######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007444 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي (المتوفى: 1307هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1307 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الروضة الندية شرح الدرر البهية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: فقه عام #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007444 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7444 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7444 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعرفة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الاول ### | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # نحمدك اللهم أنت الذي علمت الناس في دينهم حكما وفي دنياهم أحكاما. وجعلت ~~أمة خاتم الرسل المرحومة أكرم الأمم كلها منزلا ومقاما. ومازلت ألهمت من ~~شئت وتلهم من تشاء منهم في كل قرن استعمال السنن المطهرة على وجهها إلهاما. ~~ونهيتهم عن التفرق في الدين وأوضحت لهم سبيل اليقين فأصبحوا بنعمتك بررة ~~كراما. وما انفك عدو لهم نفوا عن الدين وينفون عنه انتحال1 المبطلين وتحريف ~~الغالين وتأويل الجاهلين حتى عاد علم الحق معتدلا قواما. . # ونصلي عليك أيها النبي الكريم, بك من الله علينا بالإيمان وهدانا إسلاما. ~~لطفا بنا ورحمة علينا وبركة فينا وإحسانا إلينا وإكراما. فكان ذلك لزاما. ~~ولولاك ما اهتدينا ولا صلينا ولا علمنا أحكاما. فكنت أنت داعينا إلى الله ~~سبحانه وتعالى وهاديا لنا ورؤوفا بنا وفينا إماما. ونسلم عليكم أهل البيت ~~الطاهرين الطيبين أنتم أصبتم من سعادة الدارين سهاما. وقمتم بالحق الحقيق ~~بالاتباع كما يحق قياما. ورضي الله عنكم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~بكم انتظم مبتغي الأمة الأمية بدءا وختاما. ومنك استتب أمر الملة المكرمة ~~أصلا وفرعا واهتماما. ورحمة الله وبركاته عليكم أهل الحديث أنتم كشفتم ~~للناس عن صراح2 الحق وصحاح السنة وقح3 الشريعة ظلاما. وعن وجه الدين القويم ~~والصراط المستقيم لثاما. وكيف وقد جعلكم الله تعالى للمتقين إماما. . # وبعد: فلما جمع الإمام الهمام عز المسلمين والإسلام سلالة السلف الصلحاء ~~تذكار العرب العرباء وارث علوم سيد المرسلين خاتم المفسرين والمحدثين شيخ ~~شيوخنا الكاملين المجتهد المطلق العلامة الرباني قاضي قضاة القطر اليماني ~~محمد PageV01P002 # ابن علي بن محمد اليمني الشوكاني المتوفى سنة خمس وخمسين ومائتين وألف ~~الهجرية رضي الله تعالى عنه وأرضاه وجعل الفرودس منزله ونزله ومأواه ~~المختصر الذي سماه: "الدرر البهية في المسائل الفقهية" قاصدا بذلك جمع ~~المسائل التي صح دليلها واتضح سبيلها تاركا لما كان منها من محض الرأي فإنه ~~قالها وقيلها غير ملتفت إلى ما اشتهر فالحق أحق بالاتباع وغير جامد على ما ~~ذكر في الزبر1 فلمسلك التحقيق اتساع ms001 بل محض فيه النصح النصيح ومخض2 عن زبد ~~الحق الصريح وأتى بتحقيقات جليلة خلت عنها الدفاتر وأشار إلى تدقيقات نفسية ~~تحوها صحف الأكابر ونسبة هذا المختصر إلى المطولات من الكتب الفقهية نسبة ~~السبيكة الذهبية إلى التربة المعدنية كما يعرف ذلك من رسخ في العلوم قدمه ~~وسبح في بحار المعارف ذهنه ولسانه وقلمه سأله جماعة من أهل الانتقاد والفهم ~~النافذ العاضين على علوم الاجتهاد بأقوى لحي3 وأحد ناجذ4 أن يجلي عليهم ~~عروس ذلك المختصر ويزفه إليهم ليمعنوا في محاسنه النظر فاستمهلهم ريثما ~~يصحح منه ما يحتاج إلى التصحيح وينقح فيه ما لا يستغني عن التنقيح ويرجح من ~~مباحثه ماهو مفتقر إلى الترجيح ويوضح من غوامضه ما لا بد فيه من التوضيح ~~فشرحه بشرح مختصر من معين عيون الأدلة معتصر وسماه: "الدراري المضية شرح ~~الدرر البهية" وفيهما قال قائل: # إن شئت في شرح النبي ... تقدح بزند فيه واري5 # فاعكف على الدرر التي ... سلكت بسمط6 من دراري # وشرحه هذا كان بالقول فجعلته شرحا ممزوجا وصيرته على منواله منسوجا ~~مستوعبا للفظه ومعناه ومستصحبا لفحاويه ومبناه مضيفا إليه مذاهب الفقهاء ~~ليظهر ضعفها أو قوتها عند تقابل الأدلة وتعارضها بالآراء لا للأخذ بها على ~~ما كان بأي حال فإن الرجال تعرف بالحق لا الحق بالرجال ثم زدت عليه أشياء ~~من حاشية الماتن7 على شفاء الأوام التي سماها! وبل الغمام! ومن غيرها عند ~~النظر الثاني PageV01P003 # في هذا الكتاب فعاد بحمد الله تعالى كما قيل اللبأ وابن طاب1 هذا وقد ~~أمليت هذا الشرح على طريق الارتجال بالاستعجال إرشادا إلى طرق من العلم ~~طالما تركت وهزا لطبائع جامدة طالما ركدت راجيا من الله تعالى أن أكون ممن ~~تعلم علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه وأذاعه وحفظه على الناس وفيهم ~~روجه وأشاعه فدونك هذا المشروح والشرح يلقي إليك زمام التفويض في المدح ~~والقدح يا من له في أوج التحقيق صعود وعليه من ملابس التدقيق برود كيف وهو ~~يروي غليل طالبي فقه السنة ويشفي عليل السائقين إلى مساق الجنة ms002 فليسعد به ~~كل طالب الحق الصادق ويضن به كل ذي باطل زاهق ولئن رده القاصرون فسيقبله ~~الماهرون وإن ذمه الجهلة فسوف يمدحه الكملة وسميت هذا الشرح الأنيس بل ~~العلق النفيس! الروضة الندية شرح الدرر البهية! والله سبحانه وتعالى أرجو ~~أن يعين على التمام وينفعني به ومن أخلفه وجميع المتبعين للسنن في هذه ~~الدار ودار السلام إنه ولي الإجابة وبيده الهداية والإصابة. قال رضي الله ~~عنه: بسم الله الرحمن الرحيم أحمد من أمرنا بالتفقه في الدين وأشكر من ~~أرشدنا إلى اتباع سنن سيد المرسلين وأصلي وأسلم على الرسول الأمين وآله ~~الطاهرين وأصحابه الأكرمين. # PageV01P004 ### | كتاب الطهارة ### | باب # هذا الباب قد اشتمل على مسائل: # "الأولى الماء طاهر ومطهر" ولا خلاف في ذلك وقد نطق بذلك الكتاب والسنة ~~وكما دل الدليل على كونه طاهرا مطهرا وقام على ذلك الإجماع كذلك يدل على ~~ذلك الأصل والظاهر والبراءة فإن أصل عنصر الماء طاهر مطهر بلا نزاع وكذلك ~~الظهور يفيد ذلك والبراءة الأصلية عن مخالطة النجاسة له مستصحبة "لا يخرجه # PageV01P004 # عن الوصفين" أي عن وصف كونه طاهرا وعن وصفه كونه مطهرا إلا ما غير ريحه ~~أو لونه أو طعمه من النجاسات. # هذه المسألة الثانية من مسائل الباب وهي أنه لا يخرج الماء عن الوصفين ~~إلا ما غير أحد أوصافه الثلاثة من النجاسات لا من غيرها وهذا المذهب هو ~~أرجح المذاهب وأقواها. # والدليل عليه ما أخرجه أحمد وصححه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي ~~وابن ماجة والدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه أيضا يحيى بن معين وابن حزم ~~من حديث أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى ~~فيها الحيض1 ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"الماء طهور لا ينجسه شيء". وقد أعله ابن القطان باختلاف الرواة في اسم ~~الراوي له عن أبي سعيد واسم أبيه وليس ذلك بعلة وقد اختلف في أسماء كثير من ~~الصحابة والتابعين على أقوال ولم يكن ذلك موجبا للجهالة على أن ابن القطان ~~نفسه قال بعد ms003 ذلك الإعلال: وله طريق أحسن من هذه ثم ساقها عن أبي سعيد وقد ~~قامت الحجة بتصحيح من صححه من أولئك الأئمة. # وله شواهد منها حديث سهل بن سعد عند الدارقطني ومن حديث ابن عباس عند ~~أحمد وابن خريمة وابن حبان ومن حديث عائشة عند الطبراني في الأوسط وأبي ~~يعلى والبزار وابن السكن كلها بنحو حديث أبي سعيد, وأخرجه بزيادة الاستثناء ~~الدارقطني من حديث ثوبان بلفظ: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ~~ريحه أو لونه أو طعمه", وأخرجه أيضا مع الزيادة ابن ماجة والطبراني من حديث ~~أبي أمامة بلفظ: "إن الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة ~~تحدث فيه" وفي إسنادهما من لا يحتج به, وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه ~~الزيادة لكنه قد وقع الإجماع على مضمونها كما نقله ابن المنذر وابن الملقن ~~في البدر المنير والمهدي في البحر, فمن كان يقول بحجية الإجماع كان الدليل ~~عنده على ما أفادته تلك الزيادة هو الإجماع, ومن كان لا يقول بحجية الإجماع ~~كان هذا الإجماع مفيدا لصحة تلك PageV01P005 # الزيادة لكونها قد صارت مما أجمع على معناها وتلقي بالقبول فالاستدلال ~~بها لا بالإجماع. وعن الثاني ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات ~~الطاهرة. . # هذه المسألة الثالثة من مسائل الباب ووجه ذلك أن الماء الذي شرع لنا ~~التطهير به هو الماء المطلق الذي لم يضف إلى شيء من الأمور التي تخالطه فإن ~~خالطه شيء أوجب إضافته إليه كما يقال ماء ورد ونحوه فليس هذا الماء المقيد ~~بنسبته إلى الورد مثلا هو الماء المطلق الموصوف بأنه طهور في الكتاب العزيز ~~بقول سبحانه: {ماء طهورا} وفي السنة المطهرة بقول صلى الله عليه وسلم: ~~"الماء طهور" فخرج بذلك عن كونه مطهرا ولم يخرج به عن كونه طاهرا لأن الفرض ~~أن الذي خالطه طاهر واجتماع الطاهرين لا يوجب خروجهما عن الوصف الذي كان ~~مستحقا لكل واحد منهما قبل الاجتماع. # قال في حجة الله البالغة: وأما الوضوء من الماء المقيد ms004 الذي لا يطلق عليه ~~اسم الماء بلا قيد فأمر تدفعه الملة بادي الرأي, نعم إزالة الخبث به محتمل ~~بل هو الراجح. وقد أطال القوم في فروع موت الحيوان في البئر والعشر في ~~العشر والماء الجاري وليس في كل ذلك حديث عن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم البتة, وأما الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين كأثر ابن الزبير في ~~الزنجي وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الفأرة والنخعي والشعبي في ~~نحو السنور فليست مما يشهد له المحدثون بالصحة ولا مما اتفق عليه جمهور أهل ~~القرون الأولى, وعلى تقدير صحتها يمكن أن يكون ذلك تطييبا للقلوب وتنظيفا ~~للماء لا من جهة الوجوب الشرعي كما ذكر في كتب المالكية ودون نفي هذا ~~الاحتمال خرط القتاد. # وبالجملة: فليس في هذا الباب شيء يعتد به ويجب العمل عليه وحديث القلتين ~~أثبت من ذلك كله بغير شبهة ومن المحال أن يكون الله تعالى شرع في هذه ~~المسائل لعباده شيئا زيادة على ما لا ينفكون عنه من الارتفاقات وهي مما ~~يكثر وقوعه وتعم به البلوى ثم لا ينص عليه النبي صلى الله عليه وسلم نصا ~~جليا ولا يستفيض في الصحابة ومن بعدهم ولا حديث واحد فيه والله أعلم انتهى. ~~قلت: وقد أطال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تخريج حديث القلتين ~~والكلام عليه جرحا وتعديلا لفظا ومعنى في كتابه تلخيص الحبير في تخريج # PageV01P006 # أخبار الرافعي الكبير إطالة حسنة فليرجع إليه. # "ولا فرق بين قليل وكثير" هذه المسألة الرابعة من مسائل الباب, والمراد ~~بالقلة والكثرة ما وقع من الاختلاف في ذلك بين أهل العلم بعد إجماعهم على ~~أن ما غيرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة ليس بطاهر فقيل: إن الكثير ما بلغ ~~قلتين والقليل ما كان دونهما لما أخرجه أحمد وأهل السنن والشافعي وابن ~~خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي وصححه الحاكم على شرط الشيخين ~~من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms005 وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة1 من الأرض وما ~~ينوبه من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" وفي ~~لفظ أحمد: "لم ينجسه شيء" وفي لفظ لأبي داود: "لم ينجس" وأخرجه بهذا اللفظ ~~ابن حبان والحاكم وقال ابن مندة: إسناد حديث القلتين على شرط مسلم. انتهى. ~~ولكنه حديث قد وقع الاضطراب في إسناده ومتنه كما هو مبين في مواطنه وقد ~~أجاب من أجاب عن دعوى الاضطراب, وقد دل هذا الحديث على أن الماء إذا بلغ ~~قلتين لم يحمل الخبث وإذا كان دون القلتين فقد يحمل الخبث ولكنه كما قيد ~~حديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" بتلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها كذلك ~~يقيد حديث القلتين بها فيقال: إنه لا يحمل الخبث إذا بلغ قلتين في حال من ~~الأحوال إلا في حال تغير بعض أوصافه بالنجاسة فإنه حينئذ قد حمل الخبث ~~بالمشاهدة وضرورة الحس فلا منافاة بين حديث القلتين وبين تلك الزيادة ~~المجمع عليها, وأما ما كان دون القلتين فهو مظنة لحمل الخبث وليس فيه أنه ~~يحمل الخبث قطعا وبتا ولا أن ما يحمله من الخبث يخرجه عن الطهورية لأن ~~الخبث المخرج عن الطهورية هو خبث خاص وهو الموجب لتغير أحد أوصافه أو كلها ~~لا الخبث الذي لم يغير, وحاصله: أن ما دل عليه مفهوم حديث القلتين من أن ما ~~دونهما قد يحمل الخبث لا يستفاد منه إلا أن ذلك المقدار إذا وقعت فيه نجاسة ~~قد يحملها, وأما أنه يصير نجسا خارجا عن كونه طاهرا فليس في هذا المفهوم ما ~~يفيد ذلك ولا ملازمة بين حمل الخبث والنجاسة المخرجة عن الطهورية؛ لأن ~~الشارع قد نفى PageV01P007 # النجاسة عن مطلق الماء كما في حديث أبي سعيد المتقدم وما شهد له ونفاها ~~عن الماء المقيد بالقلتين! كما في حديث عبد الله بن عمر المتقدم أيضا وكان ~~النفي بلفظ هو أعم صيغ العام فقال في الأول: "لا ينجسه شيء" وقال في الثاني ~~أيضا كما في تلك الرواية: "لم ينجسه شيء" فأفاد ms006 ذلك أن كل ماء يوجد على وجه ~~الأرض طاهر إلا ما ورد فيه التصريح بما يخصص هذا العام مصرحا بأنه يصير ~~الماء نجسا كما وقع في تلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها فإنها وردت ~~بصيغة الاستثناء من ذلك الحديث فكانت من المخصصات المتصلة بالنسبة إلى حديث ~~أبي سعيد ومن المخصصات المنفصلة بالنسبة إلى حديث عبد الله بن عمر رضي الله ~~تعالى عنهما على القول الراجح في الأصول وهو: أنه يبنى العام على الخاص ~~مطلقا فتقرر بهذا أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القلتين وبين سائر الأحاديث ~~بل يقال فيه: إن مادون القلتين إن حمل الخبث حملا استلزم تغير ريح الماء أو ~~لونه أو طعمه فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية وإن حمله ~~حملا لا يغير أحد تلك الأوصاف فليس هذا الحمل مستلزما للنجاسة. .وقد ذهب ~~إلى تقدير الماء القليل بما دون القلتين والكثير بهما الشافعي رحمه الله ~~وأصحابه رحمهم الله وذهب إلى تقدير القليل بما يظن استعمال النجاسة ~~باستعماله والكثير بما لا يظن استعمال النجاسة باستعماله ابن عمر ومجاهد, ~~وقد روي أيضا عن الشافعية رحمهم الله والحنفية رحمهم الله وأحمد بن حنبل ~~رحمه الله ولا أدري هل تصح هذه الرواية أم لا فمذاهب هؤلاء مدونة في كتب ~~أتباعهم من أراد الوقوف عليها راجعها واحتج أهل هذا المذهب بمثل قوله ~~تعالى: {والرجز1 فاهجر} وبخبر الاستيقاظ وخبر الولوغ وأحاديث النهي عن ~~البول في الماء الدائم وهي جميعها في الصحيح ولكنها لا تدل على المطلوب ولو ~~فرضنا أن لشيء منها دلالة بوجه ما كان ما أفادته تلك الدلالة مقيدا بما ~~تقدم لأن التعبد إنما هو بالظنون الواقعة على الوجه المطابق PageV01P008 # للشرع على أنه لا يبعد أن يقال: إن العاقل لا يظن استعمال النجاسة ~~باستعمال الماء إلا إذا خالطت الماء بجرمها أو بريحها أو بلونها أو بطعمها ~~مخالطة ظاهرة توجب ذلك الظن, ولا شك ولا ريب أن ما كان من الماء على هذه ~~الصفة ينجس لأن المخالطة إن كانت بالجرم فالمتوضئ مستعمل ms007 لعين النجاسة وإن ~~كانت المخالطة بالريح أو اللون أو الطعم فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك ~~المذهب الذي رجحناه. . # والحاصل: أنهم إن أرادوا بقولهم إن ظن استعمال النجاسة باستعماله فهو ~~القليل وإن لم يظن فهو الكثير ما هو أعم من عين النجاسة وريحها ولونها ~~وطعمها فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه إلا من جهة أن ~~هؤلاء اعتبروا المظنة وأهل المذهب الأول اعتبروا المئنة1 ولكن لا يخفى أن ~~المظنة إذا كانت هي الصادرة من غير أهل الوسوسة والشكوك فهي لا تكاد تخالف ~~المئنة في مثل هذا الموضع وإن أرادوا استعمال العين فقط أو عدم استعمال ~~العين فقط فهو مذهب مستقل غير ذلك المذهب ولكن الظاهر أنهم أرادوا المعنى ~~الأول, ويدل على ذلك أنه قد وقع الإجماع على أن ما غير لون الماء أو ريحه ~~أو طعمه من النجاسات أوجب تنجيسه كما تقدم تقريره فأهل هذا المذهب من جملة ~~القائلين بذلك لدخولهم في الإجماع بل هو مصرح لحكاية الإجماع في البحر ~~فتقرر بهذا أنهم يريدون المعنى الأول أعني الأعم من العين والريح واللون ~~والطعم ثبوتا وانتقاء, وحينئذ فلا مخالفة بين المذهبين لأن أهل المذهب ~~الأول لا يخالفون في أن استعمال المطهر لعين النجاسة مع الماء موجب لخروج ~~الماء عن الطهورية خروجا زائدا على خروجه عند استعمال ما فيه مجرد الريح أو ~~اللون أو الطعم فتأمل هذا فهو مفيد, بل مجموع ما اشتمل عليه هذا البحث في ~~الجمع بين المذاهب المختلفة في الماء وبين الأدلة الدالة عليها على هذه ~~الصورة التي لخصتها مما لم أقف عليه لأحد من أهل العلم, وهذه المسألة هي من ~~المضايق التي يتعثر في ساحاتها كل محقق ويتبلد عند تشعب طرائقها كل مدقق, ~~وقد حررها الماتن في سائر مؤلفاته2 تحريرات مختلفة لهذه العلة وأطال ~~PageV01P009 # الكلام عليها في طيب النشر في المسائل العشر.. # وقد استدل بعض أهل العلم بمثل حديث: "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون", ~~ومثل حديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ولا يستفاد منهما ms008 إلا أن التورع ~~عند الظن من الإقدام أولى, وأهل هذا المذهب يوجبون العمل بذلك الظن حتما ~~وجزما, وقد عرفت أن أدلة المذهب الأولى على الوجه الذي لخصناه تدل على ~~المذهب الثاني فإبعاد النجعة إلى مثل حديث: "استفت قلبك" و"دع ما يريبك" ~~ليس كما ينبغي فإن قيل: إنه قصد الاستدلال على مجرد العمل بالظن من غير نظر ~~إلى هذه المسألة فيقال: أدلة العمل بالظن في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر ~~وأكثر منها أدلة النهي عن العمل به, وهكذا التعويل على حديث الولوغ ~~والاستيقاظ ونحو ذلك لا يفيد, وقد حكي في تحديد الماء الكثير أقوال منها: ~~أن الكثير هو المستبحر وقيل: ما إذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر, وقيل: ~~ما كان مساحة مكانه كذا وقيل: غير ذلك وهذه الأقوال ليس عليها أثارة من علم ~~بل هي خارجة عن باب الرواية المقبولة والدراية المعقولة. # "وما فوق القلتين وما دونهما" قدر الشافعي الماء الذي لا ينجس بوقوع ~~النجاسة ما لم يتغير بالقلتين وقدرهما بخمس قرب وفسرها أصحابه بخمسمائة ~~رطل, وقدره الحنفية بالغدير الكبير الذي لا يتحرك جانب منه بتحريك الآخر ~~والعشر في العشر كذا في المسوى شرح الموطأ, وقال في حجة الله البالغة: ومن ~~لم يقل بالقلتين اضطر إلى مثلهما في ضبط الماء الكثير كالمالكية أو الرخصة ~~في آبار الفلوات من نحو أبعار الإبل انتهى. ويدفع ذلك ما مر من عدم الفرق ~~بين ما دون القلتين وما فوقهما مع الدليل عليه, وإن شئت زيادة التفصيل ~~فعليك بالفتح الرباني في فتاوى الشوكاني ففيها ما يشفي العليل ويسقي ~~الغليل. # "ومتحرك وساكن", وجه ذلك أن سكونه وإن كان قد ورد النهي عن التطهير به ~~حالة1 فإن ذلك لا يخرجه عن كونه طهورا لأنه يعود إلى وصف كونه طهورا بمجرد ~~تحركه, وقد دلت الأحاديث على أنه لا يجوز التطهير بالماء الساكن مادام ~~ساكنا كحديث PageV01P010 # أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم ms009 وهو جنب" فقالوا يا أبا هريرة: ~~كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولا, وفي لفظ لأحمد وأبي داود: "لا يبولن أحدكم ~~في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة" وفي لفظ للبخاري: "لا يبولن أحدكم ~~في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" وفي لفظ للترمذي: "ثم يتوضأ ~~منه" وغير هذه الرويات التي يفيد مجموعها النهي عن البول في الماء الدائم ~~على انفراده والنهي عن الاغتسال فيه على انفراده والنهي عن مجموع الأمرين ~~ولا يصح أن يقال: إن روايتي الانفراد مقيدتان بالاجتماع لأن البول في الماء ~~على انفراده لا يجوز فأفاد هذا أن الاغتسال والوضوء في الماء الدائم من دون ~~بول فيه غير جائز فمن لم يجد إلا ماء ساكنا وأراد أن يتطهر منه فعليه أن ~~يحتال قبل ذلك بأن يحركه حتى يخرج عن وصف كونه ساكنا ثم يتوضأ منه, وأما ~~أبو هريرة فقد حمل النهي على الانغماس في الماء الدائم ولهذا لما سئل كيف ~~يفعل قال: يتناوله تناولا ولكنه لا يتم ذلك في الوضوء فإنه لا انغماس فيه ~~بل هو يتناوله تناولا من الابتداء فالأولى تحريك الماء قبل الشروع في ~~الطهارة ثم يتطهر1 به, وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ما دلت عليه هذه الروايات ~~فلم يفرقوا بين المتحرك والساكن ومنهم من قال: إن هذه الروايات محمولة على ~~الكراهة فقط ولا وجه لذلك وقد قيل إن المستبحر مخصوص من هذا بالإجماع ~~والراجح أن الماء الساكن لا يحل التطهر به مادام ساكنا فإذا تحرك عاد له ~~وصفه الأصلي وهو كونه مطهرا وهذه هي المسألة الخامسة من مسائل الباب. # "ومستعمل وغير مستعمل" هذه المسألة السادسة من مسائل الباب وقد وقع ~~الاختلاف بين أهل العلم في الماء المستعمل لعبادة من العبادات هل يخرج بذلك ~~عن كونه مطهرا أم لا؟ فحكي عن أحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والشافعي ~~ومالك في إحدى الروايتين عنهما وأبي حنيفة في رواية عنه أن الماء المستعمل ~~غير مطهر واستدلوا بما تقدم من حديث النهي عن الاغتسال في الماء الدائم ولا ms010 ~~دلالة له على ذلك لأن علة النهي عن التطهير به ليست كون ذلك الماء مستعملا ~~بل كونه ساكنا وعلة السكون لا ملازمة بينها وبين الاستعمال, PageV01P011 # واحتجوا أيضا بما ورد من النهي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة ولا تنحصر علة ~~ذلك في الاستعمال كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى فلا يتم الاستدلال ~~بذلك لاحتماله, ولو كانت العلة الاستعمال لم يختص النهي بمنع الرجل من ~~الوضوء بفضل المرأة والعكس بل كان النهي سيقع من الشارع لكل أحد عن كل فضل, ~~ومن جملة ما استدلوا به: أن السلف كانوا يكملون الطهارة بالتيمم عند قلة ~~الماء لا بماء ساقط منه وهذه حجة ساقطة لا ينبغي التعويل على مثلها في ~~إثبات الأحكام الشرعية, فعلى هذا المستدل أن يوضح هل كان هذا التكميل يفعله ~~جميع السلف أو بعضهم والأول باطل والثاني لا يدرى من هو فليبين لنا من هو ~~على أنه لا حجة إلا الإجماع عند من يحتج بالإجماع, وقد استدلوا بأدلة هي ~~أجنبية عن محل النزاع مثل: حديث غسل اليد ثلاثا بعد الإستيقياظ قبل إدخالها ~~الإناء ونحوه فالحق أن المستعمل طاهر ومطهر عملا بالأصل وبالأدلة الدالة ~~على أن الماء طهور, وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف والخلف ونسبه ابن حزم ~~إلى عطاء وسفيان الثوري وأبي ثور وجميع أهل الظاهر ونقله غيره عن الحسن ~~البصري والزهري والنخعي ومالك والشافعي وأبي حنيفة في إحداى الروايات عن ~~الثلاثة المتأخرين, والحق أن الماء لا يخرج عن كونه طهورا بمجرد استعماله ~~للطهارة إلا أن يتغير بذلك ريحه أو لونه أو طعمه, وقد كان الصحابة يكادون ~~يقتتلون على ما تساقط من وضوئه صلى الله عليه وسلم فيأخذونه ويتبركون به ~~والتبرك به يكون بغسل بعض أعضاء الوضوء كما يكون بغير ذلك. والحاصل: أن ~~إخراج ما جعله الماء طهورا عن الطهورية لا يكون إلا بدليل. # فصل"والنجاسات" جمع نجاسة وهي كل شيء يستقذره أهل الطبائع السليمة ~~ويتحفظون عنه ويغسلون الثياب إذا أصابها كالعذرة والبول, هي غائط الإنسان ~~مطلقا وبوله بالأدلة الصحيحة المفيدة ms011 للقطع بذلك بل نجاستهما من باب ~~الضرورة الدينية كما لا يخفى على من له اشتغال بالأدلة الشرعية وبما كان ~~عليه الأمر في عصر النبوة ولا يقدح في ذلك التخفيف في تطهيرهما في بعض ~~الأحوال. . أما الغائط فكما في حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم قال: "إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور" وفي ~~لفظ: "إذا وطئ # PageV01P012 # الأذى بخفيه فطهورهما التراب". رواهما أبو داود رحمه الله وابن السكن ~~والحاكم والبيهقي وقد اختلف فيه على الأوزاعي, وأخرج أحمد وأبو داود ~~والحاكم وابن حبان من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا ~~فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما" وقد اختلف في وصله وإرساله ورجح أبو حاتم في ~~العلل الموصول, وأخرج أهل السنن عن أم سلمة مرفوعا بلفظ: "يطهره ما بعده" ~~وعن أنس عند البيهقي بسند ضعيف بنحوه وكذلك عن امرأة من بني عبد الأشهل عند ~~البيهقي أيضا فإن جعل التراب مع المسح مطهرا لذلك لا يخرجه عن كونه نجسا ~~بالضرورة إذ اختلاف وجه التطهير لا يخرج النجس عن كونه نجسا, وأما التخفيف ~~في تطهير البول فكما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يراق على بول ~~الأعرابي ذنوب1 من ماء وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وأنس رضي ~~الله عنهما. # وأما ما عدا غائط الآدمي وبوله من الأبوال والأزبال فلم يحصل الاتفاق على ~~شيء في شأنها والأدلة مختلفة فورد في بعضها ما يدل على طهارته كأبوال الإبل ~~فإنه ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين ~~بأن يشربوا من أبوال الإبل ومن ذلك حديث: "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه" وهو ~~حديث ضعيف أخرجه الدارقطني من حديث جابر رضي الله عنه والبراء رضي الله عنه ~~وفي إسناده عمرو بن الحصين العقيلي وهو ضعيف جدا لا تقوم بمثله الحجة2, ~~وورد ما يدل على نجاسة الروث ms012 ما أخرجه البخاري وغيره أنه قال صلى الله عليه ~~وسلم في الروثة: "إنها ركس" والركس النجس وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما ~~يكون في الخيل والبغال والحمير ولكنه زاد ابن خزيمة في رواية: "إنها ركس ~~إنها روثة حمار" # ومعظم ما استدل به القائلون بالتعميم في النجاسة لا ينطبق على غير الخارج ~~من الآدمي وحديث الروثة لا يستلزم التعميم وحديث عمار قد أطبق من رواه على ~~أنه من الضعف بمكان يسقط به عن درجة الاعتبار لأنه من رواية ثابت بن حماد ~~بن علي بن زيد بن جدعان والأول مجمع على تركه والثاني مجمع على ضعفه فلا ~~PageV01P013 # ينتهض بمثله حجة على التعميم1, واحتجوا بإذنه صلى الله عليه وسلم بالصلاة ~~في مرابض الغنم وبإذنه بشرب أبوال الإبل وهما صحيحان ولاحكم للمعارضة بنهيه ~~صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في معاطن الإبل لأن النهي معلل بأنها ربما ~~تؤذي المصلي فلا يستلزم ذلك عدم طهارة أزبالها وأبوالها كما أن تعليل ~~الصلاة في مرابض الغنم بأنها بركة لا يستلزم أن الصلاة إنما كانت لأجل ~~كونها بركة فإن مثل ذلك لا يسوغ مباشرة ما ليس بطاهر. . # فالحق الحقيق بالقبول الحكم بنجاسة ما ثبتت نجاسته بالضرورة الدينية وهو ~~بول الآدمي وغائطه, وأما ما عداهما فإن ورد فيه ما يدل على نجاسته كالروثة ~~وجب الحكم بذلك من دون إلحاق وإن لم يرد فالبراءة الأصلية كافية في نفي ~~التعبد بكون الشيء نجسا من دون دليل فإن الأصل في جميع الأشياء الطهارة ~~والحكم بنجاستها حكم تكليفي تعم به البلوى, ولا يحل إلا بعد قيام الحجة قال ~~الماتن رحمه الله تعالى: ولا يخفى عليك أن الأصل في كل شيء أنه ظاهر لأن ~~القول بنجاسته يستلزم تعبد العباد بحكم من الأحكام والأصل عدم ذلك والبراءة ~~قاضية بأنه لا تكليف بالمحتمل حتى يثبت ثبوتا ينقل عن ذلك وليس من أثبت ~~الأحكام المنسوبة إلى الشرع بدون دليل بأقل إثما ممن أبطل ما قد ثبت دليله ~~من الأحكام فالكل إما من التقول على الله تعالى ms013 بما لم يقل أو من إبطال ما ~~قد شرعه لعباده بلا حجة "إلا الذكر الرضيع" لحديث:" يغسل من بول الجارية ~~ويرش من بول الغلام" أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى والنسائي رحمه الله ~~تعالى وابن ماجه والبزار وابن خزيمة من حديث أبي السمح خادم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وصححه الحاكم وأخرج أحمد والترمذي وحسنه من حديث علي رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بول الغلام الرضيع ينضح وبول ~~الجارية يغسل" وأخرجه أيضا ابن ماجه وأبو داود بإسناد صحيح عن علي موقوفا, ~~وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خريمة وابن حبان والطبراني من حديث أم ~~الفضل لبابة بنت الحارث قالت: بال الحسين بن علي في حجر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أعطني ثوبك والبس ثوبا غيره حتى أغسله فقال: ~~"إنما ينضح من بول الذكر ويغسل PageV01P014 # من بول الأنثى", وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أم قيس بنت محصن: أنها ~~أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال ~~على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله, وفي صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: ~~أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي يحنكه فبال عليه فأتبعه الماء وفي ~~صحيح مسلم عنها قالت: كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم فأتي بصبي ~~فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله, فهذا تصريح بأنه لم يغسله ~~فيكون إتباعه الماء مجرد النضح كما وقع في الحديثين الآخرين أو مجرد صب ~~الماء عليه من دون غسل, وبالجملة: فالتصريح منه صلى الله عليه وسلم بالقول ~~بما هو الواجب في ذلك هو الأولى بالاتباع لكونه كلاما مع أمته فلا يعارضه ~~ما وقع من فعله على فرض أنه مخالف للقول, وقد ذهب إلى الاكتفاء بالنضح في ~~بول الغلام لا الجارية جماعة منهم علي وأم سلمة والثوري والأوزاعي والنخعي ~~وداود وابن وهب وعطاء والحسن الزهري وأحمد وإسحق ومالك في رواية وهذا هو ~~الحق الذي لامحيص ms014 عنه, وذهب بعض أهل العلم -وقد حكي عن مالك والشافعي ~~والأوزاعي- إلى أنه يكفي النضح فيهما وهذا فيه مخالفة لما وقع في هذه ~~الأحاديث الصحيحة من التفرقة بين الغلام والجارية, وذهب الحنفية رحمهم الله ~~وسائر الكوفيين إلى أنهما سواء في وجوب الغسل وهذا المذهب كالذي قبله في ~~مخالفة الأدلة وقد استدل أهل هذا المذهب الثالث بالأدلة الواردة في نجاسة ~~البول على العموم ولا يخفاك أنها مخصصة بالأدلة الخاصة المصرحة بالفرق بين ~~بول الجارية والغلام, وأما ما قيل من قياس بول الغلام على بول الجارية فلا ~~يخفاك أنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار, وقد شدد1 ابن حزم فقال: ~~إنه يرش من بول الذكر أي ذكر كان وهو إهمال للقيد المذكور سابقا بلفظ: "بول ~~الغلام الرضيع ينضح" والواجب حمل المطلق على المقيد. # قال في الحجة: قد أخذ بالحديث أهل المدينة وإبراهيم النخعي وأضجع فيه ~~القول محمد فلا تغتر بالمشهور بين الناس. قلت: قال الشافعي رحمه الله ~~تعالى: ينضح من بول الغلام ما لم يطعم ويغسل من بول الجارية, فسره البغوي ~~بأن بول الصبي نجس غير أنه يكتفى فيه بالرش وهو أن ينضح الماء عليه بحيث ~~يصل إلى جميعه فيطهر من غير PageV01P015 # مرس ولا دلك, وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: يغسل منهما سواء, ويتجه أن ~~يقال من جانب أبي حنيفة رحمه الله تعالى إن المراد بالنضح الغسل الخفيف ~~وبالغسل المرس والدلك وأصل المسألة أن التطهير إنما يكون بإزالة عين ~~النجاسة وأثرها وبول الجارية أغلظ وأنتن فاحتيج فيه إلى زيادة المرس كذا في ~~المسوى. . # وأقول: أحاديث التخصيص هنها صحيحة لا شك في ذلك ولا ريب فما الذي دعاهم ~~إلى الوقوع في مضيق التأويل المتعسف الذي لا يسوغ ارتكاب مثله مع وجود ~~السعة وهذا كلام عاطل الجيد عن الفائدة بمرة لأن هذا المعنى قد استفيد من ~~العام ثم إهدار لفائدة المغايرة بالمرة وحكم على كلام من أوتي جوامع الكلم ~~وكان أفصح العرب بما يلحقه بكلام من هو من العي بمنزلة توقعه في الكلام ms015 ~~القاصر عن رتبة الفصاحة والبلاغة, وقد ذكر في النهاية ما يفيد أن النضح ~~يأتي بمعنى الغسل. قلت: قد يرد في مثل ذلك نادرا إذا اقتضاه المقام وههنا ~~وقع مقابلا للغسل فكيف يصح تفسيره به وقد أطبق أئمة اللغة أن النضح هو الرش ~~فيجب حمله على ذلك إذا لم تقم قرينة على إرادة غيره فكيف إذا كان الكلام لا ~~يصح إلا بالحمل على ذلك المعنى الأعم الأغلب وإلا كان الكلام حشوا وإن كان ~~استعظام قائل قد قال بوجوب غسل البول فليس أحد أعظم منزلة ولا أكبر قدرا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقل الأحوال أن يجعل لكلامه مزية على غيره ~~من علماء أمته فيكون كلامهم مردودا إلى كلامه وليت أن المشغوفين بمحبة ~~مذاهب الأسلاف جعلوه كأسلافهم فسلكوا فيما بين كلامه وكلامهم طريقة الإنصاف ~~ولكنهم في كثير من المواطن يجعلون الحظ لأسلافهم فيردون كلامه صلى الله ~~عليه وسلم إلى كلامهم فإن وافقهم فيها ونعمت وإن لم يوافقهم فالقول ما قالت ~~حذام, فإن أنكرت هذا فهات أبن لي ما الذي اقتضى هذه التأويلات المتعسفة ورد ~~أحاديث التخصيص الصحيحة مع تسليمهم أن الخاص مقدم على العام وإنه يبنى ~~العام على الخاص وهذا مشتهر في الأصول اشتهار النهار. # "ولعاب كلب" قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم ~~فليغسله سبعا" وثبت أيضا عندهما وغيرهما مثله في حديث عبد الله بن مغفل فدل ~~ذلك على نجاسة لعاب الكلب # PageV01P016 # وهو المطلوب هنا والكلام في الخلاف بين من عمل بظاهر هذه الأدلة ومن ~~اكتفى بالتثليث معروف وليس ذلك مما يقدح في كونه نجسا لأن محل الدليل على ~~النجاسة هو إيجاب الغسل وهكذا لا يتعلق بما نحن بصدده زيادة التغليظ ~~بالتتريب كما وقع في أحاديث الباب في الصحيحين وغيرهما فإنه ليس المقصود ~~ههنا إلا إثبات كون اللعاب نجسا لا بيان كيفية تطهيره فلذلك موضع آخر, ~~والحاصل: أن الحق ما ms016 قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التسبيع ~~والتتريب وليس من شرط التعبد الاطلاع على علل الأحكام التي تعبدنا الله بها ~~على ما هو الراجح وقد صح لنا الأمر منه صلى الله عليه وسلم بالغسل على ~~الصفة المذكورة بالأحاديث الصحيحة ولم نجد عنه ما يدلنا على خلاف هذا الحكم ~~فلا يحل تحويل الشرع المتقرر بأقوال علماء الأمة سواء كان القول المخالف ~~منسوبا إلى جميعهم أو إلى بعضهم, وقد حفظ الله هذه السنة بأقوال جماعة من ~~علماء الأمة كما هو معروف في كتب الخلاف والفقه وشروح السنة, ومن أغرب ما ~~يراه من ألهمه الله رشده وحبب إليه الإنصاف ما يقع في كثير من المواطن من ~~جماعة من ذلك عن الشريعة بمعزل والميل عن الحكم الثابت بشرع أوضح من الشمس ~~من دون سبب يقتضي ذلك كما فيما نحن بصدده وفيما سلف في بول الصبي وأشباه ~~هذا ونظائره لا تحصى والله المستعان. # وروث الدليل على نجاسته ما تقدمت الإشارة إليه من قوله صلى الله عليه ~~وسلم في الروثة: "إنها ركس" والركس في اللغة النجس فالروثة نجس وهو المطلوب ~~وقد قدمنا كلام التيمي في تخصيص ذلك بروث الخيل والبغال والحمير. "ودم حيض" ~~الدليل على ذلك ما ثبت عند أحمد وأبي داود والترمذي من حديث خولة بنت يسار ~~قالت: يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه قال: "فإذا طهرت ~~فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه" قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره, قال: ~~"يكفيك الماء ولا يضرك أثره" وفي إسناده ابن لهيعة, وأخرج أحمد وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن مرفوعا ~~بلفظ: "حكيه بضلع1 واغسليه بماء وسدر". قال ابن القطان: إسناده في غاية ~~PageV01P017 # الصحة, وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى ~~عنهما قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إحدانا يصيب ~~ثوبها من دم حيض فكيف تصنع؟ قال: "تحته ثم تقرصه ms017 بالماء ثم تنضحه ثم تصلي ~~فيه" فالأمر بغسل دم الحيض وحكه بضلع يفيد ثبوت نجاسته وإن اختلف وجه ~~تطهيره فذلك لا يخرجه عن كونه نجسا, وأما سائر الدماء فالأدلة فيها مختلفة ~~مضطربة والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة ~~الراجحة أو المساوية1, ولو قام الدليل على رجوع الضمير في قوله تعالى: ~~{فإنه رجس} إلى جميع ما تقدم في الآية الكريمة من الميتة والدم المسفوح ~~ولحم الخنزير لكان ذلك لكان ذلك مفيدا لنجاسة الدم المسفوح والميتة ولكنه ~~لم يرد ما يفيد ذلك بل النزاع كائن في رجوعه إلى الكل أو إلى الأقرب ~~والظاهر رجوعه إلى الأقرب وهو لحم الخنزير لإفراد الضمير ولهذا جزمنا ههنا ~~بنجاسة لحم الخنزير دون الميتة والدم الذي ليس بدم حيض ولا سيما وقد ورد في ~~الميتة ما يفيد أنه لا يحرم منها إلا أكلها كما ثبت في الصحيح بلفظ: "إنما ~~حرم من الميتة أكلها" ومن رام تحقيق الكلام في الخلاف الواقع في مثل هذا ~~الضمير المذكور في الآية فليرجع إلى ما ذكره أهل الأصول في الكلام على ~~القيد الواقع بعد جملة مشتملة على أمور متعددة. ولحم الخنزير الدليل على ~~نجاسته ما قدمنا قريبا من الآية الكريمة وفيما عدا ذلك خلاف, وأما المني ~~فاحتجوا على نجاسته بأمور: الأول حديث عمار وقد سلف عدم صلاحيته للاحتجاج, ~~والثاني بما ورد عن جماعة من الصحابة وذلك لا تقوم به حجة لأنه لم يكن ~~إجماعا ولا مرفوعا والثالث بما ورد في المذي من الأمر بغسل الفرج ~~والأنثيين, ويجاب عنه أنه إثبات لنجاسة المني بقياس لأنهما متغايران على ~~أنه يمكن أن يكون التغليظ في المذي إما لكونه يخرج غالبا مختلطا بالبول أو ~~لأنه ليس بأصل للنسل ويلزم أنه يطهر بالنضح لما ورد عند أبي داود والترمذي ~~وصححه من حديث سهل بن PageV01P018 # حنيف بلفظ: "يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيثما ترى أنه1 أصاب من ~~ثوبك". وأما الجواب عن حديث أمره صلى الله عليه وسلم لعائشة بفرك المني بأن ~~المراد ms018 به الفرك قبل الغسل لا مجرد الفرك فقط فهذا خلاف ما تقتضيه المقابلة ~~للفرك بالغسل وكان أقرب من هذا أن يجاب بأن الفرك لم يكن بأمره صلى الله ~~عليه وسلم إنما قالت عائشة: كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كما في كتب الحديث. والأمر الرابع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل ~~موضع المني من ثوبه ويجاب عنه بأن هذا فعل لا يصلح لإثبات النجاسة المستلزم ~~لوجوب الإزالة مع احتمال أن يكون غسله تقذرا لما فيه من مخالفة النظافة, ~~وأما فرك عائشة لمنيه صلى الله عليه وسلم من ثوبه حال صلاته بأنه2 لم يعلم ~~بذلك فالجواب عنه بأنه لو كان نجسا لما أقره الله على ذلك كما ثبت في حديث ~~خلع النعل بعد دخوله في الصلاة لإخبار جبريل له بذلك, وقد قدمت لك أن الحكم ~~بكون الشيء نجسا لا يقبل إلا بدليل تقوم به الحجة غير معارض بما هو أنهض أو ~~مساو لأن الحكم بكون الشيء نجسا يستلزم تعبد العباد بحكم من أحكام الشرع ~~تعم به البلوى, وقد أوردت في مسك الختام شرح بلوغ المرام حجج المختلفين ~~ورجحت هناك ما رجحت وظهر لي الآن أن القيام في مقام المنع هو الذي ندين به ~~عند الله, وفي سبل السلام والحق أن الأصل الطهارة والدليل على القائل ~~بالنجاسة فنحن باقون على الأصل, وذهب الحنفية رحمهم الله إلى نجاسة المني ~~كغيرهم ولكن قالوا يطهره الغسل أو الفرك أو الإزالة بالخرقة أو الإذخرة ~~عملا بالحديثين وبين الفريقين القائلين بالنجاسة والقائلين بالطهارة ~~مجادلات ومناظرات واستدلالات طويلة استوفيناها في حواشي شرح العمدة انتهى. # "والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو ~~يقدم عليه" لأن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة ~~وجزئياتها ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم من أحكام ~~الشرع والأصل البراءة من ذلك ولا سيما من الأمور التي تعم بها البلوى وقد ~~أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ms019 إلى السكوت عن الأمور التي سكت الله ~~تعالى عنها وأنها عفو فما لم يرد فيه شيء من PageV01P019 # الأدلة الدالة على نجاسته فليس لأحد من عباد الله تعالى أن يحكم بنجاسته ~~بمجرد رأي فاسد أو غلط في الاستدلال كما يدعيه بعض أهل العلم من نجاسة ما ~~حرمه الله تعالى زاعما أن النجاسة والتحريم متلازمان وهذا الزعم من أبطل ~~الباطلات فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته بمطابقة ولا تضمن ولا التزام؛ ~~فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاسة ذلك وكأن الشارع قد علم وقوع ~~مثل هذا الغلط لبعض أمته فأرشدهم إلى ما يدفعه قائلا: "إنما حرم من الميتة ~~أكلها" 1 ولم كان مجرد تحريم شيء مستلزما لنجاسته لكان مثل قوله تعالى: ~~{حرمت عليكم أمهاتكم} إلى آخره دليلا على نجاسة النساء المذكورات في الآية ~~والمسلم لا ينجس حيا ولا ميتا كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم في ~~الصحيح وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها وهي طاهرة بالاتفاق ~~كالأنصاب والأزلام وما يسكر من النبات والثمرات بأصل الخلقة فإن قلت إذا ~~كان التصريح بنجاسة شئ أو رجسيته أو ركسيته يدل على أنه نجس كما قلت في ~~نجاسة الروثة ولحم الخنزير فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر لقول تعالى: {إنما ~~الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس} قلت: لما وقع الخمر ههنا مقترنا ~~بالأنصاب والأزلام كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إلى غير النجاسة ~~الشرعية وهكذا قوله تعالى: {إنما المشركون نجس} لما جاءت الأدلة الصحيحة ~~المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين كما ورد في أكل ذبائحهم وأطعمتهم ~~والتوضؤ من آن يتهم والأكل فيها وإنزالهم المسجد كان ذلك دليلا على أن ~~المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير النجاسة الشرعية بل قد ورد البيان ~~من الشارع لذلك بما لا يحتاج إلى زيادة فقال في وفد ثقيف لما أنزلهم ~~المسجد: "ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء إنما أنجاسهم على أنفسهم" , ~~فهذا يدل على أن تلك النجاسة حكمية لا حسية والتعبد إنما هو بالنجاسة ~~الحسية, وأما ما ورد فيه ms020 ما يدل على نجاسته ولكنه قد PageV01P020 # عورض بما هو أرجح منه فلا شك أنه يتعين العمل بالأرجح فإن عورض بما ~~يساويه فالأصل عدم التعبد بما يتضمن ذلك الحكم حتى يرد موردا خالصا عن شوب ~~المعارضة أو راجحا على ما عارضه. # وبالجملة: فالواجب على المنصف أن يقوم مقام المنع ولا يتزحزح عن هذا ~~المقام إلا بحجة شرعية قال في سبل السلام: والحق أن الأصل في الأعيان ~~الطهارة وأن التحريم لا يلازم النجاسة فإن الحشيشة محرمة طاهرة وكل ~~المخدرات والسمومات القاتلة لا دليل على نجاستها, وأما النجاسة فيلازمها ~~التحريم فكل نجس محرم ولا عكس وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنع عن ~~ملامستها على كل حال فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها بخلاف الحكم ~~بالتحريم فإنه يحرم لبس الحرير والذهب وهما طاهران ضرورة شرعية وإجماعا, ~~إذا عرفت هذا فتحريم الحمر والخمر الذي دلت عليه النصوص لا يلزم منه ~~نجاستها بل لا بد من دليل آخر عليه وإلا بقيا على الأصول المتفق عليها من ~~الطهارة فمن ادعى خلافه فالدليل عليه انتهى. وقد أوضح الماتن في مصنفاته ~~كشرح المنتقى ووبل الغمام حاشية شفاء الأوام هذه المباحث المتعلقة بالنجاسة ~~ما لا يحتاج الناظر في ذلك إلى النظر في غيره فليرجع. . # فصل "ويطهر ما يتنجس بغلسه" أي بإسالة الماء عليه ثم إن ورد فيه شيء عن ~~الشارع كان الواجب الاقتصار في صفة التطهير على ذلك الوارد من دون مخالفة ~~بزيادة عليه أو نقصان عنه كما ورد في أن النعل إذا تلوث بالنجاسة طهر بمسحه ~~وقد تقدم ما يدل على ذلك وتقدم أيضا ما ورد في كيفية تطهير ما ينجس بدم ~~الحيض وبلعاب الكلب. وبالجملة: فكل ما علمنا الشارع كيفية تطهيره كان علينا ~~أن نقتصر على تلك الكيفية, وأما ما ورد فيه عن الشارع أنه نجس ولم يرد فيه ~~بيان كيفية تطهيره فالواجب علينا إذهاب تلك العين حتى لا يبقى لها عين ولا ~~لون ولا ريح ولا طعم؛ لأن الشيء الذي يجد الإنسان ريحه أوطعمه قد بقي فيه ms021 ~~جزء من العين وإن لم يبق جرمها ولونها إذ انفصال الرائحة لا يكون إلا عن ~~وجود شيء من ذلك الشيء الذي له الريح وكذلك وجود الطعم لا يكون إلا عن وجود ~~شيء من ذلك الشئ الذي له الطعم. "والنعل بالمسح" وكذلك # PageV01P021 # الخف لأنه جسم صلب لا يتخلل فيه النجاسة والظاهر أنه عام في الرطبة ~~واليابسة فيطهر من النجاسة التي لها جرم بالدلك ثم إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما علم حدوث الشكوك في الطهارات فيما يأتي من الزمان وأطلعه الله على ~~ما يأتي به المصابون بالوسوسة من التأويلات التي ليس لها في الشريعة أساس ~~أوضح هذا المعنى إيضاحا ينهدم عنده كل ما بنوه على قنطرة الشك والخيال ~~فقال: "إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر نعليه فإن كان فيهما خبث فليمسحه ~~بالأرض ثم ليصل فيهما". ولفظ أحمد وأبي داود: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد ~~فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما" ~~فانظر هذه العبارة الهادمة لكل شك فإنه أولا بين لهم أنهم إذا وجدوا ~~النجاسة في النعلين وجودا محققا فعلوا المسح بالأرض ثم أمرهم بالصلاة في ~~النعلين ليعلموا بأن هذه هي الطهارة التي تجوز الصلاة بعدها ثم ترى أحدهم ~~يلعب به الشيطان حتى يصير ماهو فيه نوعا من الجنون فيغسل يده أو وجهه مرة ~~بعد مرة حتى يبلغ العدد إلى حد يضيق عنه الحصر مع دلك شديد وكلفة عظيمة ~~واستغراق للفكر وهو يعلم بأن ذلك العضو لم تصبه نجاسة مغلظة ولا مخففة فلا ~~يزال في تعب ونصب ومزاولة لا يشك من رآه أنه لم يبق عنده من العقل بقية ثم ~~إذا فرغ من العضو الأول بعد جهد جهيد شرع في العضو الثاني ثم كذلك وكثير ~~منهم من يدخل محل الطهارة قبل طلوع الفجر ولا يخرج إلا بعد طلوع الشمس فما ~~بلغ الشيطان هذا المبلغ من أحد العصاة لأنه عذب نفسه في معصية لا لذة فيها ~~للنفس ولا رفعة للقدر وصار بمجرد مجاوزة الثلاث الغسلات كما قال ms022 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "فمن تجاوزها فقد أساء وتعدى وظلم" فجمع له صلى الله ~~عليه وسلم بين هذه الثلاثة الأنواع ثم لم يقنع منه بهذا حتى صيره تاركا ~~للفريضة التي ليس بين العبد وبين الكفر إلا تركها كما ثبت في الحديث الصحيح ~~عن جابر بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين الرجل وبين الكفر ترك ~~الصلاة" أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأخرج أهل السنن ~~وأحمد من حديث بريدة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "العهد ~~الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" وأخرج الترمذي عن عبد الله بن ~~شقيق العقيلي قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من ~~الأعمال تركه كفر غير الصلاة. فانظر # PageV01P022 # كيف صار هذا الموسوس بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم مسيئا متعديا ~~ظالما كافرا إن بلغ إلى الحد الذي ذكرناه, فهذا باعتبار ما له عند ربه وأما ~~باعتبار ما له عند الخلق فأقل الأحوال أن يقال: مجنون يلعب به الشيطان في ~~مخالفة شريعة الرحمن فخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين, ومع هذا ~~فهو يعذب نفسه بأشد العذاب وكثيرا ما يفضي به ذلك إلى علة كبيرة تكون سببا ~~لهلاكه فيلقى ربه قاتلا لنفسه في معصية فلا يراح رائحة الجنة كما ثبت عنه ~~صلى الله عليه وسلم فيمن قبل نفسه وهذه المحنة يقع فيها العالم والجاهل فمن ~~كان جاهلا اعتذر لنفسه بأعذار شيطانية قد استزله الشيطان بها فمنهم من ~~يقول: لم أتيقن كمال الثلاث الغسلات في كل عضو وهو قد غسل ذلك العضو مئات ~~ومنهم من يقول: أريد أن أغسل غسلا مشروعا لا تبقى شعرة ولا بشرة إلا وقد ~~شملها الغسل والدلك فتراه يقلب يديه ورجليه ويدلك كل موضع منه في مقدار ~~الجثة1 دلكا فظيعا فيشرع بالأنملة ثم يدلك جزءا بعد جزء حتى يفرغ من الأصبع ~~ثم يأخذ في الأخرى ثم كذلك فلا يفرغ من غسل يده إلا بعد مدة طويلة ms023 ثم يلعب ~~به الشيطان فيشككه فيما قد غسله أنه لم يغسله فيعود إليه ثم كذلك فلا يكمل ~~الثلاث الغسلات في زعمه إلا بعد أن يبلغ بنفسه إلى حد يرحمه من رآه ومن كان ~~عالما يعترف بأن هذا الفعل مخالف للشريعة وأنه وسوسة شيطانية وهو أقبح ~~الرجلين فإنه ممن أضله الله على علم ونادى على نفسه بأنه منقاد لطاعة ~~شيطانه في مخالفة خالقه مستغرق بعبادة عدو الله إبليس لم يبق فيه بقية ~~تزجره عن معصيته فلم يستحي من الله فيحمله الحياء على إيثار الرحمن على ~~الشيطان ولم يستحي من الناس فيردعه حياؤه عن التحدث لعباد الله بأنه قد ~~اشتغل عن ربه بطاعته الشيطان, وفي مثل هذا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت". والحاصل: أن هذه المحنة قد عمت وطمت عند ~~كل فرد من أفراد العباد منها جزء من الأجزاء وإن قل والكل من طاعة الشيطان ~~ومخالفة الرحمن والناجي من ذلك هو الكبريت الأحمر وعنقاء مغرب والغراب ~~الأبقع ومن أنكر هذا فليجرب نفسه ويعمل بمثل هذا النص الثابت عنه صلى الله ~~عليه وسلم في مسح الأذى الذي يعلق بالنعل في الأرض ثم يصلي فيه وينظر عند ~~ذلك كيف يجد نفسه مع أن ذلك هو المهيع الذي لا يرجح المجتهد سواه إن أنصف ~~من نفسه PageV01P023 # فليصدق فعله قوله, وإن كان مقلدا فله بالأئمة الأسلاف قدوة وهم الأقل من ~~القائلين بذلك وهيهات ذاك فإن الشكوك والخيالات قد جعلها الشيطان ذريعة ~~يقتنص بها من لم يقع في شباكه المنصوبة للمتهتكين من العصاة المستهترين ~~بمحبتها لأنه وجد قوما لا تطمح أنفسهم إلى شرب الخمور وارتكاب الفجور فحفر ~~لهم حفيرة جمع لهم فيها بين خزي الدنيا والآخرة فهم أشقى أتباعه اللهم ~~أعذنا من نزعات الشيطان وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. والاستحالة ~~مطهرة أي إذا استحال الشيء إلى شيء آخر حتى كان ذلك الشيء الآخر مخالفا ~~للشيء الأول لونا وطعما وريحا كاستحالة العذرة رمادا وقد أوضحت ذلك في ~~كتابي دليل ms024 الطالب فليراجع وحققه الماتن في وبل الغمام والسيل الجرار ~~وغيرهما, لعدم وجود الوصف المحكوم عليه يعني فقد فقد الوصف الذي وقع الحكم ~~من الشارع بالنجاسة عليه وهذا هو الحق والخلاف في ذلك معروف # وما كان لا يمكن غسله من المتنجسات كالأرض والبئر فتطهيره بالصب عليه أو ~~النزح منه حتى لا يبقى أي لا يوجد للنجاسة أثر لأنها لو كانت باقية لكان ~~التعبد بإذهابها باقيا, ولكن هذا إنما يكون في مثل النجاسة التي لها جرم ~~ولون, وأما مثل البول فقد ورد عن الشارع أن تطهيره بأن يصب عليه ذنوب من ~~ماء فإذا وقع ذلك صارت الأرض المتنجسة بالبول طاهرة. أقول: البول على الأرض ~~يطهره مكاثرة الماء عليه وهو مأخوذ مما تقرر عند الناس قاطبة أن المطهر ~~الكثير يطهر الأرض وأن المكاثرة تذهب بالرائحة المنتنة وتجعل البول متلاشيا ~~كأن لم يكن في المسوى. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا أصاب الأرض بول أو ~~غيره من النجاسة المائعة فصب عليها الماء حتى غلبها طهرت والغسالة طاهرة ~~إذا لم يكن فيها تغير ولكنها لا تطهر وفرق بين ورود النجاسة على الماء ~~وورود الماء على النجاسة, وعند الحنفية رحمهم الله تعالى الغسالة نجسة ~~والأرض لا تطهر بصب الماء حتى تزول عنها الغسالة انتهى. والماء هو الأصل في ~~التطهير فلا يقوم غيره مقامه إلا بإذن من الشارع لأن كون الأصل في التطهير ~~هو الماء قد وصف بذلك في الكتاب والسنة وصفا مطلقا غير مقيد بل قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "الماء طهور" يرشد إلى ما ذكرنا إرشادا تشهد له قواعد علم ~~المعاني وعلم الأصول فإذا ثبت عن الشارع أن تطهيره شيء # PageV01P024 # من النجاسات يكون بغير الماء كمسح النعل بالأرض ونحو ذلك كان الماء غير ~~متعين في تطهير تلك النجاسة بخصوصها بل نقتصر عليه هناك ويتعين الماء فيما ~~عداها وهذا هو الحق, وقد ذهب الجمهور إلى أن الماء هو المتعين في تطهير ~~النجاسات, وذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأبو يوسف رحمه الله تعالى إلى ~~أنه يجوز ms025 التطهير بكل مائع طاهر ويرد على الجمهور بما ثبت عن الشارع تطهيره ~~بغير الماء إن كانوا يقولون إن الماء يتعين في مثل ذلك ويرد على أبي حنيفة ~~رحمه الله تعالى ومن معه بأن إثبات مطهر لم يرد عن الشارع أو تطهير على غير ~~الصفة الثابتة عنه مدفوع. # PageV01P025 ### | باب قضاء الحاجة # والحاجة كناية عن خروج البول والغائط وهو مأخوذ من قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا قعد أحدكم لحاجته" وعبر عنه الفقهاء بباب الاستطابة لحديث: "ولا ~~يستطيب بيمينه" , والمحدثون بباب التخلي مأخوذ من قوله: "إذا دخل أحدكم ~~الخلاء" والتبرز من قوله: "البراز في الموارد" والكل من العبارات صحيح على ~~المتخلي الاستتار فينبغي أن يبعد لئلا يسمع منه صوت أو يشم منه ريح أو يرى ~~منه عورة ولا يرفع ثوبه "حتى يدنو من الأرض" عند قضاء الحاجة ويستتر بمثل ~~حائش نخل مما يواري أسفل بدنه فمن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل ~~فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم وذلك لأن الشيطان جبل على أفكار ~~فاسدة وأعمال شنيعة كذا في الحجة, وذلك لما ورد من الأدلة الدالة على وجوب ~~ستر العورة عموما وخصوصا إلا عند الضرورة ومنها قضاء الحاجة فلا يكشف عورته ~~إلا عند القعود وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم ~~والبيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ: "من أتى الغائط فليستتر". "والبعد" لما ~~أخرجه أهل السنن وصححه الترمذي من حديث جابر رضي الله عنه قال: خرجنا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكان لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى, ~~ولفظ أبي داود: كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد, ورجاله رجال ~~الصحيح إلا إسماعيل بن عبد الملك الكوفي ففيه مقال يسير. "أو دخول الكنيف" ~~يعني إذا أراد أن يقضي الحاجة في البنيان وهناك كنيف فليس عليه # PageV01P025 # إلا أن يدخله وإن قرب من الناس لما سيأتي من حديث ابن عمر. وأما "ترك ~~الكلام" فلحديث: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان ms026 ~~فإن الله يمقت على ذلك". أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث أبي سعيد ~~وأخرج نحوه ابن السكن وصححه من حديث جابر رضي الله تعالى عنه. وأما ترك ~~الملابسة لما له حرمة فلحديث أنس رضي الله عنه عند أهل السنن وصححه الترمذي ~~والمنذري وابن دقيق العيد بلفظ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل ~~الخلاء ينزع خاتمه, ولم يأت من ضعفه بما تقوم به الحجة في التضعيف. وتجنب ~~الأمكنة التي منع عن التخلي فيها شرع كالتخلي في ظل الناس وطريقهم ومتحدثهم ~~والماء الدائم فقد ورد في ذلك أحاديث منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند ~~مسلم رحمه الله تعالى وأبي داود رحمه الله تعالى قال: "اتقوا اللاعنين" ~~قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو في ~~ظلهم". وافهم أن الحكمة الاحتراز عن لعنهم وتأذيهم ومنها حديث معاذ بن جبل ~~عند أبي داود وابن ماجه والحاكم وابن السكن وصححاه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق ~~والظل" وقد أعل بأنه من رواية أبي سعيد الحميري عن معاذ ولم يسمع منه, وفي ~~الباب أحاديث فيها مقال ومن الأمكنة التي نهى الشارع عنها الجحر لحديث عبد ~~الله بن سرجس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الجحر, ~~أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم والبيهقي وقد أعل بأنه من رواية ~~قتادة عنه ولم يسمع منه ولكنه قد صحح سماعه منه علي بن المديني وصحح الحديث ~~ابن خزيمة وابن السكن, والجحر قد يكون مأوى حية أو مثلها فتخرج وتؤذي, ~~ومنها ما أخرجه أحمد رحمه الله تعالى وأهل السنن من حديث عبد الله بن مغفل ~~عن البني صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه ~~فإن عامة الوسواس منه". ومنها ما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى وأحمد رحمه ~~الله تعالى والنسائي رحمه لله تعالى وابن ماجة رحمه الله تعالى عن ms027 جابر رضي ~~الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الماء الراكد, ~~"أو عرف" وجهه أنهم يتأذون بذلك وما كان ذريعة إلى ما لا يحل فهو لا يحل: ~~"وعدم # PageV01P026 # الاستقبال والاستدبار للقبلة" قد ورد في ذلك أحاديث منها ما في الصحيحين ~~وغيرهما من حديث أبي أيوب بلفظ: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا ~~تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا". وأخرج نحوه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ~~رضي الله تعالى عنه ومن حديث سلمان أيضا وابن ماجه وابن حبان من حديث عبد ~~الله بن الحرث بن جزء وأبو داود من حديث عبد الله بن مغفل والدارمي في ~~مسنده من حديث سهل بن حنيف وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال ~~استوفاها الماتن في نيل الأوطار وقد استدل من لم يمنع من ذلك بما أخرجه ~~الجماعة من حديث ابن عمر قال: رقيت يوما على بيت حفصة رضي الله تعالى عنها ~~فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة, ~~وجعلوا هذا الحديث ناسخا لأحاديث النهي. ومن جملة ما استدلوا به حديث جابر ~~رضي الله تعالى عنه عند أحمد رحمه الله تعالى وأبي داود رح تعالى والترمذي ~~رح تعالى وحسنه وابن ماجه رح تعالى والبزار رح تعالى وابن الجارود رح تعالى ~~وابن خزيمة رح تعالى وابن حبان رح تعالى والحاكم رح تعالى والدارقطني رح ~~تعالى قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل ~~أن يقبض بعام يستقبلها, وقد نقل الترمذي عن البخاري رح تعالى تصحيحه وصححه ~~أيضا ابن السكن وحسنه أيضا البزار, ولا يخفى أنه قد تقرر في الأصول أن فعله ~~صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص بالأمة فما وقع منه صلى الله عليه ~~وسلم لا يعارض النهي عن الاستقبال والاستدبار للقبلة1, فإن قلت حديث عائشة ~~رضي الله تعالى عنها عند أحمد رح تعالى وابن ماجه رح تعالى قالت: ذكر لرسول ~~الله صلى الله عليه ms028 وسلم أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال: ~~"أو قد فعلوها حولوا مقعدتي قبل القبلة". قلت: لو صح هذا لكان صالحا للنسخ ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله لقصد التشريع للأمة ولمخالفة من كان ~~يكره الاستقبال ولكنه لم يصح فإن في إسناده خالد بن أبي الصلب قال ابن حزم: ~~PageV01P027 # هو مجهول وقال الذهبي في الميزان في ترجمة خالد بن أبي الصلت إن هذا ~~الحديث منكر1 وقد استدل من خصص المنع من الاستقبال والاستدبار للقبلة ~~بالفضاء بما أخرجه أبو داود رح تعالى والحاكم رح تعالى عن مروان الأصفر رضي ~~الله عنه قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها فقلت: يا ~~أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن ذلك فقال: بلى إنما نهي عن هذا في الفضاء ~~فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس, وقد حسن الحافظ في الفتح ~~إسناده ولكنه إنما يكون هذا دليلا إذا كان قد سمع من النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما يفيد تخصيص ذلك النهي السابق, وأما إذا كان مستنده إنما هو مجرد ~~فهمه من فعله صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة رضي الله عنها فلا يكون هذا ~~الفهم حجة ومع الاحتمال لا ينتهض للاستدلال قال الشافعي رح: الاستقبال ~~والاستدبار محرمان في الصحراء لا في البنيان, ووجه الجمع عنده تنزيل النهي ~~والإباحة على حالتين, وقال أبو حنيفة رح تعالى: مكروهان فيهما سواء ووجه ~~الجمع عنده أن النهي للتنزيه والفعل لبيان الجواز في الجملة كذا في المسوى ~~قال في سبل السلام: اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال: أقربها يحرم في ~~الصحارى دون العمران لأن أحاديث الإباحة وردت في الإباحة فحملت عليه ~~وأحاديث النهي عامة وبعد تخصيص العمران بأحاديث فعله التي سلفت بقيت ~~الصحراء على التحريم وقد قال ابن عمر: إنما نهي عن ذلك في الفضاء فإذا كان ~~بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس رواه أبو داود وغيره وهذا القول ليس ~~بالبعيد لبقاء أحاديث النهي على بابها وأحاديث الإباحة كذلك ms029 انتهى وروي عن ~~عائشة عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبل قائما, وروي عن عمر ~~عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أن يبول قائما, وروى الحاكم ~~أن بوله صلى الله عليه وسلم قائما كان لمرض لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي ~~فلم يكن صالحا لحمل بوله على حالة الضرورة فالأولى أن يقال: أن فعله صلى ~~الله عليه وسلم لبيان الجواز وإن البول من قيام مكروه فقط وفعله للمكروه ~~لبيان حكم شرعي جائر ولا ريب أن البول من قيام من الجفاء والغلظة والمخالفة ~~للهيئة المستحسنة مع كونه مظنة لانتضاح البول وترشرشه على البائل ~~PageV01P028 # وثيابه فأقل أحوال النهي مع هذه الأمور أن يكون البول من قيام مكروها, ~~وهذا على فرض أن فعله صلى الله عليه وسلم لقصد التشريع حتى يكون لبيان ~~الجواز ويكون صارفا للنهي فإن لم يكن كذلك فالنهي باق على حقيقته والبول من ~~قيام من خصائصه1 ولكن بعد ثبوت النهي من طريق صحيحة أو حسنة وقد أوضح ذلك ~~شيخنا العلامة الشوكاني في شرح المنتقى. وعليه الاستجمار بثلاثة أحجار ~~طاهرة أي مسحات لأنها لا تنقي غالبا بأقل من ثلاثة أحجار لما في صحيح مسلم ~~وغيره من حديث سلمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستجمار بأقل ~~من ثلاثة أحجار وعن الاستنجاء برجيع أو عظم, وأخرج أحمد رح تعالى والنسائي ~~رح تعالى وأبو داود رح تعالى وابن ماجه رح تعالى والدارقطني رح تعالى وقال ~~إسناده صحيح حسن من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه" ~~وأخرج نحوه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة وأخرج أحمد وأبو داود ~~والنسائي رح تعالى وابن ماجه رح تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى ~~عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروثة ~~والرمة. وأخرج ابن خزيمة وابن حبان والدارمي وأبو عوانة في صحيحه والشافعي ~~رح ms030 تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا بلفظ: "وليستنج أحدكم ~~بثلاثة أحجار" وفي الباب أحاديث غير ما ذكرناه. . ثم اعلم أنه قال الشيخ ~~أحمد ولي الله المحدث الدهلوي في المسوى شرح الموطأ قال الشافعي رح تعالى: ~~الاستنجاء واجب والمراد ثلاث مسحات, وقال أبو حنيفة رح تعالى: سنة والمراد ~~الإنقاء. وقال الشافعي: لا يجوز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار وإن حصل ~~الإنقاء بما دونها فإن لم يحصل فإن حصل بعدها بشفع يستحب أن يختم بالوتر, ~~وقال أبو حنيفة رح تعالى: يسن الإنقاء ولا يستحب الإيتار وتأويل الحديث ~~عنده أن المراد بالإيتار هو التثليث كنى به عن الإنقاء ويستحب الاستنجاء ~~بالماء من غير وجوب عن عمر بن الخطاب: PageV01P029 # "يتوضأ بالماء لما تحت إزاره". قلت: معنى الوضوء ههنا الغسل والتنظيف ~~وعليه عامة أهل العلم انتهى. وورد كيفية استعمال الثلاث في حديث ابن عباس ~~رضي الله عنه حجران للصفحتين وحجر للمسربة بسين مهملة وراء مضمومة أو ~~مفتوحة مجرى للحدث من الدبر. أو ما يقوم مقامها للضرورة أي إذا لم توجد ~~الأحجار ما لم يكن ذلك الغير مما ورد النهي عنه كالروثة والرجيع والعظم ~~فإنه لا يجوز ولا يجزئ. قال في الحجة: لأنه طعام الجن وكذا سائر ما ينتفع ~~به ويستحب الجمع بين الحجر والماء. وأقول: لا شك أن الاستنجاء بالماء أفضل ~~من الاستنجاء بالحجارة من دون ماء لأنه أقطع للنجاسة فلا تبقى بعده عين ~~للنجاسة ولا ريح بخلاف الاستنجاء بالحجارة وهو الاستجمار فإذا لم يبق جزء ~~من عين النجاسة بقي أثر من آثارها, وإذا لم يبق شيء من الآثار بقيت الريح ~~ومع هذا فهو من السنن كما ثبت في الأحاديث الصحيحة مقرونا بما لا خلاف في ~~شرعيته إنما الشأن في كونه يجب على من قضى الحاجة إذا أراد القيام إلى ~~الصلاة أن يستنجي بالماء ولا يكفيه الاستجمار بالأحجار. ثم يتوضأ وضوء ~~الصلاة ثم يصلي والاستدلال على الوجوب بحديث أهل قبا لا يخفى أن غاية ما ~~فيه تخصيصهم بالأمر بذلك دون ms031 غيرهم فإن سائر الصحابة كانوا إذ ذاك لا ~~يستنجون بالماء ولهذا خص الله أهل قبا بالثناء ثم لم يرد أنه صلى الله عليه ~~وسلم أمر غير أهل قبا بذلك, وقد ذهب إلى أنه يكفي الأحجار ابن الزبير وسعد ~~بن أبي وقاص والشافعية والحنفية كما حكى ذلك في البحر الزخار عنهم بل حكى ~~أيضا عن عطاء أن غسل الدبر محدث وعن سعيد بن المسيب ما يفعله إلا النساء ~~هكذا في البحر, وروى عنه أنه كان يقول: إذن لا يزال في يدي نتن يعني إذا ~~غسل فرجه بالماء ويدل على عدم الوجوب في أحاديث الأمر بالاستجمار وما ورد ~~من أن ثلاثة أحجار ينقين المؤمن لم يصح. # والحاصل: أنه لا نزاع في كون الماء أفضل إنما النزاع في أنه يتعين ولا ~~يجزئ غيره وهذا كله على فرض ثبوت قوله في حديث أهل قباء: "ذلكموه فعليكموه" ~~ولكنه لم يثبت في شيء من كتب الحديث بل الذي في الجامع عن أنس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لأهل قباء: "إن الله قد أحسن الثناء عليكم فما ذاك"؟ ~~قالوا: نجمع في الاستجمار بين الأحجار والماء. قال في الجامع ذكره رزين وفي ~~التلخيص عن البراز في مسنده قال: "نبأنا عبد الله بن شبيب نبأنا أحمد بن ~~محمد بن عبد العزيز # PageV01P030 # قال: وجدت في كتاب أبي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن العباس ~~قال: نزلت هذه الآية في أهل قبا {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين} فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: إنا نتبع الحجارة ~~والماء. قال البزار لا نعلم أحدا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز ~~ولا عنه إلا ابنه انتهى. ومحمد بن عبد العزيز ضعفه أبو حاتم فقال: ليس له ~~ولأخويه عمران وعبيد الله حديث مستقيم وعبد الله بن شبيب أيضا ضعيف وأصل ~~الحديث في سنن أبي داود والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ~~وليس في شيء هنا الجمع بين الأحجار والماء فمحل ms032 الاستدلال على وجوب ~~الاستنجاء بالماء هو قوله لهم: "فعليكموه" إغراء لهم على الفعل بمعنى ~~الزموه لم يثبت حتى يثبت ما دل عليه واعلم أن الأدلة في هذه المسألة غير ~~مقيدة بكون الأحجار المذكورة للفرج الأعلى أو الأسفل أو لهما جميعا إذ يصدق ~~قوله1 صلى الله عليه وسلم: "وأن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار" على من ~~أراد أن يستنجي بعد البول فقط أو بعد الغائط فقط أو بعدهما, وكذلك قوله2 ~~صلى الله عليه وسلم: "وكان يأمرنا بثلاثة أحجار" يصدق على كل ذاهب إلى ~~الغائط سواء ذهب إلى البول فقط أو إلى الغائط فقط أو لهما, والمراد بالغائط ~~في قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم الغائط": المكان المطمئن لا ~~نفس الخارج كما صرح به أئمة اللغة. وكذلك قوله: "وليستنج أحدكم بثلاثة ~~أحجار" شامل لكل قاض للحاجة سواء ذهب إلى البول فقط أو الغائط فقط أو ذهب ~~إليهما جميعا كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "فليذهب معه بثلاثة أحجار ~~يستطب بهن فإنها تجزي عنه" يتناول من بال فقط كما يتناول من تغوط فقط, ~~وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "فليستنج بثلاثة أحجار" يصدق على كل قاض ~~للحاجة كما عرفت, وكذلك حديث: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ~~نجتزي بأقل من ثلاثة أحجار, وقوله: "وأعدوا النبل" إذا تقرر هذا علمت أنه ~~شرع الاستجمار لمن بال كما شرع لمن تغوط وأن يكون بثلاثة أحجار ولم يرد ما ~~يخالف هذا من شرع ولا لغة ولا اشتقاق والاستنجاء هو غسل البدن عن الأذى ~~بالماء ومسحه بالحجر كما صرح به صاحب النهاية وصاحب الصحاح والقاموس ~~والاستجمار عندهم استعمال الجمار والتمسح بالجمار وهي الأحجار الصغار وهو ~~استعمال PageV01P031 # من غير تقييد. قال في القاموس: استجمر استنجى انتهى. وهو كما لا يخفى ~~يصدق على من استنجى بها للفرج الأعلى أو الأسفل أو لهما وكذلك تصدق ~~الاستطابة على مسح الذكر والفرج قال في النهاية: الاستطابة والإطابة كناية ~~عن الاستنجاء وسمي بها من الطيب لأنه يطيب جسده ms033 بإزالة ما عليه من الخبث ~~بالاستنجاء أي يطهره, ومثل ذلك في الصحاح والقاموس ثم قد وردت أحاديث فيها ~~مجرد الأمر بثلاثة أحجار من غير ذكر استنجاء ولا استطابة ولا استجمار ولا ~~نزاع في صدقها على الذاهب إلى البول كما تصدق على الذاهب إلى الغائط وحينئذ ~~تعلم أنه شرع لمن بال أن يستجمر بالأحجار عقب البول كما شرع لمن تغوط أن ~~يفعل ذلك ولا ينافي ذلك حديث: "إذا بال أحدكم فلينثر ذكره ثلاثا" كما أخرجه ~~أحمد وابن ماجه والبيهقي من حديث عيسى بن يزداذ عن أبيه وقد قال ابن معين: ~~لا يعرف عيسى ولا أبوه, وقال الثوري: اتفقوا على أنه ضعيف, وقال أبو حاتم: ~~حديثه مرسل لأن الحديث وإن كان مما لا تقوم به الحجة لكنه يمكن الجمع بينه ~~وبين أحاديث الاستجمار إذ الاستجمار إنما هو المسح بالجمار لما تلوث بالبول ~~أو الغائط من خارج الفرج أو الذكر لا لاستخراج ما كان داخلهما فالنثر ~~والاستجمار مختلفان مفهوما وصدقا وزمانا ومكانا وصفة فكيف يجعل أحدهما ~~معارضا للآخر لا سيما وحديث النثر بمكان من الضعف لا تقوم به الحجة على فرض ~~انفراده فكيف يؤخذ به وتترك أحاديث الاستجمار المتواترة تواترا معنويا عند ~~من له أدنى ممارسة للفن وقد أوضحت ذلك في دليل الطالب على أرجح المطالب ~~فليراجع. # "وتندب الاستعاذة عند الشروع" أي الدخول لأن الحشوش محتضرة يحضرها ~~الشياطين لأنهم يحبون النجاسة ووجهه ما أخرجه الجماعة من حديث أنس رضي الله ~~تعالى عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: "اللهم ~~إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وقد روى سعيد بن منصور في سننه: أنه كان ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وإسناده ~~على شرط مسلم. "والاستغفار والحمد بعد الفراغ" لأنه وقت ترك ذكر الله تعالى ~~ومخالطة الشياطين, والدليل عليه ما أخرجه ابن ماجه رح تعالى بإسناد صالح من ~~حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج ms034 من # PageV01P032 # الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى" 1. وأخرج نحوه النسائي رح ~~تعالى وابن السني رح تعالى من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه ورمز السيوطي ~~رح تعالى لصحته وأخرج أحمد رح تعالى وأبو داود رح تعالى والترمذي رح تعالى ~~وابن ماجه رح تعالى من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" وصححه ابن حبان رح تعالى ~~وابن خزيمة رح تعالى والحاكم رح تعالى. . PageV01P033 ### | باب الوضوء # فرض مع الصلاة قبل الهجرة بسنة وهو من خصائص هذه الأمة بالنسبة لبقية ~~الأمم لا لأنبيائهم "يجب على كل مكلف" لم أراد الصلاة وهو محدث أو جنب: أن ~~يسمي, وجه وجوب التسمية ما ورد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر ~~اسم الله عليه" أخرجه أحمد رح تعالى وأبو داود رح تعالى وابن ماجه رح تعالى ~~والترمذي رح تعالى في العلل والدارقطني رح تعالى وابن السكن رح تعالى ~~والحاكم رح تعالى والبيهقي رح تعالى وليس في إسناده ما يسقطه عن درجة ~~الاعتبار وله طرق أخرى من حديثه عند الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح وأخرج ~~نحوه أحمد رح تعالى وابن ماجه رح تعالى من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه ~~ومن حديث أبي سعيد رضي الله عنه وأخرج آخرون نحوه من حديث عائشة رضي الله ~~عنها وسهل بن سعد رضي الله عنه وأبي سبرة رضي الله عنه وأم سبرة رضي الله ~~عنها وعلي رضي الله عنه وأنس رضي الله عنه ولا شك ولا ريب أنها جميعا تنتهض ~~للاحتجاج بها بل مجرد الحديث الأول ينتهض للاحتجاج لأنه حسن فكيف إذا اعتضد ~~بهذه الأحاديث الواردة في معناه, ولا حاجة للتطويل في تخريجها فالكلام ~~عليها معروف وقد صرح الحديث # PageV01P033 # بنفي وضوء من لم يذكر اسم الله وذلك يفيد الشرطية التي يستلزم عدمها ~~العدم فضلا ms035 عن الوجوب فإنه أقل ما يستفاد منه1, "إذا ذكر" تتقييد الوجوب ~~بالذكر للجمع بين هذه الأحاديث وبين حديث: "ومن توضأ وذكر اسم الله عليه ~~كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء ~~وضوءه". أخرجه الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح من حديث ابن عمر رضي الله ~~عنه وفي إسناده متروك ورواه الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح تعالى من حديث ~~ابن مسعود رضي الله عنه وفي إسناده أيضا متروك, ورواه أيضا الدارقطني رح ~~تعالى والبيهقي رح تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه ضعيفان, وهذه ~~الأحاديث لا تنتهض للاستدلال بها وليس فيها أيضا دلالة على المطلوب من أن ~~الوجوب ليس إلا على الذكر ولكنه يدل على ذلك أحاديث عدم المؤاخذة على السهو ~~والنسيان وما يفيد ذلك من الكتاب العزيز فقد اندرجت تلك الأحاديث الضعيفة ~~تحت هذه الأدلة الكلية ولا يلزم مثل ذلك في الأعضاء القطعية وبعد هذا كله ~~ففي التقييد بالذكر إشكال. قال في الحجة البالغة: قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا وضوء لمن لا يذكر الله" هذا الحديث لم يجمع أهل المعرفة بالحديث على ~~تصحيحه, وعلى تقدير صحته فهو من المواضع التي اختلف فيها طريق التلقي من ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقد استمر المسلمون يحكون وضوء النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم ويعلمون الناس ولا يذكرون التسمية حتى ظهر زمان أهل الحديث ~~وهو نص على أن التسمية ركن أو شرط, ويمكن أن يجمع بين الوجهين بأن المراد ~~هو التذكر بالقلب فإن العبادات لا تقبل إلا بالنية وحينئذ يكون صيغة لا ~~وضوء على ظاهرها, نعم التسمية أدب كسائر الآداب لقوله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر" وقياسا على مواضع كثيرة، ~~PageV01P034 # ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل الوضوء لكن لا أرتضي مثل هذا التأويل فإنه ~~من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ انتهى. وأقول: قد تقرر أن ~~النفي في مثل قوله: "لا وضوء" يتوجه ms036 إلى الذات إن أمكن فإن لم يمكن توجه ~~إلى الأقرب إليها وهو نفي الصحة فإنه أقرب المجازين لا إلى الأبعد وهو نفي ~~الكمال, وإذا توجه إلى الذات أي لا ذات وضوء شرعية أو إلى الصحة دل على ~~وجوب التسمية لأن انتفاء التسمية قد استلزم انتفاء الذات الشرعية أو انتفاء ~~صحتها فكان تحصيل ما يحصل الذات الشرعية أو صحتها واجبا ولا يتوجه إلا نفي ~~الكمال إلا لقرينة لأن الواجب الحمل على الحقيقة ثم على أقرب المجازات ~~إليها إن تعذر الحمل على الذات ثم لا يحمل على أبعد المجازات إلا لقرينة, ~~ويمكن أن يقال إن القرينة ههنا المسوغة لحمل النفي على المجاز الأبعد هي ما ~~أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من توضأ وذكر اسم الله على وضوئه كان طهورا لجسده, ومن توضأ ولم ~~يذكر اسم الله على وضوئه كان طهورا لأعضائه". وس نده ضعيف. "ويتمضمض ~~ويستنشق" وجهه أنهما من جملة الوجه الذي ورد القرآن الكريم بغسله وقد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما في القرآن بوضوئه المنقول إلينا ومن جملة ما ~~نقل إلينا المضمضة والاستنشاق فأفاد ذلك أن الوجه المأمور بغلسه من جملة ~~المضمضة والاستنشاق وقد ورد الأمر بذلك كما أخرجه الدارقطني رح من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمضمضة ~~والاستنشاق, وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ~~لينتثر". وثبت عند أهل السنن وصححه الترمذي رح تعالى من حديث لقيط بن صبرة ~~رضي الله تعالى عنه بلفظ: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما1". وأخرج ~~النسائي رح تعالى من حديث سلمة بن قيس رضي الله تعالى عنه: "إذا توضأت ~~فانتثر" وأخرجه الترمذي رح تعالى أيضا وفي رواية PageV01P035 # من حديث لقيط بن صبرة رضي الله تعالى عنه المذكور: "إذا توضأت فمضمض". ~~أخرجها أبو داود ms037 بإسناد صحيح, وقد صحح حديث لقيط رضي الله تعالى عنه ~~الترمذي رح تعالى والنووي رح تعالى وغيرهما, ولم يأت من أعله بما يقدح فيه, ~~وقد ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق أحمد رح تعالى واسحق رح تعالى وبه قال ~~ابن أبي ليلى رح تعالى وحماد بن سليمان رح تعالى1, وذهب جماعة من أهل العلم ~~إلى أن الاستنشاق واجب في الغسل والوضوء والمضمضة سنة فيهما حكى هذا المذهب ~~النووي رح تعالى في شرح مسلم عن أبي ثور رح تعالى وداود الظاهري وابن ~~المنذر رح تعالى ورواية عن أحمد رح تعالى وقد روى غيره مثل ذلك عن أبي ~~حنيفة رح تعالى والثوري رح تعالى وزيد بن علي رح تعالى وذهب مالك رح تعالى ~~والشافعي رح تعالى والأوزاعي رح تعالى والليث رح تعالى والحسن البصري رح ~~تعالى والزهري رح تعالى وربيعة رح تعالى ويحيى بن سعيد رح تعالى وقتادة رح ~~تعالى والحكم بن عتيبة رح تعالى ومحمد بن جرير الطبري رح تعالى إلى أنهما ~~غير واجبين, واستدلوا على عدم الوجوب بحديث: "عشر من سنن المرسلين" وهو ~~حديث صحيح, ومن جملتها المضمضة والاستنشاق ورد بأنه لم يرو بلفظ عشر من ~~السنن من الفطرة وعلى فرض وروده بذلك اللفظ فالمراد بالسنة الطريقة وهي تعم ~~الواجب لا ما وقع في اصطلاح أهل الأصول فإن ذلك اصطلاح حادث وعرف متجدد لا ~~تحمل عليه أقوال الشارع, وهكذا يجاب عن استدلالهم بحديث ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنه بلفظ: "المضمضة والاستنشاق سنة" أخرجه الدارقطني رح تعالى ~~وإسناده ضعيف, والمراد بالسنة في اصطلاح الشارع وأهل عصره ما دل عليه دليل ~~من قوله صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره, ولهذا جعلت السنة مقابلة ~~للقرآن فهذه اللفظة أعم من المدعى فإنها تطلق على الواجب PageV01P036 # كما تطلق على المندوب فيقال مثلا: الدليل على هذا الحكم من السنة ولا ~~يقال: إن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية لأن المراد بالسنة كما عرفت في ~~لسان الشارع ليس ما اصطلح عليه الفقهاء وأهل الأصول فتأمل. # ثم ms038 يغسل جميع وجهه والمراد بالوجه ما يسمى وجها عند أهل الشرع واللغة ~~ووجوب غسل الوجه لا خلاف فيه في الجملة وقد قام عليه الدليل كتابا وسنة, ثم ~~يديه مع مرفقيه وهو نص القرآن الكريم والسنة المطهرة ولا خلاف في ذلك, ~~وإنما وقع الخلاف في وجوب غسل المرفقين معهما, ومما يدل على وجوب غسلهما ~~جميعا حديث جابر رضي الله تعالى عنه عن الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح ~~تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم أدار الماء على مرفقيه ثم قال: "هذا ~~وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". وفي إسناده ضعيفان هما عباد بن يعقوب ~~والقاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل ولكن يغني عن هذا الضعف ما في ~~صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه توضأ ثم غسل يده حتى ~~شرع في العضد ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوصأ هكذا. وفي ~~رواية الدارقطني رح تعالى من حديث عثمان رضي الله عنه أنه غسل وجهه ويديه ~~حتى مس أطراف العضدين. قال الحافظ: وإسناده حسن, وأخرج البزار والطبراني من ~~حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعا: ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على ~~مرفقيه, وهذا بيان لما في القرآن فأفاد أن الغاية داخلة فيما قبلها. "ثم ~~يمسح رأسه" ولا خلاف فيه في الجملة وإنما وقع الخلاف هل المتعين مسح الكل ~~أم يكفي البعض؟ وما في الكتاب العزيز قد وقع الخلاف في كونه يدل على مسح ~~الكل أم البعض والسنة الصحيحة وردت بالبيان وفيها ما يفيد جواز الاقتصار ~~على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة رضي ~~الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بناصيته على العمامة. وأخرج ~~أبو داود رح تعالى من حديث أنس رضي الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم أدخل ~~يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. وقد ثبت في الأحاديث ~~الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر ms039 وهذه هي الهيئة التي استمر عليها صلى ~~الله عليه وسلم فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي كان صلى الله تعالى عليه ~~وسلم يداوم عليها # PageV01P037 # وهي مسح الرأس مقبلا ومدبرا وإجزاء غيرها في بعض الأحوال ولا يخفى أن ~~قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} لا يفيد إيقاع المسح على جميع الرأس كما في ~~نظائره من الأفعال, نحو: ضربت رأس زيد وضربت برأسه وضربت زيدا وضربت يد زيد ~~فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك بوجوب الضرب على جزء من الأجزاء ~~المذكورة وهكذا ما في الآية, وليس النزاع في مسمى الرأس لغة حتى يقال: إنه ~~حقيقة في جميعه بل النزاع في إيقاع المسح عليه وعلى فرض الإجمال فقد بينه ~~الشارع تارة بمسح الجميع وتارة بمسح البعض بخلاف الوجه فإنه لم يقتصر على ~~غسل بعضه في حال من الأحوال بل غسله جميعا. وأما اليدان والرجلان فقد صرح ~~فيهما بالغاية للمسح والغسل, فإن قلت: إن المسح ليس كالضرب الذي مثلت بت. ~~قلت: لا ينكر أحد من أهل اللغة أنه يصدق قول من قال: مسحت الثوب أو بالثوب ~~أو مسحت الحائط أو بالحائط على مسح جزء من أجزاء الثوب أو الحائط, وإنكار ~~مثل هذا مكابرة وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في حاشية الشفاء ~~وغيرها فليراجع. "مع أذنيه" وجهه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم مسحهما مع مسح رأسه, وقد ثبت عنه صلى الله تعالى عليه ~~وسلم بلفظ: "الأذنان من الرأس" من طرق يقوي بعضها بعضا1. "ويجزئ مسح بعضه" ~~قال الشافعي رح تعالى: الفرض أدنى ما يطلق عليه اسم المسح, وقال أبو حنيفة ~~رح تعالى: مسح ربع الرأس, وقال مالك: مسح جميع الرأس في سفر السعادة2, وكان ~~يمسح جميع رأسه أحيانا وأحيانا يمسح على العمامة وأحيانا يمسح على الناصية ~~والعمامة ولم يقتصر على مسح بعض الرأس أبدا وكان يمسح الآذان ظاهرا وباطنا ~~ولم يثبت في مسح الرقبة حديث انتهى. "والمسح على العمامة" أو غيرهما مما هو ~~على الرأس فقد ثبت ذلك عنه ms040 صلى الله تعالى عليه وسلم من حديث عمرو بن أمية ~~الضمري عند البخاري رح تعالى وغيره ومن حديث بلال رضي الله عنه عند مسلم رح ~~تعالى وغيره ومن حديث المغيرة رضي PageV01P038 # الله تعالى عنه عند الترمذي رح وصححه وليس فيه المسح على الناصية بل هو ~~بلفظ: "ومسح على الخفين والعمامة". وفي الباب أحاديث غير هذه منها عن سلمان ~~رضي الله عنه عند أحمد رح تعالى وعن ثوبان رضي الله عنه عند أبي داود وأحمد ~~رح أيضا. والحاصل: أنه قد ثبت المسح على الرأس وحده وعلى العمامة وحدها ~~وعلى الرأس والعمامة والكل صحيح ثابت, وقد ورد في حديث ثوبان رح ما يشعر ~~بالإذن بالمسح على العمامة مع العذر وهو عند أحمد رح وأبي داود رح أنه صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن ~~يمسحوا على العصائب والتساخين, وفي إسناده راشد بن سعد قال الخلال في علله: ~~إن أحمد رح قال: لا ينبغي أن يكون راشد بن سعد سمع من ثوبان رضي الله عنه ~~لأنه مات قديما. "ثم يغسل رجليه" وجهه ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في ~~جميع الأحاديث الواردة في حكاية وضوئه فإنها جميعها مصرحة بالغسل وليس في ~~شيء منها أنه مسح إلا في روايات لا تقوم بمثلها الحجة, ويؤيد ذلك قوله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم للماسحين على أعقابهم: "ويل للأعقاب من النار" ~~كما ثبت في الصحيحين وغيرهما, ومما يؤيد ذلك وقوع الأمر منه صلى الله عليه ~~وسلم بغسل الرجلين كما في حديث جابر رضي الله عنه عند الدارقطني رح ويؤيده ~~أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" وهو ~~حديث رواه أهل السنن وصححه ابن خزيمة رح ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل ~~نقص, وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا ms041 ~~به" وكان في ذلك الوضوء قد غسل رجليه وكذلك قوله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" ثم ذكر له صفة الوضوء وفيها غسل ~~الرجلين, وهذه أحاديث صحيحة معروفة وهي تفيد أن قراءة الجر إما منسوخة أو ~~محمولة على أن الجر بالجوار, وقد ذهب إلى هذا الجمهور. قال النووي: ولم ~~يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الإجماع, وقال الحافظ رح في الفتح: إنه لم ~~يثبت عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم خلاف ذلك إلا عن علي رضي الله ~~تعالى عنه وابن عباس رضي الله عنه وأنس # PageV01P039 # رضي الله عنه, وقد ثبت الرجوع منهم عن ذلك وروى سعيد بن منصور عن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى رح قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي ~~الله عنهم على غسل القدمين, وقالت الإمامية: الواجب مسحهما, وقال محمد بن ~~جرير والحسن البصري رح والجبائي: إنه مخير بين الغسل والمسح, وقال بعض أهل ~~الظاهر: يجب الجمع بين الغسل والمسح, ولم يحتج من قال بوجوب المسح إلا ~~بقراءة الجر وهي لا تدل على أن المسح متعين لأن القراءة الأخرى ثابتة بلا ~~خلاف بل غاية ما تدل عليه هذه القراءة هو التخيير لو لم يرد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يوجب الاقتصار على الغسل. أقول: الحق أن الدليل القرآني ~~قد دل على جواز الغسل والمسح لثبوت قراءة النصب والجر ثبوتا لا ينكر وقد ~~وصف تعسف القائلون بالغسل فحملوا الجر على الجوار وأنه ليس للعطف على مدخول ~~الباء في مسح الرأس بل هو معطوف على الوجوه فلما جاور المجرور انجر وتعسف ~~القائلون بالمسح فحملوا قراءة النصب على العطف على محل الجار والمجرور في ~~قوله: {برؤوسكم} 1 كما أن قراءة الجر عطف على لفظ المجرور وكل ذلك ناشئ عن ~~عدم الإنصاف عند عروض الاختلاف ولو وجد أحد القائلين بأحد التأويلين اسما ~~مجرورا في رواية ومنصوبا في أخرى مما لا يتعلق به الاختلاف ووجد قبله ~~منصوبا لفظا ms042 ومجرورا لما شك أن النصب عطف على المنصوب والجر عطف على ~~المجرور, وإذا تقرر هذا كان الدليل القرآني قاضيا بمشروعية كل واحد منهما ~~على انفراده لا على مشروعية الجمع بينهما, وإن قال به قائل فهو الضعف بمكان ~~لأن الجمع بين الأمرين لم يثبت في شيء من الشريعة. انظر الأعضاء المتقدمة ~~على هذا العضو من أعضاء الوضوء فإن الله سبحانه شرع في الوجه الغسل فقط, ~~وكذلك في اليدين وشرع في الرأس المسح فقط ولكن الرسول قد بين للأمة أن ~~المفروض عليهم هو غسل الرجلين لا مسحهما, فتواترت الأحاديث عن الصحابة في ~~حكاية وضوئه صلى الله عليه وسلم وكلها مصرحة بالغسل ولم يأت في شيء منها ~~المسح إلا في مسح الخفين فإن كانت الآية مجملة في الرجلين باعتبار احتمالها ~~للغسل والمسح فالواجب الغسل بما وقع منه صلى الله عليه وسلم من البيان ~~المستمر جميع عمره, وإن كان ذلك لا يوجب الإجمال فقد ورد في السنة الأمر ~~بالغسل ورودا ظاهرا؛ ومنه PageV01P040 # الأمر بتخليل الأصابع فإنه يستلزم الأمر بالغسل؛ لأن المسح لا تخليل فيه ~~بل يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ والكلام على ذلك يطول جدا. والحاصل: أن الحق ~~ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الغسل وعدم إجزاء المسح. قال في الحجة ~~البالغة: ولا عبرة بقوم تجارت بهم الأهواء فأنكروا غسل الرجلين متمسكين ~~بظاهر الآية فإنه لا فرق عندي بين من قال بهذا القول وبين من أنكر غزوة بدر ~~وأحد مما هو كالشمس في رابعة النهار. نعم من قال بأن الاحتياط الجمع بين ~~الغسل والمسح أو أن أدنى الفرض المسح وإن كان الغسل مما يلام أشد الملامة ~~على تركه فذلك أمر يمكن أن يتوقف فيه العلماء حتى تنكشف جلية الحال انتهى. ~~قلت: ويدفعه ما تقدم من الدليل على عدم إجزاء المسح والجمع بينه وبين الغسل ~~فلا فائدة للتوقف في ذلك مع الكعبين أي مع القدمين للآية هما العظمان ~~الناتئان عند مفصل الساق والقدم, فالكلام في ذلك كالكلام في المرفقين, ~~ولكنه لم يثبت في غسلهما ms043 عنه صلى الله عليه وسلم مثل ما ثبت في المرفقين, ~~وإذا تقرر أنه لا يتم الواجب إلا بغلسهما ففي ذلك كفاية مغنية عن الاستدلال ~~بدليل آخر. وله المسح على الخفين ويشترط في المسح عليهما أن يكون أدخل ~~رجليه فيهما وهما طاهرتان. قال الشافعي رح: يشترط كمال الوضوء عند اللبس, ~~وقال أبو حنيفة رح: عند الحدث ومسح أعلى الخف فرض ومسح أسفله سنة عند ~~الشافعي رح, وقال أبو حنيفة رح: لا يمسح إلا الأعلى. وبالجملة: فوجهه ما ~~ثبت تواترا عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله, وقد قال الإمام ~~أحمد رح: فيه أربعون حديثا, وكذلك قال غيره وقال ابن أبي حاتم رح: إنه رواه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة رض1 أحد وأربعون رجلا, وقال ابن ~~عبد البر رح: أربعون رجلا. وقال ابن منده: إن الذين رووه من الصحابة رضي ~~الله تعالى عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا, ونقل ابن المنذر ~~عن ابن المبارك رح أنه قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة رضي الله ~~عنهم اختلاف لأن كل من روى عنه منهم PageV01P041 # إنكاره فقد روي عنه إثباته وقد ذكر أحمد رح أن حديث أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه في إنكار المسح باطل, وكذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها وابن ~~عباس رضي الله عنه قد أنكره الحفاظ ورووا عنهم خلافه, وكذلك ما روي عن علي ~~رضي الله عنه أنه قال: سبق الكتاب الخفين. فهو منقطع, وقد روى عنه مسلم رح ~~والنسائي رح القول بالمسح عليهما بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم, وقد ~~روى الإمام المهدي في البحر عن علي رضي الله عنه القول بمسخ الخفين, وقد ~~ثبت في الصحيح من حديث جرير رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم مسح على ~~الخفين: وإسلام جرير رضي الله تعالى عنه كان بعد نزول المائدة لأن آية ~~المائدة نزلت في غزوة المريسيع, وقد روى المغيرة رضي الله عنه عن النبي صلى ms044 ~~الله عليه وسلم المسح على الخفين وأنه فعل ذلك في غزوة تبوك وتبوك متأخرة ~~عن المريسيع بالاتفاق, وقد ذكر البزار رح أن حديث المغيرة رض هذا رواه عنه ~~ستون رجلا, وبالجملة: فمشروعية المسح على الخفين أظهر من أن يطول الكلام ~~عليها ولكنه لما كثر الخلاف فيها وطال النزاع اشتغل الناس بها حتى جعلها ~~بعض أهل العلم من مسائل الاعتقاد, وقد ورد توقيت المسح بثلاثة أيام للمسافر ~~وبيوم وليلة للمقيم. قال ابن القيم رح في إعلام الموقعين1: سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن المسح على الخفين فقال: "للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم ~~يوما" , وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي عمارة رضي الله عنه ~~فقال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: "نعم" قال: يوما. قال: "ويومين" ~~قال: وثلاثة أيام. قال: "نعم وما شئت" ذكره أبو داود رح وطائفة. قالت هذا ~~مطلق أحاديث التوقيت مقيدة والمقيد يقضي على المطلق انتهى وأما مسح الرقبة ~~فقد ورد من الروايات ما يصلح للتمسك به على مشروعية مسح الرقبة وقد بسطه ~~المجتهد الرباني في شرح المنتقى وقد كاد يقع الإجماع بين أهل المذاهب على ~~أنه بدعة, "ولا يكون وضوءا شرعيا إلا بالنية لاستباحة الصلاة" لحديث: "إنما ~~الأعمال بالنيات" وهو في الصحيحين وغيرهما, وورد من طرق بألفاظ قال في ~~التلخيص: لم يبق من أصحاب الكتب المعتمدة رحمهم الله من لم يخرجه سوى مالك ~~PageV01P042 # رح فإنه لم يخرجه في الموطأ وإن كان ابن دحية رح وهم في ذلك وادعى أنه في ~~الموطأ. قال الهروي: كتب هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد ~~قلت: تتبعته من الكتب والأجزاء حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء فما ~~استطعت أن أكمل له سبعين طريقا, هذا ما كنت وقفت عليه ثم إن في المستخرج ~~لابن منده رح عدة طرق فضممتها إلى ما عندي فزادت على ثلثمائة طريق انتهى. ~~فإن كان المقدر عاما فهو يفيد أنه لا يثبت العمل الشرعي إلا بها وإن كان ~~خاصا ms045 فأقرب ما يقدر الصحة وهي تفيد ذلك. قال في الفتح: وقد اتفق العلماء ~~على أن النية شرط في المقاصد, واختلفوا في الوسائل ومن ثم خالفت الحنفية ~~رحمهم الله في اشتراطها للوضوء, ورد ابن القيم رح على الحنفية رحمهم الله ~~بأحد وخمسين وجها في إعلام الموقعين فليرجع إليه, وقد نسب القول بفرضية ~~النية إلى الشافعي رح ومالك رح والليث رح وربيعة رح وأحمد بن حنبل رح وإسحق ~~بن راهوية رح. . # فصل "ويستحب التثليت" وجهه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم غسل كل عضو ثلاث مرات وبين أن الواجب مرة واحدة في ~~غير الرأس لأن الأحاديث الواردة بتثليث سائر الأعضاء وقع التصريح فيها ~~بإفراد مسح الرأس ولا تقوم الحجة بما ورد في تثليثه, وأما الترتيب فمن جملة ~~ما استدل به القائل بوجوب الترتيب أن الآية مجملة باعتبار أن الواو لمطلق ~~الجمع على أي صفة كان فبين النبي صلى الله عليه وسلم للأمة أن الواجب من ~~ذلك هيئة مخصوصة هي المروية عنه وهي مرتبة وأيضا الوضوء الذي قال فيه صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يقبل الله الصلاة إلا بت" كان مرتبا, والحديث المذكور ~~وإن كان في جميع طرقه مقال لكنها يقوي بعضها بعضا, ويؤيده ما أخرجه أحمد ~~وأبو داود وابن ماجه وغيرهم مرفوعا عن أبي هريرة: "إذا توضأتم فابدؤوا ~~بميانكم". قال ابن دقيق العيد: هو خليق بأن يصح وقد حقق الكلام على هذا ~~شيخنا العلامة الشوكاني في شرح المنتقى, وإطالة الغرة والتحجيل لثبوته في ~~الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم: "أن أمتي يدعون يوم القيامة ~~غرا محجلين من آثار # PageV01P043 # الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". وتقديم السواك استحبابا" ~~وجهه الأحاديث المتواترة من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله وليس في ذلك ~~خلاف قال في الحجة: قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لولا أن أشق على ~~أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" معناه لولا خوف الحرج لجعلت السواك شرطا ~~للصلاة كالوضوء, وقد ورد بهذا ms046 الأسلوب أحاديث كثيرة جدا وهي دلائل واضحة ~~على أن لاجتهاد النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مدخلا في الحدود ~~الشرعية وأنها منوطة بالمقاصد وأن رفع الحرج من الأصول التي بني عليها ~~الشرائع, وقول الراوي في صفة تسوكه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أع أع ~~كما يتهوع # أقول: ينبغي للإنسان أن يبلغ بالسواك أقاصي الفم فيخرج بلاغم الحلق ~~والصدر والاستقصاء في السواك يذهب بالقلاع ويصفي الصوت ويطيب النكهة انتهى. ~~"وغسل اليدين إلى الرسغين ثلاثا قبل الشروع في غسل الأعضاء المتقدمة" لحديث ~~أوس بن أوس الثقفي قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم توضأ ~~فاستوكف ثلاثا, أي غسل كفيه أخرجه أحمد رح والنسائي رح. وثبت في الصحيحين ~~من حديث عثمان رضي الله عنه: فأفرغ على كفيه ثلاث مرات يغسلهما, وثبت نحو ~~ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. # فصل "وينتقض الوضوء بما خرج من الفرجين من عين أو ريح" فقد وردت الأدلة ~~بذلك مثل: حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين وغيرهما قال: ~~قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم ~~إذا أحدث حتى يتوضأ" وقد فسره أبو هريرة رضي الله عنه لما قال له رجل ما ~~الحدث؟ قال: فساء أو ضراط, ومعنى الحدث أعم مما فسره به ولكنه نبه بالأخف ~~على الأغلظ ولا خلاف في انتقاض الوضوء بذلك, "وبما يوجب الغسل" في الجماع ~~ولا خلاف في انتقاضه به أيضا. ونوم المضطجع وجهه أن الأحاديث الواردة ~~بانتقاض الوضوء بالنوم كحديث: "من نام فليتوضأ" مقيد بما ورد أن النوم الذي ~~ينتقض به الوضوء هو نوم المضطجع, وقد روي من طرق متعددة والمقال الذي فيها ~~ينجبر بكثرة طرقها وبذلك # PageV01P044 # يكون الجمع بين الأدلة المختلفة, وفي ذلك ثمانية مذاهب استوفيناها في مسك ~~الختام شرح بلوغ المرام واستوفاها الماتن في نيل الأوطار شرح منتقى ~~الأخبار, وذكر الأحاديث المختلفة وتخريجها وترجيح ما هو الراجح. قال ms047 ~~الشافعي رح: النوم ينقض الوضوء إلا نوم ممكن مقعدته, وقال أبو حنيفة رح: لو ~~نام قائما أو قاعدا أو ساجدا ولا وضوء عليه حتى ينام مضطجعا أو متكئا كذا ~~في المسوى, وأكل لحم الإبل وجهه قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما ~~قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم". وهو في الصحيح من حديث جابر بن ~~سمرة رضي الله عنه, وقد روي أيضا من طريق غيره وذهب الأكثرون إلى أنه لا ~~ينقض الوضوء, واستدلوا بالأحاديث التي نسخت الأحاديث الواردة في الوضوء مما ~~مست النار ولا يخفى أنه لم يصرح في شيء منها بلحوم الإبل حتى يكون الوضوء ~~منها منسوخا, وقد ذهب إلى انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل أحمد بن حنبل رح ~~وإسحق بن راهويه رح ويحيى بن يحيى رح وابن المنذر رح وابن خزيمة رح ~~والبيهقي رح, وحكي عن أصحاب الحديث رحمهم الله وحكي عن جماعة من الصحابة ~~رضي الله عنهم كما قال النووي رح قال البيهقي رح: حكي عن بعض أصحابنا عن ~~الشافعي رح أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت بت. قال البيهقي رح: ~~قد صح فيه حديثان حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه وحديث البراء رضي الله ~~عنه. قال في الحجة: وأما لحم الإبل فالأمر فيه أشد لم يقل به أحد من فقهاء ~~الصحابة رضي الله عنهم والتابعين رضي الله عنهم ولا سبيل إلى الحكم بنسخه ~~فلذلك لم يقل به من يغلب عليه التخريج, وقال به أحمد رح1 وإسحق رح وعندي ~~أنه ينبغي أن يحتاط فيه الإنسان والله أعلم وقد أطال ابن القيم رح في إعلام ~~الموقعين في إثبات النقض به. أقول: الإنصاف في هذا أن لحوم الإبل ناقضة ~~للوضوء وحديث النقض من الصحة بمكان يعرفه من يعرف هذا الشأن أخرجه مسلم ~~وأهل السنن وصححه جماعة من غيرهم ولم يأت عنه صلى الله عليه وسلم ما يخالف ~~هذا من قول أو فعل أو تقرير وإلى هذا التخصيص ذهب PageV01P045 # جماعة من أهل العلم ms048 كما تقدم ومن أراد الاطلاع على مذاهب العلماء وأدلتهم ~~في هذه المسألة فهي مستوفاة في مؤلفات شيخنا العلامة الشوكاني, وأما حمل ~~الوضوء على غسل اليد فالواجب علينا حمل ألفاظ الشارع على الحقائق الشرعية ~~إن وجدت وهي ههنا موجودة فإنه في لسان الشارع وأهل عصره لغسل أعضاء الوضوء ~~لا لغسل اليد فقط ولم يصح من أحاديث الغسل قبل الطعام وبعده شيء. "والقيء" ~~وجهه ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قاء فتوضأ. أخرجه أحمد رح وأهل ~~السنن رح. قال الترمذي هو أصح شيء في الباب وصححه ابن منده رح وليس فيه ما ~~يقدح في الاحتجاج بت, ويؤيده أحاديث منها حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ~~عنه صلى الله عليه وسلم: "من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف ~~فليتوضأ" وفي إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال وفي الباب عن جماعة من ~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم والمجموع ينتهض للاستدلال بت, وقد ذهب إلى ذلك ~~أبو حنيفة رح وأصحابه رح وذهب الشافعي رح وأصحابه رح إلى أنه غير ناقض ~~وأجابوا عن أحاديث الوضوء من القيء بأن المراد بها غسل اليدين ولا يخفى أن ~~الحقيقة الشرعية مقدمة, وفي الحجة البالغة قال إبراهيم رح بالوضوء من الدم ~~السائل والقيء الكثير والحسن رح الوضوء من القهقهة في الصلاة ولم يقل: بذلك ~~آخرون وفي كل ذلك حديث لم يجمع أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه, والأصح في ~~هذه أن من احتاط فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن لا فلا سبيل عليه, وفي صراح ~~الشريعة والدم السائل والقيء الكثير ملوثان للبدن مبلدان للنفس والقهقهة في ~~الصلاة خطيئة تحتاج إلى كفارة فلا عجب أن يأمر الشارع بالوضوء من هذه ولا ~~عجب أن يأمر ويرغب فيه من غير عزيمة, وفي المسوى قال الشافعي رح: خروج ~~النجاسة من غير الفرجين لا يوجب الوضوء وقال أبو حنيفة رح: يوجبه بشرط ~~انتهى1. ونحوه والمراد بنحو القيء هو القلس والرعاف والخلاف في القلس ~~كالخلاف في القيء. قال الخليل: هو ما خرج من ms049 الحلق ملء الفم أو دونه وليس ~~بقيء, وفي النهاية: القلس ما خرج من الجوف, ثم ذكر مثل كلام الخليل. وأما ~~الرعاف فقد PageV01P046 # ذهب إلى أنه ناقض أبو حنيفة رح وأبو يوسف رح ومحمد رح وأحمد بن حنبل رح ~~واسحق رح وقيدوه بالسيلان, وذهب ابن عباس رضي الله عنه ومالك رح والشافعي ~~رح وروي عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه وأبي هريرة رضي الله عنه وجابر بن ~~زيد رضي الله عنه وابن المسيب رح ومكحول رح وربيعة رح إلى أنه غير ناقض ~~وأجابوا عن دليل الأولين بما فيه من المقال وبالمعارضة بمثل حديث أن النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم احتجم فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل ~~محاجمه. رواه الدارقطني رح وفي إسناده صالح بن مقاتل وهو ضعيف ويجاب عن ~~الأول بأنه ينتهض بمجموع طرقه وعن المعارضة بأنها غير صالحة للاحتجاج وبأن ~~دم الرعاف غير دم الحجامة فلا يبعد أن يكون لخروجه من الأعماق تأثير في ~~النقض في المسوى. قال الشافعي رح: الرعاف والحجامة لا ينقضان الوضوء. وقال ~~أبو حنيفة رح: ينقضان إذا كان الدم سائلا وقال مالك رح: الأمر عندنا أنه لا ~~يتوضأ من رعاف ولا دم ولا من قيح يسيل من الجسد ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج ~~من ذكر أو دبر أو نوم انتهى. أقول: قد اختلف أهل العلم في انتقاض الوضوء ~~بخروج الدم وجميع ما هو نص في النقض أو عدمه لم يبلغ إلى رتبة تصلح ~~للاحتجاج بها وقد تقرر أن كون الشيء ناقضا للوضوء لا يثبت إلا بدليل يصلح ~~للاحتجاج وإلا وجب البقاء على الأصل لأن التعبد بالأحكام الشرعية لا يجب ~~إلا بإيجاب الله أو رسوله وإلا فليس بشرع ومع هذا فقد كان الصحابة رض ~~يباشرون مع معارك القتال ومجاولة الأبطال في كثير من الأحوال ماهو من ~~الشهرة بمكان أوضح من الشمس فلو كان خروج الدم ناقضا لما ترك صلى الله عليه ~~بيان ذلك مع شدة الاحتياج إليه وكثرة الحامل عليه, ومثل الدم ms050 القيء في عدم ~~ورود دليل يدل على أنه ناقض وغاية ما هناك حديث إسماعيل بن عياش وفيه من ~~المقال ما لا يخفى. "ومس الذكر", وقد دل على ذلك حديث بسرة بنت صفوان رض: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ" رواه ~~أحمد رح وأهل السنن رح ومالك رح والشافعي رح وابن خزيمة رح وابن حبان رح ~~والحاكم رح وابن الجارود وصححه أحمد رح والترمذي رح والدارقطني رح ويحيى بن ~~معين رح والبيهقي رح والحازمي رح وابن حبان رح وابن خزيمة رح. قال # PageV01P047 # البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب, وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة ~~رض منهم جابر رض وأبو هريرة رضي الله عنه وأم حبيبة رضي الله عنها وعبد ~~الله ابن عمر رضي الله عنهما وزيد بن خالد رضي الله عنه وسعيد بن أبي وقاص ~~رض وعائشة رضي الله عنها وابن عباس رضي الله عنهما وابن عمرو رضي الله ~~عنهما والنعمان ابن بشير رضي الله عنه وأنس رضي الله عنه وأبي بن كعب ~~ومعاوية بن حيدة1 رضي الله عنه وقبيصة رضي الله عنه وأروى بنت أنيس2 رضي ~~الله عنها وحديث بسرة رضي الله عنها بمجرده أرجح من حديث طلق بن علي رضي ~~الله عنه عند أهل السنن رح مرفوعا بلفظ: الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ فقال ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إنما هو بضعة منك" فكيف إذا انضم إلى حديث ~~بسرة رضي الله عنها أحاديث كثيرة كما أشرنا إليه ومن مال إلى ترجيح حديث ~~طلق فلم يأت بطائل وقد تقرر في الأصول أن رواية الإثبات أولى من رواية ~~النفي وأن المقتضي للحظر أولى من المقتضي للإباحة, وقد ذهب إلى انتقاض ~~الوضوء بمس الذكر جماعة من الصحابة والتابعين رض والأئمة رح ومالوا إلى ~~العمل بحديث بسرة لتأخر إسلامها, وذهب إلى خلاف ذلك جماعة كذلك والحق ~~الانتقاض. وقد ورد ما يدل على أنه ينتقض الوضوء بمس الفرج وهو أعم من القبل ~~والدبر ms051 كما أخرجه ابن ماجه رح من حديث أم حبيبة رضي الله عنها قالت: سمعت ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "من مس فرجه فليتوضأ" وصححه ~~أحمد رح وأبو زرعة رح وقال ابن السكن رح: لا أعلم له علة, وأخرج الدارقطني ~~رح من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا: "إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ" ~~وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله العمري وفيه مقال. وأخرج أحمد رح ~~والترمذي رح والبيهقي رح من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست ~~فرجها فلتتوضأ" وفي إسناده بقية بن الوليد ولكنه صرح بالتحديث. قال في ~~المسوى قال الشافعي رح: يجب الوضوء على من مس الفرج وشرطه أن يمس ببطن الكف ~~أو بطون الأصابع, وقال PageV01P048 # أبو حنيفة رح مس الفرج لا ينقض واحتج بقول صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "هل هو إلا بضعة منك" انتهى. قالوا: إن مس الفرج لما كانت حاجة الناس ~~إليه عامة والبلوى به دائمة وجب أن ينقل شرعا ثابتا متواترا مستقرا. أقول: ~~قد وقع في الأصول أن الحكم الذي تعم به البلوى لا بد أن ينقل نقلا مستفيضا ~~والقائل بذلك بعض الحنفية وخالفهم الجمهور لعموم الأدلة الدالة على قبول ~~أخبار الآحاد وهذه القاعدة كثيرا ما ترى المشغوفين بمحبة ما ألفوه من مذاهب ~~الأسلاف يدفعون بها الحجج الشرعية التي يوردها خصومهم فإذا استدلوا لأنفسهم ~~على إثبات حكم قد دأبوا عليه ودرجوا وصار عندهم من المألوفات المعروفات ~~مالوا عن ذلك ولم يعرجوا عليه وهذا ستراه في غير موطن من كتب المتمذهبين ~~فإن كنت ممن لا تنفق عليه التدليسات ولا يغره سراب التلبيسات فلا تلعب بك ~~الرجال من حال إلى حال بزخارف ما تنمقه من الأقوال. # فكن رجلا رجله في الثرى ... ... وهامة همته في الثريا ... # ولا حرج على المجتهد إذا رجح غير ما رجحناه إنما الشأن في التكلم في ~~مواطن الخلاف بما يتبرأ ms052 منه الإنصاف اللهم بصرنا بالصواب واجعل بيننا وبين ~~العصبية من لطفك أمنع حجاب, وفي الحجة البالغة موجبات الوضوء في شريعتنا ~~على ثلاث درجات: إحداها ما اجتمع عليه جمهور الصحابة رضي الله تعالى عنهم ~~وتطابق فيه الرواية والعمل الشائع وهو البول والغائط والريح والمذي والنوم ~~الثقيل وما في معناها. الثانية ما اختلف فيه السلف من فقهاء الصحابة ~~والتابعين رضي الله عنهم وتعارض فيه الرواية عن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم كمس الذكر لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من مس ذكره ~~فليتوضأ". قال به عمر وسالم وعروة وغيرهم رضي الله عنهم, ورده علي وابن ~~مسعود رضي الله عنهما وفقهاء الكوفة ولهم قوله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "هل هو إلا بضعة منك" ولم يجيء الثلج بكون إحداهما منسوخا, ولمس ~~المرأة قال ابن عمر وابن مسعود وإبراهيم رضي الله عنهم لقوله تعالى: {أو ~~لامستم النساء} ولا يشهد له حديث بل يشهد حديث عائشة رضي الله عنها بخلافه ~~لكن فيه نظر لأن في إسناده # PageV01P049 # انقطاعا؛ وعندي أن مثل هذه العلة إنما تعتبر في مثل ترجيح أحد الحديثين ~~على الآخر ولا تعتبر في ترك حديث من غير تعارض والله تعالى أعلم. وبالجملة: ~~فجاء الفقهاء من بعدهم على ثلاث طبقات: آخذ به على ظاهره وتارك له رأسا: ~~وفارق بين الشهوة وغيرها ولا شبهة أن لمس المرأة مهيج للشهوة مظنة لقضاء ~~شهوة دون شهوة الجماع, وأن مس الذكر فعل شنيع ولذلك جاء النهي عن مس الذكر ~~بيمينه في الاستنجاء فإذا كان قبضا عليه كان من أفعال الشياطين لا محالة, ~~والثالثة ما وجد فيه شبهة من لفظ الحديث وقد أجمع الفقهاء من الصحابة ~~والتابعين رضي الله تعالى عنهم على تركه كالوضوء مما مست النار فإنه ظهر ~~عمل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والخلفاء وابن عباس وأبي طلحة ~~وغيرهم رضي الله تعالى عنهم بخلافه وبين جابر رضي الله عنه أنه منسوخ. قلت: ~~عامة أهل العلم على أن الوضوء مما مسته النار منسوخ ms053 وتأول بعضهم على غسل ~~اليد والفم. قال قتادة رضي الله عنه: من غسل فمه فقد توضأ كذا في المسوى. # PageV01P050 ### | باب الغسل # وأصله تعميم البدن بالغسل "يجب بخروج المني بشهوة ولو بتفكر" وقد دلت على ~~ذلك الأدلة الصحيحة كأحاديث: "الماء من الماء" وأحاديث: في المني الغسل, ~~وصدق اسم الجنابة على من كان كذلك وقد قال الله تعالى: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا} والاطهار استيعاب جميع البدن فالغسل كذا في المسوى ولا أعلم في ~~ذلك خلافا وإنما وقع الخلاف المشهور بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم وكذلك ~~بين من بعدهم هل يجب الغسل بالتقاء الختانين من دون خروج مني أم لا يجب إلا ~~بخروج المني؟ والحق الأول لحديث: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد ~~وجب عليه الغسل" أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما رحمهم الله من حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه, وأخرج نحوه مسلم وأحمد والترمذي رحمهم الله تعالى وصححه من ~~حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فهذان الحديثان وما ورد في معناهما ناسخان ~~لما كان في أول الإسلام من أن الغسل إنما يجب بخروج المني, ويدل على ذلك ~~حديث أبي # PageV01P050 # ابن كعب رضي الله تعالى عنه قال: إن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من ~~الماء رخصة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم رخص بها في أول ~~الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعدها. وأخرج مسلم رح تعالى من حديث عائشة رضي ~~الله تعالى عنها: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ~~الرجل يجامع أهله ثم يكسل وعائشة رضي الله تعالى عنها جالسة فقال رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل" وقال في ~~الحجة البالغة: اختلف أهل الرواية هل يحمل الإكسال أي الجماع من غير إنزال ~~على الجماع الكامل في معنى قضاء الشهوة أعني ما يكون معه الإنزال والذي صح ~~رواية وعليه جمهور الفقهاء هو أن من جهد فقد وجب عليهما الغسل وإن لم ينزل ~~واختلفوا في كيفية ms054 الجمع بين هذا الحديث وحديث: "إنما الماء من الماء" فقال ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنه: للاحتلام, وفيه ما فيه لأنه يأباه سبب ورود ~~الحديث كما أخرجه مسلم, وقال أبي رضي الله تعالى عنه: كانت رخصة في أول ~~الإسلام ثم نهي عنها, وقد روي عن عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبي ابن كعب ~~وأبي أيوب رضي الله تعالى عنهم فيمن جامع امرأته ولم يمن قالوا: يتوضأ كما ~~يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره, ورفع ذلك إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم, ولا يبعد عندي أن يحمل ذلك على المباشرة الفاحشة فإنه قد يطلق الجماع ~~عليها. قلت: على هذا أكثر أهل العلم أن غسل الجنابة يجب بأحد الأمرين: إما ~~بإدخال الحشفة في الفرج أو بخروج الماء الدافق من الرجل أو المرأة بالتقاء ~~الختانين وعلى هذا أكثر أهل العلم أن من جامع امرأته فغيب الحشفة وجب الغسل ~~عليهما وإن لم ينزل والختان موضع القطع من ذكر الغلام ونواة الجارية, ~~"وبانقطاع الحيض والنفاس" ولا خلاف في ذلك, وقد دل عليه نص القرآن ومتواتر ~~السنة وكذلك وقع الإجماع على وجوبه بانقطاع النفاس. وكذلك وقع الإجماع على ~~وجوبه "بالاحتلام" إلا ما يحكى عن النخعي رح تعالى ولكنه إنما يجب إذا وجد ~~المحتلم بللا. "مع وجود بلل" كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: سئل ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر ~~احتلاما فقال: "يغتسل" وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد # PageV01P051 # البلل فقال: "لا غسل عليه". أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ~~رحمهم الله ورجاله رجال الصحيح إلا عبد الله بن عمر العمري وفيه مقال خفيف, ~~وأخرج نحوه أحمد والنسائي رحمهما الله من حديث خولة بنت حكيم رضي الله ~~تعالى عنها, وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما رحمهم الله تعالى من حديث أم سلمة ~~رضي الله تعالى عنها أن أم سليم رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله إن ~~الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة ms055 الغسل إذا احتلمت؟ قال: "نعم إذا ~~رأت الماء" وهذه الأحاديث ترد على من اعتبر أن يحصل للمحتلم شهوة ويتيقن ~~ذلك والمراد من البلل المني فإن رأى بللا ولم يتيقن أنه مني لم يجب الغسل ~~عند أكثر أهل العلم. قال في الحجة: أراد الحكم على البلل دون الرؤيا لأن ~~الرؤيا تكون تارة حديث نفس ولا تأثير له وتارة تكون قضاء شهوة ولا تكون ~~بغير بلل فلا يصلح لإدارة الحكم إلا البلل, وأيضا فإن البلل شيء ظاهر يصلح ~~للانضباط. وأما الرؤيا فإنها كثيرا ما تنسى انتهى. "وبالموت" المراد وجوب ~~ذلك على الأحياء إذ لا وجوب بعد الموت من الواجبات المتعلقة بالبدن أي يجب ~~على الأحياء أن يغسلوا من مات وقد حكى المهدي في البحر والنووى رح الإجماع ~~على وجوب غسل الميت وناقش في ذلك بعض المتأخرين مناقشة واهية وسيأتي الكلام ~~على غسل الميت وصفته وتفاصيله إن شاء الله تعالى وفي الحجة وأما غسل الميت ~~فلأن الرشاش ينتشر في البدن وجلست عند محتضر فرأيت أن الملائكة الموكلة ~~بالقبض لها نكاية عجيبة في المحتضرين ففهمت أنه لا بد من تغيير الحالة ~~لتنبه النفس لمخالفها, "وبالإسلام" وجهه ما أخرجه أحمد والترمذي والنسائي ~~وأبو داود وابن حبان وابن خزيمة رحمهم الله عن قيس بن عاصم رض: أنه أسلم ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر, وصححه ابن السكن رح ~~وأخرج أحمد وعبد الرزاق والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان رحمهم الله من حديث ~~أبي هريرة رض: أن ثمامة رضي الله تعالى عنه أسلم فقال النبي صلى الله وسلم ~~عليه: " اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل" وأصله في الصحيحين ~~وليس فيهما الأمر بالاغتسال بل فيهما أنه اغتسل. قال في الحجة: قال لآخر: ~~ألق عنك شعر الكفر وسره أن يتمثل عنده الخروج من شيء أصرح ما يكون والله ~~تعالى أعلم انتهى. وقد ذهب إلى الوجوب أحمد بن حنبل وأتباعه رحمهم الله ~~وذهب # PageV01P052 # الشافعي رح إلى عدم الوجوب والحق الأول, ويؤيده ما وقع منه ms056 صلى الله عليه ~~وسلم من الأمر بالغسل عند الإسلام لواثلة بن الأسقع وقتادة الرهاوي رض كما ~~أخرجه الطبراني رح وأمره أيضا لعقيل بن أبي طالب رض كما أخرجه الحاكم رح في ~~تاريخ نيسابور وفي أسانيدها مقال. # فصل "والغسل الواجب هو أن يفيض الماء على جميع بدنه أو ينغمس فيه" أقول: ~~الغسل شرعا ولغة هو ما ذكر وقد وقع النزاع في دخول الدلك في مسمى الغسل ~~ولكنه لا يخفى أن مجرد بل الثوب أو البدن من دون دلك لا يسمى غسلا كما يفهم ~~ذلك من الاستعمالات العربية وكما يفيد ذلك ما تقدم في بول الصبي أنه صلى ~~الله عليه وسلم أتبعه الماء ولم يغسله وهو في صحيح مسلم رح وغيره, مع ~~المضمضة والاستنشاق فقد ثبتا في الغسل من فعله صلى الله عليه وسلم ووجه ~~الوجوب ما قدمناه في الوضوء وفيهما وفي السواك إزالة المخاط والبخر "والدلك ~~لما يمكن دلكه ولا يكون شرعيا إلا بالنية لرفع موجبه" لما قدمناه في ~~الوضوء, "وندب" لا أنه وجب لأنه يصدق الغسل ويوجد مسماه بالإفاضة على جميع ~~البدن من غير تقدم, "تقديم غسل أعضاء الوضوء إلا القدمين" لما قد ثبت في ~~الصحيحين وغيرهما أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ ~~فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم ~~يفيض على سائر جسده ثم يغسل رجليه, وهو من حديث عائشة رض وورد في الصحيحين ~~وغيرهما من حديث ميمونة رض بلفظ: أنه صلى الله عليه وسلم أفرغ على يديه ~~فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره ثم دلك يده ~~بالأرض ثم مضمض واستنشق ثم غسل وجهه ويديه ثم غسل رأسه ثلاثا ثم أفرغ على ~~جسده ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه, وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا ~~يتوضأ بعد غسل كما أخرجه أحمد وأهل السنن رح وقال الترمذي رح: حسن صحيح, ~~وأخرجه البيهقي رح أيضا بأسانيد جيدة وقد روى ابن أبي ms057 شيبة رح عن ابن عمر ~~رض مرفوعا وموقوفا أنه قال لما سئل عن الوضوء بعد الغسل: وأي وضوء أعم من ~~الغسل, وروي عن حذيفة رض أنه قال: "أما يكفي أحدكم أن يغتسل من قرنه إلى ~~قدمه حتى يتوضأ". # PageV01P053 # وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم حتى قال ~~أبو بكر ابن العربي: إنه لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل وأن ~~نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث وهكذا نقل الإجماع ابن بطال رح, ~~وتعقب بأنه قد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما رحمهم الله إلى أن ~~الغسل لا ينوب عن الوضوء, وأما كون تقديم أعضاء الوضوء غير واجب فلأنه يصدق ~~الغسل ويوجد مسماه بالإفاضة على جميع البدن من غير تقديم. "ثم التيامن" ~~لثبوته عنه صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا عموما وخصوصا فمن العموم ما ثبت ~~في الصحيح أنه صلى الله وسلم عليه كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره ~~وفي شأنه كله. ومن الخصوص ما ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه بدأ بشق رأيه ~~الأيمن ثم الأيسر في الغسل, وقد ثبت من قوله ما يفيد ذلك ولا خلاف في ~~استحباب التيامن. # فصل "ويشرع" أي الغسل "لصلاة الجمعة" لحديث: "إذا جاء أحد كم الجمعة ~~فليغتسل" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر رض وقد تلقت الأمة هذا ~~الحديث بالقبول ورواه عن نافع رح نحو ثلاثمائة نفس, ورواه من الصحابة غير ~~ابن عمر رض نحو أربعة وعشرين صحابيا, وقد ذهب إلى وجوبه جماعة. قال النووي ~~رح: حكي وجوبه عن طائفة من السلف رحمهم الله حكوه عن بعض الصحابة رض وبه ~~قال أهل الظاهر وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار رض ومالك وحكاه ~~الخطابي عن الحسن البصري وحكاه ابن حزم عن جمع من الصحابة رض ومن بعدهم, ~~وذهب الجمهور إلى أنه مستحب واستدلوا بحديث أبي هريرة رض عند مسلم بلفظ: ~~"من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بين ms058 الجمعة ~~إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام1" وبحديث سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله وسلم عليه قال: "من توضأ للجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فذلك أفضل" ~~أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي رحمهم الله وفيه مقال مشهور وهو ~~عدم سماع الحسن رح من سمرة رح وغير ذلك من PageV01P054 # الأحاديث قالوا: وهي صارفة للأمر إلى الندب ولكنه إذا كان ما ذكروه صالحا ~~لصرف الأمر فهو لا يصلح مثل قوله صلى الله وسلم عليه: "حق على كل مسلم أن ~~يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده" وهو في الصحيحين وغيرهما ~~من حديث أبي هريرة رض, وقد استوفى الماتن رح الكلام على حكم غسل الجمعة في ~~نيل الأوطار فليرجع إليه ولا يخفى أن تقييد الغسل بالمجيء للجمعة يدل على ~~أنه للصلاة لا لليوم. "وللعيدين" فقد روي من فعله صلى الله وسلم عليه من ~~حديث الفاكه بن سعد رض: أنه صلى الله وسلم عليه كان يغتسل يوم الجمعة ويوم ~~الفطر ويوم النحر. أخرجه أحمد وابن ماجه والبزار والبغوي رح. وأخرج نحوه ~~ابن ماجه رح من حديث ابن عباس رض وأخرجه البزار رح من حديث أبي رافع رض وفي ~~أسانيدها ضعف ولكنه يقوي بعضها بعضا ويقوي ذلك آثار عن الصحابة رض جيدة. ~~أقول: قد روي في ذلك أحاديث لم يصح منها شيء ولا بلغ شيء منها إلى رتبة ~~الحسن لذاته ولا لغيره وأما اعتبار كون المغتسل يصلي صلاة العيد بذلك الغسل ~~أي من دون أن يتخلل بين الغسل وبين الصلاة شيء من الأحداث فلا أحفظ فيه ~~حديثا صحيحا ولا ضعيفا ولا قول صحابي وهو أحسن الاقتصار على ما ثبت وإراحة ~~العباد مما لم يثبت. "ولمن غسل ميتا" وجهه ما أخرجه أحمد وأهل السنن رح من ~~حديث أبي هريرة رض مرفوعا: "من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ". وقد ~~روي من طرق وأعل بالوقف وبأن في إسناده صالحا مولى التوأمة رح ولكنه قد ~~حسنه الترمذي رح وصححه ابن القطان رح وابن حزم, ms059 وقد روي من غير طريق قال ~~الحافظ ابن حجر رح: هو لكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنا فإنكار النووي ~~رح على الترمذي رح تحسينه معترض وقال الذهبي رح: هو أقوى من عدة أحاديث ~~احتج بها الفقهاء رح وذكر الماوردي رح أن بعض أصحاب الحديث رح خرج لهذا ~~الحديث مائة وعشرين طريقا وقد روي نحوه عن علي رض عند أحمد وأبي داود ~~والنسائي وابن شيبة وأبي يعلى والبزار والبيهقي رح وعن حذيفة رض عند ~~البيهقي رح قال ابن أبي حاتم والدارقطني رح: لا يثبت. وعن عائشة رض من فعله ~~صلى الله وسلم عليه عند أحمد وأبي داود رح, وقد ذهب إلى الوجوب علي وأبو ~~هريرة رض والإمامية, وذهب الجمهور إلى أنه مستحب # PageV01P055 # فقط قالوا وهذا الأمر المذكور في الحديث السابق مصروف عن الوجوب بحديث: ~~"إن ميتكم يموت طاهرا فحسبكم أن تغسلوا أيديكم" أخرجه البيهقي وحسنه ابن ~~حجر رح ولحديث: كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل. أخرجه ~~الخطيب رح عن ابن عمر رض وصحح ابن حجر أيضا إسناده ولما وقع من الفتيا من ~~الصحابة رض لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر رض لما غسلته فقالت لهم: إن هذا ~~يوم شديد البرد وأنا صائمة فهل علي من غسل؟ قالوا: لا. رواه مالك رح في ~~الموطأ. "وللإحرام" لحديث زيد بن ثابت رض أنه رأى النبي صلى الله وسلم عليه ~~تجرد لإهلاله واغتسل. أخرجه الترمذي والدارقطني والبيهقي والطبراني وحسنه ~~الترمذي وضعفه العقيلي رحمهم الله, ولعل وجه التضعيف كون عبد الله بن يعقوب ~~المدني في إسناده قال ابن الملقن في شرح المنهاج: لعل الترمذي رح حسنه لأنه ~~عرف عبد الله بن يعقوب أي عرف حاله, وفي الباب عن عائشة رض عند أحمد رح وعن ~~أسماء رض عند مسلم رح وقد ذهب إلى استحباب غسل الإحرام الجمهور وقال الحسن ~~البصري رح ومالك رح: أنه محتمل. "ولدخول مكة المكرمة حرسها الله تعالى" لما ~~أخرجه مسلم عن ابن عمر رض: أنه كان لا يدخل ms060 مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ~~ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا ويذكر عن النبي صلى الله وسلم عليه أنه فعله, ~~وأخرج البخاري رح معناه. قال في الفتح: قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول ~~مكة مستحب عند جميع العلماء وليس في تركه عندهم فدية. وقال أكثرهم: يجزئ ~~عنه الوضوء. # PageV01P056 ### | باب التيمم # قال الله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه} وقد كثر الاختباط في تفسير هذه الآية والحق أن قيد عدم الوجود راجع ~~إلى قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء} فتكون ~~الأعذار ثلاثة السفر والمرض وعدم الوجود في الحضر وهذا ظاهر على قول من ~~قال: إن القيد إذا # PageV01P056 # وقع بعد جمل متصلة كان قيدا لآخرها, وأما من قال: أنه يكون قيدا للجميع ~~إلا أن يمنع مانع فكذلك أيضا لأنه قد وجد المانع ههنا من تقييد السفر ~~والمرض بعدم الوجود للماء وهو: أن كل واحد منهما عذر مستقل في غير هذا ~~الباب كالصوم, ويؤيد هذا أحاديث التيمم الواردة مطلقة ومقيدة بالحضر فإن ~~قلت: ما المعتبر في تسويغ التيمم للمقيم؟ هل هو عدم الوجود عند إرادة ~~الصلاة كما هو الظاهر من الآية أم عدم الوجود مع طلب مخصوص كما قيل إنه ~~يطلب في كل جهة من الجهات الأربع في ميل أو ينتطر إلى آخر الوقت حتى لا ~~يبقى إلا ما يسع الصلاة بعد التيمم؟ قلت: الحق أن المعتبر هو ما يصدق عليه ~~مفهوم عدم الوجود المقيد بالقيام إلى الصلاة فإذا دخل الوقت المضروب للصلاة ~~وأراد المصلي القيام إليها فلم يجد حينئذ ما يتوضأ به أو يغتسل في منزله ~~ومسجده وما يقرب منهما كان ذلك عذرا مسوغا للتيمم وليس المراد بعدم الوجود ~~في ذلك أن لا يجده بعد الكشف والبحث وإخفاء السؤال, بل المراد أن لا يكون ~~معه علم أو ظن بوجود شيء منه هنالك ولم يتمكن في تلك ms061 الحالة من تحصيله ~~بشراء أو نحوه فهذا يصدق عليه أنه لم يجد الماء عند أهل اللغة والواجب حمل ~~كلام الله على ذلك مع عدم وجود عرف شرعي وقد وقع منه صلى الله وسلم عليه ما ~~يشعر بما ذكرناه فإنه تيمم في المدنية من جدار كما ثبت ذلك في الصحيحين من ~~دون أن يسأل ويطلب ولم يصح عنه في الطلب شيء تقوم به الحجة فهذا كما يدل ~~على عدم وجوب الطلب يدل على عدم وجوب انتظار آخر الوقت, ويدل على ذلك حديث ~~الرجلين اللذين تيمما في سفر ثم وجدا الماء فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر ~~فقال صلى الله وسلم عليه للذي لم يعد: "أصبت السنة" أخرجه أبو داود والحاكم ~~وغيرهما من حديث أبي سعيد فإنه يرد قول من قال بوجوب الانتظار إلى آخر ~~الوقت على المتيمم سواء كان مسافرا أو مقيما إذا تقرر لك هذا استرحت عن ~~الاشتغال بكثير من التفاريع المحررة في كتب الفقه فإن هذه هي ثمرة الاجتهاد ~~فأي فرق بين من لا يفرق بين الغث والسمين من المجتهدين وبين من هو في عداد ~~المقلدين. قال في القاموس: والصعيد التراب أو وجه الأرض انتهى. والثاني: هو ~~الظاهر من لفظ الصعيد لأنه ما # PageV01P057 # صعد أي علا وارتفع على وجه الأرض وهذه الصفة لا تختص بالتراب ويؤيد ذلك ~~حديث: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" وهو متفق عليه من حديث جابر وغيره, وما ~~ثبت في رواية بلفظ: "وتربتها طهورا" كما أخرجه مسلم من حديث حذيفة فهو غير ~~مستلزم لاختصاص التراب بذلك عند عدم الماء لأن غاية ذلك أن لفظ التراب دل ~~بمفهومه أن غيره من أجزاء الأرض لا يشاركه في الطهورية وهذا مفهوم لقب لا ~~ينتهض لتخصيص عموم الكتاب والسنة ولهذا لم يعمل به من يعتد به من أئمة ~~الأصول فيكون ذكر التراب في تلك الرواية من باب التنصيص على بعض أفراد ~~العام وهكذا يكون الجواب عن ذكر التراب في غير هذا الحديث ووجه ذكره أنه ~~الذي يغلب استعماله في هذه الطهارة, ms062 ويؤيد هذا ما تقدم من تيممه صلى الله ~~وسلم عليه من جدار. وأما الاستدلال بوصف الصعيد بالطيب ودعوى أن الطيب لا ~~يكون إلا ترابا طاهرا منبتا لقوله تعالى: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ~~ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} فغير مفيد للمطلوب إلا بعد بيان اختصاص ~~الطيب بما ذكر, والضرورة تدفعه فإن التراب المختلط بالأزبال أجود إخراجا ~~للنبات قال الماتن في شرح المنتقى: ومن الأدلة الدالة على أن المراد خصوص ~~التراب ما ورد في القرآن والسنة من ذكر الصعيد فالأمر بالتيمم منه وهو ~~التراب لكنه قال في القاموس: والصعيد التراب أو وجه الأرض, وفي المصباح: ~~الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره. قال الزجاج لا أعلم اختلافا بين أهل ~~اللغة في ذلك. قال الأزهري: ومذهب أكثر العلماء أن الصعيد في قوله تعالى: ~~{صعيدا طيبا} هو التراب. وفي كتاب فقه اللغة للثعالبي: الصعيد تراب وجه ~~الأرض ولم يذكر غيره وفي المصباح أيضا ويقال الصعيد في كلام العرب يطلق على ~~وجوه على التراب الذي على وجه الأرض وعلى وجه الأرض وعلى الطريق, ويؤيد حمل ~~الصعيد على العموم تيممه صلى الله وسلم عليه من الحائط فلا يتم الاستدلال ~~وقد ذهب إلى تخصيص التيمم بالتراب الشافعي وأحمد وداود, وذهب مالك وأبو ~~حنيفة وعطاء والأوزاعي والثوري إلى أنه يجزئ بالأرض وما عليها قال: واستدل ~~القائل بتخصيص التراب بما عند مسلم من حديث حذيفة مرفوعا بلفظ: "وجعلت ~~تربتها لنا طهورا" وهذا خاص فينبغي أن يحمل عليه العام, وأجيب بأن تربة كل ~~مكان ما فيه من تراب أو # PageV01P058 # غيره فلا يتم الاستدلال, ورد بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب ~~أخرجه ابن خزيمة وغيره. وفي حديث علي: "جعل التراب لي طهورا" أخرجه أحمد ~~والبيهقي بإسناد حسن وأجيب أيضا عن ذلك الاستدلال بأن تعليق الحكم بالتربة ~~مفهوم لقب ومفهوم اللقب ضعيف عند أرباب الأصول ولم يقل به إلا الدقاق فلا ~~ينتهض لتخصيص المنطوق ورد بأن الحديث سيق لإظهار التشريف فلو كان جائزا ~~بغير التراب لما اقتصر عليه, ms063 وأنت خبير بأنه لم يقتصر على التراب إلا في ~~هذه الرواية نعم الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجدا دون ~~الآخر كما سيأتي في حديث مسلم يدل على الافتراق في الحكم وأحسن من هذا أن ~~قوله تعالى في آية المائدة: {منه} يدل على أن المراد التراب وذلك لأن كلمة ~~من للتبعيض كما قال في الكشاف أنه لا يفهم أحد من العرب من قول القائل مسحت ~~برأسه من الدهن والتراب إلا معنى التبعيض انتهى. فإن قلت سلمنا التبعيض فما ~~الدليل على أن ذلك البعض هو التراب؟ قلت: التنصيص عليه في الحديث المذكور ~~انتهى. "يستباح به ما يستباح بالوضوء والغسل لمن لا يجد الماء" لأن حكم ~~التيمم مع العذر المسوغ له حكم الوضوء لمن لم يكن جنبا وحكم الغسل لمن كان ~~جنبا يصلي به ما يصلي المتوضئ بوضوئه ويستبيح المغتسل بغسله فيصلي به ~~الصلوات المتعددة ولا ينتقض بفراغ من صلاة ولا بالاشتغال بغيره ولا بخروج ~~وقت على ما هو الحق والخلاف في ذلك معروف والأدلة الواردة لمشروعية التيمم ~~عند عدم الماء ثابتة كتابا وسنة. قال في الحجة: ولم أجد في حديث صحيح ~~تصريحا بأنه يجب أن يتيمم لكل فريضة أو لا يجوز التيمم للآبق ونحوه وإنما ~~ذلك من التخريجات وإنما لم يفرق بين بدل الغسل والوضوء ولم يشرع التمرغ لأن ~~من حق ما لا يعقل بادي الرأي أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار فإنه هو ~~الذي اطمأنت نفوسهم به في هذا الباب ولأن التمرغ فيه بعض الحرج فلا يصلح ~~رافعا للحرج بالكلية وفي معنى المرض البرد الضار لحديث عمرو بن العاص رض ~~والسفر ليس بقيد إنما هو صورة لعدم وجدان الماء تتبادر إلى الذهن وإنما لم ~~يؤمر بمسح الرجل بالتراب لأن الرجل محل الأوساخ وإنما يؤمر بما ليس حاصلا ~~ليحصل التنبيه به انتهى. "أو خشي الضرر من استعماله" # PageV01P059 # لما أخرجه داود وابن ماجه والدارقطني رحمهم الله من حديث جابر رض قال: ~~خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في ms064 رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل ~~تجدون له رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل ~~فمات, فلما قدمنا علي رسول الله صلى الله وسلم عليه أخبرناه بذلك فقال: ~~"قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان ~~يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده". وقد تفرد به ~~الزبير بن خريق رح وليس بالقوي وقد صححه ابن السكن رح وروي من طريق أخرى عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما, وقد ذهب إلى مشروعية التيمم بالعذر الجمهور, وذهب ~~أحمد بن حنبل رح وروي عن الشافعي رح في قول له: أنه لا يجوز التيمم لخشية ~~الضرر ولا أدري كيف صحة ذلك عنهما فإن هذا الحديث يؤيده قوله تعالى: {وإن ~~كنتم مرضى} الآية وكذلك حديث المسح على الجبائر المروي عن على رض وكذلك ~~حديث عمرو بن العاص لما بعثه رسول الله صلى الله وسلم عليه في غزوة ذات ~~السلاسل فاحتلم في ليلة باردة فتيمم وصلى بأصحابه فلما قدموا ذكروا ذلك ~~لرسول الله صلى الله وسلم عليه فقال: يا عمرو أصليت مع أصحابك وأنت جنب؟ ~~فقال: ذكرت قول الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} ~~فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله صلى الله وسلم عليه ولم يقل شيئا. رواه أحمد ~~والدارقطني وابن حبان والحاكم وأخرجه البخاري تعليقا قال في الحجة: وكان ~~عمر وابن مسعود رض لا يريان التيمم عن الجنابة وحملا الآية على اللمس وأنه ~~ينقض الوضوء لكن حديث عمران وعمار يشهد بخلاف ذلك, "وأعضاؤه الوجه ثم ~~الكفان يمسحها" أي الوجه والكفين لما ورد من الأحاديث الصحيحة قولا وفعلا ~~وقد أشار بالعطف بثم إلى الترتيب بين الوجه والكفين وأما الاقتصار على ~~الكفين فلكون الأحاديث الصحيحة مصرحة بذلك منها حديث عمار بن ياسر: أن ~~النبي صلى الله وسلم عليه أمره بالتيمم للوجه والكفين. أخرجه الترمذي وغيره ~~وصححه ومنها ما في الصحيحين من حديث عمار أيضا أن النبي ms065 صلى الله وسلم عليه ~~قال له: "إنما كان يكفيك هكذا وضرب النبي صلى الله وسلم عليه لكفيه الأرض ~~ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه" وفي لفظ للدارقطني: "إنما كان يكفيك أن ~~تضرب بكفيك في التراب ثم تنفخ فيهما ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين" ~~وقد ذهب إلى # PageV01P060 # أنه يقتصر من اليدين على الكفين عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد واسحق وابن ~~المنذر وعامة أصحاب الحديث هكذا في شرح مسلم, وذهب الجمهور إلى أن المسح في ~~التيمم إلى المرفقين وذهب الزهري إلى أنه يجب المسح إلى الإبطين وقال ~~الخطابي: إنه لم يختلف أحد من أهل العلم في أنه لا يلزم مسح ما وراء ~~المرفقين والحق ما ذهب إليه الأولون لأن الأدلة التي استدل بها الجمهور ~~منها ما لا ينتهض للاحتجاج به كحديث ابن عمر عند الدارقطني والحاكم ~~والبيهقي مرفوعا بلفظ: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى ~~المرفقين" وفي إسناده علي بن ظبيان قال الدارقطني وثقه يحيى بن القطان ~~وهشيم وغيرهما وقال الحافظ: هو ضعيف ضعفه ابن القطان وابن معين وغير واحد. ~~وأما ما ورد فيه لفظ اليدين كما وقع في بعض روايات من حديث عمار فالمطلق ~~يحمل على المقيد بالكفين واحتج الزهري بما ورد في رواية من حديث عمار أيضا ~~بلفظ: "إلى الآباط" وقد نسخ ذلك كما قال الشافعي. مرة بضربة واحدة لأن ذلك ~~هو الثابت في الأحاديث الصحيحة ولم يثبت ما يخالف ذلك من وجه صحيح وقد ذهب ~~إلى كون التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين الجمهور, وذهب جماعة من الأئمة ~~والفقهاء إلى أن الواجب ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين, وذهب ابن المسيب ~~وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاث ضربات ضربة للوجه وضربة للكفين وضربة ~~للذراعين # ناويا مسميا لما تقدم في الوضوء لأنه بدل عنه وأدلة النية شاملة لكل عمل. ~~"ونواقضه نواقض الوضوء" لما ذكرنا من البدلية ومن أثبت للتيم شيئا من ~~النواقض لم يثبت في الوضوء لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ولم نجد دليلا تقوم ~~به الحجة يصلح ms066 لذلك فالواجب الاقتصار على نواقض الوضوء, وأما وجود الماء في ~~الوقت بعد الفراغ من الصلاة بالتيمم فقد صرح النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم لمن لم يعد الصلاة من الرجلين اللذين سألاه بعد أن صلياها ~~بالتيمم ثم وجدا الماء أن الذي لم يعد أصاب السنة والحديث معروف. وأما قوله ~~للذي أعاد لك من الأجر مرتين فلكونه قد كرر العبادة معتقدا وجوب ذلك فكان ~~له الأجر الآخر لذلك وليس المراد ههنا إلا الإجزاء وسقوط الوجوب وقد أفاد ~~ذلك قوله صلى الله وسلم عليه: "أصبت السنة" مع ما في إصابة السنة من الخير ~~والبركة والتعريض بأن ما عدا ذلك مخالف # PageV01P061 # للسنة كما لا يخفى. وأما القول بأن من أسباب التيمم تعذر استعمال الماء ~~وخوف سبيله ونحو ذلك فلا يخفى أن هذه داخلة تحت ما ذكرناه من عدم الماء أو ~~خشية الضرر من استعماله فإن من تعذر عليه استعمال الماء هو عادم للماء إذ ~~ليس المراد الوجود الذي لا ينفع فمن كان يشاهد ماء في قعر بئر يتعذر عليه ~~الوصول إليه بوجه من الوجوه فهو عادم وهكذا خوف السبيل الذي يسلك إلى الماء ~~وهكذا من كان ينجسه, ولا محالة إذا استعمله وهكذا من كان يحتاجه للشرب فهو ~~عادم له بالنسبة إلى الوضوء. وأما ما قيل من أن فوات الصلاة باستعمال الماء ~~وإدراكها بالتيمم سبب من أسباب التيمم فليس على ذلك دليل بل الواجب استعمال ~~الماء وهو إن كان تراخيه عن تأدية الصلاة إلى ذلك الوقت لعذر مسوغ للتأخير ~~كالنوم والسهو ونحوهما فلم يوجب الله تعالى عليه إلا تأدية الصلاة في ذلك ~~الوقت بالطهور الذي أوجبه الله تعالى, وإن كان التراخي لا لعذر إلى وقت لو ~~استعمل الوضوء فيه لخرج الوقت فعليه الوضوء, وقد باء بإثم المعصية وأما ما ~~قيل من الطلب إلى مقادير محدودة فليس على ذلك حجة نيرة. # PageV01P062 ### | باب الحيض # لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة وكذلك الطهر لأن ما ورد في ~~تقدير أقل الحيض والطهر وأكثرهما ms067 فهو إما موقوف ولا تقوم به الحجة أو مرفوع ~~ولا يصح فلا تعويل على ذلك ولا رجوع إليه بل المعتبر لذات العادة المتقررة ~~هو العادة وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من الدم فذات العادة ~~المتقررة تعمل عليها فقد صح في غير حديث اعتبار الشارع للعادة كحديث: "إذا ~~أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" أخرجه ~~البخاري وغيره من حديث عائشة, وأخرج مسلم وغيره من حديثها نحو ذلك أخرج ~~أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أم سلمة أنها استفتت النبي صلى ~~الله وسلم عليه في امرأة تهراق الدم فقال: "لتنتطر قدر الليالي والأيام ~~التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر فتدع الصلاة" وهو حديث صالح للاحتجاج به ~~وكذلك حديث زينب بنت جحش # PageV01P062 # أن النبي صلى الله وسلم عليه قال في المستحاضة: "تجلس أيام أقرائها" ~~أخرجه النسائي والأحاديث في هذا لمعنى كثيرة. وغيرها ترجع إلى القرائن ~~المستفادة من الدم لحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها ~~النبي صلى الله وسلم عليه: "إن كان دم الحيض فإنه أسود يعرف فإذا كان ذلك ~~فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق" أخرجه أبو داود ~~والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم, وأخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي والحاكم ~~أيضا بزيادة: "فإنما هو داء عرض أو ركضة من الشيطان أو عرق انقطع1. "فدم ~~الحيض يتميز عن غيره فتكون حائضا إذا رأت دم الحيض" أخرج أبو داود والنسائي ~~من حديث فاطمة بنت حبيش أنه قال صلى الله وسلم عليه: "دم الحيض أسود يعرف" ~~2 صححه ابن حزم وأخرج النسائي من حديث عائشة مرفوعا نحوه وأخرج الطبراني ~~والدارقطني من حديث أبي أمامة مرفوعا بلفظ: "دم الحيض لا يكون إلا أسود3". ~~فدلت هذه الأحاديث على أنه لا يقال للصفرة والكدرة دم حيض ولا يعتد بها ~~سواء كانت بين دمي حيض أو بعد دم الحيض وليس التحيض بين دمي الحيض مع تخلل ~~الصفرة والكدرة لأجلهما بل لكون ما توسط بين دمي الحيض ms068 حيضا كما لو لم يخرج ~~دم أصلا بين دمي الحيض ولا يعارض هذا ما أخرجه في الموطأ وعلقه في البخاري: ~~أن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الصفرة والكدرة من دم الحيض ~~ليسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى PageV01P063 # ترين القصة البيضاء؛ فإن هذا مع كونه رأيا منها ليس بمخالف لما تقدم ~~لأنها لم تخبرهن بأن الصفرة والكدرة حيض إنما أمرتهن بالانتظار إلى حصول ~~دليل يدل على أنه قد انقضى الحيض وهو خروج القصة فمتى خرجت لم يخرج بعدها ~~دم حيض ولم تأمرهن بالانتظار ما دامت الصفرة والكدرة وهذا واضح لا يخفى. ~~ومستحاضة وهي التي يستمر خروج الدم منها إذا رأت غيره تعمل على العادة ~~المتقررة فتكون فيها حائضا تثبت لها فيه أحكام الحائض وفي غير أيام العادة ~~تكون طاهرا لها حكم الطاهر, وهي كالطاهرة كما أفادت ذلك الأحاديث الصحيحة ~~الواردة من غير وجه فإذا لم تكن لها عادة متقررة كالمبتدأة والملتبسة عليها ~~عادتها فإنها ترجع إلى التمييز فإن دم الحيض أسود يعرف كما قال صلى الله ~~عليه وآله وسلم فتكون إذا رأت دما كذلك حائضا وإذا رأت دما ليس كذلك طاهرا ~~وقد أطال الناس الكلام في هذا الباب في غير طائل وكثرت فيه التفريعات ~~والتدقيقات والأمر أيسر من ذلك, "وتغسل أثر الدم" لقوله صلى الله وسلم عليه ~~في حديث عائشة الثابت في الصحيح: "فاغسلي عنك الدم وصلي" وقد ورد ما يفيد ~~معنى ذلك من غير وجه. "وتتوضأ لكل صلاة" وذلك هو الذي ورد من وجه معتبر ~~وإذا جمعت بين الصلاتين فأخرت الأولى إلى آخر وقتها وقدمت الثانية في أول ~~وقتها كان لها أن تصليهما بوضوء واحد ولم يأت في شيء من الأحاديث الصحيحة ~~إيجاب الغسل لكل صلاة ولا لكل صلاتين ولا في كل يوم بل الذي صح إيجاب الغسل ~~صح إيجاب الغسل عند انقضاء وقت حيضها المعتاد أو عند انقضاء ما يقوم مقام ~~العادة من التمييز بالقرائن كما في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما بلفظ: ~~"فإذا أقبلت ms069 الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" وأما ما ~~في صحيح مسلم: أن أم حبيبة كانت تغتسل لكل صلاة فلا حجة في ذلك لأنها فعلته ~~من جهة نفسها ولم يأمرها النبي صلى الله وسلم عليه بذلك بل قال لها: "امكثي ~~قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي" فإن ظاهر هذه العبارة أنها بعد المكث ~~قدر ما كانت تحبسها الحيضة وذلك هو الغسل الكائن عند إدبار الحيضة وليس فيه ~~ما يدل على أنها تغتسل لكل صلاة وقد ورد الغسل لكل صلاة من طرق لا تقوم ~~بمثلها الحجة لا سيما مع معارضتها لما ثبت في الصحيح ومع ما في ذلك من ~~المشقة العظيمة على النساء # PageV01P064 # الناقصات العقول والأديان, والشريعة سمحة سهلة {وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج} واتقوا الله ما استطعتم. "والحائض لا تصلي ولا تصوم" لما ورد في ~~ذلك من الأدلة الصحيحة كحديث: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم"؟ وهو في ~~الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد وهو مجمع عليه وكان هذا شأن الحائض في ~~زمن النبوة وأيام الصحابة فمن بعدهم أنها تدع الصلاة والصوم أيام حيضتها ~~وتقضي الصوم لا الصلاة بعد طهرها ولم يخالف في ذلك غير الخوارج ولا ريب أن ~~القضاء إن كان بدليل الأصل كما ذهب إليه البعض فلا وجوب للأصل ههنا ولا ~~دليل عليه في حال الحيض وإن كان بدليل جديد غير دليل المقضي فلم يقم في ~~الصلاة وقام في الصيام فطاح القياس وذهب الإلزام, وأما كونها لا توطأ حتى ~~تغتسل بعد الطهر فذلك نص الكتاب العزيز قال الله تعالى: {ويسألونك عن ~~المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} والأحاديث في ذلك كثيرة منها ~~قوله صلى الله وسلم عليه: "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" وهو في الصحيح وهو ~~مجمع على تحريم ذلك ليس فيه خلاف وتحريم الصلاة والصوم على الحائض كما تقدم ~~وكذلك وطؤها هو إلى غاية هي الغسل بعد الطهر كما صرحت بذلك الأدلة. وأما ~~كونها "تقضي الصيام" فلحديث عائشة بلفظ: ms070 فنؤمر بقضاء الصيام ولا نؤمر بقضاء ~~الصلاة, وهو في الصحيحين وغيرهما وقد نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع ~~المسلمين على ذلك وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبون ~~على الحائض قضاء الصلاة ولا يقدح في إجماع الأمة مخالفة هؤلاء الذين هم ~~كلاب النار. # فصل "والنفاس أكثره أربعون يوما" لحديث أم سلمة قالت: كانت النفساء تجلس ~~على عهد رسول الله صلى الله وسلم عليه أربعين يوما. أخرجه أحمد وأبو داود ~~والترمذي والدارقطني والحاكم وللحديث طرق يقوي بعضها بعضا وإلى ذلك ذهب ~~الجمهور وقد قيل إن أكثره ستون يوما وقيل سبعون يوما وقيل خمسون وقيل نيف ~~وعشرون والحق الأول وهذا القدر هو أرجح ما قيل لأن ما عداه خال عن الدليل. # وأما كونه لا حد لأقله فلم يأت في ذلك دليل بل ما دام الدم باقيا # PageV01P065 # كانت المرأة نفساء فإن انقطع قبل الأربعين انقطع عنها حكم النفاس فإن ~~جاوز دمها الأربعين عاملت نفسها معاملة المستحاضة إذا جاوزت أيام العادة ~~المتقررة, وهو أي النفاس كالحيض في تحريم الوطأ وترك الصلاة والصيام ولا ~~خلاف في ذلك وكذلك لا تقضي النفساء الصلاة, وفي رواية لأبي داود من حديث أم ~~سلمة قالت: كانت المرأة من نساء النبي صلى الله وسلم عليه تقعد في النفاس ~~أربعين ليلة لا يأمرها النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقضاء صلاة ~~النفاس, وقد تقدم الإجماع على ذلك في الحائض وهو في النفاس إجماع كذلك ولعل ~~الخوارج يخالفون ههنا كما خالفوا هنالك ولا يعتد بهم. # PageV01P066 ### | كتاب الصلاة ### | مقدمة # ... # كتاب الصلاة # قال الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} ~~والأمر بمطلق الصلاة إنما يفيد الإتيان بها في زمان ومكان من دون تعيين لأن ~~مطلق الزمان والمكان من ضروريات الفعل, وأما الوقت الخاص الذي شرع الله فيه ~~الصلاة وكذلك كونها على هيئة مخصومة مع شروط محصورة فهذا لا دلالة للآية ~~عليه بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ولم يدل على ذلك إلا السنة الثابتة عنه ~~صلى الله ms071 وسلم عليه قولا وفعلا وليس في القرآن من ذلك إلا النادر القليل ~~كقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} فإنه في هذه الآية ذكر ~~الوضوء وهو شرط من شروط الصلاة وقيد الأمر به بالقيام إليها فكان ذلك مقيدا ~~لوجوب الفعل ولا بد للشرطية من دليل أخص من ذلك وقد ورد في السنة ما يفيد ~~الشرطية وكذلك ورد في القرآن ذكر بعض هيآت الصلاة كالسجود والركوع ولكن ~~بدون ذكر صفة ولا عدد ولا كون ذلك في الموضع الذي بينته السنة المطهرة, ~~"أول وقت الظهر" تعيين أول الأوقات وآخرها قد ثبت في الأحاديث الصحيحة من ~~تعليم جبرائيل عليه السلام له صلى الله وسلم عليه ومن تعليمه صلى الله وسلم ~~عليه لمن سأله وغير ذلك من أقواله وأفعاله. "الزوال" أي زوال الشمس ويبين ~~ذلك باخضرار الجدار إلى جهة الشرق يعرفه كل ذي عينين. "وآخره مصير ظل الشيء ~~مثله سوى فيء الزوال" فإن قلت: أخرج النسائي وأبو داود # PageV01P066 # من حديث ابن مسعود: كان قدر صلاة رسول الله صلى الله وسلم عليه في الصيف ~~ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام. قلت: ~~إنهم حملوه على الإبراد كما قاله ابن العربي المالكي في القبس وتبعه الحافظ ~~السيوطي وأنه حديث قد قدح فيه فإنه من رواية عبيدة بن حميد الطيبي الكوفي ~~عن أبي مالك سعد بن طارق عن كثير بن مدرك عن الأسود وفي عبيدة وشيخه سعد ~~خلاف ففي الميزان في ترجمة سعد وثقه أحمد وابن معين وقال العقيلي: لا يتابع ~~على حديثه في القبول وقد ضعف عبد الحق حديث تقدير صلاة رسول الله صلى الله ~~وسلم عليه بالأقدام في الشتاء والصيف والعجب من الحافظ ابن الحجر في ~~التلخيص لم يتكلم على لفظ الحديث ولا سنده وذكر كلام ابن العربي وأبطله ~~السيد محمد الأمير في اليواقيت نعم أيام الشتاء يحسن التأني بالظهر حتى ~~يحصل ظن أن الشمس لو كانت في كبد السماء أن قد زالت لأنه يدرك بالحس ~~والمشاهدة إذا كانت ms072 من جهة الجنوب لأن ظلها يزداد في جهة الشرق زيادة كثيرة ~~لكن لا إلى الحد الذي يقدر بالأقدام وغايته أن ينظر في أمارات تحصل الظن ~~بالزوال وأهل الأقدام ليس معهم إلا الظن لا غير وليس أحد مخاطبا بظن غيره ~~بل بظن نفسه فتأمل. وهو أول وقت العصر أي صيرورة ظله مثله قال ابن القيم: ~~وأنهم كانوا يصلونها مع النبي صلى الله وسلم عليه ثم يذهب أحدهم إلى ~~العوالي قدر أربعة أميال والشمس مرتفعة1, وقال أنس صلى بنا رسول الله صلى ~~الله وسلم عليه العصر فأتاه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله: إنا نريد ~~أن ننحر جزورا وإنا نحب أن تحضرها. قال: "نعم" فانطلق وانطلقنا معه فوجد ~~الجزور لم تنحر فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا منها قبل أن تغيب ~~الشمس2, ومحال أن يكون هذا بعد المثلين وفي صحيح مسلم عنه: "وقت صلاة الظهر ~~ما لم يحضر العصر" 3 , ولا معارض لهذه السنن في الصحة ولا في الصراحة ~~والبيان فردت بالمجمل من قوله صلى الله وسلم عليه: "ومثل أهل الكتاب قبلكم ~~كمثل رجل استأجر أجيرا فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط" ~~PageV01P067 # الخ ويا لله العجب أي دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير ~~الظل مثلين بنوع من أنواع الدلالة وإنما يدل على أن من صلاة العصر إلى غروب ~~الشمس أقصر من نصف النهار إلى وقت العصر وهذا لا ريب فيه انتهى. وآخره أي ~~آخر وقت العصر صيرورة ظله مثليه قال الشافعي: آخر الوقت المختار للعصر أن ~~يكون ظل كل شيء مثليه وقيل: إلى أن تصفر الشمس وآخر وقت الضرورة مغيب الشمس ~~كذا في المسوى وفي الحجة البالغة وكثير من الأحاديث يدل على أن آخر وقت ~~العصر أن تتغير الشمس وهو الذي أطبق عليه الفقهاء فلعل المثلين بيان لآخر ~~الوقت المختار والذي يستحب فيه أو نقول لعل الشرع نظر أولا إلى المقصود من ~~اشتقاق العصر أن يكون الفصل بين كل صلاتين ms073 نحوا من ربع النهار فجعل الأمد ~~الآخر بلوغ الظل إلى المثلين ثم ظهر من حوائجهم وأشغالهم ما يوجب الحكم ~~بزيادة الأمد وأيضا معرفة ذلك الحد تحتاج إلى ضرب من التأمل وحفظ الفيء ~~الأصلي ورصد وإنما ينبغي أن يخاطب الناس في مثل ذلك بما هو محسوس ظاهر فنفث ~~الله تعالى في روعه صلى الله وسلم عليه أن يجعل الأمد تغيير قرص الشمس أو ~~ضوئها والله تعالى أعلم. "مادامت الشمس بيضاء نقية" فإذا اصفرت خرج وقت ~~العصر لما ورد في ذلك من الأحاديث منها حديث ابن عمرو قال: قال رسول الله ~~صلى وسلم عليه: "وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر ووقت صلاة العصر ما لم ~~تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور1 الشفق ووقت صلاة العشاء إلى ~~نصف الليل ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس". أخرجه مسلم وأحمد والنسائي ~~وأبو داود ولا يخالف ما وقع في هذا الحديث في آخر وقت العصر والعشاء ما ورد ~~في بعض الأحاديث أن آخر وقت العصر مصير ظل الشيء مثليه وآخر وقت العشاء ~~ذهاب ثلث الليل. فإن هذا الحديث قد تضمن زيادة غير منافية للأصل لأن وقت ~~اصفرار الشمس هو متأخر عن المثلين إذ هي تبقى بيضاء نقية بعد المثلين وكذلك ~~نصف الليل هو متضمن لزيادة غير منافية لما وقع في رواية بلفظ ثلث الليل على ~~أن الرواية المتضمنة للزيادتين PageV01P068 # هي أصح من الأخرى1. وأول وقت المغرب غروب الشمس أي سقوط القرص وهو وقت ~~الاختيار الذي يجوز أن يصلى فيه من غير كراهية والعمدة فيه حديثان: حديث ~~جبرائيل عليه السلام فإنه صلى بالنبي صلى الله وسلم عليه يومين وحديث بريدة ~~ففيه أنه صلى الله وسلم عليه أجاب السائل عنها أي عن الأوقات بأن صلى يومين ~~والمفسر منهما قاض على المبهم وما اختلف يتبع فيه حديث بريدة لأنه مدني ~~متأخر والأول مكي متقدم وإنما يتبع الآخر كذا في الحجة. "وآخره ذهاب الشفق ~~الأحمر" جميع كتب اللغة مصرحة بهذا وجميع أشعار العرب ومن بعدهم ms074 زعم أن ~~الشفق في لسان أهل اللغة أو لسان أهل الشرع يطلق على البياض فعليه الدليل ~~ولا دليل ولو فرض وجود ما يدل على ذلك فلا ينكر ندوره كما لا ينكر أن ~~الشائع في لسان العرب وأهل الشرع وإطلاقه على الحمرة والحمل على الأعم ~~الأغلب هو الواجب ولا يحمل على النادر فليس ههنا ما يسوغ اختلاف المذاهب ~~قال ابن القيم رح تعالى: امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق كما في صحيح ~~مسلم من حديث عبد الله بن عمر وقد تقدم وفي صحيحه أيضا عن أبي موسى أن ~~سائلا سأل رسول الله صلى الله وسلم عليه عن المواقيت فذكر الحديث وفيه: ~~فأمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس فلما كان اليوم الثاني قال: ثم أخر ~~المغرب حتى كان عند سقوط الشفق ثم قال: الوقت ما بين هذين. وهذا متأخر عن ~~حديث جبرائيل عليه السلام لأنه كان بمكة وهذا قول وذلك فعل وهذا يدل على ~~الجواز وذلك على الاستحباب وهذا في الصحيح وهذا في السنن وهذا يوافق قوله ~~صلى الله وسلم عليه: "وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها" وإنما خص منه ~~الفجر بالإجماع فما عداها من الصلوات داخل في عمومه والفعل إنما يدل على ~~الاستحباب فلا يعارض العام ولا الخالص. "وهو" أي ذهاب PageV01P069 # الشفق غروبه "أول العشاء" للإجماع على دخوله بالشفق، والأحمر هو المتبادر ~~منه لأن وقت الاستحباب الذي يستحب أن يصلى فيه هو أوائل الأوقات إلا ~~العشاء. وآخره نصف الليل فالمستحب الأصلي تأخيرها وهو قوله صلى الله وسلم ~~عليه: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء" ولأنه أنفع في ~~تصفية الباطن من الأشغال المنسية لذكر الله تعالى وأقطع لمادة السمر بعد ~~العشاء لكن التأخير ربما يفضي إلى تقليل الجماعة وتنفير القوم وفيه قلب ~~الموضوع فلهذا كان النبي صلى الله وسلم عليه إذا كثر الناس عجل وإذا قلوا ~~أخر كذا في الحجة فهذه علامات وكان المعلم لها جبرائيل عليه السلام ثم محمد ~~رسول الله للأمة "وأول وقت الفجر ms075 إذا انشق الفجر" أي ظهور الضوء المنتشر ~~وبينه صلى الله وسلم عليه أشفى بيان فقال لهم: "أنه يطلع معترضا في الأفق" ~~وأنه: "ليس الذي يلوح بياضه كذنب السرحان" وهذا شيء تدركه الأبصار, وقال ~~تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} فجاء بلفظ ~~التفعل لإفادة أنه لا يكفي إلا التبين الواضح أي يتبين لكم شيئا فشيئا حتى ~~يتضح فإنه لا يتم تبينه وظهوره إلا بعد كمال ظهوره فإنه يطلع أولا تباشير ~~الوضوء ثم ذنب السرحان وهو الفجر الكذاب ثم يتضح نور الصباح الذي أبداه ~~بقدرته فالق الإصباح ولذلك قال الشاعر: # وأزرق الصبح يبدو قبل أبيضه ... ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب ... # قال ابن القيم: إن النبي صلى الله وسلم عليه كان يقرأ بالستين آية إلى ~~المائة ثم ينصرف منها والنساء لا يعرفن من الغلس وأن صلاته كانت في التغليس ~~حتى توفاه الله تعالى وأنه إنما أسفر بها مرة واحدة وكان بين سحوره وصلاته ~~قدر خمسين آية فرد ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم ~~للأجر" وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار بها دواما لا ابتداء فيدخل ~~فيها مغلسا ويخرج منها مسفرا كما كان يفعله رسول الله صلى الله وسلم عليه ~~فقوله موافق لفعله لا مناقض له وكيف يظن به المواظبة على فعل ما الأجر ~~الأعظم في خلافه انتهى. "وآخره طلوع الشمس" ومما ينبغي أن يعلم أن الله عز ~~وجل لم يكلف عباده في تعريف أوقات الصلوات بما يشق عليهم ويتعسر فالدين يسر ~~والشريعة سمحة سهلة بل جعل صلى الله تعالى عليه وسلم للأوقات علامات # PageV01P070 # حسية يعرفها كل أحد فقال في الفجر: طلوع النور الذي هو من أوائل أجزاء ~~النهار يعرفه كل أحد وقال في الظهر: "إذا دحضت الشمس إذا زالت الشمس" وقال ~~في العصر: "والشمس بيضاء نقية" وقال في المغرب: "إذا أقبل الليل من ههنا ~~وأدبر النهار من ههنا" وقال في العشاء من قدر وقت صلاته بأنه كان يصليها ~~وقت غروب الهلال ليلة ثالث ms076 الشهر وورد1التقدير بالشفق وورد التقدير بثلث ~~الليل وبنصفه فهذه العلامات لا تلتبس إلا على أكمه والنظر في النجوم وإن ~~كنت لا أظن ثبوت ذلك هو النظر الذي يكون في الشمس والقمر والأظلة المقترنة ~~بالنجوم والمراد أنه يستدل على دخول وقت كذا بكون النجم في مكان كذا كما ~~يكون مثل ذلك في الشمس والقمر لا أنه النظر المفضي إلى الاشتغال بعلم ~~النجوم المؤدي إلى الوقوع في مضايق عن الشريعة بمعزل فإن هذا علم نهى عنه ~~الشارع وحذر عن إتيان صاحبه حتى جعل ذلك كفرا فكيف يجعل طريقا إلى أمر من ~~أمور الشريعة ومهم من مهماتها فمن ظن أن شيئا من علم الشريعة محتاج إلى علم ~~النجوم المصطلح عليه فهو إما جاهل لا يدري بالشريعة أو مغالط قد مالت نفسه ~~إلى ما نهى عنه الشارع وأراد أن يدفع عن نفسه القائلة فاعتل بأنه لم يتعلق ~~بمعرفة ذلك لكونه قد تعلقت به معرفة أوقات الصلوات وكثيرا من نسمعه من ~~المشتغلين بذلك يدلي بهذه الحجة الباطلة فيصدقه من لم يثبت قدمه في علم ~~الشريعة المطهرة ومن أعظم المروجات لهذه البلية ما وقع من جماعة من ~~المشتغلين بعلم الفقه من تعداد النجوم وتقدير المنازل والاستكثار من ذلك ~~بما لا طائل تحته إلا تأنيس المنجمين فإنا لله وإنا إليه راجعون. وحاصل ~~الكلام: أن هذه تكاليف موجهة كلف الله تعالى بها عباده وعين أوقاتها تعيينا ~~يعرفه العالم والجاهل والقروي والبدوي والحر والعبد والذكر والأنثى على حد ~~سواء اشترك فيه كل هؤلاء لا يحتاج معه إلى شيء آخر. PageV01P071 # أمع الصبح للنجوم تجل ... ... أم مع الشمس للظلام بقاء ### | .... # قال صاحب سبل السلام: التوقيت في الأيام والشهور والسنوات بالحساب ~~للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة فلا يمكن عالم من علماء الدنيا أن يدعي ~~أن ذلك كان في عصره صلى الله تعالى عليه وسلم أو عصر خلفائه الراشدين وإنما ~~هو بدعة لعلها ظهرت في عصر المأمون حين أخرج كتب الفلاسفة وعربها ومنها ~~المنطق والنجوم فإنه علم أولئك الذين قال الله تعالى فيهم: ms077 {فلما جاءتهم ~~رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} فأقل أحوال المقرين على حساب ~~المنازل القمرية أنهم مبتدعون وكل بدعة ضلالة ولقد عظمت هذه البدعة في ~~الحرمين الشريفين فإنهم في مكة المكرمة لا يعتمدون إلا على ذلك ولهم فيه ~~أنواع مؤلفات مثل الربع المجيب ونحوه يدرسونه ويقرءونه ويعتمدونه وهو من ~~العلم الذي قال فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "علم لا ينفع ~~وجهل لا يضر" وهو من علم أهل الكتاب فإن أعيادهم ونحوها تدور على حساب سير ~~الشمس, ولعله دخل على المسلمين من علم اليونان وأهل الكتاب ومات رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعد أن أنزل الله تعالى عليه: {اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا} وكان أهل بيته ~~وأصحابه رض على ذلك لا يعرفون منازل الزيادة والنقصان ولا ما يجعله ~~المتأخرون هو الميزان ولا شيئا من هذه الأمور التي صار ذلك التكليف الموقت ~~عليها يدور انتهى1. # "ومن نام عن صلاته أو سها عنها فوقتها حين يذكرها". أي وقت القضاء إذا ~~ذكر وقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة كحديث أنس عند البخاري ومسلم ~~وغيرهما, وحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره وقد ورد هذا PageV01P072 # المعنى من غير وجه وهو قوله صلى الله وسلم عليه: "من نسي صلاة أو نام ~~عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: {وأقم ~~الصلاة لذكري} ". قلت: وعلى هذا أهل العلم وقاسوا المفوت قصدا على النائم ~~كذا في المسوى. ومن كان معذورا لأن الأوقات للصلوات قد عينها الشارع وحدد ~~أوائلها وأواخرها بعلامات حسية وجعل ما بين الوقتين لكل صلاة هو الوقت لتلك ~~الصلاة وجعل الصلاة المفعولة في غير هذه الأوقات المعينة صلاة المنافق ~~وصلاة الأمراء الذين يميتون الصلاة كقوله في حديث أنس الثابت في الصحيح قال ~~سمعت رسول الله صلى الله وسلم عليه يقول: "تلك صلاة المنافق يجلس يرقب ~~الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله إلا ms078 ~~قليلا" وكقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأبي ذر: "كيف أنت إذا كان ~~عليك أمراء يميتون الصلاة أو يؤخرون الصلاة عن وقتها"؟ قلت: فما تأمرني؟ ~~قال: "صل الصلاة لوقتها" الحديث ونحو ذلك, وهكذا أحاديث النهي عن الصلاة ~~بعد العصر وبعد الفجر فكان ما ذكرناه دليلا على أن إدراك الركعة في الوقت ~~الخارج عن الأوقات المضروبة كوقت طلوع الشمس وغروبها وطلوع الفجر هو خاص ~~بالمعذور كمن مرض مرضا شديدا لا يستطع معه تأدية الصلاة ثم شفي وأمكنه ~~إدراك ركعة وكالحائض إذا طهرت وأمكنها إدراك ركعة ونحو ذلك. "وأدرك من ~~الصلاة ركعة فقد أدركها" أي الصلاة لما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة ~~كحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله وسلم عليه قال: "من أدرك من الصبح ~~ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب ~~الشمس فقد أدرك العصر". وهو في الصحيحين وغيرهما ونحو ذلك حديث عائشة عند ~~مسلم وغيره وقد ثبت من حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "من أدرك ~~ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" 1 وهذا يشمل جميع الصلوات لا يخص شيئا ~~منها قلت: هذا الحديث يحتمل PageV01P073 # وجوها: أحدها من أدرك ركعة من الصلاة في الوقت فالجميع أداء وإلا فقضاء ~~وهو الأصح عند الشافعية وقال أبو حنيفة بذلك في العصر خاصة وثانيها من أدرك ~~من المعذورين من الوقت ما يسع ركعة من الصلاة فقد وجبت عليه تلك الصلاة وهو ~~مذهب أبي حنيفة وقول للشافعي وثالثها أن الجماعة تدرك بركعة وهو وجه ~~للشافعية وقال أبو حنيفة: لو أدرك التشهد كان مدركا للجماعة كذا في المسوى ~~فمن صلى ركعة في الوقت والباقي خارج الوقت لا يكون عند الشافعي كمن صلى ~~الكل خارج الوقت: وقال أبو حنيفة مثله إلا في صلاة العصر خاصة وقد رد ابن ~~القيم على من قال بكونها خلاف الأصول ورده بالمتشابه من نهيه صلى الله وسلم ~~عليه عن الصلاة وقت طلوع الشمس أتم رد في إعلام الموقعين ms079 فليرجع إليه. ~~"والتوقيت واجب" لما ورد في ذلك من الأوامر الصحيحة بتأدية الصلاة لوقتها ~~والنهي عن فعلها في غير وقتها المضروب لها. "والجمع لعذر جائز" أي بين ~~الصلاتين إن كان صوريا وهو فعل الأولى في آخر وقتها والأخرى في أول وقتها ~~فليس بجمع في الحقيقة لأن كل صلاة مفعولة في وقتها المضروب لها وإنما هو ~~جمع الصورة ومنه جمعه صلى الله وسلم عليه في المدينة المنورة من غير مطر ~~ولا سفر كما في الصحيح من حديث ابن عباس وغيره فإنه قد وقع التصريح في بعض ~~الروايات بما يفيد ذلك بل فسره من رواه بما يفيد أنه الجمع الصوري وقد أوضح ~~الماتن ذلك في رسالة مستقلة فالمراد بالجمع الجائز للعذر هو جمع المسافر ~~والمريض وفي المطر كما وردت بذلك الأدلة الصحيحة وقد اختلف في جواز الجمع ~~بين الصلاتين لغير هذه الأعذار أو مع عدم العذر والحق عدم جواز ذلك كما ~~حققه المجتهد الرباني شيخنا العلامة محمد بن علي الشوكاني في الفتح الرباني ~~وغيره من مؤلفاته المباركة عليها ولها وفيها. "والمتيمم وناقص الصلاة" كمن ~~به مرض يمنعه عن استيفاء بعض أركانها "أو الطهارة" كمن في بعض أعضاء وضوئه ~~ما يمنعه من غسله بالماء, "يصلون كغيرهم من غير تأخير" وجهه أنهم داخلون في ~~الخطاب المشتمل على تعيين الأوقات وبيان أولها وآخرها ولم يأت ما يدل على ~~أنهم خارجون عنها وأن صلاتهم لا تجزيء إلا في آخر الوقت ولم يعول من أوجب ~~التأخير على شيء تقوم به الحجة بل ليس بيده إلا مجرد الرأي البحت كقولهم إن ~~صلاتهم بدلية ونحو ذلك وهذا لا يغني # PageV01P074 # من الحق شيئا. أقول: لم يأت ما يدل على وجوب التأخير على من كان ناقص ~~صلاة أو طهارة من كتاب ولا سنة بل التيمم مشروع عند عدم الماء إذا حضر وقت ~~الصلاة وكذلك من كانت به علة لا يتمكن معها من استيفاء الطهارة أو الصلاة ~~جاز له أن يصلي إذا حضر وقت الصلاة كيف أمكن وذلك هو المطلوب منه والواجب ms080 ~~عليه ولو كان التأخير واجبا على من كان كذلك لبينه الشارع لأنه من الأحكام ~~التي تعم بها البلوى ولا فرق بين من كان راجيا لزوال العلة في آخر الوقت ~~ومن كان آيسا من زوالها في الوقت, ومن زعم أنه يجب تأخير صلاة من الصلوات ~~على فرد من أفراد العباد لم يقبل منه ذلك إلا بدليل. وأما ما يقال من أن ~~الصلاة الناقصة أو الطهارة الناقصة بدل عن الصلاة الكاملة أو الطهارة ~~الكاملة فكلام لا يتفق في مواطن الخلاف ولا تقوم بمثله الحجة على أحد على ~~أن البدلية غير مسلمة وعلى فرض تسليمها فلا نسلم أن البدل لا يجزئ إلا عند ~~تعذر المبدل إلى آخر الوقت فإنهم يجعلون الظهر أصلا والجمعة بدلا والجمعة ~~مجزئة في أول وقت الظهر بل لا يجزيء في ذلك الوقت غيرها لمن لم يكن معذورا ~~ثم لو سلمنا أن البدل لا يجزيء إلا عند تعذر المبدل فوقت التعذر هو وقت ~~الصلاة مثلا فإذا دخل أول جزء من أجزاء الوقت والمبدل متعذر كان البدل في ~~ذلك الوقت مجزئا ومن زعم غير هذا جاءنا بحجة. وأما كون "أوقات الكراهة بعد ~~الفجر حتى ترتفع الشمس وعند الزوال وبعد العصر حتى تغرب" فلما ثبت في ~~الصحيح عن جماعة من الصحابة مرفوعا من النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع ~~الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس وعند الزوال وورد في روايات أخر النهي عن ~~الصلاة في الثلاثة الأوقات: وقت الطلوع ووقت الزوال ووقت الغروب قال في ~~الحجة: الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر منها فليفعل غير أنه نهي عن ~~خمسة أوقات: ثلاثة منها أوكد نهيا من الباقيين وهي الساعات الثلاث إذا طلعت ~~الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تتضيف للغروب ~~حتى تغرب لأنها أوقات صلاة المجوس, وأما الآخران فقوله صلى الله وسلم عليه: ~~"لا صلاة بعد الصبح حتى تبزغ الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب" ولذلك صلى ~~فيهما النبي صلى الله وسلم عليه تارة وروي استثناء ms081 نصف النهار يوم الجمعة ~~واستنبط جوازها في الأوقات الثلاث في المسجد الحرام من حديث: "يا بني عبد # PageV01P075 # مناف من ولي منكم من أمر الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصلى ~~أية ساعة شاء من ليل أو نهار1" وعلى هذا فالسر في ذلك أنهما وقت ظهور شعائر ~~الدين ومكانه فعارضا المانع من الصلاة انتهى. # وأقول: الأحاديث في النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر قد ~~صحت بلا ريب وهي عمومات قابلة للتخصيص بما هو أخص منها مطلقا لا بما هو أعم ~~منها من وجه وأخص منها من وجه كأحاديث الأمر بصلاة تحية المسجد فإنه من باب ~~تعارض العمومين والواجب المصير إلى الترجيح فإن أمكن ترجيح أحدهما على ~~الآخر وجب العمل به وإن لم يمكن وجب المصير إلى الترجيح بأمور خارجة فإن ~~تعذر من جميع الوجوه فالتخيير أو الاطراح في مادة إذا تقرر هذا فما عورضت ~~به أحاديث النهي عن الصلاة في الوقتين المذكورين لا يصلح للمعارضة. أما ~~حديث الرجلين اللذين أمرهما صلى الله وسلم عليه بالإعادة فقد اختلفت ~~الرواية ففي بعض الروايات أنه قال: هذه فريضة وتلك نافلة وفي بعضها عكس ذلك ~~وعلى الرواية الأولى لا معارضة وعلى الثانية غاية ما هناك أن ذلك يكون ~~مخصصا لأحاديث النهي بمثل حال الرجلين وهو من دخل مسجد جماعة يصلون فيه ~~فريضة في أحد الوقتين فإنه يتنفل معهم وحديث: أنه صلى الله وسلم عليه كان ~~يصلي ركعتين بعد العصر قد تبين في روايات الحديث الثابتة في الأمهات أنه ~~وفد عليه وفد عبد القيس فشغلوه عن ركعتي الظهر فصلاهما بعد العصر وكان هديه ~~صلى الله وسلم عليه أنه إذا فعل شيئا داوم عليه حتى سألته بعض نسائه وقالت: ~~"هل نقضيهما إذا فاتتانا؟ فقال: "لا" وقد ذكر من روى ذلك وما عليه شيخنا ~~العلامة الشوكاني في شرح المنتقى. وأما حديث: "لا تمنعوا طائفا" فهو مع ~~كونه غير صلاة وإن كان مشبها بها فليس المشبه كالمشبه به هو أيضا عام مخصص ~~بأحاديث النهي ms082 أو خاص بنوع من أنواع الصلاة وهو الطواف فليعلم. PageV01P076 ### | باب الأذان # أقول هذه العبادة من أعظم شعائر الإسلام وأشهر معالم الدين فإنها وقعت ~~المواظبة عليها منذ شرعها الله سبحانه وتعالى إلى أن مات رسول الله صلى ~~الله وسلم عليه في ليل ونهار وحضر وسفر ولم يسمع بأنه وقع الإخلال بها أو ~~الترخيص في تركها. "يشرع" وقد اختلف في وجوبه والظاهر الوجوب لأمره صلى ~~الله وسلم عليه بذلك في غير حديث والحاصل: أنه ما ينبغي في مثل هذه العبادة ~~العظيمة أن يتردد متردد في وجوبها فإنها أشهر من نار على علم وأدلتها هي ~~الشمس المنيرة لأهل كل بلد أن يتخذوا مؤذنا وأما كون المؤذن مكلفا ذاكرا ~~فهذا هو الظاهر لأن الأذان عبادة شرعية لا تجزيء إلا من مكلف بها ولم يسمع ~~في أيام النبوة ولا في الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم أنه وقع ~~التأذين المشروع الذي هو إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة من امرأة قط, ~~وأما أذان المرأة لنفسها أو لمن يحضر عندها من النساء مع عدم رفع الصوت ~~رفعا بالغا فلا مانع من ذلك بل الظاهر أن النساء ممن يدخل في الخطاب ~~بالأذان ولم يأت ما تقوم به الحجة لا في كون المؤذن طاهرا من الحدث الأكبر ~~ولا من الحدث الأصغر لأن ما هو مرفوع في ذلك لم يصح وما هو موقوف على صحابي ~~أو تابعي لا تقوم به الحجة وإن كان التطهر للمؤذن من الحدثين هو الأولى ~~والأحسن فقد كره النبي صلى الله وسلم عليه أن يرد السلام وهو محدث حدثا ~~أصغر حتى توضأ كما في رواية وتيمم كما في أخرى والأذان أولى بذلك من مجرد ~~السلام قال الماتن في حاشية الشفاء وظاهر الأحاديث أنه لا يصح أذان غير ~~المتوضيء وقد ورد حديث يدل على اشتراط كون المؤذن متوضئا أخرجه الترمذي ~~بلفظ: "لا يؤذن إلا متوضئ" وقد أعل بالانقطاع والإرسال ويشهد له حديث: "إني ~~كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة ms083 وابن حبان. ~~"ينادى بألفاظ الأذان المشروعة" لإعلامهم بمواقيت الصلاة وللتمسك بشعائر ~~الإسلام فقد كان الغزاة في أيام النبوة وما بعدها إذا جهلوا حال أهل قرية ~~تركوا حربهم حتى يحضر وقت الصلاة فإن سمعوا أذانا كفوا عنهم وإن لم يسمعوا ~~قاتلوهم مقاتلة المشركين, وأما غير أهل البلد كالمسافر # PageV01P077 # والمقيم بفلاة من الأرض فيؤذن لنفسه ويقيم فإن كانوا جماعة أذن لهم أحدهم ~~وأقام وألفاظ الأذان قد ثبتت في أحاديث كثيرة وفي بعضها اختلاف بزيادة ونقص ~~وقد تقرر أن العمل على الزيادة التي لا تنافي المزيد فما ثبت من وجه صحيح ~~مما فيه زيادة تعين قبوله كتربيع الأذان وترجيع الشهادتين ولا تطرح الزيادة ~~إذا كانت أدلة الأصل أقوى منها لأنه لا تعارض حتى يصار إلى الترجيح كما وقع ~~لكثير من أهل العلم في هذا الباب وغيره من الأبواب بل الجمع ممكن بضم ~~الزيادة إلى الأصل وهو مقدم على الترجيح وقد وقع الإجماع على قبول الزيادة ~~التي لم تكن منافية كما تقرر في الأصول وأدلة إفراد الإقامة أقوى من أدلة ~~تشفيعها ولكن التشفيع مشتمل على زيادة خارجة من مخرج صالح للاعتبار فكان ~~العمل على أدلة التشفيع متعينا. "عند دخول وقت الصلاة" إلا الأذان للفجر ~~قبل دخول وقتها لما في الصحيحين من حديث سالم بن عبد الله عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ~~تسمعوا أذان ابن أم مكتوم" وفي صحيح مسلم عن سمرة عن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى ينفجر الفجر" وهو ~~في الصحيحين من حديث ابن مسعود ولفظه: "لا يمنع أحدكم أذان بلال من سحوره ~~فإنه يؤذن أو ينادي ليرجع قائمكم وينبه نائمكم". قال مالك: لم يزل الصبح ~~ينادى لها قبل الفجر فردت هذه السنة لمخالفتها الأصول والقياس على سائر ~~الصلوات وبحديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أن بلالا أذن قبل ~~طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله تعالى عليه ms084 وآله وسلم أن يرجع فينادي ألا ~~إن العبد نام ألا إن العبد نام فرجع فنادى ألا إن العبد نام. ولا ترد السنة ~~الصحيحة بمثل ذلك فإنها أصل بنفسها وقياس وقت الفجر على غيره من الأوقات لو ~~لم يكن فيه إلا مصادمة للسنة لكفى في رده فكيف والفرق قد أشار إليه صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم وهو ما في النداء قبل الوقت من المصلحة والحكمة ~~التي لا تكون في غير الفجر وإذا اختص وقتها بأمر لا يكون في سائر الصلوات ~~امتنع الإلحاق. وأما حديث حماد عن أيوب فحديث معلول عند أئمة الحديث لا ~~تقوم به حجة كذا في إعلام الموقعين # PageV01P078 # وقد أطال ابن القيم في تعليل هذا الحديث والجواب عنه وعن غيره فليرجع ~~إليه. ويشرع للسامع أن يتابع المؤذن لما قد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد ~~أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ~~ما يقول المؤذن". وفي الباب عن جماعة من الصحابة بنحو هذا وورد مفصلا مبينا ~~من حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ~~"إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم ~~قال: أشهد أن إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال: أشهد أن ~~محمدا رسول الله قال: أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال: حي على الصلاة قال: ~~لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلى ~~بالله ثم قال: الله أكبر الله أكبر قال: الله أكبر الله أكبر ثم قال: لا ~~إله إلا الله قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة". أخرجه مسلم وغيره ~~وأخرج نحوه البخاري وقد اختار بعض العلماء الجمع عند الحيعلتين بين ~~المتابعة للمؤذن والحوقلة وهو جمع حسن وإن لم يكن متعينا. ثم تشرع الإقامة ~~على الصفة الواردة أقول: قد ثبت تشفيع الأذان وايتاء الإقامة في الصحيحين ms085 ~~وغيرهما وروي من وجه صحيح تشفيع جميع ألفاظ الإقامة وورد في الإقامة من وجه ~~صحيح ما يدل على إيتارها إلا التكبير في أولها وآخرها وقد قامت الصلاة فإن ~~ذلك يكون مثنى مثنى وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الكل سنة وأيها ~~فعلها المؤذن والمقيم فقد فعل ما هو حق وسنة قال الماتن في شرح المنتقى بعد ~~ما ذكر اختلاف الناس في ذلك وأطال في بيانه: إذا عرفت هذا تبين لك أن ~~أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها وأحاديث إفراد الإقامة وإن كانت ~~أصح منها لكثرة طرقها وكونها في الصحيحين لكن أحاديث التثنية مشتملة على ~~الزيادة فالمصير إليها لازم لا سيما مع تأخر تاريخ بعضها انتهى ثم اعلم أن ~~هذا الشعار لا يختص بصلاة الجماعات بل كل مصل عليه أن يؤذن ويقيم لكن من ~~كان في جماعة كفاه أذان المؤذن لها وإقامته ثم الظاهر أن النساء كالرجال ~~لأنهن شقائقهم والأمر لهم أمر لهن ولم يرد ما ينتهض للحجة في عدم الوجوب ~~عليهن فإن الوارد في ذلك في أسانيده متروكون لا يحل الاحتجاج بهم فإن ورد ~~دليل يصلح لإخراجهن فذاك وإلا فهن كالرجال # PageV01P079 ### | باب ويجب على المصلي تطهير ثوبه # لنص القرآن {وثيابك فطهر} ولقوله صلى الله وسلم عليه لمن سأله: هل يصلي ~~في الثوب الذي يأتي فيه أهله فقال: نعم إلا أن يرى فيه شيئا فيغسله. أخرجه ~~أحمد وابن ماجه ورجال إسناده ثقات ومثله عن معاوية قال: قلت لأم حبيبة هل ~~كان النبي صلى الله وسلم عليه يصلي في الثوب الذي يجامع فيه قالت: نعم إذا ~~لم يكن فيه أذى. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد رجاله ~~ثقات ومنها حديث خلعه صلى الله وسلم عليه النعل أخرجه أحمد وأبو داود ~~والحاكم وابن خزيمة وابن حبان وله طريق عن جماعة من الصحابة يقوي بعضها ~~بعضا ومنها الأدلة المتقدمة في تعيين النجاسات وبدنه لأنه أولى من تطهير ~~الثوب ولما ورد من وجوب تطهيره ومكانه من النجاسة لما ثبت عنه صلى ms086 الله ~~وسلم عليه من رش الذنوب على بول الأعرابي ونحو ذلك, وقد ذهب الجمهور إلى ~~وجوب تطهير الثلاثة للصلاة وذهب جمع إلى أن ذلك شرط لصحة الصلاة وذهب آخرون ~~إلى أنه سنة والحق الوجوب فمن صلى ملابسا لنجاسة عامدا فقد أخل بواجب ~~وصلاته صحيحة والشرطية التي يؤثر عدمها في عدم المشروط كما قرره أهل الأصول ~~لا يصلح للدلالة عليها إلا ما كان يفيد ذلك مثل نفي القبول أو نحو: "لا ~~صلاة لمن صلى في مكان متنجس" أو النهي عن الصلاة في المكان المتنجس لدلالة ~~النهي على الفساد. وأما مجرد الأمر فلا يصلح لإثبات الشروط اللهم إلا على ~~قول من قال: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده فليكن هذا منك على ذكر فإنك إن ~~تفطنت له رأيت العجب في كتب الفقه فإنهم كثيرا ما يجعلون الشيء شرطا ولا ~~يستفاد من دليله غير الوجوب وكثيرا ما يجعلون الشيء واجبا ودليله يدل على ~~الشرطية والسبب الحامل على ذلك عدم مراعاة القواعد الأصولية والذهول عنها. ~~والحاصل: أن ما دل على الشرطية دل على الوجوب وزيادة وهو تأثير بطلان ~~المشروط وما دل على الوجوب لا يدل على الشرطية لأن غاية الواجب أن تاركه ~~يذم أما أنه يستلزم بطلان الشيء الذي ذلك الواجب جزء من أجزائه أو عارض من ~~عوارضه فلا فمن حكم على الشيء بالوجوب وجعل عدمه موجبا للبطلان أو حكم على ~~الشيء بالشرطية ولم يجعل عدمه موجبا للبطلان فقد غفل عن هذين المفهومين # PageV01P080 # وفي المقام أدلة مختلفة ومقالات طويلة ليس هذا محل بسطها. وستر عورته ~~لقوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} . قلت: الزينة ما وارى ~~عورتك ولو عباءة قاله مجاهد والمسجد الصلاة ولما وقع منه صلى الله وسلم ~~عليه من الأمر بسترها في كل الأحوال كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن ~~جده قال قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال: "احفظ عورتك ~~إلا من زوجتك أو ملكت يمينك" قلت: فإذا كان القوم بعضهم ms087 في بعض قال: "إن ~~استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها" قلت: فإذا كان أحدنا خاليا قال: "الله ~~تبارك وتعالى أحق أن يستحيا منه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي ~~وعلقه البخاري وحسنه الترمذي وصححه الحاكم ومن ذلك قوله صلى الله وسلم ~~عليه: "لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" أخرجه أبو داود وابن ~~ماجه والحاكم والبزار وفي إسناده مقال ولكنه يعضده حديث محمد بن جحش قال: ~~مر رسول الله صلى الله وسلم عليه على معمر وفخذاه مكشوفتان فقال: "يا معمر ~~غط فخذيك فإن الفخذين عورة" أخرجه أحمد والبخاري في صحيحه تعليقا وأخرجه ~~أيضا في تاريخه والحاكم في المستدرك وروى الترمذي وأحمد من حديث ابن عباس ~~مرفوعا: "الفخذ عورة" وأخرج نحوه مالك في الموطأ وأحمد وأبو داود الترمذي ~~وحسنه وابن حبان وصححه وعلقه البخاري وقد عارض أحاديث الفخذ عورة أحاديث ~~أخر وليس فيها إلا أنه صلى الله وسلم عليه كشف عن فخذه يوم خيبر أو في بيته ~~ولا يصلح ذلك لمعارضة ما تقدم, وورد في الركبة ما يفيد أنها تستر وما يخالف ~~ذلك وأما المرأة فورد حديث: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" أخرجه أحمد ~~وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم وقد روي موقوفا ومرفوعا ~~من حديث عائشة ومن حديث أبي قتادة ومما يفيد وجوب ستر العورة أحاديث النهي ~~عن الصلاة في الثوب الواحد ليس على عاتق المصلي منه شيء وفي بعضها: ~~"فليخالف بين طرفيه" وفي بعضها: "وإن كان ضيقا فاتزر به" وكلها في الصحيح, ~~ولكن ليس فيها ما يستفاد منه الشرطية التي صرح بها جماعة من المصنفين وحديث ~~الخمار إذا انتهض للاستدلال به على الشرطية فهو خاص بالمرأة وقد عرفت مما ~~سلف أن الذي يستلزم عدمه عدم الصلاة أي بطلانها هو الشرط أو الركن لا ~~الواجب # PageV01P081 # فمن زعم أن من ظهر شيء من عورته في الصلاة أو صلى بثياب متنجسة كانت ~~صلاته باطلة فهو مطالب بالدليل ولا ينفعه مجرد الأوامر بالستر أو ms088 التطهير ~~فإن غاية ما يستفاد منها الوجوب. ولا يشتمل الصماء لحديث أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله وسلم عليه نهى أن يشتمل الصماء وهو في الصحيحين وفي لفظ ~~فيهما: وأن يشتمل في إزاره إذا ما صلى إلا أن يخالف بطرفيه على عاتقه, ~~وأخرج نحوه الجماعة من حديث أبي سعيد واشتمال الصماء: هو أن يجلل جسده ~~بالثوب لا يرفع منه جانبا ولا يبقى ما يخرج منه يده. "ولا يسدل" لحديث ~~النهي عن السدل في الصلاة وهو عند أحمد وأبي داود والترمذي والحاكم في ~~المستدرك وفي الباب عن جماعة من الصحابة. والسدل: هو إسبال الرجل ثوبه من ~~غير أن يضم جانبيه بين يديه بل يلتحف به ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد ~~وهو كذلك, "ولا يسبل" لما ورد من الأحاديث الصحيحة من النهي عن إرسال ~~الإزار والمراد بالإسبال أن يرخي إزاره حتى يجاوز الكعبين. "ولا يكفت" لأنه ~~قد ورد النهي عن أن يكفت الرجل ثوبه أو شعره أما كفت الثوب فكمن يأخذ طرف ~~ثوبه فيغرزه في حجزته أو نحو ذلك, وأما كفت الشعر فنحو أن يأخذ منه خصلة ~~مسترسلة فيكفتها في شعر رأسه أو يربطها بخيط إليه أو نحو ذلك, "ولا يصلي في ~~ثوب حرير" والأحاديث في ذلك كثيرة وكلها يدل على المنع من لبس ثوب الحرير ~~الخالص. وأما المشوب فالمذاهب في ذلك معروفة: فبعض الأحاديث يدل على أنه ~~إنما يحرم الخالص لا المشوب كحديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود قال: إنما ~~نهى رسول الله صلى الله وسلم عليه عن الثوب المصمت من القز. قال ابن عباس: ~~أما السدي والعلم فلا نرى به بأسا وبعضها يدل على المنع كما ورد في حلة ~~السيراء فإنه غضب لما رأى عليا قد لبسها وقال: "إني لم أبعث بها إليك ~~لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين النساء" وهو في الصحيح ~~والسيراء قد قيل إنها المخلوطة بالحرير لا الحرير الخالص وقيل إنها الحرير ~~الخالص المخطط وقيل غير ذلك ولكنه قد ورد في طرق من ms089 طرق هذا الحديث ما يفيد ~~أنها غير خالصة فأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه والدورقي هذا الحديث بلفظ قال ~~علي: أهدي إلى رسول الله # PageV01P082 # صلى الله وسلم عليه حلة مسيرة إما سداها وإما لحمتها, فذكر الحديث. "ولا ~~ثوب شهرة" لحديث من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم ~~القيامة, أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي بإسناد رجاله ثقات من ~~حديث ابن عمر وهذا الوعيد يدل على أن لبسه محرم في كل وقت فوقت الصلاة أولى ~~بذلك. وأما الثوب المصبوغ بالصفرة والحمرة فالأدلة في ذلك متعارضة فلهذا لم ~~نذكره وقد أفرده الماتن برسالة مستقلة "ولا مغصوب" لكونه ملك الغير وهو ~~حرام بالإجماع, "وعليه استقبال عين الكعبة" إن كان مشاهدا لها أو في حكم ~~المشاهد وجوبا لأنه قد تمكن من اليقين فلا يعدل إلى الظن والأحاديث ~~المتواترة مصرحة بوجوب الاستقبال بل هو نص القرآن الكريم {فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام} وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو قطعي من قطعيات الشريعة, وغير ~~المشاهد ومن في حكمه يستقبل الجهة بعد التحري لأن ذلك هو الذي يمكنه ويدخل ~~تحت استطاعته ولم يكلفه الله تعالى مالا يطيق كما صرح بذلك في كتابه ~~العزيز, وقد جعل النبي صلى الله وسلم عليه بين المشرق والمغرب قبلة كما في ~~حديث أبي هريرة عند الترمذي وابن ماجه ومثل ذلك ورد عن الخلفاء الراشدين ~~رضي الله تعالى عنهم, وقد استقبل النبي صلى الله وسلم عليه الجهة بعد خروجه ~~من مكة المكرمة وشرع للناس ذلك. أقول: استقبال القبلة هو من ضروريات الدين ~~فمن أمكنه استقبال القبلة تحقيقا فذلك الواجب عليه مثل القاطن حولها ~~المشاهد لها من دون قطع مسافة ولا تجشم مشقة ومن لم يكن كذلك ففرضه استقبال ~~الجهة وليس المراد من تلك الجهة الكعبة على الخصوص بل المراد ما أرشد إليه ~~صلى الله وسلم عليه من كون بين المشرق والمغرب قبلة فمن كان في جهات اليمن ~~وعرف جهة المشرق وجهة المغرب توجه بين الجهتين فإن تلك الجهة هي ms090 القبلة ~~وكذلك من كان بجهة الشام يتوجه بين الجهتين من دون إتعاب للنفس في تقدير ~~الجهات فإن ذلك مما لم يرد به الشرع ولا كلف به العباد والمحاريب المنصوبة ~~في المساجد والمشاهد المعمورة في بلاد المسلمين الذين لهم عناية بأمر الدين ~~مغنية عن التكلف وكذلك أخبار لعدول المرضيين كافية فإن من قال: هذه جهة ~~القبلة أو عمر محرابا يأوي إليه الناس لا شك أنه قد بلغ من التحري ما يبلغه ~~من أراد تأدية صلاة أو صلوات في مكان من الأمكنة لأن معرفة # PageV01P083 # الجهة التي عرفناك بها من السير ما تراد لمعرفته لكون الجهات الأربع ~~معلومة لكل عاقل وقد يعرض اللبس في بعض المواطن على بعض الأفراد إما لعدم ~~ظهور ما يهتدي به في ظلمة الليل أو حيلولة جبال عالية في أرض عالية لا ~~يعرفها مع تلون طرقها التي قد سلكها فهذا فرضه أن يمعن النظر في تعريف ~~الجهة فإذا أعوزه الأمر توجه حيث شاء هذا في الفرائض, وأما النوافل فقد خفف ~~الشارع فيها وسوغ تأديتها على ظهر الراحلة إلى جهة القبلة وغير جهتها بل ~~سوغ تأدية الفريضة في الأرض الندية على ظهر الراحلة كما تجد ذلك في المنتقى ~~وشرحه فهذا خلاصة ما تعبدنا الله به في أمر القبلة وهو يغنيك عن التفريعات ~~الطويلة والتهويلات المهيلة في كتب الفقه. # PageV01P084 ### | باب كيفية الصلاة # وهي علامات تواتر صلى الله وسلم عليه وتوارثه الأمة أن يتطهر ويستر عورته ~~ويقوم ويستقبل القبلة بوجهه ويتوجه إلى الله تعالى بقلبه ويخلص له العمل ~~ويقول: الله أكبر بلسانه ويقرأ فاتحة الكتاب ويضم معها إلا في ثالثة الفرض ~~ورابعته سورة من القرآن ثم يركع وينحني بحيث يقتدر على أن يمسح ركبتيه ~~برؤوس أصابعه حتى يطمئن راكعا ثم يرفع رأسه حتى يطمئن قائما ثم يسجد على ~~الآراب السبعة اليدين والرجلين والركبتين والوجه ثم يرفع رأسه حتى يستوي ~~جالسا ثم يسجد ثانيا كذلك فهذه ركعة ثم يقعد على رأس كل ركعتين ويتشهد فإن ~~كان آخر صلاته صلى على النبي صلى الله ms091 وسلم عليه ودعا أحب الدعاء إليه وسلم ~~على من يليه من الملائكة والمسلمين فهذه صلاة النبي صلى الله وسلم عليه لم ~~يثبت أنه ترك شيئا من ذلك قط عمدا من غير عذر في فريضة وصلاة الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين وهي التي توارثوا أنها مسمى الصلاة ~~وهي من ضروريات الملة نعم اختلف الفقهاء في أحرف منها هل هي أركان الصلاة ~~لا يعتد بها بدونها أو واجباتها التي تنقص بتركها أو أبعاض يلام على تركها ~~وتجبر بسجدة السهو؟ كذا في الحجة البالغة # لا تكون شرعية إلا بالنية لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين} وروى مالك بإسناده في غير رواية يحيى بن يحيى عن النبي ~~صلى الله وسلم عليه: "إنما الأعمال بالنيات". قلت: وعلى وجوب النية في ~~ابتداء الصلاة أهل العلم # PageV01P084 # وعندي أن المقدر في حديث: "إنما الأعمال بالنية" إن كان الحصول أو الوجود ~~أو الثبوت أو الصحة أو ما يلاقي هذه الأمور في المعنى الذي لا تكون تلك ~~الصلاة شرعية إلا به فالنية في مثل الصلاة شرط من شروطها لأنه قد استلزم ~~عدمها عدم الصلاة وهذه خاصة الشروط وإن كان المقدر الكمال أو ما يلاقيه في ~~المعنى الذي تكون الصلاة شرعية بدونه فليست النية بواجبة فضلا عن أن تكون ~~شرطا لكن قد عرف رجحان التقدير المشعر بالمعنى الأول لكون الحصر في إنما في ~~معنى ما الأعمال إلا بالنية وإن اختلفا في أمور خارجة عن هذا كما تقرر في ~~علمي المعاني والأصول والنفي يتوجه إلى المعنى الحقيقي وهو الذات الشرعية ~~وانتفاؤها ممكن لأن الموجود في الخارج ذات غير شرعية وعلى فرض وجود مانع عن ~~التوجه إلى المعنى الحقيقي فلا ريب أن الصحة أقرب إلى المعنى الحقيقي من ~~الكمال لاستلزامها لعدم الاعتداد بتلك الذات وترجيح أقرب المجازين متعين ~~فظهر بهذا أن القول بأن النية شرط للصلاة أرجح من القول بأنها من جملة ~~واجباتها والكلام على هذا يطول ليس هذا موضع ذكره, وأركانها كلها مفترضة ~~لكونها ماهية الصلاة ms092 التي لا يسقط التكليف إلا بفعلها وتعدم الصورة ~~المطلوبة بعدمها وتكون ناقصة بنقصان بعضها وهي القيام فالركوع فالاعتدال ~~فالسجود فالاعتدال فالسجود فالقعود للتشهد وقد بين الشارع صفاتها وهيئاتها ~~وكان يجعلها قريبا من السواء كما ثبت في الصحيح عنه. أقول: وجملة القول في ~~هذا الباب: إنه ينبغي لمن كان يقتدر على تطبيق الفروع على الأصول وإرجاع ~~فرع الشيء إلى أصله أن يجعل هذه الفروض المذكورة في هذا الباب منقسمة إلى ~~ثلاثة أقسام: واجبات كالتكبير والتسليم والتشهد وأركان كالقيام والركوع ~~والاعتدال والسجود والاعتدال والسجود والقعود للتشهد وشروط كالنية والقراءة ~~أما النية فلما قدمنا, وأما القراءة فلورود ما يدل على شرطيتها كحديث: "لا ~~صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وحديث: "لا تجزيء صلاة إلا بفاتحة الكتاب" ونحوها ~~فإن النفي إذا توجه إلى الذات أو إلى صحتها أفاد الشرطية إذ هي تأثير عدم ~~الشرط في عدم المشروط وأصرح من مطلق النفي النفي المتوجه إلى الإجزاء, ~~والحاصل: أن شروط الشيء # PageV01P085 # يقتضي عدمها عدمه وأركانه كذلك لأن عدم الركن يوجب عدم وجود الصورة ~~المأمور بها على الصفة التي اعتبرها الشارع وما كان كذلك لا يجزئ إلا أن ~~يقوم دليل على أن مثل ذلك الركن لا يخرج الصورة المأمور بها عن كونها مجزئة ~~كما يقول بعض أهل العلم في الاعتدال وقعود التشهد وإن كان الحق خلاف ما قال ~~وأما الواجبات فغاية ما يستفاد من دليلها وهو مطلق الأمر أن تركها معصية لا ~~أن عدمها يستلزم عدم الصورة المأمور بها إذا تقرر هذا لاح لك أن هذه الفروض ~~المعدودة في هذا الباب متوافقة في ذات بينها والفرض والواجب مترادفان على ~~ما ذهب إليه الجمهور وهو الحق وحقيقة الواجب ما يمدح فاعله ويذم تاركه ~~والمدح على الغعل والذم على الترك لا يستلزمان البطلان بخلاف الشرط فإن ~~حقيقته ما يستلزم عدمه عدم المشروط كما عرفت فاحفظ هذا التحقيق تنتفع به في ~~مواطن وقع التفريع فيها مخالفا للتأصيل وهو كثير الوجود في مؤلفات الفقهاء ~~من جميع المذاهب وكثيرا ما تجد العارف بالأصول إذا ms093 تكلم في الفروع ضاقت ~~عليه المسالك وطاحت عنه المعارف وصار كأحد الجامدين على علم الفروع إلا ~~جماعة منهم {وقليل ما هم} {وقليل من عبادي الشكور} إلا قعود التشهد الأوسط ~~لكونه لم يأت في الأدلة في ما يدل على وجوبه بخصوصه كما ورد في قعود التشهد ~~الأخير فإن الأحاديث التي فيها الأوامر بالتشهد قد اقترنت بما يفيد أن ~~المراد التشهد الأخير فإن قلت: قد ذكر التشهد الأوسط في حديث المسيء كما في ~~رواية لأبي داود من حديث رفاعة ولم يذكر فيه التشهد الأخير قلت: تقوم الحجة ~~بمثل ذلك ولا يثبت به التكليف العام والتشهد الأخير وإن لم يثبت ذكره في ~~حديث المسيء فقد وردت به الأوامر وصرح الصحابة بافتراضه وقد أوضح ذلك شيخنا ~~العلامة الشوكاني في حاشية الشفاء إيضاحا حسنا فلتراجع. "والاستراحة" لكونه ~~لم يأت دليل يفيد وجوبها وذكرها في حديث المسيء وهم كما صرح بذلك البخاري, ~~ولا يجب من أذكارها أي الصلاة إلا التكبير لقوله تعالى: {وربك فكبر} ولقوله ~~صلى الله وسلم عليه في حديث المسيء: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" ولما ورد من ~~أن تحريم الصلاة التكبير. أقول: تعيين التكبير للدخول في الصلاة محكم صريح ~~لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: # PageV01P086 # "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول ~~الله أكبر1" وبما تقدم من النصوص وهي نصوص في غاية الصحة فردت بالمتشابه من ~~قوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} قال في الحجة: فإذا كبر يرفع يديه إلى ~~أذنيه ومنكبيه وكل ذلك سنة اه. أقول: إن الأدلة على هذه السنة قد تواترت ~~تواترا لا ينكره من له أدنى إلمام بعلم الأدلة واختصت باجتماع العشرة ~~المبشرة بالجنة على روايتها ومعهم من الصحابة جماهير ونقل جماعة من الحفاظ ~~أنه لم يقع الخلاف في ذلك بين الصحابة بل اتفقوا عليه. # والحاصل: أنه نقل إلينا هذه السنة الذين نقلوا إلينا أعداد ركعات الصلاة ~~فإذا لم يثبت بمثل ما ورد فيها مشروعيتها فليس في الدنيا مشروع لأن كثيرا ~~مما ms094 وقع الإطباق على مشروعيته وصار من قطعيات المرويات لم يبلغ إلى ما بلغ ~~إليه نقل الرفع وليس في المقام ما يصلح لمعارضة هذه السنة لا من قوله صلى ~~الله وسلم عليه ولا من فعله ولا عن أصحابه من أقوالهم ولا من أفعالهم وقد ~~درج عليها خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. وأما حديث البراء ~~قال: رأيت رسول الله صلى الله وسلم عليه إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم لم ~~يعد فهو قد تضمن إثبات الرفع عند الافتتاح, ولفظ: "ثم لم يعد" قد اتفق ~~الحفاظ على أنه مدرج من قول يزيد بن أبي زياد وقد رواه عنه بدونها جماعة من ~~الأئمة منهم: شعبة والثوري وخالد الطحان وزهير وغيرهم ومع هذا فالحديث من ~~أصله قد أطبق الأئمة على تضعيفه, وكما ثبت الرفع عند الافتتاح ثبت عند ~~الركوع وعند الاعتدال منه بأحاديث تقارب أحاديث الرفع عند الافتتاح, وكذلك ~~ثبت الرفع عند القيام من التشهد الأوسط بأحاديث صحيحة كما سيأتي بيانه. ~~"والفاتحة في كل ركعة" لقوله صلى الله وسلم عليه في حديث المسيء: "ثم اقرأ ~~ما تيسر معك من القرآن" وفي لفظ من حديث المسيء لأبي داود: "ثم أقرأ بأم ~~القرآن" وكذلك لفظ منه لأحمد وابن حبان بزيادة ثم اصنع ذلك في كل ركعة بعد ~~قوله: "ثم اقرأ بأم القرآن" فكان ذلك بيانا لما تيسر وورد ما يفيد وجوب ~~الفاتحة في غير حديث المسيء PageV01P087 # كأحاديث: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهي صحيحة ويدل على وجوبها في كل ~~ركعة ما وقع في حديث المسيء فإنه صلى الله وسلم عليه وصف له ما يفعل في كل ~~ركعة وقد أمره بقراءة الفاتحة فكانت من جملة ما يجب في كل ركعة كما أنه يجب ~~فعل ما اقترن بها في كل ركعة بل ورد ما يفيد ذلك من لفظه صلى الله وسلم ~~عليه فإنه قال للمسيء: "ثم افعل ذلك في الصلاة كلها" وهو في الصحيح من حديث ~~أبي هريرة قال ذلك بعد أن وصف له ما يفعل ms095 في الركعة الواحدة لا في جملة ~~الصلاة فكان ذلك قرينة على أن المراد بالصلاة كل ركعة تماثل تلك الركعة من ~~الصلاة قال في الحجة: وما ذكره النبي صلى الله وسلم عليه بلفظ الركنية ~~كقوله صلى الله وسلم عليه: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وقوله: "لا يجزئ ~~صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود" وما سمى الشارع الصلاة به ~~فإنه تنبيه بليغ على كونه ركنا في الصلاة انتهى. ولو كان مؤتما فوجوب ~~الفاتحة في كل ركعة على المؤتم لما ورد من الأدلة الدالة على أن المؤتم ~~يقرأها خلف الإمام كحديث: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب" ونحوه ولدخول ~~المؤتم تحت هذه الأدلة المقتضية لوجوب الفاتحة في كل ركعة على كل مصل قال ~~في الحجة البالغة: وإن كان مأموما وجب عليه الإنصات والاستماع فإن جهر ~~الإمام لم يقرأ إلا عند الإسكاتة وإن خافت فله الخيرة فإن قرأ فليقرأ ~~الفاتحة قراءة لا يشوش على الإمام وهذا أولى الأقوال عندي وبه يجمع بين ~~أحاديث الباب انتهى وفي تنوير العينين دلائل الجانبين فيه قوية لكن يظهر ~~بعد التأمل في الدلائل أن القراءة أولى من تركها فقد عولنا فيه على قول ~~محمد كما نقل عنه صاحب الهداية وتركنا الكلام وقال ابن القيم في الأعلام: ~~ردت النصوص المحكمة الصريحة الصحيحية في تعيين قراءة الفاتحة فرضا ~~بالمتشابه من قوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر منه} وليس ذلك في الصلاة وإنما ~~يدل على قيام الليل وبقوله للأعرابي: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وهذا ~~يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة وأن يكون الأعرابي لا يحسنها وأن ~~يكون لم يسيء في قراءتها فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن وأن يكون ~~أمره بالاكتفاء بما تيسر منها فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه فلا يترك الصريح ~~انتهى, وقال في إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء: روى البيهقي عن يزيد بن ~~شريك: أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب # PageV01P088 # فقلت: وإن كنت أنت قال: وإن كنت أنا, قلت: ms096 وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت. قلت: ~~روى أهل الكوفة عن أصحاب عمر الكوفيين أن المأموم لا يقرأ شيئا والجمع أن ~~القبيح في الأصل أن ينازع الإمام في القرآن وقراءة المأموم قد تفضي إلى ذلك ~~ثم إن اشتغال المأموم بمناجاة ربه مطلوب فتعارضت مصلحة ومفسدة فمن استطاع ~~أن يأتي بالمصلحة بحيث لا تخدشها مفسدة فليفعل ومن خاف المفسدة ترك والله ~~تعالى أعلم انتهى. أقول: الأوجه هو الإتيان بفاتحة الكتاب خلف الإمام كما ~~تشهد له أدلة السنة الصريحة من دون تعارض والأمر بالإنصات في قوله تعالى: ~~{أنصتوا} عام يتناول فاتحة الكتاب وغيرها وكذلك حديث: "وإذا قرأ فأنصتوا" ~~وإن كان فيه مقال لا ينتهض معه للاستدلال وعلى فرض انتهاضه فغاية ما فيه ~~أنه اقتضى أن الإنصات حال قراءة الإمام يجب على المؤتم ولا يقرأ بفاتحة ~~الكتاب ولا غيرها, وأما حديث: "خلطتم علي" فلا يشك عارف أن خلط المؤتم على ~~إمامه إنما يكون قرأ المؤتم جهرا وأما إذا قرأ سرا فلا خلط وكذلك المنازعة ~~لا تكون إلا إذا سمع الإمام قراءة المؤتم, وأما حديث جابر في هذا الباب فهو ~~من قوله: ولم يرفعه إلى النبي صلى الله وسلم عليه كما في الترمذي والموطأ ~~وغيرهما وقول الصحابي لا تقوم به حجة فلم يبق ههنا ما يدل على منع قراءة ~~المؤتم خلف الإمام حال قراءته إلا الآية الكريمة وحديث: "إذا قرأ فأنصتوا" ~~وهما عامان كما عرفت يتناولان فاتحة الكتاب وغيرها والعام معرض للتخصيص ~~والمخصص وههنا موجود وهو حديث عبادة بن الصامت وهو حديث صحيح وبناء العام ~~على الخاص واجب باتفاق أهل الأصول فلا معذرة عن قراءة فاتحة الكتاب حال ~~قراءة الإمام ولا سيما وقد دل الدليل على وجوبها على كل مصل في كل ركعة من ~~ركعات صلاته. "والتشهد الأخير واجب" لورود الأمر به في الأحاديث الصحيحة ~~وألفاظه معروفة وقد ورد بألفاظ من طريق جماعة من الصحابة وفي كل تشهد ألفاظ ~~تخالف التشهد الآخر والحق الذي لا محيص عنه أنه يجزئ للمصلي أن يتشهد بكل ~~واحد من ms097 تلك التشهدات الخارجة من مخرج صحيح وأصحها التشهد الذي علمه النبي ~~صلى الله وسلم عليه ابن مسعود وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديثه بلفظ: # PageV01P089 # "التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" وفي بعض ألفاظه: "إذا قعد أحدكم فليقل" قال في ~~الحجة البالغة: وجاء في التشهد صيغ أصحها تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى ~~عنه ثم تشهد ابن عباس وعمر رضي الله تعالى عنهما وهي كأحرف القرآن كلها كاف ~~وشاف انتهى. قلت: اختار أبو حنيفة تشهد ابن مسعود والشافعي تشهد ابن عباس ~~ومالك تشهد عمر واختلافهم في المختار لا في الإجزاء كذا في المسوى, وأما ~~الصلاة على النبي صلى الله وسلم عليه التي يفعلها المصلي في التشهد فقد ~~وردت بألفاظ وكل ما صح منه أجزأ ومن أصح ما ورد ما ثبت في الصحيح بلفظ: ~~"اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد" وزاد في الحجة: "اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ~~كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد" انتهى. قال الماتن في حاشية الشفاء: ومما ينبغي أن ~~يعلم أن التشهد وألفاظ الصلاة على النبي صلى الله وسلم عليه وآله عليهم ~~السلام كلها مجزئة إذا وردت من وجه معتبر وتخصيص بعضها دون بعض كما يفعله ~~بعض الفقهاء قصور باع وتحكم محض, وأما اختيار الأصح منها وإيثاره مع القول ~~بإجزاء غيره فهو من اختيار الأفضل من المتفاضلات وهو من صنيع المهرة بعلم ~~الاستدلال والأدلة انتهى. وقال في موضع آخر: التشهدات الثابتة عنه صلى الله ~~وسلم عليه موجودة في كتب الحديث فعلى من رام التمسك بما صح عنه صلى الله ~~وسلم عليه أن ينظرها في دواوين ms098 الإسلام الموضوعة لجمع ما ورد من السنة ~~ويختار أصحها ويستمر عليه أو يعمل تارة بهذا وتارة بهذا مثلا يتشهد في بعض ~~الصلوات بتشهد ابن مسعود وفي بعضها بتشهد ابن عباس وفي بعضها بتشهد غيرهما ~~فالكل واسع والأرجح هو الأصح لكن كونه الأصح لا ينافي إجزاء الصحيح انتهى. ~~قلت: عامة أهل العلم على أن الصلاة على النبي صلى الله وسلم عليه مستحبة في ~~التشهد الأخير غير واجبة وإلى هذا يشير لفظ ابن عمر وعائشة في باب التشهد ~~وأن التشهد الأول ليس محلا لها, وذهب الشافعي وحده إلى وجوبها في التشهد ~~الأخير فإن # PageV01P090 # لم يصل لم تصح صلاته1 وإلى استحبابها في التشهد الأول وورد ما يفيد وجوب ~~التعوذ من أربع كما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله وسلم عليه: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من ~~أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيى والممات ومن شر فتنة ~~المسيح الدجال" وورد نحو ذلك من حديث عائشة وهو في الصحيحين وغيرهما فيكون ~~هذا التعوذ من تمام التشهد ثم يتخير المصلي بعد ذلك من الدعاء أعجبه كما ~~أرشد إلى ذلك رسول الله صلى الله وسلم عليه قال في الحجة: وورد في صيغ ~~الدعاء في التشهد: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا ~~أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" وورد: "اللهم ~~اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به ~~مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت". "والتسليم" وهو واجب لكون ~~النبي صلى الله وسلم عليه جعله تحليل الصلاة فلا تحليل لها إلا به فأفاد ~~ذلك وجوبه وإن لم يذكر في حديث المسيء قال في الحجة: وجب أن لا يكون الخروج ~~من الصلاة إلا بكلام هو أحسن كلام الناس أعني السلام وأن يوجب ذلك انتهى ~~قال ابن القيم: إن السنة الصحيحة الصريحة المحكمة عن النبي صلى الله ms099 وسلم ~~عليه التي رواها خمسة عشر نفسا من الصحابة أنه كان يسلم في الصلاة عن يمينه ~~وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله" منهم عبد ~~الله بن مسعود بن أبي وقاص وجابر ابن سمرة وأبو موسى الأشعري وعمار بن ياسر ~~وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب ووائل بن حجر وأبو مالك الأشعري وعدي بن ~~عمرة الضمري وطلق بن علي وأوس بن أوس وأبو رمثة والأحاديث بذلك ما بين صحيح ~~وحسن فرد ذلك بخمسة أحاديث مختلف في صحتها واردة في تسليمة واحدة انتهى. ~~وقد أطال في الجواب عنها إلى خمسة أوراق فليرجع إليه. قلت: وعامة أهل العلم ~~على أنه يسلم تسليمتين PageV01P091 # عن يمينه وعن شماله؛ واحتجوا بحديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله ~~وسلم عليه رواه أبو داود والترمذي ولفظه: أن النبي صلى الله وسلم عليه كان ~~يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيمن السلام ~~عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيسر, رواه النسائي وأحمد وابن حبان ~~والدارقطني وغيرهم وفي الباب عن سهل بن سعد وحذيفة ومغيرة بن شعبة وواثلة ~~بن الأسقع ويعقوب بن الحسين, ووقع في صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود ~~زيادة: "وبركاته" وهي عند ابن ماجة أيضا وعند أبي داود أيضا في حديث وائل ~~بن حجر فالعجب من ابن الصلاح كيف يقول إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب ~~الحديث إلا في رواية وائل بن حجر كذا في التلخيص, وقال مالك يسلم الإمام ~~والمنفرد تسليمة واحدة: السلام عليكم لا يزيد على ذلك. "ويستحب للمأموم أن ~~يسلم ثلاثا عن يمينه وعن شماله وتلقاء وجهه بردها على إمامه كذا في المسوى. ~~أقول: ورود التسليمة الواحدة فقط لا يعارض الثابت مما فيه زيادة عليها وهي ~~أحاديث التسلميتين لما عرفناك غير مرة أن الزيادة التي لم تكن منافية يجب ~~قبولها فالقول بتسليمتين إعمال لجميع ما ورد بخلاف القول بتسليمة فإنه ~~إهدار لأكثر الأدلة بدون مقتض وأما كون التسليم ms100 واجبا أو غير واجب فقد تقرر ~~أن المرجع حديث المسيء وأنه لا وجوب لغير ما لم يذكر فيه إلا أن يثبت ~~إيجابه بعد تاريخ حديث المسيء إيجابا لا يمكن صرفه بوجه من الوجوه1. وأما ~~الطمأنينة في حال الركوع والسجودين فلا خلاف في ذلك وأما في حال الاعتدال ~~من الركوع وبين السجدتين فخالف في ذلك قوم والحق أنه من آكد فرائض الصلاة ~~في الموطنين بل المشروع إطالتهما وقد ثبت عنه صلى الله وسلم عليه ما يدل ~~على ذلك كما في حديث البراء أنه حزر أركان صلاته صلى الله وسلم عليه وعد من ~~جملتها الاعتدال من الركوع والاعتدال بين السجدتين فوجدها قريبا من السواء ~~وهذا يدل على أنه كان يلبث فيهما كما يلبث في الركوع والسجود, وثبت أنه صلى ~~الله تعالى عليه وسلم كان يقف في اعتداله من الركوع كاعتداله من السجود حتى ~~يظن من رآه أنه قد نسي لإطالته لهما PageV01P092 # وثبت من أدعية فيهما ما يدل على طولهما. فالحاصل: أن أصل الاطمئنان في ~~الركوع والسجود والاعتدالين ركن من أركان الصلاة لاتتم بدونه وأما طول ~~اللبث زيادة على الاطمئنان فمن السنن المؤكدة لأنه لم يذكر في حديث المسيء ~~وقد صارت هذه السنة متروكة في الاعتدال إلى غاية بل صار الاطمئنان فيهما ~~مما يقل وجوده وما أحق من نازعته نفسه إلى اتباع الآثار المصطفوية أن يثبت ~~معتدلا من ركوعه ومعتدلا من سجوده ويدعو بالأدعية المأثورة فيهما ويجعل ~~مقدار اللبث كمقدار لبثه في الركوع والسجود فذلك هو السنة التي لا يجهل ~~ورودها إلا جاهل والله المستعان. # سنن الصلاة # "وما عدا ذلك فسنن" لأنه لم يرد فيها ما يفيد وجوبها من أمر بالفعل أو ~~نهي عن الترك غير مصروفين عن المعنى الحقيقي أو وعيد شديد يفيد الوجوب ولا ~~ذكر شيء منها في حديث المسيء إلا على وجه لا تقوم به الحجة أو تقوم به وقد ~~ورد ما يفيد أنه غير واجب. والحاصل: أن مرجع واجبات الصلاة كلها هو حديث ~~المسيء فما ذكره صلى الله وسلم ms101 عليه فيه كان واجبا وما لم يذكره فليس بواجب ~~لكن قد تشعبت روايات حديث المسيء وثبت في بعضها ما لم يثبت في البعض الآخر ~~فعلى من أراد تحقيق الحق أن يجمع طرقه الصحيحة ويحكم بوجوب ما اشتملت عليه ~~أو شرطيته أو ركنيته بحسب ما يقتضيه الدليل وما خرج عنه خرج عن ذلك وقد جمع ~~ما صح من طرقه شيخنا الحافظ الرباني العلامة الشوكاني في شرح المنتقى في ~~موضع واحد منه فمن رام ذلك فليرجع إليه1. "وهي الرفع في المواضع الأربعة" ~~أي عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الاعتدال من الركوع هذه الثلاثة ~~المواضع في كل ركعة والموضع الرابع عند القيام إلى الركعة الثالثة فقد دلت ~~على ذلك الأحاديث الصحيحة أما عند التكبير فقد روي ذلك عن النبي صلى الله ~~وسلم عليه نحو خمسين رجلا من الصحابة منهم العشرة المبشرة بالجنة ورواه ~~كثير من الأئمة عن جميع الصحابة من غير استثناء وقال الشافعي: روى الرفع ~~جمع من الصحابة لعله لم يرد قط حديث بعدد أكثر منهم وقال ابن المنذر: لم ~~يختلف أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه PageV01P093 # وسلم كان يرفع يديه, وقال البخاري في جزء رفع اليدين: روى الرفع تسعة عشر ~~نفسا من الصحابة وسرد البيهقي في السنن وفي الخلافيات أسماء من روى الرفع ~~نحوا من ثلاثين صحابيا وقال الحسن وحميد بن هلال كان أصحاب رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم يرفعون أيديهم ولم يستثن أحدا منهم كذا في ~~التلخيص وقال النووي في شرح مسلم: إنها أجمعت على ذلك عند تكبيرة الإحرام ~~وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك, وقد ذهب إلى وجوبه داود الظاهري وأبو الحسن ~~أحمد بن سيار والنيسابوري والأوزاعي والحميدي وابن خزيمة1. وأما الرفع عند ~~الركوع وعند الاعتدال منه فقد رواه زيادة على عشرين رجلا من الصحابة عن ~~النبي صلى الله وسلم عليه وقال محمد بن نصر المروزي: إنه أجمع علماء ~~الأمصار على ذلك إلا أهل الكوفة. وأما الرفع عند القيام إلى الركعة الثالثة ~~فهو ثابت ms102 في الصحيح من حديث ابن عمر وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ~~ماجه والترمذي وصححه وصححه أيضا أحمد بن حنبل من حديث علي بن أبي طالب عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي حجة الله البالغة: فإذا أراد أن يركع ~~رفع يديه حذو منكبيه وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع, ولا يفعل ذلك في السجود ~~وهو من الهيئات التي فعلها النبي صلى الله وسلم عليه مرة وتركها أخرى, ~~والكل سنة وأخذ بكل واحد جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهذا أحد ~~المواضع التي اختلف فيها الفريقان: أهل المدينة وأهل الكوفة ولكل واحد أصل ~~أصيل والحق عندي في مثل ذلك أن الكل سنة ونظيره الوتر بركعة واحدة أو بثلاث ~~والذي يرفع أحب إلي ممن لا يرفع فإن أحاديث الرفع أكثر وأثبت غير أنه لا ~~ينبغي لإنسان في مثل هذه الصور أن يثير على نفسه فتنة عوام بلده وهو قوله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة" ولا ~~يبعد أن يكون ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ظن أن السنة المتقررة آخرا هو ~~تركه لما تلقن من أن مبنى الصلاة على سكون الأطراف ولم يظهر له أن الرفع ~~فعل تعظيمي ولذلك ابتدئ به في الصلاة أو لما تلقن من أنه فعل ينبئ عن الترك ~~فلا يناسب كونه في أثناء الصلاة ولم يظهر له أن تجديد التنبه لترك ما سوى ~~الله تعالى عند كل فعل أصلي PageV01P094 # من الصلاة مطلوب والله تعالى أعلم. قوله لا يفعل ذلك في السجود: أقول ~~القومة شرعت فارقة بين الركوع والسجود فالرفع معها رفع للسجود فلا معنى ~~للتكرار انتهى بحروفه. وفي التكميل للشيخ رفيع الدين الدهلوي ولد صاحب ~~الحجة البالغة اختلفوا في سنية رفع اليدين في الصلاة بعد التحريمة مع ~~اتفاقهم على أنه لم يصح فيه أمر باستحباب ولا بيان فضيلة ولا نهي الصحابة ~~عنه قط وعلى أنه ثبت عنه صلى الله وسلم عليه فعله مدة إلا أنه زاد ابن ~~مسعود فقال: ألا ms103 أصلي بكم صلاة رسول صلى الله وسلم عليه؟ فلم يرفع يديه إلا ~~في أول مرة وظاهر أنه لم يرد تركه أبدا وإنما أراد تركه آخرا كما يشعر به ~~بعض ما ينقل عنه أن آخر الأمرين ترك الرفع ولا يدرى مدة الترك فيحتمل أنه ~~تركه في أيام المرض للضعف فظن قوم أن سنيته كانت بمجرد الفعل فبطلت بالترك ~~وقوم أن الترك بعذر وبغير نهي لا ينفي السنية كترك القيام للفرض بالعذر فهي ~~إذا باقية فلا مناقشة للمجتهدين في أصل سنيته في الجملة ولا في بقاء جوازه ~~وإن منعه بعض المتعصبة إذ ليس مما يخالف أفعال الصلاة لبقائه في التحريمة ~~والقنوت والعيدين فلا نكير على فاعله لأحد بل في بقاء سنيته بناء على ~~الظنين فلا نزاع إلا في المواظبة والرجحان وحيث واظب عليه جمع بلغوا حد ~~الاستفاضة فوق الشهرة ولم يتعرض صلى الله وسلم عليه لفعلهم كما تعرض لرفع ~~اليد في السلام حيث قال: "ما بال أيديكم كأنها أذناب خيل شمس" وهو صلى الله ~~وسلم عليه كان يرى خلفه كما يرى أمامه فثبت بقاء سنيته وتركه صلى الله وسلم ~~عليه أحيانا كما رواه ابن مسعود والبراء بن عازب وعدم التعرض لتاركه يقضي ~~بسقوط تأكيده ولم يبلغ أبا حنيفة رح تعالى خبر هذا الجمع إنما روى له ~~الأوزاعي عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فرجح عليه ~~أبو حنيفة حمادا عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود بكثرة الفقه لا بكثرة ~~الحفظ فكأنه ظن أنه تفطن ابن مسعود للنسخ دون ابن عمر حيث لم يرفع إلا في ~~التحريمة بناء على أن السكوت في معرض البيان يفيد الحصر, وما يذكر عن ~~الشافعي من عدم الرفع عند قبره مشعر بعدم التأكيد انتهى. وفي تنوير العينين ~~للشيخ محمد إسماعيل الشهيد الدهلوي حفيد صاحب حجة الله البالغة إن رفع ~~اليدين عند الافتتاح والركوع والقيام منه والقيام إلى الثالثة سنة غير ~~مؤكدة من سنن الهدى فيثاب فاعله بقدر ما فعل إن دائما فبحسبه ms104 وإن مرة ~~فبمثله ولا # PageV01P095 # يلام تاركه وإن تركه مدة عمره, وأما الطاعن العالم بالحديث أي من ثبت ~~عنده الأحاديث المتعلقة بهذه المسالة فلا إخاله إلا فيمن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ونريد بسنة الهدى ههنا فعل غير فرض وغير مختص بالنبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فعله هو والخلفاء الراشدون رضي الله تعالى ~~عنهم أو أمروا به وأقروا عليه قربة ولم ينسخ ولم يترك بالإجماع وبغير ~~المؤكدة ما فعلوه مرة وتركوه أخرى فبقولنا فعل خرج به عدم الرفع فإن العدم ~~ليس بفعل نعم إذا كان العدم مستمرا في زمان النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم فقطعه يكون بدعة وليس في مفهوم ~~البدعة إزالة السنة حتى يلزم كون العدم سنة بل مفهومها فعل لم يفهم في ~~زمنهم وبقولنا غير فرض خرجت الفرائض كلها وبقولنا غير مختص خرجت النوافل ~~المختصة به صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كالوصال في الصوم وبقولنا لم ~~ينسخ خرجت السنن المنسوخة كالقيام للجنازة وبقولنا لم يترك بالإجماع خرجت ~~السنن المتروكة به كالرفع بين السجدتين انتهى. وفيما لا بد منه أن رفع ~~اليدين عند الإمام الأعظم ليس بسنة ولكن أكثر الفقهاء والمحدثين يثبتونه ~~انتهى. وفي سفر السعادة إن الأخبار والآثار التي رويت في هذا الباب تبلغ ~~إلى أربعمائة انتهى. قال شارحه الشيخ عبد الحق الدهلوي: إن الرفع وعدم ~~الرفع كلاهما سنة انتهى. وقد مر الجواب عنه وفي سفر السعادة العربي وقد ثبت ~~رفع اليدين في هذه المواضع الثلاثة ولكثرة رواته شابه المتواتر فقد صح في ~~هذا الباب أربعمائة خبر وأثر رواه العشرة المبشرة ولم يزل على هذه الكيفية ~~حتى رحل عن هذا العالم ولم يثبت غير هذا انتهى بعبارته, ونقل ابن الجوزي في ~~نزهة الناظر للمقيم والمسافر عن المزني أنه قال: سمعت الشافعي يقول: لا يحل ~~لأحد سمع حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في رفع اليدين في ~~افتتاح الصلاة وعند الركوع والرفع من ms105 الركوع أن يترك الاقتداء بفعله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم وهذا صريح في أنه يوجب ذلك انتهى. وبالجملة: فقد ~~ثبت رفع اليدين في المواضع الأربعة المذكورة بروايات صحيحة ثابتة وآثار ~~مرضية راجحة ومذاهب حقة صادقة عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعن ~~كبراء الصحابة وعظماء العلماء والفقهاء والمجتهدين بحيث لا يشوبها # PageV01P096 # نسخ ولا تعارض حتى ادعى بعضهم التواتر ولا أقل من أن تكون مشهورة كذا في ~~التنوير, "والضم" لليدين أي اليمنى على اليسرى حال القيام إما على الصدر أو ~~تحت السرة أو بينهما بأحاديث تقارب العشرين في العدد ولم يعارض هذه السنن ~~معارض ولا قدح أحد من أهل العلم بالحديث في شيء منها وقد رواه عن النبي صلى ~~الله وسلم عليه نحو ثمانية عشر صحابيا حتى قال ابن عبد البر: إنه لم يأت ~~فيه عن النبي صلى الله وسلم عليه خلاف وفي تنوير العينين إن وضع اليد على ~~الأخرى أولى من الإرسال لأن الإرسال لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولا عن أصحابه بل ثبت الوضع بروايات صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم وعن أصحابه رضي الله تعالى عنهم كما روى مالك في ~~الموطأ والبخاري في صحيحه عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع ~~الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلم إلا ~~أنه ينمي ذلك إلى النبي صلى الله وسلم عليه وروى الترمذي عن قبيصة بن هلب ~~عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله وسلم عليه يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه. ~~قال الترمذي: وفي الباب عن وائل ابن حجر وغطيف بن الحرث وابن عباس وابن ~~مسعود وسهل بن سعد قال أبو عيسى: حديث هلب حديث حسن والعمل على هذا عند أهل ~~العلم من أصحاب النبي صلى الله وسلم عليه والتابعين ومن بعدهم يرون أن يضع ~~الرجل يمينه على شماله في الصلاة, ورأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة ورأى ~~بعضهم أن يضعهما ms106 تحت السرة وكل ذلك واسع عندهم انتهى. كذلك أخرج مسلم عن ~~وائل بن حجر وابن مسعود والنسائي عن وائل بن حجر والبخاري والحاكم عن علي ~~وابن أبي شيبة عن غطيف بن الحرث وقبيصة بن هلب عن أبيه ووائل بن حجر وعلي ~~وأبي بكر الصديق وأبي الدرداء أنه قال: من أخلاق النبيين وضع اليمين على ~~الشمال في الصلاة, وعن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: "كأني أنظر أحبار بني إسرائيل واضعي أيمانهم على شمائلهم في ~~الصلاة" وهكذا أخرج عن أبي مجلز وأبي عثمان النهدي ومجاهد وأبي الحوراء. ~~وأما ما روي من الإرسال عن بعض التابعين من نحو الحسن وإبراهيم وابن المسيب ~~وابن سيرين وسعيد بن جبير كما # PageV01P097 # أخرجه ابن أبي شيبة فإن بلغ عندهم حديث الوضع فمحمول على أنه لم يحسبوه ~~سنة من سنن الهدى بل حسبوه عادة من العادات فمالوا إلى الإرسال لأصالته مع ~~جواز الوضع فعملوا بالإرسال بناء على الأصل إذ الوضع أمر جديد يحتاج إلى ~~الدليل وإذ لا دليل لهم فاضطروا إلى الإرسال لا أنه ثبت عندهم الإرسال وإلى ~~ذلك يشير قول ابن سيرين حيث سئل عن الرجل يمسك بيمينه شماله قال: إنما فعل ~~ذلك من أجل الروم كما أخرج ابن أبي شيبة. وأما ما أخرج أبو بكر بن أبي شيبة ~~عن يزيد بن إبراهيم قال: سمعت عمرو بن دينار قال: كان ابن الزبير إذا صلى ~~يرسل يديه فهي رواية شاذة مخالفة لما روى الثقات عنه كما أخرج أبو داود عن ~~زرعة بن عبد الرحمن قال: سمعت ابن الزبير يقول: صف القدمين ووضع اليد على ~~اليد من السنة, وإن سلم كونها صحيحة فهذه فعله والفعل لا عموم له ورواية ~~الوضع عنه مرفوعة لأنه نسبه إلى السنة, وقول الصحابي من السنة في حكم الرفع ~~كما حقق في كتب أصول الحديث ومع هذا لعله لم ير الوضع من سنن الهدى وفهم ~~الصحابي ليس بحجة كما مضى لا سيما إذا كان مخالفا لأجله الصحابة كأميري ms107 ~~المؤمنين أبي بكر الصديق وعلي المرتضى وابن عباس وابن مسعود وسهل بن سعد ~~ونحوهم على أنها مخالفة للأحاديث المرفوعة المشهورة, وأعمال الصحابة ~~المستفيضة في باب الوضع فينبغي أن لا يعول على الاعتبار ولا يلتفت إليها. ~~وأما مالك بن أنس فقد اضطربت الروايات عنه فالمدنيون من أصحابه رووا عنه ~~أمر الوضع مطلقا سواء كان في الفرض أو النفل كما يشهد به حديث الموطأ عن ~~سهل بن سعد وأثره عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري, والمصريون من ~~أصحابه رووا عنه الإرسال في الفرض والوضع في النفل وعبد الرحمن بن القاسم ~~روى عنه الإرسال مطلقا وروى أشهب عنه إباحة الوضع وتلك الروايات أي روايات ~~المصريين وابن القاسم عنه وإن عمل بها المتأخرون من المالكلية لكنها روايات ~~شاذة مخالفة لرواية جمهور أصحابه فلا تخرق الإجماع والاتفاق ولا تصادم ما ~~ادعينا من الإطباق ولكونها شاذة أولها ابن الحاجب في مختصره في الفقه ~~بالاعتماد على الأرض إذا رفع رأسه من السجدة ونهض إلى القيام ووضع اليدين ~~تحت السرة وفوقها متساويان لأن كلا منهما مروي عن أصحاب النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم أخرج أبو # PageV01P098 # داود وأحمد وابن أبي شيبة عن علي: "السنة وضع الكف في الصلاة تحت السرة" ~~رواه رزين وغيره وفي سفر السعادة وضع الكف تحت الصدر في صحيح ابن خزيمة. ~~قال الترمذي: رأى بضعهم أن يضعهما فوق السرة ورأى بعضهم أن يضعهما تحت ~~السرة وكل ذلك واسع عندهم كما ذكرنا سابقا وقال الشيخ ابن الهمام: ولم يثبت ~~حديث صحيح يوجب العمل في كون الوضع تحت الصدر وفي كونه تحت السرة والمعهود ~~من الحنفية هو كونه تحت السرة وعن الشافعية تحت الصدر وعند أحمد قولان ~~كالمذهبين والتحقيق المساواة بينهما كما ذكرنا سابقا والله تعالى أعلم ~~بأحكامه انتهى. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين بعد تخريج الأخبار ~~والآثار في وضع اليمنى على اليسرى: ردت هذه الآثار برواية ابن القاسم عن ~~مالك قال: تركه أحب إلي ولا أعلم شيئا ردت به سواه انتهى. وفي حاشية ms108 الشفاء ~~ومن الغرائب أنها صارت في هذه الديار وفي هذه الأعصار عند العامة ومن ~~يشابههم ممن يظن أنه قد ارتفع عن طبقتهم من أعظم المنكرات حتى إن المتمسك ~~بها يصير في اعتقاد كثير في عداد الخارجين عن الدين فترى الأخ يعادي أخاه ~~والوالد يفارق ولده إذا رآه يفعل واحدة منها أي من هذه السنن وكأنه صار ~~متمسكا بدين آخر ومنتقلا إلى شريعة غير الشريعة التي كان عليها, ولو رآه ~~يزني أو يشرب الخمر أو يقتل النفس أو يعق أحد أبويه أو يشهد الزور أو يحلف ~~الفجور لم يجر بينه وبينه من العداوة ما يجري بينه وبينه بسبب التمسك بهذه ~~السنن أو ببعضها, لا جرم هذه علامات آخر الزمان ودلائل حضور القيامة وقرب ~~الساعة انتهى. والإشارة بقوله بهذه السنن إلى رفع اليدين في المواضع ~~الأربعة وضم اليدين في الصلاة قال: وأعجب من فعل العامة الجهلة وأغرب سكوت ~~علماء الدين وأئمة المسلمين عن الإنكار على من جعل المعروف منكرا والمنكر ~~معروفا وتلاعب بالدين وبسنة سيد المرسلين انتهى. "والتوجه" فقد وردت فيه ~~أحاديث بألفاظ مختلفة ويجزئ التوجه بواحد منها إذا خرج من مخرج صحيح وأصحها ~~الاستفتاح المروي من حديث أبي هريرة وهو في الصحيحين وغيرهما بل قد قيل إنه ~~تواتر لفظا وهو: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق ~~والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني ~~من خطاياي بالماء والثلج والبرد". قال في الحجة: # PageV01P099 # وقد صح في ذلك صيغ منها: "اللهم باعد بيني" إلى آخره ومنها: "إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"1. ~~ومنها: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك". ومنها: ~~"الله أكبر كبيرا ثلاثا الحمد لله كثيرا ثلاثا وسبحان الله بكرة وأصيلا ~~ثلاثا" والأصل في الاستفتاح حديث علي في الجملة وأبي هريرة وعائشة وجبير بن ~~مطعم وابن عمر وغيرهم ms109 وحديث عائشة وابن مسعود وأبي هريرة وثوبان وكعب بن ~~عجرة في سائر المواضع وغير هؤلاء انتهى ملخصا. قلت: ذهب الشافعي في دعاء ~~الافتتاح إلى حديث علي رضي الله تعالى عنه: "إني وجهت وجهي" الخ وأبو حنيفة ~~إلى حديث عائشة "سبحانك اللهم وبحمدك" الخ وقال مالك: لا نقول شيئا من ذلك. ~~ومعنى قوله عندي أنه ليس بسنة لازمة, وأشار البغوي إلى أن الاختلاف في ~~أذكار الصلاة من دعاء الافتتاح وذكر الركوع والسجود وما بعد التشهد بين ~~الأئمة من الاختلاف المباح فذكر كل أصح ما عنده وليس أحد ينكر ما عند ~~الآخر. بعد التكبيرة لأنه لم يأت في ذلك خلاف النبي صلى الله عليه وسلم بل ~~كل من روى عنه الاستفتاح روى أنه بعد التكبيرة ولم يأت في شيء أنه توجه ~~قبلها وقد أوضح ذلك العلامة الشوكاني في حاشية الشفاء. وأما ما يتوجه به ~~فهو الذي قد ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وفيه الصحيح والأصح ~~والوقوف على ذلك ممكن بالنظر في مختصر من مختصرات الحديث وسبحان الله ~~وبحمده ما فعلت هذه المذاهب بأهلها. وأما "التعوذ" فقد ثبت بالأحاديث ~~الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعله بعد الاستفتاح قبل القراءة ~~ولفظه: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" ~~كما أخرجه أحمد وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري قال في الحجة: ثم يتعوذ ~~لقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} وفي ~~التعوذ صيغ منها: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ومنها: "أستعيذ بالله من ~~الشيطان الرجيم" ثم يبسمل سرا لما شرع الله تعالى لنا من تقديم التبرك باسم ~~الله تعالى على القراءة ولأن PageV01P100 # فيه احتياطا إذ قد اختلفت الرواية هل هي آية من الفاتحة أم لا فقد صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفتتح الصلاة أي القراءة بالحمد لله رب ~~العالمين ولا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم انتهى. # أقول: قد وقع الخلاف في البسملة من جهات: الأولى في كونها قرآنا ms110 في كل ~~سورة أم لا الثانية في قراءتها في الصلاة أو سرا في السرية وجهرا في ~~الجهرية ولأهل العلم في كل طرف من هذه الأطراف خلاف طويل ومنازعات كثيرة ~~والقراء منهم من يقرؤها في أول كل سورة ومنهم من لا يقرؤها وقد أورد شيخنا ~~العلامة الشوكاني في شرح المنتقى ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. ~~والحاصل: أن الحق ثبوت قراءتها وأنها آية من كل سورة وأنها تقرأ في الصلاة ~~جهرا في الجهرية وسرا في السرية في السرية وأحاديث عدم سماع جهره صلى الله ~~عليه وسلم بها وإن كانت صحيحة فالجمع بينها وبين أحاديث الجهر ممكن بأن ~~يحمل نفي من نفى على أنه عرض له مانع عن سماعها فإن وقت قراءة الإمام لها ~~وقت اشتغال المؤتم بالدخول في الصلاة والإحرام والتوجه وتكبير القائمين إلى ~~الصلاة ورواة الإسرار هم مثل أنس وعبد الله بن مغفل وهم إذ ذاك من صغار ~~الصحابة قد لا يقفون في الصفوف المتقدمة لأنها موقف كبار الصحابة كما ورد ~~الدليل بذلك وعلى كل تقدير فالمثبت مقدم على النافي, وأحاديث الجهر وإن ~~كانت غير سليمة من المقال فهي قد بلغت في الكثرة إلى حد يشهد بعضها لبعض مع ~~كونها معتضدة بالرسم في المصاحف وهو دليل علمي كما قاله العضد وغيره فقد ~~وافقت سائر الآيات القرآنية في ذلك فالظاهر مع من قال بأن صفتها وصفة سائر ~~الآيات متفقة. وأما ما في تنوير العينين من أن ترك الجهر بالتسمية أولى من ~~الجهر بها لأن رواية ترك جهره أكثر وأوضح من جهره انتهى فقد دفعه ما تقدم ~~آنفا. وأما التأمين فقد ورد به نحو سبعة عشر حديثا وربما تفيد أحاديثه ~~الوجوب على المؤتم إذا أمن إمامه كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين ~~وغيرهما بلفظ: "إذا أمن الإمام فأمنوا" فيكون ما في المتن مقيدا بغير ~~المؤتم إذا أمن إمامه وقد ذهب إلى مشروعيته جمهور أهل العلم ومما يؤكد ~~مشروعيته أن فيه إغاظة لليهود لما أخرجه أحمد وابن ماجه والطبراني من حديث ms111 ~~عائشة مرفوعا: "ما حسدتكم اليهود على شي ما حسدتكم على قول آمين". قال ابن ~~القيم في إعلام الموقعين: السنة المحكمة الصحيحة الجهر بآمين # PageV01P101 # في الصلاة كقوله في الصحيحين: "إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق ~~تأمينه أمين الملائكة غفر له" ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأموم أن ~~يؤمن معه ويوافقه في بالتأمين وأصرح من هذا حديث سفيان الثوري عن سلمة بن ~~كهيل عن حجر ابن عنبس عن وائل بن حجر قال: كان رسول الله صلى الله وسلم ~~عليه إذا قال ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته, وفي لفظ: "وطول بها" ~~رواه الترمذي وغيره وإسناده صحيح, وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث فقال: ~~"وخفض بها صوته" وحكم أئمة الحديث وحفاظه في هذا لسفيان فقال الترمذي: سمعت ~~محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل في هذا الباب أصح ~~من حديث شعبة وأخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع فقال عن حجر أبي العنبس ~~وإنما كنيته أبو السكن وزاد فيه عن علقمة بن وائل وإنما هو حجر بن عنبس عن ~~وائل بن حجر ليس فيه علقمة وقال: "وخفض بها صوته" والصحيح أنه جهر بها. قال ~~الترمذي: سألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة إذا اختلفا فقال: القول قول ~~سفيان إلى قوله: فرد هذا كله بقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا} والذي نزلت عليه هذه الآية هو الذي رفع صوته بالتأمين والذين ~~أمروا بها رفعوا به أصواتهم ولا معارضة بين هذه الآية والسنة بوجه ما اه, ~~ثم أطال ابن القيم في بيان أدلة ترجيح هذه السنة وتقريرها تركنا ذكرها ~~مخافة الإطالة وفي تنوير العينين يظهر بعد التعمق في الروايات والتحقيق أن ~~الجهر بالتأمين أولى من خفضه لأن رواية جهره أكثر وأوضح من خفضه اه. # وقراءة غير الفاتحة معها لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي قتادة ~~أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم ~~الكتاب وسورتين وفي الركعتين ms112 الأخريين بفاتحة الكتاب وورد ما يشعر بوجوب ~~قرآن مع الفاتحة من غير تعيين كحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله وسلم عليه ~~أمره أن يخرج فينادي: لاصلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد أخرجه أحمد ~~وأبو داود وفي إسناده مقال ولكنه قد أخرج مسلم في صحيحه وغيره من حديث ~~عبادة بن الصامت بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا" وقد ~~أعلها البخاري في جزء القراءة, وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد بلفظ: # PageV01P102 # أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. قال ابن سيد الناس: وإسناده صحيح ~~ورجاله ثقات, وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح. وأخرج ابن ماجه من حديث ~~أبي سعيد بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة" وهو حديث ~~ضعيف, وهذه الأحاديث لا تقصر عن إفادة إيجاب قرآن مع الفاتحة من غير تقييد ~~بل مجرد الآية الواحدة يكفي, وأما زيادة على ذلك كقراءة سورة مع الفاتحة في ~~كل ركعة من الأوليين فليس بواجب فيكون ما في المتن مقيدا بما فوق الآية. ~~قال في الحجة البالغة: ثم يرتل سورة الفاتحة وسورة من القرآن ترتيلا يمد ~~الحروف ويقف على رؤوس الآي يخافت في الظهر والعصر ويجهر الإمام في الفجر ~~والمغرب والعشاء ويقرأ في الفجر ستين آية إلى مائة تداركا لقلة ركعاته بطول ~~قراءته وفي العشاء: {سبح اسم ربك الأعلى} . {والليل إذا يغشى} ومثلهما وحمل ~~الظهر على الفجر والعصر على العشاء وفي بعض الروايات الظهر على العشاء ~~والعصر على المغرب وفي بعضها وفي المغرب بقصار المفصل لصيق الوقت انتهى. ~~وأما التشهد الأوسط فلم يرد فيه ألفاظ تخصه بل يقول فيه ما يقول في التشهد ~~الأخير ولكنه يسرع بذلك وفي حاشية الشفاء للشوكاني رح: وأما ما يقال فيه ~~فهو ما يقال في التشهد الأخير سواء بسواء إلا ما ورد تخصيصه بالآخر فيختص ~~به وظاهر الأدلة الواردة في التشهد شامل للتشهدين جميعا إلا أنه ينبغي ~~تخفيفه كما ورد الدليل بذلك وأقل ما يقال فيه تشهد ابن مسعود ويضم ms113 إليه ~~الصلاة على النبي وآله صلى الله وسلم عليه بأخصر لفظ فهذا لا ينافي التخفيف ~~المشروع انتهى. وقد روى أحمد والنسائي من حديث ابن مسعود قال: إن محمدا قال ~~إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك ~~أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ليتخير أحدكم من الدعاء ~~أعجبه إليه فليدع به ربه عز وجل, ورجاله ثقات وأخرجه الترمذي بلفظ: علمنا ~~رسول الله صلى الله وسلم عليه إذا قعدنا في الركعتين, فالتقييد بالقعود في ~~كل ركعتين يفيد أن هذا التشهد هو التشهد الأوسط ولكن ليس فيه ما ينفي زيادة ~~الصلاة على النبي صلى الله وسلم عليه وقد شرعها رسول الله صلى الله وسلم ~~عليه في التشهد مقترنة بالسلام على النبي صلى الله وسلم عليه كما ورد بلفظ: ~~قد علمنا كيف السلام عليك فكيف # PageV01P103 # الصلاة وهو في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وفي رواية من حديث ابن مسعود ~~فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ وإنما لم يكن التشهد الأوسط واجبا ~~ولا قعوده لأن النبي صلى الله وسلم عليه تركه سهوا فسبح الصحابة فلم يعد له ~~بل استمر وسجد للسهو فلو كان واجبا لعاد له عند ذهاب السهو بوقوع التنبيه ~~من الصحابة فلا يقال: إن سجود السهو يكون لجبران الواجب كما يكون لجبران ~~غير الواجب لأنا نقول: محل الدليل ههنا هو عدم العود لفعله بعد التنبيه على ~~السهو. أقول: لا ريب أنه صلى الله وسلم عليه لازم التشهد الأوسط ولم يثبت ~~في حديث من الأحاديث الحاكية لفعله صلى الله وسلم عليه أنه تركه مرة واحدة ~~ولكن هذا القدر لا يثبت به الوجوب وإن كان بيانا لمجمل واجب وانضم إليه ~~حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" لأن الاقتصار في حديث المسيء بعض ما كان ~~يفعله دون بعض يشعر بعدم وجوب ما لم يذكر فيه وأحاديث التشهد الصحيحة التي ~~فيها لفظ: "قولوا" ms114 وإن كان أصل الأمر للوجوب لكنه مصروف عن حقيقته بحديث ~~المسيء ويشكل على ذلك قول ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد. ~~الحديث. فإن هذه العبارة على أن التشهد من المفترضات ويمكن أن يقال: إن فهم ~~ابن مسعود للفرضية لا يستلزم أن يكون الأمر كذلك لأنه من مجالات الاجتهادات ~~واجتهاده ليس بحجة على أحد1, وأيضا بعض التشهد تعليم كيفية وتعليم الكيفيات ~~وإن كان بلفظ الأمر لا يدل على وجوبها وما نحن بصدده من ذلك فإنه وقع في ~~جواب كيف نصلي عليك وإنما كان كذلك لأن جواب السائل عن الكيفية يكون بالأمر ~~وإن كانت غير واجبة إجماعا تقول كيف أغسل ثوبي وأحمل متاعي فيقول المسؤول ~~افعل كذا غير مريد لا يجاب ذلك عليك بل لمجرد التعليم للهيئة المسؤول عنها ~~بكيف فلا بد أن يكون الشيء المسؤول عن كيفيته قد وجب بدليل آخر غير تعليم ~~PageV01P104 # الكيفية1 وقد وقع في بعض طرق حديث المسيء ذكر للتشهد فراجعه في الموطن ~~فإن صحت تلك الطرق كانت هي المفيدة للوجوب, وأما حديث: "إذا أحدث المصلي ~~بعد آخر سجدة" فليس مما تقوم به الحجة فليعلم. وأما الأذكار الواردة في كل ~~ركن فكثيرة جدا منها: تكبير الركوع والسجود والرفع والخفض كما دل عليه حديث ~~ابن مسعود قال: رأيت النبي صلى الله وسلم عليه يكبر في كل رفع وخفض وقيام ~~وقعود. وأخرجه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وأخرج نحوه البخاري ومسلم من ~~حديث عمران بن حصين وأخرج نحوه من حديث أبي هريرة وفي الباب أحاديث إلا عند ~~الارتفاع من الركوع فإن الإمام والمنفرد يقولان: "سمع الله لمن حمده" ~~والمؤتم يقول: "اللهم ربنا ولك الحمد" وهو في الصحيح من حديث أبي موسى قال ~~في حاشية الشفاء: الظاهر من الأدلة أن الإمام والمنفرد يجمعان بين السمعلة ~~والحمدلة فيقولان: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا ~~مباركا فيه. وأما المؤتم ففيه احتمال وقد أوضحت الصواب فيه في شرح المنتقى ~~انتهى. قال ابن القيم في الإعلام: السنة الصريحة ms115 في قول الإمام: "ربنا لك ~~الحمد" كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله وسلم ~~عليه إذا قال سمع الله لمن حمده قال: "اللهم ربنا لك الحمد" وفيهما أيضا ~~عنه: كان رسول الله صلى الله وسلم عليه يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم ~~يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم ربنا لك ~~الحمد, وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله وسلم عليه كان إذا رفع ~~رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد" فردت هذه ~~السنن المحكمة بالمتشابه من قوله صلى الله وسلم عليه: "إذا قال الإمام سمع ~~الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد" انتهى. وأما ذكر الركوع فهو: "سبحان ~~ربي العظيم" وذكر السجود: "سبحان ربي الأعلى" ويدعو بعد ذلك بما أحب من ~~المأثور وغيره وأقل ما يستحب من التسبيح في الركوع والسجود ثلاث لحديث ابن ~~مسعود أن النبي صلى الله وسلم عليه قال: إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ~~ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه PageV01P105 # وذلك أدناه وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم ~~سجوده وذلك أدناه أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وفي إسناده انقطاع. ~~وأما ذكر الاعتدال فقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد ملء ~~السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء ~~والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وأما الذكر بين السجدتين فقد روى الترمذي وأبو ~~داود وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني ~~وارزقني". # أقول: قد بين لنا ms116 صلى الله عليه وسلم كيفية تسبيح الركوع والسجود بيانا ~~شافيا نقله لنا عنه الذين نقلوا إلينا سائر الأحكام الشرعية فقالوا كان ~~يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى" وكذلك ~~أرشد إليه صلى الله وسلم عليه قولا. وأما التقييد بعدد مخصوص فلم يرد ما ~~يدل عليه إنما كان الصحابة يقدرون لبثه في ركوعه وسجوده تقادير مختلفة ~~والتطويل في الصلاة من السنن الثابتة ما لم يكن المصلي إماما لقوم فإنه ~~يصلي بهم صلاة أخفهم كما أرشد إليه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم, ~~والأحاديث في الأذكار الكائنة في الصلاة كثيرة جدا فينبغي الاستكثار من ~~الدعاء في الصلاة بخيري الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد والأولى أن ~~يأتي بهذه الأذكار قبل الرواتب فإنه جاء في بعض الأذكار ما يدل على ذلك ~~كقوله: "من قال قبل أن ينصرف ويثني رجله من صلاة المغرب والصبح لا إله إلا ~~الله" الخ وكقول الراوي: "كان إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى: لا إله ~~إلا الله" الخ. قال ابن عباس: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم بالتكبير , وفي بعضها ما يدل ظاهرا كقوله: "دبر كل ~~صلاة" وأما قول عائشة: كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت ~~السلام" الخ فيحتمل وجوها ذكرتها في شرح بلوغ المرام. وبالجملة: فالأدعية ~~كلها بمنزلة أحرف القرآن من قرأ منها شيئا فاز بالثواب # PageV01P106 # الموعود وهذا الباب يحتمل البسط وليس المراد هنا إلا الإشارة إلى ما ~~يحتاج إليه وقد ذكر الماتن هذه المسائل والأذكار في شرح المنتقى وأورد كل ~~ما يحتاج إليه على وجه لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. # فصل فيما لا يجوز في الصلاة وتبطل الصلاة بالكلام لحديث زيد بن أرقم في ~~الصحيحين وغيرهما قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه حتى نزلت: ~~{وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وهكذا حديث ابن مسعود ~~في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "إن في الصلاة لشغلا" وفي رواية ms117 لأحمد والنسائي ~~وأبي داود وابن حبان في صحيحه: إن الله يحدث من أمره ما شاء وإنه أحدث من ~~أمره أن لا يتكلم في الصلاة, ولا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم عامدا ~~عالما فسدت صلاته, وإنما الخلاف في كلام الساهي ومن لم يعلم بأنه ممنوع ~~فأما من لم يعلم فظاهر حديث معاوية بن الحكم السلمي الثابت في الصحيح أنه ~~لا يعيد وقد كان شأنه صلى الله وسلم عليه أن لا يحرج على الجاهل ولا يأمره ~~بالقضاء في غالب الأحوال بل يقتصر على تعليمه وعلى إخباره بعدم جواز ما وقع ~~منه وقد يأمره بالإعادة كما في حديث المسيء, وأما كلام الساهي والناسي ~~فالظاهر أنه لا فرق بينه وبين العامد العالم في إبطال الصلاة. قال أبو ~~حنيفة: كلام الناسي يبطل الصلاة وحديث أبي هريرة كان قبل تحريم الكلام ثم ~~نسخ وفيه بحث لأن تحريم الكلام كان بمكة وهذه القصة بالمدينة, وقال ~~الشافعي: كلام الناسي لا يبطل الصلاة وكلام العامد يبطلها ولو قل, وتأويل ~~الحديث عنده أن النبي صلى الله وسلم عليه كان ناسيا بانيا كلامه على أن ~~الصلاة تمت وهو نسيان وكلام ذي اليدين على توهم قصر الصلاة فكان حكمه حكم ~~الناسي وكلام القوم كان جوابا للرسول وإجابة الرسول لا تبطل الصلاة, وقال ~~مالك: إن كان الكلام العمد يسيرا لإصلاح الصلاة لا يبطل مثل أن يقال: لم ~~تكمل فيقول: قد أكملت وحديث: نهينا عن الكلام. ولا تكلموا خص منه هذا النوع ~~من الكلام كذا في المسوى. أقول أما فساد صلاة من تكلم ساهيا فلا أعرف دليلا ~~يدل عليه إلا عموم حديث النهي # PageV01P107 # عن الكلام وهو مخصص بمثل حديث تكلمه صلى الله وسلم عليه بعد أن سلم على ~~ركعتين كما في حديث ذي اليدين فإنه تكلم في تلك الحال ساهيا عن كونه مصليا ~~وهو المراد بكلام الساهي لأن المراد إصدار الكلام من غير قصد فإن قيل إن ثم ~~فرقا بين من تكلم وهو داخل الصلاة لم يخرج منها وبين من تكلم وقد ms118 خرج منها ~~ساهيا فإن الأول أوقع الكلام حال الصلاة والآخر أوقعه خارجها واعتداده بما ~~قد فعله قبل الخروج ساهيا لا يوجب كونه بعد الخروج قبل الرجوع في صلاة وأدل ~~دليل على ذلك تكبيره للدخول بعد الخروج سهوا فيقال: الأدلة لواردة في رفع ~~الخطاب عن الساهي مخصصة لذلك العموم فاقتضى ذلك أن المفسد هو كلام العامد ~~لا كلام الساهي, وأما عدم أمره لمعاوية بن الحكم بالإعادة كما في الحديث ~~فيمكن أن يكون لتنزيل كلام الجاهل بالتحريم منزلة كلام الساهي ويمكن أن ~~يكون الجهل عذرا بمجرده وبالاشتغال بما ليس منها وذلك مقيد بأن يخرج به ~~المصلي عن هيئة الصلاة كمن يشتغل مثلا بخياطة أو نجارة أو مشي كثير أو ~~التفات طويل أو نحو ذلك وسبب بطلانها بذلك أن الهيئة المطلوبة من المصلي قد ~~صارت بذلك الفعل متغيرة عما كانت عليه حتى صار الناظر لصاحبها لا يعده ~~مصليا, أقول: اختلفت أنظار أهل العلم في تعريف الفعل الكثير المفسد للصلاة ~~والمبطل لها والذي أراه طريقا إلى معرفة الفعل الكثير أن ينظر المتكلم في ~~ذلك إلى ما صدر منه صلى الله وسلم عليه من الأفعال مثل حمله لأمامة بنت أبي ~~العاص وطلوعه ونزوله في المنبر وهو في حال الصلاة ونحو ذلك مما وقع منه صلى ~~الله وسلم عليه لا لإصلاح الصلاة فيحكم بأنه غير كثير, وكذلك ما وقع لقصد ~~إصلاح الصلاة مثل خلعه صلى الله وسلم عليه للنعل وإذنه بمقاتلة الحية وما ~~أشبه ذلك ينبغي الحكم بأنه غير كثير بالأولى وما خرج عن الواقع من أفعاله ~~والمسوغ بأقواله فهو فعل غير مشروع, ورجع في كونه مفسدا وغير مفسد إلى ~~الدليل فإن ورد ما يدل على أحد الطرفين كان العمل عليه وإن لم يرد فالأصل ~~الصحة والفساد خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لقيام دليل يدل على الفساد ~~ولكنه إذا صدر من المصلي من الأفعال التي لمجرد العبث ما يخرج به عن هيئة ~~من يؤدي هذه # PageV01P108 # العبادة مثل: أن يشتغل بعمل من الأعمال التي لا مدخل ms119 لها في الصلاة ولا ~~في إصلاحها نحو: حمل الأثقال والخياطة والنسخ ونحو ذلك فهذا غير مصل فإذا ~~قال قائل بفساد صلاته فهو من حيث إنه قد فعل ما ينافي الصلاة. وأما ~~الاستدلال بحديث: "اسكتوا في الصلاة" فهو مع كونه لا يفيد إلا الوجوب ~~والواجب لا يستلزم عدمه فساد ما هو واجب فيه مخصص بجميع ما فعله صلى الله ~~وسلم عليه أو أذن به أو قرره وما خرج عن ذلك ففعله غير جائز بل يجب تركه ~~فقط فمن تركه كان ممدوحا ومن فعله كان مذموما ومن قال إن الأمر بالشيء نهي ~~عن ضده والنهي يقتضي الفساد كما هو مذهب طائفة من أهل الأصول فغاية ما هناك ~~أن ذلك الفعل الذي فعله ولم يتركه كما يجب عليه فاسد, وأما كون الصلاة التي ~~فعل فيها ذلك الفعل فاسدة فشيء آخر. قال مجد الدين الفيروز أبادي في الصراط ~~المستقيم: ولسماع بكاء الطفل كان يخفف الصلاة وأحيانا كان يتعلق به وهو في ~~الصلاة طفل فيحمله على عاتقه وأحيانا كان يأتي الحسين وهو في السجود فيركب ~~على ظهره المبارك فيطيل السجود لأجله, وأحيانا كانت عائشة تأتي وهو في ~~الصلاة وقد غلق الباب فيخطو ليفتح الباب لها, وأحيانا كان يسلم عليه وهو في ~~الصلاة فيجيب بالإشارة باسطا يده وقد يومئ برأسه المبارك وكانت عائشة نائمة ~~تجاه صلاته فكان عند السجود يضع يده على رجلها لتخلي مكان السجود بضم ~~رجلها, وكان قد يصل إلى آية السجدة على المنبر فيهبط إلى الأرض ليسجد ثم ~~يصعد واختصم وليدتان من بني عبد المطلب فتصارعتا فلما دنتا منه أمسكهما ~~بيده وفرق بينهما, وكان يبكي في الصلاة كثيرا ويتنحنح أحيانا لحاجة, وقال: ~~"صلوا في نعالكم خلافا لليهود" اه. قال في الحجة البالغة: إن النبي صلى ~~الله وسلم عليه قد فعل أشياء في الصلاة بيانا للمشروع وقرر على أشياء فذلك ~~وما دونه لا يبطل الصلاة. والحاصل من الاستقراء أن القول اليسير مثل: ألعنك ~~بلعنة الله, ويرحمك الله, ويا ثكل أماه وما شأنكم تنظرون إلي ms120 والبطش اليسير ~~مثل: وضع صبية من العاتق ورفعها وغمز الرجل ومثل فتح الباب والمشي اليسير ~~كالنزول من درج المنبر إلى مكان ليتأتى منه السجود في # PageV01P109 # أصل المنبر والتأخر من موضع الإمام إلى الصف والتقدم إلى الباب المقابل ~~ليفتح والبكاء خوفا من الله تعالى والإشارة المفهمة وقتل الحية والعقرب ~~واللحظ يمينا وشمالا من غير لي العنق لا يفسد, وإن تعلق القذر بجسده أو ~~ثوبه إذا لم يكن بفعله أو كان لا يعلمه لا يفسد. اه. قلت: اتفقوا على أن ~~العمل اليسير لا يبطل الصلاة في العالمكيرية إن حمل صبيا أو ثوبا على عاتقه ~~لم تفسد صلاته وإن حمل شيئا يتكلف في حمله فسدت, وفي المنهاج الكثرة بالعرف ~~فالخطوتان والضربتان قليل والثلاث كثير وتبطل بالوثبة الفاحشة لا الحركات ~~الخفيفة المتوالية كتحريك أصابعه في سبحة أوحك في الأصح في العالمكيرية1 لو ~~فتح على غير إمامه تفسد إلا إذا عنى به التلاوة دون التعليم وإن فتح على ~~إمامه فالصحيح لا تفسد بحال وفي المنهاج لو نطق بنظم القرآن بقصد التفهيم ~~كيا يحيى خذ الكتاب قصد معه قراءة لم تفسد وإلا بطلت كذا في المسوى, وبترك ~~شرط كالوضوء فلأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط. أو ركن لكون ذهابه يوجب ~~خروج الصلاة عن هيئتها المطلوبة عمدا وإذا ترك الركن فما فوقه سهوا فعله ~~وإن كان قد خرج عن الصلاة كما وقع منه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ~~حديث ذي اليدين فإنه سلم على ركعتين ثم أخبر بذلك فكبر وفعل الركعتين ~~المتروكتين, وأما ترك ما لم يكن شرطا ولا ركنا من الواجبات فلا تبطل به ~~الصلاة لأنه لا يؤثر عدمه في عدمها بل حقيقة الواجب ما يمدح فاعله ويذم ~~تاركه وكونه يذم لا يستلزم أن صلاته باطلة. # والحاصل: أن الشروط للشيء هي التي تثبت بدليل يدل على انتفاء المشروط عند ~~انتفاء الشرط نحو أن يقول الشارع: من لم يفعل كذا فلا صلاة له أو يأتي عن ~~الشارع ما هو تصريح بعدم الصحة أو بعدم ms121 القبول أو الأجر أو يثبت عنه النهي ~~عن الإتيان بالمشروط بدون الشرط لأن النهي يدل على الفساد المرادف للبطلان ~~على ما هو الحق وأما كون الشيء واجبا فهو يثبت بمجرد طلبه من الشارع ومجرد ~~الطلب لا يستلزم زيادة على كون الشيء واجبا فتدبر هذا تسلم من الخبط ~~والخلط. # فصل "ولا تجب" الصلوات المكتوبة الخمس "على غير مكلف" لأن PageV01P110 # خطاب التكليف لا يتناول غير مكلف ولا خلاف في ذلك في الواجبات الشرعية, ~~وأما ما ورد من تعويد الصبيان وتمرينهم فالخطاب في ذلك للمكلفين والوجوب ~~عليهم لا على الصغار. "وتسقط عمن عجز عن الإشارة" لأن إيجابها على المريض ~~مع بلوغه إلى ذلك الحد هو من تكليف ما لا يطاق ولم يكلف الله تعالى أحدا ~~فوق طاقته. وكذلك عمن أغمي عليه حتى خرج وقتها فلا وجوب عليه لأنه غير مكلف ~~في الوقت # ويصلي المريض قائما ثم قاعدا ثم على جنب لحديث عمران بن حصين عند البخاري ~~وأهل السنن وغيرهم قال: "كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم عن الصلاة فقال: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع ~~فعلى جنب". وقد نطق بمضمون ذلك القرآن الكريم وإذا تعذر على المصلي صفة من ~~صفات صلاة العليل الواردة أتى بالصلاة على صفة أخرى مما ورد ثم يفعل ما قدر ~~عليه ودخل تحت استطاعته: {فاتقوا الله ما استطعتم} . "وإذا أمرتم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم". # PageV01P111 ### | باب صلاة التطوع # "هي أربع قبل الظهر وأربع بعده وأربع قبل العصر". لما ثبت في ذلك من حديث ~~أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله وسلم عليه يقول: "من صلى أربع ~~ركعات قبل الظهر وأربعا بعدها حرمه الله على النار" رواه أحمد وأهل السنن ~~وصححه الترمذي وابن حبان قال في سفر السعادة: وكان يفصل بين هذه الأربع ~~بتسليمتين قال أمير المؤمنين علي: كان النبي صلى الله وسلم عليه يصلي قبل ~~الظهر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن معهم من ~~المسلمين والمؤمنين. رواه ms122 أحمد والترمذي محسنا اه. وأخرج أحمد وأبو داود ~~والترمذي عن ابن عمر: أن النبي صلى الله وسلم عليه قال: "رحم الله امرأ صلى ~~قبل العصر أربعا" وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وابن خزيمة. "وركعتان بعد ~~المغرب" قال في سفر السعادة: وفي سنة المغرب سنتان: إحداهما أن لا يتكلم ~~بينهما وبين الفريضة لما في الحديث: "من صلى ركعتين بعد # PageV01P111 # المغرب". قال مكحول: يعني قبل أن يتكلم رفعت صلاته في عليين. الثانية: أن ~~تكون في البيت, دخل رسول الله صلى الله وسلم عليه مسجد بني الأشهل وصلى ~~المغرب فلما فرغ رأى أهل المسجد اشتغلوا بصلاة السنة فقال: "هذه صلاة ~~البيوت" وفي لفظ ابن ماجه: "اركعوا هاتين في بيوتكم". حاصله: أن عادة حضرة ~~سيدنا رسول الله صلى الله وسلم عليه أنه كان يصلي جميع السنن في بيته إلا ~~أن يكون بسبب وكان يقول: أيها الناس: "صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة الرجل ~~في بيته إلا المكتوبة" اه. وقال أيضا: وكان الصحابة يصلون قبل المغرب ~~ركعتين ولم يمنعهم صلى الله وسلم عليه من ذلك وثبت في الصحيحين أنه صلى ~~الله وسلم عليه قال: "صلوا قبل المغرب" وقال في الثالثة: "لمن شاء" كراهة ~~أن يتخذها الناس سنة فصلاتها مندوبة مستحبة لكن لا تبلغ درجة الرواتب اه. ~~"وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر" لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من ~~حديث عبد الله بن عمر قال: حفظت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد ~~العشاء وركعتين قبل الغداة". وأخرج نحوه مسلم في صحيحه وأحمد والترمذي ~~وصححه من حديث عبد الله بن شقيق, وأخرج نحوه مسلم وأهل السنن من حديث أم ~~حبيبة ولا ينافي هذا ما تقدم من الدليل الدال على مشروعية أربع قبل الظهر ~~وأربع بعده لأن هذه زيادة مقبولة وثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه ~~على ms123 ركعتي الفجر. وثبت في صحيح مسلم وغيره من حديثها: أن ركعتي الفجر خير ~~من الدنيا وما فيها, وفيهما أحاديث كثيرة. قال في سفر السعادة: وكان يحافظ ~~على ركعتي الفجر بحيث إنه كان يواظب عليهما في السفر أيضا ولم يرو أنه صلى ~~الله وسلم عليه صلى في السفر شيئا من السنن الرواتب إلا سنة الفجر وصلاة ~~الوتر, وللعلماء في أفضلية سنة الفجر وصلاة الوتر قولان: قال بعضهم: سنة ~~الفجر آكد, وقال بعضهم: بل الوتر, وكما أن الوتر واجب عند البعض كذا سنة ~~الفجر تجب عند البعض, وقال بعض المشايخ: سنة الفجر ابتداء العمل والوتر ختم ~~العمل فلا جرم صرفنا العناية # PageV01P112 # لشأنهما ولهذا السبب شرع فيهما قراءة سورة الإخلاص وسورة قل يا1 ~~لاشتمالهما على توحيد العلم والعمل وتوحيد المعرفة والإرادة وتوحيد ~~الاعتقاد والقصد كما بيناه في كتاب حاصل كورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص ~~اه. "وصلاة الضحى" والأحاديث فيها متواترة عن جماعة من الصحابة وأقلها ~~ركعتان كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما, وأكثرها اثنتا عشرة ~~ركعة كما دلت على ذلك الأدلة وفي الحجة البالغة وللضحى ثلاث درجات أقلها ~~ركعتان وفيها أنها تجزي عن الصدقات الواجبة على كل سلامي ابن آدم وثانيتها ~~أربع ركعات وفيها عن الله تعالى: "يا ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول ~~النهار أكفك آخره" وثالثها ما زاد عليها كثماني ركعات وثنتي عشرة, وأكمل ~~أوقاته حين يرتحل النهار وترمض الفصال2 اه. "وصلاة الليل" والأحاديث فيها ~~صحيحة متواترة لا يتسع المقام لبسطها قال تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد ~~وطئا وأقوم قيلا} وقال صلى الله وسلم عليه: "صلوا بالليل والناس نيام" ~~وكانت العناية بصلاة التهجد أكثر فبين صلى الله وسلم عليه فضائلها وضبط ~~آدابها وأذكارها. قال: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وهو ~~قربة لكم إلى ربكم مكفرة للسيئات منهاة عن الإثم" وغير ذلك. وأكثرها ثلاث ~~عشرة ركعة, وقد كان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يصلي صلاة الليل على ~~أنحاء مختلفة فتارة يصلي ركعتين ركعتين ms124 ثم يوتر بركعة وتارة يصلي أربعا ~~أربعا وتارة يجمع بين زيادة على الأربع وذلك كله سنة ثابتة قال في الحجة ~~البالغة: صلاها النبي صلى الله وسلم عليه على وجوه والكل سنة. قال في المنح ~~قالت عائشة: ولا أعلم رسول الله صلى الله وسلم عليه قرأ القرآن كله في ليلة ~~ولا قام ليلة حتى أصبح. اه. "يوتر في آخرها بركعة" إما منفردة أو منضمة إلى ~~شفع قبلها. قال ابن القيم: ووردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر ~~بخمس متصلة وسبع متصلة كحديث أم سلمة كان رسول الله صلى الله وسلم عليه ~~يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بسلام ولا كلام, رواه PageV01P113 # أحمد وكقول عائشة: كان رسول الله صلى الله وسلم عليه يصلي من الليل ثلاث ~~عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن متفق عليه. وكحديث عائشة: ~~أنه يصلي من الليل تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ~~ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد ~~فتلك إحدى عشرة ركعة فلما أسن رسول الله صلى الله وسلم عليه وأخذه اللحم ~~أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول, وفي لفظ عنها: فلما أسن ~~وأخذه اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا ~~في السابعة. وفي لفظ: صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن, وكلها أحاديث ~~صحاح صريحة لا معارض لها فردت بقوله صلى الله وسلم عليه: "صلاة الليل مثنى ~~مثنى" وهو حديث صحيح ولكن الذي قاله هو الذي أوتر بالسبع والخمس وسنته كلها ~~حق يصدق بعضها بعضا فالنبي صلى الله وسلم عليه أجاب السائل له عن صلاة ~~الليل بأنها مثنى مثنى ولم يسأله عن الوتر, وأما السبع والخمس والتسع ~~والواحدة فهي صلاة الوتر والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها وللخمس ~~والسبع والتسع المتصلة كالمغرب اسم للثلاث المتصلة فإن انفصلت الخمس والسبع ~~بسلامين كالإحدى عشرة كان الوتر اسم الركعة المفصولة وحدها قال صلى الله ~~وسلم ms125 عليه: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة توتر له ما ~~قد صلى" فاتفق فعله صلى الله وسلم عليه وقوله وصدق بعضه بعضا اه. والحق أن ~~الوتر سنة هو أو كد السنن بينه علي وابن عمر وعبادة ابن الصامت وإليه ذهب ~~أكثر العلماء إلا أبا حنيفة خاصة فإنه واجب على الصحيح عنده. وثلاث ركعات ~~لا يزيد ولا ينقص قال في المسوى: وأقل الوتر ركعة في قول أكثرهم وأكثره ~~إحدى عشرة أو ثلاث عشرة وأدنى الكمال ثلاث وما زاد فهو أفضل اه. وكان النبي ~~صلى الله وسلم عليه إذا صلاها ثلاثا يقرأ في الأولى ب {سبح اسم ربك الأعلى} ~~وفي الثانية: ب {قل يا أيها الكافرون} وفي الثالثة: ب {قل هو الله أحد} ~~والمعوذتين. أقول: دلت الأخبار على أن وقت الوتر بعد الفراغ من العشاء ~~الآخرة إلى طلوع الفجر وهذا هو عين ما أفتى به أبو موسى وفتواه هي الثابتة ~~عن رسول الله صلى الله وسلم عليه أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد ~~قال: قال رسول الله صلى وسلم عليه: "أوتروا قبل أن تصبحوا" وأخرج ابن حبان ~~عنه صلى الله وسلم عليه أنه قال: "إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل" # PageV01P114 # والوتر فأوتروا قبل طلوع الفجر, والأحاديث في الباب كثيرة والأحاديث ~~الثابتة في إيتاره صلى الله وسلم عليه بركعة أكثر من أن تحصى فهي صالحة ~~لتخصيص ما هو من العمومات في أعلى طبقة فكيف بما لا صحة له قط؟ وحديث ~~البتيراء لم يصح والذي ينبغي التعويل عليه في دفع الوجوب الأحاديث المصرحة ~~بأن الوتر غير واجب والوتر عبادة عن آخر صلاة الليل, وقد ثبت في ذلك صفات ~~متعددة بأحاديث صحيحة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. والحاصل: أن لصلاة الليل ~~باعتبار وترها ثلاث عشرة صفة كما ذكر ذلك ابن حزم في المحلى فالقول بأن ~~الوتر ثلاث ركعات فقط لا يجوز أن يكون الإيتار بغيرها ضيق عطن وقصور باع ~~ولمثل هذا صار أكثر فقهاء العصر لا يعرفون الوتر ms126 إلا بأنها ثلاث ركعات بعد ~~صلاة العشاء حتى إن كثيرا منهم يكون له قيام في الليل وتهجد فتراه يصلي ~~الركعات المتعددة ويظن أن الوتر شيء قد فعله وأنه لا تعلق له بهذه الصلاة ~~التي يفعلها في الليل وهو لايدري أن الوتر هو ختام صلاة الليل وأنه لا صلاة ~~بعده إلا الركعتان المعروفتان بسنة الفجر وكثيرا ما يقع الإنسان في ~~الابتداع وهو يظن أنه في الاتباع والسبب عدم الشغل بالعلم وسؤال أهل الذكر, ~~وأما ما روي عن الحسن البصري أنه قال: أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاث لا ~~يسلم إلا في آخرهن فإن أراد أن الإجماع وقع على هذا القدر وأنه لا يجوز ~~الإيتار بغيره فهو من البطلان بمكان لا يخفى على عارف, فهذه الدفاتر ~~الإسلامية الحاكية لمذاهب الصحابة الذين أدركهم الحسن البصري ولمذاهب ~~التابعين الذين هو واحد منهم قاضية بخلاف هذه الحكاية وهي بين أيدينا, وإن ~~أراد أن هذه الصفة هي إحدى صفات الوتر فنحن نقول بموجب ذلك فقد روي الإيتار ~~بثلاث ولكنه روي النهي عن الإيتار بثلاث كما أوضح ذلك الماتن رح في شرح ~~المنتقى فتعارضت رواية الثلاث ورواية النهي, والعالم بكيفية الاستدلال لا ~~يخفى عليه الصواب وقد تقدم أن حديث البتيراء لا أصل له على أن النسخ لا يتم ~~ادعاؤه إلا بعد معرفة التاريخ لأن الناسخ لا يكون إلا متأخرا بإجماع ~~المسلمين القائلين بثبوت أصل النسخ في هذه الشريعة المطهرة فدعوى النسخ ~~بمجرد الاحتمال مجازفة عظيمة ولا سيما إذا كان المدعي لذلك لم يتعب نفسه في ~~علوم السنة المطهرة. وتحية المسجد لحديث: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس ~~حتى يصلي ركعتين" # PageV01P115 # أخرجه الجماعة من حديث أبي قتادة وفي ذلك أحاديث كثيرة وقد وقع الاتفاق ~~على مشروعية تحية المسجد, وذهب أهل الظاهر إلى أنهما واجبتان وذلك غير بعيد ~~وقد حقق الماتن المقام في شرح المنتقى وفي رسالة مستقلة. وصلاة الاستخارة ~~وفيها أحاديث كثيرة منها: حديث جابر عند البخاري وغيره بلفظ: كان رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ms127 يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا ~~السورة من القرآن يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ~~ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم ~~فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن ~~هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله ~~فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ~~ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه ~~واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني بت". قال: ويسمي حاجته. قال في الحجة ~~البالغة: وعندي أن إكثار الاستخارة في الأمور ترياق مجرب بتحصل شبه ~~الملائكة وضبط النبي صلى الله وسلم عليه آدابها ودعاءها فشرع ركعتين وعلم ~~اللهم إني أستخيرك الخ اه. # "وركعتان بين كل أذان وإقامة" لحديث: "بين كل أذانين صلاة" قال ذلك ثلاث ~~مرات ثم قال: "لمن شاء" وهو حديث صحيح والمراد بالأذانين الأذان والإقامة ~~تغليبا كالقمرين والعمرين. # PageV01P116 ### | باب صلاة الجماعة # "هي من آكد السنن" وأعظم الشعائر الإسلامية وأفضل القرب الدينية لما ورد ~~فيها من الترغيبات حتى إنه صلى الله وسلم عليه صرح بأنه تزيد على صلاة ~~الفرد بسبع وعشرين درجة كما في الصحيحين ووقع منه الإخبار بأنه قد هم بأن ~~يحرق على المتخلفين دورهم. قال ابن القيم: ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة فترك ~~الصلاة في الجماعة هو من الكبائر اه. ولازمها صلى الله وسلم عليه من الوقت ~~الذي شرعها الله تعالى فيه إلى أن قبضه الله تعالى إليه ولم يرخص صلى الله ~~وسلم عليه في تركها لمن سمع النداء فإنه سأله الرجل الأعمى أن يصلي في بيته ~~فرخص له فلما ولى دعاه فقال: "هل تسمع النداء –قال: نعم- قال: فأجب" وكل ما ~~ذكرناه # PageV01P116 # ثابت في الصحيح وثبت في الصحيح أيضا عن ابن مسعود أنه قال: لقد رأيتنا ~~وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. قال ابن القيم: ms128 هذا فوق الكبيرة ~~اه. ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. أقول: أما ~~كونها فريضة متحتمة فالأدلة متعارضة ولكن ههنا طريقة أصولية يجمع بها بين ~~هذه الأدلة وهي أن أحاديث أفضلية الجماعة مشعرة بأن صلاة المنفرد مجزئة وهي ~~أحاديث كثيرة مثل حديث: "الذي ينتطر الصلاة مع الإمام أفضل من الذي يصلي ~~وحده ثم ينام" وهو في الصحيح ومنه حديث المسيء صلاته المشهور فإنه أمره بأن ~~يعيد الصلاة منفردا ومنه حديث: "ألا رجل يتصدق على هذا" عند أن رأى رجلا ~~يصلي منفردا ومن ذلك أحاديث التعليم لأركان الإسلام فإنه لم يأمر من علمه ~~بأن لا يصلي إلا في جماعة مع أنه قال لمن قال له لا يزيد على ذلك ولا ينقص: ~~"أفلح وأبيه إن صدق" ونحو ذلك من الأدلة فالجميع صالح لصرف: "فلا صلاة له" ~~الواقع في الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة إلى نفي الكمال لا إلى نفي ~~الصحة. وأما ما وقع منه صلى الله وسلم عليه من الهم بتحريق المتخلفين فهو ~~إن لم يكن قولا ولا فعلا ولا تقريرا لكنه لا يكون ما يهم به إلا جائزا ولا ~~يجوز التحريق بالنار لمن ترك ما لم يفرض عليه فالجواب عنه قد بسطه شيخنا ~~العلامة الشوكاني في شرح المنتقى قال في الحجة البالغة: لما كان في شهود ~~الجماعة حرج للضعيف والسقيم وذي الحاجة اقتضت الحكمة أن يرخص في تركها عند ~~ذلك ليتحقق العدل بين الإفراط والتفريط فمن أنواع الحرج: ليلة ذات برد ومطر ~~ويستحب عند ذلك قول المؤذن: ألا صلوا في الرحال, ومنها حاجة يعسر التربص ~~بها كالعشاء إذا حضر فإنه ربما يتشوف إليه, وربما يضيع الطعام وكمدافعة ~~الأخبثين فإنه بمعزل عن فائدة الصلاة مع ما به من اشتغال النفس, ولا اختلاف ~~بين حديث: "لا صلاة بحضرة الطعام" وحديث: "لا تؤخر الصلاة لطعام ولا غيره" ~~إذ يمكن تنزل كل واحد على صورة أو معنى والمراد نفي وجوب الحضور سر الباب ~~التعمق وعدم التأخير هو الوظيفة لمن أمن ms129 سر التعمق وذلك كتنزيل فطر الصائم ~~وعدمه على الحالين أو التأخير إذا كان تشوف إلى الطعام أو خوف ضياع وعدمه ~~إذا لم يكن كذلك مأخوذ من حال العلة, ومنها ما إذا كان خوف فتنة كامرأة ~~أصابت بخورا ولا اختلاف بين قوله صلى الله وسلم عليه: "إذا # PageV01P117 # استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها" وبين ما حكم به جمهور ~~الصحابة من منعهن إذ المنهي عنه الغيرة التي تنبعث من الأنفة دون خوف ~~الفتنة والجائز ما فيه خوف الفتنة وذلك قوله صلى الله وسلم عليه: "الغيرة ~~غيرتان" الحديث. وحديث عائشة: أن النساء أحدثن الحديث, ومنها الخوف والمرض ~~والأمر فيهما ظاهر ومعنى قوله صلى الله وسلم عليه للأعمى: "أتسمع النداء" ~~الخ أن سؤاله كان في العزيمة فلم يرخص له # وتنعقد باثنين وليس في ذلك خلاف, وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس أنه ~~صلى بالليل مع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وحده وقام عن يساره1 ~~فأداره إلى يمينه. وإذا كثر الجمع كان الثواب أكثر لأنه قد ثبت عن أبي بن ~~كعب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "صلاة الرجل مع ~~الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما ~~كان أكثر فهو أحب إلى الله" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن ~~حبان وصححه ابن السكن والعقيلي والحاكم "ويصح بعد المفضول2" لأنه صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم قد صلى بعد أبي بكر وبعد غيره من الصحابة كما في ~~الصحيح ولعدم وجود دليل يدل على أنه يكون الإمام أفضل والأحاديث التي فيها: ~~"لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه" ونحوها لا تقوم بها الحجة, وعلى فرض أنها تقوم ~~بها الحجة فليس فيها إلا المنع من إمامة من كان ذا جرأة في دينه وليس فيها ~~المنع من إمامة المفضول, وقد عورض ذلك بأحاديث تتضمن الإرشاد إلى الصلاة ~~خلف كل بر وفاجر وخلف من قال لا إله إلا الله وهي ضعيفة وليست بأضعف ms130 مما ~~عارضها, والأصل أن الصلاة عبادة تصح تأديتها خلف كل مصل إذا قام بأركانها ~~وأذكارها على وجه لا تخرج به الصلاة عن الصورة المجزئة وإن كان الإمام غير ~~متجنب للمعاصي ولا متورع عن كثير مما يتورع عنه غيره, ولهذا إن الشارع إنما ~~اعتبر حسن القراءة والعلم والسن ولم يعتبر الورع والعدالة فقال: "يؤم القوم ~~أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في ~~السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا". ~~PageV01P118 # أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي مسعود وفي حديث مالك بن الحويرث: "وليؤمكما ~~أكبركما" وهو في الصحيحين وغيرهما, وقد استخلف النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو أعمى. والحاصل: أن ~~الشارع اعتبر الأفضلية في القراءة والعلم بالسنة وقدم الهجرة وعلو السن فلا ~~ينبغي للمفضول في مثل هذه الأمور أن يؤم الفاضل إلا بإذنه ولا اعتبار ~~بالفضل في غير ذلك. والأولى أن يكون الإمام من الخيار لحديث ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله وسلم عليه: "اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما ~~بينكم وبين ربكم". رواه الدارقطني, وأخرج الحاكم في ترجمة مرثد الغنوي عنه ~~صلى الله وسلم عليه: "إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم فإنهم وفدكم ~~فيما بينكم وبين ربكم" قال في منح المنة: وكان صلى الله وسلم عليه يجيز ~~إمامة الأرقاء وكان سالم مولى أبي حذيفة يصلي بالمهاجرين الأولين لما نزلوا ~~بقباء1 لكونه أكثرهم قرآنا وكان صلى الله وسلم عليه يقول: "صلوا خلف كل بر ~~وفاجر" وكانت الصحابة خلف الحجاج وقد أحصي الذين قتلهم من الصحابة ~~والتابعين فبلغوا مائة ألف وعشرين ألفا اه. أقول: الأحاديث الواردة في ~~الصلاة خلف كل بر وفاجر وما قابلها من الأحاديث المقضية للمنع من الصلاة ~~خلف الفاجر ومن كان ذا جرأة لم يبلغ منها شيء إلى حد يجوز العمل عليه فوجب ~~الرجوع إلى الأصل, وأما عدم اعتبار قيد العدالة فلعدم ورود دليل يدل عليه, ~~وأما كون الصلاة ms131 خلف كامل العدالة واسع العلم كثير الورع أفضل وأحب فلا ~~نزاع في ذلك إنما النزاع في كون ذلك شرطا من شروط الجماعة مع أنه قد ثبت ما ~~يدل على عدم الاعتبار مثل حديث: "يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن ~~أخطؤوا فعلى أنفسهم" أو كما قال وهو حديث صحيح. والحاصل: أن الدين يسر وقد ~~جاءنا صلى الله وسلم عليه بالشريعة السمحة السهلة ولم يأمرنا بالكشف عن ~~الحقائق وسن أن نصلي بعد من كان بالنسبة إلى الواحد منا في الحضيض باعتبار ~~المزايا الموجبة للفضل فإنه صلى الله وسلم عليه بعد أبي بكر وعتاب بن أسيد ~~وهما بالنسبة إليه لا يعدان شيئا ولا ريب أن الذي ينبغي تقديمه لمثل هذه ~~العبادة ليكون وافد المؤتمين به إلى الله هو من أرشد إليه PageV01P119 # صلى الله وسلم عليه بقوله: "يؤم القوم أقرؤهم" إلى آخر الحديث إنما الشأن ~~فيمن يلعب به الشيطان في الوسوسة المفضية إلى إساءة الظن بأئمة الصلاة ~~المتبعين للسنة فيوقع في قلبه العداوة لكل واحد منهم بمجرد خيالات مختلة ~~وضلالات مضلة فيقول له هذا العالم لا يصلح للإمامة لكونه كذا وهذا الفاضل ~~لا يصلح لها لكونه كذا, ثم ينقله من درجة إلى درجة ومن واحد إلى واحد حتى ~~لا يجد على ظهر البسيطة من يصلح لإمامة الصلاة فهذا مخدوع قد لعب به ~~الشيطان كيف يشاء حتى أحرمه1 فضيلة الجماعة التي هي من أعظم شعائر الإسلام ~~وأجل أسباب الأجور, ومع هذا فهو قد أوقعه في ورطة أخرى وهي حمل جميع ~~المسلمين على غير السلامة فصار ظالما لكل واحد منهم مظلمة يستوفيها منه بين ~~يدي الجبار, وقد ينضم إلى هذه المصائب أن هذا الذي صار في يد الشيطان يلعب ~~به كيف يشاء قد يعتقد الفضل في نفسه وأن الإمامة لم تكن تصلح إلا له ولم ~~يكن يصلح إلا لها فيجتنب الجماعة ولا يقتدي بأحد من المسلمين بل يجمع له ~~جماعة يكون إمامهم فهو أسقى ممن قبله لأنه اعتقد أنه لم يبق في أرض الله من ms132 ~~عباده الصلحاء سواه فلا حياه الله ولا بياه. # "ويؤم الرجل بالنساء لا العكس" لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أنه صف هو ~~واليتيم وراء النبي صلى الله وسلم عليه والعجوز من ورائهم وقد أخرج ~~الإسماعيلي عن عائشة أنها قالت: كان النبي صلى الله وسلم عليه إذا رجع من ~~المسجد صلى بنا وقد كانت النساء يصلين خلفه صلى الله وسلم عليه في مسجده ~~وليس في صلاة النساء خلف الرجل مع الرجال نزاع وإنما الخلاف في صلاة الرجل ~~بالنساء فقط, ومن زعم أن ذلك لا يصح فعليه الدليل, وأما عدم صحة إمامة ~~المرأة بالرجل فلأنها عورة وناقصة عقل ودين و {الرجال قوامون على النساء} ~~"ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" كما ثبت في الصحيح ومن ائتم بالمرأة فقد ~~ولاها أمر صلاته. "والمفترض بالمتنفل والعكس" لحديث معاذ أنه كان يؤم قومه ~~بعد أن يصلي تلك الصلاة بعد النبي صلى الله وسلم عليه وهو في الصحيحين ~~وغيرهما وهذا دليل على جواز ذلك لأنه كان متنفلا وهم مفترضون لما في بعض ~~الروايات من تصريح معاذ بأنه كان يصلي بقومه متنفلا وهذه الزيادة المصرحة ~~بالمطلوب وإن كان فيها مقال معروف لكنها معتضدة بما عرف من PageV01P120 # حرص الصحابة على الأوفر أجرا والأكمل ثوابا ولا شك أن الصلاة خلفه صلى ~~الله وسلم عليه أفضل وأكمل وأتم, وأما الجواب عن حديث معاذ بأنه حكاية فعل ~~فساقط لاستلزامه لبطلان قسم من أقسام السنة المطهرة وهو قسم الأفعال الذي ~~دارت عليه رحى بيانات القرآن وجماهير من أحكام الشريعة مع أن هذا الاعتذار ~~غير نافع ههنا لأن الحجة هي تقريره صلى الله وسلم عليه لمعاذ ولقومه على ~~ذلك لا نفس فعل معاذ حتى يعتذر عنه بذلك, وأما الجواب بأن فعل آحاد الصحابة ~~لا يكون حجة فكلام صحيح ولكن الحجة ليست فعل معاذ بل تقريره صلى الله وسلم ~~عليه كما عرفت وهذا من الوضوح بمكان لا يخفى. والحاصل: أن الأصل صحة ~~الاقتداء من كل مصل بكل مصل فمن زعم أن ثم مانعا في بعض ms133 الصور فعليه الدليل ~~فإن نهض به صح ما يقوله وإن لم ينهض به بطل وأما صلاة المتنفل بعد المتنفل ~~فكما فعله صلى الله وسلم عليه في صلاة الليل وصلى معه ابن عباس وكذلك صلاته ~~بأنس واليتيم والعجوز وغير ذلك والكل ثابت في الصحيح # ويجب المتابعة في غير مبطل لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا ~~عليه" وهو ثابت في الصحيح من حديث أبي هريرة وأنس وجابر وثابت خارج الصحيح ~~عن جماعة من الصحابة, وورد الوعيد على المخالفة كحديث أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله وسلم عليه: "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن ~~يحول الله رأسه رأس حمار أو يحول صورته صورة حمار" أخرجه الجماعة ولا ~~يتابعه في شيء يوجب بطلان صلاته نحو أن يتكلم الإمام أو يفعل أفعالا تخرجه ~~عن صورة المصلي, ولا خلاف في ذلك. قال في المسوى: هو كذلك عند الجمهور أنه ~~يجب اتباع الإمام في جميع الحالات. وقوله: "إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" ~~منسوخ1. ومعنى كان الناس يصلون بصلاة أبي بكر على الصحيح أنه كان مسمعا ~~PageV01P121 # لمن خلفه في العالمكيرية إذا رفع المقتدي رأسه من الركوع والسجود قبل ~~الإمام ينبغي أن يعود ولا يصير ركوعين وسجودين. قلت عامة أهل العلم على أن ~~هذا الفعل منهي عنه وصلاته مجزئة وأكثرهم يأمرونه بأن يعود إلى السجود. ~~"ولا يؤم الرجل قوما هم له كارهون" لحديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة من ~~يقدم قوما وهم له كارهون ورجل أتى الصلاة دبارا ورجل اعتبد محررة" أخرجه ~~أبو داود وابن ماجه وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وفيه ~~ضعف, وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع ~~وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وإمام قوم وهم له كارهون" وقد حسنه الترمذي ~~وضعفه البيهقي. ms134 قال النووي في الخلاصة: والأرجح قول الترمذي وفي الباب ~~أحاديث عن جماعة من الصحابة يقوي بعضها بعضا. أقول: ظاهر الأحاديث الواردة ~~في الترهيب # PageV01P122 # عن ذلك أنه لا فرق بين كون الكارهين من أهل الفضل أو من غيرهم فيكون مجرد ~~حصول الكراهة عذرا لمن كان يصلح للإمامة في تركها وغالب الكراهات الكائنة ~~بين هذا النوع الإنساني خصوصا في هذه الأزمنة راجعة إلى أغراض دنيوية ~~والراجع هنا إلى أغراض دينية أقل قليل ومع كونه كذلك فغالبه صادر عن ~~اعتقادات فاسدة وخيالات مختلفة كما يقع بين المتخالفين في المذاهب فإن ~~العصبية الناشئة بينهم تعمي بصائرهم عن الصواب فلا يقيم أحدهم للآخر وزنا ~~ولا ينظر إليه إلا بعين السخط لا بعين الرضا فيرى محاسنه مساويء كائنة ما ~~كانت, وقد تقع هذه العداوة بين أهل مذهب واحد باعتبار الاختلاف في كون ~~أحدهم من المشتغلين بالدين والعلم والآخر من الجهلة المتهتكين وكثيرا ما ~~ترى أرباب المعاصي إذا رأوا أرباب الدين والعلم تضيق بهم الأرض بطولها ~~والعرض ولا يطيقونهم بغضا فإن كان ثم دليل يدل على تخصيص الكراهة بما كان ~~منها راجعا إلى ما هو مختص بالله عز وجل كمن يكره إنسانا لكونه مكبا على ~~المعاصي أو متهاونا بما أوجبه الله عليه فهذه الكراهة هي الكبريت الأحمر لا ~~توجد حقيقتها إلا عند أفراد من العباد وإن لم يوجد دليل يخصص الكراهة بذلك ~~فالأولى لمن عرف أن جماعة من الناس يكرهونه لا لسبب أو لسبب ديني أن لا ~~يؤمهم وأجره في الترك يفضل أجره في الفعل. "ويصلي بهم صلاة أخفهم" لما ثبت ~~في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم قال: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير ~~فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء" وفي الباب أحاديث صحيحة واردة في التخفيف. ~~قال في الحجة: وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يطول ويخفف ~~على ما يرى من المصلحة الخاصة بالوقت واختار بعض السور في بعض الصلوات ms135 ~~لفوائد من غير حتم ولا طلب مؤكد فمن اتبع فقد أحسن ومن لا فلا حرج, وقصة ~~معاذ في الإطالة مشهورة انتهى حاصله. وأما ارتفاع الإمام عن المأموم فلا ~~يضر قدر القامة ولا فوقها لا في المسجد ولا في غيره من غير فرق بين ~~الارتفاع والانخفاض والبعد والحائل ومن زعم أن شيئا من ذلك تفسد به فعليه ~~الدليل ولا دليل إلا ما روي عن حذيفة أنه أم الناس بالمدائن على دكان ~~الحديث أخرجه أبو داود وصححه ابن # PageV01P123 # خزيمة وابن حبان والحاكم, وفي رواية للحاكم التصريح برفعه ورواه أبو داود ~~من وجه آخر وفيه قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله صلى الله وسلم عليه ~~يقول: "إذا أم الرجل القوم فلا يقم أرفع من مقامهم أو نحو ذلك" الحديث وفي ~~إسناده الرجل المجهول, ورواه البيهقي أيضا ففي هذين الحديثين دليل على منع ~~الإمام من الارتفاع عن المؤتم ولكن هذا النهي يحمل على التنزيه لحديث صلاته ~~صلى الله وسلم عليه على المنبر كما في الصحيحين وغيرهما, ومن قال إنه صلى ~~الله وسلم عليه فعل ذلك للتعليم كما وقع في آخر الحديث فلا يفيده ذلك لأنه ~~لا يجوز له في حال التعليم إلا ما هو جائز في غيره ولا يصح القول باختصاص ~~ذلك بالنبي صلى الله وسلم عليه, وقد جمع الماتن رح تعالى في هذا البحث ~~رسالة مستقلة جوابا عن سؤال بعض الأعلام فمن أحب تحقيق المقام فليرجع ~~إليها, ويقدم السلطان ورب المنزل لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي مسعود ~~عقبة بن عمرو مرفوعا: "لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه" وفي لفظ: "لايؤمن ~~الرجل الرجل في أهله ولا سلطانه" وورد تقييد جواز ذلك بالإذن وفي لفظ لأبي ~~داود: "لا يؤم الرجل في بيته" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن ~~مالك بن الحويرث قال: سمعت رسول الله صلى الله وسلم عليه يقول: "من زار ~~قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم". والأقرأ ثم الأعلم ثم الأسن لما في حديث ~~أبي مسعود بلفظ: "يؤم القوم ms136 أقرأهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء ~~فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة ~~سواء فأقدمهم سنا" وه وفي الصحيح وإنما لم يذكر الهجرة في المتن لأنه لا ~~هجرة بعد الفتح كما في الحديث الصحيح, وإذا اختلت صلاة الإمام كان ذلك عليه ~~لا على المؤتمين به لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله وسلم ~~عليه: "يصلون بكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطؤوا فلكم وعليهم" أخرجه ~~البخاري وغيره وأخرج ابن ماجه من حديث سهل بن سعد نحوه. وموقفهم أي ~~المؤتمين خلفه أي خلف الإمام إلا الواحد فعن يمينه لحديث جابر بن عبد الله ~~أنه صلى مع النبي صلى الله وسلم عليه فجعله عن يمينه ثم جاء آخر فقام عن ~~يسار النبي صلى الله وسلم عليه فأخذ بأيديهما فدفعهما حتى أقامهما خلفه, ~~وهو في الصحيح. وقد كان هذا فعله وفعل أصحابه في الجماعة يقف الواحد عن ~~يمين الإمام والإثنان فما زاد خلفه وقد ذهب الجمهور إلى وجوب ذلك وقال # PageV01P124 # سعيد بن المسيب: إنه مندوب فقط وروي عن النخعي أن الواحد يقف خلف الإمام. ~~وإمامة النساء وسط الصف لما روي من فعل عائشة أنها أمت النساء فقامت وسط ~~الصف أخرجه عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي وابن أبي شيبة والحاكم وروي مثل ~~ذلك عن أم سلمة أخرجه الشافعي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والدارقطني قال ~~ابن القيم في المسند والسنن من حديث عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت ~~الحرث: أن رسول الله صلى الله وسلم عليه كان يزورها في بيتها وجعل لها ~~مؤذنا كان يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها. قال عبد الرحمن: فأنا رأيت ~~مؤذنها شيخا كبيرا. ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله صلى الله وسلم ~~عليه: "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" لكفى وأخرج ~~البيهقي بسنده عن عائشة أن رسول الله صلى الله وسلم عليه قال: "لا خير في ~~جماعة النساء إلا في صلاة أو ms137 جنازة" والاعتماد على ما تقدم فردت هذه السنن ~~بالمتشابه من قوله صلى الله وسلم عليه: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" ~~رواه البخاري, وهذا إنما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء. وأما ~~الرواية والشهادة والفتيا والإمامة فلا تدخل في هذا ومن العجب أن من خالف ~~هذه السنة جوز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين فكيف أفلحوا وهي ~~حاكمة عليهم ولم تفلح أخواتها من النساء إذا أمتهن انتهى حاصله. "وتقدم ~~صفوف الرجال ثم الصبيان ثم النساء" لحديث أبي مالك الأشعري: أن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم كان يجعل الرجال قدام الغلمان والغلمان خلفهم ~~والنساء خلف الغلمان. أخرجه أحمد وأخرج بعضه أبو داود وفي إسناده شهر ابن ~~حوشب1 ويؤيده ما في الصحيحين من حديث أنس: أنه قام هو واليتيم خلف النبي ~~صلى الله وسلم عليه وأم سليم خلفهم "و" أما كون "الأحق بالصف الأول" هم ~~أولو الأحلام والنهى فلحديث أبي مسعود الأنصاري الثابت في الصحيح أن النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي ~~قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يحب أن يليه المهاجرون ~~والأنصار ليأخذوا عنه. قال في الحجة: ولئلا يشق على أولي الأحلام تقدم من ~~دونهم عليهم انتهى. "و" PageV01P125 # أما كون الأمر على الجماعة أن يسووا صفوفهم وأن يسدوا الخلل1 فلما رواه ~~أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "وسطوا الإمام وسدوا الخلل" وفي الصحيحين من حديث أنس: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام ~~الصلاة" , وعنه أيضا في الصحيحين كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: "تراصوا واعتدلوا" وثبت في الصحيح من ~~حديث نعمان بن بشير أنه قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "عباد الله ~~لتسوون صفوفكم أو ms138 ليخالفن الله بين وجوهكم". قلت: وهو قول أهل العلم: أن ~~تسوية الصفوف سنة وأن يتموا الصف الأول ثم الذي يليه ثم كذلك لما ورد في ~~الأحاديث الصحيحة من أمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بإتمام الصف الأول ~~ثم الذي يليه ثم كذلك فالسنة أن لا يقف المؤتم في الصف الثاني وفي الصف ~~الأول سعة ثم لايقف في الصف الثالث وفي الصف الثاني سعة ثم كذلك, وورد أيضا ~~أن الوقوف يمنة الصف أولى وأفضل, وأما الاعتداد بالركعة التي لحق الإمام ~~فيها راكعا ففيه خلاف لجماعة من الأئمة والحق عدم الاعتداد بها بمجرد إدراك ~~ركوعها من دون قراءة الفاتحة2 ومن أراد الوقوف على الحقيقة فليراجع إلى شرح ~~المنتقي وطيب النشر والسيل الجرار وحاشية الشفاء والفتح الرباني ودليل ~~الطالب, فالمسألة من المعارك. وأما جعل ما أدركه مع الإمام أول صلاته فهذا ~~هو الحق فالهيئة المشروعة في الصلاة لا تتغير بتقديم أو تأخير بل الأصل ~~الأصيل البقاء على الصفة المشروعة فيفعل الداخل مع الإمام بعد أن فاته بعض ~~الركعات ما يفعله لو كان داخلا معه في الابتداء أو كان منفردا وحديث: ~~"فاقضوا" وإن كان صحيحا فحديث: "أتموا" أصح منه, وقد أمكن الجمع بجعل معنى ~~القضاء على التمام لأنه أحد معانيه3 ولكن يترك المؤتم مخالفة إمامه في ~~PageV01P126 # الأركان فلا يقعد في موضع ليس بموضع قعود للإمام وإن كان موضع قعود له ~~ولا يدع القعود في موضع قعود للإمام وإن لم يكن موضع قعود له؛ لأن الاقتداء ~~والمتابعة لا زمان في صلاة الجماعة وتركهما يخرج الصلاة عن كونها صلاة ~~جماعة, وقد ورد الأمر بالمتابعة في الأركان بيانا لقوله: "لا تختلفوا على ~~إمامكم" ولم يرد الأمر بذلك في الأذكار. # PageV01P127 ### | باب سجود السهو # سن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما إذا قصر الإنسان في صلاته أن ~~يسجد سجدتين تداركا لما فرط ففيه شبه القضاء وشبه الكفارة والمواضع التي ~~ظهر فيها النص أربعة وسيأتي قال في سفر السعادة: من جملة منن الحق تعالى ~~ونعمه على الأمة ms139 المحمدية أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يسهو ~~في الصلاة لتقتدي الأمة به في التشريع وإذ ذاك يقول: "إنما أنا بشر أنسى ~~كما تنسون فإذا نسيت فذكروني" وقال: "إنما أنسى أو أنسى لأسن" يعني لأسن ما ~~شرع في جبر ذلك انتهى. "هو سجدتان قبل التسليم أو بعده" ووجه التخيير أن ~~النبي صلى الله وسلم عليه صح عنه أنه سجد قبل التسليم وصح عنه أنه سجد ~~بعده, أما ما صح عنه مما يدل على أنه قبل التسليم فحديث عبد الرحمن بن عوف ~~عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه قال: سمعت رسول الله صلى الله وسلم عليه ~~يقول: "إذا شك أحدكم فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين فليجعلها واحدة وإذا لم ~~يدر ثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها ثنتين وإذا لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا ~~فليجعلها ثلاثا ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين". ~~وفي الباب أحاديث منها: ما هو في الصحيح كحديث أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله صلى الله وسلم عليه: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدركم صلى ثلاثا ~~أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما تستيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم" ~~ومنها ما هو في غير الصحيحين, وأما ما صح عنه مما يدل على أنه بعد التسليم ~~فكحديث ذي اليدين الثابت في الصحيحين فإن فيه أنه صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم سجد بعدما سلم وحديث ابن مسعود وهو في الصحيحين وغيرهما مرفوعا بلفظ: ~~"إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد ~~سجدتين" وحديث المغيرة بن شعبة: أنه صلى # PageV01P127 # بقوم فترك التشهد الأوسط فلما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم وقال: ~~هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد والترمذي وصححه, ~~وحديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى الظهر خمسا فقيل له أزيد في الصلاة فقال: "لا وما ذاك" ms140 فقالوا: ~~صليت خمسا فسجد سجدتين بعد ما سلم. فهذه الأحاديث المصرحة بالسجود تارة قبل ~~التسليم وتارة بعده تدل على أنه يجوز جميع ذلك ولكنه ينبغي في موارد النصوص ~~أن يفعل كما أرشد إليه الشارع فيسجد قبل التسليم فيما أرشد إلى السجود فيه ~~قبل التسليم ويسجد بعد التسليم فيما أرشد فيه إلى السجود بعد التسليم وما ~~عدا ذلك فهو بالخيار والكل سنة. قال في سفر السعادة: وسجد للسهو قبل السلام ~~في بعض المواضع وبعده في بعضها فجعله الإمام الشافعي في كل حال قبل السلام ~~والإمام أبو حنيفة جعله بعد السلام في كل حال, وقال الإمام مالك: يسجد لسهو ~~النقصان قبل السلام ولسهو الزيادة في الصلاة بعد السلام وإن اجتمع سهوان ~~أحدهما زائد والآخر ناقص يسجد لهما قبل السلام, وقال الإمام أحمد: يسجد قبل ~~السلام في المحل الذي سجد فيه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قبل ~~السلام وما عداه يسجد للسهو بعد السلام, وقال داود الظاهري: لا يسجد للسهو ~~إلا في هذه المواطن الخمس التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولو سها في غيرها لا يسجد للسهو ولم يعرض له صلى الله عليه وآله وسلم الشك ~~في الصلاة لكن قال: من شك فليبن على اليقين ولم يعتبر الشك ويسجد للسهو قبل ~~السلام, وقال الإمام أبو حنيفة: إن كان له ظن بنى علي غالب ظنه وإن لم يكن ~~له ظن بنى على اليقين, وقال الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد: بنى ~~على اليقين مطلقا انتهى. ولا يشك منصف أن الأحاديث الصحيحة مصرحة بأنه كان ~~يسجد في بعض الصلوات قبل السلام وفي بعضها بعد السلام فالجزم بأن محلهما ~~بعد السلام فقط طرح لبعض الأحاديث الصحيحة لا لموجب إلا لمجرد مخالفتها لما ~~قاله فلان أو فلان كما أن الجزم بأن محلهما قبل التسليم فقط طرح لبعض ~~الأحاديث الصحيحة لمثل ذلك والمذاهب في المسألة منتشرة قد بسطها الماتن في ~~شرح المنتقى والحق عندي أن الكل جائز وسنة ثابتة والمصلي مخير ms141 بين أن يسجد ~~قبل أن يسلم أو بعد أن يسلم وهذا فيما كان # PageV01P128 # من السهو غير موافق للسهو الذي سجد له صلى الله وسلم عليه قبل السلام أو ~~بعده, وأما في السهو الذي سجد له صلى الله وسلم عليه فينبغي الاقتداء به في ~~ذلك وإيقاع السجود في المواضع الذي أوقعه فيه صلى الله تعالى عليه وسلم مع ~~الموافقة في السهو وهي مواضع محصورة مشهورة يعرفها من له اشتغال بعلم السنة ~~المطهرة. وأما كون سجود السهو بإحرام وتشهد وتحليل فقد ثبت عنه صلى الله ~~تعالى عليه وسلم أنه كبر وسلم كما في حديث ذي اليدين الثابت في الصحيح وفي ~~غيره من الأحاديث, وأما التشهد فلحديث عمران ابن حصين أن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم, أخرجه أبو داود ~~والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين, وقد ~~روي نحو ذلك من حديث المغيرة وابن مسعود وعائشة, وأما كونه يشرع لترك مسنون ~~فلحديث سجوده صلى الله تعالى عليه وسلم لترك التشهد الأوسط ولحديث: "لكل ~~سهو سجدتان" والكلام فيه معروف ونحو ذلك إذا كان ذلك المسنون تركه المصلي ~~سهوا لأنه قد ثبت أن سجود السهو فيه ترغيم للشيطان كما في حديث أبي سعيد ~~الثابت في الصحيح ولا يكون الترغيم إلا مع السهو لأنه من قبل الشيطان, وأما ~~مع العمد فهو من قبل المصلي وقد فاته ثواب تلك السنة. قلت: مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي أن من سلم من ركعتين ساهيا أتم وسجد سجدتين وهو في مذهب أبي حنيفة ~~خاص بمن سلم على رأس الركعتين على ظن أنهما أربعة فلو سلم على رأسهما على ~~ظن أنهما جمعة أو على أنه مسافر فإنه يستقبل الصلاة كذا في العالمكيرية في ~~فصل المفسدات واستخرج له الشافعي علة وهي فعل شيء يبطل الصلاة عمده دون ~~سهوه. أقول: ما وقع من اصطلاح الفقهاء على تسميته هيئة هو لا يخرج به عن ~~كونه مندوبا وتخصيص وجوب السجود للسهو بترك ms142 ما كان مسنونا دون ما كان ~~مندوبا لا دليل عليه ولا سيما وهذه الأسماء إنما هي اصطلاحات حادثة وإلا ~~فالمسنون والمندوب إليه معناهما لغة أعم من معناهما اصطلاحا, وأيضا الفرق ~~بين المسنون والمندوب إنما # PageV01P129 # هو اصطلاح لبعض أهل الأصول دون جمهورهم وغاية ما هناك أن المسنون هو ~~المندوب المؤكد وصدق اسم السهو على ترك المندوب كصدقه على ترك المسنون ~~فيندرج تحت حديث: "لكل سهو سجدتان" وتحقق الزيادة والنقص حاصل لكل واحد ~~منهما فمدعي التفرقة بينهما مطالب بالدليل ولا ريب أن بعض ما عدوه من ~~الهيئات لا يتحقق مثل ترك نصب القدم وترك وضع اليدين. وأما كونه يشرع ~~للزيادة ولو ركعة سهوا فللحديث المتقدم وما دون الركعة بالأولى قال في ~~المسوى: عند الحنفية إن سها عن القعدة الآخرة وقام إلى الخامسة رجع إلى ~~القعدة ما لم يسجد وتشهد ثم سجد للسهو وإن قيد الخامسة بالسجدة بطل فرضه ~~ولو قعد في الرابعة ثم قام ولم يسلم عاد إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة ~~وسلم وسجد للسهو وإن قيدها بالسجدة تم فرضه فيضم إليها ركعة أخرى لتكونا ~~تطوعا فإن لم يضم وقطع الصلاة لم يلزمه القضاء لأنه إنما شرع ظنا, وعند ~~الشافعية في أية حالة ذكر أنها خامسة قعد وألغى الزائد وراعى ترتيب الصلاة ~~مما قبل الزائد ثم سجد للسهو وفي معنى الركعة عنده الركوع والسجود ويتجه ~~على مذهب الحنفية أن يقال في حديث ابن مسعود: أنه حكاية حال فلعله قام بعد ~~القعدة ولم يضم السادسة لبيان أنه غير واجب انتهى. # "و" أما "للشك في العدد" ففيه الأحاديث المتقدمة المصرحة بأن من شك في ~~العدد بنى على اليقين وسجد للسهو قال في الحجة البالغة: وهو الأول من ~~المواضع الأربع التي ظهر فيها النص وفي معناه الشك في الركوع والسجود, ~~والثاني زيادة الركعة كما سبق وفي معناه زيادة الركن, والثالث أنه صلى الله ~~وسلم عليه سلم من ركعتين فقيل له في ذلك فصلى ما ترك وسجد سجدتين, وأيضا ~~روي أنه سلم وقد بقي عليه ms143 ركعة بمثله وفي معناه أن يفعل سهوا ما يبطل عمده, ~~الرابع أنه صلى الله وسلم عليه قام من الركعتين كما مر وفي معناه ترك ~~التشهد في القعود, وقوله صلى الله وسلم عليه: "إذا قام الإمام من الركعتين ~~فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس وإن استوى قائما فلا يجلس ويسجد سجدتي ~~السهو". أقول: في الحديث دليل على أن من كان قريب الاستواء ربما يستوي فإنه ~~لا يجلس خلافا لما عليه العامة انتهى. وفي المسوى اختلفوا في ذلك فعند ~~الشافعية إذا شك في صلاته بنى على اليقين وهو الأقل سواء كان شك في ركعة أو ~~ركن, وعند # PageV01P130 # الحنفية إن كان ذلك أول مرة سها يستقبل الصلاة وإن كان يعرض له كثيرا بنى ~~على أكبر رأيه لحديث ابن مسعود: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب" ~~وقال أحمد: يطرح الشك إما بأخذ الأقل وإما بالتحري فإن اختار الأول سجد قبل ~~السلام وإن اختار الثاني سجد بعده انتهى. وإذا سجد الإمام تابعه المؤتم لأن ~~ذلك من تمام الصلاة ولأنه كان يسجد الصحابة إذا سجد النبي صلى الله وسلم ~~عليه وقد ورد الأمر بمتابعة الإمام كما سبق. # PageV01P131 ### | باب القضاء للفوائت # "إن كان الترك عمدا لا لعذر فدين الله تعالى أحق أن يقضى" وقد اختلف أهل ~~العلم في قضاء الفوائت المتروكة لا لعذر فذهب الجمهور إلى وجوب القضاء, ~~وذهب داود الظاهري وابن حزم وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه لاقضاء على العامد ~~غير المعذور بل قد باء بإثم ما تركه من الصلاة, وإليه ذهب شيخ الإسلام تقي ~~الدين ابن تيمية ولم يأت الجمهور بدليل يدل على ذلك ولم أجد أنا دليلا لهم ~~من كتاب ولا سنة إلا ما ورد في حديث الخثعمية حيث قال لها النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: "فدين الله أحق أن يقضى" وهو حديث صحيح وفيه من العموم ~~الذي يفيده المصدر المضاف ما يشمل هذا الباب فهذا الدليل ليس بأيدي ~~الموجبين سواه1, وقد اختلف أهل الأصول هل القضاء يكفي فيه دليل وجوب ms144 المقضى ~~أم لا بد من دليل جديد يدل على وجوب القضاء والحق أنه لا بد من دليل جديد ~~لأن إيجاب القضاء هو تكليف مستقل غير تكليف الأداء ومحل الخلاف هو الصلاة ~~المتروكة لغيرعذر عمدا, وأقول: حكمه ما في الأحاديث الصحيحة "أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويحجوا ~~البيت ويصوموا رمضان فمن فعل ذلك فقد عصم دمه وماله إلا بحقه" , ومن لم ~~يفعل فلا عصمة لدمه وماله بل نحن مأمورون بقتاله كما أمر رسول الله صلى ~~الله وسلم عليه والمقاتلة تستلزم القتل ثم التوبة مقبولة فتارك الصلاة إن ~~تاب وأناب وجب علينا أن نخلي سبيله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة PageV01P131 # وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} فمن علمنا أنه ترك صلاة من الصلوات الخمس وجب ~~علينا أن نؤذنه بالتوبة فإن فعل فذاك وإن لم يفعل قتلناه حكم الله: {ومن ~~أحسن من الله حكما} , وأما إطلاق اسم الكفر عليه فقد ثبت ذلك في الأحاديث ~~الصحيحة وتأويلها لم يوجبه الله علينا ولا أذن لنا فيه ومن غرائب بعض ~~الفقهاء التردد في إطلاق اسم الفسق عليه معللا ذلك بأن التفسيق لا يجوز إلا ~~بدليل قطعي مع أنه يرمي بالكفر من خالفه في أدنى معتقداته التي لم يأذن ~~الله لنا باعتقادها فضلا عن التكفير بها والله المستعان. وأما كيفية القضاء ~~فأقول: لا شك أن تقديم المقضية على المؤداة وتقديم الأولى من المقضيات على ~~الأخرى هو الأولى والأحب ولو لم يرد في ذلك إلا فعله صلى الله وسلم عليه في ~~يوم الخندق لكان فيه كفاية وإنما الشأن في كون ذلك متحتما لا يجوز غيره, ~~وإن كان أي الترك لعذر من نوم أو سهو أو نسيان أو اشتغال بملاحمة القتال مع ~~عدم إمكان صلاة الخوف والمسايفة فليس بقضاء بل تجب تأدية تلك الصلاة ~~المتروكة عند زوال العذر وذلك وقتها وفعلها فيه أداء كما يفيد ذلك أحاديث: ~~"من نام عن صلاة أو سها عنها فوقتها حين يذكرها" وقد تقدمت في أول كتاب ~~الصلاة ms145 وفي ذلك خلاف والحق أن ذلك هو وقت الأداء لا وقت القضاء للتصريح منه ~~صلى الله وسلم عليه أن وقت الصلاة المنسية أو التي نام عنها المصلي وقت ~~الذكر, وأما المتروكة لغير نوم وسهو كمن يترك الصلاة لاشتغاله بالقتال كما ~~سبق فقد شغل النبي صلى الله وسلم عليه وأصحابه يوم الخندق عن صلاة الظهر ~~والعصر وما صلوهما إلا بعد هوي1 من الليل كما أخرجه أحمد والنسائي من حديث ~~أبي سعيد وهو في الصحيحين من حديث جابر وليس فيه ذكر الظهر بل العصر فقط ~~ولذلك قال الماتن: بل أداء في وقت زوال العذر إلا صلاة العيد المتروكة ~~العذر وهو عدم العلم بأن ذلك اليوم يوم عيد. "ففي ثانيه" أي تفعل في اليوم ~~الثاني ولا تفعل في يوم العيد بعد خروج الوقت إذا حصل العلم بأن ذلك اليوم ~~يوم عيد لحديث عمير بن أنس عن عمومة له: أنه غم عليهم الهلال فأصبحوا صياما ~~فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول PageV01P132 # الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر الناس أن ~~يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ~~وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم ~~والخطابي وابن حجر في بلوغ المرام. أقول: وأما الكافر إذا أسلم فلا يجب ~~عليه القضاء على كل حال لأن القائل بأنه غير مخاطب بالشرعيات ينفي عنه ~~الوجوب حال الكفر والقائل أنه مخاطب يجعل الخطاب باعتبار الثواب والعقاب لا ~~باعتبار وجوب الأداء أو القضاء, فالإسلام يجب ما قبله بلا خلاف والظاهر أن ~~المرتد حكمه حكم غيره من الكفار في عدم وجوب القضاء لأن الدليل يصدق عليه ~~كما يصدق على غيره من الكفار. # PageV01P133 ### | باب صلاة الجمعة # "تجب على كل مكلف" لأن الجمعة فريضة من فرائض الله تعالى وقد صرح بذلك ~~كتاب الله عز وجل وما صح من السنة المطهرة كحديث أنه صلى الله وسلم عليه هم ~~بإحراق من يتخلف عنها وهو في الصحيح من ms146 حديث ابن مسعود وكحديث أبي هريرة: ~~"لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من ~~الغافلين" أخرجه مسلم وغيره, ومن ذلك حديث حفصة مرفوعا: "رواح الجمعة واجب ~~على كل محتلم" أخرجه النسائي بإسناد صحيح وحديث طارق بن شهاب: "الجمعة حق ~~واجب على كل مسلم" أخرجه أبو داود وسيأتي, وقد واظب عليها النبي صلى الله ~~وسلم عليه من الوقت الذي شرعها الله تعالى فيه إلى أن قبضه الله عز وجل, ~~وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين, وقال ابن العربي: الجمعة فرض ~~بإجماع الأم, ة وقال ابن قدامة في المغني: أجمع المسلمون على وجوب الجمعة ~~وإنما الخلاف هل هي من فروض الأعيان أو من فروض الكفايات؟ ومن نازع في ~~فرضية الجمعة فقد أخطأ ولم يصب. قال في المسوى: اتفقت الأمة على فرضية ~~الجمعة وأكثرهم على أنها من فروض الأعيان واتفقوا على أنه لا جمعة في ~~العوالي وأنه يشترط لها الجماعة وأن الوالي إن حضر فهو الإمام, ثم اختلفوا ~~في الوالي وشرط الموضع والجماعة قال الشافعي: كل قرية اجتمع فيها أربعون ~~رجلا أحرارا مقيمين تجب عليهم الجمعة ولا تنعقد إلا بأربعين رجلا كذلك ~~والوالي # PageV01P133 # ليس بشرط, وقال أبو حنيفة: لا جمعة إلا في مصر جامع أو في فنائه وتنعقد ~~بأربعة والوالي شرط, وقال مالك: إذا كان جماعة في قرية بيوتها متصلة وفيها ~~سوق ومسجد يجمع فيه وجبت عليهم الجمعة وفي مختصر ابن الحاجب لا تجزيء ~~الأربعة ونحوها ولا بد من قوم تتقرى بهم القرية ولا يشترط السلطان على ~~الأصح. قال في العالمكيرية: القروي إذا دخل المصر ونوى أن يخرج في يومه ذلك ~~قبل دخول الوقت أو بعد دخوله لا جمعة عليه انتهى. إلا المرأة والعبد ~~والمسافر والمريض لحديث: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة ~~عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض" أخرجه أبو داود من حديث طارق بن شهاب ~~عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد أخرجه الحاكم من ms147 حديث طارق عن ~~أبي موسى قال الحافظ: وصححه غير واحد, وفي حديث أبي هريرة وحديث جابر ذكر ~~المسافر وفي الحديثين مقال معروف والغالب أن المسافر لا يسمع النداء وقد ~~ورد أن الجمعة على من سمع النداء كما في حديث ابن عمر وعند أبي داود قال في ~~المسوى: واتفقوا على أنه لا جمعة على مريض ولا مسافر ولا امرأة ولا عبد ~~وأنه إن صلاها منهم أحد سقط الفرض وعلى أنه إن أم مريض أو مسافر جاز, وفي ~~المنهاج وتصح خلف العبد والصبي والمسافر في الأظهر إذا تم العدد بغيره وفيه ~~أيضا ولا جمعة على معذور مرخص في ترك الجماعة وفي العالمكيرية المطر الشديد ~~والاختفاء من السلطان الظالم مسقط. قال في المنح: وكان صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم يرخص في تركها وقت المطر ولو لم يبتل أسفل النعلين وكان يرخص في ~~السفر يوم الجمعة لا سيما للجهاد انتهى. # وهي كسائر الصلوات لا تخالفها لكونه لم يأت ما يدل على أنها تخالفها في ~~غير ذلك وفي هذا الكلام إشارة إلى رد ما قيل إنه يشترط في وجوبها الإمام ~~الأعظم والمصر الجامع والعدد المخصوص فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل ~~يفيد استحبابها فضلا عن وجوبها فضلا عن كونها شروطا بل إذا صلى رجلان ~~الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعة فقد فعلا ما يجب عليهما فإن خطب ~~أحدهما فقد عملا بالسنة وإن تركا الخطبة فهي سنة فقط, ولولا حديث طارق بن ~~شهاب المذكور قريبا من تقييد الوجوب على كل مسلم بكونه في جماعة ومن عدم ~~إقامتها صلى الله وسلم عليه في زمنه في غير جماعة لكان فعلها فرادى مجزئا ~~كغيرها من الصلوات وأما ما يروى من أربعة # PageV01P134 # إلى الولاة فهذا قد صرح أئمة الشأن بأنه ليس من كلام النبوة ولا من كلام ~~من كان في عصرها من الصحابة حتى يحتاج إلى بيان معناه أو تأويله, وإنما هو ~~من كلام الحسن البصري ومن تأمل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي ~~افترضها ms148 الله تعالى عليهم في الأسبوع وجعلها شعارا من شعائر الإسلام وهي ~~صلاة الجمعة من الأقوال الساقطة والمذاهب الزائغة والاجتهادات الداحضة1 قضى ~~من ذلك العجب فقائل يقول: الخطبة كركعتين وإن من فاتته لم تصح جمعته وكأنه ~~لم يبلغه ما ورد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من طرق متعددة ~~يقوي بعضها بعضا ويشد بعضها من عضد بعض أن: من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة ~~فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته. ولا بلغه غير هذا الحديث من الأدلة, وقائل ~~يقول: لا تنعقد الجمعة إلا بثلاثة مع الإمام, وقائل يقول: بأربعة. وقائل ~~يقول: بسبعة, وقائل يقول: بتسعة, وقائل يقول: باثني عشر, وقائل يقول: ~~بعشرين. وقائل يقول: بثلاثين. وقائل يقول: لا تنعقد إلا بأربعين. وقائل ~~يقول: بخمسين. وقائل يقول: لا تنعقد إلا بسبعين. وقائل يقول: فيما بين ذلك. ~~وقائل يقول: بجمع كثير من غير تقييد. وقائل يقول: إن الجمعة لا تصح إلا في ~~مصر جامع وحده بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف, وآخر قال: أن ~~يكون فيه جامع وحمام وآخر قال: أن يكون فيه كذا وكذا, وآخر قال: إنها لا ~~تجب إلا مع الإمام الأعظم فإن لم يوجد أو كان مختل العدالة بوجه من الوجوه ~~لم تجب الجمعة ولم تشرع ونحو هذه الأقوال التي ليس عليها أثارة من علم ولا ~~يوجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله صلى الله وسلم عليه حرف واحد ~~يدل على ما ادعوه من كون هذه الأمور المذكورة شروطا لصحة الجمعة أو فرضا من ~~فرائضها أو ركنا من أركانها فيالله العجب ما يفعل الرأي بأهله ومن يخرج من ~~رؤوسهم من الخزعبلات الشبيهة بما يتحدث الناس به في مجامعهم وما يخبرونه في ~~أسمارهم من القصص والأحاديث الملفقة وهي عن الشريعة المطهرة بمعزل يعرف هذا ~~كل عارف بالكتاب والسنة وكل متصف بصفة الإنصاف, وكل من ثبت قدمه ولم يتزلزل ~~عن طريق الحق بالقيل والقال, ومن جاء بالغلط فغلطه رد عليه مضروب به في ms149 ~~وجهه, والحكم بين العباد هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله PageV01P135 # صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما قال سبحانه: {فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول} {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} فهذه ~~الآيات ونحوها تدل أبلغ دلالة وتفيد أعظم فائدة أن المرجع مع الاختلاف إلى ~~حكم الله ورسوله وحكم الله هو كتابه وحكم رسوله بعد أن قبضه الله تعالى هو ~~سنته ليس غير ذلك ولم يجعل الله تعالى لأحد من العباد وإن بلغ في العلم ~~أعلى مبلغ وجمع منه ما لا يجمع غيره أن يقول في هذه الشريعة بشيء لا دليل ~~عليه من كتاب ولا سنة, والمجتهد وإن جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم ~~الدليل فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنا من كان, وإني كما علم الله ~~لا أزال أكثر التعجب من وقوع مثل هذا للمصنفين تصديره في كتب الهداية وأمر ~~العوام والمقصرين باعتقاده والعمل به وهو على شفا جرف هار ولم يختص هذا ~~بمذهب من المذاهب ولا بقطر من الأقطار ولا بعصر من العصور بل تبع فيه الآخر ~~الأول كأنه أخذه من أم الكتاب وهو حديث خرافة وقد كثرت التعيينات في هذه ~~العبادة كما سبقت الإشارة إليها بلا برهان ولا قرآن ولا شرع ولا عقل, ~~والبحث في هذا يطول جدا1. قال الماتن رح: وقد جمعت فيه مصنفين مطولا ~~ومختصرا ولله الحمد. # إلا في مشروعية الخطبتين قبلها لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم سن في الجمعة خطبتين يجلس بينهما وما صلى بأصحابه جمعة من الجمع إلا ~~وخطب فيها إنما دعوى الوجوب إن كانت بمجرد فعله المستمر فهذا لا يناسب ما ~~تقرر في الأصول ولا يوافق تصرفات الفحول وسائر أهل المذهب المنقول, وأما ~~الأمر بالسعي إلى ذكر الله فغايته أن السعي واجب وإذا كان هذا ms150 الأمر مجملا ~~فبيانه واجب فما كان متضمنا لبيان نفس السعي إلى الذكر يكون واجبا ~~PageV01P136 # فأين وجوب الخطبة1 فإن قيل إنه لما وجب السعي إليها كانت واجبة بالأولى ~~فيقال ليس السعي لمجرد الخطبة بل إليها وإلى الصلاة ومعظم ما وجب السعي ~~لأجله هو الصلاة فلا تتم هذه الأولوية وهذا النزاع في نفس الوجوب, وأما في ~~كون الخطبة شرطا للصلاة فعدم وجود دليل يدل عليه لا يخفى على عارف فإن شأن ~~الشرطية أن يؤثر عدمها في عدم المشروط فهل من دليل يدل على أن عدم الخطبة ~~يؤثر في عدم الصلاة, ثم اعلم أن الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم من ترغيب الناس وترهيبهم فهذا في الحقيقة روح الخطبة ~~الذي لأجله شرعت, وأما اشتراط الحمد لله أو الصلاة على رسول الله أو قراءة ~~شيء من القرآن فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة واتفاق مثل ذلك ~~في خطبته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لا يدل على أنه مقصود متحتم وشرط ~~لازم ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد ~~والصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم, وقد كان عرف العرب المستمر أن ~~أحدهم إذا أراد أن يقوم مقاما ويقول مقالا شرع بالثناء على الله وعلى رسوله ~~وما أحسن هذا وأولاه, ولكن ليس هو المقصود بل المقصود ما بعده ولو قال قائل ~~إن من قام في محفل من المحافل خطيبا ليس له باعث على ذلك إلا أن يصدر منه ~~الحمد والصلاة لما كان هذا مقبولا بل كل طبع سليم يمجه ويرده, إذا تقرر هذا ~~عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث فإذا فعله الخطيب ~~فقد فعل الأمر المشروع إلا أنه إذا قدم الثناء على الله وعلى رسوله أو ~~استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتم وأحسن. # "ووقتها وقت الظهر" لكونها بدلا عنه, وقد ورد ما يدل على أنها تجزيء قبل ~~الزوال كما في حديث أنس ms151 أنه كان صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي الجمعة ثم ~~يرجعون PageV01P137 # إلى القائلة يقيلون, وهو في الصحيح ومثله من حديث سهل بن سعد في الصحيحين ~~وثبت في الصحيح من حديث جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يصلي ~~الجمعة ثم يذهبون إلى جمالهم فيريحونها حين تزول الشمس, وهذا فيه التصريح ~~بأنهم صلوها قبل زوال الشمس, وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل وهو الحق. وذهب ~~الجمهور إلى أن أول وقتها أول وقت الظهر. "وعلى من حضرها أن لا يتخطى رقاب ~~الناس" إلا إذا كان إماما أو كان بين يديه فرجة لا يصلها إلا بتخط كما نقله ~~المحلي عن الروضة, لحديث عبد الله ابن بسر قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس ~~يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "اجلس فقد آذيت" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة ~~وغيره, ولحديث أرقم بن أبي أرقم المخزومي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم قال: "الذي يتخطى الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج ~~الإمام كالجار قصبه1 في النار". أخرجه أحمد والطبراني في الكبير وفي إسناده ~~مقال2, وفي الباب أحاديث منها عن معاذ بن أنس عند الترمذي وابن ماجه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ ~~جسرا إلى جهنم" قا ل الترمذي: حديث غريب والعمل عليه عند أهل العلم. وفي ~~تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين: ومنها تخطي رقاب الناس يوم الجمعة كذا ~~عده الشيخ شمس الدين بن القيم من الكبائر, وقد صرح النووي وغيره بأنه حرام ~~انتهى. قلت: وفي الباب عن عثمان وأنس أيضا. وأن ينصت حال الخطبتين لحديث ~~أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة ~~أنصت والإمام يخطب فقد لغوت" وهو في الصحيحين وغيرهما وأخرج أحمد وأبو داود ~~من حديث علي قال: "من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان ms152 عليه كفل3 ~~من الوزر, ومن قال صه فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له", ثم قال: هكذا سمعت ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم, وفي إسناده مجهول, وفي PageV01P138 # الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة. أقول: وحاصل ما يستفاد من الأدلة أن ~~الكلام منهي عنه حال الخطبة نهيا عاما وقد خصص هذا النهي بما يقع من الكلام ~~في صلاة التحية من قراءة وتسبيح وتشهد ودعاء والأحاديث المخصصة لمثل ما ذكر ~~صحيحة1 فلا محيص لمن دخل المسجد حال الخطبة من صلاة ركعتي التحية إن أراد ~~القيام بهذه السنة المؤكدة والوفاء بما دلت عليه الأدلة فإنه صلى الله عليه ~~وسلم أمر سليكا الغطفاني لما وصل إلى المسجد حال الخطبة فقعد ولم يصل ~~التحية بأن يقوم فيصلي فدل هذا على كون ذلك من المشروعات المؤكدة بل من ~~الواجبات كما قرره شيخنا العلامة الشوكاني في رسالة مستقلة وبينت أنا في ~~دليل الطالب إلى أرجح المطالب وجوب صلاة التحية ومن جملة مخصصات صلاة ~~التحية حديث: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين" وهو حديث صحيح ~~متضمن للنص في محل النزاع, وأما ما عدا صلاة التحية من الأذكار والأدعية ~~والمتابعة للخطيب في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأت ما يدل ~~على تخصيصها من ذلك العموم والمتابعة في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ~~وأن وردت بها أدلة قاضية بمشروعيتها فهي أعم من أحاديث منع الكلام حال ~~الخطبة من وجه وأخص منها من وجه فيتعارض العمومان وينظر في الراجح منهما, ~~وهذا إذا كان اللغو المذكور في حديث: "ومن لغا فلا جمعة له" يشمل جميع ~~أنواع الكلام, وأما إذا كان مختصا بنوع منه وهو ما لا فائدة فيه فليس فيه ~~ما يدل على منع الذكر والدعاء والمتابعة في الصلاة عليه صلى الله عليه ~~وسلم, وأما حديث: "إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا صلاة ولا كلام ~~حتى يفرغ الإمام" فقد أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عمر وفي سنده ضعف ~~كما قاله صاحب مجمع الزوائد فلا تقوم ms153 به الحجة, ولكنه قد روي ما يقويه ~~فأخرج أبو يعلى والبزار عن جابر قال: قال سعد بن أبي وقاص لرجل لا جمعة لك ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لم يا سعد"؟ فقال: لأنه تكلم وأنت تخطب ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق سعد" وفي إسناده مجالد بن سعيد وهو ~~ضعيف عند الجمهور, وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وقد ذكر العلامة الشوكاني في ~~شرح المنتقى أحاديث تفيد معنى هذا الحديث فليراجع, ويقويها ما يقال إن ~~المراد باللغو المذكور في الحديث التلفظ وإن PageV01P139 # كان أصله ما لا فائدة فيه بقرينة أن قول من قال لصاحبه أنصت لا يعد من ~~اللغو لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد سماه النبي صلى ~~الله عليه وسلم لغوا ويمكن أن يقال إن ذلك الذي قال: أنصت لم يؤمر في ذلك ~~الوقت بأن يقول هذه المقالة فكان كلامه لغوا حقيقة من هذه الحيثية, وندب له ~~التبكير لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن ~~راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما ~~قرب كبشا أقرن1 ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في ~~الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون ~~الذكر". وفي الباب أحاديث في مشروعية التبكير. قال في المسوى شرح الموطأ: ~~الأصح أن هذه الساعات ساعات لطيفة بعد الزوال لا الساعات التي يدور عليها ~~حساب الليل والنهار انتهى. والتطيب والتجمل لحديث أبي سعيد عن النبي صلى ~~الله وسلم عليه قال: "على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه ~~وإن كان له طيب مس منه" أخرجه أحمد وأبو داود وهو في الصحيحين بلفظ: "الغسل ~~يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستن وأن يمس طيبا إن وجد" وأخرج أحمد ~~والبخاري وغيرهما من حديث سلمان الفارسي قال: قال النبي صلى تعالى عليه ms154 ~~وآله وسلم: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من ~~دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما ~~كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة ~~الأخرى" وأخرج أحمد وغيره من حديث أبي أيوب قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ~~ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ~~ولم يؤذ أحدا ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كان كفارة لما بينها وبين ~~الجمعة الأخرى" ورجال إسناده ثقات, وفي الباب أحاديث. "والدنو من الإمام" ~~لحديث سمرة عند أحمد وأبي داود أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~قال: PageV01P140 # "احضروا الذكر وادنوا من الإمام فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في ~~الجنة وإن دخلها". وفي إسناده انقطاع, وفي الباب أحاديث ومن جملة ما يشرع ~~يوم الجمعة الغسل وقد تقدم الكلام عليه في باب الغسل. ومن أدرك ركعة منها ~~فقد أدركها لحديث: "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت ~~صلاته" فهذا وإن كان فيه مقال غايته الإعلال بالإرسال فقد ثبت رفعه من طريق ~~جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة, فإنه روي عنه من ثلاثة عشر طريقا ومن ~~ثلاث طرق عن ابن عمر وبعضها يؤيد بعضا فهي لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره, ~~وقد أخرجه الحاكم من ثلاث طرق عن أبي هريرة وقال فيها على شرط الشخين1 ~~فالعجب من أن يؤثر على هذا كله قول عمر بن الخطاب ويدعم بتلك العصا التي لا ~~يأخذها إلا الزمن أو من ضاقت عليه المسالك فيقال: ولم يرد خلافه عن أحد من ~~الصحابة والحال أن أول المخالفين له رسول الله صلى الله وسلم عليه بعموم ~~قوله وخصوصه. والحاصل: أن الحديث له طرق كثيرة يصير بها حسنا لغيره وقد ~~قدمنا ms155 أنها كسائر الصلوات وليست الخطبة شرطا من شروط الجمعة حتى يتوقف ~~إدراك الصلاة على إدراك الخطبة فمن زعم أن صلاة الجمعة تختص بحكم يخالف ~~سائر الصلوات فعليه الدليل, وقد أوضح الماتن المقال في أبحاث مطولة وقعت مع ~~بعض الأعلام مشتملة على ما يحتاج إليه في هذا البحث فليرجع إلى ذلك فهو ~~مفيد جدا. وهي في يوم العيد رخصة لحديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى العيد في يوم الجمعة ثم رخص في الجمعة فقال من شاء أن يجمع ~~فليجمع, أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والحاكم وصححه علي بن ~~المديني2, وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه ~~PageV01P141 # من الجمعة وإنا مجمعون"1 وقد أعل بالإرسال وفي إسناده أيضا بقية بن ~~الوليد, وفي الباب أحاديث عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما وظاهر أحاديث ~~الترخيص يشمل من صلى العيد ومن لم يصل بل روى النسائي وأبو داود أن ابن ~~الزبير في أيام خلافته لم يصل بالناس الجمعة بعد صلاة العيد فقال ابن عباس ~~لما بلغه ذلك أصاب السنة وفي إسناده مقال. أقول: الظاهر أن الرخصة عامة ~~للإمام وسائر الناس كما يدل على ذلك ما ورد من الأدلة, وأما قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "ونحن مجمعون" فغاية ما فيه أنه أخبرهم بأنه سيأخذ بالعزيمة ~~وأخذه بها لا يدل على أن لا رخصة في حقه وحق من تقوم بهم الجمعة وقد تركها ~~ابن الزبير في أيام خلافته كما تقدم ولم ينكر عليه الصحابة ذلك. ~~PageV01P142 ### | ### | باب صلاة العيدين # # قد اختلف أهل العلم هل صلاة العيد واجبة أم لا؟ والحق الوجوب لأنه صلى ~~الله عليه وسلم مع ملازمته لها قد أمرنا بالخروج إليها كما في حديث أمره ~~صلى الله عليه وسلم للناس أن يغدوا إلى مصلاهم بعد أن أخبره الركب برؤية ~~الهلال وهو حديث صحيح وثبت في الصحيح من حديث أم ms156 عطية قالت: أمرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج في الفطر والأضحى العواتق2 والحيض وذوات ~~الخدور فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين, فالأمر ~~بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب, والرجال أولى من ~~النساء بذلك لأن الخروج وسيلة إليها ووجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل ~~إليه بل ثبت الأمر القرآني بصلاة العيد كما ذكره أئمة التفسير في قوله ~~تعالى: {فصل لربك وانحر} فإنهم قالوا: المراد صلاة العيد, ومن الأدلة على ~~وجوبها أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد وما ليس بواجب لا يسقط ما ~~كان واجبا. "هي ركعتان" يجهر فيهما بالقراءة يقرأ عند إرادة التخفيف: {سبح ~~اسم ربك الأعلى} و {هل أتاك} وعند الإتمام {ق} و {اقتربت الساعة} وعند ~~الشافعي تشرع صلاة العيد جماعة وللمنفرد والعبد والمرأة PageV01P142 # والمسافر ولا يخطب المنفرد ويخطب إمام المسافرين وعند أبي حنيفة تجب صلاة ~~العيد على كل من تجب عليه صلاة الجمعة ويشترط لصلاة العيد ما يشترط لصلاة ~~الجمعة كذا في المسوى وغيره, "في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي ~~الثانية خمس كذلك" لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعا في الأولى وخمسا في الثانية ~~أخرجه أحمد وابن ماجه, وقال أحمد أنا أذهب إلى هذه قال العراقي إسناده صالح ~~ونقل الترمذي في العلل المفردة عن البخاري أنه قال: إنه حديث صحيح وفي ~~رواية لأبي داود والدارقطني التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في ~~الأخيرة والقراءة بعدهما كلتيهما, وإسناد الحديث صالح وقد صححه البخاري, ~~وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني أن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا قبل ~~القراءة وقد حسنه الترمذي وأنكر عليه تحسينه لأن في إسناده كثير بن عبد ~~الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وهو متروك. قال النووي: لعله اعتضد ~~بشواهد وغيرها انتهى. قال ms157 العراقي: إن الترمذي إنما تبع في ذلك البخاري فقد ~~قال في كتاب العلل المفردة: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: ليس ~~في هذا الباب شيء أصح منه وبه أقول انتهى. وقد أخرجه ابن ماجه بدون ذكر ~~القراءة وأخرجه الدارقطني وابن عدي والبيهقي وفي إسناده كثير بن عبد الله ~~ابن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال الشافعي وأبو داود: إنه ركن من أركان ~~الكذب, وقال ابن حبان: له نسخة موضوعة عن أبيه عن جده, وأخرج ابن ماجه من ~~حديث سعد القرظ1 المؤذن: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان ~~يكبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الآخرة خسما قبل القراءة. ~~قال العراقي: وإسناده ضعيف, وفي الباب أحاديث تشهد لذلك والجميع يصلح ~~للاحتجاج به وفي المسألة عشرة مذاهب هذا أرجحها. قال في الحجة: يكبر في ~~الأولى سبعا قبل القراءة والثانية خمسا قبل القراءة وعمل الكوفيين أن يكبر ~~أربعا كتكبير الجنائز في الأولى قبل القراءة وفي الثانية بعدها وهما سنتان ~~وعمل الحرمين أرجح انتهى. PageV01P143 # أقول: الذي دلت عليه الأدلة أن يكون التكبير مقدما على القراءة في ~~الركعتين كما ثبت ذلك من فعله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في حديث عمرو ~~بن عوف المزني المتقدم1 ولم يأت من قال بمشروعية تقديم القراءة في الركعتين ~~أو تأخيرها في الأولى وتقديهما في الثانية بحجة قط. ثم اعلم أن الحافظ قال ~~في التلخيص قوله: ويقف بين كل تكبيرتين بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة روي ~~مثل ذلك عن ابن مسعود قولا وفعلا. قلت: رواه الطبراني والبيهقي موقوفا ~~وسنده قوي وفيه عن حذيفة وأبي موسى مثله وعن عمر أنه كان يرفع يديه في ~~التكبيرات رواه البيهقي وفيه ابن لهيعة. واحتج ابن المنذر والبيهقي بحديث ~~روياه من طريق بقية عن الزبيدي عن الزهري عن سالم عن أبيه في الرفع عند ~~الإحرام والركوع والرفع منه وفي آخره يرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل ~~الركوع انتهى. قال في شرح المنتقى: والظاهر ms158 عدم وجوب التكبير كما ذهب إليه ~~الجمهور لعدم وجدان دليل يدل عليه انتهى. # والحاصل: أنه سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا. قال ابن قدامة: ~~ولا أعلم فيه خلافا. قالوا: وإن تركه لا يسجد للسهو وروي عن مالك وأبي ~~حنيفة أنه يسجد للسهو والحق الأول. "ويخطب بعدها يأمر بتقوى الله تعالى ~~ويذكر ويعظ". لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد قال: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به ~~الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ~~ويأمرهم وإن كان يريد أن يقطع بعثا2 أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف, وفي ~~الباب من حديث جابر عند مسلم وغيره وأول من خطب قبل الصلاة في العيد مروان ~~وأنكر عليه ذلك, وأخرج النسائي وابن ماجة وأبو داود من حديث عبد الله بن ~~السائب قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيد فلما قضى الصلاة قال: ~~"إنا نريد أن نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب" ~~3. ويستحب في العيد التجمل بالثياب فقد ثبت في الصحيحين أن عمر PageV01P144 # وجد حلة في السوق من إستبرق1 تباع فأخذها فأتى بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد. فقال: "إنما هذه ~~لباس من لا خلاق2 له" وأخرج الشافعي عن شيخه إبراهيم ابن محمد عن جعفر بن ~~محمد عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس برد حبرة3 في كل ~~عيد وشيخ الشافعي ضعيف ولكنه قد تابعه سعيد بن الصلت عن جعفر بن محمد عن ~~أبيه عن جده عن ابن عباس بمثله أخرجه الطبراني وأخرج ابن خزيمة عن جابر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس البرد الأحمر في العيدين وفي الجمعة. ~~"والخروج إلى خارج البلد" لمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك وصلى بهم ~~صلى الله عليه وسلم صلاة العيد في المسجد ms159 لمطر وقع كما في حديث أبي هريرة ~~عند أبي داود وابن ماجة والحاكم وفي إسناده مجهول. ومخالفة الطريق لحديث ~~أبي هريرة عند البخاري وغيره قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان ~~يوم العيد خالف الطريق4, وأخرج أبو داود وابن ماجه نحوه من حديث ابن عمر ~~وفي الباب أحاديث غير ما ذكر. "والأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى" لما ~~ثبت في الصحيح من حديث أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم ~~الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا. وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه وابن ~~حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث بريدة قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع, ~~زاد أحمد: "فيأكل من أضحيته" وفي الباب أحاديث. "ووقتها بعد ارتفاع الشمس ~~قدر رمح إلى الزوال" لما أخرجه أحمد بن الحسن البناء في كتاب الأضاحي من ~~حديث جندب قال: كان النبي صلى الله تعالى عليه وأله وسلم يصلي بنا يوم ~~الفطر والشمس على قيد رمحين والأضحى على قيد رمح, وأخرج أبو داود وابن ماجه ~~من حديث عبد الله PageV01P145 # ابن بسر صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه خرج مع الناس ~~يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام وقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه ~~وذلك حين التسبيح, أي حين وقت صلاة العيد. وأخرج الشافعي مرسلا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى وأخر ~~الفطر. وفي إسناده إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي وهو ضعيف, وقد وقع الإجماع ~~على ما أفادته الأحاديث وإن كانت لا تقوم بمثلها الحجة, وأما آخر وقت صلاة ~~العيدين فزوال الشمس وإذا كان الغدو من بعد طلوع الشمس إلى الزوال كما قال ~~بعض أهل العلم فحديث أمره صلى الله عليه وسلم للركب أن يغدوا إلى مصلاهم ~~يدل على ذلك قال في البحر: وهي من بعد انبساط الشمس إلى الزوال ms160 ولا أعرف ~~فيه خلافا. "ولا أذان فيها ولا إقامة" لما ثبت في الصحيح من حديث جابر بن ~~سمرة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين بغير أذان ~~ولا إقامة, وثبت في الصحيحين عن ابن عباس أنه قال: لم يكن يؤذن يوم الفطر ~~ولا يوم الأضحى. وفي الباب أحاديث. وأما تكبير أيام التشريق فلا شك في ~~مشروعية مطلق التكبير في الأيام المذكورة ولم يثبت تعيين لفظ مخصوص ولا وقت ~~مخصوص ولا عدد مخصوص بل المشروع الاستكثار منه دبر الصلوات وسائر الأوقات ~~فما جرت عليه عادة الناس اليوم استنادا إلى بعض الكتب الفقهية من جملة عقب ~~كل صلاة فريضة ثلاث مرات وعقب كل صلاة نافلة مرة واحدة وقصر المشروعية على ~~ذلك فحسب ليس عليه أثارة من علم فيما أعلم وأصح ما ورد فيه عن الصحابة أنه ~~من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى, وأما صفة التكبير فأصح ما ورد فيه ما ~~أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال كبروا: الله أكبر الله أكبر الله ~~أكبر كبيرا قال في شرح المنتقى نقلا عن الفتح: وقد أحدث في هذا الزمان ~~زيادة في ذلك لا أصل لها انتهى. قال الشوكاني: والظاهر أن تكبير التشريق لا ~~يختص استحبابه بعقب الصلوات بل هو مستحب في كل وقت من تلك الأيام كما تدل ~~على ذلك الآثار انتهى. # PageV01P146 ### | باب صلاة العيدين # ... # باب صلاة الخوف # "قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفات مختلفة" قيل على ستة ~~عشر وقيل سبعة عشرة وقيل ثمانية عشر وقيل أقل من ذلك, وقد صح منها أنواع ~~فمنها أنه صلى الله عليه وسلم بكل طائفة ركعتين فكان للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أربع وللقوم ركعتان وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث جابر ومنها ~~أنه صلى بكل طائفة ركعة فكان له ركعتان وللقوم ركعة وهذه الصفة أخرجها ~~النسائي بإسناد رجاله ثقات ومنها أنه صلى بهم جميعا فكبر وكبروا وركع ~~وركعوا ورفع ورفعوا ثم سجد وسجد معه ms161 الصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في ~~نحر العدو فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر ~~الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم وفعلوا ~~كالركعة الأولى ولكنه قد صار الصف المؤخر مقدما والمقدم مؤخرا ثم سلم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسلموا جميعا وهذه الصفة ثابتة في صحيح مسلم وغيره من ~~حديث جابر ومن حديث أبي عياش الزرقي عند أحمد وأبي داود والنسائي ومنها أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم صلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة ~~العدو ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقيلين على العدو وجاء أولئك ثم ~~صلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قضى هؤلاء ركعة وهذه الصفة ثابتة في ~~الصحيحين من حديث ابن عمر ومنها أنها قامت مع النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة فكبر فكبروا جميعا ~~الذين معه والذين مقابل العدو ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه ثم ~~سجد فسجدت التي تليه والآخرون قيام مقابل العدو ثم قام وقامت الطائفة التي ~~معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو ~~فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما هو ثم قاموا ~~فركع ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه ثم أقبلت الطائفة التي كانت ~~مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاعد ومن ~~معه ثم كان السلام فسلم وسلموا جميعا فكان لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ركعتان وللقوم لكل طائفة ركعتان وهذه الصفة أخرجها وأحمد والنسائي ~~وأبو داود ومنها أنه صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة ركعة وطائفة وجاه العدو ~~ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا # PageV01P147 # وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ~~فأتموا لأنفسهم فسلم بهم وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث سهل بن أبي ~~حثمة وإنما اختلفت صلاته صلى الله عليه وسلم في الخوف لأنه ms162 كان في كل موطن ~~يتحرى ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة, وكلها مجزئة لأنها وردت على ~~أنحاء كثيرة وكل نحو روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو جائز يفعل ~~الإنسان ما هو أخف عليه وأوفق بالمصلحة حالتئذ كذا في الحجة. أقول: من زعم ~~من أهل العلم أن المشروع من صلاة الخوف ليس إلا صفة من الصفات الثابتة دون ~~ما عداها فقد أهدر شريعة ثابتة وأبطل سنة قائمة بلا حجة نيرة وغالب ما يدعو ~~إلى ذلك ويوقع فيه قصور الباع وعدم الاعتناء بكتب السنة المطهرة فالحق ~~الحقيق بالقبول جواز جميع ما ثبت من الصفات وقد ذكر هنا صاحب المنتقى ~~أنواعا هي حاصل ما ذكره المحدثون مما بلغ إلى رتبة الصحيح وثم صفات أخر ~~ليست ببالغة إلى تلك الرتبة فإن قلت: ما الحكمة في وقوع هذه الصلاة على ~~أنواع مختلفة؟ قلت: أمران: الأول اقتضاء الحادثة لذلك والمقتضيات مختلفة ~~ففي بعض المواطن تكون بعض الصفات أنسب من بعض لما يكون فيها من أخذ الحذر ~~والعمل بالحزم ما يناسب الخوف العارض فقد يكون الخوف في بعض المواطن شديدا ~~والعدو متصلا أو قريبا وفي بعض المواطن قد يكون الخوف خفيفا والعدو بعيدا ~~فتكون هذه الصفة أولى بهذا الموطن وهذه أولى بهذا الموطن, فالأمر الثاني ~~أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فعلها متنوعة إلى تلك الأنواع لقصد ~~التشريع وإرادة البيان للناس وأما صلاة المغرب فقد وقع الإجماع على أنه لا ~~يدخلها القصر ووقع الخلاف هل الأولى أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين ~~والثانية ركعة أو العكس ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم وقد روي أن عليا رضي الله تعالى عنه صلاها ليلة الهرير, واختلفت ~~الرواية في حكاية فعله كما اختلفت الأقوال والظاهر أن الكل جائز وإن صلى ~~لكل طائفة ثلاث ركعات فيكون له ست ركعات وللقوم ثلاث ركعات فهو صواب قياسا ~~على فعله في غيرها, وقد تقرر صحة إمامة المتنفل بالمفترض كما سبق. "وإذا ~~اشتد الخوف ms163 والتحم القتال صلاها الراجل والراكب ولو إلى غير القبلة ولو ~~بالإيماء" ويقال لصلاة الخوف عند التحام القتال صلاة المسايف أخرج # PageV01P148 # البخاري عن ابن عمر في تفسير سورة البقرة بلفظ: فإن كان خوف أشد من ذلك ~~صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. ~~قال مالك قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وهو في مسلم من قول ابن عمر بنحو ذلك وقد رواه ابن ماجة عن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف صلاة الخوف وقال: فإن كان خوف أشد ~~من ذلك فرجالا وركبانا, وأخرج أحمد وأبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن ~~أنيس قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي ~~وكان نحو عرنة وعرفات فقال: اذهب فاقتله, قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر ~~فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي ~~أومئ إيماء نحوه فلما دنوت منه" الحديث. ومن البعيد أن لا يخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك ولو أنكره لذكر ذلك. # PageV01P149 ### | باب صلاة السفر # يجب القصر لحديث عائشة الثابت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال1: "فرضت الصلاة ركعتين فزيدت في الحضر وأقرت في السفر" فهذا يشعر بأن ~~صلاة السفر باقية على الأصل فمن أتم فكأنه صلى في الحضر الثنائية أربعا ~~والرباعية ثمانيا عمدا, وثبت أيضا في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقتصر في جميع أسفاره على القصر. قلت: اتفقت الأمة على جواز القصر في ~~السفر واختلف المفسرون في قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح} أنزلت في السفر وقيد الخوف اتفاقي أو في الخوف وقيد السفر اتفاقي ~~والمراد من القصر الإيماء في الركوع والسجود فذهب إلى الأول جماعات من ~~المفسرين وإلى الثاني يشير قول ابن عمر ويدل ms164 عليه بناء قوله تعالى: {وإذا ~~كنت فيهم} على آية القصر من غير ذكر الخوف ثانيا ثم مذهب الأكثرين أن القصر ~~واجب, وقال الشافعي: إن شاء أتم وإن شاء قصر والقصر أفضل كذا في المسوى. ~~أقول: الحق وجوب القصر والأحاديث مصرحة بما يقتضي ذلك, PageV01P149 # وأما ما يروى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في الصلاة ~~ويتم ويفطر ويصوم. فلم يثبت كما صرح به جماعة من الحفاظ1 وكذلك ما روي عنها ~~أنها فعلت ذلك ولم ينكر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تكلم فيه ~~جماعة من الأئمة بما تسقط به حجيته, وكذلك ما روي عن أن عثمان أتم الصلاة ~~بمنى فلا حجة في ذلك وقد صح إنكار بعض الصحابة عليه واعتذاره عن ذلك فلم ~~يبق في المقام ما يوجب التردد, والظاهر من الأدلة في القصر والإفطار عدم ~~الفرق بين من سفره في طاعة ومن سفره في معصية لا سيما القصر لأن صلاة ~~المسافر شرعها الله كذلك فكما أن الله شرع للمقيم صلاة التمام من غير فرق ~~بين من كان مطيعا ومن كان عاصيا بلا خلاف كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير ~~فرق وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولا زائدا على تناول أدلة الإفطار له ~~لأن القصر عزيمة وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي بل مشروعة لها جميعا بخلاف ~~الإفطار فإنه رخصة للمسافر والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل وإن كانت ~~هنا عامة وإنما المراد بطلان القياس والركعتان في السفر تمام غير قصر ~~ومعناه عند الحنفية أنه لا يكون فرض المسافر غير ركعتين وإن صلى أربعا ولم ~~يقعد للتشهد بطلت صلاته وإن قعد أتمها أربعا والأخريان نقل وعند الشافعية ~~أن المسافر إذا قصر في السفر فليس عليه ما تركه إذا صار مقيما بخلاف الصوم ~~فإنه يعيد ما أفطر إذا صار مقيما وإيجاب القصر على من خرج من بلده قاصدا ~~للسفر وإن كان دون بريد وجهه أن الله تعالى قال: {وإذا ضربتم في الأرض فليس ~~عليكم جناح أن ms165 تقصروا من الصلاة} والضرب في الأرض يصدق على كل ضرب لكنه خرج ~~الضرب أي المشي لغير السفر لما كان يقع منه صلى الله عليه وسلم من الخروج ~~إلى بقيع الغرقد ونحوه ولا يقصر ولم يأت في تعيين قدر السفر الذي يقصر فيه ~~المسافر شيء فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرا لغة وشرعا, ومن خرج من بلده ~~قاصدا إلى محل يعد في مسيره إليه مسافرا قصر الصلاة وإن كان ذلك المحل دون ~~البريد ولم يأت من اعتبر البريد واليوم واليومين PageV01P150 # والثلاث وما زاد على ذلك بحجة نيرة وغاية ما جاءوا به حديث: "لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم" وفي ~~رواية: "يوما وليلة" وفي رواية: "بريدا" وليس في هذا الحديث ذكر القصر ولا ~~هو في سياقه والاحتجاج به مجرد تخمين وأحسن ما ورد في التقدير ما رواه شعبة ~~عن يحيى بن زيد الهنائي, قال: سألت أنسا عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين ~~والشك في شعبة. أخرجه مسلم وغيره فإن قلت: محل الدليل في نهي المرأة عن ~~السفر تلك المسافة بدون محرم هو كونه صلى الله عليه وسلم سمى ذلك سفرا. ~~قلت: تسميته سفرا لا تنافي تسمية ما دونه سفرا فقد سمى النبي صلى الله عليه ~~وسلم مسافة الثلاث سفرا كما سمى مسافة البريد سفرا في ذلك الحديث باعتبار ~~اختلاف الرواية وتسمية البريد سفرا لا ينافي تسمية ما دونه سفرا, فإن قلت ~~أخرج الدارقطني والبيهقي والطبراني من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: "يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان1". ~~قلت: هو ضعيف لا تقوم به الحجة فإن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر ~~وهو متروك2. قال الماتن وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدي, وقال أبو حنيفة: ~~مسيرة ثلاثة أيام وفي العالمكيرية الصحيح أنه لا يشترط سير كل ms166 اليوم إلى ~~الليل فلو بكر في كل يوم ومشى إلى الزوال ثم نزل يصير مسافرا, وقال الشافعي ~~أربعة برد وقال مالك وذلك أحب ما سمعت يقصر فيه الصلاة إلي وتفسيرها ستة ~~عشر فرسخا ويتجه على هذا أن قولهما متقاربان قال الأوزاعي: عامة الفقهاء ~~يقولون مسيرة يوم تام وإنما يحل القصر إذا خرج من بيوت القرية. قال ~~العلماء: إذا جاوز عمران المصر قصر. أقول مسألة أقل السفر قد اضطربت فيها ~~الأقوال وطال فيها النزاع وتشعبت فيها المذاهب وليس في ذلك شيء يستند إليه ~~إلا مجرد قول الرواة قصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كذا من دون ~~بيان لمقدار يرجع إليه, وأصرح ما في ذلك ما قاله بعض الرواة أنه صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم كان يقصر إذا سافر ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ هكذا ~~على الشك مع أنه PageV01P151 # لم يين مقدار المسافة التي هي انتهاء سفره وغاية ما وقع التعويل عليه ~~أحاديث لا يحل لامرأة كما تقدمت والمعمول عليه ههنا رواية البريد لأن ما ~~فوقها يعتبر فيه ذلك بفحوى الخطاب لكن لا ملازمة بين اعتبار المحرم للمرأة ~~وبين وجوب القصر على غيرها من المسافرين لأن علة مشروعية المحرم غير علة ~~مشروعية القصر فلم يبق في المسألة ما يصلح للاستناد إليه فوجب الرجوع إلى ~~ما يصدق عليه مسمى الضرب في الأرض على وجه يخالف ما يفعله المقيم من ذلك ~~وهو يصدق على من أراد سفرا زائدا على الميل لا ما كان ميلا فما دون فقد ~~يتردد المقيم في الجوانب المقاربة لبلد إقامته وقد كان صلى الله عليه وآله ~~وسلم يخرج إلى البقيع لزيارة الأموات ولا يقصر وإن كان هذا لا يتم الاحتجاج ~~به إلا بعد تسلم أنه خرج إلى هنالك وحضر وقت الصلاة فصلى تماما وهو ممنوع ~~فالتعويل في استثناء الميل هو ما قدمنا وفيه ما فيه لولا أنه أوجب الرجوع ~~إليه البقاء على الأصل والفرار من التحكمات التي لا ترجع إلى شيء كما يقوله ~~بعض أهل العلم ms167 إن مسافة القصر ما بين الشام والعراق ونحو ذلك. فالحاصل: أن ~~الواجب الرجوع إلى ما يصدق عليه اسم السفر شرعا أو لغة أو عرفا لأهل الشرع ~~فما كان ضربا في الأرض يصدق عليه أنه سفر وجب فيه القصر, وأما ما رواه سعيد ~~بن منصور: أنه كان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا سافر فرسخا يقصر ~~الصلاة فهو أيضا لا ينفي السفر فيما دون ذلك, وإذا أقام ببلد مترددا قصر ~~إلى عشرين يوما ثم يتم وجهه أن من حط رحله بدار إقامة فقد ذهب عنه حكم ~~السفر وفارقته المشقة فلولا أن الشارع سمى من أقام كذلك مسافرا فقال: ~~"أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر" لما كان حكم السفر ثابتا له فالواجب ~~الاقتصار في القصر مع الإقامة على المقدار الذي سوغه الشارع, وما زاد عليه ~~فللمسافر حكم المقيم يجب عليه أن يتم صلاته لأنه مقيم لا مسافر وقد أقام ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة في غزوة الفتح قيل ثماني عشرة ليلة ~~وقيل تسع عشرة ليلة وقيل أقل من ذلك وفي صحيح البخاري وغيره تسع عشرة ليلة ~~وأخرج أحمد وأبو داود من حديث جابر قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة. وأخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي وصححه ابن ~~حزم والنووي فوجب علينا أن نقتصر # PageV01P152 # علي هذا المقدار وتتم بعد ذلك ولله در الحبر ابن عباس ما أفقهه وما أفهمه ~~للمقاصد الشرعية فإنه قال فيما رواه عنه البخاري وغيره: لما فتح النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم مكة أقام فيها تسع عشرة يصلي ركعتين. قال: فنحن ~~إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة قصرنا وإن زدنا أتممنا. وأقول: هذا الفقه ~~الدقيق والنظر المبني على أبلغ تحقيق ولو قال له جابر أقمنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلة نقصر الصلاة لقال بموجب ذلك. قال ~~الماتن: وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدي انتهى. # أقول: الظاهر فيمن أقام ببلد وحط الرحل يوما بعد يوم وليلة ms168 بعد ليلة أنه ~~لا يقصر الصلاة لأنه غير مسافر فلو لم يرد الدليل الدال على أن من أقام ~~عازما على السفر كان له حكم المسافر لم يثبت القصر في حقه فينبغي أن يقتصر ~~على ما ورد ولا يجاوز. أما مع التردد وعدم العزم على إقامة أيام معينة فلا ~~يزال يقصر المسافر حتى يبلغ مدة إقامته مقدار المدة التي أقامها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمكة بعد الفتح وأكثر ما قيل عشرون ليلة, وقد روي أنه ~~أقام في غزوة تبوك بمكان نحو ذلك وروي أكثر فإن قيل إن الاقتصار على مقدار ~~إقامته صلى الله عليه وسلم وعدم تجويز القصر فيما زاد عليها لا يصلح للتمسك ~~به لأنه مجرد فعل لا دلالة فيه على قصر الجواز على تلك المدة, ومن أين لنا ~~أنه لو عرض له ما يوجب إقامته فوق تلك المدة لما قصر الصلاة بل كان يتمها؟ ~~فيقال هذا صحيح ولم نقل إن هذا الفعل يدل بمجرده على ذلك بل قلنا إن من حط ~~رحله بمحل فالظاهر أنه في ذلك الوقت غير مسافر فيما كان من الإقامة زائدا ~~على ما يعتاده المسافرون من الإراحة لأنفسهم ودوابهم يوما أو بعض يوم وليلة ~~أبو بعض ليلة فإذا سمي بعد إقامته أياما مسافرا فهذه التسمية غير مناسبة ~~لما هو الظاهر فوجب الاقتصار على مقدار المدة التي أقامها الشارع وقصر ~~الصلاة فيها. وقال: "إنا قوم سفر" ومن زعم جواز القصر فيما زاد عليها فعليه ~~الدليل, وأما إذا نوى إقامة أيام معينة فقد وقع الاضطراب في ذلك فقيل: ~~أربعة أيام فإن نوى إقامة أكثر منها قصر. واستدل هذا القائل بإقامته صلى ~~الله عليه وسلم في مكة في حجة الوداع أربعة أيام يقصر الصلاة, ووجه ~~الاستدلال بهذا كالوجه الذي ذكرناه مع التردد سواء بسواء وهو أشف ما قيل ~~وغاية ما تمسك به # PageV01P153 # أهل الأقوال الآخرة ما روي عن جماعة من الصحابة من الاجتهادات المختلفة ~~ولا حجة في ذلك وما يقال من أنها بمنزلة المرفوع لكونها ليست ms169 من مسارح ~~الاجتهاد فمردود على أن التقدير بالأربع مع كونه أشف ما قيل كما ذكرنا يمكن ~~أن يقال عليه إنما يتم الاستدلال به بعد ثبوت أنه صلى الله عليه وسلم عزم ~~على إقامة الأربع ولم ينقل ذلك ويمكن أن يجاب بأن أعمال الحج لا يمكن ~~الإتيان بها في دون تلك المدة فالعزم على الإقامة قدرها لا بد منه, وأما ما ~~روي عن أنس أنه قال: أقمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عشرا فهو محمول على ~~جميع أيام الإقامة بمكة ونواحيها, وأما نفس الإقامة بمكة فليست إلا أربعة ~~أيام فليعلم. وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها وجهه ما عرفناك من أن ~~المقيم لا يعامل معاملة المسافر إلا على الحد الذي ثبت عن الشارع ويجب ~~الاقتصار عليه وقد ثبت عنه مع التردد ما قدمنا ذكره, وأما مع عدم التردد بل ~~العزم على إقامة أيام معينة فالواجب الاقتصار على ما اقتصر عليه صلى الله ~~تعالى وآله وسلم مع عزمه على الإقامة في أيام الحج فإنه ثبت في الصحيحين ~~أنه قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس ~~والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى فلما أقام النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة مع كونه لا يفعل ذلك إلا ~~عازما على الإقامة إلى أن يعمل أعمال الحج كان ذلك دليلا على أن العازم على ~~إقامة مدة معينة يقصر إلى تمام أربعة أيام ثم يتم وليس ذلك لأجل كون النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لو أقام زيادة على الأربع لأتم فإنا لا نعلم ذلك ~~ولكن وجهه ما قدمنا من أن المقيم العازم على إقامة مدة معينة لا يقصر إلا ~~بإذن كما أن المتردد كذلك, ولم يأت الإذن بزيادة على ذلك ولا ثبت عن الشارع ~~غيره. قال الشافعي: لو نوى إقامة أربعة أيام بموضع انقطع سفره بوصوله. قال ~~في المنهاج: ولا يحسب منها يوما دخوله وخروجه على الصحيح, وقال أبو حنيفة: ms170 ~~لا يزال على حكم السفر حتى ينوي الإقامة في بلدة أو قرية خمسة عشر يوما, ~~وقول أكثر أهل العلم: إنه يقصر أبدا ما لم يجمع إقامة1 واختلف أصحاب ~~الشافعي في حكاية مذهبه وحكاية البغوي أنه إذا لم يجمع الإقامة فزاد مكثه ~~على أربعة PageV01P154 # أيام وهو عازم على الخروج أتم إلا أن يكون في خوف أو حرب فيقصر, وقد قصر ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عام الفتح بحرب هوازن تسعة عشر أو ~~ثمانية عشر يوما, وله قول آخر موافق للجمهور. قال الماتن: واعلم أن هذه ~~الثلاثة الأبحاث المذكورة في هذا الباب هي من المعارك التي تتبلد عندها ~~الأذهان وقد اضطربت فيها المذاهب اضطرابا شديدا وتباينت فيها الأنظار ~~تباينا زائدا انتهى. # "وله الجمع تقديما وتأخيرا" وجهه ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر ~~إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ~~ركب". وأخرج أحمد وأبو دواد والترمذي وابن حبان والحاكم والدارقطني وحسنه ~~الترمذي من حديث معاذ أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان في غزوة ~~تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما ~~جميعا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار". وأخرج ~~أحمد من حديث ابن عباس نحوه وزاد المغرب والعشاء وأخرجه أيضا البيهقي ~~والدارقطني وصحح إسناده ابن العربي وتعقب بأن في إسناده من لا يحتج بحديثه, ~~وللحديثين طرق يقوي بعضها بعضا وليس فيها من المقال ما يبطل الاحتجاج ~~بمجموعها, ومن الجمع بين المغرب والعشاء حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين ~~وغيرهما أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان إذا جد به السير أخر ~~المغرب حتى يغيب الشفق ثم يجمع بينها وبين العشاء. قال ابن القيم: وكل هذه ~~سنن في غاية الصحة والصراحة ولا معارض لها فردت بأنها أخبار آحاد وأوقات ~~الصلوات ms171 ثابتة بالتواتر لحديث إمامة جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه ~~وسلم, وقوله للسائل عن المواقيت وهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة في تفصيل ~~الأوقات مجمع عليها بين الأمة وأحاديث الجمع غير صريحة لجواز أن يكون ~~المراد بها الجمع في الفعل وفي الوقت فكيف يترك المبين للمجمل. والجواب أن ~~يقال: الجميع حق والذي وقت هذه المواقيت وبينها بفعله وقوله هو الذي شرع ~~الجمع بقوله وفعله فلا يؤخذ ببعض السنة ويترك بعضها. فأحاديث الجمع مع ~~أحاديث الأفراد بمنزلة أحاديث الأعذار والضرورات مع أحاديث # PageV01P155 # الشروط والواجبات؛ فالسنة يبين بعضها بعضا لا يرد بعضها ببعض ومن تأمل ~~أحاديث الجمع وجدها كلها صريحة في جمع الوقت لا في جمع الفعل وألفاظ السنة ~~الصريحة ترده كذا في إعلام الموقعين. قال في المسوى: أكثر أهل العلم على ~~جواز الجمع في السفر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما, ~~وقالت الحنفية: لا يجوز. ومعنى الحديث عنهم أن يؤخر إحدى الصلاتين إلى آخر ~~وقتها ويعمل الأخرى في أول وقتها فيحصل الجمع صورة, رووا ذلك عن علي وسعد ~~بن أبي وقاص. وأما الجمع للحاج فمتفق عليه انتهى. "بأذان وإقامتين" لثبوت ~~ذلك في الصحيحين في جمع مزدلفة. # PageV01P156 ### | باب صلاة الكسوفين # وهي صلاة الآيات: "وهي سنة". قال الماتن في شرحه: أي لعدم ورود ما يفيد ~~الوجوب ومجرد الفعل لا يفيد زيادة على كون المفعول مسنونا انتهى. وزاد في ~~السيل الجرار: اعلم أنه قد اجتمع ههنا في صلاة الكسوف الفعل والقول ومن ذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ~~يكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما كذلك فافزعوا إلى المساجد" وفي ~~رواية: "فصلوا وادعوا" والظاهر الوجوب فإن صح ما قيل من وقوع الإجماع على ~~عدم الوجوب كان صارفا وإلا فلا انتهى. قال في الحجة البالغة: قد صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلاها جماعة وأمر أن ينادى بها أن الصلاة ~~جامعة وجهر بالقراءة فمن اتبع فقد أحسن ومن صلى صلاة معتدا ms172 بها في الشرع ~~فقد عمل بقوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا ~~وصلوا وتصدقوا" انتهى. ورجح ابن القيم الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف لحديث ~~عائشة صحيح البخارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ قراءة طويلة يجهر ~~بها في صلاة الكسوف. وأما قول سمرة صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في كسوف ولم نسمع له صوتا فقال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث ~~سمرة. وأصح ما ورد في صفتها ركعتان في كل ركعة ركوعان لثبوت ذلك في ~~الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وابن عمر وابن عباس. # PageV01P156 # "وورد ثلاثة" ركوعات في ركعة فثبت ذلك من حديث جابر عند مسلم وغيره ومن ~~حديث ابن عباس عند الترمذي وصححه ومن حديث عائشة عند أحمد والنسائي. وورد ~~أربعة في كل ركعة لما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث ابن عباس. وورد خمسة ~~ركوعات في كل ركعة أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي من حديث أبي بن كعب قال ~~ابن القيم: السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في صلاة الكسوف تكرار الركوع في ~~كل ركعة لحديث عائشة وابن عباس وجابر وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص وأبي موسى الأشعري كلهم روي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تكرار ~~الركوع في الركعة الواحدة والذي رووا تكرار الركوع أكثر عددا وأجل وأخص ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم من الذين لم يذكروه انتهى. يقرأ بين كل ~~ركوعين وورد في كل ركعة ركوع فقط في صحيح مسلم من حديث سمرة وأخرجه أبو ~~داود وأحمد والنسائي والحاكم وصححه ابن عبد البر والحاكم من حديث النعمان ~~بن بشير وأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث قبيصة قلت: وأجاب ابن ~~القيم عن هذه الروايات من ثلاثة أوجه: أحدها: أن أحاديث تكرار الركوع أصح ~~إسنادا وأسلم من العلة والاضطراب ولا سيما حديث عبد الله بن عمر الذي في ~~الصحيحين وهذا أصح وأصرح من حديث كل ركعة بركوع فلم يبق إلا حديث ms173 سمرة ~~ونعمان وليس منهما شيء في الصحيح. والثاني: أن رواتها من الصحابة أكبر ~~وأكثر وأحفظ وأجل من سمرة ونعمان بن بشير فلا ترد روايتهم بها, والثالث: ~~أنها متضمنة لزيادة صح الأخذ بها انتهى. وأقول: قد رويت هذه الصلاة من فعله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم على أنواع: ركعتين كسائر الصلوات في كل ركعة ركوع ~~واحد وركوعين في كل ركعة وثلاثة وأربعة وخمسة كما تقدم والكل سنة أيها فعل ~~المكلف فقد فعل ما شرع له واختيار الأصح منها على الصحيح هو دأب الراغبين ~~في الفضائل العارفين بكيفية الدلائل, وقد أورد على هذه الروايات المنسوبة ~~إلى فعله صلى الله تعالى عليه وسلم إشكال هو: أنه لم يصلها صلى الله تعالى ~~عليه وسلم غير مرة واحدة فكيف تشعبت الروايات إلى هذه الصفات؟ وقد أجيب عن ~~ذلك بأجوبة # PageV01P157 # ذكرها الماتن رح في شرح المنتقى وقد ثبت الجهر بالقراءة وثبت ذلك الإسرار ~~والجهر أصح والقيام بهذه السنة جماعة أفضل وليست الجماعة شرطا فيها لما في ~~الأحاديث الصحيحة بلفظ: "فصلوا" ولما في حديث قبيصة الهلالي يرفعه أنه صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها ~~من المكتوبة" أخرجه أحمد والنسائي. "وندب الدعاء والتكبير والتصدق ~~والاستغفار" لحديث أسماء: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا ~~وصلوا" وهو في الصحيحين, وفي حديث أبي موسى بلفظ: "فإذا رأيتم شيئا من ذلك ~~فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره" وهو في الصحيحين أيضا وفي حديث ~~المغيرة: "فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنجلي" وهو أيضا في ~~الصحيحين. # PageV01P158 ### | باب صلاة الاستسقاء # قال في الحجة: وقد استسقى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأمته ~~مرات على أنحاء كثيرة لكن الوجه الذي سنه لأمته أن خرج بالناس إلى المصلى ~~متبذلا متواضعا متخشعا متضرعا فصلى لهم ركعتين جهر بهم فيهما بالقراءة ثم ~~خطب واستقبل فيها القبلة يدعو ورفع يديه وحول رداءه انتهى. وهذه الصلاة ~~مسنونة تسن عند الجدب لعدم ورود ما يدل على الوجوب ركعتان بعدهما خطبة ~~لكونه ms174 صلى الله عليه وسلم خرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر. الحديث ~~بطوله وفيه الدعاء وتحويل الرداء وهو في سنن أبي داود وأخرجه أبو عوانة ~~وابن حبان والحاكم وصححه ابن السكن وأخرج أحمد وابن ماجه وغيرهما من حديث ~~أبي هريرة قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما يستسقي فصلى بنا ركعتين ~~بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله عز وجل وحول وجهه نحو القبلة رافعا ~~يديه ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. وفي الباب ~~أحاديث بمعنى ما ذكر وهي متضمنة للدعاء برفع الجدب وبنزول المطر وتحويل ~~الأردية من الإمام وغيره, وروى سعيد بن منصور في سننه أن عمر استسقى فلم ~~يزد على الاستغفار. قال أبو حنيفة: لا تسن الصلاة في الاستسقاء, وقال ~~الشافعي: ثبت من حديث عبد الله بن زيد وابن عباس # PageV01P158 # أنه صلى الله عليه وسلم صلى, وروي ذلك من حديث جعفر بن محمد عن البني صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر قال في إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء: ~~الأوجه عندي أن من دعا ولم يصل فقد أصاب أصل الاستسقاء, وقد فعل ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعمر, ومن صلى ودعا فقد أصاب الأكمل الأفضل فإن الدعاء ~~أرجى في حرمة الصلاة, وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمر انتهى. وقد ~~كان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه وكان ~~الصحابة فمن بعدهم يستسقون بأهل الصلاح ولا سيما من كان من قرابة النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما فعل عمر فإنه استسقى بالعباس رضي الله تعالى عنهما. ~~تتضمن الذكر والترغيب في الطاعة والزجر عن المعصية ويستكثر الإمام ومن معه ~~من الاستغفار والدعاء برفع الجدب لأن روح هذه الصلاة وأساسها وعمادها الذي ~~لا تقوم بدونه هو الاستكثار من الاستغفار قبلها وبعدها وإخلاص التوبة من ~~الذنوب التي يقارفها الإنسان والخروج من التبعات والظلامات في الدماء ~~والأموال والأعراض وذلك غير مختص بفرد من الأفراد بل يفعله كل ms175 أحد ويشرع ~~للإمام أو من يقوم مقامه أن يخطب الناس ويذكرهم بما يفعلونه من الأسباب ~~الموجبة للرحمة, وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه خطب قبل الصلاة وخطب ~~بعدها فالكل سنة ومن جملة أدعيته صلى الله عليه وسلم: "اللهم أغثنا اللهم ~~أغثنا" كما في الصحيحين من حديث أنس, ومن أدعيته صلى الله عليه وسلم: ~~"اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا1 مريعا2 طبقا3 غدقا4 عاجلا غير رائث5" وهذا ~~لفظ ابن ماجه من حديث ابن عباس. وهذه الألفاظ ثابتة من رواية غيره من ~~الصحابة في غير سنن ابن ماجه ومنها: "اللهم أنت الله لا إله إلا أنت أنت ~~الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى ~~حين" وهو في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث عائشة ومن دعائه: "اللهم اسق ~~عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت" إلى غير ذلك. "ويحولون جميعا ~~أرديتهم" لما روي في ذلك ما تقدم من جعل الأيمن أيسر والأيسر أيمن وروي أنه ~~قلبه ظهرا لبطن وحول الناس معه أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن زيد وأصله ~~في الصحيح. PageV01P159 ### | كتاب الجنائز # "من السنة عيادة المريض" لأن الأحاديث في مشروعيتها متواترة وقد جعلها ~~الشارع من حقوق المسلم على المسلم ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد ~~السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" وزاد ~~مسلم: "النصيحة" وزاد البخاري من حديث البراء: "نصر المظلوم وإبرار القسم". ~~"وتلقين المختضر" وهو في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة, ~~"الشهادتين" فوجب أن يحث على الذكر والتوجه إلى الله تعالى لتفارق نفسه وهي ~~في غاشية من الإيمان فيجد ثمرتها في معاده, ودليله حديث أبي سعيد الثابت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" ~~وفي الباب أحاديث. "وتوجيهه" إلى القبلة لحديث عبيد بن عمير عن أبيه أن ~~رسول الله ms176 صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال وقد سأله رجل عن الكبائر فقال ~~هي تسع: "الشرك والسحر وقتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم ~~الزحف وقذف المحصنات وعقوق الوالدين واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء ~~وأمواتا" أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم. وقد أخرج البغوي في الجعديات من ~~حديث ابن عمر نحوه وفي إسناده أيوب بن عتبة وهو ضعيف. وقد استدل بهذا على ~~مشروعية توجيه المريض إلى القبلة ليموت إليها لقوله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: "قبلتكم أحياء وأمواتا" وفيه نظر لأن المراد بقوله: "أحياء" عند ~~الصلاة وبقوله: "أمواتا" في اللحد والمحتضر حي غير مصل فلا يتناوله الحديث, ~~وإلا لزم وجوب التوجه إلى القبلة على كل حي وعدم اختصاصه بحال الصلاة وهو ~~خلاف الإجماع, والأولى الاستدلال بما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة: ~~أن البراء بن معرور أوصى أن يوجه إلى القبلة إذا احتضر فقال رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم: # PageV01P160 # "أصاب الفطرة"1. وقد اختلف الصفة التي يكون التوجه إلى القبلة عليها ~~فقيل: يكون مستلقيا ليستقبلها بكل وجهه. وقيل: على جنبه الأيمن وهو الأولى. ~~أقول: وهو الصفة التي يوجه عليها في قبره والصفة التي أمر صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم النائم أن ينام عليها, ومن ذلك فعل البتول رضي الله عنها ~~ولا وجه لاختيار الاستلقاء إلا وهم أنه أكمل. "وتغميضه إذا مات" لحديث شداد ~~بن أوس عند أحمد وابن ماجة والحاكم والطبراني والبزار قال: قال رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر ~~يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت" وأخرج مسلم في ~~صحيحه أن البني صلى الله تعالى عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شق بصره ~~فأغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر". وقراءة يس عليه لحديث: ~~"اقرؤا على موتاكم يس" أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان وصححه من حديث ~~معقل بن يسار مرفوعا وقد أعل2 وقد أخرج نحوه صاحب مسند ms177 الفردوس من حديث أبي ~~الدرداء وأبي ذر وأخرج نحوه أيضا أبو الشيخ في فضل القرآن من حديث أبي ذر ~~وحده. قال ابن حبان في صحيحه: المراد بقوله: "اقرؤا على موتاكم يس" من ~~حضرته المنية لا الميت, وكذلك: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله". "والمبادرة ~~بتجهيزه إلا لتجويز حياته" لما أخرجه أبو داود من حديث الحصين بن وحوح أن ~~طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعوده فقال: "إني ~~لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت فآذنوني به وأعجلوا3 فإنه لا ينبغي لجيفة ~~مسلم أن تحبس بين ظهري أهله" PageV01P161 # وأخرج أحمد والترمذي من حديث علي مرفوعا بلفظ: "ثلاث لا يؤخرن: الصلاة ~~إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفؤا". وأما إذا كان يظن أنه لم ~~يمت فلا يحل دفنه حتى يقع القطع بالموت كصاحب البرسام وغيره. "والقضاء ~~لدينه" لحديث امتناعه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من الصلاة على الميت ~~الذي عليه دين حتى التزم بذلك بعض الصحابة والحديث معروف, وحديث: "نفس ~~المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من ~~حديث أبي هريرة. "وتسجيته" لما وقع من الصحابة من تسجية رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم عنه موته ببرد حبرة وهو في الصحيحين من حديث عائشة ~~وذلك لا يكون إلا بجري العادة بذلك في حياته صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم. "ويجوز تقبيله" لتقبيله صلى الله عليه وآله وسلم لعثمان بن مظعون وهو ~~ميت كما في حديث عائشة عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وفي الصحيح من ~~حديثها وحديث ابن عباس أن أبا بكر قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته. ~~"وعلى المريض أن يحسن الظن بربه" والأحاديث في ذلك كثيرة ولو لم يكن منها ~~إلا حديث النهي عن أن يموت الميت إلا وهو حسن الظن بربه, وحديث المريض الذي ~~زاره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كيف تجدك"؟ فقال: أرجو الله وأخاف ~~ذنوبي, فقال: "ما اجتمعنا ms178 في قلب امرئ في مثل هذا الموطن إلا دخل الجنة. أو ~~كما قال. "ويتوب إليه" والآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في ذلك لا يتسع ~~المقام لبسطها وفي الصحيحين: "أن الله يفرح بتوبة عبده" وأن باب التوبة ~~مفتوح لا يغلق. "ويتخلص عن كل ما عليه" ووجوب ذلك معلوم, وإذا أمكن بإرجاع ~~كل شيء لمن هو له من دين أو وديعة أو غصب أو غير ذلك فهو الواجب, وإن لم ~~يكن في الحال فالوصية المفصلة هي أقل ما يجب, وورد الأمر بالوصية وأنه لا ~~يحل لأحد أن يبيت إلا ووصيته عند رأسه كما في الأحاديث الصحيحة. # فصل "ويجب غسل الميت المسلم على الأحياء" وهو مجمع عليه كما حكى ذلك ~~النووي والمهدي في البحر ومستند هذا الإجماع أحاديث الأمر بالغسل # PageV01P162 # والترغيب فيه كالأمر منه صلى الله عليه وسلم بغسل الذي وقصته ناقته وبغسل ~~ابنته زينب وهما في الصحيح. والقريب أولى بالقريب إذا كان من جنسه لحديث: ~~"ليليه أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظا من ورع ~~وأمانة" أخرجه أحمد والطبراني وفي إسناده جابر الجعفي والحديث وإن كان لا ~~يصلح للاحتجاج به ولكن للقرابة مزية وزيادة حنو وشفقة توجب كمال العناية ~~ولا شك أنها وجه مرجح مع علم القريب بما يحتاج إليه في الغسل. "وأحد ~~الزوجين بالآخر" أولى لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "ما ضرك لو مت قبلي ~~فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك" أخرجه أحمد وابن ماجة والدارمي وابن ~~حبان والدارقطني والبيهقي وفي إسناده محمد بن إسحق ولم ينفرد به فقد تابعه ~~عليه صالح بن كيسان, وأصل الحديث في البخاري بلفظ: "ذاك لو كان وأنا حي ~~فأستغفر لك وأدعو لك" وقالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه. أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود, ~~وقد غسلت الصديق زوجته أسماء كما تقدم في الغسل لمن غسل ميتا وكان ذلك ~~بمحضر من الصحابة ولم ينكروه, وغسل علي فاطمة كما رواه ms179 الشافعي والدارقطني ~~وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن, وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. قال في المسوى: ~~اتفقوا على جواز غسل المرأة زوجها, واختلفوا في غسل الزوج امرأته قالت ~~الحنفية: لا يجوز فإن لم يكن إلا الزوج يممها. وقال الشافعي: يجوز لما مر. ~~"ويكون الغسل ثلاثا أو خمسا أو أكثر بماء وسدر" لقوله صلى الله عليه وسلم ~~للنسوة الغاسلات لابنته زينب: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن ~~رأيتن بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورا" وهو في الصحيحين من حديث أم ~~عطية وفي لفظ لهما أيضا: "اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ~~ذلك إن رأيتن" وفيه دليل على تفويض عدد الغسلات إلى الغاسل. قال في الحجة: ~~إنما أمر بالسدر وزيادة الغسلات لأن المريض مظنة الأوساخ والرياح المنتنة ~~1ه. "وفي الآخرة كافورا" لقوله صلى الله عليه وسلم: "واجعلن في الآخرة ~~كافورا" كما سبق, وإنما أمر بالكافور في الآخرة لأن من خاصيته أن لا يسرع ~~التغير فيما استعمل, ويقال من فوائده أنه لا يقرب منه حيوان مؤذ. "وتقدم ~~الميامن" ليكون # PageV01P163 # غسل الموتى بمنزلة غسل الأحياء وليحصل إكرام هذه الأعضاء, ودليله قوله ~~صلى الله عليه وسلم في حديث أم عطية هذا: "ابدأن بميامنها ومواضع الضوء ~~منها" قال ابن القيم: السنة الصحيحة الصريحة في ضفر رأس الميت ثلاث ضفائر ~~كقوله في الصحيحين في غسل ابنته: "اجعلوا رأسها ثلاثة قرون" قالت أم عطية: ~~ضفرنا رأسها وناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها. فرد ذلك بأنه ~~يشبه زينة الدنيا وإنما يرسل شعرها شقتين على ثديها وسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحق بالاتباع 1ه. "ولا يغسل الشهيد" بل يدفن في ثيابه ~~ودمائه تنويها بما فعل وليتمثل صورة بقاء عمله بادي الرأي وهذا هو الحق لما ~~ثبت في شهداء أحد أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر بدفنهم في دمائهم ~~ولم يغسلوا وهو في الصحيح, وما قيل بأن الترك إنما كان لكثرة القتلى وضيق ~~الحال فمردود بما عند أحمد في هذا ms180 الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~في قتلى أحد: "لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة" ~~وأخرج أبو داود عن جابر قال: رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرج ~~في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإسناده على شرط ~~مسلم, وعن ابن عباس عند أبي داود وابن ماجة قال: أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. ~~وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي وقد تكلم فيه جماعة وفيه أيضا عطاء بن ~~السائب وفيه مقال وفي الباب أحاديث. وبالجملة: فقد جرت السنة في الشهيد أن ~~لا يغسل ولم يرو أنه غسل شهيدا وبه قال الجمهور, وأما من أطلق عليه اسم ~~الشهيد كالمطعون والمبطون والنفساء ونحوهم فقد حكى في البحر الإجماع على ~~أنهم يغسلون. # فصل "ويجب تكفينه" الأصل في التكفين التشبه بحال النائم المسجى بثوبه, ~~أكمله في الرجل إزار وقميص وملحفة أو حلة, وفي المرأة هذه مع زيادة ما ~~لأنها يناسبها زيادة الستر. بما يستره لأمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~بإحسان الكفن كما في حديث: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه" وهو في صحيح ~~مسلم وغيره من حديث أبي قتادة والكفن الذي لا يستر ليس بحسن. "ولو لم يملك ~~غيره" أي الكفن لأمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بتكفين مصعب بن عمير ~~في النمرة1 التي لم يترك غيرهما كما في PageV01P164 # الصحيحين وغيرهما من حديث خباب بن الأرت. "ولا بأس بالزيادة مع التمكن من ~~غير مغالاة" لما وقع منه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في كفن ابنته فإنه ~~كان يناول النساء ثوبا ثوبا وهو عند الباب فناولهن الحقو ثم الدرع ثم ~~الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر أخرجه أحمد وأبو داود ~~من حديث ليلى بنت قائف الثقفية, وقد كفن صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ~~ثلاثة اثواب سحولية1 جدد يمانية ms181 ليس فيها قميص ولا عمامة أدرج فيها إدراجا, ~~وهو في الصحيحين. وأخرج أبو داود من حديث علي: "لا تغالوا في الكفن فإنه ~~يسلب سريعا". أقول: أراد العدل بين الإفراط والتفريط وأن لا ينتحلوا عادة ~~الجاهلية في المغالاة والحاصل: أنه لا ريب في مشروعية الكفن للميت ولا شك ~~في عدم وجوب زيادة على الواحد ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم كون الكفن ~~على صفة من الصفات أوعدد من الأعداد إلا ما كان منه صلى الله عليه وسلم في ~~تكفين ابنته أم كلثوم, وهذا الحديث وإن كان فيه مقال لكنه لا يخرج به عن حد ~~الاعتبار فغاية ما يقال إنه يستحب أن يكون كفن المرأة على هذه الصفة, وأما ~~كفن الرجل فلم يثبت عنه إلا الأمر بالتكفين في الثوب الواحد كما في قتلى ~~أحد, وفي الثوبين كما في المحرم الذي وقصته ناقته وليس تكثير الأكفان ~~والمغالاة في أثمانها بمحمود فإنه لولا ورود الشرع به لكان من إضاعة المال, ~~لأنه لا ينتفع به الميت ولا يعود نفعه على الحي ورحم الله أبا بكر الصديق ~~حيث قال: "إن الحي أحق بالجديد" لما قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في ~~كفنه: "إن هذا خلق2" والأولى أن يكون الكفن من الأبيض لحديث: "ألبسو من ~~ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم" أخرجه أحمد وأبو ~~داود وابن ماجة والترمذي وصححه والشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه ~~ابن القطان وفي معناه أحاديث أخر عن عمران وسمرة وأنس وابن عمر وأبي ~~الدرداء. "ويكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها" فقد كان ذلك صنيعه صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم في الشهداء المقتولين معه, وأخرج أحمد وأبو داود ~~وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوم أحد بالشهداء PageV01P165 # أن ينزع عنهم الحديد والجلود, وقال: "ادفنوهم بدمائهم وثيابهم" وأخرج ~~أحمد من حديث عبد الله بن ثعلبة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~قال يوم أحد: "زملوهم في ms182 ثيابهم". وندب تطييب بدن الميت وكفنه لحديث جابر ~~عند أحمد والبيهقي والبزار بإسناد رجاله رجال الصحيح قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إذا أجمرتم الميت فأجمروه1 ثلاثا" ولقوله صلى الله ~~عليه وسلم في حديث المحرم الذي وقصته ناقته: "ولا تمسوه بطيب" وهو في ~~الصحيح من حديث ابن عباس فإن ذلك يشعر أن غير المحرم يطيب ولا سيما مع ~~تعليله صلى الله عليه وسلم بقوله: "فإنه يبعث ملبيا". قال في الحجة: فوجب ~~المصير إليه وإلى هذه النكتة أشار النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: "الميت ~~يبعث في ثيابه التي يموت فيها". وأما ما قيل تتبع بالطيب مساجده فلعل وجه ~~ما قاله ابن مسعود ومن بعده تكريم هذه الأعضاء لكون الاعتماد عليها في أشرف ~~طاعات الله وهي الصلاة ولم يرد فيه ذلك من المرفوع شيء ولكنه يحسن لستر ما ~~لعله يظهر من روائح الميت التي يتأذى بها المتولون لتجهيزه. # فصل "وتجب الصلاة على الميت" لأن اجتماع أمة من المؤمنين شافعين للميت له ~~تأثير بليغ في نزول الرحمة عليه, والصلاة على الأموات ثابتة ثبوتا ضروريا ~~من فعله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه ولكنها من واجبات الكفاية, لأنهم ~~قد كانوا يصلون على الأموات في حياته صلى الله عليه وسلم ولا يؤذنونه2 كما ~~في حديث السوداء التي كانت تقم3 المسجد فإنه لم يعلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا بعد دفنها فقال لهم: "ألا آذنتموني" وهو في الصحيح وامتنع من ~~الصلاة على من عليه دين وأمرهم بأن يصلوا عليه. "ويقوم الإمام حذاء رأس ~~الرجل ووسط المرأة" لحديث أنس بن مالك أنه صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه ~~فلما رفعت أتي بجنازة امرأة فصلى عليها فقام وسطها فسئل عن ذلك وقيل له ~~هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الرجل حيث قمت ومن المرأة ~~حيث قمت قال: نعم أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة ولفظ أبي ~~داود: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على ms183 الجنازة كصلاتك يكبر ~~عليها أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة. قال: نعم وفي الصحيحين من ~~حديث PageV01P166 # سمرة قال: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في ~~نفاسها فقام عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة وسطها. والخلاف ~~في المسألة معروف وهذا هو الحق. # وأقول: الثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقف مقابلا لرأس الرجل ولم ~~يثبت عنه غير ذلك وأما المرأة فروي أنه كان يقوم مقابلا لوسطها وروي أنه ~~كان يقوم مقابلا لعجيزتها ولا منافاة بين الروايتين فالعجيزة يصدق عليها ~~أنها وسط وإيثار ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أئمة الفن ~~الذين هم المرجع لغيرهم واجب ولم يقل أحد من أهل العلم بترجيح قول أحد من ~~الصحابة أو من غيرهم على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله وهذا مما ~~لا ينبغي أن يخفى. "ويكبر أربعا أو خمسا" لورود الأدلة بذلك, أما الأربع ~~فثبتت ثبوتا متواترا من طريق جماعة من الصحابة أبي هريرة وابن عباس وجابر ~~وعقبة بن عامر والبراء بن عازب وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم رضي الله ~~تعالى عنهم, وأما الخمس فثبتت في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى ~~قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا وإنه كبر على جنازة خمسا ~~فسألته فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها أخرجه مسلم وأحمد ~~وأهل السنن, وأخرج أحمد عن حذيفة أنه صلى على جنازة فكبر خمسا ثم التفت ~~فقال: ما نسيت ولا وهمت ولكن كبرت كما كبر النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~على جنازة فكبر خمسا. وفي إسناده يحيى بن عبد الله الجابري وهو ضعيف, وقد ~~اختلف الصحابة فمن بعدهم في عدد تكبير صلاة الجنازة: فذهب الجمهور إلى أنه ~~أربع وذهب جماعة من الصحابة فمن بعدهم إلى أنه خمس, وقال القاضي عياض: ~~اختلفت الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع. قال ابن عبد البر: وانعقد ~~الإجماع بعد ms184 ذلك على أربع وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ~~ما جاء في الأحاديث الصحاح وما سوى ذلك عندهم فشذوذ لا يلتفت إليه اه. وهذه ~~الدعوى مردودة فالخلاف في ذلك معروف بين الصحابة وإلى الآن ولا وجه لعدم ~~العمل بالخمس بعد خروجها من مخرج صحيح مع كونها زيادة غير منافية إلا أن ~~يصح ما رواه ابن عبدا لبر في الاستذكار من طريق أبي بكر بن سليمان بن أبي ~~حثمة عن أبيه كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يكبر على الجنائز ~~أربعا وخمسا وسبعا وثمانيا حتى # PageV01P167 # جاء موت النجاشي فخرج فكبر أربعا ثم ثبت النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم على أربع حتى توفاه الله تعالى, على أن استمراره على الأربع لا ينسخ ~~ما وقع منه صلى الله عليه وسلم من الخمس ما لم يقل قولا يفيد ذلك, وقد أخرج ~~الطبراني في الأوسط عن جابر مرفوعا: "صلوا على موتاكم بالليل والنهار ~~والصغير والكبير والدنيء والأمير أربعا" وفي إسناده عمرو بن هشام البيروتي ~~تفرد به عن ابن لهيعة, وما أحق هذا بأن لا يصح ولا يثبت, وقد روى البخاري ~~عن علي أنه كبر على سهل بن حنيف ستا وقال إنه شهد بدرا وروى سعيد بن منصور ~~عن الحكم بن عتيبة أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا. ~~"ويقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة وسورة" لحديث ابن عباس عند البخاري ~~وأهل السنن أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنه من ~~السنة. ولفظ النسائي: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر فلما فرغ قال سنة وحق. ~~وروى الشافعي في مسنده عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ~~الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات ~~ولا يقرأ في شيء منهن ثم ms185 يسلم سرا في نفسه. قال في الفتح: وإسناده صحيح, ~~وقد أخرجه عبد الرزاق والنسائي بدون قوله: "بعد التكبيرة" ولا قوله: "ثم ~~يسلم سرا في نفسه". قال في الحجة: ومن السنة قراءة الفاتحة لأنها خير ~~الأدعية وأجمعها علمها الله تعالى عباده في محكم كتابه اه. # والحاصل: أن المواطن موطن دعاء لا موطن قراءة قرآن فيتوجه الاقتصار على ~~ما ورد وهو الفاتحة وسورة ويكون ذلك بعد التكبيرة الأولى ويشتغل فيما بعدها ~~بمحض الدعاء. "ويدعو بين التكبيرات بالأدعية المأثورة" منها ما أخرجه أحمد ~~والترمذي وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم إذا صلى على جنازة قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا ~~وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا اللهم من أحييته منا فأحيه ~~على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان" زاد أبو داود وابن ماجه: ~~"اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده" وأخرجه # PageV01P168 # أيضا النسائي وابن حبان والحاكم قال: وله شاهد صحيح من حديث عائشة نحوه: ~~وأخرج هذا الشاهد الترمذي وأعله بعكرمة بن عمار وأخرج مسلم وغيره من حديث ~~عوف بن مالك قال: سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "اللهم ~~اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج ~~وبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من ~~داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وقه فتنة القبر وعذاب النار". ~~وقد وردت أدعية متنوعة في أحاديث صحيحة هي أولى من الاستحسانات التي ذكرها ~~الفقهاء في كتبهم من عند أنفسهم فإنهم لم يقصدوا أنها أولى من الثابت عنه ~~صلى الله عليه وسلم, ولكن فن الرواية هم عنه بمعزل فضاعت عليهم المسالك وهي ~~واسعة. قال في الحجة البالغة: ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الميت: "اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب ~~النار وأنت أهل الوفاء والحق اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت ms186 الغفور الرحيم" ~~وأما الصلاة على الجنائز في المساجد فغاية ما استدل به من قال بالكراهة ما ~~أخرجه أبو دواد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه" وأخرجه ابن ماجه بلفظ: "فليس له ~~شيء" وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأجوبة منها: أنه ضعيف كما قاله جماعة ~~من الحفاظ فإن في إسناده صالحا مولى التوأمة ومنها: أن الذي في النسخ ~~المشهورة الصحيحة من سنن أبي داود بلفظ: "فلا شيء عليه" كما تقدم, وعلى فرض ~~ثبوت الرواية باللفظ الآخر فيجب تأويلها لما ثبت من صلاته صلى الله عليه ~~وسلم على ابني بيضاء في المسجد. بل أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة أن ~~الصحابة صلوا على أبي بكر وعمر في المسجد, وأما إنكار من أنكر على عائشة ~~فلا حجة فيه ولا سيما وقد انقطع عند أن قامت عليه الحجة, وأما الصلاة على ~~الجنازة فرادى فأقول: الاستدلال ممن قال باشتراط التجميع فيها بأنه صلى ~~الله عليه وسلم ما صلى على جنازة إلا في جماعة لا تتم به الحجة لأن الأصل ~~في كل صلاة مشروعة أن تكون كالصلوات الخمس في إجزائها فرادى كما تجزئ جماعة ~~ومن زعم غير ذلك فعليه الدليل ولو كان فعلها منه صلى الله عليه وسلم في ~~جماعة تقوم به الحجة # PageV01P169 # للزم في صلاة الفرائض الخمس أن لا تصح إلا جماعة لأنه صلى الله عليه وسلم ~~لم يؤدها إلا في جماعة. إذا تقرر هذا فالاقتصار في الاستدلال لصحة صلاة ~~الجنازة فرادى على ما ذكرناه مغن عن غيره فإن تحقيق إجماع الصحابة على ~~تجويز الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند موته فرادى ممنوع لأنهم قد ~~تفرقوا بعض تفرق في تلك الحال, وإن كان الباقون في المدينة جمهورهم ~~وأكابرهم ثم لو فرض الإجماع على ذلك فهو إجماع سكوتي وانتهاضه للاحتجاج فيه ~~ما لا يخفى على عارف بالأصول ثم هذا مبني على صدور ذلك ولم يرد إلا بإسناد ~~ضعيف ms187 أنهم فعلوا ذلك, وأما ما يقال أنه صلى الله عليه وسلم أوصاهم بأن ~~يصلوا عليه فرادى ففي إسناده عند المنعم بن إدريس وهو كما قيل كذاب وصرح ~~بعض الحفاظ بأن الحديث موضوع, "ولا يصلى على الغال1" لامتناعه صلى الله ~~عليه وسلم في غزاة خبير من الصلاة على الغال كما أخرجه أحمد وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجه. "وقاتل نفسه" لحديث جابر بن سمرة عند مسلم وأهل السنن ~~أن رجلا قتل نفسه بمشاقص2 فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم. ~~"والكافر" وذلك هو المعلوم منه صلى الله عليه وسلم فإنه لم ينقل عنه أنه ~~صلى على كافر وقد صرح بذلك القرآن الكريم قال الله عز وجل: {ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} . "والشهيد" وقد اختلفت الروايات في ~~ذلك وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يصل على شهداء أحد. وأخرجه أيضا أهل السنن وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي ~~والحاكم من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل عليهم. # أقول: لا يشك من له أدنى إلمام بفن الحديث أن أحاديث الترك أصح إسنادا ~~وأقوى متنا حتى قال بعض الأئمة إنه كان ينبغي لمن عارض أحاديث النفي ~~بأحاديث الإثبات أن يستحي على نفسه. لكن الجهة التي جعلها المجوزون وجه ~~ترجيح وهي الإثبات لا ريب أنها من المرجحات الأصولية إنما الشأن في صلاحية ~~أحاديث الإثبات لمعارضة أحاديث النفي لأن الترجيح فرع المعارضة. والحاصل: ~~أن أحاديث الإثبات مروية من طرق متعددة لكنها جمعيا متكلم عليها, وقد أطال ~~PageV01P170 # الماتن الكلام على هذا في شرح المنتقى وسرد الروايات المختلفة واختلاف ~~أهل العلم في ذلك فليرجع إليه فإن هذا المقام من المعارك. "ويصلى على القبر ~~وعلى الغائب" لحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى إلى قبر رطب فصلى ~~عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا. وهو في الصحيحن من حديث ابن عباس وكذلك صلاته ~~على قبر السوداء التي كانت تقم المسجد وهو أيضا في ms188 الصحيحين وغيرهما من ~~حديث أبي هريرة وصلى على قبر أم سعد وقد مضى لذلك شهر أخرجه الترمذي وصلى ~~على النجاشي هو وأصحابه كما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر وأبي هريرة ~~وهو مات في دياره بالحبشة فصلى عليه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~بالمدينة, والخلاف في الصلاة على القبر والغائب معروف ولم يأت المانع بشيء ~~يعتد به. أقول: الأدلة ثابتة في الصلاة على القبر ثبوتا لا يقابله أهل ~~العلم بغير القبول, أما فيمن لم يصل عليه فالأمر أوضح من أن يخفى ولا تزال ~~الصلاة مشروعة عليه ما علم الناس أنه لم يصل عليه أحد, وأما فيمن قد صلي ~~عليه فلمثل حديث السوداء المتقدم, ومعلوم أن الميت لا يدفن في عصره صلى ~~الله عليه وسلم بدون صلاة عليه, وأما المانعون من الصلاة على القبر مطلقا ~~فأشف ما استدلوا به ما روي عنه صلى الله عليه وسلم في حديث السوداء المذكور ~~أنه قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها بصلاتي ~~عليهم". قالوا: فهذا يدل على اختصاصه صلى الله عليه وسلم بذلك وتعقب بأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم ينكر على من صلى معه على القبور ولو كان خاصا به ~~لأنكر عليهم, وأجيب عن هذا التعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا يصلح للاستدلال ~~به على الفعل أصالة وأحسن ما يجاب به عن هذه الزيادة بأنها مدرجة في هذا ~~الحديث كما بين ذلك جماعة من أصحاب حماد بن زيد على أنه يمكن الجواب بأن ~~كون الله ينور القبور بصلاة رسوله صلى الله عليه وسلم عليها لا ينفي ~~مشروعية الصلاة من غيره تأسيا به لا سيما بعد قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"صلوا كما رأيتموني أصلي". قال ابن القيم في إعلام الموقعين: ردت هذه السنن ~~المحكمة بالمتشابه من قوله: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" وهذا ~~حديث صحيح, والذي قاله هو الذي صلى على القبر فهذا قوله وهذا فعله ولا ~~يناقض أحدهما الآخر فإن الصلاة المنهي عنها إلى ms189 القبر غير الصلاة التي على ~~القبر فهذه صلاة الجنازة على الميت التي # PageV01P171 # لا تختص بمكان بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه فالصلاة عليه ~~على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين ~~ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها, بخلاف سائر ~~الصلوات فإنها لم تشرع في القبور ولا إليها لأنها ذريعة إلى اتخاذها مساجد, ~~وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك فأين ما لعن فاعله وحذر ~~منه وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة ~~وهم أحياء والذي يتخذون القبور مساجد" إلى ما فعله صلى الله عليه وسلم ~~مرارا متكررة؟ وبالله التوفيق. # فصل ويكون المشي بالجنازة سريعا لحديث أبي بكرة عند أحمد والنسائي وأبي ~~داود والحاكم قال: لقد رأيتنا مع رسول الله عليه وسلم وإنا لنكاد نرمل ~~بالجنازة رملا1, وأخرج البخاري في تاريخه قال: أسرع النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما ~~من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسرعوا ~~بالجنازة فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير وإن كان غير ذلك فشر تضعونه عن ~~رقابكم" وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسراع مستحب, وقال ابن حزم: بوجوبه. وذهب ~~بعض أهل العلم إلى أن المستحب التوسط لحديث أبي موسى قال: مرت برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جنازة تمخض مخض الزق فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "عليكم القصد" أخرجه أحمد وابن ماجة والبيهقي وفي إسناده ضعف وأخرج ~~الترمذي وأبو داود من حديث ابن مسعود قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن المشي خلف الجنازة فقال: "ما دون الخبب فإن كان خيرا عجلتموه وإن ~~كان شرا فلا يبعد إلا أهل النار" وفي إسناده مجهول, ولا يخفاك أن حديث أبي ~~موسى لا يصلح للاحتجاج به على فرض عدم وجود ما يعارضه فكيف وقد ms190 عارضه ما هو ~~في الصحيحين بلفظ الأمر. وأما حديث ابن مسعود فلا ينافي الإسراع لأن الخبب ~~هو ضرب من العدو وما دونه إسراع. أقول: والحق هو القصد في المشي فالأحاديث ~~المصرحة بمشروعية الإسراع ليس المراد بها الإفراط في المشي الخارج عن حد ~~الاعتدال, والأحاديث التي فيها الإرشاد PageV01P172 # إلى القصد ليس المراد بها الإفراط في البطء فيجمع بين الأحاديث بسلوك ~~طريقة وسطى بين الإفراط والتفريط يصدق عليها أنه إسراع بالنسبة إلى الإفراط ~~في البطء وأنها قصد بالنسبة إلى الإفراط في الإسراع فيكون المشروع دون ~~الخبب وفوق المشي الذي يفعله من يمشي في غير مهم, ويدل على ذلك ما أخرجه ~~الترمذي وأبو داود عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم عن المشي خلف الجنازة فقال: "ما دون الخبب" وقد ضعفه جماعة بأبي ~~ماجد المذكور في إسناده قيل إنه مجهول وقيل منكر الحديث, والراوي عنه يحيى ~~الجابري وهو ضعيف. وأخرج أحمد والنسائي والحاكم عن أبي بكرة قال: لقد ~~رأيتنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وإنا لنكاد نرمل ~~بالجنازة رملا1. فمعنى نكاد نرمل أي نقارب الرمل. "والمشي معها" سنة وهو ~~ظاهر لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يمشي مع الجنائز هو وأصحابه كما ~~يفيد ذلك الأحاديث المتقدمة في صفة المشي والأحاديث الآتية في التقدم ~~والتأخر على الجنازة ولحديث أبي هريرة الثابت في الصحيح: "من اتبع جنازة ~~مسلم إيمانا واحتسابا" الحديث. "والحمل لها سنة" لحديث ابن مسعود قال: من ~~اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من السنة ثم إن شاء فليتطوع وإن ~~شاء فليدع. أخرجه ابن ماجة وأبو داوود اليطالسي والبيهقي من رواية أبي ~~عبيدة بن عبد الله بن مسعود عنه2. وفي الباب عن جماعة من الصحابة والأحاديث ~~يقوي بعضها بعضا ولا تقصر عن إفادة مشروعية الحمل # والمتقدم عليها والمتأخر عنها سواء لما ثبت في صحيح مسلم وغيره أن ~~الصحابة كانوا يمشون حول جنازة ابن الدحداح, وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي ~~والترمذي وصححه ms191 وابن حبان وصححه أيضا والحاكم وقال: على شرط البخاري من ~~حديث المغيرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "الراكب خلف ~~الجنازة والماشي أمامها قريبا منها عن يمينها أو عن يسارها" ولفظ أبي داود: ~~"والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها" وفي لفظ ~~لأحمد والنسائي والترمذي: "الراكب خلف PageV01P173 # الجنازة والماشي حيث شاء منها" وأخرج أحمد وأهل السنن والدارقطني ~~والبيهقي وابن حبان وصححه من حديث ابن عمر أنه رأى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ~~المشي أما الجنازة أفضل وبعضهم إلى أن المشي خلفها أفضل. أقول: فإذا لم يكن ~~المشي أمام الجنازة أفضل فأقل الأحوال أن يكون مساويا للمشي خلفها في ~~الفضيلة ولم يأت حديث صحيح ولا حسن أن المشي خلف الجنازة أفضل وأقوال ~~الصحابة مختلفة فالحق أن ذلك سواء ولا ينافيه رواية من روي أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم مشى أمامها أو خلفها فذلك سواء لأن المشي مع الجنازة إنما ~~يكون أمامها أو خلفها أو في جوانبها وقد أرشد إلى ذلك النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم كما تقدم فكل مكان من الأمكنة المذكورة هو من جملة ما أرشد ~~إليه. قال في الحجة: وهل يمشي أمام الجنازة أو خلفها وهل يحملها أربعة أو ~~اثنان وهل يسل من قبل رجليه أو من القبلة المختار أن الكل واسع وأنه قد صح ~~في الكل حديث أو أثر اه. ويكره الركوب لحديث ثوبان قال: خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فرأى ناسا ركبانا فقال: "ألا تستحيون إن ملائكة ~~الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب" أخرجه ابن ماجة والترمذي وأخرج ~~أبو داود من حديث ثوبان أيضا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~أتي بدابة وهو مع جنازة فأبى أن يركبها فلما انصرف أتي بدابة فركب فقيل له ~~فقال: "إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ms192 ذهبوا ركبت" ~~وقد خرج صلى الله عليه وآله وسلم مع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع على فرس ~~كما في حديث جابر بن سمرة عند الترمذي وقال صحيح ولا يعارض الكراهة ما تقدم ~~من قوله: "الراكب خلف الجنازة" لأنه يمكن أن يكون ذلك لبيان الجواز مع ~~الكراهة أو المراد بأن كون الراكب خلفها أن يكون بعيدا على وجه لا يكون في ~~صورة من يمشي مع الجنازة # "ويحرم النعي" لحديث حذيفة عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن النعي وحديث ابن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إياكم والنعي فإن النعي عمل الجاهلية" أخرجه الترمذي وفي ~~إسناده أبو حمزة ميمون الأعور وليس بالقوي, وفي # PageV01P174 # الباب أحاديث والذي في الصحاح والقاموس والنهاية وغيرها من كتب اللغة أن ~~النعي الإخبار بموت الميت فظاهره تحريم ذلك وإن لم يصحبه ما يستنكر كما ~~كانت تفعله الجاهلية من إرسال من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور ~~والأسواق, ولكنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي للناس في اليوم ~~الذي مات فيه أي أخبرهم وأخبر بقتلى مؤتة وقال في السوداء التي كانت تقم ~~المسجد: "ألا أخبرتموني بموتها" فدلت هذه الأحاديث على جواز الإعلام بمجرد ~~الموت لمن يحضر الغسل والتكفين والصلاة والمنع منه لغير ذلك. "والنياحة" ~~لحديث: "من نيح عليه يعذب بما نيح عليه" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ~~المغيرة وعلى النياحة تحمل الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء وأن الميت ~~يعذب ببكاء أهله عليه. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" وأخرج أحمد ومسلم من ~~حديث أبي مالك الأشعري: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة ~~وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي ~~موسى بلفظ: أنا بريء مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ms193 بريء من الصالقة والحالقة والشاقة. # أقول: الأحاديث في هذا الباب قد اختلفت فمنها ما فيه الإذن بمطلق البكاء ~~ومنها ما فيه النهي عن مطلق البكاء ووردت أحاديث مصرحة بالنهي عن النوح كما ~~تقدم بعض ذلك ولم يأت ما يدل على جوازه واختلف الناس في الجميع بين ~~الأحاديث فالذي يترجح الجزم بتحريم نفس النوح لأنه أمر زائد على البكاء, ~~وأما ما لا يستطاع دفعه من دمع العين وماعجز الطبع عن كتمه من الصوت فلا ~~مانع منه وعليه تحمل أحاديث الإذن بالبكاء وفيها ما يرشد إلى هذا فليعلم. ~~"واتباعها بنار وشق الجيب والدعاء بالويل والثبور" لحديث أبي بردة قال: ~~أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: لا تتبعوني بمجمر. قالوا: أوسمعت فيه ~~شيئا؟ قال: نعم من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. أخرجه ابن ماجة وفي ~~إسناده مجهول, وقد كان هذا الفعل من أفعال الجاهلية. وفي الصحيحين وغيرهما ~~من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "ليس منا من ضرب ~~الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية". "ولا يقعد المتبع لها حتى توضع" # PageV01P175 # لحديث: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها فمن اتبع فلا يجلس حتى توضع" وهو ~~في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة ~~نحوه وقد وردت أحاديث صحيحة في القيام للجنازة إذا مرت بمن كان قاعدا ~~كحديث: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع" وهو في الصحيحين ~~وغيرهما من حديث ابن عمر وغيره, وأخرج مسلم من حديث علي قال: قام النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم يعني في الجنازة ثم قعد. وفي رواية من حديثه قال: كان ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ~~ذلك وأمرنا بالجلوس. رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود وابن حبان, وأخرج أبو ~~داود والترمذي وابن ماجة والبزار من حديث عبادة بن الصامت أن يهوديا قال: ~~لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم للجنازة هكذا نفعل فقال ms194 النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "اجلسوا وخالفوهم" وفي إسناده بشر بن أبي رافع وليس بالقوي ~~كما قال الترمذي, وقال البزار تفرد به بشر وهو لين. فأفاد ما ذكرناه أن ~~القيام لها إذا مرت منسوخ, وأما قيام الماشي خلفها حتى توضع على الأرض ~~فمحكم لم ينسخ قال القاضي عياض: ذهب جمع من السلف إلى أن الأمر بالقيام ~~منسوخ بحديث علي هذا. # أقول: وهذا الحديث بلفظ ثم قعد لا يصلح لنسخ الأحاديث الصحيحة المصرحة ~~بأمره صلى الله عليه وسلم لنا بالقيام وعلل ذلك بأن الموت فزع وقام لجنازة ~~فقيل إنها جنازة يهودي فقال: "أليست نفسا" فغاية ما يدل عليه قعوده من بعد ~~هو أن القيام ليس بواجب عليه وقد تقرر في الأصول أنه إذا فعل فعلا لم يظهر ~~منه التأسي به فيه وكان ذلك مخالفا لما قد أمر به الأمة أو نهاها عنه فإنه ~~يكون مختصا به ويبقى حكم الأمر أو النهي للأمة على حاله1 ولفظ: "أمرنا ~~بالجلوس" إن بلغ إلى حد الاعتبار صلح للنسخ ويؤيده حديث عبادة بن الصامت ~~المتقدم وفيه ما تقدم والمقام عندي من المضايق. # فصل "ويجب دفن الميت" أي مواراة جيفته في "حفرة" قبر بحيث لا تنبشه ~~السباع وتمنعه من السباع ولا تخرجه السيول المعتادة ولا خلاف في ذلك, وهو ~~ثابت في الشريعة ثبوتا ضروريا وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "احفروا ~~وأعمقوا PageV01P176 # وأحسنوا" أخرجه النسائي والترمذي وصححه. "ولا بأس بالضرح واللحد أولى". ~~لأن اللحد أقرب من إكرام الميت وإهالة التراب على وجهه من غير ضرورة سوء ~~أدب, ودليله حديث: أن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح وأن أبا طلحة كان يلحد. ~~وقد أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف, وأخرج أحمد وابن ماجه من ~~حديث أنس قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل يلحد وآخر ~~يضرح فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه فأرسل إليهما ~~فسبق صاحب اللحد فلحدوا له. وإسناده حسن. فتقريره صلى الله عليه وسلم ~~للرجلين في حياته ms195 هذا يلحد وهذا يضرح يدل على أن الكل جائز, وأما أولوية ~~اللحد فلحديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللحد لنا ~~والشق لغيرنا" أخرجه أحمد وأهل السنن وقد حسنه الترمذي وصححه ابن السكن مع ~~أن في إسناده عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف, وأخرج أحمد والبزار وابن ماجة ~~من حديث جرير نحوه وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف, وقد ذهب إلى ذلك الأكثر, ~~وحكى النووي في شرح مسلم اتفاق العلماء على جواز اللحد والشق وعلى كل حال ~~اللحد أولى للخروج من الريبة وإن كان المقام مقام احتمال. ويدخل الميت من ~~مؤخر القبر لحديث عبد الله بن زيد: أنه أدخل ميتا من قبل رجلي القبر, وقال: ~~هذا من السنة أخرجه أبو داود وأخرج ابن ماجه من حديث أبي رافع قال: سل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ سلا. وقد روى الشافعي من حديث ابن ~~عباس وأبو بكر النجاد من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سل من ~~قبل رأسه سلا. وقد روى البيهقي من حديث ابن عباس وابن مسعود وبريدة أنهم ~~أدخلوا النبي صلى الله عليه وسلم من جهة القبلة. وقد ضعفها البيهقي ولا ~~يعارض السنة ما وقع من بعض الصحابة عند دفنه صلى الله عليه وسلم. "ويوضع ~~على جنبه الأيمن مستقبلا" وهو مما لا أعلم فيه خلافا. "ويستحب حثو التراب ~~من كل من حضر ثلاث حثيات" لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا. أخرجه ابن ماجه ~~وأبو داود وإسناده صحيح لا كما قال أبو حاتم. وأخرج البزار والدارقطني من ~~حديث عامر بن ربيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم حثى # PageV01P177 # على قبر عثمان بن مظعون ثلاثا. وفي الباب غير ذلك. ولا يرفع القبر زيادة ~~على شبر لحديث علي عند مسلم وأحمد وأهل السنن: أنه بعثه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أن لا يدع ms196 تمثالا إلا طمسه ولا قبرا مشرفا إلا سواه. وفي ~~مسلم أيضا وغيره من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على ~~القبر وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء ورفعه ~~شبرا. أقول: الأحاديث الصحيحة وردت بالنهي عن رفع القبور وقد ثبت من حديث ~~أبي الهياج ما تقدم فما تصدق عليه أنه قبر مرفوع أو مشرف لغة فهو من منكرات ~~الشريعة التي يجب على المسلمين إنكارها وتسويتها من غير فرق بين نبي وغير ~~نبي وصالح وطالح فقد مات جماعة من أكابر الصحابة في عصره صلى الله عليه ~~وسلم ولم يرفع قبورهم بل أمر عليا بتسوية المشرف منها ومات صلى الله عليه ~~وآله وسلم ولم يرفع قبره أصحابه وكان من آخر قوله: "لعن الله اليهود اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد" ونهى أن يتخذوا قبره وثنا فما أحق الصلحاء والعلماء ~~أن يكون شعارهم هو الشعار الذي أرشدهم إليه صلى الله عليه وآله وسلم ~~وتخصيصهم بهذه البدعة المنهي عنها تخصيص لهم بما لا يناسب العلم والفضل ~~فإنهم لو تكلموا لضجوا من اتخاذ الأبنية على قبورهم وزخرفتها لأنهم لا ~~يرضون بأن يكون لهم شعار من مبتدعات الدين ومنهياته فإن رضوا بذلك في ~~الحياة كمن يوصي من بعده أن يجعل على قبره بناء أو يزخرفه فهو غير فاضل ~~والعالم يزجره علمه عن أن يكون على قبره ما هو مخالف لهدي نبيه صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم فما أقبح ما ابتدعه جهلة المسلمين من زخرفة القبور ~~وتشييدها, وما أسرع ما خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته ~~فجعلوا قبره على هذه الصفة التي هو عليها الآن, وقد شد من عضد هذه البدعة ~~ما وقع من بعض الفقهاء من تسويغها لأهل الفضل حتى دونوها في كتب الهداية ~~والله المستعان, ومثل هذا التسويغ الكتب على القبور بعد ورود صريح النهي عن ~~ذلك ms197 في الأحاديث الصحيحة1 كأنه لم يكف الناس ابتداعهم في مطعمهم ~~PageV01P178 # ومشربهم وملبوسهم وسائر أمور دنياهم فجعلوا على قبورهم شيئا من هذه البدع ~~لتنادي عليهم بما كانوا عليه حال الحياة وتغالوا في ذلك حتى جعلوه مختصا ~~بأهل العلم والفضل اللهم غفرا وما جعلوه وجها لرفع القبور وهو تمييزها لأجل ~~الزيارة فهذا ممكن بوضع حجر على القبر أو بوضع قضيب أو نحو ذلك لا بتشييد ~~الأبنية ورفع الحيطان والقبب وتزويق الظاهر والباطن. "والزيارة للموتى ~~مشروعة" أي زيارة القبور لحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد ~~في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة" أخرجه الترمذي وصححه وهو في ~~الصحيح مسلم وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة بنحو ذلك وفي الباب أحاديث, ~~وقد قيل باختصاص ذلك بالرجال لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~لعن زوارات القبور أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان في ~~صحيحه, وفي الباب عن حسان بن ثابت عند أحمد وابن ماجة والحاكم وعن ابن عباس ~~عند أحمد وأهل السنن والحاكم والبزار بإسناد فيه صالح مولى التوأمة وهو ~~ضعيف وقد وردت أحاديث في نهي النساء عن اتباع الجنائز وهي تقوي المنع من ~~الزيارة وروى الأثرم في سننه والحاكم من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رخص لهن في زيارة القبور وأخرج ابن ماجة عنها مختصرا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رخص في زيارة القبور فيمكن أنها أرادت الترخيص الواقع في ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "فزوروها" كما سبق فلا يكون في ذلك حجة لأن ~~الترخيص العام لا يعارض النهي الخاص لكنه يؤيد ما روته عائشة ما في صحيح ~~مسلم عنها أنها قالت: يا رسول الله كيف أقول إذا زرت القبور؟ قال: "قولي ~~السلام على أهل الديار من المؤمنين" الحديث, وروى الحاكم أن فاطمة رضي الله ~~تعالى عنها كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة1 ويجمع بين الأدلة بأن المنع ~~لمن كانت تفعل في الزيارة ما لا يجوز من نوح ونحوه والإذن ms198 لمن لم تفعل ذلك. ~~أقول: استدلوا للجواز بأحاديث الإذن العام بالزيارة وغير خاف على عارف ~~بالأصول أن الأحاديث الواردة في النهي للنساء عن الزيارة PageV01P179 # والتشديد في ذلك حتى لعن صلى الله عليه وسلم من فعلت ذلك بل وردت أحاديث ~~صحيحة في نهيهن عن اتباع الجنائز فزيارة القبور ممنوعة منهن بالأولى وشدد ~~في ذلك حتى قال للبتول رضي الله عنها: "لو بلغت معهم يعني أهل الميت الكدى ~~ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك" 1 فهذه الأحاديث مخصصة لأحاديث الإذن ~~العام بالزيارة لكنه يشكل على ذلك أحاديث أخر منها حديث عائشة المتقدم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم علمها كيف تقول إذا زارت القبور, ومنها ما أخرجه ~~البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة تبكي على قبر ولم ينكر ~~عليها الزيارة. قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من ~~الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة يعني لفظ زوارات. قال: ولعل السبب ~~ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج. # ويقف الزائر مستقبلا للقبلة لحديث: أنه جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مستقبل القبلة لما خرج إلى المقبرة أخرجه أبو داود من حديث البراء وهو صلى ~~الله عليه وسلم خرج في هذا الحديث مع جنازة فأفاد مشروعية قعود من خرج من ~~الجنازة مستقبلا حتى يدفن وكذلك مشروعية الاستقبال للزائر لكونه قد خرج إلى ~~المقبرة كما يخرج من معه جنازة وقعد كما يقعد وقد كان صلى الله عليه وسلم ~~يقول عند الزيارة: "السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية" فينبغي للزائر أن يقول كذلك وقال في ~~الحجة: وفي رواية: "السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم وأنتم ~~سلفنا ونحن بالأثر" والله تعالى أعلم. "ويحرم اتخاذ القبور مساجد" الأحاديث ~~في ذلك كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما ولها ألفاظ منها: "لعن الله اليهود ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي لفظ: "قاتل الله اليهود" الحديث وفي لفظ: ~~"لا تتخذوا قبري ms199 مسجدا" وفي آخر: "لا تتخذوا قبري وثنا" واتخاذ القبور ~~مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها وفي مسلم: ~~"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ولا عليها". قال البيضاوي: وأما من ~~اتخذ مسجدا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا لتعظيم له ولا لتوجه ~~نحوه فلا PageV01P180 # يدخل في ذلك الوعيد انتهى. وتعقبه في سبل السلام وقال: قوله لا لتعظيم له ~~يقال اتخاذ المسجد بقربه وقصد التبرك به تعظيم له, ثم أحاديث النهي مطلقة ~~ولا دليل على التعليل بما ذكر, والظاهر أن العلة سد الذريعة والبعد عن ~~التشبه بعبدة الأوثان التي تعظم الجمادات التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر, ~~ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية ~~ولأنه سبب لا يقاد السرج عليها الملعون فاعله ومفاسد مابني على القبور من ~~المشاهد والقباب لا تحصر, وقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ~~عن ابن عباس لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم زائرات القبور ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج وقد حققنا ذلك في رسالة مستقلة انتهى. ~~وزخرفتها لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: "ما أمرت بتشييد المساجد" أخرجه أبو داود وصححه ابن ~~حبان. قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى, والتشييد رفع ~~البناء وتزيينه بالشيد وهو الجص والحديث ظاهر في الكراهة أو التحريم لقول ~~ابن عباس كما زخرفت اليهود والنصارى فإن التشبه بهم محرم وذلك أنه ليس ~~المقصود من بناء المساجد إلا أن تكن الناس من الحر والبرد وتزيينه يشغل ~~القلوب عن الإقبال على الطاعة, ويذهب الخشوع الذي هو روح جسم العبادة. ~~والقول بأنه يجوز تزيين المحراب باطل. قال المهدي في البحر: إن تزيين ~~الحرمين لم يكن برأي ذي حل وعقد ولا سكوت رضا أي من العلماء, وإنما فعله ~~أهل الدول الجبابرة من غير مؤاذنة لأحد من أهل الفضل وسكت المسلمون ~~والعلماء من غير رضا وهو ms200 كلام حسن, وفي قوله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "ما أمرت" إشعار بأنه لا يحسن فإنه لو كان حسنا لأمره الله تعالى به ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم, وأخرج البخاري من حديث ابن عمر أن مسجده ~~صلى الله تعالى عليه وسلم كان على عهده مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده ~~خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا ~~ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة وبنى جدرانه بالأحجار المنقشة والقصة ~~وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج. قال ابن بطال: وهذا يدل على أن ~~السنة في بنيان # PageV01P181 # المساجد القصد وترك الغلو في تحسينه فقد كان عمر رضي الله تعالى عنه مع ~~كثرة الفتوحات في أيامه وكثرة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه ~~وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه ثم قال عند ~~عمارته: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. ثم كان ~~عثمان المال في زمنه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة ومع ذلك أنكر بعض ~~الصحابة عليه, وأول من زخرف المساجد الوليد ابن عبد الملك وذلك في أواخر ~~عصر الصحابة وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفا من الفتنة فتأمل. ~~"وتسريجها" لحديث: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد ~~والسرج" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وفي إسناده أبو صالح ~~با ذام وفيه مقال, وأخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن جابر قال: نهى النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه. ~~وزاد الترمذي: "وأن يكتب عليه وأن يوطأ" وصححه, وأخرج النهي عن الكتابة ~~أيضا النسائي وقال الحاكم إن الكتابة وإن لم يخرجها مسلم فهي على شرطه. ~~"والقعود عليها" لما أخرجه مسلم وأحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: ~~"لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ms201 ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس ~~على قبر" 1 وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن عمرو ابن حزم قال: رآني رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم متكئا على قبر فقال لا تؤذ صاحب هذا القبر. قال ~~في الحجة البالغة: ومعنى أن لا يقعد عليه قيل: أن يلازمه المزورون وقيل: أن ~~يطؤوا القبور وعلى هذا فالمعنى إكرام الميت فالحق التوسط بين التعظيم الذي ~~يقارب الشرك وبين الإهانة وترك الموالاة بت. وسب الأموات لقوله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ماقدموا" أخرجه ~~البخاري وغيره من حديث عائشة, وأخرج أحمد والنسائي من حديث ابن عباس: "لا ~~تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا" وفي إسناده صالح بن نبهان وهو ضعيف ولكنه ~~يشهد له ما ورد بمعناه من حديث سهل بن سعد والمغيرة. أقول: أما السباب ~~للأموات PageV01P182 # من الشافعين لهم القائمين بالصلاة عليهم فما لهذا حمل الحاملون الجنازة ~~إليهم فإذا كان لا يستجيز الدعاء للميت كمن يكون مثلا معلوم النفاق فيدعو ~~المصلي لنفسه ولسائر المسلمين إذا ألجأته الضرورة إلى الصلاة عليه و: "من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه", "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" , "طوبى ~~لمن شغلته عيوبه عن عيوب الناس". قال بعض المقصرين لرجل من أهل العلم ألا ~~تلعن فلانا قال: وهل تعبدنا الله بذلك؟ قال: نعم. قال: فمتى عهدك بلعن ~~الشيطان وفرعون فإنهما من رؤوس هذه الطائفة التي زعمت أن الله تعبدك ~~بلعنها؟ قال: لا أدري؟ قال: لقد فرطت فيما تعبدك الله به وتركت ما هو أحق ~~بما تفعل فعرف ذلك المقصر خطأه. "والتعزية مشروعة" لحديث: "من عزى مصابا ~~فله مثل أجره" أخرجه ابن ماجة والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود, وقد ~~أنكر هذا الحديث على علي بن عاصم وأخرج ابن ماجه من حديث عمرو بن حزم عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبته إلا ~~كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة" ورجال إسناده ms202 ثقات, وأخرج ~~الشافعي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: لما توفي رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من ~~كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن ~~المصاب من حرم الثواب. وفي إسناده القاسم بن عبيد الله ابن عمرو وهو متروك, ~~وأخرج البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ~~ابنا لها في الموت فقال للرسول: "ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ ولله ما ~~أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب". فينبغي التعزية بهذه ~~الألفاظ الثابتة في الصحيح ولا يعدل عنها إلى غيرها1. "وكذلك إهداء الطعام ~~لأهل الميت" لحديث عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم" ~~أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي PageV01P183 # وابن ماجة وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي وأخرج نحوه أحمد الطبراني وابن ~~ماجة من حديث أسماء بنت عميس أم عبد الله بن جعفر, وأخرج أحمد وابن ماجه ~~بإسناد صحيح من حديث جرير قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة ~~الطعام بعد دفنه من النياحة. ولا يعارض هذا ما قد ثبت عن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم وشرف وكرم. # PageV01P184 ### | كتاب الزكاة ### | مقدمة # ... # كتاب الزكاة # وهي فريضة من فرائض الدين وركن من أركانه وضروري من ضرورياته ولكنها لا ~~تجب إلا فيما أوجب فيه الشارع الزكاة من الأموال وبينه للناس فإن ذلك هو ~~بيان لمثل قوله: {خذ من أموالهم صدقة} {وآتوا الزكاة} كما بين للناس قوله ~~تعالى: {وأن أقيموا الصلاة} ما شرعه الله تعالى من الصلوات التي بينها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للناس. قال الماتن: وقد توسع كثير من أهل العلم في ~~إيجاب الزكاة في أموال لم ms203 يوجب الله الزكاة فيها بل صرح النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم في بعض الأموال بعدم الوجوب كقوله: "ليس على المرء في ~~عبده ولا فرسه صدقة" وقد كان للصحابة أموال وجواهر وتجارات وخضراوات ولم ~~يأمرهم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بتزكية ذلك ولا طلبها منهم ولو كانت ~~واجبة في شيء من ذلك لبين للناس ما نزل إليهم فقد أوردنا في هذا المختصر ما ~~تجب فيه وأشرنا إلى أشياء من الأموال التي لا زكاة فيها مما قد جعله بعض ~~أهل العلم من الأموال التي تجب فيها الزكاة كما ستسمع ذلك اه. # "تجب في الأموال التي ستأتي" ببيانها عن قريب واجتمعت الأمة على أن منع ~~الزكاة كبيرة قال في العالمكيرية: وهي فريضة محكمة يكفر جاحدها ويقتل ~~مانعها. قال مالك: الأمر عندنا أن كل من منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم ~~يستطع المسلمون أخذها كان حقا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه وبلغه أن أبا ~~بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه. كذا في ~~المسوى. "إذا كان المالك مكلفا" اعلم أن هذه المقالة قد ينبو عنها ذهن من ~~يسمعها فإذا راجع الإنصاف # PageV01P184 # ووقف حيث أوقفه الحق علم أن هذا هو الحق وبيانه أن الزكاة هي أحد أركان ~~الإسلام ودعائمه وقوائمه ولا خلاف أنه لا يجب شيء من الأربعة الأركان التي ~~الزكاة خامستها على غير مكلف فإيجاب الزكاة عليه إن كان بدليل فما هو؟ فما ~~جاء عن الشارع في هذا شيء مما تقوم به الحجة كما يروى عن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم أنه أمر بالاتجار في أموال الأيتام لئلا تأكلها ~~الزكاة فلم يصح ذلك في شيء مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فليس مما ~~تقوم به الحجة, وأما ما روي عن بعض الصحابة فلا حجة فيه أيضا وقد عورض ~~بمثله كما روى البيهقي عن ابن مسعود قال: من ولي مال يتيم فليحص عليه ~~السنين فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة ms204 فإن شاء زكى وإن شاء ~~ترك, وروي نحو ذلك عن ابن عباس. وإن قال قائل: إن الخطاب في الزكاة عام ~~كقوله: {خذ من أموالهم} ونحوه فذلك ممنوع وليس الخطاب في ذلك إلا لمن يصلح ~~له الخطاب وهم المكلفون, وأيضا بقية الأركان بل وسائر التكاليف التي وقع ~~الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمكلف الخطابات بها عامة للناس والصبي ~~من جملة الناس فلو كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغا لإيجابها على غير ~~المكلفين لكان العموم في غيرها كذلك وأنه باطل بالإجماع وما استلزم الباطل ~~باطل مع أن تمام الآية أعني قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} يدل على عدم ~~وجوبها على الصبي وهو قوله: {تطهرهم وتزكيهم بها} فإنه لا معنى لتطهير ~~الصبي والمجنون ولا لتزكيته فما جعلوه مخصصا لغير المكلفين في سائر الأركان ~~الأربعة لزمهم أن يجعلوه مخصصا في الركن الخامس وهو الزكاة. وبالجملة: ~~فأموال العباد محرمة بنصوص الكتاب والسنة لا يحللها إلا التراضي وطيبة ~~النفس. أما ورود الشرع كالزكاة والدية والأرش والشفعة ونحو ذلك فمن زعم أنه ~~يحل مال أحد من عباد الله سيما من كان قلم التكليف عنه مرفوعا فعليه ~~البرهان والواجب على المنصف أن يقف موقف المنع حتى يزحزحه عنه الدليل ولم ~~يوجب الله تعالى على ولي اليتيم والمجنون أن يخرج الزكاة من مالهما ولا ~~أمره بذلك ولا سوغه له بل وردت في أموال اليتامى تلك القوارع التي تتصدع ~~لها القلوب وترجف لها الأفئدة. أقول: وأما اشتراط الإسلام فالراجح أن ~~الكفار مخاطبون بجميع الشرعيات لكنه منع صحتها منهم مانع الكفر # PageV01P185 # فليس الإسلام شرطا في الوجوب بل الكفر مانع عن الصحة والمكلف مخاطب برفع ~~الموانع التي لا يجزئ عنه ما وجب عليه مع وجودها فخذ هذه قاعدة كلية في كل ~~باب من الأبواب التي يجعلون الإسلام فيها شرطا للوجوب واما اشتراط الحرية ~~فلا ريب أن هذا الاشتراط إنما يتم على قول من قال: إن العبد لا يملك وهي ~~مسألة قد تعارضت فيها الأدلة بما لا يتسع لبسطه وهذه ms205 شرطية حقيقة عند ~~القائل بعدم تملك العدم لأنه لا يجب على العبد أن يسعى في تحرير نفسه لتجب ~~عليه الزكاة لما تقرر أن تحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب فلا وجوب على العبد ~~حال العبودية بخلاف الكافر فإن الوجوب ثابت عليه في حال كفره ولكنه لا تتم ~~تأدية الواجب إلا بإزالة المانع وهو الكفر وما لا يتم الواجب إلا به يجب ~~كوجوبه ومن ههنا يتبين لك الفرق بين هاتين القاعدتين فالاولى تستعمل قبل ~~وجوب ذلك الواجب على الشخص والثانية بعد وجوبه عليه مع مانع يمنعه عنه ومما ~~ينبغي أن يجعل شرطا في وجوب الزكاة التكليف كما فعل الماتن رح مع أنها ~~مشروعة للتطهرة والتزكية كما نطق بذلك القرآن وهما لا يكونان لغير المكلفين ~~فمن أوجب على الصبي زكاة في ماله تمسكا بالعمومات فليوجب عليه بقية الأركان ~~الأربعة تمسكا بالعمومات. وبالجملة: فالأصل في أموال العباد الحرمة: {لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" ~~ولا سيما أموال اليتامى فإن القوارع القرآنية والزواجر الحديثية فيها أظهر ~~من أن تذكر وأكثر من أن تحصر فلا يأمن ولي اليتيم إذا أخذ الزكاة من ماله ~~من التبعة لأنه أخذ شيئا لم يوجبه الله على المالك ولا على الولي ولا على ~~المال. أمال الأول: فلأن المفروض أنه صبي لم يحصل له فما هو مناط التكاليف ~~الشرعية وهو البلوغ وأما الثاني: فلأنه غير مالك للمال والزكاة لا تجب على ~~غير مالك. وأما الثالث: فلأن التكاليف الشرعية مختصة بهذا النوع الإنساني ~~لا تجب على دابة ولا جماد والله أعلم. # PageV01P186 ### | باب زكاة الحيوان # "إنما تجب منه في النعم" أي الماشية وهي في أكثر البلدان الإبل والبقر # PageV01P186 # والغنم ويجمعها اسم الأنعام. وأما الخيل فلا تكثر صرمها1 ولا تناسل نسلا ~~وافرا إلا في أقطار يسيرة كتركستان كذا في الحجة. وهي الإبل والبقر والغنم ~~فتؤخذ من كل صرمة من الإبل ناقة ومن كل قطيع من البقر بقوة ومن كل ثلة من ~~الغنم شاة مثلا ثم يعرف ms206 كل واحد من هذه بالمثال والقسمة والاستقراء ليتخذ ~~ذلك ذريعة إلى معرفة الحدود الجامعة المانعة كذا في الحجة وكونها لا تجب في ~~غير الثلاثة الأنواع من الحيوانات فلأن الذي بين للناس ما نزل إليهم لم ~~يوجبها عليهم في غيرها وأما ما ورد من ذكر حق الله تعالى في الخيل فالمراد ~~به الجهاد. # فصل "إذا بلغت الإبل خمسا ففيها شاة ثم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا ~~وعشرين ففيها ابنة مخاض أو ابن لبون وفي ست وثلاثين ابنة لبون وفي ست ~~وأربعين حقة وفي إحدى وستين جذعة وفي ست وسبعين بنتا لبون وفي إحدى وتسعين ~~حقتان إلى مائة وعشرين فإذا زادت ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين ~~حقة" هذا التفصيل في فرائض الصدقة هو الثابت في حديث أنس أن أبا بكر كتب ~~لهم أن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~على المسلمين ثم ذكر فيه ما يجب في كل عدد كما في هذا المختصر ثم قال فيه: ~~فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست ~~عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو ~~عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا جذعة فإنها تقبل مند ~~ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده ~~وعنده ابنة لبون فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين ~~درهما, ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ~~ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست ~~عنده ابنة لبون وعنده ابنة مخاض فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن ~~استيسرتا له أو عشرين درهما, ومن بلغت عنده صدقة ابنة PageV01P187 # مخاض وليس عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس معه شيء ومن لم تكن ~~معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن ms207 يشاء ربها, وقد أخرج هذا ~~الحديث أحمد والنسائي وأبي داود وأخرجه أيضا البخاري مفرقا في صحيحه. قال ~~ابن حزم: هذا كتاب في نهاية الصحة عمل به الصديق بحضرة العلماء ولم يخالفه ~~أحد وصححه ابن حبان وغيره وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه ~~والدارقطني والحاكم والبيهقي نحو ما اشتمل عليه المختصر من حديث الزهري عن ~~سالم عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كتب الصدقة ~~ولم يخرجها إلى عمالها حتى توفي فأخرجها أبو بكر فعمل بها حتى توفي ثم ~~أخرجها عمر من بعده فعمل بها قال: فلقد هلك عمر يوم هلك وإن ذلك لمقرون ~~بوصيته. ثم ذكر الحديث. قال في الحجة: وقد استفاض ذلك من رواية أبي بكر ~~وعمر وابن مسعود وعمر وبن حزم وغيرهم بل صار متواترا بين المسلمين انتهى. # فصل "ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة وفي أربعين مسنة ثم كذلك" ~~يدل على ذلك ما أخرجه أحمد وأهل السنن وابن حبان والحاكم وصححاه منم حديث ~~معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى اليمن ~~وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة. ~~فإذا زادت على الأربعين فلا شيء في الزائد حتى يبلغ سبعين وفيها تبيع ومسنة ~~إلى ثمانين وفيها مسنتان ثم كذلك, وقال ابن عبد البر في الاستذكار: لا خلاف ~~بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث ابن معاذ وأنه النصاب ~~المجمع عليه. # فصل "ويجب في أربعين من الغنم شاة إلى مائة وإحدى وعشرين وفيها شاتان إلى ~~مائتين وواحدة وفيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة وواحدة وفيها أربع ثم في كل ~~مائة شاة" هذا التفضيل هو الثابت في حديث أنس وحديث ابن عمر اللذين تقدم ~~تخريجهما في باب زكاة الإبل وقد وقع الإجماع على ذلك. # فصل "ولا يجمع بين مفترق من الأنعام ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" ~~لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك ms208 كما في كتاب أبي بكر المحكي عن رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد تقدمت الإشارة إليه وكذلك في حديث ابن ~~عمر # PageV01P188 # حاكيا لكتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ذلك كما سبقت ~~الإشارة إليه وكذلك وقع التصريح بالنهي عن ذلك في غير الحديثين المذكورين ~~فإن فيه النهي كذلك ومعنى التفريق بين مجتمع أن يكون لثلاثة أنفار لكل واحد ~~أربعون شاة فإذا لم يجمعوها كان على كل واحد شاة, وإذا جمعوها لم يجب فيها ~~إلا شاة وصورة الجمع بين مفترق أن يكون لرجلين مائتا شاة وشاة فيكون عليهما ~~فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة ~~ونحو ذلك من الصور وهذا على اعتبار المسرح والمراح والخلطة وإن اختلف ~~المالكون كما دلت على ذلك الأدلة. "ولا شيء فيما دون الفريضة" ولا خلاف في ~~ذلك "ولا في الأوقاص" وهي ما بين الفريضتين فلا خلاف في ذلك أيضا إلا في ~~رواية عن أبي حنيفة وفي حديث معاذ عند أحمد وغيره أن الأوقاص لا فريضة ~~فيها, "وما كان من خليطين فيتراجعان بالسوية" لما وقع في الكتابين ~~المذكورين من قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "وما كان من خليطين ~~فإنهما يتراجعان بالسوية" والمراد أنهما إذا خلطا ما يملكانه من المواشي ~~فبلغت النصاب أخرجا زكاة تلك الماشية المخلوطة وكان على كل واحد بحساب ~~ماشيته, وصورة ذلك: أن يكون لكل واحد منهما عشرون شاة فيأخذ المصدق من ~~الأربعين شاة من ملك أحدهما فيرجع على صاحبه بنصف قيمتها, وهذا على أن مجرد ~~خلط الشريكين بملكيهما يصيرهما بمنزلة الماشية المملوكة لرجل واحد وهو الحق ~~كما دلت على ذلك الأدلة. "ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار ولا عيب ولا صغيرة ~~ولا أكولة ولا ربى ولا ما خض ولا فحل غنم" لما في كتاب أبي بكر بلفظ: ولا ~~تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس, وفي كتاب عمر المحكي عن النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ms209 "لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب" وفي حديث عبد ~~الله بن معاوية الغاضري مرفوعا بلفظ: "ولا تعطي الهرمة ولا الدرنة ولا ~~المريضة ولا الشرط1 اللئيمة ولكن من أوسط أموالكم" أخرجه أبو داود ~~والطبراني بإسناد جيد, وأخرج مالك في الموطأ والشافعي عن سفيان بن عبد الله ~~الثقفي أن عمر بن الخطاب نهى المصدق أن PageV01P189 # يأخذ الأكولة والربى والماخض وفحل الغنم. وقد روى ذلك عن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم ابن أبي شيبة في مسنده, والهرمة الكبيرة التي قد سقطت ~~أسنانها وذات العوار بفتح العين المهملة وضمها. قيل: هي العوراء وقيل: هي ~~المعيبة, وقد شمل قوله: "ولا عيب" كل ما فيه عيب يعد عنه العارفين بالمواشي ~~نقصا فإنه لا يخرج في الصدقة فتدخل في ذلك الدرنة بفتح الدال المهملة مشددة ~~بعدها راء مكسورة ثم نون وهي الجرباء والشرطة اللئمية هي صغار المال ~~وشراره, واللئيمة: البخيلة باللبن وغيرها, وأما الأكولة: فهي بفتح الهمزة ~~وضم الكاف العاقر من الشاة, والربى بضم الراء وتشديد الباء الموحدة الشاة ~~التي تربى في البيت للبنها, والماخض الحامل1 وفحل الغنم هو الذي ينزو عليها ~~لأن المالك يحتاج إليه وإن لم يكن من الخيار. PageV01P190 ### | باب زكاة الذهب والفضة # لا خلاف في وجوب الزكاة في الذهب والفضة مع النصاب والحول ولهذا قال ~~الماتن رح: "إذا حال على أحدهما الحول ربع العشر" وذلك لأن الكنوز أنفس ~~المال يتضررون بإنفاق المقدار الكثير منها فمن حق زكاته أن يكون أخف ~~الزكوات والذهب محمل على الفضة. "ونصاب الذهب عشرون دينارا ونصاب الفضة ~~مائتا درهم" لحديث علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قد ~~عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما ~~درهما وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتين ففيهما خمسة دراهم" أخرجه ~~أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي, وفي لفظ: "وليس فيما دون المائتين زكاة" ~~وفي إسناده مقال وقد حسنه ابن حجر, ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه وأخرجه ~~أحمد ومسلم من حديث جابر قال: ms210 قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من ~~الإبل صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" وأخرجه # PageV01P190 # أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد وأخرج أبو داود من حديث علي قال: "إذا ~~كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء يعني ~~في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها ~~الحول ففيها نصف دينار" , وفي إسناده مقال ولكنه حسنه الحافظ ابن حجر ونقل ~~الترمذي عن البخاري تصحيحه كالحديث الأول, وقد وقع الإجماع على أن نصاب ~~الفضة مائتا درهم ولم يخالف في ذلك إلا ابن حبيب الأندلسي والخمس الأواقي ~~المذكورة في الحديث هي مائتا درهم لأن وزن كل أوقية أربعون درهما, وذهب إلى ~~أن نصاب الذهب عشرون دينارا الجمهور وقد روي عن الحسن وطاوس ما يخالف ذلك ~~وهو مردود, وذهب إلى اعتبار الحول الأكثر وذهب ابن عباس وابن مسعود وداود ~~إلى أنه يجب على المالك إذا استفاد نصابا أن يزكيه في الحال تمسكا بما دل ~~على مطلق الوجوب وهو إهمال للقيد. "ولا شيء فيما دون ذلك". قال في الحجة: ~~وهل في الحلي زكاة؟ الأحاديث فيه متعارضة وإطلاق الكنز عليه بعيد ومعنى ~~الكنز حاصل والخروج من الاختلاف أحوط, وفي الموطأ: كانت عائشة تلي بنات ~~أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة. قال مالك: من ~~كان عنده تبر أو حلي من ذهب أو فضة لا ينتفع به للبس فإن عليه فيه الزكاة ~~في كل عام فيؤخذ ربع عشره إلا أن ينقص من وزنه عشرين دينارا عينا أو مائتي ~~درهم فإن نقص من ذلك فليس فيه زكاة وإنما تكون الزكاة إذا كان إنما يمسكه ~~لغير اللبس فأما التبر والحلي المكسور الذي يريد أهله صلاحه ولبسه فإنما هو ~~بمنزلة المتاع الذي يكون عند أهله فليس على اهله فيه زكاة. قال مالك: ليس ~~في اللؤلؤ ولا ms211 في المسك ولا في العنبر زكاة. قلت: قال به الشافعي في أظهر ~~قوليه وخصه بالمباح, وأما المحظور كالأواني وكالسوار والخلخال للرجل فتجب ~~فيه الزكاة بكل حال وعند الحنفية تجب في الحلي إذا كان ذهب أو من فضة دون ~~اللؤلؤ ونحوه. "ولا زكاة في غيرهما من الجواهر" كالدر والياقوت والزمرد ~~والألماس1 واللؤلؤ والمرجان ونحوها لعدم وجود دليل يدل على ذلك والبراءة ~~الأصلية مستصحبة وقد تقدم في أول كتاب PageV01P191 # الزكاة ما يفيد هذا. أقول: ليس من الورع ولا من الفقه أن يوجب الإنسان ~~على العباد ما لم يوجبه الله عليهم بل ذلك من الغلو المحض, والاستدلال ~~بمثل: {خذ من أموالهم صدقة} يستلزم وجوب الزكاة في كل جنس من أجناس ما يصدق ~~عليه اسم المال, ومنه الحديد والنحاس والرصاص والثياب والفراش والحجر ~~والمدر وكل ما يقال له مال على فرض أنه ليس من أموال التجارة, ولم يقل بذلك ~~أحد من المسلمين وليس ذلك لورود أدلة تخصص الأموال المذكورة من عموم: {خذ ~~من أموالهم} حتى يقول قائل إنها تجب زكاة ما لم يخصه دليل لبقائه تحت ~~العموم بل الذي شرع الله فيه الزكاة من أموال عباده هو أموال مخصوصة وأجناس ~~معلومة ولم يوجب عليها الزكاة في غيرها فالواجب حمل الإضافة في الآية ~~الكريمة على العهد لما تقرر في علم الأصول والنحو والبيان أن الإضافة تنقسم ~~إلى الأقسام التي تنقسم إليها اللام ومن جملة أقسام اللام العهد بل قال ~~المحقق الرضي: إنه الأصل في اللام إذا تقرر هذا فالجواهر واللآليء والدر ~~والياقوت والزمرد والعقيق واليسر وسائر ما له نفاسة وارتفاع قيمة لا وجه ~~لإيجاب الزكاة فيه, والتعليل للوجوب بمجرد النفاسة ليس عليه أثارة من علم, ~~ولو كان ذلك صحيحا لكان في المصنوعات من الحديد كالسيوف والبنادق ونحوها ما ~~هو أنفس وأعلى ثمنا ويلحق بذلك الصين والبلور واليشم وما يتعسر الإحاطة به ~~من الأشياء التي فيها نفاسة وللناس إليها رغبة فما أحسن الإنصاف والوقوف ~~على الحد الذي رسمه الشارع وإراحة الناس من هذه التكاليف التي ما ms212 أنزل الله ~~بها من سلطان على أن الآية التي أوقعت كثيرا من الناس في إيجاب الزكاة فيما ~~لم يوجبه الله وهي: {خذ من أموالهم صدقة} قد ذكر أئمة التفسير أنها في صدقة ~~النفل وليست في صدقة الفرض التي نحن بصددها, وأموال التجارة لما قدمنا من ~~عدم قيام دليل يدل على ذلك وقد كانت التجارة في عصره صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم قائمة في أنواع مما يتجر به ولم ينقل عنه ما يفيد ذلك, وأما ما ~~أخرجه أبو داود والدارقطني والبزار من حديث جابر بن سمرة قال: كان رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يأمرنا بأن نخرج الزكاة فيما نعد" فقال ~~ابن حجر في التلخيص: إن في إسناده جهالة, وأما ما رواه الحاكم والدارقطني ~~عن عمران مرفوعا بلفظ: "في الإبل صدقتها وفي # PageV01P192 # الغنم صدقتها وفي البز صدقته" بالزاي المعجمة فقد ضعف الحافظ في الفتح ~~جميع طرقه وقال في واحدة منها: هذا إسناد لا بأس به, ولا يخفاك أن مثل هذا ~~لا تقوم به الحجة لا سيما في التكاليف التي تعم بها البلوى على أنه قد قال ~~ابن دقيق العيد: إن الذي رآه في المستدرك في هذا الحديث البر بضم الباء ~~الموحدة وبالراء المهملة. قال: والدارقطني رواه بالزاي لكن من طريق ضعيفة ~~وهذا مما يوجب الاحتمال فلا يتم الاستدلال فلو فرضنا أن الحاكم قد صحح ~~إسناد هذا الحديث كما قال المحلي في شرح المنهاج لكان مجرد الاحتمال مسقطا ~~للاستدلال فكيف إذا قد عورض ذلك التصحيح بتضعيف الحفاظ لما صححه الحاكم مع ~~تأخر عصرهم عنه واستدراكهم عليه, ويؤيد عدم الوجوب ما ثبت عنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة: "ليس على المسلم صدقة في عبده ~~ولا فرسه" وظاهر ذلك عدم وجوب الزكاة في جميع الأحوال, وقد نقل ابن المنذر ~~الإجماع على زكاة التجارة وهذا النقل ليس بصحيح فأول من يخالف في ذلك ~~الظاهرية وهم فرقة من فرق الإسلام. أقول: وأما الاستدلال بقوله صلى الله ~~تعالى ms213 عليه وآله وسلم: "وأما خالد فقد حبس أدراعه وأعتده1 في سبيل الله" ~~فلا تقوم به الحجة إلا إذا كانت المطالبة بزكاة ذلك الذي حبسه مع كونه ~~للتجارة فعرفهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنها قد صارت محبسة ~~وأنه لا زكاة فيها بعد التحبيس وليس الأمر كذلك بل الظاهر أنهم لما أخبروا ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بأن خالدا امتنع من الزكاة رد عليهم ~~بذلك, والمراد أن من بلغ في التقرب إلى الله إلى هذا الحد وهو تحبيس أدراعه ~~وأعتده يبعد كل البعد أن يمتنع من تأدية ما أوجبه الله عليه من زكاة ~~التجارة. وأما الاستدلال بقول عمر فهو ممن لا يقول بجحية قول الصحابي ولكنه ~~إذا وافق قوله الصحابي ما يعتقده ضم إليه دعوى الإجماع السكوتي مجازفة. إذا ~~تقرر هذا علمت PageV01P193 # أنه لا دليل يدل على وجوب زكاة التجارة والبراءة الأصلية مستصحبة حتى ~~يقوم دليل ينقل عنها, وأما ما حكاه ابن المنذر من الإجماع على زكاة التجارة ~~فلا أدري كيف تجاسر على هذا ولو سلمناه قامت به حجة إلا على من يقول بحجية ~~الإجماع وقد عرفت ما هو الصواب في هذا الباب في كتابنا حصول المأمول من علم ~~الأصول, وقد حقق الماتن رح المقام في كتابه إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من ~~علم الأصول فليراجع. "والمستغلات" كالدور التي يكريها مالكها وكذلك الدواب ~~ونحوها لعدم الدليل كما قدمنا, وأيضا حديث: "ليس على المسلم صدقة في عبده ~~ولا فرسه" يتناول هذه الحالة أعني حالة استغلالهما بالكراء لهما وإن كان لا ~~حاجة إلى الاستدلال بل القيام مقام المنع يكفي. أقول: هذه المسألة من غرائب ~~العلماء التي ينبغي أن تكون مغفورة باعتبار ما لهم من المناقب فإن إيجاب ~~الزكاة فيما ليس من الأموال التي تجب فيها الزكاة بالاتفاق كالدور والعقار ~~والدواب ونحوها بمجرد تأجيرها بأجرة من دون تجارة في أعيانها مما لم يسمع ~~به في الصدر الأول الذين هم خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ~~فضلا أن يسمع ms214 فيه بدليل من كتاب أو سنة, وقد كانوا يستأجرون ويؤجرون ~~ويقبضون الأجرة من دورهم وضياعهم ودوابهم ولم يحظر ببال أحدهم أنه يخرج في ~~رأس الحول ربع عشر قيمة داره أو عقاره أو دوابه وانقرضوا وهم في راحة من ~~هذا التكليف الشاق حتى كان آخر القرن الثالث من أهل المائة الثالثة فقال ~~بذلك من قال بدون دليل إلا مجرد القياس على أموال التجارة وقد عرفت الكلام ~~في الأصل* فكيف يقوم الظل والعود أعوج* مع أن هذا القياس في نفسه مختل ~~بوجوه منها: وجود الفارق بين الأصل والفرع فإن الانتفاع بالمنفعة ليس ~~كالانتفاع بالعين. وأما العمومات التي أوردوها فهي عن الدلالة على المطلوب ~~بمراحل والأمر أوضح من أن تستغرق الأوقات في إبطاله ودفعه, وأما ما زعموه ~~من أن الموجب أولى من المسقط فذلك على عدم تسليمه إنما هو بعد الاتفاق على ~~أن الموجب والمسقط اجتمعا في أمر قد قضى الشرع بالوجوب في أصله والأمر ههنا ~~بالعكس فإن الشرع لم يوجب في أعيان الدور والعقار التي هي أصل الاستغلال ~~شيئا ثم أين هذا الموجب وما هو. # PageV01P194 ### | باب زكاة النبات # "يجب العشر في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب" وجوب الزكاة من هذه ~~الأجناس لشمول الأدلة الصحيحة لها وللتنصيص عليها في حديث أبي موسى ومعاذ ~~حين بعثهما صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر ~~دينهم فقال: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب ~~والتمر" أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني. قال البيهقي: رواته ثقات وهو ~~متصل وأخرج الطبراني عن عمر قال: إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الزكاة في هذه الأربعة. فذكرها وأخرج ابن ماجه والدارقطني من حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: إنما سن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب, زاد ابن ماجه: "والذرة" وفي ~~إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي1 وهو متروك, وأخرج البيهقي من طريق مجاهد ~~قال: لم تكن الصدقة في عهد النبي صلى ms215 الله تعالى عليه وسلم إلا في خمسة ~~فذكرها, وأخرج أيضا من طريق الحسن فقال: لم يفرض الصدقة النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا في عشرة. فذكر الخمسة المذكورة والإبل والبقر والغنم والذهب ~~والفضة. وأخرج أيضا عن الشعبي أنه قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى أهل اليمن إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. قال البيهقي: ~~هذه المراسيل طرقها مختلفة وهي يؤكد بعضها بعضا ومعها حديث أبي موسى ومعها ~~قول عمر وعلي وعائشة: ليس في الخضروات زكاة انتهى. "وما كان يسقى بالمسني ~~منها ففيه نصف العشر" وجهه حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"فيما سقت الأنهار والغيم عشر وفيما سقي بالسانية2 نصف العشر" رواه أحمد ~~ومسلم والنسائي وأبو داود قال3: "الأنهار والعيون", وأخرج البخاري وأحمد ~~وأهل السنن من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: ~~"فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما يسقى بالنضح نصف العشر" ~~فإن الذي هو PageV01P195 # أقل تعانيا وأكثر ريعا أحق بزيادة الضريبة والذي هو أكثر تعانيا وأقل ~~ريعا أحق بتخفيفها, والعثري بفتح العين المهملة والمثلثة وكسر الراء ~~المهملة هو الذي يشرب بعروقه, وقيل الذي في سواقي العيون ونحوها, والحق ~~وجوب الزكاة من العين ولا يسوغ إخراج القيمة إلا لعذر مسوغ لحديث: "خذ الحب ~~من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقرة من البقر" أخرجه أبو ~~داود والحاكم وصححه على شرط الشيخين1. وأما قول معاذ فهو فعل صحابي لا حجة ~~فيه على أنه منقطع كما صرح بذلك الحفاظ2. وأما الاعتذار عن الحديث بأنه لا ~~ظاهر له فهذه إحدى العصي التي يتوكأ عليها المقلدة. "ونصابها خمسة أوسق" ~~لحديث أبي سعيد في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" وفي رواية لأحمد وابن ماجه أن النبي صل الله ~~تعالى عليه وآله وسلم قال: "الوسق ستون صاعا" وفي رواية لأحمد وأبي داود: ~~"الوسق ستون مختوما"3. قال في الحجة البالغة: ms216 وإنما قدر من الحب والتمر ~~خمسة أوسق لأنها تكفي أهل بيت إلى سنة, وذلك لأن أقل البيت الزوج والزوجة ~~وثالث خادم أو ولد بينهما وما يضاهي ذلك من أقل البيوت وغالب قوت الإنسان ~~رطل أو مد من الطعام فإذا أكل كل واحد من هؤلاء ذلك المقدار كفاهم لسنة ~~وبقيت بقية لنوائبهم أو إمدامهم انتهى. قال ابن القيم: وقد ردت السنة ~~الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشرات بخمسة أوسق بالمتشابه من ~~قوله: "فيما سقت السماء العشر وما سقي بنضح أو غرب فنصف العشر". قالوا: هذا ~~يعم القليل والكثير وقد عارضه الخاص ودلالة العام قطعية كالخاص وإذا تعارضا ~~قدم الأحوط وهو الوجوب فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين ولا يجوز ~~PageV01P196 # معارضة أحدهما بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية فإن طاعة الرسول فرض في هذا ~~وفي هذا ولا تعارض بينهما بحمد الله تعالى من الوجوه فإن قوله: "فيما سقت ~~السماء العشر" إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه ~~فذكر النوعين مفرقا بينهما في مقدار الواجب, وأما مقدار النصاب فسكت عنه في ~~هذا الحديث وبينه نصا في الحديث الآخر فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح ~~الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما أول عليه البتة إلى المجمل المتشابه ~~الذي غايته أن يتعلق فيه بعموم لم يقصدوا بيانه بالخاص المحكم المبين كبيان ~~سائر العمومات بما يخصها من النصوص انتهى. أقول: الأحاديث القاضية بإيجاب ~~العشر أو نصف العشر تقتضي التسوية بين القليل والكثير وأحاديث لا زكاة فيما ~~دون خمسة أوسق تقتضي اختصاص الوجوب بمقدار معلوم هو الخمسة الأوسق وعدم ~~الوجوب فيما دونها فالأحاديث الأولة1 عامة لقليل ما أخرجت الأرض من الأنواع ~~المخصوصة ولكثيره والأحاديث الثانية خاصة ببعض ذلك الخارج دون بعض مصرحة ~~بنفي الوجوب عن دون الخمسة الأوسق بمنطوقها مثبتة لوجوبها في الخمسة فصاعدا ~~بمفهومها وهي أحاديث صحيحة فإهمالها مع كونها خاصة والرجوع إلى العامة خارج ~~عن سنن الإنصاف ولم يكن بيد من أهملها شيء يدفعها إلا مجرد تكليف العباد ~~بما هو ms217 أشق الشكوك كشكوك الموسوسين في الطهارة. وهذا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس أواق ~~صدقة ولا فيما دون خمس ذود صدقة" ثبت هذا عنه في حديث واحد فكان على من ~~أوجب الزكاة فيما دون خمسة أوسق أن يوجبها فيما دون خمس أواق وخمس ذود بل ~~يوجبها فيما دون الأربعين من الغنم والثلاثين من البقر تمسكا بالعمومات ~~القاضية بوجوب أصل الزكاة في الأموال فإنه لا فرق بينها وبين حديث: "فيما ~~أخرجت الأرض العشر" وليست المكيلات بالشك أولى من غيرها والله المستعان. ~~وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما ~~أخرجت الأرض والمقام وإن كان حقيقا بأن يقع الإجماع PageV01P197 # عليه لكن الخلاف لجماعة من العلماء أشهر من نار على علم وكيف خفي على ابن ~~المنذر مذهب أبي حنيفة رح وهو متداول عند جميع أهل المذاهب حتى قال ابن ~~العربي المالكي: إن أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين مذهب أبي حنيفة وهو ~~التمسك بالعموم انتهى. وهذه غفلة من مثل هذا الحافظ ناشئة عن الوسوسة التي ~~قدمنا لك ذكرها فإن الشارع أشفق بفقراء أمته من كل أحد وأي قوة وأحوطية في ~~شيء مخالف لنصه الصريح وكيف يخفى على عالم أن هذه الشفقة التي هي المستندة ~~لهذه المقالة مستلزمة لظلم الأغنياء وأخذ أموالهم بدون طيبة من أنفسهم ~~وأكلها بالباطل وسيوف السلاطين تابعة لأقلام العلماء فإذا أجبروا أهل ~~الأموال على تسليم زكاة دون الخمسة الأوسق استنادا إلى قول من قال بذلك ~~بمجرد الشك والشفقة على الفقراء لا لما يقتضيه الاجتهاد فهم شركاء في هذه ~~المظلمة التي هي محض أكل أموال الناس بالباطل. وما أحسن الوقوف على الحدود ~~الشرعية والمشي على الطريقة النبوية فذلك هو الورع الخالص وخير الهدي هدي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ولا شيء فيما عدا ذلك. قال المجد في الصراط ~~المستقيم ولم يكن من العادة النبوية أخذ الزكاة من الخيل والرقيق والبغال ~~والحمر والبقول والبطيخ ms218 والخيار والعسل والفواكه التي لا تدخل المكيال ولا ~~تصلح للادخار إلا الرطب والعنب فإنه كان يأخذ الزكاة منهما لا يفرق بين ~~الرطب واليابس انتهى. كالخضروات وغيرها حديث الخضراوات أخرجه الدارقطني ~~والحاكم والأثرم في سننه أن عطاء بن السائب قال: أراد عبد الله بن المغيرة ~~أن يأخذ صدقة من أرض موسى بن طلحة من الخضراوات فقال له موسى بن طلحة: ليس ~~لك ذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يقول: "ليس في ذلك ~~صدقة" وهو مرسل قوي وقد أخرجه الدارقطني والحاكم من حديث إسحق بن يحيى ابن ~~طلحة عن عمه موسى بن طلحة عن معاذ بلفظ: وأما القثاء والبطيخ والرمان ~~والقصب فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال الحافظ: ~~وفيه ضعف وانقطاع وروى الترمذي بعضه من حديث موسى بن طلحة عن معاذ وقد رواه ~~ابن عدي من وجه آخر عن أنس والدارقطني من حديث علي ومن حديث محمد بن جحش ~~ومن حديث عائشة, # PageV01P198 # ورواه أيضا البيهقي عن علي وعمر موقوفا في طرق حديث الخضراوات مقال لكنه ~~روي من طرق كثيرة يشهد بعضها لبعض فينتهض للاحتجاج به, وإذا انضم إلى ما ~~تقدم في وجوب الزكاة في تلك الأجناس الأربعة أو الخمسة انتهض الجميع ~~للاحتجاج بلا شك ولا شبهة, وقد رويت تلك الروايات بلفظ الحصر على تلك ~~الأجناس كما سبق وكان ذلك هو البيان منه صلى الله عليه وآله وسلم لما أنزل ~~الله تعالى فلا تجب في غير ذلك من النباتات, وقد ذهب إلى ذلك الحسن البصري ~~والحسن بن صالح والثوري والشعبي وأيضا يمكن الجمع بطريق أخرى وهي: أن هذه ~~الأدلة المذكورة هنا مخصصة لعمومات القرآن والسنة وذلك واضح ولا يصح جعل ~~ذلك من باب التنصيص على بعض أفراد العام لما في ذلك من الحصر تارة والنفي ~~لما عدا ما ذكر أخرى. أقول: العمومات الشاملة للخضراوات كقوله تعالى: ~~{وآتوا حقه يوم حصاده} وقوله: {خذ من أموالهم صدقة} وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "فيما سقت ms219 السماء العشر" قد خصصت بمخصصات كثيرة منها: حديث الأوساق ~~ومنها: الأحاديث القاضية بأن الزكاة لا تجب إلا في الأربعة الأنواع الشعير ~~والحنطة والتمر والزبيب هذا في الأشياء التي تنبت على وجه الأرض وفيما ~~عداها السوائم الثلاث والذهب والفضة, والواجب بناء العام على الخاص كما هو ~~إجماع من يعتد به من أهل العلم فلا وجوب فيما عدا هذه الثلاثة الأمور سواء ~~كان من الخضراوات أو غيرها بل قد ورد في الخضراوات بخصوصها ما يدل على عدم ~~وجوب الزكاة فيها من طرق يشهد بعضها لبعض كما أوضح ذلك الماتن في شرح ~~المنتقى فليكن هذا البحث منك على ذكر فإن الاحتجاج بمثل هذه العمومات قد ~~كثر في أهل العلم مع عدم الالتفات إلى الأدلة الخاصة والذهول عن وجوب بناء ~~العام على الخاص. والحاصل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين للناس ~~ما نزل إليهم ففرض على الأمة فرائض في بعض أملاكهم ولم يفرض عليهم في البعض ~~الآخر ومات على ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في ~~الأصول فمن زعم أنها تجب الزكاة في غير ما بينه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم متمسكا بالعمومات القرآنية كان محجوجا بما ذكرناه هذا على فرض أنه لم ~~يثبت عنه إلا مجرد البيان من دون ما يفيد عدم الوجوب في البعض # PageV01P199 # المسكوت عنه فكيف وقد ثبت عنه ما يفيد ذلك كحديث أبي موسى ومعاذ عند ~~الحاكم والبيهقي والطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثهما إلى ~~اليمن يعلمان الناس أمر دينهم قال: "لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة ~~الشعير والحنطة والزبيب والتمر". قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل. وأخرج ~~الطبراني عن عمر قال: إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه ~~الأربعة, فذكرها ونحوه عن جماعة من الصحابة وفي بعضها ذكر الذرة ولكن من ~~طريق لا تقوم بمثلها الحجة. "ويجب في العسل العشر" وجهه حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده عن النبي صلى ms220 الله عليه وسلم: "أنه أخذ من العسل العشر" ~~أخرجه ابن ماجه وقال الدارقطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحارث وابن لهيعة ~~عن عمرو بن شعيب ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب ومثله حديث ~~أبي سيارة عند أحمد وابن ماجه وأبي داود والبيهقي قال: قلت يا رسول الله إن ~~لي نحلا قال: "فأد العشور" وهو منقطع. وأخرج الترمذي عن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال في العسل: "في كل عشرة أزقاق زق" وفي إسناده ~~صدقة السمين وهو ضعيف الحفظ وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا ~~بلفظ: "أدوا العشر في العسل" وفي إسناده منير بن عبد الله وهو ضعيف والجميع ~~لا يقصر عن الصلاحية للاحتجاج به وفي العسل أحاديث أخرى لم ينتهض شيء منها ~~للاحتجاج به وقد جمعها الماتن في شرح المنتقى فليراجع. "ويجوز تعجيل ~~الزكاة" لحديث علي: أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي ~~وابن ماجه والحاكم والدارقطني والبيهقي وقد قيل: إنه مرسل, وقد روي عن علي ~~بلفظ آخر من طريق أخرى أخرجها البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين" ورجاله ثقات إلا أنه فيه ~~انقطاعا, وفي الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ~~زكاة العباس: "هي علي ومثلها معها" لما قيل إنه منع من الصدقة. وقد قيل إنه ~~كان تسلف منه صدقة عامين فدل على أنه يجزئ عن المعجل أي يسقط الوجوب عند ~~الاتصاف بت, ولا شك أن التعجل لا يكون تعجيلا إلا إذا كان قبل الوجوب. ~~"وعلى الإمام أن يرد صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم". # PageV01P200 # وجهه حديث أبي جحيفة قال: قد علينا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني منها ~~قلوصا. أخرجه الترمذي وحسنه وحديث ms221 عمران بن حصين أنه استعمل على الصدقة ~~فلما رجع قيل له أين المال؟ فقال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناه حيث كنا نضعه أخرجه أبو داود ~~وابن ماجه, وعن طاوس قال: كان في كتاب معاذ بن خرج من مخلاف إلى مخلاف فإن ~~صدقته وعشره في مخلاف عشيرته أخرجه الأثرم وسعيد بن منصور بإسناد صحيح وفي ~~الصحيحين عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له: ~~"خذها من أغنيائهم وضعها في فقرائهم". "ويبرأ رب المال بدفعها إلى السلطان ~~وإن كان جائرا" لحديث ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها" قالوا يا رسول الله: ~~فما تأمرنا؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم" وأخرج ~~مسلم والترمذي وصححه من حديث وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورجل يسأله فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ~~ويسألونا حقهم؟ فقال: "اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما ~~حملتم" وأخرج أبو داود من حديث جابر بن عتيك1 مرفوعا بلفظ: "سيأتيكم ركب ~~مبغضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا ~~فلأنفسهم وإن ظلموا فعليها وأرضوهم فإن تمام زكاتهم رضاهم" وأخرج الطبراني ~~عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا: "ادفعوا إليهم ما صلوا الخمس" وفي الباب آثار ~~الصحابة حتى أخرج البيهقي عن عمر أنه قال: "ادفعوها إليهم وإن شربوا الخمر" ~~وإسناده صحيح وأخرج أحمد من حديث أنس أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال: ~~"نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها إلى الله ورسوله فلك أجرها وإثمها ~~على من بدلها" وأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة: "إذا أتاك المصدق فأعطه ~~صدقتك فإن اعتدى عليك فوله ظهرك ولا تلعنه وقل PageV01P201 # اللهم إني أحتسب عنك ما ms222 أخذ مني" وقد ذهب إلى ما دلت عليه هذه الأدلة ~~الجمهور وأن الدفع إلى السلطان أو بأمره يجزي المالك وإن صرفها في غير ~~مصرفها سواء كان عادلا أو جائرا. أقول: لا ريب أن مجموع الأدلة يقتضي أن ~~أمره الزكاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن قوله تعالى: {خذ من أموالهم} ~~خطاب له إن سلم أنه في صدقة الفرض وفد تقدم ما فيه وأنص من الآية على ~~المطلوب حديث: "أمرت أن آخذها من أغنيائكم" وأحاديث بعثه صلى الله عليه ~~وسلم للسعاة وأمره لهم بأخذ الصدقات ومن ذلك الأدلة الواردة في الاعتداء ~~بما أخذه سلاطين الجور فإنها متضمنة لوجوب الدفع إليهم والاجتزاء بما دفع ~~إليهم ومن ذلك حديث: "من أعطاها مؤتجرا فله أجره ومن منعها فإنا نأخذها ~~وشطر ماله" ومنها الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب طاعة أولي الأمر ~~ولكن لا يخفى أن مجموع هذه الأدلة وإن أفاد أن للأئمة والسلاطين المطالبة ~~بالزكاة وقبضها, ووجوب الدفع إليهم عند طلبهم لها فليس فيها ما يدل على أن ~~رب المال إذا صرفها في مصرفها قبل أن يطالبه الإمام بتسليمها لا تجزئه ولا ~~يجوز له ذلك لأن الوجوب على أرباب الأموال والوعيد الشديد لهم والترغيب ~~تارة والترهيب أخرى لمن عليه الزكاة إذا لم يخرجها يستفاد من مجموعه أن لهم ~~ولاية الصرف. أما مع عدم الإمام فظاهر وأما مع وجوده من غير طلب منه فكذلك ~~أيضا, ويؤيد ذلك حديث: "أما خالد فقد حبس أدرعه وأعتده في سبيل الله" فإنه ~~صلى الله عليه وسلم أجاب بذلك على من قال له إن خالدا منع من تسليم الزكاة. ~~وأما المطالبة من الإمام فالظاهر أنه لا يجوز لرب المال الصرف لأنه عصيان ~~لمن أمر الله بطاعته ولكن هل يجزئه ذلك أم لا؟ الظاهر الإجزاء لأنه لا ~~ملازمة بين كونه عاصيا لأمر الإمام وبين عدم الإجزاء ومن رغم ذلك طولب ~~بالدليل فإن قيل الدليل ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن منعها ~~فإنا نأخذها وشطر ماله" فيقال: ms223 الحديث على ما فيه من المقال لا يصلح ~~للاستدلال به على هذا لأن المراد أنه منع الزكاة ولم يسلمها إلى الإمام ولا ~~صرفها في مصارفها كما هو مدلول المنع الواقع على ضمير الزكاة في الحديث كما ~~في أحاديث الوعيد لمانع الزكاة فإن المراد به المانع لها عن الإخراج مطلقا ~~ومما يؤيد ثبوت الولاية لرب المال قوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي ~~وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير # PageV01P202 # لكم} ففي هذه الآية أعظم متمسك وأوضح مستند ومن زعم أنها في صدقة النفل ~~بدليل السياق فلم يصب لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في ~~الأصول. نعم تطبيق الأدلة الواردة منه صلى الله عليه وسلم على من بعده من ~~الأئمة والسلاطين حتى يكون لهم مثل الذي له في أمر الزكاة يحتاج إلى فضل ~~نظر ولا يقنع الناظر بمجرد الإجماع السكوتي الواقع من الناس بعد عصره صلى ~~الله عليه وسلم, وأما قتال الصحابة لمانعي الزكاة فلكونهم ارتدوا بذلك ~~وصمموا على منع إخراجها وقد أمر صلى الله عليه وسلم أمته بقتال الناس حتى ~~يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويفعلوا سائر أركان الإسلام وأعظم ما يستأنس ~~به ما ورد في طاعة السلاطين وإن ظلموا وأن دفعها إليهم من الطاعة لهم كما ~~في حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليهم وسلم قال: "إنها ستكون بعدي ~~أثرة وأمور تنكرونها" قالوا يا رسول الله: فما تأمرنا؟ قال: "تؤدون الحق ~~الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم" أخرجه الشيخان وغيرهما, وعن وائل بن حجر ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يسأله فقال: أرأيت إن كان ~~علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم؟ قال: "اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ~~ما حملوا وعليكم ما حملتم" أخرجه مسلم وغيره وفي الباب أحاديث كثيرة وهي ~~تفيد وجوب طاعتهم فيما طلبوا إذا كان في معروف غير معصية وطلبهم للزكاة من ~~المعروف إذا كانوا يجعلونها في أمر غير معصية الله, والأمر بالطاعة فرع ~~ثبوت الولاية وثبوتها يستلزم الإجزاء, وقد ذهب إلى ms224 هذا الجمهور من الصحابة ~~فمن بعدهم ويؤيد ذلك حديث جابر بن عتيك عند أبي داود مرفوعا بلفظ: "سيأتيكم ~~ركب مبغضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا ~~فلأنفسهم وإن ظلموا فعليها وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم" وأخرج الطبراني ~~من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا: "ادفعوا إليهم ما صلوا الخمس" ويغني عن ~~جميع هذا التكليف بطاعة سلاطين الجور ما أقاموا الصلاة وفي بعض الأحاديث ~~الأمر بالطاعة للظلمة ما لم يظهروا كفرا فمن طلب الزكاة منهم لم تتم الطاعة ~~له التي كلفنا الله بها إلا بالدفع إليه والله أعدل أن يجمع على رب المال ~~في ماله زكاتين زكاة للظالم المأمور بطاعته وزكاة أخرى تصرف إلى غيره. # PageV01P203 ### | باب مصارف الزكاة # وهي ثمانية كما في الآية الكريمة: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} فإنها تضمنت الثمانية الأنواع الذي ~~هم مصارف الزكاة, وقد أخرج أبو داود عن زياد بن الحرث الصدائي قال: أتيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال ~~له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره ~~في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء ~~أعطيتك" وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وفيه مقال. قال في ~~المسوى: الفقير هو عند الشافعي من لا مال له ولا حرفة يقع منه موقعا, وعند ~~أبي حنيفة من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير تام وهو ~~مستغرق في الحاجة, والمسكين هو عند الشافعي من له مال أو حرفة يقع منه ~~موقعا ولا يغنيه, وعند أبي حنيفة من لا شيء له فيحتاج إلى المسألة لقوته أو ~~يواري بدنه والعامل له مثل عمله سواء كان فقيرا أو غنيا وعليه أهل العلم ~~والمؤلفة قلوبهم قسمان: من أسلم ونيته ضعيفة أوله شرف ms225 يتوقع بإعطائه إسلام ~~غيره فيعطون من الزكاة على الأصح من مذهب الشافعي, وقال أبو حنيفة: سقط ~~سهمهم لغلبة الإسلام. والرقاب: هم المكاتبون عند الشافعية والحنفية والغارم ~~هو عند أبي حنيفة من لزمه دين ولا يملك نصابا فاصلا عن دينه أو كان له مال ~~على الناس لا يمكنه أخذه وعند الشافعي قسمان: من استدان لنفسه في غير معصية ~~والأظهر اشتراط الحاجة, أو استدان لإصلاح البين ويعطى مع الغنى وسبيل الله ~~غزاة لا فيء لهم ويشترط فقرهم عند أبي حنيفة وعند الشافعي يعطون مع الغنى ~~وابن السبيل هو الغريب المنقطع عن ماله عند الحنفية أو منشئ سفر أو مجتاز ~~له حاجة عند الشافعية, وشرط هؤلاء الأصناف الإسلام عند أهل العلم وعند ~~الشافعي يجب استيعاب الأصناف الثمانية إن كان هناك عامل وإلا فاستيعاب ~~السبعة وتجب التسوية بين الأصناف لا بين آحاد الصنف, وعند أبي حنيفة لو صرف ~~الكل إلى صنف واحد أو شخص واحد يجوز قال # PageV01P204 # مالك: الأمر عندنا في قسم الصدقات أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد ~~من الوالي فأي الأصناف كانت الحاجة فيه والعدد أوثر ذلك الصنف بقدر ما يرى ~~الوالي وعسى أن ينتقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عام أو عامين أو أعوام فيؤثر ~~أهل الحاجة والعدد حيثما كان ذلك وعلى هذا أدركت من أرضى من أهل العلم ~~انتهى. قال الماتن: وقد أطال أئمة التفسير والحديث والفقه الكلام على ~~الأصناف الثمانية وما يعتبر في كل صنف والحق أن المعتبر صدق الوصف شرعا أو ~~لغة فمن صدق عليه أنه فقير كان مصرفا وكذلك سائر الأوصاف وإذا لم يكن للوصف ~~حقيقة شرعية وجب الرجوع إلى مدلوله اللغوي وتفسيره به فما وقع من الشروط ~~والاعتبارات المذكورة لأهل العلم إن كانت داخلة في مدلول الوصف لغة أو شرعا ~~أو لدليل يدل على ذلك كانت معتبرة وإلا فلا اعتبار لشيء منها انتهى. أقول: ~~الواجب الجزم بأن الفقير من ليس بغني والغني قد ثبت في الشريعة المطهرة ~~تعريفه كما أخرجه أهل السنن من حديث ms226 ابن مسعود مرفوعا: أنه قيل يا رسول ~~الله وما الغنى؟ قال: "خمسون درهما أو قيمتها من الذهب" فمن لم يملك هذا ~~المقدار فهو فقير لأنه إذا ارتفع عنه اسم الغني ثبت له الفقر إذا النقيضان ~~لا يرتفعان كما لا يجتمعان ولا بد من كونه يملك معها ما لا بد منه من ملبوس ~~وفراش ومسكن. حاصله ما تدعو الضرورة إليه لأن من المعلوم أنه صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم لم يرد بذلك المقدار قيمة ما يلبسه ويسكنه ويلحق بذلك ~~ما لا يتم له القيام بالأمور الدينية أو الدنيوية بدونه كآلة الجهاد ~~للمجاهد وكتب العلم للعالم وآلة الصناعة للصانع فمن ملك مما هو خارج عن هذه ~~الأمور ما يساوي خمسين درهما كان كمن ملك الخمسين أو قيمتها من الذهب فيكون ~~غنيا, ومن لم يملك ذلك المقدار فهو فقير تحل له الزكاة والمصير إلى ما ~~قررناه متحتم والحق أن الفقير والمسكين متحدان يصح إطلاق كل واحد من ~~الاسمين على من لم يجد فوق ما تدعو الضرورة إليه خمسين درهما وليس في قوله ~~تعالى: {فكانت لمساكين} ما ينافي هذا لأن ملكهم لما لا يخرجهم عن صدق اسم ~~الفقر والمسكنة عليهم لما عرفت من أن آلات ما تقوم به المعيشة مستثناة ~~والسفينة للملاح كدابة السفر لمن يعيش بالمكاراة والضرب في الأرض وليس في ~~الآية الكريمة ما يدل على أن صدقة كل إنسان تصرف في كل صنف من الأصناف # PageV01P205 # الثمانية بحيث يحصل لكل صنف مقدار معين وهذا أوضح, ثم أقول: كتاب الله ~~وسنة رسوله مصرحان بأن الفقير يعطى من الزكاة وليس فيهما التقييد بمقدار ~~معين وليس المعتبر إلا اتصاف المصرف وهو الفقير والمسكين ومن كان الفقر ~~شرطا للصرف فيه بصفة الفقر أو المسكنة فمن صرف إليه في تلك الحال فقد صرف ~~إلى مصرف شرعي وإن أعطاه مالا جما وأنصباء متعددة فهو إنما اتصف بصفة الغني ~~بعد الصرف إليه وذلك غير ضائر للصارف ولا مانع من الإجزاء, ومن زعم أنه لا ~~يجوز إلا دون النصاب فعليه ms227 الدليل الصالح لتقييد ما كان مطلقا من الأدلة ~~وتخصيص ما كان عاما وليس هناك إلا مجرد تخيلات فاسدة لم تبن على أساس صحيح. ~~وأما الغارم فظاهر إطلاق الآية يشمل من عليه دين سواء كان غنيا أو فقيرا ~~مؤمنا أو فاسقا في طاعة أو معصية. أما عدم الفرق بين الغني والفقير فليس ~~فيه إشكال لدخولهما تحت الآية ولاستثناء الغارم من حديث: "لا تحل الصدقة ~~لغني" وما سلكه صاحب المنار من التخصيص والتعميم فوهم منشؤه تجريد النظر ~~إلى لفظ غني من غير نظر إلى تمام الحديث المشتمل على استثناء خمسة أحدهم ~~الغارم, وأما عدم الفرق بين المؤمن والفاسق فلإطلاق الآية لا سيما إذا كان ~~ما استدانه الفاسق في غير سرف ولا معصية فلا معنى لاشتراط الإيمان. وأما ~~عدم الفرق بين الدين في طاعة أو معصية فلتناول الإطلاق له وإذا ورد ما ~~يقتضي التقييد بما لزم في طاعة فله حكمه. نعم إذا كانت الإعانة له تستلزم ~~إغراءه على المعاصي ووقوعه فيما يحرم عليه فلا ريب أنه ممنوع لأدلة أخرى, ~~وأما إذا لزمه الدين في السرف والمعصية ثم تاب وأقلع وطلب أن يعان من ~~الزكاة على القضاء فالظاهر عدم المنع, وأما سبيل الله فالمراد هنا الطريق ~~إليه عز وجل والجهاد وإن كان أعظم الطرق إلى الله عز وجل لكن لا دليل على ~~اختصاص هذا السهم به بل يصح صرف ذلك في كل ما كان طريقا إلى الله عز وجل ~~هذا معنى الآية لغة, والواجب الوقوف على المعاني اللغوية حيث لم يصح النقل ~~هنا شرعا. وأما اشتراط الفقر في المجاهد ففي غاية البعد بل الظاهر إعطاؤه ~~نصيبا وإن كان غنيا وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يأخذون من أموال الله عز ~~وجل التي من جملتها الزكاة في كل عام ويسمون ذلك عطاء وفيهم الأغنياء ~~والفقراء وكان # PageV01P206 # عطاء الواحد منهم يبلغ إلى ألوف متعددة ولم يسمع من أحد منهم أنه لا نصيب ~~للأغنياء في العطاء ومن زعم ذلك فعليه الدليل, فإن قال الدليل حديث: "إن ~~الصدقة ms228 لا تحل لغني" قلنا أصناف مصارف الزكاة ثمانية أحدها الفقير فمن لم ~~يكن فيه إلا كونه فقيرا بدون اتصافه بوصف آخر من أوصاف أصناف مصارف الزكاة ~~فلا ريب أنه إذا صار غنيا لم تحل له, وأما من أخذها بمسوغ آخر غير الفقر ~~وهو كونه مجاهدا أو غارما أو نحوهما فهو لم يأخذها لكونه فقيرا حتى يكون ~~الغنى مانعا بل أخذها لكونه مجاهدا أو غارما أو نحوهما فتدبر هذا فهو مفيد, ~~ومن جملة سبيل الله الصرف في العلماء الذين يقومون بمصالح المسلمين الدينية ~~فإن لهم في مال الله نصيبا سواء كانوا أغنياء أو فقراء بل الصرف في هذه ~~الجهة من أهم الأمور لأن العلماء ورثة الأنبياء وحملة الدين وبهم تحفظ بيضة ~~الإسلام وشريعة سيد الأنام وقد كان علماء الصحابة يأخذون من العطاء ما يقوم ~~بما يحتاجون إليه مع زيادات كثيرة يتفوضون بها في قضاء حوائج من يرد عليهم ~~من الفقراء وغيرهم والأمر في ذلك مشهور, ومنهم من كان يأخذ زيادة على مائة ~~ألف درهم ومن جملة هذه الأموال التي كانت تفرق بين المسلمين على هذه الصفة ~~الزكاة, وقد قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعمر لما قال له يعطي من هو ~~أحوج منه: "ما آتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا ~~تتبعه نفسك" كما في الصحيح والأمر ظاهر, وأما ابن السبيل فإذا كان فقيرا لا ~~يملك شيئا في وطنه ولا في غيره فلا نزاع في أنه يعان على سفره بنصيب غير ~~النصيب الذي يأخذه لأجل فقره وإن كان غنيا في وطنه وفي المحل الذي يريد ~~السفر منه فلا نزاع أنه لا يأخذ شيئا لكونه ابن سبيل, وإن كان غنيا في وطنه ~~وفي المحل الذي يريد السفر منه فإن كان لا يمكنه القرض فلا ريب أنه يعان ~~على سفره لأنه كالفقير لعدم إمكان انتفاعه بماله بوجه من الوجوه وإن كان ~~يمكنه القرض فهذا محل النزاع, وأما صرف الزكاة كلها في صنف واحد فهذا ~~المقام خليق ms229 بتحقيق الكلام. والحاصل: أن الله سبحانه جعل الصدقة مختصة ~~بالأصناف الثمانية غير سائغة لغيرهم واختصاصها بهم لا يستلزم أن تكون موزعة ~~بينهم على السوية ولا أن يقسط كل ما حصل من قليل أو كثير عليهم بل المعنى ~~أن جنس # PageV01P207 # الصدقات لجنس هذه الأصناف فمن وجب عليه شيء من جنس الصدقة ووضعه في جنس ~~الأصناف فقد فعل ما أمره الله به وسقط عنه ما أوجبه الله عليه ولو قيل إنه ~~يجب على المالك إذا حصل له شيء تجب فيه الزكاة تقسيطه على جميع الأصناف ~~الثمانية على فرض وجودهم جميعا لكان ذلك مع ما فيه من الحرج والمشقة مخالفا ~~لما فعله المسلمون سلفهم وخلفهم وقد يكون الحاصل شيئا حقيرا لو قسط على ~~جميع الأصناف لما انتفع كل صنف بما حصل له ولو كان نوعا واحدا فضلا أن يكون ~~عددا إذا تقرر لك هذا لاح لك عدم صلاحية ما وقع منه صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم من الدفع إلى سلمة بن صخر1 من الصدقات للاستدلال, ولم يرد ما ~~يقتضي إيجاب توزيع كل صدقة صدقة على جميع الأصناف وكذلك لا يصلح للاحتجاج ~~حديث أمره صلى الله عليه وسلم لمعاذ أن يأخذ الصدقة من أغنياء أهل اليمن ~~ويردها في فقرائهم لأن تلك أيضا صدقة جماعة من المسلمين وقد صرفت في جنس ~~الأصناف وكذلك حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم فبايعته فأتى رجل فقال أعطني من هذه الصدقة فقال له ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إن الله لم يرض بحكم نبي ولا ~~غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك ~~الأجزاء أعطيتك" لأن في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وقد ~~تكلم فيه غير واحد وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج فالمراد بتجزئة الصدقة تجزئة ~~مصارفها كما هو ظاهرة الآية التي قصدها صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولو ~~كان المراد تجزئة الصدقة نفسها وأن كل جزء ms230 لا يجوز صرفه في غير الصنف ~~المقابل له لما جاز صرف نصيب ما هو معدوم من الأصناف إلى غيره وهو خلاف ~~الإجماع من المسلمين, وأيضا لو سلم ذلك لكان باعتبار مجموع الصدقات التي ~~تجتمع عند الإمام لا باعتبار صدقة كل فرد فلم يبق ما يدل على وجوب التقسيط ~~بل يجوز إعطاء بعض المستحقين بعض الصدقات وإعطاء بعضهم بعضا آخر, نعم إذا ~~جمع الإمام جميع صدقات أهل قطر من الأقطار وحضر PageV01P208 # عنده جميع الأصناف الثمانية كان لكل صنف حق في مطالبته بما فرضه الله ~~وليس عليه تقسيط ذلك بينهم بالسوية ولا تعميمهم بالعطاء بل له أن يعطي بعض ~~الأصناف أكثر من البعض الآخر وله أن يعطي بعضهم دون بعض إذا رأى في ذلك ~~صلاحا عائدا على الإسلام وأهله مثلا: إذا جمعت لديه الصدقات وحضر الجهاد ~~وحقت المدافعة عن حوزة الإسلام من الكفار أو البغاة فإن له إيثار صنف ~~المجاهدين بالصرف إليهم وإن استغرق جميع الحاصل من الصدقات وهكذا إذا اقتضت ~~المصلحة إيثار غير المجاهدين. "وتحرم على بني هاشم" وبنو عبد المطلب مثلهم. ~~أقول: الأحاديث القاضية بتحريم ذلك عليهم قد تواترت تواترا معنويا ولم يأت ~~من خادع نفسه بتسويغها بشيء ينبغي الالتفات إليه بل مجرد هذيان هو عن الحق ~~معزل, واحتج لعدم التحريم بحديث: "إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم". قال: ~~فإذا منعوا ذلك حلت لهم الزكاة وفي إسناده حسين ابن قيس الرحبي الملقب ~~بحنش1. قال الهيثمي: وفيه كلام كثير وقد وثقه أبو محصن, وقال في خلاصة ~~البدر المنير: ضعفوه. وليس في هذا مع كونه أشف ما جاء به هو وغيره ممن ترخص ~~في هذا الأمر ما يدل على الحل لأنهم إذا منعوا ما يحل لهم لم يحل لهم ما ~~حرم عليهم فما وزان هذا إلا وزان قول القائل: لا يحل الزنا لأن في النكاح ~~ما يغني عنه فهل يقول من له أدنى تمسك بالعلم إنه إذا لم يقدر على النكاح ~~حل له الزنا؟ وأما التعليل للتحريم بالتهمة له صلى الله ms231 تعالى عليه وآله ~~وسلم وقد زالت بموته فحلت لقرابته كما رواه عن أبي حنيفة رح فمجرد تخمين لا ~~مستند له وتخيل لا مرشد إليه ولو كان الأمر كذلك لكانت التهمة في الخمس ~~وصفي الغنيمة أدخل وأشد والله المستعان. "ومواليهم" لحديث أبي هريرة مرفوعا ~~وفيه: "إنا لا نأكل الصدقة" وفي لفظ: "إنا لا تحل لنا الصدقة" وهو في ~~الصحيحين وغيرهما وفي حديث أبي رافع: "إن الصدقة لا تحل لنا وإن موالي ~~القوم من أنفسهم" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وابن حبان ~~وابن خريمة وصححاه أيضا وفي رواية PageV01P209 # لأحمد والطحاوي من حديث الحسن بن علي: "لا تحل لآل محمد الصدقة". وفي ~~حديث المطلب بن ربيعة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الصدقة لا تنبغي ~~لمحمد ولا لآل محمد إنما هي أوساخ الناس" وهو في صحيح مسلم وفي الباب ~~أحاديث قال في الحجة البالغة: إنما كانت أوساخا لأنها تكفر الخطايا وتدفع ~~البلايا وتقع فداء عن العبد في ذلك فيتمثل في مدارك الملأ الأعلى أنها هي ~~فتدرك بعض النفوس العالية أن فيها ظلمة. وقد يشاهد أهل المكاشفة تلك ~~الظلمة, وكان سيدي الوالد قدس سره يحكي ذلك من نفسه. وأيضا المال الذي ~~يأخذه الإنسان من غير مبادلة عين أو نفع ولا يراد به احترام وجهه فيه ذلة ~~ومهانة ويكون لصاحب المال عليه فضل ومنة, وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"اليد العليا خير من اليد السفلى" فلا جرم أن التكسب بهذا النوع شر وجوه ~~المكاسب لا يليق بالطهرين المنوه بهم في الملة اه. قال ابن قدامة: لا نعلم ~~خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة, وكذا حكى الإجماع ابن ~~رسلان في شرح السنن وقد وقع الخلاف في الآل الذين تحرم عليهم الصدقة على ~~أقوال أظهرها أنهم بنو هاشم وحكم مواليهم حكمهم في ذلك. أقول: الحق تحريم ~~الزكاة أجمع على بني هاشم سواء كانت الزكاة منهم أو من غيرهم وما استروح ~~إليه من قال بجواز صدقة بعضهم لبعض من حديث ms232 العباس بن عبد المطلب أنه قال: ~~قلت يا رسول الله إنك حرمت علينا صدقات الناس هل تحل لنا صدقات بعضنا لبعض؟ ~~قال: "نعم" أخرجه الحاكم1 فليس بصالح للاحتجاج به لما فيه من المقال حتى ~~قيل إنه اتهم بعض رواته كما حققه صاحب الميزان وقد عرفت عموم أحاديث ~~التحريم فلا يجوز تخصيصها بمخصص غير ناهض. "و" تحرم "على الأغنياء ~~والأقوياء المكتسبين" وجهه ما في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة: "أنها ~~لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" وفي لفظ لأحمد وأهل السنن من حديث ~~عبيد الله بن عدي بن الخيار مرفوعا: "ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" وفي ~~بعض الأخبار: "ولا PageV01P210 # لذي مرة قوي". والمرة بكسر الميم وتشديد الراء القوة وشدة العقل. كذا قال ~~الجوهري قال في الحجة البالغة: وجاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال ~~أنها أوقية أو خمسون درهما, وجاء أيضا أنها ما يغديه أو يعشيه وهذه ~~الأحاديث ليست متخالفة عندنا لأن الناس على منازل شتى ولكل واحد كسب لا ~~يمكن أن يتحول عنه فمن كان كاسبا بالحرفة فهو معذور حتى يجد آلات الحرفة ~~ومن كان زارعا حتى يجد آلات الزرع ومن كان تاجرا حتى يجد البضاعة ومن كان ~~على الجهاد مسترزقا بما يروح ويغدو من الغنائم كما كان أصحاب رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم فالضابط فيه أوقية أو خمسون درهما ومن كان كاسبا ~~بحمل الأثقال في الأسواق أو احتطاب الحطب وبيعه وأمثال ذلك فالضابط فيه ما ~~يغديه ويعشيه أه. في الموطأ من حديث عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل ~~الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين ~~فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني". قال في المسوى: لا خلاف في صورة ~~تبدل الأيدي وكذا في العامل وابن السبيل, وأما الغارم والغازي فتحل الصدقة ~~لهما وإن كانا غنيين عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: ms233 لا تحل إلا إذا كانا ~~فقيرين وظاهر الآية مع الشافعي لأن الله تعالى جعلهما قسيمي الفقير ~~والمسكين وعند الحنفية تحل الصدقة لمن ليس عنده نصاب غير مستغرق في حاجته ~~فلو ملك نصابا غير نام لكنه غير مستغرق لم تحل له ولو ملك نصبا كثيرة إلا ~~أنها مستغرقة حلت له, ولا يحل السؤال إلا لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه ~~كذا في العالمكيرية. قال في شرح السنة: إذا رأى الإمام السائل جلدا قويا ~~وشك في أمره أنذره وأخبره بالأمر فإن زعم أنه لا كسب له أو له عيال لا يقوم ~~كسبه بكفايتهم قبل منه وأعطاه. أقول: يمكن أن يطبق بين الأحاديث باختلاف ~~الأحوال والأصل اعتبار معنى الحاجة والاستغناء بالكسب المتيسر فالأوقية ~~تمنع السؤال لمن كان حاله مثل حال المهاجر في زمان النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم كانوا مرتزقين من الفيء دفعة بعد دفعة وفي الفيء قلة والاحتطاب ~~مانع من السؤال لمن كان قويا حاذقا في الاحتطاب أو أراد أن يسأل غير الإمام ~~وعلى هذا القياس غيرهما اه. أقول: قد قدمنا ما هو الحق في تفسير # PageV01P211 # الغنى المانع من أخذ الزكاة وقدمنا أيضا ما هو الحق في بعض الأصناف ~~الثمانية من عدم اشتراط الفقر كالمجاهد ونحوه, ثم اعلم أن الأدلة طافحة بأن ~~الصرف في ذوي الأرحام أفضل من غير فرق بين الصدقة الواجبة والمندوبة كما ~~يدل على ذلك ترك الاستفصال في مقام الاحتمال فإنه ينزل منزلة العموم على ~~أنه قد ورد التصريح في حديث أبي سعيد عند البخاري أن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم قال لامرأة: "زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم" وثبت عند البخاري ~~وأحمد عن معن بن يزيد قال: أخرج أبي دنانير يتصدق بها عند رجل في المسجد ~~فجئت فأخذتها فقال: والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم فقال: "لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت ما معن" وهذه ~~الأدلة إنما هي تبرع من القائل بالجواز والإجزاء وإلا فهو ms234 قائم مقام المنع ~~من كون القرابة أو وجوب النفقة مانعين ولم يأت القائل بذلك بدليل ينفق في ~~محل النزاع على فرض أنه لم يكن بيد القائل بالجواز إلا التمسك بالأصل فكيف ~~والأدلة عموما وخصوصا ناطقة بما ذهبوا إليه, وأما أهل الذمة فالذي ثبت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه هو أخذ الجزية من أهل الذمة بدلا عن ~~دمائهم وصالح بعض أهل الذمة على شيء معلوم يسلمونه في كل سنة وهو الجزية ~~أيضا فقد تكون الجزية مضروبة على كل فرد من أفراد أهل الذمة كذا وقد تكون ~~مضروبة على الجميع بمقدار معين, وأما الاستئناس لقول عمر رضي الله عنه ~~بكونه بمشاورة الصحابة فليس ذلك مستلزما لكونه إجماعا وليس الحجة إلا ~~إجماعهم وليس فيه حجة على ثبوت مثل هذا التكليف الشاق على أهل الملة, ولم ~~يثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما حديث: "ليس على المسلمين ~~عشور إنما العشور على اليهود والنصارى" فهذا الحديث هو أشف ما يستدل به على ~~المطلوب وقد أخرجه أبو داود من طرق في بعضها مقال وأخرجه أحمد والبخاري في ~~التاريخ وساق الاضطراب في سنده وقال: لا يتابع عليه والراوي له عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجل بكري وهو مجهول ولكن جهالة الصحابي غير قادحة كما ~~قرره شيخنا العلامة الشوكاني في الرسالة التي سماها القول المقبول في رد ~~رواية المجهول من غير صحابة الرسول, وفي بعض ألفاظ هذا الحديث عند أبي ~~داود: "الخراج" مكان: "العشور" ولكن إنما يتم الاستدلال # PageV01P212 # بهذا الحديث على المطلوب لو كان المراد به هو نصف عشر ما يتجرون به كما ~~زعموه وليس كذلك بل فيه خلاف فقال في القاموس عشرهم يعشرهم عشرا وعشورا أخذ ~~عشر أموالهم اه. وقال في النهاية العشور جمع عشر يعني: ما كان من أموالهم ~~للتجارات دون الصدقات والذي يلزمهم من ذلك عند الشافعي ما صولحوا عليه وقت ~~العهد فإن لم يصالحوا على شيء فلا تلزمهم إلا الجزية, وقال أبو حنيفة رح إن ~~أخذوا من ms235 المسلمين إذا دخلوا بلادهم للتجارة أخذنا منهم إذا دخلوا بلادنا ~~للتجارة, ومنه احمدوا الله إذ رفع عنكم العشور. يعني: ما كانت الملوك تأخذه ~~منهم, ومنه أن وفد ثقيف اشترطوا أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا أي لا ~~يؤخذ عشر أموالهم1 اه. كلام النهاية. وقال الخطابي مثل ما نقله صاحب ~~النهاية في أول كلامه فحصل من جميع هذا أن العشور إما العشر أو المال ~~المصالح به أو ما يؤخذ من تجار أهل الذمة إن أخذوا من تجارنا أو ما يأخذه ~~الملوك من الجبايات والضرائب أو الخراج كما في بعض روايات الحديث ومع هذا ~~الاحتمال لا ينتهض للاستدلال به. والحاصل: أن الأصل في أموال الناس مسلمهم ~~وكافرهم التحريم: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} فلا بد من دليل يدل ~~على تحليل المطلوب لأنه خارج عن الأقسام المسوغة إذ ليس بجزية ولا مال صلح ~~ولا خراج ولا معاملة ولا زكاة لعدم صحتها منهم لأن الكفر مانع وأظهر ما ~~يقال في معنى العشور أحد أمرين: إنما الخراج لأن بعض ألفاظ الحديث يفسر ~~بعضا أو الضرائب التي تضرب عليها كالجزية ومال الصلح فيكون المراد أن ~~المسلمين ليس عليهم الخراج أي لا يوضع في أموالهم ابتداء وليس عليهم ضريبة ~~في رقابهم أو أموالهم كاليهود وحينئذ لم يبق ما يصلح للتمسك به على جواز ~~أخذ نصف عشر أموال تجار أهل الذمة ومما يؤيد ما ذكرناه في معنى العشور ما ~~أخرجه أحمد PageV01P213 # وأبو داود والترمذي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "لا تصلح قبلتان في أرض وليس على مسلم جزية" فيمكن أن يكون ~~مفسرا لحديث: "ليس على المسلمين عشور" ولم يثبت عن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم تقدير ما يؤخذ من أهل الذمة إلا ما في حديث معاذ أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا. أخرجه أحمد وأهل السنن ~~والدارقطني والبيهقي وابن حبان والحاكم وهذا الحديث وإن كان فيه مقال فهو ~~لا يخرج ms236 به عن صلاحيته للاستدلال فالوقوف على هذا المقدار متعين لا تجوز ~~مجاوزته, وأما النقص منه إذا رآه الإمام أو المسلمون فلا بأس به لأن الجزية ~~حق لهم يجوز لهم الاقتصار على بعض ما وجب والظاهر أنه لا فرق بين الغني ~~والفقير والمتوسط في أنهم يستوون في جواز أخذ هذا المقدار منهم لأن الجزية ~~لما كانت عوضا عن الدم كان ذو المال كمن لا مال له. وأما من ذهب إلى أنه ~~يجب على الفقير نصف ما على المتوسط وعلى المتوسط نصف ما على الغني وجعلوا ~~الغني من يملك ألف دينار, أو ما يساويها ويركب الخيل ويتختم الذهب والمتوسط ~~دونه تمسكا بما روي عن علي أنه كان يجعل على المياسير من أهل الذمة ثمانية ~~وأربعين درهما وعلى الأوساط أربعة وعشرين وعلى الفقراء اثني عشر فهذا مع ~~كونه غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم به الحجة لأن في ~~إسناده أبا خالد الواسطي ولا يحتج بحديثه إذا كان مرفوعا فكيف إذا كان ~~موقوفا, وكذلك لا تقوم الحجة بما أخرجه في الموطأ عن عمر أنه كان يأخذ على ~~أهل الذهب من أهل الذمة الجزية أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما ~~لأنه فعل صحابي لا يصلح للاحتجاج به فالاقتصار على ما في حديث معاذ متحتم ~~ويؤيده ما أخرجه البيهقي عن أبي الحويرث مرسلا: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صالح أهل أيلة وكانوا ثلثمائة رجل على ثلثمائة دينار. وأما ما روي عن ~~الشافعي قال: سمعت بعض أهل العلم من أهل نجران يذكر أن قيمة ما أخذ من كل ~~واحد أكثر من دينار فهذا مع كونه ليس بمرفوع ولا موقوف ولا معلوم قائله لا ~~ينافي ما ذكرنا لأن المأخوذ من أهل نجران إنما كان صلحا بمقدار من المال ~~على جميعهم ومحل النزاع ما يضرب على كل فرد ابتدءا ثم نقول: أموال أهل ~~الحرب # PageV01P214 # على أصل الإباحة يجوز لكل أحد أخذ ما شاء منها كيف شاء قبل التأمين لهم ~~فيجوز للسلطان أن يأذن ms237 بدخول بلاد المسلمين والتجارة فيها على ما شاء من ~~قليل أو كثير يأخذه من أموالهم إنما الشأن في أخذ مثل ذلك من المسلمين ~~الذين يسافرون للتجارة من أرض إلى أرض فيأخذ منهم أهل الأرض التي يصلون ~~إليها شطرا من أموالهم من غير نظر إلى كون ذلك زكاة تجارة ولا غيرها بل لا ~~يعتبرون في استحلال أخذه إلى مجرد خروجهم من سفائن البحر أو وصولهم من البر ~~إلى حدود الأرض التي يخرجون إليها فهذا عند التحقيق ليس هو إلا المكس من ~~غير شك ولا شبهة وقد حققت المقام في إكليل الكرامة فليراجع. # PageV01P215 ### | باب صدقة الفطر # "هي صاع من القوت المعتاد عن كل فرد" لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما ~~قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو ~~صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين, ~~والأحاديث في هذا الباب كثيرة وفي صحيح مسلم وغيره: "ليس على المسلم في ~~عبده صدقة إلا صدقة الفطر" وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر قال: ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر ~~والعبد عمن تمونون. وأخرج نحوه الدارقطني من حديث علي وفي إسناده ضعف وله ~~طرق والخطابات في إخراجها على من ليس بمكلف إنما هي كائنة مع المكلفين1, ~~وقد ذهب الجمهور إلى أنها صاع من البر وغيره, وذهب بعض الصحابة إلى أن ~~الفطرة من البر نصف صاع, وقد حكاه ابن المنذر عن علي وعثمان وأبي هريرة ~~وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة كما قال ~~الحافظ, وإليه ذهب أبو حنيفة وقد تمسكوا بحديث ابن عباس مرفوعا: "صدقة ~~الفطر مدان من قمح" أخرجه الحاكم وأخرج نحوه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده مرفوعا, وفي الباب أحاديث تعضد ذلك ولكن ليس هذا بإجماع من ~~PageV01P215 # الصحابة حتى يكون حجة, وقد أخرج ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما أن أبا ~~سعيد قال لما ms238 ذكروا عنده صدقة رمضان: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط. ~~ولكن هذا مع كونه غير مصرح باطلاع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~على ذلك ولا تقريره قد قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير ~~محفوظ. ولا أدري ممن الوهم وكذلك قال أبو دواد, وقد روى الحاكم من حديث ابن ~~عباس والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا أيضا: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر صارخا بمكة ينادي: "إن صدقة الفطر حق واجب على كل ~~مسلم صغير أو كبير ذكر أو أنثى حر أو مملوك حاضر أو باد مدان من قمح أو صاع ~~من شعير أو تمر" وأخرج نحوه الدارقطني من حديث عصمة بن مالك بلفظ: "مدان من ~~قمح" وفي إسناده الفضل بن المختار وهو ضعيف, ويؤيده ما عند أبي داود ~~والنسائي عن الحسن مرسلا بلفظ: "فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم هذه الصدقة صاعا من تمر أو من شعير أو نصف صاع من قمح" وأخرج أيضا أبو ~~داود من حديث عبد الله بن ثعلبة بن عبد الله بن أبي صغير بلفظ: قال رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "صدقة الفطر صاع من بر أو قمح عن كل ~~اثنين" وأخرج سفيان الثوري في جامعه عن علي موقوفا بلفظ: "نصف صاع بر". ~~وهذه الروايات متعاضدة صالحة لتخصيص لفظ الطعام على فرض شموله للبر كما قال ~~بذلك بعض أهل العلم قال في المسوى: في الحديث: "صدقة الفطر فريضة" وعليه ~~الشافعي, وقال أبو حنيفة: واجبة وفيه أنه لا يشترط لها النصاب بل هي فريضة ~~على الغني والفقير وعليه الشافعي, وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من يملك ~~نصابا وإن لم يكن ناميا وفيه أنها تجب على الصغير والمجنون ومن لم يطق ~~الصوم وعليه أكثر أهل العلم, وفيه ms239 أنها تجب عن الرقيق مطلقا سواء كانوا ~~للتجارة أو للخدمة وعليه الشافعي, وقال أبو حنيفة: لا تجب عن رقيق التجارة ~~وفيه أنها لا تجب عن العبد الكافر وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة تجب عنه ~~وفيه أنه لا يجوز إخراج الدقيق والسويق ولا الخبز ولا القيمة وعليه ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز كل ذلك, وفيه أنه لا يجوز أقل من صاع من أي ~~جنس # PageV01P216 # أخرج وعليه الشافعي, وقال أبو حنيفة: يجوز من البر نصف صاع وفيه أن ~~الواجب مقدر بصاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو خمسة أرطال وثلث ~~بالرطل العراقي وقدرها بالقدح المصري قدحان وقال أبو حنيفة: بصاع الحجاز ~~وهو ثمانية أرطال, وقال الشافعي: تجب فطرة المرأة على زوجها وقال حنيفة: لا ~~تجب عليه. والوجوب على سيد العبد ومنفق الصغير ونحوه ويكون إخراجها قبل ~~صلاة العيد لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. فيه ~~دليل على وجوب الإخراج في ذلك الوقت, وأخرج أبو داود وابن ماجه والدارقطني ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: "فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة ~~مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" وهذا يدل على أنها لا ~~تجزئ بعد الصلاة لأنها حينئذ صدقة كسائر الصدقات التي يتصدق بها الإنسان ~~وليست بزكاة الفطر. قال في المسوى: السنة عند أهل العلم أن يخرج صدقة الفطر ~~يوم العيد قبل الخروج إلى الصلاة ولو عجلها بعد دخول رمضان يجوز ولا يجوز ~~تأخيرها عن يوم الفطر عند بعضهم, وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس وفي ~~سفر السعادة وظاهر هذه الأحاديث أنها بعد الصلاة لا تجزئ اه. ومن لا يجد ~~زيادة على قوت يومه وليلته فلا فطرة عليه لأنه إذا أخرج قوت يومه أو بعضه ~~كان مصرفا لا صارفا لقوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم في هذا اليوم" أخرجه ~~البيهقي والدارقطني من حديث ابن عمر فإذا ملك زيادة ms240 على قوت يومه أخرج ~~الفطرة إن بلغ الزائد قدرها ويؤيده تحريم السؤال على من ملك ما يغديه ~~ويعشيه كما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث سهل بن الحنظلية مرفوعا لأن ~~النصوص أطلقت ولم تخص غنيا ولا فقيرا, وقد أخرج أحمد وأبو داود عن عبد الله ~~بن ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدقة الفطر صاع تمر أو ~~صاع شعير عن كل رأس أو صاع بر أو قمح بين اثنين صغير أو كبير حر أو عبد ذكر ~~أو أنثى غني أو فقير أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه ~~أكثر مما أعطى" وقد وقع الخلاف في تقدير ما يعتبر في وجوب # PageV01P217 # زكاة الفطرة فقيل: ملك النصاب, وقيل: قوت عشر. أقول: التقدير بقوت عشرة ~~أيام محض رأي ليس عليه أثارة من علم وليس هو أيضا على أسلوب مناسب باعتبار ~~محض الرأي فإن الرأي إذا لم يكن له علة معقولة سائغة في العقل مقبولة في ~~الطبع فهو مردود عند أهل الرأي, وقد ورد ما يدل على أن الفقير كالغني في ~~الفطرة ففي حديث ابن أبي صعير1 عند أبي داود بلفظ: "غني أو فقير" ويؤيده ~~حديث ابن ثعلبة المتقدم لأن المراد أن الله يرد عليه من العوض خيرا مما ~~أخرج وقال مالك والشافعي وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحق: إنه يعتبر أن يكون ~~مخرج الفطرة مالكا لقوت يومه وليلته والظاهر: أن من وجد ما يكفيه ومن يعول ~~ليوم الفطر ووجد صاعا زائدا على ذلك أخرجه لحديث: "أغنوهم عن الطواف في هذا ~~اليوم" أخرجه البيهقي والدارقطني عن ابن عمر مرفوعا, وأخرجه ابن سعد أيضا ~~في الطبقات من حديث عائشة وأبي سعيد فظاهر قوله: "أغنوهم" أنهم يصيرون ~~أغنياء إذا نالوا ما يكفيهم في يومهم والمراد أنهم أغنياء عن الطواف وأن ~~الغني في الفطرة من استغنى عن الطواف في يومه, والفقير من افتقر إلى الطواف ~~في يومه فيكون الوجوب متحتما على من وجد ما يغنيه في يومه مع زيادة قدر ما ~~يجب عليه ms241 من الفطرة ويكون مصرفها من لم يجد ذلك لا كما قالوا إن مصرفها ~~مصرف الزكاة. "ومصرفها مصرف الزكاة" لكونه صلى الله عليه وآله وسلم قد ~~سماها زكاة لقوله: فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة. وقول ابن عمر: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطرة, وقد تقدما ولكنه ينبغي ~~تقديم الفقير للأمر بإغنائهم في ذلك اليوم فما زاد صرف في سائر الأصناف ~~وقال في سفر السعادة: وكان يخص المساكين بهذه الصدقة ولا يقسمها على ~~الأصناف الثمانية ولم يرد بذلك أمر أيضا وبه قال بعض العلماء ويجوز الصرف ~~للأصناف الثمانية بل خص بها المساكين انتهى. PageV01P218 ### | كتاب الخمس # يجب فيما يغنم في القتال وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في كتاب ~~الجهاد والسير ولا فرق بين الأراضي والدور المأخوذة من الكفار وبين ~~المنقولات فإن الجميع مغنوم في القتال وأما الفيء وهو ما أخذ بغير قتال ~~فحكمه مذكور في قوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} والمراد ~~بقوله تعالى: {من شيء} ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا كل ما يطلق ~~عليه اسم الغنيمة بل ما غنم بالقتال كما في النهاية وغيرها ولو بقي على ~~عمومه لاستلزم وجوب الخمس في الأرباح والمواريث ونحوهما وهو خلاف الإجماع ~~وما استلزم الباطل باطل. "وفي الركاز الخمس" لأنه يشبه الغنيمة من وجه ~~ويشبه المجان فجعلت زكاته خمسا لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي ~~الركاز الخمس" والركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي قال مالك ~~والشافعي: الركاز دفن الجاهلية, وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: إن المعدن ~~ركاز وخالفهم في ذلك الجمهور فقالوا: لا يقال للمعدن ركاز واحتجوا بما وقع ~~في هذا الحديث من التفرقة بينهما بالعطف وأن ذلك يدل على المغايرة وفي ~~القاموس تفسير الركاز بالمعدن ودفين الجاهلية, وقال صاحب النهاية: إن ~~الركاز يقع عليهما وإن الحديث ورد في الدفين هذا معنى كلامه. قال ابن ms242 القيم ~~في إعلام الموقعين: وفي قوله: "المعدن جبار" قولان: أحدهما أنه إذا استأجر ~~من يحفر له معدنا فسقط عليه فقتله فهو جبار, ويؤيد هذا القول اقترانه ~~بقوله: "البئر جبار والعجماء جبار" والثاني: أنه لا زكاة فيه ويؤيد هذا ~~القول اقترانه بقوله: "وفي الركاز الخمس" ففرق بين المعدن والركاز فأوجب ~~الخمس في الركاز لأنه مال مجموع يؤخذ بغير كلفة ولا تعب وأسقطها عن المعدن ~~لأنه يحتاج إلى كلفة وتعب في استخراجه والله تعالى أعلم اه. قال مالك: ~~الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي سمعت أهل العلم يقولون: إن الركاز ~~إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال ولم يتكلف فيه نفقة ولا ~~كبير عمل ولا مؤنة فأما # PageV01P219 # ما طلب بمال وتكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز. قال في ~~المسوى: هو أظهر أقوال الشافعي في تفسير الركاز وله قول إن المعدن من ~~الركاز أو بمنزلة الركاز وعليه أبو حنيفة والمراد بالركاز على أظهر أقوال ~~الشافعي هو الدفين الجاهلي من النقد, وأما الإسلام فإن علم مالكه فله وإلا ~~فلقطة وإنما يملكه الواجد وتجب فيه الزكاة إذا وجد في موات أو ملك أحياء ~~فإن وجد في ملك شخص فللشخص أو في مسجد أو شارع فلقطة. قال مالك: المعدن ~~بمنزلة الزرع يؤخذ منه مثل ما يؤخذ من الزرع يؤخذ منه إذا خرج من المعدن من ~~يومه ذلك ولا ينتظر به الحول كما يؤخذ من الزرع إذا حصد العشر ولا ينتظر به ~~أن يحول عليه الحول. قلت: وبه قال الشافعي في أظهر أقواله ولم يوجب في غير ~~الذهب والفضة وقال الشافعي في حديث معان القبلية1 في قول آخر: ليس هذا مما ~~يثبته أهل الحديث ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا إقطاعه. وأما الزكاة فليست مروية عنه كذا روى عنه البيهقي في سننه. ~~أقول: ولو كانت الزكاة مروية فليس ذلك نصا في ربع العشر بل يحتمل معنيين ~~آخرين أحدهما يؤخذ منه الخمس ms243 وهو زكاة وهو قول للشافعي والحصر بالنسبة إلى ~~الكل, والثاني إذا ملكه وحال عليه الحول تؤخذ منه الزكاة وهو قول جمع من ~~المحدثين انتهى. "ولا يجب فيما عدا ذلك" لعدم الإيجاب الشرعي والبقاء تحت ~~البراءة الأصلية, وقال أبو حنيفة: الخمس في كل جوهر ينطبع كالحديد والنحاس. ~~أقول: إن إيجاب الزكاة في جميع المعادن ومجاوزة ذلك إلى صيد البر والبحر ~~والمسك والحطب والحشيش كما فعله كثير من المصنفين ليس بصواب لعدم وجود دليل ~~يدل على ذلك والأصل في أموال العباد التي قد دخلت في أملاكهم بوجه من ~~الوجوه المقتضية للملك هو الحرمة ولا يجوز أخذ شيء منها إلا بطيبة من نفس ~~مالكها: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" وإلا كان أكلا بالباطل: ~~{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} والمتيقن وجوب الخمس في الغنيمة عن ~~القتال. "وفي معدن الذهب والفضة" لما أخرجه البيهقي في حديث الركاز بزيادة ~~قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال: "الذهب والفضة التي خلقت في الأرض يوم ~~خلقت" وهو وإن PageV01P220 # كان في إسناده سعيد بن أبي سعيد المقبري فهو لا يقصر عن صلاحية حديثه ~~للتفسير فليعلم, ومصرفه أي مصرف الزكاة عند الشافعي ومصرف خمس الفيء عند ~~أبي حنيفة. من في قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} وكفى بها دليلا على ~~ذلك, وفي حجة الله البالغة يوضع سهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعده في ~~مصالح المسلمين الأهم فالأهم وسهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب ~~الفقير منهم والغني والذكر والأنثى وعندي أنه يخير الإمام في تعيين ~~المقادير وكان عمر رضي الله تعالى عنه يزيد في فرض آل النبي صلى الله عليه ~~وسلم من بيت المال ويعين المدين منهم والناكح وذا الحاجة, وسهم اليتامى ~~لصغير فقير لا أب له وسهم الفقراء والمساكين لهم يفوض كل ذلك إلى الإمام ~~يجتهد في الفرض وتقديم الأهم فالأهم ويفعل ما أدى إليه اجتهاده ويقسم أربعة ~~أخماسه في الغانمين يجتهد ms244 الإمام أولا في حال الجيش فمن كان نفله أوفق ~~بمصلحة المسلمين نفل له وأما الفيء فمصرفه ما بين الله تعالى: {ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل} إلى قوله: {رؤوف رحيم} ولما قرأها عمر قال: هذه استوعبت ~~المسلمين فيصرفه إلى الأهم فالأهم, وينظر في ذلك إلى مصالح المسلمين لا ~~مصلحته الخاصة واختلفت كيفية قسمة الفيء فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا أتاه الفيء قسمه في يوم فأعطى الآهل حظين وأعطى الأعزب حظا, وكان أبو ~~بكر رضي الله تعالى عنه يقسم للحر والعبد يتوخى كفاية الحاجة ووضع عمر ~~الديوان على السوابق والحاجات فالرجل وقدمه والرجل وبلاؤه والرجل وعياله ~~والرجل وحاجته والأصل في كل ما كان مثل هذا من الاختلاف أن يحمل على أنه ~~إنما فعل ذلك على الاجتهاد فتوخى كل المصلحة بحسب ما رأى في وقته انتهى ~~حاصله. # PageV01P221 ### | كتاب الصيام ### | مقدمة # ... # كتاب الصيام # "يجب صيام رمضان" وهو ركن من أركان الدين وضروري من ضرورياته "لرؤية ~~هلاله من عدل" لصيامه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأمره للناس بالصيام ~~لما أخبره عبد الله بن عمر أنه رآه أخرجه أبو داود والدارمي وابن حبان ~~والحاكم وصححاه وصححه أيضا ابن حزم من حديث ابن عمر بلفظ: "تراءى الناس ~~الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أني رأيته فصام ~~وأمر الناس بصيامه" وأخرج أهل السنن وابن حبان والدارقطني والبيهقي والحاكم ~~من حديث ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~فقال: إني رأيت الهلال يعني رمضان فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله قال: ~~نعم قال: أتشهد أن محمدا رسول الله قال: نعم قال: يا بلال أذن في الناس ~~فليصوموا غدا". وأخرج الدارقطني والطبراني من طريق طاوس قال: شهدت المدينة ~~وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى واليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر ~~رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه ms245 وقالا: أن رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان وكان ~~لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة الرجلين. قال الدارقطني تفرد به حفص بن ~~عمر الأيلي وهو ضعيف, وقد ذهب إلى العمل بشهادة الواحد ابن المبارك وأحمد ~~بن حنبل والشافعي في أحد قوليه. قال النووي: وهو الأصح وذهب مالك والليث ~~والأوزاعي والثوري إلى أنه يعتبر اثنان واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد ~~بن الخطاب وفيه: فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا" أخرجه أحمد ~~والنسائي وفي حديث أمير مكة الحرث بن حاطب قال: عهد إلينا رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا ~~بشهادتهما. أخرجه أبو داود والدارقطني وقال: هذا الإسناد متصل صحيح وغاية ~~ما في الحديثين أن مفهوم الشرط يدل على عدم قبول الواحد ولكن أحاديث قبول ~~الواحد أرجح من هذا المفهوم وقد حققه الماتن رح في كتابه # PageV01P222 # إطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال, ويؤيد ~~وجوب العمل بخبر الواحد الأدلة الدالة على قبول أخبار الآحاد على العموم ~~إلا ما خصه دليل فمحل النزاع مندرج تحت العموم بعد التنصيص عليه بما في ~~حديث الأعرابي وبما في حديث ابن عمر, وأما التأويل باحتمال أن يكون قد شهد ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل قبل شهادة ابن عمر فلو كان مجرد هذا ~~الاحتمال قادحا في الاستدلال لم يبق دليل شرعي إلا وأمكن دفعه بمثل هذا ~~التأويل الباطل. في المسوى اختلفوا في هلال رمضان فقيل يثبت بشهادة الواحد ~~وعليه أبو حنيفة وقيل لا بد من عدلين وعليه مالك وللشافعي قولان كالمذهبين ~~أظهرهما الأول, ولا فرق عنده بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة, وقال أبو ~~حنيفة في الصحو لا بد من جمع كثير وفي العالمكيرية إذا رأوا الهلال قبل ~~الزوال أو بعده لا يصام به ولا يفطر وهو من الليلة المستقبلة وفي الأنوار ~~وإذا رؤي الهلال بالنهار يوم الثلاثين فهو لليلة المستقبلة. ms246 أو إكمال عدة ~~شعبان لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة ~~شعبان ثلاثين" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة, وفي الحجة البالغة لما كان ~~وقت الصوم مضبوطا بالشهر القمري باعتبار رؤية الهلال وهو تارة ثلاثون يوما ~~وتارة تسع وعشرون وجب في صورة الاشتباه أن يرجع إلى هذا الأصل, وأيضا مبنى ~~الشرائع على الأمور الظاهرة عند الأميين دون التعمق والمحاسبات النجومية بل ~~الشريعة واردة بإخمال ذكرها وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إنا أمة أمية لا ~~تكتب ولا نحسب" انتهى. "ويصوم ثلاثين يوما ما لم يظهر هلال شوال قبل ~~إكمالها" وجهه ما ورد من الأدلة الصحيحة أن الهلال إذا غم صاموا ثلاثين ~~يوما كحديث أبي هريرة المذكور ومثله في صحيح مسلم من حديث ابن عمر ومن حديث ~~ابن عباس عند أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث عائشة عند أحمد وأبي ~~داود والدارقطني بإسناد صحيح وغير ذلك من الأحاديث وفيها التصريح بإكمال ~~العدة الثلاثين يوما في بعضها عدة شعبان وفي بعضها ما يفيد أنها عدة رمضان ~~وفي بعضها الإطلاق وعدم التقييد بأحد الشهرين. قال في الحجة: قوله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: # PageV01P223 # شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة1, قيل لا ينقصان معا وقيل لا يتفاوت ~~أجر ثلاثين وتسعة وعشرين وهذا الآخر أقعد بقواعد التشريع كأنه أراد سد أن ~~يخطر في قلب أحد ذلك انتهى. أقول: يمكن أن يقال: إن هذا إخبار من الشارع ~~بعدم دخول النقص في الشهرين المذكورين فما ورد عنه أنه يكون الشهر تسعة ~~وعشرين عام مخصص بالشهرين المذكورين وما ورد في خصوص شهر رمضان مما يدل على ~~أنه قد يكون تسعة وعشرين فيمكن أن يقال فيه إن ذلك إنما هو باعتبار ما ظهر ~~للناس من طلوع الهلال عليهم وفي نفس الأمر ذلك الشهر هو ثلاثون يوما. قال ~~بعض المحققين: التكليف الشهري علق معرفة وقته برؤية الهلال دخولا وخروجا أو ~~إكمال العدة ms247 ثلاثين يوما فهل في الأكوان أوضح من هذا البيان والتوقيت في ~~الأيام والشهور بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة انتهى. أقول: إن ~~الرؤية التي اعتبرها الشارع في قوله: "صوموا لرؤيته" هي الرؤية الليلية لا ~~الرؤية النهاية فليست بمعتبرة سواء كانت قبل الزوال أو بعده ومن زعم خلاف ~~هذا فهو عن معرفة المقاصد الشرعية بمراحل واحتجاج من احتج برؤية الذين ~~أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم رأوه بالأمس باطل كاحتجاج من احتج ~~على وجوب الإتمام بقول تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} وكلا الدليلين ~~لا دلالة لهما على محل النزاع, وأما الأول فإنهم إنما أخبروا عن الرؤية في ~~الوقت المعتبر وذلك مرادهم بلفظ أمس كما لا يخفى على عالم, وأما الثاني ~~فالمراد به وجوب إتمام الصيام إلى الوقت الذي يسوغ فيه الإفطار تعيينا ~~لوقته الذي لا يكون صوما بدونه. والحاصل: أن المجادلة عن هذا القول الفاسد ~~وهو الاعتداد برؤية الهلال نهارا يأباه الإنصاف وإن قال المتخذلق إن ~~الاعتبار بالرؤية وقد وقعت لحديث: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" والاعتبار ~~بعموم اللفظ ونحو ذلك من المجادلات التي لا يجهل صاحبها أنه غالط أو مغالط ~~ولو كان هذا صحيحا لوجب الإفطار عند كل رؤية للهلال في أي وقت من أوقات ~~الشهر وهو باطل بالضرورة الدينية. "وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد ~~الموافقة" وجهه الأحاديث المصرحة بالصيام PageV01P224 # لرؤيته والإفطار لرؤيته وهي خطاب لجميع الأمة فمن رآه منهم في أي مكان ~~كان ذلك رؤية لجميعهم, وأما استدلال من استدل بحديث كريب عند مسلم وغيره: ~~أنه استهل عليه رمضان وهو بالشام فرأى الهلال ليلة الجمعة فقدم المدينة ~~فأخبر بذلك ابن عباس فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ~~ثلاثين أو نراه, ثم قال: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم وله ألفاظ فغير صحيح لأنه لم يصرح ابن عباس بأن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار بل أراد ابن ~~عباس أنه ms248 أمرهم بإكمال الثلاثين أو يروه ظنا منه أن المراد بالرؤية رؤية ~~أهل المحل وهذا خطأ في الاستدلال أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفرقوا في ~~ذلك على ثمانية مذاهب, وقد أوضح الماتن المقام في الرسالة التي سماها إطلاع ~~أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال. قال في ~~المسوى: لا خلاف في أن رؤية بعض أهل البلد موجبة على الباقين واختلفوا في ~~لزوم رؤية أهل بلد أهل بلد آخر والأقوى عند الشافعي يلزم حكم البلد القريب ~~دون البعيد وعند أبي حنيفة يلزم مطلقا "وعلى الصائم النية قبل الفجر" لحديث ~~حفصة عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "من لم يجمع الصيام ~~قبل الفجر فلا صيام له" أخرجه أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان ~~وصححاه, ولا ينافي ذلك رواية من رواه موقوفا فالرفع زيادة يتعين قبولها على ~~ما ذهب إليه أهل الأصول وبعض أهل الحديث, وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل ~~العلم وخالفهم آخرون واستدلوا بما لا تقوم به الحجة. أما حديث أمره صلى ~~الله عليه وسلم لمن أصبح صائما أن يتم صومه في يوم عاشوراء فغاية ما فيه أن ~~من لم يتبين له وجوب الصوم إلا بعد دخول النهار كان ذلك عذرا له عن ~~التبييت1, وأما حديث أنه صلى الله عليه وسلم: دخل على بعض نسائه ذات يوم ~~فقال: هل عندكم من شيء؟ فقالوا: لا, فقال: "فإني إذن صائم" فذلك في صوم ~~التطوع. قال في المسوى: قال الشافعي: يشترط للفرض التبييت PageV01P225 # ويصح النفل بنيته قبل الزوال وقال أبو حنيفة: يكفي في الفرض والنفل وأن ~~ينوي قبل نصف النهار ولا بد في القضاء والكفارات من التبييت. أقول: وأما ~~أنه يجب تجديد النية لكل يوم فلا يخفى أن النية هي مجرد القصد إلى الشيء أو ~~الإرادة له من دون اعتبار أمر آخر ولا ريب أن من قام في وقت السحر وتناول ~~طعامه وشرابه في ذلك الوقت من دون عادة له به في غير أيام ms249 الصوم فقد حصل له ~~القصد المعتبر لأن أفعال العقلاء لا تخلو عن ذلك وكذلك الإمساك عن المفطرات ~~من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا يكون إلا من قاصد للصوم بالضرورة إذا لم ~~يكن ثم عذر مانع عن الأكل والشرب غير الصوم, ولا يمكن وجود مثل ذلك من غير ~~قاصد إلا إذا كان مجنونا أو ساهيا أو نائما كمن ينام يوما كاملا, وإذا تقرر ~~هذا فمجرد القصد إلى السحور قائم مقام تبييت النية عند من اعتبر التبييت ~~ومجرد الإمساك عن المفطرات وكف النفس عنها في جميع النهار يقوم أيضا مقام ~~النية عند من لم يعتبر التبييت, ومن قال إنه يجب في النية زيادة على هذا ~~المقدار فليأت بالبرهان فإن مفهوم النية لغة وشرعا لا يدل على غير ما ~~ذكرناه وهكذا سائر العبادات فإن مجرد قصدها كاف من غير احتياج إلى زيادة ~~على ذلك, مثلا يكفي في نية الوضوء مجرد دخول المكان المعتاد لذلك والاشتغال ~~بغسل الأعضاء المخصوصة على الصفة المشروعة, وكذلك في الصلاة يكفي الدخول في ~~المحل الذي تقام فيه والتأهب لها والشروع فيها على الصفة المشروعة فإن ~~القصد والإرادة لا زمان لهذه الأفعال لعدم صدور مثل ذلك من العقلاء لمجرد ~~اللعب والعبث. # فصل "يبطل بالأكل والشرب عمدا" لا خلاف في ذلك. وأما مع النسيان فلا لما ~~في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة فقال: قال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما الله أطعمه ~~وسقاه" وفي لفظ للدارقطني بإسناد صحيح: "فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا ~~قضاء عليه" وفي لفظ آخر للدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم: "من أفطر ~~يوما من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" وإسناده صحيح أيضا قاله ~~الحافظ ابن حجر, وأخرج الدارقطني من حديث أبي سعيد مرفوعا: "من أكل في # PageV01P226 # شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه". قال ابن حجر: وإسناده وإن كان ضعيفا ~~ولكنه صالح للمتابعة فأقل درجات هذا الحديث بهذه الزيادة أن يكون ms250 حسنا ~~فيصلح للاحتجاج به انتهى. وقد ذهب إلى العمل بهذا الجمهور وهو الحق ومن ~~قابل هذه السنة بالرأي الفاسد فرأيه رد عليه مضروب في وجهه. "و" هكذا ~~"الجماع" لا خلاف في أنه يبطل الصيام إذا وقع من عامدا. وأما إذا وقع مع ~~النسيان فبعض أهل العلم ألحقه بمن أكل أو شرب ناسيا, وتمسك بقوله في ~~الرواية الأخرى: "من أفطر يوما من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" ~~وبعضهم منع من الإلحاق. أقول: إفساد الصوم بالوطء لا يعرف في مثل هذا خلاف ~~وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن المجامع في رمضان قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: هلكت يا رسول الله! قال: "وما أهلكك"؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان ~~فأمره بكفارة, وفي رواية لأبي داود وابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~له: "وصم يوما مكانه" وهذه الزيادة مروية من أربع طرق ويقوي بعضها بعضا, ~~ويدل على تحريم الوطء للصائم واجبا مفهوم قوله سبحانه: {أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث إلى نسائكم} . "والقيء عمدا" لحديث أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض" ~~أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم ~~وصححه, وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام وفيه نظر ~~فإن ابن مسعود وعكرمة وربيعة قالوا: إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبا أو ~~مستخرجا ما لم يرجع منه شيء باختياره. واستدلوا بحديث: "ثلاث لا يفطرن ~~القيء والحجامة والاحتلام" أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وفي إسناده عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف, وعلى فرض صلاحيته للاستدلال فلا يعارض ~~حديث أبي هريرة لأن هذا مطلق وذاك مقيد بالعمد. أقول: حديث أبي هريرة ~~المتقدم هو في عدة من كتب الحديث وله طرق مختلفة ينتهض معها للاستدلال وفيه ~~الفرق بين المتعمد للقيء وغير المتعمد ولا يعارض هذا حديث أبي سعيد المتقدم ~~لأنه عام مخصص الحديث الفرق بين المتعمد وغير المتعمد ms251 فيكون معناه أن القيء ~~إذا وقع من غير اختيار الصائم بل ذرعه كان غير مفطر وهذا الجمع لا بد منه ~~ويؤيده حديث: أنه صلى الله عليه وسلم # PageV01P227 # "قاء فأفطر". فإن بعض الحفاظ فسره بأنه استقاء والمراد بالاستقاء تعمد ~~القيء كما صرح به أهل العلم. وتحرم الوصال لنهيهه صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك كما في حديث أبي هريرة ابن عمر وعائشة وهو في الصحيحين وغيرهما وفي ~~الباب أحاديث, وعلى من أفطر عمدا كفارة ككفارة الظهار لحديث المجامع في ~~رمضان فإن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له: "هل تجد ما تعتق ~~رقبة"؟ قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟ قال: لا. قال: ~~"فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا"؟ قال: لا. ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعرق فيه تمر فقال: "تصدق بهذا" قال: فهل على أفقر منا فما بين لابتيها أهل ~~بيت أحوج منا فضحك النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه. ~~وقال: "اذهب فأطعمه أهلك" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ~~وعائشة, وقد قيل إن الكفارة لا تجب على من أفطر عامدا بأي سبب بل بالجماع ~~فقط, ولكن الرجل إنما جامع امرأته فليس في الجماع في نهاية رمضان إلا ما في ~~الأكل والشرب لكون الجميع حلالا لم يحرم إلا لعارض الصوم, وقد وقع في رواية ~~من هذا الحديث: "أن رجلا أفطر" ولم يذكر الجماع1. أقول: إذا ورد ما يدل على ~~وجوب مثل كفارة الظهار وورد ما يدل على أنه يجزئ أقل منها كان ورود الأقل ~~رخصة لمن لا يجد مثل كفارة الظهار وهذا ظاهر لا لبس فيه. "ويندب تعجيل ~~الفطر وتأخير السحور" لحديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" وهو في الصحيحين وغيرهما. وعن أبي ذر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور ~~وعجلوا الفطر" أخرجه أحمد وفي إسناده سليمان بن ms252 عثمان. قال أبو حاتم: ~~مجهول, وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أنه كان بين تسحره ~~صلى الله عليه وسلم ودخوله في الصلاة قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية وفي ~~الباب أحاديث كثيرة. # فصل "ويجب على من أفطر لعذر شرعي أن يقضي" كالمسافر PageV01P228 # والمريض, وقد صرح بذلك القرآن الكريم: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر} وقد ورد في الحائض حديث معاذة عن عائشة وقد تقدم ذكره ~~والنفساء مثلها. "والفطر للمسافر ونحوه رخصة إلا أن يخشى التلف أو الضعف عن ~~القتال فعزيمة" الأحاديث في ذلك كثيرة منها: قوله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" لما سأله حمزة بن عمرو الأسلمي عن الصوم ~~في السفر وهو في الصحيحين من حديث عائشة وفيه دليل على تفويض الفطر في ~~الصوم وعدمه إلى المسافر, ومن حمله على صوم التطوع فلم يصب فإنه عند أبي ~~داود والحاكم وصححه أنه قال: "ربما صادفني هذا الشهر" يعني رمضان, وأما ~~حديث أنه قيل له صلى الله عليه وسلم إن جماعة لم يفطروا في سفر من أسفارهم ~~فقال: "أولئك العصاة" فذاك لأنه صلى الله عليه وسلم قد كان أمرهم بالإفطار ~~في ذاك اليوم بخصوصه فسماهم عصاة لمخالفة أمره لا لمجرد الصوم في السفر, ~~وأما حديث: "ليس من البر الصيام في السفر" وهو متفق عليه ففي رواية زادها ~~النسائي في هذا الحديث: "عليكم برخص الله التي رخص لكم فاقبلوا" فالتصريح ~~بالرخصة مشعر بأن الصوم عزيمة وهو المطلوب. وأما ما روي بلفظ: "الصائم في ~~السفر كالمفطر في الحضر" فقد صحح جماعة من الحفاظ وقفه على عبد الرحمن بن ~~عوف ولا حجة في ذلك, وفي الصحيحين من حديث أنس كنا نسافر مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم, وأخرج ~~مسلم وغيره عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال يا رسول الله: أجد مني قوة على ~~الصوم فهل علي جناح فقال: ms253 "هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن ومن أحب ~~أن يصوم فلا جناح عليه" وفي الصحيحين من حديث جابر قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال: "ماهذا"؟ ~~فقالوا: صائم. فقال: "ليس من البر الصوم في السفر ". وأخرج مسلم وأحمد وأبو ~~داود من حديث أبي سيد قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ~~ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم قد ~~دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم" فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم ~~نزلنا منزلا آخر فقال: "إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى # PageV01P229 # لكم فأفطروا" فكانت عزيمة. ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في السفر. وقد ذهب إلى كون الصوم رخصة في السفر الجمهور, ~~وروي عن بعض الظاهرية وهو محكي عن أبي هريرة أن الفطر في السفر واجب وأن ~~الصوم لا يجزئ والمراد بنحو المسافر الحبلى والمرضع لما أخرجه أحمد وأهل ~~السنن وحسنه الترمذي من حديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن ~~الحبلى والمرضع الصوم". ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه لحديث عائشة في ~~الصحيحين وغيرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام ~~صام عنه وليه" وقد زاد البزار لفظ: "إن شاء". قال في مجمع الزوائد: وإسناده ~~حسن وبه قال أصحاب الحديث وبعض الشافعية وأبو ثور والأوزاعي وأحمد بن حنبل. ~~قال البيهقي في الخلافيات: هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافا بين أهل الحديث ~~في صحتها, وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب صوم الولي عن وليه, وقال في ~~الحجة: ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم: "من مات وعليه صوم صام عنه ~~وليه" وقوله فيه أيضا: "فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا" إذ يجوز أن يكون ms254 كل ~~من الأمرين مجزئا. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: وصح عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" فطائفة حملت هذا على عمومه ~~وإطلاقه وقالت: يصام عنه النذر والفرض وأبت طائفة ذلك وقالت: لا يصام عنه ~~نذر ولا فرض وفصلت طائفة فقالت يصام النذر دون الفرض الأصلي وهذا قول ابن ~~عباس وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه وهو الصحيح؛ لأن فرض الصيام جار مجرى ~~الصلاة فكما لا يصلي أحد عن أحد ولا يسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام, وأما ~~النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه ~~وهذا محض الفقه وطرد هذا أنه لا يحج عنه ولا يزكي عنه إلا إذا كان معذورا ~~بالتأخير كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر. فأما المفطر من غير عذر ~~أصلا فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرض فيها وكان هو ~~المأثور بها ابتلاء وامتحانا دون الولي فلا ينفع توبة أحد عن أحد ولا ~~إسلامه عنه ولا أداء الصلاة عنه ولا غيرها من فرائض الله تعالى التي فرط ~~فيها حتى مات والله تعالى أعلم. أقول: الظاهر والله أعلم أنه يجب على الولي ~~أن يصوم عن قريبه الميت # PageV01P230 # إذا كان عليه صوم سواء أوصى أو لم يوص كما هو مدلول الحديث ومن زعم خلاف ~~ذلك فليأت بحجة تدفعه1 والكبير العاجز عن الأداء والقضاء يكفر عن كل يوم ~~بإطعام مسكين لحديث سلمة بن الأكوع الثابت في الصحيحين وغيرهما قال: لما ~~نزلت هذه الآية: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} كان من أراد أن يفطر ~~يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وأخرج هذا الحديث أحمد وأبو داود ~~عن معاذ بنحو ما تقدم وزاد: ثم أنزل الله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وأثبت ~~الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام وأخرج البخاري عن ابن عباس أنه قال: ~~ليست هذه الآية منسوخة هي للشيخ ms255 الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن ~~يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا, وأخرج أبو داود عن ابن عباس أنه قال: ~~أثبتت للحبلى والمرضع أن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينا وأخرج الدارقطني ~~والحاكم وصححاه عن ابن عباس أنه قال: رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل ~~يوم مسكينا ولا قضاء عليه: وهذا أنه قال وهذا من ابن عباس تفسير لما في ~~القرآن مع ما فيه من الإشعار بالرفع فكان ذلك دليلا على أن الكفارة هي ~~إطعام مسكين عن كل يوم. أقول: لم يثبت في الكفارة على من لم يطق الصوم شيء ~~من المرفوع في شيء من كتب الحديث وليس في الكتاب العزيز ما يدل على ذلك لأن ~~قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} إن كانت منسوخة كما ثبت ~~عن سلمة بن الأكوع عند أهل الأمهات كلهم أنها كانت في أول الإسلام فكان من ~~أراد أن يفطر يفتدي حتى نسختها الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: {فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه} ومثل ذلك روي عن معاذ بن جبل أخرجه أحمد وأبو داود ~~ومثله عن ابن عمر أخرجه البخاري فالمنسوخ ليس بحجة بلا خلاف, وإن كانت ~~محكمة كما رواه أبو داود عن ابن عباس فظاهرها جواز ترك الصوم لمن كان ~~PageV01P231 # مطيقا غير معذور ووجوب الفدية عليه وهو خلاف ما أجمع عليه المسلمون. وأما ~~قول ابن عباس المتقدم فكلام غير مناسب لمعنى الآية لأنها في المطيقين لا ~~فيمن لا يستطيع أن يصوم كما قال وكذلك ما رواه عنه أبو داود أنها أثبتت ~~للحبلى والمرضع فإنه يدل على أنها منسوخة فيما عداهما فعلى كل حال ليس في ~~الآية دليل على وجوب الإطعام على من ترك الصوم وهو لا يطيقه وهو محل النزاع ~~وإذا لم يوجد دليل في كتاب الله ولا في سنة رسوله فليس في غيرهما أيضا ما ~~يدل على ذلك فالحق عدم وجوب الإطعام, وقد ذهب إليه جماعة من السلف منهم: ~~مالك وأبو ثور وداود وكذا لا فدية على من حال ms256 عليه رمضان وعليه رمضان أو ~~بعضه ولم يقضه لأنه لم يثبت في ذلك شيء صح رفعه وغاية ما فيه آثار عن جماعة ~~من الصحابة من أقوالهم وليس بحجة على أحد ولا تعبد الله بها أحدا من عباده ~~والبراءة الأصلية مستصحبة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح, وقد ذهب إلى هذا ~~النخعي وأبو حنيفة وأصحابه, وأما التفريق في قضاء رمضان فقد أخرج الدارقطني ~~من حديث ابن عمر أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سئل عن قضاء رمضان ~~فقال: "إن شاء فرقه وإن شاء تابعه" وفي إسناده سفيان بن بشر وقد ضعفه ~~بعضهم, وقال ابن الجوزي ما علمنا أحدا طعن فيه ثم صحح الحديث, ويؤيد ما دل ~~عليه هذا الحديث من التخيير قوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} وهذه العدة ~~تصدق على ما كان مجتمعا ومتفرقا لأنه يحصل من كل واحد منهما عدة والبراءة ~~الأصلية قاضية بعدم التعبد بما هو أشق ما يصدق عليه معنى الآية دون ما هو ~~أخف, وأما ما يروى من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "من كان عليه صوم ~~من رمضان فليسرده ولا يقطعه" كما أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة ففي ~~إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم القاص وقد ضعفه جماعة من الأئمة وقال البيهقي ~~لا يصح وأنكره أبو حاتم على عبد الرحمن, وأما ابن القطان فقال: لم يأت من ~~ضعفه بحجة1 انتهى. ولكنه مع ذلك لا ينتهض للنقل عن مجرد البراءة الأصلية ~~فضلا عما عضدها. PageV01P232 ### | باب صوم التطوع # "يستحب صيام ست من شوال لحديث: "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فذاك ~~صيام الدهر" أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي أيوب, وفي الباب أحاديث قال في ~~الحجة البالغة: والسر في مشروعيتها أنها بمنزلة السنن الرواتب في الصلاة ~~تكمل فائدتها بالنسبة إلى أمزجة لم تتام فائدتها بهم وإنما خص في بيان ~~الفضيلة التشبه بصوم الدهر لأن من القواعد المقررة أن الحسنة بعشر أمثالها ~~وبهذه الستة يتم الحساب انتهى. أقول: ظاهر الحديث أنه يكفي صيام ms257 ست من شوال ~~سواء كانت من أوله أو من أوسطه أو من آخره ولا يشترط أن تكون متصلة به لا ~~فاصل بينها وبين رمضان إلا يوم الفطر وإن كان ذلك هو الأولى ولأن الاتباع ~~وإن صدق على جميع الصور فصدقه على الصورة التي لم يفصل فيها بين رمضان وبين ~~الست إلا يوم الفطر الذي لا يصح صومه لا شك أنه أولى, وأما أنه لا يحصل ~~الأجر إلا لمن فعل كذلك فلا لأن من صام ستا من آخر شوال فقد أتبع رمضان ~~بصيام ست من شوال بلا شك وذلك هو المطلوب. "وتسع ذي الحجة" لما ثبت عنه صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم من حديث حفصة عند أحمد والنسائي قالت: أربع لم ~~يكن يدعهن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صيام عاشوراء والعشر ~~وثلاثة أيام من كل شهر. وأخرجه أبو داود بلفظ: كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم ~~عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وأول اثنين من الشهر والخميس. وقد أخرج مسلم ~~عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~صائما في العشر قط, وفي رواية: "لم يصم العشر قط" وعدم رؤيتها وعلمها لا ~~يستلزم العدم وآكد التسع يوم عرفة, وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي ~~قتادة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "صوم يوم عرفة ~~يكفر سنتين ماضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية". وأما صيام ~~شهر "محرم" فلحديث أبي هريرة عند مسلم وأحمد وأهل السنن أنه صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم سئل # PageV01P233 # أي الصيام بعد رمضان أفضل؟ فقال: "شهر الله المحرم" وآكده يوم عاشوراء ~~لما ورد فيه من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة ~~أنه صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه ثم قال: "هذا يوم عاشوراء ولم ~~يكتب عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء صام ومن شاء فليفطر", وقد تقدم أنه ~~يكفر سنة ماضية, وثبت في مسلم وغيره ms258 أنه لما أمر بصيامه قالوا يا رسول ~~الله: إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى فقال: "إذا كان العام المقبل إن شاء ~~الله صمنا التاسع" فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. قلت: وعليه أهل العلم, واستحب أكثرهم أن يصوم التاسع والعاشر, وفي ~~العالمكيرية: ويكره صوم يوم عاشوراء مفردا انتهى. وفي الباب أحاديث أخرى ~~أوردها الشيخ عبد الحق الحنفي الدهلوي فيما ثبت من السنة في أيام السنة. ~~أقول: أما شهر المحرم فلا ريب أنه قد خصه دليل صحيح ناطق بأنه أفضل الصيام ~~المتطوع به ولم يعارضه في هذه الأفضلية إلا ما قيل في صوم يوم عرفة وقد ذكر ~~الجمع الماتن رح في شرح المنتقى. وشعبان لحديث أم سلمة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما إلى شعبان يصل به رمضان ~~أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي وفي الصحيحين من حديث عائشة ما كان ~~يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله. ~~وفي لفظ: وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان. "والاثنين والخميس" ~~لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام الاثنين والخميس. ~~أخرجه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه, وأخرج نحوه ~~أبو داود من حديث أسامة بن زيد وأخرجه أيضا النسائي وفي إسناده مجهول مع ~~أنه قد صححه ابن خزيمة. وأخرج أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "تعرض الأعمال كل اثنين وخميس فأحب أن يعرض عملي ~~وأنا صائم" وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم ~~الاثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه". "وأيام البيض" لحديث أبي ~~قتادة عند مسلم وغيره. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كل ~~شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله". وأخرج أحمد والنسائي والترمذي ~~وابن حبان وصححه من حديث أبي ms259 ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إذا # PageV01P234 # صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" وفي الباب ~~أحاديث. قال في الحجة البالغة: وقد اختلفت الرواية في اختيار تلك الأيام ~~فورد: "يا أبا ذر" إلخ وورد كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن ~~الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس وورد من غرة كل شهر ثلاثة أيام ~~وورد أنه أمر أم سلمة بثلاثة أولها الاثنين والخميس ولكل وجه انتهى. # "وأفضل التطوع صوم يوم وإفطار يوم" لحديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين ~~وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صم في كل شهر ثلاثة أيام" ~~قلت: فإني أقوى من ذلك فلم يزل يرفعني حتى قال: "صم يوما وأفطر يوما فإنه ~~أفضل الصيام وهو صوم أخي داود عليه السلام". قال في الحجة البالغة: واختلفت ~~سنن الأنبياء عليهم السلام في الصوم فكان نوح عليه السلام يصوم الدهر وكان ~~داود عليه السلام يصوم يوما ويفطر يوما وكان عيسى عليه السلام يصوم يوما ~~ويفطر يومين أو أياما, وكان النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه يصوم ~~حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم ولم يكن يستكمل صيام شهر إلا ~~رمضان وذلك أن الصيام ترياق والترياق لا يستعمل إلا بقدر المرض وكان قوم ~~نوح عليه السلام شديدي الأمزجة حتى روي غنهم ما روي, وكان عليه السلام ذا ~~قوة ورزانة وهو قوله صلى الله عليه وسلم. وكان لا يفر إذا لا قي. وكان عيسى ~~عليه السلام ضعيفا في بدنه فارغا لا أهل له ولا مال فاختار كل واحد ما ~~يناسب الحال, وكان نبينا صلى الله عليه وسلم عارفا بفوائد الصوم والإفطار ~~مطلعا على مزاجه وما يناسبه فاختار بحسب مصلحة الوقت ما شاء. ويكره صوم ~~الدهر لحديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~صام من صام الأبد" وهو في الصحيحين وغيرهما, وأخرج أحمد وابن حبان وابن ~~خزيمة والبيهقي وابن أبي شيبة ms260 من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وقبض كفه" ولفظ ابن حبان: ~~"ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين" ورجاله رجال الصحيح, وهذه الأحاديث من ~~أعظم الأدلة الدالة على أن صوم الدهر مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم لأنه ~~نزل صوم صائم الدهر منزلة العدم في الحديث الأول وفي رواية: "لا صام من صام ~~الدهر ولا أفطر" والحديث صحيح, ويؤيده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من نهيه ~~صلى الله عليه وسلم لابن عمرو لما أراد أن يصوم الدهر # PageV01P235 # وقال له: "لا تفعل", وقال لما بغله عن المتكلفين في العبادة أنهم سألوا ~~عن عبادته صلى الله عليه وسلم فاستقلوها فقال أحدهم: أصوم ولا أفطر, وقال ~~الثاني: أقوم ولا أنام, وقال الثالث: لا أنكح النساء فقال صلى الله عليه ~~وسلم: "أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس ~~مني" وأما تقريره صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عمرو قال له يا رسول الله: ~~إني أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ قال: "إن شئت" كما أخرجه الشيخان وغيرهما ~~فليس فيه دليل على صوم الدهر لأن السرد يصدق بصوم أيام متتابعة وإن كانت ~~بعض سنة فضلا عن أكثر منها ومن جملة الوعيد لمن صام الدهر حديث أبي موسى ~~المتقدم وهذا وعيد شديد ومن زعم أنه ترغيب في صوم الدهر فلم يصب. وإفراد ~~يوم الجمعة لحديث جابر في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم نهى عن صوم يوم الجمعة. وفي رواية: "أن يفرد بصوم" وفي الصحيحين ~~من حديث أبي هريرة: "لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم" وفي ~~لفظ المسلم: "ولا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم ~~الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" وفي الباب ~~أحاديث قال الشافعي: يكره إفراد الجمعة. وفي العالمكيرية يستحب صوم يوم ~~الجمعة بانفراده. أقول: الأحاديث واردة بالنهي وحقيقة النهي ms261 التحريم إذا لم ~~يصم يوما قبله ولا يوما بعده وما روي عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من ~~أنه كان يصومه لا يصلح لجعله قرينة صارفة لوجهين: الأول أنه لم ينقل أنه ~~كان يصومه منفردا بل الظاهر أنه كان يصومه على غير الصفة التي نهانا عنها. ~~الثاني: أن فعله لا يعارض قوله الخاص بالأمة كما تقرر في الأصول وعلى فرض ~~عدم الاختصاص لقوله بالأمة بل شموله له ولهم فهو مخصص له من العموم وذلك لا ~~يصلح قرينة صارفة للنهي عن معناه الحقيقي ويوم السبت لحديث الصماء بنت بسر ~~عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والطبراني ~~والبيهقي وصححه ابن السكن أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "لا ~~تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو ~~لحاء شجر فليمضغه". "ويحرم صوم العيدين" لحديث أبي سعيد في الصحيحين ~~وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر # PageV01P236 # ويوم النحر. وقد أجمع المسلمون على ذلك. "وأيام التشريق" لنهيه صلى الله ~~عليه وسلم عن الصوم فيها كما ثبت ذلك من طريق جماعة من الصحابة وقد سرد ~~أحاديثه الماتن في شرح المنتقى. واستقبال رضمان بيوم أو يومين لحديث أبي ~~هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما ~~فليصمه" ويؤيده حديث أبي هريرة أيضا عند أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره ~~مرفوعا بلفظ: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" وفي الباب أحاديث والخلاف طويل ~~مبسوط في المطولات. أقول: وما زال الخلاف في هذه المسألة من عصر الصحابة ~~إلى الآن, وقد صارت مركزا من المراكز التي يتغالى الناس في أمرها إثباتا ~~ونفيا ولم يحتج أحد منهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه, وأما ما ~~احتجوا به من العمومات الدالة على مشروعية مطلق الصوم واستحبابه فنحن نقول ~~بموجبها ms262 ونقول هي مخصصة بأحاديث أمره صلى الله عليه وسلم بالصوم لرؤية ~~الهلال والإفطار لرؤيته أو إكمال العدة كما صح في جميع دواوين الإسلام ~~وبأحاديث نهيه صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان بيوم أو يومين وهو في ~~الصحيح بل ورد النهي عن صوم النصف الأخير من شعبان وقال عمار: من صام يوم ~~الشك فقد عصى أبا القاسم, وهو صحيح. بل قال ابن عبد البر: لا يختلفون في ~~رفعه ولعل مراده أن له حكم الرفع لا أن القائل له هو النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهذا إذا لم يصلح لتخصيص العمومات لم يصلح مخصص قط ومن نظر إلى ما يقع ~~من عوام المسلمين بل ومن بعض خواصهم في هذه الأعصار من التخاري على الصوم ~~والإفطار بمجرد الشكوك والخيالات التي هي عن الشريعة بمعزل قضى العجب وبكى ~~على الدين وانتظر القيامة. # PageV01P237 ### | باب الاعتكاف # "يشرع" لا خلاف في مشروعية الاعتكاف وقد كان يعتكف النبي صلى الله عليه ~~وسلم في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله كما ثبت في الصحيحين ~~وغيرهما من حديث أبي هريرة. "ويصح في كل وقت في المساجد" لأنه ورد الترغيب ~~فيه # PageV01P237 # ولم يأت ما يدل على أنه يختص بوقت معين, وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن ~~عمر أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن ~~أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: "فأوف بنذرك" وأما كونه لا يكون إلا في ~~المساجد فلأن ذلك هو معنى الاعتكاف شرعا إذ لا يسمى من اعتكف في غيرها ~~معتكفا شرعا, وقد ورد ما يدل على ذلك كحديث: "لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة" ~~أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من حديث حذيفة. قال في المسوى: الاعتكاف ~~جائز في كل مسجد فإن لم يكن المسجد جامعا فالخروج للجمعة واجب عليه فإذا ~~خرج يبطل اعتكافه عند الشافعي فيحتاج إلى نية جديدة لما يستقبله إن كان ~~تطوعا ولا يبطل عند أبي حنيفة كما لو خرج لقضاء الحاجة. أقول: لا ms263 ريب أن ~~مسمى الاعتكاف الشرعي لا يحصل إلا إذا كان في المسجد ولهذا لم تختلف الأمة ~~في اعتبار ذلك إلا ما يروى عن محمد بن عمر بن لبابة المالكي فإنه أجازه في ~~كل مكان, وإنما اختلفوا هل يجزئ الاعتكاف في كل مسجد أم في الثلاثة المساجد ~~فقط أم في المسجد الحرام فقط؟ والظاهر أنه يجزئ في كل مسجد قال تعالى: ~~{وأنتم عاكفون في المساجد} ولا حجة في قول عائشة ولا في قول حذيفة1 في هذا ~~الباب. "وهو في رمضان آكد سيما في العشر الأواخر منه" أفضل وآكد لكونه صلى ~~الله عليه وسلم كان يعتكف فيها. ولم يرد ما يدل على توقيته بيوم أو أكثر ~~ولا على اشتراط الصيام إلا من قول عائشة وحديث نذر عمر المتقدم يرده, وكذلك ~~حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المعتكف صيام إلا ~~أن يجعله على نفسه" أخرجه الدارقطني والحاكم وقال: صحيح الإسناد, ورجح ~~الدارقطني والبيهقي وقفه. # وبالجملة: فلا حجة إلا في الثابت من قوله صلى الله عليه وسلم ولم يثبت ~~عنه ما يدل على أنه لا اعتكاف إلا بصوم بل ثبت عنه ما يخالفه في نذر عمر ~~وقد روى أبو داود عن عائشة مرفوعا من حديث: "ولا اعتكاف إلا بصوم" ورواه ~~غيره من قولها ورجح ذلك الحفاظ. أقول: اعلم أن كون الشيء شرطا لشيء آخر أو ~~ركنا له أو فرضا من فروضه لا يثبت إلا بدليل لأنه حكم شرعي PageV01P238 # أو وضعي ولم يأت ما يدل على أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم, بل ثبت ~~الترغيب منه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف ولم ينقل إلينا أنه اعتبر ذلك ~~ولو كان معتبرا لبينه للأمة. وأما اعتكافه صلى الله عليه وسلم في صومه فلا ~~يستلزم أن يكون الاعتكاف كذلك لأنه أمر اتفاقي ولو كان ذلك معتبرا لكان ~~اعتكافه في مسجده معتبرا فلا يصح من أحد الاعتكاف في غيره وأنه باطل. وأما ~~قول عائشة المتقدم فظاهر هذا السياق أن لفظ: "ولا اعتكاف ms264 إلا بصوم" ليس من ~~بيان السنة المذكورة في أول كلامها بل ابتداء كلام منها فقد أخرجه النسائي ~~ولم يذكر فيه قولها من السنة وكذلك أخرجه أيضا من حديث مالك وليس فيه ذلك ~~وقال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحق لا يقول فيه من السنة وجزم ~~الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: "لا يخرج وما عداه ممن ~~دونها" وكذلك رحج ذلك البيهقي كما ذكره ابن كثير في إرشاده ومما يؤيد هذا ~~حديث: "من اعتكف فواق ناقة" وكذلك حديث: "ليس على المعتكف صيام" وفيهما ~~مقال أوضحه الماتن رح في شرح المنتقى, وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~اعتكف عشرا من شوال ولم ينقل عنه أنه صامها بل روي عنه أنه اعتكف العشر ~~الأول من شوال ولا يخفى أن يوم الفطر من جملتها وليس بيوم صوم فالحق عدم ~~اشتراط الصوم في الاعتكاف لما تقدم ولما ثبت أن عمر: سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال: ~~"أوف بنذرك" وهو متفق عليه, وفي رواية لمسلم: "يوما" مكان: "ليلة" وما في ~~الصحيحين أرجح مما في أحدهما إذا لم يمكن الجمع وقد جمع ابن حبان وغيره ~~بأنه نذر اعتكاف ليلة ويوم وفي رواية أبي داود والنسائي: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال له: "اعتكف وصم" ولكن في إسناده عبد الله بن بديل وهو ضعيف, ~~وقد ذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عمرو بن دينار وقال الحافظ في ~~الفتح إن رواية من روى: "يوما" شاذة, وإذا عرفت ما تقدم من عدم انتهاض ما ~~احتجوا به على شرطية الصوم فالحق الحقيق بالقبول أن الاعتكاف يكون ساعة فما ~~فوقها. بل حديث: "من اعتكف فواق ناقة" يدل على أنه يكون أقله لحظة مختطفة ~~وهذا الحديث وإن لم يكن صالحا للاحتجاج به فالأصل عدم التقدير بوقت معين, ~~والدليل على مدعي ذلك ثم كون اليوم الكامل # PageV01P239 # شرطا للصوم لا يسلتزم أن يكون شرطا للاعتكاف لأنه ms265 يمكن الاعتكاف بعض ~~اليوم مع الصوم لكل اليوم فاليوم شرط الصوم لا شرط الاعتكاف على تسليم أن ~~الصوم شرط. ويستحب الاجتهاد في العمل فيها لحديث عائشة: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل كله وأيقظ أهله وشد ~~المئزر. وهو في الصحيحين وغيرهما. "وقيام ليالي القدر" لحديث أبي هريرة في ~~الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيمانا ~~واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".وفي تعيين ليلة القدر أحاديث مختلفة ~~وأقوال جاوزت الأربعين ذكرتها في مسك الختام شرح بلوغ المرام بالفارسية وقد ~~استوفاها الماتن في نيل الأوطار وفي حاشية الشفاء للماتن. أقول: في تعيينها ~~مذاهب يطول تعدادها وقد بسطتها في شرح المنتقى فكانت سبعة وأربعين قولا ~~وذكرت أدلتها وبينت راجحها من مرجوحها ورحجت أنها في أوتار العشر الأواخر ~~لما ذكرته هنالك انتهى. قال في الحجة البالغة: إن ليلة القدر ليلتان: ~~إحداهما ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم وفيها نزل القرآن جملة واحدة ثم نزل ~~بعد ذلك نجما نجما وهي ليلة في السنة ولا يجب أن تكون في رمضان نعم رمضان ~~مظنة غالبة لها واتفق أنها كانت في رمضان عند نزول القرآن والثانية يكون ~~فيها نوع انتشار الروحانية ومجيء الملائكة إلى الأرض فيتفق المسلمون فيها ~~على الطاعات فيتعاكس أنوارهم فيما بينهم ويتقرب منهم الملائكة ويتباعد منهم ~~الشياطين ويستجاب منهم أدعيتهم وطاعاتهم وهي ليلة في كل رمضان في أوتار ~~العشر الأواخر تتقدم وتتأخر فيه ولا تخرج منها فمن قصد الأولى قال: هي في ~~كل سنة ومن قصد الثانية قال: هي في العشر الأواخر من رمضان1, وقال رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع ~~الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" وقال: "أريت هذه ~~الليلة ثم أنسيتها وقد رأيتني أسجد في ماء وطين" فكان ذلك في ليلة إحدى ~~وعشرين واختلاف الصحابة فيها مبني على اختلافهم في وجدانها, ومن أدعية من ~~وجدها: "اللهم إنك PageV01P240 # عفو تحب ms266 العفو فاعف عني". وفي المسوى اختلفوا في ليلة هي أرجى والأقوى ~~أنها ليلة في أوتار العشرة الأخيرة تتقدم وتتأخر وقول أبي سعيد إنها ليلة ~~إحدى وعشرين, وقال المزني وابن خزيمة إنها تنتقل كل سنة ليلة جمعا بين ~~الأخبار. قال في الروضة: وهو قوي ومذهب الشافعي أنها لا تلزم ليلة بعينها ~~وفي المنهاج ميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والثالث والعشرين وعن أبي ~~حنيفة أنها في رمضان لا يدرى أية ليلة هي وقد تتقدم وتتأخر وعندهما كذلك ~~إلا أنها متعينة لا تتقدم ولا تتأخر. ولا يخرج المعتكف إلا لحاجة لما ثبت ~~من حديث عائشة في الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أنه كان لا ~~يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفا" وأخرج أبو داود عنها قالت: ~~كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما ~~هو ولا يعرج يسأل عنه. وفي إسناده ليث بن أبي سليم. قال الحافظ: والصحيح عن ~~عائشة من فعلها أخرجه مسلم وغيره, وقال صح ذلك عن علي وأخرج أبو داود عن ~~عائشة أيضا قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا ~~يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه. "ولا اعتكاف إلا ~~بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع" وأخرجه أيضا النسائي وليس فيه قالت: ~~السنة. قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن اسحق لا يقول فيه قالت السنة وجزم ~~الدارقطني بأن القدر من حديث عائشة قولها: "لا يخرج" وما عداه ممن دونها1. ~~قال في المسوى: اتفق أهل العلم على أن المعتكف يخرج للغائط والبول ولا يفسد ~~به اعتكافه ولا يخرج للأكل والشرب ويجوز له غسل الرأس وترجيل الشعر وما في ~~معناه, وأكثرهم على أنه لا يجوز له الخروج لعيادة المريض وصلاة الجنازة إلا ~~أن يخرج لحاجة فيسأل المريض مارا وإن شرط في اعتكافه الخروج لشيء من هذا ~~جاز له أن يخرج عند الشافعي ولا يجوز عند أبي حنيفة كذا في ms267 شرح السنة. ~~PageV01P241 ### | كتاب الحج ### | مقدمة # ... # كتاب الحج # أقول: الحج في اللغة القصد فمعنى قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} ~~قصد البيت, والقصد لا إجمال فيه, وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ~~"خذوا عني مناسككم" فهو أمر بالاقتداء به في أفعاله وأقواله والأمر يفيد ~~الوجوب فتكون المناسك التي بينها صلى الله تعالى عليه وسلم واجبة ولا يخرج ~~عن الوجوب منها إلا ما خصه دليل, وأما كونه لا يصح الحج إلا بفعل جميع ~~المناسك أو يختل باختلال بعضها فلا دليل على ذلك لأن الذي يؤثر عدمه في ~~العدم هو الشرط لا الواجب وليس في أدلة مناسك الحج ما يفيد تأثير عدمه في ~~عدم الحج إلا الوقوف بعرفة ولا ريب أنه نسك من مناسك الحج يختص بمزية لا ~~توجد في غيره من المناسك لحديث: "الحج عرفة من أدرك عرفة فقد أدرك الحج" ~~أخرجه أحمد وأصحاب السنن والحاكم والبيهقي وابن حبان من حديث عبد الرحمن بن ~~نعيم الدؤلي, وأخرج من تقدم ذكره: من حديث عروة بن مضرس من صلى معنا هذه ~~الصلاة يعني صلاة يوم النحر وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أونهارا فقد تم حجه ~~وقضى تفثه. وصحح هذا الحديث جماعة من الحفاظ كالحاكم والدارقطني وابن ~~العربي وفي رواية من حديث عبد الرحمن المذكور: "من جاء عرفة قبل أن يطلع ~~الفجر فقد أدرك الحج" وفي رواية لأبي نعيم: "ومن لم يدرك جمعا فلا حج له" ~~فهذه الروايات تدل على أن الوقوف بعرفة ركن من الأركان التي لا يتم الحج ~~بدونها, وههنا بحث وهو أن الاستدلال ببعض أفعاله على الوجوب وبعضها على ~~الندب تحكم وكذلك القول بأن بعضها نسك وبعضها غير نسك, والظاهر أن جميع ~~أفعاله الصادرة عنه في حجته مناسك لأنه لم يتبين لنا أن النسك هو هذا الفعل ~~دون هذا ولكن لا بد أن تكون الأفعال مقصودة لذاتها كالإحرام والوقوف بعرفة ~~والطواف والسعي ورمي الجمار لا ما كان غير مقصود لذاته كالمبيت بمنى ليالي ~~الرمي أو كان بسبب غير الحج كجمع ms268 الصلاتين في مزدلفة ونحو ذلك, وقد زعم # PageV01P242 # الجلال في ضوء النهار أن من زعم أن حجه صلى الله عليه وسلم مجمل بين ~~بفعله فقد أسرف في الجهل قال: لأن اسم الحج ومسماه ظاهران, ثم قال: إن تلك ~~التي فعلها صلى الله عليه وسلم إنما هي أفعال وهي لا تدل على الوجوب حتى ~~يعلم أنه فعلها على وجه الوجوب وإلا فالظاهر القربة فقط وهي لا تستلزم ~~الوجوب ولا الشرطية انتهى. ولعله لم يخطر بباله حال تحرير هذا البحث حديث: ~~"خذوا عني مناسككم" وهو حديث صحيح في مسلم وغيره ولا ريب أنه يفيد وجوب ~~مناسك الحج كما قدمنا. يجب على كل مكلف مستطيع لنص الكتاب العزيز: {ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وعليه إجماع الأمة. قالوا: الحج ~~فريضة محكمة يكفر جاحدها. وقالوا: الحر المكلف القادر إذا وجد الزاد ~~والراحلة وأمن الطريق يلزمه الحج كذا في المسوى. أقول: حديث تفسيره صلى ~~الله عليه وسلم للسبيل بالزاد والراحلة فيه مقال ولكنه قد روي من طريق ~~جماعة من الصحابة وفي جميع الطرق علل لا تمنع تقوية بعضها لبعض ويشد من ~~عضدها حديث: "من وجد زادا وراحلة" وهو مروي من طريق ثلاثة من الصحابة وفي ~~جميعها مقال. فالحاصل: أن مجموع ما ورد في تفسير السبيل بالزاد والراحلة ~~وترتيب الوجوب عليها ينتهض للاحتجاج به على ذلك فلا وجوب على من لم يجد ~~الراحلة كما أنه لا وجوب على من لم يجد الزاد ولا وجه لقصر السبيل على ~~الزاد والراحلة بل السلامة من المرض والأمن هما من السبيل, وكذلك المحرم ~~للمرأة لدلالة الدليل على ذلك ثم التحقيق أن الشروط تنقسم إلى قسمين: شرط ~~يتعلق بالفاعل وشرط يتعلق بالفعل فالأول يتوقف عليه تعلق الخطاب به والثاني ~~يتوقف عليه كونه مطلوبا من فاعله والأول أيضا هو الذي يقال له شرط الإيجاب ~~وشرط الطلب والثاني: هو الذي يقال له شرط الواجب وشرط المطلوب, وإيضاح هذا ~~أن التكليف والإسلام والحرية شروط متعلقة بالفاعل والزاد والراحلة والأمن ~~والمحرم شروط متعلقة ms269 بالفعل, فجعل بعض شروط الفعل للوجوب وبعضها للأداء غير ~~موافق لعقل ولا نقل, وأنت خبير بأن المرأة منهية عن السفر بدون محرم كما ~~ثبت النهي عن ذلك في الصحيح ولم يثبت النهي عن الحج لمن لم يجد الراحلة ~~مثلا بل كان الإيجاب متعلقا بوجودها, وهذا يقتضي أن تحصيل المحرم أهم من ~~تحصيل الراحلة؛ لأن السفر بدون محرم حرام كما يقتضيه النهي يحقيقته وكما ~~يقتضيه لفظ: # PageV01P243 # "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام أو يوما أو ~~ليلة أو بريدا بدون محرم" على اختلاف الروايات ولم يرد ما يدل على تحريم ~~السفر بدون الراحلة فإيجاب الوصية بالحج على من ماتت ولها زاد وراحلة وليس ~~لها محرم دون من ماتت ولها زاد ومحرم وليس لها راحلة ليس بمناسب فإن فاقدة ~~المحرم لم تستطع إلى الحج سبيلا كفاقدة الراحلة وزيادة, ومعنى كون الشيء ~~شرطا لتأدية شيء آخر أن التأدية بدونه لا تصح, وهذا يعود إلى شرط الصحة وهم ~~لا يريدون هذا بل معنى شرط الأداء عندهم أن يكون المكلف قد كملت له شروط ~~الصحة والوجوب ولم يبق إلا التأدية وهي مشروطة بشرط وهذا اصطلاح قليل ~~الثمرة غاية ما فيه أن من مات وقد كملت له شروط الصحة والوجوب ولم يبق إلا ~~شرط الأداء وجب عليه الإيصاء بالحج وقد تقدم ما هو الحق في ذلك. فورا لحديث ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "تعجلوا إلى الحج فإن ~~أحدكم ما يدري ما يعرض له" أخرجه أحمد وأخرج أحمد أيضا وابن ماجه من حديث ~~ابن عباس عن الفضل أو أحدهما عن الآخر. قال: قال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة ~~وتعرض الحاجة" وفي إسناده إسماعيل بن خليفة العبسي أبو إسرائيل وهو صدوق ~~ضعيف الحفظ, وأخرج أحمد وأبو يعلى وسعيد بن منصور والبيهقي من حديث أبي ~~أمامة مرفوعا: "من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة ms270 أو سلطان جائر ~~فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا" وفي إسناده ليث بن أبي سليم ~~وشريك وفيهما ضعف. وأخرجه الترمذي من حديث علي مرفوعا: من ملك زادا وراحلة ~~تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت نصرانيا أو يهوديا, وذلك لأن ~~الله تعالى قال في كتابه: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} ~~قال الترمذي غريب وفي إسناده مقال والحديث يضعف وهلال بن عبد الله الراوي ~~له عن أبي إسحق مجهول, وقال العقيلي: لا يتابع عليه, وقد روي من طريق ثالثة ~~من حديث أبي هريرة عند ابن عدي بنحوه وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن ~~قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا ~~كل من كان له جدة ولم يحج # PageV01P244 # فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. وأخرجه أيضا البيهقي, ~~وقد ذهب إلى القول بالفور مالك وأبو حنيفة وأحمد وبعض أصحاب الشافعي, وقال ~~الشافعي والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد إنه على التراخي. قال في حجة الله ~~البالغة تحت قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "من ملك زادا وراحلة الخ". ~~أقول: ترك ركن من أركان الإسلام يشبه بالخروج عن الملة وإنما شبه تارك الحج ~~باليهودي والنصراني وتارك الصلاة بالمشرك لأن اليهود والنصارى يصلون ولا ~~يحجون ومشركو العرب يحجون ولا يصلون, والمصلحة المرعية في الحج أعلاه كلمة ~~الله وموافقة سنة إبراهيم عليه السلام وتذكر نعمة الله عليه انتهى. وفي بعض ~~النسخ المتن وذلك العمرة وما زاد فهو نافلة وفي حديث أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما ~~بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". قلت: الحج المبرور هو الذي ~~لا يخالطه شيء من المأثم, وفي تنبيه الغافلين للشيخ محي الدين بن إبراهيم ~~النحاس في ذكر منكرات الحجاج وأعظمها فتنة وأجلها مصيبة وأكثرها وجودا ~~وبلية هو تضييع أكثرهم الصلاة في الحج وكثير منهم لا يتركونها بل ms271 يضيعون ~~أوقاتها ويجمعونها على غير الوجه الشرعي, وذلك حرام بالإجماع ومن تحقق أن ~~ذلك نصيبه في حجه حرم عليه الحج رجلا كان أو امرأة. قال ابن الحاج: وقد قال ~~علماؤنا في المكلف: إذا علم أنه تفوته الصلاة الواحدة إذا خرج إلى الحج فقد ~~سقط الحج عنه, وقد سئل مالك في الذي يركب البحر ولا يجد موضعا يسجد فيه إلا ~~على ظهر أخيه أيجوز له الحج؟ فقال رح: أيركب حيث لا يصلي ويل لمن ترك ~~الصلاة ويل له. وأما النساء فلا يمكن إحداهن الصلاة في وقتها المشروع إلا ~~في النادر الذي لا حكم له وسبب هذا المنكر العظيم أمراء الحاج وتهاونهم في ~~الإنكار. وخوف المصلي من فوات الرفقة ومشقة اللحوق بهم فالواجب على الأمراء ~~أن يقفوا بالحج في أوقات الصلاة إذا دخلت عليهم وهم مسافرون ويتفقدون من لم ~~يصل من الجمالين وغيرهم ويشددون عليهم في أمر الصلاة ويمنعون من يتقدم منهم ~~قبل الصلاة فإن لم يفعلوا كان إثم من ترك الصلاة كذلك في أعناقهم ومن تركها ~~تهاونا وكسلا ولم # PageV01P245 # يعلموا به فإثمه في عنق نفسه وحكمه مذكور في كتب الفقه انتهى حاصله1. # فصل "ويجب تعيين نوع الحج بالنية" لأن المناسك على ما استفاض من الصحابة ~~والتابعين وسائر المسلمين أربعة: حج مفرد وعمرة مفردة وتمتع وقران. "من ~~تمتع" وهو أن يحرم الآفاقي بالعمرة في أشهر الحج فيدخل مكة ويتم عمرته ~~ويخرج من إحرامه ثم يبقى حلالا حتى يحج وعليه أن يذبح ما استيسر من الهدي. ~~أو قران وهو أن يحرم الآفاقي بالحج والعمرة معا ثم يدخل مكة وبيقي على ~~إحرامه حتى يفرغ من أفعال الحج وعليه أن يطوف طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا ~~في قوله وطوافين وسعيين ثم يذبح ما استيسر من الهدي فإذا أراد أن ينفر من ~~مكة طاف للوداع. أو إفراد أي حج مفرد أو عمرة مفردة فالحج لحاضر مكة أن ~~يحرم منها ويجتنب في الإحرام الجماع ودواعيه والحلق وتقليم الأظفار ولبس ~~المخيط وتغطية الرأس والتطيب والصيد ويجتنب النكاح على ms272 قول ثم يخرج إلى ~~عرفات ويكون فيها عشية عرفة ثم يرجع منها بعد غروب الشمس ويبيت بمزدلفة ~~ويدفع منها قبل شروق الشمس فيأتي منى ويرمي العقبة الكبرى ويهدي إن كان معه ~~ويحلق أو يقصر ثم يطوف للإفاضة في أيام منى ويسعى بين الصفا والمروة, ~~وللآفاقي أن يحرم من ميقات فإن دخل مكة قبل الوقوف طاف للقدوم ورمل فيه ~~وسعى بين الصفا والمروة ثم بقي على إحرامه حتى يقوم بعرفة ويرمي ويحلق ~~ويطوف ولا رمل ولا سعي حينئذ والعمرة أن يحرم من الحل فإن كان آفاقيا فمن ~~الميقات فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر. وبالجملة: فتعيين نوع الحج بالنية لما ~~تقدم في الوضوء, وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ~~ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل". قالت: وأهل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالحج وأهل به ناس معه وأهل معه ناس بالعمرة والحج ~~وأهل ناس بعمرة وكنت فيمن أهل بعمرة. وفي البخاري من حديث جابر: أن إهلال ~~النبي صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته. وفي ~~PageV01P246 # الصحيحين من حديث ابن عمر قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها علي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند ~~المسجد. يعني مسجد ذي الحليفة وقد وقع الخلاف في المحل الذي أهل منه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حسب اختلاف الرواة فمنهم من روى أنه أهل من المسجد ~~ومنهم من روى أنه أهل حين استقلت به راحلته, ومنهم من روى أنه أهل لما علا ~~شرف البيداء. وقد جمع بين ذلك ابن عباس فقال: إنه أهل في جميع هذه المواضع ~~فنقل كل راو ما سمع. قال في الحجة البالغة: وبين ابن عباس أن الناس كانوا ~~أتونه أرسالا فأخبر كل احد بما رآه والأول أي التمتع "أفضلها". # أي ms273 الأنواع الثلاثة. واعلم أن هذه المسألة قد طال فيها النزاع واضطربت ~~فيها الأقوال فمنهم من قال بأن أفضل الأنواع القران لكونه صلى الله عليه ~~وسلم حج قرانا على ما هو الصحيح, وإن كان قد ورد ما يدل على أنه حج إفرادا ~~لكن الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق عديدة مصرحة بأنه ~~أهل بحج وعمرة فلو لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن غير ما ~~فعله أفضل مما فعله لكان القران أفضل الأنواع, لكنه ورد ما يدل على ذلك, ~~ففي الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"يأيها الناس أحلوا فلولا الهدي معي فعلت كما فعلتم". قال: فأحللنا حتى ~~وطئنا النساء, وفعلنا كما يفعل الحلال حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة ~~بظهر أهللنا بالحج. وثبت مثل ذلك في حديث جماعة من الصحابة بألفاظ منها: ~~"لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة". وقد ذهب إلى ~~هذا جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كمالك وأحمد وهو الحق لأنه لم ~~يعارض هذه الأدلة معارض, وقد أوضح فيها صلى الله عليه وسلم أن نوع التمتع ~~أفضل من النوع الذي فعله وهو القران وقد أوضح الماتن حجج الأقوال واحتج به ~~كل فريق في شرح المنتقى, والعبد الضعيف في شرح بلوغ المرام وكذلك أوضح ~~الماتن فيه أن حجه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان قرانا. أقول: قد روى ~~الفسخ عنه صلى الله عليه وسلم أربعة عشر رجلا من الصحابة. وأما قول أبي ذر ~~فليس بحجة على أحد لأنه رأي صحابي فيما للاجتهاد فيه مسرح. والحاصل: أن هذا ~~البحث يطول الكلام عليه جدا فمن رام العثور على الصواب فعليه بشرح المنتقى ~~أو بالهدي # PageV01P247 # النبوي للحافظ ابن القيم رح. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: أفتى صلى ~~الله عليه وسلم بجواز فسخهم الحج إلى العمرة ثم أفتاهم باستحبابه ثم أفتاهم ~~بفعله حتما ولم ينسخه شيء بعده وهو الذي ندين الله به أن ms274 القول بوجوبه أقوى ~~وأصح من القول بالمنع منه, وقد صح عنه صحة لا شك فيها أنه قال: "من لم يكن ~~أهدى فليهل بعمرة ومن أهدى فليهل بحج ثم مع عمرة". وأما ما فعله هو فإنه صح ~~عنه أنه قرن بين الحج والعمرة من بضع وعشرين رواية عند ستة وعشرين نفسا من ~~أصحابه ففعل القران وأمر بفعله من ساق الهدي وأمر بفسخه إلى التمتع من لم ~~يسق الهدي, وهذا من فعله وقوله كأنه رأي عين وبالله التوفيق. فإن قيل كيف ~~وقع اختلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم في صفة حجته صلى الله عليه ~~وسلم وهي حجة واحدة وكل واحد منهم يخبر عن مشاهدة في قصة واحدة. قلت: قال ~~القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث فمن مجد منصف ومن مقصر ~~متكلف ومن مطيل مكثر ومن مقتصر مختصر. قال: وأوسعهم في ذلك نفسا أبو جعفر ~~الطحاوي الحنفي فإنه تكلم في ذلك في زيادة على ألف ورقة وتكلم معه في ذلك ~~أيضا أبو جعفر الطبري ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة ثم المهلب والقاضي أبو ~~عبد الله بن المرابط والقاضي أبو الحسن بن القصار البغدادي والحافظ أبو عمر ~~بن عبد البر وغيرهم. قال القاضي عياض: وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه ~~من كلامهم واخترناه من اختياراتهم مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق ~~الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ~~ليدل على جواز جميعها ولو أمر بواحد لكان غيره يظن أنه لا يجزئ فأضيف ~~الجميع عليه وأخبر كل واحد بما أمره به وأباحه له ونسبه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم إما لأمره وإما لتأويله عليه انتهى. أقول: إنما ذكر المختلفون في ~~أفضل الأنواع نوع حجته صلى الله عليه وسلم يقولون إن النوع الذي اختاره صلى ~~الله عليه وسلم لنفسه لا يكون إلا فاضلا ولا سيما والتلبية كانت عن وحي من ~~الله عز وجل كما في حديث: أنه نزل جبريل فقال: "قل ms275 لبيك بحجة وعمرة" وقد ~~اختلف في نوع حجته صلى الله عليه وسلم والحق أنها قران كما قرر الماتن ذلك ~~في شرح المنتقى ولكنه قال بعد ذلك: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت ~~الهدي ولجعلتها عمرة" يعني كما فعل أصحابه صلى الله عليه وسلم عن أمره, ~~وهذا الحديث متفق على صحته كما تقدم فدل على أن التمتع # PageV01P248 # أفضل من القران بلا ريب. ولا اعتبارا بقول من قال: أنه صلى الله عليه ~~وسلم إنما قال ذلك تطييبا لقلوب أصحابه حيث حجوا تمتعا لعدم الهدي لأن ~~المقام مقام تشريع لا مقام جبر خواطر وتطييب قلوب, فالحق أن التمتع أفضل. ~~وأما أنه متعين لا يجوز غيره كما رحجه ابن القيم رح وأطال الكلام في تقريره ~~فلا. قال في التكميل: اختلفوا في نسك النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~مفردا للحج أو قارنا أو متمتعا سائقا الهدي ووجه التطبيق أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين جمع الناس وخرج من المدينة المنورة إلى مكة المعظمة كان لا ~~ينوي إلا الحج فلما بات بذي الحليفة في العقيق أمر بالقران فقال: "لبيك ~~بحجة وعمرة" فلما دخل مكة وتذكر جهالة العرب أن العمرة في أشهر الحج من ~~أفجر الفجور وعرف أنه في آخر عمره ولا يعيش إلى قابل أراد رد هذا الوهم ~~بأبلغ وجه, فأمر الناس بفسخ إحرام الحج وجعله عمرة وقال: "لو استقبلت من ~~أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وأحللت مع الناس كما حلوا" فكان مفردا بحسب ~~ابتداء النية والشهرة وقارنا بحسب تلبيته من العقيق حيث أمر: "صل في هذا ~~الوادي المبارك وقل عمرة في حجة", وكان متمتعا سائق الهدي بحسب الهم ~~والرغبة, ولم ينقل تجديد الإحرام للحج يوم التروية نعم عرف تجديد التلبية ~~عند إنشاء السفر إلى عرفة من منى فكان قارنا حقيقة مفردا في أول الأمر ~~متمتعا في آخره انتهى. قال في المسوى: والتحقيق في هذه المسألة أن الصحابة ~~لم يختلفوا في حكاية ما شاهدوه من أفعال النبي صلى الله عليه ms276 وسلم من أنه ~~أحرم من ذي الحليفة وطاف أول ما قدم وسعى بين الصفا والمروة ثم خرج يوم ~~التروية إلى منى ثم وقف بعرفات ثم بات بمزدلفة ووقف بالمشعر الحرام ثم رجع ~~إلى منى ورمى ونحر وحلق ثم طاف طواف الزيارة ثم رمى الجمار في الأيام ~~الثلاثة, وإنما اختلفوا في التعبير عما فعل باجتهادهم وآرائهم فقال بعضهم: ~~كان ذلك حجا مفردا وكان الطواف الأول للقدوم والسعي لأجل الحج وكان بقاؤه ~~على الإحرام لأنه قصد الحج, وقال بعضهم: كان ذلك تمتعا بسوق الهدي وكان ~~الطواف الأول للعمرة كأنهم سمعوا طواف القدوم والسعي بعد عمرة وإن كان للحج ~~وكان بقاؤه على الإحرام لأنه كان متمتعا بسوق الهدي. وقال بعضهم: كان ذلك ~~قرانا والقران لا يحتاج إلى طوافين وسعيين. وهذا # PageV01P249 # الاختلاف سبيه سبيل الاختلاف في الاجتهادات. أما أنه سعى تارة أخرى بعد ~~طواف الزيارة سواء قيل بالتمتع أو القران فإنه لم يثبت في الروايات ~~المشهورة بل ثبت عن جابر أنه لم يسع بعده انتهى. قال النووي في شرح صحيح ~~مسلم: وأما إحرامه صلى الله عليه وسلم بنفسه فأخذ بالأفضل فأحرم مفردا للحج ~~وبه تظاهرت الروايات الصحيحة. وأما الروايات بأنه كان متمتعا فمعناها أمر ~~بت. وأما الروايات بأنه كان قارنا فإخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء ~~إحرامه بل إخبار عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل من حجهم وقلبه إلى عمرة ~~لمخالفة الجاهلية إلا من كان معه هدي وكان هو صلى الله عليه وسلم ومن معه ~~هدي في آخر إحرامهم قارنين يعني أنهم أدخلوا العمرة على الحج وفعل ذلك ~~مواساة لأصحابه وتأنيسا لهم في فعلها في أشهر الحج لكونها كانت منكرة عندهم ~~في أشهر الحج ولم يمكنه التحلل معهم بسبب الهدي واعتذر إليهم بذلك في ترك ~~مواساتهم فصار النبي صلى الله عليه وسلم قارنا في آخر أمره, وقد اتفق جمهور ~~العلماء على جواز إدخال الحج على العمرة وشذ بعض الناس فمنعه انتهى. "ويكون ~~الإحرام" وهو في الحج والعمرة بمنزلة التكبير في الصلاة فيه تصوير ms277 الإخلاص ~~والتعظيم وضبط عزيمة الحج بفعل ظاهر وفيه جعل النفس متذللة خاشعة لله بترك ~~الملاذ والعادات المألوفة وأنواع التجمل وفيه تحقيق معاناة التعب والتشعث ~~والتغير لله. # أقول: وليس في إيجاب الإحرام على غير من دخل لأحد النسكين دليل. أما ~~الآية أعني قول تعالى: {إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم} وقد ~~علم أنه لا إحرام إلا لأحد النسكين, ثم أخبرهم بإباحة الصيد لهم إذا حلوا. ~~وأما قول ابن عباس فاجتهاد منه وليس ذلك من الحجة في شيء والمقام مقام ~~اجتهاد ولهذا خالفه ابن عمر فجاوز الميقات غير محرم. كما روى ذلك عنه مالك ~~في الموطإ وقد كان المسلمون في عصره صلى الله عليه وسلم يختلفون إلى مكة ~~لحوائجهم ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم بإحرام كقصة الحجاج ابن علاط, وكذلك ~~قصة أبي قتادة لما عقر حمار الوحش داخل الميقات وهو حلال وقد كان أرسله ~~لغرض قبل الحج فجاوز الميقات غير مريد للحج ولا للعمرة والبراءة الأصلية ~~مستصحبة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح يجب العمل بت, وقد ذهب إلى جواز ~~المجاوزة من غير # PageV01P250 # إحرام لغير الحاج والمعتمر ابن عمر والشافعي في أخير قوليه. وأما إيجاب ~~الدم على من جاوز معللا ذلك بأنه ترك نسكا ففاسد فإن الإحرام ليس بنسك لغير ~~من أراد الحج أو العمرة على أنه لم يثبت عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ~~قال: من ترك نسكا فعليه دم, وإنما روي ذلك عن ابن عباس كما في الموطأ. "من ~~المواقيت المعروفة" لحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما قال: وقت رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأهل المدنية ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ~~ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم. قال: "فهن لهن ولمن أتى عليهن من ~~غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة" وفائدة التأقيت المنع عن تأخير ~~الإحرام فلو قدم عليها جاز. أقول: قال قوم أن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم لم يوقت لأهل العراق ذات عرق وإنما وقته ms278 عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه. قلت: قد ذهب إلى هذا طاوس ورواه أحمد بن حنبل عن ابن عباس وإليه ~~ذهب جماعة من الشافعية كالغزالي والرافعي والنووي وغير هؤلاء ووجه ذلك ما ~~قاله ابن خزيمة وابن المنذر من أنه لم يصح أنه قال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: وقت ذات عرق لأهل العراق في حديث صحيح. قال الحافظ في الفتح: لعل من ~~قال إنه غير منصوص لم يبغله أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق من طرقه ~~لا تخلو عن مقال لكن الحديث بمجموع طرقه يقوى انتهى. وقد ذكر الماتن رح في ~~شرح المنتقى من روى حديث توقيت ذات عرق لأهل العراق من الصحابة ومجموع ما ~~رووه لا يخرج عن حد الحسن لغيره وهو مما تقوم به الحجة. "ومن كان دونها ~~فمهله" من "أهله" وكذلك "حتى أهل مكة" يهلون "منها" ومثله في الصحيحين أيضا ~~من حديث ابن عمر وفي رواية من حديثه لأحمد أنه قاس الناس ذات عرق بقرن, وفي ~~البخاري من حديثه أن عمر قال لأهل البصرة والكوفة: انظروا حذو قرن من ~~طريقكم قال: فحد لهم ذات عرق. في المسوى وميقات المكي للحج جوف مكة وللعمرة ~~الحل في العالمكيرية والتنعيم أفضل. وفي المنهاج أفضل بقاع الحل الجعران1 ~~PageV01P251 # ثم التنعيم ثم الحديبية. وأما الغسل للإحرام ففيه حديث خارجة بن زيد حسنه ~~الترمذي وضعفه العقيلي, وأما حديث جابر في ولادة أسماء وغسلها فهو صحيح ~~ولكنه قد قيل إن أمرها بذلك ليس للإحرام بل لقذر النفاس وكذلك أمره للحائض ~~وقد أخرج الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم اغتسل ولبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين ثم أحرم بالحج. وفي ~~إسناده يعقوب بن عطاء وهو ضعيف, والحديث محتمل فيمكن أن يكون الغسل للإحرام ~~ويمكن أن يكون لغيره كإذهاب وعثاء السفر أو التبرد أو نحوهما, ولم يثبت أنه ~~صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من الناس أن يغتسل للإحرام إلا ما وقع منه ~~الأمر للحائض ms279 والنفساء دون غيرهما فدل ذلك على أن اغتسالهما للقذر ولو كان ~~للإحرام لكان غيرهما أولى بذلك منهما فمع الاحتمال في فعله وعدم صدور الأمر ~~منه لا تثبت المشروعية أصلا, وأما إزالة التفث1 قبل الإحرام فلم يرد في هذا ~~شيء يصلح لإثبات مثل هذا الحكم الشرعي وهو الاستحباب, وأما ما قيل من أنه ~~يقاس على تطييبه صلى الله عليه وسلم فقياس فاسد ولا سيما وقد ورد عنه صلى ~~الله عليه وسلم الإرشاد إلى ترك الشعر والبشر بعد رؤية هلال ذي الحجة لمن ~~أراد أن يضحي كما في صحيح مسلم وسائر السنن من حديث أم سلمة, والحاج أولى ~~بهذه السنة من غيره لأنه في شغل شاغل عن ذلك وقد أخرج الترمذي من حديث ابن ~~عمر أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: من الحاج يا رسول الله؟ قال: ~~"الشعث التفل" وقد كان ابن عمر إذا أفطر من رمضان وهو عازم على الحج في ذلك ~~العام لم يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئا حتى يحج كما في الموطإ. والحاصل: ~~أن التساهل في الأحكام الشرعية بلا دليل بل إثبات ما قام الدليل على خلافه ~~ليس من دأب أهل الإنصاف. # فصل ولا يلبس المحرم القميص الفرق بين المخيط وما في معناه وبين غير ذلك ~~أن الأول ارتفاق وتجمل وزينة والثاني ستر عورة وترك الأول تواضع لله وترك ~~الثاني سوء أدب كذا في الحجة. "ولا العمامة ولا البرنس ولا PageV01P252 # السراويل ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين ~~فيقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين ~~وما مسه الورس والزعفران" لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما قال: سئل رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما يلبس المحرم؟ فقال: "لا يلبس المحرم ~~القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوبا مسه ورس1 ولا زعفران ~~ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" قال ~~القاضي عياض: أجمع المسلمون على ms280 أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم, ~~وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ~~لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل" وفي الصحيحين ~~نحوه من حديث ابن عباس, وأخرج أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصححه من ~~حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنتقب المرأة المحرمة ~~ولا تلبس القفازين" زاد أبو داود والحاكم والبيهقي: "وما مس الورس ~~والزعفران من الثياب". والقفاز بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي ما ~~تلبسه المرأة في يدها فتغطي أصابعها وكفها عند معاناة شيء. "ولا يطيب ~~ابتداء" ويجوز له أن يستمر على الطيب الذي كان على بدنه قبل الإحرام فذلك ~~هو الراجح جمعا بين الأدلة, وقد أوضح الماتن ذلك في شرح المنتقى وحاشية ~~الشفاء وغيرهما. قال صاحب سبل السلام في منسكه: ولما أراد الإحرام اغتسل ~~لإحرامه ثم طيبته عائشة بذريرة وطيب فيه مسك في يديه ورأسه حتى كان وبيص2 ~~المسك يرى في مفارقه ولحيته صلى الله عليه وسلم ثم استدامه ولم يغسله ~~انتهى. "ولا يأخذ من شعره وبشره إلا لعذر" لحديث كعب بن عجرة في الصحيحين ~~وغيرهما قال: كان بي أذى من رأسي فحملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~والقمل يتناثر على وجهي فقال: "ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى أتجد ~~شاة"؟. قلت: لا. فنزلت الآية: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} . قال: هو ~~صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعاما لكل مسكين. وقد ~~تقدم الكلام على إزالة التفث فليراجع. "ولا يرفث PageV01P253 # ولا يفسق ولا يجادل" لنص القرآن الكريم: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في ~~الحج} وهذه الأمور لا تحل للحلال ولكنها مع الإحرام أغلظ, وأخرج الشيخان من ~~حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من حج ولم ~~يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه". قال الحافظ المنذري: الرفث ms281 ~~يطلق ويراد به الجماع ويطلق ويراد به الفحشاء ويطلق ويراد به خطاب الرجل ~~المرأة فيما يتعلق به الجماع. وقد نقل معنى هذا الحديث كل واحد من هذه ~~الثلاثة عن جماعة من العلماء. قلت: فيحرم الجميع. وقال مالك: الرفث إصابة ~~النساء. والله تعالى أعلم قال الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم} والفسوق الذبح للأنصاب والله تعالى أعلم قال تعالى: {أو فسقا أهل ~~لغير الله به} والجدال في الحج أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام ~~بالمزدلفة بقزح وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة فكانوا يتجادلون يقول هؤلاء ~~نحن أصوب ويقول هؤلاء نحن أصوب, فقال الله تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم} فهذا ~~الجدال في الحج فيما ترى والله تعالى أعلم. وأما فساد الحج بالجماع قبل ~~الوقوف بعرفة فإن كان الدليل على هذا الفساد أقوال الصحابة فمع كون ~~الروايات عنهم إنما هي بطريق البلاغ كما ذكره مالك في الموطإ وليس ذلك بحجة ~~لو كان في المرفوع فضلا عن الموقوف, فقد عرفت غير مرة أن قول الصحابي ليس ~~بحجة إنما الحجة في إجماعهم عند من يقول بحجية الإجماع. وأما الاستدلال على ~~ذلك بما أخرجه أبو داود في المراسيل بإسناد رجاله ثقات أن رجلا جامع امرأته ~~وهما محرمان فسألا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اقضيا نسككما واهديا ~~هديا" فالمرسل لا حجة فيه على ما هو الحق. وأما الاستدلال بقوله تعالى: ~~{فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} فعلى تسليم أن الرفث هو الجماع غاية ~~ما يدل عليه المنع منه لا أنه يفسد الحج وإلا لزم في الجدال أنه يفسد الحج ~~ولا قائل بذلك, والمروي في هذا الحديث المرسل هو إيجاب الهدي عليهما والهدي ~~يصدق على الشاة والبقرة والبدنة ولا وجه لإيجاب أشد # PageV01P254 # ما يطلق عليه اسم الهدي. ولا حجة فيما رواه في الموطإ عن ابن عباس: أنه ~~سئل عن رجل واقع أهله وهو بمنى قبل أن يفيض فأمره ms282 أن ينحر بدنة. ولا يصح ~~تقييد المطلق به ولا تفسير المجمل. فالحاصل: أن البراءة الأصلية مستصحبة ~~ولا ينقل عنها إلا ناقل صحيح تقوم به الحجة وليس ههنا ما هو كذلك فمن وطئ ~~قبل الوقوف أو بعده قبل الرمي أو قبل طواف الزيارة فهو عاص يستحق العقوبة ~~وتغفر له بالتوبة, ولا يبطل حجه ولا يلزمه شيء ومن زعم غير هذا فعليه ~~الدليل المرضي فليس بين أحد وبين الحق عداوة. "ولا ينكح ولا ينكح ولا ~~يخطب1" لحديث عثمان الثابت في مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لا ينكح المحرم ولاينكح ولا يخطب" وفي الباب أحاديث. وأما ما في ~~الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم. فقد ~~عارضه ما في صحيح مسلم وغيره من حديث ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تزوجها وهو حلال, وما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه من حديث أبي رافع أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالا. وكان أبو رافع السفير بين رسول ~~الله صلى الله وسلم عليه وبين ميمونة وهما أعرف بذلك, وعلى فرض صحة خبر ابن ~~عباس ومطابقته للواقع فلا يعارض الأحاديث المصرحة بالنهي بل يكون هذا خاصا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم كما قرر الماتن في مؤلفاته أن فعله صلى الله ~~عليه وسلم إذا خالف ما أمر الأمة به أو نهاهم عنه يكون مختصا به. قال في ~~الحجة البالغة: اختار أهل الحجاز من الصحابة والتابعين والفقهاء أن السنة ~~للمحرم أن لا ينكح ولا ينكح, واختار أهل العراق بأنه يجوز له ذلك. ولا يخفى ~~عليك أن الأخذ بالاحتياط أفضل. وعلى الأول السر فيه أن النكاح من ~~الارتفاقات المطلوبة أكثر من الصيد ولا يقاس الإنشاء على الإبقاء لأن الفرح ~~والطرب إنما يكون في الابتداء ولذلك يضرب بالعروس المثل في هذا الباب دون ~~البقاء انتهى. "ولا يقتل صيدا" فإن الله تعالى حرم على المحرم صيد البر ~~مادام حرما والمراد من الصيد عند الشافعي كل صيد مأكول بري ms283 فذبح الأنعام ~~ليس منه وكذا ما ليس بمأكول وكذا الصيد البحري وعند أبي حنيفة غير المأكول ~~قد يكون صيدا. "ومن قتله فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل" ~~PageV01P255 # لما ورد بذلك القرآن الكريم: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ~~ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله ~~عزيز ذو انتقام} أقول ههنا أمران: أهدهما اعتبار المماثلة الثاني حكم ~~العدلين وظاهره أن العدلين إذا حكما بغير المماثل لم يلزم حكمهما لأنه قال ~~يحكم به أي بالمماثل وحق العدالة أن لا يقع من صاحبها الحكم بغير المماثل ~~إلا لغلط أو طرو شبهة بأن المعتبر في المماثلة هو هذا الوصف دون هذا الوصف ~~والواقع بخلافه ثم الظاهر أن العدلين إذا حكما بحكم في السلف لا يكون ذلك ~~الحكم لازما للخلف بل تحكيم العدلين ثابت عند كل حادثة تحدث في قتل الصيد, ~~إذا تقرر لك هذا فاعلم أن جعل الظبي مشبها بالشاة دون التيس مخالف للمشاهد ~~المحسوس فإن الظبي يشبه التيس في غالب ذاته وصفاته ولا مشابهة بينه وبين ~~الشاة في غالب ذاته وصفاته, وكذلك الحمامة فإنها لا تشبه الشاة في شيء من ~~الأوصاف وكذلك سائر الطيور ليس بمشابه للشاة في شيء وإذا صح عن بعض السلف ~~أنه حكم في شيء منها بشاة فذلك غير لازم لنا لما عرفت من أن حكم العدلين لا ~~بد أن يكون بالمثل كما صرح به القرآن الكريم. "ولا يأكل ما صاده غيره" ~~لحديث الصعب بن جثامة في الصحيحين وغيرهما أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان1 فرده عليه فلما رأى في وجهه ~~قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" وأخرج مسلم نحوه من حديث زيد بن أرقم ~~وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم ms284 أكل ~~من صيده الذي صاده وهو حلال وكان النبي صلى الله عليه وسلم محرما فأكل عضد ~~حمار الوحش الذي صاده. وجمع بين حديث الصعب وحديث أبي قتادة المتفق عليه ~~بأنه صلى الله عليه وسلم إنما امتنع من أكل صيد الصعب لكونه صاده لأجله ~~وأكل من صيد أبي قتادة لكونه لم يصده لأجله, فلو كان صيد الحلال حراما على ~~المحرم لما أكل منه صلى الله عليه وسلم. وقرر الصحابة على الأكل منه فهذا ~~يدل على جواز أكل المحرم لصيد الحلال ويدل على ذلك أيضا PageV01P256 # حديث جابر عند أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني ~~والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ~~ما لم تصيدوه أو يصد لكم" وهذا الحديث وإن كان فيه مقال فهو لا يقدح في ~~انتهاضه للاستدلال وهو نص في الفرق باعتبار القصد وعدمه. إلا إذا كان ~~الصائد حلالا ولم يصده لأجله ولا بد من ضبط الصيد فإن الإنسان قد يقتل ما ~~يريد أكله وقد يقتل ما لا يريد أكله وإنما يريد به التمرن بالاصطياد وقد ~~يقتل ويريد أن يدفع شره عنه أو عن أبناء جنسه وقد يذبح بهمية الأنعام فأيها ~~الصيد؟ أخبر صلى الله عليه وسلم أن المحرم منه ما صاده المحرم أو صيد لأجله ~~وما لم يكن كذلك فإنه حلال كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ~~جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صيد البر حلال لكم ما لم ~~تصيدوه أو يصاد لكم" وفي لفظ: "أو يصد لكم" فما ورد من الأحاديث في ذلك ~~تحريا وتحليلا حمل على ذلك التفصيل. "ولا يعضد1 من شجر الحرم إلا الإذخر2" ~~لحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرام لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه3 ولا ينفر ~~صيده ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف" قال العباس: إلا الإذخر فإنه لا بد لهم ~~منه فإنه للقيون4 والبيوت ms285 فقال: "إلا الإذخر" وأخرجا نحوه أيضا من حديث أبي ~~هريرة. "ويجوز له قتل الفواسق الخمس" لحد يث عائشة في الصحيحين وغيرهما ~~قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: ~~الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور. وفي الصحيحين أيضا من حديث ~~ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس من الدواب ليس في ~~قتلهن جناح" وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر زيادة: "الحية" وكذلك في حديث ~~ابن عباس عند أحمد بإسناد فيه ليث ابن أبي سليم. قال البغوي PageV01P257 # اتفق أهل العلم على أنه يجوز للمحرم قتل هذه الأعيان المذكورة في الخبر ~~ولا شيء عليه في قتلها, وقاس الشافعي عليها كل حيوان لا يؤكل لحمه فقال: لا ~~فدية على من قتلها في الإحرام أو الحرم. وصيد حرم المدينة وشجره كحرم مكة ~~لحديث علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المدينة حرم ما بين عير ~~إلى ثور" وهو في الصحيحين وغيرهما, وفي الصحيحين أيضا حديث عباد بن تميم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وإني حرمت ~~المدينة كما حرم إبراهيم مكة" وفي الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما عن ~~جماعة من الصحابة. قال ابن القيم: وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي ~~رواها بضعة وعشرون صحابيا في أن المدينة حرم يحرم صيدها, ودعوى أن ذلك خلاف ~~الأصول ومعارضتها بالمتشابه من قوله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا عمير ما ~~فعل النغير1" ويا لله العجب أي الأصول التي خالفتها هذه السنن وهي من أعظم ~~الأصول فهلا رد حديث أبي عمير لمخالفته لهذه الأصول ونحن نقول: معاذ الله ~~أن نرد لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سنة صحيحة غير معلومة النسخ ~~أبدا وحديث أبي عمير يحتمل أربعة أوجه: قد ذهب إلى كل منها طائفة أحدها أن ~~يكون متقدما على أحاديث تحريم المدينة فيكون منسوخا. الثاني: أن يكون ~~متأخرا عنها معارضا لها فيكون ناسخا. الثالث: أن يكون ms286 النغير مما صيد خارج ~~المدينة ثم أدخل المدينة كما هو الغالب من الصيود. الرابع: أن يكون رخصة ~~لذلك الصغير دون غيره كما رخص لأبي بردة في التضحية بالعناق دون غيره, فهو ~~متشابه كما ترى فكيف يجعل أصلا يقدم على تلك النصوص الكثيرة المحكمة ~~الصريحة التي لا تحتمل إلا وجها واحدا انتهى. "إلا أن من قطع شجره أو خبطه ~~كان سلبه حلالا لمن وجده" لحديث سعد بن أبي وقاص أنه ركب إلى قصره بالعقيق ~~فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن ~~يرد على غلامهم أوعليهم ما أخذ من غلامهم, فقال: معاذ الله أن أرد شيئا ~~PageV01P258 # نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يرد عليهم. أخرجه مسلم ~~وأحمد وفي لفظ لأحمد وأبي داود والحاكم وصححه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم سلبه". أقول: عندي أنه لا يجب ~~على من قتل صيدا أو قطع شجرا من حرم المدينة لا جزاء ولا قيمة بل يأثم فقط ~~ويكون لمن وجده يفعل ذلك أخذ سلبه ولا يجب على الحلال في صيد حرم مكة ولا ~~شجره شيء إلا مجرد الإثم. وأما من كان محرما فعليه الجزاء الذي ذكره الله ~~عز وجل إذا قتل صيدا وليس عليه شيء في شجر مكة لعدم ورود دليل تقوم به ~~الحجة, وما يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في الدوحة الكبيرة إذا ~~قطعت من أصلها بقرة لم يصح, وما يروى عن بعض السلف لا حجة فيه. والحاصل: ~~أنه لا ملازمة بين النهي عن قتل الصيد وقطع الشجر وبين وجوب الجزاء أو ~~القيمة بل النهي يفيد بحقيقته التحريم والجزاء والقيمة لا يجبان إلا بدليل ~~ولم يرد دليل إلا قول الله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} الآية وليس ~~فيها إلا ذكر الجزاء فقط فلا يجب غيره, "ويحرم صيد وج" بفتح الواو وتشديد ~~الجيم اسم واد بالطائف وشجره لحديث الزبير أن النبي صلى الله ms287 تعالى عليه ~~وآله وسلم قال: "إن صيد وج وعضاهه1 حرم محرم لله عز وجل" أخرجه أحمد وأبو ~~داود والبخاري في تاريخه وحسنه المنذري وصححه الشافعي وأخرج أبو داود من ~~حديث الزبير بن العوام بلفظ: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: ~~"صيد وج محرم" وحسنه الترمذي وصححه الشافعي, وقد ذهب إلى ما في الحديث ~~الشافعي وهو الحق ولم يأت من قدح في الحديث بما يصلح للقدح المستلزم لعدم ~~ثبوت التكليف بما تضمنه. # فصل "وعند قدوم الحاج مكة يطوف للقدوم" لأن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم لما دخل المسجد الحرام بدأ بالطواف ولم يصل تحية المسجد فإن تحية ~~المسجد الحرام الطواف بالبيت قد استفاض عن الصحابة أن أول شيء كانوا يبدؤون ~~به الطواف بالبيت ثم لا يحلون رواه الشيخان, ولا يسن طواف القدوم لمن أحرم ~~من مكة وعليه أهل العلم. في المنهاج: يختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل ~~الوقوف "سبعة أشواط" الأقرب والله أعلم أن الطواف يوافق الصلاة فمن شك هل ~~طاف PageV01P259 # ستة أشواط أبو سبعة أشواط فليطرح الشك وليتحر الصواب فإن أمكنه ذلك عمل ~~عليه وإن لم يمكنه فليبن على الأقل كما ورد بذلك الدليل الصحيح وشرع الرقل ~~في الطواف في الأصل لإغاظة المشركين كما في حديث ابن عباس قال: قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد ~~وهنتهم1 حمى يثرب فأمرهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يرملوا ~~الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا ~~الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. متفق عليه. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ~~أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول ~~خب2 ثلاثا ومشى أربعا, وفي لفظ: رمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الحجر ثلاثا ومشى أربعا. وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عمر أنه قال ~~فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أطى3 ms288 الله الإسلام ونفى الكفر ~~وأهله ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم وقد ذهب الجمهور إلى فرضية الطواف للقدوم وقال أبو حنيفة ~~سنة وروي عن الشافعي أنه كتحية المسجد والحق الأول لقوله تعالى: {وليطوفوا ~~بالبيت العتيق} "يرمل في الثلاثة الأولى ويمشي فيما بقي". قال في الحجة: ~~وأول طواف بالبيت رمل واضطباع4 وبعده سعي بين الصفا والمروة وكان عمر أراد ~~أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما ثم تفطن إجمالا أن لهما سببا آخر ~~غير منقض فلم يتركهما. "ويقبل الحجر الأسود" لما في الصحيحين من حديث عمر ~~أنه كان يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. وأخرج أحمد وابن ماجه ~~والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس قال: قال ~~رسول الله PageV01P260 # صلى الله عليه وسلم: "يأتي هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ~~ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق" وفي الباب أحاديث. وأما الابتداء ~~بالحجر فلأنه وجب عند التشريع أن يعين محل البداية وجهة المشي والحجر أحسن ~~مواضع البيت لأنه نازل من الجنة واليمين أين الجهتين. "أو يستلمه" وثبت عنه ~~صلى الله عليه وسلم في استلامه ثلاث صفات: أحدها تقبيله, وثانيها: أنه وضع ~~يده ثم قبلها وثالثها: أنه يشير إليه بالمحجن1 ولم يقل طوافي لكذا ولا ~~افتتحه بالتكبير كما يفعله كثير ممن لا علم عنده وذلك من البدع المنكرة. ~~"يمحجن ويقبل المحجن" لما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: طاف ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. وأخرج ~~نحوه مسلم من حديث أبي الطفيل وزاد: ويقبل المحجن # ونحوه أخرج أحمد من حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا عمر: ~~"إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلة فاستلمه وإلا ~~فاستقبله وهلل وكبر" وفي إسناده ms289 مجهول. "ويستلم الركن اليماني" لما أخرج ~~أحمد والنسائي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن مسح الركن ~~اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا" وفي إسناده عطاء بن السائب. وفي ~~الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يمس ~~من الأركان إلا اليمانيين. وأخرج البخاري في تاريخه وأبو يعلى من حديث ابن ~~عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الركن اليماني. وفي ~~إسناده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف, وأخرج أحمد وأبو داود من حديثه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه. قال ~~صاحب سبل السلام وكان يقول عند استلامهما: "بسم الله والله أكبر" وكان كلما ~~أتى الحجر يقول: "الله أكبر" ولم يحفظ له دعاء معين في الطواف إلا أنه أخرج ~~أبو داود وابن حبان أنه يقول بين الركنين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وفي الطواف: "اللهم قنعني بما رزقتني وبارك ~~لي فيه واخلف على كل غائب لي بخير" أخرجه الحاكم وفي مصنف ابن أبي شيبة: ~~"لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير". والموضع موضع دعاء فيختار فيه ما شاء انتهى. PageV01P261 # قلت: إنما خص الركنين اليمانيين بالاستلام كما ذكره ابن عمر من أنهما ~~باقيان على بناء إبراهيم دون الركنين الآخرين فإنهما من تغيرات الجاهلية ~~وإنما اشترط له شروط الصلاة كما ذكره ابن عباس لأن الطواف يشبه الصلاة في ~~تعظيم الحق وشعائره فحمل عليها. "ويكفي القارن طواف واحد وسعي واحد" لكونه ~~صلى الله عليه وسلم حج قرانا على الأصح واكتفى بطواف واحد للقدوم بسعي واحد ~~ولا دليل على وجوب طوافين وسعيين, وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا: ~~"من أحرم بالحج والعمرة أجزأة طواف واحد وسعي واحد" وقد حسنه الترمذي. ~~أقول: الأدلة القاضية بأن الواجب على القارن ليس إلا طواف واحد وسعي واحد ~~ثابتة قولا ms290 وفعلا, أما القول فحديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "من قرن بين حجه وعمرته أجزأه لهما طواف واحد" أخرجه أحمد وابن ~~ماجة وأخرجه أيضا الترمذي بلفظ: "من أحرم بالحج والعمرة أجزأة طواف واحد ~~وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعا" وقال: هذا حديث حسن, وأخرجه أيضا ~~سعيد بن منصور بنحو لفظ الترمذي, وأما إعلال الطحاوي لهذا الحديث بالوقف ~~فقد رده غيره من الحفاظ لأن الطحاوي قال: إن الدراوردي أخطأ في رفعه وإنه ~~موقوف فأجابوا عنه بأن الدراوردي صدوق وأن رفعه حجة ومن القول حديث طاوس عن ~~عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" ~~أخرجه أحمد ومسلم, وأخرج أيضا مسلم من طريق مجاهد عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لها: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك" وأما ~~أحاديث الفعل فأخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة أن الذين جمعوا بين الحج ~~والعمرة طافوا طوافا واحدا. وأخرج مسلم وأبو داود عن جابر أنه لم يطف النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا وحدا. وأخرج ~~البخاري عن ابن عمر أنه طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا بعد أن قال: إنه ~~سيفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح ~~عن طاوس أنه حلف ما طاف أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرته ~~إلا طوافا واحدا, واستدل القائلون بأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين بفعل ~~علي رضي الله عنه وقوله: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل هكذا. ~~أخرجه عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما وقد روي نحوه # PageV01P262 # عن ابن مسعود وابن عمر بأسانيد في بعضها متروك وفي البعض الآخر ضعيف حتى ~~قال ابن حزم: لا يصح عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا عن أحد من ~~أصحابه في ذلك شيء وتعقب أن حديثي علي وابن مسعود لا بأس بإسناديهما ولهذا ~~رجح البيهقي وغيره المصير إلى الجمع أنه ms291 طاف طواف القدوم وطواف الإفاضة. ~~قال: وأما السعي فلم يثبت فيه شيء وقد حكى الحافظ في الفتح أنه روى جعفر ~~الصادق عن أبيه أنه كان يحفظ عن علي للقارن طوافا واحدا خلاف ما يقوله أهل ~~العراق. والحاصل: أن الجمع بما تقدم إن اندفع به النزاع فالمراد وإلا وجب ~~المصير إلى التعارض والترجيح ولا يشك عالم بالحديث أن أدلة الطواف الواحد ~~والسعي الواحد أرجح. "ويكون حال الطواف متوضئا ساتر العورة" لما في ~~الصحيحين من حديث عائشة أن أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت. وفيهما أيضا من حديث أبي بكر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "لا يطوف بالبيت عريان" في شرح السنة عند الشافعي لا ~~يجزئ الطواف إلا بما يجزئ به الصلاة من الطهارة عن الحدث والنجاسة وستر ~~العورة فإن ترك شيئا منها فعليه الإعادة. قال في الأنوار: ولو أحدث في ~~الطواف عمدا توضأ وبنى ولا يجب الاستئناف وإن طال الفصل والكلام في الطواف ~~مباح ويستحب أن لا يتكلم إلا بذكر الله أو حاجة أو علم, وقال أبو حنيفة: ~~إذا طاف جنبا أو محدثا وفارق مكة لا تلزمه الإعادة وعليه دم وفي ~~العالمكيرية أن كل عبادة تؤدى لا في المسجد من المناسك فالطهارة ليست من ~~شرطها كالسعي والوقوف بعرفة وكل عبادة في المسجد فالطهارة من شرطها ~~كالطواف. أقول: أما فرضية الوضوء للطواف أو شرطيته كما زعمه البعض فغاية ما ~~في ذلك حديث: أنه توضأ صلى الله عليه وسلم ثم طاف, وهذا مجرد فعل لا ينتهض ~~للوجوب وليس الوضوء بداخل في عموم المناسك حتى يقول إنه بيان لقوله: "خذوا ~~عني مناسككم" فإن قيل إنه شرط النسك أو فرضه فيكون من جملة بيان المناسك ~~فيجاب بأن هذه مصادرة على المطلوب لأن كونه شرطا أو فرضا هو محل النزاع ومع ~~هذا ففعله للوضوء يحتمل أن يكون لما يتعقب الطواف من الصلاة ولا سيما وقد ~~كان صلى الله عليه وسلم لا يدخل المسجد إلا ms292 متوضئا في غير الحج فملازمته ~~لذلك في الحج أولى, وأما منعه صلى الله عليه وسلم للحائض أن تطوف بالبيت ~~فليس فيه دليل على # PageV01P263 # أن المنع لها لكون الطهارة شرطا أو فرضا للطواف لاحتمال أن يكون المنع ~~لها لكون الطواف من داخل المسجد وهي ممنوعة من المساجد ولو سلم فغايته أن ~~الطهارة من الحيض هي الشطر لا الوضوء, وأما حديث الطواف بالبيت صلاة فمع ~~كونه في إسناده عطاء بن السائب وهو ضعيف فليس التشبيه بمقتض لمساواة المشبه ~~للمشبه به في جميع الأوصاف: بل الاعتبار التشابه في أخص الأوصاف وليس هو ~~الوضوء. "والحائض تفعل الحاج غير أن لا تطوف" طواف القدوم وكذا طواف الوداع ~~بالبيت لحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحائض تقضي ~~المناسك كلها إلا الطواف" أخرجه أحمد وأخرج نحوه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ~~من حديث ابن عمر, ولحديث عائشة أيضا في الصحيحين وغيرهما أنه قال لها النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ~~حتى تغتسلي". "ويندب الذكر حال الطواف بالمأثور" لحديث عبد الله بن السائب ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين الركن اليماني والحجر: ~~"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" أخرجه أحمد ~~وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم لأنه دعاء جامع نزل به القرآن ~~وهو قصير اللفظ يناسب تلك الفرصة القليلة, وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "وكل به -يعني الركن اليماني- سبعون ملكا فمن قال: اللهم ~~إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين" أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه ~~إسماعيل بن عياش وهشام بن عمار وهما ضعيفان, وأخرج ابن ماجه أيضا من حديثه ~~أنه سمعه يقول: "من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله محيت ms293 عنه عشر سيئات ~~وكتب له عشر حسنات ورفع له بها عشر درجات" وفي إسناده من تقدم في الحديث ~~الأول. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث عائشة قالت: قال رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا ~~والمروة لإقامة ذكر الله تعالى" وفي الباب أحاديث. "وبعد فراغه يصلي ~~ركعتين" وعليه الشافعي وقال أبو حنيفة: هما واجبتان "في مقام إبراهيم ثم ~~يعود إلى الركن فيستلمه" # PageV01P264 # لحديث جابر عند مسلم وغيره: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما ~~انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} فصلى ركعتين ~~فقرأ فاتحة الكتاب و {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} ثم عاد إلى ~~الركن فاستلمه قلت: وجهر فيهما بقراءته نهارا فالجهر فيهما السنة ليلا ~~ونهارا فلما فرغ منهما أتى الحجر الأسود فاستلمه ثم خرج إلى الصفا من الباب ~~الذي يقابله. # فصل "ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط داعيا بالمأثور" والسعي واجب ~~لقوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم} وعليه أهل العلم ~~إلا أنه عند الشافعي من الأركان فلا يجبر بالدم, وذهب الجمهور إلى أنه فرض ~~وعند أبي حنيفة من الواجبات وعلى من تركه دم كذا في المسوى والسعي هو النسك ~~الثالث لأن النسك الأول الإحرام والثاني الطواف كما تقدم ودليله ما أخرج ~~أحمد والشافعي من حديث حبيبة بنت أبي تجزأة1 أن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم قال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" وفي إسناده عبد الله بن المؤمل ~~وهو ضعيف وله طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة والطبراني عن ابن عباس, وأخرج ~~أحمد نحوه من حديث صفية بنت شيبة وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى ~~نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ms294 ويدعو ما شاء أن يدعو, وأخرج نحوه ~~النسائي من حديث جابر وفي صحيح مسلم من حديث جابر أيضا: أن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم لما دنا من الصفا قرأ: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ~~أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة ~~فوحد الله وكبره PageV01P265 # قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده" , ~~ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه ~~في بطن الوادي حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل ~~على الصفا, ويجوز السعي راكبا وماشيا وهو أفضل وعليه أهل العلم. وإذا كان ~~متمتعا صار بعد السعي حلالا حتى إذا كان يوم التروية أهل بالحج لقول عائشة ~~حاكية لحجهم مع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فأما من أهل بالعمرة ~~فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة, وهو في الصحيحين وغيرهما وفيهما ~~أيضا من حديث جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "أحلوا من ~~إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالا حتى إذا ~~كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم لها متعة" وفي لفظ لمسلم ~~من حديثه أيضا قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحللنا أن نحرم ~~إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح. أقول: الإهلال هو رفع الصوت بلفظ ~~لبيك بحجة وعمرة والظاهر من الأدلة أنه لا يجب إلا نية الإحرام بالحج وليس ~~وراء ذلك أمر آخر هو الإحرام بل هو مجرد النية, وأما اشتراط كونها مقارنة ~~لتلبية أو تقليد فلم يدل عليه دليل بل التلبية ذكر مستقل وسنة منفردة وكذلك ~~التقليد للهدي ولا كلام في ثبوت مشروعيتهما, وأما أنهما شرط لنية الإحرام ~~بالحج فلا ومن ادعى ذلك فعليه البرهان. # فصل "ثم يأتي عرفة صبح ms295 يوم عرفة ملبيا مكبرا ويجمع العصرين" الظهر والعصر ~~"فيها ويخطب" لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه خطب الناس وهو على راحلته ~~خطبة بديعة قرر فيها قواعد الإسلام وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية وقرر ~~فيها المحرمات التي اتفقت الملل على تحريمها وهي الدماء والأموال والأعراض ~~وغير ذلك من الأحكام وكانت خطبة واحدة لم تكن خطبتين يجلس بينهما, وقال في ~~الحجة: إنما خطب يومئذ بالأحكام التي يحتاج الناس إليها لا يسعهم جهلها لأن ~~اليوم يوم اجتماع وإنما تنتهز مثل هذه الفرصة لمثل هذه الأحكام التي يراد ~~تبليغها إلى جميع الناس انتهى. "ثم يفيض من عرفة ويأتي المزدلفة ويجمع فيها # PageV01P266 # بين العشاءين" المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولا يسبح1 ههنا كما ثبت عنه ~~صلى الله عليه وسلم. "ثم يبيت بها". قال النحاس: إن كثيرا من الحجاج لا يقف ~~بالمزدلفة وإن وقف فلا يبيت وهذه بدعة يجب على الأمير ومن قدر أن يمنع منها ~~لأن من ترك المبيت بالمزدلفة وجب عليه إراقة دم في الأظهر, وذهب ابن خزيمة ~~وجماعة من العلماء إلى أن المبيت بها ركن فعلى هذا إذا تركه فسد حجه ولا ~~يجبر بدم ولا بغيره وشرط المبيت أن يكون في ساعة من النصف الثاني من الليل ~~فلو رحل قبله لم يسقط عنه الدم ولو عاد إليها قبل الفجر سقط انتهى. "ثم ~~يصلي الفجر" حتى يتبين له الصبح بأذان وإقامة "ويأتي المشعر" الحرام تركهم ~~السنة في الوقوف بالمشعر الحرام بدعة أيضا ويستقبل القبلة. فيذكر الله عنده ~~ويدعوه ويكبره ويهلله ويوحده. أقول: وما أحق الذكر عند المشعر الحرام بأن ~~يكون واجبا أو نسكا لأنه مع كونه مفعولا له صلى الله عليه وسلم ومندرجا تحت ~~قوله: "خذوا عني مناسككم" فيه أيضا النص القرآني بصيغة الأمر: {فاذكروا ~~الله عند المشعر الحرام} . "ويقف به" والوقوف هو النسك الرابع من مناسك ~~الحج. "إلى قبل طلوع الشمس ثم يدفع حتى يأتي بطن محسر" وهو محل هلاك أصحاب ~~الفيل. ويرزخ بين المزدلفة ومنى ليس من هذه ولا هذه فمن ms296 شأن من خاف الله ~~وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن ويهرب من الغضب ثم يسلك الطريق ~~الوسطى بين الطريقين "إلى الجمرة التي عند الشجرة وهي جمرة العقبة فيرميها ~~بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة" مثل حصى الخذف."ولا يرميها إلا بعد طلوع ~~الشمس" وإنما كان رمي الجمار يوم الأول غدوة وفي سائر الأيام عشية لأن من ~~وظيفة الأول النحر والحلق والإفاضة وهي كلها بعد الرمي ففي كونه غدوة توسعة ~~وأما سائر الأيام فأيام تجارة وقيام أسواق فالأسهل أن يجعل ذلك بعد ما يفرغ ~~من حوائجه وأكثر ما كان الفراغ في آخر النهار. "إلا النساء والصبيان فيجوز ~~لهم قبل ذلك ويحلق رأسه" فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا ~~وللمقصرين مرة واحدة. "أو يقصره" وهو النسك الخامس "فيحل له كل شيء ~~PageV01P267 # إلا النساء ومن حلق أو ذبح أو أفاض إلى البيت قبل أن يرمي فلا حرج ثم ~~يرجع إلى منى فيبيت بها ليالي التشريق" وهو النسك السادس. والحاصل: أن ~~المبيت بمنى ليس بمقصود في ذاته إنما هو لأجل الرمي المشروع لأنه فعل ~~والزمان والمكان من ضرورياته فالحق ما قاله الحنفية وبعض الشافعية من عدم ~~وجوبه في نفسه ويرمي في كل يوم من أيام التشريق الجمرات الثلاث بسبع حصيات ~~مبتدئا بالجمرة الدنيا ثم الوسطى ثم جمرة العقبة لما أخرج أحمد وأهل السنن ~~وابن حبان والحاكم والدارقطني من حديث عبد الرحمن بن يعمر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر مناديا فنادى الحج عرفة. وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن ~~عمر قال: غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى حين صلى الصبح في صبيحة ~~يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنمرة وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة حتى ~~إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع بين الظهر ~~والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. وفي صحيح مسلم من ~~حديث جابر قال: لما كان يوم التروية توجهوا إلى منى ms297 فأهلوا بالحج وركب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم ~~مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش ~~تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد ~~القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء1 فرحلت ~~له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة ~~يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" وفي صحيح مسلم من حديث أسامة بن زيد ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين ~~دفعوا: "عليكم السكينة" وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا, وفي حديث جابر عند ~~مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب ~~والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع حتى طلع الفجر ~~فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر ~~الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده فلم PageV01P268 # يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فحرك ~~قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة ~~التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى ~~من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر, وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جابر ~~قال: رمى النبي صلى الله عليه تعالى وآله وسلم الجمرة يوم النحر ضحى وأما ~~بعد فإذا زالت الشمس, وفيهما أيضا من حديث ابن مسعود أنه انتهى إلى الجمرة ~~الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي ~~أنزلت عليه سورة البقرة, وفي رواية حتى انتهى من جمرة العقبة وفي الصحيحين ~~وغيرهما من حديث ابن عباس قال: أنا ممن ms298 قدم النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله, وفيهما أيضا من حديث عائشة قالت: كانت ~~سودة امرأة ضخمة ثبطة1 فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفيض من ~~جمع بليل. وفي الباب أحاديث وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أنس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال ~~للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس. وفي ~~الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا يا رسول الله: وللمقصرين قال: "اللهم ~~اغفر للمحلقين" قالوا يا رسول الله: وللمقصرين قال: "اللهم اغفر للمحلقين" ~~قالوا يا رسول الله: وللمقصرين قال: "وللمقصرين" وأخرج أحمد وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء" وفي الصحيحين ~~وغيرهما من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ~~يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أرمي قال: ~~"ارم ولا حرج" وأتاه آخر فقال: ذبحت قبل أن أرمي فقال: "ارم ولا حرج" وأتاه ~~آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: "ارم ولا حرج" وفي رواية ~~فيهما: "فما سئل عن شيء يومئذ إلا قال: افعل ولا حرج". وأخرج أحمد من حديث ~~علي قال: جاء رجل فقال يا رسول الله: حلقت قبل أن أنحر قال: "انحر ولا حرج" ~~ثم أتاه PageV01P269 # آخر فقال: إني أفضت قبل أن أحلق قال: "احلق أو قصر ولا حرج" وفي لفظ ~~للترمذي وصححه قال: إني أفضت قبل أن أحلق وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم ~~والتأخير فقال: "لا حرج" وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحكم من حديث ~~عائشة قالت: ms299 أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يوم حين صلى الظهر ~~ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل ~~جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى وعند الثانية فيطيل ~~القيام ويتضرع ويرمي الثالثة لا يقف عندها, وعن ابن عباس قال: رمى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الجمار حين زالت الشمس. رواه أحمد وابن ماجه ~~والترمذي وحسنه وفي البخاري عن ابن عمر قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس ~~رمينا. وأخرج الترمذي وصححه من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا. وفي لفظ عنه أنه كان يرمي ~~الجمرة يوم النحر راكبا وسائر ذلك ماشيا ويخبرهم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يفعل ذلك أخرجه أحمد وأبو داود, وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ~~وابن عمر أن العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي ~~منى من أجل سقايته فأذن له, وفي البخاري وأحمد من حديث ابن عمر أنه كان ~~يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يتقدم فيسهل فيقوم ~~مستقبل القبلة طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال ~~فيسهل فيقوم مستقبل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي الجمرة ~~ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يفعله. وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي من ~~حديث عاصم بن عدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الإبل في ~~البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغداة ومن بعد الغداة ليومين ثم ~~يرمون يوم النفر. وأخرج أحمد والنسائي عن سعد بن مالك قال: رجعنا في الحجة ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعضها يقول: رميت بسبع حصيات وبعضنا يقول ~~رميت بست حصيات ولم يعب بعضهم على بعض ورجاله رجال الصحيح. "ويستحب لمن يحج ms300 ~~بالناس أن يخطبهم" بعد الزوال خطبتين خفينفتين قائما والأخيرة أخف ويجلس # PageV01P270 # بينهما كالجمعة يعلم فيهما المناسك إلى اليوم الثاني وإذا زالت الشمس ~~اغتسل إن أحب, "يوم النحر" لحديث الهرماس بن زياد قال: رأيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى أخرجه أحمد وأبو داود ~~وأخرج نحو أبو داود أيضا من حديث أبي أمامة وأخرج نحوه هو والنسائي من حديث ~~عبد الرحمن بن معاذ التيمي, وأخرجه البخاري وأحمد من حديث أبي بكرة وفيه ~~أنه قال: "فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في ~~بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ألا هل بلغت" قالوا: نعم. قال: "اللهم اشهد ~~فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض". "و" يستحب الخطبة "في وسط أيام التشريق" لحديث سراء بنت ~~نبهان قالت: خطبنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يوم الرؤف1 ~~فقال: "أي يوم هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "أليس أوسط أيام ~~التشريق" أخرجه أبو داود ورجاله رجال الصحيح وأخرج نحوه أحمد من حديث أبي ~~بصرة ورجاله رجال الصحيح وأخرج نحوه أبو داود عن رجلين من بني بكر فتضمنت ~~حجته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثلاث خطب يوم عرفة. ويوم النحر. وثاني ~~أيام التشريق. قال الماتن رح في حاشية الشفاء: الخطب المشروعة في الحج ~~أربعة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة وقد بيناها في شرح المنتقى فليرجع ~~إليه انتهى. "ويطوف الحاج طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة يوم النحر" لحديث ~~ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وفي صحيح مسلم من حديث جابر نحوه ~~والمراد بقوله: "أفاض" أي طاف طواف الإفاضة. قال النووي: وقد أجمع العلماء ~~أن هذا الطواف وهو طواف الإفاضة ركن من أركان الحج لا يصح إلا به واتفقوا ~~على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق, ms301 فإن أخره عنه وفعله ~~في أيام التشريق أجزأه ولا دم عليه بالإجماع. قال صاحب سبل السلام: طواف ~~الزيارة ويقال له طواف الصدر ويسمى طواف الإفاضة طاف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يطف غيره ولم يسع وتضمنت حجته رفع PageV01P271 # يديه للدعاء ست مرات: الأولى على الصفا الثانية على المروة الثالثة بعرفة ~~الرابعة بمزدلفة الخامسة عند الجمرة الأولى السادسة عند الجمرة الثانية ~~انتهى. أقول: الأدلة تدل على عدم وجوب طواف الزيارة على التعيين فضلا عن ~~كونه ركنا من أركان الحج التي لا يصح بدونها فعلى المجتهد أن يبحث عن ~~المسائل التي قلد فيها الآخر الأول: وجعل عليها سورا لا يستطيع صعوده من ~~كان هيابا للقيل والقال, ومخبوطا بأسواط آراء الرجال, وهو دعوى الإجماع فإن ~~ما كان كذلك قل أن يكشف عن أصله ومستنده إلا من كان من الأبطال المؤهلين ~~للنظر في الدلائل الفارقين بين العالي منها والسافل وقليل ما هم, بل هم أقل ~~من القليل والله المستعان. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم عند الشيخين ~~وغيرهما من حديث عائشة أنه قال لها: "طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة ~~يكفيك لحجك وعمرتك" وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث ابن عمر أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من أحرم بالحج والعمرة أجزأة طواف واحد وسعي واحد" واللفظ ~~للترمذي وهذا يدل على أن الواجب ليس إلا طواف واحد لا ثلاثة: طواف القدوم ~~والزيارة والوداع, ويدل عليه ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر أنه حج ~~فطاف بالبيت ولم يطف طوافا غير ذلك. "وإذا فرغ من أعمال الحج طاف للوداع " ~~لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره قال: كان الناس ينصروفون في كل وجه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده ~~بالبيت" وفي لفظ للبخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ~~يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. وفي الباب أحاديث ~~وإلى وجوب طواف الوداع ذهب الجمهور وقال مالك وداود وابن ms302 المنذر: هو سنة لا ~~شيء في تركه. قال في الحجة: والسر فيه تعظيم البيت أن يكون هو الأول وهو ~~الآخر تصويرا لكونه هو المقصود من السفر وموافقة لعادتهم في توديع الوفود ~~ملوكها عند النفر. وقال في سبل السلام: ثم إنه صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم طاف طواف الوداع ليلا سحرا ولم يرمل في هذا الطواف وصلى الفجر بالحرم ~~وقرأ بالطور ثم نادى بالرحيل فارتحل راجعا إلى المدينة فلما أتى ذا الحليفة ~~بات بها فلما رأى المدينة كبر ثلاثا وقال: "لا إله إلى الله وحده لا شريك ~~له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير # PageV01P272 # آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق وعده ونصر عبده وهزم ~~الأحزاب وحده" ثم دخلها نهارا انتهى. # فصل والهدي لقوله تعالى: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} واتفق أهل ~~العلم على أن الهدي مستحب للحاج المفرد والمعتمر المفرد وواجب على المتمتع ~~والقارن وعلى من وجب عليه جزاء العدوان على الإحرام ويعتبر في الهدايا ما ~~يعتبر في الضحايا أفضله البدنة لأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان ~~يهدي البدن ولأنه أنفع للفقراء. "ثم البقرة ثم الشاة" لأن البقرة أنفع ~~بالنسبة إلى شاة وهذا إذا كان الذي يهدي البدنة والبقرة واحدا أما إذا ~~كانوا جماعة بعدد ما تجزيء عنه البدنة والبقرة فقد وقع الخلاف هل الأفضل ~~سبع البدنة أو البقرة أم الشاة عن الواحد والظاهر أن الاعتبار بما هو أنفع ~~للفقراء. "وتجزيء البدنة والبقرة عن سبعة" لحديث جابر في الصحيحين وغيرهما ~~قال: أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن نشترك في الإبل ~~والبقر كل سبعة منا في بدنة. وفي لفظ لمسلم: فقيل لجابر أيشترك في البقر ما ~~يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن. وأخرج أحمد وابن ماجه عن ابن ~~عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال: إن علي بدنة وأنا موسر ~~ولا أجدها فأشتريها؟ فأمره صلى الله عليه وسلم أن يبتاع سبع شياه فيذبحن. ~~ورجاله ms303 رجال الصحيح ولا يعارض هذا حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي وابن ~~ماجه والترمذي وحسنه قال: كنا في سفر فحضر الأضحى فذبحنا البقرة عن سبعة ~~والبعير عن عشرة. وكذلك لا يعارضه ما في الصحيحين من حديث رافع بن خديج: ~~أنه صلى الله عليه وسلم قسم فعدل1 عشرا من الغنم ببعير. لأن تعديل البدنة ~~بسبع شياه هو في الهدي وتعديلها بعشر هو في الأضحية والقسمة. وقد ذهب ~~الجمهور إلى أن عدل البدنة في الهدي سبع شياه. وادعى الطحاوي وابن رشد أنه ~~إجماع ولا تصح هذه الدعوى فالخلاف مشهور. "ويجوز للمهدي أن يأكل من لحم ~~PageV01P273 # هديه" لحديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل بدنة ببضعة1 ~~فجعلت في قدر فطبخت فأكل هو وعلي من لحمها وشربا من مرقها. أخرجه أحمد ~~ومسلم وفي الصحيحين من حديث عائشة أنه دخل عليها يوم النحر بلحم بقر فقالت: ~~ما هذا؟ فقيل نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه. قال النووي: ~~وأجمع العلماء على أن الأكل من هدي التطوع وأضحيته سنة انتهى. والظاهر أنه ~~لا فرق بين هدي التطوع وغيره لقوله تعالى: {فكلوا منها} ويركب عليه أي ~~المهدي على هديه لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما قال: رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رجلا يسوق بدنة فقال: "اركبها" فقال: إنها بدنة قال: ~~"اركبها" قال: إنها بدنة. قال: "اركبها" وفيهما نحوه من حديث أبي هريرة ~~وأخرج أحمد ومسلم من حديث جابر أنه سئل عن ركوب الهدي فقال: سمعت رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى ~~تجد ظهرا". "ويندب له إشعاره وتقليده" لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره أن ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا ~~بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين. قال ~~ابن القيم في إعلام الموقعين: قالوا إنها خلاف الأصول إذ الإشعار مثلة ~~ولعمر الله إن هذه السنة خلاف الأصول الباطلة وما ms304 ضرها ذلك شيئا والمثلة ~~المحرمة هي العدوان لا يكون عقوبة ولا تعظيما لشعائر الله, فأما شق صفحة ~~سنام البعير المستحب أو الواجب ذبحه ليسيل دمه قليلا فيظهر شعار الإسلام ~~وإقامة هذه السنة التي هي من أحب الأشياء إلى الله وفق الأصول وأي كتاب أو ~~سنة حرم ذلك حتى يكون خلافا للأصول وقياس الإشعار على المثلة المحرمة من ~~أفسد قياس على وجه الأرض, فإن قياس ما يحبه الله ويرضاه على ما يبغضه ~~ويسخطه وينهى عنه ولو لم يكن في حكمة الإشعار إلى تعظيم شعائر الله ~~وإظهارها وعلم الناس بأن هذه قرابين الله عز وجل تساق إلى بيته تذبح له ~~ويتقرب بها إليه عند بيته كما يتقرب إليه بالصلاة إلى بيته عكس ما عليه ~~أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ويصلون لها, فشرع لأوليائه وأهل ~~توحيده أن يكون نسكهم وصلاتهم لله وحده وأن يظهروا شعائر توحيده غاية ~~الإظهار ليعلو دينه على كل PageV01P274 # دين فهذه هي الأصول الصحيحة التي جاءت السنة بالإشعار على وفقها ولله ~~الحمد. "ومن بعث بهدي لم يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم" لحديث عائشة ~~في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يهدي من ~~المدينة ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم. أقول: هذا آخر كلام الماتن على ~~أحكام الحج. وأما الحج عن الميت والاستئجار له فاعلم أن الحج من الواجبات ~~المتعلقة ببدن المكلف والظاهر في الواجبات البدنية أنها لا تلزم بعد رفع ~~قلم التكليف وانتقال المكلف من هذه الدار التي هي دار التكاليف إلى دار ~~الآخرة لأنه لم يبق من طلب منه الفعل فمن قال إنه يلزم الميت الإيصاء بشيء ~~من الواجبات البدنية بأن يفعله عنه غيره بعد موته لم يقبل إلا بدليل أو ~~قال: من تبرع عن ميت بفعل واجب بدني أجزأه لم يقبل ذلك منه إلا بدليل, وقد ~~ورد الدليل في أمور منها الصوم لحديث: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" ~~ولكن ليس في هذا الحديث وجوب على الميت بل الإيجاب ms305 على الولي وغاية ما ~~يستفاد من قوله: "صام عنه" أنه يجزئ ذلك الصوم عن الميت. وأما الحج فلم يرد ~~ما يدل على وجوب الوصية على الميت به بل ورد ما يدل على وقوع الحج من ~~القريب عن قريبه الميت كما في حديث من نذرت أخته أن تحج فماتت قبل أن تحج, ~~وكذلك ورد ما يدل على وقوع الحج من الولد لأبيه إذا كان في الحياة عاجزا عن ~~الإتيان بالفريضة كما في خبر الخثعمية. وأما إيجاب الوصية بالحج أو أنه ~~يجزئ من كل أحد من كل ميت فلا دليل على ذلك فيما أعلم. نعم إذا أوصى بالحج ~~بنصيب من ماله فقد جعل الله له ثلث ماله في آخر عمره يتصرف به كيف يشاء ما ~~لم يكن ضرارا فالموصي بالحج كأنه أوصى بنصيب من ماله المأذون له بالتصرف في ~~ثلثه فيجب امتثال وصيته. وأما كون ذلك يسقط الواجب على الميت فمحل تردد ~~عندي ولا سيما إذا كان الذي حج عنه ليس من قرابته فإن القرابة لها تأثير في ~~القيام ببعض الواجبات البدنية من الحي عن الميت كما في حديث: "صام عنه ~~وليه" وكما في حديث الذي نذرت أخته أن تحج. وأما حديث: "حج عن نفسك ثم عن ~~شبرمة" فهو وإن كان في بعض السنن لكن لم يصرح فيه بأن # PageV01P275 # الملبي عن شبرمة كان أجنبيا عنه بل ورد في رواية: "وهو أخ له أو صديق" ~~ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال. وفي لفظ أنه قال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "من شبرمة"؟ قال: أخ لي أو قريب لي. وقد أخرج هذه الرواية البيهقي ~~والظاهر أن اعتناءه به وتلبيته عنه وطيبة نفسه بأن يكون حجه له للقرابة ~~بينهما إذ من البعيد أن يفعل ذلك لغير من بينه وبينه قرابة ثم ليس في ~~الحديث أن شبرمة هذا قد كان مات إذ ذاك. وأما ما رواه الثعلبي في تفسيره ~~بلفظ: من أوصى بحجة كانت أربع حجج وحجة للذي كتبها. فمع كونه غير مرفوع لا ~~يدرى كيف ms306 إسناده. والثعلبي ليس من أهل الرواية فقد روى في تفسيره ~~الموضوعات. وقد أخرج البيهقي مثل ما ذكر عن جابر مرفوعا كما ذكره صاحب ~~التخريج فينظر في سنده فما أظنه يصح. والحاصل: أن هذا البحث طويل الذيول ~~متشعب الحجج والنقول فمن رام ولعثور على الصواب فعليه بالفتح الرباني فتاوي ~~الشوكاني ودليل الطالب على أرجح المطالب لهذا العبد الضعيف وليس مقصودنا ~~هنا إلا التنبيه على الحق الحقيق بالقبول وإن أباه أكثر العقول. وحديث: ~~"فدين الله أحق أن يقضى" ليس المراد به دفع الأجرة لمن يحج بل المراد أن ~~الحج عن الوالد يصح من الولد كما يصح منه قضاء الدين ولا يرد على هذا أن ~~اللفظ عام والاعتبار به لأنا نقول: العموم ليس هو إلا باعتبار فعل فريضة ~~الحج لا باعتبار دفع المال لمن يحج فهذا لم يرد به دليل فعرفت بهذا أن ما ~~يوصي به الميت من أجرة من يحج عنه لكون خارجا من ثلثه المأذون له. وأما من ~~قال بوجوب الوصية على من لم يحج فكان قياس قوله أن تكون الأجرة الموصى بها ~~من رأس المال لأن وجوب الوصية فرع وجوب الأجرة في مال الموصي ولا فرق بين ~~وجوب مثل الأجرة من ماله وبين وجوب مثل الزكاة. وأما ما يذكرونه من الفرق ~~بين ما يتعلق بالمال ابتداء وانتهاء وبين ما يتعلق بالبدن ابتداء بالمال ~~وانتهاء فشيء لا مستند له ولا معول عليه. # PageV01P276 ### | باب العمرة المفردة # وقد تقدمت صفتها. "يحرم لها من الميقات" أي كالتنعيم لأن الإحرام لها ~~كالإحرام للحج وقد تقدمت الأدلة في ذكر المواقيت فإنها للحج والعمرة ومن ~~كان في مكة خرج إلى الحل لما ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن رسول الله # PageV01P276 # صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج عائشة إلى التنعيم ~~فتحرم للعمرة منه, ثم يطوف ويسعى ويحلق ويقصر ولا خلاف في ذلك وقد ثبت عنه ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الصحيحين وغيرهما من حديث جماعة من ~~الصحابة أنه أمر من لم ms307 يكن معه هدي بالطواف والسعي والحلق أو التقصير فمن ~~فعل ذلك فقد حل الحل كله فواقعوا النساء بعد ذلك. "وهي مشروعة" في ~~العالمكيرية: العمرة عندنا سنة وليست بواجبة وللشافعي قولان: أظهرهما أنها ~~فرض والثاني سنة. أقول: ولم يأت من قال بوجوبها بدليل ينتهض للوجوب بل ما ~~روي في ذلك متكلم عليه مع أنه معارض بأحاديث أوردها من قال بعدم الوجوب ~~مصرحة بذلك وهي لا تخلوا عن مقال والواجب العمل على البراءة الأصلية حتى ~~يرد ناقل ينقل عنها ولم يأت إلا ما يفيد مطلق المشروعية لا المقيدة بالوجوب ~~فالحق ما قاله من ذهب إلى عدم الوجوب في جميع السنة لحديث عائشة عند أبي ~~داود أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين عمرة في ذي القعدة وعمرة في ~~شوال. وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع ~~عمر في ذي القعدة إلا التي اعتمر مع حجته. ومن ذلك عمرة عائشة التي أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم فإن ذلك كان مع ~~حجتها مع النبي صلى الله عليه وسلم, وقد كان أهل الجاهلية يحرمون العمرة في ~~أيام الحج فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم واعتمر وأمر بالعمرة فيها, ~~وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"عمرة في رمضان تعدل حجة". أقول ثبت اعتماره صلى الله عليه وسلم في أشهر ~~الحج بل روي أن عمره كلها كانت في أشهر الحج وإنما فعل ذلك لقصد الرد على ~~المشركين فإنهم كانوا يروونها في أشهر الحج من أفجر الفجور. وأما تعليل بعض ~~الفقهاء للكراهة بأن العمرة تشغل عن أعمال الحج فليست أعمال الحج بمستغرقة ~~لشوال والقعدة وبعض الحجة بل هي في بعض أيام ذي الحجة فما بال من ذهب إلى ~~كراهة العمرة في أشهر الحج وخالف هدي محمد صلى الله عليه وسلم. والحاصل: أن ~~هذا ونحوه صنيع من لا يدري بالمدارك خفيها وجليها والله المستعان. ومن أراد ms308 ~~الاطلاع على تفصيل أحكام الحج والعمرة على الوجه الثابت المأثور فليرجع إلى ~~منسكنا رحلة الصديق إلى البيت العتيق وإلى كتابنا مسك الختام شرح بلوغ ~~المرام. # PageV01P277 ### | المجلد الثاني ### | كتاب النكاح # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # كتاب النكاح # قال الزمخشري في الكشاف: النكاح الوطء وتسمية العقد نكاحا لملابسته له من ~~حيث إنه طريق له ونظيره تسمية الخمر إثما لأنها سبب في اقتراف الإثم انتهى ~~ولا ينافي هذا كثرة ورود النكاح في القرآن بمعنى العقد حتى قال في الكشاف ~~إنه لم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد لأن الكثرة ليست من ~~خواص الحقيقة ولا مخرجة للمجاز عن كونه مجازا كما تقرر في موضعه على أن ~~دعوى الكلية التي ذكرها صاحب الكشاف ممنوعة فإن قوله تعالى {حتى تنكح زوجا ~~غيره} لا يصح أن يراد به العقد كما دل عليه الدليل من السنة وذهب إليه ~~جماهير الأمة. وكذلك ما ورد في كتاب الله من ألفاظ النكاح للمملوكات لا ~~يكون إلا للوطء إذ لا عقد هناك. وبالجملة فمعنى النكاح حقيقة الوطء ومجازا ~~العقد كما صرح به الزمخشري وهو أقعد بمعرفة اللغة من غيره لا سيما التمييز ~~بين المعاني الحقيقية والمجازية فإنه المرجوع إليه في ذلك دون غيره ممن ~~صارت مؤلفاتهم الآن متداولة بين أهل هذه العصور كما لا يخفى على فطن "يشرع ~~لمن استطاع الباءة" لما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ~~فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له ~~وجاء1" والمراد بالباءة النكاح والأحاديث الواردة PageV02P002 # في الترغيب في النكاح كثيرة وقال تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن ~~من أبصارهن ويحفظن فروجهن} "ويجب على من خشي الوقوع في المعصية" لأن اجتناب ~~الحرام واجب وإذا لم يتم الاجتناب إلا بالنكاح كان واجبا وعلى ذلك تحمل ~~الأحاديث المقتضية لوجوب النكاح كحديث ms309 أنس في الصحيحين وغيرهما: أن نفرا من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال بعضهم لا أتزوج وقال بعضهم أصلي ولا ~~أنام وقال بعضهم أصوم ولا أفطر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال "ما ~~بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني" وأخرج ابن ماجة والترمذي من حديث الحسن عن سمرة "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل"قال الترمذي إنه حسن غريب قال: ~~وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة ~~ويقال كلا الحديثين صحيح انتهى وفي سماع الحسن عن سمرة مقال معروف وأخرج ~~النهي عن التبتل أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث أنس وأخرج ابن ماجه من ~~حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "النكاح من سنتي فمن لم يعمل ~~بسنتي فليس مني " "والتبتل غير جائز" لما تقدم. وقد رد صلى الله عليه وسلم ~~التبتل على عثمان بن مظعون وكانت المانوية والمترهبة من النصارى يتقربون ~~إلى الله بترك النكاح وهذا باطل لأن طريقة الأنبياء عليهم السلام التي ~~ارتضاها الله تعالى للناس هي إصلاح الطبيعة ودفع اعوجاجها لا سلخها عن ~~مقتضياتها "إلا لعجز عن القيام بما لا بد منه" لما ثبت في الكتاب العزيز من ~~النهي عن مضارة النساء والأمر بمعاشرتهن بالمعروف. فمن لا يستطيع ذلك لم ~~يجز له أن يدخل في أمر يوقعه في حرام وعلى ذلك تحمل الأدلة الواردة في ~~العزبة والعزلة. أقول: الحاصل أن من كان محتاجا إلى النكاح أو كان فعله له ~~أولى من تركه من دون احتياج فلا ريب أن أقل الأحوال أن يكون في حقه مندوبا ~~للأدلة الواردة فيه. ومن لم يكن محتاجا إليه ولا كان فعله أولى له كالحصور ~~والعنين فقد يكون في حقه مكروها إذا كان يخشى الاشتغال عن الطاعات من طلب ~~العلم أو غيره مما يحتاج إليه أهله أو كانت المرأة تتضرر بترك الجماع من ~~دون أن ms310 تقدم # PageV02P003 # على المعصية وأما إذا كان في غنية بحيث لا يشتغل عن الطاعات وكانت المرأة ~~لا تتضرر بترك الجماع ولا يحصل له بالنكاح نفع فيما يرجع إلى الباءة ~~فالظاهر أنه مباح وإن لم يأت من الأدلة ما يقتضي هذه التفاصيل فثم أدلة ~~أخرى تقتضيها وقواعد كلية ولو قيل إنه لا يكون في تلك الصورة مباحا بل ~~مكروها لما ورد في العزبة والعزلة آخر الزمان لم يكن بعيدا من الصواب ~~"وينبغي أن تكون المرأة ودودا" لأن تواد الزوجين به تتم المصلحة المنزلية ~~وكثرة النسل بها تتم المصلحة المدنية والملية وود المرأة لزوجها دال على ~~صحة مزاجها وقوة طبيعتها مانع لها من أن يطمح بصرها إلى غيره باعث على ~~تجملها بالامتشاط وغير ذلك وفيه تحصين فرجه ونظره "ولودا" لحديث أنس عند ~~أحمد وابن حبان وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تزوجوا الودود ~~الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة" وأخرج نحوه أحمد من حديث ابن ~~عمر وفي إسناده جرير بن عبد الله العامري وقد وثق وفيه ضعف وأخرج نحوه أبو ~~داود والنسائي وابن حبان من حديث معقل بن يسار "بكرا" لما في الصحيحين ~~وغيرهما من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "تزوجت بكرا أم ~~ثيبا؟ " قال: ثبيا قال: "فهلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك " "ذات جمال" فإن ~~الطبيعة البشرية راغبة في الجمال وكثير من الناس تغلب عليهم الطبيعة ~~والجمال وما يشبهه من الشباب مقصد من غلب عليه حجاب الطبيعة"وحسب" يعني ~~مفاخر آباء المرأة فإن التزوج في الأشراف شرف وجاه "ودين" أي عفة عن ~~المعاصي وبعدها عن الريب وتقربها إلى بارئها بالطاعات والدين مقصد من تهذب ~~بالفطرة فأحب أن تعاونه امرأته في دينه ورغب في صحبة أهل الخير "ومال" بأن ~~يرغب في المال ويرجى مواساتها معه في مالها وأن يكون أولاده أغنياء لما ~~يجدون من قبل أمهم والمال والجاه مقصد من غلب عليه حجاب الرسم ووجهه ما في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ms311 وسلم: "تنكح المرأة ~~لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" وفي ~~صحيح مسلم وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن المرأة تنكح على ~~دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك " قال في الحجة قال صلى ~~الله عليه وسلم "خير النساء اللاتي ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في ~~صغره وأرعاه # PageV02P004 # على زوج في ذات يده "أقول: يستحب أن تكون المرأة من كورة وقبيلة عادات ~~نسائها صالحة فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة وعادات القوم ورسومهم ~~غالبة على الإنسان وبمنزلة الأمر المجبول هو عليه وبين أن نساء قريش خير ~~النساء من جهة أنهن أحنى إنسان على ولد في صغره وأرعاه على الزوج في ماله ~~ورقيقه ونحو ذلك وهذان من أعظم مقاصد النكاح وبهما انتظام تدبير المنزل وإن ~~أنت فتشت حال الناس اليوم في بلادنا وبلاد ما وراء النهر وغيرها لم تجد ~~أرسخ قدما في الأخلاق الصالحة ولا أشد لزوما لها من نساء قريش انتهى. ~~"وتخطب الكبيرة إلى نفسها" لما في صحيح مسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أرسل إلى أم سلمة يخطبها" "والمعتبر حصول الرضا منها" لحديث ابن عباس عند ~~مسلم وغيره: "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها ~~صماتها" وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة نحوه وأخرج أحمد ~~وأبو داود وابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عباس "أن جارية بكرا أتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله ~~عليه وسلم" قال الحافظ: ورجال إسناده ثقات وروي نحوه من حديث جابر أخرجه ~~النسائي ومن حديث عائشة أخرجه أيضا النسائي وأخرج ابن ماجة عن عبد الله بن ~~بريدة عن أبيه قال: "جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن ~~أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال فجعل الأمر إليها فقالت قد أجزت ما ~~صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شئ" ms312 ورجاله ~~رجال الصحيح وأخرجه أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة عن عائشة. قال في ~~الحجة البالغة أقول: لا يجوز أيضا أن يحكم الأولياء فقط لأنهم لا يعرفون ما ~~تعرف المرأة من نفسها ولأن حار العقد وقاره راجعان إليها والاستئمار طلب أن ~~تكون هي الآمرة صريحا والاستئذان طلب أن تأذن ولا تمنع وأدناه السكوت وإنما ~~المراد استئذان البكر البالغة دون الصغيرة كيف ولا رأي لها قد زوج أبو بكر ~~الصديق رضي الله تعالى عنه عائشة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ~~ست سنين انتهى لمن كان كفؤا لحديث علي عند الترمذي "أن النبي # PageV02P005 # صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث لا يؤخرن الصلاة إذا أتت والجنازة إذا ~~حضرت والأيم1 إذا وجدت لها كفؤا" ولكن ليس في هذا الحديث ما يدل على اعتبار ~~الكفاءة في النسب بل يحمل على أن المرأة إذا وجدت لها كفؤا ترضى خلقه ودينه ~~كما سيأتي وأخرج الحاكم من حديث ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~" العرب أكفاء بعضهم لبعض قبيلة لقبيلة وحي لحي ورجل لرجل إلا حائك أو حجام ~~" وفي إسناده رجل مجهول وقال أبو حاتم إنه كذب لا أصل له وذكر الحفاظ أنه ~~موضوع وقد أوضح الكلام عليه الماتن في كتابه في الموضوعات الذي سماه ~~الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ولكن رواه البزار في مسنده من طريق ~~أخرى عن معاذ بن جبل رفعه "العرب بعضها أكفاء لبعض" وفيه سليمان بن أبي ~~الجون ويغني عن ذلك مافي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة "خياركم في ~~الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" ولكن ليس فيه دلالة على المطلوب لأن ~~إثبات كون البعض خيرا من بعض لايستلزم أن الأدنى غير كفؤ للأعلى وهكذا حديث ~~"إن الله تعالى اصطفى كنانة من ولد اسمعيل واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من ~~قريش بني هاشم" فإن هذا الاصطفاء لا يدل على أن الأدنى غير كفوء للأعلى ~~وأخرج الترمذي من حديث أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى ms313 الله عليه ~~وسلم: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه قال: "إذا جاءكم من ~~ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات " وقد حسنه الترمذي وقال هذا حديث حسن ~~غريب* ونقل المناوي عن البخاري أنه لم يعده محفوظا وعده أبو داود في ~~المراسيل وأعله ابن القطان بالإرسال وضعف راويه وأبو حاتم المزني له صحبة ~~ولا يعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث وأخرج الدارقطني ~~عن عمر أنه قال: "لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء" أقول: استدل ~~على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه ابن ماجه بإسناد رجاله رجال الصحيح ~~من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه "أن فتاة جاءت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال فجعل الأمر ~~إليها فقالت قد أجزت PageV02P006 # ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من أمر النساء ~~شئ "وأخرجه أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة عن عائشة ومحل الحجة منه قولها ~~ليرفع بي خسيسته فإن ذلك مشعر بأنه غير كفؤا لها ولا يخفى أن هذا إنما هو ~~من كلامها وإنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إليها بكون رضاها ~~معتبرا فإذا لم ترض لم يصح النكاح سواء كان المعقود له كفؤا أو غير كفؤ ~~وأيضا هو زوجها بابن أخيه وابن عم المرأة كفؤ لها واستدل على اعتبار ~~الكفاءة في النسب بما أخرجه أحمد والنسائي وصححه وابن حبان والحاكم من حديث ~~بريدة مرفوعا: "إن أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إليه المال" وبما أخرجه ~~أحمد والترمذي وصححه هو والحاكم من حديث سمرة مرفوعا: "الحسب المال والكرم ~~التقوى" ويحتمل أن يكون المراد أن هذا هو الذي يعتبره أهل الدنيا كما صرح ~~به في حديث بريدة وأن هذا حكاية عن صنيعهم واغترارهم بالمال وعدم اعتدادهم ~~بالدين فيكون في حكم التوبيخ لهم والتقريع وقد ثبت ms314 أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم زوج مولاه زيد بن حارثة بزينب بنت جحش القرشية وزوج أسامة بن زيد ~~بفاطمة بنت قيس القرشية وزوج عبد الرحمن بن عوف بلالا بأخته وأخرج أبو داود ~~"أن أبا هند حجم النبي صلى الله عليه وسلم فقال "يا بني بياضة أنكحوا أبا ~~هند وأنكحوا إليه" أخرجه أيضا الحاكم وحسنه ابن حجر في التلخيص وأخرج ~~البخاري والنسائي وأبو داود عن عائشة: "أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن ~~عبد شمس وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تبنى سالما ~~وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى امرأة من الأنصار قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ~~إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ~~قال في الحجة البالغة: أقول: ليس في هذا الحديث أن الكفاءة غير معتبرة كيف ~~وهي مما جبل عليه طوائف الناس وكاد يكون القدح فيها أشد من القتل والناس ~~على مراتبهم والشرائع لا تهمل مثل ذلك ولذلك قال عمر لأمنعن النساء إلا من ~~أكفائهن ولكنه أراد أن لا يتبع أحد محقرات الأمور نحو قلة المال ورثاثة ~~الحال ودمامة الجمال أو يكون ابن أم ولد ونحو ذلك من الأسباب بعد أن يرضى ~~دينه وخلقه. فإن أعظم مقاصد # PageV02P007 # تدبير المنزل الاصطحاب في خلق حسن. وأن يكون ذلك الاصطحاب سببا لصلاح ~~الدين. وقال في المسوى في باب الكفاءة: قال الله تعالى {أفمن كان مؤمنا كمن ~~كان فاسقا لا يستوون} وقال تعالى {هم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون} قلت: هذه الآيات تدل على تفاوت مراتب ~~الناس وأن ذلك أمر ثابت فيهم ولم يرده الله تعالى فكان تقريرا ثم اختلفوا ~~في تحديد المعاني التي يقع بها التفاوت فذهب أكثرهم إلى أنها أربعة: الدين ~~والحرية والنسب والصناعة ms315 والمراد من الدين الإسلام والعدالة واعتبر الشافعي ~~السلامة من العيوب المثبتة للخيار أيضا ومعنى اعتبار الكفاءة عند أبي حنيفة ~~أن المرأة إذا زوجت نفسها من غير الكفؤ فللأولياء أن يفرقوا بينهما وعند ~~الشافعي أن أحد الأولياء المستوين إذا زوجها برضاها من غير كفؤ لم يصح وفي ~~قول يصح ولهم الفسخ إذا زوج الأب بكرا صغيرة أو بالغة بغير رضاها وفيه ~~القولان أيضا انتهى. أقول: قوله صلى الله عليه وسلم "من ترضون دينه وخلقه" ~~فيه دليل على اعتبار الكفاءة في الدين والخلق وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة ~~مختص بالدين مالك ونقل عن عمر وابن مسعود ومن التابعين عن محمد ابن سيرين ~~وعمر بن عبد العزيز ويدل عليه قوله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ~~واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور وقال أبو حنيفة قريش أكفاء بعضهم بعضا ~~والعرب كذلك وليس أحد من العرب كفؤا لقريش كما ليس أحد من غير العرب كفؤا ~~للعرب وهو وجه للشافعية قال في الفتح والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على ~~غيرهم ومن عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض قال الشافعي: ولم يثبت في اعتبار ~~الكفاءة بالنسب حديث وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه "العرب بعضهم ~~أكفاء بعض والموالي بعضهم أكفاء بعض" فإسناده ضعيف قال في الفتح واعتبار ~~الكفاءة في الدين متفق عليه فلا تحل المسلمة لكافر انتهى. وأعلى الصنائع ~~المعتبرة في الكفاءة في النكاح على الإطلاق العلم لحديث "العلماء ورثة ~~الأنبياء" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان من حديث أبي الدرداء ~~وضعفه الدارقطني في العلل قال المنذري هو مضطرب الإسناد وقد ذكره البخاري ~~في صحيحه # PageV02P008 # بغير إسناد. والقرآن الكريم شاهد صدق على ما ذكرناه فمن ذلك قوله تعالى: ~~{هل يستوي الذين يعلمون} وقوله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات} وقوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولو العلم} وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة منها حديث "خياركم في ~~الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " وقد تقدم. وبالجملة إذا ms316 تقرر لك ~~هذا عرفت أن المعتبر هو الكفاءة في الدين والخلق لا في النسب لكن لما أخبر ~~صلى الله عليه وسلم "بأن حسب أهل الدنيا المال" وأخبر صلى الله عليه وسلم ~~كما ثبت في الصحيح عنه أن في أمته "ثلاثا من أمر الجاهلية الفخر بالأحساب ~~والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة" كان تزوج غير الكفوء في ~~النسب والمال من أصعب ما ينزل بمن لم يؤمن بالله واليوم الآخر قال الماتن ~~رحمه الله ومن هذا القبيل استثناء الفاطمية من قوله ويغتفر برضا الأعلى ~~والولي وجعل بنات فاطمة رضي الله عنها أعلى قدرا وأعظم شرفا من بنات رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لصلبه فيا عجبا كل العجب من هذه التعصبات الغربية ~~والتصلبات على أمر الجاهلية وإذا لم يتركها من عرف أنها من أمور الجاهلية ~~من أهل العلم فكيف يتركها من لم يعرف ذلك والخير كل الخير في الإنصاف ~~والانقياد لما جاء به الشرع ولهذا أخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف ~~الناس" فهذا نص في محل الخلاف انظر أمهات العترة الطاهرة الذين هم قدوة ~~السادة وأسوة القادة في كل خير ودين من كن فأم أبي العترة الإمام زين ~~العابدين علي بن الحسين شهريانو بنت يزدجرد بن شهريار بن شيرويه بن ~~خسروبرويز بن هرمز بن نوشيروان ملك الفرس وأم الإمام موسى الكاظم أم ولد ~~اسمها حميدة وأم الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم أم ولد أيضا اسمها تكتم ~~وأم الإمام علي بن محمد بن علي المذكور الملقب بالجواد والتقي أم ولد اسمها ~~خيزران وقيل ريحانة وأم الإمام علي بن محمد الملقب بالهادي والعسكري أم ولد ~~اسمها سمانة وأم الإمام حسن بن علي الملقب بالزكي والخالص والعسكري أم ولد ~~اسمها سوسن وأم الإمام محمد بن حسن الملقب # PageV02P009 # بالحجة والقائم والمهدي أم ولد اسمها نرجس وهكذا كان شأن التزوج في أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرج أحد منهم ms317 على الكفاءة في النسب وإنما ~~أخذ بذلك الجهلة من الأمة لا سيما أهل القرى والقصبات من نسل العترة ~~والصحابة رضي الله عنهم أجمعين. وأكثرهم خائضون في الباطل عاطلون عن حلي ~~العلم الموصل إلى الحق وكان أمر الله قدرا مقدورا "و" تخطب "الصغيرة إلى ~~وليها" لما في صحيح البخاري وغيره عن عروة "أن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر" ورضا البكر صمتها لما تقدم من الأحاديث ~~الصحيحة وتحرم الخطبة في العدة لحديث فاطمة بنت قيس "أن زوجها طلقها ثلاثا ~~فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة وقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "إذا حللت فآذنيني فآذنته " الحديث وهو في صحيح ~~مسلم وغيره وأخرج البخاري عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى {فيما عرضتم به ~~من خطبة النساء} قال: يقول إني أريد التزويج ولوددت أنه ييسر لي امرأة ~~صالحة وأخرج الدارقطني عن محمد بن علي الباقر عليهما السلام "أنه دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال لقد علمت ~~أني رسول الله وخيرته من خلقه وموضعي من قومي وكانت تلك خطبته" والحديث ~~منقطع قال في الفتح: واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم من مات عنها ~~زوجها واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن وكذا من وقف نكاحها وأما ~~الرجعية فقال الشافعي لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها. والحاصل أن ~~التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات والتعريض مباح في الأولى وحرام في ~~الأخيرة مختلف فيه في البائن "و" الخطبة "على الخطبة" لحديث عقبة بن عامر ~~"أن رسول الله صلى الله وسلم " قال المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن ~~يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر " وهو في صحيح مسلم ~~وغيره وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ~~حتى ينكح أو يترك" وأخرج أيضا من حديث ابن عمر "لا يخطب الرجل ms318 على خطبة ~~الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له" وقد ذهب إلى تحريم ذلك الجمهور ~~"ويجوز" له "النظر إلى المخطوبة" لحديث المغيرة عند أحمد والنسائي وابن ~~ماجة والترمذي والدارمي # PageV02P010 # وابن حبان وصححه أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله وسلم: "انظر إليها ~~فإنه أحرى أن يؤدم1 بينكما" فأتى أبويها فأخبرهما بقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكأنهما كرها ذلك فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها فقالت إن كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تنظر فانظر وإلا فإني أنشدك2 كأنها ~~عظمت ذلك عليه فنظرت إليها فتزوجتها فذكر من موافقتها ذكره أحمد وأهل السنن ~~وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال "كنت عند النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم أنظرت إليها قال لا قال فاذهب فانظر إليها فإن في ~~أعين الأنصار شيئا" وفي الباب أحاديث "ولا نكاح إلا بولي" لحديث أبي موسى ~~عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "لانكاح إلا بولي" وحديث عائشة عند أحمد وأبي داود ~~وابن ماجه والترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم وأبي عوانة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل ~~فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا ~~فالسلطان ولي من لا ولي له" وفي الباب أحاديث قال الحاكم وقد صحت الرواية ~~فيه عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ثم ~~سرد تمام ثلاثين صحابيا. أقول الأدلة الدالة على اعتبار الولي وأنه لا يكون ~~العاقد سواه وأن العقد من المرأة لنفسها بدون إذن وليها باطل قد رويت من ~~طريق جماعة من الصحابة فيها الصحيح والحسن وما دونهما فاعتباره متحتم وعقد ~~غيره مع عدم عضله باطل بنص الحديث لا فاسد على تسليم أن الفساد ms319 واسطة بين ~~الصحة والبطلان ولا يعارض هذه الأحاديث حديث "الثيب أحق بنفسها من وليها ~~والبكر تستأذن" ونحوه كحديث "ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر" لأن ~~المراد أنها أحق بنفسها في تعيين من تريد نكاحه إن كانت ثيبا والبكر يمنعها ~~الحياء من التعيين فلا بد من استئذانها وليس المراد أن الثيب تزوج نفسها أو ~~توكل من يزوجها مع وجود الولي فعقد النكاح أمر آخر وبهذا تعلم أن لا وجه ~~لما ذهبت PageV02P011 # إليه الظاهرية من اعتبار الولي في البكر دون الثيب والولي عند الجمهور هو ~~الأقرب من العصبة وروي عن أبي حنيفة أن ذوي الأرحام من الأولياء. أقول الذي ~~ينبغي التعويل عليه عندي هو أن يقال إن الأولياء هم قرابة المرأة الأدنى ~~فالأدنى الذين يلحقهم الغضاضة إذا تزوجت بغير كفء وكان المزوج لها غيرهم ~~وهذا المعنى لا يختص بالعصبات بل قد يوجد في ذوي السهام كالأخ لأم وذوي ~~الأرحام كابن البنت وربما كانت الغضاضة معهما أشد منها مع بني الأعمام ~~ونحوهم فلا وجه لتخصيص ولاية النكاح بالعصبات كما أنه لا وجه لتخصيصها بمن ~~يرث ومن زعم ذلك فعليه الدليل أو النقل بأن معنى الولي في النكاح شرعا أو ~~لغة هو هذا وأما ولاية السلطان فثابتة بحديث "إذا تشاجر الأولياء فالسلطان ~~ولي من لا ولي لها" فهذا الحديث وإن كان فيه مقال فهو لا يسقط به عن رتبة ~~الاستدلال وهو يدل على حكمين الأول: أن تشاجر الأولياء يوجب بطلان ولا يتهم ~~ويصيرهم كالمعدومين الثاني: أنهم إذا عدموا كانت الولاية للسلطان وإذا تحرر ~~لك ما ذكرناه في الأولياء فاعلم أن من غاب منهم عند حصور الكفء ورضا ~~المكلفة به ولو في محل قريب إذا كان خارجا عن بلد المرأة ومن يريد نكاحها ~~فهو كالمعدوم: والسلطان ولي من لا ولي له اللهم إلا أن ترضى المرأة ومن ~~يريد الزواج بالانتظار لقدوم الغائب فذلك حق لهما وإن طالت المدة وأما مع ~~عدم الرضا فلا وجه لإيجاب الانتظار ولا سيما مع حديث "ثلاث لا يؤخرن إذا ms320 ~~حانت منها الأيم إذا حضر كفؤها" كما أخرجه الترمذي والحاكم وجميع ما ذكر من ~~تلك التقديرات بالشهر وما دونه ليس على شئ منها أثارة من علم ومع ذلك ~~فالقول بأن غيبة الولي الموجبة لبطلان حقه هي الغيبة التي يجوز الحكم معها ~~على الغائب هو قول مناسب إذا صح الدليل على أنه لايجوز الحكم على الغائب ~~إلا إذا كان في مسافة القصر فإن لم يصح دليل على ذلك فالواجب الرجوع إلى ما ~~ذكرناه فإن قلت إذا كان ولي النكاح هو أعم من العصبات كما ذكرته فما وجهه؟ ~~قلت وجهه أنا وجدنا الولاية قد أطلقت في كتاب الله تعالى على ما هو أعم من ~~القرابة {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} ووجدناها قد أطلقت في سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما هو أخص من ذلك قال صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: "السلطان ولي من لا ولي له" ولا ريب # PageV02P012 # أنه لم يكن المراد في الحديث مافي الآية وإلا لزم أنه لا ولاية للسلطان ~~إلا عند عدم المؤمنين وهو باطل لأنه أحدهم بل له مزية عليهم لا توجد في ~~أفرادهم وإذا ثبت أنه لم يكن المراد بالولي في الحديث الأولياء المذكورين ~~في الآية فليس بعض من يصدق عليه اسم الإيمان أولى من بعض إلا بالقرابة ولا ~~ريب أن بعض القرابة أولى من بعض وهذه الأولوية ليست باعتبار استحقاق نصيب ~~من المال أو استحقاق التصرف فيه حتى يكون كالميراث أو كولاية الصغير بل ~~باعتبار أمر آخر وهو ما يجده القريب من الغضاضة التي هي العار اللاصق به ~~وهذا لا يختص بالعصبات كما بينا بل يوجد في غيرهم ولا شك أن بعض القرابة ~~أدخل في هذا الأمر من بعض فالآباء والأبناء أولى من غيرهم ثم الإخوة لأبوين ~~ثم الإخوة لأب أو لأم ثم أولاد البنات ثم أولاد الإخوة وأولاد الأخوات ثم ~~الأعمام والأخوال ثم هكذا من بعد هؤلاء ومن زعم الاختصاص بالبعض دون البعض ~~فليأتنا بحجة وإن لم يكن بيده إلا ms321 مجرد أقوال من تقدمه فلسنا ممن يعول على ~~ذلك وبالله التوفيق * قال في الحجة: وفي اشتراط الولي في النكاح تنويه ~~أمرهم واستبداد النساء بالنكاح وقاحة منهن منشؤها قلة الحياء واقتصاب على ~~الأولياء وعدم اكثرات بهم وأيضا يجب أن يميز النكاح من السفاح بالتشهير ~~وأحق التشهير أن يحضر أولياؤها ولا يجوز أن يحكم في النكاح النساء خاصة ~~لنقصان عقلهن وسوء فكرهن فكثيرا ما لا يهتدين للمصلحة ولعدم حماية الحسب ~~منهن غالبا فربما رغبن في غير الكفء وفي ذلك عار على قومها فوجب أن يجعل ~~للأولياء شئ من هذا الباب لتسد المفسدة وأيضا فإن السنة الفاشية في الناس ~~من قبل ضرورة أنهن عوان1 بأيديهم وهو قوله تعالى {الرجال قوامون على النساء ~~بما فضل الله بعضهم على بعض} انتهى. قال الشافعي: لا ينعقد نكاح امرأة إلا ~~بعبارة الولي القريب فإن لم يكن فبعبارة الولي البعيد فإن لم يكن فبعبارة ~~السلطان فإن زوجت نفسها أوغيرها بإذن الولي أو بغير إذنه بطل ولم يتوقف ~~وتأويل قوله "لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها" لا يزوجها إلا وكيل الولي ~~ويفهم تزوجيها بنفسه بالأولى وقال أبو حنيفة: ينعقد نكاح المرأة الحرة ~~العاقلة البالغة برضاها وإن لم يعقد ولي بكرا كانت أو ثيبا PageV02P013 # وتأويل الحديث أنه يكره لها ذلك خشية أن تقصر في رعاية الكفاءة وغيرها أو ~~تنسب إلى الوقاحة أو تأويله إن للولي حق الاعتراض في غير الكفء فمعنى قوله ~~"لا تنكح "أي لا تستقل بنكاحها إلا بإذنه لأن له حق الاعتراض في غير الكفء ~~وقال محمد: ينعقد موقوفا على إذنه كذا في المسوى "وشاهدين" لحديث عمران بن ~~حصين عند الدارقطني والبيهقي في العلل وأحمد في رواية ابنه عبد الله عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ~~وفي إسناده عبد الله بن محرز وهو متروك وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ~~عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "لا نكاح إلا بولي ~~وشاهدي عدل فإن تشاجروا فالسلطان ولي ms322 من لا ولي له" وإسناده ضعيف وأخرج ~~الترمذي من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال " ~~البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة" وصحح الترمذي وقفه وهذه الأحاديث ~~وما ورد في معناها يقوي بعضها بعضا وقد ذهب إلى ذلك الجمهور قال في شرح ~~السنة أكثر أهل العلم على أن النكاح لاينعقد إلا ببينة ولا ينعقد حتى يكون ~~الشهود حضورا حالة العقد واختلفوا في صفة الشهود قال الشافعي: لا ينعقد إلا ~~بمشهد رجلين عدلين وقال أبو حنيفة ينعقد برجل وامرأتين وبفاسقين كذا في ~~المسوى وفي الموطإ في باب "لا يحل نكاح السر "مالك عن أبي الزبير المكي أن ~~عمر بن الخطاب أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة فقال هذا نكاح السر ~~ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت "إلا أن يكون" الولي "عاضلا أو غير ~~مسلم" لقوله تعالى {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} ولتزوجه صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان من غير وليها لما كان كافرا حال ~~العقد "ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكل لعقد النكاح ولو واحدا" لحديث ~~عقبة ابن عامر عند أبي داود "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "أترضى ~~أن أزوجك فلانا قال نعم وقال للمرأة أترضين أن أزوجك فلانا قالت نعم فزوج ~~أحدهما صاحبه" الحديث وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم الأوزاعي وربيعة ~~والثوري ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه والليث وأبو ثور وحكى في البحر عن ~~الشافعي وزفر أنه لا يجوز وقال في الفتح وعن مالك لو قالت المرأة # PageV02P014 # لوليها زوجني بمن رأيت فزوجها من نفسه أو ممن اختار لزمها ذلك ولو لم ~~تعلم عين الزوج وقال الشافعي: يزوجه السلطان أو ولي آخر مثله أو أقعد منه ~~ووافقه زفر وأما استحباب النثار فأقول لم يصح في ذلك شئ كما أوضحه في النيل ~~والسيل ولا بأس بنثر شئ من المأكولات فهو من جملة الإطعام المندوب إنما ~~الشأن في الحكم بمشروعية انتهابه مع ms323 ورود الأحاديث الصحيحة بالنهي عن النهي ~~والظاهر أن هذا نوع منها ولم يرد ما يدل على التخصيص لا من وجه صحيح ولا ~~حسن بل ولا ضعيف ينجبر وأما إجابة الوليمة فأحاديث الأمر بالإجابة صحيحة ~~ولم يأت ما يقتضي صرفها عن الوجوب نعم الولائم المشوبة بالمنكرات مع عدم ~~القدرة على التغيير لا يجوز حضورها كما يدل عليه حديث النهي عن الجلوس على ~~المائدة التي تدار عليها الخمر وسائر المعاصي تقاس على ذلك # فصل ونكاح المتعة1" قال في الحجة رخص فيها صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~أياما ثم نهى عنها أما الترخيص أولا فلملكان حاجة تدعو إليه كما ذكره ابن ~~عباس فيمن يقدم بلدة ليس بها أهله أشار ابن عباس أنها لم تكن يومئذ ~~استئجارا على مجرد البضع بل كان ذلك مغمورا في ضمن حاجات من باب تدبير ~~المنزل كيف والاستئجار على مجرد البضع انسلاخ عن الطبيعة الإنسانية ووقاحة ~~يمجها الباطن السليم وأما النهي عنها فلارتفاع تلك الحاجة في غالب الأوقات ~~وأيضا ففي جريان الرسم به اختلاط الأنساب لأنها عند انقضاء تلك المدة تخرج ~~من حيزه ويكون الأمر بيدها فلا يدري ماذا تصنع وضبط العمدة في النكاح ~~الصحيح الذي بناؤه على التأييد في غاية العسر فما ظنك بالمتعة وإهمال ~~النكاح الصحيح المعتبر في الشرع فإن أكثر الراغبين في النكاح غالب داعيتهم ~~قضاء شهوة الفرج وأيضا فإن من الأمر الذي يتميز به النكاح من السفاح ~~التوطين على المعاونة الدائمة وإن كان الأصل فيه قطع المنازعة فيها على ~~أعين الناس انتهى # في شرح السنة اتفق العلماء على تحريم المتعة وهو كالإجمال بين المسلمين ~~"منسوخ" فإنه لا خلاف أنه قد كان ثابتا في الشريعة كما صرح بذلك القرآن ~~{فما استمتعتم به منهن PageV02P015 # فآتوهن أجورهن} ولما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال "كنا نغرو مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس معنا نساء فقلنا ألا نختصي فنهانا ~~عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل "وفي الباب أحاديث ms324 ~~وثبت النسخ من حديث جماعة فأخرج مسلم وغيره من حديث سبرة الجهني "أنه غزا ~~مع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فتح مكة فأذن لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في النساء قال فلم يخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "وفي لفظ من حديثه "وأن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة" وأخرج الترمذي ~~عن ابن عباس "إنما كانت المتعة في أول الإسلام حتى نزلت هذه الآية {إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} " وفي الصحيحين من حديث علي "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر" والأحاديث في هذا الباب كثيرة ~~والخلاف طويل وقد استوفاه الماتن في نيل الأوطار ورواية من روى تحريمها إلى ~~يوم القيامة هي الحجة في هذا الباب وهذا نهي مؤبد وقع في آخر موطن من ~~المواطن سافر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعقبه موته بعد أربعة ~~أشهر فوجب المصير إليه ولا يعارضه ما روي عن بعض الصحابة أنهم ثبتوا على ~~المتعة في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد موته إلى آخر أيام عمر كما زعمه ~~صاحب ضوء النهار فإن من النسخ المؤبد حجة على من لم يعلم واستمرار من استمر ~~عليها إنما كان لعدم علمه بالناسخ وأما ما صار يهول به جماعة من المتأخرين ~~من أن تحليل المتعة قطعي وحديث تحريمها على التأبيد ظني والظني لا ينسخ ~~القطعي حتى قال المقبلي إن الجمهور لم يجدوا جوابا على هذا فيقال: إن كان ~~كون التحليل قطعيا لكونه منصوصا عليه في الكتاب العزيز فذلك وإن كان قطعي ~~المتن فليس بقطعي الدلالة لأمرين أحدهما: أنه يمكن حمله على الاستمتاع ~~بالنكاح الصحيح الثاني: أنه عموم وهو ظني الدلالة على أنه قد روى الترمذي ~~عن ابن عباس أنه قال "إنما كانت المتعة حتى نزلت هذه الآية {إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} قال ابن عباس فكل فرج سواهما حرام" وهذا يدل ~~على التحريم بالقرآن فيكون ما هو قطعي المتن ناسخا ms325 لما هو قطعي المتن وإن ~~كان التحليل قطعيا لكونه قد وقع الإجماع من الجميع عليه في أول الأمر فيقال ~~وقد وقع الإجماع أيضا عل التحريم في الجملة عند الجميع وإنما # PageV02P016 # الخلاف في التأبيد هل وقع أم لا وكون هذا التأبيد ظنيا لا يستلزم ظنية ~~التحريم الذي وقع النسخ به فالحاصل أن الناسخ للتحليل المجمع عليه هو ~~التحريم المجمع عليه المقيد بقيد ظني وهو التأبيد فالناسخ والمنسوخ قطعيان ~~هذا على التسليم ناسخ القطعي لا يكون إلا قطعيا كما قرره جمهور أهل الأصول ~~وإن كنت لا أوافقهم على ذلك. والتحليل حرام لحديث ابن مسعود عند أحمد ~~والنسائي والترمذي وصححه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل ~~والمحلل له" وصححه أيضا ابن القطان وابن دقيق العيد وله طريق أخرى أخرجها ~~عبد الرزاق وطريق ثالثه أخرجها اسحق في مسنده وأخرج أحمد وأبو داود وابن ~~ماجة والترمذي وصححه ابن السكن من حديث علي مثله وخرج ابن ماجه والحاكم من ~~حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم ~~بالتيس المستعار قالوا بلى يا رسول الله قال: هو المحلل لعن الله المحلل ~~والمحلل له" وفي إسناده يحيى بن عثمان وهو ضعيف وقد أعل بالإرسال وأخرج ~~أحمد والبيهقي والبزار وابن أبي حاتم والترمذي في العلل من حديث أبي هريرة ~~نحوه وحسنه البخاري وأخرج الحاكم والطبراني في الأوسط من حديث عمر "أنهم ~~كانوا يعدون التحليل سفاحا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال في ~~تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين رواه ابن ماجه بإسناد رجاله موثقون وصح ~~عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما رواه ابن أبي شيبة ~~وعبد الرزاق في مصنفهما وابن المنذر في الأوسط وروى ابن أبي شيبة عن ابن ~~عمر أنه سئل عن ذلك فقال كلاهما زان والكلام في ذلك عن الصحابة والتابعين ~~طويل قد أطال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية الكلام عليه وأفرده مصنفا ~~سماه بيان الدليل على إبطال التحليل انتهى. ms326 أقول حديث لعن المحلل مروي من ~~طريق جماعة من الصحابة بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن واللغن لا يكون إلا ~~على أمر جائز في الشريعة المطهرة بل على ذنب هو من أشد الذنوب فالتحليل غير ~~جائز في الشرع ولو كان جائزا لم يلعن فاعله والراضي به وإذا كان الفاعل يدل ~~على تحريم فعله لم تبق صيغة تدل على التحريم قط وإذا كان هذا الفعل حراما ~~غير جائز في الشريعة فليس هو النكاح الذي # PageV02P017 # ذكره الله في قوله {حتى تنكح زوجا غيره} كما أنه لوقال لعن الله بائع ~~الخمر لم يلزم من لفظ بائع أنه قد جاز بيعه وصار من البيع الذي أذن فيه ~~بقوله {وأحل الله البيع} والأمر ظاهر قال ابن القيم ونكاح المحلل لم يبح في ~~ملة من الملل قط ولم يفعله أحد من الصحابة ولا أفتى به واحد منهم ثم سل من ~~له أدنى اطلاع على أحوال الناس كم من حرة مصونة أنشب فيها المحلل مخالب ~~إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان وكان بعلها منفردا بوطئها فإذا هو ~~والمحلل ببركة التحليل شريكان فلعمر الله كم أخرج التحليل مخدرة من سترها ~~إلى البغاء بين مرامين العشراء والحرماء ولولا التحليل لكان منال الثريا ~~دون منالها والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها وعناق القنا دون عناقها ~~والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها وأما هذه الأزمان التي شكت الفروج ~~فيها إلى ربها من مفسدة التحليل وقبح ما يرتكبه المحللون مما هو رمد بل عمى ~~في عين الدين وشجا في حلوق المؤمنين من قبائح تشمت أعداء الدين به وتمنع ~~كثيرا ممن يريد الدخول فيه بسببه بحيث لا يحيط بتفاصليها خطاب ولا يحصرها ~~كتاب يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح ويعدونها من أعظم الفضائح قد ~~قلبت من الدين رسمه وغيرت منه اسمه وضمخ التيس المستعار فيها المطلقة ~~بنجاسة التحليل وزعم أنه قد طيبها للتحليل فيالله العجب أي طيب أعارها هذا ~~التيس الملعون وأي مصلحة حصلت لها ولمطلقها بهذا الفعل الدون إلى غير ذلك ~~انتهى وقد ms327 أطال رحمه الله تعالى في تخريج أحاديث التحليل في إعلام الموقعين ~~إطالة حسنة فليراجع "وكذلك الشغار" لثبوت النهي عنه كما في حديث ابن عمر في ~~الصحيحين وغيرهما "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نهى عن ~~الشغار" وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال "نهى رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم عن الشغار والشغار أن يقول الرجل زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي أو ~~زوجني أختك وأزوجك أختي" وأخرج مسلم أيضا من حديث ابن عمر "أن النبي صلى ا. ~~لله وسلم عليه قال "لا شغار في الإسلام" وفي الباب أحاديث قال ابن عبد البر ~~أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز ولكن اختلفوا في صحته والجمهور ~~على البطلان قال الشافعي هذا النكاح باطل كنكاح المتعة وقال أبو حنيفة جائز ~~ولكل واحد منهما مهر مثلها انتهى. # PageV02P018 # أقول النهي عن الشغار ثابت بالأحاديث الصحيحة من طرق جماعة من الصحابة. ~~وعلى كل حال فكون الشغار من مفسدات العقد غير مناسب لما تقرر في الأصول لأن ~~النهي عن الشغار يقتضي قبحه أو تحريمه أو فساده على اختلاف الأقوال وإذا ~~اقتضى ذلك وجب على كل واحد من الزوجين توفير المهر لزوجته بما استحل من ~~فرجها فهو بمنزلة فساد التسمية وفسادها لا يستلزم فساد عقد النكاح والمهر ~~ليس بشرط للعقد فالحكم بأن الشغار يفسد العقد غير مناسب لما تقرر في الأصول ~~ولا موافق لقواعد الفروع ولو فرض أن النهي عن النكاح الذي فيه شغار لم يكن ~~ذلك مقتضيا لفساد العقد لأن النهي ليس لذات العقد ولا لوصفه بل لأمر خارج ~~عنه وقد تقرر في الأصول أن ذلك لا يوجب الفساد. ويجب على الزوج الوفاء بشرط ~~المرأة لحديث عقبة بن عامر قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ~~"أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج" وهو في الصحيحين وغيرهما ~~قلت: هو قول أكثر أهل العلم وقالوا قوله صلى الله عليه وسلم "إن أحق ~~الشروط" الخ خاص في شرط المهر إذا سمى ms328 لها مالا في الذمة أو عينا عليه أن ~~يوفيها ما ضمن لها وفي الحقوق الواجبة التي هي مقتضى العقد وأما ما سوى ذلك ~~مثل أن يشترط في العقد للمرأة أن لايخرجها من دارها ولا ينقلها من بلدها أو ~~لا ينكح عليها أو نحو ذلك فلا يلزمه الوفاء به وله إخراجها ونقلها وأن ينكح ~~عليها إلا أن يكون في ذلك يمين فليزمه اليمين كذا في المسوى. أقول: الوفاء ~~بمطلق الشروط مشروع قال تعالى {أوفوا بالعقود} وقال صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم "المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا" وهو حديث ~~حسن ولكن هذا المخصص المتصل أعني قوله "إلا شرطا" الخ يدل على أن ما كان من ~~الشروط بهذه الصفة لا يجب الوفاء به وكما يخصص عموم أول الحديث كذلك يخصص ~~عموم الآية ويؤيد هذا المخصص الحديث المتفق عليه بلفظ "كل شرط ليس في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله فهو باطل" ولا يعارض هذا حديث "أحق الشروط" الخ وهو ~~متفق عليه ووجه عدم المعارضة أن عموم هذا الحديث مخصص بما قبله من الحديثين ~~الدالين على أن الشروط التي تحلل الحرام أو تحرم الحلال مما ليس في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله لا يجب الوفاء بها # PageV02P019 # سواء كانت في نكاح أو غيره لا كما قاله الجلال في ضوء النهار "إلا أن يحل ~~حراما أو يحرم حلالا" فلا يحل الوفاء به كما ورد بذلك الدليل وقد ثبت النهي ~~عن اشتراط أمور كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أويبيع على بيعة أخيه ولا تسأل ~~المرأة طلاق أختها لتكتفىء ما في صحفتها أو إنائها فإنما رزقها على الله" ~~وأخرج أحمد من حديث عبد الله بن عمر "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم قال: "لا يحل أن ينكح امرأة بطلاق أخرى" "ويحرم على الرجل أن ~~ينكح زانية أو مشركة" لقوله تعالى {الزاني لا ينكح إلا زانية أو ms329 مشركة ~~والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} ولما أخرجه ~~أحمد بإسناد رجاله ثقات والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عبد الله بن ~~عمرو "أن رجلا من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة ~~يقال لها أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه فقرأ عليه صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} وأخرج أبو داود ~~والنسائي والترمذي وحسنه من حديث ابن عمر "أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان ~~يحمل الأسارى بمكة وكان بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقته قال فجئت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أنكح عناقا قال فسكت عني فنزلت ~~الآية {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} فدعاني فقرأها علي وقال لا ~~تنكحها "وأخرج أحمد وأبو داود بإسناد رجاله ثقات من حديث أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله" قال ~~ابن القيم أخذ بهذه الفتاوى التي لا معارض لها الإمام أحمد ومن وافقه وهي ~~من محاسن مذهبه فإنه لم يجوز أن ينكح الرجل زوجا تحبه ويعضد مذهبه بضعة ~~وعشرون دليلا قد ذكرناها في موضع آخر انتهى وأخرج ابن ماجة والترمذي وصححه ~~من حديث عمرو بن الأحوص "أنه شهد حجة الوداع مع النبي الله تعالى عليه وآله ~~وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: "استوصوا في النساء خيرا ~~فإنما هن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا ~~تبغوا عليهن # PageV02P020 # سبيلا" وأخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس قال: "جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس قال: غربها قال: ~~أخاف أن تتبعها نفسي قال فاستمتع بها" قال المنذري ورجال إسناده محتج بهم ~~في الصحيحين قال ابن القيم عورض بهذا الحديث المتشابه ms330 الأحاديث المحكمة ~~الصريحة في المنع من تزوج1 البغايا واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه فقالت ~~طائفة المراد باللامس ملتمس الصدقة لا ملتمس الفاحشة وقالت طائفة بل هذا في ~~الدوام غير مؤثر وإنما المانع ورود العقد على الزانية فهذا هو الحرام وقالت ~~طائفة بل هذا من التزام أخف المفسدتين لدفع أعلاهما فإنه لما أمر بمفارقتها ~~خاف أن لا يصبر عنها فيواقعها حراما فأمره حينئذ بإمساكها إذ مواقعتها بعقد ~~النكاح أقل فسادا من مواقعتها بالسفاح وقالت طائفة بل الحديث ضعيف لا يثبت ~~وقالت طائفة ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية وإنما فيه أنها لا تمنع ~~ممن يمسها أو يضع يده عليها أو نحو ذلك فهي تعطي الليان لذلك ولا يلزم أن ~~تعطيه الفاحشة الكبرى ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها الداعي إلى الفاحشة ~~فأمره بفراقها تركا لما يريبه إلى ما لا يريبه فلما أخبره بأن نفسه تتبعها ~~وأنه لا صبر له عنها رأى مصلحة إمساكها أرجح المسالك والله تعالى أعلم ~~انتهى. في المسوى أقول: الظاهر عندي أن مبنى اختلافهم هذا اختلافهم في مرجع ~~"ذلك "في قوله "حرم ذلك" فقال أحمد مرجعه نكاح الزانية والمشركة وقال غيره ~~مرجعه الزنا والشرك والمراد على هذا أن العادة قاضية بأن الزانية لا يرغب ~~فيها إلا زان أو مشرك والزنا والشرك حرام على المؤمنين فنكاحها لا يليق ~~بحال المؤمنين ولا يقولون إن الحديث ناسخ بل يقولون إنه مبين لتأويل الآية ~~ومع ذلك فلا يخلو عن بعد في الكافي مذهب أحمد الزانية يحرم نكاحها كالمعتدة ~~وأما غير أحمد فقولهم جواز نكاح الفاجرة وإن كان الاختيار غير ذلك لحديث ~~"لا ترد يد لامس" قال الواحدي: عن أبي عبيد مذهب مجاهد أن التحريم لم يكن ~~إلا على جماعة خاصة من فقراء المهاجرين أرادوا نكاح البغايا لينفقن عليهم ~~ومذهب سعد أن التحريم كان عاما ثم نسخته الرخصة وأورد أبو عبيد على هذا ~~الحديث أنه خلاف الكتاب PageV02P021 # والسنة المشهورة لأن الله تعالى إنما أذن في نكاح المحصنات خاصة ثم أنزل ~~في ms331 القاذف آية اللعان وسن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم التفريق ~~بينهما فلا يجتمعان أبدا فكيف يأمر بالإقامة على عاهرة لا تمتنع ممن أرادها ~~والحديث مرسل فإن ثبت فتأويله أن الرجل وصف امرأته بالخرق وضعف الرأي ~~وتضييع ماله فهي لا تمنعه من طالب ولا تحفظه من سارق وهذا أشبه بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وأحرى بحديثه. أقول في الاستدلال بحديث لا ترد يد لامس نظر ~~من وجهين: أحدهما: أن هذا ليس رميا لها بالزنا البتة بل رمي بقلة الاحتياط ~~في أمر الملامسة فيحتمل حينئذ أن لا تتورع من اللمس الحرام وتتورع من حقيقة ~~الزنا المفضي إلى الحد والمقتضي للحبل الموجب للفضيحة الشديدة وكم من امرأة ~~لا تتورع من النظر واللمس المحرمين وتتورع من موجب الحد وسبب الحبل خوفا من ~~الفضيحة فلما لم يصرح بالزنا لم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليه ~~الفراق1 وثانيهما: أن حالة الابتداء تفارق حالة البقاء في أكثر المسائل ~~كالمحرم لا يبتدىء بالنكاح في حالة إحرامه ولا يضره البقاء فإذا جوز النبي ~~صلى الله عليه وسلم إمساكها في حالة بقاء النكاح من أين لكم أنه يجوز ~~ابتداء النكاح انتهى. والعكس وإنما قال بالعكس لأن هذا الحكم لا يختص ~~بالرجل دون المرأة كما تفيد ذلك الآية الكريمة {الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} . أقول: هذا هو الظاهر من ~~الآية الكريمة ودعوى أن سبب نزول الآية فيمن سأله صلى الله عليه وسلم أنه ~~يريد أن ينكح عناقا وكانت مشركة مدفوعة بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب لا سيما والآية الكريمة قد تضمنت نكاح الزانية على حدة ونكاح المشركة ~~على حدة وأما حديث "إن امرأتي لا ترد يد لامس" فالظاهر أنه كناية عن كونها ~~زانية لا كما قال المقبلي إن المراد أنها ليست نفورا من الريبة لا أنها ~~زانية ثم استبعد أن يقول له صلى الله عليه وسلم "استمتع بها" وقد عرف أنها ~~زانية وأن ذلك مناف لأخلاقه ms332 الشريفة2 وأقول: هذا التأويل خلاف الظاهر ~~والاستبعاد لا يجوز إثبات الأحكام الشرعية PageV02P022 # أو نفيها بمجرده فالأولى التعويل على شئ آخر هو أن الحديث قد اختلف في ~~وصله وإرساله بل قال النسائي إنه ليس بثابت وهكذا لا وجه لحمل الحديث على ~~مجرد التهمة فإن الرجل لم يقل إنه يتهم أنها لا ترد يد لامس أو يشك أو يظن ~~بل قال ذلك جزما. "ومن صرح القرآن بتحريمه" وهو ظاهر لقوله تعالى {حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ~~وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف} ثم قال {وأحل لكم ما وراء ذلكم} . قال في المسوى: اتفقت الأمة على ~~أنه يحرم الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل بعده ~~فالأصول هي الأمهات والجدات وإن علون والفصول هي: البنات وبنات الأولاد وإن ~~سفلن وفصول أول الأصول هي: الأخوات وبنات الإخوة والأخوات وإن سفلن وأول ~~فصل من كل أصل بعده هي: العمات والخالات وإن علت درجتهن انتهى. "والرضاع ~~كالنسب" لحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم" وفي لفظ "من النسب" وفيهما أيضا من ~~حديث عائشة مرفوعا "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" وأخرج أحمد ~~والترمذي وصححه من حديث علي قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن ~~الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب" قال أهل العلم والمحرمات من الرضاع ~~سبع: الأم والأخت - بنص القرآن - والبنت والعمة والخالة وبنت االأخ وبنت ~~الأخت لأن هؤلاء يحرمن من النسب فيحرمن من الرضاع وقد وقع الخلاف هل يحرم ~~من الرضاع ما يحرم من الصهار وقد حقق الكلام في ذلك ابن القيم في الهدي قال ~~في المسوى: اتفقت الأمة على أن كل من عقد ms333 النكاح على امرأة تحرم المنكوحة ~~على آباء الناكح وإن علوا وعلى أبنائه وأبناء أولاده من النسب والرضاع ~~جميعا وإن سفلو تحريما مؤبدا بمجرد العقد ويحرم على الناكح أمهات المنكوحة ~~وجداتها من الرضاع والنسب جميعا تحريما مؤبدا بمجرد العقد فإن دخل ~~بالمنكوحة حرمت عليه بناتها وبنات أولادها # PageV02P023 # من النسب والرضاع جميعا وإن فارقها قبل أن يدخل بها جاز له نكاح بناتها ~~واتفقوا على أن حرمة الرضاع كحرمة النسب في المناكح فإذا أرضعت المرأة ~~رضيعا يحرم على الرضيع وعلى أولاده من أقارب المرضعة كل من يحرم على ولدها ~~من النسب ولا تحرم المرضعة على أبي الرضيع ولا على أخيه ولا تحرم عليك أم ~~أختك إذا لم تكن أمك ولا زوجة أبيك ويتصور هذا في الرضاع ولا يتصور في ~~النسب ليس لك أم أخت إلا وهي أم لك أو زوجة لأبيك وكذلك لا تحرم عليك أم ~~نافلتك إذا لم تكن ابنتك أو زوجة ابنك ولا جدة ولدك إذا لم تكن أمك أو أم ~~زوجتك ولا أخت ولدك إذا لم تكن ابنتك أو ربيبتك وحرمة الرضاع تكون بالرجال ~~كما تكون بالنساء وهو قول أكثر أهل العلم انتهى. "والجمع بين المرأة وعمتها ~~أو خالتها" لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: "نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها "وفي لفظ لهما "نهى أن يجمع ~~بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها "وفي الباب أحاديث وقد حكى الترمذي ~~المنع من ذلك عن عامة أهل العلم وقال: لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك وقال ~~ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلاف اليوم وقد حكى الإجماع أيضا ~~الشافعي والقرطبي وابن عبد البر قلت اتفقت الأمة على أنه يحرم عليه أن يجمع ~~بين الأختين وبين الأمة وبنت أخيها وبنت الخالة وبنت أختها من النسب ~~والرضاع جميعا وجملته أن كل امرأتين من أهل النسب لو قدرت إحداهما ذكرا ~~حرمت الأخرى عليه فالجمع بينهما حرام ولا بأس بالجمع بين المرأة وزوجة ~~أبيها أو زوجة ابنها ms334 لأنه نسب بينهما كذا في المسوى. "و" يحرم "ما زاد على ~~العدد المباح للحر والعبد" لحديث قيس بن الحرث قال: "أسلمت وعندي ثمان نسوة ~~فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: "اختر منهن أربعا" ~~أخرجه أبو داود وابن ماجه وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ~~ضعفه غير واحد من الأئمة وقال ابن عبد البر ليس له إلا حديث واحد1 ولم يأت ~~من PageV02P024 # وجه صحيح ويؤيده ما سيأتي فيمن أسلم وعنده أكثر من أربع. وأما الاستدلال ~~بقوله تعالى {مثنى وثلاث ورباع} ففيه ما أوضحه الماتن في شرح المنتقى وفي ~~حاشية الشفاء وقد قيل إنه لا خلاف في تحريم الزيادة على الأربع وفيه نظر ~~كما أوضحه هنالك. أقول: قال الماتن رحمه الله تعالى في كتابه السيل الجرار ~~المتدفق على حدائق الأزهار أما الاستدلال على تحريم الخامسة وعدم جواز ~~زيادة على الأربع بقوله عز وجل {مثنى وثلاث ورباع} فغير صحيح كما أوضحته في ~~شرحي للمنتقي ولكن الاستدلال على ذلك بحديث قيس بن الحرث وحديث غبلان ~~الثقفي وحديث نوفل ابن معاوية وحديث نوفل بن معاوية هو الذي ينبغي الاعتماد ~~عليه وإن كان في كل أحد منها مقال لكن الإجماع على ما دلت عليه قد صارت به ~~من المجمع على العمل عليه وقد حكى الإجماع صاحب فتح الباري والمهدي في ~~البحر والنقل عن الظاهرية لم يصح فإنه قد أنكر ذلك منهم من هو أعرف ~~بمذهبمهم وأيضا قد ذكرت في تفسيري الذي سميته فتح القدير تصحيح بعض هذه ~~الأحاديث وأطلت المقال في ذلك فليرجع إليه انتهى. وقال في نيل الأوطار شرح ~~منتقى الأخبار حديث قيس بن الحرث وفي رواية الحرث بن قيس في إسناده محمد بن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضعفه غير واحد من الأئمة قال أبو القاسم البغوي ~~ولا أعلم للحارث بن قيس حديثا غير هذا وقال أبوعمر النمري1 ليس له إلا حديث ~~واحد ولم يأت به من وجه صحيح وفي معنى هذا الحديث حديث غيلان ms335 الثقفي وهو عن ~~الزهري عن سالم عن ابن عمر قال "أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في ~~الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يختار ~~منهن أربعا "رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وحكم أبو حاتم وأبو زرعة بأن ~~المرسل أصح وحكى الحاكم عن مسلم أن هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة ~~قال فإن رواه عنه ثقة خارج البصرة حكمنا له بالصحة وقد أخذ ابن حبان ~~والحاكم والبيهقي بظاهر الحكم وأخرجوه من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة ~~وأهل خراسان وأهل اليمامة عنه قال الحافظ ولا يفيد ذلك شيئا فإن هؤلاء كلهم ~~إنما PageV02P025 # سمعوا منه بالبصرة وعلى تقدير أنهم سمعوا بغيرها فحديثه الذي حدث به في ~~غير بلده مضطرب لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة وأما إذا رحل فحدث ~~من حفظه بأشياء وهم فيها اتفق على ذلك أهل العلم كابن المديني والبخاري ~~وابن أبي حاتم ويعقوب ابن شيبة وغيرهم وحكى الأثرم عن أحمد أن هذا الحديث ~~ليس بصحيح والعمل عليه وأعله بتفرد معمر في وصله وتحديثه به في غير بلده ~~وقال ابن عبد البر طرقه كلها معلولة وقد أطال الدارقطني في العلل تخريج ~~طرقه ورواه ابن عيينة ومالك عن الزهري مرسلا ورواه عبد الرزاق عن معمر كذلك ~~وقد وافق معمرا على وصله بحر بن كنيز1 السقاء عن الزهري ولكنه ضعيف وكذا ~~وصله يحيى بن سلام عن مالك ويحيى ضعيف وفي الباب عن نوفل بن معاوية عند ~~الشافعي "أنه أسلم وتحته خمس نسوة فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم أمسك أربعا وفارق الأخرى "وفي إسناده رجل مجهول لأن الشافعي قال حدثنا ~~بعض أصحابنا عن أبي الزناد عن عبد المجيد بن سهل عن عوف بن الحرث عن نوفل ~~بن معاوية قال أسلمت فذكره وفي الباب أيضا عن عروة بن مسعود وصفوان بن أمية ~~عند البيهقي وقوله "اختر منهن أربعا "استدل به الجمهور على تحريم الزيادة ~~على أربع وذهبت الظاهرية إلى ms336 أنه يحل للرجل أن يتزوج تسعا ولعل وجهه قوله ~~تعالى {مثنى وثلاث ورباع} ومجموع ذلك لا باعتبار ما فيه من العدل تسع وحكي ~~ذلك عن ابن الصباغ والعمراني وبعض الشيعة وحكي أيضا عن القاسم بن إبراهيم ~~وأنكر الإمام يحيى الحكاية عنه وحكاه صاحب البحر عن الظاهرية وقوم مجاهيل ~~وأجابوا عن حديث قيس بن الحرث المذكور بما فيه من المقال المتقدم وأجابوا ~~عن حديث غيلان الثقفي بما تقدم فيه من المقال وكذلك أجابوا عن حديث نوفل بن ~~معاوية بما قدمنا من كونه في إسناده مجهول قالوا ومثل هذا الأصل العظيم لا ~~يكتفى فيه بمثل ذلك ولا سيما وقد ثبت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم قد جمع بين تسع أو إحدى عشرة وقد قال تعالى {لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة} PageV02P026 # وأما دعوى اختصاصه بالزيادة على الأربع فهو محل النزاع ولم يقم عليه دليل ~~وأما قوله تعالي {مثنى وثلاث ورباع} فالوا وفيه للجمع لا للتخيير وأيضا لفظ ~~مثنى معدول له عن اثنين اثنين وهو يدل على تناول ما كان متصفا من الأعداد ~~بصفة الاثنينية وإن كان في غاية الكثرة البالغة إلى ما فوق الألوف فإنك ~~تقول جاءني القوم مثنى أي اثنين اثنين وهكذا ثلاث ورباع وهذا معلوم في لغة ~~العرب لا يشك فيه أحد فالآية المذكورة تدل بأصل الوضع على أنه يجوز للإنسان ~~أن يتزوج من النساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا وليس من شرط ~~ذلك أن لا تأتي الطائفة الأخرى في العدد إلا بعد مفارقته للطائفة التي ~~قبلها فإنه لا شك أنه يصح لغة وعرفا أن يقول الرجل لألف رجل عنده جاءني ~~هؤلاء اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة فحينئذ الآية تدل على ~~إباحة الزواج بعدد من النساء كثير سواء كانت الواو للجمع أو للتخيير لأن ~~خطاب الجماعة بحكم من الأحكام بمنزلة الخطاب به لكل واحد منهم فكأن الله ~~سجانه قال لكل فرد من الناس: انكح ما طاب لك من النساء مثنى ms337 وثلاث ورباع ~~ومع هذا فالبراءة الأصلية مستصحبة وهي بمجردها كافية في الحل حتى يوجد ناقل ~~صحيح ينقل عنها وقد يجاب بأن مجموع الأحاديث المذكورة في الباب لا تقصر عن ~~رتبة الحسن لغيره فتنتهض بمجموعها للاحتجاج وإن كان كل واحد منها لا يخلو ~~عن مقال ويؤيد ذلك كون الأصل في الفروج الحرمة كما صرح به الخطابي فلا يجوز ~~الإقدام على شئ منها إلا بدليل وأيضا هذا الخلاف مسبوق بالإجماع على عدم ~~جواز الزيادة على الأربع كما صرح بذلك في البحر وقال في الفتح: اتفق ~~العلماء على أن من خصائصه صلى الله تعالى عليه وسلم الزيادة على أربع نسوة ~~يجمع بينهن وقد ذكر الحافظ في الفتح والتلخيص الحكمة في تكثير نسائه صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم فليراجع ذلك انتهى وقال في تفسيره فتح القدير ~~وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع ~~الأمة وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد كما يقال للجماعة ~~اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم أو هذا المال الذي في البدرة درهمين وثلاثة ~~ثلاثة وأربعة أربعة وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته أو عين مكانه ~~أما # PageV02P027 # لو كان مطلقا كما يقال اقتسموا الدراهم ويراد بها ما كسبوه فليس المعنى ~~هكذا والآية من الباب الآخر لا من الباب الأول على أن من قال لقوم يقتسمون ~~مالا معينا كبيرا اقتسموه مثنى وثلاث ورباع فقسموا بعضه بينهم درهمين ~~درهمين وبعضه ثلاثة ثلاثة وبعضه أربعة أربعة كان هذا هو المعنى العربي ~~ومعلموم أنه إذا قال القائل جاءني القوم مثنى وهم مائة ألف كان المعنى أنهم ~~جاءوه اثنين اثنين وهكذا جاءني القوم ثلاث ورباع والخطاب للجميع بمنزلة ~~الخطاب لكل فرد فرد كما في قوله تعالى {اقتلوا المشركين} {وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة} ونحوها ومعنى قوله {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع} لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا ~~وأربعا أربعا هذا ما ms338 تقتضي لغة العرب فالآية تدل على خلاف ما استدلوا به ~~عليه ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} فإنه ~~وإن كان خطابا للجميع فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد فالأولى أن يستدل على ~~تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن وأما استدلال من استدل بالآية ~~على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة وكأنه قال انكحوا مجموع هذا ~~العدد المذكور فهذا جهل بالمعنى العربي ولو قال انكحوا اثنتين وثلاثا ~~وأربعا كان هذا القول له وجه وأما مع المجيء بصيغة العدل فلا وإنما جاء ~~سبحانه بالواو الجامعة دون أو لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد ~~الأعداد المذكورة دون غيره وذلك ليس بمراد من النظم القرآني وأخرج الشافعي ~~وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر "أن غيلان ~~بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم اختر منهن "وفي لفظ "أمسك منهن أربعا وفارق سائرهن "وروي هذا ~~الحديث بألفاظ من طرق وعن نوفل بن معاوية الديلي قال "أسلمت وعندي خمس نسوة ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمسك أربعا وفارق الأخرى" أخرجه ~~الشافعي في مسنده وأخرج ابن ماجه والنحاس في ناسخه عن قيس بن الحرث الأسدي ~~قال "أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~فقال " اختر منهن أربعا وخل سائرهن ففعلت" وهذه شواهد للحديث الأول كما قال ~~البيهقي # وعن الحكم قال أجمع أصحاب رسول الله صلى الله وسلم # PageV02P028 # على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين انتهى كلامه وعن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة ~~حيضتين رواه الدارقطني قال الماتن رحمه الله في نيل الأوطار قد تمسك بهذا ~~من قال إنه لا يجوز للعبد أن يتزوج فوق اثنتين وهو مروي عن علي وزيد بن علي ~~والناصر والحنفية والشافعية ولا يخفى أن قول الصحابي لا يكون حجة على من لم ~~يقل ms339 بحجيته نعم لو صح إجماع الصحابة على ذلك لكان دليلا عند القائلين بحجية ~~الإجماع ولكنه قد روي عن أبي الدرداء ومجاهد وربيعة وأبي ثور والقاسم بن ~~محمد وسالم أنه يجوز له أن ينكح أربعا كالحر حكى ذلك عنهم صاحب البحر ~~فالأولى الجزم بدخوله تحت قوله تعالى {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ~~والحكم له وعليه بما للأحرار وعليهم إلا أن يقوم دليل يقتضي المخالفة كما ~~في المواضع المعروفة بالتخالف بين حكميهما انتهى. # ويوضح ذلك ما حرره الماتن رحمه الله تعالى في وبل الغمام حاشية شفاء ~~الأوام وعبارته هكذا: الذي نقله إلينا أئمة اللغة والإعراب وصار كالمجمع ~~عليه عندهم أن العدل في الأعداد يفيد أن المعدود لما كان متكثرا يحتاج ~~استيفاؤه إلى أعداد كثيرة كانت صيغة العدل المفردة في قوة تلك الأعداد فإن ~~كان مجيء القوم مثلا اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة وكانوا ~~ألوفا مؤلفة فقلت جاءني القوم مثنى أفادت هذه الصيغة أنهم جاءوا اثنين ~~اثنين حتى تكاملوا فإن قلت مثنى وثلاث ورباع أفاد ذلك أن القوم جاءك تارة ~~اثنين اثنين وتارة ثلاثة ثلاثة وتارة أربعة أربعة فهذه الصيغ بينت مقدار ~~عدد دفعات المجيء لا مقدار عدد جميع القوم فإنه يستفاد منها أصلا بل غاية ~~ما يستفاد منها أن عددهم متكثر تكثرا تشق الإحاطة به ومثل هذا إذا قلت نكحت ~~النساء مثنى فإن معناه نكحتهن اثنتين اثنتين وليس فيه دليل على أن كل دفعة ~~من الدفعات لم يدل في نكاحه إلا بعد خروج الأولى كما أنه لا دليل في قولك ~~جاءني القوم مثنى أنه لم يصل الاثنان الآخران إليك إلا وقد فارقك الاثنان ~~الأولان إذا تقرر هذا فقوله تعالى {مثنى وثلاث ورباع} يستفاد منه جواز نكاح ~~النساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا والمراد جواز تزوج كل دفعة ~~من هذه الدفعات في وقت من الأوقات وليس في هذا تعرض لمقدار عددهن بل # PageV02P029 # يستفاد من الصيغ الكثرة من غير تعيين كما قدمنا في مجيء القوم وليس فيه ~~أيضا دليل ms340 على أن الدفعة الثانية كانت بعد مفارقة الدفعة الأولى ومن زعم ~~أنه نقل إلينا أئمة اللغة والإعراب ما يخالف هذا فهذا مقام الاستفادة منه ~~فليتفضل بها علينا وابن عباس إن صح عنه في الآية أنه قصر الرجال على أربع ~~فهو فرد من أفراد الأمة وأما القعقعة بدعوى الإجماع من المصنف وأمثاله فما ~~أهونها وأيسر خطبها عند من لم تفزعه هذه الجلبة وكيف يصح إجماع خالفته ~~الظاهرية وابن الصباغ والعمراني والقاسم بن إبراهيم نجم آل الرسول وجماعة ~~من الشيعة وثلة من محققي المتأخرين وخالفه أيضا القرآن الكريم كما بيناه ~~وخالفه أيضا فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما صح ذلك ~~تواترا من جمعه بين تسع أو أكثر في بعض الأوقات {وما آتاكم الرسول فخذوه} ~~{لقد كان لكم في رسول الله أسوة} {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله} ودعوى الخصوصية مفتقرة إلى دليل والبراءة الأصلية مستصحبة لا ينقل ~~عنها إلا ناقل صحيح تنقطع عنده المعاذير وأما حديث أمره صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم لغيلان لما أسلم وتحته عشر نسوة بأن يختار منهن أربعا ~~ويفارق سائرهن كما أخرجه الترمذي وابن ماجه وابن حبان فهو وإن كان له طرق ~~فقد قال ابن عبد البر كلها معلولة وأعله غيره من الحفاظ بعلل أخرى ومثل هذا ~~لا ينتهض للنقل عن الدليل القرآني والفعل المصطفوي الذي مات صلى الله عليه ~~وسلم والبراءة الأصلية ومن صحح لنا هذا الحديث على وجه تقوم به الحجة أو ~~جاءنا بدليل في معناه فجزاه الله خيرا فليس بين أحد وبين الحق عداوة وعلى ~~العالم أن يوفي الاجتهاد حقه لا سيما في مقامات التحرير والتقرير كما نفعله ~~في كثير من الأبحاث وإذا حاك في صدره شئ فليكن تورعه في العمل لا في تقرير ~~الصواب فإياك أن تحامي التصريح بالحق الذي تبلغ الله ملكتك لقيل وقال ولا ~~سيما في مثل مواطن تجبن عنها كثير من الرجال فإنك لا تسأل يوم القيامة عن ~~الذي ترتضيه منك العباد بل عن ms341 الذي يرتضيه المعبود وإذا جاء نهر الله بطل ~~نهر معقل. ومن ورد البحر استقل السواقيا انتهى واندفع بهذا ما في المسوى من ~~قوله قلت: اتفقت الأمة على أن الحر يجوز له أن ينكح أربع حرائر ولا يجوز له ~~أن ينكح أكثر من أربع قال الشافعي انتهى الله تعالى بالحرائر إلى أربع ~~تحريما لأن يجمع أحد # PageV02P030 # غير النبي صلى الله عليه وسلمبين أكثر من أربع. وأما العبد فأكثر الأمة ~~على أنه لا ينكح أكثر من امرأتين وفي الآية ما يدل على أنها في الأحرار وهو ~~قوله {أو ما ملكت أيمانكم} وملك اليمين لا يكون إلا للأحرار انتهى وأما ~~العدد الذي يحل للعبد فقد حكى البيهقي وابن أبي شيبة أنه أجمع الصحابة على ~~أنه لا ينكح العبد أكثر من اثنتين وكذلك حكى إجماع الصحابة الشافعي وروى ~~الدارقطني عن عمر أنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق يطليقتين وسيأتي ما ~~ورد في طلاق الأمة والعدة في باب العدة فمن قال بأن إجماع الصحابة حجة كفاه ~~إجماعهم ومن لم يقل بحجية إجماعهم أجاز للعبد ما يجوز للحر من العدد وقد ~~أوضح الماتن حكم الإجماع في أول حاشية الشفاء. وإذا تزوج العبد بغير إذن ~~سيده فنكاحه باطل لحديث جابر عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه وابن حبان ~~والحاكم وصححاه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تزوج بغير إذن ~~سيده فهو عاهر" "وأخرجه أيضا ابن ماجه من حديث ابن عمر قال الترمذي لا يصح ~~إنما هو عن جابر وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر أيضا وفي إسناده مندل بن ~~علي وهو ضعيف وقد ذهب إلى عدم صحة عقد العبد بغير إذن مولاه الجمهور وقال ~~مالك إن العقد نافذ ولسيده فسخه ورد بأن العاهر الزاني والزنا باطل وفي ~~رواية من حديث جابر بلفظ "باطل". # وإذا عتقت الأمة ملكت أمر نفسها وخيرت في زوجها لحديث عائشة في صحيح مسلم ~~وغيره "أن بريرة خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عبدا "وكذا في ~~صحيح البخاري ms342 من حديث ابن عباس وفي حديث آخر لعائشة عند أحمد وأهل السنن ~~"أن زوج بريرة كان حرا "وقد اختلفت الروايات في ذلك وقد اختلف أهل العلم في ~~ثبوت الخيار إذا كان الزوج حرا فذهب الجمهور إلى أنه يثبت وجعلوا العلة في ~~الفسخ عدم الكفاءة وقد وقع في بعض الروايات "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لبريرة ملكت نفسك فاختاري "فإن هذا يفيد أنه لا فرق بين الحر والعبد ~~والحاصل أن الاختلاف في كون زوجها حرا أو عبدا لا يقدح في ذلك لأن ملكها ~~لأمر نفسها يقتضي عدم الفرق ولكن دعوى أن تمكينها لزوجها بعد علمها بالعتق ~~وثبوت الخيار مبطل لخيارها لا دليل عليها وتركه صلى الله عليه وسلم ~~لاستفصال بريرة أو زوجها عن ذلك يفيد أنه غير مبطل ولو كان مبطلا لم يتركه ~~ويجوز فسخ النكاح # PageV02P031 # بالعيب لحديث كعب بن زيد أو زيد بن كعب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تزوج امرأة من بني غفار فلما دخل عليها ووضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر ~~بكشحها بياضا فانحاز عن الفراش ثم قال خذي عليك ثيابك ولم يأخذ مما آتاها ~~شيئا" أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وابن عدي والبيهقي وأخرجه من حديث كعب بن ~~عجرة الحاكم في المستدرك وأخرجه أبو نعيم في الطب والبيهقي من حديث ابن عمر ~~وفي الحديث اضطراب1 وروى مالك في الموطإ والدارقطني وسعيد بن منصور ~~والشافعي وابن أبي شيبة عن عمر أنه قال "أيما امرأة غر بها رجل بها جنون أو ~~جذام أو برص فلما مهرها بما أصاب منها وصداق الرجل على من غره" ورجال ~~إسناده ثقات وفي الباب عن علي عند سعيد بن منصور وقد ذهب جمهور أهل العلم ~~إلى أن النكاح يفسخ بالعيوب وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك وروي عن علي وعمر ~~وابن عباس أنها لا ترد النساء إلا بالعيوب الثلاثة المذكورة والرابع الداء ~~في الفرج وذهب بعض أهل العلم إلى أن المرأة ترد بكل عيب ترد به الجارية في ~~البيع ورجحه ابن القيم ms343 واحتج له في الهدي بالقياس على البيع وذهب البعض إلى ~~أن المرأة ترد الزوج بتلك الثلاثة وبالجب والعنة2 والخلاف في هذا البحث ~~طويل. # أقول اعلم أن الذي ثبت بالضرورة الدينية أن عقد النكاح لازم تثبت به ~~أحكام الزوجية من جواز الوطء ووجوب النفقة ونحوها وثبوت الميراث وسائر ~~الأحكام وثبت بالضرورة الدينية أن يكون الخروج منه بالطلاق والموت فمن زعم ~~أنه يجوز الخروج من النكاح بسبب من الأسباب فعليه الدليل الصحيح المقتضي ~~للانتقال عن ثبوته بالضرورة الدينية وما ذكروه من العيوب لم يأت في الفسخ ~~بها حجة نيرة ولم يثبت شئ منها وأما قوله صلى الله عليه وسلم "الحقي بأهلك3 ~~" فالصيغة صيغة طلاق وعلى فرض الاحتمال فالواجب الحمل على المتيقن دون ما ~~سواه وكذلك الفسخ بالعنة لم يرد به دليل صحيح والأصل البقاء على النكاح حتى ~~يأتي ما يوجب الانتقال عنه ومن أعجب PageV02P032 # ما يتعجب منه تخصيص بعض العيوب بذلك دون بعض لا لمجرد دليل1 فسبحان الله ~~وبحمده ويقر من أنكحة الكفار إذا أسلموا ما يوافق الشرع لحديث الضحاك بن ~~فيروز عن أبيه عند أحمد وأهل السنن والشافعي والدارقطني والبيهقي وحسنه ~~الترمذي وصححه ابن حبان قال "أسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم أن أطلق إحداهما "وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي ~~والشافعي وابن حبان والحاكم وصححاه عن ابن عمر قال "أسلم غيلان الثقفي ~~وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم أن يختار منهن أربعا" وقد أعل الحديث بأن الثابت منه إنما هو قول ~~عمر كما قال البخاري قال ابن القيم السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن ~~أسلم وتحته أختان أنه يخير في إمساك من شاء منهما وترك الأخرى وردت بأنه ~~خلاف الأصول وقالوا قياس الأصول يقتضي أنه نكاح واحدة بعد واحدة فنكاح ~~الثانية هو المردود ونكاح الأولى هو الصحيح من غير تخيير وإن نكحهما معا ~~فنكاحهما باطل ولا يخير وكذلك حديث من أسلم علي عشرة نسوة وربما أولوا ~~التخيير ms344 بتخييره في غبتداء العقد علي من شاء نمن المنكوحات ولفظ الحديث ~~يأبى هذا التأويل أشد الإباء فإنه قال "أمسك أربعا وفارق سائرهن" رواه معمر ~~عن الزهري عن سالم عن أبيه "أن غيلان أسلم" فذكره وحديث فيروز المتقدم ~~فهذان الحديثان هما الأصول التي يرد ما خالفهما من القياس أما أن تقعد ~~قاعدة وتقول هذا الأصل ثم ترد السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة فلعمر الله ~~لهدم ألف قاعد لم يؤصلها الله تعالى ورسوله أفرض علينا من رد حديث واحد ~~وهذه القاعدة معلومة البطلان من الدين فإن أنكحة الكفار لم يتعرض لها النبي ~~صلى الله عليه وسلم كيف وقعت وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإسلام فتصح أم ~~لم تصادفها فتبطل وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج فإن كان ممن يجوز له ~~المقام نع امرأته أقرهما ولو كان في الجاهلية وقد وقع على غير شرطه ~~PageV02P033 # من الولي والشهود وغير ذلك وإن لم يكن الآن ممن ممن يجوز له الاستمرار لم ~~يقر عليه كما أسلم وتحته ذات رحم محرم أو أختان أو أكثر من أربع فهذا هو ~~الصل الذي أصلته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما خالفه فلا يلتفت ~~إليه والله الموفق انتهي ملخصا "وإذا أسلم أحد الزوجين انفسخ النكاح وتجب ~~العدة" لحديث ابن عباس عند البخاري قال: "كان إذا هاجرت المرأة من أهل ~~الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح وإن جاء زوجها قبل ~~أن تنكح ردت إليه" وأخرج مالك في الموطإ عن الزهري أنه قال "ولم يبلغنا أن ~~امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزجها كافر مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها ~~بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها وإنه لم ~~يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها" وفي صحيح ~~البخاري عن ابن عباس قال: "كان المشركون على منزلتين من النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين أهل الحرب يقاتلهم ويقاتلونه وأهل عهد لا يقاتلهم ولا ~~يقاتلونه فكان إذا ms345 هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا ~~طهرت حل لها النكاح فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه "فإن أسلم ولم ~~تتزوج المرأة كانا على نكاحهما الأول ولو طالت المدة إذا اختارا ذلك" لحديث ~~ابن عباس عند أحمد وأبي داود وصححه الحاكم "أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ~~ابنته زينب على أبي العاص زوجها بنكاحها الأول بعد سنتين ولم يحدث شيئا" ~~وفي لفظ "ولم يحدث صداقا" زفي لفظ للترمذي "ولم يحدث نكاحا" وقال هذا حديث ~~حسن ليس بإسناده بأس وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمرو "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ردها على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد" وفي إسناده ~~الحجاج بن أرطاة وهو الضعيف وروي باسناج ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده مثله قال الترمذي في إسناده مقال وقال الإمام أحمد هذا حديث ضعيف ~~والصحيح أنه أقرهما على النكاح الأول وقال الدارقطني هذا حديث لا يثبت ~~والصواب حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها بالنكاح الأول" ~~وقال الترمذي في كتاب العلل له سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال ~~حديث ابن عباس في هذا الباب أصح من حديث عمرو ين # PageV02P034 # شعيب قال ابن القيم فكيف يجعل هذا الحديث الضعيف أصلا ترد به السنة ~~الصحيحة المعلومة وتجعل خلاف الأصول انتهى وقد ذهب إلى ما دل عليه حديث ابن ~~عباس جماعة من الصحابة ومن بعدهم لا كما نقله ابن عبد البر من الإحماع على ~~أنه لا يبقى العقد بعد انقضاء العدة ولا مانع من جعل حديث ابن عباس وما ورد ~~في معناه مخصصا لما ورد من أن العدة إذا انقضت فقد ذهب العقد ولم تحل للزوج ~~إلا بغقد جديد قال ابن القيم في إعلام الموقعين أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن يفرق بين من أسلم وبين من امرأته إذا لم تسلم معه بل متى أسلم ~~الآخر فالنكاح بحاله مالم تتزوج هذه سنته ms346 المعلومة قال الشافعي أسلم أبو ~~سفيان بن حرب بمر الظهران وهي دار خزاعة وبخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار ~~الإسلام ورجع إلى مكة وهند بنت عتبة مقيمة على غير الإسلام فأخذت بلحيته ~~وقالت اقتلوا الشيخ الضال ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة ~~وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام وأبو سفيان بها مسلم وهند ~~كافرة ثم أسلمت بعد بعد انقضاء العدة واستقر علي النكاح لا أن عدتها لم ~~تنقض حتى أسلمت وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه وأسلمت امرأة صفوان بن أمية ~~وامرأة عكرمة ابن أبي جهل بمكة وصارت دارهما دار الإسلام وظهر حكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حرب وصفوان ~~يريد اليمن وهي دار حرب ثم رجع صفوان ظغلي مكة وهي دار الإسلام وشهد حنينا ~~وهو كافر ثم أسلم فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول وذلك أنه لم تنقض ~~عدتها وقد حفظ أهل العلم بالمغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجل بمكة ~~فأسلمت وهاجرت إلى المدينة فقدم زوجها وهي في العدة فاستقر على النكاح ~~انتهى. أقول إن إسلام المرأة مع بقاء زوجها في الكفر ليس لمنزلة الطلاق إذ ~~لو كان كذلك لم يكن له عليها سبيل بعد انقضاء عدتها إلا برضاها مع تجديد ~~العقد فالحاصل أن المرأة المسلمة إن حاضت بعد إسلامها ثم طهرت كان لها أن ~~تتزوج بمن شاءت فإذا تزوجت لم يبق للأول عليها سبيل إذا أسلم وإن لم تتزوج ~~كانت تحت عقد زوجها الأول ولا يعتبر تجديد عقد ولا تراض هذا ما تقتضيه ~~الأدلة وإن خالف أقوال الناس وهكذا الحكم في ارتداد أحد الزوجين فإنه إذا ~~عاد المرتد إلى الإسلام كان حكمه حكم إسلام من كان باقيا على الكفر # PageV02P035 # فصل المهر واجب" وبه يتحقق التمييز بين النكاح والسفاح وهو قوله تعالى ~~{أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} فلذلك أبقى النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم وجوب المهر كما كان ودليل وجوبه أنه صلى ms347 الله تعالى عليه ~~وآله وسلم لم يسوغ نكاحا بدون مهر أصلا وفي الكتاب العزيز {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة} وقوله {فلا تأخذوا منه شيئا} وقال {وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض} الآية وقال تعالى {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن ~~أجورهن} وقد أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه من حديث ابن عباس "أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم منع عليا أن يدخل بفاطمة عليهما ~~السلام حتى يعطيها شيئا ولما قال ما عندي شئ قال فأين درعك الحطمية فأعطاه ~~إياها "وحديث سهل بن سعد الآتي قريبا من أعظم الأدلة على وجوب المهر "وتكره ~~المغالاة فيه" لحديث عائشة عند الطبراني في الأوسط "أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم قال: " إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة" وفي إسناده ~~ضعف وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال:" جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم فقال له إني تزوجت امرأة من الأنصار فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم هل نظرت إليها فإن في عيون الأنصار شيئا قال قد نظرت إليها قال ~~على كم تزوجتها قال على أربع أواق فقال له النبي صلى الله عليه وسلم على ~~أربع أواق كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى ~~أن نبعثك في بعث تصيب منه قال فبعث بعثا إلى بني عبس بعث ذلك الرجل فيهم ~~"وأخرج أبو داود والحاكم وصححه من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "خير الصداق أيسره" وعن عائشة "أنه كان صداق النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا" أي نصفا وهو في صحيح مسلم ~~وغيره قال في الحجة ولم يضبط النبي صلى الله عليه وسلم المهر بحد لا يزيد ~~ولا ينقص إذ العادات في إظهار الاهتمام مختلفة والرغبات لها مراتب شتى ولهم ~~في المشاحة طبقات فلا يمكن تحديده عليهم كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء ~~المرغوبة بحد مخصوص ولذلك ms348 قال "التمس ولو خاتما من حديد" غير أنه سن في ~~صداق أزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا وقال عمر رضي الله تعالى عنه "لا تغالوا ~~في صدقات النساء فإنها لو # PageV02P036 # كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم" انتهى. "ويصح ولو خاتما من حديد أو تعليم قرآن" لما أخرجه ~~أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عامر بن ربيعة "أن امرأة من بني ~~فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرضيت عن نفسك ~~ومالك بنعلين فقالت: نعم فأجازه" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث جابر "أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا ملء يديه ~~طعاما كانت له حلالا" وفي إسناده ضعف وأخرج الدارقطني في حديث لأبي سعيد في ~~المهر قال "ولو على سواك من أراك" وفي الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن ~~سعد" أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت يا رسول الله إني قد ~~وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال يا رسول الله زوجنيها إن لم ~~يكن لك بها حاجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل عندك من شئ تصدقها ~~قال ما عندي إلا إزاري هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أن أعطيتها ~~إزارك جلست لا إزار لك فالتمس شيئا فقال ما أجد شيئا قال التمس ولو خاتما ~~من حديد فالتمس فلم يجد شيئا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل معك من ~~القرآن شئ قال نعم سورة كذا وسورة كذا لسور سماها فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد زوجتكها بما معك من القرآن" ولا يعارض ما ذكر حديث "لا مهر ~~أقل من عشرة دراهم" عند الدارقطني من حديث جابر لأن في إسناده مبشر بن عبيد ~~وحجاج بن أرطاة وهما ضعيفان قال ابن القيم وردت السنة الصحيحة الصريحة ~~المحكمة في جواز النكاح بما قل من مهر ولو خاتما ms349 من حديد مع موافقتها لعموم ~~القرآن في قوله {ن تبتغوا بأموالكم} وللقياس في جواز التراضي بالمعاوضة على ~~القليل والكثير بأثر لا يثبت وقياس من أفسد القياس على قطع يد السارق وأين ~~النكاح من اللصوصية وأين استباحة الفرج به إلى قطع اليد في السرقة وقد تقدم ~~مرارا أن أصح الناس قياسا أهل الحديث وكلما كان الرجل إلى الحديث أقرب كان ~~قياسه أصح وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد انتهى. # أقول الحاصل أن الأدلة قد دلت على أنه يصح أن يكون المهر قليلا بدون ~~تقييد وكذلك حديث المرأة التي تزوجت بنعلين وأقرها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك حديث أنه # PageV02P037 # صلى الله عليه وسلم قال "لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا ملء يديه طعاما ~~كانت حلالا " وكذلك حديث عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة على وزن نواة من ذهب ~~يدل على عدم التقييد بحد في جانب القلة والأحاديث المذكورة هي في الأمهات ~~فالأول متفق عليه والثاني أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه والثالث ~~أخرجه أحمد وأبو داود والرابع أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ~~فهذه الأحاديث تدل على أنه لا حد للمهر في جانب القلة بل إذا كان له قيمة ~~صح أن يكون مهرا وأما في جانب الكثرة فكذلك أيضا لا حد له ولذلك ذكر الله ~~القنطار وكانت مهور زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم لكل واحدة اثنتا عشرة ~~أوقية ونصف عن خمسمائة درهم1 فمن زعم أن المهر لا يكون إلا كذا فعليه ~~الدليل الصحيح ولا ريب أن المغالاة في المهور مكروهة كما تقدم. # ومن تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا فلها مهر نسائها إذا دخل بها لحديث ~~علقمة عند أحمد وأهل السنن والحاكم والبيهقي وصححه الترمذي وابن حبان قال ~~"أتي عبد الله يعني ابن مسعود في امرأة تزوجها رجل ثم مات عنها ولم يفرض ~~لها صداقا ولم يكن دخل بها قال فاختلفوا إليه فقال أرى لها مثل مهر نسائها ~~ولها الميراث وعليها العدة فشهد معقل بن سنان ms350 الأشجعي أن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم قضى في بروع ابنة واشق بمثل ما قضى "وفي إعلام الموقعين ~~"سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض ~~لها صداقا حتى مات فقضى لها على صداق نسائها وعليها العدة ولها الميراث ~~"ذكره أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وغيره قال ابن القيم وهذه فتوى لا ~~معارض لها فلا سبيل إلى العدول عنها انتهى. # ويستحب تقديم شئ من المهر قبل الدخول لحديث ابن عباس المتقدم قريبا وأخرج ~~أبو داود وابن ماجه من حديث عائشة قالت "أمرني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا "ولا يعارض هذا حديث ابن ~~عباس فإن غاية ما فيه أنه يدل على أن تقدمه شيء من المهر قبل الدخول غير ~~واجبة ولا ينفي كونها مستحبة وعليه إحسان العشرة لقوله تعالى {وعاشروهن ~~بالمعروف} وفي الصحيحين PageV02P038 # وغيرهما من حديث أبي هريرة "إن المرأة كالضلع إن ذهبت تقيمها كسرتها وإن ~~تركتها استمتعت بها فاستوصوا بالنساء" وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديثه ~~أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم ~~خلقا وخياركم خياركم لنسائهم" وأخرج الترمذي وصححه من حديث عائشة قالت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" وقال ~~في الحجة البالغة: الإنسان إذا أراد استيفاء مقاصد المنزل منها لا بد أن ~~يجاوز عن محقرات الأمور ويكظم الغيظ فيما يجده خلاف هواه إلا ما يكون من ~~باب الغيرة المحمودة وتداركا لجور ونحو ذلك والواجب الأصلي هو المعاشرة ~~بالمعروف وبينها النبي صلى الله عليه وسلم بالرزق والكسوة وحسن المعاملة ~~ولا يمكن في الشرائع المستندة إلى الوحي أن يعين جنس القوت وقدره مثلا فإنه ~~لا يكاد يتفق أهل الأرض على شئ واحد ولذلك إنما أمر أمرا مطلقا قال في ~~المسوى إذا أعسر الزوج بنفقة امرأته فهل يثبت لها حق الخروج من النكاح قال ~~الشافعي: لها الخروج عن النكاح وقال ms351 أبو حنيفة: ليس لها ذلك وكذلك الخلاف ~~في الإعسار بالصداق إلا أن عند الشافعي في الإعسار بالنفقة إذا رضيت مرة ثم ~~بدا لها فلها الخروج وفي الإعسار بالصداق إذا رضيت مرة سقط حقها انتهى. # وعليها الطاعة لقوله تعالى {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} وفي ~~الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها لعنتها ~~الملائكة حتى تصبح" وأخرج أهل السنن وصححه الترمذي من حديث عمرو بن الأحوص ~~"أنه شهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ~~وذكر ووعظ ثم قال " استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان ليس تملكون منهن ~~شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن لكم من نسائكم ~~حقا ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ~~ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن ~~وطعامهن" وفي الباب أحادث كثيرة وأما أن عليها خدمته في بيته أم لا؟ فأقول: ~~إيجاب ذلك عليها غير ظاهر ولكن قد كان نساء الصحابة # PageV02P039 # يعملن الأعمال التي تصلح المعيشة بل ويعملن من الأعمال الخارجة عن ذلك ما ~~هو متبالغ في المشقة ولم يسمع أن امرأة امتنعت من ذلك وقالت هذا ليس علي أو ~~لست ممن يعمل هذه الأعمال لكوني بمكان من الشرف أو بمحل من الجمال فقد صح ~~في الصحيحين وغيرهما "أن الرحى أثرت في يد البتول والقربة أثرت في نحرها ~~"ولا شرف كشرفها رضي الله عنها وأرضاها فمن زعمت أنه لا يجب عليها إلا ~~تمكين زوجها من الوطء وأرادت الرجوع بأجرة عملها لم تحل إجابتها إلى ذلك ~~إنما الإشكال إذا امتنعت من المباشرة للأعمال ابتداء قائلة هذا لا يجب علي ~~فإجبارها على ذلك يحتاج إلى دليل فإن صح الأمر منه صلى الله عليه ms352 وسلم ~~للبتول بخدمة زوجها كان ذلك صالحا للتمسك به على إجبار الممتنعة وأما ~~استدلال القائلين بعدم الوجوب بقوله تعالى {نساؤكم حرث لكم} ونحو ذلك فليس ~~مما يفيد المطلوب وكان يكفيهم أن يقولوا لم نقف على دليل يدل على الوجوب ~~ولا يثبت مثل هذا الحكم الشاق بدون ذلك ومجرد تقريره صلى الله عليه وسلم ~~لنسائه ونساء المسلمين على العمل في بيوت الأزواج غايته الجواز لا الوجوب. # ومن كان له زوجان فصاعدا عدل بينهن في القسمة وما تدعو الحاجة إليه لحديث ~~أبي هريرة عند أحمد وأهل السنن والدارمي وابن حبان والحاكم وقال: إسناده ~~على شرط الشيخين وصححه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت ~~له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطا ~~أو مائلا" وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فكن يجتمعن ~~كل ليلة في بيت التي يأتيها كما في الصحيح وأخرج أهل السنن وابن حبان ~~والحاكم وصححاه من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقسم فيعدل ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" ~~قال في الحجة البالغة: والظاهر أن ذلك منه صلى الله عليه وسلم كان تبرعا ~~وإحسانا من غير وجوب عليه لقوله تعالى: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من ~~تشاء} وأما في غيره فموضع تأمل واجتهاد ولكن جمهور الفقهاء أوجبوا القسم ~~واختلفوا في القرعة أقول: وفيه أن قوله فلم يعدل مجمل لا يدرى أي عدل أريد ~~به انتهى. # أقول وأما الأمة المعقود عليها عقد نكاح فيصدق عليها أنها زوجة ويصدق ~~عليها أنها # PageV02P040 # امرأة فيكون الوعيد الوارد فيمن له زوجتان أو امرأتان شاملا لهما فالقول ~~بأن الأمة لا تستحق إلا نصف الحرة في القسمة محتاج إلى دليل ولم يصح في ~~المرفوع شئ والموقوف على الصحابة وكذلك المرسلات ليس فيها حجة. # وأما الكلام حال الجماع فقد استدل بعض أهل العلم على كراهة الكلام حال ~~الجماع بالقياس على كراهته حال ms353 قضاء الحاجة فإن كان ذلك يجامع الاستخباث ~~فباطل فإن حالة الجماع حالة مستلذة لا حالة مستخبثة وفي المكالمة حالته نوع ~~من إحسان العشرة بل فيه لذة ظاهرة كما قال بعض الشعراء: # ويعجبني منك حال الجماع ... لين الكلام وضعف النظر # وإن كان الجامع شيئا آخر فما هو؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرع ~~الملاعبة والمداعبة ووقت الجماع أولى بذلك من غيره وإذا سافر أقرع بينهن ~~دفعا لوحر1 الصدر لحديث عائشة في الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها ~~"وللمرأة أن تهب نوبتها أو تصالح الزوج على إسقاطها لحديث عائشة في ~~الصحيحين وغيرهما "أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة "وفي الصحيحين عن تفسير قوله تعالى: ~~{فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير} قالت: "هي المرأة تكون ~~عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها فتقول له: أمسكني ولا ~~تطلقني ثم تزوج غيري وأنت في حل من النفقة علي والقسم لي2 "ويقيم عند ~~الجديدة البكر سبعا والثيب ثلاثا لأن البكر الرغبة فيها أتم والحاجة إلى ~~تأليف قلبها أكثر فجعل قدرها السبع وقدر الثيب الثلاث لحديث أم سلمة عند ~~مسلم وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام ~~"وفي الصحيحين من حديث أنس قال: "من PageV02P041 # السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا ثم قسم وإذا تزوج الثيب ~~أقام عندها ثلاثا ثم قسم" وفي الباب أحاديث ولا يجوز العزل يشير إلى كراهة ~~العزل من غير تحريم قال في المسوى: اختلف أهل العلم في العزل فرخص فيه غير ~~واحد من الصحابة والتابعين وكرهه جمع منهم ولا شك أن تركه أولى وبالجملة ~~فدليله حديث جذامة بنت وهب الأسدية "أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن العزل فقال ذلك الوأد الخفي" أخرجه مسلم وغيره وأخرج أحمد وابن ms354 ~~ماجه عن عمر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن نعزل عن الحرة ~~إلا بإذنها "وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال وأخرج عبد الرزاق والبيهقي من ~~حديث ابن عباس قال "نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها "وقد استدل من جوز العزل ~~بحديث جابر في مسلم وغيره قال "كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والقرآن ينزل "وفي رواية "فبلغه ذلك فلم ينهنا "وغايته أن جابرا لم ~~يعلم بالنهي وقد علمه غيره وأما ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لما سألوه عن العزل ما عليكم أن لا تفعلوا فإن الله ~~عز وجل قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة "فقد قيل إن معناه النهي وقيل إن ~~معناه ليس عليكم أن تتركوا وغايته الاحتمال ولا يصلح للاستدلال وأخرج أحمد ~~والترمذي والنسائي بإسناد رجاله ثقات قال "قال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم في العزل أنت تخلقه أنت ترزقه أقرره قراره فإنما ذلك القدر" ~~وأخرج أحمد ومسلم من حديث أسامة بن زيد "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال إني أعزل عن امرأتي فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم لم تفعل ذلك فقال أشفق على ولدها فقال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم لو كان ضارا ضر فارس والروم" وقد حكى ابن عبد البر الإجماع ~~على أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها وتعقب بأن الشافعية تقول إنه ~~لا حق للمرأة في الجماع # أقول: وفي حديث أبي سعيد الذي أخرجه أهل السنن قال: "قيل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم زعموا أن العزل هو المؤودة الصغرى فقال: كذبت يهود لو أراد الله ~~أن يخلق لم تستطع أن تصرفه" وأخرج نحوه النسائي من حديث أبي هريرة وجابر ~~ويمكن الجمع بحمل الأحاديث القاضية بالمنع على مجرد الكراهة فقط من دون ~~تحريم ولا يجوز إتيان المرأة في دبرها لحديث أبي ms355 هريرة عند أحمد وأهل السنن # PageV02P042 # والبزار قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم " ملعون من ~~أتى امرأة في دبرها" وفي إسناده الحرث بن مخلد لا يعرف حاله وأخرج أحمد ~~والترمذي وأبو داود من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم قال " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه فقد كفر ~~بما أنزل على محمد" وفي إسناده أبو تميمة عنه قال البخاري لا يعرف لأبي ~~تميمة سماع عن أبي هريرة وقال البزار هذا حديث منكر وفي إسناده أيضا حكيم ~~بن الأثرم قال البزار لا يحتج به وما تفرد به فليس بشئ وأخرج أحمد وابن ~~ماجه من حديث خزيمة بن ثابت "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يأتي ~~الرجل امرأته في دبرها "وفي إسناده عمر بن أحيحة وهو مجهول وفي الباب عن ~~علي بن أبي طالب عند أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه "أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا تأتوا النساء في أعجازهن أو قال في أدبارهن" ورجال ~~إسناده ثقات وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد والنسائي "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال في الذي يأتي امرأته في دبرها هو اللوطية الصغرى" ~~وفي الباب أحاديث وبعضها يقوي بعضا وحكي عن بعض أهل العلم الجواز واستدلوا ~~بقوله تعالى {فأتوا حرثكم أنى شئتم} والبحث طويل لا يتسع المقام لبسطه. # أقول: كان اليهود يضيقون في هيئة المباشرة من غير حكم سماوي وكان الأنصار ~~ومن وليهم يأخذون سنتهم وكانوا يقولون إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في ~~قبلها كان الولد أحول فنزلت هذه الآية أي أقبل وأدبر ما كان في صمام واحد ~~وذلك لأنه لا شئ تتعلق به المصلحة المدنية والملية والإنسان أعرف بمصلحة ~~خاصة نفسه وإنما كان ذلك من تعمقات اليهود فكان من حقه أن ينسخ قال في ~~إعلام الموقعين "وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة من الأنصار عن وطء المرأة ~~في قبلها من ناحية دبرها ms356 فتلا عليها قوله تعالى {نساؤكم حرث لكم فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم} صماما واحدا "ذكره أحمد وسأله صلى الله عليه وسلم عمر فقال ~~"يا رسول الله هلكت قال وما أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة فلم يرد عليه ~~شيئا فأوحى الله تعالى إلى رسوله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} ~~أقبل وأدبر واتق الحيضة والدبر "ذكره أحمد والترمذي وهذا هو الذي أباحه ~~الله تعالى ورسوله وهو الوطء من الدبر لا في الدبر انتهى. # أقول: هذه النصوص المذكورة فيها مقالات لأئمة الحديث # PageV02P043 # ولكن لها طرق عن جماعة من الصحابة وهي منتهضة بمجموعها على فرض أن معنى ~~قوله تعالى {أنى شئتم} أين شئتم فإن كل ما في هذه الأحاديث من المقالات لا ~~يبلغ بواحد منها إلى حد السقوط عن درجة الاعتبار وقد استوفى الماتن رحمه ~~الله البحث في النيل واستوفاه الجلال في ضوء النهار وساق الأدلة برصانة ~~ومتانة رحمه الله وأعظم ما يستشكل في المقام ما صح عن ابن عمر من طرق "أنه ~~قرأ {نساؤكم حرث لكم} فقال تدري يا نافع فيم أنزلت هذه الآية قال لا قال في ~~رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها فوجد من ذلك وجدا شديدا فأنزل الله ~~سبحانه {نساؤكم حرث لكم} "لكنه قد وهمه حبر الأمة ابن عباس في ذلك كما في ~~سنن أبي داود # فصل الولد للفراش وللعاهر الحجر ولا عبرة لشبهه بغير صاحبه لحديث أبي ~~هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد ~~للفراش وللعاهر الحجر" وفيهما أيضا من حديث عائشة قالت "اختصم سعد ابن أبي ~~وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد يا رسول الله ~~ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة ~~هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة وقال هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش ms357 ~~وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة ". # وإذا اشترك ثلاثة في وطء أمة طهر ملكها كل واحد منهم فيه فجاءت بولد ~~وادعوه جميعا فيقرع بينهم ومن استحقه بالقرعة فعليه للآخرين ثلثا الدية لما ~~أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي من حديث زيد بن أرقم قال: "أتي ~~علي وهو باليمن بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد فسأل اثنين وقال أتقران ~~لهذا بالولد قالا لا ثم سأل اثنين أتقران لهذا بالولد قالا لا فجعل كلما ~~سأل اثنين أتقران لهذا بالولد قالا لا فأقرع بينهم فألحق الولد بالذي ~~أصابته القرعة وجعل عليه ثلثي الدية فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فضحك حتى بدت نواجذه "وأخرجه النسائي وأبو داود موقوفا على علي بإسناد أجود ~~من الأول لأن في الإسناد الأول يحيى بن عبد الله الكندي المعروف بالأجلح ~~وقد وثقه يحيى بن معين والعجلي وضعفه النسائي بما لا يوجب ضعفا وقد أخذ ~~بالقرعة # PageV02P044 # مطلقا مالك والشافعي وأحمد والجمهور حكى ذلك عنهم ابن رسلان في كتاب ~~العتق من شرح السنن وقد ورد العمل بها في مواضع هذا منها أقول القرعة قد صح ~~الدليل باعتبارها كما أوضحت ذلك في ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على ~~القاضي وأوضحه الماتن في شرح المنتقى فإذا أعوز الأمر ولم يمكن التعيين ~~بسبب من الأسباب الراجعة إلى ثبوت الفراش أو البينة أو نحوهما فإنه يرجع ~~إلى القرعة فقد اعتبرها صلى الله عليه وسلم في الإلحاق مع الاختلاف ~~واعتبرها في تعيين من يعتق كما في حديث من أوصى بعتق ستة أعبد فأقرع بينهم ~~وأعتق اثنين وأرق أربعة بعد أن جزأهم ثلاثة أجزاء وأعتق الجزء الذي وقعت ~~عليه القرعة وورد أيضا غير ذلك فالحاصل أن القرعة معتبرة شرعا في غير باب # PageV02P045 ### | كتاب الطلاق # هو مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك ومنه طلقت البلاد أي تركتها "هو ~~جائز"بنص الكتاب العزيز ومتواتر السنة المطهرة وإجماع المسلمين وهو قطعي من ~~قطعيات الشريعة ولكنه يكره مع عدم الحاجة وقد أخرج أحمد وأبو داود ms358 وابن ~~ماجه والترمذي وحسنه من حديث ثوبان قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" ~~وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق "وقال في الحجة البالغة: إن في ~~الإكثار من الطلاق وجريان الرسم بعدم المبالاة به مفاسد كثيرة وذلك أن ناسا ~~ينقادون لشهوة الفرج ولا يقصدون إقامة تدبير المنزل ولا التعاون في ~~الارتفاقات ولا تحصين الفرج وإنما مطمح أبصارهم التلذذ بالنساء وذوق لذة كل ~~امرأة فيهيجهم ذلك إلى أن يكثروا الطلاق والنكاح ولا فرق بينهم وبين الزناة ~~من جهة ما يرجع إلى نفوسهم وإن تميزوا عنهم بإقامة سنة النكاح والموافقة ~~لسياسته المدنية وهو قوله صلى الله عليه وسلم "لعن الله الذواقين ~~والذواقات" انتهى. # أقول: هذا الحديث ذكره صاحب الحجة تبعا لابن همام من غير تخريج ولم أجده ~~في كتب الحديث مخرجا نعم # PageV02P045 # حديث "لا أحب الذواقين من الرجال والذواقات من النساء" رواه الطبراني عن ~~أبي موسى مرفوعا وكذا الدارقطني في الأفراد وهو في الجامع الصغير للسيوطي ~~بلفظ "إن الله لا يحب" الخ قال شراحه وفي سنده راو لم يسم وأما حديث "إن ~~الله يكره المطلاق الذواق" فقال السخاوي: لا أعرفه كذلك ثم قال في الحجة: ~~وأيضا ففي جريان الرسم بذلك إهمال لتوطين النفس على المعاونة الداعية أو ~~شبه الداعية وعسى إن فتح هذا الباب أن يضيق صدره أو صدرها في شئ من محقرات ~~الأمور فيندفعان إلى الفراق وأين ذلك من احتمال أعباء الصحبة والإجماع على ~~إدامة هذا النظم وأيضا فإن اعتيادهن بذلك وعدم مبالاة الناس به وعدم حزنهم ~~عليه يفتح باب الوقاحة وأن لا يجعل كل منهما ضرر الآخر ضرر نفسه وأن يخون ~~كل واحد الآخر يمهد لنفسه إن وقع الافتراق وفي ذلك ما لا يخفى ومع ذلك لا ~~يمكن سد هذا الباب والتضييق فيه فإنه قد يصير الزوجان متناشزين إما لسوء ms359 ~~خلقهما أو لطموح عين أحدهما إلى حسن إنسان آخر أو لضيق معيشتهما أو لخرق ~~واحد منهما ونحو ذلك من الأسباب فيكون إدامة هذا النظم مع ذلك بلاء عظيما ~~وحرجا انتهى. # من مكلف مختار لأن أمر الصغير إلى وليه وطلاق المكره لا حكم له والأدلة ~~على هاتين المسألتين مقررة في مواضعهما وقال صلى الله تعالى عليه وسلم "لا ~~طلاق ولا عتاق في إغلاق" معناه في إكراه وطلاق المكره هدر ولو هازلا وهو ~~الذي يتكلم من غير قصد لموجبه وحقيقته بل على وجه اللعب ونقيضه الجاد من ~~الجد بكسر الجيم وهو نقيض الهزل لحديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود وابن ~~ماجه والترمذي وحسنه والحاكم وصححه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة" وفي إسناده ~~عبد الرحمن بن حبيب ابن أردك1 وهو مختلف فيه وفي الباب عن فضالة بن عبيد ~~عند الطبراني مرفوعا "ثلاث لا يجوز فيهن اللعب الطلاق والنكاح والعتق" وفي ~~إسناده ابن لهيعة وعن عبادة بن الصامت عند الحرث بن أسامة في مسنده مرفوعا ~~بنحوه وزاد "فمن قالهن فقد وجبن" وفي إسناده انقطاع وعن أبي ذر عند عبد ~~الرزاق رفعه "من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز ومن أعتق وهو لاعب PageV02P046 # فعتقه جائز ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز"وفي إسناده أيضا انقطاع وعن علي ~~موقوفا عند عبد الرزاق أيضا وعن عمر مرفوعا عنده أيضا وهذه الأحاديث يقوي ~~بعضها بعضا قال ابن القيم: وأما طلاق الهازل فيقع عند الجمهور وكذلك نكاحه ~~صحيح كما به النص وهذا هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين وهو قول الجمهور ~~حكاه أبو حفص أيضا عن أحمد وهو قول الصحابة وقول طائفة من أصحاب الشافعي ~~وذكر بعضهم أن الشافعي نص على أن نكاح الهازل لا يصح بخلاف طلاقه ومذهب ~~مالك رواه ابن القاسم عنه وعليه العمل عند أصحابه أن هزل النكاح والطلاق ~~لازم بخلاف البيع انتهى. # لمن كانت في طهر لم يمسها فيه ولا طلقها في الحيضة التي ms360 قبله أو في حمل ~~قد استبان أقول: ويشترط في طلاق السنة أن لا تكن المرأة حائضا وهذا لغضبه ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ابن عمر لما طلق امرأته في الحيض كما في ~~الصحيحين وغيرهما وأما اشتراط أن لا تكون نفساء فلأن قوله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم في حديث ابن عمر "ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإذا ~~بدا له أن يطلقها فليطلقها" فهذا فيه أن طلاق السنة يكون حال الطهر والنفاس ~~ليس بطهر وأما اشتراط أن يكون في طهر لم يجامعها فيه فلقوله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم في حديث ابن عمر "فليطلقها قبل أن يمسها" يعني في ذلك الطهر ~~وأما اشتراط أن لا يطلقها في ذلك الطهر أكثر من طلقة فلما رواه الدارقطني ~~من حديث ابن عمر "أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض ثم أراد أن يتبعها ~~تطليقتين أخريين عند القرء فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن ~~عمر ما هكذا أمرك الله إنك قد أخطأت السنة والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق ~~لكل قرء" وفي لفظ "في كل قرء تطليقة"وقد أنكر الحافظ ابن حجر هذه الرواية ~~وأخرج النسائي من حديث محمود ابن لبيد قال: "أخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان فقال: "أيلعب بكتاب ~~الله وأنا بين أظهر كم" وأما اشتراط أن لا يطلقها في طهر قد طلقها في حيضه ~~المتقدم فلأمره صلى الله عليه وسلم لابن عمر أن يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ~~فتطهر فلولا أن الطلاق في الحيض مانع من الطلاق في الطهر المتعقب له لم ~~يأمره بإمساكها في الطهر الذي عقب الحيضة التي طلقها فيها وجميع ما ذكرناه ~~من حديث # PageV02P047 # ابن عمر متفق عليه إلا رواية الدارقطني التي ذكرناها وفي رواية من حديث ~~ابن عمر عند مسلم وأبي داود والنسائي "أن النبي أمره أن يراجعها حتى تطهر ~~ثم إن شاء طلق أو أمسك"وفي لفظ لمسلم أيضا والترمذي ms361 "مره فليراجعها ثم ~~ليطلقها طاهرا أو حاملا " وظاهر هاتين الروايتين أن الطلاق في الطهر ~~المتعقب للحيضة التي وقع الطلاق فيها يكون طلاق سنة لا بدعة ولكن الرواية ~~الأولى التي فيها "ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر" متضمنة لزيادة يجب ~~العمل بها وهي أيضا في الصحيحين فكانت أرجح من وجهين ويدل على قوله أو ~~حاملا أن طلاق الحامل للسنة وأما من كانت صغيرة أو آيسة أو منقطعا حيضها ~~فالظاهر أنه يكون طلاقها للسنة من غير شرط إلا مجرد إفراد الطلاق وأما ~~القول بأنه ليس بسنة ولا بدعة كما في البحر وغيره ففاسد لأن الأصل عدم عروض ~~ما يمنع من الطلاق المشروع. # ويحرم إيقاعه على غير هذه الصفة لحديث ابن عمر عند مسلم وأهل السنن وأحمد ~~"أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: مره ~~فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا" وفي لفظ أنه قال: "ليراجعها ثم ~~يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها قبل أن يمسها فتلك ~~العدة كما أمر الله" وهو في الصحيحين وغيرهما وفي رواية في الصحيح "أنه قرأ ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن} وللحديث ألفاظ ووقع الخلاف بين الرواة هل حسبت تلك الطلقة ~~أم لا؟ ورواية عدم الحسبان لها أرجح وقد أوضح الماتن هذه المسألة في شرح ~~المنتقى وفي رسالة مستقلة والخلاف طويل والأدلة كثيرة والراجح عدم وقوع ~~البدعي لما ذكره هنالك1 وقد روى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك عن ~~ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس ~~PageV02P048 # ذلك بشئ" وقد روى ابن حزم في المحلى بسنده المتصل إلى ابن عمر"أنه قال في ~~الرجل يطلق امرأته وهي حائض لا يعتد بذلك"وإسناده صحيح وقد تابع أبا الزبير ~~الراوي لعدم الحسبان لتطليقة ابن عمر المذكورة في الحديث أربعة عبد الله بن ~~عمر العمري ومحمد بن عبد العزيز بن ms362 أبي رواد ويحيى بن سليم وإبراهيم بن أبي ~~حسنة ولو لم يكن في المقام إلا قول الله عز وجل {يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن} وقد تقرر أن الأمر بالشئ نهي عن ضده والنهي يقتضي ~~الفساد وقول الله تعالى {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} والمطلق على غير ~~ما أمر الله تعالى به لم بسرح بإحسان وقد ذهب إلى عدم الوقوع جماعة من ~~السلف كابن علية وإليه ذهب ابن حزم وابن تيمية وذهب الجمهور إلى الوقوع. # وفي وقوعه أقول: هذه المسألة من المعارك التي لا يجول في حافاتها إلا ~~الأبطال ولا يقف على تحقيق الحق في أبوابها إلا أفراد الرجال والمقام يضيق ~~عن تحريرها على وجه ينتج المطلوب فمن رام الوقوف على سرها فعليه بمؤلفات ~~ابن حزم كالمحلي ومؤلفات ابن القيم كالهدي وقد جمع السيد العلامة محمد بن ~~إبراهيم الوزير في ذلك مصنفا حافلا وجمع الإمام الشوكاني رسالة ذكر فيها ~~حاصل ما يحتاج إليه من ذيول المسألة وقرر ما ألهم الله إليه وذكر في شرح ~~المنتقى أطرافا من ذلك. # وخلاصة ماعول عليه القائلون بوقوع الطلاق البدعي هو اندراجه تحت الآيات ~~العامة وتصريح ابن عمر بأنها حسبت تلك طلقة وأجاب القائلون بعدم الوقوع ~~عنهم بمنع اندراجه تحت العمومات لأنه ليس من الطلاق الذي أذن الله به بل هو ~~من الطلاق الذي أمر الله بخلافه قال {فطلقوهن لعدتهن} وقال صلى الله عليه ~~وسلم: "مره فليراجعها" وصح أنه غضب عند أن بلغه ذلك وهو لايغضب مما أحله ~~الله وأما قول ابن عمر: "إنها حسبت"فلم يبين من الحاسب لها بل أخرج عنه ~~أحمد وأبو داود والنسائي "أنه طلق امرأته وهي حائض فردها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولم يرها شيئا"وإسناد هذه الرواية صحيح ولم يأت من تكلم ~~عليها بطائل وهي مصرحة بأن الذي لم يرها شيئا هو رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم فلا يعارضها قول ابن عمر لأن الحجة في # PageV02P049 # روايته لا في رأيه وأما الرواية بلفظ "مره فليراجعها ms363 ويعتد بتطليقة" فهذه ~~لو صحت لكانت حجة ظاهرة ولكنها لم تصح كما جزم به ابن القيم في الهدي وقد ~~روي في ذلك روايات في أسانيدها مجاهيل وكذابون لا تثبت الحجة بشئ منها. # والحاصل أن الاتفاق كائن على أن الطلاق المخالف لطلاق السنة يقال له طلاق ~~بدعة وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن كل بدعة ضلالة ولا خلاف أيضا أن ~~هذا الطلاق مخالف لما شرعه الله في كتابه وبينه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حديث ابن عمر وما خالف ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو ~~رد لحديث عائشة عنه صلى الله عليه وسلم "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" وهو ~~حديث متفق عليه فمن زعم أن هذه البدعة يلزم حكمها وأن هذا الأمر الذي ليس ~~من أمره صلى الله عليه وسلم يقع من فاعله ويعتد به لم يقبل منه ذلك إلا ~~بدليل وإذا كان من جلمة طلاق البدعة إيقاع الثلاث دفعة كما سيأتي فهذه ~~الصورة من طلاق البدعة بخصوصها. # ووقوع ما فوق الواحدة من دون تخلل رجعة خلاف قال الماتن في رسالته في هذا ~~الباب: اختلف أهل العلم فيها على أربعة أقوال: الأول وقوع جميعها وهو مذهب ~~الأئمة وجمهور العلماء وكثير من الصحابة وفريق من أهل البيت الثاني عدم ~~الوقوع مطلقا لا واحدة ولا ما فوقها لأنه بدعة محرمة وهذا المذهب حكاه ابن ~~حزم وحكى للإمام أحد ما يكفي وقال: هو مذهب الرافضة # قلت: بل هو مذهب جماعة من التابعين كما حكاه الليث ومذهب ابن علية وهشام ~~بن الحكم وجميع الإمامية ومن أهل البيت عليهم السلام الباقر والصادق ~~والناصر وبه قال أبو عبيدة وبعض الظاهرية لأن هؤلاء قالوا: إن الطلاق ~~البدعي لا يقع والثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة لا يقع الثالث وقع ~~الثلاث أن كانت المطلقة مدخولة وواحدة إن لم تكن كذلك وهذا هو مذهب جماعة ~~من أصحاب ابن عباس واسحق بن راهويه الرابع أنه يقع واحدة رجعية من غير فرق ~~بين ms364 المدخول بها وغيرها وهذا مذهب ابن عباس على الأصح وابن اسحق وعطاء ~~وعكرمة وأكثر أهل البيت وهذا أصح الأقوال انتهى ثم سرد أدلة هؤلاء ورجح ~~القول الرابع فليرجع إليه. # قال ابن القيم: قد صح عنه صلى الله عليه تعالى وآله وسلم أن الثلاث كانت ~~واحدة في عهده وعهد أبي بكر وصدرا من خلافة عمر وغاية ما يقدر مع بعده # PageV02P050 # أن الصحابة كانوا على ذلك ولم يبلغه وهذا وإن كان كالمستحيل فإنه يدل على ~~أنهم كانوا يفتون في حياته وحياة الصديق بذلك وقد أفتى هو صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم فهذه فتواه وعمل أصحابه كأنه أخذ باليد ولا معارض لذلك ورأى ~~عمر رضي الله تعالى عنه أن يحمل الناس على إنفاذ الثلاث عقوبة وزجرا لهم ~~لئلا يرسلوها جملة وهذا اجتهاد منه رضي الله تعالى عنه غايته أن يكون سائغا ~~لمصلحة رآها ولا يجوز ترك ما أفتى به رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته فإذا ظهرت الحقائق فليقل امرؤ ~~ما شاء وبالله التوفيق انتهى. # "الراجح عدم الوقوع"قال الماتن ذهب الجمهور إلى أنه يقع وأن الطلاق يتبع ~~الطلاق وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الطلاق لا يتبع الطالق بل يقع واحدة ~~وقد حكي ذلك عن أبي موسى وابن عباس وطاوس وعطاء وجابر بن زيد وأحمد بن عيسى ~~وعبد الله بن موسى ورواية عن علي ورواية عن زيد بن علي وإليه ذهب شيخ ~~الإسلام ابن تميمة والحافظ ابن القيم وقد حكاه ابن مغيث في كتاب الوثائق عن ~~علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير وحكاه أيضا عن جماعة من مشايخ ~~قرطبة ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس واستدل الجمهور بحديث ركانة بن ~~عبد الله "أنه طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ~~فقال: والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ~~ما أردت إلا واحد قال ركانة: والله ما أردت إلى واحدة ms365 فردها إليه"أخرجه ~~الشافعي وأبو داود والترمذي وصححه أبو داود وابن حبان والحاكم وفي إسناده ~~أيضا الزبير بن سعيد الهاشمي وقد ضعفه غير واحد وقيل إنه متروك وفي إسناده ~~أيضا نافع بن عجير وهو مجهول ومتنه أيضا مضطرب كما قال البخاري ففي لفظ منه ~~"أنه طلقها ثلاثا"وفي لفظ "واحدة"وفي لفظ "البتة"وقال أحمد: طرقه كلها ~~ضعيفة وأما استدلالهم بقوله تعالى {الطلاق مرتان} وبقوله {فإن طلقها فلا ~~تحل} فليس في ذلك من الحجة شئ بل هو عليهم لا لهم وقد حقق هذا صاحب الهدي ~~بما يشفي وقد ورد ما يدل على أن الطلاق يتبع الطلاق وليس في الصحيح شئ من ~~ذلك وأرجح من الجميع والحجة في هذا المقام حديث ابن عباس الثابت في صحيح ~~مسلم وغيره "أن الطلاق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ~~وصدرا # PageV02P051 # من إمارة عمر الثلاث واحدة فلما كان في عهد عمر تتابع الناس فأجازه ~~عليهم"انتهى وكل رجال إسناده أئمة وله ألفاظ وأسانيد وفي لفظ "أن أبا ~~الصهباء قال له ألم تعلم أن الثلاث كانت واحدة على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر قال نعم"ولم يأت من حاول التخلص عنه ~~بحجة تنفق والتمسك بما في بعض الروايات من تقييد ذلك بالطلاق قبل الدخول لا ~~وجه له فإن الطلاق لا يتفاوت الحال فيه قبل الدخول وبعده وإذا ثبت الحكم في ~~أحدهما ثبت في الآخر ومن ادعى الفرق فعليه إيضاحه وفي حديث محمود بن لبيد ~~"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاثا جمعا فقام ~~غضبان فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل فقال: يارسول ~~الله ألا أقتله"وقد أخرجه النسائي بإسناد صحيح وروى البيهقي عن ابن عباس ~~"أن ركانة طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟ فقال: طلقتها ثلاثا فقال: في مجلس ~~واحد قال: نعم قال: إنما تلك واحدة إن ms366 شئت فراجعها" وأخرج نحوه عبد الرزاق ~~وأبو داود من حديثه وهذا خلاصة الحجج في هذه المسألة1 وهي طويلة الذيول ~~كثيرة النقول متشعبة PageV02P052 # الأطراف قديمة الخلاف والإحاطة بجميع ما فيها من الأقوال وأدلتها ~~وتصحيحها يحتمل مصنفا مستقلا وقد جمع في ذلك شيخنا العلامة الشوكاني رسالة ~~بسط فيها بعض البسط وقد امتحن بهذه المسألة جماعة من العلماء منه شيخ ~~الإسلام ابن تيمية وجماعة ممن بعده والحق بأيديهم ولكن لما كان مذهب ~~الأربعة الأئمة أن الطلاق يتبع الطلاق كان المخالف لذلك عند عامة أتباعهم ~~وكثير من خاصتهم كالمخالف للإجماع وقد ظهر مما سقناه ههنا من الأدلة ~~والنقول أن الطلاق ثلاثا بلفظ واحد أو ألفاظ في مجلس واحد من دون تخلل رجعة ~~يقع واحدة وإن كان بدعيا فتكون هذه الصورة من صور الطلاق البدعي واقعة مع ~~إثم الفاعل دون سائر صور البدعي فلا يقع الطلاق فيها لما قدمنا تحقيقه ~~وأطال ابن القيم في تخريج أحاديث الباب والكلام عليها وأثبته بالكتاب ~~والسنة واللغة والعرف وعمل أكثر الصحابة ثم قال بعد ذلك فهذا كتاب الله ~~تعالى وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه لغة العرب وهذا عرف ~~التخاطب وهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة كلهم معه في ~~عصره وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب فلو عدهم العاد بأسمائهم واحدا ~~واحدا أنهم1 كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها ولو فرض ~~منهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرا للفتوى به بل كانوا ما بين مفت ~~ومقر بفتيا وساكت غير منكر هذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين ~~من خلافة عمر وهم يزيدون على الألف قطعا كما ذكر يونس بن بكير عن أبي اسحق ~~فكل صحابي كان على أن الثلاث واحدة بفتوى أو إقرار أو سكوت ولقد ادعى بعض ~~أهل العلم إن هذا PageV02P053 # إجماع قديم ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه بل لم يزل فيهم من يفت ~~به قرنا بعد قرن وإلى ms367 يومنا هذا فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد ~~الله بن عباس كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس إذا قال: ~~أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام ~~وعبد الرحمن بن عوف حكاه عنهما ابن وضاح وأما التابعون فأفتى به عكرمة ~~وطاوس وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن اسحق وحلاس بن عمرو والحارث ~~العكلي وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه وأفتى ~~به بعض أصحاب مالك وأفتى به بعض الحنفية وأفتى به بعض أصحاب أحمد والمقصود ~~أن هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم ولم يأت ~~بعده إجماع يبطله ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أن الناس ~~استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة فرأى من المصلحة عقوبتهم ~~بإمضائه عليهم فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه والذي ندين الله تعالى ~~به ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة ~~الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان ~~انتهى حاصله وتمام هذا البحث في إعلام الموقعين وإغاثة اللهفان للحافظ ابن ~~القيم وفي رسالة مستقلة للماتن وفي كتابنا مسك الختام فليرجع الطالب إليها ~~إن أراد التفصيل والتحقيق وبالله التوفيق # وأما التفريق بين المعسر وبين امرأته فأقول: إذا كانت المرأة مثلا جائعة ~~أو عارية في الحالة الراهنة فهي في ضرار والله تعالى يقول {ولا تضاروهن} ~~وهي أيضا غير معاشرة بالمعروف والله يقول {وعاشروهن بالمعروف} وهي أيضا غير ~~ممسكة بمعروف والله يقول {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} بل هي ممسكة ~~ضرارا والله يقول {ولا تمسكوهن ضرارا} والنبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم يقول "لا ضرر ولا ضرار" وقد ثبت في الفسخ بعدم النفقة ما أخرجه ~~الدارقطني والبيهقي من حديث ms368 أبي هريرة مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما" وأخرجه ~~الشافعي وعبد الرزاق عن سعيد ابن المسيب وقد سأله سائل عن ذلك فقال: يفرق ~~بينهما فقيل له سنة فقال نعم سنة. # PageV02P054 # وما زعمه ابن القطان من توهيم الدارقطني فليس بظاهر ثم من أعظم ما يدل ~~على جواز الفسخ بعد النفقة أن الله سبحانه قد شرع الحكمين بين الزوجين عند ~~الشقاق وجعل إليهما الحكم بينهما ومن أعظم الشقاق أن يكون الخصام بينهما في ~~النفقة وإذا لم يمكنهما دفع الضرر عنها إلا بالتفريق كان ذلك إليهما وإذا ~~جاز ذلك منهما فجوازه من القاضي أولى فإن قلت: تجويزك الفسخ للنفقة بتلك ~~الأدلة العامة يستلزم جوازه من القاضي أولى فإن قلت: تجويزك التضرر بها على ~~أحد الزوجين قلت: النفقة وتوابعهما واجبة للزوجة على زوجها وليس ما يفوت ~~بسبب تلك العيوب بواجب لها عليه ثم التضرر بترك النفقة وتوابعها لا يعادله ~~شئ وإذا كان العيب في الزوجة كالجنون والجذام والبرص فقد فات الزوج شئ واجب ~~له لكن قد جعل الله بيده الطلاق ثم قد ورد في خصوص الفسخ بعدم النفقة ما ~~قدمنا ذكره * # وأما التفريق بين المفقود وبين امرأته فأقول: قد تشعبت المذاهب في هذه ~~المسألة إلى شعب ليس عليه أثارة من علم لا سيما التحديدات بمقادير معلومة ~~من الأوقات منها ماهو رجوع إلى مذاهب الطبائعية كقول من قال: إنه ينتظر ~~المفقود حتى يمضي له من يوم ولادته مائة وعشرون سنة لأن كل طبيعة من ~~الطبائع الأربع إذا لم يعرض لها ما يفسدها تغلب على الإنسان ثلاثين سنة ~~فتحصل من مجموع الأربع الطبائع مائة وعشرون سنة وهذا مذهب كفري وكلام بمعزل ~~عن الشريعة1 قال الماتن في حاشية الشفاء: وقد رأينا في عمرنا من عاش مائة ~~وسبعا وعشرين سنة ونصف سنة ورأيناه وهو في هذا السن في كمال من حواسه ~~وجوارحه بحيث إنه لم يفقد منها شيئا وهو يذهب ويجيء ويحضر المساجد وغاب عنا ms369 ~~بعد ذلك فالله أعلم بعد هذه المدة انتهى. # أقول: وقد رأينا من عاش فوق المائة إلى عشرين سنة أو أكثر من ذلك وهم ~~كثيرون وسمعنا بمن عاش فوق المائة إلى أربعين سنة بل أزيد من ذلك وهم ~~قليلون والقدرة الإلهية صالحة للكل PageV02P055 # وبالجملة فمن العلماء من قال: مائة وخمسون ومنهم من قال: مائتان ومنهم من ~~قال: أربع سنين ومنهم من قال: زيادة على ذلك ومنهم من فرق بين من كان له ~~أهل ومال ومن لم يكن له أهل ومال والكل محض رأي وعندي أن تحريم نكاح ~~المحصنة ورد به النص القرآني وأجمع عليه جميع المسلمين بل هو معلوم من ~~ضرورة الدين وامرأة المفقود محصنة فالأصل الأصيل تحريم نكاحها وإذا لم يكن ~~لها ما تستنفقه وكان إمساكها حينئذ وإلزامها على استمرار نكاح الغائب فيه ~~إضرار بها كان ذلك وجها للفسخ وهكذا إذا طالت مدة الغيبة وكانت المرأة ~~تتضرر بترك النكاح فالفسخ لذلك جائز وإذا جاز الفسخ للعنة فجوازه للغيبة ~~الطويلة أولى لأنه قد علم من نصوص الكتاب والسنة تحريم الإمساك ضرارا ~~والنهي للأزواج عن الضرار في غير موضع فوجب دفع الضرار عن الزوجة بكل ممكن ~~وإذا لم يكن إلا بالفسخ جاز ذلك بل وجب1 وأما عدم وقوع طلاق المكره فدليله ~~حديث "لا طلاق في إغلاق" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي والحاكم ~~وصححه من حديث عائشة وضعفه أبو حاتم بمحمد بن عبيد الله بن أبي صالح ورد ~~عليه بأنه قد أخرجه البيهقي من طريق غيره والإغلاق عند علماء اللغة الإكراه ~~كما في النهاية وغيرها وأما عدم صحة الطلاق قبل أن ينكحها فالأحاديث ~~الواردة في هذا الكتاب لا تخلو عن مقال لكن لها طرق عدة عن جماعة من ~~الصحابة وهي لا تقصر عن بلوغ رتبة الحسن لغيره فالعمل بها متحتم ولم يأت من ~~خالفها بشئ إلا مجرد رأي محض ثم إن السيد لا يطلق عند عبده بل الطلاق إلى ~~العبد وذلك هو الأصل في الشريعة المطهرة فمن زعم أنه يصح طلاق ms370 غير زوج ~~فعليه الدليل PageV02P056 # "فصل ويقع بالكناية مع النية" لحديث عائشة عند البخاري وغيره "إن ابنة ~~الجون لما أدخلت علي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ودنا منها ~~قالت: أعوذ بالله منك فقال لها: لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك" وفي الصحيحين ~~وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك لما قيل له "أن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقال: أطلقها أم ماذ أفعل؟ قال: بل ~~اعتزلها فلا تقربنها فقال لامرأته: الحقي بأهلك"فأفاد الحديثان أن هذه ~~اللفظة تكون طلاقا مع القصد ولا تكون طلاقا مع عدمه # ويقع الطلاق بالتخيير إذا اختارت الفرقة لقوله تعالي {ياأيها النبي قل ~~لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا} الآية {وإن كنتن تردن الله ورسوله ~~والدار الآخرة} الآية وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دعا نساءه لما نزلت الآية فخيرهن وثبت في الصحيحين وغيرهما عن ~~عائشة قالت: "خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم يعدها ~~شيئا"وفي المسألة خلاف وهذا هو الحق وبه قال الجمهور وإذا جعله الزوج إلى ~~غيره وقع منه لأنه توكيل بالإيقاع وقد تقرر جواز التوكيل من غير فرق بين ~~الطلاق وغيره فلا يخرج من ذلك إلا ما خصه دليل وقد سئل أبو هريرة وابن عباس ~~وعمرو بن العاص عن رجل جعل أمر امرأته بيد أبيه فأجازوا طلاقه كما أخرجه ~~أبو بكر البرقاني في كتابه المخرج على الصحيحين "ولا يقع بالتحريم"لما في ~~الصحيحين عن ابن عباس قال "إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وقال: ~~{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} وأخرج عنه النسائي "أنه قال أتاه رجل ~~فقال إني جعلت امرأتي علي حراما فقال: " كذبت ليست عليك بحرام" ثم تلا هذه ~~الآية {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} عليك أغلظ الكفارة عتق ~~رقبة"وأخرج النسائي أيضا بإسناد صحيح عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به ms371 عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فأنزل ~~الله عز وجل {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} الآية"وفي الباب ~~روايات عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكر وفي هذه المسألة ~~مذاهب قد ذكر الحافظ ابن القيم منها ثلاثة عشر مذهب وقال: إنها تزيد على ~~عشرين مذهبا والذي أرجحه منها هو أن التحريم # PageV02P057 # ليس من صرائح الطلاق ولا من كناياته بل هو يمين من الأيمان كما سماه الله ~~عز وجل في كتابه فقال {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو ~~العليم الحكيم} فهذه الآية مصرحة بأن التحريم يمين والسبب وإن كان خاصا وهو ~~العسل الذي حرمه على نفسه أو الأمة التي كان يطؤها فلا اعتبار بخصوص السبب ~~فإن لفظ ما أحل الله لك عام وعلى فرض عدم العموم فلا فرق بين الأعيان التي ~~هي حلال وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من نسائه فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين كفارة"أي جعل الشئ الذي حرمه ~~حلالا بعد تحريمه وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: "إذا حرم الرجل امرأته ~~فهي يمين يكفرها ثم قال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} "وفي الباب ~~عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكرناه وبالجملة الحق ما ~~ذكرناه وقد ذهب إليه جماعة من الصحابة ومن بعدهم وجميع أهل الظاهر وأكثر ~~أصحابه الحديث وهذا إذا أراد تحريم العين وأما إذا أراد الطلاق بلفظ ~~التحريم غير قاصد لمعنى اللفظ بل قصد التسريح فلا مانع من وقوع الطلاق بهذه ~~الكناية كسائر الكنايات # والرجل أحق بامرأته في عدة طلاقه يراجعها متى شاء إذا كان الطلاق ~~رجعيا"لحديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي في قوله تعالى: {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} ~~الآية قال: وذلك أن الرجل كان إذا طلق ms372 امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ~~ثلاثا فنسخ ذلك الطلاق مرتان"وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال ~~وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: "كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي ~~امرأته إذا راجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل ~~لامرأته والله لا أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبدا وقالت: وكيف ذلك قال: ~~أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة ~~فأخبرتها فسكتت حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فسكت النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى نزل القرآن {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان} قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق ومن لم يكن ~~طلق"وأخرج أبو داود وابن ماجه والبيهقي والطبراني عن عمران بن حصين "أنه ~~سأل عن الرجل # PageV02P058 # يطلق امرأته يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال طلقت لغير ~~سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" # ولا تحل له بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره لقول الله تعالى: {حتى تنكح ~~زوجا غيره} ولما في الصحيحين وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم لامرأة ~~رفاعة القرظي "لا حتى تذوقي عسيلته ويذون عسيلتك" وهو مجمع على ذلك # PageV02P059 ### | باب الخلع # وفيه شناعة ما لأن الذي أعطاه من المال قد وقع في مقابلة المسيس وهو قوله ~~تعالى {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا} ~~واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في اللعان حيث قال: "إن صدقت ~~عليها فهو بما استحللت من فرجها" ومع ذلك فربما تقع الحاجة إلى ذلك فذلك ~~قوله تعالى {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} قلت: دلت الآية الأولى على ~~النهي عن الخلع والثانية على جوازه فتكلم الفقهاء في ترتيبهما قال البغوي ~~وغيره إذا آذاها بمنع بعض حقوقها حتى ضجرت فاختلعت نفسها فهذا الفعل منه ~~حرام ولكن الخلع نافد لأن الله تعالى قال في صورة النهي {ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ms373 ببعض ما آتيتموهن} والعضل التضييق والمنع وقال: {وإن أردتم استبدال ~~زوج مكان زوج} وهذا إشارة طموح بصره إلى غيرها من غير أن يرى منها التقصير ~~والخلع المباح بلا كراهية أن تكره المرأة صحبة الزوج ولا يمكنها القيام ~~بأداء حقوقه فتخرج فتخلع نفسها لقوله تعالى {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ~~الله} إلى أن قال: {فلا جناح عليهما} ولتقريره صلى الله عليه وسلم حبيبة ~~بنت سهل على الخلع حين ذكرت الشقاق ولو اختلعت نفسها بلا سبب فجائز مع ~~الكراهة لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفتشوا عن سبب الاختلاع ~~من جانبها وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الحلال إلى ~~الله تعالى الطلاق" أقول: في قولهم هذا الفعل منه حرام ولكن الخلع نافذ ~~نظرا لأن قوله تعالي: {فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} ~~وقوله: لا يحل لكم نصان في تحريم أخذ البدل وهو يقتضي بطلان العقد كما في ~~كثير من مسائل البيوع فإما أن يكون العقد باطلا من أصله أو # PageV02P059 # مضي الطلاق ويرد عليها ما لها كما قال مالك والله تعالى أعلم. واتفق أهل ~~العلم على أنه إن طلقها على مال فقبلت فهو طلاق بائن واختلفوا في الخلع ~~فقال أبو حنيفة: تطليقة بائنة وهو أصح قولي الشافعي وله قول أنه فسخ وليس ~~بطلاق ولا ينقص به العدد كذا في المسوى "وإذا خالع الرجل امرأته كان أمرها ~~إليها"بعد الخلع لا ترجع إليه بمجرد الرجعة ويجوز بالقليل والكثير ما لم ~~يجاوز ما صار إليها منه لحديث ابن عباس عند البخاري وغيره"أن امرأة ثابت بن ~~قيس بن شماس جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يارسول الله إني ما ~~أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته قالت: نعم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها" وفي رواية لابن ماجه والنسائي بإسناد ~~رجاله ثقات "أنها قالت: لا أطيقه بغضا ms374 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أتردين عليه حديقته قالت: نعم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ ~~الحديقة ولا يزداد"وفي رواية للدارقطني بإسناد صحيح "أن أبا الزبير قال إنه ~~كان أصدقها حديقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته التي ~~أعطاك قالت: نعم وزيادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الزيادة فلا ~~ولكن حديقته قال: نعم"فهذه الفرقة إنما كانت بسبب ماافتدت به المرأة فلو لم ~~يكن أمرها إليها كانت الفدية ضائعة وقد أفاد ما ذكرناه أنه لا يجوز للزوج ~~أن يأخذ منها أكثر مما صار إليها منه وقد ذهب إلى هذا علي وطاوس وعطاء ~~والزهري وأبو حنيفة وأحمد واسحق وذهب الجمهور إلى أنه يجوز أن يأخذ منها ~~زيادة على ما أخذت منه استدلالا بقوله تعالى {فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به} فإنه عام للقليل والكثير ويجاب بأن الروايات المتضمنة للنهي عن الزيادة ~~مخصصة لذلك كحديث "أما الزيادة فلا" صححه الدارقطني فصلح لتخصيص ذلك العموم ~~كما هو الحق عند الماتن رحمه الله من جواز تخصيص عموم القرآن بالآحاد ~~ومذاهب الصحابة فمن بعدهم في هذا مختلفة مبسوطة في المطولات وأما ما أخرجه ~~البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: "كانت أختي تحت رجل من الأنصار فارتفعا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: أتردين حديقته قالت: وأزيد ~~عليها فردت عليه حديقته وزادته"ففي إسناده ضعف مع أنه لا حجة فيه لأنه لم ~~يقررها على تسليم الزيادة وأيضا قوله تعالى: {ولا # PageV02P060 # يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} ~~يدل على منع الأخذ مما آتوهن إلا مع ذلك الأمر فلا بأس بأن يأخذوا مما ~~آتوهن لا كله فضلا عن زيادة عليه "ولا بد من التراضي بين الزوجين على الخلع ~~أو إلزام الحاكم مع الشقاق بينهما"لقوله تعالى: {فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح} وأما اعتبار إلزام الحاكم فلارتفاع ثابت وامرأته إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وإلزامه بأن يقبل الحديقة ms375 ويطلق ولقوله تعالى: ~~{وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} وهذه الآية ~~كما تدل على بعث حكمين تدل على اعتبار الشقاق في الخلع ويدل على ذلك أيضا ~~قوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا ~~يقيما حدود الله} ويدل عليه قصة امرأة ثابت المذكورة وقولها أكره الكفر بعد ~~الإسلام وقولها لا أطيقه بغضا فلهذا اعتبرنا الشقاق في الخلع وهو فسخ وليس ~~بطلاق ولكن قال الماتن رحمه الله في حاشية الشفاء بخلاف ما قال ههنا ورجح ~~أن الخلع طلاق وليس بفسخ وقال هذا هو الحق لأن الله سبحانه ذكر أحكام الخلع ~~بعد قوله: {الطلاق مرتان} والضمائر من آيات الاختلاع راجعة إلى ذلك كقوله: ~~{إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} وقوله: {فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به} وقد سماه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طلاقا كما في صحيح ~~البخاري وغيره فإنه قال لثابت بن قيس "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" ولا ~~يعارضه ما روي في سنن النسائي "أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمرها أن ~~تعتد بحيضة"وكذلك في سنن أبي داود لأنه ملازمة بين الاعتداد بحيضة وبين ~~الفسخ بل إذا ورد في بعض المطلقات ما يدل على مخالفة عدتها لعدة سائر ~~المطلقات المصرح بها في القرآن كان ذلك مخصصا لعموم العدة وقد أطال ابن ~~القيم الكلام على ذلك ورجح أن الخلع فسخ ولم يأت ببرهان يشفي سوى ما ذكرنا ~~من أمره صلى الله عليه وآله وسلم لها أن تعتد بحيضة وهو في غير محل النزاع ~~كما عرفت انتهى. # ثم رجح في فتاواه المسماة بالفتح الرباني كون الخلع فسخا وقال: الظاهر ~~أنه فسخ لا طلاق وهو قول جماعة من العلماء منهم ابن عباس رواه عنه ابن عبد ~~البر في التمهيد وكذلك رواه عن أحمد واسحق وداود وهو قول الصادق والباقر ~~وأحد قولي الشافعي ومن قال بذلك لم يشترط فيه أن يكون للسنة وأجازه في ~~الحيض وأوقعه وإن # PageV02P061 # كان لا يرى ms376 وقوع الطلاق البدعي واحتجوا لذلك بقول الله تعالى {الطلاق ~~مرتان} ثم ذكر الافتداء ثم عقبه بقوله: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره} فلو كان الاقتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل له إلا ~~بعد زوج هو الطلاق الرابع وبحديث الربيع "أنها اختلعت على عهد رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فأمرها النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~أو أمرت أن تعتد بحيضة"أخرجه الترمذي وبحديث ابن عباس الآتي في قصة امرأة ~~ثابت بن قيس قال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: بحثت عن رجال الحديثين ~~معا فوجدتهم ثقات ولحديث رواه مالك عن حبيبة بنت سهل الأنصاري"أنها قالت ~~للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يارسول الله كل ما أعطاني عندي فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لثابت: خذ منها فأخذ وجلست في أهلها قال ابن عبد ~~البر: لم يختلف على مالك في هذا الحديث وهو حديث مسند صحيح ووجه دلالته أنه ~~لم يذكر فيه طلاقا ولا زاد على الفرقة ويدل على ذلك من النظر أنه لا يجعله ~~طلاقا بائنا ولا رجعيا أما الأول فلأنه خلاف الظاهر لأنها تطليقة واحدة ~~وأما الثاني فلأنه إهدار لمال المرأة الذي دفعته لحصول الفرقة ولا يرد على ~~هذا أعني الاكتفاء في العدة بحيضة قول الله تعالى {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} لأن الخلع عندهم فسخ لا طلاق فلا يندرج تحت عمومه ~~سلمنا فالآية في الطلاق الرجعي بدليل آخرها وهو قوله تعالى {وبعولتهن أحق ~~بردهن} سلمنا فالآية عامة وأدلتنا خاصة وذهب الجمهور إلى أنه طلاق مستدلين ~~بحديث ابن عباس عند البخاري وأبي داود بلفظ "طلقها تطليقة" قلنا ثبت من ~~حديث المرأة نفسها عند الموطإ وأبي داود والنسائي بلفظ "وخل سبيلها" وعند ~~أبي داود من حديث عائشة بلفظ "وصاحب القصة أخص بها" قال ابن القيم رحمه ~~الله: لا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة وقال الخطابي في معالم السنن: إنه ~~احتج ابن عباس على أنه ليس بطلاق بقوله تعالى {الطلاق مرتان} ms377 انتهى ومخالفة ~~الراوي لما روى دليل على علمه بناسخ لوجوب حمله على السلامة قال الترمذي: ~~قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إن عدة ~~المختلعة عدة الطلاق قلت: قد عرفت أن ابن القيم قال إنه لم يصح عن صحابي ~~وعرفت الأدلة الدالة على أن العدة بحيضة ولاحجة في أحد غير الشارع قال ~~العلامة محمد بن إبراهيم # PageV02P062 # الوزير: وقد استدل الزيدية في أنه طلاق بثلاثة أحاديث وأجاب عنها بوجوه ~~حاصلها أنها مقطوعة الأسانيد وأنها معارضة بما هو أرجح وأن أهل الصحاح لم ~~يذكروها واختلف العلماء أيضا في شروط الخلع فالزيدية جعلوا منها النشوز وهو ~~قول داود الظاهري والجمهور على أنه ليس بشرط وهو الحق لأن المرأة اشترت ~~الطلاق بمالها ولذلك لم تحل فيه الرجعة على القول بأنه طلاق قال العلامة ~~ابن الوزير: ثم تأملت فإذا الأمر المشترط فيه خوف أن لا يقيما حدود الله هو ~~طيب المال للزوج لا الخلع لقوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به} ولم يقل في الخلع يوضحه أنه لوضارها حرم عليه ~~لقوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} انتهى ثم قال في ~~السيل الجرار بعد ذكر أدلة الفريقين الدالة على أن الخلع طلاق أو فسخ ما ~~نصه: فهذه الأحاديث تدل على أنه فسخ لا طلاق قال: والذي ينبغي الجمع به هو ~~أن عدة الخلع حيضة لا غير وليس الغير سواء كان بلفظ الطلاق أو بغيره مما ~~يشعر بتخلية السبيل أو بتركها وشأنها من دون أن يجري منه لفظ قط قد يكون ~~الوارد في هذا الطلاق الكائن في الخلع مخصصا لما ورد في عدة المطلقة فتكون ~~عدة الطلاق ثلاثة قروء إلا إذا كان الطلاق مع الافتداء فإنه حيضة واحدة ولا ~~تحسب عليه طلقة إلا إذا جاء بلفظ الطلاق أو بما يدل عليه لا إذا لم يقع منه ~~لفظ البتة بل تركها وشأنها فإن هذا لا يحسب عليه طلاقا بهذا التقرير تجتمع ~~الأدلة ويرتفع الإشكال ms378 على كل تقدير وأما كونه يمنع الرجعة فلما قدمنا أن ~~الطلاق لا يتبع الطلاق انتهى. # وعدته حيضة لحديث الربيع بنت معوذ عند النسائي في قصة امرأة ثابت "أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له: خذ الذي لها عليك وخل سبيلها ~~قال: نعم"فأمرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تعتد بحيضة ~~واحدة وتلحق بأهلها"ورجال إسناده كلهم ثقات ولها حديث آخر عند الترمذي ~~والنسائي وابن ماجه "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمرها أن تعتد ~~بحيضة وفي إسناده محمد بن اسحق وقد صرح بالتحديث وأخرج أبو داود والترمذي ~~وحسنه عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة"وأخرج الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح عن أبي ~~الزبير وفيه فأخذها وخلى سبيلها # PageV02P063 # قال الدارقطني: سمعه أبو الزبير من غير واحد فهذه الأحاديث كما تدل على ~~أن العدة في الخلع حيضة تدل على أنه فسخ لأن عدة الطلاق ثلاث حيض وأيضا ~~تخلية السبيل هي الفسخ لا الطلاق وأما ما وقع في بعض روايات الحديث "أنه ~~طلقها تطليقة" فقد أجيب عن ذلك بجوابات طويلة قد أودعها الماتن في شرح ~~المنتقى فليرجع إليه قال ابن القيم: واختلف الناس في عدة المختلعة فذهب ~~اسحق وأحمد في أصح الروايتين عنه دليلا أنها تعتد بحيضة واحدة وهو مذهب ~~عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وقد حكى إجماع الصحابة ولا يعلم لهما ~~مخالف وقد دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة دلالة صريحة ~~وعذر من خالفها أنها لم تبلغه أو لم تصح عنده أوظن الإجماع على خلاف موجبها ~~فهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر أما رجحانه أثرا فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يأمر المختلعة قط أن تعتد بثلاث حيض بل قد روى أهل السنن عنه ~~من حديث الربيع بنت معوذ وحديث امرأة ثابت بن قيس المتقدمة وهذه الأحاديث ~~لها طرق يصدق بعضها بعضا فيكفي في ذلك ms379 فتاوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال أبو جعفر النحاس في كتاب الناسخ والمنسوخ هو إجماع من الصحابة انتهى ~~حاصله # PageV02P064 ### | باب الإيلاء # "هو أن يحلف الزوج من جميع نسائه أو بعضهن لا أقربهن"وهو ظاهر"فإن وقت ~~بدون أربعة أشهر اعتزل حتى ينقضي ما وقت به"لما ثبت في الصحيحين وغيرهما ~~"أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا ثم دخل بهن بعد ذلك"وإن ~~وقت بأكثر منها خير بعد مضيها بين أن يفيء أو يطلق لقوله تعالى {للذين ~~يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} الآية وقد أخرج البخاري عن ابن عمر قال: ~~"إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق"قال البخاري: ويذكر ذلك عن عثمان وعلي ~~وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخرج الدارقطني عن سليمان ابن يسار قال: أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يوقفون المولي وأخرج أيضا عن سهل بن أبي ~~صالح عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن رجل # PageV02P064 # يولي قالوا: ليس عليه شئ حتى يمضي أربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق. ~~قال في المسوى: اختلفوا فيما إذا انقضت أربعة أشهر وهو لم يفيء قال ~~الشافعي: لا يقع الطلاق بمضيها بل يوقف فإما أن يفيء ويكفر عن يمينه أو ~~يطلق فإن طلق فيها وإلا طلق عليه السلطان وقال أبو حنيفة: إذا مضت أربعة ~~أشهر وقعت عليها طلقة بائنة وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن: ~~يقع عليها طلقة رجعية انتهى. # قال الماتن: وقد اختلف في مقدار مدة الإيلاء فذهب الجمهور إلى أنها أربعة ~~أشهر فصاعدا قالوا: فإن حلف على أنقص لم يكن موليا واحتجوا بالآية وهي لا ~~تدل على مطلوبهم لأنها لبيان المدة التي تضرب للمولى ليفئ بعدها أو يطلق ~~وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم الإيلاء شهرا ودخل على نسائه بعده فلو كان ~~الإيلاء دون أربعة أشهر جماعة من أهل العلم وهو ms380 الحق وأما لزوم الحد إذا ~~نكلت فقد أوضح ابن القيم في الهدي هذا البحث بما لا مزيد عليه فليراجع فإنه ~~لا يستغنى عنه قال في المسوى: إيلاء العبد نحو إيلاء الحر وهو عليه واجب ~~وإيلاء العبد شهران قلت: وعليه مالك أن مدة الإيلاء تنتصف برق الرجل وقال ~~أبو حنيفة: مدة الإيلاء تنتصف برق المرأة وقال الشافعي: الحر والعبد في مدة ~~الإيلاء سواء انتهى # PageV02P065 ### | "باب الظهار" # "وهو قول الزوج لامرأته أنت علي كظهر أمي أو ظاهرتك أو نحو ذلك فيجب عليه ~~قبل أن يمسها أن يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد فليطعم ستين مسكينا فإن لم يجد ~~فليصم شهرين متتابعين"وإنما جعلت كفارة هذه لأن من مقاصد الكفارة أن يكون ~~بين عيني المكلف ما يكبحه عن الاقتحام في الفعل خشية أن يلزمه ذلك ولا يمكن ~~ذلك إلا بكونها طاعة شاقة تغلب على النفس إما من جهة كونها بذل ما تشح به ~~أو من جهة مقاساة جوع أو عطش مفرطين والدليل على ما اشتمل عليه هذا الباب ~~من التكفير على هذا الترتيب ما في # PageV02P065 # القرآن الكريم {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير ~~رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ~~ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم} وقد بينه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة سلمة بن صخر لما ظاهر من امرأته ثم ~~وطئها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعتق رقبة فقال: لا والذي ~~بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها وضرب صفحة رقبته قال: فصم شهرين متتابعين ~~قال: قلت يارسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم قال: فتصدق قال: ~~والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا ما لنا عشاء قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني ~~زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم منها وسقا من تمر ستين مسكينا ثم استعن ~~بسائره عليك ms381 وعلى عيالك" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم ~~وصححه وابن خزيمة وابن الجارود وفي لفظ لأبي داود "فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كله أنت وأهلك" وأخرج نحوه أهل السنن وصححه الترمذي من حديث ابن ~~عباس وصححه أيضا الحاكم قال ابن حجر: رجاله ثقات لكن أعله أبو حاتم ~~والنسائي بالإرسال وقال ابن حزم: رواته ثقات ولا يضره إرسال من أرسله ~~وللحديثين شواهد وأخرج نحوه أبو داود وأحمد من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة ~~وأخرج ابن ماجه نحوه من حديث عائشة وأخرجه الحاكم أيضا وقد قام الإجماع على ~~أن الكفارة تجب بعد العود لقوله تعالى {ثم يعودون لما قالوا} واختلف أهل ~~العلم هل العلة في وجوبها العود أو الظهار واختلفوا أيضا هل المحرم الوطء ~~فقط أم هو مع متقدماته فذهب الجمهور إلى الثاني لقوله تعالى: {من قبل أن ~~يتماسا} وذهب البعض إلى الأول قالوا: لأن المسيس كناية عن الجماع واختلفوا ~~في العود ما هو؟ فقال قتادة وسعيد بن جبير وأبو حنيفة وأصحابه: إنه إرادة ~~المسيس لما حرم بالظهار لأنه إذا أراد فقد عاد من عزم الترك إلى عزم الفعل ~~سواء فعل أم لا وقال الشافعي: بل هو إمساكها بعد الظهار وقتا يسع الطلاق ~~ولم يطلق إذ تشبيهها بالأم يقتضي إبانتها وإمساكها نقيضه وقال مالك وأحمد: ~~بل هو العزم على الوطء فقط وإن لم يطأ وقد وقع الخلاف أيضا إذا وطيء # PageV02P066 # المظاهر قبل التكفير فقيل: تجب عليه كفارتان وقيل: ثلاث وقيل: تسقط ~~الكفارة وذهب الجمهور إلى أن الواجب كفارة واحدة وهو الحق كما تفيده الأدلة ~~المذكورة واعلم أن الرقبة وإن كانت مطلقة في كفارة الظهار فقد ورد ما يدل ~~على اعتبار كونها مؤمنة وليس ذلك الدال على اعتبار الإيمان هو ما وقع في ~~القرآن في كفارة القتل لما تقرر في الأصول أن المختلفين سببا لا يصح تقييد ~~أحدهما بالآخر بل الدال على ذلك هو سؤاله صلى الله عليه وسلم لمن قال عليه ~~رقبة عن إيمانها وقوله لها "أين الله؟ ms382 ومن أنا؟ " ثم قال: "أعتقها فإنها ~~مؤمنة" كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي ولم يستفصله صلى الله عليه وسلم ~~عن وجوب تلك الرقبة عليه هل هو عن كفارة ظهار أو قتل أو يمين أو غير ذلك؟ ~~وقد تقرر أن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم إذا كان في مقام الاحتمال1 ~~ويجوز للإمام أن يعينه من صدقات المسلمين إذا كان فقيرا لا يقدر على الصوم ~~وله أن يصرف منها لنفسه وعياله وإذا كان الظهار مؤقتا فلا يرفعه إلا انقضاء ~~الوقت لتقريره صلى الله عليه وسلم سلمة بن صخر لما قال له إنه ظاهر من ~~امرأته حتى ينسلخ رمضان وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وحسنه ~~والحاكم وصححه ابن خزيمة وابن الجارود كما تقدم وظاهر القرآن أنه لا يوجب ~~الكفارة إلا العود فالظهار المؤقت إذا انقضى وقته لم يكن إرادة الوطء عودا ~~فلا تجب فيه كفارة وأما إذا كان الموجب للكفارة قول المنكر والزور فهي ~~واجبة في مطلق ومؤقت لأنه قد وقع القول بمجرد إيقاع الظهار. "وإذا وطيء قبل ~~انقضاء الوقت أو قبل التفكير كف حتى يكفر في المطلق أو ينقضي وقت ~~المؤقت"لحديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمظاهر الذي وطيء ~~امرأته: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله" أخرجه أهل السنن وصححه الترمذي ~~والحاكم وظهار العبد نحو ظهار الحر وصيام العبد في الظهار شهران كالحر ~~بالإتفاق PageV02P067 ### | باب اللعان # والأصل فيه أنه أيمان مؤكدة تبريء الزوج من حد القذف وتثبت اللوث عليها ~~تحبس لأجله ويضيق عليها به فإن نكل ضرب الحد وأيمان مؤكدة منها تبرئها فإن ~~نكلت ضربت الحد وبالجملة فلا أحسن فيما ليس فيه بينة وليس مما يهدر ولا ~~يسمع من الإيمان المؤكدة "إذا رمى الرجل امرأته بالزن"احكم اللعان مذكور في ~~الكتاب العزيز قال الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء ~~إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن ~~لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب ms383 أن تشهد أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} ~~واستفاض حديث عويمر العجلاني وهلال ابن أمية "ولم تقر بذلك ولا رجع عن ~~رميه"لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يحث المتلاعنين على ذلك ففي ~~الصحيحين وغيرهما "أنه وعظ الزوج وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب ~~الآخرة ثم وعظ المرأة وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة "فإذا ~~أقرت المرأة كان عليها حد الزاني المحصن إذا لم يكن هناك شبهة وإذا أقر ~~الرجل بالكذب كان عليه حد القذف"لا عنها فيشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم تشهد ~~المرأة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن ~~كان من الصادقين"وقد نطق بذلك الكتاب العزيز والسنة المطهرة في ملاعنته صلى ~~الله تعالى عليه وسلم بين عويمر العجلاني وامرأته وبين هلال بن أمية ~~وامرأته "ويفرق الحاكم بينهما وتحرم عليه أبدا "لحديث سهل بن سعد عند أبي ~~داود قال: "مضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان ~~أبدا"وفي حديث ابن عباس عند الدارقطني "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~قال: المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا" وأخرج نحوه عنه أبو داود وفي ~~الصحيحين وغيرهما "أن عويمرا طلق امرأته ثلاث تطليقات قبل أن يأمره صلى ~~الله تعالى عليه # PageV02P068 # وآله وسلم قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين"ويلحق الولد بأمه فقط ومن ~~رماها به فهو قاذف"لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "قضى رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه ~~ومن رماها به جلد ثمانين"أخرجه أحمد وفي إسناده محمد بن اسحق وبقية رجاله ~~ثقات ويؤيد هذا الحديث الأدلة الدالة على أن الولد للفراش ولا فراش هنا ~~والأدلة الدالة على وجوب حد القذف والملاعنة داخلة في المحصنات لم يثبت ~~عليها ما يخالف ذلك وهكذا من قذف ولدها ms384 فإنه كقذف أمه يجب الحد على القاذف # PageV02P069 ### | باب العدة # وكانت من المشهورات المسلمة في الجاهلية وكانت مما يكادون يتركونه وكان ~~فيها مصالح كثيرة فأقرها الشارع "هي للطلاق من الحامل بالوضع"لقوله تعالى: ~~{وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} # ومن الحائض بثلاث حيض لقول تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~والقروء هي الحيض كما تقدم في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "دع الصلاة ~~أيام أقرائك" والقرء وإن كان في الأصل مشتركا بين الأطهار والحيض لكنه هنا ~~قد دل الدليل على أن المراد أحد معنيي المشترك وهو الحيض لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "تعتد بثلاث حيض" وقوله: "تجلس أيام أقرائها" وقوله: "وعدتها ~~حيضتان" وسيأتي "ومن غيرهما"أي غير الحامل والحائض وهي الصغيرة والكبيرة ~~التي لا حيض فيها أو التي انقطع حيضها بعد وجوده فإنها تعتد بثلاثة أشهر ~~لقوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة ~~أشهر واللائي لم يحضن} الآية وقد وقع الخلاف في منقطعة الحيض لعارض فقيل ~~إنها تتربص حتى يعود فتعتد بالحيض أو تيأس فتعتد بالأشهر والحق ما ذكرناه ~~لأنه يصدق عليها عند الانقطاع أنها من اللائي لم يحض وللوفاة بأربعة أشهر ~~وعشر لقوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا} هذا في غير الحامل"وإن كانت حاملا فبالوضع"لقوله تعالى: ~~{وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} وقد بين # PageV02P069 # ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أكمل بيان ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أم ~~سلمة "أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها فتوفي عنها وهي حبلى ~~فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت أن تنكحه فقال والله ما يصلح أن تنكحي حتى ~~تعتدي آخر الأجلين فمكتث قريبا من عشر ليال ثم نفست ثم جاءت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال انكحي "وأخرج البخاري عن ابن مسعود في المتوفى عنها ~~زوجها وهي حامل قال: "أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة لنزلت ~~سورة النساء القصرى بعد الطولى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} "وقد ms385 ~~أخرج أحمد والدارقطني عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: "قلت يا رسول الله ~~{وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها قال: هي ~~للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها"وأخرجه أبو يعلى والضياء في المختارة وابن ~~مردويه وفي إسناده المثنى بن الصباح وثقه ابن معين وضعفه الجمهور وقد أخرج ~~ابن ماجه عن الزبير بن العوام "أنها كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة فقالت له ~~وهي حامل طيب نفسي بتطليقة فطلقها تطليقة ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد وضعت ~~فقال ما لها قد خدعتني خدعها الله ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~سبق الكتاب أجله اخطبها إلى نفسها"ورجال إسناده رجال الصحيح إلا محمد بن ~~عمر بن هياج وهو صدوق لا بأس به وقد تمسك بعض الصحابة بالآيتين فجعل عليها ~~أطول الأجلين فقال: إذا وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر لم تنقص عدتها حتى ~~تمضي أربعة أشهر وعشر وإذا انقضت الأربعة الأشهر وعشر ولم تضع لم تنقض ~~العدة حتى تضع وبه قال جماعة من أهل العلم والحق أن عدة الحامل بالوضع في ~~الطلاق والوفاة للأدلة التي ذكرناها وهي نصوص في محل النزاع ومبينة للمراد ~~قال ابن القيم: وقد كان بين السلف نزاع في المتوفى عنها أنها تتربص أبعد ~~الأجلين ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل وأما عدة الوفاة فتجب ~~بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل كما دل عليه عموم القرآن والسنة الصحيحة ~~واتفاق الناس انتهى "ولا عدة على غير مدخولة"لقوله تعالى في غير الممسوسات ~~{فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} "والأمة"أي # PageV02P070 # عدتها "كالحرة"لأن حديث عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~قال: "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" أخرجه الترمذي وأبو داود ~~والبيهقي قال فيه أبو داود هو حديث مجهول وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه ~~مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا ~~الحديث انتهى وأخرج ابن ماجه والدارقطني ومالك في الموطإ والشافعي من حديث ~~ابن عمر عن ms386 النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "طلاق الأمة اثنتان ~~وعدتها حيضتان" وفي إسناده عمرو ابن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان وصحح ~~الدارقطني أنه موقوف على ابن عمر وأخرج الدارقطني من حديث ابن مسعود وابن ~~عباس الطلاق بالرجال والعدة بالنساء وقد أعل بالوقف وأخرج أحمد عن علي نحو ~~ذلك وإذا كان الصحيح الوقف فيما عدا حديث عائشة فلم يكن في الباب ما تقوم ~~به الحجة لأن حديث عائشة ضعيف كما عرفت فوجب الرجوع إلى أدلة الكتاب والسنة ~~المشتملة على تفصيل العدد وهي غير مختصة بالحرائر "وعلى المعتدة للوفاة ترك ~~التزين"لحديث أم سلمة في الصحيحين"أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ~~"لا يحل لامرأة مسملة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلى ~~على زوجها أربعة أشهر وعشرا" وفي الباب عن أم حبيبة وزينب بنت جحش في ~~الصحيحين وغيرهما وفيهما أيضا من حديث أم سلمة "أن امرأة توفي زوجها فخشوا ~~على عينها فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل فقال: ~~لاتكتحل كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها1 أو شر بيتها2 فإذا كان حول فمر ~~كلب رمت ببعرة3 فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشرا " وفي الصحيحين من حديث أم ~~عطية قالت: "كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر ~~وعشرا ولا نكتحل ولا نطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب4 وقد ~~PageV02P071 # رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار"وفي ~~الباب أحاديث وقد روي ما يعارض هذه الأحاديث فأخرج أحمد وابن حبان وصححه من ~~حديث أسماء بنت عميس قالت: "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم لليوم ~~الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب قال: لا تحدي بعد يومك هذا" وهي كانت ~~امرأته بالاتفاق وقد أجيب بأنه حديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة وقد وقع ~~الإجماع على خلافه وقيل إنه منسوخ وقد أعله البيهقي بالانقطاع وهذه ~~الأحاديث المؤقتة في الإحداد بأربعة أشهر وعشر هي ms387 في غير الحامل وأما هي ~~فعليها ذلك حتى تنقضي عدتها بالوضع ثم الإحداد إنما يكون للموت لا لغيره ~~لأنه التظهر بما يدل على الحزن والكآبة لمفارقة الزوج بالموت لا لمطلق ~~المفارقة بالطلاق وغيره لأنه لم يرد فيه شئ ولا فعلته النساء في أيام ~~النبوة والخلفاء الراشدين فمن ادعى وجوبه على غير المميتة فنحن نطالبه ~~بالدليل "والمكث في البيت الذي كانت فيه عند موت زوجها أبو بلوغ خبره"لحديث ~~فريعة بنت مالك عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم قالت: ~~"خرج زوجي في طلب أعلاج1 له فأدركهم في طريق القدوم2 فقتلوه فأتى نعيه وأنا ~~في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ~~فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة عن أهلي من دور أهلي ولم يدع نفقة ~~ولا مالا ورثته وليس المسكن له فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في ~~بعض شأني قال: تحولي فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي ~~فدعيت فقال امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله ~~قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا"وفي بعض ألفاظه أنه أرسل إليها عثمان ~~بعد ذلك فأخبرته فأخذ به وقد أعل هذا الحديث بما لا يقدح في الاحتجاج به ~~وأخرج النسائي وأبو داود وعزاه المنذري إلى البخاري عن ابن عباس "في قوله ~~تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول ~~غير إخراج} نسخ ذلك بآية الميراث بما فرض الله تعالى لها من الربع والثمن ~~ونسخ أجل الحول أن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا" PageV02P072 # وقد ذهب إلى العمل بحديث فريعة جماعة من الصحابة فمن بعدهم وقد روي جواز ~~الخروج للعذر عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم ولم يأت من أجاز ذلك بحجة تصلح ~~لمعارضة حديث فريعة وغاية ما هناك روايات عن بعض الصحابة وليست بحجة ولا ~~سيما إذا عارضت الموفوع وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن مجاهد مرسلا "أن ~~رجالا استشهدوا بأحد ms388 فقال نساؤهم: يارسول الله إنا نستوحش في بيوتنا أفنبيت ~~عند إحدانا فأذن لهن أن يتحدثن عند إحداهن فإذا كان وقت النوم تأوي كل ~~واحدة إلى بيتها"وهذا مع إرساله لا تقوم به الحجة وأما أن لا تعتد بما مضى ~~من الأيام قبل العلم وبعد الطلاق أو نحوه فلا وجه له لأن مشروعية العدة لم ~~يشترطها الشارع بعلم المعتدة إنما ضرب للعدة مقادير كما في القرآن فإذا مضت ~~تلك المقادير من يوم الطلاق أو الموت انقضت العدة ومن زعم أنه لا يحتسب ~~بجميع العدة أو ببعضها قبل العلم فعليه الدليل لأنه يدعي إما فقد شرط أو ~~وجود مانع وكلاهما خلاف الأصل ثم الفرق بين بعض المعتدات دون بعض في اعتبار ~~العلم وعدمه كما وقع في كتب الفروع لا مستند له إلا خيالات مختلة "فصل"يجب ~~استبراء الأمة المسبية والمشتراة ونحوهما بحيضه إن كانت حائضا والحامل بوضع ~~الحمل لما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه من حديث أبي سعيد "أن النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: في سبايا أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ~~ولا غير حامل حتى تحيض حيضة" ولما أخرجه مسلم وغيره "أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم هم أن يلعن الرجل الذي أراد وطء امرأة حامل من السبي لعنة تدخل ~~معه قبره"وأخرج الترمذي من حديث العرباض بن سارية "أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن"وأخرج ابن أبي شيبة من ~~حديث علي قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توطأ حامل حتى تضع ولا ~~توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة"وفي إسناده ضعف وانقطاع وأخرج أحمد والطبراني ~~قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقعن رجل على امرأة وحملها ~~لغيره" وفي إسناده بقية والحجاج بن أرطاة وهما مدلسان وهو يشمل المسبية ~~وغيرها كالمشتراة والموهوبة وكذلك حديث رويفع # PageV02P073 # بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره" أخرجه أحمد والترمذي ms389 وأبو داود وابن أبي ~~شيبة والدارمي والطبراني والبيهقي والضياء المقدسي وابن حبان وصححه والبزار ~~وحسنه وهو كما يتناول الحامل المشتراة ونحوها كذلك يتناول من يجوز حملها من ~~الغير كائنا من كان لأن العلة كونه يسقي بمائه ولد غيره وأخرج الحاكم من ~~حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن بيع المغانم ~~حتى تقسم وقال: لا تسق ماءك زرع غيرك" وأصله في النسائي وأخرج البخاري عن ~~ابن عمر إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو أعتقت فلتستبرأ بحيضة ولا ~~تستبرأ العذراء ويدل على استيراء المشتراة التي هي حامل أو مجوز حملها ~~الأدلة الواردة في المسبية لأن العلة واحدة وأما العذراء والصغيرة فليستا ~~ممن تصدق عليه تلك العلة وإن كان حمل العذراء البالغة ممكنا مع بقاء ~~البكارة ولكنه في غاية الندرة فلا اعتبار به وأما ما أخرجه البخاري وغيره ~~"أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى اليمن ليقبض الخمس فاصطفى علي ~~منه سبية فأصبح وقد اغتسل ثم بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~ينكره"بل قال في بعض الروايات "لنصيب علي أفضل من وصيفة" فيحمل على أنها ~~كانت صغيرة أو بكرا جمعا بين الأدلة أو أنه قد كان مضى لها من وقت الصبا ما ~~تبين به أنها غير حامل # ومنقطعة الحيض تستبرأ حتى يتبين عدم حملها لأنه لا يمكن العلم بعدم الحمل ~~إلا بذلك إذا لا حيض بل المفروض أنه منقطع لعارض أو أنها ضهيأ1 وأما من قد ~~بلغت سن الإياس من الحيض فقد صار حملها مأيوسا كحيضها ولا اعتبار بالنادر ~~"ولا تستبرأ بكر ولا صغيرة ولا يلزم"الاستبراء "على البائع ونحوه"لعدم ~~الدليل على ذلك لا بنص ولا بقياس صحيح بل هو محض رأي PageV02P074 ### | باب النفقة # "تجب على الزوج للزوجة"لا أعرف في ذلك خلافا وقد أوجبها القرآن الكريم ~~قال الله تعالى: {وارزقوهم فيها واكسوهم} وقد قرر دلالة هذه الآية على ~~المطلوب # PageV02P074 # الموزعي في تفسيره والحديث إذنه صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة أن ms390 ~~تأخذ من مال زوجها أبي سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف وهو في الصحيحين ~~وغيرهما ولقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن حق الزوجة على الزوج "أن ~~تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت" وهو عند أهل السنن وغيرهم قال في ~~المسوى: تجب نفقة الزوجة على الزوج موسرا كان أو معسرا قال تعالى: {لينفق ~~ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} وقال تعالى: {وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} وقال تعالى: {ذلك أدنى ألا تعولوا} ~~قلت: قال الشافعي: أي لا يكثر من تعولون وفيه دليل على أن على الرجل نفقة ~~امرأته وقد أنكر على الشافعي بعض أهل العربية هذا التفسير فأجاب البغوي بأن ~~الكسائي قال: يقال عال الرجل يعول إذا كثر عياله واللغة الجيدة أعال وأجاب ~~الزمخشري بأنه بيان حاصل المعنى وجهه أن يجعل من قولك عال الرجل عياله ~~يعولهم كقولهم مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم ومن كثر عياله لزمه أن يعولهم ~~وهذا مما اتفق عليه أهل العلم وقال ابن القيم: في حديث هند المتقدم تضمنت ~~هذه الفتوى أمورا أحدها أن نفقة الزوجة غير مقدرة بل المعروف لنفي تقديرها ~~وإن لم يكن تقديرها معروفا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم الثاني أن نفقة الزوجة من جنس نفقة ~~الوالد كلاهما بالمعروف الثالث انفراد الأب بنفقة أولاده الرابع أن الزوج ~~والأب إذا لم يبذل النفقة الواجبة عليه فللزوجة والأولاد أن يأخذوا قدر ~~كفايتهم بالمعروف الخامس أن المرأة إذا قدرت على أخذ كفايتها من مال زوجها ~~لم يكن لها إلى الفسخ سبيل السادس أن ما لم يقدره الله تعالى ورسوله من ~~الحقوق الواجبة فالمرجع فيه إلى العرف السابع أن من منع الواجب عليه وكان ~~سبب ثبوته ظاهرا فلمستحقه أن يأخذ بيده إذا قدر عليه كما أفتى به النبي صلى ~~الله عليه وسلم هذا انتهى حاصله. أقول: هذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ~~والأحوال والأشخاص فنفقة زمن الخصب المعروف فيها غير المعروف في ms391 زمن الجدب ~~ونفقة أهل البوادي المعروف فيها ما هو الغالب عندهم وهو غير المعروف من ~~نفقة أهل المدن وكذلك المعروف من نفقة الأغنياء على اختلاف طبقاتهم غير ~~المعروف من نفقة الفقراء والمعروف من نفقة أهل الرياسات والشرف غير المعروف ~~من نفقة أهل الوضاعات فليس المعروف # PageV02P075 # المشار إليه في الحديث هو شئ متحد بل مختلف باختلاف الاعتبار وقد أوضحت ~~المقام في كتابي دليل الطالب فليراجع. وقال الماتن رحمه الله في الفتح ~~الرباني في جواب سؤال في الفرض للزوجة ونحوها ما لفظه قد اختلفت المذاهب في ~~تقديره النفقة بمقدار معين وعدم التقدير فذهب جماعة من أهل العلم وهم ~~الجمهور إلى أنه لا تقدير للنفقة إلا بالكفاية وقد اختلفت الرواية عن ~~الفقهاء فقال: الشافعي على المسكين والمتكسب مد وعلى الموسر مدان وعلى ~~المتوسط مد ونصف وقال أبو حنيفة: على الموسر سبعة دراهم إلى ثمانية في ~~الشهر وعلى المعسر أربعة دراهم إلى خمسة قال بعض أصحابه هذا التقدير في وقت ~~رخص الطعام وأما في غيره فيعتبر بالكفاية انتهى. والحق ما ذهب إليه ~~القائلون بعدم التقدير لاختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص فإنه لا ~~ريب أن بعض الأزمنة قد يكون أدعى للطعام من بعض وكذلك الأمكنة فإن بعضها قد ~~يعتاد أهله أن يأكلوا في اليوم مرتين وفي بعضها ثلاثا وفي بعضها أربعا ~~وكذلك الأحوال فإنه حالة الجدب تكون مستدعية لمقدار من الطعام أكثر من ~~المقدار الذي تستدعيه حالة الخصب وكذلك الأشخاص فإن بعضهم قد يأكل الصاع ~~فما فوقه وبعضهم قد يأكل نصف صاع ويعضهم دون ذلك وهذا الاختلاف معلوم ~~بالاستقراء التام ومع العلم بالاختلاف يكون التقدير على طريقة واحدة ظلما ~~وحيفا ثم إنه لم يثبت في هذه الشريعة المطهرة التقدير بمقدار معين قط بل ~~كان صلى الله تعالى عليه وسلم يحيل على الكفاية مقيدا لذلك بالمعروف كما في ~~حديث عائشة عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وأحمد بن حنبل وغيرهم "أن ~~هندا قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي ms392 ~~إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فهذا ~~الحديث الصحيح فيه الإحالة على الكفاية مع التقييد بالمعروف والمراد به ~~الشئ الذي يعرف وهو خلاف الشئ الذي ينكر وليس هذا المعروف الذي أرشد إليه ~~الحديث شيئا معينا ولا المتعارف بين أهل جهة معينة بل هو في كل جهة باعتبار ~~ما هو الغالب على أهلها المتعارف بينهم مثلا أهل صنعاء المتعارف بينهم الآن ~~أنهم ينفقون على أنفسهم وأقاربهم الحنطة والشعير والذرة ويعتادون الإدام ~~سمنا ولحما فلا يحل أن يجعل طعام # PageV02P076 # من تجب نفقته من طعام غير الثلاثة الأجناس المتقدمة كالعدس والفول ولا من ~~الشعير والذرة فقط ولا بدون إدام ولا بإدام غير المعتاد كالزيت والتلبينة ~~ونحو ذلك فإن ذلك جميعه وإن كان يصدق عليه لفظ الكفاية لكنه لا يصدق عليه ~~معنى المعروف والعمل بالمطلق وإهمال قيده لا يحل وأما أهل البوادي المتصلة ~~بصنعاء والقريبة منها بمقدار بريد ودونه وفوقه فالمعروف عندهم هو الكفاية ~~من أي طعام كان من غير سمن ولا لحم إلا في أندر الأحوال بل يكتفون تارة ~~بالتلبينة وتارة بما يقوم مقامها فالمتوجه شرعا على من وجبت عليه النفقة أن ~~يدفع إلى من كان في مثل صنعاء ما هو المعروف لديهم مما قدمنا وإلى من كان ~~في البوادي ما قدمنا مما هو المعروف لديهم ويعتبر في كل محل بعرف أهله ولا ~~يحل العدول عنه إلا مع التراضي وكذلك الحاكم يجب عليه مراعاة المعروف بحسب ~~الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص مع ملاحظة حال الزوج في اليسار ~~والإعسار لأن الله تعالى يقول: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} وإذا ~~تقرر لك أن الحق عدم جواز تقدير الطعام بمقدار معين فكذلك لا يجوز تقدير ~~الإدام بمقدار معين بل المعتبر الكفاية بالمعروف وقد حكى صاحب البحر أنه قد ~~قدر في اليوم أوقيتان دهنا من الموسر ومن المعسر أوقية ومن المتوسط أوقية ~~ونصف وفي شرح الإرشاد أنه يعتبر في الإدام تقدير القاضي باجتهاده عند ~~التنازع فيقدر في المد من الإدام ms393 ما يكفيه ويقدر على الموسر ضعف ذلك وعلى ~~المتوسط بينهما ويعتبر في اللحم عادة البلد للموسرين والمتوسطين كغيرهم قال ~~الرافعي: وقد تغلب الفاكهة في أوقاتها فتجب ثم قال: وإنما يجب ما ذكر ~~لزوجته إن لم تواكله حال كونها رشيدة فإن واكلته وهي رشيدة سقطت نفقتها ثم ~~ذكر كلاما طويلا وأقول: المرجع ما هو معروف عند أهل البلد في الإدام جنسا ~~ونوعا وقدرا وكذلك في الفاكهة لا يحل الإخلال بشئ مما يتعارفون به إن قدر ~~من تجب عليه النفقة على ذلك وكذلك ما يعتاد من التوسعة في الأعياد ونحوها ~~ويدخل في ذلك مثل القهوة والسليط. وبالجملة فقد أرشد الشارع إلى ماهو معروف ~~من الكفاية وليس بعد هذا الكلام الجامع المفيد شئ من البيان وأما ما أجاب ~~به عن الحديث بعض من لم يتمرن بعلم الأدلة ولم يتدرب بمسالك # PageV02P077 # الاجتهاد من أنه لم يكن منه صلى الله عليه وسلم على طريقة الحكم بل على ~~طريقة الإفتاء فهذه غفلة كبيرة وبعد عن الحقيقة لأنه صلى الله عليه وسلم لا ~~يفتي إلا بما هو حق وشرع وقد تقرر أن السنة أقواله وأفعاله وتقريراته لا ~~مجرد أحكامه فقط التي تكون بعد الخصومة وحضور المتخاصمين ولو كانت السنة ~~ليست إلا الأحكام الكائنة على تلك الصفة لم يبق منها حجة على العباد إلا ~~أقل من عشر معشارها لأن صدور الحكم منه صلى الله عليه وسلم على تلك الصفة ~~إنما وقع في قضايا محصورة كقضية الحضرمي والزبير وعبد بن زمعة والمتلاعنين ~~فإن قلت: ما وجه ما يفعله كثير من القضاة في هذه الأزمنة من تقدير النفقة ~~بقدح من الطعام متنوعا قلت: هو من تقدير الكفاية بالمعروف لأن القدح يكفي ~~غالب الأشخاص شهرا لا سيما في مثل صنعاء فيكون للشخص في كل يوم نصف صاع ~~يأتي المجموع في ثلاثين يوما خمسة عشر صاعا وهي قدح ينقص صاعا فهذا فيه ~~ملاحظة للمعروف باعتبار الغالب ولكن إذا انكشف أنه لا يكفي بأن يكون الشخص ~~أكولا فلا يحل العمل بذلك الغالب لأنه ms394 فيه إهمالا لما أرشد إليه صلى الله ~~عليه وسلم وهذا ليس فيه كفاية فالحاصل أنه لا بد من ملاحظة أمرين أحدهما ~~الكفاية والثاني كونها بالمعروف فإذا علم مقدار الكفاية كان المرجع في ~~صفاتها إلى المعروف وهو الغالب في البلد وإذا لم يعلم حال الشخص في مقدار ~~ما يكفيه أو وقع الاختلاف بينه وبين من يجب عليه إنفاقه كان القول قول من ~~يدعي ما هو المتعارف به مثلا: إذا قال من له النفقة لا يكفيه إلى قدحان ~~وقال من عليه النفقة قد كان القول قول من عليه النفقة بكونه مدعيا لما هو ~~الغالب في العادة وإذا تبين حال من له النفقة وجب الرجوع إلى ذلك لما ~~عرفناك من أنه لا يحل الوقوف على مقدار معين على طريق القطع والبت ثم ~~الظاهر من قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "خذي ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف" أن ذلك غير متخص بمجرد الطعام والشراب بل يعم جميع ما يحتاج إليه ~~فيدخل تحته الفضلات التي قد صارت بالاستمرار عليها مألوفة بحيث يحصل التضرر ~~بمفارقتها أو التضجر أو التكدر ويختلف ذلك بالأشخاص والأزمنة والأمكنة ~~والأحوال ويدخل فيه الأدوية ونحوها وإليه يشير قوله تعالى: {وعلى المولود ~~له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} فإن هذا نص في نوع من أنواع النفقات أن الواجب ~~على من عليه النفقة رزق من # PageV02P078 # عليه إنفاقه والرزق يشمل ما ذكرناه قال في الانتصار ومذهب الشافعي: لا ~~تجب أجرة الحمام وثمن الأودية وأجرة الطبيب لأن ذلك يراد لحفظ البدن كما لا ~~يجب على المستأجرة أجرة إصلاح ما انهدم من الدار وقال في الغيث: الحجة أن ~~الدواء لحفظ الروح فأشبه النفقة انتهى قلت: هو الحق لدخوله تحت عموم قوله ~~"ما يكفيك" وتحت قوله رزقهن فإن الصيغة الأولى عامة باعتبار لفظ ما ~~والثانية عامة لأنها مصدر مضاف وهي من صيغ العموم واختصاصه ببعض المستحقين ~~للنفقة لا يمنع من الإلحاق وبمجموع ما ذكرناه يتقرر لك أن الواجب على من ~~عليه النفقة لمن له النفقة هو ما يكفيه بالمعروف وليس ms395 المراد تفويض أمر ذلك ~~إلى من له النفقة وأنه يأخذ ذلك بنفسه حتى يرد ما أورده السائل من خشية ~~السرف في بعض الأحوال بل المراد تسليم ما يكفي على وجه لا سرف فيه بعد تبين ~~مقدار ما يكفي بإخبار المخبرين أو تجريب كما سبق وهو معنى قوله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم "بالمعروف" أي لا بغير المعروف وهو السرف والتقتير ~~نعم إذا كان الرجل لا يسلم ما يجب عليه من النفقة جاز لنا الإذن لمن له ~~النفقة بأن يأخذ ما يكفيه إذا كان من أهل الرشد لا إذا كان من أهل السرف ~~والتبذير فإنه لا يجوز لنا تمكينه من مال من عليه النفقة لأن الله تعالى ~~يقول: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} بل ورد ما يدل على عدم جواز دفع أموال ~~من لا رشد لهم إليهم كما في قوله تعالى: {فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم} فجعل الرشد شرطا لدفع أموالهم فكيف يجوز دفع أموال غيرهم ~~إليهم مع عدم الرشد ولكن يجب علينا إذا كان من عليه النفقة متمردا ومن له ~~النفقة ليس بذي رشد أن نجعل الأخذ إلى ولي من لا رشد له أو إلى رجل عدل ~~وأما ما ورد في بعض التفاسير من أن المراد بالسفهاء في قوله تعالى: {ولا ~~تؤتوا السفهاء أموالكم} تمكين المرأة من مال الرجل كما ذكره السائل فذلك ~~إنما هو باعتبار أن غالب نوع النساء خال عن الرشد وإلا فلا شك أن عدم الرشد ~~يوجد في غيرهن كالصبيان والمجانين ومن يلتحق بهم من البله والمعتوهين وكثير ~~ممن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ولا نشك أيضا أن في النساء من ~~لها من الرشد والكمال ما لا يوجد إلا في أفراد الرجال ومنهن هند بنت عتبة ~~المذكورة في الحديث فإنها كانت من سروات نساء قريش # PageV02P079 # المشهورات بحسن العقل وكمال الفطنة كما يعرف ذلك من عرف أخبارها ~~ومحاورتها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عند مبايعته لها ~~فالحاصل أنه لا ملازمة ms396 بين القول بوجوب الكفاية في النفقة وبين حضور السرف ~~بل الأمر كما قدمنا والله أعلم "والمطلقة رجعيا"لحديث فاطمة بنت قيس أنه ~~قال لها صلى الله عليه وسلم "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها ~~عليها الرجعة" أخرجه أحمد والنسائي وفي لفظ لأحمد "فإذا لم يكن عليها رجعة ~~فلا نفقة ولا سكنى" وفي إسناده مجالد بن سعيد وقد توبع وأعل بالوقف ولكن ~~الرفع زيادة مقبولة إذا صح مخرجها أو حسن وقد أثبت لها القرآن الكريم ~~السكنى قال الله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ~~وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن} ويستفاد من النهي عن ~~الإخراج وجوب النفقة مع السكنى ويؤيده قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم ~~من وجدكم} ويدل على وجوب النفقة قوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف} ~~وقوله تعالى في آخر الآية الأولى: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} وهو الرجعة ~~فكان ذلك في الرجعية لابائنا فالبائنة لا نفقة لها ولا سكنى لحديث فاطمة ~~بنت قيس عند مسلم وغيره عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في المطلقة ~~ثلاثا "لا نفقة ولا سكنى"وفي الصحيحين وغيرهما عنها "أنها قالت طلقني زوجي ~~ثلاثا فلم يجعل لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لا نفقة ولا ~~سكنى"وقد صح حديثها فلا نزاع وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أنه ~~قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا" ~~وقد أنكر عليها عمر وعائشة هذا الحديث وقال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة ~~نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت وقد قالت فاطمة: حين بلغها ~~ذلك بيني وبينكم كتاب الله قال الله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} حتى قال: {لا ~~تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} فأي أمر يحدث بعد الثلاث وقد ذهب إلى عدم ~~وجوب النفقة والسكنى للبائنة أحمد واسحق وأبو ثور وداود وأتباعهم وحكاه في ~~البحر عن ابن عباس والحسن البصري وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى والأوزاعي ms397 ~~والإمامية وذهب الجمهور إلى أنه لا نفقة لها ولها السكنى لقوله تعالى: ~~{أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} وقد تقدم ما يدل # PageV02P080 # على أنها في الرجعية وذهب عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز والثوري وأهل ~~الكوفة إلى وجوب النفقة والسكني "ولا في عدة الوفاة فلا نفقة ولا سكنى إلا ~~أن تكونا حاملتين"لعدم وجود دليل يدل على ذلك في غير الحامل ولا سيما بعد ~~قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان ~~لزوجها عليها الرجعة فإذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى" ويؤيده ~~أيضا تعليل الآية المتقدمة بقوله تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا} وهو الرجعة ولم يبق في عدة الوفاة ذلك الأمر ويفيده أيضا مفهوم الشرط ~~في قوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} وهي أيضا ~~تدل على وجوب النفقة للحامل سواء كانت في عدة الرجعي أو البائن أو الوفاة ~~وكذلك يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: "لا نفقة لك ~~إلا أن تكوني حاملا" وقد روى البيهقي عن جابر يرفعه"في الحامل المتوفى عنها ~~قال لا نفقة لها" قال ابن حجر ورجاله ثقات لكنه قال المحفوظ وقفه فلو صح ~~رفعه لكان نصا في محل النزاع وينبغي أن يقيد عدم وجوب السكنى لمن في عدة ~~الوفاة بما تقدم في وجوب اعتدادها في البيت الذي بلغها موت زوجها وهي فيه ~~فإن ذلك يفيد أنها إذا كانت في بيت الزوج بقيت فيه حتى تنقضي العدة ويكون ~~ذلك جمعا بين الأدلة من باب تقييد المطلق أو تخصيص العام فلا إشكال قال في ~~المسوى: اختلف أهل العلم في السكنى للمعتدة عن الوفاة فقال أبو حنيفة لا ~~سكنى لها بل تعتد حيث شاءت وقال مالك لها السكنى وللشافعي قولان كالمذهبين ~~ومنشأ ذلك تردده في تأويل حديث فريعة فرأى مرة أن إذنه لها في الخروج حكم ~~وقوله "امكثي في بيتك" أقول: يحتمل أن يكون إذنه لها من حيث ms398 إنها ذكرت أن ~~زوجها لم يتركها في مسكن يملكه انتهى. أقول: الحق أن المتوفى عنها زوجها لا ~~تستحق في عدة الوفاة لا نفقة ولا سكنى سواء كانت حاملا أو حائلا لزوال سبب ~~النفقة بالموت واختصاص آية السكنى بالمطلقة رجعيا واختصاص آية إنفاق الحامل ~~بالمطلقة كما تقدم فإذا مات وهي في بيته اعتدت فيه لا لأن لها السكنى بل ~~لوجوب الاعتداد عليها # PageV02P081 # في البيت الذي مات وهي فيه مع أن في حديث الفريعة أنها قالت للنبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم إن زوجها لم يتركها في منزل يملكه فأمرها أن ~~تعتمد في ذلك المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه وهو غير مملوك له وبهذا ~~يتضح أن ذلك لا يستلزم وجوب السكنى من تركة الميت بل هو أمر تعبد الله به ~~المرأة فإن كان المنزل ملكها فذاك وإن كان ملك غيرها وجب عليها تسليم ~~الأجرة مع الطلب سواء كان ملكا لورثة الزوج أو لغيرهم وعلى هذا يحمل قوله ~~تعالى: {غير إخراج} وقوله {ولا يخرجن} وقوله {لا تخرجوهن} فتقرر بمجموع ما ~~ذكر أن المتوفى عنها مطلقا كالمطلقة بائنا إذا لم تكن المطلقة بائنا حاملا ~~في عدم وجوب النفقة والسكنى فإن كانت المطلقة بائنا حاملا فلها النفقة ولا ~~سكنى لها وأما المطلقة الرجعية فلها النفقة والسكنى سواء كانت حاملا أو ~~حائلا وأما المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها فالنفقة ساطقة بلا ريب وكذلك ~~السكنى والمتعة المذكورة لها في القرآن هي عوض عن المهر والملاعنة لا نفقة ~~لها ولا سكنى لأنها إن كانت المطلقة بائنا كانت مثلها في ذلك وإن كانت ~~المتوفى عنها زوجها فكذلك ولا ريب أن فرقتها أشد من فرقة المطلقة بائنا لأن ~~هذه يجوز نكاحها في حال من الأحوال بخلاف تلك "وتجب على الوالد الموسر ~~لولده المعسر والعكس"لحديث هند بنت عتبة المتقدم ويؤيده ما تقدم في الفطرة ~~من وجوبها على الرجل ومن يمون وأما العكس فلأن النفقة هي أقل ما يفيده قوله ~~تعالى: {وصاحبهما في الدنيا معروفا} وقوله: {وبالوالدين إحسانا} ms399 وقوله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم "أنت ومالك لأبيك" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ~~خزيمة وابن الجارود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديث "إن أطيب ما ~~أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه فكلوا من أموالهم" أخرجه أحمد وأهل السنن ~~وابن حبان والحاكم ويؤيد ذلك حديث "من أبر يارسول الله قال أمك قال ثم من ~~قال أمك قال ثم من قال أباك "وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ~~قال في المسوى: تجب على الابن نفقة الأبوين إذا كان موسرا وهما معسران قال ~~تعالى: {وبالوالدين إحسانا} وقال: {وصاحبهما في الدنيا معروفا} ومن المعلوم ~~أنه ليس من الإحسان ولا من المصاحبة بالمعروف أن يموتا جوعا والولد في أرغد ~~عيش قلت: على هذا أهل العلم # PageV02P082 # إلا أن الشافعي قال: إن كان واحد منهما قويا سويا يمكنه تحصيل قوته لا ~~تجب نفقته وإن كان معسرا وأوجب سائر الفقهاء نفقتهم عند الإعسار ولم ~~يشترطوا الزمانة وفي إعلام الموقعين وسأله صلى الله عليه وسلم من أحق الناس ~~بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال ثم ~~أبوك متفق عليه قال الإمام أحمد الطاعة للأب وللأم ثلاثة أرباع البر "وعلى ~~السيد لمن يملكه لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق" ~~وحديث "فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ~~أبي ذر قلت: وذلك أنه مشغول بخدمته عن الاكتساب فوجب أن يكون كفاية عليه ~~وعليه أهل العلم "ولا تجب على القريب لقريبه إلا من باب صلة الرحم"لعدم ~~ورود دليل بخص ذلك بل جاءت أحاديث صلة الرحم وهي عامة والرحم المحتاج إلى ~~نفقة أحق الأرحام بالصلة وقد قال تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر ~~عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} {على ~~الموسع ms400 قدره وعلى المقتر قدره} وعند أبي داود "أن رجلا سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذلك حق واجب ~~ورحم موصولة "أقول: ومن جملة ما يدل على نفقة الأقارب قوله تعالي: ~~{وبالوالدين إحسانا وبذي القربى} وقوله تعالي: {وآت ذا القربى حقه} فقد أمر ~~الله سبحانه بالإحسان إلى القرابة وإيتائه حقه ولا ريب أن من كان يتقلب في ~~النعم وقريبه قد أضر به الجوع أو العرى فهو غير محسن إليه ولا قائم بحقه ~~ومن جملة الأدلة القرآنية قوله تعالي: {وعلى الوارث مثل ذلك} فإن جمهور ~~السلف فسروها بأن على الرجل الذي يرث أن ينفق على الموروث مثل ما ينفق ~~المولود له على والدة الولد كما في أول الآية ومن الأدلة على ذلك ما تقدم ~~في رواية أبي داود وهو في الصحيحين أيضا وأخرجه النسائي بنحوه وزاد "ثم ~~أدناك أدناك" وفيه "وابدأ بمن تعول" وفي الصحيحين أيضا بلفظ "من أحق الناس ~~بحسن صحابتي يارسول الله قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ~~ثم من قال أبوك ثم أدناك أدناك" وأخرجه الترمذي وقال "ثم الأقرب فالأقرب" ~~وفي المسألة مذاهب مختلفة قد بسطها صاحب الهدي وغيره. وأما ماقيل # PageV02P083 # من أن المراد بمثل هذه الأدلة صلة الرحم فقد أجيب عن ذلك بأن الله سبحانه ~~سماه حقا على أنه لو سلم لم يكن قادحا في الاستدلال فإن من ترك قريبه بغير ~~نفقة ولا كسوة مع حاجته إليهما لم يكن واصلا لرحمه لا لغة ولا عرفا ولا ~~شرعا ومن أنكر هذا فليخبرنا ما هي الصلة التي تختص بها الرحم لأجل كونه ~~رحما ويمتاز بها عن الأجنبي فإنه لا يمكنه أن يعين مسقطا للنفقة إلا وكان ~~أولى بإسقاط ما عداها فالحاصل أن من وجب ما يكفيه وكان له زيادة يستغني ~~عنها وجب عليه أن ينفقها على المحاويج من قرابته ويقدم الأقرب فالأقرب كما ~~دلت عليه الأدلة السالفة وهذا هو معنى الغنى أي الاستغناء ms401 عن فضلة تفضل على ~~الكفاية لا ما ذكره الفقهاء من تلك التقديرات التي لا ترجع إلى دليل عقل ~~ولا نقل "ومن وجبت نفقته وجبت كسوته وسكناه"لما يستفاد من الآيات القرآنية ~~والأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها # PageV02P084 ### | "باب الرضاع" # "إنما يثبت حكمه بخمس رضعات"لحديث عائشة عند مسلم وغيره "أنها قالت: كان ~~فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخ بخمس رضعات فتوفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن"وللحديث طرق ثابتة في ~~الصحيح ولا يخالفه حديث عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحرم ~~المصة ولا المصتان"أخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن وكذلك حديث أم الفضل عند ~~مسلم وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ~~والمصة والمصتان "وفي لفظ "لا تحرم الإ ملاجة1 ولا الإملاجتان" وأخرج نحوه ~~أحمد والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الزبير لأن غاية ما في هذه ~~الأحاديث أن المصة والمصتين والرضعة والرضعتين والإملاجة والإملاجتين لا ~~يحرمن وهذا هو معنى الأحاديث منطوقا وهو لا يخالف حديث الخمس الرضعات لأنها ~~تدل على أن ما دون PageV02P084 # الخمس لا يحرم. وأما معنى هذه الأحاديث مفهوما وهو أنه يحرم ما زاد على ~~الرضعة والرضعتين فمدفوع بحديث الخمس وهي مشتملة على زيادة فوجب قبولها ~~والعمل بها ولا سيما عند القول من يقول: إن بناء الفعل على المنكر يفيد ~~التخصيص والرضعة هي أن يأخذ الصبي الثدي فيمتص منه ثم يستمر على ذلك حتى ~~يتركه باختياره لغير عارض وقد ذهب إلى اعتبار الخمس ابن مسعود وعائشة وعبد ~~الله بن الزبير وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والليث بن سعد ~~والشافعي وأحمد واسحق وابن حزم وجماعة من أهل العلم وقد روي ذلك عن علي بن ~~أبي طالب وذهب الجمهور إلى أن الرضاع الواصل إلى الجوف يتقضي التحريم وإن ~~قل قال في المسوى: ذهب الشافعي إلى أنه لا يثبت حكم الرضاع بأقل من خمس ~~رضعات متفرقات وذهب أكثر الفقهاء منهم مالك وأبو حنيفة ms402 إلى أن قليل الرضاع ~~وكثيره محرم وقال بعضهم: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لقوله صلى الله عليه ~~وسلم "لا تحرم المصة ولا المصتان" ويحكى عن بعضهم أن التحريم لا يقع بأقل ~~من عشر رضعات وهو قول شاذ والظاهر أن عائشة وحفصة إنما كانتا تذهبان إلى ~~عشر رضعات تورعا وتشفيا للخاطر لا من جهة حكم الشرع كما ذكرنا في لبن الفحل ~~قال البغوي: قوله عائشة "فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ ~~في القرآن "أرادت به قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى كان بعض من لم يبلغه النسخ يقرأ على الرسم الأول لأن النسخ لا يتصور ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجوز بقاء الحكم مع نسخ التلاوة كالرجم ~~في الزنا حكمه باق مع ارتفاع التلاوة في القرآن أو أن الحكم يثبت بأخبار ~~الآحاد ويجب العمل به والقرآن لا يثبت بأخبار الآحاد فلم يجز كتبه بين ~~الدفتين انتهى وتمامه في كتابنا أفاد الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ فليرجع ~~إليه.أقول: اعلم أن الأحاديث قد اختلفت في هذه المسألة اختلافا كثيرا وكذلك ~~اختلفت المذاهب ونحن نعرفك بما هو الحق الذي يجتمع فيه جميع الأدلة فنقول: ~~أما ما ورد من الرضاع مطلقا من دون تقييد بعدد فالأحاديث الواردة بذكر ~~العدد تفيد تقييده كما هو شأن المطلق والمقيد: وقد أفاد حديث "لا تحرم ~~المصة والمصتان والإملاجة والإملاجتان " وحديث "لا تحرم الرضعة الواحدة" أن ~~الرضعة والرضعتين لا تحرمان فلو لم يرد إلا هذا لكانت # PageV02P085 # الثلاث مقتضية للتحريم ولكنه ثبت في الصحيح عن عائشة أنها قالت: "عشر ~~رضعات معلومات يحرمن"ثم قالت: "خمس رضعات معلومات يحرمن"وصرحت بأن العشر ~~منسوخة بالخمس وصرحت أيضا بأنه "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن ~~فيما يقرأ من القرآن"وليس من شرط القرآن تواتر النقل على ما هو الحق ولو ~~سلم ذلك فالقراءة الآحادية منزلة منزلة أخبار الآحاد ولكن ههنا إشكال وهو ~~أن حديث "لا تحرم المصة والمصتان" دل بمفهوم العدد على أن ms403 الثلاث والأربع ~~يثبت بهما التحريم وحديث الخمس دل بمفهومه على أنهما لا يحرمان وأقول: قد ~~تقرر في علم المعاني والبيان أن الإخبار بالفعل المضارع يفيد الحصر وصرح ~~بذلك الزمخشري في الكشاف ولا سيما إذا بني الفعل على المنكر كما هو مقرر في ~~مواطنه فيكون قد انضم إلى مفهوم العدد في الخمس مفهوم الحصر فلا يثبت ~~التحريم بدونها ويؤيد ذلك ما ورد في بعض ألفاظ حديث سهلة بنت سهيل "أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: "أرضعي سالما خمس رضعات تحرمي عليه" وهذا التركيب في ~~قوة إن ترضعيه خمسا تحرمي عليه فانضم إلى مفهومي العدد والحصر مفهوم الشرط ~~وكما تصلح هذه الأدلة لتقييد مطلق القرآن تصلح أيضا لتقييد حديث "الرضاع ما ~~أنبث اللحم وأنشر العظم" وحديث "الرضاعة من المجاعة" على فرضه أن الرضعة ~~والرضعتين تنبت اللحم فيكون المراد أن المقتضي للتحريم من الرضاع الذي ينبت ~~اللحم والذي في زمن المجاعة هو ما كان على صفة مخصوصة وهي خمس رضعات هذا ~~تقرير الاستدلال على وجه تجتمع فيه الأدلة وأما الجواب عن الوجوه التي ~~ذكروها في دفع ما ذكرناه من الأدلة فقد بسطه الماتن رحمه الله في وبل ~~الغمام حاشية شفاء الأوام فمن شاء الاطلاع على ذلك فليراجعه "مع تيقن وجود ~~اللبن"لأنه سبب ثبوت حكم الرضاع فلو لم يكن وجوده معلوما وارتضاع الصبي منه ~~معلوما لم يكن لإ ثبات حكم الرضاع وجه مسوغ. قال في الحجة البالغة: يعتبر ~~في الإرضاع شيئان: أحدهما القدر الذي يتحقق به هذا المعنى فكان فيما أنزل ~~من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات والثاني أن يكون ~~الرضاع في أول قيام الهيكل وتشبح صورة الولد وإلا فهو غذاء بمنزلة سائر ~~الأغذية الكائنة بعد التشبح وقيام الهيكل كالشاب يأكل الخبز انتهى. # PageV02P086 # "وكون الرضيع قبل الفطام"لحديث أم سلمة عند الترمذي وصححه والحاكم وصححه ~~أيضا قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:"لا يحرم من الرضاع إلا ~~ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" وأخرج سعيد بن منصور ms404 والدارقطني ~~والبيهقي وابن عدي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "لارضاع إلا ما كان في الحولين" وقد صحح البيهقي وقفه ~~ورجحه ابن عدي وابن كثير وأخرج أبو داود الطيالسي من حديث جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام" وقد قال ~~المنذري إنه لا يثبت وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت: "لما دخل ~~علي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعندي رجل فقال: من هذا قلت: ~~أخي من الرضاعة قال: يا عائشة انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة" ~~"ويحرم به ما يحرم بالنسب"قد تقدم الاستدلال عليه فيمن يحرم نكاحه من كتاب ~~النكاح من أم وأخت وغيرهما"ويقبل قول المرضعة"لما أخرجه البخاري وغيره من ~~حديث عقبة بن الحرث "أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: ~~قد أرضعتكما قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني: قال: ~~فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما فنهاه"وفي لفظ ~~"دعها عنك" وهو في الصحيح وفي لفظ آخر "كيف وقد قيل ففارقها عقبة" وقد ذهب ~~إلى ذلك عثمان وابن عباس والزهري والحسن واسحق والأوزاعي وأحمد بن حنبل ~~وأبو عبيد وروي عن مالك وأما دفع الحجة بأنها شهدت على تقرير فعلها فهذه ~~قاعدة فقهية لم يرد بها كتاب الله ولا سنة رسوله وهذا الحديث أول حجة ~~يبطلها فكيف يكون الأمر بالعكس وحسبنا الله ونعم الوكيل # "ويجوز إرضاع الكبير ولو كان ذا لحية لتجويز النظر"لحديث زينب بنت أم ~~سلمة قال: "قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك هذا الغلام الأيفع الذي ما ~~أحب أن يدخل علي فقالت عائشة: مالك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ~~حسنة وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يارسول الله إن سالما يدخل علي وهو ~~رجل وفي نفس أبي حذيفة منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضعيه حتى ~~يدخل عليك" أخرجه مسلم ms405 وغيره وقد أخرج نحوه البخاري من حديث عائشة أيضا وقد ~~روى هذا الحديث من # PageV02P087 # الصحابة أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل وزينب بنت أم سلمة ورواه من ~~التابعين جماعة كثيرة ثم رواه عنهم الجمع الجم وقد ذهب إلى ذلك علي وعائشة ~~وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية وداود الظاهري ~~وابن حزم وهو الحق وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك قال ابن القيم: أخذ طائفة من ~~السلف بهذه الفتوى منهم عائشة ولم يأخذ به أكثر أهل العلم وقدموا عليها ~~أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين لوجوه: ~~أحدها: كثرتها وإنفراد حديث سالم والثاني: أن جميع أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم سوى عائشة في شق المنع الثالث: أنه أحوط الرابع: أن رضاع الكبير ~~لا ينبت لحما ولا ينشر عظما فلا يحصل به البعضية التي هي سبب التحريم ~~الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصا بسالم وحده ولهذا لم يجيء ذلك إلا في ~~قصته السادس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة وعندها رجل ~~قاعد فاشتد عليه وغضب فقال: إنه أخي من الرضاعة فقال: انظرن من إخوانكن من ~~الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه واللفظ لمسلم وفي قصة سالم ~~مسلك وهو أن هذا كان موضع حاجة فإن سالما كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه ولم ~~يكن لنه منه ومن الدخول على أهله بد فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به ~~مما يسوغ فيه الاجتهاد ولعل هذا المسلك أقوى المسالك وإليه كان شيخنا يجنح ~~والله تعالى أعلم انتهى. # أقول: الحاصل أن الحديث المتقدم صحيح وقد رواه الجم الغفير عن الجم ~~الغفير سلفا عن خلف ولم يقدح فيه من رجال هذا الشأن أحد وغاية ما قاله من ~~يخالفه أنه ربما كان منسوخا ويجاب بأنه لو كان منسوخا لوقع الاحتجاج على ~~عائشة بذلك ولم ينقل أنه قال قائل به مع اشتهار الخلاف بين الصحابة وأما ~~الأحاديث الواردة بأنه لا رضاع إلا في الحولين وقبل ms406 الفطام فمع كونها فيها ~~مقال لا معارضة بينها وبين رضاع سالم لأنها عامة وهذا خاص والخاص مقدم على ~~العام ولكنه يختص بمن عرض له من الحاجة إلى إرضاع الكبير ماعرض لأبي حذيفة ~~وزوجته سهلة فإن سالما لما كان لهما كالابن وكان في البيت الذي هما فيه وفي ~~الاحتجاب مشقة عليهما رخص صلى الله عليه وسلم في الرضاع على تلك الصفة ~~فيكون رخصة لمن كان كذلك وهذا لا محيص عنه قال في المسوى: يجب إحياء ~~المولود بالإرضاع حولين كاملين إلا إذا اجتمع رأي الوالدين # PageV02P088 # عن تشاور منهما على أن الفطام لا يضره فحينئذ يجوز الفطام قبل الحولين ~~والمرضع يجوز أن تكون الوالدة أو الظئر المسترضعة فإن لم تتيسر المسترضعة ~~أو لم يقدر الوالد على استئجارها تعينت الوالدة فإن أرضعت الوالدة فليس لها ~~إلا النفقة والكسوة بالمعروف مما كان بسبب الزوجية وإن أرضعت الظئر فلها ~~أجرها قال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا ~~تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا ~~عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا ~~جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله} قلت: الظاهر أن ~~الوالدات تعم المطلقات وغيرها وقيل: تختص بالمطلقات لأن سياق الآية في قصة ~~المطلقات. أقول: وحينئذ يؤخذ حكم غير المطلقات بالأولى وقوله: {وعلى ~~المولود له} يدل على أن الوالدة ما دامت زوجة أو معتدة لا تستحق الأجر ~~وعليه أبو حنيفة وقوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} المراد منه وارث الأب وهو ~~الصبي أي مؤن المرضعة من ماله إذا مات الأب قوله: {فإن أرادا فصالا} يعني ~~قبل الحولين قوله: {أن تسترضعوا} أي المراضع أولادكم أي تأخذوا مراضع ~~لأولادكم قوله: {ما آتيتم} أي ما أردتم إيتاءه كقوله تعالى: {إذا قمتم إلى ~~الصلاة} انتهى # PageV02P089 ### | باب الحضانة # "الأولى بالطفل أمه ما لم تنكح"لحديث عبد الله بن عمرو "أن امرأة ms407 قالت: ~~يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء ~~وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال: "أنت أحق به ما لم تنكحي" أخرجه أحمد وأبو ~~داود والبيهقي والحاكم وصححه وقد وقع الإجماع على أن الأم أولى بالطفل من ~~الأب وحكى ابن المنذر الإجماع على أن حقها يبطل بالنكاح وقد روي عن عثمان ~~أنه لا يبطل بالكناح وإليه ذهب الحسن البصري وابن حزم واحتجوا ببقاء ابن أم ~~سلمة في كفالتها بعد أن تزوجت بالنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ويجاب ~~عن ذلك بأن مجرد البقاء مع # PageV02P089 # عدم المنازع لا يحتج به لاحتمال أنه لم يبق له قريب غيرها واحتجوا أيضا ~~بما سيأتي في حديث ابنة حمزة فإن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قضى ~~بأن الحق لخالتها وكانت تحت جعفر بن أبي طالب وقد قال: "الخالة بمنزلة ~~الأم" ويجاب عن هذا بأنه لا يدفع النص الوارد في الأم ويمكن أن يقال إن هذا ~~يكون دليلا على ما ذهبت إليه الحنفية من أن النكاح إذا كان لمن هو رحم ~~للصغير فلا يبطل به الحق ويكون حديث ابنة حمزة مقيدا لقوله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم "ما لم تنكحي" ثم الخالة أولى بعد الأم ممن عداها لحديث ~~البراء بن عازب في الصحيحين وغيرهما "أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر ~~وزيد فقال علي: أنا أحق بها هي ابنة عمي وقال جعفر: بنت عمي وخالتها تحتي ~~وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: ~~الخالة بمنزلة الأم" والمراد بقول زيد ابنة أخي أن حمزة قد كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم آخى بينهما ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه قد ثبت بالإجماع ~~أن الأم أقدم الحواضن فمقتضى التشبيه أن تكون الخالة أقدم من غيرها من غير ~~فرق بين الأب وغيره وقد قيل إن الأب أقدم منها إجماعا وليس ذلك بصحيح ~~والخلاف معروف والحديث يحج من خالفه قال في المسوى: ms408 إذا فارق الرجل امرأته ~~وبينهما ولد صغير فالأم وأم الأم أولى بالحضانة من الأب لرواية مالك عن ~~يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عند عمر بن الخطاب ~~امرأة من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر ثم إنه فارقها فجاء عمر بن الخطاب ~~قباء فوجد ابنه عاصما يلعب بفناء المسجد فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على ~~الدابة فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق فقال عمر: ~~ابني وقالت المرأة: ابني فقال: أبو بكر خل بينها وبينه قال: فما راجعه عمر ~~الكلام "ثم الأب"وإن لم يرد بذلك بدليل يخصه لكنه قد استفيد من مثل قوله ~~صلى الله عليه وسلم للأم "أنت أحق به ما لم تنكحي" فإن هذا يدل على ثبوت ~~أصل الحق للأب بعد الأم ومن هو بمنزلتها وهي الخالة وكذلك إثبات التخيير ~~بينه وبين الأم في الكفالة فإنه يفيد إثبات حق له في الجملة وقال في ~~المسوى: روى الشافعي بإسناده عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه"ثم طبق بين الحديث والأثر بأن المولود إذا ~~كان دون سبع سنين فالأم أولى به وإذا بلغ سبع سنين وعقل عقل مثله خير بين # PageV02P090 # الأبوين سواء كان ذكرا أوأنثى فأيهما اختاره يكون عنده وأخذ هذا النوع من ~~التطبيق من قضاء علي رضي الله تعالى عنه فإنه خير صبيا كان ابن سبع سنين أو ~~ثمان سنين بين الأم والعم وقال لأخيه الصغير منه وهذا أيضا لو قد بلغ هذا ~~لخيرته وقال أبو حنيفة: الأم أحق بالغلام حتى يأكل ويلبس وحده وبالجارية ~~حتى تحيض ثم بعد ذلك الأب أحق بهما أقول: الحق أن الحضانة للأم ثم للخالة ~~للدليل الذي قدمنا ولا حضانة للأب ولا لغيره من الرجال والنساء إلا بعد ~~بلوغ الصبي سن التمييز فإن بلغ إليه ثبت تخييره بين الأم والأب وإذا عد ما ~~كان أمره إلى أوليائه إن وجدوا وإلا كان إلى قرابته الذين ليسوا بأولياء ~~ويقدم الأقرب ms409 فالأقرب ولكن ليس هذا الدليل اقتضى ذلك بل لأن حضانة الصبي ~~وكفالة أمره لا بد منه والقرابة أولى به من الأجانب بلا ريب وبعض القرابة ~~أولى من بعض فأحقهم به بعد عدم من وردت النصوص بثبوت حضانته هو الأولياء ~~لكون ولاية النظر في مصالحه إليهم ومع عدمهم تكون حضانته إلى الأقرب ~~فالأقرب هذا ما يقتضيه النظر الصحيح ومن رام الوقوف على جميع العلل التي ~~علل بها المختلفون في التقديم والتأخير في باب الحضانة فعليه بالهدي لابن ~~القيم ولكنه لم يترجح لدي إلا ما ذكرته ههنا وذكره الماتن وقد يقال: إن ~~حديث "أنت أحق به ما لم تنكحي" يفيد ثبوت أصل الحق في الحضانة للأب بعد ~~الأم ومن هو بمنزلتها وهي الخالة فتكون أهل الحضانة الأم ثم الخالة ثم الأب ~~"ثم يعين الحاكم من القرابة من رأى فيه صلاحا"لأنه إذا عدمت الأم والخالة ~~والأب فالصبي محتاج إلى من يحضنه بالضرورة والقرابة أشفق به فيعين الحاكم ~~من يقوم به منهم ممن يرى فيه صلاحا للصبي وقد أخرج عبد الرزاق عن عكرمة ~~قال: إن امرأة عمر بن الخطاب خاصمته إلى أبي بكر في ولد عليها فقال أبو ~~بكر: هي أعطف وألطف وأرحم وأحنى وهي أحق بولدها ما لم تتزوج فهذه الأوصاف ~~تفيد أن أبا بكر جعل العلة العطف واللطف والرحمة والحنو "وبعد بلوغ سن ~~الاستقلال يخير الصبي بين أبيه وأمه"لحديث أبي هريرة عند أحمد وأهل السنن ~~وصححه الترمذي "أن النبي صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه "وفي ~~لفظ "أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد ~~سقاني من بئر أبي عتبة وقد نفعني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~استهما # PageV02P091 # عليه قال زوجها: من يحاقني في ولدي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا ~~أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به "أخرجه أهل السنن ~~وابن أبي شيبة وصححه الترمذي وابن حبان وابن القطان وأخرج أحمد وأبو داود ~~والنسائي ms410 وابن ماجه والدارقطني من حديث عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن جده ~~"أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم فجاء بابن صغير له لم يبلغ قال: فأجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأب ههنا والأم ههنا ثم خيره وقال: "اللهم اهده ~~فذهب إلى أبيه" قال ابن القيم: "الحضانة قضي فيها خمس قضايا: إحداها: قضى ~~بابنة حمزة لخالتها وكانت تحت جعفر بن أبي طالب وقال: "الخالة بمنزلة الأم" ~~فتضمن هذا القضاء أن الخالة قائمة مقام الأم في الاستحقاق وأن تزوجها لا ~~يسقط حضانتها إذا كانت جارية القضية الثانية: أن رجلا جاء بابن له صغير لم ~~يبلغ فاختصم فيه هو وأمه ولم يسلم فأجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم الأب ~~ههنا وأجلس الأم ههنا ثم خير الصبي وقال: اللهم اهده فذهب إلى أمه ذكره ~~أحمد القضية الثالثة: أن رافع بن سنان أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقالت فطيم أو شبيهه وقال رافع ابنتي فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: اقعد ناحية وقال لها اقعدي ناحية فأقعد الصبية بينهما ~~ثم قال: ادعواها فمالت إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم ~~اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها ذكره أحمد القضية الرابعة: جاءته امرأة فقالت ~~إن زوجي يريد أن يذهب بابني الخ ذكره أبو داود القضية الخامسة: جاءته صلى ~~الله عليه وسلم امرأة فقالت يا رسول الله: إن ابني هذا كان بطني له وعاء ~~الخ ذكره أبو داود فعلى هذه القضايا الخمس تدور الحضانة وبالله التوفيق فإن ~~لم يوجد من له في ذلك حق بنص الشرع أكفله من كان له في كفالته مصلحة لكونه ~~محتاجا إلى ذلك فكانت المصلحة معتبرة في بدنه كما اعتبرت في ماله وقد دلت ~~على ذلك الأدلة الواردة في أموال اليتامى من الكتاب والسنة. # PageV02P092 ### | كتاب البيع # المعتبر فيه مجرد التراضي وحقيقة التراضي لا يعلمها إلا الله تعالى ~~والمراد ههنا أمارته كالإيجاب والقبول وكالتعاطي عند القائل به وعلى هذا ~~أهل العلم "ولو بإشارة"وينعقد ms411 بالكناية "من قادر على النطق"لكونه لم يرد ما ~~يدل على ما اعتبره بعض أهل العلم من ألفاظ مخصوصة وأنه لا يجوز البيع ~~بغيرها ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: بعت منك وبعتك فإنا لا ننكر ~~أن البيع يصح بذلك وإنما النزاع في كونه لا يصح إلا بها ولم يرد في ذلك شئ ~~وقد قال الله تعالى: {تجارة عن تراض منكم} فدل ذلك على أن مجرد التراضي هو ~~المناط ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كناية بأي لفظ وقع على أي ~~صفة كان وبأي إشارة مفيدة حصل وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا يحل ~~مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه" فإذا وجدت طيبة النفس مع التراضي فلا ~~يعتبر غير ذلك أقول: هذا غاية ما يستفاد من الأدلة أعني أن المعتبر في ~~البيع هو مجرد التراضي والمشعر بالرضا لا ينحصر فيما ذكروه من الألفاظ ~~المخصوصة المقيدة بقيود بل ما أشعر بالرضا ولو بكناية أو إشارة أو معاطاة ~~من دون لفظ ولا ما في معناه فإن البيع عند وجود المشعر بمطلق الرضا بيع ~~صحيح وعلى مدعي الاختصاص الدليل ولا ينفعه في المقام مثل حديث "إذا بعت" ~~وحكاية مبايعته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم للأعرابي وما أشبه ذلك لأنا ~~لا نمنع من إشعار لفظ بعت ونحوه بالرضا وإنما نمنع دعوى التخصيص ببعض ~~الأفراد التي لا تستفاد إلا من صيغ مخصوصة ومن ههنا يلوح لك أن قولهم لا ~~ربا في المعاطاة باطل وهكذا أخواته والحاصل أنا لم نجد في الكتاب والسنة ~~بعد ذكر مطلق البيع إلا قيد الرضا والأمور المشعرة به أعم من الألفاظ التي ~~اصطلح عليها الفقهاء فيندرج تحت الرضا كل ما دل عليه ولو إشارة من قادر ~~وكتابة من حاضر "ولا يجوز بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"لحديث جابر ~~في الصحيحين وغيرهما"أنه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم # PageV02P093 # يقول: " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " "والكلب ~~والسنور"لما في الصحيحين وغيرهما من ms412 حديث أبي مسعود قال: "نهى رسول الله ~~صلى الله وسلم عن ثمن الكلب"وفيها أيضا من حديث أبي جحيفة نحوه وفي صحيح ~~مسلم وغيره من حديث جابر "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نهى عن ~~ثمن الكلب والسنور" وأخرج النسائي بإسناد رجاله ثقات قال: "نهى رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد" قال في المسوى ~~اختلفوا في بيع الكلب فقال الشافعي: حرام وقال أبو حنيفة: جائز ويضمن متلفه ~~"والدم"لحديث أبي جحيفة في الصحيحين قال: "أن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم حرم ثمن الدم ""وعسب الفحل"وهو ماء الفحل يكريه صاحبه لينزي ~~به لما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~ثمن عسب الفحل"ومثله في صحيحي مسلم من حديث جابر وفي الباب أحاديث ورخص في ~~الكرامة وهي ما يعطى على عسب الفحل من غير شرط شئ عليه كذا في الحجة ~~البالغة "وكل حرام"لما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر "قيل يا رسول ~~الله: أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها ~~الناس فقال: لا هو حرام ثم قال: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها ~~جملوه1 ثم باعوه وأكلوا ثمنه" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس "أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم ~~الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ~~ثمنه" قال ابن القيم في الإعلام: وفي قوله حرام قولان أحدهما: أن هذه ~~الأفعال حرام والثاني: أن البيع حرام وإن كان المشتري يشتريه لذلك والقولان ~~مبنيان على أن السؤال هل وقع عن البيع لهذا الإنتفاع المذكور؟ أوعن ~~الانتفاع المذكور؟ والأول اختاره شيخنا وهو الأظهر لأنه لم يخبرهم أولا عن ~~تحريم هذا الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه وإنما أخبرهم عن تحريم البيع ~~فأخبروه أنهم يبتاعونه لهذا الانتفاع فلم يرخص لهم في البيع ولم ms413 ينههم عن ~~الانتفاع المذكور ولا تلازم بين جواز البيع وحل المنفعة والله تعالى أعلم ~~انتهى قلت: والأقرب إلى السنة ما ذهب إليه الماتن "وفضل الماء" PageV02P094 # لحديث إياس بن عبد "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل ~~الماء"رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وقال القشيري: هو على ~~شرط الشيخين ولحديث جابر عند مسلم وأحمد وابن ماجه بنحوه وقد ورد مقيدا في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ "لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل ~~الكلأ" وفي لفظ "لا يباع فضل الماء ليمنع به الكلأ" وهو في مسلم وما فيه ~~غرر وهو استتار عاقبة الشئ وتردده بين جهتين ممكنتين كبيع الطير في الهواء ~~والسمك في الماء لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن بيع الغرر"وأخرج أحمد من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر" وفي إسناده يزيد بن ~~أبي زياد وقد رجح البيهقي وقفه ولكنه داخل في بيع الغرر قال في المسوى: قال ~~مالك: ومن الغرر والمخاطرة أن يعمد الرجل قد ضلت دابته أو أبق غلامه وثمن ~~شئ من ذلك خمسون دينارا فيقول رجل أنا آخذه منك بعشرين دينارا فإن وجده ~~المبتاع ذهب من البائع ثلاثون دينارا وإن لم يجده ذهب البائع من المبتاع ~~بعشرين دينارا قال مالك وفي ذلك أيضا عيب آخر أن تلك الضالة إن وجدت لم يدر ~~زادت أم نقصت أم ما حدث بها من العيوب وهذا أعظم المخاطرة قال مالك: والأمر ~~عندنا أن من المخاطرة والغرر اشتراء ما في بطون الإناث من النساء والدواب ~~لأنه لا يدري أيخرج أم لا يخرج فإن خرج لم يدر أيكون حسنا أم قبيحا أم تاما ~~أم ناقصا أم ذكرا أم أنثى وذلك كله يتفاضل إن كان على كذا فقيمته كذا وإن ~~كذا فقيمته كذا انتهى "وحبل الحبلة"لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما في ~~مسلم وغيره من حديث ابن ms414 عمرو "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~حبل الحبلة" أخرجه مالك وفي الصحيحين "كان أهل الجاهلية يبتاعون لحوم ~~الجزور إلى حبل الحبلة وحبلة الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل ~~التي نتجت فنهاهم عن ذلك"وقد قيل: إنه بيع ولد الناقة الحامل في الحال ~~وقيل: بيع ولد ولدها كما في الرواية وقد ورد النهي عن شراء ما في بطون ~~الأنعام كما في حديث أبي سعيد عند أحمد وابن ماجه والبزار والدارقطني وفي ~~إسناده شهر بن حوشب وفيه ضعف وروى مالك عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا ربا ~~في الحيوان وإنما نهي من الحيوان عن ثلاثة عن # PageV02P095 # المضامين والملاقيح وحبل الحبلة فالمضامين ما في بطون إناث الإبل ~~والملاقيح ما في ظهور الجمال قلت: وعليه أهل العلم قال محمد: هذه البيوع ~~كلها مكروهة ولا ينبغي مباشرتها لأنها غرر عندنا وفي المنهاج نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن حبل الحبلة وهو نتاج النتاج بأن يبيع نتاج النتاج أو ~~بثمن إلى نتاج النتاج وعن الملاقيح وهي: ما في البطون والمضامين وهي: ما في ~~أصلاب الفحول "والمنابذة"أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ~~ثوبه على غير تأمل ويقول كل واحد منهما هذا بهذا فهذا الذي عنه ~~"والملامسة"أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره ولا يتبين ما فيه أو يبتاعه ليلا ~~ولا يعلم ما فيه لحديث أبي سعيد في الصحيحين قال: "نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الملامسة والمنابذة في البيع"وأخرج نحوه مالك في الموطإ من ~~حديث أبي هريرة وفسرهما بما تقدم ولفظ الماتن الملامسة لمس ثوب الآخر بيده ~~بالليل أو بالنهار ولا يقلبه والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه ~~ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض كذا في الرواية وفي الباب عن أنس عند ~~البخاري قلت: وعليه أهل العلم قال المحلى: والبطلان فيهما لعدم الرؤية أو ~~عدم الصيغة1 أو الشرط الفاسد أي لا خيار له إذا رآه كذا في المسوى "وما في ms415 ~~الضرع والعبد الآبق والمغانم حتى تقسم والثمر حتى يصلح والصوف في الظهر ~~والسمن في اللبن"لحديث أبي سعيد المتقدم في النهي عن شراء ما في بطون ~~الأنعام فإن فيه النهي عن بيع ما في ضروعها وعن شراء العبد الآبق وعن شراء ~~المغانم حتى تقسم وقد ورد النهي عن بيع المغانم حتى تقسم من حديث ابن عباس ~~عند النسائي ومن حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود وقد ورد النهي عن بيع ~~الثمر حتى يطعم والصوف على الظهر واللبن في الضرع والسمن في اللبن من حديث ~~ابن عباس أيضا عند الدارقطني والبيهقي وفي إسناده عمر بن فروخ وقد وثقه ~~يحيى بن معين وغيره وأحاديث النهي عن بيع الغرر تشد من عضد جميع ما في هذه ~~الروايات لأن الغرر يصدق على جميع هذه الصور وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما ~~من حديث ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو ~~صلاحها نهى البائع والمبتاع"وأخرج نحوه مسلم من PageV02P096 # حديث أبي هريرة وفي الصحيحين من حديث أنس نحوه قال مالك: الأمر عندنا في ~~بيع البطيخ والقثاء والخربز1 والجزر أن بيعه إذا بدا صلاحه حلال جائز ثم ~~يكون للمشتري ما ينبت حتى ينقطع ثمره ويهلك وليس في ذلك وقت مؤقت وذلك أن ~~وقته معروف وربما دخلته العاهة فقطعت ثمرته قبل أن يأتي ذلك الوقت فإذا ~~دخلته العاهة بجائحة تبلغ الثلث فصاعدا كان ذلك موضوعا عن الذي ابتاعه ~~والمحاقلة بيع الزرع بكيل من الطعام معلوم قال مالك: المحاقلة كراء الأرض ~~بالحنطة وقال في المسوى: المحاقلة بيع الزرع بعد اشتداد الحب نفيا ~~"والمزابنة"بيع ثمر النخل بأوساق من التمر وقال مالك: المزابنة اشتراء ~~الثمر بالتمر في رؤس النخل وقال في المسوى: المزابنة بيع الثمر على الشجر ~~بجنسه على الأرض قال مالك: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة؟ ~~وتفسير المزابنة أن كل شئ من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده ~~ابتيع بشئ مسمى من الكيل والوزن والعدد وذلك أن يقول ms416 الرجل للرجل يكون له ~~الطعام المصبر الذي لا يعلم كيله من الحنطة والتمر أو ما أشبه ذلك من ~~الأطعمة أو يكون للرجل السلعة من الخبط أو النوى أو القضب أو العصفر أو ~~الكرسف أو الكتان أو القز أو ما أشبه ذلك من السلع لا يعلم كيل شئ من ذلك ~~ولا وزنه ولا عدده فيقول الرجل: لرب تلك السلعة كل سلعتك هذه أو مر من ~~يكيلها أوزن من ذلك ما يوزن أوعدد منها ما كان يعد فما نقص من كذا وكذا ~~صاعا لتسمية يسميها أو وزن كذا وكذا رطلا أو عدد كذا وكذا فما نقص من ذلك ~~فعلي غرمه حتى أوفيك تلك التسمية فما زاد على تلك التسمية فهو لي أضمن ما ~~نقص من ذلك على أن يكون ما زاد فليس ذلك بيعا ولكنه المخاطرة والغرر ~~والقمار يدخل هذا لأنه لم يشتر منه شيئا بشئ أخرجه ولكن ضمن له ما سمى من ~~ذلك الكيل أو الوزن أو العدد على أن يكون له ما زاد على ذلك فإن نقصت تلك ~~السلعة من تلك التسمية أخذ من مال صاحبه ما نقص بغير ثمن أعطاه إياه وإن ~~زادت تلك السلعة على تلك التسمية أخذ الرجل من مال PageV02P097 # رب السلعة مالا بغير ثمن ولا هبة طيبة بها نفسه فهذا يشبه القمار وما كان ~~مثل هذا من الأشياء فذلك يدخله قلت: في شرح السنة والعمل على هذا عند عامة ~~أهل العلم والعلة في النهي أن المساواة بينهما شرط وما على الشجر لا يحرز ~~بكيل ولا وزن وإنما يكون تقديره بالخرص وهو حدس وظن لا يؤمن فيه من التفاوت ~~فأما إذا باع بجنس آخر من الثمار على الأرض أو على الشجر يجوز لأن المماثلة ~~بينهما غير شرط والتقابض شرط في المجلس وقبض ما على الأرض بالنقل وقبض ما ~~على الشجر بالتخلية أقول: ومعنى هذا الكلام أن سبب التحريم هو شبه الربا ~~ومعنى قول مالك أن سبب التحريم معنى القمار وكلا الأمرين صحيح انتهى ~~"والمعاومة"بيع ثمر النخلة لأكثر ms417 من سنة في عقد واحد والجميع بيع غرر ~~وجهالة والمخاضرة بيع الثمرة خضراء قبل بدو صلاحها دليل ذلك حديث أنس عند ~~البخاري قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمخاضرة ~~والمنابذة والملامسة والمزابنة"وفي الصحيحين من حديث جابر قال: "نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة"وفي الباب أحاديث ~~"والعربون"هو أن يعطي المشتري البائع درهما أو نحوه قبل البيع على أنه إذا ~~ترك الشراء كان الدرهم للبائع بغير شئ لما أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود ~~من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن بيع العربون "ولا يعارض هذا ما أخرجه عبد الرزاق في مسنده عن زيد بن ~~أسلم "أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن العربان1 في البيع"فأحله لأن في ~~إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف وأيضا الحديث مرسل قال في المسوى: قال ~~مالك: وذلك فيما نرى والله تعالى أعلم أن يشتري الرجل العبد أو الوليدة أو ~~يتكارى الدابة ثم يقول للذي اشتراه منه أو تكارى منه أعطيتك دينارا أو ~~درهما أو أقل أو أكثر من ذلك على أني إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك ~~فالذي أعطيتك من ثمن السلعة أو من كراء الدابة وإن تركت ابتياع السلعة أو ~~كراء الدابة فما أعطيتك فهو لك بغير شئ قلت: وعليه أهل العلم في المنهاج ~~ولا يصح بيع العربون بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة ~~وإلا فهي هبة قال المحلى2 وعدم صحته لاشتماله على شرط الرد PageV02P098 # والهبة إن لم يرض السلعة انتهى "والعصير إلى من يتخذه خمرا"لحديث " لعن ~~بائع الخمر وشاربها ومشتريها وعاصرها" أخرجه الترمذي وابن ماجه ورجاله ثقات ~~من حديث أنس وأخرج نحوه أحمد وابن ماجه وأبو داود وفي إسناده عبد الرحمن بن ~~عبد الله الغافقي وقد قيل إنه غير معروف وقيل إنه معروف وهو من أمراء ~~الأندلس وصحح الحديث ابن السكن وأخرج الطبراني في الأوسط عن بريدة مرفوعا ~~"من ms418 حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرا ~~فقد تقحم النار على بصيرة" وإسناده حسن كما قال الحافظ وأخرجه أيضا البيهقي ~~وزاد "أو ممن يعلم أنه يتخذه خمرا" ويؤيده حديث أبي أمامة عند الترمذي "أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا القينات المغنيات ولا ~~تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام" وفي الباب أحاديث ~~وأخرج مالك عن ابن عمر "أن رجالا من أهل العراق قالوا له يا أبا عبد ~~الرحمن: إنا نبتاع من ثمر النخل والعنب فنعصره خمرا فنبيعها فقال عبد الله ~~بن عمر: إني أشهد الله عليكم وملائكته ومن سمع من الجن والأنس أني لا آمر ~~كم أن تبيعوها ولا تبتاعوها ولا تعصروها ولا تسقوها فإنها رجس من عمل ~~الشيطان" قلت: وعليه أهل العلم "والكاليء بالكاليء" أي المعدوم بالمعدوم ~~لحديث ابن عمر عند الدارقطني والحاكم وصححه "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن بيع الكاليء بالكاليء" ولكنه اعترض على الحاكم بأنه وهم في صحيحه ~~لأن في إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف ولكنه قد رواه الشافعي بلفظ "نهى عن ~~الدين بالدين" ويؤيده ما أخرجه الطبراني عن رافع بن خديج "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن بيع الكاليء بالكاليء دين بدين" وفي إسناده موسى بن ~~عبيدة الزبدي وهو ضعيف وقد قال أحمد فيه لا تحل الرواية عنه عندي ولا أعرف ~~هذا الحديث عن غيره وقال ليس في هذا أيضا حديث يصح ولكن إجماع الناس على ~~أنه لا يجوز بيع دين بدين انتهى يعني روي الإجماع على معنى الحديث فشد ذلك ~~من عضده لأنه صار متلقى بالقبول ويؤيده النهي عن بيع الملاقيح والمضامين ~~وحبل الحبلة لأن العلة في ذلك هي كونه بيع معدوم وتقويه أيضا الأحاديث ~~الواردة في اشتراط التقابض كحديث "إذا كان يدا بيد "وهو في الصحيح وحديث ~~"ما لم تتفرقا وبينكما شئ " # PageV02P099 # "وما اشتراه قبل قبضه"لحديث جابر عند مسلم وغيره قال: قال رسول الله ms419 صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم: "إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه" وأخرج ~~مسلم أيضا وغيره قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حتى ~~تستوفى "وأخرج أحمد من حديث حكيم بن حزام "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له: إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه" وفي إسناده العلاء بن خالد ~~الواسطي1 وأخرج أبو داود والدارقطني والحاكم وابن حبان وصححاه من حديث زيد ~~بن ثابت "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى ~~يحوزها التجار إلى رحالهم" وفي الباب أحاديث وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وفي ~~الحجة البالغة: قيل مخصوص بالطعام لأنه أكثر الأموال تعاورا وحاجة ولا ~~ينتفع به إلا بإهلاكه فإذا لم يستوفه فربما تصرف فيه البائع فيكون قضية في ~~قضية وقيل يجري في المنقول لأنه مظنة أن يتغير ويتعيب فتحصل الخصومة في ~~الخصومة وقال ابن عباس: ولا أحسب كل شئ إلا مثله وهو الأقيس بما ذكرنا في ~~العلة انتهى. # قال في المسوى: قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه ~~أنه من اشترى طعاما برا أو شعيرا أو سلتا أو ذرة أو دخنا أو شيئا من الحبوب ~~القطنية أو شيئا مما يشبه القطنية مما تجب فيه الزكاة أو شيئا من الأدم ~~كلها الزيت والسمن والعسل والخل والجبن واللبن والشبرق وما أشبه ذلك من ~~الأدم فإن المبتاع لا يبيع شيئا من ذلك حتى يقبضه ويستوفيه وفي شرح السنة: ~~اتفق أهل العلم على أن من ابتاع طعاما لا يجوز له بيعه قبل القبض واختلفوا ~~فيما سواه فقال الشافعي ومحمد: لا فرق بين الطعام والسلع والعقار في أن بيع ~~شئ منها لا يجوز قبل القبض قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز بيع العقار قبل ~~القبض ولا يجوز بيع المنقول وقال مالك: ما عدا المطعوم يجوز بيعه قبل القبض ~~قلت كان الأمراء يكتبون للناس بأرزاقهم وعطياتهم كتبا وكان الناس يبيعون ما ~~فيها قبل أن يقبضوها ويعطون المشتري الصك ليمضي به ms420 ويقبضه فذلك بيع الصكوك ~~انتهى "والطعام حتى يجري فيه الصاعان"لحديث عثمان عند أحمد والبخاري "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إذا ابتعت فاكتل وإذا بعت فكل" وأخرج ابن ~~ماجه والدارقطني والبيهقي من حديث PageV02P100 # جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه ~~الصاعان صاع البائع وصاع المشتري "وفي إسناده ابن أبي ليلى وفي الباب عن ~~أبي هريرة بإسناد حسن وعن غيره بأسانيد فيها مقال وقد ذهب إلى ذلك الجمهور ~~"ولا يصح الاستثناء في البيع"مثل أن يبيع عشرة أفراق إلا شيئا لأن فيه ~~جهالة مفضية إلى المنازعة والمفسد هو المفضي إلى المنازعة "إلا إذا كان ~~معلوما"لحديث جابر عند مسلم وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~الثنيا" وزاد النسائي والترمذي وابن حبان وصححاه "إلا أن تعلم "والمراد أن ~~يبيع شيئا ويستثني منه شيئا مجهولا لا إذا كان معلوما فيصح "ومنه"أي من ~~الثنيا المعلومة استثناء جابر ظهر المبيع أي جمله إلى المدينة بعد أن باعه ~~من النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصحيحين وغيرهما من حديثه قال النووي ~~في شرح مسلم الثنيا المبطلة للبيع قوله بعتك هذه الصبرة إلا بعضها أو هذه ~~الأشجار إلا بعضها فلا يصح البيع لأن المستثنى مجهول ولو قال: بعتك هذه ~~الأشجار إلا هذه الشجرة أو إلا ربعها أو الصبرة إلا ثلثها أو بعتك بألف إلا ~~درهما صح البيع باتفاق العلماء ولو باع الصبرة إلا صاعا منها فالبيع باطل ~~عند الشافعي وصحح مالك أن يستثني منها ما لا يزيد على ثلثها وإذا باع ثمرة ~~نخلات واستثنى عشرة آصع للبائع فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والعلماء كافة ~~بطلان البيع وقال مالك وجماعة من علماء المدينة: يجوز ذلك ما لم يزيد على ~~قدر ثلث الثمرة "ولا يجوز التفريق بين المحارم"لحديث أبي أيوب قال: "سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه ~~وبين أحبته يوم القيامة" أخرجه أحمد والترمذي والدارقطني والحاكم وصححه ms421 ~~وحديث علي "أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أبيع غلامين أخوين فبعتهما ~~وفرقت بينهما فذكرت ذلك له فقال: أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعا" ~~أخرجه أحمد وقد صححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم وغيرهم ~~وحديث أبي موسى قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرق بين الوالد ~~وولده وبين الأخ وأخيه" أخرجه ابن ماجه والدارقطني ولا بأس بإسناده وحديث ~~علي "أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ورد ~~البيع" أخرجه أبو داود والدارقطني والحاكم وصححه وقد أعل بالانقطاع # PageV02P101 # وفي الباب أحاديث وقد قيل: إنه مجمع على ذلك وفيه نظر. أقول: الاختلاف في ~~هذه المسألة أعني بيع أمهات الأولاد بين الصحابة أشهر من نار على علم وروي ~~عن علي كرم الله وجهه الموافقة لعمر ومن معه في عدم جواز بيعهن ثم صح عنه ~~القول بجواز البيع وقد ذكر الماتن في شرح المنتقى متمسكات الجميع فليرجع ~~إليه والعجب ممن يزعم أن تحريم البيع قطعي وأما المدبر فقد دلت الأدلة ~~الصحيحة على جواز بيعه للحاجة كالدين والإعواز عن النفقة ونحوهما "ولا أن ~~يبيع حاصر لباد"لحديث ابن عمر قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع ~~حاضر لباد "أخرجه البخاري وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" ~~وفي الصحيحين من حديث أنس قال: "نهينا أن يبيع حاضر لباد وإن كان أخاه ~~لأبيه وأمه "قلت: وعليه أهل العلم وفي المنهاج بيع حاضر لباد بأن يقدم غريب ~~بمتاع تعم الحاجة إليه الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول بلدي اتركه عندي ~~لأبيعه على التدريج وفي الوقاية: كره بيع الحاضر للبادي طمعا في الثمن ~~الغالي زمان القحط انتهى "والتناجش"وهو الزيادة في ثمن السلعة عن مواطأة ~~لرفع ثمنها وعن ابن عمر عند مالك قال: النجش أن تعطيه في السلعة أكثر من ~~ثمنها وليس في نفسك اشتراء فيقتدي بك غيرك وفي ms422 الصحيحين عن أبي هريرة "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع حاضر لباد وأن يتناجشوا" وفيهما من ~~حديث ابن عمر قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش" وأخرجه مالك ~~أيضا قلت: وعليه أهل العلم في المنهاج ومن المنهي عنه النجش بأن يزيد في ~~الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره فيشتريها وفي الوقاية كره النجش "والبيع على ~~البيع"لحديث ابن عمر عند أحمد والنسائي "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~لا يبيع أحدكم على بيع أخيه" وهو في الصحيحين أيضا بنحو ذلك وفيهما أيضا من ~~حديث أبي هريرة مرفوعا "لا يبيع الرجل على بيع أخيه " وقد ورد " أن من باع ~~من رجلين فهو للأول منهما" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه ~~وصححه أبو زرعة وأبو حاتم والحاكم وفي الموطإ من حديث ابن عمر "أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يبع بعضكم على بعض " قلت: وعليه الشافعي ~~وفي المنهاج ومن المنهي عنه البيع على بيع غيره قبل لزومه بأن يأمر المشتري ~~بالفسخ # PageV02P102 # ليبيعه مثله والشراء على الشراء بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه بأكثر ~~وفي شرح السنة عند الحنفية المراد بالبيع على بيع أخيه هو السوم لأن عنده ~~خيار المكان لا يثبت بالبيع فلا يتصور بعد التواجب بيع الغير عليه "وتلقي ~~الركبان"بأن يتلقى طائفة يحملون متاعا إلى البلد فيشتريه منهم قبل قدومهم ~~ومعرفتهم بالسعر وله الخيار إذا عرف الغبن كذا في المنهاج لحديث أبي هريرة ~~عند مسلم وغيره قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلقى الجلب فإن ~~تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق "وفي ~~الصحيحين من حديث ابن مسعود قال "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي ~~البيوع "وفيهما أيضا نحو ذلك من حديث ابن عمر وابن عباس وفي الموطإ من حديث ~~أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: لا تلقوا ~~الركبان للبيع ولا يبع بعضكم على بعض ولا تناجشوا ولا يبع حاضر ms423 لباد ولا ~~تصروا الإبل والغنم "قلت: وعليه أهل العلم "والاحتكار"لحديث ابن عمر عند ~~أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزار وأبي يعلى مرفوعا "من احتكر الطعام ~~أربعين ليلة فقد برىء من الله وبرىء الله منه " وفي إسناده أصبغ بن زيد ~~وفيه مقال وأخرج مسلم وغيره من حديث معمر بن عبد الله مرفوعا "لا يحتكر إلا ~~خاطيء " وأخرج نحوه أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة قلت: وعليه أهل العلم ~~قال النووي في شرح مسلم: قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في ~~الأقوات خاصة وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء ولا يبيعه في الحال بل ~~يدخره ليغلو ثمنه فأما إذا اشتراه أو جاء من قرية وقت الرخص وادخره أو ~~ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله أو ابتاعه ليبيعه في الوقت فليس ~~باحتكار ولا تحريم فيه وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال هذا ~~تفصيل مذهبنا وفي الهداية يكره الاحتكار في أقوات الآدمي والبهائم إذا كان ~~ذلك في بلد يضر الاحتكار بأهله ومن احتكر غلة ضيعته أو جلبه من بلد آخر ~~فليس بمحتكر أقول: الحق أن الأحاديث المطلقة في تحريم الاحتكار مقيدة ~~بالطعام فلا يصح ما قيل من تحريم احتكار قوت البهائم والقياس له على قوت ~~الآدمي قياس مع الفارق ولا يكون الاحتكار محرما إذا كان لقصد أن يغلي ذلك ~~على المسلمين كما ورد في حديث أبي هريرة عند أحمد والحاكم فاعتبار هذا ~~القيد لا بد # PageV02P103 # منه فمن لم يقصد ذلك لم يحرم عليه الاحتكار وظاهره أن القاصد باحتكاره ~~غلاء الأسعار على المسلمين داخل تحت النهي والوعيد سواء كان بالمسلمين حاجة ~~أم لا لأن هذا القصد بمجرده كاف وأما إجبار المحتكر على البيع فجائز إن لم ~~يكن واجبا لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما واجبان على كل ~~مكلف "والتسعير"لحديث أنس عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجة والدارمي ~~والبزار وأبي يعلى "أن السعر غلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالوا: يارسول الله سعر ms424 لنا فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط ~~الرزاق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا ~~مال " وصححه ابن حبان والترمذي وفي الباب أحاديث وفي الهداية ولا ينبغي ~~للسلطان أن يسعر على الناس فإن كان أرباب الطعام يتحكمون ويتعدون في القيمة ~~تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير فحينئذ لا ~~بأس به بمشورة من أهل الرأي والبصر انتهى "ويجب وضع الجوائح"الجائحة الآفة ~~التي تهلك الثمار والأموال لحديث جابر "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم وضع الجوائح "أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود وأخرجه أيضا مسلم بلفظ ~~"أمر بوضع الجوائح "وفي لفظ لمسلم وغيره "إن كنت بعت من أخيك ثمرا فأصابتها ~~جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك" وفي الباب عن عائشة ~~في الصحيحين وعن أنس فيهما أيضا وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وأبو حنيفة والليث ~~وسائر الكوفيين قلت: وهو عند أبي حنيفة على الاستحباب وعند الشافعي في ~~القديم على الوجوب وفي الجديد على الاستحباب "ولا يحل سلف وبيع"قال مالك: ~~وتفسير ذلك أن يقول الرجل للرجل آخذ سلعتك بكذا وكذا على أن تسلفني كذا ~~وكذا فإن عقدا بيعهما على هذا فهو غير جائز فإن ترك الذي اشترط السلف ما ~~اشترط منه كان ذلك البيع جائزا قلت: وعليه أهل العلم وفي شرح السنة هو أن ~~يقول أبيعك هذا الثوب بعشرة دراهم على أن تقرضني عشرة دراهم والمراد بالسلف ~~هنا القرض فهذا فاسد لأنه جعل العشرة وفي القرض ثمنا للثوب فإذا بطل الشرط ~~سقط بعض الثمن وصار ما يبقى من المبيع بمقابلة الباقي مجهولا قال الماتن: ~~قال مالك: هو أي السلف هنا أن تقرض قرضا ثم تبايعه عليه # PageV02P104 # بيعا يزداد عليه وهو فاسد لأنه إنما تقرضه على أن تحابيه في الثمن وقد ~~يكون السلف بمعنى السلم وذلك مثل: أن تقول أبيعك عبدي هذا بألف على أن ~~تسلفني ماله في كذا وكذا انتهى "ولا شرطان في بيع"لحديث عبد الله ms425 بن عمرو ~~"أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في ~~بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك " أخرجه أحمد وأبو داود ~~والنسائي والترمذي وصححه وكذلك صححه ابن خزيمة والحاكم والشرطان في بيع أن ~~يقول بعتك هذا بألف إن كان نقدا وبألفين إن كان نسيئة وقيل هو أن يقول بعتك ~~ثوبي بكذا وعلي قصارته وخياطته وفي الحجة البالغة: ومعنى الشرطين أن يشترط ~~حقوق البيع ويشترط أن يشترط حقوق البيع ويشترط شيئا خارجا منها مثل: أن ~~يهبه كذا أو يشفع له إلى فلان أو إن احتاج إلى بيعه لم يبع إلا منه ونحو ~~ذلك فهذان شرطان في صفقة واحدة "ولا بيعتان في بيعة"لحديث أبي هريرة عند ~~أحمد والنسائي وأبي داود والترمذي وصححه "أن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم نهى عن بيعتين في بيعة "ولفظ أبي داود "من باع بيعتين في بيعة ~~فله أو كسهما أو الربا " وأخرجه أحمد من حديث عبد الله بن مسعود قال: "نهى ~~النبي صلى الله عليه تعالى عليه وآله وسلم عن صفقتين في صفقة "قال سماك هو ~~الرجل يبيع البيع فيقول بنسء كذا وبنقد كذا ورجاله رجال الصحيح وما ذكره ~~سماك هو معنى البيعتين في بيعة وقد تقدم تفسير الشرطين في بيعة بمثل هذا ~~وليس بصحيح بل المراد بالشرطين في بيعة أن البيع واحد شرط فيه شرطان وهنا ~~البيع بيعان قلت: وفي شرح السنة فسروا البيعتين في بيعة على وجهين: أحدهما ~~أن يقول بعتك هذا الثوب بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة إلى سنة فهو فاسد عند ~~أكثر أهل العلم فإذا باعه على أحد الأمرين في المجلس فهو صحيح لا خلاف فيه ~~والآخر أن يقول بعتك عبدي هذا بعشرين دينارا على أن تبيعني جاريتك فهذا ~~فاسد لأنه جعل ثمن العبد عشرين دينارا وشرك بيع الجارية وذلك شرط لا يلزم ~~وإذا لم يلزم ذلك بطل بعض الثمن فيصير ما بقي من المبيع في مقابلة الباقي ~~مجهولا أما ms426 إذا جمع بين شيئين في صفقة واحدة بأن باع دارا وعبدا بثمن واحد ~~فهو جائز وليس من باب # PageV02P105 # البيعتين في بيعة إنما هي صفقة واحدة جمعت شيئين وأما بيع الشئ بأكثر من ~~سعر يومه مؤجلا فأقول الزيادة على سعر يوم البيع ليست من الربا في ورد ولا ~~صدر لأن الربا زيادة أحد المتساويين على الآخر ولا تساوي بين الشئ وثمنه مع ~~اختلاف جنسهما فلا يصح أن يكون تحريم هذه الصورة لكونها ربا فإن قيل أن ~~تحريمها لكونه الزيادة في مقابل التنفيس بالأجل فقط فلا يخفى أن تحريم مثل ~~ذلك مفتقر إلى دليل والمسألة محتملة للبسط وقد أفردها الماتن برسالة مستقلة ~~سماها شفاء العلل في حكم الزيادة لأجل الأجل ولكن يمكن الاستدلال لهذا ~~المنع بما أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة قال: "قال ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: من باع بيعتين في بيعة فله أو ~~كسهما أو الربا " وبما أخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط عن ~~سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: "نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن صفقتين في صفقة قال: سماك هو الرجل يبيع المبيع فيقول: هو ~~بنساء كذا وهو بنقد كذا "قال في مجمع الزوائد: رجال أحمد ثقات فهذان ~~الحديثان قد دلا على أن الزيادة لأجل النساء ممنوعة ولهذا قال: "فله أو ~~كسهما أو الربا " والأعيان التي هي غير ربوية داخلة في عموم الحديثين وقد ~~ذهب الجمهور: إلى جواز بيع الشئ بأكثر من بيع يومه لأجل النساء ونازعوا في ~~دلالة الحديثين المذكورين على محل النزاع وربح ما لم يضمن لما تقدم في دليل ~~لا يحل سلف وبيع وهو أن يبيع شيئا لم يدخل في ضمانه كالبيع قبل القبض "وبيع ~~ما ليس عند البائع"لحديث حكيم بن حزام قال: "قلت يا رسول الله يأتيني الرجل ~~فيسألني عن البيع ليس عندي أبيعه منه ثم أبتاعه من السوق فقال لا تبع ما ~~ليس عندك" أخرجه أحمد وأهل السنن ms427 وصححه الترمذي وابن ماجه والمراد بقوله: ~~ما ليس عندك أي ما ليس في ملكك وقدرتك وفي معنى بيع ما ليس عنده أن يبيع ~~مال غيره بغير إذنه لأنه غرر لا يدري هل يجيزه غيره أولا وهو قول الشافعي ~~وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الفضولي ويكون موقوفا على إجازة المالك وبيع ~~القطوط عند أهل العلم لا يجوز حتى تصل إلى من كتبت له فيملك ثم يبيع "القط ~~الصك "ومنه قوله تعالى: {عجل لنا قطنا} ويجوز بشرط عدم الخداع"لحديث ابن ~~عمر في الصحيحين قال: "ذكر # PageV02P106 # رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال: من بايعت ~~فقل لا خلابة "وفي الباب أحاديث والخلابة الخديعة وظاهره أن من قال بذلك ~~ثبت له الخيار سواء غبن أو لم يغبن "والخيار في المجلس ثابت ما لم ~~يتفرقا"لحديث حكيم بن حزام في الصحيحين "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وفيهما أيضا نحوه من حديث ابن عمر وأيضا في ~~الموطإ من حديث ابن عمر بلفظ "أن رسول الله صلى الله عليه قال المتبايعان ~~كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" وفي الباب ~~أحاديث وقد ذهب إلى إثبات خيار المجلس جماعة من الصحابة منهم علي وأبو برزة ~~الأسلمي وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم ومن التابعين شريح الشعبي ~~وطاوس وعطاء وابن أبي مليكة نقل ذلك عنهم البخاري ونقل ابن المنذر القول به ~~أيضا عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة وعن الحسن ~~البصري والأوزاعي وابن جريج وغيرهم وبالغ ابن حزم فقال: لا يعرف لهم مخالف ~~من التابعين إلا النخعي وحده وحكاه صاحب البحر أيضا عن الشافعي وأحمد وإسحق ~~وأبي ثور وذهب الحنفية والمالكية وغيرهم إلى أنها إذا وجبت الصفقة فلا خيار ~~والحق القول الأول # PageV02P107 ### | باب الربا # قال الله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} ms428 وقال: {يمحق الله ~~الربا ويربي الصدقات} وقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي ~~من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} واتفق ~~أهل العلم أن الربا من الكبائر وأنه إذا وقع هذا العقد فهو باطل ولا يجب ~~إلا رد رأس المال وإن كان ذو عسرة فحكمه الإنظار إلى الميسرة أقول: هذا ~~الحكم يستفاد من كتاب الله تعالى قال عز وجل: {إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} ~~ومفهوم الشرط يدل على جواز أخذ مال المربي مع عدم التوبة ويستدل بهذه الآية ~~أيضا على جواز أخذ ما ربح المربي من الربا وهو ما زاد على رأس ماله سواء ~~تاب أو لم يتب فالحاصل أنه يجوز أخذ جميع ماله الربح ورأس # PageV02P107 # المال مع عدم التوبة ويجوز أخذ رأس المال فقط معها "يحرم بيع الذهب ~~بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح ~~بالملح إلا مثلا بمثل يدا بيد"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا ~~كان يدا بيد والستة الأجناس المذكورة هي المنصوص عليها في الأحاديث كحديث ~~أبي سعيد بلفظ "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير ~~والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو ازداد فقد أربى ~~الآخذ والمعطي فيه سواء " وهو في الصحيح وسائر الأحاديث في الصحيحين ~~وغيرهما هكذا ليس فيها إلا ذكر الستة الأجناس وفي الحجة البالغة وتفطن ~~الفقهاء أن الربا المحرم يجري في غير الأعيان الستة المنصوص عليها وأن ~~الحكم متعد منها إلى كل ملحق بشئ منها في شرح السنة اتفق العلماء على أن ~~الربا يجري في هذه الأشياء الستة التي نص الحديث عليها وذهب عامتهم إلى أن ~~حكم الربا غير مقصور عليها بأعيانها إنما ثبت لأوصاف فيها ويتعدى إلى كل ما ~~يوجد فيه تلك الأوصاف وذهبوا إلى أن الربا ثبت في الدراهم والدنانير بوصف ~~وفي الأشياء الأربعة بوصف آخر ثم اختلفوا في ذلك الوصف فقال الشافعي: ثبت ~~في الدراهم والدنانير بوصف النقدية وقال أبو حنيفة: ms429 بعلة الوزن حتى إن ~~الربا يجري في الحديد والنحاس والقطن وقال الشافعي: في القديم ثبت في ~~الأشياء الأربعة بوصف الطعم مع الكيل والوزن كما قال سعيد بن المسيب وفي ~~الجديد ثبت فيها بوصف الطعم فقط وأثبت في جميع الأشياء المطعومة مثل: ~~الثمار والفواكه والبقول والأدوية فدل على أن مأخذ الاشتقاق علة وقال ~~أبوحنيفة: ثبت في الأشياء الأربعة بوصف الكيل حتى إن الربا يجري في الجص ~~والنورة وسيأتي ما يدفع ذلك كله "وفي إلحاق غيرها بها خلاف"هل يلحق بهذه ~~الأجناس المذكورة غيرها فيكون حكمه حكمها في تحريم التفاضل والنساء مع ~~الاتفاق في الجنس وتحريم النساء فقط مع الاختلاف في الجنس والاتفاق في ~~العلة فقالت الظاهرية: إنه لا يلحق بها غيرها ورجحه في سبل السلام وقال قد ~~أردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميناها القول المجتبى انتهى وتفصيل ~~ذلك في مسك # PageV02P108 # الختام وذهب من عداهم إلى أنه يلحق بها ما يشاركها في العلة واختلفوا في ~~العلة ما هي؟ فقيل الاتفاق في الجنس والطعم وقيل الجنس والتقدير بالكيل ~~والوزن والاقتيات وقيل الجنس ووجوب الزكاة وقيل الجنس والتقدير بالكيل ~~والوزن وقد يستدل لمن قال بالإلحاق بما أخرجه الدارقطني والبزار عن الحسن ~~من حديث عبادة وأنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما وزن مثل بمثل إذا ~~كان نوعا واحدا وما كيل فمثل ذلك فإذا اختلف النوعان فلا بأس به" وقد أشار ~~إلى هذا الحديث صاحب التلخيص ولم يتكلم عليه وفي إسناده الربيع بن صبيح ~~وثقه أبو زرعة وغيره وضعفه جماعة قال أحمد: لا بأس به وقال يحيى بن معين: ~~في رواية عنه ضعيف وفي أخرى ليس به بأس وربما دلس وقال ابن سعد والنسائي ~~ضعيف وقال أبو زرعة شيخ صالح وقال أبو حاتم: رجل صالح انتهى ولا يلزم من ~~وصفه بالصلاح أن يكون ثقة في الحديث وقال في التقريب: صدوق سيء الحفظ ولا ~~يخفاك أن الحجة لا تقوم بمثل هذا الحديث لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم ~~فإنه حكم بالربا الذي ms430 هو من أعظم معاصي الله سبحانه وتعالى على غير الأجناس ~~التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يستلزم الحكم على فاعله ~~بأنه مرتكب لهذه المعصية التي هي من الكبائر ومن القطعيات الشرعية ومع هذا ~~فإن هذا الإلحاق قد ذهب إليه الجمع الجم والسواد الأعظم ولم يخالف في ذلك ~~إلا الظاهرية فقط وهذا الحديث كما يدل على إلحاق غير الستة بها كذلك يدل ~~على أن العلة الاتفاق في الكيل والوزن مع اتحاد الجنس ومما يدل على أن ~~الربا يثبت في غير هذه الأجناس حديث ابن عمر في الصحيحين قال: "نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا ~~بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل ~~طعام نهى عن ذلك كله "وفي لفظ لمسلم "وعن كل ثمر بخرصه "فإن هذا الحديث يدل ~~على ثبوت الربا في الكرم والزبيب ورواية مسلم تدل على أهم من ذلك ومما يدل ~~على الإلحاق ما أخرجه مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب "أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان "وأخرجه أيضا الشافعي وأبو داود في ~~المراسيل ووصله الدارقطني في الغريب عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد وحكم ~~بضعفه وصوب الرواية المرسلة وتبعه ابن عبد البر # PageV02P109 # وله شاهد من حديث ابن عمر عند البزار وفي إسناده ثابت بن زهير وهو ضعيف ~~وأخرجه أيضا من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضا وأبو أمية ضعيف وله ~~شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة عند الحاكم والبيهقي وابن خزيمة ومما ~~يؤيد ذلك حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة عند الترمذي في رخصة العرايا ~~وفيه "وعن بيع العنب بالزبيب وعن كل ثمر بخرصه "ومما يدل على أن المعتبر ~~الاتفاق في الوزن حديث أبي سعيد عند أحمد ومسلم بلفظ "لا تبيعوا الذهب ~~بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء ms431 بسواء" وأخرج أحمد ~~ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة "الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل ~~والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل" وعند مسلم والنسائي وأبي داود من حديث ~~فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا ~~وزنا بوزن" ومما ورد في اعتبار الكيل حديث ابن عمر المتقدم وفيه "وإن كان ~~كرما أن تبيعه بزبيب كيلا" وما سيأتي قريبا من النهي عن بيع الصبرة لا يعلم ~~كيلها. أقول: أما اختلاف مثبتي القياس في علة الربا فليس على شئ من هذه ~~الأقوال حجة نيرة إنما هي مجرد تظننات وتخمينات انضمت إليها دعاوى طويلة ~~بلا طائل هذا يقول العلة التي ذهب إليها ساقه إلى القول بها مسلك من مسالك ~~العلة لتخريج المناط والآخر يقول ساقه إلى ما ذهب إليه مسلك آخر كالسبر ~~والتقسيم ونحن لا نمنع كون هذه المسالك تثبت بمثلها الأحكام الشرعية بل ~~نمنع اندراج ما زعموه علة في هذا المقام تحت شئ منها فما أحسن الاقتصار على ~~نصوص الشريعة وعدم التكليف بمجاوزتها والتوسع في تكليفات العباد بما هو ~~تكليف محض ولسنا ممن يقول بنفي القياس لكنا نقول بمنع التعبد به فيما عدا ~~العلة المنصوصة وما كان طريق ثبوته فحوى الخطاب وليس ما ذكروه ههنا من هذا ~~القبيل فليكن هذا المبحث على ذكر منك تنتفع به في مسائل كثيرة قال الماتن ~~رحمه الله في كتابه السيل الجرار: ولا يخفاك أن ذكره صلى الله عليه وسلم ~~للكيل والوزن في الأحاديث لبيان ما يتحصل به التساوي في الأجناس المنصوص ~~عليها فكيف كان هذا الذكر سببا لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل ~~والوزن بهذه الأجناس الثابتة في الأحاديث وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك وأي ~~مناط استفيد منها مع العلم أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي كما قال: ~~"مثلا بمثل سواء # PageV02P110 # بسواء" وأما الاتفاق في الجنس والطعم كما قال الشافعي واستدلوا على ذلك ~~بما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع النبي ms432 ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ ~~الشعير" فأقول: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الطعام فكان ماذا؟ وأي دليل ~~على أنه أراد بهذا الذكر الإلحاق؟ وأي فهم يسبق إلى كون ذلك هو العلة ~~المعدية حتى تركب عليها القناطر وتبنى عليها القصور ويقال هذا دليل على أن ~~كل ماله طعم كان يبعه بماله متفاضلا ربا مع أن أول ما يدفع هذا الاستدلال ~~الذهب والفضة اللذين هما أول منصوص عليه في الأحاديث المصرحة بذكر الأجناس ~~التي تحرم فيها الربا ومما يدفع القولين جميعا أنه قد ثبت في الأحاديث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكر العدد كما في حديث عثمان عند مسلم بلفظ "لا ~~تبيعوا الدينار بالدينارين" وفي رواية من حديث أبي سعيد "ولا درهمين بدهم" ~~ولا يعتبر العدد أحد من أهل هذين القولين ولا من غيرهم وقد وافقت المالكية ~~الشافعي في الطعم وزادت عليه الادخار والاقتيات فوسعوا الدائرة بما ليس بشئ ~~والحاصل أنه لم يرد دليل به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها ~~بها "فإن اختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا كان يدا بيد"لما ثبت في الصحيحين ~~من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الذهب الذهب ~~والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح ~~مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا ~~كان يدا بيد " وفي الباب أحاديث "ولا يجوز بيع الجنس بجنسه مع عدم العلم ~~بالتساوي"لما وقع في الأحاديث الصحيحة من قوله صلى الله عليه وسلم "مثلا ~~بمثل سواء بسواء وزنا بوزن" فإن هذا يدل على أنه لا يجوز بيع الشئ بجنسه ~~إلا بعد العلم بالمماثلة والمساواة ومما يدل على ذلك حديث جابر عند مسلم ~~وغيره قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا ~~يعلم كيلها بالكليل المسمى من التمر "فإن هذا يدل على أنه لا يجوز البيع ~~إلا بعد العلم "وإن صحبه غيره"أي ms433 لا تأثير لمصاحبة شئ آخر لأحد المثلين ~~لحديث فضالة بن عبيد عند مسلم وغيره قال: "اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر ~~دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا # PageV02P111 # تباع حتى تفصل" وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف منهم عمر بن الخطاب وقال ~~به الشافعي وأحمد وإسحق وذهب جماعة منهم الحنفية إلى جواز التفاضل مع ~~مصاحبة شئ آخر إذا كانت الزيادة مساوية لما قابلها "ولا بيع الرطب بما كان ~~يابسا"لحديث ابن عمر المتقدم في النهي عن أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان ~~نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا وكذلك حديث رافع بن خديج ~~وسهل بن أبي حثمة المتقدمات وفي الموطإ حديث سعد قال "سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم فنهى عن ذلك "قلت: وعليه الشافعي ~~وهذا الحديث أصل في أنه لا يجوز بيع شئ من المطعوم بجنسه أحدهما رطب والآخر ~~يابس مثل: بيع الرطب بالتمر وبيع العنب بالزبيب وبيع اللحم الرطب بالقديد ~~وهذا قول أكثر أهل العلم وإليه ذهب مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وجوزه ~~أبو حنيفة وحده ورده بالمتشابه من قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم ~~الربا} والمتشابه من قياس في غاية الفساد وهو قولهم: الرطب والتمر إما أن ~~يكونا جنسين وإما أن يكون جنسا واحدا وعلى التقديرين فلا يمنع بيع أحدهما ~~بالآخر قال ابن القيم: وإذا نظرت إلى هذا القياس رأيته مصادما للسنة أعظم ~~مصادمة ومع أنه فاسد في نفسه بل هما جنس واحد أحدهما أزيد من الآخر قطعا ~~بنية فهو أزيد أجزاء من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتميزها ولا يمكن أن ~~يجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به عند الكمال إذ هو ظن ~~وحسبان فكان المنع من بيع أحدهما بالآخر محض القياس لو لم يأت ms434 به سنة وحتى ~~لو لم يكن ربا ولا القياس يقتضيه لكان أصلا قائما بنفسه يجب التسليم ~~والانقياد له كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة انتهى "إلا لأهل ~~العرايا"لحديث زيد بن ثابت عند البخاري وغيره "أن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلا "وفي لفظ في ~~الصحيحين "رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا ~~"وأخرج أحمد والشافعي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث جابر قال: ~~"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حين أذن لأهل العرايا أن يبيعوها ~~بخرصها الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة " # PageV02P112 # وفي الباب أحاديث والمراد أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للفقراء الذين ~~لا نخل لهم أن يشتروا من أهل النخل رطبا يأكلونه في شجرة بخرصه تمرا ~~والعرايا جمع عرية وهي في الأصل عطية ثمر النخل دون الرقبة وقد ذهب إلى ذلك ~~الجمهور ومن خالف فالأحاديث ترد عليه قلت: العرية فعيلة بمعنى مفعولة من ~~عراه يعروه إذا قصده وهي عقد مقصود أو بمعنى فاعلة من عري يعرى إذا خلع ~~ثوبه كأنها عريت وهي بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض والعنب في الشجر ~~بزبيب فيما دون خمسة أوسق وقال محمد: وبهذا نأخذ ولفظ البخاري في باب تفسير ~~العرايا قال مالك: العرية أن يعري الرجل الرجل النخلة ثم يتأذى بدخوله عليه ~~فرخص له أن يشتريها منه بتمر وقال ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل من ~~التمر يدا بيد ولا تكون بالجزاف ومما يقويه قول ابن أبي حثمة بالأوسق ~~الموسقة وقال ابن إسحق: في حديثه عن نافع عن ابن عمر كانت العرايا أن يعري ~~الرجل الرجل في ماله النخلة والنخلتين وقال يزيد: عن سفيان بن حسين العرايا ~~نخل كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها رخص لهم أن يبيعوها ~~بما شاؤا من التمر انتهى. # أقول: العرايا أصلها أن العرب كانت تطوع على من لا ثمر له كما يتطوع صاحب ~~الشاة أو الإبل بالمنيحة وهي ms435 عطية اللبن دون الرقبة قال الجوهري في الصحاح: ~~العرية هي النخلة التي يعريها صاحبها رجلا محتاجا بأن يجعل له ثمرها عاما ~~من عراه إذا قصده انتهى فرخص صلى الله عليه وسلم لمن لا نخل لهم أن يشتري ~~الرطب على النخل بخرصها تمرا كما وقع في الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن ~~ثابت وفي لفظ في الصحيحين من حديثه "رخص في العرايا يأخذها أهل البيت ~~بخرصها تمرا يأكلونها رطبا "وفي لفظ لهما من حديثه "ولم يرخص في غير ذلك ~~"فهذا جائز والذي أخبرنا بتحريم الربا ومنعنا من المزابنة هو الذي رخص لنا ~~في العرايا والكل حق وشريعة واضحة وسنة قائمة ومن منع ذلك فقد تعرض لرد ~~الخاص بالعام ولرد الرخصة بالعزيمة ولرد السنة بمجرد الرأي وهكذا من منع من ~~البيع وجوز الهبة كما روي عن أبي حنيفة رحمه الله ولكن هذه الرخصة مقيدة ~~بأن يكون الشراء بالوسق والوسقين والثلاثة والأربعة كما وقع في حديث جابر ~~عند الشافعي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان # PageV02P113 # والحاكم فلا يجوز الشراء بزيادة على ذلك ولا بيع اللحم بالحيوان لما تقدم ~~قريبا من حديث سعيد بن المسيب عند مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن بيع الحيوان باللحم "وقال سعيد: من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم ~~بالشاة والشاتين وقال نهى عن بيع الحيوان باللحم وقال أبو الزناد: كل من ~~أدركت من أهل العلم ينهون عن بيع الحيوان باللحم أي من جنسه وكذا بغير جنسه ~~من مأكول وغيره وفي شرح السنة ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى تحريمه ~~وإليه ذهب الشافعي وحديث ابن المسيب وإن كان مرسلا لكنه يتقوى بعمل الصحابة ~~واستحسن الشافعي مرسل ابن المسيب وذهب جماعة إلى إباحته واختارها المزني إذ ~~لم يثبت الحديث وكان فيه قول متقدم ممن يكون بقول اختلاف ولأن الحيوان ليس ~~بمال الربا بدليل أنه يجوز بيع حيوان بحيوانين فبيع اللحم بالحيوان بيع مال ~~الربا بما لا ربا فيه فيجوز ذلك في القياس إلا أن يثبت الحديث فنأخذ ms436 به ~~وندع القياس وقال محمد في الموطإ: وبهذا نأخذ من باع لحما من لحم الغنم ~~بشاة حية لا يدري اللحم أكثر أو مافي الشاة أكثر فالبيع فاسد مكروه ولا ~~ينبغي وهذا مثل المزابنة والمحاقلة وكذا بيع الزيتون بالزيت ودهن السمسم ~~بالسمسم. أقول: والأحسن عندي أن معنى الحديث: أن يقول للقصاب كم يخرج من ~~هذه الشاة فيقول القصاب: عشرون رطلا فيقول: خذ هذه الشاة بعشرين رطلا من ~~اللحم إن خرج أكثر فلك أو أقل فعليك وهذا نوع من القمار ورجع الحديث إلى ~~القياس # "ويجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه"لحديث جابر عند أحمد وأهل ~~السنن وصححه الترمذي قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى عبدا بعبدين ~~"وأخرجه أيضا مسلم في صحيحه وأخرج أيضا مسلم وغيره من حديث أنس "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم اشترى صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي "وأخرج أحمد وأبو ~~داود من حديث ابن عمرو "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يبعث جيشا على ~~إبل كانت عنده قال: فحملت الناس عليها حتى نفذت الإبل وبقيت بقية من الناس ~~قال: فقلت يارسول الله الإبل قد نفذت وبقيت بقية من الناس لا ظهر لهم فقال ~~لي: ابتع علينا إبلا بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى ينفذ هذا البعث ~~قال: وكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى # PageV02P114 # نفذت ذلك البعث فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"وفي إسناده محمد ابن اسحق وفيه مقال وقوى في الفتح إسناده وأخرج أحمد وأهل ~~السنن وصححه الترمذي وابن الجارود من حديث سمرة قال: "نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة "وهو من رواية الحسن عن سمرة ولم ~~يسمع منه1 وقد جمع الشافعي بين الحديثين بأن المراد به النسيئة من الطرفين ~~فيكون ذلك من بيع الكالىء بالكالىء لا من طرف واحد فيجوز وفي الموطإ أن علي ~~بن أبي طالب باع جملا له يدعى عصيفر بعشرين بعيرا ms437 إلى أجل وأن عبد الله بن ~~عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة وسئل ابن ~~شهاب عن بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل فقال: لا بأس بذلك قال الشافعي: ~~يجوز سواء كان الجنس واحدا أو مختلفا مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم سواء ~~باع واحدا بواحد أو باثنين وقال أبو حنيفة: لا يجوز وفي بيع الحيوان ~~بالحيوان نسيئة خلاف "ولا يجوز بيع العينة"لحديث ابن عمر "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة ~~واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا ~~يرفعه حتى يراجعوا دينهم "أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان ~~وصححه وقال الحافظ: رجاله ثقات والمراد بالعينة بكسر العين المهملة بيع ~~التاجر سلعته بثمن إلى أجل ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن ويدل على ~~المنع من ذلك ما رواه أبو إسحق السبيعي عن امرأته "أنها دخلت على عائشة ~~فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقع فقالت: يا أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد ~~بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وإني ابتعته منه بستمائة نقدا فقالت لها ~~عائشة: بئسما اشتريت وبئسما شريت إن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد بطل إلا أن يتوب "أخرجه الدارقطني وفي إسناده الغالية بنت أيفع وقد روي ~~عن الشافعي أنه لا يصح وقرر كلامه ابن كثير في إرشاده وقد ذهب إلى عدم جواز ~~بيع العينة مالك وأبو حنيفة وأحمد وجوز ذلك الشافعي وأصحابه وقد ورد النهي ~~عن العينة من طرق عقد لهما البيهقي في سننه بابا. أقول: أما بيع أئمة الجور ~~وشراؤهم PageV02P115 # على وجه التجارة مع رعاياهم فهذه المسألة قد عمت وطمت وكادت تطبق الأرض ~~وقد رأينا في كتب التواريخ حكايات عن ملوك مصر من الجراكسة وذلك من أشدها ~~وأعظمها جرما أنهم إذا أرادوا بيع شئ لهم أكرهوا التجار على شرائه بأضعاف ~~ثمنه وإذا أراد أحد منهم الامتناع ضربوه ضربا مبرحا وأخذوا ماله كرها ومن ~~ذلك ms438 أنهم يمنعون الناس من الشراء من أحد من التجار حتى ينفق ما يريدون بيعه ~~من أموالهم فيرتفع ثمنه لأجل ذلك وينفق سريعا قال الماتن في حاشية الشفاء: ~~وفي الديار اليمنية من هذا القبيل أنواعها منها: أنهم يرسمون صرف القرش ~~بمقدار محدود من الضربة التي يضربونها من الفضة المغشوشة بالنحاس المغلوبة ~~بالغش على وجه لا تكون الفضة الخالصة إلا مقدار نصف الفضة التي في القرش ثم ~~إن الرعايا لا تمتثل هذا الرسم بل يتعاملون في المصارفة بزيادة على ذلك إلى ~~مقدار الثلث أو الربع من ذلك الرسم فإذا كان النقد خارجا من مال الدولة إلى ~~غيرهم من الأجناد ونحوهم كان على ذلك الرسم الناقص وإذا كان النقد داخلا ~~إلى أموال الدولة من الرعايا لم يقبلوا منهم إلا القروش الفرانسة أو الصرف ~~الزائد الذي يتعامل به الرعية فيما بينهم فيأخذون ثلث أموال الرعية أو ~~ربعها ظلما وإذا تزايد صرف القروش بين الرعايا أمر الأمراء بكسر السكة ~~ويضربون ضربة أخرى مثل الكسورة في الخالص والغش أو أكثر منها غشا ثم يمنعون ~~التعامل بتلك الضربة الأولى فيبيعونها الرعايا وزنا من الدولة فيأتي ثمن ~~القفلة منها بنصف قفلة من الضربة الأخرى وقد يزيد قليلا أو ينقص قليلا ثم ~~يأخذون تلك السكة الأولى ويضربونها على تلك الضربة الأخرى ويدفعونها إلى ~~الرعايا بصرف قد رسموه فيأكلون بهذا الذريعة نصف أموال العباد أو قريبا من ~~ذلك والرعايا لا يقدرون على الاستمرار على الرسم الذي يرسمونه لهم في صرف ~~القروش من تلك الضربة لأنهم يحتاجون إلى القروش الفرانسة في كثير من ~~الحالات لكونه لا يتفق لهم في المعاملة لتجار سائر الأرض إلا هي ومن ~~الأنواع التي يأكلون بها أموال الرعايا أكلا ظاهرا ويتجرون فيها اتجارا ~~بينا أنهم يجعلون ضرائب على الباعة في الأسواق يجبرونهم على تسليمها شاؤا ~~أم أبوا ثم يأذنون لهم بالزيادة في الأسعار فيبيعون بما شاؤا # PageV02P116 # ويصنعون بالناس ما أرادوا وليس عليهم إلا الوفاء بالضرائب فإذا استغاث ~~مستغيث بالناس من زيادة الأسعار أو أراد منكر أن ينكر ms439 على الباعة ما ~~يفعلونه قالوا: هذه الزيادات للدولة فيلقمون المنكر والمستغيث حجرا وكم ~~أعدد لك من هذه إلا حبولات الشيطانية التي هي السحت بلا شك ولا شبهة نسأل ~~الله أن يصلح الجميع انتهى. ومن هذا القبيل أنواع المكوس على أهل الدور ~~والتجارات والضرائب المتنوعة التي لا تكاد تنحصر على الرعايا في الأشياء ~~المختلفة وكل ذلك من جهة الدول ولا شكوى في ذلك من الكفرة الفجرة الذي ~~استولوا على أكثر البلاد الإسلامية بل من ملوك الإسلام وولاة المسلمين ~~المدعين للتدين بالدين المحمدي والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد وانظر في كتابنا إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة يتضح عليك الحق ~~في هذا الباب من الباطل والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم قال الماتن في ~~حاشية الشفاء: اعلم أن باب المصارفة قد صار في هذه الأزمنة بحيث لا يتمكن ~~من الخلوص عن الدخول به في الربا البحت أحد كما عرفناك فيما سبق ثم إن ~~الناس يحتاجون إلى التعامل بهذه الضربة في تصرفاتهم ويضطرون إلى المصارفة ~~بها إلى القرش الفرنجي بذلك المقدار المرسوم لهم فيبيعون الفضة بالفضة مع ~~العلم بالتفاضل وهذا ربا بحت والعارف منهم يستروح إلى حيل قد رآها في كتب ~~الفروع التي لا يرجع غالبها إلى دليل وهي لا تغني من الحق شيئا وها نحن ~~نعرفك بغالب ما يظنونه من الحيل مخلصا له من ورطة الربا فمن ذلك أن بعض ~~المتفقهة الذين لا يعرفون لعلوم الاجتهاد رسما قد أفتاهم بأنه لا ربا في ~~المعاطاة وأن الصرف الذي يفعله الناس الآن هو معاطاة لعدم وقوع العقد وهذا ~~المقصر لا يدري بأن أدلة الكتاب والسنة مصرحة بتحريم الربا من غير نظر إلى ~~عقد بل لم يعتبر الله في البيع إلا مجرد الرضا ومن ذلك ما قاله أيضا بعض ~~المصنفين في الفروع أن الغش في كل واحد من البدلين يكون مقابلا للفضة في ~~الآخر وهذا لا يرضى به عاقل قط وكيف يرضى العاقل أن يبيع تسع أواقي فضة ~~بأوقية نحاس ms440 فإن كان مراد هذا القائل أن ذلك مخلص عن الربا سواء رضي كل ~~واحد من المتبايعين بالبدل أم لم يرض فهذا جهل لا علم ومن ذلك أن الغش في ~~كل واحد من البدلين يكون جريرة مسوغة للصرف وهذا يرده حديث القلادة # PageV02P117 # فإنه قد انضم إلى الفضة غيرها ولم يجعل النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم ذلك مسوغا للبيع بل أمر بالفصل والتمييز بين الفضتين وقد ذكروا غير ~~هذه الأمور مما هو من السقوط بمكان لا يخفى على من له أدنى فطنة فإن قلت ~~فهل من مخلص من هذه الورطة التي وقع الناس فيها؟ قلت: نعم ثم مخلص أرشد ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما قاله لمن اشترى تمرا جيدا بتمر ~~رديء أحد التمرين جمع والآخر جنيب وأخبره أنه اشترى الصاع الجيد بصاعين من ~~الرديء فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أن ذلك ربا " ~~فسأله رسول الله كيف يصنع فقال: إنه " يبيع التمر الرديء بالدراهم ثم يشتري ~~بها التمر الجيد" فهذه وسيلة شرعية ومعاملة نبوية فمن أراد أن يصرف الدراهم ~~المغشوشة بالقروش الفرنجية فليشتر صاحب الدراهم مثلا بمقدار صرف القرش سلعة ~~من صاحب القرش ثم يبيعها منه بالقرش ولا مخلص من ذلك إلا هذه الصورة ومن ظن ~~أن ثم مخلصا في غيرها فهو مخادع بنفسه بما هو صريح الربا المتوعية عليه ~~بحرب من الله ورسوله وعلى الضارب لتلك الدراهم المغشوشة نصيبه من الإثم ~~لأنه حمل الناس على الربا وألجأهم إلى الدخول فيه وسن لهم هذه السنة ~~الملعونة لقصد الحطام وأكل أموال الناس بالباطل ولو كان ممتثلا لما أمر ~~الله به من الرفق بالرعية والعدل في القضية لكان له بضرب الفضة الخالصة عن ~~الغش مندوحة وأقل أحوال المسلم أن يكون في رعاية مصالح الرعية كالفرنج ~~فيجعل ضربته كضربتهم حتى يرتفع الربا في المصارفة انتهى # PageV02P118 ### | باب الخيارات # "يجب على من باع ذاعيب أن يبينه وإلا ثبت للمشتري الخيار"لحديث عقبة بن ~~عامر عند ابن ماجه والدارقطني ms441 والحاكم والطبراني قال: "سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا ~~وفيه عيب إلا بينه" وقد حسن إسناده الحافظ في القمح وأخرج نحوه أحمد وابن ~~ماجه والحاكم في المستدرك من حديث واثلة مرفوعا وفي إسناده أبو جعفر الرازي ~~وأبو سباع والأول مختلف فيه والثاني مجهول وأخرج ابن ماجه والترمذي ~~والنسائي وابن الجارود والبخاري تعليقا # PageV02P118 # من حديث العداء بن خالد قال: "كتب لي النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه ~~عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بكسر الخاء بيع المسلم المسلم ~~"ويؤيد هذه الأحاديث: حديث "من غشنا فليس منا " وهو في صحيح مسلم وغيره من ~~حديث أبي هريرة فدلت هذه الأحاديث على أن من باع ذا عيب ولم يبينه فقد باع ~~بيعا لا يحل شرعا فيكون المشتري بالخيار إن رضيه فقد أثم البائع وصح البيع ~~لوجود المناط الشرعي وهو التراضي وإن لم يرضه كان له رده لأن العلم بالعيب ~~كشف عن عدم الرضا الواقع حال العقد فلم يوجد المناط الشرعي ولما ورد في رد ~~المعيب وسيأتي "والخراج بالضمان" لحديث عائشة عند أحمد وأهل السنن والشافعي ~~وصححه الترمذي وابن حبان وابن الجارود والحاكم وابن القطان وابن خزيمة "أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قضى أن الخراج بالضمان "وفي رواية "أن ~~رجلا ابتاع غلاما فاستغله ثم وجد به عيبا فرده بالعيب فقال البائع غلة عبدي ~~فقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الغلة بالضمان " والمراد ~~بالخراج الدخل والمنفعة أي يملك المشتري الخراج الحاصل من المبيع بضمان ~~الأصل الذي عليه أي بسببه قال مالك: في الرجل يشتري العبد فيؤاجره بالإجارة ~~العظيمة أو القليلة ثم يجد به عيبا يرد منه إنه يرده بذلك العيب وتكون له ~~إجارته وغلته وذلك الأمر الذي كانت عليه الجماعة ببلدنا وذلك لو أن رجلا ~~ابتاع عبدا فبنى له دارا قيمة ms442 بنيانها ثمن العبد أضعافا ثم يوجد به عيب يرد ~~منه رده ولا يحسب للعبد عليه إجارة فيما عمل له ذلك فكذلك تكون له إجارته ~~إذا آجره من غيره لأنه ضامن له قلت: وعليه أهل العلم "وللمشتري الرد ~~بالغرر"لأن المشتري إنما رضي بالمبيع عند العقد قبل علمه بالغرر فإذا تبين ~~له الغرر كشف عن عدم الرضا الذي هو المناط الشرعي "ومنه"أي من ذلك الغرر ~~"المصراة فيردها وصاعا من تمر"فإنه ثبت الخيار فيها بوجود الغرر الكائن ~~بالتصرية وهو حبس اللبن في الضروع ليخيل المشتري غزارته فيغتر وقد ثبت في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: ~~"لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن ~~يحلبها إن رضيها أمسكها # PageV02P119 # وإن سخطها ردها وصاعا من تمر "وفي رواية مسلم وغيره "من اشترى مصراة فهو ~~منها بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر ~~لا سمراء" قلت عليه الشافعي وفي المنهاج التصرية حرام تثبت الخيار على ~~الفور وقيل: يمتد ثلاثة أيام فإن رد بعد تلف اللبن1 رد معها صاع تمر وقيل ~~يكفي صاع قوت والأصح أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن وفي شرح السنة قال أبو ~~حنيفة: لا خيار له بسبب التصرية وليس له ردها بالعيب بعد ما حلبها وقال ابن ~~أبي ليلى: وأبو يوسف: بردها ويرد معها قيمة اللبن قال في الحجة البالغة: ~~واعتذر بعض من لم يوفق للعمل بهذا الحديث بضرب قاعدة من عند نفسه فقال: كل ~~حديث لا يرويه إلا غير فقيه أسند باب الرأي فيه يترك العمل به وهذه القاعدة ~~على ما فيها لا تنطبق على صورتنا هذه لأنه أخرجه البخاري عن ابن مسعود أيضا ~~وناهيك به ولأنه بمنزلة سائر المقادير الشرعية يدرك العقل حسن تقدير ما فيه ~~ولا يستقل بمعرفة حكمه هذا القدر خاصة اللهم إلا عقول الراسخين في العلم ~~انتهى قال ابن القيم: ومنها رد المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصراة ms443 ~~بالمتشابه من القياس وزعمهم أن هذا حديث يخالف الأصول فلا يقبل فيقال: ~~الأصول كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة والقياس الصحيح الموافق للكتاب ~~والسنة فالحديث الصحيح أصل بنفسه فكيف يقال الأصل يخالف نفسه؟ هذا من أبطل ~~الباطل والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلام الله تعالى وكلام ~~رسوله وما عداهما فمردود إليهما فالسنة أصل قائم بنفسه والقياس فرع فكيف ~~يرد الأصل بالفرع؟ قال الإمام أحمد: إنما القياس أن يقيس على أصل فأما أن ~~يجيء إلى أصل فيهدمه ثم يقيس فعلى أي يقيس وقد تقدم بيان موافقة حديث ~~المصراة للقياس وإبطال قول من زعم أنه خلاف القياس وأنه ليس في الشريعة حكم ~~يخالف القياس الصحيح وأما القياس الباطل فالشريعة كلها مخالفة له ويا لله ~~العجب كيف وافق الوضوء بالنبيذ المشتد الأصول حتى قبل وخالف خبر المصراة ~~الأصول حتى رد انتهى. والحاصل: أنه لم يرد ما يعارض حديث المصراة ~~PageV02P120 # ولم تصح الرواية بلفظ "طعام أو بر "بل الذي صح الصاع من التمر وللحنفية ~~أجوبة عن الحديث كثيرة ليس على شئ منها أثارة من علم وقد استوفاها الماتن ~~في شرح المنتقى ودفعها جميعها ولا نؤثر على نص الشارع شيئا بل نقول: إذا ~~تنازع بائع المصراة ومشتريها في قيمة اللبن المستهلك ورد المشتري صاعا من ~~تمر وجب على البائع قبوله ولا يجاب إلى غيره ولو كان المثل موجودا نعم إذا ~~عدم التمر كان الواجب الرجوع إلى قيمته وكذلك إذا تراضى البائع والمشتري ~~على قيمة أخرى كان الرضا له حكمه وتمام هذا البحث في شرحنا لبلوغ المرام ~~فليرجع إليه "أو ما يتراضيان عليه"لأن حق الآدمي مفوض إليه فإذا رضي بأخذ ~~عوض عنه جاز ذلك كما لو رضي بإسقاطه أو أخذ بعضه "ويثبت الخيار لمن خدع"فإن ~~كان مع شرط عدم الخداع فلا ريب في ذلك لما تقدم من حديث ابن عمر "أن رجلا ~~كان يخدع في البيوت فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: من ~~بايعت فقل لا خلابة" وهو في الصحيحين ms444 والموطأ وزاد فيه "فكان الرجل إذا ~~بايع يقول لا خلابة "وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لحبان بن ~~منقذ الذي كان يخدع في البيوع خيار ثلاثة أيام كما في حديث ابن عمر في ~~رواية منه وكذلك في حديث غيره وأما إذا لم يشترط فالبيع الذي وقع ليس هو ~~بيع المسلم إلى المسلم بل هو مشتمل على الخبث والخداع والغائلة فللمخدوع ~~الخيار لكونه كذلك ولكونه الخداع كشفا عن عدم الرضا المحقق الذي هو المناط ~~كما تقدم تقريره قلت: اختلفوا في تفسير هذا الحديث فقال المحلي: لا خلابة ~~عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثة أيام وفي رواية البيهقي وابن ماجه "ثم أنت ~~بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال" وقال محمد: نرى أن هذا كان لذلك ~~الرجل خاصة يريد أنه خيار الغبن وليس بمطرد وفي شرح السنة: عند أحمد الخبر ~~عام في حق كافة الناس إذا ذكر هذه الكلمة في البيع كان له الرد إذا ظهر في ~~بيعه الغبن وسبيله سبيل من باع واشترى بشرط الخيار في المنهاج لهما ~~ولأحدهما شرط الخيار وإنما يجوز في مدة معلومة ولا تزيد على ثلاثة أيام "أو ~~باع قبل وصول السوق"لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره قال: "نهى النبي # PageV02P121 # صلى الله عليه وسلم أن يتلقى الجلب فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة ~~فيها بالخيار إذا ورد السوق "وتلقي الجلب هو أن يقدم ركب بتجارة فيتلقاه ~~رجل قبل أن يدخلوا البلد ويعرفوا السعر فيشتري منهم بأرخص من سعر البلد ~~وهذا مظنة ضرر للبائع لأنه إن نزل بالسوق كان أغلى له ولذلك كان له الخيار ~~إذا عثر على الضرر "ولكل من المتبايعين بيعا منهيا عنه الرد"كتلك الصور ~~المتقدمة ووجهه: أن النهي إن كان مقتضيا للفساد المرادف للبطلان كما تقرر ~~في الأصول فوجود العقد كعدمه وهو غير لازم لواحد منهما فالرد بالخيار هو ~~بمعنى الرد لما هو غير لازم وإن كان النهي غير مقتض للفساد فوقوع العقد على ~~صورة من تلك الصور إن رضيه كل واحد منهما ms445 فقد حصل المناط الشرعي وهو الرضا ~~وإن لم يحصل الرضا منهما أو من أحدهما لوقوعه على وجه يخالف الشرع فقد ~~المناط "ومن اشترى شيئا لم يره فله رده إذا رآه"لحديث أبي هريرة مرفوعا "من ~~اشترى ما لم يره فله الخيار إذا رآه" أخرجه الدارقطني والبيهقي وفي إسناده ~~عمر بن إبراهيم الكردي وهو ضعيف ولكنهما أخرجا عن مكحول مرسلا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نحوه وفي إسناده أيضا أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف ومثل ~~هذا لا تقوم به الحجة ولكن الخيار في الغالب يمكن الاستدلال عليه بأحاديث ~~النهي عن الغرر فإن ما لم يقف الإنسان على حقيقته لا يخلو عن نوع غرر سواء ~~كان بعناية البائع أم لا وأيضا لا بد من حصول المناط الشرعي وهو التراضي ~~فإذا لم يرض المشتري بالمبيع عند رؤيته فقد فقد الرضا وعدم المصحح "وله رد ~~ما اشتراه بخيار"وذلك نحو أن يشتري شيئا على أنه له فيه الخيار مدة معلومة ~~لما ورد في الأحاديث الصحيحة الواردة في خيار المجلس بلفظ "كل بيعين لا بيع ~~بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار " وفي لفظ "إلا أن يكون صفقة خيار" وهما ~~في الصحيحين وفيهما ألفاظ بهذا المعنى ولكنه قد اختلف في تفسير بيع الخيار ~~فقيل هذا وقيل غيره ويؤيد ثبوت خيار الشرط ما تقدم من حديث من كان يخدع في ~~البيوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "إذا بايعت فقل لا خلابة" وفي ~~بعض الروايات "ولك # PageV02P122 # الخيار ثلاثة أيام" وقد تقدم ذلك "وإذا اختلف البيعان فالقول ما يقوله ~~البائع" لحديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني ~~والبيهقي وصححه الحاكم وابن السكن قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول صاحب السلعة أو ~~يترادان " وفي لفظ "والمبيع قائم بعينه" وفي لفظ "إذا اختلف البيعان ~~والمبيع مستهلك فالقول قول البائع" وفي لفظ "ولا بينة لأحدهما" وفي الباب ~~روايات كثيرة قد استوفاها المصنف في ms446 نيل الأوطار وحاصلها: يفيد أن القول ~~قول البائع وقد قيل: إن هذا الحديث مخصص لأحاديث أن على المدعي البينة وعلى ~~المنكر اليمين وسيأتي وقيل بينهما عموم وخصوص من وجه فظاهر حديث القول ما ~~يقول البائع أن القول قوله سواء كان مدعيا أو مدعى عليه وظاهر حديث "على ~~المدعي البينة وعلى المنكر اليمين "أن القول قول المنكر مع يمينه سواء كان ~~بائعا أو غير بائع وقد تقرر أنه إذا تعارض عمومان كما نحن بصدده وجب المصير ~~إلى الترجيح إن أمكن والترجيح ههنا ممكن فإن حديث "على المدعي البينة وعلى ~~المنكر اليمين" أصح من حديث "فالقول قول البائع" ومتقضى هذا الترجيح أن ~~القول لا يكون قول البائع إلا إذا كان منكرا غير مدع من غير فرق بين المبيع ~~الباقي والتالف ولكنه يرشد إلى الجمع ما رواه أحمد1 في زوائد المسند ~~والدارمي والطبراني من حديث ابن مسعود الذي فيه "فالقول ما يقول البائع ~~"بزيادة "والسلعة قائمة " ولكن في إسناد هذه الزيارة محمد بن عبد الرحمن بن ~~أبي ليلى وهو ضعيف لسوء حفظه فلا يصح للجمع بين الحديثين بها وقد اختلف ~~الفقهاء في ذلك اختلافا طويلا قال مالك الأمر عندنا في الرجل يشتري السلعة ~~فيختلفان في الثمن فيقول البائع بعتكها بعشرة دنانير ويقول المبتاع ابتعتها ~~منك بخمسة دنانير أنه يقال للبائع إن شئت فأعطها المشتري بما قال وإن شئت ~~فاحلف بالله ما بعت سلعتك إلا بما قلت فإن حلف قيل للمشتري إما أن تأخذ ~~السلعة بما قال البائع وإما أن تحلف بالله ما اشتريتها إلا بما قلت فإن حلف ~~بريء منها وذلك أن كل PageV02P123 # واحد منهما مدع على صاحبه وفي شرح السنة: ولا فرق عند الشافعي بين أن ~~تكون السلعة قائمة أو تالفة في أنهما يتحالفان ويرد قيمة السلعة وإليه رجع ~~محمد بن الحسن وذهب أبو حنيفة إلى أنهما لا يتحالفان بعد هلاك السلعة عند ~~المشتري بل القول قول المشتري مع يمينه فإذا اختلفا في الأجل أو الخيار أو ~~الرهن أو الضمين فهو عند ms447 الشافعي كالاختلاف في الثمن يتحالفان وقال أبو ~~حنيفة: القول قول من ينفيها1 ولا تحالف عنده إلا عند اختلاف الثمن وفي ~~الحجة البالغة: القول قول صاحب المال لكن المبتاع بالخيار لأن البيع مبناه ~~على التراضي2 PageV02P124 ### | باب السلم # "هو"نوع مخصوص من أنواع البيع فلا يجوز أن يكون المالان مؤجلين لأن ذلك ~~هو بيع الكالىء بالكالىء وقد تقدم المنع منه فلا بد أن يكون رأس المال ~~مدفوعا عند العقد "أن يسلم رأس المال في مجلس العقد"وقد وقع الاتفاق على ~~أنه يشترك فيه ما يشترط في البيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس وقد شرط ~~في السلم جماعة من أهل العلم شروطا لم يدل عليها دليل "على أن يعطيه ما ~~يتراضيان عليه معلوما إلى أجل معلوم"لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ~~ابن عباس قال: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار ~~السنة والسنتين فقال: " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل ~~معلوم" وأخرج أحمد والبخاري من حديث عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي ~~أوفى قالا: "كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يأتينا ~~أبناط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير # PageV02P124 # والزيت إلى أجل مسمى قيل: أكان لهم زرع أو لم يكن؟ قال: ما كنا نسألهم عن ~~ذلك "وفي لفظ لأحمد وأهل السنن إلا الترمذي "وما نراه عندهم "في شرح السنة: ~~السلف له معنيان في المعاملات أحدهما القرض والثاني السلم ومعناه عند ~~الشافعي لو كان مؤجلا اشترط معرفة الأجل ولو كان مكيلا أو موزونا اشترط ~~معرفة الكيل أو الوزن وفهم معرفة الجنس والوصف بالأولى وفي الوقاية: يصح ~~فيما يعلم قدره وصفته لا فيما لا يعلم قدره وصفته كالحيوان وشروطه بيان ~~جنسه ونوعه وصفته وقدره معلوما وأجله معلوما وأقله شهر وفي الحجة البالغة: ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو يسلفون في الثمار السنة ~~والسنتين والثلاث فقال: "من أسلف في شئ فليسلف في كيل ووزن إلى أجل معلوم" ~~وذلك ms448 لترتفع المناقشة بقدر الإمكان وقاسوا عليها الأوصاف التي يبين بها ~~الشئ من غير تضييق ومبنى القرض على التبرع من أول الأمر وفيه معنى الإعارة ~~فلذلك جازت النسيئة وحرم الفضل انتهى. أقول: أما اعتبار الجنس والصفة فليس ~~في الحديث ما يدل عليه وكذلك اشتراط تعيين المكان ليس في الحديث ما يدل ~~عليه وإنما اعتبر تعيين هذه الأمور لرفع التشاجر من بعد ولا يخفى أن الرجوع ~~إلى النوع المعهود أو الصفة المعهودة أو إلى الأوسط من ذلك يرفع التشاجر ~~وكذلك يرفع التشاجر في تعيين المكان إلى الأصل وهو عدم وجوب الإيصال على ~~المسلم إليه والرجوع إلى البلدة التي هي وطنه أو بلد إقامته يرفع ذلك أيضا. ~~فالحاصل: أن شروط السلم تعيين جنس المسلم فيه وكونه معلوما بكيل أو وزن ~~وكونه إلى أجل معلوم فهذه ثلاثة شروط ولم يدل الدليل على اشتراط غيرها. ولا ~~يأخذ إلا ما سماه أو رأس ماله لحديث ابن عمر عند الدارقطني قال: "قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: من أسلف شيئا فلا يشرط على صاحبه غير قضائه" وفي ~~لفظ "من أسلف في شئ فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله" قال مالك: الأمر ~~عندنا فيمن أسلف في طعام بسعر معلوم إلى أجل مسمى فحل الأجل فلم يجد ~~المبتاع عند البائع وفاء مما ابتاع منه فأقاله فإنه لا ينبغي له أن يأخذ ~~إلا ورقه أو ذهبه أو الثمن الذي دفع إليه بعينه "ولا يتصرف فيه قبل ~~قبضه"لما أخرجه أبو داود من حديث أبي سعيد قال: "قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " من أسلم في شئ فلا يصرفه إلى غيره" وفي إسناده عطية بن سعيد ~~العوفي وفيه مقال. والمعنى أنه # PageV02P125 # لا يحل جعل المسلم فيه ثمنا لشئ قبل قبضه ولا يجوز بيعه قبل القبض وقد ~~اختلف أهل العلم في ذلك قال مالك: لا يشتري منه بذلك الثمن شيئا حتى يقبضه ~~منه وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه أوصرفه في سلعة غير الطعام ~~الذي ms449 ابتاع منه فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى قلت: وعليه أهل العلم في ~~الوقاية: ولم يجز التصرف في رأس المال والمسلم فيه كالشركة والتولية قبل ~~قبضه وفي المنهاج: ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه ولا الاعتياض عنه # PageV02P126 ### | باب القرض # "يجب إرجاع مثله"لأنه إذا وقع التعاطي على أن يكون القضاء زائدا على أصل ~~الدين فذلك هو الربا بل قد ورد ما يدل على أن مجرد الهدية من المستقرض ~~للمقرض ربا كما أخرجه البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى قال: "قدمت المدينة ~~فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاش فإذا كان لك على ~~رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذنه فإنه ربا " ~~"ولا يجوز أن يكون أفضل أو أكثر إذا لم يكن مشروطا"لحديث جابر في الصحيحين ~~قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي عليه دين فقضاني وزادني "وفي ~~الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة قال: "كان لرجل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال أعطوه فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنا ~~فوقها فقال: أعطوه فقال: أوفيتني أوفاك الله فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إن خيركم أحسنكم قضاء " وأخرج نحوه مسلم وغيره من حديث أبي رافع ~~وهذان الحديثان كما يدلان على جواز أن يكون القضاء أفضل يدلان على أنه يصح ~~قرض الحيوان وإليه ذهب الجمهور ومنه من ذلك الكوفيون "ولا يجوز أن يجر ~~القرض نفعا للمقرض"لحديث أنس عند ابن ماجه "أنه سئل عن الرجل يقرض أخاه ~~المال فيهدي إليه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقرض أحدكم ~~قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى ~~بينه وبينه قبل ذلك" وفي إسناده يحيى بن إسحق الهنائي وهو مجهول وفي إسناده ~~أيضا عتبة ابن حميد الضبي وقد ضعفه أحمد والراوي عنه إسمعيل بن عياش وهو ~~أيضا ضعيف # PageV02P126 # وقد أخرج البخاري في التاريخ من ms450 حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إذا أقرض فلا يأخذ هدية " وأخرج البيهقي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ~~وعبد الله بن سلام وابن عياش في السنن الكبرى موقوفا عليهم "إن كل قرض جر ~~منفعة فهو وجه من وجوه الربا "وأخرج البيهقي أيضا نحو ذلك في المعرفة عن ~~فضالة بن عبيد موقوفا عليه وقد تقدم ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن سلام ~~وقد أخرجه الحرث بن أبي أسامة من حديث علي "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن قرض جر منفعة "وفي رواية "كل قرض جر منفعة فهو ربا "وفي إسناده سوار ~~بن مصعب وهو متروك وما في الباب من الأحاديث والآثار يشهد بعضها لبعض # PageV02P127 ### | كتاب الشفعة # والأصل فيها دفع الضرر عن الجيران والشركاء "سببها الإشتراك في سيء ولو ~~منقولا"لعموم الأحاديث الواردة في ذلك كحديث جابر في البخاري وغيره "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود ~~وصرفت الطرق فلا شفعة "وأخرجه أيضا بنحو هذا اللفظ أهل السنن وحديث أبي ~~هريرة قال "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إذا قسمت الدار ~~وحدت فلا شفعة فيها "أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات وأخرج ~~مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم من حديث جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم "وأخرج البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا ~~"الشفعة في كل شئ " ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال وأخرج الطحاوي له ~~شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس به "فإذا وقعت القسمة فلا شفعة" لما في ~~هذه الأحاديث من التصريح بأنها في الشئ الذي لم يقسم ثم فسر القسمة بقوله: ~~"فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " # فالأحاديث الواردة في مطلق شفعة الجار كأحاديث "الجار أحق بسقبه1" ~~PageV02P127 # وهي ثابتة في الصحيحين وغيرهما مقيدة بعدم القسمة لأن الجار كما يصدق على ~~الملاصق يصدق على المخالط وأما تقييد شفعة الجار باتحاد الطريق ms451 كما في حديث ~~جابر عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه قال: "قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها إن كان غائبا إذا كان ~~طريقهما واحدا " فهذا الحديث يؤيد ما قلناه من أنه لا شفعة إلا للخليط لأن ~~الطريق إذا كانت واحدة فالخلطة كائنة فيها ولم تقع القسمة الموجبة لبطلان ~~الشفعة لعدم تصريف الطرق فالحق أن سبب الشفعة هو واحد فقط وهو الشركة قبل ~~القسمة والخلطة الكائنة بين الشريكين في المشترك بينهما أو في طريقه أو في ~~مجاريه أو منبعه فما قيل من أن من أسبابها الاشتراك في الطريق والاشتراك في ~~قرار النهر أو مجاري الماء هو راجع إلى السبب الذي ذكرناه لأن الاشتراك في ~~طريق الشئ أو في سواقيه هو اشتراك في بعض ذلك الشئ # والحاصل: أن هذه الأحاديث مخصصة لذلك العموم لأن الظاهر من قوله: "فلا ~~شفعة "أن القسمة مانعة من ثبوت الشفعة سواء كانت القس مة بين المشتري ~~والشفيع أو متقدمة كما يفيده النكرة الواقعة في سياق النفي وقد حقق الماتن ~~المقام في رسالة مستقلة أورد فيها جميع ما ورد في الشفعة من الأدلة وجمع ~~بينها جمعا نفيسا فليرجع إليها وقد حكى في البحر عن علي وعثمان وعمر وسعيد ~~بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وربيعة بن مالك والشافعي ~~والأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبيد الله بن الحسن والإمامية أن الشفعة لا تثبت ~~إلا بالخلطة وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وابن سيرين: ~~أن الشفعة تثبت بالجوار واستدلوا بالأحاديث الواردة في شفعة الجار قال في ~~شرح السنة: اتفق أهل العلم على ثبوت الشفعة للشريك في الربع المنقسم إذا ~~باع أحد الشركاء نصيبه قبل القسمة فللباقين أخذه بالشفعة بمثل الثمن الذي ~~وقع عليه البيع وإن باع بشئ متقوم من ثوب أو عبد فيأخذ بقيمته واختلفوا في ~~ثبوت الشفعة للجار قال الشافعي: لا شفعة للجا. وذهب أبو حنيفة: إلى ثبوت ~~الشفعة للجار وفي المنهاج: وكل ما لو قسم بطلت ms452 منفعته المقصودة كحمام ورحى ~~لا شفعة فيه في الأصح وفي الموطإ: عن عثمان بن عفان لا شفعة في بئر # PageV02P128 # ولا نخل1 قال في الحجة البالغة: أرى أن الشفعة شفعتان شفعة يجب على ~~المالك أن يعرضها على الشفيع فيما بينه وبين الله وأن يؤثره على غيره ولا ~~يجبر عليها في القضاء وهي للجار الذي ليس بشريك وشفعة يجبر عليها في القضاء ~~وهي للجار الشريك فقط وهذا وجه الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب انتهى ~~والحق ما قدمناه "ولا يحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه"لحديث جابر عند ~~مسلم وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ~~ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ~~فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به " "ولا تبطل بالتراخي"لما في الأحاديث ~~الواردة في الشفعة من الإطلاق وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ ~~"لا شفعة لغائب ولا لصغير والشفعة كحل العقال" ففي إسناده محمد بن عبد ~~الرحمن البيلماني وهو ضعيف جدا وقال ابن حبان: لا أصل للحديث وقال أبو ~~زرعة: منكر وقال البيهقي: ليس بثابت ولا يصح تأييد هذا الحديث الباطل بما ~~روي من قول شريح فإنه لاحجة في ذلك على أن هذا الحديث قد اشتمل على ثلاثة ~~أحكام: نفي شفعة الغائب ونفي شفعة الصغير واعتبار الفور وقد هجر ظاهره في ~~الحكمين الأولين فكان ذلك مقيدا لترك الاحتجاج به في الحكم الثالث على فرض ~~أنه غير باطل. والحاصل: أنه ليس في اشتراط الفورية ما يصلح متمسكا كما لا ~~يخفى على عارف وقد ثبتت الشفعة بتلك الأحاديث الصحيحة فتقييد الثبوت بقيد ~~لا دليل عليه مستلزم لإبطال ما يستفاد من أحاديث الثبوت من الإطلاق بدون ~~حجة وذلك باطل فالحق أن الشفعة لا تبطل بالتراخي لأن دفع الضرر الذي شرعت ~~لأجله لا يختص بوقت دون وقت وما قيل من أن إثباتها مع التراخي يستلزم ~~الإضرار بالمشتري لأنه ملكه يكون معلقا ممنوع ms453 والسند أن ملكه مستقر يتصرف ~~به كيف يشاء غاية ما هناك أن للشفيع حقا متى طلبه وجب وليس ذلك من التعليق ~~في شئ ولا إضرار في ذلك بحال2 PageV02P129 ### | كتاب الإجارة # قال الله تعالى في قصة موسى وشعيب عليهما السلام: {قالت إحداهما يا أبت ~~استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} وقال تعالى: {وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} في هذه ~~الآية مشروعية الإجارة مطلقا ومشروعية الإجارة بتسليم نفسه للخدمة وعليه ~~أهل العلم وتدل أيضا على أنه إن أطاق الخدمة فهي محمولة على المتعارف ولا ~~يضرها الجهالة في الجملة لأن الإرضاع والرعي لا يضبطان حق الضبط "تجوز على ~~كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي"لإطلاق الأدلة الواردة في ذلك كحديث أبي سعيد ~~قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استئجار الأجير حتى يبين له ~~أجره "أخرجه أحمد ورجال إسناده رجال الصحيح وأخرجه أيضا البيهقي وعبد ~~الرزاق وإسحاق في مسنده وأبو داود في المراسيل والنسائي في الزراعة غير ~~مرفوع ولفظ بعضهم من استأجر أجيرا فليسم له أجرته ولا طلاق حديث أبي هريرة ~~عند البخاري وأحمد قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز ~~وجل: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي ثم غدر ~~ورجل باع حرا وأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره" وقد ~~استأجر النبي صلى الله عليه وسلم دليلا عند هجرته إلى المدينة كما في ~~البخاري وغيره وثبت من حديث أبي هريرة عند البخاري قال: "قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال أصحابه: وأنت قال: ~~نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي ~~من حديث سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة ~~فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي فساومنا سراويل فبعناه وثم رجل ~~يزن بالأجر فقال له: زن وأرجح ms454 "وفيه أنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر قدر ~~أجرته بل أعطاه ما يعتاده في مثل ذلك وقد كان الصحابة PageV02P130 # رضي الله تعالى عنهم يؤجرون أنفسهم في عصره صلى الله عليه وسلم ويعملون ~~الأعمال المختلفة حتى إن عليا آجر نفسه من امرأة على أن ينزع لها كل ذنوب ~~بتمرة فنزع ستة عشر ذنوبا حتى مجلت1 يداه فعدت له ست عشرة تمرة فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخبره فأكل معه منها أخرجه أحمد من حديث علي بإسناد ~~جيد وأخرجه أيضا ابن ماجه وصححه ابن السكن وأخرجه البيهقي وابن ماجه من ~~حديث ابن عباس "أن عليا آجر نفسه من يهودي يسقي له كل دلو بتمرة "وأما ~~المانع الشرعي فهو مثل الصور التي سيأتي ذكرها # "وتكون الأجرة معلومة عند الاستئجار"لحديث أبي سعيد المتقدم "فإن لم ~~تكن"أجرته "كذلك"أي معلومة "استحق الأجير مقدار عمله عند أهل ذلك ~~العمل"لحديث سويد بن قيس السابق ولكون ذلك هو الأقرب إلى العدل وأما أجرة ~~القسام فأقول: القسام أجير كسائر الأجراء يستحق أجرته ممن عمل له فإن كانت ~~مسماة لم يستحق سواها وإن كانت غير مسماة كانت له مثله على حسب العمل ولكنه ~~لا يجعل له من الأجرة ما يجعل لمن يزاول الأعمال الوضيعة لأن مرجع صناعة ~~القسمة إلى العلم وهو أشرف صناعة دينا ودنيا ولا يجعل له ما يجعل للقسامين ~~في هذا العصر من الأجرة التي تكاد تبلغ إلى مقدار نصيب بعض المقتسمين فإن ~~ذلك من الظلم البحت بل يسلك به مسكا وسطا وتكون الأجرة على مقدار الأنصباء ~~فيكون على كل واحد من الشركاء بمقدار نصيبه وأما ما يروى عن بعض أهل العلم ~~أن أجرة القسام تكون نصف عشر التركة أو ربع عشرها فمجازفة لا ترجع إلى دليل ~~بل إعانة لظلمة القسامين على أكل أموال الناس بالباطل ولقد تفاحش كثير من ~~الحكام ونوابهم في هذا الأمر وصنعوا صنيع من لا يخشى تبعة في الدنيا ~~والآخرة نسأل الله السلامة مع أن من كان منهم يأخذ مقررا من بيت المال ms455 لا ~~يستحق على القسمة شيئا من الأجرة لأنه قد صار مستغرق المنافع فكما أنه لا ~~يأخذ أجرة على قضائه كذلك لا يأخذ أجرة على القسمة لأن الكل من مصالح ~~المسلمين التي أخذ نصيبا من بيت المال في مقابلة القيام بها بحسب طاقته ~~PageV02P131 # "وقد ورد النهي عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن"لحديث أبي هريرة ~~"أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كسب الحجام ومهر البغي وثمن الكلب ~~"أخرجه أحمد برجال الصحيح وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط ومثله من حديث ~~رافع بن خديج عند أحمد وأبي داود والنسائي والترمذي وصححه وهو أيضا في صحيح ~~مسلم وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي مسعود البدري قال "نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن " "وعسب الفحل"وقد تقدم ~~الكلام على ثمن الكلب وعلى عسب الفحل في البيع والمراد بمهر البغي ما تأخذه ~~الزانية على الزنا والمراد بحلوان الكاهن عطية الكاهن لأجل كهانته والحلوان ~~بضم الحاء المهملة مصدر حلوته إذا أعطيته وقد استدل بما تقدم بعض أهل ~~الحديث فقال: إنه يحرم كسب الحجام وقد ورد في معنى ما تقدم أحاديث وفي ~~بعضها التصريح بأنه خبيث وأنه سحت وذهب الجمهور إلى أنه حلال لحديث أنس في ~~الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم حجمه أبو طيبة وأعطاه ~~صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه "وفيهما أيضا من حديث ابن عباس "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره ولو كان سحتا لم يعطه ~~"والأولى الجمع بين الأحاديث بأن كسب الحجام مكروه غير حرام إرشادا منه صلى ~~الله عليه وسلم إلى معالي الأمور ويؤيد ذلك حديث محيصة ابن مسعود عند أحمد ~~وأبي داود والترمذي وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات "أنه كان له غلام حجام ~~فزجره النبي صلى الله عليه وسلم عن كسبه فقال له: ألا أطعمه أيتاما لي؟ ~~قال: لا قال: أفلا أتصدق به قال: لا فرخص له أن يعلفه ناضحه "فلو كان حراما ~~بحتا لم يرخص له ms456 أن يعلفه ناضحه ويستفاد منه أن إعطاءه صلى الله عليه وسلم ~~الحجام لا يستلزم أن يأكله أهله حتى تتعارض الأحاديث فقد يكون مكروها لهم ~~ويكون وصفه بالسحت والخبث مبالغة في التنفير وقد يمكن الجمع بأن المنع عن ~~مثل ما منع منه محيصة والإذن بمثل ما أذن له ورخص له فيه "وأجر ~~المؤذن"لحديث عبادة بن الصامت "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان ابن ~~أبي العاص: "واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا" وفي لفظ "لا تتخذ مؤذنا ~~يأخذ على أذانه أجرا " والحديث في الصحيح1 "وقفير الطحان"لحديث PageV02P132 # أبي سعيد قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان "أخرجه ~~الدارقطني والبيهقي وفي إسناده هشام أبو كليب قيل: لا يعرف وقد أورده ابن ~~حبان الثقات ووثقه مغلطاي وقفيز الطحان هو أن يطحن الطعام بجزء منه وقيل: ~~المنهي عنه طحن الصبرة1 لا يعلم قدرها بجزء منها "ويجوز الاستئجار على ~~تلاوة القرآن"لحديث ابن عباس عند البخاري وغيره "أن نفرا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم مروا بماء فيهم لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء ~~فقال: هل فيكم من راق فإن في الماء رجلا لديغا أو سليما فانطلق رجل منهم ~~فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: ~~أخذت على كتاب الله أجرا حتى قدموا المدينة فقالوا يارسول الله: أخذ على ~~كتاب الله أجرا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أحق ما أخذتم عليه ~~أجرا كتاب الله" "وفي لفظ من حديث أبي سعيد "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال "أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم سهما" وضحك النبي صلى الله عليه وسلم ~~"والحديث في الصحيحين بألفاظ وفي حديث خارجة بن الصلت عن عمه في رقية ~~المجنون بقاتحة الكتاب "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خذها فلعمري من ~~أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي "لا على ~~تعليمه" لحديث أبي بن كعب قال: "علمت رجلا القرآن فأهدى ms457 لي قوسا فذكرت ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن أخذتها أخذت قوسا من نار" فرددتها ~~"أخرجه ابن ماجه والبيهقي وقد أعل بالانقطاع وتعقب وأعل أيضا بجهالة بعض ~~رواته وتعقب وله شاهد عند الطبراني من حديث الطفيل بن عمر والدوسي قال: ~~"أقرأني أبي بن كعب القرآن فأهديت إليه قوسا فغدا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد تقلدها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تقلدها من جهنم " وعلى ~~هذا يحمل حديث عبد الرحمن بن شبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقرؤا ~~القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به " أخرجه ~~أحمد برجال الصحيح وأخرجه أيضا البزار وله شواهد وحديث عمران بن حصين "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اقرؤا القرآن واسألوا الله به فإن من ~~بعدكم " PageV02P133 # قوما يقرؤون القرآن يسألون الناس به "أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وفي ~~الباب أحاديث ووجه المنع من أخذ الأجرة على تعليمه أن ذلك من تبليغ الأحكام ~~الشرعية وهو واجب وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل وأصحابه وأبو حنيفة وبه قال ~~عطاء والضحاك والزهري وإسحق وعبد الله بن شقيق هذا وقد مال الماتن في حاشية ~~الشفاء: إلى أن الجمع متقدم على الترجيح قال لأن حديث "أحق ما أخذتم عليه ~~أجرا القرآن" عام يصدق على التعليم وأخذ الأجرة على التلاوة لمن طلب من ~~القارىء ذلك وأخذ الأجرة على الرقية وأخذ ما يدفع إلى القارىء من العطاء ~~لأجل كونه قارئا ونحو ذلك فيخص من هذا العموم تعليم المكلف ويبقى ما عداه ~~داخلا تحت العموم وبعض أفراد العام فيه أدلة خاصة تدل على جوازه كما دل ~~العام على ذلك فمن تلك الأفراد أخذ الأجرة على الرقية وتعليم المرأة في ~~مقابلة مهرها فهكذا ينبغي تحرير الكلام في المقام والمصير إلى الترجيح من ~~ضيق العطن ولا سيما لما لا مدخل له فيما نحن بصدده كما زعمه المصنف ~~والمقبلي وبهذا تعلم أن ما ساقه في أدلة القائلين بجواز أخذ الأجرة على ms458 ~~التعليم من حديث الرقية لا دلالة فيه على المطلوب "ويجوز أن يكري العين مدة ~~معلومة بأجرة معلومة"لما ورد من إكراء الأراضي في عصره صلى الله تعالى عليه ~~وسلم كحديث رافع بن خديج في الصحيحين قال: "كنا أكثر الأنصار حقلا فكنا ~~نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا ~~عن ذلك فأما بالورق فلم ينهنا "وفي لفظ لمسلم وغيره "فأما شيء معلوم مضمون ~~فلا بأس به "وسائر الأعيان لها حكم الأرض وفي شرح السنة: ذهب عامة أهل ~~العلم إلى جواز كراء الأرض بالدراهم والدنانير وغيرها من صنوف الأموال سواء ~~كان مما تنبت الأرض أولا تنبت إذا كان معلوما بالعيان أو بالوصف كما يجوز ~~إجارة غير الأراضي من العبيد والدواب وغيرها وجملته أن ما جاز بيعه جاز أن ~~يجعل أجرة قال محمد: لا بأس بكراء الأرض بالذهب والورق وبالحنطة كيلا ~~معلوما وضربا معلوما ما لم يشترط ذلك مما يخرج منها فإن اشترط مما يخرج ~~منها كيلا معلوما فلا خير فيه وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا "ومن ~~ذلك الأرض لا بشطر ما يخرج منها"لأن أحاديث "أن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم عامل أهل # PageV02P134 # خيبر بشطر ما يخرج من تمر أو زرع "وإن كانت ثابتة في الصحيحين وغيرهما ~~فهي منسوخة بمثل حديث رافع المتقدم وما ورد في معناه وفي المسألة مذاهب ~~متنوعة وأدلة مختلفة واجتهادات مضطربة قد أوضحها الماتن في شرح المنتقى وفي ~~رسالة مستقلة وذكرتها في مسك الختام ومن أصرح أحاديث النهي حديث جابر عند ~~مسلم وغيره قال: "كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من ~~القصري1 ومن كذا ومن كذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم " من كانت له أرض ~~فليزرعها أو ليحرثها أخاه وإلا فليدعها " وفي حديث سعد بن أبي وقاص "أنه ~~نهاهم أن يكروا بذلك وقال: " أكروا بالذهب والفضة" أخرجه أحمد وأبو داود ~~والنسائي ورجاله ثقات وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة نحو حديث جابر ms459 وفي ~~الحجة البالغة: اختلف الرواة في حديث رافع اختلافا فاحشا وكان وجوه ~~التابعين يتعاملون بالمزارعة ويدل على الجواز حديث معاملة أهل خيبر وأحاديث ~~النهي عنها محمولة على الإجارة بما على الماذيانات أو قطعة معينة وهو قول ~~رافع أو على التنزيه والإرشاد وهو قول ابن عباس أو على مصلحة خاصة بذلك ~~الوقت من جهة كثرة مناقشتهم في هذه المعاملة حينئذ وهو قول زيد رضي الله ~~تعالى عنه والله تعالى أعلم والمزارعة أن يكون الأرض والبذر لواحد والعمل ~~والبقر من الآخر والمخابرة أن يكون الأرض لواحد والبذر والبقر والعمل من ~~الآخر ونوع آخر يكون العمل من أحدهما والباقي من الآخر انتهى "ومن أفسد ما ~~استؤجر عليه أو أتلف ما استأجره ضمن"لمثل حديث "على اليد ما أخذت حتى ~~تؤديه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي والحاكم وصححه وهو من حديث ~~الحسن عن سمرة وفي سماعه منه كلام مشهور والمراد أن على اليد ضمان ما أخذت ~~حتى تؤديه وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه والبزار من حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تطبب ولم يعلم منه طب ~~فهو ضامن" وقد أخرجه النسائي مسندا منقطعا ويؤيده حديث عبد العزيز بن عمر ~~بن عبد العزيز PageV02P135 # قال: حدثني بعض الوفد الذين قدموا على أبي قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "أيما طبيب تطبب على قوم لا يعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت1 فهو ~~ضامن" أخرجه أبو داود فالمتطبب إنما ضمن لكونه أقدم على بدن المريض غير ~~عالم بما يعلم به أهل هذه الصناعة فكان ضامنا وهكذا من استؤجر على عمل عين ~~فأقدم على العمل فيها غير عالم بالصناعة وأفسدها لتعاطيه ضمن وهكذا من ~~استأجر دابة ليركب عليها إلى مكان فسار بها سيرا غير معتاد فهلكت أو تركت ~~علفها فماتت فإنه ضامن PageV02P136 ### | "باب الإحياء والإقطاع" # "من سبق إلى إحياء أرض لم يسبق إليها غيره فهو أحق بها وتكون ملكا ~~له"لحديث جابر "أن النبي صلى الله ms460 عليه وسلم قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي ~~له" أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان وصححه الترمذي وفي لفظ "من ~~أحاط حائطا على أرض فهي له" أخرجه أحمد وأبو داود وأخرج أحمد وأبو داود ~~والطبراني والبيهقي وصححه ابن الجارود من حديث الحسن عن سمرة مرفوعا "من ~~أحاط حائطا على أرض فهي له" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي ~~من حديث سعيد بن زيد قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أحيا أرضا ~~ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق" وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة قالت: ~~"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها " ~~وأخرج أبو داود من حديث أسمر بن مضرس قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فبايعته فقال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له" فخرج الناس ~~يتعادون يتخاطبون "أي يجعلون في الأرض خطوطا علامة لما سبقوا إليه وصححه ~~الضياء في المختارة في شرح السنة: من أحيا مواتا لم يجر عليه ملك أحد في ~~الإسلام يملكه وإن لم يأذن السلطان وبه قال الشافعي وذهب بعضهم إلى أنه ~~يحتاج إلى إذن السلطان وهو قول أبي حنيفة وخالفه صاحباه وقوله: "ليس لعرق ~~ظالم حق" هو أن يغتصب أرض الغير فيغرس فيها أو يزرع فلا حق له ويقلع غراسه ~~وزرعه وفي المنهاج: ولو سبق رجل إلى موضع من رباط مسبل أي وقف أو فقيه إلى ~~مدرسة # PageV02P136 # أو صوفي إلى خانقاه لم يزعج منه ولم يبطل حقه بخروجه لشراء حاجة ونحوه ~~انتهى في الحجة البالغة: الأرض كلها بمنزلة مسجد أو رباط جعل وقفا على ~~أبناء على أبناء السبيل وهم شركاء فيه فيقدم الأسبق فالأسبق ومعنى الملك في ~~حق الآدمي كونه أحق كالإنتفاع من غير انتهى "ويجوز للإمام أن يقطع من في ~~إقطاعه مصلحة شيئا من الأرض الميتة أو المعادن أو المياه"لما في الصحيحين ~~من حديث أسماء بنت أبي بكر "من أنها كانت تنقل النوى من أرض الزبير التي ms461 ~~أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم "وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن عمر "أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أقطع الزبير حضر1 فرسه وأجرى الفرس ~~حتى قام ثم رمى بسوطه فقال: أقطعوه حيث بلغ السوط " وفي إسناده عبد الله بن ~~عمر بن حفص وفيه مقال خفيف وأقطع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وائل ~~بن حجر أرضا بحضرموت كما أخرجه الترمذي وأبو داود وابن حبان والبيهقي ~~والطبراني والمنذري بإسناد حسن وصححه الترمذي وأخرجه أحمد من حديث عروة بن ~~الزبير أن عبد الرحمن بن عوف قال: "أقطعني النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا "وأخرج البخاري وغيره من حديث أنس قال: ~~"دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ليقطع لهم البحرين فقالوا يارسول ~~الله: إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها فلم يكن ذلك عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: " إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني" وأخرج ~~أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس قال: "أقطع النبي صلى الله عليه وسلم بلال ~~بن الحرث المزني معادن القبلية جلسيها وغوريها2 "وأخرجاه أيضا من حديث عمرو ~~بن عوف المزني وأخرج الترمذي وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان وحسنه ~~الترمذي من حديث أبيض بن حمال "أنه وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~استقطعه الملح فقطع له فلما أن ولى قال رجل من المجلس: أتدري ما أقطعت له ~~إنما أقطعته الماء العد3 قال: فانتزعه منه "وفي الباب PageV02P137 # غير ذلك قال في المنهاج: المعدن الظاهر وهو ما يخرج بلا علاج لا يملك ~~بالإحياء ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاع والمعدن الباطن هو ما لا ~~يخرج إلا بعلاج كذهب وفضة وحديد ونحاس لا يملك بالحفر والعمل في الأظهر قال ~~المحلي: والثاني يملك بذلك وللسلطان إقطاعه على الملك وكذا على عدمه في ~~الأظهر ولا يقطع إلا قدرا يتأتى في العمل عليه قال في الحجة البالغة: ولا ~~شك أن المعدن الظاهر الذي لا يحتاج إلى ms462 كثير عمل إقطاعه لواحد من المسلمين ~~إضرار بهم وتضييق عليهم إنتهى * # PageV02P138 ### | كتابة الشركة # "الناس شركاء في الماء والنار والكلاء"لحديث أبي خراش عن بعض أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المسلمون ~~شركاء في ثلاثة: في الماء والكلإ والنار" أخرجه أحمد وأبو داود وقد رواه ~~أبو نعيم في الصحابة في ترجمة أبي خراش ولم يذكر الرجل وقد سئل أبو حاتم ~~عنه فقال: أبو خراش لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن حجر: رجاله ~~ثقات وقد أخرج الحديث ابن ماجه عن ابن عباس وفي إسناده عبد الله بن خراش ~~وهو متروك وقد صححه ابن السكن وأخرج ابن ماجه أيضا من حديث أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمنع الماء والنار والكلأ " قال ابن ~~حجر: إسناده صحيح وأخرج الخطيب من حديث عمر نحو ما في الباب وزاد "والملح" ~~وفيه عبد الحكيم بن مسرة ورواه الطبراني بسند حسن عن زيد بن جبير عن ابن ~~عمر وله عنده طريق أخرى وأخرجه أبو داود من حديث بهيسة عن أبيها وأخرجه ابن ~~ماجه من حديث عائشة "أنها قالت: يارسول الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ ~~قال: "الملح والماء والنار" وإسناده ضعيف وأخرجه الطبراني عن أنس بلفظ ~~"خصلتان لا يحل منعهما الماء والنار" وأخرجه العقيلي في الضعفاء من حديث ~~عبد الله بن سرجس وأحاديث الباب تنتهض بمجموعها وقد خصص الحديث بما وقع من ~~الإجماع على أن الماء المحرز في الجرار ملك قال في الحجة: يتأكد استحباب ~~المواساة في هذه فيما كان مملوكا وما ليس بمملوك أمره ظاهر انتهى "وإذا ~~تشاجر المستحقون للماء كان الأحق به # PageV02P138 # الأعلى فالأعلى يمسكه إلى الكعبين ثم يرسله إلى من تحته"لحديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور1 أن ~~يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل" أخرجه أبو داود وابن ~~ماجه قال ابن حجر في الفتح: وإسناده حسن ms463 وأخرجه الحاكم في المستدرك من حديث ~~عائشة وصححه الحاكم وأعله الدارقطني بالوقف وأخرجه أبو داود وابن ماجه من ~~حديث ثعلبة بن مالك وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث أبي حاتم القرظي عن ~~أبيه عن جده وأخرج ابن ماجه والبيهقي والطبراني من حديث عبادة "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضى في شرب النخل من السيل أن الأعلى يشرب قبل الأسفل ~~ويترك الماء إلى الكعبين ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه وكذلك حتى ~~تنقضي الحوائط أو يفنى الماء "وأحاديث الباب صالحة للاحتجاج بها قال في ~~المنهاج: والمياه المباحة من الأودية والعيون والسيول والأمطار يستوي الناس ~~فيها فإن أراد الناس سقي أرضهم منها فضاق سقى الأعلى فالأعلى وحبس كل واحد ~~الماء حتى يبلغ الكعبين وقال محمد: بهذا نأخذ لأنه كان كذلك الصلح بينهم ~~ولكل قوم ما اصطلحوا وأسلموا عليه من عيونهم وسيوليهم وأنهارهم وشربهم "ولا ~~يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ"لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ " ~~وفي لفظ مسلم "لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ " وفي لفظ للبخاري "لا ~~تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ "وفي الباب أحاديث وفي لفظ لأحمد "ولا ~~يمنع فضل ماء بعد أن يستغنى عنه "وهو أن يتغلب رجل على عين أو واد فلا يدع ~~أحد يسقي منه ماشية إلا بالأجر فإنه يفضي إلى بيع الكلإ المباح يعني يصير ~~المرعى من ذلك بإزاء مال وهذا باطل لأن الماء والكلأ مباحان وقيل: يحرم بيع ~~الماء الفاضل عن حاجته لمن أراد الشرب أو سقي الدواب وأما ماء البئر فلا ~~يمنع من أراد شربه أو سقي بهائمه كما في الموطإ من حديث عمرة بنت عبد ~~الرحمن "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمنع نقع بئر" "أي فضل ~~مائها قلت: وعليه أهل العلم في المنهاج وحافر بئر بموات للارتفاق أولى ~~بمائها حتى يرتحل والمحفورة أي في أرض موات للتملك أو في ms464 PageV02P139 # ملك يتملك ماءها في الأصح وسواء ملكه أم لا لا يلزمه بذل مافضل عن حاجته ~~لزرع ويجب لماشية قال المحلي: في المحفورة للارتفاق وقبل ارتحاله ليس له ~~منع مافضل عنه عن محتاج إليه للشرب إذا استسقى بدلو نفسه ولا منع مواشيه ~~وله منع غيره لسقي الزرع قال محمد: وبهذا نأخذ أيما رجل كانت له بئر فليس ~~له أن يمنع الناس منها أن يستقوا منها بشفاههم أما لزرعهم ونخلهم فله أن ~~يمنع ذلك وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا "وللإمام أن يحمي بعض ~~المواضع لرعي دواب المسلمين في وقت الحاجة"لحديث ابن عمر عند أحمد وابن ~~حبان "أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع1 للخيل خيل المسلمين" وأخرج ~~أحمد وأبو داود والحاكم من حديث الصعب بن جثامة2 وزاد "لاحمى إلا لله ~~ورسوله "وهذه الزيادة في صحيح البخاري وفيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حمى النقيع وأن عمر حمى شرف والربذة3 "قلت: وعليه الشافعي في المنهاج: ~~والأظهر أن للإمام أن يحمي بقعة موات لرعي نعم جزية وصدقة وضالة وضعيف من ~~النجعة ولا يحمي لغير ذلك انتهى لأن الحمى تضييق على الناس وظلم عليهم ~~وإضرار لهم "ويجوز الاشتراك في النقود والتجارات ويقسم الربح على ما تراضيا ~~عليه"لحديث السائب بن أبي السائب "أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: كنت ~~شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك لاتداريني ولا تماريني "أخرجه أبو داود ~~وابن ماجه والنسائي والحاكم وصححه وفي لفظ لأبي داود وابن ماجه "أن السائب ~~المخزومي كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة فجاء يوم الفتح ~~فقال: مرحبا بأخي وشريكي لا تداري ولا تماري "وله طرق غير هذه وأخرج ~~البخاري عن أبي المنهال "أن زيد بن أرقع والبراء بن عازب كانا شريكين ~~فاشتريا فضة بنقد ونسيئة فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهما أن ما كان ~~يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فردوه "وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ~~ابن مسعود قال: "اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم ms465 PageV02P140 # بدر قال فجاء سعد بأسيرين ولم أجىء أنا وعمار بشئ "وفيه انقطاع وأخرج ~~أحمد وأبو داود عن رويفع بن ثابت قال: "إن كان أحدنا في زمن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليأخذ نضو1 أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف وإن ~~كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح2 "وأخرجه الدارقطني والبيهقي # "وتجوز المضاربة"وهو في لغة أهل المدينة القراض والضرب بمعنى السفر ~~والمضاربة المعاملة على السفر وأيضا الضرب بمعنى الشركة والمضاربة المعاملة ~~على الشركة اتفق أهل العلم على جواز المضاربة ولا تجوز إلا على الدراهم ~~والدنانير وهو أن يعطي شيئا منها لرجل ليعمل ويتجر فيما يحصل من الربح يكون ~~بينهما مناصفة أو أثلاثا على ما يتشارطان "ما لم تشتمل على ما لا يحل"لما ~~روي عن حكيم بن حزام "أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة يضرب ~~له به أن لا يجعل مالي في كبد رطبة ولا يحمله في بحر ولا ينزل به بطن مسيل ~~فإن فعلت شيئا من ذلك فقد ضمنت مالي "وقد قيل: إنه لم يصح في المضاربة شئ ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما فعلها الصحابة منهم حكيم المذكور ومنهم ~~علي كما رواه عبد الرزاق ومنهم ابن مسعود كما رواه الشافعي ومنهم العباس ~~كما رواه البيهقي ومنهم جابر كما رواه البيهقي أيضا ومنهم أبو موسى وابن ~~عمر كما رواه في الموطإ والشافعي والدارقطني ومنهم عمر كما رواه الشافعي ~~ومنهم عثمان كما رواه البيهقي وقد روي في ذلك من المرفوع ما أخرجه ابن ماجه ~~من حديث صهيب قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاث فيهن البركة ~~البيع إلى أجل والمقارضة وإخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع " ولكن في ~~إسناده مجهولان. أقول: قد صرح جماعة من الحفاظ بأنه لم يثبت في هذا الباب ~~أعني المضاربة شئ مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بل جميع ما فيه ~~آثار عن الصحابة وقد وقع إجماع من بعدهم على جواز هذه المعاملة كما حكى ms466 ذلك ~~غير واحد وصرح الحافظ ابن حجر بأنها كانت ثابتة في عصر النبوة فقال: والذي ~~نقطع به أنها كانت ثابتة في عصر النبي PageV02P141 # صلى الله عليه وسلم يعلم بها وأقرها ولولا ذلك لما جازت البتة انتهى ولا ~~يخفاك أن عدم الجواز الذي ذكره على فرض عدم ثبوتها في أيام النبوة مبني على ~~أن الأصل عدم جواز كل معاملة لم يثبت فيها دليل وهو غير مسلم بل الأصل ~~الجواز ما لم تكن على وجه يستلزم ما لا يحل شرعا وعندي أن المضاربة داخلة ~~تحت قول الله: {وأحل الله البيع} وتحت قوله تعالى: {تجارة عن تراض} بل كل ~~ما دل على جواز البيع وعلى جواز الإجارة وعلى جواز الوكالة دل عليها وبيان ~~ذلك ان المالك للنقد إذا دفعه إلى آخر ووكله بالشراء له بنقده مارآه ووكله ~~أيضا بيعه وجعل له أجرة على تولي البيع وتولي الشراء وهي ما سماه له من ~~الربح فجواز البيع والشراء داخل تحت أدلة البيع والشراء وجواز التوكيل بهما ~~داخل تحت أدلة الوكالة وجواز جعل جزء من الربح للوكيل داخل تحت أدلة ~~الإجارة فعرفت بهذا أن القراض غير خال من دليل يدل عليه العموم بل الذي لم ~~يثبت هو الدليل الذي يدل عليه بخصوصه فلا وجه لما قاله الحافظ ابن حجر: أنه ~~لو لم تثبت هذه المعاملة بخصوصها في عصر النبوة لما جازت البتة1 واعلم أن ~~هذه الأسامي التي وقعت في كتب الفروع لأنواع من الشركة كالمفاوضة والعنان ~~والوجوه والأبدان لم تكن أسماء شرعية ولا لغوية بل اصطلاحات حادثة متجددة ~~ولا مانع للرجلين أن يخلطا ماليهما ويتجرا كما هو معنى المفاوضة المصطلح ~~عليها لأن للمالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء ما لم يستلزم ذلك التصرف محرما ~~مما ورد الشرع بتحريمه وإنما الشأن في اشتراط استواء المالين وكونهما نقدا ~~واشتراط العقد فهذا لم يرد ما يدل على اعتباره بل مجرد التراضي بجمع ~~المالين والاتجار بهما كاف وكذلك لا مانع من أن يشترك الرجلان في شراء شئ ~~بحيث يكون ms467 لكل واحد منهما نصيب منه بقدر نصيبه من الثمن كما هو معنى شركة ~~العنان اصطلاحا وقد كانت هذه الشركة ثابتة في أيام النبوة ودخل فيها جماعة ~~من الصحابة فكانوا يشتركون في شراء شئ من الأشياء ويدفع كل واحد منهم نصيبا ~~من قيمته ويتولى الشراء أحدهما أو كلاهما وأما اشتراط العقد والخلط فلم يرد ~~ما يدل على إعتباره PageV02P142 # وكذلك لا بأس أن يوكل أحد الرجلين الآخر أن يستدين له مالا ويتجر فيه ~~ويشتركا في الربح كما هو معنى شركة الوجوه اصطلاحا ولكن لا وجه لما ذكروه ~~من الشروط وكذلك لا بأس بأن يوكل أحد الرجلين الآخر في أن يعمل عنه عملا ~~استؤجر عليه كما هو معنى شركة الأبدان اصطلاحا ولا معنى لاشتراط شروط في ~~ذلك. والحاصل: أن جميع هذه الأنواع يكفي في الدخول فيها مجرد التراضي لأن ~~ما كان منها من التصرف في الملك فمناطه التراضي ولا يتحتم اعتبار غيره وما ~~كان منها من باب الوكالة أو الإجارة فيكفي فيه ما يكفي فيهما فما هذه ~~الأنواع التي نوعوها والشروط التي اشترطوها وأي دليل عقل أو نقل ألجأهم إلى ~~ذلك فإن الأمر أيسر من هذا التهويل والتطويل لأن حاصل ما يستفاد من شركة ~~المفاوضة والعنان والوجوه أنه يجوز للرجل أن يشترك هو وآخر في شراء شئ ~~وبيعه ويكون الربح بينهما على مقدار نصيب كل واحد منهما من الثمن وهذا شئ ~~واحد واضح المعنى يفهمه العامي فضلا عن العالم ويفتي بجوازه المقصر فضلا عن ~~الكامل وهو أعم من أن يستوي ما يدفعه كل واحد منهما من الثمن أو يختلف وأعم ~~من أن يكون المدفوع نقدا أو عرضا وأعم من أن يكون ما اتجرا به جميع مال كل ~~واحد منهما أو بعضه وأعم من أن يكون المتولي للبيع والشراء أحدهما أو كل ~~واحد منهما وهب أنهم جعلوا لك قسم من هذه الأقسام التي هي في الأصل شئ واحد ~~اسما يخصه فلا مشاحة في الاصطلاحات لكن ما معنى اعتبارهم لتلك العبارات ~~وتكلفهم لتلك الشروط وتطويل ms468 المسافة على طالب العلم وإتعابه بتدوين ما لا ~~طائل تحته وأنت لو سألت حراثا أو بقالا عن جواز الإشتراك في شراء الشئ وفي ~~ربحه لم يصعب عليه أن يقول نعم ولو قلت له هل يجوز العنان أو الوجوه أو ~~الإيدان لحار في فهم معاني هذه الألفاظ بل قد شاهدنا كثيرا من المتبحرين في ~~علم الفروع يلتبس عليه كثير من تفاصيل هذه الأنواع ويتلعثم إن أراد تمييز ~~بعضها من بعض اللهم إلا أن يكون قريب عهد بحفظ مختصر من مختصرات الفقه ~~فربما يسهل عليه ما يهتدي به إلى ذلك وليس المجتهد من وسع دائرة الآراء ~~العاطلة عن الدليل وقبل كل ما يقف عليه من قال وقيل فإن ذلك هو دأب أسراء ~~التقليد بل المجتهد من قرر الصواب وأبطل الباطل # PageV02P143 # وفحص في كل مسألة عن وجوه الدلائل ولم يحل بينه وبين الصدع بالحق مخالفة ~~من يخالفه ممن يعظم في صدور المقصرين فالحق لا يعرف بالرجال ولهذا المقصد ~~سلكنا في هذه الأبحاث مسالك لا يعرف قدرها إلا من صغى فهمه عن التعصبات ~~وأخلص ذهنه عن الاعتقادات المألوفات والله المستعان "وإذا تشاجر الشركاء في ~~عرض الطريق كان سبعة أذرع"لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع" وأخرج ~~معناه عبد الله بن أحمد في المسند والطبراني من حديث عبادة بن الصامت ~~وأخرجه أيضا عبد الرزاق من حديث ابن عباس وأخرجه أيضا ابن عدي من حديث أنس ~~"ولا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" لحديث أبي هريرة في الصحيحين ~~وغيرهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم " قال لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة ~~في جداره" وروى نحوه أحمد وابن ماجه والبيهقي عن جماعة من الصحابة "ولا ضرر ~~ولا ضرار بين الشركاء"لحديث ابن عباس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا ضرر ولا ضرار وللرجل أن يضع خشبه في حائط جاره وإذا اختلفتم في ~~الطريق فاجعلوه سبعة أذرع" أخرجه أحمد ms469 وابن ماجه والبيهقي والطبراني وعبد ~~الرزاق قال ابن كثير: أما حديث " لا ضرر ولا ضرار" فرواه ابن ماجه عن عبادة ~~بن الصامت وروي من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري وهو حديث مشهور انتهى ~~فحديث ابن عباس هو المذكور في الباب وحديث عبادة أخرجه أيضا البيهقي وحديث ~~أبي سعيد أخرجه ابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وقد رواه من حديث ~~ثعلبة من مالك القرظي الطبراني في الكبير وأبو نعيم "ومن ضار شريكه كان ~~للإمام عقوبته بقلع شجره أو بيع داره"لحديث "سمرة بن جندب أنه كان له عضد1 ~~من نخل في حائط رجل من الأنصار قال: ومع الرجل أهله قال: وكان سمرة يدخل ~~إلى نخله فيتأذى به الرجل ويشق عليه فطلب إليه أن يناقله فأبى فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكر له فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعه ~~فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى قال: فهبه لي ولك كذا وكذا أمر أرغبه فيه ~~فأبى فقال: أنت مضار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P144 # للأنصاري: "ذهب فاقلع نخله" وهو من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن سمرة ~~ولم يسمع منه وقد روى المحب الطبري في أحاديث الأحكام عن واسع بن حبان قال: ~~"كان لأبي لبابة عذق1 في حائط رجل فكلمه "ثم ذكر نحو قصة سمرة PageV02P145 ### | كتاب الرهن # "يجوز رهن ما يملكه الراهن في دين عليه"الرهن جائز بالإجماع وقد نطق به ~~الكتاب العزيز وتقييده بالسفر خرج مخرج الغالب كما ذهب إليه الجمهور وقال ~~مجاهد والضحاك والظاهرية: لا يشرع إلا في السفر وقد رهن النبي صلى الله ~~عليه وسلم درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله كما أخرجه ~~البخاري وغيره من حديث أنس وهو في الصحيحين من حديث عائشة وأخرجه أحمد ~~والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس وصححه الترمذي وصاحب ~~الاقتراح وفي ذلك دليل على مشروعية الرهن في الحضر كما قال الجمهور "والظهر ~~يركب واللبن يشرب بنفقة المرهون" لما أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي ms470 ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "الظهر يركب بنفقته إذا ~~كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب ~~النفقة" وللحديث ألفاظ والمراد أن المرتهن ينتفع بالرهن وينفق عليه وقد ذهب ~~أحمد وإسحق والليث والحسن وغيرهم قال ابن القيم: وأخذ أحمد وغيره من أئمة ~~الحديث بهذه الفتوى وهو الصواب وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور ~~العلماء: لا ينتفع المرتهن من الرهن بشئ بل الفوائد للراهن والمؤمن عليه ~~قالوا: والحديث ورد على خلاف القياس ويجاب بأن هذا القياس فاسد الاعتبار ~~مبني على شفا جرف هار ولايصح الاحتجاج به لما ورد من النهي عن أن تحلب ~~ماشية الرجل بغير إذنه كما في البخاري وغيره لأن العام لايرد به الخاص بل ~~يبنى عليه # PageV02P145 # وقال ابن القيم في إعلام الموقعين وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها ~~ولا يصلح للراهنين غيره وما عداه ففساده ظاهر فإن الراهن قد يغيب ويتعذر ~~على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن ويشق عليه أو يتعذر رفعه إلى ~~الحاكم وإثبات الرهن وإثبات غيبة الراهن وإثبات أن قدر النفقة عليه قدر ~~حلبه وركوبه وطلبه منه الحكم له بذلك في هذا من العسر والحرج والمشقة ما ~~ينافي الحنيفية السمحة فشرع الشارع الحكم القيم بمصالح العباد وللمرتهن أن ~~يشرب لبن الرهن ويركب ظهره وعليه نفقته وهذا محض القياس لو لم تأت به السنة ~~الصحيحة انتهى ثم أطال في تخريج هذا القياس إلى مالا يسعه هذا القرطاس "ولا ~~يغلق الرهن بما فيه"لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا ~~يغلق1 الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه" أخرجه الشافعي ~~والدارقطني والحاكم والبيهقي وابن حبان في صحيحه وحسن والدارقطني إسناده ~~وقال الحافظ ابن حجز: في بلوغ المرام أن رجاله ثقات إلا أن المحفوظ عند أبي ~~داود وغيره إرساله وأخرجه ابن ماجه من طريق أخرى والرفع زيادة وقد خرجت من ~~مخرج مقبول والمراد بالغلاق هنا استحقاق المرتهن له حيث لم يفكه الراهن في ~~الوقت ms471 المشروط وروى عبد الرزاق عن معمر أنه فسر غلاق الرهن بما إذا قال ~~الرجل إن لم آتك بمالك فالرهن لك قال: ثمن بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم ~~يذهب حق هذا إنما هلك من رب الرهن له غنمه وعليه غرمه وقد روي أن المرتهن ~~في الجاهلية كان يتملك الرهن إذا لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت ~~المضروب فأبطله الشارع والغنم والغرم هنا هو أعم مما تقدم من أن الظهر يركب ~~بنفقة المرهون واللبن يشرب قال في الحجة البالغة: ومبنى الرهن على ~~الاستيثاق وهو بالقبض فلذلك اشترط فيه ولا اختلاف عندي بين حديث "لا يغلق ~~الرهن" وحديث "الظهر يركب" الخ لأن الأول هو الوظيفة لكن إذا امتنع الراهن ~~من النفقة عليه وخيف الهلاك وأحياه المرتهن فعند ذلك ينتفع به بقدر ما يراه ~~الناس PageV02P146 # عدلا انتهى. قلت: وعليه أهل العلم قال محمد: وبهذا نأخذ وتفسير قوله: "لا ~~يغلق الرهن " أن الرجل كان يرهن الرهن أي المرهون عند الرجل فيقول: إن جئتك ~~بمالك إلى كذا وكذار وإلا فالرهن لك بمالك قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "لا يغلق الرهن ولا يكون للمرتهن بماله" وكذلك نقول: وهو قول أبي ~~حنيفة وكذلك فسره مالك بن أنس وفي شرح السنة: معناه لا يستغلق بحيث لا يعود ~~إلى الراهن بل متى أدى الحق المرهون به افتك وعاد إلى الراهن وروى الشافعي ~~هذا الحديث مع زيادة ولفظه "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه ~~وعليه غرمه" قال الشافعي: غنمه زيادته وغرمه هلالكه وفيه دليل على أنه إذا ~~هلك في يد المرتهن يكون من ضمان الراهن ولا يسقط بهلاكه شئ من حق المرتهن ~~وعليه الشافعي وقال أبو حنيفة: قيمته إن كانت قدر الحق يسقط بهلاكه الحق ~~وإن كانت أقل من الحق يسقط بقدره وإن كان أكثر من الحق يسقط الحق وعند ~~الشافعي: دوام القبض ليس بشرط في الرهن فيستعمل الدابة المرهونة بالنهار ~~وترد إلى المرتهن بالليل ولا يسافر عليها ولم يجوزه أبو حنيفة. ms472 أقول: الحق ~~أن الرهن إذا تلف في يد المرتهن بدون جنايته ولا تفريطه فهو غير مضمون عليه ~~وإن كان بجنايته أو تفريطه ضمنه للجناية عليه أو التفريط لا لكونه مستحقا ~~حبسه فإن الحبس للرهن بمجرده ليس بسبب للضمان والمدارك الشرعية واضحة ~~المنار # PageV02P147 ### | كتاب الوديعة والعارية # أقول العارية من مكارم الأخلاق ومحاسن الطاعات وأفصل الصلات لأنها إباحة ~~المالك لمنافع ملكه لمن له إليه حاجة ولا ريب أن هذا الفعل داخل تحت نصوص ~~الكتاب والسنة فإن فيهما من الترغيب في ذلك ما لا يحيط به الحصر ومن جملة ~~ذلك قوله تعالي: {وتعاونوا على البر والتقوى} وقوله: {ويمنعون الماعون} ~~والحاصل: أن العارية في لسان العرب والشرع هي: إباحة المنافع بلا عوض فما ~~وجد فيه هذا المعنى كان من العارية ومالا فلا "تجب على الوديع1 والمستعير ~~تأدية الأمانة إلى من PageV02P147 # ائتمنه ولا يخون من خانه" لقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها} ولقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أد الأمانة ~~إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم ~~وصححه من حديث أبي هريرة وفي إسناده طلق ابن غنام عن شريك وقد استشهد له ~~الحاكم بحديث أبي التياح عن أنس وفي إسناده أيوب بن سويد وهو مختلف فيه وقد ~~تفرد به كما قال الطبراني وأخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية من حديث ~~أبي بن كعب وفي إسناده من لا يعرف وأخرجه أيضا الدارقطني عنه وأخرجه ~~البيهقي والطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف وأخرجه الدارقطني والطبراني ~~والبيهقي وأبو نعيم من حديث أنس وأخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي عن رجل من ~~الصحابة وفي إسناده مجهول غير الصحابي "ولا ضمان عليه إذا تلفت العين ~~المستعارة أو المستودعة بدون جنايته وخيانته"لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضمان على مؤتمن" أخرجه ~~الدارقطني وفي إسناده ضعف وقد وقع الإجماع على أن الوديع لا يضمن إلا ~~لجناية منه على العين لما أخرجه الدارقطني ms473 في الحديث السابق من طريق أخرى ~~بلفظ "ليس على المستعير غير المغل ضمان" والمغل هو الخائن والجاني خائن ~~وأما المستعير فقد ذهب إلى أنه لا يضمن إلا لجناية أو خيانة الحنفية ~~والمالكية وحكى في الفتح عن الجمهور: أن المستعير يضمنها إذا تلفت في يده ~~إلا إذا كان التلف على الوجه المأذون فيه وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي ~~وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وفي سماع الحسن عن سمرة مقال مشهور ~~وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم من حديث صفوان بن أمية "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم حنين أدراعا فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: ~~بل عارية مضمونة" قال الماتن في حاشية الشفاء: وجميع هذه الأسباب داخلة تحت ~~قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "على اليد ما أخذت حتى تؤديه " إن كان ~~المراد على اليد ضمان ما أخذت ولكن الظاهر أن المراد على اليد حفظ ما أخذت ~~حتى تؤديه وذلك إنما يكون في الباقي وليس فيه دليل # PageV02P148 # على ضمان التالف1 "ولا يجوز منع الماعون كالدلو والقدر"لحديث ابن مسعود ~~قال: "كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو ~~والقدر "أخرجه أبو داود وحسنه المنذري وروي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما ~~فسرا قوله تعالي: {ويمنعون الماعون} أنه متاع البيت الذي يتعاطاه الناس ~~بينهم من الفأس والدلو والحبل والقدر وما أشبه ذلك وعن عائشة الماعون الماء ~~والنار والملح وقيل الماعون الزكاة "وإطراق الفحل وحلب المواشي لمن يحتاج ~~ذلك والحمل عليها في سبيل الله"لما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا ~~أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن ~~بقرنها قلنا يار سول الله: وما حقها؟ قال: إطراق فحلها وإعارها دلوها ~~ومنحتها وحلبها على الماء وحمل ms474 عليها في سبيل الله" والمراد بإطراق فحلها ~~عاريته من يحتاج أن يطرق به على ماشيته والمراد بمنحتها أن يعطي المحتاج ~~لينتفع بجلبها ثم يردها وأما الحمل عليها في سبيل الله فإذا طلب ذلك من لا ~~ماشية له من صاحب المواشي اليت فها زيادة على حاجته PageV02P149 ### | كتاب الغصب # "يأثم الغاصب"لأنه أكل مال غيره بالباطل أو استولى عليه عدوانا وقد قال ~~الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وقال صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: "لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه" أخرجه الدارقطني من ~~طرق عن أنس مرفوعا وفي أسانيدها ضعف وأخرجه أحمد والدارقطني من حديث أبي ~~حرة الرقاشي عن عمه وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو متكلم عليه وأخرجه ~~الحاكم من حديث ابن عباس وأخرجه الدارقطني عنه من طريق أخرى # PageV02P149 # وأخرجه البيهقي وابن حبان والحاكم في صحيحيهما من حديث أبي حميد الساعدي ~~وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث السائب بن يزيد عن أبيه ~~قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ~~ولا لاعبا وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها عليه" "وحديث "إنما أموالكم ~~ودماؤكم عليكم حرام" وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما وهو مجمع على تحريم ~~الغصب عند كافة المسلمين ومجمع على وجوب رد المغصوب إذا كان باقيا وعلى ~~تسليم عوضه إن كان تالفا "ويجب عليه رد ما أخذ ولا يحل مال امريء مسلم إلا ~~بطيبة من نفسه"كما تقدم دليله "وليس لعرق ظالم حق ومن زرع في أرض قوم بغير ~~إذنهم فليس له من الزرع شئ ومن غرس في أرض غيره غرسا رفعه"لحديث رافع بن ~~خديج "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من زرع في أرض قوم بغير إذنهم ~~فليس له من الزرع شئ وله نفقته" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي ~~والبيهقي والطبراني وابن أبي شيبة والطيالسي وأبو يعلى وحسنه البخاري1 ~~وأخرج أبو داود والدارقطني من حديث عروة بن الزبير "أن رسول الله صلى الله ms475 ~~عليه وسلم قال: " من أحيا أرضا فهي له وليس لعرق ظالم حق" قال: ولقد أخبرني ~~الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن ~~يخرج نخله منها قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤس وإنها لنخل عم2 ~~"وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وأخرجه البخاري تعليقا من ~~حديث بن زيد قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أحيا أرضا ميتة ~~فهي له وليس لعرق ظالم حق" # أقول: الحق الحقيق بالقبول أن الزرع لمالك الأرض وعليه للغاصب ما أنفقه ~~على الزرع كما ثبت ذلك عند أهل السنن ولفظه في رواية "أنه صلى الله عليه ~~وسلم أتى بني حارثة فرأى زرعا في أرض ظهير فقال: ما أحسن زرع ظهير قيل: ليس ~~لظهير قال: أليست أرض ظهير؟ قالوا: بلى ولكنه PageV02P150 # زرع فلان قال: فخذوا زرعكم وردوا عليه النفقة " الحديث "ولا يحل الانتفاع ~~بالمغصوب"لما تقدم من الأدلة القاضية بأنه لا يحل مال الغير لا عينا ولا ~~انتفاعا وقد ورد في غصب الأرض التي لا ثمرة لغصبها إلا الانتفاع بها بالزرع ~~ونحوه أحاديث منها عن عائشة في الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "من ظلم شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين" وفيهما أيضا من ~~حديث أبي سعيد نحوه وفي البخاري وغيره من حديث ابن عمر نحوه أيضا وفي مسلم ~~من حديث أبي هريرة نحوه أيضا "ومن أتلفه فعليه مثله أو قيمته"لحديث عائشة ~~"أنه لما كسرت إناء صفية الذي أهدت فيه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: ~~"إناء كإناء وطعام كطعام" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وحسنه الحافظ في ~~الفتح وأخرج البخاري وغيره من حديث أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام ~~فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام وقال: كلوا ودفع ms476 القصعة ~~الصحيحة للرسول وحبس المكسورة " ولفظ الترمذي قال: "أهدت بعض أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم إليه طعاما في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما ~~فيها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " طعام بطعام وإناء بإناء" وقد استدل ~~بذلك من قال: إن القيمي يضمن يمثله ولا يضمن بالقيمة إلا عند عدم المثل وهو ~~الشافعي والكوفيون وقال مالك: إن القيمي يضمن بقيمته مطلقا قيل: لا خلاف في ~~أن المثلي يضمن بمثله ولكنه قد ورد في حديث المصراة الثابت في الصحيح ردها ~~وصاعا من تمر واللبن مثلي والبحث مستوفى في مواطنه # PageV02P151 ### | كتاب العتق # الترغيب في العتق قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة ~~كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم "من أعتق ~~رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو من عضوا من النار حتى فرجه بفرجه" وأخرج ~~الترمذي وصححه من حديث أبي أمامة وغيره من الصحابة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "أيما امرىء مسلم أعتق أمرأ مسلما # PageV02P151 # كان فكاكه من النار يجزي كل عضو منه عضوا منه وأيما امريء مسلم أعتق ~~امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزي كل عضو منهما عضوا منه "وفي لفظ ~~"أيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزي كل عضو من ~~أعضائها عضوا من أعضائها" وإسناده صحيح وفي الباب أحاديث # أفضل الرقاب أنفسها لما في الصحيحين من حديث أبي ذر قال: "قلت يارسول ~~الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله قال: قلت ~~أي الرقاب أفضل؟ قال: "أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا" "ويجوز العتق بشرط ~~الخدمة ونحوها"لحديث سفينة بن عبد الرحمن قال: أعتقتني أم سلمة وشرطت علي ~~أن أخدم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما عاش" أخرجه أحمد وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجه قال: لا بأس بإسناده وأخرجه الحاكم وفي إسناده سعيد ابن ~~جهمان أبو حفص الأسلمي وقد وثقه ابن معين وغيره وقال أبو حاتم: لا يحتج ~~بحديثه ووجه ms477 الحجة من هذا أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لا يخفى ~~عليه مثل ذلك وقد قيل إن تعليق العتق بشرط الخدمة يصح إجماعا "ومن ملك رحمه ~~عتق عليه" لحديث سمرة عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه "أن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم قال: " من ملك ذا رحم محرم فهو حر" ولفظ أحمد ~~"فهو عتيق "وهو من رواية الحسن عن سمرة وفي سماعه منه مقال مشهور وقال علي ~~بن المديني: هو حديث منكر وقال البخاري: لا يصح وأخرج النسائي والترمذي ~~والحاكم من حديث ابن عمر قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ملك ~~ذا رحم محرم فهو حر" وهو من رواية ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عنه ~~قال النسائي: حديث منكر ولا نعلم أحدا رواه عن سفيان غير ضمرة وقال ~~الترمذي: لم يتابع ضمرة ابن ربيعة على هذا الحديث لكنه قد وثقه يحيى بن ~~معين وغيره وحديثه في الصحيحين وقد صحح حديثه هذا ابن حزم وعبد الحق وابن ~~القطان وأخرج أبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب موقوفا مثل حديث سمرة وهو ~~من رواية قتادة عنه ولم يسمع منه. # أقول: الحاصل أن جميع الأخبار الواردة في عتق ذي الرحم لا تخلو عن مقال ~~ولكنها تنتهض بمجموعها للاستدلال ولا يعارضها حديث أبي هريرة الآتي عند ~~مسلم # PageV02P152 # وقد ذهب إلى أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه أكثر أهل العلم من الصحابة ~~والتابعين وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وقال الشافعي وجماعة من أهل ~~العلم: إنه يعتق عليه الأولاد والآباء والأمهات ولا يعتق عليه غيرهم من ~~قرابته وزاد مالك الإخوة ولا ينافي ما ذكرناه حديث أبي هريرة عند مسلم ~~وغيره قال: "قال رسول الله صلى عليه وسلم: "لا يجزي ولد عن والده إلا أن ~~يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" لأن إيقاع العتق تأكيدا لا ينافي وقوعه بالملك ~~وزاد في حاشية الشفاء: لأن الإعتاق ههنا وإن كان ظاهرا في الإنشاء بعد ~~الشراء فهو لا ms478 يسلتزم أن الشراء بنفسه لا يكون سببا انتهى وقد تمسك بحديث ~~أبي هريرة الظاهرية فقالوا: لا يعتق أحد على أحد "ومن مثل بمملوكه فعليه أن ~~يعتقه"لحديث ابن عمر عند مسلم وغيره قال "سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "من لطم مملوكه أوضربه فكفارته أن يعتقه" وفي مسلم أيضا عن سويد ~~بن مقرن قال: "كنا بني مقرن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا ~~إلا خادمة واحدة فلطمها أحدنا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أعتقوها" وفي رواية "إذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها" وفي مسلم أيضا من ~~حديث أبي مسعود البدري قال: "كنت أضرب غلاما بالسوط فسمعت صوتا من خلفي ~~"إلى أن قال: "فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله أقدر منك ~~على هذا الغلام " وفيه "قلت: يارسول الله هو حر لوجه الله فقال: "لو لم ~~تفعل للفحتك النار أو لمستك النار " "وإلا أعتقه الإمام أو الحاكم"لحديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في المملوك الذي جب سيده مذاكيره فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "علي بالرجل فلم يقدر عليه فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: اذهب فأنت حر" أخرجه أبو داود وابن ماجه وقد أخرجه أحمد وفي ~~إسناده الحجاج ابن أرطاة وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجال أحمد ثقات وأخرجه ~~أيضا الطبراني وقد حكى في البحر عن علي والشافعية والحنفية أنه لا يعتق ~~العبد بمجرد المثلة بل يؤمر السيد بالعتق فإن تمرد فالحاكم وقال مالك ~~والليث وداود والأوزاعي: بل يعتق بمجردها قال النووي في شرح مسلم: إنه أجمع ~~العلماء على أن ذلك العتيق ليس واجبا وإنما هو مندوب رجاء الكفارة وإزالة ~~إثم اللطم وذكر من أدلتهم إذنه صلى الله عليه وسلم بأن # PageV02P153 # يستخدموها كما تقدم ودعوى الإجماع غير صحيحة وإذنه صلى الله عليه وسلم لا ~~يدل على عدم الوجوب بل الأمر قد دل على الوجوب والإذن بالاستخدام دل على ~~كونه وجوبا متراخيا إلى وقت الاستغناء عنها انتهى "ومن ms479 أعتق شركا له في عبد ~~ضمن لشركائه نصيبهم بعد التقويم وإلا عتق نصيبه فقط واستسعي العبد"لحديث ~~ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق ~~شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه العبد قيمة عدل فأعطى ~~شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق" زاد الدارقطني ~~"ورق ما بقي " وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث أبي المليح عن أبيه ~~"أن رجلا من قومه أعتق شقصا له من مملوك فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجعل خلاصه عليه في ماله وقال ليس لله شريك "وفي الصحيحين أيضا من ~~حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أعتق شقيصا من ~~مملوك فعليه خلاصه في ماله فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم ~~استسعي في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه" ولا تنافي بين هذا وبين حديث ~~ابن عمر بل الجمع ممكن وهو أن من أعتق شركا له في عبد ولا مال له لم يعتق ~~إلا نصيبه ويبقى نصيب شريكه مملوكا فإن اختار العبد أن يستسعي لما بقي ~~استسعي وإلا كان بعضه حرا وبعضه عبدا وأخرج أحمد من حديث إسمعيل بن أمية عن ~~أبيه عن جده قال: "كان لهم غلام يقال له طهمان أو ذكوان فأعتق جده نصفه ~~فجاء العبد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " تعتق في عتقك وترق في رقك" قال: فكان يخدم سيده حتى مات ~~"ورجاله ثقات وأخرجه الطبراني قال في المسوى: قلت عليه الشافعي أن من أعتق ~~نصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره وهو موسر بقيمة نصيب الشريك يعتق عليه ~~ويكون ولاؤه كله للمعتق وإن كان معسرا عتق نصيبه ونصيب الشريك رقيق لا يكلف ~~إعتاقه ولا يستسعى العبد في فكه قوله: "فأعطى شركاءه حصصهم "يحتمل معنيين: ~~أحمدهما أنه لا يعتق نصيب الشريك بنفس اللفظ ما لم ms480 يؤد إليه قيمته وقال به ~~الشافعي في القديم وثانيهما أنه يعتق كله عليه بنفس الإعتاق ولا يتوقف على ~~أداء القيمة وذلك لأن إعطاء القيمة والعتق حكمان لمن أعتق شركا له في عبد ~~يردان عليه جميعا وقال # PageV02P154 # به الشافعي في الجديد وقال أبو حنيفة: إن كان المعتق موسرا فالذي لم يعتق ~~بالخيار إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء استسعى العبد في قيمة نصيبه فإذا أدى ~~عتق فكان الولاء بينها وإن شاء ضمن المعتق قيمة نصيبه ثم شريكه بعد ما ضمن ~~رجع على العبد استسعاه فإذا أداه عتق وولاؤه كله له وقال صاحباه: لا يعتق ~~نصيب الشريك بنفس الإعتاق بل يستسعى العبد فإذا أدى قيمة النصف الآخر عتق ~~كله والولاء بينهما ومأخذ قولهم حديث أبي هريرة مرفوعا "من أعتق شقيصا في ~~عبد عتق كله إن كان له مال وإلا يستسع غير مشقوق عليه " رواه الشيخان قوله: ~~"غير مشقوق عليه "أي لا يستغلى عليه في الثمن وتأويل هذا الحديث على قول ~~الشافعي: إن معنى يستسعى يستخدم لسيده الذي لم يعتق إن كان معسرا ومعنى غير ~~مشقوق عليه أنه لا يحمل من الخدمة فوق ما يلزمه إنما يطالبه بقدر ما له فيه ~~من الرق انتهى "ولا يصح شرط الولاء لغير من أعتق"لحديث عائشة في الصحيحين ~~وغيرهما "أنها جاءت إليها بريرة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من ~~كتابتها شيئا فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك ~~كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت فذكرت بربرة ذلك لأهلها فأبواها وقالوا: إن ~~شاءت أن تعنست عليك فلنفعل ويكون لنا ولاؤك فذكرت ذلك بريرة ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابتاعي فأعتقي ~~فإنما الولاء لمن أعتق" ثم قام فقال: ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في ~~كتاب الله تعالى من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة مرة ~~شرط الله أحق وأوثق" وللحديث طرق وألفاظ قال ابن القيم رحمه الله: قال ~~شيخنا ms481 الحديث على ظاهره ولم يأمرها النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط ولا إباحة له ولكن عقوبة لمشترطه إذ أبى ~~أن يبيع جارية للعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله تعالى وشرعه فأمرها أن ~~تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله في أن الشروط الباطلة لا ~~تغير شرعه وأن من شرط ما يخالف دينه لم يجبر أن يوفي له بشرطه ولا يبطل من ~~البيع به وإن عرف فساد الشرط وشرطه إلغاء اشتراطه ولم يعتبر والله تعالى ~~أعلم قلت: وعليه أهل العلم أن من أعتق عبدا يثبت له عليه الولاء ويرثه به ~~ولا يثبت الولاء بالحلف والموالاة وبأن يسلم رجل # PageV02P155 # على يدي رجل لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أضاف الولاء إلى المعتق ~~بالألف واللام فأوجب ذلك قطعه عن غيره كما يقال: الدار لزيد فيه إيجاب ~~الملك فيها لزيد وقطعها عن غيره وعليه الشافعي وقال أبو حنيفة: يثبت الولاء ~~بعقد الموالاة "ويجوز التدبير فيعتق بموت مالكه وإذا احتاج المالك جاز له ~~بيعه"لحديث جابر في الصحيحين وغيرهما "أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج ~~فأخذه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: من يشتريه مني فاشتراه ~~نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه "وأخرج البيهقي من حديث ابن عمر ~~مرفوعا وموقوفا بلفظ "المدبر من الثلث " ورواه الدارقطني مرفوعا بلفظ ~~"المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث" وفي إسناده عبيدة بن حسان1 وهو ~~منكر الحديث وقد ذهب إلى جواز بيع المدبر للحاجة الشافعي وأهل الحديث ونقله ~~البيهقي في المعرفة عن أكثر الفقهاء وحكى النووي عن الجمهور أنه لا يجوز ~~بيع المدبر مطلقا وبه قال أبو حنيفة وتعقبه الشافعي بما روي عن جابر وتقدم ~~وأجيب باحتمال أن يكون تدبيره مقيدا بشرط أو زمان ورد بأن اسم التدبير إذا ~~أطلق فيفهم منه التدبير المطلق لا غير واتفقوا على جواز وطء المدبرة ومن ~~أجاز بيعه قال يباع في الجناية. أقول: قد دل الحديث ms482 على جواز البيع للحاجة ~~وليس فيه دلالة على عدم جوازه مع عدمها ولم يرد ما يدل على ذلك إلا ما يحتج ~~بمثله فالقائل بالجواز واقف في موقف المنع وعلى مدعي عدمه بيان المانع فإن ~~قال المانع العتق قلنا الناجز وأما المشروط بشرط لم يقع فممنوع كونه مانعا ~~"ويجوز مكاتبة المملوك على مال يؤديه"لقوله تعالى: {فكاتبوهم} الآية وقد ~~كانوا يكاتبون في الجاهلية فقرر ذلك الإسلام ولا أعرف خلافا في مشروعيتها ~~قلت: وعليه أبو حنيفة وقال الشافعي أظهر معاني الخير في العبد بدلالة ~~الكتاب الاكتساب مع الأمانة فأحب أن لا يمتنع من كتابته إذا كان هكذا ~~"فيصير عند الوفاء حرا ويعتق منه بقدر ما سلم"لحديث ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "يودى2 المكاتب بحصة ما أدى دية الحر وما بقي دية ~~العبد "أخرجه أحمد PageV02P156 # وأبو داود والنسائي والترمذي وأخرج أحمد وأبو داود نحوه من حديث علي وقد ~~ذهب إلى هذا بعض أهل العلم وذهب آخرون إلى أن حكم المكاتب حكم العبد حتى ~~يوفي مال الكتابة واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: أيما عبد كوتب بمائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات ~~فهو رقيق" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي والحاكم وصححه وفي لفظ ~~لأبي داود "المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم " ولا يعارض هذا ما ~~تقدم فالجمع ممكن بحمل هذا على ما لا يمكن تبعضه من الأحكام وفي حديث أم ~~سلمة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ~~ما يؤدي فلتحتجب منه "أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه فأثبت ~~له ههنا حكم الحر لأن العبد يجوز له أن ينظر إلى مولاته لقوله تعالي: {و ما ~~ملكت أيمانهن} قال في المسوى المكاتب عبد ما بقي عليه شئ وعليه أكثر أهل ~~العلم فلا يرث من قريبه شيئا وإذا أصاب حدا ضرب حد العبد "وإذا عجز عن ~~تسليم مال الكتابة عاد في ms483 الرق"لكون المالك لم يعتقه إلا بعوض وإذا لم يحصل ~~العوض لم يحصل العتق وقد إاشترت عائشة بريرة بعد أن كاتبها أهلها كما تقدم ~~"ومن استولد أمته لم يحل له بيعها"لحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم "من وطيء أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر منه" أخرجه أحمد وابن ماجه ~~والحاكم والبيهقي وفي إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف وأخرج ~~ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: "ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: أعتقها ولدها "وأخرجه أيضا الدارقطني وفي إسناده الحسين بن ~~عبد الله وهو ضعيف كما تقدم وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس ~~أيضا أم الولد حرة وإن كان صدقا وإسناده ضعيف وأخرج البيهقي من حديث ابن ~~لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأم ~~إبراهيم: " أعتقك ولدك " وهو معضل وقال ابن حزم: صح هذا بسند رواته ثقات عن ~~ابن عباس وأخرج الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم "أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال: "لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن ~~يستمتع بها السيد ما دام حيا وإذا مات فهي حرة" وقد أخرجه مالك في الموطإ ~~والدارقطني أيضا من قول ابن عمر وأخرجه البيهقي مرفوعا وموقوفا وهذه ~~الأحاديث وإن كان في أسانيدها # PageV02P157 # ما تقدم فهي تنتهض للاحتجاج بها وقد أخذ بها الجمهور وذهب من عداهم إلى ~~الجواز وتمسكوا بحديث جابر قال: "كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا على عهد ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبي بكر فلما كان عمر نهانا ~~فانتهينا "أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان ~~والحاكم وليس فيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم اطلع على ذلك ~~والخلاف في المسألة بين الصحابة فمن بعدهم معروف مشهور "وعتقت بموت"أي ~~سيدها الذي استولدها لقوله في الحديث المتقدم "فهي معتقة عن دبر منه "أي في ~~دبر حياته ms484 "أو بتخبيره"أي تخيير مستولدها1 "لعتقها"لأن إيقاع العتق يوجب ~~عتق من لم يوجد لعتقه سبب فمن قد وجد له سبب عتقه أولى بذلك ولا سيما بعد ~~قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أعتقها ولدها "فإنه يدل على أنه قد ~~وقع العتق بالولادة ولكن بقي للسيد حق يوجب عليها بعض ما يجب على المملوك ~~حتى يموت فإذا نجز العتق فقد رضي بإسقاط ذلك الحق PageV02P158 ### | كتاب الوقف # قال في الحجة البالغة: وهو من التبرعات كان أهل الجاهلية لا يعرفونه ~~فاستنبطه النبي صلى الله عليه وسلم لمصالح لا توجد في سائر الصدقات فإن ~~الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالا كثيرا ثم يفنى فيحتاج أولئك الفقراء ~~تارة أخرى وتجيء أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين فلا أحسن ولا أنفع ~~للعامة من أن يكون شئ حبسا للفقراء وابن السبيل يصرف عليهم منافعه ويبقى ~~أصله على ملك الواقف انتهى "من حبس ملكه في سبيل الله صار محبسا"قد ذهب إلى ~~مشروعية الوقف ولزومه جمهور العلماء قال الترمذي: لا نعلم بين الصحابة ~~والمتقدمين من أهل العلم خلافا في جواز وقف الأرضين وجاء عن شريح أنه أنكره ~~وقال أبو حنيفة: لا يلزم وخالفه جميع أصحابه إلا زفر وقد حكى الطحاوي عن ~~أبي يوسف # PageV02P158 # أنه قال: لو بلغ أبا حنيفة يعني الدليل لقال به وقال القرطبي: راد الوقف ~~مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه ومما يدل على صحته ولزومه حديث أبي هريرة عند ~~مسلم وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله ~~إلا من ثلاثة أشياء صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" وفي ~~الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر "أن عمر أصاب أرضا بخيبر فقال: يارسول ~~الله أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني فقال: "إن ~~شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا ~~تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضعيف وابن السبيل لا جناح على من ~~وليها ms485 أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول "وأخرج النسائي والترمذي ~~وحسنه والبخاري تعليقا من حديث عثمان "أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم ~~المدينة وليس بها ماء يتسعذب غير بئر رومة فقال: " من يشتري بئر رومة فيجعل ~~فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي ~~"وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أما خالد فقد حبس أدراعه ~~وأعتده1 في سبيل الله " "وله أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء مما فيه ~~قربه"لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر في الحديث السابق "إن شئت حبست أصلها ~~وتصدقت بها" فإطلاق الصدقة يشعر بأن للواقف أن يتصدق بها كيف شاء فيما فيه ~~قربة وقد فعل عمر ذلك فتصدق بها على الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف ~~وابن السبيل كما تقدم. والحاصل: أن الوقف الذي جاءت به الشريعة ورغب فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله أصحابه هو الذي يتقرب به إلى الله عز ~~وجل حتى يكون من الصدقة الجارية التي لا ينقطع عن فاعلها ثوابها فلا يصح أن ~~يكون مصرفه غير قربة لأن ذلك خلاف موضوع الوقف المشروع لكن القربة توجد في ~~كل ما أثبت فيه الشرع أجرا لفاعله كائنا ما كان فمن وقف مثلا على إطعام نوع ~~من أنواع الحيوانات المحترمة كان وقفه صحيحا لأنه قد ثبت في السنة الصحيحة ~~"أن في كل كبد رطبة أجرا " ومثل هذا لو وقف على من يخرج القذارة من المسجد ~~أو يرفع ما يؤذي المسلمين في طريقهم كان ذلك وقفا صحيحا PageV02P159 # لورود الأدلة الدالة على ثبوت الأجر لفاعل ذلك فقس على هذا غيره مما هو ~~مساوله في ثبوت الأجر لفاعله وما هو آكد منه في استحقاق الثواب "وللمتولي ~~عليه أن يأكل منه بالمعروف"لما تقدم في وقف عمر الذي قرره النبي صلى الله ~~عليه وسلم "وللواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين"لما تقدم في حديث ~~عثمان من قوله صلى الله عليه وسلم: فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين" ومن ~~وقف ms486 شيئا مضارة لوارثه كان وقفه باطلا" لأن ذلك مما لم يأذن به الله سبحانه ~~بل لم يأذن إلا بما كان صدقة جارية ينتفع بها صاحبها لا بما كان إثما جاريا ~~وعقابا مستمرا وقد نهى الله تعالى عن الضرار في كتابه العزيز عموما وخصوصا ~~ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم عموما كحديث "لا ضرر ولا ضرار في ~~الإسلام" وقد تقدم وخصوصا كما في ضرار الجار وضرار الوصية ونحوهما. والحاصل ~~أن الأوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل ومخالفة فرائض الله ~~عز وجل فهي باطلة من أصلها لا تنعقد بحال وذلك كمن يقف على ذكور أولاده دون ~~إناثهم وما أشبه ذلك فإن هذا لم يرد التقرب إلى الله تعالى بل أراد ~~المخالفة لأحكام الله عز وجل والمعاندة لما شرعه لعباده وجعل هذا الوقف ~~الطاغوتي ذريعة إلى ذلك المقصد الشيطاني فليكن هذا منك على ذكر فما أكثر ~~وقوعه في هذه الأزمنة وهكذا وقف من لا يحمله على الوقف إلا محبة بقاء المال ~~في ذريته وعدم خروجه عن أملاكهم فيقفه على ذريته فإن هذا إنما أراد ~~المخالفة لحكم الله عز وجل وهو انتقال الملك بالميراث وتفويض الوارث في ~~ميراثه يتصرف فيه كيف يشاء وليس أمر غنى الورثة أو فقرهم إلى هذا الواقف بل ~~هو إلى الله عز وجل وقد توجد القربة في مثل هذا الوقف على الذرية نادرا ~~بحسب اختلاف الأشخاص فعلى الناظر أن يمعن النظر في الأسباب المقتضية لذلك ~~ومن هذا النادر أن يقف على من تمسك بالصلاح من ذريته أو اشتغل بطلب العلم ~~فإن هذا الوقف ربما يكون المقصد فيه خالصا والقربة متحققة والأعمال بالنيات ~~ولكن تفويض الأمر إلى ما حكم الله به بين عباده وارتضاه لهم أولى وأحق "ومن ~~وضع مالا في مسجد أو مشهد لا ينتفع به أحد جاز صرفه في أصل الحاجات ومصالح ~~المسلمين ومن ذلك ما يوضع في الكعبة # PageV02P160 # وفي مسجده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم"لحديث عائشة في صحيح مسلم وغيره ~~قالت: ms487 "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لولا أن قومك حديثو عهد ~~بجاهلية أو قال بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله" فهذا يدل على جواز ~~إنفاق ما في الكعبة إذا زال المانع وهو حداثة عهد الناس بالكفر وقد زال ذلك ~~واستقر أمر الإسلام وثبت قدمه في أيام الصحابة فضلا عن زمان من بعدهم وإذا ~~كان هذا هو الحكم في الأموال التي في الكعبة فالأموال التي في غيرها من ~~المساجد أولى بذلك بفحوى الخطاب فمن وقف على مسجده صلى الله تعالى عليه ~~وسلم أو على الكعبة أو على سائر المساجد شيئا يبقى فيها لا ينتفع به أحد ~~فهو ليس بمتقرب ولا واقف ولا متصدق بل كانز يدخل تحت قوله تعالي: {والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} الآية ولا يعارض هذا ما ~~روى أحمد والبخاري عن أبي وائل قال: "جلست إلى شيبة في هذا المسجد فقال: ~~جلس إلي عمر في مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء ~~إلا قسمتها بين المسلمين قلت: ما أنت بفاعل قال: لم قلت لم يفعله صاحباك ~~فقال: هما المرآن يقتدى بهما " لأن هذا من عمر ومن شيبة بن عثمان بن طلحة ~~اقتداء بما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وقد أبان حديث عائشة ~~السبب الذي لأجله ترك صلى الله عليه وسلم ذلك أقول: وفي حاشية الشفاء: وأما ~~أموال المساجد فإن كانت كالأموال التي يقفها الواقفون عليها ليحصل من ~~غلاتها ما يحتاج إليه من عمارة ونحوها وما يقوم بمن يحييها بالصلاة ~~والتلاوة وتدريس العلوم فلا شك أن هذا من أعظم القرب ولا يحل لمسلم أن يأخذ ~~منه شيئا وإن كان ذلك من الأمور التي لمجرد الزخرفة التي هي من علامات ~~القيامة ن أو للمباهاة والمكاثرة فهو من إضاعة المال بل من وضعه في معاصي ~~الله فيكون أخذه وصرفه في مصالح المسلمين من باب القيام بواجبين: أحدهما ~~النهي عن المنكر والثاني توقي إضاعة المال المنهي عنها ms488 بالدليل الصحيح وأما ~~وضع الحلي في الكعبة والدراهم والدنانير والجواهر النفيسة فلا أستبعد أن ~~يكون فاعله من الكانزين الذي قال الله عز وجل فيهم: {يوم يحمى عليها في نار ~~جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما ~~كنتم تكنزون} ولا # PageV02P161 # أرى على من أخذها ليصرفها في مصالح المؤمنين أو يدفع بها مفاسدهم بأسا ~~ولم يرد ما يدل على المنع انتهى وقد أوضح الماتن الكلام فيها في شرح ~~المنتقى فليراجع "والوقف على القبول لرفع سمكها أو تزيينها أو فعل ما يجلب ~~على زائرها فتنة باطل" لأن رفعها قد ورد النهي عنه كما في حديث علي "أنه ~~أمره صلى الله عليه وسلم أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه ولا تمثالا إلا ~~طمسه "وهو في مسلم وغيره وكذلك تزيينها وأشد من ذلك ما يجلب الفتنة على ~~زائرها كوضع الستور الفائقة والأحجار النفيسة ونحو ذلك فإن هذا مما يوجب أن ~~يعظم صاحب ذلك القبر في صدر زائره من العوام فيعتقد فيه مالا يجوز وهكذا ~~إذا وقف للنحر عند القبور ونحوه مما فيه مخالفة لما جاء عن الشارع أما إذا ~~وقف على إطعام من يفد إلى ذلك القبر أو نحو ذلك فهذا هو وقف على الوافد لا ~~على القبر وما صنع الواقف بوقفه على القبر إلا ما يعرضه للإثم فقد يكون ذلك ~~سببا للاعتقادات الفاسدة. وبالجملة: فالوقف على القبور مفسدة عظيمة ومنكر ~~كبير إلا أن يقف على القبر مثلا لإصلاح ما انهدم من عمارته التي لا إشراف ~~فيها ولا رفع ولا تزيين فقد يكون لهذا وجه صحة وإن كان غير القبر أحوج إلى ~~ذلك كما قال الصديق رضي الله تعالى عنه الحي أولى بالجديد من الأكفان أو ~~كما قال* # PageV02P162 ### | كتاب الهدايا # جمع هدية قال في الحجة البالغة: إنما يبتغى بها إقامة الألفة فيما بين ~~الناس ولا يتم هذا المقصود إلا بأن يرد إليه مثله فإن الهدية تحبب المهدي ~~إلى المهدى له من غير عكس وأيضا فإن اليد العليا خير من ms489 اليد السفلى ولمن ~~أعطى الطول على من أخذ فإن عجز فليشكره وليظهر نعمته فإن الثناء أول اعتداد ~~بنعمته وإضمار لمحبته وأنه يفعل في إيراث الحب ما تفعل الهدية ومن كتم فقد ~~خالف عليه ما أراده وناقض مصلحة الائتلاف وغمط حقه ومن أظهر ما ليس في ~~الحقيقة فذلك كذب انتهى. يشرع قبولها ومكافأة فاعلها"لحديث أبي هريرة عند ~~البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P162 # قال: "لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت" ~~وأخرج أحمد والترمذي وصححه نحوه من حديث أنس وأخرج الطبراني من حديث أم ~~حكيم الخزاعية قالت: "قلت يارسول الله: تكره رد اللطف قال: ما أقبحه لو ~~أهدي إلي كراع لقبلته" وأخرج أحمد برجال الصحيح من حديث خالد بن عدي "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا ~~مسألة فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه" وأخرج البخاري وغيره ~~من حديث عائشة قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها ~~"والأحاديث في قبول الهدية والمكافأة عليها وذلك معلوم منه صلى الله عليه ~~وسلم "ويجوز بين المسلم والكافر" لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل ~~هدايا الكفار ويهدي لهم كما أخرجه أحمد والترمذي والبزار من حديث علي قال: ~~"أهدى كسرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل منه وأهدى له قيصر فقبل منه ~~وأهدت له الملوك فقبل منها "وأخرج أبو داود من حديث بلال "أنه أهدى إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عظيم فدك "وفي الصحيحين من حديث أنس "أن أكيدر ~~دومة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبة سندس "وأخرج أبو داود من ~~حديثه "أن ملك الروم أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم مستقة1 سندس فلبسها ~~"وفيهما أيضا من حديث علي "أن أكيدر دومة الجندل2 أهدى إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثوب حرير فأعطاه عليا فقال: شققه خمرا بين الفواطم " وأخرج ~~البخاري من حديث أسماء بنت ms490 أبي بكر قالت: "أتتني أمي راغبة في عهد قريش وهي ~~مشركة فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أصلها قال نعم " قال ابن عبينة: ~~فأنزل الله فيها: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} وقد أخرج ~~أحمد والطبراني من حديث أم سلمة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا ~~قد PageV02P163 # مات ولا أرى هديتي إلا مردودة فإن ردت إلي فهي لك " وفي إسناده مسلم بن ~~خالد الزنجي وثقه يحيى بن معين وغيره وضعفه جماعة والأحاديث في قبوله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم لهدايا الكفار كثيرة جدا وأما ما أخرجه أحمد ~~وأبو داود والترمذي وابن خزيمة وصححاه من حديث عياض بن حمار "أنه أهدى ~~للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هدية أو ناقة فقال النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: أسلمت قال: لا قال: إني قد نهيت عن زبد المشركين" ~~وأخرج موسى بن عقبة في المغازي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك "أن عامر بن ~~مالك الذي يقال له ملاعب الأسنة قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم وأهدى له فقال: "إني لا أقبل هدية مشرك" قال في الفتح: رجاله ثقات إلا ~~أنه مرسل: قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخا وقيل: إنما رد ذلك ~~إليهم لقصد الإغاظة أو لئلا يميل إليهم ولا يجوز الميل إلى المشركين وأما ~~قبوله لهدية من تقدم ذكره فهو لكونهم قد صاروا من أهل الكتاب وقيل: إن الرد ~~في حق من يريد بهديته التودد والموالاة والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه ~~وتأليفه ويمكن أن يكون النهي لمجرد الكراهة التي لا تنافي الجواز جمعا بين ~~الأدلة وزبد المشركين هو بفتح الزاي وسكون الموحدة بعدها دال مهملة قال في ~~الفتح: هو الرفد انتهى. ويحرم الرجوع فيها لكون الهدية هي هبة لغة وشرعا ~~وقد ورد في ذلك حديث ابن عباس عند البخاري وغيره "أن ms491 النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه" وهو في مسلم أيضا وفي لفظ ~~للبخاري "ليس لنا مثل السوء" وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن ~~حبان والحاكم من حديث ابن عمر وابن عباس رفعاه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ~~ولده ومثل الرجل يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ~~ثم رجع في قيئه "وقد دل قوله "لا يحل " على تحريم الرجوع من غير نظر إلى ~~التمثيل الذي وقع الخلاف فيه هل يدل على الكراهة أو التحريم وقد ذهب إلى ~~التحريم جمهور العلماء إلا هبة الوالد لولده كذا قال في الفتح "وتجب ~~التسوية بين الأولاد"لحديث جابر عند مسلم وغيره قال: "قالت امرأة بشير انحل ~~ابني غلاما وأشهد لي # PageV02P164 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي فقال: له إخوة؟ قال: نعم قال: ~~فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ قال: لا قال: فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا ~~على حق " وفي لفظ لأحمد من حديث النعمان بن بشير "لا تشهدني على جور إن ~~لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم " وفي الصحيحين من حديثه "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال له: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا فقال فأرجعه " ~~وفي لفظ لمسلم من حديثه "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم" فرجع أبي في تلك ~~الصدقة "وكذا في البخاري ولكنه بلفظ العطية وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي ~~من حديثه قال: "قال صلى الله عليه وسلم: " اعدلوا بين أبنائكم اعدلوا بين ~~أبنائكم اعدلوا بين أبنائكم" وأخرج الطبراني والبيهقي وسعيد بن منصور من ~~حديث ابن عباس بلفظ "سووا بين أولادكم في العطية ولو كنت مفضلا أحدا لفضلت ~~النساء " وفي إسناده سعيد بن يوسف وفيه ضعف وقد حسن في الفتح إسناده وهذه ~~الأحاديث تدل على وجوب ms492 التسوية وأن التفضيل باطل جور يجب على فاعله ~~استرجاعه وبه قال طاوس والثوري وأحمد وإسحق وبعض المالكية وذهب الجمهور إلى ~~أن التسوية مستحبة فقط وأجابوا عن الأحاديث بما لا ينبغي الالتفات إليه. ~~والحاصل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتسوية بين الأولاد وقد ~~تولى الله سبحانه كيفية ذلك في محكم كتابه وسمى التفضيل جورا فمن زعم أنه ~~يجوز التفضيل لسبب من الأسباب كالبر ونحوه فعليه الدليل ولا ينفعه المجيء ~~بما هو أعم من هذا الحديث المقتضي للأمر بالتسوية والمقام محتمل للتطويل ~~والبسط وقد جمع الماتن رحمه الله فيه رسالة مستقلة وذكر في شرح المنتقى ما ~~أجاب به القائلون بعد وجوب التسوية وهي وجوه عشرة وأجاب عن كل واحد منها ~~وأوضحت المقام أيضا في كتابي دليل الطالب على أرجح المطالب فليراجع قال ابن ~~القيم في حديث نعمان بن بشير المتقدم: هذا الحديث هو من تفاصيل العدل الذي ~~أمر الله به في كتابه وقامت به السموات والأرض وأثبتت عليه الشريعة فهو أشد ~~موافقة للقرآن من كل قياس على وجه الأرض وهو محكم الدلالة غاية الإحكام فرد ~~بالمتشابه من قوله "كل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين "فكونه ~~أحق به يقتضي جواز تصرفه فيه كما يشاء وبقياس متشابه على إعطاء الأجانب ومن ~~المعلوم # PageV02P165 # بالضرورة أن هذا المتشابه من العموم والقياس لا يقاوم هذا المحكم المبين ~~غاية البيان انتهى وفي شرح السنة: ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن تفضيل بعض ~~الأولاد على بعض في النحل مكروه ولو فعل نفذ وقد فضل أبو بكر عائشة بجداد ~~عشرين وسقا نحلها إياه دون سائر أولاده وفي الحديث دليل على أن الوالد إذا ~~وهب لولده شيئا جاز له الرجوع فيه وكذلك الأمهات والأجداد وأما غير ~~الوالدين فلا رجوع لهم فيما وهبوا وسلموا لقول النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" وهو قول الشافعي وقال أبو ~~حنيفة: لا رجوع له فيما وهب لولده"والرد لغير مانع شرعي مكروه" لما قدمنا ms493 ~~في أول البحث من الأدلة فإن كان ثم مانع شرعي من قبول الهدية لم يحل قبولها ~~وذلك كالهدايا لأهل الولايات توصلا إلى أن يميلوا مع المهدي فإن ذلك رشوة ~~وستأتي الأدلة الدالة على تحريمها وقد ورد في هدايا الأمراء ما يفيد أنها ~~لا تحل وسيأتي الكلام على طرق حديث هدايا الأمراء في كتاب القضاء والعلة ~~أنها تؤل إلى الرشوة إما في الحكم أو في شئ مما يجب قيام الأمراء به ومن ~~ذلك الهدية إلى من يعلم المهدي القرآن وقد تقدم الدليل على ذلك في الإجازات ~~وهكذا حلوان الكاهن ومهر البغي ونحوهما ومن ذلك الهدية لمن يقضي للمهدي ~~حاجة لحديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من يشفع لأخيه ~~شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا" ~~"أخرجه أبو داود من طريق القاسم بن عبد الرحمن الأموي مولاهم الشامي وفيه ~~مقال وبالجملة فكل مانع شرعي قام الدليل على مانعيته من قبول الهدايا له ~~حكم ما ذكرناه # PageV02P166 ### | كتاب الهبات # "إن كانت بغير عوض فلها حكم الهدية في جميع ما سلف"لكون الهدية هبة لغة ~~وشرعا والفرق بينهما إنما هو اصطلاح جديد فإن كانت الهبة بغير عوض كانت ~~المكافأة عليها مشروعة وتجوز للكافر ومنه ولا يحل الرجوع فيها وتجب التسوية ~~بين الأولاد ويكره الرد بغير مانع شرعي "وإن كانت بعوض فهي بيع # PageV02P166 # ولها حكمه"لأن المعتبر في التبايع إنما هو التراضي والتعاوض وهما حاصلان ~~في الهبة بعوض إذا كان ذلك واقعا عند التواهب وأما إذا كان في الموهوب له ~~مكافأة غير مرادة للواهب عند الهبة فهي كالهدية وبالجملة فتنطبق على الهبة ~~بغير عوض الأدلة المتقدمة في الهدية وتنطبق على الهبة بعوض الأدلة المتقدمة ~~في البيع وقد تقدمت فلا حاجة إلى إيرادها ههنا "والعمرى" بضم العين المهملة ~~وسكون الميم مع القصر عند الأكثر وهي مأخوذة من العمر وهو الحياة سميت بذلك ~~لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجل الرجل الدار ويقول له: أعمرتك إياها أي ~~أبحتها لك مدة عمرك ms494 وحياتك فقيل لها عمرى لذلك. # "والرقبى" بوزن العمرى مأخوذة من المراقبة لأن كل واحد منهما يرقب الآخر ~~متى يموت لترجع إليه وكذا ورثته يقومون مقامه هذا أصلهما لغة "توجبان الملك ~~للمعمر والمرقب ولعقبه من بعده لا رجوع فيهما"لحديث أبي هريرة في الصحيحين ~~وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العمرى ميراث لأهلها أو قال ~~جائزة" وفيهما من حديث جابر قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالعمرى لمن وهبت له "وفي لفظ لمسلم "فمن أعمر عمرى فهي للذي أعمر حيا ~~وميتا ولعقبه " وفي لفظ لأحمد ومسلم وأبي داود "إنما العمرى التي أجازها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك فأما إذا قال: هي لك ~~ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها "ولكن قد قيل إن ذلك من كلام أبي سلمة مدرج ~~في حديث جابر فلا تقوم بهذه الرواية الحجة ولا تصلح لتقييد الأحاديث ~~المطلقة كالحديثين المتقدمين وحديث زيد بن ثابت عند أحمد وأبي داود وابن ~~ماجه وابن حبان قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أعمر عمرى فهي ~~لمعمره حياته ومماته لا ترقبوا من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث" وأخرج أحمد ~~والنسائي من حديث ابن عمر قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو له حياته ومماته" ورجال ~~إسناده ثقات وورد في محل النزاع ما أخرجه النسائي من حديث جابر بلفظ "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالعمرى أن يهب الرجل الرجل ولعقبه الهبة ~~ويستثني إن حدث بك حدث ولعقبك فهي إلي وإلى عقبي أنها لمن أعطاها ولعقبه ~~"وهكذا ما أخرجه أحمد من حديث جابر "أن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة من ~~نخيل حياتها فماتت فجاء إخوته فقالوا: نحن فيه شرع سواء قال: فأبى فاختصموا ~~إلى النبي # PageV02P167 # صلى الله عليه وسلم فقسمها بينهم ميراثا "ورجاله رجال الصحيح وقد أخرجه ~~أيضا أبو داود فهذا وما قبله يفيد أنها تكون للوارث وإن لم ms495 يذكر بل ذكر ~~الموروث بل وإن استثنى وقال: إن حدث بك حدث فهي إلي فإن ذلك لا يفيد بل ~~يكون للمعمر والمرقب ولورثته من بعده وقد ذهب إلى هذا جماعة من الشافعية ~~وذهب الجمهور إلى أنه قال: هي لك ما عشت فإذا مت رجعت إلي فهي عارية مؤقتة ~~ترجع إلى المعمر عند موت المعمر وتمسكوا برواية جابر المتقدمة وقد قدمنا ما ~~قيل فيها من الإدراج ثم اعلم أن الهبة تصح بمجرد الإيجاب ولا تفتقر إلى ~~قبول ولكنها تبطل بالرد ومن زعم أنها لا تتم إلا بالقبول احتاج إلى الدليل ~~ولا حجة لمن اشترط القبض في الهبة ومن كان له صبر على الفاقة وقلة ذات اليد ~~فلا بأس بالتصديق بأكثر ماله أو بكله ومن كان يتكفف الناس إذا احتاج لم يحل ~~له أن يتصدق بجميع ماله ولا بأكثره وهذا هو وجه الجمع بين الأحاديث الدالة ~~على أن مجاوزة الثلث غير مشروعة وبين الأدلة التي دلت على مشروعية التصدق ~~بزيادة على الثلث وأما رجوع الوالد في هبة الوالد فيستدل على ذلك بما أخرجه ~~أهل السنن وصححه الترمذي من حديث ابن عمر وابن عباس قالا: "قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما ~~يعطي ولده " وظاهر الحديث تحريم الرجوع في الهبة مطلقا إلا ما تقدم تخصيصه ~~إلا أن يصح ما أخرجه الحاكم من حديث الحسن عن سمرة مرفوعا بلفظ "إذا كانت ~~الهبة لذي رحم محرم لم يرجع " ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس قال ابن ~~الجوزي وهما ضعيفان وقال الحافظ في إسناد الثاني ضعف فإذا انتهضا للاحتجاج ~~كانا مخصصين لذي الرحم من العموم وكذلك إذا صح حديث أبي هريرة الذي رواه ~~ابن حزم مرفوعا بلفظ "الواهب أحق بهبته ما لم يثب فيها " وأخرج الطبراني في ~~الكبير عن ابن عباس مرفوعا "من وهب هبة فهو أحق بها حتى يثاب عليها" وقد ~~ضعف حديث أبي هريرة ابن الجوزي وصححه الحاكم من قول عمر فإن صح الحديثان ms496 أو ~~أحدهما كانا مخصصين للهبة التي لم يثب عليها فيجوز الرجوع فيها وأما حديث ~~الصحيحين بلفظ " العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه" وزاد البخاري "ليس ~~لنا مثل السوء "وثبت بلفظ "لا يحل" كما في حديث ابن عمر وابن عباس والرواية ~~التي فيها "كالكلب يعود في # PageV02P168 # قيئه" ليست إلا المبالغة في الزجر وليس المراد بالحديث إلا تمثيل فعل ~~الراجع في الهبة بالكلب العائد في قيئه وهذه صورة في غاية الشناعة والفظاعة ~~وليس المراد بيان ما يجوز للكلب من الرجوع في قيئه وليس في الشرع ما يدل ~~على ألفاظ مخصوصة ولا على مجلس ولا على قبض ومن زعم أن في الشريعة ما يدل ~~على شئ من ذلك فهو مطالب بالدليل والفرق بين الحقوق والأملاك وجعل كل واحد ~~منهما مختصا بشئ مما تحت يد الثابت عليه إنما هو مجرد اصطلاح من بعض أهل ~~الفروع وإذا عرفت ذلك هان عليك الخطب ولم تحتج إلى الاشتغال بما في ذلك من ~~التفاريع والتفاصيل # PageV02P169 ### | كتاب الأيمان # "الحلف إنما يكون باسم"من أسماء "الله تعالى"وهو ظاهر "أو صفة له"من صفات ~~ذاته لحلفه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بمقلب القلوب كما في حديث ابن ~~عمر في صحيح البخاري وغيره وقال: "كان أكثر ما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يحلف لا ومقلب القلوب"وفي الصحيحين من حديث ابن عمر "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال في زيد بن حارثة: "وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة " ~~وهكذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الحلف بقوله "والذي نفسي بيده" وهو في ~~الصحيح وحكى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن جبرئيل عليه السلام ~~أنه قال "وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها " يعني الجنة وهو في الصحيح أيضا ~~والأحاديث في هذا كثير جدا"ويحرم بغير ذلك"أي بغير اسم الله تعالى وصفاته ~~فإن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون في أناس أن أسماءهم مباركة معظمة وكانوا ~~يعتقدون أن الحلف بأسمائهم على الكذب يستوجب حرما في ماله وأهله فلا يقدمون ~~على ذلك ولذلك كانوا ms497 يستحلفون الخصوم بأسماء الشركاء بزعمهم فنهوا عن ذلك ~~كما في حديث ابن عمر عند مسلم وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر ~~وهو يحلف بأبيه فقال: "إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا ~~فليحلف بالله أو ليصمت " وفي لفظ "ومن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله" وفي ~~حديث أبي هريرة عند أبي داود # PageV02P169 # والنسائي وابن حبان والبيهقي قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: "لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" وأخرج أبو ~~داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم "من حلف ~~بغير الله فقد كفر" وفي لفظ "فقد أشرك" وهو عند أحمد من هذا الوجه وفي لفظ ~~للترمذي والحاكم "فقد كفر وأشرك" وفي الباب أحاديث قال في الحجة البالغة: ~~وقد فسره بعض المحدثين على معنى التغليظ والتهديد ولا أقول بذلك وإنما ~~المراد عندي اليمين المنعقدة واليمين الغموس باسم غير الله تعالى على ~~اعتقاد ما ذكرنا وقال في المسوى: قال الشافعي من حلف بغير الله فهو يمين ~~مكروهة وأخشى أن يكون معصية فإن قبل أليس قد أقسم الله ببعض مخلوقاته فقال: ~~{والسماء ذات البروج} {والشمس وضحاها} أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في حديث الأعرابي: "أفلح وأبيه إن صدق " فالجواب يكون بوجهين: أحدهما ~~أن فيه إضمارا معناه ورب السماء ورب الشمس ورب أبيه ونحو ذلك حيثما وقع ~~وثانيهما وهو الأصح أن النهي إنما وقع عما كان على قصد التعظيم للمحلوف ~~بإسمه كالحالف بالله يقصد بذكره التعظيم دون ما كانت العرب تستعمله تؤكد به ~~كلامها من غير ذلك التعظيم. أقول: الحلف باسم غير الله تعالى على اعتقاد ~~تعظيمه بحيث يكون الحنث مع ذكر اسمه موجبا عنده للعقوبة في الدنيا والآخرة ~~شرك وبغير هذا التعظيم مكروه لأجل المشابهة مثل ما ذكروا من التفصيل في ~~النهي عن القول يمطرنا بنوء كذا وكذا انتهى وفي حديث الصحيحين وغيرهما بلفظ ~~"من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله " ولا ms498 ريب أن الإنسان إنما ~~يحلف بما هو عظيم عنده ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحالف أن ~~يحلف بالله أو يصمت فمن حلف باللات والعزى كان معظما لهما ومن عظمهما كفر ~~ومن كفر لم يرجع إلى الإسلام إلا بكلمة الإسلام وهي لا إله إلا الله "ومن ~~حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى ولا حنث عليه"لحديث أبي هريرة قال: "قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث " أخرجه ~~أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي وابن حبان ولفظ ابن ماجه "فله ثنياه " ~~ولفظ النسائي "فقد استثنى " وأخرجه الحاكم وقد صححه ابن حبان وأخرج أبو ~~داود عن عكرمة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله لأغزون قريشا ثم ~~قال: إن # PageV02P170 # شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله ~~لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله ثم لم يغزهم "قال أبو داود: إنه ~~قد أسنده غير واحد عن ابن عباس وقد رواه البيهقي موصولا ومرسلا ويؤيد ~~أحاديث الباب ما في الصحيحين "أن سليمان بن داود قال: لأطوفن الليلة على ~~سبعين امرأة " الحديث وفيه "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو قال إن شاء ~~الله لم يحنث " وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وادعى ابن العربي الإجماع على ذلك ~~فقال أجمع المسلمون على أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه ~~متصلا وفي الموطإ عن ابن عمر "من قال والله ثم قال إن شاء الله ثم لم يفعل ~~الذي حلف عليه لم يحنث "قال مالك أحسن ما سمعت في الثنيا أنها لصاحبها ما ~~لم يقطع كلامه وما كان من ذلك نسقا يتبع بعضه بعضا قبل أن يسكت فإذا سكت ~~وقطع كلامه فلا ثنيا له قلت وعلى هذا أهل العلم أن الاستثناء إذا كان ~~موصولا باليمين فلا حنث عليه. أقول: ثم اعلم أن اعتبار الأعراف في الأيمان ~~لا بد منه فإن الحالف عند حلفه من شئ ms499 أو على شئ لا يخطر بباله غير العرف ~~الذي غلب عليه في محاوراته فلو فرض أن عرفه فيما حلف عليه مخالف لاسمه ~~اللغوي أو الشرعي كان العرف مقدما أما إذا كان ممن لا يعرف الشرع أو اللغة ~~فظاهر وأما إذا كان ممن يعرفها فكذلك أيضا لأن خطورة المعنى العرفي أسبق من ~~خطور غيره بالبال إلا أن يقول: أردت ذلك فإنه يقبل منه إن كان لا يتعلق ~~بالمعنى العرفي حق للغير "ومن حلف على شئ فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو ~~خير وليكفر عن يمينه" لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن ~~سمرة قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " إذا حلفت على ~~يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " وفي لفظ " ~~فكفر عن يمينك وات الذي هو خير " وفي لفظ للنسائي وأبي داود "فكفر عن يمينك ~~ثم أت الذي هو خير " وأخرج مسلم وغيره من حديث عدي بن حاتم ومن حديث أبي ~~هريرة نحوه وفي الصحيحين من حديث أبي موسى "لا أحلف على يمين فأرى غيرها ~~خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " وفي الباب أحاديث قلت: ~~قال الله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} واختلفوا في وجه الجمع بينه وبين حديث ~~أبي هريرة فقال أبو حنيفة: قوله تعالى مخصوص بما إذا # PageV02P171 # كان المحلوف عليه معصية إذ من المعلوم أن الله تعالى لا يأمر بمعصية فمن ~~حلف على معصية كترك الكلام مع أبيه حنث وكفر وقال الشافعي: مخصوص بما إذا ~~حلف على معصية أو حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه لقوله تعالى: {ولا تجعلوا ~~الله عرضة لأيمانكم أن تبروا} أي مانعا لكم عن البر قوله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم "فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير "فقال أبو حنيفة: لا ~~يجوز تقديم الكفارة على الحنث فمعناه فليقصد أداء الكفارة كقوله: {فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله} وقال الشافعي: يجوز تقديهما على الحنث يكفر ~~بالصوم وعلى قياس ms500 هذا كل حق مالي تعلق بشيئين يجوز تقديمه على الشيئين ~~كالزكاة إذا تم النصاب ولم يتم الحول "ومن أكره على اليمين فهي غير لازمة ~~ولا يأثم بالحنث فيها"لكون فعل المكره كلا فعل وقد رفع الله تعالى الخطاب ~~به في التكلم بكلمة الكفر فقال تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان} ~~ولحديث "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهو حديث فيه مقال ~~طويل1 وتكليف الحالف بيمينه التي أكره عليها من تكليف مالا يطاق وهو باطل ~~بالأدلة العقلية والنقلية "واليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها"لحديث ~~ابن عمر قال: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: ~~يا رسول الله ما الكبائر "فذكر الحديث "وفيه "اليمين الغموس " وفيه "قلت ~~وما اليمين الغموس قال: التي يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها كاذب" أخرجه ~~البخاري قال مالك: وعقد اليمين أن يحلف الرجل أن لا يبيع ثوبه بعشرة دنانير ~~ثم يبيعه بذلك أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه ونحو هذا فهذا الذي يكفر ~~صاحبه عن يمينه وليس في اللغو كفارة وأما الذي يحلف على الشئ وهو يعلم أنه ~~آثم ويحلف على الكذب وهو يعلم ليرضي به أحدا أو ليعتذر به إلى معتذر له أو ~~ليقطع به مالا فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة قلت: الغموس هي الحلف على ما ~~يعلم بطلانه لا على ما يظن صدقه فإنه خارج عن الأقسام الثلاثة والحلف على ~~الظن لا يجوز لأن الله سبحانه قد نهى عن اتباع الظن والعمل به نهيا عاما ~~مخصصا بأمور ليس الحلف منها ومن زعم أنه يجوز الحلف على الظن فهو مطالب ~~بدليل صالح لتخصيص ذلك ولا نسلم صدق إسم PageV02P172 # الاعتقاد على الظن بل هو أخص منه ولو سلم دخوله تحته بالمعنى العام فلا ~~نسلم أن الاعتقاد الذي يكون مطابقته صدقا هو ذلك العام ولو سلمنا أنه العام ~~فلا نسلم أن كل صدق بهذا المعنى يجوز الحلف عليه بل الذي يجوز الحلف عليه ~~بل الذي يجوز الحلف ms501 عليه هو نوع من أنواع الصدق خاص وهو ما كان معلوما لا ~~ما كان مظنونا ومن زعم غير هذا فعليه الدليل "ولا مؤاخذة باللغو"لقوله ~~تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان} وفي البخاري عن عائشة "أنها قالت: أنزلت هذه الآية {لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم} في قول الرجل لا والله بلى والله "وقد نقل ابن ~~المنذر نحو هذا عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة وجماعة من ~~التابعين وأخرج أبو داود عن عائشة قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله" وأخرج أبو داود عن ~~عائشة قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو كلام الرجل في بيته ~~كلا والله وبلى والله" وأخرجه أيضا البيهقي وابن حبان وصحح الدارقطني الوقف ~~قال أبو داود رواه غير واحد عن عطاء عن عائشة موقوفا وذهبت الحنفية إلى أن ~~لغو اليمين أن يحلف على الشئ يظنه ثم يظهر خلافه وبه قال جماعة وقيل أن ~~يحلف وهو غضبان والخلاف في ذلك طويل وتفسير الصحابة الآية الكريمة مقدم على ~~تفسير غيرهم قلت: الأيمان ثلاثة أقسام: لغو لا كفارة فيها ومنعقدة تجب فيه ~~الكفارة إن حنث وغموس اختلفوا في كفارتها قالت عائشة: لغو اليمين قول ~~الإنسان لا والله وقال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على ~~الشئ يستقين أنه كذلك ثم يوجد على غير ذلك فهو اللغو وذهب الشافعي في تفسير ~~اللغو إلى قول عائشة وأبو حنيفة إلى ما حسنه مالك أقول: الأولى أن يقال إن ~~اللغو لما وقعت في كتاب الله عز وجل مقابلة للمعقودة وقد تقرر أن تعقيد ~~اليمين قصدها والمراد عقد القلب بها كما صرح به صاحب الكشاف فاللغو هي ما ~~لم يقصد كقول الرجل: لا والله وبلى والله في محارواته من غير قصد لليمين ~~سواء كان في حال اليمين أم لا فلو لم يرد في اللغو إلا وقوعها في القرآن ~~مقابلة للمعقودة ms502 لكان القول بأنها ما ذكرناه متعينا فكيف وقد فسرت عائشة ~~اللغو المذكور في القرآن بما قلنا "ومن حق المسلم على المسلم إبرار ~~قسمه"لما ثبت في الصحيحين من أمره صلى الله عليه وسلم بذلك كما في حديث ~~البراء وغيره. وأخرج أحمد من حديث أبي الزاهرية عن عائشة "أن امرأة أهدت ~~إليها # PageV02P173 # تمرا فأكلت بعضه وبقي بعضه فقالت أقسمت عليك إلا أكلت بقيته فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "أبريها فإن الإثم على المحنث" ورجاله رجال ~~الصحيح "وكفارة اليمين هي ما ذكره الله في كتابه العزيز"وهو قوله تعالى ~~{ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم} قلت: ذهب ابن عمر إلى أن أو ههنا للتقسيم لا ~~للتخيير وتعقبه عامة أهل العلم بالقياس الجلي على فدية الحلق في الإحرام ~~فقالوا: يتخير الرجل بين أن يطعم عشرة من المساكين أو يكسوهم أو يتعتق رقبة ~~فإن عجز عنها صام ثلاثة أيام وأما قدر الإطعام والكسوة فكان ابن عمر يكفر ~~عن يمينه بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة مختصر وقال سليمان بن ~~يسار: أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد ~~الأصغر ورأوا ذلك مجزئا عنهم قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه ~~بالكسوة أنه إن كسا الرجال كساهم ثوبا وإن كسا النساء كساهن ثوبين ثوبين ~~درعا وخمارا وذلك أدنى ما يجزىء كلا في صلاته قلت: على هذا الشافعي في ~~الإطعام وقال في الكسوة أولا مثل ما قال مالك: ثم رجع وقال: إن اختار ~~الكسوة فعليه لكل مسكين ثوب واحد من قميص أو سراويل أو مقنعة أو إزار يصلح ~~لكبير أو صغير لصحة إطلاق الكسوة على كل ذلك سواء وقال أبو حنيفة: الإعتاق ~~والإطعام كما مر في الظهار وأما الكسوة فلكل واحد ثوب يستر عامة بدنه فلا ~~يجوز السراويل والإزار ونحوهما قال مالك: ms503 فأما التوكيد فهو حلف الإنسان في ~~الشئ الواحد يردد فيه الأيمان يمينا كقوله: والله لا أنقصه من كذا وكذا ~~يحلف بذلك مرارا ثلاثا أو أكثر من ذلك قال فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة ~~اليمين. أقول: الذي في القرآن الكريم إطعام عشرة مساكين ومعناه الحقيقي أن ~~يجعل لهم طعاما يأكلونه مرة واحدة من غير تقدير بمقدار معين ولا على صفة ~~معينة من اجتماعهم أو كونه في وقت مخصوص بل ما يصدق عليه مسمى إطعام العشرة ~~لغة ولا ريب أنه يقال لمن أطعم عشرة ليلا أو نهارا مجتمعين أو مفترقين إنه ~~مطعم لذلك القدر فما وقع الجزم به من اعتبار إطعام العشرة مرتين لا وجه له ~~وأما الظن من حديث # PageV02P174 # كفارة الظهار فغير ظاهر فإنه وقع الاختلاف الطويل العريض في مقدار العرق ~~من التمر أو المركتل وهل الإعانة منه صلى الله عليه وسلم فقط أو منه ومن ~~المرأة ثم هو مهجور الظاهر فإنه أمر أوس بن الصامت أن ينفقه على نفسه كما ~~ثبت في الصحيح # PageV02P175 ### | كتاب النذر # "إنما يصح إذا ابتغي به وجه الله فلا بد أن يكون قربة ولا نذر في معصية ~~الله"لأنه قد ورد النهي عن النذر كما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر ~~قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال: "إنه لا يرد شيئا ~~وإنما يستخرج به من مال البخيل" وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة نحوه ثم ورد ~~الإذن بالنذر في الطاعة والنهي عنه في المعصية كما في الصحيحين وغيرهما من ~~حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ~~ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" وعلى ذلك يحمل قوله تعالى: {يوفون بالنذر} وقد ~~أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: {يوفون بالنذر} قال: كانوا ~~ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم ~~فسماهم الله أبرارا وورد بلفظ الحصر أنه لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله ~~كما أخرجه أحمد ms504 وأبو داود وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله " وأخرج ~~مسلم وغيره من حديث ابن عباس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ~~نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين" وأخرج أحمد وأهل السنن من حديث ~~عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا نذر في معصية وكفارته كفارة ~~يمين" والأحاديث في هذا الباب كثيرة "ومن النذر في المعصية ما فيه مخالفة ~~للتسوية بين الأولاد" لما قدمنا في كتاب الهدايا "أو مفاضلة بين الورثة ~~مخالفة لما شرعه الله" لأن المخالفة لذلك معصية ولا نذر في معصية كما تقدم ~~"ومنه النذر على القبور" لكون ذلك ليس من النذر في الطاعة ولا من النذر ~~الذي يبتغى به وجه الله تعالى بل قد يكون من النذر في المعصية إذا كان ~~يتسبب عنه اعتقاد باطل في صاحب القبر كما # PageV02P175 # يتفق ذلك كثيرا وقد أخرج أبو داود بإسناد صالح عن سعيد بن المسيب "أن ~~أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت ~~تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن ~~مالك كفر عن يمينك ولا تنذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا ~~تملك "وأخرج مالك والبيهقي بسند صحيح وصححه ابن السكن عن عائشة " أنها سئلت ~~عن رجل جعل ماله في رتاج الكعبة إن كلم ذا قرابة فقالت: يكفر عن اليمين" ~~وإذا كان هذا في الكعبة فغيرها من المشاهد والقبور بالأولى قلت: اختلف أهل ~~العلم في النذر إذا خرج مخرج اليمين مثل: أن يقول: إن كلمت فلانا فلله علي ~~عتق رقبة أو إن دخلت الدار فلله علي أن أصوم أو أصلي فهذا نذر أخرج مخرج ~~اليمين لأنه قصد به منع نفسه عن الفعل كالحالف يقصد بيمينه منع نفسه عن ~~الفعل فأصح قولي الشافعي أنه بمنزلة اليمين عليه الكفارة إن حنث ms505 والمشهور ~~من مذهب أبي حنيفة أن عليه الوفاء بما سمى الرتاج الباب وجعل ماله في رتاج ~~الكعبة معناه جعله لها كنى عنها بالباب لأنه يدخل إليها منه "وعلى ما لم ~~يأذن به الله" كالنذر على المساجد لتزخرف أو على أهل المعاصي ليستعينوا ~~بذلك على معاصيهم فإن ذلك من النذر في المعصية وأقل الأحوال أن يكون النذر ~~على ما لم يأذن به الله خارجا عن النذر الذي أذن الله به وهو النذر في ~~الطاعة وما ابتغي به وجه الله فيشمل هذا كل نذر على مباح أو مكروه أو محرم ~~"ومن أوجب على نفسه فعلا لم يشرعه الله لم يجب عليه" لحديث ابن عباس عند ~~البخاري وغيره قال: "بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم ~~فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا ~~يتكلم وأن يصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مروه ليتكلم وليستظل وليقعد ~~وليتم صومه "وأخرج أحمد من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه فيمن نذر ~~أن لا يزال في الشمس حتى يفرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله" قلت: وعلى ~~هذا أهل العلم"وكذلك إن كان"النذر "مما شرعه الله وهو لا يطيقه" لم يجب ~~عليه الوفاء به لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما "أن # PageV02P176 # النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخا يهادى1 بين ابنيه فقال: ما هذا؟ ~~قالوا: نذر أن يمشي قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني وأمره أن يركب ~~"زاد النسائي في رواية "نذر أن يمشي إلى بيت الله "وأخرج أبو داود بإسناد ~~صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة ~~يمين ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين" وأخرجه أيضا ابن ماجه وزاد ~~"من نذر نذرا أطاقه فليف به" ومن ذلك أمره صلى الله عليه وسلم لمن نذر أن ms506 ~~يمشي إلى الكعبة بالركوب كما في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر وفي مسند ~~أحمد وسنن أبي داود من حديث ابن عباس وفي مسند أحمد من حديث عقبة بن عامر ~~قلت: ذهب أبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه إلى أن عليه دم شاة وذهب بعضهم ~~إلى أنه لا يجب إلا على وجه الاحتياط لحديث أنس في مثل هذه الصورة ولم يذكر ~~هديا ولا قضاء. ومن نذر نذرا لم يسمه أو كان معصية أولا يطيقه فعليه كفارة ~~يمين لحديث عقبة ابن عامر عند ابن ماجه والترمذي وصححه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " فارة النذر إذا لم يسمه كفارة يمين " هو في صحيح ~~مسلم دون قوله: "إذا لم يسمه" وقد تقدم حديث ابن عباس قريبا فيمن نذر نذرا ~~لم يسمه وأخرج مسلم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ~~نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين" كذا نسبه صاحب المنتقى إلى مسلم ~~وفيه نظر وهو عند أبي داود وابن ماجه وأحمد وأخرج أحمد وأهل السنن "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" وفي ~~إسناده مقال وأخرج أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث ابن عباس "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: قال "من نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين" ~~"وهكذا أمر صلى الله عليه وسلم المرأة التي نذرت أن تمشي وهي لا تطيق بأن ~~تكفر كما أخرجه أحمد وأبو داود. أقول: النذر بالمباح يصدق عليه مسمى النذر ~~فيدخل تحت العمومات المتضمنة للأمر بالوفاء به ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود ~~أن امرأة قالت يا رسول الله: إني نذرت إذا انصرفت من غزوتك سالما أن أضرب ~~على رأسك بالدف فقال لها: " وفي بنذرك " وضرب الدف إذا لم يكن PageV02P177 # مباحا فهو إما مكروه أو أشد من المكروه ولا يكون قربة أبدا فإن كان مباحا ~~فهو دليل على وجوب الوفاء بالمباح وإن كان مكروها فالإذن بالوفاء به يدل ms507 ~~على الوفاء بالمباح بالأولى وكذلك إيجاب الكفارة على من نذر نذرا لم يسمه ~~يدل على وجوب الكفارة بالأولى في المباح. فالحاصل: أن النذر بالمباح لا ~~يخرج عن أحد القسمين إما وجوب الوفاء به أو وجوب الكفارة مع عدم الوفاء ولا ~~ينافي ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من الإذن لمن نذرت أن تمشي إلى ~~بيت الله حافية غير مختمرة بأن تختمر وتركب لأنه صلى الله عليه وسلم أمرها ~~مع ذلك بصيام ثلاثة أيام وفي رواية أنه أمرها بأن تهدي بدنة ومثل ذلك حديث ~~الشيخ الذي نذر أن يمشي فقال صلى الله عليه وسلم "إن الله لغني عن تعذيب ~~هذا نفسه" فإنه لا يعارض ما قدمنا لوجهين: الأول أن عدم التصريح بوجوب ~~الكفارة عليه لا ينافي الأحاديث المصرحة بوجوبها والثاني أنه رآه يضعف عن ~~ذلك كما في الرواية أنه رآه يهادى بين ابنيه ولهذا قال: "إن الله لغني عن ~~تعذيب هذا نفسه" ومحل النزاع من نذر بمباح مقدرو له من غير تعذيب لنفسه ثم ~~تعذيب النفس إن كان من قبيل المعصية فقد ثبت أن في نذر المعصية كفارة يمين ~~وإن كان لكونه يلحق بغير المقدور فقد ثبت أن من نذر فيما لا يملك فعليه ~~كفارة يمين وما ليس بمقدور للإنسان داخل فيما لا يملكه وقد أخرج أبو داود ~~حديثا وفيه "ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ". والحاصل: أن ~~النذر إن كان بطاعة مقدورة وجب الوفاء به سواء كانت تلك الطاعة واجبة أو ~~مندوبة وإن كان بغير طاعة فهو إما من المباح أو الحرام أو المكروه فإن كان ~~من المباح فقد تقدم وإن كان من الحرام فقد ثبت وجوب الكفارة فيه مع المنع ~~من الوفاء به وإن كان مكروها فهو إما أن يكون لاحقا بالحرام أو بالمباح إن ~~كان الأول وجبت الكفارة ولم يجز الوفاء به وإن كان الثاني فقد تقدم هذا ~~خلاصة الكلام في أنواع النذر ولا دليل بيد من لم يوجب الوفاء ولا الكفارة ~~في المندوب ms508 والمباح "ومن نذر بقربة وهو مشرك ثم أسلم لزمه الوفاء"لحديث عمر ~~في الصحيحين وغيرهما "أنه قال: قلت يارسول الله إني نذرت في الجاهلية أن ~~أعتكف في المسجد الحرام فقال: "أوف بنذرك " وأخرج أحمد وابن ماجه عن # PageV02P178 # ميمونة بنت كردم1 "أن أباها سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله: إني نذرت أن أنحر ببوانة2 فقال: "أبها وثن أو طاغية؟ " قال لا قال: ~~"أوف بنذرك" ورجال إسناده رجال الصحيح. وأخرج أبو داود نحوه من حديث ثابت ~~بن الضحاك وإسناده صحيح "ولا ينفذ النذر إلا من الثلث" لحديث كعب بن مالك ~~في الصحيحين أنه قال: "يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى ~~الله ورسوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أمسك عليك بعض مالك فهو خير ~~لك" وفي لفظ لأبي داود "إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله ~~ورسوله صدقة قال: لا قلت: فنصفه؟ قال: لا قلت: فثلثه؟ قال: نعم" وفي إسناده ~~محمد بن إسحق وفي لفظ لأبي داود أنه قال له: "يجزي عنك الثلث" وأخرج أحمد ~~وأبو داود من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال: "يا ~~رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك وأن أنخلع من مالي صدقة ~~لله عز وجل ولرسوله فقال: "يجزي عنك الثلث" قلت: وهو قول أهل العلم في ~~الجملة ولو حلف الرجل بصدقة ماله أو قال: مالي في سبيل الله فقال قوم: عليه ~~كفارة يمين وهو من نذر اللجاج وعليه الشافعي وقال مالك: يخرج ثلث ماله ~~لحديث أبي لبابة المذكور وقال أبو حنيفة: ينصرف ذلك إلى كل ما يجب فيه ~~الزكاة من عينه من المال دون ما لا زكاة فيه من العقار والدواب ونحوها ~~"وإذا مات الناذر بقربة ففعلها عنه ولده أجزأه ذلك لحديث ابن عباس أن سعد ~~ابن عبادة استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمي ماتت وعليها نذر لم ~~تقضه فقال رسول الله ms509 صلى الله عليه وسلم "قضه عنها " أخرجه أبو داود ~~والنسائي بإسناد صحيح وأصل القصة في الصحيحين وفي البخاري "أن ابن عمر أمر ~~امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء ثم ماتت أن تصلي عنها "وأخرج ابن أبي ~~شيبة عن ابن عباس نحو ذلك بإسناد صحيح وقد روي عنهما خلاف ذلك قلت: هو ~~القول القديم للشافعي أن من فاته شئ من رمضان وتمكن من قضائه ثم مات ولم ~~يقض وكذا النذر والكفارة تدارك عنه PageV02P179 # وليه إما بالصوم عنه أو الإطعام من تركته قال النووي: القديم ههنا أظهر ~~وقال محمد: ما كان من نذر أو صدقة أو حج قضاها الولي أجزأ ذلك إن شاء الله ~~تعالى وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا # PageV02P180 ### | كتاب الأطعمة # الأصل في كل شئ الحل ولا يحرم إلا ما حرمه الله ورسوله وما سكتا عنه فهو ~~عفو"لمثل قوله تعالي: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} ~~الآية فإن النكرة في سياق النفي تدل على العموم ولمثل حديث سلمان الفارسي ~~قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: ~~الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه ~~فهو مما عفا لكم" أخرجه ابن ماجه والترمذي وفي إسناد ابن ماجه سيف بن هرون ~~البرجمي وهو ضعيف1 وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص "أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شئ لم ~~يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته " وفيهما من حديث أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "ذروني ماتركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا ~~منه ما استطعتم" وأخرج البزار وقال: سنده صالح والحاكم وصححه من حديث أبي ~~الدرداء ورفعه بلفظ " ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما ~~سكت عنه فهو عفو ms510 فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى وتلا {وما ~~كان ربك نسيا} "وأخرج الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه "إن الله فرض فرائض ~~فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا ~~تبحثوا عنها "وفي الكتاب والسنة مما يتقرر به هذا الأصل الكثير الطيب ~~فيتوجه الاقتصار في رفع الحل على ماورد فيه دليل يخصه ومن التخصيص ~~PageV02P180 # قوله تعالى في آخر تلك الآية: {إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم ~~خنزير} وكذلك قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} إلى آخر الآية "فيحرم ما في ~~الكتاب العزيز"وهو قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} أي ما مات حتف أنفه ~~{والدم} وهو المسفوح صرح بذلك في الآية الأخرى والمفسر قاض على المبهم وهذا ~~مما ينقض به قول القائل المبهم على إبهامه والمفسر على تفسيره فإنهم اتفقوا ~~في هذه الآية على التقييد {ولحم الخنزير} وكل شئ من الخنزيز حرام وتخصيص ~~اللحم بالذكر لأنه يقصد في العادة والخنزير حيوان مسخ بصورته قوم ولم يزل ~~نوح ومن بعده من الأنبياء يحرمون الخنزير ويأمرون بالتبعد عنه إلى تنزل ~~عيسى عليه السلام فيقتله ويشبه أن الخنزير كان يأكله قوم فنطقت الشرائع ~~بالنهي عنه وهجر أمره أشد ما يكون {وما أهل لغير الله به} أي ذكر اسم غير ~~الله عند ذبحه {والمنخنقة} هي التي تختنق فتموت {والموقوذة} هي المقتولة ~~بالعصا {والمتردية} هي التي تتردى من مكان عال فتموت {والنطيحة} هي التي ~~تنطحها أخرى فتموت {وما أكل السبع} يريد ما بقي مما أكل السبع لأنه ضبط ~~المذبوح الطيب بما قصد إزهاق الروح باستعمال المحدد في حلفه أو لبته فجر ~~ذلك إلى تحريم الأشياء {إلا ما ذكيتم} أي ما أدركتم من هذه الأشياء وفيه ~~حياة مستقرة فذبحتموه أما ما صار إلى حالة المذبوح فهو في حكم الميتة {وما ~~ذبح على النصب} قيل: مفرد كعنق وقيل: جمع نصاب وهو الشئ المنصوب من حجر ~~ونحوه أمارة للطاغوت والجمع بينه وبين ما أهل لغير الله به يدل على ms511 الفرق ~~بينهما وذلك لأن المذبوح عند النصب قصد به تعظيم الطاغوت دلالة وإن لم ~~يتلفظ باسمه فهو بمنزلة ما أهل الغير الله به {وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم ~~فسق} إلى قوله {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور} قلت قد ~~اتفق المسلمون على ذلك في الجملة وإن كان لهم في التفاصيل اختلاف "وكل ذي ~~ناب من السباع"لخروج طبيعتها من الاعتدال وبشكاسة أخلاقها وقسوة قلوبها ~~لحديث أبي ثعلبة الخشني عند مسلم ومالك وغيره "أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام" وفي الباب أحاديث في الصحيحين ~~وغيرهما والمراد بالناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب وكل ذي ناب ~~يتقوى به ويصاد # PageV02P181 # وقال في النهاية: هو ما يفترس الحيوان ويأكل قسرا كالأسد والذئب والنمر ~~ونحوها قال في القاموس: السبع بضم الباء المفترس من الحيوان انتهى وأراد ~~بذي ناب ما يعدو بنابه على الناس وأموالهم مثل: الذئب والأسد والكلب والفهد ~~والنمر وعلى هذا أهل العلم إلى أن الشافعي ذهب إلى إباحة الضبع والثعلب ~~وقال أبو حنيفة: هما حرامان كسائر السباع أقول: قد قيل إنه لا ناب للضبع ~~وأن جميع أسنانها عظم واحد كصفحة نعل الفرس كذا قال ابن رسلان في شرح السنن ~~وعلى تسليم أن لها نابا فيخصصها من حديث كل ذي ناب حديث جابر فإنه قيل له: ~~"الضبع صيد قال: نعم فقال له السائل آكلها؟ قال نعم فقال له: أقاله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم " أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي ~~والترمذي وصححه وصححه أيضا البخاري وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي ولا ~~يعارض هذا الحديث الصحيح ما أخرجه الترمذي من حديث خزيمة بن جزء قال: "سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال: "أو يأكل الضبع أحد" وفي ~~رواية "ومن يأكل الضبع" لأن في إسناده عبد الكريم أبا أمية وهو متفق على ~~ضعفه والراوي عنه اسمعيل بن مسلم وهو ضعيف1 "وكل ذي مخلب من الطير"لحديث ~~ابن عباس عند ms512 مسلم وغيره قال: "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير "والمخلب بكسر الميم ~~وفتح اللام قال أهل اللغة: المراد به ما هو في الطير بمنزلة الظفر للإنسان ~~ويباح منه الحمام والعصفور لأنهما من المستطاب "و"من ذلك "الحمر ~~الإنسية"وكان كثير من أهل الطباع السليمة من العرب يحرمونه ويشبه الشياطين ~~وهو يرى الشيطان فينهق وهو قوله صلى الله عليه وسلم "إذا سمعتم نهيق الحمار ~~فتعوذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطانا " ويضرب به المثل في الحق ~~والهوان وقد حرمه من العرب أذكاهم فطرة وأطيبهم نفسا كما في حديث البراء بن ~~عازب في الصحيحين وغيرهما "أنه صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم ~~الحمر الإنسية "وفيهما من PageV02P182 # حديث ابن عمر وأبي ثعلبة الخشني نحوه وفي الباب غير ذلك وقد ذهب إلى ذلك ~~جمهور العلماء قلت: وأما الحمار الوحشي فاتفقوا على إباحته كذا في المسوى ~~وأهدي له صلى الله عليه وسلم الحمار الوحشي فأكله كذا في الحجة البالغة ~~"و"من ذلك "الجلالة قبل الاستحالة"لحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود وابن ~~ماجه والترمذي وحسنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل ~~الجلالة وألبانها "وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان ~~والحاكم والبيهقي وصححه الترمذي وابن دقيق العيد من حديث ابن عباس "النهي ~~عن أكل الجلالة وشرب لبنها "وأخرج أحمد والنسائي والحاكم والدارقطني ~~والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحو ذلك وفي الباب غير ذلك ~~وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل والثوري والشافعية وذهب بعض أهل العلم إلى ~~الكراهة فقط وظاهر النهي التحريم والعلة تغير لحمها ولبنها فإذا زالت العلة ~~بمنعها عن ذلك حتى يزول الأثر فلا وجه للتحريم لأنها حلال بيقين إنما حرمت ~~لمانع وقد زال قال في الحجة البالغة: الجيفة وما تأثر منها خبيث في جميع ~~الأمم والملل فإذا تميز الخبيث من غيره ألقي الخبيث وأكل الطيب وإن لم يكن ms513 ~~التميز حرم أكله ودل الحديث على حرمة كل نجس ومتنجس ونهى صلى الله عليه ~~وسلم عن أكل الجلالة وألبانها لأنها لما شربت أعضاؤها النجاسة وانتشرت في ~~أجزائها كان حكمها حكم النجاسات أو حكم من يتعيش بالنجاسة أقول: الاستحالة ~~مطهرة والأولى أن يقال في طهارة ما استحال إن العين التي حكم الشارع ~~بنجاستها لم تبق اسما ولا صفة فإن حكمه بنجاسة العذرة مقيد بكونها عذرة ~~فإذا صارت رمادا فليست بعذرة فمن ادعى بقاء النجاسة مع ذهاب الاسم والصفة ~~فعليه الدليل "و"من ذلك "الكلاب"ولا خلاف في ذلك يعتد به وهو مستخبث وقد ~~وقع الأمر بقتله عموما وخصوصا وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل ~~ثمنه كما تقدم وسيأتي وتقدم أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وقد جعله بعضهم ~~داخلا في ذوات الناب من السباع قال في الحجة البالغة: ويحرم الكلب والسنور ~~لأنهما من السباع ويأكلان الجيف والكلب شيطان "و"من ذلك "الهر"لحديث جابر ~~عن أبي داود وابن ماجه والترمذي "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل ~~الهر وأكل ثمنها "وفي إسناده عمر بن # PageV02P183 # زيد1 الصنعاني وهو ضعيف لكن يشد من عضده ما ثبت من النهي عن أكل ثمن ~~الكلب والسنور وهو في الصحيح وقد تقدم ولا فرق بين الوحشي والأهلي ~~وللشافعية وجه في حل الوحشي "و"من ذلك "ما كان مستخبثا" لقوله تعالى: ~~{ويحرم عليهم الخبائث} فما استخبثه الناس من الحيوانات لا لعلة ولا لعدم ~~اعتياد بل لمجرد الاستخباث فهو حرام وإن استخبثه البعض دون البعض كان ~~الاعتبار بالأكثر كحشرات الأرض وكثير من الحيوانات التي ترك الناس أكلها ~~ولم ينهض على تحريمها دليل يخصها فإن تركها لا يكون في الغالب إلا لكونها ~~مستخبثة فتندرج تحت قوله {ويحرم عليهم الخبائث} وقد أخرج أبو داود عن ملقام ~~بن تلب قال "صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أسمع لحشرات الأرض تحريما ~~"وقد قال البيهقي: إن إسناده غير قوي وقال النسائي: ينبغي أن يكون ملقام بن ~~تلب ليس بالمشهور2 وهذا الحديث ليس ms514 فيه ما يخالف الآية وغايته عدم سماعه ~~لشئ من النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يدل على العدم وقد أخرج ابن عدي ~~والبيهقي من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن أكل ~~الرخمة3 "وفي إسناده خارجة بن مصعب وهو ضعيف جدا فلا ينتهض للاحتجاج به ~~وأخرج أحمد وأبو داود من حديث عيسى بن نميلة الفزازي عن أبيه قال "كنت عند ~~ابن عمر فسئل عن أكل القنقذ فتلا هذه الآية {قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه} الآية فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر: إن كان ~~قاله رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهو كما قال "وعيسى بن نميلة ~~ضعيف4 فلا يصلح الحديث لتخصيص القنفذ من أدلة الحل العامة وقد قيل إن من ~~أسباب التحريم الأمر بقتل الشئ كالخمس الفواسق PageV02P184 # الوزغ ونحو ذلك والنهي عن قتله كالنملة والنحلة والهدهد والصرد والضفدع ~~ونحو ذلك ولم يأت عن الشاعر ما يفيد تحريم أكل ما أمر بقتله أو نهي عن قتله ~~حتى يكون الأمر والنهي دليلين على ذلك ولا ملازمة عقلية ولا عرفية فلا وجه ~~لجعل ذلك أصلا من أصول التحريم بل إن كان المأمور بقلته أو المنهي عن قتله ~~مما يدخل في الخبائب كان تحريمه بالآية الكريمة وإن لم يكن من ذلك كان ~~حلالا عملا بما أسلفنا من أصالة الحل وقيام الأدلة الكلية على ذلك ولهذا ~~قلنا "وما عدا ذلك فهو حلال"قال الشافعي: ما لم يرد فيه نص تحريم ولا تحليل ~~ولا أمر بقتله ولا نهي عن قتله فالمرجع فيه إلى العرب من سكان البلاد ~~والقرى دون أجلاف البوادي فإن استطابته العرب أو سمته باسم حيوان حلال فهو ~~حلال وإن استخبثته أو سمته باسم حيوان حرام فهو حرام فأما ما أمر الشرع ~~بقتله أو نهى عن قتله فلا يكون حلالا فقد قال النبي صلى الله تعالى ms515 عليه ~~وآله وسلم "خمس يقتلن في الحل والحرم "الحديث وأمر بقتل الوزغ ونهى عن قتل ~~أربعة من الدواب النملة والنحلة والصرد والهدهد وبالجملة: فتحل الطيبات ~~وتحرم الخبائث لقوله تعالى {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} ~~والطيبات ما تستطيبه العرب وتستلذه من غير أن ورد بتحريمه نص من كتاب أو ~~سنة قال الماتن في حاشية الشفاء: إن القول بكراهية أكل الأرنب لا مستند له ~~بخلاف الضب فإنه قد ورد النهي عن أكله كما أخرجه أبو داود وثبت في صحيح ~~مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله غضب على سبط من بني إسرائيل ~~فمسخهم دواب ولا أدري لعل هذا منها" والنهي حقيقة في التحريم لولا ما ثبت ~~في الصحيحين من حديث جماعة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم ~~بأكل الضب فقال لهم "كلوه فإنه حلال ولكن ليس من طعامي" فإن هذا الحديث ~~يصرف النهي عن حقيقته إلى مجازه وهو الكراهة وحديث تردده صلى الله عليه ~~وسلم في كونه ممسوخا مؤيد لذلك وأما أكل التراب فلم يصح في المنع منه شئ ~~لكنه من أسباب العلل الصعبة التي يتأثر عنها انحلال البنية وقد نهى الله ~~سبحانه عن قتل الأنفس # PageV02P185 ### | باب الصيد # وكان الاصطياد ديدنا للعرب وسيرة فاشية فيهم حتى كان ذلك أحد المكاسب ~~التي عليها معاشهم فأباحه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "ما صيد ~~بالسلاح الجارح والجوارح كان حلالا إذا ذكر اسم الله عليه"لحديث أبي ثعلبة ~~الخشني في الصحيحين قال: "قلت يا رسول الله: إنا بأرض صيد أصيد بقوسي ~~وبكلبي المعلم وبكلبي الذي ليس بمعلم فما يصلح لي؟ فقال: ماصدت بقوسك فذكرت ~~اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت ~~بكلبك غير المعلم فأدركت ذكائه فكل " وفي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم ~~قال: "قلت يارسول الله: إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي وأذكر اسم الله ~~قال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك قلت: ms516 وإن ~~قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس معها قال: قلت فإني أرمي ~~بالمعراض1 الصيد فأصيد قال: إذا رميت بالمعراض فخزق2 فكل وإن أصابه بعرضه ~~فلا تأكل " وفي رواية "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك ~~فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ~~ذكاة" وفي لفظ من حديثه عند أحمد وأبي داود "قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل ~~ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك "وفي الصحيحين من حديثه "فكل مما أمسكن ~~عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه ~~"وفي حديث ابن عباس عند أحمد قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه فإذا ~~أرسلته فقتل ولم يأكل فكل إنما أمسكه على صاحبه" وقد أخرج أحمد وأبو داود ~~من حديث عبد الله بن عمر وأن أبا ثعلبة الخشبي قال: "يا رسول الله إن لي ~~كلابا مكلبة فأفتني في صيدها قال: " إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت ~~عليك فقال يا رسول الله: ذكي وغير ذكي قال: ذكي وغير ذكي PageV02P186 # قال: وإن أكل منه قال يا رسول الله: أفتني في قوسي قال: "كل ما أمسك عليك ~~قوسك" قال: ذكي وغير ذكي قال وغير ذكي قال: فإن تغيب عني قال: "وإن تغيب ~~عنك ما لم يصل1" يعني يتغير أو تجد فيه أثر غير سهمك" وقد قال ابن حجر: إنه ~~لا بأس بإسناده وفيه نظر لأن في إسناده داود بن عمر الأودي الدمشقي وفيه ~~مقال وخلاف وقد أخرج نحو هذا الحديث أبو داود من حديث أبي ثعلبة نفسه ولا ~~ينتهض هذا لمعارضة ما في الصحيحين من النهي عن أكل ما أكل منه الكلب وأخرج ~~أحمد وأبو داود من حديث عدي بن حاتم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت ms517 اسم الله فكل ما أمسك عليك" وقد ~~أكل صلى الله عليه وسلم من حمار الوحش الذي صاده أبو قتادة طعنا برمحه وهو ~~في الصحيح وقد تقدم في الحج وقد ذكر الله في كتابه العزيز تحليل ما صيد ~~بالجوارح فقال: {وما علمتم من الجوارح} الآية وأباح الأكل فقال: {فكلوا مما ~~أمسكن عليكم} وقد دل ما ذكرناه من هذه الأدلة على ما اشتمل عليه المتن من ~~أن ما صيد بالجارح والجوارح كان حلالا إذا ذكر اسم الله عليه "وما صيد بغير ~~ذلك فلا بد من التذكية"وقد نزل صلى الله عليه وسلم المعراض إذا أصاب فخزق ~~منزلة الجارح واعتبر مجرد الخزق كما في حديث عدي بن حاتم المذكور وفي لفظ ~~لأحمد من حديث عدي قال: "قلت يارسول الله: إنا قوم نرمي فما يحل لنا قال: ~~"يحل لكم ما ذكيتم وما ذكرتم اسم الله عليه فخرقتم فكلوا " فدل على أن ~~المعتبر مجرد الخزق وإن كان القتل بمثقل فيحل ما صاده من يرمي بهذه البنادق ~~الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص لأن الرصاص تخزق خزقا زائدا على ~~خزق السلاح فلها حكمه وإن لم يدرك الصائد بها ذكاة الصيد إذا ذكر اسم الله ~~على ذلك وعبارة الماتن في حاشية الشفاء أقول: ومن جملة ما يحل الصيد به من ~~الآلات هذه البنادق الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص فإن الرصاصة ~~يحصل بها خزق زائد على خزق السهم والرمح والسيف ولها في ذلك عمل يفوق كل ~~آلة ويظهر لك ذلك بأنك لو وضعت ريشا أو نحوه فوق رماد دقيق أو تراب دقيق ~~وغرزت فيه شيئا يسيرا من أصلها ثم ضربتها بالسيف المحدد ونحو ذلك من الآلات ~~PageV02P187 # لم يقطعها وهي على هذه الحالة ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها فلا وجه ~~لجعلها قاتلة بالصدم لا من عقل ولا من نقل وما روي من النهي عن أكل ما رمي ~~بالبندقة كما في رواية من حديث عدي بن حاتم عند أحمد بلفظ "ولا تأكل من ~~البندقة إلا ما ذكيت "فالمراد بالبندقة هنا ms518 هي التي تتخذ من طين فيرمي بها ~~بعد أن تيبس وفي صحيح البخاري "قال ابن عمر في المقتولة بالبندقية تلك ~~الموقوذة "وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وهكذا ما صيد ~~بحصى الخذف فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن المغفل "أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف1 وقال: إنها لا تصيد صيدا ولا ~~تنكأ2 عدوا لكنها تكسر السن وتفقأ العين "ومثل هذا ما قتل بالرمي بالحجارة ~~غير المحدودة إذا لم تخزق فإنه وقيذ لا يحل وأما إذا خزقت حل قال في ~~المسوى: يحل ما اصطاد بكلبه إذا ذكر اسم الله عليه وعند إرساله وكان الكلب ~~معلما قال تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله ~~فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} والتعليم هو أن يوجد فيه ~~ثلاثة أشياء: إذا أشليت استشلت3 وإذا أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل فإذا وجد ~~ذلك منها مرارا وأقله ثلاث مرات كانت معلمة يحل صيدها وعلى هذا كله أهل ~~العلم في الجملة وأكثر أهل العلم على أن المراد بالجوارح الكواسب من سباع ~~البهائم كالفهد والكلب ومن سباع الطير كالبازي والصقر مما يقبل التعليم ~~فيحل صيد جميعها والمكلب هو الذي يغري الكلاب على الصيد ويعلمها {فكلوا مما ~~أمسكن} أراد أن الجارحة المعلمة إذا جرحت بإرسال صاحبها فأخذت الصيد وقتلته ~~كان حلالا قلت: وهذا هو مذهب مالك والقول القديم للشافعي ثم تعقبه الشافعي ~~بحديث عدي ابن حاتم المذكور وهو مذهب أبي حنيفة وسمع مالك أهل العلم يقولون ~~في البازي والعقاب والصقر وما أشبه ذلك إنه إذا كان معلما يفقه كما تفقه ~~الكلاب المعلمة فلا بأس بأكل ما قتلوه مما صادت إذا ذكر اسم الله على ~~إرسالها قال مالك: الأمر المجتمع عليه PageV02P188 # عندنا أن المسلم إذا أرسل كلب المجوسي الضاري فصاد أو قتل أنه إذا كان ~~معلما فأكل ذلك الصيد حلال لا بأس به وإن لم يذكه المسلم وإنما مثل ذلك مثل ~~المسلم يذبح بشفرة المجوسي أو يرمي ms519 بقوسه أو بنبله فيقتل بها فصيده ذلك ~~وذبيحته حلال لا بأس بأكله قال مالك: إذا أرسل المجوسي كلب المسلم الضاري ~~على صيد فأخذه فإنه لا يؤكل ذلك الصيد إلا أن يذكى وإنما مثل ذلك قوس ~~المسلم ونبله يأخذها المجوسي فيرمي بها الصيد فيقتله وبمنزلة شفرة المسلم ~~يذبح به المجوسي فلا يحل أكل شئ من ذلك انتهى "وإذا شارك الكلب المعلم كلب ~~آخر لم يحل صيدهما" لما تقدم في حديث عدي من قوله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: " ما لم يشركها كلب ليس معها " وفي لفظ له في الصحيحين قال: "قلت يا ~~رسول الله إني أرسل كلبي وأسمي قال: "إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فكل ~~وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه" قلت: إني أرسل كلبي أجد معه ~~كلبا لا أدري أيهما أخذه قال فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على ~~غيره "وفي لفظ له "فإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا ~~تدري أيهما قتله" وإذا أكل الكلب المعلم ونحوه من الصيد لم يحل فإنما أمسك ~~على نفسه لما تقدم من الأدلة على ذلك وتقدم أيضا ترجيحها على حديث عبد الله ~~بن عمرو "وإذا وجد الصيد بعد وقوع الرمية فيه ميتا ولو بعد أيام في غيرماء ~~كان حلالا ما لم ينتن أو يعلم أن الذي قتله غير سهمه"لحديث أبي ثعلبة ~~الخشني عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا رميت سهمك فغاب ~~ثلاثة أيام وأدركته فكله ما لم ينتن" أخرجه مسلم وغيره وفي الصحيحين من ~~حديث عدي بن حاتم قال "سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ~~الصيد قال: " إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن ~~تجده قد وقع في ماء فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك" وفي لفظ من حديثه ~~لأحمد والبخاري عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا رميت ~~الصيد فوجدته بعد يوم ms520 أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في الماء ~~فلا تأكل " وفي لفظ لمسلم نحوه وفي لفظ للبخاري من حديثه "إنا نرمي الصيد ~~فنقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم نجده ميتا وفيه سهمه قال: يأكل # PageV02P189 # إن شاء " وفي لفظ للترمذي وصححه قال: "قلت يارسول الله: أرمي الصيد فأجد ~~فيه سهمي من الغد قال: إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل" قلت: ~~وعلى هذا أهل العلم في الجملة. # PageV02P190 ### | باب الذبح # "هو ما أنهر الدم"أي أساله "وفرى"أي قطع "الأوداج"وهما عرقان بينهما ~~الحلقوم "وذكر اسم الله عليه ولو بحجر أو نحوه"كخشب وغيره "ما لم يكن سنا ~~أو ظفرا"لحديث رافع بن خديج في الصحيحين وغيرهما قال: "قلت يارسول الله: ~~إنا نلقى العدو غدا وليس معنا مدى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنهر ~~الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا سأحدثكم عن ذلك أما ~~السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة" وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس وأبي ~~هريرة قالا: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان وهي التي ~~تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج "وفي إسناده عمرو بن عبد الله الصنعاني ~~وهو ضعيف وأخرج أحمد والبخاري من حديث كعب بن مالك "أنها كانت لهم غنم ترعى ~~بسلع فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا فكسرت حجرا فذبحتها فقال لهم لا ~~تأكلوا حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أرسل إليه من يسأله عن ~~ذلك وأنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك أو أرسل غليه فأمره ~~بأكلها "وفيه دليل على أن ذبح النساء والرقيق جائز وعليه أهل العلم وأخرج ~~أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت "أن ذئبا نيب في شاة فذبحوها ~~بمروة فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكلها "وأخرج أحمد وأبو ~~داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان من حديث عدي بن حاتم قال: "قلت ~~يا رسول ms521 الله: إنا نصيد الصيد فلا نجد سكينا إلا الظرار وشقة العصا فقال ~~صلى الله عليه وسلم: أمر الدم بما شئت واذكر اسم الله عليه " والظرار1 ~~الحجر أو المدر وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة "أن قوما قالوا يارسول ~~الله: PageV02P190 # إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال: سموا ~~عليه أنتم وكلوا قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر "وهذا لا ينافي وجوب ~~التسمية على الذابح بل فيه الترخيص لغير الذابح إذا شك في اللحم هل ذكر ~~عليه اسم الله عند الذبح أم لا فإنه يجوز له أن يسمي ويأكل وأما استقبال ~~القبلة فليس في السنة ما يدل على هذا فإن كان الدال على استقبال القبلة هو ~~قوله في الحديث "فما وجههما "فليس فيه أنه وجههما إلى القبلة بل المراد ~~وجههما للذبح وقد تقرر أن حذف المتعلق مشعر بالعموم وإن كان الاستدلال ~~بقوله "وجهت وجهي "فكذلك أيضا ليس فيه دلالة على ذلك ولا أعلم دليلا على ~~مشروعية1 الاستقبال حال الذبح قال الماتن في السيل الجرار: ليس على هذا ~~دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا من قياس وما قيل من أن القول بندب ~~الاستقبال في الذبح قياس على الأضحية فليس بصحيح لأنه لا دليل على الأصل ~~حتى يصلح للقياس عليه بل النزاع فيه كائن كما هو كائن في الفرع والندب حكم ~~من أحكام الشرع فلا يجوز إثباته إلا بدليل تقوم به الحجة انتهى "ويحرم ~~تعذيب الذبيحة"لحديث شداد بن أوس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا ~~الذبحة وليحد أحكم شفرته وليرح ذبيحته" أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ~~ماجه وأخرج أحمد وابن ماجه من حديث ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز ~~"أي يتمها وفي إسناده ابن ليهعة وفيه مقال معروف قلت في اختيار أقرب طريق ~~لإزهاق الروح ms522 اتباع داعية الرحمة وهي خلة يرضى بها رب العالمين ويتوقف ~~عليها أكثر المصالح المنزلية والمدنية "والمثلة بها"لما ورد في تحريمها من ~~الأحاديث الثابتة في الصحيح وغيره وهي عامة "و"تحريم "ذبحها لغير الله"لما ~~ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من لعن من ذبح لغير الله كما في ~~صحيح مسلم وغيره ولقوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} وكان أهل الجاهلية ~~يتقربون إلى الأصنام والنجوم بالذبح لأجلهم PageV02P191 # إما بالإهلال عند الذبح بأسمائهم وإما بالذبح على الأنصاب المخصوصة لهم ~~فنهوا عن ذلك وهذا أحد مظان الشرك وأما الذبح للسطان وهل هو داخل في عموم ~~ما أهل به لغير الله أم لا؟ فقد أجاب الماتن رحمه الله في بحث له على ذلك ~~بما لفظه: اعلم أن الأصل الحل كا صرحت به العمومات القرآنية والحديثية فلا ~~يحكم بتحريم فرد من الأفراد أو نوع من الأنواع إلا بدليل ينقل ذلك الأصل ~~المعلوم من الشريعة المطهرة مثل: تحريم ما ذبح على النصب والميتة والمتردية ~~والنطيحة والموقوذة وما أهل به لغير الله ولحم الخنزيز وكل شئ خرج من ذلك ~~الأصل بدليل من الكتاب أو السنة المطهرة كتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب ~~من الطير وتحريم الحمر الإنسية وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أصول ~~التحريم الكتاب والسنة والإجماع والقياس أو وقوع الأمر بالقتل أو النهي عنه ~~أو الاستخباث أو التحريم على الأمم السالفة إذا لم ينسخ فلا بد للقائل ~~بتحريم فرد من الأفراد أو نوع من الأنواع من اندراجه تحت أصل من هذه الأصول ~~فإن تعذر عليه ذلك فليس له أن يتقول على الله ما لم يقل فإن من حرم ما أحله ~~الله كمن حلل ما حرم الله لا فرق بينهما وفي ذلك من الإثم ما لا يخفى على ~~عارف ولا شك أن البراءة الأصلية بمجردها كافية على ما هو الحق فكيف إذا ~~انضم إليها من العمومات مثل: قوله تعالي: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} ~~الآية وقوله: {أحل لكم الطيبات} ms523 وقوله: {والطيبات من الرزق} وقوله: {كلوا ~~من طيبات ما رزقناكم} وقوله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} وقوله: ~~{ويحل لهم الطيبات} والحاصل أن الواجب وقف التحريم على المنصوص على حرمته ~~والتحليل على ما عداه وقد صرح بذلك حديث سلمان عند الترمذي "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في ~~كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" وأخرج أبو داود عن ابن عباس موقوفا ~~"كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فبعث الله تعالى نبيه ~~وأنزل كتابه فأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما ~~سكت عنه فهو عفو وتلا {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} # PageV02P192 # وأخرج الترمذي وأبو داود من حديث قبيصة بن هلب عن أبيه1 قال "سمعت رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد قال له رجل إن من الطعام طعاما ~~أتحرج منه فقال ضارعت النصرانية لا يختلجن في نفسك شئ "إذا تقرر هذا فمسألة ~~السؤال أعني ما ذبح من الأنعام لقدوم السلطان والاستدلال على تحريم ذلك ~~بقول تعالى: {وما أهل به لغيرالله} فاسد فإن الإهلال رفع الصوت للصنم ونحوه ~~وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى كذا قال الزمحشري في الكشاف ~~والذابح عند قدوم السلطان لا يقول عند ذبحه باسم السلطان ولو فرض وقوع ذلك ~~كان محرما بلا نزاع ولكنه يقول باسم الله وقد استدل على ذلك بما رواه أحمد ~~ومسلم والنسائي من حديث أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه "أنه سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: لعن الله من ذبح لغير الله" الحديث وليس ذلك ~~الاستدلال بصحيح فإن الذبح لغير الله كما بينه شراح هذا الحديث من العلماء ~~أن يذبح باسم غير الله كمن ذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو لعيسى أو ~~للكعبة أو نحو ذلك فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلما ~~أو يهوديا أو نصرانيا كما ms524 نص على ذلك الشافعي وأصحابه قال النووي في شرح ~~مسلم: فإن قصد الذابح مع ذلك تعظيم المذبوح له وكان غير الله تعالى ~~والعبادة له كان ذلك كفرا فإن كان الذابح مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدا ~~انتهى وهذا إذا كان الذبح باسم أمر من تلك الأمور لا إذا كان لله وقصد به ~~الإكرام لمن يجوز إكرامه فإنه لا وجه لتحريم الذبيحة ههنا كما سلف وذكر ~~الشيخ إبراهيم المروزي من أصحاب الشافعي أن ما يذبح عند استقبال السلطان ~~تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله قال الرافعي: ~~هذا إنما يذبحونه استبشارا بقدومه فهو كذبح العقيقة لولادة المولود ومثل ~~هذا لا يوجب التحريم انتهى وهذا هو الصواب وفي روضة الإمام النووي من ذبح ~~للكعبة تعظيما لها لكونها بين الله أو لرسول الله لأنه رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم فهذا PageV02P193 # لا يمنع الذبيحة بل تحل قال: ومن هذا القبيل الذبح الذي يذبح عند استقبال ~~السلطان استبشارا بقدومه فإنه نازل منزلة الذبح للعقيقة لولادة انتهى وقد ~~أشعر أول كلامه أن من ذبح للسلطان تعظيما له لكونه سلطان الإسلام كان ذلك ~~جائزا مثل: الذبح له لأجل الاستبشار بقدومه إذ لا فرق بين ذلك وبين الذبح ~~للكعبة تعظيما لها لكونها بيت الله وقد ذكر الدواري أن من ذبح للجن وقصد به ~~التقرب إلى الله تعالى ليصرف عنه شرهم فهو حلال وإن قصد الذبح لهم فهو حرام ~~انتهى وهذا يستفاد منه حل ما ذبح لإ كرام السلطان بالأولى وذلك هو الحق لما ~~أسلفناه من أن الأصل الحل وأن الأدلة العامة قد دلت عليه وعدم وجود ناقل عن ~~ذلك الأصل ولا مخصص لذلك العموم والله أعلم انتهى كلام الشوكاني وفيه دليل ~~على التفرقة بين ما يذبح للتقرب إلى غير الله تعالى وبين ما يذبح لغيره من ~~الاستبشار ونحوه كالذبح للعقيقة والوليمة والضيافة ونحوها فالأول يحرم ~~والثاني يحل قال ابن حجر المكي في الزواجر: وجعل أصحابنا مما يحرم الذبيحة ~~أن يقول ms525 باسم الله واسم محمد أو محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم بجر اسم الثاني أو محمد إن عرف النحو فيما يظهر أو أن يذبح كتابي ~~لكنيسة أو لصليب أو لموسى أو لعيسى ومسلم للكعبة أو لمحمد صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم أو تقربا لسلطان أو غيره أو للجن فهذا كله يحرم المذبوح وهو ~~كبيرة قال: ومعنى ما أهل به لغير الله ما ذبح للطواغيت والأصنام قاله جمع ~~وقال آخرون: يعني ما ذكر عليه غير اسم الله قال الفخر الرازي: وهذا القول ~~أولى لأنه أشد مطابقة للفظ الآية قال العلماء: لو ذبح مسلما ذبيحة وقصد ~~بذبحه التقرب بها إلى غير الله تعالى صار مرتدا وذبيحته ذبيحة مرتد انتهى ~~كلام الزواجر وقال صاحب الروض: إن المسلم إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم ~~كفر انتهى قال الشوكاني في الدر النضيد: وهذا القائل من أئمة الشافعية وإذا ~~كان الذبح لسيد الرسل صلى الله عليه وسلم كفرا عنده فكيف الذبح لسائر ~~الأموات انتهى قال الشيخ الفاضل مفتي الديار النجدية عبد الرحمن بن حسن بن ~~محمد عبد الوهاب بن سليمان بن علي في كتابه فتح المجيد شرح كتاب التوحيد في ~~باب ما جاء في الذبح لغير الله: قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ~~رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم في # PageV02P194 # الكلام على قوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} إن الظاهر أنه ما ذبح ~~لغير الله مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ ~~به أو لم يلفظ وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه باسم المسيح ~~ونحوه كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه ~~للحم وقلنا عليه باسم الله فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة فلأن ~~يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة وقصد به ذلك أولى فإن العبادة لغير ~~الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله وعلى هذا ms526 فلو ذبح لغير الله متقربا ~~إليه يحرم وإن قال فيه باسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة ~~الذين قد يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك وإن كان هؤلاء ~~مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكونه يجتمع في الذبيحة ما نعان: الأول أنه ~~مما أهل لغير الله به والثاني أنها ذبيحة مرتد ومن هذا الباب ما يفعله ~~الجاهلون بمكة من الذبح للجن ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~نهى عن ذبائح الجن انتهى قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا دارا أو بنوها أو ~~استخرجوا عينا ذبحوا ذبيحة خوفا أن تصيبهم الجن فأضيفت إليهم الذبائح لذلك ~~انتهى كلام فتح المجيد وقد نقل الشوكاني أيضا العبارة المتقدمة لشيخ ~~الإسلام في رسالته الدر النضيد واستدل به على تحريم ما ذبح لغير الله تعالى ~~سواء لفظ به الذابح عن الذبح أو لم يلفظ وهذا هو الحق "وإذا تعذر الذبح ~~لوجه جاز الطعن والرمي وكان ذلك كالذبح"لحديث أبي العشراء عن أبيه "قلت يا ~~رسول الله: أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة قال: "لو طعنت في فخذها لا ~~جزأك" أخرجه أحمد وأهل السنن وفي إسناده مجهولون وأبو العشراء لا يعرف من ~~أبوه ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة فهو مجهول فلا تقوم الحجة بروايته والذي ~~يصلح للاستدلال به حديث رافع بن خديج في الصحيحين وغيرهما قال: "كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فند1 بعير من إبل القوم ولم يكن معهم ~~خيل فرماه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لهذه ~~البهائم أوابد كأوابد2 الوحش فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا""وذكاة ~~الجنين ذكاة أمه"لحديث أبي سعيد عند أحمد وابن ماجه وأبي داود والترمذي ~~والدارقطني PageV02P195 # وابن حبان وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الجنين: "ذكاته ~~ذكاة أمه " وللحديث طرق يقوي بعضها بعضا وفي الباب أحاديث عن جماعة من ~~الصحابة تشهد له قلت: وعليه الشافعي ووافقه محمد بن الحسن وقال ms527 أبو حنيفة: ~~لا يجوز حتى يخرج حيا فيذكى. أقول: وأما التمسك بالآية الكريمة فلا يخفى ~~أنه من معارضة الخاص بالعام وقد تقرر أن الخاص مقدم على العام وقد قال ابن ~~المنذر إنه لم يرو عن أحمد من الصحابة ولا من العلماء أن الجنين لا يؤكل ~~إلا باستئناف الذكاة فيه إلا ماروي عن أبي حنيفة رحمه الله قال ابن القيم: ~~وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه بأنها خلاف ~~الأصول وهو تحريم الميتة فيقال الذي جاء على لسانه تحريم الميتة استثنى ~~السمك والجراد من الميتة فكيف وليست بميتة فإنها جزء من أجزاء الأم والذكاة ~~قد أتت على جميع أعضائها فلا يحتاج أن يفرد كل جزء منها بذكاة والجنين تابع ~~للأم جزء منها فهذا هو مقتضى الأصول الصحيحة ولو لم ترد السنة بالإباحة ~~فكيف وقد ورد بالإباحة الموافقة للقياس والأصول فقد اتفق النص والأصل ~~والقياس ولله الحمد "وما أبين من الحي فهو ميتة"لحديث ابن عمر "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "ما قطع من بهيمة وهي حية فما قطع منها فهو ميتة" ~~أخرجه ابن ماجه والبزار والطبراني وقد قيل: إنه مرسل هذا يدل على تحريم ~~الأكل ولا ملازمة بينه وبين النجاسة كما عرفت غير مرة وأخرج أحمد والترمذي ~~وأبو داود والدارمي من حديث أبي واكد الليثي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~"من قطع من البهيمة وهي حية فهو مية" وأخرج ابن ماجه والطبراني وابن عدي ~~نحوه من حديث تميم الداري قلت: وكان أهل الجاهلية يجبون أسنمة الإبل ~~ويقطعون أليات الغنم فنهوا عن ذلك لأنه فيه تعذيبا ومناقضة لما شرع الله ~~تعالى من الذبح "وتحل ميتتان ودمان السمك والجراد"وعليه أهل العلم "والكبد ~~والطحال"وهما عضوان من أعضاء بدن البهيمة لكنهما يشبهان الدم فأزاح النبي ~~صلى الله عليه وسلم الشبهة فيهما وليس في الحوت والجراد دم مسفوح فلذلك لم ~~يشرع فيهما الذبح ووجهه حديث ابن عمر عند أحمد وابن ماجه والدارقطني ~~والشافعي والبيهقي قال: "قال رسول الله صلى الله عليه ms528 وسلم: "أحل لنا ~~ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال" ~~وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن # PageV02P196 # أسلم وهو ضعيف وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن أبي أوفى قال "غزونا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد "وفيهما أيضا من حديث ~~جابر "أن البحر ألقى حوتا ميتا فأكل منه الجيش فلما قدموا قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: كلوا رزقا أخرج الله لكم أطعمونا منه إن كان معكم ~~فأتاه بعضهم بشئ "وفي البخاري عن عمر في قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر} ~~قال: صيده مااصطيد وطعامه ما رمى به وفيه عن ابن عباس قال طعامه ميتته إلا ~~ما قذرت منها وفيه قال ابن عباس كل من صيد البحر صيد يهودي أو نصراني أو ~~مجوسي انتهى وإلى هذا ذهب الجمهور فقالوا: ميتة البحر حلال سواء ماتت ~~بنفسها أو بالاصطياد وذهبت الحنفية إلى أنه لا يحل إلا ما مات بسبب آدمي أو ~~بإلقاء الماء له أو جزره عنه وأما ما مات أو قتله حيوان غير آدمي فلا يحل ~~واستدلوا بما أخرجه أبو داود من حديث جابر مرفوعا بلفظ "ما ألقاء البحر أو ~~جزر عنه فكلوه وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه " وفي إسناده يحيى بن سليم وهو ~~ضعيف الحفظ وقد روي من غير هذا الوجه وفيه ضعف قلت: ظاهر القرآن والحديث ~~إباحة ميتات البحر كلها والمراد منها كل ما يعيش في البحر فإذا أخرج منه ~~كان عيشه عيش المذبوح كالسمك فكل ذلك حلال بأنواعه ولاحاجة إلى ذبحه سواء ~~يؤكل مثله في البر كالبقر والغنم أولا يؤكل كالكلب والخنزير والكل سمك وإن ~~اختلفت الصور بخلاف ما يعيش في الماء فإذا أخرج دام حيا فإن كان طائرا ~~كالبط فذبح فحلال ولا يحل ميتتها وإن كان غيرها كالضفدع والسرطان والسلحفاة ~~وذوات السموم كالحية والعقرب فحرام وعليه الشافعي. أقول وعلى هذا فقوله ~~تعالى: {أحل لكم صيد البحر} المراد منه ما يصطاد بالقصد والاختيار وقوله: ~~{وطعامه} المراد منه ميتات ms529 البحر مما لم يصد بالاختيار كنى به عن الميتة ~~كراهية لذكر الميتة في مقام التحليل وقوله: {متاعا لكم} إباحته لأهل الحضر ~~وقوله: {وللسيارة} المراد منه إباحته لأهل السفر وقال أبو حنيفة: جميع ~~حيوانات البحر حرام إلا السمك المعروف # أقول: الحق أن كل حيوان بحري حلال على أي صورة كان {أحل لكم صيد البحر} " ~~هو الطهور ماؤه والحل ميتته "فمن جاءنا بدليل يصلح لتخصيص هذا العموم ~~قبلناه "وتحل الميتة للمضطر"لقوله تعالى: {إلا ما اضطررتم إليه} وقد ثبت ~~تحليل # PageV02P197 # الميتة عن الجوع من حديث أبي وافد الليني عند أحمد والطبراني برجال ثقات ~~ومن حديث جابر بن سمرة عند أحمد وأبي داود بإسناد لا مطعن فيه ومن حديث ~~الفجيع العامري عند أبي داود وقد اختلف في المقدار الذي يحل تناوله وظاهر ~~الآية أنه يحل ما يدفع الضرورة لأن من اندفعت ضرورته فليس بمضطر قال في ~~المستوى: أما ذبائح أهل الكتاب فتحل بنص الكتاب {وطعام الذين أوتوا الكتاب ~~حل لكم وطعامكم حل لهم} أقول: معنى الآية باتفاق المفسرين ذبائح اليهود ~~والنصارى حلال لكم وذبائحكم حلال لهم قيل: أي فائدة في الحل لهم وهم كفار ~~ليسوا من أهل الشرع فقال الزجاج: معناه حلال لكم أن تطعموهم وأقول معناه: ~~حلال لهم إذا التزموا شريعتنا أكلوها وكان اليهود يزعمون أن بني إسرائيل لا ~~يحل لهم ذبائح العرب فبين الله تعالى أن الأحكام الشرعية لا تتفاوت بالنسبة ~~إلى قوم دون قوم وعليه أهل العلم أن ذبائح اليهود والنصارى حلال لنا وذبائح ~~المجوس لا تحل وفي الموطإ سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس ~~بها وتلا هذه الآية {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} قلت عليه أبو حنيفة وقال ~~الشافعي: لا تحل ذبيحة المنتصر بعد التحريف والنسخ والمشكوك فيه. أقول: ~~ذبائح جميع المسلمين على اختلاف نحلهم وتباين طرائقهم حلال لأن الله جل ~~جلاله إنما نهانا عن أكل ما لم يذكر عليه اسمه وكل مسلم لا يذبح إلا ذاكرا ~~لاسم الله تحقيقا أو تقديرا على أي مذهب كان ms530 وذبائح أهل الكتاب تابعة ~~لتحليل أطعمتهم إما لصدق اسم الطعام عليها أو لأنها من الإدام اللاحق ~~للطعام ويؤيده أكله صلى الله عليه وسلم للشاة التي أهدتها له اليهودية من ~~خيبر بعد طبخها لها ولا نسلم أن ذبائحهم مما لم يذكر عليه اسم الله فإنهم ~~يذبحون لله وليسوا كأهل الكفر من غيرهم. فالحاصل: أن الذبح الذي تحل به ~~الذبيحة ما في حديث رافع بن خديج بلفظ "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه ~~فكلوا " أخرجه الجماعة كلهم وذبيحة المسلم على أي مذهب كان وفي أي بدعة وقع ~~هي مما يذكر عليه اسم الله ومع الالتباس هل وقعت التسمية من المسلم أولا قد ~~دل الدليل على الحل لما أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجه من ~~حديث عائشة "قالت يا رسول الله: إن قوما حديثو عهد بجاهلية يأتوننا ~~باللحمان لا ندري أذكروا اسم الله # PageV02P198 # عليها أم لم يذكروا أنأكل منها أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: اذكروا اسم الله وكلوا " فأمره صلى الله عليه وسلم بإعادة التسمية ~~مشعر بأن ذبيحة من لم يسم سواء كان مسلما أو غيره مسلم حلال ويحمل قوله ~~تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} على عدم الذكر الكلي عند ~~الذبح وعند الأكل وهو الظاهر من نفي ذكر اسم الله فاللحم إذا سمى عليه ~~الآكل عند الأكل والذابح كافر لم يسم يكون مما ذكر عليه اسم الله تعالى ~~وهذا من الوضوح بمكان ولا عبرة بخصوص السبب وهو كون عائشة كان سؤالها عن ~~اللحمان التي يأتي بها من المسلمين من كان حديث عهد بالجاهلية بل الاعتبار ~~بعموم اللفظ كما تقرر في الأصول والحق أن ذبيحة الكافر حلال إذا ذكر عليها ~~اسم الله ولم يهل بها لغير الله كالذبح للأوثان ونحوها فإن قلت الكافر لا ~~يذكر اسم الله على الذبيحة وقد قال تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه} وقال: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} وقال صلى ~~الله عليه وسلم: ms531 "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه" قلت: هذا لا يتم ~~إلا بعد العلم بأن الكافر لا يذكر اسم الله على ذبيحته وأما الاحتجاج لعدم ~~اشتراط التسمية بحديث اللحمان المتقدم فليس فيه دليل على عدم اشتراط ~~التسمية مطلقا بل عدم اشتراطها عند الذبح وأما حديث "ذبيحة المسلم حلال ذكر ~~اسم الله أو لم يذكر " فهو إما مرسل أو موقوف فكيف ينتهض لمعارضة الكتاب ~~العزيز ثم هو خاص بالمسلم والنزاع في الكافر وكذلك الحديث الأول خاص ~~بالمسلم لقوله: "إن قوما حديثو عهد بالجاهلية "فلا يتم الاستدلال به على ~~عدم التسمية مطلقا. وحاصل البحث: أنه إذا ذبح الكافر ذاكرا لاسم الله عز ~~وجل غير ذابح لغير الله وأنهر الدم وفرى الأوداج فليس في الآية ما يدل على ~~تحريم هذه الذبيحة الواقعة على هذه الصفة فمن زعم أن الكافر خارج من ذلك ~~بعد أن ذبح لله تعالى وسمى فالدليل عليه وأما ذبح الكافر لغير الله فهذه ~~الذبيحة حرام ولو كانت من مسلم وهكذا إذا ذبح غير ذاكر لاسم الله عز وجل ~~فإن إهمال التسمية منه كإهمال التسمية من مسلم حيث ذبحا جميعا لله عز وجل ~~وإذا عرفت هذا لاح لك أن الدليل على من قال باشتراط إسلام الذابح لا على من ~~قال بأنه لا يسقط فلا حاجة إلى الاستدلال على عدم الاشتراط بما لا دلالة ~~فيه على المطلوب كالاحتجاج # PageV02P199 # بقوله1 صلى الله عليه وسلم "لم ينه عن ذبائح المنافقين "فإن المنافقين ~~كان يعاملهم صلى الله عليه وسلم معاملة المسلمين في جميع الأحكام عملا بما ~~أظهروه من الإسلام وجريا على الظاهر وأما ما يقال من حكاية الإجماع على عدم ~~حل ذبيحة الكافر فدعوى الإجماع غير مسلمة وعلى تقدير أن لها وجه صحة فلا بد ~~من حملها على ذبيحة كافر ذبح لغير الله أو لم يذكر اسم الله تعالى وأما ~~ذبيحة أهل الذمة فقد دل على حلها القرآن الكريم {وطعام الذين أوتوا الكتاب ~~حل لكم} ومن قال إن اللحم لا يتناوله الطعام فقد قصر ms532 في البحث ولم ينظر في ~~كتب اللغة ولا نظر في الأدلة الشرعية المصرحة بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أكل ذبائح أهل الكتاب كما في أكله صلى الله عليه وسلم للشاة التي طبختها ~~يهودية وجعلت فيها سما والقصة أشهر من أن تحتاج إلى التنبيه عليها ولا ~~مستند للقول بتحريم ذبائحهم إلا مجرد الشكوك والأوهام التي يبتلى بها من لم ~~يرسخ قدمه في علم الشرع فإن قلت قد يذبحونه لغير الله أو بغير تسمية أو على ~~غير الصفة المشروعة في الذبح قلت: إن صح شئ من هذا فالكلام في ذبيحته ~~كالكلام في ذبيحة المسلم إذا وقعت على أحد هذه الوجوه وليس النزاع إلا في ~~مجرد كون كفر الكتابي مانعا لا كونه أخذ بشرط معتبر انتهى PageV02P200 ### | باب الضيافة # "يجب على من وجد ما يقري به من نزل من الضيوف أن يفعل ذلك وحد الضيافة ~~إلى ثلاثة أيام وما كان وراء ذلك فصدقة ولا يحل للضيف أن يثوي عنده حتى ~~يخرجه وإذا لم يفعل القادر على الضيافة ما يجب عليه كان للضيف أن يأخذ من ~~ماله بقدر قراه"لحديث عقبة بن عامر في الصحيحين قال: "قلت يا رسول الله إنك ~~تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى؟ قال: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ~~ينبغي للضيف فاقبلوا وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" ~~وفيهما من حديث أبي شريح الخزاعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته" قال: وما جائزته يا رسول ~~الله؟ قال: # PageV02P200 # يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن ~~يثوي عنده حتى يحرجه" أي يضيق صدره وأخرج أحمد وأبو دادو من حديث المقدام ~~"أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليلة الضيف واجبة على كل مسلم ~~فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا له عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه" ~~وإسناده صحيح وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة ms533 نحوه وإسناده ~~صحيح وفي الباب أحاديث وقد ذهب الجمهور إلى أن الضيافة مندوبة لا واجبة ~~واستدلوا بقوله "فليكرمه ضيفه جائزته" قالوا: والجائزة هي العطية والصلة ~~وأصلها الندب ولا يخفى أن هذا اللفظ لا ينافي الوجوب وأدلة الباب مقتضية ~~لذلك لأن التغريم لا يكون للإخلال بأمر مندوب وكذلك قوله "واجبة " فإنه نص ~~في محل النزاع وكذلك قوله "فما كان وراء ذلك فهو صدقة " قال في المسوى: وفي ~~قوله "جائزته" قولان: أحدهما يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له ويقدم له ~~في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته وما كان بعد ~~الثلاثة فهو صدقة ومعروف إن شاء فعل وإن شاء ترك والثاني أن جائزته أن ~~يعطيه ما يجوز به مسافر يوما وليلة "ويحرم أكل طعام الغير بغير إذنه"لقوله ~~تعالى {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وكل مادل على تحريم مال الغير دل ~~على ذلك لأنه مال وإنما خص منه ما ورد فيه دليل يخصه كالضيف إذا حرمه من ~~يجب عليه ضيافته كما مر "ومن ذلك حلب ماشيته وأخذ ثمرته وزرعه لا يجوز إلا ~~بإذنه إلى أن يكون محتاجا إلى ذلك فليناد صاحب الإبل أو الحائط فإن أجابه ~~وإلا فليشرب وليأكل غير متخذ خبنة"للأدلة العامة والخاصة أما العامة فظاهر ~~كالآية الكريمة وحديث خطبة الوداع ونحو ذلك وأما الأدلة الخاصة فمثل: حديث ~~ابن عمر في الصحيحين "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحلبن ~~أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن يؤتى مشربته فينتثل1 طعامه وإنما ~~تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " وأخرج ~~أحمد من حديث عمير مولى آبي اللحم قال: "أقبلت مع سادتي نريد الهجرة حتى ~~إذا دنونا من المدينة قال: فدخلوا وخلفوني في PageV02P201 # ظهرهم فأصابتني مجاعة شديدة قال: فمر بي بعض من يخرج من المدينة فقالوا: ~~لو دخلت المدينة فأصبت من تمر حوائطها قال: فدخلت حائطا فقطعت منه قنوين ~~فأتاني صاحب الحائط وأتى بي رسول الله صلى الله تعالى ms534 عليه وآله وسلم ~~وأخبره خبري وعلي ثوبان فقال لي: أيهما أفضل؟ فأشرت إلى أحدهما فقال: خذه ~~وأعط صاحب الحائط الآخر فخلى سبيلي "وفي إسناده ابن لهيعة وله طريق أخرى ~~عند أحمد وفي إسناده أيضا أبو بكر بن يزيد بن المهاجر غير معروف الحال وقد ~~أعل هذا الحديث بأن في إسناده عبد الرحمن بن اسحق عن محمد بن زيد وهو ضعيف ~~وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: "سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الرجل يدخل الحائط فقال: " يأكل غير متخذ خبنة " وأخرج ~~أبو داود والترمذي وصححه من حديث سمرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب ~~وليشرب وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاث فإن أجابه أحد فليستأذنه فإن لم ~~يجبه أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل" وهو من سماع الحسن عن سمرة وفيه مقال ~~معروف وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو يعلى وابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد ~~"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتى أحدكم حائطا فأراد أن يأكل ~~فليناد صاحب الحائط ثلاثا فإن أجابه وإلا فليأكل وإذا مر أحدكم بإبل فأراد ~~أن يشرب من ألبانها فليناد يا صاحب الإبل أو يا راعي الغنم فإن أجابه وإلا ~~فليشرب" وأخرج الترمذي وأبو داود من حديث رافع قال: "كنت أرمي نخل الأنصار ~~فأخذوني فذهبوا بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارافع لم ترمي ~~نخلهم؟ قال: قلت يا رسول الله: الجوع قال: لا ترم وكل ما وقع أشبعك الله ~~وأرواك " وأخرج أبو داود والنسائي من حديث شرحبيل بن عباد في قصة مثل قصة ~~رافع وفيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب الحائط: "ما علمت إذا ~~كان جاهلا ولا أطعمت إذا كان جائعا " والمراد بالخبنة ما يحمله الإنسان في ~~حضنه وهي بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وبعدها نون ويمكن الجمع ~~بين الأحاديث بأن تغريم النبي ms535 صلى الله عليه وسلم لآبي اللحم لعدم المناداة ~~منه ولو فرضنا عدم صحة الجمع بهذا كانت أحاديث الإذن عند الحاجة مع ~~المناداة أرجح # PageV02P202 ### | "باب آداب الأكل" # فقد علم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم آدابا يتأدبون بها في ~~الطعام كما ستأتي "تشرع للآكل التسمية"لحديث عائشة عند أحمد وأبي داود وابن ~~ماجه والنسائي والترمذي وصححه قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إذا أكل أحدكم طعاما فليقل بسم الله فإن نسي في أوله فليقل بسم الله على ~~أوله وآخره " وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر "سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا ~~مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم ~~المبيت فإذا لم يذكر الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء " وأخرج ~~مسلم وغيره من حديث حذيفة بن اليمان قال: "قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الشيطان ليستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه " الحديث ~~وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل ~~طعاما في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "أما إنه لو سمى لكفى لكم" وقال حسن صحيح وفي الباب أحاديث قلت ~~وعليه أهل العلم قال النووي: الأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم فإن ~~قال بسم الله حصلت السنة "والأكل باليمين"لحديث ابن عمر عند مسلم وغيره "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن ~~الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" قلت: وعليه أهل العلم "ومن حافتي الطعام ~~لا من وسطه"لحديث ابن عباس عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "البركة تنزل في وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا ~~تأكلوا من وسطه" وأخرجه أبو داود بلفظ "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من ~~أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن ms536 البركة تنزل من أعلاه " "ومما ~~يليه"لحديث عمر بن أبي سلمة في الصحيحين وغيرهما قال: "كنت غلاما في حجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي:" يا غلام سم ~~الله وكل بيمينك وكل مما يليك " "ويلعق أصابعه والصحفة"لحديث أنس عند مسلم ~~وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا طعم طعاما لعق أصابعه الثلاث ~~وقال: "إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها # PageV02P203 # للشيطان وأمرنا أن نسلت1 القصعة وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم ~~البركة" وفي الصحيحين من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إذ أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها" وأخرج مسلم من حديث جابر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: "إنكم لا تدرون ~~في أي طعامكم البركة" قال في الحجة البالغة وقد اتفق لنا أنه زارنا ذات يوم ~~رجل من أصحابنا فقربنا إليه شيئا فبينا يأكل إذا سقطت كسرة من يديه وتدهدهت ~~في الأرض فجعل يتبعها وجعلت تتباعد عنه حتى تعجب الحاضرون بعض العجب وكابد ~~هو في تتبعها بعض الجهد ثم إنه أخذها فأكلها فلما كان بعد أيام تخبط ~~الشيطان إنسانا وتكلم على لسانه فكان فيما تكلم إني مررت بفلان وهو يأكل ~~فأعجبني ذلك الطعام فلم يطعمني منه شيئا فخطفته من يده فنازعني حتى أخذه ~~مني وبينا يأكل أهل بيتنا أصول الجزر إذ تدهده بعضها فوثب إليه إنسان فأخذه ~~وأكله فأصابه وجع في صدره ومعدته ثم تخبطه الشيطان فأخبر على لسانه أنه كان ~~أخذ ذلك المتدهده وقد قرع أسماعنا شئ كثير من هذا النوع حتى علمنا أن هذه ~~الأحاديث ليست من باب إرادة المجاز وإنما أريد به حقيقتها فمن العلم الذي ~~أعطاه الله نبيه صلى الله عليه وسلم حال الملائكة والشياطين وانتشارهم في ~~الأرض انتهى "والحمد عند الفراغ والدعاء"لحديث أبي أمامة عند البخاري وغيره ~~"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله كثيرا ~~طيبا ms537 مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا" وأخرج أحمد وأبو ~~داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والبخاري في التاريخ من حديث أبي سعيد ~~قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل وشرب قال "الحمد لله الذي ~~أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث ~~معاذ بن أنس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أكل طعاما فقال ~~الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم ~~من ذنبه " وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم قال: "إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا ~~خيرا منه وإذا سقي لنبا فليقل "اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شئ ~~يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن" PageV02P204 # وأخرجه الترمذي بنحوه وحسنه ولكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف ~~وقد رواه عن محمد بن حرملة قال أبو حاتم بصري لا أعرفه "ولا يأكل متكئا ~~"لحديث أبي جحيفة عند البخاري وغيره قال: "قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "أما أنا فلا آكل متكئا " قلت: لأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعث في العرب وعاداتهم أوسط العادات ولم يكونوا يتكلفون تكلف العجم ~~والأخذ بها أحسن ولا أحسن لأصحاب الملة من أن يتبعوا سيرة إمامها في كل ~~نقير وقطمير وما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة ~~ولا خبز له مرقق ولا رأى شاة سميطا بعينه قط وما رأى منخلا كانوا يأكلون ~~الشعير غير منخول # PageV02P205 ### | كتاب الأشربة # "كل مسكر حرام" لما أخرجه مسلم وغيره من حديث ابن عمر "أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام " فيشمل ذلك جميع أنواع الخمر ~~من الشجرتين وغيرهما فيتناوله قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر} الآية وفي ~~لفظ لمسلم "كل مسكر خمر وكل خمر حرام " وفي الصحيحين من حديث ms538 عائشة قالت: ~~"سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن ~~يشربونه فقال صلى الله عليه وسلم: "كل شراب أسكر فهو حرام" وفيهما نحوه من ~~حديث أبي موسى وفي الباب أحاديث قال في الحجة البالغة: وقد استفاض عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحاديث كثيرة من طرق لا تحصى وعبارات مختلفة ~~فقال: "الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة " وكذلك اتفق جميع الملل ~~والنحل على قبحه بالمرة وليس الأمر كما يظنه من لا بصيرة له من أنه حسن ~~بالنظر إلى الحكمة العملية لما فيه من تقوية الطبيعة فإن هذا الظن من باب ~~اشتباه الحكمة الطبية بالحكمة العملية والحق أنهما متغايرتان وقد نزل تحريم ~~الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل والخمر ما ~~خامر العقل وقال: لقد حرمت الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا ~~وعامة خمرنا البسر والتمر وكسر وادنان الفضيخ حين نزلت وهو يقتضيه قوانين ~~التشريع فإنه لا معنى لخصوصية العنب وإنما المؤثر في # PageV02P205 # التحريم كونه مزيلا للعقل يدعو قليله إلى كثيره فيجب به القول ولا يجوز ~~لأحد اليوم أن يذهب إلى تحليل ما اتخذ من غير العنب واستعمل أقل من حد ~~الإسكار نعم كان ناس من الصحابة والتابعين لم يبلغهم الحديث في أول الأمر ~~فكانوا معذورين ولما استفاض الحديث وظهر الأمر كرابعة النهار صح حديث ~~"ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها " لم يبق عذر أعاذنا الله ~~تعالى والمسلمين من ذلك انتهى وتمام هذا البحث في مسك الختام فليرجع إليه ~~"وما أسكر كثيره فقليله حرام" لحديث عائشة عند أحمد وأبي داود والترمذي ~~وحسنه وابن حبان والدارقطني وأعله بالوقوف قالت: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: " كل مسكر حرام ما أسكر الفرق1 منه فملء الكف منه ~~حرام " ورجاله رجال الصحيح إلا عمرو بن سالم الأنصاري مولاهم المدني قال ~~المنذري: لم أر أحدا قال فيه كلاما وقال الحاكم: هو معروف بكنيته يعني أبا ~~عثمان وأخرج ms539 أحمد وابن ماجه والدارقطني وصححه من حديث ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وأخرجه أبو داود والترمذي ~~وحسنه وقال ابن حجر: رجاله ثقات من حديث جابر وأخرجه أيضا أحمد والنسائي ~~وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفي الباب أحاديث قال ~~المسوى: وعليه الشافعي وأبو حنيفة إلا أن الشافعي يقول: كل ما خامر العقل ~~فهو خمر قليله وكثيره حرام يجب منه الحد سواء كان من عنب أو تمر أو عسل أو ~~غير ذلك وسواء كان نيئا أو مطبوخا وفي مذهب أبي حنيفة النيء من ماء العنب ~~إذا اشتد هو الخمر والمسكر من فضيخ التمر حرام يحد منه دون سائر المسكرات ~~انتهى "ويجوز الانتباذ في جميع الآنية"لما أخرجه مسلم وغيره من حديث بريدة ~~قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ~~ظروف الأدم2 فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا" وفي لفظ المسلم ~~أيضا وغيره "نهيتكم عن الظروف وإن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه وكل مسكر ~~حرام " وفي الباب أحاديث مصرحة بنسخ ما قد كان وقع منه صلى الله عليه وسلم ~~من النهي عن الانتباذ في الدباء والنقير والمزفت والحنتم ونحوها كما هو ~~PageV02P206 # مذكور في الأحاديث المروية في الصحيحين وغيرهما وذهب قوم إلى بقاء الحظر ~~فيها وبه قال مالك وأحمد # "ولا يجوز انتباذ جنسين مختلطين"لحديث جابر في الصحيحين وغيرهما عن النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أنه نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا ونهى ~~أن ينبذ الرطب والبسر جميعا "وفيهما من حديث أبي قتادة نحوه ولمسلم نحوه من ~~حديث أبي سعيد وله أيضا نحوه من حديث أبي هريرة وفي الباب أحاديث ووجه ~~النهي عن انتباذ الخليطين أن الإسكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط فيظن المنتبذ ~~أنه لم يبلغ حد الإسكار وقد بلغه قال النووي ومذهب الجمهور: أن النهي في ~~ذلك للتنزيه لا للتحريم وإنما يحرم إذا صار مسكرا ولا ms540 تخفى علامته وقال بعض ~~المالكية: هو للتحريم وقد ورد ما يدل على منع انتباذ جنسين سواء كان مما ~~ذكر في الأحاديث السابقة أم لا وهو ما أخرجه النسائي وأحمد من حديث أنس ~~قال: "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: أن يجمع بين شيئين ~~فينبذا يبغي أحدهما على صاحبه "ورجال إسناده ثقات قال في المسوى: اختلف أهل ~~العلم فذهب جماعة إلى تحريمه وإن لم يكن الشراب المتخذ منه مسكرا لظاهر ~~الحديث وبه قال مالك وأحمد وقال الأكثرون هو حرام إذا كان مشتدا ومسكرا إذ ~~المعنى فيه الإسكار وإنما خص ذكره لأنه كان من عادتهم اتخاذ النبيذ المسكر ~~بذلك وقال الليث إنما جاءت الكراهة أن ينبذا جميعا لأن أحدهما يشد صاحبه ~~"ويحرم تخليل الخمر"لحديث أنس عند أحمد وأبي داود والترمذي وصححه "أن النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سئل عن الخمر يتخذ خلا فقال لا " وأخرج أحمد ~~وأبو داود والترمذي من حديثه أيضا "أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها قال: أفلا نجعلها؟ خلا ~~قال لا " وقد عزاه المنذري في مختصر السنن إلى مسلم وله حديث ثالث نحوه ~~أخرجه الدارقطني وأخرج أحمد من حديث أبي سعيد نحوه قال ابن القيم: وفي ~~الباب عن أبي الزبير وجابر وصح ذلك عن عمر بن الخطاب ولا نعلم له في ~~الصحابة مخالفا ولم يزل أهل المدينة ينكرون ذلك قال الحاكم سمعت أبا الحسن ~~علي بن عيسى الحبري يقول سمعت محمد بن إسحق يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: ~~قدمت المدينة أيام مالك فتقدمت إلى قاض فقلت: عندك خل خمر فقال: # PageV02P207 # سبحان الله في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم قدمت بعد موت ~~مالك فذكرت ذلك لهم فلم ينكر علي أحد وأما ما روي عن علي من اصطناعه الخمر ~~وعن عائشة أنه لا بأس به فهو خل الخمر إذا تخللت بنفسها لا بإتخادها اه وفي ~~الحجة البالغة: سئل عن الخمر ms541 يتخذ خلا قال: لا قيل إنما أصنعها للدواء ~~فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء. أقول: لما كان الناس مولعين بالخمر وكانوا ~~يتحيلون لها حيلا لم تتم المصلحة إلا بالنهي عنها على كل حال لئلا يبقى عذر ~~لأحد ولا حيلة انتهى "ويجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه"لحديث أبي هريرة ~~عند أبي داود والنسائي وابن ماجه قال: "علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فإذا هو ينش1 فقال: ~~اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر " وأخرج أحمد ~~عن ابن عمر في العصير قال: اشربه ما لم يأخذه شيطانه قيل: وفي كم يأخذه ~~شيطانه قال: في ثلاث وأخرج مسلم وغيره من حديث ابن عباس "أنه كان ينقع ~~للنبي صلى الله عليه وسلم الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء ~~الثالثة ثم يأمر به فيسقي الخادم أو يهراق "قال أبو داود ومعنى يسقي الخادم ~~يبادر به الفساد "ومظنة ذلك ما زاد على ثلاثة أيام"لحديث ابن عباس المذكور ~~وقد أخرج مسلم وغيره من حديث عائشة "أنها كانت تنتبذ لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غدوة فإذا كان من العشي فتعشى شرب على عشائه وإن فضل شئ صبته أو ~~أفرغته ثم تنتبذ له بالليل فإذا أصبح تغدى فشرب على غدائه قالت: نغسل ~~السقاء غدوة وعشية "وهو لا ينافي حديث ابن عباس المتقدم أنه كان يشربه ~~اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة لأن الثلاث مشتملة على زيادة غير ~~منافية والكل في الصحيح "وآداب الشرب أن يكون ثلاثة أنفاس"لحديث أنس في ~~الصحيحين "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يتنفس في الإناء ~~ثلاثا "وفي لفظ لمسلم "أنه كان يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول: إنه أروى ~~وأمرأ " والمراد أنه كان يتنفس بين كل شربتين في غير الإناء وأما التنفس في ~~الإناء فمنهي عنه لحديث أبي قتادة في الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم PageV02P208 # قال: "إذا ms542 شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ~~ماجه والترمذي وصححه من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه "وأخرج أحمد والترمذي وصححه من ~~حديث أبي سعيد "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نهى عن النفخ في ~~الشراب فقال: الرجل القذاة أراها في الشراب فقال: أرقها فقال إني لا أروى ~~من نفس واحد قال: فأبن القدح إذا عن فيك" قلت: وعلى هذا أهل العلم والنهي ~~عن التنفس فيه من أجل ما يخاف أن يبرز شئ من ريقه أو مخاطه فيقع في الماء ~~وقد تكون النكهة من بعض من يشرب متغيرة فتتعلق الرائحة بالماء لرقته ولطفه ~~ثم إنه من فعل الدواب إذا كرعت في الأواني كرعت ثم تنفست فيها ثم عادت ~~فشربت فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه والنفخ فيه ~~يكون لأحد معنيين فإن كان من حرارة الشراب فليصبر حتى يبرد وإن كان من أجل ~~قذى فليمطه بأصبع أو خلال وإن تعذر فليرقها كما جاء في الحديث ~~"وباليمين"لما تقدم في آداب الأكل "ومن قعود"لأن الشرب قاعدا من الهيئات ~~الفاضلة وأقرب لجموم النفس والري وأن تصرف الطبيعة الماء في محله لحديث أبي ~~سعيد عند مسلم وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائما ~~"وأخرج مسلم أيضا من حديث أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "لا يشربن أحدكم قائما فمن نسي فليستقي " ولا يعارض هذا حديث ابن عباس ~~في الصحيحين "أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من ماء زمزم قائما "ولا ما ~~أخرج البخاري وغيره من حديث علي "أنه شرب وهو قائم ثم قال: إن ناسا يكرهون ~~الشرب قائما وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت "ولا ما ~~أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث ابن عمر قال: "كنا نأكل على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ms543 ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام "لأنه يمكن ~~الجمع بأن الكراهة للتنزيه وإن كان قوله "فمن نسي فليستقيء " يشعر بعدم ~~الجواز في حق من قصد مخالفة السنة على أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض ~~القول الخاص بالأمة ويخصص القول الشامل له وللأمة فيكون الفعل خاصا به كما ~~تقرر في الأصول قلت: وعليه أكثر أهل العلم رأوا نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الشرب # PageV02P209 # قائما نهي أدب وإرفاق ليكون تناوله على سكون وطمأنينة فيكون أبعد من أن ~~يكون منه فساد في المعدة كالكباد وغيره "وتقديم الأيمن فالأيمن"لحديث أنس ~~في الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلبن قد شيب بماء ~~وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال "الأيمن ~~فالأيمن" وفيهما من حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بشراب ~~فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام "أتأذن لي أن أعطي ~~هؤلاء فقال الغلام: والله يارسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا فتله أي ~~وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده"قال في الحجة البالغة: أراد بذلك ~~قطع المنازعة فإنه لو كانت السنة تقديم الأفضل ربما لم يكن الفضل مسلما ~~بينهم وربما يجدون في أنفسهم من تقديم غيرهم حاجة اه "ويكون الساقي آخرهم ~~شربا" لحديث أبي قتادة عند ابن ماجه وأبي داود والترمذي وصححه وقال ~~المنذري: رجال إسناده ثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ساقي القوم ~~آخرهم شربا " وقد أخرجه أيضا مسلم بلفظ"قلت لا أشرب حتى يشرب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "إن الساقي آخرهم شربا" "ويسمي في أوله ويحمد في ~~آخره" لحديث ابن عباس عند الترمذي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا الله إذا ~~أنتم شربتم واحمدوا الله إذا إنتم رفعتم" أخرج أحمد وأبو داود والترمذي ~~وابن ماجه والنسائي والبخاري في التاريخ من حديث أبي سعيد قال: ms544 كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا أكل وشرب قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا ~~وجعلنا مسلمين" "ويكره التنفس في السقاء والنفخ فيه"وقد تقدمت أدلة ذلك في ~~الشرب ثلاثة أنفاس "والشرب من فمه"لأنه إذا ثنى فم القربة فشرب منه فإن ~~الماء يتدفق وينصب في حقه دفعة وهو يورث الكباد ويضر بالمعدة ولا يتميز ~~عنده في دفق الماء وانصبابه القذاة ونحوها ودليله حديث أبي سعيد في ~~الصحيحين قال: "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن اختناث ~~الأسقية أن يشرب من أفواهها "وفي رواية لهما "واختناثها أن يقلب رأسها ثم ~~يشرب منه "وفي البخاري من حديث أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى أن يشرب منه "وفي البخاري من حديث أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى أن يشرب من في السقاء "وزاد أحمد "قال أيوب فأنبئت أن رجلا ~~شرب من في # PageV02P210 # السقاء فخرجت حية "وزاد في الحجة البالغة: "فدخلت في جوفه "وفي البخاري ~~وغيره من حديث ابن عباس قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب ~~من في السقاء "وهذا لا يعارضه مارواه ابن ماجة والترمذي وصححه من حديث كبشة ~~قالت: "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب من في قربة معلقة قائما ~~فقمت إلى فيها فقطعته "وأخرج أحمد وابن شاهين والترمذي في الشمائل ~~والطبراني والطحاوي من حديث أم سليم ونحوه وأخرج أبو داود والترمذي من حديث ~~عبد الله بن بسر نحوه أيضا لأنه فعله صلى الله عليه وسلم قد يكون لبيان ~~الجواز فتحمل أحاديث النهي على الكراهة لا على التحريم وقد يكون ما فعله ~~صلى الله عليه وسلم لعذر فتحمل أحاديث النهي على عدم العذر وقد جزم ابن حزم ~~بالتحريم وروي عن أحمد أن أحاديث النهي ناسخة "وإذا وقعت النجاسة في شئ من ~~المائعات لم يحل شربه وإن كان جامدا ألقيت وما حولها"لحديث ميمونة عند ~~البخاري وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت ms545 في سمن فماتت ~~فقال: "لقوها وما حولها وكلوا سمنكم" وأخرج أبو داود في لفظ لهما من هذا ~~الحديث "أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن ~~فقال: إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه " وصححه ~~ابن حبان وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة قال: "سئل رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال: "إن ~~كان جامدا فخذوها وما حولها ثم كلوا ما بقي وإن كان مائعا فلا تقربوه" وقد ~~أخرجه أيضا النسائي وحكم غير الفأرة مما هو مثلها في النجاسة والاستقذار ~~حكمها إذا وقع في سمن أو نحوه قلت: وعليه أهل العلم ومعناه عندهم إذا كان ~~جامدا فإن كان مائعا تنجس كله فلا يجوز أكله بالاتفاق وجوز أبو حنيفة بيعه ~~ولم يجوزه الشافعي "ويحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة"لحديث حذيفة ~~في الصحيحين وغيرهما قال "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا ~~تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الفضة ولا تأكلوا في صحافها ~~فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" وفيهما أيضا من حديث أم سلمة "أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما ~~يجرجر في بطنه نار جهنم " ولفظ مسلم "إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب ~~والفضة" وأخرج # PageV02P211 # مسلم من حديث البراء بن عازب قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الشرب في الفضة فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة "وأخرج ~~أحمد وابن ماجه من حديث عائشة نحو حديث أم سلمة قلت: الجرجرة صوت وقوع ~~الماء في الجوف وعليه أهل العلم وفي حكمها الذهب ورخص الشافعي في تضبيب ~~الإناء بقليل من الفضة عند الحاجة لحديث أنس أن قدح النبي صلى الله عليه ~~وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة "قال الشيخ محي الدين بن إبراهيم ~~النحاس في تنبيه الغافلين: ms546 ومنها استعمال أواني الذهب والفضة للرجال ~~والنساء في الأكل والشرب والادهان والاكتحال ونحو ذلك كذا قال الشيخ شمس ~~الدين ابن القيم وغيره ولا فرق بين أن تكون الآنية كبيرة كالصحن والزبدية ~~ونحوهما أو صغيرة كالمكحلة والميل والإبرة ونحوها وكما يحرم استعمال أواني ~~الذهب والفضة يحرم اتخاذها لغير استعمال على الرجال والنساء ويحرم على ~~الصائغ عملها ومن قدم إليه طعام في آنية ذهب أو فضة ولم يستطع الإنكار ~~فطريقه أن يأخذ الطعام من الآنية ويضعه في وعاء آخر أو على الخبز أو في يده ~~الشمال ثم يأكل منه لأن ذلك ليس بأكل فيها وكذلك إذا أردا الاكتحال من كحل ~~في مكحلة فضة أفرغ منه في شئ ثم اكتحل منه والله تعالى أعلم 1ه أقول ~~استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب فيها لم يرد ما يدل على المنع ~~منه ولم يثبت إلا المنع من الأكل والشرب فيها فقط ومن زعم تحريم غيرهما لم ~~يقبل إلا بدليل لأن الأصل الحل فلا ينقل عنه إلا بناقل وأما التحلي بهما ~~فلم يرد ما يمنع من ذلك إلا في الذهب وأما الفضة فلم يرد شئ بل قال صلى ~~الله عليه وسلم "عليكم بالفضة فالعبوا بها كيف شئتم1" هذا خلاصة ما ينبغي ~~القول به في الاستعمال والتحلي وللماتن رحمه الله تعالى أبحاث جليلة ~~المقدار راجحة الأنظار في ذلك فلتراجع PageV02P212 ### | كتاب اللباس # "ستر العورة واجب في الملأ والخلاء"لحديث حكيم بن حزام عن أبيه عند أحمد ~~وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم وصححه قال: "قلت يا رسول الله ~~عوارتنا ماء نأتي منها وما نذر فقال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت ~~يمينك" قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: إن استطعت أن لا يراها أحد ~~فلا يرينها فقلت: فإذا كان أحدنا خاليا قال: فالله تبارك وتعالى أحق أن ~~يستحيا منه " وقد اختلف أهل العلم في حد العورة وكذلك اختلفت الأدلة وقد ~~استوفاها الماتن في شرح المنتقى "ولا يلبس الرجل الخالص من الحرير"لحديث ~~عمر في ms547 الصحيحين وغيرهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا ~~تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " وفيهما نحوه من ~~حديث أنس وفيهما وغيرهما من حديث ابن عمر " أنه رأى عمر حلة من إستبرق فأتى ~~بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد ~~وللوفود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما هذه لباس من لا خلاق له" ~~وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها " وفي ~~إسناده سعيد بن أبي هند عن أبي موسى قال أبو حاتم: إنه لم يلقه وقد صححه ~~أيضا ابن حزم وروي من حديث علي عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن ~~حبان قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حريرا فجعله في يمينه وأخذ ذهبا ~~فجعله في شماله ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي " زاد ابن ماجه "حل ~~لإناثهم " وهو حديث حسن وأخرج البيقهي بإسناد حسن نحوه وأخرج البزار من ~~حديث عمر بن جرير البجلي1 نحوه PageV02P213 # أيضا وفي إسناده قيس بن أبي حازم وفي الباب أحاديث وقد ذكر المهدي في ~~البحر أنه مجمع على تحريم الحرير للرجال وقال فيه إنه خالف في ذلك ابن علية ~~وانعقد الإجماع بعده على التحريم وقال القاضي عياض: إنه حكي عن قوم إباحته ~~وقال أبو داود: إنه لبس الحرير عشرون نفسا من الصحابة وقد اختلف أهل العلم ~~في الحرير المشوب بغيره واستدل المانعون من لبسه بما ورد من منعه صلى الله ~~عليه وسلم للبس حلة السيراء كما في الصحيحين من حديث علي ولكنه قد وقع ~~الخلاف في تفسير حلة السيراء ما هي فقيل إنها ذات الخطوط وقيل المختلفة ~~الألوان وهذان التفسيران لا يدلان على مطلوب من استدل بذلك على المنع من ~~لبس المشوب على أنه قد قيل إنه الحرير المحض واستدل من لم يقل بتحريم ~~المشوب بل ms548 حرم الخالص فقط بمثل حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود قال: ~~"إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من قز "وفي إسناده ~~خصيف بن عبد الرحمن وفيه ضعف والمصمت بضم الميم الأولى وفتح الثانية ~~المخففة وهو الذي جميعه حرير لا يخالطه قطن ولا غيره وهذا البحث طويل ~~الذيول أقول مسألة تحريم مشوب الحرير من المعارك التي تحتمل البسط قال ~~الماتن في حاشية الشفاء: وقد طالت المراجعة فيها بيني وبين شيخي المجتهد ~~المطلق السيد عبد القادر بن أحمد الكوكباني رحمه الله أيام قراءتي عليه ~~فكان جميع ما حرره وحررته نحو سبع رسائل وقد لخصت ما ظهر لي في المسألة في ~~شرح المنتقى باختصار فليرجع إليه قلت: وحاصله ترجيح التحريم كما قررته في ~~هداية السائل إلى أدلة المسائل فليراجع قال في المسوي: الحلة السيراء التي ~~فيها خطوط كالسيور وهي برود من الحرير أو الغالب فيها الحرير والقسي ثياب ~~مضلعة من الحرير أي منقوشة بصورة الضلاع وأشباهه قيل نسبة إلى قس قرية ~~بساحل البحر وقيل إلى القز بالزاي فأبدل من الزاي السين وعلى هذا أهل العلم ~~أن الحرير حرام على الرجال دون النساء ويرخص في موضع إصبع أو إصبعين أو ~~ثلاث أو أربع من أعلام الحرير ورخص بعضهم في لبسه لأجل الحكة والقمل اه. ~~وفي حديث علي عند مالك "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي ~~"وعليه أهل العلم وفي الأنوار يجوز لبس الكتان والقطن والصوف والخزوان كانت ~~نفيسة "إذا كان فوق أربع أصابع"لحديث عمر في الصحيحين # PageV02P214 # وغيرهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا ~~ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه الوسطى والسبابة وضمهما "وفي ~~لفظ لمسلم وغيره "نهى عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة ~~"قال في الحجة البالغة: لأنه ليس من باب اللباس وربما تقع الحاجة إلى ذلك ~~ونهى عن لبس الحرير والديباج والقسي والمياثر والأرجوان اه. "إلا ~~للتداوي"لحديث أنس في ms549 الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص ~~لعبد الرحمن ابن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما "قال في الحجة ~~البالغة: لأنه لم يقصد حينئذ به الإرفاه وإنما قصد به الاستشفاء "ولا ~~يفترشه"أي الحرير لحديث حذيفة عند البخاري قال "نهانا رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس ~~الحرير والديباج وأن نجلس عليه وقال: "هو لهم في الدنيا ولنا في الآخرة" ~~وفي معنى ذلك أحاديث وهذا نص في محل النزاع وأما الاسترواح بالقياس على ~~جواز افتراش ما فيه تصاوير فقياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار قال ابن ~~القيم: ولو لم يأت هذا النص لكان النهي عن لبسه متناولا لافتراشه كما هو ~~متناول للالتحاف به وذلك لبس لغة وشرعا كما قال أنس: "قمت إلى حصير لنا قد ~~اسود من طول ما لبس "ولو لم يأت اللفظ العام المتناول لافتراشه بالنهي لكان ~~القياس المحض موجبا لتحريمه إما قياس المثل أو قياس الأولى فقد دل على ~~تحريم الافتراش النص الخاص واللفظ العام والقياس الصحيح ولا يجوز رد ذلك ~~كله بالمتشابه من قوله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} ومن القياس على ~~ما إذا كان الحرير بطانة الفراش دون ظهارته فإن الحكم في ذلك التحريم على ~~أصح القولين والفرق على القول الآخر مباشرة الحرير وعدمها كحشو الفراش فإن ~~صح الفرق بطل القياس وإن بطل الفرق منع الحكم وقد تمسك بعموم النهي عن ~~افتراش الحرير طائفة من الفقهاء فحرموه على الرجال والنساء وهذه طريقة ~~الخراسانيين من أصحاب الشافعي وقابهم من أباحه بنوعين والصواب التفصيل وأن ~~من أبيح له لبسه أبيح له افتراشه ومن حرم عليه حرم عليه وهذا قول الأكثرين ~~وهي طريقة العراقيين من الشافعية اه وفي تنبيه الغافلين الجلوس على الحرير ~~والالتحاف به حرام على الرجال وصحح الرافعي تحريم افتراشه على النساء ~~وخالفه النووي في # PageV02P215 # ذلك وحكى ابن الرفعة عن بعض العلماء أنه لا ينعقد النكاح بحضور الجالس ms550 ~~على الحرير واستبعد وحكم القز في التحريم حكم الحرير على الأصح إذا كان على ~~صبي غير بالغ ثوب حرير قال الغزالي: الصحيح أن ذلك منكر يجب نزعه عنه إن ~~كان مميزا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "هذان حرامان على ذكور أمتي" ~~وكما يجب منع الصبي عن شرب الخمر لكونه مكلفا ولكن لكونه يأنس به فإذا بلغ ~~عسر عليه الصبر عنه كذلك شهوة التزين بالحرير وأما الصبي الذي لا تمييز له ~~فيضعف - يعني - التحريم في حقه ولا تخلو عن احتمال والعلم فيه عند الله ~~تعالى هذا كلام الغزالي وصحح النووي الجواز مطلقا والله تعالى أعلم اه وروي ~~عن ابن عباس وأنس أنه يجوز افتراش الحرير وإليه ذهب الحنفية واستدل لهم بأن ~~افتراش الحرير إهانة وليس هذا مما يستدل به عى المسائل الشرعية على فرض عدم ~~المعارض فكيف وقد عارضه الدليل الصحيح الصريح "ولا المصبوغ بالعصفر"لحديث ~~عبد الله بن عمرو عند مسلم وغيره قال: "رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم علي ثوبين معصفرين فقال "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها " ~~وأخرج مسلم وغيره أيضا من حديث علي قال: "نهاني رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم عن التختم بالذهب وعن لباس القسي وعن القراءة في الركوع ~~والسجود وعن لباس المعصفر "وفي الباب أحاديث والعصفر يصبغ الثوب صبغا أحمر ~~على هيئة مخصوصة فلا يعارضه مارود في لبس مطلق الأحمر كما في الصحيحين من ~~حديث البراء قال: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مربوعا ~~بعيد ما بين المنكبين له شعر يبلغ شحمة أذنيه رأيته في حلة حمراء لم أر ~~شيئا قط أحسن منه "وفي الباب أحاديث يجمع بينهما بأن الممنوع منه هو الأحمر ~~الذي صبغ بالعصفر والمباح هو الأحمر الذي لم يصبغ به "ولا ثوب شهرة"لحديث ~~ابن عمر "من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة" ~~أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ورجال إسناده ثقات والمراد به ~~الثوب الذي يشهر ms551 لابسه بين الناس ويلحق بالثوب غيره من الملبوس ونحوه مما ~~يشهر به اللابس له لوجود العلة "ولا ما يختص بالنساء ولا العكس"لحديث أبي ~~هريرة عند أحمد وأبي داود والنسائي "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم لعن الرجل يلبس لبس المرأة والمرأة تلبس لبس الرجل " # PageV02P216 # وفي صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: "لعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المتشبهات من السناء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء"وفي ~~الباب أحاديث "ويحرم على الرجال التحلي بالذهب لا بغيره"لما تقدم من ~~الأحاديث الواردة في تحريم الذهب وهو لا يكون إلا حلية إذ لا يمكن لبسه ~~وأما ما يخلط في بعض الثياب بالحرير أو بغيره فهو فضة لا ذهب وإن سماه ~~الناس ذهبا ومن الأدلة على ذلك ما ورد في المنع من خاتم الذهب وما ورد فيمن ~~حلى جيبا له ولو بخر بصيصة1 وقد جمع الماتن رسالة مستقلة في تحريم التحلي ~~بقليل الذهب وكثيره وجمع أيضا رسالة مستقلة في تحلي النساء بالذهب وهل يجوز ~~ذلك أم لا فليرجع إليهما قال المجد في القاموس جربصيصة: أي شئ من الحلي ~~ونحوه في تاج اللغات وفي نهاية الحديث الجربصيصة الهنة التي تتراءى في ~~الرمل لها بصيص كأنها عين جرادة قال في الحجة البالغة: ومن تلك الرؤس الحلي ~~المترفة وهنا أصلان: أحدهما أن الذهب هو الذي يفاخر به العجم ويفضي جريان ~~الرسم بالتحلي به إلى الإكثار من طلب الدنيا دون الفضة ولذلك شدد النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الذهب وقال: "ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها " والثاني ~~أن النساء أحوج إلى التزين ليرغب فيهن أزواجهن ولذلك جرت عادة العرب والعجم ~~جميعا بأن يكون تزينهن أكثر من تزينهم فوجب أن يرخص لهن أكثر مما يرخص لهم ~~ولذلك قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أحل الذهب والحرير للإناث من ~~أمتي وحرم على ذكورها وقال صلى الله عليه وسلم في خاتم ذهب في يد رجل: " ~~يعمد أحدكم إلى جمر من نار فيجعله في يده" ورخص عليه السلام ms552 في خاتم الفضة ~~لا سيما لذي سلطان وقال: "ولا تتمه مثقالا" ونهى النساء عن غير المقطع من ~~الذهب وهو ما كان قطعة واحدة كبيرة قال: "من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار ~~فيحلقه من ذهب" وذكر على هذا الأسلوب الطوق والسوار وكذا جاء التصريح ~~بقلادة من ذهب وسلسلة من ذهب وبين المعنى في هذا الحكم حيث قال: ~~PageV02P217 # "أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به" وكان لأم سلمة ~~أوضاح من ذهب والظاهر أنها كانت مقطعة وقال صلى الله عليه وسلم: "أحل الذهب ~~للإناث" معناه الحل في الجملة هذا الحل في الجملة هذا ما يوجبه مفهوم هذه ~~الأحاديث ولم أجد لها معارضا ومذهب الفقهاء في ذلك معلوم ومشهور وهو ~~التحليل مطلقا بلا فرق بين المقطع وغيره والله تعالى أعلم بحقيقة الحال ~~أقول: وأما التختم فقد أخرج أبو داود من حديث عمر والنسائي من حديث أنس "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يختم في يساره"وأخرج أبو داود والنسائي من ~~حديث علي والترمذي والنسائي أيضا من حديث أبي رافع "أنه صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم كان يتختم في يمينه "فالكل جائز بدون كراهة ولم يرد النهي ~~إلا عن التختم في السبابة والوسطى كما أخرجه مسلم وأهل السنن من حديث علي ~~بلفظ "نهاني أن أجعل الخاتم في هذه أو في التي تليها وأشار إلى السبابة. # PageV02P218 ### | كتاب الأضحية ### | مشروعيتها # ... # كتاب الأضحية # "تشرع لأهل كل بيت" لحديث أبي أيوب الأنصاري قال: "كان الرجل في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته" أخرجه ابن ماجه ~~والترمذي وصححه وأخرج نحو ابن ماجه من حديث أبي شريحة بإسناد صحيح وأخرج ~~أحمد وأبو داود والنسائي من حديث مخنف1 بن سليم أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "ياأيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية" وفي إسناده ~~أبو رملة واسمه عامر قال الخطابي مجهول وقد اختلف في وجوب الأضحية فذهب ~~الجمهور إلى أنها سنة غير ms553 واجبة وبه قال مالك وقال: لا أحب لأحد ممن قوي ~~على ثمنها أن يتكرها وعليه الشافعي وذهب ربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة والليث ~~وبعض المالكية إلى أنها واجبة على الموسر وحكي عن مالك والنخمي وتمسك ~~القائلون بالوجوب بمثل حديث "على كل أهل بيت أضحية " المتقدم وبمثل حديث ~~أبي هريرة عند أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم وقال ابن حجر في الفتح رجاله ~~ثقات لكن اختلف في رفعه PageV02P218 # ووقفه والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره قال: قال رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم: "من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا " ومن ~~أدلة الموجبين قوله: {فصل لربك وانحر} والأمر للوجوب وقد قيل إن المراد ~~تخصيص الرب بالنحر لا للأصنام ومن ذلك حديث جندب بن سفيان البجلي في ~~الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من ~~كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح ~~باسم الله" ومن حديث جابر نحوه وجعل الجمهور حديث "أنه صلى الله تعالى عليه ~~وسلم ضحى عمن لم يضح من أمته بكبش "كما في حديث جابر عند أحمد وأبي داود ~~والترمذي وأخرج نحوه أحمد والطبراني والبزار من حديث أبي رافع بإسناد حسن ~~قرينة صارفة لما تفيده أدلة الموجبين ولا يخفى أنه يمكن الجمع بأنه ضحى عن ~~غير الواجدين من أمته كما يفيده قوله: "من لم يضح من أمته "مع قوله "على كل ~~أهل بيت أضحية" وأما مثل حديث "أمرت بالأضحى ولم يكتب عليكم " ونحوه فلا ~~تقوم بذلك الحجة لأن في أسانيدها من رمي بالكذب ومن هو ضعيف بمرة "وأقلها ~~شاة" لما تقدم وقال المحلي: البعير والبقرة تجزيء عن سبعة والشاة تجزيء عن ~~الواحد وإن كان له أهل بيت حصلت بجميعهم وكذا يقال في كل واحد من السبعة ~~يعني المشتركين في البدنة والبقرة فالتضحية سنة كفاية لك أهل بيت وسنة عين ~~لمن ليس له بيت وعند الحنفية الشاة لا تجزي إلا عن واحد والبقرة والبدنة لا ~~تجزئان ms554 إلى عن سبعة سبعة ولم يفرقوا بين أهل البيت وغيره وتأويل الحديث ~~عندهم أن الأضحية لا تجب إلى على غني ولم يكن الغني في ذلك الزمان غالبا ~~إلا صاحب البيت ونسبت إلى أهل بيته على معنى أنهم يساعدونه في التضحية ~~ويأكلون لحمها وينتفعون بها ويصح اشتراك سبعة في بدنة أو بقرة وإن كانوا ~~أهل بيوت شتى وهو قول العلماء وقاسوا الأضحية على الهدي ولا أضحية عن ~~الجنين وهو قول العلماء "ووقتها بعد صلاة عيد النحر" لقوله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "من كان ذبح قبل أن نصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ~~ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله" وهو في الصحيحين كما تقدم قريبا وفي ~~الصحيحين من حديث أنس عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "من كان ~~ذبح قبل الصلاة # PageV02P219 # فليعد " قال ابن القيم: ولا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سأله أبو بردة بن نيار عن شاة ذبحها يوم العيد فقال: "أقبل الصلاة؟ قال: ~~نعم قال: تلك شاة لحم" الحديث قال: وهو صحيح صريح في أن الذبح قبل الصلاة ~~لا يجزي سواء دخل وقتها أو لم يدخل وهذا الذي ندين الله به قطعا ولا يجوز ~~غيره اه وفي الباب أحاديث وفيها التصريح بأن المعتبر صلاة الإمام ويمتد ~~"إلى آخر أيام التشريق" لحديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "كل أيام التشريق ذبح " أخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي وله ~~طرق يقوي بعضها بعضا وقد روي أيضا من حديث جابر وغيره وقد روي ذلك عن جماعة ~~من الصحابة ومن بعدهم والخلاف في المسألة معروف وفي الموطأ عن ابن عمر ~~الأضحى يومان بعد يوم الأضحى مثل ذلك عن علي بن أبي طالب وعليه الحنفية ~~ومذهب الشافعية أنه يمتد وقته إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق لحديث ~~الحاكم الدال على ذلك "وأفضلها" أي الضحايا "أسمنها" لحديث أبي رافع "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى ms555 كبشين سمينين "الحديث وهوعند ~~أحمد وغيره بإسناد حسن وأخرج البخاري من حديث أبي أمامة بن سهل قال: "كنا ~~نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون " أقول: الحق أن أفضل الأضحية ~~الكبش الأقرن كما ورد الحديث بذلك عن عبادة بن الصامت عند أبي داود وابن ~~ماجه والحاكم والبيهقي مرفوعا بلفظ "خير الأضحية الكبش الأقرن " وأخرجه ~~الترمذي وأخرجه أيضا ابن ماجه والبيهقي من حديث أبي أمامة وفي إسناده عفير ~~بن معدان وهو ضعيف والأضحية هي غير الهدي وقد ورد النص فيها فوجب تقديمه ~~على القياس وحديث الكبش الأقرن نص في محل النزاع فإن كان خاصا بالفحل فظاهر ~~وإن كان شاملا له وللخصي فالأفضلية لا تختص بالخصي وتضحية النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالخصي لا تستلزم أن يكون أفضل من غيره بل غاية ما هناك أن الخصي ~~يجزيء "ولا يجزيء ما دون الجذع من الضأن" لحديث جابر عند مسلم وغيره قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم ~~فتذبحوا جذعة من الضأن" وأخرج أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نعم أو نعمت الأضحية الجذع # PageV02P220 # من الضأن "وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي والطبراني من حديث أم بلال بنت ~~هلال عن أبيها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يجوز الجذع من الضأن ~~ضحية "وفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر قال "قسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ضحايا بين أصحابه فصارت لعقبة جذعة فقلت: يا رسول الله أصابني جذع ~~فقال ضح به "وقد ذهب إلى أنه يجزيء الجذع من الشأن الجمهور ومن زعم أن ~~الشاة لا تجزيء إلى عن واحد أو عن ثلاثة فقط أو زعم أن غيرها أفضل منها ~~فعليه الدليل ولا يفيده ما ورد في الهدي فذلك باب آخر "و" لا يجزيء دون ~~"الثني من المعز" وهو ما استكمل سنتين وطعن في الثالثة لحديث أبي بردة في ~~الصحيحين وغيرهما أنه قال: يا رسول الله ms556 إن عندي داجنا جذعة من المعز فقال: ~~"اذبحها ولا تصلح لغيرك" وأما ما روي في الصحيحين وغيرهما من حديث عقبة "أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا فبقي ~~عتود فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ضح به أنت " والعتود من ولد ~~المعز ما أتى عليه حول فقد أخرج البيهقي عنه بإسناد صحيح أنه قال: أعطاني ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غنما أقسمها ضحايا بين أصحابي فبقي ~~عتود منها فقال: " ضح به أنت ولا رخصة لأحد فيه بعدك " وقد حكى النووي ~~الاتفاق على أنه لا يجزيء الجذع من المعز قلت: اتفقوا على أنه لا يجوز من ~~الإبل والبقر والمعز دون الثني والجذع من الضأن يجزيء عندهم ولا تجزيء ~~مقطوعة الأذن إلا أن أبا حنيفة قال: إن كان المقطوع أقل من النصف فيجوز ~~"ولا الأعور والمريض والأعرج والأعجف1 وأعضب القرن والأذن2" لحديث البراء ~~عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم قال: قال رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين ~~عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها3 والكسير التي لا تنقي4 ~~أي التي لا مخ لها " PageV02P221 # وقد وقع في رواية العجفاء بدل الكسيرة وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه ~~الترمذي من حديث علي قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نضحي ~~بأعضب القرن والأذن "قال قتادة: العضب النصف فأكثر من ذلك وأخرج أحمد وأبو ~~داود والحاكم والبخاري في تاريخه1 قال: "إنما نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسيرة فالمصفرة التي ~~تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها والمستأصلة التي ذهب قرنها من أصله والبخقاء ~~التي تبخق عينها2 والمشيعة التي لا تتبع الغنم عجفا وضعفا والكسيرة التي لا ~~تنقي"وهذا التفسير هو أصل الرواية وفي الباب أحاديث وأما مسلوبة الألية ~~فأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي من حديث أبي سعيد: "اشتريت كبشا أضحي به ~~فعدا الذئب فأخذ الألية فسألت النبي صلى ms557 الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: " ~~ضح به" وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف جدا # ويتصدق منها ويأكل ويدخر لحديث عائشة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم قال: " كلوا وادخروا وتصدقوا " وهو في الصحيحين وفي الباب أحاديث ~~والذبح في المصلى أفضل إظهارا لشعائر الدين لحديث ابن عمر عند البخاري عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أنه كان يذبح وينحر بالمصلى" "ولا ~~يأخذ من له أضحية من شعره وظفره بعد دخول عشر ذي الحجة حتى يضحي" لحديث أم ~~سلمة عند مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا ~~رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره" وفي لفظ ~~المسلم وغيره أيضا"من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من ~~شعره وأظفاره حتى يضحي "وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب سعيد بن المسيب ~~وربيعة وأحمد واسحق وداود وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحرم عليه أخذ شئ من ~~شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية وقال الشافعي وأصحابه وهو مكروه ~~كراهة تنزيه وحكى المهدي في البحر عن الشافعي وغيره أن ترك الحلق والتقصير ~~لمن أراد التضحية مستحب وقال أبو حنيفة: لا يكره PageV02P222 ### | باب الوليمة # "هي مشروعة" لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لعبد الرحمن بن عوف: "أولم ولو بشاة" وقد أولم النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم على نسائه فأولم على صفية بتمر وسويق كما أخرجه أحمد وأبو ~~داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان من حديث أنس وأخرج مسلم وغيره من حديثه ~~"أنه جعل وليمتها التمر والأقط والسمن"وهو في الصحيحين بنحو هذا وفيه ~~التصريح بأنه ما كان فيها من خبز ولا لحم وفي الصحيحين أيضا "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما أولم على شئ من نسائه ما أولم على زينب أولم بشاة"وقد ~~قال بوجوب وليمة العرس مالك وقيل إن المشهور عنه أنها مندوبة وروي الوجوب ~~عن أحمد وبعض ms558 الشافعية وأهل الظاهر وهو الحق ولم يأت في الأحاديث ما يشعر ~~بصرف الأوامر بالوليمة عن المعنى الحقيق وأما كونها بشاة فأكثر فيمكن أن ~~يكون فعله صلى الله عليه وسلم صارفا للوجوب على فرض عدم الاختصاص به ويمكن ~~أن يكون الأمر بالشاة فما فوقها مقيدا بالتمكن من ذلك فيكون واجبا مع ~~التمكن وذهب الجمهور إلى أنها سنة غير واجبة "ويجب الإجابة إليها" لحديث ~~أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ~~ويترك الفقراء ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" وفيهما من حديث ابن ~~عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها" ~~وفي لفظ لهما من حديثه "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" وفي آخر لمسلم ~~وغيره من حديثه "من دعي فلم يجب فقد عصي الله ورسوله" وفي مسلم وغيره من ~~حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام ~~فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك" وفي لفظ من حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره ~~"إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم" وقد نقل ~~ابن عبد البر والقاضي عياض والنووي الاتفاق على وجوب الإجابة إلى وليمة ~~العرس قال في الفتح: وفيه نظر نعم المشهور من أقول العلماء الوجوب وصرح ~~جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين ونص عليه مالك وعن بعض الشافعية ~~والحنابلة أنها مستحبة وحكى في البحر عن الشافعي # PageV02P223 # أن الإجابة إلى وليمة العرس مستحبة كغيرها والأدلة المذكورة تدل على ~~الوجوب لا سيما بعد التصريح بأن من لم يجب فقد عصى الله ورسوله أقول: ~~أحاديث الأمر بإجابة دعوة الوليمة معناها حقيقة الوجوب مقيدة بعدم المانع ~~من منكر أو مباهاة أو حضور الأغنياء فقط أو نحو ذلك ولم يأت ما يدل على صرف ~~تلك الأوامر عن معناها الحقيقي ووقع الخلاف في إجابة دعوة غير العرس هل تجب ~~أم لا؟ فمن قال بالوجوب استدل بالرواية المطلقة المذكورة ومن قال بعدم ms559 ~~الوجوب قال المطلقة محمولة على المقيدة وقد أوضح الماتن ما هو الحق في شرح ~~المنتقى قال البغوي: من كان له عذرا وكان الطريق بعيدا يلحقه المشقة فلا ~~بأس أن يتخلف وفي الأنوار من شروط وجوب الإجابة إلى الوليمة أن يعم عشيرته ~~أو جيرانه أو أهل حرفته أغنياءهم وفقرءاهم فإن خص الأغنياء فلا يجب ولو دعا ~~أهل حرفته وهم أغنياء لزمتهم الإجابة قال في المسوى: في كونه شرطا لوجوب ~~الإجابة نظر لأن معنى كلام أبي هريرة إثبات الشرية لهذا الطعام بوجه من ~~الوجوه وإثبات المعصية لمن لم يأتها وذلك صادق بأن يكون تخصيص الأغنياء ~~مكروها للداعي ولا يكون مانعا لتأكد الإجابة ويقدم السابق ثم الأقرب بابا ~~لحديث حمد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من الصحابة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابا فإن أقربهما بابا أقربهما ~~جوارا وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق" أخرجه أحمد وأبو داود وفي إسناده زيد ~~بن عبد الرحمن الدالاني وقد وثقه أبو حاتم وضعفه ابن حبان وأخرج البخاري ~~وغيره من حديث عائشة أنها سألت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقالت: ~~إن لي جارين فإلى أيهما أهدي فقال: إلى أقربهما منك بابا" فهذا يشعر ~~باعتبار القرب في الباب "ولايجوز حضورها إذا اشتملت على معصية" لحديث علي ~~عند ابن ماجه بإسناد رجاله رجال الصحيح قال: "صنعت طعاما فدعوت رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع" وأخرج أبو ~~داود والنسائي والحاكم من حديث ابن عمر قال: "نهى رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم عن مطعمين عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأن يأكل ~~وهو منبطح على بطنه" وفي إسناده انقطاع وقد ورد النهي عن القعود على ~~المائدة التي # PageV02P224 # تدار عليها الخمر من حديث عمر عند أحمد بإسناد ضعيف ومن حديث جابر عند ~~الترمذي وحسنه وأخرجه أيضا أحمد والنسائي والترمذي والحاكم من حديثه مرفوعا ~~وفي الباب غير ذلك ويؤيده أدلة الأمر ms560 بالمعروف والنهي عن المنكر ومن ذلك ~~"من رأى منكم منكرا فيلغيره بيده فإن لم يتسطع فبلسانه فإن لم يستطع ~~فبقلبه" وهو في الصحيحين وغيرهما # "فصل والعقيقة مستحبة" يدل على مشروعيتها حديث سلمان بن عامر الضبي عند ~~البخاري وغيره قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "مع ~~الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى" وأخرج أحمد وأهل السنن ~~وصححه الترمذي والحاكم وعبد الحق من حديث الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "كل غلام رهينة بعقيقته يذبح عنه يوم سابعه ~~ويسمى فيه ويحلق رأسه" وقد قيل إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا هذا الحديث ~~وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ~~"سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن العقيقة فقال: "لا أحب ~~العقوق" وكأنه كره الاسم فقالوا يا رسول الله: إنما نسألك عن أحدنا يولد له ~~قال: من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافأتان وعن ~~الجارية شاة فكان هذا الحديث دليلا على أن الأحاديث الواردة في رهن الغلام ~~بعقيقته ليست على الوجوب بل للاستحباب فقط ولو كان واجبا لم يكن مفوضا إلى ~~الإرادة ولما قال لمن أحب أن ينسك والأولى في تفسير قوله "مرتهن بعتيقته" ~~أن العقيقة لما كانت لازمة شبهت باعتبار لزومها للمولود بالرهن باعتبار ~~لزومه وقيل: إن معنى كونه مرهونا بعقيقته أنه لا يسمى ولا يحلق شعره إلا ~~بعد ذبحها وبه صرح صابح المشارق والنهاية وقال أحمد بن حنبل: إن معناه إذا ~~مات وهو طفل ولم يعق عنه لم يشفع لأبويه قلت: العقيقة سنة عند أكثر أهل ~~العلم إلا عند أبي حنيفة فإنه قال ليست بسنة "وهي شاتان عن الذكر وشاة عن ~~الأنثى" وبذلك قال الشافعي لحديث عمرو بن شعيب المذكور ولحديث عائشة عند ~~أحمد والترمذي وابن # PageV02P225 # حبان والبيهقي وصححه الترمذي قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"عن الغلام شاتان ms561 مكافأتان وعن الجارية شاة" وأخرج نحوه أحمد والنسائي ~~والترمذي والحاكم والدارقطني وصححه الترمذي من حديث أمر كرز الكعبية ~~والمراد بقوله "مكافأتان" المستويتان أو المتقاربتان ولا يعارض هذه ~~الأحاديث ما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه عبد الحق وابن دقيق العيد من ~~حديث ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا ~~كبشا" لأن الأحاديث المتقدمة متضمنة للزيادة وهي أيضا خطاب مع الأمة فلا ~~يعارضها فعله صلى الله عليه وسلم كما تقرر في الأصول والزيادة مقبولة إذا ~~كانت غير منافية فلا يكون الفاعل للعقيقة متسننا إلا إذا ذبح عن الذكر ~~شاتين لا شاة واحدة وقد وقع الإجماع على أن العقيقة عن الأنثى شاة وأما ~~الذكر فذهب الجمهور إلى أن العقيقة عنه شاتان وقال مالك شاة. وقال المحلي: ~~يحصل أصل السنة في عقيقة الذكر بشاة وكمال السنة شاتان وقال الشافعي: ~~العقيقة في الأكل والتصدق كالأضحية ويسن طبخها ولا يكسر عظمها اه. أقول: ~~ليس على شئ مما ذكروه من عدم الكسر والفصل من المفاصل وجمع العظام ودفنها ~~وغير ذلك من كتاب ولا سنة ولا من عقل بل هذه الأمور خيالات شبيهة بما يقع ~~من النساء ونحوهن من العوام مما لا يعود على فاعله بنفع دنيوي ولا ديني ~~"يوم سابع المولود" لحديث سمرة المتقدم ولأنه لا بد من فصل بين الولادة ~~والعقيقة فإن أهله مشغولون بإصلاح الوالدة والولد في أول الأمر فلا يكلفون ~~حينئذ بما يضاعف شغلهم وايضا فرب إنسان لا يجد شاة إلا بسعي فلو سن كونها ~~في أول يوم لضاق الأمر عليهم والسبعة أيام مدة صالحة للفصل المعتد به غير ~~الكثير "وفيه يسمى" وأحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن كما ~~في الحديث لأنهما أشهر الأسماء ولا يطلقان على غيره تعالى بخلاف غيرهما ~~وأنت تستطيع أن تعلم من هذا سر استحباب تسمية المولود بمحمد وأحمد فإن ~~طوائف الناس أولعوا بتسمية أولادهم بأسماء أسلافهم المعظمين عندهم وكان ~~يكون ذلك تنويها بالدين وبمنزلة الإقرار بأنه من أهله وأصدق ms562 الأسماء همام ~~وحارث وأخناها ملك الأملاك "ويحلق رأسه" وإماطة الأذى للتشبيه بالحاج وقد ~~أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة ~~بالصلاة والسر # PageV02P226 # فيه أن الأذان من شعائر الإسلام وأعلام الدين المحمدي ومن خاصية الأذان ~~أن الشيطان يفر منه الشيطان يؤذي الولد في أول نشأته حتى ورد في الحديث أن ~~استهلاله لذلك "ويتصدق بوزنه ذهبا أو فضة" لأمره صلى الله عليه وسلم لفاطمة ~~الزهراء عليها السلام أن تحلق شعر رأس الحسن وتتصدق بوزنه من الورق أخرجه ~~أحمد والبيقهي وفي إسناده ابن عقيل وفيه مقال ويشهد له ما أخرجه مالك وأبو ~~داود في المراسيل والبيهقي من حديث جعفر ابن محمد زاد البيهقي عن أبيه عن ~~جده "أن فاطمة وزنت شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم فتصدقت بوزنه فضة ~~"وأخرج الترمذي والحاكم من حديث علي قال: "عق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الحسن شاة وقال: "يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة" فوزناه ~~فكان وزنه درهما أوبعض درهم" وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: ~~"سبعة من السنة في الصبي يوم السابع يسمى ويختن ويماط عنه الأذى ويثقب أذنه ~~ويعق عنه ويحلق رأسه ويلطخ بدم عقيقته ويتصدق بوزنه ذهبا أو فضة"وفي إسناده ~~رواد بن الجراح وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات وفي لفظه ما ينكر وهو ثقب الأذن ~~والتلطخ بدم العقيقة وقد أخرج أبو داود والنسائي بإسناد صحيح من حديث بريدة ~~الأسلمي قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها ~~فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. وقد أخرج ~~نحوه ابن حبان وابن السكن وصححاه من حديث عائشة وقد ذهب الظاهرية والحسن ~~البصري إلى وجوب العقيقة وذهب الجمهور إلى أنها سنة وذهب أبو حنيفة إلى ~~أنها ليست فرضا ولا سنة وقيل إنها عنده تطوع # PageV02P227 ### | كتاب الطب ### | حقيقة الطب # ... # كتاب الطب # وحقيقته التمسك بطبائع الأدوية الحيوانية والنباتية أو المعدنية والتصرف ~~في الأخلاط نقصا وزيادة ms563 والقواعد الملية تصححه إذ ليس فيه شائبة شرك ولا ~~فساد في الدين والدنيا بل فيه نفع كثير وجمع لشمل الناس "ويجوز التداوي" ~~لما أخرجه مسلم وغيره # PageV02P227 # من حديث جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لكل داء دواء ~~فإذا أصيب دواء الداء بريء بإذن الله" وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "ما أنزل الله من داء ~~إلا أنزل له شفاء" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه أيضا ابن ~~خزيمة والحاكم من حديث أسامة "قالت الأعراب يا رسول الله: ألا نتداوى؟ قال: ~~"نعم عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدا" ~~قالوا يا رسول الله ما هو؟ قال: "الهرم" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي ~~وحسنه من حديث أبي خزامة قال: "قلت يارسول الله: أرأيت رقى نسترقيها ودواء ~~نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله" ~~قلت: وعلى هذا اتفق المسلمون لا يرون به بأسا "والتفويض أفضل لمن يقدر على ~~الصبر" لحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتته امرأة سوداء فقالت: إني أصرع وإني أنكشف فادع الله لي قال: "إن شئت ~~صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" قالت: أصبر" وفي الصحيحين ~~أيضا من حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ~~ألفا بغير حساب هم الذي لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم ~~يتوكلون" ولا يخالف هذا ما تقدم من الأمر بالتداوي فالجمع ممكن بأن التفويض ~~أفضل مع الاقتدار على الصبر كما يفيده قوله: "إن شئت صبرت" وأما مع عدم ~~الصبر على المرض وصدور الحرج والحرد وضيق الصدر من المرض فالتداوي أفضل لأن ~~فضيلة التفويض قد ذهبت بعدم الصبر1 "ويحرم بالمحرمات" لحديث أبو هريرة "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدواء الخبيث" أخرجه ومسلم وغيره وأخرج ms564 ~~أبو داود من حديث أبو داود من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "أن الله أنزل الداء والدواء PageV02P228 # وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام" وفي إسناده إسمعيل بن عياش ~~وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن التداوي بالخمر كما في صحيح مسلم ~~وغيره وفي البخاري عن ابن مسعود أنه قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم ~~عليكم" وقد ذهب إلى تحريم التداوي بالأدوية النجسة والمحرمة الجمهور ولا ~~يعارض هذا إذنه صلى الله عليه وسلم بالتداوي بأبوال الإبل كما في الصحيح ~~لأنها لم تكن نجسة ولا محرمة ولو سلمنا تحريمها لكان الجمع ممكنا ببناء ~~العام على الخاص قال في المسوى: اختلف أهل العلم في التداوي بالشئ النجس ~~فأباح كثير منهم التداوي به إلا الخمر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح ~~للرهط العرنيين شرب أبوال الإبل وأما الخمر فقال: "إنها ليست بدواء ولكنها ~~داء" وقال بعضهم: لا يجوز التداوي بالنجس لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ~~الدواء الخبيث والمراد به خبث النجاسة وقال آخرون المراد به الخبيث من جهة ~~الطعم اه وفي الحجة البالغة: إلا المداواة بالخمر إذ للخمر ضراوة لاتنقطع ~~والمداواة بالخبيث أي السم ما أمكن العلاج بغيره فإنه ربما يفضي إلى القتل ~~والمداواة بالكي ما أمكن بغيره لأن الحرق بالنار أحد الأسباب التي تنفر ~~منها الملائكة اه وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة في كتابي دليل الطالب ~~أرحج المطالب "ويكره الاكتواء" لحديث ابن عباس عند البخاري وغيره عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "الشفاء في ثلاثة في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية ~~بنار وأنهى أمتي عن الكي" وفي لفظ "وما أحب أن أكتوي" وأخرج أحمد وأبو داود ~~وابن ماجة الترمذي وصححه من حديث عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا وقد ورد ما يدل على أن ~~النهي عن الكي للتنزيه لا للتحريم كما في حديث ms565 جابر عند مسلم وغيره "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين" وأخرج الترمذي ~~وحسنه من حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن زرارة من ~~الشوكة"ووجه الكراهة أن في ذلك تعذيبا بالنار ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا ~~رب النار وقد قيل إن وجه الكراهة غير ذلك وقد جمع بين الأحاديث بمجموعات ~~غير ما ذكرنا "ولا بأس بالحجامة" لحديث جابر في الصحيحين وغيرهما قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن كان في شئ من أدويتكم خير ففي شرطة ~~محجم أو شربة عسل أو لذعة نار توافق # PageV02P229 # الداء وما أحب أن أكتوي"وقد تقدم حديث ابن عباس مثله وقد ثبت من حديث أنس ~~عند الترمذي وأبي داود بإسناد صحيح قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحتجم في الأخدعين والكاهل1 وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى ~~وعشرين"وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: "من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان ~~شفاء من كل داء" ولا بأس بإسناده وفي الباب أحاديث متضمنة لذكر الأيام التي ~~ينبغي فيها الحجامة وليس المراد هنا إلا الاستدلال على جوازها قلت: وعلى ~~هذا عمل المسلمين "و" لا بأس "بالرقية" وحقيقتها تمسك بكلمات لها تحقق في ~~المثال وأثر القواعد الملية لا تدفعها ما لم يكن فيها شرك ولا سيما إذا كان ~~من القرآن أو السنة أو ما يشبهما من التضرعات إلى الله تعالى وكل حديث فيه ~~نهي عن الرقي والتمائم والتولة2 فمحمول على ما فيه شرك أو انهماك في التسبب ~~بحيث يغفل عن الباري جل شأنه وفي المسوى اختلفت الأحاديث في الاسترقاء ووجه ~~الجمع أن تحمل على الأحوال المتغايرة فالمنهي من الرقى ما كان فيه شرك أو ~~كان يذكر فيه مردة الشياطين أو ما كان منها بغير لسان العرب ولا يدرى ما هو ~~ولعله يدخل فيه سحر أو كفر وأما ما كان بالقرآن وبذكر ms566 الله تعالى فإنه ~~مستحب ثم للرقية أنواع بعضها مأثور عن السلف فقد روي عن عائشة أنها كانت لا ~~ترى بأسا أن يعوذ في الماء أي يقرأ التعوذ وينفث في الماء ثم يعالج به ~~المريض وقال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض وأمر ابن ~~عباس رجلا أن يكتب لامرأة تعسر عليها الولادة آيتين من القرآن وكلمات ثم ~~يغسل وتسقى وسئل سعيد بن المسيب عن الصحف الصغار يكتب فيها القرآن تعلق على ~~النساء والصبيان فقال: لا بأس بذلك إذا جعل في كبر من ورق أو شئ من الأديم ~~أو يخرز عليه وقد روي النفث في الأحاديث المرفوعة "بما يجوز من العين ~~وغيرها" لحديث أنس عند مسلم وغيره قال: "رخص رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم في الرقية من العين والحمة3 والنملة"والمراد بالحمة السم من ذوات ~~السموم وبالنملة PageV02P230 # القروح تخرج من الجنب وأخرج مسلم وغيره من حديث عوف بن مالك قال: "كنا ~~نرقي في الجاهلية فقلنا يارسول الله كيف ترى في ذلك فقال: اعرضوا علي رقاكم ~~لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال: "نهى ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الرقى" فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يارسول الله: إنه كانت عندنا رقية نرقي بها ~~من العقرب وإنك نهيت عن الرقى قال: فعرضوها عليه فقال: "ما أرى بأسا فمن ~~استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" وفي الصحيحين من حديث عائشة قالت: "كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات فلما ~~مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها أعظم بركة من ~~يدي" وما ورد من الأدلة الدالة على النهي عن الرقى وأنها من الشرك فهي ~~محمولة على الرقية بما لا يجوز كالتي تكون بأسماء الشياطين والطواغيث ونحو ~~ذلك وكذلك يحمل على هذا ما ورد في حديث المغيرة بن شعبة عند أحمد ms567 وابن ماجه ~~وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ~~اكتوى أو استرقى فقد برىء من التوكل" وقد ورد في الصحيحين من حديث عائشة ~~قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أسترقي من العين" وأخرج ~~أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت عميس" أنها قالت: يا رسول ~~الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفنسترقي لهم؟ قال: "نعم فلو كان شئ سابق ~~القدر سبقته العين" وأخرج نحوه مسلم وغيره من حديث ابن عباس وفي الباب ~~أحاديث وفيها ذكر إستغسال من العين أي غسل وجه العائن وبدنه ومرفقيه ~~وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم يصب الماء على من أصيب بالعين ~~على رأسه وظهره من خلفه أخرج ذلك أحمد ومالك في الموطأ والنسائي وصححه ابن ~~حبان قال الزهري: يؤتى الرجل العائن بقدح فيدخل كفه فيه فيمضمض ثم يمجه في ~~القدح ثم يغسل وجهه في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب على كفه اليمنى في ~~القدح ثم يدخل يده اليمنى فيصب على يده اليسرى ثم يدخل اليسرى فيصب على ~~مرفقه الأيمن ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر ثم يدخل يده اليسرى ~~فيصب على قدمه اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه اليسرى ثم يدخل يده ~~اليسرى فيصب على # PageV02P231 # ركبة اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبة اليسرى ثم يدخل داخلة ~~إزاره ولا يوضع القدح في الأرض ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب بالعين من ~~خلفه صبة واحدة. # PageV02P232 ### | كتاب الوكالة ### | حكم الوكالة # ... # كتاب الوكالة # هي أن يكون أحدهما يعقد العقود لصاحبه "يجوز لجائز التصرف أن يوكل غيره ~~في كل شئ مالم يمنع منه مانع" لأنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم التوكيل ~~في قضاء الدين كما في حديث أبي رافع" أنه أمره صلى الله عليه وسلم أن يقضي ~~الرجل بكره" وقد تقدم وثبت عنه صلى الله عليه وسلم التوكيل في استيفاء الحد ~~كما في حديث" واغد يا ms568 أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وهو في ~~الصحيح وسيأتي وثبت عنه التوكيل في القيام على بدنة وتقسيم جلالها وجلودها ~~وهو في الصحيح وثبت عنه صلى الله عليه وسلم التوكيل في حفظ زكاة رمضان كما ~~في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة وثبت عنه صلى الله عليه وسلم "أنه أعطى ~~عقبة بن عامر غنما يقسمها بين أصحابه" وقد تقدم في الضحايا وثبت عنه صلى ~~الله عليه وسلم "أنه وكل أبا رافع ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة" وقد ~~تقدم وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لجابر: "إذا أتيت وكيلي فخذ منه ~~خمسة عشر وسقا" كما أخرجه أبو داود والدارقطني وفي الباب أحاديث كثيرة فيها ~~ما يفيد جواز الوكالة فلا يخرج عن ذلك إلا ما منع منه مانع وذلك كالتوكيل ~~في شئ لا يجوز للموكل أن يفعله ويجوز للوكيل كتوكيل المسلم للذمي في بيع ~~الخمر أو الخنزير أو نحو ذلك فإن ذلك لا يجوز ولا يكون محللا للثمن لما ثبت ~~عنه صلى الله عليه وسلم "إ ن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه" وقد تقدم وقد ورد ~~في الكتاب العزيز ما يدل على جواز التوكيل كقوله تعالى {فابعثوا أحدكم ~~بورقكم هذه} وقوله {اجعلني على خزائن الأرض} وقد أورد البخاري في الوكالة ~~ستة وعشرين حديثا ستة معلقة والباقية موصولة وقد قام الإجماع على مشروعيتها ~~"وإذا باع الوكيل بزيادة على ما رسمه موكله كانت الزيادة للموكل" لما ثبت ~~في صحيح البخاري وغيره من حديث عروة البارقي "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعطاه # PageV02P232 # دينارا ليشتري به له شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاء ~~بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه فكان لو اشترى التراب لربح فيه"وأخرج ~~الترمذي من حديث حكيم بن حزام" أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ليشتري له ~~أضحية بدينا" فذكر نحو حديث عروة البارقي وفي إسناده انقطاع لأنه من رواية ~~حبيب بن أبي ثابت عن حكيم ولم يسمع منه وأخرج أبو داود من حديث ms569 أبي حصين عن ~~شيخ من أهل المدينة عن حيكم نحو ذلك وفيه هذا الشيخ المذكور وقد ذهب إلى ما ~~ذكرناه الجمهور وقال الشافعي في الجديد وأصحابه: إن العقد باطل أي عقد ~~البيع الواقع من الوكيل في مثل الصورة المذكورة لأنه لم يأمره الموكل بذلك ~~"وإذا خالفه إلى ما هو أنفع أو إلى غيره ورضي به صح" لكون الرضا مناطا ~~مسوغا لذلك ومجوزا له وإذا لم يرض لم يلزمه ما وقع من الوكيل مخالفا لما ~~رسمه له المناط المعتبر وقد ثبت في البخاري وغيره من حديث معن بن يزيد قال ~~"كان أبي خرج بدنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها ~~فأتيته بها فقال: والله ما إياك أردت بها فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: لك ما نويت يا يزيد ولك يا معن ما أخذت "ولعل هذه الصدقة صدقة ~~تطوع لا صدقة فرض فقد وقع الإجماع على أنه لا تجزيء في الولد. # PageV02P233 ### | كتاب الضمانة # "يجب على من ضمن على حي أو ميت تسليم مال أن يغرمه عند الطلب" لما أخرجه ~~أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي أمامة أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: "الزعيم غارم1 " وفي إسناده إسمعيل بن عياش ولكنه ثقة في ~~الشاميين وقد رواه هنا عن شامي وهو شرحبيل بن مسلم فيم يصب ابن حزم في ~~تضعيف الحديث بإسمعيل بن عياش وقد أخرجه النسائي من طريقين إحداهما من طريق ~~أبي عامر PageV02P233 # الوصابي1 والأخرى من طريق حاتم بن حريث كلاهما عن أبي أمامة وقد صححه ابن ~~حبان من طريق حاتم هذه وحاتم قد وثقه الدارمي وقد أخرج الحديث ابن ماجه ~~والطبراني من طريق سعيد بن أبي سعيد عن أنس وأخرجه ابن عدي من حديث ابن ~~عباس وضعفه باسمعيل بن زياد السكوني ورواه أبو موسى المدنبي في الصحابة من ~~طريق سويد بن جبلة قال الدارقطني: لا تصح له صحبة وحديثه مرسل قال: وبعضهم ~~يقول له صحبة ورواه الخطيب في التلخيص من طريق ابن لهيعة ms570 عن عبد الله بن ~~حبان2 الليثي عن رجل عن آخر منهم وأخرج البخاري وغيره من حديث سلمة بن ~~الأكوع "أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من الصلاة على من عليه الدين ~~فقال أبو قتادة: صل عليه يارسول الله وعلي دينه فصلى عليه"وأخرج هذه القصة ~~الترمذي من حديث أبي قتادة وصححه وأخرج هذه القصة الترمذي من حديث أبي ~~قتادة وصححه وأخرجها أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم ~~من حديث جابر وفي لفظ من حديث جابر هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لأبي قتادة: "قد أوفى الله حق الغريم وبرىء منه الميت قال نعم فصلى عليه ~~فلما قضاها قال له النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: الآن بردت عليه ~~جلده" أخرج ذلك أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني وصححه ابن حبان والحاكم ~~"ويرجع على المضمون عنه إن كان مأمورا من جهته" لكون الدين عليه والأمر منه ~~للضمين بالضمانة كالأمر له بالتسليم فيرجع عليه لذلك "ومن ضمن بإحضار شخص ~~وجب عليه إحضاره وإلا غرم ما عليه" لعموم قوله صلى الله عليه وسلم "الزعيم ~~غارم" والخلاف في الضمانة معروف وهذا خلاصة ما ورد به الشرع PageV02P234 ### | كتاب الصلح ### | حكم الصلح # ... # كتاب الصلح # "هو جائز بين المسلمين" لقوله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من ~~أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} "إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا" ~~لحديث عمرو ابن عوف عند أبي داود وابن ماجه والترمذي والحاكم وابن حبان أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم ~~حلالا أو أحل حراما" وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه ~~وهو ضعيف جدا وقد صحح الحديث الترمذي فلم يصب وقد اعتذر له ابن حجر فقال: ~~كأنه اعتبر بكثرة طرقه وذلك لأنه رواه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن ~~زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال الحاكم: على شرطهما وصححه ابن حبان ~~وحسنه الترمذي ms571 وأخرجه أيضا الحاكم من حديث أنس ومن حديث عائشة أخرجه ~~الدارقطني "ويجوز عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول" لحديث أم سلمة عند ~~أحمد وأبي داود وابن ماجه قالت جاء رجلان إلى رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلى رسول الله وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ~~ألحن1 بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق ~~أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاما2 في عنقه ~~يوم القيامة" فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم ~~استهما3 ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه" وفي إسناد هذا الحديث أسامة بن زيد ~~بن أسلم المدني وفيه مقال ولكن أصل الحديث في الصحيحين وقد استدل به على ~~جواز الصلح PageV02P235 # والإبراء من المجهول وأخرج البخاري من حديث جابر أن أباه قتل يوم أحد ~~شهيدا وعليه دين فاشتد الغرماء في حقوقهم قال: فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي فأبوا فلم يعطهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم حائطي وقال "سنغدوا عليك" فغدا علينا حين أصبح فطاف في ~~النخل ودعا في ثمرها بالبركة فجددتها1 فقضيتها وبقي لنا من ثمرها وفيه جواز ~~الصلح عن معلوم بمجهول أقول: إسقاط الشئ فرع العلم به فمن جهل ما يريد ~~إسقاطه فإما أن يعلمه بوجه من الوجوه أو بجهله من جميع الوجوه فإن علمه ~~بوجه من الوجوه على صورة تتميز عنده بعض تميز بحيث يغلب في ظنه أنه من ~~الجنس الفلاني وأن مقداره لا يجاوز كذا فهذا يصح إسقاطه وإن كان مجهولا من ~~جميع الوجوه بحيث لا يعرف جنسه ولا مقداره كيفا ولا كما فهذا لا يصح إسقاطه ~~لأنه قد يكون على صفة لو علم بها لم تطب نفسه بالإسقاط "وعن ms572 الدم كالمال ~~بأقل من الدية أو أكثر" لكون اللازم في الدم مع عدم القصاص هو المال فهو ~~صلح بمال عن مال يدخل تحت عموم قوله تعالي: {أو إصلاح بين الناس} وتحت قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "الصلح جائز" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من ~~حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ~~قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤا قتلوا وإن شاؤا أخذوا الدية ~~وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وذلك عقل العمد وما صولحوا عليه ~~فهو وذلك تشديد العقل" وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وفيه مقال "لو عن ~~إنكار" لعموم الأدلة واندراج الصلح عن إنكار تحتها ولم يأت من منعه ببرهان ~~وقد ذهب إلى جوازه الجمهور وحكى في البحر عن الشافعي وابن أبي ليلى أنه لا ~~يصح الصلح عن إنكار وقد ثبت في الصحيح عن كعب في قصة المتخاصمين في المسجد ~~في دين فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحب الدين أن يضع شطر دينه ~~ويتعجل الباقي وهو دليل على جواز الصلح مع الخصام ووضع واستيفاء البعض قال ~~في الحجة البالغة ومنه وضع جزء من الدين كقصة ابن أبي حدرد2 وهذا الحديث ~~أحد الأصول في باب المعاملات أقول: الظاهر أنها تجوز المصالحة عن إنكار نحو ~~أن يدعى PageV02P236 # رجل على آخر مائة دينار فينكره في جميعها فيصالحه على النصف من ذلك ~~المقدار لأن مناط الصلح التراضي والمنكر قد رضي بأن يكون عليه بعض ما أنكره ~~وأي مقتض يمنع هذا وإن كان مثل حديث "لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من ~~نفسه" هذا قد سلم بعضا مما أنكره طيبة به نفسه وإن كان غير ذلك فما هو؟ ثم ~~حديث كعب المتقدم المشتمل على وقوع التنازع بين الرجلين إن كان التنازع ~~بينهما في المقدار فهو أيضا صلح عن إنكار وقد جوزه الشارع وإن كان التنازع ~~بينهما في التعجيل والتأجيل فهو أيضا صلح عن إنكار لأن منكر الأجل ms573 قد صولح ~~على أن يتعجل البعض من دينه ويسقط الباقي إلى مقابل دعوى صاحبه للأجل * # PageV02P237 ### | كتاب الحوالة ### | حكم الحوالة # ... # كتاب الحوالة # وهي جائزة وعليه أهل العلم "من أحيل على مليء فليحتل" ويقبل ذلك لحديث ~~أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مطل ~~الغني ظلم ومن أحيل على مليء فليحتل" وفي لفظ لهما "وإذا أتبع أحدكم على ~~مليء فليتبع" وقد أخرج نحوه ابن ماجه وأحمد والترمذي من حديث ابن عمر وفي ~~إسناد ابن ماجة إسمعيل بن توبة1 وهو صدوق وبقية رجاله رجال الصحيح وفي شرح ~~السنة قوله: "أتبع أحدكم" بالتخفيف معناه: إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع ~~أي فليحتل أي فليقبل الحوالة يقال: أتبعت غريمي على فلان فتبعه أي أحلته ~~فاحتال وقوله: "فليتبع " ليس ذلك على طريق الوجوب بل على طريق الإباحة أي ~~الندب إن اختار قبل الحوالة وإن شاء لم يقبل انتهى وقد قيل: إنه يشترط في ~~صحتها رضا المحيل بلا خلاف والمحتال عند الأكثر والمحال عليه عند بعض أهل ~~العلم قال في الحجة: هذا أمر استحباب لأن فيه قطع المناقشة "وإذا مطل ~~المحال عليه أو أفلس كان للمحال أن يطالب المحيل بدينه" لكون الدين باقيا ~~بذمة المحيل لا يسقط عنه إلا بتسليمه إلى المحتال من المحال عليه فإذا لم ~~يحصل التسليم كان دينه باقيا كما كان قبل PageV02P237 # الحوالة ويستفاد ذلك من قوله: "على مليء" فإن من مطل أو أفلس ليس بالمليء ~~الذي أرشد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صاحب الدين أن يقبل الحوالة عليه ~~قال يحيى سمعت مالكا يقول: الأمرعندنا في الرجل يحيل الرجل على الرجل بدين ~~له عليه إن أفلس الذي أحيل عليه أو مات ولم يدع وفاء فليس للمحتال على الذي ~~أحاله شئ وأنه لا يرجع على صاحبه الأول قال مالك: وهذا الأمر الذي لا ~~اختلاف فيه عندنا فأما الرجل يتحمل له الرجل بدين له على رجل آخر ثم يهلك ~~المتحمل أو يفلس فإن الذي تحمل له يرجع على غريمه الأول ms574 كذا في الموطأ قلت: ~~وعليه الشافعي وفي شرح السنة إذا قبل الحوالة تحول الدين من المحيل إلى ذمة ~~المحال عليه ولا رجوع للمحتال على المحيل من غير عذر فإن أفلس المحال عليه ~~أو مات ولم يترك وفاء قال الشافعي: لا رجوع له على المحيل بحال وقال أبو ~~حنيفة: يرجع إذا أفلس أو مات ولم يترك وفاء. # PageV02P238 ### | كتاب المفلس # "يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميع ما يجدونه معه" أي مع المفلس "إلا ما ~~كان لا يستغنى عنه وهو المنزل وستر العورة وما يقيه البرد ويسد رمقه ومن ~~يعول" لحديث أبي سعيد عند مسلم وغيره قال: "أصيب رجل على عهد رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال: تصدقوا عليه ~~فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" وأخرج الدارقطني والبيهقي ~~والحاكم وصححه من حديث كعب بن مالك "أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على ~~معاذ ماله وباعه في دين كان عليه"وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود وعبد ~~الرزاق من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلا قال: كان معاذ بن جبل شابا ~~سخيا وكان لا يمسك شيئا فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه ليكلم غرماءه فلوا تركوا لأحد لتركوا لمعاذ ~~لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ~~ماله حتى قام معاذ بغير شئ قال عبد الحق: المرسل أصح وقال ابن الطلاع في ~~الأحكام: # PageV02P238 # هو حديث ثابت فأفاد ما ذكرناه أن أهل الدين يأخذون جميع ما يجدونه مع ~~المفلس لكنه لم يثبت أنهم أخذوا ثيابه التي عليه أو أخرجوه من منزله أو ~~تركوه هو ومن يعول لا يجدون ما لا بد لهم منه ولهذا ذكرنا أنه يستثنى له ~~ذلك "ومن وجد ماله عنده بعينه فهو أحق به" لأنه كان في الأصل ماله ms575 من غير ~~مزاحمة ثم باعه ولم يرض في بيعه بخروجه من يده إلا بالثمن فكان البيع إنما ~~هو بشرط إيفاء الثمن فلما لم يؤد كان له نقضه ما دام المبيع قائما بعينه ~~فإذا فات المبيع لم يمكن أن يرد البيع فصار دينه كسائر الديون ودليله حديث ~~حسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وجد متاعه عند مفلس ~~بعينه فهو أحق به" أخرجه أحمد وأبو داود وقال ابن حجر في الفتح: إسناده حسن ~~ولكن سماع الحسن عن سمرة فيه مقال معروف وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس ~~أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره" وفي لفظ لمسلم أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال في الرجل الذي يعدم: "إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه ~~الذي باعه" وفي لفظ لأحمد "أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى ~~من ماله شيئا فهو له" وأخرج الشافعي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه عن ~~أبي هريرة أنه قال في مفلس أتوه به: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم من أفلس أو مات فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به ~~وأخرج مالك في الموطأ وأبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن ~~هشام مرسلا أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: " أيما رجل باع ~~متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقتض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه ~~فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء" وقد وصله أبو داود ~~فقال عن أبي هريرة وفي إسناده إسمعيل بن عياش ولكنه ههنا روى عن الحرث ~~الزبيدي وهو شامي وهو قوي في الشاميين وقد ذهب إلى أن البائع أولى بعين ~~ماله الموجود عند المفلس الجمهور وخالفت في ذلك الحنفية فقالوا: لا يكون ~~أولى به والحديث يرد عليهم وقد ذهب ms576 الجمهور أيضا إلى أن المشتري إذا كان قد ~~قضى بعض الثمن لم يكن البائع أولى بما لم يسلم المشتري ثمنه بل يكون أسوة ~~الغرماء كما أفاده ما تقدم في الرواية من قوله: # PageV02P239 # "ولم يكن اتقضى من ماله شيئا"وقال الشافعي: إن البائع أولى به وهكذا إذا ~~مات المشتري والسلعة قائمة فذهب مالك وأحمد إلى أنها تكون أسوة الغرماء ~~وقال الشافعي: البائع أولى بها "وإذا نقص مال المفلس عن الوفاء بجميع دينه ~~كان الموجود أسوة الغرماء" لأن ذلك هو العدل لأن الديون اللازمة مستوية في ~~استحقاق قضائها من مال المفلس وليس بعضها بأولى به من بعض إلا لمخصص ولا ~~مخصص ههنا وقد أشار إلى هذا ما تقدم في الرواية من قوله: "فصاحب المتاع ~~أسوة الغرماء" "وإذا تبين إفلاسه فلا يجوز حبسه" لأنه خلاف حكم الله سبحانه ~~قال تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} "و" لمفهوم قوله صلى الله ~~عليه وسلم "لي الواجد1 ظلم" وهو حديث صحيح قد تقدم في الباب الذي قبل هذا ~~والمفلس ليس بواجد "يحل عرضه وعقوبته" وأما إذا لم يتبين إفلاسه ولا كونه ~~واجدا فهذا محل اللبس والواجب البحث عن حاله بحسب الإمكان حتى يتبين كونه ~~واجدا فيعاقب بالحبس أو نحوه كما دل عليه حديث "مطل الغني ظلم يحل عرضه ~~وعقوبته" وفي لفظ "لي الواجد ظلم" والكل في الصحيح أو تبين كونه غير واجد ~~فينظر إلى ميسرة وأما حبس من تبين إفلاسه فلا يحل بوجه فإنه ظلم بحت قال في ~~الحجة البالغة: لي الواجد يحل عرضه وعقوبته أقول: هو أن يغلظ له في القول ~~ويحبس ويجيرعلى البيع إن لم يكن له مال غيره وفي شرح السنة وهذا قول أهل ~~العلم: إن مال المفلس يقسم بين غرمائه على قدر ديونهم فإن نفذ ماله وفضل ~~الدين ينظر إلى الميسرة قال مالك: إذا كان على رجل مال وله عبد لا شئ له ~~غيره فأعتقه لم يجز عتقه وعند الشافعي تصرف المديون نافذ ما لم يحجر عليه ~~القاضي ثم بعد الحجر ms577 لا ينفذ تصرفه في ماله وفي شرح السنة أيضا أما المعسر ~~فلا حبس عليه بل ينظر فإنه غير ظالم بالتأخير وهذا قول مالك والشافعي فإن ~~كان له مال يخفيه حبس وعزر حتى يظهر ماله وذهب شريح إلى أن المعسر يحبس وهو ~~قول أهل الرأي "ويجوز للحاكم أن يحجزه عن التصرف في ماله ويبيعه لقضاء ~~دينه" لحجره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على معاذ كما تقدم وكذلك يبيع ~~الحاكم PageV02P240 # مال المفلس لقضاء دينه كما فعله صلى الله عليه وسلم في مال معاذ "وكذلك ~~يجوز له الحجر على المبذر ومن لا يحسن التصرف" لقوله تعالى: {ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم} قال في الكشاف: السفهاء المبذرون أموالهم الذين ينفقونها ~~فيما لا ينبغي ولا يد بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها والخطاب للأولياء ~~وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم كما قال تعالى: ~~{ولا تقتلوا أنفسكم} وقال: {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} ~~والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله {وارزقوهم فيها ~~واكسوهم} ومما يدل على ذلك عدم إنكاره صلى الله عليه وسلم على قرابة حبان ~~أن يحجر عليه إن صح ذلك ويدل على ذلك رده صلى الله عليه وسلم للبيضة التي ~~تصدق بها من لا مال له كما أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث جابر ~~وكذلك رده صلى الله عليه وسلم صدقة الرجل الذي تصدق بأحد ثوبيه كما أخرجه ~~أهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان من حديث أبي سعيد وكذلك رده صلى الله ~~عليه وسلم عتق من أعتق عبدا له عن دبر ولا مال له غيره كما أشار إلى ذلك ~~البخاري وترجم عليه "باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر ~~عليه الإمام "وأخرج الشافعي في مسنده والبيهقي عن عروة بن الزبير قال: ~~ابتاع عبد الله بن جعفر بيعا فقال علي رضي الله عنه لآتين عثمان فلأحجرن ~~عليه فأعلم ذلك ابن جعفر الزبير فقال: أنا شريكك في بيعتك فأتى عثمان فقال: ~~احجر على ms578 هذا فقال الزبير: أنا شريكه فقال عثمان: إحجر على رجل شريكه ~~الزبير ففي هذه القصة دليل على أن الحجر كان عندهم أمرا معروفا ثابتا في ~~الشريعة لولا ذلك لأنكره بعض من اطلع على هذه القصة ولكان الجواب من عثمان ~~على علي بأن هذا غير جائز وكذلك الزبير وعبد الله بن جعفر لو كان مثل هذا ~~الأمر غير جائز لكان لهما عن تلك الشركة مندوحة وقد ذهب إلى جواز الحجر على ~~السفيه الجمهور وعليه أهل العلم وفي الوقاية الحجر منع نفاذ تصرف قولي ~~وسببه الصغر والجنون والرق فإن أتلفوا شيئا ضمنوا وفي المنهاج ولا يصح من ~~المحجور عليه بسفه بيع ولا شراء ولا عتاق وهبة ونكاح بغير إذن وليه ويصح ~~بإذن الولي نكاحه لا التصرف المالي في الأصح "ولا يمكن اليتيم من التصرف في ~~ماله حتى # PageV02P241 # يؤنس منه الرشد" لقوله تعالى {فإن آنستم منهم رشدا} في المنهاج حجر الصبي ~~يرتفع ببلوغه رشيدا فلو بلغ غير رشيد دام الحجر وفي الوقاية: فإن بلغ غير ~~رشيد لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة وصح تصرفه قبله وبعده ~~يسلم إليه ولو بلا رشد "ويجوز لوليه أن يأكل من ماله بالمعروف" لقوله ~~تعالى: {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} وقد ثبت في ~~الصحيحين عن عائشة أنها قالت: "نزلت هذه الآية في ولي اليتيم إذا كان فقيرا ~~أنه يأكل منه بالمعروف وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم فقال: إني فقير وليس لي شئ ولي يتيم فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ~~ولا مبادر ولا متأثل1" والمراد بقوله ولا مبادر ما في قوله تعالى: {ولا ~~تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} أي مسرفين ومبادرين كبر الأيتام فهذه ~~الآية والحديث مخصصان لقول تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} في شرح السنة اختلفوا في ذلك ~~فذهب ms579 قوم إلى أنه يأكل ولا يقضي وعليه أحمد وآخرون إلى أنه يأكل ويرد مثله ~~إذا كبر أقول: اختاره محمد بن الحسن والولي يتجر في أموال اليتامى ويضارب ~~ويفعل ما فيه الغبطة قال مالك قال عمر بن الخطاب: "اتجروا في أموال اليتامى ~~لا تأكلها الزكاة "وكانت عائشة تعطي أموال اليتامى من يتجر لهم فيها قال ~~مالك: لا بأس بالتجارة في أموال اليتامى لهم إذا كان الولي مأمونا فلا أرى ~~عليه ضمانا قلت: وعليه الشافعي في المنهاج وله أي للولي بيع ماله بقرض ~~ونسيئة للمصلحة ويزكي ماله وينفق عليه بالمعروف. PageV02P242 ### | كتاب اللقطة # "من وجد لقطة فليعرف عفاصها" وهو الوعاء الذي تكون فيه من جلد أو خرقة أو ~~غير ذلك من العفص وهو الثني والعطف وبه سمي الجلد الذي يكون على رأس ~~القارورة "ووكاءها" وهو الخيط الذي يشد به الوعاء قيل: فائدة المعرفة أنه # PageV02P242 # لو ادعاها أحد ووصفها إليه وقيل: أن لا تختلط بماله اختلاطا لا يمكن معه ~~التمييز إذا جاء مالكها في شرح السنة قال الشافعي: إذا عرف الرجل العفاص ~~والوكاء والعدد والوزن ووقع في نفسه أنه صادق فله أن يعطيه ولا أجبره عليه ~~إلا ببينة لأنه قد يصيب الصفة بأن يسمع الملتقط يصفها وفي الهداية فإن أعطى ~~علامتها حل للملقتط أن يدفعها إليه ولا يجبر على ذلك في القضاء انتهى "فإن ~~جاء صاحبها دفعها إليه" لحديث عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم "من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل أو ليحفظ عفاصها ووكاءها ~~فإن جاء صاحبها فلا يكتم فهو أحق بها وإن لم يجيء صاحبها فهو مال الله ~~يؤتيه من يشاء" أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وابن حبان وفي ~~الصحيحين من حديث زيد بن خالد قال: "سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم عن لقطة الذهب والورق فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة ~~فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر ~~فأدها إليه وسأله عن ms580 ضالة الإبل فقال مالك: ولها دعها فإن معها حذاءها ~~وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها وسأله عن الشاة فقال: خذها ~~فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب " وفي لفظ لمسلم "فإن جاء صاحبها وعرف ~~عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك" وفي مسلم وغيره من حديث ~~أبي بن كعب "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "عرفها فإن جاء أحد ~~يخبرك بعدتها ووعائها ووكائها فأعطها إياه وإلا فاستمتع بها " فدل ما ذكرنا ~~على أنه إذا جاء صاحبها دفعها إليه وفي إعلام الموقعين "قال يا رسول الله: ~~فاللقطة يجدها في سبيل العامرة قال: عرفها حولا فإن وجدت باغيها فأدها إليه ~~وإلا فهي لك قال: ما يوجد في الخراب قال: فيه وفي الركاز الخمس" ذكره أحمد ~~وأهل السنن قال ابن القيم: والإفتاء بما فيه متعين وإن خالفه من خالفه فإنه ~~لم يعارضه ما يوجب تركه انتهى "وإلا عرف بها حولا وبعد ذلك يجوز له صرفها ~~ولو في نفسه ويضمن مع مجيء صاحبها" يعني إن جاء صاحبها بعد ذلك عرفها له إن ~~كان قد أتلفها وأرجعها بعينها إن كانت باقية كما يفيده قوله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه" وقد ذهب ~~الجمهور إلى أنه لا يجب التعريف بعد الحول وقد ورد في لفظ # PageV02P243 # للبخاري من حديث أبي ما يدل على أن التعريف يجب بعد الحول ولفظه قال: ~~وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: ~~"عرفها حولا" فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته ثانيا فقال: "عرفها حولا" ~~فلم أجد ثم أتيته ثالثا فقال: "احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها ~~وإلا فاستمتع بها فاستمتعت بها فلقيته بعد بمكة" وقد وقع الاختلاف بين ~~الحفاظ في هذه الرواية فعن بعضهم أن الزيادة على العام غلط كما جزم بذلك ~~ابن حزم قال ابن الجوزي: والذي يظهر لي أن سلمة أخطأ فيها ثم ثبت واستمر ~~على عام واحد ms581 وجمع بعضهم بأن الزيادة على العام محمولة على مزيد الورع ~~والكلام في ذلك يطول والمراد بقوله في الحديث "ولتكن وديعة عندك" أنه يجب ~~ردها فتجوز بذكر الوديعة عن وجوب الرد لعوضها بعد الاستنفاق بها قال في ~~المسوى: قوله "عرف سنة "عليه الشافعي وأبو حنيفة وخص منه الحقير لحديث علي ~~أنه التقط دينارا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعرفه وفي المنهاج ~~والأصح أن الحقير لا يعرف سنة بل زمنا يظن أن صاحبه يعرضه عنه غالبا وفي ~~الوقاية عرفت مدة لا تطلب بعدها # ولقطة مكة المكرمة زادها الله شرفا أشد تعريفا من غيرها لما ثبت في ~~الصحيح أنها لا تحل لقطة مكة إلا لمعرف مع أن التعريف لا بد منه في لقطة ~~مكة وغيرها فحمل ذلك على المبالغة في التعريف لأن الحاج قد يرجع إلى بلده ~~ولا يعود فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في التعريف وقد قيل في التعريف ~~وقد قيل غير ذلك ولا بأس بأن ينتفع الملتقط بالشئ الحقير كالعصا والسوط ~~ونحوهما بعد التعريف به ثلاثا " لما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث جابر ~~قال: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه ~~يلتقطه الرجل ينتفع به وفي إسناده المغيرة بن زياد وفيه مقال وقد وثقه وكيع ~~وابن معين وابن عدي وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مر بتمرة في الطريق فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" وقد ~~أخرج أحمد والطبراني والبيهقي من حديث يعلى بن مرة مرفوعا "من التقط لقطة ~~يسيرة حبلا أو درهما أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام فإن كان فوق ذلك ~~فليعرفه ستة أيام" زاد الطبراني "فإن جاء صاحبها وإلا فليتصدق بها" وفي ~~إسناده عمر # PageV02P244 # بن عبد الله بن يعلى وهو ضعيف وأخرج عبد الرزاق من حديث أبي سعيد "أن ~~عليا جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بدينار وجده في السوق ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " عرفه ms582 ثلاثا ففعل فلم يجد أحدا يعرفه فقال ~~كله " وأما إذا كان الشئ مأكولا فلا يجب التعريف به بل يجوز أكله في الحال ~~لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم في التمرة "وتلتقط ضالة الدواب إلا ~~الإبل" للحديث المتقدم عن زيد بن خالد وإلحاق سائر الدواب بالشاة لكونها ~~مثلها في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" ولا ~~يخرج من ذلك إلا الإبل كما صرح به صلى الله عليه وسلم ومما يفيد ذلك ما ~~أخرجه مسلم من حديث زيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأوي ~~الضالة إلا ضال ما لم يعرفها" فإن الضالة تصدق على الشاة وغيرها وقد قيد ~~ذلك بالتعريف فدل على جواز الالتقاط وخرجت الإبل بالحديث الآخر في المنهاج ~~والحيوان الممتنع من صغار السباع بقوة أو بعدو أو طيران إن وجد بمفازة ~~فللقاضي التقاطه ويحرم التقاطه للتملك وإن وجد بقرية فالأصح جواز التقاطه ~~للتملك وما لا يمتنع منها كشاة يجوز التقاطه في القرية والمفازة ولا فرق ~~عند أبي حنيفة بين أن يكون بهيمة أو غيرها # PageV02P245 ### | كتاب القضاء ### | من يصح منه القضاء # ... # كتاب القضاء # "إنما يصح قضاء من كان مجتهدا" لما في الكتاب العزيز من الأمر بالقضاء ~~بالعدل والقسط وبما أراه الله ولا يعرف العدل إلا من كان عارفا بما في ~~الكتاب والسنة من الأحكام ولا يعرف ذلك إلا المجتهد لأن المقلد إنما يعرف ~~قوله إمامه دون حجته وهكذا لا يحكم بما أراه الله إلا من كان مجتهدا لا من ~~كان مقلدا فما أراه الله شيئا بل أراه إمامه ما يختاره لنفسه ومما يدل على ~~اعتبار الاجتهاد حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القضاة ~~ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق ~~فقضى به ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل ~~فهو في النار" أخرجه ابن ماجه وأبو داود والنسائي والترمذي والحاكم وصححه ms583 ~~وقد جمع ابن حجر طرقه في جزء مفرد ووجه الدلالة منه أنه لا يعرف الحق إلا ~~من كان مجتهدا وأما المقلد فهو # PageV02P245 # يحكم بما قال إمامه ولا يدري أحق هو أم باطل فهو القاضي للناس على جهل ~~وهو أحد قاضيي النار ومن الأدلة على اشتراط الاجتهاد قوله تعالى: {ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} و {الظالمون} و {الفاسقون} ولا ~~يحكم بما أنزل الله إلا من يعرف التنزيل والتأويل ومما يدل على ذلك حديث ~~معاذ لما بعثه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال له: "بما تقضي" قال: ~~بكتاب الله قال: "فإن لم تجد" قال: فبسنة رسول الله قال: "فإن لم تجد" قال ~~فبرأيي قال الماتن: وهو حديث مشهور قد بينت طرقه ومن خرجه في بحث مستقل ~~ومعلوم أن المقلد لا يعرف كتابا ولا سنة ولا رأي له بل لا يدري بأن الحكم ~~موجود في الكتاب أو السنة فيقضي به أو ليس بموجود فيجتهد برأيه فإذا ادعى ~~المقلد أن حكم برأيه فهو يعلم أنه يكذب على نفسه لاعترافه بأنه لايعرف ~~كتابا ولاسنة فإذا زعم أنه حكم برأيه فقد أقر على نفسه أنه حكم بالطاغوت ~~وللسيد العلامة محمد بن إسمعيل الأمير رسالة مستقلة في تيسير الاجتهاد ~~سماها إرشاد النقاد فليرجع إليها1 أقول الحاصل أن المقلد ليس ممن يعقل حجج ~~الله إذا جاءته فضلا عن أن يعرف الحق من الباطل والصواب من الخطأ والراجح ~~من المرجوح لا ينبغي أن ينسب المقلد إلى العلم مطلقا ولهذا نقل عضد الدين ~~الإجماع على أنه لا يسم المقلد عالما وأما ما صار يستروح إليه من جوز قضاء ~~المقلد من قلة المجتهدين في الأزمنة الأخيرة وأنه لو لم يل القضاء إلا من ~~كان مجتهدا لتعطلت الأحكام فكلام في غاية السقوط فالمجتهدون في كل قطر ~~ولكنهم في زمان غربة فمنهم من يخفي اجتهاده مخافة صولة المقصرين ومنهم من ~~يحتقره المقلدون عن أن يكون مجتهدا لضيق إعطائهم وحقارة عرفانهم وتبلد ~~أذهانهم وجمود قرائحهم وخمود أفكارهم ولا يعرف ms584 الفضل لأهل الفضل إلا أهله ~~ولقد عرفت مشايخي الذين أخذت عنهم العلم فأكثرهم مجتهدون وفي مدينة صنعاء ~~من المجتهدين من يستغنى به عن القضاة المقلدين في جميع الأقطار اليمنية مع ~~أنه لا يسلم لهم الاجتهاد إلا من كان مثلهم أو مقاربا لهم وأما أسراء ~~التقليد فهيهات أن يذعن واحد واحد منهم لأحد بالاجتهاد مع أن العلوم ~~المعتبرة في الاجتهاد عند هؤلاء المقلدين هي العلوم الخمسة المذكورة في كتب ~~أصول الفقه وهي بالنسبة إلى ما يحفظ من وصفناه من المجتهدين شيء يسير قال ~~الماتن رحمه الله: ومن غريب ما أحكيه لك أنه لما كثر الخلط من قضاة حضرة ~~الخلافة استأذنت الخليفة PageV02P246 # حفظه الله في جمعهم لقصد ترغيبهم في العدل وترهيبهم عن الجور فاجتمع منهم ~~نحو أربعين قاضيا فسألتهم عن شئ مما يتعلق بشروط القضاء المدونة في كتب ~~الفروع فلم يهتد أحد منهم إلى الجواب على وجه الصواب بل اعترفوا جمعيا ~~بالقصور عن فهم دقائق التقليد فضلا عن معرفة علوم الاجتهاد أو بعضها وليت ~~أنهم إذا قصروا لم يقصروا في الورع فإن الورع يردع صاحبه عن المجازفة ~~ويرشده إلى أن شفاء العي السؤال ويكفه عن التسلق لأموال المسلمين ويرده عن ~~التسرع إليها بأدنى شبهة ولعمري أن القاضي إذا جمع بين الجهل وعدم الورع ~~أشد على عباد الله من الشيطان لأنه يقضي بين الناس بالطاغوت موهما لهم أنه ~~إنما يقضي بينهم بالشريعة المطهرة ثم ينصب الجبائل لاقتناص أموالهم ويأكلها ~~بالباطل ولا سيما أموال اليتامى والنساء اللهم أصلح عبادك وتداركهم من كل ~~ما لا يرضيك انتهى فإن قلت حديث أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~بعث عليا إلى اليمن قاضيا فقال يا رسول الله: بعثتني بينهم وأنا شاب لا ~~أدري ما القضاء قال: فضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في صدري ~~وقال: اللهم اهده وثبت لسانه قال علي فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين ~~اثنين" أخرجه أهل السنن وغيرهم هل يدل على جواز قضاء من ليس بمجتهد ms585 لقوله ~~"أنا شاب ولا أدي ما القضاء" قلت من تمسك بهذا فليأتنا برجل يدعو للقاضي ~~الذي لا علم له بالقضاء بمثل هذه الدعوة النبوية حتى لا يشك بعدها كما لم ~~يشك علي كرم الله وجهه بعد تلك الدعوة فإذا فعل هذا لنحن لا نخالفه والكلام ~~على هذه المسألة يحتمل البسط وقد قضينا عنها الوطر في كتابنا ظفر اللاضي ~~بما يجب في القضاء على القاضي فليراجع فإن فيه ما يشفي العليل ويهد إلى ~~سواء السبيل "متورعا عن أموال الناس عادلا في القضية حاكما بالسوية" لكون ~~من لم يتورع عن أموال الناس لا يتورع عن الرشوة وهي تحول بينه وبين الحق ~~كما سيأتي وهكذا من لم يكن عادلا لجرأة فيه أو مداهنة أو محاباة فهو يترك ~~الحق وهو يعلم به فهو أحد قضاة النار لأنه عرف الحق وجار في الحكم قال في ~~الحجة البالغة: أقول لا يستوجب القضاء إلا من كان عدلا بريئا من الجور ~~والميل وقد عرف منه ذلك وعالما يعرف الحق لا سيما في مسائل القضاء والسر في ~~ذلك واضح فإنه لا يتصور وجود المصلحة المقصودة إلا بها أقول: وأما توليه ~~القضاء من جهة # PageV02P247 # الظلمة فالسلطان الذي أوجب الله طاعته في كتابه العزيز وتوافرت الأحاديث ~~الصحيحة بذلك هو من كان مسلما لم يفعل ما يوجب كفرا بواحا1 وكان مقيما ~~لأعظم أركان الإسلام وأجل شعائره وهو الصلاة فهذا هو السلطان الذي تجب على ~~الناس طاعته وامتثال أوامره ويحرم عليهم أن ينزعوا أيديهم في طاعته ولكن ~~بشرط أن لا يكون ما يأمر به معصية لما ثبت "أن لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق" وأن الطاعة في المعروف فإذا أمر بما هو من الطاعة وجب الامتثال ~~وأمره للعالم بأن يكون قاضيا هو أمر بطاعة يجب امتثاله بنص الكتاب والسنة ~~ولا يقدح في ذلك كونه مرتكبا لشئ مما لا يحل له أو يظلم الرعية في بعض ما ~~لا يحل له فإن ذلك أمر آخر لا يوجب سقوط طاعته ونعم القدوة السلف الصالح ~~فقد كانوا ms586 يعملون لسلاطين بني أمية الأعمال ويلون لهم القضاء مع كونهم في ~~العلم والعمل بمكان لا يجهله أحد وسلاطين تلك الأزمنة فيهم من يستحل الدماء ~~بغير حقها والأموال بدون حلها نعم القضاء قد ورد فيه ما يدل على الترغيب ~~تارة والترهيب أخرى بل ورد في الإمارة التي هي أعم من القضاء ما يشعر بأن ~~تجنبها أولى والجمع بين الأحاديث فيما يظهر لي يرجع إلى الأشخاص فمن علم من ~~نفسه القيام بالحق والصدع به وعدم الضعف في الأمر وقوة الصلابة في القضاء ~~والعفة عن الأموال والتسوية بين القوي والضعيف فالدخول في القضاء أولى له ~~إن لم يكن واجبا عليه بشرط أن يكون في العلم على الصفة التي قدمنا ذكرها ~~ومن كان يضعف عن هذه الأوصاف فالترك أولى به وقد يجب عليه الترك ومما يرشد ~~إلى هذا قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأبي ذر: "إني أراك ضعيفا" ثم ~~أرشده إلى عدم الدخول في الإمارة كما ثبت ذلك في الحديث المشهور وقد أوضحت ~~المقام في رسالتي في القضاء وبسطت المقال على مسائل الإمامة في كتابي إكليل ~~الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة وهما هما في هذين البابين والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم وهو المستعان وبه التوفيق # ويحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه لحديث عبد الرحمن بن سمرة في الصحيحين ~~وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يا عبد الرحمن ~~بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن ~~أعطيتها عن مسألة وكلت إليها" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي ~~PageV02P248 # وحسنه من حديث أنس قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ~~من سأل القضاء وكل إلى نفسه ومن جبر عليه ينزل عليه ملك يسدده " وأخرج ~~البخاري وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم ~~ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة" ~~ولا ينافي هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود بإسناد ms587 لا مطعن فيه من حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ~~ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار" لأن إثم الطلب قد ~~لزمه بالطلب وحصل له الثواب بعد ذلك بالعدل الغالب على الجور قال الماتن في ~~نيل الأوطار: وقد كثر التتابع من الجهلة في هذا المنصب الشريف واشتروه ~~بالأموال ممن هو أجهل منهم حتى عمت البلوى بهم جميع الأقطار اليمنية اه ~~قلت: ومثل ذلك وقع في الحرمين الشريفين من جهة الترك فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون "ولا يحل للإمام تولية من كان كذلك" أي حريصا على القضاء أو طالبا ~~له لحديث أبي موسى في الصحيحين قال: "دخلت على النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال: أحدهما يارسول الله أمرنا على بعض ~~ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك فقال: "إنا والله لا نولي هذا ~~العمل أحدا يسأله أو أحدا يحرص عليه" والسر فيه أن الطالب لا يخلو غالبا من ~~داعية نفسانية من مال أو جاه أو التمكن من انتقام عدو ونحو ذلك فلا يتحقق ~~منه خلوص النية الذي هو سبب نزول البركات. أقول: وأما أخذ الرزق على القضاء ~~فمال الله موضوع لمصالح المسلمين ولهذا قيل له بيت مال المسلمين ومن أعظم ~~مصالح دينهم ودنياهم القاضي العادل في أحكامه العارف من الشريعة المطهرة ~~بما يحتاج إليه في حله وإبرامه بل ذلك هو المصلحة التي لا توازنها مصلحة ~~لأنه يرشدهم إلى مناهج الشرع ويفصل خصوماتهم بأحكام الله فهو المحتمل ~~لأعباء الدين المترجم عنه لمن يحتاج إليه من المسلمين فرزقه من بيت المال ~~من أهم الأمور ولا سيما إذا استغرق أوقاته في فصل خصوماتهم فقد كان رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدون ومن بعدهم من السلف ~~الصالح يقسمون أموال الله بين المسلمين # PageV02P249 # ويجعلون للعلماء نصيبا موفرا فالقاضي إذا كان متورعا عن أموال العباد ~~قائما بمصالح الحاضر منهم ms588 والباد فقد استحق ما يكفيه من بيت المال من جهات ~~منها كونه من المسلمين ومنها كونه عالما ومنها كونه قاضيا وأما ما اعتاده ~~جماعة من القضاة من أخذ الأجرة من الخصوم على الرقوم فمن كان مكفيا من بيت ~~مال المسلمين لا يحل له ذلك لأنه قد قبض أجرته من بيت المال وإن أظهر من ~~يأتيه أن نفسه طيبة به فالذي أوجب طيبها كونه قاضيا وكون الأعراف قد جرت ~~بمثل ذلك وإلا فهو لا يسمح له بماله لو لم يكن كذلك وهذا مما لا شك فيه ولا ~~شبهة وأما إذا لم يكن مكفيا من بيت المال فشرط الحل أن يأخذ مقدار أجرته ~~بطيبة من نفس من يقصده ويكون كالأجير له حكمه لكونه غير مؤجر من بيت مال ~~المسلمين "ومن كان متأهلا للقضاء فهو على خطر عظيم" لحديث أبي هريرة عند ~~أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي والحاكم والبيهقي والدارقطني وحسنه ~~الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: "من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين" قال في الحجة ~~البالغة: هذا بيان أن القضاء حمل ثقيل وأن الإقدام عليه مظنة للهلاك إلا أن ~~يشاء الله انتهى وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي من حديث ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "ما من حكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم ~~القيام وملك آخذ بقفاه حتى يقف به على جهنم ثم يرفع رأسه إلى الله عز وجل ~~فإن قال ألقه ألقاه في مهوي فهوى أربعين خريفا" وفي إسناده عثمان بن محمد ~~الأخنسي وفيه مقال1 وأخرج ابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم في المستدرك ~~وابن حبان من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار وكله إلى نفسه" وفي لفظ ~~الترمذي: "فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان" وفي الباب أحاديث مشتملة على ~~الترهيب وأحاديث مشتملة على الترغيب وقد ms589 استوفاها الماتن في شرح المنتقى ~~"وله مع الإصابة أجران ومع الخطأ أجر إن لم يأل جهدا في البحث" يعني بذل ~~طاقته في اتباع الدليل وذلك لأن التكليف بقدر الوسع وإنما وسع الإنسان أن ~~يجتهد وليس في وسعه أن يصيب الحق البتة ودليله حديث عمرو بن العاصي الثابت ~~في الصحيحين وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم "إذا اجتهد الحاكم فأصاب" ~~PageV02P250 # فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " وقد ورد في روايات "أنه إذا أصاب ~~فله عشرة أجور" وتحرم عليه الرشوة" وفي الأنوار في تفسير الرشوة وجهان: ~~الأول أن الرشوة هي التي يشترط على قابلها الحكم بغير الحق أو الامتناع عن ~~الحكم بالحق والثاني بذل المال لأحد ليتوسل بجاهه إلى أغراضه إذا كان جاهه ~~بالقضاء والعمل فذلك هو الرشوة ويحرم على الرعية إعطاء الرشوة للحكام ~~ليتوسلوا بذلك إلى ظلم ويحرم على الحكام أخذها قال الله تعالى: {لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس ~~بالأثم وأنتم تعلمون} كذا في المسوى وروى مالك بإسناده أن عبد الله بن ~~رواحة قال: ليهود خيبر: "فأما ما عرضتم من الرشوة فإنما هي سحت وإنا لا ~~نأكلها "والهدية التي أهديت إليه لأجل كونه قاضيا" لحديث أبي هريرة عند ~~أحمد والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ~~ماجه والترمذي وصححه وابن حبان والطبراني والدارقطني من حديث عبد الله بن ~~عمرو كحديث أبي هريرة وأخرج أحمد والحاكم من حديث ثوبان قال: "لعن رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي والرائش" يعني الذي ~~يمشي بينهما وفي إسناد ليث بن أبي سليم قال البزار: إنه تفرد به وفي إسناده ~~أيضا أبو الخطاب قيل: وهو مجهول وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم ~~وعن عائشة وأم سلمة أشار إليهما الترمذي وقد أجمع أهل العلم على تحريم ~~الرشوة وقد استدل على تحريم الرشوة بقوله ms590 تعالى: {أكالون للسحت} كما روي عن ~~الحسن وسعيد بن جبير أنهما فسرا الآية بذلك وحكي عن مسروق عن ابن مسعود أنه ~~لما سئل عن السحت أهو الرشوة فقال: لا {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكافرون} و {الظالمون} و {الفاسقون} ولكن السحت أن يستعينك الرجل على ~~مظلمته فيهدي لك فإن أهدى لك فلا تقبل "وقد سبق حديث في هذا المعنى في كتاب ~~الهدايا ويدل على تحريم الهدية التي أهديت للقاضي لأجل كونه قاضيا حديث ~~"هدايا الأمراء غلول" أخرجه البيهقي وابن عدي من حديث ابن حميد قال ابن ~~حجر: وإسناده ضعيف ولعل وجه الضعف أنه من رواية اسمعيل بن عياش # PageV02P251 # عن أهل الحجاز وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة قال ابن حجر: ~~وإسناده أشد ضعفا وأخرجه سنيد بن داود في تفسيره من حديث جابر وفي إسناده ~~إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف وأخرجه الخطيب في تلخيص المتشابه من حديث أنس ~~بلفظ "هدايا العمال سحت" وأخرج أبو داود من حديث بريدة عن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم بلفظ "من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه ~~بعد ذلك فهو غلول" وقد بوب البخاري في أبواب القضاء باب هدايا العمال وذكر ~~فيه حديث ابن اللتبية المشهور1 ومما يؤيد ذلك أن الهدية للقاضي لأجل كونه ~~قاضيا نوع من الرشوة عاجلا أو آجلا قال ابن القيم: أما الهدية للقاضي ففيها ~~تفصيل فإن كانت بغير سبب الفتوى كم عادته يهاديه أو من لا يعرف أنه مفت فلا ~~بأس بقبولها والأولى أن يكافىء عليها وإن كانت بسبب الفتوى فإن كانت سببا ~~إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له لم يجز له قبول هديته ~~لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء وأما أخذ الرزق من بيت المال فإن كان ~~محتاجا إليه جاز له ذلك وإن كان غنيا عنه ففيه وجهان: وهذا فرع متردد بين ~~عامل الزكاة وعامل اليتيم فمن ألحقه بعامل الزكاة قال النفع فيه عام فله ~~الأخذ ومن ألحقه ms591 بعامل اليتيم منعه من الأخذ وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي ~~بل القاضي أولى بالمنع وأما أخذ الأجرة فلا يجوز لأن الفتيا منصب تبليغ عن ~~الله ورسوله فلا تجوز المعارضة عليه كما لو قال: لا أعلمك الإسلام والوضوء ~~والصلاة إلا بأجرة أو سئل عن حلال أو حرام فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا ~~بأجرة فهذا حرام قطعا ويلزمه رد العوض ولا يملكه انتهي "ولا يجوز له الحكم ~~حال الغضب" لحديث أبي بكرة في الصحيحين وغيرهما قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان" ولا يعارض هذا ~~حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه في الصحيحين وغيرهما "أنه اختصم هو ~~وأنصاري فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء ~~إلى أخيك" فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع ~~إلى الجدر" لأن PageV02P252 # النبي صلى الله عليه وسلم معصوم في غضبه ورضائه بخلاف غيره فإن الغضب ~~يحول بينه وبين الحق ويختلط حال الغضب ويتشوش خاطره ويتكدر ذهنه ويذهل عن ~~الصواب فلا يصلح الاستدلال بقضائه صلى الله عليه وسلم حال غضبه لهذا الفرق ~~فالحق أن حكم الحاكم حال الغضب حرام وأما كونه يصح أو لا يصح فينبغي النظر ~~في نفس الحكم فإن كان واقعا على الصواب فالاعتبار بذلك ومجرد صدوره حال ~~الغضب لا يوجب بطلانه وهو صواب وإن كان واقعا على خلاف الصواب فهو باطل ~~وإذا التبس الأمر هل هو صواب أو خطأ كما يحصل الاشتباه في كثير من مسائل ~~الخلاف فالاعتبار بما رآه الحاكم صوابا لأنه متعبد باجتهاده فإن وجد حكمه ~~الواقع حال الغضب بعد سكون غضبه صحيحا موافقا لما يعتقده حقا فهو صحيح لازم ~~للمحكوم عليه وإن كان آثما بإيقاع الحكم حال الغضب كما تقدم فلا ملازمة بين ~~الإثم وبطلان الحكم ثم ظاهر النهي التحريم وقد ذهب ms592 الجمهور إلى أنه يصح حكم ~~الغضبان أن وافق الحق قال ابن القيم: ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد أو ~~جوع مفرط أو هم مقلق أو خوف مزعج أو نعاس غالب أو شغل قلب مستول عليه أو ~~حال مدافعة الأخبثين بل متى أحس منه نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله ~~وكمال نيته وبنيته أمسك عن الفتوى فإن أفتى في هذه الحال بالصواب صحت فتياه ~~ولو حكم في هذه الحال فهل ينفذ حكمه أولا ينفذ فيه ثلاثة أقوال: النفوذ ~~وعدمه والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ وبين أن يكون ~~سابقا على فهم الحكومة فلا ينفذ في مذهب الإمام أحمد "وعليه التسوية بين ~~الخصمين إلا إذا كان أحدهما كافرا" لحديث علي عند أبي أحمد الحاكم في الكنى ~~أنه جلس بجنب شريح في خصومة له مع يهودي فقال: لو كان خصمي مسلما جلست معه ~~بين يديك ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تساووهم في ~~المجالس" وقد قال أبو أحمد الحاكم بعد إخراجه إنه منكر وأورده ابن الجوزي ~~في العلل من هذا الوجه وقال: لا يصح ورواه البيهقي من وجه آخر من طريق جابر ~~الجعفي عن الشعبي قال: خرج علي إلى السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعا فعرف ~~علي الدرع وذكر الحديث وفي إسناده عمرو بن سمرة عن جابر الجعفي وهما ضعيفان ~~وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه من حديث عبد الله بن # PageV02P253 # الزبير قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين ~~يدي الحاكم" وفي إسناده مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير وهو ضعيف ~~"والسماع منهما قبل القضاء" لحديث علي عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه ~~وابن حبان وصححه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا علي إذا جلس ~~إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنك إذا ~~فعلت ذلك تبين لك القضاء " وللحديث طرق "و" يجب عليه "تسهيل ms593 الحجاب" لحديث ~~عمرو بن مرة عند أحمد والترمذي والحاكم والبزار قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة1 ~~والمسكنة إلا غلق الله باب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" وأخرج أبو داود ~~والترمذي من حديث أبي مريم الأزدي مرفوعا بلفظ "من تولى شيئا من أمر ~~المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته" قال ابن حجر ~~في الفتح: إن سنده جيد وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس بلفظ "أيما أمير ~~احتجب عن الناس فأهمهم احتجب الله عنه يوم القيامة" قال ابن أبي حاتم هو ~~حديث منكر "بحسب الإمكان" لأنه لنفسه عليه حقا ولأهله عليه حقا فلا يلزمه ~~استيعاب كل أوقاته فإن ذلك يكدر ذهنه ويشوش فهمه ولا يحتجب كل أوقاته فإن ~~ذلك ظلم لأهل الخصومات وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى أنه كان بوابا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لما جلس على قف2 البئر وثبت في الصحيح أيضا في ~~قصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرا "أن عمر استأذن له الأسود لما قال له ~~يا رباح استأذن لي "وقد ثبت في الصحيح أيضا "أنه كان لعمر حاجب يقال له ~~يرفأ "ويجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة" لما ثبت في البخاري من حديث أنس ~~"أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب ~~الشرطة من الأمير "وقد يجب عليه ذلك إذا كان لا يمكنه إنفاذ الحق ودفع ~~الباطل إلا بهم "و" يجوز للحاكم "الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح" ~~لحديث كعب بن مالك في الصحيحين وغيرهما "أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان ~~له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما" PageV02P254 # حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف ~~سجف حجرته فنادى يا كعب فقال: لبيك يارسول الله قال: ضع من دينك هذا وأومأ ~~إليه أي الشطر قال: قد فعلت يا رسول الله قال: ms594 قم فاقضه " وهذا الحديث فيه ~~دليل على ما ذكرناه من الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح لأنه شفاعة ~~بمن عليه الدين باستيضاع من له الدين بعضه وفيه إرشاد إلى الصلح أيضا وقد ~~سبق في كتاب الصلح ما يدل على مشروعيته من الكتاب والسنة والقاضي داخل في ~~عموم الأدلة "وحكمه ينفذ ظاهرا فقط" لحديث أم سلمة في الصحيحين وغيرهما أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ~~ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق ~~أخيه شيئا فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار" وقد حكى الشافعي الإجماع ~~على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام قال النووي: والقول أن حكم الحاكم يحلل ~~ظاهرا وباطنا مخالف لهذا الحديث الصحيح وللإجماع المذكور وبالجملة فلا وجه ~~لما ذهبت إليه الحنفية من أن حكم الحاكم ينفذ ظاهرا وباطنا ويحلل الحرام ~~وقد جاؤا في هذا المقام بما لا يتفق على من له في العلم قدم وتفصيل ذلك في ~~نيل الأوطار ومسك الختام واللحن مفتوحة الحاء الفطنة يقال: لحنت للشئ بكسر ~~الحاء ألحن له لحنا أي فطنت وأما اللحن بسكون الحاء فهو الخطأ قال في ~~المسوى: اتفق أهل العلم على أن القضاء في الدماء والأملاك المطلقة لا ينفذ ~~إلا ظاهرا واختلفوا في العقود والفسوخ فذهب أبو حنيفة إلى أنه ينفذ القضاء ~~فيها ظاهرا وباطنا حتى لو شهد شاهدان زورا أن فلانا طلق امرأته فقضى به ~~القاضي وقعت الفرقة بينهما بقضائه ويجوز لكل من الشاهدين أن ينكحها وقال ~~الشافعي لا ينفذ باطنا وأما المسائل المختلف فيها مثل أن يقضي حنفي بشعفة ~~الجار لرجل لا يعتقد ثبوتها أو مات رجل عن جد وأخ فقضى القاضي بالميراث ~~للجد على مذهب الصديق رضي الله تعالى عنه والمحكوم له يرى رأي زيد أو مات ~~رجل عن خال لا يرى توريث ذوي الأرحام فقضى له القاضي بالمال فأكثر أصحاب ~~الشافعي على أنه ينفذ ظاهرا وباطنا لأنه أمر مجتهد ms595 فيه لا يتصور ظهور الخطأ # PageV02P255 # موضوع عن الآخر لكونه معذورا فيه وعليه أكثر أهل العلم وفي الحديث دليل ~~على أن بينة المدعي مسموعة بعد يمين المدعى عليه وعليه الشافعي1 انتهى "فمن ~~قضي له بشئ فلا يحل له إلا إذا كان الحكم مطابقا للواقع" لما تقرر أن حكم ~~الحاكم ظني سواء تعلق بمحكوم فيه قطعي أو ظني في إيقاع أو وقوع فلا ينفذ ~~إلا ظاهرا لا باطنا فلا يحل به الحرام ولا يحرم به الحلال للمحكوم له ~~والمحكوم عليه ولكنه يجب امتثاله بحكم الشرع ويجبر من امتنع منه فإن كان ~~المحكوم له يعلم بأن الحكم له بباطل لم يحلل له قبوله ولا يجوز له استحلاله ~~بمجرد حكم الحاكم من غير فرق ومن قال ينفذ حكم الحاكم ظاهرا وباطنا فمقالته ~~باطلة وشبهتها داحضة وقد دفعها الله عز وجل في كتابه العزيز بقوله {ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من ~~أموال الناس بالأثم وأنتم تعلمون} ودفعها رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم بقوله: "فمن قضيت له بشئ من مال أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له ~~قطعة من النار" هذا على تقرير أنهم يعممون المسألة في الأموال وغيرها والذي ~~في كتبهم تخصيص ذلك بما عدا الأموال ولا يختلف في هذا من يقول بأن كل مجتهد ~~مصيب ومن لا يقول بذلك لأن القائل بالتصويب لا يريد بذلك أن المجتهد قد ~~أصاب ما في نفس الأمر وما هو الحكم عند الله عز وجل وإنما يريد أن حكمه في ~~المسألة هو الذي كلف به وإن كان خطأ في الواقع ولهذا يقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن اجتهد ~~فأصاب فله أجران" فجعله مصيبا تارة ومخطئا أخرى ولو كان مصيبا دائما لم يصح ~~هذا التقسيم النبوي وبهذا نعرف أن المراد بقول من قال: كل مجتهد مصيب أنه ~~أراد من الصواب الذي لا ينافي الخطأ لا من الإصابة التي تنافيه والله أعلم. ~~PageV02P256 ### | كتاب ms596 الخصومة # "على المدعي البينة" لقوله صلى الله عليه وسلم: "شاهداك أو يمينه" كما في ~~الصحيحين # PageV02P256 # من حديث الأشعث بن قيس وأخرج مسلم من حديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال للكندي: "ألك بينة؟ " قال: لا قال: "فلك يمينه" "وعلى المنكر ~~اليمين" لحديث ابن عباس في الصحيحين "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ~~باليمين على المدعى عليه"وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح بلفظ "البينة على ~~المدعي واليمين على من أنكر" وأخرج ابن حبان من حديث ابن عمر نحوه وأخرج ~~الترمذي من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده نحوه وقد ذهب إلى ذلك ~~الجمهور وروي عن مالك أنه لا يتوجه اليمين إلا على من يبنه وبين المدعي ~~اختلاط لئلا يبتذل أهل السفه أهل الفضل وهو رد للرواية بمحض الرأي "ويحكم ~~الحاكم بالإقرار" وليس في ذلك خلاف ودلالة الكتاب العزيز على لزوم حكم ~~الإقرار للمقر وفيه من ذلك الكثير الطيب فإن الله سبحانه رتب في كتابه ~~العزيز أحكاما وعقوبات على حصول أمور هي إقرارات وإن لم يذكر فيها لفظ ~~الإقرار وهو أقوى مستندات الحكم إذا لم يكن معلوم البطلان ولزوم المقر لما ~~أقر به وجواز الحكم للحاكم بإقراره لا يحتاج إلى إيراد الأدلة عليه فقد كان ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يسفك به الدماء ويقيم الحدود ويقطع ~~الأموال بل اكتفى به في أعظم الأمور وهو الرجم كما وقع من المقر عند رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما في حديث "واغد يا أنيس إلى امرأة ~~هذا فإن اعترفت فارجمها" وهو في الصحيح كما سيأتي فكيف بالإقرار فيما هو ~~أخف من الرجم "و" الحكم "بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين" لنص القرآن الكريم ~~وليس في ذلك خلاف إذا كان الشهود مرضيين كما قال تعالى {ممن ترضون من ~~الشهداء} أو رجل ويمين المدعي" لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره "أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد"وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي ~~والبيهقي من حديث جابر ms597 "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع ~~الشاهد"وهو من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وقد روي من حديث جعفر بن ~~محمد عن أبيه عن علي "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشهادة شاهد واحد ~~ويمين صاحب الحق"أخرجه أحمد والدارقطني وقد صحح حديث جابر أبو عوانة # PageV02P257 # وابن خزيمة وأخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة قال:" ~~قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد الواحد"ورجال إسناده ~~ثقات وصححه أبو حاتم وأبو زرعة وأخرجه ابن ماجه وأحمد من حديث سرق ورجاله ~~رجال الصحيح إلا الراوي له عن سرق فإنه مجهول وقد ذكر ابن الجوزي في ~~التحقيق عدد من روى هذا الحديث يعني حكمه صلى الله عليه وسلم بالشاهد ~~واليمين من الصحابة فزاد على عشرين صحابيا وإليه ذهب الجمهور من الصحابة ~~فمن بعدهم ويروى عن زيد بن علي والزهري والنخعي وابن شبرمة والحنفية أنه لا ~~يجوز الحكم بشاهد ويمين وأحاديث هذا الباب ترد عليهم قلت: قال مالك في ~~الموطأ مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد يحلف صاحب الحق مع ~~شاهده ويستحق حقه فإن نكل أو أبى أن يحلف أحلف المطلوب فإن حلف سقط عنه ذلك ~~الحق وإن أبى أن يحلف ثبت عليه الحق لصاحبه قال مالك: وإنما يكون ذلك في ~~الأموال خاصة ولا يقع ذلك في شئ من الحدود ولا في نكاح ولا في طلاق ولا في ~~عتاقة ولا في سرقة ولا في فرية قال مالك: ومن الناس من يقول لا يكون اليمين ~~مع الشاهد الواحد ويحتج بقول الله تبارك وتعالى {فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} يقول: فإن لم يأت برجل وامرأتين فلا شئ له ~~ولا يحلف مع شاهده قال مالك: فمن الحجة على من قال ذلك القول أن يقال له ~~أرأيت لو أن رجلا ادعى على رجل مالا أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه ~~فإن حلف بطل ذلك عنه وإن نكل عن اليمين ms598 حلف صاحب الحق إن حقه لحق وثبت حقه ~~على صاحبه فهذا مالا اختلاف فيه عند أحد من الناس ولا ببلد من البلدان فبأي ~~شئ أخذ هذا وفي أي كتاب الله وجده فإذا أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد ~~وإن لم يكن ذلك في كتاب الله وإنه ليكفي ذلك ما مضى من السنة ولكن المرء قد ~~يحب أن يعرف وجه الصواب وموقع الحجة ففي هذا يجيء بيان إن شاء الله تعالى ~~قال في المسوى: وعلى هذا أهل العلم إلا مسألة القضاء بالشاهد الواحد مع ~~يمين المدعي في الأموال خاصة قال الشافعي: يجوز ذلك وقال أبو حنيفة: لا ~~يجوز وقد قال تعالى في حد القذف: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم ~~يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} وقال في الطلاق: {وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم} وقال في الدين: # PageV02P258 # {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون ~~من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} وقد كتب عمر بن عبد ~~العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو عامل على الكوفة ~~أن اقض باليمين مع الشاهد وإن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار سئلا ~~هل يقضى باليمين مع الشاهد فقالا نعم. والحاصل أن شهود الزنا أربعة وشهود ~~سائر الحقوق اثنان وشهود الأموال رجلان أو رجل وامرأتان فإن لم يتيسر قضي ~~بيمين المدعي مع الشاهد الواحد # أقول: الحق أن الحكم بالشاهد العدل واليمين واجب وقد ثبت ذلك في السنة ~~ثبوتا لا ينكره إلا من لا يعرف السنة وجملة من رواه من الصحابة زيادة على ~~عشرين رجلا وللمانعين من ذلك أجوبة خارجة عن الإنصاف وأشف ما تمسكوا به أن ~~الله تعالى أمر بإشهاد رجلين وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "شاهداك ~~أو يمينه " ولا يخفاك أنه ليس في ذلك ما يفيد الحصر بل غاية ما فيه أن ~~مفهومه يدل على عدم قبول الشاهد الواحد مع اليمين ولا حكم لهذا المفهوم مع ~~وجود المنطوق ms599 وهو القضاء بالشاهد واليمين مع أن هذا المفهوم هو مفهوم لقب ~~وهو مما لا يعمل به نحارير الأصول كما ذلك معروف وقد استوفى الماتن حجج ~~الجميع في شرح المنتقى فليرجع إليه "و" يجوز الحكم "بيمين المنكر" لما ~~قدمنا من أن اليمين على المنكر وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث وائل بن حجر ~~أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال للكندي: "ألك بينة" قال: لا ~~قال: "فلك يمينه" فقال: يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه ~~وليس يتورع من شئ فقال "ليس لك منه إلا ذلك" "ويجوز الحكم بيمين الرد" لأن ~~من عليه الحق قد رضي بها سواء قلنا إنها تجب على المدعي عند ردها من المنكر ~~أم لا وقد استدل من لم يجعلها مستندا بمفهوم الحصر في قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "ولكن اليمين على المدعي عليه" كما في بعض ألفاظ حديث ابن عباس عند ~~مسلم وغيره ولقوله في حديث وائل: "ليس لك منه إلا ذلك"ولكن هذا إنما يفيد ~~أنها لا تجب على المدعي إذا ردها المنكر وأما أنه يفيد عدم جواز الحكم ~~بيمين الرد إذا طلبها المنكر ورضي بها وقبل ذلك المدعي فحلف فلا وأما ما ~~رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رد اليمين على طالب الحق" # PageV02P259 # فلو صح لكان صالحا لتخصيص ما تقدم ولكن في إسناده محمد بن مسروق وهو غير ~~معروف وفي إسناده أيضا اسحق بن الفرات وفيه مقال وقد أشار القرآن الكريم ~~إلى رد اليمين بقوله: {أن ترد أيمان بعد أيمانهم} ولكن فيه احتمال إذ يمكن ~~أن يكون المراد برد اليمين عدم قبولها وأما النكول فلا يجوز الحكم به لأن ~~غاية ما فيه أن من عليه اليمين بحكم الشرع لم يقبلها ويفعلها وعدم فعله لها ~~ليس بإقرار بالحق بل ترك لما جعله الشارع عليه بقوله "ولكن اليمين على ~~المدعى عليه" فعلى القاضي أن يلزمه بعد النكول عن اليمين بأحد الأمرين: إما ms600 ~~اليمين التي نكل عنها أو الإقرار بما ادعاه المدعي وأيهما وقع كان صالحا ~~للحكم به كما مر "و" يجوز الحكم "بعلمه" لأن ذلك من العدل والحق اللذين أمر ~~الله بالحكم بهما وليس في الأدلة ما يدل على المنع من ذلك وحديث "شاهداك أو ~~يمينه" لا حصر فيه ومما يؤيده جواز الحكم بعلم الحاكم ما ثبت من قوله صلى ~~الله عليه وسلم للمدعي "ألك بينة" فإن البينة ما يتبين به الأمر وليس بعد ~~العلم بيان بل هو أعلى أنواع البيان فإنه لا يحصل من سائر المستندات للحكم ~~به إلا مجرد الظن بأن المقر صادق في إقراره والحالف بار في يمينه والشاهد ~~صادق في شهادته وإذا جاز الحكم بمستند لا يفيد إلا الظن فكيف لا يجوز الحكم ~~بالعلم واليقين وفي هذه المسألة مذاهب مختلفة وقد احتج أهل كل مذهب بحجج لا ~~تصلح ولا تنطبق على محل النزاع وأقربها ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم من ~~حديث أبي هريرة قال: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال للمدعي: "أقم البينة" فلم يقمها فقال للآخر: "احلف" فحلف بالله الذي ~~لا إله إلا هو ماله عنده شئ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد فعلت ~~ولكن غفر لك بإخلاص لا إله إلا الله" وفي رواية الحاكم "بل هو عندك ادفع ~~إليه حقه" وأما أقوال الصحابة فلا تقوم بها الحجة إلا إذا أجمعوا على ذلك ~~عند من يقول بحجية الإجماع أقول: حكم القاضي بعلمه هذا هو الحق ومن منع من ~~ذلك لم يأت بحجة واضحة وليس في الأدلة المقتضية لوجوب الشاهدين أو اليمين ~~أو ما يقوم مقام أحدهما دليل يدل على انحصار مستند الحكم فيها ولا ريب أن ~~الحاصل عن مثل الشهادة من عدلين أو يمين من ثقة أو نكول أو إقرار هو مجرد ~~الظن للحاكم فقط لأن من الجائز أن يكذب الشاهدان ويفجر الحالف في يمينه # PageV02P260 # ويكذب المقر في إقراره وأما العلم فلا يكون إلا عن مشاهدة أو ما يقوم ~~مقامها ms601 وهو أولى من الظن بلا نزاع وقد تقرر في الأصول أن فحوى الخطاب معمول ~~به عند جميع المحققين وهذا منه فإن العلم أولى من الظن عقلا وشرعا ووجدانا ~~والأدلة العامة شاملة له كالآيات التي ذكروها وتخصيص الحدود بقول عمر مما ~~لا يرتضيه الإنصاف لأن المقام من مجالات الاجتهاد واجتهاده ليس بحجة ~~علىغيره ودعوى الإجماع هي من تلك الدعاوى التي قد عرفناك بها غير مرة وقد ~~حقق الماتن هذا البحث في شرح المنتقى بما لم أجده لغيره # ولا تقبل شهادة من ليس بعدل لقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} وقوله ~~تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} وقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ} الآية: ~~وقد حكى في البحر الإجماع على أنها لا تصح شهادة فاسق قلت: شرط الشاهد كونه ~~مسلما حرا مكلفا أي عاقلا بالغا ضابطا ناطقا عدلا ذا مروءة ليست به تهمة ~~وعليه أكثر أهل العلم في الجملة غير أنهم اختلفوا في بعض التفاصيل فشهادة ~~الذمي لا تقبل عند الشافعي على الإطلاق وقال أبو حنيفة: شهادة أهل الذمة ~~بعضهم على بعض جائزة وإن اختلفت مللهم وشهادة الصبيان لا تقبل عند الأكثرين ~~إلا عند مالك في الجراح فيما بينهم خاصة مالم يصلوا إلى أهل بيتهم وأثر عبد ~~الله بن الزبير أنه كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح معارض ~~بقول ابن عباس إنها لا تجوز لأن الله تعالى يقول: {ممن ترضون من الشهداء} ~~وحد العدالة أن يكون محترزا عن الكبائر غير مصر على الصغائر والمروءة هي ما ~~تتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء وهي حسن الهيئة والسيرة ~~والعشرة والصناعة فإذا كان الرجل يظهر من نفسه شيئا مما يستحيي أمثاله من ~~إظهاره في الأغلب يعلم به قلة مروءته وترد شهادته وإن كان ذلك مباحا "ولا" ~~تقبل شهادة الخائن ولا ذي العداوة وإن كان مقبول الشهادة على غيره لأنه ~~متهم في حق عدوه ولا يؤمن أن تحمله عداوته على إلحاق ضرر به فإن شهد لعدوه ~~تقبل إذا لم يظهر في عداوته ms602 فسق "والمتهم والقانع لأهل البيت" لحديث عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده عن أحمد وأبي داود والبيهقي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ~~تجوز شهادة القانع لأهل البيت" # PageV02P261 # والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت ولأبي داود في رواية "ولا زان ولا ~~زانية" قال ابن حجر في التلخيص: وسنده قوي والغمر بكسر المعجمة وسكون الميم ~~بعدها راء مهملة الحقد أي لا تقبل شهادة العدو على العدو وأخرج الترمذي ~~والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة مرفوعا بلفظ "لا تجوز شهادة خائن ولا ~~خائنة ولا ذي غمر لأخيه ولا ظنين1 ولا قرابة" وفي إسناده يزيد بن زياد ~~الشافعي وهو ضعيف وقد أخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر نحوه وفي ~~إسناده عبد الأعلى وشيخه يحيى بن سعيد الفارسي وهما ضعيفان وأخرج أبو داود ~~في المراسيل من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف "أن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم بعث مناديا أنها لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين"ورواه البيهقي ~~من طريق الأعرج مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجوز شهادة ~~ذي الظنة والحنة2 يعني الذي بينك وبينه عداوة"ورواه الحاكم من حديث العلاء ~~عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه مثله قال ابن حجر: وفي إسناده نظر والمراد ~~بالمتهم هو من يظن به أنه يشهد زورا لمن يحابيه كالقانع والعبد لسيده وقد ~~حكى في البحر الإجماع على عدم قبول شهادة العبد لسيده قال في المسوى: ولا ~~تجوز شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده ويجوز عليهما وكذا لا تقبل شهادة ~~من جر إلى نفسه نفعا كمن شهد لرجل بشراء دار وهو شفيعها أو شهد للمفلس واحد ~~من غرمائه بدين على رجل أو شهد على رجل أنه قتل مورثه فهذه كلها مواضع ~~التهمة واتفقوا على قبول شهادة الأخ للأخ وسائر الأقارب واختلفوا في شهادة ~~أحد الزوجين لصاحبه فلم يجزها أبو حنيفة وأجازها الشافعي أقول: الحق أن ms603 ~~القرابة بمجردها ليست بمانعة سواء كانت قريبة أو بعيدة إنما المانع التهمة ~~فإذا كان القريب ممن تأخذه حمية الجاهلية ولا يردعه عن العصبية دين ولا ~~حياء فشهادته غير مقبولة وإن كان على العكس من ذلك فشهادته مقبولة والأصل ~~في المنع من قبول شهادة المتهم حديث "لا تقبل شهادة ذي الظنة والحنة" ~~والظنة هي التهمة ولم يرد ما يدل على منع شهادة القريب لأجل القرابة ~~"والقاذف" لقوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم PageV02P262 # شهادة أبدا} بعد قوله: {والذين يرمون المحصنات} وقد وقع الخلاف في كتب ~~التفسير والأصول في حكم التوبة المذكورة في آخر الآية قال مالك: الأمر الذي ~~لا اختلاف فيه عندنا أن الذي يجلد الجلد ثم تاب وأصلح تجوز شهادته وهو أحب ~~ما سمعت إلي في ذلك قلت: وعليه الشافعي وذهب أبو حنيفة إلى أن شهادة القاذف ~~لا ترد بالقذف فإذا حد فيه ردت شهادته على التأبيد وإن تاب وأصل المسألة أن ~~الاستثناء يعود إلى الفسق فقط في قول أهل العراق وإلى الفسق وعدم قبول ~~الشهادة جميعا في قول أهل الحجاز وقال الشافعي: هو قبل أن يحد شر منه حين ~~يحد لأن الحدود كفارات فكيف ترودنها في أحسن حاليه وتقبلونها في شر حاليه ~~وإذا قبلتم توبة الكافر والقاتل عمدا كيف لاتقبلون توبة القاذف وهو أيسر ~~ذنبا قيل: معنى قول أبي حنيفة أن القاذف ما لم يحد يحتمل أن يكون صادقا وأن ~~يكون معه شهود تشهد بالزنا فإذا لم يأت بالشهداء وأقيم عليه الحد صار مكذبا ~~بحكم الشرع لقوله تعالى: {فأولئك عند الله هم الكاذبون} فوجب رد شهادته ثم ~~رد شهادة المحدود في القذف تأبيدي عنده لقوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا} والتأبيد ينافي التعليق فلا يجري فيه القياس وقال الواحدي: أبد كل ~~إنسان مقدار مدته فيما يتصل بقصته يقال: الكافر لا يقبل منه شئ أبدا معناه ~~ما دام كافرا كذلك القاذف لا تقبل شهادته أبدا ما دام قاذفا فإذا زال عنه ~~الكفر أبده وإذا زال عنه الفسق زال أبده لا فرق ms604 بينهما في ذلك "ولا" تقبل ~~شهادة "بدوي على صاحب قرية" لحديث أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "لاتجوز شهادة بدوي على صاحب قرية " أخرجه أبو داود وابن ~~ماجه والبيهقي قال المنذري: رجال إسناده احتج بهم مسلم في صحيحه قال في ~~النهاية: إنما كره شهادة البدوي لما فيه من الخفاء في الدين والجهالة ~~بأحكام الشرع ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها وبنحو هذا قال ~~الخطابي وروي نحوه عن أحمد بن حنبل وذهب إلى ذلك جماعة من أصحاب أحمد وبه ~~قال مالك وأبو عبيد وذهب الأكثر إلى القبول قال ابن رسلان: وحملوا هذا ~~الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم ~~انتهى. وهذا توجيه قوي ومحمل سوي "وتجوز شهادة من يشهد على تقرير فعله أو ~~قوله إذا انتفت التهمة" # PageV02P263 # لأنه لم يرد ما يمنع من ذلك حتى يخصصه من عموم الأدلة وأيضا حديث قبول ~~خبر المرضعة وقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعد خبرها "كيف وقد قيل ~~"ورتب على خبرها التحريم وقد تقدم في الرضاع وهي شهدت على تقرير فعلها كما ~~لا يخفى ولم يستدل المانع إلا على1 أن الشاهد إذا شهد على تقرير قوله أو ~~فعله لم يخل من تهمة وقد قيدنا ذلك بانتفاء التهمة وأما تحليف الشهود عند ~~الريبة فالظاهر أنه من جملة التثبيت المأمور به ولا سيما مع فساد الزمان ~~وتواثب كثير من الناس على شهادة الزور وكثيرا ما يتحرج بعض المتساهلين في ~~الشهادة عن اليمين الفاجرة والبعض بالعكس من ذلك ولم يرد ذلك على المنع من ~~تحليف الشهود وأما الاستدلال بقوله تعالى {فيقسمان بالله} ففي انطباقه على ~~محل النزاع خلاف وأما تفريق الشهود فهو من أعظم ما يستعان به على الفرق بين ~~صدقة الشهادة وكذبها ولا سيما إذا سألهم الحاكم عن بعض الأحوال التي تجوز ~~تواطؤهم عليها قال الماتن رحمه الله في حاشية الشفاء: ولقد انتفعت بتفريق ~~الشهود وتنويع سؤالهم وقل ما تصح شهادة ms605 بعد ذلك والحاكم لا يحل له التساهل ~~بل يجب عليه إكمال البحث عن كل ما يتوصل به إلى كشف الحقيقة وهذا منه ~~"وشهادة الزور من أكبر الكبائر" لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما قال: ذكر ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: ~~"الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين" وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ~~قول الزور أو قال شهادة الزور" وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي بكرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" ~~قلنا بلى يارسول قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين" وكان متكئا فجلس ~~وقال: "ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" ثم ~~أقول: المراد بالشهادة الإخبار بما يعلمه الشاهد عند التحاكم بأي لفظ كان ~~وعلى أي صفة وقع ولا يعتبر إلا أن يأتي بكلام مفهوم يفهمه سامعه فإذا قال ~~مثلا رأيت كذا وكذا أو سمعت كذا وكذا فهذه شهادة شرعية وقد أحسن المحقق ابن ~~القيم رحمه الله حيث قال في فوائده: ليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليل ~~لا من كتاب ولا من PageV02P264 # سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح انتهى وقد تقرر في محله أن اشتراط الألفاظ ~~إنما هو صنيع من لم يمعن النظر في حقائق الأشياء ولا وصل إلى أن يعقل أن ~~الألفاظ غير مرادة لذاتها وإنما هي قوالب للمعاني تؤدى بها فإذا قد حصلت ~~التأدية للمعنى المراد فاشتراط زيادة على ذلك لم تدل عليه رواية ولا دراية ~~"وإذا تعارض البينتان ولم يوجد وجه ترجيح قسم المدعى" لحديث أبي موسى عند ~~أبي داود والحاكم والبيهقي "أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم فبعث كل واحد منهما بشاهدين فقسمه النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم بينهما نصفين"وقد أخرج نحوه ابن حبان من حديث ~~أبي هريرة وصححه وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث تميم بن طرفة ووصله الطبراني ~~عن جابر بن سمرة وقد ms606 ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قسمة المدعى إذا لم يكن ~~للخمصين بينة فأخرج أحمد وابن ماجه والنسائي من حديث أبي موسى "أن رجلين ~~اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دابة ليس لواحد منهما بينة ~~فجعلها بينهما نصفين"وثبتت قسمة المدعى عنه صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ~~موسى المذكور أولا بزيادة ذكرها النسائي فقال: "ادعيا دابة وجداها عند رجل ~~فأقام كل منهما شاهدين فلما أقام كل واحد منهما شاهدين نزعت من يد الثالث ~~أو دفعت إليهما" "وإذا لم يكن للمدعي بينة فليس له إلا يمين صاحبه ولو كان ~~فاجرا" لحديث الأشعت بن قيس في الصحيحين وغيرهما قال: "كان بيني وبين رجل ~~خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال ~~"شاهداك أو يمينه فقلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي فقال: من حلف على يمين ~~يقتطع بها مال أمريء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان " وأخرج مسلم وغيره من ~~حديث وائل بن حجر "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للكندي: "ألك بينة" ~~قال: لا قال: "فلك يمينه" فقال يارسول الله: الرجل فاجر لا يبالي على ما ~~حلف عليه وليس يتورع من شئ فقال: "ليس لك منه إلا ذلك" "ولا تقبل البينة ~~بعد اليمين" لما يفيده قوله صلى الله عليه وسلم "شاهداك أو يمينه " فاليمين ~~إذا كانت تطلب من المدعي فهي مستند للحكم صحيح ولا يقبل المستند المخالف ~~لها بعد فعلها لأنه لا يحصل بكل واحد منهما إلا مجرد ظن ولا ينقض الظن ~~بالظن وقد ذهب إلى هذا # PageV02P265 # بعض أهل العلم والخلاف معروف "ومن أقر بشئ عاقلا بالغا غير هازل ولا ~~بمحال عقلا أو عادة لزمه ما أقر به كائنا ما كان" لما تقدم وأما تقييده ~~بكون المقر عاقلا بالغا فلأن المجنون والصبي ليسا بمكلفين فلا حكم ~~لإقرارهما وأما تقييده بكونه غير هازل فلكون إقرار الهازل ليس هو القرار ~~الذي يجوز أخذه به وهكذا إذا أقر بما يحيله العقل أو العادة لأن ms607 كذبه معلوم ~~ولا يجوز الحكم بالكذب "ويكفي مرة واحدة من غير فرق بين موجبات الحدود ~~وغيرها كما سيأتي" لكون المقر بالشئ على نفسه قد لزمه إقراره واعتبار ~~التكرار في الحدود سيأتي أنه لم يثبت عليه يوجب المصير إليه. # PageV02P266 ### | كتاب الحدود ### | باب حد الزنا # ... # كتاب الحدود # "باب حد الزاني" # والزنا من أكبر الكبائر في جميع الأديان قال تعالى: {ولا تقربوا الزنى ~~إنه كان فاحشة وساء سبيلا} وعلى هذا اتفق المسلمون وإن كان لهم في حد الزنا ~~اختلاف "إن كان بكرا حرا جلد مائة جلدة" لقوله تعالى: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} وفي قوله: ~~{ولا تأخذكم بهما رأفة} نهي عن تعطيل الحدود وقيل نهي عن تخفيف الضرب بحيث ~~لا يحصل وجع معتد به وقوله: {وليشهد عذابهما} قيل: يجب حضور ثلاثة فما ~~فوقهم وقيل: أربعة بعد شهود الزنا وقال أبو حنيفة الإمام والشهود إن ثبت ~~الزنا بالشهود والأحاديث في هذا الباب كثيرة "وبعد الجلد يغرب عاما" لحديث ~~أبي هريرة وزيد بن خالد في الصحيحين وغيرهما "أن رجلا من الأعراب أتي رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: يارسول الله أنشدك الله إلا قضيت ~~لي بكتاب الله وقال الخصم الآخر وهو أفقه منه نعم فاقض بيننا بكتاب الله ~~وائذن لي فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "قل # PageV02P266 # قال إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته وإني أخبرت أن على ابني ~~الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني ~~جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة الغنم رد عليك ~~وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد ياأنيس لرجل من أسلم إلى امرأة هذا فإن ~~اعترفت فارجمها" قال فغدا عليها فاعترفت فأمر رسول الله صلى الله تعالى ms608 ~~عليه وآله وسلم فرجمت قال مالك العسيف الأجير وفي البخاري وغيره من حديث ~~أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام ~~وإقامة الحد عليه وأخرج مسلم وغيره من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر ~~بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" وقد ذهب إلى ~~تغريب الزاني الذي لم يحصن الجمهور حتى ادعى محمد بن نصر في كتاب الإجماع ~~الاتفاق على نفي الزاني البكر إلا عن الكوفيين وقد حكى ابن المنذر أنه عمل ~~بالتغريب الخلفاء الراشدون ولم ينكره أحد فكان إجماعا ولم يأت من لم يقل ~~بالتغريب بحجة نيرة وغاية ما تمسكوا به عدم ذكره في بعض الأحاديث وذلك لا ~~يستلزم العدم واختلف من أثبت التغريب هل تغرب المرأة أم لا فقال مالك ~~والأوزاعي: لا تغرب المرأة لأنه عورة وظاهر الأدلة عدم الفرق قلت: والتغريب ~~من جملة الإيذاء الذي أمر به القرآن قال: {فآذوهما} وعليه الشافعي وقال أبو ~~حنيفة: لا يغرب "وإن كان ثيبا جلد كما يجلد البكر" بما تقدم من الأدلة ~~وبغيرها كرجمه صلى الله عليه وسلم لماعز ورجمه صلى الله عليه وسلم لليهودي ~~واليهودية ورجمه للغامدية1 والكل في الصحيح "ثم يرجم حتى يموت" والرجم كان ~~متلوا ثم نسخت تلاوته وأيضا يتناوله الإيذاء وعلى هذا أكثر أهل العلم ~~وتكلموا في ترتيب هذه الدلائل مع حديث عبادة "الثيب بالثيب جلد مائة ~~والرجم"وجمع علي كرم الله وجهه بين الرجم والجلد فقالوا: الجلد منسوخ فيمن ~~وجب عليه الرجم لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية ~~واليهوديين PageV02P267 # ولم يجلد واحدا منهم وقال لأنيس الأسلمي "فإن اعترفت فارجمها" ولم يأمر ~~بالجلد وهذا آخر الأمرين لأن أبا هريرة قد رواه وهو متأخر الإسلام فيكون ~~ناسخا لما سبق من الحدين الجلد والرجم ثم رجم الشيخان أبو بكر وعمر في ~~خلافتهما ولم يجمعا بين الرجم والجلد قال في المسوى: في ms609 حديث عبادة ما يدل ~~على أنه من آخر أحكام النبي صلى الله عليه وسلم لأن لفظه "خذوا عني "إلخ ~~فيه إشارة إلى قوله تعالى {أو يجعل الله لهن سبيلا} فهو متأخر عن هذه الآية ~~وهذه الآية في سورة النساء وهي من آخر ما نزل فلا تدل رواية أبي هريرة إياه ~~على النسخ بل الظاهر عندي أنه يجوز للإمام أن يجمع بين الجلد والرجم ويستحب ~~له أن يقتصر على الرجم لاقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على الرجم والحكمة ~~في ذلك أن الرجم عقوبة تأتي على النفس فأصل الرجم المطلوب حاصل به والجلد ~~زيادة عقوبة رخص في تركها فهذا وجه الاقتصار على الرجم عندي والعلم عند ~~الله تعالى "ويكفي إقراره وما ورد من التكرار في وقائع الأعيان فلقصد ~~الاستثباث" لأن أخذ المقر بإقراره هو الثابت في الشريعة فمن أوجب تكرار ~~الأقراب في فرد من أفراد الشريعة كان الدليل عليه ولا دليل ههنا بيد من ~~أوجب تربيع الإقرار إلا مجرد ما وقع من ماعز من تكرار الإقرار ولم يثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمره أو أمر غيره بأن يكرر الإقرار ولا ثبت ~~عنه صلى الله عليه وسلم أن إقرار الزنا لا يصح إلا إذا كان أربع مرات وإنما ~~لم يقم على ماعز الحد بعد الإقرار الأول لقصد التثبت في أمره ولهذا قال له ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أبك جنون" ووقع منه صلى الله عليه وسلم ~~السؤال لقوم ماعز عن عقله وقد اكتفى صلى الله عليه وسلم بالإقرار مرة واحدة ~~كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم: "واغد يا أنيس ~~إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رجم ~~الغامدية ولم تقر إلا مرة واحدة كما في صحيح مسلم وغيره وكما أخرجه أبو ~~داود والنسائي من حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجم رجلا أقر مرة واحدة" ومن ذلك حديث الرجل الذي ادعت ms610 المرأة أنه وقع ~~عليها فأمر برجمه ثم قام آخر فاعترف أنه الفاعل فرجمه وفي رواية أنه عفا ~~عنه والحديث في سنن النسائي والترمذي ومن ذلك رجم اليهودي واليهودية فإنه ~~لم ينقل أنهما كررا الإقرار فلو كان الإقرار أربع مرات شرطا # PageV02P268 # في حد الزاني لما وقع منه صلى الله عليه وسلم المخالفة له في عدة قضايا ~~فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على ~~من كان أمره ملتبسا في ثوب العقل وعدمه والصحو والسكر ونحو ذلك وأحاديث ~~إقامة الحد بعد الإقرار مرة على من كان معروفا بحصة العقل ونحوه وأما ~~اعتبار كون الشهود أربعة فذلك لمزيد الاحتياط في الحدود لكونها تسقط ~~بالشبهة ولا وجه للاحتياط بعد الإقرار فإن إقرار الرجل على نفسه لا يبقى ~~بعده ريبة بخلاف شهادة الشهود عليه وهذا أمر واضح وقد ذهب إلى ما ذكرنا ~~جماعة من أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم وحكاه صاحب البحر عن أبي بكر وعمر ~~والحسن البصري ومالك وحماد وأبي ثور والبتي والشافعي وذهب الجمهور إلى ~~التربيع في الإقرار أقول: هذه المسألة من المعارك والحق أن الإقرار الذي ~~يستباح به الجلد والرجم لا يشترط فيه أن يكون على مرة وقد ثبت عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه رجم وأمر بالرجم وجلد بمجرد الإقزاز مرة واحدة كما ثبت ذلك ~~في عدة أحاديث وأما سكوته صلى الله عليه وسلم في مثل قضية ماعز حتى أقر ~~أربعا فليس فيها أن ذلك شرط بل غاية ما فيها أن الإمام إذا تثبت في بعض ~~الأحوال حتى يقع الإقرار مرات كان له ذلك وقد بسط الماتن المسألة في شرح ~~المنتقى فليرجع إليه فالمقام حقيق بالتحقيق "وأما الشهادة فلا بد من أربعة" ~~ولا أعلم في ذلك خلافا وقد دل على هذا الكتاب والسنة قال في المسوى: يثبت ~~الزنا بالإقرار وبأربعة شهداء قال الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من ~~نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى ~~يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن ms611 سبيلا} قلت: على هذا أهل العلم "ولا بد أن ~~يتضمن الإقرار والشهادة التصريح بإيلاج الفرج في الفرج" لقوله صلى الله ~~عليه وسلم لماعز: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت" فقال: لا يارسول الله قال: ~~"أفنكتها؟ " لا يكني قال: نعم فعند ذلك أمر برجمهأخرجه البخاري وغيره من ~~حديث ابن عباس وأخرج أبو داود والنسائي والدارقطني من حديث أبي هريرة قال: ~~جاء الأسلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد على نفسه أنه أصاب امرأة ~~حراما أربع مرات كل ذلك يعرض عنه فأقبل عليه في الخامسة فقال: "أنكتها قال: ~~نعم قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر قال نعم" الحديث وفي ~~إسناده ابن # PageV02P269 # الهضهاض1 قال البخاري: حديثه في أهل الحجار ليس يعرف إلا هذا الواحد2 وقد ~~وقع من عمر بمحضر من الصحابة في استفصال شهود المغيرة بنحو هذا والقصة ~~معروفة "ويسقط" الحد "بالشبهات المحتملة" لحديث أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "ادرؤا الحدود على المسلمين ما استطعتم فإن كان ~~له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطيء في العفو خير من أن يخطئ في ~~العقوبة" أخرجه الترمذي وقد رواه الترمذي أيضا من حديث الزهري عن عروة عن ~~عائشة وقد أعل الحديث بالوقف وأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ ~~"ادفعوا الحدود ماوجدتم لها مدفعا" وقد روي من حديث علي مرفوعا "ادرؤا ~~الحدود بالشبهات" وروي نحوه عن عمر وابن مسعود بإسناد صحيح وفي الباب من ~~الروايات ما يعضد بعضه ويقويه ومما يؤيد ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم "لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها" يعني امرأة العجلاني كما في ~~الصحيحين من حديث ابن عباس "وبالرجوع عن الإقرار" لحديث أبي هريرة عند أحمد ~~والترمذي "أن ماعزا لما وجد مس الحجارة فر يشتد حتى مر برجل معه لحي3 جمل ~~فضربه به وضربه الناس حتى مات فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم فقال: "هلا تركتموه" قال الترمذي: إنه حديث حسن وقد ms612 روي من غير ~~وجه عن أبي هريرة انتهى ورجال إسناده ثقات وأخرج أبو داود والنسائي من حديث ~~جابر نحوه وزاد "أنه لما وجد مس الحجارة صرخ يا قوم ردوني إلى رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي وأخبروني أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غير قاتلي فلم ننزع عنه حتى قتلناه فلما رجعنا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه قال: "فهلا تركتموه وجئتموني به" ~~وقد أخرج البخاري ومسلم طرفا من هذا الحديث وفي الباب روايات وقد ذهب إلى ~~ذلك أحمد والشافعية والحنيفة وهو مروي عن مالك في قول له وقد ذهب ابن أبي ~~ليلى والبتي وأبو ثور ورواية عن مالك وقول للشافعي أن لا يقبل منه الرجوع ~~عن PageV02P270 # الإقرار "وبكون المرأة عذراء أو رتقاء1 وبكون الرجل محجوبا أو عنينا" ~~لكون المانع موجودا فتبطل به الشهادة أو الإقرار لأنه قد علم كذب ذلك قطعا ~~وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم بعث عليا لقتل رجل كان يدخل على مارية ~~القبطية فذهب فوجده يغتسل في ماء فأخذ بيده فأخرجه من الماء ليقتله فرآه ~~مجبوبا فتركه ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك والقصة مشهورة ~~وهذا معناه قلت وقد أخرج مسلم وغيره ما حكاه الماتن وذكره جمع من أهل السير ~~"وتحرم الشفاعة في الحدود" لما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه من حديث ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حالت شفاعته دون حد من حدود ~~الله فهو مضاد الله في أمره" وفي الصحيحين من حديث عائشة في قصة المرأة ~~المخزومية التي سرقت لما شفع فيها أسامة بن زيد فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم له: "أتشفع في حد من حدود الله" وفي لفظ "لا أراك تشفع في حد من حدود ~~الله" وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الحاكم وابن الجارود2 أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال له لما أراد أن يقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه: "هلا كان ms613 قبل ~~أن تأتيني به" وفي الباب أحاديث "ويحفر للمرجوم إلى الصدر" لكونه صلى الله ~~عليه وسلم أمر بأن يحفر للغامدية إلى صدرها وهو في صحيح مسلم وغيره "أنه ~~حفر لماعز حفرة ثم أمر به فرجم" كما في حديث عبد الله بن بريدة في قصة ماعز ~~وأخرجها أحمد وزاد "فحفر له حفرة فجعل فيها إلى صدره" وأخرج أحمد وأبو داود ~~والنسائي من"حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه أنه اعترف رجل بالزنا فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحصنت قال نعم فأمر برجمه فذهبنا فحفرنا له ~~حتى أمكننا ورميناه بالحجارة حتى هدأ" وقد ثبت في مسلم وغيره من حديث أبي ~~سعيد قال: "لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرجم ماعز بن مالك ~~خرجنا به إلى البقيع فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه"ويؤيد هذا ما وقع في ~~حديث غيره أنه هرب كما تقدم ولكن ترك الحفر له لا ينافي ثبوت مشروعية الحفر ~~قال ابن القيم: بعد تخريج حديث ماعز المتقدم بألفاظ وكل هذه الألفاظ صحيحة ~~وفي بعضها أنه أمر PageV02P271 # فحفرت له حفيرة ذكرها مسلم وهي غلط من رواية بشير بن المهاجر وإن كان ~~مسلم روى له في الصحيح فالثقة قد يغلط على أن أحمد وأبا حاتم قد تكلما فيه ~~وإنما حصل الوهم من حفرة الغامدية فسرى إلى ماعز والله تعالى أعلم انتهى ~~أقول: وجمع بين الحديثين بأنه فد كان حفر له حفرة صغيرة ثم خرج منها ورجموه ~~وهو قائم كما تدل عليه رواية أبي سعيد وأما الحفر للمرأة فثابت وقد اختلف ~~في مشروعيته والحق أنه مشروع "ولا ترجم الحبلى حتى تضع وترضع ولدها إن لم ~~يوجد من يرضعه" لحديث سليمان بن بريدة عن أبيه عند مسلم وغيره أن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقال طهرني يارسول ~~الله فقال: "ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه" فقالت: أراك تريد أن ~~تردني كما رددت ماعز بن مالك قال: "وما ذاك" قالت: إني حبلى ms614 من الزنا قال: ~~أنت؟ " قالت: نعم فقال لها "حتى تضعي ما في بطنك" قال: فكفلها رجل من ~~الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: قد ~~وضعت الغامدية فقال: "إذن لا نرجمها وندع ولدها صغير السن ليس له من يرضعه" ~~فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله قال "فارجمها" وأخرج مسلم ~~وغيره من حديث عمران ابن حصين "أن امرأة جهينة أتت النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت: يارسول الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال: "أحسن إليها فإذا وضعت فأتني" ففعل ~~فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها ~~فرجمت" الحديث وقد رويت هذه القصة من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وجابر بن ~~عبد الله وجابر بن سمرة وابن عباس وأحاديثهم عند مسلم وقد اختلفت الروايات ~~ففي بعضها ما تقدم في حديث بريدة وفي بعضها "أن النبي صلى الله تعالى عليها ~~وآله وسلم أخر رجمها إلى الفطام فجاءت بعد ذلك فرجمت"وقد جمع بينهما ~~مجموعات "ويجوز الجلد حال المرض بعثكال ونحوه1" لحديث أبي أمامة بن سهل عن ~~سعيد بن سعد بن عبادة قال: "كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدج فلم يرع الحي ~~إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث بها فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم وكان ذلك الرجل مسلما فقال: اضربوه حده قالوا يا ~~رسول الله: PageV02P272 # إنه أضعف مما تحسب لو ضربناه مائة قتلناه فقال: خذوا له عثكالا فيه مائة ~~شمراخ1 ثم اضربوه به ضربة واحدة قال: ففعلوا "وراه أحمد وابن ماجه والشافعي ~~والبيهقي ورواه الدارقطني عن فليح عن أبي سالم عن سهل بن سعد ورواه ~~الطبراني من حديث أبي أمامة بن سهل عن أبي سعيد الخدري ورواه أبو داود من ~~حديث رجل من الأنصار وأخرجه النسائي من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن ~~أبيه وإسناد ms615 الحديث حسن وقد أخرج مسلم وغيره من حديث علي قال: إن أمة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد ~~بنفاس فخشيت أن أجلدها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~"أحسنت اتركها حتى تماثل" وقد جمع بين هذا الحديث والحديث الأول بأن المريض ~~إذا كان مرضه مرجوا أمهل كما في الحديث الآخر وإن كان مأيوسا جلد كما في ~~الحديث الأول وقد حكى في البحر الإجماع على أنه تمهل البكر حتى تزول شدة ~~الحر والبرد والمرض المرجو فإن كان مأيوسا فقال أصحاب الشافعي: إنه يضرب ~~بعثكول إن احتمله "ومن لاط بذكر قتل ولو كان بكرا وكذلك المفعول به إذا كان ~~مختارا" لحديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي والحاكم ~~والبيهقي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وجدتموه يعمل عمل قوم ~~لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" قال ابن حجر: رجاله موثقون إلا أن فيه ~~اختلافا وأخرج ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أولم يحصنا" وإسناده ضعيف قال ~~ابن الطلاع في أحكامه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في ~~اللواط ولا أنه حكم فيه وثبت عنه أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به" ~~رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة انتهى وأخرج البيهقي عن علي "أنه رجم لوطيا" ~~قال الشافعي: وبهذا نأخذ نرجم اللوطي محصنا كان أو غير محصن وأخرج البيهقي ~~أيضا عن أبي بكر أنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما تنكح النساء فسأل أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فكان من أشدهم يومئذ قولا علي ابن أبي ~~طالب PageV02P273 # قال: هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد ~~علمتم نرى أنه نحرقه بالنار فاجتمع أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم على أن يحرقه بالنار ms616 فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه ~~بالنار وأخرج أبو داود عن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس في البكر يوجد ~~على اللوطية يرجم وأخرج البيهقي عن ابن عباس أيضا "أنه سئل عن حد اللوطي ~~فقال: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منسكا ثم يتبع الحجارة" وقد اختلف ~~أهل العلم في عقوبة اللواط بعد اتفاقهم على تحريمه وأنه من الكبائر فذهب من ~~تقدم من الصحابة إلى أن حده القتل ولو كان بكرا سواء كان فاعلا أو مفعولا ~~به وإليه ذهب الشافعي وحكى صاحب شفاء الأوام إجماع الصحابة على القتل وحكى ~~البغوي عن الشعبي والزهري ومالك وأحمد وإسحق أنه يرجم محصنا كان أو غير ~~محصن وروي عن النخعي أنه قال لو كان يستقيم أن يرجم الزاني مرتين لرجم ~~اللوطي وقال المنذري حرق اللوطية بالنار أبو بكر وعلي وعبد الله بن الزبير ~~وهشام بن عبد الملك وذهب من عدا من تقدم إلى أن حد اللوطي حد الزاني وقال ~~الشافعي في الأظهر أن حد الفاعل حد الزنا إن كان محصنا رجم وإلا جلد وغرب ~~وحد المفعول به الجلد والتغريب وفي قول كالفاعل وفي قول يقتل الفاعل ~~والمفعول به وقال أبو حنيفة: يعزر باللواط ولا يجلد ولا يرجم أقول: قد صح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتل الفاعل والمفعول به وصح عن الصحابة ~~امتثال هذا الأمر وقتلهم لمن ارتكب هذه الفاحشة العظيمة من غير فرق بين بكر ~~وثيب ووقع ذلك في عصرهم مرات ولم يظهر في ذلك خلاف من أحد منهم مع أن ~~السكوت في مثل إراقة دم امرىء مسلم لا يسوغ لأحد من المسلمين وكان في ذلك ~~الزمن الحق مقبول من كل من جاء به كائنا من كان فإن اللواط مما يصح اندراجه ~~تحت عموم أدلة الزاني فهو مخصص بما ورد فيه من القتل لكل فاعل سواء كان ~~محصنا أو غير محصن وإن كان غير داخل تحت أدلة الزنا ففي أدلته الخاصة له ما ~~يشفي ويكفي "ويعزر ms617 من نكح بهيمة" لكون1 الحديث المروي عن ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة" أخرجه ~~أحمد PageV02P274 # وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه فقد روى الترمذي وأبو داود من ~~حديث أبي رزين عن ابن عباس أنه قال: "من أتى بهيمة فلا حد عليه" وقال: إنه ~~أصح من الحديث الأول قال: والعمل على هذا عند أهل العلم وقد روى أبو يعلى ~~الموصلي من حديث أبي هريرة نحو حديث ابن عباس في القتل ولكن في إسناده عبد ~~الغفار1 قال ابن عدي: إنه رجع عنه وذكر أنهم كانوا لقنوه وقد وقع الإجماع ~~على تحريم إتيان البهيمة كما حكى ذلك صاحب البحر ووقع الخلاف بين أهل العلم ~~فقيل: يحد الزاني وقيل: يعزر فقط إذ ليس بزنا وقيل يقتل ووجه ما ذكرنا من ~~التعزير أنه فعل محرما مجمعا عليه فاستحق العقوبة بالتعزير وهذا أقل ما ~~يفعل به والحاصل: أن من وقع على بهيمة فقد ورد ما يدل على أنه يقتل ولكن لم ~~يثبت ثبوتا تقوم به الحجة ولا وقع من الصحابة مثل ما وقع في اللواط وفي ~~النفس شئ من دخوله تحت أدلة الزنا العامة فالظاهر التعزير فقط من غير فرق ~~بين بكر وثيب "ويجلد المملوك نصف جلد الحر" لقوله تعالى: {فعليهن نصف ما ~~على المحصنات من العذاب} ولا قائل بالفرق بين الأمة والعبد كما حكى ذلك ~~صاحب البحر وقد أخرج عبد الله بن أحمد في المسند من "حديث علي قال: أرسلني ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى أمة سوداء زنت لأجلدها الحد ~~فوجدتها في دمها فأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا ~~تعالت من نفاسها فاجلدها خمسين" وهو في صحيح مسلم كما تقدم بدون ذكر ~~الخمسين وأخرج مالك في الموطإ عن عبد الله بن عياش المخزومي2 قال: "أمرني ~~عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين ~~في الزنا"وذهب ابن عباس إلى أنه لا حد ms618 على مملوك حتى يتزوج تمسكا بقوله ~~تعالى: {فإذا أحصن} الآية وأجيب بأن المراد بالإحصان هنا الإسلام قلت ~~الإحصان في كلام العرب المنع ويقع في القرآن والسنة على الإسلام والحرية ~~والعفاف والتزوج لأن الإسلام يمنعه عما لا يباح له وكذلك الحرية والعفاف ~~والتزوج وقوله تعالى {والمحصنات من النساء} أراد المزوجات وقوله تعالى: {أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات PageV02P275 # فمن ما ملكت أيمانكم} أراد به الحرائر وقوله تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات} أراد العفاف وقوله تعالى: {محصنين غير مسافحين} أراد المتزوجين ~~وقوله تعالى: {فإذا أحصن} أي تزوجن وعلى هذا أهل العلم "ويحده سيده أو ~~الإمام" لعموم الأدلة الواردة في مطلق الحد ولحديث أبي هريرة في الصحيحين ~~وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها ~~فليجلدها الحد ولا يثرب1 عليها ثم إن زنت فليجدها الحد ولا يثرب عليها ثم ~~إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحل من شعر" وقد ذهب إلى أن السيد يجلد مملوكه ~~جماعة من السلف قال الشافعي: للسيد إقامة الحد على مملوكه دون السلطان وقال ~~أبو حنيفة: يرفعه المولى إلى السلطان ولا يقيمه بنفسه PageV02P276 ### | باب السرقة # "من سرق مكلفا مختارا" وقد تقدم وجه اشتراط التكليف والاختيار "من حرز" ~~أي مال محرز واستدل على ذلك بما أخرجه أبو داود2 من حديث عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سأله رجل عن ~~الحريسة التي تؤخذ من مراتعها قال: "فيها ثمنها مرتين وضرب نكال وما أخذ من ~~عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن" قال يا رسول الله: ~~فالثمار وما أخذ منها في أكمامها قال: "من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنة فليس ~~عليه شئ ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال وما أخذ من أجرانه ففيه ~~القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن" وقد أخرجه أيضا أحمد والنسائي ~~والحاكم وصححه وحسنه الترمذي والحريسة3 التي ترعى وعليها حرس وكذا حديث "لا ~~قطع في ثمر ولا كثر4" PageV02P276 # عند ms619 أحمد وأهل السنن والحاكم وصححه ابن حبان والبيهقي من حديث رافع بن ~~خديج وقد ذهب إلى اعتبار الحرز الأكثر وذهب أحمد وإسحق والظاهرية وطائفة من ~~أهل الحديث إلى عدم اعتباره واستدلوا على عدم الاعتبار وإن كان قيامهم مقام ~~المنع يكفيهم بما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي ومالك في الموطإ ~~والشافعي والحاكم وصححه1 من حديث صفوان بن أمية قال: "كنت نائما في المسجد ~~على خميصة لي فسرقت فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأمر بقطعه فقلت يارسول الله: أفي خميصة ثمن ثلاثين درهما أنا أهبها ~~له قال: "فهلا كان قبل أن تأتيني به" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من ~~حديث ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق سرق برنسا من ~~صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم"وقد أخرج مسلم معناه وقد روي نحو حديث صفوان ~~من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وضعف إسناده ابن حجر ويجاب عن ~~الاستدلال بهذه الأحاديث على عدم اعتبار الحرز بأن المساجد حرز لما دخل ~~إليها ولو كان على صاحبه فيكون الحرز أعم مما وقع تبيينه في كتب الفقه ~~ولكنه يشكل على من اعتبر الحرز حديث قطع جاحد الوديعة وسيأتي ويمكن أن يكون ~~ذلك خاصا بما ورد فيه فلا يعارض ما ورد في اعتبار الحرز في غيره قال في ~~المسوى: ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا قطع في سرقة شئ من الفواكه الرطبة ولا ~~الخشب ولا الحشيش عملا بعموم حديث رافع وتأوله الشافعي على معنى اشتراط ~~الحرز وقال: نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها فلا تكون محرزة وإنما خرج ~~الحديث مخرج العادة يوضح ذلك حديث الجرين2 وقطع عثمان في أترجة قال في ~~الحجة البالغة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا قطع في ثمر معلق ولا ~~في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" أقول: ~~أفهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الحرز شرط القطع وسبب ذلك أن غير المحرز ms620 ~~يقال فيه الالتقاط فيجب الاحتراز عنه قلت والحرز ما يعده الناس حرزا لمثل ~~ذلك المال فالمتبن حرز للتبن والإصطبل للدواب والمراح للغنم والجرين للثمار ~~وأما إذا كان المال في صحراء أو في مسجد فإنما حرزه أن يكون له ناظر بحسب ~~ما جرت العادة من النظر وعليه أهل العلم في الجملة "ربع دينار فصاعدا" ~~لحديث عائشة PageV02P277 # في الصحيحين وغيرهما قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع يد ~~السارق في ربع دينار فصاعدا"وفي رواية لمسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا" وفي لفظ لأحمد ~~"اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا في ماهو أدنى من ذلك" وكان ربع الدينار ~~يؤمنذ ثلاثة دراهم والدينار اثني عشر درهما"وفي رواية للنسائي قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن" قيل ~~لعائشة ما ثمن المجن؟ قالت: ربع ديناروفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر ~~قال: "قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجن ثمنه ثلاث دراهم" وقد عرفت ~~أن الثلاث الدراهم هي صرف ربع دينار كما تقدم في رواية أحمد قال الشافعي: ~~وربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم وذلك أن الصرف على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اثني عشر دراهما بدينار وهو موافق لما في تقدير الديات ~~من الذهب بألف دينار ومن الفضة باثني عشر ألف درهم وقد ذهب إلى كون نصاب ~~القطع ربع دينار أو ثلاثة دراهم الجمهور من السلف والخلف ومنهم الخلفاء ~~الأربعة وفي المسألة اثنا عشر مذهبا قد أوضحها الماتن في شرح المنتقى وأما ~~ماروي من حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده" ~~فقد قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل كانوا يرون أن منها ~~مايساوي ثلاثة دراهم كذا في البخاري وغيره قال الحجة البالغة الحاصل: أن ~~هذه التقديرات الثلاث كانت ms621 منطبقة على شئ واحد في زمانه صلى الله عليه وسلم ~~ثم اختلف بعده ولم يصلح المجن للاعتبار لعدم انضباطه فاختلف المسلمون في ~~الحديثين الأخيرين فقيل: ربع دينار وقيل ثلاثة دراهم وقيل: بلوغ المال إلى ~~أحد القدرين وهو الأظهر عندي وهذا شرعه النبي صلى الله عليه وسلم فرقا بين ~~التافه وغيره لأنه لا يصلح للتقدير جنس دون جنس لاختلاف الأسعار في البلدان ~~واختلاف الأجناس نفاسة وخساسة بحسب اختلاف البلاد فمباح قوم وتافههم مال ~~عزيز عند آخرين فوجب أن يعتبر التقدير في الثمن وقيل لا يعتبر فيها وأن ~~الحطب وإن كان قيمته عشرة دراهم لا يقطع فيه قال في المسوى: ذهب الشافعي ~~إلى حديث عائشة أن نصاب السرقة ربع دينار وذهب مالك إلى حديث ابن عمر ~~والجواب من قبل الشافعي عن حديث ابن عمر أن الشئ # PageV02P278 # التافه قد جرت العادة بتقويمه بالدراهم وكانت الثلاثة دراهم تبليغ قيمتها ~~ربع دينار يوضح ذلك حديث عثمان فإنه يدل على أن العبرة بالذهب ومن أجل ذلك ~~ردت قيمة الدراهم إليه بعد ما قومت الأترجة بالدراهم ويوضح ذلك أيضا وقوع ~~اثني عشر ألف درهم موضع ألف دينار في الدية وقال أبو حنيفة: لا تقطع في أقل ~~من عشرة دراهم أقول: أصح ما روي أن ثمن المجن ثلاثة دراهم وهي ربع دينار ~~وقد ورد التقدير بربع دينار في الروايات الصحيحة والنهي عن القطع فيما دونه ~~فنصاب السرقة إما ثلاثة دراهم أو ربع دينار هذا هو الحق وما روي من زيادة ~~ثمن المجن فقد بين سقوط الاستدلال به في شرح المنتقى # قطعت كفه اليمنى لقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} قلت: ~~اتفق أهل العلم على أن السارق إذا سرق أول مرة تقطع يده اليمنى ثم إذا سرق ~~ثانيا تقطع رجله اليسرى واختلفوا فما إذا سرق ثالثا بعد قطع يده ورجله فذهب ~~أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى ثم إذا سرق أيضا تقطع رجله اليمنى ثم إذا ~~سرق أيضا يعزر ويحبس وعليه الشافعي وقال أبو حنيفة: لا تقطع يده اليسرى ms622 ~~ورجله اليمنى ولكن يعزر ويحبس "ويكفي الإقرار مرة واحدة" لما قدمنا في ~~الباب الأول وقد قطع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يد سارق المجن ~~وسارق رداء صفوان ولم ينقل أنه أمره بتكرار الإقرار وأما ما وقع منه صلى ~~الله عليه وسلم من قوله:"للسارق الذي اعترف بالسرق "ما إخالك سرقت" قال: ~~بلى مرتين أو ثلاث" فهذا هو من باب الاستثبات كما تقدم وقد ذهب إلى أنه ~~يكفي الإقرار مرة واحدة مالك والشافعية والحنفية وذهب ابن أبي ليلى وأحمد ~~وإسحق إلى اعتبار المرتين والحق هو الأول "أو شهادة عدلين" لكون السرقة ~~مندرجة تحت ما ورد من أدلة الكتاب والسنة في اعتبار الشاهدين "ويندب تلقين ~~المسقط" لحديث أبي أمية المخزومي عند أحمد وأبي داود والنسائي بإسناد رجاله ~~ثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بلص اعترف اعترافا ولم يوجد معه متاع ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما إخالك سرقت" قال: بلى مرتين أو ~~ثلاثا وقد روي عن عطاء أنه قال: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق فيقول: ~~أسرقت قل: لا وسمى أبا بكر وعمر" أخرجه عبد الرزاق وفي الباب عن جماعة من ~~الصحابة "ويحسم موضع القطع" لئلا يسري # PageV02P279 # فيهلك فإن الحسم سبب عدم السراية لما أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي ~~وصححه ابن القطان من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي ~~بسارق قد سرق شملة فقالوا يا رسول الله: إن هذا قد سرق فقال رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم: "ما إخاله سرق" فقال السارق بلى يا رسول الله ~~فقال: "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به" فقطع فأتي به فقال: "تب ~~إلى الله" فقال: قد تبت إلى الله قال "تاب الله عليك" "وتعلق اليد في عنق ~~السارق" لما أخرجه أهل السنن وحسنه الترمذي من حديث فضالة ابن عبيد قال: ~~"أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت في ~~عنقه"وفي إسناده الحجاج بن أرطاة قال ms623 النسائي: هو ضعيف لا يحتج بحديثه قال ~~في الحجة البالغة: إنما فعل هذا للتشهير وليعلم الناس أنه سارق وفرقا بين ~~ما يقطع اليد ظلما وبين ما يقطع حدا "ويسقط بعفو المسروق عليه قبل البلوغ ~~إلى السلطان لا بعده فقد وجب" لحديث صفوان المتقدم وأخرج النسائي وأبو داود ~~والحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب" قلت: وعليه أهل ~~العلم ويحرم الشفاعة للسارق إذا بلغ أمره السلطان أن لا يقطع يده "ولا قطع ~~في ثمر ولا كثر ما لم يؤوه الجرين إذا أكل ولم يتخذ خبنة1 وإلا كان عليه ~~ثمن ما حمله مرتين وضرب نكال" لحديث عمرو بن شعيب ورافع بن خديج المتقدمين ~~في أول الباب والكثر جمار النخل أو طلعها وإلزامه بالثمن مرتين تأديب له ~~بالمال ولم يكتف صلى الله عليه وسلم بذلك بل قال "وضرب نكال" ليجمع له بين ~~عقوبة المال والبدن والخبنة ما يحمله الإنسان في حضنه وقد تقدم ضبطها ~~وتفسيرها" وليس على الخائن والمنتهب والمختلس قطع" لحديث جابر عند أحمد ~~وأهل السنن والحاكم والبيهقي وصححه الترمذي وابن حبان عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع" وأخرج ابن ماجه ~~بإسناد صحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف بنحو حديث جابر وأخرج ابن ماجه أيضا ~~والطبراني من PageV02P280 # حديث أنس نحوه قلت وعلى هذا أهل العلم "وقد ثبت القطع في جحد العارية" ~~لما أخرجه مسلم وغيره من حديث عائشة قالت: "كانت امرأة مخزومية تستعير ~~المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقطع يدها"وأخرج ~~أحمد والنسائي وأبو داود وأبو عوانة في صحيحه من حديث ابن عمر مثل حديث ~~عائشة وقد ذهب إلى قطع جاحد العارية من لم يشترط الحرز وهم من تقدم وذهب ~~الجمهور إلى أنه لا يقطع يد جاحد العارية قالوا: لأن الجاحد للعارية ليس ~~بسارق لغة وإنما ورد الكتاب والسنة ms624 بقطع السارق ويرد بأن الجاحد إذا لم يكن ~~سارقا لغة فهو سارق شرعا والشرع مقدم على اللغة وقد ثبت الحديث من طريق ~~عائشة وابن عمر كما تقدم وكذا من حديث جابر وابن مسعود وغير هؤلاء وقد وقع ~~في رواية من حديث ابن مسعود عند ابن ماجه والحاكم وصححه "أنها سرقت قطيفة ~~من بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "ووقع في مراسيل حبيب بن ~~أبي ثابت "أنها سرقت حليا "فيمكن أن تكون هذه المخزومية قد جمعت بين السرقة ~~وجحد العارية. # PageV02P281 ### | باب حد القذف # رمي المحصنات بالزنا كبيرة قال الله تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة} واتفق على ذلك المسلمون "من ~~رمى غيره بالزنا وجب عليه حد القذف ثمانين جلدة" لقوله تعالى: {والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} وقد أجمع ~~أهل العلم على ذلك واختلفوا هل ينصف للعبد أم لا فذهب الأكثر إلى الأول ~~وروى مالك عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "أدركت عمر بن الخطاب وعثمان ~~بن عفان والخلفاء هلم جرا فما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين ~~"وذهب ابن مسعود والليث والزهري والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وابن حزم إلى ~~أنه لا ينصف لعموم الآية. أقول: الآية الكريمة عامة يدخل تحتها الحر والعبد ~~والغضاضة بقذف العبد للحر أشد منها بقذف الحر للحر وليس في حد القذف ما يدل ~~على تنصيفه للعبد لا من الكتاب # PageV02P281 # ولا من السنة ومعظم ما وقع التعويل عليه هو قوله تعالى في حد الزنا: ~~{فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} ولا يخفى أن ذلك في حد آخر غير حد ~~القذف فإلحاق أحد الحدين بالآخر فيه إشكال لا سيما مع اختلاف العلة وكون ~~أحدهما حقا لله محضا والآخر مشوبا بحق آدمي قال في المسوى: من رمى إنسانا ~~بالزنا فإن كان المقذوف محصنا يجب على القاذف جلد ثمانين إن كان حرا فإن ~~كان عبدا فجلد أربعين فإن كان المقذوف ms625 غير محصن فعلى قاذفه التعزير وكذا لا ~~حد في النسبة إلى غير الزنا إنما فيه التعزير وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام ~~والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا حتى إن من زنى في أول بلوغه ثم تاب ~~وحسنت حالته وامتد عمره فقذفه قاذف لا حد عليه وعلى هذا أهل العلم وإذا عفا ~~المقذوف لم يجلد قاذفه وإذا قذف أبوا رجل وقد هلكا فله المطالبة بالحد وفي ~~الأنوار حد القاذف وتعزيره حق الآدمي يورث عنه ويسقط بعفوه وعفو وارثه إن ~~مات أو قذف ميتا وهو حق جميع الورثة وفي الهداية لا يصح عفو المقذوف عندنا ~~وفيها لو قال يا ابن الزانية وأمه ميتة محصنة فطالب الابن بحد القذف حد ~~القاذف لأنه قذف محصنة ولا يطالب بحد القذف للميت إلا من يقع القدح في نسبه ~~بقذفه وهو الوالد والولد ومذهب الشافعية والحنفية أن الوالد لا يجلد بقذفه ~~ولده وإذا قذف جماعة جلد حدا واحدا وعليه أبو حنيفة وقال الشافعي: إذا ~~اختلف المقذوف فلا تداخل والتعريض الظاهر ملحق بالصريح وعليه مالك وقال أبو ~~حنيفة والشافعي: لا يلحق به ولا يحد إلى بالصريح أقول: التحقيق أن المراد ~~من رمي المحصنات المذكور في كتاب الله عز وجل هو أن يأتي القاذف بلفظ يدل ~~لغة أوشرعا أو عرفا على الرمي بالزنا ويظهر من قرائن الأحوال أن المتكلم لم ~~يرد إلا ذلك ولم يأت بتأويل مقبول يصح حمل الكلام عليه فهذا يوجب حد القذف ~~بلا شك ولا شبهة وكذلك لو جاء بلفظ لا يحتمل الزنا أو يحتمله احتمالا ~~مرجوحا وأقر أنه أراد الرمي بالزنا فإنه يجب عليه الحد وأما إذا عرض بلفظ ~~محتمل ولم تدل قرينة حال ولا مقال على أنه قصد الرمي بالزنا فلا شئ عليه ~~لأنه لا يسوغ إيلامه بمجرد الاحتمال "ويثبت ذلك بإقراره مرة" لكون إقرار ~~المرء لازما له ومن ادعى أنه يشترط التكرار مرتين فعليه الدليل ولم يأت في ~~ذلك دليل من كتاب ولا سنة "أو بشهادة عدلين" كسائر # PageV02P282 # ما تعتبر فيه الشهادة كما أطلقه ms626 الكتاب العزيز "وإذا لم يتب لم تقبل ~~شهادته" لقوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} ثم ذكر بعد ذلك التوبة ~~"فإن جاء بعد القذف بأربعة شهود" يشهدون على المقذوف بأنه زنى "سقط عنه ~~الحد" لأن القاذف لم يكن حينئذ قاذفا بل قد تقرر صدور الزنا بشهادة الأربعة ~~فيقام الحد على الزاني "وهكذا إذا أقر المقذوف بالزنا" فلا حد على من رماه ~~به بل يحد المقر بالزنا وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه جلد أهل الإفك ~~كما في مسند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه وأشار إلى ذلك ~~البخاري في صحيحه فثبت حد القذف بالسنة كما ثبت بالقرآن ووقع في أيام ~~الصحابة جلد من شهد على المغيرة بالزنا حيث لم تكمل الشهادة وذلك معروف ~~ثابت. # PageV02P283 ### | باب حد الشرب # شرب الخمر كبيرة وعليه أهل العلم "من شرب مسكرا مكلفا مختارا" وقد تقدم ~~دليله "جلد على ما يراه الإمام إما أربعين جلدة أو أقل أو أكثر ولو ~~بالنعال" لما ثبت في الصحيحين من حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~جلد في الخمر بالجريد والنعال وجلد أبو بكر أربعين"وفي مسلم من حديثه "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين" ~~قال: وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ~~ثمانين فأمر به عمر وفي البخاري وغيره من حديث عقبة بن الحرث قال: جيء ~~بالنعيمان أو ابن النعيمان شاربا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان ~~في البيت أن يضربوه فكنت فيمن ضربه بالنعال والجريد وفيه أيضا من حديث ~~السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفي إمرة أبي بكر وصدرا من إمرة عمر فنقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا ~~وأرديتنا حتى كان صدرا من إمرة عمر فجلد فيها أربعين حتى إذا عتوا فيها ~~وفسقوا جلد ثمانين1" PageV02P283 # وفيه أيضا من حديث أبي هريرة نحوه وفي الباب أحاديث يستفاد مجموعها ms627 أن حد ~~السكر لم يثبت تقديره عن الشارع وأنه كان يقام بين يديه على صورة مختلفة ~~بحسب ما يقتضيه الحال فالحق أن جلد الشرب غير مقدر بل الذي يجب فعله هو إما ~~الضرب باليد أو العصا أو النعل أو الثوب على مقدار يراه الإمام من قليل أو ~~كثير فيكون على هذا من جملة أنواع التعزير وفي الصحيحين عن علي أنه قال: ~~"ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت وأجد في نفسي شيئا إلا صاحب الخمر فإنه لو ~~مات وديته وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه" قلت: وعليه أهل ~~العلم إلا أن الشافعي يقول: أصل حد الخمر أربعون وما زاده عمر على الأربعين ~~كان تعزيرا لما روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بشارب فضربوه بالأيدي ~~والنعال وأطراف الثياب فلما كان أبو بكر سأل من حضر ذلك المضروب فقومه ~~أربعين فضرب أربعين حياته ثم عمر حتى تتابع الناس فاستشار عمر فضرب ثمانين ~~ثم قال علي: حين أقام الحد على وليد بن عقبة لما بلغ أربعين حسبك جلد النبي ~~صلى الله عليه وسلم أربعين وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا ~~أحب إلي" قال في الحجة البالغة: ثم قال أي النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"بكتوه فأقبلوا عليه يقولون ما اتقيت الله ما خشيت الله ما استحييت من رسول ~~الله" وروي أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أخذ ترابا من الأرض فرمى به ~~وجهه انتهى وروى مالك عن ابن شهاب أنه سئل عن حد العبد في الخمر فقال: ~~بلغني أن عليه نصف الحد في الحر وأن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد ~~الله بن عمر قد جلدوا عبيدهم نصف حد الحر في الخمر ولا يجوز للإمام أن يعفو ~~عن حد قال سعيد بن المسيب: ما من شئ إلا يحب الله أن يعفو عنه ما لم يكن ~~حدا قلت: وعليه أهل العلم "ويكفي إقراره مرة أو شهادة عدلين" لمثل ما تقدم ~~ولعدم وجود دليل ms628 يدل على اعتبار التكرار "ولو على القيء" لكون خروجها من ~~جوفه يفيد القطع بأنه شربها والأصل عدم المسقط ولهذا حد الصحابة الوليد بن ~~عقبة لما شهد عليه رجلان أحدهما أنه شربها والآخر أنه تقيأها فقال عثمان: ~~إنه لم يتقيأها حتى شربها كما في مسلم وغيره "وقتله في الرابعة منسوخ" لما ~~رواه الترمذي والنسائي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن شرب الخمر ~~فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه # PageV02P284 # ولم يقتله"ومثله أخرج أبو داود والترمذي من حديث قبيصة بن ذؤيب وفيه "ثم ~~أتي به يعني في الرابعة فجلده ورفع القتل" وفي رواية لأحمد من حديث أبي ~~هريرة "فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسكران في الرابعة فخلى سبيله" ~~أقول: قد وردت الأحاديث بالقتل في الثالثة في بعض الروايات وفي الرابعة في ~~بعض وفي الخامسة في بعض وورد ما يدل على النسخ من فعله صلى الله عليه وسلم ~~وأنه رفع القتل عن الشارب وأجمع على ذلك جيمع أهل العلم وخالف فيه بعض أهل ~~الظاهر. # "فصل والتعزير في المعاصي التي لا توجب حدا ثابت بحبس أو ضرب أو نحوهما ~~ولا يجاوز عشرة أسواط" لحديث أبي بردة بن نيار في الصحيحين وغيرهما أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من ~~حدود الله" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وقال الحاكم: ~~صحيح الإسناد من حديث بهز بن حكيم "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~حبس رجلا في تهمة يوما وليلة" وقد ثبت أن عمر أمر أبا عبيدة بن الجراح أن ~~يربط خالد بن الوليد بعمامته لما عزله عن إمارة الجيش كما في كتب السير ~~وسبب ذلك أنه استنكر منه إعطاء شئ من أموال الله وتقدم في باب السرقة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وضرب نكال " أقول: هذا الفصل يراد به كل ~~عقوبة ليست ms629 بحد من الحدود المتقدمة والآتية فمنها الضرب ولكن يكون عشرة ~~أسواط فما دون لحديث أبي بردة المتقدم ولا تجوز الزيادة على ذلك ولكن ليس ~~في هذا الحديث مايدل على وجوب التعزيز بل غاية ما فيه الجواز فقط وقد اطلع ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على جماعة ارتكبوا ذنوبا لا توجب ~~حدا فلم يضربهم ولا حبسهم ولا نعى ذلك عليهم كالمجامع في نهار رمضان والذي ~~لقي امرأة فأصاب منها ما يصب الرجل من زوجته غير أنه لم يجامعها وغير ذلك ~~كثير ومن أنواع التعزير الحبس ويجوز الحبس مع التهمة وهكذا يجوز حبس من كان ~~يخشى على المسلمين معرته وإضراره بهم لو كان مطلقا فإن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر واجبان بقد الإمكان ولا يمكن القيام بهما في حق من عرف ~~بذلك إلا بالحيلولة بينه وبين الناس بالحبس ومنها النفي كما فعله صلى الله ~~عليه وسلم بجماعة من المخنثين. ومنها ترك المكلمة كما فعله صلى الله عليه ~~وسلم بالثلاثة # PageV02P285 # الذين تخلفوا عنه حتى ضافت عليهم الأرض بما رحبت ومنها الشتم الذي لا فحش ~~فيه كقول الله تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام: {فإذا الذي استنصره بالأمس ~~يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين} ومن ذلك قول يوسف عليه السلام لإخوته: ~~{أنتم شر مكانا} لما نسبوه إلى السرقة وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: ~~"إنك امرؤ فيك جاهلية" كما في البخاري لما سمعه صلى الله عليه وسلم يسب ~~امرأة وفي مسلم "أن رجلا أكل بشماله عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "كل بيمينك" فقال: لا أستطيع فقال: "لا استطعت ما منعه إلا الكبر" ~~قال: فما رفعها إلى فيه" وفي مسلم " من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل ~~لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا" وفي مسلم أيضا "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال له: "لا وجدت" وفي الترمذي "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع ~~في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك" وقال صلى ms630 الله عليه وسلم للخطيب: ~~"بئس خطيب القوم أنت" أخرجه مسلم وغيره ووقع منه صلى الله عليه وسلم من هذا ~~الجنس شئ كثير وكذلك وقع من الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح من ذلك ما ~~يرشد إلى جوازه إذا ظن فاعله تأثيره في المرتكب للذنب. # PageV02P286 ### | باب حد المحارب # "هو أحد الأنواع المذكورة في القرآن القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل ~~من خلاف أو نفي من الأرض" لقوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم} قلت: أكثر أهل العلم على أن هذه الآية نزلت في أهل الإسلام لا الكفار ~~بدليل قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} والإسلام يحقن ~~الدم سواء أسلم قبل القدرة عليه أو بعدها وإنما أضاف الحرب إلى الله ورسوله ~~إيذانا بأن حرب المسلمين كأنه حرب الله تعالى ورسوله أقول: ظاهر القرآن ~~الكريم أن من صدق عليه أنه محارب لله ورسوله ساع في الأرض فسادا فإن عقوبته ~~إما القتل أو الصلب أو القطع من خلاف أو النفي من الأرض من غير فرق بين ~~كونه قتل أو لم يقتل والظاهر أنه لا يجمع له بين هذه الأنواع ولا بين اثنين ~~منها ولا يجوز تركه عن أحدها هذا معنى # PageV02P286 # النظم القرآني فإن قلت: كيف عقوبة الصلب هل يفعل به ما يصدق عليه مسمى ~~الصلب ولو كان قليلا قلت يفعل به ما يصدق عليه أنه صلب عند أهل اللغة فإن ~~كان الصلب عندهم هو الذي يفضي إلى الموت فذاك وإن كان أعم منه فالامتثال ~~يحصل بفرد من أفراده وقال الشافعي: المكابرون في الأمصار قطاع وقال أبو ~~حنيفة: لا وظاهر مذهب الشافعي في صفة الصلب أنه يقتل ويغسل ويصلى عليه ثم ~~يصلب ثلاثا ثم ينزل ويدفن وقيل يصلب حيا ثم يطعن حتى يموت مصلوبا وقال أبو ~~حنيفة: لا يغسل ولا يصلى ms631 على قاطع الطريق ومعنى النفي عند الحنفية الحبس ~~حتى يرى عليه أثر الصلاح وعند الشافعي للإمام أن يحبس أو يغرب أو يطلبه ~~للتعزيز والطلب نفي أيضا لأنه حامل على هربه "يفعل الإمام منها مارأى فيه ~~صلاحا لكل من قطع طريقا ولو في المصر إذا كان قد سعى في الأرض فسادا" هذا ~~ظاهر ما دل عليه الكتاب العزيز من غير نظر إلى ما حدث من المذاهب فإن الله ~~سبحانه قال: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} ~~فضم إلى محاربة الله ورسوله أي معصيتهما السعي في الأرض فسادا فكان ذلك ~~دليلا على أن من عصى الله ورسوله بالسعي في الأرض فسادا كان حده ما ذكره ~~الله في الآية ولما كانت الآية الكريمة نازلة في قطاع الطريق وهم العرنيون ~~كان دخول من قطع طريقا تحت عموم الآية دخولا أوليا ثم حصر الجزاء في قوله: ~~{أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} ~~فخير بين هذا الأنواع فكان للإمام أن يختار ما رأى فيه صلاحا منها فإن لم ~~يكن إمام فمن يقوم مقامه في ذلك من أهل الولايات فهذا ما يقتضيه نظم القرآن ~~الكريم ولم يأت من الأدلة النبوية ما يصرف ما يدل عليه القرآن الكريم عن ~~معناه الذي تقتضيه لغة العرب وأما ما روي عن ابن عباس كما أخرجه الشافعي في ~~مسنده أنه قال في قطاع الطريق: "إذا قتلوا وأخذوا الأموال صلبوا وإذا قتلوا ~~ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض ~~"فليس هذا الاجتهاد مما تقوم به الحجة على أحد ولو فرضنا أنه في حكم ~~التفسير للآية وإن كان مخالفا لها غاية المخالفة ففي إسناده ابن أبي يحيى ~~وهو # PageV02P287 # ضعيف جدا لا تقوم بمثله الحجة وأما ما روي عن ابن عباس أيضا "أن الآية ~~نزلت في المشركين"كما أخرجه أبو داود والنسائي عنه فذلك مدفوع بأنها ms632 نزلت ~~في العرنيين وقد كانوا أسلموا كما في الأمهات ولو سلمنا ما روي عن ابن عباس ~~لم تقم به حجة من قال باختصاص ما في الآية بالمشركين لما تقرر من أن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على أن في إسناد ذلك علي بن الحسين بن ~~واقد وهو ضعيف وقد ذهب إلى مثل ما ذهبنا إليه جماعة من السلف كالحسن البصري ~~وابن المسيب ومجاهد وأسعد الناس بالحق من كان معه كتاب الله وقد ثبت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرنيين أنه فعل بهم أحد الأنواع ~~المذكورة في الآية وهو القطع كما في الصحيحين وغيرها من حديث أنس والمراد ~~بالصلب المذكور في الآية هو الصلب على الجذوع أو نحوها حتى يموت إذا رأى ~~الإمام ذلك أو يصلبه صلبا لا يموت فيه فإن اسم الصلب يصدق على الصلب المفضي ~~إلى الموت والصلب الذي لا يفضي إلى الموت ولو فرضنا أنه يختص بالصلب المفضي ~~إلى الموت لم يكن في ذلك تكرار بعد ذكر القتل لأن الصلب هو قتل خاص وأما ~~النفي من الأرض فهو طرده من الأرض التي أفسد فيها وقد قيل إنه الحبس وهو ~~خلاف المعنى العربي "فإن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه ذلك" لنص القرآن بذلك ~~وهو قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم} قلت: معناه عند الشافعي إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة عليه ~~يسقط عنه من العقوبة ما يختص بقطع الطريق فإن كان قتل يسقط تحتم القتل ~~ويبقى عليه القصاص فالولي فيه بالخيار إن شاء استوفاه وإن شاء عفا عنه وإن ~~كان قد أخذ المال سقط عنه قطع اليد والرجل وقيل في سقوط قطع اليد حكمه حكم ~~السارق في البلد إذا تاب وإن كان قد قتل وأخذ المال سقط عنه تحتم القتل ~~والصلب وإذا تاب بعد القدرة لا يسقط عنه شئ من العقوبات ولا يسقط سائر ~~الحدود بالتوبة قبل القدرة عليه وهذا أظهر قولي الشافعي والقول الثاني: ms633 أن ~~كل عقوبة تجب حقا لله تعالى مثل عقوبات قاطع الطريق وقطع السرقة وحد الزنا ~~والشرب تسقط بالتوبة لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وأقول: الآية ليس ~~فيها إلى الإشارة إلى عفو الله ورحمته لمن تاب قبل القدرة # PageV02P288 # وليس فيها القطع بحصول المغفرة والرحمة لمن تاب ولو سلم القطع فذلك في ~~الذنوب التي أمرها إلى الله فيسقط بالتوبة الخطاب الأخروي والحد الذي شرعه ~~الله وأما الحقوق التي للآدميين من دم أو مال أو عرض فليس في الآية ما يدل ~~على سقوطها ومن زعم أن ثم دليلا يدل على السقوط فما الدليل على هذا الزعم. # PageV02P289 ### | باب من يستحق القتل حدا # "هو الحربي" ولا خلاف في ذلك لأوامر الله عز وجل بقتل المشركين في مواضع ~~من كتابه العزيز ولما ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثبوتا متواترا ~~من قتالهم وأنه كان يدعوهم إلى ثلاث ويأمر بذلك من يبعثه للقتال والمرتد ~~لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" وهو للبخاري ~~وغيره من حديث ابن عباس وحديث "لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر ~~بعد إيمان" الحديث وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود وحديث أبي ~~موسى في الصحيحين أيضا "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له: ~~"اذهب إلى اليمن" ثم أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة وقال: ~~انزل وإذا جاء رجل عنده موثق قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم ثم تهود ~~قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء لله ورسوله "قال في المسوى: من ارتد عن الإسلام ~~إن كان في منعة من قومه جمع الإمام المسلمين وقاتلهم قال تعالى: {من يرتد ~~منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة ~~على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} وفي هذا الآية ~~إخبار عما علم الله تعالى وقوعه وقد ارتد أكثر العرب في زمن أبي بكر الصديق ~~رضي الله تعالى ms634 عنه فبعث إليهم المسلمين وقاتلهم حتى رجعوا وعلى هذا أهل ~~العلم ومن ارتد عن الإسلام وليس له منعة قتل وعليه أهل العلم وإذا كان ~~المرتد رجلا واختلفوا في المرتدة قال الشافعي: تقتل وقال أبو حنيفة: لا ~~تقتل ولكن تحبس حتى تسلم # أقول: الأدلة الدالة على قتل المرتد عامة ولم يرد ما يقتضي تخصيصها وأما ~~حديث النهي عن قتل النساء فذلك إنما هو في حال الحرب فإن # PageV02P289 # النساء المشركات لا يقتلن وليس ذلك محل النزاع ثم قد ثبت عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قتل عدة نساء كاللاتي أمر بقتلهن يوم الفتح لما كان يقع منهن ~~السب له وكذلك قتل امرأتين من بني قريظة وغير ذلك ثم ليس النهي عن قتل ~~النساء مستلزما لتركهن على الكفر إذا امتنعن من الإسلام والجزية فإنه لا ~~يجوز التقرير على الكفر فإذا قالت امرأة لا أسلم أبدا ولا أعطي الجزية ~~وصممت على ذلك كان تركها حينئذ كافرة غير جائز لأحد من المسلمين ومن ههنا ~~يلوح لك أن النهي عن قتل النساء إنما هو لأجل كونهن مستضعفات يحصل منهن ~~الانقياد للإسلام بدون ذلك وليس عندهن غناء في القتال ولهذا كان سبب النهي ~~عن قتلهن أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة فقال: "ما كانت هذه ~~لتقاتل ثم نهى عن قتلهن" فانظر كيف جعل النهي عن قتلهن معللا بعدم المقاتلة ~~وأما قول بعض أهل العلم إن المتأول كالمرتد فههنا تسكب العبرات ويناح على ~~الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي ~~بالكفر لا بسنة ولا قرآن ولا لبيان من الله ولا لبرهان بل لما غلت مراجل ~~العصبية في الدين وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين لقنهم ~~الزمان بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسراب في البقعية1 ~~فيالله وللمسلمين من هذه الفاقرة2 التي هي أعظم فواقر الدين والرزية التي ~~ما رزيء بمثلها سبيل المؤمنين وأنت إن بقي فيك نصيب من عقل وبقية من مراقبة ~~الله عز وجل وحصة من ms635 الغيرة الإسلامية علمت وعلم كل من له علم بهذا الدين ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإسلام قال في بيان حقيقته وإيضاح ~~مفهومه إنه: "إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وشهادة أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" والأحاديث بهذا المعنى متواترة فمن ~~جاء جاء بهذه الأركان الخمسة وقام بها حق القيام فهو المسلم على رغم أنف من ~~أبى ذلك كائنا من كان فمن جاءك بما يخالف هذا من ساقط القول وزائف العلم ~~بالجهل فاضرب به في وجهه وقل له قد تقدم هذيانك هذا PageV02P290 # برهان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه # دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر # وكما أنه تقدم الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قام بهذه ~~الأركان الخمسة بالإسلام فقد حكم لمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~والقدر خيره وشره بالإيمان وهذا منقول عنه نقلا متواترا فمن كان هكذا فهو ~~المؤمن حقا وقد ورد من الأدلة المشتملة على الترهيب العظيم من تكفير ~~المسلمين والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه ما يدل بفحوى ~~الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح فكيف بإخراجه عن الملة الإسلامية ~~إلى الملة الكفرية فإن هذه جناية لا تعد لها جناية وجرأة لا تماثلها جرأة ~~وأين هذا المجترىء على تكفير أخيه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الثابت عنه في الصحيح أيضا "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" ومن قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه في الصحيح أيضا "سباب المسلم فسوق ~~وقتاله كفر" ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن دماءكم وأموالكم ~~وأعراضكم عليكم حرام" وهو أيضا في الصحيح وكم يعد العاد من الأحاديث ~~الصحيحة والآيات القرآنية والهداية بيد الله عز وجل {إنك لا تهدي من أحببت ~~ولكن الله يهدي من يشاء} هذا ما أفاده الماتن العلامة في السيل وقال أيضا: ~~اعلم أن الحكم على الرجل المسلم ms636 بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ~~ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس ~~النهار فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة ~~أن "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" هكذا في الصحيح وفي لفظ آخر ~~في الصحيحين وغيرهما "من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا ~~حار عليه"أي رجع وفي لفظ في الصحيح "فقد كفر أحدهما" ففي هذه الأحاديث وما ~~ورد مرودها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن السراع في التكفير وقد قال عز وجل: ~~{ولكن من شرح بالكفر صدرا} فلا بد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب به ~~وسكون النفس إليه فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لا سيما مع ~~الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله ~~الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر ولا اعتبار بلفظ يلفظ به المسلم يدل على ~~الكفر # PageV02P291 # وهو لا يعتقد معناه فإن قلت قد ورد في السنة ما يدل على كفر من حلف بغير ~~ملة الإسلام وورد في السنة المطهرة ما يدل على كفر من كفر مسلما كما تقدم ~~وورد في السنة المطهرة إطلاق الكفر على من فعل فعلا يخالف الشرع كما في ~~حديث "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" ونحوه مما ورد مورده وكل ~~ذلك يفيد أن صدور شئ من هذه الأمور يوجب الكفر وإن لم يرد قائله أو فاعله ~~به الخروج من الإسلام إلى ملة الكفر قلت: إذا ضاقت عليك سبل التأويل ولم ~~تجد طريقا تسلكها في مثل هذه الأحاديث فعليك أن تقرها كما وردت وتقول من ~~أطلق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم الكفر فهو كما قال ولا يجوز ~~إطلاقه على غير من سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين كافرا ~~إلا من شرح بالكفر صدرا فحينئذ تنجو من معرة الخطر وتسلم من الوقوع في ~~المحنة فإن الإقدام على ms637 ما فيه بعض البأس لا يفعله من يشح على دينه ولا ~~يسمح به فيما لا فائدة فيه ولاعائدة فكيف إذا كان على نفسه إذا أخطأ أن ~~يكون في عداد من سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا أفهذا يقود إليه ~~العقل فضلا عن الشرع ومع هذا فالجمع بين أدلة الكتاب والسنة واجب وقد أمكن ~~هنا بما ذكرناه فتعين المصير إليه فحتم على كل مسلم أن لا يطلق كلمة الكفر ~~إلا على من شرح به صدرا ويقصر ماورد مما تقدم مورده # وهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني عن بنيات1 الطريق # ويأبى2 الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح # وكيف يحكم بالكفر على من حكى قولا كفريا صدر من كافر فإن القرآن الكريم ~~قد اشتمل على ما يأبى عنه الحصر من حكاية ما هو كفر بواح من أقوال الكفار ~~وهكذا لا يحكم بكفر من كفر مكرها فقد استثناه القرآن الكريم بقوله: {إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالأيمان} وكفى به اه. "والساحر" لكون عمل السحر نوعا من ~~الكفر ففاعله مرتد يستحق ما يستحقه المرتد وقد روى الترمذي والدارقطني ~~والبيهقي والحاكم من حديث جندب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: "حد الساحر PageV02P292 # ضربة بالسيف" قال الترمذي: والصحيح عن جندب موقوفا قال: والعمل على هذا ~~عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وغيرهم ~~وهو قول مالك بن أنس وقال الشافعي: إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ~~ما يبلغ به الكفر فإذا عمل عملا دون الكفر لم نر عليه قتلا اه. وفي إسناد ~~هذا الحديث إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف وأخرج أحمد وعبد الرزاق ~~والبيهقي "أن عمر بن الخطاب كتب قبل موته بشهر أن اقتلوا كل ساحر ~~وساحرة"والأرجح ما قاله الشافعي لأن الساحر إنما يقتل لكفره فلا بد أن يكون ~~ما عمله من السحر موجبا للكفر قال في المسوى: السحر كبيرة قال تعالى: {وما ~~كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ms638 السحر} واختلف في ذلك أهل ~~العلم فقال مالك وأحمد: يقتل الساحر وقال الشافعي: ما تقدم ولو قتل الساحر ~~رجلا بسحره وأقر إني سحرته وسحري يقتل غالبا يجب عليه القود عند الشافعي ~~ولا يجب عند أبي حنيفة ولو قال سحري قد يقتل وقد لا يقتل فهو شبه عمد ولو ~~قال أخطأت إليه من غيره فهو خطأ تجب فيه الدية المخففة وتكون في ماله لأنه ~~ثبت باعترافه إلا أن تصدقه العاقلة فتكون عليهم أقول: لا شك أن من تعلم ~~السحر بعد إسلامه كان بفعل السحر كافرا مرتدا وحده حد المرتد وقد تقدم وقد ~~ورد في الساحر بخصوصه أن حده القتل ولا يعارض ذلك ترك النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم لقتل لبيد بن الأعصم الذي سحره فقد يكون ذلك قبل أن يثبت أن ~~حد الساحر القتل وقد يكون ذلك لأجل خشية معرة اليهود وقد كانوا أهل شوكة ~~حتى أبادهم الله وفل شوكتهم وأقلهم وأذلهم وقد عمل الخلفاء الراشدون على ~~قتل السحرة وشاع ذلك وذاع ولم ينكره أحد "والكاهن" لكون الكهانة نوعا من ~~الكفر فلا بد أن يعمل من كهانته ما يوجب الكفر وقد ورد أن تصديق الكاهن كفر ~~فبالأولى الكاهن إذا كان معتقدا بصحة الكهانة ومن ذلك حديث أبي هريرة عند ~~مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى كاهنا أوعرافا فقد ~~كفر بما أنزل على محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم" وفي الباب أحاديث ~~"والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة والطاعن في الدين" ~~وكل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح ففاعلها مرتد حده حده وقد # PageV02P293 # أخرج أبو داود من حديث علي "أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دمها" ولكنه من رواية الشعبي عن علي وقد قيل إنه ما سمع منه وأخرج أبو داود ~~والنسائي من حديث ابن عباس "أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى ms639 الله ~~عليه وسلم فقتلها فأهدر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دمها" ورجال ~~إسناده ثقات وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي برزة قال: "كنت عند أبي بكر ~~فتغيظ علي رجل فاشتد غضبه فقلت: أتأذن لي يا خليفة رسول الله أن أضرب عنقه ~~قال: فأذهبت كلمتي غضبه فقام فدخل فأرسل إلي فقال: ما الذي قلت آنفا قلت: ~~ائذن لي أضرب عنقه قال: أكنت فاعلا لو أمرتك قلت نعم قال: لا والله ما كان ~~لبشر بعد محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم" وقد نقل ابن المنذر الإجماع ~~على أن من سب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وجب قتله ونقل أبو بكر ~~الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أن من سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأن حد ~~قذفه القتل وحد القذف لا يسقط بالتوبة وخالفه القفال فقال: كفر بالسب فيسقط ~~القتل بالإسلام قال الخطابي: لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما اه ~~وإذا ثبت ما ذكرنا في سب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فبالأولى من ~~سب الله تبارك وتعالى أو سب كتابه أو الإسلام أو طعن في دينه وكفر من فعل ~~هذا لا يحتاج إلى برهان أقول: وقريب من هذا من جعل سب الصحابة شعاره ودثاره ~~فإنه لا مقتضى لسبهم قط ولا حامل عليه أصلا إلا غش الدين في قلب فاعله ~~وكراهة الإسلام وأهله فإن هؤلاء هم أهله على الحقيقة أقاموه بسيوفهم وحفظوا ~~هذه الشريعة المطهرة ونقلوها إلينا كما هي فرضي الله عنهم وأرضاهم وأقمأ1 ~~المشتغلين بثلبهم وتمزيق أعراضهم المصونة وقد رأينا في التواريخ ما صار ~~يفعله أهل الشام والمغرب من قتل من كان كذلك بعد مرافعته إلى حكام الشريعة ~~وحكمهم بسفك دمائهم وهذا وإن كان عندنا غير جائز لما عرفناك من عصمة دم ~~المسلم حتى يقوم الدليل الدال على جواز سفكه ولكن فيه القيام التام بحقوق ~~أساطين الإسلام "والزنديق" ms640 وهو الذي يظهر PageV02P294 # الإسلام ويبطن الكفر ويعتقد بطلان الشرائع فهذا كافر بالله وبدينه مرتد ~~عن الإسلام أقبح ردة إذا ظهر منه ذلك بقول أو فعل وقد اختلف أهل العلم هل ~~تقبل توبته أم لا والحق قبول التوبة قال في المسوى: في باب حكم الخوارج ~~والقدرية وأشباههم قال الشافعي: ولو أن قوما أظهروا رأي الخوارج وتجنبوا ~~الجماعات وأكفروهم لم يحل بذلك قتالهم بلغنا أن عليا رضي الله تعالى عنه ~~سمع رجلا يقول لا حكم إلا لله في ناحية المسجد فقال علي: كلمة حق أريد بها ~~باطل لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا ~~نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نبدؤكم بقتال وقال أهل الحديث ~~من الحنابلة يجوز قتلهم أقول: الظاهر عندي دراية ورواية قول أهل الحديث أما ~~رواية فلقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "فأين لقيتموهم فاقتلوهم" ~~وأما قول علي فمعناه أن الإنكار على الإمام والطعن فيه لا يوجب قتلا حتى ~~ينزع يده من الطاعة فيكون. باغيا أو قاطع طريق وإذا أنكر ضروريا من ضروريات ~~الدين يقتل لذلك لا للإنكار على الإمام بيان ذلك أن المفتي إذا سئل عن بعض ~~أفعال زيد حكم بالجواز وإذا سئل عن بعضها الآخر حكم بالفسق ثم إذا سئل عن ~~بعضها الآخر حكم بالكفر فههنا لم يظهر هذا الرجل عنده إلا الإنكار في مسألة ~~التحكيم فحكم حسبما أظهر ولو أنه أظهر إنكار الشفاعة يوم القيامة أو إنكار ~~مسألة التحريم فحكم حسبما أظهر ولو أنه أظهر إنكار الشفاعة يوم القيامة أو ~~إنكار الحوض الكوثر وما يجري مجرى ذلك من الثابت في الدين بالضرورة لحكم ~~بالكفر وأما حديث "أولئك الذين نهاني الله عنهم" ففي المنافقين دون ~~الزنادقة بيان ذلك أن المخالف للدين الحق إن لم يعترف به ولم يذعن له لا ~~ظاهرا ولا باطنا فهو الكافر وإن اعترف بلسانه وقلبه على الكفر فهو المنافق ~~وإن اعترف به ظاهرا وباطنا لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما ms641 ~~فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة فهو الزنديق كما إذا اعترف بأن ~~القرآن حق وما فيه من ذكر الجنة والنار حق لكن المراد بالجنة الابتهاج الذي ~~يحصل بسبب الملكات المحمودة والمراد بالنار هي الندامة التي تحصل بسبب ~~الملكات المذمومة وليس في الخارج جنة ولا نار فهو الزنديق قوله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم "أولئك الذين نهاني الله عنهم" في المنافقين دون ~~الزنادقة وأما دراية فلأن الشرع كما نصب القتل جزاء للارتداد ليكون مزجرة # PageV02P295 # للمرتدين وذبا عن الملة التي ارتضاها فكذلك نصب القتل في هذا الحديث ~~وأمثاله جزاء للزندقة ليكون مزجرة للزنادقة وذبا عن تأويل فاسد في الدين لا ~~يصح القول به ثم التأويل تأويلان: تأويل لا يخالف قاطعا من الكتاب والسنة ~~واتفاق الأمة وتأويل يصادم ما يثبت بقاطع فذلك الزندقة فكل من أنكر الشفاعة ~~أو أنكر رؤية الله يوم القيامة أو أنكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير أو ~~أنكر الصراط والحساب سواء قال لا أثق بهؤلاء الرواة أو قال أثق بهم لكن ~~الحديث مؤول ثم ذكر تأويلا فاسدا لم يسمع ممن قبله فهو الزنديق وكذلك من ~~قال في الشيخين أبي بكر وعمر مثلا: ليسا من أهل الجنة مع تواتر الحديث في ~~بشارتهما أو قال إن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبوة ولكن معنى هذا ~~الكلام أنه لا يجوز أن يسمى بعده أحد بالنبي وأما معنى النبوة وهو كون ~~الإنسان مبعوثا من الله تعالى إلى الخلق مفترض الطاعة معصوما من الذنوب ومن ~~البقاء على الخطإ فيما يرى فهو موجود في الأئمة بعده فذلك هو الزنديق وقد ~~اتفق جماهير المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجري هذا المجرى ~~والله تعالى أعلم اه. "بعد استتابتهم" لحديث جابر عند الدارقطني والبيهقي ~~"أن امرأة يقال لها أم رومان ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه تعالى عليه ~~وآله وسلم أن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت"وله طريقان ضعفهما ابن ~~حجر وأخرج البيهقي من وجه آخر ضعيف عن عائشة "أن امرأة ارتدت يوم ms642 أحد فأمر ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت" وأخرج ~~أبو الشيخ في كتاب الحدود عن جابر "أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~استتاب رجلا أربع مرات" وفي إسناده العلاء بن هلال وهو متروك وأخرجه ~~البيهقي من وجه آخر وأخرج الدارقطني والبيهقي "أن أبا بكر استتاب امرأة ~~يقال لها أم قرفة كفرت بعد إسلامها فلم تتب فقتلها"قال ابن حجر: وفي السير ~~أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قتل أم قرفة1 يوم قريظة وهي غير ~~تلك وأخرج مالك في الموطأ والشافعي "أن رجلا قدم على عمر بن الخطاب من قبل ~~أبي موسى فسأله عن الناس فأخبره فقال: هل من PageV02P296 # مغربة خبر1 قال نعم: رجل كفر بعد إسلامه قال: فما فعلتم به قال: قربناه ~~فضربنا عنقه فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا ~~واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله إني لم أحضر ولم أرض إذا بلغني" وقد ~~اختلف أهل العلم في وجوب الاستتابة ثم كيفيتها والظاهر أنه يجب تقديم ~~الدعاء إلى الإسلام قبل السيف كما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم يدعو أهل الشرك ويأمر بدعائهم إلى إحدى ثلاث خصال ولا يقاتلهم حتى ~~يدعوهم فهذا ثبت في كل كافر فيقال للمرتد إن رجعت إلى الإسلام وإلا قتلناك ~~وللساحر والكاهن والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة أو ~~للطاعن في الدين أو الزنديق قد كفرت بعد إسلامك فإن رجعت إلى الإسلام وإلا ~~قتلناك فهذه هي الاستتابة وهي واجبة كما وجب دعاء الحربي إلى الإسلام وأما ~~كونه يقال للمرتد بأي نوع من تلك الأنواع مرتين أو ثلاثة أو في ثلاثة أيام ~~أو أقل أو أكثر فلم يأت ما تقوم به الحجة في ذلك بل يقال لكل واحد من هؤلاء ~~ارجع إلى الإسلام فإن أبى قتل مكانه قال في المسوى: اختلفت الروايات عن أبي ~~حنيفة والشافعي في ذلك وفي المنهاج ويجب استتابة المرتد والمرتدة وفي قول ~~يستحب وهي ms643 في الحال وفي قول ثلاثة أيام فإن أصرا قتلا وفي الهداية إذا ارتد ~~المسلم عن الإسلام عرض عليه الإسلام فإن كانت له شبهة كشفت عنه ويحبس ثلاثة ~~أيام فإن أسلم وإلا قتل وفي الجامع الصغير يعرض عليه الإسلام فإن أبى قتل ~~قيل تأويل الأول أنه إن استمهل يمهل ثلاثة أيام وعن أبي حنيفة وأبي يوسف ~~أنه يستحب أن يؤجله طلب ذلك أو لم يطلب اه. أقول: الأدلة الصحيحة المصرحة ~~بقتل المرتد لم يثبت في شئ منها الاستتابة بل فيها الأمر القتل للفور وما ~~ورد عن بعض الصحابة من إنكار قتل المرتدين قبل الاستتابة فليس بحجة ولا ~~يصلح لتقييد ما ثبت عن الشارع ودعوى أن ذلك إجماع بواسطة عدم الإنكار دعوى ~~باطلة فالحق أن المرتد يقال له ارجع إلى الإسلام فإن أجاب وجب حقن دمه وإن ~~لم يجب تعين قتله PageV02P297 # في ذلك الوقت وقد حصل الدعاء المشروع بمجرد قولنا له ارجع إلى الإسلام ~~"والزاني المحصن واللوطي مطلقا والمحارب" وقد تقدم الكلام فيهم وأما الديوث ~~فلم يصح في قتله شئ وأصل دم المسلم العصمة وليس كل معصية مبيحة للقتل بل ~~معاصي مخصوصة ورد الشرع بها ولا سيما بعد ورود الحصر في حديث "لا يحل دم ~~امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث" وليس هذا منها. فالحاصل: أن الديوث من أعظم ~~العصاة مع ما في ذلك من الهجنة المنافية للدين والمروءة وأما أنه يقتل فلا ~~ولا كرامة وأما قتل الباطنية فالحق أنهم مع تسترهم بالكفر لا يحل قتل أحد ~~منهم إلا بعد أن يفعل أو يقول ما هو كفر بدون تأويل ولا سيما والمشهور عنهم ~~أنهم يظهرون لعوامهم الإسلام والصلاح ويوهمونهم أنهم على الحق فإن صح هذا ~~فجميع عوامهم لا يعلمون أنهم على الكفر بل يعتقدون أنه على الحق فهم إلى ~~تعريفهم بالحق أحوج منه إلى القتل فلا يجوز قتل أحد من الباطنية وهم ~~البواهر في أرض الهند إلا بعد أن يظهر منه كفر بواح لأن كلمتهم إسلامية ~~ودعوتهم نبوية وإن كانوا على شفا جرف ms644 هار من أمور الدين. # PageV02P298 ### | كتاب القصاص ### | وجوب القصاص # ... # كتاب القصاص # ووجوبه بنص الكتاب العزيز {كتب عليكم القصاص في القتلى} {ولكم في القصاص ~~حياة يا أولي الألباب} وبمواتر السنة كحديث "لا يحل دم امرىء مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث" منها {النفس بالنفس} وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن ~~مسعود وفي مسلم وغيره من حديث عائشة وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "من قتل له قتيل فهو ~~بخير النظرين إما أن يفتدي وإما أن يقتل" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه ~~من حديث أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم يقول: "من أصيب بدم أو خبل والخبل الجراح فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: ~~إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو فإن أراد رابعة فخذوا على يده" وفي ~~إسناده سفيان بن أبي العوجاء السلمي وفيه مقال وفيه أيضا محمد بن إسحق وقد ~~عنعن وقد أخرج البخاري # PageV02P298 # وغيره من حديث ابن عباس قال: "كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم ~~الدية" فقال الله تعالى لهذه الأمة: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر ~~بالحر} الآية {فمن عفي له من أخيه شيء} قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية ~~والاتباع بالمعروف أن يتبع الطالب بمعروف ويؤدي إليه المطلوب بإحسان {ذلك ~~تخفيف من ربكم ورحمة} فيما كتب على من كان قبلكم "ولا خلاف بين أهل الإسلام ~~في وجوب القصاص عند وجود المقتضي وانتفاء المانع "يجب على المكلف المختار" ~~وقد تقدم وجهه العامد لما أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه من حديث ~~عائشة بلفظ "لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم ورجل ~~يقتل مسلما متعمدا ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب ~~أو ينفى من الأرض" وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده بلفظ "من قتل متعمدا أسلم إلى أولياء المقتول فإن أحبوا قتلوا" ~~الحديث وهو ms645 معلوم بالأدلة والإجماع من أهل الإسلام أن القصاص لا يجب إلا مع ~~العمد ولا بد أن يكون عدوانا لأن من قتل عمدا مقتولا يستحق القتل شرعا لم ~~يجب القصاص عليه قلت: عند الشافعي القتل على ثلاثة أنواع: عمد محض وهو أن ~~يقصد قتل إنسان بما يقصد به القتل غالبا سواء كان بمحدد أو مثقل فيجب فيه ~~القصاص عند وجود المكافىء أو الدية مغلظة في مال الجاني حالة والثاني شبه ~~العمد وهو أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالبا بأن ضربه ~~بعصا خفيفة أو حجر صغير ضربة أو ضربتين فمات فلا يجب فيه القصاص ويجب به ~~الدية مغلظة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين فإن كان المضروب صغيرا أو ~~مريضا يموت منه غالبا أو كان قويا غير أن الضارب والى عليه بالضرب حتى مات ~~يجب القود والثالث الخطأ المحض وهو أن لا يقصد ضربه وإنما قصد غيره فأصابه ~~أو حفر بئرا فتردى فيه إنسان أو نصب شبكة حيث لا يجوز فتعلق بها رجل ومات ~~فلا قود عليه وتجب الدية مخففة على العاقلة في ثلاث سنين ثم القتل ينقسم ~~باعتبار المقتولين إلى أقسام ولكل قسم حكم يخصه إما في القود وإما في الدية ~~وإما فيهما جميعا قتل الحر وقتل العبد وقتل الذكر وقتل الأنثى وقت المسلم ~~وقتل الكفار وقتل الجنين ولا اعتبار لكون المقتول # PageV02P299 # شريفا أو وضيعا جميلا أو دميما صغيرا أو كبيرا غنيا أو فقيرا وإذا وجب ~~القود على إنسان فترك له شئ من الدم بأن عفا أحد الورثة صار موجبه الدية ~~للآخرين وسيأتي تفصيلها وأما إنكار القصاص في دار الحرب مطلقا فلا وجه له ~~من كتاب ولا سنة ولا قياس صحيح ولا إجماع فإن أحكام الشرع لازمة للمسلمين ~~في أي مكان وجدوا ودار الحرب ليست بناسخة للأحكام الشرعية أو لبعضها فما ~~أوجبه الله تعالى على المسلمين من القصاص ثبت في دار الحرب كما هو ثابت في ~~غيرها مهما وجدنا إلى ذلك سبيلا ولا فرق بين ms646 القصاص وثبوت الأرش إلا مجرد ~~الخيار المبني على الهباء فإن كل واحد منهما حق لآدمي محض يجب الحكم له به ~~على خصمه وهو مفوض إلى اختياره وغاية ما ثبت في هذا ما وقع منه صلى الله ~~عليه وآله وسلم من وضع الدماء التي وقعت في أيام الجاهلية وليس في هذا تعرض ~~لدماء المسلمين فهي على ما ورد فيها من أحكام الإسلام ولا يرفع شيئا من هذه ~~الأحكام إلا دليل يصلح للنقل وإلا وجب البقاء على الثابت في الشرع من لزوم ~~القصاص ولزوم الأرش "إن اختار ذلك الورثة وإلا فلهم طلب الدية" لما تقدم من ~~قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين" "وتقتل ~~المرأة بالرجل والعكس والعبد بالحر والكافر بالمسلم" لما أخرجه مالك ~~والشافعي من حديث عمرو بن حزم "أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه ~~إلى أهل اليمن أن الذكر يقتل بالأنثى" ورواه أبو داود والنسائي من طريق ابن ~~وهب عن يونس عن الزهري مرسلا ورواه النسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي ~~موصولا مطولا من حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن ~~جده وفي هذا الحديث كلام طويل وقد صححه ابن حبان والحاكم والبيهقي وقال ابن ~~عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم يستغنى ~~بشهرته عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول وقال ~~يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب عمر بن ~~حزم هذا فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين يرجعون إليه ~~ويدعون رأيهم وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وأما عصره الزهري ~~بالصحة لهذا # PageV02P300 # الكتاب1 ومما استدل به على ذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس "أن ~~يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها من فعل بك هذا فلان أو فلان حتى ~~سمي اليهودي فأومأت برأسها فجيء به فاعترف فأمر النبي ms647 صلى الله عليه وسلم ~~فرض رأسه بين حجرين"وقد استوفى الماتن ذلك البحث في شرح المنتقى وإلى ذلك ~~ذهب الجمهور واختلفوا هل تستوفي ورثة الرجل من ورثة المرأة نصف الدية أم لا ~~وقد حكى ابن المنذر الإجماع على قتل الرجل بالمرأة إلا رواية عن علي وعن ~~الحسن وعطاء ورواه البخاري عن أهل العلم هذا في قتل الرجل بالمرأة وأما قتل ~~المرأة بالرجل فالأمر واضح وهكذا قتل العبد بالحر والكافر بالمسلم والفرع ~~بالأصل وليس في ذلك خلاف وأما العكس من هذه الصور الثلاث فقد قيل: إنه يقتل ~~الحر بالعبد وهو محكي عن الحنفية وسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة ~~والثوري هذا إذا كان العبد مملوكا لغير القاتل وأما إذا كان مملوكا له فقد ~~حكى في البحر الإجماع على أنه يقتل السيد بعبده إلا عن النخعي وهكذا حكى ~~الخلاف عن النخعي وبعض التابعين الترمذي واستدل المثبتون بما أخرجه أحمد ~~وأهل السنن وحسنه الترمذي من حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من قتل عبده قتلناه ومن جدع2 عبده جدعناه"وفي إسناده ضعف ~~لأنه من رواية الحسن عن سمرة وفي سماعه منه خلاف مشهور واستدل المانعون ~~بقوله تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد} وفي الاستدلال بالآية إشكال ~~كالإشكال في استدلال من استدل بقوله تعالى: {النفس بالنفس} واستدلوا أيضا ~~بما أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رجلا قتل ~~عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ونفاه سنة ومحا ~~سهمه من المسلمين ولم يقد به وأمره أن يعتق رقبة"وفي إسناده إسمعيل بن عياش ~~ولكنه رواه عن الأوزاعي وهو شامي وإسمعيل قوي في الشاميين وفي إسناده أيضا ~~محمد بن عبد العزيز الشامي وهو ضعيف وأخرج البيهقي وابن عدي من حديث عمر ~~PageV02P301 # قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا يقاد مملوك من مالكه ~~ولا ولد من والده" وفي إسناده عمر بن عيسى الأسلمي وهو منكر الحديث كما قال ~~البخاري وأخرج الدارقطني والبيهقي من ms648 حديث ابن عباس مرفوعا "لا يقتل حر ~~بعبد" وفي إسناده جويبر وغيره من المتروكين وأخرج البيهقي عن علي قال: "من ~~السنة لا يقتل حر بعبد" وفي إسناده جابر الجعفي وهو متروك وأخرج البيهقي من ~~حديث علي نحو حديث عمرو بن شعيب وفي الباب أحاديث تشهد لهذه وتقويها "لا ~~العكس" أي لا يقتل مؤمن بكافر لحديث علي أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم قال: "ألا لا يقتل مؤمن بكافر" وأخرجه أحمد والنسائي وأبو داود ~~والحاكم وصححه وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده نحوه وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر وأخرج البخاري وغيره ~~عن علي "أنه قال له أبو جحيفة1: هل عندكم شئ من الوحي ما ليس في القرآن ~~فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما ~~في هذه الصحيفة قلت: وما في هذه الصحيفة قال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم وفكاك ~~الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر "وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يقتل المسلم ~~بالكافر الحربي وأما بالذمي فذهب إلى ذلك الجمهور وبه قال أبو حنيفة ولم ~~يأت من ذهب إلى قتل المسلم بالذمي بما يصلح للاستدلال به قال مالك: الأمر ~~عندنا أن لا يقتل مسلم بكافر إلا أن يقتله قتل غيلة فيقتل به قلت: وعليه ~~الشافعي إلا أنه أسقط هذا الاستثناء لأن الأحاديث الصحيحة في هذا الباب مثل ~~حديث علي وعبد الله بن عمر ساكتة عنه "والفرع بالأصل لا العكس" أي لا يقتل ~~الأصل بالفرع لحديث "لا يقتل الوالد بالولد" أخرجه الترمذي من حديث عمر وفي ~~إسناده الحجاج بن أرطاة ولكن له طريق أخرى عند أحمد والبيهقي والدارقطني ~~ورجال إسناده ثقات وأخرج نحوه الترمذي أيضا من حديث سراقة وفي إسنادها ضعف ~~وأخرج أيضا من حديث ابن عباس وقد أجمع أهل العلم على ذلك لم يخالف فيه إلا ~~البتي ورواية عن مالك "ويثبت القصاص في الأعضاء ونحوها والجروح مع الإمكان" ~~PageV02P302 # لقوله تعالى: ms649 {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} وهي وإن كانت حكاية عن بني ~~إسرائيل فقد قرر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس في الصحيحين ~~وغيرهما "أن الربيع كسرت ثنية جارية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقصاص" وأما تقييد ذلك بالإمكان فلكون بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها ~~كعدم إمكان الاقتصار على مثل ما في المجني عليه وخطاب الشرع محمول على ~~الإمكان من دون مجاوزة للمقدار الكائن في الجني عليه فإذا كان لا يمكن ~~بمجاوزة للمقدار أو بمخاطرة وإضرار فالأدلة الدالة عليى تحريم دم المسلم ~~وتحرم الإضرار به بما هو خارج عن القصاص مخصصة لدليل الاقتصاص قلت: إن كل ~~طرف له مفصل معلوم فقطعه ظالم من مفصله من إنسان اقتص منه كالإصبع يقطعها ~~من أصلها أو اليد يقطعها من الكوع أو من المرفق أو الرجل يقطعها من المفصل ~~يقتص منه وكذلك لو قلع سنه أو قطع أنفه أو أذنه أو فقأ عينه أو جب ذكره أو ~~قطع أنثييه يقتص منه وكذلك لو شجه موضحة1 في رأسه أو وجهه يقتص منه ولو جرح ~~رأسه دون الموضحة أو جرح موضعا آخر من بدنه أو هشم العظم فلا قود فيه لأنه ~~لا يمكن مراعاة المماثلة فيه وكذلك لو قطع يده من نصف الساعد فليس له أن ~~يقطع يده من ذلك الموضع وله أن يقتص من الكوع ويأخذ حكومة لنصف الساعد وعلى ~~هذا أكثر أهل العلم في الجملة وفي التفاصيل لهم اختلاف "ويسقط بإبراء أحد ~~الورثة ويلزن نصيب الآخرين من الدية" لما تقدم من كونه أمر القصاص والدية ~~إلى الورثة وأنهم بخير النظرين فإذا أبرؤا من القصاص سقط وإن أبرأ أحدهم ~~سقط لأنه لا تبعض ويستوفي الورثة نصيبهم من الدية وأخرج أبو داود والنسائي ~~من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "وعلى ~~المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة" وأراد بالمقتتلين ~~أولياء المقتول ms650 وينحجزوا أي ينكفوا عن القود بعفو أحدهم ولو كانت امرأة ~~وقوله: "الأول فالأول" أي الأقرب فالأقرب هكذا فسر الحديث أبو داود وفي ~~إسناده حصن بن عبد الرحمن ويقال ابن محصن أبو حذيفة PageV02P303 # الدمشقي قال أبو حاتم الرازي: لا أعلم من روى عنه غير الأوزاعي ولا أعلم ~~أحد نسبه1 وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن يعقل2 عن المرأة ~~عصبتها من كانوا ولا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ~~ورثتها وهو يقتلون قاتلها" وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد ~~وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد فقوله: "وهم يقتلون قاتلها" يفيد أن ذلك ~~حق لهم يسقط بإسقاطهم أو إسقاط بعضهم وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وأبو حنيفة ~~وأصحابه "فإذا كان فيهم صغير ينتظر في القصاص بلوغه" دليله ما قدمنا من أن ~~ذلك حق لجميع الورثة ولا اختيار للصبي قبل بلوغه3" ويهدر ما سببه من المجني ~~عليه" لحديث عمران بن حصين في الصحيحين وغيرهما "أن رجلا عض يد رجل فنزع ~~يده من فيه فوقعت ثنيتاه فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال "يعض ~~أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل لا دية لك" وفيهما أيضا من حديث يعلى بن أمية4 ~~وإلى ذلك ذهب الجمهور" وإذا أمسك رجل وقتل آخر قتل القاتل وحبس الممسك" ~~لحديث ابن عمر عند الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أمسك ~~الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك" وهو من طريق ~~الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ورواه معمر وغيره عن اسمعيل ~~قال الدارقطني والإرسال أكثر وأخرجه أيضا البيهقي ورجح المرسل وقال أنه ~~موصول غير محفوظ قال ابن حجر ورجاله ثقات وصححه ابن القطان وأخرج الشافعي ~~عن علي "أنه قضى في رجل قتل رجلا متعمدا وأمسكه آخر قال: يقتل القاتل ويحبس ~~الآخر في السجن ms651 حتى يموت "وقد ذهب إلى ذلك الحنفية والشافعية ويؤيده قوله ~~تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وبالجملة: فقتل ~~القاتل مندرج تحت الأدلة المثبتة للقصاص وأما حبس الممسك فذلك نوع من ~~التعزير استحقه بسبب إمساكه للمقتول وقد روي PageV02P304 # عن النخعي ومالك والليث أنه يقتل الممسك كالمباشر للقتل لأنهما شريكان ~~وفي الموطإ "أن عمر بن الخطاب قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل ~~غيلة وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا "قال مالك: الأمر ~~عندنا أنه يقتل في العمد الرجال الأحرار بالرجل الحر الواحد والنساء ~~بالمرأة كذلك والعبيد1 بالعبد كذلك أيضا في المسوى: والعمل على هذا عند ~~أكثر أهل العلم قالوا: إذا اجتمع جماعة على قتل واحد يقتلون به قصاصا اه. ~~أقول: إذا اشترك جماعة من الرجال أو الرجال والنساء في قتل رجل عمدا بغير ~~حق قتلوا به كلهم وهذا هو الحق لأن الأدلة القرآنية والحديثية لم تفرق بين ~~كون القاتل واحد اأو جماعة والحكمة التي تشرع القصاص لأجلها وهي حقن الدماء ~~وحفظ النفوس مقتضية لذلك ولم يأت من قال بعدم جواز قتل الجماعة بالواحد ~~بحجة شرعية بل غاية ما استدلوا به على المنع تدقيقات ساقطة ليست من الشرع ~~في قبيل ولا دبير2 كما فعله الجلال في ضوء النهار والمقبلى وقد نقض الماتن ~~ذلك في أبحاث أجاب بها على بعض علماء العصر واستوفى جميع الحجج وقوله: ~~"قتلوه غيلة "أي حيلة يقال: اغتالني فلان إذا احتال حيلة يتلف بها ماله ~~ويقال الغيلة هي أن يخدعه حتى يخرجه إلى موضع يخفى فيه ثم يقتله "تمالأ ~~عليه أهل صنعاء "أي تعاونوا عليه واجتمعوا إليه قال في الهدي: وعلى أن قتل ~~الغيلة يوجب قتل القاتل حدا فلا يسقط العفو ولا نعتبر فيه المكافأة وهذا ~~مذهب أهل المدينة وأحد الوجهين في مذهب أحمد اختاره شيخنا وأفتى به اه وقال ~~قبل هذا ما لفظه وعلى أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرتهم فإنه من المعلوم ~~أن كل واحد منهم يعني العرنيين ms652 لم يباشر القتل بنفسه ولا سأل النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم عن ذلك اه. وفي قتل الخطإ الدية والكفارة لنص ~~الكتاب العزيز على ما في النظم القرآني من القيود والتفاصيل وقد وقع ~~الإجماع على وجوب الدية والكفارة في الجملة وإن وقع PageV02P305 # الخلاف في بعض الصور كوجوب الكفارة من مال الصغير إذا قتل لأن عمده خطأ ~~والخلاف في وجوب الكفارة من ماله معروف فمن لم يوجبها جعل إيجابها من باب ~~التكليف فقال: لا تجب إلا على مكلف ومن أوجبها جعله من خطاب الوضع وهكذا ~~المجنون والكفارة هي ما ذكر الله سبحانه من تحرير الرقبة وما بعده من ~~الإطعام والصوم وأما الدية فسيأتي بيانها وبيان الخطإ المحض والخطإ الذي هو ~~شبه العمد "وهو ما ليس بعمد أو من صبي أو مجنون" قال مالك في الموطإ: الأمر ~~المجتمع عليه عندنا أنه لا قود بين الصبيان وأن عمدهم خطأ ما لم تجب عليهم ~~الحدود ويبلغوا الحلم وأن قتل الصبي لا يكون إلا خطأ قلت: وعلى هذا أكثر ~~أهل العلم "وهي على العاقلة وهم العصبة" لحديث أبي هريرة في الصحيحين قال: ~~"قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا ~~بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها" وفي ~~لفظ لهما "وقضى بدية المرأة على عاقلتها" وفي مسلم وغيره من حديث جابر قال: ~~"كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل بطن عقولة1" وأخرج أبو داود وابن ~~ماجه2 "أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الآخرى ولك واحدة منها زوج وولد ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ ~~زوجها وولدها قال: فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال: رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم:" ميراثها لزوجها وولدها" وصححه النووي وفي إسناده مجالد ~~وهو ضعيف وقد تقدم حديث عمرو بن شعيب قريبا وفيه "أن ms653 النبي صلى الله عليه ~~وسلم قضى أن تعقل عن المرأة عصبتها" الحديث وقد أجمع العلماء على ثبوت ~~العقل وإنما اختلفوا في التفاصيل وفي مقدار ما يلزم كل واحد من العاقلة ~~أقول: الأدلة قد وردت بما يستفاد منه أن القبيلة تعقل عن الجاني منها وأن ~~البطن يعقل عن الجاني منه والقرابة يعقلون عن القريب الجاني ولا منافاة بين ~~هذه الأحاديث بل يجمع بينها بأن القرابة إذا قدروا على تسليم ما لزم فهم ~~أخص من غيرهم وإن احتاج اللازم إلى زيادة عليهم ولم يقدروا على الوفاء لزم ~~البطن ثم القبيلة وبمجموع ما ورد في العقل يرد على من قال إنه غير ثابت في ~~الشريعة مستدلا بمثل PageV02P306 # قوله تعالي: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وبمثل قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا يجني جان إلا على نفسه" لأن أدلة العقل أخص مطلقا فالعمل بها واجب ~~والظاهر أن العقل لازم في كل جنايات الخطإ من غير فرق بين الموضحة وما ~~دونها وما فوقها. # PageV02P307 ### | كتاب الديات ### | الأصل في الدية # أنها تجب أن تكون مالا عظيما يغلبهم وينقص من مالهم ويجدون له ألما عندهم ~~ويكون بحيث يؤدونه بعد مقاساة الضيق ليحصل الزجر وهذا القدر يختلف باختلاف ~~الأشخاص "ودية الرجل المسلم مائة من الإبل أو مائتا بقرة أو ألف شاة أو ألف ~~دينار أو اثنا عشر ألف درهم أو مائتا حلة" تقدير الدية بذلك لحديث عطاء بن ~~أبي رباح عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية عطاء عن جابر عن النبي صلى ~~عليه وسلم قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدية على أهل الإبل ~~مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل ~~الحلل مائتي حلة" رواه أبو داود مسندا ومرسلا وفيه عنعنة محمد بن إسحق ~~وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من كان عقله في البقر على ~~أهل ms654 البقر مائتي بقرة ومن كان عقله في الشاء ألفي شاة" وفي إسناده محمد بن ~~راشد الدمشقي المحكولي وقد تكلم فيه غير واحد ووثقه جماعة وفي حديث عمرو بن ~~حزم "أن في النفس الدية مائة من الإبل" وهو حديث صحيح قد تقدم تخريجه في ~~قتل الرجل بالمرأة وفيه أيضا "وعلى أهل الذهب ألف دينار" وأخرج أبو داود من ~~حديث ابن عباس "أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته ~~اثني عشر ألفا" وأخرجه الترمذي مرفوعا ومرسلا وأخرج أبو داود من حديث عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلالف درهم ودية أهل الكتاب على النصف ~~من دية المسلمين قال: فكان كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: ألا إن ~~الإبل قد غلت قال ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل # PageV02P307 # الورق اثني عشر ألف درهم وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي ~~شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة" ولا يخفى أن هذا لا يعارض ما تقدم فقد وقع ~~التصريح فيه برفع ذلك إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد اختلف ~~أهل العلم في مقادير الدية والحق ما ثبت من تقدير الشارع كما ذكرناه وفي ~~الموطأ أن عمر بن الخطاب قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف ~~دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم "قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام ~~وأهل مصر وأهل الورق أهل العراق قلت: عليه مالك وهو القول القديم للشافعي ~~إلا أنه قال يقدر بتقدير عمر بن الخطاب عند إعواز الإبل والإبل هي الأصل في ~~باب الديات ثم رجع وقال: الأصل فيها الإبل فإذا أعوزت تجب قيمتها بالغة ما ~~بلغت وتأول حديث عمر على أن قيمة الإبل كانت قد بلغت في زمانه اثني عشر ألف ~~درهم أو ألف دينار لحديث عمرو بن شعيب المتقدم وقال أبو حنيفة: الدية ms655 مائة ~~من الإبل أو ألف دينار أوعشرة آلاف درهم وقال صاحباه: على أهل الإبل مائة ~~من الإبل وعلى أهل الذهب والورق ألف دينار أوعشرة آلاف درهم وعلى أهل البقر ~~مائتا بقرة وعلى أهل الشاء ألفا شاة وعلى أهل الحلل ألف حلة "وتغلظ دية ~~العمد وشبهه" واتفقوا على أن التغليظ لا يعتبر إلا في الإبل دون الذهب ~~والورق أقول: قد اختلفت الأحاديث في الديات تغليظا وتخفيفا ولكل قسم فالدية ~~المغلظة في الخطأ الذي هو شبه العمد والدية المخففة في الخطأ المحض ~~والأحاديث مصرحة بذلك فليرجع إليها والمذاهب مختلفة وليس الحجة إلا في ~~الدليل لا في القال والقليل "بأن يكون المائة من الإبل في بطون أربعين منها ~~أولادها" لحديث عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال: "ألا وإن ~~قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه دية مغلظة مائة من الإبل منها ~~أربعون ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة1"أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ~~ماجه والبخاري في تاريخه وساق اختلاف الرواة فيه وأخرجه أيضا PageV02P308 # الدارقطني وأخرج أحمد وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عقل شبه العمد مغلظ كعقل العمد ولا يقتل ~~صاحبه وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل ~~سلاح" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبخاري في التاريخ ~~والدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط أو العصا فيه مائة من الإبل منها ~~أربعون في بطونها أولادها" وصححه ابن حبان وابن القطان وأخرج هذا الحديث من ~~تقدم ذكره من حديث ابن عمر وفي الباب أحاديث وقد ذهب جماهير العلماء من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن القتل على ثلاثة أضرب: عمد خطأ وشبه ~~عمد ففي العمد القصاص وفي الخطأ الدية ms656 وفي شبه العمد وهو ما كان بما مثله ~~لا يقتل في العادة كالعصا والسوط والإبرة مع كونه قاصدا للقتل دية مغلظة ~~وهي مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها وممن ذهب إلى هذا زيد بن ~~علي والشافعية والحنفية وأحمد وإسحق وقال مالك والليث: إن القتل ضربان: عمد ~~وخطأ فالخطأ ما وقع بسبب من الأسباب أو غير مكلف أو غير قاصد للمقتول ونحوه ~~أو للقتل بما مثله لا يقتل في العادة والعمد ما عداه والأول لا قود فيه وقد ~~حكى صاحب البحر الإجماع على هذا مع كون مذهب الجمهور على خلافه "ودية الذمي ~~نصف دية المسلم" لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "عقل الكافر نصف دية المسلم" أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه ~~وابن الجارود وصححه وأخرجه أيضا ابن ماجه بنحوه وأخرج ابن حزم من حديث عقبة ~~بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دية المجوسي ثمانمائة درهم" ~~وأخرجه أيضا الطحاوي والبيهقي وابن عدي وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف ~~وأخرج الشافعي والدارقطني والبيهقي عن سعيد بن المسبب قال: كان عمر يجعل ~~دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة "وقد ذهب إلى كون ~~دية الذمي نصف دية المسلم مالك وقال الشافعي: إن دية الكافر أربعة آلاف ~~درهم كذا روي عنه والذي في منهاج النووي أن دية اليهودي والنصراني ثلث دية ~~المسلم ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم" قال شارحه المحلي: إنه قال بذلك ~~عمر وعثمان # PageV02P309 # وابن مسعود وحكى في البحر عن زيد بن علي وأبي حنيفة أن دية المجوسي ~~كالذمي وذهب الثوري والزهري وزيد بن علي وأبو حنيفة إلى أن دية الذمي كذية ~~المسلم وروي عن أحمد أن ديته مثل دية المسلم إن قتل عمدا وإلا فنصف الدية ~~احتج القائلون بتنصيف دية الذمي بالنسبة إلى دية المسلم بما تقدم واحتج ~~القائلون بأنها كدية المسلم بقوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} ويجاب ms657 بأن هذا الإطلاق مقيد بما ثبت عنه صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم من كونها على النصف من دية المسلم وعند الترمذي ~~"عقل الكافر نصف عقل المؤمن" "قال ابن القيم: هذا حديث حسن يصحح مثله أكثر ~~أهل الحديث وعند أبي داود "كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ ~~النصف من دية المسلم فلما كان عمر رفع دية المسلمين وترك دية أهل الذمة لم ~~يرفعها فيما من الدية" انتهى "ودية المرأة نصف دية الرجل والأطراف وغيرها ~~كذلك في الزائد على الثلث" لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث ~~من ديته" أخرجه النسائي والدارقطني وصححه ابن خزيمة وأخرج البيهقي من حديث ~~معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دية المرأة نصف دية الرجل" قال ~~البيهقي: إسناده لا يثبت مثله وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن علي أنه قال: ~~"دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل" وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة عن ~~عمر وقد أفاد الحديث المذكور أن دية المرأة على النصف من دية الرجل وأن ~~أرشها1 إلى الثلث من الدية مثل أرش الرجل وقد وقع الخلاف في ذلك بين السلف ~~والخلف وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي عن ربيعة بن عبد الرحمن أنه قال: ~~سألت سعيد بن المسيب كم في أصبع المرأة قال: عشر من الإبل قلت: فكم في ~~إصبعين قال: عشرون من الإبل قلت: فكم في ثلاث أصابع قال: ثلاثون من الإبل ~~قلت: فكم في أربع قال: عشرون من الإبل قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها ~~نقص عقلها قال سعيد: أعراقي أنت؟ قلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم قال: ~~PageV02P310 # هي السنة يا ابن أخي. "وتجب الدية كاملة في العينين والشفتين واليدين ~~والرجلين والبيضتين وفي الواحدة منها نصفها وكذلك تجب كاملة في الأنف ~~واللسان والذكر والصلب وأرش المأمومة ms658 والجائفة ثلث دية المجني عليه وفي ~~المنقلة عشر الدية ونصف الدية ونصف عشرها وفي الهاشمة1 عشرها وفي كل سن نصف ~~عشرها وكذا في الموضحة" لحديث عمرو بن حزم الذي تقدم تخريجه وتصحيحه وفيه ~~"أن في الأنف إذا أوعب جدعة الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي ~~البيضتين الدية وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي ~~الرجل الواحدة نصف الدية وفي المأمومة ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية وفي ~~المنقلة خمسة عشر من الإبل وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل ~~وفي السن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل "وأخرج أحمد من حديث عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الأنف إذا ~~جدع كله بالعقل كاملا وإذا جدعت أرنبته فنصف العقل وقضى في العين نصف العقل ~~والرجل نصف العقل واليد نصف العقل والمأمومة ثلث العقل والمنقلة خمسة عشر ~~من الإبل" وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه بدون ذكر العين والمنقلة وفي ~~إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد تكلم فيه جماعة ووثقه جماعة2 ~~وأخرج الترمذي وصححه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"دية أصابع اليدين والرجلين سواء عشر من الإبل لكل أصبع" وأخرج نحوه أحمد ~~وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي موسى وأخرج أحمد وأبو ~~داود والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "في كل أصبع عشر من الإبل وفي كل سن خمس من الإبل والأصابع ~~سواء والأسنان سواء" وأخرج أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن الجارود وصححاه ~~من حديث عمرو بن شعيب أيضا عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم قال: "في المواضح خمس من الإبل" وفي البخاري وغيره من حديث ابن عباس ~~"أن النبي صلى الله تعالى عليه PageV02P311 # وآله وسلم قال: "هذه وهذه يعني الخنصر والإبهام سواء" وأخرج ms659 أبو داود ~~وابن ماجه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأسنان ~~سواء الثنية والضرس سواء" والمراد بالمأمومة الجناية التي بلغت أم الدماغ ~~أو الجلدة الرقيقة التي عليه وإلى إيجاب ثلث الدية فيها ذهب علي وعمر ~~والحنفية والشافعية والمراد بالجائفة الجناية التي تبلغ الجوف وإلى إيجاب ~~ثلث الدية فيها ذهب الجمهور والمراد بالمنقلة الجناية التي تنقل العظام عن ~~أماكنها وقد ذهب إلى إيجاب خمسة عشر ناقة فيها علي وزيد بن ثابت والشافعية ~~والحنفية والمراد بالهاشمة التي تهشم العظم وقد أخرج الدارقطني والبيهقي ~~وعبد الرزاق من حديث زيد بن ثابت "أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في ~~الهاشمة عشرا من الإبل" وقد قيل: إنه موقوف لكن لذلك حكم الرفع في المقادير ~~والمراد بالموضحة التي تبلغ العظم ولا تهشم وقد اختلف في المنقلة والهاشمة ~~والموضحة هل هذا الأرش هو بالنسبة إلى الرأس فقط أم الرأس وغيره والظاهر أن ~~عدم الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقام كما تقرر في ~~الأصول" وما عدا هذه المسماة فيكون أرشه بمقدار نسبته إلى أحدها تقريبا لأن ~~الجناية قد لزم أرشها بلا شك إذ لا يهدر دم المجني عليه بدون سبب ومع عدم ~~ورود الشرع بتقدير الأرش لم يبق إلا التقدير بالقياس على تقدير الشارع ~~وبيان ذلك أن الموضحة إذا كان أرشها نصف عشر الدية كما ثبت عن الشارع نظرنا ~~إلى ما هو دون الموضحة من الجنايات فإن أخذت الجناية نصف اللحم وبقي نصفه ~~إلى العظم كان أرش هذه الجناية نصف أرش الموضحة وإن أخذت ثلثه كان الأرش ~~ثلث أرش الموضحة ثم هكذا وكذلك إذا كان المأخوذ بعض الأصبع كان أرشه بنسبة ~~ما أخذ من الأصبع إلى جميعها فأرش نصف الأصبع نصف عشر الدية ثم كذلك وهكذا ~~الأسنان إذا ذهب نصف السن كان أرشه نصف أرش السن ويسلك هذا في الأمور التي ~~تلزم فيها الدية كاملة كالأنف فإذا كان الذاهب نصفه ففيه نصف الدية والذكر ~~ونحو ذلك فهذا أقرب المسالك ms660 إلى الحق ومطابقة العدل وموافقة الشرع. # أقول: اعلم أن كل جناية فيها أرش مقدر من الشارع كالجنايات التي في حديث ~~عمرو بن حزم الطويل وفي غيره مما ورد في معناه فالواجب الاقتصار في المقدار ~~على الوارد في النص وكل جناية ليس فيها أرش # PageV02P312 # من الشارع بل ورد تقدير أرشها عن صحابي أو تابعي أو من بعدهما فليس في ~~ذلك حجة على أحد بل المرجع في ذلك نظر المجتهد وعليه أن ينظر في مقدار ~~نسبتها من نسبة الجناية التي ورد فيها أرش مقدر من الشارع فإذا غلب في طنه ~~مقدار النسبة جعل لها من الأرش مقدار نسبتها مثلا الموضحة ورد في الشرع ~~تقدير أرشها فإذا كانت الجناية دون الموضحة كالسمحاق والمتلاحمة والباضعة ~~والدامية1 فعليه أن ينظر مثلا مقدار ما بقي من اللحم إلى العظم فإن وجده ~~مقدار الخمس والجناية قد قطعت من اللحم أربعة أخماس جعل في الجناية أربعا ~~من الإبل أو أربعين مثقالا لأن مجموع أرش الموضحة خمس من الإبل أو خمسون ~~مثقالا وإن وجد الباقي من اللحم ثلثا جعل أرش الجناية بمقدار الثلثين من ~~أرش الموضحة ثم كذلك إذا بقي النصف أو الربع أو الخمس أو العشر وهكذا في ~~سائر الجنايات التي لم يرد تقدير أرشها فإنه ينبغي النسبة بينها وبين ما ~~ورد تقدير أرشه من جنسها وحينئذ لا يحتاج الحاكم العالم إلى تقليد غيره من ~~المجتهد كائنا من كان ولا يبقى تقسيم للجناية إلى ما يجب فيه أرش مقدر وما ~~تجب فيه حكومة "وفي الجنين إذا خرج ميتا الغرة" لحديث أبي هريرة في ~~الصحيحين "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان ~~سقط ميتا بغرة عبد أو أمة" وهو ثابت في الصحيحين بنحو هذا من حديث المغيرة ~~ومحمد بن مسلمة والغرة بضم المعجمة وتشديد الراء أصلها البياض في وجه الفرس ~~وهنا هي2 العبد أو الأمة كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله وأما إذا خرج الجنين ~~حيا ثم مات من الجناية ففيه الدية ms661 أو القود وهذا إنما هو في الجنين الحر ~~والخلاف في الغرة طويل قد استوفاه الماتن في شرح المنتقى "وفي العبد قميته ~~وأرشه بحسبها" لاخلاف في ذلك وإنما اختلفوا إذا جاوزت قيمته دية الحر هل ~~تلزم الزيادة أم لا؟ والأولى اللزوم وأرش الجناية عليه منسوب من قيمته فما ~~كان فيه في الحر نصف الدية أو ثلثها أو عشرها أو نحو ذلك ففيه في العبد نصف ~~القيمة أو ثلثها أو عشرها أو نحو ذلك أقول: وجه PageV02P313 # قول من قال إنها تجب قيمة العبد وإن جاوزت دية الحر أن العبد عين من ~~الأعيان التي يصح تملكها فكما يجب على متلف العين قيمتها وإن جاوزت دية ~~الحر كذلك يجب على متلف العبد ووجه قول من قال إنه لا يلزم ما زاد على دية ~~الحر أن العبد من نوع الإنسان وهو دون الحر في جميع الصفات المعتبرة فغاية ~~ما ينتهي إليه أن يكون إنسانا حرا في الكمال فتجب فيه الدية وأما الزيادة ~~على ذلك فلا لأن دية الحر هي نهاية ما يجب في الفرد من هذا النوع الإنساني ~~والأول أرجح من حيث الرأي وأما من طريق الرواية فلم يصح عن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم في ذلك شئ وقد روي عن علي مثل القول الأول وروي عنه مثل ~~القول الثاني وأما الدابة إذا قتلها قاتل ففيها قيمتها وإذا جنى عليها كان ~~الأرش مقدار نقص قيمتها بالجناية وهذا وإن لم يقم عليه دليل بخصوصه فهو ~~معلوم من الأدلة الكلية لأن العبد وسائر الدواب من جملة ما يملكه الناس فمن ~~أتلفه كان الواجب عليه قيمته ومن جنى عليه جناية تنقصه كان الواجب عليه أرش ~~النقص كما لو جنى على عين مملوكة من غير الحيوانات وكان الأولى أن يكون ~~المملوك كسائر الدواب يجب في الجناية عليه نقص القيمة * # PageV02P314 ### | باب القسامة # صورة القسامة أن يوجد قتيل وادعى وليه على رجل أو على جماعة وعليهم لوث ~~ظاهر واللوث ما يغلب على القلب صدق المدعي بأن وجد فيما بين قوم ms662 أعداء لا ~~يخالطهم غيرهم كقتيل خيبر وجد بينهم والعداوة بين الأنصار وبين أهل خيبر ~~ظاهرة أو اجتمع جماعة في بيت أو صحراء وتفرقوا عن قتيل أو وجد في ناحية ~~قتيل وثم رجل مختضب بدمه أو يشهد عدل واحد على أن فلانا قتله أو قاله جماعة ~~من العبيد والنسوان جاؤا متفرقين بحيث يؤمن تواطؤهم1 ونحو ذلك من أنواع ~~الموت فيبدأ بيمين المدعي فيحلف خمسين يمينا ويستحق دعواه فإن نكل المدعي ~~عن PageV02P314 # اليمين ردت إلى المدعى عليه فيحلف خمسين يمينا على نفي القتل ويجب بها ~~الدية المغلظة فإن لم يكن لوث فالقول قول المدعى عليه مع يمينه كما في سائر ~~الدعاوى ثم يحلف يمينا واحدا أو خمسين يمينا قولان: أصحهما الأول فإن كان ~~المدعون جماعة توزع الأيمان عليهم على قدر مواريثهم على أصح القولين ويجبر ~~الكسر والقول الثاني كل واحد منهم خمسين يمينا وإن كان المدعى عليهم جماعة ~~ووزع على عدد رؤسهم على أصح القولين إن كان الدعوى في الأطراف سواء كان ~~اللوث أو لم يكن فالقول قول المدعى عليه مع يمينه هذا كله بيان مذهب ~~الشافعي وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يبدأ بيمين المدعي بل يحلف المدعى عليه ~~وقال إذا وجد قتيل في محلة يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها ويحلفهم ~~على أنهم ما قتلوه ولا عرفوا له قاتلا ثم يأخذ الدية من أرباب الخطة فإن لم ~~يعرفوا فمن سكانها أقول: اعلم أن هذا الباب قد وقع فيه لكثير من أهل العلم ~~مسائل عاطلة عن الدلائل ولم يثبت في حديث صحيح ولا حسن قط ما يقتضي الجمع ~~بين الأيمان والدية بل بعض الأحاديث مصرح بوجوب الأيمان فقط وبعضها مصرح ~~بوجوب الدية فقط والحاصل: أنه قد كثر الخبط والخلط في هذا الباب إلى غاية ~~ولم يتعبدنا الله بإثبات الأحكام العاطلة عن الدلائل ولا سيما إذا خالفت ما ~~هو شرع ثابت وكانت تستلزم أخذ المال الذي هو معصوم إلا بحقه ولهذا ذهب ~~جماعة من السلف منهم أبو قلابة وسالم بن عبد ms663 الله والحكم بن عتيبة وقتادة ~~وسليمان بن يسار وإبراهيم بن علية ومسلم بن خالد وعمر بن عبد العزيز إلى أن ~~القسامة غير ثابتة لمخالفتها لأصول الشريعة من وجوه قد ذكرها الماتن رحمه ~~الله في شرح المنتقى وذكر ما أجيب به عنها من طريق الجمهور فليراجع "إذا ~~كان القاتل من جماعة محصورين ثبتت وهي خمسون يمينا" لقوله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم "فتبرئكم اليهود بخمسين يمينا" وهو في الصحيحين من حديث سهل ~~بن أبي حثمة "يختارهم ولي القتيل والدية إن نكلوا عليهم وإن حلفوا سقطت" ~~لما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن ~~رجل من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم # PageV02P315 # "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه ~~في الجاهلية" وقد ثبت أنهم في الجاهلية كانوا يخيرون المدعى عليهم بين أن ~~يحلفوا خمسين يمينا أو يسلموا الدية كما في القسامة التي كانت في بني هاشم ~~كما أخرجه البخاري والنسائي من حديث ابن عباس وهي قصة طويلة وفيها "أن ~~القاتل كان معينا وأن أبا طالب قال له اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي ~~مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله ~~فإن أبيت قتلناك به فأتى قومه فأخبرهم فقالوا: نحلف فأتته امرأة من بني ~~هاشم كانت تحت رجل منهم كانت قد ولدت منه فقالت يا أبا طالب: أحب أن تجيز ~~ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر1 يمينه حيث تصبر الأيمان ففعل فأتاه رجل ~~منهم فقال يا أبا طالب: أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان الإبل فيصيب كل رجل ~~منهم بعيران هذان البعيران فاقبلهما مني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان ~~فقبلهما وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال ~~الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف" "وإن التبس الأمر كانت من بيت ~~المال" لحديث سهل بن أبي حثمة قال: "انطلق عبد الله ms664 بن سهل ومحيصة بن مسعود ~~إلى خيبر وهي يومئذ صلح فتفرقا فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط ~~في دمه قتيلا فدفنه ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل وحيصة وحويصة ~~أبناء مسعود إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فذهب عبد الرحمن ~~يتكلم فقال "كبر كبر وهو أحدث القوم فسكت فتكلما فقال: أتحلفون وتستحقون ~~قاتلكم أو صاحبكم فقالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر قال: فتبرئكم اليهود ~~بخمسين يمينا فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار فعقله النبي صلى الله عليه ~~وسلم من عنده" وهو في الصحيحين وغيرهما وفي لفظ "فكره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة" وقد اختلف أهل العلم في ~~كيفية القسامة اختلافا كثيرا وما ذكره الماتن هو أقرب إلى الحق وأوفق ~~لقواعد الشريعة المطهرة وقد وقع في رواية من حديث سهل المذكور أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "تقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع PageV02P316 # برمته فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف" وقد أخرج أحمد والبيهقي عن أبي ~~سعيد قال: "وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلا بين قريتين فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذرع ما بينهما فوجد أقرب إلى أحد الجانبين بشبر ~~فألقى ديته عليهم" قال البيهقي تفرد به أبو إسرائيل عن عطية ولا يحتج بهما ~~وقال العقيلي هذا الحديث ليس له أصل وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة ~~والبيهقي عن الشعبي "أن قتيلا وجد بين وداعة وشاكر فأمرهم عمر بن الخطاب أن ~~يقيسوا ما بينهما فوجدوه إلى وادعة أقرب فأحلفهم خمسين يمينا كل رجل ما ~~قتلته ولا علمت قاتلا ثم أغرمهم الدية فقالوا: يا أمير المؤمنين لا أيماننا ~~دفعت عن أموالنا ولا أموالنا دفعت عن أيماننا فقال عمر: كذلك الحق" وأخرج ~~نحوه الدارقطني والبيهقي عند سعيد بن المسيب وفيه "أن عمر قال: إنما قضيت ~~عليكم بقضاء نبيكم صلى الله عليه وسلم" قال البيهقي: رفعه إلى النبي صلى ~~الله عليه ms665 وسلم منكر وفيه عمر بن صبيح1 أجمعوا على تركه وقال الشافعي: ليس ~~بثابت إنما رواه الشعبي عن الحرث الأعور وهذا لا تقوم به حجة لضعف إسناده ~~على فرض رفعه وأما مع عدم الرفع فليس في ذلك حجة سواء ورد بإسناد صحيح أو ~~غير صحيح والرجوع إلى قسامة الجاهلية التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم ~~هو الصواب وقد تقدم ذكرها وقد أخرج أبو داود من حديث أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لليهود: "وبدأ بهم يحلف منكم خمسون رجلا فأبوا فقال للأنصار: استحقوا ~~فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دية على اليهود لأنه وجد بين أظهرهم" وهذا إذا صح لا يخالف ما ذكرناه من ~~وجوب الدية على المتهمين إذا لم يحلفوا ولكنه مخالف لما ثبت في الصحيحين إن ~~كانت هذه القصة هي تلك القصة وقد قال بعض أهل العلم إن هذا الحديث ضعيف لا ~~يلتفت إليه PageV02P317 ### | كتاب الوصية ### | على من تجب الوصية # ... # كتاب الوصية # "تجب على من له ما يوصي فيه" لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما حق امريء مسلم يبيت ليلتين وله شئ يريد ~~أن يوشي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" وقد ذهب إلى الوجوب عطاء والزهري ~~وأبو مجاز وطلحة بن مصرف وآخرون وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم وبه ~~قال اسحق وداود وأبو عوانة وابن جرير وذهب الجمهور إلى أن الوصية مندوبة ~~وليست بواجبة ويجاب عنه بقوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ~~ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف} ونسخ وجوبها للوالدين ~~والأقربين لا يستلزم نسخ وجوبها في غير ذلك ويجاب عنه أيضا بحديث الباب ~~فإنه يفيد الوجوب قال في المسوى: وعليه أهل العلم قال محمد: وبهذا نأخذ هذا ~~حسن جميل قال النووي: قال الشافعي معنى الحديث الجزم والاحتياط وأن المستحب ~~تعجيل الوصية وأن يكتبها ms666 في صحته "ولا تصح ضرار" لحديث أبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين ~~سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار" ثم قرأ أبو هريرة ~~{من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله} إلى قوله: {وذلك ~~الفوز العظيم} "أخرجه أبو داود والترمذي وأخرج أحمد وابن ماجه معناه وقالا: ~~فيه "سبعين سنة "وقد حسنه الترمذي وفي إسناده شهر بن حوشب وفيه مقال وقد ~~وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأخرج ابن منصور موقوفا بإسناد صحيح عن ~~ابن عباس "الإضرار في الوصية من الكبائر" وأخرجه النسائي مرفوعا بإسناد ~~رجاله ثقات والآية الكريمة مغنية عن غيرها ففيها تقييد الوصية المأذون بها ~~بعدم الضرار وقد روى جماعة من الأئمة الإجماع على بطلان وصية الضرار ~~والحاصل: أن وصية الضرار ممنوعة بالكتاب والسنة ومن جملة أنواع الضرار ~~تفضيل بعض الورثة على بعض فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ذلك جورا كما ~~في حديث النعمان بن بشير الصحيح ومن جملتها أن تكون لإخراج المال مضارة ~~للورثة فإن من # PageV02P318 # أوصى بماله أو بجزء منه لقربة من القرب مريدا بذلك إحرام الورثة جميع ~~ميراثهم أو بعضه فوصيته باطلة لأنه مضار وظاهر الأدلة أنه لا ينفذ من وصية ~~الضرار شئ سواء كانت بالثلث أو بما دونه أو بما فوقه بل هي رد على فاعلها ~~فتكون أحاديث الإذن بالثلث مقيدة بعد الضرار وقد جمع الماتن رحمه الله في ~~هذا رسالة مختصرة "ولا" تصح "لوارث" لحديث عمرو بن خارجة "أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية ~~لوارث" أخرجه أحمد وابن ماجة والنسائي والترمذي والدارقطني والبيقهي وصححه ~~الترمذي وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث أبي ~~أمامة وفي إسناده إسمعيل بن عياش وهو قوي إذا روى عن الشاميين وهذا الحديث ~~من روايته عنهم لأنه رواه عن شرحبيل بن ms667 مسلم وهو شامي ثقة وقد حسنه الحافظ ~~أيضا وأخرجه أيضا الدارقطني من حديث ابن عباس قال ابن حجر: رجاله ثقات ~~ولفظه "لا تجوز وصية لوارث إلا أن تشاء الورثة" وأخرج الدارقطني من حديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا وصية ~~لوارث إلا أن تجيز الورثة" قال في التلخيص: إسناده واه وفي الباب عن أنس ~~عند ابن ماجه وعن جابر عند الدارقطني وعن علي عنده أيضا وقد قال الشافعي: ~~إن هذا المتن متواتر فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم ~~بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~عام الفتح: "لا وصية لوراث" ويأثرونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم ~~فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد انتهى فيكون هذا الحديث مقيدا ~~لقوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها} وقد ذهب إلى ذلك الجمهور قال مالك في ~~الموطأ: السنة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها أنه لا يجوز وصية لوارث ~~إلا أن يجيز له ذلك ورثة الميت قلت: وعليه أهل العلم "ولا" تصح "في معصية" ~~لحديث أبي الدرداء عند أحمد والدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم ~~زيادة في أعمالكم" وأخرجه ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث أبي هريرة وفي ~~إسناده ضعف وأخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي من حديث أبي أمامة وإسناده ضعيف ~~وأخرجه العقيلي في الضعفاء # PageV02P319 # من حديث أبي بكر الصديق وفيه متروك وأخرج ابن السكن وابن قانع وأبو نعيم ~~والطبراني من حديث خالد بن عبد الله السلمي وهو مختلف في صحبته وهي تنتهض ~~بمجموعها وقد دلت على أن الإذن بالوصية بالثلث إنما هو لزيادة الحسنات ~~والوصية في المعصية معصية قد نهى الله عباده عن معاصيه في كتابه وعلى لسان ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فلو لم يرد ما يدل على تقييد الوصية بغير ms668 المعصية ~~لكانت الأدلة الدالة على المنع من معصية الله مفيدة للمنع من الوصية في ~~المعصية "وهي في القرب من الثلث" لحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما قال: ~~"لو أن الناس غضوا من الثلث فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~قال: "الثلث والثلث كثير" ومثله حديث سعد بن أبي وقاص "أن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم قال له: "الثلث والثلث كثير أو كبير لما قال: أتصدق ~~بثلثي مالي قال: لا قال: فالشطر قال: لا قال: فالثلث قال: الثلث والثلث ~~كثير أو كبير لما قال: أتصدق بثلثي مالي قال: لا قال: فالشطر قلا: لا: ~~فالثلث قال: الثلث والثلث كثير أو كبير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن ~~تدعهم عالة يتكففون الناس" وهو في الصحيحين وغيرهما وقد ذهب الجمهور إلى ~~المنع من الزيادة على الثلث ولو لم يكن للموصي وارث وجوز الزيادة مع عدم ~~الوارث الحنفية واسحق وشريك وأحمد في رواية وهو قول علي وابن مسعود واحتجوا ~~بأن الوصية مطلقة في الآية فقيدتها السنة بمن له وارث فبقي من لا وارث له ~~على الإطلاق وقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي زيد الأنصاري ~~"أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته ليس له مال غيرهم فأقرع بينهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأعتق اثنين وأرق أربعة" وفي لفظ لأبي داود أنه قال صلى ~~الله عليه وسلم "لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين" وقد أخرج ~~الحديث مسلم وغيره من حديث عمران بن حصين وفي لفظ لأحمد "أنه جاء ورثته من ~~الأعراب فأخبروا رسول الله صلى اله عليه وسلم بما صنع فقال أو فعل ذلك! لو ~~علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه" اعلم أن الثلث المأذون به لكل واحد ~~باعتبار ما يفعله الميت لنفسه من القرب المقربة التي لم تكن قد وجبت عليه ~~بإيجاب الله تعالى فما كان من هذا القبيل فهو من الثلث المأذون به وأما ما ~~كان قد تقدم ms669 له وجوب على الميت سواء كان حقا لله عز وجل كالزكارة والكفارات ~~التي يعتقد الميت وجوبها والحج أو حق الآدمي كالديون فإنه يجب إخراجه من ~~رأس المال قبل كل شئ # PageV02P320 # ولا وجه للتفصيل الذي ذكروه بين ما يتعلق بالمال ابتداء وما يتعلق به ~~انتهاء فإن ذلك لا تأثير له أصلا فالحاصل: أن الميت إذا مات وجب إخراج ما ~~قد وجب عليه من حقوق الله وحقوق الآدميين من رأس تركته ثم ينظر فيما بقي ~~فإن كان الميت قد أوصى بقرب لم يتقدم لها وجوب عليه بل أراد التقرب بها وجب ~~إخراجها من ثلث الباقي لأن الله سبحانه قد أذن له أن يتصرف بثلث ماله كيف ~~شاء بشرط عدم الضرار كتفضيل بعض الورثة على بعض أو إخراج المال عنه لا ~~لمقصد ديني بل لمجرد إحرامهم ثم ينظر في تلك القرب التي جعلها الميت لنفسه ~~عند الموت فإن استغرقت ثلث الباقي من دون زيادة ولا نقصان فإنفاذها واجب ~~وإن زادت لم ينفذ الزائد إلا بإذن من الورثة فإذا أذنوا فقد رضوا على ~~أنفسهم بخروج جزء مما يملكونه سواء كان قليلا أو كثيرا وإن نقصت عن استغراق ~~الثلث كان الفاضل من الثلث للورثة فهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ~~وأما جعل بعض حقوق الله الواجبة من الثلث وبعضها من رأس المال فلا أصل لذلك ~~إلى مجرد خيالات مختلة ثم اعلم أن الظاهر عندي أنه لا فرق بين حقوق الله ~~الواجبة وحقوق الآدميين في مخرجها من التركة وأنه لا يجب تقديم حقوق الآدمي ~~على حقوق الله بل جميعها مستوية في ذلك لأنها قد اشتركت في وجوبها على ~~الميت ولا فرق بين واجب وواجب ومن زعم أن بعضها أقدم من بعض فعليه الدليل ~~على أنه لو قال قائل: إن حقوق الله أقدم من حقوق بني آدم مستدلا على ذلك ~~بقوله صلى الله عليه وسلم "فدين الله أحق أن يقضى" لم يكن بعيدا من الصواب ~~لولا أن المراد بقوله: "يقضى" أي يفعله الفاعل كالقريب يحج ms670 عن قريبه ويصوم ~~عنه لا أن المراد أنه يدفع المال ليفعل ذلك فاعل آخر فإن ذلك يحتاج إلى ~~دليل يدل على أنه يصح فضلا عن أنه يجب "ويجب تقدم قضاء الديون" لحديث سعد ~~الأطول1 عند أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله ورجال الصحيح "أن أخاه مات وترك ~~ثلاثمائة درهم وترك عيالا قال: فأردت PageV02P321 # أن أنفقها على عياله فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إن ~~أخاك محتبس بدينه فاقض عنه" فقال: يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ~~ادعتهما امرأة وليس لها بينة قال "فأعطها فإنها محقة" وليس في ذلك خلاف وقد ~~دل عليه قوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} "ومن لم يترك ما يقضي ~~دينه قضاه السلطان من بيت المال" لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما "أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: "من خلف مالا أو حقا فلورثته ومن خلف ~~كلا1 أو دينا فكله إلي ودينه علي" وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ~~حبان والدارقطني من حديث جابر وأخرجه أيضا البيهقي والدارقطني من حديث أبي ~~سعيد وأخرجه أيضا الطبراني من حديث سليمان وأخرجه ابن حبان في ثقاته من ~~حديث أبي أمامة. PageV02P322 ### | كتاب المواريث # "هي مفضلة في الكتاب العزيز" ومعلومة لأهل العلم والتمييز قال الماتن: لم ~~نتعرض ههنا لذكرها واقتصرنا على ذكر ما ثبت في السنة أو الإجماع ولم نذكر ~~ما كان لا مستند له إلا محض الرأي كما جرت به عادتنا في هذا الكتاب فليس ~~مجرد الرأي مستحقا للتدوين فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل ولا حجة ~~في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر وإذا عرفت هذا اجتمع له مما في ~~الكتاب العزيز وما ذكرناه ههنا جميع علم الفرائض الثابت بالكتاب والسنة فإن ~~عرض لك من المواريث ما لم يكن فيهما فاجتهد فيه برأيك عملا بحديث معاذ ~~المشهور انتهى "ويجب الابتداء بذوي الفروض القدرة وما بقي فللعصبة" لحديث ~~ابن عباس في الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم ms671 قال: "ألحقوا ~~الفرائض بأهلها فما بقي لأولى رجل ذكر" والمراد بالفرائض هنا الأنصباء ~~المقدرة وأهلها هم المستحقون لها بالنص وما بقي بعد إعطاء ذوي الفرائض ~~فرائضهم فهو لأولى رجل ذكر "والأخوات مع البنات عصبة" أي يأخذن ما بقي من ~~غير تقدير كما # PageV02P322 # يأخذه الرجل بعد فروض أهل الفروض" لحديث ابن مسعود عند البخاري وغيره "أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت ~~النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت" وقد أفاد هذا أن ~~لبنت الابن مع البنت السدس تكملة الثلثين "ولبنت الابن مع البنت السدس ~~تكملة الثلثين" وقد قيل: إن ذلك مجمع عليه "وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين ~~وللجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم" لحديث قبيصة بن ذؤيب عند أحمد وأبي ~~داود وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم قال: "جاءت الجدة إلى أبي ~~بكر فسألته ميراثها فقال: ما لك في كتاب الله شئ وما علمت لك في سنة رسول ~~الله شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم أعطاها السدس فقال: هل معك غيرك فقام محمد بن ~~مسلمة الأنصاري فقال: مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر قال: ~~ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر فسألته ميراثها فقال: مالك في كتاب الله شئ ~~ولكن هو ذاك السدس فإن اجتمعتما فهو بينكما وأيكما خلت به فهو لها "قال ابن ~~حجر: وإسناده صحيح لثقة رجاله إلا أن صورته مرسل فإن قبيصة لا يصح سماعه من ~~الصديق ولا يمكن شهوده القصة قاله ابن عبد البر وقد اختلف في مولده والصحيح ~~أنه ولد عام الفتح فيبعد شهوده القصة وأخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه ~~وابن منده في مستخرجه والطبراني في الكبير من حديث عبادة بن الصامت "أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما" وهو ~~من رواية إسحق بن يحيى عن عبادة ms672 ولم يسمع منه وأخرج أبو داود والنسائي من ~~حديث بريدة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم جعل للجدة السدس إذا ~~لم يكن دونها أم" وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن الجارود وقواه ابن عدي ~~وفي إسناده عبيد الله العتكي وهو مختلف فيه وأخرج الدارقطني عن عبد الرحمن ~~ابن يزيد مرسلا قال: "أعطى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث جدات ~~السدس ثنتين من قبل الأب وواحدة من قبل الأم" وأخرجه أيضا أبو داود في ~~المراسيل عن إبراهيم النخعي وأخرجه أيضا البيهقي من مرسل الحسن. وأخرجه # PageV02P323 # الدارقطني من طرق عن زيد بن ثابت وفي الباب آثار غير ما ذكر قال في ~~البحر: مسألة فرضهن يعني الجدات السدس وإن كثرن إذا استوين وتستوي أم الأم ~~وأم الأب لا فضل بينهما فإن اختلفن سقط الأبعد بالأقرب ولا يسقطهن إلا ~~الأمهات والأب يسقط الجدات من جهة والأم من الطرفين أقول: التفاصيل ~~والتفاريع المذكورة في الكتب ينبغي إمعان النظر في مستنداتها ومجرد اجتهاد ~~فرد من أفراد الصحابة ليس بحجة على أحد وكذلك اجتهاد جماعة منهم لم يبلغوا ~~حد الإجماع "وهو للجد مع من لا يسقطه" لحديث عمران بن حصين "أن رجلا أتى ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: إن ابن ابني مات فما لي من ~~ميراثه؟ قال: لك السدس فلما أدبر دعاه قال: لك سدس آخر فلما أدبر دعاه ~~فقال: إن السدس الآخر طعمة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وأخرج أحمد ~~وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن الحسن "أن عمر سأل عن فريضة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الجد فقام معقل بن يسار المزني فقال: قضى فيها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: ماذا قال السدس قال مع من قال لا أدري قال: لا ~~دريت فما تغني إذن" وهو منقطع لأن الحسن لم يسمع من عمر وقد أخرج البخاري ~~ومسلم في صحيحيهما حديث الحسن عن معقل وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم اختلافا ~~كثيرا ورويت عنهم قضايا ms673 متعددة وقد دل الدليل على أنه يستحق السدس وأنه ~~فرضه فإذا صار إليه زيادة فهو طعمة وذلك كما في حديث عمران وإنما قيدنا ~~استحقاقه للسدس بعدم المسقط لأنه إذا كان معه من يسقطه كالأب فلا شئ له ~~وهكذا إذا كان مع الجد من يسقطه الجد فله الميراث كله أقول: ليس في ~~الأحاديث المتقدمة ذكر من كان معه من الورثة ولم يبق بعد ذلك إلا مجرد ~~روايات من علماء الصحابة ومن بعدهم وتمثيلات وتشبيهات ليست من الحجة في شئ ~~ولا يبعد أن يقال: بأنه أحق بالميراث من الأخوة والأخوات مطلقا لأنه إن لم ~~يكن والدا حقيقة فهو بمنزلة الوالد والأب يسقط الأخوة والأخوات مطلقا ومن ~~زعم أنه وجد في الأب من المزايا ما لا يشاركه فيها الجد فعليه الدليل ومن ~~قال إن ثم دليلا يقتضي أن الجد يقاسم الأخوة ويأخذ الباقي بعد الأخوات ~~فعليه أيضا الدليل "ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا الابن أو ابن # PageV02P324 # الابن أو الأب" ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم "وفي ميراثهم مع الجد ~~خلاف" لعدم ورود الدليل الذي تقوم به الحجة فذهب جماعة من الصحابة منهم أبو ~~بكر وعمرإلى أن الجد أولى من الإخوة وذهب جماعة منهم علي وابن مسعود وزيد ~~بن ثابت إلى أن الجد يقاسم الإخوة والخلاف في المسألة يطول فمن قال إنه ~~يسقط الإخوة قال: إنه يصدق عليه اسم الأب وأجاب الآخرون بأنه مجاز لا تقوم ~~به الحجة ووقع الخلاف في كيفية المقاسمة كما هو مبين في كتب الفرائض ~~"ويرثون" أي الأخوة مع البنات إلا الإخوة لأم لحديث جابر عند أحمد وأبي ~~داود وابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم قال: "جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتيها من سعد فقالت يا رسول الله هاتان ~~ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم ~~يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا بمال فقال: يقضي الله في ذلك فنزلت آية ~~الميرات فأرسل رسول الله صلى ms674 الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي ~~سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك" فهذا دليل على ميراث الإخوة مع ~~البنات وأما الإخوة لأم فلا يرثون مع البنت لقوله تعالى: {وإن كان رجل يورث ~~كلالة} الآية هي في الإخوة لأم كما في بعض القراآت "ويسقط الأخ لأب مع الأخ ~~لأبوين" لحديث علي قال: "إنكم تقرؤن هذه الآية {من بعد وصية يوصين بها أو ~~دين} "وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية وإن أعيان ~~بني الأم يتوارثون دون بني العلات الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه ~~لأبيه" أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي والحاكم وفي إسناده الحرث الأعور ~~ولكنه قد وقع الإجماع على ذلك والمراد بالأعيان الإخوة لأبوين والمراد ببني ~~العلات الإخوة لأب ويقال للإخوة لأم الأخياف "وأولو الأرحام يتوارثون وهم ~~أقدم من بيت المال" لقوله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} فإنها ~~تفيد أنه إذا مات ميت ولا وارث له إلا من هو من ذوي أرحامه وهو من عدا ~~العصبات وذوي السهام في مصطلح أهل الفرائض فإنه يرثه وقوله تعالى: {للرجال ~~نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} ~~ولفظ الرجال والنساء والأقربين يشمل ذوي الأرحام ومما يؤيد ذلك حديث ~~المقدام # PageV02P325 # بن معد يكرب عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والنسائي والحاكم وابن حبان ~~وصححاه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "من ترك مالا فلورثته ~~وأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه والخال وارث من لا وارث له يعقل ~~عنه ويرثه" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث عمر عن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم بلفظ "والخال وارث من لا وارث له" وأخرجه بهذا ~~اللفظ من حديث عائشة الترمذي والنسائي والدارقطني وحسنه الترمذي وأعله ~~الدارقطني بالاضطراب وأخرجه عبد الرزاق عن رجل من أهل المدينة وأخرجه ~~العقيلي وابن عساكر عن أبي الدرداء وأخرجه ابن النجار عن أبي هريرة كلها ~~مرفوعة وهو حديث له طرق ms675 أقل أحواله أن يكون حسنا لغيره ومن ذلك حديث "ابن ~~أخت القوم منهم" وهو حديث صحيح ومن ذلك ما ثبت من جعله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم ميراث ابن الملاعنة لورثة ابن الملاعنة لورثة أمه وهم لا يكونون ~~إلا ذوي الأرحام والكلام على هذه الأحاديث مبسوط في شرح المنتقى ويمكن أن ~~يقال إن حديث "فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر "يدل على أن الذكور من ذوي ~~الأرحام أولى من الإناث فيكون حديث نفي ميراث العمة والخالة مفيدا لهذا ~~المعنى ومقويا له مع حديث "الخال وارث" وبذلك يجمع بين الأحاديث وقد قال ~~بمثل ذلك أبو حنيفة وقد اختلف في ذلك الصحابة فمن بعدهم وإلى توريث ذوي ~~الأرحام ذهب الجمهور وهذه الأدلة كما تفيد إثبات التوارث بين ذوي الأرحام ~~تفيد تقديمهم على بيت المال ومما يؤيد ذلك حديث عائشة عند أحمد وأهل السنن ~~وحسنه الترمذي "أن مولى للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خر من عذق ~~نخلة فمات فأتي به النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: هل له من نسب ~~أو رحم قالوا: لا قال: أعطوا ميراثه بعض أهل قريته "فقوله: أو رحم فيه دليل ~~على تقديم ميراث ذوي الأرحام على الصرف إلى بيت مال المسلمين وأخرج أبو ~~داود من حديث ابن عباس قال: "كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث ~~أحدهما الآخر فنسخ ذلك آية الأنفال فقال: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} ~~وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال وأخرجه أيضا الدارقطني وأخرج ~~نحوه ابن سعد عن أبي الزبير وفي ذلك # PageV02P326 # دليل على أن الآية في توريث ذوي الأرحام محكمة وبها نسخ ما كان من ~~الميراث بالمخالفة فإن تزاحمت الفرائض فالعول وذلك هو الحق الذي لا يمكن ~~الوفاء بما أمر الله به إلا بالمصير وقد أوضح الماتن ذلك في رسالة مستقلة ~~سماها إيضاح القول في إثبات مسألة العول ودفع جميع ما قاله النافون للعول ~~وقد أوضحت المقام في دليل الطالب على أرجح المطالب فليراجع ms676 ولا يرث ولد ~~الملاعنة والزانية إلى من أمه وقرابتها والعكس لحديث سهل بن سعد في ~~الصحيحين وغيرهما في حديث الملاعنة "أن ابنها كان ينسب إلى أمه فجرت السنة ~~أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها "وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم"أنه جعل ميراث ابن ~~الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها" وفي إسناده ابن لهيعة وأخرج أبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث وائلة بن الأسقع "أن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم قال: "إن المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها ~~وولدها الذي لاعنت عنه" قال الترمذي حسن غريب وفي إسناده عمر بن روبة1 ~~التغلبي وفيه مقال وقد صحح هذا الحديث الحاكم: وأخرج أحمد وأبو داود من ~~حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا ~~مساعاة2 في الإسلام من ساعى في الجاهلية فقد ألحقته بعصبته ومن ادعى ولدا ~~من غير رشدة3 فلا يرث ولا يورث" وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أيما رجل ~~عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث" وفي إسناده أبو محمد ~~عيسى بن موسى القرشي الدمشقي قال البيهقي: ليس بمشهور4 وأخرج أبو داود من ~~حديث عمرو بن شعيب أيضا عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم قضى أن كل مستلحق ولد وزنا لأهل أمه من كانوا حرة أو أمة وذلك فيما ~~استلحق في PageV02P327 # أول الإسلام" وفي إسناده محمد بن راشد المكحولي الشامي وفيه مقال وقد ~~أجمع العلماء على أن ولد الملاعنة وولد الزنا لا يرثان من الأب ولا من ~~قرابته ولا يرثونهما وأن ميراثهما يكون لأمهما ولقرابتهما وهما يرثان منهم ~~"ولا يرث المولود إلا إذ استهل" لحديث أبي هريرة عند أبي داود عن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا ms677 استهل المولود ورث" وفي إسناده محمد ~~بن إسحق وفيه مقال معروف وقد روي عن ابن حبان تصحيحه وأخرج أحمد في رواية ~~ابنه عبد الله في المسند عن المسور بن مخرمة وجابر بن عبد الله قالا: "قضى ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لا يرث الصبي حتى يستهل" وأخرجه ~~أيضا الترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي بلفظ "إذا استهل السقط صلي عليه ~~وورث" وفي إسناده إسمعيل بن مسلم وهو ضعيف قال الترمذي: وروي مرفوعا ~~والموقوف أصح وبه جزم النسائي وقال الدارقطني في العلل: لا يصح رفعه ~~والمراد بالاستهلال صدور ما يدل على حياة المولود من صياح أو بكاء أو ~~نحوهما ولا خلاف بين أهل العلم في اعتبار الاستهلال في الإرث وميراث العتيق ~~لمعتقه ويسقط بالعصبات وله الباقي بعد ذوي السهام لحديث "الولاء لمن أعتق" ~~وهو ثابت في الصحيح وأخرج أحمد عن قتادة عن سلمى بنت حمزة "أن مولاها مات ~~وترك ابنته فورث النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ابنته النصف وورث ~~يعلى النصف وكان ابن سلمى" ورجال أحمد رجال الصحيح ولكن قتادة لم يسمع من ~~سلمى بنت حمزة وأخرجه أيضا الطبراني وأخرج الدارقطني من حديث ابن عباس "أن ~~مولى لحمزة توفي وترك ابنته وابنة حمزة فأعطى النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم ابنته النصف وابنة حمزة النصف" وأخرج ابن ماجة ونحوه من حديث ~~ابنة حمزة وكذلك أخرجه النسائي وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ~~وهو ضعيف وقد وقع الاختلاف في اسم ابنة حمزة فقيل: سلمى وقيل: فاطمة وفي ~~الحديثين دليل على أن لذوي سهام العتيق سهامهم والباقي للمعتق أو لعصبته ~~وقد وقع الخلاف فيمن ترك ذوي أرحامه ومعتقه فروي عن عمر بن الخطاب وابن ~~مسعود وابن عباس أن مولى العتاق لا يرث إلا بعد ذوي الأرحام وذهب غيرهم إلى ~~أنه يقدم على ذوي الأرحام ويأخذ الباقي بعض ذوي السهام ويسقط بالعصبات وقد ~~روي أن المولى # PageV02P328 # كان لحمزة واستدل به من قال: إنه يكون لذوي سهام ms678 المعتق الباقي بعد ذوي ~~سهام العتيق والصحيح أنه مولى ابنة حمزة وقد أخرج ابن أبي شيبة من حديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: ~~"إن ميراث الولاء للأكبر من الذكور ولا ترث النساء من الولاء إلا ولاء من ~~أعتقن أو أعتقه من أعتقن" وأخرج البيهقي عن علي وعمر وزيد بن ثابت "أنهم ~~كانوا لا يورثون النساء من الولاء إلا ولاء من أعتقن "وأخرج البرقاني على ~~شرط الصحيح عن هذيل بن شرحبيل قال "جاء رجل إلى عبد الله بن الزبير فقال: ~~إني أعتقت عبدا لي وجعلته سائبة فمات وترك مالا ولم يدع وارثا فقال عبد ~~الله: إن أهل الإسلام لا يسيبون وإنما كان أهل الجاهلية يسيبون وأنت ولي ~~نعمته فلك ميراثه وإن تأثمت وتحرجت في شيء فنحن نقلبه ونجعله في بيت المال" ~~"ويحرم بيع الولاء وهبته" لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم "أنه نهى عن بيع الولاء وهبته" وفي الباب أحاديث ~~قد تقدم بعضها منها حديث "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب" وقد ~~صححه ابن حبان والبيهقي من حديث ابن عمر أيضا وقد ذهب الجمهور إلى عدم جواز ~~بيع الولاء وهبته وخالف في ذلك مالك وتقدمه بعض الصحابة ولا توارث بين أهل ~~ملتين لما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني وابن السكن من حديث ~~عبد الله ابن عمرو "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا ~~يتوارث أهل ملتين شتى" وأخرج الترمذي من حديث جابر مثله بدون لفظ "شتى1" ~~وفي إسناده ابن أبي ليلى وأخرج البخاري وغيره من حديث أسامة عن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم: قال "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ~~وهو أيضا في مسلم وأخرج البخاري وغيره حديث "وهل ترك لنا عقيل من رباع" ~~وكان عقيل PageV02P329 # وطالب كافرين وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يرث المسلم من الكافر ولا ~~الكافر ms679 من المسلم والخلاف في توارث الملل الكفرية المختلفة وعموم حديث عبد ~~الله بن عمرو وجابر يقتضي عدم التوارث قال في المسوى: والكفر ملة واحدة يرث ~~اليهودي من النصراني وبالعكس. أقول: وأما المرتد فكافر ليس من أهل ملة ~~الإسلام فقد شملته الأحاديث المتقدمة فمن زعم أنه يرث مال المرتد قرابته ~~المسلمون فعليه الدليل الصالح للتخصيص "ولا يرث القاتل من المقتول" لحديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: ~~"لا يرث القاتل شيئا" وأخرجه أبو داود1 والنسائي وأعله الدارقطني وقواه ابن ~~عبد البر وأخرج مالك في الموطأ وأحمد وابن ماجه والنسائي والشافعي وعبد ~~الرزاق والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: "سمعت النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم يقول: "ليس لقاتل ميراث" وفيه انقطاع وأخرج الدارقطني من حديث ~~ابن عباس مرفوعا "لا يرث القاتل شيئا" وفي إسناده كثير بن سليم2 وهو ضعيف ~~وأخرج البيهقي عنه حديثا آخر بلفظ "من قتل قتيلا فإنه لا يرثه وإن لم يكن ~~له وارث غيره" وفي لفظ " وإن كان والده أو ولده" وفي إسناده عمرو بن برق3 ~~وهو ضعيف وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ "القاتل لا يرث" ~~وفي إسناده إسحق بن عبد الله بن أبي فروة وهو ضعيف وهذه الأحاديث يقوي ~~بعضها بعضا وهي تدل على أنه لا يرث القاتل من غير فرق بين العامد والخاطئ ~~وبين الدية وغيرها من مال المقتول وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأكثر أهل ~~العلم وقال مالك والنخعي: إن قاتل الخطأ يرث من المال دون الدية وهو تخصيص ~~بغير مخصص4 ويرده على الخصوص ما أخرجه الطبراني "أن عمر بن PageV02P330 # شيبة1 قتل امرأته خطأ فقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أعقلها ~~ولا ترثها" وما أخرجه البيهقي "أن عديا الجذامي2 كان له امرأتان اقتتلتا ~~فرمى إحداهما فماتت فلما قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أتاه ~~فذكر ذلك له فقال له" "أعقلها ولا ترثها" وأخرج البيهقي أيضا ms680 "أن رجلا رمى ~~بحجر فأصاب أمه فطالب في ميراثها فقال له صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ~~"حقك من ميراثها الحجر وأغرمه الدية ولم يعطه من ميراثها شيئا" وفي الباب ~~آثار عن جماعة من الصحابة مصرحة بذلك ساقها البيهقي وغيره قلت: وعليه عامة ~~أهل العلم أن من قتل مورثه لا يرثه عمدا كان القتل أو خطأ: إلا أن أبا ~~حنيفة قال: قتل الصبي لا يمنع الميراث كذا في المسوى وأما إرث المماليك من ~~بعضهم البعض أو من مواليهم فقد قيل: إنه وقع الإجماع على أن الرق من موانع ~~الإرث وفي دعوى الإجماع نظر فإن الخلاف في كون العبد يملك أو لا يملك معروف ~~ومقتضى ذلك إثبات الميراث وليس في المقام ما يدل على عدم الإرث وقد ورد من ~~حديث ابن عباس "أن رجلا مات على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم ولم يترك وارثا إلا عبدا فأعطاه ميراثه "أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه ~~الترمذي وقد قيل: إنه صرف إليه ذلك صرفا وهو خلاف الظاهر PageV02P331 ### | كتاب الجهاد والسير ### | فضل الجهاد # ... # كتاب الجهاد والسير # "الجهاد" قد ورد في فضله والترغيب فيه من الكتاب والسنة ما هو معروف وقد ~~أفرد ذلك بالتأليف جماعة من أهل العلم وحررت فيه كتاب العبرة بما جاء في ~~الغزو والشهادة والهجرة وهو أجمع ما جمع في ذلك في هذا القطر والعصر وقد ~~أمر الله بالجهاد بالأنفس والأموال وأوجب على عباده أن ينفروا إليه وحرم ~~عليهم # PageV02P331 # التثاقل عنه وصح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: ~~"لغدوة1 أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها " وهو في الصحيحين ~~وغيرهما من حديث أنس وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الجنة تحت ~~ظلال السيوف" كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى وابن أبي أوفى وثبت ~~في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اغبرت قدماه ~~في سبيل الله حرمه الله على النار" وثبت عنه ms681 صلى الله عليه وسلم قال: "رباط ~~يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها" كما في الصحيحين من حديث سهل بن ~~سعد وأخرج أهل السنن وصححه الترمذي من حديث معاذ بن جبل "أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال " من قاتل في سبيل الله2 فواق ناقة وجبت له الجنة" فناهيك ~~بعمل يوجب الله لصاحبه الجنة ويحرمه على النار ويكون مجرد الغدو إليه أو ~~الرواح منه خيرا من الدنيا وما فيها "فرض كفاية" لما أخرجه أبو داود عن ابن ~~عباس قال: " {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} و {ما كان لأهل المدينة} إلى ~~قوله {يعملون} نسختها الآية التي تليها {وما كان المؤمنون} وقد حسنه ابن ~~حجر قال الطبري يجوز أن يكون {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} خاصا والمراد ~~به من استنفره النبي صلى الله عليه وسلم فامتنع قال ابن حجر: والذي يظهر لي ~~أنها مخصوصة وليست بمنسوخة وقد وافق ابن عباس على دعوى النسخ عكرمة والحسن ~~البصري كما روى ذلك الطبري عنهما ومن الأدلة الدالة على أنه فرض كفاية أنه ~~كان صلى الله عليه وسلم يغزو تارة بنفسه وتارة يرسل غيره ويكتفي ببعض ~~المسلمين وقد كانت سراياه وبعوثه متعاقبة والمسلمون بعضهم في الغزو وبعضهم ~~في أهله وإلى كونه فرض كفاية ذهب الجمهور وقال الماوردي إنه كان فرض عين ~~على المهاجرين دون غيرهم وقال السهيلي كان عينا على الأنصار وقال ابن ~~المسيب: إنه فرض عين وقال قوم إنه كان فرض عين في زمن الصحابة أقول: الأدلة ~~الواردة في فرضية الجهاد كتابا وسنة أكثر من أن تكتب ههنا ولكن لا يجب ذلك ~~إلا على الكفاية فإذا قام به البعض سقط عن الباقين وقبل أن يقوم به البعض ~~هو فرض عين على كل مكلف وهكذا يجب على من استنفره الإمام أن ينفر ويتعين ~~ذلك عليه ولهذا توعد الله سبحانه من لم ينفر مع PageV02P332 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل على عدم وجوب الجهاد على الجميع قوله ~~عز وجل: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} ms682 فتحمل هذه الآية على أنه قد قام ~~بالجهاد من المسلمين من يكفي وأن الإمام لم يستنفر غير من قد خرج للجهاد ~~وبهذا تعرف أن الجمع بين هذه الآيات ممكن فلا يصار إلى القول بالترجيح أو ~~النسخ وأما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم ~~الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية ولأجله بعث الله تعالى رسله ~~وأنزل كتبه وما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثه الله سبحانه إلى ~~أن قبضه إليه جاعلا هذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شؤنه وأدلة الكتاب ~~والسنة في هذا لا يتسع لها المقام ولا لبعضها وما ورد في موادعتهم أو في ~~تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب ~~المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ~~ديارهم وأما غزو البغاة إلى ديارهم فإن كان ضررهم يتعدى إلى أحد من أهل ~~الإسلام إذا ترك المسلمون غزوهم إلى ديارهم فذلك واجب دفعا لضررهم وإن كان ~~ضررهم لا يتعدى فقد أخلوا بواجب الطاعة للإمام والدخول فيما دخل فيه سائر ~~المسلمين ولا شك أن لك معصية عظيمة لكن إذا كانوا مع هذا مسلمين للواجبات ~~غير ممتنعين من تأدية ما يجب تأديته عليهم تركوا وشأنهم مع تكرير الموعظة ~~لهم وإقامة الحجة عليهم وأما إذا امتنعوا من ذلك فقد تظاهروا بالبغي ~~وجاهروا بالمعصية وقد قال الله عز وجل: {إن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} وقد أجمع الصحابة على العزيمة التي عزمها ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه من المقاتلة لمن فرق بين الصلاة والزكاة ~~وسيأتي الكلام على صفة مقاتلة البغاة في الفصل الذي عقده الماتن لذلك "مع ~~كل بر وفاجر" لأن الأدلة الدالة على وجوب الجهاد من الكتاب والسنة وعلى ~~فضيلته والترغيب فيه وردت غير مقيدة بكون السلطان أو أمير الجيش عادلا بل ~~هذه فريضة من فرائض الدين أوجبها الله تعالى على عباده المسلمين من ms683 غير ~~تقييد بزمن أو مكان أو شخص أو عدل أو جور فتخصيص وجوب الجهاد بكون السلطان ~~عادلا ليس عليه أثارة من علم وقد يبلي الرجل الفاجر في الجهاد ما لا يبليه ~~البار العادل وقد وجد بهذا الشرع كما هو معروف وأخرج أحمد في المسند من # PageV02P333 # رواية ابنه عبد الله1 وأبو داود وسعيد بن منصور من حديث أنس قال: قال ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن ~~قال لا إله إلا الله لا تكفره بذنب ولا تخرجه عن الإسلام بعمل والجهاد ماض ~~مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل ~~عادل" ولا يعتبر في الجهاد إلا أن يقصد المجاهد بجهاده أن تكون كلمة الله ~~هي العليا كما ثبت في حديث أبي موسى في الصحيحين وغيرهما قال: "سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية يقاتل رياء فأي ~~ذلك في سبيل الله فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل ~~الله" "إذا أذن الأبوان" لحديث عبد الله بن عمرو قال: "جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال: "أحي والدك؟ قال ~~نعم قال: ففيهما فجاهد" وفي رواية لأحمد وأبي داود وابن ماجه "قال يا رسول ~~الله إني جئت أريد الجهاد معك ولقد أتيت وإن والدي يبكيان قال: "فارجع ~~إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما" وقد أخرج هذا الحديث مسلم من وجه آخر وأخرج ~~أبو داود من حديث أبي سعيد "أن رجلا هاجر إلى النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم من اليمن فقال: "هل لك أحد باليمن؟ " فقال أبواي فقال: "أذنا لك؟ ~~" فقال: لا فقال: "ارجع إليهما واستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما" ~~وصححه ابن حبان وأخرج أحمد والنسائي والبيهقي من حديث معاوية بن جاهمة ~~السلمي "أن جاهمة أتى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال يا رسول ~~الله أردت الغرو وجئتك أستشيرك فقال: ms684 "هل لك من أم" قال نعم فقال: "الزمها ~~فإن الجنة عند رجليها" وقد اختلف في إسناده اختلافا كثيرا وقد ذهب الجمهور ~~إلى أنه يجب استئذان الأبوين في الجهاد ويحرم إذا لم يأذنا أو أحدهما لأن ~~برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية قالوا: وإذا تعين الجهاد فلا إذن ويدل على ~~ذلك ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن عمر قال: "جاء رجل إلى رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فسأله عن أفضل الأعمال قال: "الصلاة" ~~قال ثم مه قال: "الجهاد" قال فإن لي والدين قال: "آمرك بوالديك خيرا" فقال: ~~والذي PageV02P334 # بعثك نبيا لأجاهدن ولأتركنهما قال: "فأنت أعلم" قالوا: وهو محمول على ~~جهاد فرض العين أي حيث يتعين على من له أبوان أو إحداهما توفيقا بين ~~الحديثين1 "وهو مع إخلاص النية يكفر الخطايا إلا الدين" لحديث أبي قتادة ~~عند مسلم وغيره "أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله ~~يكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "نعم وأنت ~~صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبرائيل عليه السلام قال لي ذلك" ~~وأخرج مثله أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة وأخرج مسلم وغيره من حديث عبد ~~الله بن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "يغفر الله ~~للشهيد كل ذنب إلا الدين فإن جبرائيل عليه السلام قال لي ذلك" وأخرج ~~الترمذي وحسنه من حديث أنس نحوه "ويلحق به" أي بالدين كل "حقوق الآدميين" ~~من غير فرق بين دم أو عرض أو مال إذ لا فرق بينها "ولا يستعان فيه" أي في ~~الجهاد "بالمشركين إلا لضرورة" لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لمن ~~أراد الجهاد معه من المشركين: "ارجع فلن أستعين بمشرك" فلما أسلم استعان به ~~وهو في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة وأخرج أحمد والشافعي والبيهقي ~~والطبراني نحوه من حديث حبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده ورجال إسناده ~~ثقات وأخرج ms685 أحمد والنسائي من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تستضيئوا بنار المشركين" وفي إسناده أزهر بن راشد وهو ضعيف وبقية ~~إسناده ثقات وقد أخرج الشافعي من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم استعان بناس من اليهود يوم خيبر" وأخرجه أبو داود في مراسيله من حديث ~~الزهري وأخرجه أيضا الترمذي مرسلا وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه من ~~حديث ذي مخبر2 قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستصالحون ~~الروم صلحا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم" وقد ذهب جماعة من العلماء إلى ~~عدم جواز الاستعانة بالمشركين وذهب PageV02P335 # آخرون إلى جوازها وقد استعان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~بالمنافقين في يوم أحد وانخزل1 عنه عبد الله بن أبي بأصحابه وكذلك استعان ~~بجماعة منهم في يوم حنين وقد ثبت في السير أن رجلا يقال له قزمان خرج مع ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يوم أحد وهو مشرك فقتل ثلاثة من بني ~~عبد الدار حملة لواء المشركين حتى قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليأزر2 ~~هذا الدين بالرجل الفاجر" وخرجت خزاعة مع النبي صلى الله عليه وسلم على ~~قريش عام الفتح وهم مشركون فيجمع بين الأحاديث بأن الاستعانة بالمشركين لا ~~تجوز إلا لضرورة لا إذا لم تكن ثم ضرورة "وتجب على الجيش طاعة أميرهم إلا ~~في معصية الله" لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع ~~الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني" وعن ابن عباس في قوله تعالى: ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} قال: "نزلت في عبد الله بن ~~حذافة بن قيس بن عدي بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ~~سرية" أخرجه أحمد وأبو داود وهو في الصحيحين وفيهما أيضا من حديث علي قال: ~~"بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ms686 واستعمل عليهم رجلا من الأنصار ~~وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فعصوه في شئ فقال: اجمعوا لي حطبا فجمعوا ثم ~~قال: أوقدوا نارا فأوقدوا ثم قال ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن تسمعوا وتطيعوا فقالوا: بلى قال: فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: ~~إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فكانوا كذلك حتى سكن ~~غضبه وطفئت النار فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "لو دخلوها لم يخرجوا منها أبدا" وقال: "لا طاعة في معصية الله إنما ~~الطاعة في المعروف" والأحاديث في هذا الباب كثيرة وفيها التصريح بأنه لا ~~طاعة لمخلوق في معصية الخالق وإنما تجب طاعة الأمراء ما لم يأمروا بمعصية ~~الله "وعليه" أي على الأمير "مشاورتهم والرفق بهم وكفهم عن الحرام" لدخول ~~ذلك تحت قوله {وشاورهم في الأمر} وقد كان PageV02P336 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور الغزاة معه في كل ما ينو به ووقع منه ~~ذلك في غير موطن وأخرج مسلم وغيره من حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم شاور أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان" والقصة مشهورة وأجاب عليه سعد ~~بن عبادة بقوله: "والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ~~"وأخرج أحمد والشافعي من حديث أبي هريرة قال: "ما رأيت أحدا قط كان أكثر ~~مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج مسلم وغيره من حديث ~~عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم من ولي من أمر ~~أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به" وأخرج مسلم أيضا من حديث معقل بن يسار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجتهد ~~لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل الجنة" وأخرج أبو داود من حديث جابر قال: ~~"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلف في المسير فيرجي الضعيف ويردف ~~ويدعو لهم" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث سهل بن معاذ ms687 عن أبيه قال "غزونا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة كذا وكذا فضيق الناس الطريق فبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد ~~له" وفي إسناده إسمعيل بن عياش وسهل بن معاذ ضعيف وقد جاءت الأدلة المفيدة ~~للقطع بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحق الناس بذلك الأمير ~~"ويشرع للإمام إذا أراد غزوا أن يوري بغير ما يريده" لحديث كعب بن مالك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها" وهو في ~~الصحيحين وغيرهما "و" يشرع له أن "يذكي العيون ويستطلع الأخبار" لحديث جابر ~~في الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: "من ~~يأتيني بخبر القوم قال الزبير أنا" الحديث وثبت في صحيح مسلم وغيره "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعث عينا ينظر عير أبي سفيان "وثبت" أنه بعث من ~~يأتيه بمقدار جيش المشركين يوم بدر وغيره" وكان يأمر من يستطلع أخبار العدو ~~ويقف في المواضع التي بينه وبينهم وذلك مدون في الكتب الموضوعة في السيرة ~~والغزوات "و" يشرع له أن "يرتب الجيوش ويتخذ الرايات والألوية" وقد وقع منه ~~صلى الله عليه وسلم من ترتيب جيوشه عند ملاقاته للعدو ما هو مشهور وكان ~~يأمر بعضا يقف في هذا المكان وآخرين في المكان الآخر وقال # PageV02P337 # للرماة يوم أحد إنهم يقفون حيث عينه لهم ولا يفارقوا ذلك المكان ولو ~~تخطفه هو ومن معه الطير وقد كانت له رايات كما في حديث ابن عباس عند ~~الترمذي وأبي داود قال: "كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ~~ولواؤه أبيض" وأخرج أبو داود من حديث سماك بن حرب عن رجل من قومه عن آخر ~~منهم قال: "رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء" وفي إسناده ~~مجهول وأخرج أهل السنن والحاكم وابن حبان من حديث جابر "أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض" وفي حديث الحرث بن حسان "أنه ms688 رأى في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رايات سودا" أخرجه الترمذي وابن ماجه ورجاله ~~رجال الصحيح وفي الباب أحاديث "وتجب الدعوة قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال ~~إما الإسلام أو الجزية أو السيف" لحديث سليمان بن بريدة عن أبيه عند مسلم ~~وغيره قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو ~~سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: ~~"اغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا ~~تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ~~ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام ~~فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار ~~المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على ~~المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ~~يجري عليهم الذي يجري على المسلمين ولا يكون لهم في الفئ والغنيمة شئ إلا ~~أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فاسألهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم ~~وكف عنهم وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم" الحديث وفي الباب أحاديث ~~وقد ذهب الجمهور إلى وجوب الدعوة لمن لم تبغلهم الدعوة ولا تجب لمن قد ~~بلغتهم وذهب قوم إلى الوجوب مطلقا وقوم إلى عدم الوجوب مطلقا "ويحرم قتل ~~النساء والأطفال والشيوخ إلا" أن يقاتلوا فيدفعوا بالقتل "لضرورة" لحديث ~~ابن عمر في الصحيحين وغيرهما قال: "وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء ~~والصبيان" وأخرج أبو داود من حديث أنس "أن رسول الله قال: "لا تقتلوا شيخا # PageV02P338 # فانيا ولا صغيرا ولا امرأة" وفي إسناده خالد بن الفرز1 وفيه مقال وأخرج ~~أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث ~~رباح2 بن ربيع أنه قال صلى الله عليه ms689 وسلم: "لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا" ~~والعسيف الأجير وأخرج أحمد من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع" وفي إسناده إبراهيم بن إسمعيل ~~بن أبي حبيبة وهو ضعيف وقد وثقه أحمد وأخرج أحمد أيضا والإسماعيلي في ~~مستخرجه من حديث كعب3 بن مالك عن عمه "أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث ~~إلى ابن أبي الحقيق بخيبر نهى عن قتل النساء والصبيان" ورجاله رجال الصحيح ~~وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث سمرة مرفوعا بلفظ "اقتلوا شيوخ المشركين ~~واستحيوا شرخهم4" وقد قيل: إنه وقع الاتفاق على المنع عن قتل النساء ~~والصبيان إلا إذا كان ذلك لضرورة كأن يتترس بهم لمقاتلة أو يقاتلون وقد ~~أخرج أبو داود في المراسيل عن عكرمة "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ~~بامرأة مقتولة يوم حنين فقال: "من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله ~~غنمتها وأردفتها خلفي فلما رأت الهزيمة فينا أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني ~~فقتلتها" فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم " ووصله الطبراني في ~~الكبير قلت: قال الشافعي: النهي عن قتل نسائهم وصبيانهم إنما هو في حال ~~التميز والتفرد وأما البيات فيجوز وإن كان فيه إصابة ذراريهم ونسائهم ~~"والمثلة" لما تقدم قريبا في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه عن جده وفيه ~~"ولا تمثلوا " وأخرج نحو ذلك أحمد وابن ماجه من حديث صفوان بن عسال وأحاديث ~~النهي عن المثلة كثيرة "والإحراق بالنار" لحديث أبي هريرة عند البخاري ~~وغيره قال: PageV02P339 # "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: "إن وجدتم فلانا ~~وفلانا لرجلين فاحرقوهما بالنار" ثم قال حين أردنا الخروج: " إني كنت ~~أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن ~~وجدتوهما فاقتلوهما" وأما تحريق الشجر والأصنام والمتاع فقد ثبت الإذن بذلك ~~عن الشارع إذا كان فيه مصلحة "و" يحرم "الفرار من الزحف إلا إلى فئة" وقد ~~نطق بذلك القرآن الكريم قال الله تعالى: {ومن ms690 يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} وثبت في الصحيحين وغيرهما ~~أن الفرار من الزحف هو من السبع الموبقات ولا خلاف في ذلك وفي الجملة وإن ~~اختلفوا في مسوغات الفرار وقد جوز الله تعالى الفرار إلى الفئة وأما التحرف ~~للقتال فهو وإن كان فيه تولية الدبر لكنه ليس بفرار على الحقيقة قال في ~~المسوى: قوله {إلا متحرفا} هو أن ينصرف من ضيق إلى سعة أو من سفل إلى علو ~~أو من مكان منكشف إلى مستتر ونحو ذلك مما هو أمكن له في القتال قوله: {أو ~~متحيزا} أي يصير إلى حيز فئة من المسلمين يستنجدهم ويقاتل معهم وبالجملة ~~يجب ثبات المسلمين يوم الزحف في مقابلة زحفهم من الكفار والفرار حينئذ ~~كبيرة "ويجوز تبييت الكفار" لحديث الصعب ابن جثامة في الصحيحين وغيرهما "أن ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سئل عن أهل الدار من المشركين ~~يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم ثم قال: "هم منهم" وأخرج أحمد وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجه من حديث سلمة بن الأكوع قال: بيتنا هوازن مع أبي بكر ~~الصديق وكان أمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والبيات هو الغارة ~~بالليل قال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم في الغارة بالليل وأن يبيتوا ~~وكرهه بعضهم قال أحمد وإسحق: لا بأس به أن يبيت العدو ليلا "والكذب في ~~الحرب" لما ثبت عند مسلم وغيره من حديث جابر "أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما بعث محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف قال يا رسول الله: فأذن لي ~~فأقول قال: " قد فعلت" يعني يأذن له بأن يخدعه بمقال ولو كان كذبا كما وقع ~~منه في هذه القصة وهي أيضا في البخاري وأخرج مسلم من حديث أم كلثوم بنت ~~عقبة قالت: لم أسمع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يرخص في شيء من ~~الكذب مما يقول الناس إلا في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته ms691 ~~وحديث # PageV02P340 # المرأة زوجها. وهذا الكذب المذكور هنا هو التعريض والتلويج بوجه من ~~الوجوه ليخرج عن الكذب الصراح كما قاله جماعة من أهل العلم "والخداع" في ~~الحرب لما في الصحيحين من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "الحرب خدعة1" وفيهما من حديث "أبي هريرة قال: سمى النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم الحرب خدعة" قال النووي: واتفقوا على جواز خداع ~~الكفار في الحرب كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد. # "فصل وما غنمه الجيش كان لهم أربعة أخماسه وخمسه يصرفه الإمام في مصارفه" ~~لقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين} قلت: اتفق أهل العلم على أن الغنيمة تخمس فالخمس ~~للأصناف التي ذكرت في القرآن وأربعة أخماسها للغانمين وقوله تعالى: {فأن ~~لله خمسه} ذهب عامة أهل العلم إلى أن ذكر الله تعالى للتبرك به وإضافة هذا ~~المال إليه لشرفه ثم بعد ما أضاف جميع الخمس إلى نفسه بين مصارفها واختلفوا ~~في سهم ذوي القربى قال أبو حنيفة: إنما يعطون لفقرهم وقال الشافعي: ~~لقرابتهم مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كالميراث غير أنه ~~أعطى القريب والبعيد من ذوي القربى ولا يفضل عنده فقير على غني ويعطى الرجل ~~سهمين والمرأة سهما ومن ذلك ما ورد في القرآن في الفئ والغنيمة وأخرج أبو ~~داود والنسائي من حديث عمرو بن عبسة قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى بعير من المغنم فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: "ولا يحل ~~لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس والخمس مردود فيكم " وأخرج نحوه أحمد ~~والنسائي وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت وحسنه ابن حجر وأخرج نحوه أيضا ~~أحمد وأبو داود والنسائي ومالك والشافعي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده وحسنه أيضا ابن حجر وروي نحو ذلك أيضا من حديث جبير بن مطعم والعرباض ~~بن سارية "ويأخذ الفارس من الغنيمة ثلاثة أسهم ms692 والراجل سهما" لما ورد في ~~ذلك من الأحاديث منها حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما وله ألفاظ فيها ~~التصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم "أسهم PageV02P341 # للفارس وفرسه ثلاثة أسهم وللراجل سهما" وفيهما معنى ذلك من حديث أنس ومن ~~حديث عروة البارقي ومنها حديث الزبير بنحو ذلك عند أحمد ورجاله رجال الصحيح ~~وحديث أبي رهم عند الدارقطني وأبي يعلى والطبراني وحديث أبي هريرة عند ~~الترمذي والنسائي وحديث جرير عند مسلم وغيره وحديث عتبة بن عبد عند أبي ~~داود وحديث جابر وأسماء بنت يزيد عند أحمد وفي الباب أحاديث وقد ذهب إلى ~~ذلك الجمهور وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الفارس يأخذ له ولفرسه سهمين ~~والراجل سهما وتمسكوا بحديث مجمع بن جارية عند أحمد وأبي داود وقال: "قسمت ~~خيبر على أهل الحديبية فقسمها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ~~ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلثمائة فارس فأعطى الفارس ~~سهمين والراجل سهما" وهذا الحديث في إسناده ضعف وقال أبو داود إن فيه وهما ~~وإنه قال ثلثمائة فارس وإنهم كانوا مائتين "ويستوي في ذلك القوي والضعيف ~~ومن قاتل ومن لم يقاتل" لحديث ابن عباس عند أبي داود والحاكم وصححه أبو ~~الفتح في الاقتراح على شرط البخاري "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~قسم غنائم بدر بالسوي بعد وقوع الخصام بين من قاتل ومن لم يقاتل "ونزول ~~قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال} وأخرج نحوه أحمد برجال الصحيح من حديث ~~عبادة بن الصامت وأخرج أحمد من حديث سعد بن مالك قال: "قلت يا رسول الله: ~~الرجل يكون حامية القوم ويكون سهمه وسهم غيره سواء قال "ثكلتك أمك ابن أم ~~سعد وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم " وأخرجه البخاري أيضا والنسائي عن ~~مصعب بن سعد قال: "رأى سعد أن له فضلا على من دونه فقال النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " وأخرج نحوه أحمد ~~وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه قال في الحجة ms693 البالغة: ومن بعثه الأمير ~~لمصلحة الجيش كالبريد والطليعة والجاسوس يسهم له وإن لم يحضر الواقعة كما ~~كان لعثمان يوم بدر "ويجوز تنفيل بعض الجيش" لما أخرجه مسلم وغيره "أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أعطى سلمة بن الأكوع سهم الفارس وسهم ~~الراجل جمعهما له "وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وعزاه المنذري ~~في مختصر السنن إلى مسلم "أن النبي صلى الله تعالى عليه آله وسلم نفل سعد ~~بن أبي # PageV02P342 # وقاص يوم بدر سيفا" وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وحكى بعض أهل العلم الإجماع ~~عليه واختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس وقد ورد في تنفيل ~~السرية حديث حبيب بن مسلمة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه وصححه ابن الجارود ~~وابن حبان والحاكم "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نفل الربع بعد ~~الخمس في بدأته الثلث بعد الخمس في رجعته "وأخرج نحوه أحمد وابن ماجه ~~والترمذي وصححه ابن حبان من حديث عبادة بن الصامت وأخرج أحمد وأبو داود ~~وصححه الطحاوي من حديث معن بن يزيد قال: "سمعت رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم يقول: " لا نفل إلا بعد الخمس" وفي الصحيحين من حديث ابن ~~عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان ينفل بعض من يبعث من السرايا ~~لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش والخمس في ذلك كله "وفيهما "أنه نفل بعض ~~السرايا بعيرا بعيرا "وفي الباب أحاديث قال في الحجة البالغة: وعندي إن رأى ~~الإمام أن يزيد لركبان الإبل أو للرماة شيئا أو يفضل العراب على البراذين ~~لشئ دون السهم فله ذلك بعد أن يشاور أهل الرأي ويكون أمرا لا يختلف عليه ~~لأجله وبه يجمع اختلاف سير النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه في ~~الباب "وللإمام الصفي وسهمه كأحد الجيش" لحديث يزيد بن عبد الله بن الشخير ~~عند أبي داود والنسائي وسكت عنه أبو داود والمنذري قال: "كنا بالمربد1 إذ ~~دخل رجل معه قطعة أديم فقرأناها فإذا فيها ms694 من محمد رسول الله إلى بني زهير ~~بن أقيش2 إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقمتم ~~الصلاة وآتيتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم وسهم الصفي فأنتم آمنون بأمان لله ورسوله فقلنا: من كتب لك ~~هذا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال المنذري: ورواه بعضهم عن يزيد ~~بن عبد الله وسمى الرجل النمر بن تولب وأخرج أبو داود عن الشعبي مرسلا قال: ~~"كان للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا وإن ~~شاء أمة وإن شاء فرسا يختاره قبل الخمس" وأخرج أبو داود أيضا من حديث ابن ~~عون مرسلا نحوه وأخرج أحمد PageV02P343 # والترمذي وحسنه من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم تنفل سيفه ~~ذا الفقار يوم بدر" وأخرج أبو داود من حديث عائشة قالت: "كانت صفية من ~~الصفي" وأخرج أبو داود أيضا من حديث أنس نحوه ويعارضه ما في الصحيحين ~~وغيرهما من حديث أنس أيضا قال: "صارت صفية لدحية الكلبي ثم صارت لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم" وفي رواية إنه اشتراها منه بسبعة أروس "ويرضخ من ~~الغنيمة لمن حضر" لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره "أنه سأله سائل عن المرأة ~~والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضر الناس فأجاب أنه لم يكن لهما سهم ~~معلوم إلا أن يحذيا1 من غنائم القوم "وفي لفظ "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يغزو بالنساء فيدواين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما يسهم2 فلم يضرب ~~لهن" وأخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عمير مولى آبي اللحم ~~"أنه شهد خيبر مع مواليه فأمر له صلى الله عليه وسلم بشئ من خرثي3 المتاع" ~~وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه "أنها ~~خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر سادسة ست نسوة فبلغ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فبعث ms695 إلينا فجئنا فرأينا فيه الغضب فقال: مع من خرجتن ~~وبإذن من خرجتن فقلنا يا رسول الله: خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ~~ومعنا دواء للجرحى ونناول السهم ونسقي السويق فقال قمن فانصرفن4 حتى إذا ~~فتح الله عليه خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال قال: فقلت لها يا جدة وما كان ~~ذلك؟ قالت: تمرا" وفي إسناده رجل مجهول وهو حشرج وقال الخطابي إسناده ضعيف ~~لا تقوم به الحجة وأخرج الترمذي عن الأوزاعي مرسلا قال: "أسهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم للصبيان بخيبر" وحديث حشرج كما عرفت ضعيف وهذا مرسل فلا ~~ينتهضان لمعارضة ما تقدم وحمل الإسهام هنا على الرضخ PageV02P344 # جمعا بين الأحاديث وقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب الجمهور إلى أنه لا ~~يسهم للنساء والصبيان بل يرضخ لهم فقط إن رأى الإمام ذلك "ويؤثر المؤلفين ~~إن رأى في ذلك صلاحا" لحديث أنس في البخاري وغيره "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قسم الغنائم في أشراف قريش تأليفا لهم وترك الأنصار والمهاجرين" وهكذا ~~ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود وغيره" أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى ~~الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك وأعطى أناسا من أشراف ~~العرب" والقصة مشهورة مذكورة في كتب السير بطولها والمراد بأشراف قريش ~~أكابر مسلمة الفتح كأبي سفيان بن حرب وسهل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ~~وحكيم بن حزام وصفوان بن أمية "وإذا رجع ما أخذه الكفار من المسلمين كان ~~لمالكه" لحديث عمران بن حصين عند مسلم وغيره "أن العضباء ناقة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصيبت فركبتها امرأة من المسلمين ورجعت إلى رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد كانت نذرت أن تنحرها إن نجاها الله ~~عليها فقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا وفاء لنذر في معصية ~~الله ولا فيما لا يملك العبد" وأخرج البخاري وغيره عن ابن عمر "أنه ذهب فرس ~~له فأخذه العدو فظهر عليهم المسلمون فرد عليه في زمن ms696 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبق عبد له فلحق بأرض الروم وظهر عليه المسلمون فرده عليه خالد ~~بن الوليد بعد النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية لأبي داود "أن غلاما ~~لابن عمر أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى ابن عمر ولم يقسم" وقد ذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم إلى أن ~~أهل الحرب لا يملكون بالغلبة شيئا من أموال المسلمين ولصاحبه أخذه قبل ~~الغنيمة وبعدها وروي عن علي والزهري وعمرو بن دينار والحسن أنه لا يرد أصلا ~~ويختص به أهل المغانم وروي عن عمر وسليمان بن ربيعة وعطاء والليث ومالك ~~وأحمد وآخرين إن وجده صاحبه قبل القسمة فهو أحق به وإن وجده بعد القسمة فلا ~~يأخذه إلا بالقيمة وقد روي عن ابن عباس الدارقطني مثل هذا التفصيل مرفوعا ~~وإسناده ضعيف جدا وروي عن الفقهاء السبعة قال في المسوى: وعليه أكثر أهل ~~العلم في الجملة ولهم في التفاصيل اختلاف "ويحرم الإنتفاع بشئ من الغنيمة ~~قبل القسمة إلا # PageV02P345 # الطعام والعلف" لحديث رويفع ابن ثابت عند أحمد وأبي داود والدارمي ~~والطحاوي وابن حبان "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا ~~يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتناول مغنما حتى يقسم ولا يلبس ثوبا ~~من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه ولا أن يركب دابة من فئ المسلمين حتى ~~إذا أعجفها ردها فيه" وفي إسناده محمد بن إسحق وفيه مقال معروف وقال ابن ~~حجر: إن رجال إسناده ثقات وقال أيضا: إن إسناده حسن وأخرج البخاري من حديث ~~ابن عمر قال: "كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه" زاد أبو ~~داود "فلم يؤخذ منهما الخمس" وصحح هذه الزيادة ابن حبان وأخرج أبو داود ~~والبيهقي وصححه من حديث ابن عمر أيضا "أن جيشا غنموا في زمن رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم طعاما وعسلا فلم يأخذوا منهم الخمس" وأخرج مسلم ~~وغيره من حديث عبد الله ابن ms697 مغفل قال: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر فالتزمته ~~فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم متبسما وأخرج أبو داود والحاكم والبيهقي من حديث ابن ~~أبي أوفى قال: "أصبنا طعاما يوم خيبر وكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما ~~يكفيه ثم ينطلق" وأخرج أبو داود من حديث القاسم مولى عبد الرحمن عن بعض ~~أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "كنا نأكل الجزر في الغزو ~~ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأخرجتنا مملوءة منه" وقد تكلم في ~~القاسم غير واحد وقد ذهب إلى جواز الانتفاع بالطعام والعلف للدواب بغير ~~قسمة الجمهور سواء أذن الإمام أو لم يأذن وقال الزهري: لا يأخذ شيئا من ~~الطعام ولا غيره وقال سليمان بن موسى يأخذ إلا أن ينهى الإمام قال مالك في ~~الموطأ: لا أرى بأسا أن يأكل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو من طعامهم ما ~~وجدوا من ذلك كله قبل أن تقع في المقاسم وقال أيضا: أنا أرى الإبل والبقر ~~والغنم بمنزلة الطعام يأكل منه المسلمون إذا دخلوا أرض العدو كما يأكلون من ~~الطعام وقال: ولو أن ذلك لا يؤكل حتى يحضر الناس المقاسم ويقسم بينهم أضر ~~ذلك بالجيوش قال: فلا أرى بأسا بما أكل من ذلك كله على وجه المعروف والحاجة ~~إليه ولا أرى أن يدخر ذلك شيئا يرجع به إلى أهله قلت: وعليه أهل العلم ~~"ويحرم الغلول" لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما في قصة العبد # PageV02P346 # الذي أصابه سهم فقال الصحابة: هنيئا له الشهادة يا رسول الله فقال: "كلا ~~والذي نفس محمد بيده إن الشعلة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر ~~لم تصبها المقاسم قال: ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال يا رسول ~~الله: أصبت هذا يوم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شراك من نار ~~أو شراكان من نار" وأخرج مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: "لما كان ms698 يوم ~~خيبر قتل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقالوا: ~~فلان شهيد وفلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد فقال ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "كلا إني رأيته في النار في بردة ~~غلها أو عباءة" وأخرج البخاري وغيره من حديث ابن عمر قال: "كان على ثقل ~~النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم رجل يقال له كركرة1 فمات فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " هو في النار فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة ~~قد غلها" وقد قال الله سبحانه {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} وثبت في ~~البخاري وغيره من حديث أبي هريرة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~قال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس على رقبته شاة" الحديث وقد ~~نقل النووي الإجماع على أنه من الكبائر وقد ورد في تحريق متاع الغال ما ~~أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال ~~وضربوه" وفي إسناده زهير بن محمد الخرساني2 وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي ~~والحاكم والبيقهي من حديث عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إذا وجدتم الغال قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه" وفي إسناده صالح بن محمد بن ~~زائدة تكلم فيه غير واحد3 "ومن جملة الغنيمة الأسرى" ولا خلاف PageV02P347 # في ذلك "ويجوز القتل أو الفداء أو المن" لقوله تعالى: {ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} وقوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} ~~وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل للأسرى وأخذ الفداء منهم ~~والمن عليهم ثبوتا متواترا في وقائع ففي يوم بدر قتل بعضهم وأخذ الفداء من ~~غالبهم وأخرج البخاري من حديث جبير بن مطعم "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في أسارى بدر: "لو كان مطعم بن ms699 عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى ~~لتركتهم له" وفي مسلم من حديث أنس "أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الثمانين ~~النفر الذي هبطوا عليه وأصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم ثم ~~إن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أعتقهم فأنزل الله عز وجل {وهو ~~الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة} الآية" وقد ذهب الجمهور إلى أن ~~الإمام يفعل ما هو الأحوط للإسلام والمسلمين في الأسارى فيقتل أو يأخذ ~~الفداء أو يمن وقال الزهري ومجاهد وطائفة لا يجوز أخذ الفداء من أسرى ~~الكفار أصلا وعن الحسن وعطاء لا يقتل الأسير بل يتخير بين المن والفداء وعن ~~مالك لا يجوز المن بغير فداء وعن الحنفية لا يجوز المن أصلا لا بفداء ولا ~~بغيره. # "فصل ويجوز استرقاق العرب" لأن الأدلة الصحيحة قد دلت على جواز استرقاق ~~الكفار من غير فرق بين عربي وعجمي وذكر وأنثى ولم يقم دليل يصلح للتمسك قط ~~في تخصيص أسر العرب بعدم جواز استرقاقهم بل الأدلة قائمة متكاثرة على أن ~~حكمهم حكم سائر المشركين منها حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما "أنها ~~كانت عند عائشة سبية من بني تميم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: أعتقيها فإنها من ولد إسمعيل" وأخرج البخاري وغيره "أن رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم قال: حين جاء وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد ~~عليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ~~"أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال" ~~الحديث وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر "أن جويرية بنت الحرث من سبي ~~بني المصطلق كاتبت عن نفسها ثم تزوجها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم على أن يقضي كتابتها فلما تزوجها قال الناس أصهار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم # PageV02P348 # من السبي" وأخرجه أحمد من حديث عائشة وقد ذهب إلى جواز استرقاق العرب ~~الجمهور وحكى في البحر عن ms700 الحنفية أنه لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام ~~أو السيف واستدل بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} ~~الآية ولا يخفى أنه لا دليل في الآية على المطلوب ولو سلم ذلك كان ما وقع ~~منه صلى الله عليه وسلم مخصصا لذلك وقد صرح القرآن الكريم بالتخيير بين ~~المن والفداء فقال: {فإما منا بعد وإما فداء} ولم يفرق بين عربي وعجمي ~~واستدلوا أيضا بما أخرجه الشافعي والبيهقي "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال يوم حنين لو كان الاسترقاق جائزا على العرب لكان اليوم إنما هو أسرى ~~"وفي إسناده الواقدي وهو ضعيف جدا ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها يزيد ~~بن عياض وهو أشد ضعفا من الواقدي وقد أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم الفدية من ذكور العرب في بدر وهو فرع الاسترقاق أقول: قد سبى صلى ~~الله عليه وسلم جماعة من بني تميم وأمر عائشة أن تعتق منهم كما تقدم وبالغ ~~صلى الله عليه وسلم فقال: من فعل كذا فكأنما أعتق رقبة من ولد إسمعيل وقال ~~لأهل مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" والحاصل: أن الواجب الوقوف على ما دلت ~~عليه الأدلة الكثيرة الصحيحة من التخيير في كل مشرك بين القتل والمن ~~والفداء والاسترقاق فمن ادعى تخصيص نوع منهم أو فرد من أفرادهم فهو مطالب ~~بالدليل وأما أسر نساء العرب فالأمر أظهر من أن يذكر والوقائع في ذلك ثابتة ~~في كتب الحديث الصحيحين وغيرهما وفي كتب السير جميعها "وقتل الجاسوس" لحديث ~~سلمة بن الأكوع عند البخاري وغيره قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين ~~وهو في سفر فجلس عند بعض أصحابه يتحدث ثم انسل فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "اطلبوه فاقتلوه" فسبقتهم إليه فقتلته فنفلني سلبه. وهو متفق على قتل ~~الجاسوس الحربي وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك ~~وأخرج أحمد وأبو داود عن فرات بن حيان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~بقتله وكان عينا لأبي سفيان وحليفا لرجل من الأنصار ms701 فمر بحلقة من الأنصار ~~فقال: إني مسلم فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله إنه يقول إنه مسلم فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات ~~بن حيان" وفي إسناده أبو همام الدلال # PageV02P349 # محمد بن محبب ولا يحتج بحديثه1 وهو يرويه عن سفيان ولكنه قد روى الحديث ~~المذكور عن سفيان بشر بن السري البصري وهو ممن اتفق على الاحتجاج به ~~البخاري ومسلم2 ورواه عن الثوري أيضا عباد بن موسى الأزرق العباداني وهو ~~ثقة "وإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه أحرز أمواله" لحديث صخر بن عيلة "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله" أخرجه ~~أحمد وأبو داود ورجاله ثقات وفي لفظ "إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ~~ودماءهم "وأخرج أبو يعلى من حديث أبي هريرة مرفوعا "من أسلم على شئ فهو له" ~~وضعفه ابن عدي بياسين الزيات الراوي له عن أبي هريرة قال البيهقي: وإنما ~~يروى عن ابن أبي مليكة وعن عروة مرسلا وقد أخرجه عن عروة مرسلا سعيد بن ~~منصور برجال ثقات "أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر بني قريظة فأسلم ثعلبة ~~وأسيد ابن سعيه3 فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار "ومما يدل ~~على ذلك الحديث الصحيح الثابت من طرق أنه صلى الله عليه وسلم قال: "فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " وقد ذهب الجمهور إلى أن ~~الحربي إذا أسلم طوعا كانت جميع أمواله في ملكه ولا فرق بين من أسلم في دار ~~الحرب أو دار الإسلام "وإذا أسلم عبد الكافر صار حرا" لحديث ابن عباس عند ~~أحمد وابن أبي شيبة قال: "أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف من ~~خرج إليه من عبيد المشركين" وأخرجه أيضا سعيد بن منصور مرسلا قصة أبي بكرة ~~في تدليه من حصن الطائف مذكورة في صحيح البخاري ورواها أبو داود عن الشعبي ~~عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ms702 يرد إلينا أبا ~~بكرة وكان مملوكنا فأسلم قبلنا فقال: "لا هو طليق الله ثم طليق رسوله" ~~وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث علي قال: "خرج عبدان إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعني يوم الحديبية قبل الصلح فكتب إليه PageV02P350 # مواليهم فقالوا: ولله يا محمد ما خرجوا إليك رغبة في دينك وإنما خرجوا ~~هربا من الرق فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم فغضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: "ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم ~~من يضرب رقابكم على هذا وأبى أن يردهم وقال: هم عتقاء الله عز وجل" وأخرج ~~أحمد عن أبي سعيد الأعشم قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبد ~~إذا جاء فأسلم ثم جاء مولاه فأسلم أنه حر وإذا جاء المولى ثم جاء العبد بعد ~~ما أسلم مولاه فهو أحق به" وهو مرسل # والأرض المغنومة أمرها إلى الإمام فيفعل الأصلح من قسمتها أو تركها ~~مشتركة بين الغانمين أو بين جميع المسلمين لأن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم قسم أرض قريظة والنضير بين الغانمين وقسم نصف أرض خيبر بين ~~المسلمين وجعل النصف الآخر لمن ينزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس كما ~~أخرجه أحمد وأبو داود من حديث بشير ابن يسار عن رجال من الصحابة وأخرج نحوه ~~أيضا أبو داود من حديث سهل بن أبي حثمة وقد ترك الصحابة ما غنموه من ~~الأراضي مشتركة بين جميع المسلمين يقسمون خراجها بينهم وقد ذهب إلى ما ~~ذكرناه جمهور الصحابة ومن بعدهم وعمل عليه الخلفاء الراشدون وأخرج مسلم ~~وغيره من حديث أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: ~~"أيما قرية أتيتموها فأقمتم فيها فسهمكم فيها وأيما قرية عصت الله ورسوله ~~فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم" أقول: قسمة الأموال المجتمعة للمسلمين من ~~خراج ومعاملة وجزية وصلح وغير ذلك ينبغي تفويض قسمتها إلى الإمام العادل ~~الذي يمحض النصح لرعيته ويبذل جهده في مصالحهم ms703 فيقسم بينهم ما يقوم ~~بكفايتهم ويدخر لحوادثهم ما يقوم بدفعها ولا يلزمه في ذلك سلوك طريق معينة ~~سلكها السلف الصالح فإن الأحوال تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فإن رأى ~~الصلاح في تقسيم ما حصل في بيت المال في كل عام فعل وإن رأى الصلاح في ~~تقسيمه في الشهر أو الأسبوع أو اليوم فعل ثم إذا فاض من بيت مال المسلمين ~~على ما يقوم بكفايتهم وما يدخر لدفع ما ينوبهم جعل ذلك في مناجزة الكفرة ~~وفتح ديارهم وتكثير جهات المسلمين وفي تكثير الجيوش والخيل والسلاح فإن ~~تقوية جيوش المسلمين هي الأصل الأصيل في دفع المفاسد والخيل والسلاح وجلب ~~المصالح ومن أعظم موجبات تكثير بيت المال وتوسيع دائرته العدل في الرعية # PageV02P351 # وعدم الجور عليهم والقبول من محسنهم والتجاوز عن مسيئهم هذا معلوم ~~بالاستقراء في جميع دول الإسلام والكفر فما عدل ملك في رعيته إلا ونال ~~بعدله أضعاف أضعاف ما يناله الجائر يحوره مع ما في العدل من السلامة من ~~انتقام الرب عز وجل في هذه الدار أو في دار الآخرة فإنها جرت عادة الله ~~سبحانه بمحق نظام الظلم وخراب بنيانه وهدم أساسه حتى صارت دول الظلمة من ~~أعظم العبر للمعتبرين فإنه لا بد أن يحل بهم من نكال الله وسخطه ما يعرفه ~~من له فطنة واعتبار وتفكر ومن نظر في تواريخ الدول رأى من هذا ما يقضي منه ~~العجب. فالحاصل: أن الظالم ممن خسر الدنيا والآخرة أما خسران الآخرة فواضح ~~معلوم من هذه الشريعة بالضرورة وأما خسران الدنيا فهو وإن تم له منها نصيب ~~نزر فهو على كدر وتخوف ونغص وتحيل ووحشة من رعيته فلا يزال متوقعا لزوال ~~ملكه في كل وقت بسبب ما قد فعله بهم وهم مع ذلك على بغضه وهو منطو على ~~بغضهم وينضم إلى ذلك كله تناقص الأمر وخراب البلاد وهلاك الرعية وفقر ~~أغنيائهم ففي كل عام هو في نقص مع ما جرت به عادة الله عز وجل من قصم ~~الظلمة وهلاكهم في أيسر مدة فأقل الملوك مدة أشدهم ms704 بطشا وأكثرهم ظلما وهذا ~~هو الغالب وما خالفه فنادر فأين حال هؤلاء الظلمة في الدين والدنيا من حال ~~الملوك العادلين بالرعية المحبوبين عندهم الممتعين بلذة العدل مع لذة العيش ~~الصافي عن كدر المخاوف التي لا يأمن الظلمة هجومها عليهم في كل وقت ولو لم ~~يكن من ذلك كله إلا الأمن من عقاب الله وانتقامه بل الرجاء في ثوابه وجزيل ~~إفضاله وما وعد به العادلين في الآخرة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر لكان مغنيا "ومن أمنه أحد المسلمين صار آمنا" لحديث علي عند ~~أحمد وأبي داود والنسائي والحاكم عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~قال: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه ~~من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ "يد المسلمين على من ~~سواهم تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من ~~سواهم" وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر مطولا وأخرجه ابن ماجه من ~~حديث معقل بن يسار مختصرا بلفظ "المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم" # PageV02P352 # وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة مختصرا أيضا وأخرجه مسلم من حديث أبي ~~هريرة أيضا بلفظ "إن ذمة المسلمين واحدة فمن أحقر مسلما فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين" وهو في الصحيحين من حديث علي وأخرجه البخاري من ~~حديث أنس وفي الباب أحاديث وقد أجمع أهل العلم على أن من أمنه أحد المسلمين ~~صار آمنا قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة انتهى وأما ~~العبد فأجاز أمانه الجمهور وأما الصبي فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على ~~أن أمان الصبي غير جائز انتهى وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف قلت: ~~إنما يصح الأمان من آحاد المسلمين إذا أمن واحد أو اثنين فأما عقد الأمان ~~لأهل ناحية على العموم فلا يصح إلا من الإمام على سبيل الاجتهاد وتحري ~~المصلحة كعقد الذمة ولو جعل ذلك آحاد الناس ms705 صار ذريعة إلى إبطال الجهاد ~~"والرسول كالمؤمن لحديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود والنسائي والحاكم "أن ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لرسولي مسلمة: "لو كنت قاتلا ~~رسولا لقتلتكما" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي "أن ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لهما: "والله لولا أن الرسل ~~لا تقتل لضربت أعناقكما" وقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان وصححه ~~"أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لأبي رافع لما بعثه قريش ~~إليه فقال: يا رسول الله لا أرجع إليهم فقال له رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد ولكن ارجع إليهم فإن ~~كان في قلبك الذي فيه الآن يعني الإسلام فارجع " "وتجوز مهادنة الكفار" ~~وملوكهم وقبائلهم إذا اجتهد الإمام وذوو الرأي من المسلمين فعرفوا نفع ~~المسلمين في ذلك ولم يخافوا من الكفار مكيدة "ولو بشرط وإلى أجل أكثره عشر ~~سنين" لحديث أنس عند مسلم وغيره "أن قريشا صالحوا النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم فاشترطوا عليه أن من جاء منكم لا نرده عليكم ومن جاء منا ~~رددتموه علينا فقالوا يا رسول الله: أنكتب1 هذا؟ قال: "نعم إنه من ذهب منا ~~إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم سيجعل PageV02P353 # الله له فرجا ومخرجا" وهو في البخاري وغيره من حديث المسور بن مخرمة ~~ومروان مطولا وفيه أن مدة الصلح بينه صلى الله عليه وسلم وبين قريش عشر ~~سنين وقد اختلف أهل العلم في جواز مصالحة الكفار على رد من جاء منهم مسلما ~~وفعله صلى الله عليه وسلم قد دل على جواز ذلك ولم يثبت ما يقتضي نسخه وأما ~~قدر مدة الصلح فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن يكون أكثر من عشر سنين لأن ~~الله سبحانه قد أمرنا بمقاتلة الكفار في كتابه العزيز فلا يجوز مصالحتهم ~~بدون شئ من جزية أو نحوها ولكنه لما وقع ذلك من النبي صلى ms706 الله تعالى عليه ~~وآله وسلم كان دليلا على الجواز إلى المدة التي وقع الصلح عليها ولا تجوز ~~الزيادة عليها رجوعا إلى الأصل وهو وجوب مقاتلة الكفار ومناجزتهم الحرب وقد ~~قيل إنها لا تجوز مجاوزة أربع سنين وقيل ثلاث سنين وقيل لا تجوز مجاوزة ~~سنتين "ويجوز تأييد المهادنة بالجزية" لما تقدم من أمره صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم بدعاء الكفار إلى إحدى ثلاث خصال منها الجزية وحديث عمرو بن ~~عوف الأنصاري في الصحيحين وغيرهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ~~أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي" ~~وأخرج أبو عبيد عن الزهري مرسلا قال: "قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا" وأخرج أبو داود من حديث أنس "أن النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعث خالدا إلى أكيد ردومة فأخذوه فأتوا به ~~فحقن دمه وصالحه على الجزية" وأخرج أبو عبيد في كتاب الأموال عن الزهري "أن ~~أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا نصارى" وقد جعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم على أهل اليمن على كل حالم دينارا كل سنة أو قيمته من المعافري يعني ~~أهل الذمة منهم رواه الشافعي في مسنده عن عمر بن عبد العزيز وهو ثابت في ~~حديث معاذ المشهور عند أبي داود وأخرج البخاري وغيره من حديث المغيرة بن ~~شعبة" أنه قال لعامل كسرى أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم ~~حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية" وأخرج البخاري عن ابن أبي نجيح قال: ~~قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ ~~قال جعل ذلك من قبيل اليسار وقد وقع الاتفاق على أنها تقبل الجزية من كفار ~~العجم من اليهود والنصارى والمجوس قال مالك # PageV02P354 # والأوزاعي وفقهاء الشام: إنها تقبل من جميع الكفار من العرب وغيرهم وقال ~~الشافعي: إن الجزية تقبل ms707 من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ويلحق بهم ~~المجوس في ذلك وقد استدل من لم يجوز أخذها إلا من العجم فقط بما وقع في ~~حديث ابن عباس عند أحمد والترمذي وحسنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لقريش: "أنه يريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب ويؤدي إليهم بها العجم ~~الجزية" يعني كلمة الشهادة وليس هذا مما ينفي أخذ الجزية من العرب ولا سيما ~~مع قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سليمان بن بريدة المتقدم "وإذا لقيت ~~عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال" وفيها الجزية قال في ~~المسوى في باب أخذ الجزية من أهل الكتاب: قال تعالى: {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} قلت: ~~عليه أهل العلم في الجملة وقال الشافعي: الجزية على الأديان لا على الأنساب ~~فتؤخذ من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ولا تؤخذ من أهل الأوثان والمجوس ~~لهم شبهة كتاب وقال أبو حنيفة: لا يقبل من العرب إلا الإسلام أو السيف وفي ~~حديث ابن شهاب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس ~~البحرين وأن عمر بن الخطاب أخذها من البربر" وفي حديث جعفر بن علي بن محمد ~~بن أبيه "أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ ~~فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~لهم: سنوا بهم سنة أهل الكتاب" قلت: وعليه أهل العلم قال مالك: مضت السنة ~~أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم وأن الجزية لا تؤخذ إلا من ~~الرجال الذين قد بلغوا الحلم قلت وعليه أهل العلم وأما قدرها فضرب عمر بن ~~الخطاب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما مع ~~ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام قلت: قد صح من ms708 حديث معاذ "بعثه النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله ~~معافريا" فاختلفوا في الجمع بينه وبين حديث عمر فقال الشافعي: أقل الجزية ~~دينار على كل بالغ في كل سنة ويستحب للإمام المماكسة ليزداد ولا يجوز أن ~~ينقص من دينار وأن الدينار مقبول من الغني والمتوسط والفقير وتأول أبو ~~حنيفة حديث عمر على الموسرين وحديث معاذ على الفقراء لأن # PageV02P355 # أهل اليمن أكثرهم فقراء فقال: على موسر أربعة دنانير وعلى كل متوسط ~~ديناران وعلى كل فقير دينار وعن عمر بن عبد العزيز من مر بك من أهل الذمة ~~فخذ بما يديرون به من التجارات من كل عشرين دينارا فما نقص فبحساب ذلك حتى ~~يبلغ عشرة دنانير فإن نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئا واكتب لهم ~~بما تأخذ منهم كتابا إلى مثله من الحول قلت: عليه أبو حنيفة وقال الشافعي: ~~الذي يلزم اليهود والنصارى من العشور هو ما صولحوا وقت عقد الذمة وكتب عمر ~~بن عبد العزيز إلى عماله أن يضعوا الجزية عمن أسلم من أهل الجزية حين ~~يسلمون قلت عليه أبو حنيفة وقال الشافعي: لا تسقط بالإسلام ولا بالموت لأنه ~~دين حل عليه كسائر الديون انتهى "ويمنع المشركون وأهل الذمة من السكون من1 ~~جزيرة العرب" لحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم أوصى عند موته بثلاث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ~~وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة" والشك من سليمان الأحول ~~وأخرج مسلم وغيره من حديث عمر "أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا ~~مسلما" وأخرج أحمد من حديث عائشة "أن آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن قال: " لا يترك بجزيرة العرب دينان" وهو من رواية ابن إسحق قال: ~~حدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ms709 عنها ~~والأدلة هذه قد دلت على إخراج كل مشرك من جزيرة العرب سواء كان ذميا أو غير ~~ذمي وقيل إنما يمنعون من الحجاز فقط استدلالا بما أخرجه أحمد والبيهقي من ~~حديث أبي عبيدة بن الجراح قال: "آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب" وهذا لا يصلح لتخصيص ~~العام لما تقرر في الأصول من أن التخصيص بموافق العام لا يصح وقد حكى ابن ~~حجر في فتح الباري عن الجمهور أن الذي تمنع منه المشركون من جزيرة العرب هو ~~الحجاز خاصة قال: وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها لا فيما سوى ذلك ~~مما يطلق عليه اسم الجزيرة وعن الحنفية يجوز مطلقا إلا المسجد الحرام وعن ~~مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة PageV02P356 # وقال الشافعي: لا يدخلون الحرم أصلا إلا بإذن الإمام أقول: الأحاديث ~~مصرحة بإخراج اليهود من جزيرة العرب وذكر الحجاز هو من التنصيص على بعض ~~أفراد العام لا من تخصيصه لأنه قد تقرر في الأصول أن مفاهيم اللقب لا يجوز ~~العمل بها إجماعا إلا عند الدقاق ولفظ الحجاز يدل على أن غيره من موضع ~~الجزيرة يخالفه بمفهوم لقبه هذا هو الصواب الذي ينبغي التعويل عليه وقد جمع ~~المغربي مؤلف شرح بلوغ المرام رسالة رجح فيها التخصيص وقد دفعها الماتن ~~رحمه الله بأبحاث ليس هذا موضع ذكرها قال في المسوى في باب لا يدخل المسجد ~~الحرام كافر: قال الله تعالى: {أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من ~~فضله} قلت: قوله {فلا يقربوا المسجد الحرام} معناه المسجد الحرام وما حوله ~~من الحرم يدل عليه قوله تعالى: {وإن خفتم عيلة} وعليه أهل العلم قالوا لا ~~يجوز لكافر أن يدخل الحرم بحال سواء كان ذميا أو لم يكن وإذا جاء رسول من ~~دار الكفر إلى الإمام وهو في الحرم فلا يأذن في دخوله بل يخرج الإمام إليه ~~أو يبعث من يسمع رسالته قلت: ms710 قد صح في غير حديث أن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم أدخل الكفار في مسجده من ذلك ربط ثمامة بن أثال بسارية من ~~سواري المسجد فقال الشافعي: لا يدخلون المسجد إلا بإذن مسلم وقال آخرون ~~يجوز له الدخول ولو بغير إذن وتأويل الآية على قولهم أنهم أخيفوا بالجزية ~~أقول: لا ريب أن مواطن العبادة المعدة للمسلمين ينبغي تنزيهها من أدران ~~المشركين فهم الذين لا يتطهرون من جنابة ولا يغتسلون من نجاسة فإن كان ~~تلويثهم لمساجد المسلمين بالنجاسات او استهزاؤهم بالعبادة مظنونا فذلك ~~مفسدة وكل مفسدة ممنوعة ما لم يعارضها مظنة إسلام من دخل منهم المسجد لما ~~يسمعه ويراه من المسلمين فإن تلك المفسدة مغتفرة بجنب هذه المصلحة التي لا ~~يقادر قدرها وأما إذا كان تلويثهم المسجد غير مظنون فلا وجه للمنع ولا سيما ~~قد تقرر أنه صلى الله عليه وسلم كان ينزل كثيرا من وفود المشركين مسجده ~~الشريف وهو أفضل من غيره من المساجد غير المسجد الحرام ثم قال في المسوى: ~~قال مالك قال ابن شهاب: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى يهود خيبر" ~~قال مالك: وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران وفدك # PageV02P357 # فأما يهود خيبر فخرجوا منها ليس لهم من الثمر ولا من الأرض شئ وأما يهود ~~فدك فكان لهم نصف الثمر ونصف الأرض لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~صالحهم على نصف الثمر ونصف الأرض فأقام لهم عمر بن الخطاب نصف الثمر ونصف ~~الأرض قيمته من ذهب وورق وإبل وحبال وأقتاب ثم أعطاهم القيمة وأجلاهم منها ~~قلت: عليه أهل العلم قالوا الحجاز يجوز للكافر دخولها بالإذن ولا يقيم بها ~~أكثر من مقام السفر فإن عمر رضي الله تعالى عنه لما أجلاهم أجل لمن يقدم ~~منهم تاجرا ثلاثا انتهى. # "فصل ويجب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحق" لقوله تعالى: {وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} فأوجب الله سبحانه ms711 قتال الطائفة الباغية ~~حتى ترجع إلى أمر الله ولا فرق بين أن يكون البغي من بعض المسلمين على ~~إمامهم أو على طائفة منهم قال في المسوى: قال الواحدي والبغوي وغيرهما: ~~نزلت هذه الآية في ضرب كان بينهم بالجريد والأيدي والنعال فأصلح النبي صلى ~~الله عليه وسلم بينهم والظاهر أنها في قتال ومضاربة يكون في الغضب بين ~~المسلمين حيث يكون حكم الله تعالى معلوما لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله} وليست في البغاة وهم الذين لهم منعة وشبهة فنصبوا ~~رئيسا وخرجوا على الإمام العدل إذ ليس هناك قاطع يطلب منهم الفيء إليه بل ~~كل فرقة منهما تدعي أن ما ذهبت إليه هو الحق الموافق لكتاب الله وإنما ~~يستفاد حكم البغاة من آثار علي رضي الله تعالى عنه حين قاتل أهل البصرة ~~وأهل الشام وأهل النهروان وهذا أحسن ما فهمت في هذه الآية والعلم عند الله ~~تعالى انتهى أقول: اعلم أن هذا الفصل مستفاد من اجتهادات الصحابة رضي الله ~~عنهم وأكثر من روي عنه في ذلك علي كرم الله وجهه ولم يثبت في ذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم شئ إلا حديث ابن مسعود الآتي وقد ضعفه جماعة من ~~المسلمين وقد أجمع المسلمون على بعض الأحكام كعدم جواز سبي البغاة. ~~والحاصل: أن أصل دم المسلم وماله العصمة ولم يأذن الله عز وجل بسوى قتال ~~الطائفة الباغية حتى تفيء فيجب الاقتصار على هذا ويكون الجائز قتال من لم ~~يحصل منه الفيء وإن كان جريحا أو # PageV02P358 # منهزما من غير فرق بين من له فئة ومن لا فئة له ما دام مصرا على بغيه ~~وأما المال فلا يجوز أخذ شئ منه هذا ما عندي في ذلك فإن ثبت ما يخالفه ~~فالثابت شرعا أولى بالاتباع "ولا يقتل أسيرهم ولا يتبع مدبرهم ولا يجاز على ~~جريحهم ولا تغنم أموالهم" لما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر "أن النبي ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لابن مسعود: " يا ابن أم عبد ما ms712 حكم من ~~بغى من أمتي قال: الله ورسوله أعلم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم" وفي لفظ ~~"ولا يذفف على جريحهم ولا يغنم منهم" سكت عنه الحاكم وقال ابن عدي: هذا ~~الحديث غير محفوظ وقال البيهقي: ضعيف وقال صاحب بلوغ المرام إن الحاكم صححه ~~فوهم لأن في إسناده كوثر بن حكيم وهو متروك1 وصح عن علي من طرق نحوه موقوفا ~~والصحيح أنه نادى بذلك منادي علي يوم صفين ولم يثبت الرفع وأخرج ابن أبي ~~شيبة والحاكم والبيهقي من طريق عبد خير عن علي بلفظ "نادى منادي علي يوم ~~الجمل ألا لا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم" وأخرج سعيد بن منصور عن ~~مروان بن الحكم قال: "صرخ صارخ لعلي يوم الجمل لا يقتلن مدبر ولا يذفف على ~~جريح ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن" وأخرج أحمد في رواية ~~الأثرم واحتج به عن الزهري قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم متوافرون فأجمعوا أن لا يقاد أحد ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن ~~إلا ما وجد بعينه" وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال:" شهدت صفين فكانوا لا ~~يجيزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا" وأخرج البيهقي عن علي ~~أنه قال يوم الجمل: "إن ظفرتم على القوم فلا تطلبوا مدبرا ولا تجيزوا على ~~جريح وانظروا إلى ما حضروا به الحرب من آلة فاقبضوه وما سوى ذلك فهو ~~لورثتهم" قال البيهقي: هذا منقطع والصحيح أنه لم يأخذ شيئا ولم يسلب قتيلا ~~ويؤيد جميع هذه الآثار أن الأصل في دماء المسلمين وأموالهم الحرمة فلا يحل ~~شئ منها إلا بدليل شرعي والمراد بالإجازة على الجريح والإجهاز والتذفيف ~~PageV02P359 # أن يتمم قتله ويسرع فيه وما حكاه الزهري من الإجماع على عدم القود يدل ~~على أنه لا قصاص في أيام الفتنة وقد أخرج هذا الأثر عن الزهري البيهقي بلفظ ~~"هاجت الفتنة الأولى فأدركت يعني الفتنة رجالا ms713 ذوي عدد من أصحاب النبي صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم ممن شهد معه بدرا وبلغنا أنهم يرون أن هذا أمر ~~الفتنة لا يقام فيها على رجل قاتل في تأويل القرآن قصاص فيمن قتل ولا حد في ~~سبي امرأة سبيت ولا يرى عليها حد ولا بينهما وبين زوجها ملاعنة ولا يرى أن ~~يقذفها أحد إلا جلد الحد ويرى أن ترد إلى زوجها الأول بعد أن تعتد عدتها من ~~زوجها الآخر ويرى أن يرثها زوجها الأول" انتهى قال في البحر: ولا يجوز ~~سبيهم ولا اغتنام ما لم يجلبوا به إجماعا لبقائهم على الملة وحكى عن النفس ~~الزاكية والحنفية والشافعية أنه لا يغنم منهم شئ أقول: وأما الكلام فيمن ~~حارب عليا كرم الله وجهه فلا شك ولا شبهة أن الحق بيده في جميع مواطنه أما ~~طلحة والزبير ومن معهم فلأنهم قد كانوا بايعوه فنكثوا بيعته بغيا عليه ~~وخرجوا في جيوش من المسلمين فوجب عليه قتالهم وأما قتاله للخوراج فلا ريب ~~في ذلك والأحاديث المتواترة قد دلت على أنه يمرقون من الدين كما يمرق السهم ~~من الرمية وأما أهل صفين فبغيهم ظاهر لو لم يكن في ذلك إلا قوله صلى الله ~~عليه وسلم لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" لكان ذلك مفيدا للمطلوب ثم ليس ~~معاوية ممن يصلح لمعارضة علي ولكنه أراد طلب الرياسة والدنيا بين قوم ~~أغتام1 لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فخادعهم بأنه طلب بدم عثمان فنفق ~~ذلك عليهم وبذلوا بين يديه دمائهم وأموالهم ونصحوا له حتى كان يقول علي ~~لأهل العراق أنه يود أن يصرف العشرة منهم بواحد من أهل الشام صرف الدراهم ~~بالدينار وليس العجب من مثل عوام الشام إنما العجب ممن له بصيرة ودين كبعض ~~الصحابة المائلين إليه وبعض فضلاء التابعين فليت شعري أي أمر اشتبه عليهم ~~في ذلك الأمر حتى نصروا المبطلين وخذلوا المحقين وقد سمعوا قول الله تعالى: ~~{فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} ~~وسمعوا الأحاديث المتواترة في تحريم عصيان ms714 الأئمة ما لم يروا كفرا بواحا ~~وسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: "أنه تقتله الفئة الباغية" ~~PageV02P360 # ولولا عظيم قدر الصحابة ورفيع فضل خير القرون لقلت: حب الشرف والمال قد ~~فتن سلف هذه الأئمة كما فتن خلفها اللهم1 غفرا ثم اعلم أنه قد جاء القرآن ~~والسنة بتسمية من قاتل المحقين باغيا كما في الآية المتقدمة وحديث عمار بن ~~ياسر المتقدم فالباغي مؤمن يخرج عن طاعة الإمام التي أوجبها الله تعالى على ~~عباده ويقدح عليه في القيام بمصالح المسلمين ودفع مفاسدهم من غير بصيرة ولا ~~على وجه المناصحة فإن انضم إلى ذلك المحاربة وله القيام في وجهه فقد تم ~~البغي وبلغ إلى غايته وصار كل فرد من أفراد المسلمين مطالبا بمقاتلته لقوله ~~سبحانه وتعالى: {فإن بغت إحداهما} الآية وليس القعود عن نصرة الحق من الورع ~~بعد قوله الله عز وجل: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي} ~~والحاصل: أنه إذا تبين الباغي ولم يلتبس ولا دخل في الصلح كان القعود عن ~~مقاتلته خلاف ما أمر الله به وأما مع اللبس فلا وجوب حتى يتبين المحق من ~~المبطل لكن يجب السعي في الصلح كما أمر الله به وليس من البغي إظهار كون ~~الإمام سلك في اجتهاده في مسألة أو مسائل طريق مخالفة لما يقتضيه الدليل ~~فإنه ما زال المجتهدون هكذا ولكنه ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام أن يناصحه ~~ولا يظهر الشناعة عليه على رؤس الأشهاد بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده ~~ويخلو به ويبذل له النصيحة ولا يذل سلطان الله ولا يجوز الخروج على الأئمة ~~وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح ~~والأحاديث الواردة بهذا المعنى متواترة ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في ~~طاعة الله ويعصيه في معصية الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقد ~~ابتلي علي رضي الله عنه بقتال البغاة على اختلاف أنواعهم وإذا كانت الإمامة ~~الإسلامية مختصة بواحد والأمور راجعة إليه مربوطة به كما ms715 كان في أيام ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم فحكم PageV02P361 # الشرع في الثاني الذي جاء بعد ثبوت ولاية الأول أن يقتل إذا لم يتب عن ~~المنازعة وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة في وقت واحد فليس أحدهما أولى ~~من الآخر بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر ~~في أحدهما فإن استمرا على التخالف كان على أهل الحل والعقد أن يختاروا ~~منهما من هو أصلح للمسلمين ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك وأما ~~بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل ~~قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك ~~ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في غير قطره أو أقطاره التي رجعت إلى ولايته ~~فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين وتجب الطاعة لكن واحد منهم بعد البيعة على ~~أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه وكذلك صاحب القطر الآخر فإذا قام ~~من ينازعه في القطر الذي قد ثبت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن ~~يقتل إذا لم يتب ولا يجب على أهل القطر الآخر طاعته ولا الدخول تحت ولايته ~~لتباعد الأقطار فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها ~~ولا يدري من قام منهم أو مات فالتكليف بالطاعة والحال هذه تكليف بما لا ~~يطاق وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد فإن أهل الصين ~~والهند لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب فضلا عن أن يتمكنوا من طاعته ~~وهكذا العكس وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمن ~~وهكذا العكس فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية والمطابق لما يدل عليه ~~الأدلة ودع عنك ما يقال في مخالفته فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية ~~الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار ومن أنكر ~~هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها والله المستعان # "فصل ms716 وطاعة الأئمة واجبة إلا في معصية الله" باتفاق السلف الصالح لقوله ~~تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وللأحاديث المتواترة ~~في وجوب طاعة الأئمة منها: ما أخرجه البخاري من حديث أنس مرفوعا "اسمعوا ~~وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله" ~~وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم "من أطاعني فقد ~~أطاع الله ومن عصاني فقد عصى # PageV02P362 # الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني" وفي الصحيحين ~~أيضا من حديث ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم "على المرء المسلم السمع ~~والطاعة فيما أحب أو كره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا ~~طاعة" والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا "ولا يجوز الخروج" بعد ما حصل ~~الاتفاق عليهم ما أقام الصلاة ولم يظهروا كفرا بواحا لحديث عوف بن مالك عند ~~مسلم وغيره قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خيار أئمتكم ~~الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين ~~تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنونكم قال قلنا يا رسول الله: أفلا ~~ننابذهم عند ذلك قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وال فرآه ~~يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية ولا ينزعن يدا عن طاعة" ~~وأخرج مسلم أيضا وغيره من حديث حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون ~~بسنتي وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنسان" قال قلت: كيف ~~أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال: "تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك ~~فاسمع وأطع" وأخرج مسلم أيضا وغيرهم من حديث عرفجة الأشجعي قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول "من أتاكم وأمركم جميع على رجل ~~واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" وفي الصحيحين من حديث ~~عبادة بن الصامت قال: "بايعنا ms717 رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ~~منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن ~~تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان" والبواح بالموحدة والمهملة قال ~~الخطابي: معنى قوله بواحا يريد ظاهرا وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة عنه صلى ~~الله عليه وسلم "من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية" وأخرج نحوه ~~أيضا عن ابن عمر وفي الصحيحين من حديث ابن عمر "من حمل علينا السلاح فليس ~~منا" وأخرجاه أيضا من حديث أبي موسى وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وسلمة ~~بن الأكوع والأحاديث في هذا الباب لا يتسع المقام لبسطها وقد ذهب إلى ما ~~ذكرناه جمهور أهل العلم وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الخروج على الظلمة أو ~~وجوبه تمسكا بأحاديث الأمر بالمعروف # PageV02P363 # والنهي عن المنكر وهي أعم مطلقا من أحاديث الباب ولا تعارض بين عام وخاص ~~ويحمل ما وقع من جماعة أفاضل السلف على اجتهاد منهم وهو أتقى لله وأطوع ~~لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ممن جاء بعدهم من أهل العلم قال في الحجة ~~البالغة: ثم إن استولى من لم يجمع الشروط لا ينبغي أن يبادر إلى المخالفة ~~لأن خلعه لا يتصور غالبا إلا بحروب ومضايقات وفيها من المفسدة أشد مما يرجى ~~من المصلحة وبالجملة فإذا كفر الخليفة بإنكار ضروري من ضروريات الدين حل ~~قتاله بل وجب وإلا لا وذلك حينئذ فاتت مصلحة نصبه بل يخاف مفسدته على القوم ~~فكان قتاله من الجهاد في سبيل الله انتهى "ويجب الصبر على جورهم" لما تقدم ~~من الأحاديث وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا ~~فمات فميتته جاهلية" وفيها من حديث أبي هريرة مرفوعا "أعطوهم حقهم فإن الله ~~سائلهم عما استرعاهم" وأخرج أحمد من حديث أبي ذر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "يا أبا ذر كيف بك عند ولاة ms718 يستأثرون عليكم بهذا الفيء قال ~~والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي وأضرب حتى ألحقك قال: أولا أدلك على ~~ما هو خير لك من ذلك تصبر حتى تلحقني" وفي الباب أحاديث كثيرة "وبذل ~~النصحية لهم" لما ثبت في الصحيح من أن "الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة ~~المسلمين" من حديث تميم الداري بهذا اللفظ والأحاديث الواردة في مطلق ~~النصيحة متواترة وأحق الناس بها الا "وعليهم" أي على الأئمة "الذب عن ~~المسلمين وكف يد الظالم وحفظ ثغورهم وتدبيرهم بالشرع في الأبدان والأديان ~~والأموال وتفريق أموال الله في مصارفها وعدم الاستئثار بما فوق الكفاية ~~بالمعروف والمبالغة في إصلاح السيرة والسريرة" وذلك معلوم من أدلة الكتابة ~~والسنة التي لا يتسع المقام لبسطها ولا خلاف في وجوبها جميعا على الإمام ~~وهذه الأمور هي التي شرع الله تعالى نصب الأئمة لها فمن أخل من الأئمة ~~والسلاطين بشئ منها فهو غير مجتهد لرعيته ولا ناصح لهم بل غاش خائن وقد ثبت ~~في الصحيحين وغيرهما من حديث معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش ~~لرعيته إلى حرم الله عليه الجنة" وفي لفظ لمسلم "ما من أمير يلي أمور ~~المسلمين # PageV02P364 # ثم لا يجتهد لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل الجنة" وأخرج مسلم وغيره من ~~حديث عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "اللهم من ولي من ~~أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به" وبالجملة فعلى الإمام والسلطان أن يقتدي ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالخلفاء الراشدين في جميع ما يأتي ويذر ~~فإنه إن فعل ذلك كان له ما لأئمة العدل من الترغيبات الثابتة في الكتاب ~~والسنة وحاصلها الفوز بنعيم الدنيا والآخرة وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي ~~بنعمته تتم الصالحات. # "تم والحمد لله رب العالمين الجزء الثاني من الروضة الندية شرح الدرر ~~البهية للصديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي البخاري ملك بهو بال وبه ~~ينتهي الكتاب. PageV02P365 ms719