلاثة قروء. # ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها- وهي المذكورة ms081 هنا- فلا مهر لها بل ~~المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة لها. # ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا: وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة. # ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها وهي المذكورة في قوله فما استمتعتم به ~~منهن فآتوهن أجورهن. والمراد بقوله: ما لم تمسوهن: ما لم تجامعوهن. والمراد ~~بالفريضة هنا: تسمية المهر. # ومتعوهن: أي: أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن، وظاهر الأمر الوجوب وبه قال ~~علي وابن عمر والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة ~~والضحاك. # ومن أدلة الوجوب قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن ~~سراحا جميلا (49) [الأحزاب: 49] . # وقال مالك وأبو عبيد والقاضي شريح وغيرهم: أن المتعة للمطلقة المذكورة ~~مندوبة لا واجبة لقوله تعالى حقا على المحسنين (236) [البقرة: 236] أي: أن ~~الوفاء بذلك والقيام به شأن أهل التقوى، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي الله ~~سبحانه. # PageV01P102 # وقد وقع الخلاف أيضا: هل المتعة مشروعة لغير هذه المطلقة قبل المسيس ~~والفرض أو ليست بمشروعة إلا لها فقط؟ # فقيل: إنها مشروعة لكل مطلقة وإليه ذهب ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن ~~زيد وسعيد بن جبير وأبو العالية والحسن البصري والشافعي- في أحد قوليه- ~~وأحمد وإسحاق. # ولكنهم اختلفوا هل هي واجبة في غير المطلقة قبل البناء والفرض أم مندوبة ~~فقط؟ # واستدلوا بقوله تعالى: وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) ~~وبقوله تعالى: # يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) [الأحزاب: 28] . والآية الأولى عامة لكل ~~مطلقة، والثانية في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد كن مفروضا لهن ~~مدخولا بهن. # وقال سعيد بن المسيب: إنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت ~~مفروضا لها لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من ms082 عدة تعتدونها فمتعوهن (49) ~~[الأحزاب: 49] ... إلخ قال هذه الآية التي في الأحزاب نسخت بالتي في ~~البقرة. # وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المتعة مختصة بالمطلقة قبل البناء ~~والتسمية لأن المدخول بها تستحق جميع المسمى أو مهر المثل. وغير المدخولة ~~التي قد فرض لها زوجها فريضة: أي يسمى لها مهرا. وطلقها قبل الدخول المستحق ~~نصف المسمى. # ومن القائلين بهذا ابن عمر ومجاهد ووقع الإجماع على أن المطلقة قبل ~~الدخول والفرض لا تستحق إلا المتعة إذا كانت حرة، وأما إذا كانت أمة فذهب ~~الجمهور إلى أن لها المتعة. وقال الأوزاعي والثوري: لا متعة لها لأنها تكون ~~لسيدها، وهو لا يستحق مالا في مقابل تأذي مملوكته لأن الله سبحانه إنما شرع ~~المتعة للمطلقة قبل الدخول والفرض لكونها تتأذى بالطلاق قبل ذلك. # وقد اختلفوا في المتعة المشروعة: هل هي مقدورة بقدر أم لا؟ # فقال مالك والشافعي: لا حد لها معروف، بل ما يقع عليه اسم المتعة «1» . ~~PageV01P103 # وقال أبو حنيفة: إذا تنازع الزوجان في قدر المتعة وجب لها نصف مهر «1» ~~مثلها ولا ينقص عن خمسة دراهم لأن أقل المهر عشرة دراهم وللسلف في ذلك ~~أقوال. # على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وهذا يدل على أن الاعتبار في ذلك بحال ~~الزوج فالمتعة من الغني فوق المتعة من الفقير «2» ولا ينظر إلى قدر الزوجة ~~وقيل: # هذا ضعيف في مذهب الشافعي، بل ينظر الحاكم باجتهاد إلى حالهما جميعا على ~~أظهر الوجوه متاعا أي متعوهن متاعا بالمعروف: ما عرف في الشرع والعادة ~~الموافقة له. حقا على المحسنين (236) : وصف لقوله متاعا أو مصدر لفعل ~~محذوف: أي حق ذلك حقا. # [الآية التاسعة والأربعون] وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن ~~تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) . # أي تجامعوهن، وفيه دليل على أن المتعة لا تجب لمثل هذه المطلقة لوقوعها ~~في مقابل المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة. وقد ms083 فرضتم لهن ~~فريضة فنصف ما فرضتم: أي فالواجب عليكم نصف ما سميتم لهن من المهر. وهذا ~~مجمع عليه. # وقد وقع الاتفاق أيضا على أن المرأة التي لم يدخل بها زوجها ومات وقد فرض ~~لها مهرا تستحقه كاملا بالموت، ولها الميراث، وعليها العدة. # واختلفوا في الخلوة: هل تقوم مقام الدخول وتستحق المرأة بها كمال المهر ~~كما تستحقه بالدخول أم لا؟ فذهب إلى الأول مالك والشافعي- في القديم- ~~والكوفيون PageV01P104 # والخلفاء الراشدون وجمهور أهل العلم وتجب عندهم أيضا العدة. وقال ~~الشافعي- في الجديد- لا يجب إلا نصف المهر وهو ظاهر الآية لما تقدم من أن ~~المسيس هو الجماع. # ولا تجب عنده العدة، وإليه ذهب جماعة من السلف. # إلا أن يعفون: أي المطلقات ومعناه يتركن ويصفحن، وهو استثناء مفرغ من أعم ~~العام. وقيل: العام، وقيل: منقطع. ومعناه يتركن النصف الذي يجب لهن على ~~الأزواج ولم يسقط النون لكونها ضميرا وليست بعلامة إعراب. وهذا ما عليه ~~جمهور المفسرين. وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: إلا أن يعفون، الرجال ~~وهو ضعيف لفظا ومعنى. # أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح: قيل: هو الزوج، وبه قال جبير بن مطعم ~~وسعيد بن المسيب وشريح وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع وابن ~~سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبو مجلز والربيع بن أنس ~~وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان. وهو الجديد من قولي الشافعي وبه ~~قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة والأوزاعي ورجحه ابن جرير. # وفي هذا القول قوة وضعف: أما قوته فلكون الذي بيده عقدة النكاح حقيقة هو ~~الزوج لأنه [هو] الذي إليه رفعه بالطلاق. # وأما ضعفه فلكون العفو منه غير معقول، وما قالوا به من أن المراد بعفوه ~~أن يعطيها المهر كاملا غير ظاهر لأن العفو لا يطلق على الزيادة. # وقيل: المراد بقوله: أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح، هو الولي. وبه قال ~~النخعي وعلقمة والحسن وطاووس وعطاء وأبو الزناد وزيد بن أسلم وربيعة ~~والزهري والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في قوله ms084 القديم ~~وفيه أيضا قوة وضعف: أما قوته فلكون معنى العفو فيه معقولا، وأما ضعفه ~~فلكون عقدة النكاح بيد الزوج لا بيده. ومما يزيد هذا القول ضعفا أنه ليس ~~للولي أن يعفو عن الزوج مما لا يملكه. وقد حكى القرطبي الإجماع على أن ~~الولي لا يملك شيئا من مالها، والمهر مالها. فالراجح ما قاله الأولون ~~لوجهين: الأول: أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح حقيقة، الثاني: أن عفوه ~~بإكمال المهر هو صادر عن مالك مطلق التصرف بخلاف الولي. وتسميته الزيادة ~~عفوا وإن كان خلاف الظاهر لكنف لما كان الغالب أنهم يسوقون # PageV01P105 # المهر كاملا عند العقد كان العفو معقولا لأنه تركه لها ولم يسترجع النصف ~~منه. ولا يحتاج في هذا أن يقال إنه من باب المشاكلة- كما في الكشاف- لأنه ~~عفو حقيقي: أي ترك ما تستحق المطالبة به إلا أن يقال إنه مشاكلة أو تغليب ~~في توفيته المهر قبل أن يسوقه الزوج. # [الآية الخمسون] حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ~~(238) . # المحافظة على الشيء: هي المداومة والمواظبة عليه. والأمر للوجوب. والمراد ~~بالصلوات هي الخمس المكتوبات. فالمعنى واظبوا عليها برعاية شرائطها ~~وأركانها. # والصلاة الوسطى: الأوسط وأوسط الشيء ووسطه خياره ومنه قوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] . وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر بعد ~~دخولها في عموم الصلوات تشريفا لها. # وقد اختلف أهل العلم في تعيينها على ثمانية عشر قولا أوردها الشوكاني في ~~شرحه للمنتقى وذكر ما تمسكت به كل طائفة. وأرجح الأقوال وأصحها ما ذهب إليه ~~الجمهور من أنها العصر لما ثبت عند البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم من ~~حديث علي رضي الله عنه قال: كنا نراها الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ~~ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارا» «1» . # وأخرج مسلم والترمذي وابن ماجة وغيرهم من حديث ابن مسعود مرفوعا مثله «2» ~~. # وأخرجه أيضا ابن جرير وابن المنذر والطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا «3» ~~. PageV01P106 # وأخرجه البزار بإسناد صحيح من حديث جابر مرفوعا. # وأخرجه أيضا ms085 البزار بإسناد صحيح من حديث حذيفة مرفوعا. # وأخرجه الطبراني بإسناد ضعيف من حديث أم سلمة مرفوعا، وورد من غير ذكر ~~يوم الأحزاب أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسانيد ~~صحيحة مصرحة بأنها القصر. # وقد روي عن الصحابة تعيين أنها العصر آثار كثيرة «1» وفي الثابت عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يحتاج معه إلى غيره. # وأما ما ورد عن علي وابن عباس أنهما قالا: إنها صلاة الصبح، كما أخرجه ~~مالك في الموطأ عنهما وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس، وكذلك غيره عن ابن عمر ~~وأبي أمامة رضي الله عنهم. فكل ذلك من أقوالهم وليس فيها شيء من المرفوع ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تقوم بمثل ذلك حجة لا سيما إذا ~~عارض ما قد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم ثبوتا يمكن أن يدعى فيه ~~التواتر. وإذا لم تقم الحجة بأقوال الصحابة لم تقم بأقوال من بعدهم من ~~التابعين وتابعيهم بالأولى. # وهكذا لا تقوم الحجة بما أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس أنها ~~صلاة المغرب. # وهكذا لا اعتبار بما ورد من أقوال جماعة من الصحابة أنها الظهر أو غيرها ~~من الصلوات. # ولكن المحتاج إلى إمعان نظر وفكر ما ورد مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم مما فيه دلالة على أنها الظهر كما أخرجه ابن جرير عن زيد بن ثابت ~~مرفوعا أنها صلاة الظهر «2» - ولا يصح رفعه- بل المروي ذلك عن زيد من قوله ~~واستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي بالهاجرة وكانت ~~أثقل الصلاة على أصحابه فلذا خصصها بالذكر. # وأين يقع هذا الاستدلال من تلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم؟ # وهكذا لا اعتبار بما روي عن ابن عمر وعائشة وأبي سعيد الخدري من قولهم: ~~إنها PageV01P107 # الظهر، وغيرهم. فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم. # وأما ما روي عن حفصة وعائشة وأم ms086 سلمة: في القرآن الصلاة الوسطى وصلاة ~~العصر- مرفوعا- فغاية ما يدل عليه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى أنها ~~غيرها. # وهذا الاستدلال لا يعارض ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم ثبوتا لا ~~يدفع أنها العصر. وهذه القراءة التي نقلتها أمهات المؤمنين الثلاثة بإثبات ~~قوله: وصلاة العصر، معارضة بما أخرجه ابن جرير عن عروة قال: كان في مصحف ~~عائشة: وهي صلاة العصر، وفي رواية: صلاة العصر، بغير الواو، وهكذا أخرج ابن ~~جرير والطحاوي والبيهقي عن عمر بن رافع قال: كان مكتوبا في مصحف حفصة: وهي ~~صلاة العصر، فهذه الروايات تعارض تلك الروايات باعتبار التلاوة ونقل ~~القراءة، ويبقى ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التعيين صافيا ~~عن شوب كدر المعارضة. على أنه قد ورد ما يدل على نسخ تلك القراءة التي ~~نقلتها حفصة وعائشة وأم سلمة. وإذا عرفت ما سقناه تبين لك أنه لم يرد ما ~~يعارض أن الصلاة الوسطى صلاة العصر. # وأما حجج بقية الأقوال فليس فيها شيء مما ينبغي الاشتغال به لأنه لم يثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك شيء وبعض القائلين عول على أمر لا ~~يعول عليه فقال: إنها صلاة كذا لأنها وسطى بالنسبة إلى أن قبلها كذا من ~~الصلوات وبعدها كذا من الصلوات. وهذا الرأس المحض والتخمين البحت لا ينبغي ~~أن تسند إليه الأحكام الشرعية على فرض عدم وجود ما يعارضه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فكيف مع وجود ما هو في أعلى درجات الصحة والقوة ~~والثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! ويا لله العجب من قوم لم ~~يكتفوا بتقصيرهم في علم السنة وإعراضهم عن خير العلوم وأنفعها حتى كلفوا ~~أنفسهم التكلم على أحكام الله والتجرؤ على تفسير كتاب الله بغير علم ولا ~~هدى فجاءوا بما يضحك منه تارة ويبكى منه أخرى!! .. # وقوموا لله قانتين (238) القنوت قيل: هو الطاعة، قاله جابر بن زيد وعطاء ~~وسعيد بن جبير والضحاك والشافعي. # وقيل: هو الخشوع، قاله ابن ms087 عمر ومجاهد. # وقيل: هو الدعاء، وبه قال ابن عباس. # PageV01P108 # وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قنت شهرا يدعو على رعل ~~وذكوان «1» . # وقال قوم القنوت: طول القيام، وقيل معنى قانتين: ساكتين، قاله السدي. ~~ويدل عليه حديث زيد بن أرقم في الصحيحين وغيرهما قال: كان الرجل يكلم صاحبه ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحاجة في الصلاة حتى نزلت ~~هذه الآية وقوموا لله قانتين (238) فأمرنا بالسكوت «2» . # وقيل: أصل القنوت في اللغة: الدوام على الشيء، فكل معنى يناسب الدوام يصح ~~إطلاق القنوت عليه. وقد ذكر أهل العلم أن للقنوت ثلاثة عشر معنى، ذكر ذلك ~~الشوكاني في «نيل الأوطار» . والمتعين هنا حمل القنوت على السكوت للحديث ~~المذكور. # وقد اختلفت الأحاديث في القنوت المصطلح عليه: هل هو قبل الركوع أو بعده؟ # وهل هو في جميع الصلوات أو بعضها؟ وهل هو مختص بالنوازل أم لا؟ والراجح ~~اختصاصه بالنوازل. أوضح الشوكاني ذلك في شرح المنتقى «3» . وقد أوردت جملة ~~صالحة من ذلك في «الروضة الندية» و «مسك الختام» . # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا: الخوف: هو الفزع.. والرجال: جمع رجل أو راجل ~~من قولهم رجل الإنسان يرجل رجلا إذا عدم المركوب، ومشى على قدميه فهو رجل ~~وراجل. يقول أهل الحجاز: مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا حكاه ابن جرير ~~الطبري وغيره. لما ذكر الله سبحانه الأمر بالمحافظة على الصلوات ذكر حالة ~~الخوف وأنهم يصنعون فيها ما يمكنهم ويدخل تحت طوقهم من المحافظة على ~~الصلوات بفعلها حال الترجل والركوب كيف كانت. # وأبان لهم أن هذه العبادة لازمة في كل الأحوال بحسب الإمكان. # وقد اختلف أهل العلم في حد الخوف المبيح لذلك والبحث مستوفى في كتب ~~الفروع. PageV01P109 # فإذا أمنتم: أي زال خوفكم فارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الصلاة ~~مستقبلين القبلة قائمين بجميع شروطها وأركانها، وهو قوله فاذكروا الله كما ~~علمكم: أي مثل ما علمكم من الشرائع ما لم تكونوا تعلمون (239) والكاف صفة ~~لمصدر محذوف: أي ذكرا كائنا كتعليمه إياكم ومثل ms088 تعليمه إياكم، وفيه إشارة ~~إلى إنعام الله تعالى علينا بالعلم، ولولا تعليمه إيانا لم نعلم شيئا، فله ~~الحمد كما يليق. # [الآية الحادية والخمسون] # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) . # قد اختلف المفسرون في هذه الآية: فقيل: هي المتعة وإنها واجبة لكل مطلقة، ~~وقيل: إن هذه الآية خاصة بالثيبات اللواتي قد جومعن، لأنه قد تقدم قبل هذه ~~الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن الأزواج وقد قدمنا الكلام على هذه ~~المتعة والخلاف في كونها خاصة بمن طلقت قبل البناء والفرض أو عامة ~~للمطلقات. # وقيل: إن هذه الآية شاملة للمتعة الواجبة وهي متعة المطلقة قبل البناء ~~والفرض، وغير الواجبة وهي متعة سائر المطلقات فإنها مستحبة فقط. وقيل: ~~المراد بالمتعة هنا النفقة. # [الآية الثانية والخمسون] # يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه ~~وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ~~(264) . # أي من جيد ما كسبتم ومختاره، كذا قال الجمهور. # وقال جماعة: إن معنى الطيبات هنا الحلال، ولا مانع من اعتبار الأمرين ~~جميعا لأن جيد الكسب ومختاره إنما يطلق على الحلال عند أهل الشرع وإن أطلقه ~~أهل اللغة على ما هو جيد في نفسه حلالا كان أو حراما، فالحقيقة الشرعية ~~مقدمة على اللغوية. # قيل: وفيه دليل على إباحة الكسب. # PageV01P110 # وأخرج البخاري عن المقدام مرفوعا: «ما أكل أحد طعاما [قط] خيرا من أن ~~يأكل من عمل يده» «1» . # ومما أخرجنا لكم من الأرض أي من طيباتها، وحذف لدلالة ما قبله عليه وهي ~~النباتات والمعادن والركاز. وظهر الآية وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض ~~وخصه الشافعي بما يزرعه الآدميون ويقتات اختيارا وقد بلغ نصابا. وثمر النخل ~~وثمر العنب. # وتفصيل المذاهب في كتب الفروع. # ولا تيمموا الخبيث أي لا تقصدوا المال الرديء. وفي الآية أمر بإنفاق ~~الطيب والنهي عن إنفاق الخبيث. وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن الآية في ~~الصدقة المفروضة، ms089 وذهب آخرون إلى أنها تعم صدقة الفرض والتطوع، وهو الظاهر. ~~وتقدم الظرف «2» في قوله: منه تنفقون يفيد التخصيص: أي لا تخصصوا الخبيث ~~بالإنفاق قاصرين له عليه. # ولستم بآخذيه: أي والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من ~~الأوقات. هكذا بين معناه الجمهور وقيل: معناه لستم بآخذيه لو وجدتموه في ~~السوق يباع. # إلا أن تغمضوا فيه أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل ورضي ببعض حقه وتجاوز ~~وغمض بصره عنه. # [الآية الرابعة والخمسون] # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (275) . # الربا في اللغة: الزيادة مطلقا، وفي الشرع يطلق على شيئين: على ربا الفضل ~~وربا النسيئة حسب ما هو مفصل في كتب الفروع. PageV01P111 # وغالب ما كانت تفعله الجاهلية إذا حل أجل الدين قال من هو له، لمن هو ~~عليه: # أتقضي أم تربي؟ فإذا لم يقض زاد مقدارا في المال الذي عليه وأخر له الأجل ~~إلى حين. # وهذا حرام بالاتفاق. ومعنى الآية أن الله أحل البيع وحرم نوعا من أنواعه ~~وهو المشتمل على الربا. # والبيع مصدر باع يبيع: أي دفع عوضا وأخذ معوضا، وقد وردت أحاديث كثيرة في ~~تعظيم ذنب الربا منها حديث عبد الله بن مسعود عند الحاكم- وصححه- والبيهقي ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها ~~مثل أن ينكح الرجل أمه! وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» «1» . وورد هذا ~~المعنى- مع اختلاف العدد- عن جمع من الصحابة منهم عبد الله بن سلام وكعب ~~وابن عباس. وتمام الكلام في هذا المرام في شرحنا لبلوغ المرام فليرجع إليه. # [الآية الخامسة والخمسون] # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون (279) . # وإن تبتم أي من الربا فلكم رؤس أموالكم تأخذونها لا تظلمون غرماءكم بأخذ ~~الزيادة ms090 ولا تظلمون (279) أنتم من قبلهم بالمطل والنقص. وفي هذا دليل على ~~أن أموالهم- مع عدم التوبة- حلال لمن أخذها من الأئمة ونحوهم، وقد دلت ~~الآية التي قبلها أعني قوله: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، ~~على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر. ولا خلاف في ذلك. # [الآية السادسة والخمسون] وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا ~~خير لكم إن كنتم تعلمون (280) . # لما حكم سبحانه لأهل الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال، حكم في ذوي ~~العسرة بالنظرة إلى اليسار. PageV01P112 # والعسرة: ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه جيش العسرة. # والنظرة: التأخير. # والميسرة: مصدر بمعنى اليسر، وارتفع «ذو» بكان التامة التي بمعنى وجد. ~~وهذا قول سيبويه وأبي علي الفارسي وغيرهما، وفي مصحف أبي: إن كان ذا عسرة ~~على معنى وإن كان المطلوب ذا عسرة، وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، ~~وعلى من قرأ ذو فهي عامة في جميع من عليه دين. وإليه ذهب الجمهور. # وأن تصدقوا على معسري غرمائكم بالإبراء خير لكم وفيه الترغيب لهم بأن ~~يتصدقوا برؤوس أموالهم كلها أو بعض منها على من أعسر وجعل ذلك خيرا من ~~إنظاره. قاله السدي وابن زيد والضحاك. # وقال آخرون: معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير خير لكم، والصحيح ~~الأول. وليس في الآية مدخل للغني. # إن كنتم تعلمون (280) ، جوابه محذوف: أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم ~~عملتم به. وقد وردت أحاديث صحيحه في «الصحيحين» وغيرهما في الترغيب لمن له ~~دين على معسر أن ينظره. # [الآية السابعة والخمسون] # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما ms091 الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس # PageV01P113 # عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن ~~تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) . # هذا شروع في بيان حال المداينة الواقعة بين الناس بعد بيان حال الربا: أي ~~إذا داين بعضكم بعضا وعامله بذلك سواء كان معطيا أو آخذا. # والدين: عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة ~~نسيئة. # وإن العين: عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان غائبا. # وقد بين الله سبحانه هذا المعنى بقوله: إلى أجل مسمى وقد استدل به على أن ~~الأجل المجهول لا يجوز، وخصوصا أجل السلم. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من أسلف في ثمر ~~فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم» «1» . وقد قال بذلك الجمهور واشترطوا ~~توقيته بالأيام أو الأشهر أو السنين. # قالوا: ولا يجوز إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع القافلة أو نحو ذلك، وجوزه ~~مالك. # فاكتبوه: أي الدين بأجله بيعا كان أو سلما أو قرضا، لأنه أرفع للنزاع ~~وأقطع للخلاف. # وليكتب بينكم كاتب هو بيان لكيفية الكتابة المأمور بها. وظاهر الأمر ~~الوجوب وبه قال عطاء والشعبي وغيرهما، وأوجبوا على الكاتب أن يكتب إذا طلب ~~منه ذلك، ولم يوجد كاتب سواه، وقيل: الأمر للندب. وبه قال الجمهور. # بالعدل صفة لكاتب أي كاتب كائن بالعدل: أي يكتب بالسوية لا يزيد ولا ينقص ~~ولا يميل إلى أحد الجانين، وهو أمر للمداينين باختيار كاتب متصد بهذه الصفة ~~لا يكون في قلبه ولا قلمه هوادة لأحدهما على الآخر بل يتحرى الحق بينهم ~~والمعدلة فيهم. PageV01P114 # ولا يأب كاتب النكرة في سياق النفي مشعرة بالعموم: أي لا يمتنع أحد من ~~الكتاب أن يكتب كتاب التداين كما علمه الله: أي على الطريقة التي علمه الله ms092 ~~من الكتابة أو كما علمه الله بقوله العدل. # فليكتب وليملل: الإملال والإملاء لغتان: الأولى لغة أهل الحجاز وبني أسد، ~~والثانية لغة بني تميم. فهذه الآية جاءت على اللغة الأولى. وجاء على اللغة ~~الثانية قوله تعالى: فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (5) [الفرقان: 5] . # الذي عليه الحق: هو من عليه الدين أمره الله تعالى بالإملاء، لأن الشهادة ~~إنما تكون على إقراره بثبوت الدين في ذمته، وأمره الله بالتقوى فيما يمليه ~~على الكاتب، وبالغ في ذلك بالجمع بين الاسم والوصف في قوله: وليتق الله ~~ربه، ونهاه عن البخس وهو النقص بقوله: يبخس منه شيئا وقيل: إنه نهي للكاتب، ~~والأول أولى لأن من عليه الحق هو الذي يتوقع منه النقص ولو كان نهيا للكاتب ~~لم يقتصر في نهيه عن النقص لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص. # فإن كان الذي عليه الحق إظهار في مقام الإضمار لزيادة الكشف والبيان. # سفيها هو الذي لا رأي له في حسن التصرف فلا يحسن الأخذ ولا الإعطاء شبه ~~بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج. وبالجملة فالسفيه هنا هو المبذر إما بجهله ~~بالتصرف أو لتلاعبه بالمال عبثا مع كونه لا يجهل الصواب. وقيل: هو الطفل ~~الجاهل بالإملاء. # أو ضعيفا وهو الشيخ الكبير أو الصبي. قال أهل اللغة: الضعف بضم الضاد في ~~البدن، وبفتحها في الرأي أو الذي لا يستطيع أن يمل هو أي لخرس أو لعي أو ~~حبس أو غيبة لا يمكنه الحضور عند الكتب فالمراد الذي لا يقدر على التعبير ~~كما ينبغي. # وقيل: إن الضعيف هو المذهول «1» العقل الناقص الفطنة العاجز عن الإملاء، ~~والذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير. # فليملل وليه بالعدل: الضمير عائد إلى الذي عليه الحق: فيمل عن السفيه ~~وليه PageV01P115 # المنصوب عنه بعد حجره عن التصرف في ماله، ويمل عن الصبي وصيه أو وليه ~~وكذلك يمل عن العاجز الذي لا يستطيع الإملال لضعفه وليه لأنه في حكم الصبي ~~أو المنصوب عنه من الإمام أو القاضي. ويمل عن الذي لا يستطيع وكيله إذا كان ~~صحيح العقل وعرضت ms093 له آفة في لسانه، أو لم تعرض ولكنه جاهل لا يقدر على ~~التعبير كما ينبغي. # وقال الطبري «1» الضمير في قوله: وليه يعود إلى الحق وهو ضعيف جدا. # قال القرطبي في «تفسيره» «2» وتصرف السفيه المحجور عليه دون وليه فاسد ~~إجماعا مفسوخ «3» أبدا لا يوجب حكما ولا يؤثر شيئا، فإن تصرف سفيه ولا حجر ~~عليه ففيه الخلاف. # واستشهدوا والاستشهاد: طلب الشهادة، وتسمية الكاتبين شهيدين قبل الشهادة ~~من المجاز: الأول أي باعتبار ما يؤول إليه أمرهما من الشهادة. ومن رجالكم ~~متعلق بقوله: واستشهدوا أي من المسلمين، فيخرج الكفار. ولا وجه لخروج ~~العبيد من هذه الآية فهم- إذا كانوا مسلمين- من رجال المسلمين. وبه قال ~~شريح وعثمان البتي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور. # وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وجمهور العلماء لا تجوز شهادة العبد لما ~~يلحقه من نقص الرق. # وقال الشعبي والنخعي: تصح في الشيء اليسير دون الكثير. # واستدل الجمهور على عدم جوازها بأن الخطاب في هذه الآية مع الذين ~~يتعاملون بالمداينة والعبيد لا يملكون شيئا تجري فيه المعاملة. ويجاب عن ~~هذا بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأيضا العبد تصح منه ~~المداينة وسائر المعاملات إذا أذن له مالكه بذلك. # وقد اختلف الناس: هل الإشهاد واجب أو مندوب؟ فقال أبو موسى الأشعري ~~PageV01P116 # وابن عمر والضحاك وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن ~~علي الظاهري وابنه: إنه واجب، ورجحه ابن جرير الطبري «1» . # وذهب الشعبي والحسن ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه مندوب، ~~وهذا الخلاف بين هؤلاء هو في وجوب الإشهاد على البيع، واستدل الموجبون ~~بقوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم ولا فرق بين هذا الأمر وبين قوله: وأشهدوا ~~فيلزم القائلين بوجوب الإشهاد في البيع أن يقولوا بوجوبه في المداينة فإن ~~لم يكونا: أي الشهيدان رجلين فرجل: أي فليشهد رجل وامرأتان أو فرجل ~~وامرأتان يكفون ممن ترضون من الشهداء: أي دينهم وعدالتهم. # وفيه أن المرأتين في الشهادة برجل، وأنها لا تجوز شهادة النساء إلا مع ~~الرجل لا وحدهن، إلا فيما لا ms094 يطلع عليه غيرهن للضرورة. # واختلفوا: هل يجوز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين المدعي كما جاز الحكم ~~برجل مع يمين المدعي؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه يجوز ذلك لأن الله سبحانه ~~قد جعل المرأتين كالرجل في هذه الآية، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ~~يجوز ذلك. # وهذا يرجع إلى الخلاف في الحكم بشاهد مع يمين المدعي. # والحق أنه جائز لورود الدليل عليه وهو زيادة لم تخالف ما في الكتاب ~~العزيز فيتعين قبولها. وقد أوضح ذلك الشوكاني رحمه الله في شرحه للمنتقى ~~وغيره من مؤلفاته. # ومعلوم عند كل من يفهم أنه ليس في هذه الآية ما يرد به قضاء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالشاهد واليمين ولم يدفعوا هذا إلا بقاعدة مبنية ~~على شفا جرف هار هي قولهم: إن الزيادة على النص نسخ! وهذه دعوى باطلة بل ~~الزيادة على النص شريعة ثابتة جاءنا بها من جاءنا بالنص المتقدم عليها. ~~وأيضا كان يلزمهم ألا يحكموا بنكول المطلوب ولا بيمين الرد على الطالب وقد ~~حكموا بها، والجواب الجواب. # وقد أوضحنا حكم الزيادة على النص في رسالتنا المسماة ب «حصول المأمول من ~~علم الأصول» وبسطنا الكلام على مسئلة القضاء بالشاهد واليمين في «مسك ~~الختام» PageV01P117 # فليرجع إليهما. # أن تضل إحداهما: قال أبو عبيد معنى تضل تنسى: أي لنقص العقل والضبط. # والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء. وقرأ حمزة: أن تضل ~~بكسر الهمزة وقوله: فتذكر جوابه على هذه القراءة وعلى قراءة الجمهور هو ~~منصوب بالعطف على تضل، ومن رفعه فعلى الاستئناف. # وقراءة ابن كثير وأبو عمرو «1» (فتذكر) بتخفيف الذال والكاف ومعناه ~~تزيدها ذكرا. # وقراءة الجماعة بالتشديد: أي تنبيها إذا غفلت ونسيت. # وهذه الآية تعليل لاعتبار العدد في النساء، أي فليشهد رجل ولتشهد امرأتان ~~عوضا عن الرجل الآخر لأجل أن تذكر إحداهما الأخرى إذا ضلت. وعلى هذا فيكون ~~في الكلام حذف وهو سؤال سائل عن وجه اعتبار امرأتين عوضا عن الرجل الواحد ~~فقيل: # وجهه أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى، العلة في ms095 الحقيقة هي التذكير، ولكن ~~الضلال لما كان سببا له نزل منزلته، [وأبهم] «2» الفاعل في تضل وتذكر لأن ~~كلا منهما يجوز عليه الوصفان. فالمعنى إن ضلت هذه ذكرتها هذه وإن ضلت هذه ~~ذكرتها هذه لا على التعيين. # وإنما اعتبر فيهما هذا التذكير لما يلحقهما من ضعف النساء بخلاف الرجال. # وقد يكون الوجه في الإبهام أن ذلك- يعني الضلال والتذكير- يقع بينهما ~~متناوبا حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر، فذكرت كل واحدة ~~منهما صاحبتها. # وقال سفيان بن عيينة معنى قوله: فتذكر إحداهما الأخرى تصيرها ذكرا يعني ~~أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد. وروي نحوه عن أبي عمرو بن ~~العلاء، ولا شك أن هذا باطل لا يدل عليه شرع «3» ولا لغة ولا عقل. # ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا: أي لأداء الشهادة التي قد تحملوها من قبل ~~وقيل: إذا ما دعوا لتحمل الشهادة. وتسميتهم شهداء مجاز كما تقدم، وحملها ~~الحسن على PageV01P118 # المعنيين. وظاهر هذا النهي أن الامتناع من أداء الشهادة حرام. # ولا تسئموا: أي لا تملوا أيها المؤمنون أو المتعاملون أو الشهود أن ~~تكتبوه: أي الذي تداينتم به. وقيل: الحق، وقيل: الشاهد، وقيل: الكتاب. ~~نهاهم الله سبحانه عن ذلك لأنهم ربما ملوا من كثرة المداينة أن يكتبوا ثم ~~بالغ في ذلك فقال: # صغيرا أو كبيرا: أي لا تملوا من الكتابة في حال من الأحوال سواء كان ~~الدين كثيرا أو قليلا. وقدم الصغير هنا على الكبير للاهتمام به ولدفع ما ~~عساه أن يقال إن هذا مال صغير: أي قليل لا احتياج إلى كتبه. إلى أجله ذلكم: ~~أي المكتوب المذكور في ضمير قوله: أن تكتبوه. # أقسط: أي أعدل وأحفظ وأصح عند الله وأقوم للشهادة أي أعون على إقامة ~~الشهادة وأثبت لها وهو مبني من أقام وكذلك أقسط مبني من فعله أقسط. وقد صرح ~~سيبويه بأنه قياسي أي بني أفعل التفضيل وأدنى: أي أقرب إلى ألا ترتابوا: أي ~~لنفي الريب والشك في معاملتكم. وذلك أن الكتاب الذي تكتبونه يدفع ما يعرض ms096 ~~لهم «1» من الريب كائنا ما كان إلا أن تكون: أن في موضع نصب على الاستثناء، ~~قاله الأخفش. وكان تامة: أي إلا أن يقع أو يوجد تجارة والاستثناء منقطع أي ~~لكن وقت تبايعكم وكون تجارتكم حاضرة بحضور المدلين تديرونها الإدارة: ~~التعاطي والتقابض فالمراد والتبايع الناجز يدا بيد فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها: أي فلا حرج عليكم إن تركتم كتابته. وأشهدوا إذا تبايعتم هذا ~~التبايع المذكور هنا وهو التجارة الحاضرة على أن الإشهاد فيها يكفي- كذا ~~قيل، وقيل: معناه إذا تبايعتم أي تبايع كان- حاضرا أو كماليا- لأن ذلك أدفع ~~لمادة الخلاف وأقطع لمنشأ الشجار من غيره وقد تقدم قريبا ذكر الخلاف في كون ~~هذا الإشهاد واجبا أو مندوبا. # ولا يضار كاتب ولا شهيد يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل أو للمفعول، فعلى ~~الأول معناه: لا يضار كاتب ولا شهيد من طلب ذلك منهما، إما بعدم الإجابة أو ~~بالتحريف والتبديل والزيادة والنقصان في كتابته. ويدل على هذا قراءة عمر بن ~~الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق. ولا يضارر بكسر الراء الأولى، وعلى ~~الثاني المعنى لا يضار كاتب ولا شهيد بأن يدعيا إلى ذلك وهما مشغولان بمهم ~~لهما ويضيق عليهما في PageV01P119 # الإجابة ويؤذيا إن حصل منهما التراخي «1» أو يطلب منهما الحضور من مكان ~~بعيد. # ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود ولا يضارر بفتح الراء الأولى، وصيغة ~~المفاعلة تدل على اعتبار الأمرين جميعا وإن تفعلوا ما نهيتم عنه من المضارة ~~فإنه: أي فعلكم هذا فسوق: أي خروج عن الطاعة إلى المعصية متلبس بكم. # [الآية الثامنة والخمسون] وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ~~فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا ~~الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم (283) . # لما ذكر سبحانه مشروعية الكتاب والإشهاد لحفظ الأموال ودفع الريب عقب ذلك ~~بذكر حالة العذر عن وجود الكاتب ونص على حالة السفر فإنها من جملة أصحاب ~~العذر ويلحق بذلك كل عذر يقوم مقام السفر وجعل البرهان المقبوضة قائمة مقام ~~الكتابة: ms097 أي فإن كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتبا في سفركم فرهان: قال أهل ~~العلم: الرهن في السفر ثابت بنص التنزيل، وفي الحضر بفعل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كما ثبت في الصحيحين أنه رهن درعا له عند يهودي «2» ~~وذهب الجمهور إلى اعتبار القبض، كما أفاده قوله مقبوضة. وذهب مالك إلى أنه ~~يصح الارتهان بالإيجاب والقبول من دون قبض. # ولا تكتموا الشهادة: نهي للشهود أن يكتموا ما تحملوه من الشهادة إذا دعوا ~~لإقامتها وهو في حكم التفسير لقوله: ولا يضار كاتب أي لا يضار بكسر الراء ~~الأولى على أحد التفسيرين المتقدمين ومن يكتمها فإنه آثم قلبه خص القلب ~~بالذكر لأن الكتم من أفعاله، ولكونه رئيس الأعضاء وهو المضغة التي إن صلحت ~~صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد كله. # وإسناد الفعل إلى الجارحة التي تعمله أبلغ، وهو صريح في مؤاخذة الشخص ~~PageV01P120 # بأعمال قلبه وارتفاع القلب على أنه فاعل أو مبتدأ وآثم خبره- على ما تقرر ~~في علم النحو- ويجوز أن يكون قلبه بدلا من آثم بدل البعض من الكل. ويجوز ~~أيضا أن يكون بدلا من الضمير الذي في آثم الراجع إلى من. وقرىء قلبه بالنصب ~~كما في قوله إلا من سفه نفسه. # وأخرج البخاري في «تاريخه» وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن ماجة وأبو نعيم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ هذه الآية ~~يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم- حتى بلغ أمن بعضكم بعضا قال هذه نسخت ما ~~قبله. # قال الشوكاني في «فتح القدير» «1» أقول: رضي الله عن هذا الصحابي الجليل ~~ليس هذا من باب النسخ فهذا مقيد بالائتمان وما قبله مع عدمه. فعلى هذا هو ~~ثابت محكم لم ينسخ. انتهى. # أقول: الأحق هو التطبيق والتأويل مهما أمكن دون القول بالنسخ وإلغاء أحد ~~الحكمين كما حققت ذلك في «إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ» . أخرج ابن ~~جرير بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية ~~الدين. # (تمت آيات البقرة الشرعية غير المنسوخة بالضرورة) . PageV01P121 ### | سورة آل ms098 عمران [مائتا آية] # (وهي مدنية. قال القرطبي «1» بالإجماع، ووردت الأحاديث الدالة على فضلها ~~مشتركة بينها وبين سورة البقرة) . # [الآية الأولى] # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ~~(28) . # فيه النهي للمؤمنين عن موالاة الكفار بسبب من الأسباب ومثله قوله تعالى: ~~لا تتخذوا بطانة من دونكم [آل عمران: 118] ، وقوله تعالى: ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم [المائدة: 51] ، وقوله: لا تجد قوما يؤمنون بالله [المجادلة: 22] ~~، وقوله: لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء [المائدة: 51] وقوله: يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء [الممتحنة: 1] . # ومن يفعل ذلك: أي الاتخاذ المدلول عليه بقوله لا يتخذ فليس من الله في ~~شيء أي من ولايته في شيء من الأشياء، بل هو منسلخ عنه بكل «2» حال إلا أن ~~تتقوا منهم تقاة على صيغة الخطاب بطريق الالتفات: إي إلا أن تخافوا منهم ~~أمرا يجب اتقاؤه، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال. وفي ذلك دليل على جواز ~~الموالاة لهم مع الخوف منهم، ولكنها تكون ظاهرا لا باطنا وخالف في ذلك قوم ~~من السلف فقالوا: لا PageV01P122 # تقية بعد أن أعز الله الإسلام. # [الآية الثانية] # فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) . # اللام في قوله ولله هي التي يقال لها لام الإيجاب والإلزام، ثم زاد هذا ~~المعنى تأكيدا حرف على فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب كما قال ~~القائل: # لفلان علي كذا فذكر الله سبحانه الحج بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيدا ~~لحقه وتعظيما لحرمته. وهذا الخطاب شامل لجميع الناس لا يخرج عنه إلا من ~~خصصه الدليل كالصبي والعبد. من استطاع إليه سبيلا: وقد اختلف أهل العلم في ~~الاستطاعة ماذا هي؟ فقيل: # الزاد والراحلة، وبهما فسرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما رواه ~~الحاكم وغيره «1» . وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ms099 وحكاه الترمذي عن ~~أكثر أهل العلم، وهو الحق. # وقال مالك: إن الرجل إذا وثق بقوته لزمه الحج، وإن لم يكن له زاد وراحلة ~~إذا كان يقدر على التكسب، وبه قال عبد الله بن الزبير والشعبي وعكرمة. # وقال الضحاك: إن كان شابا قويا وليس له مال فعليه أن يؤجر نفسه حتى يقضي ~~حجه. # ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة دخولا أوليا أن تكون الطريق إلى الحج آمنة ~~بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله الذي لا يجد زادا غيره. # أما لو كانت غير آمنة فلا استطاعة، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: من ~~استطاع إليه سبيلا وهذا الخائف على نفسه أو ماله لم يستطع إليه سبيلا بلا ~~شك ولا شبهة. # وقد اختلف أهل العلم إذا كان في الطريق من الظلمة من يأخذ بعض المال على ~~وجه [لا] «2» يجحف بزاد الحاج؟ فقال الشافعي: لا يعطي حبة، ويسقط عليه فرض ~~PageV01P123 # الحج ووافقه جماعة وخالفه آخرون. # والظاهر أن من تمكن من الزاد والراحلة وكانت الطريق آمنة بحيث يتمكن من ~~مرورها- ولو بمصانعة بعض الظلمة بدفع شيء من المال يتمكن منه الحاج ولا ~~ينقص من زاده ولا يجحف به- فالحج غير ساقط عنه بل واجب عليه لأنه قد استطاع ~~السبيل إليه بدفع شيء من المال ولكنه يكون هذا المال المدفوع في الطريق من ~~جملة ما يتوقف عليه الاستطاعة: فلو وجد الرجل زادا وراحلة ولم يجد ما يدفعه ~~لمن يأخذ المكس في الطريق لم يجب عليه الحج لأنه لم يستطع إليه سبيلا، وهذا ~~لا بد منه، ولا ينافي تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة، فإنه قد تعذر ~~المرور في طريق الحج لمن وجد الزاد والراحلة إلا بذلك القدر الذي يأخذه ~~المكاسون. # ولعل وجه قول الشافعي إنه يسقط الحج أن أخذ هذا المكس منكر، فلا يجب على ~~الحاج أن يدخل في منكر، وأنه بذلك غير مستطيع. # ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة أن يكون الحاج صحيح البدن على وجه يمكنه ~~الركوب، فلو كان زمنا بحيث لا يقدر على المشي ولا على الركوب فهذا- وإن ms100 وجد ~~الزاد والراحلة- لم يستطع السبيل. وقد وردت أحاديث في تشديد الوعيد على من ~~ملك زادا أو راحلة ولم يحج ذكرها الشوكاني في «فتح القدير» «1» وتكلم ~~عليها. # [الآية الثالثة] # وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون (161) . # أي يأتي به حاملا له على ظهره، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فيفضحه بين الخلائق «2» . # وهذه الجملة تتضمن تأكيد تحريم الغلول والتنفير منه بأنه ذنب يختص فاعله ~~بعقوبة على رؤوس الأشهاد ويطلع عليها أهل المحشر وهي مجيئه يوم القيامة بما ~~غله حاملا له قبل أن يحاسب عليه ويعاقب. PageV01P124 ### | سورة النساء [مائة وست وسبعون آية] # وهي كلها مدنية. قال القرطبي «1» : إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في ~~عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها. # [الآية الأولى] # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ~~(3) . # وجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه وليا لها ~~ويريد أن يتزوجها فلا يقسط لها في مهرها: أي لا يعدل فيه ولا يعطيها ما ~~يعطيها غيره من الأزواج، فنهاهم الله أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا ~~بهن أعلى ما هو لهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لكم من النساء ~~سواهن. فهذا سبب نزول الآية. فهو نهي يخص هذه الصورة. # وقال جماعة من السلف: إن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول ~~الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فقصرهم بهذه الآية على ~~أربع، فيكون وجه ارتباط الجزاء بالشرط أنهم إذا خافوا أن لا يقسطوا في ~~[اليتامى فكذك يخافون ألا يقسطوا في] «2» النساء لأنهم كانوا يتحرجون في ~~اليتامى ولا يتحرجون في النساء. والخوف من الأضداد فإن المخوف [منه] قد ~~يكون معلوما، وقد يكون مظنونا ms101 ولهذا اختلف الأئمة في معناه في الآية: فقال ~~أبو عبيد: خفتم بمعنى أيقنتم. PageV01P125 # وقال آخرون: خفتم بمعنى ظننتم. # قال ابن عطية: والمعنى: من غلب على ظنه التقصير في العدل لليتيمة ~~فليتركها وينكح غيرها و «ما» في قوله ما طاب موصولة. فالمعنى: فانكحوا ~~النوع الطيب من النساء: أي الحلال وما حرمه الله فليس بطيب. # وقيل: «ما» هنا ظرفية أي ما دمتم مستحسنين للنكاح وضعفه ابن عطية، وقال ~~الفراء: مصدرية، قال النحاس: وهذا بعيد جدا. # وقد اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له وأنه ~~يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة، ومن في قوله: ~~من النساء إما بيانية أو تبعيضية، لأن المراد غير اليتامى. # مثنى أي اثنتين اثنتين. # وثلاث أي ثلاثا ثلاثا. # ورباع أي أربعا أربعا. # وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع وبينوا ذلك بأنه خطاب ~~لجميع الأمة وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد، كما يقال ~~لجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم، أو هذا المال الذي في البدرة ~~درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ~~ذكرت جملته أو عين مكانه. # أما لو كان مطلقا كما يقال: أقسموا الدراهم ويراد به ما كسبوه فليس ~~المعنى هكذا. والآية من الباب الآخر لا من الباب الأول. على أن من قال لقوم ~~يقتسمون مالا معينا كثيرا اقتسموه مثنى مثنى وثلاث ورباع فقسموا بعضه بينهم ~~درهمين درهمين وبعضه ثلاثة ثلاثة وبعضه أربعة أربعة كان هذا هو المعنى ~~العربي. # ومعلوم أنه إذا قال القائل: جاءني القوم ثلاث ورباع. والخطاب للجميع ~~بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد كما في قوله فاقتلوا المشركين [التوبة: 5] ، ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة [البقرة: 43] ، ونحوها. # فقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع: لينكح كل فرد منكم ~~ما طاب له من النساء إثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا هذا ما ~~تقتضيه لغة العرب فالآية # PageV01P126 # تدل على خلاف ما ms102 استدلوا به عليه. ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية: ~~فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة فإنه وإن كان خطابا للجميع فهو بمنزلة الخطاب ~~لكل فرد فرد، فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا ~~بالقرآن. # وأما استدلال من استدل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة ~~وكأنه قال: انكحوا مجموع هذا العدد المذكور فهذا جهل بالمعنى العربي! ولو ~~قال: انكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا لكان هذا القول له وجه. وأما مع المجيء ~~بصيغة العدل فلا وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون أو لأن التخيير يشعر ~~بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره وذلك ليس بمراد من النظم ~~القرآني. # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة: أي فانكحوا واحدة، كما يدل على ذلك قوله ~~فانكحوا ما طاب. وقيل التقدير: فالزموا أو فاختاروا واحدة، والأول أولى. ~~والمعنى فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات في القسم ونحوه فانكحوا واحدة، ~~وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك. # أو ما ملكت أيمانكم من السراري وإن كثر عددهن كما يفيده الموصول إذ ليس ~~لهن من الحقوق ما للزوجات الحرائر. # والمراد نكاحهن بطرق الملك لا بطريق النكاح. # وفيه دليل على أن لا حق للمملوكات في القسم كما يدل على ذلك جعله قسيما ~~للواحدة في الأمن من عدم العدل، وإسناد الملك إلى اليمين لكونها المباشرة ~~لقبض الأموال وإقباضها ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب ذلك أي ~~نكاح الأربع أو الواحدة أو التسري فقط أدنى ألا تعولوا (3) : أي أقرب إلى ~~أن تجوروا: من عال الرجل يعول إذا مال وجار. # والمعنى إن خفتم عدم العدل بين الزوجات فهذه التي أمرتم بها أقرب إلى عدم ~~الجور. # وهو قول أكثر المفسرين. وقال الشافعي: أدنى ألا تعولوا (3) أي لا يكثر ~~عيالكم. # قال الثعلبي: وما قال هذا غيره!! وذكر ابن العربي أنه يقال أعال الرجل ~~إذا كثر # PageV01P127 # عياله وأما عال بمعنى كثر فلا يصلح. ويجاب عنه بأنه قد سبق الشافعي إلى ~~القول به زيد بن أسلم وجابر بن ms103 زيد وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران ~~القرآن هما والإمام الشافعي بما لا وجه له في العربية. وقد حكاه القرطبي عن ~~الكسائي وأبي عمرو الدوري وابن الأعرابي. وقال أبو حاتم كان الشافعي أعلم ~~بلغة العرب منا ولعله لغة. # قال الدوري: هي لغة حمير وأنشد: # وإن الموت يأخذ كل حي ... بلا شك وإن أمشى وعالا # أي وإن كثرت ماشيته وعياله. # [الآية الثانية] # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها ~~واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) . # اختلف أهل العلم في هؤلاء السفهاء من هم؟ فقال سعيد بن جبير: هم اليتامى ~~لا تؤتوهم أموالهم قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية. # وقال مالك: هم الأولاد الصغار: أي لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها ويبقوا بلا ~~شيء. # وقال مجاهد: هم النساء. # قال النحاس وغيره: وهذا القول لا يصح إنما تقول العرب: سفائه أو سفيهات. # واختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين وهي للسفهاء فقيل: أضافها ~~إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها وقيل: لأنها من جنس أموالهم، بأن ~~الأموال جعلت مشتركة بين الخلق في الأصل. # وقيل: المراد أموال المخاطبين حقيقة. وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس ~~والحسن وقتادة. والمراد النهي عن دفعها إلى من لا يحسن تدبيرها كالنساء ~~والصبيان ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع التي تصلح «1» المال ~~ولا يتجنب وجوه الضرر التي تهلكه وتذهب به. PageV01P128 # وارزقوهم فيها واكسوهم أي: اجعلوا لهم فيها رزقا وافرضوا لهم. وهذا فيمن ~~يلزم نفقته وكسوته من الزوجات والأولاد ونحوهم. وأما على قول من قال إن ~~الأموال هي أموال اليتامى، فالمعنى: اتجروا فيها حتى تربحوا وتنفقوهم من ~~الأرباح واجعلوا لهم من أموالهم رزقا ينفقونه على أنفسهم ويكسون به. # وقد استدل بهذه الآية على جواز الحجر على السفهاء، وبه قال الجمهور. # وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلا واستدل بها أيضا على وجوب نفقة ~~القرابة. والخلاف في ذلك معروف في مواطنه. # [الآية الثالثة] وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم ms104 منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان ~~غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم ~~فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا (6) . # الابتلاء: الاختبار. واختلفوا في معنى الاختبار فقيل: هو أن يتأمل الوصي ~~أخلاق يتيمه ليعلم بنجابته وحسن تصرفه فيدفع إليه ماله إذا بلغ النكاح وأنس ~~منه الرشد. # وقيل: أن يدفع إليه شيئا من ماله ويأمره بالتصرف فيه حتى يعلم حقيقة ~~حاله. # وقيل: أن يرد النظر إليه في نفقة الدار ليعلم كيف تدبيره. وإن كانت جارية ~~رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها. حتى إذا بلغوا النكاح ~~المراد بلوغ الحلم لقوله تعالى: وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم [النور: 59] . ~~ومن علامات البلوغ الإنبات وبلوغ خمس عشرة سنة. # وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لا يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي ~~سبع عشرة سنة. # وهذه العلامات تعم الذكر والأنثى، وتختص الأنثى بالحبل والحيض. # فإن آنستم منهم رشدا أي أبصرتم ورأيتم. ومنه قوله: آنس من جانب الطور ~~نارا [القصص: 29] . وقيل: هو هنا بمعنى علم ووجد. # PageV01P129 # والرشد: بضم الراء وسكون الشين، والرشد بفتح الراء والشين قيل: هما ~~لغتان. # واختلف أهل العلم في معنى الرشد هاهنا فقيل: الصلاح في العقل والدين، ~~وقيل: في العقل خاصة. # قال سعيد بن جبير والشعبي: إنه لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا لم يؤنس رشده ~~وإن كان شيخا قال الضحاك: وإن بلغ مائة سنة!!. # وجمهور العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ وعلى أنه إن لم يرشد ~~بعد بلوغ الحلم لا يزول عنه الحجر. # وقال أبو حنيفة: لا يحجر على الحر البالغ وإن كان أفسق الناس وأشدهم ~~تبذيرا وبه قال النخعي وزفر. # وظاهر النظم القرآني أنها لا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد بلوغ غاية هي ~~بلوغ النكاح- مقيدة هذه الغاية بإيناس الرشد- فلا بد من مجموع الأمرين فلا ~~تدفع إلى اليتامى أموالهم قبل البلوغ، وإن كانوا معروفين بالرشد ولا بعد ~~البلوغ إلا بعد إيناس الرشد منهم. # والمراد بالرشد نوعه ms105 وهو المتعلق بحسن التصرف في أمواله وعدم التبذير بها ~~ووضعها في مواضعها. # فادفعوا إليهم أموالهم من غير تأخير إلى حد البلوغ. # ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا الإسراف في اللغة: الإفراط ومجاوزة ~~الحد. # وقال النضر بن شميل: السرف التبذير. # والبدار: المبادرة، أي لا تأكلوا أموال اليتامى أكل إسراف وأكل مبادرة ~~لكبرهم، أو لا تأكلوا لأجل السرف والمبادرة، أو مسرفين ومبادرين لكبرهم ~~وتقولوا: ننفق أموال اليتامى فيما نشتهي قبل أن يبلغوا فينتزعوها من ~~أيدينا. # ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف بين سبحانه ما يحل ~~لهم من أموال اليتامى، فأمر الغني بالاستعفاف وتوفير مال الصبي عليه وعدم ~~تناوله منه وسوغ للفقير أن يأكل بالمعروف. # واختلف أهل العلم [في الأكل بالمعروف] ما هو؟ فقال قوم: هو القرض إذا # PageV01P130 # احتاج إليه ويقضي متى أيسر الله عليه وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس ~~وعبيدة السلماني وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية والأوزاعي. # وقال النخعي وعطاء والحسن وقتادة: لا قضاء على الفقير فيما يأكل بالمعروف ~~وبه قال جمهور الفقهاء، وهذا بالنظم القرآني ألصق فإن إباحة الأكل للفقير ~~مشعرة بجواز ذلك له من غير قرض. # والمراد بالمعروف: المتعارف به بين الناس فلا يترفه بأموال اليتامى ~~ويبالغ في التنعم بالمأكول والمشروب والملبوس ولا يدع نفسه عن سد الفاقة ~~وستر العورة. # والخطاب في هذه الآية لأولياء الأيتام القائمين بما يصلحهم كالأب والجد ~~ووصيهما. وقال بعض أهل العلم: المراد بالآية اليتيم إن كان غنيا وسع عليه، ~~وإن كان فقيرا كان الإنفاق عليه بقدر ما يحصل له، وهذا القول في غاية ~~السقوط. # فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم أنهم قد قبضوها منكم لتندفع عنكم ~~التهم، وتأمنوا الدعاوى الصادرة منهم. # وقيل: إن الإشهاد المشروع هو على ما أنفقه عليهم الأولياء قبل رشدهم، ~~وقيل: # هو على رد ما استقرضه إلى أموالهم. # وظاهر النظم القرآني مشروعية الإشهاد على ما دفع إليهم من أموالهم وهو ~~يعم الإنفاق قبل الرشد والدفع للجميع إليهم بعد الرشد. وفي سورة الأنعام: ~~ولا تقربوا مال اليتيم ms106 إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده # ، وفي الإسراء مثلها. # [الآية الرابعة] # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا ~~لهم قولا معروفا (8) . # وإذا حضر القسمة يعني قسمة الميراث أولوا القربى المراد بالقرابة هنا غير ~~الوارثين وكذا واليتامى والمساكين شرع الله سبحانه أنهم إذا حضروا قسمة ~~التركة كان لهم منها رزق فيرضخ لهم المتقاسمون شيئا منها. # وقد ذهب قوم إلى أن الآية محكمة وأن الأمر للندب، وذهب آخرون إلى أنها # PageV01P131 # منسوخة بقوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم [النساء: 11] والأول أرجح، ~~لأن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين ليس هو من جملة الميراث حتى ~~يقال: إنها منسوخة بآية المواريث، إلا أن يقال إن أولي القربى المذكورين ~~هنا هم الوارثون كان للنسخ وجه، وقالت طائفة: إن هذا الرضخ لغير الوارث من ~~القرابة واجب بمقدار ما تطيب به أنفس «1» الورثة وهو معنى الأمر الحقيقي ~~فلا يصار إلى الندب إلا بقرينة. # والضمير في قوله: فارزقوهم منه راجع إلى المال المقسوم المدلول عليه ~~بالقسمة. # وقيل: راجع إلى ما ترك. وقولوا لهم قولا معروفا (8) هو القول الجميل الذي ~~ليس فيه من بما صار إليهم من الرضخ ولا أذى. # [الآية الخامسة] # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) . # تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~الآية وقد استدل بذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. # وهذه الآية ركن من أركان الدين وعمدة من عمد الأحكام وأم من أمهات الآيات ~~لاشتمالها على ما يهم من علم الفرائض. # وقد كان هذا العلم من أجل علوم الصحابة رضي ms107 الله عنهم وأكثر مناظراتهم ~~فيه. # وورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم والبيهقي في ~~«سننه» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تعلموا ~~الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى ~~يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان PageV01P132 # من يقضي بها» «1» . # وأخرجاه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«تعلموا الفرائض وعلموه فإنه نصف العلم فإنه ينسى وهو أول ما ينزع من أمتي» ~~«2» . وقد روي عن عمر وابن مسعود وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك ~~روي عن جماعة من التابعين ومن بعدهم. # والمعنى يوصيكم الله في أولادكم: أي في شأن ميراثهم وقد اختلفوا: هل يدخل ~~أولاد الأولاد أو لا؟ # فقالت الشافعية: إنهم يدخلون مجازا لا حقيقة. وقالت الحنفية: إنه ~~يتناولهم لفظ الأولاد حقيقة إذا لم يوجد أولاد الصلب. # ولا خلاف أن بني البنين كالبنين في الميراث مع عدمهم وإنما الخلاف في ~~دلالة لفظ الأولاد على أولادهم مع عدمهم. ويدخل في لفظ الأولاد من كان منهم ~~كافرا، ويخرج بالسنة، وكذلك يدخل القاتل عمدا، ويخرج أيضا بالسنة والإجماع. ~~ويدخل فيه الخنثى، قال القرطبي: وأجمع العلماء أنه يورث من حيث يبول: فإن ~~بال منهما فمن حيث سبق فإن خرج البول منهما من غير سبق أحدهما فله نصف نصيب ~~الذكر، ونصف نصيب الأنثى، وقيل: يعطى أقل النصيبين، وهو نصيب الأنثى، قاله ~~يحيى بن آدم وهو قول الشافعي. # وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة بالحلف والهجرة ~~والمعاقدة. # وقد أجمع العلماء على أنه إذا كان مع الأولاد من له فرض مسمى أعطيه، وكان ~~ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين، للحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما ~~بلفظ: # «ألحقوا الفرائض بأهلها» «3» فما أبقت الفرائض فالأولى رجل ذكر إلا إذا ~~كان ساقطا PageV01P133 # معهم كالأخوة لأم. # للذكر مثل حظ الأنثيين جملة مستأنفة لبيان الوصية في الأولاد فلا بد من ~~تقدير ضمير يرجع إليهم: أي للذكر منهم. والمراد حال ms108 اجتماع الذكور والإناث، ~~وأما حال الانفراد فللذكر جميع الميراث وللأنثى النصف، وللأنثيين فصاعدا ~~الثلثان. فإن كن: أي الأولاد، والتأنيث باعتبار الخبر أو البنات أو ~~المولودات نساء ليس معهن ذكر فوق اثنتين: أي زائدات على اثنتين- على أن فوق ~~صفة لنساء أو يكون خبرا ثانيا لكان- فلهن ثلثا ما ترك الميت المدلول عليه ~~بقرينة المقام. # وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاثة من البنات فصاعدا ولم يسم ~~للاثنتين فريضة. ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما: فذهب الجمهور إلى أن ~~لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين، وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف، ~~واحتج الجمهور بالقياس على الأختين فإن الله سبحانه قال في شأنهما فإن ~~كانتا اثنتين فلهما الثلثان فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما ~~الثلثين كما ألحقوا الأخوات- إذا زدن على اثنتين- بالبنات في الاشتراك في ~~الثلثين. # وقيل: في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان للواحدة ~~مع أخيها الثلث كان للابنتين- إذا انفردتا- الثلثان ولهذا احتج بهذه الحجة ~~إسماعيل بن عياش والمبرد. # قال النحاس: وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن الاختلاف في البنتين ~~إذا انفردتا عن البنين. وأيضا للمخالف أن يقول: إذا ترك بنتين وابنا ~~فللبنتين النصف. فهذا دليل على أن هذا فرضهما. ويمكن تأييد ما احتج به ~~الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة النصف إذا انفردت بقوله ترك ~~وإن كانت واحدة فلها النصف كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة ~~وأوجب القياس [على] «1» الأختين الاقتصار على الثلثين. # وقيل: فوق زائدة والمعنى: وإن كن نساء اثنتين كقوله تعالى: فاضربوا فوق ~~الأعناق [الأنفال: 12] أي الأعناق. وروى هذا النحاس وابن عطية فقالا: هو ~~خطأ! لأن الظروف وجميع الأسماء لا تجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. ~~PageV01P134 # قال ابن عطية: ولأن قوله: فوق الأعناق هو الفصيح وليست «فوق» زائدة بل هي ~~محكمة المعنى، لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون ~~الدماغ، وهكذا لو كان لفظ فوق زائدا- كما قالوا- لقال فلهما ثلثا ما ترك ~~ولم يقل فلهن. # وأوضح ms109 ما يحتج به الجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود ~~والترمذي وابن ماجة وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي في ~~«سننه» عن جابر قال: «جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما ~~معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ~~ولهما مال؟ فقال: يقضي الله في ذلك فنزلت آية الميراث يوصيكم الله في ~~أولادكم الآية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عمهما فقال: ~~«أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» «1» . أخرجوه- من ~~طرق- عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن جابر. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من ~~حديثه. # ولأبويه لكل واحد منهما السدس والمراد بالأبوين الأب والأم والتثنية على ~~لفظ الأب للتغليب. # وقد اختلف أهل العلم في الجد: هل هو بمنزلة الأب فيسقط بالأخوة أم لا؟ ~~«2» فذهب أبو بكر الصديق إلى أنه بمنزلة الأب ولم يخالف أحد من الصحابة ~~أيام خلافته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته فقال يقول أبي بكر بن عباس وعبد ~~الله بن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة ~~وعطاء وطاووس والحسن وقتادة وأبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق واحتجوا بمثل قوله ~~تعالى: ملة أبيكم إبراهيم [الحج: 78] وقوله: يا بني آدم [الأعراف: 26] . ~~وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ارموا يا بني إسماعيل» «3» . PageV01P135 # وذهب علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الجد مع الإخوة ~~لأبوين أو لأب، ولا ينقص معهم عن الثلث ولا ينقص مع ذوي الفروض عن السدس. # في قول زيد ومالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي. # وقيل: يشرك بين الجد والإخوة إلى السدس [ولا ينقصه من السدس] «1» شيئا مع ~~ذوي الفروض وغيرهم وهو قول ابن أبي ليلى وطائفة وذهب الجمهور إلى أن الجد ~~يسقط بني الإخوة. وروى الشافعي عن علي عليه السلام أنه أجرى بني ms110 الأخوة في ~~المقاسمة مجرى الأخوة. # وأجمع العلماء على أن الجد لا يرث مع الأب شيئا وعلى أن للجدة السدس إذا ~~لم يكن للميت أم، وأجمعوا على أنها ساقطة مع وجود الأم، وأجمعوا على أن ~~الأب لا يسقط الجدة أم الأم. واختلفوا في توريث الجدة وابنها حي فروي عن ~~زيد بن ثابت وعثمان بن علي أنها لا ترث وبه قال مالك والثوري والأوزاعي ~~وأبو ثور وأصحاب الرأي. وروي عن عمر وابن مسعود وأبي موسى أنها ترث معه، ~~[وروي] «2» أيضا عن علي وعثمان وبه قال شريح وجابر بن زيد وعبيد الله بن ~~الحسن وشريك وأحمد وإسحاق وابن المنذر. # مما ترك إن كان له ولد الولد يقع على الذكر والأنثى لكنه إذا كان الموجود ~~الذكر من الأولاد- ووحده أو مع الأنثى منهم- فليس للجد إلا السدس، وإن كان ~~الموجود أنثى كان للجد السدس بالفرض وهو عصبته فيما عدا السدس. وأولاد ابن ~~الميت كأولاد الميت. # فإن لم يكن له ولد: أي ولا ولد ابن- لما تقدم من الإجماع- وورثه أبواه ~~منفردين عن سائر الورثة كما ذهب إليه الجمهور من أن الأم لا تأخذ ثلث ~~التركة إلا إذا لم يكن للميت وارث غير الأبوين أما لو كان معهما أحد ~~الزوجين فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد الموجود من الزوجين. فلأمه الثلث ~~وروي عن ابن عباس أن للأم ثلث الأصل مع أحد الزوجين وهو مستلزم تفضيل الأم ~~على الأب في مسألة زوج وأبوين مع الاتفاق على أنه أفضل منها عند انفرادهما ~~عن أحد الزوجين فإن كان له إخوة فلأمه السدس PageV01P136 # : إطلاق الاخوة لأبوين أو لأحدهما، وقد أجمع أهل العلم على أن الاثنين من ~~الإخوة يقومان مقام الثلاثة فصاعدا في حجب الأم إلى السدس إلا ما يروى عن ~~ابن عباس من أنه جعل الاثنين كالواحد في عدم الحجب. # وأجمعوا أيضا على أن الأختين فصاعدا كالأخوين في حجب الأم من بعد وصية ~~يوصي بها أو دين واختلف في وجه تقديم الوصية على الدين مع كونه مقدما عليها ~~بالإجماع، فقيل: المقصود تقديم الأمرين ms111 على الميراث من غير قصد إلى الترتيب ~~بينهما، وقيل: لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمت اهتماما بها وقيل: ~~قدمت لكثرة وقوعها فصارت كالأمر اللازم لكل ميت. وقيل: قدمت لكونها حظ ~~المساكين والفقراء وأخر الدين لكونه حظ غريم يطلب بقوة وسلطان. وقيل: لما ~~كانت الوصية ناشئة من جهة الميت قدمت، بخلاف الدين فإنه ثابت مؤدى ذكر أم ~~لم يذكر. وقيل: # قدمت لكونها تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض فربما يشق على ~~الورثة إخراجها، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة بأدائه وهذه الوصية مقيدة ~~بقوله تعالى غير مضار كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا قيل: خبر قوله آباؤكم ~~وأبناؤكم مقدر: أي هم المقسوم عليهم، وقيل: أن الخبر قوله لا تدرون وما ~~بعده وأقرب خبر قوله أيهم ونفعا تمييز: أي لا تدرون أيهم قريب لكم نفعه في ~~الدعاء لكم والصدقة عنكم كما في الحديث الصحيح: «أو ولد صالح يدعو له» «1» ~~وقال ابن عباس والحسن: «قد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه» وقال بعض ~~المفسرين: إن الابن إذا كان أرفع درجة من أبيه في الآخرة سأل الله أن يرفع ~~أباه، وإذا كان الأب أرفع درجة من ابنه سأل الله أن يرفع ابنه إليه. وقيل: ~~المراد النفع في الدنيا والآخرة قاله ابن زيد، وقيل: المعنى أنكم لا تدرون ~~من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم، من أوصى منهم فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء ~~وصيته فهو أقرب لكم نفعا أو من ترك الوصية ووفر عليكم عرض الدنيا؟ وقوى هذا ~~صاحب «الكشاف» قال لأن الجملة اعتراضية، ومن حق الاعتراض أن يؤكد ما اعترض ~~بينه «2» ويناسبه. PageV01P137 # قوله فريضة من الله نصب على المصدر المؤكد. وقال مكي وغيره هي حال مؤكدة، ~~والعامل يوصيكم والأول أولى. # إن الله كان عليما بقسمة المواريث حكيما حكم بقسمتها وبينها لأهلها. # وقال الزجاج: عليما بالأشياء قبل خلقها حكيما فيما يقدره ويمضيه. # ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد الخطاب هنا للرجال. والمراد ms112 ~~بالولد ولد الصلب أو ولد الولد لما قدمنا من الإجماع فإن كان لهن ولد فلكم ~~الربع مما تركن وهذا مجمع عليه لم يختلف أهل العلم في أن للزوج مع عدم ~~الولد النصف ومع وجوده وإن سفل الربع. # من بعد وصية يوصين بها أو دين الكلام فيه كما تقدم. # ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد [فإن كان لكم ولد] «1» فلهن ~~الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين هذا النصيب مع الولد والنصيب ~~مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات ويشترك فيه الأكثر من واحدة لا خلاف ~~في ذلك، والخلاف في الوصية والدين كما تقدم. # وإن كان رجل يورث كلالة المراد بالرجل الميت ويورث على البناء للمفعول من ~~ورث لا من أورث وهو خبر كان، وكلالة حال من ضمير يورث، وقيل: غير ذلك. # والكلالة مصدر من تكلله النسيب: أي أحاط به وبه سمي الإكليل لإحاطته ~~بالرأس. وهو الميت الذي لا ولد له ولا والد وهذا قول أبي بكر الصديق وعمر ~~وعلي وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب كتاب «العين» وأبو منصور اللغوي وابن ~~عرفة والقتيبي وأبو عبيد وابن الأنباري، وقد قيل: إنه إجماع. # وقال ابن كثير: وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة وهو قول القضاة ~~السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف بل جميعهم، وقد حكى الإجماع ~~غير واحد وورد فيه حديث مرفوع انتهى «2» . PageV01P138 # وروى أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة أنه قال الكلالة كل من لم يرثه أب أو ~~ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة. # قال أبو عمر وابن عبد البر: ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في ~~شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره غيره، وما يروى عن أبي بكر وعمر من ~~أن الكلالة من لا ولد له خاصة، فقد رجعا عنه. # وقال ابن زيد: الكلالة: الحي والميت جميعا، وإنما سموا القرابة كلالة ~~لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، بخلاف الابن والأب ~~فإنهما طرفان له، فإذا ذهبا ms113 تكلله النسب. # وقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى ~~الوارث عن بعد وإعياء. # قال ابن الأعرابي: إن الكلالة بنو العم الأباعد. # وبالجملة من قرأ (يورث كلالة) بكسر الراء مشددة- وهو بعض الكوفيين: أو ~~مخففة وهو الحسن وأيوب- جعل الكلالة القرابة، ومن قرأ يورث بفتح الراء- وهم ~~الجمهور- احتمل أن يكون الكلالة الميت واحتمل أن يكون القرابة. # وقد روي عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس والشعبي أن الكلالة: ~~ما كان سوى الولد والوالد من الورثة. # قال الطبري «1» : الصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولد ~~ووالد، لصحة خبر جابر: «قلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة أفأقضي بمالي ~~كله؟ قال: لا» «2» انتهى. # وروي عن عطاء أنه قال: الكلالة المال. # قال ابن العربي: وهذا قول ضعيف لا وجه له. # وقال صاحب «الكشاف» : إن الكلالة تنطبق على ثلاثة: على من لم يخلف ولدا ~~ولا والدا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير ~~جهة الولد PageV01P139 # والوالد. انتهى. # أو امرأة معطوف على رجل مقيد بما قيد به، أي وامرأة تورث كلالة. # وله أخ أو أخت: قرأ سعد بن أبي وقاص من أم. وسيأتي ذكر من أخرج ذلك عنه. # فلكل واحد منهما السدس قال القرطبي: أجمع العلماء أن الأخوة هاهنا هم ~~الأخوة لأم، قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الأخوة للأب والأم أو للأب ليس ~~ميراثهم هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله: فإن كان له ~~إخوة رجالا ونساء ف للذكر مثل حظ الأنثيين: هم الاخوة لأبوين أو لأب، وأفرد ~~الضمير في قوله: وله أخ أو أخت، لأن المراد كالواحد منهما، كما جرت بذلك ~~عادة العرب إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم فإنهم قد يذكرون الضمير ~~الراجع إليهما مفردا كما في قوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها ~~لكبيرة [البقرة: 45] . وقوله: # يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله [التوبة: 34] . وقد ~~يذكرون مثنى كما في قوله: إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ms114 بهما. # فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث والإشارة بقوله: من ذلك إلى ~~قوله وله أخ أو أخت: أي أكثر من الأخ المنفرد والأخت المفردة بواحد: وذلك ~~بأن يكون الموجود اثنين فصاعدا ذكرين أو أنثيين أو ذكرا وأنثى. # وقد استدل بذلك على أن الذكر كالأنثى من الإخوة لأم، لأن الله شرك بينهم ~~في الثلث ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى كما ذكره في البنين والإخوة لأبوين ~~أو لأب. # قال القرطبي: وهذا إجماع. ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم ~~المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب وذلك في المسألة المسماة ب ~~«الحمارية» وهي إذا تركت الميتة زوجا وأما وأخوين لأم وإخوة لأبوين [فإن ~~للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين لأم الثلث ولا شيء للإخوة لأبوين] «1» ، ~~ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، وهو كون الميت ~~كلالة. ويؤيد هذا الحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر» ~~... وهو في الصحيحين وغيرهما. PageV01P140 # قال الشوكاني في «فتح القدير» «1» . وقد قررنا دلالة الآية والحديث على ~~ذلك في الرسالة التي سميناها «المباحث الدرية في المسألة الحمارية» . وفي ~~هذه المسألة خلاف بين الصحابة فمن بعدهم معروف. انتهى. # من بعد وصية توصون بها أو دين الكلام فيه كما تقدم. # غير مضار: أي يوصي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار، كأن ~~يقر بشيء ليس عليه أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة، أو ~~يوصي لوارث مطلقا أو لغيره بزيادة على الثلث ولم يجزه الورثة. وهذا القيد ~~أعني قوله: # غير مضار، راجع إلى الوصية والدين المذكورين، فهو قيد لهما. فما صدر من ~~الإقرارات بالديون، أو الوصايا المنهي عنها له. أو التي لا مقصد لصاحبها ~~إلا المضارة لورثته فهو باطل مردود لا ينفذ منه شيء لا الثلث ولا دونه. # قال القرطبي: وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز «2» انتهى. # وهذا القيد، أعني عدم الضرار، هو قيد لجميع ما تقدم من الوصية والدين. # قال ms115 أبو السعود في «تفسيره» : وتخصيص القيد بهذا المقام لما أن الورثة ~~مظنة لتفريط الميت في حقهم. # وصية من الله: نصب على المصدر: أي يوصيكم بذلك وصية كقوله: # فريضة من الله [النساء: 11] . قال ابن عطية: ويصح أن يعمل فيها (مضار) ~~والمعنى أن يقع الضرر بها، أو بسببها فأوقع عليها تجوزا فيكون وصية على هذا ~~مفعولا بها لأن اسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال، أو لكونه منفيا معنى. ~~وقرأ الحسن وصية من الله بالجر على إضافة اسم الفاعل إليها كقوله: يا سارق ~~الليلة أهل الدار. # والله عليم حليم (12) وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد ~~وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة في الفرائض، وأن كل وصية من عباده ~~تخالفها فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة ~~على بعض أو PageV01P141 # المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه. # وقد ورد في تعظيم ذنب الإضرار بالوصية أحاديث قال ابن عباس: هو من ~~الكبائر «1» . أخرجه النسائي والبيهقي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عنه، ~~ورجال إسناده رجال الصحيح. # وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وحسنه- وابن ماجة- واللفظ ~~له- والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى جاف في وصيته فيختم له ~~بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في ~~وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة» . ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن ~~شئتم تلك حدود الله إلى قوله: # عذاب مهين (14) «2» . وفي إسناده شهر بن حوشب وثقه أحمد وابن معين. # وقال النسائي: ليس بالقوي. # وقال أبو حاتم: ليس بدون. # وقال ابن عون: تركوه. # «فائدة» قال القاضي محمد بن علي الشوكاني في مختصره المسمى ب «الدرر ~~البهية» في كتاب المواريث هي مفصلة في الكتاب العزيز ويجب الابتداء بذوي ~~الفروض المقدرة وما بقي فللعصبة، والأخوات مع البنات عصبة، ولبنت الابن مع ~~البنت، السدس تكملة للثلثين، وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين. # وللجدة والجدات السدس ms116 مع عدم الأم، وهو للجد مع من لا يسقط. # ولا ميراث للإخوة والأخوات مع الابن أو ابن الابن، وفي ميراثهم مع الجد ~~PageV01P142 # خلاف، ويرثون مع البنات إلا الإخوة لأم، ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين، ~~وذوو الأرحام يتوارثون وهم أقدم من بيت المال، فإن تزاحمت الفرائض فالعول. # ولا يرث ولد الملاعنة والزانية إلا من أمه وقرابتها والعكس. # ولا يرث المولود إلا إذا استهل، وميراث العتيق لمعتقه، ويسقط بالعصبات، ~~وله الباقي بعد ذوي السهام. ويحرم بيع الولاء وهبته ولا توارث بين أهل ~~ملتين، ولا يرث القاتل من المقتول. انتهى. # وقال في شرحه المسمى ب «الدراري المضيئة» : اعلم أن المواريث المفصلة في ~~الكتاب العزيز معروفة لم نتعرض هاهنا لذكرها واقتصرنا على ما ثبت في السنة ~~والإجماع ولم نذكر ما كان لا مستند له إلا محض الرأي- كما جرت به قاعدتنا ~~في هذا الكتاب- فليس مجرد الرأي مستحقا للتدوين فلكل عالم رأيه واجتهاده مع ~~عدم الدليل، ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر، فإذا عرفت ~~هذا اجتمع لك مما في الكتاب العزيز وما ذكرناه هاهنا جميع علم الفرائض ~~الثابت بالكتاب والسنة، فإن عرض لك ما لم يكن فيهما فاجتهد فيه رأيك عملا ~~بحديث معاذ المشهور. انتهى. # [الآية السادسة] # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) . # معنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها، وهو ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن ~~عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته: إن شاء بعضهم ~~تزوجها. # وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت ~~«1» . # وفي لفظ لأبي داود عنه في هذه الآية: [كان] «2» الرجل يرث امرأة ذي ~~قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها. وفي لفظ لابن جرير وابن أبي ~~حاتم عنه: فإن PageV01P143 # كانت جميلة تزوجها، وإن كانت ذمية حبسها حتى تموت ms117 فيرثها. وقد روي هذا ~~السبب بألفاظ. # لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا يحل لكم أن تعضلوهن عن أن يتزوجهن ~~غيركم لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن أي لتأخذوا ميراثهن إذا متن، أو ليدفعن ~~إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح. قال الزهري وأبو مجلز: كان من عادتهم ~~إذا مات الرجل وله زوجة ألقى ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة ~~فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق ~~الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن ~~شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت فيرثها، فنزلت الآية. ~~وقيل: الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طمعا في إرثهن أو ~~يفتدين ببعض مهورهن. اختاره ابن عطية قال: ودليل ذلك قوله: إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة فإنها إذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى تذهب بمالها ~~إجماعا من الأمة، وإنما ذلك للزوج. قال الحسن: إذا زنت البكر فإنها تجلد ~~مائة وتنفى وترد إلى زوجها ما أخذت منه وقال أبو قلابة: إذا زنت امرأة ~~الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه. # قال السدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن. # وقال قوم: الفاحشة البذاءة باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا. وقال مالك ~~وجماعة من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك هذا كله على أن ~~الخطاب في قوله: ولا تعضلوهن للأزواج، وقد عرفت مما قدمنا في سبب النزول أن ~~الخطاب في قوله: ولا تعضلوهن لمن خوطب بقوله: لا يحل لكم أن ترثوا النساء ~~كرها فيكون المعنى: ولا يحل لكم أن تمنعوهن من الزواج لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن أي ما آتاهن من ترثونه إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فحينئذ جاز لكم ~~حبسهن عن الأزواج. # ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج ~~وتستعف «1» عن الزنا، وكما أن جعل قوله: ولا تعضلوهن خطابا للأولياء، فيه ~~هذا التعسف! ms118 كذلك جعل قوله: لا يحل لكم أن ترثوا النساء خطابا للأزواج فيه ~~تعسف ظاهر مع مخالفة سبب نزول الآية الذي ذكرناه. والأولى أن يقال: إن ~~الخطاب في قوله: PageV01P144 # لا يحل لكم: للمسلمين: أي لا يحل لكم معاشر المسلمين [أن ترثوا النساء ~~كرها كما كانت تفعله الجاهلية، ولا يحل لكم معاشر المسلمين «1» ] أن تعضلوا ~~أزواجكم أي تحبسوهن عندكم، مع عدم رغبتكم فيهن، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن من المهر يفتدين به من الحبس والبقاء تحتكم، وفي عقدكم مع كراهتكم ~~لهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة جاز لكم مخالعتهن ببعض ما آتيتموهن. # وعاشروهن بالمعروف [أي بما هو معرف] «2» في هذه الشريعة وبين أهلها من ~~حسن المعاشرة، وهو خطاب للأزواج أو لما هو أعم، وذلك مختلف باختلاف الأزواج ~~في الغنى والفقر والرفاعة والوضاعة فإن كرهتموهن لسبب من الأسباب من غير ~~ارتكاب فاحشة ولا نشوز فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) ~~: أي فعسى أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة وتبدلها بالمحبة ~~فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة وحصول الأولاد. فيكون الجزاء على ~~هذا محذوفا مدلولا عليه بعلته: أي فإن كرهتموهن فاصبروا ولا تفارقوهن بمجرد ~~هذه النفرة فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. # قيل: في الآية ندب إلى إمساك الزوجة مع الكراهة، لأنه إذا كره صحبتها ~~وتحمل ذلك المكروه طلبا للثواب وأنفق عليها وأحسن هو معاشرتها استحق الثناء ~~الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى. # [الآية السابعة] وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا ~~فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) . # وإن أردتم استبدال زوج: أي زوجة مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا: المراد ~~به هنا المال الكثير، وفيه دليل على جواز المغالاة في المهور فلا تأخذوا ~~منه شيئا: قيل: هي محكمة، وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة: ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ~~والأولى PageV01P145 # أن الكل محكم. والمراد ms119 هنا غير المختلعة فلا يحل لزوجها أن يأخذ مما ~~آتاها شيئا. # [الآية الثامنة] # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا ~~وساء سبيلا (22) . # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح ~~نساء آبائهم إذا ماتوا، وهو شروع في بيان من يحرم نكاحه من النساء ومن لا ~~يحرم. # إلا ما قد سلف هو استثناء منقطع: أي لكن ما قد سلف في الجاهلية فاجتنبوه ~~ودعوه، وقيل: إلا بمعنى بعد: أي بعد ما سلف. وقيل: المعنى ولا ما سلف، ~~وقيل: # هو استثناء متصل من قوله: ما نكح آباؤكم يفيد المبالغة في التحريم بإخراج ~~الكلام مخرج التعليق «1» بالمحال: بمعنى إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف ~~فانكحوا فلا يحل لكم غيره! ... وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد ~~والحاكم- وصححه- والبيهقي في سننه عن البراء، قال: «لقيت خالي ومعه الراية. ~~قلت: أين تريد؟ قال: # بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من ~~بعده فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله» «2» . ثم بين سبحانه وجه النهي عنه ~~فقال: إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (22) هذه الصفات الثلاث تدل على أنه ~~من أشد المحرمات وأقبحها، وقد كانت الجاهلية تسميه «نكاح المقت» وهو أن ~~يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها. # ويقال لهذا «الضيزن» وأصل المقت: البغض. PageV01P146 # [الآية التاسعة] حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ~~وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن ~~لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) . # حرمت عليكم أمهاتكم أي نكاحهن، وقد بين الله سبحانه في هذه الآية ما يحل ~~وما يحرم من النساء فحرم سبعا من النسب، وستا من الرضاع والصهر، وألحقت ~~المتواترة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ms120 ووقع عليه ~~الإجماع. # فالسبع المحرمات من النسب الأمهات. وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم أي ~~البنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم هذا مطلق قيد بما ورد في السنة من كون الرضاع في الحولين إلا في ~~مسألة قصة إرضاع سالم مولى أبي حذيفة. وظاهر النظم القرآني أنه يثبت حكم ~~الرضاع بما يصدق عليه مسمى الرضاع لغة وشرعا، ولكنه قد ورد تقييده بخمس ~~رضعات في أحاديث صحيحة عن جماعة من الصحابة. والبحث عن تقرير ذلك وتحقيقه ~~يطول، وقد استوفاه الشوكاني في مصنفاته «1» وقرر ما هو الحق في كثير من ~~مباحث الرضاع، وذكرنا طرفا منه في شرحنا لبلوغ المرام. # وأخواتكم من الرضاعة الأخت من الرضاع هي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك ~~سواء أرضعتها معك أو مع من قبلك أو بعدك من الأخوة والأخوات، والأخت من ~~الأم: هي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر. # وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ~~PageV01P147 # فالمحرمات بالصهر والرضاع: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة ~~وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين، فهؤلاء ست، ~~والسابعة منكوحات الآباء، والثامنة الجمع بين المرأة وعمتها. # قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن ~~بالإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن، فإن جمهور السلف ~~ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة ولا تحرم الابنة إلا بالدخول ~~بالأم. # وقال بعض السلف: الأم والربيبة سواء لا تحرم واحدة منهما إلا بالدخول ~~بالأخرى. # قالوا: ومعنى قوله: وأمهات نسائكم: أي اللاتي دخلتم بهن. وزعموا أن قيد ~~الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا، رواه خلاس عن علي. وروي عن ابن ~~عباس وجابر وزيد بن ثابت وابن الزبير ومجاهد. # قال القرطبي «1» : ورواية خلاس عن علي لا تقوم بها حجة ولا تصح روايته ~~عند أهل الحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة. # وقد أجيب عن قولهم إن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب بأن ذلك لا ~~يجوز من جهة الإعراب، وبيانه أن الخبرين إذا اختلفا ms121 في العامل لم يكن ~~نعتهما واحدا، فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهويت نساء زيد الظريفات، ~~على أن يكون الظريفات نعتا للجميع فكذلك في الآية لا يجوز أن يكون [اللاتي ~~دخلتم بهن] نعتا لهما جميعا لأن الخبرين مختلفان. # قال ابن المنذر: والصحيح قول الجمهور لدخول جميع أمهات النساء في قوله: # وأمهات نسائكم. ومما يدل على ما ذهب إليه الجمهور ما أخرجه عبد الرزاق ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا نكح الرجل ~~المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالابنة أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم ~~فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة» «2» . PageV01P148 # قال ابن كثير في تفسيره «1» مستدلا للجمهور: وقد روي في ذلك خبر غير أن ~~في إسناده نظرا، فذكر هذا الحديث ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما ~~فيه، فإن إجماع الأمة على صحة القول به يغني عن الاستشهاد على صحته بغيره. # قال في «الكشاف» : وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم ~~الربائب على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى اه. # ودعوى الإجماع مدفوعة بخلاف من تقدم. # واعلم أنه يدخل في لفظ الأمهات أمهاتهن وجداتهن وأم الأب وجداته- وإن ~~علون- لأن كلهن أمهات لمن ولده من ولدنه، وإن سفل. # ويدخل في لفظ البنات بنات الأولاد، وإن سلفن، والأخوات تصدق على الأخت ~~لأبوين أو أحدهما. # والعمة: اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو أحدهما. وقد تكون ~~العمة من جهة الأم وهي أخت أب الأم. # والخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو أحدهما. وقد تكون الخالة ~~من جهة الأب وهي أخت أم أبيك. وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة ~~بواسطته ومباشرة وإن بعدت وكذلك بنت الأخت. # والمحرمات بالمصاهرة أربع: أم المرأة وابنتها وزوجة الأب وزوجة الابن. # والربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره، سميت بذلك لأنه ms122 يربيها في حجره فهي ~~مربوبة فعيلة بمعنى مفعولة. # قال القرطبي «2» : واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا ~~دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة في حجره، وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر ~~فقالوا: لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج [بأمها] «3» ، فلو ~~كانت في بلد آخر وفارق PageV01P149 # الأم فله أن يتزوج بها. وقد روي ذلك عن علي. # قال ابن المنذر والطحاوي: لم يثبت ذلك عن علي لأنه رواه إبراهيم بن عبيد ~~عن مالك بن أوس عن علي وإبراهيم هذا لا يعرف! وقال ابن كثير في تفسيره «1» ~~بعد إخراج هذا عن علي: وهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه- على شرط مسلم «2» . # والحجور: جمع حجر بفتح الحاء وكسرها، والمراد أنهن في حضانة أمهاتهن تحت ~~حماية أزواجهن، كما هو الغالب وقيل المراد بالحجور البيوت أي في بيوتكم. # حكاه الأثرم عن أبي عبيدة. # فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم: أي في نكاح الربائب، وهو تصريح ~~بما دل عليه مفهوم ما قبله. # وقد اختلف أهل العلم في معنى الدخول الموجب لتحريم الربائب: فروي عن ابن ~~عباس أنه قال: الدخول الجماع، وهو قول طاووس وعمرو بن دينار وغيرهما. # وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث: إن الزوج إذا لمس الأم ~~بشهوة حرمت عليه ابنتها، وهو أحد قولي الشافعي. # قال ابن جرير والطبري: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا ~~تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، وقبل النظر إلى فرجها ~~بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. انتهى. # وهكذا حكى الإجماع القرطبي فقال: وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج ~~المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ابنتها واختلفوا في ~~النظر: فقال الكوفيون إذا نظر إلى فرجها بشهوة كان بمنزلة اللمس بشهوة وكذا ~~قال الثوري ولم يذكر الشهوة. # وقال ابن أبي ليلى: لا يحرم بالنظر حتى يلمس، وهو قول الشافعي. ~~PageV01P150 # والذي ينبغي التعويل عليه ms123 في مثل هذا الخلاف هو النظر في معنى الدخول ~~شرعا أو لغة: فإن كان خاصا بالجماع فلا وجه لإلحاق غيره به من لمس أو نظر ~~أو غيرهما، وإن كان معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع ~~استمتاع كان مناط التحريم هو ذلك. # وأما الربيبة في ملك اليمين فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كره ذلك. # وقال ابن عباس: أحلتهما آية وحرمتهما آية ولو لم أكن لأفعله. # وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل أن يطأ امرأة وابنتها ~~من ملك اليمين لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم، وملك اليمين عندهم تبع للنكاح، إلا ما روي عن ~~عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم انتهى. # وحلائل أبنائكم الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة، سميت بذلك لأنها تحل مع ~~الزوج حيث حل، فهي فعلية بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظ ~~الحلال فهي حليلة بمعنى محللة وقيل: لأن كل واحد منهم يحل إزار صاحبه. # وقد أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه ~~الأبناء على الآباء سواء كان مع العقد وطء أو لم يكن. لقوله تعالى: ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، وقوله تعالى: وحلائل أبنائكم. # واختلف الفقهاء في العقد إذا كان فاسدا هل يقتضي التحريم أم لا كما هو ~~مبين في كتب الفروع؟ # وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم من علماء الأمصار أن الرجل ~~إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد لا تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده «1» ، وأجمع ~~العلماء على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه وابنه «2» ، لا ~~أعلمهم يختلفون فيه فوجب تحريم ذلك تسليما لهم. ولو اختلفوا في تحريمها ~~بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم. قال ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم خلاف ما قلناه. # الذين من ms124 أصلابكم وصف للأبناء: أي دون من تبنيتم من أولاد غيركم، ~~PageV01P151 # كما كانوا يفعلونه في الجاهلية. ومنه قوله تعالى: فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا. ومنه قوله: وما جعل أدعياءكم أبناءكم. ومنه: ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم. وأما زوجة الابن من الرضاع فذهب الجمهور إلى أنها تحرم على أبيه، ~~وقد قيل: إنه إجماع مع أن الابن من الرضاع ليس من أولاد الصلب. ووجهه ما صح ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~النسب» «1» . ولا خلاف أن أولاد الأولاد، وإن سفلوا، بمنزلة أولاد الصلب في ~~تحريم نكاح نسائهم على آبائهم. # وقد اختلف أهل العلم في وطء الزنا: هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال أكثر ~~أهل العلم: إذا أصاب رجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا ~~تحرم عليه امرأته إذا زنا بأمها أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحد، ~~وكذلك يجوز له عندهم أن يتزوج بأم من زنا بها وبابنتها «2» . # وقالت طائفة من أهل العلم: إن الزنا يقتضي التحريم، حكي ذلك عن عمران بن ~~حصين والشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد «3» وإسحاق وأصحاب «4» . # الرأي، وحكى ذلك عن مالك، والصحيح عنه كقول الجمهور «5» . # احتج الجمهور بقوله تعالى: وأمهات نسائكم، وبقوله: وحلائل أبنائكم. ~~والموطوءة بالزنا لا يصدق عليه أنها من نسائهم ولا من حلائل أبنائهم. # وقد أخرج الدارقطني عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال: «لا يحرم الحرام ~~الحلال» «6» ، واحتج المحرمون بما PageV01P152 # روي في قصة جريج الثابتة في الصحيح أنه قال: «يا غلام من أبوك؟ فقال فلان ~~الراعي» «1» فنسب الابن نفسه إلى أبيه من الزنا، وهذا احتجاج ساقط. # واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا ينظر الله إلى رجل نظر ~~إلى فرج امرأة وابنتها ولم يفصل بين الحلال والحرام» «2» . ويجاب عنه بأن ~~هذا ms125 مطلق مقيد بما ورد من الأدلة الدالة على أن الحرام لا يحرم الحلال. # ثم اختلفوا في اللواط هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال الثوري: إذا لاط ~~بالصبي حرمت عليه أمه! وهو قول أحمد بن حنبل، قال: إذا تلوط بابن امرأته أو ~~[أبيها] «3» أو أخيها حرمت عليه امرأته «4» . # وقال الأوزاعي: إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن ~~يتزوجها لأنها بنت من قد دخل به «5» . # ولا يخفى ما في قول هؤلاء من الضعف والسقوط النازل عن قول القائلين بأن ~~وطء الحرام يقتضي التحريم بدرجات لعدم صلاحية ما تمسك به أولئك من الشبه ~~على ما زعمه هؤلاء من اقتضاء اللواط للتحريم. # وأن تجمعوا بين الأختين: أي وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين فهو في محل ~~رفع عطفا على المحرمات السابقة، وهو يشمل الجمع بينهما بالنكاح والوطء بملك ~~اليمين. # وقيل: إن الآية خاصة بالجمع في النكاح لا في ملك اليمين. وأما في الوطء ~~بالملك اليمين فلا حق بالنكاح، وقد اجتمعت الأمة على منع جمعهما في عقد ~~النكاح. PageV01P153 # واختلفوا في الأختين بملك اليمين: فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز ~~الجمع بينهما في الوطء بالملك فقط، وقد توقف بعض السلف في الجمع بين ~~الأختين في الوطء [بالملك] «1» . # واختلفوا في جواز عقد النكاح على أخت الجارية التي توطأ بالملك. # فقال الأوزاعي: إذا وطئ جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوج أختها. # وقال الشافعي: مالك اليمين لا يمنع نكاح الأخت. # وقد ذهبت الظاهرية إلى جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما ~~يجوز الجمع بينهما في الملك. # قال ابن عبد البر- بعد أن ذكر ما روي عن عثمان بن عفان من جواز الجمع بين ~~الأختين في الوطء بالملك-: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ~~ابن عباس ولكنهم اختلف عليهم ولم يلتفت أحد [إلى ذلك] «2» من فقهاء الأمصار ~~بالحجاز ولا بالعراق ولا ما وراءها من المشرق ولا بالشام ولا المغرب إلا من ~~شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي ms126 القياس، وقد ترك من تعمد ذلك. # وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في ~~الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح، وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله: # حرمت عليكم أمهاتكم إلى آخر الآية أن النكاح بملك اليمين في هؤلاء كلهن ~~سواء، فكذلك يجب أن يكون قياسا ونظر الجمع بين الأختين وأمهات النساء ~~والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم وهي الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. ~~والله المحمود انتهى. # وأقول: هاهنا إشكال وهو أنه قد تقرر أن النكاح يقال على العقد فقط، وعلى ~~الوطء فقط، والخلاف في كون أحدهما حقيقة والآخر مجازا، وكونهما حقيقتين ~~معروف: فإن حملنا هذا التحريم المذكور في هذه الآية وهي قوله: حرمت عليكم ~~أمهاتكم إلى آخر الآية، على أن المراد تحريم العقد عليهن لم يكن في قوله ~~تعالى: PageV01P154 # وأن تجمعوا بين الأختين دلالة على تحريم الجمع بين المملوكتين في الوطء ~~بالملك؟ وما وقع من إجماع المسلمين على أن قوله: حرمت عليكم أمهاتكم ~~وبناتكم وأخواتكم إلخ يستوي في الحرائر والإماء، والعقد، والملك لا يستلزم ~~أن يكون محل الخلاف، وهو الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين مثل محل ~~الإجماع، ومجرد القياس في مثل هذا الموطن لا تقوم به الحجة لما يرد عليه من ~~النقوض، وإن حملنا التحريم المذكور في الآية على الوطء فقط لم يصح ذلك ~~للإجماع على تحريم عقد النكاح على جميع المذكورات من أول الآية إلى آخرها ~~فلم يبق إلا حمل التحريم في الآية على تحريم عقد النكاح، فيحتاج القائل ~~بتحريم الجمع بين الأختين في الوطء بالملك إلى دليل، ولا ينفعه أن ذلك قول ~~الجمهور، فالحق لا يعرف الرجال، فإن جاء به خالصا عن شوب الكدر فيها ونعمت، ~~وإلا كان الأصل الحل، ولا يصح حمل النكاح في الآية على معنييه جميعا أعني ~~العقد والوطء لأنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ممنوع، أو من باب ~~الجمع بين معنى المشترك، وفيه الخلاف المعروف في الأصول فتدبر هذا. # واختلف أهل العلم ms127 إذا كان الرجل يطأ مملوكته بالملك ثم أراد أن يطأ أختها ~~أيضا بالملك؟ فقال علي وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد ~~وإسحاق: # لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو ~~عتق أو بأن يزوجها. # قال ابن المنذر: وفيه قول ثان لقتادة: وهو أنه ينوي تحريم الأولى على ~~نفسه وأن لا يقربها، ثم يمسك [عنهما] «1» حتى تستبرئ المحرمة ثم يغشى ~~الثانية. # وفيه قول ثالث وهو أنه لا يقرب واحدة منهما، هكذا قاله الحكم وحماد. وروي ~~معنى ذلك عن النخعي. # وقال مالك: إذا كان عنده أختان بملك فله أن يطأ أيتهما شاء، والكف عن ~~الأخرى موكول إلى أمانته. فإن أراد وطء الأخرى يلزمه أن يحرم على نفسه فرج ~~الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك أو تزويج أو بيع أو عتق أو كتابة أو ~~إخدام طويل، فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى من دون أن يحرم الأولى ~~[وقف] «2» عنهما ولم PageV01P155 # يجز له قرب إحداهما حتى يحرم الأخرى ولم يوكل ذلك إلى أمانته لأنه متهم. # قال القرطبي: وقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك ~~رجعتها إنه ليس له أن ينكح أختها حتى تنقضي عدة المطلقة، واختلفوا إذا ~~طلقها طلاقا لا يملك رجعتها فقالت طائفة: ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة ~~حتى تنقضي عدة التي طلق. روي ذلك عن علي عليه السلام وزيد بن ثابت ومجاهد ~~وعطاء والنخعي والثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي. # وقالت طائفة: له أن ينكح أختها وينكح الرابعة لمن كان تحته أربع وطلق ~~واحدة منهن طلاقا بائنا يروى ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وعروة ~~بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبي ثور وأبي عبيد. قال ابن المنذر: ولا ~~أحسبه إلا قول مالك. وهو أيضا إحدى الروايتين عن زيد بن ثابت وعطاء. # وقوله إلا ما قد سلف يحتمل أن يكون معناه [معنى] «1» ما تقدم من قوله: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما ms128 قد سلف، ويحتمل معنى آخر، وهو ~~جواز ما سلف وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا، وإذا جرى في ~~الإسلام خير بين الأختين، والصواب الاحتمال الأول. # إن الله كان غفورا رحيما (23) بكم فيما سلف قبل النهي والمحصنات من ~~النساء عطف على المحرمات المذكورات. وأصل التحصن التمنع، ومنه قوله تعالى: ~~لتحصنكم من بأسكم أي: لتمنعكم، والحصان: المرأة العفيفة لمنعها نفسها، ~~والمصدر الحصانة بفتح الحاء، والمراد بالمحصنات هنا ذوات الأزواج. # وقد ورد الإحصان في القرآن بمعان، هذا أحدها، والثاني: يراد به الحرة. ~~ومنه قوله تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات، وقوله: ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والثالث: ~~يراد به العفيفة، ومنه قوله تعالى: محصنات غير مسافحات، وقوله: محصنين غير ~~مسافحين. والرابع: # المسلمة، ومنه قوله تعالى: فإذا أحصن أي أسلمن. # وقد اختلف أهل العلم في تفسير [هذه الآية] «2» هنا فقال ابن عباس وأبو ~~سعيد PageV01P156 # الخدري وأبو قلابة ومكحول والزهري: المراد بالمحصنات هنا: المسبيات ذوات ~~الأزواج خاصة، أي هن محرمات عليكم إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من أرض ~~الحرب، فإن تلك حلال، وإن كان لها زوج. وهو قول الشافعي: أي أن السبي يقطع ~~العصمة وبه قال ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وبه قال أبو حنيفة ~~وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور. # واختلفوا في استبرائها بماذا يكون؟ كما هو مدون في كتب الفروع. # وقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية العفائف، وبه قال أبو العالية وعبيدة ~~السلماني وطاووس وسعيد بن جبير وعطاء، رواه عبيدة عن عمر. ومعنى الآية ~~عندهم: # كل النساء حرام إلا ما ملكت أيمانكم، أي تملكون عصمتهن بالنكاح وتملكون ~~الرقبة بالشراء. وحكى ابن جرير الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير: أما رأيت ~~ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا؟ فقال: كان ابن عباس لا ~~يعلمها. وروى ابن جرير أيضا عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه ~~الآية لضربت إليه أكباد الإبل. # انتهى. # ومعنى الآية- والله ms129 أعلم- واضح لا سترة به: أي وحرمت عليكم المحصنات من ~~النساء: أي المزوجات، أعم من أن يكن مسلمات أو كافرات إلا ما ملكت أيمانكم ~~منهن. أما بالسبي فإنها تحل ولو كانت ذات زوج، أو شراء فإنها تحل ولو كانت ~~متزوجة. وينفسخ النكاح الذي كان عليها لخروجها عن ملك سيدها الذي زوجها، ~~والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كتاب الله عليكم منصوب على ~~المصدرية: أي كتب الله ذلك كتابا. # وقال الزجاج والكوفيون: [إنه منصوب] «1» على الإغراء، أي الزموا [كتاب ~~الله] «2» . وهو إشارة إلى التحريم المذكور في قوله: حرمت عليكم إلخ. وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم: وفيه دليل على أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات، وهذا ~~عام مخصوص بما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تحريم الجمع بين ~~المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها. PageV01P157 # ومن ذلك نكاح المعتدة، وكذلك نكاح أمة على حرة، وكذا القادر على الحرة، ~~وكذلك تزوج خامسة، وكذا الملاعنة للملاعن وقيل: لا حاجة إلى التنبيه على ~~هذا فإن الكلام في المحرمات المؤبدة، وما ذكر محرمات لعارض ممكن الزوال. ~~نعم يظهر ذلك في الملاعنة فانظر. # وقد أبعد من قال: إن تحريم الجمع بين المذكورات مأخوذ من الآية هذه لأنه ~~حرم الجمع بين الأختين، فيكون ما في معناه في حكمه: وهو الجمع بين المرأة ~~وعمتها وبين المرأة وخالتها، وكذلك تحريم نكاح الأمة لمن يستطيع نكاح حرة ~~فإنه يخصص هذا العموم. # أن تبتغوا في محل نصب على العلة: أي حرم عليكم ما حرم وأحل لكم ما أحل ~~لأجل أن تبتغوا بأموالكم النساء اللاتي أحلهن الله لكم ولا تبتغوا به ~~الحرام فيذهب «1» ، حال كونكم محصنين: أي متعففين عن الزنا غير مسافحين أي ~~غير زانين. # والسفاح: الزنا، وهو مأخوذ من سفح الماء: أي صبه وسيلانه. فكأنه سبحانه ~~أمرهم بأن يطلبوا بأموالهم النساء على وجه النكاح، لا على وجه السفاح. ~~وقيل: إن قوله: أن تبتغوا بأموالكم بدل من «ما» في قوله: ما وراء ذلكم أي: ~~وأحل لكم الابتغاء بأموالكم. والأول أولى. وأراد الله ms130 سبحانه بالأموال ~~المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء. # فما استمتعتم به منهن كلمة «2» «ما» موصولة، والفاء في قوله: فآتوهن ~~لتضمن الموصول معنى الشرط والعائد محذوف: أي فأتوهن أجورهن عليه. # وقد اختلف أهل العلم في معنى الآية، فقال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى ~~فيما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء الشرعي فآتوهن أجورهن أي مهورهن. # وقال الجمهور: إن المراد بهذه الآية نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام ~~ويؤيد ذلك قراءة أبي بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير: فما استمتعتم به منهن ~~PageV01P158 # إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ثم نهى عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كما صح ذلك من حديث علي عليه السلام قال: «نهى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» «1» . وهو في ~~الصحيحين وغيرهما. # وفي «صحيح مسلم» من حديث سبرة بن معبد الجهني عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال يوم فتح مكة: «يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في ~~الاستمتاع من النساء والله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن ~~شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما أتيتموهن شيئا» «2» . وفي لفظ لمسلم أن ~~ذلك كان في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ. # وقال سعيد بن جبير: نسختها آية الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها، وقال ~~القاسم بن محمد وعائشة: تحريمها ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى: والذين ~~هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين (30) وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم ولا مما ملكت أيمانهم فإن ~~من شأن الزوجة أن ترث وتورث، وليست المتمتع بها كذلك. # وقد روي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة وأنها باقية لم تنسخ. # وروي عنه أنه رجع عن ذلك عند أن بلغه الناسخ. # وقد قال بجوازها جماعة من الروافض، ولا اعتبار بأقوالهم. وقد أتعب نفسه ~~بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسألة وتقوية ما قاله المجوزون لها ~~وليس هذا المقام مقام بيان بطلان ms131 كلامه. # وقد طول الشوكاني رحمه الله البحث ودفع الشبهة الباطلة التي تمسك بها ~~المجوزون لها في شرحه للمنتقى «3» فليرجع إليه. وأشرنا إليه في «مسك الختام ~~شرح بلوغ المرام» الفريضة: تنصب على المصدرية المؤكدة، أو على الحال أي ~~مفروضة. PageV01P159 # ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة: أي من زيادة أو نقصان في ~~المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي. هذا عند من قال بأن الآية في النكاح ~~الشرعي. # وأما عند الجمهور القائلين بأنها في المتعة، فالمعنى التراضي في زيادة ~~مدة المتعة أو نقصانها أو في زيادة ما دفعه إليها في مقابل الاستمتاع بها ~~أو نقصانه. # [الآية العاشرة] # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ~~من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم ~~وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) . # ومن لم يستطع منكم طولا الطول: الغنى والسعة، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد ~~بن جبير والسدي «1» وأبو زيد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجمهور ~~أهل العلم، ومعنى الآية على هذا: فمن من لم يستطع منكم غنى وسعة في ماله ~~يقدر بها على أن ينكح المحصنات المؤمنات [فلينكح من فتياتكم المؤمنات] «2» ~~: # يقال طال يطول طولا في الأفضل والقدرة، وفلان ذو طول: أي ذو قدرة. # والطول بالضم: ضد القصر. وقال قتادة والنخعي وعطاء والثوري: إن الطول ~~الصبر. ومعنى الآية عندهم أن من كان يهوى أمة حتى صار لذلك لا يستطيع أن ~~يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوجها إذا لم يملك نفسه وخاف أن يبغي بها، وإن ~~كان يجد سعة في المال لنكاح «3» حرة. PageV01P160 # وقال أبو حنيفة- وهو المروي عن مالك- أن الطول المرأة الحرة، فمن كانت ~~تحته حرة لم يحل له أن ينكح الأمة، ومن لم يكن تحته حرة جاز له أن يتزوج ~~أمة، ولو كان غنيا. وبه ms132 قال أبو يوسف واختاره ابن جرير واحتج له. # والقول الأول وهو المطابق لمعنى الآية، ولا يخلو ما عداه عن تكلف، فلا ~~يجوز للرجل أن يتزوج بالأمة إلا إذا كان لا يقدر على أن يتزوج بالحرة لعدم ~~وجود ما يحتاج إليه في نكاحها من مهر وغيره. ودخلت الفاء في قوله: فمن ما ~~ملكت أيمانكم لتضمن المبتدأ معنى الشرط. # وقوله: من فتياتكم المؤمنات في محل نصب في الحال، فقد عرفت أنه لا يجوز ~~للرجل الحر أن يتزوج بالمملوكة إلا بشرط عدم القدرة على الحرة. والشرط ~~الثاني ما سيذكره الله سبحانه آخر الآية من قوله: ذلك لمن خشي العنت منكم. ~~فلا يحل للفقير أن يتزوج بالمملوكة إلا إذا كان يخشى على نفسه العنت. وقد ~~استدل بزيادة وصف الإيمان على عدم جواز نكاح الإماء الكتابيات، وبه قال ~~الحجازيون، وجوزه أهل العراق. والمراد هنا الأمة المملوكة للغير. # وأما أمة الإنسان نفسه فقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز له أن يتزوجها ~~وهي تحت ملكه لتعارض الحقوق واختلافها. والفتيات جمع فتاة والعرب تقول ~~للمملوك فتى وللمملوكة فتاة، وفي الحديث الصحيح: «لا يقولن أحدكم: عبدي ~~وأمتي ولكن ليقل: # فتاي وفتاتي» «1» . # والله أعلم بإيمانكم: فيه تسلية لمن ينكح الأمة إذا اجتمع فيه الشرطان ~~المذكوران: أي كلكم بنو آدم، وأكرمكم عند الله أتقاكم فلا تستنكفوا من ~~الزواج بالإماء عند الضرورة فربما كان إيمان بعض الإماء أفضل من إيمان بعض ~~الحرائر والجملة اعتراضية. # بعضكم من بعض مبتدأ وخبر، ومعناه: أنهم متصلون في الأنساب لأنهم جميعا ~~بنو آدم، أو متصلون في الدين لأنهم جميعا أهل ملة واحدة ونبيهم واحد. ~~والمراد بهذا توطئة نفوس العرب لأنهم كانوا يستهجنون أولاد الإماء ~~ويستصغرونهم ويغضون منهم ويسمون ابن الأمة الهجين فأخبر الله تعالى أن ذلك ~~أمر لا يلتفت إليه فلا يتداخلنكم PageV01P161 # شموخ وأنفة بل إذا احتجتم إلى نكاحهن. # فانكحوهن بإذن أهلهن: أي بإذن المالكين لهن لأن منافعهن لهم، لا يجوز ~~لغيرهم أن ينتفع بشيء منها إلا بإذن من هي له. وآتوهن أجورهن بالمعروف: أي ~~أدوا ms133 إليهن مهورهن بما هو المعروف في الشرع. وقد استدل بهذا من قال إن ~~الأمة أحق بمهرها من سيدها، وإليه ذهب مالك، وذهب الجمهور إلى أن المهر ~~للسيد وإنما أضافها إليهن لأن التأدية إليهن تأدية إلى سيدهن لكونهن «1» ~~ماله. # محصنات أي عفائف، وقرأ الكسائي محصنات بكسر الصاد في جميع القرآن إلا في ~~قوله: والمحصنات من النساء، وقرأ الباقون بالفتح في جميع القرآن. # غير مسافحات أي غير معلنات بالزنا. # ولا متخذات أخدان الأخلاء، والخدن والخدين المخادن: أي المصاحب، وقيل: ~~ذات الخدن: وهي التي تزني سرا، فهو مقابل للمسافحة وهي التي تجاهر بالزنا، ~~وقيل: المسافحة المبذولة، وذات الخدن، التي تزني بواحد. # وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنا ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام ~~جميع ذلك فقال الله تعالى: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. # فإذا أحصن قرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بضمها. # والمراد بالإحصان هنا الإسلام روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأنس ~~والأسود بن يزيد وزر «2» بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي ~~والشعبي والسدي «3» ، وروي عن عمر بن الخطاب بإسناد منقطع وهو الذي نص عليه ~~الشافعي وبه قال الجمهور. # وقال ابن عباس وأبو الدرداء ومجاهد وعكرمة وطاووس وسعيد بن جبير والحسن ~~وقتادة وغيرهم «4» : إنه التزويج، وروي عن الشافعي. PageV01P162 # فعلى القول الأول لا حد على الأمة الكافرة. # وعلى القول الثاني لا حد على الأمة التي لم تتزوج. # وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها. # وقال ابن جرير «1» : إن معنى القراءتين مختلف: فمن قرأ أحصن بضم الهمزة ~~فمعناه التزويج ومن قرأ بفتحها فمعناه الإسلام. # وقال قوم: إن الإحصان المذكور في الآية هو التزويج، ولكن الحد واجب على ~~الأمة المسلمة إذا زنت قبل أن تتزوج بالسنة. وبه قال الزهري. # قال ابن عبد البر: ظاهر قول الله عز وجل يقتضي أنه لا حد على الأمة وإن ~~كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن، وكان ذلك ~~زيادة بيان. # قال القرطبي «2» : ظهر المسلم حمى لا يستباح ms134 إلا بيقين، ولا يقين مع ~~الاختلاف، لولا ما جاء في صحيح السنة من الجلد. # قال ابن كثير في تفسيره «3» . والأظهر- والله أعلم- أن المراد بالإحصان ~~هنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه: ومن لم يستطع منكم ~~طولا إلى قوله: فإذا أحصن الآية، فالسياق كله في الفتيات المؤمنات. فيتعين ~~أن المراد بقوله: فإذا أحصن تزوجن كما فسره به ابن عباس ومن تبعه. قال: ~~وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، لأنهم يقولون إن الأمة إذا زنت ~~فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة أو كافرة ثيبا أو بكرا، ومفهوم الآية ~~يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة من الإماء! وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك. ثم ~~ذكر أن منهم من أجاب- وهم الجمهور- تقديم منطوق الأحاديث على هذا المفهوم، ~~ومنهم من عمل على مفهوم الآية وقال: إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها إنما ~~تضرب تأديبا قال: وهو المحكي عن ابن عباس وإليه ذهب طاووس وسعيد بن جبير ~~وأبو عبيد وداود الظاهري في روايه عنه، فهؤلاء قدموا [مفهوم] «4» الآية على ~~العموم، وأجابوا عن مثل حديث أبي هريرة وزيد بن PageV01P163 # خالد في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن ~~الأمة إذا زنت ولم تحصن قال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن ~~زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بظفر» «1» . بأن المراد بالجلد هنا التأديب ~~وهو تعسف! وأيضا قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب ~~عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ... » «2» الحديث. # ولمسلم من حديث علي قال: «يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد. من ~~أحصن ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زنت، فأمرني ~~أن أجلدها ... » «3» # الحديث. # وأما ما أخرجه سعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس على الأمة حد حتى تحصن ms135 بزوج، فإذا ~~أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب» «4» . فقد قال ابن خزيمة ~~والبيهقي: إن رفعه خطأ، والصواب وقفه. # فإن أتين بفاحشة الفاحشة هنا الزنا. # فعليهن نصف ما على المحصنات: أي الحرائر الأبكار، لأن الثيب عليها الرجم ~~وهو لا يتبعض. # وقيل: المراد بالمحصنات هنا: المزوجات لأن عليهن الجلد والرجم، والرجم لا ~~يتبعض، فصار عليهن نصف ما عليهن من الجلد. # من العذاب: وهو هنا الجلد، وإنما نقص حد الإماء عن حد الحرائر لأنهن ~~أضعف، وقيل: لأنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر، وقيل: لأن ~~PageV01P164 # العقوبة [تجب] «1» على قدر النعمة كما في قوله تعالى: يضاعف لها العذاب ~~ضعفين. # ولم يذكر الله سبحانه في هذه الآية العبيد وهم لاحقون بالإماء بطريق ~~القياس. وكما يكون على الإماء والعبيد نصف الحد في الزنا كذلك يكون عليهم ~~نصف الحد في القذف والشرب. # ذلك لمن خشي العنت منكم: الاشارة بذلك إلى نكاح الإماء، والعنت: # الوقوع في الإثم. وأصله في اللغة انكسار العظم بعد الجبر، ثم استعير لكل ~~مشقة. # وأن تصبروا عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهن، أي صبركم خير لكم لأن ~~نكاحهن يفضي إلى إرقاق الولد والغض من النفس. # [الآية الحادية عشرة] # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) . # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل والباطل: ما ليس ~~بحق، ووجوه ذلك كثيرة. ومن الباطل البيوعات التي نهى عنها الشرع إلا أن ~~تكون تجارة. والتجارة في اللغة: عبارة عن المعارضة، وهذا الاستثناء منقطع: ~~أي [لكن] «2» تجارة صادرة عن تراض منكم جائزة بينكم، أو لكن كون تجارة عن ~~تراض منكم حلالا لكم. وإنما نص الله سبحانه على التجارة دون سائر أنواع ~~المعاوضات لكونها أكثرها وأغلبها. وتطلق التجارة على جزاء الأعمال من الله ~~على وجه المجاز. # ومنه قوله تعالى: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) : وقوله: ~~يرجون تجارة لن تبور (29) . # واختلف العلماء في التراضي: ms136 فقالت طائفة: تمامه وجوبه بافتراق الأبدان ~~بعد عقد البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، كما في الحديث الصحيح: ~~«البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر» «3» . وإليه ~~ذهب جماعة من PageV01P165 # الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة ~~وإسحاق وغيرهم. # وقال مالك وأبو حنيفة: تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة فيرتفع بذلك ~~الخيار وأجابوا عن الحديث بما لا طائل تحته. وقد قرىء تجارة على الرفع على ~~أن كان تامة، وتجارة بالنصب على أنها ناقصة. # وأفاد الشوكاني في المختصر أن المعتبر في البيع مجرد التراضي ولو بإشارة ~~من قادر على النطق. انتهى. # وقال في شرحه: لكونه لم يرد ما يدل على ما يعتبره بعض أهل العلم من ألفاظ ~~مخصوصة وأنه لا يجوز البيع بغيرها ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: ~~بعت منك، فإنا لا ننكر أن البيع يصح بذلك، وإنما النزاع في كونه لا يصح إلا ~~بها ولم يرد في ذلك شيء. وقد قال تعالى: تجارة عن تراض، فدل على أن مجرد ~~التراضي هو المناط ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كناية بأي لفظ، ~~وقع على أي صفة كان، وبأي إشارة مفيدة حصل. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» «1» . # فإذا وجدت طيبة النفس مع التراضي فلا يعتبر غير ذلك. انتهى. # ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) : أي لا يقتل بعضكم أيها ~~المسلمون بعضا إلا بسبب أثبته الشرع، أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي ~~الموجبة للقتل بأن يقتل فيقتل، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه ~~حقيقة، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني. ومما يدل على ذلك ~~احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزاة ذات ~~السلاسل فقرر النبي صلى الله عليه وآله وسلم PageV01P166 # احتجاجه «1» - وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما. # [الآية الثانية عشرة] # الرجال قوامون على النساء ms137 بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من ~~أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن ~~الله كان عليا كبيرا (34) . # الرجال قوامون على النساء هذه الجملة مستأنفة مشتملة على بيان العلة التي ~~استحق بها «2» الرجال الزيادة، كأنه قيل: كيف استحق الرجال ما استحقوا مما ~~«3» لم يشاركهم فيه النساء؟ فقال: الرجال قوامون على النساء. والمراد أنهم ~~يقومون بالذب عنهن كما يقوم الحكام والأمراء بالذب عن الرعية، وهم أيضا ~~يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة والمسكن، وجاء بصيغة المبالغة في ~~قوله: قوامون، ليدل على أصالتهم في هذا الأمر. والباء في قوله: بما فضل ~~الله للسببية، الضمير في قوله: # بعضهم على بعض للرجال والنساء: أي إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل الله ~~إياهم عليهن بما فضلهم به من كون فيهم الخلفاء والسلاطين والحكام والأمراء ~~والغزاة وغير ذلك من الأمور. # وبما أنفقوا: أي بسبب ما أنفقوا من أموالهم: وما مصدرية أو موصولة وكذلك ~~هي في قوله: بما فضل الله، ومن تبعيضية. والمراد ما أنفقوه في الإنفاق على ~~النساء وبما دفعوه في مهورهن من أموالهم، وكذلك ما ينفقونه في الجهاد وما ~~يلزمهم في العقل والدية. PageV01P167 # وقد استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على جواز فسخ النكاح إذا عجز ~~الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها وبه قال مالك والشافعي وغيرهما. # واللاتي تخافون نشوزهن: هذا خطاب للأزواج، قيل: الخوف هنا على بابه، وهو ~~حالة تحدث في القلب عند حدوث أمر مكروه، أو عند ظن حدوثه، وقيل: المراد ~~بالخوف هنا العلم. # والنشوز: العصيان، قال ابن فارس يقال: نشزت المرأة استعصت على زوجها، ~~ونشز بعلها إذا ضربها وجفاها. # فعظوهن أي ذكروهن بما أوجبه الله عليهن من الطاعة وحسن العشرة ورغبوهن ~~ورهبوهن. # واهجروهن في المضاجع: يقال: هجره: أي تباعد منه، والمضاجع: جمع مضجع وهو ~~محل الاضطجاع: أي تباعدوا عن مضاجعهن ولا تدخلوهن تحت ما تجعلونه عليكم حال ~~الإضجاع مع الثياب. وقيل: هو أن يوليها ظهره ms138 عند الاضطجاع، وقيل: هو كناية ~~عن ترك جماعها. وقيل: لا تبيت معه في البيت الذي يضطجع فيه. # واضربوهن أي ضربا غير مبرح، ولا شائن. # وظاهر النظم القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه الأمور عند مخافة ~~النشوز، وقيل: إنه لا يهجر إلا بعد عدم تأثير الوعظ، فإن أثر الوعظ لم ~~ينتقل إلى الهجر، وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب. # فإن أطعنكم كما يجب وتركن النشوز فلا تبغوا عليهن سبيلا أي لا تتعرضوا ~~لهن بشيء مما يكرهن لا بقول ولا فعل. وقيل: المعنى لا تكلفوهن الحب لكم ~~فإنه لا يدخل تحت اختيارهن. # [الآية الثالثة عشرة] وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما ~~من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) . # PageV01P168 # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها: أصل الشقاق ~~أن كل واحد منهما يأخذ شقا غير شق صاحبه: أي ناحية غير ناحيته، وأضيف ~~الشقاق إلى الظرف لإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى: بل مكر الليل ~~والنهار، وقولهم: # يا سارق الليلة أهل الدار، والخطاب للأمراء والحكام، والضمير في قوله ~~بينهما للزوجين لأنه قد تقدم ذكر ما يدل عليهما وهو ذكر الرجال والنساء ~~فابعثوا إلى الزوجين حكما يحكم بينهما ممن يصلح لذلك عقلا ودينا وإنصافا. # وإنما نص الله سبحانه على أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين لأنهما أقرب ~~لمعرفة أحوالهما، وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من يصلح للحكم بينهما كان ~~الحكمان من غيرهم، وهذا إذا أشكل أمرهما ولم يتبين من هو المسيء منهما. ~~فأما إذا عرف المسيء فإنه يؤخذ لصاحبه الحق منه وعلى الحكمين أن يسعيا في ~~إصلاح ذات البين جهدهما، فإن قدرا على ذلك عملا عليه وإن أعياهما إصلاح ~~حالهما ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر من الحاكم في البلد ~~ولا توكيل بالفرقة من الزوجين وبه قال مالك والأوزاعي وإسحاق، وهو مروي عن ~~عثمان وعلي وابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي وحكاه ابن كثير «1» عن ~~الجمهور ms139 قالوا: لأن الله قال: فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، وهذا ~~نص من الله سبحانه على أنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان. # وقال الكوفيون وعطاء وابن زيد والحسن- وهو أحد قولي الشافعي- إن التفريق ~~هو إلى الإمام أو الحاكم في البلد لا إليهما، ما لم يوكلهما الزوجان أو ~~يأمرهما الإمام والحاكم، لأنهما رسولان لا شاهدان فليس إليهما التفريق. ~~ويرشد إلى هذا قوله تعالى: # إن يريدا أي الحكمان، إصلاحا: بين الزوجين، يوفق الله بينهما أي يوقع ~~الموافقة بين الزوجين حتى يعودا إلى الألفة وحسن العشرة. # ومعنى الإرادة خلوص نيتهما لصلاح الحال بين الزوجين، وقيل: إن الضمير في ~~قوله: يوفق الله بينهما- للحكمين، كما في قوله: إن يريدا إصلاحا. أي يوفق ~~الله بين الحكمين في اتحاد كلمتهما وحصول مقصودهما، وقيل: كلا الضميرين ~~للزوجين، أي إن يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله تعالى بينهما ~~الألفة PageV01P169 # والوفاق، وإذا اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما ولا يلزم قبول قولهما بلا ~~خلاف. # [الآية الرابعة عشرة] واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ~~وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب ~~بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ~~(36) . # وبالوالدين إحسانا مصدر لفعل محذوف أي أحسنوا بالوالدين إحسانا. وقرأ ابن ~~أبي عبلة بالرفع. # وقد دل ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله والنهي عن ~~الإشراك به على عظم حقهما، ومثله: اشكر لي ولوالديك- فأمر سبحانه بأن يشكرا ~~معه. # وبذي القربى: أي صاحب القرابة وهو من يصح إطلاق اسم القربى عليه وإن كان ~~بعيدا. # واليتامى والمساكين: قد تقدم تفسيرهما. والمعنى أحسنوا بذي القربى إلى ~~آخر ما هو مذكور في هذه الآية. # والجار ذي القربى والمراد من يصدق عليه مسمى الجوار مع كون داره بعيدة. # وفي ذلك دليل على تعميم الجيران بالإحسان إليهم. سواء كانت الديار ~~متقاربة أو متباعدة، وعلى أن للجوار حرمة مرعية مأمورا بها. وفيه رد على من ~~يظن أن الجار مخصوص» # بالملاصق دون من بينه وبينه حائل، أو ms140 مختص بالقريب دون البعيد. # وقيل: المراد بقوله: والجار الجنب: هنا هو الغريب، وقيل هو الأجنبي الذي ~~لا قرابة بينه وبين المجاور له. وقرأ الأعمش والمفضل والجار الجنب بفتح ~~الجيم وسكون النون أي ذي الجنب وهو الناحية. وأنشد الأخفش: # الناس جنب والأمير جنب. # وقيل: المراد بالجار ذي القربى: المسلم، وبالجار الجنب: اليهودي ~~والنصراني. PageV01P170 # وقد اختلف أهل العلم في المقدار الذي عليه يصدق مسمى الجار ويثبت لصاحبه ~~الحق: فروي عن الأوزاعي والحسن أنه إلى حد أربعين دارا من كل ناحية، وروي ~~عن الزهري نحوه. # وقيل: من سمع إقامة الصلاة، وقيل: إذا جمعتهما محلة. وقيل: من سمع ~~النداء. والأولى أن يرجع في معنى الجار إلى الشرع، فإن وجد فيه ما يقتضي ~~بيانه وأنه يكون جارا إلى حد كذا من الدور أو من مسافة الأرض كان العمل ~~عليه متعينا، وإن لم يوجد رجع إلى معناه لغة وعرفا. # ولم يأت في الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه وبين جاره مقدار كذا، ~~ولا ورد في لغة العرب أيضا ما يفيد ذلك، بل المراد بالجار في اللغة: ~~المجاور ويطلق على معان، قال في «القاموس» : الجار المجاور، والذي أجرته من ~~أن يظلم، والمجير والمستجير، الشريك في التجارة، وزوج المرأة، وهي جارته، ~~وفرج المرأة، وما قرب من المنازل، والاست كالجارة، والمقاسم، والحليف، ~~والناصر. انتهى. # وقال القرطبي في تفسيره «1» : وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: إني نزلت محلة قوم وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أذى! ~~فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وعمر وعليا رضي الله عنهم ~~يصيحون على أبواب المساجد: «ألا إن أربعين دارا جار، ولا يدخل الجنة من لا ~~يأمن جاره بوائقه» «2» . انتهى. # قال الشوكاني: ولو ثبت هذا لكان مغنيا عن غيره، ولكنه رواه- كما ترى- من ~~غير عزوه إلى أحد كتب الحديث المعروفة وهو وإن كان إماما في علم الرواية ~~فلا تقوم الحجة بما يرويه بغير سند مذكور ولا نقل عن كتاب مشهور، ولا سيما ~~وهو يذكر الواهيات ms141 كثيرا كما يفعل في «تذكرته» انتهى. # أقول: هذا الحديث بلفظه أخرجه الطبراني كما ذكر في «الترغيب والترهيب» ~~وروى السيوطي في جامعه الصغير: «الجوار أربعون دارا» . أخرجه البيهقي عن ~~عائشة. PageV01P171 # قال المناوي في شرحه: وروي عن عائشة: «أوصاني جبريل بالجار أربعين دارا» ~~«1» . # وكلاهما ضعيف. والمعروف المرسل الذي أخرجه أبو داود، هكذا نقل عن السيوطي ~~ثم قال: ولفظ مرسل أبي داود: «حق الجوار أربعون دارا، هكذا وهكذا، وهكذا ~~وأشار قداما ويمينا وخلفا «2» . قال الزركشي: سنده صحيح، وقال ابن حجر: ~~رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى عن أبي هريرة مرفوعا باللفظ المذكور لكن قال ~~ابن حجر: في سنده عبد السلام منكر الحديث، فليحفظ. # وقد ورد في القرآن ما يدل على أن المساكنة في مدينة مجاورة! قال الله ~~تعالى: # لئن لم ينته المنافقون إلى قوله: ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ! ~~فجعل اجتماعهم في المدينة جوارا. # وأما الأعراف في مسمى الجوار فهي تختلف باختلاف أهلها، ولا يصح حمل ~~القرآن على أعراف متعارفة واصطلاحات متواضعة. # والصاحب بالجنب: قيل: هو الرفيق في السفر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ~~وعكرمة ومجاهد والضحاك. # وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى: هو الزوجة. # وقال ابن جريح: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك. ولا يبعد أن تتناول ~~الآية جميع ما في هذه الأقوال مع زيادة عليها وهو كل من صدق عليه أنه صاحب ~~بالجنب: # أي بجنبك. كمن يقف بجنبك في تحصيل علم أو تعلم صناعة أو مباشرة تجارة أو ~~نحو ذلك. # وابن السبيل: قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارا، والسبيل: الطريق، فنسب ~~المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه. فالأولى تفسيره بمن هو على سفر فإن ~~على المقيم أن يحسن إليه وقيل: هو المنقطع به، وقيل: هو الضيف. # وأحسنوا إلى: وما ملكت أيمانكم إحسانا. وهم العبيد والإماء. وقد أمر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم يطعمون مما يطعم مالكهم ويلبسون مما ~~يلبس، وقد ورد مرفوعا إلى PageV01P172 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بر الوالدين وفي صلة القرابة ms142 وفي ~~الإحسان إلى اليتامى وفي الإحسان إلى الجار وفي القيام بما يحتاج إليه ~~المماليك أحاديث كثيرة قد اشتملت عليه كتب السنة لا حاجة بنا إلى بسطها ~~هنا. # [الآية الخامسة عشرة] # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) . # يا أيها الذين آمنوا جعل الخطاب خاصا بالمؤمنين لأنهم الذين كانوا يقربون ~~الصلاة حال السكر، وأما الكفار فهم لا يقربونها سكارى ولا غير سكارى. # لا تقربوا الصلاة قال أهل اللغة: إذا قيل لا تقرب- بفتح الراء- كان معناه ~~لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدنوا منه. والمراد ~~النهي عن التلبس بالصلاة وغشيانها، وبه قال جماعة من المفسرين وإليه ذهب ~~أبو حنيفة، وقال آخرون: # المراد مواضع الصلاة، وبه قال الشافعي. وعلى هذا فلا بد من تقدير مضاف ~~ويقوي هذا قوله: ولا جنبا إلا عابري سبيل. وقالت طائفة: المراد الصلاة ~~ومواضعها معا، لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا ~~مجتمعين فكانا متلازمين. # وأنتم سكارى: الجملة في محل نصب على الحال وسكارى جمع سكران، مثل كسالى ~~جمع كسلان. # وقرأ النخعي سكارى بفتح السين وهو تكسير سكران. وقرأ الأعمش سكرى كحبلى ~~صفة مفردة. وقد ذهب كافة العلماء إلى أن المراد بالسكر هنا سكر الخمر، إلا ~~الضحاك فإنه قال: المراد سكر النوم، ولم يعن بها الخمر. وأخرج عبد بن حميد ~~عن ابن عباس قال: النعاس وقد أخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وحسنه- ~~والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- في المختارة ~~عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: «صنع لنا عبد الرحمن طعاما فدعانا ~~وسقانا من # PageV01P173 # الخمر فأخذت منا وحضرت الصلاة وقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون [لا] ~~«1» أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فأنزل الله هذه ms143 الآية «2» . # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه: أن الذي صلى بهم عبد الرحمن. وأخرج ابن ~~المنذر عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أبي بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن ~~عوف وسعد صنع لهم علي رضي الله عنه طعاما وشرابا، فأكلوا وشربوا ثم صلى بهم ~~المغرب فقرأ: قل يا أيها الكافرون حتى ختمها فقال: ليس لي دين وليس لكم ~~دين، فنزلت. # وهذا سبب نزول الآية وبه يندفع ما يخالف الصواب من هذه الأقوال. # حتى تعلموا ما تقولون: هذا غاية النهي عن قربان الصلاة في حال السكر: أي ~~حتى يزول عنكم أثر السكر وتعلموا ما تقولونه، فإن السكران لا يعلم ما ~~يقوله. وقد تمسك بهذا من قال إن طلاق السكران لا يقع، لأنه إذا لم يعلم ما ~~يقوله انتفى القصد، وبه قال عثمان بن عفان وابن عباس وطاووس وعطا و «3» ~~القاسم وربيعة وهو قول الليث بن سعد وإسحاق وأبي ثور والمزني، واختاره ~~الطحاوي، وقال: أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه ~~كالموسوس. # وأجازت طائفة وقوع طلاقه، وهو محكي عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعة من ~~التابعين وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي. # واختلف قول الشافعي في ذلك. # وقال مالك: يلزمه الطلاق والقود في الجراح والقتل ولا يلزمه النكاح ~~والبيع. # ولا جنبا: عطف على محل الجملة الحالية وهي قوله: وأنتم سكارى. # والجنب لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع لأنه ملحق بالمصدر كالبعد والقرب. قال ~~الفراء: # يقال: جنب الرجل وأجنب من الجنابة. وقيل: يجمع الجنب في لغة على أجناب ~~مثل عنق وأعناق وطنب وأطناب. PageV01P174 # إلا عابري سبيل استثناء مفرغ، أي لا تقربوها في حال من الأحوال إلا في ~~حال عبور السبيل، والمراد به هنا السفر. ويكون محل هذا الاستثناء المفرغ ~~النصب على الحال من ضمير لا تقربوا بعد تقييده بالحال الثانية وهي قوله: ~~ولا جنبا، لا بالحال الأولى وهي قوله: وأنتم سكارى فيصير المعنى لا تقربوا ~~الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال السفر، فإنه يجوز لكم أن تصلوا بالتيمم. ~~وهذا ms144 قول علي وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم، قالوا: لا يصح ~~لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم لأن ~~الماء قد يعدم في السفر، لا في الحضر، فإن الغالب أنه لا يعدم. # وقال ابن مسعود وعكرمة والنخعي وعمرو بن دينار ومالك والشافعي: عابر ~~السبيل هو المجتاز في المسجد، وهو مروي عن ابن عباس. فيكون معنى الآية على ~~هذا: لا تقربوا مواضع الصلاة- وهي المساجد- في حال الجنابة إلا أن تكونوا ~~مجتازين فيها من جانب إلى جانب. وفي القول الأول قوة من جهة كون الصلاة فيه ~~باقية على معناها الحقيقي، وضعف من جهة ما في حمل عابر السبيل على المسافر ~~وأن معناه: أنه يقرب الصلاة عند عدم الماء بالتيمم، فإن هذا الحكم يكون في ~~الحاضر إذا عدم الماء، كما يكون في المسافر. # وفي القول الثاني قوة من جهة عدم التكلف في معنى قوله: إلا عابري سبيل، ~~وضعف من جهة حمل الصلاة على مواضعها. # وبالجملة فالحال الأولى أعني قوله: وأنتم سكارى تقوي بقاء الصلاة على ~~معناها الحقيقي من دون تقدير مضاف، وكذلك سبب نزول الآية يقوي ذلك. # وقوله إلا عابري سبيل يقوي تقدير المضاف: أي لا تقربوا مواضع الصلاة. # ويمكن أن يقال: إن بعض قيود النهي أعني لا تقربوا وهو قوله: وأنتم سكارى ~~يدل على أن المراد مواضع الصلاة. # ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه، ويكون ذلك نهيين ~~مقيد كل واحد منهما بقيد، وهما لا تقربوا الصلاة هي ذات الأذكار والأركان ~~وأنتم سكارى، ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم في ~~المسجد من جانب إلى جانب. # PageV01P175 # وغاية ما يقال في هذا أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز بتأويل ~~مشهور. # وقال ابن جرير «1» بعد حكايته للقولين: والأولى قول من قال: ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل: إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم ~~الماء وهو جنب في قوله: وإن كنتم مرضى أو على سفر ms145 أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، فكان معلوما ~~بذلك أن قوله: ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا، لو كان معنيا به ~~المسافر، لم يكن لإعادة ذكره- في قوله: وإن كنتم مرضى أو على سفر- معنى ~~مفهوما، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك. فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل. # قال وعابر السبيل: المجتازه «2» مرا وقطعا. يقال منه: عبرت هذا الطريق ~~فأنا أعبره عبرا وعبورا، ومنه [قيل] «3» : عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه. # قال ابن كثير «4» : وهذا الذي نصره- يعني ابن جرير- هو قول الجمهور، وهو ~~الظاهر من الآية. انتهى. حتى تغتسلوا: غاية للنهي عن قربان الصلاة أو ~~مواضعها حال الجنابة، والمعنى: لا تقربوه حال الجنابة حتى تغتسلوا إلا حال ~~عبوركم السبيل. # وإن كنتم مرضى: المرضى عبارة عن خروج البدن عن حد الاعتدال والاعتياد إلى ~~الاعوجاج والشذوذ. وهو على ضربين، كثير ويسير. # والمراد هنا أن يخاف على نفسه التلف أو الضرر باستعمال الماء، أو كان ~~ضعيفا في بدنه لا يقدر على الوصول إلى موضع الماء. # وروي عن الحسن أنه يتطهر وإن مات، وهذا باطل يدفعه قوله: وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج. وقوله: ولا تقتلوا أنفسكم وقوله: يريد الله بكم اليسر. أو ~~على سفر: فيه جواز التيمم لمن صدق عليه اسم المسافر. والخلاف مبسوط في كتب ~~الفقه. PageV01P176 # وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط أن يكون سفر قصر، وقال قوم: لا بد من ~~ذلك. وقد أجمع العلماء على جواز التيمم للمسافر. واختلفوا في الحاضر، فذهب ~~مالك وأصحابه وأبو حنيفة ومحمد إلى أنه يجوز في الحضر والسفر. # وقال الشافعي: ويجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف. # أو جاء أحد منكم من الغائط: هو المكان المنخفض، والمجيء منه كناية عن ~~الحدث، والجمع الغيطان والأغواط. وكانت العرب تقصد هذا الصنف من ms146 المواضع ~~لقضاء الحاجة تسترا عن أعين الناس، ثم سمي الحدث الخارج من الإنسان غائطا ~~توسعا. ويدخل في الغائط جميع الأحداث الناقضة للوضوء. # أو لامستم النساء: وهو قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، ~~وقرأ حمزة والكسائي: لمستم. قيل: المراد بما في القراءتين الجماع، وقيل: # المراد به مطلق المباشرة، وقيل: إنه يجمع الأمرين جميعا. # وقال محمد بن زيد: الأولى في اللغة أن يقون لامستم بمعنى قبلتم ونحوه، ~~ولمستم بمعنى غشيتم. # واختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال: فقالت فرقة: الملامسة هنا مختصة ~~باليد دون الجماع. قالوا: والجنب لا سبيل له إلى التيمم بل يغتسل أو يدع ~~الصلاة حتى يجد الماء. وقد روي هذا عن عمر بن الخطاب وابن مسعود. # قال ابن عبد البر: لم يقل بقولهما في هذا أحد من فقهاء الأمصار من أهل ~~الرأي وحملة الآثار. انتهى. # وأيضا الأحاديث الصحيحة تدفعه وتبطله كحديث عمار وعمران بن حصين وأبي ذر ~~في تيمم الجنب. وقالت طائفة: هو الجماع، كما في قوله: ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن، وقوله: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وهو مروي عن علي عليه ~~السلام وأبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وطاووس والحسن وبيد بن عمير وسعيد بن ~~جبير والشعبي وقتادة ومقاتل وابن حيان وأبي حنيفة. # وقال مالك: الملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا التذ فإن ~~لمسها بغير شهوة فلا وضوء وبه قال أحمد وإسحاق. # PageV01P177 # وقال الشافعي: إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة سواء كان ~~باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد انتقضت به الطهارة وإلا فلا. حكاه القرطبي ~~عن ابن مسعود وابن عمر والزهري وربيعة. # وقال الأوزاعي: إذا كان اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ~~ينقض لقوله تعالى: فلمسوه بأيديهم. وقد احتجوا بحجج تزعم كل طائفة أن حجتها ~~تدل على أن الملامسة المذكورة في الآية هي ما ذهبت إليه، [وليس الأمر كذلك، ~~فقد اختلفت الصحابة ومن بعدهم في معنى الملامسة المذكورة في الآية] «1» ~~وعلى فرض أنها ظاهرة في ms147 الجماع، فقد ثبتت القراءة المروية عن حمزة والكسائي ~~بلفظ أو لمستم وهي محتملة بلا شك ولا شبهة، مع الاحتمال فلا تقوم الحجة ~~بالمحتمل. # وهذا الحكم تعم به البلوى ويثبت به التكليف العام فلا يحل إثباته بمحتمل ~~قد وقع النزاع في مفهومه. # وإذا عرفت هذا فقد ثبتت السنة الصحيحة بوجوب التيمم على من اجتنب ولم يجد ~~الماء، فكان الجنب داخلا [بهذا] «2» الدليل، وعلى فرض عدم دخوله فالسنة ~~تكفي في ذلك. # وأما وجوب الوضوء أو التيمم على من لمس المرأة بيده أو بشيء من بدنه فلا ~~يصح القول به استدلالا بهذه الآية، لما عرفت من الاحتمال. وأما ما استدلوا ~~به من أنه صلى الله عليه وآله وسلم أتاه رجل فقال: «يا رسول الله ما تقول ~~في رجل لقي امرأة لا يعرفها وليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا قد أتاه ~~منها غير أنه لم يجامعها؟ فأنزل الله: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (114) «3» أخرجه أحمد ~~والترمذي والنسائي من حديث معاذ قالوا: فأمره بالوضوء لأنه لمس المرأة ولم ~~يجامعها. PageV01P178 # ولا يخفاك أنه لا دلالة لهذا الحديث على محل النزاع، فإن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إنما أمره بالوضوء ليأتي بالصلاة التي ذكرها الله سبحانه في ~~هذه الآية إذ لا صلاة إلا بوضوء وأيضا فالحديث منقطع لأنه من رواية ابن أبي ~~ليلى عن معاذ ولم يلقه وإذا عرفت هذا فالأصل البراءة عن هذا الحكم فلا يثبت ~~إلا بدليل خالص عن الشوائب الموجبة لقصوره عن الحجة وأيضا قد ثبت عن عائشة ~~من طرق أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ ثم يقبل ثم ~~يصلي ولا يتوضأ» «1» . وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة. # رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وما قيل من أنه ~~من رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة- ولم يسمع من عروة- فقد رواه ~~أحمد في مسنده من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ورواه ms148 ابن جرير من ~~حديث ليث عن عطاء عن عائشة، ورواه أحمد أيضا وأبو داود والنسائي من حديث ~~أبي روق الهمداني عن إبراهيم التيمي عن عائشة، ورواه أيضا ابن جرير من حديث ~~أم سلمة «2» ، ورواه أيضا من حديث زينب السهمية. # ولفظ حديث أم سلمة: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبلها ~~وهو صائم ولا يفطر ولا يحدث وضوءا» . ولفظ حديث زينب السهمية «أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ» . ورواه فأحمد عن زينب ~~السهمية عن عائشة. # فلم تجدوا ماء: هذا القيد إن كان راجعا إلى جميع ما تقدم مما هو مذكور ~~بعد الشرط وهو المرض والسفر والمجيء من الغائط وملامسة النساء، كان فيه ~~دليل على أن المرض والسفر لمجردهما لا يسوغان التيمم، بل لا بد مع وجود أحد ~~السببين من عدم الماء فلا يجوز للمريض أن يتيمم إلا إذا لم يجد الماء، ولا ~~يجوز للمسافر أن يتيمم إلا إذا لم يجد ماء. PageV01P179 # ولكنه يستشكل على هذا أن الصحيح كالمريض إذا لم يجد الماء [تيمم، وكذلك ~~المقيم كالمسافر إذا لم يجد الماء تيمم] «1» فلا بد من فائدة في التنصيص ~~على المرض والسفر؟ # فقيل: وجه التنصيص عليهما أن المرض «2» مظنة للعجز عن الوصول إلى الماء، ~~وكذلك المسافر عدم الماء في حقه غالب. وإن كان راجعا إلى الصورتين ~~الأخيرتين أعني قوله: أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء كما قال ~~بعض المفسرين كان فيه إشكال وهو أن من صدق عليه اسم المريض أو المسافر جاز ~~له التيمم وإن كان واجدا للماء قادرا على استعماله. # وقد قيل: إنه رجع هذا القيد إلى الآخرين مع كونه معتبرا في الأولين لندرة ~~وقوعه فيهما: وأنت خبير بأن هذا كلام ساقط وتوجيه بارد. # وقال مالك ومن تابعه: ذكر الله المرض والسفر في شرط التيمم اعتبارا ~~بالأغلب فيمن لم يجد الماء، بخلاف الحاضر، فإن الغالب وجوده فلذلك لم ينص ~~الله سبحانه عليه. انتهى. # والظاهر أن المرض- بمجرده- مسوغ للتيمم وإن كان ms149 الماء موجودا إذا كان ~~يتضرر باستعماله في الحال أو في المال، ولا يعتبر خشية التلف فالله سبحانه ~~يقول: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ويقول: وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج، والنبي صلى الله عليه وآله يقول: «الدين يسر» «3» ، ويقول: «يسروا ~~ولا تعسروا» «4» . وقال: # «قتلوه قتلهم الله» «5» ويقول: «أمرت بالشريعة السمحة» «6» . فإذا قلنا ~~إن قيد عدم وجود الماء راجع إلى الجميع كان وجه التنصيص على المرض هو أنه ~~يجوز له التيمم والماء PageV01P180 # حاضر موجود إذا كان استعماله يضره، فيكون اعتبار ذلك القيد في حقه إذا ~~كان استعماله لا يضره، فإن في مجرد المرض مع عدم الضرر باستعمال الماء ما ~~يكون مظنته لعجزه عن الطلب، لأنه يلحقه بالمرض نوع ضعف. # وأما وجه التنصيص على المسافر فلا شك أن الضرب في الأرض مظنته لإعواز ~~الماء وبعض البقاع دون بعض. # فتيمموا: التيمم لغة: القصد «1» ، ثم كثر استعمال هذه الكلمة حتى صار ~~التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب. # وقال ابن الأنباري في قولهم: قد تيمم الرجل: معناه قد مسح التراب على ~~وجهه. # وهذا خلط للمعنى اللغوي بالمعنى الشرعي! فإن العرب لا تعرف التيمم بمعنى ~~[مسح] «2» الوجه واليدين، وإنما هو معنى شرعي فقط. # وظاهر الأمر الوجوب وهو مجمع على ذلك والأحاديث في هذا الباب كثيرة ~~وتفاصيل التيمم وصفاته مبينة في السنة المطهرة، ومقالات أهل العلم مدونة في ~~كتب الفقه. # صعيدا هو وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لم يكن، قاله الخليل وابن ~~الأعرابي والزجاج. # قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافا بين أهل اللغة. قال الله تعالى: وإنا ~~لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) أي أرضا غليظة لا تنبت شيئا، وقال الله ~~تعالى: فتصبح صعيدا زلقا (40) ، وإنما سمي صعيدا لأنه نهاية ما يصعد إليه ~~من الأرض، وجمع الصعيد صعدات «3» . # وقد اختلف أهل العلم فيما يجزىء «4» التيمم به، فقال مالك وأبو حنيفة ~~والثوري والطبري: إنه يجزىء بوجه الأرض كله ترابا كان أو رملا أو حجارة، ~~وحملوا قوله طيبا قالوا: والطيب التراب الذي ينبت. PageV01P181 # وقد تنوزع ms150 في معنى الطيب فقيل: الطاهر كما تقدم، وقيل: المنبت كما هنا، ~~وقيل: الحلال. والمحتمل لا يقوم به الحجة ولو لم يوجد في الشيء الذي يتيمم ~~به إلا ما في الكتاب العزيز، لكان الحق ما قاله الأولون. لكن ثبت في صحيح ~~مسلم من حديث حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«فضلنا الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها ~~مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» «1» . وفي لفظ: «وجعل ~~ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» وفي لفظ: «وجعل ترابها لنا طهورا» . # فهذا مبين لمعنى الصعيد المذكور في الآية، أو مخصص لعمومه، أو مفيد ~~لإطلاقه. ويؤيد هذا ما حكاه ابن فارس عن كتاب الخليل: تيمم بالصعيد: أي أخذ ~~من غباره. انتهى. والحجر الصلد ما لا غبار عليه. # فامسحوا بوجوهكم وأيديكم: هذا المسح مطلق بتناول المسح بضربة أو ضربتين، ~~ويتناول المسح إلى المرفقين أو الرسغين، وقد بينته السنة بيانا شافيا. وقد ~~جمع الشوكاني بين ما ورد في المسح بضربة أو بضربتين وما ورد في المسح إلى ~~الرسغ وإلى المرفقين في شرحه للمنتقى «2» وغيره من مؤلفاته بما لا يحتاج ~~الناظر فيه إلى غيره. # والحاصل أن أحاديث الضربتين لا يخلو جميع طرقها من مقال ولو صحت لكان ~~الأخذ بها متعينا لما فيها من الزيادة. فالحق الوقوف والعمل على ما في ~~الصحيحين من حديث عمار «3» المقتصر على ضربة واحدة حتى تصح وتثبت الزيادة ~~على ذلك المقدار الثابت. # [الآية السادسة عشرة] # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) . # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها هذه الآية من أمهات الآيات ~~المشتملة PageV01P182 # على كثير من أحكام الشرع، لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع ~~الأمانات. وقد روي عن علي وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب أنها خطاب لولاة ~~المسلمين والأول أظهر، وورودها على سبب لا ينافي ms151 ما فيها من العموم، ~~فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول، بل قال الواحدي: ~~أجمع المفسرون على ذلك. # ويدخل الولاة في هذا الخطاب دخولا أوليا فيجب عليهم تأدية ما لديهم من ~~الأمانات ورد الظلامات وتحري العدل في أحكامهم. ويدخل غيرهم من الناس في ~~الخطاب فيجب عليهم رد ما لديهم من الأمانات والتحري في الشهادات والأخبار. # وممن قال بعموم هذا الخطاب: البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن ~~كعب، واختاره جمهور المفسرين ومنهم ابن جرير، وأجمعوا على أن الأمانات ~~مردودة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار كما قال ابن المنذر. # والأمانات جمع أمانة وهي مصدر بمعنى المفعول. # وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل: هو فصل الحكومة على ما في كتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ~~ليس من الحق في شيء إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في ~~سنة رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم حكم الله سبحانه، ~~وما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص. # وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله ولا بما هو أقرب إليهما فلا ~~يدري ما هو العدل، لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته فضلا عن أن يحكم بها بين ~~عباد الله، وقد أفاد الإمام الرباني محمد بن علي الشوكاني في مختصره حيث ~~قال في كتاب القضاء: إنما يصح قضاء من كان مجتهدا متورعا عن أموال الناس ~~عادلا في القضية حاكما بالسوية. انتهى. # وقال في شرحه: أما كونه إنما يصح قضاء من كان مجتهدا فلما في الكتاب ~~العزيز من الأمر بالقضاء بالعدل والقسط وبما أراد الله. ولا يعرف ذلك إلا ~~مجتهدا لأن المقلد إنما يعرف قول إمامه دون حجته، وهكذا لا يحكم بما أراه ~~الله إلا من كان مجتهدا، لا من كان مقلدا فما أراه الله شيئا بل أراه إمامه ~~ما يختاره لنفسه. # ومما يدل على اعتبار الاجتهاد حديث بريدة عن النبي صلى ms152 الله عليه وآله ~~وسلم قال: «القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في ~~الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، # PageV01P183 # ورجل عرف الحق وجار في الحكم، فهو في النار ... » «1» . أخرجه ابن ماجة ~~وأبو داود والنسائي والترمذي والحاكم وصححه. وقد جمع ابن حجر طرقه في جزء ~~مفرد. # ووجه الدلالة أنه لا يعرف الحق إلا من كان مجتهدا، وأما المقلد فهو يحكم ~~بما قال إمامه ولا يدري أحق هو أم باطل، فهو القاضي الذي قضى للناس على جهل ~~وهو أحد قاضيي النار. # ومن الأدلة على اشتراط الاجتهاد قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون (44) ، والظالمون، والفاسقون، ولا يحكم بما أنزل الله ~~إلا من عرف التنزيل والتأويل. # ومما يدل على ذلك حديث معاذ لما بعثه صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن ~~فقال له: «بم تقضي» ؟ # قال: بكتاب لله. قال: «فإن لم تجد» ؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: «فإن لم ~~تجد» ؟ قال فبرأيي، وهو حديث مشهور «2» . وقد بينت طرقه ومن خرجه في بحث ~~مستقل. # ومعلوم أن المقلد لا يعرف كتابا ولا سنة ولا رأي له، بل لا يدري بأن ~~الحكم موجود في الكتاب والسنة فيقضي به أو ليس بموجود فيجتهد برأيه. # فإذا ادعى المقلد أنه يحكم برأيه فهو يعلم أنه يكذب على نفسه لاعترافه ~~بأنه لا يعرف كتابا ولا سنة، فإذا زعم أنه حكم برأيه فقد أقر على نفسه بأنه ~~حكم بالطاغوت. # انتهى كلامه. # ويزيد ذلك قوة وشرحا ما قاله السيد العلامة بدر الله المنير محمد بن ~~إسماعيل بن صلاح الأمير رضي الله عنه في «سبل السلام شرح بلوغ المرام» «3» ~~في شرح حديث PageV01P184 # عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، فإذا حكم ثم أخطأ فله ~~أجر» «1» . متفق عليه «والحديث من أدلة القول بأن الحكم عند الله في كل ~~قضية واحد، قد يصيبه من أعمل فكره وتتبع الأدلة ووفقه الله تعالى ms153 فيكون له ~~أجران: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة» . # والذي له أجر واحد من اجتهد فأخطأ فله أجر الاجتهاد.. # واستدلوا بالحديث على أنه يشترط أن يكون الحاكم مجتهدا. قال الشارح- يعني ~~القاضي المغربي صاحب البدر التمام شرح بلوغ المرام- وغيره وهو المتمكن من ~~أخذ الأحكام من الأدلة الشرعية- قال: ولكنه لغير وجوده بل كاد يعدم بالكلية ~~ومع تعذره، فمن شرطه أن يكون مقلدا مجتهدا في مذهب إمامه، ومن شرطه أن يحقق ~~أصول إمامه وأدلته وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصا عليه من مذهب ~~إمامه. انتهى. قلت: # ولا يخفى ما في هذا الكلام من البطلان وإن تطابق عليه الأعيان وقد بينا ~~بطلان دعوى تعدد الاجتهاد في رسالتنا «إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد» ~~بما لا يمكن دفعه. وما أرى هذه الدعوى التي تطابقت عليها الأنظار إلا من ~~كفران نعمة الله عليهم فإنهم- أعني المدعين لهذه الدعوى والمقررين لها- ~~مجتهدون يعرف حدهم من الأدلة «2» ما يمكنه بها الاستنباط مما لم يكن قد ~~عرفه عتاب بن أسيد «3» قاضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مكة، ~~ولا أبو موسى الأشعري قاضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اليمن، ~~ولا معاذ بن جبل قاضيه فيهما وعامله عليها، ولا شريح قاضي عمر وعلي رضي ~~الله عنهما على الكوفة. # ويدل لذلك قول الشارح: فمن شرطه- أي المقلد- أن يكون مجتهدا في مذهب ~~إمامه وأن يحقق «4» أصوله وأدلته فإن هذا هو الاجتهاد الذي حكم بكيدودة ~~عدمه بالكلية وسماه متعذرا فهلا جعل هذا المقلد إمامه كتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عوضا عن إمامه؟ # وتتبع نصوص الكتاب والسنة عوضا عن تتبع نصوص إمامه؟ والعبارات كلها ألفاظ ~~دالة على معان فهلا استبدل بألفاظ إمامه ومعانيها ألفاظ الشارع ومعانيها؟ ~~ونزل الأحكام PageV01P185 # عليها إذا لم يجد نصا شرعيا عوضا عن تنزيلها على مذهب إمامه فيما لم يجده ~~منصوصا؟ # تالله لقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير من معرفة الكتاب والسنة إلى ~~معرفة كلام الشيوخ والأصحاب وتفهم مرامهم، والتفتيش عن كلامهم. # ومن المعلوم يقينا ms154 أن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أقرب إلى الأفهام وأدنى إلى إصابة بلوغ «1» المرام، فإنه أبلغ الكلام ~~بالإجماع، وأعذبه في الأفواه والأسماع وأقربه إلى الفهم والانتفاع، ولا ~~ينكر هذا إلا جلمود الطباع ومن لا حظ له في النفع والانتفاع، والأفهام التي ~~فهم بها الصحابة والكلام الإلهي، والخطاب النبوي هي كأفهامنا، وأحلامهم ~~كأحلامنا، إذ لو كانت الأفهام متفاوتة تفاوتا يسقط معه فهم العبارات ~~الإلهية والأحاديث النبوية لما كنا مكلفين ولا مأمورين ولا منهيين لا ~~اجتهادا ولا تقليدا. # أما الأول: فلاستحالته، وأما الثاني: فلأنا لا نقلد حتى نعلم أنه يجوز ~~لنا التقليد، ولا نعلم ذلك إلا بعد فهم الدليل من الكتاب والسنة على جوازه ~~لتصريحهم بأنه لا يجوز التقليد في جواز التقليد، فهذا الفهم الذي فهمنا به ~~هذا الدليل نفهم به غيره من الأدلة من كثير وقليل. # على أنه قد شهد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يأتي من بعده من هو ~~أفقه ممن في عصره وأوعى لكلامه حيث قال: «فرب مبلغ أفقه من سامع» «2» وفي ~~لفظ: «أوعى له من سامع» . # والكلام قد وفيناه حقه في الرسالة المذكورة. انتهى كلام السبل. وقد بسطت ~~القول في ذلك في رسالتي «الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة» . # [الآية السابعة عشرة] يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59) . # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول: طاعة الله عز وجل هي ~~امتثال أوامره PageV01P186 # ونواهيه، وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هي فيما أمر به ونهى عنه. # قال الحافظ ابن القيم رحمه الله في «أعلام الموقعين» «1» : أمر الله ~~تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالا ~~من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا سواء كان ما ~~أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنما أوتي الكتاب ومثله ms155 معه. ولم يأمر ~~بطاعة أولي الأمر استقلالا، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول، ~~إيذانا بأنهم يطاعون تبعا لطاعة الرسول، فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت ~~طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة. كما صح عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الطاعة في المعروف» «2» ، وقال في ولاة ~~الأمور: «من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة» «3» انتهى. # وأولي الأمر منكم: لما أمر الله سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين ~~الناس أن يحكموا بالعدل أو الحق أمر الناس بطاعتهم هاهنا، وأولو الأمر هم ~~الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية. # والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه، ما لم تكن معصية، فلا طاعة ~~لمخلوق في معصية الله، كما قلت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وقال جابر بن عبد الله ومجاهد والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي ~~رباح وابن عباس والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنهما: إن أولي الأمر هم ~~أهل القرآن والعلم، وبه قال مالك والضحاك. # وروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # وقال ابن كيسان هم أهل العقل والرأي. # والراجح القول الأول- قاله الشوكاني. # وقال الحافظ ابن القيم رحمه الله في «أعلام الموقعين» «4» تحت هذه الآية: # والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع ~~لطاعة العلماء، PageV01P187 # فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء ~~تبع لطاعة الرسول فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء. ولما كان قيام الإسلام ~~بطائفتي العلماء والأمراء وكان الناس كلهم لهم تبعا كان صلاح العالم بصلاح ~~هاتين الطائفتين وفساده بفسادهما، كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من ~~السلف: صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، قيل: من ~~هم؟ قال: الملوك والعلماء «1» . # رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها «2» # وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها # وهل أفسد الدين إلا الملوك ms156 ... وأحبار سوء ورهبانها # انتهى كلامه. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس في قوله تعالى هذا قال: # «نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في سرية» «3» وقصته معروفة. # قال ابن القيم «4» : وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الذين ~~أرادوا دخول النار لما أمرهم أميرهم بدخولها «أنهم لو دخلوا لما خرجوا ~~منها» مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعة لأميرهم، وظنا أن ذلك واجب عليهم، ~~ولكن لما قصروا في الاجتهاد وبادروا إلى طاعة من أمر بمعصية «5» الله ~~وحملوا عموم الأمر بالطاعة بما لم يرده الآمر- صلى الله عليه وآله وسلم- ~~وما قد علم من دينه إرادة خلافه، فقصروا في الاجتهاد وأقدموا على تعذيب ~~أنفسهم وإهلاكها من غير تثبت وتبين هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا؟ فما الظن ~~بمن أطاع غيره في صريح مخالفة ما بعث الله به رسوله. انتهى. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء في الآية قال: طاعة ~~الله والرسول، اتباع الكتاب والسنة. وأولي الأمر منكم قال: أولوا الفقه ~~والعلم: وليعلم أنه لا يصح استدلال المقلدة بهذه الآية لأن المراد بها ~~الأئمة كما ثبت عن غير واحد، ولو PageV01P188 # سلم إرادة العلماء فطاعتهم أيضا- كالأئمة والأمراء- مشروطة بعدم مخالفة ~~الطاعة الإلهية كما سلف، مع أن العلماء أرشدوا إلى ترك التقليد كما روي عن ~~الأئمة الأربعة وغيرهم. # ولو فرضنا أن في العلماء من يرشد إلى تقليده لكان يرشد إلى المعصية فلا ~~طاعة لهم حينئذ بالنص، بل هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على ~~القياس والرأي مطلقا فلا يجوز ترك العمل بهما ولا تخصيصهما بالقياس- جليا ~~كان أو خفيا-. # ومن وجوه الدلالة أن قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول أمر بطاعة الكتاب ~~والسنة، وهنا الأمر مطلق فثبت وجوب متابعتهما مطلقا سواء حصل قياس يعارضهما ~~أو يخصصهما أو لم يحصل، ومنها أن كلمة «إن» للاشتراط على قول الأكثرية ~~فقوله فإن تنازعتم صريح في عدم جواز العدول إلى القياس ms157 إلا عند فقدان ~~الأصول، كما يظهر ذلك من تأخير ذكره عنها في الآية، وكذا في قصة معاذ. ~~ومنها أن سبب لعن إبليس ليس دفع نص السجدة بالكلية بل إنما خصص نفسه عن ذلك ~~العموم بقياس، ومنها أن القرآن مقطوع المتن لثبوته بالتواتر، والقياس مظنون ~~من جميع الجهات، والمقطوع راجح على المظنون، ومنها أن قوله تعالى: ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) [المائدة: 45] . نص صريح في ~~أننا إذا وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم حكمنا بالقياس فإنه يلزم ~~الدخول تحت هذا العموم، وكذا التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من لوازم ذلك. وتمام القول في هذه المسألة في تفسيرنا «فتح ~~البيان» فليرجع إليه. # فإن تنازعتم في شيء المنازعة: [المجاذبة] «1» والنزع: الجذب، كأن كل واحد ~~ينتزع حجة الآخر ويجذبها، والمراد الاختلاف والمجادلة. وفيه دليل على أن ~~أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام ولا يخرجون بذلك عن الإيمان. # قال في «أعلام الموقعين» : وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام ~~وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في ~~مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق ~~به الكتاب والسنة كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها «2» تأويلا ~~ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، PageV01P189 # ولم يبدوا لشيء منها إبطالا ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها ~~وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل ~~تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها ~~كلها أمرا واحدا وأجروها على سنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء ~~والبدع، حيث جعلوها عضين، وأقروا بعضها وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، ~~مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه. # والمقصود أن أهل الإيمان لا يخرجهم تنازعهم في بعض مسائل الأحكام عن ~~حقيقة الإيمان إذ ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله كما شرط الله عليهم ~~بقوله: فردوه إلى الله ms158 والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ولا ريب ~~أن الحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه. # وفي شيء نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدية ~~دقة وجلة، جلية وخفية. ولم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما ~~تنازعوا فيه، ولو لم يكن كافيا لما أمر بالرد إليه، إذ من «1» الممتنع أن ~~يأمر تعالى بالرد عند «2» النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع. # قال الشوكاني «3» : ظاهر قوله في شيء يتناول أمور الدين والدنيا، ولكنه ~~لما قال: فردوه إلى الله والرسول تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور ~~الدين دون أمور الدنيا، والرد إلى الله: هو الرد إلى كتابه العزيز، والرد ~~إلى الرسول: هو الرد إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته فالرد إليه ~~سؤاله. هذا معنى الرد إليهما، وقيل: معنى الرد أن يقولوا: الله أعلم وهو ~~قول ساقط وتفسير بارد!! وليس الرد في هذه الآية إلا الرد المذكور في قوله ~~تعالى: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم [النساء: 83] . انتهى. # وقال ابن القيم «4» : إن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد ~~إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد ~~وفاته، وأنه جعل هذا الرد PageV01P190 # من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة ~~انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من ~~الطرفين وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر. ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم، ~~وأن عاقبته أحسن عاقبة. انتهى. # وقال في «فتح القدير» «1» : قوله: إن كنتم تؤمنون بالله، فيه دليل على أن ~~هذا الرد متحتم على المتنازعين، وأنه شأن من يؤمن بالله واليوم الآخر، ~~والإشارة بقوله ذلك إلى الرد المأمور به خير لكم وأحسن تأويلا (59) : أي ~~مرجعا، من الأول آل يؤول إلى كذا: أي صار إليه. والمعنى أن ذلك [الرد] «2» ~~خير لكم وأحسن مرجعا ترجعون إليه. # ويجوز أن يكون المعنى ms159 أن الرد أحسن تأويلا من تأويلكم الذي صرتم إليه عند ~~التنازع. انتهى. # وهذه الآية الكريمة نص في وجوب الاتباع وأصل من أصول رد التقليد ولذلك ~~احتج بها جمع من السلف والخلف على ذلك، والكلام فيها يطول تركناه خشية ~~الإطالة، ومن شاء الاطلاع عليها فليرجع إلى أمثال كتاب «أعلام الموقعين» ~~وغيره يتضح له الحق من الباطل، وبالله التوفيق. # [الآية الثامنة عشرة] # وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) . # وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به أذاع الشيء وأذاع به: إذ ~~أفشاه وأظهره، وهؤلاء هم جماعة من ضعفاء المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئا من ~~أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم. أو فيه خوف نحو هزيمة ~~المسلمين وقتلهم أفشوه وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم وهم أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون ~~إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم. لعلمه الذين يستنبطونه منهم: أي ~~يستخرجونه بتدبرهم وصحة عقولهم. PageV01P191 # والمعنى: أنهم لو تركوا الإذاعة للأخبار حتى يكون النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم هو الذي يذيعها أو يكون أولو الأمر منهم هم الذين يتولون «1» ذلك ~~لأنهم يعلمون بما ينبغي أن يفشى وما ينبغي أن يكتم، لكان أحسن. # والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء: إذا استخرجته. والنبط الماء المستنبط ~~أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها، وقيل: إن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون ~~إرجافات المنافقين على المسلمين فيذيعونها فتحصل بذلك المفسدة. أخرج عبد بن ~~حميد ومسلم وابن أبي حاتم من طريق ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لما ~~اعتزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم نساءه قمت على باب المسجد فوجدت الناس ~~ينكتون بالحصا يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءه فقمت ~~على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه ونزلت هذه الآية. ms160 فكنت ~~أنا استنبطت ذلك الأمر «2» . # [الآية التاسعة عشرة] # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء ~~حسيبا (86) . # وإذا حييتم بتحية: التحية تفعلة من حييت وأصلها الدعاء بالحياة، والتحية ~~السلام وهذا المعنى هو المراد هنا، ومثله قوله تعالى: وإذا جاؤك حيوك بما ~~لم يحيك به الله [المجادلة: 8] ، وإلى هذا ذهب جماعة المفسرين. # وروي عن مالك أن المراد بالتحية هنا تشميت العاطس. # وقال أصحاب أبي حنيفة: التحية هنا الهدية لقوله تعالى: أو ردوها، ولا ~~يمكن رد السلام بعينه، وهذا فاسد لا ينبغي الالتفات إليه. # والمراد بقوله: فحيوا بأحسن منها أن يزيد في الجواب على ما قاله المبتدئ ~~بالتحية، فإذا قال المبتدئ: السلام عليكم قال المجيب: وعليكم السلام ورحمة ~~الله، وإذا زاد المبتدئ لفظا زاد المجيب على جملة ما جاء به المبتدئ لفظا ~~أو ألفاظا نحو: PageV01P192 # وبركاته ومرضاته وتحياته. # قال القرطبي «1» : أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها، ~~ورده فريضة لقوله: فحيوا، وظاهر الأمر الوجوب. # والمراد بقوله: أو ردوها الاقتصار على مثل لفظ المبتدئ بأن يقول المجيب: # وعليكم السلام في مقابلة السلام عليكم. وظاهر الآية الكريمة أنه لو رد ~~عليه بأقل مما سلم به أنه لا يكفي، وحملها الفقهاء على أنه الأكمل فقط. ~~واختلفوا: إذا رد واحد من جماعة هل يجزىء أو لا؟ فذهب مالك والشافعي إلى ~~الإجزاء، وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجزىء عن غيره، ويرد عليهم حديث علي عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال «يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم ~~أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يرد أحدهم» «2» وأخرجه أبو داود وفي إسناده ~~سعيد بن خالد الخزاعي المدني وليس به بأس، وقد ضعفه بعضهم! وقد حسن الحديث ~~ابن عبد البر، وقد ورد في السنة المطهرة في تعيين من يبتدىء بالسلام ومن ~~يستحق التحية ومن لا يستحقها ما يغني عن البسط هاهنا وقد وفينا حقه في ~~شرحنا لبلوغ المرام. # [الآيات العشرون والحادية والثانية والعشرون] # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا ms161 تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا (89) إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو ~~جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم ~~فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم ~~عليهم سبيلا (90) ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا ~~إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ~~فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) . ~~PageV01P193 # ودوا لو تكفرون: هذا كلام مستأنف يتضمن بيان [حال] «1» هؤلاء المنافقون ~~وإيضاح أنهم يودون أن يكفر المؤمنون كما كفروا ويتمنوا ذلك عنادا وغلوا في ~~الكفر وتماديا في الضلال. # فالكاف في قوله: كما، نعت مصدر محذوف: أي: كفروا مثل كفرهم، أو حال كما ~~روي عن سيبويه. # فتكونون سواء عطف على قوله: تكفرون داخل في حكمه. # فلا تتخذوا منهم أولياء: جواب شرط محذوف: أي إذا كان حالهم ما ذكر فلا ~~تتخذوا إلخ. # وجمع الأولياء مراعاة لحال المخاطبين، وإلا فيحرم اتخاذ ولي واحد منهم ~~أيضا كما في آخر الآية. # حتى يهاجروا في سبيل الله ويحققوا إيمانهم بالهجرة فإن تولوا عن ذلك «2» ~~فخذوهم إذا قدرتم عليهم واقتلوهم حيث وجدتموهم: في الحل والحرم، فإن حكمهم ~~حكم المشركين قتلا وإسرا، ولا تتخذوا منهم وليا، توالونه، ولا نصيرا (89) : ~~تستنصرون به، إلا الذين: هو مستثنى من قوله: فخذوهم واقتلوهم فقط. # وأما الموالاة فحرام مطلقا لا تجوز بحال. فالمعنى إلا الذين يصلون إلى ~~قوم ويدخلون في قوم بينكم وبينهم ميثاق بالجوار والحلف فلم تقتلوهم لما ~~بينه وبينكم من عهد وميثاق، فإن العهد يشملهم. هذا أصح ما قيل في معنى ~~الآية. وقيل: الاتصال هنا هو اتصال النسب. والمعنى: إلا الذين ينتسبون إلى ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق، قاله أبو عبيدة. PageV01P194 # وقد أنكر ذلك أهل العلم عليه لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع، فقد ~~كان بين المسلمين والمشركين أنساب ولم يمنع ذلك من القتال. ms162 # وقد اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ميثاق؟ فقيل: # هم قريش والذين يصلون إلى قريش هم بنو مدلج «1» ، وقيل: نزلت في هلال بن ~~عويمر وسراقة بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عهد، وقيل: # خزاعة، وقيل: بنو بكر بن زيد. # أو جاؤكم حصرت صدورهم: عطف على قوله يصلون داخل في حكم الاستثناء: أي إلا ~~الذين يصلون والذين جاءوكم. ويجوز أن يكون عطفا على صفة قوم: # أي إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق والذين يصلون إلى قوم ~~جاءوكم حصرت: أي ضاقت صدورهم عن القتال فأمسكوا عنه. والحصر الضيق ~~والانقباض. # قال الفراء: وهو: أي حصرت صدورهم حال من المضمر المرفوع في جاءوكم كما ~~تقول: جاء فلان ذهب عقله: أي وقد ذهب عقله. # وقال الزجاج هو خبر بعد خبر: أي جاءوكم ثم أخبر فقال: حصرت صدورهم. # فعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم وقيل: حصرت في موضع خفض على النعت ~~لقوم، وقيل: التقدير أو جاءوكم رجال أو قوم حصرت صدورهم. وقرأ الحسن: (أو ~~جاؤوكم حصرة صدورهم) نصبا على الحال، وقال محمد بن يزيد: حصرت صدورهم هو ~~دعاء عليهم كما تقول: لعن الله الكافر، وضعفه بعض المفسرين. وقيل: أو بمعنى ~~الواو أي وجاءوكم حاصرة صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فضاقت ~~صدورهم عن قتال الطائفتين وكرهوا ذلك. # ولو شاء الله لسلطهم عليكم ابتلاء منه لكم واختبارا كما قال سبحانه: ~~ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم (31) [محمد: ~~31] أو تمحيصا لكم، أو عقوبة لذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فألقى في ~~قلوبهم الرعب، واللام في قوله: # فلقاتلوكم: جواب لو على تكرير الجواب: أي لو شاء الله لسلطهم ولقاتلوكم. ~~والفاء للتعقيب. PageV01P195 # فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم: أي لم يتعرضوا لقتالكم وألقوا إليكم السلم: ~~أي استسلموا لكم وانقادوا فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (90) [أي طريقا] ~~«1» فلا يحل لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، ms163 فهذا الاستسلام يمنع من ~~ذلك ويحرمه. قيل هذه منسوخة بآية القتال والظاهر كونها محكمة محمولة على ~~المعاهدين. # ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم فيظهرون لكم الإسلام ~~ولقومهم الكفر ليأمنوا من كلا الطائفتين، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا ~~الأمان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم، ~~وقيل: هي في قوم من المنافقين، وقيل: في أسد وغطفان. # كلما ردوا إلى الفتنة: أي دعاهم قومهم إليها وطلبوا منهم قتال المسلمين ~~أركسوا فيها، أي قلبوا فيها فرجعوا إلى قومهم وقاتلوا المسلمين. ومعنى ~~الارتكاس الانتكاس. # فإن لم يعتزلوكم: يعني هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ~~ويلقوا إليكم السلم: أي يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن ~~قومهم، ويكفوا أيديهم عن قتالكم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم: أي حيث ~~وجدتموهم وتمكنتم منهم. وأولئكم، الموصوفون بتلك الصفات، جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا مبينا (91) : أي حجة واضحة تتسلطون بها عليهم وتقهرونهم بها بسبب ما ~~في قلوبهم من المرض وما في صدورهم من الدغل وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل ~~وأقل سعي. # [الآية الثالثة والعشرون] وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من ~~قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ~~توبة من الله وكان الله عليما حكيما (92) . PageV01P196 # وما كان لمؤمن: هذا النفي هو بمعنى النهي المقتضي للتحريم، كقوله تعالى: ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله [الأحزاب: 53] ، ولو كان هذا النفي على ~~معناه، لكان خبرا وهو يستلزم صدقه، فلا يوجد مؤمن قتل مؤمنا قط. # أن يقتل مؤمنا. وقيل: المعنى ما كان له ذلك في عهد الله، وقيل: ما كان له ~~ذلك فيما سلف، كما ليس له الآن بوجه. # ثم استثنى منه استثناء منقطعا فقال: إلا خطأ: أي ما كان له أنه يقتله ~~البتة، لكن إن ms164 قتله خطأ فعليه كذا. هذا قول سيبويه والزجاج. # وقيل: هو استثناء متصل، والمعنى: ما ثبت، ولا وجد، ولا ساغ لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا إلا خطأ، إذ هو مغلوب حينئذ. وقيل: المعنى ولا خطأ «1» . # قال النحاس: ولا يعرف ذلك في كلام العرب، ولا يصح في المعنى لأن الخطأ لا ~~[يحظر] «2» ، وقيل: المعنى: لا ينبغي أن يقتله لعلة من العلل إلا بالخطأ ~~وحده، فيكون قوله: خطأ منتصبا بأنه مفعول له، ويجوز أن ينتصب على الحال. ~~والتقدير لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، ويجوز أن يكون صفة ~~لمصدر محذوف، أي إلا قتلا خطأ. # ووجوه الخطأ كثيرة ويضبطها عدم القصد، والخطأ اسم من أخطأ خطأ إذا لم ~~يتعمد «3» . # ومن قتل مؤمنا خطأ بأن قصد رمي صيد مثلا، فأصابه أو ضربه بما لا يقتل ~~غالبا، كذا قيل. # فتحرير: أي: فعليه تحرير. PageV01P197 # رقبة مؤمنة يعتقها، كفارة عن قتل الخطأ، وعبر بالرقبة عن جميع الذات. # واختلف العلماء في تفسير الرقبة المؤمنة، فقيل: هي التي صلت وعقلت ~~الإيمان، فلا تجزىء الصغيرة، وبه قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي ~~وقتادة وغيرهم «1» . # وقال عطاء بن أبي رباح: إنها تجزىء الصغيرة المولودة بين مسلمين. # وقال جماعة منهم مالك والشافعي: يجزىء كل من حكم له بوجوب الصلاة عليه إن ~~مات، ولا يجزىء في قول جمهور العلماء أعمى، ولا مقعد، ولا أشل، ويجزىء عند ~~الأكثر الأعرج والأعور. # قال مالك: إلا أن يكون عرجا شديدا ولا يجزىء عند أكثرهم المجنون، وفي ~~المقام تفاصيل طويلة مذكورة في علم الفروع «2» . # ودية مسلمة إلى أهله الدية: ما يعطى عوضا عن دم المقتول إلى ورثته. # والمسلمة: المدفوعة المؤداة. # والأهل: المراد بهم الورثة. وأجناس الدية وتفاصيلها قد بينتها السنة ~~المطهرة «3» . # إلا أن يصدقوا: أي إلا أن يتصدق أهل المقتول على القاتل بالدية، سمي ~~العفو عنها صدقة ترغيبا فيه. # فإن كان: أي المقتول. # من قوم عدو لكم: وهم الكفار الحربيون. # وهو مؤمن فتحرير رقبة، وهذه مسألة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد ~~الكفار الذين كان منهم، ms165 ثم أسلم ولم يهاجر وهم يظنون أنه لم يسلم، وأنه باق ~~على دين قومه، فلا دية على قاتله، بل عليه تحرير رقبة مؤمنة. # واختلفوا في وجه سقوط الدية، فقيل: إن أولياء القتيل كفار لا حق لهم في ~~الدية، PageV01P198 # وقيل: وجهه أن هذا الذي آمن ولم يهاجر حرمته قليلة، لقول الله تعالى: ~~والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء [الأنفال: 72] . # وقال بعض أهل العلم: إن ديته واجبة لبيت المال «1» . # وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق: أي مؤقت، أو مؤبد. # وقرأ الحسن: وهو مؤمن فدية مسلمة: أي فعلى قاتله دية مؤداة «2» . # إلى أهله: من أهل الإسلام، وهم ورثته. # وتحرير رقبة مؤمنة كما تقدم. # فمن لم يجد: أي الرقبة، ولا اتسع ماله لشرائها. # فصيام شهرين أي فعليه صيام شهرين. # متتابعين: لم يفصل بين يومين من أيام صومهما إفطار في نهار، فلو أفطر ~~استأنف، هذا قول الجمهور «3» . # وأما الإفطار لعذر شرعي، كالحيض ونحوه، فلا يوجب الاستئناف «4» . # واختلف في الإفطار لعروض المرض، ولم يذكر الله تعالى الانتقال إلى الطعام ~~كالظهار، وبه أخذ الإمام الشافعي. # توبة: منصوب على أنه مفعول له، أي شرع ذلك لكم توبة، أي قبولا لتوبتكم، ~~أو منصوب على المصدرية: أي تاب عليكم توبة، وقيل: على الحال، أي: # حال كونه ذا توبة كائنة، من الله «5» . PageV01P199 # [الآية الرابعة والعشرون] # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ~~(94) . # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله: هذا متصل بذكر الجهاد ~~والقتال. # والضرب: السير في الأرض. # تقول العرب: ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيرهما، وتقول: # [ضربت] «1» الأرض بدون (في) إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط» «2» . # فتبينوا: من التبين، وهو التأمل، وهي قراءة الجماعة إلا ms166 حمزة فإنه قرأ ~~فتثبتوا من التثبت «3» ، واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم، قالا: ~~لأن من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبت، وإنما خص السفر بالأمر بالتبين مع أن ~~التبين والتثبت في أمر القتل واجبان حضرا وسفرا بلا خلاف لأن الحادثة التي ~~هي سبب نزول الآية كانت في السفر «4» . # ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم واختار أبو عبيد قراءة: السلام، وخالفه ~~أهل النظر فقالوا: السلم هاهنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد والتسليم. والمراد ~~هنا لا PageV01P200 # تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم. # فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل: هما بمعنى الإسلام: أي لا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام، أي كلمته وهي الشهادة، لست مؤمنا، من أمنته ~~إذا أجرته فهو مؤمن. # وقد استدل بهذه الآية على أن من قتل كافرا بعد أن قال: لا إله إلا الله ~~قتل به، لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله، وإنما سقط القتل عن من ~~وقع منه ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم تأولوا وظنوا أن ~~من قالها خوفا من السلاح لا يكون مسلما، ولا يصير دمه بها معصوما، وأنه لا ~~بد من أن يقول هذه الكلمة وهو مطمئن غير خائف. # والحكمة في التكلم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن يقول: أنا مسلم، ~~وأنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل ~~بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو فعل، ومن جملة ذلك كلمة الشهادة، وكلمة ~~التسليم، فالقولان الآخران في معنى الآخر داخلان تحت القول الأول «1» . # تبتغون عرض الحياة الدنيا: الجملة في محل نصب على الحال، أي لا تقولوا ~~تلك المقالة طالبين الغنيمة، على أن يكون النهي راجعا إلى القيد والمقيد لا ~~إلى القيد فقط، وسمي متاع الحياة عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت. # قال أبو عبيدة: يقال جميع متاع الحياة الدنيا عرض بفتح الراء، وأما العرض ~~بسكون الراء فهو ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض بالسكون عرض بالفتح، ~~وليس كل عرض بالفتح عرض بالسكون. # وفي «كتاب العين» «2» : العرض ما ms167 [نيل] «3» من الدنيا، ومنه قوله تعالى: # تريدون عرض الدنيا وجمعه عروض. # وفي «المجمل» «4» لابن فارس: والعرض ما يعترض للإنسان من مرض ونحوه، وعرض ~~الدنيا ما كان فيها من مال قل أو كثر، والعرض من الأثاث ما كان غير نقد. ~~PageV01P201 # فعند الله: هو تعليل للنهي، أي عند الله ما هو حلال لكم من دون ارتكاب ~~محظور. # مغانم كثيرة: تغنمونها وتستغنون بها عن قتل من قد استسلم وانقاد واغتنام ~~ماله. # كذلك كنتم من قبل: أي كنتم كفارا فحقنت دماؤكم لما تكلمتم بكلمة الشهادة، ~~أو كذلك كنتم من قبل تخفون إيمانكم عن قومكم، خوفا على أنفسكم، حتى من الله ~~عليكم بإعزاز دينه فأظهرتم الإيمان وأعلنتم. # [الآية الخامسة والعشرون] لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما (95) . # لا يستوي القاعدون من المؤمنين: التفاوت بين درجات من قعد عن الجهاد من ~~غير عذر، ودرجات من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه، وإن كان معلوما ضرورة، ~~لكن أراد الله سبحانه بهذا الأخبار، تنشيط المجاهدين ليرغبوا، وتبكيت ~~القاعدين ليأنفوا. # غير: قرأ أهل الكوفة وأبو عمرو وابن كثير بالرفع على أنه وصف للقاعدين- ~~كما قال الأخفش-، لأنهم لا يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز ~~وصفهم بغير، وقرأ أبو حيوة بكسر الراء على أنه وصف للمؤمنين، وقرأ أهل ~~الحرمين بفتح الراء على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين، أي إلا: # أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين، ويجوز أن يكون منتصبا على الحال ~~من القاعدين: أي لا يستوي القاعدون الأصحاء في حال صحتهم، وجازت الحال منهم ~~لأن لفظهم لفظ المعرفة. # قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار لأنها أضرت بهم حتى منعتهم عن ~~الجهاد. وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى مثل أجر المجاهد، وقيل: ~~يعطى أجره من غير تضعيف، فيفضله المجاهد بالتضعيف لأجل المباشرة «1» . ~~PageV01P202 # قال القرطبي: والأول أصح- إن شاء الله تعالى- للحديث الصحيح في ذلك: ms168 «إن ~~بالمدينة رجالا، ما قطعتم واديا، ولا سرتم مسيرا، إلا كانوا معكم، أولئك ~~قوم حبسهم العذر» «1» . # قال وفي هذا المعنى ما ورد في الخبر: «إذا مرض العبد، قال الله تعالى: ~~اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة، إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي» «2» . # والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة: هذا بيان لما بين الفريقين من التفاضل المفهوم ~~من ذكر عدم الاستواء إجمالا، والمراد هنا غير أولي الضرر حملا للمطلق على ~~المقيد، وقال هنا درجة، وقال فيما بعد درجات، فقال قوم: التفضيل بالدرجة ثم ~~الدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. # وقال آخرون: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، ~~وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر بدرجات، قاله ابن جريج ~~والسدي وغيرهما «3» . # وقيل: إن معنى درجة علو، أي أعلى ذكرهم، ورفعهم بالثناء والمدح. # ودرجة: منتصبة على التمييز أو المصدرية، لوقوعها موقع المرة من التفضيل: ~~أي فضل الله تفضيلة، أو على نزع الخافض، أو على الحالية من المجاهدين، أي ~~ذوي درجة. # وكلا: مفعول أول لقوله: وعد، قدم عليه لإفادة القصر، أي كل واحد من ~~المجاهدين والقاعدين. # وعد الله الحسنى أي المثوبة، وهي الجنة، قاله قتادة «4» . PageV01P203 # [الآية السادسة والعشرون] # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) . # ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ~~(97) قيل: المراد بهذه الأرض المدينة، والأولى العموم، اعتبارا بعموم ~~اللفظ، لا بخصوص السبب، كما هو الحق، فيراد بالأرض كل بقعة من بقاع الأرض ~~تصلح للهجرة إليها، ويراد بالأرض المذكورة في الآية الأولى، كل أرض ينبغي ~~الهجرة منها. # [الآية السابعة والعشرون] إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) . # إلا المستضعفين: هو استثناء من الضمير في مأواهم، وقيل: هو استثناء منقطع ~~لعدم دخول المستضعفين في الموصول، وضميره. # من الرجال ms169 والنساء والولدان: متعلق بمحذوف، أي كائنين منهم. # والمراد بالمستضعفين من الرجال: الزمنى «1» ونحوهم، والولدان كعياش ابن ~~أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم، لقصد ~~المبالغة في أمر الهجرة، وإيهام أنها تجب لو استطاعها غير المكلف، فكيف من ~~كان مكلفا. # وقيل أراد بالولدان: المراهقين والمماليك. # لا يستطيعون حيلة: صفة للمستضعفين، أو الرجال والنساء والولدان، أو حال ~~من الضمير في المستضعفين. # قيل: الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص، أي: لا يجدون حيلة ولا طريقا ~~إلى ذلك. PageV01P204 # ولا يهتدون سبيلا (98) وقيل: السبيل سبيل المدينة. # وقد استدل بهذه الآية، على أن الهجرة واجبة على كل من كان بدار الشرك، أو ~~بدار يعمل فيها بمعاصي الله جهارا، إذا كان قادرا على الهجرة، ولم يكن من ~~المستضعفين، لما في هذه الآية من العموم، وإن كان السبب خاصا كما تقدم، ~~وظاهرها عدم الفرق بين مكان ومكان، وزمان وزمان. # وقد ورد في الهجرة أحاديث ذكرناها في جواب سؤال عن الهجرة اليوم من أرض ~~الهند فليراجع. # وورد ما يدل على أنه لا هجرة بعد الفتح «1» . # وقد أوضحنا ما هو الحق في شرحنا على «بلوغ المرام» فليرجع إليه. # [الآية الثامنة والعشرون] # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) . # وإذا ضربتم في الأرض شروع في كيفية الصلاة عند الضرورات من السفر، ولقاء ~~العدو، والمطر، والمرض. # وفيه تأكيد لعزيمة المهاجر على الهجرة، وترغيب له فيها، لما فيه من تخفيف ~~المئونة، أي إذا سافرتم أي مسافرة كانت كما يفيده الإطلاق. # فليس عليكم جناح: أي وزر وحرج في أن تقصروا من الصلاة فيه دليل على أن ~~القصر ليس بواجب، وإليه ذهب الجمهور. # وذهب الأقلون إلى أنه واجب ومنهم عمر بن عبد العزيز، والكوفيون، والقاضي ~~إسماعيل، وحماد بن أبي سليمان، وهو مروي عن مالك، واستدلوا بحديث عائشة ~~الثابت في «الصحيح» : «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في الحضر وأقرت في ~~السفر» «2» . PageV01P205 # ولا يقدح في ذلك ms170 مخالفتها لما روت فالعمل على الرواية الثابتة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم «1» . # ومثله حديث يعلى بن أمية قال: «سألت عمر بن الخطاب، قلت: فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وقد أمن الناس؟ فقال ~~عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك؟ ~~فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» . # أخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن «2» . # وظاهر قوله: «فاقبلوا صدقته» أن القصر واجب. # إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا: ظاهر هذا الشرط أن القصر لا يجوز في ~~السفر إلا مع خوف الفتنة من الكافرين لا مع الأمن، ولكنه قد تقرر بالسنة أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصر مع الأمن كما عرفت، فالقصر مع الخوف ~~ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضة ما تواتر عنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم من القصر مع الأمن. # وقد قيل إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك ~~القصر للخوف في الأسفار، ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر ما قال كما تقدم. # وفي قراءة أبي: أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم بسقوط إن خفتم، والمعنى ~~على هذه القراءة: كراهة أن يفتنكم الذين كفروا. # وذهب جماعة من أهل العلم، إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر ~~للخائف من العدو، فمن كان آمنا فلا قصر له. # وذهب آخرون إلى أن قوله: إن خفتم ليس متصلا بما قبله وأن الكلام تم عند ~~قوله من الصلاة، ثم افتتح فقال: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فأقم لهم يا ~~محمد صلاة الخوف. PageV01P206 # وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة، وهي حديث عمر الذي قدمنا ذكره، ~~وما ورد في معناه «1» . # [الآية التاسعة والعشرون] وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة ~~منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى ~~لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون ms171 عن ~~أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى ~~من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين ~~عذابا مهينا (102) . # وإذا كنت فيهم: هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولمن بعده ~~من أهل الأمر، حكمه كما هو معروف في الأصول، ومثله قوله تعالى: خذ من ~~أموالهم صدقة [التوبة: 103] ونحوه. # وإلى هذا ذهب جمهور العلماء وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن علية فقالا: لا ~~تصلى صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم! لأن هذا الخطاب خاص ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قالا: ولا يلحق غيره به، لما له صلى ~~الله عليه وآله وسلم من المزية العليا! «2» . # وهذا مدفوع فقد أمرنا الله باتباع رسوله والتأسي به، وقد قال صلى الله ~~عليه وآله وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» «3» ، والصحابة رضي الله عنهم ~~أعرف بمعاني القرآن، وقد صلوها بعد PageV01P207 # موته في غير مرة كما هو معروف «1» . # ومعنى فأقمت لهم الصلاة: أردت إقامتها، كقوله: إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم [المائدة: 6] ، وقوله: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~[النحل: 98] . # فلتقم طائفة منهم معك: يعني بعد أن تجعلهم طائفة تقف بإزاء العدو، وطائفة ~~منهم تقوم معك في الصلاة. # وليأخذوا أسلحتهم أي الطائفة التي تصلي معه. # وقال ابن عباس: الضمير راجع إلى الطائفة الأولى بإزاء العدو، لأن المصلية ~~لا تحارب «2» . والأول أظهر لأن الطائفة القائمة بإزاء العدو، لا بد أن ~~تكون قائمة بأسلحتها، وإنما يحتاج إلى الأمر بذلك، من كان في الصلاة لأنه ~~يظن أن ذلك ممنوع من حال الصلاة، فأمره الله بأن يكون آخذا لسلاحه، أي غير ~~واضع له. # وليس المراد الأخذ باليد، بل المراد أن يكونوا حاملين لسلاحهم ليتناولوه ~~من قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدوهم من إمكان فرصة فيهم. # وجوز الزجاج والنحاس أن يكون ذلك أمرا للطائفتين جميعا، لأنه أرهب للعدو. # وقد أوجب أخذ السلاح في هذه الصلاة أهل الظاهر حملا للأمر على الوجوب. # وذهب أبو ms172 حنيفة إلى أن المصلين لا يحملون السلاح، وأن ذلك يبطل الصلاة، ~~وهو مدفوع بما في هذه الآية، وبما في الأحاديث الصحيحة كما أوضحنا ذلك، مع ~~بيان كيفيات تلك الصلاة الثابتة في شرحي: «الدرر البهية» «3» و «مسك ~~الختام» . # فإذا سجدوا: أي القائمون في الصلاة، فليكونوا، أي الطائفة القائمة بإزاء ~~العدو، من ورائكم: من وراء المصلين. # ويحتمل أن يكون المعنى فإذا سجد المصلون معك أتموا الركعة تعبيرا بالسجود ~~عن جميع الركعة أو عن جميع الصلاة، فليكونوا من ورائكم، أي: فلينصرفوا بعد ~~الفراغ PageV01P208 # إلى [مقابلة] «1» العدو للحراسة. # ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا: وهي القائمة في مقابلة العدو والتي لم تصل. # فليصلوا معك: على الصفة التي كانت عليها الطائفة الأولى. # وليأخذوا أي هذه الطائفة الأخرى حذرهم وأسلحتهم: زيادة التوصية للطائفة ~~الأخرى بأخذ الحذر مع أخذ السلاح. # قيل: وجهه أن هذه المرة مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شغل شاغل، وأما في المرة الأولى فربما ~~يظنونهم قائمين للحرب. # وقيل: لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة، والسلاح ما ~~يدفع به المرء عن نفسه في الحرب، ولم يبين في الآية الكريمة كم تصلي كل ~~طائفة من الطائفتين. # وقد وردت صلاة الخوف في السنة المطهرة على أنحاء مختلفة، وصفات متعددة، ~~وكلها صحيحة مجزية، من فعل واحدة منها فقد فعل ما أمر به، ومن ذهب من ~~العلماء إلى اختيار صفة دون غيرها، فقد أبعد عن الصواب. # وأوضح هذا الشوكاني في «شرحه للمنتقى» وغيره «2» . # ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة: ~~هذه الجملة متضمنة للعلة التي لأجلها أمرهم الله سبحانه بالحذر، وأخذ ~~السلاح، أي ودوا غفلتكم عن أخذ السلاح، وعن الحذر ليصلوا إلى مقصودهم، ~~وينالوا فرصتهم، فيشدون عليكم شدة واحدة. # والأمتعة: ما يتمتع به في الحرب، ومنه الزاد والراحلة «3» . # ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم: ~~رخص لهم سبحانه في وضع السلاح إذا ms173 نالهم أذى من المطر، وفي حال PageV01P209 # المرض، لأنه يصعب مع هذين الأمرين حمل السلاح. # وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) : أمر بأخذ الحذر ~~لئلا يأتيهم العدو على غرة وهم غافلون. # [الآية الثلاثون] فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا (103) . # فإذا قضيتم الصلاة: أي فرغتم من صلاة الخوف، وهو أحد معاني القضاء، ~~ومثله: فإذا قضيتم مناسككم [البقرة: 200] وقوله: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ~~في الأرض [الجمعة: 10] . # فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم: أي في جميع الأحوال، حتى في حال ~~القتال. # وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو أثر صلاة ~~الخوف، أي إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله في هذه الأحوال، وقيل: معنى ~~قوله: فإذا قضيتم الصلاة إلخ إذا صليتم فصلوا قياما وقعودا وعلى جنوبكم ~~حسبما تقتضيه الحال عند ملاحمة القتال، فهي مثل قوله: فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا [البقرة: 239] . # فإذا اطمأننتم: أي إذا أمنتم وسكنت قلوبكم. # والطمأنينة: سكون النفس من الخوف. # فأقيموا الصلاة أي فأتوا بالصلاة التي دخل وقتها على الصفة المشروعة من ~~الأذكار والأركان، ولا تغفلوا ما أمكن فإن ذلك إنما هو في حال الخوف. # وقيل: المعنى في الآية أنهم يقضون ما صلوه في حال المسابقة، لأنها حالة ~~قلق وانزعاج وتقصير في الأذكار والأركان، وهو مروي عن الشافعي، والأول ~~أرجح. # إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) : أي محدودا معينا، ~~يقال: # PageV01P210 # وقته فهو موقوت ووقته فهو موقت «1» . # والمعنى أن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها ~~المحددة، لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا بعذر شرعي من نوم ~~وسهو أو نحوهما. # [الآية الحادية والثلاثون] # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) . # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى المشاققة: [المعاداة] «2» ~~والمخالفة. # وتبين الهدى: ظهوره بأن يعلم صحة الرسالة، بالبراهين الدالة ms174 على ذلك، ثم ~~يفعل المشاققة. # ويتبع غير سبيل المؤمنين: أي غير طريقهم، وهو ما هم عليه من دين الإسلام، ~~والتمسك بأحكام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال تعالى: إنما كان ~~قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~الآية [النور: 51] ، وقال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون الآية [النساء: 59] . # وقال عز من قائل: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت [النساء: 65] الآية، إلى غير ذلك. # نوله ما تولى: أي نجعله واليا لما تولاه من الضلال، ونصله جهنم وساءت ~~مصيرا (115) . # وقد استدل جماعة من أهل العلم، بهذه الآية على حجية الإجماع، لقوله: # ويتبع غير سبيل المؤمنين، ولا حجة في ذلك عندي لأن المراد بغير سبيل ~~المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره، كما يفيده اللفظ ويشهد به ~~السبب، فلا يصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية، اجتهد في بعض ~~مسائل دين الإسلام، فأداه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنما ~~رام السلوك في سبيل PageV01P211 # المؤمنين، وهو الدين القويم، والملة الحنفية، ولم يتبع غير سبيلهم «1» . # وأخرج الترمذي والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدا، ~~ويد الله على الجماعة، فمن شذ شذ في النار» «2» . # وأخرجه الترمذي والبيهقي أيضا عن ابن عباس مرفوعا «3» . # [الآية الثانية والثلاثون] # ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين ~~من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما (127) . # ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن سبب نزول هذه الآية سؤال قوم من ~~الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغيره، فأمر الله نبيه أن يقول ~~لهم: الله يفتيكم أي يبين لكم حكم ms175 ما سألتم عنه «4» . # وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت ~~لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم: الله يفتيكم فيهن. # وما يتلى عليكم في الكتاب معطوف على قوله: الله يفتيكم. # والمعنى: والقرآن الذي يتلى عليكم يفتيكم فيهن، والمتلو في الكتاب في ~~معنى PageV01P212 # اليتامى قوله: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى [النساء: 3] . # ويجوز أن يكون قوله: وما يتلى معطوفا على الضمير في قوله يفتيكم الراجع ~~إلى المبتدأ، لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالمفعول والجار ~~والمجرور. # ويجوز أن يكون مبتدأ، وفي الكتاب خبره، على أن المراد به اللوح المحفوظ، ~~وقد قيل في إعرابه غير ما ذكرنا ولم نذكره لضعفه. # وقوله: في يتامى النساء على الوجه الأول والثاني صلة، لقوله: يتلى، وعلى ~~الوجه الثالث، بدل من قوله فيهن. # اللاتي لا تؤتونهن ما كتب وفرض لهن من الميراث وغيره. # وترغبون معطوف على قوله: لا تؤتونهن عطف جملة مثبتة على جملة منفية، ~~وقيل: حال من فاعل تؤتونهن. # وقوله: أن تنكحوهن يحتمل أن يكون التقدير ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، ~~ويحتمل أن يكون التقدير وترغبون في أن تنكحوهن لعدم جمالهن. # وقوله: والمستضعفين معطوف على يتامى النساء، أي وما يتلى عليكم في ~~المستضعفين من الولدان وهو قوله: يوصيكم الله في أولادكم [النساء: 11] وقد ~~كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا من كان مستضعفا من الولدان، وإنما ~~يورثون الرجال القائمين بالقتال وسائر الأمور «1» . # وأن تقوموا لليتامى بالقسط معطوف على قوله: في يتامى النساء كالمستضعفين، ~~أي وما يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين، وفي أن تقوموا لليتامى ~~بالقسط: أي العدل. ويجوز أن يكون في محل نصب، أي: ويأمركم أن تقوموا. # وما تفعلوا من خير في حقوق المذكورين أو من شر فيه ففيه اكتفاء. ~~PageV01P213 # فإن الله كان به عليما (127) يجازيكم بحسب فعلكم. # [الآية الثالثة والثلاثون] وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا ~~جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن ~~تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ms176 بما تعملون خبيرا (128) . # وإن امرأة: مرفوعة بفعل مقدر يفسره ما بعده، أي وإن خافت امرأة، بمعنى ~~توقعت ما يخاف من زوجها. # وقيل: معناه تيقنت، وهو خطأ. # من بعلها نشوزا أي دوام النشوز والترفع عليها بترك المضاجعة، والتقصير في ~~النفقة، أو إعراضا عنها بوجهه. # وقال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض: أن النشوز التباعد، والإعراض أن ~~لا يكلمها ولا يأنس بها «1» . # وظاهر الآية أنها تجوز المصالحة عند مخافة نشوز أو إعراض، والاعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والظاهر أنه يجوز التصالح بأي نوع من أنواعه، ~~إما بإسقاط النوبة، أو بعضها، أو بعض النفقة، أو بعض المهر. # فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما هكذا قرأ الكوفيون: أن يصلحا، وقراءة ~~الجمهور أولى لأن قاعدة العرب أن الفعل إذا كان بين اثنين فصاعدا قيل: ~~تصالح الرجلان، أو القوم، لا أصلح، وصلحا منصوب على أنه اسم مصدر، أو على ~~أنه مصدر محذوف الزوائد، أو منصوب بفعل محذوف، أي فيصلح حالهما صلحا، وقيل: # هو منصوب على المفعولية «2» . PageV01P214 # والصلح خير لفظ عام، يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به ~~الخلاف، خير على الإطلاق، أو خير من الفرقة، أو الخصومة، أو النشوز ~~والإعراض، وهذه الجملة اعتراضية. # [الآية الرابعة والثلاثون] ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان ~~غفورا رحيما (129) . # ولن تستطيعوا أن تعدلوا: أخبر سبحانه وتعالى بنفي استطاعتهم للعدل. # بين النساء على الوجه الذي لا ميل فيه البتة، لما جبلت عليه الطباع ~~البشرية، من ميل النفس إلى هذه دون هذه، وزيادة هذه في المحبة ونقصان هذه، ~~وذلك بحكم الخلقة، بحيث لا يملكون قلوبهم، ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على ~~التسوية. # ولهذا كان يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم هذا قسمي ~~فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» . # رواه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن ~~المنذر عن عائشة، وإسناده صحيح «1» . # ولو حرصتم على العدل بينهن في الحب. # فلا تميلوا ms177 إلى التي تحبونها في القسم والنفقة. PageV01P215 # ولما كانوا لا يستطيعون ذلك، ولو حرصوا عليه وبالغوا فيه، نهاهم الله عز ~~وجل أن يميلوا كل الميل لأن ترك ذلك، وتجنب الجور كل الجور في وسعهم، وداخل ~~تحت طاقتهم، فلا يجوز لهم أن يميلوا إلى إحداهن عن الأخرى كل الميل، كما ~~قال: فتذروها: أي الأخرى، كالمعلقة التي ليست ذات زوج، ولا مطلقة يشبهها ~~بالشيء الذي هو معلق غير مستقر على شيء، لا في الأرض ولا في السماء «1» . # [الآية الخامسة والثلاثون] # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) . # وقد نزل عليكم في الكتاب: الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من مؤمن ومنافق ~~لأن من أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل ما أنزل الله. # وقيل: إنه خطاب للمنافقين فقط، كما يفيده التشديد والتوبيخ. # أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها: أي إذا سمعتم الكفر ~~والاستهزاء بآيات الله تعالى. # فلا تقعدوا معهم: أي مع المستهزئين ما داموا كذلك. # حتى يخوضوا في حديث غيره أي غير حديث الكفر والاستهزاء بها، والذي أنزله ~~الله عليهم في الكتاب هو قوله: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره [الأنعام: 68] . # وقد كان جماعة بمكة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود، ~~حال سخريتهم بالقرآن، واستهزائهم به، فنهوا عن ذلك «2» . # قال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل محدث ومبتدع في الدين إلى يوم ~~القيامة. PageV01P216 # وكذا قال الشوكاني في «فتح القدير» «1» : إن في هذه الآية- باعتبار عموم ~~لفظها، الذي هو المعتبر، دون خصوص السبب- دليلا على اجتناب كل موقف يخوض ~~فيه أهله، بما يفيد النقص والاستهزاء للأدلة الشرعية، كما يقع كثيرا من ~~أسراء التقليد، الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في ~~أيديهم سوى: قال إمام مذهبنا كذا! وقال فلان من أتباعه بكذا! وإذا سمعوا من ~~يستدل على تلك ms178 المسألة بآية قرآنية، أو بحديث نبوي، سخروا منه، ولم يرفعوا ~~إلى ما قاله رأسا، ولا بالوا به أي مبالاة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، ~~وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع! بل بالغوا في ~~ذلك، حتى جعلوا رأيه الفائل «2» واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدما ~~على الله تعالى، وعلى كتابه وعلى رسوله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، مما ~~صنعت هذه المذاهب بأهلها، والذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم برآء من فعلهم ~~فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم، بالنهي عن تقليدهم كما أوضحنا ذلك في رسالتنا ~~المسماة ب «القول المفيد في حكم التقليد» ، وفي مؤلفنا المسمى ب «أدب الطلب ~~ومنتهى الأرب» ، اللهم انفعنا بما علمتنا، واجعلنا من [المتقيدين] «3» ~~بالكتاب والسنة، وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار، يا ~~مجيب السائلين. انتهى. # إنكم إذا مثلهم تعليل للنهي، أي إنكم إذا فعلتم ذلك، ولم تنتهوا، فأنتم ~~مثلهم في الكفر، واستتباع العذاب، وقيل: هذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ~~ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر كما في قول القائل: # وكل قرين بالمقارن يقتدي وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم، إلا ما ~~يروى عن الكلبي فإنه قال: هي منسوخة بقوله تعالى: وما على الذين يتقون من ~~حسابهم من شيء، وهو مردود «4» ، فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين ~~يكفرون بآيات الله، ويستهزؤون بها، وفي الأنعام نحوها «5» . PageV01P217 # قال أهل العلم: وهذا يدل على أن الرضى بالكفر كفر، وكذا من رضي بمنكر، أو ~~خالط أهله، كان في الإثم بمنزلتهم إذا رضي به، وإن لم يباشره ولو جلس خوفا ~~وتقية، مع كمال سخطه لذلك، كان الأمر أهون من الأول «1» . # [الآية السادسة والثلاثون] الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله ~~قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم ~~من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا (141) . # ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) هذا في يوم القيامة، ~~إذا كان ms179 المراد بالسبيل النصر والغلب، أو في الدنيا إن كان المراد به ~~الحجة. # قال ابن عطية: قال جميع أهل التأويل: إن المراد بذلك يوم القيامة. # قال ابن العربي: وهذا ضعيف لعدم فائدة الخبر فيه، وسببه توهم من توهم أن ~~آخر الكلام يرجع إلى أوله، يعني قوله: فالله يحكم بينكم يوم القيامة وذلك ~~يسقط فائدته، أو يكون تكرار هذا معنى كلامه. # وقيل: المعنى أن الله لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين، يمحو به ~~دولتهم بالكلية، ويذهب آثرهم، ويستبيح بيضتهم، كما يفيده الحديث الثابت في ~~الصحيح «2» . # وقيل: إنه سبحانه لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين، ما داموا عاملين ~~بالحق، غير راضين بالباطل، ولا تاركين للنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ~~PageV01P218 # وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] قال ابن العربي: وهذا ~~نفيس جدا. # وقيل: لا يجعل الله تعالى لهم عليهم سبيلا شرعا، فإن وجد فبخلاف الشرع، ~~فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة. هذا خلاصة ما قاله أهل العلم في ~~هذه الآية «1» . # وهي صالحة للاحتجاج بها على كثير من المسائل، كعدم إرث الكافر من المسلم، ~~وعدم تملكه مال المسلم إذا استولى عليه، وعدم قتل المسلم بالذمي. # [الآية السابعة والثلاثون] # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ~~(148) . # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول: نفي الحب كناية عن البغض. # قرأ الجمهور: إلا من ظلم على البناء للمجهول، وقرأ زيد بن أسلم وابن أبي ~~إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير وعطاء بن السائب على البناء للمعلوم. ~~وهو على القراءة الأولى استثناء متصل بتقدير مضاف محذوف، أي إلا جهر من ~~ظلم. # وقيل: إنه على القراءة الأولى أيضا منقطع: أي لكن من ظلم فله أن يقول ~~ظلمني فلان مثلا «2» . # واختلف أهل العلم في كيفية الجهر بالسوء الذي يجوز لمن ظلم، فقيل: هو أن ~~يدعو على من ظلمه، وقيل: لا بأس أن يجهر بالسوء من القول على من ظلمه، بأن ~~يقول: فلان ظلمني، أو هو ظالم، أو نحو ذلك. وقيل ms180 معناه إلا من أكره على أن ~~يجهر بسوء من القول من كفر أو نحوه فهو مباح. # والآية على هذا في الإكراه، وكذا قال قطرب، قال: ويجوز أن يكون على ~~البدل، PageV01P219 # كأنه قال: لا يحب الله إلا من ظلم: أي لا يحب الظالم، بل يحب المظلوم. # والظاهر من الآية: أنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء ~~في جانب من ظلمه، ويؤيده الحديث الثابت في «الصحيح» بلفظ: «لي الواجد ظلم، ~~يحل عرضه وعقوبته» «1» . # وأما على القراءة الثانية، فالاستثناء منقطع، أي إلا من ظلم في فعل أو ~~قول فاجهروا له بالسوء من القول، في معنى النهي عن فعله، والتوبيخ له. # وقال قوم: معنى الكلام لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، لكن من ~~ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك، وهذا شأن كثير من ~~الظلمة فإنهم- مع ظلمهم- يستطيلون بألسنتهم على من ظلموه، وينالون من عرضه. # وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى، إلا من ظلم فقال سوءا فإنه ينبغي أن ~~يأخذوا على يديه «2» . # [الآية الثامنة والثلاثون] # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم ~~أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176) . # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة: قد تقدم الكلام في الكلالة. ~~PageV01P220 # إن امرؤ هلك: أي أن يهلك امرؤ هلك، كما تقدم في قوله: وإن امرأة خافت ~~[النساء: 128] . # ليس له ولد: إما صفة لامرىء أو حال، ولا وجه للمنع من كونه حالا، والولد ~~يطلق على الذكر والأنثى، واقتصر على عدم الولد هنا، مع أن عدم الوالد أيضا ~~معتبر في الكلالة، اتكالا على ظهور ذلك؟ # قيل: والمراد هنا بالولد الابن، وهو أحد معنيي المشترك لأن البنت لا تسقط ~~الأخت. # وله أخت فلها نصف ما ترك عطف على قوله: ليس له ولد، والمراد ms181 بالأخت هنا ~~هي الأخت لأبوين أو لأب [لا] «1» لأم، فإن فرضها السدس، كما ذكر سابقا «2» ~~. # وقد ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، إلى أن الأخوات ~~لأبوين أو أب عصبة للبنات، وإن لم يكن معهن أخ. # وذهب ابن عباس إلى أن الأخوات لا يعصبن البنات، وإليه ذهب داود الظاهري ~~وطائفة، وقالوا: إنه لا ميراث للأخت لأبوين، أو لأب مع البنت، واحتجوا ~~بظاهر هذه الآية فإنه جعل عدم الولد المتناول للذكر والأنثى، قيدا في ميراث ~~الأخت وهذا الاستدلال صحيح، لو لم يرد في السنة ما يدل على ثبوت ميراث ~~الأخت مع البنت، وهو ما ثبت في «الصحيح» أن معاذا قضى على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في بنت وأخت، فجعل للبنت النصف، وللأخت النصف «3» ~~. # وثبت في «الصحيح» أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في بنت، ~~وبنت ابن، وأخت، فجعل للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وللأخت الباقي «4» . ~~PageV01P221 # فكانت هذه السنة مقتضية لتفسير الولد بالابن دون البنت. # وهو أي الأخ يرثها أي الأخت إن لم يكن لها ولد ذكر، وإن كان المراد بإرثه ~~لها حيازته لجميع تركتها، وإن كان المراد ثبوت ميراثه لها في الجملة- أعم ~~من أن يكون كلا أو بعضا- صح تفسير الولد بما يتناول الذكر والأنثى. # واقتصر سبحانه على نفي الولد فقط مع كون الأب يسقط الأخ أيضا، لأن المراد ~~بيان سقوط الأخ مع الولد فقط هنا، وأما سقوطه مع الابن فقد تبين بالسنة، ~~كما ثبت في «الصحيح» من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألحقوا الفرائض ~~بأهلها، فما بقي فالأولى رجل ذكر» «1» والأب أولى من الأخ. # فإن كانتا أي فإن كان من يرث بالأخوة اثنتين والعطف على الشرطية السابقة، ~~والتأنيث والتثنية، وكذلك الجمع في قوله: وإن كانوا إخوة باعتبار الخبر، ~~فلهما الثلثان مما ترك الأخ إن لم يكن له ولد كما سلف، وما فوق الاثنتين من ~~الأخوات يكون لهن الثلثان بالأولى مع أن نزول الآية كان في جابر- وقد مات ~~رضي الله عنه عن أخوات ms182 سبع أو تسع «2» . # وإن كانوا: أي من يرث بالأخوة إخوة أي وأخوات، فغلب الذكور، أو فيه ~~اكتفاء بدليل قوله: رجالا ونساء أي مختلطين ذكورا وإناثا فللذكر: منهم، حظ ~~الأنثيين: تعصيبا. # وقد وضحنا الكلام- خلافا واستدلال وترجيحا- في شأن الكلالة، في أول هذه ~~السورة، فلا نعيد «3» . PageV01P222 ### | سورة المائدة [مائة وعشرون آية] # قال القرطبي: هي مدنية بالإجماع «1» . # فائدة: قال [أبو] «2» ميسرة: إن الله سبحانه، أنزل في هذه السورة ثمانية ~~عشر حكما، لم ينزلها في غيرها من سور القرآن، وهي قوله تعالى: والمنخنقة ~~إلى قوله: # إذا حضر أحدكم الموت. انتهى. # [الآية الأولى] # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) . # يا أيها الذين آمنوا: هذه الآية التي افتتح الله بها هذه السورة، إلى ~~قوله: إن الله يحكم ما يريد (1) فيها من البلاغة ما تتقاصر عنده القوى ~~البشرية، مع شمولها لأحكام عدة، منها الوفاء بالعقود، ومنها تحليل بهيمة ~~الأنعام، ومنها استثناء ما سيتلى مما لا يحل، ومنها تحريم الصيد على ~~المحرم، ومنها إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. # وقد حكى النقاش: أن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيها الحكيم، اعمل ~~لنا مثل هذا القرآن. فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياما كثيرة، ثم خرج ~~فقال: # والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف، فخرجت سورة المائدة، ~~فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى ~~بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته، وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي ~~بهذا «3» . PageV01P223 # أوفوا بالعقود: يقال: أوفى ووفى، وقد جمع بينهما الشاعر فقال: # أما ابن طوف فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها # والعقود: العهود، وأصل العقود الربط، وأحدها عقد، يقال: عقدت الحبل ~~والعهد، فهو يستعمل في الأجسام والمعاني، وإذا استعمل في المعاني- كما هنا- ~~أفاد أنه شديد الإحكام، وقوي التوثيق. # وقيل: المراد بالعقود هي التي عقدها الله على عباده، وألزمهم بها من ~~الأحكام. # وقيل: هي العقود التي ms183 يعقدونها بينهم من عقود المعاملات، والأولى شمول ~~الآية للأمرين جميعا، ولا وجه لتخصيص بعضها دون بعض. # قال الزجاج: أوفوا بعقد الله عليكم، أو بعقدكم بعضكم على بعض. انتهى. # والعقد الذي يجب الوفاء به، ما وافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فإن خالفهما فهو رد، لا يجب الوفاء به، ولا يحل «1» . # أحلت لكم بهيمة الأنعام البهيمة: اسم لكل ذي أربع، سميت بذلك لإبهامها من ~~جهة نقص نطقها وفهمها وعقلها، ومنه باب مبهم، أي مغلق، وليل بهيم، وبهيمة ~~للشجاع الذي لا يدري من أين يؤتى، وحلقة مبهمة لا يدرى أين طرفاها. # والأنعام: اسم للإبل والبقر والغنم، سميت بذلك لما في مشيها من اللين. # وقيل: بهيمة الأنعام وحشيها كالظباء، وبقر الوحش، والحمير الوحشية، وغير ~~ذلك. حكاه ابن جرير الطبري عن قوم، وحكاه غيره عن السدي والربيع وقتادة ~~والضحاك «2» . PageV01P224 # قال ابن عطية: وهذا قول حسن! وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج، وما ~~يضاف إليها من سائر الحيوانات، يقال له: أنعام مجموعة معها، وكأن المفترس- ~~كالأسد وكل ذي ناب- خارج عن حد الأنعام، فبهيمة الأنعام هي الراعي ذوات ~~الأربع. # وقيل: بهيمة الأنعام ما لم يكن صيدا لأن الصيد يسمى وحشيا لا بهيمة. # وقيل: بهيمة الأنعام الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأنعام فهي ~~تؤكل من دون [ذكاة] «1» . # وعلى القول الأول- أعني تخصيص الأنعام بالإبل والبقر والغنم- تكون ~~الإضافة بيانية، ويلحق بها ما يحل مما هو خارج عنها بالقياس، بل وبالنصوص ~~التي في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ... الآية، [الأنعام: 145] . # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «يحرم كل ذي ناب من السبع، ومخلب من ~~الطير» «2» ، فإنه يدل بمفهومه على أن ما عداه حلال وكذلك سائر النصوص ~~الخاصة بنوع، كما في كتب السنة المطهرة. # إلا ما يتلى عليكم: استثناء من قوله: أحلت لكم بهيمة الأنعام أي إلا ~~مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال. # والمتلو: هو ما نص الله على تحريمه، نحو ms184 قوله: حرمت عليكم الميتة ... ~~الآية [المائدة: 3] ، وذلك عشرة أشياء، أولها الميتة، وآخرها المذبوح على ~~النصب، ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون ~~المراد به، إلا ما يتلى عليكم الآن، ويحتمل أن يكون المراد به في مستقبل ~~الزمان، فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويحتمل الأمرين جميعا. # غير محلي الصيد: ذهب البصريون إلى أن قوله هذا استثناء آخر من قوله: # بهيمة الأنعام والتقدير: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم، إلا ~~الصيد وأنتم PageV01P225 # محرمون، وقيل الاستثناء الأول من بهيمة الأنعام، والثاني من الاستثناء ~~الأول. # ورد بأن هذا يستلزم إباحة الصيد في حال الإحرام لأنه مستثنى من المحظور، ~~فيكون مباحا «1» . # وأنتم حرم: في محل نصب على الحال، ومعنى هذا التقييد ظاهر عند من يخص ~~بهيمة الأنعام بالحيوانات الوحشية البرية، التي يحل أكلها كأنه قال: أحل ~~لكم صيد البر، إلا في حال الإحرام. # وأما على قول من يجعل الإضافة بيانية فالمعنى: أحلت لكم بهيمة هي ~~الأنعام- حل تحريم الصيد عليكم بدخولكم في الإحرام- لكونكم محتاجين إلى ~~ذلك. فيكون المراد بهذا التقييد الامتنان عليهم بتحليل ما عدا ما هو محرم ~~عليهم في تلك الحال. # والمراد بالحرم من هو محرم بالحج أو العمرة أو بهما، ويسمى محرما لكونه ~~يحرم عليه الصيد والطيب والنساء، وهكذا وجه تسمية الحرام حراما، والإحرام ~~إحراما «2» . # [الآية الثانية] يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر ~~الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ~~ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2) . # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله: جمع شعيرة، على وزن فعلية. # قال ابن الفارس: ويقال للواحدة شعارة وهو أحسن، ومنه الإشعار للهدي «3» . # والمشاعر: المعالم، واحدها مشعر، وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات. ~~PageV01P226 # قيل: المراد بها هنا جميع مناسك الحج، وقيل: الصفا والمروة والهدي ms185 ~~والبدن. # والمعنى على هذين القولين لا تحلوا هذه الأمور، بأن يقع الإخلال بشيء ~~منها، أو بأن تحولوا بينها وبين من أراد فعلها. ذكر سبحانه النهي عن أن ~~يحلوا شعائر الله عقب ذكره تحريم صيد المحرم. # وقيل: المراد بالشعائر هنا فرائض الله، ومنه: ومن يعظم شعائر الله [الحج: ~~32] ، وقيل: هي حرمات الله. ولا مانع من حمل ذلك على الجميع، اعتبارا بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب، ولا بما يدل عليه السياق. # ولا الشهر الحرام المراد به الجنس، فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم، وهي ~~أربعة: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، أي تحلوها بالقتال فيها، وقيل ~~المراد هنا شهر الحج فقط «1» . # ولا الهدي: هو ما يهدى إلى بيت الله، من ناقة، أو بقرة، أو شاة، الواحدة ~~هدية، نهاهم الله سبحانه عن أن يحلوا حرمة الهدي، بأن يأخذوه على صاحبه، أو ~~يحولوا بينه وبين المكان الذي يهدي إليه، وعطف الهدي على الشعائر- مع دخوله ~~تحتها- لقصد التنبيه على مزيد خصوصيته، والتشديد في شأنه. # ولا القلائد: جمع قلادة، وهي ما يقلد به الهدي من نعل أو نحوه، وإحلالها ~~أن تؤخذ غصبا، وفي النهي عن إحلال القلائد تأكيد للنهي عن إحلال الهدي، ~~وقيل: # المراد بالقلائد، المقلدات به، فيكون عطفه على الهدي لزيادة التوصية ~~بالهدي، والأول أولى، وقيل: المراد بالقلائد ما كان الناس يتقلدونه، فهو ~~على حذف مضاف، أي ولا أصحاب القلائد. # ولا آمين البيت الحرام: أي قاصديه، من قولهم أممت كذا أي قصدته. وقرأ ~~الأعمش: ولا آمي البيت الحرام بالإضافة، والمعنى: لا تمنعوا من قصد البيت ~~الحرام، بحج أو عمرة، أو ليسكن فيه. وقيل: إن سبب نزول هذه الآية، أن ~~المشركين كانوا يحتجون ويعتمرون ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم ~~فنزل: PageV01P227 # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله إلى آخر الآية «1» ، فيكون ذلك ~~منسوخا بقوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] وقوله: فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [التوبة: 28] ، وقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: «لا يحجن بعد العام مشرك» «2» . # وقال قوم الآية محكمة وهي في ms186 المسلمين «3» . # يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا: جملة حالية من الضمير المستتر في آمين قال ~~جمهور المفسرين: معناه يبغون الفضل والرزق والأرباح في التجارة، ويبتغون- ~~مع ذلك- رضوان الله، وقيل: كان منهم من يطلب التجارة، ومنهم من يبتغي بالحج ~~رضوان الله، ويكون هذا الابتغاء للرضوان- بحسب اعتقادهم وفي ظنهم- عند من ~~جعل الآية في المشركين، وقيل: المراد بالفضل هنا الثواب، لا الأرباح في ~~التجارة «4» . # وإذا حللتم فاصطادوا: هذا تصريح لما أفاده مفهوم: وأنتم حرم، أباح لهم ~~الصيد، بعد أن حظره عليهم لزوال السبب الذي حرم لأجله، وهو الإحرام «5» . # ولا يجرمنكم شنآن قوم «6» : قال ابن فارس: جرم وأجرم ولا جرم، بمعنى ~~قولك: ولا بد ولا محالة، وأصلها من جرم أي كسب، وقيل: المعنى ولا يحملنكم. # قاله الكسائي وثعلب. وهو يتعدى إلى مفعولين، يقال: جرمني كذا على بغضك، ~~أي حملني عليه. # وقال أبو عبيدة والفراء: معنى ولا يجرمنكم لا يكسبنكم بغض قوم أن ~~PageV01P228 # تعتدوا الحق إلى الباطل، [والعدل] «1» إلى الجور. # والجريمة والجارم: بمعنى الكاسب، والمعنى: لا يحملنكم يغض قوم على ~~الاعتداء عليهم، أو لا يكسبنكم بغضهم اعتداءكم على الحق إلى الباطل. ويقال: ~~جرم يجرم جرما إذا قطع، قال علي بن عيسى الرماني: وهو الأصل. # فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره، وجرم بمعنى كسب لانقطاعه، ولا ~~جرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه. # قال الخليل: معنى لا جرم أن لهم النار: لقد حق أن لهم النار. # وقال الكسائي: جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد أي اكتسب. # وقرأ ابن مسعود: ولا يجرمنكم بضم الياء، والمعنى لا يكسبنكم، ولا يعرف ~~البصريون أجرم، وإنما يقولون: جرم لا غير «2» . # والشنآن: البغض، وقريء بفتح النون وإسكانها، يقال شنيت الرجل أشنوه شنا ~~ومشنا وشنآنا، كل ذلك إذا أبغضته. وشنآن هنا مضاف إلى المفعول، أي بغض قوم ~~منكم لا بغض قوم لكم «3» . # أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا بفتح الهمزة مفعول لأجله، أي لأن ~~صدوكم. وقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة على الشرطية، وهو اختيار أبو ~~عبيد. # وقرأ الأعمش أن يصدوكم، والمعنى ms187 على قراءة الشرطية لا يحملنكم بغضهم أن ~~وقع منهم الصد لكم عن المسجد الحرام على الاعتداء عليهم «4» . PageV01P229 # قال النحاس: وأما: إن صدوكم بكسر (إن) فالعلماء الجلة بالنحو والحديث ~~والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان- ~~وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست- فالصد كان قبل الآية ~~وإذا قرىء بالكسر لم يجز إلا أن يكون بعده كما تقول: لا تعط فلانا شيئا إن ~~قاتلك، فهذا لا يكون إلا للمستقبل، وإن فتحت كان للماضي. وما أحسن هذا ~~الكلام. # وقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيد شنآن بسكون النون، لأن المصادر إنما تأتي في ~~مثل هذا متحركة، وخالفهما غيرهما فقال: ليس هذا مصدر، ولكنه اسم فاعل على ~~وزن كسلان وغضبان «1» . # أقول: تأمل هذا النهي، فإن الذين صدوا المسلمين عن دخول مكة، كانوا ~~أنفارا حربيين، فكيف ينهى عن التعرض لهم، وعن مقاتلتهم، فلا يظهر إلا أن ~~هذا النهي منسوخ، أو يقال: إن النهي عن ذلك من حيث عقد الصلح الواقع في ~~الحديبية، فبسببه صاروا مؤمنين مأمونين، ولم أر من نبه على هذين الوجهين. ~~ولما نهاهم عن الاعتداء أمرهم بقوله: # وتعاونوا على البر والتقوى أي ليعن بعضكم بعضا على ذلك، وهو يشمل كل أمر ~~يصدق عليه أنه من البر والتقوى، كائنا ما كان. # قيل إن البر والتقوى لفظان بمعنى واحد، وكرر للتأكيد. # وقال ابن عطية: إن البر يتناول الواجب [والمندوب] «2» ، والتقوى تختص ~~بالواجب «3» . وقال الماوردي: إن في البر رضى الناس، وفي التقوى رضى الله، ~~فمن جمع بينهما، فقد تمت سعادته. ثم نهاهم سبحانه بقوله: PageV01P230 # ولا تعاونوا على الإثم والعدوان: فالإثم كل فعل وقول يوجب إثم فاعله أو ~~قائله، والعدوان التعدي على الناس، بما فيه ظلم، فلا يبقى نوع من أنواع ~~الموجبات للإثم، ولا نوع من أنواع الظلم للناس، إلا وهو داخل تحت هذا ~~النهي، لصدق هذين النوعين على كل ما يوجد فيه معناهما. ثم أمر عباده ~~بالتقوى، وتوعد من خالف ما أمر به، فتركه، أو خالف ما نهى عنه بفعله، ~~بقوله: ms188 # واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2) وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ~~في «تاريخه» عن وابصة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «البر ما اطمأن ~~إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر ~~وإن أفتاك الناس وأفتوك!» «1» . # وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في «الأدب» ومسلم والترمذي والحاكم ~~والبيهقي عن النواس بن سمعان قال: «سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~البر والإثم فقال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع ~~عليه الناس» «2» . # وأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبراني والحاكم- وصححه- والبيهقي عن أبي ~~أمامة: «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإثم؟ فقال: «ما ~~حاك في نفسك فدعه قال فما الإيمان؟ قال: من ساءته سيئة، وسرته حسنة، فهو ~~مؤمن» «3» . PageV01P231 # [الآية الثالثة] حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله ~~به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ~~(3) . # حرمت عليكم: هذا شروع في تفصيل المحرمات التي أشار إليها سبحانه بقوله: # إلا ما يتلى عليكم [المائدة: 1] . # الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به تقدم الكلام على ذلك في ~~البقرة «1» ، وما هنا من تحريم مطلق الدم، مقيد بكونه مسفوحا- لما تقدم ~~حملا للمطلق على المقيد «2» . # وقد ورد في السنة تخصيص الميتة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أحل لنا ~~ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان: الكبد والطحال» ~~. # أخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي، وفي إسناده مقال «3» ~~. PageV01P232 # ويقويه الحديث: «هو الطهور ماؤه، والحل ميتته» ، وهو عند أحمد وأهل السنن ~~وغيرهم، وصححه جماعة منهم ابن خزيمة وابن حبان «1» . # وقد أطال الشوكاني الكلام عليه في «شرحه للمنتقى» وغيره في غيره «2» . # والمنخنقة هي التي تموت ms189 بالخنق، وهو حبس النفس، سواء كان ذلك بفعلها كأن ~~تدخل رأسها في حبل، أو بين عودين، أو بفعل آدمي، أو غيره. وقد كان أهل ~~الجاهلية يخنقون الشاة، فإذا ماتت أكلوها «3» . # والموقوذة هي التي تضرب بحجر أو عصا حتى تموت، من غير تذكية. يقال: # وقذه يقذه وقذا فهو وقيذ. # والوقذ: شدة الضرب. وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، فيضربون الأنعام ~~بالخشب لآلهتهم حتى تموت ثم يأكلونها «4» . # قال ابن عبد البر: واختلف العلماء قديما وحديثا في الصيد بالبندق والحجر ~~والمعراض. # ويعني بالبندق: قوس البندقة. # وبالمعراض: السهم الذي لا ريش له، أو العصا التي رأسها محدد، قال: فمن ~~ذهب إلى أنه وقيذ، لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته، على ما روي عن ابن عمر، وهو ~~قول PageV01P233 # مالك وأبي حنيفة وأصحابه، والثوري والشافعي. وخالفهم الشاميون في ذلك، ~~قال الأوزاعي في المعراض: كله خرق أو لم يخرق فقد كان أبو الدرداء وفضالة ~~بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا. # قال ابن عبد البر: هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن عمر. والمعروف عن ~~ابن عمر ما ذكر مالك عن نافع «1» ، قال: والأصل في هذا الباب والذي عليه ~~العمل وفيه الحجة حديث عدي بن حاتم وفيه: «ما أصاب بعرضه فلا يأكل فإنه ~~وقيذ» «2» . انتهى. # قلت: والحديث في «الصحيحين» وغيرهما عن عدي قال: «قلت يا رسول الله إني ~~أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: إذا رميت المعراض فخرق فكله، وإن أصاب ~~بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله» «3» . # فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم الخرق وعدمه، فالحق أنه لا يحل إلا ما ~~خرق لا ما صدم، فلا بد من التذكية قبل الموت، وإلا كان وقيذا. # قال الشوكاني في «فتح القدير» «4» : وأما البنادق المعروفة الآن، وهي ~~بنادق PageV01P234 # الحديد، التي يجعل فيها [البارود] «1» والرصاص، ويرمى بها، فلم يتكلم ~~عليها أهل العلم لتأخر حدوثها، فإنها لم تصل إلى الديار اليمنية، إلا في ~~المائة العاشرة من الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا ~~مات، ms190 ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيا؟ والذي يظهر لي أنه حلال، لأنها تخرق ~~وتدخل- في الغالب- من جانب منه، وتخرج من الجانب الآخر. # وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح السابق: «إذا رميت ~~بالمعراض فخرق فكله» «2» ، فاعتبر الخرق في تحليل الصيد. انتهى. # قلت: وقد سبقه إلى ذلك السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير حيث قال في ~~«سبل السلام شرح بلوغ المرام» «3» : قلت: وأما البنادق [المعروفة] «4» الآن ~~فإنها ترمي بالرصاص، فيخرج وقد صهرته نار البارود كالميل، فيقتل بحده لا ~~بصدمه، فالظاهر حل ما قتله. انتهى. # وتعقبه ولده العلامة السيد عبد الله محمد الأمير وقال: هذا وهم من والدي- ~~قدس الله تعالى روحه- فإن الرصاص لا يذوب أصلا، إنما تدفعه نار البارود، ~~فيصيب بصدمة، يعرف هذا كل من يعرف البنادق المذكورة، والله أعلم. انتهى. # أقول: التحقيق أن النار تدفع الرصاص أولا، فيصيب الصيد، ثم يخرق الرصاص ~~الصيد، فيموت الصيد بخرقه. فيكون حلالا كما احتج به الشوكاني. والله أعلم. # والمتردية: هي التي [تتردى] «5» من علو إلى أسفل، فتموت من غير فرق، بين ~~أن تتردى من جبل، أو بئر، أو مدفن، أو غيرها. # والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك، وسواء تردت بنفسها أو رداها غيرها ~~«6» . # والنطيحة هي فعلية بمعنى مفعولة، وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون ~~تذكية. وقال قوم إنها فعلية بمعنى فاعلة لأن الدابتين تتناطحان فتموتان. ~~وقال: PageV01P235 # نطيحة ولم يقل نطيح، مع أنه قياس فعيل لأن لزوم الحذف مختص بما كان من ~~هذا الباب، صفة لموصوف مذكور، فإن لم يذكر ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلا ~~الاسمية. # وقرأ أبو ميسرة: والمنطوحة «1» . # وما أكل السبع: أي وحرم ما افترسه ذو ناب، كالأسد والنمر والذئب والضبع ~~ونحوها. والمراد هنا ما أكل منه السبع، لأن ما أكله السبع كله قد فني، ومن ~~العرب من يخص اسم السبع بالأسد، وكانت العرب إذا أكل السبع الشاة، ثم ~~خلصوها منه أكلوها، وإن ماتت ولم يذكوها. # إلا ما ذكيتم في محل نصب على الاستثناء المتصل عند الجمهور، وهو راجع على ms191 ~~ما أدركت ذكاته من المذكورات سابقا وفيه حياة. # وقال المدنيون: وهو المشهور من مذهب مالك، وهو أحد قولي الشافعي: إنه إذا ~~بلغ السبع منها إلى ما لا حياة معه، فإنها لا تؤكل. وحكاه في «الموطأ» «2» ~~عن زيد بن ثابت، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، فيكون الاستثناء على هذا القول ~~منقطعا أي حرمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم. ~~والأول أولى. # والذكاة في كلام العرب: الذبح. قاله قطرب وغيره. وأصل الذكاة في اللغة: # التمام، أي تمام استكمال القوة. # والذكاء: حدة القلب، وسرعة الفطنة. PageV01P236 # والذكاة: ما تذكى به النار، ومنه أذكيت الحرب والنار أوقدتهما. # وذكاء: اسم الشمس. # والمراد هنا إلا ما أدركتم ذكاته على التمام. # والتذكية في الشرع: عبارة عن انهمار الدم، وفري الأوداج في المذبوح، ~~والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور، مقرونا بالقصد لله، وذكر اسمه ~~عليه. # وأما الآلة التي تقع بها الذكاة، فذهب الجمهور إلى أن كل ما أنهر الدم، ~~وفرى الأوداج، فهو آلة للذكاة، ما خلا السن والعظم، وبهذا جاءت الأحاديث ~~الصحيحة «1» . # وما ذبح على النصب: قال ابن فارس: النصب: حجر كان ينصب فيعبد، وتصب عليه ~~دماء الذبائح. # والنصائب: حجارة تنصب حوالي شفير البئر [فتجعل] «2» عضائد «3» ، وقيل: # النصب جمع واحده نصاب، كحمار وحمر، قرأ طلحة [ابن مصرف] : بضم النون ~~وسكون الصاد. وروي عن أبي عمرو: بفتح النون وسكون الصاد. وقرأ الجحدري: # بفتح النون والصاد، جعله اسما موحدا كالجبل والجمل، والجمع أنصاب ~~كالأجبال والأجمال. # قال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة، يذبحون عليها «4» . # قال ابن جرير: كانت العرب تذبح بمكة، وتنضح بالدم ما أقبل من البيت، ~~ويشرحون اللحم، ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام، قال المسلمون للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال فأنزل ~~الله: وما ذبح على النصب «5» . # والمعنى: والنية بذلك تعظيم النصب لأن الذبح عليها غير جائز. ولهذا قيل: ~~إن PageV01P237 # على بمعنى اللام، أي: لأجلها. قاله قطرب، وهو على هذا داخل في غير ما أهل ~~به ms192 لغير الله، وخص بالذكر لتأكيد تحريمه، ولدفع ما كانوا يظنونه من أن ذلك ~~لتشريف البيت وتعظيمه، وقيل: معناه ما قصد بذبحه تعظيم النصب، وإن لم يذكر ~~اسمها عنده، فليس مكررا مع ما سبق، إذ ذاك فيما ذكر عند ذبحه اسم الصنم ~~مثلا. فتأمل. # وأن تستقسموا: معطوف على ما قبله، أي وحرم عليكم الاستقسام. # بالأزلام وهي: قداح الميسر، واحدها زلم. # والأزلام للعرب ثلاثة أنواع: # أحدها: مكتوب فيه أفعل. # والآخر: مكتوب لا تفعل. # والثالث: مهمل لا شيء عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء ~~أدخل يده- وهي متشابهة- فأخرج واحدا منها، فإن خرج الأول فعل ما عزم عليه، ~~وإن خرج الثاني تركه، وإن خرج الثالث، أعاد الضرب حتى يخرج واحد من ~~الأولين. # قال الزجاج: لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين: لا تخرج من أجل نجم كذا ~~واخرج لطلوع نجم كذا، وإنما قيل لهذا الفعل: استقسام لأنهم كانوا يستقسمون ~~به الرزق وما يريدون فعله، كما يقال استسقى أي استدعى السقيا. # فالاستقسام: طلب القسم والنصيب. # وجملة قداح الميسر عشرة، وكانوا يضربون بها في المقامرة. # وقيل: إن الأزلام: كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقيل: هي ~~الشطرنج. # وإنما حرم الله الاستقسام بالأزلام لأنه تعرض لدعوى علم الغيب، وضرب من ~~الكهانة «1» . # ذلكم فسق: إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، أو إلى جميع المحرمات المذكورة ~~هنا. # والفسق: الخروج عن الحد، وهذا وعيد شديد لأن الفسق هو أشد الكفر! لا ما ~~PageV01P238 # وقع عليه اصطلاح قوم من أنه منزلة بين الإيمان والكفر «1» . # قوله: فمن اضطر: هذا متصل بذكر المحرمات، وما بينهما اعتراض وقع بين ~~الكلامين للتأكيد، فإن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل، أي من دعته ~~الضرورة. # في مخمصة: أي مجاعة، إلى أكل الميتة وما بعدها من المحرمات. # والخمص: ضمور البطن، ورجل خميص وخمصان، وامرأة خميصة وخمصانة، ومنه أخمص ~~القدم. ويستعمل كثيرا في الجوع. # غير متجانف لإثم الجنف: الميل. # والإثم: الحرام، أي حال كون المضطر في مخمصة غير مائل لإثم، وهو بمعنى ~~غير باغ ولا عاد. وكل مائل فهو ms193 متجانف وجنف. # فإن الله غفور له رحيم (3) به، لا يؤاخذه بما ألجأته إليه الضرورة في ~~الجوع، مع عدم ميله بأكل ما حرم عليه إلى الإثم بأن يكون باغيا على غيره، ~~أو متعديا لما دعت إليه الضرورة «2» . # [الآية الرابعة] يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) . # قل أحل لكم الطيبات: هي ما يستلذ أكله، ويستطيبه أصحاب الطبائع السليمة، ~~مما أحله الله لعباده، أو لم يرد نص بتحريمه. وقيل: هي الحلال، وقيل: ~~الطيبات الذبائح لأنها طابت بالتذكية، وهو تخصيص للعام بغير مخصص، والسبب ~~والسياق لا يصلحان لذلك. # وما علمتم من الجوارح: معطوف على الطيبات، بتقدير مضاف لتصحيح ~~PageV01P239 # المعنى، أي أحل لكم صيد ما علمتم من أمر الجوارح والصيد بها. # قال القرطبي «1» : قد ذكر بعض من صنف في أحكام [القرآن] «2» : أن الآية ~~تدل على أن الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح، وهو [ينتظم] «3» الكلب ~~وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع، فدل على جواز بيع ~~الكلب، والجوارح، والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع، إلا ما خصه الدليل، ~~وهو الأكل من الجوارح: أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير. # قال «4» : وأجمعت الأمة، على أن الكلب- إذا لم يكن أسود، وعلمه مسلم، ولم ~~يأكل من صيده الذي صاده، أو أثر فيه بجرح، أو تنييب، وصاد به مسلم، وذكر ~~الله عند إرساله- صيده صحيح، يؤكل بلا خلاف. فإن انخرم، شرط من هذه الشروط ~~دخل الخلاف، فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه، وكالبازي ~~والصقر ونحوهما في الطير، فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو ~~جارح كاسب. # يقال: جرح فلان واجترح، إذا اكتسب، ومنه الجارحة لأنه يكتسب بها، ومنه ~~قوله تعالى: ويعلم ما جرحتم بالنهار [الأنعام: 60] ، وقوله: أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات # [الجاثية: 21] . # مكلبين: حال، والمكلب: معلم الكلاب كيفية الاصطياد. وخص معلم الكلاب، وإن ~~كان معلم سائر الجوارح مثله، ms194 لأن الاصطياد بالكلاب هو الغالب. ولم يكتف ~~بقوله: وما علمتم من الجوارح- مع أن [التكليب] «5» هو التعليم- لقصد ~~التأكيد لما لا بد منه من التعليم. وقيل إن السبع يسمى كلبا، فيدخل كل سبع ~~يصاد به، وقيل: # إن هذه الآية خاصة بالكلاب. # وقد حكى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال: ما يصاد بالبزاة وغيرها من ~~الطير، فما أدركت ذكاته فهو حلال، وإلا فلا تطعمه «6» . PageV01P240 # قال ابن المنذر: وسئل أبو جعفر عن البازي هل يحل صيده؟ قال: لا! إلا أن ~~تدرك ذكاته. # وقال الضحاك والسدي: وما علمتم من الجوارح مكلبين: هي الكلاب خاصة «1» . # فإن كان الكلب الأسود بهيما، كره صيده الحسن وقتادة والنخعي. # وقال أحمد: ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما، وبه قال ابن راهويه «2» ~~. # فأما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم «3» ، ~~واحتج من منع من صيد الكلب الأسود بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الكلب ~~الأسود شيطان» أخرجه مسلم وغيره «4» . # والحق أنه يحل صيد كل ما يدخل تحت عموم الجوارح من غير فرق بين الكلب ~~وغيره، وبين الأسود من الكلاب وغيره، وبين الطير وغيره. # ويؤيد هذا أن سبب نزول الآية سؤال عدي بن حاتم عن صيد البازي «5» . ~~PageV01P241 # تعلمونهن: أي تؤدبونهن. والجملة في محل نصب على الحال. # مما علمكم الله: أي مما أدركتموه بما خلقه فيكم من العقل، الذي تهتدون به ~~إلى تعليمها وتدريبها، حتى تصير قابلة لإمساك الصيد لكم عند إرسالكم له. # فكلوا: الفاء للتفريع، والجملة متفرعة على ما تقدم من تحليل صيد ما علموه ~~من الجوارح، و (من) في قوله: مما أمسكن عليكم للتبعيض، لأن بعض الصيد لا ~~يؤكل، كالجلد والعظم، وما أكله الكلب ونحوه. # وفيه دليل على أنه لا بد أن يمسكه على صاحبه، فإن أكل منه فإنما أمسكه ~~على نفسه، كما في الحديث الصحيح «1» . # وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحل أكل الصيد الذي يقصده الجارح من تلقاء ~~نفسه من غير إرسال. # وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي- وهو مروي عن سلمان الفارسي ms195 وسعد بن أبي ~~وقاص وأبي هريرة وعبد الله بن عمر، وروي عن علي وابن عباس والحسن البصري ~~والزهري وربيعة ومالك والشافعي في القديم- إنه يؤكل صيده «2» . # ويرد عليهم قوله تعالى: مما أمسكن عليكم، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك ~~عليك» ، وهو في الصحيحين وغيرهما «3» . # وفي لفظ لهما: «فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» «4» . # وأما ما أخرجه أبو داود بإسناد جيد من حديث أبي ثعلبة قال: قال رسول ~~PageV01P242 # الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله ~~فكل وإن أكل منه» «1» . # وقد أخرجه أيضا بإسناد جيد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأخرجه ~~أيضا النسائي. # فقد جمع بعض الشافعية بين هذه الأحاديث: بأنه إن أكل عقب ما أمسك، فإنه ~~يحرم، لحديث عدي بن حاتم وإن أمسكه ثم انتظر صاحبه، فطال عليه الانتظار، ~~وجاع فأكل من الصيد لجوعه- لا لكونه أمسكه على نفسه- فإنه لا يؤثر ذلك ولا ~~يحرم به الصيد. وهذا جمع حسن «2» . # وقال آخرون: إنه إذا أكل الكلب منه حرم، لحديث عدي، وإن أكل غيره لم يحرم ~~للحديثين الآخرين. # وقيل يحمل حديث [أبي] «3» ثعلبة على ما إذا أمسكه وخلاه ثم عاد فأكل منه. ~~وقد سلك كثير من أهل العلم طريق الترجيح، ولم يسلكوا طريق الجمع، لما فيها ~~من البعد. # قالوا: وحديث عدي بن حاتم أرجح لكونه في «الصحيحين» . وقد قرر الشوكاني ~~هذا المسلك في «شرح المنتقى» «4» بما يزيد الناظر فيه بصيرة. # واذكروا اسم الله عليه الضمير في عليه يعود إلى وما علمتم، أي سموا عليه ~~عند إرساله أو [لما] «5» أمسكن عليكم: أي سموا عليه إذا أردتم ذكاته. # وقد ذهب الجمهور إلى وجوب التسمية عند إرسال الجارح، واستدلوا بهذه ~~الآية، ويؤيده حديث عدي بن حاتم الثابت في «الصحيحين» وغيرهما بلفظ: «إذا ~~أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله» «6» . # وقال بعض أهل العلم: إن المراد ms196 التسمية عند الأكل. قال PageV01P243 # القرطبي «1» : وهو الأظهر. # واستدلوا بالأحاديث التي فيها الإرشاد إلى التسمية، وهذا خطأ فإن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قد وقت التسمية بإرسال الكلب، وإرسال السهم، ~~ومشروعية التسمية عند الأكل حكم آخر، ومسألة غير هذه المسألة، فلا وجه لحمل ~~ما ورد في الكتاب والسنة هنا، على ما ورد في التسمية عند الأكل، ولا ملجىء ~~إلى ذلك. # وفي لفظ في «الصحيحين» من حديث عدي: «إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فكل» «2» ~~. وقد ذهب جماعة إلى أن التسمية شرط، وذهب آخرون إلى أنها سنة فقط، وذهب ~~جماعة إلى أنها شرط على الذاكر لا الناسي. وهذا أقوى الأقوال وأرجحها «3» . # [الآية الخامسة] اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) . # اليوم: المراد بهذا اليوم والمذكورين قبله وقت واحد، وإنما كرر للتأكيد، ~~ولاختلاف الأحداث الواقعة فيه حسن تكريره، كذا قال أبو السعود. وقيل: أشار ~~بذكر اليوم إلى وقت محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # كما تقول: هذه أيام فلان. # اليوم أحل لكم الطيبات: هذه الجملة مؤكدة للجملة الأولى وهي قوله: أحل ~~لكم الطيبات، وقد تقدم بيان الطيبات. PageV01P244 # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم: الطعام اسم لكل ما يؤكل، ومنه الذبائح، ~~وذهب أكثر أهل العلم إلى تخصيصه هنا بالذبائح «1» ، وفي هذه الآية دليل على ~~أن جميع طعام أهل الكتاب- من غير فرق بين اللحم وغيره- حلال للمسلمين، وإن ~~كانوا لا يذكرون على ذبائحهم اسم الله، فتكون هذه الآية مخصصة لعموم قوله: ~~ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه [الأنعام: 121] . وظاهر هذا أن ذبائح ~~أهل الكتاب حلال، وإن ذكر اليهودي على ذبيحته اسم عزيز، وذكر النصراني على ~~ذبيحته اسم المسيح. وإليه ذهب أبو الدرداء وعبادة بن الصامت وابن عباس ~~والزهري وربيعة والشعبي ومكحول «2» . # وقال علي وعائشة وابن عمر: إذا سمعت ms197 الكتابي يسمي على الذبيحة اسم غير ~~الله فلا تأكل. # وهو قول طاووس والحسن «3» ، وتمسكوا بقوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه [الأنعام: 121] . وقوله تعالى: وما أهل لغير الله [المائدة: ~~3] . # وقال مالك: إنه يكره ولا يحرم «4» . # فهذا الخلاف إذا علمنا أن أهل الكتاب ذكروا على ذبائحهم اسم غير الله، ~~وأما مع عدم العلم، فقد حكى الطبري وابن كثير الإجماع على حلها لهذه الآية ~~«5» . # ولما ورد في السنة من أكله صلى الله عليه وآله وسلم من الشاة المصلية ~~التي أهدتها إليه اليهودية. # وكذلك جراب الشحم الذي أخذه بعض الصحابة من خيبر وعلم بذلك النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وهما في «الصحيح» وغير ذلك. # والمراد بأهل الكتاب هنا: اليهودي والنصارى. # وأما المجوس فذهب الجمهور إلى أنها لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، ~~لأنهم ليسوا بأهل الكتاب على المشهور عند أهل العلم «6» . PageV01P245 # وخالف في ذلك أبو ثور، وأنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال أحمد بن حنبل: ~~أبو ثور كاسمه! يعني في هذه المسألة «1» . # وكأنه تمسك بما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا، أنه قال في ~~المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ولم يثبت بهذا اللفظ «2» . # وعلى فرض أن له أصلا ففيه زيادة تدفع ما قاله. وهي قوله: «غير آكلي ~~ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم» «3» ورواه بهذه الزيادة جماعة، ممن لا خبرة لهم ~~بفن الحديث من المفسرين والفقهاء، ولا يثبت الأصل ولا الزيادة، بل الذي ثبت ~~في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر «4» ~~. # وأما بنو تغلب «5» فكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ينهى عن ذبائحهم ~~لأنهم عرب وكان يقول: إنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر ~~«6» !. PageV01P246 # وهكذا سائر العرب المتنصرة كتنوخ، وجذام، ولخم، وعاملة، ومن أشبههم «1» . # قال ابن كثير «2» : وهو قول غير واحد من السلف والخلف. # وروي عن سعيد بن المسيب والحسن البصري أنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة ~~نصارى بني تغلب «3» . # وقال القرطبي «4» : قال جمهور الأمة: إن ms198 ذبيحة كل نصراني حلال، سواء كان ~~من بني تغلب أو من غيرهم، وكذلك اليهود. # وقال «5» : ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة، كالطعام يجوز ~~أكله مطلقا. # وطعامكم حل لهم: أي وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب. وفيه دليل على أنه ~~يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة ~~والمجازاة، وإخبار للمسلمين بأن ما يأخذونه من أعواض الطعام حلال لهم بطريق ~~الدلالة الالتزامية. # والمحصنات: مبتدأ، واختلف في تفسيرهن هنا: فقيل: العفائف، وقيل الحرائر ~~«6» . # وقرأ الشعبي بكسر الصاد، وبه قرأ الكسائي. وقد تقدم الكلام على هذا ~~مستوفى في البقرة والنساء «7» . PageV01P247 # وقوله: من المؤمنات: وصف له، والخبر محذوف، أي حل لكم، وذكرهن هنا توطئة ~~وتمهيدا لقوله: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم: المراد بهن الحرائر دون ~~الإماء، هكذا قال الجمهور. # وحكى ابن جرير «1» عن طائفة من السلف: أن هذه الآية تعم كل كتابية حرة أو ~~أمة. # وقيل: المراد بأهل الكتاب الإسرائيليات وبه قال الشافعي وهذا تخصيص بغير ~~مخصص. # وقال عبد الله بن عمر: لا تحل النصرانية قال: ولا أعلم شركا أكبر من أن ~~تقول: # ربها عيسى! وقد قال الله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ... الآية ~~[البقرة: 221] . # ويجاب عنه بأن هذه الآية مخصصة للكتابيات من عموم المشركات، فيبنى العام ~~على الخاص، وقد استدل من حرم نكاح الإماء الكتابيات بهذه الآية، لأنه حملها ~~على الحرائر، ولقوله تعالى: فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ~~[النساء: 25] . # وقد ذهب إلى هذه كثير من أهل العلم، وخالفهم من قال: إن الآية تعم أو تخص ~~العفائف، كما تقدم. # والحاصل: أنه يدخل تحت هذه الآية الحرة العفيفة من الكتابيات على جميع ~~الأقوال، إلا على قول ابن عمر في النصرانية، ويدخل تحتها الحرة التي ليست ~~بعفيفة، والأمة العفيفة، على قول من يقول إنه يجوز استعمال المشرك في كلا ~~معنييه. # وأما من لم يجوز ذلك فإن حمل المحصنات هنا على الحرائر، لم يقل بجواز ~~نكاح الأمة عفيفة كانت أو غير عفيفة إلا بدليل آخر، ms199 ويقول بجواز نكاح الحرة ~~عفيفة كانت أو غير عفيفة، وإن حمل المحصنات هنا على العفائف، قال بجواز ~~نكاح الحرة العفيفة والأمة العفيفة دون غير العفيفة منها. ومذهب الإمام أبي ~~حنيفة جواز نكاح الأمة الكتابية أخذا بعموم الآية «2» . PageV01P248 # إذا آتيتموهن أجورهن: أي مهورهن، وجواب إذا محذوف، أي: فهي حلال، أو هي ~~ظرف لخبر المحصنات المقدر، أي: حل لكم. # محصنين: منصوب على الحال، أي حال كونكم أعفاء بالنكاح. # وكذا قوله: غير مسافحين: منصوب على الحال من الضمير في محصنين، أو صفة ~~لمحصنين، والمعنى غير مجاهرين بالزنا. # ولا متخذي أخدان: معطوف على غير مسافحين، أو على مسافحين، ولا مزيدة ~~للتأكيد. # والخدن: الصديق في السر يقع على الذكر والأنثى، أي ولم تتخذوا معشوقات، ~~فقد شرط الله في الرجال العفة، وعدم المجاهرة بالزنا، وعدم اتخاذ أخدان، ~~كما شرط في النساء أن يكن محصنات. # [الآية السادسة] يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم ~~تشكرون (6) . # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة: إذا أردتم القيام تعبيرا ~~بالمسبب عن السبب، كما في قوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~[النحل: 98] . # وقد اختلف أهل العلم في هذا الأمر عند إرادة القيام إلى الصلاة، فقالت ~~طائفة: # هو علم في كل قيام إليها، سواء كان القائم متطهرا أو محدثا فإنه ينبغي له ~~إذا قام إلى PageV01P249 # الصلاة أن يتوضأ، وهو مروي عن علي وعكرمة «1» وقال بوجوبه داود الظاهري ~~«2» . # وقال ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة «3» . # وقالت طائفة أخرى: إن هذا الأمر خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ~~ضعيف! فإن الخطاب للمؤمنين والأمر لهم «4» . # وقالت طائفة: الأمر للندب طلبا للفضل. # وقال آخرون: الوضوء لكل صلاة ms200 كان فرضا عليهم بهذه الآية، ثم نسخ في فتح ~~مكة «5» . # وقال جماعة: هذا الأمر خاص بمن كان محدثا. # وقال آخرون: المراد إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، فيعم الخطاب كل قائم ~~من النوم «6» . # وقد أخرج مسلم وأحمد وأهل «السنن» «7» عن بريدة. قال: «كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح، توضأ ومسح على ~~خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله إنك فعلت شيئا ~~لم تكن تفعله؟. قال: عمدا فعلته PageV01P250 # يا عمر» . وهو مروي من طرق كثيرة بألفاظ متفقة في المعنى «1» . # وأخرج البخاري وأحمد وأهل «السنن» «2» عن عمرو بن عامر الأنصاري: سمعت ~~أنس بن مالك يقول: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ عند كل صلاة. ~~قال: قلت: فأنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث» ~~. # فتقرر بما ذكر أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، وبه قال جمهور أهل ~~العلم، وهو الحق. # فاغسلوا وجوهكم الوجه في اللغة: مأخوذة من المواجهة، وهو عضو مشتمل على ~~أعضاء، وله طول وعرض، فحده في الطول: من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى ~~اللحيين، وفي العرض: من الأذن إلى الأذن. # وقد ورد الدليل بتخليل اللحية «3» . # واختلف العلماء في غسل ما استرسل، والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه «4» . # وقد اختلف أهل العلم أيضا هل يعتبر في الغسل الدلك باليد، أم يكفي إمرار ~~الماء؟ والخلاف في ذلك معروف والمرجع اللغة العربية فإن ثبت فيها أن الدلك ~~داخل في مسمى الغسل كان معتبرا، وإلا فلا. # قال في «شمس العلوم» : غسل الشيء غسلا، إذا أجرى عليه الماء ودلكه. # انتهى. # وأما المضمضة والاستنشاق فإذا لم يكن لفظ الوجه يشتمل باطن الفم والأنف، ~~PageV01P251 # فقد ثبت غسلهما بالسنة الصحيحة «1» ، والخلاف في الوجوب وعدمه معروف. وقد ~~أوضح الشوكاني ما هو الحق في مؤلفاته ك «المختصر» و «شرحه» و «نيل الأوطار» ~~«2» . # وأيديكم إلى المرافق: إلى الغاية. وأما كون ما بعدها يدخل فيما قبلها ~~فمحل خلاف، وقد ذهب سيبويه وجماعة ms201 إلى أن ما بعدها إن كان من نوع ما قبلها ~~دخل وإلا فلا. وقيل: إنها هنا بمعنى مع. وذهب قوم إلى أنها تفيد الغاية ~~مطلقا، وأما الدخول وعدمه فأمر يدور مع الدليل. # وقد ذهب الجمهور أن المرافق تغسل، واستدلوا بما أخرجه الدارقطني والبيهقي ~~من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جده عن جابر بن عبد ~~الله قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا توضأ أدار الماء على ~~مرفقيه» . ولكن القاسم هذا متروك، وجده ضعيف «3» . # وامسحوا برؤسكم: قيل الباء زائدة، والمعنى امسحوا رؤوسكم وذلك يقتضي ~~تعميم المسح لجميع الرأس، وقيل: هي للتبعيض، وذلك يقتضي أنه يجزىء مسح ~~بعضه. # واستدل القائلون بالتبعيض بقوله تعالى في التيمم فامسحوا بوجوهكم ~~[النساء: 43] ولا يجزىء مسح بعض الوجه اتفاقا، وقيل: إنها للإلصاق، أي ~~ألصقوا أيديكم برؤوسكم، وعلى كل حال فقد ورد في السنة المطهرة ما يفيد أنه ~~يكفي مسح بعض الرأس، كما أوضح الشوكاني ذلك في مؤلفاته «4» ، فكان هذا ~~دليلا على المطلوب غير محتمل كاحتمال الآية، على فرض أنها محتملة، ولا شك ~~أن من أمر غيره أن يمسح PageV01P252 # رأسه كان ممتثلا بفعل ما يصدق عليه مسمى المسح وليس في لغة العرب ما ~~يقتضي أنه لا بد في مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس، وهكذا سائر الأفعال ~~المتعدية نحو: # اضرب زيدا أو أطعنه. فإنه يؤخذ المعنى العربي بوقوع الضرب أو الطعن على ~~عضو من أعضائه ولا يقول قائل من أهل اللغة ومن هو عالم بها، إنه لا يكون ~~ضاربا إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد، وكذلك الطعن وسائر ~~الأفعال. فاعرف هذا المعنى يتبين لك ما هو الصواب من الأقوال في مسح الرأس. # فإن قلت: يلزم مثل هذا في غسل الوجه واليدين والرجلين؟ قلت: تلزم لولا ~~البيان من السنة في الوجه، والتحديد بالغاية في اليدين والرجلين، بخلاف ~~الرأس، فإنه ورد في السنة مسح الكل ومسح البعض «1» . # وأرجلكم: قرأ نافع بنصب الأرجل، وهي قراءة الحسن البصري ms202 والأعمش، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو وحمزة بالجر، فقراءة النصب تدل على أنه يجب غسل ~~الرجلين، لأنها معطوفة على الوجوه والأيدي، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، ~~والفصل بالممسوح بين المغسولات يفيد وجوب الترتيب في تطهير هذه الأعضاء، ~~وعليه الشافعي. # وقراءة الجر تدل على أنه يجوز الاقتصار على مسح الأرجل، لأنها معطوفة على ~~الرؤوس، وإليه ذهب ابن جرير الطبري، وهو مروي عن ابن عباس «2» . ~~PageV01P253 # قال داود الظاهري: يجب الجمع بين الأمرين على اقتضاء القراءتين. # وقال ابن العربي: اتفقت الأمة على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك إلا ~~الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم! وتعلق الطبري بقراءة الجر! ~~«1» . # قال القرطبي «2» : قد روي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان ~~«3» . # قال: وكان عكرمة يمسح رجليه، وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما ~~المسح «4» . # وقال عامر الشعبي: نزل جبرئيل بالمسح «5» . # قال: وقال قتادة: افترض الله مسحتين وغسلتين «6» . # قال «7» : وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، ~~وجعل القراءتين كالروايتين، وقواه النحاس، ولكنه قد ثبت في السنة المطهرة ~~بالأحاديث الصحيحة من فعله صلى الله عليه وآله وسلم وقوله غسل الرجلين فقط ~~«8» . # وثبت عنه أنه قال: «ويل للأعقاب من النار» وهو في «الصحيحين» «9» ~~وغيرهما، فأفاد وجوب غسل الرجلين، وأنه لا يجزىء مسحهما لأن شأن المسح أن ~~يصيب ما أصاب، ويخطىء ما أخطأ، فلو كان مجزيا لما قال: «ويل للأعقاب من ~~النار» . PageV01P254 # وقد ثبت أنه قال بعد أن توضأ وغسل رجليه: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة ~~إلا به» «1» . # وقد ثبت في «صحيح مسلم» «2» وغيره أن رجلا توضأ فترك على قدمه مثل موضع ~~الظفر فقال له: «ارجع فأحسن وضوءك» . # وأما المسح على الخفين فهو ثابت بالأحاديث المتواترة «3» . # وقوله: إلى الكعبين: معناه معهما، كما بينت السنة، والكلام فيه كالكلام ~~في قوله: إلى المرافق، وقد قيل في وجه جمع المرافق وتثنية الكعاب إنه لما ~~كان في كل رجل كعبان ولم يكن في كل يد إلا مرفق واحد لم يتوهم وجود غيره- ~~ذكر معنى ms203 هذا ابن عطية. # وقال الكواشي «4» : ثنى الكعبين وجمع المرافق، لنفي توهم أن في كل واحد ~~من الرجلين كعبين، وإنما في كل واحدة كعب واحد، له طرفان من جانبي الرجل، ~~بخلاف المرافق فهي أبعد عن الوهم. انتهى. # فهذه الفروض الأربعة في الوضوء، وبقي من فرائضه النية والتسمية، ولم ~~يذكرا في هذه الآية، بل وردت بهما السنة «5» . # وقيل: إن في هذه الآية ما يدل على النية لأنه لما قال: إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم كان تقدير الكلام فاغسلوا وجوهكم لها، وذلك هو النية ~~المعتبرة، لا ما تعارف اليوم بين الناس، من التلفظ بعبارات مبتدعة! فقد صرح ~~غير واحد بإنكار ذلك، وعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل ولا ~~عن أحد من الصحابة وتابعيهم ومن بعدهم PageV01P255 # من الأئمة المعتبرين رضوان الله عليهم أجمعين «1» . # وإن كنتم جنبا: المراد بالجنابة هي الحاصلة بدخول حشفة، أو نزول مني ~~الاحتلام، ونحو ذلك. # فاطهروا: أي فاغتسلوا بالماء. # وقد ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود إلى أن الجنب لا يتيمم البتة، بل يدع ~~الصلاة حتى يجد الماء، استدلالا بهذه الآية. # وذهب الجمهور إلى وجوب التيمم للجنابة مع عدم الماء. وهذه الآية هي ~~للواجد، على أن التطهر هم أعمل من الحاصل بالماء، أو بما هو عوض عنه مع ~~عدمه وهو التراب. # [وقد] «2» صح عن عمر وابن مسعود الرجوع إلى ما قاله الجمهور، للأحاديث ~~الصحيحة الواردة في تيمم الجنب مع عدم الماء «3» . # وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء ~~فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه: قد قدم ~~تفسير المرض والسفر والمجيء من الغائط في سورة النساء مستوفى، وكذلك تقدم ~~الكلام على ملامسة النساء، وعلى التيمم وعلى الصعيد. # ومن قوله منكم لابتداء الغاية، وقيل: للتبعيض. # قيل: وجه تكرير هذا هو استيفاء الكلام في أنواع الطهارة. # ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج: أي ما يريد بأمركم بالطهارة بالماء، أو ~~بالتراب التضييق عليكم في الدين، ومنه قوله ms204 تعالى: ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم PageV01P256 # من الذنوب والخطايا لأن الوضوء من كفارتها كما في الحديث «1» . # وقيل: من الأصغر والأكبر «2» . # [الآية السابعة] # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) . # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قيل: إنه لما ~~قتل أخاه لم يدر كيف يواريه، لكونه أول ميت مات من بني آدم، فبعث الله ~~غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم [حثا] «3» عليه، فلما ~~رآه قابيل قال: # يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فواراه «4» . # [الآيتان: الثامنة والتاسعة] # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) . # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله قد اختلف الناس في سبب نزول هذه ~~الآية، PageV01P257 # فذهب الجمهور: إلى أنها نزلت في [العرنيين] «1» . # وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: إنها نزلت فيمن خرج من ~~المسلمين يقطع الطريق، ويسعى في الأرض بالفساد. # قال ابن المنذر: قول مالك صحيح. # قال أبو ثور محتجا لهذا القول: إن قوله في هذه الآية: إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم [المائدة: 34] يدل على أنها نزلت في غير أهل الشرك، ~~لأنهم قد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وفقوا في الدنيا، فأسلموا فإن دماءهم ~~تحرم، فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام. انتهى «2» . # وهكذا يدل على هذا قوله: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف. # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الإسلام يهدم ما قبله» أخرجه مسلم «3» ~~وغيره. # وحكى ابن جرير الطبري في «تفسيره» «4» عن بعض أهل العلم: أن هذه الآية- ~~أعني آية ms205 المحاربة- نسخت فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في [العرنيين] ~~ووقف الأمر على هذه الحدود. # وروي عن محمد بن سيرين أنه قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، يعني فعله ~~صلى الله عليه وآله وسلم [العرنيين] «5» . # وبهذا قال جماعة من أهل العلم. # وذهب جماعة آخرون إلى أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم بالعرنيين منسوخ ~~فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المثلة. والقائل بهذا مطالب ببيان ~~تأخر الناسخ. والحق أن هذه الآية تعم المشرك وغيره، ممن ارتكب ما تضمنته ~~ولا اعتبار بخصوص السبب، بل الاعتبار بعموم اللفظ «6» . PageV01P258 # قال القرطبي في «تفسيره» «1» : ولا خلاف بين أهل العلم في أن حكم هذه ~~الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو ~~اليهود. انتهى. # ومعنى قوله مترتب أي ثابت. # وقيل: المراد بمحاربة الله المذكورة في الآية: هي محاربة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ومحاربة المسلمين في عصره، ومن بعد عصره بطريق ~~العبارة، دون الدلالة ودون القياس، لأن ورود النص ليس بطريق خطاب المشافهة ~~حتى يختص حكمه بالمكلفين عند النزول، فيحتاج في تعميم الخطاب لغيرهم إلى ~~الدليل. # وقيل: إنها جعلت محاربة الله ولرسوله، إكبارا لحربهم وتعظيما لأذيتهم لأن ~~الله سبحانه لا يحارب ولا يغالب. # والأولى: أن تفسر محاربة الله سبحانه بمعاصيه، ومخالفة شرائعه ومحاربة ~~الرسول تحمل على معناها الحقيقي، وحكم أمته حكمه وهم السوية. # والسعي في الأرض فسادا: يطلق على أنواع من الشر كما قدمنا قريبا. # قال ابن كثير في «تفسيره» «2» : قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب: ~~إن فرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال تعالى: وإذا تولى ~~سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) ~~[البقرة: 205] . انتهى. # إذا تقرر لك ما قررناه من عموم الآية، ومن معنى المحاربة، والسعي في ~~الأرض فسادا، فاعلم أن ذلك يصدق على كل من وقع منه ذلك، سواء كان مسلما أو ~~كافرا، في مصر أو غير مصر، في كل قليل وكثير وجليل ms206 وحقير، وإن حكم الله في ~~ذلك هو ما ورد في هذه الآية من القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من ~~خلاف، أو النفي من الأرض، ولكن لا يكون هذا حكم من فعل أي ذنب من الذنوب، ~~بل من كان ذنبه هو التعدي على دماء العباد وأموالهم فيما عدا ما قد ورد له ~~حكم غير هذا الحكم، من كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~كالسرقة وما يجب فيه القصاص، لأنا نعلم أنه قد كان في زمنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم من يقع منه ذنوب ومعاصي غير ذلك، ولا يجري عليه صلى الله عليه ~~وآله وسلم هذا الحكم المذكور في هذه الآية، وبهذا يعرف ضعف ما روي عن ~~مجاهد، في تفسير المحاربة PageV01P259 # المذكورة، وفي هذه الآية: أنها الزنا والسرقة «1» . # ووجه ذلك، أن هذين الذنبين قد ورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لهما حكم غير هذا الحكم. # وإذا عرفت ما هو الظاهر من معنى هذه الآية- على مقتضى لغة العرب، التي ~~أمرنا بأن نفسر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بها- فإياك ~~أن تغتر بشيء من التفاصيل المروية، والمذاهب المحكية، إلا أن يأتيك الدليل ~~الموجب لتخصيص هذا العموم، أو تقييد هذا المعنى المفهوم من لغة العرب، فأنت ~~وذاك، اعمل به وضعه في موضعه، وأما ما عداه: # فدع عنك نهبا صيح في حجراته ... وهات حديثا ما حديث الرواحل # على أنا سنذكر من هذه المذاهب ما تسمعه «2» : # اعلم أنه قد اختلف العلماء في من يستحق اسم المحاربة، فقال ابن عباس ~~وسعيد ابن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وأبو ~~ثور: إن من شهر السلاح في قبة الإسلام وأخاف السبيل، ثم ظفر به، وقدر عليه، ~~فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ~~ورجله. # وبهذا قال مالك، وصرح: بأن المحارب عنده من حمل على الناس في مصر، أو ~~برية، أو كابرهم على أنفسهم وأموالهم، ms207 دون نائرة «3» ، ولا [ذحل] «4» ، ولا ~~عداوة. # قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر ~~مرة، ونفى ذلك مرة. # وروي عن ابن عباس غير ما تقدم، فقال في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا ~~المال، قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا، وإذا ~~أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ~~ولم يأخذوا PageV01P260 # مالا، نفوا من الأرض «1» . # وروي عن أبي مجلز وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي ~~وعطاء على اختلاف في الرواية عن بعضهم البعض، وحكاه ابن كثير عن الجمهور ~~«2» . # وقال أيضا: وهكذا عن غير واحد من السلف والأئمة. # قال أبو حنيفة: إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده ورجله من ~~خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يديه ورجليه وإن ~~شاء لم يقطع وقتله وصلبه. # وقال أبو يوسف: القتل يأتي على كل شيء، ونحوه قول الأوزاعي. # وقال الشافعي: إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله اليسرى ~~وحسمت وخلي، لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالجزاء به، وإذا قتل قتل، ~~وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب. وروي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام. # وقال أحمد: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله، كقول الشافعي «3» ~~. # ولا أعلم لهذه التفاصيل دليلا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلا ما رواه ابن جرير في «تفسيره» ، وتفرد بروايته فقال: # حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك ~~بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية؟ فكتب إليه يخبره: أن هذه ~~الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين- وهم من بجيلة-، قال أنس: فارتدوا عن ~~الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج ~~الحرام. قال أنس: # فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب؟ ~~فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع ms208 يده بسرقة، ورجله بإخافته، ومن قتل ~~فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل PageV01P261 # الفرج الحرام فاصلبه «1» . # وهذا مع ما فيه من النكارة الشديدة لا يدرى كيف صحته. # قال ابن كثير في «تفسيره» «2» بعد ذكره شيئا من هذه التفاصيل التي ~~ذكرناها ما لفظه: ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في ~~«تفسيره» ، إن صح سنده، ثم ذكره. # ويسعون في الأرض فسادا: هو إما منتصب على المصدرية، أو على أنه مفعول له، ~~أو على الحال بالتأويل: أي مفسدين. # أن يقتلوا أو يصلبوا: ظاهره أنهم يصلبون أحياء حتى يموتوا لأنه أحد ~~الأنواع التي خير الله بينها. # وقال قوم: الصلب إنما يكون بعد القتل ولا يجوز أن يصلب قبل القتل، فيحال ~~بينه وبين الصلاة والأكل والشرب!! ويجاب بأن هذه عقوبة شرعها الله في كتابه ~~لعباده. # أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف: ظاهره قطع إحدى اليدين، وإحدى الرجلين ~~من خلاف سواء كانت المقطوعة من اليدين هي اليمنى أو اليسرى، وكذلك الرجلان، ~~ولا يعتبر إلا أن القطع من خلاف، إما يمنى اليدين، مع يسرى الرجلين، أو ~~يسرى اليدين، مع يمنى الرجلين. وقيل: المراد بهذا قطع اليد اليمنى والرجل ~~اليسرى فقط. # أو ينفوا من الأرض: اختلف المفسرون في معناه: فقال السدي: هو أن يطلب ~~بالخيل والرجل، حتى يؤخذ ويقام عليه الحد، أو يخرج من دار الإسلام هربا «3» ~~. # وهو محكي عن ابن عباس وأنس ومالك والحسن البصري والسدي والضحاك وقتادة ~~وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري، حكاه [الرماني] «4» في كتابه عنهم. ~~PageV01P262 # وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود، ~~وبه قال الليث بن سعد «1» . # وروي عن مالك أن ينفى من البلد الذي أحدث فيه إلى غيره، ويحبس فيه ~~كالزاني. ورجحه ابن جرير والقرطبي «2» . # وقال الكوفيون نفيهم سجنهم، فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها. # والظاهر من الآية أنه يطرد من الأرض التي وقع فيها ما وقع، من غير سجن ~~ولا غيره، والنفي قد يقع لمعنى الإهلاك، وليس هو مرادا هنا. # ذلك لهم خزي ms209 في الدنيا: الإشارة إلى ما سبق ذكره من الأحكام. # والخزي: الذل والفضيحة. # إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) ~~استثنى الله سبحانه التائبين، قبل القدرة عليهم، من عموم المعاقبين ~~بالعقوبات السابقة. # والظاهر عدم الفرق بين الدماء والأموال وبين غيرها من الذنوب الموجبة ~~للعقوبات المعينة المحدودة، فلا يطالب التائب قبل القدرة بشيء من ذلك، ~~وعليه عمل الصحابة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يسقط القصاص وسائر حقوق ~~الآدميين بالتوبة قبل القدرة. والحق الأول. # وأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية، كما يدل ~~عليه ذكر قيد: قبل أن تقدروا. # قال القرطبي: وأجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب فإن قتل محارب ~~أخا [امرأ أو أباه في حال] «3» المحاربة فليس إلى طالب الدم من أمر ~~المحاربة شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم. PageV01P263 # [الآية العاشرة] # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم (38) . # لما ذكر الله سبحانه من يأخذ المال جهارا وهو المحارب، عقبه بذكر من يأخذ ~~المال خفية، وهو السارق، فقال: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما ~~كسبا وذكر السارقة مع السارق لزيادة البيان، لأن غالب القرآن الاقتصار على ~~الرجال في تشريع الأحكام. # وقد اختلف أئمة النحو في خبر السارق والسارقة: هل هو مقدر أم هو فاقطعوا؟ # فذهب إلى الأول سيبويه وقال: تقديره فيما فرض عليكم، أو فيما يتلى عليكم ~~السارق والسارقة أي حكمهما. وذهب المبرد والزجاج إلى الثاني. # ودخول الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط. إذ المعنى: الذي سرق والتي سرقت ~~«1» . # وقرىء والسارق والسارقة بالنصب على تقدير اقطعوا، ورجح هذه القراءة ~~سيبويه. قال: الوجه في كلام العرب النصب كما تقول زيدا اضرب لكن العامة أبت ~~إلا الرفع- يعني عامة القراء «2» . # والسرقة بكسر الراء: اسم الشيء المسروق، والمصدر من سرق يسرق سرقا. # قاله الجوهري «3» . وهو: أخذ الشيء في خفية من الأعين، ومنه استرق السمع ~~وسارقه النظر. # والقطع: معناه الإبانة والإزالة. وجمع الأيدي لكراهة الجمع بين اثنتين. # وقد ms210 بينت السنة المطهرة أن موضع القطع الرسغ «4» . PageV01P264 # وقال قوم: يقطع من المرفق. # وقال الخوارج: من المنكب. # والسرقة لا بد أن تكون ربع دينار فصاعدا «1» ، ولا بد أن تكون من حرز كما ~~وردت بذلك الأحاديث الصحيحة «2» . # وقد ذهب إلى اعتبار ربع الدينار الجمهور، وذهب قوم إلى التقدير بعشرة ~~دراهم، وذهب الجمهور إلى اعتبار الحرز. # وقال الحسن البصري: إذا جمع الثياب في البيت قطع. # وقد أطال الكلام في بحث السرقة أئمة الفقه وشراح الحديث بما لا يأتي ~~التطويل به هاهنا بكثير فائدة «3» . # وقوله: جزاء بما كسبا مفعول له، أي فاقطعوا للجزاء، أو مصدر مؤكد لفعل ~~محذوف، أي مجازاة وهما جزاء، والباء سببية، وما مصدرية، أي: بسبب، أو ~~موصولة، أي: جزاء الذي كسباه من السرقة. # [الآية الحادية عشرة] # سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~(42) . # فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم فيه تخيير لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، بين الحكم بينهم والإعراض عنهم. PageV01P265 # وقد استدل به على أن حكام المسلمين مخيرون بين الأمرين. # وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم ~~والذمي إذا ترافعا إليهم. # واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم: فذهب قوم إلى التخيير، ~~وذهب آخرون إلى الوجوب، وقالوا: إن هذه الآية منسوخة بقوله: وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله [المائدة: 49] ، وبه قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري ~~وعمر بن عبد العزيز والسدي، وهو الصحيح من قول الشافعي، وحكاه القرطبي عن ~~أكثر العلماء «1» . # [الآية الثانية عشرة] # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون (44) ... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون (45) . # ... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ms211 هم الفاسقون (47) . # ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون لفظ (من) من صيغ العموم، ~~وتفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة، بل لكل من ولي الحكم. وقيل: إنها ~~مختصة بأهل الكتاب «2» . PageV01P266 # وقيل: بالكفار مطلقا، لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة. # وقيل: هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله وقع استخفافا أو استحلالا ~~أو جحدا. والإشارة بقوله: فأولئك إلى من والجمع باعتبار معناها، وكذلك ضمير ~~الجماعة في قوله: هم الكافرون (44) . # وأخرج [الفريابي] وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم- ~~وصححه- والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس في قوله تعالى هذا قال: إنه ليس ~~بالكفر الذي يذهبون إليه وإنه ليس كفرا ينقل من الملة بل كفر دون كفر» . # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن [عطاء] بن أبي رباح في قوله تعالى هذا. # وقوله: هم الظالمون (45) ، هم الفاسقون (47) ، قال: كفر دون كفر، وظلم ~~دون ظلم، وفسق دون فسق «2» . # [الآية الثالثة عشرة] وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ~~والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو ~~كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) . # وكتبنا: معناه فرضنا. # عليهم فيها: أي في التوراة. # أن النفس بالنفس: بين الله سبحانه في هذه الآية فرضه على بني إسرائيل من ~~القصاص، في النفس والعين والأنف والأذن والسن والجروح. # وقد استدل أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم بهذه الآية فقالوا: إن المسلم ~~يقتل PageV01P267 # بالذمي لأنه نفس، وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم: إن هذه الآية خبر عن ~~شرع من قبلنا وليس بشرع لنا. # وقد قدمنا في البقرة في شرح قوله تعالى: كتب عليكم القصاص في القتلى ~~[البقرة: 178] ما فيه كفاية. # وقد اختلف أهل العلم في شرع من قبلنا: هل يلزمنا أم لا؟؟ فذهب الجمهور ~~إلى أنه يلزمنا إذا لم ينسخ وهو الحق. # وقد ذكر ابن الصباغ في «الشامل» إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية ~~على ما دلت عليه. # قال ابن كثير في «تفسيره» : وقد احتج ms212 الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل ~~بالمرأة لعموم هذه الآية الكريمة. انتهى. # وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في شرحه على «المنتقى» وغيره في غيره «1» . # وفي هذه الآية توبيخ لليهود، وتقريع لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم ~~في التوراة- كما حكاه هنا- ويفاضلون بين الأنفس، كما سبق بيانه، وقد كانوا ~~يقيدون بني النضير من بني قريظة، ولا يقيدون بني قريظة من بني النضير. # والعين بالعين الظاهر من النظم القرآني، أن العين إذا فقئت، حتى لم يبق ~~فيها مجال للإدراك، أنها تفقأ عين الجاني بها. # والأنف بالأنف: أي إذا جدعت جميعها فإنها يجدع أنف الجاني بها. # والأذن بالأذن: إذا قطعت جميعها فإنها تقطع أذن الجاني بها. وكذلك والسن ~~بالسن. # فأما لو كانت الجناية ذهبت ببعض إدراك العين، أو ببعض الأنف، أو ببعض ~~الأذن، أو ببعض السن، فليس في هذه الآية ما يدل على ثبوت القصاص. ~~PageV01P268 # وقد اختلف أهل العلم في ذلك إذا كان معلوم القدر يمكن الوقوف على حقيقته ~~وكلامهم مدون في كتب الفروع. والظاهر من قوله: والسن بالسن أنه لا فرق بين ~~الثنايا والأنياب والأضراس والرباعيات، وأنه يؤخذ بعضها ببعض، ولا فضل ~~لبعضها على بعض، وإليه ذهب أكثر أهل العلم كما قال ابن المنذر. # وخالف في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن تبعه. وكلامهم مدون في ~~مواطنه ولكنه ينبغي أن يكون المأخوذ في القصاص من الجاني هو المماثل للسن ~~المأخوذة من المجني عليه، فإن كانت ذاهبة فما يليها. # والجروح قصاص أي ذوات قصاص. # وقد ذكر أهل العلم، أنه لا قصاص في الجروح التي يخاف منها التلف، ولا ~~فيما كان لا يعرف مقداره عمقا أو طولا أو عرضا. # وقد قدر أئمة الفقه أرش «1» كل جراحة بمقادير معلومة، وليس هذا موضع بيان ~~كلامهم، ولا موضع استيفاء بيان ما ورد له أرش مقدر. # فمن تصدق به فهو كفارة له: أي من تصدق من المستحقين للقصاص بالقصاص، بأن ~~عفا عن الجاني، فهو كفارة للمتصدق، يكفر الله عنه به ذنوبه. # وقيل: إن المعنى هو كفارة ms213 للجارح، فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة لأن العفو ~~يقوم مقام أخذ الحق منه، والأول أرجح لأن الضمير يعود- على هذا التفسير ~~الآخر- إلى غير مذكور. # [الآية الرابعة عشرة] # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) ~~. PageV01P269 # فاحكم بينهم بما أنزل الله: أي بما أنزله إليك في القرآن، لاشتماله على ~~جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه. # ولا تتبع أهواءهم: أي أهواء أهل الملل السابقة. # عما جاءك من الحق متعلق بلا تتبع، على تضمينه معنى لا تعدل أو لا تنحرف ~~عما جاءك من الحق متبعا لأهوائهم. وقيل: متعلق بمحذوف، أي لا تتبع أهواءهم ~~عادلا أو منحرفا عن الحق. # وفي النهي له صلى الله عليه وآله وسلم عن أن يتبع أهواء أهل الكتاب، ~~ويعدل عن الحق الذي أنزله الله عليه فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون ~~الأمر على ما هم عليه، وأدركوا عليه سلفهم، وإن كان باطلا منسوخا أو محرفا ~~عن الحكم الذي أنزله الله على الأنبياء، كما وقع في الرجم «1» ونحوه مما ~~حرفوه من كتب الله. # [الآية الخامسة عشرة] # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين (87) . # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم: الطيبات: هي ~~المستلذات مما أحله الله لعباده، نهى الله الذين آمنوا عن أن يحرموا على ~~أنفسهم شيئا منها، إما لظنهم أن في ذلك طاعة لله، وتقربا إليه، وأنه من ~~الزهد في الدنيا، وقمع النفس عن شهواتها، أو لقصد أن يحرموا على أنفسهم ~~شيئا مما أحله لهم، كما يقع من كثير من العوام من قولهم: حرام علي، وحرمته ~~على نفسي، ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت هذا ms214 النهي القرآني. # قال ابن جرير الطبري: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله ~~لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح. ولذلك رد ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم التبتل على عثمان بن مظعون «2» ، فثبت أنه ~~لا فضل في ترك شيء مما أحله لعباده، وأن PageV01P270 # الفضل والبر، إنما هو في فعل ما ندب الله عباده إليه، وعمل به رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وسنة لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون، ~~إذ كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # فإذا كان ذلك كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن ~~والكتان، إذا قدر على لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من الطعام وترك ~~اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء. # قال: فإن ظن ظان، أن الفضل في غير الذي قلنا، لأن في لباس الخشن وأكله، ~~من المشقة على النفس، وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة طاعة ~~فقد ظن خطأ وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه، وعونه لها على طاعة ربها، ~~فلا شيء أضر للجسم من المطاعم الرديئة، لأنها مفسدة لعقله، ومضعفة لأدواته ~~التي جعلها الله سببا إلى طاعته. # [الآية السادسة عشرة] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) . # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم: قد تقدم تفسير اللغو والخلاف فيه، في ~~سورة البقرة «1» . # في أيمانكم صلة يؤاخذكم. قيل: و (في) بمعنى (من) . # والأيمان: جمع يمين. # وفي الآية دليل على أن أيمان اللغو لا يؤاخذ الله الحالف بها، ولا تجب ~~فيها الكفارة. وقد ذهب الجمهور من الصحابة، ومن بعدهم إلى أنها قول الرجل: ~~لا والله! وبلى والله في كلامه، غير معتقد لليمين، وبه فسر الصحابة الآية، ms215 ~~وهم أعرف بمعاني القرآن. PageV01P271 # قال الشافعي: وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة. # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان والعقد على ضربين: حسي كعقد الحبل، وحكمي ~~كعقد البيع واليمين، فاليمين المعقدة من عقد القلب ليفعلن أو لا يفعلن في ~~المستقبل، أي ولكن يؤاخذكم بأيمانكم المعقدة، الموثقة بالقصد والنية، إذا ~~حنثتم فيها. # وأما اليمين الغموس فهي يمين مكر وخديعة وكذب قد باء الحالف بإثمها وليست ~~بمعقودة ولا كفارة فيها كما ذهب إليه الجمهور. # وقال الشافعي: هي يمين معقودة لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة غير مقرونة ~~باسم الله، والراجح الأول، وجميع الأحاديث الواردة في تكفير اليمين موجهة ~~إلى المعقودة، ولا يدل شيء منها على الغموس بل ما ورد في الغموس إلا الوعيد ~~والترهيب، وأنها من الكبائر، وفيها نزل قوله تعالى: إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا [آل عمران: 77] الآية. # فكفارته: هي مأخوذة من التكفير، وهو التستر وكذلك الكفر: هو الستر، ~~والكافر هو الساتر، لأنها تستر الذنب وتغطيه، والضمير في كفارته راجع إلى ~~ما في قوله: بما عقدتم. # إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم: المراد بالوسط هنا: المتوسط ~~بين طرفي الإسراف والتقتير، وليس المراد به الأعلى- كما في غير هذا الموضع- ~~أي أطعموهم من المتوسط مما تعتادون إطعام أهليكم منه، ولا يجب عليكم أن ~~تطعموهم من أعلاه ولا يجوز لكم أن تطعموهم من أدناه، وظاهره أنه يجزىء ~~إطعام عشرة حتى يشبعوا. # وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لا يجزىء إطعام العشرة ~~غداء دون عشاء، حتى يغديهم ويعشيهم. # قال ابن عمر: هو قول أئمة الفتوى بالأمصار. # وقال الحسن البصري وابن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة، ~~خبزا وسمنا، أو خبزا ولحما. # PageV01P272 # وقال عمر بن الخطاب وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ~~وميمون بن مهران وأبو مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبو قلابة ومقاتل: يدفع ~~إلى كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر. # وروي ذلك عن علي عليه السلام. # وقال أبو حنيفة: نصف صاع بر، ms216 وصاع مما عداه. # وقد أخرج ابن ماجه وابن مردويه عن ابن عباس قال: كفر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بصاع من تمر، [وأمر] «1» الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من ~~بر. # وفي إسناده عمر بن عبد الله الثقفي وهو مجمع على ضعفه. # وقال الدارقطني: متروك «2» . # أو كسوتهم: عطف على إطعام، قرىء بضم الكاف وكسرها، وهما لغتان مثل أسوة ~~وإسوة. # والكسوة في الرجال: نصف على ما يكسو البدن ولو كان ثوبا واحدا، وهكذا في ~~كسوة النساء، وقيل: الكسوة للنساء درع وخمار، وقيل: المراد بالكسوة ما ~~تجزىء به الصلاة. # أو تحرير رقبة: أي إعتاق مملوك. # والتحرير: الإخراج من الرق. ويستعمل التحرير في فك الأسير، وإعفاء ~~المجهود بعمل عن عمله، وترك إنزال الضرر به، ولأهل العلم أبحاث في الرقبة ~~التي تجزىء في الكفارة، وظاهر هذه الآية أنها تجزىء كل رقبة على أي صفة ~~كانت! وذهب جماعة منهم الشافعي، إلى اشتراط الإيمان فيها قياسا على كفارة ~~القتل. # فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام: أي من لم يجد شيئا من الأمور المذكورة، ~~فكفارته صيام ثلاثة أيام، وقرىء متتابعات، حكي ذلك عن ابن مسعود وأبي، ~~فتكون PageV01P273 # هذه القراءة مقيدة لمطلق الصوم، وبه قال أبو حنيفة [والثوري] «1» ، وهو ~~أحد قولي الشافعي. # وقال مالك والشافعي- في قوله الآخر: يجزىء التفريق. # ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم: أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حنثتم. # واحفظوا أيمانكم: أمرهم بحفظ الأيمان، وعدم المسارعة إليها والحنث بها ~~«2» . # [الآية السابعة عشرة] يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) . # يا أيها الذين آمنوا: خطاب لجميع المؤمنين. # إنما الخمر والميسر: وقد تقدم الميسر في البقرة. # والأنصاب: هي الأصنام المنصوبة للعبادة. # والأزلام: قد تقدم تفسيرها في هذه السورة. # رجس: يطلق على العذرة والاقذار، وهو خبر الخمر، وخبر المعطوف عليه محذوف. # من عمل الشيطان: صفة لرجس، أي كائن من عمل الشيطان، بسبب تحسينه لذلك ~~وتزيينه له. وقيل: هو الذي كان عمل هذه الأمور بنفسه، فاقتدى به بنو ms217 آدم، ~~والضمير في: # فاجتنبوه، راجع إلى الرجس أو إلى المذكور. # لعلكم تفلحون (90) علة لما قبله. # قال في «الكشاف» «3» : أكد تحريم الخمر والميسر وجوها من التأكيد، منها ~~تصدر PageV01P274 # الجملة بإنما، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: «شارب الخمر كعابد الوثن» «1» ، ومنها أنه جعلهما رجسا كما قال: ~~فاجتنبوا الرجس من الأوثان [الحج: 30] ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان، لا ~~يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب، ومنها أنه جعل الاجتناب ~~من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة ومحقة، ومنها أنه ~~ذكر ما ينتج فيهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر ~~والقمر، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلوات. ~~انتهى. # وهذه الآية دليل على تحريم الخمر، لما تضمنه الأمر بالاجتناب من الوجوب ~~وتحريم الصد، ولما تقرر في الشريعة من تحريم قربان الرجس، فضلا عن جعله ~~شرابا يشرب. # قال أهل العلم من المفسرين وغيرهم: كان تحريم الخمر بتدريج ونوازل كثيرة، ~~لأنهم كانوا قد ألفوا شربها وحببها الشيطان إلى قلوبهم، فأول ما نزل في ~~أمرها: # يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس [البقرة: 219] ~~، فترك عند ذلك بعض المسلمين شربها، ولم يتركه آخرون، ثم نزل قوله تعالى: ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى [النساء: 43] ، فتركها البعض أيضا، ~~وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها البعض في غير أوقات ~~الصلاة حتى نزلت هذه الآية إنما الخمر والميسر ... ، فصارت حراما عليهم حتى ~~كان يقول بعضهم: ما حرم الله شيئا أشد من الخمر وذلك لما فهموه من التشديد ~~فيما تضمنته هذه الآية من الزواجر، وفيما جاءت به الأحاديث الصحيحة من ~~الوعيد لشاربها، وأنها من كبائر الذنوب «2» . # وقد أجمع على ذلك المسلمون إجماعا لا شك فيه ولا شبهة. # وأجمعوا أيضا على تحريم بيعها، والانتفاع بها، ما دامت خمرا «3» . ~~PageV01P275 # وكما دلت هذه الآية على تحريم الخمر، دلت أيضا على تحريم الميسر والأنصاب ~~والأزلام. # وقد رويت في سبب النزول ms218 روايات كثيرة موافقة لما ذكرناه «1» . # وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الخمر وشاربها، والوعيد الشديد عليه، وأن كل ~~مسكر حرام «2» ، وهي مدونة في كتب الحديث فلا نطول المقام بذكرها، وقد ~~بسطنا الكلام عليها في شرحنا «مسك الختام لبلوغ المرام» فليرجع إليه «3» . # [الآية الثامنة عشرة] # يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) . # يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم: هذا النهي شامل لكل أحد ~~من ذكور المسلمين وإناثهم لأنه يقال: رجل حرام وامرأة حرام، والجمع حرم، ~~وأحرم الرجل: # دخل في الحرم. # ومن قتله منكم متعمدا: المتعمد هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام. # والمخطئ: هو الذي يقصد شيئا فيصيب صيدا. # والناسي: هو الذي يعتمد الصيد ولا يذكر إحرامه. # وقد استدل ابن عباس وأحمد- في رواية عنه- وداود باقتصاره سبحانه على ~~العامد بأنه لا كفارة على غيره، بل لا تجب إلا عليه وحده، وبه قال سعيد بن ~~جبير وطاووس وأبو ثور. PageV01P276 # وقيل: إن الكفارة تلزم المخطئ والناسي كما تلزم المتعمد وجعلوا قيد ~~التعمد خارجا مخرج الغالب، روي عن عمر والحسن والنخعي والزهري، وبه قال ~~مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن ابن عباس. # وقيل: إنه يجب التكفير على العامد والناسي لإحرامه، وبه قال مجاهد. قال: ~~فإن كان ذاكرا لإحرامه فقد حل، ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه فبطل عليه ~~كما لو تكلم في الصلاة، أو أحدث فيها. # فجزاء مثل ما قتل من النعم: أي فعليه جزاء مماثل لما قتله- ومن النعم: ~~بيان للجزاء المماثل. # قيل: المراد بالمماثلة المماثلة في القيمة، وقيل: في الخلقة. وقد ذهب إلى ~~الأول أبو حنيفة، وذهب إلى الثاني مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وهو الحق ~~لأن البيان للمماثل بالنعم يفيد ذلك، وكذلك يفيده هديا بالغ الكعبة. # وروي ms219 عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج القيمة، ولو وجد المثل، وأن المحرم ~~مخير، وقرىء: فجزاء مثل ما قتل، وقرىء: فجزاء مثل على إضافة جزاء إلى مثل ~~«1» . # يحكم به: أي بالجزاء أو بمثل ما قتل. # ذوا عدل منكم: أي رجلان معروفان بالعدالة بين المسلمين، فإذا حكما بشيء ~~لزم، وإن اختلفا رجع إلى غيرهما. # ولا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين، وقيل: يجوز. # وبالأول قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي- في أحد قوليه- وظاهر الآية ~~يقتضي حكمين غير الجاني. # هديا بالغ الكعبة: نصب هديا على الحال أو البدل من «مثل» ، وبالغ الكعبة ~~PageV01P277 # صفة لهدي، لأن الإضافة غير حقيقة. # والمعنى أنهما إذا حكما بالجزاء، فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإرسال ~~إلى مكة، والنحر هنالك، والإشعار والتقليد. ولم يرد الكعبة بعينها فإن ~~الهدي لا يبلغها. # وإنما أراد الحرم، ولا خلاف في هذا. # أو كفارة: معطوف على محل من النعم، وهو الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف. # طعام مسكين: عطف بيان لكفارة أو بدل منه، أو خبر مبتدأ محذوف. # أو عدل ذلك: معطوف على طعام، وقيل: هو معطوف على جزاء، وفيه ضعف! والجاني ~~غير مخير بين هذه الأنواع المذكورة، وعدل الشيء: ما عادله من غير جنسه. # صياما: منصوب على التمييز. # وقد قدر العلماء عدل كل صيد من الإطعام والصيام، وقد ذهب إلى أن الجاني ~~مخير بين هذه الأنواع المذكورة جمهور العلماء. # وروي عن ابن عباس أنه لا يجزىء المحرم الإطعام والصوم إلا إذا لم يجد ~~الهدي. # والعدل بفتح العين وكسرها، لغتان وهما المثل، قاله الكسائي. # وقال الفراء: عدل الشيء، بكسر العين: مثله من جنسه، وبفتح العين: مثله من ~~غير جنسه. ومثل قول الكسائي قال البصريون «1» . # [الآية التاسعة عشرة] أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) . ~~PageV01P278 # أحل لكم صيد البحر: الخطاب لكل مسلم، أو للمحرمين خاصة. # وصيد البحر: ما يصاد فيه. # والمراد بالبحر هنا: كل ماء يوجد فيه صيد بحري، وإن كان بئرا أو ms220 غديرا. # وطعامه متاعا لكم وللسيارة: الطعام اسم لكل ما يطعم، وقد تقدم. وقد اختلف ~~في المراد به هنا، فقيل: هو ما قذف به البحر وطفا عليه، وبه قال كثير من ~~الصحابة والتابعين. وقيل: طعامه ما ملح منه وبقي، وبه قال جماعة، وروي عن ~~ابن عباس. # وقيل: طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه سائر ما فيه من النبات وغيره، وبه ~~قال قوم. # وقيل: المراد به ما يطعم من الصيد، أي ما يحل أكله، وهو السمك فقط، وبه ~~قالت الحنفية. # والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم المأكول منه ~~وهو السمك فيكون كالتخصيص بعد التعميم، وهو تكلف لا وجه له. ونصب متاعا على ~~أنه مصدر، أي متعتم به متاعا، وقيل: مفعول به مختص بالطعام، أي أحل لكم ~~طعام البحر متاعا، وهو تكلف جاء به من قال بالقول الأخير بل إذا كان مفعولا ~~له كان من الجميع، أي أحل لكم مصيد البحر وطعامه تمتيعا لكم، أي لمن كان ~~مقيما منكم يأكله طريا. وللسيارة أي المسافرين منكم، يتزودونه، ويجعلونه ~~قديدا. وقيل: السيارة: # هم الذين يركبونه خاصة. # وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما أي حرم عليكم ما يصاد في البر ما دمتم ~~محرمين، وظاهره تحريم صيده على المحرم ولو كان المصيد حلالا، وإليه ذهب ~~الجمهور، إن كان الحلال صاده للحرم، لا إذا كان لم يصده لأجله، وهو القول ~~الراجح، وبه يجمع بين الأحاديث، وقيل: إنه يحل مطلقا، وإليه ذهب جماعة، ~~وقيل: # يحرم عليه مطلقا، وإليه ذهب آخرون. # وقد بسط الشوكاني هذا في «شرحه للمنتقى» «1» . PageV01P279 # [الآية العشرون] # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله ~~مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) . # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم: أي ألزموا أنفسكم واحفظوها. كما تقول: # عليك زيدا أي الزمه. # لا يضركم: قرىء بالجزم على أنه جواب الأمر الذي يدل عليه اسم الفعل. # وقرأ نافع بالرفع على أنه مستأنف، أو على أن ضم الراء للاتباع. وقرىء ~~بكسر الضاد. ms221 وقرىء: لا يضيركم «1» . # من ضل إذا اهتديتم: يعني لا يضركم ضلال من ضل من الناس إذا اهتديتم للحق ~~أنتم في أنفسكم، وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر، فإن من تركه- مع كونه من أعظم الفروض الدينية- فليس بمهتد، وقد قال ~~الله سبحانه: إذا اهتديتم. # وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وجوبا مضيقا متحتما فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على ~~القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من ~~الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررا يسوغ له معه الترك. # إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) في الدنيا فيجازي ~~المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وصححه- ~~والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان ~~والدارقطني، وأيضا في «المختارة» وغيرهم عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو ~~بكر فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: يا ~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم PageV01P280 # وإنكم تضعونها في غير مواضعها!! وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب» «1» . # وأخرج الترمذي- وصححه- وابن ماجه وابن جرير والبغوي في معجمه وابن أبي ~~حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم- وصححه- وابن مردويه والبيهقي في ~~«الشعب» عن أبي أمية [الشعباني] قال: «أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف ~~تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله: يا أيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، ~~سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «بل ائتمروا بالمعروف ~~وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن ms222 من ~~ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا ~~يعملون مثل عملكم» «2» . # وفي رواية عن عامر الأشعري في هذه الآية، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: «أين ذهبتم؟! إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم» ، ~~رواه أحمد والطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه «3» . # وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~PageV01P281 # والطبراني وأبو الشيخ عن الحسن أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله: عليكم ~~أنفسكم قال: يا أيها الناس إنه ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد ~~أوشك أن يأتي زمان، تأمرون بالمعروف، فيصنع بكم كذا وكذا- أو قال: فلا يقبل ~~منكم-، فحينئذ عليكم أنفسكم ... الآية «1» . # وفي لفظ عنه قال: «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك ~~السوط والسيف فإذا كان كذلك فعليكم أنفسكم» «2» . # وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر أنه قال: في هذه الآية: إنها ~~لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم «3» . # وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: ذكرت هذه الآية عند رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال نبي الله: «لم يجىء تأويلها لا يجىء تأويلها ~~حتى يهبط عيسى ابن مريم عليه السلام» «4» . # والروايات في هذا الباب كثيرة. وفيما ذكرنا كفاية، ففيه ما يرشد إلى ما ~~قدمناه من الجميع بين هذه الآية وبين الآيات والأحاديث الواردة في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. PageV01P282 # [الآيات: الحادية والثانية والثالثة والعشرون] يا أيها الذين آمنوا شهادة ~~بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من ~~غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد ~~الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم ~~شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) فإن عثر على أنهما استحقا إثما ~~فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا ms223 لمن الظالمين (107) ذلك أدنى ~~أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا ~~الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (108) . # يا أيها الذين آمنوا: قال مكي: هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من ~~أشكل ما في القرآن إعرابا، ومعنى، وحكما. # قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها وذلك بين من ~~كتابه- رحمه الله- يعني من كتاب مكي. # قال القرطبي «1» : ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا. # قال السعد في حاشيته على «الكشاف» : واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن ~~إعرابا، ونظما، وحكما. # شهادة بينكم: إضافة الشهادة في البين توسعا لأنها جارية بينهم وقيل: أصله ~~شهادة ما بينكم، فحذفت (ما) أو أضيفت إلى الظرف كقوله تعالى: بل مكر الليل ~~والنهار [سبأ: 33] ، ومنه قوله تعالى: هذا فراق بيني وبينك [الكهف: 78] . # قيل: والشهادة هنا بمعنى الوصية، وقيل: بمعنى الحضور للوصية. # وقال ابن جرير الطبري «2» : هي هنا بمعنى اليمين، فيكون المعنى يمين ما ~~بينكم أن يحلف اثنان. واستدل على ما قاله بأنه لا يعلم لله حكما يجب فيه ~~على الشاهد يمين. # واختار هذا القول القفال، وضعف ذلك ابن عطية، واختار أن الشهادة هنا هي ~~الشهادة التي تؤدى من الشهود. PageV01P283 # وإذا حضر أحدكم الموت: ظرف للشهادة، والمراد إذا حضرت علاماته، لأن من ~~مات لا يمكنه الإشهاد، وتقديم المفعول للاهتمام، ولكمال تمكن الفاعل عند ~~النفس. # حين الوصية: ظرف لحضر، أو للموت، أو بدل من الظرف الأول. # اثنان: خبر شهادة على تقدير محذوف، أي شهادة اثنين، أو فاعل للشهادة على ~~أن خبرها محذوف، أي فيما فرض عليكم شهادة بينكم اثنان، على تقدير أن يشهد ~~اثنان. ذكر الوجهين أبو علي الفارسي. # ذوا عدل منكم: صفة للاثنين، وكذا منكم، أي كائنان منكم، أي من أقاربكم. # أو آخران معطوف على اثنان. # ومن غيركم صفة له، أي كائنان من الأجانب. وقيل: إن الضمير في منكم ~~للمسلمين وفي غيركم للكفار، وهو الأنسب بسياق الآية وبه قال أبو موسى ~~الأشعري وعبد الله بن عباس ms224 وغيرهما. # فيكون في الآية، دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر، ~~في خصوص الوصايا، كما يفيده النظم القرآني ويشهد له سبب النزول «1» ، فإذا ~~لم يكن مع الموصي من يشهد على وصيته من المسلمين، فليشهد رجلان من أهل ~~الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته، حلفا بعد العصر أنهما ما كذبا ~~ولا بدلا، وأن ما شهدا به حق، فيحكم به حينئذ بشهادتهما. # فإن [عثر] «2» بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا، حلف رجلان من أولياء ~~الموصي وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوهما، هذا معنى ~~الآية عند من تقدم ذكره، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن ~~جبير وأبو مجلز والنخعي وشريح وعبيد السلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة ~~والسدي والثوري وأبو عبيد وأحمد بن حنبل. PageV01P284 # وذهب إلى الأول- أعني تفسير ضمير (منكم) بالقرابة أو العشيرة، وتفسير من ~~(غيركم) بالأجانب- الزهري والحسن وعكرمة. # وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء، إلى أن الآية منسوخة! ~~واحتجوا بقوله تعالى: ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] ، وقوله: وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول. # وخالفهم الجمهور فقالوا: الآية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل ~~على النسخ. # وأما قوله تعالى: ممن ترضون من الشهداء، وقوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~فهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة بحال الضرب في ~~الأرض، وبالوصية، وبحالة عدم الشهود المسلمين ولا تعارض بين عام وخاص. # إن أنتم ضربتم في الأرض: فاعل فعل محذوف يفسره ضربتم، أو مبتدأ وما بعده ~~خبره. والأول مذهب الجمهور من النحاة، والثاني مذهب الأخفش والكوفيين. # والضرب في الأرض: هو السفر. # فأصابتكم مصيبة الموت: معطوف على ما قبله، وجوابه محذوف، أي إن ضربتم في ~~الأرض، فنزل بكم الموت، وأردتم الوصية، ولم تجدوا شهودا عليها مسلمين، ثم ~~ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم، وبما تركتم، فارتابوا في أمرهم، أو ادعوا عليهما ~~خيانة، فالحكم أن تحبسوهما. # ويجوز أن يكون استئنافا لجواب سؤال مقدر، كأنهم قالوا: فكيف نصنع إن ms225 ~~ارتبنا في الشهادة؟ فقال: # تحبسونهما من بعد الصلاة: إن ارتبتم في شهادتهما. وخص بعد الصلاة، أي ~~صلاة العصر- قاله الأكثر- لكونه الوقت الذي يغضب الله على من حلف فيه فاجرا ~~كما في الحديث الصحيح «1» ، وقيل: لكونه وقت اجتماع الناس، وقعود الحكام ~~للحكومة، وقيل: صلاة الظهر، وقيل: أي صلاة كانت. # قال أبو علي الفارسي: يحبسونهما صفة لآخران، واعترض بين الصفة والموصوف ~~PageV01P285 # بقوله: إن أنتم ضربتم في الأرض. # والمراد بالحبس: توقيف الشاهدين في ذلك الوقت لتحليفهما، وفيه دليل على ~~جواز الحبس بالمعنى العام، وعلى جواز التغليظ على الحالف بالزمان والمكان ~~ونحوهما. # فيقسمان بالله: معطوف على يحبسونهما، أي يقسم بالله الشاهدان على الوصية ~~أو الوصيات. # وقد استدل بذلك ابن أبي ليلى على تحليف الشاهدين مطلقا إذا حصلت الريبة ~~في شهادتهما، وفيه نظر لأن تحليف الشاهدين هنا إنما هو بوقوع الدعوى عليهما ~~بالخيانة أو نحوها. # إن ارتبتم: جواب هذا الشرط محذوف، دل عليه ما تقدم كما سبق. # لا نشتري به ثمنا: جواب القسم، والضمير في به راجع إلى الله تعالى، ~~والمعنى لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض النزر فنحلف به كاذبين، ~~لأجل المال الذي ادعيتموه علينا، وقيل: يعود إلى القسم، أي لا نستبدل بصحة ~~القسم بالله عرضا من أعراض الدنيا. وقيل: يعود إلى الشهادة، وإنما ذكر ~~الضمير لأنها بمعنى القول. أي لا نستبدل بشهادتنا ثمنا. # قال الكوفيون: المعنى ذا ثمن، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ~~وهذا مبني على أن العروض لا تسمى ثمنا، وعند الأكثر أنها تسمى ثمنا كما ~~تسمى مبيعا. # ولو كان ذا قربى: أي ولو كان المقسم له، أو المشهود له قريبا، فإنا نؤثر ~~الحق والصدق، ولا نؤثر العرض الدنيوي ولا القرابة. وجواب (لو) محذوف لدلالة ~~ما قبلها عليه، أي ولو كان ذا قربى لا نشتري به ثمنا. # ولا نكتم شهادة الله: معطوف على لا نشتري داخل معه في حكم القسم، وأضاف ~~الشهادة إلى الله سبحانه، لكونه الآمر بإقامتها، والناهي عن كتمها. # إنا إذا لمن الآثمين (106) . # فإن عثر على أنهما استحقا ms226 إثما: عثر على كذا: اطلع عليه. يقال: عثرت منه ~~على خيانة، أي اطلعت، وأعثرت غيري عليه. ومنه قوله تعالى: وكذلك أعثرنا ~~عليهم # PageV01P286 # [الكهف: 21] . وأصل العثور: الوقوع والسقوط على الشيء. # والمعنى أنه إذا اطلع، بعد التحليف، على أن الشاهدين أو الوصيين استحقا ~~إثما: # أي استوجبا إثما، إما لكذب في الشهادة، أو اليمين، أو لظهور خيانة. # قال أبو علي الفارسي: الإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأثم بأخذه. # يسمى إثما كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة. # وقال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك فكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر. # فآخران يقومان مقامهما: أي فشاهدان آخران، أو حالفان آخران، فيقومان مقام ~~اللذين عثر على أنهما استحقا إثما، فيشهدان أو يحلفان على ما هو الحق، وليس ~~المراد أنهما يقومان مقامهما في أداء الشهادة التي شهدها المستحقان للإثم. # من الذين استحق عليهم الأوليان: استحق مبني للمفعول في قراءة الجمهور. # وقرأ علي وأبي وابن عباس وحفص على البناء للفاعل. والأوليان- على القراءة ~~الأولى- مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هما الأوليان. كأنه قيل: من ~~هما؟ فقيل هما الأوليان. وقيل: هو بدل من الضمير في يقومان، أو من آخران. # وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: الأولين جمع أول على أنه بدل من الذين، ~~أو من الهاء والميم في عليهم. # وقرأ الحسن: الأولان، والمعنى على بناء الفعل للمفعول من الذين استحق ~~عليهم الإثم: أي جنى عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته فإنهم أحق بالشهادة أو ~~اليمين من غيرهم. فالأوليان تثنية أولى والمعنى- على قراءة البناء للفاعل- ~~من الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام ~~بالشهادة، ويظهروا بما كذب الكاذبين، لكونهما الأقربين إلى الميت «1» . # فالأوليان فاعل استحق، ومفعوله أن تجردوهما للقيام بالشهادة. وقيل: ~~المفعول محذوف، والتقدير: من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي ~~أوصى بها. PageV01P287 # فيقسمان بالله: عطف على يقومان، أي فيحلفان بالله. # لشهادتنا أي يميننا. فالمراد بالشهادة هنا اليمين، كما في قوله: فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله [النور: 6] أي يحلفان: لشهادتنا على أنهما كاذبان ~~خائنان. # أحق ms227 من شهادتهما أي من يمينهما على أنهما صادقان أمينان. # وما اعتدينا: أي تجاوزنا الحق في يميننا. # إنا إذا لمن الظالمين (107) إن كنا حلفنا على باطل. # ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها: أي ذلك البيان الذي قدمه الله ~~سبحانه، في هذه القصة وعرفنا كيف يصنع من أراد الوصية في السفر، ولم يكن ~~عنده أحد من أهله وعشيرته وعنده كفار. # وأدنى: أي أقرب إلى أن يؤدي الشهود المتحملون للشهادة على الوصية ~~بالشهادة على وجهها، فلا تحرفوا، ولا تبدلوا، ولا تخونوا، وهذا كلام مبتدأ ~~يتضمن ذكر المنفعة والفائدة في هذا الحكم الذي شرعه الله في هذا الموضع من ~~كتابه، فالضمير في يأتوا عائد إلى شهود الوصية من الكفار، وقيل: إنه راجع ~~إلى المسلمين المخاطبين بهذا الحكم. # والمراد تحذيرهم من الخيانة، وأمرهم بأن يشهدوا بالحق. # أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم: أي ترد على الورثة فيحلفون على خلاف ~~ما يشهد به شهود الوصية، فيفتضح حينئذ شهود الوصية. وهو معطوف على قوله: أن ~~يأتوا، فتكون الفائدة في شرع الله سبحانه لهذا الحكم في أحد الأمرين: # إما احتراز لشهود الوصية عن الكذب والخيانة، فيأتون بالشهادة على وجهها. # أو يخافوا الافتضاح إذا ردت الأيمان على قرابة الميت، فحلفوا بما يتضمن ~~كذبهم أو خيانتهم فيكون ذلك سببا لتأدية شهادة شهود الوصية على وجهها من ~~غير كذب ولا خيانة. وقيل: أن يخافوا معطوف على مقدر بعد الجملة الأولى، ~~والتقدير: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذاب الآخرة بسبب ~~الكذب والخيانة، أو يخافوا الافتضاح برد اليمين، فأي الخوفين وقع حصل ~~المقصود. # حاصل ما تضمنه هذا المقام من الكتاب العزيز: أن من حضرته علامات الموت # PageV01P288 # أشهد على وصيته عدلين من عدول المسلمين، فإن لم يجد شهودا مسلمين- وكان ~~في سفره- ووجد كفارا، جاز له أن يشهد رجلين منهم على وصيته، فإن ارتاب بهما ~~ورثة الموصي حلفا بالله على أنهما شهدا بالحق، وما كتما من الشهادة شيئا، ~~ولا أخفيا مما تركه الميت شيئا، فإن تبين بعد ذلك خلاف ما أقسما ms228 عليه، من ~~خلل في الشهادة، أو ظهور شيء من تركه الميت، زعما أنه قد صار في ملكهما ~~بوجه من الوجوه، حلف رجلان من الورثة، وعمل بذلك «1» . والله أعلم. ~~PageV01P289 ### | سورة الأنعام [مائة وخمس وستون آية] # مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة وهي وما قدروا الله حق قدره إلى آخر ثلاث ~~آيات مع اختلاف في العدد «1» . # [الآية الأولى] # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) . # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم الموصول ~~عبارة عن الآلهة التي كانت تعبدها الكفار. # والمعنى: لا تسب يا محمد آلهة هؤلاء الكفار التي يدعونها من دون الله ~~فيتسبب عن ذلك سبهم الله، عدوانا وتجاوزا عن الحق، وجهلا منهم. # وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل، إذا خشي ~~أن يتسبب عن ذلك، ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل ~~أشد، كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه. PageV01P290 # قال الشوكاني في «فتح القدير» «1» : وما أنفع هذه الآية، وأجل فائدتها ~~لمن كان من الحاملين لحجج الله، المتصدين لبيانها للناس، إذا كان بين قوم ~~من الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه، وتركوا غيره من المعروف، وإذا ~~نهاهم عن منكر فعلوه، وفعلوا غيره من المنكرات، عنادا للحق، وبغضا لاتباع ~~المحقين، وجرأة على الله، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم ~~العدل لمن عاند الشريعة المطهرة، وجعل المخالفة لها، والتجرؤ على أهلها ~~ديدنه، وهجيراه كما يشاهد ذلك في أهل البدع إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير ~~من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البدعة! فهؤلاء هم ~~المتلاعبون بالدين، المتهاونون بالشرائع، وهم أشر من الزنادقة، لأنهم ~~يحتجون بالباطل، وينتمون إلى البدع، ويتظاهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين. # والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام، وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم، ويتم ~~باطلهم وكفرهم، نادرا على ms229 ضعيف من ضعفاء المسلمين، مع تكتم وتحرز وخيفة ~~ووجل. انتهى. # وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة، غير منسوخة، وهي ~~أصل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه. # وقوله: عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم ~~فينبئهم بما كانوا يعملون (108) منصوب على الحال، أو على المصدر، أو على ~~أنه مفعول له. # [الآيتان: الثانية والثالثة] # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) وما لكم ألا ~~تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم ~~إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين (119) . # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه: قيل إنها نزلت في سبب خاص، كما أخرج أبو ~~داود والترمذي وحسنه، والبزار وغيرهم، عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى ~~PageV01P291 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما ~~قتل الله، فأنزل الله هذه الآية «1» . # ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما ذكر الذبح عليه اسم ~~الله حل، إن كان مما أباح الله أكله. # وقال عطاء: في هذه الآية الأمر بذكر الله على الشراب والذبح، وكل مطعوم ~~«2» . ### | ...... # ] «3» إلى قوله: وقد فصل لكم ما حرم عليكم: أي بين لكم بيانا مفصلا يدفع ~~الشك ويزيل الشبهة بقوله: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما [الأنعام: 145] ~~إلى آخر الآية. # ثم استثنى فقال: إلا ما اضطررتم إليه: أي من جميع ما حرمه الله عليكم فإن ~~الضرورة تحلل الحرام. وقد تقدم تحقيقه في البقرة «4» . # [الآية الرابعة] # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) . # ولا تأكلوا: نهى الله سبحانه عن الأكل: # مما لم يذكر اسم الله عليه، بعد أن أمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه، ~~وفيه دليل تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه «5» . # وقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب ابن عمر ms230 ونافع مولاه، والشعبي وابن ~~PageV01P292 # سيرين، وهو رواية عن مالك وعن أحمد بن حنبل، وبه قال أبو ثور وأبو داود ~~الظاهري، إلى أن ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح حرام من غير فرق بين ~~العامد والناسي لهذه الآية، ولقوله تعالى في آية الصيد: فكلوا مما أمسكن ~~عليكم واذكروا اسم الله عليه [المائدة: 4] . # ويزيد هذا الاستدلال تأكيدا قوله سبحانه في هذه الآية: وإنه لفسق. # وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتسمية، في الصيد وغيره. # وذهب الشافعي وأصحابه- وهو رواية عن مالك ورواية عن أحمد- إلى أن التسمية ~~مستحبة لا واجبة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء بن أبي رباح. # وحمل الشافعي الآية على من ذبح لغير الله وهو تخصيص بالآية بغير مخصص. # وقد روى أبو داود في «المراسيل» «1» أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله عليه أو لم يذكر» ، وليس في هذا ~~المرسل ما يصلح لتخصيص الآية نعم حديث عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إن قوما يأتوننا بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ ~~فقال: «سموا أنتم وكلوا» «2» يفيد أن التسمية عند الأكل تجزىء مع التباس ~~وقوعها عند الذبح. # وذهب مالك وأحمد في المشهور عنه وأبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهوية أن ~~التسمية إن تركت نسيانا لم تضر، وإن تركت عمدا لم يحل أكل الذبيحة، وهو ~~مروي عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاووس والحسن البصري وأبي ~~مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة بن أبي عبد الرحمن. # واستدلوا بما أخرجه البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: «المسلم إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله» «3» . ~~PageV01P293 # وهذا الحديث رفعه خطأ وإنما هو من قول ابن عباس. # وكذا أخرجه من قوله عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر. # نعم يمكن الاستدلال لهذا المذهب بمثل قوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو ms231 أخطأنا [البقرة: 286] ، وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «رفع عن ~~أمتي الخطأ والنسيان» «1» . # وأما حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن عدي: «أن رجلا جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل ذبح ونسي أن يسمي؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اسم الله على كل مسلم» ، فهو حديث ~~ضعيف قد ضعفه البيهقي وغيره «2» . # والضمير في قوله: إنه وإنه لفسق يرجع إلى (ما) بتقدير مضاف، أي وإن أكل ~~ما لم يذكر لفسق، ويجوز أن يرجع إلى مصدر تأكلوا، أي فإن الأكل لفسق. # وقد تقدم تحقيق الفسق «3» . # وقد استدل من حمل هذه الآية على ما ذبح لغير الله بقوله: وإنه لفسق، ووجه ~~الاستدلال أن الترك لا يكون فسقا، بل الفسق الذبح لغير الله. # ويجاب عنه بأن إطلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع ~~شرعا «4» . PageV01P294 # [الآية الخامسة] # وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) . # وآتوا حقه يوم حصاده قد اختلف أهل العلم: هل هذه محكمة؟ أو منسوخة؟ # أو محمولة على الندب؟ فذهب ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير إلى أن ~~الآية محكمة، وأنه يجب على المالك يوم الحصاد أن يعطي من حضر من المساكين ~~القبضة والضغث «1» ونحوهما. # وذهب ابن عباس ومحمد بن الحنفية والحسن والنخعي وطاووس وأبو الشعثاء، ~~وقتادة والضحاك وابن جريج إلى أن هذه الآية منسوخة بالزكاة، واختاره ابن ~~جرير «2» . # ويؤيده أن هذه الآية مكية وآية الزكاة مدنية في السنة الثانية بعد ~~الهجرة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف. # وقالت طائفة من العلماء: إن الآية محمولة على الندب لا على الوجوب. # ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) : ومثلها في الأعراف «3» ، أي لا ~~تسرفوا في التصدق. # وأصل الإسراف في اللغة: الخطأ. # وفي الفقه: التبذير. # وقال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله تعالى فهو ms232 إسراف، وإن كان قليلا. # وقيل: هو خطاب للولاة يقال لهم: لا تأخذوا فوق حقكم، وقيل: المعنى: لا ~~تأخذوا الشيء بغير حقه، ولا تضعوه في غير مستحقه. PageV01P295 # [الآية السادسة] # قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) . # قل لا أجد في ما أوحي إلي: أمره الله سبحانه بأن يخبرهم أنه لا يجد في ~~شيء مما أوحى إليه أي القرآن، وفيه إيذان بأن مناط الحل والحرمة هو الوحي ~~لا مجرد العقل. # محرما: غير هذه المذكورات، فدل ذلك على انحصار المحرمات فيها لولا أنها ~~مكية وقد نزل بعدها بالمدينة سورة المائدة، وزيد فيها على هذه المحرمات ~~المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة «1» . # وصح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ~~ذي مخلب من الطير «2» . # وتحريم الحمر الأهلية «3» ، والكلاب «4» ، ونحو ذلك. # وبالجملة فهذا العموم إن كان بالنسبة إلى ما يؤكل من الحيوانات، كما يدل ~~عليه السياق، ويفيده الاستثناء، فيضم إليه كل ما ورد بعده في الكتاب ~~والسنة، مما يدل على تحريم شيء من الحيوانات، وإن كان هذا العموم هو ~~بالنسبة إلى كل شيء حرمه الله من حيوان وغيره، فإنه يضم إليه كل ما ورد ~~بعده مما فيه تحريم شيء من الأشياء. # وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة أنه لا حرام إلا ما ذكره الله في ~~هذه الآية، وروي ذلك عن مالك وهو قول ساقط ومذهب في غاية الضعف لاستلزامه ~~إهمال غيرها مما نزل بعدها من القرآن، وإهمال ما صح عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال بحرمة شيء مثلا، بعد نزول هذه الآية بلا سبب يقتضي ذلك، ~~ولا موجب يوجبه، مع أن PageV01P296 # التمسك بقول أحد، ولو كان صحابيا، في مقابلة قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من سوء الاختيار وعدم الإنصاف. # وقوله محرما: ms233 صفة لموصوف محذوف، أي طعاما محرما. # على أي طاعم يطعمه: من المطاعم، وفي يطعمه زيادة تأكيد وتقرير لما قبله. # إلا أن يكون ميتة: أي ذلك الشيء، أو ذلك الطعام، أو العين، أو الجثة، أو ~~النفس، قرىء بالتحتية والفوقية وقرىء: ميتة، بالرفع على أن يكون تامة. # أو دما مسفوحا وهو الجاري، وغير المسفوح معفو عنه، كالدم الذي يبقى في ~~العروق بعد الذبح، ومنه الكبد والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم. # وقد حكى القرطبي الإجماع على هذا «1» . # أو لحم خنزير: ظاهر تخصيص اللحم أنه لا يحرم الانتفاع منه بما عدا اللحم، ~~والضمير في: فإنه رجس، راجع إلى اللحم أو إلى الخنزير. # والرجس: النجس، وقد تقدم تحقيقه. # أو فسقا عطف على لحم خنزير. # وأهل لغير الله به: صفة فسق، أي ذبح على الأصنام وغيرها، وسمي فسقا ~~لتوغله في باب الفسق، ويجوز أن يكون فسقا مفعولا له لأهل، أي أهل به لغير ~~الله فسق على عطف أهل على يكون، وهو تكلف لا حاجة إليه. # فمن اضطر غير باغ ولا عاد: قد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة فلا نعيده ~~«2» . # فإن ربك غفور: أي كثير المغفرة. # رحيم (145) : أي كثير الرحمة، فلا يؤاخذ المضطر لما دعت إليه ضرورته. ~~PageV01P297 ### | سورة الأعراف [وآياتها مائتان وخمس أو ست آيات] # هي مكية إلا ثمان آيات، وهي قوله: وسئلهم عن القرية إلى قوله: وإذ نتقنا ~~الجبل فوقهم. [قاله] «1» ابن عباس وابن الزبير، وبه قال الحسن ومجاهد ~~وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد «2» . # وقال قتادة: آية من الأعراف مدنية: وسئلهم عن القرية وسائرها مكية. # وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ بها في المغرب، ~~يفرقها في الركعتين «3» . # [الآية الأولى] # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين (31) . # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد هذا خطاب لجميع بني آدم وإن كان ~~واردا على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب «4» . # والزينة: ما يتزين به الناس من الملبوس، ms234 أمروا بالتزيين عند الحضور إلى ~~المساجد للصلاة والطواف «5» . PageV01P298 # وقد استدل بالآية على ستر العورة في الصلاة، وإليه ذهب جمهور أهل العلم، ~~بل سترها واجب في كل حال من الأحوال، وإن كان الرجل خاليا، كما دلت عليه ~~الأحاديث الصحيحة «1» ، والكلام على العورة وما يجب ستره منها مفصل في كتب ~~الفروع «2» . # [الآية الثانية] # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ~~(32) . # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده الزينة: ما يتزين به الإنسان، من ~~ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة، كالمعادن التي لم يرو نهي عن التزين ~~بها، والجواهر ونحوها، وما قيل لها الملبوس خاصة فلا وجه له بل هو من جملة ~~ما تشمله الآية، فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة، الغالية القيمة، إذا لم ~~يكن مما حرمه الله، ولا حرج على من تزين بشيء من الأشياء التي لها مدخل في ~~الزينة، ولا يمنع منها مانع شرعي، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط غلطا ~~بينا. # وهكذا الطيبات من المطاعم والمشارب ونحوهما مما يأكله الناس، فإنه لا زهد ~~في ترك الطيب منها، ولهذا جاءت الآية هذه معنونة بالاستفهام المتضمن ~~للإنكار على من حرم ذلك على نفسه، أو حرمه على غيره. PageV01P299 # وما أحسن ما قاله ابن جرير الطبري: لقد أخطأ من آثر لباس الصوف والشعر ~~على لباس القطن، والكتان مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول ~~والعدس واختاره على خبز البر، ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض الشهوة «1» . # والطيبات من الرزق: أي المستلذات من الطعام، وقيل: هو اسم عام كسيا ~~ومطعما. # قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا: أي أنها لهم بالأصالة والاستحقاق ~~وإن شاركهم الكفار فيها ما داموا في الحياة. # خالصة يوم القيامة أي مختصة بهم يوم القيامة، لا يشاركهم فيها الكفار «2» ~~. # قرأ نافع خالصة بالرفع، وهي قراءة ابن عباس على أنها خبر بعد خبر، وقرأ ~~الباقون بالنصب ms235 على الحال «3» . # قال أبو علي الفارسي: ولا يجوز الوقف على الدنيا لأن ما بعدها متعلق ~~بقوله للذين آمنوا حال بتقدير قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في ~~حال خلوصها لهم يوم القيامة «4» . PageV01P300 # [الآية الثالثة] # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ~~(33) . # قل إنما حرم ربي الفواحش جمع فاحشة، وهي كل معصية. # ما ظهر منها وما بطن: أي ما أعلن منها وما أستر، وقيل هي خاصة بفواحش ~~الزنا! ولا وجه لذلك. # والإثم: يتناول كل معصية يتسبب عنها الإثم، وقيل: هو الخمر خاصة، ومنه ~~قول الشاعر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول # وقد أنكر التخصيص جماعة من أهل العلم، وحقيقته أنه جميع المعاصي. # وقال الفراء: الإثم ما دون الحق والاستطالة على الناس «1» . انتهى. # وليس في إطلاق الإثم على الخمر ما يدل على اختصاصه به. # والبغي بغير الحق: أي الظلم المجاوز للحد، وإفراده بالذكر بعد دخوله فيما ~~قبله لكونه ذنبا عظيما كقوله: وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي [النحل: 90] ~~. # وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا أي وأن تجعلوا لله شريكا، لم ينزل ~~عليكم به حجة، والمراد التهكم بالمشركين لأن الله لا ينزل برهانا بأن يكون ~~غيره شريكا. # وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (33) : بحقيقته، وأن الله قاله، وهذا ~~مثل ما كانوا ينسبون إلى الله سبحانه من التحليلات والتحريمات التي لم يأذن ~~بها. # [الآية الرابعة] # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) PageV01P301 # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا أمرهم الله سبحانه بالاستماع ~~للقرآن، والإنصات له عند قراءته، لينتفعوا به، ويتدبروا ما فيه من الحكم ~~والمصالح. # قيل: هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند قراءة الإمام وقيل: هذا خاص بقراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن دون غيره! ولا وجه لذلك، مع أن ~~اللفظ أوسع من هذا، والعام لا يقصر على سببه فيكون الاستماع ms236 والإنصات عند ~~قراءة القرآن في كل حالة، وعلى أي صفة، مما يجب على السامع، إلا ما استثنى ~~الذي أنزل عليه القرآن صلى الله عليه وآله وسلم، كقراءة المأموم الفاتحة ~~خلف إمامه سرا وجهرا، فإنه قد صح في ذلك أخبار شهيرة واضحة، وآثار كثيرة ~~فائحة، توجب تأكد قراءة فاتحة الكتاب، ولزومها للمقتدي، بل صرح غير واحد من ~~أئمة الفقه والحديث المعتبرين بكون ذلك مذهب أكثر الصحابة والتابعين رضوان ~~الله تعالى عليهم أجمعين. # ولم يصح أثر، فضلا عن خبر، صريح في النهي عن الفاتحة خاصة، وإن استدل ~~جماعة من أهل العلم بالعمومات الواردة فلينصف. # ولقد فصلت المرام بعون الله في «مسك الختام» و «الروضة الندية» «1» و ~~«هداية السائل إلى أدلة المسائل» وفيه «إعلام الأعلام بقراءة الفاتحة خلف ~~الإمام» لبعض الأحباب لنا، وهي مختصر نفيس «2» . # لعلكم ترحمون (204) : أي تنالون الرحمة، وتفوزون بها، بامتثال أمر الله ~~سبحانه وتعالى. # [الآية الخامسة] واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول ~~بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين (205) . # واذكر ربك في نفسك: أمره الله سبحانه أن يذكره في نفسه، فإن الإخفاء أدخل ~~في الإخلاص، وأدعى للقبول. PageV01P302 # وقيل: المراد بالذكر هنا ما هو أعم من القرآن وغيره من الأذكار التي يذكر ~~الله بها. # وقال النحاس: لم يختلف في معنى: واذكر ربك في نفسك أنه الدعاء «1» . # وقيل: هو خاص بالقرآن، أي اقرأ القرآن بتأمل وتدبر. # وتضرعا وخيفة: تنتصبان على الحال. # ودون الجهر: أي المجهور به معطوف على ما قبله، أي اذكره حال كونك متضرعا ~~وخائفا ومتكلما بكلام هو دون الجهر. # من القول، وفوق السر يعني قصدا بينهما. # بالغدو والآصال: متعلق ب (اذكر) ، أي: أوقات الغدوات والأصائل. # والغدو: جمع غدوة. # والآصال: جمع أصيل، قاله الزجاج والأخفش، مثل يمين وأيمان، وقيل: # الآصال جمع [أصل، والأصل] «2» جميع أصيل، فهو على هذا جمع الجمع. قاله ~~الفراء «3» . # قال الجوهري «4» : الأصيل من بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أصل وآصال ~~وأصائل كأنه جمع أصلية، وخص هذين الوقتين لشرفهما، والمراد دوام الذكر لله ~~كما قال تعالى: ms237 ولا تكن من الغافلين (205) أي عن ذكر الله عز وجل. ~~PageV01P303 ### | سورة الأنفال [وجملة آياتها خمس أو ست أو سبع وسبعون آية] # صرح كثير من المفسرين بأنها مدنية ولم يستثنوا منها شيئا، وبه قال الحسن ~~وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء. وقد روي مثل هذا عن ابن عباس أخرجه النحاس في ~~«ناسخه» ، وأبو الشيخ وابن مردويه عنه. # وفي لفظ تلك سورة بدر، أي نزلت في بدر. # وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرؤوها في صلاة المغرب، كما أخرجه ~~الطبراني بسند صحيح عن أبي أيوب «1» . # [الآية الأولى] # يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) . # يسئلونك عن الأنفال: جمع نفل محركا، وهو الغنيمة. # وأصل النفل: الزيادة وسميت الغنيمة نفلا لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه ~~الأمة مما كان محرما على غيرهم، أو لأنها زيادة على ما يحصل للمجاهدين من ~~أجر الجهاد. # ويطلق النفل على معان أخر منها: اليمين، والابتغاء، ونبت معروف. # والنافلة: التطوع لكونها زائدة على الواجب. # والنافلة: ولد الولد لأنها زيادة على الولد. PageV01P304 # وكان سبب نزول الآية اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في يوم بدر، بأن قال ~~الشبان: هي لنا لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا ردءا لكم تحت ~~الرايات، فنزع الله ما غنموه من أيديهم، وجعله الله والرسول، فقال: قل ~~الأنفال لله والرسول أي حكمها مختص بهما، يقتسمها بينكم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن أمر الله سبحانه، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بينهم على السواء. # رواه الحاكم في «المستدرك» «1» ، وليس لكم حكم في ذلك. # وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم خاصة، ليس لأحد فيها شيء حتى نزول قوله تعالى: واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [الأنفال: 41] الآية، فهي على هذا منسوخة ~~وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي. # وقال ابن زيد: محكمة مجملة، قد بين الله مصارفها في آية الخمس ولا نسخ! ~~«2» . PageV01P305 # فاتقوا ms238 الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) : ~~أمرهم بالتقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله بالتسليم لأمرهما، ~~وترك الاختلاف الذي وقع بينهما. # [الآيتان: الثانية والثالثة] # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ~~ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) . # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا: الزحف: الدنو قليلا ~~قليلا، وأصله الاندفاع على الألية، ثم سمى كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا. # والتزاحف: التداني والتقارب. تقول زحف إلى العدو زحفا، وازدحف القوم: أي ~~مشى بعضهم إلى بعض. # وانتصاب زحفا، إما على أنه مصدر لفعل محذوف، أي: يزحفون زحفا، أو على أنه ~~حال من المؤمنين، أي: حال كونكم زاحفين إلى الكفار، أو حال من الذين كفروا، ~~أي حال كون الكفار زاحفين إليكم، أو حال من الفريقين، أي: متزاحفين. # فلا تولوهم الأدبار (15) : نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا ~~لقوهم، وقد دب بعضهم إلى بعض للقتال. وظاهر هذه الآية العموم لكل المؤمنين ~~في كل زمن، وعلى كل حال إلا حالة: التحرف والتحيز. # وقد روي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي [نضرة] «1» . # وعكرمة ونافع والحسن وقتادة و [يزيد] «2» بن أبي حبيب والضحاك: أن تحريم ~~الفرار من الزحف في هذه الآية مختص بيوم بدر، وأن أهل بدر لم يكن لهم أن ~~ينحازوا PageV01P306 # ولو انحازوا لا نحازوا إلى المشركين، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون ~~غيرهم ولا لهم فئة إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأما بعد ذلك فإن ~~بعضهم فئة لبعض. وبه قال أبو حنيفة. # قالوا: ويؤيده قوله: ومن يولهم يومئذ دبره فإنه إشارة إلى يوم بدر. # وقيل: إن هذه الآية منسوخة بآية الضعف «1» . # وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية محكمة عامة غير خاصة، وأن الفرار من ~~الزحف محرم ويؤيد هذا أن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب في يوم بدر. # فأجيب عن ms239 قول الأولين: إن الإشارة في يومئذ إلى يوم بدر بأن الإشارة إلى ~~يوم الزحف، كما يفيده السياق، ولا منافاة بين هذه الآية وآية الضعف، بل هذه ~~الآية مقيدة بها، ويكون الفرار من الزحف محرما بشرط بينه الله في آية ~~الضعف. # ولا وجه لما ذكروه من أنه لم يكن في الأرض يوم بدر مسلمون غير من حضرها، ~~فقد كان بالمدينة إذ ذاك خلق كثير، لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالخروج لأنه عليه الصلاة والسلام ومن خرج معه لم يكونوا يرون- في ~~الابتداء- أنه سيكون قتال. # ويؤيد هذا ما ورد من الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن الفرار من الزحف من ~~جملة الكبائر كما في حديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» «2» وفيه التولي يوم ~~الزحف، ونحوه من الأحاديث. # وهذا البحث تطول ذيوله وتتشعب طرقه وهو مبين في مواطنه. # قال ابن عطية: والأدبار: جمع دبر والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة في ~~PageV01P307 # الفصاحة لما في ذلك من الشناعة على الفار والذم له. # إلا متحرفا لقتال: التحرف: الزوال عن جهة الاستواء والمراد به هنا التحرف ~~من جانب إلى جانب في المعركة، طلبا لمكايد الحرب، وخدعا للعدو، كمن يوهم ~~أنه منهزم ليتبعه العدو فيكر عليه ويتمكن منه، ونحو ذلك من مكايد الحرب فإن ~~«الحرب خدعة» «1» كما في الحديث. # أو متحيزا إلى فئة: أي إلى جماعة من المسلمين، غير الجماعة المقابلة ~~للعدو، وانتصاب متحرفا أو متحيزا على الاستثناء من المولين، أي: ومن يولهم ~~دبره إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا، ويجوز انتصابهما على الحال، ويكون ~~حرف الاستثناء لغوا لا عمل له. # فقد باء: جزاء الشرط. # والمعنى: من ينهزم ويفر من الزحف فقد رجع بغضب كائن، من الله: # إلا المتحرف والمتحيز. # [الآية الرابعة] # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت ~~الأولين (38) . # قل للذين كفروا إن ينتهوا: أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى سواء قاله بهذه العبارة أو غيرها. # قال ابن عطية: ولو كان كما ms240 قال الكسائي إنه في مصحف عبد الله بن مسعود: ~~قل للذين كفروا إن تنتهوا- يعني بالفوقية- لما تأدت الرسالة إلا بتلك ~~الألفاظ بعينها. # قال في «الكشاف» «2» : أي قل لأجلهم هذا القول، وهو: إن ينتهوا. ولو كان ~~بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم وهي قراءة ابن مسعود ونحوه. # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه [الأحقاف: 11] ~~خاطبوا به PageV01P308 # غيرهم لأجلهم ليسمعوه. # أي: إن ينتهوا عما هم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وقتاله، بالدخول في الإسلام يغفر لهم ما قد سلف لهم من العداوة. انتهى. # وقيل: معناه: إن ينتهوا عن الكفر. # قال ابن عطية: والحامل على ذلك، جواب الشرط فيغفر لهم ما قد سلف ومغفرة ~~ما قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر وفي هذه الآية دليل على أن الإسلام ~~يحب ما قبله. # [الآية الخامسة] وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن ~~انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39) . # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة: أي كفر وشرك. # ويكون الدين كله لله: تحريض للمؤمنين على قتال الكفار. وقد تقدم تفسير ~~ذلك في البقرة مستوفى. # [الآية السادسة] # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41) . # واعلموا أنما غنمتم: قال القرطبي «1» : اتفقوا على أن المراد بالغنيمة، ~~في هذه الآية، مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر. # قال: ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع. # وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية بعد قوله: يسئلونك عن ~~الأنفال، PageV01P309 # وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: يسئلونك عن ~~الأنفال نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر- على ما تقدمت الإشارة إليه» ~~. # وقيل: إنها- أعني يسئلونك عن الأنفال- محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليست ms241 مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن ~~بعده من الأئمة. حكاه [المازري] «2» عن كثير من المالكية. # قالوا: وللإمام أن يخرجها عنهم، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين. وكان أبو ~~[عبيد] «3» يقول: افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة عنوة، ومن ~~على أهلها فردها عليهم، ولم يقسمها، ولم يجعلها فيئا. # وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم «4» ، على أن أربعة أخماس الغنيمة ~~للغانمين، وممن حكى ذلك: ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري ~~والقاضي عياض وابن العربي، والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة من الغانمين ~~وكيفيتها كثيرة جدا. # قال القرطبي «5» : ولم يقل أحد- فيما أعلم- إن قوله تعالى: يسئلونك عن ~~الأنفال الآية ناسخ لقوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~الآية بل قال الجمهور: إن قوله: أنما غنمتم من شيء، ناسخ، وهم الذين لا ~~يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله. # وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها. # وأما قصة حنين، فقد عوض الأنصار لما قالوا: يعطي المغانم قريشا ويتركنا ~~وسيوفنا تقطر من دمائهم نفسه؟! فقال لهم: «أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا ~~وترجعون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيوتكم؟» كما في مسلم ~~وغيره «6» . وليس لغيره أن يقول. # هذا القول بل ذلك خاص به. PageV01P310 # وقوله أنما غنمتم يشمل كل شىء يصدق عليه اسم الغنيمة، إذ كان أصلها إصابة ~~الغنم من العدو. # ومن شيء بيان لما الموصولة، وقد خصص الإجماع، ومن عموم الآية، الأسارى ~~فإن الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف. وكذلك سلب المقتول إذا نادى به ~~الإمام. # قيل: وكذلك الأرض المغنومة. ورد بأنه لا إجماع على الأرض. # فأن: أي فحق أو واجب أن: # لله خمسه وللرسول: قد اختلف العلماء في كيفية قسمة الخمس على أقوال ستة: # الأول: قالت طائفة: يقسم الخمس على ستة، فيجعل السدس: للكعبة وهو الذي ~~لله والثاني: لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والثالث: لذوي القربى، ~~والرابع: لليتامى، والخامس: للمساكين، والسادس: لابن السبيل. # القول الثاني: قال أبو العالية والربيع: إنها تقسم ms242 أي الغنيمة على خمسة، ~~فيعزل منها سهم واحد، ويقسم أربعة على الغانمين، ثم يضرب يده في السهم الذي ~~عزله، فما قبضه من شىء جعله للكعبة ويقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة، ~~للرسول ومن بعده في الآية. # القول الثالث: عن زين العابدين علي بن الحسين أنه قال: إن الخمس لنا فقيل ~~له: إن الله يقول: واليتامى والمساكين وابن السبيل؟ فقال: يتامانا ~~ومساكيننا وأبناء سبيلنا. # القول الرابع: قول الشافعي: إن الخمس يقسم على خمسة وإن سهم الله وسهم ~~رسوله واحد، يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأصناف الأربعة ~~المذكورة في الآية. # القول الخامس: قول أبي حنيفة: إنه يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى، ~~والمساكين، وابن السبيل. وقد ارتفع حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بموته، كما ارتفع حكم سهمه. قال: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، ~~وبناء المساجد، وأرزاق القضاة # PageV01P311 # والجند. وروي نحو هذا عن الشافعي. # القول السادس: قول مالك: أنه موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه ~~بغير تقدير، ويعطي منه الغزاة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. # قال القرطبي «1» : وبه قال الخلفاء الأربعة وبه عملوا، وعليه يدل قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: «مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس ~~مردود عليكم» «2» فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا، وإنما ذكر ما في الآية ~~من ذكره على وجه التنبيه عليهم، لأنهم من أهم من يدفع إليه. # قال الزجاج محتجا لهذا القول: قال الله تعالى: يسئلونك ماذا ينفقون قل ما ~~أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين [البقرة: 215] ~~وجائز، بالإجماع، أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك «3» . # ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل: قيل: إعادة اللام في ذي ~~القربى دون من بعدهم يدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والمعنى أن سهما من خمس الخمس لأقاربه صلى الله عليه وآله وسلم. وقد ~~اختلف العلماء فيهم على أقوال: # الأول: أنهم قريش كلها، روي ذلك عن بعض السلف واستدل بما روي عن النبي ~~صلى ms243 الله عليه وآله وسلم أنه لما صعد الصفا جعل يهتف ببطون قريش كلها ~~قائلا: «يا بني فلان! يا بني فلان!» «4» . # [الثاني] : وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم ~~بن خالد: هم بنو هاشم وبنو المطلب، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما ~~بنو هاشم وبنو المطلب شيء PageV01P312 # واحد وشبك بين أصابعه» وهو في «الصحيح» «1» . # [الثالث] : وقيل: هم بنو هاشم خاصة، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي ~~وغيرهم وهو مروي عن علي بن الحسين ومجاهد. # وكذا اختلف أهل العلم هل ثبت وبقي سهمهم اليوم، أم سقط بوفاته صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وصار الكل مصروفا إلى الثلاثة الباقية؟ فذهب الجمهور- ~~ومنهم مالك والشافعي- إلى الثبوت واستواء الفقراء والأغنياء للذكر مثل حظ ~~الأنثيين [النساء: 11] . # وقال أبو حنيفة وأهل الرأي بسقوط ذلك، والتفصيل يطلب من مواطنه «2» . # [الآية السابعة] # وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع ~~الصابرين (46) . # ولا تنازعوا فتفشلوا: فيه النهي عن التنازع، وهو الاختلاف في الرأي، فإن ~~ذلك يتسبب عنه الفشل وهو الجبن في الحرب. # وأما المنازعة بالحجة لإظهار الحق فجائزة كما قال: وجادلهم بالتي هي أحسن ~~[النحل: 125] ، بل هي مأمور بها بشروط مقررة، والفاء جواب النهي، والفعل ~~منصوب بإضمار أن. ويجوز أن يكون الفعل معطوفا على تنازعوا مجزوما. بجازمه. # وتذهب ريحكم قرىء بنصب الفعل وجزمه عطفا على تفشلوا على الوجهين. # والريح: القوة والنصر كما يقال: الريح لفلان، إذا كان غالبا في الأمر. ~~وقيل: # الريح الدولة، شبهت في نفوذ أمرها بالريح في هبوبها. ومنه قول الشاعر: # إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فعقبى كل خافقة سكون # وقيل: المراد بالريح ريح الصبا لأن بها كان ينصر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. PageV01P313 # [الآية الثامنة] # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ~~(58) . # وإما تخافن من قوم: من المعاهدين وهم قريظة وبنو النضير. # خيانة أي غشا ونقضا للعهد. # فانبذ: أي فاطرح. # إليهم: العهد الذي بينك وبينهم. # على سواء: أي على طريق مستوية، والمعنى أنه يخبرهم ms244 إخبارا ظاهرا مكشوفا ~~بالنقض، ولا تناجزهم الحرب بغتة. # وقيل: معنى على سواء على وجه يستوي في العلم بالنقض أقصاهم وأدناهم، أو ~~تستوي أنت لئلا يتهموك بالغدر وهم فيه. # قال الكسائي: السواء: العدل وقد يكون بمعنى الوسط. ومنه قوله تعالى: في ~~سواء الجحيم (55) [الصافات: 55] وقيل: معناه على جهر، لا على سر. # والظاهر أن هذه الآية عامة في كل معاهد يخاف من وقوع النقض منه. # قال ابن عطية: والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة انقضى عند ~~قوله فشرد بهم من خلفهم، [الأنفال: 57] ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية ~~يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة. # إن الله لا يحب الخائنين (58) : تعليل لما قبلها، يحتمل أن يكون تحذيرا ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المناجزة قبل أن ينبذ إليهم على ~~سواء، ويحتمل أن تكون عائدة إلى القوم الذين يخاف منهم الخيانة. # [الآية التاسعة] # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله ~~يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) . # PageV01P314 # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة: أمر الله سبحانه بإعداد القوة: كل ما ~~يتقوى به في الحرب، ومن ذلك السلاح والقسي. # وقد ثبت في «صحيح مسلم» «1» وغيره من حديث عقبة بن عامر قال: «سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو على المنبر، يقول: وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة إلا أن القوة: الرمي! قالها ثلاث مرات» . # وقيل: هي الحصون والمعاقل. والمصير إلى التفسير الثابت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم متعين. # ومن رباط الخيل: قال أبو حاتم: الرباط من الخيل الخمس فما فوقها، وهي ~~الخيل التي تربط بإزاء العدو، ومنه قول الشاعر: # أمر الإله بربطها لعدوه ... في الحرب إن الله خير موفق # قال في «الكشاف» «2» : والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز ~~أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون ms245 جمع ربيط كفصيل ~~وفصال. # انتهى. # وقد فسر القوة بكل ما يتقوى به في الحرب، جعل عطف الخيل عليها من عطف ~~الخاص على العام. # ترهبون به عدو الله وعدوكم: في محل نصب على الحال. # والترهيب: التخويف، والضمير في (به) عائد إلى (ما) في ما استطعتم أو إلى ~~المصدر المفهوم من وأعدوا، وهو الإعداد، والمراد بعدو الله وعدوهم: هم ~~المشركون من أهل مكة وغيرهم من مشركي العرب. PageV01P315 # [الآية العاشرة] وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع ~~العليم (61) . # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها: الجنوح: الميل. # والسلم: الصلح. # وقد اختلف أهل العلم: هل هذه الآية منسوخة أم محكمة «1» ؟ فقيل: هي ~~منسوخة بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين [التوبة: 5] قاله ابن عباس. # وقيل: ليست بمنسوخة لأن المراد بها قبول الجزية، وقد قبلها منهم الصحابة ~~فمن بعدهم، فتكون خاصة بأهل الكتاب. قاله مجاهد. # وقيل: إن المشركين إن دعوا إلى الصلح جاز أن يجابوا إليه، وتمسك المانعون ~~من مصالحة المشركين بقوله تعالى: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ~~والله معكم [محمد: 35] ، وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزة ~~وقوة لا إذا لم يكونوا كذلك فهو جائز كما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم ~~من مهادنة قريش، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك، وكلام أهل العلم في ~~هذه المسألة معروف مقرر في مواطنه. # [الآية الحادية عشرة] # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) . # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين أوجب على الواحد أن يثبت لإثنين من ~~الكفار. # قيل: في التنصيص على غلب المائة للمائتين، والألف للألفين، إنه بشارة ~~للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف. ~~PageV01P316 # وقد اختلف أهل العلم: هل هذا التخفيف نسخ أم لا؟ ولا يتعلق بذكر ذلك كثير ~~فائدة «1» . # أخرج البخاري والنحاس في ms246 «ناسخه» وابن مردويه والبيهقي في «سننه» «2» عن ~~ابن عباس قال: «نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين [الأنفال: 65] ~~شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف ~~بقوله: الآن خفف الله عنكم الآية. قال: فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من ~~الصبر بقدر ما خفف عنهم» . # [الآية الثانية عشرة] ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ~~تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) . # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض: هذا حكم آخر من أحكام ~~الجهاد. # ومعنى ما كان لنبي: ما صح له وما استقام. # والأسرى جمع أسير. ويقال في جمع أسير أيضا: أسارى بضم الهمزة وبفتحها، ~~وهو مأخوذ من الأسر، وهو القد «3» ، لأنهم كانوا يشدون به الأسير. # وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير الموثقين عند ما يؤخذون، ~~والأسارى هم الموثقون ربطا. # والإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه، يقال: أثخن فلان في هذا الأمر، أي ~~بالغ فيه. PageV01P317 # فالمعنى ما كان لنبي أن يكون له أسرى، حتى يبالغ في قتل الكافرين، ~~ويستكثر من ذلك. # وقيل: معنى الإثخان التمكن. # وقيل: هو القوة. أخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من ~~أسرهم وفداهم، ثم لما كثر المسلمون رخص الله في ذلك فقال: فإما منا بعد ~~وإما فداء [محمد: 4] «1» . # [الآية الثالثة عشرة] # إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) . # والذين آمنوا: من المقيمين بمكة المكرمة. # ولم يهاجروا: منها مبتدأ خبره. # ما لكم من ولايتهم: أي من نصرتهم وإعانتهم أو من ميراثهم، ولو كانوا من ~~قراباتكم. # من شيء لعدم وقوع الهجرة منهم. # من شيء لعدم وقوع الهجرة منهم. # حتى يهاجروا: فيكون لهم ما كان للطائفة ms247 الأولى، الجامعين بين الإيمان ~~والهجرة. # وإن استنصروكم في الدين: أي هؤلاء الذين آمنوا ولا يهاجروا إذا طلبوا ~~منكم النصرة لهم على المشركين. # فعليكم النصر: أي فواجب عليكم، إلا أن يستنصروكم، على قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق: PageV01P318 # فلا تنصروهم، ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم حتى تنقضي ~~مدته، وهي عشر سنين. # [الآية الرابعة عشرة] # والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75) . # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض: من غيرهم ممن لم يكن بينه وبينهم رحم في ~~الميراث، والمراد بهم القرابات، فيتناول كل قرابة. # وقيل: المراد بهم هنا العصبات، كقول العرب: صلتك رحم فإنهم لا يريدون ~~قرابة الأم، ولا يخفى عليك أنه ليس في هذا ما يمنع من إطلاقه على غير ~~العصبات. # وقد استدل بهذه الآية من أثبت الميراث لذوي الأرحام، وهم من ليس بعصبته ~~ولا ذي سهم على حسب اصطلاح أهل علم المواريث، والخلاف في ذلك معروف مقرر في ~~مواطنه «1» . # وقد قيل إن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والنصرة عند من فسر ما ~~تقدم، من قوله: بعضهم أولياء بعض [الأنفال: 72] . وما بعده، بالتوارث. # وأما من فسرها بالنصرة والمعونة، فيجعل هذه الآية إخبارا منه سبحانه ~~وتعالى بأن القرابات بعضهم أولى ببعض. # في كتاب الله: أي في حكمه أو في اللوح المحفوظ، أو في القرآن، ويدخل في ~~هذه الأولوية في الميراث دخولا أوليا، لوجود سببه أعني القرابة «2» . ~~PageV01P319 ### | سورة براءة [آيها مائة وثلاثون أو سبع وعشرون آية] # ولها أسماء منها: سورة التوبة لأن فيها التوبة على المؤمنين. # وتسمى: الفاضحة لأنه ما زال ينزل فيها: ومنهم، ومنهم، حتى كادت أن لا تدع ~~أحدا. # وتسمى: البحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين إلى غير ذلك. وهي مدنية. # قال القرطبي «1» : باتفاق. # أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: نزلت (براءة) بعد فتح مكة بالمدينة «2» ~~. # [الآيات: الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة] # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض ~~أربعة ms248 أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2) وأذان ~~من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله ~~فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين ~~كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) ~~فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~إن الله غفور رحيم (5) . PageV01P320 # براءة من الله ورسوله: أي هذه براءة، يقال: برئت من الشيء أبرأ براءة ~~وأنا منه بريء، إذا أزلته عن نفسك، وقطعت سبب ما بينك وبينه «1» . # إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) العهد: العقد الموثق باليمين، والخطاب ~~للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي مكة وغيرهم بإذن من الله والرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # والمعنى الإخبار للمسلمين بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدة، بسبب ~~ما وقع من الكفار من النقض، فصار النبذ إليهم بعهدهم واجبا على المعاهدين ~~من المسلمين. ومعنى براءة الله سبحانه، وقوع الإذن منه- سبحانه- بالنبذ من ~~المسلمين لعهد المشركين بعد وقوع النقض منهم وفي ذلك من التفخيم بشأن ~~البراءة والتهويل لها، والتسجيل على المشركين بالذل والهوان ما لا يخفى. # فسيحوا: أيها المشركون «2» . # في الأرض أربعة أشهر: هذا أمر منه سبحانه بالسياحة بعد الإخبار بتلك ~~البراءة. # والسياحة: السير، يقال: ساح فلان في الأرض، يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا. # ومعنى الآية أن الله سبحانه بعد أن أذن بالنبذ إلى المشركين بعهدهم، أباح ~~للمشركين الضرب في الأرض والذهاب إلى حيث يريدون، والاستعداد للحرب هذه ~~الأربعة الأشهر. # وليس المراد من الأمر بالسياحة تكليفهم بها، قال محمد بن إسحاق وغيره: إن ~~المشركين صنفان: # صنف كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر، فأمهل تمام الأربعة الأشهر. ~~PageV01P321 # والآخر كانت أكثر من ذلك، فقصر على أربعة أشهر، ليرتاد لنفسه وهو حرب بعد ~~ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيث يوجد. ms249 وابتداء هذا الأجل يوم الحج ~~الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر. # فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم: وذلك خمسون يوما: # عشرون من ذي الحجة وشهر محرم. # وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عهد دون أربعة أشهر، ومن كان عهده أكثر من ذلك فهو ~~الذي أمر الله أن يتم له عهده، بقوله تعالى: فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم. # ورجح هذا ابن جرير وغيره إلى قوله: إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا أي لم يقع منهم أي نقص، وإن كان يسيرا، وفيه دليل على أنه كان ~~من أهل العهد من خاس بعهده ومنهم من ثبت عليه، فأذن الله سبحانه لنبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم بنقض عهد من نقض، وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته «1» . # ولم يظاهروا عليكم المظاهرة: المعاونة، أي لم يعاونوا أحدا من أعدائكم. # فأتموا إليهم عهدهم: أي أدوا إليهم عهدهم تاما غير ناقص إلى مدتهم التي ~~عاهدتموهم إليها، وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، ولا تعاملوهم معاملة ~~الناكثين من القتال بعد مضي المدة المذكورة سابقا، وهي أربعة أشهر، أو ~~خمسون يوما على الخلاف السابق «2» . إن الله يحب المتقين (4) . # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم: انسلاخ الشهر ~~تكامله جزءا فجزءا إلى أن ينقضي، كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج ~~المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه. # وقد اختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة هنا؟ فقيل: هي الأشهر ~~الحرم المعروفة، التي هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، ثلاثة سرد، ~~وواحد فرد «3» . PageV01P322 # ومعنى الآية- على هذا- وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد له من المشركين في ~~هذه الأشهر الحرم، وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين بعهدهم يوم النحر، ~~فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة المسرودة خمسين يوما تنقضي ~~بانقضاء شهر المحرم، فأمرهم الله بقتل المشركين حيث يوجدون من حل أو حرم، ~~وبه قال جماعة من أهل العلم ms250 منهم الضحاك. وروي عن ابن عباس واختاره ابن ~~جرير «1» . # وقيل: المراد بها شهور العهد المشار إليه بقوله: فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم، وسميت حرما لأن الله سبحانه حرم على المسلمين فيها دماء المشركين ~~والتعرض لهم. # وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم منهم: مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو ~~بن شعيب. # وقيل: هي الأشهر المذكورة في قوله: فسيحوا في الأرض أربعة أشهر. وقد روي ~~ذلك عن ابن عباس وجماعة، ورجحه ابن كثير، وحكاه عن مجاهد وعمرو بن شعيب ~~ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم «2» . # ومعنى وخذوهم: الأسر فإن الأخيذ هو الأسير. # ومعنى واحصروهم منعهم من التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم. # واقعدوا لهم كل مرصد: هو الموضع الذي يرقب فيه العدو. # وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم لكل ~~مشرك، لا يخرج عنها إلا من خصته السنة، كالمرأة والصبي والعاجز الذي لا ~~يقاتل وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية على فرض تناول ~~المشركين لهم. # وهذه الآية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم. # وقال الضحاك وعطاء والسدي: هي منسوخة بقوله تعالى: فإما منا بعد وإما ~~فداء [محمد: 4] ، وأن الأسير لا يقتل صبرا، بل يمن عليه أو يفادى. ~~PageV01P323 # وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة لقوله: فإما منا بعد وإما فداء، وأنه لا ~~يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل. # وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان. # قال القرطبي: وهو الصحيح، لأن المن والقتل والفداء لم تزل من حكم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم من أول يوم حاربهم وهو يوم بدر «1» . # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة: أي تابوا عن الشرك الذي هو سبب ~~القتل، وحققوا التوبة بفعل ما هو أعظم أركان الإسلام، وهو إقامة الصلاة، ~~وهذا الركن اكتفى به عن ذكر ما يتعلق بالأبدان من العبادات، لكونه رأسها. ~~واكتفى بالركن الآخر المالي وهو إيتاء الزكاة عن كل ما يتعلق بالأموال ~~والعبادات، لأنها أعظمها. # فخلوا سبيلهم: ms251 أي اتركوهم وشأنهم، فلا تأسروهم، ولا تحصروهم، ولا ~~تقتلوهم. # [الآية السادسة] وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ~~ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) . # وإن أحد من المشركين استجارك: يقال: استجرت فلانا، أي طلبت أن يكون جارا ~~لي، أي محاميا ومحافظا لي من أن يظلمني ظالم، أو يتعرض لي معترض. # والمعنى: وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم، فأجره: أي كن ~~جارا له مؤمنا محاميا. # حتى يسمع كلام الله: منك ويتدبره حق تدبيره، ويقف على حقيقة ما تدعو ~~إليه. PageV01P324 # ثم أبلغه مأمنه: أي إلى الدار التي يأمن فيها بعد أن يسمع كلام الله إن ~~لم يسلم ثم بعد أن تبلغه مأمنه، قاتله فقد خرج من جوارك، ورجع إلى ما كان ~~عليه من إباحة دمه، ووجوب قتله حيث يوجد «1» . # [الآية السابعة] كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب ~~المتقين (7) . # كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله: والاستفهام هنا للتعجب ~~المتضمن للإنكار. # إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام: ولم ينقضوا، ولم ينكثوا فلا ~~تقاتلوهم. # فما استقاموا لكم: على العهد الذي بينكم وبينهم. # فاستقيموا لهم: قيل: هم بنو بكر. وقيل: بنو كنانة وبنو ضمرة. # [الآية الثامنة] # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات ~~لقوم يعلمون (11) . # فإن تابوا: عن الشرك والتزموا أحكام الإسلام. # وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين: أي دين الإسلام، لهم ما ~~لكم، وعليهم ما عليكم. # وعن ابن عباس قال: حرمت هذه الآية قتال أهل الصلاة ودماءهم «2» . ~~PageV01P325 # [الآيتان: التاسعة والعاشرة] # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك ~~حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين (18) . # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله: المراد بالعمارة: إما المعنى ~~الحقيقي الظاهر، أو ms252 المعنى المجازي، وهو ملازمته والتعبد فيه؟ وكلاهما ليس ~~للمشركين. # أما الأول فلأنه يستلزم المنة على المسلمين بعمارة مساجدهم. # وأما الثاني: فلكون الكفار لا عبادة لهم مع نهيهم عن قربان المسجد ~~الحرام. # فالمعنى: ما كان للمشركين وما صح لهم وما استقام، أن يفعلوا ذلك حال ~~كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر: أي بإظهار ما هو كفر، من نصب الأوثان، ~~والعبادة لها، وجعلها آلهة، فإن هذا شهادة منهم على أنفسهم بالكفر، وإن ~~أبوا ذلك بألسنتهم! فكيف يجمعون بين أمرين متنافيين: عمارة المساجد التي هي ~~من شأن المؤمنين، والشهادة على أنفسهم بالكفر، التي ليست من شأن من يتقرب ~~إلى الله بعمارة مساجده؟ # وقيل: المراد بهذه الشهادة قولهم في طوافهم: لبيك لا شريك لك لبيك، إلا ~~شريك هو لك، تملكه وما ملك «1» . # وقيل: شهادتهم على أنفسهم بالكفر، أن اليهودي يقول: هو يهودي، والنصراني ~~يقول: هو نصراني، والصابىء يقول: صابىء، والمشرك يقول: هو مشرك. # أولئك حبطت أعمالهم: التي يفتخرون بها ويظنون أنها من أعمال الخير، أي ~~بطلت، ولم يبق لها أثر. # وفي النار هم خالدون (17) : في هذه الجملة الاسمية، مع تقدم الظرف ~~المتعلق بالخبر، تأكيدا لمضمونها. PageV01P326 # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر: وفعل ما هو من لوازم ~~الإيمان. # وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فمن كان جامعا بين هذه ~~الأوصاف، فهو الحقيق بعمارة المساجد، لا من كان خاليا منها أو من بعضها، ~~واقتصر على ذكر الصلاة والزكاة والخشية تنبيها بما هو من أعظم أمور الدين، ~~على ما عداه مما افترض الله على عباده، لأن كل ذلك من لوازم الإيمان. # [الآية الحادية عشرة] # يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم ~~حكيم (28) . # إنما المشركون نجس: هو مصدر لا يثنى ولا يجمع «1» . # وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات كما ذهب إليه بعض ~~الظاهرية. وروي عن الحسن البصري- وهو محكي عن ابن عباس. ms253 # وذهب الجمهور من السلف والخلف- ومنهم أهل المذاهب الأربعة- إلى أن الكافر ~~ليس نجس الذات، لأن الله سبحانه أحل طعامهم. # وثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك من فعله وقوله ما يفيد عدم ~~نجاسة ذواتهم فأكل في آنيتهم، وشرب فيها، وتوضأ منها، وأنزلهم في مسجده «2» ~~. # فلا يقربوا: الفاء للتفريع، فعدم قربانهم المسجد الحرام متفرع عن ~~نجاستهم. # والمراد بالمسجد الحرام- على ما يروى عن عطاء- جميع الحرم. PageV01P327 # وذهب غيره من أهل العلم إلى أن المراد المسجد الحرام نفسه، فلا يمنع ~~المشركون من دخول سائر الحرم. # وقد اختلف أهل العلم في دخول المشرك غيره من المساجد؟ فذهب أهل المدينة ~~إلى منع كل مشرك عن كل مسجد. # وقال الشافعي: الآية عامة في سائر المشركين، خاصة في المسجد الحرام. فلا ~~يمنعون من دخول غيره من المساجد. # قال ابن العربي: وهذا جمود منه على الظاهر، لأن قوله: إنما المشركون نجس ~~تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة! ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود بربطه ~~صلى الله عليه وآله وسلم لثمامة بن أثال في مسجده «1» ، وإنزال وفد ثقيف ~~فيه «2» . # وروي عن أبي حنيفة مثل قول الشافعي، وزاد أنه يجوز دخول الذمي سائر ~~المساجد من غير حاجة، وقيده الشافعي بالحاجة. وقال قتادة: إنه يجوز ذلك ~~للذمي دون المشرك. وروي عن أبي حنيفة أيضا أنه يجوز لهم دخول الحرم. ثم هو ~~نهي للمسلمين عن أن يمكنوهم من ذلك، فهو من باب قولهم: لا أرينك هنا. # بعد عامهم هذا فيه قولان: # أحدهما: أنه سنة تسع، وهي التي حج فيها أبو بكر على الموسم. # الثاني: أنه سنة عشر، قاله قتادة. # قال ابن العربي: وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ. وإن من العجب أن ~~يقال: إنه سنة تسع، وهو العام الذي وقع فيه الأذان. ولو دخل غلام رجل داره ~~يوما PageV01P328 # فقال له مولاه: لا تدخل هذا الدار بعد يومك، لم يكن المراد اليوم الذي ~~دخل فيه. # انتهى. # ويجاب عنه بأن الذي يعطيه اللفظ هو خلاف ما زعمه فإن الإشارة بقوله: بعد ~~عامهم هذا إلى ms254 العام المذكور قبل اسم الإشارة وهو عام النداء، وهكذا في ~~المقال الذي ذكره، المراد النهي عن دخولها بعد يوم الدخول الذي وقع فيه ~~الخطاب، والأمر ظاهر لا يخفى. ولعله أراد تفسير (بعد) المضاف إلى عامهم. ~~ولا شك أنه عام عشر. # وأما تفسير العام المشار إليه بهذا، فلا شك ولا ريب أنه عام تسع، وعلى ~~هذا يحمل قول قتادة. # وقد استدل من قال: بأنه يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام وغيره من ~~المساجد بهذا القيد أعني قوله: عامهم هذا، قائلا: إن النهي مختص بوقت الحج ~~والعمرة، فهم ممنوعون عن الحج والعمرة فقط، لا عن مطلق الدخول. # ويجاب عنه بأن ظاهر النهي عن القربان بعد هذا العام، يفيد المنع من ~~القربان في كل وقت من الأوقات الكائنة بعده، وتخصيص بعضها بالجواز يحتاج ~~إلى مخصص. # [الآية الثانية عشرة] قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29) . # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب: فيه الأمر بقتال من جمع ~~بين هذه الأوصاف. # حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29) الجزية وزنها فعلة من جزى يجزي. # وهي في الشرع: ما يعطيه المعاهد على عهده «1» . PageV01P329 # وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه ~~والثوري وأبو ثور إلى أن الجزية لا تقبل إلا من أهل الكتاب. # وقال الأوزاعي ومالك: إن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائنا من كان ~~«1» . # ويدخل في أهل الكتاب على القول الأول المجوس. # قال ابن المنذر: لا أعلم خلافا في أن الجزية تؤخذ منهم «2» . # واختلف أهل العلم في مقدار الجزية: فقال عطاء: لا مقدار لها وإنما تؤخذ ~~على ما صولحوا عليه، به قال يحيى بن آدم وأبو عبيد وابن جرير إلا أنه قال: ~~أقلها دينار وأكثرها لا حد له. # وقال الشافعي: دينار على الغني ms255 والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه ~~شيء، وبه قال أبو ثور. # قال الشافعي: وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز، وإذا زادوا وطابت بذلك ~~أنفسهم قبل منهم. # وقال مالك: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق ~~الغني والفقير سواء، ولو كان مجوسيا، لا يزيد ولا ينقص. # وقال أبو حنيفة وأصحابه، ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل: إثنا عشر، وأربعة ~~وعشرون، وثمانية وأربعون. والكلام في ذلك مقرر في مواطنه «3» . PageV01P330 # قال الشوكاني: والحق من هذه الأقوال ما قررنا في «شرحنا للمنتقى» «1» ~~وغيره من مؤلفاتنا. انتهى. # وقد سبقه إلى ذلك السيد العلامة محمد الأمير برسالة مفردة في هذه المسألة ~~وأحكامها سماها «إفادة الأمة بأحكام أهل الذمة» وأجاد فيها وأفاد، وتكلمنا ~~على ذلك في «شرحنا على بلوغ المرام» فليرجع إليها. # [الآية الثالثة عشرة] # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) . # والذين يكنزون الذهب والفضة: قيل: هم المتقدم ذكرهم من الأحبار والرهبان، ~~وأنهم كانوا يصنعون هذا الصنع. # وقيل: هم من يفعل ذلك من المسلمين. والأولى حمل الآية على عموم اللفظ فهو ~~أوسع من ذلك. # وأصل الكنز في اللغة: الضم والجمع، ولا يختص بالذهب والفضة. # قال ابن جرير «2» : الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في بطن الأرض كان ~~أو على ظهرها. انتهى. PageV01P331 # واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أم لا؟ فقال ~~قوم: # هو كنز، وقال آخرون: ليس بكنز. ومن القائلين بالقول الثاني عمر بن الخطاب ~~وابن عمر وابن عباس وجابر وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وهو الحق ~~للأدلة «1» المصرحة بأن ما أديت زكاته فليس بكنز، وإنما خص الذهب والفضة ~~دون سائر الأموال بالذكر لأنها أثمان الأشياء وغالب ما يكنز، وإن كان ~~غيرهما له حكمهما في تحريم الكنز. # ولا ينفقونها: كناية عن عدم أداء الزكاة ونحوها. # في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ms256 (34) . # [الآية الرابعة عشرة] # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) . # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا: أي في حكمه وقضائه وحكمته، وذلك ~~أن الله سبحانه لما حكم في كل وقت بحكم خاص، غير الكفار تلك الأوقات ~~بالنسيء والكبيسة «2» ، فأخبرنا بما هو حكمه. # في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض: في هذه الآية بيان أن الله سبحانه ~~وضع هذه الشهور، وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف، يوم خلق الله ~~السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء، ونزلت به الكتب، وأنه ~~لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها، ~~ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أكثر، وبعضها أقل. # منها أربعة حرم: هي ذو العقدة وذو الحجة ومحرم، ورجب، ثلاثة PageV01P332 # متواليات وواحد فرد، كما ورد بيان ذلك في السنة المطهرة «1» . # ذلك الدين القيم: أي كون هذه الشهور كذلك، ومنها أربعة حرم، هو الدين ~~المستقيم، والحساب الصحيح، والعدد المستوفى. # فلا تظلموا فيهن أنفسكم أي في هذه الأشهر الحرم، بإيقاع القتال فيها، ~~وانتهاك حرمتها. # وقيل: إن الضمير يرجع إلى الشهور كلها، الحرم وغيرها، وأن الله نهى عن ~~الظلم فيها، والأول أولى. # وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت ~~محكم لم ينسخ بهذه الآية ولقوله: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ~~ولا الشهر الحرام [المائدة: 2] ولقوله: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين [التوبة: 5] . # ويجاب عنه بأن الأمر بقتل المشركين ومقاتلتهم مقيدة بانسلاخ الأشهر الحرم ~~كما في الآية المذكورة، فتكون سائر الآيات المتضمنة للأمر بالقتال مقيدة ~~بما ورد في تحريم القتال في الحرم، للأدلة الواردة في تحريم القتال فيه. # وأما ما استدلوا به من أنه صلى الله عليه وآله وسلم حاصر أهل الطائف في ~~شهر حرام- وهو ذو القعدة كما ثبت في «الصحيحين» ms257 وغيرهما «2» - فقد أجيب عنه ~~أنه لم يبتد محاصرتهم في ذي القعدة بل في شوال والمحرم إنما هو ابتداء ~~القتال في الأشهر الحرم، لا إتمامه، وبهذا يحصل الجمع. # وقاتلوا المشركين كافة: أي جميعا وهو مصدر في موضع الحال. # قال الزجاج: مثل هذا من المصادر كعامة وخاصة، لا تثنى ولا تجمع. # كما يقاتلونكم كافة وفيه دليل على وجوب قتال المشركين، وأنه فرض على ~~الأعيان، إن لم يقم به البعض. PageV01P333 # [الآية الخامسة عشرة] # انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون (41) . # انفروا حال كونكم خفافا وثقالا. # وقيل: المراد منفردين أو مجتمعين وقيل: نشاطا وغير نشاط، وقيل: فقراء ~~وأغنياء، وقيل: مقلين من السلاح ومكثرين منه، وقيل: أصحاء ومرضى، وقيل: ~~شبابا وشيوخا، وقيل: رجالا وفرسانا، وقيل: من لا عيال له ومن له عيال، ~~وقيل: من سبق إلى الحرب كالطلائع ومن يتأخر كالجيش، وقيل: غير ذلك. ولا ~~مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني لأن معنى الآية: انفروا خفت عليكم ~~الحركة أو ثقلت. # قيل: وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ~~[التوبة: 91] ، وقيل: الناسخ لها قوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة [التوبة: 122] الآية. # وقيل: هي محكمة وليست بمنسوخة «1» . # ويكون إخراج الأعمى والأعرج بقوله: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ~~حرج [النور: 61] ، وإخراج المريض والضعيف بقوله: ليس على الضعفاء ولا على ~~المرضى [التوبة: 91] ، من باب التخصيص لا من باب النسخ على فرض دخول هؤلاء ~~تحت قوله: خفافا وثقالا، والظاهر عدم دخولهم تحت العموم. # وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله الأمر بالجهاد بالأموال والأنفس، ~~وإيجابه على العباد: فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم ~~وأنفسهم، والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها، وهو فرض كفاية مهما كان البعض ~~يقوم بجهاد العدو PageV01P334 # ويدفعه، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين- في قطر من الأرض أو ~~أقطار-، وجب عليهم ذلك وجوب عين. # [الآيتان: السادسة والسابعة عشرة] # لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله ms258 عليم بالمتقين (44) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) . # لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين (44) : معناه- على ما يقتضي ظاهر اللفظ- أنه لا ~~يستأذنك المؤمنون في الجهاد بل دأبهم أن يبادروا إليه من غير توقف، ولا ~~ارتقاب منهم لوقوع الإذن منك، فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف. # إنما يستأذنك: في القعود عن الجهاد، والتخلف عنه: # الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر: وهم المنافقون، وذكر الإيمان بالله ~~أولا، ثم باليوم الآخر ثانيا في الموضعين لأنهما الباعثان على الجهاد في ~~سبيل الله. # [الآية: الثامنة عشرة] # إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ~~(60) . # إنما الصدقات: إنما من صيغ القصر، وتعريف الصدقات للجنس، أي جنس هذه ~~الصدقات مقصورة على الأصناف الآتية لا تتجاوزها، بل هي لهم لا لغيرهم. # وقد اختلف أهل العلم: هل يجب تقسيط الصدقات على هذه الأصناف الثمانية، أو ~~يجوز صرفها إلى البعض دون البعض على حسب ما يرى الإمام أو صاحب الصدقة؟ # فذهب إلى الأول الشافعي وجماعة من أهل العلم «1» . PageV01P335 # وذهب إلى الثاني مالك «1» وأبو حنيفة، وبه قال عمر وحذيفة وابن عباس وأبو ~~العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران «2» . # قال ابن جرير «3» : وهو قول أكثر أهل العلم. # احتج الأولون بما في الآية من القصر وبحديث زياد بن الحارث الصدائي عند ~~أبي داود والدارقطني قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبايعته ~~فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة؟ # فقال له إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، ~~فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» «4» . # وأجاب الآخرون بأن ما في الآية من القصر إنما هو لبيان الصرف والمصرف لا ~~لوجوب استيعاب الأصناف وبأن في إسناد الحديث عبد الرحمن بن زياد بن [أنعم] ~~«5» الأفريقي وهو ضعيف. # ومما يؤيد ما ذهب إليه الآخرون قوله تعالى: إن ms259 تبدوا الصدقات فنعما هي ~~وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم [البقرة: 271] . PageV01P336 # والصدقة تطلق على الواجبة كما تطلق على المندوبة. # وصح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أمرت أن آخذ الصدقة من ~~أغنيائكم وأردها في فقرائكم» «1» . # وقد ادعى مالك الإجماع على القول الآخر. # قال ابن عبد البر: بإجماع الصحابة، فإنه لا يعلم مخالفا منهم. # للفقراء والمساكين: قدمهم لأنهم أحوج من البقية على المشهور، لشدة فاقتهم ~~وحاجتهم. # وقد اختلف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين على أقوال: # فقال يعقوب بن السكيت والقتيبي ويونس بن حبيب: إن الفقير أحسن حالا من ~~المسكين قالوا: لأن الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي ~~لا شيء له. وذهب إلى هذا قوم من أهل الفقه منهم أبو حنيفة. # وقال آخرون بالعكس فجعلوا المسكين أحسن حالا من الفقير «2» واحتجوا بقوله ~~PageV01P337 # تعالى: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر [الكهف: 79] ، فأخبر ~~أن لهم سفينة من سفن البحر، وربما ساوت جملة من المال، ويؤيده تعوذ النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من الفقر «1» مع قوله: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني ~~مسكينا» «2» . # وإلى هذا ذهب الأصمعي وغيره من أهل اللغة، وحكاه الطحاوي عن الكوفيين، ~~وهو أحد قولي الشافعي، وإليه ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو ~~يوسف. # وقال قوم: الفقير: المحتاج للتعفف والمسكين: السائل. قاله الأزهري ~~واختاره ابن شعبان، وهو مروي عن ابن عباس. وقد قيل غير هذه الأقوال مما لا ~~يأتي الاستكثار منه بفائدة يعتد بها. # والأولى في بيان ماهية المسكين ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عند البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: «ليس المسكين بهذه الطواف، الذي يطوف على الناس فترده ~~اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ ~~قال: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس ~~شيئا» «3» . PageV01P338 # والعاملين عليها: أي السعاة الذين ينفقهم الإمام لتحصيل الزكاة فإنهم ms260 ~~يستحقون منها قسطا. # واختلف في القدر الذي يأخذونه منها؟ # فقيل: الثمن، روي ذلك عن مجاهد والشافعي. # وقيل: على قدر أعمالهم من الأجرة، روي ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه. # وقيل: يعطون من بيت المال قدر أجرتهم، روي ذلك عن مالك. ولا وجه لهذا، ~~فإن الله تعالى قد أخبر بأن لهم نصيبا من الصدقة، فكيف يمنعون منها ويعطون ~~من غيرها؟! واختلفوا هل يجوز أن يكون العامل هاشميا أم لا؟ فمنعه قوم ~~وأجازه آخرون. # قالوا: ويعطى من غير الصدقة. # والمؤلفة قلوبهم: قوم كانوا في صدر الإسلام. # فقيل: هم الكفار الذين كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتألفهم ~~ليسلموا، وكانوا لا يدخلون في الإسلام بالقهر والسيف بل بالعطاء. # وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر ولم يحسن إسلامهم، فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يتألفهم بالعطاء. # وقيل: هم من أسلم من اليهود والنصارى، وقيل: هم قوم من عظماء المشركين، ~~ولهم أتباع، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليتألفوا أتباعهم على ~~الإسلام، وأعطى النبي عليه السلام جماعة ممن أسلم ظاهرا، كأبي سفيان بن حرب ~~والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى: أعطى كل واحد منهم ~~مائة من الإبل يؤلفهم بذلك، وأعطى آخرين دونهم «1» . PageV01P339 # وقد اختلف العلماء: هل سهم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم لا؟ # فقال عمر والحسن والشعبي: قد انقطع هذا الصنف بعزة الإسلام وظهوره. وهذا ~~مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي. وقد ادعى بعض الحنفية أن الصحابة أجمعت ~~على ذلك. # وقال جماعة من العلماء: سهمهم باق لأن الإمام ربما احتاج أن يتألف على ~~الإسلام، وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين، وبه أفتى الماوردي في ~~كتابه «الأحكام السلطانية» «1» ، قال يونس: سألت الزهري عنهم؟ فقال: لا ~~أعلم نسخ ذلك. # وعلى القول الأول يرجع سهمهم لسائر الأصناف. # وفي الرقاب: أي في فكها بأن يشتري رقابا ثم يعتقها، روي ذلك عن ابن عباس ~~وابن عمر، وبه قال مالك وابن حنبل وإسحاق وأبو عبيد. # وقال الحسن البصري ومقاتل بن ms261 حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ~~والنخعي والزهري وابن زيد: إنهم المكاتبون يعانون من الصدقة على مال ~~الكتابة، وهو قول الشافعي «2» وأصحاب الرأي «3» ورواية عن مالك «4» . ~~والأولى حمل ما في الآية على القولين جميعا، لصدق الرقاب على شراء العبد ~~وإعتاقه، وعلى إعانة المكاتب على مال الكتابة. # والغارمين: هم الذين ركبتهم الديون ولا وفاء عندهم بها، ولا خلاف في ذلك ~~إلا من لزمه دين في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب. وقد ~~أعان النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقة من تحمل حمالة وأرشد إلى ~~إعانته منها «5» . # وفي سبيل الله: هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ~~ومرابطتهم، وإن كانوا أغنياء. وهذا قول أكثر العلماء. قال ابن عمر: هم ~~PageV01P340 # الحجاج والعمار «1» . # وروي عن أحمد وإسحاق أنهما جعلا الحج من سبيل الله «2» . # وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا منقطعا به. # وابن السبيل: هو المسافر «3» . # والسبيل: الطريق ونسب إليها المسافر لملازمته إياها. # والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره، فإنه يعطى منها ~~وإن كان غنيا في بلده، وإن وجد من يسلفه. # وقال مالك: إذا وجد من يسلفه فلا يعطى «4» . # قوله: فريضة من الله: يعني كون الصدقات مقصورة على هذه الأصناف هو حكم ~~لازم فرضا لله على عباده نهاهم عن مجاوزته «5» . # [الآية التاسعة عشرة] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (73) . # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين: الأمر بهذا الجهاد أمر لأمته من ~~بعده وجهاد الكفار يكون بمقاتلهم حتى يسلموا، وجهاد المنافقين يكون بإقامة ~~الحجة عليهم حتى يخرجوا عنه ويؤمنوا بالله «6» . PageV01P341 # وقال الحسن: إن جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم. واختاره قتادة «1» . # قيل في توجيهه: إن المنافقين كانوا أكثر من يفعل موجبات الحدود. # وقال ابن العربي: إن هذه دعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنما ~~المنافق بما يكون في قلبه من النفاق بما لا تتلبس به الجوارح ظاهرا، وأخبار ~~المحدودين ms262 تشهد بسياقها أنهم لم يكونوا منافقين. # واغلظ عليهم الغلظ: نقيض الرأفة، وهو شدة القلب، وخشونة الجانب. # قيل: وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصبر والصفح، وفي «التحريم» «2» ~~مثلها. # [الآية العشرون] # فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) ~~. # فإن رجعك الله: الرجع: متعد كالرد، والرجوع: لازم، والفاء لتفريغ ما ~~بعدها على ما قبلها وإنما قال: إلى طائفة منهم: لأن جميع من أقام بالمدينة ~~لم يكونوا منافقين، بل كان فيهم غيرهم من المؤمنين لهم أعذار صحيحة، وفيهم ~~من المؤمنين من لا عذر له، ثم عفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وتاب الله عليهم كالثلاثة الذين خلفوا «3» . # وقيل: إنما قال إلى طائفة لأن منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف. # فاستأذنوك للخروج معك في غزوة أخرى بعد غزوتك هذه. PageV01P342 # فقل لهم: لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا: أي قل لهم ذلك عقوبة ~~لهم، ولما في استصحابهم من المفاسد. # إنكم رضيتم بالقعود أول مرة: للتعليل أي لن تخرجوا معي، ولن تقاتلوا ~~لأنكم رضيتم بالقعود والتخلف أول مرة، وهي غزوة تبوك. # فاقعدوا مع الخالفين (83) : جمع خالف، والمراد بهم من تخلف عن الخروج. # وقيل: المعنى فاقعدوا مع الفاسدين، من قولهم: (فلان خالف أهل بيته) إذا ~~كان فاسدا فيهم. # [الآية الحادية والعشرون] ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (84) . # ولا تصل على أحد منهم مات: صفة لأحد. # وأبدا ظرف لتأييد النفي. # قال الزجاج: معنى قوله: ولا تقم على قبره: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له «1» ، فمنع هاهنا منه. # وقيل: معناه لا تقم بمهمات إصلاح قبره. # وجملة: إنهم كفروا إلخ. تعليل للنهي عن صلاة الجنازة، والقيام على قبور ~~هؤلاء المنافقين «2» . PageV01P343 # [الآيات: الثانية والثالثة والرابعة والعشرون] # ليس على الضعفاء ولا على المرضى ms263 ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ~~إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا ~~على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) إنما السبيل على الذين ~~يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم ~~لا يعلمون (93) . # ليس على الضعفاء: وهم أرباب الزمانة والهرم والعرج ونحو ذلك «1» ، ثم ذكر ~~العذر العارض فقال: # ولا على المرضى: والمراد بالمرض: كل ما يصدق عليه اسم المرض لغة أو شرعا. # وقيل: إنه يدخل في المرضى الأعمى والأعرج ونحوهما، ثم ذكر العذر الراجع ~~إلى المال لا إلى البدن قائلا: # ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون: أي ليست لهم أموال ينفقونها فيما ~~يحتاجون إليه من التجهيز للجهاد، فنفى سبحانه عنهم أن يكون عليهم حرج: ~~وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم، غير واجب عليهم مقيدا بقوله: # إذا نصحوا: أصل النصح إخلاص العمل، ونصح له القول: أي أخلصه له. # والنصح لله الإيمان به، والعمل بشريعته، وترك ما يخالفها كائنا ما كان، ~~ويدخل تحته دخولا أوليا نصح عباده، ومحبة المجاهدين في سبيله، وبذل النصيحة ~~لهم في أمر الجهاد، وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه. # ونصيحة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم التصديق بنبوته وبما جاء به، ~~وطاعته في كل ما يأمر به أو ينهى عنه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، ~~ومحبته، وتعظيم سنته، وإحياءها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة. # وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الدين ~~النصيحة» ثلاثا، قالوا: # لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» «2» . ~~PageV01P344 # وجملة: ما على المحسنين من سبيل: مقررة لمضمون سبق أي ليس على المعذورين ~~الناصحين طريق عقاب ومؤاخذة. # والله غفور رحيم (91) وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها [البقرة: 286] ، وقوله: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ~~ولا على المريض ms264 حرج [النور: 61] ، وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين لا ~~يستلزم عدم ثبوت ثواب الغزو لهم الذي عذرهم الله عنه مع رغبتهم إليه لولا ~~أن حبسهم العذر عنه. # ومنه حديث أنس عن أبي داود وأحمد- وأصله في «الصحيحين» - أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لقد تركتم بعدكم قوما ما سرتم من مسير، ولا ~~أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم: قالوا: يا رسول الله وكيف ~~يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: # حبسهم العذر» «1» . # وأخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر «2» . # ثم ذكر الله سبحانه من جملة المعذورين من تضمنه قوله: # ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم: على ما يركبون عليه في الغزو. # قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع: أي حال كونهم ~~باكين. # حزنا: منصوب على المصدرية أو على الحالية. # ألا يجدوا ما ينفقون (92) لا عند أنفسهم ولا عندك. # إنما السبيل: أي طريق العقوبة والمؤاخذة. # على الذين يستأذنونك: في التخلف عن الغزو، والحال أن وهم أغنياء: أي ~~يجدون ما يحملهم وما يتجهزون به. PageV01P345 # رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم: أي أن سبب الاستئذان ~~مع الغنى أمران: # أحدهما: الرضا بالصفقة الخاسرة وهي أن يكونوا مع الخوالف. # والثاني: الطبع من الله على قلوبهم. # فهم: بسبب هذا الطبع. # لا يعلمون (93) : ما فيه الربح لهم حتى يختاروه على ما فيه الخسر. # [الآية الخامسة والعشرون] # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله ~~سميع عليم (103) . # خذ من أموالهم صدقة: قد اختلف أهل العلم في هذه الصدقة المأمور بها؟ # فقيل: هي صدقة الفرض. # وقيل: هي مخصوصة لهذه الطائفة المعترفين بذنوبهم لأنهم بعد التوبة عليهم ~~عرضوا أموالهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية. و ~~(من) للتبعيض على التفسيرين. # قال السيوطي: فأخذ ثلث أموالهم فتصدق بذلك للكفارة فإن كل من أتى ذنبا ~~يسن له أن يتصدق، والآية مطلقة مبينة بالسنة المطهرة، والصدقة مأخوذة من ~~الصدق، إذ هي دليل على ms265 صدق مخرجها في إيمانه. # تطهرهم وتزكيهم بها: الضمير في الفعلين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وقيل: للصدقة: أي تطهرهم هذه الصدقة المأخوذة منهم، والأول أولى. # ومعنى التطهير: إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب، ومعنى التزكية: ~~المبالغة في التطهير «1» . # وصل عليهم: أي ادع لهم بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم. PageV01P346 # قال النحاس: وحكى أهل اللغة جميعا- فيما علمنا- أن الصلاة في كلام العرب: # الدعاء. # إن صلاتك سكن لهم أي ما تسكن إليه النفس، وتطمئن به. # [الآية السادسة والعشرون] # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) . # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى: ~~ذكر أهل التفسير أن (ما كان) في القرآن يأتي على وجهين: # الأول: على النفي نحو: وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله [آل عمران: ~~145] . # والآخر: على معنى النهي نحو: وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله [الأحزاب: ~~53] ، وما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية، فإن القرابة ~~في مثل هذا الحكم لا تأثير لها، وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار، ~~وتحريم الاستغفار لهم والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافرا «1» . # ولا ينافي هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح أنه قال يوم ~~أحد حين كسر المشركون رباعيته وشجوا وجهه: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا ~~يعلمون» «2» ، لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار ~~للمشركين. # وعلى فرض أنه كان قد بلغه- كما يفيده سبب النزول «3» - فإنه قبل يوم أحد ~~بمدة طويلة، فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن ~~تقدم من الأنبياء، كما في «صحيح مسلم» عن عبد الله قال: «كأني أنظر إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبيا PageV01P347 # من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم ~~لا يعلمون» «1» . # وفي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر نبيا قبله شجه قومه، ~~فجعل ms266 يخبر عنه بأنه قال: # «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» «2» . # من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) : هذه الجملة تتضمن التعليل ~~للنهي عن الاستغفار. # والمعنى أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا وعدم الاعتداد ~~بالقرابة، لأنهم ماتوا على الشرك، وقد قال سبحانه إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به [النساء: 48] فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده. # [الآية السابعة والعشرون] # وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا ~~في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) . # وما كان المؤمنون لينفروا كافة: اختلف المفسرون في معناها؟ فذهب جماعة ~~إلى أنه من بقية أحكام الجهاد، لأنه سبحانه لما بالغ في الأمر بالجهاد ~~والانتداب إلى الغزو كان المسلمون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم سرية إلى الكفار، ينفرون جميعا ويتركون المدينة خالية، فأخبرهم سبحانه ~~بأنه ما كان لهم ذلك، أي ما صح لهم ولا استقام أن ينفروا جميعا. # فلولا: بمعنى هلا، فهي تحضيضية على معنى الطلب. # نفر من كل فرقة منهم طائفة: ويبقى من عدا هذه الطائفة النافرة، ويكون ~~الضمير في قوله: ليتفقهوا في الدين: عائدا إلى الفرقة الباقية «3» . # والمعنى أن طائفة من هذه الفرقة تخرج إلى الغزو، ومن بقي من الفرقة يقفون ~~PageV01P348 # لطلب العلم ويعلمون الغزاة إذا رجعوا إليهم من الغزو، أو يذهبون في طلبه ~~إلى المكان الذي يجدون فيه من يتعلمون منه ليأخذوا عنه الفقه في الدين «1» ~~. # ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم: عطف علة، ففيه إشارة إلى أنه ينبغي أن ~~يكون غرض المتعلم الاستقامة وتبليغ الشريعة، لا الترفع على العباد والتبسط ~~في البلاد. # وذهب آخرون إلى أن هذه الآية ليست من بقية أحكام الجهاد، بل هي حكم مستقل ~~بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم والتفقه في الدين، جعله الله سبحانه ~~متصلا بما دل على إيجاب الخروج إلى الجهاد، فيكون السفر نوعين: # الأول: سفر الجهاد. # والثاني: السفر لطلب العلم. # ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون ms267 إذا لم يجد الطالب من يتعلم ~~منه في الحضر من غير سفر. # والفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية، وبما يتوصل به إلى العلم بها، من لغة ~~ونحو وصرف وبيان وأصول. وقد جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في ~~الدين، وإنذار من لم يتفقه، فجمع بين المقصدين الصالحين، والمطلبين ~~الصحيحين، وهما: # تعلم العلم وتعليمه، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين فهو طالب لغرض ~~دنيوي لا لغرض ديني «2» . # [الآية الثامنة والعشرون] يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين (123) . # يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة: ~~أمر سبحانه المؤمنين بأن يجتهدوا في مقاتلة من يليهم من الكفار في الدار ~~والبلاد والنسب، وأن يأخذوا في حربهم بالغلظة والشدة. # والجهاد واجب لكل الكفار، وإن كان الابتداء بمن يلي المجاهدين منهم أهم ~~وأقدم، ثم الأقرب فالأقرب. PageV01P349 ### | سورة هود وآياتها مائة وثلاث وعشرون آية # مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر وغيرهم «1» . # قال ابن عباس وقتادة: إلا آية «2» ، وهي قوله: وأقم الصلاة طرفي النهار. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «اقرؤوا [هود] «3» يوم الجمعة» . # أخرجه الدارمي وأبو داود في «مراسيله» وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر ~~والبيهقي في «الشعب» عن كعب «4» . # [الآية الأولى] # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ~~ثم لا تنصرون (113) . # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا: فسر الأئمة من رواة اللغة الركون: بمطلق ~~الميل والسكون من غير تقييد بما قيد به صاحب «الكشاف» حيث قال: إن الركون ~~هو الميل اليسير، وهكذا فسره المفسرون بمطلق الميل والسكون من غير تقييد، ~~إلا من كان من المتقيدين بما ينقله صاحب «الكشاف» . # ومن المفسرين من ذكر في تفسيره للركون قيودا لم يذكرها أئمة اللغة. ~~PageV01P350 # قال القرطبي في «تفسيره» «1» : الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون ~~إلى الشيء والرضا به، ومن أئمة التابعين من فسر الركون بما هو بعض من معناه ~~اللغوي: # فروي عن قتادة وعكرمة في تفسير ms268 الآية: إن معناها لا تودوهم ولا تطيعوهم. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير الآية: الركون هنا الإدهان، ~~وذلك أن لا ينكر عليهم كفرهم. # وقال أبو العالية: معناه لا ترضوا أعمالهم «2» . # وقد اختلف أيضا الأئمة من المفسرين في هذه الآية: هل هي خاصة بالمشركين؟ # وأنهم المرادون بالذين ظلموا؟ وقد روي ذلك عن ابن عباس. # وقيل: إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم، وهذا هو الظاهر من ~~الآية. ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون لكان الاعتبار لعموم اللفظ لا ~~لخصوص السبب. # فإن قلت: قد وردت الأدلة الصحيحة البالغة عدد التواتر، الثابتة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ثبوتا لا يخفى على من له أدنى تمسك بالسنة ~~المطهرة، بوجوب طاعة الأئمة والسلاطين والأمراء حتى ورد في بعض ألفاظ ~~الصحيح: «أطيعوا السلطان وإن كان عبدا حبشيا رأسه كالزبيبة» «3» . # وورد وجوب طاعتهم ما أقاموا الصلاة «4» ، وما لم يظهر منهم الكفر البواح ~~«5» ، وما لم يأمروا بمعصية الله «6» . PageV01P351 # وظاهر ذلك أنهم وإن بلغوا في الظلم إلى أعلى مرتبة، وفعلوا أعظم أنواعه ~~مما لم يخرجوا به إلى الكفر البواح، فإن طاعتهم واجبة، حيث لم يكن ما أمروا ~~به من معصية الله. # ومن جملة ما يأمرون به تولي الأعمال لهم والدخول في المناصب الدينية التي ~~ليس الدخول فيها من معصية الله. # ومن جملة ما يأمرون به الجهاد وأخذ الحقوق الواجبة من الرعايا وإقامة ~~الشريعة بين المتخاصمين منهم وإقامة الحدود على من وجبت عليه. # وبالجملة فطاعتهم واجبة على كل من صار تحت أمرهم ونهيهم، فكل ما يأمرون ~~به مما لم يكن من معصية الله، ولا بد في مثل هذا من المخالطة لهم والدخول ~~عليهم ونحو ذلك مما لا بد منه، ولا محيص عن هذا الذي ذكرناه من وجوب طاعتهم ~~بالقيود المذكورة لتواتر الأدلة الواردة به بل وقد ورد به الكتاب العزيز: ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: 59] ، بل ورد أنهم ~~يعطون الذي لهم من الإطاعة وإن منعوا ما هو ms269 عليهم للرعايا، كما في بعض ~~الأحاديث الصحيحة: «أعطوهم الذي لهم واسألوا الله الذي لكم» «1» . # بل ورد الأمر بطاعة السلطان وبالغ في ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حتى قال: «وإن أخذ مالك وضرب ظهرك» «2» . # وإن اعتبرنا مطلق الميل والسكون، فمجرد هذه الطاعة المأمور بها مع ما ~~يستلزمه من المخالطة عن ميل وسكون، وإن اعتبرنا الميل والسكون ظاهرا ~~وباطنا، فلا يتناول النهي في هذه الآية من مال إليهم في الظاهر بأمر يقتضي ~~ذلك شرعا، كالطاعة أو للتقية مخافة الضرر منهم، أو لجلب مصلحة عامة أو ~~خاصة، أو لدفع مفسدة عامة أو خاصة، إذا لم يكن له ميل إليهم في الباطن ولا ~~محبة ولا رضا بأفعالهم. # قلت: أما الطاعة على عمومها لجميع أقسامها- حيث لم تكن في معصية الله- ~~فهي على فرض صدق مسمى الركون عليها مخصصة لعموم النهي عنه، ولا شك في هذا ~~PageV01P352 # ولا ريب، فكل من أمروه ابتداء أن يدخل في شيء من الأعمال التي أمرها ~~إليهم- مما لم يكن من معصية الله كالمناصب الدينية ونحوها- إذا وثق من نفسه ~~بالقيام إلى ما وكل إليه فذلك واجب عليه، فضلا عن أن يقال جائز له. # وأما ما ورد من النهي عن الدخول في الإمارة، فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ~~ممن تجب طاعته من الأئمة والسلاطين والأمراء، جمعا بين الأدلة أو مع ضعف ~~المأمور عن القيام بما أمر به، كما ورد تعليل النهي عن الدخول في الإمارة ~~بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة «1» . # وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة أو خاصة، أو دفع مفسدة عامة ~~أو خاصة، مع كراهة ما هم عليه من الظلم وعدم ميل النفس إليها، ومحبتها لهم، ~~وكراهة الموصلة لهم- لولا جلب تلك المصلحة، أو دفع تلك المفسدة- فعلى فرض ~~صدق مسمى الركون على هذا فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ~~ودفع المفاسد، والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، ولا تخفى على الله ~~خافية. # وبالجملة: فمن ابتلي بمخالطة من فيه ظلم، فعليه أن يزن أقواله وأفعاله ~~وما يأتي وما يذر بميزان ms270 الشرع، فإن زاغ عن ذلك فعلى نفسها براقش تجني، ومن ~~قدر على الفرار منهم، قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى ~~والأليق به. # يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، اجعلنا من عبادك الصالحين ~~الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الذين لا يخافون فيك لومة لائم وقونا ~~على ذلك، ويسره لنا، وأعنا عليه. # قال القرطبي في «تفسيره» «2» : وصحبة الظالم على التقية مستثناه من النهي ~~بحال الاضطرار. انتهى. # وقال النيسابوري في «تفسيره» «3» : قال المحققون: الركون المنهي عنه هو ~~الرضا بما عليه الظلمة، أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في ~~شيء من تلك PageV01P353 # الأبواب. فأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب مصلحة عاجلة فغير داخلة في ~~الركون. # قال: وأقول: هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم ~~بالكلية. أليس الله بكاف عبده [الزمر: 36] انتهى. # فتمسكم النار: بسبب الركون إليهم وفيه إشارة إلى أن الظلمة أهل النار أو ~~كالنار، ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار. # PageV01P354 ### | سورة النحل [وآياتها مائة وثمان وعشرون] # هي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. # وروي عن ابن عباس وأبي الزبير: أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها ~~فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~من أحد «1» . # وتسمى هذه السورة بسورة النعم، بسبب ما عدد الله فيها. # [الآية الأولى] # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية ~~لقوم يعقلون (67) . # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا: هو ما يسكر من الخمر. # ورزقا حسنا: هو جميع ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالتمر والزبيب والخل، ~~وكان نزول هذه الآية قبل تحريم الخمر. # وقيل: إن السكر: الخل بلغة الحبشة. # والرزق الحسن: الطعام من الشجرتين. # وقيل: السكر العصير الحلو الحلال. وسمي سكرا لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي، ~~فإذا بلغ الإسكار حرم. والقول الأول أولى، وعليه الجمهور. # وقد صرح أهل اللغة بأن السكر اسم للخمر ولم يخالف في ذلك إلا أبو عبيدة ms271 ~~فإنه قال: السكر الطعم. ومما يدل على ما قاله الجمهور قول الشاعر: ~~PageV01P355 # بئس [الصحاة] «1» وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى [فيهم المزاء] «2» والسكر # ومما يدل على ما قاله أبو عبيدة ما أنشده: # جعلت عيب الأكرمين سكرا # أي جعلت ذمهم طعما. # ورجح هذا ابن جرير فقال «3» : إن السكر ما يطعم من الطعام، ويحب شربه من ~~ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، واللفظ مختلف والمعنى واحد، مثل: # ما أشكوا بثي وحزني إلى الله # [يوسف: 86] . # قال الزجاج: قول أبي عبيدة هذا لا يعرف، وأهل التفسير على خلافه، ولا حجة ~~له في البيت الذي أنشده، لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب ~~الناس. # وقد حمل السكر جماعة من الحنفية على ما يسكر من الأنبذة وعلى ما ذهب ~~ثلثاه بالطبخ. قالوا: وإنما يمتن الله على عباده بما أحله لهم لا بما حرمه ~~عليهم، وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة المتواترة على فرض تأخره عن آية تحريم ~~الخمر «4» . PageV01P356 # [الآية الثانية] # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما ~~صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) . # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم: وهي أيمان البيعة. # قال الواحدي: قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين، واستدلوا على هذا ~~التخصيص بما في قوله: # فتزل قدم بعد ثبوتها: من المبالغة، وبما في قوله: # وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) لأنهم إذا ~~نقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدوا غيرهم عن الدخول في ~~الإسلام، وعلى تسليم أن هذه الأيمان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~هي سبب نزول هذه الآية، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # وقال جماعة من المفسرين: إن هذا تكرير لما قبله لقصد التأكيد والتقرير، ~~أعني قوله: ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [النحل: 91] إلى قوله: تتخذون ~~أيمانكم دخلا بينكم [النحل: 92] الآية. # والمراد بالتوكيد التشديد والتغليظ والتوثيق، وليس المراد اختصاص النهي ~~عن النقض ms272 بالإيمان المؤكدة، ولا يغيرها مما لا تأكيد فيه، فإن تحريم النقض ~~يتناول الجميع، ولكن في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ~~ما لم يؤكد PageV01P357 # منها، وهذا العموم مخصوص بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ~~وليكفر عن يمينه» «1» ، حتى بالغ في ذلك فقال: «والله لا أحلف على يمين ~~فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني» ، وهذه ~~الألفاظ ثابتة في الصحيح وغيره. # ويخص أيضا من هذا العموم يمين اللغو لقوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم [البقرة: 225] ويمكن أن يكون التقييد بالتوكيد هاهنا لإخراج ~~أيمان اللغو، وقد تقدم بسط الكلام على الإيمان في البقرة. # وقيل: توكيد اليمين هو حلف الإنسان على الشيء الواحد مرارا. # وحكى القرطبي «2» عن ابن عمر: أن التوكيد هو أن يحلف مرتين فإن حلف واحدة ~~فلا كفارة عليه. # قال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل. # وقيل: الدخل ما أدخل في الشيء على فساده. # وقال الزجاج: غشا. # [الآية الثالثة] # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) . # فإذا قرأت القرآن: الفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح. # وقيل: هذه الآية متصلة بقوله: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء، ~~والتقدير فإذا أخذت في قراءته فاستعذ. # قال الزجاج وغيره من أئمة اللغة: معناه إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ ~~وليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن. ومثله: إذا أكلت فقل: بسم الله. # قال الواحدي: وهذا إجماع الفقهاء أن الاستعاذة قبل القراءة إلا ما روي عن ~~أبي هريرة وابن سيرين وداود ومالك وحمزة من القراء فإنهم قالوا: الاستعاذة ~~بعد القراءة، PageV01P358 # وقد ذهبوا إلى ظاهر الآية. # ومعنى فاستعذ بالله اسأله سبحانه أن يعيذك. # من الشيطان الرجيم (98) : أي من وساوسه، وتخصيص قراءة القرآن من بين ~~الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها كسائر الأعمال ~~الصالحة عند إرادتها لهم لأنه إذا وقع الأمر بها عند ms273 قراءة القرآن الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كانت عند إرادة غيرها أوفى، كذا ~~قيل. # وكذا توجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإشعار بأن ~~غيره أولى منه بفعل الاستعاذة، لأنه إذا أمر بها لدفع وساوس الشيطان- مع ~~عصمته- فكيف بسائر أمته. # وقد ذهب الجمهور إلى أن الأمر في الآية للندب، وروي عن عطاء الوجوب أخذا ~~بظاهر الأمر. # [الآية الرابعة] # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) . # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان: قال ~~القرطبي «1» : أجمع أهل العلم أن من أنكره على الكفر، حتى خشي على نفسه ~~القتل، أنه لا إثم عليه [إن] «2» كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه ~~زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر. # وحكي عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر كان مرتدا في الظاهر، وفيما ~~بينه وبين الله على الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا ~~يرث أباه إن مات مسلما. وهذا القول مردود على قائله مدفوع بالكتاب والسنة. # وذهب الحسن البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة مثل ~~PageV01P359 # أن يكره على السجود لغير الله. ويدفعه ظاهر الآية فإنها عامة في من أكره، ~~من غير فرق بين القول والفعل، ولا دليل للقاصرين للآية على القول، وخصوص ~~السبب لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرر في علم الأصول. # ولكن من شرح بالكفر صدرا: أي اختاره وطابت به نفسه. # فعليهم غضب من الله: ليس بعد هذا الوعيد العظيم- وهو الجمع للمرتدين بين ~~غضب الله وعظم عذابه بقوله: ولهم عذاب عظيم (106) وعيد «1» . # [الآية الخامسة] # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) . # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام: قال الكسائي ~~والزجاج: (ما) هنا مصدرية، وانتصاب الكذب بلا تقولوا، ms274 أي لا تقولوا الكذب ~~لأجل وصف ألسنتكم. ومعناه لا تحللوا ولا تحرموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ~~من غير حجة. # ويجوز أن تكون (ما) موصولة والكذب منتصبا بتصف، أي لا تقولوا للذي تصف ~~PageV01P360 # ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظة فيه لكونه معلوما، ~~فيكون قوله: هذا حلال وهذا حرام بدل من الكذب. # ويجوز أن يكون في الكلام حذف بتقدير القول، أي ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم فتقول هذا حلال وهذا حرام وقائله هذا حرام وهذا حلال. # ويجوز أن ينتصب الكذب أيضا بتصف وتكون ما مصدرية، أي لا تقولوا هذا حلال ~~وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب. # واللام في قوله: لتفتروا على الله الكذب هي لام العاقبة لا لام العرض، أي ~~فيعقب ذلك افتراؤكم على الله الكذب بالتحليل والتحريم، وإسناد ذلك إليه من ~~غير أن يكون منه «1» . # أخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل: ولا ~~تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام إلى آخر الآية، فلم أزل ~~أخاف الفتيا إلى يومي هذا «2» . # قال [الشوكاني في] «3» «فتح القدير» «4» : قلت: صدق رحمه الله فإن هذه ~~الآية تتناول بعموم لفظها فينا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو سنة رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، كما يقع كثيرا من المؤثرين للرأي المقدمين له على ~~الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة وإنهم لحقيقيون بأن يحال ~~بينهم وبين فتواهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا ~~هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل: # كبهيمة عمياء قاد زمامها ... أعمى على عوج الطريق الجائر # وقال الطبراني: عن ابن مسعود قال: عسى رجل يقول: إن الله أمر كذا ونهى عن ~~كذا، فيقول الله له: كذبت! أو يقول: إن الله حرم كذا وأحل كذا، فيقول الله ~~له: # كذبت «5» ! انتهى. PageV01P361 # وقال الحافظ ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» «1» : لا يجوز ~~للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو ms275 حرمه، أو أوجبه أو كرهه ~~إلا بما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه ~~أو إيجابه أو كراهته. # وأما ما وجده في كتابه الذي تلقى عمن قلدوا فيه، فليس له أن يشهد على ~~الله ورسوله ويغير الناس بذلك ولا علم له بحكم الله ورسوله. # قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول أحل الله كذا، وحرم كذا ~~فيقول له الله كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه. # وثبت في «صحيح مسلم» «2» من حديث بريدة بن [الحصيب] «3» أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: «إذا حاصرت حصنا فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ~~ورسوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم ~~أصحابك» . # وسمعت شيخ الإسلام- يعني الشيخ ابن تيمية رضي الله عنه- قال: حضرت مجلسا ~~فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر، فقلت له: ما هذه ~~الحكومة؟ فقال: هذا حكم الله! فقلت له: صار قول زفر حكم الله الذي حكم به ~~وألزم به الأمة! قل: هذا حكم زفر وقوله، ولا تقل حكم الله ونحو هذا من ~~الكلام. # انتهى. # [الآية السادسة] # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) /. PageV01P362 # ادع إلى سبيل ربك: حذف المفعول للتعميم لكونه بعث إلى الناس كافة. # وسبيل الله: هو الإسلام. # بالحكمة: أي بالمقالة المحكمة الصحيحة. # قيل: وهي الحجج القطعية المفيدة لليقين. # والموعظة الحسنة: وهي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها ~~السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها. # قيل: وهي الحجج الظنية الإقناعية الموجبة للتصديق بمقدمات مقبولة. قيل: # وليس للدعوة إلا هاتان الطريقتان. ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألد ~~إلى استعمال المعارضة والمناقضة ونحو ذلك من الجدل، ولهذا قال سبحانه: # وجادلهم بالتي هي أحسن: أي بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة، وإنما أمر ~~الله سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقا وغرضه صحيحا وكان خصمه ms276 ~~مبطلا وغرضه فاسدا «1» . # [الآية السابعة] وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين (126) . # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به: أي بمثل ما فعل بكم لا تجاوزوا ~~ذلك. # قال ابن جرير «2» : نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه ~~إذا تمكن إلا مثل ظلامته، لا يتعداها إلى غيرها، وهذا صواب لأن الآية وإن ~~قيل: إن لها سببا خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ، وعمومه يؤدي هذا المعنى الذي ~~ذكره. وسمى سبحانه الفعل الأول الذي هو فعل البادئ بالشر عقوبة، مع أن ~~العقوبة ليست إلا فعل الثاني وهو المجازي، للمشاكلة وهي باب معروف وقع في ~~كثير من آيات الكتاب PageV01P363 # العزيز، ثم حث سبحانه على العفو فقال: # ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) أي لئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل ~~فالصبر خير لكم من الانتصار، ووضع الصابرين الظاهر موضع الضمير ثناء من ~~الله عليهم بأنهم صابرون على الشدائد. # وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه الآية محكمة لأنها واردة في الصبر عن ~~المعاقبة والثناء على الصابرين على العموم. # وقيل: هي منسوخة بآيات القتال ولا وجه لذلك. # PageV01P364 ### | سورة الإسراء مائة وإحدى عشرة آية # وهي مكية: [قاله] «1» ابن عباس، ومثله عن ابن الزبير إلا أنه استثنى: إلا ~~ثلاث آيات، قوله عز وجل: وإن كادوا ليستفزونك من الأرض [الإسراء: 76] نزلت ~~حين جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفد ثقيف، حين قالت اليهود: ~~ليست هذه بأرض الأنبياء، وقوله تعالى: رب أدخلني مدخل صدق [الإسراء: 80] ، ~~وقوله تعالى: إن ربك أحاط بالناس [الإسراء: 60] ، وزاد [مقاتل] «2» قوله: ~~إن الذين أوتوا العلم من قبله «3» [الإسراء: 107] . # [الآية الأولى] # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~(29) . # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط: هذا النهي يتناول كل ~~مكلف، وقد وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم تعريفا للأمة وتعليما ~~لهم، وإن كان الخطاب لكل فمن يصلح له من المكلفين «4» . # والمراد النهي للإنسان أن يمسك إمساكا يصير به مضيقا ms277 على نفسه وعلى أهله، ~~PageV01P365 # ولا يوسع في الإنفاق توسيعا لا حاجة إليه بحيث يكون به مسرفا، فهو نهي عن ~~جانبي الإفراط والتفريط، ويحصل من ذلك مشروعية التوسط وهو العدل الذي ندب ~~الله إليه. # ولا تك فيها مفرطا أو مفرطا ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم # وقد مثل الله سبحانه في هذه الآية حال الشحيح بحال من كانت يده مغلولة ~~إلى عنقه بحيث لا يستطيع التصرف بها ومثل حال من يجاوز الحد في التصرف بحال ~~من يبسط يده بسطا لا يتعلق بسببه فيها شيء مما تقبض الأيدي عليه، وفي هذا ~~التصوير مبالغة بليغة. # ثم بين سبحانه غاية الطرفين المنهي عنهما فقال: # فتقعد ملوما: عند الناس بسبب ما أنت عليه من الشح «1» . # محسورا (29) : بسبب ما فعلته من الإسراف، أي منقطعا عن المقاصد بسبب ~~الفقر «2» . # والمحسور في الأصل: المنقطع عن السير. # وقيل: معناه نادما على ما سلف. # [الآية الثانية] # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33) . # ومن قتل مظلوما: أي لا لسبب من الأسباب المسوغة لقتله شرعا. # فقد جعلنا لوليه سلطانا: أي لمن يلي أمره من ورثته إن كانوا موجودين، أو ~~ممن له سلطان إن لم يكونوا موجودين، والسلطان التسلط على القاتل إن شاء قتل ~~وإن PageV01P366 # شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية «1» . # فلا يسرف في القتل: أي لا يجاوز ما أباحه الله له، فيقتل بالواحد الاثنين ~~أو الجماعة، أو يمثل بالقاتل أو يعذبه. # إنه، أي الولي. # كان منصورا (33) أي مؤيدا معانا، فإن الله سبحانه نصره بإثبات القصاص له ~~بما أبرزه من الحجج وأوضحه من الأدلة، وأمر أهل الولايات فبمعونته والقيام ~~بحقه حتى يستوفيه «2» . # وقيل: هذه الآية من أول ما نزل من القرآن في شأن القتل لأنها مكية. # [الآية الثالثة] # ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤلا (36) . # ولا تقف ما ليس لك به علم: أي تتبع ما لا تعلم، من قولك: ms278 قفوت فلانا إذا ~~اتبعت أثره. ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، ومنه القبيلة المشهورة ~~بالقافة لأنهم PageV01P367 # يتبعون آثار أقدام الناس. # ومعنى الآية: النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم ~~له، وهذه قضية كلية. # وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور، فقالوا: لا تذم أحدا بما ليس لك ~~به علم. # وقيل: هي في شهادة الزور. # وقيل: هي في القافية. # وقال القتيبي: معنى الآية لا تتبع الحدس والظنون، وهذا صواب، فإن ما عدا ~~ذلك هو العلم. # وقيل: المراد بالعلم هنا هو الاعتقاد الراجح المستفاد من مستند، قطعيا ~~كان أو ظنيا. # قال أبو السعود في «تفسيره» «1» : واستعماله بهذا المعنى لا ينكر شيوعه. # وقال الشوكاني «2» : أقول: هذه الآية قد دلت على عدم جواز العمل بما ليس ~~بعلم، ولكنها عامة مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظن كالعمل بالعام ~~وبخبر الواحد، والعمل بالشهادة، والاجتهاد في القبلة، وفي جزاء الصيد ونحو ~~ذلك، فلا يخرج من عمومها ومن عموم أن الظن لا يغني من الحق شيئا، إلا ما ~~قام دليل جواز العمل به، فالعمل بالرأي في مسائل الشرع إن كان بعدم وجود ~~الدليل في الكتاب والسنة فقد رخص فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ لما بعثه قاضيا: «بم تقضي؟ قال بكتاب ~~الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد ~~رأيي» «3» . PageV01P368 # وهو حديث صالح للاحتجاج به، كما أوضحنا ذلك في بحث مفرد. # وأما التوثب على الرأي مع وجود الدليل في الكتب أو السنة، ولكنه قصر صاحب ~~الرأي عن البحث فجاء برأيه فهو داخل تحت هذا النهي دخولا أولياء، لأنه رأي ~~في شرع الله، وللناس عنه غنى بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ولم تدع إليه حاجة، على أن الترخيص في الرأي عند عدم وجود ~~الدليل، إنما هو رخصة للمجتهد، يجوز له أن يعمل به ولم يدل دليل على أنه ~~يجوز لغيره ms279 العمل به وينزله منزلة مسائل الشرع. # وبهذا يتضح لك أتم إيضاح ويظهر لك أكمل ظهور، أن هذه الآراء المدونة في ~~الكتب الفروعية ليست من الشرع في شيء، والعامل بها على شفا جرف هار. # فالمجتهد المستكثر من الرأي قد قفى ما ليس له به علم، والمقلد المسكين ~~العامل برأي ذلك المجتهد قد عمل بما ليس له به علم ولا لمن قلده، ظلمات ~~بعضها فوق بعض «1» . انتهى. # وقد قيل: إن هذه الآية خاصة بالعقائد ولا دليل على ذلك أصلا، بل علل الله ~~سبحانه النهي عن العمل بما ليس يعلم بقوله: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك: أشار إلى الثلاثة الأعضاء، وأجريت ~~مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها. # وقال الزجاج: إن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بأولئك. # وأنشد ابن جرير «2» مستدلا على عدم جواز هذا، قول الشاعر «3» : # ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام # واعترض بأن الرواية بعد أولئك الأقوام، وتبعه غيره على ذلك الخطأ كصاحب ~~«الكشاف» . PageV01P369 # والضمير في (كان) من قوله: كان عنه مسؤلا (36) يرجع إلى كل، وكذا الضمير ~~في عنه. # ومعنى سؤال هذه الجوارح: أنه يسأل صاحبها عما استعملها فيه لأنها آلات، ~~والمستعمل هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخير استحق الثواب وإن ~~استعملها في الشر استحق العقاب. # وقيل: إن الله سبحانه ينطق الأعضاء هذه عند سؤالها فتخبر عما فعله ~~صاحبها. # [الآية الرابعة] ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ ~~الجبال طولا (37) . # ولا تمش في الأرض مرحا: المرح قيل: هو شدة الفرح. # وقيل: التكبر في المشي. وقيل: تجاوز الإنسان قدره. وقيل: الخيلاء في ~~المشي. وقيل: البطر والأشر. وقيل: النشاط. والظاهر أن المراد به الخيلاء ~~والفخر. # قال الزجاج في تفسير الآية: لا تمش في الأرض مختالا فخورا. # وذكر الأرض مع أن المشي لا يكون إلا عليها أو على ما هو معتمد عليها، ~~تأكيدا وتقريرا. # ولقد أحسن من قال: # ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا ... فكم تحتها قوم هم منك أرفع ms280 # وإن كنت في عز وحرز ومنعة ... فكم مات من قوم هم منك أمنع # والمرح مصدر وقع حالا، أي: ذا مرح. وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع تأكيد. ~~وقرأ الجمهور مرحا بفتح الراء. وحكى يعقوب عن جماعة كسرها، على أنه اسم ~~فاعل «1» . PageV01P370 # [الآية الخامسة] # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا (78) . # أقم الصلاة لدلوك الشمس: قد أجمع المفسرون على أن هذه الصلاة المراد بها ~~الصلاة المفروضة. # وقد اختلف العلماء في الدلوك المذكور في هذه الآية على قولين: # أحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء، قاله عمر وابنه وأبو هريرة وأبو ~~برزة وابن عباس والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة والضحاك وأبو جعفر، ~~واختاره ابن جرير. # والقول الثاني: أنه غروب الشمس، قاله علي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبو ~~عبيد، وروي عن ابن عباس «1» . # وقال الفراء: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها «2» . # قال الأزهري: معنى الدلوك في كلام العرب الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا ~~زالت نصف النهار: دلكة لأنها في الحالتين زائلة. # قال: والقول عندي أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس ~~«3» . PageV01P371 # والمعنى أقم الصلاة من وقت دلوك الشمس إلى غسق الليل، ويدخل فيه الظهر ~~والعصر وصلاتا غسق الليل وهما العشاءان، وقرآن الفجر: هي صلاة الصبح فهذه ~~خمس صلوات. # إلى غسق الليل: هو اجتماع الظلمة. # قال الفراء والزجاج: يقال: غسق الليل، وأغسق إذا أقبل بظلامه «1» . # قال أبو عبيد: الغسق سواد الليل، وأصل الكلمة من السيلان، يقال: أغسقت ~~إذا سالت. # وقد استدل بهذه الغاية أعني قوله إلى غسق الليل من قال إن صلاة الظهر ~~يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب. روي ذلك عن الأوزاعي وأبي حنيفة، وجوزه ~~مالك والشافعي في حال الضرورة. # وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في تعيين أوقات الصلاة، فيجب أن تحمل هذه الآية على ما بينته السنة ~~فلا نطيل بذكر ذلك. # وقرآن الفجر: قال المفسرون المراد به صلاة الصبح. # قال الزجاج: وفي هذه ms281 فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة ~~حتى سميت الصلاة قرآنا» . # وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» . # وفي بعض الأحاديث الخارجة من مخرج حسن «وقرآن معها» . # وورد ما يدل على وجوب الفاتحة في كل ركعة، ولو خلف الإمام، وعليه عمل ~~أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وهو الحق. وقد حرره الشوكاني في ~~مؤلفاته PageV01P372 # تحريرا مجودا، وغيره في غيره. # قرآن الفجر كان مشهودا (78) : أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، كما ~~ورد ذلك في الحديث الصحيح، وبذلك قال جمهور المفسرين. # [الآية السادسة] # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) . # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها: أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم، ~~لأن الجهر والمخافتة من نعوت الصموت لا من نعوت أفعال الصلاة، فهي من إطلاق ~~الكل وإرادة الجزء. يقال: خفت صوته خفوفا إذا انقطع كلامه وضعف وسكن، وخفت ~~الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يرفع بها صوته، وقيل: معناه لا ~~تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، والأول أولى «1» . # وابتغ بين ذلك: أي الجهر والمخافتة المدلول عليهما في الفعلين. # سبيلا (110) أي طريقا مستويا بين الأمرين، فلا تكن مجهورة ولا مخافتا ~~بها. # وعلى التفسير الثاني يكون معنى ذلك النهي عن الجهر بقراءة الصلوات كلها، ~~والنهي عن المخافتة بقراءة الصلوات كلها، والأمر يجعل البعض منها مجهورا به ~~وهو صلاة الليل، والمخافتة بصلاة النهار. # وذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية ~~[الأعراف: 55] . PageV01P373 # [الآية السابعة] وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا (111) . # ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى، نبه على كيفية الحمد ~~له فقال: وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا: كما يقوله اليهود والنصارى ومن ~~قال من المشركين إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ms282 ذلك علوا كبيرا. # ولم يكن له شريك في الملك: أي مشارك في ملكه وربوبيته كما يزعمه الثنوية ~~ونحوهم من الفرق القائلين بتعدد الآلهة. # ولم يكن له ولي من الذل: أي لم يحتج إلى موالاة أحد لذل يلحقه، فهو مستغن ~~عن الولي والنصير. # وقال الزجاج: أي لم يحتج إلى أن ينتصر بغيره. وفي التعرض في أثناء الحمد ~~لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات لأنه القادر ~~على الإيجاد وإفاضة النعم، لكون «الولد مجبنة مبخلة» «1» ، ولأنه أيضا ~~يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير قادر على كمال ~~الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به، ومن ~~لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له، فضلا [عن نظام] «2» ما ~~هو عليه. # وأيضا الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين، وقد يمنعه الشريك من إفاضته ~~الخير إلى أوليائه ويؤديه إلى الفساد، لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) [الأنبياء: 22] ، والمحتاج إلى ولي ~~يمنعه من الذل وينصره على من أراد إذلاله، ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه ~~من هو مستغن بنفسه. PageV01P374 # وكبره تكبيرا (111) : أي عظمه تعظيما، وصفه بأنه أعظم من كل شيء. # أخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يعلم أهله هذه الآية: الحمد لله الذي ... إلخ، الصغير من أهله ~~والكبير «1» . # وأخرج عبد الرزاق في «المصنف» عن [عبد الكريم أبي أمية] قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الغلام من بني هاشم، إذا أفصح، سبع ~~مرات: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا إلى آخر السورة «2» . # وأخرج أحمد والطبراني عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: «آية العز: # الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا الآية كلها «3» . PageV01P375 ### | سورة طه آياتها مائة وخمس وثلاثون آية # وهي مكية، قال القرطبي «1» : في قول الجميع. # وكان ذلك سبب إسلام عمر رضي الله ms283 عنه، والقصة مشهورة في كتب السير «2» . # [الآية الأولى] # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) . # ولا تمدن عينيك: مد النظر تطويله، وأن لا يكاد يرده استحسانا للمنظور ~~إليه وإعجابا به. # وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك بأن يبادر الشيء بالنظر ثم يغض ~~الطرف. # إلى ما متعنا به: أي لا تطمح بنظرك إلى زخارف الدنيا طموح رغبة فيها وتمن ~~لها، ولا تطل نظر عينيك إلى ذلك. # وأزواجا منهم: مفعول متعنا. # والأزواج: الأصناف. قاله ابن قتيبة. # وقال الجوهري: الأزواج: القرناء «3» . PageV01P376 # قال الواحدي: إنما يكون مادا عينيه إلى الشيء إذا داوم النظر نحوه، ~~وإدامته النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه. # وقال بعضهم: معنى الآية ولا تحسدن أحدا على ما أوتي من الدنيا، ورد بأن ~~الحسد منهي عنه مطلقا. # زهرة الحياة الدنيا أي زينتها وبهجتها، بالنبات وغيره. # PageV01P377 ### | سورة الحج وآياتها ثمان وسبعون آية # هي مكية، أو مدنية. والجمهور على أنها مختلطة: منها مكية، ومنها مدنية. # قال الجمهور: إن السورة مختلطة: منها مكي ومنها مدني. # قال القرطبي «1» : وهذا هو الصحيح. # قال العزرمي: وهي من أعاجيب السور نزلت ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، مكيا ~~ومدنيا، سلميا وحربيا، ناسخا ومنسوخا، محكما ومتشابها. # وقد وردت في فضلها الأحاديث «2» . # [الآية الأولى] # يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) . # يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث: أي الإعادة بعد الموت فانظروا في ~~مبدإ خلقكم. PageV01P378 # فإنا خلقناكم: في ضمن خلق أبيكم آدم عليه السلام. # من تراب ثم من نطفة: أي من مني، سمي نطفة ms284 لقلته. والنطفة: القليل من ~~الماء قد يقع على الكثير منه، والنطفة: القطرة. # ثم من علقة: هي الدم الجامد «1» . # والعلق الدم العبيط، أي الطري المتجمد. # وقيل: الشديد الحمرة. والمراد الدم المتكون من المني. # ثم من مضغة: هي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ، تتكون من العلقة. # مخلقة بالجر صفة لمضغة، أي مستبينة الخلق ظاهرة التصوير. # وغير مخلقة: أي لم يتبين خلقها ولا ظهر تصويرها. # قال ابن الأعرابي: مخلقة يريد قد بدا خلقها وغير مخلقة لم تصور. # قال الأكثر: ما أكمل خلقه بنفخ الروح فهو المخلقة وهو الذي ولد لتمام، ~~وما سقط كان غير مخلقة، أي غير حي بإكمال خلقته بالروح. # قال الفراء: مخلقة تامة الخلق، وغير مخلقة السقط. ومنه قول الشاعر: # أفي غير المخلقة البكاء ... فأين الحزم ويحك والحياء؟ # والمعنى إنا خلقناكم على هذا النمط البديع «2» . # لنبين لكم كمال قدرتنا على ما أردنا كإحياء الأموات وبعثهم، فآمنوا بذلك ~~وتيقنوا، والآية من شواهد البعث بعد الموت. PageV01P379 # الآية الثانية # هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من ~~فوق رؤسهم الحميم (19) . # هذان خصمان: أحدهما: أنجس الفرق اليهود والنصارى والصابئون والمجوس ~~والذين أشركوا. # والخصم الآخر: المسلمون، فهما فريقان مختصمان. قاله الفراء وغيره. # وقيل: المراد بالخصمين الجنة والنار: قالت الجنة: خلقني لرحمة، وقالت ~~النار: # خلقني لعقوبة. # وقيل: المراد بالخصمين هم الذين برزوا يوم بدر: فمن المؤمنين حمزة وعلي ~~وعبيدة، ومن الكافرين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. وقد كان أبو ~~ذر يقسم أن هذه الآية نزلت في هؤلاء المتبارزين وقال بمثل هذا جماعة من ~~الصحابة وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول «1» . # وقد ثبت في «الصحيح» أيضا عن علي عليه السلام أنه قال: فينا نزلت هذه ~~الآية «2» . # وقال سبحانه: اختصموا ولم يقل اختصما؟ # قال الفراء: لأنهم جمع ولو قال اختصما لجاز. # ومعنى في ربهم: أي في شأن ربهم، أي في دينه، أو في ذاته، أو في صفاته، أو ~~في شريعته لعباده أو في جميع ذلك. PageV01P380 # [الآية الثالثة] # إن الذين ms285 كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس ~~سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) . # إن الذين كفروا ويصدون: المراد بالصد هنا الاستمرار، لا مجرد الاستقبال ~~فصح بذلك عطفه على الماضي. ويجوز أن تكون الواو في: ويصدون، واو الحال أي ~~كفروا والحال أنهم يصدون. # والمراد بالصد المنع. # عن سبيل الله أي دينه. # فالمعنى يمنعون من أراد الدخول في دين الله. # والمسجد الحرام: معطوف على سبيل الله. # قيل: المراد به المسجد نفسه كما هو الظاهر من هذا النظم القرآني. # وقيل: الحرم كله لأن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأصحابه عنه يوم الحديبية. وقيل: المراد به مكة، بدليل قوله: # الذي جعلناه للناس سواء: أي جعلناه للناس على العموم يصلون فيه ويطوفون ~~به، مستويا فيه «1» . # العاكف: هو المقيم فيه الملازم له. # والباد أي الواصل من البادية، والمراد به الطارئ عليه من غير فرق بين ~~كونه من أهل البادية، أو من غيرهم. # قال القرطبي «2» : وأجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام نفسه، ~~واختلفوا في مكة. # فذهب مجاهد ومالك إلى أن دور مكة ومنازلها يستوي فيها المقيم والطارئ. # وذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وجماعة إلى أن للقادم أن ينزل حيث وجد ~~PageV01P381 # وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أم أبى. # وذهب الجمهور إلى أن دور مكة ومنازلها ليست كالمسجد الحرام ولأهلها منع ~~الطارئ من النزول فيها. # والحاصل أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين: # الأول: ما في هذه الآية هل المراد بالمسجد نفسه؟ أو جميع الحرم؟ أو مكة ~~على الخصوص. # والثاني: هل كان فتح مكة صلحا؟ أو عنوة؟ وعلى فرض أن فتحها كان عنوة، فهل ~~أقرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أيدي أهلها على الخصوص؟ أو جعلها ~~لمن نزل بها على العموم؟ # وقد أوضح الشوكاني رحمه الله هذا في شرحه «نيل الأوطار على منتقى ~~الأخبار» «1» بما لا يحتاج الناظر فيه إلى زيادة. # [الآية الرابعة] # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم ms286 فيها خير فاذكروا اسم الله عليها ~~صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم ~~لعلكم تشكرون (36) . # والبدن: قرأ ابن أبي إسحاق بضم الباء والدال، وقرأ الباقون بإسكان الدال ~~وهما لغتان. # وهذا الاسم خاص بالإبل وسميت بدنة لأنها تبدن. # والبدانة: السمن «2» . # وقال أبو حنيفة ومالك: إنه يطلق على غير الإبل. # والأول للأوصاف التي هي ظاهرة في الإبل ولما تفيده كتب اللغة من اختصاص ~~هذا الاسم بالإبل. وقال ابن كثير في «تفسيره» «3» : واختلفوا في صحة إطلاق ~~البدن على PageV01P382 # البقرة على قولين، أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعا كما صح في الحديث «1» ~~. # جعلناها لكم من شعائر الله: أي أعلام دينه. # لكم فيها خير: أي منافع دينية ودنيوية. # اسم الله عليها صواف: أي على نحرها. # ومعنى صواف: أنها قائمة قد صفنت قوائمها لأنها تنحر قائمة معقولة. # وأصل هذا الوصف في الخيل، يقال: صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث ~~قوائم وثنى الرابعة. # وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري: صوافي: أي ~~خوالص لله لا يشركون به في التسمية على نحرها أحدا «2» . # وواحد صواف صافة وهي قراءة الجمهور، وواحد صوافي صافية. # وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو جفر محمد بن علي، صوافن بالنون ~~جمع صافنة: وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب ومنه قوله ~~تعالى: # الصافنات الجياد (31) . # فإذا وجبت: الوجوب السقوط، أي فإذا سقطت بعد نحرها. # جنوبها: وذلك عند خروج روحها. # فكلوا منها: ذهب الجمهور إلى أن هذا الأمر للندب. وكذا قوله: وأطعموا ~~القانع والمعتر. وبه قال مجاهد والنخعي وابن جرير وابن شريح «3» . # وقال الشافعي وجماعة: هو للوجوب. # واختلف في القانع من هو؟ فقيل: هو السائل. وقيل: هو المتعفف عن السؤال ~~المستغني ببلغة. ذكر معناه الخليل، وبالأول قال زيد بن أسلم وابنه وسعيد بن ~~جبير والحسن، وروي عن ابن عباس. وبالثاني قال عكرمة وقتادة. PageV01P383 # وأما المعتر فقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن: # إنه الذي يتعرض من غير سؤال وقيل: هو ms287 الذي يعتريك ويسألك. # وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع الفقير، والمعتر الزائر. # وروي عن ابن عباس أن كلاهما الذي لا يسأل ولكن القانع الذي يرضى بما عنده ~~ولا يسأل والمعتر الذي يعترض لك ولا يسألك. # كذلك: التسخير البديع. # سخرناها لكم: فصارت تنقاد لكم إلى موضع نحرها فتنحرونها وتنتفعون بها، ~~بعد أن كانت مسخرة للحمل عليها والركوب على ظهورها والحلب لها ونحو ذلك. # لعلكم تشكرون (36) : هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم. # PageV01P384 ### | سورة النور «1» آياتها أربع وستون آية # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير قالا: أنزلت سورة النور ~~بالمدينة. # [الآية الأولى] # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين (2) . # الزانية: الزنا: هو وطء الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة ~~نكاح. # وقيل: هو إيلاج في فرج مشتهي طبعا محرم شرعا. # والزانية: هي المرأة المطاوعة للزنا، الممكنة منه كما تنبىء عنه الصيغة ~~لا المكرهة. وكذلك والزاني. # فاجلدوا كل واحد منهما «2» : الجلد: الضرب، يقال: جلده إذا ضرب جلده، مثل ~~PageV01P385 # بطعنه إذا ضرب بطنه ورأسه إذا ضرب رأسه. # مائة جلدة: وهو حد الزاني الحر البالغ البكر وكذلك الزانية. # وثبت بالسنة زيادة على هذا الجلد وهو [تغريب] «1» عام «2» ، وبه قال ~~الشافعي واختصه مالك بالرجل دون المرأة، وجعله أبو حنيفة إلى رأي الإمام. # وأما المملوك والمملوكة فجلد كل واحد منهما خمسون جلدة ولقوله سبحانه: # فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب [النساء: 25] ، ~~وهذه نص في الإماء، وألحق بهن العبيد لعدم الفارق. # وأما من كان محصنا من الأحرار فعليه الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة ~~وبإجماع أهل العلم، وبالقرآن المنسوخ لفظه الباقي حكمه وهو: الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما البتة «3» . # وزاد جماعة من أهل العلم مع الرجم جلد مائة «4» . # وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في ذلك في «شرحه للمنتقى» «5» . # وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء «6» . # ووجه تقديم ms288 الزانية على الزاني أن الزنا في ذلك الزمان كان في النساء ~~أكثر حتى PageV01P386 # كان لهن رايات تنصب على أبوابهن ليعرفهن من أراد الفاحشة منهن وقيل: وجه ~~التقديم أن المرأة هي الأصل في الفعل وقيل: لأن الشهوة فيها أكثر وعليها ~~أغلب، وقيل: لأن العار فيهن أكثر إذ موضوعهن الحجبة والصيانة فقدم ذكرها ~~تغليظا واهتماما. # والخطاب في هذه الآية للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل: للمسلمين أجمعين لأن ~~إقامة الحدود واجبة عليهم جميعا والإمام ينوب عنهم إذ لا يمكنهم الاجتماع ~~على إقامتها. # ولا تأخذكم بهما رأفة: هي الرقة والرحمة. # وقيل: هي أرق الرحمة. # ومعنى في دين الله: في طاعته وحكمه «1» ، كما في قوله تعالى: ما كان ~~ليأخذ أخاه في دين الملك [يوسف: 76] . # ثم قال مثبتا للمأمورين ومهيجا لهم: # إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر: كما يقول الرجل للرجل يحضه على أمر: ~~إن كنت رجلا فافعل كذا أي إن كنتم تصدقون بالتوحيد والبعث الذي فيه جزاء ~~الأعمال فلا تعطلوا الحدود. # وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (2) أي ليحضره زيادة في التنكيل بهما ~~وشيوع العار عليهما واشتهار فضيحتهما. # والطائفة: الفرقة التي تكون حافة حول الشيء من الطواف. وأقل الطائفة ~~ثلاثة، وقيل: اثنان، وقيل: واحد، وقيل: أربعة، وقيل: عشرة. # [الآية الثانية] # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) «2» . PageV01P387 # والذين يرمون المحصنات: استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا لكونه جناية ~~بالقول ويسمى هذا الشتم بهذه الفاحشة قذفا. # والمراد بالمحصنات النساء، وخصهن بالذكر لأن قذفهن أشنع والعار فيهن ~~أعظم. # ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة. # وقد جمع شيخ شيخنا الشوكاني في ذلك رسالة رد بها على بعض المتأخرين من ~~علماء القرن الحادي عشر لما نازع في ذلك. # وقيل: إن الآية تعم الرجال والنساء، والتقدير الأنفس المحصنات، ويؤيده ~~قوله تعالى في آية أخرى: والمحصنات من النساء [النساء: 24] ، فإن البيان ~~بكونهن من النساء يشعر بأن لفظ المحصنات يشمل غير النساء وإلا لم يكن ~~للبيان ms289 كثير معنى. # وقيل: أراد بالمحصنات الفروج كما قال: والتي أحصنت فرجها [الأنبياء: 91] ~~، فتتناول الآية الرجال والنساء تغليبا. # وفيه أن تغليب النساء على الرجال غير معروف في لغة العرب. # والمراد بالمحصنات هنا العفائف. وقد مضى في سورة النساء ذكر الإحصان وما ~~يحتمله من المعاني. # وللعلماء في الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطولة في كتب ~~الفقه منها ما هو مأخوذ من دليل، ومنها ما هو مجرد رأي بحت. # وذهب الجمهور من العلماء إلى أنه لا حد على من قذف كافرا أو كافرة. # وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: إنه يجب عليه الحد وكذا ~~ذهبوا إلى أن العبد يجلد أربعين جلدة. # وقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقبيصة: يجلد ثمانين جلدة. # قال القرطبي «1» : وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى ~~عليه لتباين مرتبتهما. PageV01P388 # وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: «إن من قذف مملوكة ~~بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال» . # ثم ذكر سبحانه شرطا لإقامة الحد على من قذف المحصنات، فقال: # ثم لم يأتوا بأربعة شهداء: يشهدون عليهن بوقوع الزنا منهن. # ولفظ ثم يدل على أنه يجوز أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس القذف، وبه ~~قال الجمهور وخالف في ذلك مالك. # وظاهر الآية أنه يجوز أن يكون الشهود مجتمعين ومفترقين وخالف في ذلك ~~الحسن ومالك، [وإذا] «1» لم يكمل الشهود أربعة وأبوا قذفه يحدون حد القذف. # وقال الحسن والشعبي: لا حد على الشهود ولا على المشهود عليه، وبه قال ~~أحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن. ويرد ذلك ما وقع في خلافة عمر رضي الله ~~عنه من جلده للثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا ولم يخالف في ذلك أحد ~~من الصحابة. # فاجلدوهم ثمانين جلدة: الجلد: الضرب كما تقدم، والمجالدة: المضاربة في ~~الجلود أو بالجلود ثم استعير للضرب بالعصا والسيف وغيرهما. # ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا: أي فأجمعوا لهم بين الأمرين الجلد وترك قبول ~~الشهادة، لأنهم قد صاروا بالقذف غير ms290 عدول بل فسقة كما حكم الله به عليهم ~~بقوله: # وأولئك هم الفاسقون (4) هذه جملة مستأنفة مقررة لما قبلها «2» . ~~PageV01P389 # والفسق: هو الخروج عن الطاعة ومجاوزة الحد بالمعصية. # [الآيات: الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة] # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين (7) ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين (8) والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9) . # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء يشهدون بما رموهن به من الزنا ~~«1» . # إلا أنفسهم فشهادة أحدهم: التي تزيل عنه حد القذف. # أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) : في ما رماها به من الزنا. # والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين (7) : في ذلك. # ويدرؤا عنها العذاب: الدنيوي، وهو الحد. # أن تشهد أربع شهادات بالله إنه: أي الزوج، لمن الكاذبين (8) . # والخامسة أن غضب الله عليها إن كان: الزوج، من الصادقين (9) فيما رماها ~~به من الزنا. # وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها لكونه أصل الفجور ومادته، ولأن ~~النساء يكثرن اللعنة في العادة، ومع استكثارهن منها لا يكون له في قلوبهن ~~كبير موقع بخلاف الغضب. PageV01P390 # وفي الملاعنة أحاديث كثيرة «1» . # وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب «2» وعلي «3» وابن مسعود «4» قالوا: ~~لا يجتمع المتلاعنان أبدا. # وقد بسطنا الكلام على ذلك في «شرحنا لبلوغ المرام» فليرجع إليه. # [الآية السابعة] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) . # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم زجر الله سبحانه عن دخول ~~البيوت بغير استئذان، لما في ذلك من مخالطة الرجال للنساء فربما يؤدي إلى ~~الزنا أو القذف، فإن الإنسان يكون في بيته ومكان خلوته على حالة قد لا يجب ~~أن يراه عليها غيره فنهى الله سبحانه عن دخول بيوت الغير إلى غاية هي قوله: # حتى تستأنسوا: الاستئناس: الاستعلام والاستخبار أي حتى تستعلموا من في ~~البيت. # والمعنى: ms291 حتى تعلموا أن صاحب البيت قد علم بكم وتعلموا أنه قد أذن ~~بدخولكم، فإذا علمتم ذلك دخلتم. # وقيل: الاستئناس الاستئذان «5» . PageV01P391 # وتسلموا على أهلها: قد بينه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول: السلام ~~عليكم أأدخل؟ مرة أو ثلاثا «1» . # واختلفوا هل يقدم الاستئذان على السلام أو العكس؟ فقيل: يقدم الاستئذان ~~فيقول: أأدخل سلام عليكم، لتقديم الاستئناس في الآية على السلام. # وقال الأكثرون: إنه يقدم السلام على الاستئذان فيقول: السلام عليكم ~~أأدخل؟ # وهو الحق، لأن البيان منه صلى الله عليه وآله وسلم للآية كان هكذا. # وقيل: إن وقع بصره على إنسان قدم السلام وإلا قدم الاستئذان. # ذلكم: أي الاستئناس والتسليم، أي دخولكم معهما. # خير لكم: من الدخول بغتة. # لعلكم تذكرون (27) : أن الاستئذان خير لكم، والمراد بالتذكر الاتعاظ ~~والعمل بما أمروا به. # [الآية الثامنة] # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير ~~بما يصنعون (30) . # قل للمؤمنين: خص للمؤمنين مع تحريمه على غيرهم، لكون قطع ذرائع الزنا ~~التي منها النظر بهم أحق بها من غيرهم وأولى بذلك ممن سواهم. # وقيل: إن في الآية دليلا على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات. كما يقول ~~بعض أهل العلم. # يغضوا معنى غض البصر: إطباق الجفن على العين بحيث يمنع الرؤية. ~~PageV01P392 # من أبصارهم: هي التبعيضية وإليه ذهب الأكثرون وبينوه بأن المعنى غض البصر ~~عما يحرم والاقتصار به على ما يحل. # وقيل: وجه التبعيض أنه يعفى للناظر أول نظرة تقع من غير قصد، وقيل غير ~~ذلك «1» . # وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه. # و: معنى: ويحفظوا فروجهم: أنه يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم. # وقيل: المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لا يحل له رؤيتها. ولا مانع من ~~إرادة المعنيين، فالكل يدخل تحت حفظ الفرج. # وقيل: وجه المجيء بمن في الأبصار دون الفروج أنه موسع في النظر، فإنه لا ~~يحرم منه إلا ما استثنى، بخلاف حفظ الفرج فإنه مضيق فيه، فإنه لا يحل منه ~~إلا ما استثنى. # وقيل: ms292 الوجه أن غض البصر كله كالمتعذر بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على ~~الإطلاق. والإشارة بقوله: # ذلك إلى ما ذكر من الغض والحفظ وهو مبتدأ وخبره. # أزكى لهم: أي أطهر لهم من دنس الريبة وأطيب من التلبس بهذه الدنية. # إن الله خبير بما يصنعون (30) : لا يخفى عليه شيء من صنيعهم، وفي ذلك ~~وعيد لمن لم يغض بصره ويحفظ فرجه. PageV01P393 # [الآية التاسعة] وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو ~~التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31) . # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن: خص الله سبحانه الإناث ~~بهذا الخطاب على طريق التأكيد، لدخولهن تحت خطاب المؤمنين تغليبا، كما في ~~سائر الخطابات القرآنية. وظهر التضعيف في (يغضضن) ولم يظهر في يغضوا لأن ~~لام الفعل من الأول متحركة، ومن الثاني ساكنة، وهما في موضع جزم جوابا ~~للأمر. # وبدأ سبحانه بالغض في الموضعين قبل حفظ الفرج لأن النظر وسيلة إلى عدم ~~حفظ الفرج، والوسيلة مقدمة على المتوسل إليه. # ومعنى يغضضن كمعنى يغضوا فيستدل به على تحريم نظر النساء إلى ما يحرم ~~عليهن، وكذلك يجب عليهن حفظ فروجهن على الوجه الذي تقدم في حفظ الرجال ~~لفروجهم. # ولا يبدين زينتهن: أي ما يتزين به من الحلية وغيرها، وفي النهي عن إبداء ~~الزينة نهي عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى، ثم استثنى سبحانه من هذا ~~النهي فقال: # إلا ما ظهر منها: واختلف الناس في ظاهر الزينة ما هو؟ # فقال ابن مسعود وسعيد بن جبير: وهو الثياب، وزاد سعيد الوجه. # وقال عطاء والأوزاعي: الوجه والكفان. # وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو ms293 الكحل والسواك ~~والخضاب إلى نصف الساق ونحو ذلك فإنه يجوز للمرأة أن تبديه. # وقال ابن عطية: إن المرأة لا تبدي شيئا من الزينة وتخفي كل شيء من ~~زينتها، ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم الضرورة، ولا يخفى عليك أن ~~ظاهر النظم القرآني # PageV01P394 # النهي عن إبداء الزينة إلا ما ظهر منها كالجلباب والخمار ونحوهما مما على ~~الكف والقدمين من الحلية ونحوها، وإن كان المراد بالزينة مواضعها كان ~~الاستثناء راجعا إلى ما يشق على المرأة ستره كالكفين والقدمين ونحو ذلك. # وهكذا إذا كان النهي عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها ~~لفحوى الخطاب، فإنه يحمل الاستثناء على ما ذكرناه في الموضعين، وأما إذا ~~كانت الزينة تشمل مواضع الزينة وما تتزين به النساء فالأمر واضح والاستثناء ~~يكون من الجمع «1» . PageV01P395 # قال القرطبي في «تفسيره» «1» : الزينة على قسمين: خلقية ومكتسبة، ~~فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة، والمكتسبة ما تحاوله المرأة من تحسين ~~خلقها كالثياب والحلي والكحل والخضاب. ومنه قوله تعالى: خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد [الأعراف: 31] ، وقول الشاعر: # يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل # وليضربن بخمرهن على جيوبهن: الخمر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة ~~رأسها. # والجيوب: جمع جيب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص، مأخوذ من الجوب وهو ~~القطع. # قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من ~~قدام واسعة، فكانت تنكشف نحورهن وقلائدهن، فأمرن أن يضربن مقانعهن على ~~PageV01P396 # الجيوب ليسترن بذلك ما كان يبدو، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء الذي ~~هو الإلصاق، وقد فسر الجمهور الجيوب بما ذكرنا وهو المعنى الحقيقي. # وقال مقاتل: إن معنى على جيوبهن: على صدورهن فيكون في الآية مضاف محذوف، ~~أي على مواضع جيوبهن «1» . # ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن: البعل: هو الزوج والسيد في كلام العرب، ~~وقدم البعولة لأنهم المقصودون بالزينة ولأن كل بدن الزوجة والسرية حلال ~~لهم، ومثله قوله سبحانه: والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) [المؤمنون: 5- 6] . # أو آبائهن أو ms294 آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو ~~بني إخوانهن أو بني أخواتهن فجوز للنساء أن يبدين الزينة لهؤلاء لكثرة ~~المخالطة وعدم خشية الفتنة، لما في الطباع من النفرة عن القرائب. # وقد روي عن الحسن والحسين رضي الله عنهما: أنهما كانا لا ينظران إلى ~~أمهات المؤمنين، ذهابا منهما إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي ~~في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي قوله: لا جناح عليهن في ~~آبائهن [الأحزاب: 55] ، والمراد بأبناء بعولتهن ذكور أولاد الأزواج، ويدخل ~~في قوله: أبنائهن أولاد الأولاد- وإن سفلوا- وأولاد بناتهن- وإن سفلوا- ~~وكذلك آباء البعولة وآباء الآباء وآباء الأمهات- وإن علوا- وكذلك أبناء ~~أبناء البعولة- وإن سفلوا- وكذلك الإخوة والأخوات. # وذهب الجمهور إلى أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر إلى ما ~~يجوز لهم، وليس في الآية ذكر الرضاع وهو كالنسب، وقال الشعبي وعكرمة: ليس ~~العم والخال من المحارم. # أو نسائهن: هي المختصات بهن الملابسات لهن بالخدمة أو الصحبة، ويدخل في ~~ذلك الإماء، ويخرج من ذلك نساء الكفار من أهل الذمة وغيرهم، فلا يحل لهن أن ~~يبدين زينتهن لهن لأنهن لا يتحرجن من وصفهن للرجال، وفي هذه المسألة خلاف ~~بين أهل العلم، وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات. ~~PageV01P397 # أو ما ملكت أيمانهن: ظاهر الآية يشمل العبيد والإماء من غير فرق بين أن ~~يكونوا مسلمين أو كافرين، وبه قال جماعة من أهل العلم، وإليه ذهبت عائشة ~~وأم سلمة وابن عباس ومالك. # وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية أو ما ملكت أيمانهن إنما عني ~~بها الإماء ولم يعن بها العبيد. # وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته. وهو قول عطاء ومجاهد ~~والحسن وابن سيرين، وروي عن ابن مسعود، وبه قال أبو حنيفة وابن جريج. # أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال: المراد بهم الذين يتبعون القوم ~~فيصيبوا من طعامهم لا همة لهم إلا ذلك ولا حاجة لهم في النساء. قاله مجاهد ~~وعكرمة والشعبي. # وأصل الإربة والأرب والمأربة: الحاجة والجمع مآرب. # قيل: المراد ms295 بغير أولي الإربة الحمقاء الذين لا حاجة لهم في النساء. # وقيل: البله، وقيل: العنين. # وقيل: الخصي. وقيل: المخنث «1» . # وقيل: الشيخ الكبير. ولا وجه لهذا التخصيص بل المراد بالآية ظاهرها وهم ~~من يتبع أهل البيت ولا حاجة له في النساء ولا يحصل منه ذلك في حال من ~~الأحوال، فيدخل في هؤلاء من هو بهذه الصفة ويخرج من عداه. # أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء: الطفل: يطلق على المفرد ~~والمثنى والمجموع والمراد به هنا الجنس الموضوع موضع الجمع بدلالة وصفه ~~بوصف الجمع. # وفي مصحف أبي أو الطفل على الجمع، يقال للإنسان: طفل ما لم يراهق الحلم. ~~PageV01P398 # ومعنى لم يظهروا: لم يطلعوا، من الظهور بمعنى الاطلاع. كذا قال ابن ~~قتيبة. # وقيل: معناه لم يبلغوا حد الشهوة. قاله الفراء والزجاج «1» . # واختلف العلماء في وجوب ستر ما عدى الوجه والكفين من الأطفال؟ # فقيل: لا يلزم لأنه لا تكليف عليه وهو الصحيح. # وقيل: يلزم لأنه قد يشتهي المرأة. # وهكذا اختلف في عورة الشيخ الكبير الذي قد سقطت شهوته، والأولى بقاء ~~الحرمة كما كانت، فلا يحل النظر إلى عورته ولا يحل له أن يكشفها. # وقد اختلف العلماء في حد العورة؟ # قال القرطبي «2» : أجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجال ~~والمرأة، وأن المرأة كلها عورة إلا وجهها ويديها- على خلاف في ذلك. # وقال الأكثر: إن عورة الرجل من سرته إلى ركبتيه. # ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن: أي لا تضرب المرأة برجلها ~~إذا مشت ليسمع صوت خلخالها من يسمعه من الرجال، فيعلمون أنها ذات خلخال. # قال الزجاج: وسمع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها. # [ثم] «3» أرشد عباده إلى التوبة من المعاصي فقال سبحانه: وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيها المؤمنون: فيه الأمر بالتوبة ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها ~~وأنها فرض من فرائض الدين. # لعلكم تفلحون (31) أي تفوزون بسعادة الدنيا والآخرة. # وقيل: إن المراد بالتوبة التناهي عما كانوا يعملونه في الجاهلية. والأول ~~أولى لما تقرر في السنة من: «أن الإسلام يجب ما قبله» . PageV01P399 # [الآية ms296 العاشرة] وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن ~~يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (32) . # وأنكحوا الأيامى منكم: الأيم: التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، والجمع ~~أيامى «1» . # والأيم: بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة. # قال أبو عبيد: يقال رجل أيم وامرأة أيم، وأكثر ما يكون في النساء، وهو ~~كالمستعار في الرجال، والخطاب في الآية للأولياء. # وقيل: للأزواج. والأول أرجح. # وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها، وقد خالف في ذلك أبو حنيفة «2» . # واختلف أهل العلم في النكاح: هل هو مباح؟ أو مستحب؟ أو واجب؟ فذهب ~~PageV01P400 # إلى الأول الشافعي وغيره «1» . # وإلى الثاني مالك وأبو حنيفة. # وإلى الثالث بعض أهل العلم- على تفصيل لهم في ذلك. فقالوا: إن خشي على ~~نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه وإلا فلا. والظاهر أن القائلين بالإباحة ~~والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع تلك الخشية. # وبالجملة فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح: «ومن رغب عن سنتي فليس مني» ~~«2» ، ولكن مع القدرة عليه وعلى مؤنه. # والمراد بالأيامى هنا: الأحرار والحرائر، وأما المماليك فقد بين ذلك ~~بقوله: # والصالحين من عبادكم وإمائكم: والصلاح: هو الإيمان. وذكر سبحانه الصلاح ~~في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك. # وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه، وإنما يزوجه مالكه. # وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح. # وقال مالك: لا يجوز. ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار فقال: إن ~~يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله: أي لا يمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر ~~الرجل أو المرأة أو أحدهما فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل ~~عليهم بذلك. # قال الزجاج: حث الله على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر ولا يلزم أن ~~هذا يكون حاصلا لكل فقير إذا تزوج، فإن ذلك مقيد بالمشيئة. وقد يوجد في ~~الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى ms297 إذا تزوجوا. # وقيل: المعنى أنه يغنيه بغنى النفس. # وقيل: المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ~~ليتعففوا عن الزنا. والوجه الأول أولى. PageV01P401 # ويدل عليه قوله سبحانه: وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ~~[التوبة: 28] ، فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك. # وجملة: والله واسع: مؤكدة لما قبلها مقررة لها، والمراد أنه سبحانه ذو ~~سعة لا ينقص من سعة ملكه من يغنيه من عباده. # عليم (32) بمصالح خلقه، يغني من يشاء ويفقر من يشاء «1» . # [الآية الحادية عشرة] وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من ~~فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ~~وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن ~~تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور ~~رحيم (33) . # والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم: المكاتبة في الشرع: أن يكاتب ~~الرجل عبده على مال يؤديه منجما، فإذا أداه فهو حر. # وظاهر قوله: فكاتبوهم أن العبد إذا طلب المكاتبة من سيده وجب عليه أن ~~يكاتبه بالشرط المذكور بعد، وهو: # إن علمتم فيهم خيرا: والخير: هو القدرة على أداء ما كوتب عليه وإن لم يكن ~~له مال. # وقيل: هو المال فقط، كما ذهب إليه مجاهد والحسن وعطاء والضحاك وطاووس ~~ومقاتل. # وذهب إلى الأول ابن عمر وابن زيد، واختاره مالك والشافعي والفراء ~~والزجاج. # قال الفراء: يقول إن رجوتم عندهم وفاء وتأدية للمال. # وقال الزجاج: لما قال فيهم كان الأظهر الاكتساب والوفاء وأداء الأمانة. ~~PageV01P402 # وقال النخعي: إن الخير: الدين والأمانة، وروي مثل هذا عن الحسن. # وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة. # قال الطحاوي: وقول من قال: إنه مال، لا يصح عندنا لأن العبد مال لمولاه ~~فكيف يكون له مال! قال: والمعنى عندنا إن علمتم فيهم خيرا أي الدين والصدق. # قال أبو عمرو بن عبد البر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال: ~~إن علمتم فيهم مالا، وإنما يقال علمت فيه الخير والصلاح ms298 والأمانة، ولا ~~يقال: علمت فيه المال. هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم في الخير ~~المذكور في الآية. # وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنه قد ذهب إلى ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور من ~~الوجوب عكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك وأهل الظاهر فقالوا: يجب ~~على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك وعلم فيه خيرا. # وقال الجمهور من أهل العلم: لا يجب ذلك، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل ~~العبد سيده أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك ولم يجبر عليه فكذا الكتابة ~~لأنها معاوضة. # ولا يخفى عليك أن هذه حجة واهية وشبهة داحضة، والحق ما قاله الأولون، وبه ~~قال عمر بن الخطاب وابن عباس، واختاره ابن جرير «1» . # ثم أمر سبحانه الموالي بالإحسان إلى المكاتبين فقال: # وآتوهم من مال الله الذي آتاكم: ففي هذا أمر للمالكين بإعانة المكاتبين ~~على مال الكتابة: إما بأن يعطوهم شيئا من المال، أو بأن يحطوا عنهم مما ~~كوتبوا عليه. # وظاهر الآية عدم تقرير ذلك بمقدار. وقيل: الثلث وقيل: الربع، وقيل: ~~العشر. ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم وسياق الكلام ~~معهم فإنهم المأمورون بالكتابة. # وقال الحسن والنخعي وبريدة: إن الخطاب بقوله: وآتوهم لجميع الناس. ~~PageV01P403 # وقال زيد بن أسلم: إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة ~~حظهم، كما في قوله سبحانه: وفي الرقاب [البقرة: 177] . # وللمكاتب أحكام معروفة إذا وفى ببعض مال الكتابة. # ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك، نهى ~~المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا فقال: # ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء: والمراد بالفتيات هنا الإماء، وإن كان ~~الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر. # والبغاء: الزنا مصدر بغت المرأة تبغا بغاء إذا زنت. وهذا مختص بزنا ~~النساء فلا يقال للرجل إذا زنا: إنه بغى. # وشرط الله سبحانه هذا النهي بقوله: إن أردن تحصنا: لأن الإكراه لا يتصور ~~إلا عند إرادتهن للتحصن، فإن من لم ms299 ترد التحصن لا يصح أن يقال لها: مكروهة ~~على الزنا. # والمراد بالتحصن هنا: التعفف والتزوج. # وقيل: إن هذا القيد راجع إلى الأيامى، وفي الكلام تقديم وتأخير. # وقيل: هذا الشرط ملغى. # وقيل: هذا الشرط باعتبار ما كانوا عليه، فإنهم كانوا يكرهونهن وهن يردن ~~التعفف. وليس تخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف. # وقيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا ~~عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن. وهذا ~~الوجه أقوى هذه الوجوه، فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال ولا للحرام، ~~كما فيمن لا رغبة لها في النكاح والصغيرة، فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع ~~عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة ~~التحصن، إلا أن يقال: إن المراد بالتحصن هنا مجرد التعفف، وأنه لا يصدق على ~~من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن وهو بعيد! فقد قال الحبر ابن عباس: ~~إن المراد بالتحصن التعفف والتزوج، وتابعه على ذلك غيره «1» . PageV01P404 # ثم علل سبحانه هذه النهي بقوله: لتبتغوا عرض الحياة الدنيا: وهو ما ~~تكتسبه الأمة بفرجها، وهذا التعليل خارج مخرج الغالب. # والمعنى أن هذا الغرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في ~~الغالب، لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا فائدة له أصلا ولا يصدر مثله ~~عن العقلاء. # فلا يدل هذا التعليل على أنه لا يجوز له أن يكرهها إذا لم يكن مبتغيا ~~بإكراهها عرض الحياة الدنيا. # وقيل: إن هذا التعليل للإكراه من اعتبار أن عادتهم كانت كذلك لا أنه مدار ~~النهي عن الإكراه لهن وهذا يلاقي المعنى الأول ولا يخالفه. # ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) هذا مقرر لما قبله ~~ومؤكد له «1» . # والمعنى أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات كما تدل ~~عليه قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير «2» : فإن الله غفور ~~رحيم (33) لهن. # قيل: وفي هذا التفسير بعد لأن المكرهة على الزنا ms300 غير آثمة؟ # وأجيب بأنها وإن كانت مكرهة فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة ~~مطاوعة، إما بحكم الجبلة البشرية، أو يكون الإكراه قاصرا عن حد الإلجاء ~~المزيل للاختيار. # وقيل: إن المعنى فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم، إما مطلقا أو ~~بشرط التوبة. # [الآية الثانية عشرة] # يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) . ~~PageV01P405 # يا أيها الذين آمنوا: الخطاب للمؤمنين ويدخل المؤمنات فيه تغليبا كما في ~~غيره من الخطابات. # قال العلماء: هذه الآية خاصة ببعض الأوقات. # واختلفوا في المراد بقوله: ليستأذنكم: على أقوال: # الأول: أنها منسوخة. قاله سعيد بن المسيب. # وقال سعيد بن جبير: إن الأمر فيها للندب لا للوجوب. # وقيل: كان ذلك واجبا حيث كانوا لا أبواب لهم ولو عاد الحال لعاد الوجوب، ~~حكاه المهدوي عن ابن عباس «1» . # وقيل: إن الأمر هاهنا للوجوب، وأن الآية محكمة غير منسوخة، وأن حكمها ~~ثابت على الرجال والنساء. # ولما سئل الشعبي عنها: أمنسوخة هي؟ قال: لا والله! فقال السائل: إن الناس ~~لا يعملون بها؟ قال: الله المستعان. # وقال القرطبي «2» : وهو قول أكثر العلماء، وقال أبو عبد الرحمن السلمي: ~~إنها خاصة بالنساء. # وقال ابن عمر: هي خاصة بالرجال دون النساء. # والمراد بقوله: الذين ملكت أيمانكم: العبيد والإماء. # والذين لم يبلغوا الحلم منكم: أي من الأحرار. # ومعنى ثلاث مرات: ثلاثة أوقات في اليوم والليلة، وعبر بالمرات عن الأوقات ~~لأن أصل وجوب الاستئذان هو سبب مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين ~~بالمخاطبين لا نفس الأوقات. وانتصاب ثلاث على الظرفية الزمانية، أي في ثلاث ~~أوقات، أو PageV01P406 # منصوب على المصدرية أي ثلاثة استئذانات. # ورجح هذا أبو حيان فقال: والظاهر من قوله ثلاث مرات ثلاث استئذانات لأنك ~~إذا قلت ضربتك ثلاث مرات لا يفهم منه إلا ms301 ثلاث ضربات. ويرد بأن الظاهر هنا ~~متروك لقرينة التفسير بالثلاثة الأوقات. # فقال: من قبل صلاة الفجر، وذلك لأنه وقت القيام عن المضاجع وطرح ثياب ~~النوم ولبس ثياب اليقظة، وربما يبيت عريان أو على حالة لا يحب أن يراه غيره ~~فيها. # وحين تضعون ثيابكم. و (من) في قوله: من الظهيرة: للبيان، أو بمعنى في، أو ~~بمعنى اللام، والمعنى حين وضعكم ثيابكم التي تلبسونها في النهار من شدة حر ~~الظهيرة، وذلك عند انتصاف النهار فإنهم قد يتجردون عن الثياب لأجل ~~القيلولة. # ثم ذكر سبحانه الوقت الثالث فقال: ومن بعد صلاة العشاء: وذلك لأنه وقت ~~التجرد من الثياب والخلوة بالأهل «1» . # ثم أجمل سبحانه هذه الأوقات بعد التفصيل فقال: ثلاث عورات: كائنة، لكم، ~~والجملة مستأنفة مسوقة لبيان علة وجوب الاستئذان. # ليس عليكم: يا أهل البيوت. # ولا عليهم: أي المماليك والصبيان. # جناح: أي إثم في الدخول بغير استئذان، لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر ~~والاطلاع على العورات. # ومعنى بعدهن بعد كل واحدة من هذه العورات الثلاث، وهي الأوقات المتخللة ~~بين كل اثنين منها. وهذه الجملة مستأنفة مقررة للأمر بالاستئذان في تلك ~~الأحوال خاصة. # طوافون عليكم الجملة مستأنفة مبينة للعذر المرخص في ترك الاستئذان. # قال الفراء: هذا كقولك في الكلام: هم خدمكم وطوافون عليكم، أي هم خدمكم ~~فلا بأس أن يدخلوا عليكم. PageV01P407 # بعضكم على بعض أي بعضكم يطوف أو طائف على بعض «1» . # والمعنى أن كلا منكم يطوف على صاحبه: العبيد على الموالي، والموالي على ~~العبيد، وإنما أباح سبحانه الدخول في غير تلك الأوقات الثلاثة بغير استئذان ~~لأنها كانت العادة أنهم لا يكشفون عوراتهم في غيرها. والإشارة بقوله: # كذلك، إلى مصدر الفعل الذي بعده كما في سائر المواضع في الكتاب العزيز، ~~أي مثل ذلك التبيين. # يبين الله لكم الآيات: الدالة على ما شرعه لكم من الأحكام. # والله عليم كثير العلم بالمعلومات. # حكيم (58) : كثير الحكمة في أفعاله. # [الآية الثالثة عشرة] # والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ~~ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن ms302 خير لهن والله سميع عليم (60) . # والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا: أي العجائز اللاتي قعدن عن ~~الحيض والولد من الكبر، واحدتها قاعد بلا هاء، ليدل حذفها على أنه قعود ~~الكبر. # فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن: التي تكون على ظاهر البدن كالجلباب ~~ونحوه، لا الثياب التي على العورة الخاصة. وإنما جاز لهن ذلك لانصراف ~~الأنفس عنهن، إذ لا رغبة للرجال فيهن، فأباح الله سبحانه لهن ما لم يبحه ~~لغيرهن. # ثم استثنى حالة من حالاتهن فقال: غير متبرجات بزينة: أي غير مظهرات ~~للزينة التي أمرن بإخفائها في قوله: ولا يبدين زينتهن [النور: 31] ، ~~والمعنى من غير أن يردن بإظهار مواضع الجلابيب إظهار زينتهن ولا متعرضات ~~بالتزين لينظر إليهن الرجال. PageV01P408 # والتبرج: التكشف والظهور للعيون. # وأن يستعففن: أي وأن يتركن وضع الثياب مطلقا فهو: # خير لهن: من وضعها «1» . # والله سميع عليم (60) أي كثير السماع والعلم أو بليغهما «2» . # [الآية الرابعة عشرة] ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على ~~المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت ~~أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم ~~أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم ~~جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية ~~من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) . # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج: اختلف أهل ~~العلم في هذه الآية: هل هي محكمة؟ أو منسوخة؟ قال بالأول جماعة من العلماء، ~~وبالثاني جماعة. # وقيل: إن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يدفعون إليهم ~~مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، ~~وكانوا يحرجون من ذلك وقالوا: لا ندخلها وهم غيب، فنزلت هذه الآية رخصة ~~لهم. # فمعنى الآية نفي الحرج عن الزمنى وفي أكلهم من بيوت أقاربهم وبيوت من ~~يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو. # قال ms303 النحاس: وهذا القول من أجل ما روي في الآية لما فيه عن الصحابة ~~والتابعين PageV01P409 # من التوقيف «1» . # وقيل: إن هؤلاء المذكورين كانوا يتحرجون عن مواكلة الأصحاء حذرا من ~~استقذارهم إياهم وخوفا من تأذيهم بأفعالهم فنزلت. # وقيل: إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه ~~البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به القدرة الكاملة على المشي على ~~وجه يتعذر الإتيان به مع العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه. # وقيل: المراد بهذا الحرج المرفوع عن هؤلاء هو الحرج في الغزو: أي لا حرج ~~على هؤلاء في تأخرهم عن الغزو، وقيل: كان الرجل إذا أدخل أحدا من هؤلاء ~~الزمناء إلى بيته، فلم يجد فيه شيئا يطعمهم إياه، ذهب بهم إلى بيوت قرابته ~~فيتحرج الزمناء من ذلك فنزلت الآية. # ولا على أنفسكم: أي ولا حرج عليكم وعلى من يماثلكم من المؤمنين. # أن تأكلوا: أنتم ومن معكم. # والحاصل أن رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض إن كان باعتبار مواكلة ~~الأصحاء أو دخول بيوتهم فيكون ولا على أنفسكم متصلا بما قبله، وإن كان رفع ~~الحرج عن أولئك باعتبار التكاليف التي يشترط فيها وجود البصر وعدم العرج ~~وعدم المرض فقوله: ولا على أنفسكم ابتداء كلام غير متصل بما قبله. # ومعنى: من بيوتكم: البيوت التي فيها متاعهم وأهلهم، فتدخل بيوت الأولاد، ~~كذا قال المفسرون. لأنها داخلة في بيوتهم لكون بيت ابن الرجل بيته، ولذا لم ~~يذكر سبحانه بيوت الأولاد وذكر غيرها فقال: # أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت ~~أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم: قال النحاس: ~~وعارض بعضهم هذا فقال: هذا تحكم على كتاب الله سبحانه!! بل الأولى، في ~~الظاهر، أن يكون الابن مخالفا لهؤلاء «2» . PageV01P410 # ويجاب عن هذه المعارضة بأن رتبة الأولاد، بالنسبة إلى الآباء، لا تنقص عن ~~رتبة الآباء بالنسبة إلى الأولاد بل للآباء مزيد خصوصية في أموال الأولاد ~~لحديث: «أنت ومالك لأبيك» «1» ، وحديث: «ولد الرجل من كسبه» «2» . # ثم ms304 قد ذكر الله سبحانه هنا بيوت الإخوة والأخوات، بل الأعمام والعمات، بل ~~الأخوال والخالات، فكيف ينفي سبحانه الحرج عن الأكل من بيوت هؤلاء ولا ~~ينفيه عن بيوت الأولاد؟! وقيد بعضهم جواز الأكل من بيوتهم كلهم بالإذن ~~منهم. # وقال آخرون: ولا يشترط الإذن. قيل: وهذا إذا كان الطعام مبذولا وإن كان ~~محرزا دونهم لهم أكله. # ثم قال سبحانه: أو ما ملكتم مفاتحه: أي البيوت التي تملكون التصرف فيها ~~بإذن أربابها وذلك كالوكلاء والعبيد والخزان فإنهم يملكون التصرف في بيوت ~~من أذن لهم بدخول بيته وأعطاهم مفتاحه. وقيل: المراد بها بيوت المماليك. # والمفاتح: جميع مفتح «3» . # أو صديقكم: وإن لم يكن بينكم وبينه قرابة فإن الصديق في الغالب يسمح ~~لصديقه بذلك وتطيب به نفسه، والصديق يطلق على الواحد والجمع. # ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا: جمع شت بمعنى التفرق يقال: شت ~~القوم أي تفرقوا. وهذه الجملة كلام مستأنف مشتمل على بيان حكم آخر من جنس ~~ما قبله، أي ليس عليكم جناح أن تأكلوا مجتمعين أو مفترقين. PageV01P411 # وقد كان بعض العرب يتحرج أن يأكل وحده حتى يجد له أكيلا يؤاكله فيأكل ~~معه، وبعض العرب كان لا يأكل إلا مع الضيف فنزل: فإذا دخلتم بيوتا أي غير ~~البيوت التي تقدم ذكرها، وهذا بيان أدب آخر أدب به عباده. # فسلموا على أنفسكم: أي على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم. # وقيل: المراد البيوت المذكورة سابقا. # وعلى القول الأول فقال الحسن والنخعي: هي المساجد، والمراد سلموا على من ~~فيها من صنفكم، فإذا لم يكن في المساجد أحد فقيل: يقول: السلام على رسول ~~الله، وقيل: يقول: السلام عليكم مريدا للملائكة وقيل: يقول: السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين. # وقال بالقول الثاني- أعني أنها البيوت المذكورة سابقا- جماعة من الصحابة ~~والتابعين. وقيل: المراد بالبيوت هنا هي جميع البيوت المسكونة وغيرها، ~~فيسلم على أهل المسكونة. وأما غير المسكونة فيسلم على نفسه. # قال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح «1» . # تحية من عند الله مباركة طيبة: أي تطيب بها نفس المستمع. ms305 # كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) : تعليل لذلك التبيين برجاء ~~تعقل آيات الله سبحانه وفهم معانيها. # [الآية الخامسة عشرة] إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا ~~معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين ~~يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر ~~لهم الله إن الله غفور رحيم (62) . # فإذا استأذنوك: أي المؤمنين يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~PageV01P412 # لبعض شأنهم: أي الأمور التي تهمهم. # فأذن لمن شئت منهم وامنع من تشاء على حسب ما تقتضيه المصلحة التي تراها. # ثم أرشده الله سبحانه إلى الاستغفار لهم بقوله: واستغفر لهم الله: فيه ~~إشارة إلى أن الاستئذان، وإن كان بقدر مسوغ، فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر ~~الدنيا على الآخرة. # إن الله غفور رحيم (62) : أي كثير الرحمة والمغفرة بالغ فيهما إلى الغاية ~~التي ليس وراءها غاية. # قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صعد المنبر يوم ~~الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر، لم يخرج حتى يقوم ~~بحيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن ~~فيأذن لمن شاء منهم. # قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده. # قال الزجاج: أعلم الله أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، وكذلك أن يكونوا ~~مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه في جمع من جموعهم إلا بإذنه وللإمام ~~أن يأذن وله أن لا يأذن على ما يرى، لقوله: فأذن لمن شئت منهم. # قال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا ~~يرجعون عنه إلا بإذن «1» . PageV01P413 ### | سورة الفرقان وهي سبع وسبعون آية # هي مكية، في قول الجمهور «1» . # قال القرطبي «2» : قال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها نزلت ~~بالمدينة والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الآيات. # [الآية الأولى] # وهو الذي أرسل الرياح بشرا ms306 بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا ~~(48) . # وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) : أي يتطهر به، كما يقول: وضوء للماء ~~الذي يتوضى به. # قال الأزهري: الطهور في اللغة: الطاهر المطهر. # قال ابن الأنباري: الطهور بفتح الطاء الاسم، وكذلك الوصف، وبالضم المصدر، ~~هذا هو المعروف في اللغة. # وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر ويؤيد ذلك كونه بناء ~~مبالغة. # وروي عن أبي حنيفة أنه قال: الطهور هو الطاهر، واستدل لذلك بقوله تعالى: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) [الإنسان: 21] يعني طاهرا، ومنه قول ~~الشاعر: PageV01P414 # خليلي هل في نظرة بعد توبة ... [أداوي] «1» بها قلبي علي فجور # إلى رجح الأكفال غيد من الظبا ... عذاب الثنايا ريقهن طهور # فوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر. ورجح القول الأول ثعلب وهو راجح لما ~~تقدم من حكاية الأزهري لذلك عن أهل اللغة «2» . # وأما وصف الشاعر للريق بأنه طهور فإنه على طريق المبالغة. # وعلى كل حال فقد ورد الشرع بأن الماء في [نفسه] «3» طاهر ومطهر لغيره «4» ~~. # قال الله تعالى: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به [الأنفال: 11] . # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «خلق الماء طهورا» «5» . # [الآية الثانية] # والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) . # والذين يبيتون: البيتوتة: هي أن يدركك الليل نمت أم لم تنم. # قال الزجاج: من أدركه الليل فقد بات نام أو لم ينم كما يقال: بات فلان ~~قلقا. # والمعنى يبيتون. # لربهم سجدا: على وجوههم. # وقياما (64) : على أقدامهم، ومنه قول امرئ القيس «6» : # فبتنا قياما عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله PageV01P415 # والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل كله أو أكثره. # [الآية الثالثة] # والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) . # والذين [إذا] «1» أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا: من قتر يقتر، أو أقتر ~~يقتر. ومعنى الجميع التضييق في الإنفاق. # قال النحاس: أحسن ما قيل في معنى الآية: أن من أنفق في غير طاعة الله فهو ~~الإسراف ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار ومن أنفق في طاعة الله فهو ~~القوام «2» . # وقال إبراهيم النخعي: هو ms307 الذي لا يجوع ولا يعرى ولا ينفق نفقة يقول الناس ~~قد أسرف. # وقال يزيد بن حبيب: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا لا ~~يأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا للجمال، ولكن كانوا فريدون من ~~الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة الله، ومن اللباس ما يستر ~~عوراتهم ويقيهم الحر والبرد «3» . # وقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف ولم يبخلوا، كقوله: ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط [الإسراء: 29] . # وكان: أي إنفاقهم. # بين ذلك: الإفراط أو التفريط. # قواما (67) بكسر القاف: ما يدوم عليه الشيء ويستقر وبالفتح العدل ~~والاستقامة، قاله ثعلب. # وقيل: بالفتح العدل بين الشيئين، وبالكسر ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ~~ولا PageV01P416 # ينقص. وقيل: بالكسر السداد والمبلغ «1» . # [الآية الرابعة] # والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين ~~إماما (74) . # واجعلنا للمتقين إماما (74) أي قدوة يقتدى بنا في الخير. # وإنما قال إماما ولم يقل أئمة لأنه أريد به الجنس كقوله: ثم نخرجكم طفلا ~~[الحج: 5] ، وقيل: إنه من الكلام المقلوب، وأن المعنى: واجعل المتقين لنا ~~إماما، وبه قال مجاهد. وقيل: إن هذا الدعاء صادر عنهم بطريق الانفراد وإن ~~عبارة كل واحد منهم عند الدعاء: واجعلني للمتقين إماما، ولكنها حكيت عبارات ~~الكل بصيغة المتكلم مع الغير لقصد الإيجاز. # وقال الأخفش: الإمام جمع آم من أم يؤم جمع على فعال كصاحب وصحاب وقائم ~~وقيام وقيل: إنه مصدر كالقيام والصيام. وقيل غير ذلك. # قال النيسابوري: قيل: في الآية دلالة على أن الرياسة الدينية مما يجب أن ~~يطلب ويرغب فيها، والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي ~~به يشار إليه ويقتدى بهم «2» . PageV01P417 ### | سورة القصص # وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء. # [الآية الأولى] # قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن ~~أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ~~(27) . # قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين: ms308 فيه مشروعية عرض ولي المرأة لها ~~على الرجل، وهذا سنة ثابتة في الإسلام كما ثبت من عرض عمر لابنته على أبي ~~بكر وعثمان- والقصة معروفة «1» - وغير ذلك، كما وقع في أيام الصحابة وأيام ~~النبوة. # وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم «2» . # على أن تأجرني ثماني حجج: أي على أن تكون أجيرا لي ثمان سنين ترعى غنمي. # فإن أتممت عشرا فمن عندك: أي تفضلا منك لا إلزاما مني لك، جعل ما زاد على ~~الثمانية الأعوام إلى تمام العشرة أعوام موكولا إلى المروءة. # وما أريد أن أشق عليك: بإلزامك إتمام العشرة الأعوام واشتقاق المشقة من ~~الشق أي شق بطنه نصفين، فتارة يقول: أطيق، وتارة يقول: لا أطيق. # ثم رغبه في قبول الإجارة فقال: # ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) : في حسن الصحبة والوفاء. وقيل: # أراد الصلاح على العموم، فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجارة تحت الآية ~~دخولا أولياء، وقيد ذلك بالمشيئة تفويضا للأمر إلى توفيق الله ومعونته. ~~PageV01P418 ### | سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم آياتها تسع وثلاثون، وقيل: ثمان وثلاثون آية # وتسمى سورة القتال، وسورة الذين كفروا. # وهي مدنية. قال الماوردي: في قول الجميع إلا ابن عباس وقتادة فإنهما ~~قالا: إلا آية نزلت منها بعد حجة الوداع حيث خرج من مكة وجعل ينظر إلى ~~البيت وهو يبكي حزنا فنزل قوله تعالى: وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~[محمد: 13] . # وقال الثعلبي: إنها مكية. وهو غلط من القول، فالسورة مدنية كما لا يخفى ~~«1» . # [الآية الأولى] # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما ~~منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ~~ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) . # فشدوا الوثاق: بالفتح، وتجيء بالكسر، اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط. # والمعنى إذا بالغتم في قتلهم فأسروهم واحفظوهم بالوثاق. # فإما منا بعد وإما فداء أي فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر منا ms309 أو تفدوا ~~فداء. # والمن: الإطلاق بغير عوض. # والفداء: ما يفدي به الأسير نفسه من الأسر. ولم يذكر القتل هنا اكتفاء ~~بما تقدم، وإنما قدم المن على الفداء لأنه من مكارم الأخلاق، ولهذا كانت ~~العرب تفتخر به: PageV01P419 # ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # ثم ذكر سبحانه الغاية لذلك فقال: حتى تضع الحرب أوزارها. # أوزار الحرب: آلاتها التي لا تقوم إلا بها من السلاح والكراع، أسند الوضع ~~إليها وهو لأهلها على طريق المجاز. # والمعنى أن المسلمين مخيرون بين تلك الأمور إلى غاية، هي أن لا يكون حرب ~~مع الكفار. # وقال مجاهد: المعنى حتى لا يكون دين غير دين الإسلام، وبه قال الحسن ~~والكلبي. # وقال الكسائي: حتى يسلم الخلق. # قال الفراء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقيل: المعنى حتى يضع الأعداء ~~المحاربون أوزارهم وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة. # وروي عن الحسن وعطاء أنهما قالا: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: فضرب ~~الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها، فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق «1» . # وقد اختلف العلماء في هذه الآية: هل هي محكمة؟ أو منسوخة؟ # فقيل: إنها منسوخة في أهل الأوثان، وأنه لا يجوز أن يفادوا ولا يمن ~~عليهم، والناسخ لها قوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] ~~وقوله: فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم [الأنفال: 57] ، وقوله: ~~وقاتلوا المشركين كافة [التوبة: 36] ، وبهذا قال قتادة والضحاك والسدي وابن ~~جريج وكثير من الكوفيين «2» . # قالوا: والمائدة آخر ما نزل، فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة ~~على PageV01P420 # تركه كالنساء والصبيان «1» ، ومن يؤخذ منه الجزية «2» . وهذا هو المشهور ~~من مذهب أبي حنيفة. # وقيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: ~~5] ، روي ذلك عن عطاء وغيره. # وقال كثير من العلماء: إن الآية محكمة وإن الإمام مخير بين القتل والأسر، ~~وبعد الأسر مخير بين المن والفداء. وبه قال مالك والشافعي والثوري ~~والأوزاعي وأبو عبيد وغيرهم وهذا هو الراجح، لأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم والخلفاء الراشدين من بعده فعلوا ذلك «3» . # وقال سعيد بن جبير: ms310 لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف ~~لقوله: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض [الأنفال: 67] ، ~~فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره «4» . # [الآية الثانية] # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ~~(35) . # فلا تهنوا: أي لا تضعفوا عن القتال. PageV01P421 # والوهن: الضعف. # ولا تدعوا: أي الكفار. # إلى السلم: أي الصلح، ابتداء منكم فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف. # قال الزجاج: منع الله المسلمين المؤمنين أن يدعوا الكفار إلى الصلح ~~وأمرهم بحربهم حتى يسلموا «1» . # واختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي محكمة؟ أو منسوخة؟ فقيل: إنها ~~محكمة وناسخة لقوله: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها [الأنفال: 61] . وقيل: ~~منسوخة بهذه الآية. ولا يخفى عليك أن لا مقتضى للقول بالنسخ، فإن الله ~~سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية أن يدعوا إلى السلم ابتداء ولم ينه عن ~~قبول السلم إذا جنح إليها المشركون، فالآيتان محكمتان ولم تتواردا على محل ~~واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أو التخصيص «2» . # وجملة: وأنتم الأعلون: مقررة لما قبلها من النهي، أي وأنتم الغالبون ~~بالسيف والحجة. # قال الكلبي: أي آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات. # وكذا قوله: والله معكم: أي بالنصر والمعونة عليهم. PageV01P422 ### | سورة الفتح تسع وعشرون آية # كلها مدنية بالإجماع، قاله القرطبي «1» . # وقال مروان ومسور بن مخرمة: نزلت بين مكة والمدينة في شأن الحديبية وهذا ~~لا ينافي الإجماع، لأن المراد بالسور المدنية السور النازلة بعد الهجرة من ~~مكة. # [الآية الأولى] # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25) . # ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات: يعني المستضعفين ممن آمن بمكة. # ومعنى: لم تعلموهم: لم تعرفوهم. وقيل لم تعلموا أنهم مؤمنون. # أن تطؤهم: بالقتل والإيقاع بهم، يقال: وطئت القوم أي ms311 أوقعت بهم. وذلك ~~أنهم لو أخذوا مكة عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم فيها من الكفار، ~~وعند ذلك لا يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة وتلحقهم سبة. # وهو معنى قوله: فتصيبكم، أي من جهتهم. # معرة: أي مشقة بما يلزمكم في قتلهم من كفارة وعيب. PageV01P423 # وأصل المعرة: العيب، مأخوذة من العر وهو الحرب. وذلك أن المشركين سيقولون ~~إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم. # قال الزجاج: معرة أي إثم، وكذا قال الجوهري- وبه قال ابن زيد-. # وقال الكلبي ومقاتل وغيرهما: المعرة كفارة قتل الخطأ. # وقال ابن إسحق: المعرة غرم الدية. # وقال قطرب: المعرة الشدة، وقيل: الغم. # بغير علم متعلق بأن تطئوهم أي غير عالمين. وجواب لولا محذوف أي لإذن الله ~~عز وجل لكم، أو لما كف أيديكم عنهم «1» . PageV01P424 ### | سورة الحجرات ثمان عشرة آية # وهي مدنية، قال القرطبي: بالإجماع «1» . # [الآية الأولى] # يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) . # يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا: من التبيين. # وقرأ حمزة والكسائي من التثبيت فتثبتوا. والمراد من التبيين التعرف ~~والتفحص، ومن التثبيت الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر الواقع والخبر ~~الوارد حتى يتضح ويظهر «2» . # قال المفسرون: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط «3» . # كراهة أن تصيبوا قوما بجهالة: أو لئلا تصيبوا، لأن الخطأ ممن لم يتبين ~~الأمر ولم يتثبت فيه هو الغالب وهو جهالة، لأنه لم يصدر عن علم. # والمعنى متلبسين بجهالة بحالهم. # فتصبحوا على ما فعلتم: بهم من إصابتهم بالخطأ. # نادمين (6) : على ذلك مغتمين له مهتمين به. PageV01P425 # [الآية الثانية] # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) . # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا: باعتبار كل فرد من أفراد الطائفتين. # فأصلحوا بينهما: أي إذا تقاتل فريقان من المسلمين فعلى المسلمين أن يسعوا ~~في الصلح بينهم ويدعوهم إلى ms312 حكم الله. # فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن ~~فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل: أي فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين ~~على الأخرى ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه ~~الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه فإن رجعت تلك الطائفة ~~الباغية عن بغيها وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن ~~يعدلوا بين الطائفتين في الحكم ويتحروا في الصواب المطابق لحكم الله ~~ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة، حتى تخرج من الظلم وتؤدي ما يجب عليها ~~للأخرى. # ثم أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا ~~العدل الخاص بالطائفتين المقتتلتين فقال: # وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) أي واعدلوا إن الله يحب العادلين، ~~ومحبته لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء. # وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في هذا المرام في شرحه «نيل الأوطار ~~للمنتقى» «1» ، وبسطنا الكلام على أحكام البغي والبغاة في شرحنا «مسك ~~الختام لبلوغ المرام» فليرجع إليهما. PageV01P426 ### | سورة النجم إحدى وستون وقيل: اثنتان وستون آية # مكية جميعها، في قول الجمهور «1» . # وروي عن ابن عباس: إلا آية منها، وهي قوله: الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم [النجم: 32] الآية. # [الآية الأولى] # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) . # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى 39: أي ليس له إلا أجر سعيه وجزاء عمله، ولا ~~ينفع أحدا عمل أحد. # وهذا العموم مخصوص مثل قوله سبحانه: ألحقنا بهم ذريتهم [الطور: 21] ، ~~وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد «2» ، ومشروعية دعاء ~~الأحياء للأموات وتصدقهم عنهم ونحو ذلك «3» . # ولم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور فإن الخاص لا ينسخ ~~العام بل يخصصه، فكلما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به- وهو من غير ~~سعيه- كان مخصصا لما في هذه الآية من العموم «4» . PageV01P427 ### | سورة الواقعة سبع أو ست وتسعون آية # وهي كلها مكية، في قول جماعة من العلماء كالحسن وعكرمة وجابر وعطاء. # قال ابن عباس وقتادة: إلا آية ms313 منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) [الواقعة: 82] «1» . # [الآية الأولى] # لا يمسه إلا المطهرون (79) . # لا يمسه إلا المطهرون (79) : قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن الضمير ~~عائد إلى الكتاب المكنون. # والمطهرون: هم الملائكة. وقيل: هم الملائكة والرسل من بني آدم. # ومعنى لا يمسه: المس الحقيقي. وقيل: المعنى لا ينزل به إلا المطهرون. ~~وقيل: # المعنى لا يقرؤه. وعلى كون المراد بالكتاب المكنون هو القرآن، فقيل: لا ~~يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس، كذا قال قتادة وغيره «2» . # وقال الكلبي: المطهرون من الشرك. # وقال الربيع بن أنس: المطهرون من الذنوب والخطايا. # وقال محمد بن الفضل وغيره: معنى الآية لا يقرؤه إلا الموحدون. # وقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك ~~والنفاق «3» . PageV01P428 # وقد ذهب الجمهور إلى منع المحدث من مس المصحف، وبه قال علي وابن مسعود ~~وسعد بن أبي وقاص وابن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد وجماعة من ~~الفقهاء منهم مالك والشافعي. # وروي عن ابن عباس والشعبي وجماعة منهم أبو حنيفة: ويجوز للمحدث مسه «1» . # وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في «شرحه للمنتقى» فليرجع إليه «2» . ~~PageV01P429 ### | سورة الحديد تسع وعشرون آية # كلها مدنية. قال القرطبي: في قول الجميع «1» . # [الآية الأولى] # ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل ~~وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) . # وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة: الذين اتبعوه هم. الحواريون، جعل الله ~~في قلوبهم مودة لبعضهم البعض. # ورحمة: يتراحمون بها بخلاف اليهود فإنهم ليسوا كذلك. # أصل الرأفة: اللين. # والرحمة: الشفقة. # وقيل: الرأفة: أشد الرحمة. # ورهبانية ابتدعوها: أي ابتدعوا رهبانية. ورجحه أبو علي الفارسي على العطف ~~على ما قبلها. # والرهبانية: بفتح الراء وضمها، وهي بالفتح الخوف من الرهب، وبالضم منسوبة ~~إلى الرهبان وذلك لأنهم غلوا في العبادة وحملوا على أنفسهم المشقات في ~~الامتناع من PageV01P430 # المطعم والمشرب والمنكح، وتعلقوا ms314 بالكهوف والصوامع، لأن ملوكهم غيروا ~~وبدلوا وبقي منهم نفر قليل فترهبوا وتبتلوا. ذكر معناه قتادة والضحاك ~~وغيرهما. # ما كتبناها: أي ما فرضناها. # عليهم إلا ابتغاء: استثناء منقطع، أي ما كتبناها عليهم رأسا ولكن ~~ابتدعوها ابتغاء. # رضوان الله فما رعوها أي هذه الرهبانية التي ابتدعوها من جهة أنفسهم. # حق رعايتها، بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين الملوك الذين ~~غيروا وبدلوا وتركوا الترهب ولم يبق على دين عيسى إلا قليل منهم وهم ~~المرادون بقوله: # فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم آمنوا ~~بعيسى وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لما بعثه ~~الله. # وكثير منهم فاسقون (27) : خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به «1» ~~. PageV01P431 ### | سورة المجادلة اثنتان وعشرون آية # وهي مدنية، قاله القرطبي «1» : في قول الجميع، إلا رواية عن عطاء: أن ~~العشر الأول منها مدنية. # [الآيتان: الأولى والثانية] # والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا ~~بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم (4) . # والذين يظاهرون من نسائهم: بأن يقول الزوج لامرأته: أنت علي كظهر أمي كذا ~~قال ابن عباس. # فالمعنى والذين يقولون ذلك القول المنكر الزور. # ثم يعودون لما قالوا: بالتدارك والتلافي، كما في قوله: أن تعودوا لمثله ~~[النور: 17] ، أي إلى مثله. # قال الأخفش: لما قالوا وإلى ما قالوا يتعاقبان. قال: وقالوا الحمد لله ~~الذي هدانا لهذا [الأعراف: 43] ، وقال: فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) ~~[الصافات: 23] ، وقال: # بأن ربك أوحى لها (5) [الزلزلة: 5] ، وقال: وأوحي إلى نوح [هود: 36] . # وقال الفراء: اللام بمعنى ثم يرجعون عما قالوا ويريدون الوطء. # وقال الزجاج: المعنى يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا. ~~PageV01P432 # قال الأخفش أيضا: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى والذين يظاهرون من ~~نسائهم، ثم يعودون لما كانوا عليه من الجماع. # فتحرير رقبة، لما قالوا. أي فعليهم ms315 تحرير رقبة من أجل ما قالوا. # واختلف أهل العلم في تفسير العود المذكور على أقوال: # الأول: أنه العزم على الوطء، وبه قال العراقيون: أبو حنيفة وأصحابه، وروي ~~عن مالك. # وقيل: هو الوطء نفسه، وبه قال الحسن. وروي أيضا عن مالك، وهو أن يمسكها ~~زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق، وبه قال الشافعي. # وقيل: هو الكفارة، والمعنى أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة، وبه قال ~~الليث بن سعد وروي عن أبي حنيفة. # وقيل: هو تكرير الظهار بلفظه، وبه قال أهل الظاهر. # والظاهر أنها تجزىء أي رقبة كانت. # وقيل: يشترط أن تكون مؤمنة، كالرقبة في كفارة القتل. وبالأول قال أبو ~~حنيفة وأصحابه، وبالثاني قال مالك والشافعي واشترطا سلامتها من كل عيب. # من قبل أن يتماسا المراد بالتماس: هنا الجماع، وبه قال الجمهور، فلا يجوز ~~للمظاهر الوطء حتى يكفر. # وقيل: المراد به الاستمتاع بالجماع أو اللمس أو النظر إلى الفرج بشهوة، ~~وبه قال مالك، وهو أحد قولي الشافعي. # والإشارة بقوله: ذلكم إلى الحكم المذكور، وهو مبتدأ وخبره: # توعظون: أي تؤمرون به أو تزجرون به عن ارتكاب الظهار. وفيه بيان لما هو ~~المقصود من شرع الكفارة. # قال الزجاج: المعنى ذلكم التغليظ في الكفارة توعظون به، أي أن غلظ ~~الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار. # والله بما تعملون خبير (3) : لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فهو مجازيكم ~~عليها. # PageV01P433 # ثم ذكر سبحانه حكم العاجز عن الكفارة، فقال: فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتماسا أي فمن لم يجد الرقبة في ملكه ولم يتمكن من ~~قيمتها، فعليه صيام شهرين متواليين لا يفطر فيهما، فإن أفطر يستأنف إن كان ~~الإفطار لغير عذر، وإن كان لعذر من سفر أو مرض، فقال سعيد بن المسيب والحسن ~~وعطاء بن أبي رباح وعمر بن دينار والشعبي والشافعي ومالك: يبني ولا يستأنف. # وقال أبو حنيفة: إنه يستأنف، وهو مروي عن الشافعي. فلو وطئ ليلا أو نهارا ~~عمدا أو خطأ استأنف، وبه قال أبو حنيفة ومالك. # وقال الشافعي: لا يستأنف ms316 إذا وطئ ليلا لأنه ليس محلا للصوم. والأول أولى. # فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا لكل مسكين مدان، وهما نصف صاع. وبه قال ~~أبو حنيفة وأصحابه. # وقال الشافعي وغيره: لكل مسكين مد واحد. والظاهر من الآية أنه يطعمهم حتى ~~يشبعوا مرة واحدة، أو يدفع إليهم ما يشبعهم، ولا يلزمه أن يجمعهم مرة ~~واحدة، بل يجوز له أن يطعم بعض الستين في يوم وبعضهم في يوم آخر. # والإشارة بقوله: ذلك إلى ما تقدم من الأحكام، وهو مبتدأ وخبره مقدر، أي ~~ذلك واقع. # لتؤمنوا بالله ورسوله: أي لتصدقوا أن الله أمر به وشرعه، أو لتطيعوا الله ~~ورسوله في الأوامر والنواهي وتقفوا عند حدود الشرع، ولا تعتدوها ولا تعودا ~~إلى الظهار الذي هو منكر من القول وزور. # والإشارة بقوله: وتلك إلى الأحكام المذكورة، وهو مبتدأ وخبره: # حدود الله: فلا تجاوزوا حدوده التي حدها لكم، فإنه قد بين لكم أن الظهار ~~معصية، وأن كفارته المذكورة توجب العفو والمغفرة. # وللكافرين: الذين لا يقفون عند حدود الله ولا يعملون بما حده الله لعباده ~~وسماه كفرا تغليظا وتشديدا. # عذاب أليم (4) : هو عذاب جهنم «1» . PageV01P434 ### | سورة الحشر # وهي مدنية. # قال القرطبي «1» : في قول الجميع. # [الآية الأولى] # ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين (5) . # ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين (5) قال مجاهد: إن بعض المهاجرين وقعوا في قطع النخل، فنهاهم ~~بعضهم وقالوا: إنما هي مغانم للمسلمين. وقال الذين قطعوا: بل هو غيظ للعدو، ~~فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطع النخيل وتحليل من قطعه من الإثم. # واختلف المفسرون في تفسير اللينة؟ # فقال الزهري ومالك وسعيد بن جبير وعكرمة والخليل: إنها النخل كله إلا ~~العجوة. # وقال الثوري: هي كرام النخل. # وقال أبو عبيدة: إنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبرني. # وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصة. وقيل: هي ضرب من النخل. ~~PageV01P435 # وقال الأصمعي: هي الدقل، وأصل اللينة لونة فقلبت الواو الساكنة ياء ~~لانكسار ما قبلها، وجمع اللينة ms317 لين، وقيل: ليان. # وقد استدل بالآية على أن حصون الكفار وديارهم لا بأس بأن تهدم وتحرق ~~وترمى بالمجانيق، وكذلك قطع أشجارهم ونحوها. # وكذا استدل بها على جواز الاجتهاد، وعلى تصويب المجتهدين، والبحث مستوفى ~~في كتب الأصول. # [الآية الثانية] وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) . # وما أفاء الله على رسوله منهم: أي ما رده عليه من أموال الكفار، والضمير ~~عائد إلى بني النضير. # فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب يقال: وجف البعير يجف وجفا: وهو سرعة ~~السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع. # والركاب: ما يركب من الإبل خاصة. # والمعنى لم تركبوا لتحصيله خيلا ولا إبلا ولا تجشمتم لها مشقة ولا لقيتم ~~به حربا، وإنما كانت من المدينة على ميلين، فجعلها الله سبحانه لرسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وبارك وسلم خاصة، فإنه افتتحها صلحا وأخذ أموالها، وقد ~~كان يسأله المسلمون أن يقسم لهم فنزلت الآية. # ولكن الله يسلط رسله على من يشاء: من أعدائه، وفي هذا بيان أن تلك ~~الأموال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون أصحابه، لكونهم ~~لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، بل مشوا إليها مشيا ولم يقاسوا فيها شيئا ~~من شدائد الحروب. # والله على كل شيء قدير (6) ، يسلط من يشاء على من أراد، ويعطي من يشاء ~~ويمنع من يشاء، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) [الأنبياء: 23] . # PageV01P436 # [الآية الثالثة] ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ~~وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب (7) : # ما أفاء الله على رسوله من: هذا بيان لمصارف الفيء بعد بيان أنه لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، والتكرير لقصد التقرير والتأكيد. # ووضع من أهل القرى، موضع قوله: منهم للإشعار بأن هذا الحكم لا ms318 يختص ببني ~~النضير وحدهم، بل هو حكم على كل قرية يفتحها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلحا، ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. # والمراد بالقرى بنو النضير وقريظة وفدك وخيبر. # وقد تكلم أهل العلم في هذه الآية والتي قبلها: هل معناهما متفق أو مختلف؟ # فقيل: معناهما متفق كما ذكرنا، وقيل: مختلف. وفي ذلك كلام لأهل العلم ~~طويل. # قال ابن العربي: لا إشكال في أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات: # أما الآية الأولى وهي قوله: وما أفاء الله على رسوله منهم فهي خاصة لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، خالصة له وهي أموال بني النضير وما كان ~~مثلها. # وأما الآية الثانية وهي: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فهذا كلام ~~مبتدأ غير الأول المستحق غير الأول، وإن اشتركت هي والأولى في أن كل واحدة ~~منهما تضمنت شيئا أفاءه الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير ~~قتال، واقتضت آية الأنفال وهي الآية الثالثة أنه حاصل بقتال، [وعريت] «1» ~~الآية الثانية وهي: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى عن ذكر حصوله ~~بقتال أو بغير قتال، فنشأ الخلاف من هاهنا: # فطائفة قالت: هي ملحقة بالأولى وهي مال الصلح. PageV01P437 # وطائفة قالت: هي ملحقة بالثالثة وهي آية الأنفال، والذين قالوا إنها ~~ملحقة باية الأنفال اختلفوا هل هي منسوخة؟ أو محكمة؟ هذا أصل كلامه. # وقال مالك: إن الآية الأولى من هذه السورة خاصة برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، والآية الثانية هي في بني قريظة، يعني أن معناها يعود إلى آية ~~الأنفال. # ومذهب الشافعي أن سبيل خمس الفيء سبيل خمس الغنيمة، وأن أربعة أخماسه ~~كانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي بعده لمصالح المسلمين. # فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل: المراد بقوله: ~~فلله أنه يحكم فيه بما يشاء، وللرسول ويكون ملكا له، ولذي القربى، وهم بنو ~~هاشم وبنو المطلب، لأنهم قد منعوا من الصدقة فجعل لهم حقا في الفيء، قيل: ~~تكون القسمة في هذا ms319 المال على أن تكون أربعة أخماسه لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وخمسه يقسم أخماسا للرسول خمس ولكل صنف من الأصناف الأربعة ~~المذكورة خمس. وقيل: يقسم أسداسا، السادس سهم الله سبحانه، ويصرف إلى وجوه ~~القرب، كعمارة المساجد ونحو ذلك. # كي لا يكون: أي الفيء. # دولة بين الأغنياء منكم دون الفقراء. # والدولة: اسم للشيء يتداوله القوم بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة. # قال مقاتل: المعنى أنه يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم ثم لما بين ~~لهم سبحانه مصارف هذا المال أمرهم بالاقتداء برسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: # وما آتاكم الرسول: أي ما أعطاكم من مال الغنيمة. # فخذوه وما نهاكم عنه: أي عن أخذه. # فانتهوا عنه ولا تأخذوه. # قال الحسن والسدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا ~~تطلبوه. # وقال ابن جريج: ما أتاكم من طاعتي فافعلوا وما نهاكم عنه من معصيتي ~~فاجتنبوه. # PageV01P438 # والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من أمر أو نهي أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصا فالاعتبار بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله ~~إلينا، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها «1» . # ثم لما أمرهم بأخذ ما أمرهم بأخذه الرسول وترك ما نهاهم عنه أمرهم بتقواه ~~وخوفهم شدة عقوبته فقال: واتقوا الله إن الله شديد فهو معاقب لمن لم يأخذ ~~ما آتاه الرسول ولم يترك ما نهاه عنه. PageV01P439 ### | سورة الممتحنة ثلاث عشرة آية # وهي مدنية، قال القرطبي: في قول الجميع «1» . # [الآيتان: الأولى والثانية] # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن ~~يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) . # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم: بدل من الموصول بدل ms320 اشتمال. # وتقسطوا إليهم: يقال أقسط إلى الرجل إذا عاملته بالعدل. # قال الزجاج: المعنى وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد. # إن الله يحب المقسطين (8) : أي العادلين. ومعنى الآية أن الله سبحانه لا ~~ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال، ~~وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم، ولا ينهى عن معاملتهم. # قال ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم ~~نسخ. # قال قتادة: نسختها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] . # وقيل: هذا الحكم كان ثابتا في الصلح بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وبين قريش فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم. وقيل: هي خاصة في خلفاء ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن بينه وبينه عهد، قاله الحسن. ~~PageV01P440 # قال الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناة. # وقال مجاهد: هي خاصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا. وقيل: هي خاصة بالنساء ~~والصبيان. # وحكى القرطبي «1» عن أكثر أهل التأويل أنها محكمة. # ثم بين سبحانه من لا يحل بره ولا العدل في معاملته، فقال: إنما ينهاكم ~~الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم: وهم صناديد الكفر من ~~قريش. # وظاهروا على إخراجكم: أي عاونوا الذين قاتلوكم وأخرجوكم على ذلك، وهم ~~سائر أهل مكة ومن دخل معهم في عهدهم. # أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) : أي الكاملون في الظلم ~~لأنهم تولوا من يستحق العداوة لكونه عدوا لله ولرسوله ولكتابه وجعلوهم ~~أولياءهم. # [الآيتان: الثالثة والرابعة] يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن ~~تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم ~~وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) وإن ~~فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما ~~أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11) . # يا ms321 أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات: من بين الكفار، وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد ~~عليهم من جاءهم من المسلمين فلما هاجر إليه النساء أبى الله أن يرددن إلى ~~المشركين، وأمر بامتحانهن فقال: # فامتحنوهن: أي فاختبروهن. # وقد اختلف فيما كان يمتحن به؟ فقيل: كن يستحلفن بالله ما خرجن من بغض ~~PageV01P441 # زوج ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا لالتماس دنيا، بل حبا لله ولرسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ورغبة في دينه فإذا حلفت كذلك أعطى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها إليه. وقيل: الامتحان ~~هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وقيل: ما كان الامتحان ~~إلا بأن يتلو عليهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الآية، وهي يا أيها ~~النبي إذا جاءك المؤمنات إلى آخرها. # واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عهد الهدنة أم لا؟ على قولين: فعلى ~~القول بالدخول تكون هذه الآية مخصصة لذلك العهد، وبه قال الأكثر. وعلى ~~القول بعدمه لا نسخ ولا تخصيص. # الله أعلم بإيمانهن: هذه الجملة معترضة لبيان أن حقيقة حالهن لا يعلمها ~~إلا الله سبحانه. ولم يتعبدكم بذلك وإنما تعبدكم بامتحانهن حتى يظهر لكم ما ~~يدل على صدق دعواهن في الرغوب في الإسلام. # فإن علمتموهن مؤمنات: أي علمتم ذلك، بحسب الظاهر بعد الامتحان الذي أمرتم ~~به. # فلا ترجعوهن إلى الكفار: أي إلى أزواجهن الكافرين. # لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن: تعليل للنهي عن إرجاعهن. # وفيه دليل على أن المؤمنة لا تحل لكافر، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من ~~زوجها لا مجرد هجرتها، والتكرير لتأكيد الحرمة أو الأول لبيان زوال النكاح ~~القديم، والثاني لامتناع النكاح الجديد. # وآتوهم: أي وأعطوا أزواج هؤلاء اللاتي هاجرن وأسلمن مثل: # ما أنفقوا: عليهن من المهور. قال الشافعي: إذا طلبها غير الزوج من ~~قراباتها منع منها بلا عوض. # ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ms322 لأنهن قد صرن من أهل دينكم. # إذا آتيتموهن أجورهن: أي مهورهن، وذلك بعد انقضاء عدتهن كما تدل عليه ~~أدلة وجوب العدة. # ولا تمسكوا بعصم الكوافر: قد قرأ الجمهور بالتخفيف من الإمساك. واختار ~~هذه القراءة أبو عبيد لقوله: فأمسكوهن بمعروف [البقرة: 231] . # PageV01P442 # وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو بالتشديد من التمسك «1» . # والعصم: جمع عصمة وهي ما يعتصم به. والمراد هنا عصمة عقد النكاح. # والمعنى أن من كانت له امرأة كافرة فليست له بامرأة لانقطاع عصمتها ~~باختلاف الدين. # قال النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر. وكان الكفار يزوجون ~~المسلمين والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك لهذه الآية. وهذا خاص ~~بالكوافر المشركات دون الكوافر من أهل الكتاب، وقيل: عامة في جميع الكوافر، ~~مخصصة بإخراج الكتابيات منها. # وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه إذا أسلم وثني أو كتابي لا يفرق بينهما ~~إلا بعد انقضاء العدة. # وقال بعض أهل العلم: يفرق بينهما بمجرد إسلام الزوج، وهذا إنما هو إن ~~كانت المرأة مدخولا بها، وأما إذا كانت غير مدخول بها فلا خلاف بين أهل ~~العلم في انقطاع العصمة بينهما بالإسلام، إذ لا عدة عليها. # وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا: أي اطلبوا مهور نسائكم اللاحقات ~~بالكفار. # قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدة إلى الكفار من أهل العهد، ~~يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت امرأة من الكفار إلى ~~المسلمين وأسلمت: ردوا مهرها على زوجها الكافر. # ذلكم: أي المذكور من إرجاع المهور من الجهتين. # حكم الله، ورسوله. # يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) . قال القرطبي «2» : وكان هذا مخصوصا ~~بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة، بإجماع المسلمين. PageV01P443 # ولما نزلت الآية المتقدمة قال المسلمون: رضينا بحكم الله، وكتبوا إلى ~~المشركين فامتنعوا، فنزل قوله: # وإن فاتكم شيء: أي مما دفعتم. # من أزواجكم أي من مهور نسائكم المسلمات. وقيل: المعنى وإن انفلت منكم أحد ~~من نسائكم. # إلى الكفار: فارتدت المسلمة. # فعاقبتم: قال الواحدي، قال المفسرون: أي فغنمتم. # وقال الزجاج: تأويله وكانت العقبى لكم، أي كانت الغنيمة لكم حتى ms323 غنمتم. # فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا: من مهر المهاجرة التي تزوجوها ~~ودفعوه إلى الكفار ولا تؤتوه زوجها الكافر. # قال قتادة ومجاهد: إنما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ~~من الفيء والغنيمة، وهذه الآية منسوخة قد انقطع حكمها بعد الفتح. # وقال قوم: بل محكمة «1» . # واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11) : أي احذروا أن تتعرضوا لشيء مما ~~يوجب العقوبة عليكم، فإن الإيمان الذي أنتم متصفون به يوجب على صاحبه ذلك. # [الآية الخامسة] يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا ~~يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ~~إن الله غفور رحيم (12) . # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك: أي قاصدات مبايعتك على ~~الإسلام. PageV01P444 # وعلى أن لا يشركن بالله شيئا: من الأشياء كائنا ما كان، هذا كان يوم فتح ~~مكة، فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبايعنه ~~فأمره الله أن يأخذ عليهن أن لا يشركن. # ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن: وهو ما كانت تفعله الجاهلية من ~~وأد البنات. # ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن: أي لا يلحقن بأزواجهن ولدا ~~ليس منهم. # قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك ~~البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين ~~يديها ورجليها، وليس المراد هنا أنها نسيت ولدها من الزنا إلى زوجها، لأن ~~ذلك قد دخل تحت النهي عن الزنا. # ولا يعصينك في معروف: أي في كل أمر هو طاعة لله. # قال عطاء: في كل بر وتقوى. # وقال المقاتل: عني بالمعروف النهي عن النوح، وتمزيق الثياب، وجز الشعر، ~~وشق الجيب، وخمش الوجوه، والدعاء بالويل. # وكذا قال قتادة وسعيد بن المسيب ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم، ومعنى ~~القرآن أوسع مما قالوه! قيل: ووجه التقييد بالمعروف مع كونه صلى الله عليه ~~وآله وسلم لا ms324 يأمر إلا به، للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية ~~الخالق. # فبايعهن: هذا جواب إذا، والمعنى إذا بايعنك على هذه الأمور فبايعهن، ولم ~~يذكر في بيعتهن الصلاة والزكاة والصيام والحج لوضوح كون هذه الأمور ونحوها ~~من أركان الدين وشعائر الإسلام، إنما خص الأمور المذكورة لكثرة وقوعها من ~~النساء. # واستغفر لهن الله: أي اطلب من الله المغفرة لهن بعد هذه المبايعة لهن ~~منك. # إن الله غفور رحيم (12) : أي بليغ المغفرة والرحمة لعباده «1» . ~~PageV01P445 ### | سورة الجمعة إحدى عشرة آية # وهي مدنية، قال القرطبي «1» : في قول الجميع. # [الآية الأولى] # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) . # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة: أي وقع النداء: لها، والمراد به ~~الأذان إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة، لأنه لم يكن على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم نداء سواه. # من يوم الجمعة: بيان لإذا وتفسير لها. # وقال أبو البقاء: (من) بمعنى في. # فاسعوا إلى ذكر الله: قال عطاء: يعني الذهاب والمشي إلى الصلاة. # وقال الفراء: المضي، والسعي، والذهاب، في معنى واحد. ويدل على ذلك قراءة ~~عمر بن الخطاب وابن مسعود: (فامضوا إلى ذكر الله) . # وقيل: المراد القصد. # قال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام ولكنه قصد بالقلوب والنيات. ~~وقيل: # هو العمل كقوله: ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن [الإسراء: 19] ~~، وقوله: # إن سعيكم لشتى (4) [الليل: 4] ، وقوله: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) ~~[النجم: 39] . PageV01P446 # قال القرطبي «1» : وهذا قول الجمهور. # وذروا البيع: أي اتركوا المعاملة به، ويلحق به سائر المعاملات. # قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع. # والإشارة بقوله: ذلكم إلى السعي إلى ذكر الله وترك البيع، وهو مبتدأ ~~وخبره: # خير لكم لما في الامتثال من الأجر والجزاء، وفي عدمه من عدم ذلك إذا لم ~~يكن موجبا للعقوبة. # إن كنتم تعلمون (9) : أي إن كنتم من أهل العلم، فإنه لا يخفى عليكم ms325 أن ~~ذلكم خير لكم، أو فاختاروا ذلك «2» . PageV01P447 ### | سورة المنافقين إحدى عشرة آية # وهي مدنية، قال القرطبي «1» : في قول الجميع. # [الآية الأولى] # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) . # إذا جاءك المنافقون: أي إذا وصلوا إليك وحضروا مجلسك. # قالوا نشهد إنك لرسول الله: أكدوا شهادتهم بأن، واللام للإشعار بأنها ~~صادرة من صميم قلوبهم مع خلوص اعتقادهم، والمراد بالمنافقين: عبد الله بن ~~أبي وأصحابه. # ومعنى نشهد: نحلف، فهو يجري مجرى القسم، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم. # والله يعلم إنك لرسوله: معترضة مقررة لمضمون ما قبلها، وهو ما أظهروه من ~~الشهادة وإن كانت بواطنهم على خلاف ذلك. # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) : أي في الشهادة التي زعموا أنها من ~~صميم القلب وخلوص الاعتقاد، لا إلى منطوق كلامهم وهو الشهادة بالرسالة فإنه ~~حق. # والمعنى والله يشهد إنهم لكاذبون فيما تضمنه كلامهم من التأكيد الدال على ~~أن شهادتهم بذلك صادرة عن خلوص اعتقاد وطمأنينة قلب وموافقة باطن لظاهر «2» ~~. PageV01P448 ### | سورة الطلاق إحدى واثنتا عشرة آية # وهي مدنية، قال القرطبي «1» : في قول الجميع. # [الآية الأولى] # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ~~ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود ~~الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~(1) . # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء: نادى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أولا تشريفا له ثم خاطبه مع أمته، أو الخطاب له خاصة والجمع للتعظيم، وأمته ~~أسوته في ذلك. والمعنى إذا أردتم تطليقهن وعزمتم عليه. # فطلقوهن لعدتهن: أي مستقبلات لعدتهن، أو في قبل عدتهن، أو لقبل عدتهن، أو ~~لزمان عدتهن وهو الطهر. # والمراد أن تطلقوهن في طهر لم يقع فيه جماع ثم يتركن حتى تنقضي عدتهن ~~فإذا طلقتموهن هكذا فقد طلقتموهن لعدتهن. # وأحصوا العدة: أي احفظوها واحفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق حتى تتم ~~العدة وهي ثلاثة قروء، ms326 والخطاب للأزواج، وقيل: للزوجات، وقيل: للمسلمين على ~~العموم. والأول أولى لأن الضمائر كلها لهم «2» . PageV01P449 # واتقوا الله ربكم: فلا تعصوه فيما أمركم ولا تضاروهن. # لا تخرجوهن من بيوتهن: أي التي كن فيها عند الطلاق ما دمن في العدة، ~~وأضاف البيوت إليهن مع كونها لأزواجهن لتأكيد النهي وبيان كمال استحقاقهن ~~للسكنى في مدة العدة، ومثله: واذكرن ما يتلى في بيوتكن [الأحزاب: 34] ، ~~وقوله: # وقرن في بيوتكن [الأحزاب: 33] . # ثم لما نهى الأزواج عن إخراجهن من البيوت التي وقع الطلاق وهن فيها، نهى ~~الزوجات عن الخروج أيضا فقال: ولا يخرجن: أي من تلك البيوت ما دمن في العدة ~~إلا لأمر ضروري وقيل: المراد لا يخرجن من أنفسهن إلا إذا أذن الأزواج لهن، ~~فلا بأس، والأول أولى. # إلا أن يأتين بفاحشة مبينة: فهذا الاستثناء هو من الجملة الأولى، أي لا ~~تخرجوهن من بيوتهن، لا من الجملة الثانية. # قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا، وذلك أن ~~تزني فتخرج لإقامة الحد عليها. # وقال الشافعي وغيره: هي البذاء في اللسان والاستطالة به على من هو ساكن ~~معها في ذلك البيت. # ويؤيد هذا ما قال عكرمة: إن في مصحف أبي: إلا أن يفحشن عليكم وقيل: # المعنى إلا أن يخرجن تعديا، فإن خروجهن على هذا الوجه فاحشة، وهو بعيد. # وتلك حدود الله: يعني أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي ~~حددها لهم ليس لأحد أن يتجاوزها إلى غيرها. # ومن يتعد حدود الله: أي يتجاوزها إلى غيرها أو يحل شيئا منها. # فقد ظلم نفسه: بإيرادها موارد الهلاك وأوقعها في مواقع الضرر، بعقوبة ~~الله له PageV01P450 # على مجاوزته لحدوده وتعديه لرسمه. # لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1) قال القرطبي «1» : قال جميع ~~المفسرين أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، والمعنى التحريض على الطلاق ~~الواحدة، والنهي عن الثلاث. فإنه إذا طلق ثلاثا أضر بنفسه عند الندم على ~~الفراق والرغبة في الارتجاع، فلا يجد إلى المراجعة سبيلا. # وقال مقاتل: بعد ذلك، أي بعد طلقة أو طلقتين أمرا بالمراجعة. # قال ms327 الواحدي: الأمر الذي يحدث أن يوقع في قلب الرجل المحبة لرجعتها بعد ~~الطلقة والطلقتين. # قال الزجاج: وإذا طلقها ثلاثا في وقت واحد؟! فلا معنى لقوله: لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا. # [الآيتان: الثانية والثالثة] فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ~~(3) . # فإذا بلغن أجلهن: أي قاربن انقضاء أجل العدة. # فأمسكوهن بمعروف: أي راجعوهن بحسن معاشرة ورغبة فيهن من غير قصد إلى ~~مضارة لهن. # أو فارقوهن بمعروف: أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فيملكن نفوسهن مع بقائهن ~~بما هو لهن عليكم من الحقوق وترك المضارة لهن. # وأشهدوا ذوي عدل منكم: على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما قطعا ~~للتنازع وحسما لمادة الخصومة. والأمر للندب كما في قوله: وأشهدوا إذا ~~تبايعتم [البقرة: 282] PageV01P451 # وقيل: إنه للوجوب. وإليه ذهب الشافعي. # قال: الإشهاد واجب للرجعة مندوب إليه في الفرقة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، ~~وفي قول للشافعي: إن الرجعة لا تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق. وروي نحو ~~هذا عن أبي حنيفة وأحمد. # وأقيموا الشهادة لله: هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شهدوا به تقربا إلى ~~الله. # وقيل: الأمر للأزواج بأن يقيموا الشهادة عند الرجعة فيكون قوله: وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم أمرا بنفس الإشهاد، ويكون قوله: وأقيموا الشهادة، أمرا بأن ~~تكون خالصة لله «1» . # ذلكم: أي ما تقدم من الأمر بالإشهاد وإقامة الشهادة. # يوعظ به من كان يؤمن: وخص المؤمن. # بالله واليوم الآخر لأنه المنتفع بذلك دون غيره. # ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) مما وقع فيه من الشدائد والمحن. # ويرزقه من حيث لا يحتسب أي من وجه لا يخطر بباله ولا يكون في حسابه. # قال الشعبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي من طلق كما أمر الله يكن له ~~مخرج في الرجعة في ms328 العدة وأنه يكون كأحد الخطاب بعد العدة. # قال الكلبي: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجا من النار إلى ~~الجنة. # وقال الحسن: مخرجا مما نهى الله عنه. # وقال أبو العالية: مخرجا من كل شيء ضاق على الناس. # وقال الحسين بن الفضل: ومن يتق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجا من ~~العقوبة، ويرزقه الثواب من حيث لا يحتسب، أي يبارك له فيما آتاه. # وقال سهل بن عبد الله: ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجا من ~~عقوبة PageV01P452 # أهل البدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب، وقيل غير ذلك. # وظاهر الآية العموم، ولا وجه للتخصيص بنوع خاص، ويدخل ما فيه السياق ~~دخولا أوليا. # ومن يتوكل على الله فهو حسبه: أي ومن يثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه. # إن الله بالغ أمره: أي بالغ ما يريده من الأمر، لا يفوته شيء ولا يعجزه ~~مطلوب، أو نافذ أمره لا يرده شيء. # قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) : أي تقديرا وتوقيتا أو مقدارا، فقد جعل ~~الله سبحانه للشدة أجلا تنتهي إليه وللرخاء أجلا ينتهي إليه. # وقال السدي: هو قد الحيض والعدة «1» . # [الآية الرابعة] واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق ~~الله يجعل له من أمره يسرا (4) . # واللائي يئسن من المحيض من نسائكم: من الكبار اللاتي قد انقطع حيضهن ~~وأيسن منه. # إن ارتبتم: أي شككتم وجهلتم كيف عدتهن. # فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن: لصغرهن وعدم بلوغهن سن المحيض، أي ~~فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا، وحذف هذا لدلالة ما قبله عليه. # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن: أي انتهاء عدتهن وضع الحمل، وظاهر ~~الآية أن عدة الحوامل هي بالوضع سواء كن مطلقات أو متوفى عنهن، وقد تقدم ~~الكلام في هذا في سورة البقرة «2» مستوفى، وحققنا البحث في هذه الآية وفي ~~الآية الأخرى: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا. ~~PageV01P453 # وقيل: معنى إن ارتبتم: ms329 إن تيقنتم. # ورجح ابن جرير «1» أنه بمعنى الشك، وهو الظاهر. # قال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن تحيض ~~مثلها. # وقال مجاهد: إن ارتبتم أي لم تعلموا عدة الآيسة والتي لم تحض، فالعدة ~~هذه. # وقيل: المعنى إن ارتبتم في الدم الذي يظهر منها هل هو حيض أم لا بل ~~استحاضة، فالعدة ثلاثة أشهر «2» . # ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (4) : أي من يتقيه في امتثال أوامره ~~واجتناب نواهيه، يسهل عليه أمره في الدنيا والآخرة. # وقال الضحاك: من يتق الله فيطلق للسنة، يجعل له من أمره يسرا في الرجعة. # وقال مقاتل: من يتق الله في اجتناب معاصيه، يجعل له من أمره يسرا في ~~توفيقه للطاعة. # [الآيتان: الخامسة والسادسة] # أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا ~~بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر ~~عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله ~~بعد عسر يسرا (7) . PageV01P454 # أسكنوهن من حيث سكنتم: هذا بيان ما يجب للنساء من السكنى، و (من) ~~للتبعيض، أي بعض مكان سكناكم، وقيل: زائدة. # من وجدكم: أي من سعتكم وطاقتكم. # والوجد: القدرة. # قال الفراء: يقول على من يجد، فإن كان موسعا وسع عليها في المسكن ~~والنفقة، وإن كان فقيرا فعلى قدر ذلك. # قال قتادة: إن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه. # وقد اختلف أهل العلم في المطلقة ثلاثا هل لها سكنى ونفقة أم لا؟ # فذهب مالك والشافعي إلى أن لها السكنى ولا نفقة لها. # وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن لها النفقة والسكنى. # وذهب أحمد وإسحق وأبو ثور إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا هو الحق. # وقد قرره الشوكاني في «شرحه للمنتقى» «1» بما لا يحتاج الناظر فيه إلى ~~غيره. # ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن: في المسكن والنفقة. # وقال مجاهد: في المسكن. # وقال مقاتل: ms330 في النفقة. # وقال أبو الضحى: هو أن يطلقها فإذا بقي يومان من عدتها راجعها ثم طلقها. # وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن: أي إلى غاية هي وضعهن ~~للحمل. ولا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة. # فأما الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال علي وابن عمر وابن مسعود وشريح ~~والنخعي والشعبي وحماد وابن أبي ليلى وسفيان وأصحابه: ينفق عليها من جميع ~~المال حتى تضع. # وقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك والشافعي وأبو حنيفة ~~PageV01P455 # وأصحابه: لا ينفق عليها إلا من نصيبها، وهذا هو الحق للأدلة الواردة في ~~ذلك من السنة. # فإن أرضعن لكم: أولادكم بعد ذلك. # فآتوهن أجورهن أي أجور إرضاعهن. والمعنى أن المطلقات إذا أرضعن أولاد ~~الأزواج المطلقين لهن منهن، فلهن أجورهن على ذلك. # وأتمروا بينكم بمعروف: هو خطاب للأزواج والزوجات، أي تشاوروا بينكم ~~بمعروف غير منكر، وليقبل بعضكم من بعض المعروف والجميل. # وأصل معناه: ليأمر بعضكم بعضا بما هو متعارف بين الناس غير منكر عندهم. # قال مقاتل: المعنى ليتراض الأب والأم على أجر مسمى. قيل: فالمعروف الجميل ~~من الزوج أن يوفر لها الأجر، والمعروف الجميل منها أن لا تطلب ما يتعاسره ~~الزوج من [الأجر] «1» . # وإن تعاسرتم: أي في أجر الرضاع، فأبى الزوج أن يعطي الأم الأجر وأبت الأم ~~أن ترضعه إلا بما تريد من الأجر. # فسترضع له أخرى (6) : أي يستأجر مرضعة أخرى ترضع ولده، ولا يجب عليه أن ~~يسلم بما تطلبه الزوجة، ولا يجوز له أن يكرهها على الإرضاع بما يريد من ~~الأجر. # قال الضحاك: إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم تقبل أجبرت ~~أمه على الرضاع بالأجر. # لينفق ذو سعة من سعته: فيه الأمر لأهل السعة بأن يوسعوا على المرضعات من ~~نسائهم على قدر سعتهم. # ومن قدر عليه رزقه: أي كان رزقه بمقدار القوت أو مضيقا ليس بموسع. # فلينفق مما آتاه الله: أي مما أعطاه من الرزق ليس عليه غير ذلك. # لا يكلف الله نفسا إلا ما ms331 آتاها: أي ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير ~~بأن ينفق ما ليس في وسعه، بل عليه ما يقدر عليه وتبلغ إليه طاقته مما أعطاه ~~الله من الرزق. # سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) : أي بعد ضيق وشدة سعة وغنى «2» . ~~PageV01P456 ### | سورة التحريم اثنتا عشرة آية # وهي مدنية، قال القرطبي «1» : في قول الجميع. # وتسمى سورة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # [الآيتان: الأولى والثانية] # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) ~~. # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك: اختلف في سبب نزول الآية على ~~أقوال: # الأول: قول أكثر المفسرين، قال الواحدي: قال المفسرون: كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في بيت حفصة فزارت أباها، فلما رجعت أبصرت مارية في ~~بيتها مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلم تدخل حتى خرجت مارية، ثم ~~دخلت. فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وجه حفصة الغيرة والكآبة ~~قال لها: «لا تخبري عائشة ولك علي أن لا أقربها أبدا» فأخبرت حفصة عائشة- ~~وكانتا متصافيتين- فغضبت عائشة، ولم تزل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حتى حلف أن لا يقرب مارية، فأنزل الله هذه السورة «2» . PageV01P457 # قال القرطبي «1» : أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة وذكر القصة. # وقيل: السبب أنه كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشرب عسلا عند زينب ~~بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة أن يقولا له إذا دخل عليهما: إنا نجد منك ريح ~~مغافير «2» . # وقيل: السبب المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وسنده ضعيف «3» . # والجمع ممكن بوقوع القصتين: قصة العسل وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما ~~جميعا. # تبتغي مرضات أزواجك: ومرضاة اسم مصدر وهو الرضا. # والله غفور رحيم (1) : لما فرط منك من تحريم ما أحل الله لك. # قيل: وكان ذلك ذنبا من الصغائر، فلذا عاتبه الله عليه، وقيل: إنها معاتبة ~~على ترك الأولى. # قد فرض الله لكم ms332 تحلة أيمانكم: أي شرع لكم تحليلها وبين لكم ذلك، فكان ~~اليمين عقد والكفارة حل، لأنها تحل للحالف ما حرمه على نفسه. # قال مقاتل: المعنى قد بين الله كفارة أيمانكم في سورة المائدة، أمر الله ~~نبيه أن يكفر يمينه ويراجع وليدته فأعتق رقبة. # قال الزجاج: وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله. # قلت: وهذا هو الحق، إن تحريم ما أحل الله لا ينعقد ولا يلزم صاحبه، ~~فالتحليل والتحريم هو إلى الله سبحانه لا إلى غيره، ومعاتبته نبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم في هذه السورة أبلغ دليل على ذلك، والبحث طويل والمذاهب فيه ~~كثيرة والمقالات فيه طويلة، وقد حققه الشوكاني رحمه الله تعالى في مؤلفاته ~~بما يشفي. # واختلف العلماء هل مجرد التحريم يمين يوجب الكفارة أم لا؟ وفي ذلك خلاف ~~وليس في الآية ما يدل على أنه يمين لأن الله سبحانه عاتبه على تحريم ما ~~أحله الله له، PageV01P458 # ثم قال: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم، وقد ورد في القصة التي ذهب أكثر ~~المفسرين إلى أنها هي سبب نزول الآية «1» أنه حرم أولا، ثم حلف ثانيا كما ~~قدمنا. # والله مولاكم: أي وليكم وناصركم والمتولي لأموركم. # وهو العليم: بما فيه صلاحكم وفلاحكم. # الحكيم (2) : في أقواله وأفعاله «2» . PageV01P459 ### | سورة نوح تسع وعشرون أو ثمان وعشرون آية # مكية، قاله عبد الله بن [عباس] «1» وأخرجه عنه ابن [الضريس] «2» والنحاس ~~وابن مردويه. # [الآيات: الأولى والثانية والثالثة] # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ~~ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) . # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) : أي سلوه المغفرة من ذنوبكم ~~السالفة بإخلاص النية، إنه كثير المغفرة للمذنبين، وقيل: معنى استغفروا: ~~توبوا عن الكفر إنه كان غفارا للتائبين عنه «3» . # يرسل السماء عليكم مدرارا (11) : المراد بالسماء: المطر. # والمدرار الدرور: وهو التحلب بالمطر، أي إرسالا مدرارا. # وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع ~~الأرزاق، ولهذا قال: # ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) : جارية. ~~PageV01P460 ### | سورة المزمل ms333 تسع عشرة أو عشرون آية # وهي مكية، قال الماوردي: كلها، في قول الحسن وعكرمة وجابر. # قال: وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها واصبر على ما يقولون والتي ~~تليها [المزمل: 10- 11] . # [الآيات: الأولى والثانية والثالثة] # قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) أو زد عليه ورتل ~~القرآن ترتيلا (4) . # قم الليل: أي قم للصلاة في الليل. واختلف هل كان هذا القيام الذي أمر به ~~فرضا عليه أو نفلا؟. # وقوله: إلا قليلا (2) : استثناء من الليل، أي صل الليلة كلها إلا يسيرا ~~منها. # والقيام من الشيء: هو ما دون النصف، وقيل: ما دون السدس، وقيل: ما دون ~~العشر. # وقال مقاتل والكلبي: المراد بالقليل هنا الثلث. وقد أغنانا عن هذا ~~الاختلاف قوله: # نصفه أو انقص منه، أي من النصف. # قليلا (3) : إلى الثلث. # أو زد عليه، قليلا إلى الثلثين. فكأنه قال: قم ثلثي الليل أو نصفه أو ~~ثلثه. # وقيل: إن نصفه بدل من قوله: قليلا (2) : فيكون المعنى قم الليل إلا نصفه ~~أو أقل # PageV01P461 # من نصفه أو أكثر من نصفه. # قال الأخفش: نصفه أي أو نصفه كما يقال أعطه درهما درهمين ثلاثة يريد أو ~~درهمين أو ثلاثة. # قال الواحدي: قال المفسرون: أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث، أو زد على ~~النصف إلى الثلثين. جعل له سعة في مدة قيامه في الليل وخيره في هذه الساعات ~~للقيام، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطائفه معه يقومون على هذه ~~المقادير، وشق ذلك عليهم، فكان الرجل لا يدري كم صلى أو كم بقي من الليل ~~وكانوا يقومون الليل كله حتى خفف الله عنهم. # وقيل: الضمير في (منه) و (عليه) راجعان إلى الأقل من النصف كأنه قال: قم ~~أقل من نصفه، أو قم انقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلا! وهو بعيد جدا. # والظاهر أن نصفه قليلا والضميران راجعان إلى النصف المبدل من (قليلا) «1» ~~. # واختلف في الناسخ لهذا الأمر فقيل: هو قوله: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ~~من ثلثي الليل ونصفه وثلثه [المزمل: 20] إلى آخر ms334 السورة، وقيل: هو قوله: ~~علم أن لن تحصوه [المزمل: 20] ، وقيل: هو قوله: أن سيكون منكم مرضى ~~[المزمل: 20] ، وقيل: هو منسوخ بالصلوات الخمس. وبهذا قال مقاتل والشافعي ~~وابن كيسان، وقيل: هو فاقرؤا ما تيسر من [المزمل: 20] وذهب الحسن وابن ~~سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو قدر حلب شاة «2» . # ورتل القرآن ترتيلا (4) : أي اقرأه على مهل مع تدبر. # قال الضحاك: اقرأه حرفا حرفا. # قال الزجاج: هو أن تبين جميع الحروف وتوفي حقوقها من الإشباع. # وأصل الترتيل: [التنضيد] «3» والتنسيق وحسن النظام، وتأكيد الفعل ~~بالمصدر، PageV01P462 # يدل على المبالغة على وجه لا يلتبس فيه بعض الحروف ببعض، ولا ينقص من ~~النطق بالحرف من مخرجه المعلوم مع استيفاء حركته المعتبرة. # [الآية الرابعة] # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين ~~معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر ~~من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20) . # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل: معنى أدنى: أقل، استعير له ~~الأدنى لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما. # ونصفه: معطوف على أدنى. # وثلثه: معطوف على نصفه. والمعنى أن الله يعلم أن رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقوم أقل من ثلثي الليل ويقوم نصفه ويقوم ثلثه. # وبالنصب قراءة ابن كثير والكوفيين. # وقرأ الجمهور: ونصفه وثلثه بالجر عطفا على ثلثي الليل. والمعنى أن الله ~~يعلم أن رسوله يقوم أقل من ثلثي الليل وأقل من نصفه وأقل من ثلثه. # واختار قراءة الجمهور أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: علم أن لن تحصوه فتاب ~~فكيف يقومون نصفه وثلثه وهم لا يحصونه. # وقال الفراء: القراءة الأولى أشبه بالصواب لأنه قال: أقل ms335 من ثلثي الليل، ~~ثم فسر نفس القلة «1» . PageV01P463 # العموم في حقه صلى الله عليه وآله وسلم وفي حق أمته، وليس في قوله: ~~فاقرؤا ما تيسر ما يدل على بقاء شيء من الوجوب، لأنه إن كان المراد به ~~القراءة من القرآن فقد وجدت في صلاة المغرب والعشاء وما يتبعهما من النوافل ~~المؤكدة، وإن كان المراد به الصلاة من الليل فقد وجدت صلاة الليل بصلاة ~~المغرب والعشاء وما يتبعهما من التطوع. # وأيضا الأحاديث الصحيحة المصرحة بقول السائل لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: «هل علي غيرها؟ يعني الصلوات الخمس فقال: لا! إلا أن تطوع» «1» ~~، تدل على عدم وجوب غيرها، فارتفع بهذا وجوب قيام الليل وصلاته عن الأمة، ~~كما ارتفع وجوب ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ومن الليل ~~فتهجد به نافلة لك [الإسراء: 79] . PageV01P464 ### | سورة المدثر ست وخمسون آية # وهي مكية بلا خلاف. # [الآيات: الأولى والثانية والثالثة] # وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر (5) . # وربك فكبر (3) : أي واختص سيدك ومالكك ومصلح أمورك بالتكبير، وهو وصفه ~~سبحانه بالكبرياء والعظمة، وأنه أكبر من أن يكون له شريك- كما يعتقده ~~الكفار-، وأعظم من أن تكون له صاحبة أو ولد. # قال ابن العربي «1» : المراد به تكبير التقديس والتنزيه لخلع الأضداد ~~والأنداد والأصنام، ولا يتخذ وليا غيره ولا يعبد سواه ولا يرى لغيره فعلا ~~إلا له ولا نعمة إلا منه. # وثيابك فطهر (4) : المراد بها الثياب الملبوسة على ما هو المعنى اللغوي، ~~أمره الله سبحانه بتطهير ثيابه وحفظها عن النجاسات وإزالة ما وقع فيها ~~منها. وقيل: المراد بالثياب القلب. # وقال قتادة: النفس، وقيل: الجسم، وقيل: الأهل، وقيل: الدين. # قال الحسن [والقرظي] «2» : الأخلاق، لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله ~~اشتماله ثيابه على نفسه. # وقال مجاهد وابن زيد: أي عملك فأصلح. PageV01P465 # وقال الزجاج: المعنى وثيابك فقصر لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسات إذا ~~انجر على الأرض. وبه قال طاووس. والأول أولى لأنه المعنى الحقيقي، وليس في ~~استعمال الثياب مجازا عن غيرها لعلاقة مع قرينة ما يدل على أنه المراد عند ms336 ~~الإطلاق، وليس في مثل هذا الأصل أعني الحمل على الحقيقة عند الإطلاق خلاف. # وفي الآية دليل على وجوب طهارة الثياب في الصلاة. # والرجز فاهجر (5) : الرجز: معناه في اللغة العذاب، وفيه لغتان كسر الراء ~~وضمها، وسمي الشرك وعبادة الأوثان رجزا لأنهما سبب الرجز. # وقال مجاهد وعكرمة: الرجز الأوثان، كما في قوله: فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان [الحج: 30] ، وبه قال ابن زيد. # وقال إبراهيم النخعي: المأثم. # والهجر: الترك. # وقال قتادة: الرجز: إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت. # وقال أبو العالية والربيع والكسائي: الرجز بالضم الوثن، وبالكسر العذاب. # وقال السدي: الرجز بالضم الوعيد. والأول أولى «1» . PageV01P466 ### | سورة أرأيت سبع آيات # ويقال: سورة الماعون، وسورة اليتيم، وسورة الدين «1» . # وهي مكية في قول عطاء وجابر وأحد قولي ابن عباس. ومدنية في قول قتادة ~~وآخرين. # [الآية الأولى] # ويمنعون الماعون (7) . # ويمنعون الماعون (7) قال أكثر المفسرين: هو اسم لما يتعاوزه الناس بينهم ~~من الدلو، والفأس، والقدر، ولا يمنع عادة كالماء والملح. # وقيل: هو الزكاة، أي يمنعون زكاة أموالهم. # قال الزجاج وأبو عبيد والمبرد: الماعون في الجاهلية ما فيه منفعة من قليل ~~أو كثير، وأنشدوا قول الأعشى: # بأجود منه بما عونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم # وقالوا أيضا: هو في الإسلام الطاعة والزكاة، وأنشدوا قول الراعي: # أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا # عرب نرى لله في أموالنا ... حق الزكاة منزلا تنزيلا # قوم على الإسلام لما يمنعوا ... ماعونهم ويضيعوا التهليلا # وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الماعون الماء. PageV01P467 # وقيل: هو الحق على العبد على العموم. # وقيل: هو المستغل من منافع الأموال، مأخوذ من المعن وهو القليل. # قال قطرب: أصل الماعون من قلة، والمعن الشيء القليل، فسمى الله الصدقة ~~والزكاة ونحو ذلك من المعروف ماعونا لأنه قليل من كثير «1» . PageV01P468 ### | سورة الكوثر هي ثلاث آيات # وهي مكية، في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل، ومدنية في قول الحسن وعكرمة ~~ومجاهد وقتادة «1» . # [الآية: الأولى] # فصل لربك وانحر (2) . # فصل لربك المراد الأمر له صلى الله عليه وآله وسلم بالدوام على إقامة ~~الصلاة المفروضة. # وانحر ms337 (2) : البدن التي هي خيار أموال العرب. # قال محمد بن كعب: إن ناسا كانوا يصلون لغير الله، فأمر الله سبحانه نبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن تكون صلاته ونحره له. # وقال قتادة وعطاء وعكرمة: المراد صلاة العيد ونحر الأضحية. # وقال سعيد بن جبير: صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع «2» ، وانحر البدن ~~في منى. # وقيل: وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حذاء النحر، قاله محمد بن كعب. # وقيل: هو أن يرفع يديه في الصلاة عند التكبيرة إلى نحره، وقيل: هو أن ~~يستقبل القبلة بنحره، قاله الفراء والكلبي وابن الأحوص. # قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: نتناحر، أي نتقابل: نحر هذا إلى نحر ~~هذا: أي قبالته. PageV01P469 # وقال ابن الأعرابي: هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب من قولهم: # منازلهم تتناحر أي تتقابل. # وروي عن عطاء أنه قال: أمره أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدو نحره. # وقال سليمان التيمي: المعنى وارفع يديك بالدعاء إلى نحرك. وظاهر الآية ~~الأمر له صلى الله عليه وآله وسلم بمطلق الصلاة ومطلق النحر وأن يجعلهما ~~لله عز وجل لا لغيره، وما ورد في السنة من بيان هذا المطلق بنوع خاص فهو في ~~حكم التقييد له. # وقد أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في «سننه» والحاكم وابن مردويه عن علي بن ~~أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل: «ما هذه [النحيرة] التي أمرني ~~بها ربي؟ فقال: إنها ليست بنحيرة ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك ~~إذا كبرت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم ~~في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة وإن زينة الصلاة رفع اليدين عند كل ~~تكبيرة» ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «رفع اليدين من الاستكانة ~~التي قال الله: فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) [المؤمنون: 76] » . ~~وهو من طريق مقاتل بن حيان عن الأصبغ عن بنانة عن علي «1» . # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ms338 في الآية قال: «إن الله أوحى إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة فذاك ~~النحر» «2» . # وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في «تاريخه» وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والدارقطني في «الأفراد» ، وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي ~~في «سننه» عن علي بن أبي طالب في قوله: فصل لربك وانحر (2) قال: «وضع يديه ~~اليمنى على وسط ساعد اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة» «3» . ~~PageV01P470 # وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في «سننه» عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم مثله «1» . # وأخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في «سننه» وابن مردويه والبيهقي عن ابن ~~عباس: # فصل لربك وانحر (2) قال: [وضع اليمنى على الشمال عند التحريم في الصلاة] ~~«2» . # [وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء: فصل لربك وانحر (2) قال] «3» : «إذا صليت ~~فرفعت رأسك قائما من الركوع فاستو قائما» «4» . # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: «الصلاة المكتوبة، ~~والذبح يوم الأضحى» «5» . # وأخرج البيهقي في «سننه» عنه وانحر (2) قال: يقول: واذبح يوم النحر «6» . # إلى غير ذلك مما نقله المفسرون. # واللفظ وإن كان واسعا يحتمل الكل إلا أن المتعين هو ما ثبت بالأخبار ~~والآثار كما هو المقرر عند الكبار والأخيار «7» . # وبالله التوفيق ومنه الوصول إلى التحقيق «8» PageV01P471 ms339